الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بلغة الفقيه - السيد محمد بحرالعلوم ج 4

بلغة الفقيه

السيد محمد بحرالعلوم ج 4


[ 1 ]

مكتبة العلمين العامة النجف الاشرف (12) بلغة الفقيه مجموعة بحوث ورسائل وقواعد فقهية لامعة تسد ضرورة الفراغ في التشريع الاسلامي والفقه الاستدلالي لاغنى للفقيه والقانوني عن معرفتها. تصنيف الحجة المحقق السيد محمد آل بحر العلوم - قدس سره - شرح وتعليق الفقيه الورع السيد محمد تقي آل بحر العلوم - دام ظله - الجزء الرابع

[ 2 ]

منشورات مكتبة الصادق طهران ناصر خسرو پاساژ مجيدى الطبعة الرابعة 1984 ميلادي 1362 شمسي 1403 قمرى

[ 3 ]

مكتبة العلمين العامة النجف الاشرف 12 بلغة الفقيه مجموعة بحوث ورسائل وقواعد فقيهة قيمة تسد ضرورة الفراغ في التشريع الاسلامي والفقه الاستدلالي، لا غنى للفقيه والحقوقي عن معرفتها. تصنيف الحجة المحقق السيد محمد آل بحر العلوم - قدس سره تحقيق وتعليق السيد حسين ابن السيد محمد تقي آل بحر العلوم الجزء الرابع

[ 4 ]

وهو يحتوي على رسالتين مهمتين: الوصية، والمواريث، وبه يتم الكتاب

[ 5 ]

رسالة في الوصية

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

كتاب الوصية وفيه مباحث: (المبحث الاول) الوصية تنقسم إلى قسمين: تمليكية، وعهدية. وعرفوها (1) بأنها تمليك عين أو منفعة، أو تسليط على تصرف بعد الموت. وهو تعريف لها بقسميها: التمليكية والعهدية، فالاول للاول، والثاني للثاني (2) وأخذ التمليك جنسا دون النقل، مضافا إلى الاقتصار على العين والمنفعة، يعطى عدم تعلقها بغير المال من الحقوق كحق التحجير وحق الخيار من الحقوق المنتقلة وهو ليس كذلك كما ستعرف. والعين تعم الموجودة بالفعل وبالقوة كالشجرة والثمرة، والمنفعة تعم المؤقتة، والمؤبدة والمطلقة، وتقييد الموت يخرج المنجزات في الحياة.


(1) وهذا هو تعريف الشهيد الاول صاحب اللمعة، والمحقق الحلي صاحب المختصر النافع. إلا أن فيهما كلمة (الوفاة) بدل الموت. والملاحظ: أن هذه التعاريف المذكورة كلها من حيث الاصطلاح الشرعي ولم يتعرض سيدنا المصنف لمعنى الوصية لغة واشتقاقها من الثلاثي أو الرباعي وإن كان الظاهر من كتب اللغة: أنها اسم مصدر من الرباعي المضعف أو المهموز وبمعنى العهد، وكما يظهر ذلك من جملة من آيات الوصية ورواياتها (2) أي جملة (تمليك..) تعريف للتمليكية، وجملة (تسليط..) تعريف للعهدية.

[ 8 ]

وازد بعضهم في التعريف قيد التبرع (1) لاخراج التمليكات العوضية بناء على استفادة المجانية من أدلتها، وأنها قسم من العطايا والصدقات المأخوذ فيها التبرع. واخر: أو فك ملك (2) لئلا يرد النقض عليه بالتدبير سواء قلنا إنه عتق معلق أو وصية به إذ لا تمليك فيه ولا تسليط، بل هو تحرير وفك ملك (3). وعرفها الشهيد - قد سره - في (الحواشي) المنسوبة إليه بأنها تنفيذ حكم


(1) كما فعل العلامة الحلي في كتاب الوصايا من التذكرة، فقال: انها " تمليك عين أو منفعة بعد الموت تبرعا " وأما في (قواعده) فاقتصر في تعريفها على جملة (تمليك عين أو منفعة بعد الموت) كما فعل المحقق في شرائعه بابدال كلمة (الموت) بالوفاة. (2) وهو السبزواري في كفايته فقال هكذا: " الوصية تمليك عين أو منفعة أو فك ملك بعد الوفاة، أو تسليط على تصرف بعدها ". (3) قال الشهيد الثاني في (المسالك) تعليقا على تعريف المحقق في شرائعه: " وينتقض في عكسه أيضا بالوصية بالعتق، فانه فك ملك، لا تمليك للعبد نفسه، وكذلك التدبير على القول بأنه وصية، كما ذهب إليه الاكثر والوصية بابراء المديون، وبوقف المسجد، فانه فك ملك أيضا،: وبالوصية بالمضاربة والمساقاة، فانهما وان أفادا ملك العامل للحصة من الربح والثمرة على تقدير ظهورهما، الا أن حقيقتهما ليست كذلك، وقد لا يحصل ربح ولا ثمرة، فينتفي التمليك ". ولكن الاقوى منع صحة الوصية بالمذكورات سوى التدبير، فانه بالخصوص منصوص عليه، وأما غيره من المذكورات فلا دليل على صحة الوصية فيه، لبطلان الانشاء المعلق - بأقسامه - بالاجماع، سواء كان التعليق على الموت أم على غيره.

[ 9 ]

شرعي من مكلف أو في حكمه بعد الوفاة. ولعمري إنه أجود التعاريف وأشملها، فيشمل الحكم التمليك والتسليط وفك الملك من مكلف أو بحكمه كالمميز، فانه بحكم المكلف في نفوذ وصاياه وبالقيد الاخير يخرج ما كان من ذلك في الحياة. ولا يتوهم ان التنفيذ فعل الوصي أو الحاكم، وهما غير الوصية التي هي فعل الموصي دون غيره، لان المراد من التنفيذ هنا ليس العمل بما نفذه الموصى في ماله من احكامه ومقاصده المشروعة، بل تنفيذ ذلك فيه انما هو بوصيته، ولذا تتصف الوصية بكونها نافذة في ثلث ماله فهو المنفذ. وفي اعتبار القبول في التمليكية منها مطلقا أو عدمه كذلك أو التفصيل بين ما كان لمعين محصور، فيعتبر القبول فيه، وما لم يكن لمحصور فلا يعتبر؟ احتمالات بل لعلها أقوال (1) وتنقيح المسألة هو أن يقال: إن للانسان أن يعين في ماله مقدار الثلث لمقاصده المشروعة بعد الوفاة، وحينئذ: فأما أن يعين شيئا منه للشخص قاصدا به إنشاء التمليك له، أو يعينه للنوع كالفقهاء أو بني هاشم أو يعين لاعمال يريد وقوعها بعده من وجوه البر كالاوقاف العامة من المدارس والخانات والرباطات والقناطر والاطعام والزيارات وغير ذلك من وجوه الخيرات


(1) ولقد اختلف فقهاء الاسلام - من إمامية وغيرهم - في أصل الوصية: أنها من العقود المبتنية على جانبي الايجاب والقبول، أم من الايقاعات الحاصلة بطرف الايجاب فقط. والفريق الثاني اختلفوا في أخذ القبول شرطا للتمليك أم شرطا للصحة أم لا يعتبر شئ من ذلك وإنما يكتفى بمحض عدم الرد من الموصى له أم يعتبر في تحقق الوصية شئ من ذلك مطلقا حتى عدم الرد.. راجع في تفصيل ذلك: كتاب الوصية من الموسوعات الفقهية - من الفريقين -

[ 10 ]

والمبرات، ويتخذ من يتولى ذلك عنه بعده بإعطاء ولاية له على التصرف في ذلك بالوصية، فيكون وصيا له وقائما مقامه في ذلك. و (الاول) هو المتيقن من الوصية التمليكية. ولا إشكال في كونه عقدا يتوقف على القبول، لان الدخول في ملك الغير شخصا بدون رضاه نوع سلطنة له عليه، وليس لاحد سلطنة على غيره إلا فيما ورد من الشرع ولانها تبطل بالرد بلا خلاف - كما قيل - ولا تبطل به لو دخل في ملكه قبل القبول، وان خرج به عنه، لتحقق التمليك المقصود من الوصية، مضافا إلى حكاية الاجماع عليه المستفيضة المعتضدة بدعوى غير واحد عدم الخلاف فيه ولا يرد النقض على الاول (1) بالارث الموجب للانتقال إلى الوارث قهرا، وبتمليك اللاحقة المتلقية من الواقف بجعل الوقف (2) وبنذر النتيجة (3) لان الارث سبب شرعي له لا بتمليك من أحد، وتملك


(1) أي التعليل الاول لتوقف العقد على القبول، وهو المشار إليه بقوله: لان الدخول في ملك الغير.. (2) أي البطون اللاحقة غير الموجودة في الوقف عليهم تبعا للبطن الموجود فعلا، فقد وردت الادلة في تسويتهم مع الموجودين في تمليك المنفعة ويسقط اعتبار القبض والقبول فيما سوى الطبقة الموجودة. (3) وهو ما كان محط صيغة النذر نتيجة الفعل والمعنى الاسم المصدري منه ككون العبد حرا والفرس ملكا، مقابلة لنذر السبب، وهو ما كان محط الصيغة نفس الفعل والمعنى المصدري منه كعتق العبد وتمليك العبد. وعلى التحقيق في باب النذر من أنه التمليك وجعل الحق لله سبحانه على الناذر، لا أنه التزام الناذر بالمنذور أمام الله سبحانه - كما قيل - فهل يصح نذر نتيجة الافعال غير المقدورة التمليك بحد ذاتها لارتباطها بأسبابها - وهو الشرط - أم لا يصح ذلك؟ فلابد من إيجاز القول في الشرط في ضمن العقد ليتضح =

[ 11 ]

المعدومين بعد الوجود في وقف التشريك والموجدين عند انقراض الاولى في الترتيب إنما هو بالتبعية لتملك الموجودين المتوقفة على قبولهم صحة الوقف الذي مقتضاه التأبيد والدوام، ولذا بطل في المنقطع الاول، ونذر النتيجة ممنوع في التمليك، وان سلم في فك الملك، للنص وعدم المانع كالانعتاق الحاصل بنذر العتق. =


الكلام في صحة نذر النتيجة وعدمها، فنقول: تارة يتعلق الشرط بنفس السبب كشرط البيعية بالمعنى المصدري أي إيقاعها من قبل البائع، وتارة يتعلق بالمسبب والنتيجة كالمبيعية والمعنى الاسم المصدري، لا شك في صحة الاول للتمكن منه بحكم تعلقه بالملتزم فتشمله أدلة الوفاء بالشرط، بخلاف الثاني، لعدم التمكن من المسببات المتعلقة بأسبابها الشرعية، وليس الشرط من أسباب البيع ونحو من المسببات، فلا تصح، وعلى هذا الغرار يكون التفصيل بين نذر السبب ونذر النتيجة بصحة الاول وبطلان الثاني إذ النذر كالشرط ليس من الاسباب المحصلة لمسبباتها شرعا، فيصح نذر عتق العبد وبيع الفرس، وتطليق الزوجة، ونحو ذلك من الاسباب المتعلقة بنفس الناذر، ولا يصح نذر حرية العبد ومبيعية الفرس وكون الزوجة طالقا وأمثال ذلك من نتائج الافعال ومسبباتها المرتبطة في الوجود بأسبابها المجعولة شرعا وليس النذر من أسبابها، فلو وقع النذر على ما ظاهره التعلق بالنتيجة فلا بد من تخريجه - كما في الامثلة الآنفة الذكر - على جعل العبد حرا أو الفرس مبيعا أو الزوجة طالقا بجعل مستقل غير صيغة النذر، لا بنفس صيغة النذر، إذ الصيغة الواحدة لا تصلح لجعل المنسوب الذي هو مفاد كان التامة وجعل النسبة التي هي مفاد كان الناقصة، ولا يجتمع الامران في أداء واحد. ولزيادة التفصيل يراجع بابا النذر والشرط في ضمن العقد من كتب الفقه.

[ 12 ]

وإيجابه كل لفظ دال عليه بنفسه أو بمعونة قرينة كقوله: أعطوا لفلان بعد وفاتي كذا، فان التقييد قرينة تصرف العطية عن التنجيز إلى الوصية. ولو قال: (وصيت لفلان بكذا) لم يحتج إلى ذكر التعليق بالموت لدلالة لفظ الوصية عليه. ولو قال: (هو لفلان) كان إقرارا ما لم يقترن بما يدل على التنجيز أو الوصية. والقبول كل ما يدل على الرضا قولا أو فعلا كالاخذ والتصرف. وعلى الوصي تسليم الموصى به إلى الموصى له عن الموصى. و (الثاني) - وهو التمليك للنوع - لا يعتبر فيه القبول كما عن الاكثر وإن قيل باعتباره، كما عن صريح بعض، وظاهر من أطلق العقد على الوصية التمليكية، لعدم الدليل عليه بعد خلو الاخبار عنه، وعدم تضمنها له مع الحاجة إليه لو كان معتبرا دليل على عدم اعتباره، ولعدم ورود ما دل على اعتباره في الاول: من الاجماع المفقود هنا، ومن السلطنة المنفية بأدلة الضرر، إذ لا سلطنة على النوع فضلا عن تعقل تضرره بها، والدفع للفرد منه ليس تمليكا له، بل هو من الانطباق عليه لكونه مصداقا للكلي الذي يصلح أن يكون مالكا كما يصلح أن يكون مملوكا. ومع ذلك فتملكه يتوقف على رضاه المنكشف بقبضه، لان الدخول في ملكه قهرا ضرر عليه. ولو انحصر النوع في فرد، فتعين الملك له لو سلم فهو بسبب حصر الانطباق عليه لا بتمليك المالك حتى يوجب السلطنة له عليه، ومن بطلان الوصية بتعقب الرد قبل القبول لعدم اعتبار القبول هنا حتى يكون الرد قبله مبطلا لها، بل هو فيما كان كذلك من الايقاعات لا من العقود، بل يجري ذلك في كل ما كان تمليكا للنوع كالاوقاف العامة بناء على ما هو الاقوى: من كونها تمليكا لهم كالفقهاء وبني هاشم من حيث المنفعة الخاصة أو الانتفاع، بل كذلك على الجهة العامة كالقنطرة للعابرين والحظرات

[ 13 ]

للخدام والزائرين، والمساجد للمصلين من حيث الجهات المخصوصة كالحقوق العامة نحو الزكاة للفقراء والخمس لبني هاشم، غير أن التمليك فيهما من الله سبحانه وتعالى، وفي الوقف من العبد، فلا يتوقف صحته على القبول بل هو من الايقاع الذي يتحقق بالايجاب وحده، كيف ولو توقف على القبول لتعذر أو تعسر، لانه من الجميع غير ممكن، ومن البعض ترجيح بلا مرجح، والاكتفاء بقبول الحاكم لولايته عليهم في المصالح العامة متعسر غالبا، بل هو خلاف السيرة القطعية، سيما في الرباطات والخانات والمساجد المبنية في الطرق والمفاوز والفرش والمعلقات والاستار المرسولة إلى الكعبة والحضرات. والاكتفاء بقبول الناظر في تلك المصلحة - كما وقع من جدنا في الرياض (1) وغيره - لا وجه له، ضرورة أن الناظر المتولي للوقف - مع توقف تحقق ولايته على تحقق الوقف لتوقف ثبوت النسبة على تحقق الطرفين طبعا فكيف يتحقق الوقف بقبوله (2) لا ولاية له على الموقوف عليهم حتى يصح قبوله عنهم، ولا ولاية للواقف أيضا حتى يفيضها إلى الناظر، الا إذا كان مجتهدا، فله الولاية عليهم من حيث كونه مجتهدا لا من حيث كونه واقفا. نعم للناظر الولاية على إصلاح الوقف وتعميره وإجارته وأخذ منافعه لايصالها إلى أربابها أو صرفها في مصارفها - حسبما عينه الواقف عليه - من الاطلاق، والتقييد وقياس القبول بالقبض الذي يكفي فيه قبض المتولي قياس مع الفارق، لان تلك التصرفات في العين المجعولة له بالوقف التي هي في الحقيقة من كيفياته موقوفة على قبض العين، وبه يتحقق خروج العين عن سلطنة المالك


(1) يلاحظ ذلك في أوائل كتاب الوقوف والصدقات في شرح قول المصنف " ويعتبر فيه القبض، ولو كان الوقف على مصلحة عامة كالقناطر أو موضع عبادة كالمساجد قبضه الناظر فيها.. " (2) للزوم الدور الظاهر وهو عقيم النتيجة - كما حقق في محله -

[ 14 ]

بالكلية، فهو من شؤون سلطنة المالك في وقف ملكه، إذ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها (1) وأين ذلك من قبوله بدلا عن قبول من لا ولاية له عليه؟ و (أما الثالث) فهو وصية عهدية يتولى الوصي من ذلك ما كان يتولاه الموصي لو كان حيا. هذا ولو قيل بعدم اعتبار القبول (2) ففي مانعية الرد وعدمه؟ احتمالان: احتملهما شيخنا في (الجواهر) حيث أضافهما إلى الاقوال المتقدمة عليهما في كلامه قائلا: " وقد يحتمل عدم مدخليته أصلا في الملك، ولا في اللزوم وانما الرد مانع، بل قد يحتمل عدم مانعية الرد أيضا " (3) انتهى. والى أحدهما يرجع كلام الشيخ في (الخلاف) حيث قال: " إذا أوصى لرجل بشئ ثم مات الموصى، فانه ينتقل ما أوصى به إلى ملك الموصى له بوفاة الموصي - إلى أن قال بعد نقل أقوال الشافعية -: دليلنا


(1) في الوسائل باب (2) وجوب العمل بشرط الواقف حديث (2): " محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمد (ع) في الوقوف وما روي فيها، فوقع (ع): الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إن شاء الله ". (2) أي في مطلق الوصية بأنواعها التمليكية والعهدية، أم في بعض الانواع - على الخلاف - وهذا يناسب القول بكونها من الايقاعات لا العقود (3) أوائل كتاب الوصايا في شرح قول المحقق (ولا ينتقل بالموت منفردا عن القبول) يقول في أول هذه العبارة: " وقد ظهر بذلك إن الاقوال في المسألة ثلاثة: أحدها - أن القبول تمام السبب الناقل كباقي العقود، والثاني - كونه شرطا في الملك كاشفا. والثالث كونه شرطا في اللزوم، وقد يحتمل.. "

[ 15 ]

لا يخلو الشئ الموصى به من ثلاثة أحوال: إما أن يبقى على ملك الميت أو ينتقل إلى الورثة، أو ينتقل إلى الموصى له، ولا يجوز أن يبقى على ملكه، لانه قد مات، والميت لا يملك، ولا يكون ملكا للورثة، لقوله جل سبحانه: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فجعل لهم الميراث بعد الوصية، فلم يبق الا أن يكون ملكا للموصى له بالموت " (1) انتهى الا أنه بمعونة الاجماع (2) على تأثير الرد قبل القبول يقوي إرادته الاول من الاحتمالين. وعليه فلا مناص حينئذ عن رجوعه إلى أحد الاقوال الآتية - كما ستعرف -. وكيف كان فحيثما يعتبر القبول (3) ففي كونه جزء ناقلا للملك


(1) راجع منه كتاب الوصايا: مسألة (18). (2) كما ادعى ذلك في (الجواهر) و (الحدائق) وغيرهما من الفقهاء المتأخرين. وهو - مع تماميته - الدليل الحاسم في التأثير، وإلا فاطلاقات الادلة مانعة عن ذلك. (3) ويظهر من عبارة المصنف - قدس سره - الآتية: أن الاقوال - بناء على اعتبار القبول في الوصية - أربعة: (الاول): كونه جزء للعقد ناقلا للملك من حين صدوره وهو المشار إليه بقوله: (ففي كونه جزء ناقلا). (الثاني) - كونه جزء للعقد كاشفا عن الملك من حين موت الموصي، وهو المشار إليه بقوله: (أو كاشفا عنه.) (الثالث) كونه شرطا في استقرار الملك ولزومه لا في أصل ثبوته وهو المشار إليه بقوله: (أو شرطا للزوم الملك.). (الرابع) كونه شرطا في حدوث الملكية المتزلزلة وتستقر بالقبض، وهو المشار إليه بقوله: (أو بالقبول يملك.). والقولان الاخيران بناسبان القول بإيقاعية الوصية، كما أن الاولين يناسبان القول بعقديتها.

[ 16 ]

من حينه، أو كاشفا عنه من حين الموت، أو شرطا للزوم الملك فقبله يملك متزلزلا ويستقر بالقبول، أو بالقبول يملك متزلزلا وبالقبض يستقر؟ أقوال: ذهب الشيخ في (المبسوط) إلى الاخير، حيث قال في موضع منه عند ذكر صور الرد من الموصى له: " الثالثة ان يردها بعد القبول والقبض فانه لا يصح الرد لان بالقبول تم عليه ملكه وبالقبض استقر ملكه.. الرابعة: أن يردها بعد القبول وقبل القبض، فانه يجوز، وفي الناس من قال لا يصح الرد لانه لما قبل ثبت ملكه: إما بالموت أو بالشرطين، فإذا حصل في ملكه لم يكن له الرد، والصحيح أن ذلك يصح، لانه وان كان قد ملكه بالقبول، لم يستقر عليه ملكه ما لم يقبضه، فيصح منه الرد (1) وفيه: أنه مبني على اعتبار القبض، وستعرف ضعف المبنى (2). وأما الثالث: فان أريد بالتزلزل قبل القبول: ما هو المصطلح من معناه، الراجع إلى كونه أثرا للعقد وموجبا لانقسامه من هذه الحيثية إلى كونه عقدا لازما أو جائزا، فليس معناه إلا كون المتعاقدين أو احدهما له الخروج عما ألزم به نفسه: من التمليك أو التسليط وأنه به لم تنقطع عنه علقة الملكية والسلطنة بالكلية، فجواز الرجوع حينئذ من شؤون السلطنة السابقة. ولذا كان من الاحكام، لا بسلطنة جديدة حدثت له بسبب شرعي أو بشرط منه ونحوه حتى يكون من الحقوق كحق الخيار - مثلا فان البيع مثلا - سبب قاطع للملكية بالكلية، والخيار محدث لمن هو له سلطنة


(1) راجع ذلك منه في ج 4 ص 33 الطبعة الثانية في المطبعة الحيدرية بطهران سنة 1388 ه‍. بعد أن ذكر الصورة الاولى وهي الرد قبل وفاة الموصي، ولا حكم لها، والصورة الثانبة: الرد بعد وفاة الموصي وحكمها الصحة، وانتقال المال إلى ورثته. (2) كما سيأتي قريبا في قوله (وأما قول الشيخ.. ففيه)

[ 17 ]

جديدة، ولذا كان من الحقوق لا من الاحكام. وحينئذ فالملك المنتقل أو التسليط الحاصل بالعقد الجائز أو اللازم المتحقق معه ما يوجب الخيار ملك متزلزل: إما بنفس العقد أو بما هو متحقق معه. وهو هنا بهذا المعنى غير متصور قبل القبول، لعدم وقوعه من الموصى له حتى يكون له الخروج عما ألزم به نفسه بالقبول، والموصي وإن كان له الخروج عن إلزام نفسه بانشائه المعلق، الا أنه صار إنشاؤه لازما بموته، فلا موجب لاتصاف الملك بالتزلزل بالمعنى المصطلح المنحصر سببه بأحد الامرين، وأما التزلزل بمعنى أن له قبل القبول أن لا يقبل ويرد، فهو بهذا المعنى ثابت لكل قابل قبل القبول ولو كان عقدا لازما. وان أريد به لا من حيث كونه أثر العقد أو أثر ما هو متحقق معه من أسبابه، بل من حيث أنه هو وجه الجمع بين الدليلين: (أحدهما) ما دل على خروج الموصى به عن ملك الموصي، من قوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " وكون الميت لا يملك وأنه بموت الموصى له يكون اختيار القبول أو الرد لوارثه (الثاني) ما دل على اعتبار القبول وأن بالرد قبله ترد الوصية من إجماع وغيره، فوجه الجمع بينهما هو الحكم بانتقال الموصى به إلى الموصى له متزلزلا، وبقبوله يستقر، وبرده قبله يرد لتزلزله فيرجع إلى ورثة الموصى. (ففيه) أن ثبوت النتيجة انما هو بعد ثبوت المقدمتين، والاولى ممنوعة، لان إطلاق الوصية في الآية الشريفة ونحوها ليس مسوقا لبيان ما يعتبر فيها، بل هو مسوق لبيان عدم الانتقال إلى الوارث مع الوصية بشرائطها، وعدم ملك الميت مسلم بالنسبة إلى حدوثه له دون دوامه: فان قوله (ع): " له من ماله الثلث " في جواب السائل: " الميت ماله من

[ 18 ]

ماله "؟؟ في بقاء الملكية إلى وقوع التصرفات الموصى بها، ولا أقل من كونه بحكم ماله، ونقل القبول أو الرد إلى وارث الموصى له لو مات قبل قبوله أعم من ذلك لشموله لمن تشبث به بالوصية وموت الموصي، فهو بهذه الجهة ملك أن يملك، وهذا القدر كاف في نقله إلى وارثه، بل هو أولى من نقله إليه لو مات قبل موت الموصي، مضافا إلى النص - كما ستعرف - وحينئذ فلا إشكال في ضعف هذه الاقوال، وإنما الكلام في القولين الاولين: كونه ناقلا من حينه، أو كاشفا عن النقل من حين الموت، والترجيح بينهما. أما القول الاول، فاستدل له بأن الملك أثر شرعي، وسببه الايجاب والقبول، فيستحيل تحققه قبل تحقق تمام سببه. وأما الثاني، فاستدل له بوجهين: (أحدهما) استدل به جدنا (في الرياض) ومحصله هو: أن مقتضى أدلة الوصية الدخول في الملك، واطلاقها وان كان يقتضي عدم اعتبار القبول، الا أنه من هذه الجهة مقيد بما دل على اعتباره، فيبقى من حيث تقييد الدخول في الملك به على إطلاقه وعمومه، والعام المخصص حجة في الباقي. وفيه: ان مادل على كون القبول ناقلا بعد تسليم أصل اعتباره للاجماع وغيره: من استحالة تقديم المعلول على علته لا يبقى حينئذ إطلاق حتى يقال بحجيته في الباقي. (وثانيهما) هو اقتضاء العقد لذلك بعد ان كان القبول هو الرضا بمدلول الايجاب الذي هو التمليك عند الموت، واستحالة تحقق المشروط في


(1) في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 10 جواز الوصية بثلث المال حديث (2) هكذا: ".. وباسناده عن حماد بن عيسى عن شعيب بن يعقوب عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يموت: ماله من ماله؟ فقال: له ثلث ماله، وللمرأة أيضا ".

[ 19 ]

الواقع قبل تحقق شرطه المتأخر انما هو حيث يكون نفس الشرط بذاته شرطا، لا محققا لموضوع الشرط المقارن للايجاب، وهو التعقيب وكونه معقبا به. (ودعوى) أن التعقب أيضا منتزع من القبول المتأخر، ويستحيل تقدم المنتزع على منشأ انتزاعه (يدفعها) أن المنشأ ليس وجود القبول بذاته بل بعديته. وبعبارة أخرى: منتزع من أمر سيوجد لا من وجوده، ولذا يصدق حقيقة قبلية اليوم على الغد قبل تحققه للعلم بتحققه مع أن القبلية أمر منتزع، وليس الا لكونه منتزعا من بعدية الغد المعلوم لحوقه لا من نفسه. وهذا الوجه يجري في كل شرط متأخر. ويمكن تصحيح الكشف بوجه آخر، وهو: أن الوصية - سيما بعد تحقق المعلق عليه وهو الموت - تحدث ربطا - ولو في الجملة - بين الموصى به وبين الموصى له ربط إضافة يشتد ويقوى بالقبول الناظر إلى ذلك الربط الموجب لتحقق الملك المنبسط عليه، فالتاثير، وإن كان متأخرا إلا أن الاثر منبسط على ذلك الربط، لصيرورة المورد به قابلا لسراية الاثر إليه. وقد بسطنا الكلام في هذين الوجهين بالنسبة إلى الاجازة على الكشف في بيع الفضولي فراجع - ثمة (1) - فإذا الفول بكون القبول كاشفا عن الملك من حين الموت هو الاقوى كما عليه الاكثر. وتظهر الثمرة بين القولين في أمور " منها " لو أوصى بعبده لغيره ثم مات الموصي قبل هلال شوال وقبل الموصى له، فزكاته على الموصى له كما أن نفقته عليه أيضا على الكشف، وليس عليه شئ منهما على النقل (ومنها) لو كان العبد الموصى به كسوبا، فكسبه الحاصل بين الموت والقبول للموصى له على الكشف، دون النقل. (ومنها) لو ملك ابن أخ له وأوصى به لاجنبي ثم مات الموصي ولم


(1) يشير إلى الرسالة الثالثة من محتويات الجزء الثاني للكتاب.

[ 20 ]

يسكن له وارث سوى أخيه أب الموصى به، فعلى القول بالكشف بقي الولد رقا مملوكا للاجنبي، وعلى النقل انعنق على أبيه لتملكه له بالارث، فلم يبق موضوع بعده للقبول، الا ان قلنا ببقائه على حكم مال الميت إلى أن يتحقق الرد أو القبول، فيبقى حينئذ على الرق. (ومنها) لو زوج جاريته ثم أوصى بها لزوجها: فان كان أجنبيا ومات الموصي بطلت الزوجية من حين القبول على النقل بسبب الملك الذي هو أقوى سببا من الزوجية، ومن حين الموت على الكشف، ولو رد الوصية قبل القبول لم تبطل الزوجية مطلقا، الا على القول بالملك المتزلزل وان القبول شرط للزوم فتبطل الزوجية بالملك ولو متزلزلا، وتبطل الملكية بالرد، وان كان الزوج وارثا بطلت الزوجية من حين الموت بسبب الملك: إما بالارث أو الوصية. نعم بناء على بقاء الموصى به على حكم مال الميت إلى أن يقع الرد أو القبول، لم تبطل الزوجية حينئذ قبل القبول على القول بكونه ناقلا، لا كاشفا. ولو أوصى بها لغير زوجها وكان الزوج أجنبيا ومات الموصي لم تبطل الزوجية مطلقا، من غير فرق بين كون الموصى له وارثا للموصي أو أجنبيا، رد الوصية أو قبلها، ناقلا كان القبول أو كاشفا، لعدم وجود ما يوجب بطلانها من الملك، وان كان وارثا بقيت على الزوجية ما دام لم يحصل الرد من الموصى له، بناء على عدم الانتقال إلى الوارث قبل القبول على النقل، وأنه على حكم مال الميت، والا فتبطل بملك الوارث، وان خرج عنه بقبول الموصى له، إلى غير ذلك من الثمرات التي يستخرجها الفقيه متفرعة على القولين بأدنى تأمل. وأما قول الشيخ الذي هو رابع الاقوال المتقدمة، وهو كونه بالقبول يملك متزلزلا، وبالقبض يستقر (ففيه) أنه مبني على اعتبار القبض في

[ 21 ]

الوصية، ولا دليل عليه سوى الالحاق بالهبة، وهو مع أنه قياس مع الفارق لاختلاف أحكامهما الكاشف عن اختلاف الماهية، كان مقتضاه كون القبض شرطا للصحة دون اللزوم، وهو لا يقول به. وأما الاحتمالان الاخيران المبنيان على عدم اعتبار القبول (1) غير أن أحدهما كون الرد مانعا، والآخر عدم مانعيته مطلقا ولو كان قبل القبول (فيضعف) الاخير منهما بقيام الاجماع على بطلان الوصية بالرد قبل القبول، مضافا إلى دعوى قيامه على اعتبار القبول فيما إذا كانت الوصية لمعين محصور. وكذا يضعف الاول بأنه لاوجه له يكون به مغايرا وقسيما لما تقدم عليه من الاقوال المتقدمة، لان الموصى به: إما أن لا يخرج بالموت عن حكم مال الميت أو يخرج به عنه: وعلى الثاني: فاما أن يكون تملك الغير له لازما أو متزلزلا، وحينئذ فالرد إن كان مانعا عن الصحة التأهلية التي هي بمعنى كونه ملكا بالقوة الحاصل بالوصية وموت الموصي، ففيه: أنه حينئذ لم يبق ما يوجب خروج الملك من القوة إلى الفعل، فلا بد من الالتزام: إما بالقبول اللفظي لذلك، أو الفعلي من الاخذ والتصرف، وحينئذ فان كان ناقلا رجع إلى القول الاول، وإن كان كاشفا رجع إلى الثاني، وان خرج بالموت من القوة إلى الفعل: فان كان لازما فلا وجه لمانعية الرد بعد اللزوم - كما عرفت - وإن كان متزلزلا فلا موجب للزوم الا أحد الامرين المتقدمين، فيرجع حينئذ إلى القول الثالث. هذا كله في القبول، وأما الرد: فان وقع من الموصى له في حياة الموصي، كان له القبول بعده مطلقا، قبل موت الموصي وبعده، إذ


(1) كما أشار اليهما - آنفا - بقوله: (ولو قيل بعدم اعتبار القبول ففي مانعية الرد وعدمه؟ احتمالان).

[ 22 ]

لا تأثير حينئذ للرد إلا إذا كان مسبوقا بالقبول فيبطله خاصة، وله تجديده بعده مطلقا كما عرفت، وان وقع بعد موت الموصي وقبل القبول بطلت الوصية، سواء وقع قبل القبض أم بعده. ولو وقع بعد القبول والقبض معا، فلا تأثير للرد حينئذ بلا خلاف أجده وان وقع بينهما بعد القبول وقبل القبض، ففيه الخلاف المتقدم للشيخ. ثم إن إطلاق كلامهم بعدم تأثير الرد في حياة الموصي في الايجاب يعطي عدم الفرق بين سبقه بالقبول وعدمه. ولكن أشكل في (الجواهر) على الاول حيث قال: " ربما استفيد من اطلاق المصنف وغيره عدم الفرق في ذلك بين سبقه بالقبول وعدمه. ولكن يشكل ذلك بما ظاهرهم الاجماع عليه: من كون الوصية عقدا جائزا من الطرفين، ومقتضاه تسلط الموصى له على فسخه حينئذ، ولا ريب في اقتضائه بطلان العقد، إذ هو معنى الفسخ، كما أن معنى الرد والفسخ واحد، واحتمال الالتزام بعدم الحكم لهذا الفسخ يقتضي مخالفتها للعقود الجائزة بالنسبة إلى ذلك " (1) قلت: الرد إنما يكون رافعا لحكم الايجاب المنجز لان أثره وجودا وعدما موقوف على القبول وعدمه. أما المعلق على شرط فأثره لا يمكن تحققه قبل حصول الشرط، فرده قبله واقع في غير محله، بل هو بمثابة الطلاق قبل النكاح المنقول صحته عن أبي حنيفة (2) وحينئذ فينبغي عدم


(1) راجع ذلك في أوائل كتاب الوصية في شرح قول المحقق: (فان رد في حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته) وأول هذه العبارة في الجواهر) هكذا: بقي شئ في المقام، وهو انه ربما.. (2) المتفق عليه بين فقهاء المسلمين - باستثناء أبي حنيفة وبعض المالكية - كما قيل - بطلان الطلاق المسبق المعلق على العقد المتأخر، باعتبار =

[ 23 ]

الاعتداد برد الوصية في حال الحياة - مطلقا - وان قلنا بجواز القبول المعلق فيها على نحو تعليق الايجاب.


أنه من شؤون العقد، فلا يقع قبله. ولقد عقد الحر العاملي - قدس سره - في (الوسائل كتاب الطلاق) بابا خاصا بهذا المعنى، وهو باب 12 من مقدماته بعنوان: أنه يشترط في صحة الطلاق تقدم النكاح ووجوده بالفعل، فلا يصح الطلاق قبل النكاح وان علقه عليه. واستعرض في ذلك الباب روايات كثيرة عن أهل البيت (ع) صريحة بهذا الخصوص أمثال قول الامام علي ابن الحسين (ع): " إنما الطلاق بعد النكاح " وقول الامام الصادق (ع): " لا طلاق إلا بعد نكاح. ولا عتق الا بعد ملك " وقوله (ع): " لا يكون طلاق حتى يملك عقدة النكاح " ونحو ذلك المضمون كثير من الروايات المذكورة في نفس الباب وفي نحوه من أبواب النكاح. وفي كتاب (الفقه على المذاهب الاربعة) تأليف عبد الرحمان الجزيرى ج 4 ص 280 بعنوان أركان الطلاق قوله: " للطلاق أربعة أركان، أحدها - الزوج، فلا يقع طلاق الاجنبي الذي لا يملك عقدة النكاح، لانك قد عرفت أن الطلاق رفع عقدة النكاح، فلا تتحقق ماهية الطلاق إلا بعد تحقق العقد، فلو علق الطلاق على زواج الاجنبية كما لو قال: زينب طالق ان تزوجتها، ثم تزوجها، فان طلاقه لا يقع، لقوله صلى الله عليه وآله: " لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك " رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه ". ثم يعلق على ذلك فيقول: " والمالكية والحنفية قالوا: إذا علق طلاق امرأة على زواجها، فان طلاقه يعتبر ويقع عليه إذا تزوجها، فلو قال: إن تزوجت فاطمة بنت محمد تكون طالقة، يقع عليه الطلاق بمجرد العقد ومثل ذلك ما إذا قال: كلما تزوجت امرأة فهي طالق.. ". =

[ 24 ]

وبالجملة: فالفرق واضح بين فعلية اثر العقد، وان توقفت الصحة على الشرط المتأخر كالقبض في الوقف والهبة، وبين تعليقه المدلول عليه بنفسه. إذا عرفت ذلك، بقي في المقام مسائل: (المسألة الاولى): لا يشترط إتصال القبول بالموت، بل يجوز تأخيره عنه مطلقا بلا خلاف، فضلا عن اعتبار مقارنته لايجاب الوصية. وفي جواز تقديمه في حياة الموصي قبل موته بمعنى الاكتفاء به عن تجديده بعده؟ قولان: الاكثر على الجواز. وقبل بالعدم، كما عن (المختلف) وغيره، معللين: بعدم وقوع القبول في محله بعد أن كان مدلول الايجاب معلقا على الموت الراجع - في الحقيقة - إلى كونه تمليكا منجزا عند الموت، فيكون القبول حينئذ كالقبول قبل الوصية، وبيع ما سيملك، والطلاق قبل النكاح وهو حسن، إن تجرد الايجاب عن المعنى الانشائي وأنه محض إعلام لتحقق التمليك المنجز عند الموت، فيكون حينئذ من قبيل الواجب المشروط


= ويظهر رأي أبي حنيفة في الجواز مما ذكره الكاساني الحنفي في كتابه (بدائع الصنائع ج 4 ص 1866) باختصار منا: " إن الطلاق لا يخلو: إما أن يكون تنجيزا، وإما أن يكون تعليقا بشرط، وإما أن يكون إضافة إلى وقت.. إلى قوله: ولو قال لاجنبية: أنت طالق إذا تزوجتك قبل أن أتزوجك ثم تزوجها وقع الطلاق، لانه أوقع الطلاق بعد التزوج، ثم أضاف الواقع إلى ما قبل التزوج، فوقع الطلاق، ولغت الاضافة وكذلك إذا قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك إذا تزوجتك، فتزوجها يقع الطلاق، ويلغو قوله: قبل أن أتزوجك.. " إلى آخر العبارة التي يترائى من خلالها القول بالجواز.

[ 25 ]

كالحج قبل الاستطاعة، مع أنه ليس كذلك، بل هو إنشاء للتمليك التقديري بحيث يكون التعليق في المنشأ دون الانشاء، فيكون من قبيل الواجب المعلق دون المشروط، وأن إنشاء الامر موجود فعلا، وإن تأخر زمان المنشأ والمأمور به، وبه يتحقق مدار الاطاعة والعصيان، وإلا فعند الموت لا أمر ولا إنشاء حتى يتحقق به الامتثال وعدمه، مضافا إلى تشبثه به وحصول ربط، ولو ضعيف، بين الموصى له والموصى به بالوصية، فامتاز عن غيره، لانه بها ملك أن يملك، فصار محلا للقبول، بخلافه قبل الوصية. وبأنه لو جاز القبول في حياة الموصي لكان في الرد كذلك تأثير في بطلان الايجاب، مع أن الاكثر لا يقولون بتأثير الرد وأن له تجديد القبول بعده في حياة الموصى وبعد موته مع قولهم بتأثير القبول، وبعبارة أخرى: لو كان القبول مجديا لكان الرد مؤثرا بعد أن كان تواردهما على مدلول الايجاب وأن معنى الرد ليس الا ضد معنى القبول. وفيه: منع الملازمة بين تأثير القبول بمعنى إغنائه عن القبول بعد الموت وتأثير الرد في بطلان الايجاب بمعنى الحاجة إلى تجديد الوصية. نعم له تأثير في بطلان القبول السابق عليه بحيث يحتاج بعده إلى تجديد للقبول، دون تجديد الايجاب. وبأن القبول: إما كاشف أو ناقل، وهما معا منتفيان هنا، لمعلومية اشتراط الملك بالموت. وفيه: ان الخلاف بين كونه كاشفا أو ناقلا، إنما يتحقق موضوعه في القبول بعد الموت، وإلا فقبله لا ملك حتى يقع الخلاف في زمان تحققه فموضوع الخلاف في المسألتين مختلف. وبأن القبول لو كان مقبولا حال الحياة لم يعتبر قبول الوارث ولا رده لو مات الموصى له قبل موت الموصي.

[ 26 ]

وفيه: ان انتقال حق الرد والقبول إلى الوارث إنما حيث لم يتحقق مطلق القبول من المورث، لا خصوص القبول الواقع بعد الموت، الا بناء على عدم تأثير القبول في الحياة، وهو عين الدعوى، فإذا لا مانع من جواز القبول قبل موت الموصي. ويدل على جوازه والاكتفاء به عن تجديده بعد الموت: إطلاق أدلة الوصية ووجوب تنفيذها، وعدم ورود مادل على افتقار الوصية إلى القبول - هنا -: من الاجماع المفقود في المقام، ومن أن الدخول في الملك قهرا ضرر: منفي بما دل على نفيه، لوقوع القبول منه بالفرض، ومن اتفاقهم على كون الرد قبل القبول مبطلا للوصية الدال على توقف الملك عليه، الممنوع تحققه فيما لو كان مسبوقا بالقبول ولو في الحياة، بل دخوله في ظاهر اتفاقهم على بطلان الرد بعد القبول أظهر. وما قيل من عدم صلاحية القبول المتقدم للوجوه المتقدمة، قد عرفت ضعفه، فإذا القول الاول هو الاقوى، وعليه الاكثر. (المسألة الثانية) لو أوصى بشئ فقبل بعضه ورد بعضه، صح فيما قبله وبطل فيما ردة. وتنقيح هذه المسألة هو أن يقال ان متعلق الوصية أي الموصى به: إما أن يكون متعددا في الخارج، كأن يقول: أعطو سيفي وفرسي لزيد بعد الوفاة، أو يكون واحدا شخصيا كأحدهما في المثال. وعلى الثاني: فإما أن يقبل بعضه المعين أو بعضه المشاع المقدر بأحد الكسور التسعة كالنصف والثلث - مثلا -. وعلى كل حال: فإما أن نقول بعدم اعتبار المطابقة بين القبول والايجاب فيما كان التمليك فيه لمحض التبرع، أو نقول باعتبارها فيه أيضا كسائر العقود، من غير فرق بين المعاوضات والتمليكات المجانية.

[ 27 ]

فان قلنا بعدم اعتبار المطابقة بينهما، صح في خصوص ما قبله مطلقا إلا فيما لا يمكن فيه استقلالية المقبول عن الكل بالكلية على وجه لا يمكن تعلق الملك ابتداء به كقبول يد العبد أو رجله فيما لو قال: (أعطوا عبدي لفلان) وغيرهما من أجزاء البدن، الا الرأس، لشيوع استعماله في إرادة الكل، وكذا الرقبة. وعدم الصحة فيما لا يقبل الاستقلالية كذلك أو لعدم المطابقة، بل لعدم تعلق التمليك به بخصوصه لا ابتداء ولا استدامة. وان قلنا باعتبارها كسائر العقود لاتحاد المدرك: فان كان الموصى به متعددا في الخارج انحل الايجاب المتعلق بهما إلى إيجابين، فان العطف على المعمول بحكم إعادة العامل، فينحل في المثال إلى قوله: أعطوا سيفي، وأعطوا فرسي لزيد بعد الوفاة، فبقبول أحدهما تحصل المطابقة بين القبول وايجابه، بل ومثله يجرى أيضا في عقد المعاوضة، كما لو قال: بعتك عبدي بمأة وجاريتي بخمسين، وقبل أحدهما دون الآخر، فان الاقرب فيه الصحة، بخلاف ما لو ضمهما بثمن واحد، لظهوره في الاجتماع وان لم يكن بنحو الاشتراط. وإن كان المتعلق واحدا شخصيا " وقبل بعضه المعين، كما لو قال: أعطوا بساطي - مثلا - فقال: قبلت هذا الجزء منه، فانه يبطل حتى فيما قبله، لعدم المطابقة بعد فرض اعتبارها، بل الاقوى حينئذ البطلان حتى لو كان البعض مشاعا أيضا بعد اعتبار المطابقة المنتفية هنا ايضا، وإن استقرب الصحة فيه شيخنا في (الجواهر) وأشكل في البعض المعين. ولا أرى وجها للفرق بينهما بعد اعتبار المطابقة، إلا ما عسى أن يقال بالانحلال إلى المتعدد في المشاع كالمتعدد في الخارج، بتقريب: أن الواحد بالعدد المؤلف منه الاعداد يتحد بالمفهوم والحقيقة مع النصفين وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع - مثلا - ولذا لا يمكن زيادة الكسر على مخرجه، فلو فرض زيادته

[ 28 ]

عليه عبر عنه بالواحد وتلك الزيادة، فيقال في ثلاثة أنصاف: واحد ونصف، وأربعة أثلاث: واحد وثلث، وهكذا، فالواحد بلحاظ عين النصفين، وثلاثة أثلاث: بلحاظ آخر، وفي مرتبة أخرى، فإذا قبل كسرا منه فهو مطابق لما تعلق به من أفراد المخرج المنقسم إليها المتعدد بلحاظ آخر. وبالجملة، فالنصفية منتزعة من الواحد بلحاظ النصفين، والثلثية منه بلحاظ ثلاثة أثلاث، وهكذا، فمنشأ الانتزاع حينئذ متعدد بتعدد كسوره، وهو كاف في تحقق المطابقة وتحليل الانشاء إلى متعدد. إلا أنه مع ذلك لا يخفى ضعفه، لان المطابقة معتبرة بين القبول والايجاب بحسب ما تعلق به في الخارج من الوحدة والتعدد، لا بحسب التحليل العقلي في مرتبة وجوده الذهني، فالاقوى إلحاق قبول البعض المشاع بالبعض المعين في البطلان، لا ببعض المتعدد في الخارج في الصحة، بل حتى لو قبل البعض المشاع من كل من المتعدد، كما لو قال: قبلت نصف كل من العبدين أو ثلثا منهما، لعدم المطابقة أيضا. (المسألة الثالثة) اختلف الاصحاب في انتقال حق الرد والقبول إلى ورثة الموصى له لو مات هو قبل القبول، وعدمه على أقوال: ثالثها: التفضيل بين موته بعد موت الموصي، وقبله: بصحة الوصية في الثاني، وبطلانها في الاول ورجوع الموصى به إلى ورثة الموصي. ورابعها: التفصيل بين ما لو علم تعلق غرض الموصي بخصوص الموصى له لمزيد علم أو صلاح - مثلا - وما لم يعلم: ببطلان الوصية في الاول، وصحتها وانتقال الحق إلى الوارث في الثاني. والقول الاول، وهو الانتقال - مطلقا - نسبه جدنا في (المصابيح) إلى الصدوق في (الفقيه) رواية و (المقنع) و (المقنعة) و (النهاية) و (التهذيب) و (الاستبصار) و (المراسم) و (الكافي) و (الوسيلة)

[ 29 ]

و (السرائر) و (الشرايع) و (الجامع) و (كشف الرموز) و (القواعد) و (التلخيص) و (التبصرة) و (اللمعة) و (الكفاية) و (الثاني) وهو البطلان مطلقا منسوب إلى جماعة - كما في المصابيح - حيث قال: " وبه - أي البطلان مطلقا - قال ابن الجنيد، واختاره العلامة في الارشاد، ونفى عنه البأس في (التذكرة والمختلف) وحكاه في (الشرائع) قولا، ونسبه في (المسالك) إلى جماعة، وقواه. قال في التذكرة: " وهو قول أكثر العامة رووه عن علي (ع): وبه قال الزهري وحماد ابن أبي سلمة وربيعة ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ". و (الثالث) محكي في (المصابيح) عن جماعة حيث قال بعد ذكره: " حكاه في الدروس عن المحقق، وفي (التنقيح): إنه ذهب إلى ذلك في بعض فتاواه، وأسنده في (المسالك) إلى بعض الاصحاب ومال إليه بعض الميل. و (الرابع) يحكي فيه عن الدروس وجواهر الكلمات والروضة وموضع من المسالك - بعدما قوى البطلان - (1). قلت: والاول هو الاقوى، وعليه المشهور. وحكاية الشهرة عليه مستفيضة، حكاها في (المصابيح) أيضا عن جماعة حيث قال: " والشهرة مع ظهورها مما حررناه منقولة في كثير من كتب الاصحاب كالتذكرة والمختلف والايضاح والدروس وغاية المرام والمهذب البارع وجامع المقاصد


(1) يستعرض الاقوال الاربعة المذكورة تفصيلا كتاب (المصابيح) للسيد بحر العلوم - قدس سره - الذي لا يزال من نفائس المخطوطات: في كتاب الوصية تحت عنوان (مصباح): اختلف الاصحاب في أنه إذا مات الموصى له قبل قبول الوصية على أقوال: أحدهما - صحة الوصية مطلقا وانتقالها إلى وارث الموصى له.. الخ

[ 30 ]

والمسالك، وفي التنقيح: إنه قول الاكثر، وفي (الكفاية): انه الاشهر وفي الشرائع: انه أشهر الروايتين، وفي النافع: بناء الحكم به على الاشهر وهو محتمل للاشهر فتوى ورواية. ولعل مراده الثاني كما صرح به في الشرايع وفي كشف الرموز: ان هذا القول هو الذي انعقد عليه العمل، وظاهره الاجماع - إلى أن قال بعد نقله ذلك - ولا ريب في أنه هو المذهب " انتهى (1) ويدل عليه - مضافا إلى كونه حقا فيدخل في عموم: " ما ترك الميت من حق فهو لوارثه " (2) ما رواه المحمدون الثلاثة في الكتب الاربعة (3): " عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال: قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب، فتوفي الموصى له قبل الموصى؟ قال: الوصية لوارث الذي أوصى له، قال: ومن أوصى لاحد شاهدا كان أو غائبا فتوفي


(1) هذه العبارة بطولها ذكرها سيدنا الجد الاعلى (بحر العلوم) في المصابيح بعد عرض الاقوال الاربعة المذكورة، وأول العبارة هكذا: " والقول الاول هو المشهور بين الاصحاب، والشهرة.. ". (2) بالرغم من كثرة تواجد هذا النص في موسوعاتنا الفقهية واستشهاد فقهائنا العظام به كثيرا في كثير من أبواب الفقه، كالوصية والمواريث والخيارات، وتعبيرهم عنه بالنبوي المقبول أو المشهور، ولكننا لم نألوا جهدا في تطوافنا وفحصنا له على مصدر روائي معتبر من كتب الحديث للفريقين وإنما الذي وجدناه في صحاح العامة: إذا ترك الميت مالا فللوارث، وبهذا المضمون. على أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، والله العالم (3) يقصد بهم: محمد بن الحسن الطوسي صاحب التهذيب والاستبصار ومحمد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي، ومحمد بن علي بن بابويه الصدوق صاحب كتاب " من لا يحضره الفقيه " وهذه الكتب الاربعة هي مركز اعتماد الفقهاء الامامية كالصحاح الستة بالنسبة إلى فقهاء العامة.

[ 31 ]

الموصي، فالوصية لوارث الذي أوصى له، الا أن يرجع في وصيته قبل موته " (1) وهو نص في المطلوب بعد الاولوية فيما لو مات بعده، والصحيح " عن مثنى قال سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقبا؟ قال: اطلب له وارثا أو وليا فادفعها إليه، قلت: فان لم أعلم له وليا؟ قال: اجهد على أن تقدر له على ولي، فان لم تجده، وعلم الله فيك الجهد فتصدق بها " (2) بناء على إرادة كونه مات قبل القبول ولو بقرينة قوله (ولم يقبضها) حملا للقبض المنفي على القبول الفعلي الحاصل به غالبا في أمثال المقام: من العطايا والهدايا. وخبر الساباطي قال: " سألت أبا جعفر (ع) عن رجل أوصى إلي وأمرني أن أعطى عما له في كل سنة شيئا، فمات العم؟ فكتب: أعط ورثته " (3) الشامل باطلاقه للمقام، سيما مع ترك الاستفصال. وأورد على أول الدليلين في (المسالك): النقض أولا - بعدم إرث القبول في غير الوصية من العقود إجماعا، وبالحل - ثانيا - بما يرجع


(1) في الوسائل، كتاب الوصايا، باب 20 من احكام الوصايا، حديث (1) " محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس.. " وبعد ذكر الحديث يقول صاحب الوسائل: " ورواه الصدوق باسناده عن عاصم بن حميد، ورواه الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم مثله ". (2) في المصدر الآنف الذكر يذكر الحديث عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أيوب بن نوح عن العباس بن عامر. وفي الاخير يقول: ورواه العياشي في تفسيره عن المثنى بن عبد السلام عن أبي عبد الله (ع) (3) في المصدر الآنف الذكر يذكر الحديث عن الساباطي، ويذكر في الاخير: أن الصدوق يرويه عن عمرو بن سعيد. والشيخ عن محمد بن يحيى.

[ 32 ]

(مرة) إلى إنكار الصغرى: من كون القبول حقا، إذ ليس كل ما يجوز فعله كان حقا (وأخرى) إلى منع الكبرى: من كونه من الحقوق التي تنتقل بالارث، إذ رب حق متقوم بمستحقه لا يتعدى إلى غيره، ولعل حق القبول من ذلك، بل الظاهر إنه كذلك، حيث أن الايجاب تمليك للموصى له، والقبول تملك الوارث، فلا يتطابقان. وبعبارة اخرى: تملك الوارث إن كان بتمليك الموصى له فالمفروض عدم تملكه فكيف يملك، وان كان بتمليك الموصي فلم يحصل منه إيجاب يوجب تمليكه (1) وفيه: أما ثبوت الصغرى، فلانه يكفي في ثبوت الحق حصول سبب الملك للمورث بحيث لا يتوقف الملك الا على شرط يحصل من قبله، وهو الرضا به، وما يكون كذلك مما يترتب عليه المال بعد عند العقلاء كنفس الاموال في كونه حقا يصدق عليه أنه تركه، وبه يحصل الفرق بينه وبين القبول في سائر العقود، فانه جزء السبب فيها، وهنا شرط التأثير من الايجاب على تقدير الموت - على ما تقتضيه عمومات الوصية التي هي لغة وعرفا مجرد الايجاب - فالقبول هنا كالقبض ونحوه من الشرائط المتوقفة عليها صحة العقد، وتسميته مع ذلك عقدا لمجرد افتقاره إلى القبول في مقابل الايجاب الذي لا يفتقر إليه. وهذا القدر من الافتقار كاف في التسمية، وان اختلفا في كون القبول هنا شرطا في التأثير، وفي سائر العقود جزء السبب، وبه اتضح الفرق بين القبولين، وارتفع النقض بعدم إرثه في سائر العقود.


(1) راجع ذلك في أول كتاب الوصايا من المسالك للشهيد الثاني في شرح قول المحقق: " ولو مات - أي الموصى له - قبل القبول قام وارثه مقامه.. " وأول العبارة التي يظهر منها هذا الرد المقتضب هي قوله: وأما الاستدلال بكون القبول حقا للمورث ففيه.. الخ

[ 33 ]

وأما ثبوت الكبرى، فلان الحقوق التي لا نتعدى إلى غيره ما كان الموجب لها: إما علة تامة أو كان من قبل المقتضى ولكن اختص اقتضاؤه به بسبب آخر، كما تقدم منا بيانه في مسألة الفرق بين الحق والحكم (1) ولا شئ منهما موجود هنا، والمطابقة حاصلة بعد فرض قيام الوارث مقام المورث فيما هو له. واحتج من قال بالبطلان مطلقا - بعد الاصل - بما رواه الشيخ عن أبي بصير ومحمد بن مسلم جميعا: " عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن رجل أوصى لرجل، فمات الموصى له قبل الموصى؟ قال: ليس بشئ " (1) ومثله، موثفة منصور بن حازم عنه (ع) (3).


(1) راجع ذلك في ضمن الرسالة الاولى من الجزء الاول من هذا الكتاب: طبع النجف الاشرف (ص 17 - 18) في بيان مشأ الاختلاف في المصاديق المشتبهة بين كونها حكما أو حقا. (2) وهي صحيحتهما لان الشيخ رواها بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن شعيب عن أبي بصير، وعن فضالة عن العلاء عن محمد بن مسلم جميعا: عن أبي عبد الله (ع) - على ما في الوسائل: كتاب الوصايا باب 30 من الاحكام، حديث (4). (3) رواها الشيخ باسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن العباس ابن عامر عن أبان بن عثمان عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع): قال: " سألته عن رجل أوصى لرجل بوصية: إن حدث به حدث فمات الموصى له قبل الموصي؟ قال: ليس بشئ " المصدر الآنف من الوسائل حديث (5). ولعل وجه تسميتها بالموثقة لا الصحيحة، لوجود علي بن فضال في سندها فإنه من الفطحية.

[ 34 ]

والجواب عن الاصل: بالخروج عنه بما تقدم (1) وعن الخبرين: بعدم مقاومتهما لمعارضة المتقدم (2) الصريح في صحة الوصية وانتقال حق القبول إلى الوارث، مع اعتضاده بالشهرة فتوى ورواية، ومخالفته لفتوى من كان الرشد في خلافه (3)، فليحمل الخبران على التقية. بل وفي العدول عن التصريح في الجواب فيهما إشعار بذلك، فان قوله (ع) (ليس بشئ) يحتمل قويا: إرادة أن الموت ليس بشئ ينقض الوصية، كما يعطيه تذكير الضمير المستتر في (ليس). واحتج من ذهب إلى القول الثالث: بالبطلان فيما لو مات قبل موت الموصي: بالاصل، والخبرين الاخيرين، وبالصحة فيما لو مات بعده بخبري: المثنى والساباطي، بعد تقييد إطلاقهما بالخبرين الاخيرين: حملا للمطلق على المقيد، وبناء هذا القول على طرح حديث محمد بن قيس، مع كونه نصا على الصحة في صورة التقدم. وبما ذكرناه ظهر لك ضعف هذا القول ايضا. وأما الرابع: فان أريد تخصيص البطلان بما إذا اشترط الموصي خصوصية الموصى له دون وارثه، فهو حسن، بل الظاهر انتفاء الخلاف في ذلك - كما قيل - وان أوهمه إطلاق كلام الاكثر، إذ لا مجال للنسرية إلى الوارث مع التصريح بالاختصاص بالمورث وإن أريد به التخصيص مع اختصاص الداعي إذا دلت القرائن على كونه الباعث على الوصية اختصاص الموصى له بمزيد علم أو صلاح ونحو ذلك، ففيه خروج عن ظاهر النص والفتوى من دون داع، فان الدواعي لا يلتفت إليها في


(1) من أقوائية القول الاول بالانتقال إلى وارث الموصى له. (2) وهو خبر محمد بن قيس الآنف الذكر. (3) إشارة إلى أحد المرجحات السندية الواردة على لسان الائمة الاطهار (ع) في مقام تعارض الخبرين، وهي قوله (ع): " خذ بما خالف العامة فان الرشد في خلافهم ". ومذهب اكثر العامة هو البطلان.

[ 35 ]

مثل، ذلك فإذا لا مناص عن القول الاول. هذا، وليعلم أن خبر مثنى الآمر بالصدقة يحتمل منه (ع) القبول لكونه وارثا، وله ضع ما يخصه فيما يشاء، ويحتمل تنزيله على تحقق القبول من الموصى له قبل موته، وحينئذ، فالقبض المنفي قبض تسلم لماله والامر بالصدقة - حينئذ -: إما عن نفسه (ع) أو عن مالكه أما هو أو غيره إن كان له وارث في الواقع أخذا منه بالاحتياط، فيخرج الخبر - على الاحتمال الثاني - عن كونه دليلا هنا: من انتقال حتى القبول للوارث. بقي هنا شئ، وهو ما لو مات الموصى له ولم يخلف وارثا غير الامام (ع): فعن الشيخين والفاضلين: رجعت الوصية إلى ورثة الموصى. ونسبه في (الدروس): إلى المعظم. وعن ابن ادريس: إنها للامام (ع)، لانه الوارث عند فقد غيره، وعن (المقنع والجامع) (1) التصدق بها بعد الطلب. وقال جدنا في (المصابيح) بعد حكاية الاقوال ما لفظه: " وظاهر روايتي: محمد بن قيس ومحمد بن عمر المتقدمين رجوع الوصية إلى الامام (ع)، ولا ينافيه الامر بالتصدق بها بعد الطلب في حديث المثنى فان الحق للامام (ع)، فله أن يضعه حيث شاء، وبمثله يحصل التوافق بين قول ابن ادريس وقول الصدوق وابن سعيد، وهو الاقوى " (2) قلت: الصواب ما عليه معظم الاصحاب، لا لعدم انصراف الوارث إلى الامام (ع) - كما قيل - بل لعدم إمكان القبول منه (ع) في زمن


(1) المقنع للشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفي سنة 381 ه‍ والجامع لابي القاسم جعفر بن سعيد المحقق الحلي صاحب الشرائع المتوفي سنة 676 ه‍. (2) ذكر ذلك في أوائل المصباح الرابع من كتاب الوصية والكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات كما أشرنا.

[ 36 ]

الغيبة. ودعوى القبول من الحاكم فاسدة، لعدم الولاية له على إدخال الشئ في ملك الامام (ع) وإن كان له الولاية على قبض ما هو له، وغير معلوم نظره - عجل الله فرجه - حتى يتولاه عنه، بل هو كذلك بالنسبة إلى كل غائب أو صي له. نعم على الوصي إذا كان الموصى له غائبا إعلامه فورا، فان أخل به عمدا كان مضمونا عليه، يغرم بدله عند التلف له إن حضر وقبل، ولا فلورثة الموصي. ولا ينافيه أمره بالصدقة في خبر المثنى لكونه في زمن الحضور والحق له، فله القبول، ولم يعلم كونه حكما شرعيا مخصصا لادلة الارث في المورد حتى يجري ذلك في زمان الغيبة أيضا، وحصول التوافق - بين قول ابن ادريس ومن قال بالتصدق بعد الطلب - مبني على أن يكون مذهبه في مصرف ما هو للامام التصدق به، مع أن مذهبه في تلك المسألة هو وجوب الوصية به وإيداعه عند من يثق به ولا خصوصية للوصية المنتقلة إليه من بين أمواله في مصرفه بعد أن لم يكن حديث المثنى ظاهرا في إفادة الحكم الشرعي. بقي هنا فروع: (منها): هو أنه لا يجبر الوارث كالمورث على القبول بلا خلاف أجده، وإن أشعر به قوله في الاخبار: " الوصية للوارث " (1) المعلوم منه إرادة عدم بطلانها بموت المورث قبل القبول، وان كان الموصى به ممن ينعتق عليه، كما لا يجب شراؤه إجماعا. نعم، لو كان الموصى به أحد عموديه ولم يستلزم القبول ضررا عليه، فالاقرب وجوبه عليه، سيما إذا استلزم عدمه ايذاءه (ومنها) أن الوارث يتلقى بقبوله المال من الموصي دون الموصى له


(1) في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 15 جواز الوصية للوارث روايات كثيرة بهذا المضمون، منها حديث رقم (4) من الباب: " محمد ابن يعقوب، عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى عن العلا عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: الوصية للوارث لا بأس بها ".

[ 37 ]

وان ورث منه حق القبول، كما يعطيه ظاهر خبر محمد بن قيس - المتقدم - وهو على تقدير موته قبل موت الموصي واضح. وكذا لو مات بعد موته وقلنا بكون القبول ناقلا، وأما على القول بكونه كاشفا كشفا حكميا أو حقيقيا (1) فعن الاكثر إنتقاله إلى المورث، ثم منه إلى الوارث بالارث. وعليه، فاللازم نفوذ ديونه ووصاياه فيه، بخلافه على الاول، لعدم تملكه في الواقع حتى ينفذ فيه ذلك. ويحتمل قويا - - ولعله الاقوى بناء على الكشف أيضا - كشفه من حين ما يمكن كشف القبول عنه، وهو حين موت المورث، فعليه أيضا ينتقل من الموصي إلى الوارث، فلا تنفذ فيه أيضا وصايا المورث وديونه وعلى التقديرين، فالقسمة بين الورثة في صورة التعدد مع قبولهم بحسب قسمة المواريث. (ومنها): أنه لو كان الوارث متعددا كاثنين - مثلا - فلا إشكال في كون الحق غير متقوم بهما بشرط الاجتماع، بل لكل منهما القبول، لانه حق موروث وغير متبعض بنفسه وان تبعض متعلقه. وحينئذ: فان توافقا في الرد أو القبول فواضح، وان اختلفا في ذلك صحت الوصية فيمن قبل على النسبة وبطلت فيمن رد. (ومنها): أنه لا إشكال في انتقال الوصية إلى الوارث مطلقا، من غير فرق بين الوارث ووارثه، لاطلاق الدليل، ما لم يتقدم عليه بالارث غيره كما لو انقرضت الطبقة الاولى، فينتقل حق القبول إلى ورثتهم، ولو كان منها أحد كما لو مات الموصى له، وله ولدان - مثلا - ومات أحدهما وكان


(1) للتعرف على المقصود من النقل والكشف بأنواعه في ما يخص الاجازة في العقد الفضولي ليتضح المقصود من العبارة، يحسن مراجعة تعليقتنا المفصلة في بيان المراد من الاجازة في العقد الفضولي: أنها النقل ام الكشف بأنواعه وثمرات الخلاف: من ص 13 - 18 من الجزء الثالث من هذا الكتاب (البلغة).

[ 38 ]

له ولد، ففي اشتراك ولد الولد مع عمه في حق القبول، أو اختصاصه به لانه الوارث حين الموت؟ وجهان، مبنيان: على أن انتقال حق القبول إلى الوارث هل هو على القاعدة وأنه من التركة كنفس المال والنص فيه موافق لها، أو على خلاف القاعدة وانما قيل به للنص تعبدا، فعلى الاول شارك ولد الولد بقبوله الحق الموروث له عمه، ضرورة أنه حق موروث له قد استوفاه بإعماله له بالقبول، وعلى الثاني اختصت الوصية بالعم لانه الوارث حينئذ دون ولد الولد. (ومنها) لو أوصى بجارية وحملها حيث يملك (1) لزوجها ومات الموصى له قبل القبول، فقبل الوارث، انتقل الموصى به من الجارية وحملها إليه بقبوله وكان الولد رقا ان لم يكن ممن ينعتق على الوارث (2) سواء قلنا بكون القبول ناقلا أو كاشفا من حين موت المورث أو كان موته في حياة الموصى. ولا كذلك لو قلنا به كاشفا من حين موت الموصي فانه ينعتق على أبيه لانكشاف تملكه له قبل موته. ثم الوارث ان كان واحدا انفرد بالارث، وان كان الولد ممن ينعتق عليه، لتأخر انعتاقه المتوقف على قبول الوارث عن تملك الوارث الحاصل بموت المورث، وان كان متعددا


(1) فيما إذا زوج مولى الجارية: جاريته لحر وشرط عليه رقية الحمل في ضمن العقد، وقبل الزوج الحر ذلك الشرط: فعلى المشهور يصبح الحمل ملكا لصاحب الجارية، اخذا بعموم " المؤمنون عند شروطهم "، والاكثر على خلاف ذلك وبطلان الشرط. راجع تفصيل المسألة في نكاح الاماء من الموسوعات الفقهية. (2) كما إذا كان الوارث إبنا والحمل انثى، إذ تكون حينئذ أخته، والاخت النسبية من محرمات الرجل التي تنعتق عليه كالعمة والخالة.

[ 39 ]

وكان ممن ينعتق على بعضهم (1) انعتق عليه بقدر نصيبه ودخل معهم في الارث إن كان قبل القسمة، ولم يرث ان كان بعدها: على الكشف من حين موت الموصي، شارك الوارث في الارث مطلقا: اتحد أو تعدد، بل يحجب من تأخر عنه في الطبقة ويختص هو بالارث دون من كان وارثا عند القبول، ولا يرث الولد المنعتق على الوارث أمه مطلقا: إتحد الوارث أو تعدد. ومع التعدد: قبل القسمة أو بعدها لتأخر مرتبة انعتاقه عن تملك الوارث له ولامه ولم يملك المورث للجارية حتى يرثها أو يرث منها ولدها، نعم يرثها مطلقا على القول بالكشف من حين موت الموصي، فتنعتق على ولدها المنعتق على أبية. هذا وقد ذهب الشيخ في " المبسوط " مع فرض انعتاق الولد إلى عدم إرثه مطلقا، لاستلزامه الدور حيث قال: " الا ان الولد لا يرث من والده بحال، لان صحة الوصية تقف على قبول جميع الورثة لانه لو أراد بعض الورثة أن يقبل جميع ما قد أوصى به لابيه لم يكن له، فلو جعلنا هذا الولد وارثا لم تصح الوصية به إلا بقبوله، والقبول منه لا يصح قبل حريته، فكان ذلك يؤدي إلى إبطال حريته وحرية الامة وابطال الوصية فأسقطنا الارث حتى حصلت الحرية له ولها " (2)


(1) كما إذا كان وارث الزوج الموصى إليه ابنا وبنتا والحمل انثى فانها تنعتق على الابن لانها أخته، ولا تنعتق على البنت، إذ لا مانع من ملك الاخت للاخت، وانما موانع تملك المرأة أي الذين ينعتقون عليها: هم عموداها، وابنها وبنتها وزوجها فقط. (2) يراجع: كتاب الوصايا (ج 4 ص 31 - 32) من الطبعة الثانية في المطبعة المرتضوية بطهران سنة 1388 ه‍. ومبدأ المسألة قبل هذه العبارة هكذا: " إذا زوج أمته من رجل ثم أوصى له بها ومات الموصي =

[ 40 ]

وأجاب في (المسالك) عن لزوم المحذور " بأن المعتبر قبول الوارث في الحال لا في المآل، وقد حصل بقبول من كان وارثا حينئذ " (1) وفيه: أنه بعد انكشاف تملك المورث من حين موت الموصي وانعتاق الولد على أبيه من حينه بالفرض، تبين كونه كان وارثا - فعلا - في الواقع لتعقبه بتحقق القبول من الوارث الكاشف عن تحقق الشرط المقارن، فلا يجدى حينئذ ما ذكره في رفع محذور الدور. نعم، الاحسن أن يجاب عن ذلك بأخصية الدليل من المدعى، لان


= ولزمت الوصية، ثم مات الموصى له قبل قبوله، فان وارثه يقوم مقامه في قبول الوصية، لان الوصية من الحقوق المالية، وذلك يثبت للوارث كما يثبت للموروث مثل الشفعة والقصاص، وفيها خلاف - إلى قوله -: فمن قال بشرطين (يعني موت الموصي وقبول الموصى له) فالميت لم يملك شيئا لانه مات قبل القبول، وإنما ينتقل من الموصي إلى ورثة الموصى له فتصير الجارية رقيقة له والولد مملوكا - إلى قوله -: ومن قال: ينتقل إليه بوفاة الموصي فانه يتبين بقبول الورثة أن الملك انتقل إلى الموصى له بوفاة الموصي فيكون الحكم فيه كما لو قبل الموصى له ذلك قبل وفاته إلى قوله: إلا أن.. (1) في أوائل كتاب الوصايا: في احكام الموصى له أثناء شرحه لقول المحقق (فرع لو أوصى بجارية وحملها لزوجها وهي حامل منه) وتمام هذه الجملة قوله: " وتحرير البحث يتم بأمرين: أحدهما - إثبات أصل الارث، ووجهه واضح لان ثبوته معلوم، وإنما المانع من إرثه الرق، وقد زال بقبول الوارث حيث يعتق عليه أو على الميت، لانه الفرض، وقد خالف في ذلك الشيخ، فمنع من إرثه مطلقا لانه موقوف على قبول الوارث، فلو فرض كونه وارثا لا اعتبر قبوله في الارث، واعتبار قبوله موقوف على كونه وارثا فيدور. وأجيب بأن المعتبر.. "

[ 41 ]

محذور الدور انما يمنع عن إرثه لحق القبول لا عن الارث مطلقا، فحرمانه عن إرثه بخصوص هذا الحق من التركة كحرمان غير الولد الاكبر من أعيان الحبوة واختصاصها به. وبالجملة: وجود المانع عن إرث حق القبول لا يوجب عدم الارث من سائر التركة بعد فرض عدم المانع عنه ووجود المقتضي له من البنوة وعدم الرقية. ثم إن ثاني الشهيدين في (المسالك) علل إرث الولد المنعتق على أبيه من أمه بعدم القسمة بالنسبة إليها حيث قال: " والثاني ما يرث منه، فنقول: ان كان الوارث متحدا لم يرث هذا الولد مطلقا لاختصاص الوارث بالتركة قبل عتقه، وان كان متعددا فلا يخلو: إما أن يكون موت أبيه الموصى له قبل موت الموصي أو بعده، ففي الاول لا يرث أمه مطلقا - إلى أن قال -: وفي الثاني يبنى على الكشف بالقبول، أو الانتقال، فعلى الثاني لا يرث من أمه شيئا أيضا لانها لم تدخل في ملك أبيه، وعلى الكشف يرث منها لانها صارت من جملة التركة، والحال أنها لم تقسم حين الحكم بحريته لان ذلك حين القبول، وان كانت بقية التركة قد قسمت.. " (1) انتهى وأنت خبير بما فيه: من عدم وقوع التعليل في محله بناء على انكشاف تملك أبيه الموصى له من حين موت الموصي بالفرض لانعتاقه من حينه، وان تبين وانكشف ذلك من حين القبول. وعليه فقد انكشف دخوله في الارث من حيث الانعتاق مطلقا. نعم يأتي الفرق بين تحقق القسمة وعدمها حيث كان الولد منعتقا على الوارث دون أبيه، وعليه فليست الجارية من التركة حتى يعلل الارث منها بعدم قسمتها. ثم إن عدم الارث من المورث مع اتحاد الوارث أو تعدده بعد القسمة


(1) يراجع ذلك في المصدر الآنف الذكر بعد الجملة المذكورة آنفا.

[ 42 ]

إنما يتم على النقل أو الكشف من حين موته دون موت الموصي أو كونه منعتقا على الوارث دون المورث. (المسألة الرابعة) لا تبطل الوصية بعروض الاغماء أو الجنون للموصي إجماعا - كما حكاه جدنا في (المصابيح) (1) وان بطلت بأحدهما سائر العقود الجائزة كالوكالة ونحوها، لوضوح الفرق بينهما بشهادة بطلانها بالموت، وهو في الوصية شرط في نفوذها، فعدم البطلان بأحد العارضين أولى، مضافا إلى عدم انفكاك المرض غالبا عن احدهما - سيما الاول منهما - فيلزم بطلان وصايا المريض الا نادرا، واشتراط العقل عند الوصية لاعتبار الشعور في الكشف عن المقصود لا يدل على اشتراط دوامه في الصحة، فلتكن مستصحبة ما لم يرجع عنها. (المسألة الخامسة) لا تصح الوصية بالمحرم، للاصل، ولانه لو صحت لزم إما خروج المحرم بالوصية عن كونه محرما، أو وجوب ارتكاب المعصية على الوصي والاول خروج عن الفرض، والثاني ضروري البطلان، وللنص المفسر للآية الشريفة: " فمن خاف من موص جنفا أو إثما " (2). ولو أوصى بما هو محلل عنده اجتهادا أو تقليدا، ومحرم عند الوصي كذلك كالوصية بنقله المؤدي إلى الفساد إلى أحد المشاهد المشرفة، فلا إشكال في عدم جواز تنفيذه على الوصي، فضلا عن وجوبه. وفي وجوب


(1) راجع منه آخر كتاب الوصية (مصباح): " لا تبطل الوصية بالجنون والاغماء، سواء استمر العارض إلى الموت أو انقطع قبله إجماعا " والفرق بين الجنون والاغماء واضح، فان الاول زوال العقل أو فساده، والثاني عطل الحواس أو إيقافها مع تغطية للعقل. (2) سورة البقرة / 182. وتمام الآية: " فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ". والجنف - بالتحريك -: مصدر جنف - بالكسر من باب تعب - معناه: الميل والعدول عن الحق.

[ 43 ]

بتنفيذه على الحاكم المجوز له بأن يأمر من يقوم مقامه في ذلك كما لو عرض العجز على الوصي، لعموم أدلة الوصية، وعدمه؟ وجهان: مبنيان على وحدة المطلوب، وتعدده (1). ولو انعكس الامر (2) ففي وجوب تنفيذها على الوصي لمشروعيتها عنده، فيشمله عموم " من بدله " وان أثم بالايصاء عنده، أو بطلانها رأسا، لانها عنده (3) وصية بالمعصية؟ وجهان: ولعله الاول هو الاقوى. ولو أوصى لغير الولي بمباشرة تجهيزه - كلا أو بعضا - كالصلاة عليه مثلا - ففي تقديمه على الولي، أو تقديم الولي عليه؟ قولان: نسب الاول منهما إلى ابن الجنيد، وعن الكركي احتماله، وعن المدارك نفي البأس عنه: تقديما لادلة الوصية على مادل على أولوية الوارث، وأن حقه مقيد بعدم الوصية بها. والثاني هو المشهور، كما في المسالك وغيره، بل في (المختلف) عدم اعتبار علمائنا ما عليه ابن الجنيد مؤذنا بالاتفاق، وهو الاقوى، لان معارضة عمومات الوصية لعمومات أولوية الولي - بعد تسليمها - من تعارض العامين من وجه، والثانية مرجحة بما عرفت (4) فتكون الوصية حينئذ وصية في حق الغير، وتقع لاغية. مع احتمال أن يقال: إن تجهيز الميت من فروض الاحياء كفاية وان تعلق به، وليس مما تركه الميت، حتى يكون له الايصاء به، فتكون أدلة أولوية الولي سليمة عن المعارض. ويحتمل الفرق بين الدفن


(1) سقوط الوصية وعدم الوجوب بناء على الوحدة بين الوصية والوصي، والوجوب بناء على التعدد والتفكيك بين الوصية والوصي. (2) بأن أوصى الميت بما هو محرم عنده محلل عند الوصي. (3) الضمير في كلمة (عنده) الاولى مرجعه الوصي. والضمير المستتر في كلمة (أثم) والضمير في كلمتي (عنده) الاخيرتين مرجعه الميت. (4) من الاتفاق والشهرة على الاخذ بعمومات أولوية الولي في ذلك.

[ 44 ]

وغيره، فيتعين المدفن بتعيينه، لكونه منه بمنزلة دار السكنى من الحي، بل لعل الكفن كاللباس مثله دون التكفين والمواراة. مع إمكان أن يقال: ان حق الميت بمضجعه انما يتحقق بعد وضعه فيه لا قبله، وان عينه. وفي المسالك: " لا ولاية للموصى إليه بها على المشهور مع وجود الوارث نعم لو فقد كان أولى من الحاكم " انتهى. ولعل وجه تقديمه على الحاكم: هو أن الحاكم ولي من لا ولي له، وهذا له ولي بالايصاء. وفيه ان ذلك انما يتم لو قلنا بأن ولاية الحاكم هنا من حيث أنه ولي من لا ولي له، وهذا له ولي. وأما لو قلنا بها من حيث كونه نائبا عن الولي الوارث وهو الامام (ع) عند فقد من هو قبله من الطبقات الراجع في الحقيقة إلى تقديم الولي الوارث على الموصى إليه، فلا يتم الوجه المذكور. اللهم الا أن يدفع: أن حق تقديم الامام من حيث الوارثية ليس من الحقوق التي يستوفيها الحاكم بالنيابة عنه كالاموال، بل هو من الحقوق الراجعة إليه (ع) من حيث فعله بالمباشرة أو الاذن، فافهم. بقي فروع مبتنية على بطلان الوصية بالمحرم. (الاول) إذا أوصى بما يقع اسمه على المحلل والمحرم كالعود المشترك بين عود اللهو وعود البخور، والنبل والقسي والعصا ونحو ذلك والطبل المشترك بين طبل اللهو وطبل الحرب التي تضرب للتهويل وطبل الحجيج والقوافل التي تضرب لاعلام النزول والرحيل، والاواني المصوغة من الذهب والفضة والمتخذة من النحاس وغيره، سواء كان مشتركا لفظا أو معنى، انصرف إلى المحلل فردا أو مصداقا، حتى أنه لو لم يكن المحلل في التركة وجب شراؤه ودفعه إلى الموصى له، ولا يصلح اختصاص المحرم بالوجود في التركة قرينة على تعيينه كي يلزم البطلان، حملا للفعل على الصحيح، وصونا لكلامه عن اللغو، ولظهور حاله عند الوصية المقصود منها تنفيذها لتدارك

[ 45 ]

ما فاته من الحسنات في مستقبل الاوقات بعد الممات بنيل الخيرات بصرف ماله في وجوه الميراث والمثوبات، بل هو كذلك وان كان المحرم هو المنصرف إليه اللفظ عند الاطلاق بالاظهرية فيه، لوجوب صرف الظهور إليه بقرائن الحال، لا بأصل الصحة تعبدا، لان الاصل المزبور لا يصلح أن يكون قرينة لصرف ظواهر الالفاظ التي هي من الادلة الاجتهادية. (الثاني) أذا أوصى بمعين له منفعة محرمة، ومنفعة محللة غير نادرة، صحت الوصية، لصحة الانتفاع به بالوجه المحلل. (الثالث) إذا أوصى بالفرد المحرم من ذلك كعود اللهو - مثلا -: فان كان بحيث يوجب زوال الصفة المحرمة، ولو بتغيير الهيأة انتفاء مالية المادة، فلا إشكال حينئذ في بطلان الوصية به. وإن لم يكن كذلك بل أمكن زوال الصفة مع بقاء مالية المادة، ففي البطلان مطلقا، الصحة مع أمر الوصي بازالتها ودفع المادة إليه، أو التفصيل بين ما يمكن زوالها مع بقاء الاسم وعدمه: بالصحة في الاول والبطلان في الثاني، أو بين ما كانت له مادة نفيسة كالذهب والفضة - مثلا - فالصحة وما لم يكن كذلك ولو كانت متقومة، فالبطلان؟ احتمالات، بل أقوال: ولعل الاول هو الاقوى، لان الموصى به هو العين المركبة من المادة والهيأة في قوله: أعطوا عود اللهو لزيد بعد الموت، أو اعطوا الآنية المصوغة من الذهب له بعده، وهي بهذه الصفة غير قابلة لتعلق الوصية بها، و خصوص المادة بعد تغير الهيئة غير الموصى به ولو مع بقاء الاسم، وإرادة المسمى منه تجوز لا يحمل عليه الا بالقرينة، وإزالة الصفة تصحيحا للوصية لا تصلح قرينة لصحة الاستعمال، كما لا تصلح نفاسة المادة قرينة لذلك، كما توهم: من أن الوصية بما كانت مادته نفيسة في الحقيقة متعلقة برضا منه لانه خروج عن العمل بمداليل الالفاظ، ولا يجدي إلزام الوصي بزوال

[ 46 ]

الصفة بعد الوصية في الصحة، ولو مراعاة لعدم القابلية حين تعلقها. نعم لو علم تعلق الوصية بخصوص المادة المجردة عن الصفة، فلا بأس بها، كما لا بأس بازالة الصفة من العين ثم الوصية بها. فظهر بما ذكرناه ضعف مستند الاقوال الباقية. ولو كان الموصى به واحدا تعين تعلق الوصية به ولو كان متعددا تخير الوصي والوارث في المتواطي (1) في دفع أي فرد منه، سواء أوصى بفرد مردد أو بالماهية الصادقة على جميع الافراد بعد تحققها في ضمن كل فرد منها، فيتخير الوصي أو الوارث، لانه المأمور بتنفيذ الوصية مع حصول الامتثال بدفع ما شاء منه. ولو كان مشتركا لفظا كالقوس المشترك بين قوس النشاب وقوس الجلاهق الذي يرسى به البندق - كما قيل - (2)


(1) الكلي: هو المفهوم الذي لا يمتنع صدقه على الاكثر من واحد - كالانسان والبياض - والجزئي بعكسه، فهو فرد من أفراد الكلي كزيد. ثم إن الكلي ينقسم - من حيث تساوي مصاديقه بالنسبة إلى مفهومه - واختلافها إلى: متواطئ أي متساوي الافراد، كالانسان والحيوان، فان جميع أفراده متساوية من حيث الانسانية أو الحيوانية، وإلى مشكك، أي مختلف الصدق على أفراده من حيث القوة والضعف كالنور والنار بالنسبة إلى مصاديقها، أو من حيث الكثرة والقلة، كالعدد بالنسبة إلى أفراده، أو من حيث العلية والمعلولية كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن، أو من حيث التقدم والتأخر، وغير ذلك من موارد الاختلاف (عن كتب المنطق). (2) الجلاهق - بضم أوله -: جمع جلهق - بالفتح أو الكسر: - معرب - البندق الذي يرمى، والقوس: ومنه قول المتنبي: كأنما الجلد لعري الناهق: منحدر عن سبتي جلاهق والسبتين: هما ما عطف من طرفي القوس (عن كتب اللغة)

[ 47 ]

وقوس الندف: فان علم - ولو بقرائن الحال - إرادة قوس خاصة من الاقواس تعين، ولا اعتراض عليه للموصى له بدفع المراد بارادة غيره، لانه ليس الا بقول ما يدفعه المأمور بتنفيذ الوصية، إلا إذا ادعى عليه علمه بارادة غير المدفوع، فعليه يمين نفى العلم. وان علم إرادة المسمى كان مخيرا كالمتواطي في دفعه لما شاء من الاقسام لكون الموصى به حينئذ كليا منطبقا على كل قسم منها وان علم إرادة قسم منها واشتبه عليه الامر لعارض النسيان أو غيره - عينه بالقرعة التي هي لكل أمر مشكل لم يندرج تحت قاعدة من القواعد الشرعية، ولا تخيير هنا لعدم الدليل عليه ولا أصل يقتضيه حتى يكون واردا على دليل القرعة ورلفعا لموضوعها. وان شك في انه أراد قسما منها أو المسمى به مع عدم قرينة معينة ولا صارفة الموجب لدوران الامر بين الاجمال والتجوز، تعين الثاني، لان الحمل على المجاز - وان كان على خلاف قانون الاستعمال - أولى من الاجمال الموجب للغوية الكلام وسقوطه عن إفادة المرام، وعلى هذه الصورة ينزل كلام الاكثر بالتخيير في المشترك اللفظي، تقديما لاحتمال التجوز على الاحتمال الموجب للاجمال (ودعوى) ايجاب اللغوية بالاجمال إنما هو عند تأخير البيان عن وقت الحاجة دون وقت الخطاب وهو هنا عند الموت لا عند الوصية، فصحة الاستعمال بالحمل على الحقيقة تعين ارادة الفرد منه مع سعة الوقت لتأخير البيان وأنه ترك لعارض النسيان ونحوه، فتعين القرعة في هذه الصورة أيضا (فيها) من التكلف مالا يخفى. (المسألة السادسة) عقد الوصية جائز من الطرفين: من طرف الموصي مطلقا مادام حيا، من غير فرق بين متعلق الوصية بالمال أو بالولاية (1) ومن طرف الموصى له ما لم يقبل بعد الموت، وان قبل في الحياة. وفي


(1) فيما إذا كانت عهدية كأن يجعل شخصا وليا أو قيما على صغاره أو يوصي لشأن من شؤون تجهيزه بعد الموت.

[ 48 ]

إطلاق الجواز عليه قبل القبول بالمعنى المصطلح نوع مسامحة. إذ لا عقد بالفرض بعد حتى يتصف بالجواز. ولازم لو قبل بعده، فليس له الرد بعد القبول إلا على القول بكون القبض شرطا للزوم، فجائز قبله ولو بعد القبول وانما يلزم بعده. - وبالجملة - فهو جائز من طرف الموصي مطلقا، ومن طرف الموصى له في الجملة. ويدل على الاول: النصوص المستفيضة (1) والاجماع - بقسميه - ومحكيه فوق حد الاستفاضة، فله الرجوع عن الكل أو البعض، وتغيير الوصي أو الموصى له، وإبدال الموصى به بغيره أو العين بالمنفعة أو العكس ولو شك في الرجوع - ولو للشك في دلالة لفظ أو فعل عليه - فالاصل عدمه الحاكم على إصالة عدم الانتقال إلى الموصى له، مع كونها متعارضة بمثلها بالنسبة إلى ورثة الموصي، فيبقى الاول سليما عن المعارض، لو لم نقل بالحكومة في أمثال ذلك من مجاري الاصول وقلنا بالتعارض بين الاصل في السبب والاصل في المسبب (2) ويتحقق الرجوع بأمرين: بالقول، وبالفعل. أما الاول فيتحقق بكل لفظ دال عليه باحدى الدلالات (3) نحو رجعت عن وصيتي، أو أبطلتها


(1) التي منها - رواية ابن مسكان: " عن أبي عبد الله (ع) قال قضى أمير المؤمنين (ع) أن المدبر من الثلث وأن للرجل أن ينقض وصيته فيزيد فيها وينقص منها ما لم يمت " كما في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 18 من أبواب أحكام الوصايا. وغيرها في هذا الباب كثير. (2) ولكن الحق أن الاصل السببي حاكم على الاصل المسببي ومذهب لموضوعه، وأن الاصل المسببي في طول الاصل السببي لا في عرضه فكيف يتعارضان؟ والتفصيل في علم الاصول (3) أي الثلاثة: المطابقة والتضمن والالتزام، كما هي مفصلة في علم المنطق

[ 49 ]

أو عدلت عنها، أو نقضتها أو فسختها، أو غيرتها أو بدلتها. ونحو ذلك مما يكون صريحا أو كالصريح في الدلالة عليه ولو قال: " هو تركتي " لم يكن رجوعا، لان الموصى به من التركة، إذ ليس معنى التركة إلا كونها مالا، مات عنه المالك، لا خصوص ما يرثه الوارث. وأما الثاني، فيتحقق بالتصرف فيه بما يكون مفاده به مضادا لمفاد الوصية، وهو يتحقق بأمور: (الاول): إتلاف الموصى به كما لو أوصى بطعام فأكله، فانه كالتلف السماوي في انتفاء الموضوع. (الثاني): إزالة الملك عنه، منجزا كالعتق أو معلقا كالتدبير سواء قلنا بكونه عتقا معلقا على الموت أو وصية بالعتق. وبحكمه المكاتبة - مطلقة كانت أو مشروطة -، وليس الاعراض عن الموصى به كالتحرير في المنافاة للوصية، وإن قلنا بصيرورته مباحا بالاعراض، لامتناع تعلق الملك بالمعتق بعد حريته، وليس كذلك المباح لامكان تعلقه به بالحيازة ونحوها، فلا موجب لبطلان الوصية، إذ ليس إزالة الملك بنفسها رجوعا إلا بدعوى اشتراط صحة الوصية ببقاء ملك الموصي إلى الموت، وهي ممنوعة، بل هو كذلك، وان حازه غير الموصى له في حياة الموصي، لسقوط الحيازة عن التأثير حينئذ بتعلق حق الموصى له به ولو بنحو ملك أن يملك فهو قبل الموت من المباح المتعلق به حق، وإن لم يكن مملوكا بعد كحق التحجير في المباح قبل الاحياء، بل ليس للموصي إبطال الوصية بعد الاعراض لان جواز الابطال من شوؤن ملكيته، والمفروض زوال الملك بالاعراض وان لم يملكه الموصى له قبل موته وان حازه، لانتفاء شرط الملك وهو الموت، مع احتمال تملكه بها قبله وان انضم إليه بعد الموت سبب آخر للتملك وهو الوصية، كما لعله الاظهر، ويحتمل بطلانها بسبب التملك

[ 50 ]

بالحيازة نظير بطللان زوجية الامة بملك اليمين. ثم على هذا القول: لو رجع المعرض عن إعراضه لا يعود ملكه بنية الرجوع، لانه كالاجنبي. ولا كذلك لو قلنا بكون المعرض عنه بحكم المباح - كما اخترناه في محله - وان سبقه غيره باليد عليه، لسقوط اليد عن التأثير، لتعلق حق الموصى له به وكفاية نية الرجوع في انتفاء حكم المباح لبقائه على الملكية بالفرض. وأولى بذلك ما لو قيل - بما عليه المشهور - من بقاء الملكية وإباحة التصرف ولو بعد الحيازة. (الثالث): إيجاد ما يمنع عن نفوذ الوصية كإيلاد الامة الموصى بها لانها تنعتق على ولدها، إلا إذا مات ولدها في حياة الموصي لزوال المانع حينئذ عن صحة الوصية، والوطئ غير مانع كتزويجها، لان ذلك من شوؤن الملكية في الحياة وغير مضاد بنفسه حتى يكون دالا على الرجوع ولا يتوهم أن إرث الولد أمه فتنعتق عليه في مرتبة ملك الموصى له لها بالوصية مع اتحاد زمان السببين وهو موت الموصي، فمانعيته ليست بأولى من مانعية العكس، لان تشبث الايلاد أقوى وأشد تأثيرا من تشبت الموصى له بالملك بسبب الوصية، وان قلنا بكونه ملك ان يملك، ولذا لا يجوز بيع أم الولد الا في موارد مخصوصة، ويجوز نقل ما اوصى به وسائر تصرفاته المنافية للوصية، وان ملك بها أن يملك. (الرابع): نقله إلى غيره بعقد لازم أو جائز كالبيع والصلح والهبة مع الاقباض، وغير ذلك مما كان مفاده مضادا لمفاد الوصية وان عاد إليه بفسخ أو إقالة أو رجوع، من غير فرق بين صحة العقد وبطلانه مطلقا: علم بفساده أو جهله، إذ الدلالة في الثاني على الرجوع إنما هي من حيث التسليط لا حصول التسلط وعدم ترتب الاثر الذي هو معنى فساد

[ 51 ]

العقد، إنما هو من حيث عدم التسلط لا عدم التسليط الذي به يتحقق الرجوع. نعم لو كان نقله مع الغفلة عن الوصية بحيث لو كان ملتفتا إلى سبق الوصية لم يقع منه ذلك: فان كان صحيحا نفذ وبطلت الوصية، وان كان باطلا، فعن المشهور هنا وفي نظائره ابطال الوصية به أيضا لكونه رجوعا عرفا بل عقلا، لان إرادته مستلزمة لارادة عدم الوصية التي هي ضده، فان الشئ لما توقف وجوده على عدم ضده كانت إرادته مستلزمة لارادة مقدمته، وهي عدم الضد، فكأنه صرح بارادة عدم الوصية، وليس الفرق إلا الاجمال والتفصيل في الارادة. ونوقش فيه بأن ذلك مسلم فيما إذا لم يكن مسبوقا بفعل ضده المنافية صحته لصحته بحيث لو كان ملتفتا إليه لما فعله، بخلاف ما لو كان مسبوقا به لامكان الفرق - بين سبق الارادة إلى شئ ثم إرادة ضده، غفلة عن الارادة السابقة، كما فيما نحن فيه، وبين حدوث إرادة الشئ غفلة عن مصلحة ضده التي لو التفت إليها لاراد الضد - بأن الارادة السابقة مركوزة في ذهنه في الاول، وان أراد ضده غفلة، بخلاف الثاني، إذ لم تحصل إرادة، ولا عبرة بالمصلحة الداعية إليها على تقدير الالتفات. ولذا صرح بعضهم بأنه لو نوى الصوم ثم اعتقد فساده فتوى الاكل لم يفسد الصوم، وإن قلنا بان نية الافطار مفسدة، وكذا لو نوى قطع الصلاة لاعتقاد فسادها فان ذلك لا ينافي استمرار النية في الصوم والصلاة. ويمكن دفعها - بعد الفرق بين الارادتين - المسبوقة بارادة غيرها وغير المسبوقة - في كون مريد الشي ء مريدا لترك ضده، وصدق العدول بالثانية عن الاولى التي لولاها لكانت باقية مستدامة، وعدم بطلان الصوم والصلاة مع اعتقاد الفساد بمجرد نية الاكل، والقطع بفعل المنافي ما لم

[ 52 ]

يفعلهما انما هو لاعتقاد الفساد وأنه لا صوم أو لا صلاة باعتقاده، لا أنه عدول عن الصحيح وابطال له حتى ينافي شرط الاستدامة، ولذا هؤلاء يقولون بالبطلان بمجرد نية الابطال ما لم يكن مسبوقا باعتقاد الفساد لانتفاء استدامة النية حينئذ. ففي التنظير نظر، والتعليل عليل، فظهر بذلك قوة ما عن المشهور: من كون ذلك رجوعا عن الوصية وإبطالا لها. (الخامس): فعل مقدمة أمر إن تم كان مفاده مضافا لمفاد الوصية كالتوكيل على بيع الموصى به، وهبته قبل القبض، فان ذلك عند العرف يعد رجوعا عن الوصية، وليس مجرد العوض على البيع - ما لم يكن منجزا - من الرجوع عرفا. (السادس): انقلاب ماهيته إلى ماهية أخرى كانقلاب الحنطة قصيلا ما لم يعلم تعلق الوصية بخصوص المادة وان تغيرت صورتها النوعية، وان عاد إلى ما كان أو لا كالمصعد من ماء الورد - مثلا - فانه كالعود إليه بالفسخ أو الاقالة، لانه بالانتقال تبطل الوصية، وعودها موقوف على وصية جديدة، فضلا عما لو تولد منه بالانتقال غيره. وفي صدق الرجوع بالمزج الرافع للتميز بأجود منه دون غيره أو العدم مطلقا؟ قولان والثاني هو الاقوى، وإن أوجب الشركة الحكمية. (السابع): تسليط الغير على إتلافه ولو على تقدير كالارهان، ضرورة مضادة نفس الاقدام عليه كذلك لمفاد الوصية وان فكه، بخلاف العكس وهو الوصية بالعين المرهونة، فان مرجعها إلى الوصية بها بعد الفك، فتكون وصية عهدية. (المسألة السابعة) لا تثبت الوصية التي هي بمعنى إعطاء الولاية على التصرف في الاموال أو على المجانين والاطفال بعد الموت أو الوصية

[ 53 ]

بالايصاء كذلك (1) بشهادة النساء، لا منفردات، ولا منضمات إلى العدل الواحد. أما الاولى: فلاختصاص قبول شهادتهن كذلك بما يخفى - غالبا - على الرجال كعيوب النساء ونحوها وخصوص الوصية - كما يأتي -. وأما الثانية، فانها تقبل شهادتهن مع الانضمام فيما إذا كانت الدعوى على مال أو متعلقة بالمال، وليست الولاية بشئ منهما، بل تثبت بشهادة عدلين كغيرها من الحقوق. نعم تثبت الوصية بالمال (2) دون كونه وصيا بشاهد وامرأتين كغيرها من الدعاوي المالية، بل بشاهد ويمين، للملازمة بينهما، فكل مورد قبل فيه أحدهما قبل فيه الآخر. نعم تختص هي - دون غيرها - في الثبوت بشهادة الذميين مع الضرورة وعدم عدول المسلمين، اجماعا - بقسميه - بل كما قيل: لا خلاف فيه. والاخبار به مستفيضة، بل هي متواترة معنى والاصل فيه قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ان أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم: لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة


(1) وهي الوصية العهدية التي معناها: أن يعهد الموصي إلى شخص أو أكثر بعد موته بتنفيذ ما يريد تنفيذه في شؤون نفسه أو في شؤون ما يتعلق به من القاصرين. (2) أو بما يؤول إليه - وهي الوصية التمليكية. فمثبتاتها: منه ما هو متفق عليه بين الفقهاء كشاهدين عدلين، وشاهد وامرأتين، ومنه ما هو مخلف فيه كشاهد ويمين المدعي، وشهادة أربع نساء، وشهادة اثنين مع يمين المدعي وشهادة الذميين والشهرة، بتفصيل يتضمنه المتن.

[ 54 ]

الله إنا إذا لمن الآثمين ": " فان عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان، فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا انا إذا لمن الظالمين ": " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين " (1) وهو كالصريح في قبول شهادة غير المسلمين عند تعذر العدلين - بعد تنزيل قيد السفر فيه على الغالب من وقوع التعذر فيه دون الحصر - والا فيقتضي التخيير بينهما في السفر، وهو من المقطوع عدمه. مضافا إلى ظاهر التعليل في الصحيح: " هل تجوز شهادة أهل ملة ممن غير أهل ملتهم؟ قال: نعم إذا لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة غيرهم إنه لا يصلح ذهاب حق أحد " (2) بعد تقييده بما دل على اشتراط كونهما ذميين كما يقيد به اطلاق الآية، وبعض النصوص المطلقة نحو ما روي عن المشايخ الثلاثة - قدس الله أرواحهم -: " عن يحيى بن محمد قال: سالت أبا عبد الله " ع " عن قول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم؟ قال: اللذان منكم: مسلمان: واللذان من غيركم: من أهل الكتاب فان لم تجدوا من أهل الكتاب، فمن المجوس، لان رسول الله " ص " سن في المجوس سنة أهل الكتاب في الجزية.. " (3) إلا أنه - كما قيل -


(1) سورة المائدة: الآيات: (106، 107، 108). (2) الوسائل كتاب الوصايا، باب 20 من ابواب أحكام الوصايا حديث (3): (وعن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته: هل تجوز.) (3) المصدر الآنف من الوسائل حديث رقم (6)

[ 55 ]

لا عامل به، من حيث إلحاق المجوس بأهل الكتاب. اللهم إلا أن يكون مندرجا في إطلاق أهل الكتاب وأهل الذمة في كلامهم، لكنه خلاف المنساق من ذلك ومخالف للاصل، بل الاصول، فينبغي الاقتصار على المتيقن خروجه عن ذلك، وهو الذميان خاصة. وبالجملة: لا ريب في ثبوت الوصية بالمال بشهادتهما مع فقد العدلين، كما لا ينبغي التأمل في تقديم الذميين على الفاسقين من المسلمين، بل العدلين من المخالفين، وان كان مسلمين، للنص والاجماع فبهما المفقودين في غيرهما، والاولوية في الصورة الثانية ممنوعة، ولو سلمت فهي ظنية لا تعويل عليها. وفي جواز شهادة الذميين مع وجود العدل الواحد نظر: من إمكان ثبوت الوصية بالعدل الواحد مع ضم اليمين إليه، ومن فقد العدلين حين الوصية الصادق بفقد أحدهما وهو المسوغ لاشهادهما، ولعل الثاني هو الاقرب وإن كان الاقتصار على المتقين فيما خالف القواعد يقرب الاول، سيما مع دعوى كون الشرط فقدهما، دون فقد أحدهما، ولو شك في التعذر ففي رد شهادتهما، لان الشك في الشرط شك في المشروط والاصل عدمه أو قبولها بناء على مانعية التمكن، وان وقع التعبير عنه بشرطية العدم؟ احتمالان: مال إلى الثاني منهما - بل قواه - شيخنا في (الجواهر) والاول هو الاقوى، لعدم تحقق الاقتضاء في شهادة غير المسلمين حتى يمكن تصور مانعيته، لان مانعية الشئ ونسبة الشك إليه فرع وجود المقتضي، وليس في شهادة غير العدلين اقتضاء للقبول، وتعتبر العدالة فيهما كالمسلمين لما ورد من اعتبارها فيهما في بعض النصوص. هذا ويقع الاشكال في وجه التطبيق بين الآية التي مفادها إشهاد غير المسلم مع الضرورة على الوصية دون جعله وصيا، وسبب نزولها الذي مورده الثاني دون الاول، لما ورد في سبب نزولها بطريق: " أن تميما الداري وابن

[ 56 ]

بندى وابن أبي مارية خرجوا إلى الشام للتجارة، وكان تميم الداري مسلما وابن بندى وابن أبي مارية نصرانيين، وكان مع تميم الداري (خرج) له فيه متاع وآنية منقوشة بالذهب وقلادة أخرجهما إلى بعض أسواق العرب للبيع، واعتل تميم الداري علة شديدة، فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندى وابن أبي مارية، وأمرهما أن يوصلاه إلى ورثته، فقدما المدينة وقد أخذا من المتاع الآنية والقلادة، واوصلا سائر ذلك إلى ورثته، فافتقد القوم الآنية والقلادة، فقال لهما أهل تميم: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيها نفقة كثيرة؟ فقالا: لا ما مر ض إلا اياما قلائل. قالوا: فهل اتجر تجارة خسر فيها؟ قالا: لا، قالوا: فهل سرق منه شئ في سفره؟ قالا: لا، قالوا: افتقدنا أفضل شئ كان معه آنية منقوشة مكللة بالجواهر وقلادة. فقالا: ما دفع الينا فقد أديناه اليكم. فقدموهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأوجب رسول الله صلى الله عليه وآله اليمين، فحلفا فخلى عنهما، ثم ظهرت تلك الآنية والقلادة عليهما، فجاء أولياء تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله: قد ظهر على ابن بندى وابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما؟ فانتظر رسول الله صلى الله عليه وآله من الله عزوجل الحكم في ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا شهادة الخ " (1)


(1) الوسائل: كتاب الوصايا باب 21 من أبواب احكام الوصايا، حديث (1): عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن رجاله، رفعه، قال: خرج تميم الداري وابن بندي وابن أبي مارية في سفر. " ومثل ذلك في تفسير القمي - باختلاف بسيط في بعض فقرات الحديث. وتتمة الحديث هكذا: فاطلق الله شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يجد المسلمين " فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن أرتبتم: لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم =

[ 57 ]

وفي طريق آخر: مرض فدون ما معه في صحيفة وطرحها إلى متاعه ولم يخبرهما به، وأوصى اليهما أن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات، ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة وزنه ثلاث ماءة مثقال، منقوش بالذهب، فغيباه فأصاب أهله الصحيفة، وطالبوهما بالاناء فجحدا، فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله بعد صلاة العصر عند المنبر، وخلى سبيلهما ثم وجد الاناء في أيديهما، فأتاهم بنو سهم في ذلك، فقالا: قد اشترينا، فكرهنا ان نقربه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فنزلت: " فان عثر على أنهما " الخ، وليس فيه ذكر القلادة. وكيف كان فحق مفاد المنزل: إما أن يكون مطابقا للواقعة أو أعم منها حتى يكون بيانا لحكمها، لا أجنبيا عنها. اللهم إلا أن يقال: لما كانت الواقعة في الوصية بمعنى الايصاء، ولو بايصال المال إلى الورثة، كفى ذلك لبيان حكم الاشهاد على الوصية ولو استطرادا، سيما والوصية لم تنفك غالبا عن اعتراف الميت الذي يتحمل الوصي شهادة عليه وان كان مدعيا في كونه وصيا. ثم ان الآية اشتملت على أحكام مخالفة للقواعد: (منها) إحلاف


= شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين " فهذه الشهادة الاولى التي جعلها رسول الله " فان عثر على انهما استحقا إثما " أي إنهما حلفا على كذب " فآخر ان يقومان مقامهما " يعني من أولياء المدعي " من اللذين استحق عليهم الاوليان فيقسمان بالله " يحلفان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى منهما فانهما قد كذبا فيما حلفا بالله " لشهادتنا احق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين " فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أولياء تميم الداري: أن يحلفوا بالله على ما أمرهم فحلفوا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله القلادة والآنية من ابن بندي وابن أبي مارية، وردهما على أولياء تميم الداري.. "

[ 58 ]

الشاهد مع أن الشاهد لا يمين عليه - بالاجماع -. (ومنها) إحلاف المدعي وهو ورثة الميت المستفاد من قوله (وآخران يقومان مقامهما). و (منها) سماع الدعوى بمجرد الظن والتهمة مع أنها لا تسمع الا بنحو الجزم. و (منها) سماع الدعوى في الآية من ورثة الميت وإحلافهم عليها، مع أن الدعوى لا تسمع بعد اليمين لانها تقطع الخصومة بها، وتذهب بما فيها - كما ورد في بعض النصوص - والجواب عن (الاول) مرة - بالتزام تخصيص مادل - على عدم إحلاف الشاهد بما دل عليه - هنا - بالخصوص: من النص، كتخصيص عموم مادل على اعتبار الايمان في الشاهد بقبول شهادة الذميين هنا - وأخرى - بكون سبب الاحلاف هو دعوى الورثة خيانة الوصيين، فهي دعوى جديدة بتوجه اليمين على منكرها. و (عن الثاني) فبالتخصيص - أولا - بانقلاب المدعي منكرا بعد دعوى الوصيين الشراء - ثانيا - ويحلفان على نفي العلم، ويكون دليلا لصيرورة ذى اليد مدعيا بعد اعترافه بالملكية السابقة للمدعى لتضمنه دعوى الانتقال منه إليه، فتلغو اليد عن كونها أمارة. (وعن الثالث) بأنها ربما حفت بقرائن إفادة المدعى جزما بالدعوى، ولم يكن ما يدل بظاهره على خلافه، وان التعبير لم يكن بنحو الجزم. (وعن الرابع) بما عرفت من انقلاب المدعي منكرا بعد ظهور الخيانة بدعوى الشراء. وبالجملة: بعد أن كان الحكم مخالفا للقواعد، فاللازم الاقتصار على المتيقن خروجه عنها، وهو قبول شهادة الذميين المرضيين في دينهما عند تعذر العدلين، وما يقوم مقامها: من شهادة النساء مطلقا وإحلافهما مع الريبة وتغليظ اليمين من حيث الوقت والمكان - كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله - وكذا ثبت الوصية بشهادة النساء، ولو منفردات، لكن يثبت

[ 59 ]

تمام الوصية بشهادة أربع نساء، وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث منهن، والنصف بشهادة امرأتين، والربع بواحدة، المستفاد ذلك من ثبوت الربع بشهادة امرأة واحدة من النصوص التي: (منها) ما رواه (في التهذيب) في الصحيح " عن ربعي عن أبي عبد الله (ع) في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصي ليس معها رجل؟ فقال: يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها (1) ورواه (في الفقيه) في الصحيح: " عن حماد بن عيسى عن ربعي " مثله بأدنى تفاوت (2) و (منها) ما عن محمد بن قيس في الصحيح " عن أبي جعفر (ع) قال قضى أمير المؤمنين (ع) في وصية لم يشهد لها إلا امرأة فقضى يأن تجاز شهادة المرأة في ربع الوصية " ورواه بسند آخر: عن محمد بن قيس أيضا مثله، إلا أنه زاد: إذا كانت مسلمة غير مريبة في دينها (3) و (منها) ما عن أبان عن أبي عبد الله (ع): " انه قال في وصيته لم يشهدها الا امرأة فأجاز شهادة المرأة في الربع من الوصية بحساب شهادتها " (4) والمراد من قوله: بحساب شهادتها، أي الربع


(1) راجع: كتاب الوصايا منه باب (7) الاشهاد على الوصية، حديث (5): " الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن ربعي عن أبي عبد الله (ع).. " (2) من لا يحضره الفقيه للصدوق: ج 4 طبع النجف ص 142 باب 87 الاشهاد على الوصية هكذا ".. عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) في شهادة إمرأة حضرت رجلا يوصي ليس معها رجل؟ فقال: تجاز في ربع الوصية ". (3) راجع ذلك بصورتيه في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 22 من أبواب أحكام الوصايا حديث (3، 4). (4) المصدر الآنف من الوسائل حديث رقم (2).

[ 60 ]

بحساب ما شهدت به، فإذا ثبت الربع بشهادة الواحدة؟؟؟؟؟ بشهادة كل واحدة فيثبت النصف بامرأتين وهكذا. ولا يجوز للامرأة أن تزيد في شهادتها ليثبت بقبولها في الربع تمام الحق لتضمنها الكذب الممنوع منه، وان استباح المشهود له تناوله مطقا، ولو مع العلم بزيادة المشهود به عن حقه، لعدم نفوذها إلا فيما يساوي حقه في الواقع. ولو نقص عددهن عن الاربعة، ففي قبول شهادة الذميين، لثبوت الكل لتحقق الضرورة بالنسبة إلى ثبوت الوصية المنساق منها تمامها، أو بالنسبة إلى خصوص الزائد لاختصاص التعذر به، أو عدم القبول مطلقا، لعدم التعذر المطلق؟ وجوه: أقواها: الاخير. ولا يثبت شي منها بشهادة الخنثى الواحد، لاحتمال كونه ذكرا بناء على عدم ثبوت شئ بشهادته، لعدم النص، مع منع الاولوية القطعية من المرأة بالنسبة إلى الربع، ولو زاد عددها عن الواحدة ثبت الاقل مما دار الامر بينه وبين الاكثر، لانه المتيقن فيثبت الربع بشهادة الخنثيين لدوران الامر بينه لاحتمال كون أحدهما مرأة، وبين النصف لاحتمال كونهما مرأتين، والكل لاحتمال كونهما رجلين، وثلاثة أرباع لو كن ثلاثة، لدوران الامر بينه وبين الكل، والجميع لو كن أربعا، لانه المتيقن على كل تقدير. (المسألة الثامنة) لو أشهد رجل عبدين له على أن حمل جاريته منه، ثم مات وأعتق العبدان، ثم شهد ببنوة المولود، نفذت شهادتهما وعاد رقين (1)


(1) وذلك لانكشاف أن معتقهما - وهو أخ الميت - لا يملك عتقهما، وأنما الذي يملك ذلك - بحكم صحة الشهادة المذكورة - هو الولد المشهود =

[ 61 ]

إن كان مع الايصاء بلا خلاف - كما قيل - (1) بل عن (المسالك): " ان عليه أصحابنا " (2) أو مطلقا على الاشهر الاظهر، للصحيح: " في رجل مات وترك جارية ومملوكين، فورثهما أخ له، فاعتق العبدين، وولدت الجارية غلاما، فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما: أنه يقع على الجارية وأن الحمل منه؟ قال: تجوز شهادتهما ويردان عبدين كما كانا " (3) والموثق: " عن رجل كان في سفر ومعه جارية وله غلامان مملوكان، فقال لهما: أنتما حران لوجه الله، واشهدا أن ما في بطن جاريتي هذه مني، فولدت غلاما، فلما قدموا على الورثة أنكروا ذلك واسترقوهما، ثم إن الغلامين أعتقا بعد ذلك، فشهدا بعدما أعتقا: أن مولاهما الاول أشهدهما على أن ما في بطن جاريته منه؟ قال: تجوز شهادتهما للغلام، ولا يسترقهما الغلام الذي شهدا له، لانهما أثبتا نسبه " (4). وهما باطلاقهما - بل العموم الناشئ من ترك الاستفصال - يعمان: صورة تحقق الايصاء وعدمه، فقصر الحكم الاول منهما تخصيص لهما من غير دليل يقتضيه، إلا ما يتوهم من توسعة أمر ثبوت الوصية، ولذا


= له ببنوة الميت، فكان عتقهما باطلا، إذ لا عتق إلا في ملك - كما هو لسان الحديث الشريف -. (1) والقائل هو الشيخ الطوسي - قدس سره - فقد خص الحكم لصحة الشهادة في صورة الوصية لانها من الحقوق التي يتساهل في مثبتاتها. (2) ذكر ذلك في كتاب الوصايا في شرح قول المحقق: ". ولو أشهد إنسان عبدين.. " (3) وهو صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في رجل مات.. (الوسائل: كتاب الوصايا) باب 71 من أبواب أحكام الوصايا حديث " 2 ". (4) المصدر الآنف من الوسائل حديث " 1 ".

[ 62 ]

تثبت بشهادة الذميين، وهو كما ترى. ثم لا تنافي بين الروايتين من حيث رقية العبدين بعد الشهادة، إذ المراد من قوله في الموثقة (ولا يسترقهما الغلام) النهي عن إبقائهما رقين. وهل يحرم ذلك لظاهر النهي أو يحمل على الكراهة لمناسبة التعليل الظاهر في كونه خلاف الانصاف لانهما صارا سببا لحرية الغلام فلا ينبغي أن يكون سببا لرقيهتما؟ الاظهر الاشهر: هو الثاني. ثم الوجه في اتفاقهم على قبول شهادة العبدين هنا - ولو في الجملة - مع اختلافهم في قبول شهادة العبد في باب الشهادات على اقوال - ليس عندي إلا التعبد بالنص هنا، وان قلنا بعدم القبول - ثمة - لا ما ذكره شيخنا في (الجواهر): من الوجوه التي لم أقف لها على محصل غير التعبد بالنص منها حيث قال: " وعلى كل حال اتفاقهم ظاهرا على الحكم هنا وخلافهم في قبول شهادة العبد على أقوال متعددة: إما أن يكون للخبرين المزبورين المعتضدين بما عرفت، أو لانها حران في ظاهر الشرع وفي حق الورثة الذين شهدوا عليهم وان استلزم ذلك رقيتهما لغيرهم أخذا باقرارهما أو لعدم بينة على دعواهما العتق من سيدهما الاصلي ولا تنافي بين الامرين بعد أن كانا من الاحكام الظاهرية التي يمكن العمل بكل منهما نحو الصيد الواقع في الماء، فانه يحكم بميتته وطهارة الماء عملا بكلا الاصلين، وليس ما نحن فيه مما يستلزم من وجوده عدمه لان ذلك انما هو في الاحكام الواقعية دون الظاهرية " (1) انتهى. قلت: وان كان التفكيك بين الاحكام في مجاري الاصول غير عزيز، إلا أن المقام ليس منه، والتنظير بالصيد الواقع في الماء القليل


(1) راجع ذلك منه في كتاب الوصايا في شرح قول المحقق: " ولو أشهد إنسان عبدين له على حمل أمته.. ".

[ 63 ]

المشكوك في كونه مذكى أو ميتة غير سديد لان الشك في نجاسة الماء وطهارته مسبب عن الشك في كونه مذكى أو ميتة: فان كان الميتة بمعنى غير المذكى وأنه أمر عدمي موافق للاصل، كان الاصل في السبب مقدما على الاصل في المسبب لحكومته عليه، وان كان أمرا وجوديا مخالفا للاصل، لم يثبت به كونه ميتة حتى يقدم على أصل الطهارة واستصحابها، وان حرم أكله، لفقدان شرط حليته: من التذكية المستفاد من قوله تعالى: " إلا ما ذكيتم " فالاصل في المسبب: إما محكوم للاصل في السبب أو غير معارض به، فلا معنى للعمل بكلا الاصلين فيه. وأما رقيتهما بعد الشهادة أخذا باقرارهما، ففيه أن الحكم بالرقية ليس من جهة اقرارهما، مع كونه ممنوعا أصله، بل لقبول شهادتهما لانكشاف كون معتقهما لم يكن مالكا، والمالك لم يعتق، ولذا تسترد التركة التي منها العبدان إلى المولود لانكشاف كونه وارثا، والا فاقرارهما لا ينفذ على المعتق الوارث بالنسبة إلى سائر التركة، وإنكار كونه مما يستلزم من وجوده عدمه مكابرة، ضرورة أنه يلزم من قبول شهادتهما المثبت لعبديتهما سقوط شهادتهما بناء على عدم قبول شهادة العبد، فلا مناص حينئذ عن القول بتخصيص عموم المنع عن قبول شهادة العبد بما إذا شهد في زمان محكوم بحريته ظاهرا، وان كان عبدا في الواقع، للنص فهو نوع تخصيص في شهادة العبد. ولا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، ولا فيما يؤول إلى جر النفع لنفسه - ولو بالولاية على مالكه - كما إذا شهد بمال للصغير الذي له الولاية عليه، لاستلزامه ثبوت السلطنة له على التصرف فيه، والضابط أن لا يجر بشهادته نفعا لنفسه، فانها للتهمة غير مقبولة منه ولو كان عدلا، خلافا لما عن الاسكافي حيث قال: " شهادة الوصي جائزة لليتيم في حجره وان

[ 64 ]

كان هو المخاصم للطفل ولم يكن بينه وبين المشهود عليه ما يرد شهادته عليه " ونسب إلى المقداد الميل إليه، ونفى عنه البأس في (المسالك) وان عين بعده العمل بالمشهور (1) واستجوده جدنا في (الرياض) (2). ولعل نظرهم - بعد نفي التهمة عن العدل حيث أنه ليس بمالك، وربما لم يكن له أجرة على عمله في كثير من الموارد - إلى مكاتبة الصفار، وفيها: " كتب إليه: أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت: صغيرا أو كبيرا بحق له على الميت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير وليس الكبير بقابض؟ فوقع عليه السلام: نعم، ينبغي للوصي أن يشهد بالحق ولا يكتم شهادته... " (3) وفيه - مع عدم وجدان القول به صريحا إلا ما حكي عن الاسكافي - أنه


(1) قال في كتاب الوصايا في شرح قول المحقق " ولا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه.. ": " والمنع من قبول شهادة الوصي كذلك هو المشهور بين الاصحاب، لا نعلم فيه مخالفا الا ابن الجنيد فانه قال: شهادة الوصي جائزة لليتيم في حجره وان كان هو الخاصم للطفل ولم يكن بينه وبين المشهود عليه ما يرد شهادته عليه، ومال إليه المقداد في شرحه، ولا بأس بهذا القول، لبعد هذه التهمة من العدل حيث أنه ليس بمالك وربما لم تكن له أجرة على عمله في كثير من الموارد، إلا أن العمل بالمشهور متعين ". (2) ففي هذا الباب والكتاب المذكورين - بعد أن ينقل رأي المشهور عن الشهيد - يقول: " وهو حسن إن بلغت الشهرة الاجماع، كما هو الظاهر منه، وإلا فمختار الاسكافي لعله أجود ". (3) فروع الكافي للكليني، كتاب الشهادات، باب شهادة الشريك والاجير والوصي، حديث (3).

[ 65 ]

لا مقاومة للمكاتبة المزبورة، سيما مع إعراض الاصحاب عنها، لما دل على خلافها من المنع من قبول شهادة من بجر نفعا (1) الشامل لذلك، ولو من حيث دخوله تحت سلطنته، ودعوى عدم انصراف النفع لمثله ممنوعة هذا، مع ما في المكاتبة المزبورة: من أنه " هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين على رجل آخر مع شاهد آخر عدل؟ فوقع (ع): إذا شهد معه آخر عدل، فعلى المدعى يمين " (2) الظاهر في عدم قبول شهادة الوصي وإنما اليمين لاثبات الحق بضمها مع العدل الواحد، والا لم يكن لليمين حاجة. وهو باطلاقه يشمل المقام، فلتحمل الفقرة الاولى منها على شهادته على مالا حق فيه من مال الكبير. نعم تقبل شهادته فيما لا يندرج تحت ولايته، كما لو شهد بما لا يكون وصيا فيه كالدين على الميت، أو كان وليا على الطفل في ماله الخاص فشهد له بغيره، فانه تقبل بلا خلاف، لعدم المانع، بل يدل عليه ما في المكاتبة المزبورة: " من أنه كتب إليه أيضا أو تقبل شهادة الوصي على الميت بدين مع شاهد آخر عدل؟ فوقع (ع): نعم من بعد يمين " (3) فإن اليمين هنا للاستظهار بعد قيام البينة من شهادة الوصي والعدل الآخر. (المبحث الثاني في الموصي) ويعتبر فيه: أن لا يكون محجرا عليه لصغر أو جنون، ونحوه السكران والمغمى عليه ممن لا قصد له ولا شعور، إجماعا - بقسميه. ولعله المراد


(1) وهي أحاديث وروايات كثيرة، مختلفة الالفاظ والمضامين، عقد لها في الوسائل اكثر من باب واحد، في كتاب الشهادات. (2) ذكرت هذه الجملة في صدر التوقيع الآنف الذكر بنفس المصدر. (3) وهذه الجملة وردت في ذيل المكاتبة الآنفة الذكر والمصدر.

[ 66 ]

ممن اعتبر فيه كمال العقل أي العقل الكامل الجاري مجرى غالب العقلاء، وهو بهذا المعنى مما لا خلاف فيه. فلا تصح من المجنون مطلقا، ولو كان أدوارا إذا كانت في حالة الجنون، وتصح منه في حالة الافاقة. ولا تبطل بعروض الجنون - كما تقدم. لعدم اشتراط دوام العقل إلى الموت. كيف وإطباقهم على صحتها منه حال الافاقة أقوى دليل على عدم البطلان بعروض الجنون بعدها. ولا من الصبي لدون العشر مطلقا وإن بلغ سنه ثمان سنين. وأما من بلغ سنه العشر: فعن المشهور نفوذها إذا كانت في البر والمعروف كبناء المساجد والقناطر ووجوه الخيرات والمبراث، بل ربما يستشعر من (الدروس) كما قيل: الاجماع عليه. بل عن (الغنية) التصريح به. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك - الاخبار المستفيضة: (منها) ما عن الصدوق في (الفقيه): " عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن عن أبي عبد الله قال قال أبو عبد الله (ع): إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته " (1) و (منها) الموثق في (التهذيب) " عن منصور ابن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا بلغ الصبي خمسة أشبار أكلت ذبيحته وإذا بلغ عشر سنين جازت وصيته " (2) و (منها) ما رواه الشيخ


(1) " من لا يحضره الفقيه للصدوق " في الوصايا باب 92 الحد الذي إذا بلغه الصبي جازت وصيته، حديث (1) (2) الرواية بهذا النص في التهذيب - باب 8 وصية الصبي والمحجور عليه حديث (1) - هي عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله. وأما التي عن منصور بن حازم فنصها - كما في التهذيب بنفس المصدر والباب حديث (5) هكذا: " قال: سألته عن وصية الغلام هل تجوز؟ قال: إذا كان ابن عشر سنن جازت وصيته ".

[ 67 ]

في (التهذيب) في الموثق عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: " يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته، وإن لم يحتلم " (1) بعد تقييدها بما دل على العشر و (منها) ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: " إذا أتى على الغلام عشر سنين فانه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق وأوصى على حد معروف وحق فهو جائز " (2). و (منها) ما عن أبي بصير وأبي أيوب في الموثق عن أبي عبد الله (ع): " في الغلام ابن عشر سنين يوصي؟ قال: إذا أصاب موضع الوصية جازت " (3). وهذه الاخبار - بعد اعتضادها بما عرفت - تنهض لتخصيص مادل على الحجر على الصبي ما لم يبلغ، سيما في الوصية التي قد عرفت توسعة الامر فيها خلافا لابن ادريس، فمنع عن جوازها مطلقا (4) للاصل، وحديث


(1) = وهكذا في الوسائل: كتاب الوصايا باب 44 من أبواب أحكام الوصايا، فراجع. (1) التهذيب، الباب الآنف الذكر، من كتاب الوصايا، حديث (9) تسلسل (734). (2) ذكره الصدوق في " الفقيه: باب 92 " ألحد الذي إذا بلغه الصبي جازت وصيته حديث (2)، والكليني في (الكافي كتاب الوصايا باب وصية الغلام) حديث (1)، والشيخ في (التهذيب باب 8 وصية الصبي والمحجور عليه) حديث (4). (3) في المصدر والباب الآنفي الذكر من التهذيب حديث (2) (4) فانه قال في كتاب الوصايا من السرائر في باب شرائط الوصية: " الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن وصية غير المكلف البالغ غير صحيحة =

[ 68 ]

رفع القلم، وعمومات الحجر على الصبي، مع عدم العمل بهذه الاخبار التي هي من الآحاد. وهو حسن على أصله، إلا أنه ضعيف - عندنا. وحيث كان الحكم خلاف الاصل، فليقتصر على المتيقن من بلوغ العشر دون الثمان وإن وردت به رواية لم يعمل بها إلا شاذ (5) فلا تنهض لمقاومة مفاهيم الاخبار المتقدمة، وتخصيص عمومات الحجر بها، وكون الوصية بالمعروف لا مطلقا كما عن بعض، للتقييد بها في الاخبار. وأما الحجر عليه لسفه، فعن المشهور أيضا: عدم النفوذ الا فيما كان في معروف، كما عن المفيد وسلار والحلي وابن زهرة وغيرهم، بل عن الاخير دعوى الاجماع عليه، خلافا لما عن الحلي وابن حمزة، فمنعاه وهو أحد قولي العلامة، نظرا إلى عمومات أدلة الحجر عليه، وقوله الآخر الجواز مطلقا، وتبعه عليه جدنا في " الرياض "، ولعله الاقوى، لعمومات أدلة الوصية، مع منع شمول أدلة الحجر لذلك، إذ المنساق منها المنع


= ولا ممضاة سواء كانت في وجوه البر أو غير وجوه البر.. " إلى آخر عبارته التي يقول فيها: " وإنما هذه اخبار آحاد يوردها في كتاب النهاية إيرادا وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا.. " (5) يشير - قدس سره - إلى رواية الحسن بن راشد عن أبي الحسن العسكري (ع) قال: " إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله وقد وجب عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية سبع سنين فكذلك " - كما في الوسائل: كتاب الوقوف والصدقات باب 15 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات - واقتصر العمل بها - على ما نعلم - على ابن الجنيد الذي طالما يخالف الامامية في كثير من فتاواه - بالرغم من كونه من أعاظمهم -

[ 69 ]

عن التصرف في المال عند الحياة لا بعد الموت، مؤيدا بما دل على " أن الميت له من ماله الثلث "، فتبقى هي سليمة عن المعارض، وان سلم التعارض، فالنسبة بينهما عموم من وجه، والترجيح لعمومات الوصية، لما عرفت من الشهرة، إلا أنها تنتج قوة القول الاول. ولا تبطل بعروض السفه، لفحوى مادل على عدم البطلان بعروض الجنون. وأما المفلس فتقبل الوصية منه قطعا كما في " المفاتيح "، وبلا خلاف كما في " الدلائل " وهو كذلك، وإن لم تكن الوصية بالاعيان المتعلق بها حق الغرماء، ولان مخرجها الثلث، وهو بعد الدين، وان كانت متعلقة بها فلا تقبل مع عدم إجازة الغرماء، ومع اجازتهم، ففي قبولها وجهان؟ من عدم المانع من مزاحمة الحق، ومن احتمال ظهور غريم، وان كان الاصل عدمه. وكذا أن لا يكون مملوكا، فلا تقبل وصية العبد (1) وهو - على المختار: من عدم تملكه - واضح، لعدم نفوذ التصرف في مال الغير،


(1) لاطلاق أدلة الحجر الواردة بعنوان العبودية كقوله تعالى: " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " وكالروايات الواردة في عدم جواز أو نفوذ نكاح العبد أو طلاقه بنحو الاستقلال باختلاف المضامين وكالروايات الواردة في منعه عن التصرفات المالية - بما فيها الوصية - كصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): " أنه قال في المملوك: مادام عبدا، فانه وماله لاهله، لا يجوز له تحرير، ولا كثير عطاء ولا وصية إلا أن يشاء سيده " ورواية عبد الرحمان ابن الحجاج عن أحدهما (ع): انه قال: " لا وصية لمملوك.. " وغيرها كثير مما ورد في باب الطلاق والوصايا من كتب الاخبار.

[ 70 ]

كما لو قال: " مال زيد لعمرو بعد وفاتي " بل هو كذلك حتى لو أجاز مولاه، ولا يقاس بالفضولي، وان قلنا بصحته، لانه من الفضولي لنفسه دون المالك. وعلى القول بأنه يملك، فللحجر عليه، مع عدم إجازة السيد ومعها فالاقوى: الجواز، لزوال السبب، من غير فرق بين القن والمدبر وأم الولد والمكاتب الذي لم يتحرر منه شئ، ولو تحرر بعضه نفذت بقدر نصيبه من الحرية. ولو أوصى حال كونه مملوكا ثم أعتق وملك نفذت وصيته لارتفاع المانع من الرقية، وقياسه بوصية الصبي، وان بلغ بعدها، قياس مع الفارق لان الصبي مسلوب العبارة، بخلاف المملوك البالغ الرشيد. ولا يعتبر الاسلام في الوصية، فتصح من الكافر، ولو كان حربيا فيما كان سائغا، لعموم ما دل على صحة تمليكاته المنجزة، ولانها لو لم تصح لما صحت منه وصاياه في إخراج ديونه ورد أماناته. هذا ولو جرح الانسان نفسه لهلاكها ثم أوصى في ثلثه، لم تقبل وصيته على المشهور شهرة عظيمة (1) لاصالة الفساد. ولما في صحيح أبي ولاد المروي في (الكتب الثلاثة) عن الصادق (ع): " من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها، قلت أرأيت ان كان أوصى بوصية ثم قتل نفسه من ساعته: تنفذ وصيته؟ فقال: ان كان أوصى قبل أن يحدث حدثا في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت أجيزت وصيته في الثلث،


(1) وخالف في ذلك ابن ادريس صريحا، فقال في (سرائره): الذي تقتضيه أصولنا، وتشهد بصحته أدلتنا: أن وصيته ماضية صحيحة إذا كان عقله ثابتا عليه " ثم استحسن رأيه العلامة في المختلف والقواعد والشهيد الثاني في الروضة والمسالك، مما يستشعر منهما الميل إلى الاخذ به، فراجع.

[ 71 ]

وان كان أوصى بوصيته بعدما أحدث في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت، لم تجز وصيته " (1). وهي - بعد فتوى المشهور بمضمونها - مخصصة لعمومات الوصية، وهو الوجه في عدم القبول، لا ما قيل: من كشف عمله عن سفهه وأن السفيه لا تقبل وصيته، لمنع الصغرى - أولا - ومنع كلية الكبرى - ثانيا - كما تقدم. ولا ما قيل: من أنه قاتل لنفسه فاستحق عقوبة حرمانه من ماله كحرمان القاتل الارث من المقتول، لانه قياس مع الفارق، إذ الحكمة الموجبة للحرمان - ثمة - من تعجيل الارث مفقودة - هنا -. ولا ما قيل: من أنه غير مستقر الحياة وأنه بحكم الميت، ومن - ثم - لا يذكى الحيوان إذا أزال جرحه استقرار حياته، لامكان فرض استقرار الحياة بعد الجرح إلى مدة طويلة، ولان استقرار الحياة ليس شرطا لصحة الوصية، للاستصحاب وعمومات الوصية المعتضدة بظاهر فتوى المعظم، وخلو الاخبار عن اشتراط ذلك في نفوذها مع عموم البلوى به، مع غلبة وقوع الوصايا في حال اليأس من الحياة قطعا أو ظنا. والقياس بالحيوان - لو سلم الحكم في المقيس عليه - قياس لا نقول به (2)، ولنفوذ منجزاته فلتنفذ في معلقاته بالاولوية، من


(1) أي حفص بن سالم قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من قتل نفسه.. " ذكرها الصدوق في " من لا يحضره الفقيه " في باب 98 وصية من قتل نفسه متعمدا حديث (1). وذكرها الكليني في (الكافي) كتاب الوصايا باب من لا تجوز وصيته من البالغين، حديث (1). وذكرها الشيخ في (التهذيب) بعد كتاب الوقوف والصدقات. باب 15 وصية من قتل نفسه أو قتله غيره حديث (1). (2) لانه ليس من الاقيسة الممضية عندنا كقياس منصوص العلة، وقياس الاولوية، وقياس تنقيح المناط، ونحوها، وانما هو من القياس =

[ 72 ]

غير فرق في الموجب للهلاك بين الجرح وغيره من فعل ما يوجب ذلك في نفسه بحيث يستند القتل إليه بالمباشرة كشرب السم وإلقاء نفسه من شاهق، للنص المتقدم، بل ولو سبب بما يكون السبب فيه أقوى من المباشرة كالمبيت في المسبعة والتمكين من المهلكات كالحية ونحوها من نفسه، ضرورة إستناد القتل في أمثال ذلك إلى السبب دون المباشر لكونه أقوى منه، بخلاف مالو سلك طريقا مخوفا من تسليط العدو على قتله وان ظن بل ولو قطع بانه يقتل، وكذا الهجوم على العدو بما لا قبل له به، لاستناد القتل في نحو ذلك إلى المباشر، وان أثم بالتسبيب. ومنه يعلم عدم الحاجة إلى تقييد السبب بالمحرم ليخرج الجهاد ونحوه، لعدم الفرق بين السائغ وغيره بعد استناد القتل خصوص المباشر، إلا في الاثم وعدمه وحيث كان الحكم مخالفا للقواعد وجب الاقتصار على المتقين خروجه منها وهو ما إذا وقع ذلك منه عن عمد مع العلم أو الظن بالموت، فان كان عن خطأ أو كان عمده بحكم الخطاء كالصبي، نفذت وصيته. وكذا مع ظن السلامة فاتفق موته به. ولو برء بعد الوصية فالاقرب عدم النفوذ، لبطلانها إلا مع التذكر وبقاء الرضا الذي هو بحكم تجديد إنشائها، وليس انشاؤه حين الوصية كانشاء الصبي غير المميز الذي في الحقيقة لا إنشاء له، وهو واضح. ولا تبطل الوصية السابقة على إحداث الحدث في نفسه، لتصريح الصحيحة به، فهو كعروض الجنون بعد الوصية. نعم بناء على ان الوجه في النفوذ هو حرمانه - عقوبة - من ماله، يتجه البطلان مطلقا، إلا أنه اجتهاد في مقابل النص. ولا تصح الوصية بالولاية على الاطفال إلا من الاب والجد له، وان علا، لان سلطنة الانسان على التصرف في مال غيره خلاف الاصل، خرج


= التمثيلي الممنوع الحجية عندنا.

[ 73 ]

منه ما قام الدليل عليه: من النص والاجماع، وهو الوصي عنهما بذلك بعد ثبوت الولاية لهما معا، من دون تقييد بحياتهما، فلهما الايصاء بها وان سقطت بالموت مع عدمه كالثلث الذي له الايصاء به ولم يكن له مع عدمه شئ منه، فلا ولاية للحاكم عليهم مع وجود الوصي على ذلك من أحدهما لكونه في مرتبة ولاية الاب والجد له المقدمة على مرتبة ولاية الحاكم. وبما ذكرنا ظهر الفرق بين ولايتهما وولاية الحاكم المقيدة بحياته، لكونه شبه الوكيل عن الامام (ع) الموجود في زمان، فتنقطع وكالته بموته، لوجود إمام الاصل، ولذا ينعزل بموته وكيله على مباشرة الفعل المعلوم عدم وجوبها عليه. ويقوم - مع فقد الحاكم - غيره من عدول المؤمنين حسبة مقامه، لوجود الاصل ولا يتولى الولاية غيرهما مع وجود أحدهما، ولو بالوصية من المفقود منهما، لانعزاله عن الولاية بموته بوجود الآخر في مرتبته، اقتصارا فيما خالف الاصل - بالنسبة اليهما أيضا - على المتيقن خروجه منه، وهو ما لو انحصرت الولاية به لفقد من هو في مرتبته في الولاية فيجوز له حينئذ الايصاء بها لغيره. وبذلك ظهر ايضا: أنه ليس للوصي المزبور أن يوصى بذلك غيره بعد موته، لتقييد ولايته عليهم بحياته، على الاصح، إلا إذا كان مأذونا من الموصي بالايصاء كالثلث الذي ليس له الوصية به الا مع الاذن - كما ستعرف - ولا ولاية للام على أطفالها بعد الاب، وان كانت رشيدة، لعدم الدليل على خروجها من الاصل المتقدم، مضافا إلى دعوى غير واحد عدم الخلاف فيه إلا من الاسكافي، وهو شاذ - كما قيل - فلو أوصت لهم بمال من ثلها، وجعلت ولاية التصرف فيه لوصيها المجعول له ولاية التصرف في غيره من باقي الثلث، صحت وصيتها في التمليك لهم كسائر

[ 74 ]

وصاياها، وبطلت الولاية عليهم بالنسبة إلى الموصى به، لما عرفت من عدم الولاية لها على ذلك، كيف وفاقد الشئ لا يكون معطيا له. (واحتمال) صحة الوصية - هنا - في ثلث المال لان لها إخراجه عنهم رأسا فيجوز إثبات الولاية عليه للغير بالاولوية (مدفوع) بمنع الملازمة والاولوية، لان إزالة الملك توجب عدم تعلق حق به للوارث، فلا يكون له حتى تثبت فيه ولاية التصرف لوليه، ودخوله في ملك الوارث يصيره من جملة أمواله في كون الولاية عليه لوليه الشرعي. وأما لو أوصت بثلها لاطفالها على أن يبقى بيد الوصي، ثم يملكه لهم بعد البلوغ، فلا اشكال في عدم تسلط الولي عليه، ولو كان اجباريا لعدم دخوله فعلا في ملك المولى عليه حتى يكون لوليه ولاية التصرف، وان تشبث به الطفل في الحقية بنحو ملك أن يملك، لبقاء المال إلى البلوغ بحكم مال الميت الذي لا يقاومه تشبث الوارث بهذا النحو من التشبث. وأوضح من ذلك في عدم الاشكال: ما إذا أوصت به على أن يصرف عليهم بحيث يكونون مصرفا للمال، لكونها في هذه الصورة فعلا ومالا من الوصية العهدية التي تكون الولاية فيها للوصي. ولو نمت العين الموصى بها في الصورة الثانية، وهي الوصية بالتمليك بعد البلوغ: فإن كان متصلا بها عند الاجل كالصوف والشعر دخل في الملك تبعا بل هو جزء منه، وان انفصل عنه في العادة، وان كان منفصلا كالنتاج لم يدخل، وبقي على حكم مال الميت لعدم تعلق الوصية به، فيصرف فيما أوصى به مما يقبل الكثرة مع عدم التقدير فيه كالاطعام وقرائة القران والزيارات ونحو ذلك من وجوه الخيرات، أو قدر بما يزيد على الثلث مع عدم اجازة الوارث، ومع التقدير فيه بأن أوصى باعمال خاصة لا تزيد على أصل الثلث، فالاقرب إرجاعه إلى الورثة، لانه مما لم يوص به، فأشبه

[ 75 ]

بالوصية بما دون الثلث، إذ الاصل انتقال التركة إلى الوارث إلا إذا اوصى بالثلث فما دون منها. (المبحث الثالث) في متعلق الوصية. وهو الموصى به. وفيه مطالب: (المطلب الاول): تصح الوصية في كل مقصود يقبل النقل، فيعم: ملك العين والمنفعة، شخصيتين كانتا أو كليتين موجودتين أو متوقعتين. وكذا كل حق مالي، أو متعلق بالمال، ولو بالقوة، كحق التحجير، قابل للنقل بحيث لم يتعلق غرض الشارع بانتقاله إلى شخص مخصوص - سواء كان مما لا ينقل أصلا كحق الوقف والولاية عليه والقذف والتعزير والسبق في الاوقاف العامة كالمساجد والمدارس والخانات، بناء على كونه من الحقوق. بل وكذا المكاتب. وأما أم الولد، فان قيد الوصية بها بموت ولدها في حياته، صحت وان أطلق الوصية بها فمات الولد في حياته احتمل الصحة للعموم، والبطلان، لوقوعها منه حين ما كان المانع موجودا - أو كان مما ينقل، ولكن لخصوص الوارث كحق القصاص للتشفي، لعموم أدلة الوصية. ويعتبر في كل من الاولين (1) أمور: (الاول) قابلية دخوله في ملك الموصي والموصى له معا، فلا تصح الوصية بالخنزير - مثلا - من المسلم لمستحله، ولا من مستحله للمسلم، وإن صحت من المستحل لمثله على الاظهر، بناء على إلزامهم بما التزموا به وتقريرهم عليه، خلافا لشيخنا في (الجواهر) فيه فمنع عنه، وإن اعترف بلزوم تقريرهم عليه


(1) يقصد بهما: ملك العين والمنفعة لذكرهما قبل الحق المالي والمتعلق به.

[ 76 ]

لانهم كغيرهم مكلفون بالفروع أيضا، لقصور العلة عن إثبات المدعى بعد الدلبل على تقريرهم فيما بينهم، فلا تصح فيما لا مالية له وان كان ملكا كحبة الحنطة، فضلا عما لا يقبل الملك كالحشرات وفضلات الانسان، وان كانت ظاهرة. (الثاني) كونه ذا منفعة معتد بها غالبا، وان لم يصح تملكه بل يكفي مجرد الاختصاص به باليد عليه، كالفيل وبعض المسوخ، بناء على عدم جواز بيعه، لعموم أدلة الوصية والتوسعة فيها، فلا تصح فيما لا منفعة فيه أصلا، أو كانت، ولكنها نادرة أو منحصرة في المحرمة كالصنم والآت اللهو المتخذة مما لا مالية لمادته كالطين ونحوه. ولو أوصى بملك غيره لغيره كأن قال: مال زيد لعمرو بعد وفاته، ثم اجاز المالك، وهو زيد، صحت الوصية، بناء على صحة الفضولي لاستناد الوصية حينئذ إلى المالك بالاجازة، ولو علق ذلك على وفاة نفسه بطلت الوصية، وان أجازها المالك، لخروجها عن معنى الوصية الذي هو التعليق على موت الموصي، وليس هو من الفضولي في شئ، لان عقد الفضولي بالاجازة يستند إلى المالك المجيز، وهنا غير موص - ولو بعد الاجازة - لعدم التعليق على موته، والموصي غير مالك، وباجازة المالك لا يملك حتى ينفذ تمليكه المعلق على موته. نعم لو قيد الوصية بتملكه قبل موته بأن قال: (أعطوا دار زيد - ان ملكتها في حياتي - لعمرو بعد وفاتي) ثم ملكها، فالاقرب الصحة بناء على صحة مثل ذلك في الفضولي فيما لو باع ثم ملك، ما لم يظهر منه ما يستلزم العدول عنها. وان احتمل البطلان، لما تقدم من وجهه في أم الولد لو أطلق الوصية بها. ولو أوصى بكلي ثم ملك فردا، صحت الوصية وأعطي الموجود أو

[ 77 ]

سئله للموصى له، ولم يتعين الاول، لعدم انحصار الانطباق عليه. هذا وحيث كان مخرج الوصية هو الثلث - كما ستعرف - ظهر لك وجه اختصاصها في اللحوق بما إذا كان متعلقا بالمال مما ينقل، لا كل ما له نقله في حياته ولو مع أخذ العوض عنه بالصلح الذي مفاده حينئذ هو الاسقاط والابراء، فليس له الايصاء به، لعدم الدليل على أن للميت في حقوقه الثلث، وانما الوارد: أن له في ماله ذلك، وأما انتقال ما ينقل منه بالارث إلى الوارث، فلورود الدليل عليه من قوله: " ما ترك الميت من حقه فلوارثه " فلا تنفذ وصيته بالخيار المجرد عن نقل متعلقه مع فرض عدم سقوطه به، وان كان مما يورث لعدم تقديره بالمال، حتى يخرج من ثلثه أو يشارك الورثة في نفس السلطنة لما عرفته من عدم الدليل والاستصحاب غير جار في المقام، وان كان الحق له في الحياة، لان الولاية على الايصاء عنوان مستقل غير السلطنة في حال الحياة، سيما بناء على أن الميت لا يملك إلا فيما قال الدليل على أنه بحكم ماله. (المطلب الثاني) تنفذ الوصية في ثلث ماله فما دون مطلقا، مع رضاء الوارث وعدمه مشاعا كان الموصى به أو متعينا بتعيينه أو بتفويض التعيين إلى وصيته مع قصد ذلك وعدمه، ولو أوصى بما زاد عليه توقف في الزائد على إجازة الوارث اجماعا - بقسميه في ذلك - معتضدا منقوله بدعوى غير واحد عدم وجدان الخلاف فيه، إلا ما يحكى عن علي بن بابويه: من النفوذ في جميع ما أوصى به، وان كان في الكل، حيث قال: " فان أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية، فأن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعل، ويلزم الوصي انفاذ وصيته على ما أوصى " (1)


(1) الملاحظ أن هذه العبارة مطابقة تماما لعبارة الفقه الرضوي، لولا تقديم وتأخير بين الجملتين.

[ 78 ]

وهو - مع عدم كونه صريحا في المخالفة لقوة إحتمال ازادة وجوب العمل بالوصية مطلقا وان زاد على الثلث ما لم يعلم الاجحاف بالورثة، حملا للوصية التي هي فعله على الصحيح: من كون الموصى به مما يخرج من الاصل، لا من حق الورثة كما يستفاد من قوله " فهو أعلم بما فعل " وهو غير ما نحن فيه من الوصية بما يرجع إلى حق الورثة في غير الثلث الذي هو غاية ماله ان يوصى به في ماله كما هو صريح صدر عبارته، وان كنا لا نوافقه في تلك المسألة أيضا، لعدم نفوذها فيما زاد على الثلث إلا فيما علم خروجه من الاصل لا نفوذها ما لم يعلم الاجحاف بالورثة - (مرمي) بالشذوذ مخالف لصريح النصوص المستفيضة الدالة على رد الوصية بما زاد على الثلث إليه، فلا يتمسك له باطلاقات الوصية، وبالرضوي (1) وما روي: " الرجل أحق بماله مادام فيه الروح ان أوصى به كله فهو جائز " (2) وبخبر آخر: " رجل أوصى بتركته: متاع وغير ذلك لابي محمد (ع) فكتبت إليه: جعلت فداك: رجل أوصى إلى بجميع ما خلف لك، وخلف ابنتي أخت له، فرأيك في ذلك؟ فكتب إلي: بع ما خلف وابعث به، فبعت وبعثت به إليه. فكتب إلي قد وصل " (3). ولو سلم التعارض بينهما، فهو من تعارض العموم من وجه،


(1) ذكرت في الفقه الرضوي، نفس العبارة الآنفة المذكر بتقديم وتأخير بين الجملتين، راجع ذلك منه في باب (الوصية للميت) المذكور بعد باب الصيد والذبائح في الكتاب. (2) وهي موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله (ع) - كما في الوسائل: كتاب الوصا، باب (11) من أبواب أحكام الوصايا، حديث (19). (3) وهي موثقة محمد بن عبدوس - كما في المصدر الآنف من الوسائل حديث (16).

[ 79 ]

والترجيح لما دل على الرد إلى الثلث من وجوه عديدة (1) وكيف كان فلو أوصى بما زاد على الثلث توقف نفوذها في الزائد على إجازة الوارث. فلو أجاز بعد الموت نفذ الوصية فيه بلا خلاف، بل الاجماع - بقسميه - عليه، سواء ردها قبل الموت أم لا، لعدم تأثير الرد في الحياة. ولو أجازها قبل الموت، ففي نفوذها، وان ردها بعد الموت كما عليه الاكثر، وعدمه كما عن المفيد وسلار وابن حمزة والحلي؟ قولان: للاول ما رواه الشيخ: " عن ابن رباط عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال: جائز " (2) وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح: " عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) في رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك، فلما مات الرجل نقضوا الوصية: هل لهم أن يردوا ما أقروا به؟ قال: ليس لهم ذلك الوصية جائزة عليهم إذا أقروا بها في حياته " (3) ورواه المشايخ الثلاثة - عطر الله مراقدهم - في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) مثله (4).


(1) لعله يشير إلى أصحية السند وأوضحية الدلالة، وأكثرية العدد وموافقة فتاوي الاصحاب، وإمكان الجمع بين الفريقين بحمل الثانية على ما بعد موافقة الورثة، ونحو ذلك من التأويلات التي ذكرها الفقهاء. (2) راجع من (التهذيب): باب 11 الوصية بالثلث، حديث (10) (3 و 4) راجع من (الفقيه للصدوق) في الوصايا: باب 95 في من أوصى بأكثر من الثلث، حديث (1 و 2) ومن (الكافي للكليني) كتاب الوصايا باب بعد باب ما للانسان أن يوصى به بعد موته، حديث (1) وما بعده، ومن (التهذيب للشيخ) كتاب الوصايا باب الوصية بالثلث حديث 7 و 8

[ 80 ]

وحجة المانعين: أن الوارث لم يكن ذا حق قبل موت المورث حتى يكون مفاد إجازته إسقاطه، فهو من إسقاط ما لم يجب، كاسقاط الصداق قبل النكاح، وحق الشفعة قبل بيع الشريك. وهو - مع أنه اجتهاد في مقابل النصوص المقبولة عند الاصحاب - يمكن تطبيقه على القاعدة، لا لما قيل: من الوجوه التي يرجع محصلها إلى ثبوت حق الوارث، وان لم يملك قبل الموت، وأن عدم الملك لا يستلزم عدم الحق لانه مصادرة مختصة، سيما بناء على تعميم الحكم، لوقوعها في حالتي الصحة والمرض - كما ستعرف - بل لان أسباب التمليك الواقعة من الملك موجبة لترتب المسببات عليها بنحو الدوام من دون تقييد بزمان حياته، لاقتضاء الملك الطلق ذلك، ولذا لو آجر داره مدة تزيد على حياتة صحت الاجارة في تمام تلك المدة، وانتقلت العين مسلوبة المنفعة في بقية المدة إلى الوارث، بخلاف الوقف لو آجره كذلك، فانه تنفسخ الاجارة بموته، لان ملكه له مقيد بزمان حياته، فالموت في الوقف منتهى زمن التملك، وفي غيره قاطع للملك. والوصية أيضا إنشاء تمليك من المالك، لكن لما كان مشروطا بالموت صادف زمان تحقق الشرط وجود المانع، وهو حق الوارث بالارث، فعدم ترتب الاثر انما هو لوجود المانع دون عدم المقتضى، ولذا كانت الاجازة من الوارث تنفيذا للوصية لا تمليكا منه للموصى له، فالموصى له يتلقى الموصى به من الموصي لا من الوارث، فإذا أجاز الوارث في حياة الموصي نفذت الوصية عند موته بالاجازة التي اقتضاء دوامها عدم المانع عند تحقق شرط التمليك بعد وجود المقتضى له من الوصية فالموجب لعدم المانع في وقته في الحقيقة دوام الاجازة لا حدوثها. لا يقال: ان الاجازة كالرد، فكما لا تأثير لرد الوارث قبل الموت، فكذا الاجازة.

[ 81 ]

لانا نقول: الرد في الحياة لا يبطل الوصية المستمرة ببقاء الموصى عليها إلى الموت، ولذا تنفذ بالاجازة بعده. نعم لو وقع الرد بعد الموت لم تؤثر الاجازة بعده، لانقطاع الوصية به، والنصوص المتقدمة إنما دلت على عدم تأثير رد الوارث الواقع بعد الموت لا قبله، بل ولا المقارن له بحيث يكون زمان الموت ظرفا لتحقق الشرط والمانع معا. وان ظهر من بعض نفوذ الاجازة في الحياة مطلقا وعدم تأثير الرد بعدها أصلا وإن كان في الحياة. ولعله نظرا إلى إطلاق خبر المنصور المتقدم، كاطلاق الفتاوى بالنفوذ مع الاجازة في الحياة. وفيه: ان الاطلاق مسوق لبيان تأثير الاجازة في النفوذ دفعا لتوهم عدم تأثيرها أصلا كما هو أحد القولين. نعم يتم ذلك بناء على أن الدليل هو سقوط الحق بالاجازة، وقد عرفت ضعفه. وبالجملة لا دليل على أن الرد بعد الاجازة لا تأثير له مطلقا، وإنما المسلم عدم تأثيره بعد الموت لو وقعت الاجازة قبله. وعليه يتم ما ذكرناه من وجه تطبيق ذلك على القاعدة. وحينئذ، فلو أجاز في الحياة ورد بعدها كذلك لم تبطل الوصية وصحت الاجازة بعدهما مطلقا، قبل موت الموصى وبعده، لما عرفت من استمرار الوصية، وأنها تجرى مجرى تجددها آنا فآنا إلى الموت. وكيف كان فالاظهر ما عليه الاكثر: من نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث لو أجاز الوارث في حياة المورث. هذا وهل الحكم أي النفوذ فيما زاد على الثلث باجازة الوارث في حياة الموصي مخصوص بما إذا كانت الاجازة في مرض الموصي أو يعم حالة الصحة أيضا قيل: بالاول ه بل نسب إلى أكثرهم، ولعله استشعر ذلك من استدلالهم عليه بأن اجازة الوارث - ولو في الحياة - إسقاط لحقه وان لم يملك قبل الموت من نحو حق ملك أن يملك، ومعلوم أن ذلك

[ 82 ]

انما يتم في مرض الموت بناء على ثبوت حق له فيه، ولذا كانت منجزاته من الثلث. وفيه مع ضعف المبنى من أصله وعدم استلزام خروج المنجزات من الثلث ثبوت حق للوارث في حياة المورث، بل هو للتعبد بالادلة الخاصة بناء على دلالتها عليه، وان منعنا عن ذلك في محله وقلنا بخروجه من الاصل - يدفعه عموم النصوص المتقدمة الناشي عن ترك الاستفصال الشامل لما لو وقعت الاجازة في حال صحة الموصى أيضا. وكيف كان: فان كان الوارث واحدا فواضح، وان كان متعددا وأجازوا جميعا فكذلك، وان أجاز بعضهم نفذت الوصية في حقه خاصة بقدر ما يخصه من الزائد، كما لو كان للموصى ابن وبنت وأوصى لزيد بنصف ماله قسمت التركة ثمان عشرة حصة، حاصلة من ضرب ثلاثة في ستة، فللموصى له الثلث وهو ستة بلا توقف على الاجازة، والباقي وهو اثنتا عشرة، بحسب الاصل للورثة، فللابن الثلثان منها وهو ثمانية، وللبنت الثلث وهو أربعة، فإذا كانت الوصية بالنصف وهو تسعة من ثمانية عشر فقد أوصى بما زاد على الثلث - وهو ستة - بثلاثة: للابن منها اثنان وللبنت واحد فان أجازا معا، أضيفت الثلاثة - من سهم الذكر اثنان ومن سهم الانثى واحد - إلى الثلث، فيبلغ التسعة الموصى به، وهو النصف، وكان بعد اجازتهما للابن ستة وللبنت ثلاثة، وان أجاز احدهما دون الآخر أضيف إلى الثلث - وهو ستة - ما هو له من الثلاثة. ثم انه يعتبر المجيز حال الاجازة: أن يكون جائز التصرف، فلا تصح الاجازة من المجنون حال جنونه، وبحكمه السكران والمغمى عليه، ولا من الصبي لدون العشر، وأما المحجر عليه لفلس: فان وقعت الاجازة في حياة الموصي نفذت، لانها ليست تصرفا ماليا ولا متعلقا بماله المتعلق به حق الغرماء، وان وقعت بعد الموت: فان قلنا بكون الاجازة ناقلة

[ 83 ]

وأن الموصى له يتلقى من الوارث المجيز - كما عليه بعض العامة - فلا تنفذ لتعلق حق الغرماء به قبلها، وان قلنا بأنها كاشفة، فيحتمل الامران: الصحة ونفوذ الوصية بالاجازة التي مفادها الرضا بتمليك الموصي عند الموت لن أوصى، ولم يكن هو حنيئذ مالا له حتى يتعلق؟ به حق الغرماء، والعدم بناء على سببية الارث لملك الوارث الموجب لتعلق حق الغريم به، من غير فرق بين كون الاجازة ناقلة أو كاشفة إلا في زمان النقل من حين الاجازة أو عند الموت، وهو لا يجدي فرقا في تعلق حق الغربم بعد الدخول في ملك الوارث المفلس على التقديرين. اللهم إلا أن يدعى أن ترتب ملك الموصى له على ملك الوارث على الكشف انما هو بالذات والعلية، لا بالزمان نحو شراء الولد أحد عموديه ومثل هذا النحو من الملك لعدم استقراره لا يتعلق به حق الغريم (ودعوى) أن مناط الاستقرار وعدمه بعد أن كان بيد المجيز المفلس لم تصح منه الاجازة حتى يخرج بها عما يتعلق به حق الغريم (مدفوعة) بأن المنع عن الاجازة فرع تعلق الحق، وهو أول الكلام، ومرجعه إلى أن المفلس يمكنه صيروره المال متعلقا به حق الغريم وغير متعلق به، واختياره الثاني بالاجازة ليس تصرفا فيما تعلق به حق الغير حتى يكون ممنوعا عنه. فإذا أول الامرين المحتملين هو الاقوى، وان قلنا بتقدم ملك الوارث له طبعا على الكشف أيضا. بقى في المقام مسائل: (الاولى) يعتبر في المجيز أن يكون وارثا عند الموت، لانه وقت انتقال التركة إليه، لا عند الوصية، فلو أجاز من كان وارثا عند الوصية وكان الوارث غيره عند الموت: إما لموته أو لغيره من الاسباب، لم تنفع إجازته. ولو ولد له ولد بعد الوصية اعتبرت إجازته. ولو انعكس الامر

[ 84 ]

بأن لم يكن المجيز عند الوصية وارثا، سواء كان اجنبيا أو قرابة ثم صار وارثا عند الموت، لم تعتبر إجازته السابقة، لعدم التأثير ولو شأنا عند الانشاء، وعدم الانشاء وقت التأثير، ولا يقاس ذلك بالاجازة في عقد الفضولي، ولا فيه بمسألة (من باع ثم ملك) بناء على عدم الحاجة فيه إلى لحوق الاجازة بعد الملك، بل نظيره في الفضولي ما لو أجار، ثم ملك الاجازة. والاكتفاء - ثمة - بالاجازة السابقة أول الكلام، بل هو ممنوع، وان جوزنا اجازة الاجازة لانها في الحقيقة هي إجازة العقد والانشاء لامضائه ولو بتوسط إجازة الغير، وهنا نقول أيضا بكفاية إجازة إجازة الغير، لاتحاد المناط، وهو اجازة عقد الوصية ولو بتوسط اجازة الغير. (الثانية) لما كانت الاجازة معناها الامضاء والتنفيذ كانت إنشاء فلا يكفي مجرد الرضا والطيب، كما يكفي ذلك في أكل طعام الغير ولبس لباسه - مثلا - للاكتفاء في أمثال ذلك من الاباحات باحراز الرضا بل لا يستغنى باذنه لو أذن له بالوصية بما زاد عن لحوق الاجازة بعدها في التنفيذ، نعم يكتفى بما يدل على تحققه قولا باحدى الدلالات الثلاث، وفعلا كما في سائر الاسباب المثبتة للحقوق والمسقطة لها. (الثالث) ليست الاجازة من الوارث فيما زاد على الثلث على سبيل الفور، للاصل، وإطلاق النص والفتوى، كقبول الموصى له واجازة الفضولي. (الرابعة) لو وقع الاختلاف بين الوصي والورثة في أصل الوصية أو في الزيادة على الثلث أو في القدر الزائد عليه أو في أصل الاجازة أو في قدر المجاز، كان المرجع ما يقتضيه ميزان التنازع (1)


(1) من أن على المدعي البينة، وعلى المنكر اليمين - على تفصيل في باب الدعاوي -

[ 85 ]

(الخامسة) للموصي تعيين ثلثه في عين مخصوصة من التركة، وله تفويض التعيين إلى الوصي، فيتعين بتعيينه ومع الاطلاق - كما مر لو قال: ثلث مالي لفلان - كان شريكا مع الورثة بالاشاعة. (السادسة) لو كان الموصى به منفعة عين مؤبدة أو موقتة، وأمكن معرفة قيمتها بنفسها، فواضح كمنفعة الدار سنة أو سنتين - مثلا. وإلا فطريق معرفة الموصى به هو أن تقوم العين بمنفعتها وتقوم مسلوبة المنفعة في تلك المدة، فما به التفاوت بين القيمتين هو الموصى به. (السابعة) لو كان من رأي الموصي اجتهادا أو تقليدا تفوذ الوصية بما أوصى، وان زاد على الثلث قهرا على الوارث، ولم يكن من رأي الوصي ذلك، لم يكن له تنفيذ الوصية فيما زاد، لانه مكلف بالعمل بما يراه مشروعا باعتقاده من تقليد أو اجتهاد. (الثامنة) لو شك الوصي في كون الموصى به قدر الثلث أو أزيد ففي وجوب التربص عن التصرف فيما زاد على المتيقن؟ وعدمه، وجهان: ولعل الثاني هو الاقرب للاصل، سيما مع نص الموصي المقبول قوله بعدم الزيادة وان ضمن للوارث ما أتلفه عليه لو تبين انه له. نعم جائز له التربص حذرا من لحوق الضمان. ولو علم بالزيادة على الثلث، ولكن شك في كونها من التبرع الموقوف على الاجازة أو مما يخرج من الاصل أو خارجا عن ملكه، فالاقرب وجوب التوقف حتى يعلم ذلك، لان التركة للوارث الا ما خرج بالوصية من الثلث (ودعوى) جواز التصرف بما أوصى حتى يتبين الخلاف حملا لفعل المسلم على الصحيح (يدفعها) أن الوصية بما زاد لم تكن باطلة حتى يجب حملها على الصحيح، والتوقف على الاجازة لا ينافي الصحة المحمول عليها فعل المسلم.

[ 86 ]

(المطلب الثالث) يعتبر الثلث وقت الوفاة، لا وقت الوصية، ولا ما بينهما على المشهور شهرة عظيمة. بل الاجماع محكي عليه، معتضدا بدعوى غير واحد عدم وجدان الخلاف فيه، إلا ما يحكى عن بعض الشافعية، قياسا على نذر الصدقة بثلث ماله، ورد بوجود الفارق بينهما، فان النذر متعلق بالمال من حين النذر، والوصية متعلقة بالمال بعد الموت والاجماع المذكور هو الحجة، بعد الاعتضاد بما عرفت، مضافا إلى كونه وقت توزيع التركة أثلاثا وتقسيمها بين الميت والوارث وانتقال الثلثين إلى الوارث، وانتقال الموصى به المخرج من الثلث كسائر وصاياه إلى الموصى له، وإلى أنه المنصرف إليه الاطلاق عرفا لو قال: (اعطوا ثلث مالي لفلان بعد وفاتي) سواء كان الثلث حين الوفاة مساويا له حين الوصية أو أنقص منه بتلف بعض المال أو اكثر لتجدد مال بعدها. وان اشكل في الاخير ثاني الشهيدين تبعا لثاني المحققين، لاصالة عدم تعلق الوصية بالزيادات المتجددة بعدها، سيما إذا لم تكن متوقعة (1) مع


(1) قال الشهيد الثاني في المسالك - في باب أحكام الموصى به في شرح قول المحقق (ويعتبر الثلث وقت الوفاة): " وهو يتم على إطلاقه مع كون الموصى به قدرا معينا.. مع كونه حالة الموت أقل من زمان الوصية أو مساويا.. أما لو انعكس اعتبار وقت الوفاة للشك في قصد الزائد وربما دلت القرائن على عدم إرادته على تقدير زيادته كثيرا حيث لا تكون الزيادة متوقعة غالبا ". وقال المحقق الكركي في جامع المقاصد - في نفس =

[ 87 ]

إشكاله على التقييد بالوفاة (1) بان المال قد ينقص بعدها قبل قبض الوارث بالتلف، وقد يزيد كقتل العمد إذا صولح عن القصاص بالدية على المشهور من كونها كدية الخطأ وشبهه من كونه يخرج منه ديونه ووصاياه، فاللازم تقييد الثلث حينئذ بزمان قبض الوارث دون زمان الوفاة. قلت: لا مسرح للتمسك باصالة عدم تعلق الوصية بالمتجدد بعدما عرفت: من كون المنصرف إليه عرفا هو الثلث حين الوفاة، الموجب لحمل إطلاق الثلث عليه، والمتجدد بعد الوفاة قبل القبض لا ينافي التقييد بالوفاة المعلوم إرادة عدم الاختصاص بزمان الوصية منه كما هو احد القولين، مع أن المتجدد كذلك: نادر الوقوع فلا ينافي التقييد بما هو الغالب. كيف ولو اختص بالموجود حين الوصية لزم بطلانها حيث لا مال له عند الوصية، أو كان وتلف كله ثم تجدد ماله غيره، أو بطلان بعضها لو تلف مع سعة الثلث له بالمتجدد، ولا أظن أحدا يلتزم به. نعم لو صرح باختصاصها بالموجود فعلا أو علم ذلك بشواهد الحال اقتصر عليه من دون تناول ما يتجدد بعدها من غير فرق فيما ذكرنا بين الوصية بعين شخصية كدار - مثلا - فتحسب قيمتها من الثلث، أو بقدر


= الباب والشرح -: " هذا يستقيم فيما إذا أوصى بقدر معلوم. أما إذا اوصى بثلث تركته وكان في وقت الوصية قليلا فتجدد له مال كثير بالارث أو بالوصية أو بالاكتساب، ففي تعلق الوصية بثلث المتجدد مع عدم العلم بارادة الموصي للموجود وقت الوصية والمتجدد نظر ظاهر.. " (1) وقال الشهيد الثاني أيضا - في نفس المصدر الآنف بعد تلك العبارة: " وقد تنفق زيادة التركة بعد الوفاة ونقصانها بالدية على دم العمد وتلف بعض التركة قبل قبض الوارث، فيشكل أيضا إطلاق اعتبار حالة الموت.. ".

[ 88 ]

مخصوص كمأة درهم، أو بجزء مشاع كالثلث - مثلا - أو نصف الثلث أو ثلثه أو ربعه، غير أنه في المشاع التالف محسوب عليهما أي على الوارث والموصى له والباقي لهما للشركة بالاشاعة. نعم لو كانت الوصية بقدر مخصوص كمأة درهم لم ينقص منه شئ بالتلف مع سعة الثلث له، لكونه كليا وإن اختص بالثلث، بل ان لم يبق منه إلا قدره أعطى ذلك المقدار كبيع الصاع من الصبرة - مثلا - بناء على ما هو المشهور، وهو الاقوى: من كون التالف من البايع دون المشتري مادام الصدق منه موجودا، نعم بناء على القول بتنزيله على الاشاعة كان التالف منهما والموجود لهما بالحساب، ويجرى مثله مالو تعلقت الوصية بعين شخصية مع سعة الثلث بعد التلف وعدمها، فتخرج قيمتها تماما في الاول وينقص منها في الثاني بقدر ما يخصها من التوزيع. فعلم مما ذكرنا عدم الفرق في الحمل على الثلث حين الوفاة بين ما لو أوصى بعين أو بمعين كمأة درهم أو بجزء مشاع، زاد الثلث حين الوفاة عليه حين الوصية أو نقص عنه أو ساواه، علم الموصي بالزيادة المتجددة أو لم يعلم، متوقعة كانت الزيادة أو لم تكن، قصد تعلقها بالمتجدد أو لم يقصد ما لم يقصد العدم، ملك شيئا حين الوصية أو لم يملك ثم يملك ثم ملك. كل ذلك للانصراف إلى ما هو المتبادر عرفا من الاطلاق. ثم إنه يجري الكلام مثل ما ذكرنا في الثلث لو أوصى بمال لاولى الناس به: من كونه منزلا على من كان أولى الناس به حين الوفاة لا حين الوصية ولا ما بينهما. فلو كان له حين الوصية ابن وابن ابن، ومات ابنه قبله وبقي ابن ابنه إلى الوفاة، أعطي المال له، ولو مات ابن الابن بعد أبيه وورث الموصي أخوه، أعطي المال لاخيه لاتحاد المدرك: من الانصراف بينه وبين الوصية بالثلث: من كون المدار على زمن الوفاة،

[ 89 ]

وان كان المحرك له حين الوصية فرط الحب لابنه الصلبي، فانه من الدواعي لا يوجب تبدلها تغيير الحكم الا إذا علم منه التقييد به، وهو خروج عن محل البحث، كما لو صرح بالاختصاص أو علم ذلك منه بشواهد الحال. (المطلب الرابع) تحتسب من التركة - المخرجة من أصلها ديونه، ومن ثلثها وصاياه - دية نفسه وأرش جنايته، وإن تأخر الملك واستحقاق الارث عن الموت، لتقدم سببه في الحياة، ولذا يملك الصيد الواقع في الشبكة المنصوبة في الحياة لو وقع فيها بعد الموت، ولكونها عوض النفس المملوكة له، كما يملك بدل التالف في الضمان. وهو في الخطأ وشبه لا خلاف فيه، إلا ما يحكى عن نادر مجهول بل الاجماع عليه محكي عن غير واحد. وهو الحجة، سيما مع اعتضاده بما عرفت، مضافا إلى النصوص الدالة عليه بالعموم وبالخصوص. فمن الاول: خبر عبد الحميد: " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن رجل قتل وعليه دين وأخذ أهله الدية من قاتله أعليهم أن يقضوا الدين؟ قال: نعم، قلت: وهو لم يترك مالا، قال: أما إذا أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا الدين " (1) وخبر يحيى الازرق، " عن أبي الحسن (ع) في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا وأخذ أهله الدية من قاتله: أعليهم أن يقضوا دينه؟ قال: نعم، قلت: هو لم يترك شيئا قال: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه " (2)


(1) الوسائل: كتاب التجارة، باب 24 من أبواب الدين وجوب قضاء دين القتيل من ديته. (2) الكافي للكليني: كتاب الوصايا باب من أوصى وعليه دين =

[ 90 ]

ومن الثاني: خبر محمد بن قيس: " قلت لابي جعفر (ع): رجل أوصى لرجل بوصية من ماله: ثلث أو ربع، فقتل الرجل خطأ - يعني الموصي -؟ فقال: تجاز هذه الوصية من ميراثه " (1) وخبره الآخر أيضا: " عن أبي جعفر (ع) أنه قال: قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل أوصى لرجل بوصية مقطوعة غير مسماة من ماله ثلث أو ربع أو اقل من ذلك أو أكثر، ثم قتل خطأ الموصى فودي، فقضى في وصيته: انها تنفذ في ماله وديته كما أوصى " (2) والمرسل " عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن رجل أوصى بثلث ماله ثم قتل خطأ؟ فقال: ثلث ديته داخل في وصيته " (3) وخبر السكوني: " عن أبي عبد الله (ع) قال قال أمير المؤمنين (ع): من أوصى بثلثه ثم قتل خطأ، فثلث ديته داخل في وصيته " (4). وضعف السند لا يضر بعد الانجبار، كما لا يضر تخصيص بعضها بالدين مع عموم الباقي، مضافا إلى عدم القول بالفرق بين ديونه وسائر وصاياه. وأما العمد لو صولح عن القصاص بالدية، فالمشهور، أيضا على أنها تحسب من التركة في نفوذ وصاياه أيضا، وأن له منها الثلث، لعموم


= حديث (6) ورواه الصدوق في (الفقيه) باب 19 قضاء الدين من الدية عن صفوان بن يحيى. (1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 14 من احكامها، حديث (1) باختلاف بسيط في ذيل الحديث. (2) الوسائل: كتاب الوصايا باب 14 من أحكامها، حديث (3) (3) من لا يحضره الفقيه للصدوق آخر باب 122 من أبواب الوصية (4) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 14 من أحكام الوصايا، حديث (2).

[ 91 ]

الخبرين الاولين، الناشئ من ترك الاستفصال، مع التصريح به في خبر أبي بصير: " عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: قلت: فان هو قتل عمدا وصالح أولياؤه قاتله على الدية فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ فقال: بل يؤدى دينه من ديته التي صالح عليها أولياؤه، فانه أحق بديته من غيره " (1) مع التأييد بما تقدم من أن الدية بدل النفس المضمونة على من أتلفها، وان كانت مضمونة فيه بالمثل، وهو النفس، والتبديل بالدية انما هو باختيار الوارث بدلا عن النفس المضمونة أو الضامنة، كما يشعر به التعبير عنه ببدل القصاص التي مرجعها أيضا إلى بدل البدل. فلا يلتفت مع ذلك إلى ما يحكى عن (الحلي) من اختصاصها بالوارث لانه ملكها بالصلح الذي هو ضرب من الاكتساب، وهو حسن في نفسه الا أنه اجتهاد في مقابل النص المعمول به عند الاصحاب. سيما على القول بالتخيير بين القصاص والدية دون الترتيب بينهما، وان أمكن القول به عليه أيضا بدعوى أن الاختيار على القول بالتخيير أيضا نوع اكتساب. وأما الجناية على الميت بعد موته بالمثلة كقطع رأسه وشق بطنه، فيختص هو بديتها دون الوارث فتقضى منه ديونه ووصاياه، ويصرف له الباقي في وجوه البر.


(1) في الوسائل: كتاب القصاص باب 59 منه، حديث (2) اوله هكذا: " عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى (ع) قال قلت له جعلت فداك: رجل قتل رجلا متعمدا أو خطأ وعليه دين وليس له مال، وأراد أولياؤه أن يهوا دمه للقاتل؟ قال: إن وهبوا دمه ضمنوا ديته فقلت: إن هم أرادوا قتله؟ قال: إن قتل عمدا قتل قاتله وأدى عنه الامام الدين من سهم الغارمين، قلت: فان.. "

[ 92 ]

(المطلب الخامس) لو أوصى إلى انسان بالمضاربة بمال ولده الصغار على حصة من الربح صحت الوصية، ونفذت مع الاطلاق إلى البلوغ، وبعده تتوقف على الاجازة، ومع التقييد بمدة دون البلوغ، فالى نهاية المدة، من غير فرق بين كون المال لهم بالارث أو بغيره، ولا بين كون الوصية بجميع المال أو بعضه، زاد على الثلث أولا، ولا بين كون حصة العامل من الربح زائدة على أجرة عمله أولا. كل ذلك - مع كونه موافقا للقواعد الشرعية - تدل عليه رواية خالد ابن بكير الطويل قال: " دعاني أبي حين حضرته الوفاة، فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به وخذ نصف الربح وأعطهم النصف وليس عليك ضمان، فقدمتني أم ولد له بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: ان هذا يأكل أموال ولدي، قال: فقصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال ابن أبي ليلى: ان كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه. ثم أشهد علي ابن أبي ليلى إن أنا حركته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبد الله (ع) بعد ذلك فاقتصصت عليه قصتي، ثم قلت له: ما ترى؟ فقال: أما قول ابن أبي ليلى فما استطيع رده، وأما فيما بينك وبين الله فليس عليك ضمان " (1) ورواية محمد بن مسلم في الموثق عن أبي عبد الله (ع): " انه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم فأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، ويكون الربح بينه وبينهم؟ فقال: لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي " (2) والاولى صريحة في الصغار، والثانية ظاهرة


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 92 من أذن لوصيه في المضاربة بمال ولده الصغار، حديث (2). (2) المصدر الآنف الذكر من الوسائل، حديث (1).

[ 93 ]

فيهم بمعونة الوصية بولده في صدرها المقصود منها القيمومة، وهي بهذا المعنى باطلة في الكبار، فلا تحمل الوصية عليها. والتعليل في ذيلها بأن أباه قد أذن له، وضعف السند - لو سلم - لا يضر بعد الجبر. مضافا إلى اقتضاء القواعد ذلك أيضا أما بالنسبة إلى الصغار فلجواز ذلك وسائر التصرفات في أموالهم للولي الاجباري قبل موته بشرط المصلحة لهم على قول أو عدم المفسدة - كما هو الاقوى - وكذلك منصوبه القيم عليهم بعد ورود الدليل على ولايته التي هي من شؤون ولاية الاب والجد له وان اعتبرنا مراعاة المصلحة بالنسبة إليه وكفاية عدم المفسدة بالنسبة إلى الولي الاجباري توسعة له وارفاقا به رعاية للابوة القائمة بخصوص ذاته، وفي منصوبه يرجع إلى ما تقتضيه القواعد في غيره من الاولياء من لزوم مراعاة المصلحة، مع احتمال مساواته للولي الاجباري في الاكتفاء بعدم المفسدة لان ولايته منتزعة من ولايته فتأمل (1) (ودعوى) ان المضاربة في مال الصغير تعريض لماله إلى التلف بغير ضمان، وهو غير جائز (يدفعها) أن هذا النحو من التعريض الذي عليه بناء العقلاء في اكتسابهم ليس من التعريض المضر الممنوع منه في مال اليتيم. وأما بالنسبة إلى المكلفين فليست الوصية في أموالهم إلا الوصية في مال الغير المتوقفة على إجازته كالوصية بما زاد على الثلث: فان أجازوا، وإلا بطلت، فلا تشملها عمومات الوصية حتى يقال بنفوذها إلى إذا ردت - كما توهم - ولم يقم دليل خاص يدل عليه


(1) لعل وجه التأمل راجع إلى التشكيك في مساواة منصوب الولي الاجباري له في الاكتفاء بمحض عدم المفسدة، بل لا بد له من إحراز المصلحة الايجابية للقاصرين، وذلك للتشكيك في مبنى انتزاع ولاية المنصوب من ولاية الولي الاجباري، فلا تشمله إطلاقات الادلة الموسعة.

[ 94 ]

وبما ذكرنا ظهر لك ما في تحرير بعضهم المسألة بنحو الاطلاق وتصريحهم بالصحة حتى نسبه بعضهم إلى المشهور، وان كان لي في النسبة تأمل، بل منع، ففي (الشرايع): " لو أوصى إلى انسان بالمضاربة بتركته أو ببعضها على أن الربح بينه وبين الورثة نصفان، صح، وربما اشترط كونه قدر الثلث أو أقل، والاول مروي " (1) وفي (الكفاية) بعد تحرير المسألة وتقييد الولد بالصغار قال: " وفي المشهور لم يعتبر كون الولد صغارا، وفيه إشكال " (2) انتهى. وفي (السرائر) ما لفظه: " وقد روي أنه إذا أمر الموصي الوصي أن يتصرف في تركته لورثته ويتجر لهم بها ويأخذ نصف الربح، كان ذلك حلالا وجائزا له نصف الربح، أورد ذلك شيخنا في (نهايته) إلا أن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث ما كان يملكه الميت قبل موته، والربح تجدد بعد موته فكيف تنفذ وصيته وقوله فيه؟ وفي الرواية نظر " (3) انتهى، وتقييد (الحلي) النفوذ في الثلث وعدمه فيما زاد عليه بعد أن عنون المسألة بنحو الاطلاق كما هو أحد الاحتمالين في عبارته لا بطلانها رأسا كما استظهره بعض - لعل نظره إلى أن الموصي انما يملك من ماله الثلث بعد موته، فله انحاء التصرف فيه بالوصية به من استثنائه من الارث، وحرمان الوارث منه، والايصاء به


(1) كتاب الوصايا، الفصل الثالث في الموصى به، وفيه أمران: الاول في متعلق الوصية. (2) كفاية السبزواري: كتاب الوصية، الطرف الثالث في الموصى به ومبدأ الجملة هكذا: " ولو أوصى إلى انسان بالمضاربة بتركته أو ببعضها على أن الربح بينه وبين اولاده الصغار، صح. " (3) يراجع من (سرائر ابن ادريس) باب الاوصياء من كتاب الوقوف والصدقات.

[ 95 ]

لغيره، فنفوذ الوصية فيه بالمضاربة للوارث أولى. وأنت خبير بما فيه - أولا - أن الموصي انما كان له أنحاء التصرف في ثلثه حين يكون الثلث له ويريده بالوصية به، ومع عدمها فالثلث كالثلثين للوارث، لانتقال التركة بمجرد الموت إلى الوارث إلا إذا استثنى منها شيئا بالوصية: قدر الثلث فما دون، ومع عدم الارادة فالتصرف في قدر الثلث أيضا تصرف في مال الغير، من غير فرق بين كون الوارث صغيرا أو كبيرا، غير انه في الاول له التصرف فيه من باب الولاية مادام مولى عليه، وفي الثاني يكون من الفضولي، فيتوقف نفوذه على الاجازة فهو من هذه الحيثية لم يفرق فيه بين الثلث وغيره، ولا بين التركة وغيرها. وثانيا - تجدد الربح بالمضاربة لا يضر بعد فرض صحتها، ومع عدم الصحة يكون الربح كله للوارث لانه نماء ملكه أو لا ربح اصلا لفساد البيع. ولو سلم استحقاق العامل لشئ بالعمل فانما هو أجرة المثل. ولعله لذا قيد بعض قدر حصة العامل من الربح بما لا يزيد على أجرة عمله. وفيه أيضا ان ذلك مبني على فساد المضاربة أو صحتها في خصوص الثلث المجهول حصة العامل فيه بالخصوص، والمجعول له في المضاربة من الربح انما هو بالمضاربة في الكل لا في خصوص الثلث منه. وقد عرفت ضعف المبنى. وأما على الاحتمال الآخر في عبارته، وهو بطلان الوصية رأسا لانها انما تصح في الثلث الذي يرجع أمره إليه، لا في مال الغير الذي كان فرض المسألة فيه لعدم الوصية بالثلث وانما أوصى بالمضاربة بتركته للورثة. ففيه انه لا داعي إلى بطلان أصل الوصية، لما عرفت من أنهم إن كانوا صغارا نفذت الوصية لهم بالمضاربة في أموالهم من باب الولاية وإن كانوا كبارا توقفت على الاجازة كالوصية بما زاد على الثلث، لا بطلانها رأسا.

[ 96 ]

نعم يظهر من شيخنا في (الجواهر) صحتها ونفوذها ما لم يردها الوارث، لا التوقف إلى أن تحصل الاجازة. وتظهر الثمرة فيما لو علم بالمضاربة قبل الرد والاجازة. فيستحق الحصة المجعولة له بها على الاول عملا بعموم أدلة الوصية، ولا يستحقها على الثاني لعدم الاجازة التي هي شرط الصحة والنفوذ، ولا عموم في أدلة الوصية بحيث يشمل الوصية بمال الغير وهو الاقوى. ثم انه لابد في فرض المسألة أن يعقد الوصي عقد المضاربة مع نفسه أو غيره، وليس ايصاؤه بها عقدا حتى يختص به، لعدم وجود شرائطه وان أوهمه كلام بعضهم، الا أن يكون من باب معاطاة المضاربة، أو نقول: إنه من باب قوله (حج عنى بنفسك) فانه لا يحتاج إلى إيقاع عقد إجارة مع نفسه، وهو كما ترى، لوضوح الفرق، ضرورة أن المستفاد من عبارة الموصي ليس الا الوصية بالمضاربة، لا هي بنفسها حتى يختص بالوصي. (المطلب السادس) إذا أوصى بوصية، فالموصى به: إما أن يكون واجبا أو غير واجب. والواجب: إما أن يكون ماليا أو بدنيا كالصوم والصلاة، والواجب المالي، إما أن يكون ماليا محضا أو مشوبا بالبدن كالحج والمحض منه: إما ان يكون بأصل الشرع كالخمس والزكاة أو بسبب منه يقضى إلى المال كالدين والمظالم والكفارات ونذر المال. وعلى التقادير: فإما أن يسع المال: ما أوصى به، أولا وعلى الاول: فإما أن يزيد على الثلث، اولا وعلى الاول: فما أن يجيز الوارث، أولا، وعلى التقادير: فإما أن يكون الموصى به واحدا أو متعددا، وعلى الثاني: فإما أن يكون المتعدد من أصناف نوع واحد من الانواع الثلاثة: المالي والبدني والتبرعي كالخمس والزكاة

[ 97 ]

أو من نوعين كالمالي والبدنى أو البدني والتبرعى أو المالى والتبرعى، أو من الثلاثة. وها هنا صور: (الاولى) ما إذا كان الواجب ماليا محضا، لا خلاف بين الاصحاب - كما قيل - أنه يجب خروجه من الاصل، أوصى به أو لم يوص، ما لم يوص به من الثلث، فيخرج منه تعلقه بالمال حال الحياة، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى قوله تعالى: " من بعد وصية أو دين " لعدم القول بالفرق بين الدين وغيره من الواجبات المالية، والى الموثق عن الصادق (ع) " في رجل فرط في إخراج زكاته في حياته، فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما لزمه من الزكاة، ثم أوصى أن يخرج ذلك، فيدفع إلى من يجب له؟ قال: فقال: جائز يخرج ذلك من جميع المال، إنما هو بمنزلة الدين لو كان عليه، ليس للورثة شئ حتى يؤدى ما أوصى به من الزكاة، قيل له: فان كان أوصى بحجة الاسلام؟ قال: جائز يحج عنه من جميع المال " (1) وغير ذلك من الاخبار الواردة فيها وفي الخمس (الثانية) إذا كان ماليا مشوبا بالبدن كالحج، فهو كالمالي المحض في إخراجه من صلب المال، بل هو من المالي حقيقة إجماعا - بقسميه - مضافا إلى ذيل الموثقة المتقدمة، وغيرها من الاخبار المستفيضة، بل المتواترة معنى الواردة في خصوص الحج، فلتطلب من موضعها (2)


(1) في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 40 من أحكامها، حديث (1) بسنده هكذا: محمد بن الحسن باسناده عن علي بن الحسن عن عمرو بن عثمان عن الحسن بن محبوب عن عباد بن صهيب عن أبي عبد الله (ع).. " (2) والروايات في هذا الشأن كثيرة، وقد عقد صاحب الوسائل لها بابا مستقلا في اول كتاب الحج باب 25 إن من اوصى بحجة االاسلام وجب اخراجها من الاصل.. وباب 28 ايضا و 29 وغيرهما من أبواب الحج.

[ 98 ]

(الثالثة) إذا كان الواجب بدنيا، فأقصى ما يمكن ان يستدل به على خروجه من الاصل كالمالي، هو دعوى اندارجه في الدين، الذي يعم شغل الذمة بالمال والعمل، ودعوى اختصاصه بالاول أو تعميمه لهما والاختصاص بشغل الذمة للمخلوق دون الخالق ممنوعة، سيما بعد ما ورد اطلاق الدين على الصلاة في غير واحد من الاخبار كما قيل، منضما إلى ما ورد في الحج " ان دين الله أحق أن يقضى " (1) وفيه - بعد تسليم صدق الدين حقيقة على شغل الذمة بالعمل - منع انصرافه إليه، فلا يحمل الاطلاق على غير المنصرف إليه اللفظ، فعدم الدليل مع اقتضاء الاصل العدم يقضي بما عليه المشهور شهرة عظيمة، بل ادعى غير واحد - منهم جدنا في (الرياض) عدم الخلاف فيه: من كونه يخرج من الثلث مع الوصية به، ومع عدمها ومعلومية شغل الذمة به، ففي خروجه منه لوجوب دفع الضرر المحتمل من العقاب وان كان أخرويا وعدمه للاصل؟ وجهان: ولعل الثاني هو الاقوى، لاطلاق مادل على انتقال التركة مع عدم الوصية بها إلى الوارث عند الموت. نعم يجب عليه على الاقوى الوصية به وبكل ما كان عليه من الحقوق المطالب بها في الآخرة مع إمكان التخلص عنها ولو بعد الوفاة بالوصية. هذا ونزيدك توضيحا للفرق بين الواجب المالي والبدني، وهو: ان الواجب المالي عبارة عن ثبوت حق في ذمة إنسان متعلق بماله الخاص كالزكاة - مثلا - أو المطلق الذي كان الموجود منه مصداقا لما اشتغلت به ذمته، وحيث أن الميت لا ذمة له تعين الوفاء من الموجود منه لانطباق الكلي الذي اشتغلت به ذمته على المصداق المنحصر فيه. ولذا تتعلق بالتركة حقوق


(1) ما أكثر مضامين الاخبار المعبرة عن الصلاة والحج بالدين والفرض ونحوهما. يراجع في ذلك: كتاب الصلاة والحج من كتب الاخبار.

[ 99 ]

الغرماء، وأما الواجب البدني فلا تعلق له بالمال أصلا حتى يخرج منه بعد وفاته حيث لم يكن الحق ثابتا إلا في ذمته من حيث فعله وعمله. نعم إذا كان مما يجوز قيام الغير مقامه بعد الموت، ولو تبرعا بحيث يوجب فعله السقوط عنه، وجب الوصية به على أقرب الوجهين كما عرفت، لتمكنه من التوصل إلى فراغ ذمته بماله من ماله بعد الموت، وهو الثلث، ان لم يكن له ولي يقضي عنه، وان كان فلا يجب عليه الوصية، وان وجب عليه إعلامه، وهو المصدق فيما هو عليه في الكم والكيف، لانه لا يعلم غالبا إلا من قبله. وأما الحج فهو مالي من حيث كون استطاعة المال شرطا في وجوبه فالحق انما هو ثابت على المستطيع، وبدني من حيث كونه عبارة عن نفس تلك الاعمال الخاصة، فهو مالي مشوب بالبدن. وهذا بخلاف الواجب المتوقف وجوده على بذل المال، فانه بدني محض، وان توقف ايجاده على بذل المال كالوضوء، حيث لا يتمكن من الماء الا بالشراء، فقياس أحدهما بالآخر كما وقع من شيخنا في (الجواهر) قياس مع الفارق. (الرابعة) إذا لم يكن واجبا بل كان متبرعا به، فانه لا خلاف في كونه يخرج من الثلث، سواء كانت الوصية تمليكية أو عهدية، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى أخبار حج غير الصرورة (1) وغيرها من الاخبار


(1) الصرورة - بالصاد المهملة المفتوحة - اصطلاح شرعي للحج الابتدائي الواجب بالاصل المسمى بحجة الاسلام، وما عداه - وإن وجب بالعرض - فهو غير صرورة. والروايات في خصوص أبواب الحج الواجب بهذا الخصوص كثيرة، وقد عقد لها في الوسائل بابا أو أكثر من كتاب الحج فمن ذلك - كما في باب 25 منه حديث (6) " عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: سألت عن رجل مات أوصى ان يحج عنه، قال: =

[ 100 ]

الواردة في تضاعيف أبواب الوصية وهي مستفيضة بل متواترة معنى (1) (الخامسة) إذا كان الموصى به واحدا بالنوع، وان كان متعددا بالصنف، فقد عرفت حكمه: من أنه: ان كان ماليا محضا أو مشوبا كان من الاصل وان لم يوص به. وان كان بدنيا أو تبرعيا كان من الثلث مع الوصية به، ان لم يزد عليه، فان زاد توقف على إجازة الوارث، فان أجاز، وإلا توزع النقص على الجميع، إن كان واجبا وكان متعددا بالصنف، وان كان تبرعا بدء بالاول في الذكر فالاول حتى يكمل. (السادسة) إذا كان متعددا بالنوع، فالمالي منه - بقسميه - يخرج من الاصل ما لم يوص به باخراجه من الثلث، وغيره من الثلث، إن لم يزد عليه، والا توقف الزائد على إجازة الوارث، فأن أجاز، وإلا ورد النقص على ما يخرج من الثلث، فإن كان فيه الواجب اختص النقص بالتبرعي، وان تقدم على الواجب في الذكر - على الاصح - كما يعطيه عموم التعليل من قوله: " بدء بالحج فان فريضة من فرائض الله " في مصححة معاوية الآتية، من غير فرق في التعدد بين الثناني والثلاثي، وثم مراعاة الترتيب في الذكر حيث يعلم به انما هي لانكشاف الاهمية به


= إن كان صرورة حج عنه من وسط المال، وان كان غير صرورة فمن الثلث ". (1) وقد عقد لها في الوسائل اكثر من باب واحد، وبالخصوص باب 41 من كتاب الوصايا هكذا: وجوب إخراج حجة الاسلام من الاصل والمندوبة من الثلث ان أوصى بها. ومن مجموع الروايات الكثيرة الواردة في بابي الحج والوصايا نستطيع أن نستخلص تواترا معنويا، وان لم يكن لفظيا بهذا المضمون. والتواتر حجة بقسميه لانه يورث القطع وهو حجة شرعية غير مجعولة.

[ 101 ]

عند التزاحم، فلو لم يعلم الترتيب أصلا وعلم أهمية احدها قدم الاهم وكان النقص على غيره بلا اشكال. وان لم تعلم الاهمية أيضا كان النقص على الجميع، وان علم بهما قدم الاهم، وان تأخر في الذكر - على الاظهر - وان كان اطلاق الاخبار وكلمات الاصحاب يعطى مراعاة الترتيب مطلقا، وان علم بأهمية المتأخر - سيما مع تعليل بعضهم نفوذ المقدم مما وسعه الثلث بمصادفة الوصية به محلها - فيبطل ما زاد عليه مع عدم الاجازة لعدم المحل له. وأنت خبير بما فيه، لان ذلك انما يتم بناء على أن التقدم معتبر من باب الموضوعية تعبدا بالنص، لا من باب الطريقية وكونة أمارة على الاهمية اعتبرها الشارع عند عدم إحرازها بغيره من القرائن لتكون الاهمية هي الموجبة للتقدم في الذكر غالبا، ضرورة كونه - ألبتة - مسببا عما يوجبه، والا لزم الترجيح بلا مرجح، وليس هو إلا الاهمية. وعليه فتكون الاطلاقات كلها ناظرة إلى الغالب: من انكشاف الاهمية بالتقدم في الذكر. ولم نجد من صرح بتقديم المقدم حتى مع إحراز أهمية المتأخر الذي به تظهر الثمرة بين الوجهين، بل صرح غير واحد بتقديم الواجب البدني على التبرعي وان تأخر عنه، حتى من قال بعدم خروجه من المال مع عدم الوصية به، وليس ذلك إلا لكون الواجب أهم. ويدل عليه مصححة معاوية بن عمار - إلى أن قال: - " فدخلت على أبي عبد الله (ع): فقلت له: ان امرأة من أهلي ماتت وأوصت إلي بثلث مالها وأمرت أن يعتق عنها ويحج ويتصدق، فنظرت فيه فلم يبلغ فقال إبدأ بالحج، فانه فريضة من فرائض الله سبحانه، واجعل ما بقي طائفة في العتق وطائفة في الصدقة " (1) الصريحة في تقسيط النقص على العتق


(1) يراجع ذلك من الوسائل: كتاب الوصايا، باب 65 من =

[ 102 ]

والصدقة، مع أن الاول مقدم في الذكر، المنزلة على التساوي في الاهمية. و (حملها) على عدم معلومية الترتيب في الوصية - وان وقع في لفظ الراوى - فمع لغوية هذا النحو من الاحتمال وإلا لانسد باب الاستدلال (يدفعه) ترك الاستفصال في الجواب. وبالجملة، فقصور الثلث عن الوصايا المتعددة التي يجب العمل بها أجمع مع سعة الثلث لها أو الاجازة نظير ضيق الوقت عن الواجبات المتزاحمة الذي لا إشكال في تقديم الاهم منها فيه، وان تقدم سبب غير الاهم منها (ودعوى) نفوذ الاول فلا يبقى محل للثاني في هذه الصورة ايضا (ممنوعة) بل هي مصادرة، ضرورة استلزام ما ذكرناه كون النفوذ مشروطا بسعة الثلث أو اجازة الورثة، فيكون مراعى بأحد الامرين، بل لا ينفك المورد حينئذ عن العدول التقديري المتأخر في المرتبة عن إرادة الجميع، لاختصاصه بصورة قصور الثلث وعدم الاجازة. وهذا عندي بمكان من الوضوح. ولو علم الترتيب واشتبه المقدم استخرج بالقرعة. لانها لكل أمر مشتبه. ولو كان أحدهما على الفور دون الآخر ابتدئ به في العمل على الفور ولو تساويا في الفورية تخير في تقديم ما شاء منهما ما لم يفوت تقديمه الآخر


= أوصى بمال للحج والعتق والصدقة، حديث (1) وأول الحديث هكذا: " محمد بن علي بن الحسين باسناده عن محمد بن أبي عمير عن معاوية ابن عمار قال: اوصت إلي امرأة من أهل بيتي بمالها، وأمرت أن يعتق عنها ويحج ويتصدق، فلم يبلغ ذلك، فسألت أبا حنيفة، فقال: يجعل ذلك أثلاثا: ثلثا في الحج وثلثا في العتق وثلثا في الصدقة، فدخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت له.. ".

[ 103 ]

وإلا قدم مالا يستلزم ذلك. (المطلب السابع) لو أوصى بوصايا متعددة: فإما أن يكون بينها تضاد عقلا أو عرفا أو لا تضاد بينها. أما الاول، كما لو أوصى بمعين شخصي لواحد، ثم أوصى به لآخر، فبحكم العقل تكون الثانية عدولا عن الاولى، لاستحالة العمل بهما عنده. وأما الثاني كما لو قال: (اعطوا ثلثي لزيد بعد موتي) ثم قال: (اعطوا ثلثي لعمرو كذلك) باضافة الثلث فيهما إلى نفسه، فان أهل العرف يفهمون العدول عن الاولى بالثانية، لانه لا يملك من ماله بعد الموت الا الثلث. وإن احتمل كون الاضافة باعتبار كون المال كله له في الحياة عند الوصية، إلا أن المتبادر عندهم هو الاول. ولو أوصى بمعنى لشخص ثم أوصى بجزء مشاع - كالعشر مثلا - من المال أو التركة لآخر، ففي كونه عدولا عن المعين بقدر ما يختصه من من الجزء عرفا، أو تختص الوصية بالجزء مما عداه من المال أو التركة وجهان: ولعل الاول هو الاقرب، لعدم خروج المعين بالوصية عن ماله قبل الموت، فيكون الجزء منه داخلا في الجزء المضاف إلى المال بالوصية الثانية، لعدم حمل المطلق في أمثال ذلك على المقيد، فيقع التضاد فيه عرفا بين الوصيتين، ومقتضاه العدول عن الاولى بقدره. وأما الثالث كما لو أوصى بثلث لزيد، ثم بثلث لعمرو أو أضافهما إلى المال أو التركة، فلا تضاد بين الوصيتين - لا عقلا ولا عرفا - حتى يحكم بالعدول، لامكان العمل بهما، وان توقف في الزائد على الاجازة شرعا،

[ 104 ]

ومع عدمهما فالمانع شرعي، وهو لا يكشف عن العدول، إذ لعل الوصية بالزائد لحسن ظنه بالوارث في تنفيذ وصاياه، فتصح الاولى وتنفذ لعدم المانع أصلا وتبطل الثانية لاختصاص المنع الشرعي حينئذ بما زاد على الثلث التركة. وبما ذكرنا ظهر لك ما لو أوصى لشخص بثلث والآخر بربع ولآخر بسدس: من صحة الاولى، وبطلان الاخيرتين، مع عدم الاجازة، لعدم التضاد الموجب للحكم بالعدول فلا يبقى محل لهما بعد نفوذ الاولى، لعموم أدلة الوصية. (ودعوى) أن الوصية ظاهرة فيما كانت نافذة، ولا تكون كذلك إلا فيما كان يملك نفوذها فيه - وهو الثلث - دون المتوقفة فيه عليه الاجازة فهي بمعونة الظهور المذكور تضاد الاولى، والتضاد كاشف عن الرجوع فتبطل به الاولى، ولا يجرى استصحاب الصحة فيها بعد ظهور الثانية في النفوذ، لانه منه بمنزلة الاصل من الدليل، بل يجرى ذلك في كل عقد يدور أمره بين النفوذ الفعلي والتوقف على الاجازة كما لو باع أحد الشريكين نصف الدار المشتركة بينهما بالمناصفة، فانه ينزل على النصف المملوك له دون المركب منه ومن شريكه حتى يتوقف على اجازته، وليس ذلك إلا لما ذكرنا من الظهور. (يدفعها) أن إطلاق العقد يقتضي ارادة معنى ما تعلق به، فان صادف محله خليا عن المانع مطلقا نفذ في متعلقه لوجود سبب النفوذ: من وجود المقتضى وعدم المناع، وإلا توقف نفوذه على عدم المانع مع رجاء زواله أو وجود شرط متوقع، كالاجازة في الفضولي والقبض في الهبة ولا ينافي التوقف اتصاف العقد بالصحة التأهلية، وحيث كان متعلق العقد في بيع أحد الشريكين هو النصف من غير تعرض لكونه المستحق له

[ 105 ]

أو المشاع بينه وبين شريكه اقتضى نقل النصف في نفسه الذي أحد مصاديقه ما يملكه، فيجب عليه التسليم من غير توقف على شئ، لانه هو المخاطب بالوفاء بعد إيجاده السبب التام، وحينئذ فيما نحن فيه نفذت الاولى لمصادفة الوصية محلها، فلا محل للثانية حتى تنفذ فيه بلا توقف لوجود المانع من مزاحمة الوارث، فان أجاز، وإلا بطلت. وان أبيت ذلك فيمكن أن نمنع الظهور مع سبق الوصية الصالحة لان تكون قرينة على صرفه، كيف وظاهر الوصايا المتعددة إرادة جميعها ولذا لو أجاز الوارث نفذ الجميع، ولو كان ذلك رجوعا لم تؤثر الاجازة صحة الاولى بعد فرض بطلانها به. ثم ليعلم ان التعدد في الوصايا والترتيب بينها انما يتحقق بعد تمام الوصية، سواء كانت الاخرى معطوفة عليها بثم أو بغيرها، فلو قال (أعطوا زيدا وعمروا ماءة درهم) كانت وصية واحدة واشتركا في الموصى به بالسوية ما لم يعلم التفاضل، ولو قال (اعطوا زيدا ماءة وعمروا مأة) كان ذلك ترتيبا بين الوصيتين، وان العطف بالواو لكفاية الترتيب الذكرى في افادة الترتيب في الوصية. (المطلب الثامن) المعروف عند الاصحاب - حتى قيل بعدم وجدان الخلاف صريحا فيه - هو أنه لو أوصى بجزء مشاع من المال يزيد على الثلث كالنصف مثلا وأجاز الوارث، ثم ادعى ظن قلة المال بأن قال: ظننت المال ألف درهم - مثلا - فبان ألف دينار، قبل قوله مع يمينه وقضى عليه بما ظنه. ولو أوصى بمعين كالعبد أو الدار يزيد على الثلث فاجاز الوارث ثم ادعى ظن زيادته عليه بيسير لم يقبل قوله وقضى عليه بما أجازه.

[ 106 ]

وعللوا الفرق بينهما بما يرجع إلى محصلة: إلى أن الوارث في المشاع ربما بنى في العلة على إصالة عدم الزائد على ما ظنه، والى أن دعواه يمكن أن تكون صادقة، ولا يمكن الاطلاع على ظنه إلا من قبله، لان الظن من الامور النفسانية، فلو لم يكتف فيه باليمين لزم الضرر، لتعذر إقامة البينة على دعواه، وفي المعين بأن اجازة الوارث وقعت على معلوم له وهو العين المخصوصة كيف كانت من التركة، فكانت ماضية عليه، بخلاف الوصية بالمشاع، فان العلم بقدرها موقوف على العلم بمجموع التركة وأنت خبير بان ما ذكروه في المشاع من الوجهين يجري في المعين ايضا لاختلاف قدر استحقاقه منه في القلة والكثرة، والاصل عدم زيادته على ماضنه من القدر وأيضا لا يعلم إلا من قبله مع تعذر إقامة البينة عليه. ولا يجدى ما ذكروه في المعين: من كون المجاز معلوما للوارث بعد جهالة مقدار حقه منه المسبب عن جهالة قدر المال كجهالة النصف في المشاع المسبب عن جهالة قدر المال فيتحد الحكم فيهما لاتحاد المناط، ولعله لذا استوجه القبول في المعين كالمشاع في الدروس والتحرير والمسالك والروضة واحتمله في القواعد واستمتنه في (مفتاح الكرامة) بعد أن قواه، بل جعله في جامع المقاصد: هو الاصح وتردد في المشاع صريحا في الشرائع والكفاية. وحكى الثاني منهما في المعين قولين، ولم يرجح، وظاهره التردد فيه أيضا، كظاهر (الحواشي) المنسوبة للشهيد في التردد. وبالجملة: فان تم إجماع على الفرق بينهما، وإلا فوحدة المناط تقتضي المساواة في الحكم. قلت: مع ذلك، فالاقوى ما عليه المشهور " أولا " لان المعين المجاز لمعلوميته يعلم الوارث أن ما يستحقه منه لا يزيد على مقدار الثلثين،

[ 107 ]

وان جهل قدر حقه منه وتردد بين أفراد أكثرها الثلثان، ويتدرج التردد في القلة إلى ما لا يكون له فيه حق، كأن تكون الدار ثلث المال أو أقل فطرف الاكثر من قدر حقه فيه معلوم، فقدر المجاز من المعين معلوم من جهة ومجهول من جهة أخرى، بخلاف المجاز مشاعا، فانه مجهول بالكلية ولعل هذا القدر من التفاوت هو الفارق عرفا الموجب لقرب الدعوى إلى الصدق في المشاع، وبعدها عنه في المعين. كما فرق في الاقرار بين ما يكون لرسم القبالة وغيره. (وثانيا) لفساد دعوى جريان إصالة عدم الزيادة على ما ظنه في المعين كما يجرى في المشاع، لوضوح الفرق بين الاصلين فيهما لان الاصل المذكور في المشاع، يعضده إصالة عدم زيادة المال، ضرورة عدم انفكاك زيادة المال عن زيادة النصف وقلته عن قلته، فيتعاضد فيه الاصلان السببي والمسببي، يتعاكسان في المعين، لان زيادة التركة تسلتزم نقصان حق الوارث من المعين، ونقصانها يستلزم زيادته فإصالة عدم زيادة قدر حقه - على ما ظنه - محكوم باصالة عدم زيادة المال والتركة، بعد أن كان الشك في الاول مسببا عن الشك في الثاني، ولا مجرى للاصل في المسبب بعد جريان الاصل في السبب. هذا وليعلم إن اصالة عدم الزيادة أو عدم العلم بها لا يثبت الظن بالقلة الذي هو موضوع الحكم ولذا كان مدعيه - لكونه مخالفا للاصل - أيضا مدعيا، وكان عليه البينة، إلا أنه حيث لم يعلم إلا من قبله قبل قوله مع يمينه، وبما ذكرنا ظهر لك ضعف ما أورد على سماع دعواه في المشاع بأن الاجازة مطلقة، فالرجوع إلى قول الوارث رجوع عن لفظ متيقن الدلالة على معنى يعم الجميع إلى دعوى ظن يجوز كذبه، ضرورة أن الدعوى بعد أن كانت مسموعة للاصل، وكان منضما إليها ميزان القضاء ثبت به

[ 108 ]

ما يوجب رفع اليد عن الظهور. فإذا الاقوى ما عرفت. (المطلب التاسع) لو أوصى بثلث ماله فما دونه من الكسور لواحد شارك الموصى له الوارث بقدر الكسر بالاشاعة، لاقتضاء الكسر ذلك في جميع المال - عينا كان أو منفعة أو دينا معجلا كان أو مؤجلا - حتى ما يكون له بعد الموت كالدية، لتقدم سبب الاستحقاق في الحياة، ولا يشمل ما يكون له بسبب متأخر عن الموت كالجناية عليه بالمثلة بعد موته. ولو زاد الموصى به عن الثلث كالنصف والثلثين، كان كذلك مع إجازة الوارث التي هي تنفيذ للوصية لا ابتداء عطية. وحينئذ، فلو تلف منه شئ كان التالف منهما، والباقي لهما مادام مشاعا. ولو أوصى بمعين اختص به الموصى له: ان كان قدر الثلث فما دون وليس للوارث مزاحمته فيه، لما عرفت من أن للموصي تعيين ثلثه فما شاء من تركته، وللموصى له أنحاء التصرف فيه بعد تملكه له بالوصية والقبول ان كان ما يبقى عند الوارث مما عداه مقدار الثلثين، وان كان ما زاد عليه غائبا. ولو كان غير المعين كله غائبا، توقف التصرف في المعين على حصول مثليه من الغائب. ولو كان بعضه حاضرا وكان قاصرا عن مثلي ما أوصى به استقر ملكه من الموصى به في قدر ثلث المجموع، وان كان قدر مثليه حاضرا استقر ملكه في تمام العين، وإن تلف الباقي من الغائب، لعدم توقف استقرار ملكه على ما يزيد على مثلي المعين. وبحكم قبض الوارث قبض وكيله أو وليه، وان كان الحاكم دون قبض الملتقط وان كان اللقيظ أمانة شرعية في يده، وكذا بحكم قبضه إذنه في التصرف بالموصى به، لسقوط حقه باذنه حتى على تقدير

[ 109 ]

تحقق الشركة بالتلف في الواقع كسقوط حقه بامتناعه من قبض المال الغائب مع تمكنه منه أو ابراء من كان هو في ذمته عنه أو إتلافه قبل قبضه أو نقله كذلك إلى غيره بأحد النواقل الشرعية، وان لم يقبضه المشتري بعد، وكان قبله مضمونا عليه بالمسمى، لا بنحو الهبة التي يكون القبض فيها شرطا لصحتها، لبقاء المال فيها حينئذ على ملك الوارث. كل ذلك لان نفوذ الوصية في المعين إنما يتحقق حيث تكون نسبة المعين إلى الحاضر ثلثا، والا فالوارث يزاحم الموصى له في المعين بقدر ما ينقص من الحاضر على مثلي المعين، وهو واضح. (بقى شئ) وهو أن مقتضى القواعد الاولية المستفادة من أدلتها: هو انفراز التركة من حين الموت باختصاص المعين للموصى له، إن كان قدر الثلث فما دون، وما عداه للوارث مع عدم الوصية، إن كان المعين دون الثلث، وأن التالف من أيهما كان كان تالفا من صاحبه. لكن لما قام الدليل على أن ما قابل ضعف المعين من غيره إن لم يكن حاضرا أو كان الحاضر منه قاصرا عن الضعف، وتلف الغائب أو بعضه شارك الوارث الموصى له في المعين بقدر ما ينقص من ضعفه من حين التلف، فلا جرم توقف استقرار ملك الموصى له - فيما زاد على ثلث المعين - على قبض الوارث لما يقابل ضعف المعين من التركة لان التلف سبب لحدوث الشركة بينهما في المعين. وحينئذ فلا موجب لتوقف الموصى له عن التصرف في ثلث المعين المعلوم كونه له باليقين بما لا يزاحم الاشاعة على تقدير انكشافها - كما توهم - ومع التشاح قبل الانكشاف يتولى قبضه الحاكم أو من يتراضيان عليه وحينئذ فان تبين التلف انكشف كون الوارث شريكا من حين التلف لا من حين الموت، فيكون نماء المعين الحاصل من حين الموت إلى التلف للموصى له خاصة لانه نماء ملكه والمتجدد بعد التلف مشتركا بينهما لحدوث الشركة بالتلف. بل لولا دعوى الاجماع على الايقاف لكان المتجه جواز

[ 110 ]

تصرف الموصى له مطلقا في تمام المعين إستنادا إلى إصالة سلامة الغائب وعدم حدوث سبب الشركة، وان عورض بإصالة عدم القبض، لان الشك في تحقق الحضور مسبب عن الشك في التلف، بناء على أن أصل العدم أصل عقلائي. وأما بناء على كونه بمعنى استصحاب العدم، فيكون من الاصول المثبتة. وحينئذ فغايته بعد انكشاف التلف رجوع الوارث عليه بحقه في المعين. واذ قد عرفت ان الحكم بحدوث الشركة على خلاف القاعدة وجب الاقتصار في الخروج عنها على المتقين، فلا يشمل تنجيز المعين. وان قلنا بخروج المنجزات من الثلث وكان باقي المال غائبا، ولا فيما إذا كانت العين الموصى بها غائبة وباقي المال حاضرا، فانه يتصرف الوارث في الحاضر كيف شاء، ولا في الزائد على ثلث التركة من العين الموصى بها إن أجاز الوارث الوصية، فان الموصى له يتسلط على مقدار ما حصل له بالاجازة من دون إيقاف بالنسبه إلى ذلك المقدر نظرا إلى إجازة الوارث فيه لعدم الدليل على اعتبار حضور ما يقابل الزائد المجاز من المال الغائب، فيجوز له التصرف فيه بمجرد التملك بحصول الاجازة ولا يحصل بتلف الغائب شركة للوارث في هذ المقدار، ولا إذا أتلف المال الغائب أجنبي ورجع الوارث عليه بمثله أو قيمته. نعم لو لم يتمكن الوارث من قبض العوض منه شارك الموصى له. ولو تصرف الموصى له في العين ببيع ونحوه من النواقل قبل قبض الوارث المال الغائب: فان انكشف تلفه قبل البيع كان النقل بالنسبة إلى حق الوارث منه فضوليا يتوقف على إجازته، وان انكشف كونه بعد البيع، ففي رجوع الوارث عليه ببدل حقه فيه من المثل أو القيمة: لانه بحكم الاتلاف لحقه، أو يبطل العقد في سهمه؟ وجهان: والاول هو الاقرب. ولا يجري في هذه الصورة حكم الفضولي، لانه كان مالكا حين التصرف، وان حدثت الشركة

[ 111 ]

بعده، فيضمن بسببها بدله، وإن حصل الغائب ولو بقدر مثلي المعين صح بيعه ونفذ، وان كان منهيا عنه قبل الانشكاف، لان النهي في المعاملات لا يقتضى الفساد. ثم يعلم ان الموصى به يتعين بتعين الموصي أو من يجعل أمر التعيين إليه كالوصي أو الموصى له، فيتعين بتعيينه - كما تقدم - لان ذلك من شؤون ملكيته، كما أنه لا فرق في حضور المال بين حضوره عند الوارث أو من يقوم مقامه ممن له الولاية عليه أو التولية منه، فيكون قبض الوكيل وولي الصغير والحاكم قبض الموكل والصغير والغائب في استقرار ملك الموصى له في تمام المعين. هذا ولو أوصى بعبده لشخص، فظهر ثلثاه مستحقا للغير نفذت الوصية في ثلثه، لاندارجه في الوصية بالكل مع خلوه عن المانع: من تعلق حق الغير به. ومثله في الحكم لو أوصى في المثال بثلث العبد ولا يتعين تنزيلها على الاشاعة حتى تنفذ في ثلث الثلث خاصة، لما ذكر، كما توهمه بعض العامة، قياسا على الاقرار، وبيع الفضولي على أحد القولين فيه. أما الاقرار فلانه ليس معناه إلا كونه مال الغير، وإلا فلمكه بوصف كونه ملكه لا يكون لغيره، فالاقرار بثلث العبد المملوك له ولغيره لا يتحقق معناه إلا في ثلث الثلث وهو معنى الاشاعة. وأما بيع الفضولي كبيع ثلث العبد في الفرض بناء على بطلان الفضولي، فانه حينئذ ينزل على ثلث الثلث لا غير لاضافة الثلث إلى العبد المفروض كونه مشتركا بينه وبين غيره بالاشاعة، مع فرض بطلان البيع بالنسبة إلى ما تعلق به الغير. ومثلهما الوصية بناء على عدم جريان الفضولي فيهما، لان الوصية انما تكون في ملكه دون ملك الغير وأما الوصية بما زاد على الثلث من التركة فلان المال كله له حين

[ 112 ]

الوصية وليست الاجازة من الوارث إلا بمعنى الرضاء بعدم الارث. ولذا كانت تنفيذا للوصية لا ابتداء عطية وليست من الفضولي في شئ - كما تقرر في محله - فالوصية بالثلث من العبد المعتقد كونه بتمامه ملكه مع عدم جريان الفضولي فيها مستلزمة للتنزيل على الاشاعة والنفوذ في ثلث الثلث خاصة. هذا غاية ما يمكن من توجيه قياس الوصية على الاقرار وبيع الفضولي على أحد القولين، إلا أن الحق نفوذها في تمام الثلث مطلقا، وان قلنا ببطلان الفضولي، لانه يملك من العبد مصداق ما أوصى به، وهو الثلث كما تقدم. وأما بناء على صحة الفضولي وجريانه في الوصية أيضا - كما استظهرناه في محله (1) ففي الفرض بعد تبين الشركة: إن أجاز الشريك نفذ في تمام الثلث بالاشاعة، وإلا: فان وسع المال ثلث العبد نفذ في تمام الثلث المختص به، قضاء للعمل بالوصية مهما أمكن، والتبعيض تبديل لها، وان لم يسع توقف فيما زاد على ثلث الثلث على إجازة الوارث، فان أجاز، وإلا نفذ في ثلث الثلث خاصة. اللهم إلا أن يمنع جريان الفضولي في الوصية بدعوى الفرق بينها وبين سائر العقود التي يعتبر في جريان الفضولي فيها صحة استناد العقد إلى المالك المجيز مع عدم إمكان إستناد الوصية إلى المالك بالاجازة بحيث يكون بها موصيا، فالموصي ليس بمجيز، والمجيز ليس بموص. وأما بطلان القياس بالاقرار فلان الاقرار إنما يؤخذ به حيث يعلم كونه عليه، وأما المحتمل فيه ذلك وكونه على غيره فليس باقرار حتى يؤخذ به، فالاخبار بأن الثلث المشاع في المثال لزيد إنما يكون إقرارا بالنسبة إلى ثلث الثلث خاصة، وأما بالنسبة إلى الثلث فليس باقرار. وهذا


(1) يراجع ذلك ضمن رسالة عقد الفضولي المدرجة في الجز الثاني من (البلغة).

[ 113 ]

بخلاف الوصية التي هي من العقود الناقلة فانها تنفذ فيما يملك مصداقه وان كان غيره لغيره. وبعبارة أخرى: الوصية من الاسباب الناقلة المشمولة لوجوب الوفاء بالعقود، وليس الاقرار منها حتى يشمله ذلك، بل هو من الامارات، فاتضح بطلان القياس بهما حتى على القول ببطلان الفضولي. (المطلب العاشر) في الوصايا المبهمة، كالجزء والسهم والشئ، لو أوصى بجزء من المال: فان علم إرادة قدر مخصوص منه اتبع، وإلا، ففي تقديره شرعا روايتان: أشهرهما رواية العشر، وفتوى - كما قيل - السبع. والذي يدل من الاخبار على الاول: ما رواه في (الكافي): " عن عبد الله بن سنان عن عبد الرحمن بن سيابة قال: إن أمراة أوصت إلي وقالت: ثلثى تقضي به دينى وجزء منه لفلانة، فسألت عن ذلك ابن أبي ليلى؟ فقال: ما أرى لها شيئا ما أدري ما الجزء؟ فسألت عنه أبا عبد الله (ع) بعد ذلك، وخبرته كيف قالت المرأة، وما قال ابن أبي ليلى؟ فقال: كذب ابن ابي ليلى، لها عشر الثلث، لان الله تعالى أمر ابراهيم، فقال: " اجعل على كل جبل منهن جزء " (1) وكانت الجبال يومئذ عشرة، والجزء هو العشر من الشئ " (2) وفي (الاستبصار) روايته


(1) سورة البقرة آية 260 وتمام الآية هكذا: " وإذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى؟ قال أو لم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبى، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزء، ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ". (2) في الكافي للكليني، كتاب الوصايا (باب من أوصى بجزء من =

[ 114 ]

باسقاط عبد الرحمن (1) وعليه تكون الرواية من الصحيح - كما في المختلف (2) وما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق أو الحسن - الذي لا يقصر عن الصحيح كما قيل -: " عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أوصى بجزء من ماله؟ قال: جزء من عشرة قال الله تعالى: " ثم اجعل على كل جبل منهن جزء " وكانت الجبال عشرة " (3) وما رواه في (الكافي والتهذيب) في الصحيح أو الحسن - على ما قيل - " عن أبان بن تغلب قال قال أبو جعفر (ع): الجزء واحد من عشرة، لان الجبال كانت عشرة والطير أربعة " (4) وما رواه في


= ماله) حديث (1) بسنده هكذا: (علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان.. ". (1) فقال - في كتاب الوصايا منه (باب 79 من أوصى بجزء من ماله) حديث (1) هكذا: أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن عبد الله ابن سنان قال: ان امرأة.. ". (2) فلقد عبر العلامة في المختلف، الفصل الخامس في الوصايا من كتاب الهبات والعطايا، مسألة: لو أوصى بجزء من ماله. هكذا: " وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان.. " (3) ذكرها الصدوق في (الفقيه) باب (100) الوصية بالشئ من المال والسهم والجزء والكثير، حديث تسلسل (528). وذكرها الكليني في الكافي كتاب الوصايا: باب من أوصى بجزء من ماله حديث (2) وذكرها الشيخ في (التهذيب) كتاب الوصايا، باب 16 الوصية المبهمة، حديث تسلسل (825). (4) الكافي بنفس المصدر الآنف، حديث (3) والتهذيب بنفس المصدر الآنف حديث تسلسل (826).

[ 115 ]

(التهذيب) عن أبي بصير " عن أبي عبد الله (ع) في رجل أوصى بجزء من ماله، قال: جزء من عشرة، وقال: كانت الجبال عشرة " (1) وعن العياشي في (تفسيره) مثله (2) وزاد: " وكان الطير الطاووس والحمامة والديك والهدهد، فأمره أن يقطعهن " الخ. وما عن (معاني الاخبار) " عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر (ع) في الرجل يوصي بجزء من ماله؟ قال: الجزء واحد من عشرة، لان الله تعالى يقول: " ثم اجعل على كل جبل منهن جزء " وكانت الجبال عشرة، والطير أربعة، فجعل على كل جبل منهن جزء. قال: وروى: أن الجزء واحد من سبعة لقوله تعالى: " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " (3) ومنها ما عن (الكتاب المذكور) في الصحيح - على ما قيل - " عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة أوصت بثلثها يقضى به دين ابن أخيها وجزء منه لفلانة وفلانة، فلم أعرف ذلك؟ فقدماني إلى ابن أبي ليلى، قال: فما قال لك؟ قلت: قال: ليس لها شئ، فقال: كذب - والله - لهما العشر من الثلث. (4) وما عن العياشي أيضا في تفسيره: " عن عبد الصمد بن بشير في خبر يتضمن، أن أبا جعفر


(1) راجع منه: المصدر الآنف الذكر حديث تسلسل (827). (2) يشير إلى ذلك الحر العاملي في الوسائل: كتاب الوصايا باب 54 من أحكامها: حكم من أوصى بجزء من ماله: حديث (8). (3) في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 54 حكم من أوصى بجزء من ماله، حديث (4) هكذا: " محمد بن علي بن الحسين في (معاني الاخبار) عن محمد بن الحسن عن أحمد بن ادريس عن محمد بن أحمد بن يحيى عن علي ابن السندي عن محمد بن عمرو بن سعيد عن جميل عن أبان بن تغلب.. " (4) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (6).

[ 116 ]

المنصور جمع القضاة، فقال لهم: رجل أوصى بجزء من ماله، فكم الجزء؟ فلم يعلموا فأبرد بريدا لى صاحب المدينة أن يسأل جعفر بن محمد (ع) فسأله؟ فقال: أبو عبد الله (ع): هذا في كتاب الله بين؟ إن الله يقول لما قال إبراهيم: " رب أرني كيف تحيى الموتى - إلى أن قال - ثم اجعل على كل جبل منهن جزء " فكانت الطير أربعة، والجبال عشرة يخرج الرجل من كل عشرة أجزاء جزء واحدا " (1) وما عنه فيه ايضا: " عن محمد بن اسماعيل عن عبد الله بن عبد الله قال: جائني أبو جعفر بن سليمان الخراساني، وقال: نزل بي رجل من أهل خراسان من الحجاج، فتذاكرنا الحديث، فقال: مات لنا أخ بمرو وأوصى إلي بمأة ألف درهم وأمرني أن أعطي أبا حنيفة منها جزء، ولم أعرف الجزء كم هو مما ترك؟ فلما قدمت الكوفة أتيت أبا حنيفة فسألته عن الجزء؟ فقال: لي الربع فأبى قلبي ذلك، فقلت: لا أفعل حتى أحج وأستبصر المسألة، فلما رأيت أهل الكوفة قد أجمعوا على الربع، قلت لابي حنيفة -: إلى قال - فقال أبو حنيفة، وأنا اريد الحج، فلما أتينا مكة، وكنا في الطواف، فإذا نحن برجل شيخ قاعد قد فرغ من طوافه، وهو يدعو ويسبح، إذ التفت أبو حنيفة فلما رآه قال: أن أردت أن تسأل غاية الناس فأسأل هذا، فلا أحد بعده، قلت: ومن هذا؟ قال: جعفر بن محمد (ع) فلما قعدت واستمكنت إذا استدار أبو حنيفة خلف ظهر جعفر بن محمد (ع) فقعد قريبا مني فسلم عليه وعظمه، وجاء غير واحد مزدلفين مسلمين عليه، وقعدوا، فلما رأيت ذلك من تعظيهم له اشتد ظهرى، فغمزني


(1) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (8) وفي هامش الحديث من الطبعة الجديدة للوسائل ج 13 ص 444 ذكر للحديث بطوله عن تفسير العياشي: (ج 1 ص 143) فراجع.

[ 117 ]

أبو حنيفة أن تكلم، فقلت: جعلت فداك إني رجل من أهل خراسان، وإن رجلا مات وأوصى إلي بمأة ألف درهم، وأمرني أن أعطي منها جزء، وسمى لي الرجل، فكم الجزء جعلت فداك؟ فقال جعفر بن محمد: يا أبا حنيفة، قل فيها: فقال: الربع، قال لابن أبى ليلى: قل فيها، فقال: الربع، فقال جعفر بن محمد: ومن أين قلتم الربع؟ قالوا: لقول الله عزوجل " فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزء " فقال لهم أبو عبد الله (ع): وأنا أسمع من هذا قد علمت الطير أربعه " فكم كان الجبال، إنما الاجزاء للجبال، ليس للطير، فقالوا: ظننا أنها أربعة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ولكن الجبال عشرة " (1) وما عن (الفقه الرضوي): " وإذا أوصى رجل لرجل بجزء من ماله، فهو واحد من عشرة لقول الله تعالى: " ثم اجعل على كل جبل منهن جزء " وكانت الجبال عشرة، وروي جزء من سبعة لقول الله تعالى: لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " (2) انتهى والذي يدل منها على الثاني: ما عن الشيخ في الصحيح - كما قيل - " عن البزنطي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أوصى بجزء من ماله؟ فقال: واحد من سبعة، إن الله تعالى يقول: لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم. قلت: رجل أوصى بسهم من ماله؟ فقال:


(1) المصدر الآنف من الوسائل حديث (9) وبهامش ص 445 من الجزء 13 الطبع الجديد نقل الحديث بتفصيله عن تفسير العياشي ج 1 ص 144 مطابقا لما في المتن. (2) راجع من (الفقه الرضوي) المنسوب إلى الامام الرضا (ع) باب الوصية للميت طبع ايران حجري بلا ترقيم.

[ 118 ]

السهم واحد من ثمانية ثم قرأ: " انما الصدقات للفقراء والمساكين.. " إلى آخر الآية (1) وعن اسماعيل بن همام الكندي عن الرضا (ع): " في الرجل يوصي بجزء من ماله؟ فقال: الجزء من سبعة، لقوله تعالى: " لها سبعة أبواب.. " (2) الخ. وما عن (الفقيه والتهذيب): " عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن (ع) " قال سألته عن رجل أوصى بجزء من ماله؟ قال: سبع ثلثه " (3) وما عن الشيخ المفيد في (كتاب الارشاد) " عن أمير المؤمنين (ع) في رجل أوصى بجزء من ماله ولم يعينه، فاختلف الوارث بعده في ذلك، فقضى عليهم باخراج السبع من ماله، وتلا قوله تعالى: لها سبعة أبواب " (4) وما في ذيل عبارة (فقه الرضا) التي مر ذكرها (5) وما عن العياشي في (تفسيره): " عن البزنطي عن


(1) الموجود في (التهذيب باب 16 الوصية المبهمة حديث تسلسل 828) ومثله في (الاستبصار باب 79 من أوصى بجزء من ماله) الرواية عن أبي الحسن (ع) هكذا: " محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن ابن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن (ع) عن رجل.. " (2) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 54 من أحكامه: حكم من اوصى بجزء من ماله، حديث (13) هكذا: ".. عن أبي همام اسماعيل ابن همام. " (3) الفقيه للصدوق باب 100 من الوصايا: الوصية بالشئ من المال والسهم والجزء، حديث تسلسل (529). والتهذيب باب 16 الوصية المبهمة حديث تسلسل (831). (4) راجع: الوسائل: كتاب الوصايا باب 54 حكم من أوصى بجزء من ماله حديث (7) وفي الهامش ينقله عن الارشاد. (5) وهي جملة " وروي جزء من سبعة - كما سبق آنفا -.

[ 119 ]

الرضا (ع) قال: جزء الشئ من سبعة إن الله تعالى يقول: لها سبعة أبواب " (1) الخ. وما عنه أيضا: " عن اسماعيل بن همام الكوفي عن الرضا (ع): " في رجل أوصى لرجل بجزء من ماله؟ فقال: جزء من سبعة، إن الله تعالى يقول: في كتابه " لكل باب الخ " (2) وحيث اختلفت الاخبار في تحديد الجزء بالعشر، والسبع، اختلف الفقهاء على قولين: قول بالاول، وهو المحكي في (مفتاح الكرامة) عن الصدوقين، والشيخ في التهذيبين والمحقق في النافع، والايضاح، والشهيدين في الدروس واللمعة والروضة والمحقق الثاني في جامع المقاصد، وصاحب ايضاح النافع، ونفى عنه البعد في (الكفاية) وهو ظاهر (الشرايع) حيث جعله أشهر الروايتين، واقتصر عليه، وصريح (المختلف) حيث جعله هو المعتمد، وهو خيرة (الجواهر) و (الشوارع) لبعض المعاصرين وقول بالثاني، وهو السبع، وهو المحكي فيه أيضا عن المقنعة والمراسم والنهاية والوسيلة والجامع والتذكره والتحرير والارشاد والقواعد والتلخيص والتبصرة والروض والتنقيح والمسالك. وحكاه أيضا عن الشيخ في الخلاف وأبى المكارم في (الغنية) والمفيد في (ارشاده) والعياشي في (تفسيره) وأبي علي والقاضي، وكذا (كاشف الرموز)، وان استحسن جمع الشيخ بل حكى فيه عن السرائر: أنه الاظهر في الاقوال والاخبار. وعن المسالك: أنه مذهب الاكثر، وعن المفاتيح: أنه أشهر، بل فيه عن الخلاف والغنية الاجماع عليه وفي الرياض: نسبته إلى الاكثر، واختاره هو فيه وفي شرحه الصغير. قلت: ولعل مستند كل من القولين إلى ما يدل عليه من الاخبار


(1، 2) يراجع من الوسائل الباب الآنف حديث (12، 13)

[ 120 ]

المستفيضة بعد ترجيحها - على ما يعارضها - بمرجحات، كترجيح الاولى بالاكثرية عددا، وبالموافقة للاصل، وبسلامة متنها عن الاضطراب، وترجيح الثانية بموافقتها للشهرة المستفيضة فتوى، والاجماع المنقول في الغنية بل قيل: هو بنفسه حجة سيما بعد اعتضاده بالشهرة التي قد عرفت استفاضتها وأنت خبير بان صناعة الترجيح، وان اقتضت قوة القول الاول لان اخبار السبع، وان ترجحت بموافقتها كشهرة الفتوى بمضمونها - إلا أن كونها من المرجحات محل كلام، مع معارضتها بشهرة الاولى رواية التي هي من المرجحات المنصوصة، وكون الشئ مرجحا ككونه دليلا يحتاج إلى دليل يدل عليه. ورواية (الارشاد) المتضمنة لقضاء علي (ع) حكاية فعل لا عموم فيه، ولعله لقرينة دلت عليه، ورواية الحسين بن خالد - مع تضعيفه في (المسالك) بجهالته - تضمنت السبع من الثلث مع إضافة الجزء في السؤال إلى المال - شاذة نادرة لا عامل بمضمونها - كما قيل - وحملها على إرادة ماله بعد الموت أو ما له الوصية به في السؤال لتوافق أخبار السبع تأويل. وباقي الاخبار لا تكافؤ أخبار العشر المرجحة بأشهريتها وبموافقتها للاصل لان العشر هو المتيقن، وبما ظاهرهم التسالم عليه: من إعطاء من أوصى له بمثل نصيب أحد الورثة نصيب أقلهم عملا بالمتيقن. وأما الاجماع المنقول عن الغنية على السبع، فموهون بدعوى الشيخ في (الخلاف) الاجماع على القولين في قبال العامة، وبنسبة القولين في المبسوط إلى الاصحاب من دون ترجيح، ومثله في ذلك عن (التهذيب) والمقتصر والمفاتيح. فإذا يقوى القول الاول، إلا أن مع ذلك كله رفع اليد عن أخبار السبع مع أستفاضتها واستفاضة شهرة العمل بها لا يخلو من جرأة. ولذا جعل صاحب (الحدائق) وجدنا في (الرياض) بعد ذكر دليل القولين:

[ 121 ]

الاحتياط في الصلح. والذي يختلج في البال على الاستعجال: هو أن الجزء بحسب اللغة والعرف إنما هو بعض الشئ، ولم تثبت له حقيقة شرعية، وان ثبت إطلاقه في الكتاب على العشر والسبع. ولعله من حيث كونهما مصداقا، فإذا وقع في كلام الموصي فالظاهر منه - بمعونة ما عرفت - تفويض تعيين مقداره إلى الوصي أو الوارث، فيكون مخيرا في دفع ما شاء كما هو المتعارف في غير الوصية من أمر المولى لعبده باعطاء شئ للسائل المعلوم منه تفويض قدر التعيين إليه. وحينئذ فالاخبار محمولة على الترجيح له في الاختيار، لا على التحديد بأحدهما. وأن أبيت الا ذلك لظهور كل من الطائفتين في التحديد، فيكون لهذا اللفظ المبهم من حيث المصداق تقدير شرعي، إذ لا تعيين فيه ولا حد لاقله، فيجب الاقتصار فيه على التقدير الشرعي. والمفروض ثبوت التقدير بهما معا، فيكون مخيرا بينهما، لثبوت التقدير بكل منهما، فليقتصر في التخيير عليهما، كما يخير الوارث - فيما ستعرف من الوصية - بالقسط والنصيب، غير أن التخيير هناك أوسع منه هنا، لورود التقدير هنا بخصوص السبع والعشر. وعليه فتكون الوصية حينئذ عهدية لا تمليكية، لعدم صحة التمليك مع جهالة المملوك، فان تم إجماع على خلاف ذلك، وألا فهو قوي متين. هذا وينسحب الحكم المذكور: من تعيين أحدهما إلى جزء الجزء لو أوصى به، فيدفع عشر العشر أو سبع السبع على الخلاف، لعدم الاختلاف من حيث الجزء المضاف، وإنما الاختلاف في المضاف إليه لفظ الجزء: من المال أو الثلث أو الجزء. نعم لا يسري ذلك إلى غير الوصية التي هي مورد النصوص، لاختصاص

[ 122 ]

التعبد بها على القول به. ولو أوصى بسهم فالاشهر بل المشهور: إنه الثمن، بل في (الرياض) نسبته إلى عامة من تأخر، بل عن ظاهر (ايضاح النافع): الاجماع عليه. ويدل عليه صحيح البزنطي: أنه سأل أبا الحسن (ع) عن رجل أوصى بسهم من ماله؟ فقال: السهم واحد من ثمانية، ثم قرأ: إنما الصدقات للفقراء... " (1) وكذا حسن صفوان عن الرضا (ع) (2) وموثق السكوني عن أبي عبد الله (ع) (3) وعن (إرشاد المفيد) نسبة ذلك إلى قضاء أمير المؤمنين (ع) معللا بآية " إنما الصدقات " (4)


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 55 حكم من أوصى بسهم من ماله، حديث (1). (2) في المصدر الآنف الذكر من الوسائل حديث (2) ينقله عن التهذيب والكافي عن صفوان وابن أبي نصر، وعن " معاني الاخبار " عن صفوان وحده. والحديث هكذا ". عن صفوان وأحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألنا الرضا (ع) عن رجل أوصى لك بسهم من ماله، ولا ندري السهم أي شئ هو قال (ع): ليس عندكم فيما بلغكم عن جعفر، ولا عن أبي جعفر فيها شئ؟ فقلنا له: ما سمعنا أصحابنا يذكرون شيئا من هذا عن آبائك (ع) فقال: السهم واحد من ثمانية - إلى أن قال -: قول الله عزوجل " إنما الصدقات للفقراء " إلى آخر الآية.. (3) يراجع: المصدر الآنف من الوسائل حديث (3)، وفيه: " أنه سئل عن رجل يوصي بسهم من ماله؟ فقال: السهم واحد من ثمانية، لقول الله تعالى " انما الصدقات.. ". (4) المصدر الآنف من الوسائل حديث (7) هكذا: " محمد بن محمد المفيد في الارشاد قال: قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل أوصى عند =

[ 123 ]

فما في خبر طلحة بن يزيد: من أنه العشر (1) فقد قيل: إنه لا عامل به: بل عن جماعة الاعتراف بعدم معرفة قائله، وان ظهر من (مفتاح الكرامة) نسبته إلى الصدوق، وعن الشيخ: حمله على وهم الراوي، سمع ذلك في تفسير الجزء فرواه في تفسير السهم (2) وقيل فيه: بالسدس: وهو محكي في (مفتاح الكرامة) عن الصدوق في (المقنع) (3) ووالده، والشيخ في المبسوط. بل في الغنية والخلاف: الاجماع عليه. وقيل بعدم رواية تدل عليه إلا ما رواه العامة عن ابن مسعود: " أن رجلا أوصى لرجل بسهم من المال فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله: السدس " (4)


= الموت بسهم من ماله ولم يبينه، فاختلف الورثة في معناه، فقضى عليهم بإخراج الثمن من ماله، وتلا عليهم: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية: " وهم ثمانية أصناف لكل صنف منهم سهما من الصدقات ". (1) في " التهذيب. باب 16 في الوصية المبهمة " حديث تسلسل (834): ".. علي بن الحسن بن فضال عن عمرو بن عثمان عن عبد الله بن المغيرة عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه (ع) قال: من أوصى بسهم من ماله فهو سهم من عشرة ". (2) فانه قال - في نفس المصدر الآنف من التهذيب بعد ذكره للحديث -: " فيوشك أن يكون قد وهم الراوي، وإنما يكون سمع هذا في من أوصى بجزء من ماله، فظن في من أوصى بسهم، أو يكون قد اعتقد أن الجزء والسهم واحد، فرواه على ما ظنه ". (3) عبارة (المقنع) المطبوع ضمن (الجوامع الفقهية في ايران) أول باب الوصايا هكذا: " وإن أوصى بسهم من ماله فهو واحد من ستة " (4) وإليها يشير الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) باب 100 =

[ 124 ]

وهو كما ترى، كما لا يخفى وهن الاجماع بمخالفة جل الفقهاء ممن تقدم عليهما وتأخر عنهما، وان روى ذلك في " فقه الرضا " (1) ولو أوصى بشئ كان له السدس، لما عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، ولخبر أبان: " عن علي بن الحسين (ع): أنه سئل عن رجل أوصى بشئ من ماله؟ فقال: الشئ في كتاب علي (ع) من ستة " (2). هذا ولا يخفى ان الكلام الذي قدمناه في الجزء آت في السهم والشئ. ولو أوصى بما لا تقدير له شرعا كما لو قال: (أعطوا زيدا من مالي قسطا أو نصيبا أو حظا) ونحو ذلك من الالفاظ المجملة مصداقا المبينة دلالة، لكونها مطلقة الصادقة على القليل والكثير، كان الوارث مخيرا في تعيين ما شاء من مصاديقها بلا خلاف أجده ممن تعرض له، كما صرح به في (التحرير) وغيره. قلت: هو كذلك حيث يكون الوارث هو المخاطب به، لا لما تخيله بعض المعاصرين: - من أن تخيير الوارث في التعيين لانه إن دفع الاقل فذاك، وان دفع الزائد فقد سمح به من ماله فيصير كالمجيز للوصية بالزائد عن الثلث في دفعه الزائد عن أقل المسمى - إذ فيه: أن دفع المعين بعد تعيينه إنما هو دفع لما صدق عليه المسمى الذي هو الموصى به من باب انطباق


= الوصية بالشئ من المال والسهم والجزء. حديث تسلسل (7، 5 - 3) بقوله: " وقد روي: أن السهم واحد من ستة ". (1) ففي اوائل باب الوصية للميت منه هذه الجملة: " فان أوصى بسهم من ماله فهو سهم من ستة أسهم ". (2) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 56 حكم من أوصى بشئ من ماله، حديث (1).

[ 125 ]

الكلي على أحد مصاديقه، فلو كان الاكثر كان من دفع الواجب عليه بعد الاختيار من مال الموصي لا من ماله حتى يقاس بالمجيز، وان قلنا ان الاجازة في الوصية تنفيذ لها، لوضوح الفرق بين الوصية بالزائد على الثلث، وبين المردد بين المصاديق المندرجة فيه وكان له تعيينه. بل لان الوارث هو المخاطب في تنفيذ الوصية في حقه من تمكينه لاخراج الموصى به من المال الذي كله له إلا ما استثنى منه بالوصية، فإذا كان المستثنى الصادق على القليل والكثير مضافا إلى المال كان هو المخير في دفع أيهما شاء، لحصول الامتثال به بعد انطباق الكلي عليه، ويكون المدفوع من دفع الواجب عليه، كتخييره في دفع ما شاء من أفراد المتواطي وليس ذلك إلا لتفويض التعيين إليه، لانه المخاطب بالتنفيذ والتمكين من نفسه في إرثه، ووجوب التنفيذ حينئذ على الوصي معناه المباشرة لما أمر به بالوصية ومطالبة الوارث بما أوصى به لو تسامح عن التنفيذ. ومرة يكون المخاطب بمثل ذلك هو الوصي حيث يضاف الموصى به إلى الثلث بعد استثنائه من المال بحيث يكون مندرجا في الامور الموصى بها للوصي بالوصية، فهو المنفذ لاخراج الموصى به من الثلث فيكون حينئذ هو المخير في دفع ما شاء من مصاديق المطلق، لانه المكلف به، فيكون التفويض إليه، وبالجملة، فالتخيير لمن كان تفويض التعيين إليه، وارثا كان أو وصيا أجنبيا، ونسبة التخيير إلى الوارث في كلام من تعرض لهذا الفرع ليس لخصوصية في الوارث، بل هو من باب المثال لمن كان إليه التفويض ثم ان التخيير: هل هو ابتدائي، فيتعين بعد الاختيار أو استمراري إلى حين الدفع فله العدول عما عينه قبله؟ وجهان: و (الاول) هو الاقرب لخروجه بالتعيين عن المال كالتعيين بالعزل في الزكاة وغيرها هذا ولو تعدد الوارث، فاختار أحدهما: الاقل والآخر: الاكثر، ففي

[ 126 ]

تعين الاقل حينئذ مطلقا لحصول الامتثال به، ودفع الزائد عليه ضرر على من اختاره، أو مع عدم سبق الآخر في تعيين الاكثر لتعينه حينئذ بتعيينه وانطباق الكلي عليه، ولا إجحاف إلا من حيث الاختيار، وإلا فهو عمل بالوصية وفي شمول (نفي الضرر) له تأمل، أو يجبرهما الحاكم مع التشاح على الاتفاق كاجباره الوصين على الاتفاق في النظر بناء على أن التخير قائم بالمجموع؟ احتمالات. هذا ولو تعذر الرجوع إلى من إليه التفويض لغيبة - مثلا - أو لم يكن أهلا لصغر أو جنون ونحوهما، ناب وليه من الحاكم وغيره عنه في دفع الاقل خاصة لانه المتيقن مع ما فيه من رعاية مصلحة من تجب رعايته، هذا وحيث يختار الاقل فيعتبر فيه أن يكون متمولا لانه المتبادر منه عرفا. (المطلب الحادى عشر) لو أوصى بأمور، فنسي الوصي بعضها، صرف قسطه في وجوه البر، كما في (مفتاح الكرامة) عن عدة كتب تبلغ نفيا وعشرين، بل فيه عن بعضها أنه الاشهر. وعن آخر: أنه مذهب الاكثر، وآخر أنه المشهور، بل في (التنقيح): ان عليه الفتوى، وفي الرياض: " بلا خلاف إلا من الحلي تبعا للطوسي في بعض فتاواه " (1) ويدل عليه مكاتبة ابن الريان: " قال كتبت إلى أبي الحسن (ع) أسأله عن إنسان لو أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها، كيف يصنع في الباقي؟ فوقع (ع): الابواب الباقية اجعلها في البر " (2)


(1) راجع منه: كتاب الوصايا، الثاني في الوصايا المبهمة - في شرح قول المحقق " ولو أوصى بوجوه فنسي الوصي وجها.. " (2) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 61 أن الوصي إذا نسي بعض =

[ 127 ]

المنجزة أو المعتضدة بالشهرة العظيمة، وظاهر الاجماع عن بعض مؤيدة ببعض النصوص الواردة في جزئيات الوصايا مما يستفاد من ضم بعضها إلى بعض قاعدة كلية. هذا ولكن تنقيح المسألة: هو أن يقال: ان متعلق النسيان وما بحكمه من الجهل: إما أن يكون وصية تمليكية أو عهدية. والتمليكية: إما أن تكون شخصية أو نوعية - بناء على تملك النوع - أما الاولى (فتارة) يكون نسيان الشخص فيها بعد إحراز قبوله و (اخرى) مع إحراز عدم ملكيته لعدم قبوله بعد، أو مع الشك فيها للشك فيه. فان جهل المالك مع العلم بالملك ودار بين أشخاص محصورين فالقرعة، ولا توزيع عليهم - لما ستعرف - فان دار بين غير محصورين كان الموصى به بحكم مجهول المالك، بل هو منه حقيقة، ضرورة أنه مملوك لمالك مجهول، فيجري فيه حكمه. وأما مع الشك في الملكية أو العلم بعدمها، فيرجع فيهما إلى الوارث لعدم تحقق المالك مع تعذر استكشاف الحال بناء على شرطية القبول في الملك، فهو بحكم الرد في ذلك. نعم على القول بمانعية الرد - فضلا عن القول بعدم مانعيته أيضا - تكون كالاولى لتحقق الملكية بمجرد الايجاب بالفرض وعدم إحراز المانع من الرد أو عدم تأثيره في المنع. وأما الثانية: فان تردد المنسي فيها بين أنواع بينها جامع - كما إذا تردد بين كونه لبني هاشم أو العلماء - أعطي للعلماء منهم، فان لم يكن جامع كالمتباينين وكان دائرا في محصور، فالقرعة أيضا. (واحتمال) التوزيع لانه عمل بالوصية في الجملة لتعذر العمل بتمامها (يدفعه) إمكان العمل بتمام الوصية بعد فرض الانكشاف بالقرعة لعموم دليلها. وان تردد


= مصاريف الوصية، وفيه نفس هذا الحديث: عن محمد بن ريان..

[ 128 ]

في غير محصور كان من مجهول المالك أيضا، لعدم الفرق بين كون المالك شخصا أو نوعا، مع احتمال صرفه في وجوه البر. وإن تردد المنسي بين شخص معلوم والنوع: فان كان الشخص مندرجا في النوع أعطي له خاصة، مع قبوله احتياطا لانه المتيقن. وان لم يسكن مندرجا فيه فالقرعة أيضا. فان تعين الشخص بها اعتبر قبوله مع الشك فيه فضلا عن العلم بعدمه. واما لو كان الشخص مجهولا أيضا، فهو من مجهول المالك إلا إذا علم عدم القبول أو شك فيه على تقدير كونه شخصا، فيحتمل الرجوع إلى الوارث لعدم احراز أصل المالك، أو كونه من مجهول المالك عملا بظاهر الوصية. وأما الثالثة، وهي العهدية: فان كان المنسي منها دائرا بين محصور كأن دار بين صرفه في الحج أو قضاء الصلاة، فالقرعة بناء على شمول دليلها لذلك أيضا. وان كان دائرا بين غير محصور بأن كان منسيا - بالمرة - صرف في وجوه البر، وعليها يتنزل ما تقدم من كلمات الفقهاء والتوقيع المتقدم، وهو وان كان فيه ترك الاستفصال إلا أن الظاهر انصرافه إليها. وأما لو تعلق النسيان بالموصى به: فان تردد بين الاقل والاكثر أعطى الاقل، لانه المتيقن، والزائد منفي بالاصل، وان تردد بين المتباينين كالسيف والفرس استخرج بالقرعة. وقيل - كما عن الشيخ في (الحائريات) وابن ادريس في (السرائر) والآبي في (كشف الرموز) - يرجع ميراثا. ولعله لبطلان الوصية بتعذر العمل بهما بسبب النسيان أو الجهل، والصرف في غير المنسي تبديل لها مع ضعف المكاتبة المتقدمة، وفيه: إن العود إلى الوارث بعد الخروج عن الارث بالوصية يتوقف على الدليل مع أن القربة المخصوصة إذا تعذرت الخصوصية كان مطلق القربة أقرب إلى المراد. ودعوى وحدة المطلوب على عهدة

[ 129 ]

مدعيها، والمكاتبة منجبرة أو معتضدة بما عرفت. ثم انه لا فرق فيما ذكرنا بين النسيان والجهل ابتداء، ولا بين بعض الوجوه أو كلها، ولا بين الوصية بوجه أو وجوه، ولا بين الوصي بالخصوص أو بالعموم كالحاكم لمن لا وصي له، لوحدة المناط، لكن ذلك بعد التربص والرجوع إلى ما يتذكر به كدفتر وشبهه، والتذكر إلى أن يحصل له اليأس العادى، فلو صرفه بعد ذلك فيما أمر به شرعا، ثم انكشف؟ الخلاف لم يضمن لاستلزام الامر به سقوط الضمان عنه إلا فيما ورد الدليل عليه كالتصدق بمجهول المالك ثم ظهر مالكه. (المطلب الثاني عشر) إذا أوصى بعتق مملوكه، ولم يكن عنده سواه وعليه دين: فان استوعب قيمة العبد بطلت الوصية (1) وان كان نصف قيمته فما دون عتق ثلث الباقي بعد الدين واستسعى فيما بقي للدين أولا، ثم للوارث، بلا خلاف فيهما، وان زاد على النصف بحيث يملك العبد دون سدس قيمته فالاقوى - كما عن غير واحد - بطلانها أيضا لروايات: (منها) صحيح زرارة عن أحدهما (ع): " رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين؟ قال: إن كان قيمته مثل الذي عليه ومثله جاز عتقه، وإلا لم يجز " (2) وفي صحيح


(1) وذلك لتقديم الدين على الوصية إجماعا وعليه الاخبار الصحيحة التي منها - كما في الفقيه في الوصايا، باب 88 أول ما يبدأ به من تركة الميت، حديث تسلسل 489 - " عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال قال أمير المؤمين (ع): ان الدين قبل الوصية، ثم الوصية على إثر الدين، ثم الميراث بعد الوصية " وغيرها كثير. ولروايات خاصة بهذا المضمون أوردها في الوسائل: باب 39 من كتاب الوصايا. (2) الوسائل: كتاب الوصايا باب 39 من أحكامها: إن من =

[ 130 ]

آخر: " إذا ملك المملوك سدسه استسعى " (1) الدال بمفهومه على ذلك وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج: قال: " سألني أبو عبد الله (ع): هل يختلف ابن أبي ليلى وابن شبرمة؟ فقلت: بلغني أنه مات مولى لعيسى ابن موسى وترك عليه دينا كثيرا، وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت، فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك؟ فقال ابن شبرمة: أرى أن يستسعيهم في قيمتهم فيدفعها إلى الغرماء فانه قد اعتقهم عند موته وقال ابن أبي ليلى: أرى أن أبيعهم وأدفع أثمانهم إلى الغرماء فانه ليس له أن يعتقهم عند موته وعليه دين يحيط بهم، وهذا أهل الحجاز - اليوم - يعتق الرجل عبده وعليه دين كثير فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير فرفع ابن شبرمة يده إلى السماء فقال: سبحان الله، يا بن أبي ليلى: متى قلت هذا القول؟ والله ما قلته الا طلب خلافي، فقال أبو عبد الله (ع): وعن رأى أيهما صدر؟ قال قلت: بلغني أنه أخذ برأي ابن أبي ليلى، وكان له في ذلك هوى، فباعهم وقضى دينه، قال: فمع أيهما من قبلكم؟ قلت له: مع ابن شبرمة، وقد رجع ابن أبي ليلى إلى رأي ابن شبرمة بعد ذلك، فقال: أما والله إن الحق لفي الذي قال ابن أبي ليلى، وان كان قد رجع عنه، فقلت له: هذا ينكسر عندهم في القياس، فقال: هات قايسنى؟ فقلت: أنا أقايسك؟ فقال: لتقولن بأشد ما يدخل فيه من القياس، فقلت له: رجل ترك عبدا لم يترك مالا غيره، وقيمة العبد ستماءة درهم ودينه خمسماءة درهم، فأعتقه عند الموت: كيف يصنع؟ قال: يباع العبد فيأخذ الغرماء خمسماءة درهم ويأخذ الورثة مأة درهم، فقلت: أليس قد بقي من قيمة العبد مأة درهم من دينه؟ فقال: بلى،


= اعتق مملوكا لا يملك غيره في مرض الموت حديث (6). (1) المصدر الآنف الذكر من الوسائل حديث (1).

[ 131 ]

قلت: أليس للرجل ثلثه يصنع به ما شاء؟ قال: بلى، قلت: أليس قد أوصى للعبد بالثلث من المأة حين أعتقه؟ فقال: إن العبد لا وصية له إنما أمواله لمواليه، فقلت له: فان كان قيمة العبد ستمأة درهم ودينه أربعمأة؟ قال كذلك يباع العبد، فيأخذ الغرماء أربعمأة درهم ويأخذ الورثة مأتين، ولا يكون للعبد شئ، قلت له: فان قيمة العبد ستمأة درهم ودينه ثلثمائة درهم، فضحك (ع) وقال: من هيهنا أتى أصحابك جعلوا الاشياء شيئا واحدا، ولم يعلموا السنة: إذا استوى مال الغرماء، ومال الورثة أو كان مال الورثة اكثر من مال الغرماء ولم يتهم الرجل على وصيته أجيزت وصيته على وجهها، فالآن يوقف هذا، فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة ويكون له السدس " (1) خلافا لما عن جماعة فأجازوا عتق العبد مطلقا، الا فيما إذا كان الدين مستوعبا لقيمته، جريا منهم على القاعدة: من نفوذ الوصية في ثلث الفاضل بعد الدين، ولاطلاق صحيح الحلبي: " قال: قلت لابي عبد الله (ع): رجل قال: إن مت فعبدي حر وعلى الرجل دين؟ فقال: إن توفى وعليه دين قد أحاط بثمن الغلام بيع العبد، وان لم يكن قد أحاط بثمن العبد استسعى العبد في قضاء دين مولاه، وهو حر إذا أوفى " (2) وأنت خبير بما فيه، لوجوب تقييده بما تقدم من الصحاح المفصلة الموجبة للخروج بها عن القاعدة أيضا. وأما إذا كان له مال سواه، فان كان مساويا للدين تعين الوفاء به


(1) الكافي للكليني: كتاب الوصايا، باب من اعتق وعليه دين حديث (1). (2) المصدر الآنف الذكر من الوسائل، حديث (3).

[ 132 ]

واعتق العبد كله إن أجاز الوارث، وإلا فثلثه، ولو زاد عليه انعتق من العبد ثلث ما يساوي المجموع منه ومن الزائد، وان نقص عن الدين، فان بقي منه ما يزيد على نصف العبد بطلت الوصية، وان كان قدر النصف فما دون بحيث يملك العبد سدسه فما زاد، صحت، والبدأة بالدين انما هي لتقديمه على الارث، فلا ينتظر الديان في وفائه إلى ما يحصل من السعي مع إمكان عدمه. (المبحث الرابع) في الموصى له، وفيه مسائل: (المسألة الاولى) يشترط في الموصى له: الوجود، فلا تصح الوصية للمعدوم، كما لو أوصى للميت أو لمن تحمله المرأة في المستقبل أو لمن يوجد من ولد فلان: أو لمن ظن وجوده فبان عدمه حين الوصية، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك - كما قيل - بل عن (التذكرة ونهج الحق): الاجماع عليه (1) وهو الحجة، سيما بعد اعتضاده - بما عرفت من عدم الخلاف فيه - مضافا إلى الاصل بعد انصراف إطلاقات الوصية إلى الموجود والى عدم قابلية المعدوم للتملك لان التمليك الذي معناه الادخال في ملك الغير لابد فيه من وجود للغير حتى يدخل في ملكه، فان النسبة لا تتحقق


(1) تذكرة الفقهاء ونهج الحق كلاهما من تأليف العلامة الحلي قدس سره. قال في (التذكرة ج 2) كتاب الوصية، الفصل الثالث الموصى له طبع ايران حجري: " الوصية إن كانت بجهة عامة فالشرط فيها أن لا تكون جهة معصية.. وإن كانت لمعين فشرطه أن نتصور فيه الملك، وإنما يتحقق هذا الشرط لو كان الموصى له موجودا، فلو أوصى لمعدوم لم تصح وصيته إجماعا ".

[ 133 ]

الا بعد وجود الطرفين، وهو واضح. إلا انه ربما يتوهم النقض - أولا - بملك المعدوم من الطبقات اللاحقة في الوقف، بناء على كونه تمليكا لهم - وثانيا - بملكية المعدوم، إذ المانع من كونه مالكا يمنع من كونه مملوكا لوحدة المناط مع تحقق الثاني في كثير من النواقل، كبيع الكلي والنماء المتجدد كالثمار ونحوها، وتمليك المنافع بالعقد مع أن وجودها باستيفائها الذي لا يكون إلا بعده، بل هو ثابت في الوصية أيضا إجماعا - بقسميه - كما عرفت من جوازها بالعين والمنفعة. لكن يدفع الاول منهما: أن تبعية المعدوم في الوقف للموجود في الملك ليس معناه الا كون عقد الوقف سببا لملك المعدوم بعد وجوده لا في حال عدمه، وإلا لزم كون وجوده كاشفا عن تحقق شركته حال عدمه مع الموجود من أول الامر، وهو ضروري البطلان، فيكون الوجود حينئذ جزء السبب الناقل كالقبض في الهبة، بناء على كونه شرطا في صحتها ومثله وإن أمكن فرضه في الوصية، إلا انه لم يثبت ذلك شرعا فيها كما ثبت في الوقف، بل الثابت كونها كغيرها من النواقل في المليك الذي هو فيها مغاير له في الوقف من حيث الفعلية والتعليق بالوجود ودوام الملك وتوقيته، فان الملكية - التي هي أثر العقود - مقتضاها الدوام، والموت قاطع لها. وفي الوقف يكون الموت محققا لانتهاء زمان التملك وهو الحياة. وهذا النحو من الملك - وهو الموقت لم يثبت إلا في الوقف، ولو كان ثابتا في غيره لقلنا به ايضا فيه. ويدفع الثاني: أن الملكية في جميع مواردها إنما تتعلق بالاعيان، وانما تختلف مراتبها في جهات التعلق: فان كانت محيطة بجميع جهاتها أضيفت إلى العين فيقال: ملك العين، وملك الرقبة، لعدم الاختصاص بجهة خاصة من جهاتها: وإن كان التعلق بها من حيث جهة خاصة كالمنفعة أو الانتفاع

[ 134 ]

اضيفت إلى تلك الجهه لانها هي الغاية في التعلق بالعين دون غيرها، وإلا فالتعلق ليس الا نفس العين، وان اختصت الاضافة بالجهة، وأما ملك ما في الذمة كالكلي وعمل الاجير ونحوهما فمعناه السلطنة على النفس من حيث ماله الخاص أو المطلق، موجودا كان أو مما يوجد بعد، وبهذا المعنى صح صدق الملك على النفس في قوله تعالى: (اني لا أملك إلا نفسي وأخي هارون) وملك البضع، فان الزوج يملك بضع زوجته، وليس معناه إلا أنه يملك الزوجة من حيث الانتفاع ببضعها. وتجتمع الملكية بهذا المعنى مع ملكية العين بالمعنى المتقدم، وقد سبق تحقيق ذلك منا مكررا، وبهذا اتضح لك أن تعلق الملك في بيع الكلي وتمليك المنافع انما هو بالموجود نفسا أو مالا من جهة خاصة لا مطلقا ونسبة المملوكية إلى المعدومين منهما إنما هي باعتبار الجهة لا المتعلق، والممنوع كون المعدوم متعلقا لا جهة للتعلق كما في الوصية التي معناها تمليك الموصى به للموصى له، ولذا اتفقوا على بطلان الوقف في المنقطع الاول. وهذا هو الوجه في الفرق، لا ما ذكره شيخنا في (الجواهر) حيث قال: ولا يرد عليه أن المعدوم لو كان غير قابل للتمليك والملك لم يكن قابلا للتملك مع أن الاجماع - بقسميه - على صحة الوصية بالمعدوم عينا ومنفعة وعلى جواز بيع الثمار، ونحو ذلك مما هو من ملك المعدوم، لانا نقول: بعد الفرق بينهما بالاجماع ونحوه: أنه يمكن منع تحقق الملك في ذلك كله حقيقة، بل اقصاه التأهل للمالك والاستعداد له على حسب ملك النماء لمالك الاصل وملك المنفعة لمالك العين، فهو من ملك أن يملك، لا أنه ملك حقيقة " (1) انتهى.


(1) راجع منه: كتاب الوصايا، الفصل الرابع في الموصى له، أثناء شرح قول المحقق: " ويشترط فيه الوجود، فلو كان معدوما لم تصح الوصية.. ".

[ 135 ]

لما فيه: (اولا) ان الاجماع لا يصير غير المعقول معقولا (وثانيا) قد عرفت تعلقه مع ذلك بالموجود، وان كانت الجهة معدومة قبل الاستيفاء وهو غير المتعلق بالمعدوم المفروض امتناعه. (المسألة الثانية) تصح الوصية للوارث وغيره، قرابة كان أو أجنبيا، بلا خلاف أجده فيه - عندنا - والاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى أن له من ماله الثلث فله وضعه فيما شاء (1) وإلى إطلاقات الوصية (2) وخصوص المعتبرة الواردة في الوصية للوارث: من الصحاح، وغيرها (3) واختصاص الاسئلة فيها بالوارث (4)؟ لوقوع الخلاف فيه من أكثر المخالفين،


(1) بهذا المضمون روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت (ع) من ذلك رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل له الولد: يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت، فان أوصى به فليس له إلا الثلث " وغيرها بمضمونها كثير ادرجها في الوسائل: كتاب الوصايا باب 10 من أحكامها: جواز الوصية بثلث المال للرجل والمرأة.. (2) من حيث أنها حق على كل مسلم ومسلمة، وأن الميت أحق بماله مادام فيه الروح، كما هي مضامين أحاديث كثيرة. بالاضافة الي آية الوصية الظاهرة الاطلاق من حيث الموصي والموصى إليه.. (3) وهي روايات تتجاوز العشرة، أكثرها صحاح، ذكرها في (الوسائل) كتاب الوصايا، باب 15 من أحكامها بعنوان (جواز الوصية للوارث). (4) فان عامتها تركز السؤال عن الوارث بمضمون: سألته عن الوصية، فقال: تجوز، قلت لابي عبد الله (ع): تجوز للوارث وصية؟ قال: نعم ونحو ذلك.

[ 136 ]

فمنعوا من الوصية للوارث، تمسكا بما رووه عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا وصية للوارث " (1). واختلفوا في التفصي عن آية " كتب عليكم " (2) الدالة بظاهرها على وجوب الوصية لهم، فضلا عن الجواز: فذهب بعض إلى نسخ الآية بجملتها بآية المواريث (3) وبعض إلى اختصاص النسخ بالوالدين مع تقييد الاقربين بغير الوارث، لرواية (4) وبعض إلى حمل الوالدين بالخصوص على الكافرين حتى لا يكونا وارثين، جمعا بينهما وبين الحديث. وأنت خبير بما في ذلك من التمحل من دعوى النسخ مع مخالفته للاصل، فهي على عهدة مدعيها، والحمل للجمع فرع ثبوت الرواية، فما ورد من طرقنا مما يوافقهم على المنع محمول على التقية. وأما الآية الشريفة، فمحمولة على الاستحباب دون الوجوب. (المسألة الثالثة) اختلفوا في صحة الوصية للكافر: فبين من منع عنها مطلقا، وبين من جوزها كذلك، وبين من فصل بين الذمي والحربي فخص المنع بالثاني، وبين من فصل بين القرابة فتصح - وإن كان حربيا - والاجنبي فتبطل - وان كان ذميا وبين من فصل بينهما في خصوص


(1) وقد أشار إليه في (الوسائل الباب الآنف حديث 13) وذكر تأويل الشيخ الصدوق له بأنه لا وصية لوارث بأكثر من الثلث، لا مطلقا، فراجع. (2) تمام الآية هكذا: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين " - سورة البقرة آية 180 - (3) وهي قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم.. " النساء / 11 (4) وهي التي أشار إليها آنفا " لا وصية لوارث ".

[ 137 ]

الذمي، وابطلها في الحربى مطلقا. وربما يستدل للاول منها: بكون الوصية له نوع موادة منهي عنها بقوله تعالى: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم " الخ (1) بناء على أن المحادة لله لا تختص بالقاتل منهم، وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياه تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جائكم من الحق - إلى أن قال -: ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ": " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا اليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء، وودوا لو تكفرون " (2) وبالاخبار المستفيضة الواردة في النهي عن إطعام مطلق الكفار والصدقة عليه، وبرة حتى بسقيه الماء (3) ونحو ذلك المشعر بالمنع من الوصية له بالاولوية. ويستدل للثاني - أولا - بمنع الملازمة بين الوصية والموادة، فانها ربما تكون لاغراض آخر، كالمكافاة والتأليف، ونحوهما - وثانيا - بمنع المنع عن الموادة مطلقا، بل الممنوع منها: ما إذا كانت الموادة من حيث كونه كافرا ومحادا على أن تكون الحيثية هي الداعية لها وهو بنفسه كفر - وثالثا - بالنقض بالهبة والعطية حال الحياة، وليست الوصية إلا عطية بعد الموت، ولا وجه للتفرقة بينهما بالموت والحياة، على أن النهي هنا لا يدل على عدم صحة الوصية كالبيع وقت النداء ويستدل للثالث وهو التفصيل بين الذمي فتصح وغيره فتبطل: أما


(1) آخر آية سورة المجادلة. (2) الآية الاولى والثانية من سورة الممتحنة. (3) وردت روايات كثيرة بهذه المضامين في أبواب شتى في استحباب إطعام الطعام والصدقة والبر وسقي الماء - من كتب الاخبار، فراجع.

[ 138 ]

الاول فلقوله تعالى: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين - إلى قوله -: ان تبروهم وتقسطوا إليهم " (1) وأهل الذمة هم الموصوفون بذلك وأما الثاني فلقوله تعالى: " انما ينهيكم الله " الخ (2) مضافا إلى أن الحربي هو المتيقن من قوله: " من حادا لله " وقوله: " عدوى وعدوكم " في الآيتين السابقتين، على أن الحربي - كما قيل -: لا يملك لانه هو وماله في للمسلم. ويستدل للرابع، وهو التفصيل بين القرابة والاجنبي مطلقا - بعموم ما ورد من الحث على صلة الارحام، سيما في خصوص الوالدين من قوله تعالى: " وان جاهداك على أن تشرك - إلى قوله -: وصاحبهما في الدنيا معروفا " (3) وقوله تعالى: " كتب عليكم " الخ وبعد صرف ظاهرها إلى الاستحباب. ويستدل للخامس، وهو تخصيص القرابة في الجواز في الذمي خاصة بما تقدم، مع خروج الحربي عن ذلك، بما دل على المنع عن موادة من حاد الله. قلت: يضعف الاول منها - مع أنه لم يعرف قائله صر؟ ا - بآية: لا ينهيكم الله " الخ، مع ما عرفت من الكلام في الموادة، مضافا إلى حكاية


(1، 2) الآية الثامنة والتاسعة من سورة الممتحنة. وتتمة الآية الثانية ".. عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فاولئك هم الظالمون ". (3) وتمام هذه الآية وما قبلها هكذا: " ووصينا الانسان بوالديه حمله أمه وهنا على وهن - إلى -: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا. " آية (14، 15 من سورة لقمان).

[ 139 ]

الاجماع على الجواز في بعض صور المسألة، وهو كاف في الرد على القول بالمنع المطلق ويضعف الاخيران بما دل على جوازها في الذمي، وان كان أجنبيا وما دل على جوازها في الارحام من الصلة وغيرها لا ينافي الجواز لغيرهم بعد قيام الدليل عليه. وأما القولان المتوسطان: فيضف الثاني منهما - وهو التفصيل بين الذمي والحربي مطلقا - بما عرفت: من أن النهي عن الموادة لمن حاد الله إنما هو من حيث المحادة لا مطلقا، والا لمنع من العطية له في الحياة، مع أن الوصية لا تستلزم الموادة - كما تقدم - فإذا: القول بالجواز مطلقا هو الاقوى، لما عرفت من تضعيف أدله غيره، مضافا إلى ما ورد من مصححة الريان بن شبيب: قال " أوصت مارية لقوم نصارى فراشين بوصية؟ قال أصحابنا: أقسم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك فسألت الرضا (ع) فقلت: ان أختي أوصت بوصية لقوم نصارى، وأردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا؟ فقال (ع): أمض الوصية على ما أوصت به، قال الله تعالى: " فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (1) وعن كتاب غياث سلطان الورى - نقلا من كتاب الحسين ابن سعيد بسنده إلى محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أوصى بماله في سبيل الله؟ قال أعطه لمن أوصى له: وان كان يهوديا أو نصرانيا " (2) وعن الشيخ روايته له بطريقين صحيح وحسن بابراهيم (3)


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 35 من أحكامها، حديث (1) (2) المصدر الآنف الذكر من الوسائل، حديث (5). (3) فالطريق الاول - كما في التهذيب في الوصية، باب 13 الوصية لاهل الضلال حديث (1): " محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن =

[ 140 ]

وعن الحسين بن سعيد في حديث آخر عن الصادق (ع): " قال لو أن رجلا أوصى إلي أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعت فيهم.. " (1) ضرورة أن اليهودي والنصراني يعمان الحربي، والمقابل له انما هو الذمي سيما وأغلب اليهود والنصارى - خصوصا في السابق - حربيون غير داخلين في الذمة، بل لا يبعد دعوى ظهور مثل هذا التعبير في إرادة بيان عدم فرد آخر شر من ذلك نحو قوله فيمن ترك الحج " ان شاء يموت يهوديا أو نصرانيا " (2) فهو وان أشعر بخصوص الآخر وهو الحربي، إلا أن الحكم يعم الاولوية. وأما ما قبل: من أن الحربي لا يملك، فليت شعري كيف يمكن دعوى ذلك مع أن الحربي مكلف بالفروع المالية - كالخمس والزكاة والحج وغير ذلك مما يتوقف على الملك - وما ورد: من " أنه وماله فئ للمسلم " (3) فالمقصود منه جواز مزاحمته في ماله والاخذ منه بأي وسيلة أمكنت، ولو بالغيلة، لسقوط احترامه في نفسه وماله.


= علي بن الحكم عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) في رجل.. والطريق الثاني بنفس الباب حديث (5): " علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أوصى.. " (1) المصدر الآنف الذكر من الوسائل حديث (6). (2) بهذا النص وبمضمونه وردت روايات كثيرة عن النبي وأهل بيته (ع) عقد لها في الوسائل - في مقدمة كتاب الحج - بابا مستقلا أسماه. باب ثبوت الكفر والارتداد بترك الحج. (3) بهذا النص وبمضامينه وردت احاديث كثيرة عن النبي واهل بيته الاطهار (ع) حفلت بها كتب الاخبار في كتابي الجهاد والخمس

[ 141 ]

وأما النواهي عن إطعامهم والصدقة عليهم، فمحمولة على ضرب من التجوز أو الكناية عن الترفع عنهم وترك مخالطتهم بما ينجر إلى الموادة لهم، وإلا فالترحم عليهم لكونهم مخلوقين لله حسن، كيف لا ولكل كبد حرى اجر. نعم ربما يشكل في الحربي بأن مقتضى جواز مزاحمته في ماله عدم وجوب التسليم إليه على الوصي ولا نعنى بالبطلان الا ذلك. والجواب عنه - اولا - بأن عدم التسليم منبعثا عن جواز الاخذ غيره منبعثا عن عدم العمل بالوصية، والتبديل انما يتحقق في الثاني دون الاول، بل لعل الاخذ بذلك العنوان هو عين العمل بالوصية - وثانيا - لا يضرنا الالتزام بوجوب التسليم له، وان جاز الاخذ منه بعده، تقديما لادلة الوصية على مادل على جواز التغلب عليه: إما لحكومتها عليه، أو ترجيحا لها باستدلال الرضا (ع) في صحيحة (الريان) المتقدمة، وغير ذلك. (المسألة الرابعة) الاقوى عدم صحة الوصية لمملوك الغير، وان أجاز المالك: من غير فرق بين القن والمدبر وأم الولد والمكاتب، ما لم يتحرر بعضه، فان تحرر أعطي منها بحسابه. لا لما ذكره في (الروضة) من " ان العبد لا يملك بتمليك سيده فبتمليك غيره أولى " (1) لما فيه: من أن المانع من تمليك المولى لعبده إنما هو عدم تعقل تمليك الانسان مال نفسه لفسه، وهو مفقود في تمليك عبد الغير، بل لعل الاولوية بالعكس، لجواز وصية المولى لعبد نفسه - كما ستعرف - فتنفذ الوصية لعبد الغير بالاولوية.


(1) راجع ذلك في أوائل كتاب الوصايا من (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) للشهيد الثاني، في شرح قول المصنف: " ولو أوصى للعبد لم يصح ".

[ 142 ]

بل للاجماع بقسميه عليه في القن، وان نقل في (المختلف) عن الشيخ في (المبسوط) وتبعه ابن البراج صحة الوصية لعبد الوارث ومكاتبة معللا لها بصحة الوصية للوارث فتصح لعبده ومكاتبه (1) وانت خببر بما في التعليل، لانه مشترك الورود بينه وبين عبد الاجنبي، الا أن يكون كلامه في التعليل مسوقا لابطال ما عليه العامة: من بطلان الوصية للوارث، بعد أن كانت الوصية للمملوك مرجعها إلى الوصية للمالك، فلا يصلح أن يكون هذا الوجه مانعا للوصية، وان منعنا عنها من وجه آخر، وهو كونه عبدا للغير، وعلى المشهور في غيره شهرة عظيمة، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه، بل لا يبعد عدم الخلاف فيه، إلا ما حكاه في (التنقيح) عن المفيد وسلار فجوزاها المدبر الغير ومكاتبه، وقواه هو أيضا في المكاتب، وقال في أم الولد للغير: لا نعرف خلافا في منع الوصية لها، وإلا ما يحكى في المكاتب عن الدروس: في باب المكاتب (والحواشي) المنسوبة إليه في الوصية، وإيضاح النافع. وعن المسالك والروضة إنه أقوى، وعن جامع المقاصد: إنه لا يخلو من قوة. ويدل على ما قويناه - مضافا لى ما عرفت من الاجماع، وأن العبد لا يملك مطلقا على الاقوى أو إلا ما ملكه مولاه أو فاضل الضريبة أو أرش


(1) قال العلامة في (المختلف) ضمن الفصل الخامس فيما يتعلق بالوصية: " مسألة: المشهور أنه لا تصح الوصية لعبد الغير ولا لمكاتبه المشروط وغير المؤدي. وقال الشيخ في المبسوط، وتبعه ابن البراج: إذا أوصى لعبد نفسه أو لعبد ورثته كان ذلك صحيحا، لان الوصية للوارث عندنا تصح، وكذلك إذا أوصى لمكاتبه أو لمكاتب ورثته كانت الوصية صحيحة ".

[ 143 ]

الجناية، وليس ما نحن فيه من ذلك -: عموم قوله (ع): " لا وصية لمملوك " (1) بناء على كون الاضافة فيه إلى المفعول، ولو بمعونة غيره من الاخبار وصحيح عبد الرحمان - المتقدم - خصوصا قوله (ع) فيه: " إن العبد لا وصية له انما أمواله لمواليه " (2) و (دعوى) عدم استلزام كون أمواله لمواليه بطلان الوصية له لامكان كون الموصى به من أمواله التي ترجع لمواليه على ان يكون مفاد الوصية له هو التمليك لمولاه (يدفعها؟) منافاة ذلك لكون العقود تابعة للقصود. وخصوص ما ورد في المكاتب، نحو صحيح محمد بن قيس الذي رواه المشايخ الثلاثة عن أبي جعفر (ع): قال " قضى أمير المؤمنين (ع) في مكاتب كانت تحته امرأة حرة، فأوصت له عند موتها بوصية، فقال أهل الميراث، لا تجوز وصيتها له انه مكاتب لم يعتق، فقضى: إنه يرث بحساب ما أعتق منه ويجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه. قال: وقضى (ع) في مكاتب أوصي له بوصية وقد قضى نصف ما عليه فأجاز له نصف الوصية. (ع) في مكاتب قضى ربع ما عليه فأوصي له بوصيه فأجاز له ربع الوصية، وقال في رجل حر أوصى لمكاتبته - وقد قضت سدس ما كان عليها - فأجاز لها بحساب ما أعتق منها " (3)


(1) الرواية في الوسائل كتاب الوصايا، باب 79 حكم الوصية للعبد بمال، حديث (3) عن عبد الرحمان بن الحجاج عن أحدهما (ع) (2) تقدم نص الحديث وتخريجه في أوائل (المطلب الثاني عشر) من هذا الكتاب. (3) ذكرها الصدوق في (الفقيه) - في كتاب الوصايا، باب 107 الوصية للمكاتب وأم الولد، حديث تسلسل (558 - 1) وذكرها الكليني في (الكافي) كتاب الوصايا باب: الوصية للمكاتب حديث (1) =

[ 144 ]

المعلوم من ذلك كون المانع من تنفيذ الوصية في غير ما تحرر منه إنما هو الرقية، فيلزم منه بطلانها رأسا لو لم يتحرر منه شئ (ودعوى) تشبث غير القن من أقسامه بالحرية فيملك بهذا النحو من الملكية، وهي المعلقة على تحقق شرطها من الحرية (فاسدة) لعدم قابلية المملوك للتملك ولو بنحو ملك أن يملك، مع أن التمليك بالوصية إنشاء تمليك فعلي، وان كان تحقق المنشأ موقوفا على شرط. نعم ربما يشكل في المكاتب بأن قبول الوصية نوع اكتساب، فيباح له على حد غيره من أنواعه، وهو قوي لولا أنه اجتهاد في مقابل النص. وأما لو أوصى لعبده صحت وصيته له مطلقا، بجميع أقسامه المتقدمة مطلقا من غير فرق بين كون الوصية بجزء مشاع، أو معين على المشهور شهرة عظيمة، بل قيل: لا خلاف فيه إلا من العلامة في (التذكرة) و (المختلف) حيث صححها في الاول خاصة وقد سبقه في ذلك ابن الجنيد كما عنه في المختلف، واستحسنه في التنقيح، واستظهره في الحدائق، واستمتنه في المهذب، وإن جعل موافقة الاصحاب أمتن. ونسب بعض تعميم الحكم لهما إلى إطلاق الاصحاب، وبعض إلى ظاهرهم وآخر إلى أكثرهم، والمهذب إلى إطباقهم، عدا من عرفت. قلت: مستند التفصيل: بالبطلان في المعين هو الاصل، وما دل على بطلان الوصية للمملوك، وبالصحة في المشاع كما لو أوصى له بثلث ماله - مثلا - فتصح الوصية في رقبته بنسبتها إلى الموصى به لاندراجها فيه، فيتحرر منه ما يملك من نفسه بالنسبة، إذ مفاد تمليكه ليس إلا فك ملكه فهو بحكم مالو أوصى بعتقه. وهذا هو الفارق بينه وبين المعين لعدم الاندراج


= وذكرها الشيخ في تهذيبه: كتاب الوصايا، باب 18 وصية الانسان لعبده، حديث 26 تسلسل (876).

[ 145 ]

في المعين، فالعمل بها حينئذ لا يخلو من أحد أمرين: إما باعطائه المعين وهو غير ممكن لان العبد لا يملك، أو بصرفه إلى رقبته وهو تبديل للوصية لا يقال: ان التبديل لازم في المشاع أيضا بالنسبة إلى الزائد عما يتحرر بحسابه، إذ الوصية ليست إلا بدفع أعيان التركة، ودفعها له ممتنع لانه مملوك، والتخطى إلى رقبة بالنسبة إلى الزائد تبديل أيضا. لانا نقول: تحرير قدر ما يملكه من نفسه هو مفاد تمليكه ودفع ما يساوي باقيه من الثلث إلى الوارث انما هو للسراية، فليس من التبديل أصلا. وهذا بخلاف المسمى فانه لم يتحرر منه شئ حتى يملك المسمى فيدفعه بدلا من أجل السراية، بل هو صرف التبديل. ودعوى أن التخطي إلى الرقبة عمل بالوصية بحسب الممكن، فمع أنها موهونة في نفسها جدا مبنية على تعدد المطلوب وهو في حيز المنع. وإن اثبت ذلك فلنا في وجه التفصيل تخريج آخر، وهو أن الموصي ليس له إلا الثلث من ماله، وله التعيين في عين خاصة، ويكون غيرها للوارث، سواء كان الموصى به قدر الثلث أو أقل: فلو أوصى لعبده بالمسمى فقد عين ثلثه فيه، وكان العبد وغيره للورثة والتخطى إلى رقبته بعتقه من قيمته، مع أنه تبديل مستلزم لمزاحمة الوارث في ملكه، وهو خارج عما له الوصية به: من ارادة الثلث وتعيينه، فليس له ذلك: وهذا بخلاف المشاع، فانه يتحرر من العبد بنسبته إلى الثلث بالتمليك الذي قد عرفت أن مفاده العتق، والتخطى في الباقي إلى القيمة من جهة السراية، فلا تبديل فيه للوصية. وأما نسبة التعميم إلى اطباق الاصحاب وظاهرهم ونحو ذلك، فيمكن منعها، كيف وبعض من عنون المسألة عنونها باضافة الوصية إلى كسر الثلث ونحوه من الكسور ككثير من الاخبار، وهو كالصريح في الاشاعة

[ 146 ]

وان كان متعلقه أعيان التركة، ولذا لو أوصى كذلك كان الموصى له شريكا مع الوارث بالاشاعة. نعم من لم يعنونها بهذا النحو أمكن نسبة التعميم إليه. فإذا: القول بالتفصيل متين، إلا أن القول بالتعميم أمتن لبعض الاخبار الآتية، الصريح بعضها في المعين بخصوصه، وبعمومه الناشئ من ترك الاستفصال، وبذلك يخرج عن الاصل وعموم " ولا وصية لمملوك ". وأما دعوى التبديل في التخطي إلى الرقبة في المعين، فمع قيام الدليل على هذا النحو منه، يمكن إنكار كونه تبديلا بدعوى أن تمليك المعين له بالوصية بعد أن كان مفاده العتق - كما عرفت - كان مرجعه في الحقيقة إلى إرادة العتق بقدر ما يخصه من قيمة المعين، ويكون الفضل له ان كان، فتعيين المسمى كالدار - مثلا - أو البستان إنما هو لجعله ميزانا لما يعتق منه، فكأنه أوصى بالعتق بقدر قيمة الدار وإعطائه الزائد إن كان، فليس ذلك من التبديل في شئ. وكيف كان فلنرجع إلى أصل المسألة وهي صحة الوصية لعبد الموصي مطلقا، فالذي يدل عليها بعد الاجماع بقسميه - المعتضد منقوله مستفيضا بعدم الخلاف في الصحة ولو في الجملة - الاخبار الواردة في عبد الموصي دون غيره (منها) الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار: " انه كتب إلى أبي محمد بن الحسن بن علي (ع): رجل أوصى بثلث ماله لمواليه ومولياته الذكر والانثى فيه سواء أو للذكر مثل حظ الانثيين من الوصية؟ فوقع (ع): جائز للميت ما أوصى به على ما أوصى به إنشاء الله " (1) و (منها) الصحيح عن محمد بن علي بن محبوب: " قال كتب رجل إلى الفقيه (ع)


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 63 حكم من أوصى لمواله حديث (1).

[ 147 ]

رجل أوصى لمواليه وموالى أبيه بثلث ماله فلم يبلغ ذلك؟ قال: المال لمواليه وسقط موالي أبيه (1) وعدم البلوغ ظاهر في إرادة العتق الموجب للاعواز دون الاعطاء لهم الممكن بتوزيع المال عليهم، كيف ما بلغ، وهو قرينة على إرادة العبد من الموالي دون غيره، فسقط ما عن (الروض): من المناقشة باشتراك لفظ المولى وكون الظاهر الاعطاء دون الاحتساب، فلعل الظاهر إرادة غير العبد انتهى. ولعل سقوط موالي ألاب لكونهم موالى الغير أو لتقدم مواليه في الذكر مع الاعواز و (منها) الصحيح بالحسن بن محبوب عن الحسن بن صالح عن أبي عبد الله (ع): (في رجل أوصى لمملوك له بثلث ماله؟ قال فقال (ع): يقوم المملوك بقيمة عادلة: قال (ع): ثم ينظر ما ثلث الميت؟ فان كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة، وان كان الثلث أكثر من قيمة العبد اعتق العبد ودفع إليه ما فضل من الثلث بعد القيمة " (2) و (منها) صحيح أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي: " قال نسخت من كتاب بخط أبي الحسن (ع): فلان مولاك توفى ابن أخ له، فترك أم ولد له ليس لها ولد فأوصى لها بألف درهم: هل تجوز الوصية، وهل يقع عليها عتق وما حالها؟ رأيك فدتك نفسي، فكتب (ع): تعتق من الثلث ولها الوصية " (3) و (منها) الصحيح بابن أبي عمير عن حسين بن خالد الصيرفي عن أبي الحسن الماضي (ع): " قال كتبت إليه في رجل مات وله أم ولد، وقد جعل لها شيئا في حياته، ثم مات؟


(1) المصدر الآنف من الوسائل، باب 69 عن الاحكام، حديث (2) (2) المصدر الآنف من الوسائل، باب 79 من الاحكام، حديث (2). (3) المصدر الآنف من الوسائل، باب 82 من الاحكام، حديث (1)

[ 148 ]

قال فكتب: لها ما أمر به سيدها في حياته معروف ذلك لها، يقبل على ذلك شهادة الرجل والمرأة والخادم غير المتهمين " (1) و (منها) مرسل محمد بن يحيى عمن ذكره عن أبي الحسن الرضا (ع): " في أم الولد إذا مات عنها مولاها، وقد أوصى لها؟ قال: تعتق في الثلث ولها الوصية (2) و (منها) صحيح أبي عبيدة " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل كانت له ام ولد له غلام فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو اكثر للورثة أن يسترقوها؟ قال فقال: لا بل تعتق من ثلث الميت، وتعطى ما أوصى لها به " (3) و (منها) الرضوي " فإن أوصى لمملوكه بثلث ماله قوم المملوك قيمة عادلة فان كانت قيمته اكثر من الثلث استسعى في الفضلة " (4) وجملتها كافية في الدلالة على صحة وصيته لعبده. نعم وقع الخلاف في استسعاء العبد لما زاد من قيمته على الموصى به: فذهب بعض، إلى الاستسعاء مطلقا، وان كان الموصى به نصف قيمته فما دون، كما عن جم غفير. بل عن ايضاح النافع: انه المشهور، وعن الخلاف: الاجماع عليه وقيده بعض بما إذا كان الموصى به أكثر من نصف قيمته بأن يملك العبد من نفسه أكثر من ضعفه - كما عن الشيخين في المقنعة والنهاية والقاضي في المهذب والكامل والمراسم وظاهر الشرائع - أولا - وان استحسن الاول - ثانيا - ولا حجة لهم عليه إلا مفهوم خبر الحسن بن صالح المتقدم، بعد تنزيل الربع على المثال لما دون النصف، وهو - مع ضعف دلالة المفهوم


(1) نفس المصدر والباب الآنفين من الوسائل، حديث (2). (2) نفس المصدر الآنف الذكر من الوسائل، حديث (3). (3) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (4). (4) راجع من الفقه الرضوي طبع إيران حجري، أوائل باب الوصية للميت.

[ 149 ]

وعدم العلم بظاهره إلا بالتنزيل المذكور - لا يكافؤ غيره من الاخبار المطلقة وان كان أخص، سيما مع ترك الاستفصال في بعضها واعتضادها بالشهرة المحققة والاجماع المنقول. فإذا القول بالاستسعاء مطلقا هو الاقوى. وبالجملة إذا أوصى لعبده بشئ، ينظر إلى الموصى به وقيمة العبد: فان تساويا عتق العبد ولا شئ له ولا عليه، وان تفاضلا، وكان الموصى به اكثر عتق وأعطي الفاضل، وان كان اقل عتق بقدره واستسعى في الباقي مطلقا - على الاقوى - لمن عرفت، والموصى به للوارث في الصور كلها بدلا عن عتق العبد أو ما يعتق منه ومخرج الموصى هو الثلث، فان زاد عليه توقف على إجازة الوارث. ولو كانت الوصية لام ولده عتقت منها لا من نصيب ولدها، لا لما قيل: من تأخر مرتبة الارث عن الوصية لان المقصود من التأخر هنا أن مازد على الدين والثلث يرثه الوارث لا التأخر في الزمان، بل للاحبار المتقدمة المصرحة بذلك، وهي أخص مما دل على عتقها من نصيب ولدها. (الخامسة) تصح الوصية للحمل الموجود حين الوصية " ولو قبل ولوج الروح فيه، إذا تولد حيا (1) فان انفصل ميتا - ولو كان سقطا بالجناية - بطلت بلا خلاف في ذلك - كما قيل - بل عن (التحرير) وغيره الاجماع عليه. ويدل عليه - مضافا إليه - عمومات الوصية (2) ولا يشك في قابلية


(1) وهذه المسألة من تفريعات شرط الوجوه في تصحيح الوصية - كما عليه عامة الفقهاء - وإنما صححوا له الوصية بشرطين: وجوده حال الوصية، وانفصاله حيا - كما في المتن. (2) من آيات وروايات فانها مطلقة وعامة من هذه الجهة، فتشمل الحمل.

[ 150 ]

للتملك حتى لا يصح التمسك بالعمومات (1)، ولذا يقبل الملك بالارث ويعزل له نصيبه من الميراث، وفي كون انفصاله حيا شرطا لاصل الملك فلا يملك قبله، أو لاستقراره كما في (الشرائع) و (القواعد) وغيرهما ممن عبر بهذه العبارة الظاهرة في تحقق الملك قبله - في الجملة - أو كونه كاشفا عن الملك التام من حين موت الموصي كما في إجازة الفضولي، وبانفصاله ميتا ينكشف البطلان رأسا، كما هو أحد الاحتمالين في عبارة من قال (تصح للحمل أن ولد حيا) أو بشرط انفصاله حيا، كما عن الكافي والجامع، والنافع، والتذكرة، والتحرير، والارشاد، والتبصرة، والدروس والروضة، وان استظهر منها في (مفتاح الكرامة) أنه انما يملك بعد انفصاله لا من حين موت الموصي؟ وجوه، خيرها أخيرها (2) والنماء المتخلل بين الوصية والولادة يتبع العين في الملكية، فيملكه الحمل إن تولد حيا من حين موت الموصي على الاخيرين، دون الاول (3) وفي اشتراط القبول هنا أيضا، كغيره من الوصية التمليكية لمعين محصور فيقبل وليه عنه، لعموم أدلة الولاية، ودعوى انصرفها إلى غير الحمل ممنوعة، ولو سلم فبدوي لا تعويل عليه، ولو سلم أيضا فانما هو بالنسبة إلى الجنين وإلا فالمولود مولى عليه في جميع ما يرجع إليه، أو عدمه


(1) فان أهلية الموجود للتملك مأخوذة في تصحيح الوصية فالموجود حال الوصية إذا لم تتوفر فيه أهلية التملك كالحيوان - مثلا - لا تصح الوصية إليه ولا له - كما عرفت -. (2) وهو إناطة الملكية بالانفصال حيا لا بمحض موت الموصي. (3) حيث أن مفاد الاول عدم الملكية قبل انفصاله حيا، فلا نماء له حينئذ، بخلاف مفاد الاخرين اللذين يعطيان الملكية غير المستقرة قبل الانفصال حيا.

[ 151 ]

كما في التمليك للجهات العامة لان القبول عن الطفل كسب له ولا يجب على الولي الاكتساب؟ قولان والاول هو الاقوى، لما تقدم: من أنها عقد يفتقر إلى الايجاب والقبول وحينئذ فالانتظار في القبول إلى البلوغ تعريض للمال إلى التلف فيقبل عنه الولي، وليس القبول عن الطفل من الكسب له بل يعد عدمه تفويتا لما له عرفا، وان كان الاقرب كون القبول منه بعد الولادة لا في حال الحمل، وحكم تأثير الرد وعدمه قبل القبول وبعده قد تقدم سابقا في الوصية. ولو انفصل حيا ثم مات بعده ولو بيسير كانت الوصية لوارثه بالارث لا بالوصية، مع سبق القبول، وإلا فبعد قبوله، لانتقال حق القبول إليه أيضا كما تقدم في أصل الوصية. ولو تعدد الحمل وزع عليه بعد التولد على عددهم بالسوية، وان اختلفوا في الذكورة والانوثة ما لم ينص على التفاضل، لانه عطية لا ميراث. ولو رضعت حيا وميتا، ففي استحقاق الحي الكل أو النصف احتمالان: أقواهما الاول أما بناء على النقل والكشف فواضح: وأما بناء على كونه شرطا للاستقرار، فلان الملكية حال الحمل ليست موضوعا للحكم لضعفها في مرتبة الملكية، لانها نظير ملك ان يملك ما لم تشتد وتتقو بانفصاله حيا، والمفروض كون الوصية للحمل من حيث هو الذي مصداقه هو المنفصل حيا فتختص الوصية به. (البحث الخامس) في الاوصياء، ولنذكر المهم من مسائله، فنقول: الوصاية هي الولاية على إخراج حق واستيفائه أو على طفل أو مجنون يملك الموصى الولاية عليه اصالة كالاب والجد له أو بالعرض كالوصي عن أحدهما المأذون له

[ 152 ]

في الايصاء، وتمام الكلام فيها يتم في مسائل. (الاول) يشترط في الوصي أمور: (الاول) البلوغ: فلا تصح الوصية إلى الصغير لقصوره عن أهلية الولاية، وكونه مولى عليه، فكيف يكون وليا، وليس المراد كون الصغير مانعا عن تصرفه كالمحجور، كما لعله يظهر ممن جعل حيثية التصرف قيدا للمنع، بل المقصود قصوره عن منصب الولاية التي لا تكون إلا لتكميل الغير - كما تقدم مفصلا في البحث عن الولاية (1) فكيف تعطى لفاقد الكمال، فلو ضم إلى كامل كانت الوصاية إلى الكامل مستقلا إلى بلوغ الصغير، فيشتركان بعده. ومرجع ذلك في الحقيقة إلى تعليق الوصاية على زمن البلوغ بحيث لا يحتاج بعده إلى انشاء جديد، لا أنه وصي فعلا وزمان البلوغ، وقت للتصرف. ومن ثم لم يكن لولي الطفل المداخلة مع الكامل، ولو كانت الوصاية فعلية: لواجب قيام الولي نيابة عنه، ويأتي لذلك مزيد توضيح إنشاء الله. (الثاني) العقل، فلا تصح الوصية إلى المجنون إذا كان مطبقا بلا خلاف فيه، بل إجماعا بقسميه، إلى ما عرفت في الصغير: من قصوره عن أهلية الولاية، ولعل المجنون أولى فهو شرط ابتداء واستدامة، فتبطل بطرو الجنون عليه. وهل تعود بعوده؟ وجهان: مبنيان على بطلان الولاية بعروضه فلا تعود إلا بدليل مع أن الاصل عدمه، وعدم البطلان وان منع عن التصرف حينه كالاب والجد له مع طرو الجنون على أحدهما، والاقرب هو الاول، لما عرفت. والقياس مع الفارق، لان السبب لها فيه هو عنوان الابوة غير المنفك عنه بطرو الجنون عليه، بخلاف الوصي


(1) وهي الرسالة الرابعة من محتويات الجزء الثالث المطبوع في النجف سنة 1396 ه‍.

[ 153 ]

فان الجنون يزيل سبب ولايته، وهو الوصاية، والحاكم يتولى الامر، في الموردين، غير أنه في الوصي اصالة لفرض انتفاء الوصاية، وفي الاب بالنيابة عنه مادام مجنونا لقصوره عن المباشرة. وهل تصح إلى الادواري فتنصرف الوصية إلى أوقات إفاقته، وهو الفارق بينه وبين طرو الجنون، لانصرافها فيه إلى دوام عقله المفروض عدمه، أو لا تصح كالوصية إلى المطبق والصبي منفردا لقصور المجنون مطلقا عن منصب الولاية؟ قولان: ولعل الاول هو الاقرب فتنحل الوصاية حينئذ إلى التعليق على أوقات الافاقة بحبث لا يحتاج فيها إلى انشاء جديد كالوصية إلى الصبي منضما، بل ومنفردا أيضا المعلقة على بلوغه أن لم يقم اجماع على المنع عنه بخصوصه الذي قيل: دون ثبوته خرط القتاد (الثالث) الاسلام، فلا تصح وصية المسلم إلى الكافر مطلقا، وان كان ذميا بلا خلاف فيه، بل الاجماع يحكم عليه وهو الحجة، مضافا إلى أن الولاية على المسلم - ولو في ماله - نوع سبيل، ولا سبيل للكافر على المسلم (1) والى أنها نوع ركون إلى الظالم المنهي عنه (2) وتصح وصية الكافر إلى المسلم قطعا فيما يكون العمل به مشروعا. وأما وصيته إلى مثله فلا حاجة لنا في التعرض لمعناها ولا لحكمها وفي اعتبار الايمان زيادة على الاسلام - ان لم تعتبر العدالة في الوصي - أحتمال، لكنه على تقدير عدم الاعتبار ينفيه إطلاق الوصية. وهل تعتبر فيه العدالة مع ذلك كما عن المشهور، أولا كما عن


(1) بحكم الاية الكريمة: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " سورة النساء / 141 (2) بحكم الاية الكريمة: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " سورة هو / 113

[ 154 ]

بعض منهم العلامة في (المختلف) ويكتفي بعدم ظهور الفسق فيه، أو يفصل بين ما يكون متعلقها حق الغير - ولو كان بنحو العموم كالفقراء والجهات العامة وبين ما لا تتعلق إلا بنفسه فتعتبر في الادلة دون الثاني؟ احتمالات، بل غير الاخير منها أقوال. وقد عرفت المشهور منها. ويدل عليه - مضافا إلى الاجماع المحكي عن (الغنية) المعتضد بالشهرة المحققة فضلا عن منقولها مستفيضا - أن الوصية استيمان، والفاسق ليس اهلا له لوجوب التثبت عند خبره (1) وأنه حق للغير - ولو بالوصية - وتسليط الفاسق عليه تعريض له إلى التلف وجعل صاحبه عرضة للضرر، بل هو كذلك حتى فيما يرجع صرفه إلى نفسه من المثوبات والخيرات ونحو ذلك بعد حبس المال في صرفه على المصرف الخاص وارتفاع سلطنة عليه بعد موته. ولذا ذهب المشهور - كما قيل - إلى اعتبارها في وكيل الوكيل مع أنه منجز بنظر الموكلين، فهنا أولى لانقطاع سلطان الموصي بموته وعدم مداخلة أحد في عمل الوصي حتى ينكشف له الحال، ومداخله الحاكم بعد انكشافه لا توجب الصحة حتى يجبر عند ظهور الخيانة. (ودعوى) أن المنع عن تسليطه على حق الغير فرع كونه حقا للغير - اولا - والمفروض أن كونه حقا للغير والتسليط عليه مجعولان بجعل واحد، وهو الوصية، فيكون هذا التسليط نحوا من كيفياتها. وبعبارة أخرى حقيته له منوطة بهذه الكيفية (مدفوعة) بمنع كون التسليط من الكيفيات المقومة للوصية ولذا لا يلزم من موت الوصي أو عجزه أو خيانته انتفاءها - إجماعا - مع أن القيود المقومة يلزم من انتفائها انتفاء المقوم، واطلاق الوصية لا يثبت


(1) لقوله تعالى - كما في سورة الحجرات / 6 -: " يا أيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنباء فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ".

[ 155 ]

كونه من كيفياتها المقومة، فهو نظير الشرط في ضمن العقد اللازم. مؤيدا ذلك كله بما قيل: من أن ذلك ركون إلى الظالم المنهي عنه (1) إذ الفاسق ظالم، ولو لنفسه. وبالنصوص المستفيضة الواردة، في من مات وله مال وورثته صغار ولا وصي له، حيث اشترطت عدالة المتولي لذلك (2) وليس ذلك الا لاعتبارها في التسليط على حق الغير، وهذا المناط موجود هنا، وإن كان خارجا عن مورد تلك النصوص، لعدم الفرق بينهما من حيث التسليط إلا كونه - هناك - منصوبا من الشرع، وهنا من الموصي الذي لا سلطنة له على المال بعد موته، الذي هو وقت التسليط. حجة القول بعدم اعتبارها أصلا، أنها نيابة، فنتبع اختيار المنوب عنه. وأن إيداع الفاسق وتوكيله جائزان - إجماعا - مع أنهما استيمان وأن للميت الثلث من ماله فله وضعه حيثما شاء (3)


(1) لقوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا.. " هود / 113 (2) وقد عقد لها في الوسائل. كتاب الوصايا بابا مستقلا عنونه هكذا (88 باب حكم من مات ولم يوص) من ذلك: رواية علي بن رئاب يسأل الامام الكاظم (ع) عمن يتولى شؤون المماليك والصغار فيبيع عليهم ويشتري منهم، فيجيبه الامام (ع) بجواز ذلك " إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم "، ورواية سماعة عن الامام الصادق (ع) يسأله بمضمون ذلك فيجيبه الامام (ع) بقوله: " إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس " وغيرهما إلى هذا الباب وفي باب الولاية كثير بهذا المضمون. (3) أشار الماتن - قدس سره - إلى مضمون هذا الحديث فيما سبق =

[ 156 ]

وما ورد من النصوص؟ في جواز نصب المرأة وصيا، ونصب الصبي قبل البلوغ - ولو منضما إلى الكامل - فيشترك معه في التصرف عند البلوغ (1) مع منع غلبة العدالة في النساء وعدم معلومية حصولها في الصبي عند بلوغه، بل لعل الغالب عدم تحققها فيه. وان تحصيل العدل مما يتعسر غالبا مع مسيس الحاجة إلى الوصاية فالتوقف عليه موجب للتعطيل غالبا ويضعف الاول: بأنها شرط في الاستنابة، لا في أصل النيابة، ولذا يجب على العاجز عن الحج استنابة العادل دون غيره، وان جاز للفاسق التبرع عن الغير بالنيابة فيه. ويضعف الثاني: بأن جواز ذلك في الوكالة والوديعة لكون الحق فيهما راجعا إلى نفسه، فله انحاء التصرف فيه، ولذا جاز هبته للفاسق، فلا يقاس به ما يرجع إلى الغير. ويضعف الثالث: بأنه - مع كونه أخص من المدعى لاختصاصه بثلث ماله دون الولاية على صغار ولده - نمنع دلالة عمومه أو إطلاقه على ما يشمل المقام، لكونه مسوقا لجواز اختياره ما شاء من كيفيات الصرف والمصرف، نظير قوله: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " فيكون مهملا من هذه الحيثية. وبالجملة: لا دلالة في أدلة الوصية حتى مثل قوله: " جائز للميت ما أوصى على ما أوصى به انشاء الله " على (2) جواز تلك


= في طي المسألة الثانية من المبحث الرابع - وأشرنا هناك إلى تخريج تلك المضامين فراجع. (1) كما سيذكرها المصنف - قدس سره - في المسألة الثانية من مسائل التكميل الآتية: في عدم صحة الوصية إلى الصبي منفردا. (2) في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 63 من أحكامها بعنوان =

[ 157 ]

التسليط المذكور: إما لاختصاصها بالقيود المقومة لها، أولاهما لها من هذه الحيثية، ولو سلم شمولها لذلك، فهي معارضة بعموم مادل على وجوب التثبت في خبر الفاسق المستفاد ومن عموم التعليل فيه، وهو خوف الندامة من الاعتماد عليه (1) النهي عن مطلق الاعتماد على أموره: تعارض العموم من وجه (2) والترجيح له بما عرفت من الاجماع المحكى والشهرة المحققة على اعتبار العدالة، إن لم نقل بحكومة مادل على التثبت عليها. ويضعف الرابع بعد معارضة مادل على جواز نصبهما لما دل على اشتراط العدالة، لكونه مسوقا لبيان أصل الصحة، غير ناظر إلى ما يعتبر فيه من الشرائط حتى يؤخذ باطلاقه، ولو سلم فهو مقيد بأدلة اشتراطها. ومنه يظهر الجواب عن الوجه الخامس، كيف ولو كان مسيس الحاجة بنفسه مسقطا لاعتبار العدالة، لجرى مثله فيما كان المسيس إليه أكثر كالجماعة والطلاق وغيرهما مما تعتبر فيه. وأما الاكتفاء بعدم ظهور الفسق، لاختصاص وجوب التبين بخبر


= (حكم من أوصى لمواليه ومولياته) حديث واحد، وهو " محمد بن علي ابن الحسين باسناده عن عن محمد بن الحسن الصفار: أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي - عليهما السلام - أوصى بثلث ماله في مواليه ومولياته: الذكر والانثى فيه سواء، أو للذكر مثل حظ الانثيين من الوصية؟ فوقع (ع): جائز للميت ما أوصى به على ما أوصى إن شاء، ونقل الحديث نفسه عن الكليني وعن الشيخ - قدس سرهما - (1) اشار إلى قوله تعالى - في آية النبأ -: " فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ". (2) كلمة (النهي) مرفوعة في مقام نيابة عن كلمة (المستفاد) وكلمة (تعارض) منصوبة على المفعول المطلقا من كلمة (معارضة)

[ 158 ]

الفاسق مع عدم الملازمة بين عدم الفسق والعدالة لثبوت الواسطة بينهما، فيدفعه عموم العلة الموجبة للتثبت، وهو خوف الوقوع في الندامة الذي لا يؤمن منه إلا باحراز العدالة، إذ لا واسطة بينهما، مضافا إلى أن جواز التسليط على مال الغير منوط بما يوجب إحراز حفظه، لا بعدم إحراز تلفه حتى يكتفي فيه بمجهول الحال. وأما التفصيل بين ما يرجع إلى نفسه أو إلى غيره، فقد ضعفه بتساوي الحكم فيهما، بعد حبس المال بالوصية على المصرف الخاص في وقت لا ولي عليه. فإذا القول باعتبار العدالة مطلقا هو الاقوى: هذا وليعلم أن العدالة بناء على اعتبارها ليست شرطا واقعيا بمعنى توقف صحة العمل عليها في الواقع، قال جدى في (الرياض) تبعا للتذكرة والروضة: " واعلم أن هذا الشرط انما اعتبر ليحصل الوثوق بفعل الوصي ويقبل خبره به كما يستفاد ذلك من دليله، لا في صحة الفعل في نفسه، فلو أوصى إلى - من ظاهره العدالة - وهو فاسق في نفسه - ففعل مقتضى الوصية، فالظاهر نفوذ فعله وخروجه عن العهدة ويمكن كون ظاهر الفسق كذلك لو أوصى إليه فيما بينه وفعل مقتضاها، بل لو فعله كذلك لم تبعد الصحة، وان حكم ظاهرا بعدم وقوعه وضمانه ما ادعى فعله، وتظهر الفائدة لو فعل مقتضى الوصية باطلاع عدلين أو باطلاع الحاكم " (1) انتهى. وهو حسن ومرجع ذلك إلى اعتبار الوثوق الخاص الحاصل بالعدالة


(1) راجع ذلك في كتاب الوصايا منه، الفصل الرابع في الاوصياء وما يعتبر فيهم من التكليف والعقل والاسلام. في شرح قول المحقق (وفي اعتبار العدالة تردد).

[ 159 ]

في جواز التسليط على حق الغير، لقيام الاجماع على الاكتفاء به في ذلك وأما مطلق الوثوق فلم يقم دليل معتبر على الاكتفاء به فيه، الا إذا بلغ حد القطع يعدم التخلف الذي دون تحققه خرط القتاد، فهو نظير الظن الخاص والظن المطلق في حجية الطريق. وبما ذكرنا ظهر الجواب عما قيل: من أن مقتضى ذلك اعتبار الوثوق دون العدالة التي نصوا على اشتراطها في كلامهم فمن الغريب استغراب شيخنا في (الجواهر) هذا الكلام من هؤلاء الاعلام، مع أنه في غاية المتانة وكيف كان فلو أوصى إلى عادل ثم فسق بعد موت الموصي بطلت الوصاية، بناء على اشتراطها لانها شرط حينئذ ابتداء واستدامة وانعزل عن العمل من غير توقف على عزل الحاكم، وان أوهمه ظاهر عبارة (الشرايع) وغيرها، الا أن المقصود من عزله منعه عن التصرف، ولا تعود بعود العدالة، لما تقدم في طرو الجنون. وأما على القول بعدم الاشتراط، ففي بطلانها نظر: ينشأ: من أستلزام عدم اعتبارها ابتداء عدمه استدامة مع أن الاصل يقتضى بقائها أيضا، ومن - دعوى ظهور تخصيص الوصاية به في كون الباعث عليها هو وصف العدالة فتنتفى بانتفائه دون ذاته المقارنة للوصف، إلا انها عهدة مدعيها. نعم لو علم كون الايصاء إليه من حيث كونه عدلا على وجه كانت الحيثية قيدا فلا إشكال - بل لا خلاف - في بطلانها. وعليه تنزل عبارة من ادعى عدم الخلاف فيه هذا ولو فسق ثم عادت إليه العدالة قبل موت الموصي فلا ينبغي الاشكال في استمرار صحة الوصية، لان المانع يضر وجوده عند الموت. (الخامس): الحرية، فلا تصح الوصية إلى المملوك بغير إذن سيده وتصح باذنه، بلا خلاف فيهما - كما قيل - بل الاجماع محكي في (الغنية) على الاول منهما، مضافا إلى استلزامها تصرفاته الممنوع عنها شرعا

[ 160 ]

لكونها مزاحمة لحق المولى، فيرتفع المانع باذنه - كما عللوا به في المنع والجواز - وهو يعطي المفروغية عندهم: من قابلية للوصاية بذاته، غير أنه محجور عليه مع عدم الاذن. من غير فرق في المنع بين عبد الغير وعبد نفسه، والوصية إليه في الثاني حين كونه ملكه لا تجدي بعد أن كان عند المباشرة ملك الوارث فيعتبر إذنه (واحتمال) كون ذلك من باب الوصية ببعض منافعه (يدفعه) عدم اندراجه في ذلك عرفا، بل هو اثبات ولاية له، ولذا لا يلتزم بتقويمها وإخراجها من الثلث. وكذا لا فرق عند الاكثر بين القن وغيره ممن تشبث بالحرية، نعم عن المفيد وسلار: جواز الوصية إلى المدبر والمكاتب: إما مطلقا - كما عنهما في ظاهر المختلف والدروس - ومقيدا بعبد نفسه - كما في التنقيح - ومال إليه، وهو قوي في المدبر، لحصول الاذن من مولاه بالوصية لتضمنها الاذن بالقبول حينما ملكه مع ارتفاع الحجر عنه عند الموت بالحرية، فلا مانع من الوصية - فيه لا فعلا ولا مألا الا احتمال قصور الثلث عن قيمته الموجب لتبعضه في الحرية، ولكن غايته المراعاة والتوقف إلى انكشاف الحال دون البطلان رأسا. نعم تعليلهم الجواز في المكاتب بلزوم عقد الكتابة لا يجدي نفعا حتى لو تحرر بعضه، لان مقتضاه - وان كان جواز الاكتساب - الا أن كون الوصية منه ممنوع، وان استلزم العمل بها الاجرة في بعض الاحوال. والبعض منه بحكم الرق، إذ لا يعقل تجزي الولاية في حقه، وان قلنا باستحقاقه من الوصية له بقدر حريته، لوضوح الفرق بين الوصية والوصاية، فان الملكية تتبعض، بخلاف الولاية، فانها لا تتجرأ بنفسها، وان تبعض متعلقها.

[ 161 ]

وحيثما أذن المولى لعبده، فليس له الرجوع بعد الوصية وموت الموصي لاقتضاء الوصية الدوام (والاذن في الشئ إذن في لوازمه) كما لا تأثير لرجوعه قبله إذا كان بحيث لا يبلغ الموصي ذلك، وله الرجوع عن إذنه مع إعلامه به. (تكميل) وفيه مسائل: (الاولى) اختلف الاصحاب في وقت اعتبار الاوصاف المذكورة في الوصي على أقوال (أولها) كفاية اتصافه بها حال الوفاة، فلو أوصى إلى ناقص ثم مات بعد كماله، صحت الوصية (ثانيها) كفايته حال الوصية، حكاه قولا في (الدروس) (ثالثها) اعتباره في الحالين معا دون ما بينهما، اختاره في (المبسوط) (رابعها) اعتباره في الحالين معا وما بينهما، فتعتبر من حين الوصية مستمرة إلى بعد الموت، وهو الاقوى وعليه الاكثر وفي (المسالك) حكى: قولا آخر، وهو: اعتباره من حين الوصية إلى أن ينفذها بعد الموت، إلا أنه لا أرى وجها لعده قولا مغايرا للقول الاخير لان من يعتبر الكمال من حين الوصية إلى حين الوفاة يعتبره أيضا بعده إلى نهاية العمل غير أنه في الاول يعتبره شرطا في أصل الصحة، وفي الثاني شرطا في استمرارها بحيث لو عرض نقض في أثناء عمل أو بين الاعمال انعزل من حينه ولم يستأنف العمل السابق وقام الكامل مقامه في الباقي. وبالجملة، فالكمال المستمر إلى الوفاة شرط في الصحة، والكمال المستمر بعدها إلى نهاية العمل شرط في استمرار الصحة ودوامها. واستدل للمختار كما في (جامع المقاصد) وغيره: بأن الشرائط إذا انتفت عند الوصية لم إنشاء العقد صحيحا، ولابد ان يكون شرط

[ 162 ]

الصحة سابقا على إنشاء العقد كما في سائر العقود. وبأنه في وقت الوصية ممنوع من التفويض إلى من ليس بالصفات والنهي في المعاملات - إذا توجه إلى ركن العقد - دل على الفساد. ومحصله - بتوضيح منا - يرجع إلى أن الوصاية عقد مفاده تفويض الولاية التى هي من المناصب إليه بالوصية، فالتفويض فعلي منجز غير معلق على الوفاة الذي هو زمان التصرف حينئذ فلا تعليق في الانشاء، وانما التعليق في المنشأ كالوكالة المنجزة إذا عين العمل بها في وقت متأخر كيف ولو كانت الوصية معلقة لم يتحقق انشاء بالفرض، لا حين الوصية، ولا حين الوفاة، والناقص عن الكمال غير قابل للتفويض منصب الولاية إليه، فلذا اعتبر الكمال حين الوصية. وأما اعتبارها حين الوفاة، فلانه وقت العمل الذي لا ريب - بل لا خلاف كما في التذكرة - في اعتبارها فيه، فالصحة مشروطة به في الوقتين، فيلزم اعتباره فيما بينهما، لان المشروط وهو الصحة ينتفي بانتفاء شرطه. وأما بقاؤه على الكمال بعد الوفاة إلى انتهاء العمل فهو شرط لاستمرار الصحة دون أصلها - كما تقدم - ولا يرد النقض بصحة الوصية إلى الصبي - منضما إلى الكامل - مع عدم تعلق الانشاء بالنسبة إليه حال الصغر والا إنشاء بالفرض عند البلوغ. لانا نقول فيه أولا للنص - وثانيا - لامكان كون اشتراكه مع الكامل بعد بلوغه من كيفيات الولاية المجعولة بانشاء الوصية وتطوراتها نظير مالو قال: (أنت وصيي فإذا حضر فلان فهو شريكك) ونظير تملك المعدوم بعد وجوده للوقف تبعا للموجود بانشاء الواقف، ولذا يتلقاه منه بجعل الوقف وإنشائه فتكون الوصية إلى الصبي - منفردا أو منضما إلى الكامل -

[ 163 ]

نظير الوقف على المعدوم المعبر عنه بمنقطع الاول، والمعدوم بعد وجوده تبعا للموجود قبله في البطلان في الاول والصحة في الثاني. وبما ذكرنا ظهر لك ضعف ما أورد على الدليل بالمصادرة - كما في (الجواهر) - وضعف مستند الاقوال الباقية. مع ان القول الثاني منها لا أظن به قائلا منا. وأما الثالث ففيه - مع ذلك - أنه يلزم على القول به عود الولاية بعد بطلانها بعروض النقض بعود الكمال قبل الوفاة، وثبوته فيه موقوف على الدليل، مع أن الثابت بالاصل عدمه، وقياسه بالاب قياس مع الفارق لان الموجب لها فيه ذاتي وهو الابوة، وفيما نحن فيه انما ثبتت بالوصاية التي قد بطلت بعروض النقض. (الثانية) لا تصح الوصية إلى الصبي منفردا، بلا خلاف يظهر، بل الاجماع محكى عليه، وهو الحجة، مضافا إلى ما تقدم: في اشتراط البلوغ (1) وتصح إليه منضما إلى الكامل من غير حاجة إلى تجديد الانشاء عند بلوغه، بلا خلاف أيضا - كما قيل - للنص الفارق بينهما، ففي صحيحة علي بن يقطين أو حسنة: " قال سألت أبا الحسن (ع) عن رجل أوصى إلى امرأة وأشرك في الوصية معها صبيا، فقال: يجوز ذلك وتمضى المرأة الوصية ولا تنتظر بلوغ الصبي فإذا بلغ الصبي فليس له أن لا يرضى إلا ما كان من تبديل وتغيير فان له ان يرده إلى ما أوصى به الميت (2) وفي الصحيح (عن محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى أبي محمد (ع): رجل أوصى


(1) وهو الشرط الاول من شروط الوصي، وذلك لقصوره عن أهلية الولاية وكونه مولى عليه - إلى آخر ما ذكر هناك. (2) ذكرهما الكافي للكليني: كتاب الوصايا، باب من أوصى إلى مدرك واشرك معه الصغير.

[ 164 ]

إلى ولده وفيهم كبار قد أدركوا فيهم صغارا يجوز للكبار أن ينفذوا وصيته ويقضوا دينه إن صح على الميت بشهود عدول قبل أن يدرك الاوصياء الصغار؟ فوقع (ع): نعم على الاكابر من الولد أن يقضوا دين أبيهم ولا يحبسوه بذلك " (1) ولامكان كون اشتراكه مع الكامل عند البلوغ من كيفيات الولاية المجعولة بالوصية - كما تقدم - وفي الحاق غير الصبا من الموانع عن صحة الوصية به في جواز الانضمام وعدمه؟ وجهان: مبنيان على كون النص: هل هو على خلاف القاعدة، فيقتصر على مورده، أو موافق لها فيلحق به غيره - كما لعله هو الاقرب -. وعلى كل حال يستقل الكامل بالتصرف، لفرض استقلاله بالولاية حتى يبلغ الصبي، فإذا بلغ شاركه فيه. وليس له الا الرضا بما استقل به الكامل ما لم يكن فيه تبديل وإلا رده لانه من شؤن ولايته الفعلية - كما هو مفاد الخبرين - (الثالثة) لو أوصى إلى اثنين كاملين فلا يخلو: إما أن ينص على اجتماعهما أو على جواز الانفراد لكل منهما، أو يطلق: فعلى الاولين يتبع نصه، ففي الاول منهما: لو اختلفا جبرهما الحاكم على الاتفاق، لان الولاية مشتركة بينهما؟ وقائمة بهما: إما على وجه لا ولاية لكل منهما بنفسه، أو هي لكل منهما لا بنحو الاستقلال على وجه يكون القيد من صفات الولاية الثابتة لكل منهما ولو باعتبار متعلقها. وعلى التقديرين يكون الاستقلال من التبديل، فان تعذر الاتفاق منهما أو من أحدهما، فستعرف حكمه. وأما في الثاني فيجوز الانفراد لكل منهما في الكل فضلا عن البعض للاذن به بالفرض فيصح لهما اقتسام المال وتصرف


(1) ذكرهما الكافي للكليني: كتاب الوصايا، باب من أوصى إلى مدرك وأشرك معه الصغير.

[ 165 ]

كل منهما فيما يخصه، لكن القسمة غير ملزمة، فيجوز فيها التفاوت والرجوع عنهما وتصرف كل منهما فيما خص به الآخر. وأما لو أطلق فحكمه - على الاقوى وعليه المشهور - حكم النص على الاجتماع لظهور التشريك فيه، مضافا إلى صحيح محمد بن الحسن الصفار " كتبت إلى أبي محمد (ع): رجل كان أوصى إلى رجلين: أيجوز لاحدهما أن ينفرد بنصف التركة، والآخر بالنصف؟ فوقع (ع): لا ينبغي لهما أن يخالفا الميت ويعملان على حسب ما أمرهما إنشاء الله تعالى " (1) ولفظ (لا ينبغي) وان كان بنفسه ظاهرا في الكراهة إلا أن عده (ع) ذلك مخالفة قرينة على إرادة الحرمة، إذ هي من تبديل المنهي عنه وأصرح منه (الرضوي): و " إذا أوصى رجل إلى رجلين فليس لهما أن ينفرد كل واحد منهما بنصف التركة وعليهما إنفاذ الوصية على ما أوصى الميت " (2) وضعف سنده - لو سلم - مجبور بالعمل. خلافا لما عن الشيخ في (النهاية) وابن البراج، فجوزا - في ظاهر إطلاق عبارتهما - الانفراد لهما، نظرا إلى الموثق ".. إن رجلا مات وأوصى إلى رجلين، فقال أحدهما لصاحبه: خذ نصف ما ترك وأعطني النصف ما ترك، فأبى عليه الآخر، فسألوا أبا عبد الله (ع) عن ذلك فقال: ذاك له " (3) بناء على أن مرجع الضمير هو طالب القسمة، وهو - مع قوة احتمال رجوعه إلى من أباها ولا أقل من الاجمال - لا يكافؤ ما تقدم من الخبرين من وجوه عديدة، مع إمكان حمله على صورة الاذن


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 51 من أحكامها، حديث (1) (2) راجع ذلك في أوائل باب الوصية للميت من (الفقه الرضوي) (3) راجع: المصدر الآنف من الوسائل حديث (3) والرواية عن بريد بن معاوية، قال: إن رجل..

[ 166 ]

بالانفراد، لو سلم رجوعه إلى الطالب. (الرابعة): لو امتنع انفاق الوصيين المشروط اجتماعهما نصا أو ظاهرا، فلا يخلو: ما أن يكون الامتناع لانتفاء الموضوع، كما لو مات أحدهما، أو لانتفاء الولاية كما لو جن أو فسق أو لامتناعهما، أو امتناع أحدهما عن التوافق بما لا يوجب الفسق، فهنا صور. (الاولى) لو مات أحدهما، ففي استقلال صاحبه أو ضم الحاكم إليه قولان: المشهور - كما قيل - هو الاول. ولعله هو الاقوى، لان المشاركة المنتزع منها وصف عدم الاستقلال إذا انتفت بانتفاء الشريك تحقق الاستقلال، لانتفاء المنتزع بانتفاء منشأ انتزاعه وبقاء الشركة بتبديل الشخص مبني على تعدد مطلوب الموصي: من الشركة، وكونها مع صاحبه، فلا يلزم من انتفاء الخصوصية انتفاء أصل الشركة، إلا أنه في حيز المنع ولا أصل يقتضيه ان لم نقل باقتضاء الاصل عدمه، ولا مداخلة للحاكم، لعدم ولايته مع وجود الوصي للميت (ودعوى) اختصاص منع ولايته بوجود الوصي المنفرد لا مطلق الوصي فمع كونها ممنوعة في نفسها (يدفعها) ثبوت الاستقلال بالفرض - كما عرفت - وذهب جمع إلى وجوب الضم نظرا منهم إلى عدم كونه وصيا بالانفراد، إذ الوصاية مشروطة بالاجتماع الذي مقتضاه انتفاؤها مع الانفراد والى ظهور الوصاية لهما في ارادة تعدد النظر الذي ينافيه الانفراد وأنت خبير بما فيه: أما الاول، فهو مبني على كون الاجتماع شرطا لاصل الولاية. وهو ممنوع، والمسلم كون الاجتماع الخاص مع الامكان شرطا لتصرف الولي فيما هو ولي عليه، فهو ولي محجور عليه من التصرف بالانفراد مع وجود صاحبه، فلو مات استقل. وبالجملة: فمع موت أحدهما لم يبق

[ 167 ]

موضوع من تعتبر موافقته، ولا دليل على اعتبار موافقة غيره معه: من الحاكم أو عدول المؤمنين. فاتضح من جميع ما ذكرناه الجواب عن الوجه الثاني. هذا كله فيما لو مات أحدهما. أما لو ماتا معا، فالامر يرجع إلى الحاكم، وهل يتعين عليه حينئذ تولية شخصين رعاية للتعدد المطلوب بالوصية، أو يكفي توليته واحدا لرجوع الامر إليه عند انتفاء الوصي المنصوب من قبل الميت فهو الوصي عنه شرعا، والاجتماع انما اعتبر في المنصوب من الميت دون المنصوب من الشرع. وبالجملة: ليس الحاكم نائبا عن الميت في الايصاء، بل هو منصوب من الشرع في القيام بالوصية؟ قولان: والثاني هو الاقوى. ويلحق بالموت في الحكم كل سبب موجب للخروج عن أهلية الولاية كالجنون والغيبة المنقطعة والفسق، بناء على اشتراط العدالة في صحتها. وأما لو امتنعا أو امتنع أحدهما عن التوافق بما لا يؤدي إلى الفسق: فإما أن يمكن بالجبر اجتماعهما، أو لا يمكن. فان أمكن جبرهما الحكم على التوافق حيث لا يكون سبب الاختلاف هو الاختلاف في الرأي والنظر بما لا ينافي قصد الموصي، وإنما إرادة كل منهما لخصوصية لغرض لا ينافي الوصية إذ لا معنى للجبر على التوافق بعد أن كان كل منهما يرى فساد رأي صاحبه. وان لم يمكن الجبر: فان كان الامتناع منهما، استبدل بهما آخرين ينوبان عنهما يشترط عليهما التوافق، ولا يتوهم هنا كفاية الاستبدال عنهما بواحد، إذ المفروض عدم خروجهما بالامتناع عن الولاى ة، وان منعا عن التصرف كما لو عحزا بالمرض حتى عن الرأى، فان الظاهر عدم الخروج بذلك عن أهلية الولاية. بل الاظهر جواز الوصاية إلى

[ 168 ]

العاجز كذلك في الابتداء فضلا عن الاستدامة. وان كان الامتناع عن أحدهما استبدل به من ينوب عنه منضما إلى صاحبه، فلا يستقل كما لو مات صاحبه لعدم الخروج بالعجز المذكور عن أهلية الولاية وهذا هو الفارق بينه وبين موته أو فسقه، ونحوهما، لعدم انتفاء الولاية في الاول وانتفائها في الثاني. نعم لو ألحقنا الاختلاف بينهما مع تعذر التوافق بالفسق والجنون في الخروج عن أهلية الولاية - كما يظهر من جدنا في (المصابيح) اتحد الحكم فيهما، وجرى الخلاف السابق هنا أيضا لاتحاد المدرك، والله العالم. (الخامسة) الوصي أمين، فلا يضمن إلا مع التعدي أو التفريط، ولو بمخالفة الوصية، فيضمن باليد لو تلف، فضلا عما لو أتلفه، لعموم (على اليد) بعد خروج يده عن الامانة بذلك. مضافا إلى أخبار (منها): خبر زيد النرسي - الذي هو كالصحيح بابن أبي عمير -: " عن علي بن مزيد أو فرقد صاحب السابري قال أوصى إلي رجل بتركته فأمرني أن احج بها عنه، فنظرت في ذلك، فإذا هي شئ يسير لا يكفي للحج، فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة؟ فقالوا: تصدق بها عنه - إلى أن قال - فلقيت جعفر بن محمد (ع) في الحجر، فقلت له: رجل مات وأوصى إلي بتركته أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها فقال (ع) ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها، قال: ضمنت إلا أن لا يكون يبلع ما يحج به من مكة، فان كان لا يبلغ أن يحج به من مكة، فليس عليك ضمان، وان كان يبلغ ما يحج به من مكة فأنت ضامن (1)


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 37 من أحكامها: ان الوصي إذا كانت الوصية في حق فغيرها فهو ضامن حديث (2)

[ 169 ]

فان التصدق بالمال مع كفايته لحج الميقات إتلاف للمال بصرفه في غير الوصية (ومنها): صحيح محمد بن مسلم أو حسنه بابراهيم بن هاشم: " قلت لابي عبد الله (ع): رجل بعث بزكاة ماله لتقسم، فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقتسم؟ فقال (ع): إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها، فهو لها ضامن - إلى أن قال - لذلك الوصي يوصي إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان (1) المنزل على ما لو كان عدم الدفع إليه ناشئا من التهاون، لا لعذر شرعي، وإلا فلا ضمان، كما لو لم يجده، لان العذر الشرعي كالعذر العقلي (ومنها): صحيح الحلبي عن الصادق (ع): " انه قال في رجل توفى فأوصى إلى رجل، وعلى الرجل المتوفى دين، فعهد الذي أوصي إليه، فعزل الذي للغرماء فرفعه في بيته، وقسم الذي بقى بين الورثة فسرق الذي للغرماء من الليل ممن يؤخذ؟ قال: هو ضامن من حين عزله في بيته يؤدي من ماله (2) المنزل أيضا على التفريط في الحفظ أو يتأخر الدفع إلى أهله (ومنها): ما في (الكافي) في الصحيح عن ابن محبوب عن محمد بن مادر: " قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اوصى إلى رجل وأمره أن يعتق عنه نسمة بستماءة درهم من ثلثه، فانطلق الوصي وأعطى الستماءة درهم رجلا يحج بها عنه؟ فقال أرى أن يغرم الوصي من ماله ستماءة درهم، ويجعل الستماءة فيما أوصى به الميت، (3) قال: في (الجواهر) بعد ذكر هذا الخبر: " وربما كان فيه إنماء إلى


(1) المصدر الآنف من الوسائل، باب 36، حديث (1). (2) المصدر الآنف الذكر من الوسائل حديث (2). (3) كتاب الوصايا، باب (أن الوصي إذا كانت الوصية في حق فغيرها فهو ضامن) حديث (3).

[ 170 ]

عدم انعرال الوصي بالخيانة، اللهم إلا أن يكون ذلك ليس عنها، بل هو شئ قد فعله الوصي بجهله تخيل أنه أنفع للميت " (1) انتهى. وهو حسن بناء على قرائة (يجعل) مبنيا للفاعل، وأما لو قرء مبنيا للمفعول ففيه إيماء إلى الانعزال، وعدم الانعزال على الاول لعدم صدق الخيانة بعد الحمل على الجهل، وان كان من التبديل الموجب للضمان، إذ ليس كل تبديل تصدق معه الخيانة وان اوجب الضمان (ومنها) ما في الكافي أيضا باسناده إلى محمد بن سنان عن ابن مسكان عن أبي سعيد عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن رجل أوصى بحجة، فجعلها وصية في نسمة؟ فقال: يغرمها وصية ويجعلها في حجة كما أوصى به، فان الله تبارك وتعالى يقول " فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه (2) وهو كما ترى صريح في عدم الانعزال المحمول على ما سمعت، فيكون قرينة على قراءته (يجعل) مبنيا للفاعل في الخبر السابق. (السادسة) اختلف الاصحاب في استيفاء الوصي بنفسه دينه على الميت من التركة إذا كان وصيا على قضاء ديونه يشمله: على أقوال: (أحدهما) الجواز مطلقا. تمكن من إقامة الحجة عليه، اولا - كما في (النافع) و (القواعد) و (التحرير) و (جامع المقاصد) وهو المحكي عن الشهيدين وغيرهما، لانه - بالفرض - وصي في قضاء الديون فيقوم مقام الموصى في ذلك، ويكفي علمه بالدين، لان الوصية منوطة بقضاء الدين الثابت في نفس الامر. ولا فرق في ذلك بين دينه ودين


(1) راجع ذلك في أوائل الفصل الخامس في الاوصياء من كتاب الوصايا - في شرح قول المحقق: (والوصي أمين لا يضمن ما يتلف). (2) راجع: نفس الكتاب والباب الآنفي الذكر من الكافي حديث (2).

[ 171 ]

غيره، ولانه بقضاء الدين محسن " وما على المحسنين من سبيل ". (ثانيهما) المنع كذلك فلا تستوفي إلا باذن الحاكم بعد إقامة الحجة عنده، كما عن القاضي، والشيخ في (النهاية) للاصل، وموثق بريد ابن معاوية عن أبي عبد الله (ع): " قلت له: إن رجلا أوصى إلي فسألته أن يشرك معى ذا قرابة له ففعل، وذكر الذي أوصى الي أن له قبل الذي أشركه في الوصية خمسين ومأة درهم وعنده رهنا بها حاما من فضة فلما هلك الرجل أنشاء الوصي يدعى أن له قبله أكرار حنطة؟ قال: إن أقام البينة، ولا فلا شئ له، قال قلت له: أيحل أن يأخذ مما في يده شيئا؟ قال: لا يحل له، قلت أرأيت لو أن رجلا عدا عليه فأخذ ماله فقدر على أن يأخذ من ماله ما أخذ: أكان ذلك له؟ قال: إن هذا ليس مثل هذا " (1). (ثالثها) الجواز مع العجز عن الاثبات، كما عن الحلي في (السرائر) والمحقق في (الشرائع) وغيرهما من باب التقاص، لان العجز عن الاثبات بحكم امتناع العزيم في عدم وصول حقه إليه، إذ المناط فيه هو امتناع الاستيفاء الحاصل هنا، ولو مرحلة الظاهر، بخلاف مالو تمكن من الاثبات فانه بحكم العزيم الباذل الذي لا يجوز معه التقاص، اجماعا، ولا ينافيه: ما في الموثق: من نفي المماثلة بينه وبين التقاص، لكون السائل هو شريكه في الوصية، وسؤاله إنما هو تكليفه: من تمكين صاحبه من الاستيفاء بدون حجة، ولانه - حينئذ - محسن بقضاء الدين " وما على المحسنين من سبيل ". وهذا هو الاقوى بناء على ما هو الاقوى: من انتقال التركة إلى الوارث متعلقا بها حق الاستيفاء، كالرهن، ويكون الوارث هو المخير


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 93 من أحكامها، حديث (1).

[ 172 ]

في القضاء منهما أو من غيرها كتخير المديون بين وجوه القضاء، ولا ينافيه كونه وصيا على قضاء الديون الذي مرجعه إلى مباشرته لذلك بدفع ما يتعين الوفاء به إليه وإلزام الوارث به لو امتنع عنه، وليس مرجعه إلى تفويض الولاية له على تعيين ما يستوفى منه من أعيان التركة، لامكان منع أن للموصي الايصاء بذلك، وان يثبت له تعيين ثلثه بالدليل الخاص، فيكون استيفاؤه بنفسه نوع مزاحمة للوارث في حقه من التخيير في القضاء أولا كذلك مع عدم الحجة لجواز التقاص - حينئذ - بعد فرض تحق ما هو المناط لجوازه في الممتنع من فوات الحق مع كونه حينئذ محسنا على الميت ببرائة ذمته. فظهر عدم الفرق بين الوصي والاجنبي في ذلك كله، ولا بين الوصي المنفرد والمتعدد لو تمكن من الاستيفاء من دون علم شريكه، والا لم يجز لشريكه تمكينه منه بلا حجة. (السابعة) لو أوصى إليه بعمل خاص أو قدر مخصوص، اقتصر عليه، ولم يتجاوزه إلى غيره، لاختصاص ولايته به دون غيره، وهو واضح، وأما لو أطلق بأن قال: (أنت وصيي) من دون ذكر المتعلق ففي وقوعه لغوا كما عن الاكثر، كما لو قال: وكلتك أو أنت وكيلي ولم يعين فاوكل فيه، بل في (الايضاح) عدم: الخلاف فيه، وفي (الكفاية): نسبة إلى الاصحاب وان قال بعده: (ولا يبعد كونه وصيا على الاطفال، لانه المفهوم في المتعارف) (1) واستحسنه جدنا في (الرياض) أن ثبت ذلك، وإلا فاللغوية أثبت (2) أو اختصاصها بقضاء ديونه


(1) راجع ذلك في كتاب الوصية، اخريات الطرف السادس في الوصايا (2) ذكر ذلك في باب الاوصياء من كتاب الوصايا في شرح قول (النافع). " وتختص ولاية الوصي بما عين له الموصي ". وتمام العبارة هكذا: " ولو قال: انت وصي، واطلق، قيل: كان لغوا، وعن =

[ 173 ]

واستيفائها ورد الودايع ونحوهما، أو يعم ذلك وإرادة ثلثه وتفويض المصرف إلى نظره، أو يعم ذلك أيضا وإرادة الولاية على أيتامه؟ أقوال. والاول هو الاقرب، ما لم يكن هناك عرف خاص أقرينة حال يدل على المراد وإلا كان هو المتبع كما يدعى في عرفنا الآن من إرادة الثلث عند الاطلاق فضلا عن الديون وفاء واستيفاء، ورد الامانات دون القيمومة على الايتام وهو كذلك، فيختلف باختلاف الاعصار والامصار. (الثامنة) لا يبغي الاشكال في جواز رد الموصى إليه الوصية مادام الموصي حيا بشرط أن يبلغه - الرد كما عن الاكثر - بل قيل: لا خلاف فيه، إلا من (الصدوق) فأوجب القبول فيما إذا كان الموصى أبا أو كان الامر منحصرا في الموصى إليه، ومال إليه في (المختلف) مؤيدا للاول بأن مخالفة الوالد نوع عقوق، وللثاني بأنه فرض كفاية فيتعين عليه حيث ينحصر به. ثم قال: " وبالجملة فأصحابنا لم ينصوا على ذلك " ولا بأس بقوله (1) واستحسنه جدنا في (الرياض) حيث قال بعد نقله ما فيه: " وهو كذلك ان لم ينعقد الاجماع على خلافه " ولا يمكن دعواه باطلاق عبارات الاصحاب بجواز الرد مطلقا لعدم تبادر المقامين منه جدا. ومنه يظهر الجواب عن إطلاقات النصوص بذلك أيضا، مضافا إلى وجوب حمل المطلق على المقيد حيث تضمن شرائط الحجية كما هنا " (2).


= المحقق الثاني أنه حكى عن الشارع الفاضل عدم الخلاف فيه ونسبه في الكفاية إلى كلام الاصحاب كافة، قال: ولا يبعد كونه وصيا على الاطفال لانه المفهوم المتعارف، وهو حسن حيث ثبت، وإلا فالاول ثبت ". (1) راجع ذلك في آخريات الفصل الخامس في الوصايات: آخر " مسألة قال الصدوق: إذا دعا الرجل ابنه إلى قبول وصيته. " (2) راجع ذلك منه في كتاب الوصايا، الرابع في الاوصياء - =

[ 174 ]

قلت الاظهر ما عليه الاكثر: من عدم وجوب القبول مطلقا، للاصل ولا يخرج عنه بصحيح على بن الريان: " كتبت إلى أبي الحسن (ع): رجل دعاه والده إلى قبول وصيته: هل له أن يمتنع من قبول وصيته؟ فوقع (ع): ليس له أن يمتنع (1) بناء على كون النهي عن الرد يقتضي عدم تأثيره، لان النهي في مثله يدل على الفساد، لا مجرد الحكم التكليفي وصحيح الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (ع): " في رجل يوصى إليه قال: إذا بعث بها إليه من بلد فليس له ردها، وان كان في مضر يوجد فيه غيره فذلك إليه " (2) فان الاول دال بمنطوقه على الاول والثاني بمفهومه على الثاني (3) لعدم المكافئة، لاطلاق غيرهما من النصوص الدالة على الجواز من وجوه، سيما مع إعراض جل الاصحاب - عدا الصدوق عنهما - مع أن في طريق الاول سهل بن زياد (4) وان قيل: " إن الامر سهل في سهل " فليحمل الاول على ما ذا استلزم إيذاء الوالد - كما في الغالب - ومع فرضه فهو خارج عن الفرض، إذ هو مجرد حكم تكليفي والثاني مع كونه مفهوما - فهو محمول على تأكد استحباب القبول، أو ما قيل:


= في شرح قول النافع -. " وللموصي إليه رد الوصية ". (1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 24: " وجوب قبول الولد وصية والده " حديث (1) (2) المصدر الآنف من الوسائل، باب 23 حديث (2). (3) أي الصحيح الاول دال بمنطوقه على الفرع وهو عدم رد الولد لوصية والده والصحيح الثاني دل بمفهومه على الفرع الثاني وهو عدم جواز الرد مع الانحصار. (4) فانه - كما في الكافي - عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن علي بن الريان..

[ 175 ]

من أنه بارز مبرز الغالب لبيان الحكمة في صحة الرد إذا بلغ الموصي، وبطلان الرد إذا لم يبلغه فتأمل. وأما دعوى كون قول الوصاية من فروض الكفاية - فيتعين مع الانحصار، فهي ممنوعة جدا، سيما وأمثال ذلك من الامور وظيفة الحاكم وبالجملة، كما أن للموصي عزل الوصي في حياته، فكذا للوصي ردها، ولو بعد القبول مع الشرط، لانها من العقود الجائزة وأما الرد بعد موت الموصي أو في حياته - حيث لا يبلغه الرد - فان كان بعد القبول، فلا تأثير للرد - بلا خلاف كما قيل - بل حكاية الاجماع عليه مستفيضة، وان كان قبل القبول فكذك على المشهور شهرة عظيمة بل يجب عليه القبول، بل عن صريح (الغنية) وظاهر (الدروس) الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا إلى النص المتقدم بعد معلومية عدم مدخلية غيبته إلا من حيث عدم بلوغ الرد معه غالبا، والى صحيح محمد بن مسلم أو حسنه بابراهيم بن هاشم - كما قيل - " عن أبي عبد الله (ع) قال: إن أوصى رجل إلى رجل - وهو غائب - فليس له أن يرد وصيته. وان أوصى إليه - وهو في البلد - فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل " (1) وهو كسابقه في الكناية عن عدم البلوغ إليه و " الرضوي ": إذا أوصى رجل إلى رجل وهو شاهد فله أن يمتنع من قبول الوصية. وان كان الموصى إليه غائبا ومات الموصي من قبل أن يلتقى مع الموصى إليه فان الوصية لازمة للموصى إليه " (2) مع أن الرد بعد القبول إذا لم يبلغه مستلزم للتغرير الممنوع عنه شرعا وعقلا


(1) الوسائل: كتاب الوصايا، باب 23 من أحكامها، حديث (1) (2) راجع ذلك من (الفقه الرضوي) في أوائل باب الوصية للميت.

[ 176 ]

خلافا لما عن (المختلف) و (التحرير) و (المسالك) فجوزوا الرد قبل القبول مطلقا، ولو بعد الموت، للاصل المانع من إثبات حق على الموصى إليه على وجه قهري، وكون الموصي مسلطا على تنفيذ وصايته على الغير بغير اختياره الموجبين للضرر والحرج المنفيين آية ورواية. وهو جيد إلا انه - كما ترى - اجتهاد في مقابل النصوص المعتبرة المعمول بها. فظهر وجوب القبول بعد موت الموصى وقبله مع عدم بلوغ الرد وعدم تأثير الرد معه مطلقا قبل القبول وبعده. والله العالم بحقايق أحكامه تم ما أردنا بيانه من كتاب الوصية والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا

[ 177 ]

رسالة في المورايث

[ 178 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على كل حال، وبه نستعين

[ 179 ]

كتاب المواريث والكلام فيه يتم في ضمن مقدمات، ومباحث، ولواحق: (المقدمة الاولى في موجبات الارث) وهي: إما نسب أو سبب. والثاني قسمان: زوجية وولاء. والثاني أصناف ثلاثة: ولاء المعتق، وولاء ضامن الجريرة، وولاء الامام. أما النسب فهو اتصال الشخصين بالولادة شرعا: إما بانتهاء أحدهما إلى الآخر: ولو بوسائط كثيرة، أو بانتهائهما إلى ثالث مع صدق القرابة عرفا، وإلا لعم النسب وبطل الولاء، لانتهاء الكل إلى آدم (ع). فيخرج بقولنا (شرعا) ولد الزنا، ويدخل فيه المولود من الشبهة ونكاح أهل الملل الفاسدة، وبقيد (الصدق عرفا) في الحاشية: من كان بعيدا لكثرة الوسائط بحيث يخرج عرفا عن كونه قريبا. فللنسب عمود، وحاشية، فالعمود: هو الانتهاء إلى الغير من الاباء وان علوا، والابناء وان نزلوا، وإن تكثرت الوسائط. وحاشية النسب: هو الانتهاء مع الغير إلى ثالث: فان كان بلا واسطة فهم الاخوة ذكرانا أو إناثا، وأولادهم أولاد الاخوة. وإن كان بواسطة واحدة كان عما أو عمة وخالا أو خالة حقيقة فالعم أخو الاب، والعمة أخته، والخال أخو الام، والخالة أختها. وان كان بواسطتين، فهو عم الاب، وأخته عمته، وخال الام وأخته خالتها

[ 180 ]

وان تكثرت الوسائط كان الذكر عم الجد والجدة أو خالهما، والانثى عمتهما أو خالتها. والولاء لا تقدير فيه أصلا. والمصاهرة فيها تقدر على كل تقدير، فان الزوج له النصف على تقدير والربع على تقدير آخر، والزوجة لها الربع أو الثمن كذلك. والارحام: منهم كالولاء في عدم التقدير أصلا، وهم: الذكور من الاولاد منفردين أو منضمين إلى البنات. ومنهم كالمصاهرة في التقدير على كل تقدير، وهم: الام فان لها الثلث مع عدم الحاجب، والسدس معه، وكلالتها، فلها السدس إن اتحدت، والثلث إن تعددت، ومنهم من له تقدير على تقدير وليس له على تقدير آخر، كالبنت والبنتين والاخت والاختين من الابوين أو من الاب مع فقد المتقرب بهما، فلها النصف أو الثلثان مع عدم الذكر، ولا تقدير لهن معه، وكالاب مع الولد، فله السدس ولا تقدير له مع عدمه. ثم النسب: له طبقات ثلاثة، ولكل طبقة درجات لا تشارك اللاحقة سابقتها، ولكل طبقة - عدا الثالثة - صنفان يتشاركان في الارث لا يمنع أحدهما الاخر. فالطبقة الاولى: الابوان من غير ارتفاع، والابناء وان نزلوا، غير ان ولد الولد لا يشارك الولد، وولد الميت يشارك أباه وأمه " ولا يشاركه أجداده وجداته. والطبقة الثانية: الاخوة وأولادهم، وان نزلوا، والاجداد وان علوا، إلا أن الدرجة العالية من الاولاد تمنع النازلة، والدانية من الاجداد تمنع العالية، لما عرفت من أن لكل صنف درجات، ولا يمنع القريب من أحد الصنفين البعيد من الاخر.

[ 181 ]

والطبقة الثالثة - وهم الاعمام، والعمات، والاخوال، والخالات - صنف واحد، خلافا لنادر منا - كما ستعرف - إلا أن الداني منهم يمنع العالي، ذكرا كان أو أنثى، فان العم يمنع عم الاب، وهو يمنع عم الجد، وهكذا ما تصاعدوا وكذا الخال الادنى يمنع الخال الابعد، والعمة والخالة كالعمة والخال، وأولادهم أولاد الاعمام وأولاد الاخوال، ما تنازلوا، غير أن القريب منهم يمنع البعيد مطلقا، فالعم يمنع ابني الخال والخالة، وكذا الخال يمنع ابني العم والعمة وابن القريب - وإن بعد - يمنع البعيد وأولاده، والقريب من أولاد أحدهما يمنع البعيد من أولاد الآخر، لانهم صنف واحد، إلا ابن العم للابوين فانه يمنع العم للاب - وحده - للدليل الخاص - كما ستعرف - ولا يمنع البعيد القريب في غيره، ولا يرث معه، إلا إذا لم يزاحمه في استحقاقه كما جزم به جدنا (في المصابيح) تبعا للدروس، مثل أخ حر وولد نصفه حر: فان المال بينهما نصفان، وقد يتفق ذلك في الاخوة والاجداد بغير حجب، كما لو اجتمع الجد الاعلى لاب مع الادنى لام - وكان معهما أخوة للاب - فللجد للام فرضه، والجد البعيد لا يزاحمه فيه، فلا يحجب به، وانما يزاحم الاخوة، وهم لا يحجبونه، ولو كان الجد الادنى للام يحجب الجد الاعلى للاب لبعده لما شارك الجد الاعلى مع الاخوة، مع أنه يشاركهم، وكما لو اجتمع الجد الاعلى لام مع الادنى لاب - ومعهما إخوة للام - فإن الجد الادنى للاب لا يحجب الاعلى للام لاختصاصه بالثلثين، والجد الاعلى - لكونه غير محجوب بالادنى - يشارك الاخوة للام، وسيأتي تحقيق ذلك في الحجب، والمتقرب بالابوين يمنع المتقرب بالاب خاصة.

[ 182 ]

(المقدمة الثانية في الموانع وهي امور) (الاول) الكفر. وهو: مقابل الايمان (1) الذي هو التصديق


(1) الذي يستعرض كتب اللغة والتفسير والعقائد وبعض كتب الاخبار في هذا الشأن يلمس الايجابية في حقيقة الكفر ودخل عدم الايمان في ذلك ففي القاموس - مثلا - يعرفه بأنه ضد الايمان. وكذلك غيره من كتب اللغة فان عامتهم يأخذون في حقيقته: الجحد والمعاندة والتغطية أيضا. وكذلك نلمس المقابلة واضحة في تعاريف الكفر والايمان معا الواردة على ألسنة أهل التفسير والعقائد والحديث، ففي التجريد للخاجة نصير الطوسي: " والايمان التصديق بالقلب واللسان - إلى قوله - والكفر عدم الايمان إما مع الضد أو بدونه. " وفي شرحه للعلامة الحلي: " الكفر في اللغة هو التغطية، وفي العرف الشرعي هو عدم الايمان إما مع الضد، بأن يعتقد فساد ما هو شرط في الايمان، أو بدون الضد كالشاك الخالي من الاعتقاد الصحيح والباطل " وتتضح المقابلة أكثر لو استعرضنا بعض الآيات والروايات في المقام كقوله تعالى: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ". وقول الامام الصادق (ع) - كما في اصول الكافي -: " الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين وكفر النعم، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البرائة: " فالمقابلة بين الكفر والايمان إيجابية واضحة حتى كأنهما - أو هما - من المعاني المتضايفة التي يدخل أحدهما في تعريف الآخر كالفوقية والتحتية، والامامية والورائية ونحوهما الامر الذي يعطى أن تقابلهما من باب العدم والملكة أو الضدين، لا من باب السلب والايجاب - كما قيل -، فهي مقابلة بالمعنى الاخص. وقد تكون المقابلة بين الكفر والاسلام، ولكن لا على هذا الغرار، بل بالمعنى =

[ 183 ]

بالمعارف الخاصة مطلقا، أو منضما إليه الاقرار باللسان فقط، أو هو مع العمل بالاركان (1). والاسلام أعم منه مطلقا على قول (2) أو متحد معه صدقا لا مفهوما


= الاعم اي مقابلة السلب والايجاب. وبالجملة: فقد يراد بالكفر: ما يقابل الاسلام من حيث ترتيب الآثار الشرعية: من النجاسة والهدر وقطع المناكحات والتوارث ونحوهما مما يترتب على محض اظهار الاسلام. وملاكه: إنكار ما يعتبر في حقيقة الاسلام بالمعنى الاعم من الاعتراف بالشهادتين والمعاد. وقد يراد بالكفر: ما يقابل الايمان الذي هو الاسلام بالمعنى الاخص -: من الاعتراف بجميع ما يعتبر في الاسلام وزيادة الامامة والعدل ونحوهما من ركائز الايمان - كما هي مدرجة في كتب العقائد -. وقد لا يستلزم انكار ذلك ترتب الآثار الشرعية المذكورة ظاهرا: من النجاسة ونحوها " ولكنه معدود في الآخرة من الكافرين. (1) ولقد عرفه الشيخ المفيد - قدس سره - في كتبه العقائدية باحتواء هذه المفاهيم الثلاثة فقال: " الايمان: التصديق بالجنان والاقرار باللسان والعمل بالاركان " آخذا ذلك من كثير من الروايات، من ذلك ما أخرجه (ابن ماجه وابن مردويه والطبراني والبيهقي) - في شعب الايمان - عن علي بن أبي طالب (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الايمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالاركان ". (2) بمعنى أن النسبة بين الاسلام والايمان من العموم والخصوص المطلق، والخصوصية في جانب الايمان. وهذا المعنى يظهر لكل من يصوب نظره في كتب اللغة والتفسير والحديث والعقائد، فكتب اللغة تعرف الاسلام بالاذعان والانقياد والاستسلام والدين ونحو ذلك من المفاهيم العامة =

[ 184 ]

على قول آخر، أو متحد معه فيهما وان اختلفا حكما على قول ثالث، وهو الاقوى، فالتصديق معتبر فيهما. والكفر: عدم التصديق بما يكون التصديق به إيمانا، سواء صدق بعدمه أو لا: وقيل بالاول. والاول هو الاشهر الاظهر، فالخالي عن التصديقين ممن يكون من شأنه التصديق - سواء كان ملتفتا كالشاك أو غير ملتفت كمن لم تبلغه الدعوة - كافر على الاول، وواسطة على الثاني. مع امكان دعوى كون الثاني خارجا عن المقسم، لان التقسيم انما هو بالنسبة إلى الملتفت دون الغافل. وأما الصغير ومن بلغ مجنونا، فهما واسطة على كل تقدير، لعدم الشأنية فيهما الموجب للخروج عن المقسم، ولعلهما يندرجان في المستضعفين ولا يتوهم النقض بما يوجب الكفر من الاقوال والافعال كالسب وإلقاء المصحف في القاذورات مع وجود التصديق بأصول الايمان.


= وتعرف الايمان بالتصديق والاذعان والاعتقاد ونحو ذلك من تركيز تلك المفاهيم. وهكذا كتب التفسير، ففي تفسير قوله تعالى: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " يقول الازهري - كما في لسان العرب -: " فالاسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وبه يحقن الدم، فان كان مع ذلك الاظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الايمان الذي هذه صفته: " وكذلك يظهر هذا المعنى من الكليني في اصول الكافي، والبرقي في محاسنه - عن أحدهما (ع) حيث يقول: " الايمان إقرار وعمل، والاسلام إقرار بلا عمل "، وما في خصال الصدوق - بسنده عن الاعمش - عن جعفر بن محمد (ع) - في حديث -: " والاسلام غير الايمان، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا ". وغيرها كثير مما يدل على هذا المعنى.

[ 185 ]

أما أولا، فلمنع اجتماع مثل ذلك مع الايمان وانكشاف زوال التصديق بصدور واحد منهما كالاقرار الكاشف عما في القلب. وأما - ثانيا - فلو سلم بقاؤه فلعل الحكم بكفره من الشارع انما هو لحسم التجري على مثل ذلك، ولا استبشاع في كون الشخص الواحد في الزمان الواحد كافرا ومؤمنا باعتبار الظاهر والباطن، كمن أقر بالشهادتين المحكوم باسلامه مع عدم الاعتقاد بما أقر به. وكيف كان، فالكافر لا يرث المسلم باجماع المسلمين، والمسلم - عدا الامام - وان كان بعيدا يرث الكافر، وإن كان له وارث قريب، ويحجبه إجماعا منا، خلافا لمن خالفنا، تمسكا منهم بحديث: " لا توارث بين أهل ملتين " (1) وفيه - مع إمكان دعوى ظهوره في نفي التوارث من الطرفين لا نفيه من طرف واحد - إنه مفسر بذلك في عدة من أخبارنا. ويدل على ذلك كله - مضافا إلى الاجماع بقسميه - النصوص المعتبرة المستفيضة، بل المتواترة معنى وفيها الصحيح وغيره. ففي الخبر عن أبي ولاد: " قال سمعت أبا عبد الله - عليه السلام -


(1) في (مجمع الزوائد للهيتمي: ج 4 ص 225) الطبعة الثانية سنة 1967 م طبع دار الكتاب بيروت: " عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ترث ملة ملة. رواه البزاز والطبراني في الاوسط. وفيه عمر بن راشد، وهو ضعيف عند الجمهور ". وفي (التاج الجامع للاصول) تأليف الشيخ منصور علي ناصيف: ج 2 ص 251 الطبعة الثانية سنة 1381 ه‍ - كتاب الفرائض والوصايا والعتق: " عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله: لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم. رواه الاربعة، ولاصحاب السنن: لا يتوارث أهل ملتين شى ".

[ 186 ]

يقول: المسلم يرث امرأته الذمية، وهي لا ترثه " (1) وخبر الحسن بن صالح " عن أبي عبد الله (ع) قال: " المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه " (2) وخبر أبي خديجة: " عن أبي عبد الله (ع) قال: لا يرث الكافر المسلم، وللمسلم أن يرث الكافر إلا أن يكون المسلم قد أوصى للكافر بشئ " (3) وخبر عبد الرحمان بن أعين عن أبي عبد الله (ع) قال: " لا يتوارث أهل ملتين نحن نرثهم ولا يرثونا إن الله عزوجل لم يزدنا بالاسلام إلا عزأ " (4) وخبر أبي العباس قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا يتوارث أهل ملتين يرث هذا هذا ويرث هذا هذا، إلا أن المسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم " (5) إلى غير ذلك من النصوص الوافية ببيان ذلك. وأما الامام، فلا يرث من الكافر، وإلا لامتنع التوارث بين الكفار إلا المرتد، فميراثه مع عدم المسلم الوارث للامام - كما ستعرف - ولو مات الكافر عن ولد كافر وزوجة مسلمة كأن أسلمت ومات في العدة أو طلقها في المرض فمات وأسلمت في العدة، فالاصح - وفاقا لظاهر المعظم كما في (مصابيح) جدي العلامة - أن للزوجة الربع، والفاضل للامام، ولا شئ للولد: أما كون الزوجة لها الربع فلان الولد الكافر بحكم المعدوم مع الوارث المسلم - وهو هنا الزوجة - فلا يرث ولا يحجبها عن نصيبها الاعلى بعد تنزيله منزلة العدم، وأما كون الفاضل للامام (ع) فلانه إن لم يكن له، فلا يخلو: إما أن يكون للولد أو للزوجة. لا سبيل إلى الاول، لانه محجوب بالوارث المسلم وهو الزوجة، لعدم مشاركة الكافر مع المسلم في الارث فلا يحجب الامام أيضا، والامام (ع) انما


(1 - 5) الوسائل: كتاب الفرائض والمواريث، باب 1 من أبواب موانع الارث، حديث (1) و (2) و (3) و (6) و (15)

[ 187 ]

يحجب عن إرث الكافر بالكافر الوارث المفقود في المقام لا مطلقا ولا سبيل إلى الثاني أيضا، لما دل على عدم الرد على الزوجة مطلقا، كما هو الاقوى فإذا بطل الاولان تعين الثالث، وهو كونه للامام (ع). واحتمل في (القواعد) في المسألة إحتمالات، وقوى كون الثمن للزوجة والباقي للولد حيث قال: " فان قلنا بالرد فلا بحث، وإلا فأقوى الاحتمالات: أن للزوجة الثمن، والباقي للولد، ثم الربع والباقي له أولها أو للامام (ع) (1) ولنبين أولا وجوه الاحتمالات حتى يمتاز القوي منها على الضعيف: أما وجه القول بكون الربع لها والباقي للامام (ع) فقد عرفته (2) وأما وجه القول بأن لها الثمن والباقي للولد: أما كون الثمن لها، فلدخولها في عموم أو إطلاق (فلهن الثمن إن كان له ولد) وهذا ولد وأما كون الباقي للولد، فلانه ان لم يكن له: فاما أن يكون لها أو للامام (ع)، لا سبيل إلى الاول لانها بالنسبة إلى الباقي كالمعدوم لفرض عدم الرد عليها، ولا إلى الثاني لان الكافر يرث من الكافر مع عدم مسلم غير الامام، والمفروض عدمه هنا حكما بالنسبة إلى الباقي. ويضعفه عموم حجب الكافر بالمسلم وإطلاق الاصحاب عدم إرث الكافر مع وجود مسلم غير الامام، وتنزيلهم الكفار منزلة الموتى في الارث وأنه لو ورث، فأما أن ترث الزوجة الربع، وهو خلاف فرضها مع الولد الوارث، أو الثمن فيلزم حجب المسلم بالكافر، وهو باطل بالنص


(1) راجع ذلك في كتاب الفرائض، أوائل الفصل الثاني في موانع الارث، المطلب الاول - في الكفر. وأول العبارة هكذا " ولو كان مع الولد الكافر زوجة مسلمة، فان.. ". (2) آنفا من قوله: " أما كون الزوجة لها الربع.. " الخ

[ 188 ]

والاجماع من الامة عدا ابن مسعود - كما قيل - وأما وجه القول بأن لها الربع والباقي له: أما كون الربع لها، فلان الكافر لا يحجب المسلم، فلها الربع مع عدم الحاجب. وأما كون الباقي له فلعين ما تقدم: من كون الباقي - عدا الثمن - له لا لها، ولا للامام (ع) وضعفه يظهر مما تقدم. وأما وجه القول بأن الباقي لها بالرد، فهو مادل على عدم إرث الكافر مع وجود المسلم وعدم إرث الامام من الكافر، وهو حسن بالنسبة إلى عدم كون الباقي للولد. وأما الرد عليها، فيضعفه مادل على المنع عنه مطلقا، ولا دليل يوجب تخصيص منع الرد عليها بغير المقام. وأما الامام، فقد عرفت انه انما يحجب بالكافر الوارث لا مطلقا، والوارث المسلم هنا - وهو الزوجة - يجتمع مع الامام في الارث. وبالجملة: لا سبيل إلى إرث الولد ما فضل عن نصيب الزوجة، لانه حينئذ: ان كان لها الربع كان منافيا لما دل على أن نصيبها الثمن مع الولد الوارث، وان كان لها الثمن كانت محجوبة في نصف الربع بالكافر، والكافر لا يحجب المسلم. فإذا بطل كون الفاضل له: فإما أن يكون لها أو للامام، لا سبيل إلى الاول أيضا، لعدم الرد عليها مطلقا، فتعين كونه للامام، وحيث لا يكون الولد وارثا لا يكون حاجبا عن نصيبها الاعلى. (والنقض) بالاخوة الحاجبة للام عن نصيبها الاعلى مع عدم إرثهم (مدفوع) بأنه قياس مع الفارق، لقيام الدليل على حجب المسلم غير الوارث للمسلم، ولم يقم دليل على حجب الكافر كذلك للمسلم، بل عموم مادل على عدم حجب المسلم بالكافر دليل على العدم. فظهر قوة ما قويناه من الاحتمالات، وضعف الباقي منها.

[ 189 ]

هذا وظاهر عبارة (القواعد) التنافي بين كلاميه، حيث بنى الاحتمالات على القول بعدم الرد عليها وجعل منها احتمال الرد عليها. (ووجهه في كشف اللثام) (1) بما يرجع محصله - بتوضيح منا - إلى أن المبنى هو نفي عموم الرد، لا عموم نفيه، فإنه في مقابل الايجاب الكلي وهو قوله " فان قلنا بالرد فلا بحث " يكفي السلب الجزئي الذي يجتمع مع القول بالتفصيل: من كونه للامام في زمان حضوره، والرد عليها في غيبته، وبعبارة أخرى: إن لم نقل بالرد مطلقا سواء قلنا بعدمه مطلقا أو في خصوص زمان الحضور وحينئذ فاحتمال كون الباقي لها منزل على زمان الغيبة، واحتمال كونه للامام منزل على زمان الحضور أو القول بالعدم مطلقا. وفيه: مع أنه تفكيك ركيك أن القول بالرد في الغيبة أيضا يناسب عدم البحث فيه، لانه كالقول بالرد عليها مطلقا من حيث كون الباقي لها فالمناسب أن يكون المقابل الذي فيه البحث عدم الرد عليها مطلقا في زمان الحضور والغيبة. فالاحسن أن يجاب عنه: بأن الرد المنفي الذي لا بحث فيه إنما هو الرد عليها بالاصل، فلا ينافي الرد عليها هنا بالعرض، للانحصار فيه بعد بطلان كون الباقي للولد، لانه محجوب بالزوجة المسلمة، وبطلان كونه للامام: لانه لا يرث الكافر غير المرتد، وإلا لامتنع التوارث بين الكفار، فانحصر كونه لها في خصوص المقام. هذا ولا يتوهم منافاة ما ذكرناه آنفا: من اشتراط الحجب بالمزاحمة


(1) كشف اللثام في شرح قواعد الاحكام لمحمد بن الحسن الاصفهاني الشهير بالفاضل الهندي. راجع ذلك منه في كتاب الفرائض: اوائل المطلب الاول في الكفر من الفصل الثاني في موانع الارث.

[ 190 ]

بحيث ينتفي بانتفائها، لما ذكرنا هنا: من حجب الزوجة المسلمة الولد الكافر مع عدم مزاحمته لها فيما زاد على نصيبها الاعلى، لان حجب القريب للبعيد في " أولى الارحام " انما هو إذا زاحمه على وجه يكون المال له لولاه، ضرورة اختصاص الاولوية آية ورواية بالميراث فحيث لا ميراث لا أولوية. وسبب الحجب في المقام إنما هو حيثية الاسلام والكفر، زاحم أو لم يزاحم، فأثر الحجب هنا توريث الامام كأثر حجب الاخوة للام للتوفير على الاب. ولو كان الكفر تبعيا بان مات الكافر وله أولاد صغار وله ابن أخ وابن أخت مسلمان، فعن مالك بن أعين قال: سألت أبا جعفر (ع) عن نصراني مات وله ابن أخ مسلم وابن أخت مسلم، وللنصراني أولاد صغار وزوجة نصارى؟ قال فقال: أرى أن يعطى ابن أخيه ثلثي ما ترك ويعطى ابن أخته المسلم ثلث ما ترك، ان لم يكن له ولد صغار، فان كان له ولد صغار فإن على الوارثين أن ينفقا على الصغار مما ورثا من أبيهم حتى يدركوا قيل كيف ينفقان؟ قال فقال: يخرج وارث الثلثين ثلثي النفقة، ويخرج وارث الثلث ثلث النفقة، فإذا أدركوا قطعا النفقة عنهم، قيل له: فان اسلموا وهم صغار؟ قال: يدفع ما ترك أبوهم إلى الامام حتى يدركوا، فان بقوا على الاسلام دفع الامام ميراثهم إليهم، وان لم يبقوا على الاسلام إذا أدركوا دفع الامام الميراث إلى ابن أخيه وابن أخته المسلمين: يدفع إلى ابن أخيه ثلثي ما ترك، ويدفع إلى ابن أخته ثلث ما ترك " (1) وتنقيح المسألة: هو أن يقال: الكفر التبعي الحاصل بالتولد من الكافرين: هل يزول بموتهما كما في (كشف اللثام) حيث علل بأن كل


(1) الكافي للكليني: كتاب المواريث. باب آخر ميراث أهل الملل حديث (1).

[ 191 ]

مولود يولد على الفطرة، وإنما حكم بكفر الصغير تبعا لابويه، فإذا ماتا زالت التبعية، أو لا يزول؟ وهو الاقوى، بل هو ظاهر إطلاق الاصحاب في مباحث النجاسات وأحكام الموتى والنكاح والقصاص والديات والاسترقاق وغيرها. وعليه، فهل يزول بالاسلام مطلقا، أو يتوقف على إسلامه عند البلوغ؟ الاقوى الاول، بعد تنزيل مادل على التبعية على الغالب من نقصان الصبي عن إدراك الاديان وتميز ما هو الحق منها، وإلا فلو فرض معرفته بأصول الايمان معرفة تامة وتصديقه بها، فهو مسلم حقيقة غير محكوم عليه بالتبعية - ألبتة - ولو مع وجود الابوين، إلا أن إسلامه غير مستقر ما لم يبلغ، فإذا بلغ كذلك استقر. كما أن الكفر التبعي لا يستقر الا بالبلوغ كافرا، فكل: من الكفر والاسلام متزلزل لا استقرار له الا بعد البلوغ بل ما دل على ان الكافر لو أسلم قبل القسمة شاركهم في المال أو حازه كله (1) يدل على أن حجب الكافر من الارث بالمسلم يتوقف على أمرين: البلوغ والقسمة، ولذا لو أسلم قبلها ورث المال - كلا أو بعضا - لوجود العلقة النسبية وزوال المانع، فالحجب حين الكفر في الصغر حجب متزلزل لا يستقر إلا يتحقق الامرين. وحينئذ فمن حيث حجبهم ولو متزلزل يعطى المال للمسلمين يحفظانه ولا يتصرفان فيه، لعدم استقرار الحجب قبل البلوغ


(1) أي شاركهم إن كان معه غيره، وحازه كله، إن إنفرد بحق الارث. ولقد عقد في الوسائل كتاب الفرائض والمواريث بابا مستقلا في هذا المعنى أسماه: (باب أن الكافر إذا أسلم على ميراث قبل قسمته شارك فيه إن كان مساويا، واختص به إن كان أولى) استعرض فيه الروايات الدالة على ذلك، كقول الامام الصادق (ع): " من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله ميراثه، وان اسلم وقد قسم فلا ميراث له ".

[ 192 ]

والقسمة، وينفقان عليه لاحتمال زواله قبلها الكاشف عن إرثه من أول الامر، كما ان بقاءه على الكفر بعد البلوغ مع عرض الاسلام عليه وإبائه عنه يكشف عن إرث المسلم من حين الحجب. وأما إذا أسلم في حال الصغر ارتفع الحجب لزوال الكفر التبعي بعروض الاسلام وتحققه حقيقة، ولكن يتوقف استحقاقه الارث على الاتصاف به بعد البلوغ كالحمل المتوقف إرثه على تولده حيا بحيث لو ولد ميتا انكشف عدم إرثه إلا أنه لعدم استقراره قبل البلوغ تولى حفظه ولي المسلمين، وهو الامام (ع) وأنفق عليه ما يحتاج إليه، وإن لم ينص عليه في الرواية إلا أنه معلوم بالاولوية: من إنفاق المسلمين الوارثين، فان بقي على إسلامه بعد البلوغ دفع إليه إرثه، وإلا دفعه إلى الوارث المسلم، وهذا القسم من الاسلام لعدم كونه فطريا لا يوجب الارتداد عنه الارتداد عن فطرة، كما أن الارتداد عنه في حال الصغر لعدم المؤاخذة عليه لرفع القلم لا يجرى عليه أحكام المرتد الفطري، وان حكم بكفرة حقيقة. وبالجملة، ما ذكرناه هو مفاد (الرواية) على تقدير صحة سندها، إلا أن الشأن في ذلك، حيث وقع الخلاف فيه: فمنهم من وصفها بالصحة كالعلامة في بعض كتبه والشهيد في الدروس ومحكى (شرح الارشاد) وابن فهد في (محكي المهذب) بل عن جدنا المجلسي نسبته إلى أكثر الاصحاب، ومنهم من ضعفها لتردد مالك بن أعين بين أخي زرارة الضعيف والجهني المجهول، وفي بعض نسخ (الفقيه) أسندها إليه والى عبد الملك، وعليه الحر في (الوسائل) بل أكده بعد العطف بالواو بلفظ (جميعا) وعبد الملك - وإن كان ممدوحا - إلا أنه بغير توثيق، وعليها فتكون الرواية بطريق (الفقيه) حسنة، وأين الحسن من الصحيح؟ وفي بعض نسخه - على ما حكاه جدنا في (المصابيح) - الترديد بين مالك

[ 193 ]

وعبد الملك بلفظ أو، بل خطأ فيه الوسائل في العطف بالواو، وعن (الوافي) أيضا: الترديد بأو، دون العطف بالواو، ومع الاحتمالين لا يوصف السند إلا بالاخس بل ذكر عبد الملك بن أعين في طريق الصدوق يؤيد كون مالك أخا زرارة وهو مذموم وعلى كل حال، فالرواية ضعيفة السند، الا أن يقال بانجبارها بالشهرة - بقسميها - رواية وفتوى، لظهور رواية الراوين لها في العمل بها، مضافا إلى نسبة الفتوى بها إلى المفيد والقاضي والحلبي وابن زهرة والكيدرى ونجيب الدين وابن سعيد في الجامع، بل في الدروس: أن عليها معظم الاصحاب. وعن (المسالك) نسبة ذلك إلى أكثرهم، وإن اختلفوا فبعض اقتصر على موردها، ونسب المقتصر على موردها في (المصابيح) إلى الندرة، وبعض عنون المسألة بما إذا اجتمع مع الاولاد الاخوة للاب والاخوة للام، وهو المحكي في (المصابيح) عن الشيخين والقاضي، وبعض طرد الحكم في اجتماع القرابة مطلقا معهم كالحلبيين والمحقق الطوسي والكيدرى على ما حكاه عنهم في (المصابيح) والظاهر من المقتصر على مورد الرواية أو على إخوة الاب والام في الذكر انما هو من باب المثال، والا فالحكم عندهم مطرد كمن أطلق الحكم من غيرهم. واختلف بعض المتأخرين: فبين من طرحها لضعفها كثاني الشهيدين في (المسالك) وجدنا في (المصابيح) وغيرهما، وبين من توقف في العمل لضعف السند، ومخالفة المتن للاصول المقررة والقواعد المسلمة: من إيجاب النففة على الورثة بلا سبب وذهابها ممن يستحقها من غير عوض، واعتبار إسلام الصغير في الحكم بارثه مراعى وتوريث من أسلم بعد القسمة ومنع الوارث المسلم من دون حاجب، فان الطفل تابع لابويه في الكفر إجماعا، ولولا التبعية لاطرد الحكم في الاطفال مطلقا ولكان المتصرف

[ 194 ]

بالانفاق عليهم الولي الشرعي دون القرابة، ولم يقل به أحد. وأنت خبير بما في موجبات الطرح أو التوقف: أما ضعف السند، فمع كونه مجبورا فطريقه صحيح إلى مالك بن أعين: وفيه الحسن بن محبوب، وهو من أصحاب الاجماع، ولعله لذا وصفها الاكثر بالصحة واعترفوا بكونها من المشاهير، فهي - إذا - حجة لا بأس بتخصيص العمومات بها. وأما مخالفة المتن للاصول فيما ذكرنا ظهر لك عدم مخالفته لشئ منها، لان بذل النفقة انما هو لكون علقة النسب مقتضية للارث والمانع - وهو الكفر التبعي - وحجبه بالمسلم لعدم استقراره قبل البلوغ غير معلوم، ولذا لا يرجع عليه بعوضها، وقبض الوارث المسلم أو المسلمين للحجب المتزلزل انما هو مراعى باستقرار الحجب عند البلوغ، فليس قبض استحقاق للارث حتى كون قسمة، فمن بلغ وقبل الاسلام كان أحق بالارث ولم يندرج في مسألة (من أسلم بعد القسمة) لعدم تحققها وإن بقى على الكفر تحقق المانع واستقر الحجب وكان الارث للوارث المسلم أو المسلمين. ولو أسلم الصغير زالت التبعية وينفق عليه بالاولوية، ويتولى قبض المال ولي المسلمين، إلا أن إسلامه لتزلزله وعدم استقراره قبل البلوغ لا يكون كالصغير المتولد من المسلم في استحقاق الارث من حينه، بل يكون مراعى بانكشاف حاله عند البلوغ: فان بقى على إسلامه إلى البلوغ دفع إليه إرثه لاستقرار إسلامه، وإلا حجب بالوارث المسلم ودفع إليه وبالجملة، فمن حيث تحقق الاسلام وزوال الكفر التبعى به لم يتول الوارث المسلم قبض المال، ومن حيث عدم استقراره قبل البلوغ تولى قبضه الامام. فقد ظهر لك مما ذكرنا عدم مخالفة الرواية بشي ء من القواعد.

[ 195 ]

وإن أبيت عن ذلك فنقول: بعد حجيه الخبر لما تقدم يكفي الخروج به عن تلك القواعد. وإن سلمت مخالفته لها، فالاظهر ما عليه الاكثر، وان كان الاحتياط مع الامكان لا ينبغي تركه. بقى هنا مسائل: (الاولى) الكفار يتوارثون على اختلاف أصنافهم في الملة، ما لم يكن مسلم وارث غير الامام - وان بعد - فيرث الذمي بأصنافه الحربي بأصنافه، وبالعكس. وما ورد، من أن أهل ملتين لا يتوارثون، فالمراد ملة لكفر وملة الاسلام (1) وإلا فالكفر - كما ورد - ملة واحدة - كما أن المسلمين يتوارثون على اختلاف مذاهبهم، لا تجادهم في الملة، إلا الغلاة والنواصب وشبههم، فانهم كفار وان انتحلوا دين الاسلام، فنرثهم ولا يرثوننا، والطفل يتبع أشرف الابوين إذا اختلفا في الكفر والاسلام. فالكلام في هذه المسألة يتم في ضمن ثلاثة مطالب: (المطلب الاول) في توارث الكفار الاصليين بعضهم من بعض مطلقا. ويدل عليه - مضافا إلى عموم مادل على سببية النسب والسبب للارث - خصوص المعتبرة المستفيضة - بل المتواترة معنى - الدالة على ذلك منطوقا ومفهوما (2)، والاجماع المستفيض المعتضد بعدم وجدان الخلاف فيه، إلا ما يحكى عن (الديلمي) فيتوارثون ما لم يكونوا حربيين، وما يحكى عن (شارح الايجاز) فالحربي لا يرث الذي. ولعل الوجه في ذلك:


(1) كما مرت - آنفا - الروايات الواردة عن الائمة الاطهار (ع) في هذا المعنى. (2) ولقد عقد في الوسائل - كتاب الفرائض والمواريث - لذلك بابا خاصا في ضمن أبواب موجبات الارث، فقال: باب أن الميراث يثبت بالنسب والسبب.

[ 196 ]

أن أموالهم في، فلا يملكها أحد منهم، والذمي يملك منهم ولا يملكون منه، وفيه - مع مخالفته لعموم مادل على توارث الكفار - أن غايته سقوط احترام ماله وجواز مزاحمته فيه، لا عدم تملكه له بالارث وغيره (المطلب الثاني) في توارث المسلمين: بعضهم من بعض، وان اختلفوا في المذهب، وهو مدلول عليه بالكتاب والسنة والاجماع: عموما وخصوصا بل هو من ضروريات الدين. نعم يستثنى منهم من حكم بكفره من الفرق التي: (منها) من أنكر ضروريا من ضرويات الدين كمستحل الخمر والخنزير، وترك الصلاة والزكاة، بالاجماع المحكي فوق حد الاستفاضة المعنضد بعدم الخلاف فيه، وإن اختلفوا في كون الانكار: هل هو بنفسه سبب مستقل على حد إنكار التوحيد والرسالة - كما نسب إلى الاكثر بل عن بعض إلى ظاهر الاصحاب - ولعله لاطلاق حكمهم بكفر منكر الضروري أو لاستلزامه عدم تصديق النبي أو تكذيبه فيما جاء به، كما هو قضية من قيد الانكار بعدم الشبهة المحتملة في حقه كالمقدس الاردبيلي في (مجمعه) والمحقق الخونساري في (حاشيته الجمالية) والوحيد البهبهاني في (شرح المفاتيح) (1) وغيرهم، لان مرجع الشبهة إلى إنكار كونه مما أخبر به


(1) مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد العلامة، للمقدس المولى أحمد بن محمد الاردبيلي المتوفى في النجف الاشرف سنة 993 ه‍. طبع بايران في مجلد ضخم بالشكل الحجري، وحاشية شرح الاشارات للمحقق الاقا حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري المتوفي سنة 1099 في الفلسفة والعقائد. ولعله لا يزال من نفائس المخطوطات، وربما توجد نسخة منه في مكتبة آل كاشف الغطاء في النجف الاشرف. وشرح مفاتيح الشرائع للاستاذ الاكبر الاقا الوحيد البهبهاني المتوفى 1206 في كربلا، ودفنه =

[ 197 ]

النبي، لا إنكار ما أخبر به (1). وعليه فيختص الحكم به بأهل المعرفة بكونه من الضروريات دون من جهله، فيعم الحكم من أنكر ضروريا من ضروريات المذهب، وكان هو من أهل ذلك المذهب كمن أنكر حلية التمتع، أو قال بالعول والتعصيب وهو من الامامية، لعلمه بأن حلية الاول وعدم ثبوت الثاني من ضروريات مذهبه الذي يستند إلى إخبار النبي به، بل يعم الحكم لكل ما قطع بكونه مما أخبر به، ولو من اجماع محصل، فانه حينئذ انكار لما هو من الدين. ولا بأس بنقل بعض عباراتهم في ذلك: ففي (مجمع الاردبيلي) ما لفظه: " الضروري الذي يكفر منكره: الذي ثبت عنده يقينا كونه من الدين ولو بالبرهان ولو لم يكن مجمعا عليه، إذ الظاهر أن دليل كفره هو إنكار الشريعة وإنكار صدق النبي في ذلك مع ثبوته يقينا عنده، وليس كل من انكر مجمعا عليه يكفر، بل المدار على حصول العلم والانكار وعدمه، إلا أنه لما كان حصوله في الضروري غالبا جعلوا ذلك مناطا، وحكموا به، فالمجمع عليه ما لم يكن ضروريا لم يؤثر " وفي (الحاشية الجمالية) قال: " ثم بعض ما علم ثبوته من الدين ضرورة إنما يكون إنكاره كفرا إذا لم يكن ذلك لشبهه كأن يكون - مثلا -


= تلميذه الاعظم السيد المهدي بحر العلوم مع أبيه السيد المرتضى في الرواق الحسيني مما يلي قبور الشهداء. خرج منه ثمان مجلدات في العبادات وتوجد بعض مجلداته في مكتبة أمير المؤمنين (ع) في النجف الاشرف. (1) وبتعبير أوضح: هل أن انكار الضروري سبب مستقل للكفر على نحو الموضوعية أو أنه يوجب الكفر من باب الطريقية لانكار الرسالة ولا يتحقق ذلك إلا بالالتفات؟ المشهور هو الاول، والتحقيق هو الثاني لانه القدر المتيقن من الادلة، ولتوقف الصدق العرفي للعنوان على ذلك المعنى.

[ 198 ]

قريب العهد بالدين، ولم ينشأ بين أهله، فلو كان لشبهة لا يحكم بكفره وذلك لان الحكم بكفر منكر الضروري كالصلاة انما هو باعتبار أن كل من نشأ بين المسلمين وعاشرهم يعلم بديهة وجوب الصلاة في شرعنا وإخبار نبينا به، فانكاره لا يحتمل أن يكون باعتبار إنكار إتيان النبي صلى الله عليه وآله به، بل ليس منشأه الا عدم الايمان بالنبي والتصديق به، وان كان يظهر الايمان، ويقول بحسب الظاهر أن النبي لم يحكم بوجوبه، فان ذلك للتقية أو نحوها. وأما في الباطن فلم يؤمن، وليس منشأ الانكار الا ذلك، وظاهر أن هذا انما يتمشى مع عدم الشهبة - كما ذكرنا - إذ من كان قريب العهد والصحبة بالاسلام والمسلمين ونشأ في بلاد الكفر بلا إطلاع منه على عقائد المسلمين، فربما خفي عليه بعض ضروريات الاسلام وإخبار النبي صلى الله عليه وآله فلو أنكره لم يعلم من إنكاره إنكار النبي فتفطن " وفي (شرح المفاتيح) للوحيد ما نصه: " إن كل من أنكر ضروري الدين يكون خارجا عنه عند الفقهاء إذا لم يحتمل فيه الشبهة إلا أن يكون قريب العهد بالاسلام أو ساكنا في بلاد الكفر معيشا فيها بحيث أمكن في شأنه عروض الشبهة " انتهى. قلت: ولعل الذي ألجأ هؤلاء إلى ما ذكروه، هو عدم الدليل على سببية العنوان المتقدم بنفسه للكفر، فالتجاؤا إلى إرجاعه إلى حيثية استلزامه لعدم تصديق النبي أو تكذيبه الذي لا شك في سببيته له، ولذا قيدوا الانكار بما يستلزم ذلك من عدم احتمال الشبهة، وجعلوه وهو الوجه في ذلك. وهنا وجه آخر، لعله أولى بالركون إليه يجتمع مع الوجه المذكور ويفترق عنه، وهو: ان إنكار الضروري مستلزم لتحقق عنوانه الخروج عن الدين الذي لا شك في سببيته للكفر، ضرورة أن التدين بدين الاسلام

[ 199 ]

معتبر في صحة الاسلام، لان (أسلم) عرفا وشرعا بمعنى (دان) بدين الاسلام بل ليس المراد من التكليف بالاسلام إلا التدين به واتخاذه دينا له والالتزام بنحو التدين بجميع ما هو معتبر فيه: من الاصول والفروع من التوحيد والنبوة، والتصديق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ولو بنحو الاجمال، ولا شك في صدق الخروج عن الدين الموجب للكفر بعدم التدين بحكم من أحكامه أو التدين بعدمه، لتضمن الكتاب والسنة: أن من خرج عن دين الاسلام فهو كافر. ففي الحديث: " أدنى ما يكون العبد به كافرا من زعم أن شيئا نهى الله عنه أن الله أمر به ونصبه دينا... " (1) الحديث وفي صحيحة أبي الصباح الكناني، قال: " قلت لابي جعفر (ع) ان عندنا قوما يقولون: أشهد أن لا أله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهو مؤمن؟ قال (ع): فلم يضربون الحدود ولم يقطع - إلى أن قال: فما بال من جحد الفرائض كافرا " (2) وفي مكاتبة عبد الرحيم الصحيحة، وفيها "... ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال بأن يقول للحلال: هذا حرام وللحرام: هذا حلال، ودان بذلك، فعندها يكون خارجا من الاسلام والايمان، داخلا في الكفر " (3)


(1) حديث مفصل ذكره الكليني في (ج 2 من أصول الكافي) باب: أدنى ما يكون به العبد مؤمنا. (2) الوسائل: باب (2) من أبواب مقدمة العبادات، حديث 3. (3) وهو عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " أنه كتب إليه مع عبد الملك بن أعين: سألت - رحمك الله - عن الايمان. والايمان هو الاقرار - إلى أن قال -: والاسلام قبل الايمان.. " =

[ 200 ]

وفي صحيحة عبد الله بن سنان " قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت: هل يخرجه ذلك عن الاسلام - إلى أن قال - فقال (ع): من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك عن الاسلام... " الخ (1) ونحوها رواية مسعدة بن صدقه المروية في (الكافي) في باب الكبائر. (2) وصحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر (ع) " قال: سألته عن أدنى ما يكون به العبد مشركا؟ قال (ع): من قال للنواة: حصاة وللحصاة: إنها نواة ثم دان به " (3) وما رواه في (الوسائل) عن تحف العقول عن الصادق (ع) - في حديث - قال: "... ويخرج من الايمان بخمس جهات من الفعل، كلها متشابهات معروفات: الكفر والشرك والضلال والفسق وركوب الكبائر فمعنى الكفر كل معصية عصي الله بها بجهة الجحد والانكار والاستخفاف والتهاون في كل ما دق وجل، وفاعله كافر، ومعناه معنى كفر من أي ملة كان ومن أي فرقة كان بعد أن يكون بهذه الصفات فهو كافر - إلى أن قال -: فان كان هو الذي مال بهواه إلى وجه من وجوه المعصية لجهة الجحود والاستخفاف والتهاون فقد كفر، وان هو مال بهواه إلى التدين لجهة


= (راجع الوسائل، كتاب الحدود والتعزيزات، باب 10 جملة مما يثبت به الكفر والارتداد، حديث (50) (1) و (2) الوسائل: كتاب الطهارة، باب 2 من أبواب مقدمة العبادات، حديث (10، 11). (3) أصول الكافي للكليني: كتاب الايمان والكفر باب الشرك، حديث (1).

[ 201 ]

التأويل والتقليد والتسليم والرضا بقول الآباء والاسلاف فقد أشرك " (1) ومفاد هذه الاخبار لا ينفك عن العنوان المنتزع منها، وهو الخروج عن الدين الذي هو سبب للكفر، بل هو الكفر حقيقة، من غير فرق في عدم التدين بين ما كان من أصول الدين أو من فروعه بعد العلم - أو ما بحكمه - بأنه من الدين. وهذان الوجهان (2) يشتركان في التكفير بانكار ضروري المذهب من أهل المذهب، بل كل ما قطع من دليله بأنه حكم النبي فحكم بخلافه وان لم يكن ضروريا، وكذا إذا اعترف بالقطع به بل الاخيران أولى لحصول العلم الفعلي له فيهما، وفي الاول علمه بالضرورية من حيث وجوب التدين به لبطلان الشبهة في مقابل الضرورة بحكم العلم بالمخالفة لعدم اتصافه في الحقيقة بالعلم الذي هو من الصفات النفسانية. ويفترقان في من أنكر الضروري مع علمه بأنه ضروري لشبهة أوجبت له إنكار كونه مما أخبر به النبي، فلا يحكم بكفره على الاول لعدم تكذيبه للنبي، ويحكم به على الثاني لخروجه به عن الدين بعد أن لم يكن مسرح للشبهة في مقابل الضرورة، وبعبارة أخرى: العلم بضروريته من الدين بحكم علمه بكونه منه في وجوب التدين به والخروج عن الدين


(1) الوسائل: كتاب الطهارة، باب 2 من أبواب مقدمة العبادات حديث (15). (2) اللذان وجه المصنف بهما القول المخالف للمشهور في تقييد عنوان المنكر للضروري باستلزام عدم تصديق النبوة وتكذيب النبي، وقد أشار إلى الاول منهما بقوله: (قلت ولعل الذي) والى الثاني بقوله: (وهنا وجه آخر..) وملاك الوجه الاول: الانكار والتكذيب، وملاك الثاني: الخروج عن الدين مطلقا.

[ 202 ]

بمخالفته، ولذا قيدنا إنكار الضروري بكون ضروريته معلومة للمنكر. والاخبار - وان كان مفادها أعم من المدعى لشمولها مطلق المخالف لما هو من الدين - ضروريا كان أو نظريا، عالما بضرويته أو جاهلا، قاصرا كان الجاهل أو مقصرا، لعموم العنوان المستفاد منها من الخروج عن الدين - إلا أن ذلك لا ينافي خروج ما خرج بالدليل من المخالفة في النظريات لجواز الاجتهاد فيها وتنزيل مؤداه منزلة الواقع لان هذا التنزيل أيضا مما جاء به النبي، فيبقى تحت العموم. ويفترقان عن القول بالسببية المستقلة تعبدا المنسوب إلى الاكثر في انكار ضروري المذهب ممن كان من أهله، فيحكم بكفره عليهما، ولا يحكم به على الاول لانحصار السبب حينئذ بما إذا كان المنكر ضروري الاسلام لوقوع الاقتصار في معقد إجماعهم على ذلك، فلا يتسرى إلى غيره من ضروري المذهب. وإن كان لا يبعد تنزيل إطلاق كلامهم أيضا على صورة الاطلاع على كونه ضروري الاسلام، فيرجع مستندهم حينئذ إلى الوجه الذي ذكرناه: من استلزامه الخروج عن الدين. وان افترقا في اختصاص الضروري بضروري الاسلام أو تعميمه لضروري كل مذهب بالنسبة إلى أهله (1) لا يقال: المنكر لشبهة غير المطلع على ضرورية المنكر - بالفتح - على ما ذكرنا من الوجه محكوم بكفره لصدق عنوان (الخروج عن الدين) عليه، وحينئذ فالتقييد بالاطلاع: إما لغو أو يوجب عدم الخروج. لانا نقول: إن مرجع التقييد إلى تقييد سببية إنكار الضروري الذي هو محل الكلام بالاطلاع، لا حصر وجه الخروج عن الدين به، فلا ينافي كفره بسبب آخر. ولعل وجهه هو إمكان اجتهاده بغير تقصير في الفحص عن طلب الحق.


(1) فالاول بناء على القول المشهور، والثاني بناء على الوجه المذكور.

[ 203 ]

هذا وقد ناقش شيخنا المرتضى - قدس سره - في شمول الاخبار المتقدمة للقاصر المنكر للحكم الفرعي الضروري حيث قال: " إلا أن الانصاف أن في شمول الاخبار المطلقة المتقدمة الدالة على حصول الكفر بالاستحلال للقاصر نظرا ظاهرا، ومنع وجود القاصر في الكفار كلام آخر - إلى أن قال - ولو سلم ما ذكر من الاطلاق، فانما هو في العقائد الضرورية المطلوب من المكلفين التدين بالاعتقاد بها دون الاحكام العملية الضرورية التي لا يطلب فيها العمل، فالاقوى التفصيل بين القاصر وغيره في الاحكام العملية الضرورية دون العقائد، تمسكا في عدم كفر منكر الحكم العملي الضروري بعدم الدليل على سببية للكفر مع فرض عدم التكليف بالتدين بذلك الحكم ولا بالعمل بمقتضاه، لانه المفروض، ويبعد أن لا يحرم على الشخص شرب الخمر ويفكر بترك التدين بحرمته " (1) وأنت خبير بأنه لا إشكال في وجوب التدين - ولو بنحو الاجمال - بجميع ما جاء به النبي من غير فرق بين أصول العقائد والاحكام الفرعية إذ مرجعها أيضا إلى تصديق النبي صلى الله عليه وآله والانقياد إليه من حيث كونه مبلغا وحاملا للدين، فالانقياد له انقياد لرب العالمين (وكون) الغرض الاصلي في العمليات هو العمل من حيث الفعل والترك (لا ينافي) وجوب التدين والانقياد إليه لذلك، فهو بتدينه بالرسالة متدين بأحكام الرسول صلى الله عليه وآله ومكلف بها في ضمن التكليف باعتقاد الرسالة - ولو بنحو الاجمال - الذي يكفي في صدق دخوله في الاسلام، وان كان القاصر الغافل غير


(1) وهذا تعقيب لعبارته المفصلة التي أولها: " والحاصل أن المنكر للضروري الذي لا يرجع إنكاره إلى إنكار النبي صلى الله عليه وآله إما أن يكون قاصرا وإما أن يكون مقصرا.. " راجع ذلك في كتاب الطهارة، النظر السادس في النجاسات، الثامن - الكافر بأقسامه.

[ 204 ]

منجز في حقه التكليف كالنائم، لا أنه غير مكلف به أصلا كالصغير والمجنون، فحرمة شرب الخمر - مثلا - مكلف بالتدين بها القاصر، وان لم يكن - لقصوره - منجزا عليه، وهو متدين به أيضا بالنحو الاجمالي بتصديقه النبي صلى الله عليه وآله فإذا استحل شربه ودان به خرج عما تدين به أولا بالاجمال وبه يحكم بكفره، وان لم يشربه. نعم لو شرب مع ذلك عوقب من حيث الكفر بالاستحلال، ومن حيث العمل أيضا، ولو لم يشرب عوقب من حيث الكفر دون العمل، لعدم الشرب. لكن القاصر إن فرض تحققه لا يؤاخذ بشئ من ذلك، وان حكم بكفره لصدق الخروج عن الدين عليه، والكفر ملازم لمخالفة أصل التكليف دون تنجزه. فظهر بما ذكرنا مواقع التأمل في كلامه - قدس سره - اللهم الا أن يفرق في القاصر بين المستحل المتدين به، وغير المتدين المنبعث بناؤه عن مجرد عدم المعرفة بدعوى خروج الثاني عن مفاد الاخبار، بتقريب: أن القاصر كما ذكرنا - متدين بالحكم الفرعي الواقعي إجمالا، وان لم يعرفه تفصيلا، ولذا كان مسلما بمحض التصديق الاجمالي الشامل لجميع الاحكام التي منها ما استحله، غير أن الاستحلال (مرة) يكون لعدم المعرفة بكونه حراما لعدم تطرق الحرمة في ذهنه والبناء على الاباحة العقلية (وأخرى) بأن يتدين بالاستحلال ويتخذه دينا له، لا مجرد الجواز الذي يبنى على ما لم يعلم دليل الحرمة، والذي يوجب الخروج إنما هو الثاني لزوال ما تدين به أولا - ولو اجمالا - بعروض التدين بالثاني. ولا كذلك الاول لبقاء التدين الاجمالي معه، وإن بنى على الجواز لعدم المعرفة بأنه من مصاديق ما تدين به إجمالا، فالخطأ - هنا - إنما هو في الصغرى، والا فهو باق على تدينه به في ضمن تدينه بأحكام النبي صلى الله عليه وآله، ولذا وقع التقييد بما إذا دان به في جملة من الاخبار المتقدمة المحمول عليها الباقي

[ 205 ]

منها، والظاهر منه كون القيد احترازيا، لا توضيحيا. ويؤيد ما ذكرنا - بل يدل عليه - ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): أنه دفع الحد عن شارب الخمر معتذرا بأنى لم أعرف حرمته (1) وحينئذ، فالاظهر التفصيل في القاصر المستحل: بين التدين به، وغيره. هذا، والمسألة بعد محتاجة إلى التأمل. (ومنها الخوارج) وهم الذين حاربوا عليا (ع) (2) بل منهم


(1) في الوسائل: كتاب الحدود والتعزيرات، باب (10) من أبواب حد المسكر، حديث (1) " محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن فضال عن ابن بكير عن أبي عبد الله (ع) قال: شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر فرفع إلى أبي بكر، فقال له: أشربت خمرا؟ قال: نعم. قال: ولم - وهي محرمة - قال فقال الرجل: اني اسلمت وحسن اسلامي ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلون، ولو علمت أنها حرام اجتنبتها. فالتفت أبو بكر الي عمر فقال: ما تقول في أمر هذا الرجل؟ فقال عمر: معضلة وليس لها إلا أبو الحسن. فقال أبو بكر أدع لنا عليا، فقال عمر: يؤتى الحكم في بيته. فقام والرجل معهما ومن حضرهما من الناس، حتى أتوا أمير المؤمنين (ع) فأخبراه بقصة الرجل، وقص الرجل قصته، فقال (ع): ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين والانصار من كان تلا عليه ارث التحريم فليشهد عليه. ففعلوا ذلك به، فلم يشهد عليه أحد بأنه قرأ عليه آية التحريم، فخلى سبيله، فقال له: إن شربت بعدها أقمنا عليك الحد ". (2) وهم فرق كثيرة كالاباضية - اتباع عبد الله بن أباض - والازارقة - أتباع نافع بن الازرق - والاصفرية - أتباع زياد بن الاصفر - والبهيسية - أتباع بهيس بن الهيصم بن جابر - والعجاردة - أتباع =

[ 206 ]

من حارب شبليه: الحسن والحسين (ع) (1)، وان صار هذا اللفظ علما بالغلبة لخصوص الاول فلا خلاف في كفرهم، بل الاجماع عليه مستفيض النقل (2) ويدل عليه - مضافا إلى ذلك، والى كونهم منكرين لعدة من ضروريات الاسلام كتكفيرهم أمير المؤمنين (ع) وسبهم له وقتالهم إياه


= عبد الرحمن بن عجرد - والنجدات - اتباع نجدة بن عامر النخعي - والمحكمة وهم الذين خرجوا على علي (ع) وكفروه عند التحكيم، وهم زهاء اثني عشر ألفا، وكانوا من أهل العبادة، ولكل من هذه الفرق فروع وأتباع وعقائد فصلتها كتب الفرق والمقالات - وقاسمهم المشترك تكفيرهم لعلي (ع) وبغضهم إباه، ولعل منطلق الفرق كلها هم: الناكثون أصحاب النهروان والقاسطون أصحاب صفين معاوية وحزبه (1) وذلك بعموم الملاك ووحدة المناط - فان الخروج على أمير المؤمنين عليه السلام إنما يوجب الكفر من حيث التمرد على الامامة الكبرى التي هي من ضروريات الدين، وذلك المعنى شامل للخروج على كل إمام مفنرض الطاعة. قال ابن أبي الحديد - في شرح النهج ج 1 ص 9 طبع دار إحياء الكتب العربية -: " ولا ريب في أن الباغي على الامام الحق والخارج عليه بشبهة أو بغير شبهه فاسق، وليس هذا مما يخصون به عليا عليه السلام فلو خرج قوم من المسلمين على غيره من أئمة الاسلام العدول، لكان حكمهم حكم من خرج على علي صلوات الله عليه ". (2) قال ابن أبي الحديد في المصدر الآنف: " أما أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلهم إلا عائشة وطلحة والزبير فانهم تابوا ولولا التوبة لحكم لهم بالنار لاصرارهم على البغي وأما عسكر الشام بصفين فانهم هالكون كلهم عند أصحابنا، لا يحكم لاحد منهم إلا بالنار، لاصرارهم =

[ 207 ]

الاخبار المستفيضة الصربحة والظاهرة في كفرهم (1) بل تشملهم أخبار كفر النواصب، لاندراجهم فيهم حقيقة. (ومنها النواصب) وكفرهم - مع كونه منصوصا عليه مستفيضا (2) - مما لا خلاف فيه، بل الاجماع مستفيض عليه (3).


= على البغي وموتهم عليه: رؤساؤهم والاتباع جميعا، وأما الخوارج فانهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوي المجمع عليه، ولا يختلف أصحابنا في أنهم من أهل النار ". (1) كما في سفينة البحار وغيره من كتب الاخبار: من النبوي المرسل عنه صلى الله عليه وآله في وصفه للخوارج بأنهم: " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ومن قول الامام الباقر (ع) للفضل - وقد دخل عليه رجل محصور عظيم البطن فجلس معه على سريره فحياه ورحب به، فلما قام قال: هذا من الخوارج كما هو، قال قلت: مشرك؟ فقال: مشرك، والله مشرك "، ونحوهما من الاخبار كثير. وراجع أيضا: الوسائل: باب 10 من أبواب حد المرتد. (2) من ذلك: رواية الفضيل بن يسار، قال: " سألت أبا جعفر (ع) عن المرأة العارفة: هل أزوجها الناصب؟ قال: لا، لان الناصب كافر " - كما في الوسائل: كتاب النكاح، باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، حديث (15). (3) قال الشيخ البحراني في (حدائقه ج 5 ص 175) طبع النجف: " المشهور بين متأخري الاصحاب هو الحكم باسلام المخالفين وطهارتهم، وخصوا الكفر والنجاسة بالنواصب، وهو عندهم: من أظهر عداوة أهل البيت (ع) والمشهور في كلام أصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم، وهو المؤيد بالروايات الامامية ".

[ 208 ]

وان اختلفوا في معنى النصب: فبين قائل: انه البغض لعلي (ع) على وجه التدين، وهو موافق لما عن (القاموس): " النواصب والناصبية وأهل النصب: المستدينون ببغضة علي (ع)، لانهم نصبوا له، أي عادوه " وقائل: إنه التظاهر بالبغض لاهل البيت، وقائل: إنه مطلق بغضهم (ع)، وقائل: إنه البغض لشيعتهم من حيث كونهم شيعتهم (1) والمتيقن منها في الحكم بالكفر: هو التدين ببغضهم (ع) أعلن أو لم يعلن - بل هو مندرج في عنوان منكر ضروري الدين، فيكون مدلولا عليه أيضا بما دل على كفر منكره: من الاجماعات والنصوص. ولعل إطلاق الكفر في بعض الاخبار على مطلق البغض مع عدم العلم بضروريته به، كناية عن الخبث الذاتي والكفر الباطني، دون ما هو موضوع للاحكام الخاصة (2) إلا أن يدعى - وهو غير بعيد - أن بغضهم (ع) من حيث هو سبب مستقل للكفر، فتكون مودة (ذوى القربى) على حد الرسالة، إلا أن الاقرب أن كفرهم لانكار الضرورة، فان حرمة معاداة أهل البيت (ع) من ضروريات الاسلام المعلوم عند الخواص والعوام (ومنه الغلاة) (3) وهم الذين ادعوا ربوبية علي (ع)، وعن


(1) كل هذه الاقوال مستقاة من ظواهر روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، لا يسع المجال لاستعراضهما، وقد حفل بها كتاب اصول الكافي للكليني وغيره من كتب الاخبار الموسعة، فراجع: خصوصا باب الايمان والكفر. (2) من النجاسة وهدر الدم والمال وانفصال المناكحات والمبايعات، ونحو ذلك من الاحكام المترتبة على الكافر غير الملتزم بمراسيم الاسلام. (3) وأصل الغلو - كما في الكتاب والسنة وكتب اللغة -: الارتفاع والتجاوز عن الحد، والافراط في الشئ. وبهذا المعنى ورد المصطلح الشرعي =

[ 209 ]

بعض العبارات: ربوبية احد الائمة (ع)، وعن بعض قد يطلق على من قال بآلهية أحد من الناس (1). وعلى كل حال: كفر من يدعى شيئا من ذلك إجماعي، بل ضروري ولو بنحو الحلول فيه، ولذا يحكم بكفر بعض المتصوفة المدعي: أن ليس في جبته إلا الله - كما يحكى عنه (2) - اعاذنا الله من هذه الخرافات، ومن


= للغلاة - مهما اختلفت موارد غلوهم وإفراطهم بالمستوى البشري إلى أوج الالوهية أو الرسالة. (1) كالسلمانية من فرق المغالين، وهم القائلون بآلهية سلمان الفارسي. (2) وقد نسبت هذه الكلمة الكافرة إلى الحسين بن منصور الحلاج المقتول سنة 309 ه‍ ومثل ذلك في قول الكفر كلمة أبي يزيد البسطامي المتوفى سنة 261 ه‍ " سبحاني ما أعظم شأني ". ونحو ذلك من الكلمات الكافرة المنسوبة إلى الصوفية المتطرفة القائلين بوحدة الوجود بمعنى الوحدة الحقيقية بين كل الموجودات، فلا تعدد في الوجود كما لا تعدد في الموجود، على أساس أن كل واحد من مظاهر الممكنات بالنظر إلى وجوده تعالى هي هو بلا فرق بين مراتب الوجود من حيث الكمال والنقصان. وهذا المعنى من تفسير وحدة الوجود لا شك بكونه مما ينكره العقل والنقل، ومعتقده كافر بالصانع. وأما لو فسرت (وحدت الوجود) بمعنى الوحدة بين مراتب الوجودات مع الاعتراف بأنها ذات مراتب عالية لا محدودة ودانية محدودة: الاولى تتمحض بوجوده تعالى، والثانية وجود الممكنات فالقول بوحدة السنخية بهذا المعنى ليس فيه أي منافات للشرع وإنما الاشكال في ملائمة البراهين العقلية لهذا التفسير من السنخية وعدمها، وهذا بحث آخر. وبالجملة، فالقول بوحدة الوجود إن ادى االى الالتزام بوحدة =

[ 210 ]

ادعى شيئا من ذلك فكفره، ان لم نقل بكونه ذاتيا - كما لعله الاظهر وعليه كاشف الغطاء، فلا أقل من كونه منكرا لما علم من الدين ضرورة. (ومنها المجبرة) وهم: المنكرون لاختيار العبد في أفعاله، بل هو مجبور عليها. (والمفوضة) وهم: القائلون بتفويض الخلق والرزق إلى حجج الله (1) فهم وان وقع الخلاف في كفرهم، إلا أن الاظهر ذلك لدخولهم في منكر الضروري (2) مع ورود النص بكفرهم كخبر يزيد بن عمر الشامي


= الموجود - كما عليه بعض المتصوفين - فذلك هو الكفر، وإلا فلا كفر فيه، والله العاصم. (1) والقائلون أيضا في التفويض واستقلال العباد في أفعالهم، في مقابل المجبرة القائلين بجبرهم عليها، وإنما قال هؤلاء بالتفويض مبالغة في تنزيه الله تعالى - بزعمهم - عن نسبة الظلم إليه باستناد جميع الافعال الخيرة والشريرة إليه، فان العقاب على غير المقدور ظلم قبيح، ولكنهم وقعوا في اشد مما فروا منه من القبح، وهو جعل الشريك لله والوهن في سلطانه ولذلك ورد عن الامام الصادق - عليه السلام - شجب القولين المتطرفين في خطي الافراط والتفريط، واثبات حد وسط بينهما، فقال (ع): " ولا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين " - كما حفلت بذلك كتب الاخبار - وذلك لان لافعال العباد نسبتين حقيقيتين إلى الله تعالى من حيث الافاضة والاقدار والى العبد نفسه من حيث الصدور والايجاد، فاتضح معنى قوله (ع) أمر بين أمرين. (2) إن التزموا - ملتفتين - باللوازم المترتبة على قولهم بالجبر من حيث إنكار ترتب الثواب والعقاب الموجب للتكذيب، أو قولهم بالتفويض من حيث الشرك لله تعالى، وبعكس ذلك فلا يمكن القول بكفرهم - أو نجاستهم =

[ 211 ]

عن الرضا (ع) في حديث: " من زعم ان الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك " (1) وقول الصادق (ع): " الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الله أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أن الامر مفوض إليهم فهذا قد أوهن الله في سلطانه فهو كافر " (2) وما عن الرضا (ع): " إن كل من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك " (3) وهذه النصوص - سيما مع مطابقتها لمقتضى القواعد العدلية - وكونها وافية الدلالة - كافية في الخروج عن مقتضى الاصل، ونحلة الاسلام. (ومنها المجسمة) وقد وقع الخلاف في كفرهم على أقوال:


= بعد اعترافهم بأسس الاسلام من الاقرار بالشهادتين وما يتفرع عليهما من الضروريات الدينية وأما اللوازم العقلية المترتبة على ذلك فلا توجب الكفر، فان الطرفين إنما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه لشبهات بدوية حصلت لهم من عدة آيات وروايات، وغفلوا عن تأويلها على ضوء المذهب الحق من الحد الوسط - كما عرفت - والله العالم. (1) الوسائل: كتاب الحدود والتعزيرات، باب 10 من حدود الارتداد حديث (4). (2) وهي رواية حريز بن عبد الله، راجع المصدر الآنف من الوسائل حديث (10). (3) وهي رواية الحسين بن خالد، راجع المصدر الآنف من الوسائل حديث (5).

[ 212 ]

(ثالثها) التفصيل بين المجسمة بالحقيقة أو بالتسمية بدعوى أنه جسم لا كالاجسام (1) فيحكم بالكفر في الاول، لاستلزامه الحدوث والافتقار والتحديد لزوما بينا بحيث لا ينفك تصور الملزوم عن لازمه، فهو مندرج في منكر الضروري. ولا يحكم به في الثاني، لعدم اعتقاد النقص بما تنزه عنه ساحة الربوبية، وإن أخطأ في التسمية إذ ليس هو إلا خطاء في اللغة، ولا أقل من الشك في خروجه به عن الاسلام. ولعل هذا هو الاظهر. ويلحق بهم (المشبهة) وهم: القائلون بأنه تعالى في جهة الفوق، بل هم من المجسمة، إن أرادوا اختصاصه تعالى بجهة الفوق، كما هو ظاهر كلامهم، وأما التوجه إلى جهة الفوق عند الدعاء والمسألة منه تعالى فهو كالتوجه إلى الكعبة عند الصلاة، ليس من التشبيه في شئ، وإنما المراد منه شرف الجهة، وإلا " فأينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله " ضرورة أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان. ويدل على كفر المشبهة - مضافا إلى ما عرفت - قول الرضا (ع) " كل من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك " (2) وبالجملة، فالمدار في الكفر على ما دار عليه العنوان الجامع: من إنكار ضروري الدين. ولذا اقتصر عليه بعض كالمحقق في (الشرايع) حيث قال: " وضابطه من خرج عن الاسلام أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة كالخوارج والغلاة " انتهى، فيعم الضابط: ما كان من


(1) كما ورد عن أئمة أهل البيت (ع): أنه شئ لا كالاشياء - كما في أصول الكافي -. (2) الوسائل: كتاب الحدود والتعزيرات، باب 10 من أبواب حد المرتد، حديث (5).

[ 213 ]

أصول الدين أو فروعه. (المطلب الثالث) في كفر أطفال الكفار. فنقول: ولد الكافر يتبع أبويه في الكفر والنجاسة، إجماعا مصرحا به في كلام جماعة، وهو الحجة، مضافا إلى صحيح ابن سنان: " عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث؟ قال: كفار والله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مدخل آبائهم " (1) وخبر وهب بن وهب عن جعفر بن محمد (ع): " عن أبيه قال قال علي (ع): أولاد المشركين مع آبائهم في النار، وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة " (2) وفي حديث: " فأما أطفال المؤمنين فأنهم يلحقون بابآئهم، وأولاد المشركين يلحقون بابآئهم وهو قول الله عزوجل والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم " بايمان ألحقنا بهم ذريتهم (3) كما أن أولاد المسلمين مضافا إلى الفطرة يتبعون آباءهم في الاسلام. وتنقيح المسألة بنحو الاجمال: هو أن الابوين: إما أن يكونا مسلمين أو كافرين، أو مختلفين، وعلى التقادير: إما أن يكون التولد عن نكاح محلل من الطرفين، أو محرم منهما، أو مختلفا فيهما بأن يكون عن زنا من أحد الجانبين. أما المتولد من المسلمين فمسلم بصوره الثلاثة، وان كان عن زنا من


(1) الوافي ج 3 ص 100. والحنث - بالكسر -: الاثم والذم، والمقصود من قوله (ع) " قبل أن ببلغوا الحنث " أي دور المعصية والطاعة ووضع القلم. (2) المصدر الآنف الذكر من الوافي. (3) المصدر الآنف من الوافي وهي مرسلة الكافي. والآية 21 من سورة الطور.

[ 214 ]

الطرفين، للفطرة وعلو الاسلام، مع صدق الولد لغة وعرفا (1) وان لم يلحق بهما شرعا في النسب. وأما المتولد من الكافرين فكذلك كافر بصورة الثلاثة حتى المتولد عن الزنا منهما، وان لم يلحق بهما في النسب لكفاية صدق التولد منهما لغة وعرفا أيضا مع احتمال إسلامه، للفطرة وعدم التبعية لعدم النسب شرعا، والاصل عدمها. وأما المتولد من المختلفين، فيتبع أشرف الابوين إن كان الحل منهما أو من طرف المسلم، ولو كان عن زنا منه وحل من الكافر، ففي تبعيته للكافر للحوقه به في النسب، وعدمه في المسلم، أو للمسلم لفطرة وعلو الاسلام وصدق الولد حقيقة مع الشك في جريان التبعية هنا - ولو للشك في شمول الاجماع له - مع أن الاصل عدم التبعية؟ وجهان: لعل الاقرب هو الاخير ومنه يظهر بالاولوية لحوقه بأشرف الابوين لو كان الزنا من الطرفين. ولو بلغ ولد الكافر مجنونا لم يرتفع حكم التبعية، ولو بلغ عاقلا في فسحة النظر، فهو مستصحب الحكم إلى أن يظهر الاسلام، والقصور إنما يرفع المؤاخذة، ولو كان لولد الكافر جد مسلم، ففي لحوقه بالاب لان التبعية بالقرابة، وهو أقرب، أو بالجد مطلقا لاشتراكهما في القرابة وشرفية


(1) بل وشرعا أيضا، أما العرف واللغة، فلان المراد من الولدية - فيهما - هو التكون والخلقة من ماء الرجل وفي رحم المرأة وهذا المعنى متوفر هنا، وأما الشرع، فلعدم ورود ما ينفي الولدية واقعا من الادلة وأن معنى الحديث المستفيض النقل: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " هو بيان الحكم الظاهري لا الواقعي. فعدم الالحاق في النسب - كما في المتن - لعله يقصد عدم ترتب الآثار الشرعية من التوارث، لا نفي الصلة الواقعية.

[ 215 ]

الاسلام أقوى، ولولايته على الاب فعلى ولده بالاولوية، أو بالجد مع فقد الاب لبقاء ولايته؟ أقوال أوجهها الثاني. والجد والجدة من طرف الام كالام في اللحوق بهم في الاسلام، أو أن لم تكن لهم ولاية لشرفية الاسلام وعلوه. (المسألة الثانية) في المرتد. وهو من عدل عن الاسلام - وان كان تبعيا - إلى الكفر. وهو: إما فطري أو ملي. (والاول) هو المتكون من مسلمين أو من أحدهما، فالحمل محكوم باسلامه. وعليه ينزل تعريف من عبر بالمتولد منهما أو من أحدهما أي صار له ولدا لان مبدء نشوء الانسان انعقاد نطفته. ولذا تدفن الذمية الحامل من المسلم في مقابر المسلمين، مستدبرا بها القبلة رعاية لاستقبال حملها. ولولا الحكم باسلام الحمل لم يكن وجه لدفنها بين المسلمين ولو للاستدبار بها لاستقباله، وهو كاف للاستدلال به على الحكم بإسلامه، وان لم يرد نص - كما قيل - على إسلام الحمل بخصوصه إلا أن ذلك مع حكاية الاجماع عليه في (المبسوط) (مرة) ونفى الخلاف عنه (أخرى) كاف في ذلك. ولو ولد كذلك، بل ولو عدل أبواه أو المسلم منهما إلى الكفر بعد الانعقاد وقبل الولادة أو بعدها وقبل البلوغ، بقي على الاسلام التبعي حتى يبلغ فان عدل عند البلوغ كان مرتدا فطريا. ولو كان انعقاده في حال كفر الابوين ثم أسلم ولو أحدهما، تبعه الولد في الاسلام، ولم يرتفع عنه حكمه. وان عدل المتبوع: فان بلغ وعدل عن الاسلام، فهو مرتد ملي لانعقاده حال الكفر أبويه، فالمدار فيه على الانعقاد مطلقا، خلافا لكاشف اللثام، فاعتبر فيه - مع ذلك - وصفه الاسلام بعد البلوغ، ولم يكتف بمجرد الاسلام التبعي في صدق الفطري عليه ما لم ينضم إليه الاسلام الحقيقي الاستقلالي بعد تنزيل عبارته في المبدء بالمتولد على ما يعم الحمل، وإلا

[ 216 ]

فهو مخالف في المبدأ والمنتهى حيث قال في الحدود: " والمراد به من لم يحكم بكفره - قط - لاسلام أبويه أو أحدهما حين ولد، ووصفه الاسلام حين بلغ " (1) إلا أن عبارته في المواريث صريحة في مخالفته في المبدأ أيضا لاكتفائه فيها باسلام أحد أبويه، وهو طفل حيث قال هنا: " أما المرتد فان كان عن فطرة الاسلام بأن انعقد حال إسلام أحد أبويه أو أسلم أحد أبويه، وهو طفل، ثم بلغ ووصف الاسلام كاملا، ثم ارتد " (2) وهو منه غريب، وان علله بقوله: " وانما فسرنا المرتد عن فطرة بمن ذكرناه لنصهم على أن من ولد على الفطرة فبلغ فأبى الاسلام استتيب كما مر " (3) انتهى. واستدل عليه في صدر المسألة بقول علي (ع): " إذا أسلم الاب جر الولد إلى الاسلام فمن أدرك من ولده دعي إلى الاسلام، فان أبى قتل " (4) وقول الصادق (ع) في مرسل أبان بن عثمان في الصبي إذا شب فاختار النصرانية وأحد أبويه نصراني أو مسلمان: قال " فلا يترك ولكن يضرب على الاسلام " (5) وخبر عبيدة بن زرارة في الصبي يختار


(1) كشف اللثام للفاضل الهندي ج 2 كتاب الحدود، الفصل الثاني في أحكام المرتد، في شرح قول المصنف (ولو تاب لم تقبل توبته). (2) راجع ذلك منه في كتاب المواريث، الفصل الثاني في موانع الارث المطلب الاول الكفر. (3) ذكر ذلك في نفس المصدر والموضع، بعد تلك الجملة الآنفة الذكر. (4) في الوسائل: كتاب الحدود والتعزيرات، باب 3 من أبواب حد المرتد، حديث (7). (5) الكافي للكليني كتاب الحدود، باب حد المرتد، حديث (7).

[ 217 ]

الشرك وهو بين أبويه قال: " لا يترك وذلك إذا كان أحد أبويه نصرانيا " (1) وتقريب الاستدلال: لعل هو أن الدعوة إلى الاسلام وقهره عليه ليس إلا لكونه مليا، لعدم العدول الا عن الاسلام الحكمي فقط ولو كان كفره فطريا لوجب قتله دون الاستتابة التي هي فرع قبول التوبة. قلت: أما نسبة ما ذكره إليهم، فان تم إجماع، وإلا فالحكم به ممنوع كيف، والمحكي عن صريح (التذكرة) خلافه حيث قال: " من كان حين العلوق أحد أبويه مسلما فإذا بلغ ووصف الكفر فهو مرتد عن فطرة يقتل ولا يستتاب " وفي (حدود المسالك) في شرح قول مصنفه في استتابة ولد المرتد قال: " وان أظهر الكفر فقد اطلق المصنف وغيره استتابته، فان تاب وإلا قتل، وهذا لا يوافق القواعد المتقدمة: من أن المنعقد حال إسلام أحد أبويه يكون ارتداده عن فطرة، ولا تقبل توبته، وما وقفت على ما أوجب العدول عن ذلك هنا. ولو قيل بأنه يلحقه حينئذ المرتد عن فطرة كان وجها، وهو الظاهر من الدروس، لانه أطلق كون الولد السابق على الارتداد مسلما، ولازمه ذلك " انتهى (2) وفي الاستظهار منه تأمل وأما الاخبار، فان لم تكن ظاهرة في إسلام الابوين أو أحدهما بعد تولد الصبي، فلا ظهور فيها على انعقاده بعد الاسلام، ولو سلم تناول الاطلاق للاسلام قبل الانعقاد، فمعارضتها لما دل على عدم الاستتابة ووجوب القتل - نحو صحيحة الحسين بن سعيد: " رجل ولد على الاسلام


(1) المصدر الآنف الذكر من الكافي حديث (4) عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) راجع كتاب الحدود القسم الثاني: من أسلم عن كفر ثم ارتد، في شرح قول المحقق: " وولده بحكم المسلم... "

[ 218 ]

ثم كفر وأشرك لا يستتاب " (1) ومرفوعة عثمان بن عيسى: وتوقيع علي عليه السلام لعامله: " أما من كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقة ولا تستتبه " (2) وغيرها من الاخبار المستفيضة - من تعارض العامين من وجه: والترجيح للمستفيضة من وجوه عديدة. وأغرب من ذلك تعريفه للفطري في الحدود بمن لم يحكم بكفره قط مع أنه في المواريث حكم بدخول من أسلم أحد أبويه - وهو طفل - في المرتد الفطري، مع أنه محكوم بكفره تبعا لكفر أحد أبويه قبل إسلامه وهل ذلك إلا تناف بين دعوييه؟ (الثاني) الملي، وهو من عدل عن الاسلام المتجدد الحقيقي كمن أسلم عن كفر حقيقي، ثم عدل عنه إلى الكفر: (والتبعى) كمن أسلم أحد أبويه بعد ولادته المحكوم باسلامه تبعا، ثم بلغ مظهرا للكفر، فانه ملي أيضا - على الاصح كما عرفت. هذا ولبسط الكلام في هذه المسألة محل آخر. وانما المقصود بالبيان هنا هو: ان المرتد بقسيمه - الملي والفطري - لا يرث من المسلم ولا يرث منه الكافر، بل ميراثه للوارث المسلم، ان كان وإلا فللامام عليه السلام إتفاقا في الاول، وعلى المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل لعله كذلك في الثاني أيضا، لتحرمه بالاسلام ولذا لا يسترق، ولا يصح نكاحه لمسلمة ولا كافرة - كما قيل - وان نسب الخلاف فيه إلى ظاهر الصدوق، لرواية تضمنت: أن ميراثه لولده النصارى، إلا أنها مرمية هي


(1) في الوسائل: كتاب الحدود والتعزيرات: باب 1 من أبواب حد المرتد حديث (6). (2) المصدر الآنف من الوسائل باب 25 حديث (5)

[ 219 ]

والقول بمضمونها بالشذوذ، فهي مع ضعف سندها - كما في المصابيح - (1) متروكة الظاهر، لشمول إطلاقها ما لو كان معهم مسلم. ولم يقل به أحد - محمولة على التقية لموافقتها مذهب العامة كما قيل. ثم ان الفطري منهما: إن كان رجلا يقتل بمجرد ارتداده، ولا يستتاب وتقسم أمواله بين ورثته في حياته، وتبين زوجته منه كذلك وتعتد عدة الوفاة وان لم يقتل، تنزيلا له منزلة المعدوم، لوجوب قتله، للاجماع - بقسميه - والمستفيضة الدالة عليه (2) وفي قبول توبته فيما بينه وبين الله عن غير الاحكام المذكورة؟ خلاف، والاظهر القبول (3) وتفصيله موكول إلى محل آخر.


(1) راجع تحقيق المسألة وتفنيد الرواية في أول كتاب الارث من (المصابيح) للسيد بحر العلوم - قدس سره - تحت عنوان (مصباح: الكفر يمنع الارث) والرواية التي اشار إليها سيدنا المصنف - قدس سره - هي ما رواها الصدوق في (الفقيه): باب 171 ميراث أهل الملل، حديث (14) هكذا: " وروى ابن أبي عمير عن ابراهيم ابن عبد الحميد قال قلت لابي عبد الله (ع) نصراني أسلم ثم رجع إلى النصرانية ثم مات؟ قال: ميراثه لولده النصارى، ومسلم تنصر ثم مات؟ قال: ميراثه لولده المسلمين ". (2) إشارة الي صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألت أبا جعفر (ع) عن المرتد؟ فقال: من رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه فلا توبة له وقد وجب قتله وبانت منه امرأته، ويقسم ما ترك على ولده " ونحوها وغيرها. راجع: كتاب الحدود، حد المرتد من كتب الاخبار كالكافي وغيره. (3) كما عليه صحيح الروايات عن أهل البيت (ع) وقد عقد =

[ 220 ]

وان كانت امرأة استتيبت؟ فان لم تتب حبست مخلدة وضربت أوقات الصلوات، لقول الصادق (ع) في مرسل الحسن؟؟؟: " والمرأة إذا ارتدت عن الاسلام استتيبت، فان تابت ورجعت، وإلا خلدت السجن وضيق عليها في حبسها " (1) وقول الباقر في خبر غياث بن ابراهيم: " لا تقتل وتستخدم خدمة شديدة وتمنع الطعام والشراب إلا ما يمسك نفسها، وتلبس خشن الثياب وتضرب على الصلوات " (2) الخبر ولا تقسم تركتها حتى تموت لاحتمال توبتها. وأما الملى، فيستتاب وان وقع الخلاف في مدة الاستتابة فان تاب وإلا قتل نصا واجماعا، ولا يقسم ماله حتى يموت، وان التحق بدار الحرب استصحابا لبقاء ملكه والاصل عدم انتقال مال الحي في حياته الا بدليل كالمرتد الفطري، خلافا لمحكي (النهاية والمهذب) فيورث ان كان حيا لصيرورته بوجب القتل كالفطري، وهو ضعيف، وقد رجع عنه الشيخ كما حكيت حكايته عن الحلي، وتعتد زوجته عدة الطلاق من حين اختلاف دينهما، فان عاد خروجها من العدة فهو أحق بها بل هي زوجته، وان خرجت من العدة ولم يعد فلا سبيل له عليها. و (في كشف اللثام) في شرح قول مصنفه (ولا تقسم تركته) الخ قال: " قطع الاصحاب بالحكمين فكأنهم اتفقوا عليه " انتهى. قلت: وهو كذلك، ويدل عليه - مع ذلك - قول الصادق (ع)


= لها - في كتاب الحدود من كتب الاخبار - باب مستقل بعنوان: (من أتى حدا فلم يقم عليه الحد حتى تاب). (1) كتاب الحدود من الكافي للكليني باب حد المرتد، حديث (3). (2) هذا النص ذكر في كتاب الحدود من الوسائل، باب أن المرأة المرتدة لا تقتل حديث (1) باسناده عن حماد عن أبى عبد الله (ع) فلاحظ.

[ 221 ]

في صحيح أبي بكر الحضرمي على ما رواه المشايخ الثلاثة، ففي (الكافي) باسناده عن أبي بكر: " عن أبي عبد الله (ع) قال إذا ارتد الرجل المسلم عن الاسلام: بانت منه امرأته كما تبين المطلقة، فان قتل أو مات قبل انقضاء العدة فهي ترثه في العدة، ولا يرثها ان ماتت وهو مرتد عن الاسلام " (1) وفي (التهذيب) رواه هكذا قال: " ان ارتد الرجل المسلم عن الاسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثا وتعتد منه كما تعتد المطلقة، فان رجع إلى الاسلام وتاب قبل أن تتزوج فهو خاطب ولا عدة عليها منه له وانما عليها العدة لغيره، فان قتل أو مات قبل انقضاء العدة اعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها وهي ترثه في العدة ولا يرثها ان ماتت وهو مرتد عن الاسلام (2) وفي (الفقيه) مثله. وهو صريح في بينونة الزوجة، وأنها تعتد منه عدة المطلقة، وفي قبول توبته ان تاب وكون الارث منه بعد الموت لا من حين الارتداد، ولذلك تحمل على خصوص الملي. نعم يبقى الكلام في وجه الشبه بالمطلقة ثلاثا في طريقي الشيخ والصدوق وفي أن مفادها - عليهما - عدم الاولوية لقوله فيها: " فهو خاطب " فان حمل على ما بعد العدة، فلا معنى للتفصيل فيها بين العدة له أو لغيره، وان كان في العدة فلا معنى لكونه خاطبا مع فرض كونه أولى واحق بها من غيره. فنقول: وجه الشبهه اشتراكهما في امكان التزويج وتوقفه على شرط، وان اختلف فهو هنا الرجوع إلى الاسلام، وهناك أن تنكح زوجا غيره


(1) راجع منه كتاب المواريث، باب ميراث المرتد عن الاسلام حديث (3). (2) كتاب الفرائض والمواريث باب 40 ميراث المرتد حديث (1)

[ 222 ]

لا كالمطلقة تسعا التي تحرم مؤبدا، ولا كالرجعية التي لا يتوقف حلها على شرط، وأما قوله (فهو خاطب) مع ذكر التفصيل في العدة، فهما حكمان مرتبان على إسلامه قبل تزويجها، لانه إما أن يكون إسلامه بعد خروجهما عن العدة فيكون حينئذ خاطبا من الخطاب، وأما ان يكون فيها فلا تعتد منه، وإنما العدة عليها لغيره، فذكر حكم كل من الفردين المندرجين في إطلاق قوله (فان رجع إلى الاسلام وتاب قبل أن تتزوج). (المسألة الثالثة) لو أسلم الكافر على ميراث قبل القسمة حاز المال كله، إن انفرد، وإلا فما يستحقه منه: اجماعا - بقسميه - وللمعتبرة المستفيضة التي منها ما رواه (الكليني) باسناده عن أبي بصير: " قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل مسلم مات وله أم نصرانية وله زوجة وولد مسلمون؟ فقال: إن أسلمت أمه قبل أن يقسم ميراثه أعطيت السدس، قلت: فان لم يكن له امرأة ولا ولد ولا وارث له سهم في الكتاب من المسلمين وأمه نصرانيه وله قرابة نصارى ممن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين: لمن يكون ميراثه؟ قال: إن أسلمت أمه فان جميع ميراثه لها، وإن لم تسلم أمه، وأسلم بعض قرابته ممن له سهم في الكتاب فان ميراثه له، فان لم يسلم أحد من قرابته فان ميراثه للامام " (1) ورواه الصدوق والشيخ أيضا باسنادهما عن الحسن بن محبوب مثله، وبإسناده عن عبد الله ابن مسكان عن أبي عبد الله (ع) قال: " من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله ميراثه، وان أسلم وقد قسم فلا ميراث له " (2) وباسناده عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: " من أسلم على ميراث قبل أن يقسم الميراث فهو له، ومن أسلم بعد ما قسم فلا ميراث له، ومن أعتق


(1) الكافي، كتاب المواريث، باب آخر في ميراث أهل الملل، حديث (2). (2) المصدر الآنف للكافي، حديث (3 و 4).

[ 223 ]

على ميراث قبل أن يقسم الميراث فهو له، ومن أعتق بعدما قسم فلا ميراث له، وقال في المرأة إذا أسلمت قبل أن يقسم الميراث فلها الميراث " (3) ورواهما الشيخ أيضا. ومقتضاهما الانتقال إليه بالارث من حين الموت، فيكون الكفر المانع هو المستمر إلى القسمة دون غير المستمر، فيكشف إسلامه قبلها عن تملكه من حين الموت كشفا حقيقيا، لانكشاف فقد المانع حيقيقة، وليس هو من الشرط المتأخر كالاجازة في الفضولي حتى يكون الكشف حكميا، أو من حين الاسلام، وحينئذ فالنماء المتجدد بين الموت والاسلام يتبع العين في الانتقال إليه. فمن الغريب ما في (الكشف) (والكفاية) ومحكي (الكنز) و (الايضاح): من التوقف فيه مما ذكر ومن حجب الكافر عن الاصل قبل أن يسلم، فيملكه الورثة ملكا متزلزلا مستتبعا للنماء، فلا يخرج عنهم بخروج الاصل وعدم جريان ملك المورث عليه، فلا يكون ميراثا. وأنت خبير بما فيه، لما ذكرنا، ولعدم حجب الكافر في الواقع بالفرض، ولان توريث المسلم يقتضي الانتقال إليه بموت المورث فلو صار إلى الورثة لزم انتقاله إليه من الوارث الحي، وليس من الارث في شئ، بل تجرى تبعية النماء للعين في الانتقال حتى على ما احتمل من بقاء التركة قبل الاسلام والقسمة على حكم مال الميت إلى أن يتحقق أحدهما، لعدم الفرق في ذلك بين الانتقال من حين الموت أو من حين الاسلام قبل القسمة. أما لو أسلم بعد القسمة فلا شئ له اجماعا، ولعموم الادلة وخصوص النصوص المتقدمة. ويلحق به الاسلام المقارن للقسمة في عدم الارث، لعموم ما دل على


(1) المصدر الآنف للكافي، حديث (3 و 4).

[ 224 ]

مانعية الكفر بعد تعارض مفهومي النصوص المصرحة بهما في صورة الاقتران والمتيقن خروجه منه هو الاسلام قبلها، فيبقى الباقي مندرجا في العموم لان الشبهة مفهومية، والعموم محكم فيها، وليس المرجع - بعد تعارض المفهومين - عمومات المواريث حتى يقال: خرج منها الاسلام بعد القسمة فيبقى الباقي مندرجا فيها، لتخصيصها قطعا بما دل على عدم إرث الكافر الشامل بعمومه أو إطلاقه لمن لم يسلم أو أسلم بعد موت المورث مطلقا خرج منه من أسلم قبل القسمة، فيبقى الباقي تحت عموم الخاص. وبعبارة أخرى: الخاص بعمومه بالنسبة إلى أفراده المندرجة فيه - وان خرج بعضها - أخص مطلقا من العام، وحينئذ فالمرجع في الافراد المشكوكة منه هو عموم الخاص، دون العام المخصص. بقى هنا فروع (الفرع الاول) لو تحقق الاسلام والقسمة وشك في السابق منهما: فان علم تأريخ أحدهما فواضح، لاصالة تأخر المجهول عنه، وأما ان جهل تأريخهما فلا يتمسك بعموم ما دل على مانعية الكفر، لان الشبهة حينئذ مصداقية، وليس الشك في المراد ليتمسك بالعموم، بل يرجع فيه إلى عموم أدلة المواريث، وان كانت الشبهة بالنسبة إليه أيضا مصداقية للشك في كونه مصداقا للخاص وعدمه، إلا أن مرجع الشك حينئذ إلى مانعية الكفر وعدمها بعد انقسام الكفر إلى ما هو مانع وما ليس بمانع، والشك في مانعية الموجود كالشك في وجود المانع في كون الاصل عدمه، بناء على كونه من الاصول العقلائية، فيرجع إلى عموم مقتضى الارث حتى يتحقق المانع، وأما بناء على أن مرجع أصل العدم إلى استصحابه، فيشكل جريانه في الاول، لانه لم يكن عدم مانعيته معلوما حتى يستصحب، ولا يجدي استصحاب الحكم الظاهري من حرمانه للكفر المستصحب ظاهرا عند طرو

[ 225 ]

الحادثين، من الاسلام والقسمة المجهول تأريخهما، لان مرجع الشك فيه إلى الشك في أصل الحرمان وموجبه، دون بقائه حتى يستصحب نعم يتمشى ذلك على القول بانتقال التركة إلى الورثة المسلمين ملكا متزلزلا، إلا أنه قد عرفت ضعفه. هذا بناء على مانعية الكفر، وأما بناء على شرطية الاسلام للارث فيشكل التمسك بعموم المقتضى، للشك في وجوده الناشي من الشك في وجود جزئه الصوري وهو الشرط، فيحكم بصحة القسمة لعدم إحراز بطلانها حينئذ، مضافا إلى إصالة الصحة بالنسبة إليها، مع احتمال معارضة الشك في الشرط بمثله في المقتسمين لان إرثهم أيضا مشروط بعدم سبق إسلام الوارث الذي لا يمكن إحرازه بالاصل، لتعارض إصالة التأخر فيهما، والشك في الشرط شك في المشروط. إلا أن الاقوى هو مانعية الكفر لا شرطية الاسلام، فظهر مما ذكرنا أن الاقرب هو منع المتجدد إسلامه في خصوص صورة العلم بتأريخ القسمة وجهل تاريخ الاسلام، وتوريثه فيما عدا ذلك مطلقا، وان جهل تأريخهما. هذا حكم المسألة من حيث هي. ومنه يعلم الحكم في صورة التنازع كما لو أنكر الوارث المتجدد القسمة، فالقول قوله مع يمينه اتفاقا، وكما لو ادعى تأخر القسمة مع تعين زمان الاسلام أو مع جهل تأريخهما فالقول قوله أيضا مع يمينه، خلافا للدروس وكشف اللثام ومصابيح جدي العلامة في الثاني. وعلله في الدروس باصالة عدم الارث إلا مع تعين السبب. وفيه: ان ما ذكره من العلة مشترك الورود بين الوارث المتجدد والورثة المسلمين لتوقف إرثهم أيضا على استمرار كفره إلى القسمة أو عدم إسلامه قبلها غير المعلوم ذلك بعد تساقط الاصل من الجانبين بالتعارض.

[ 226 ]

وخلافا للقواعد فيهما حيث قال: " ولو ادعى الاسلام قبل القسمة فالقول قول الورثة مع اليمين، وإطلاقه يشمل حتى مالو كان زمان الاسلام معلوما، فضلا عما لو جهل تأريخهما. وعلله في (الكشف) باصالة عدم الارث إلا مع تعين السبب وارتفاع المانع بعد تيقن حصوله واستقرار ملك الورثة، وعدم جواز الاستنقاذ من أيديهم. وأنت خبير بما فيه. أما الاول، فلما عرفت من كون العلة مشتركة الورود، وأما الثاني فيما عرفت: من عدم تيقن حصول المانع للشك في مانعيته المسبب عن الشك في استمراره المنكشف على تقدير عدمه عدم مانعيته، وأما الثالث فهو حسن بناء على القول بانتقال التركة إلى الورثة متزلزلا حين الموت دون القولين الاخيرين، وأما لو أنكر الورثة اسلامه أو ادعوا اقترانه بالقسمة أو تأخره عنها مع تعين زمانها فالقول قولهم مع يمينهم لاصالة عدم الحادث أو تأخره. هذا وبعد تحرير المسألة أستقربت القول بملك غير الكافر من الورثة ملكا متزلزلا بتقريب: ان المستفاد مما دل على حجب الكافر بالمسلم وعلى إرثه لو أسلم قبل القسمة: هو مانيعة الكفر عن الملك الفعلي بالارث وعدم مانعيته عن أهلية التملك به، والمستمر منه إلى القسمة موجب لسقوطه عن الاهلية أيضا، فالملكية التأهلية حاصلة من حين الموت ومستمرة إلى القسمة والفعلية منتفية بالكفر من حين الموت إلى الاسلام قبل القسمة في جميع أناته لعدم إرث الكافر من مسلم أو مع مسلم، ومقتضاه انتقال جميع التركة أو ما يخصه منها إلى غيره من الورثة متزلزلا مادامت الملكية التأهلية باقية، وهي كافية في صدق الارث عند تحقق الملك الفعلي بتحقق شرطه وهو الاسلام قبل القسمة، وعليه، فلو اختلفا في مجهولي التأريخ، فالقول

[ 227 ]

قول الورثة مع يمينهم، لحصول الحجب واقعا بوجود المانع عن الملك كذلك مع الشك في زواله، مضافا إلى استصحاب كلي الملك للورثة، وكيف كان، فلو صدقه أحد الورثة؟؟ في نصيبه، وان كان عدلا وشهد معه ثقة آخر ثبت تمام حقه لقيام البينة عليه، وان انفرد: ففي إثبات حقه باليمين مع الشاهد نظر: من كون المشهود به تقدم الاسلام، ومن أن المقصود هو المال وكذا الشاهد والمرأتان. (الفرع الثاني) لو أسلم على ميراث انقسم بعضه، ففي حرمانه مطلقا لصدق الاسلام بعد القسمة، ولو في الجملة، أو إرثه من الجميع كما في (الارشاد) ذكره في مانعية الرق، ومحتمل التحرير والقواعد لان الميراث هو المجموع ولم يقسم، أو تبعيض الارث لتبعيض القسمة؟ وجوه: أوجهها الاخير، لان الميراث جنس يصدق على الكل والبعض، فيصدق في المقسوم أنه أسلم بعد القسمة، وفي المشاع أنه أسلم قبلها، ويعطى لكل حكمه. (الفرع الثالث) لو قسم الميراث بين صنفين من الورثة، وأسلم الكافر من أحدهما قبل قسمة المال بين أفراد صنفه، ففي إرثه لصدق الاسلام قبل قسمة من يزاحم به وان اقتسم الصنف الآخر، وعدمه لصدق الاسلام بعد قسمة التركة ولو بين صنفين؟ وجهان: والاقرب الاول لظهور اعتبار القسمة وعدمها في ميراث يرثه أو يرث بعضه دون ما لا نصيب له فيه على كل تقدير، كما لو أسلم مع الاخوة للاب والاخوة للام أخ بعد اقتسامهم المال أثلاثا وقبل اقتسام الثلث والثلثين: فان كان للابوين اختص بالثلثين لحجب كلالة الاب بكلالة الابوين وصدق إسلامه قبل القسمة بينهم، وإلا شارك فيهما إن كان للاب، أو في الثلث إن كان للام. وكما لو أسلم مع الاعمام والاخوال عم أو خال فانه يختص بحصة

[ 228 ]

فريقه على تقدير حجبهم به - كما عرفت - ويشارك على تقدير عدمه، وكما لو أسلم مع الابوين والاولاد ولد شارك الاولاد، وان وقعت القسمة بينهم وبين الابوين، لانه لا يزاحم الابون فيما يخصهما من الثلث، وإنما المزاحمة مع الاخوة، ولا يلزم من توريثه في مثل ذلك انتقاض القسمة. أما لو استلزم ذلك فحكمه حكم مالو أسلم بعد القسمة في أنه لا يرث كما لو خلف ثلاثة بنين أحدهم كافر وبنتين مسلمتين، فإذا قسموا التركة قسموها أثلاثا: للولدين الثلثان وللبنتين الثلث. ثم إن أسلم الابن الكافر قبل قسمة الذكور فيما بينهم وورثناه لزم كون القسمة أرباعا، فان توريث المتجدد بعد القسمة بين الذكور والاناث يوجب انتقاضها، لوجوب استرجاع ما به التفاوت بين الثلث والربع من الاناث، فالضابط: أنه كلما استلزم توريث متجدد الاسلام ابطال القسمة كان حكمه حكم الاسلام بعدها في عدم التوريث. (الفرع الرابع) لو أسلم بعد قسمة الورثة الاعيان بالقيم، لم يرث لحصول ما هو المناط في قسمة الاعيان من تمييز الحقوق، وكذا لو انتقل نصيب أحد الوارثين إلى الآخر أو غيره بارث أو بيع أو غيرهما - كما عن جماعة - إذ لا اشتراك حينئذ بين الورثة خلافا لمحكي (الايضاح) لانتفاء القسمة التي هي مدار الحرمان في النصوص. ويضعف بوجود ما هو مناطها: من عدم الاشتراك والاشاعة، وكذا بل أولى منه: ما لو باعوا التركة مشاعا وأسلم قبل قسمة أثمانها، ضرورة عدم كون الاثمان تركة حتى يكون الاسلام قبل قسمتها إسلاما قبل قسمة التركة. (الفرع الخامس) لو خلف ما لا يقبل القسمة بنفسه - كالجوهرة والحمام ونحوها - ففي توريث المتجدد، وعدمه نظر: من بقاء الاشاعة التي هي مدار توريث المتجدد قبل القسمة، ومن أن الظاهر من القسمة المعلق على عدمها قبل الاسلام الحرمان عدم القسمة عما من شأنه قبولها،

[ 229 ]

لظهور العدم هنا في إرادة عدم الملكة دون عدم السلب. والاول هو الاقرب للاشتراك مع إمكان الاختصاص به، ولو بالتراضي عليه، إذ المقصود من القسمة تمييز الحقوق المتعلقة بأعيان التركة وإفرازها من غير فرق بين ما يقبل بنفسه القسمة وغيره، فان القسمة في كل شئ بحسبه، فيكون أيضا محققا لصدق القبلية أو البعدية. ومنه يظهر ضعف ما في (مفتاح الكرامة): من النقض بالوارث الواحد حيث قال: " ووجه الارث هو الدخول في عموم الاسلام قبل القسمة، وقد علمت ما فيه مضافا إلى أنه لو أبقى على عمومه وأريد بعدم القسمة، عدم السلب لجرى فيما إذا كان الوارث واحدا فانه يصدق فيه أنه أسلم قبل القسمة " انتهى، لوضوح الفرق بين المشاع وان لم ينقسم بنفسه وبين ما لا اشتراك فيه لاتحاد المالك في صدق القسمة وعدمه. (الفرع السادس) لو كان الوارث واحدا غير الامام وأحد الزوجين فلا إرث لمن أسلم، لعدم صدق القسمة مع وحدة المالك فينتقل إليه المال من حين الموت ويملكه مستقرا، وللاجماع المحكي عن السرائر والتنقيح وظاهر (النكت) وظاهر (المصابيح) دعواه أيضا، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد، فورثة مع بقاء عين التركة في يد الاول، وهو شاذ - كما في المصابيح - ولو كان الواحد هو الامام، ففي كونه له مطلقا، أو لمن أسلم كذلك أوله قبل النقل إلى بيت المال وللامام بعده؟ أقوال: وسطها أوسطها. ويدل عليه الصحيح المتقدم عن أبي بصير في مسألة من أسلم قبل القسمة، فان قوله فيه " فان لم يسلم أحد من قرابته فان ميراثه للامام " صريح في أنه متى أسلم كان أولى من الامام، كما أن إطلاقه يعم الاسلام قبل النقل وبعده.

[ 230 ]

وما رواه أبو ولاد في الصحيح والحسن أنه: " سأل الصادق (ع) عن رجل مسلم قتل مسلما عمدا فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين، ولو أولياء من أهل الذمة من قرابته؟ فقال: على الامام أن يعرض على قرابته من أهل بيته الاسلام، فمن أسلم منهم فهو وليه، يدفع القاتل إليه، ان شاء قتله، وإن شاء عفا عنه وان شاء أخذ الدية، فان لم يسلم أحد كان الامام ولي أمره: فان شاء قتله وإن شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين، لان جناية المقتول كانت على الامام فكذلك تكون ديته لامام المسلمين، قال قلت: فان عفا عنه الامام؟ فقال انما هو حق جميع المسلمين، وانما على الامام أن يقتل أو يأخذ الدية، وليس له أن يعفو " (1) وبذلك يضعف ما استدل به للاول: من أنه كالوارث المنفرد في عدم تأثير الاسلام في استحقاق الارث، لانه - مع كونه اجتهادا في مقابل النص الذي أفتى بمضمونه كثير من الاصحاب - كما عن فخر المحققين - والمشهور - كما في الكفاية - لا دليل على المقيس عليه، وهو الوارث المنفرد غيره، إلا الاجماع المفقود في المقام. كما يضعف به الاخير أيضا مع عدم نص عليه: من التفصيل بين النقل وعدمه - كما قيل - ويحتمل أن يكون مراد المفصل من النقل تصرف الامام، والتعبير بالنقل كناية عنه لانه أظهر أفراده، فيكون هو المناط وان لم ينقل: أو ارادته بخصوصه فلا يجدى تصرفه إن كان قبله، وعلى التقديرين، فلا دليل عليه حتى تخصص به الاخبار المتقدمة، وان ذهب إليه جماعة، لكن المستفاد من الصحيح الثاني تعليق إرث الامام على امتناع الوارث عن الاسلام بعد عرضه عليه. والظاهر هو ذلك مطلقا


(1) الوسائل: كتاب القصاص، باب 60 إن المسلم إذا قتله مسلم وليس له ولي إلا الذمي، حديث (1).

[ 231 ]

فيكون ملك الامام له متزلزلا، ويستقر بالامتناع عن الاسلام بعد عرضه عليه وهو كذلك في غير مورد القتل أيضا، وان اختص الصحيح به، ويوافقه الاعتبار، إذ لولاه لوجب الانتظار إلى أن يسلم ولو بعد الامتناع أو يموت هو وينقرض غيره من طبقات الوارث، وهو موجب لتعطيل الحق بل قد يؤول إلى تضييع المال. ثم ان ظاهره - وان أعطى كون المال للمسلمين فيكونون هم الورثة دون شخص الامام (ع)، وعليه فلا يكون له إلا ولاية التصرف وهو مستلزم لصرفه في المصالح العامة كالاراضي المفتوحة عنوة إلا أنه خلاف المذهب لان الوارث - عندنا - هو الامام من حيث الامامة دون المسلمين، وأنه من الانفال - كما ستعرف ذلك في ولاء الامامة - فليحمل هو وأمثاله على التقية. (الثاني من الموانع): الرق، فالرقيق لا يرث ولا يورث منه، وان قلنا بملكه للانتقال إلى مالكه بالملك، لا بالموت حتى يكون بالارث، للاجماع بقسميه والنصوص المستفيضة (1) من غير فرق بين القن والمتشبث بالحرية كالمدبر وأم الولد والمكاتب، وان كان مطلقا ما لم يؤد شئيا من مال الكتابة. والمبعض - وهو الذي تحرر بعضه - يملك بقدر نصيبه من الحرية، فيكون لوارثه الحر، ويرث من غيره بقدر حريته بتقديره حرا كاملا، ويعطى بنسبة ما فيه من الحرية مما يرثه على تقدير الكمال، ويختص الباقي بغيره، وإن تأخر عنه، لا يحجبه عن الارث كما في الخبر (2)


(1) ولقد عقد لها في الوسائل: كتاب الفرائض والمواريث باب خاص يحتوي الروايات الواردة بهذا المضمون برقم (باب 16). (2) إشارة إلى روايات ظاهرة بهذا المضمون، احتواها باب 19 من أبواب كتاب الفرائض والمواريث من الوسائل.

[ 232 ]

ولو تعدد واتحدت النسبة، ففي (مصابيح) جدى العلامة " اقتسموا ما يستحقونه على الانفراد بالسوية، وإلا اشتركوا فيما يستحقه الاكثر حرية لو انفرد بنسبة الحرية، فلو خلف مع ابن نصفه حر ابنا حرا فللمبعض الربع وللحر ثلاثة أرباع، أو أخا وحرا، فالمال بينهما نصفان أو أخا نصفه حر وعما حرا فللابن النصف وللاخ الربع والباقي للعم، ولو خلف ابنين نصفهما حر فالنصف بينهما نصفين. ولو كان ثلثا أحدهما وثلث الآخر حرا فالثلثان بينهما أثلاثا. ولا فرق في ذلك بين الوارث بالفرض والقرابة فلو كان ذو الفرض نصفه حر فله النصف مما يرثه بالفرض والرد بفرض الحرية، وقطع العلامة بان له نصف الفرض خاصة. واحتمل حجب المبعض لمن تأخر عنه في الدرجة، وتكميل الحرية في المبعضين المتساويين فيهما، وإرثهما بتنزيل الاحوال، والكل ضعيف " (1) انتهى. وما اختاره - قدس سره -: من عدم حجب المبعض لمتأخر عنه، وعدم التكميل هو الاقرب، وان كان لنا في كيفية تقسيمه في صورة الاختلاف في نسبة الحرية تأمل - كما ستعرف -. وبالجملة فالضابط في التقسيم - بناء على ما ذكره - هو: أنه: إن تساووا في النسبة قسم ما يكون له على تقدير الانفراد بينهم بالسوية، وإلا اشتركوا فيما يستحقه الاكثر حرية لو انفرد بنسبة الحرية ان لم يكن أحدهم حرا كله، وإلا ورثوا على أقلهم حرية، واختص الكامل بما يزيد عليهم في الحرية. هذا ولا بأس بالتعرض إلى ما احتمله العلامة في (القواعد) بأمثلتها


(1) راجع ذلك في كتاب المواريث بعنوان (مصباح: الرق يمنع الارث).

[ 233 ]

مع زيادة توضيح تشريحا للذهن، فنقول: قال في (القواعد) (1) فروع: الاول ان كان المعتق بعضه ذا فرض أعطي بقدر ما فيه من الحرية من فرضه.. " أقول: لعل نظره في اختصاص إرثة بالفرض دون الرد إلى أن الرد خلاف الاصل، والمتيقن منه هو الرد على الحر التام دون المبعض. وفيه إمكان معارضته بالمثل بدعوى اختصاص الارث بالفرض بغير المبعض فيبقى هو مندرجا في عمومات الارث بالقرابة بعد أن كان كل من الفرض والرد مستفادا من أدلة المواريث وإمكان دعوى الانصراف في كل منهما قوله - رحمه الله -: " ولو تعدد من يرث بالقرابة كابنين نصفهما حر، احتمل أن تكمل الحرية فيهم بأن تضم الحرية من أحدهما إلى ما في الآخر منهما.. " أقول: مبنى الاحتمالات هو أن المبعض على تقدير انفراده: هل يمنع المتأخر عنه عن إرثه أولا؟ وعلى الثاني، فمع التعدد: هل لا يمنع مطلقا حتى لو تلفق من المجموع قدر حرية واحد بالتمام بناء على اشتراط الحجب بالكامل في الحرية دون التكميل بها، أو يكفي الكمال، ولو بالتلفيق مع التساوى في الدرجة أو مطلقا؟ أما الاول، فلا إشكال في عدم منع غيره عما يزيد على إرثه بنسبة الحرية لعدم مزاحتمه له فيه بعد حرمانه منه بالرقية. وأما الثاني، ففيه وجهان: ظاهر (القواعد) وخيرة (الايضاح) على ما حكى عنه: هو الثاني لان نصفى الشئ - مثلا - شئ كامل، ولا مدخل للصورة بعد تحقق الكمال بالتلفيق، فإذا كمل حر تام كابنين منصفين أو ثلاثة قد تحرر من كل الثلث، أو من احدهم النصف ومن كل من الآخرين الربع وهكذا، ورثوا المال كله، فان جاء معهم أخ


(1) راجع ذلك في كتاب الفرائض منه ضمن الفصل الثاني في موانع الارث، المطلب الثالث في الرق (فروع - آ) طبع إيران حجري.

[ 234 ]

لم يرث شيئا ومنعوه كما يمنعه الحر التام المتحد، ثم يقسم فيما بينهم على حسب الحرية فللمنصف النصف، ولذي الثلث الثلث ولذي الربع الربع وهكذا، والاقرب هو الاول، لانه - على القول بكفاية التلفيق - لم يظهر للرق أثر، سيما مع التساوي في النسبة، ويوجب تخصيص مادل على مانعية الرق من غير دليل، وحجب البعيد بالقريب إنما هو بسبب إرثه (ودعوى) إرث المجموع للجميع (مصادرة) محضة، ففي المثال للابنين المنصفين نصف المال يشتركان فيه بالمناصفة والنصف الآخر لمن تأخر، وللثلاثة المثلثة الثلث يشتركون فيه بالسوية أثلاثا، والثلثان لمن تأخر عنهم، وفي الاخير يشتركون في النصف: للمنصف نصفه، ولكل واحد من الآخرين ربعه، وهو ثمن المال، والنصف الآخر - وهو أربعة أثمان - لغيرهم. اللهم إلا أن يقال بظهور تأثير الرقية على التكميل أيضا مطلقا، سواء اختلفا في قدر الحرية أم تساويا فيه، أما على الاول، فباختلاف كمية الارث على نسبة الحرية فيهما، وأما على الثاني، فالمال وإن كان بينهما بالمناصفة على التكميل أيضا كالحرين الكاملين فلا يظهر حينئذ اثر في كمية الارث، إلا أن الفرق بينهما في السبب الموجب له، ضرورة أن في الحرية التامة أقتضاء لاستحقاق جميع المال، ولذا يجوزه على تقدير انفراده، وحيث كانت العلة موجودة في الآخر أيضا أوجب ذلك الاشتراك في المعلول. والتنصيف بينهما إنما هو بسبب المزاحمة لا لقصور الاقتضاء عن الكل واختصاصه بالنصف، بخلاف المبعض فانه لا اقتضاء فيه للارث على أزيد من قدر الحرية، ولذا لا يرث ازيد من النصف حتى لو انفرد: إما لعدم الشرط وهو الحرية أو لوجود المانع وهو الرقية، فالتنصيف في المبعضين المنصفين إنما هو بحسب الاقتضاء لا بسبب المزاحمة، فالقول بالتكميل قريب وان كان القول بالعدم لعله الاقرب.

[ 235 ]

لكن ان قلنا به فانما نقول به مع اتحاد الطبقة. واما مع اختلافها كالابن المنصف مع اخ كذلك فلا يتجه التكميل، لان الشئ لا يكمل بما يسقطه، ولا يجمع بينه وبين ما ينافيه - كما في القواعد - خلافا لولده في (الايضاح) فاختار التكميل فيه أيضا، معللا باشتراكهما في كونهما أقرب من العم وأولى منه، ثم قال " وقوله: لا يكمل بما يسقطه ممنوع فانه إنما يسقطه لو كان كله حرا أما على تقدير رقية البعض فلا يسقطه بالكلية، لانا نبحث على ذلك التقدير " (1) انتهى فتأمل قوله - رحمه الله -: " ويحتمل أن يكون لكل واحد ثلاثة أثمان المال... " (2) أقول: وهذا هو الاحتمال الثالث في الولدين المنصفين، وهو احتمال التنزيل على الاحوال في طريق معرفة قدر إرث كل منهما قياسا على إرث الذكر والخنثى: فعن المشهور، يفرض الخنثى (تارة) ذكرا فالمال على التنصيف بينهما (وأخرى) أنثى، فيكون على التثليث ومخرج النصف اثنان بضرب في مخرج الثلث ثلاثة لمكان التباين، فالفريضة من ستة: للذكر نصفه ثلاثة على الاول، وأربعة على الثاني، فله على التقديرين سبع، وللخنثى كذلك خمس: يعطى لكل منهما نصف ماله على الاحتمالين فيضرب الاثنان في الست تحصيلا للعدد الصحيح للقسمة، فالمرتفع اثنا عشر فللذكر منها على تقدير ستة، وعلى تقدير آخر: ثمانيه، فالمجموع


(1) - قال فخر المحققين في إيضاحه في التعليقة على هذا الفرع من كلام القواعد: " أقول: ويحتمل التكميل لاشتراكهما في كونها أقرب من العم وأولى منه.. " ويختم كلامه بقوله: " والاصح عندي التكميل هنا ". (2) االمصدر الآنف من القواعد بحرف (ب): ابن نصفه حر وآخر كذلك.

[ 236 ]

أربعة عشر، يعطى نصفه - وهو سبعة - وللاخرى منها على تقدير ستة وعلى تقدير أربعة، فالمجموع على التقديرين عشرة، يعطى لها نصفها - وهو خمسة -. وعلى هذا التنزيل: ففي المقام: الاحوال التي يمكن أن يكون عليها أربعة، وهي: حرآن، رقان، الاكبر حر والاصغر رق والعكس، وكان الحاصل لكل منهما في الاحوال الاربعة: مال ونصف، لاحتمال اختصاص الحرية التامة به، فالمال كله له، واحتمال حرية نصفه فنصفه له، ولا شئ له على الرقية التامة، وحيث لم يكن في الواقع إلا واحد منها ناسب أن يحكم له بربع ذلك الحاصل تنزيلا له على الاحوال الاربعة، وقد علمت أنه مال ونصف، فالمال ثمانية أثمان، والنصف أربعة أثمان، فالمجموع اثنا عشر ثمنا: ربعها ثلاثة أثمان: فأقل عدد يخرج منه ثلاثة أثمان انما هو ثمانية، فكانت الفريضة من ثمانية، فلكل واحد منهما ثلاثة أثمان منها، فيبقى ثمنان للبعيد. ويضعف بوضوح الفرق بين المقام وما يجري فيه التنزيل على الاحوال لانه يعتبر في مجراه الجهل بالحال فينزل على اختلاف الاحوال، والمقام معلوم الحال، فكيف يقاس معلوم الحال بمجهوله؟. قوله - رحمه الله -: " ولو كان معهما ابن ثالث ثلثه حر الخ.. " (1) أقول: على القول بالتكميل يقسم المال كله بينهم على ثمانية، لان النصف ثلاثة أسداس، والنصف الآخر كذلك، والثلث سدسان، فالمجموع ثمانية أجزاء فالقسمة من ثمانية، لانها أقل عدد يخرج منه الثمن فلكل من المنصفين ثلاثة، وللمثلث إثنان. أو نقول مجموع الحرية: الحرية وثلث. وذلك في تقدير أربعة أثلاث، فيقسم ما تساووا - وهو الحرية - بالتسوية لكل واحد ثلث، ويبقى ثلث آخر يقسم بين الاثنين بالسوية، وليس


(1) المصدر الآنف من القواعد بنفس عنوان (ب).

[ 237 ]

له نصف صحيح فنضرب اثنين في أربعة لان أصلها أربعة أثلاث، فالمرتفع ثمانية، ومرجع ذلك إلى تحقق العول فيهم بجزئين على الستة لان المجموع حر تام وثلث، فتعول القسمة إلى ثمانية. قوله - رحمه الله -: " وعلى الثاني يقسم النصف على ثمانية " (1) أقول: وجهه يعرف مما تقدم في الاول، غير أنه - هنا - يجري ذلك في النصف لعدم التكميل وحرمانهم من النصف بالرقية واشتراكهم في النصف بالحرية، فتوريثهم النصف على نسبة ما فيهم من الحرية، وذلك ثمانية - على ما تقدم - وان كان لي فيه تأمل - كما ستعرف -. قوله - رحمه الله -: " ويحتمل قسمة الثلث أثلاثا والسدس بين صاحبي النصف نصفين " (2). أقول: هذا إحتمال ثان في التقسيم على الاحتمال الثاني، ونظره إلى تساوي الثلاثة في حرية الثلث، فيبقى السدس الزائد على الثلث في من نصفه حر، فيقسم بينهما خاصة بالسوية، فتصح القسمة من ستة وثلاثين لانه أقل عدد يكون له نصف ولنصفه ثلثان ينقسمان على ثلاثة وثلث ينقسم على اثنين، فيقسم على ثلثها وهو اثنا عشر أثلاثا بين الثلاثة، لاشتراكهم في حرية الثلث، فيكون لكل واحد منهم أربعة، ويقسم سدسها - وهو ستة - بين المنصفين خاصة بالسوية، لاختصاصهما بزيادة الحرية مقدار ما به التفاوت بين الثلث والنصف، وهو السدس، فيكون لكل من المنصفين سبعة، ولذي الثلث أربعة، فالمجموع ثمانية عشر: نصف الفريضة، ويعطى النصف الباقي للبعيد لحرمانهم منه بالرقية.


(1) المصدر الآنف، والجملة شق ثان لقوله: (فعلى الاول يقسم المال بينهم على ثمانية). (2) نفس المصدر، بعد الجملة الانفة بلا فصل.

[ 238 ]

وأنت خبير بما في الاحتمالين: من الاختلاف في القسمة، ضرورة أنه على الاول: لذي الثلث اثنان من ثمانية لكون القسمة من ستة عشر، وعلى الثاني له أربعة من ثمانية عشر، لكونها من ستة وثلاثين، فله حينئذ اثنان من تسعة لا من ثمانية. والاصح عندي هو الاحتمال الثاني إذ حق القسمة يقتضي ذلك، لانه ليس لذى الثلث سدسان من الستة حتى يضاف إليها، بل له دون ذلك لاشتراك أخويه معه فيه. وان كان مخرج الثلث من الستة من حيث هو اثنان، بل لذى الثلث في المقام تسعان: إثنان من تسعة، لان له الثلث من ثلث الاصل، فيضرب مخرج كل منهما في مخرج الآخر، وهو الثلاثة فالمرتفع تسعة، هي نصف أصله بالفرض، فيقسم ثلثاها بينهم بالسوية، لكل اثنان، والزائد بين المنصفين بالسوية، فلكل منهما ثلاثة ونصف ولذي الثلث اثنان، فيضرب الاثنان - مخرج النصف - في التسعة تحصيلا للعدد الصحيح، فالمرتفع ثمانية عشر، نصف الفريضة التي هي ستة وثلاثون كما تقدم، لكل من المنصفين سبعة، ولذي الثلث أربعة، فلا عول في المقام حتى تبتنى عليه القسمة. قوله: " وعلى تنزيل الاحوال يحتمل أن يكون لكل واحد ممن نصفه حر سدس المال وثمنه، ولمن ثلثه حر ثلثا ذلك، وهو تسع المال ونصف سدسه " (1) أقول: مراده ان في المثال احتمالا آخر غير الاحتمالين الاولين مبنيا على تنزيل الاحوال، وليس المقصود أن فيه احتمالين، غير أنه تعرض لاحدهما ولم يتعرض للآخر - كما فهمه السيد العميدي في (الكنز) حيث قال - بعد ذكر عبارة مصنفه ما لفظه: " ولم يذكر احتمالا آخر والحق أن يقال


(1) نفس المصدر الآنف بعد الجملة الآنفة بلا فصل

[ 239 ]

على تنزيل الاحوال لاوجه لغير هذا الاحتمال فيكون متعينا " (1) انتهى. ولعل استظهاره من تقديم الظرف على العامل، ولو تأخر لكان ظاهرا فيما ذكرناه، وعلى كل حال فوجهه: هو أن الاحوال - على اختلافها في المثال - ثمانية: إما احرار أو عبيد أو حر ورقان، والحر إما هو الاكبر أو الاوسط أو الاصغر، أو رق وحران، والرق أيضا دائر بين الثلاثة فالمجموع ثمانية، والمال يقسم أثلاثا على الاول، ولا شئ لهم على الثاني وكله للحر في الثالث بفروضه الثلاثة، وعلى النصف: للحرين في الرابع بفروضه الثلاثة أيضا، فالحاصل لكل واحد على الاحوال مالان وثلث. ولما لم يكن في الواقع الا واحد منها ناسب أن يكون له ثمن ذلك لو كانوا متساوين في الحرية. وحيث كانوا مختلفين، فللاكثر منهم حرية: ثمن المجموع، وهو سدس المال وثمنه، ولذي الثلث: ثلثا ذلك، ضرورة أن الثلث ثلثا النصف، ولو أعطينا كلام منهم ثمن المجموع لزم تسويتهم مع فرض اختلافهم في الحرية، وهو باطل بالضرورة، فنطلب عددا له ثمن وسدس، ولهما ثلث، وأقل عدد له ثمن وسدس (أربعة وعشرون) الحاصل من ضرب نصف أحدهما في الآخر، للتوافق في النصف، وحيث احتجنا أن يكون لهما ثلث ضربنا الثلاثة - وهي مخرج الثلث - في الاربعة والعشرين، فالمرتفع اثنان وسبعون لكل من المنصفين، ثمن ذلك تسعة، وسدسه اثنا عشر فالمجموع أحد وعشرون، وللآخر مثله، ولذي الثلث ثلثاها، وهو أربعة عشر، فمجموع استحقاقهم ستة وخمسون، والباقي


(1) كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد للسيد عميد الدين عبد المطلب ابن مجد الدين أبي الفوارس محمد بن محمد بن علي الاعرجي ابن أخت العلامة الحلي (ولد سنة 681 وتوفي سنة 754) والكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات.

[ 240 ]

وهو ستة عشر للعيد. قوله: " الثالث ابن حر وآخر نصفه حر " الخ (1) أقول على القول بالتكميل يقسم المال بينهما أثلاثا: للمنصف الثلث وللحر الثلثان، لان الثلث نصف الثلثين وقدر الحرية في المنصف نصف قدرها في الكامل. وعلى القول بعدمه يقسم بينهما أرباعا، لان قضية عدم التكميل توزيع ما اشتركا فيه بينهما بالسوية، واختصاص الكامل بالزائد، فيقسم النصف بينهما نصفين لاشتراكهما فيه في الحرية، فيكون له الربع وللآخر ثلاثة أرباع. وعلى تنزيل الاحوال مثله، لان للحر المال كله في حال رقية الآخر بتمامه، ونصفه في حال حريته لاشتراك الحرين فيه بالسوية، فله نصفهما وهو ثلاثة أرباع وللآخر نصفه في حال حريته وليس له شئ في حال رقيته، فليس له في الحالين إلا النصف، وهو الربع قوله: " الرابع ابن ثلثاه حر وآخر ثلثه حر " الخ (2). أقول: على التكميل المال بينهما أثلاثا: لذي الثلثين الثلثان، ولذي الثلث الثلث، تقسيما للمال بينهما على نسبة الحرية. وعلى القول بعدمه يقسم الثلثان لحرمانهما من الثلث بالرقية بينهما أثلاثا بناء على ما تقدم في كلام جدنا: من تقسيم الاكثر بينهما على نسبة الحرية مع الاختلاف في قدرها الذي قد عرفت ما فيه، وأن الاقوى فيه تقسيم الثلث بينهما بالسوية لاشتراكهما فيه بالحرية، ويضاف لذى الثلثين ثلث آخر، فيكون له النصف ولذي الثلث السدس، والثلث الباقي لمن تأخر، فالفريضة على الاول: من تسعة، لانه أقل عدد يكون له ثلث ولثلثيه ثلث، فالثلثان منها وهما ستة يقسم بينهما أثلاثا، فلذي الثلث تسعان، ولذي الثلثين أربعة أتساع


(1) نفس المصدر الآنف من القواعد بعنوان (ج). (2) المصدر الآنف من القواعد بعنوان (د)

[ 241 ]

والثلاثة أتساع الباقية لمن تأخر. وعلى الثاني، فالفريضة من ستة، يقسم ثلثها، وهو اثنان بينهما بالسوية، ويختص صاحب الثلثين بثلث آخر، والثلث الباقي لمن تأخر، فلذي الثلث السدس، ولذي الثلثين ثلاثة أسداس، وسدسان وهو الثلث لمن تأخر، وعلى الخطاب، فلذى الثلث السدس، ولذي الثلثين ثلثا خمسة أسداس، وهما خمسة أتساع، وهي عشرة من ثمانية عشر. وتوضيح ذلك موقوف على بيان ما ذكروه: من قاعدة كلية جارية في معرفة كمية إرث المبعض مع من كان في طبقته - حرا كان أو مبعضا - بناء على الخطاب، وهي انه: إذا كان أحدهما بعضه حرا وبعضه رقا فانما تمنع حرية البعض جزء نسبته إلى ما يمنعه الكل كنسبة الجزء الحر إلى الكل، وبعبارة أخرى نقول: نسبة ما حجب بجزء الحرية إلى ما حجب بكلها كنسبة جزء الحرية إلى كلها، ففي المقام يقال: إنه لو كان من ثلثه حر حرا كله لمنع من كله حر عن نصفه التركة، فثلث الحر يمنع ثلث النصف وهو السدس، لان الوارث المساوى في الطبقة يحجب مساويه عن نصيبه، والنصيب يتقدر بقدر الحرية إذا لم تكن كاملة ونسبة السدس إلى النصف كنسبة ثلث الحرية إلى تمام الحرية، فيكون لمن كله حر خمسة أسداس المال التي بقيت بعد إخراج السدس، وإذا لم يكن كله حرا - بل ثلثاه كما في المثال المفروض - لم يستحق الخمسة أسداس، وانما يستحق بثلثي حريته ثلثي ما كان يستحقه بكل حريته فله ثلثا خمسة أسداس، وهما خمسة أتساع، وهي عشرة من ثمانية عشر - كما تقدم - والى ذلك اشار - قدس سره - بقوله: " فلك بثلثي حرية خمسة أتساع، ويقال للآخر: يحجبك أخوك بثلثي حربته عن ثلثى النصف وهو الثلث يبقى لك الثلثان، ولك بثلث حرية ثلث ذلك وهو التسعان، ويبقى التسعان لباقي الاقارب " (1)


(1) راجع من المصدر الآنف من القواعد: آخر ما يحويه عنوان (د)

[ 242 ]

قوله " الخامس ابن حر وبنت نصفها حر: للابن خمسة أسداس المال وللبنت سدسه. في الخطاب والتنزيل معا. " (1) إذ يقال في الخطاب للابن: لو كانت البنت حرة حجبتك من ثلث المال فتحجبك بنصف حريتها عن السدس، وللبنت: لو كنت حرة كان لك الثلث فلك بنصف الحرية السدس، وعلى تقدير جمع الحرية يكون له أربعة أخماس المال، ولها الخمس، فتكون التركة بينهما أخماسا لانه ابن كامل وربع ابن، لان نصف البنت ربع الابن، فأصل الفريضة خمسة: للابن أربعة وللبنت واحد. هذا وأنت بعد الاحاطة بما ذكرناه تقدر على استخراج بقية الفروع التي ذكرها - قدس سره - بأدنى تأمل، فلا حاجة إلى إطالة الكلام فيها سيما بعد ضعف الاحتمالات - كما ذكره في المصابيح - مضافا إلى أن طرق الاستخراج وتمييز قدر الاستحقاق بها في المؤدى مختلفة - كما في كشف اللثام - ففي بعضها يجرى الجميع، وفي بعضها بعضها، وقد يتفق المؤدى مع اختلاف الطرق، وقد يختلف باختلافها، ولا يكون المؤدى في الجميع واحدا حتى يكون مخيرا في طريق الاستخراج، ولا يمكن القول بتوقف تعين قدر الاستحقاق على اختيار طريق منها لاستخراج لعدم دوران الواقع مدار اختيار طريق منها، فصرف الوقت فيه تضييع للعمر، مع كفاية ما ذكرناه في تشريح الذهن. بقى في المقام مسائل: (المسألة الاولى) لا يمنع الرق عن إرث من يتقرب به، فولد المملوك الحر يرث من يتقرب به إليه، بلا خلاف فيه، بل الاجماع مستفيضا محكي


(1) المصدر الآنف من القواعد أول عنوان (ه‍) كناية عن الخامس.

[ 243 ]

عليه، مضافا إلى ما روي عن الصادق (ع) في خبر مهزم: " في عبد مسلم له أم نصرانية وابن حر، فماتت الام يرثها ابن ابنها الحر " (1). (المسألة الثانيه) لو اعتق المملوك قبل القسمة شارك مع المساواة في الطبقة، واختص بالمال إن كان أولى، وليس له شئ لو اعتق بعدها، للاجماع - بقسميه - والنصوص المستفيضة التي (منها): رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " قال قضى أمير المؤمنين (ع) فيمن ادعى عبد انسان أنه ابنه: أنه يعتق من مال الذي ادعاه، فان توفى المدعى وقسم ماله قبل أن يعتق العبد فقد سبقه المال، وإن أعتق قبل أن يقسم ماله فله نصيبه منه " (2). ورواية ابن مسكان عنه أيضا: " قال من أعتق على ميراث قبل أن يقسم فله ميراثه، وان أعتق بعدما يقسم فلا ميراث له " (3). ورواية محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: " من أسلم على ميراث من قبل أن يقسم فهو له، ومن اسلم بعدما قسم فلا ميراث له، ومن اعتق على ميراث قبل أن يقسم الميراث فهو له، ومن أعتق بعدما قسم فلا ميراث له " (4) وغير ذلك، وفي كون العتق قبلها كاشفا عن الملك من حين الموت فيكون المانع الرقية المستمرة، أو ينتقل عند الموت إلى الوارث غيره متزلزلا ويستقر بالقسمة وفي مالو اعتق في أثنائها، أو بعد قسمة البعض وتبعية النماء للعين وعدمها: ما تقدم في إسلام الكافر.


(1) مضمون رواية ذكرت في الوسائل: كتاب الفرائض، باب 17 من ابواب موانع الارث حديث (1). (2، 3) المصدر الآنف من الوسائل، باب 18 حديث (1، 2) (4) المصدر الآنف من الوسائل باب 3 الكافر إذا اسلم على ميراث قبل قسمته حديث (3).

[ 244 ]

(المسألة الثالثة) لو لم يكن للميت سوى المملوك وارث عدا الامام اشتري من التركة وأعطي له الفاضل منها، بلا خلاف في أصل الفك وان اختلفوا فيمن يفك. ودعوى الاجماع عليه - في الجملة - كالنصوص مستفيضة: (منها): رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: " كان أمير المؤمنين (ع) يقول في الرجل الحر يموت وله أم مملوكة؟ قال: تشترى من مال ابنها: ثم تعتق ثم يورثها " (1). (ومنها): رواية عبد الله بن سنان قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول في رجل توفى وترك مالا وله أم مملوكة؟ قال: تشترى أمه وتعتق ثم يدفع إليها بقية المال " (2). (ومنها): روايه ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا مات الرجل وترك أباه وهو مملوك أو أمه وهي مملوكة أو أخا أو أختا وترك مالا والميت حر أشتري مما ترك أبوه أو قرابته وورث ما بقي من المال " (3). (ومنها): رواية جميل بن دراج " قال قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يموت وله ابن مملوك؟ قال: يشترى ويعتق ثم يدفع إليه ما بقي " (4) (ومنها): رواية عبد الله بن طلحة عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن رجل مات وترك مالا كثيرا وترك أما مملوكة وأختا مملوكة قال: تشتريان من مال الميت ثم تعتقان وتورثان، قلت: أرأيت إن أبى


(1) الوسائل: كتاب الفرائض والمواريث، باب 20 من أبواب موانع الارث، حديث (1). (2) المصدر الآنف من الوسائل حديث (2). (3) المصدر الآنف من الوسائل حديث (3). (4) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (4).

[ 245 ]

أهل الجارية، كيف يصنع؟ قال: ليس لهم ذلك يقومان قيمة عدل ثم يعطى مالهم على قدر القيمة، قلت: أرأيت لو أنهما اشتريا ثم اعتقا ثم ورثاه من بعد: من كان يرثهما؟ قال: يرثهما موالي أبيهما لانهما اشتريا من مال الاب " (1). (ومنها): رواية اسحاق بن عمار " قال مات مولى لامير المؤمنين (ع) فقال: انظروا: هل تجدون له وارثا؟ فقبل له ابنتين باليمامة مملوكتين، فاشتراهما من مال الميت ثم دفع اليهما بقية الميراث " (2). (ومنها): رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " قال قضى أمير المؤمنين (ع) في الرجل يموت وله أم مملوكة وله مال: أن تشترى أمه من ماله ثم يدفع إليها بقية المال إذا لم يكن له ذووا قرابة لهم سهم في الكتاب " (3). (ومنها): رواية دعائم الاسلام: " إذا مات الميت ولم يدع وارثا وله وارث مملوك يشترى من تركته فيعتق ويعطى باقي التركة " (ومنها): رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) في رجل مات وترك ابنا مملوكا ولم يترك وارثا غيره، فترك مالا فقال: يشترى الابن ويعتق ويورث ما بقي من المال (4) واطلاق اكثرها، وان كان يعطي الفك مع وجود القرابة أيضا إلا أنه مقيد - بعد الاجماع - بما دل على أن الارث للحر، وان كان بعيدا، دون المملوك وان كان أقرب.


(1) المصدر الآنف من الوسائل حديث (5) تسلسل (32455) (2) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (8). (3) المصدر الآنف من الوسائل حديث (6). (4) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (10) تسلسل (32460)

[ 246 ]

وبرواية عبد الله بن سنان المتقدمة المعلق فيها الحكم على فقد ذي القرابة، بل في غيرها على فقد الوارث الشامل للضامن أيضا، فلا كلام في توقف الفك على فقد القرابة وان بعد، كما لا كلام في وجوبه لو انحصر الوارث بالامام (ع)، وإلا لم يكن مورد لوجوب الفك، لوجود الامام (ع) في كل زمان، وانما الكلام في اختصاص الحكم بفقد القرابة خاصة كما لعله يعطيه ظاهر خبر ابن سنان المعلق فيه الحكم عليه، الشامل باطلاقه لوجود وارث غيره، وعدم الوارث أصلا أو فقد مطلق الوارث حتى الضامن كما يعطيه عموم مادل على إرثه الذي بينه وبين ما هنا تعارض العموم من وجه، المرجح باطلاق الاصحاب تعليق الحكم على عدم الوارث عدا الامام (ع) بل صرح بعضهم منهم جدنا في (الرياض) بفقد الوارث حتى الضامن. وبمرسل (الدعائم) المنجبر بما عرفت، المعلق فيه الحكم على عدم الوارث الشامل باطلاقه للضامن أيضا. وحمله على ارادة الغالب منه - وهو القرابة - ليس بأولى من تنزيل التقييد بالقرابة في خبر ابن سنان على الغالب، بل الثاني هو الاولى في كل ما كان من هذا القبيل: من تعليق الحكم على المطلق في خبر، وفي آخر: على أفراده الشايعة الدائر أمره بين تنزيل المطلق على الغالب أو المقيد عليه مع بقاء المطلق على اطلاقه، والثاني هو المتعين، سيما لو كان الانصراف منبعثا عن غلبة الوجود دون الاستعمال لان مرجع الاختصاص في المعلق على الخاص ليس إلا من جهة الاختصاص بالذكر، بخلاف صدق المطلق على أفراده الذي هو من دلالة اللفظ عليه، فنسبة غير مورد الخاص إليه كنسبة الاصل إلى الدليل التي مرجعها في الحقيقة إلى عدم التعارض، ففي المقام ينزل التقييد بفقد القرابة على الغالب: من عدم الوارث غيره، لا تنزيل

[ 247 ]

الوارث على خصوص القرابة. فإذا ما عليه المشهور من تعليق الفك على فقد الوارث مطلقا عدا الامام (ع): هو الاقوى. هذا وهل يختص الفك بالابوين - كما هو ظاهر المرتضى والديلمي، أو الام وحدها - كما عن ظاهر الصدوقين - أو هما مع الاولاد للصلب - كما في السرائر، وهو المحكي عن المفيد والمحقق والآبي وظاهر الطوسي، وفي الروضة: إنه موضع وفاق، بل في السرائر: دعوى الاجماع عليه، وان نسبه مع ذلك إلى الاكثر، أو مطلق الاقارب كما اختاره في (المصابيح) وحكاه عن الشيخ وأبي علي والشاميين الخمسة، والقطبين الراوندي والكيدرى، والمحقق الطوسي والعلامة ونجيب الدين وفخر المحققين والسيوري وأبي العباس والصيمري، وفي الروضة نسبتة إلى الاكثر، بل في (الخلاف) الاجماع على فك المستحق الظاهر في مطلق الوارث؟ أقوال: والكل منصوص وان كان في سند بعض النصوص ضعف، ولذا وقع الخلاف في القدر الخارج عما اقتضته قاعدة حرمان الرقيق من الارث، والاقرب وجوب فك الاقارب مطلقا لورود النص بفك بعضها كالاخ والاخت مع دعوى الاتفاق على عدم الفرق بين الاقارب، فيتم في غير المنصوص منهم بالاجماع المركب، مضافا إلى المرسلة في (الوسيلة) في الجد والجدة والاخ والاخت وجميع ذوي الارحام المنجبر - كغيرها - بما عرفت، والى مرسل (الدعائم) المنجبر الناص بشراء المملوك والوارث الشامل لمطلق الاقارب بل مطلق الوارث. وأما الزوج والزوجة، ففي فكهما وعدمه قولان: والاول محكي في (المصابيح) عن صريح النهاية والارشاد والمسالك وظاهر المبسوط والايجاز وغيرهما، بل ظاهر اجماع (الخلاف) وإطلاق مرسل (الدعائم)

[ 248 ]

الشمول لهما، مضافا إلى خصوص الصحيح: " كان علي (ع) إذا مات الرجل وله امرأة مملوكة اشتراها من ماله فأعتقها ثم ورثها " لظهور التكرر المستفاد من قوله (وكان علي) مع قوله (ثم ورثها) في كون فكها وتوريثها البقية حكما إلهيا لا تبرعيا، كما احتمل، واحتمال تصحيف الام بالامرأة لا يلتفت إليه، فإذا ثبت في الزوجة ثبت في الزوج بالاولوية، مع دعوى الاتفاق على عدم الفرق بينهما، الا أنه يشكل ذلك بناء على عدم الرد على الزوجة، إذ لا نريد شراء المملوكة على الحرة، إلا أن يدفع بالجمود على النص في المورد مع النسرى إلى الزوج بالاجماع المركب والثاني محكى في (المصابيح) عن الديلمي والحلي وابني سعيد والآبي وأبي العباس وظاهر المقنعة والاحمدي والجواهر والوسيلة والقواعد والتلخيص والتنقيح، وعن المقتصر نسبته إلى الاكثر. فروع (الاول): لو امتنع المالك عن البيع، أجبر عليه، فان امتنع - مع ذلك - تولى بيعه الحاكم، لانه ولي الممتنع، ولا يجب - بل لا يجوز - بذل الزائد على القيمة لو توقف رضاؤه عليه، لقوله (ع) في رواية عبد الله بن طلحة المتقدمة: " يقومان قيمة عدل " الدالة على عدم تسلطه على طلب الزيادة، ولدفع الضرر عنه بالقيمة، ودخول الضرر على الوارث ببذل الزيادة وان رضى به، لعدم كونه مالكا قبل الشراء حتى يجدي رضاه، ولو كان له وصى، فالاوجه: أنه هو الذي يتولى الشراء، لان المال قبله بحكم مال الميت كالثلث الذي تنفذ فيه وصيته، وان اختص صرفه بالشراء. اللهم إلا أن يدعى المنع عن كونه مما له الايصاء به، ولا أقل من الشك فيه فتأمل. وليس له قهره عليه لو امتنع لانه وظيفة الحاكم (الثاني) لو ساوى المال قيمة المملوك وجب شراؤه، وان لم يفضل منه شئ يرثه: بلا خلاف أجده، بل الاجماع محكى عليه، وان تضمنت

[ 249 ]

النصوص للزيادة، لانها في مقام بيان كون الفاضل له بالارث إن كان لا أن نصيبه من التركة مقدار ثمنه. (الثالث) لا يجبر المالك على المعاوضة بعين التركة كالسيف والفرس - مثلا - مع تعذر القيمة ولو ببيعها ودفع ثمنها ثمنا للمملوك، فيكون للامام (ع)، قصرا للحكم فيما خالف الاصل من وجوه على المتيقن، وهو الشراء بالقيمة الظاهرة في النفوذ، دون الاعيان. نعم مع إمكان التوصل إليها ببيع العين وجب مقدمة، لان المقدور بالواسطة مقدور، كما تجب المعاوضة بها مع تعذر القيمة لو رضي المالك بها، بل وهو كذلك، وإن زادت قيمتها عن قيمة المملوك وأبى المالك إلا المعاوضة بها تماما، وان قلنا بعدم وجوب بذل الزائد على الثمن، لوجوب البيع بالقيمة عليه هناك دون المقام. (الرابع): لو قصرت التركة عن القيمة، ففي وجوب الشراء والسعي للباقي مطلقا أو فيما اتفق على فكه أو العدم مطلقا؟ اقوال: والاول محكي عن الشيخ. وابن الجنيد نقله عن بعض الاصحاب، وعن (الجواهر): نفي البأس عن العمل به، وفي (المختلف): ليس بعيدا عن الصواب، وعن المسالك: إنه قول متجه. ونظرهم إلى أن عتق الجزء يشارك عتق الجميع في الامور المطلوبة شرعا، فيساويه في الحكم. وفيه: انه ان أرادوا من مساواة حكمهما بعد الحرية فمسلم، ولكن لا يستلزم وجوب تحرير الجزء عند تعذر الكل، وان أرادوا ما يعم ذلك فهو قياس أو مصادرة، والاستناد فيه إلى عموم " ما لا يدرك " و " عدم سقوط الميسور " و " إذا أمرتكم بأمر " فمع منع شموله للمقام معارض بما دل على نفي الضرر، لاستلزامه تشطير المملوك المرجح عليه بوجوه عديدة

[ 250 ]

والثاني هو متجه (الروضة) وغيرها، لم ار له وجها لعدم الفرق بين ما اتفق على فكه وبين غيره بعد اشتراكهما في وجوبه للدليل، سواء كان الاتفاق أو غيره. والثالث - وهو الاقوى - اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن: هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل في (المصابيح): دعوى الاجماع عليه ونسبة الخلاف إلى الانقراض والشذوذ، وعليه فالتركة للامام (ع). (الخامس) لو تعدد المملوك ولم تف التركة إلا بقيمة واحد لا بعينه، فالاقرب وجوب شراء من تعينه القرعة، لوجود المقتضي للارث من القرابة وإمكان زوال المانع ولو في البعض. وقول بالعدم - كما هو المشهور - للاصل وكون الوارث هو المجموع، فهو كالواحد الذي لا يجب شراء بعضه لو قصر المال عن كله، والاول مقطوع بما عرفت، والثاني قياس لا نقول به. ولو وفى نصيب واحد بقيمته: اما لزيادة النصيب أو لقلة القيمة، فالاقرب تعيين شرآئة وتوريثه الباقي، لوجود المقتضي وامكان زوال المانع بالنسبة إليه، ويحتمل التعيين بالقرعة أيضا، لعدم النصيب له قبل الشراء حتى يتعين به، ولذا لو وفى المال بقيمة الكل وجب شراء الجميع بالاجماع المحكي، وان اختلفا في النصيب أو القيمة، وقول بالعدم وأن الميراث للامام لكون الوارث هو المجموع، فهو كالواحد الذى لا يتحرر بعضه لو قصر المال عن قيمة كله. ويضعفان بما عرفت. (السادس) هل يجب العتق بعد الشراء، أم يكتفى به عنه في حصول الانعتاق؟ وجهان، بل قولان: ولعل الاقرب هو الثاني، بناء على أن البيع في أمثال المقام كشراء أحد العمودين، والعبد المشترى من مال الزكاة مفاده الانعتاق لا التملك ولو آناما ثم العتق بعده، وذكر العتق بعد الشراء - ولو بالعطف بثم في بعض الاخبار - كناية عن زوال الرقية "

[ 251 ]

ويشهد له خلو بعضها عنه، وان أمكن القول به بدعوى أن الخلو عنه غايته الاطلاق فيقيد بما نص عليه، ولتحقيق ذلك مقام آخر. (الثالث من الموانع): القتل، والعمد منه بغير حق مانع عن الارث بالاجماع - المحصل والمنقول - مستفيضا، وللنصوص المستفيضه الدالة عليه بالعموم والخصوص. فمن الاول: صحيحة هشام: " لا ميراث للقاتل " (1) ورواية أبي بصير قال: " لا يتوارث رجلان قتل أحدهما صاحبه " (2) ورواية القاسم ابن سليمان قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل قتل أمه أيرثها؟ قال سمعت أبي (ع) يقول: أيما رجل ذو رحم قتل قريبه لم يرثه " (3) وصحيحة الحذاء: " في رجل قتل أمه؟ قال: لا يرثها " (4) وصحيحة الحلبي: " عن الرجل يقتل ابنه: أيقبل به؟ قال: لا ولا يرث أحدهما الآخر " (5) وحسنته " إذا قتل الرجل أباه قتل به وان قتله أبوه لم يقتل به ولم يرثه " (6)


(1) الوسائل: كتاب الفرائض والمواريث، باب 7: إن القاتل ظلما لا يرث المقتول، حديث (1) عن أبي عبد الله (ع) عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (5) عن أبي عبد الله (ع) (3) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (6). (4) المصدر الآنف من الوسائل حديث (2) والحذاء هو أبو عبيدة وتكملة الرواية: - كما في الكافي -: " ويقتل به صاغرا، ولا اظن قتله بها كفارة لذنبه " (5) المصدر الآنف الوسائل حديث، (7) آخر الباب وهي عن أبي عبد الله (ع) (6) نفس المصدر من الوسائل. حديث (4).

[ 252 ]

مؤيدا بالحكمة الظاهرة، وهي عصمة الدماء من معاجلة الورثة، وعقوبة القاتل بحرمانه من الارث ومقابلته بنقيض مطلوبه. ومن الثاني صحيحة ابن سنان: " عن رجل قتل أمه أيرثها؟ قال: إن كان خطأ يرثها وإن كان عمدا لم يرثها " (1) وصحيحة محمد بن قيس قال: " قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل قتل امه ان كان خطاء فان له ميراثه وان كان قتلها متعمدا فلا يرثها " (2). وما كان منه بحق لم يمنع عن الارث وان جاز تركه كالقصاص: للاجماع، ورواية حفص بن غياث: " عن طائفتين من المؤمنين إحداهما باغية، والاخرى عادلة: اقتتلوا فقتل رجل من العراق أباه أو ابنه أو أخاه أو حميمه، وهو من أهل البغي وهو وارثه أيرثه؟ قال: نعم لانه قتله بحق " (3) وأما الخطاء ففي المنع عنه مطلقا، أو عدمه كذلك، أو التفصيل، فيمنع عن الدية دون غيرها من التركة؟ أقوال: والاول منسوب إلى الفضل والعماني وظاهر الكليني، ونظرهم إلى عموم منع القاتل، وخصوص الخبر: " لا يرث الرجل الرجل إذا قتله وان كان خطأ " (4). والمرسل: من قتل أخاه عمدا أو خطأ لم يرثه.


(1) الوسائل: كتاب الفرائض، باب 9 من ابواب الموانع إن القاتل خطأ لا يمنع من الميراث، حديث (2) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (2) المصدر الآنف من الوسائل - كتابا وبابا - حديث (1) عن أبى جعفر (ع) بهذا المضمون. (3) الوسائل: كتاب الفرائض، باب 13 من أبواب الموانع وحديث تسلسل (32430) قال: سألت جعفر بن محمد عن طائفتين.. (4) الباب التاسع من كتاب الفرائض من الوسائل، حديث (4) =

[ 253 ]

ويضعف الاول (1) بلزوم التخصيص بالنصوص المقيدة بالعمد. والثاني بضعف (2) الخبرين وانتفاء الجابر، بل مخالفة القول به للمشهور - عندنا - وموافقته للمشهور عند غيرنا، فالمتجه طرحهما أو الحمل على التقية، سيما مع معارضتهما للنصوص الدالة على الارث مطلقا (3) والمفصلة بين الدية وغيرها من التركة (4) (والثاني) منسوب إلى (الشرائع) و (النافع) و (جامع المقاصد) والتلخيص وغيرها، بل في (الشرائع) و (التحرير) إنه الاشهر، لما تقدم: من الصحيحتين المفصلتين بين العمد والخطآء، مؤيدا بعمومات الارث (5) وانتفاء حكمة المنع. ويضعف بأن إطلاق إرث القاتل خطأ مقيد بما دل على حرمانه من الدية خاصة كالنبوي: " ترث المرأة من مال زوجها ومن ديته ويرث الرجل من مالها وديتها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا فلا يرث من ماله ومن ديته وان قتل خطاء ورث من ماله ولا يرث من ديته " (6) والصحيح:


= باسناده عن العلا بن الفضيل عن أبي عبد الله (ع).. (1) وهو عموم المنع من الارث كالنبوي القائل: " لا ميراث للقاتل،. (2) أي الاستدلال بخصوص الخبر والمرسل الآنفي الذكر. (3) وقد عقد لها في الوسائل: كتاب الفرائض بابا مستقلا وهو الباب التاسع من ابواب المنع بعنوان أن القاتل خطأ لا يمنع من الميراث. (4) يراجع من المصدر الآنف من الوسائل: بابي العاشر والحادي عشر. (5) من الآيات والروايات، خرج منه المتعمد الظالم، وبقي الباقي تحت العموم. (6) في الباب الثامن والتاسع من كتاب الفرائض من الوسائل: =

[ 254 ]

" في امرأة شربت دواء وهي حامل ولم يعلم بذلك زوجها، فألقت ولدها؟ قال فقال: إن كان له عظم وثبت عليه اللحم عليها دية تسلمها إلى أبيه وان كان حين طرحته علقة أو مضغة فان عليها أربعين دينارا أو غرة تؤديها إلى أبيه، قلت: فهي لا ترث ولدها من ديته مع أبيه؟ قال: لا لانها قتلته " (1) الظاهر في الخطأ أو الشامل له وللعمد مؤيدا ببعد استحقاقه ما ثبت عليه أو على العاقلة بجنايته من غرامة الدية - كلا أو بعضا - كيف وهو مما يلزم من ثبوته سقوطه وان اختلف السبب بل لعله بحكم الطل المنفي في دم المسلم ان لم يكن منه. هذا مع تقييد الدية بالمسلمة في قوله تعالى: " فدية مسلمة إلى أهله " اللهم إلا أن ينزل القيد على الغالب كتقييد الربائب بالحجور. فيما ذكرنا ظهر لك أن القول الثالث - وهو التفصيل بين الدية وغيرها بالحرمان من الاول، والارث من الثاني - هو الاقوى، كما هو المنسوب إلى المشايخ الاربعة والحلبيين والطوسيين والقاضي والحلي والكيدرى والعلامة وولده والشهيدين وأبي العباس والصيمري وغيرهم بل في (الدروس) وعن تلخيص (الخلاف): إنه المشهور، بل عن الانتصار والخلاف والغنية والسرائر الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا إلى النبوي المتقدم. وأما الخطأ الشبيه بالعمد فالاظهر أن حكمه حكم المحض في الارث مطلقا أو على التفصيل، وفاقا لما عن صريح الديلمي والعلامة في (المختلف)


= روايات كثيرة بهذا المضمون ولم نعثر على نبوي بهذا النص المذكور. (1) صحيح علي بن رئاب عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (ع) عن امرأة شربت دواء.. كما في الوسائل: كتاب الفرائض، باب 8 من أبواب موانع الارث حديث (1). والغرة - بالضم -: العبد والامة - كما عن كتب اللغة -.

[ 255 ]

و (التحرير) وابن فهد والمقداد في (غاية التنقيح) بل عن الصيمري الميل إليه في كتابيه. وعن أبي العباس حكايته عن الطوسي وشارح النصيرية عنه، وعن كثير من المتأخرين، وهو ظاهر الشرائع، وغيره، بل المعظم حيث قابلوا العمد بالخطاء، الظاهر في إرادة ما يشمل شبيه العمد، لبعد إهمالهم حكم شبيه العمد، مع كثرة وقوعه ومسيس الحاجة إليه، فليس هو إلا لكون المراد بالخطاء الذي ذكروا حكمه ما يشمله، خصوصا مع وقوع ذلك منهم في مقام الاستقصاء، وعليه جدنا في (المصابيح) خلافا للمحكي فيها عن الفضل والقديمين والعلامة في القواعد ووالده وولده والشهيدين وابن القطان وشارح النصيرية: من انه كالعمد. واستدل له بعموم حجب القاتل، والجمع بين الصحيحين والخبرين المتقدمين بحمل الاخيرين على الشبيه بالعمد. ويضعف الاول بتخصيص العموم بما دل على عدم مانعية قتل الخطأ عن الارث مطلقا أو من غير الدية الذي قد عرفت شموله لشبه العمد. والثاني بأنه جمع حسن لو كان له شاهد، ولا شاهد عليه. ولا يلحق المسبب بالقاتل في المنع وان اقتضته الحكمة، إلا إذا كان السبب أقوى من المباشر بحيث يستند القتل إليه عرفا. ولعل منه تسبيب شاهد الزور لحكم الحاكم بالقتل، وداس السم في طعام الضيف، وان كان المباشر غيرهما. ولو اشترك اثنان في القتل منعا عن الارث، لاستناد القتل اليهما، أو إلى كل منهما. ولو كان احدهما وارثا دون الآخر، وكان القتل مستندا إلى مجموعهما بحيث لا تأثير لفعل أحدهما لو انفرد، فقد يتوهم عدم المنع عن الارث، لان القتل قائم بهما معا، فلا يتصف به خصوص الوارث حتى يمنع عن

[ 256 ]

إرثه، إلا أنه توهم فاسد، لاستناد القتل إلى كل واحد منهما لا بنحو الاستقلال، والمنفي انما هو انفراده بالقتل دون اتصافه به الذي يكفي ذلك في المانعية عن الارث، ولذا يفرق في الادلة بين الواحد والمتعدد، ويشهد له - بل يدل عليه - جواز قتلهما وان ضمن دية الواحد لوراثيهما بالتوزيع إذا كانا رجلين، وإذا كانا امرأتين فلا ضمان للدية، وليس ذلك إلا لصدق القاتل على كل منهما، وان لم يكن بنحو الاستقلال. (مسائل: الاولى) يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة بلا خلاف أجده، بل الاجماع مستفيضا محكي عليه، وللنصوص المستفيضة نعم يرثان من الدية لو صولح عليه بها كما يأتي، عدا كلالة الام - على الاظهر - كما ستعرف. (الثانية) لو لم يكن للمقتول وارث سوى الامام جاز له القود أو أخذ الدية، وليس له العفو، للنصوص المصرحة بذلك، وان اشتملت على ما لا نقول به: من التعليل بكونه حقا للمسلمين. خلافا للحلي فأجاز له العفو كغيره من الوراث، بل هو أولى منهم بالعفو وهو كالاجتهاد في مقابل النص المعمول به، مع إمكان منع الاولوية لقيامه (ع) بالرياسة العامة الموجبة لرعاية مصالحهم، التي منها المحافظة على حقن الدماء وإبقاء الحياة المخل به تسويغ العفو له (ع)، لانه لو جاز له لما انفك عنه - غالبا - لرجحانه، وهو الفارق بينه وبين غيره في تسويغ العفو وعدمه، مع أنه لو سلم، فالاولوية ظنية لا تعويل عليها (الثالثة): الدية بحكم مال الميت وان تجدد المال بعد الموت، لتقدم السبب المفضي إليه قبله، فتكون للوارث " من بعد وصية يوصى بها أو دين " من غير فرق بين ما وجب بالاصل كدية الخطآء وقتل الوالد ولده، ولو عمدا، أو بالعارض كالقصاص إذا صولح عليه بالمال، فانه

[ 257 ]

يرثه الوارث، وإن كان لا يرث القصاص كالزوج والزوجة، للاجماع المحكي مستفيضا المعتضد بدعوى غير واحد الوفاق عليه، والنصوص الدالة عليه عموما وخصوصا التي لولاها لامكن أن يقال: إن الدية عوض حق القصاص الذي هو لغيرهما، فلا وجه لارثهما من عوض ما ليس للميت ولا لهما، سيما لو قلنا بأنها عوض دم القاتل دون المقتول وان كان التعبير بالدية دون الفداء ظاهرا في الثاني. نعم بناء على كون الحق للميت، لانه بدل نفسه التالفة وان كان استيفاؤه للوارث - كما في الجواهر - اتجه إرثهما من الدية، لكونها حينئذ من التركة. لكنه خلاف الظاهر، إذ لو كان حقا للميت لما سقط بالعفو عنه، لانه من إسقاط حق الغير، والمفروض جواز إسقاطه بالعفو اتفاقا فليس الوجه في توريثهما إلا التعبد بالدليل الذي قد عرفته. وبالجملة فالدية يرثها من يرث المال مطلقا عدا كلالة الام - على الاقوى - للنصوص المستفيضة التي (منها) صحيحة ابن سنان قال: " قضى أمير المؤمنين (ع): أن الدية يرثها الورثة إلا الاخوة والاخوات من الام فانهم لا يرثون من الدية شيئا " (1) وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال قال: " الدية يرثها الورثة على فرائض المواريث الا الاخوة من الام فانهم لا يرثون من الدية شيئا " (2) وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) " قال قضى أمير المؤمنين (ع) في دية المقتول أنه يرثها الورثة على كتاب الله وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين


(1) الوسائل: كتاب الفرائض، باب 10 حديث (2) هكذا ".. عن عبد الله بن سنان قال أبو عبد الله (ع): قضى.. ". (2) المصدر الآنف من الوسائل حديث (4).

[ 258 ]

إلا الاخوة والاخوات من الام، فانهم لا يرثون من ديته " (1) وضعيفة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " لا يرث الاخوة من الام من الدية شيئا " (2). ومثلها ضعيفة أبي العباس (3) المنجبرتين بنسبة الفتوى به إلى الاكثر، بل عن (الخلاف) دعوى الاجماع عليه، مع أن في الصحاح المتقدمة كفاية في تخصيص عمومات الارث، فإذا ثبت عدم ارثهم من الدية ثبت عدم إرثهم من القصاص، لانه لو كان له حق القصاص لجاز له أخذ الدية بدلا عنه بالاجماع والنصوص فان إرث القصاص مستلزم لارث الدية، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. وان كانت الملازمة بدعوى: أن الحق للميت، وان كان الاستيفاء للوارث - والمعاوضة انما هي عن حق الميت لا عن حق الوارث حتى تثبت الملازمة - قد عرفت ضعفه كضعف دعوى انصراف الدية في الاخبار المانعة عن إرث كلالة الام إلى ما وجب بالاصل كالخطأ ونحوه، فيبقى ارث القصاص ودية العمد تحت عموم أدلة المواريث: مؤيدا ما ذكرناه بما عن موضع من (السرائر): ان كلالة الام لا ترث الدية ولا القصاص ولا القود بلا خلاف. هذا وأما قولهم: إن الدية التي تثبت صلحا في القصاص يرثها من يرث المال فهو مسوق لبيان كونها موروثة لتقدم سببه قبل الموت لا يختص به الميت كما يختص به ما وقع مسببه بعده كالمثلة، فانها تصرف في مصالحه خاصة.


(1) المصدر الآنف من الوسائل حديث (1). (2) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (5). (3) المصدر الآنف من الوسائل حديث (6) ".. عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته هل للاخوة من الام من الدية شئ؟ قال: لا ".

[ 259 ]

(بقى شئ) وهو أن حرمان الكلالة من إرث الدية: هل يختص بالاخوة والاخوات - كما عن بعض - قصرا على مورد النص في تخصيص العمومات، أو يعم مطلق من يتقرب بالام إلى الميت بالاولوية، وذكر المنصوص من باب المثال - كما عن غير واحد من الاصحاب -؟ قولان: أظهرهما الثاني. (الرابعة) يلحق بموانع الارث أمور: (الاول) اللعان، وهو مانع عن ترتب الاثر عن لحوق الولد على المقتضي له وهو الفراش، وبهذا اللحاظ اعتبرت فيه المانعية، ومن حيث استلزامه نفي السبب المقتضي لترتب الارث عليه كان ملحقا بالموانع، لا منها فلا توارث بين الوالد وولد الملاعنة. نعم لو اعترف به ورثه الابن ولم يرث هو ابنه، للاجماع - بقسميه - والنصوص المعتبرة، نحو صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) ".. فان ادعاه أبوه لحق به وان مات ورثه الابن ولم يرثه الاب " (1) وآخر: عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع)، وفيه: " فقلت: إذا أقربه الاب هل يرث الاب؟ قال: نعم ولا يرث الاب الابن " (2) وآخر أيضا عن أبي عبد الله (ع)، وفيه: " قلت: يرد إليه الولد إذا أقربه قال لا ولا كرامة ولا يرث الابن ويرثه الابن " (3) المحمول نفي اللحوق


(1) الوسائل، كتاب الفرائض الباب الثاني من أبواب ميراث ولد الملاعنة، حديث (1) (2) المصدر الآنف الذكر من الوسائل حديث (2). (3) المصدر الآنف من الوسائل حديث (4) عن زرارة عن أبي عبد الله (ع).

[ 260 ]

فيه على ما يوجب التوارث من الجانبين، مضافا إلى عموم دليل الاقرار (1) كما تمسك به جماعة. (وأما المناقشة) فيه بأن الاقرار إنما ينفذ فيما هو عليه كوجوب النفقة ونحوها. وأما بالنسبة إلى الارث الذي لا يتحقق إلا بعد الموت فهو إقرار في حق الغير وهو الوارث غيره لولا الاعتراف. نعم لو كان الاقرار يثبت به عنوان الولد لتترتب عليه أحكامه مطلقا، وتحققه مستلزم لتحقق عنوان الولد، الموجب حينئذ للتوارث المعلوم عدمه بالنص والاجماع. (ففيها) مع أن الاقرار ينفذ بالنسبة إلى ما يترتب عليه من الاثر، وإن تأخر في الزمان، فلا يصير بالاقرار ملكا للغير حتى يكون الاقرار به إقرارا في حق الغير - يدفعها أن الاقرار يثبت لحوق الولد به، لانه تولد على فراشه، فهو ولده شرعا، وان لم يكن معلوما تكونه من مائه الذي هو معنى الولد لغة، والولد الشرعي هو الموضوع لغالب الاحكام الشرعية، ويختلف باختلاف ما أخذ موضوعا للحكم، لانه موضوع جعلي يتبع الجعل، كنفس الاحكام المجعولة القابلة للتفكيك بينها، والملازمة بين عنوان صدق الولد وصدق الوالد، إنما هي في الولد التكويني، دون الشرعي. ومنه يظهر وجه الفرق فيما لو وقف بعد اللعان على أولاده: بين ما لو اعترف به قبل الوقف أو بعده، فيشاركهم فيه على الاول لصدق الولد عليه شرعا قبل الوقف بالاعتراف، دون الثاني لاختصاص الوقف بهم وتملكهم اياه من حين الوقف قبل اللحوق بالاعتراف وان ثبت الحكم الخاص من الارث بالاعتراف للدليل، فيكون الاقرار بعد الوقف إقرار في حق الغير، ولو وقف كذلك قبل اللعان خرج منهم ولد الملاعنة باللعان


(1) وهو قوله (ع): " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " كما هو المذكور في بابه من كتب الاخبار.

[ 261 ]

ولو اعترف به بعده، ففي العود ودخوله معهم نظر: من أنه كالاعتراف المتأخر عن الوقف بعد اللعان في كونه إقرارا في حق الغير، ومن أن المتيقن خروجه ما دام لم يعترف به، وبعده يجري عليه حكمه السابق على اللعان، سيما لو قلنا بكون الوقف على العنوان وان كان خاصا ولذا يدخل معهم من يولد بعدهم، بل وعليه يجري أيضا مثله على بعد لو تأخر الاعتراف عن الوقف بعد اللعان. اللهم إلا أن يدعى الانصراف إلى غير هذا النحو من الولد الملحق به بالاعتراف. هذا وحكم الوصية للاولاد حكم الوقف عليهم في ذلك. ثم ان في ثبوت التوارث بينه وبين أقارب أبيه وعدمه؟ خلافا يأتي في محله. (الثاني) من ملحقات موانع الارث: الغيبة المنقطعة، وهي التي انقطعت آثاره، واخباره بحيث لا يدرى: أحي هو أم ميت، فيتربص بماله بلا خلاف في وجوب أصل التربص، بل الاجماع - بقسميه - عليه وان وقع الخلاف في مدته. فالمشهور - كما قيل - التربص به إلى أن يعلم موته ببينة أو بخبر محفوف بما يفيده أو مضى زمان من ولادته لا يعيش أزيد منه عادة، ويختلف ذلك باختلاف الاعصار والامصار، فيحكم به لورثته الموجودين حين الحكم، إلا إذا قامت البينة على موته قبله، فللوارث حين الموت إذ العبرة بزمان المعلوم لا بزمان العلم. للاصل المقرر بوجوه بعد تضعيف ما يتوهم الخروج به عن مقتضاه ولصحيحة هشام بن سالم قال: " سأل خطاب الاعور أبا ابراهيم (ع) وأنا جالس، فقال: انه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالاجرة، ففقدناه وبقي من أجره شئ - وفي التهذيب: ولا نعرف له وارثا -؟ قال: فاطلبوه

[ 262 ]

قال: قد طلبناه فلم نجده، فقال: مساكين - وحرك يديه - قال: فاعاد عليه، فقال: اطلب واجهد، فان قدرت عليه، وإلا فهو كسبيل مالك حتى يجئ له طالب، فان حدث بك حدث فأوص به: إن جاء له طالب أن يدفع إليه " (1). فان الامر بالوصية ظاهر في البقاء على ملكه، ووجه التشبيه بسبيل ماله: وهو جواز التصرف فيه. ولرواية معاوية بن وهب التي هي صحيحة أو كالصحيحة: " عن أبي عبد الله (ع) في رجل كان له على رجل حق، ففقده ولا يدري: أين يطلبه ولا يدري: أحي هو أم ميت، ولا يعرف له وارثا ولا نسبا ولا والدا؟ قال: اطلبه، قال: فان ذلك قد طال فأتصدق به؟ قال: اطلبه " (2) والامر بالطلب والاجتهاد فيهما ظاهر في الفحص والسؤال والارتقاب عن حاله، دون الضرب في الارض المؤدي - غالبا - إلى صرف مال كثير أضعاف الاصل المستلزم للضرر الفاحش عليه، وعدم تعيين المده دليل على كون الغاية هي العلم بحاله الحاصل بأحد الامور المتقدمة، سيما مع إعراضه في الخبر الثاني عن سؤال التصدق، والامر بالوصية في الاول، وموردهما - وان كان غير الميراث - إلا أنه يتم فيه بعدم القول بالفرق بين الحقوق. وقد استدل عليه أيضا بروايات أخر، لا بأس بالتأييد بها إن لم تصلح دليلا عليه. وقيل بتحديده إلى عشر سنين لخبر ابن مهزيار (3) المتضمن للتحديد


(1) الوسائل: كتاب الفرائض والمواريث، باب 6 حكم ميراث المفقود، حديث (1). (2) المصدر الآنف من الوسائل، حديث (2) تسلسل (33015). (3) في المصدر الآنف من الوسائل، حديث تسلسل (33020) =

[ 263 ]

بها المحمول على وجوه لولاها لوجب طرحه، لعدم العامل به، إلا ما يحكى عن الاسكافي. وهو - مع كون عبارته المنقولة عنه لا تعطى التحديد بها على الاطلاق حتى في المفقود في هزيمة العسكر والمأسور في قيد العدو فتأمل - مرمى بالشذوذ، وما يحكى عن المفيد في (المقنعة) من الانتظار إلى المدة المذكورة في بيع عقاره خاصة، وجواز اقتسام الورثة ما عداها من سائر أمواله بشرط الملائة وضمانهم لها على تقدير ظهوره، وهو - مع عدم معلومية كونه قولا برأسه لان جواز البيع أعم - لا يخفى ضعفه. وقبل بالتحديد إلى الاربع كما في الانتصار والغنية ومحكي الفقيه والكافي واختاره جدنا في الرياض بعد أن حكاه عمن عرفت، وقال: ونفى عنه البأس في المختلف وقواه الشهيدان في (الدورس) و (المسالك) و (الروضة) ومال إليه جملة من متأخرى المتأخرين، كالمحدث الكاشاني وصاحب (الكفاية) وغيرهما. ونظرهم في ذلك إلى الاجماع المحكي في الاولين، والموثقين في أحدهما: " المفقود يحبس ماله على الورثة قدر ما يطلب في الارض أربع سنين فان لم يقدر عليه قسم ماله بين الورثة " (1)


= " عن علي بن مهزيار قال: سألت أبا جعفر الثاني (ع) عن دار كانت لامرأة وكان لها ابن وابنة، فغاب الابن بالبحر وماتت المرأة، فادعت ابنتها أن أمها كانت صيرت هذه الدار لها وباعت أشقاصا منها وبقيت في في الدار قطعة إلى جنب دار رجل من أصحابنا، وهو يكره أن يشتريها لغيبة الابن.. فقال لي: ومنذ كم غاب؟ قلت: منذ سنين كثيرة، قال: ينتظر به عشر سنين ثم يشترى ". (1) إشارة إلى موثق سماعة عن أبي عبد الله (ع) كما في المصدر الآنف من الوسائل حديث (9).

[ 264 ]

ونحوه الثاني (1) لكنه مطلق غير مقيد بالطلب، فيقيد به: مؤيدا ذلك بفحوى ما دل عليه في الزوجة من اعتدادها - بعد تلك المدة - بعد الوفاة وتزويجها بالاجنبي، إذ عصمة الفروج أشد من عصمة الاموال. وفيه: أما إجماع الغنية فغير ظاهر في المدعى، وأما اجماع الانتصار فموهون بمصير أساطين معاصري ناقله إلى الخلاف، بل قيل كأنه استقرار الاجماع على خلافه باعتبار مضي جملة من الاعصار المتخللة بين زمان الاول والموافق له من المتأخرين. واما الخبران، فمنع ضعفهما وعدم معلومية الجابر لهما - معارضان بما دل على اشتراط الملائة في القسمة بين الورثة، كقول الكاظم (ع) لاسحاق بن عمار - المردد بين الموثق والثقة -: " إن كان الورثة ملاء اقتسموا ميراثه فان جاء ردوه عليه " (2). وربما قيل به قولا، ولم نعثر عليه إلا ما تقدم عن المفيد في " المقنعة " وان أجل في بيع العقار إلى عشر سنين معبرا في الحكمين بلا بأس، مع قوة احتمال رجوعه إلى القول بالاربع مطلقا، وأن التأجيل فيه إلى العشر للاحتياط. وان عورض بمثله في غيره وفيما إذا كان فيهم وارث صغير، فلا وجه للاختصاص بالعقار، إلا الجمع بينه وبين خبر ابن مهزيار الذي مورده العقار، فيكون حينئذ قول بالتفصيل، فالمسألة: إما ثلاثية الاقوال أو رباعيتها إذ لم نعثر على قائل بالانتظار إلى العشر مطلقا. قلت: والاظهر عندي - جمعا بين الاقوال وكذا الاخبار - جواز القسمة بين الورثة بعد الاربع سنين مع الطلب بشرط الملائة وضمانهم المال على تقدير ظهور المفقود: بتنزيل القسمة على إرادة نحو القرض دون


(1) لعله إشارة إلى رواية اسحاق بن عمار، المذكور في المصدر الآنف من الوسائل حديث (5). (2) مضمون حديث (8) من المصدر الآنف من الوسائل.

[ 265 ]

التملك بالارث، وهو الموافق لاصالتي الحياة وبقاء الملك لمالكه، والامر بالضمان فيها أقوى شاهد عليه، كما يشهد له الامر بالانفاق على الزوجة من مال المفقود وطلاق الولي أو الحاكم لها بعد الطلب أربع سنين (1) وكيف يتجه الامر بالانفاق من مال الزوج بعد المدة المذكورة مع كون المال حينئذ للورثة، فالانفاق والطلاق شاهدان على اعتبار إصاله الحياة. ولا ينافيه اعتدادها بعدة الوفاة، سواء قلنا بها لاحتمال الموت أو لاختصاص هذه الطلاق بمساواة عدته لعدة الوفاة، ولعله بما ذكرنا يمكن إرجاع الاقوال إلى القول المشهور الذي هو الاقوى. (الثالث) الحمل، وهو يرث بشرط انفصاله حيا استهل أو لم يستهل، بالنص المستفيض والاجماع. فمن الاول: الصحيحان وغيرهما، قال في أحدهما: " سأل الحكم ابن عتيبة أبا جعفر (ع) عن الصبي يسقط من أمه غير مستهل: أيورث؟ فأعرض عنه، فأعاد عليه، فقال: إذا تحرك تحركا بينا ورث فانه ربما كان أخر س " (2) وفي آخر: إذا تحرك بحركة الاحياء ورث انه ربما كان أخرس " (3) وما ورد من النصوص مقيدا بالاستهلال (4)


(1) مضمون أحاديث كثيرة ذكرت في الوسائل: كتاب الطلاق، باب حكم طلاق زوجة المفقود وعدتها وتزويجها. (2) الوسائل: كتاب الفرائض، باب 7 إن الحمل يرث ويورث إذا ولد حيا. حديث (8)؟. (3) لعله إشارة إلى روايتي: ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع): الواردتين في ضمن الباب الآنف الذكر من الوسائل. (4) إشارة إلى الحديث الثاني من نفس الباب الآنف من الوسائل: " إن المنفوس لا يرث من الدية شيئا حتى يستهل ويسمع صوته " ونحوها وغيرها.

[ 266 ]

منزل على الغالب أو التقية ممن يرى اعتباره في ميراثه من العامة بقرينة الامر بالصلاة عليه في بعضها (1) الموافق لهم أيضا. ولا يعتبر الاستقرار في الحياة، لتعليق الحكم في الاول من الخبرين على تبين الحركة، الظاهر في إرادة حركة الحياة دون التقلص ومجرد القبض والانبساط، وفي الثاني على الحياة الشاملة للمستقر وغيره، فما عن الشيخ من اعتبار الاستقرار في الحياة في غير محله. وهل هو شرط في استقرار الملك بالارث فيملك متزلزلا حين الحمل ويتسقر بالانفصال حيا، أو هو كاشف عن الملكية التامة من حين الموت وأن انفصاله ميتا يكشف عن عدمه؟ وجهان: ولعل الاول هو الاقرب (فما عن الجواهر): من اشتراط الملك بالارث بالولادة، وان علم حياته في بطن أمه باخبار المعصوم - مثلا - وان الحصة الموزعة له بحكم مال الميت (متجه) إن أريد به الملكية التامة وإلا فغير متجه، إذ لا يشهد له الا اشتراط الارث بالانفصال حيا، وهو ظاهر في الملك التام على حد إرث غيره من الورثة، فلا ينافي تزلزل الملك قبله، بل يشهد على خلافه حجبه لغيره عن الحصة الموزعة له ما دام حملا (ودعوى) عدم الملازمة بين الحجب والوارثية كما تحجب الاخوة الام عن نصيبها الاعلى مع عدم إرثهم للمال (ضعيفة) لان الموجب للحجب هنا إنما هو من حيث الوراثية كحجب الطبقة المتقدمة للمتأخرة عنها، فلا يقاس بالحجب تعبدا كالاخوة، فالحجب هنا: إما للملك التام المنكشف بالولادة أو المتزلزل المستقر بها، فالحيثية ملحوظة في الحجب في المقام دون غيره


(1) كرواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) وفيها: " فإذا استهل فصل عليه وورثه " حديث (5) من المصدر الآنف من الوسائل.

[ 267 ]

وكيف كان فلو خرج، وكان نصفه حيا ثم سقط ميتا، لم يرث ولم يورث، كما عن صريح جماعة، بل في (الرياض): لم أجد الخلاف فيه وان أشعرت به عبارة التحرير ولعل المخالف من العامة للاصل واختصاص النصوص بحكم التبادر بالساقط متحركا بجميعه (1) هذا ولا خلاف في أنه متى كان هناك حمل وطلب الورثة القسمة عزل للحمل نصيب ذكرين حتى ينكشف حاله بالولادة، احتياطا من تولده كذلك، ولو ندرة الزائد لكان الاحتياط المرعى هنا في عزل الازيد. وبالجملة: لا تعطل القسمة إذا طلبها الوارث إلا إذا كان محجوبا بالحمل على تقدير انفصاله حيا، كمن خلف مع الحمل أخا أو ولدا ولد فيمنعان عن الارث إلى أن ينكشف حال الحمل بالولادة. ومن لم يحجب به وكان ذا فرض لا يختلف فرضه أعطى نصيبه كمن خلف ولدا مع أبوين، وان كان يختلف فرضه أعطي الادنى من الفرضين لانه المتيقن على كل تقدير كمن، خلف مع الحمل أما أو زوجة، فتعطى السدس أو الثمن، وينتظر بالزائد إلى الولادة ولو كان له ولد واحد أعطي الثلث: ان كان ذكرا، والخمس ان كان أنثى، وينتظر بالباقي إلى تبين حال الحمل بالولادة، من كون المولود واحدا أو متعددا بولد حيا أو ميتا وكان ذكرا أو انثى أو خنثى، فتنتهي الصور المحتمله إلى عشر، فان كان كما عزل فهو، وإلا قسم المال بعد الولادة على ما يقتضيه الحال. وهل بالعزل يتعين حق الحمل في المعزول بحيث لو تلف قبل الولادة لم يكن للحمل شئ فيما قبضوه فتكون قسمة حقيقة، أو هو للاحتياط


(1) راجع ذلك في خاتمة كتاب المواريث، آخر المسألة الثانية - الحمل يرث إن سقط حيا.

[ 268 ]

جمعا بين حقى الموجود والحمل فلا تترتب عليه أحكام القسمة؟ الاقرب هو الاول، فيتولى القسمة ولي الحمل لامكانها مع طلب المستحق لها وتأخير التملك ضرر منفي. خلافا لشيخنا في (الجواهر) حيث جعل العزل للاحتياط اللازم مراعاته جمعا بين الحقين، لا أنه قسمة حتى تجري عليه أحكامها. وهو متجه على مبناه: من كون الحمل إنما يملك بالولادة، وقبلها لا ملك أصلا حتى يتصور القسمة مع وليه، وأما على القول بملك الحمل - ولو متزلزلا يستقر بالولادة فضلا عن كونها كاشفة عن الملكية التامة قبلها - فلا مانع من تحقق القسمة لامكانها مع ولي الحمل، فتجرى عليه أحكامها. (الرابع) جعل بعض من ملحقات الموانع: الدين المتسوعب للتركة وغير المستوعب بالنسبة إلى ما قابله منها، دون الفاضل، وهو مبني على كونها ما لم يستوف الدين على حكم مال الميت لم تنتقل إلى الورثة (1) إلا أن الاقوى انتقال التركة إلى الوارث، وان تعلق بها حق الاستيفاء للديان. وان وقع الخلاف في كيفية تعلق الحق بها، من كونه كتعلق حق الرهانة أو حق الجناية (2) أو تعلق مستقل لا يدخل في أحد التعلقين لخروجه عن موضوعهما وان أشبه بكل منهما من وجه، فليس الدين مانعا عن الارث، وان كان مانعا


(1) إستنادا إلى ظاهر قوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " وظاهر صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: " قضى أمير المؤمنين (ع) في دية المقتول إنه يرثها الورثة على كتاب الله تعالى إذا لم يكن على المقتول دين.. " الحديث (2) ولعل الفرق بينهما: إن الاول يسقط بالرضا ولا ضمان فيه، والثاني يترتب عليه الضمان أيضا.

[ 269 ]

عن التصرف أو نفوذه في الميراث (1). (المقدمة الثالثة في الحجب) وهو: إما عن أصل الارث، ويسمى بحجب (الحرمان) أو عن بعض الفرض، ويسمى بحجب (النقصان). وضابط الاول في المناسب: الاقربية إلى الميت، وقد عرفت في (المقدمة الاولى): طبقات النسب، ودرجات كل طبقة منها، وان السابقة من كل طبقة أو درجة تحجب اللاحقة منها، كما يدل عليه الخبر الجامع لها المروى في (الوسائل) باسناده إلى يزيد الكناني عن أبي جعفر (ع) قال: " ابنك أولى بك من ابن ابنك، وابن ابنك أولى بك من أخيك قال: وأخوك لابيك وأمك أولى بك من أخيك لابيك، وأخوك لابيك أولى بك من أخيك لامك، قال: وابن أخيك لابيك وأمك أولى بك من ابن أخيك لابيك، قال: وابن أخيك من أبيك أولى بك من عمك قال: وعمك أخو أبيك من أبيه وأمه أولى بك من عمك أخي أبيك من أبيه. قال: وعمك أخو أبيك من أبيه أولى بك من عمك أخي أبيك لامه. قال: وابن عمك أخي أبيك من أبيه وامه أولى بك من أبن عمك أخي أبيك لابيه. قال: وابن عمك أخي أبيك من أبيه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لامه " (2). قلت: أولوية المتقرب بالاب - وحده - على المتقرب بالام - وحدها -


(1) وعلى هذه التخريجات تحمل الآية والصحيحة ونحوهما، يعني أن الوارث لا يملك التركة ملكا مستقرا مستقلا إلا من بعد الدين.. (2) راجع منه: كتاب الفرائض باب 1 من أبواب موجبات الارث حديث (2).

[ 270 ]

من الاخوة والاعمام وأولادهم بمعنى زيادة الميراث، وفي غيرهم بمعنى الحجب المناسب مطلقا يحجب ولاء العتق، وهو يحجب ضامن الجريرة والضامن يحجب الامام (ع)، والزوج والزوجة يشاركان في الارث جميع الطبقات، مناسبا كان أو مساببا، كل ذلك مدلول عليه بالنص والاجماع المستفيضين. وأما الثاني وهو حجب النقصان فاثنان: (الاول) حجب الولد، وهو، وان نزل ذكرا أو أنثى يحجب الابوين عما زاد على السدسين، إلا البنت الواحدة معهما، فانه يبقى سدس يرد عليهم أخماسا - عندنا - على نسبة سهامهم: من عدد الاسداس، إذا لم تكن معهم إخوة حاجبة وإلا اختص الرد بغيرها من الاب والبنت، فللبنت حينئذ بالفرض والرد النصف، وثلاثة أخماس السدس، ولكل من الابوين السدس وخمس السدس، ومع أحدهما يبقى ثلث يرد عليهما أرباعا على النسبة، وإلا البنتين مع أحد الابوين، فانه يبقى أيضا سدس يرد عليهم أخماسا على النسبة، ويحجب الزوجين عن نصيبهما الاعلى إلى الادنى من النصف إلى الربع أو منه إلى الثمن. وأما حالهما مع فقد المناسب والمسابب عدا الامام، ففي رد الفاضل عليهما أو العدم بالنسبة إلى كل منهما أو التفصيل فيرد على الزوج دون الزوجة مطلقا، أو في زمان الحضور دون الغيبة؟ أقوال: (ثالثها) أقواها (1) وعليه المشهور، بل نقل الاجماع عليه مستفيض، مضافا إلى الاخبار المستفيضة - بل المتواترة معنى بالامرين -


(1) وهو التفصيل بين الزوج والزوجة بالرد مطلقا في الاول دون الثانية.

[ 271 ]

فمن الدال على الرد في الزوج: ما رواه في (الوسائل) باسناده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) " في امرأة توفيت، ولم يعلم لها أحد ولها زوج؟ قال: الميراث لزوجها "، وفيه عن الكليني باسناده عن عاصم ابن حميد مثله، إلا أنه قال: الميراث كله لزوجها، وفيه عن أبي بصير قال: " كنت عند أبي عبد الله (ع) فدعا بالجامعة، فنظر فيها، فإذا امرأة ماتت و تركت زوجها لا وارث لها غيره، المال له كله " وفيه عن الكليني باسناده عن يحيى الحلبي مثله، وفيه عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: " سألته عن المرأة تموت ولا تترك وارثا غير زوجها؟ قال: الميراث له كله، وفيه عن علي بن أبي حمزة نحوه، وفيه أيضا عن أبي بصير قال: " سألت أبا جعفر (ع) عن امرأة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره قال: إذا لم يكن غيره فله المال " الحديث. وفيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في حديث " قال قلت له: امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال المال له وفيه عن مثنى بن الوليد الخياط عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: " قلت امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال: المال كله له إذا لم يكن لها وارث غيره " وفيه عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: " سألته عن المرأة تموت ولا تترك وارثا غير زوجها؟ فقال الميراث له كله " وفيه عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) في مرأة توفيت وتركت زوجها؟ قال: المال كله للزوج " وفيه أيضا عن أبي بصير مثل ذلك. وفيه عن اسماعيل بن عبد الجعفي عن أبي جعفر (ع): " في امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال: المال للزوج " وفيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: " قلت له امرأة هلكت وتركت زوجها؟ قال: المال كله للزوج " وفيه عن سويد بن أيوب عن أبي جعفر (ع): " قال كنت عنده فدعا بالجامعة فنظر فيها أبو جعفر (ع)، فإذا فيها امرأة تموت وتترك زوجها

[ 272 ]

ليس لها وارث غيره؟ فقال: له المال " (1) ومن الدال على عدم الرد على الزوجة مطلقا: ما رواه فيه أيضا عن علي بن مهزيار قال: " كتب محمد بن حمزة العلوي إلى أبي جعفر الثاني (ع): مولى لك أوصى بمأة درهم إلي وكنت أسمعه يقول: كل شئ هو لي فهو لمولاي، فمات وتركها ولم يأمر فيها بشئ، وله أمراتان: إحداهما ببغداد ولا اعرف لها موضعا الساعة، والاخرى بقم: ما الذي تأمرني في هذه المأة درهم؟ فكتب إليه: انظر أن تدفع من هذه المأة درهم إلى زوجتي الرجل وحقهما من ذلك الثمن إن كان له ولد، وان لم يكن له ولد فالربع، وتصدق بالباقي على من تعرف أن له إليه حاجة ان شاء الله " والامر بالصدقة لكونه ماله (ع) تصدق به. وفيه " عن محمد بن نعيم الصحاف قال: مات محمد بن أبي عمير بياع السابري، وأوصى إلى وترك امرأة لم يترك وارثا غيرها، فكتبت إلى (العبد الصالح (ع)، فكتب إلي أعط المرأة الربع واحمل الباقي الينا " وفيه: عن الشيخ باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة مثله. وفيه: عن أبي بصير " قال قرأ علي أبو جعفر (ع) في الفرائض: امرأة توفيت وتكرت زوجها، قال: المال للزوج، ورجل توفي وترك أمراة قال للمرأة الربع وما بقى فللامام (ع) " وفيه عن أبي بصير " عن أبي جعفر (ع) في رجل مات وترك امرأة قال للمرأة الربع وما بقى فللامام " وفيه عن محمد بن مسلم " عن أبي جعفر (ع) في رجل مات وترك امرأة؟ قال: لها الربع، ويرفع الباقي الينا " وفيه عن محمد بن مروان عن أبي جعفر (ع) " في زوج مات وترك امرأته؟ قال لها الربع ويدفع الباقي إلى الامام ": وفيه عن أبي بصير " قال سألت


(1) هذه الاخبار ذكرت في الوسائل ضمن كتاب الفرائض والمواريث الباب الثالث من أبواب ميراث الازواج.

[ 273 ]

أبا جعفر (ع) عن امرأة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره؟ قال: أذا لم يكن غيره فله المال، والمرأة لها الربع وما بقي فللامام " (1) وأما القول الاول (2) فهو المنسوب إلى المفيد، لظاهر عبارته المحكية عنه، وهي: " إذا لم يوجد مع الازواج قريب ولا سبب رد باقي التركة على الازواج " بناء على ارادة الاعم من الزوجة من لفظ الازواج ولو بمعونة خلو عبارته عن حكمها عند انفرادها ومستنده الصحيح: " رجل مات وترك امرأته؟ قال: المال لها، قلت امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال: المال له " (3) وهو ضعيف لشذوذ الصحيح وعدم معلومية العامل به لعدم ظهور عبارة (المقنعة) فيه، وان أشعرت به (4) ولو سلم الظهور فهو شاذ. (والثاني) محكي (5) عن ظاهر (المراسيم) حيث ابتدأ في حكم الازواج بقوله: " وفي أصحابنا من قال: إنه إذا ماتت امرأته ولم تخلف غير زوجها، فالمال كله له بالتسمية والرد، فأما الزوجة فلا رد لها بل ما يفضل من سهمها لبيت المال، وروي: أنه يرد عليها كما يرد على


(1) ذكرت هذه الاخبار في المصدر الآنف من الوسائل، باب 4 من أبواب ميراث الازواج (2) وهو رد الفاضل من الحق على كل من الزوج والزوجة إليه. (3) هذا المضمون ذكر في روايتي أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ذكرتا في الوسائل كتاب الفرائض باب 4، حديث (6، 9). (4) راجع من (المقنعة) باب ميراث الازواج من أبواب فرائض المواريث. (5) أي عدم الرد بالنسبة إلى كل من الزوج والزوجة.

[ 274 ]

الزوج " (1) بناء على ظهور الاقتصار على النقل في اختيار عدم الرد مطلقا، وحكى الميل إليه عن الديلمي. ولعل المستند - مضافا إلى الاصل، وظاهر الآية (2) رواية جميل ابن دراج عن أبي عبد الله (ع) قال " لا يكون رد: على زوج ولا على زوجة " (3) وحديث العبدي عن علي (ع) وفيه " قال: لا يزاد الزوج على النصف ولا ينقص عن الربع ولا تزاد المرأة عن الربع ولا تنقص عن الثمن " (4) وهو ضعيف أيضا لشذوذه على تقدير وجود القائل به، والاصل يخرج عنه بالاخبار المتقدمة التي لا تكافؤها ورواية جميل حتى قيل بعدم العامل بها. والآية - لو سلمت دلالتها - فبمفهوم الوصف واللقب الذي لا تعويل عليه، ونفي الزيادة في حديث (العبدي) مسوق لبيان فرضيهما الاعلى والادنى.


(1) راجع ذلك في (كتاب المراسيم) لسلار، المطبوع ضمن الجوامع الفقهية في إيران (2) فانهما قاضيان بعدم رد الفاضل على كل من الزوج والزوجة بعد تسلم كل منهما حقه المفروض من الارث في الكتاب والسنة، إذ الاصل يحكم بالعدم في حالة الشك بالتكليف بالرد بعد إيصال الحق المفروض، وآية المواريث يظهر منها عدم الامتياز الاضافي بعد بيانها لاصل الفرض. (3) الوسائل: كتاب الفرائض، باب 3 من أبواب ميراث الازواج حديث (8). (4) الوسائل: كتاب الفرائض باب 2 من أبواب ميراث الازواج حديث (1) عن أبي عمر العبدي...

[ 275 ]

ومستند الاخير (1) ليس إلا الجمع في الزوجة بين ما دل على عدم الرد عليها، وان الفاضل عن نصيبهما للامام (ع) وبين الصحيح المتقدم المصرح بأن المال لها: يحمله؟ على زمان الغيبة، والاول على زمان الحضور، وهو - مع أنه لا شاهد عليه - حمل بعيد، حتى قيل إنه أبعد مما بين المشرق والمغرب، فليحمل - لا أقل - على كونها قريبة الميت. (الثاني) حجب الاخوة وهم يحجبون الام عما زاد على السدس: إجماعا - بقسميه - ومنقولة فوق حد الاستفاضة، وللنصوص المستفيضة - بل التواترة معنى - لكن بشروط يأتي بيانها. وليعلم - أولا - أن حجب الولد والاخوة قد ينفرد أحدهما عن الآخر وقد يجتمعان، وكل منهما (مرة) يحجب الام عن الثلث وينقصها إلى السدس (وأخرى) لا يكون كذلك، فالولد الذكر يحجب الام عن الثلث إلى السدس، والبنت الواحدة تحجبها عن الثلث، ولكن يرد عليها مما فضل بالنسبة - كما تقدم -، والاخوة مع عدم الولد - أصلا - تحجب الام عن الثلث إلى السدس، ومع البنت الواحدة تحجب الام عن الرد خاصة، لانها محجوبة عن الثلث بالبنت، وعن الرد بالاخوة، فكل من الحاجبين له أثر مستقل، الا أن ذلك لا يتمشى في غير اجتماع الاخوة مع البنت الواحدة، لان حجب الام عما زاد على السدس فيما لو اجتمعوا مع الولد الذكر مستند إلى الولد خاصة، لاختصاص حجب الاخوة بما يوجب توفير المال على الاب، ولذا اعتبر وجوده في حجبهم، ولا توفير مع وجود الولد، لان الفاضل عن فرض الابوين له. وأما الشروط المعتبرة في حجب الاخوة فأمور: (الاول) العدد، وأقله أن يكونوا أخوين أو أخا وأختين أو أربع


(1) أي القول بالتفصيل بين زماني الحضور والغيبة بالرد في الاول دون الثاني.

[ 276 ]

أخوات: اجماعا بقسميه - على الحجب بذلك، والنصوص به مستفيضة بل متواترة معنى كاستفاضتها على عدمه بدونه، بل الضرورة قائمة عليه. فما عن ابن عباس: من عدم الاكتفاء بالاخوين نظرا إلى ظاهر الاخوة في الآية بناء على أن أقل الجمع ثلاثة، فمع إمكان إنكار ذلك لشيوع استعمال الجمع في الجمع اللغوي - لا يلتفت إليه بعد الاجماع - بل الضرورة والنصوص المستفيضة - على خلافه. نعم لا دلالة في الآية على الاكتفاء بالنساء، وإن كن أربعا إلا أنه مستفاد من النص والاجماع المستفضين وأما الاكتفاء بالاخ والاختين، فمع عدم القول بالفصل بينه وبين الاربع يمكن استفادته من التعليل في الحسن بقوله: " إذا كن أربع أخوات حجبن الام من الثلث، لانهن بمنزلة أخوين (1) مضافا إلى التصريح به فيما رواه في (الوسائل) عن أبي العباس قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا يحجب عن الثلث الاخ والاخت حتى يكونا أخوين أو أخا وأختين.. " (2) الخبر. وما عن (فقه الرضا (ع): " فان ترك أبوين وأخوين أو أربع أخوات أو أخا وأختين فللام السدس وما بقي فللاب " (3) وما في (الفقيه) بطريقة الحسن إلى العلاء بن فضيل عن أبي عبد الله (ع) ".. ولا يحجب الام عن الثلث الاخوة والاخوات من الام ما بلغوا ولا يحجبها إلا أخوان أو أخ وأختان أو أربع أخوات لاب أو لاب وأم


(1) فقرة من رواية مفصلة عن أبي العباس - ولعله البقباق - عن أبي عبد الله (ع): ذكرت في الوسائل: كتاب الفرائض والمواريث باب 11 من أبواب ميراث الابوين والاولاد، حديث (1). (2) المصدر الآنف الذكر من الوسائل، حديث (7). (3) راجع منه: أوائل باب الفرائض والمواريث. طبع إيران حجري

[ 277 ]

لو أكثر من ذلك " (1) وان تضمن صدرها لما لا نقول به: من عدم حجب الوليد لعدم خروج الباقي به عن الحجة. وأما الخنثى المشكل، فكالانثى في الحكم - على المشهور - للاصل واحتمل في (الكشف) القرعة، وجعله هنا قويا في (الدروس) وهو متجه بناء على رجوع أصل العدم إلى الاستصحاب، لان الشك - هنا - في حاجبية الموجود ولم يكن معلوما عدمه حتى يستصحب، وإصالة عدم وجود الحاجب لا تثبت عدم حاجبية الموجود، بل وكذا لو قلنا بكونه أصلا عقلائيا، لان الشبهة مصداقية، والشك في قدر اقتضاء الارث في الام بعد تنويعها في الاقتضاء وان كان لا يخلو من تأمل. (الثاني) أن يكونوا للابوين أو للاب خاصة، فلا يحجب اخوة الام بلا خلاف فيه، بل الاجماع - بقسميه - عليه، والنصوص مع ذلك به مستفيضة. منها قول الصادق (ع) في موثقة اسحاق بن عمار " في رجل مات وترك أبويه واخوة لام: الله سبحانه اكرم من أن يزيدها في العيال وينقصها من الميراث الثلث " (2). (الثالث) أن يكون الاب موجودا، لقوله تعالى: " فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فإن كان له أخوة فلامه السدس " الظاهر في كون الحجب انما هو حيث يرثه أبواه، ولقوله الصادق (ع) في خبر بكير: " الام لا تنقص من الثلث ابدا إلا مع الولد والاخوة إذا كان


(1) جملة من حديث مفصل ذكر في المصدر الآنف من الوسائل، باب 11 من أبواب ميراث الابوين، حديث (1). (2) الوسائل كتاب الفرائض والمواريث، باب 10 من أبواب ميراث الابوين، حديث (5).

[ 278 ]

الاب حيا " (1) وللصحيح عنه (ع) وعن أبي جعفر (ع): " ان مات رجل وترك أمه وإخوة وأخوات لاب أو إخوة وأخوات لاب وأم وإخوة وأخوات لام وليس الاب حيا، فانهم لا يرثون، ولا يحجبون لانه لم يورث كلالة " (2) مضافا إلى تعليل حجب الاخوة بالتوفير على الاب للانفاق فيما ذكره زرارة لعمر بن أذينة وعلي بن سعيد (3) وإلى إشعار الموثقة المتقدمة به. فما عن ظاهر (الصدوق): من عدم اعتباره حيث قال: " إن خلفت زوجها وأمها وأخوة، فللام السدس والباقي يرد عليها، لانه جعل فرضها السدس، وليس إلا بسبب الحجب الباقي ردا عليها، ولا يكون إلا مع فقد الاب إذ مع وجوده كان الفاضل له ". شاذ لاد ليل عليه عدا خبرين مخالفين للمجمع عليه بين الامامية (أحدهما) خبر زرارة قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إمرأة تركت زوجها وأمها وإخوتها لامها وإخوتها لابيها وأمها؟ فقال: لزوجها النصف ولامها السدس، وللاخوة من الام الثلث وسقط الاخوة من الاب والام " و (ثانيهما) خبره عنه أيضا " في أم وأخوات لاب وأم وأخوات لام أن للام السدس ولكلالة الاب الثلثين، ولكلالة الام السدس من توريث الاخوة مع الام " (4)


(1) المصدر الآنف من الوسائل باب 12 حديث (1). (2) المصدر الآنف من الوسائل آخر باب الثاني عشر. (3) إشارة إلى حديثي (3، 4) من الباب العاشر من أبواب ميراث الابوين من المصدر الآنف من الوسائل. (4) أوردهما الوسائل في كتاب الفرائض، في الباب الاول من أبواب ميراث الاخوة والاجداد.

[ 279 ]

(الرابع) انتفاء موانع الارث: من الكفر والرق والقتل. وعدم الحجب في الاولين بمعنى ما نعيتهما عن الحجب مدلول عليه بالنص والاجماع المتسفيض، من غير فرق في المملوك بين المبعض والقن، ولا بين ارتفاع المانع قبل القسمة وبعدها. وأما القتل ففي ما نعيته عن الحجب وعدمها قولان: ناشئان: من إصالة عدم الحجب والاشتراك مع الاولين في العلة وهي المنع عن الارث، ومن عموم الآية ومنع العله لعدم ثبوت الملازمة بين الحجب وقابلية الارث، وهو المحكي عن الصدوق والحسن. وعن (المختلف) نفي البأس عنه، وان استدل قبله على الاول بقوله: " لنا إنه المشهور بين علمائنا، فيتعين العمل به " ولولا نفيه البأس عن قول الصدوق لاحتمل إرادته الاجماع من المشهور لمعلومية عدم حجية الشهرة عنده، فكيف يستدل بها على مطلوبه؟ والاول هو الاقوى، وعليه المشهور شهرة عظيمة، للاجماع المنقول عن الامة جميعها - عدا ابن مسعود كما صرح به في المختلف وظاهر المبسوط - المعتضد بالشهرة بقسميها، وعدم قدح المخالف لمعلوميته وندرته، وهو الحجة في تقييد إطلاق الاخوة الذي قد يشك في إرادة ما نحن فيه منه. (الخامس) أن يكونوا منفصلين أحياء عند موت المورث، فلا يحجب الحمل، وان كان حيا، بلا خلاف معتد به، للاصل، وعدم انسباقه من الاخوة إلى الفهم، ولما تضمنه صدر خبر العلاء بن الفضيل المتقدم: " ان الطفل والوليد لا يحجبك ولا يرثك الا ما يبان بالصراخ ولا شئ أكنه البطن وان تحرك إلا ما اختلف عليه الليل والنهار " فلا اشكال فيه، كما لا إشكال في كون المدار على كونهم أحياء عند موت المورث فلا يحجب مع التقارن، فضلا عن سبق موتهم، ومع الشك في السبق واللحوق، فان علم تأريخ أحدهما فواضح، وان لم يعلم فلا حجب،

[ 280 ]

لاصالة عدم وجود الحاجب عند أخذ فرضها، من غير فرق بين الغرقى وغيرهم في الحجب، وان كان فرض موت كل منهم يستدعى حياة الآخر إلا أن ذلك حكمهم من حيث الارث، فلا يقاس به الحجب (المقدمة الرابعة) في مقادير السهام وأهلها وكيفية اجتماعها وهي سنة: النصف، ونصفه، ونصف نصفه، والثلثان، ونصفه ونصف نصفه. وأهلها خمسة عشر: (النصف) لاربعة: البنت الواحدة مع عدم الولد الذكر (1) والاخت للابوين، أو للاب خاصة كذلك (2) والزوج مع عدم الولد لها - وان نزل (3) (والربع) لاثنين: الزوج مع الولد لها وان نزل (4)، والزوجة وان تعددت مع عدمه له كذلك (5). (والثمن) للزوجة وان تعددت مع الولد له وان نزل (6) (والثلثان) لثلاثة البنتين فصاعدا مع عدم الولد الذكر (7) والاختين


(1) لقوله تعالى: " وان كانت واحدة فلها النصف ". (2) أي مع عدم الولد الذكر لقوله تعالى: " إن إمرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك " والاخت باطلاقها تشمل النوعين. (3) أي مع عدم الولد لزوجته، لقوله تعالى: " ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ". (4) لقوله تعالى: " فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ". (5) لقوله تعالى: " ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ". (6) لقوله تعالى: " فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ". (7) لقوله تعالى: " فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ".

[ 281 ]

فصاعدا للابوين، أو للاب خاصة كذلك (1) (والثلث) لاثنين: الام مع عدم الحاجب من الولد - وان نزل (2) والاخوة، والاثنان فصاعدا من كلالة الام خاصة (3) (والسدس) لثلاثة: الابوان مع الولد، لكل واحد منهما السدس (4) والام مع الحاجب الواحد من كلالة الام (5) وكل ذلك من السهام وأربابها مدلول عليه بالكتاب والسنة والاجماع وصور اجتماعها الثنائي المتصورة ست وثلاثون، حاصلة من ضرب الستة - التي هي الفريضة - في مثلها، وهو ضرب النصف: في مثله وفي الربع وفي الثمن وفي الثلثين وفي الثلث وفي السدس، وهكذا. ويسقط المكرر منها، وهو خمس عشرة، واحد في الصورة الثانية، وهو الربع في النصف، واثنان في الثالثة وهما الثمن في النصف وفي الربع، وثلاثة في الرابعة: الثلثان في النصف وفي الربع وفي الثمن، وأربعة في الخامسة: الثلث في الثلثين، وفي الثلاثة الاول (6) وخمسة في السادسة: السدس في الخمس الاول (7)


(1) أي مع فقد الولد الذكر، لقوله تعالى: " فان كانتا إثنتين فلهما الثلثان مما ترك ". (2) لقوله تعالى: " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث " (3) لقوله تعالى: " فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث " (4) لقوله تعالى: " فلابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد ". (5) لقوله تعالى: " فان كان له إخوة فلامه السدس ". (6) وهي: النصف والربع والثمن، فالثلث مع كل منهما مكرر. (7) أي مع النصف والربع والثمن والثلثين والثلث.

[ 282 ]

ويبقى إحدى وعشرون صورة غير مكررة (1). وبتقرير آخر: كل من الطرفين - وهما النصف، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما - إذا ضرب في مثله، وفيما هو في طوله: من نصفه ونصف نصفه، كان الحاصل تسع صور، ثلاث منها مكررة، وهو الربع في النصف، والثمن في كل منهما، وكذا الثلث في الثلثين، والسدس في كل منهما. وستة غير مكررة. فمجموع المكرر منهما ستة، وغير المكرر إثنا عشر. ثم يفرض ضرب كل من الطرفين في الآخر، فالطرد منهما بصوره التسعة لا تكرار فيه، والعكس كله مكرر. فالمكرر من مجموع الصور المتصورة خمس عشرة صورة، وغير المكرر إحدى وعشرون. إلا أن ثمانية منها ممتنعة عقلا، أو شرعا. (فالاول) منهما: اجتماع الربع مع مثله، لان الربع فرض إرث الزوج من الزوجة مع الولد لها، وفرض الزوجة من الزوج مع عدم الولد له، فلا يعقل اجتماعهما، والثمن مع مثله، لانه فرض واحد، ومع الربع لانهما فرض الزوجين كل منهما من الآخر، ومع الثلث لانه فرض الزوجة مع الولد وهو يحجب الام عن الثلث (حجب نقصان) والاخوة (حجب حرمان) فلا يعقل اجتماعهما، والثلثان مع مثلهما لانهما فرض البنتين فصاعدا وفرض الاختين المحجوبتين بالبنتين، والثلث مع مثله


(1) وهي: نصف مع مثله ومع الربع ومع الثمن ومع الثلثين ومع الثلث ومع السدس، والربع مع مثله ومع الثمن ومع الثلثين ومع الثلث ومع السدس. والثمن مع مثله ومع الثلثين ومع الثلث ومع السدس والثلثان مع مثلهما ومع الثلث ومع السدس. والثلث مع مثله ومع السدس. والسدس مع مثله.

[ 283 ]

لانه فرض الام مع عدم الحاجب، والثاني فرض الواحد من كلالتها المحجوب بها. (والثاني) وهو ما يمتنع الاجتماع فيه شرعا: النصف مع الثلثين لاستلزامه العول والنقص على ذوي المغروض - عدا الزوج والزوجة وكلالة الام - فيكون حينئذ إرثهم بالقرابة. والباقي ثلاث عشرة صورة لا يمتنع الاجتماع فيها - لا عقلا ولا شرعا (1) غير أن بعض صورها يستلزم الرد على من يرد عليه ممن ستعرف فيكون الارث حينئذ بالفرض والرد معا. ثم الفريضة - وهي أقل عدد يخرج منه ما فرض من السهام صحيحا: قد تكون وفق السهام، كما في الزوج مع الابوين إذا لم يكن للام حاجب: للزوج النصف، وللام الثلث، والباقي - وهو السدس - للاب وكالبنتين مع الابوين: للبنتين الثلثان، والثلث بين الابوين لكل واحد منهما السدس، وحكمه واضح، وقد تزيد، وقد تنقص. فهنا أمران: التعصيب، والعول. (أما الامر الاول) ففيه الخلاف المعروف بين الفريقين بالنسبة إلى من يرث الزائد من السهام المفروضة في كتاب الله، فانه - عندنا - يرد الفاضل على ذوي الفروض بنسبة فروضهم، عدا الزوج والزوجة، وعندهم: يعطى للعصبة. وحيث كان وجوب الرد وبطلان التعصيب من ضروريات مذهبنا،


(1) وهي: النصف مع مثله، ومع الربع، ومع الثمن، ومع الثلث ومع السدس، والربع مع الثلثين، ومع الثلث، ومع السدس والثمن مع الثلثين، ومع السدس. والثلثان مع الثلث، ومع السدس. والسدس مع مثله.

[ 284 ]

فلا حاجة إلى إطالة الكلام في الاستدلال عليه (1) بل المهم هنا البحث في مطالب ثلاثة: في موضوع العصبة، وموراد إرثها عندهم، وطريق معرفة توزيع الرد الواجب - عندنا -. (أما المطلب الاول) فالعصبة: إما نسبية، أو سببية. (والاولى) قسمان: (احدهما) عصبة بنفسه، وهو كل ذكر يدلي إلى الميت بغير واسطة أو بتوسط الذكور، وهم أصناف أربعة: (الاول) الابن وأولاده الذكور (والثاني) الاب وآباؤه (والثالث) الاخوة وابناؤهم (والرابع) أعمام الميت لاب وبنوهم وأعمام الاب وبنوهم، والاقرب من هؤلاء يمنع الابعد عن ميراث الفاضل. (وثانيهما) عصبة بغيره، وهن: البنات وبنات الابن، والاخوات للاب، فانهن لا يرثن بالتعصيب - عندهم - إلا بالذكور في درجتهن أو فيما دونهن، ولذا لو خلف - مثلا - بنتين وبنت ابن كان للبنتين الثلثان، ولم يكن لبنت الابن شئ، إلا إذا كان لها أخ أو ابن أخ، أو خلف أختين وبنت أخ لم يكن لبنت الاخ شئ إلا إذا كان لها أخ أو ابن أخ. (والثانية) عصبة الولاء، والبحث عنه يأتي في محله ان شاء الله (وأما المطلب الثاني) فموارد الرد: (في الطبقة الاولى): مع عدم أحد الزوجين ثلاثة: (الاول) البنت مع أحد الابوين، فالزائد على فرضهما - وهو الثلث - يرد عليهما


(1) ولقد عقد في الوسائل بابا خاصا بهذا المعنى، وهو الباب الثامن من أبواب موجبات الارث بعنوان: باب بطلان التعصيب، ذكر فيه الروايات المتضمنة لذلك المعنى.

[ 285 ]

- عندنا - وترثه العصبة - عندهم - (والثاني) البنت معهما، فالفاضل - وهو السدس - يرد عليهم، لا للعصبة (والثالث) البنات وأحد الابوين، فالفاضل السدس أيضا يرد عليهم. ومع أحد الزوجين أربعة: البنت، وأحد الابوين، وزوج، أو زوجة فالفاضل في (الاول) وهو نصف السدس يرد على غير الزوج منهم، وفي (الثاني) وهو خمسة من أربع وعشرين حصة، يرد على غير الزوجة منهم (والثالث) البنت وأبوان وزوجة، فالفاضل واحد من المخرج المتقدم يرد على غير الزوجة (والرابع) البنات وأحد الابوين وزوجة، فالفاضل كالصورة التي قبلها. و (في الطبقة الثانية) أربعة: (الاول) واحد من كلالة الام وأخت لاب، يبقى ثلث يرد عليهما (الثاني) واحد من كلالة الام وأخوات لاب، يبقى سدس يرد عليهم (الثالث) إثنان فصاعدا من كلالة الام وأخت لاب، يبقى أيضا سدس يرد عليهم (الرابع) واحد من كلالة الام واخت لاب وزوجة، فالفريضة من اثني عشر: للكلالة اثنان، وللاخت ستة، وللزوجة ثلاثة، يبقى واحد يرد على من عدا الزوجة، فالرد ثابت في المواد الاربعة، وان وقع الخلاف في الرد على كلالة الام مع وجود كلالة الاب. (وأما المطلب الثالث) فلمعرفة توزيعه طريقان: (احدهما) نسبه في (مفتاح الكرامة) إلى المعروف، وهو أن تضرب مخرج الرد في أصل الفريضة، ففي مالو ترك بنتا وأبوين، فللبنت ثلاثة وللابوين إثنان يبقى واحد يرد أخماسا، وذلك بأن تضرب مخرج الرد أي من يرد عليه (وهو خمسة - في أصل الفريضة - وهو ستة - فالحاصل ثلاثون: يعطى للبنت ثمانية عشر، ولكل من الابوين ستة (والثاني) نسبه إلى

[ 286 ]

(المبسوط) و (السرائر) وهو أن تجمع مخرج فرائض من يجب عليه الرد، وتضربه في أصل الفريضة، ففي المثال: تأخذ مخرج السدسين - وهو الثلث من ثلاثة ومخرج النصف من اثنين، فيكون خمسة تضربها في ستة، وهكذا في غيره (وأما الامر الثاني) فأجمعت الامامية على بطلان العول بمعنى دخول النقص على جميع ذوي الفروض - كما عليه الجمهور - بل عندنا يدخل النقص على البنت والبنات والاخت والاخوات من الابوين أو الاب وفي دخوله على الاب خلاف يأتي في محله ان شاء الله. ويدل عليه - مضافا إلى الاجماع، بل وضرورة المذهب - الاخبار المستفيضة، بل المتواترة معنى (1) بل الظاهر: أنه مذهب غير واحد من الصحابة. فعن ابن عباس انه كان يقول: " من شاء باهلته عند الحجر الاسود أن الله تعالى لم يذكر في كتابه نصفين وثلثا ": وقال أيضا: " سبحان الله العظيم، أترون أن الذي أحصى رمل عالج (2) عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: يا بن عباس فمن اول من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لما التفت الفرائض عنده، ودفع بعضها بعضا فقال: والله ما أدري: أيكم قدم الله وأيكم أخر وما أجد شيئا أوسع


(1) وقد عقد لها في الوسائل بابا خاصا، وهو الباب السادس من أبواب موجبات الارث بعنوان: باب بطلان العول استعرض فيه كثيرا من روايات الباب. (2) والمقصود من (رمل رمل عالج) هو الرمل المتراكم بعضه على بعض لكثرته في ذلك المكان.

[ 287 ]

من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص.. قال ابن عباس: وأيم الله لو قدم من قدم الله، واخر من أخر الله ما عالت الفريضة فقال له زفر: وأيها قدم وأيها أخر؟ فقال: فكل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله. وأما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر: فاما التي قدم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع ولا يزيله - عنه شئ - والزوجة لها الربع فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شئ. والام لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شئ وأما التي أخر ففريضة البنات والاخوات لها النصف والثلثان فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقي، فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدئ بما قدم وأعطي حقه كاملا، فان بقي شئ كان لما أخر.. " الحديث (1) ولعمري إن ابن عباس أشار إلى معنى يناسبه اليمين، ولا ينافيه التعليل، ضرورة أنهم لو قدموا من قدمه الله لعلموا أن الفرائض لا تعول ومستندهم - بعد التعويل على فتوى عمر - القياس بالدين مع قصور التركة عن وفائه، والوصية إلى جماعة بمال مع القصور، فان النقص فيهما يدخل على الجميع، فكذا الفرائض إذا اجتمعت مع قصور التركة عنها. وهو من القياس مع الفارق: أما في الدين، فلان حقوق الديان التي يجب الخروج عنها على كل حال، وان قصر المال عنه لبقاء الباقي في الذمة وان كان ميتا ولذا جاز احتسابه عليه - متعلقة بخصوص التركة تعلق الاستيفاء دون اختصاص اصل الحق بها بحيث لا حق له في غيرها ولو في الذمة حتى تقاس عليه الفرائض التي هي كمية في الاستحقاق بالارث.


(1) راجع: الباب السادس والسابع من أبواب موجبات الارث من كتاب الفرائض من الوسائل.

[ 288 ]

وأما في الوصية فلان التوزيع في جميع صورها ممنوع لانها لا تخلو: إما تكون مرتبة ولو في الذكر، أو غير مرتبة كما لو قال: (أعطوا ألفا إلى هؤلاء) مع قصور المال عن القدر الموصى به، أو مشكوكة. أما المرتبة فليبدء فيها بالاول فالاول، ويختص النقص بمن قصر المال عنده فلا توزيع فيها. وأما غير المرتبة فلتعلق حقوق المجموع بالجميع وبطلان الوصية فيما زاد عليه لعدم الموضوع لها، ولا يستحيل على الموصي الوصية بمقدار لا يفي المال بقدره جهلا منه به لعدم استحالة الجهل عليه، فكيف يقاس به من يستحيل في حقه الجهل وأما المشكوكة (فمرة) يكون الشك في المرتب بعد العلم بالترتيب لنسيان - مثلا - والحكم فيه القرعة (وأخرى) يكون الشك في الترتيب وعدمه، والاقرب فيه التوزيع، خلافا للروضة فبنى فيه على القرعة، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا في الوصية على كل تقدير فالقياس باطل. ثم ان العول لا يتحقق إلا بدخول الزوج أو الزوجة، لان النصف فيما عدا الزوج فرض البنت الواحدة أو الاخت كذلك للاب، وهو لا يجتمع مع مثله، وكذا مع الثلثين الذي هو فرض البنتين أو الاختين للاب، لاختلاف الطبقة، وهو مع الثلث كالبنت مع الابوين أو الاخت للاب مع إخوة الام مورد التعصيب الذي لا نقول به، وكذا اجتماعه مع السدس كالبنت مع أحد الابوين أو الاخت مع الواحد من كلالة الام، فلا عول إلا حيث يدخل أحد الزوجين، كما إذا كانت الفريضة ستة فعالت إلى سبعة في مثل زوج وأختين لاب، فان له النصف ثلاثة من ستة ولهما الثلثان أربعة، فزادت الفريضة واحدا، أو إلى ثمانية كما إذا كان معهم أخت لام، أو تسعة بأن كان معهم أخ لام، كذا لو دخل الربع - الذي هو فرض الزوج مع الولد والزوجة مع عدمه - مع الثلثين

[ 289 ]

والسدس أو السدسين، فتعول الفريضة - وهي اثنا عشر - إلى ثلاثة عشر في الاول، وخمسة عشر في الثاني، أو دخل الثمن مع البنتين والابوين فتعول من أربع وعشرين إلى سبع وعشرين. هذا تمام الكلام في المقدمات. واما المقاصد فثلاثة: (الاول) في ميراث الانساب: فقد تقدم أن للنسب طبقات وأن لكل طبقة درجات، وأن الاقرب من كل منهما يمنع الابعد. فالطبقة الاولى: الابوان من غير ارتفاع والاولاد وان نزلوا. فلكل من الابوين - إذا انفرد عمن في مرتبته وعن الزوجين - المال كله غير أن الاب يرث بالقرابة، إذ لا فرض له مع عدم الولد، والام ترث الثلث بالفرض، والباقي بالقرابة: بالاجماع الذي لا ينافيه ما عن ابن أبي عقيل: " من أنها مع الانفراد ترث بالقرابة لا بالفرض والرد " معللا بأن التسمية لها بالسدس أو الثلث انما هي إذا اجتمعت مع الاب أو الولد وإلا فليست بذات سهم. ولو اجتمع الابوان فللام الثلث مع عدم الحاجب (1) والسدس معه تسمية، والباقي في الموردين للاب بالقرابة. ولو اجمتع معهما، أو مع أحدهما زوج أو زوجة فلهما النصيب الاعلى: من النصف والربع (2) بالفرض، وللام الثلث أو السدس (3) والباقي للاب


(1) من الاخوة - مثلا - (2) الاول إذا كان زوجا، والثاني إذا كان زوجة. (3) الاول مع عدم الحاجب كاخوة الميت، والثاني مع وجوده.

[ 290 ]

ولو كان مع الزوج الاب خاصة فللزوج النصف والباقي للاب بالقرابة. ولو كان معه الام خاصة فله النصف بالفرض، وللام الباقي: ثلث بالفرض وسدس بالقرابة. وللابن المال إذا انفرد بالقرابة لعدم الفرض له. وإن تعدد فالمال بينهم بالسوية لاشتراكهم في السبب وعدم الترجيح الموجب للتساوي. وللبنت الواحدة النصف بالفرض، والباقي رد عليها بالقرابة. وللبنتين أو أكثر الثلثان بالفرض، والباقي رد عليهما أو عليهم بالقرابة، خلافا لما عن الفضل وابن أبي عقيل، فخصا الفرض بحال الاجمتاع مع الاب، وجعلا البنت والبنتين عند الانفراد كالابن في انتفاء الفرض وكون الارث بالقرابة. ولو اجمتع الذكر والانثى فللذكر مثل حظ الانثيين بالقرابة لاختصاص الفرض بالبنت والباقي بعد الذكر معهن. ولو اجتمع مع الولد الابوان أو أحدهما، فله أو لكل منهما السدس بالفرض، والباقي للولد أو الاولاد بالقرابة إن، كانوا ذكورا أو ملفقين منهم ومن الاناث، وإن كانوا إناثا فالباقي لهن بالفرض وبالقرابة غير أنه إذا كان في المال زيادة على الفروض كالبنت الواحدة مع الابوين أو أحدهما، أو البنتين مع أحد الابوين، رد الزائد عليهما أو عليهم أرباعا (1)


(1) هذا في صورة ما إذا كان مع البنت والابوين حاجب فللبنت النصف بالفريضة (أي 12 من أصل 24) مثلا والاب له السدس أي (4) بالفريضة وللام كذالك، فالباقي - وهو أربعة - يوزع على البنت والاب فقط أرباعا، للبنت ثلاثة اضافة على فريضتها، فيجتمع لها =

[ 291 ]

أو أخماسا - كما تقدم - (1) ولو اجتمع معهم الزوج أو الزوجة، كان لكل منهما نصيبه الادنى من الربع أو الثمن، كل ذلك مدلول عليه بالنص والاجماع. (تكملة) (2) في بيان من ينقص منه، ومن يرد عليه. فاعلم إن النقص يدخل على البنت والبنات والاخت والاخوات من الاب، وفي دخوله على الاب وعدمه؟ قولان: ذهب إلى الاول المحقق في الشرايع والنافع والشهيد في اللمعة والعلامة في جملة من كتبه بناء منهم على أن الضابط دخول النقص على من له فرض واحد يرث به - تارة - وبالقرابة - أخرى - كالبنت - مثلا - فان فرضها النصف مع عدم الابن ومعه ترث بالقرابة وكذا البنات والاخت والاخوات مع عدم الاخ. ومن له فرضان بحيث لو أزيل عن فرضه الاعلى سقط إلى الادنى كالزوج والزوجة والام وكلالتها لا يدخل عليه النقص، وحيث كان الاب له فرض واحد - وهو السدس مع الولد - لا ينقص عنه، ومع عدمه انما يرث بالقرابة كان داخلا في ضابطة: من يدخل النقص عليه. وهو ليس بجيد - لا لما ذكره في (الروضة) حيث قال: " إن ذكر المصنف الاب مع من يدخل النقص عليهم من ذوي الفروض ليس


= (15 من الاصل) وللاب واحد، فيجتمع له (5 من الاصل) وليس للام رد. (1) هذا في صورة ما إذا كان مع البنتين أحد الابوين خاصة، فللبنتين ثلثان بالفرض أي (20 من 30 مثلا) ولاحد الابوين سدس أي (5 من الاصل) والباقي (وهو 5) يوزع على البنتين والاب أخماسا: (4) إلى البنتين وواحد إلى الاب. (2) الظاهر أن هذا الموضوع هو ثاني المقاصد الثلاثة.

[ 292 ]

بجيد لانه مع الولد لا ينقص عن السدس ومع عدمه ليس من ذوي الفروض ومسألة العول مختصة بهم (1). لورود النقض عليه بالبنت، فانها مع عدم الاخ لا تنقص عن فرضها النصف، ومعه ليست من ذوي الفروض، وكذلك غيرها من البنات والاخت والاخوات، فانهن لا ينقصن عن فرضهن مع عدم الاخ، ومعه لسن من ذوي الفروض. بل لان الضابط في ذلك هو كل ذي فرض ينقص عن فرضه - تارة - ويزيد عليه - أخرى - سواء كان ذا فرض أو فرضين بعد إحراز قبوله النقص عن فرضه كالبنت، فانها تنقص بوجود الاخ معها عن فرضها إلى الثلث، إن كان واحدا، إلى الخمس إن كان اثنين " والى السبع، ان كان ثلاثا وهكذا تنقص بنسبة عدد الذكور لقوله تعالى: " فللذكر مثل حظ الانثيين " وما لم يعلم قبوله النقص كالاب مع الولد فضلا عما لو علم عدمه كالزوجين والام وكلالتها، لا يدخل النقص عليه لعدم إحراز قبوله له بدليل يدل عليه. ومنه يظهر الفرق بين الاب والبنت والبنات. فإذا الاقوى - وعليه الاكثر - هو القول الثاني. وأما الرد على ذوي الفروض - عدا الزوجين - فلعموم آية: " أولوا الارحام " والمنع فيهما لورود الدليل على عدم قبولهما النقص والزيادة. وبالجملة: فالوارث مطلقا: أما يرث بالقرابة خاصة، وهو من دخل في الارث بعموم الكتاب، أو بالفرض خاصة وهو الزوج والزوجة ما لم ينحصر الوارث بالامام (ع) أو يرث بالفرض - تارة - وبالقرابة - أخرى - كالاب والبنت والبنات والاخت والاخوات مع عدم الذكر


(1) راجع ذلك في أخريات الفصل الثاني في بيان السهام المقدرة.

[ 293 ]

أو يرث بهما معا، وهو ذو الفرض على تقدير الرد عليه، فلا يختص الرد بمن يدخل النقص عليه، ولذا يرد على الام، وكذا كلالتها مع عدم دخول النقص عليهن. (بقي هنا مسائل الاولى) (1) ولد الولد يقوم مقام أبيه أو أمه عند فقده أو فقد من هو في درجة أحدهما، سواء وجد الابوان أو أحدهما أو لم يوجد، فينفرد بالمال لو انفرد، ويقاسم الابوين أو أحدهما مع وجوده أو وجودهما، فلو خلف مع الابوين أو أحدهما ولد الولد - وان سفل - كان لكل من الابوين السدس والباقي لولد الولد - ذكرا كان أو انثى - بلا خلاف أجد في ذلك، إلا ما يحكى عن (الصدوق)، فخص المال بالابوين، ولم يشارك معهما أولاد الاولاد حيث قال رحمه الله في (الفقيه): " أربعة لا يرث معهم أحد إلا زوج أو زوجة: الابن والابنه، هذا هو الاصل لنا في المواريث، فإذا ترك الرجل أبوين وابن ابن أو ابنة ابنة، فالمال للابوين: للام الثلث وللاب الثلثان، لان ولد الولد إنما يقومون مقام الولد إذا لم يكن هناك ولد ولا وارث غيره، والوارث هو الاب والام " (2) وعن (المقنع): " فان ترك ابن ابن وأبوين، فللام الثلث، وللاب الثلثان وسقط ابن الابن " (3) ويدل على المختار - بعد الاجماع بقسميه وشذوذ المخالف بل عن بعض إنه مسبوق بالاجماع وملحوق به - النصوص المستفيضة التي هي بين ظاهرة ومصرحة بذلك.


(1) ومن هنا الشروع في ثالث المقاصد - على الظاهر - (2) الجزء الرابع من الكتاب طبع النجف، باب 141 ميراث الابوين مع ولد الولد: (3) المقنع للصدوق - أيضا - طبع ضمن الجوامع الفقهية في ايران.

[ 294 ]

ففي الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع): " بنات الابنة يرثن إذا لم يكن بنات كن مكان البنات " (1) وفي الموثق عنه أيضا: " ابن الابن يقوم مقام أبيه " (2) وحسن عبد الرحمان عنه أيضا: " ابن الابن إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قام مقام الابن، قال: وابنة البنت إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قامت مقام البنت " (3). وخبر الحسن بن محمد بن سماعة قال: " دفع الي صفوان كتابا لموسى ابن بكير، فقال: هذا سماعي عن موسى بن بكير، وقرأته عليه، فإذا فيه: موسى بن بكير عن علي بن سعيد عن زرارة قال: هذا ما ليس فيه اختلاف عند اصحابنا: عن أبي عبد الله عليه السلام وعن أبي جعفر (ع) - وذكر مسائل إلى أن قال -: ولا يرث أحد من خلق الله تعالى مع الولد إلا الابوان والزوج والزوجة، فان لم يكن ولد وكان ولد الولد - ذكورا كانوا أو اناثا - فانهم بمنزلة الولد، وولد البنين بمنزلة البنين يرثون ميراث البنين، وولد البنات بمنزلة البنات يرثون ميراث البنات. ويحجبون الابوين والزوجين عن سهامهم الاكثر، وإن سفلوا ببطنين وثلاثة وأكثر يرثون ما يرث الولد الصلب ويحجبون ما يحجب الولد الصلب " (4) وهو نص في المطلوب. والخبر المروي عن (دعائم الاسلام): " عن


(1) الوسائل، كتاب الفرائض، أبواب ميراث الابوين والاولاد باب 7 ان أولاد الاولاد يقومون مقام آبائهم. (2) أي موثق إسحاق بن عمار، المصدر الآنف من الوسائل حديث (2). (3) المصدر الآنف من الوسائل حديث (5). (4) ذكره الشيخ الطوسي في (التهذيب: كتاب الفرائض) باب (7) ميراث الازواج حديث (3).

[ 295 ]

جعفر بن محمد (ع): انه قال في رجل ترك أبا وابن ابن قال: للاب السدس وما بقي فلابن الابن، لانه قام مقام أبيه إذا لم يكن ابن، وكذلك ولد الولد ما تناسلوا إذا لم يكن أقرب منهم من الولد، ومن قرب منهم حجب من بعد، وكذلك بنو البنت " الحديث. وضعفهما منجبر بعمل الاصحاب، والموافقة لظاهر الكتاب والسنة المستفيضة - بل المتواترة كما عن النهاية - واحتج الصدوق بما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح: " عن سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن الاول (ع) قال: بنات الابنة يقمن مقام الابن إذا لم يكن للميت بنات ولا وارث غيرهن، وبنات الابن يقمن مقام الابن إذا لم يكن للميت أولاد ولا وارث غيرهن " (1) وما رواه الشيخان في (الكافي والتهذيب) في الصحيح عن عبد الرحمان ابن الحجاج عن أبي عبد الله (ع) قال: " بنات الابنة يقمن مقام الابنة إذا لم يكن للميت بنات ولا وارث غيرهن، وبنات الابن يقمن مقام الابن إذا لم يكن للميت ولد ولا وارث غيرهن (2) " وفي (مصابيح) جدى العلامة - بعد ذكر احتجاج الصدوق بالخبرين - ما لفظه: " قال الشيخ في كتابي الاخبار. فأما ما ذكره بعض أصحابنا: من أن ولد الولد لا يرث مع الابوين واحتجاجه في ذلك بخبر سعد بن أبي خلف وعبد الرحمان بن الحجاج في


(1) ذكره الكليني في الكافي: كتاب المواريث، باب ميراث ولد الولد، حديث (1) وذكره الصدوق في (الفقيه) (140 باب ميراث ولد الولد) حديث (1). وذكره الشيخ في الاستبصار: كتاب الفرائض باب 99 إن ولد الولد يقوم مقام الولد، حديث (2). (2) الكافي للكليني: كتاب المواريث، باب ميراث ولد الولد، حديث (4) والتهذيب للشيخ الطوسي: كتاب الفرائض والمواريث باب 28 ميراث من علا من الابآء وهبط من الابناء حديث (57).

[ 296 ]

قوله: إن ابن الابن يقوم مقام الابن إذا لم يكن للميت ولد ولا وارث غيره، قال: ولا وارث غيره انما هو الوالدان لا غير، فغلط لان قوله (ع) (ولا وارث غيره)، المراد بذلك: إذا لم يكن للميت الابن الذي يتقرب ابن الابن به، أو البنت التي تتقرب بنت البنت بها، ولا وارث غيره من الاولاد للصلب غيرهما. واستدل على ذلك برواية عبد الرحمان ابن الحجاج المتقدمة في أدلة المشهور - إلى أن قال - وما ذكره الشيخ في معنى الخبرين تأويل جيد. لكن لا حاجة فيه إلى تقييد الابن والبنت بالذي يتقرب به هذا الوارث، بل لو أبقى على عمومه كما هو الظاهر صح ايضا وكان المعنى: ان بنت البنت تقوم مقام البنت إذا لم يكن للميت بنت مطلقا سواء كان أم هذه البنت، أو غيرها، وكذا ابن الابن يقوم مقام الابن إذا لم يكن للميت ابن سواء كان أبا هذا الابن أو غيره، ولا وارث غيره، يريد به: الابن في الاول، والبنت في الثاني، ويحتمل أن يراد بالوارث فيهما الاعم من ولد الصلب والاقرب من أولاد الاولاد فان المراد ببنات الابن أو البنت ما يشمل السافلات، والاقرب منهن ومن غيرهن من الاولاد يمنع الابعد. ويحتمل أيضا أن يكون (لا) في قوله: (ولا وارث) لنفي الجنس لا لتأكيد النفي، والمراد: ان بنات الابن أو البنت يرثن عند فقد الاولاد، ولا وارث غيرهن حينئذ، ويختص بما إذا لم يكن هناك أب أو أم أو زوج أو زوجة، ويحتمل أيضا: أن يكون المراد أنها ترث المال كله إن لم يكن ولد ولا وارث آخر كالابوين وإلا كانت مشاركة، وفي بعض هذه الوجوه بعد، والاوجه ما ذكرناه اولا. قال في (الوسائل): والذي يظهر ان وجه الاجمال ملاحظة التقية لان كثير من العامة وافقوا الصدوق فيما تقدم كما نقله الكليني وغيره. وقال المحدث المجلسي في (شرح الفقيه): " ويمكن أن يكون التعبير كذلك

[ 297 ]

للتقية - كما ذهب إليه كثيرون منهم، وكيف كان، فهذه العبارة المجملة لا تكاد تعارض ما تقدم من الادلة الواضحة " انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه " (1) وهو كلام متين في غاية القوة والمتانة، (والاحتجاج) للصدوق بالاقربية لان الابوين يشاركان الولد المقدم في الدرجة على ولد الولد (يضعفه) أن الاقربية انما تمنع مع الاتحاد في الصنف والاختلاف في الدرجة، لا مع الاختلاف فيه كالابوين مع الاولاد - الذي قد عرفت فيما تقدم - أنهما صنفان. (المسألة الثانية) ولد الولد - ذكرا كان أو أنثى - يرث نصيب من يتقرب به إلى الميت، فلابن البنت ثلث المال نصيب أمه، ولبنت الابن الثلثان نصيب أبيهما. للاجماع المحكي صريحا في (الغنية) (وكنز العرفان) المعتضد بالشهرة بقسميها، بل في (الرياض): عليه عامة من تأخر، بل عن (الايضاح) و (غاية المراد): نسبته إلى فتوى الاصحاب. ولظهور الاخبار المتقدمة في كون القيام مقامهم وتنزيلهم منزلتهم في أصل الارث وكيفيته، لا حصول الاول منهما، كيف ولو كان المراد من المنزلة إثبات أصل التوارث لا الكيفية لا اكتفي في النصوص بذكر أولاد الاولاد، واستغني عن ذكر التفصيل الذي يكون حينئذ تطويلا لا حاجة إليه مضافا إلى ما في ذيل (خبر سماعة) المتقدم المصرح بأن ولد البنين


(1) راجع هذه العبارة المفصلة من (المصابيح) في كتاب الفرائض أخريات) (مصباح): قال الصدوق في الفقيه: " أربعة لا يرث معهم إلا زوج.. ".

[ 298 ]

بمنزلة البنين يرثون ميراث البنين، وولد البنات بمنزلة البنات يرثون ميراث البنات. ويؤيد ذلك - بل يدل عليه - أن تقرب ولد الولد ونسبته إلى الميت انما هو بواسطة من يتقرب به إليه، فإذا كان أحد السببين أقوى من الآخر، ولو من حيث الاكثرية في النصيب، كان المناط في كيفية الارث اعتبار ما هو السبب فيه، كيف والفرع لا يزيد على أصله، والتفاضل بين الذكر والانثى يختص بما إذا تساووا في جميع المرجحات إلا الذكورة والانوثة وليس المقام منه لوجود المرجح، وهو أقوائية السبب الذي يتقرب به إلى الميت. وبالجملة، المستفاد من مجموع أدلة المواريث أولوية بعض الورثة من بعض في أصل الارث، كالاولوية في الطبقات أو الدرجات، والاولوية في أكثرية النصيب كالذكر والانثى، إلا أن الثانية مشروطة بالتساوي في جميع المرجحات إلا الذكورة والانوثة، فالقسمة بينهم بالتفاضل: للذكر مثل حظ الانثيين، وليس ذلك تخصيصا لعموم: " يوصيكم الله في أولادكم " الخ، بل هو مخصص لخروجه عن موضوع التفاضل بوجود المرجح، وهو واضح بعد إمعان النظر في مجموع الادلة. خلافا للمحكي عن (المرتضى) والحسن والحلي ومعين الدين المصرى فقالوا يقتسمون تقاسم الاولاد للصلب من غير اعتبار من تقربوا به، لانهم أولاد حقيقة فيدخلون في العموم المتقدم. وبما ذكرنا ظهر لك ضعف هذا القول ومستنده. (المسألة الثالثة) أولاد البنين يقتسمون نصيبهم فيما بينهم مع الاختلاف: للذكر مثل حظ الانثيين: للاجماع المستفيض، بل المحصل، واندراجهم في عموم آية الوصية، وان منعنا صدق الولد عليهم حقيقة للاجماع المحكي

[ 299 ]

على إرادة ما هو الاعم من ولد الصلب وولد الولد وان نزل هنا وفي امثاله، وكذا أولاد البنات على الاشهر بل المشهور، بل الاجماع محكي عليه أيضا، مضافا إلى اندارجهم في عموم آية الوصية - كما تقدم - خلافا للقاضي تبعا لبعض القدماء، فقالوا: يقتسمون نصيبهم بالسوية مطلقا لتقربهم بالانثى. وهو مع شذوذه - كما قيل ومخالفته للنص والاجماع - منقوض بما اعترف به موافقا للقوم في اقتسام أولاد الاخت للابوين أو للاب بالتفاوت مع مشاركتهم لاولاد البنت في إرث نصيب الام، والقياس بكلالة الام في الاقتسام بينهم بالسوية قياس مع الفارق، لثبوت التسوية - هناك - بالدليل المفقود - هنا - والاصل في المقام لو سلم مقطوع بما عرفت: من النص والاجماع. (المسألة الرابعة) في الحيوة (1) وتمام الكلام فيها يقع في مواضع: (الاول) في كونها على الوجوب أو الاستحباب (الثاني) في كونها هل يكون استحقاقها بنحو المجان أو العوض؟ (الثالث) في من يحبى


(1) ولقد لاحظنا من خلال مراجعتنا الكتب اللغوية كالصحاح والمصباح واللسان والقاموس وشرحه والمجمع والنهاية وغيرها في خصوص هذه المادة فرأيناها متقاربة المضامين في أن الحبوة إسم من الحباء بمعنى العطاء بلا من ولا جزاء، وأن بنيتها على تثليث الاول وان كثر استعمالها على الفتح. وقد استعملها الفقهاء في نفس معناها اللغوي - العطاء - بلا نقل إلى مصطلح جديد - كما قد يقال -. إذ ليس في الاخبار تعرض في لنفس المادة بمشتقاتها، وإنما الموجود فيها مضمون: أن للولد الاكبر من التركة كذا وكذا.. وهذا لا يعطي إصطلاحا شرعيا لنفس المادة، وإنما المستعمل فيه هو نفس المعنى اللغوي - على الظاهر -.

[ 300 ]

من الورثة، ويندرج فيه من يحبى من تركته (الرابع) فيما يحبى به من أعيان التركة (الخامس) في بعض الشرائط المعتبرة في ثبوتها. ويستخرج من هذه المواضع التي وقع الخلاف في جميعها الاقوال في المسألة - كما ستعرفها مفصلة -. ولنبدأ تيمنا بذكر الاخبار الورادة في هذا المضمار: ففي (الوسائل) باسناده عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا مات الرجل فسيفه ومصحفه وخاتمه وكتبه ورحله وراحلته وكسوته لاكبر ولده، فان كان الاكبر ابنة فللاكبر من الذكور " وفيه أيضا عن الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد بن خالد، وعن الصدوق باسناده عن حماد بن عيسي مثله، إلا أنه أسقط (وراحلته) (1) وفيه باسناده عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا مات الرجل فللاكبر من ولده سيفه ومصحفه وخاتمه ودرعه " ورواه ايضا عن الشيخ باسناده عن الفضل بن شاذان مثله (2). وباسناده عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا هلك الرجل وترك بنين فللاكبر السيف والدرع والخاتم والمصحف فان حدث به حدث فللاكبر منهم " (3) وباسناده عن ابن أذنيه عن بعض أصحابه عن أحدهما (ع) إن الرجل إذا ترك سيفا وسلاحا فهو لابنه، فان كان له بنون، فهو لاكبرهم. ورواه أيضا عن الشيخ باسناده عن علي بن ابراهيم نحوه. وكذا الذي قبله (4). وفيه باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: " الميت إذا مات فان لابنه الاكبر السيف والرحل والثياب ثياب جلده " (5)


(1 - 5) راجع: كتاب الفرائض والمواريث منه، باب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد، حديث (1) - (5).

[ 301 ]

وباسناده عن زرارة ومحمد بن مسلم وبكير وفضيل بن يسار عن أحدهما (ع): " ان الرجل إذا ترك سيفا وسلاحا فهو لابنه، فان كانوا اثنين فهو لاكبرهما " (1) وباسناده عن شعيب العقرقوفي قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يموت: ماله من متاع بيته؟ قال: السيف، وقال: الميت إذا مات فان لابنه السيف والرحل والثياب ثياب جلده " (2) وباسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: " كم من انسان له حق لا يعلم به، قلت: وما ذاك أصلحك الله؟ قال: إن صاحبي الجدار كان لهما كنز تحته لا يعلمان به، أما انه لم يكن بذهب ولا فضة، قلت: وما كان؟ قال: كان علما: قلت فايهما أحق به؟ قال الكبير كذلك نقول نحن " (3) وباسناده عن علي بن ساباط عن أبي الحسن الرضا (ع) " قال سمعناه - وذكر كنز اليتيمين - فقال: كان لوحا من ذهب - إلى ان قال - فقال حسين بن أسباط: فإلى من صار؟ إلى أكبرهما؟ قال: نعم " (4) وباسناده عن سماعة قال: " سألته عن الرجل يموت ماله من متاع البيت؟ قال: السيف والسلاح والرحل وثياب جلده " (5) إذا عرفت ذلك فنقول: أجمعت الامامية على مشروعية الحبوة حتى عد ذلك من متفرداتهم (6).


(1 - 5) راجع كتاب الفرائض والمواريث منه، باب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد، حديث (1) - (5). (6) قال السيد المرتضى - قدس سره في (الانتصار): مسائل المواريث والفرائض والوصايا -: " مسألة ومما انفردت به الامامية: القول بأن الولد الذكر الاكبر يفضل دون سائر الورثة بسيف أبيه =

[ 302 ]

وإن وقع الخلاف بينهم: في أن الاحباء له: هل هو على جهة الوجوب، أو الاستحباب؟. والاقوى هو الاول، وعليه المشهور، بل الاجماع عليه محكي في (السرائر) حيث قال - بعد ذكر القولين مقدما للقول بالوجوب ما لفظه -: " والاول من الاقوال هو الظاهر المجمع عليه عند أصحابنا المعمول به، وفتاويهم في عصرنا هذا - وهو سنة ثمان وثمانين وخمسمائة - عليه بلا خلاف بينهم في ذلك " (1) وهو الحجه، سيما بعد اعتضاده بما عرفت. مضافا إلى ظهور النصوص المتقدمة في ذلك بمعونة اللام التي هي - وان كانت للاختصاص على الاقرب - إلا أن مراتبه مختلفة في الشدة والضعف بحسب الموارد مفيدا للملك - مرة - وللحق - أخرى - كحق الخيار وحق الشفعة ونحوهما - وثالثة - للخصوصية الحاصلة من مجرد الاضافة ومحض الانتساب كالقميص للعبد والسرج للفرس. لكن من المعلوم أن مفادها في المقام وأمثاله من الاقارير والوصايا والنذور والجعالات والسهام المورثة، انما هو الملك ولذا لا يتوقفون في الحكم به لهم، وليس إلا لظهور اللام في ذلك. ومن الواضح ان ذلك ثابت للولد الاكبر بنحو التنجيز عند موت أبيه، فيكون تمكين الورثة له من ذلك مسببا عن الحق الثابت، لا أنه سبب لاحداث


- وخاتمه ومصحفه، وباقي الفقهاء يخالف في ذلك ". (1) وقبل هذه الجملة - كما في كتاب الفرائض آخر فصل " وإذا انفرد الولد من الابوين وأحد الزوجين " قوله: " ويخص الولد الاكبر من الذكور - إذا لم يكن سفيها فاسدا الرأي - بسيف إبيه ومصحفه وخاتمه وثياب جلده إذا كان هناك تركة سوى ذلك - إلى قوله -: وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك يستحب تخصيصه به، دون أن يكون ذلك مستحقا له على جهة الوجوب... "

[ 303 ]

حق له حتى يجتمع مع القول بالاستحباب الذي مرجعه إلى محض التكليف دون حكم الوضع، إذ لاحق له حينئذ قبل الاحباء، وهو مناف لتنجيز الحق المستفاد من الاخبار بمعونة اللام، فلا يتم ذلك إلا على نحو الوجوب خلافا للمحكي عن الاسكافي وأبي الصلاح في (الكافي) والمرتضى في (الانتصار) وأبي المكارم في (الغنية) والطوسي في (الرسالة النصيرية) فنسب إليهم الاستحباب، واختاره العلامة في (المختلف) والفاضل الهندي في (الكشف) والسبزواري في (الكفاية) ومال إليه في (الايضاح) والمسالك. قلت: في نسبة الاستحباب إلى بعضهم تأمل، حيث أن عباراتهم المنقولة عنهم ليست صريحة، بل لعله ولا ظاهرة فيه، حيث قال في (الكافي): " ومن السنة أن يحبى الاكبر من ولد المورث " الخ، إذ لعل مراده المستفاد من السنة أي الاخبار، دون الكتاب، وقال في (الانتصار): " ومما انفردت به الامامية القول بأن الولد الاكبر يفضل دون سائر الورثة بسيف أبيه وخاتمه ومصحفه وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك " والتفضيل أعم، والانفراد انما هو المشروعية في مقابل العامة المنكرين لها نعم عبارة الاسكافي المحكية عن كتابه (الاحمدي) صريحة في الاستحباب حيث قال: " ويستحب أن يؤثر الولد الاكبر إذا كان ذكرا بالسيف وآلة السلاح والمصحف والخاتم وثياب الاب التي كانت لجسده بقيمة، وليس ذلك عندي بواجب إذا تشاجروا عليه ". وكذا عبارة (الغنية) بل فيها: دعوى الاجماع عليه، قال، ويستحب أن يخص الاكبر من الولد الاكبر من الولد الذكور بسيف أبيه ومصحفه وخاتمه وثياب جلده إذا كان هناك تركة سوى بذلك بدليل اجماع الطائفة ". وكيف كان فلا أرى للاستحباب مستندا إلا أحد أمرين:

[ 304 ]

أحدهما - الجمع بين عمومات الارث الدالة على استحقاق الورثة في جميع التركة حتى التي يجبى بها، وما عليه اتفاق الاصحاب من مشروعية الاحباء - بالحمل على الاستحباب الذي يجتمع مع عموم الكتاب، بخلاف الوجوب الذي يلزم منه تخصيصه بعد طرح هذه الاخبار، لكونها آحادا بناء على طريقتهم: من عدم العمل بها: إما مطلقا أو حيث يعارض عموم الكتاب لعدم تخصيصه بها، وان جاز العمل بها مع عدمه. (والثاني) الاصل مع عدم دلالة الاخبار على الوجوب لعدم ظهور اللام في الملك أو الحق، بل غايته الاختصاص الذي يجتمع مع الندب بارادة أن من يخصص ويؤثر بملك الاعيان - وان لم يجب أصل التخصيص - هو الولد الاكبر. مؤيدا - كما قيل -: باختلاف الاخبار في أعيان الحبوة بالزيادة والنقيصة المنافي للوجوب دون الندب الذي يتسامح في أدلته، نحو الاختلاف في منزوجات البئر، وبحسنه حريز المتقدمة، بناء على ظهورها في أن هلاك الاكبر بعد هلاك أبيه، ومقتضاه على الوجوب كونها موروثة لورثته دون الاكبر من ولد أبيه الذي لا يتم إلا على الندب، فيكون المعنى حينئذ: إذا هلك الاكبر لا يسقط الاستحباب، بل يعطي للاكبر الموجود من ولد الرجل. ويضعف الاول بحجية أخبار الآحاد وجواز تخصيص الكتاب بها على الاقوى - كما قرر في محله - سيما مع عمل جل الاصحاب بها. (والثاني) بما عرفت: من اقتضاء الاختصاص المنجز عند موت المورث الوجوب دون الندب الذي يتوقف على رضاء الورثة (ودعوى) إرادة اختصاص الاعيان بالاكبر المستفاد من اللام بمعنى كون الاكبر موردا لهذه الخصوصية التي هي الحكم بندب الايثار الذي موضوعه تلك الاعيان

[ 305 ]

وبهذه الملاحظة اتصف بالاختصاص به، فاختصاص الاكبر نظير مرتبة " ملك أن يملك " من مراتب الملك، وهذا القدر من الخصوصية ثابت له بمجرد الموت قبل الاحباء " موهونة " جدا، والاصل مقطوع بالنصوص وإجماع (الغنية) موهون بما عرفت، إن أريد به الاجماع على الندب. ويضعف التأييد الاول (1) أولا بأن الاختلاف المحمول على الندب للتسامح في دليله إنما هو حيث لا يعارض بما يدل على المنع، ولو بنحو العموم، كما في المقام من عمومات أدلة الارث، مع عموم حرمة التصرف في مال الغير، خصوصا مع وجود صغير في الورثة، فندب الاحياء يشمله لكونه استحبابا ماليا كزكاة مال الطفل يباشر إخراجها الولي، فلا يصلح له من الدليل إلا حجة قاطعة، ومتى وجد كذلك صلح لاثبات الوجوب أيضا وثانيا بلزوم علاج الاختلاف على كل من القولين لان القائلين بالندب جلهم - بل كلهم كما قيل - اقتصروا على أربعة منها، عدا الاسكافي فأضاف إليها آلة السلاح الشامل للسيف وغيره. ويضعف التأييد بالثاني، بأن المراد من قوله في الحسنة " فان حدث به حدث " هلاك الولد قبل هلاك أبيه دفعا لتوهم سقوط الحبوة بموت من كان أكبر ولده لانتفاء موضوعها. كيف ولو كان هلاكه بعد هلاك أبيه كانت الحبوة كلها على القول بالوجوب أو ما يخصه منها بالارث على الندب موروثا لولده دون الاكبر من ولد أبيه. (الموضع الثاني): المشهور شهرة عظيمة على كون الاستحقاق مجانا لا بعوض، بل نسبه ثاني الشهدين في (رسالته) إلى عامة المتأخرين بل هو مندرج فيما ادعى عليه الاجماع في (السرائر) وهو الحجة


(1) وهو اختلاف الاخبار في أعيان الحبوة بالزيادة والنقيصة.

[ 306 ]

سيما مع اعتضاده بالشهرة - بقسميها (1) مضافا إلى الاصل، وظواهر النصوص المتقدمة في عدم اعتبار القيمة، إذ لو كان مشروطا بها لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، خلافا للمرتضى والاسكافي. واحتج السيد بما يرجع ملخصه إلى الجمع المتقدم بين عمومات الكتاب وعدم المخالفة لما عليه الاصحاب، وفي (المختلف) - بعد ذكر قول السيد ودليله - نفى عنه البأس، وأيده بلزوم الاجحاف على الورثة لو عمل بما دلت عليه الاخبار. ونفى عنه البأس أيضا الاردبيلي في (المجمع) واختاره كاشف اللثام، وصاحب الكفاية، ظاهر (الروضة) (والمسالك): التوقف. قلت: ما اختاره (السيد) حسن على طريقة من لم يعمل بأخبار الآحاد. لكن يبقى عليه أن الجمع يحصل بمجرد الحمل على الاستحباب من غير توقف على الاحتساب، ومرجعه إلى محض ندب الايثار الذي لا يلزم منه تخصيص الكتاب، ولا مخالفة اتفاق الاصحاب، بعد ان كان الاتفاق على أصل المشروعية. وحينئذ فاللازم على طريقة من لا يعول على أخبار الآحاد: إما القول بالاستحباب مجانا، أو القول بالوجوب والاحتساب. وأما من يرى حجيتها وجواز تخصيص الكتاب بها، فلا وجه للعدول عما تقتضيه ظواهرها: من كونها له مجانا كالعلامة في (المختلف) ومن قواه ممن عرفت. والاجحاف بالأربعة - التي لا نقول بأزيد منها - مع أنه غير متحقق في الغالب لا يضر مع قيام الدليل عليه. ثم إن هاهنا فروعا مبنية على القول بالاحتساب، سواء قلنا بالوجوب


(1) أي الشهرة الفتوائية، والشهرة الروائية.

[ 307 ]

أو الاستحباب: (منها) ان المدار هل هو على القيمة عند الموت أو عند الدفع؟ لا اشكال في أن العبرة بها عند الاحتساب - على القول بالاستحباب لانه زمان انتقال الحبوة إلى المحبو، وقبله ملك الورثة، وان استحب له الايثار. وأما عل القول بالوجوب فالاقرب اعتبار القيمه عند الموت، لانه زمان انتقالها إلى المحبو، وان كانت معوضة بما يقابلها من التركة، وان قلنا بتزلزل الملك إلى الاحتساب، لان التعويض ثابت أيضا من حين الملك لا من حين الاستقرار. وأما على ما هو الاقرب: - من استقرار الملك من حين الموت معوضا بالقيمة قهرا كما هو مفاد ظواهر النصوص التي لا ينافيها صدق الحبوة عليها لامتيازه باختصاصه بمختصات آبية وهذا القدر كاف في الصدق - فلا إشكال في أن العبرة بقيمتها عند الموت. ومنه يظهر لك ضعف ما وجه به الاحتمال الآخر: من أنه ليس تملكا قهريا بمجرد الموت، بل هو منوط باختيار المحبو، فالعبرة بزمانه لان ثبوت الاختيار خلاف ظواهر الاخبار. (ومنها) ان العوض هل يختص دفعه من نصيبه من باقي التركة، أم هو دين في ذمته غير متعين في مال مخصوص؟ نسب الاول في (السرائر) إلى بعض الاصحاب، وظاهره نسبة ذلك إلى أهل القول باعتبار القيمة واختاره عمنا الاستاذ (1) في (رسالة الحبوة من ملحقات برهانه) وأطنب في تقوية ذلك بما يرجع ملخصه إلى: أن الاحتساب من نصبيه أدخل بالارث من المال الاجنبي بعد أن كان اعتبار القيمة للجميع بين العمل


(1) يقصد: الحجة المحقق السيد علي بن الرضا بن السيد بحر العلوم - قدس سره - صاحب (البرهان القاطع في شرح المختصر النافع) المولود سنة 1224 والمتوفى سنة 1298 ه‍. والرسالة المشار إليها لا زالت من نفائس المخطوطات

[ 308 ]

بعمومات الارث وعدم مخالفة الاصحاب، أو بينها وبين النصوص بناء على اعتبارها، مؤيدا باشعار لفظ الاحتساب في كلامهم بذلك. والاقرب هو الثاني، لعدم الدليل على اختصاص القيمة بما يرثه من التركة، بل الاصل يقتضي العدم، ومجرد الادخلية لا يصلح دليلا على التعيين بعد أن كان الجمع حاصلا باستحقاقه قيمة ما ورثه من الحبوة. (ومنها) قد عرفت أن الاقرب تملك الحبوة معوضا بالقيمة قهرا من غير توقف على اختيار المحبو، خلافا لما في (ملحقات البرهان): من اختيار الثاني، مستدلا فيه بأمور لا تصلح لان تكون دليلا على مدعاه، تركناه خوف الاطالة. وكيف كان، فعلى القول بكون المعاوضة قهرية: لو تلفت الحبوة قبل قبض المحبو بلا تفريط منه سقطت القيمة بناء على بطلان المعاوضة لو تلف قبل تسليم العوضين، نظير تلف المبيع قبل قبضه، ان قلنا بكون الضمان بالمسمى هناك على القاعدة، وإلا فاللازم هنا غرامة القيمة لحصول التملك بالعوض بمجرد الموت مع احتمال أن يقال بالغرامة هنا، وان قلنا يكون الضمان بالمسمى في تلك المسألة على القاعدة بدعوى اختصاص تلك القاعدة بالمعاوضات الاختيارية دون القهرية. وعلى القول بكونها منوطة باختيار المحبو، فلا غرامة عليه منها لبدل التالف قبل الاختيار. ثم على كل من القولين ليس له التصرف في الحبوة قبل دفع القيمة إلى مستحقها لاشتراك الجميع في إرث مالية الحبوة وان اختص المحبو بأشخاص أعيانها فهو كارث الزوجة مطلقا، أو غير ذات الولد: من قيمة عمارة الرباع دون عرصتها على ما قويناه في محله. (ومنها): ان اختيار المحبو - بناء على التوقف عليه - هل هو

[ 309 ]

على الفور كحق الشفعة للشريك لمساواته له في المقتضى للفورية، وبعد من العذر هنا ما يعد هناك من العذر في بعض صور التأخير كعدم العلم بالحقية أو الفورية وعدم التمكن من الاخذ به لضرورة فيه من غيبة وحبس وإغماء إلى غير ذلك، أم هو التراخي ما لم يستلزم الابطاء ضررا على الورثة؟ وجهان: ولعل الثاني هو الاقرب، للاصل. (ومنها) بناء على تعليق استيفاء القيمة بنصيب المحبو من التركة دون المال الاجنبي: لو نقص نصيبه منها عما يلزمه من القيمة، فهل يختص مع ذلك أيضا بتمام أعيان الحبوة مجانا، أم بمال خارجي في ذمته، أم يكمل به، أم يبطل اختصاصه بها أصلا لعدم وجود العوض، أم يبطل في القدر الزائد على نصيبه الموجود في الباقي لعدم العوض ويصح فيما يفى به نصيبه لعدم المانع منه لوجود عوضه؟ احتمالات: أقربها الاخير، ويتلوه في القرب الاحتمال الثالث. ثم على الاخير: هل تعين ما يصح فيه الحبوة للمحبو أو للورثة، أو يفصل بين ما إذا وجد في أعيانها ما يساوي قيمته نصيبه فهو المتعين؟ وجوه: هذا والتعرض لبقية فروع المسألة تطويل، لا حاجة إليه، سيما بناء على ما اخترناه من الانتقال إليه مجانا (الموضوع الثالث في المحبو) وهو الولد الذكر، وان كان الانتساب إليه بوطئ الشبهة، لشمول إطلاق النصوص له بعد صدق الولد شرعا عليه، بخلاف المتولد من الزنا لعدم اللحوق به شرعا وان كان ولده لغة فلا حبوة للانثى لعدم الدليل عليه، بل الدليل على عدمه: من الاصل والاجماع على اشتراط الذكورة. فان كان الولد واحدا كانت الحبوة له، وان متعددا فللاكبر ولا يعطي ذكر الاكبر في النصوص الاختصاص بالمتعدد لمكان ظهور التفضيل في المشاركة لعدم

[ 310 ]

الخلاف - كما قيل - في إحباء المنفرد بل صرح به غير واحد، وحكى في (مفتاح الكرامة) عن المبسوط سقوط الحكم مع الانفراد حيث قال: " وأما إذا كان واحد ففي المبسوط: سقط هذ الحكم، وفي المجمع: إنه يحبى ". وهو منه عجيب، إذ توهم ذلك من عبارة فيه وهي قوله: " فان كانوا جماعة في سن واحد اشتركوا فيه، وان كان لم يخلف غير ذلك يسقط هذا الحكم " وهو كما ترى، إذ مراده سقوط حكم الحبوة ان لم يخلف غير أعيانها كما هو قول جماعة، ولا طلاق مصححة العقرقوفي وصريح موثقة الفضلاء، ومرسلة ابن أذينة - المتقدمة - مع أن اعتبار وجود المفضل عليه في أفعل التفضيل أكثري لا كلي، بل لا يبعد دعوى سوق الاخبار المصرحة بلفظ الاكبر لبيان الاختصاص به، مع التعدد لا الاشتراك مع الاصغر وحينئذ فالاكبر يراد منه من لا أكبر منه، كما أن المراد منه، الاكبرية في السن وإن بلغ الاصغر قبله، لانه المتبادر من الاكبر عرفا، فلا يتوهم تقديم البالغ المكلف نظرا إلى حكمة مقابلة الحبوة بقضاء الاكبر ما فات أباه من الصلوات، مع كونها حكمة ولذا يحبى، وان لم يكن على أبيه قضاء. ولو ولدا توأمين فالاكبر - عرفا - هو الخارج أولا، دون الاخير، وأن الفصل - أولا - من صلب أبيه وان نص عليه فيما روي " أن أبا عبد الله (ع) هنأ من أصحابه رجلا بولدين ولدا له توأم، ثم قال له: أيهما أكبر؟ فقال الرجل: الذي خرج أولا، فقال أبو عبد الله (ع) الذي خرج أخرا هو اكبر، أما تعلم أنها حملت بذلك - اولا - وأن هذا دخل على ذلك فلم يمكنه أن يخرج حتى يخرج هذا، فالذي خرج أخرا هو اكبر " (1)


(1) الوسائل: كتاب النكاح، باب 99 من أبواب أحكام الاولاد حديث (1).

[ 311 ]

لشذوذ الرواية - كما قيل - وإمكان معارضتها بما عن (الفقيه) عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: " أكبر ما يكون الانسان يوم ولد وأصغر ما يكون يوم يموت " بدعوى ظهوره في كون مناط الاكبرية على الولادة دون الحمل، وان قبل باشتراكهما في الاكبرية لعدم الاعتداد بمثل هذا التفاوت فلا يقدح في صدق التساوي عرفا. إلا أن المنع عن الصدق عرفا في حيز المنع، مع كون الاول متيقن الاستحقاق والاخير مشكوك، والاشتراك فرع إحراز التساوي لو قلنا به فيه. وبما ذكرنا يعرف الاكبر من اللذين ولد أحدهما لاقل الحمل والآخر لا كثره - مثلا - بعد ما عرفت من كون المدار عرفا على الولادة دون سبق الحمل. ولو اتحد زمان ولادتهما تحقيقا كما إذا كان من زوجتين، ففي سقوط الحبوة أو الاشتراك فيها؟ قولان. صرح بالاول ابن حمزة في (الوسيلة) حيث اشترط في الحبوه أمورا عدمية فقد آخر في سنه، وهو صريح في سقوطها مع وجود المساوي، ولعل نظره إلى انفراد لفظ الابن والاكبر في الاخبار المستفاد منه اشتراط الوحدة في أصل الاستحاق، والاكبرية مع التعدد معينة للواحد المستحق. وحينئذ فمع التساوي يسقط الحكم لان الاشتراك ينافي اعتبار الوحدة في المستحق، ولا مرجح لاحدهما على الآخر، والحكم مخالف للاصل، والعمومات، فليقتصر على المتيقن في الخروج عنهما، وهو المفرد والاكبر في المتعدد. (والثاني) هو مختار المبسوط والجامع والايضاح والمهذب والدروس والتنقيح وغاية المرام والكفاية - على ما حكى عن بعضهم - بل عن (غاية المرام): إنه المشهور. وفي (الكفاية): انه الاشهر، بل في (ملحقات

[ 312 ]

البرهان): ان شهرته شهرة عظيمة مقاربة للاجماع. وهو الاقوى لمنع اعتبار الوحدة في المستحق لان الافراد في المقام أفراد الجنس الشامل للواحد والمتعدد، وان اختص بها الاكبر في الاخير، فيكون حاصل مفاد النصوص: أن الحبوة للابن مطلقا إلا مع التعدد والاختلاف في السن، فهي للاكبر، فظهر لك بذلك ضعف القول الاول ومستنده وحينئذ فالمراد بالاكبر من لا أكبر منه، وعليه فيحكم بالاشتراك في خصوص مالو علم التساوي لان كلا منهما يصدق عليه أنه لا أكبر منه فاشتركا في السبب الذي هو مناط استحقاقها في صورة التعدد بعد تفسير الاكبر بمن لا أكبر منه. وأما لو احتمل التساوي واكبرية كل منهما من الآخر، ففي سقوط الحبوة للاصل بناء على أن الاختصاص بواحد أو الاشتراك مرتبان على إحراز الاكبرية أو التساوي، وليس في المقام أصل موضوعي يشخص أحدهما أو القرعة للعلم بوجود المستحق والشك في قدر الاستحقاق؟ وجهان: والثاني هو الاقرب. وعليه: فاما أن تضرب قرعة واحدة بأن يكتب التساوى وأكبرية كل منهما بخصوصه في ضمن ثلاث رقعات، فالمستخرج هو المتعين أو تضرب مرة بين التساوي والاكبرية - وأخرى - لتعيين الاكبر على الثاني وأما لو علم أن أحدهما المعين لا اكبر منه، وشك في الآخر: أنه مساو له أو أصغر، فالاقرب اختصاصها به لانه المتيقن في صدق العنوان عليه وغير مشكوك. نعم لو علمت الاكبرية وشك في الاكبر، فلا محيص عن التعيين بالقرعة. وأما الخنثى المشكل فلا اشكال في سقوط الحبوة له، سواء قلنا بكونها طبيعة ثالثة أو مرددة بين الطبيعتين. أما على الاول فواضح، وأما على

[ 313 ]

الثاني، فلان الشك في الشرط شك في المشروط، والاصل عدمه. وقيل يحبى النصف كما يرث نصف النصيبين، لانها إرث أيضا. وفيه: انه قياس مع الفارق، للنص هناك المفقود في المقام إذ لولاه لكان اللازم بعد التحري القرعة - كما هو قول - ولذا يجب التحري - أولا - هناك، ولا يجب هنا، وليس إلا لدوران موضوع الارث في غير الحبوة بين العنوانين المتباينين: الذكر والانثى، وفيها مرتب على موضوع واحد وهو الذكر، ويكفي في نفيه الشك في موضوعه. وهذه الشروط: من الولدية، والذكورية، والاكبرية وفاقية، وهناك أمور اختلفوا في اعتبارها في المحبو. (منها) هل يعتبر انفصاله حيا عند موت أبيه، فلا حبوة للحمل مطلقا. أولا يعتبر فيحبى مطلقا كغيرها من الميراث، أو يفصل في الجنين بين كونه تاما وقبله: فيحبى في الاول دون الثاني؟ وجوه بل أقول: مستند الاول: عدم صدق ولد ذكر عرفا حال الحاجة إلى تحقق صدقه، وهو زمان موت أبيه، لانه زمان استحقاقه، ولان إفراز الحبوة ذلك الوقت إن حكم بها له كان حكما غير مطابق للواقع، إذ ليس هناك مذكر، وان حكم بها للورثة استصحب الحكم وعمل باصلة عدم المزيل إلى أن يتحقق، وان انتفى الامران لزم بقاء المال بغير مالك. وفيه، ان الدليل أخص من المدعى، إذ غاية مفاده - لو سلم - عدم استحقاقه قبل وجوده عند الموت في نفس الامر كما لو كان علقة أو مضغة، لا عدم استحقاقه قبل انفصالة، الذي هو المدعى، والافراز له في ذلك الوقت مراعى بتحقق الذكورية كافراز نصيب الذكر. ومستند الثاني: استحقاق الحمل مطلقا ولو كان علقة الارث نصيب الذكر ان تحققت الذكورية فالذكورية المتأخرة كاشفة عن تملكه نصيب الذكر من أول

[ 314 ]

الامر، وليس ذلك الا لكفاية تعقب الذكورية في إرث النصيب والحبوة إرث المذكر، فيجري فيها ما يجري في نصيبه من سائر التركة. ومستند الثالث: أن الذكورية - التي هي موضوع حكم الحبوة - إنما تلحق في الواقع عند تمام الخلقة، الظاهر في كونه عند انتهاء أربعة أشهر، لصحيحة زرارة " إذ وقعت النطفة في الرحم استقرت فيها أربعين يوما، وتكون علقة أربعين يوما، وتكون مضغة أربعين يوما، ثم يبعث الله ملكين خلاقين فيقال لهما: أخلقا كما يريد الله ذكرا كان أو انثى " وقبله لا مذكر في الواقع حتى يمتاز باختصاص الحبوة به. لا يقال: هذا بعينه وارد في إرث الحمل نصيب الذكر قبل تمام خلقته وتملكه له قبل لحقوق عنوان الذكورية به، ولذا يفرز له حصة الذكر وان كان علقة فيكشف عن كون لحوق عنوان الذكورية كافيا في استحقاق نصيب الذكر قبله، فليكن في الحبوة كذلك، لاتحاد موضوعهما الذي هو الولد اللذكر. ولوضوح الفرق - بعد الاجماع الفارق بين الموردين - بأن الحمل يرث من حيث هو لصدق الولد عليه قبل كونه ذكرا أو انثى أو خنثى، ولكل من الاصناف الثلاثة نصيب مقدر يستحقه بذلك الارث لا بسبب آخر، ومقتضى الجمع هو إرث الولد المعقب بالذكورية نصيب الذكر والمعقب بالانوثية نصيب الانثى، نظير الاجازة في الفضولي - بناء على كونها كاشفة عن الملك من حين العقد - فاللذكورة والانوثية شرطان لمقدار النصيبين من التركة، لا لاصل الارث منها. والذكورية في الحبوة شرط لاصل الارث، لا لمقدراه، فلا موجب لجعل المحبو الولد المعقب بالذكورية بعد ان كان موضوعه - عند موت أبيه - هو المذكر الغير المتحقق قبل تمام الخلقة، وليس موضوع الارث عند موت الموروث إلا

[ 315 ]

وجود حمل، لا وجود مذكر، وان كان الحمل الذي هو موضوع الارث معقبا بأحد العناوين. نعم لو كان للانثى نصف الحبوة؟ - مثلا - بحيث يكون لكل منها ومن الذكر نصيب فيها، لتم النقض، فإذا: القول بالتفصيل قوي جدا (ومنها): البلوغ، فقد اعتبره بعض للحكمة المتقدمة، وقد عرفت ما فيه. (ومنها) أن لا يكون سفيها، ولا فاسد الرأي، أما الاول، فلا أرى وجها لاعتباره في الحبو بعد اندراجه في إطلاقات أدلة الحبوة إلا ما عسى أن يتوهم - بل توهم كما في مفتاح الكرامة - إندارجه فيما ادعى عليه في (السرائر): من الاجماع، فيكون - بعد اعتضاده بالشهرة المحكية - مخصصا لاطلاق الادلة. وفيه: إن اجماع (السرائر) ظاهر في انعقاده على الوجوب بنحو المجان في مقابل القول بالتعويض أو الاستحباب الذي حكاه عن (المرتضى) وغيره، لا على ما أخذه شرطا في عنوان الفرع، فلم يبق إلا الشهرة المحكية التي بنفسها - بعد تسليمها - لا تنهض حجة لتقييد المطلقات، بل وكذا لا يمنع الجنون عن الاحباء لما ذكر، الا على جعل الحبوة عوضا عن القضاء - كما عليه ابن حمزة -. وأما الثاني، فلا دليل أيضا على تخصيص أدلة الحبوة بغيره الا ما يقال: من دخوله في عموم " ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم " (1) إذ لا يقولون


(1) في الوسائل: كتاب الطلاق باب 30 من أبواب مقدماته وشرائطه حديث (5) بسنده عن علي بن أبي حمزة: " إنه سأل أبا الحسن (ع) عن المطلقة على غير السنة: أيتزوجها الرجل؟ فقال: الزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوجوهن فلا بأس بذلك ". ونحوها غيرها في =

[ 316 ]

بالحبوة نظير الاخذ منهم بالعصبة وتزويج مطلقتهم ثلاثا بلا تخلل الرجوع والتعارض بينها وبين أدلة الحبوة من تعارض العامين من وج؟؟؟ الترجيج، وهو في عموم " ألزموهم " لاعتضادها بالشهرة - كما قيل - ان لم نقل بحكومتها على أدلة الحبوة. وفيه - مع أخصية الدليل من المدعى لاختصاصه بخصوص المخالف الذي لا يرى الحبوة أصلا فلا يشمل من يقول بها من غيرهم كالواقفية (1) على ما قيل - إنه لا يتم الاستدلال به لان غاية مفاده جواز مزاحمته في المنع عن الحبوة، دون عدم استحقاقه كما هو المدعى. =


نفس الباب والكتاب: ومن ذلك كون الفقهاء - رضوان الله عليهم - قاعدة عامة في جواز إلزام المخالفين بما يعتقدونه، وأسموها (قاعدة الالزام) وهي من القواعد الفقهية المشهورة المذكورة في مظانها من الموسوعات الفقهية والظاهر أن مفاد القاعدة من الاحكام الثانوية لا الاولية، إذ معنى " ألزموهم.. " في القاعدة هو صحة إلزامهم بما يعتقدونه وإن كان باطلا بالنسبة إلينا فالحكم الاولى - عندنا البطلان. والحكم الثانوي الصحة بموجب القاعدة والله العالم. (1) تطلق (الواقفية) على فرق ثلاثة: (الباقرية) وهم الذين وقفوا بعد وفاة الامام محمد بن علي الباقر (ع) عليه ولم يسوقوا الامامة لولده الصادق (ع) وربما قال بعضهم برجعته وتوليه الامامة (والجعفرية) وهم الذين وقفوا - بعد وفاة الامام الصادق (ع) - عليه ولم يعترفوا بإمامة أحد من أولاده، وانتقلوا بعد ذلك إلى رأي الزيدية. (والرضوية) وهم الذين وقفوا - بعد وفاة الامام الرضا (ع) - عليه، ولم يدروا من الامام بعده، وربما يطلق هذا العنوان على غير أولئك من فرق الشيعة. تراجع: كتب الفرق والمقالات في تفصيل ذلك.

[ 317 ]

(ومنها) أن لا يكون ممنوعا من الارث بأحد الموانع المتقدمة: من القتل والكفر والرقية، فلا يحبى الممنوع، لان الحبوة إرث، وهو ممنوع عنه، ولا يحبى غيره من الذكور لعدم كونه أكبر منه، ويحتمل - على بعد - تنزيله منزلة المعدوم: فيحبى الاكبر بعده خصوصا لو كان السبب هو الارتداد عن فطرة لوجوب قلته، ولذا تعتد زوجته عدة الوفاة، وتقسم أمواله في ورثته. نعم لو سلم الكافر أو اعتق العبد قبل القسمة جازت الحبوة كما يجوز نصيبه من الارث، سيما بناء على كون المانع هو الكفر المستمر إلى القسمة، والرقيه كذلك، ولو قلنا بالانتقال إلى الورثة متزلزلا ويستقر بالقسمة، فالاقرب كذلك، ويحتمل - على بعد - السقوط هنا، للاصل واختصاص الدليل بالرجوع إليه في غيرها من التركة وأما المبعض فلا يحبى حتى يقدر نصيبه من الحرية وان ورث به من التركة بقدره، للاصل، مع انصراف الاطلاقات إلى غيره، واحتمال التبعيض بعيد جدا واما ما يحبى منه، فهو الاب دون غيره من الاقارب، لانه المستفاد من النصوص، ولا يعتبر فيه الاسلام ولا غيره مما اعتبره بعضهم في المحبو لاطلاق النصوص وعدم مؤاخذة المحبو بجرم الميت. ولو كان الميت خنثى وفرض تكون الولد منه، ففي استحقاق ولده الحبوة؟ قولان:. قوى ثانيهما الشهيد الثاني في (رسالته) حيث قال: " ولو كان الميت خنثى وقد اتفق تولد الولد منه: اما لشبهة أو بناء على تزويجه كما فرضه الشيخ وجماعة - رحمهم الله - في باب الميراث وحكموا بأنه لو كان زوجا أو زوجة فله نصف النصيبين، ففي استحقاق ولده الحبوة نظر: من ظهور الابوة

[ 318 ]

وعموم النصوص، ومن الشك في إطلاق الابوة هنا للشك في الذكورية. والاقوى عدم الاستحقاق للشك فيرجع إلى الاصل. قلت: فرض الفرع انما هو في الخنثى المشكل، وبالتولد منه لكونه أمارة قطعية يخرج عن الاشكال، وحنئذ فلا إشكال في إحباء ولده، ومع التنزل وفرض بقاء الاشكال، فلا إشكال أيضا في الاحباء لصدق الابوة الكافي في إحباء ابنه وان فرض الشك في ذكوريته، لعدم أخذ الذكورية قيدا في الاب بعد فرض انفكاكهما، وليس أما، لان الام هي الموطوءة التي حملته في بطنها فلا يكون إلا أبا، وذكر الرجل في بعضها - مع أنه لا ينفي من شك في ذكوريته - منزل على الغالب. ودعوى الانصراف لا تجدي لانه من ندرة الوجود، دون الاستعمال (الموضع الرابع): في أعيان الحبوة، وهي أربعة: السيف والمصحف، والخاتم، والثياب: على المشهور شهرة عظيمة بل ادعى عمنا الاستاد في (ملحقات برهانه) الوفاق عليه، وادعاه جدنا في (الرياض) أيضا، وفي (مفتاح الكرامة) - بعد دعواه الاجماع - حكايته (عن السرائر) وفي المبسوط والروضه: نسبته إلى الاصحاب. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك - أن الاربعة هي المستفادة من مجموع الاخبار، بعد ضم بعضها إلى بعض، وان اقتصر بعضها على بعض واشتمل بعضها على غيرها: كالسلاح الشامل للسيف وغيره، سيما بعد عطفه وعليه والرحل والراحلة والدرع بل لم يكن في الاخبار خبر جامع للاربعة، وأشملها لها: الصحيحان المتقدمان (1) وقد تضمنا ثلاثة منها ولم يتضمنا الثياب، بل تضمنا الدرع بدلها، إلا أن الاقتصار على


(1) إشارة إلى صحيحتي ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) وحريز عن أبي عبد الله (ع) الحاويتين ذكر السيف والمصحف والخاتم والدرع

[ 319 ]

البعض منها لا ينافي ضم غيره إليه من خبر آخر (1) مع قوة احتمال إرادة القميص من الدرع في الصحيحين دون درع الحديد الذي لم نعثر على قائل به وما اشتمل منها على غير الاربعة بعد إعراض الاصحاب عنه بالنسبة إلى الزائد لا يسقط عن الحجية بالنسبة إلى ما عملوا به نظير العام المخصص الذي هو حجة في الباقي - كما قرر في محله -. فإذا ما عليه المشهور: من الاختصاص بالاربعة، هو الاقوى، وظهر بذلك ضعف ما يحكى عن بعض خلافه مما هو عليه عن (أعلام المفيد): من الاقتصار على ثلاثة بحذف الثياب، والمحكي عن الاسكافي من زيادة آلة السلاح بعد ذكر السيف، وما عن الصدوق حيث روى في (الفقيه) إحدى صحيحتي الربعي، وهي: " إذ مات الرجل فسيفه وخاتمه ومصحفه وكتبه ورحله وراحتله وكسوته لا كبر ولده " (2) بناء على ما ذكره في صدر كتابه: من أنه لا يذكر فيه إلا ما يعتمد عليه ويدين الله به. إلا أن المحكي عنه العدول عن ذلك إلى ايراد نحو المصنفين وما عن أبي الصلاح في (الكافي): من تقييد الثياب بثياب صلاته، ولعل التقييد لغلبة استعماله ثياب الصلاة عند تعدد الثياب، وإلا فلا وجه للتقييد بها. وينغبي التنبه على أمور: (الاول) ما ورد من أعيان الحبوة في النصوص بلفظ الجمع كالثياب أخذ المحبو جميعه، للعموم المستفاد من الجمع المضاف، وما ورد بلفظ المفرد من باقي الاعيان: فان كان متحدا فواضح، وان كان متعددا ففي كون الجميع حبوة، أو واحد منهما مبهما، أو ما غلب استعماله؟ أوجه: بل أقوال:


(1) كالرحل والراحلة والكسوة والكتب ونحوها. (2) راجع ذلك: في نوادر المواريث باب (175) حديث (1).

[ 320 ]

مستند الاول: ورودها في الاخبار مفردا محلى باللام أو مضافا، وهو يفيد العموم عند بعض. ومستند الثاني: منع العموم وكون الواحد هو المتيقن، والزائد منفي بالاصل. ومستند الثالث أن مزيد الاختصاص به والانتساب إليه موجب لتبادر إرادته منه، فتكون غلبة الاستعمال معينة لذلك الواحد. ولعل الاخير هو الاقوى. ويضعف الاول بضعف المبنى من إفادة المفرد المحلى بالالم أو المضاف العموم، والثاني بصلاحية أشدية الانتساب لان تكون قرينة معينة لذلك الواحد، فكما أن مطلق الاختصاص المسبب عن محض الملكية غير مجد في تحقق الاحباء، وإلا لا ستلزم أن تكون الاعيان المعدة للتجارة والعطايا ونحوهما لكونها مملوكة له ومنسوبة إليه حبوة أيضا، ولم يقل به أحد، فعلم لان الموجب هو الاختصاص الخاص زائدا على الحاصل بالملك، فكذا ما كان منها أشد اختصاصا به بغلبة الاستعمال كان هو المتعين في الارادة عند الدوران بينه وبين ما لم يستعمله أو لم يغلب استعماله بعد نفي العموم وفرض إرادة الواحد منها. وعلى القول الثاني أو الثالث - مع فرض عدم غلبة واحد منها في الاستعمال - فهل يتخير في التعيين، أو يتعين بالقرعة؟ الاقوى هو الثاني وعلى الاول، فهل التخيير للمحبو، أو للوارث غيره؟ قولان: اختار (ثانيهما) عمنا الاستاد في (ملحقات برهانه) مستدلا عليه بما يرجع محصلة إلى إلحاقه بأشباهه ونظائره في الحكم من كل ما وجب على الانسان إعطاء فرد من كلي لغيره كما، إذا نذر للفقير عشرة من ألف درهم معينة، فان تعيين العشرة إلى الناذر، وأعظمها الشاة التى منها الفقير من شياة المالك زكاة، فان تعيينها إلى المالك، وهكذا.

[ 321 ]

ولا يخفى ما فيه، لوضوح الفرق: بين ما إذا كان الحق كليا مكلفا بدفعه من هو عليه ولو في ماله المخصوص كالنذر وبيع صاع من صبرة مخصوصة، وكذا تخيير الوصي أو الوارث في إلى الى الموصى له، وبين ما إذا كان الحق في ضمن مال منتقل إليه والى غيره بسبب واحد كالارث - مثلا - فان الحق هنا، وإن كان لواحد مخصوص، لكن ليس على غيره حتى يكون هو المكلف بالدفع، بل في المال المنتقل اليهما، فغاية ما يجب على غيره التمكين منه دون الدفع حتى يكون الاختيار له. ومنه يظهر الوجه في كون الاختيار للمالك في الزكاة، مضافا إلى ثبوت الاختيار له بما دل على أن ولاية العزل والتبديل. هذا والمراد بالثياب ما أعده للبسه ولو بمجرد الخياطة، بل والتفصيل فلا يكفى مجرد العزم على ذلك، ويدخل فيها: العمامة والقلنسوة وما يشد به الوسط، وان كان نحو السيور. وفي دخول الخف والنعلين تأمل ويدخل في السيف: جفنه وحمائله تبعا، وكذا في المصحف بيته، وفي اختصاصه بما يقرأ به دون ما يتحرز به تأمل. ولعل التعميم أقرب، والانصراف إلى الاول - لو سلم - بدوي. (الثاني) بناء على عدم العموم: لو تلف من المتعدد كانت الحبوة في الباقي ما دام المصداق موجودا إذ ليس الحق فيه بنحو الاشاعة حتى يكون التالف من الجميع نظير ملك صاع من صبرة معينة. (الثالث) الاختيار - بناء على التخيير - لا فرق فيه بين كونه بالقول كما لو قال (اخترت هذا لي أو اخترت هذا له) أو بالفعل من التصرفات الكاشفة عن الاختيار كصياغة الخاتم وتصحيف المصحف ونقله إلى غيره بأحد النواقل اللازمة أو الجائزة.

[ 322 ]

(الرابع) بناء على التخيير وكون الاختيار للوارث، فهل ينقطع بمجرد الاختيار، أو يستمر إلى قبض المحبو؟ وجهان: قوى (ثانيهما) ثاني الشهيدين في (الرسالة)، والاقوى (الاول) لان قضية إناطة الحكم بالاختيار تعينه به، فهو كالعزل المعين لحق الفقير في الزكاة الذي مقتضاه كونه بيد المالك أمانة لا يضمنه لو تلف بغير تفريط. وعلى (الوجه الثاني) كان التعيين مراعى بقبض المحبو، فلو تلف بغير تفريط بطل الاختيار، وحينئذ ففي رجوع المحبو على الغير بالفسخ لو نقلها الوارث بناقل ملزم، أو على الوارث بالمثل أو القيمة؟ وجهان: ظاهر الشهيد الثاني هو الاول، وقوي الثاني عمنا الاستاد في (رسالته) مستدلا عليه بأنه جمع بين جواز رجوع المحبو عن تعيين الوارث واستصحاب لزوم البيع الواقع قبل رجوع المحبو. وهو لا يخلو من تأمل، لمنافاة ذلك لكون التعيين مراعى بقبض المحبو المنكشف عدمه بالتلف الذي مقتضاه كون الفسخ - بل الانفساخ - من أصله لا من حينه، وتظهر الفائدة في النماء المتخلل. بل لنا أن نقول بذلك هنا، وان قلنا برجوع البائع على المشتري بالمثل أو القيمة لو نقله في زمن الخيار بناقل ملزم، لوقوع النقل منه على ملكه في الواقع في زمن الخيار، فيكون المنقول شرعا بحكم المعدوم، بخلاف المقام الذي كان الملك بالتعيين فيه مراعى في الواقع بقبض المحبو المنكشف عدمه بالتلف قبله. (الموضع الخامس) في شرائط استحقاق الحبوة، وهي أمور: (الامر الاول) شرط ابنا حمزة، وادريس في استحقاق الحبوة أن يخلف الميت تركة غيرها، ونسبه ثاني الشهيدين في (المسالك) إلى المشهور، وفي (الرسالة) إلى اكثر المتأخرين. بل ظاهر (كشف اللثام): دعوى الاتفاق عليه، إلا أن خلو كلام الشيخين وجماعة عنه - كما قيل - الظاهر

[ 323 ]

في عدم الاشتراط ينافي دعوى الاتفاق عليه. نعم في (مفتاح الكرامة) بعد دعواه الاجماع عليه: نسبته إلى (الغنية) وان كان لنا في النسبة تأمل، بل لا أرى وجها لاعتباره بعد الاصل واطلاق نصوص الحبوة إلا ما استدل به من أمرين: (الاول) خبر شعيب العقرقوفي: " سألته (ع) عن الرجل يموت ماله من متاع بيته؟ قال: له السيف.. " (1) الخ فان كلمة (من) الظاهرة هنا في التبعيض تشعر بوجود متاع غيره. مؤيدا بإشعار لفظ الحبآء بذلك (والثاني): لزوم الاجحاف على الورثة لو لم يخلف تركة غيرها. وفي كلا الامرين نظر: أما الخبر فمع أن كلمة (من) في السؤال والعبرة إنما هي بالجواب الذي ليس الا قوله (له السيف) الخ: لا ينهض بهذا القدر من الاشعار لتقييد تلك المطلقات المستفيضة. والتأييد باشعار لفظ الحبوة - مع أنه غير موجود في النصوص - ليس بجيد، لان معناها العطية للمحبو، سواء كان بعدها شئ أم لا، وأما الاجحاف بالورثة - فمع أنه غير مطرد مطلقا وعلى تقديره لا يزيله مطلق وجود شئ غيرها تركة كما هو ظاهر اطلاق من اعتبره شرطا في الاستحقاق - لا يصلح دليلا بعد دلالة النصوص باطلاقها على عدم اعتباره خصوصا مع معهودية ذلك في المواريث كحرمان المحجوبين من التركة والزوجه من بعض أعيانها. وبالجملة، فان تم إجماع، وإلا فالاقرب عدم الاشتراط. ثم على القول بالاشتراط، فهل يكتفى بوجود شئ متمول سواها


(1) نص الخبر - كما في الوسائل: كتاب الفرائض والمواريث، باب 3 ما يحبى به الولد الذكر الاكبر من أبواب ميراث الابوين حديث (7) - هكذا: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يموت: ماله من متاع بيته؟ قال: السيف.. "

[ 324 ]

أو يعتير بقاء ما يعتد به بحيث يزول به الاجحاف على غير المحبو؟ مقتضى دليل الاشعار هو الاول، ومقتضى دليل الاجحاف هو الثاني، وعليه فمع تعدد الورثة: هل يكفي كونه في نفسه معتدا به أو يعتبر ذلك في نصيب كل واحد منهم كي لا يتحقق الاجحاف على أحد منهم لان الملحوظ بالمراعاة هو كل واحد منهم هو دون المجموع، وعليه فهل يكتفى بمجرد كونه معتدا به أو يعتبر كونه بقدر الحبوة؟ نظر: من تحقق الوصف، ومن دعوى اختصاص زوال الاجحاف بهذا القدر، وعليه فينبغي مراعاة نصيب من ساوى المحبو في الخصوصية كالولد الذكر لا مطلق الوارث كالام والبنت " إذ لا وجه لاشتراط مساواتهما للابن شرعا وعقلا، ولا يلتفت إلى ما عسى أن يتوهم من كونه يشاركهما بسهمه في باقي التركة، فيجحف بهما من جهة هذه الزيادة، لان ذلك لا يوجب الحكم بكون نصيبهما من التركة بقدر الحبوة (الامر الثاني) أن لا يكون على الميت دين مستوعب التركة حتى الحبوة منها، فان الظاهر في هذه الصورة أنه لا خلاف في عدم سلامة الحبوة للمحبو الا بعد دفعه ما يصيبها من الدين بالتوزيع سواء قلنا بعدم انتقال التركة إلى الورثة قبل الوفاء أم قلنا بانتقالها إليهم متعلقا بها حق الاستيفاء كحق الرهانة - أما على الاول فواضح، وأما على الثاني، فللحجر عن التصرف فيها بعد تعلق حق الغير بها. بل هو كذلك بالنسبة إلى بعضها لو كان الدين مستغرقا للتركة وبعض الحبوة دون جميعها، إلا أن الفاضل منها عما يقابله من الدين بالتوزيع يسلم له حبوة، لعدم اشتراط استحقاقه لها بوجود جميع أعيانها. وإنما يتمشى ذلك كله - أي مانعية الدين عن سلامة الحبوة كلا، أو بعضا - بناء على ما هو الحق: من تعلق حق الاستيفاء بالتركة التي منها الحبوة بعد ان كان استحقاقها انما هو بالارث ولا إرث إلا بعد الدين، واختصاص المحبو بها وتسميتها حبوة لا يوجب المغايرة في الحكم.

[ 325 ]

نعم لا يتمشى ذلك لو قيل بعدم تعلق حق الاستيفاء بأعيان الحبوة وانما هي للمحبو، وان كان الدين مستغرقا لجميع التركة فضلا عما لو كان مستغرقا لما عداها، حتى لو لم يكن في مقابل الدين سواها " أو كان ولكن لا يفي المجموع بالوفاء كان الدين أو الفاضل منه بلا وفاء. إلا أن ذلك - مع أنه لا قائل به كما قيل - لا وجه له بعد أن كان استحقاق الحبوة إنما هو بالارث لا بسبب مستقل، ولا ارث إلا بعد الدين. واطلاقات أدلة الحبوة للمحبو مسوقة لبيان اختصاصها به دون سائر الورثة، فلا عموم فيها حتى يقال بمعارضتها لعموم مادل على تقدم الدين على الارث تعارض العامين من وجه فليتمس الترجيح وان كان هو لعمومات تقدم الدين، لعدم التعارض بينهما لما ذكرنا. وأما غير المستوعب للتركة. فإما أن يكون مستوعبا لغير الحبوة منها، أو غير مستوعب له أيضا. أما على الاول فلا حبوة بناء على اشتراط وجود شئ عداها لان غيرها من التركة بحكم العدم في مقابلة الدين، وأما بناء على عدمه ففي سلامتها من التوزيع عليها وعدمها بل يتحمل من الدين بقدر ما يقابلها بالتوزيع؟ وجهان: ولعل الثاني هو الاقرب لعدم الدليل على اختصاص تعلق حق الاستيفاء بغير الحبوة، مع أن مقتضى النصف هو بسط التوزيع على الجميع. بل وكذلك على الثاني أيضا، وهو ما إذا لم يستوعب الدين غير الحبوة أيضا بعد فرض تعلق حق الاستيفاء بجميع التركة أو مجموعها - وان استبعد ذلك - لامور ذكرها شيخنا الشهيد الثاني في (الرسالة) حيث قال: " وهذا متجه إلا أن ظاهر الاصحاب عدم مانعيته أصلا، لان كثيرا منهم ذكر مانعية الدين المستغرق، ولم يتعرضوا لغيره بل يظهر من بعضهم عدم مانعية غيره عملا بعموم النصوص، ويؤيد هذا الوجه إطلاق النصوص

[ 326 ]

الكثيرة والفتوى باستحقاق الولد جميع الحبوة بشرطها، مع أن الميت لا يكاد ينفك عن دين في الجملة - وان قل - إلا نادرا فلو أثر مطلق الدين لنهت على اعتباره النصوص والفتاوى. وأيضا، فان الكفن الواجب ومؤنة التجهيز كالدين، بل أقوى منه، وهي مقدمة على غيرها من الارث والدين والوصايا وغيرها ومتعلقة بالتركة أيضا على الشياع من غير ترجيح لعين على الاخرى، والحبوة من جملتها، فلو أثر مطلق الدين في الحبوة لاثر الكفن الواجب ونحوه فيها. فيلزم أن لا تسلم لاحد البته وهو مناف لحكمة الشارع من إطلاق إثباتها في النصوص الكثيرة من غير تقييد بذلك كله " انتهى. إلا أن هذه الامور مجرد استبعاد لا تنهض لمقاومة ما تقدم، كما اعترف به هو، مع أن النصوص انما هي مسوقة لبيان اختصاص أعيان الحبوة بالمحبو دون غيره من الورثة، وليست ناظرة إلى التحمل بما يصيبها مما يخرج عن الاصل وعدمه حتى يكون الخلو عن بيانه ظاهرا في العدم، بل هو راجع إلى ما تقتضيه القواعد فيما يخرج من أصل التركة من التعلق بنحو الشياع. وكيف كان فلو وفي الدين متبرع أو غير المحبو من غير التركة لا بنية الرجوع عليه أو مع نيته من دون ظهور امتناع المحبو عن دفع ما يخصه بالتوزيع، اختصت الحبوة به من دون تحمل شئ بازائها، لسلامة الحبوة حينئذ عن الدين بعد الوفاء تبرعا أو بحكم التبرع، وليس دفع الورثة بالفرض كاستيفاء الديان من التركة حتى يستحق الرجوع به عليه، فلا تسقط الحبوة بل يتسحقها من دون دفع عوض الدين، وان احتمل ارتفاع حق المحبو في أعيان الحبوة، نظرا إلى عدم الحكم بثبوته ابتداء مطلقا. أو بشرط عدم فكه لها، وهما حاصلان، وما بذله الورثة من الدين بمنزلة أخذ

[ 327 ]

الديان لها لان تلك معاوضة جديدة على التركة، إلا أنك قد عرفت ضعفه. نعم لو امتنع المحبو عن الفك كان للوارث الرجوع عليه بما دفعه للديان، وان كان الاولى والاحوط الرجوع أولا إلى الحاكم لانه ولي الممتنع. (الامر الثالث): ان لا تكون الحبوة مما تعلقت به الوصية لانتفاء موضوعها حينئذ بتعلق الوصية بها التي هي - لنفوذها - بحكم إتلافها عند الموت بسبب قبله وان احتسب من الثلث، بعد أن كان له تعيينه فيما شاء من أعيان التركة، ضرورة أن الحبوة إرث، والارث انما يكون في غير الثلث. وحينئذ فليس للمحبو الرجوع على غيره من الورثة ببذل ما زاد على ما يصيب الحبوة من الثلث بدعوى أن له الثلث مشاعا في جميع التركة، وقصارى ما هو له: تعيين المشاع كالقسمة في بعضها، وهو لا يوجب فوات ما هو للمحبو من الزيادة على ما يصيب حبوته من الثلث، ومقتضى الجمع بين أدلة الحبوة ونفوذ الوصية المعينة تعينه، والاحتساب على الورثة بالزائد، وإلا كان جنفا (1) على المحبو، لما عرفت من أنه حينئذ لا يستحق الحبوة أصلا، لعدم كونه إرثا بعد التعيين حتى يستحقه حبوة، فلا جنف، لان الجنف انما يتحقق بعد استحقاقه الارث والميل عليه بشئ منه. وبذلك ظهر ضعف ما قواه عمنا الاستاد في (رسالته) من نفوذ الوصية فيما أوصى به، ورجوع المحبو بالقدر الزائد على ما يصيبه بالنسبة إلى باقي الورثة، وأن غاية نفوذ الايصاء إنما هي في مجرد تعيين العين ثم الوصية بها: إما أن تساوى الثلث، أو تنقص عنه، أو تزيد عليه: أما في الاولين، فقد عرفت سقوط الحبوة فيها، وأما الثالث، فيتوقف في الزائد على إجازة المحبو خاصة، لانه المتسحق له دون باقي الورثة، كما احتمله الشهيد الثاني في (رسالته) لاطلاق مادل على إجازة الورثة فيما زاد


(1) الجنف - بالفتح والتحريك -: الجور والعدول عن الطريق.

[ 328 ]

على الثلث، وان استظهر بعده تقييده بالمستحق وهو كذلك. وأما لو اوصى بغير الحبوة من أعيان التركة، فلا تسقط الحبوة وإن تحمل المحبو بقدر ما يصيب حبوته من الوصية، لانها محسوبة من الثلث الموزع على جميع التركة التي منها الحبوة، بعد ان كان للموصى تعيينه في عين خاصة. نعم لو كان الموصى به أزيد من الثلث توقف في الزائد على إجازة الورثة جميعا، لاستحقاق الجميع له. ولو أوصى بثلث ماله نفذت الوصية في ثلث الحبوة أيضا لانها من جملة ماله الذي له فيه الثلث، فهو كالتصريح بارادة الثلث منها الذي لا إشكال في نفوذ الوصية فيه، والحباء انما يزاحم الوارث لا الوصية. واحتمل في (الجواهر) سلامة الحبوة عن تعلق الوصية بثلثها لو أطلق الوصية بالثلث بدعوى: اختصاصها بماله فيه الثلث وأما اعيان الحبوة فجميعها له، كما هو متقضى خبر سماعة (1) وان حبى بها ولده الاكبر. وبذلك يفرق بين التصريح والاطلاق. ولا يخفى ضعفه سيما بعد إعراض الاصحاب عن ذلك - لو سلم ظهوره فيه -. ولو أوصى بمأة درهم - مثلا - ولم يكن موجودا في التركة، تحمل المحبو بقدر ما يصيب الحبوة منها لانها تقدر من الثلث المشاع في جميع التركة التي منها الحبوة. ولو أوصى بصرف الحبوة فيما يخرج من أصل التركة كتكفينه في ثياب بدنه - مثلا - ففي احتسابها من الاصل كما هو مقتضى قاعدة كونها مصروفة


(1) فان الظاهر من قوله: " سألته عن الرجل يموت: ماله من متاع البيت؟ قال (ع): السيف والسلاح.. " أن هذه الاعيان المذكورة هي ملك الميت بمجموعها لا أن له ثلثاه منها.

[ 329 ]

في الحق الواجب، أو من الثلث؟ قولان: ذهب إلى الاول عمنا في (رسالته)، واستجود (الثاني) منهما ثاني الشهيدين في (رسالته) نظرا إلى تحقق الفرق بين الحبوة وغيرها من أعيان التركة، فان ما ينفذ من الاصل من أعيانها يفوت على جميع الورثة على السواء، بخلاف الحبوة، فانها تفوت على المحبو خاصة، وهو مستلزم للجنف والاجحاف، فليحتسب هنا بالخصوص من الثلث على خلاف القاعدة حتى يكون منتزعا من الجميع. وفيه - مع ان الضرر الوارد على المحبو لو احتسب من الاصل معارض بالضرر الوارد على الميت لو احتسب من الثلث لدخول النقص عليه حينئذ في ثلثه - أن الضرر الوارد على وفق القواعد الشرعية غير ممنوع. والاقرب عندي في المقام نفوذ الوصية، لعموم أدلتها وسقوط الحبوة لانتفاء موضوعها بالوصية النافذة - كما تقدم فيما لو أوصى بها لاجنبي - من غير فرق بينهما إلا في الاحتساب من الاصل هنا ومن الثلث هناك، ولا رجوع في المقامين على الورثة، لما عرفت من أن الحبوة إرث، والارث انما هو في الثلثين بعد إخراج الحقوق الواجبة من الاصل. ولو كانت الحبوة رهنا بازاء دين على الميت، فقد ذهب الشهيد الثاني في (رسالته) إلى عدم وجوب الفك على الورثة، ولو فكه المحبو اختص به، وليس له الرجوع بشئ على الورثة، لانه كالمتبرع بالوفاء وتبعه على ذلك النراقي في (مستنده) وعمنا في (رسالته) وقد أرسلوا ذلك إرسال المسلمات. وهو حسن إن قلنا باختصاص تعلق حق الاستيفاء به وعدم تعلقه بغيره ما دام موجودا إلا إذا تلف فيحدث تعلق الحق بغيره من أعيان التركة

[ 330 ]

وأما لو قلنا - كما هو الاقوى - بتعلق حق الاستفياء عند الموت بغيره من التركة أيضا - وان كان تعلق الحق به بسببين، وفي غيره بسبب واحد، ضرورة أن ما دل على أن تركة الميت بدل ذمته في تعلق الحق به غير مقيد بعدم تعلق الحق قبله بشئ منها لجواز تعدد الرهن بنحو التعاقب على دين واحد فيتعلق حينئذ حق الاستيفاء بالجميع وان اختص المتعلق قبله ببعضه فليس للورثة الامتناع عن الفك، فلو فكه المحبو مع امتناعهم رجع عليهم بما عزم وبذلك ظهر أيضا ضعف ما تمسكوا به من الاصل. ولو فكه الوارث بمعنى أنه وفى الدين فافتك الرهن: فان كان مع امتناع المحبو رجع عليه بما عزم عنه، والا كان كالمتبرع بالوفاء، كما تقدم في الدين الغير المستغرق من التفصيل ولا يملك الرهن على التقديرين. نعم يملكه لو كان الاحتكاك بعنوان الشراء من المرتهن حيث يسوغ له بيعه لاستيفاء حقه. (الامر الرابع) اشترط ابن حمزة في استحقاق الحبوة قيام المحبو بقضاء ما فات أباه من صوم وصلاة، ومقتضاه عدم الاستحقاق مع عدم القيام به مطلقا، سواء كان عن قصور لصغر أو جنون أو تقصير، بل وكذلك لو لم يكن على الميت قضاء لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه. ولا يخفى ما فيه: من ضعف الاشتراط من أصله، فضلا عن سعة إطلاق مقتضاه، سيما مع ظهور القيام في كلامه في القيام بالفعل الظاهر في عدم الاكتفاء بالعزم عليه، إذ ذلك كله مبني على كون مقابلة الحبوة بالقضاء بنحو المعاوضة المعلوم عدمه وانما هي من باب الحكمة. والحمد لله رب العالمين. إلى هنا جف قلمه الشريف في ضحى يوم الاربعاء واحد وعشرين من شهر رجب من السنة السادسة والعشرين بعد الالف والثلاثاء هجرية

[ 331 ]

على مهاجرها الآف الثناء والتحية، وقد انتقل ليلة ذلك اليوم وهو ليلة الخميس إلى رحمة الله ورضوانه ونعيمه الدائم وجنانه بموت الفجائة. وكان ميلاده الشريف عن مضي النصف من ليلة الاحد الرابع والعشرين من محرم الحرام من شهور سنة الاحدى والستين بعد الالف والمائتين هجرية في النجف الاشرف. قرأ شطرا من المعقول على المرحوم الملا باقر الشكي، وأصول الفقه على المرحوم العلامة السيد حسين الترك، والفقه على المرحوم العالم الرباني والعلامة الثاني إمام الفقهاء والمجتهدين آية الله في العالمين مروج الدين المبين حامي شريعة جده سيد المرسلين محيى السنن ومميت الفتن ذي النور الساطع والسناء اللامع صاحب " البرهان القاطع " عمه السيد علي آل بحر العلوم " قدس سره " اختاره من بين علماء زمانه، لانه كان - يومئذ - فقيه عصره وأوانه، وكان عمدة تحصيله للفقه عنده، وحضر عليه إلى أن توفى " قدس سره " فاستقل بالتدريس والبحث الخارج، وكان مجدا كمال الجد، باذلا نفسه للغاية في تحقيق مسائل الفقه، حتى كان يتفق له - غير مرة - أنه يستغرق ليله إلى الصبح بل إلى قريب طلوع الشمس في المطالعة. وباحث أبوابا من الفقه وشطرا وافرا منه من غير تحرير وكتابة ثم أخذ في البحث في كتاب الطهارة من أولها، وحرر مسائلها تعليقة على (الشرائع) وهي - إلى الآن - بعدها كراريس لم تخرج إلى التبييض ثم اعتراه ضعف في بصره الشريف وأخذ شيئا فشيئا في الزيادة حتى أفجع بفقده أكبر ولده، كان له حظ وافر من العلم والادب، فضاق - إذ ذاك - صدره واشتد عليه أمره التجأ إلى ربه الجليل فألهمه الصبر والجميل. وكان يومئذ بحثه في الفقه وتحرير مسائله في (أحكام الكعب) في الوضوء، فنقله إلى أحكام المعاملات، لتوقف الاول على إعمال النظر أكثر

[ 332 ]

من الثاني، فأخذ في مباحثه (كتاب الرهن) وكان كثير التتبع والفحص في كلمات العلماء - قدس الله أسرارهم - ولما بلغ مسألة (حكم القبض في الرهن) بسط الكلام في معنى القبض وأحكامه، وفي قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) حتى أفرد كلا برسالة مستقلة، ومنه تغير عنوان بحثه وتصنيفه إلى خلاف الطرز المتعارف في تحرير مسائل الفقه، فجعل كل قاعدة ومسألة يحررها يبسط فيها كمال البسط، وهي رسائل هذا الكتاب المسمى ب‍ (بلغة الفقيه) واختيار هذه الكيفية الصعبة من البحث والتحرير على ما كان عليه - قدس سره - من الاحتياج على من يقرئه ويكتب بعد الاملاء عليه مما يدل على طول باعه وتبحره في الفقه وذلك منحه من الله سبحانه لا تكاد نتفق إلا للاوحدي وعناية من عناياته يرزق بها من اختاره للطفه الجلي. ثم إنه في أثناء تحرير مسائل الولايات وأقسامها أفجع بولد آخر بلغ الكمال في العلم والتقوى - كما أشار إليه قدس سره هناك - وتتابعت عليه الصروف، فالتجأ إلى رحمة ربه الرؤف فرزق مزيد حلاوة الاشتغال بالعلم وشدة الشوق في الخوض فيه ليلا ونهارا حتى صار كلما تتوالى عليه الهموم والاكدار العائقة عن الاشتغال المشوشة للبال والمفرقة للخيال، لا تشغله ويكتب بعد الاملاء عليه مما يدل على طول باعه وتبحره في الفقه وذلك منحه من الله سبحانه لا تكاد نتفق إلا للاوحدي وعناية من عناياته يرزق بها من اختاره للطفه الجلي. ثم إنه في أثناء تحرير مسائل الولايات وأقسامها أفجع بولد آخر بلغ الكمال في العلم والتقوى - كما أشار إليه قدس سره هناك - وتتابعت عليه الصروف، فالتجأ إلى رحمة ربه الرؤف فرزق مزيد حلاوة الاشتغال بالعلم وشدة الشوق في الخوض فيه ليلا ونهارا حتى صار كلما تتوالى عليه الهموم والاكدار العائقة عن الاشتغال المشوشة للبال والمفرقة للخيال، لا تشغله عن الجد والاجتهاد في العلم، بل به ينشغل عنها، لا بها عنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قد تمت النسخة الشريفة بيدا أقل الكتاب سيف الله الاصفهاني في سنة 1328 ه‍ * * * (بهذا ينتهي الكتاب بأجزائة الاربعة والحمد لله)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية