الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




حاشية المكاسب، القديمة - الشيخ الأصفهاني

حاشية المكاسب، القديمة

الشيخ الأصفهاني


[ 1 ]

حاشية كتاب المكاسب القديمة تأليف سماحة اية الله العظمى المحقق الفقيه الشيخ محمد حسين الاصفهانى المتوفى سنة 1361 ه‍ تحقيق الشيخ عباس محمد آل سباع القطيفي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الميامين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. بعد أن تم الجزء الخامس، بقي مقدار من مما هو مربوط بمباحثه، وهو ليس من هذه الحاشية المعروفة، وإنما هو حاشية أسبق من هذه الحاشية بيد المؤلف، ولاتمام الفائدة أردنا إلحاقها وإن كانت مشتملة فقط على مبحثين وهو بحث الشروط وما بعده، ولكن لا تخلو من فوائد لمن لاحظها. والامر الاخر قد أشرنا فيما سبق إلى أنه سوف نلحق بهذا الجزء رسالة له، وهي رسالة في أخذ الاجرة على الواجبات، ولكن عند الاخراج وبعد إضافة هذه الحاشية تبين أن المجلد يكون أكبر من المتعارف، فلذا سوف تطبع تلك الرسالة مستقلة، ولله الحمد أولا وآخرا. عباس محمد آل سباع 5 / 9 / 1419 ه‍.

[ 7 ]

الشروط

[ 9 ]

الشروط تعريف الشرط - قوله (رحمه الله): (وفي القاموس انه الزام الشئ والتزامه.... الخ) (1). كونه الزاما والتزاما باعتبار الشرط على الغير وعلى نفسه، ولو جعل بمعنى الالزام فقط كان اولى، بداهة أنه ليس بناء على هذا المعنى الحدثي مشتركا لفظيا بين الالزام والالتزام، غاية الامر أن الزام الشئ تارة على الغير واخرى على النفس، والمراد بالالزام ليس جعل الشئ واجبا، إذ الوجوب الشرعي أو العرفي ليس الا بيد الشارع أو المولى العرفي، وليس امرا يتسبب إليه بصيغ الشرط كسائر الامور النسبية من الملكية والزوجية وغيرهما، بل المراد هو اللزوم الوضعي وهو جعل الشئ بحيث لا ينفك عن رقبة الشخص، وبهذا الاعتبار كان التكاليف الالزامية الزاما من حيث تعلقها برقاب المكلفين بحيث لا تنفك عنها الا بادائها والعمل على طبقها. والمظنون قويا كون الشرط الذي هو المبدء للمشتقات منه بمعنى العهدة، فيتسبب بصيغة أو بغيرها الى اثبات عهدة الفعل والترك على نفسه أو غيره، والالزام والالتزام لازم اثبات العهدة، وقد نقل كونه بهذا المعنى عن بعض كتب اللغة، ويؤيده ما روى عن الاصبغ بن نباتة وقد سئل عن وجه تسميته واصحابه بشرطة الخميس


(1) كتاب المكاسب 275 سطر 21.

[ 10 ]

حيث قال: (لانا قد ضمنا له الذبح أو الفتح) (1) كما في مجمع البحرين (2)، فراجع. - قوله (رحمه الله): (لكن لا اشكال في صحته لوقوعه... الخ) (3). يمكن الجواب عن بعض هذه الاطلاقات مثل قوله (شرطه اوثق، وشرط الله قبل شرطكم) (4) بأنه من باب المجاز للمشاكلة كقوله تعالى: * (ومن اعتدى عليكم فاعتدوا) * (5) مع أن ما نحن فيه اولى بذلك لكمال المنافرة بين الظلم والمجازاة بحق، بخلاف الالتزام الابتدائي والضمني لاشتراكهما في حقيقة الالتزام، وهذا الوجه غير جار في مثل الشرط في الحيوان ونحوه بتوهم انه الزام من الله تعالى في البيع، فان البيع مورد للحكم، لا ان حقيقة الالتزام واقعة في ضمنه كما لا يخفى. فمثل هذا الخبر وما دل على اطلاق الشرط على البيع وما ورد في قوله (عليه السلام): (بعد ان شرطت عليهم الزهد) (6) في دعاء الندبة وقوله (عليه السلام): (واوجب لي محبتك كما شرطت) (7) وقوله (عليه السلام): (وشرطي لك الا اعود.... الخ) (8) وامثال ذلك كاف في الدلالة على وقوع الشرط بمعنى الالزام المطلق، ومجرد وقوع الشرط في ضمن التوبة ونحو ذلك لا يخرجه عن الابتدائية بالمعنى الذي هو محل الكلام. نعم ربما يدعى ان الشرط لم يطلق بما له من المعنى على البيع بل بمعنى آخر، فلا دلالة على كونه التزاما مطلقا، لان البيع يتعلق بالاعيان، ومقولة الالتزام تحتاج في تعلقها بها الى مقولة اخرى كالالتزام بفعل أو بنتيجة، فلا يعقل ان يكون الشرط بمعنى الالتزام صادقا على البيع. ويمكن دفعه بان البيع وان لم يكن بمضمونه الزاما والتزاما لكنه واقع موقع العهد والالتزام من المتبايعين، وبهذا الاعتبار تكون العقود عهودا، والا فتفسير مضامين العقود لا تتضمن عهدا، بل تسبيبات الى الملكية والزوجية ونحوهما، ولابد من


(1) بحار الانوار 42: 180، رواية 37 وفيه (انا ضمنا له الذبح وضمن لنا الفتح). (2) مجمع البحرين 4: 257. (3) كتاب المكاسب 275 سطر 21. (4) مستدرك الوسائل 13: 300، رواية 15419، وفيه (شرطه آكد). (5) البقرة الآية: 194. (6) بحار الانوار 102: 104. (7) الصحيفة السجادية 156. دعاء التوبة. (8) الصحيفة السجادية 156. دعاء التوبة.

[ 11 ]

الالتزام بما ذكرنا والا فلا معنى للوفاء بالعقد، ضرورة ان العقد بمفهومه وبمصداقه لا يصح انتساب الوفاء إليه، إذ العقد هو الربط المطلق أو الموثق، ومن المستهجن جدا ان يقال أوف بربطك أو بايجاد الملكية أو الزوجية، بل الوفاء بعنوانه ينسب الى العهد والالتزام ونحوهما، ولعل تفسير العقود في الآية المباركة بالعهود (1) لبيان هذه النكتة فلا تغفل. - قوله (رحمه الله): (بان اطلاق الشرط على البيع كثير)... الخ (2). دعوى الكثرة على عهدة مدعيها، وما وجدته وظفرت به من موارد اطلاقه على البيع ما رواه محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام): (قال (عليه السلام) قال امير المؤمنين (عليه السلام): من اشترى طعاما أو علفا الى أجل فلم يجد صاحبه وليس شرطه الا الورق، وإن قال خذ مني بسعر اليوم ورقا فلا يأخذ الا شرطه طعامه أو علفه، فان لم يجد شرطه وأخذ ورقا لا محالة قبل ان يأخذ شرطه فلا يأخذ الا راس ماله... الخبر) (3) فان المراد من الشرط في تمام فقرات الخبر هو المبيع من الشرط بمعنى المشروط، ويحتمل إرادة هذا المعنى أيضا في عدة روايات: منها: (عن الرجل يسلم في وصفاء باسنان معلومة ولون معلوم، ثم يعطى دون شرطه أو فوقه الخبر) (4) وإن امكن اطلاق الشرط على التوصيف بالاسنان واللون، والظاهر أن اطلاقه على البيع في خبر محمد بن قيس ايضا بلحاظ أن السلف نوع تعهد فله خصوصية من بين سائر اقسام البيع، لكنه لا ينافي الدلالة على ما نحن بصدده من اطلاقه على امر غير ضمني. وقد اطلق على الاجارة في عدة روايات منها: كتب محمد بن الحسن عن ابي محمد (عليه السلام) (رجل استأجر أجيرا يعمل له بناء أو غيره وجعل يعطيه طعاما وقطنا وغير ذلك، ثم تغير الطعام والقطن عن سعره الذي كان أعطاه الى نقصان أو الى زيادة


(1) وسائل الشيعة باب 25 من ابواب النذر والعهد، ح 3. (2) كتاب المكاسب 275 سطر 24. (3) وسائل الشيعة، باب 11 من ابواب السلف، 15. (4) وسائل الشيعة، باب 9 من ابواب السلف، ح 1.

[ 12 ]

أيحتسب له بسعر يوم أعطاه أو بسعر يوم حاسبه؟ فوقع (عليه السلام) يحتسب له بسعر يوم شارطه فيه أن شاء... الخبر) (1) فان يوم الاجارة هو يوم المشارطة، وهذا الاطلاق ايضا لعله بلحاظ أن الاجارة للعمل نوع تعهد له. - قوله (رحمه الله): (فما تقدم من الخبر الذي اطلق فيه الشرط)... الخ (2). هو خبر منصور بن يونس الآتي (3) في الشرط الرابع، الا انه لا ظهور له في وقوع الشرط لا في ضمن الزواج، فتدبر. - قوله (رحمه الله): (وهو بهذا الاعتبار اسم جامد لا مصدر)... الخ (4). فانه على الفرض موضوع لما هو بالحمل الشائع يلزم من عدمه العدم، والاشتقاق المعنوي عبارة عن طرو النسب على المبدء، وقبول المبدء لطرو النسب لا يكون الا في المعاني التي لها بالاصل أو بالعوض جهة حركة من العدم الى الوجود، دون الاعيان الخارجية التي لا قيام لها بشئ ولا حركة لها من العدم الى الوجود وإن كان لها العدم والوجود. وربما يرجع هذا المعنى الى الاول بدعوى ان الشرط على هذا المعنى مصدر بمعنى التقييد، واطلاقه على نفس القيد - وهو الذي يلزم من عدمه العدم - من باب اطلاق الخلق وارادة المخلوق، والتقييد نوع من الجعل والتقرر، غاية الامر ان الحاكم به قد يكون هو الشارع، وقد يكون هو العقل أو العرف، فيكون الشرط شرعيا أو عقليا أو عرفيا، وعليه فالشرط بمعنى مطلق الجعل، وهو قد يكون الزاما والتزاما، وقد يكون تقييدا. وفيه: ان شأن العقل في الشروط العقلية مجرد ادراك التوقف، ولا حكم ولا انشاء ولا جعل له كي يجعل الشرط العقلي جعلا للقيد من العقل، مضافا الى أن الشرط


(1) وسائل الشيعة، باب 26 من ابواب احكام العقود، ح 4. (2) كتاب المكاسب 275 سطر 25. (3) وسائل الشيعة، باب 26 من أبواب احكام العقود، ح 4. (4) كتاب المكاسب 275 سطر 28.

[ 13 ]

ليس مطلق الجعل، ولا جامع آخر بين الالزام والتقييد. - قوله (رحمه الله): (ولذا ليسا بمتضائفين في الفعل والانفعال... الخ) (1). فان مضائف الفاعل هو المفعول، فلابد من التضائف بين الشارط والمشروط المفعولي، مع أن الصلاة مثلا هي المشروط دون الطهارة. وقد يرد بأن الطهارة هي المشروط والصلاة مشروط فيها فالتضائف على حاله. وفيه: ان المشروط انما يطلق على نفس الشرط إذا كان الجعل جعلا بسيطا، فان الشارط بمعنى جاعل الشرط، والمجعول بهذا الجعل نفس الشرط، لكنه من الواضح ان الجعل المأخوذ في الشارط هو الجعل التأليفي التشريعي، فمعنى الشارط جاعل الشئ شرطا في شئ، ومضائف هذا المعنى ليس هو المجعول بل المجعول فيه وهو المشروط كالصلاة مثلا، فالايراد مندفع، والتضائف ثابت ايضا بين الشارط والمشروط بهذا المعنى. - قوله (رحمه الله): (فيحتمل ان يراد به ما قرره الشارع... الخ) (2). يحتمل ان يراد به ما ذكرناه في معنى الشرط اعني العهدة كما في الخبر (عهدة البيع في الرقيق ثلاثة ايام) (3). شروط صحة الشرط الاول: ان يكون مقدورا - قوله (رحمه الله): (مما لا ترتكبه العقلاء... الخ) (4). بل يستحيل ارتكابه لاستحالة علته، وهي الارادة الجدية، فان حقيقة الالتزام بالحمل الشائع لا تتحقق الا إذا كانت عن جد، وجد الالتزام بشئ من الالتفات الى استحالته مستحيل، لان من عادي الارادة الجدية الحزم، وحيث لا حزم فلا قصد جدا.


(1) كتاب المكاسب 275 سطر 29. (2) كتاب المكاسب 276 سطر 2. (3) وسائل الشيعة، باب 3 من ابواب الخيار، ح 7. (4) كتاب المكاسب 276 سطر 8.

[ 14 ]

- قوله (رحمه الله): (فيلزم الغرر في العقد... الخ) (1). لا يخفى عليك ان القدرة وعدمها امر واقعي، والغرر والوثوق أمر وجداني، وتعليل الامور الواقعية بالامور الوجدانية عليل، فربما يكون التسليم مقدورا عليه واقعا ولا علم ولا وثوق به فيجئ الغرر، وربما يوثق بالقدرة على تسليمه، ولا قدرة واقعا، مع انه على فرض صحته لا مجال لتدوين هذا الشرط فانه من مصاديق الغرر المبحوث عنه في الشرط السادس. - قوله (رحمه الله): (للفرق بينهما بعد الاجماع بان التزام وجود الصفة... الخ) (2). حاصله: أن المانع هو الغرر وهو مندفع في الوصف الحالي بالالتزام به الراجع الى توصيف المبيع به فعلا، بخلاف الاستقبالي فانه لا بناء على وجوده كي يرجع الى التوصيف فيرتفع به الغرر. ويندفع: بان المانع لو كان هو الغرر فربما لا وثوق بثبوت الوصف الحالي فالغرر ثابت، وربما يوثق بتحقق الأمر الاستقبالي فلا غرر، ومجرد البناء ولو بمعنى التوصيف إذا كان الوصف مجهولا لا يرفع الغرر والخطر، فان الوثوق من الامور الوجدانية التابع تحققها لاسبابها، وتوصيف الشخص وبنائه على ثبوت امر مجهول التحقق لا يكون سببا لوثوقه، هذا مع انه غفلة عما بنى (قدس سره) عليه في باب خيار الرؤية من كون الوصف رافعا للغرر، لرجوعه الى التعهد والالتزام بالصفة، فافهم واستقم. - قوله (رحمه الله): (ومن افراد غير المقدور ما لو اشترط حصول غاية... الخ) (3). ربما يدعى البطلان من جهة المخالفة للكتاب والسنة دون عدم القدرة، لان المشروط وهو الانعتاق مثلا مما يمكن للمتعاقدين الالتزام به، غاية الامر انه غير ممضى شرعا لاناطته شرعا بسبب خاص. وفيه: ان التسبيبات الشرعية والعرفية تسبيبات الى امور اعتبارية في نظر الشارع أو


(1) كتاب المكاسب 276 سطر 18. (2) كتاب المكاسب 276 سطر 20. (3) كتاب المكاسب 276، سطر 31.

[ 15 ]

العرف، بمعنى ان البائع بقوله بعت يتسبب الى حصول اعتبار الشارع أو العرف للملكية على ما تحقق عندنا من عدم واقعية للملكية الشرعية الا اعتبارها من الشارع أو العرف، ومن الواضح ان كل اعتبار امر مباشري للمعتبر وتسببي من غيره، فلا يعقل التسبب الى اعتبار معتبر الا بما جعله سببا ووسيلة الى تحصيله، ومن الواضح ايضا ان نفوذ هذه المسببات الشرعية والعرفية لازم وجودها، فالالتزام بالانعتاق الذي هو نحو من الاعتبار إن كان بلحاظ حصوله في نظر الشارع فلا محالة لا يتحقق الا بسببه، ونفوذه لازم وجوده، فلا يعقل حصوله في نظره وعدم كونه نافذا في نظره، وإن كان بلحاظ حصوله في نظر الملتزم فمن البين ان اعتبار الشخص غير موقوف على انشاء وتسبب منه. ومما ذكرنا اتضح ان المسبب إذا كان منوطا بسبب خاص فتحصيله بغير طريقه وسبيله محال، فالالتزام ايضا محال، ولا ينبغي عده من افراد الغير المقدور المبحوث عنه، بل هو كالذي أفاد في أول البحث وصرح بخروجه عن مطارح انظار الفقهاء. نعم بناء على ما يراه (قدس سره) من كون البيع وما بمعناه من قبيل الايجاب والوجوب دون الكسر والانكسار لم يرد عليه شئ، وعليه فوجه دخوله في ما نحن فيه دون مخالفة الكتاب تمحض شرط مخالفة الكتاب في المخالفة للكتاب، وما نحن فيه باطل وان لم يكن الشرط المخالف للكتاب باطلا. الثاني: ان يكون سائغا - قوله (رحمه الله): (الثاني ان يكون الشرط سائغا في نفسه... الخ) (1). وجه تدوينه مستقلا مع اندراجه تحت الشرط الرابع هو ما أشار (قدس سره) إليه من عدم نفوذ الالتزام بالمحرم، فان لزوم الالتزام مع بقاء المحرم على حرمته محال وإن لم يكن هناك استثناء الشرط المخالف للكتاب، نظير الاجارة على المحرم فانها غير نافذة مع عدم مثل هذا الاستثناء فيها، نعم هذا الاشتراط مبني على عدم كون الشرط


(1) كتاب المكاسب 276 سطر 34.

[ 16 ]

من العناوين المغيرة للعنوان كالاجارة، والا فلا يتم الامر الا بلحاظ الاستثناء فلا يبقى مورد لتدوين هذا الشرط على حده، فلا تغفل. الثالث: ان يكون فيه غرض معتد به - قوله (رحمه الله): (الثالث ان يكون مما فيه غرض معتد به... الخ) (1). لا يخفي ان مورد الكلام ما إذا كان الغرض الداعي الى الالتزام الجدي موجودا، غاية الامر انه غير عقلائي، والا فلا التزام جدا كي يكون صحيحا أو فاسدا، وليس الوجه في اشتراط الغرض العقلائي انه حيث يكون لغوا لا يترتب عليه الخيار، فانه من جهة تخلف الغرض، ومثله لا يعبأ بتخلفه، فان عدم ترتب الخيار لا يلازم الفساد، لان الخيار حكم الشرط الصحيح، لا انه مصحح الشرط كما هو واضح. بل الوجه فيه ان حقيقة العهدة اعتبار من الشارع والعقلاء، ونفوذ الشرط عبارة عن تحقق هذا الاعتبار، وكما ان الشارع والعقلاء لا يعتبرون ملكية مالا منفعة فيه كذلك لا يعتبرون عهدة اللغو ومالا غرض فيه بنظرهم، ومع قطع النظر عما ذكرنا نقول ان الامر بالوفاء بالشرط امتنان على الشارط ولا امتنان في امضاء الالتزام باللغو والوفاء به، ومنه انقدح ما في الاستدلال بعموم المؤمنون عند شروطهم. - قوله (رحمه الله): (ومن ان الاسلام يعلو ولا يعلى عليه... الخ) (2). إن كان اشتراط كون العبد كافرا لاغراض لا توجد في المسلم كالاستغراق في الخدمة، فهو في الحقيقة ترجيح للمستغرق في الخدمة على غيره، لا للكافر من حيث انه كافر على المسلم، وإن كان المسلم والكافر مشتركين في جميع المنافع والمصالح ولم يكن للكفر غرض عقلائي يرجع الى المشترط فحينئذ يلغو الاشتراط وإن لم يمنع مانع عن اعلاء الكفر على الاسلام، وهذا هو الفارق بين اشتراء الكافر واشتراط كفر العبد في هذه الصورة.


(1) كتاب المكاسب 277 سطر 1. (2) كتاب المكاسب 277 سطر 6.

[ 17 ]

الرابع: ان لا يكون مخالفا للكتاب والسنة - قوله (رحمه الله): (ثم ان الظاهر ان المراد بكتاب الله... الخ) (1). هذا الاستظهار لعله بملاحظة استفادة الولاء لمن اعتق من الكتاب، مع انه ليس في الكتاب منه أثر، وانما هو مستفاد من السنة، ويندفع بان الظاهر من كتاب الله هو ما بين الدفتين، واستفادة الولاء للمعتق منه لايمنع منه، حيث إن القرآن كما يستفاد من الاخبار مشتمل على جميع الاحكام والعلوم والمعارف وان عجز عن استفادة جلها منه غير الراسخين في العلم، وحينئذ يسهل الخطب في الاقتصار على الكتاب تارة والاقتران مع السنة اخرى، إذ كذلك ما ثبت في السنة فهو ثابت في الكتاب ونسبة السنة إليه نسبة المفسر والشارح. ويؤيد ما ذكرنا ظاهر النبوي (2) وصحيحة ابن سنان (3) المشتمل احدهما على ان ما ليس في كتاب الله فهو باطل، والاخر على ان الصحيح ما يوافق كتاب الله الدال بمفهومه على عدم نفوذ مالا يوافقه، وكلا الخبرين لا يناسبان ارادة الكتاب بالمعنى الذي افاده (رحمه الله)، لان العدم وعدم الموافقة صادقان بعدم الوجود في الكتاب، مع ان ما كتب الله على عباده لا يخلو عن حكم كل شئ نفيا أو اثباتا، نعم التحقيق رجوع كلتي الفقرتين الى مالا ينافي ما افاد، للزوم ارتكاب خلاف الظاهر فيهما، فانتظر. - قوله (رحمه الله): (لكن ظاهر النبوي واحدي... الخ) (4). هذا استدراك من دعوى ظهور الكتاب فيما كتب الله على عباده، وقد مر بيانه آنفا. نعم التحقيق اما في قوله (كل شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل) (5) فهو كناية عن عدم ثبوت الشرط كما شرط في الكتاب لا عدمه نفيا واثباتا، وهذه العبارة متعارفة في مقام ابطال شئ بانه ليس في كتاب علي (عليه السلام)، ويؤيده تفريعه (صلى الله عليه وآله) على ذلك بقوله (صلى الله عليه وآله): (قضاء الله أحق وشرطه أوثق) فان المستفاد من هذا التفريع ثبوت


(1) كتاب المكاسب 277 سطر 21. (2) وسائل الشيعة، باب 8 من ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، ح 7. (3) وسائل الشيعة، باب 1 من ابواب الخيار، ح 1. (4) كتاب المكاسب 277 سطر 22. (5) عوالي اللآلئ 3: 219 رواية 91.

[ 18 ]

نص منه تعالى وقضاء وشرط منه في الكتاب على خلافه حتى يكون أحق وأوثق، والا فلا ربط لهذا التفريع بالكلية المتقدمة الدالة على بطلان مالا أثر له في كتاب الله ولو نفيا واثباتا. وأما في قوله (المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله) (1) فهو أيضا تفريع وتطبيق على صدر الرواية، حيث قال (عليه السلام) (من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عزوجل فلا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم... الخ) لا أن الباطل أحد أمرين ما يخالف كتاب الله كما في الصدر، ومالا يوافقه كما في الذيل بمفهومه، فيستفاد منه أن المورد صورة تعرض الكتاب للشئ نفيا واثباتا، فلا واسطة بين المخالفة والموافقة، مع أن المسلم هو صدق عدم الوصف بعدم موصوفه عقلا لكونه عدما، لا الصدق عرفا فان الظاهر من قوله ما لا يوافق كتاب الله باطل هو الفراغ عن وجود الطرفين وان كان عدم الموافقة يثبت عقلا ولو بعدم الطرفين، مع ان هذا العنوان الملازم عقلا لما ذكر انما هو بالمفهوم، والمفهوم تابع للمنطوق، ولا يلاحظ لوازمه التي تلازمه لو كان منطوقا به كما لا يخفى، ولا شبهة في لزوم الفراغ عن تعرض الكتاب وثبوته في المورد في طرف الموافق المنطوق به في الخبر. - قوله (رحمه الله): (ولا يبعد ان يراد بالموافقة عدم المخالفة... الخ) (2). هذا جواب عما استدركه آنفا، وليس غرضه ان المراد من قوله (ما وافق كتاب الله) مالا يخالفه كي يناقش في تعليله الصريح في بقاء الموافقة على معناها وعدم رجوعها الى عدم المخالفة، بل غرضه عدم انفكاك احدهما عن الآخر نفيا واثباتا، إذ لو اريد من الموافقة موافقة الشرط ولو لعمومات الكتاب فلا محالة ينحصر غير الموافق في المخالف لخصوص حكم ثابت، والا كان موافقا للعمومات الموجودة في الكتاب، فلا يوجد شرط يصدق عليه انه غير موافق بطرد السالبة بانتفاء الموضوع، فان المفروض وجود العمومات المصححة للموافقة لولا المخالفة من


(1) وسائل الشيعة، باب 6 من ابواب الخيار، ح 1. (2) كتاب المكاسب 277 سطر 23.

[ 19 ]

جهة خصوص حكم، وعليه فلا واسطة بين الموافقة والمخالفة، فتدبر. - قوله (قدس سره): (ثم ان المتصف بمخالفة الكتاب اما نفس المشروط... الخ) (1). لا يخفى عليك ان مقتضى اعترافه (رحمه الله) أخيرا بخروج الالتزام بالمباح فعلا وتركا عن الشرط المخالف، وانحصار مصداقه في الالتزام بفعل الحرام أو ترك الواجب فلا يبقى ثمرة عملية لهذا الترديد والتشقيق، إذ اتصاف الالتزام بالمخالفة من ناحية الملتزم به، وهو على الفرض منحصر في فعل الحرام وترك الواجب، فلا فرق بين نسبة المخالفة الى الملتزم به أو الى الالتزام به، نعم نسبتها الى الملتزم به خلاف ظاهر لفظ الشرط بارادة المشروط أو ظاهر الاستثناء من الشرط، كما أن نسبة المخالفة الى الالتزام خلاف ظاهر الاسناد، فان المتصف بها في الحقيقة على حسب اعترافه (رحمه الله) نفس الملتزم به، وتوصيف الالتزام به من باب وصف الشئ بحال متعلقه. واما لو قلنا بصحة الالتزام ولو في المباح بالمخالفة - كما سيجئ (2) ان شاء تعالى - فللترديد ثمرة عملية، إذ بناء على توصيف الملتزم به بالمخالفة لا دلالة لهذه الاخبار على عدم نفوذ الالتزام بالمباح، إذ لا مخالفة للملتزم به للكتاب، وبناء على توصيف الالتزام بها يعم جميع اقسام الشرط، غاية الامر ان الالتزام يتصف بالمخالفة في المباح بنفسه وفي غيره من ناحية الملتزم به. والتحقيق: ان الاخبار التي وقع فيها استثناء الشرط المخالف للكتاب والتي وقع استثناء الشرط المحلل والمحرم فيها بصدد امر واحد ومطلب فارد، وانما التفاوت بينهما بالاجمال والتفصيل، ولا شبهة في ان المتصف بالمحلل والمحرم نفس الشرط دون المشروط، إذ فعل الحرام حرام لا محلل للحرام، وترك المباح ترك المباح لا انه محرم للحلال، لكن لما دل الدليل على حرمة شرب الخمر فالالتزام بشربه تحليل للحرام، لان الشارط بصدد تحليله بشرطه، وكذلك الدليل لما دل على كون التسري مثلا حلالا فعليا حتى بلحاظ الشرط فالالتزام بتركه تحريم له، لان الشارط بصدد تحريمه على نفسه بشرطه، وبهذا الوجه يتصف الالتزام بالمخالفة


(1) كتاب المكاسب 277 سطر 24. (2) تعليقة 22.

[ 20 ]

للدليل لا بلحاظ متعلقه، إذ التحريم مخالف للتحليل كالعكس، فالالتزام المحرم للحلال مخالف لما دل على حليته حتى بلحاظ الشرط، والالتزام المحلل للحرام مخالف لما دل على تحريمه. - قوله (رحمه الله): (فينحصر المراد في المعنى الاول... الخ) (1). لعل دعوى الانحصار بتخيل ان هذا الترديد لاجل فائدة عملية وهي شمول الاخبار لجميع اقسام الشرط على المعنى الثاني دون الاول، وبعد عدم كون التزام ترك المباح كنفس الملتزم به مخالفا للكتاب لا وجه للالتزام بتوصيف الالتزام بالمخالفة مع كونه خلاف الظاهر، لكونه من باب وصف الشئ بحال متعلقه. وجوابه حينئذ معارضة هذه المخالفة للظهور بمخالفة ظهور الشرط في المعنى المصدري، وصرفه الى المعنى المفعولي على المعنى الاول، هكذا ينبغي تحقيق المقام. - قوله (رحمه الله): (الا ان التزامه فعل الحرام... الخ) (2). الوجه فيه واضح، حيث إن الالتزام بمخالف الكتاب مخالف للكتاب لا من حيث نفسه، بل من حيث الملتزم به، بخلاف الالتزام بترك المباح فان الملتزم به لا يخالف الكتاب حتى يكون التزامه مخالفا له، وعليه فهذه الروايات لاتعم جميع اقسام الشرط، وقد عرفت آنفا معنى مخالفة الشرط للكتاب وانها باعتبار نفس الشرط دائما، فراجع (3). - قوله (رحمه الله): (مع ان الرواية المتقدمة... الخ) (4). بعد ما التزم بعدم مخالفة الالتزام والملتزم به في المباح للكتاب كيف يقول بظاهر الرواية؟! وهذه الرواية شاهدة لما ذكرنا في معنى المخالفة لا لما اعترف به أخيرا، فتدبر.


(1) كتاب المكاسب 277 سطر 27. (2) كتاب المكاسب 277 سطر 28. (3) تعليقة 18. (4) كتاب المكاسب 277 سطر 28.

[ 21 ]

- قوله (رحمه الله): (توضيح ذلك ان حكم الموضوع قد يثبت له من حيث نفسه... الخ) (1). تفصيل القول في المقام بالبحث في مقامي الثبوت والاثبات: اما مقام الثبوت فتحقيقه: ان الشئ ربما يكون ذا مصلحة ملزمة أو غير ملزمة أو ذا مفسدة كذلك فيكون واجبا أو مندوبا أو حراما أو مكروها، وربما يخلو عن كل ذلك فيكون مباحا، فالأحكام الأربعة الأولى بلحاظ طبائع موضوعاتها احكام اقتضائية، والاباحة من حيث طبع موضوعها لا اقتضاء، ومن البين ان المصالح والمفاسد من حيث طبع موضوعها مقتضيات للأحكام، وانما تتصف بالعلية إذا لم يمنع عنها مانع، اما لبقاء الشئ على طبعه وعنوانه الاولي، أو لقوة مقتضية بحيث لا يزاحمه مقتضي العنوان الطارئ، واما المباح فحيث انه خال عن جميع المقتضيات - اعني المصالح والمفاسد - فنفس خلوه عنها منشأ لترخيص الشارع، إذ كما ان السنة الربانية والرحمة الرحمانية جرت على الايجاب والتحريم والاستحباب والكراهة ارشادا للعباد الى ما فيه الصلاح والفساد كذلك جرت على الترخيص فيما يخلو عن كذلك ذلك لئلا يكونوا في ضيق منه، وحيث ان الاباحة منشائها اللا اقتضائية فمجرد وجود المقتضي القائم بالعنوان الطارئ ينقلب الحكم الى ما يناسب المقتضي من غير مزاحمة اصلا. نعم قد يكون ابقاء الاباحة حتى مع العنوان الطارئ ذا مصلحة أقوى من مصلحة العنوان الطارئ أو مفسدته كما في التسري على المعروف، فان هذه الاباحة التي لا تزول بالشرط لا يعقل ان تكون ناشئة عن لا اقتضائية الموضوع، والا لما عارضت العنوان الطارئ، بداهة ان العدم لا يزاحم الوجود، بل النقيض ينقلب الى النقيض بمجرد عروضه عليه. وعلى ما ذكرنا فجميع الاحكام الخمسة على قسمين: لانها اما ان تكون مرتبة على موضوعاتها بطبعه وعنوانه مع ملاحظة تجرده عن سائر العناوين لا مع قطع


(1) كتاب المكاسب 277 سطر 33.

[ 22 ]

النظر عنها في كلامه (رحمه الله)، فانه لا اهمال في الواقع، فالحكم حينئذ في مورد خلوه عن العناوين الطارية فعلي لعدم المزاحم، ومع عروضها حكم اقتضائي ملاكي جهتي حيثيتي لوجود ملاك الحكم ومقتضيه والجهة الباعثة الداعية الى الحكم دون حقيقة الحكم وروحه، إذ لا ثبوت للشئ بما هو شئ في قبال سائر الاشياء الا بعلته التامة دون مقتضيه فقط. واما ان تكون مرتبة على الموضوع وان طرء عليه ما طرء من العناوين ذات المصالح والمفاسد لمكان اقوائية مصلحة هذا الموضوع أو غلبة مفسدته، وهذا الحكم دائما فعلي تام الحكمية لتمامية علته. واما مقام الاثبات: فان كان دليل الحكم من قبيل الاول بان رتب الحكم على موضوعه بلحاظ طبعه وعنوانه مع ملاحظة تجرده عن سائر العناوين ذات المصالح والمفاسد فحينئذ لا تنافي بينه وبين نفوذ الشرط مثلا باطلاق دليله. وربما يتوهم: أن هذا المعنى من الحكم الكذائي لا ينافي اطلاق دليله للعناوين الطارية بان يكون الخمر مثلا من حيث نفسه حتى في صورة الشرط حراما. وهو مدفوع: بما سمعت آنفا من أن الثابت في صورة طرو الطواري حكم ملاكي اقتضائي لعدم معقولية اجتماع الحكمين خصوصا في العنوانين الطوليين، وقد عرفت ان الحكم الاقتضائي الملاكي ليس من حقيقة الحكم في شئ، فلا معنى لصرف الادلة المتكفلة للاحكام إليه. وإن كان دليل الحكم من قبيل الثاني بان كان باطلاقه مثبتا لحقيقة الحكم للشئ في جميع الحالات وإن عرضه ما عرض من العناوين فحينئذ يكون معارضا لدليل الشرط لولا الاستثناء، وحيث ان المقتضي في الطرفين موجود فلابد من احراز الاهمية وتقديم أقوى المقتضيين، والا فتقديم الدليل المتكفل للعنوان الثانوي، لان المفروض وإن كان اطلاق دليل العنوان الاولي الا انهما إذا القيا على العرف يرى الحكم المرتب على العنوان الاولي مرتبا عليه من حيث نفسه، فكأنهما مع الاجتماع يحدث لهما ظهور فيما ذكر، لكن نحن في سعة من هذه الغائلة فيما نحن فيه، لمكان

[ 23 ]

الاستثناء المعين لمورد نفوذ الشرط، وهو ما إذا لم يتعلق بحرام فعلي أو حلال فعلي ولو باطلاق دليله. فان قلت: ما الفرق بين الواجبات والمحرمات وبين المباحات، حيث ان الالتزام بترك الواجب وفعل الحرام لم ينفذ بدليله غالبا، بل لا يكاد يوجد، بخلاف المباحات فان الالتزام بها فعلا وتركا نافذ، بل لا يكاد يوجد خلافه الا في التسري على اشكال فيه، مع ان ادلة الاحكام ظاهرة في فعلية الاحكام، واطلاق ادلتها للعناوين على نهج واحد. قلت: الاباحة الناشئة عن طبائع موضوعاتها من باب اللااقتضاء، وكما أن اللااقتضاء في مقام الثبوت يستحيل بقاؤه على حاله مع تحقق المقتضي القائم بالعنوان الطارئ، لاستحالة بقاء النقيض مع طرو النقيض كذلك في مقام الاثبات لا يعقل اطلاق دليل مثل هذه الاباحة للعناوين المقتضية، بخلاف الواجبات والمحرمات فان وجود المتقضيين المتنافيين في التأثير معقول وواقع، واما الاباحة التي لاتزول فقد عرفت أن بقاءها من ناحية حكمة في نفسها لا في موضوعها، وهذه الاباحة لا دخل لها بالاباحة الناشئة عن طباع موضوعاتها ولا يدل عليها الأدلة المتكفلة للاباحات المتعارفة، فافهم واستقم. - قوله (رحمه الله): (لكن يبعده استشهاد الأمام لبطلان شرط الترك باباحة ذلك... الخ) (1). لا يخفى عليك أن رواية ابن مسلم (2) المتقدمة المتضمنة لشرط ترك التسري لا تعرض لها بشرط ترك التسري، ولا اشارة إليه في الجواب، إذ المذكور في السؤال هو الالتزام بترتب الطلاق على احد تلك الامور من التزويج عليها أو التسري عليها أو هجرها، وهذا الالتزام لو كان نافذا لم يكن محرما لتلك الامور، بل تلك باقية على ما هي عليها، غاية الامر أن نفوذ الشرط يقتضي وقوع الطلاق بفعل احد تلك الامور وعدمه عدمه. والاستدلال بالايات المذكورة في الرواية بملاحظة أن السائل بملاحظة نفوذ


(1) كتاب المكاسب 278 سطر 19. (2) وسائل الشيعة، باب 20 من ابواب المهور، ح 6.

[ 24 ]

شرطه كان متحرجا من فعل أحد تلك الامور لمكان وقوع الطلاق قهرا عليه، فلذا أفاد (عليه السلام) بان الشرط كالعدم، وانه إن شاء طلق وان شاء أمسك وتزوج وتسرى وهجرها لبقاء الامور المزبورة على اباحتها الثابتة بالآيات المذكورة، وعليه فلا منافاة اصلا بين هذه الرواية ورواية منصور بن يونس الآتية من دون حاجة الى الجمع وشاهد الجمع، فضلا عن كونه بعيدا كما أفيد. - قوله (رحمه الله): (انما الاشكال في تميز مصداق احدهما عن الاخر... الخ) (1). لا يخفى ان الشرط نوع من التعهد واثبات العهدة على النفس أو الغير، ومقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع انه كسائر المعاملات كالتعهد في الاجارة ليس عنوانا حسنا أو قبيحا يوجب تغير العناوين وانقلابها عما لها من العنوان الحسن والقبيح الى غيره، بل مقتضى الامتنان كما في سائر المعاملات انفاذ ما تعهده الانسان مما كان أمره بيده فعلا وتركا كالمباحات، دون الواجبات والمحرمات، وكالأمور التسبية التي ليس لها سبب خاص دون ما كان لها سبب خاص، والأحكام الشرعية مطلقا اما المباحات والامور السببية التي ليس لها سبب خاص فان مقتضى الامتنان انفاذها، حيث انه تعهدها وتسبب بتعهده الى حصولها. واما فعل المحرمات وترك الواجبات فكما لا يسوغه الاجارة كذا الشرط، بداهة انهما ليسا من العناوين المحسنة المسوغة لفعل الحرام وترك الواجب، ولا امتنان حينئذ في انفاذ التعهد، واما الامور التي لها سبب خاص فالتسبب بالشرط الى حصولها غير معقول لعدم امكان وجود المعلول بغير علته التامة. اما الاحكام الشرعية مطلقا تكليفية كانت أو وضعية فمن الواضح ان مبادئها بيد الشارع ولا قدرة للشارط عليها، فلا يعقل الالتزام والتعهد بوجودها، والظاهر كما سيظهر من مطاوي الاخبار الآثار فما سيأتي ان شاء تعالى عدم تخلف هذه الضابطة. - قوله (رحمه الله): (منها كون احد ابويه حر رقا فان مادل على... الخ) (2).


(1) كتاب المكاسب 278 سطر 15. (2) كتاب المكاسب 278 سطر 16.

[ 25 ]

ينبغي ان يعلم اولا ان شرط الرقية والحرية هل هو شرط الحكم الشرعي أو شرط اعتبار شرعي يمكن التسبب إليه بسبب؟ ولا يخفى عليك ان الرقية لا حقيقة لها الا الملكية، والحرية زوالها، وشرط الحرية في الامة المحللة بالنسبة الى ولدها صحيح واقع، وليس حقيقتها الا شرط سقوط الملك عن الملكية، إذ ولد الامة المحللة لولا الشرط نماء ملك لمولى الامة، فيدخل في ملك مالك الامة، وبالشرط يخرج عن ملكه، وحيث إن الوالد لا يملك ولده يكون حرا، وزوال صفة الملكية عين الحرية. واما حصول الرقية بالشرط فهو وان كان مرجعه الى شرط الملكية الا انه موقوف على قبول المورد للملكية وكون المتولد من حر ورق حرا بالذات أو رقا بالذات غير معلوم، وقياس المورد بالمتولد من الحر من حيث لا يعقل شرط رقيته مع الفارق، إذ لا تشبث للملكية به كي يعقل الشرط، بخلاف ما نحن فيه، والغرض ان مرد كون شرط الرقية راجعا الى شرط الملكية لا يسهل الخطب، بل يجب اولا احراز قبول المتعلق للملكية، ومقتضى اطلاق الاخبار كونه حرا، بل في بعضها لا يسترق الولد إذا كان احد ابويه حرا، فانه ناظر الى مرحلة السبب، فمقتضى الاستثناء في دليل الشرط عدم امكان تعلق الشرط به، وتمام الكلام في محله. - قوله (رحمه الله): (ومنها ارث المتمتع بها هل هو قابل... الخ) (1). اعلم ان الارث وإن كان تمليكا الهيا بالنسبة الى اشخاص خاصة عن اشخاص مخصوصين، وشرط ملكية مقدار كذا من المال بعد الموت معقول، الا انه ليس ارثا، بل الارث تمليك خاص محكوم باحكام (2) خاصة، وهو غير قابل للتسبب إليه بسبب شرطا كان أو غيره، والا جاز في غير ما نحن فيه، ومجرد تشريع ارث الزوجة في كتاب الله مع الاعتراف بعدم شموله لما نحن فيه والا لم يحتج الى الشرط لا يكون فارقا.


(1) كتاب المكاسب 278 سطر 18. (2) ما اثبناه هو الصحيح، وفي الاصل (محكوم ما خاصة).

[ 26 ]

وتوهم ان الارث جاء من قبل الزوجية دون الشرط فلا يكون مشرعا غريب جدا، إذ الشرط التزام جدي بارث المتمتع بها بنفس هذا الشرط والا فلا متعلق للشرط، فدعوى ان فائدة الشرط تحقق الموضوع وهو المتمتع بها حال الاشتراط غير معقولة، وتمام الكلام في محله، وسيأتي (1) الاشارة إليه في الشرط الخامس فانتظر. - قوله (رحمه الله): (ومنها انهم اتفقوا على جواز اشتراط الضمان... الخ) (2). لا يخفى عليك ان التسبب بالشرط الى الضمان منصوص في العارية، فمنه يعلم ان اتخاذ العين في العهدة بالشرط امر معقول، والا لا يكاد يصح التعبد به، فيبقى الكلام في الفرق بين العارية والاجارة، وجوابه الاجمالي هو ان القول بجواز الاشتراط في العارية لانه منصوص عليه فمنه يعلم ان عدم الضمان في العارية ليس على وجه لا يتغير بالشرط وفي الاجارة غير منصوص بالخصوص، وعموم (المؤمنون... الخ) لمكان الاستثناء لا يعارض ما دل على عدم الضمان في الاجارة، فسؤال الفرق انما يتجه إذا كان جواز الاشتراط في العارية بعموم دليل الشرط، وسيجئ تفصيل القول فيه في الشرط الخامس ان شاء. - قوله (رحمه الله): (بنى على اصالة عدم المخالفة... الخ) (3). توضيحه: ان عدم المخالفة قد يلاحظ بنحو العدم الرابط اعني مفاد ليس الناقصة فلا حالة سابقة، إذ لا زمان يقطع بعدم كون هذا الشرط مخالفا للكتاب، وقد تلاحظ بنحو العدم المحمولي - وهو مفاد ليس التامة - فله حينئذ الحالة السابقة المتيقنة، حيث ان المخالفة - وهي صفة قائمة بطرفيها من الكتاب والشرط - كانت معدومة في الازل فانقلب العدم الى الوجود بالاضافة الى ذات الطرفين، وانقلاب العدم بالاضافة الى عنوان المخالفة مشكوك، فيؤخذ باليقين السابق. فان قلت: عدم المخالفة كذلك وان كان قابلا للاستصحاب الا ان الفراغ عن حكم الخاص لازم، والفراغ عنه لا يكون الا بالفراغ عن عنوان موضوعه وجدانا أو تعبدا،


(1) تعليقة 41. (2) كتاب المكاسب 278 سطر 21. (3) كتاب المكاسب 278 سطر 28.

[ 27 ]

ومن الواضح ان عدم المخالفة بنحو الرابط والمحمولي ليس احدهما عين الاخر، وانما هما متلازمان عقلا، فاصالة عدم المخالفة بنحو العدم المحمولي لا يقتضي عدم كون الشرط مخالفا - وهو عنوان الخاص - الا بالملازمة العقلية، حيث ان اتصاف الشي بعنوان المخالف وعدمه بقيام مبدء المخالفة به وعدمه قطعا. قلت: نعم الفراغ عن حكم الخاص لازم لكنه لا يتوقف الفراغ عنه ونفيه على نفي عنوانه، بل ربما يتحقق الفراغ عنه بالمضادة بين حكمي العنوان الثابت بالوجدان والاصل وعنوان الخاص وتقريبه: ان المستثنى منه نفس عنوان الشرط باي عنوان كان، وقد خرج بالاستثناء أحد تلك العناوين، وهو الشرط المخالف، وبقي سائر العناوين تحت المستثنى منه، ومنها الشرط الذي لم يتحقق بينه وبين الكتاب مخالفة، وهذا العنوان مناقض لعنوان الخاص، وهو على الفرض محكوم بالنفوذ، وهو مضاد للفساد، فالحكم الذي يترتب على العنوان المحرز احد جزئيه بالوجدان والاخر بالاصل - اعني النفوذ والصحة - مترتب بلا واسطة، وهو بنفسه يوجب الفراغ عن حكم الخاص، لاستحالة اجتماع الحكمين في موضوع واحد، وليس العنوان المحرز بالاصل من العناوين المجامعة مع عنوان الخاص كي يقال ان احراز حكم الشئ بعنوان لا ينافي وجوب الفراغ عن الحكم الثابت له بعنوان اخر، وهكذا الامر إذا شك في محرمية الشرط للحلال ومحلليته للحرام، فان الاصل عدم تحقق التحليل أو التحريم به وهذا اصل اصيل نافع في غالب ابواب الفقه إذا لم يعنون المستثنى منه بعنوان وجودي أو عدمي رابطي، فتدبر. - قوله (رحمه الله): (ومرجع هذا الاصل الى اصالة عدم ثبوت... الخ) (1). وجه العدول ليس عدم تمامية الاصل المتقدم في نفسه، كيف؟ وقد اعتمد على امثاله في غير مقام، بل لمكان الاصل الجاري في السبب، لان منشأ الشك في المخالفة الشك في كيفية ثبوت الحكم وانه على وجه يتغير أو على وجه لا يتغير،


(1) كتاب المكاسب 278 سطر 30.

[ 28 ]

والتحقيق سلامة الاصل المتقدم عن الاصل الوارد، لان اللازم في الفراغ عن حكم الخاص نفي حكمه ولو باثبات عنوان مناقض أو مضاد لعنوانه، فلابد من نفي مخالفة الشرط بنحو من الانحاء، ومن المعلوم ان الاصل السببي لا يثبت عدم المخالفة الا بالملازمة العقلية. واما الايراد عليه بان الاصل السببي لا يقتضي الا عدم مخالفة الحكم للشرط، واللازم احراز عدم مخالفة الشرط للحكم، فمندفع بما تحقق في محله ان تنزيل احد المتضائفين تنزيل للآخر عرفا، فالتعبد بالمخالفة أو عدمها في احد الطرفين تعبد بمثله في الآخر. - قوله (رحمه الله): (لكن هذا الاصل انما ينفع بعد عدم ظهور... الخ) (1). ربما تجعل هذه العبارة قرينة على ان مراده (رحمه الله) في السابق في مقام كون الحكم على وجهين من حيث القبول للتغير وعدمه هو عدم الاطلاق، وللحكم بالاضافة الى الشرط تارة واطلاقه اخرى، فاورد عليه بان الشرط لم يكن حينئذ مغيرا، بل الحكم بنفسه قاصر. وفيه: من الخلط بين مقامي الثبوت والاثبات مالا يخفى، فانه (قدس سره) كان هناك في تقسيم الحكم بلحاظ الواقع ولا اهمال في الواقع، وهنا في مقام الاثبات، ومن الواضح ان الاهمال وعدم الاطلاق في مقام الاثبات لا يقتضي ان يكون مقام الثبوت كذلك. وعليه فمراده (قدس سره) ان الحاجة الى الاصل انما هو إذا لم يكن اطلاق كاشف عن ثبوت الحكم الفعلي حتى في صورة الشرط الذي لازمه كون الحكم مما لا يتغير، بل كان الحكم واقعا محتملا لكلا النحوين، وقد عرفت عدم معقولية اطلاق الحكم لصورة الشرط، ومع ذلك يكون بلحاظ نفس الشئ بأن يكون الحكم طبعيا اقتضائيا، لما اسمعناك من أن الحكم الاقتضائي ليس من حقيقة الحكم في شئ، وانما هو مقتضي الحكم وملاكه، والا لزم اجتماع حكمين فعليين حقيقيين في صورة الشرط،


(1) كتاب المكاسب 278 سطر 32.

[ 29 ]

فظهور الحكم في الحقيقي من الايجابي أو التحريمي واطلاقه لصورة الشرط كاشف عن عدم مغيرية الشرط وعدم قبول الحكم للتغيير. واما قوله (بان الشرط لم يكن مغيرا) فان اراد عدم كونه مغيرا للحكم ففيه: انه لا بأس به، بل يجب ان يكون كذلك، إذ لا تغيير في الواقع، بل كل حكم على حد موضوعه التام. وان اراد عدم كونه مغيرا للموضوع ففيه: ان موضوع الاباحة مثلا إذا كان نفس الشئ مع ملاحظة تجرده عن كل عنوان حتى الشرط فمجرد عروض الشرط يخرجه عما هو عليه ويكون موضوعا آخر في قبال الموضوع الاول، بداهة ان الماهية بشرط شئ تغاير الماهية بشرط لا. - قوله (رحمه الله): (وفيه من الضعف مالا يخفى... الخ) (1). لما فيه اولا: من تخصيص الشرط بما تعلق بالحكم المخالف للكتاب والسنة وسيجئ ان شاء تعالى عدم معقوليته. وثانيا: من رجوعه الى المرجحات مع ان اللازم ملاحظة كون الحكمين من اي القسمين ولو باستفادته من الاطلاق، فلا مجال للمعارضة لمكان الاستثناء كما لا يخفى. - قوله (رحمه الله): (ثم انه يشكل الامر في استثناء الشرط المحرم للحلال... الخ) (2). حاصله: ان الاستثناء في طرف المحلل للحرام محتاج إليه، وفي طرف المحرم للحلال مستغنى عنه. اما الاول فلأن اطلاق أدلة المحرمات تقتضي كون الحكم فعليا حتى في صورة الشرط، واطلاق دليل الشرط يقتضي نفوذه حتى في مثل شرب الخمر الذي دل اطلاق الدليل على فعلية حرمته حتى في صورة الشرط فيتعارضان، ولاستثناء حينئذ يرفع المعارضة ويخصص الشرط النافذ بغير ما دل اطلاق الدليل على فعلية حرمته


(1) كتاب المكاسب 279 سطر 2. (2) كتاب المكاسب 279 سطر 18.

[ 30 ]

حتى في صورة الشرط، فلا يلغو الاستثناء. واما الثاني فلأن ادلة المباحات غالبا - بل لا يكاد يوجد خلافه - تدل على حلية الاشياء بعناوينها مجردا عن عروض العناوين ذات المصالح والمفاسد، بل قد عرفناك سابقا ان اطلاقها لمثل هذه العناوين غير معقول، لفرض كون الاباحة الناشئة عن طباع موضوعاتها من باب اللااقتضاء فلا يجامع ما له الاقتضاء قطعا، فالشرط حينئذ نافذ لعدم المعارضة، فلا شأن للاستثناء حينئذ، واما الاباحة التي لا يرفعها رافع لحكمة في نفسها فلو ثبتت في مورد فانما تثبت بدليل خاص مثل ما ورد في شرط عدم التسري ونحوه، وهو لا يعارضه عموم دليل الشرط لاخصيته ونصوصيته ولو لم يكن هناك استثناء. وهذا البيان في الاشكال على الاستثناء اولى مما افاده (قدس سره) حيث قال (والوقوف مع الدليل الخارج الدال على فساد الاشتراط يخرج الرواية عن سوقها لبيان ضابطة الشروط عند الشك، إذ مورد الشك حينئذ محكوم بالصحة... الخ)، وذلك لان فائدة الاستثناء ما ذكرنا، لا لان يكون ضابطة لموارد الشك، بداهة ان الحكم إذا كان مشكوك الحال من حيث القبول للتغير بالشرط وعدمه لا يكون الاستثناء ضابطة يستعلم بها حال المشكوك، فالاولى تقريب الاشكال على ما ذكرنا. ولا مدفع له الا ان يقال ان الاستثناء فائدته قولا كليا ما ذكرنا، وهو دفع المعارضة به بين دليل الشرط وادلة الاحكام المطلقة الفعلية، وان لم نظفر في الخارج بمثل ذلك في طرف المباحات، مع احتمال ان يكون موارد كثيرة كذلك ولم تصل الينا، والله العالم. - قوله (رحمه الله): (بل نفس استثناء الشرط المحلل للحرام... الخ) (1). لعله سهو من قلمه الشريف لما صرح به سابقا (2) وسيصرح به من ان المراد بالحلال والحرام ما كان كذلك مطلقا حتى مع الاشتراط وهو ايضا كذلك، لانه القابل للاستثناء في الطرفين.


(1) كتاب المكاسب 279 سطر 26. (2) كتاب المكاسب 279 سطر 9، 280 سطر 17.

[ 31 ]

وتوهم ان هذا المعنى لا يحتاج الى هذا المقدار من الاهتمام في بيانه بالاستثناء مدفوع بان مجرد ظهور الدليل في الحرمة المطلقة مثلا لا يغني شيئا بعد اطلاق دليل الشرط فيتعارضان، والاستثناء حينئذ رافع للمعارضة، وكفى بذلك فائدة. - قوله (رحمه الله): (لا افهم معنى محصلا لاشتراط حرمة الشئ أو حليته شرعا... الخ) (1). لا يخفى عليك ان الحكم من كل حاكم شرعي أو عرفي فهو تحت اختيار ذلك الحاكم، ولا يعقل ايجاده بنحو الفعل أو النتيجة من غيره، وليس من الامور الاعتبارية التسبيبية التي يمكن لكل احد التسبب إليه بسببه. واما ما في كلامه (قدس سره) (من انه لا معنى لاستثنائه عما يجب الوفاء به، لان هذا لا يمكن عقلا الوفاء به لعدم كونه فعلا خصوصا للمشترط الخ). ففيه: ان الوفاء مما يتعلق بالنتيجة على مسلكه (قدس سره) فلا حاجة الى كون متعلقه فعلا، بل الوجه ما سمعت. واما ما عن بعض الاعلام من تلامذته (رحمهما الله) تأييدا للفاضل النراقي (رحمه الله) من امكان تعلق الشرط بالحكم كما في شرط البائع الولاء لنفسه، حيث اطلق عليه الشرط فقال (صلى الله عليه وآله): (ما بال اقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله) (2)، واشتراط عدم ارث الوارث، وشرط ارث الاجنبي، وشرط الضمان في العارية كما يمكن تعلقه بالنتائج فان كل ذلك راجع الى شرط ما ليس من الافعال ولا من المقدور للمكلف. فمدفوع: اما شرط الحكم تكليفا كان أو وضعا فانما يستحيل من الملتفت، واما العامي والغافل فيتحقق منهما الالتزام الجدي والتعهد الحقيقي، ولا واقع للامر القصدي سوى التسبب إليه بالقصد والعمد، خصوصا فيما كان للعرف مثله ايضا، كالولاء فان البائع لم يتسب بشرطه الى الولاء الشرعي، بل الى الولاء عندهم، واما شرط الضمان فغير مستحيل من العاقل الغير الغافل ايضا، لانه اعتبار شرعي يمكن التسبب إليه بالشرط كالملكية والزوجية. واما شرط النتائج فلا وقع للنقض به هنا إذ الشرط المتعلق بملكية المال لزيد حال


(1) كتاب المكاسب 280 سطر 13. (2) مستدرك الوسائل 13: 300، رواية 15419.

[ 32 ]

قولك " ملكت " من حيث ان المسبب المقصود ايجاده في كلا المقامين نفس الملكية التي هي من الاعتبارات الشرعية والعرفية التي يمكن ايجادها بايجاد اسبابها، واما مسألة معقولية الوفاء بها فسيأتي ان شاء تعالى في محله. وبالجملة: شرط الحكم التكليفي أو الوضعي الغير التسببي من الملتفت محال، ومن غيره معقول الا انه لا يحصل لعدم تحقق مبادية الموجبة له كما لا يخفى على الخبير. - قوله (رحمه الله): (وللنظر في مواضع من كلامه مجال... الخ) (1). عمدة ما يرد عليه ان الامر دائر مدار الفعلية المطلقة وعدمها دون الكلية والجزئية، ولذا ليس له ان يقول بها في طرف تحليل الحرام مع وحدة السياق، كما ان الظاهر من النصوص والفتاوى عدم الفرق بين الالتزام بترك التسري والتزويج ثانيا مطلقا أو بواحدة معينة، كما لا فرق بين كون الجماع بيد المرأة مطلقا أو احيانا، فما ذكره (رحمه الله) تخرص على الغيب وتحكم بلا ريب. الخامس: ان لا يكون منافيا لمقتضى العقد - قوله (قدس سره): (ان لا يكون منافيا لمقتضى العقد والا لم يصح... الخ) (2). تفصيل القول فيه: ان المنافي قد تكون منافيا لمقتضى العقد بمعنى مقومه وما يكون من علل قوامه، وقد يكون منافيا لما هو من لوازمه واحكامه، واللازم اما مفارق أو غير مفارق، وكلاهما اما عرفي أو شرعي، واما كون الشئ لازما كالمقوم فلا معنى له الا المبالغة في عدم المفارقة، والا فالخارج عن حقيقة الشئ لا يعقل ان يكون مما يتقوم ويأتلف منه الشئ. ثم ان كون الشئ منافيا للازم العقد باحد وجهين: اما ان يكون المشروط حكما منافيا لحكم العقد أو عدم الحكم، واما ان يكون موضوعا ينافي نفوذ الشرط حكمه


(1) كتاب المكاسب 281 سطر 3. (2) كتاب المكاسب 281 سطر 3.

[ 33 ]

كشرط عدم البيع، فان المشروط لا ينافي مقتضى عقد البيع، لان مقتضاه السلطنة على البيع لا نفسه، نعم نفوذ الالتزام بالعدم يرفع السلطنة على البيع، والسلطنة وعدمها متنافيان، والظاهر دخول كلا القسمين في محل الكلام كما يظهر من امثلة المقام. اما ما ينافي مقوم العقد كالملكية والعينية والعوضية في البيع الذي هو تمليك عين بعوض، فالقصد الى حقيقة البيع مع شرط عدم احد تلك الامور متناقضان، فلا يعقل تحققهما الا عن الغافل أو غير العاقل، هذا إذا قصدهما من اول الامر، واما إذا قصد البيع الحقيقي بقوله " بعت " ثم بدا له فاعقبه بشرط عدم العوض فلا يقع الشرط، لان المنافي لا يتحقق بعد تحقق المنافي، وليسا في عرض واحد كي يمتنع القصد اليهما، لكن حيث ان الشرط حينئذ من تتمة الايجاب فهو يرفع حكمه. فان قلت: بعد معقولية التشريع في المعاملات كالعبادات لم لا يمكن القصد الى البيع بلا ثمن تشريعا. قلت: لا مجال للتشريع في الموضوعات، فانه لو فرض الشخص شارعا ايضا لا معنى لان يقصد البيع بلا ثمن، فان معناه القصد الى التمليك بعوض بلا عوض وهو محال. وأما ما ينافي اللازم الغير المفارق فانه مع الالتفات الى عدم المفارقة لا يعقل القصد الى وجود الملزوم وعدم اللازم، فان المفروض استحالة انفكاكهما، وقد عرفت ان صورة البداء من باب رفع اليد عن الايجاب. نعم قد يفرق حينئذ بين اللازم العرفي والشرعي، نظرا الى ان الحقيقة العرفية محفوظة في الثاني، وفيه ان المقصود إن كان التمليك العرفي من دون نظر الى الملكية الشرعية فالامر كما ذكر، الا ان التمليك الشرعي ايضا كذلك فيمكنه القصد إليه مع القصد الى اللازم العرفي. وبالجملة: التمليك والملكية عين الايجاد والوجود، وهما متحدان بالذات مخلفان بالاعتبار، فالتمليك الشرعي بازاء الملكية الشرعية، والعرفي بازاء الملكية

[ 34 ]

العرفية، ولكل منهما حكمه، وعليه فإذا قصد الملكية العرفية مع القصد الى عدم اللازم الشرعي فانه وان كان معقولا لعدم التنافي، لكنه يقطع بعدم حصول البيع الشرعي بالحمل الشائع لفرض استحالته مفارقة الملزوم الشرعي عن لازمه. واما ما ينافي اللازم المفارق فلا اشكال لفرض كونه مفارقا قابلا للانفكاك، نعم إذا كان الملتزم به نفس الحكم المنافي لللازم المفارق فالشرط غير معقول، لما عرفت سابقا من استحالة تعلق الشرط بالحكم التكليفي أو الوضعي الغير التسبيبي. ومن جميع ما ذكرنا اتضح ان النوبة لا تصل الى استحالة الوفاء ومخالفة الكتاب المذكورين في كلام المصنف (قدس سره) في شئ من الصور المزبورة، فافهم واستقم. - قوله (رحمه الله): (بان اشتراط العتق مما ينافي مقتضى العقد... الخ) (1). لا يخفى ان مقتضى العقد بنفسه هي الملكية، والالتزام بالعتق يلائمه لا انه ينافي، وحكم الملكية هي السلطنة المطلعة على جميع التصرفات، ومن سلطنة الشخص ان يعتق وان لا يعتق وان يلتزم بالعتق وان لا يلتزم به، فشرط العتق لا ينافي شيئا من ذلك. نعم لو علم من دليل السلطنة انها لا ينفك عن المال في جميع الاحوال لم يمكن شرط عدمه، ومن الواضح ان قوله (الناس مسلطون على اموالهم) لا يقتضي الا ان المالك لا قصور فيه من حيث السلطنة، اما انه لا يتمكن من اعمال سلطانه في نفي سلطانه مطلقا أو مقيدا فلا، بل مناسبة الحكم والموضوع تقتضي خلافه، إذ من كمال السلطان اعمال سلطانه على المال في كل ما يشاء، ومنها اعمال سلطانه في الالتزام بالعتق. نعم لو شرط ان لا يكون له سلطان على تصرف كذائي أو عدمه كان باطلا، لان السلطنة الشرعية ليست الا جواز التصرف، وقد مر غير مرة ان حكم الغير - شارعا كان أو غيره - ليس تحت اختيار الشارط كي يتعهد بوجوده أو عدمه. ثم لو بنى على ان الالتزام بالعتق مناف لللازم الغير المفارق فتصحيحه ببناء العتق


(1) كتاب المكاسب 281 سطر 14.

[ 35 ]

على التغليب غير صحيح، إذ الصحة فرع المعقولية، الا ان يرد دليل خاص يكشف عن ان اللازم غير مفارق بالاضافة الى ما عدا الشرط، فلا تغفل. - قوله (رحمه الله): (ومنها اشتراط عدم البيع... الخ) (1). قد عرفت ان مقتضى القاعدة جوازه، مع ورود الروايات المعتبرة بصحته، منها صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام): (سألته عن الشرط في الاماء لا تباع ولا توهب ولا تورث؟ فقال (عليه السلام): يجوز ذلك غير الميراث فانها تورث، وكل شرط خالف كتاب الله فهو رد) (2) وهذا شاهد لما ذكرنا سابقا، من الفرق بين الارث ونحوه من الاحكام وبين البيع والهبة وغيرها من الامور التسبيبة. نعم من يقول بان الملكية بمعنى السلطنة وهي تنتزع عن جواز التصرف مطلقا فلازمه المنع عن امثال هذه الشروط، ومرجعه حينئذ الى منافاتها لنفس المعقود عليه لا لاحكامه، الا ان المبنى ضعيف، بل سخيف. - قوله (رحمه الله): (ومنها ما ذكره في الدورس في بيع الحيوان من جواز الشركة... الخ) (3). لا يخفى عليك ان مقتضى اشاعة المال بين شخصين ان يكون الربح والخسران عليهما، وغيره غير معقول، فشرطه غير معقول الا إذا رجع الى امر معقول، كما إذا اريد من هذه العبارة شرط تمليكين مجانيين بالاضافة الى حصة الشريك في صورة الربح، وبالاضافة الى ما يعادل الخسارة الواردة على حصته في ذمة الشريك في صورة الخسران، الى غير ذلك من الصور الغير المنافية للشركة واحكامها، وعلى مثل ما ذكر يحمل الصحيحة. ثم ان ما ذكر في هذه الامثلة كلها لا دخل لها بشرط ما ينافي مقتضى العقد، إذ السلطنة على التصرفات في الاولين وتساوي الشريكين في الربح والخسران من مقتضيات الملك، لا من مقتضيات عقد البيع وعقد الشركة، ولذا لو فرض حصول


(1) كتاب المكاسب 281 سطر 16. (2) وسائل الشيعة، باب 15 من ابواب بيع الحيوان، ح 1. (3) كتاب المكاسب 281 سطر 16.

[ 36 ]

الملك من غير العقد وحصول الشركة من غير جهة العقد كان الملك المطلق والملك الاشاعي مقتضيا للاحكام المزبورة، ومقتضى مقتضى الشئ انما ينسب الى الشئ إذا كان الجهة محفوظة، ومن الواضح ان الملك من حيث انه ملك يقتضي الاحكام المزبورة، لا من حيث انه من مقتضيات عقد البيع مثلا أو عقد الشركة، فلا تغفل. - قوله (رحمه الله): (ومنها ما اشتهر بينهم من جواز اشتراط الضمان في العارية وعدم جوازه في الاجارة... الخ) (1). قد عرفت سابقا (2) ما يمكن ان يكون فارقا في نظر المشهور، بدعوى ان بناء المشهور كما في بعض الاخبار (3) على ان المستعير والمستأجر مؤتمنان، ومقتضى القاعدة حينئذ عدم نفوذ شرط الضمان في العارية والاجارة، الا ان النص الوارد في العارية فرق بينهما. والتحقيق: ان عقدي الاجارة والعارية بمضمونهما لا يقتضيان عدم الضمان ولا الائتمان المنافي للضمان، غاية الامر اثبات التسليط العقدي على المنافع والانتفاع وهذا ليس بتأمين قطعا، وليس من احكام التسليط العقدي في الاجارة الا وجوب تمكين المستأجر من العين لاستيفائه المنافع المملوكة له، ولا يجب عليه التأمين بوجه اصلا، ومجرد جواز استيفاء المنافع والانتفاع لا يجعل العين امانة شرعية، إذ حقيقة التأمين والاسيتمان الشرعي كالمالكي استنابة الشخص لحفظ مال الغير كما في الوديعة بالاضافة الى التأمين المالكي، وكما في الولي الشرعي بالنسبة الى مال المولى عليه فانه استنابة من الشارع في حفظ مال القصر، والا فمجرد الجواز بل اللزوم لا يجعل المال امانة شرعية. وعليه فالعقد بالاضافة الى ضمان العين في العارية والاجارة لا اقتضاء، لا انه يقتضي العدم، لانه انما يقتضيه إذا كان استئمانا أو ملازما للاستئمان، فان الائتمان ينافي الضمان، واما إذا لم يكن هناك ائتمان فلا مقتضي لعدم الضمان، وحينئذ


(1) كتاب المكاسب 281 سطر 18. (2) تعليقة 27. (3) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب العارية.

[ 37 ]

فليلحظ فان كان هناك يد من المستعير والمستأجر كان لها حكمها والا فلا، لان الانتفاع واستيفاء لا يلازمان القهر والاستيلاء، فإذا كان هناك يد مضمنة فاشتراط عدم الضمان إذا لم يرجع الى تأمين أو اسقاط في ظرف الثبوت غير صحيح، ولا مجال للترجيح لما مر غير مرة ان عموم دليل الشرط بملاحظة الاستثناء لا يعارض الادلة المتكفلة للاحكام المطلقة الفعلية هذا. والتحقيق: ان عدم الضمان لا يدور مدار حقيقة الاستئمان، بل الامر كذلك في ما إذا كان اثبات اليد والتسليط الخارجي على العين باذن مالكها ورضاه، فان اليد حينئذ بمنزلة يد المالك، وكما لا ضمان حينئذ عند العرف والعقلاء كذلك لا يعم عموم على اليد مثل هذا اليد، حيث انه بتسليط المالك عن رضاه، فان عموم على اليد وردت مورد امضاء الطريقة العرفية، وهي على عدم ضمان من كان يده على المالك باذن المالك، ولذا اشتهر عندهم ان عقد العارية والاجارة وما يشابههما عقود أمانية. وحينئذ فالفرق بين العارية والاجارة ان العارية حيث انها عقد غير لازم ولا ملزم فلا محالة يكون التسليط الخارجي واثبات يد المستعير باذن المالك ورضاه، فلذا لا ضمان فيها طبعا دائما، ولاجله ورد عنهم (عليه السلام) (ان المستعير مؤتمن) (1) فانه تنزيل له منزلة المؤتمن العقدي الذي استنيب لحفظ المال، ومثل هذا الائتمان لا ينافي اشتراط الضمان، فان ارتفاع الضمان بملاحظة الاذن والرضا، فإذا تقيد الاذن بصورة التعهد واخذ العين في العهدة فليس يده بمنزلة يد المالك، فلذا لا يرتفع الضمان، فتحقق ان عدم الضمان ونفوذ اشتراط الضمان في العارية على القاعدة. واما الاجارة فالتسليط العقدي وإن كان عن الرضا الا انه لا يلازم كون التسليط الخارجي عن الرضا ايضا، لمكان لزوم العقد ووجوب التمكين المانع عن استكشاف الرضا باثبات اليد خارجا كما في العارية، الا ان الغالب حيث انه عدم اختلاف حال المؤجر قبل العقد وبعده فيكون كاشفا عن كون اثبات اليد برضاه، وعليه ينبغي


(1) وسائل الشيعة، باب 1 من ابواب العارية ح 6، بمعناه.

[ 38 ]

تنزيل ما ورد (1) في عدم ضمان المستأجر. ومما ذكرنا تعرف صحة اشتراط ضمانه وليس الامر فيه باعظم من العارية، وقد عرفت ان الائتمان هنا ليس بحقيقة الائتمان كي ينافي الضمان، ولا دخل لقوله (عليه السلام) (ليس على الامين الا اليمين) (2) بما نحن فيه، فان المراد اما من اتخذه الشخص أمينا في نفسه فلا مجال لاتهامه في مورد يثبت الضمان من اجل التفريط والتعدي، لا من اجل التلف الذي يستوي فيه الامين وغير الامين. - قوله (رحمه الله): (ومنها مسألة توارث الزوجين بالعقد المنقطع... الخ) (3). اما الكلام من حيث قبول الارث في نفسه للاشتراط فقد تقدم في ضمن الشرط المتقدم، واما الكلام من حيث كونه منافيا لمقتضى عقد الانقطاع فمجمل القول فيه: ان عقد المتعة بنفسه وبحكمه ليس باسوء حالا من البيع مثلا، فكما ان عقد البيع مثلا لا يقتضي عدم الارث، بل بالاضافة الى الارث لا اقتضاء - كما هو كذلك بالاضافة الى جميع احكام العقود - فكذلك عقد المتعة بالاضافة الى الارث لا اقتضاء، وحيث انه مفيد للزوجية، ومن احكامها التوارث فلذا سئل عن التوارث فيه. وعليه فقوله (عليه السلام) (من حدود المتعة ان لا ترثها ولا ترثك) (4) في مقام دفع هذا التوهم، لا انه يقتضي العدم، فشرط الارث ليس منافيا لمقتضى عقد الانقطاع وان لم يصح في نفسه، واما لو بنينا على اقتضاء عقد المتعة للارث مطلقا فحاله حال الزوجية الدائمة من حيث بطلان شرط عدم الارث لمكان الاستثناء، وتحقيق الحال في اصل المسألة من حيث ان عقد الانقطاع يقتضي التوارث ام لا فموكول الى محله وان كان الظاهر عدمه. - قوله (قدس سره): (ولو شك في مؤدى الدليل وجب الرجوع الى اصالة... الخ) (5). لا يخفى عليك ان مورد كلامه (زيد في علو مقامه) ما إذا شك في اللازم من حيث


(1) وسائل الشيعة، باب 29 من ابواب احكام الاجارة، ح 11، 12. (2) لم نجد رواية بهذا النص ولكن عبر عنها الحلبي في إشارة السبق بالمشهورة. (3) كتاب المكاسب 281 سطر 22. (4) وسائل الشيعة، باب 32 من ابواب المتعة، ح 8. (5) كتاب المكاسب 282 سطر 7.

[ 39 ]

انه مفارق أو غير مفارق، واما إذا شك في دخل شئ في قوام العقد فلا اشكال هناك، حيث لم يحرز بعد عقد كي يتكلم في لوازمه واحكامه، ولا اصل يحرز به العقد، وقد يسبق الى الذهن ان الشك في اللازم ايضا كذلك، بداهة ان اللازم لو كان غير مفارق يستحيل وجود الملزوم وعدم اللازم الكذائي، فالعقد مع عدم هذا اللازم لو كان واقعا غير مفارق متنافيان، فلا قطع بتحقق العقد مع شرط عدم اللازم للاحتمال المزبور. والتحقيق: ان التنافي يمنع عن تحقق الملزوم مع عدم اللازم فيمتنع القصد اليهما معا، ولا يمنع عن تحقق الملزوم مع لازمه واقعا، وحيث ان التنافي غير معلوم فلا يمتنع القصد الى الملزوم مع عدم لازمه، فالعقد ثابت والشرط لا مانع من تحققه، غاية الامر ان نفوذه للاحتمال المزبور يحتاج الى ما يوجب الفراغ عن حكم المخصص، وحينئذ نقول إن كان الشك من حيث مخالفته للكتاب فالاصل عدم المخالفة، وإن كان من حيث استحالة الوفاء فالاصل عدم كون الحكم بحيث لا ينفك عن العقد أو بحيث لا يتغير بالشرط حتى يستحيل الوفاء، إذ استحالة الوفاء بملاحظة ان معنى الوفاء عنده (قدس سره) ترتيب أثر العقد عليه، وحيث ان اللازم إذا كان مما لا ينفك فلا مجال الا عن ترتيبه على العقد، مع ان الوفاء بالشرط يقتضي عدم ترتيبه، والجمع بينهما مستحيل، فإذا احرزنا بالأصل عدم كون الحكم بحيث لا يتغير فلا مانع من عدم ترتيبه على العقد وفاء بالشرط. لا يقال: اصالة عدم ثبوت الحكم على وجه لا يتغير ولا ينفك لا يثبت عدم المنافاة وعدم استحالة الوفاء الا بالملازمة العقلية. لانا نقول: هذه الأمور واللوازم العقلية من اثار الاعم من الواقعي والظاهري كوجوب المقدمة وحرمة الضد، فكما إذا ثبت بالاصل كون الحكم بحيث لا يتغير استحال الوفاء وتحقق التنافي كذلك إذا ثبت عدمه، فلا حاجة الى التعبد بامكان الوفاء وبعدم المنافاة.

[ 40 ]

السادس: ان لا يكون مجهولا - قوله (رحمه الله): (لكن الانصاف ان جهالة الشرط يستلزم دائما في العقد... الخ) (1). ان قلنا بان الشرط بمعنى التقييد فلا محالة يرجع الى العوض أو المعوض بما هما عوض ومعوض لا بذاتهما، والا فلا يعقل القيدية، وعليه فالغرر في الشرط غرر في احد العوضين، إذ لا فرق بين العوض والمعوض بذاتهما أو بعنوانهما المقيد بامر مجهول، فان البيع حينئذ غرري من ناحية متعلقه. وان قلنا بان الشرط التزام في ضمن التزام فان كان متعلقه وصفا من اوصاف العوضين كأن قال " بعت العبد على ان يكون كاتبا " فحينئذ لا ينبغي التأمل ايضا في سراية الغرر الى العوضين من حيث المعاوضة والمعاملة، لان البيع من حيث انه معاوضة بين هذين الشيئين مقيدة بالتزام راجع الى حيثية المعاوضة غرري، وإن كان متعلقه امرا خارجيا فهو على قسمين فقد يكون دخيلا في اصل المعاوضة ايضا بحيث لولاه لما بذل هذا المقدار من الثمن بازاء العين فالظاهر ايضا سراته الغرر، لان البيع بما هو معاوضة غرري، وقد لا يكون كذلك بل كان اجنبيا عن العوضين وانما اتي به في ضمن البيع لمجرد تصحيح الشرط، فالبيع كالظرف له فحينئذ لا مجال للاشكال في عدم سراية الغررية منه الى البيع، والله العالم. السابع: ان لا يكون مستلزما لمحال - قوله (رحمه الله): (فان العلامة قد ذكرنا هنا انه مستلزم للدور... الخ) (2). لا يخفى ان توقف البيع الاول وتأثيره في ملكية المشتري لا وجه له الا ارادة الشرط الاصولي من الشرط، لان البيع الاول وتأثيره في ملكية المشتري مشروط بالبيع الثاني، وكل مشروط عدم عند عدم شرطه، كما ان توقف شرط البيع الثاني على البيع الاول من جهة عدم معقولية البيع على المالك منوط بدعوى لزوم


(1) كتاب المكاسب 282 سطر 13. (2) كتاب المكاسب 282 سطر 20.

[ 41 ]

معذورية الشرط مع قطع النظر عن البيع المشروط فيه، ولذا فرق بين البيع على المالك وغيره، وكلا الامرين في محل المنع. اما الاول فلأن الشرط بمعنى الالتزام ولا توقف للبيع على الالتزام قطعا. واما الثاني فلأن الملتزم به يجب ان يكون مقدورا في ظرف الاداء والوفاء وهو في مرتبة مالكيته، والالتزام بالمقدورية حال الالتزام من لزوم مالا يلزم فلا توقف اصلا. الثامن: ان يلتزم به في متن العقد - قوله (رحمه الله): (نعم يمكن ان يقال ان العقد إذا وقع مع تواطئهما... الخ) (1). وقوع العقد مبنيا على الشرط السابق على العقد على نحوين: فقد يعتمد في تحقق الشرط على الانشاء السابق ويوقع العقد مطلقا وان كان بناؤه عليه، بحيث لولا الشرط السابق لانشأه في ضمن العقد، وقد لا يعتمد عليه ويوقع العقد مقيدا، بمعنى انه يتسبب بالسبب الى الملكية الخاصة المتخصصة بالالتزام بكذا وإن لم يذكر في ضمن العقد اللفظي، ففي الاول لا ابتناء الا بمجرد القصد، بخلاف الثاني فان حقيقة الشرط المدلول عليه باللفظ قد اخذ قيدا في واقع العقد اقتصارا على واقع الشرط واكتفاء في الدلالة عليه بالدال السابق، هذه غاية تقريب القيدية للعقد. وقد اشرنا في أول باب الخيار الى ما فيه، وملخصه: ان الشرط التزام في ضمن التزام، لا تقييد نفس متعلق العقد بمتعلق الالتزام من حيث ذاته ولا من حيث كونه ملتزما به، ومن الواضح ان الالتزام الشرطي امر جعلي انشائي تسببي، ولا يكاد يتحقق الامر الانشائي التسبيبي الا موجودا بوجوده القولي أو الفعلي المقصود به، وهو عين انشائه، فما لم يكن هناك سبب قولي أو فعلي لا انشاء ولا تسبيب، وحصوله بمجرد القصد إليه عين معنى غنائه عن الانشاء والسبب في مرحلة الوجود، فالانشاء والتسبب امر قصدي، لا ان تمام حقيقتهما القصد، فما لم يتحقق


(1) كتاب المكاسب 282 سطر 28.

[ 42 ]

انشاء الالتزام لم يتحقق ما هو التزام بالحمل الشائع. ومعنى القيدية قيدية الالتزام الشرطي للالتزام البيعي المتحققة بجعل الالتزام في ضمن الالتزام، والا فمن الواضح ان نفس الامر الملتزم به لا يعقل ان يكون غالبا قيدا للمبيع ولا للملكية، بل وكذا حقيقة العهدة الغير المنشأة لا يعقل ان تجعل قيدا للملكية ولا للتمليك، لما سيجئ ان شاء تعالى من ان قيدية شئ لشئ لا يكون جزافا، بل انما يكون الشي قابلا للقيدية إذا كان من خصوصيات المقيد ومن شؤونه، وهذا غير معقول الا في مثل شرط الوصف، فان الكتابة بالاضافة الى العبد فقط يمكن ان يلاحظ قيدا، واما الافعال والنتائج فلا، كما ان الوصف بالاضافة الى الملكية والتمليك ايضا كذلك. ومن جميع ما ذكرنا اتضح ان المانع عدم تحقق انشاء الالتزام الجدي في ضمن الالتزام الا بسبب قولي أو فعلي، وهو لا يتحقق بمجرد القصد، فانه غير عدم الانشائية والتسبيبة، وليس المانع مجرد كون الشرط قيدا، فلابد ان يذكر حتى ينتقض باركان البيع من العوض والمعوض، فان العوضين وان كانا من أعظم القيود الا ان الانشائي والتسبيي هي الملكية دون العوضين، بخلاف قيد الالتزام الشرطي، فتدبر جيدا. حكم الشرط الصحيح - قوله (رحمه الله): (لا حكم للقسم الاول الا الخيار... الخ) (1). لا يقال: الخيار حكم الشرط الصحيح، ومع عدمه - كما هو ظاهر كلامه هنا وظاهر تخصيصه (عموم المؤمنون... الخ) بغير هذا القسم مع عدم دليل آخر على الصحة - فلا معنى للخيار. لانا نقول: لعله (رحمه الله) يرى الخيار من جهة تخلف الوصف المأخوذ في المعقود عليه بنحو الاشتراط لا من جهة الشرط، وقد صرح في اول الشروط (2) برجوع شرط


(1) كتاب المكاسب 283 سطر 19. (2) كتاب المكاسب 276 سطر 21.

[ 43 ]

الوصف الحالي الى التوصيف، فراجع. - قوله (رحمه الله): (إذ لا يعقل تحصيله هنا فلا معنى لوجوب الوفاء... الخ) (1). حيث ان الوفاء عنده (قدس سره) هو العمل على طبق الشرط أو العقد، ولا عمل هنا فلا معنى للوفاء، وكذا لو عم الوفاء لترتب أثر المعقود عليه أو المشروط، لان المبيع ان كان واجدا للوصف فلا عمل ولا أثر الا تسليم المبيع الواجد للوصف، وهو من آثار عقد البيع لا الشرط. وان كان فاقدا له فلا عمل ولا أثر ايضا، إذ ليس الوصف تحت قدرة الشارط كي يوجده، والخيار حكم لا انه أثر يرتبه الشارط، ورد العوض بعد الفسخ من آثار الفسخ الذي هو ضد العقد، واثر ضد الشئ لا يكون أثرا للشئ، ولا يقاس الوصف بالنتيجة فان تسليم ما شرط تملكه للمشروط له من آثار شرط تملكه له كتسليم العوضين بالاضافة الى البيع هذا. والتحقيق: ان الوفاء في قبال النكث ورفع اليد عن العهد والعقد، فهو في الحقيقة القيام بمقتضى العهد، وهذا المعنى يختلف باختلاف متعلقات العهود والالتزامات، فان كان التعهد والالتزام متعلقا بعمل من الاعمال فالقيام بمقتضى هذا التعهد ايجاد مقتضاه، وهو العمل، وان كان متعلقا بالنتيجة - ككون المال ملكا له - فحيث ان مقتضى هذا التعهد امر قد حصل فاللازم القيام بهذا المقتضي الحاصل بابقائه وعدم ازالته كما في جميع البيوع، فان مقتضاها الملكية التي تسبب إليها باسبابها، والوفاء بها ابقاؤها، فان القيام بمقتضى الشئ يتبع المقتضي وطوره، فلا اختصاص للوفاء بالاعمال، كما انه لا مساس له بالاثار ليعم ترتيب الاثار، فان الوفاء بالعهد انما يكون وفاء به إذا تعلق بنفس ما تعلق به العهد، ومن البين ان العهد في البيع مثلا لم يتعلق بالتسليم والتسلم ليكون الوفاء به ايجاد التسليم والتسلم، بخلاف ما إذا تعلق بنفس العمل والاثر كما في الاجارة وشرط الفعل ونذر الفعل ونحوها، فان متعلق هذه العهود كلها عمل، والقيام بهذا المتعلق ايجاده.


(1) كتاب المكاسب 283 سطر 19.

[ 44 ]

فان قلت: سلمنا عدم اختصاص الوفاء بالعمل وعدم عمومه لترتيب الاثار، لكنه ما معنى الالتزام بالوصف في المبيع الشخصي مع انه اما موجود أو مفقود؟! وما معنى الوفاء به في صورتي الوجدان والفقدان؟ قلت: معنى الالتزام بشئ والتعهد له جعل نفسه مرجعا لمطالبته منه، وتعهد الوصف بهذا المعنى والوفاء به في صورة الوجدان اداء الوصف باداء موضوعه، فان الوفاء بالعرض بتوسط الوفاء بموضوعه، وهذا غير موجب لاستحالة وفائه، والوفاء به في صورة الفقدان تدارك المفقود كما في الخروج عن عهدة العين في صورة اليد عليها فانه بادائها أو باداء ما يكون بحسب الاعتبار مرتبة من وجودها، وهذا هو معنى الخروج عن عهدة ما يتعهده الانسان، واما الخيار فهو في صورة عدم الوفاء بقول مطلق، ولعلنا نتكلم في هذه المسألة فيما سيأتي ان شاء تعالى. - قوله (رحمه الله): (وان اريد حصول الغاية بنفس الاشتراط... الخ) (1). ما يمكن الاستشكال به على شرط الغاية والنتيجة امران: احداهما: ان الالتزام بشئ والتعهد به ليس الا جعل الانسان نفسه مرجعا لمطالبة ما التزم به وتعهده كما في شرط الفعل والوصف على ما عرفت، وهذا المعنى لا معنى لتعلقه بالغاية كملكية المال لزيد، فانه لا معنى للتعهد بملكية المال لزيد فان المتعهد حينئذ ليس مرجعا لمطالبة الغاية منه مع كون المفروض تحققها بنفس الشرط، وبالجملة نفس ملكية المال لزيد لا مساس لها بالمتعهد كي يعقل تعهدها والالتزام بها بمعنى جعلها لازمة عليه. ثانيهما: ان الوجود الحقيقي للشئ التسبيبي يناسب وجوده الانشائي كما في بعت الانشائي بالاضافة الى البيع الحقيقي، وبالجملة البيع المفهومي الانشائي إذا صدر من اهله وفي محله كان بيعا حقيقيا، ولا معنى لصيرورة البيع الانشائي زواجا حقيقيا مثلا وبالعكس، وعليه فلازم الالتزام الانشائي إذا صدر في اهله وفي محله تحقق الالتزام الحقيقي وصيرورة الشخص ملتزما ومتعهدا حقيقيا في نظر الشارع


(1) كتاب المكاسب 283 سطر 21.

[ 45 ]

مثلا، لا صيرورة الالتزام الانشائي سببا للملكية الحقيقية أو الزوجية الحقيقية كما لا يخفى. والجواب: عن كليهما ان الشرط هو الجعل عن تعهد والتزام به، فالجعل تارة يكون لله تعالى عليه فيكون نذرا، واخرى يكون لغير الله عليه عن تعهد والتزام فيكون شرطا، وجعل ملكية المال لزيد متعهدا بجعله بحيث يكون مرجع ما يتعلق بهذا الجعل هو معنى شرط النتيجة، فعليه ابقاؤه أو تداركه إذا انكشف عدم قبوله للغاية التي جعلها الى غير ذلك من الشؤون الراجعة بهذا الجعل، فيكون الشرط كالبيع فان التمليك البيعي لا يخلو عن معاهدة والتزام من الطرفين بملكية كل من العوضين بازاء الاخر، غاية الامر ان التمليك البيعي مورد للالتزام، وجعل الملكية جعل تعهدي انشائي. ومنه اتضح ان جعل الملكية عن تعهد انشائي يناسب حقيقة الملكية المجعولة بتعهد حقيقي، والوفاء بهذا التعهد كالوفاء بالبيع، فان الملكية حاصلة بطور الغاية والنتيجة في كليهما، ومعنى الوفاء بالالتزام بها بعد حدوثها ابقاؤها وعدم نكث العهد والعقد والرجوع عنه فيما بعد. الاولى: وجوب الوفاء به - قوله (رحمه الله): (في وجوب الوفاء من حيث التكليف الشرعي... الخ) (1). الوجوب تارة تكليف محض، واخرى ناش عن استحقاق المشروط له على المشروط عليه عملا من الاعمال، فيجب اداؤه، ولكل منهما آثار: منها: الاجبار، فانه انما يثبت إذا نشأ الوجوب عن الاستحقاق، فانه يجوز اجباره لامتناعه عن الحق، واما على التكليف الصرف فلا اجبار الا من باب الامر بالمعروف الذي يستوي فيه المشروط له وغيره. ومنها: ان الوجوب الصرف ثابت ولو مع عدم مطالبة المشروط له، بخلاف النحو


(1) كتاب المكاسب 283 سطر 32.

[ 46 ]

الاخر فانه لا يجب اداء الحق الا عند المطالبة. والظاهر ثبوت الوجوب بكلا قسميه، بداهة ان جعل العمل للغير يوجب اعتبار استحقاقه اياه سواء كان جعله له بالاجارة أو الشرط، إذ ليس واقع الاجارة تمليك الفعل في اجارة الاعمال، بل جعل الانسان نفسه في الكراء، وجعل عمله بالاجرة، وكما ان لازم جعل العمل للغير عرفا استحقاق الغير له وتمليكه اياه في الاجارة، فكذا جعله بالشرط، وهذا هو الفارق بينه وبين النذر، وهو جعل العمل له تعالى، فانه لا يعتبر الملكية والحقية الاعتبارية بينه تعالى وبين اعمال عباده، وملكه تعالى للعباد واعمالهم واموالهم بنحو آخر غير هذه الملكية الاعتبارية ذات الاثار شرعا وعرفا، فلذا لا يؤثر الجعل له تعالى في الملكية المتعارفة له تعالى، وانما يتحقق به موضوع لوجوب الوفاء فلا ينبغي الاشكال بعد ثبوت الاستحقاق للمشروط له على المشروط عليه في وجوب الاداء، كما ان قوله (عليه السلام) (فليف لها به ويتم شرطه) (1) ونحوهما كاف في وجوب الوفاء تكليفا محضا وان لم يكن استحقاق، فان الظاهر من وجوب الوفاء هنا كالوجوب المتعلق بالوفاء بالبيع والنذر وغيرهما كونه من حيث الوفاء لا من حيث اداء ما يستحقه الغير كما يظهر من تعليله (عليه السلام)، حيث قال (عليه السلام) (من شرط لامرأته شرطا فليف لها به فان المسلمين عند شروطهم). - قوله (رحمه الله): (لظاهر النبوي المؤمنون عند شروطهم... الخ) (2). لا يخفى ان هذه القضية خبرية، والظاهر انها كناية عن احد امور: من الصحة، واللزوم، ووجوب الوفاء، واللازم حينئذ ملاحظة ان كون المؤمن عند شرطه بحيث لا ينفك عنه لازم اي واحد من الامور المزبورة، لا شبهة في عدم كونه لازما للصحة والنفوذ، إذ النفوذ كما عرفت مرارا لازم وجود الامور التسبيبة، واي ملازمة بين عدم انفكاك المؤمن عن شرطه مع تحقق شرطه؟! إذ الشرط المحقق يمكن ان يكون على نحو ينفك عنه المؤمن. فيدور الامر بين اللزوم الوضعي - وهو كونه مما لا ينحل شرعا - وبين وجوب


(1) وسائل الشيعة باب 6 من ابواب الخيار ح 5. (2) كتاب المكاسب 283 سطر 33.

[ 47 ]

الوفاء تكليفا، وظاهر بعض (1) مشايخنا هو الاول، نظرا الى ان عدم انفكاك المؤمن عن شرطه وملازمته اياه هو معنى لزوم الشرط، والظاهر هو الثاني، لان عدم انحلال الشرط شرعا صفة في الشرط لا مساس له بالمؤمن وبملازمته اياه، وانما يحتمل ذلك إذا قيل بان الشرط لا ينفك عن الشارط، بل ملازمة المؤمن لشرطه لازم وجوب ملازمته اياه فلذا كنى به عنه. فالمراد من النبوي - والله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) أعلم - هو أن المؤمن ملازم لشرطه ولا يرفع اليد عنه حيث انه يجب عليه ذلك، فايمانه يقتضي ان يكون ملازما له كما يجب عليه، ولعله الى ذلك نظر المصنف (رحمه الله) حيث ادعى ظهور النبوي في الوجوب، لا من جهة ظهوره في الوجوب من جهة التحرز في الحذف أو في الهيئة كما لا يخفى. ولا منافاة بين ما ذكرنا والاستدلال بالنبوي لصحة الشروط، إذ الوفاء مرتب على الصحة فوجوبه يكشف عن نفوذه، ومما يؤيد ما ذكر تفريع الكلية المزبورة في العلوي على الامر بالوفاء كما زبر في الحاشية السابقة. - قوله (رحمه الله): (بناء على كون الاستثناء من المشروط عليه... الخ) (2). فيكون المراد منه العصيان في الوفاء لا العصيان في اصل الاشتراط بأن يلتزم بما يخالف الكتاب مثلا. وتوهم: ان الاستثناء دائما من المشروط عليه، غاية الامر تارة يعصي في اشتراطه على نفسه، واخرى في الوفاء بشرطه. مدفوع: بان الشارط قد يكون هو المشروط له فيبيع ويشترط على المشتري كذا وكذا، فلا يتعين ارادة المشروط عليه هذا، والظاهر بملاحظة سائر الاخبار ارادة العصيان في اصل الاشتراط فيساوق قوله (عليه السلام) (الا ما احل الخ) الا ان العصيان على الاول من حيث التكليف كما هو ظاهره، وعلى الثاني من حيث الوضع وهو خلاف الظاهر من هذه الجهة.


(1) حاشية الآخوند 244. (2) كتاب المكاسب 283 سطر 34.

[ 48 ]

- قوله (رحمه الله): (ثم ان ما ذكره الشهيد (قدس سره) من ان اشتراط... الخ) (1). تفصيل القول في المقام: هو ان الشرط اما بمعنى الالتزام والتعهد، أو التقييد، أو التعليق، وما عدا الاول لا وجه وجيه له في المقام. اما التقييد فلأنه لا ينتزع عن الشئ قيديته لشئ اخر الا إذا كان الشئ من خصوصيات المقيد ومن شؤونه، فمثل الأوصاف يمكن ان يجعل قيدا في المبيع فيقال ان المملوك امر خاص، بخلاف غيرها من الافعال والغايات سواء جعلت قيودا للمبيع أو للملكية، بداهة ان الخياطة مثلا ليست من خصوصيات المبيع ولا من شؤون الملكية كي يلاحظ المملوك أو الملكية على نهج خاص كي ينتزع منه القيد والتقييد واشباههما، وكذا الامر في الغايات فان ملكية المال لزيد ليست من شؤون المبيع ولا الملكية المنشأة بالبيع حتى يمكن ملاحظتها على وجه القيدية لاحدهما. واما التعليق فمع بعده عن ظاهر العبارة يتوجه عليه ما افاده المصنف (رحمه الله) في الكتاب، وهو ارتفاعه من رأس لا انقلابه جائزا، بل اللازم عدم تحققه من رأس لا تحققه وارتفاعه على الاختلاف في المبنى. واما دعوى: ان المعلق على الفعل هو اللزوم دون الصحة، بتقريب: ان البيع مع الشرط في قوة قوله " ملكتك ملتزما بذلك ابدا على كذا "، بارجاع التعليق الى الحيثية المزبورة. مدفوعة: بان اللزوم والجواز حكمان شرعيان أو عرفيان مرتبان على السبب المملك أو الملك، ولا يعقل ان يكون الحكم من خصوصيات موضوعه كي يعقل تعليقه على شئ. الثانية: هل يجبر لو امتنع - قوله (رحمه الله): (لعموم وجوب الوفاء بالعقد والشرط... الخ) (2). قد عرفت ان وجوب الوفاء بما هو وجوب الوفاء لا دخل له بالوجوب المرتب


(1) كتاب المكاسب 284 سطر 12. (2) كتاب المكاسب 285 سطر 4.

[ 49 ]

على استحقاق المشروط له عمل المشروط عليه، ومثل هذا الوجوب لا يوجب جواز الاجبار الا من باب الامر بالمعروف الذي يشترك فيه المشروط له وغيره، ومنه يظهر عدم المنافاة في كلمات الجماعة بين القول بوجوب الوفاء والقول بعدم جواز الاجبار. - قوله (رحمه الله): (فان العمل بالشرط ليس الا كتسليم العوضين... الخ) (1). تعليل لاقتضاء وجوب الوفاء جواز الاجبار، وظاهره ان وجوب التسليم في العوضين من جهة وجوب الوفاء فكذا ما نحن فيه لاشتراكهما معا في الملك والاستحقاق. لكن قد عرفت (2) غير مرة ان الوفاء بالعقد انما هو القيام بمقتضاه وعدم رفع اليد عنه، وما تعلق به العقد والعهد نفس ملكية العوضين دون التسليم والتسلم، والوفاء به حينئذ ابقاء الملكية وعدم نكث العقد بازالتها، بل ما نحن فيه أولى من هذه الجهة، فان متعلق الشرط هو الفعل والوفاء به حينئذ ايجاده، لكنه قد عرفت ان مجرد وجوب ادائه من جهة الوفاء لا ربط له بالوجوب من حيث انه مال الغير وما يستحقه، فتدبر جيدا. الثالثة: هل للمشروط له الفسخ - قوله (رحمه الله): (هل للمشروط له الفسخ مع التمكن من الاجبار... الخ) (3). تحقيق المقام: ان منشأ ضررية لزوم العقد المشروط فيه عند امتناع المشروط عليه عدم ايجاد الشرط، اعني الخياطة مثلا، وهذا المعنى لا يرتفع بمجرد امكان الاجبار، فإذا كان للمشروط له حق المطالبة من المشروط عليه وامتنع وكان العقد لازما في هذا الزمان كان اللزوم ضرريا في هذه الحال، مع انه مرفوع في جميع الاحوال، وامكان الاجبار في قوة امكان رفع الضرر بالاجبار على الفعل الذي معه لا ضرر ولا


(1) كتاب المكاسب 285 سطر 4. (2) تعليقة 47. (3) كتاب المكاسب 285 سطر 9.

[ 50 ]

ضرار، والضرر مرفوع وإن أمكن رفعه أو تداركه، واتضح ان الاخذ بالخيار في عرض جواز الاجبار، لا انه مرتب على تعذره، هذا إذا كان المرفوع بقاعدة نفي الضرر هو الحكم الضرري. واما بناء على ان المرفوع هو الحكم بلسان رفع موضوعه الضرري فلا وجه للخيار اصلا، لان العقد على الملكية ليس بضرري، وشرط الخياطة المؤثر في استحقاقها كذلك، بل المفروض موافقتهما للغرض، والامتناع عن الخياطة في الخارج لا ربط له بالعقد والشرط، فضرريته يوجب رفع حكمه المناسب رفعه للمنة، لا رفع ما ليس بضرري، ومن الواضح انه لا حكم يقتضي الامتنان رفعه عن الامتناع الضرري. وعليه فلا مقتضي للخيار - حتى مع تعذر الاجبار - الا الاجماع، وحينئذ فالمتيقن منه صورة تعذر الاجبار، وقد عرفت سابقا ان دعوى الخيار بمقتضى العقد والشرط نظرا الى تقييد لزومه أو تعليقه على الشرط لا وجه لها فراجع (1). ثم ان ما ذكرناه من عدم تخلف الشرط والغرض انما هو في الشرط المبحوث عنه في هذه المباحث اعني شرط الفعل، فانه ليس من تخلف الشرط، بل تخلف من الشرط. واما شرط الوصف والغاية فلا يعقل ان يؤثر شيئا مع فقدان الوصف وعدم قبول الشئ للغاية من الملكية ونحوها، إذ المفروض عدم الطرف للالتزام، ولذا قلنا ببطلان الاجارة إذا لم يكن للمنفعة في ظرف الاجارة ثبوت وتحقق حيث لا طرف للملكية حينئذ، وعليه يدخل الشرطان في مسألة تخلف الشرط الموجب للخيار حتى بناء على ما سلكناه في قاعدة نفي الضرر، حيث ان هذه المعاملة مع هذا الشرط المتخلف ضررية فيرفع حكمها. نعم إذا كان متعلق الغاية امرا كليا فلا تخلف للشرط حينئذ، بل حالة حال شرط الفعل، كما ان ما ذكر في شرط الوصف ايضا قد يوجد في شرط الفعل، وهو ما إذا كان الفعل واقعا بحيث لا يمكن ان يوجد، فان الشرط لا يعقل ان يؤثر في استحقاق المحال، فيكون حاله حال شرط الوصف والغاية، فافهم جيدا.


(1) تعليقة 52.

[ 51 ]

- قوله (رحمه الله): (هو العمل على طبق الشرط اختيارا أو قهرا... الخ) (1). هذا لو سلم فانما ينتج ان وجوده بالقهر والاجبار كوجوده لا عن قهر واجبار متعلق للغرض، ومعه لا ضرر، وانه أحد فردي الشرط، ولا ينتج عدم لزوم ضررية اللزوم مع امكان الاجبار، لان مقتضى امكان الاجبار امكان وجود الشرط المتعلق به الغرض لا وجوده، وما هو الشرط هو وجود العمل لا امكانه، فتدبر جيدا، هذا مع ما في مقابلة القهر مع الاختبار من المسامحة. - قوله (رحمه الله): (الا ان يقال ان العمل بالشرط حق لازم... الخ) (2). حاصله: ان مجرد ثبوت الحق لا يقتضي الاجبار، بل الاجبار يدور مدار البناء على استيفاء الحق ممن عليه الحق، وهنا ليس كذلك، إذ امتناع المشروط عليه نكث للعقد ونقض له، فللمشروط له حينئذ نقض العقد ونكثه، فيكون كالتقابل من حيث رضا كل واحد منهما بعدم الوفاء بالعقد. اما كون امتناع المشروط عليه نكثا ونقضا دون الامتناع من التسليم في البيع فلما عرفت سابقا من ان الوفاء بالعقد هو القيام بمقتضى العقد، وهو يختلف باختلاف مقتضيات العهود، فحيث ان مقتضى عقد البيع ملكية العين فالوفاء به اقامة هذا المقتضي وعدم رفع اليد عنه، وهو عبارة اخرى عن ابقاء الملكية، فالامتناع من التسليم ليس منافيا للوفاء بالبيع، بل منافي الادلة الاخر، وحيث ان متعلق الشرط هو العمل - اي الخياطة مثلا - وإن أثر تعلق الشرط بها استحقاقها فالوفاء به القيام بمقتضاه وهو اتيان العمل وايجاده في الخارج، فالامتناع عنه نقض ونكث له، وحينئذ يجوز للاخر ايضا نقضه ونكثه فيكون تقابلا كما يجوز اجباره على الاداء. وفيه: - بعد تسليم جميع المقدمات - ان الامتناع عن الشرط نقض للشرط لا للعقد، كي يجوز للمشروط له نقض العقد، ولذا لو بنيا على عدم الوفاء بالشرط وتراضيا على عدمه لا احتياج الى تجديد العقد، فتدبر.


(1) كتاب المكاسب 285 سطر 12. (2) كتاب المكاسب 285 سطر 12.

[ 52 ]

الرابعة: لو تعذر الشرط - قوله (رحمه الله): (لو تعذر الشرط فليس للمشتري الا الخيار لعدم دليل على الارش... الخ) (1). لا يخفى ان الكلام في تعذر الشرط، لا فيما إذا اشترط المتعذر في حال الشرط أو في حال ادائه واقعا، فان الشرط حينئذ غير مؤثر لعدم معقولية استحقاق المحال أو المعدوم. ثم ان الشرط كما انه ليس مقابلا بشئ من الثمن مثلا في مقام التسبب كذلك في مقام اللب، بداهة ان الاوصاف والنتائج ومالا يقابل بالمال من الاعمال لا يعقل ان يكون مقابلا بشئ من الثمن في عالم من العوالم، إذ المقابلة كالمبادلة لا تكون الا بلحاظ أمر آخر، وهو هنا الملكية، والاوصاف لا تقوم مقام شئ في صفة الملكية، فانها لا تملك بما هي اعراض للأموال وان كانت موجبة لاختلاف الرغبات بوجودها وعدمها، وهكذا النتائج فان الملكية لا تملك والحرية والزوجية كذلك كما هو في غاية الوضوح. وهكذا الاعمال التي لا يبذل بازائها المال كالاعتاق والوقف وغيرهما من الامور التسبيبة التي لا مالية لها عرفا، فانها إذا لم يبذل بازائها المال عرفا في مقام التسبب فكيف حالها في مقام اللب، وحال الاعمال التي يقبل البذل بازائها يعلم من حال ما ذكر، فان اشتراط الجميع لبا وتسببا على نهج واحد وطرز فارد، كما لا يكاد يخفى على المتأمل فيها. وتوهم: ان تمام العوض وان كان في قبال العين الا ان اعطاء بعض ذلك في مقابل العين انما هو في مقابل الشرط نظير مقابلة الهبة بالهبة، فإذا بان فساد احداهما كان للاخر فسخ الاخرى. مدفوع: بان مرجعه الى ان الداعي الى بذل الزائد على ما يسوى العين هو الشرط،


(1) كتاب المكاسب 285 سطر 17.

[ 53 ]

فعدمه لا يوجب الا تخلف الغرض وهو يوجب الخيار، ونحن نقول بموجبه، وما افيد انما يوجب الرجوع في الزائد إذا كان بذل الزائد مقابلا للشرط في معاوضة من المعاوضات العقدية، حتى يكون الرجوع عن البذل بواسطة الامتناع عن الشرط موافقا لقاعدة المعاوضة، وأنى له بمثله في المقام؟! بل مقابلة الشرط للأعطاء المذكور بحيث يصير احدهما معوضا والاخر عوضا غير معقولة الا بأخدهما كذلك في عقد معاوضة من المعاوضات كما نبهنا عليه في باب المعاطاة، إذ الاعطاء حال تعلقه بمتعلقه ملحوظ آلي، وفي صيرورته معوضا لابد ان يلحظ بلحاظ استقلالي، والجمع بينهما محال فلا تغفل. - قوله (قدس سره): (ولو كان الشرط عملا من المشروط عليه يعد مالا... الخ) (1). قد عرفت أن شرط الفعل مطلقا يؤثر في استحقاق المشروط له على المشروط عليه، وهنا حيث ان العمل من الاموال ويقابل بالمال فلا محالة تملكه عليه على حد سائر الاملاك في الذمم، وحينئذ فله المطالبة ببدله لان المال وان تعذر بخصوصيته لكنه غير متعذر بماليته، فله مطالبة البدل المتمحض في المالية. نعم لو كان قاعدة التلف قبل القبض جارية في غير البيع حتى ما نحن فيه لكان المتجه حينئذ انفساخ العقد، لان التعذر هنا كالتلف، ولذا قيل به في باب الاجارة بمجرد تعذر الاستيفاء بمضي زمان يمكن فيه الاستيفاء. الا ان الذي يضعفه ملاحظة حال السلف إذا تعذر ما اسلف فيه، فان مقتضى الاخبار فتاوى المشهور انحصار الامر في الخيار أو الصبر الى زمان الامكان، وان قال بالتنزل الى البدل هناك جماعة ايضا، بل لا مجال في المقام الا للخيار إذا كان اداء القيمة ضرريا على المشروط عليه لزيادته جدا على مالية المبيع الذي بلحاظه التزم على نفسه بالخياطة، واقدامه على الالتزام بنفس الخياطة ليس اقداما على اداء ماليته حتى في صورة زيادته على المتعارف.


(1) كتاب المكاسب 285 سطر 23.

[ 54 ]

- قوله (رحمه الله): (وان كان مقتضى المعاوضة بين... الخ) (1). لا مساس له بما قبله، إذ مدار القيمة على مالية العمل لا على مقابلته بشئ، كما ان مدار الارش على لحاظ المقابلة وان لم يكن له مالية، فهذه العبارة انما تناسب ما إذا استوجه الارش لا القيمة، فتدبر. الخامسة: إذا تعذر الشرط وقد خرجت العين عن الملك - قوله (رحمه الله): (فالظاهر عدم منع ذلك عن الفسخ... الخ) (2). ليس الكلام في مانعية الخروج عن الفسخ فانه لا خصوصية للمقام بعد امكان الفسخ في غير المقام، بل الكلام في اقتضاء تعذر الشرط للخيار فانه مما يختلف فيه الحال باختلافه (3) مداركه، إذ بناء على القول به من جهة قاعدة نفي الضرر فلا ريب في ضررية لزوم العقد مع الخروج كما لا معه، وعلى القول به من جهة الاجماع - كما هو الوجه - فيدور مدار تحقق الاجماع حتى مع الخروج، والا فمع احتمال الخلاف كما يظهر من قوله (رحمه الله) (فالظاهر... الخ) فاللازم الأخذ بالمتيقن، وهو ما لم يخرج أحد العوضين عن تحت سلطنة المالكين. الا ان يقال ان قوله (رحمه الله) (فالظاهر) بالنسبة الى عدم مانعية الخروج لا بالاضافة الى وجود المقتضي كما هو ظاهر كلامه (رحمه الله)، وحينئذ فيرد عليه انه لا خصوصية للمقام، وليس من احكام الشرط في صورة تعذره وخروج العين، بل امر كلي جار في جميع الخيارات لا يناسب البحث عنه في المباحث الموضوعة للبحث عن عوارض شرط الفعل واحكامه، بخلاف ما ذكرنا اولا في تحقيق عنوان المسألة. - قوله (رحمه الله): (واما لو كان منافيا كبيع ما اشترط وقفه... الخ) (4). والتحقيق ان الشرط لايمنع عن التصرفات المضادة والمنافية للتصرف الواقع في حيز الاشتراط لا وضعا ولا تكليفا.


(1) كتاب المكاسب 285 سطر 28. (2) كتاب المكاسب 285 سطر 30. (3) هكذا في الاصل، والصحيح (باختلاف). (4) كتاب المكاسب 285 سطر 32.

[ 55 ]

اما عدم المنع تكليفا فلأن الثابت بوجوب الوفاء نفس عتق العبد، وبيعه ضد للعتق، وايجاب الضد لا يقتضي حرمة الضد الا على القول بمقدمية عدم الضد لوجود ضده، فحينئذ يجب ترك البيع فيحرم فعله عرضا، الا ان المبنى ضعيف كما حرر في الاصول. واما عدم المنع وضعا فلأنا وإن قلنا بان الشرط يوجب الحق تارة والملكية اخرى الا انه في متعلقه لا في غيره وان كان لمتعلقه نحو تعلق به، ومن الواضح ان المتعلق هو العتق فيستحقه البائع على المشتري بشرطه، ولا يحدث له بهذا الشرط حق في متعلق متعلقه، الا ترى انه لو اشترط عليه عمارة المسجد أو القنطرة أو خياطة ثوب زيد لا يحدث بسبب الشرط للمشروط له حق في المسجد ولا في القنطرة ولا في ثوب زيد، فكذا هنا، لان الشروط في جميع هذه الفروض متساوية الاقدام، وقابلية بعضها لتعلق الحق به لا يقتضي تعلق الحق به مع عدم تعلق الشرط به. فان قلت: سلمنا ان الشرط لا يوجب احداث حق في العين لكنه سيجئ ان شاء تعالى في مبحث احكام الخيار ان التصرف الناقل يمنع عن الفسخ الحقيقي، فلا يمكن انفاذه للمنافاة، والتنزل الى الفسخ الحكمي يحتاج الى دليل خاص، فلا وجه لتجويز التصرفات الناقلة المنافية لحق الفسخ الحقيقي. قلت: فرق بين ما نحن فيه وما سيأتي ان شاء تعالى، فان الخيار هناك ثابت قبل التصرف، فالترخيص فيه وانفاذه ينافيه، بخلاف المقام فان منشأ الخيار هنا تعذر الشرط بنفس التصرف الناقل، ومثل هذا الخيار لا يعقل ان يكون على وجه ينافي نفوذ التصرف الناقل، فتدبر جيدا. وعلى هذا فالوجه نفوذ التصرف وضعا وثبوت الخيار والتنزل الى البدل، فيكون جمعا بين الادلة جميعا. ثم هذا كله لو باع العبد مثلا بيعا لا خيار له فيه، واما إذا كان له الخيار فيه فللمشروط له اجباره على فسخه لعدم تعذر الشرط بقول مطلق مع امكان فسخه. ومنه يظهر ما في كلامه (زيد في علو مقامه) فيما سيأتي ان شاء تعالى حيث بنى

[ 56 ]

الصحة والبطلان على القول بالاجبار وعدمه، فان نظره الشريف (قدس سره) ان كان الى كشف الاجبار عن الاستحقاق ففيه انه مسلم الا انه بالاضافة الى العتق لا العين كما عرفت. وان كان نظره (رحمه الله) الى اقتضاء جواز الاجبار للفسخ والزام الوفاء فهو غير صحيح، لعدم اقتضاء جواز الاجبار سلطنة المشروط له على فسخ عقد المشروط عليه بوجه من الوجوه، والزامه بالوفاء انما يصح مع تمكنه من فسخ عقده، وهو فيما ذكرنا آنفا وهي صورة ثبوت الخيار له في بيعه. السادسة: هل للمشروط له اسقاط شرطه - قوله (رحمه الله): (للمشروط له اسقاط شرطه إذا كان... الخ) (1). لا يخفى عليك ان امر الاسقاط والابراء لا يدور مدار تعلق الشرط بالفعل أو النتيجة، بل مدار الكلية والشخصية، فإذا تعلق الشرط بملكية مال شخصي فهو غير قابل للابراء ولا للاسقاط، إذ الابراء يتعلق بالكلي الذمي وهو هنا غير خارجي، والاسقاط يتعلق بالحقوق لا الاملاك، وليس في شرط الملكية بنحو النتيجة الا حصول الملكية بنفس الشرط. واما إذا تعلق الشرط بملكية كذا في ذمة المشروط عليه فهو بعد ثبوته ملك كلي ذمي يقبل الابراء، وإذا تعلق الشرط بعمل من الاعمال فان كان مما يقبل ان يقابل بالمال فهو مملوك للمشروط له بالشرط فيقبل الابراء، وان لم يكن قابلا للمقابلة فليس هناك الا الاستحقاق، والحق قابل للاسقاط. السابعة: هل يقسط الثمن على الشرط - قوله (رحمه الله): (فهل يلاحظ جانب القيدية ويقال... الخ) (2). يمكن تحرير النزاع بوجهين:


(1) كتاب المكاسب 286 سطر 7. (2) كتاب المكاسب 286 سطر 22.

[ 57 ]

احدهما: صغرويا وهو ان قوله " بعتك هذه الارض على ان تكون عشرة اذرع " هل مفاده بيع الارض الشخصية بشرط وصف كذا؟ ففي صورة النقص ليس الا تخلف الوصف، أو مرجعه الى بيع عشرة اذرع من هذه الارض الشخصية بنحو الكلي في المعين؟ ففي صورة النقص لم يتحقق الكلي المبيع في هذه الارض، فللمشتري خيار تبعض الصفقة بالاضافة الى الفائت، ولازمه تقسيط الثمن. وثانيهما: كبرويا وهو ان الشرط على ما هو عليه من دون رجوعه الى الجزئية الا ان هذا الشرط محكوم بحكم الجزء من بين سائر الشروط عرفا فيقسط الثمن، وفي قباله دعوى مساواته مع سائر الشروط حكما عرفا وشرعا، والالتزام بكلا الامرين مشكل. اما رجوع الشرط الى بيع الكلي في المعين فتكلف كما اشار إليه صاحب جامع المقاصد. واما الحكم عرفا عليه بالجزئية وتقسيط الثمن فمما لا معنى له، إذ بعدما كان التقابل بين الارض الشخصية وتمام الثمن بحسب تسبيب المتبايعين فكيف يعقل الانقلاب عما هو عليه؟! بجعل الارض في قبال بعض الثمن، وهل هو الا ابطال ما وقع؟! والحكم بمعاوضة قهرية بين العين وبعض الثمن. وبالجملة: حفظ الموضوع والحكم عليه بما شاء الشرع أو العرف معنى، وقلب الموضوع الى موضوع آخر معنى آخر، والكلام في الاول، ولازم الحكم العرفي في المقام هو الثاني، وهو مشكل جدا. ويمكن ان يقال: ان شرط الاوصاف يرجع دائما الى توصيف المبيع مثلا، والا فالالتزام والتعهد بوصف شخصي في عين شخصية لا معنى له بعد تبعية واقع الوصف والموصوف لما هما عليه في متن الواقع، ولم يلتزم أحد بتدارك الوصف المفقود بملاحظة تعهده في مقام البيع، والا كان للالتزام والتعهد وجه كما اشرنا إليه سابقا في مقام امكان تعهد الاوصاف. وإذا كان مرجع شرط الوصف الى توصيف المبيع نقول: ان الاوصاف والاعراض تختلف، فمنها مالا يوجب وجوده ولا شدته سعة في وجود معروضه ولا عدمه

[ 58 ]

وضعفه عدم الموصوف وضعفه كالكيف، فان اصل السواد وشدته لا يوجب وجودهما ولا عدمهما تفاوتا في ناحية ذات موضوعه، ومنها كالكم المتصل أو المنفصل فانه يلازم الموضوع وجودا وعدما سعة وضيقا كما هو واضح. ومن البين انه لا فرق عرفا بين قول القائل بعت هذه الارض الموصوفة بكونها عشرة اذرع وبين قوله بعت هذه العشرة اذرع مشيرا الى الارض الشخصية، فان المنساق من العبارتين معنى واحد وهو بيع المتكمم بكم كذا، فإذا تخلف الكم فقد تخلف المتكمم، فهو نظير ما إذا اشار الى موضع وقال بعت هذين العبدين فتبين ان المشار إليه واحد فهل يشك متفطن لبيب في ان المتخلف هو المبيع؟! أو يدعى ان المبيع هو العبد والاثنينية وصف فيه، فليس هنا الا تخلف الوصف، ومن الواضح عدم الفرق بين الكم المتصل والكم المنفصل، وقد عرفت عدم رجوع الامر الى بيع الكلي في المعين بل بيع الجزئي، فافهم جيدا. - قوله (رحمه الله): (لا بشرط عدم الزيادة فالظاهر ان الكل للمشتري ولا خيار... الخ) (1). لا يخفى عليك ان المملك لتمام العين الشخصية نفس العقد عليها، ولا بشرطية المقدار أجنبية عن هذا المعنى، بداهة ان اللابشرط لايمنع عن الملكية في صورة الزيادة، لا انه مقتض لملكية الزائد، بل اللابشرطية والبشرط لائية انما ينفعان في الخيار، لان العشرة اللابشرط متحققة في الاثنى عشر، والعشرة البشرط لا ليس كذلك، فالوصف غير متخلف في الاول فلا خيار، ومتخلف في الثاني فيقتضي الخيار. واما جعل اعتبار البشرط لا في المقدار كالاستثناء عن المبيع حتى تكون الزائد للبائع فلا وجه له، إذ هذا الاعتبار من اعتبارات المقدار الواقع في حيز الاشتراط لا من اعتبارات المتقدر والمبيع حتى يمكن جعله كالاستثناء عن المبيع، فافهم واستقم.


(1) كتاب المكاسب 287 سطر 18.

[ 59 ]

حكم الشرط الفاسد الاول: عدم وجوب الوفاء به - قوله (رحمه الله): (بل هو داخل في الوعد فان كان العمل به... الخ) (1). ربما يرد بان الوعد نحو من الاخبار في قبال الوعيد، فلا معنى لكون الشرط بعد عدم الحكم بنفوذه شرعا وعدا حقيقة. ويمكن دفعه في شرط الفعل فانه مشتمل على الاخبار بالفعل فيستحب انجازه وان يصدق وعده. واما تقييده (قدس سره) استحباب الوفاء بالقول بعدم فساد العقد فغير واضح، لان تحقيق الوعد غير موقوف على كونه في ضمن العقد، الا ان يكون المراد بالوعد عنده مجرد الالتزام الضمني الذي لا يجب الوفاء به وهو كما ترى، فتدبر. - قوله (رحمه الله): (وانما الاشكال في ما كان فساده لا لامر مخل بالعقد... الخ) (2). والاولى ان يقال محل الكلام ما لم يكن الشرط بوجوده مخلا بالعقد، والا فمن الواضح ان فساد العقد لا يكون الا باختلال فيه لاستحالة تخلف الحكم عن موضوعه التام. - قوله (رحمه الله): (وثانيا منع جهالة ما بازاء الشرط... الخ) (3). الفرق بين هذا الجواب والجواب الآتي هو ان نظره في هذا الجواب الى انه لا جهالة في هذه المرتبة اصلا، وفي المرتبة الثانية يمكن رفع الجهالة الطارية، كما في وصف الصحة فان عوض الصحيح المعقود عليه معلوم، والمعيب الواقعي معلوم القيمة واقعا. ونظره (رحمه الله) في الثاني الى ان اللازم معلومية المرتبة الاولى، واما المرتبة الثانية فلا دليل على رفع الجهالة فيها ولو بالرجوع الى العرف فلا يضر بقاؤها على الجهالة ابدا،


(1) كتاب المكاسب 287 سطر 25. (2) كتاب المكاسب 287 سطر 29. (3) كتاب المكاسب 288 سطر 10.

[ 60 ]

وكلا الوجهين مشتركان في ان الجهالة اللازم رفعها هي الجهالة في نظر المتعاقدين في مرحلة المعاقدة والمعاهدة، لا في المرحلة المنحلة إليها، وسيأتي ان شاء تعالى ان صحة العقد مبنية على نظير تعدد المطلوب، ولابد في تصحيح العقد من دعوى العقد على الفاقد كالواجد ليعمه دليل صحة العقد، وحينئذ فدليل الصحة ودليل لزوم رفع الجهالة بالاضافة الى هذه المرتبة متساوي النسبة، وانتظر لتمام الكلام فيما بعد ان شاء تعالى. - قوله (رحمه الله): (ان التراضي وقع على العقد الواقع على النحو الخاص... الخ) (1). وربما يزاد على ذلك فيقال المعاملة مقيدة بحسب الانشاء، لان الشرط قيد وبانتفائه ينتفي المقيد، فمع قطع النظر عن اعتبار الرضا يتم الوجه. قلت: قد عرفت سابقا ان قيدية الشئ لشئ ليس عن جزاف، بل الشئ انما يصلح لتقييد شئ به إذا كان من شؤونه وخصوصيات وجوده، وهذا انما يعقل في شرط الاوصاف دون شرط الافعال والنتائج، إذ ليس شئ من الفعل والنتيجة والالتزام بهما من شؤون الملك ولا الملكية ولا التمليك ولا الرضا كما هو اوضح من ان يخفى على من التفت الى حقيقة التقييد، وشرط الاوصاف ان كان بمعنى الالتزام بها كذلك لا يعقل ان يكون قيدا لشئ مما ذكر كما هو واضح. بل المعقول تقييد المبيع بنفس الوصف بارجاع شرط الوصف الى تقييد المبيع بنفس الوصف لما سمعت سابقا ان التعهد بالوصف مع عدم التزام الفقهاء بتدارك الوصف لا محصل له، فلابد من ارجاعه الى توصيف المبيع بلسان الشرط، فلابد من التكلم في خصوص شرط الوصف، وعليه فالرضا غير مقيد بشئ، بل رضا بالمقيد كما ان العقد ايضا كذلك. والتحقيق: ان الوصف انما يكون مقيدا وموجبا لتنويع موصوفه وضيق دائرته إذا تعلق بموصوف كلي، والكلام في بيع العين الشخصية موصوفة بالوصف، ومن البين ان توصيف القيد الشخصي لا يعقل ان يقيده ويضيق دائرته كي يكون الرضا متعلقا


(1) كتاب المكاسب 288 سطر 12.

[ 61 ]

بغيره عند ظهور فقدان الوصف، بل البيع بمباديه تعلق بهذا العبد الشخصي الموصوف بوصف مفقود فيه واقعا، فليس هنا الا تخلف وصف الملك الموجب لتخلف الغرض، وحيث ان الغرض غرض عقدي لا خارجي فلذا يوجب الخيار. ومما ذكرنا عرفت عدم تخلف الرضا وعدم تعلقه بالمقيد كي لا يكون رضا بالمجرد، نعم عدم الرضا تقديري بمعنى انه لو علم بفقدانه لم يكن يرضى بهذا العبد الشخصي لكنه اعتقد واعتمد على تعهد البائع فرضي وتملكه، ومن الواضح ان العبرة بالرضا الموجود فعلا لا بعدم الرضا تقديرا. واما النقض: بما إذا اشترى الموجود في البيت بعنوان كونه عبدا حبشيا فبان حمارا وحشيا، بلحاظ ان الرضا والملكية قد تعلق بالموجود، وانما تخلف عنوانه. فمندفع: بان المعقود عليه ليس هو الموجود بوصف كونه عبدا حبشيا ليكون المتخلف وصف الملك، بل المعقود عليه هو العبد الحبشي المشار إليه، فالمتخلف هو المبيع لا وصفه، فيكون كما إذا قال بعت هذا العبد مشيرا به الى موضع فبان خلوه عنه، ووجود الحمار كعدمه حينئذ. والحاصل المعقود عليه وإن كان شخصيا الا ان المتخلف قد يكون ذاته كما في المثال، واخرى وصفه كما في المقام، وتخلف الوصف بعد تسليم عدم كون الوصف مضيقا لدائرة الشخص لا يوجب انتفاء الرضا بملكية الشخص، نعم يكشف التوصيف عن دخله في الغرض الداعي الى العقد وتخلفه يوجب الخيار. وهذا الذي سلكناه أمر كلي جار في جميع الشروط المتخلفة صحيحها وفاسدها، والخيار بناء عليها على طبق القاعدة، بخلاف ما سلكه المصنف (رحمه الله) في ما سيأتي ان شاء تعالى فانه لا يجري الا في طائفة خاصة من الشروط، وكذا ما سلكه شيخنا الاستاذ العلامة (ادام الله ايامه) من الالتزام بتعدد المرتبة في المعقود عليه، نظير تعدد المطلوب في التكاليف المؤقتة أو المقيدة بقيد آخر فانه غير خال عن شوب التكلف والاشكال كما سيظهر فيه الحال ان شاء تعالى.

[ 62 ]

- قوله (رحمه الله): (وحل ذلك ان القيود المأخوذة في المطلوبات الشرعية... الخ) (1). ظاهر كلامه (زيد في علو مقامه) ان الفاقد للقيد الغير الركني متحد مع الواجد عرفا، وهذا الاتحاد هو الموجب لعدم الحاجة الى التراضي والانشاء بالاضافة الى الفاقد، لا من جهة تعدد المرتبة للمطلوب والمعقود عليه. والخدشة فيه بان الركنية والمقومية وعدمهما لا يمكن ان تناط بنظر العرف، بل لابد ان تناط بنظر العاقد فلا اتحاد بين الواجد والفاقد. مدفوعة بان القيد إذا كان عند العرف والعقلاء كذلك فارادة خلافه بجعله مقوما للمعقود عليه تحتاج الى نصب قرينة صارفة لما يقتضيه القرينة النوعية. نعم يرد عليه: ان اللازم ملاحظة ذات القيد سواء اخذ بنحو الشرط أو غيره، مع ان المهم في هذا المقام ملاحظة حال الشرط ولو نوعا وغالبا. فالاولى ان يقال: ان مطمح نظر العرف والعقلاء في معاملاتهم المشتملة على الشروط هو ذات المعوض والعوض، والشرط تابع، فنفس القيد المأخوذ على وجه الشرطية حاله التابعية في الغرض دون الاصالة وان كان في حد ذاته ما كان، فهذه قرينة نوعية عند العقلاء محفوفة بالمعاملات، وارادة خلافها تحتاج الى نصب قرينة. وعليه فليست صحة المعاملة من جهة الاتحاد بين الواجد والفاقد عرفا، بل من جهة ان الغرض الاصيل الذي لا مجال لتخلفه قائم بالاعم من الواجد والفاقد، وإن كان الغرض الاقصى قائما بخصوص الواجد، هذا بحسب مرتبة الرضا وقد عرفت تعلقه بكلتي المرتبتين. واما تصحيح مقام الانشاء فتقريبه: ان ذات المعقود عليه لم يتقيد بقيد مطلق كي ينتفي بانتفائه، بل تقيد بقيد السلامة (2) موضوعا وحكما، فإذا تخلف واقعا أو كان بحكمه شرعا فلا قيد فلا ينتفي المطلوب، والقيد وان كان بحسب جعل المتعاقدين مطلقا الا ان احتفافه بالقرينة النوعية الكاشفة عن الاغراض النوعية العقلائية موجب لتقيده بما ذكرنا، فانتفاؤه لا يوجب انتفاء المعقود عليه كما لا يوجب انتفاء التراضي.


(1) كتاب المكاسب 288 سطر 21. (2) هذا هو الصحيح، وفي الاصل (تقيد مقيد بالسلامة).

[ 63 ]

نعم يتوجه عليه امران: احدهما: ان الفاقد بعد ما كان معقودا عليه فنسبته دليل صحة العقد ودليل رفع الجهالة عن مرحلة العقد إليه على حد سواء، فلابد من الالتزام بالبطلان مع عدم رفع الجهالة في مرحلة العقد، وهذا الاشكال وان لم يكن له وقع في المقام لابتنائه على ما مر فساده من التقسيط عند تخلف الشروط، لكنه لا مناص عنه في مسألة تبعض الصفقة، بل في شرط الكمية الموجب للتقسيط عنده (قدس سره) وعند غيره، ولا مدفع له الا قصور دليل رفع الجهالة عن مثل المقام. ثانيهما: ان الخيار في المقام وفي تبعض الصفقة من جهة نقض الغرض، والمفروض تصحيح العقد على الفاقد والبعض بالموافقة للغرض والاقدام عليه وان تخلف الغرض الاقصى فلا نقض للغرض، ولا ضرر كي ينجبر بالخيار، فلابد في اثبات الخيار من التماس دليل اخر من اجماع ونحوه، وهذا بخلاف ما سلكناه سابقا كما لا يخفى. - قوله (رحمه الله): (فبظهور لا ينبغي في الكراهة... الخ) (1). فان قلت: مورد هذا الخبر خارج عن محل النزاع، لان الوضيعة المشروط كونها على البائع مجهول، فيسري الجهالة في العقد فيختل العقد، وان كان الشرط في حد نفسه صحيحا. قلت: فرق بين ما إذا شرط على البائع ان تكون وضيعة المبيع عليه، وما إذا شرط ان لا تكون وضيعته على نفسه وان كان مستلزما لكون الوضيعة على البائع، فالشرط على الاول غرري، وعلى الثاني لا غرر، وان كان لازم الشرط امرا غرريا، وما هو قيد للمبيع نفس الشرط لا لازمه، فتدبر. ولعل وجه كراهة البيع على هذا النحو كون المشروط امرا غير معقول، إذ الخسارة الواردة على المال انما تكون على مالكه، ولا يعقل ان يكون نفس هذه الخسارة على غيره، واما الالزام بتداركها فمعقول الا انه خارج عن مدلول الخبر.


(1) كتاب المكاسب 288 سطر 34.

[ 64 ]

- قوله (رحمه الله): (من جهة عدم الاختيار الناشئ عن التزامه في خارج العقد... الخ) (1). تقييد الالتزام بكونه في خارج العقد بملاحظة ما سيأتي ان شاء تعالى منه (قدس سره) في آخر مبحث النقد والنسيئة ان عدم الطيب الناشئ عن الالتزام اللازم الوفاء غير قادح في صحة العقد، وسيجئ ان شاء تعالى ما فيه، مع انه لو سلم هذا التخصيص فحمل الروايتين على ذلك لا وجه له، بداهة ان المراد من الطيب المعتبر في المعاملات اعم من الطيب الطبعي والعقلي، ومنه الطيب الناشئ عن الاضطرار الى بيع الدار مثلا، والطيب الموجود في المقام لا ينقص عنه، والخارج بالدليل صورة الاكراه فقط. ولولا الفقرة الآتية في المبحث الآتي لامكن توجيه تخصيص الالتزام بالخارج عن العقد بان مراده (قدس سره) دعوى عدم دلالة الرواية على مفسدية الشرط الفاسد، لا دعوى دلالتها على صحة المشروط بالشرط الفاسد ولو كان الشرط الفاسد في ضمن العقد، ومع ذلك لم يكن مفسدا كانت الرواية دليلا على صحة المشروط بالشرط الفاسد. وفي مقام رد الخصم المستدل بالرواية على فساد المشروط بالشرط الفاسد يكفي دعوى عدم دلالة الرواية على مفسدية الشرط الفاسد، بان منشأ فساد البيع الثاني صدوره عن غير طيب من جهة الالتزام الناشئ عن الشرط في خارج العقد الاول. - قوله (رحمه الله): (وقد يستدل على الصحة بان صحة الشرط... الخ) (2). وتقريبه - بناء على فساد الشرط الابتدائي - واضح، فان صحة الشرط موقوفة على صحة العقد، إذ لولاها لم يصح الشرط، فلو توقف صحة العقد على صحة الشرط لزم الدور. وفيه: ان لكل من العقد والشرط جهتين من الصحة في نفسهما وبالاضافة لكل منهما الى الاخر، فصحة العقد في نفسه لا تتوقف على صحة الشرط، وكذلك العكس، وصحة الشرط بالاضافة الى العقد موقوفة على صحة العقد في نفسه حتى


(1) كتاب المكاسب 289 سطر 1. (2) كتاب المكاسب 289 سطر 16.

[ 65 ]

يكون في ضمن عقد صحيح، وصحة العقد بالاضافة الى الشرط موقوفة على نفسه، واما صحة كل منهما بالاضافة الى الاخر فلا، إذ صحة العقد المشتمل على الشرط لا تتوقف على كون الشرط في ضمنه، بل على كونه صحيحا في نفسه، وصحة الشرط من حيث كونه في ضمن العقد لا تتوقف على كون العقد صحيحا من جهة الاشتمال، بل على كونه صحيحا في نفسه. - قوله (رحمه الله): (وادلة نفي الضرر قد تقدم غير مرة... الخ) (1). لا يخفى عليك انه بناء على تعدد المطلوب لا ضرر فلا مقتضي للخيار في نفسه، واما بناء على تصحيح العقد من جهة الاتحاد بين الواجد والفاقد فالعقد على الاول والرضا به وان كان عقدا على الثاني ورضا به لكن تخلف الغرض الداعي الى هذا المقدار من التقييد مما لاريب، فيكون للخيار حينئذ وجه، ولذا افاد (قدس سره) من ان القاعدة تحتاج الى الجابر، كما ان الخيار بناء على ما سلكناه في تصحيح العقد كذلك. وما افاد (رحمه الله) في وجه الحاجة الى الجابر في المقام غير خال عن شوب الابهام، إذ لا حاجة الى عمل العلماء في كل مورد من موارد الجهل بالحكم، بل يكفي فيه العمل بالقاعدة في موارد الجهل بالحكم في الجملة، وقد اعترف (رحمه الله) به آنفا. الثاني: لو اسقط المشروط له الشرط الفاسد هل يصح العقد - قوله (رحمه الله): (لان متعلق الرضا لم يعقد عليه... الخ) (2). هذا وجيه في خصوص شرط الوصف الراجع الى تقييد المعقود عليه، واما في شرط الفعل والنتيجة فلا، بل المعقود عليه في كلتي الحالتين واحد، ولحوق الرضا به كلحوقه به في المكره والفضولي كما لا يخفى، وهذا ليس من انقلاب الفاسد الى الصحيح، بل من قبل اتمام الموضوع بالحاق شرطه به، ولا فرق بين ما إذا تخلف الشرط موضوعا أو حكما كما في المقام.


(1) كتاب المكاسب 289 سطر 20. (2) كتاب المكاسب 289 سطر 26.

[ 66 ]

الثالث: إذا ذكر الشرط الفاسد قبل العقد - قوله (رحمه الله): (فان قلنا بانه لا حكم له كما هو ظاهر المشهور... الخ) (1). العقد المبني على الشرط الفاسد بالتقييد لبا وان لم يفسد من جهة كونه مشروطا بالشرط الفاسد الا انه يفسد بملاكه، وهو تقيد الرضا، من دون فرق في هذه الجهة بين الشرط الصحيح والفاسد. ومنه يتضح وجاهة تفصيل المسالك، إذ مع العلم بان الشرط الابتدائي لا اثر له لا يتمشى منه التقييد لبا، بل هو مقدم على العقد بلا شرط ولا قيد، واما مع توهم تأثير الشرط الابتدائي فلا محالة يتقيد رضاه، وحيث ان الشرط في نفسه فاسد فلا رضا بالفاقد. - قوله (رحمه الله): (فلا وجه للفرق بين من يعلم فساد الشرط وغيره... الخ) (2). قد عرفت آنفا أن غرض صاحب المسالك (رحمه الله) ليس الفرق بين العلم بفساد الشرط في نفسه وعدمه، بل العلم بان الشرط المتقدم من حيث انه متقدم غير واقع في متن العقد لا اثر له وان كان مضمونه صحيحا، فلا موقع لا يراد المصنف (رحمه الله) عليه. الرابع: إذا كان فساده لعدم تعلق غرض به - قوله (رحمه الله): (ويشكل بان لغويتهما لا تنافي... الخ) (3). وذلك لان انفاذ الشرط وترتيب الخيار على تخلفه وان كان مختصا بالشرط العقلائي، لكن حلية المال تتبع الرضا وان كان عن غرض شخصي، فتدبر.


(1) كتاب المكاسب 289 سطر 31. (2) كتاب المكاسب 290 سطر 7. (3) كتاب المكاسب 290 سطر 16.

[ 67 ]

أحكام الخيار

[ 69 ]

احكام الخيار - قوله (رحمه الله): (الخيار عندنا موروث بانواعه... الخ) (1). الكلام في المقام في موردين: احدهما: في ان الحق بحسب القاعدة لولا الاجماع المدعى على ارثه هل هو قابل للارث ام لا؟ وجه الاشكال ان الحق بالمعنى المتعارف اضافة خاصة قائمة بمن له الحق كاضافة الملكية، فهو في قبال الملكية لا الملك، ومن البين ان المتروك عن الميت هو الملك دون الملكية لتشخص الاضافات باطرافها، والاعراض بموضوعاتها، فلا بقاء للحق بعد الموت كي يكون متروكا فيرثه الوارث، بخلاف الملك فانه باق بعد الموت وانقطاع اضافة الملكية عنه فيرثه الوارث. قلت: الحق كالملك على قسمين فقد يتعلقان بالاعيان الخارجية كالحق المتعلق بالارض المحجرة، وكالملكية المتعلقة بالدار والعقار مثلا، وقد يتعلقان بغيرهما كالحق المتعلق بالعقد مثلا، وكالملكية المتعلقة بما في الذمم، فان اشكال عدم بقاء الحق القائم بالمورث جار في الملكية المضافة الى الذمة، فان الذمة تتشخص بما فيها ومن هي له وعليه، فبمجرد موت من هي له تنقطع اضافة الملكية فتسقط الذمة، فلا متروك كي يرثه الوارث، وما هو الجواب عن مثل هذا الملك فهو الجواب عن مثل حق الخيار ونحوه.


(1) كتاب المكاسب 290 سطر 17.

[ 70 ]

وكما ان المتروك في الملك اعم مما كان متروكا حقيقة أو اعتبارا فكذا في الحق، فينسب البقاء الى فسخ العقد وهو الحق بالمعنى المفعولي، فيضاف الى الوارث بادلة الارث، وكما ان الملكية الحادثة بالارث مطلقا اضافة جديدة لبا وواقعا وعين الاضافة الاولى بالعناية والاعتبار فكذا اضافة الحقية. وان شئت قلت: ان شأن الارث جعل الوارث قائما مقام المورث، ولا معنى له الا جعله طرفا للاضافة الثابتة له من قبل، والا فلولا هذه العناية لم يكن معنى لقيامه مقامه، ومجرد وحدة الطرف الاخر في الحالين لا يصحح قيام الوارث مقام المورث، لان اتحاد الطرف الاخر محفوظ في جميع النواقل التي لا دخل لها بقيام احد مقام غيره، وعليه فيصح نسبة البقاء الى نفس اضافة الملكية والحق ايضا بالعناية والاعتبار. ثانيهما: بعد احراز كون ما للمورث حقا يجب احراز قابلية للانتقال حتى يصح انه متروك فينتقل بالارث، وجه الانتقال اما لكون المورد مقوما أو عنوانا أو مغيى بغاية تنتفي بالموت. فمن الأول حق التولية وحق النظارة حيث انهما مقصوران على من جعلا له، ولا يقبلان للانتقال الى غيره وارثا كان أو غيره. ومن الثاني حق الرهانة وحق الشفعة، فان حق الرهانة وكون الشئ وثيقة لغير الدائن غير معقول، وحق الشفعة انما ثبت للشريك على الشريك، فانتقاله الى غير الشريك بل الى الشريك غير معقول، والاول واضح، واما الثاني فلأن الشريك ليس شريكا لنفسه كي يعقل نقل الحق إليه، وعليه فالوارث إن كان معنونا بعنوان المورث ثبت له الحق لصيرورته معنونا بذاك العنوان من جهة انتقال المال إليه، فالزوجة حيث لا ترث العقار لا تتصف بعنوان الشركة كي يكون لها حق الشفعة، هذا ما تقتضيه القاعدة، وبعد فللكلام من حيث تشخيص الصغريات محل آخر. ومن الثالث خيار المجلس لما ذكرنا في مبحثه ان ظاهر دليله حيث ان الحق مغيى بالافتراق ان المغيى ثبوت الحق ما دامت الهيئة الاجتماعية المحصلة للبيع،

[ 71 ]

فإذا زالت زال الحق، والاجتماع المحقق للبيع غير اجتماع جسم مع جسم، بل امر مختص بالحيين عرفا، فموت احدهما يزيل هذا المعنى وان كان جسد الميت باقيا في مجلس البيع، إذ لا عبرة بصدق المجلس، بداهة انهما لو خرجا من مكان البيع معا لم يسقط الخيار، كما لا عبرة ببقاء الجسد، فان هذا الاجتماع كمصاحبة الحجر مع الحجر لا كمصاحبة انسان مع انسان، فلا محالة لا يبقى خيار بموت احدهما كي يكون متروكا فيرثه الوارث، وهذا لا ينافي الاجماع على ارث الخيار، فانا نقول بان الخيار بجميع انواعه قابل في حد ذاته للارث، فان الحق كالملك الا انه لا ينافيه ثبوت مانع عنه كما ربما يوجد في الملك ايضا. - قوله (رحمه الله): (ففي الاجماع المنعقد على الحكم كفاية... الخ) (1). لا يقال: بعد ما كان المقتضي لارث الحق هو الاجماع فاختلاف الاصحاب في اي باب كان من الابواب كاف في الجزم بعدم الارث وان ابطلنا الموانع المسطورة في كلماتهم، حيث لا اجماع مع الخلاف. فانا نقول: كما سمعت (2) آنفا ان الاجماع قائم على ان الحق لا يأبى عن الانتقال، وان الحق كالملك من حيث الاقتضاء والقابلية للارث وان منع عنه مانع كما ربما يتحقق في الملك كما في الزوجة بالاضافة الى العقار مثلا. - قوله (رحمه الله): (وحاصله ان الميت انما كان له الخيار والعلقة في ما انتقل عنه... الخ) (3). هذا بحسب الحقيقة ملخص جميع ما افاده (رحمه الله) في المقام بعد النقض والابرام، وليس غرضه (رحمه الله) منه ما يترائى في بادئ النظر من ترتب السلطنة على الاسترداد على السلطنة على الرد المتحقق بالفسخ، ضرورة ان الرد والاسترداد متلازمان ولا يعقل تقدم احدهما على الآخر، فلا الرد مترتب على الاسترداد ولا الاسترداد على الرد، بل غرضه (رحمه الله) كما افاد في خيار المجلس ان اطلاق ادلة الخيار مسوقة لجعل السلطنة على الفسخ لمن تمكن بنفسه من رد ماله ولو بالاقالة، فمثل الوكيل الذي هو اجنبي


(1) كتاب المكاسب 290 سطر 26. (2) تعليقة 79. (3) كتاب المكاسب 291 سطر 5.

[ 72 ]

عن هذا المعنى لا يثبت له الخيار باطلاق ادلة الخيار، واستكشاف السلطنة على ما في يده خارجا باطلاق ادلة الخيار مع تفرعه عليه غير ممكن. وهذا المعنى الذي افاده (قدس سره) لا يتوقف على كون الخيار مجرد السلطنة على الاسترداد، بل الخيار لو كان بمعنى السلطنة على الرد والاسترداد لكان وجه لما افاده (رحمه الله) من ابتناء هذه السلطنة المجعولة على السلطنة على الرد ولو بنحو الاقالة خارجا، كما ان هذا المعنى لا يتوقف على كون الخيار بمعنى السلطنة على العين من حيث الرد والاسترداد، بل لو كان الخيار بمعنى السلطنة على العقد من حيث الحل بعد الشد كان لما افاده (رحمه الله) وجه ايضا، بتقريب ان اطلاق ادلة الخيار مسوقة لجعل السلطنة على حل العقد لمن كان مع قطع النظر عن الخيار ذا سلطنة على حله ولو بالتفاسخ والتراضي على حله. ولا يخفى عليك ايضا ان هذا الذي افاده (رحمه الله) ليس الا منع الاطلاق، لا ان مقتضى طبيعة الخيار ذلك حتى ينتقض بجعل الخيار للاجنبي عن العقد والعين، فافهم واغتنم. ثم لا يخفى عليك ان هذا الوجه واف بالمقصود في المسألتين، إذ كما لا سلطنة لها خارجا مع قطع النظر عن الخيار على العقار المنتقلة الى الميت بردها الى البائع ولو بالاقالة، كذلك لا سلطنة لها على الثمن المنتقل إليها من الميت برده الى المشتري لاسترداد العقار ولو بالاقالة، حيث لا ترث العقار ولو بالانتقال بعد الموت الى الميت وان كان لها السلطنة على الثمن من الجهات الاخر. وعلى ما ذكرناه في تنقيح مرامه وتصحيح كلامه (زيد في علو مقامه) لا دافع له الا منع الدعوى بانها لا شاهد لها، الا في الوكيل في مجرد اجراء الصيغة، حيث انه ليس بمنزلة رب المال كي يجعل له السلطنة على ما له أو عقده، بل بمنزلة لسانه فهو كالآلة للموكل، وحقيقة التسبب الى المعاملة قائمة به، بخلاف الوكيل المستقل في امر العقد حلا وشدا فانه لا مجال لمنع الاطلاق، بل قد عرفت ان مثل خيار المجلس لا يثبت للموكل حينئذ وان حضر مجلس البيع وصدق عليه البيع فراجع هذا.

[ 73 ]

مع ان ما افاده (رحمه الله) من منع الاطلاق انما ينفع في مورد اثبات الخيار بالاطلاق كما في الوكيل، واما في الوارث فليس دليل ارث حق الخيار اطلاق دليل الخيار، بل ما عرفت سابقا، وقد سمعت آنفا ان ما افاده (قدس سره) ليس من مقتضيات طبيعة الخيار كي لا ينفك عنه في موارد سريانه وتنزله الى الوارث. - قوله (رحمه الله): (فحق الزوجة في الثمن المنتقل إلى البائع ثابت... الخ) (1). لا يخفى ان هذا الحق هو الخيار لا حق آخر كما هو بديهي، وليس غرضه (رحمه الله) ان نفس التزلزل والمعرضية يوجب الخيار كي يكون بديهي البطلان، بل الخيار ثابت بدليل الارث، وانما منعناه لعدم مساس للزوجة بالمال مع قطع النظر عن الخيار، وهذه المعرضية توجب لها تشبتا ومساسا بالمال، فصح جعل الخيار وترتب المقتضى على المقتضي، والغرض اخراج كلامه (رحمه الله) عن بداهة الفساد. كيفية استحقاق الورثة للخيار - قوله (رحمه الله): (في كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار مع انه شئ واحد... الخ) (2). تفصيل القول فيه: هو ان الحق كالملك وان كانا اعتباريان تبعض ولا تجرئ لهما الا انهما باعتبار متعلقهما ربما يتحدان حقيقة وربما يتعددان حقيقة، مثلا ملكية الدار إذا اضيفت الى الدار من حيث انها واحدة فالملكية واحدة، ومن حيث ان لها النصف والثلث والربع الى غير ذلك فالملكية متعدد، فالمالك كما انه مالك للكل كذلك مالك للنصف والثلث والربع الى غير ذلك، واما بعض الاعمال التي لا تركب لها فالملك المتعلق بها كذلك، فإذا ملك على زيد عتق عبده أو بيع كذا فالعتق والبيع حيث انهما امران بسيطان لا كسر لهما، فلذا لا معنى لتعدد الملكية المتعلقة بهما. وهكذا الحق، فمثل حق التحجير الذي هو عبارة عن حق الاولوية والاختصاص المتعلق بالأرض المسبب عن تحجير الأرض من قبيل الأول، لان متعلقه قابل للتعدد


(1) كتاب المكاسب 291 سطر 12. (2) كتاب المكاسب 291 سطر 26.

[ 74 ]

فكذا الحق، فذو الحق كما ان له الاختصاص والاولوية بتمام الارض المحجرة فكذلك بنصفها وثلثها وربعها الى غيرها، ومثل حق الخيار حيث انه حق فسخ العقد من قبيل الثاني، لعدم قبول العقد والفسخ للتعدد فكذا الحق المتعلق به. وعلى هذا فإذا كان نفس الحق القائم بالمورث من قبيل الاول قامت ورثته مقامه بالحصص، لان الحق وحدته كوحدة متعلقة وحدة انبساطية، فيقبل التعدد إذا لوحظ متعلقه متعددا كما سمعت، وإذا كان الحق من قبيل الثاني قامت ورثة الميت مقامه في كونهم بجملتهم طرفا لهذا الحق البسيط الواحد لوجهين: احدهما: ان الحق على الفرض بسيط وحداني لا يتبعض ولا يتعدد. ثانيهما: ان الموجب للانتقال الى الورثة هو الارث وانقطاع اضافة الميت وصيرورة الورثة طرفا لهذه الاضافة الواحدة، فلو كان كل منهما ذا حق مستقل فلا محالة ليس بسبب الارث وقيام الورثة مقام الميت في الظرفية لتلك الاضافة الشخصية، والواحد مع كونه واحدا لا يصير بكثرة الطرف متعددا، والا لم تنتقل تلك الاضافة بالعناية الى الورثة، بل امثالها. وتوهم: المعقولية مستشهدا بما إذا جن من له حق الخيار، فان لكل من الوليين حق الفسخ. مدفوع: بان الحق بعد واحد لم يتعدد، وهو قائم بالمجنون كالملك، وانما الولي له السلطنة على اعمال حقه بالفسخ، كما ان له السلطنة على التصرف في ملكه، لا ان الجنون مملك للولي أو ناقل للحق إليه، وقد عرفت وجه عدم المعقولية وسيجئ (1) ان شاء تعالى دفع بعض النقوض. - قوله (رحمه الله): (لتعقل تعدد من لهم الخيار بخلاف المال... الخ) (2). لا يذهب عليك ان معقولية تعدد من له حق الخيار في عقد واحد كالنار على المنار، الا ان اللازم اثبات معقولية تعدد الحق الواحد بالنقل من طرف الى طرف، وهو غير معقول الا في ما إذا كان نحو وحدته نحو وحدة متعلقه وحدة انبساطية


(1) تعليقة 86. (2) كتاب المكاسب 291 سطر 29.

[ 75 ]

بالمعنى المتقدم. والعجب من بعض اجلة المحشين في المقام (1) حيث ذهب الى معقولية ملكيتين مستقلتين بالاضافة الى مال واحد مدعيا وقوعه في الشرع ايضا كالزكاة والخمس بناء على تعلقهما بالعين على وجه الشركة للفقير مع المالك، فان كل واحد من مصاديق الفقير مالك لذلك المقدار من المال، غاية الامر انه لو سبق بعضهم فأخذه يفوت الموضوع بالنسبة الى الباقين. ولا يخفى ما فيه، لان الملكية سواء كانت من مقولة الجدة أو الاضافة لا يعقل تحقق فردين منها في موضوع واحد، لاستحالة اجتماع المثلين في موضوع واحد، والملكية الشرعية والعرفية وان كانت في مسلك التحقيق اعتبار المعنى المزبور، واعتبار المحال كفرض المحال ليس بمحال، لكنه لغو قطعا. ومسألة الزكاة والخمس لا دخل لهما بالمقام، إذ طرف اضافة الملكية كلي الفقير وهو واحد، والمصاديق ليست بما هي من اطراف الاضافة، فلا يلزم تعدد الطرف وتعدد الاضافة، نظير ما ذكرنا في خيار المجلس من ان الخيار الثابت للوكيل وموكله واحد، لثبوته لجنس البيع، وهو واحد وان صدق على كل منهما انه بيع، فالحق واحد ومن له الحق واحد، وصدقه على كل من الموكل والوكيل لا يوجب تعدد الحق ولا تعدد من له الحق، فليتأمل فانه حقيق به. - قوله (رحمه الله): (وهنا معنى اخر لقيام الخيار بالمجموع... الخ) (2). هذا نظير ما ذكرناه في ملك كلي الفقير وخيار كلي البيع، فان الحق إذا ثبت للواحد لوحدة طبيعية لا بوحدة عمومية سريانية كان مقتضاه عدم تعدد الحق بتعدد افراد الطبيعة، نعم لكل واحد من افرادها - حيث ان الطبيعي عين الفرد في الخارج - اعمال الحق، فإذا فسخ أو اجاز لم يبق حق في البين لسائر افراد الطبيعة، فتدبره جيدا. - قوله (رحمه الله): (لكن يبقى الاشكال في حكم المشهور من غير خلاف يعرف... الخ) (3).


(1) حاشية اليزدي 2: 147 سطر 4. (2) كتاب المكاسب 292 سطر 1. (3) كتاب المكاسب 292 سطر 20.

[ 76 ]

يمكن ان يقال: ان الاسقاط والعفو هنا وفي حق القذف والقصاص بمعنى اخراج نفسه عن الطرفية للاضافة الشخصية، فلا ينافي وحدة الحق حقيقة كما كان للمورث مثلا. واما ما ذكرنا من ان الحق باعتبار قابلية متعلقة قابل للتعدد والنقض، وفي الشفعة كذلك فان استحقاق تملك الارض مثلا باعتبار متعلقه قابل للتعدد فيقوم الورثة مقام مورثهم بالحصص. فمدفوع هنا بانه انما يوجب التعدد إذا كانت وحدة الحق انبساطية عمومية كما في حق الاولوية، إذ ليس المورث مستحقا لتملك التمام والنصف والثلث والربع حتى يعقل قيام ورثته مقامه بالحصص، بل الشفيع له الأخذ بالتمام والا فلا، فله خصوصية لا يمكن معها الانبساط الموجب للتعدد بالحصص. وتوهم: ان الاخذ بالتمام مع الاستحقاق بالحصص عند عفو بعض الورثة لان المقتضي للاخذ هو الشركة. مدفوع: بان الشركة المقتضية للشفعة هي شركة المورث، والورثة انما يرثون الحق بسبب الارث لا من اجل كونهم مع المشتري شركاء، والا اختص الحق بما عدا الزوجة في مثل العقار، مع ان المشهور انها ترث مطلقا، وعلى هذا المسلك فاللازم دعوى ان عنوان الشريك ليس بلازم في مراتب سريان الحق، وانما هو عنوان بالاضافة الى الاخذ بالشفعة في الطبقة الاولى. فظهر من جميع ما ذكر ان عفو بعض الورثة ليس معنى اسقاط اصل الحق كي ينافي بقاءه مع فرض الوحدة أو انقلابه عما هو عليه، بل بمعنى اخراج نفسه عن الطرفية لتلك الاضافة الشخصية فيستقل الوارث الاخر في الطرفية من دون انقلاب في الحق، والمانع من استقلال هذا الوارث في الطرفية ابتلاؤه بالاخر، فإذا زال لم يكن مانع عن الاستقلال. فان قلت: إذا كان الحق واحدا لم يتعدد ولم يتبعض فما الوجه في حكم المشهور بان الورثة يرثون حينئذ بالحصص، فللزوجة الثمن وللذكر مثل حظ الانثيين.

[ 77 ]

قلت: استحقاقهم بالحصص مبني على وحدة الحق كما يظهر من الاصحاب في كتاب الشفعة، ومنهم الشهيد في الدروس فانه قال (الثانية ارثها - اي الشفعة - على حد المال، فلو عفوا الا واحد فله الجميع، وليس هذا مبنيا على الكثرة لان مصدرها واحد، وحينئذ يقسم على السهام لا على الرؤوس، فللزوجة مع الولد الثمن. الى ان قال: ولك أن تقول هل الوارث اخذ بسبب انه شريك ام اخذه للميت تقديرا ثم يخلفه فيه، فعلى الاول يتجه القول بالرؤوس، وعلى الثاني لا) (1) انتهى كلامه رفع مقامه، وقال في موضع آخر - في صورة عفو بعض الورثة - (ويحتمل بطلان حقهم لانهم بمثابة المورث إذا عفى عن بعض حقه... الخ) (2). وبالجملة: يمكن تصور الحصص بناء على عدم تبعض الحق وتعدده، وهو ان الحق للثابت للمورث واحد لم يتبعض، وليس معنى قيامهم مقام المورث ان يتملكوا للميت فيرثوا المال كما فرضه الله تعالى بالسهام كما بنى عليه الشهيد (رحمه الله)، فان الورثة يقومون مقام المورث في الطرفية لاضافة الحق، وفي كونهم جميعا مستحق واحد للشفعة، والموروث المتروك من الميت هو الحق المقتضي لتملك الورثة باداء الثمن من كيسهم، وليس المال المبذول بازائه الثمن متروكا للميت كي يرثوا منه، ولا الحق على نحو يقتضي انتقال المال الى الميت كما نقول به في الخيار. بل الوجه ان الزوجة مثلا وإن كانت طرفا مع سائر الورثة الا انها كأنها ثمن الطرف، إذ كما ان الواحد قد يكون طرفا وكذا لاثنان والثلاثة، فالزوجة إذا اجتمعت مع الولد مثلا فذات الطرف اثنان الا ان الزوجة كأنها ثمن الطرف فليس لها الا تملك الثمن، وتمام الكلام في محله. - قوله (رحمه الله): (متى فسخ احدهم وأجاز الاخر لغى الفسخ... الخ) (3). حيث ان الاجازة عنده (قدس سره) مرجعها الى اسقاط حق الخيار فلذا اكتفى في بقاء حق الخيار بلغوية الفسخ فقط، واما بناء على انها احد طرفي الحق فمجرد لغوية الفسخ


(1) الدروس 3: 374. (2) الدروس 3: 378. (3) كتاب المكاسب 293 سطر 6.

[ 78 ]

لا يقتضي بقاء حق الخيار، لامكان سقوطه بابرام العقد، وهو اعمال للحق ايضا، واما الاسقاط فان تعلق باصل الحق سقط عن الاعتبار للزوم التوافق على اسقاط الخيار كاعماله، وان كان مرجعه الى اخراج نفسه عن الطرفية فلا بأس بنفوذه، حيث انه له لا عليه، ويستقل الطرف الاخر في الطرفية. فرع: إذا فسخ الورثة البيع - قوله (رحمه الله): (ولو لم يكن للميت مال ففي وجوب دفع الثمن من مالهم... الخ) (1). لا يخفى ان الحقوق الموروثة على قسمين: منها مالا يقتضي رجوع شئ الى الميت والتلقي منه باعمال الحق كحق الشفعة، فان الثابت للمورث حق تملك مال المشتري بعوض قهرا عليه، وقيام الوارث مقامه لا يقتضي شيئا الا كونه طرفا لهذا الحق، فله التملك بعوض، وليس هنا امر يقتضي ان يكون التملك بمال الميت، بل مجرد التملك بعوض كما لا موجب لكون التملك عن الميت أو للميت لما عرفت من ان مقتضى الارث كون الحق الثابت للميت قائما بمورثه فيصير طرفا للحق بمقتضياته وشؤونه، ولذا لو كان تملك شئ بمال الغير معقولا كما هو كذلك حقيقة كان للمورث والوارث التملك بغير مالهما ايضا، فكون العوض من مال الميت لا موجب له اصلا. ومنها: ما يقتضي رجوع شئ الى الميت والتلقي عنه كحق الخيار، حيث ان الفسخ هو حل العقد الواقع على العوضين، واعمال هذا الحق يقتضي رجوع كل من العوض والمعوض الى مالكهما كي يكون الفسخ فسخا حقيقة، وإذا انحل العقد وزال بتبعه الربط الملكي لزم رجوع العوضين الى ما كانا عليه، فينتقل المال الى الميت وعوضه من الميت، فهذه الخصوصية هي المقتضية للتلقي عن الميت ودفع العوض من مال الميت، لا مجرد كونه حقا موروثا كي ينتقض بمثل حق الشفعة. وما يتوهم في اقتضاء اعمال الخيار لتلقي الوارث بنفسه عن المفسوخ عليه واداء


(1) كتاب المكاسب 293 سطر 10.

[ 79 ]

العوض من ماله امور: منها: ان الميت لا يمكن ان يملك شيئا، فلا مجال للرجوع إليه ثم التلقي منه، لان الملكية ان كانت حقيقية وهي من مقولة الجدة ذات الاضافة فيستحيل ان يعرض الميت، إذ الاعراض والاوصاف قسمان، بل اقسام، فان منها ما يعرض النفس المجردد كالعلوم والمعارف والاخلاق والملكات الراسخة، وهذه لا تفارق النفس بمفارقتها للبدن، ومنها ما يعرض البدن بما هو جسم كالكمية من حيث الطول والعرض والكيفية المتعلقة بالاجسام كالسواد والبياض الى غير ذلك، ومنها ما يعرض النفس المتعلقة بالبدن كالاحاطة والتمكن من تقليب الشئ وتقلبه في الخارج كراكب الفرس بالنسبة الى الفرس، وهذا المعنى مما يستحيل عروضه للنفس المجردة، وللبدن المحض. واما الملك الثابت للبارئ تعالى شأنه فمن المحال ان يكون من الاعراض، لانه لا يندرج تحت مقولة من المقولات، وصدق الملك على احاطته الوجودية المسمى عند اهله بالاضافة الوجودية والاضافة الاشراقية من باب صدق العنوان، لا ان مطابقه الحقيقي موجود فيه بنحو أتم. وبالجملة: المفهوم من المفاهيم ذات الاضافة فهي اضافة عنوانية مفهوما واضافة وجودية اشراقية خارجا، والا فجل جنابه تعالى عن اندراجه أو اندراج فعله تحت مقولة من المقولات. وان كانت الملكية اعتبارية بمعنى ان الملكية الشرعية والعرفية اعتبار ذلك المعنى الذي لو وجد في الخارج لكان من المقولات، فحينئذ لا يكون محالا، الا ان اعتبار المحال لغو فلا يصدر من الشارع أو العرف، فلا تغفل. قلت: قد بينا في اوائل تعليقة البيع ان الملكية الشرعية والعرفية لا يعقل ان تكون من المقولات، بل حقيقتها اعتبار الشارع والعرف للمعنى الذي لو وجد بنحو وجوده الحقيقي لكان مطابقه من جملة المقولات، ومن الواضح ان صحة هذا النحو من الاعتبار تدور مدار الأثر المصحح له، ولذا يتعلق بما لا يعقل تعلق المقولة به، مع انا

[ 80 ]

لو جعلنا الشئ في حكم مال الميت كالدية التي لا شبهة في انها بحكم مال الميت لكفانا مؤونة اثبات تعلق الملكية بالميت. ومنها: ان الخيار بمعنى الرد والاسترداد المتعلق بالعين، وحقيقته تملك العين بعوض، ولذا قال بعض بان الفسخ معاوضة جديدة، فيكون حال الخيار حال التملك القهري في الشفعة، حيث قلنا ان المتملك هو الشفيع دون الميت هناك، فكذا هنا. قلت اولا: ان حق الخيار هو حق فسخ العقد دون رد العوض والمعوض، وذلك لان الفسخ وان لم يقع في اخبار الخيار بعنوانه الا ان الواقع فيها رد البيع والشراء في قبال ثبوتهما ووجوبهما ومضيهما ولزومهما. ومنه يظهر ان البيع ليس بمعناه المفعولي كي يكون المراد رد المبيع ورد البيع - اعني التمليك الواقع بالعقد أو التعاطي - ليس الا جعله كأن لم يكن، وفي قباله وجوب البيع وثبوته ومضيه بمعنى استقراره المسقط له عن قابلية الرد وجعله كأن لم يكن، ورد المبيع وان ورد في اخبار خيار العيب الا انه لملازمته للفسخ في ذاك الباب حيث يجب ان يكون الشئ قائما بعينه والا ينتقل الى الارش هناك. وثانيا: سلمنا ان الخيار ليس بمعنى فسخ العقد، وانما هو بمعنى رد العين، لكنه ليس بمعنى رد العين خارجا، بل بمعنى ردها ملكا، فشأن الفسخ رد الربط الملكي المتعلق بالعين. والفرق بين رد الملك ورد البيع هو ان البيع بمعنى التمليك، وهو والملكية من الأيجاد والوجود المتحدين بالذات والمختلفين بالاعتبار، إذ حقيقة الوجود والكون المتعلق بالملكية التي هي معنى من المعاني لها اضافتان ونسبتان، نسبة الى الفاعل فتكون بهذا الاعتبار ايجادا، ونسبة الى القابل وهي ماهية الملكية فتكون بهذا الاعتبار وجودا، فهذا الكون الخاص من حيث قيامه بالبائع بيع وتمليك، ومن حيث قيامه بالعين ملكية. فالفسخ بالاعتبار المزبور في الوجه الاول عبارة عن الرد بالاعتبار الاول، والمذكور في الوجه الثاني عبارة عن الرد بالاعتبار الثاني، ومن الواضح ان رد الربط

[ 81 ]

الملكي مقتضاه رجوع العوضين الى ما كانا عليه، إذ من الواضح ان التملك بما هو تملك ليس ردا ولا استردادا للملك، بل نقل له كما لا يكاد يخفى على من تأمل في حقيقة الرد المذكور في غير واحد من الاخبار في مقام التعبير عن الخيار، فتدبر. ومنها: ان الوارث ليس نائبا عن الميت كي يفسخ العقد عنه أو له، بل هو كنفس المورث وقائم مقامه فيفسخ عن نفسه ولنفسه كما كان المورث يفسخ عن نفسه ولنفسه. قلت: معنى عدم كونه نائبا عن الميت ان الحق ليس للميت وليس الوارث نائبا عنه في اعماله، بل الحق له كما كان لمورثه بما له من المقتضيات والشؤون، وليس حق الفسخ كالتمليك حتى لا يعقل الا مع تعيين الطرف بلحاظ ان التمليك ايجاد ربط بين الشخص والمال، وكذا لا ريب في لزوم القصد لنفسه أو لمورثه إذا كان حق الخيار بمعنى حق تملك المال، بل الخيار حيث انه حق فسخ العقد أو حق رد الملك وازالته واعادته الى ما كان عليه فلا محالة لا يستدعي القصد لنفسه أو لمورثه، بل الوارث يحل العقد ويزيل الملك فيعود الامر على ما كان قبل العقد، ولذا لا شبهة في جعل الخيار للاجنبي كما يجعل لاحد المتعاقدين من دون عناية زائدة، وليس من الاجنبي الا اعمال الخيار وازالته العقد فيعود الامر الى ما كان، فكون الشخص ذا حق وكونه فاسخا بنفسه لا يقتضي بوجه من الوجوه وقوعه لنفسه. ومنها: ان الوارث حيث انه قائم مقام الميت وهو كنفس الميت فالعقد عقده والفسخ فسخه، فكأن العقد وقع على ماله، فإذا فسخ الوارث فكأنه فسخ العقد الواقع على ماله لا على مال مورثه، فاللازم تلقي الفاسخ من المفسوخ عليه ورد عوضه من كيسه كمورثه، بملاحظة ان الفسخ يؤثر من حينه فيكون فسخا للعقد الذي جعل بالاعتبار عقدا للوارث، لا له باعتبار كونه للميت، فانه تبدل ذلك الاعتبار بالاعتبار اللاحق بموت المورث وخلافه الوارث. قلت: قد ذكرنا غير مرة ان معنى قيام الوارث مقام المورث صيرورته طرفا لما كان له من الاضافات المتروكة بلحاظ نفسها أو بلحاظ متعلقها، وهي اضافة الملكية أو

[ 82 ]

اضافة الحقية، واما سائر الاعتبارات فلا دليل عليها، فغاية ما يقتضيه دليل الارث بالنسبة الى حق الخيار قيامه مقام مورثه في الطرفية للحق، فما الموجب لكون العقد عقده والمال ماله حتى يؤثر في تلقي الوارث من المفسوخ عليه؟! والفسخ والعقد وان كانا متضائفين لكن تضائفهما يقتضي ان لا تكون حل بلا شد، وفسخ بلا عقد، لا ان يكون من له الفسخ له العقد، بداهة ان الاجنبي له الفسخ وليس له العقد. ثم انه ظهر مما ذكرنا ان الوارث يتلقى المال عن الميت ويؤدي العوض من ماله أو تشتغل ذمته به ان لم يكن له مال، فيكون المفسوخ عليه كسائر الديان، ومنه يتضح ايضا انا لو قلنا بالتلقي من المفسوخ عليه فاللازم دفع العوض من كيس الورثة دون مورثهم سواء كان للميت مال ام لا، فالتفصيل المسطور في المتن غير وجيه. إذا كان الخيار لاجنبي هل يورث - قوله (رحمه الله): (لو كان الخيار لاجنبي ومات... الخ) (1). يمكن تحرير النزاع صغرويا بان يكون الكلام في ان جعل الخيار للاجنبي هل هو بحسب المتعارف كجعله لاحد المتعاقدين، كما يمكن تحريره كبرويا وهو ان الجعل فيه وان كان كالجعل لاحدهما الا ان الاجنبي حيث انه اجنبي عن المال والعقد فكأن روح الحق للجاعل واعماله بيد الاجنبي، ومثله لا ينتقل الى وارثه. والانصاف في الاول انه لا عبارة مخصوصة هنا كي يمكن استظهار مقدار الجعل منها، فاللازم ملاحظة خصوصيات المقامات، وحكم الشك واضح، وفي الثاني انه خلف إذ المجعول للاجنبي نفس حق الخيار لا اعماله. - قوله (رحمه الله): (لو جعل الخيار بعد احدهما فالخيار لمولاه... الخ) (2). ان كان الوجه فيه ان ما كان للعبد فهو لمولاه فهو بعد تسليمه يعم عبد الاجنبي مع انه جعله لنفسه لا لمولاه، وان كان الوجه فيه انه وان امكن صيرورته ذا حق الا ان


(1) كتاب المكاسب 293 سطر 19. (2) كتاب المكاسب 293 سطر 22.

[ 83 ]

اعماله بلا اذن مولاه غير مقدور له، إذ لا قدرة له على الفسخ كما لا قدرة له على العقد، ضرورة انه لو نفذ منه حقائق الامور التسبيبية بلا اذن مولاه لم تكن قدرته وسلطانه مضمحلة في جنب قدرة مولاه وسلطانه، مع انه عبد مملوك لا يقدر على شئ، ففيه انه لا يقتضي كون حق الخيار لمولاه، غاية الامر توقف تحققه أو نفوذ اعماله على اذن مولاه، مع انه لا فرق بينه وبين عبد الاجنبي. ويحتمل ان يكون نظر العلامة (رفع الله مقامه) في الفرق ان صيرورة عبد احدهما ذا حق في العقد أو المال في قوة كونه ذا حق على مولاه، حيث ان العقد عقده، بخلاف عبد الاجنبي فانه اجنبي عن الجاعل فلا يكون باستحقاقه الخيار ذا حق على مولاه لينافي الرقية والعبودية، وهو كما ترى. يسقط بالتصرف - قوله (رحمه الله): (ومقتضى ذلك منهم ان التصرف في ما انتقل عنه انما يكون فسخا... الخ) (1). لا يخفى ان الفسخ والحل كالشد والعقد امور تسبيبته، فلا تحصل بمجرد القصد، ولا بمجرد الفعل الدال على الكراهة أو ارادة الانفساخ، بل اللازم التسبب الى انحلال العقد بقول أو فعل كما تسبب الى انعقاده باحدهما، وليس كالامضاء والاجازة حتى بناء على كون الامضاء احد طرفي الخيار، إذ الامضاء والاجازة لا يتسبب بهما الى اعتبار غير حاصل أو ازالة اعتبار محقق، بل العقد كان قابلا شرعا لان يزول بالفسخ الا مع اظهار الرضا به بعد ثبوته، فإذا لحقه الامضاء زال عنه هذا المعنى. نعم لو قيل بان الملكية الحاصلة بالعقد الخياري ملكية ضعيفة، وانما تشتد بالاجازة واسقاط حق الخيار كان الامضاء والاجازة كالفسخ وكالعقد، الا ان الاخبار في الاجازة لاتدل على ازيد من الرضا المنكشف بقول أو فعل، وليس مثلها في الفسخ وحينئذ فمقتضى القاعدة الاقتصار في فسخ العقد على التسبب إليه بقول أو


(1) كتاب المكاسب 293 سطر 29.

[ 84 ]

فعل. والاجماع على اتحاد ما يحصل به الاجازة والفسخ كما عن المصنف (رحمه الله) لا يجدي، فانه اجماع على الملازمة بين الواقعيات، لا على ان ما يكون اجازة ولو ظهورا وتعبدا فهو فسخ ظهورا وتعبدا إذا كان في ما انتقل عنه، ولو كان مثل هذا الاجماع بهذا الاطلاق ثابتا لما احتاج العلامة (رحمه الله) الى اصالة الصحة في فعل المسلم لتصحيح التصرفات التي لا تجوز الا مع انشاء الفسخ بها أو قبلها. هل يحصل الفسخ بنفس التصرف - قوله (رحمه الله): (ومن المعلوم انه لا يصان عنه الا إذا وقع الفسخ قبله... الخ) (1). لا حاجة الى وقوع الفسخ قبله فانه ان تسبب الى حصول الفسخ بالوطي فلا محالة يتحقق الفسخ والملك والوطي في آن واحد، لاستحالة تأخر المعلول عن علته التامة بالزمان، والملك المبيح للوطي هو الملك حال الوطي. ومنه ظهر ان الظرفية المستفادة من قولهم (عليهم السلام) (لا وطي الا في الملك) محفوظة، إذ لو تقارن الملك والوطي في الزمان لكان الوطي في زمان الملك، ولا وجه اصلا لسبق الملك على الوطي. واما ما سيجئ (2) إن شاء الله من المصنف (رحمه الله) من ان الحصر اضافي فلا يعم البيع الواقع بعضه في ملك الغير وتمامه في ملك البائع، ولذا قال في الوطي (بان الوطي المحصل للفسخ لا يكون بتمامه حلالا... الخ) مدفوع بما عرفت. نعم فرق بين البيع والوطي حيث ان المصحح للنواقل هو الملك المتصل بالنقل لا المقارن، والا فلا يعقل النقل، بخلاف الملك المصحح للوطي فانه المقارن دون السابق واللاحق، والوجه واضح. - قوله (رحمه الله): (ولو قلنا بحصوله بنفس هذه الافعال فينبغي عدم صحة


(1) كتاب المكاسب 294 سطر 16. (2) كتاب المكاسب 295 سطر 9.

[ 85 ]

التصرفات... الخ) (1). هذا إذا اريد حصول الفسخ الحقيقي مقارنا للبيع والعتق بالحمل الشائع، لا لعدم مصادفتها لملك العاقد التي هي شرط صحتها كما في الكتاب، إذ اللازم ملكية البائع متصلة ببيعه، لا الملك حال بيعه حتى يقال بعدم مصادفة التصرف مع الملك، مع وضوح ان ملك البائع مصادف لبيعه، لا انه غير مصادف، ضرورة عدم تخلف المعلول عن علته التامة، والمفروض حصول الفسخ المحصل للملك مقارنا للبيع. بل الوجه في البطلان نفس مصادفة ملك العاقد لبيعه، إذ البيع - وهو تمليك الغير - مع ملك البائع في زمان واحد يوجب اجتماع ملكين على عين واحدة في زمان واحد، والعتق حيث انه ازالة الملكية يوجب حدوث الملك وزواله في زمان واحد، فاللازم في تصحيح التصرفات الناقلة الموقوفة على الملك من الالتزام بحصول الفسخ قبل حقائق هذه التصرفات الناقلة باحد وجهين: إما دعوى ان انشاء البيع مثلا سبب متأخر للفسخ المحصل لملك البائع وسبب مقارن للبيع بالحمل الشائع، فلا يجتمع ملكان على عين واحدة في زمان واحد، والموجب للحكم بسببية الانشاء للفسخ على هذا الوجه مع كونه خلاف القاعدة اتفاقهم على حصول الفسخ بهذه الافعال دون مباديها، مع القول بصحة تلك التصرفات. وإما دعوى ان الانشاء محصل للفسخ بجزء منه وللبيع بتمامه، اما كونه محصلا للبيع بتمامه فلفرض توقف البيع بالحمل الشائع على الايجاب والقبول، واما كونه فسخا محصلا للملك بجزء منه فلأن اللازم تحصيل الفسخ والتسبب إليه بكل قول أو فعل دل على المقصود، فله التسبب بقوله " بعت " - بما هو فعل من افعاله الكاشفة عن الفسخ - الى الفسخ، فيحصل الفسخ قبل لحوق القبول، وكذلك في العتق فبقوله " انت " قبل تمامية الصيغة يقصد حصول الفسخ حيث لم يعتبر في الفسخ فعل خاص، وبتمام الصيغة يحصل العتق وكون البيع الحقيقي والعتق الحقيقي متصلا


(1) كتاب المكاسب 294 سطر 28.

[ 86 ]

بملك البائع والمعتق، وهذا الوجه لعله اولى من الوجه الاول، إذ ليس فيه مخالفة القاعدة كي يحتاج الى دليل. فرع: لو اشترى عبدا بجارية - قوله (رحمه الله): (لو اشترى عبدا بجارية مع الخيار له فقال اعتقتهما... الخ) (1). تحقيق المقام: انه لو قال ذلك من دون قصد الاجازة والفسخ فلا محالة ينعتق العبد فقط، لكونه عتقا في الملك، الا إذا قيل بتوقف تصرف ذي الخيار في ما انتقل إليه على الاجازة كما يتوقف تصرفه في ما انتقل عنه على الفسخ، لكنه غير وجيه، إذ ملاك صحة التصرف هو الملك مع عدم كونه متعلقا لحق الغير، فكون المعتق أو البائع ذا خيار لا يوجب وقوف عتقه وبيعه على اجازته لعقده. واما إذا قصد بانشائه عتق العبد والجارية اجازة العقد وفسخه معا للغفلة عن منافاة الابرام والفسخ واسقاط الحق واعماله فحينئذ لا ريب في عدم نفوذ الاجازة والفسخ، لعدم تعقل وقوع المتنافيين صحيحا، ولا سبق لاحدهما على الاخر كي يصح السابق ويلغو اللاحق بناء على ان الاجازة والفسخ امران انشائيان وقد قصدهما معا بانشاء واحد. وهل يصح العتق فيهما أو في احدهما بعد سقوط الاجازة والفسخ بالتزاحم؟، لا ريب في عدم صحة عتق الجارية لعدم كونها مملوكة فعلا ولم يتحقق الفسخ المحصل للملك، الا ان الكلام في صحة عتق العبد، فان قيل يتوقف التصرف في الملك على الاجازة فلا ريب ايضا في عدم صحة عتقه، لسقوط الاجازة بمزاحمة الفسخ، وان لم نقل بالتوقف كما هو الوجه فحينئذ ربما يتخيل الصحة لكونه تصرفا في الملك من دون مانع. والتحقيق: عدمها، لا لان الفسخ كما يزاحم الاجازة كذلك مقتضاه ازالة الملك المشروط به العتق، كي يجاب بان انشاء العتق للعبد مقتض والفسخ مانع، لكونه


(1) كتاب المكاسب 295 سطر 19.

[ 87 ]

مبطلا ومزيلا لشرط العتق، وهو الملك، والمانع انما يمنع عن تأثير المقتضي إذا لم يكن مزاحما بما يوجب سقوطه، والمفروض مزاحمته بالاجازة، فقد وجد المقتضي مع المانع المزاحم الساقط بالمزاحمة، بل لان الفسخ كما يخرج العبد عن ملك المعتق كذلك بعين هذا الاخراج يدخله في ملك البائع، وادخال العبد في ملك البائع وازالة الملكية والرقية في آن واحد لا يجتمعان، للزوم اجتماع المتناقضين في آن واحد، فليس المقام من قبيل ثبوت المقتضي مع المانع الممنوع بمانع آخر، بل من قبيل اجتماع الاسباب المتنافية، والا فقد عرفت سابقا ان شرط العتق هو الملك المتصل به لا المقارن معه. ومنه علم حال ما إذا قصد الفسخ فقط، فان المانع عن عتق العبد - وهو مزاحمة الفسخ لكونه سببا لادخال العبد في ملك البائع والعتق لانه سبب لزوال الملكية بقول مطلق وهما متناقضان - موجود هنا ايضا. وربما يقال: بصحة عتق العبد والجارية والفسخ، اما الجارية فلأنها مملوكة فعلا بالفسخ الغير المزاحم بالاجازة، واما العبد فلأن الفسخ حيث انه مقارن معه في الزمان فلا يضر بشرط الملك المصحح للعتق، وانما يضر إذا كان سابقا، لما عرفت من ان الشرط هو الملك المتصل بالعتق دون المقارن، كيف والعتق ازالة الملكية فكيف يعقل اشتراطه بما ينافي حقيقته؟! وحينئذ يؤثر الفسخ أثره وينتقل الى البدل، فيكون كما إذا فسخ مقارنا للتلف. ويندفع: بما عرفت من التنافي بين مقتضي الفسخ وعتق العبد، والانتقال الى البدل فرع رجوع العبد الى البائع، وهو غير معقول، والرجوع الحكمي محتاج الى دليل كما سيجئ ان شاء تفصيله في المبحث الآتي. نعم بناء على ما ذكرناه في الحاشية المتقدمة من ان الفسخ بالتصرفات التسبيبية لا يمكن ان يكون مقارنا لها، بل يحصل قبلها باحد الوجهين المتقدمين، فالفسخ دائما متقدم على العتق بالحمل الشائع، ففي ما إذا قصد الفسخ فقط يحصل الفسخ بلا مزاحم فتنعتق الجارية دون العبد، واما إذا قصد الاجازة والفسخ بامر واحد فلا

[ 88 ]

يقع شئ منهما للتزاحم، وكالاول إذا قلنا بان حقيقة الاجازة تتحقق بمجرد الرضا فانه لسبقه لا يبقي مجال لعتق الجارية ولا للفسخ، لان احد المتنافيين إذا وقع صحيحا لا يكاد يقع منافيه صحيحا. عدم جواز تصرف غير ذي الخيار - قوله (رحمه الله): (فان الثابت من خيار الفسخ بعد ملاحظة جواز... الخ) (1). ظاهره (رحمه الله) ان الخيار حيث انه حق متعلق بالعقد دون العين فلا يمنع عن التصرف في العين، ولكنه غير تام طردا وعكسا، إذ ليس كل حق تعلق بالعين مانعا عن التصرف، وليس كل ما تعلق بالعقد بحيث لايمنع عن التصرف. اما الاول فكحق الجناية الثابت للمجني عليه على العبد الجاني، فان له حق الاسترقاق وهو حق متعلق برقبة الجاني، فلو انتقل الى الف مالك بعد الجناية لم يكن مانع عن استرقاقه، وانما يثمر علم المشتري وعدمه في الخيار وعدمه، وكذلك حق الشفعة فان الشفيع له حق تملك رقبة الارض من مالكها الفعلي كائنا من كان، فانتقال رقبة الارض الى واحد بعد واحد لا يمنع عن تملك الشفيع لها. بل وكذا حق الرهانة بما هو حق الرهانة، إذ رهن مال غير المديون على دينه باذن مالكه معقول، وبيع مال الغير في اداء دين المديون كذلك، فلو رضي المشتري ببقاء ما يشتريه على الرهنية بلوازمها واثارها لم يمنع الوثاقة والرهانة عن النقل والانتقال هكذا، فليس حق الرهانة بما هو مانعا، ولذا لافرق في عدم جواز تصرف الراهن بلا اذن المرتهن بين النواقل وغيرها، فيعلم منه ان اعتبار اذن المرتهن لحكمة اخرى غير منافاة التصرف للوثاقة والرهانة كما تعرضنا لها في تعليقاتنا على كتاب البيع مفصلا فمن جميع ما ذكرنا يظهر ان مجرد تعلق الحق بالعين لا يمنع عن التصرف فيها، بل لابد من ملاحظة طور الحق وكيفيته ولو تعلق بغير العين. واما الثاني وهو ما إذا تعلق الحق بالعقد فنقول: ليس الامر كما يتوهم من ان مجرد


(1) كتاب المكاسب 296 سطر 23.

[ 89 ]

عدم تعلق الحق بالعين لايمنع عن التصرف فيها، بل لابد من ملاحظة طور الحق وطور التصرف فانهما ربما يتنافيان بحيث لو صح احدهما لم يصح الآخر وان تعلق احدهما بغير ما يعلق به الآخر، ومن البين ان المتنافيين إذا وقع احدهما صحيحا يستحيل ان يقع الآخر صحيحا، والا لزم صحة اجتماع المتنافيين وهو خلف، وربما لا يتنافيان. اما التصرف الغير المنافي فكالاتلاف، فان الحق المتعلق بالعقد هو حق فسخه، والفسخ الحقيقي الذي لا يكون الا مع رجوع العوضين الى ما كانا قبل العقد معقول قبل التلف وبعده، حيث لا مانع من رجوع العين تالفة الى الفاسخ مثلا، فينتقل الى البدل بعد رجوعها تالفة، فالاتلاف حينئذ غير مناف لحق الفسخ الحقيقي، فليس جوازه منافيا لجواز الفسخ ونفوذه. واما التصرف المنافي كالبيع والعتق واشباههما فانه مناف للفسخ الحقيقي، إذ لا يعقل رجوع العين حقيقة الى الفاسخ مع صحة بيعه وعتقه، فلا يعقل انفاذ التصرف مع انفاذ الفسخ الثابت نصا وفتوى. ووجه عدم امكان الفسخ الحقيقي واضح، إذ لا يعقل رجوع العين بفسخ العقد الى الفاسخ مع كونها فعلا ملكا لثالث، لاستحالة اجتماع ملكين على عين واحدة، ومع عدم رجوع العين حقيقة لا معنى للانتقال الى البدل، والفسخ الحكمي والرجوع التقديري وإن كان ممكنا ومصححا للانتقال الى البدل الا ان الكلام في حق الفسخ الثابت مع وجود العوضين وعدم تلفهما ونقلهما، والفسخ الحكمي يحتاج الى دليل، فلا معنى لتجويز التصرف بلحاظه، وسيجئ ان شاء تتمة فيما بعد فانتظر. - قوله (رحمه الله): (فالمرجع فيه ادلة سلطنة الناس على اموالهم... الخ) (1). لا يخفى عليك ان دليل السلطنة مسوق لبيان حال المالك وعدم قصوره عن سائر الملاك، فإذا شك في قصور المالك عن سائر الملاك صح التمسك باطلاق دليل السلطنة، واما إذا شك في قصور ملك مخصوص من بين سائر الاملاك فلا نظر لدليل


(1) كتاب المكاسب 296 سطر 24.

[ 90 ]

السلطنة الى هذه الجهة كي يجدي اطلاقه، وما نحن فيه من هذا القبيل للشك في تعلق حق بالعين بحيث يمنع عن السلطنة، مع ان اطلاق دليل السلطنة انما ينفع في انحاء سلطنة المالك على ماله لا على مال غيره، وما نحن فيه من قبيل الثاني لاحتمال تعلق حق الغير بحيث يكون التصرف في العين تصرفا في حق الغير، والحق ان المرجع اصالة عدم حدوث حق مزاحم للمالك بحدوث العقد الخياري. - قوله (رحمه الله): (واما حق الرهن فهو من حيث كون... الخ) (1). قد عرفت آنفا عدم منع حق الرهانة والوثاقة بما هو ومن حيث كونه وثيقة عن التصرفات الناقلة فراجع (2). - قوله (رحمه الله): (واما الخيارات المجعولة بالشرط فالظاهر من اشتراطه... الخ) (3). فيه ان المشروط الذي تسبب إليه بالشرط نفس الخيار، وهو على الفرض لا يقتضي ابقاء العين، ومجرد تعلق الغرض بابقائها لا يوجب استحقاق الابقاء ما لم يتسبب إليه بسبب، ويخلف الغرض ما لم يكن غرضا عقديا مظهرا بالانشاء لا يجدي شيئا، مع انه لو فرضنا اشتراط الابقاء فهو لا يكاد يمنع عن نفوذ تصرفات المشتري، إذ ليس الابقاء الا عدم التصرف بالبيع والصلح ونحوهما، ومن الواضح ان شرط عدم هذه الامور لا يوجب الا استحقاق البائع عدم البيع والصلح وشبههما على المشتري، وتصرف المشتري بالبيع ونحوه وان كان خلاف الشرط وكان آثما وحراما لكنه لا مانع من انفاذه، إذ المفروض بقاء حق الخيار على حاله مع هذا التصرف ايضا فينفذ الفسخ ويرجع الى البدل، فلم يلزم انفاذ المتنافيين في النفوذ حتى يمتنع انفاذ التصرف بعد انفاذ الفسخ. والحاصل ان شرط عدم التصرف لا يوجب عدم نفوذ التصرف بوجه، وليس نسبة الشرط الى الابقاء وعدم التصرفات نسبة الشرط الى النتائج التسبيبية ليحقق بمجرد الشرط، وليس البطلان مقدورا للشارط ولا تسبيبا كي يمكن اشتراطه كما


(1) كتاب المكاسب 296 سطر 27. (2) تعليقة 95. (3) كتاب المكاسب 296 سطر 29.

[ 91 ]

لا يخفى. نعم إذا شرط رد المبيع بشخصه وبنفسه لا الخيار بقول مطلق المتحقق مع التصرف والتلف فاللازم الحكم ببطلان التصرف حينئذ، لان نفوذه مع نفوذ الفسخ بهذا المعنى الثابت بالشرط متنافيان، فلا يصح التصرف بعد صحة الفسخ مهما شاء. الا ان لازم شرط الخيار بهذا المعنى انتفاؤه بالتلف، مع انهم يقولون ببقاء الخيار حتى بعد التلف، وانما لا ينافي البقاء حينئذ مع شرط الابقاء لا مع ضيق دائرة الخيار واختصاصه بنفس العين فقط كما لا يخفى، ولا يذهب عليك ان شرط الخيار لو كان بهذا المعنى فلا حاجة الى ارجاعه الى شرط الابقاء، بل نفوذ التصرف بنفسه مناف لنفوذ الفسخ بهذا المعنى، فتدبر جيدا. - قوله (رحمه الله): (ومنه يعلم حكم نقله عن ملكه... الخ) (1). لا يخفى عليك ان ما ذكره في مقام الايراد على التصرفات الناقلة غير ما ذكرناه سابقا واشرنا إليه مرارا، فان حاصل ما نقله (رحمه الله) هنا ان فسخ العقد الاول يوجب فسخ العقد الثاني لترتب الثاني على الاول، وجوابه ما افاده من ان فسخ العقد الاول يوجب رفعه من حين الفسخ لا من الاول حتى لا يبقى مجال لبقاء الثاني. واما ما ذكرنا فهو يقتضي عدم امكان انفاذ العقد الثاني بعد انفاذ الفسخ وجوازه بالاضافة الى العقد الاول لما ذكرناه من ان مقتضى الفسخ الحقيقي رجوع العين حقيقة الى مالكها الاول، وهو مع نفوذ العقد الثاني يوجب اجتماع ملكين مستقلين على واحدة فيستحيل انفادهما، والا لزم اجتماع المتنافيين، وهذا بخلاف الفسخ في صورة التلف فانه لا مانع من رجوع التالف الى مالكه الاول حقيقة. والتحقيق: ان الفسخ الحقيقي الذي لا ريب عندهم في ثبوته حتى في حال تلف احد العوضين أو كليهما غير معقول حال التلف، مع ان القوم لا يقولون بالفسخ بعنوانه فيه الا بذاك الدليل الذي يقولون من اجله بالفسخ مع عدم التلف، لا بدليل آخر كي ينزل الفسخ في التلف على الرجوع الحكمي التقديري، فيعلم منه ان حقيقة


(1) كتاب المكاسب 296 سطر 33.

[ 92 ]

الفسخ بمعنى لا يمنع حقيقة عن الاتلاف والتصرف معا. بيانه: ان الفاسخ لابد من ان يتلقى الملك عن المفسوح عليه بقطع اضافته وصيرورة نفسه طرفا لها، وهذا انما يمكن إذا كانت اضافة المفسوخ عليه باقية الى حين الفسخ لا زائلة بتلف الملك، مع ان الانسان قبل الاقالة والفسخ لا يكون مالكا لامواله التالفة، لا لان الملكية صفة وجودية تحتاج الى موضوع محقق، بل لان الملكية الشرعية والعرفية وان كانت من الاعتبارات دون المقولات الا ان الاعتبار يدور مدار الآثار، ومن الواضح ان مع قطع النظر عن الاقالة والتفاسخ والفسخ لا يكون الانسان مالكا عرفا وشرعا لامواله التالفة مدة عمره، واعتبار ملكية التالف للانتقال الى البدل وان كان صحيحا عرفا وشرعا بلحاظ هذا الاثر الا انه اعتبار جديد غير حاصل بالعقد كي يكون الفسخ بالنسبة إليه حلا للعقد وردا للملك الحادث بالعقد. هذا كله مع ان الانتقال الى بدل التالف بمجرد اعتبار ملكية التالف للفاسخ لا وجه له، إذ ما ذكر وجها له امور كلها خال عن الوجه: اما دعوى الانتقال بقاعدة اليد والاتلاف ففي غاية الضعف، إذ اليد والاتلاف قبل الفسخ كان في ملكه لا ملك غيره الا على الفسخ من الاصل بوجه، وبعد الفسخ واعتبار ملكية التالف لا يد ولا اتلاف ولا مضمن آخر. واما دعوى كون التالف كان مضمونا ببدله فيعود كذلك فسخيفة حيث ان العوضين كانا مضمونين بضمان المعاوضة ومعنى حل العقد حل هذه المعاوضة ورجوع ذات العوضين الى مالكهما، ولم يكونا مضمونين بالضمان بقول مطلق حتى يجدي للانتقال الى البدل. واما دعوى تقدير وجود التالف عند المفسوخ عليه، فيجب عليه الخروج عن عهدته بعد رجوع المقدر وجوده الى ملك الفاسخ. فمدفوعة بان اعتبار وجوده عنده غير اعتبار وجوده في عهدته، والاول صحيح ومصححه وجوده عنده مسابقا، لكنه لا يوجب الانتقال الى البدل، إذ مجرد وجود شئ عند من لا يتمكن من ادائه من دون مضمن آخر من يد واتلاف لا يوجب اداء

[ 93 ]

بدله ولو للحيلولة، فتقدير مثل هذا الوجود كذلك واعتبار شئ وتقديره لا يزيد على اصله وتحقيقه. والثاني وهو تقدير وجوده في عهدته يوجب الانتقال الى بدله الا انه غير صحيح، إذ لا مصحح لهذا التقدير كما كان في التقدير الاول، بل تضمين ابتدائي جزافا، لا انه فسخ وحل بما له من الشؤون والمقتضيات، والكلام فيه لما عرفت سابقا ان الفسخ الثابت حال التلف بالمعنى الثابت قبله وهو حل العقد بما يقتضيه الحل، وهذا حل وتضمين ابتدائي، فتدبره فانه حقيق به. واما دعوى ان اثر العقد ما دام باقيا اضافة العين باضافة الملكية الى مالكها مع بقائها، ومع تلفها اضافتها الى صاحبها بكونها تالفة منه عليه لا على غيره، وارتفاع العقد يوجب انقلاب كلا الاثرين، فمع بقاء العين تضاف الى الفاسخ باضافة الملكية، ومع تلفها تضاف إليه بهذه الاضافة الجزئية، وهي انها تالفة منه على المفسوخ عليه، وهو يقتضي دفع البدل، فانه مقتضى كون تلف العين عليه. فالجواب عنها ان العائد الى الفاسخ ان كان مجرد كون العين تالفة منه وحيث ان التلف عند غيره فيضمن، فمن الواضح ان تلف مال الشخص عند غيره من دون يد واتلاف غير مضمن، والمفروض عدم ثبوتها بعد الفسخ، فالتضمين ابتدائي بلا سبب، وان كان العائد كون العين تالفة منه على غيره فمن البديهي ان التالف قبل الفسخ لم يكن على غيره، وان كان العائد كونها تالفة منه عليه فمن البين انه يقتضي عدم الانتقال الى البدل، بل الخسارة عليه كما في الاصل، فاتضح انه لا وجه للانتقال الى البدل من حيث الفسخ والحل. وإذا عرفت عدم تمامية الوجوه المتقدمة فاعلم ان اطلاق دليل الفسخ بعنوانه وكذلك حكم العرف بالفسخ بعنوانه حتى في صورة التلف صالح لاستكشاف لحاظ اعتبار المعاملة والمبادلة بين العينين بماليتهما المحفوظة دائما بالعين شخصا وببدلها، فما دامت العين موجودة هي الراجعة الى الفاسخ، والا فترجع ببدلها الذي هو نحو من انحاء وجودها، حيث ان تشخصها لم يعتبر مطلقا، فالعائد دائما مقدار

[ 94 ]

من المالية المحفوظة بالعين وبدلها، فلا حاجة في الانتقال الى البدل الى امر اخر غير ما يقتضيه الفسخ، وهذا الاعتبار المصحح للانتقال الى البدل انما نقول به من جهة ان اطلاق دليل الفسخ بعنوان انه فسخ وحل للعقد لا يكون الا مع مطابقة الفسخ للعقد وموافقة الحل للشد. واما حديث التلقي من المفسوخ عليه مع زوال اضافة الملكية فتصحيحه ان الربط الملكي وان كان يزول بزوال الملك الا ان المعاقدة والمعاهدة حيث انهما على حالهما فكان اثرهما وهو الربط الملكي باق، فالتملك بالفسخ وان كان تملكا جديدا الا انه بحسب الاعتبار عين شخص ذلك الربط السابق الحادث بالعقد، بل دائما كذلك حتى مع بقاء العين، إذ الربط المتلقى بالفسخ غير الربط الحادث بالعقد لتشخص الاضافات باطرافها، فالوحدة الاعتبارية بين الملكية المتلقاة بالفسخ والملكية المتلقاة بالعقد بملاحظة بقاء سببها - وهو العقد - كافية في المقام ووافية بالمرام. وحيث ظهر الوجه الوجيه في الانتقال الى البدل بعد التلف يظهر انه لا فرق بين التلف والتصرف، إذ لا يجب رجوع العين في حقيقة الفسخ كي يلزم اجتماع ملكين على عين واحدة مع صحة التصرف، بل العين باقية على حالها بشخصها وراجعة الى الفاسخ بماليتها المحفوظة ببدلها. - قوله (رحمه الله): (نعم يبقى هنا الزام العاقد بالفسخ... الخ) (1). ان قلنا بان الانتقال الى البدل من جهة انه من مراتب وجود العين لان العين، محفوظة بماليتها القائمة بها تارة، وبالبدل اخرى، فلا مجال للالزام بالفسخ، لان حل العقد يقتضي رجوع ما امكن رجوعه بمجرد ارتفاع العقد، وهو ليس الا البدل، وان قلنا بان الانتقال الى البدل من جهة رجوع نفس العين تقديرا وهو موجب لكون الغير في العهدة، ومن احكام العهدة دفع العين مهما امكن، فحينئذ يجب تحصيل العين بالفسخ لامكانه فلا يتنزل الى البدل الا ان لازمه لزوم تحصيلها في العقد اللازم ولو


(1) كتاب المكاسب 297 سطر 5.

[ 95 ]

بالاستقالة والاشتراء، لاتحاد المناط ولملاك الموجب لتحصيلها، ولا اظن ان يقول به من يقول به في العقد الجائز مع انه بلا مائز. - قوله (رحمه الله): (بل لابد من انفساخ العقد الثاني... الخ) (1). نعم لكنه لا مقتضى له من الاول، بل يصح قبل فسخ العقد الاول آنا ما، فان الضرورة تتقدر بقدرها. - قوله (رحمه الله): (ويمكن الفرق بين الخيار المتوقف على حضور... الخ) (2). بل الفرق بين الخيار الثابت فعلا بثبوت علته التامة وكان الزمان المتأخر ظرف اعماله والخيار المتوقف نفسه على حصول امر غير حاصل زمانا كان أو غيره، فيكون الاول كالواجب المعلق، والثاني كالواجب المشروط. وبالجملة: تارة يكون حق الخيار بالفعل وظرف الفسخ هو الغد، واخرى يكون حق الخيار متوقفا على مجيئ الغد أو ثبوت الرؤية على خلاف الوصف أو مجيئ ثلاثة ايام أو ظهور الغبن بناء على ناقلية هذه الامور دون الكاشفية، والا فمجرد العلم بحضور الزمان منقوض بما إذا علم احد هذه الامور، فلا تغفل. فرع: اجارة العين زمان الخيار - قوله (رحمه الله): (ولو أجره من ذي الخيار أو باذنه ففسخ لم يبطل... الخ) (3). الكلام تارة في بطلان الاجارة بسبب فسخ البيع، واخرى في الرجوع الى أجرة المثل أو تدارك آخر للمنفعة المستوفاة بالاجارة. اما بطلان الاجارة بعد الفسخ فمن جهة ان المؤجر لم يكن واقعا مالكا للمنفعة في ظرف ما بعد الفسخ، نظير ما إذا تلفت العين المستأجرة في مدة الاجارة. وجوابه ما افاده (قدس سره) من ان ملك العين يستتبع ملك منافعه الى الأبد، والتنظير في


(1) كتاب المكاسب 297 سطر 12. (2) كتاب المكاسب 297 سطر 18. (3) كتاب المكاسب 297 سطر 26.

[ 96 ]

غير محله، إذ الطرف لملك المؤجر موجود الى الاخر هنا، فلا مانع من استيفائه بالاجارة، بخلاف صورة التلف حيث لا طرف لاضافة الملكية في ظرف الاجارة واقعا، فلا ملك واقعا، وبالجملة الزمان محدد للمنافع لا للملكية، فمالك العين في آن يملك منافعه المندرجة مدى الزمان. نعم بناء على كون الزمان محددا للملكية دون المنافع، نظرا الى ان المنافع (1) القائمة بالاعيان من الدار والدابة واشباههما هي حيثياتها الخاصة، اعني حيثية ظرفية الدار للكون فيها، وحيثية قبول الدابة للركوب عليها الى غير ذلك، فحينئذ يشكل الامر، لان حال الحيثيات حال الاعيان، والزمان في الاجارة لابد من ان تكون محددا للملكية، والملكية مؤقتة. الا ان التحقيق: ايضا عدم بطلان الاجارة، لان مالك العين كما ان ملكيته الحاصلة بالعقد بالاضافة الى العين ابدية من حيث ارسالها واطلاقها، كذلك بالاضافة الى حيثيات العين، غاية الامر ان له تقطيع اضافته بالنسبة الى حيثيات العين، فإذا قطع قطعة من الاضافة المرسلة الابدية بمقتضى السلطنة التابعة للسلطنة المطلقة على العين فهو نافذ ماض، وانما يتلقى الفاسخ ملك العين بحيثياتها، ولكن لا يتبعه ملك حيثياتها من حين الفسخ لاقتطاعه مدة من الزمان، وتمام الكلام من هذه الجهة في محله. واما الرجوع الى اجرة المثل ونحوها فقد يقال به من حيث ان العين المسلوب المنفعة مدة من الزمان تنقص من حيث المالية، ومقتضى الفسخ ورجوع العين كما كانت من قبل تدارك هذا النقص. وفيه: ان النقص الموجب لخروج العين عما هي عليه ولا يكون العائد ما عقدا عليه هو النقص العيني لا المالي، بداهة ان مصب العقد هو العين، والمالية مصححة للمعاوضة لا مصبها وموردها، ولذا لا شبهة في عدم سقوط خيار المجلس والحيوان


(1) المراد من الظرفية ليس هي القابلية للظرفية، بل الظرفية الفعلية المضائفة للمظروفية، ولا محالة الظرفية الفعلية متحددة متدرجة الوجود، والزمان على هذا محدد للمنفعة لا للملكية فتدبر. منه عفى عنه.

[ 97 ]

بسقوط العين عن المالية ونقصانها عنها في مدة الخيار هذا. واما بناء على ان الزمان محدد الملكية لا المنفعة فالامر مشكل، لان المنفعة هي الحيثية القائمة بالعين، والعائد اللازم عودة نفس العين المتحيث بحيثية موجودة، وهنا لم تعد بمالها من الحيثية، والعود هو العود في الملك، والمفروض رجوع العين دون حيثيتها الى الفاسخ، فتدبر جيدا. يهون الخطب فيه ايضا ما سمعته آنفا من ان العائد بالفسخ ما هو مصب العقد وهي العين دون العين بما لها من الحيثيات، وان كانت الحيثيات تابعة في الملك للعين مع عدم المانع، فاخراجها عن الملك باجارة نافذة مدة من الزمان مانع عن تبعيتها لملك العين عند رجوعها الى الفاسخ. وقد يتمسك في الرجوع الى اجرة المثل بقاعدة الضرر، حيث ان الفسخ بلا اجرة ضرر على الفاسخ. وفيه: ان منشاء الخيار قد يكون قاعدة الضرر وقد يكون غيرها، فالاولى كخيار الغبن وخيار تخلف الوصف والشرط، والثاني كخيار المجلس وخيار الحيوان وخيار العيب، ففي ما كان من قبيل الاول يصح التمسك في اثبات ما ذكر بالقاعدة دون ما كان من قبيل الثاني. اما صحة التمسك بها في الاول لان امر الفاسخ دائر بين ضررين، اما ضرر الصبر على المعاملة، واما ضرر الفسخ بلا اجرة، ونسبة القاعدة الى الضررين على السواء فيرفعان بها، بخلاف الثاني فان الفسخ بلا اجرة وان كان ضررا الا انه باقدامه، وليس كالاول من حيث الدوران الرافع للاقدام. واما الاضطرار الى الفسخ من جهة البيع بعوض يسير فلا يقتضي الدوران المصحح للتمسك بالقاعدة، لان البيع بانقص من ثمن المثل كان باقدامه، فالاضطرار الناشئ منه لا يحقق الدوران. - قوله (رحمه الله): (ثم انه لا اشكال في نفوذ التصرف باذن... الخ) (1).


(1) كتاب المكاسب 298 سطر 2.

[ 98 ]

ان كان الفسخ الحقيقي منافيا للتصرف فلا ريب في ان الأذن فيه اذن في ابطال حقه فتفويته مستند إليه، كما في اذن المرتهن في بيع الراهن فانه اذن في ابطال حقه، غاية الامر انه ما لم يتحقق التصرف المنافي لم يبطل حق الخيار هنا وحق الرهانة هناك، إذ المنافي هو التصرف دون نفس الاذن، بخلاف مالو دل الاذن عرفا على الاجازة والامضاء المسقطين لحق الخيار، فان نفس الاذن ينفي الحق، اما لكونه اعمالا لاحد طرفيه فلا يبقى، أو لكونه اسقاطا له. وان كان الفسخ الحقيقي ملائما للتصرف، اما للوجه الذي قدمناه، أو لصحة تقدير رجوع العين في تحقق الفسخ فحينئذ لا وجه لسقوط الخيار بالتصرف، إذ لا تنافي على الفرض حتى يكون صحة التصرف المأذون فيه مفوتا للحق لكونه اعداما لمورده وهي العين. ودعوى: ان الانتقال الى البدل فرع الرجوع الى العين ولو تقديرا، والرجوع فرع بقاء الحق بالاضافة الى العين، وهو لا يجتمع مع الاذن في التصرف فيها. مدفوعة: بان الاذن في التصرف فيها ينافي ارادة الفسخ والرجوع الى العين تحقيقا، ولا ينافي الرجوع إليها تقديرا، وبالجملة الرجوع مناف للاذن إذا تعلقا بامر واحد، ومتعلق الاذن هي العين بوجودها التحقيقي، ومتعلق الرجوع وجودها التقديري ولا منافاة. المبيع يملك بالعقد - قوله (رحمه الله): (ويدل عليه لفظ الخيار في قولهم (عليهم السلام) البيعان بالخيار)... الخ (1). هذا إذا كان الخيار بمعنى حق استرجاع الملك، واما لو كان بمعنى حق فسخ العقد فلا، ولا سيما على مذاقه (رحمه الله) في حقيقة العقد، ولذا لم يتمسك (رحمه الله) باطلاق (اوفوا بالعقود) لما افاده (رحمه الله) في مبحث الفضولي (2) وهو ان تمامية موضوع وجوب الوفاء بالعقد بتمامية العقد ولو لم يؤثر في الملك فيجب عليه الوفاء ويحرم عليه


(1) كتاب المكاسب 299 سطر 4. (2) كتاب المكاسب 134 سطر 21.

[ 99 ]

النقض الى ان يؤثر في الملك، فلزوم العقد لا يكشف عن الملك، فان صحة العقد من حيث انه عقد غير صحته من حيث انه بيع بالحمل الشائع مثلا، واللزوم والجواز من احكام العقد الصحيح من الحيثية الاولى دون الحيثية الثانية، فلا اللزوم كاشف عن الصحة من حيث التأثير في الملكية ولا الجواز والخيار، لكنك قد عرفت في مبحث الفضولي (1) عدم صحة المبنى، وتمام الكلام في محله. - قوله (رحمه الله): (الا ان يلتزم بانه نظير حل وطي المطلقة)... الخ (2). لا يخفى عليك ان ظاهرها جواز النظر الى الحلال لا ما يحل بالنظر، فان ظاهر قوله (عليه السلام) (ان لامس أو قبل أو نظر الى ما كان محرما عليه قبل الشراء) (3) وفي آخر (أو نظر الى ما يحرم على غيره) (4) حيث قيد المتعلق بالحرمة قبل الشراء وعلى غير المشتري هو الحلال بعد الشراء وعلى المشتري، حيث انه اشترى لا حيث انه نظر إليها، ومنه تعرف ان هذه الاخبار وان لم تكن مطلقة بالنسبة الى غير ذي الخيار الا ان طريق الاستدلال غير متوقف على الاطلاق. * * * *


(1) ح 1: 158، تعليقة 143. (2) كتاب المكاسب 299 سطر 5. (3) وسائل الشيعة، باب 4 من ابواب الخيار، ح 1. (4) وسائل الشيعة، باب 4 من ابواب الخيار، ح 3.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية