الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بلغة الفقيه - السيد محمد بحرالعلوم ج 3

بلغة الفقيه

السيد محمد بحرالعلوم ج 3


[ 1 ]

مكتبة العلمين العامة النجف الاشرف (11) بلغة الفقيه مجموعة بحوث ورسائل وقواعد فقهية لامعة تسد ضرورة الفراغ في التشريع الاسلامي والفقه الاستدلالي لاغنى للفقيه والقانوني عن معرفتها. تصنيف الحجة المحقق السيد محمد آل بحر العلوم - قدس سره - شرح وتعليق الفقيه الورع السيد محمد تقي آل بحر العلوم - دام ظله - الجزء الثالث

[ 2 ]

منشورات مكتبة الصادق طهران ناصر خسرو پاساژ مجيدى الطبعة الرابعة 1984 ميلادي 1362 شمسي 1403 قمرى

[ 3 ]

مكتبة العلمين العامة النجف الاشرف (11) بلغة الفقيه مجموعة بحوث ورسائل وقواعد فقيهة قيمة تسد ضرورة الفراغ في التشريع الاسلامي والفقه الاستدلالي، لاغنى للفقيه والحقوقي عن معرفتها. تصنيف الحجة المحقق السيد محمد آل بحر العلوم - قدس سره تحقيق وتعليق السيد حسين ابن السيد محمد تقي آل بحر العلوم الجزء الثالث

[ 4 ]

بسمه تعالى لقد طبع الجزءان: الاول والثاني من الكتاب بتعاليق وشروح سيدنا الوالد قدس سره في حياته. ولعدم عثورنا بعد وفاته على تعاليق أخرى من قبله، رجحنا إكمال الكتاب بجزئيه الاخرين بتعليقاتنا الموجزة، حرصا " منا على اكمال الكتاب، والله الموفق للصواب. 1 رجب / 1396 ه‍ الحسين بن التقى آل بحر العلوم

[ 5 ]

رسالة في منجزات المريض

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، المعصومين، حجج الله على الخلق أجمعين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. (مسألة): اختلفت كلمات الاصحاب في نفوذ منجزات المريض في مرض موته: من الاصل، أو الثلث على قولين: وتنقيح المسألة هو أن يقال: ان تصرف المريض في ملكه عينا " أو منفعة في مرض موته، تمليكا " كان التصرف أو فك ملك كالعتق ونحوه (1) لا يخلو: أما منجز، أو معلق والمعلق: أما معلق على غير موته وان وجد المعلق عليه بعد الموت أو معلق على الموت وهو: اما أن يكون زمان ما بعد الموت ظرفا " للمنشأ دون الانشاء، أو يكون ظرفا " لهما معا "، كقوله: أعطوا زيدا " بعد وفاتي ألفا ". ثم المنجز: اما أن يكون عن حق واجب عليه كالديون والكفارات وأروش الجنايات وبدل الغرامات ومنه النذر المطلق أو متبرعا " به، مجانا " كان كالوقوف والصدقات، والعطايا والهبات المجانية، أو بمعاوضة تساويه في المثل أو القيمة كالبيع أو الاجارة بثمن المثل واجرته، أو بما دون ذلك، ويعبر عنها بالمعاوضة المحاباتية:


(1) مثال الاول واضح، كأن يقول: ملكت فلانا " داري، وشبهه ومثال الثاني، كالوقوف العامة على عموم المنتفعين بها من مواردها، مثل الحسينيات والمدارس والمساجد والمرابط ونحوها. فانها تحرير الملكية وفكها إلى غير عودة، وليست تمليكا "، لا لجهة، ولا لشخص.

[ 8 ]

إذا عرفت ذلك فنقول (1): اما ما كان معلقا " على الموت ومؤجلا به، فمخرجه الثلث اجماعا " بقسميه (2) من غير فرق بين ما كان وصية تمليكية أو عهدية (3) وما هو ملحق بها حكما "، وان كان غيرها


(1) الملاحظ: ان تفصيل الاقسام المذكورة غير جار على ضوء ترتيبها الاجمالي. (2) الاجماع: هو اتفاق خاص من قبل عامة الفقهاء على فتوى شرعية، بحيث يعلم اجمالا بدخول المعصوم (ع) مع المجمعين بنحو مقرر في علم الاصول. وهو قسمان: محصل، وهو تحصيل ذلك الاتفاق المذكور على مسألة شرعية من قبل مدعيه، والحق امتناع ذلك الاطلاع المباشر عادة في هذا الزمان ونحوه. ومنقول، وهو نقل ذلك الاتفاق المذكور بالخبر الواحد، فيكون من صغرياته، غير أن الفرق بينهما: ان الراوي للخبر ينقل قول المعصوم (ع) رأسا "، وناقل الاجماع ينقل السبب المثبت للحجة التي يعرف منها رأي المعصوم (ع). وهذا القسم من الاجماع سهل الادعاء، ممكن الوقوع في هذه الازمنة (لزيادة الاطلاع والتعرف على حقيقة الاجماع وحجيته وإمكانه تراجع كتب الاصول من الفريقين). (3) الوصية: هي: عهد خاص بتمليك عين أو منفعة أو تسليط على تصرف بعد الوفاة. واختلف الفقهاء في أنها: من العقود أو الايقاعات. والظاهر أنها من الايقاعات، ولكنها مع ذلك بحاجة إلى القبول في تنفيذ ها. وأركانها أربعة: الموصي، الوصي، الموصى به، الموصى إليه =

[ 9 ]

موضوعا "، كالتدبير، بناء على انه عتق، لا وصية بالعتق (1) والنذر المقيد بالموت على الاقوى فيه (2) ولكون الخروج عن الملك في ذلك مقيدا "


= أو له. ولكل منها شروط. وأحكام مفصلة في مضانها من كتب الفقه وبحكم تعلق الوصية بالمال والمنفعة نارة - وبالتصرف أخرى - يصح انقسامها إلى: وصية تمليكية. وهى انشاء الموصي تمليك عين أو منفعة لشخص معين أو أشخاص، أو جهة معينة أو جهات ومن ملحقانها: الايصاء بالتسليط على حق من حقوقه القابلة للانتقال كالشفعة مثلا ووصية عهدية. وهي: ايصاء الموصي لشخص معين أو اكثر بتنفيذ وصيته التي رسمها مما يتعلق بتجهيزه أو استيجار الحج والصلاة والصوم ونحوها من العبادات عنه. ومن ذلك: الولا ية على اولاده الصغار أو المجانين والسفهاء من الكبار في ادارة شؤونهم. ومن ملحقات العهدية كما اشار في المتن: الايصاء بتحرير الملك وفكه كايقاف داره مسجدا " أو حسينية، نحوهما. ومن ذلك عتق عبده في سبيل الله. ولتفصيل الموضوع يراجع باب الوصايا من كتب الفقه للفريقين. (1) التدبير: هو عتق المملوك مقيدا " بوفاة مالكه وانما سمى بذلك بحكم صيغته المتعارفة كأن يقول المالك لمملوكه: (انت حر دبر وفاتي). وهو قسمان: مطلق، كقول المالك لعبده إذا مت فأنت حر، أو انت حر دبر وفاتي. ومقيد كقول المالك لعبده مثلا (إذا مت في سفري هذا فأنت حر). والظاهر ان التدبير بقسميه عتق وتحرير ملك، لا وصية بالعتق وان جاز رجوع المولى فيه بعد ذلك إذا كان بنحو الوصية. (2) الضابط في متعلق النذر ملكية الناذر للمنذور، والقدرة على =

[ 10 ]

بما لا يملك عند تحققه الا الثلث من ماله. وأما المعلق على غير الموت، فبحكم المنجز في التفصيل الآتي، وان تحقق الشرط والمعلق عليه بعد الموت، ما لم يبطل التصرف به. وأما المنجز: فان كان عن حق واجب عليه قبل المرض، فلا اشكال في خروجه عن محل النزاع، وانه ينفذ من الاصل. وان كان عن حق وجب عليه في مرضه بسبب من الاسباب، فان كان من التسبيبات القهرية كالاتلاف ونحوه، نفذ من الاصل بلا خلاف أيضا ". وان اوجد السبب في المرض اختيارا ". وان كان من قبيل الاستدانة المجانية كالضمان تبرعا عن الغير، والكفالة التبرعية الموجبة لغرامة ما على المكفول عند تعذر احضاره، فالظاهر نفوذه من الاصل ايضا "، خلافا " لبعض كالمحقق في (الشرائع) (1) لان التصرف انما هو في نفسه وذمته، دون ماله المتعلق به حق الوارث على القول بنفوذه من الثلث وان استتبع الوفاء


= الوفاء به، لان النذر تكليف، وهو محال في غير المقدور، ولقوله صلى الله عليه وآله: " لانذر فيما لا يملك ابن آدم " - كما في سنن ابي داود ج‍ 3 باب النذر فيما لا يملك وهل يكتفي بتحقق ذلك الشرط النذر فقط أم لابد من استمراره إلى حين الوفاء بالنذر؟ فان اكتفي بمحض تحققه حين العقد كما في المتن فيصح النذر المقيد بالموت، لتحقق التملك والقدرة حينئذ والا فيشكل صحة النذر (التفصيل في كتاب النذر من كتب الفقه الموسعة). (1) قال في لواحق كتاب الضمان ضمن مسائل: " الثانية إذا ضمن المريض في مرضه ومات فيه، خرج ما ضمنه من ثلث تركته على الاصح " ويظهر رأيه ايضا في مسائل القسم الثاني من لواحق كتاب الوصية الخاص بتصرفات المريض.

[ 11 ]

من ماله فان الذمة غير داخلة في الحجر المسبب عن المرض، كما انها غير داخلة في الحجر المسبب عن الفلس بعد أن كان الحجر فيه متعلقا " بالمال دون الذمة. لا يقال بالفرق بين الحجر لفلس الحجر لمرض بتقريب: ان شغل الذمة في الاول لا يزاحم حق الغرماء بناء على اختصاص الحجر فيه بالموجود من المال بخلاف الذمة هنا فانها تزاحم حق الوارث لتعلق حقه بماله الموجود، وبما يوجد عند تحققه إلى زمان الموت، والوفاء انما يكون من ماله الذي لا يمكن فرض تحققه إلا متعلقا " به حق الوارث، فالذمة هنا مزاحمة لحقوق الورثة، وفي الفلس لا تزاحم حقوق الغرماء، فالضمان مثلا يستلزم تفويت مال على الوارث لولاه لكان موروثا " له. لانا نقول: لا يجدي الفرق المذكور لو سلم بعد أن كان الضمان بنفسه ليس تصرفا " في المال الممنوع عنه، وبه يتحقق عنوان الدين المقدم على حق الوارث، ضرورة أنه لا إطلاق في معقد إجماع أو متن رواية بالنسبة إلى ما يمنع عنه في مرضه حتى يعارض ما دل على نفوذ الدين من الاصل بنحو العموم والخصوص المطلق أو من وجه حتى يمكن تقديمه عليه، بل الدليل الدال على نفوذه من الثلث بعد تسليمه وارد في موارد مخصوصة، وإنما يتسرى منها إلى ما يكون مثلها بعد القطع باتحاد المناط، فيبقى دليل تقدم الدين سليما " عن المعارض مندرجا " تحت الاصول والقواعد الموجبة لنفوذه من الاصل. وأما النذر المطلق المتبرع به الواقع في مرضه: فان كان متعلقا " بمال في ذمته نفذ من الاصل أيضا "، كما لو نذر في الصحة لما عرفت في الدين (1) وينفذ من الثلث بناء عليه لو تعلق بعين من أمواله، كما لو نذر في مرضه


(1) وذلك من التعليل الذي ذكره آنفا " - بقوله: لان التصرف انما هو في نفسه وذمته، دو ماله.

[ 12 ]

ان يعطي فرسا " من أفراسه أو كتابا " من كتبه، للمنع عن التصرف فيه الموجب لعدم انعقاد النذر عليه فيما زاد على الثلث الا بالاجازة. ومنه يظهر الوجه في التفصيل فيما لو اشترى من ينعتق عليه في مرضه بين ما لو اشتراه بثمن في الذمة فان الثمن دين والانعتاق قهري بحكم الشرع، وما لو اشتراه بعين من أمواله، فان الانعتاق وان كان قهريا " الا أن الثمن مفوت على الوارث، فينفذ من ثلثه، وفي الزائد يتوقف على الاجازة، من غير فرق بين كون الشراء بملزم كالنذر أو بغير ملزم في الصورتين. ودعوى ان بذل الثمن المعين فيه انما هو بازاء ما يساويه في القيمة ومثل هذه المعاوضة ينفذ من الاصل بلا خلاف، لعدم المحاباة فيه: (مدفوعة) باتحاد المناط بينه وبين المحاباة في صدق التفويت عرفا " عند الاقدام على هذه المعاوضة بعد احراز عدم سلامة المعوض له فتأمل. ولو تصدق طلبا " للعافية لا لرجاء الثواب فكبذل الاجرة للطبيب وشراء الدواء في نفوذه من الاصل أيضا ". بل ينفذ منه أيضا " بذل كل ما تعود منفعته لنفسه كمؤونته ومؤونة عياله وأضيافه ولو بنحو التوسعة، كما لو وقع منه ذلك في حال الصحة، بلا خلاف أجده فيه. ولو أجاز المريض المعقود على ماله فضولا بما يفيد التمليك بالمحاباة أو مجانا ". بناء على جريانه في غير البيع أيضا "، نفذ من الثلث على القول به، بناء على النقل، وكذا على الكشف لو وقع العقد في المرض أيضا ولو وقع قبله فالاظهر ذلك أيضا " لكون الاستناد إلى المالك إنما هو بالاجازة الواقعة في المرض، لا سيما على الكشف الحكمي. ويحتمل نفوذه من الاصل فيه على الكشف الحقيقي (1) (


(1) أي بناء على جريان العقد الفضولي في غير البيع من أنواع =

[ 13 ]

ثم إن التصرف الممنوع عنه يعم التصرف في العين أو المنفعة المملوكة بحيث لولاه لكان موروثا "، فلا يشمل تصرفه باجارة نفسه بدون اجرة المثل،


= العقود كما هو الصحيح لانطباق الادلة عليه. أقول: ذكر فقهاؤنا رضوان الله عليهم في كتاب البيع من موسوعاتهم الفقهية: أن من جملة شروط المتعاقدين أن يكونا نافذي التصرف فعلا وفرعوا على ذلك مسألة عقد الفضولي وهو الشخص الثالث الكامل التصرف، غير المتعاقدين وهو: إما أن يعقد للمالك، أو لنفسه، والاول: فقد يسبقه منع المالك، وقد لا يسبقه. والقدر المتيقن من شمول أدلة الجواز والصحة هو الفضولي العاقد للمالك غير المسبوق بالمنع، وإن قيل بالبطلان لادلة ضعيفة. وأما في صورة سبق المنع من المالك، فالقول بالبطلان معروف، وان كان الاقوى والاشهر الصحة أيضا " لشمول الادلة العامة له. وكذلك الكلام في الصورة الثالثة المتمحضة في الغاصب غالبا " فقد اشتهر القول بالطلاق لعدة ادلة، ولكن الحق والاشهر هو الصحة لمشموليته أيضا " للعمومات غير المفرقة بين المقامين. هذا وقد اختلفوا في أصل جواز عقد الفضولي وعدمه مطلقا "، والتفصيل المذكور بين العاقد للمالك بقسميه جوازا "، ولنفسه منعا "، والتفصيل بين العقود جوازا "، والايقاعات منعا "، إلى غيرها من الخلافات المفصلة في بابها من كتب الفقه ولكل قول أدلة ومؤ يدات، لا يسع المجال استعراضها. والظاهر كما تعضده الادلة المفصلة في مضانها صحة عقد الفضولي بل وايقاعه أيضا "، للعمومات الشاملة لجميع الانواع، ولخصوص بعض الادلة الواردة في موارد التفصيل المذكورة. وكذلك بناء على صحة الفضولية لافرق بين كون الثمن =

[ 14 ]

وتزويج المرأة نفسها بأقل من مهر المثل، لعدم التفويت على الوارث بخلاف نقل منفعة العبد أو الامة بدون المثل لدخولها في المحاباة بعد أن كانت متمولة


= شخصيا "، أو كليا " في ذمة الاصيل، كما لافرق أيضا " في صحة الفضولي بين العقود اللفظية أو المعاطاة على القول بافادتها للملك في نفسها. ولابد أن يتعقب عقد الفضولي بناء على جوازه مطلقا " أو على بعض التفصيلات الآنفة الذكر: اما اجازة المالك ذلك العقد بحكم كونه احد طرفيه، فيصح، واما الرد، فيبطل. فالكلام بايجاز إذا حول الاجازة، والمجيز، والمجاز، فنقول: أما الاجازة بالنسبة إلى عقد الفضولي، فلابد من حصولها في تصحيحه: اما بناء على كونها جزء السبب في التأثير، أو شرط الصحة على غرار الشرط المتأخر بناء على امكانه في نفسه أو شرطية وصف التعقب المقارن العقد كما ستعرف وعلى كل فقد اختلفوا في تخريج ارتباط الاجازة المتأخرة بالعقد المتقدم على اقوال. الاول النقل، اي انها ناقلة ومصححة للعقد من حين صدورها من المالك، ولا تترتب آثار العقد من النقل والانتقال والثمرات الاخرى إلا من حين صدورها، لا من حين صدور العقد، حتى كأن العقد الصحيح وقع من الآن، لامن ذي قبل. هكذا قبل في تصوير النقل، وإن أشكل عليه بلزوم تأثير المعدوم، فان العقد المتقدم حال الاجازة المتأخرة معدوم، وليست الاجازة تمام السبب في النقل، بل هي اما جزؤه مع العقد، أو شرط صحته، وتمام السبب هو العقد. ولكن الحق صحة التصوير ودفع الاشكال بأن العقد ليس نفس الالفاظ حتى ينعدم بتصرم الزمن، وانما هو المعنى الاعتباري الحاصل من =

[ 15 ]

مملوكة، بل ولا يشمل ما كان من الحقوق باسقاطها نحو حق الشفعة وحق الخيار، وإن كان مآله المال، بخلاف الابراء من الدين.


= الالفاظ إلى حين الاجازة، فهى ليست لاحقة بأمر معدوم، وليس للامر المعدوم وهو الالفاظ أي صعيدية في ترتب الآثار والاحكام. الثاني الكشف، بمعنى أن الاجازة المتأخرة كاشفة عن صحة العقد السابق، وباعثة على ترتب الآثار من حينه، لا من حينها، حتى كأن الاجازة وقعت مقارنة للعقد. وربما قيل بامتناع الكشف على هذا التصوير لا ستلزامه القول بالشرط المتأخر، وهو محال التعقل كتأثير المعدوم، وتقدم المعلول على علته، ولكن الحق امكان تصور الشروط المتأخرة في التشريعيات كالتكوينيات ولذلك عدة تخريجات، منها على رأى المحقق الخراساني قدس سره في كفايته: من أن العلة في الامور الاعتبارية التي لا وجود لها إلا بمنشأ انتزاعها ليس الا لحاظ ما هو منشأ الانتزاع، فكما يمكن لحاظ المقارن يمكن لحاظ المتقدم والمتأخر على حد سواء. ومنها على رأي صاحب الفصول على ما حكي عنه من أن شرط الصحة في العقد الفضولي، هو وصف تعقب الاجازة، لانفسها، وهذا الوصف والعنوان حاصل حين العقد، فليس من قبيل الشرط المتأخر واقعا ". ويظهر من القائلين بالكشف أنهم صوروه بتصويرات ثلاثة. كشف حقيقي بمعنى أن الاجازة المتأخرة تكشف عن تأثير العقد من حين تحققه تأثيرا " تاما "، وهو القول المشهور بين الفقهاء الذين يتهضمون تأثير الشرط المتأخر بالرغم من تأخر زمانه. وكشف تعبدي، وهو نفس الاول مع تخريج التأخير بتصور اللحاظ كما عليه الآخوند أو التعقب كما عليه الفصول وذلك مذهب =

[ 16 ]

فظهر ان محل النزاع انما هو في المنجزات المتبرع بها، تمليكا " كان أو فك ملك مجانا " أو بمعاوضة محاباتية.


= غير المتهضمين لتأثير الشرط المتأخر من الفقهاء فهما بحسب الواقع معنى واحد، وان اختلفا بحسب المبنى، والتخريج. وكشف حكمي، وهو معنى وسط بين الكشف الحقيقي، والنقل، والتفصيل بين آثار العقد وأحكامه في ترتيب بعضها من حيث العقد وتعطيل بعضها الآخر إلى حين الاجازة، فالاجازة المتأخرة لا تؤثر بالنقل والانتقال في الملكية من حين العقد، ولكنها تؤثر من حينه في النماءات غير المملكة، فهو من حيث ترتب النماءات غير المملكة، كشف حقيقي، ومن حيث عدم ترتب ملكية المبيع إلى المشترى الاصيل، نقل حقيقي، ولهذا كان وسطا " بين الاثنين. وهناك ثمرات وآثار تختلف في ترتبها باختلاف المباني في الاجازة بين الكشف بأنواعه والنقل، ولعل من أهمها موضوع النماءات الحاصلة بعد العقد، فبناء على الكشف الحقيقي والتعبدي هي لمن انتقلت العين إليه، وهو المشتري الاصيل، وعلى الكشف الحكمي والنقل هي لمن انتقلت عنه، وهو المالك. وهناك ثمرات بين انواع الكشف والنقل ذكرت في أبوابها من كتب الفقه، لا يسعنا استعراضها في هذا المجال. ثم ان الانسب بالقواعد من أقوال الاجازة هو النقل ثم الكشف الحكمي ثم التعبدي. وأما الحقيقي مع اعتبار الاجازة جزء سبب أو شرطا " للتأثير، فمشكل بدون تأويل وتخريج كما عرفت والاجازة من المالك قد تكون بالقول الصريح مثل (أجزت وأمضيت) ونحوهما، وقد =

[ 17 ]

إذا عرفت ذلك، فنقول: ليعلم أولا، إن معنى كون المنجزات من الاصل على القول به واضح، ومعناه على القول به من الثلث


= تكون بغيره، كالكتابة والاشارة والفعل، وكل ما يدل بصراحة على الرضا بمضمون العقد. ولا تورث الاجازة، لانها من الاحكام ومن شؤون السلطنة على الملك، وليست من الحقوق القابلة للارث. وينبغي مطابقة الاجازة للعقد المجاز، اطلاقا " وتقييدا " من حيث الثمن والمثمن، والاعتبارات الاخر، لانها من متمماته، سواء قلنا بكونها جزء سبب أو شرطا " في الصحة. ويشترط في الاجازة: أن لا يسبقها الرد من المالك، لانها تجعل المجيز أحد طرفي العقد، فلابد من تحقق رضاه به، ومع سبق الرد لا يتحقق ذلك. ولا تعتبر الفورية فيها، بل للمالك حق الاجازة أو الرد في أي وقت شاء، بحكم إرتباط العقد به، ولصدق العمومات عليه كآيتي البيع، والعقود في أي وقت، غاية الامر ان ينفتح باب خيار الفسخ للمشتري الاصيل عند تضرره بالتأخير. وأما المجيز وهو المالك فلابد من كونه جائز التصرف بالبلوغ والعقل، والاختيار وعدم الحجر المالي لفلس أو سفه ونحوهما أو مرض موت بناء على عدم نفوذ منجزات المريض من الاصل كما هو الحق في المسألة بلا فرق في ذلك بين البناء في الاجازة على الكشف بأنواعه أو النقل. وهل يكفي توفر ذلك الشرط وهو جواز التصرف حين الاجازة، أم لابد من تحققه حين العقد ايضا "؟ قولان في المسألة: والظاهر كفاية توفره حين الاجازة فقط، وإن كان حين العقد ممنوع =

[ 18 ]

كونه موقوفا " مراعى إلى أن يكشف الحال بالبرء الكاشف عن النفوذ من الاصل من حين التصرف، أو بالموت الكاشف عن نفوذه من الثلث كذلك


= التصرف، فلو كان محجورا " حين العقد، وارتفع حجره حين الاجازة صحت إجازته، بخلاف العكس، إذ الملاك صحة تصرفه فيما يؤول إليه من التصرفات بالخصوص، فان الاجازة تصرفه، والعقد تصرف غيره. وأما المجاز وهو عقد الفضولي فلا كلام لنا في إعتبار ما يعتبر في غيره من العقود اللفظية، لانه من مصاديقها، بحكم الادلة المجوزة وإنما الكلام في أن الشروط ههنا هل يعتبر إجتماعها في العقد حين العقد، أم حين الاجازة؟، أم من زمان العقد إلى زمان الاجازة؟ وجوه ثلاثة في المسألة؟ والتحقيق كما يترائي من أدلة المقام التفصيل بين الشروط، فبعضها دخيل في ماهية العقد وتقومه كالقصد والعقل والتمييز والبلوغ على القول به في المتعاقدين، وكالمالية والملكية في العوضين، وكالتنجيز والعربية بناء عليها في ألفاظ العقود، فهذه ونحوها لابد من إعتبارها في حال العقد، إضافة إلى حال الاجازة، إذ بدونها يختل صدق العقدية حينئذ، وعقد الفضولي كما هو الحق هو العقد المتكامل القابل للتأثير لولا رضا المالك. وبعض الشروط ليس لها دخالة في تقوم العقد ككون المعاملة غير غررية أو غير ربوية وكون العوضين غير نجسي العين أو محرمين كالخمر وآلات القمار، ونحو ذلك، فلا حاجة إلى توفرها حين العقد، بل بكفي توفرها حين تحقق الاجازة، وان كانت حين العقد مفقودة. (وفي كتاب البيع من الموسوعات؟ الفقهية بحوث مفصلة وفروع مفيدة في الاجازة والمجيزو المجاز لا يسع المقام ذكرها).

[ 19 ]

إذا كان بقدره، ونفوذ قدر الثلث منه إذا كان قاصرا " عنه، وبطلانه في الزائد عليه مع عدم الاجازة من حين التصرف، فيكون الموت كاشفا " عن تعلق حق للورثة بالمال من حين المرض الموجب لعدم نفوذ التصرف فيما لهم فيه حق الا باجازتهم، كالوصية التي تبطل من حينها فيما زاد على الثلث مع عدم الاجازة. (وتوهم) الفرق بأن الوصية اخراج للمال عن الملك في زمان ينتقل فيه المال إلى الورثة لا يملك منه الا الثلث، وفي المقام اخراج له عن ملكه حينما يملك المال كله (فاسد) لانه يكفي في المنع تعلق حق الغير به كالرهن الممنوع عن تصرف المالك فيه، لتعلق حق الاستيفاء به، وان كان مملوكا " له. لا يقال: لم لا نحكم بنفوذه من الاصل في الواقع، وللوارث ابطاله عند الانتقال إليه، فينفذ حينئذ من الثلث من حين الموت كالفسخ بالخيار الموجب للبطلان من حينه لا من حين العقد. لانا نقول: بعض التصرفات بعد فرض وقوعه صحيحا " في الواقع لا يمكن طرو الفساد عليه كالعتق الموجب للتحرير، إذ لا يعود الحر ملكا " وكالوقف المأخوذ في معناه التأبيد، ولا قائل بالتفصيل بين ما يقبل طرو الفساد وغيره. هذا بالنسبة إلى حكمة المسألة في الواقع. وأما في مرحلة الظاهر، فهل للمالك المتصرف في مرضه تنفيذ تصرفه وتسليط المعطى له على المال بالتسليم له، أو التخلية بينه وبينه مطلقا " أم لا كذلك؟ وجهان: والاوجه بل الاقوى هو الاول ويحتمل التفصيل بين ما يسعه الثلث حين التصرف وما لا يسعه كذلك، فله التنفيذ في الاول، لاصالة سلامة المال عن التلف مع عدم تعين حق الوارث في خصوص ما تصرف فيه، وليس له ذلك في الثاني، لاصالة

[ 20 ]

عدم تجدد مال له بعد التصرف حتى يتدارك به حق الوارث فيما تصرف فيه. وفيه: أن شرط الصحة وفاء الثلث به عند الوفاة، لا حين التصرف، واصالة سلامة المال لا يثبت بها عنوان الوفاء عند الوفاة، لانها من الاصول المثبتة التي لا معول عليها (1).


(1) المتيقن ان الشارع المقدس يأمر بعدم نقض اليقين والمضي عليه الا بيقين مثله. وذلك هو معنى أصل الاستصحاب. أي أنه يوجب ترتيب آثار الشئ المتيقن الثابتة بواسطة اليقين، وتلك الآثار لابد أن تكون هي الآثار الشرعية المجعولة من قبل الشارع لانه هو الآمر بترتيبها ولانها هي القابلة للجعل الشرعي دون غيرها من الآثار العقلية والعادية. وعليه فان المتيقن المستصحب: اما أن يكون نفسه حكما " من الاحكام الشرعية المجعولة من قبل الشارع كوجوب شئ أو حرمته أو اباحته وأمثالها، واما أن يكون من الموضوعات الخارجية أو اللغوية ونحوهما كحياة زيد وموته، وكرية الماء ورطوبة الاناء وغير ذلك مما هو سوى الاحكام الشرعية ومعنى الاستصحاب في القسم الاول هو أن المجعول في زمان الشك حكم ظاهري مساو للحكم المتيقن في زمان اليقين في جميع الآثار المترتبة عليه، وذلك هو معنى وجوب البقاء عليه. وأما في القسم الثاني فليس المجعول في زمان الشك جميع الآثار المترتبة على المتيقن في زمان اليقين، بل المجعول الآثار الشرعية منها فقط دون العقلية والعادية ودون ملزوماته وما هو ملازم معه لملزوم ثالث يشتركان في الترتب عليه وغير ذلك، فاستصحاب حياة زيد مثلا معناه الامر بوجوب ترتيب الاثار الشرعية فقط التي كانت في حال اليقين حال الشك كصيانة أمواله وحرمة تزويج زوجته وأمثالهما، وليس معناه ترتيب جميع الآثار حتى العادية والعقلية كاستمرار نموه ونبات شعره ونحوهما على أنه ربما =

[ 21 ]

ووجه الثاني وهو المنع مطلقا " أن المريض بالمرض المعقب بالموت ليس له سلطنة تامة في ملكه كما كان له في حال الصحة وجواز التنفيذ فرع وجود السلطنة كذلك عليه، وهو غير محرز بعد أن كان المرض محفوظا " بظهور الامارات الردية الكاشفة غالبا " عن تعقب الموت. نعم ليس له أن يتصرف تصرفا " منافيا " للتصرف الاول ان كان ملزما "، للزومه من قبله، وان توقف نفوذه على انكشاف الحال، فهو نظير الاصيل في البيع الفضولي قبل الاجازة، بناء على لزومه بالنسبة إليه (1)، بل هنا أولى منه. وفيه ايضا " أن مرجع الشك في الجواز وعدمه إلى الشك في تعلق


= يترتب على تلك الآثار العادية حكم شرعي كما لو نذر الصدقة عند نبات شعر ولده، ولكن المستصحب هو الحياة، فلابد أن يكون المترتب عليها مباشرة هي الآثار المجعولة شرعا ". وما سوى ذلك من ترتب الآثار العادية أو العقلية هي المصطلح عليها بالاصول (المثبتة) التي لا يعول عليها الشارع الآمر بالاستصحاب. وتأتي في التطبيق على ما نحن فيه فنقول: إن سلامة المال من التلف ليس بنفسه حكما " شرعيا " حتى يصح إستصحابه على ضوء القسم الاول، بل هو من الموضوعات الخارجية، وعليه فوفاؤه بالثلث وسعته له ليس من الآثار الشرعية للسلامة ليصح إستصحابه على ضوء القسم الثاني منه. وانما ذلك أثر عادي ولازم خارجي للمال لا ينتهي إلى الشارع بصلة حتى يأمر بترتيبه على المال حال الشك، كما كان حال اليقين، الا على تخريج الاصل المثبت غير المعتبر شرعا " كما عرفت هذا بايجاز، وللتفصيل مظانه من كتب الاصول. (1) يريد بالاصيل: طرف الفضولي، سواء كان بائعا " أم مشتريا "، فان المعاملة من قبله لازمة إلى أن يأتي دور الاجازة أو الرد من قبل المالك الحقيقي، وان لم يجز له التصرف بما تحت يده حينئذ.

[ 22 ]

حق الغير به وعدمه، والاصل عدمه، وهو مقدم على الظاهر حيث فرض وجوده إلا في مورد قام الدليل على تقديمه عليه. وبالجملة: ليس مطلق المرض سببا " للمنع عن التصرف وموجبا " لتعلق حق الغير بالمال، بل السبب المرض الخاص، وهو المعقب بالموت، فالشك فيه شك في وجود السبب، والاصل عدمه، وإستصحاب السلطنة السابقة على المرض محكم، فالاقوى الجواز مطلقا، ولعله الوجه في قيام السيرة على عدم الضبط على المريض في تصرفاته والمنع عن بعضها، مع أن القول بنفوذه من الثلث منسوب إلى مشهور المتأخرين، بل في موضع من (المسالك) إلى عامتهم (1) ومنه يظهر ضعف الاستدلال به للقول بنفوذه من الاصل كما ستعرف. هذا ولا فرق فيما ذكرنا من جواز التنفيذ مطلقا " بين كون المنع عن التصرف لتعلق حق الغير به، أو للتعبد، وإن كان لحكمة الارفاق بالوارث لان الشك فيه حينئذ شك في التكليف، والاصل عدمه، غير أن الاصل فيه على الاول موضوعي، وعلى الثاني حكمي (2).


(1) قال الشهيد الثاني رحمه الله في كتاب الوصايا القسم الثاني من اللواحق في تصرفات المريض عند شرحه لقول المحقق: وأما منجزات المريض إذا كانت تبرعا "... (. إذا تقرر ذلك فنقول: اختلف الاصحاب في تصرفات المريض المنجزة المتبرع بها على ذلك الوجه، فذهب الاكثر ومنهم الشيخ في المبسوط والصدوق وابن الجنيد وسائر المتأخرين إلى أنها من الثلث كغير المنجزة.) (2) والفرق بينهما أن الاصل الموضوعي ما كان فيه مجرى الاستصحاب من الموضوعات الخارجية كحياة زيد وموته مثلا - والاصل الحكمي ماكان مجرى الاستصحاب فيه حكما " من الاحكام الشرعية كوجوب الامتثال وحرمة =

[ 23 ]

نعم ربما يظهر الفرق بينهما في نفوذ الاجازة وتأثيرها لو أجاز قبل الموت على الاول، لتضمنها معنى الاسقاط وعدمه على الثاني، لعدم جريانها في الاحكام. اللهم الا أن يقال بتأثيرها، وإن لم يتعلق حق بالمال، كالوصية التي تنفذ فيما زاد على الثلث لو أجاز الوارث في حياة الموصى وصحته، بناء على الاشهر فيه، مع عدم تعلق حق للوارث بالمال حين الاجازة، وليس معنى الاجازة فيها الا الرضا بعد الارث، لا الاسقاط الذي لا يتعقل قبل ثبوت الحق، فليكن هنا كذلك وان قلنا به للتعبد. ولكن فيه مع ذلك: أن لزوم الالتزام بعدم الارث في الوصية على القول به إنما هو لقيام الدليل عليه فيها المحمول على ذلك، دون الاسقاط المفروض كونه من إسقاط ما لم يجب، ولم يقم مثله دليل في المقام حتى يجب حمله على ذلك. وعليه فتظهر الثمرة بينهما في ذلك، بل ربما احتمل ظهور الثمرة بينهما أيضا " في نفوذ اقراره في مرض الموت على تقدير كون المنع للتعبد، لان المنع عن التصرف لذلك لا يستلزم المنع عن نفوذ الاقرار بعد عموم دليله، وعدم نفوذه على تقدير كون المنع مسببا " عن تعلق حق الغير به لكونه حينئذ من تعلق الاقرار بحق الغير فلا ينفذ، ولذا وقع الخلاف في نفوذه من أهل القول بنفوذ المنجزات من الثلث كما ستعرف. وهو فاسد في كل من طرفيه: أما الاول، فعلى اطلاقه لانه يمكن أن نقول بنفوذ المنجز من الثلث تعبدا "، ونقول مع ذلك بعد نفوذ


= الارتكاب مثلا، ففي مثال ما نحن فيه: يكون إستصحاب تعلق حق الغير موضوعيا "، لا تترتب عليه إلا آثاره الشرعية المجعولة فقط، بخلاف ما إذا كان المنع للتعبد الشرعي فانه، إستصحاب حكمي بنفسه.

[ 24 ]

الاقرار مع التهمة، للدليل الدال على عدمه معها، المخصص لعمومات أدلة الاقرار. وأما الثاني فلان حق الوارث بناء عليه إنما هو متعلق بمال المورث وتركته التي ليس المقر به منها بحكم أدلة الاقرار، ولا يقاس بعدم نفوذه في المفلس المحجور عليه لو أقر بالعين دون الدين، إذ لعل المانع عنه فيه هو حجر الحاكم الذي هو بمنزلة حكمه النافذ لا لتعلق حق الغرماء، وإن علل به في بعض عباراتهم، لكونه من المصادرة المحضة (1)، كيف ولولاه لامكن دعوى نفوذ إقراره فيه أيضا "، كما قيل به، وإن كان الاقوى عدم نفوذه هناك ونفوذه في المقام. إذا تبين لك ذلك كله، فلنرجع إلى الاقوال في المسألة وأدلتها فنقول: القول بنفوذه من الاصل هو المحكي عن (المقنعة) واختاره الشيخ (في النهاية) والخلاف، وهو صريح (الانتصار) و (الغنية) وبني حمزة والبراج وادريس و (كشف الرموز) والقمي (ره) في (أجوبة مسائله) وجدي في (الرياض) وولده الخال في (المناهل) وصاحب (الحدائق) حاكيا " له أيضا " عن الشيخ الحر العاملي، والمحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني، واختاره المقدس الاردبيلي في (شرح الارشاد) والسبزواري في (الكفاية) وشيخنا المرتضى في بعض تحريراته، وعمنا الاستاذ في (ملحقات برهانه) بل في (السرائر): انه الاظهر بين الطائفة، وفي موضع آخر منه: أنه الصحيح من المذهب، وفي (الكشف للآبي) نسبته إلى الاكثر وقيل: انه المشهور عند القدماء، بل في (الانتصار) و (الغنية) دعوى الاجماع عليه. وها نتلو عليك جملة من عباراتهم تسهيلا للوقوف عليها عند الحاجة: قال الشيخ في (هبة النهاية): " والهبة في حال المرض صحيحة


(1) المقصود من المصادرة: هو فرض الحكم والدعوى بلا دليل.

[ 25 ]

إذا قبضها وليس للورثة الرجوع فيها، فان لم يقبضها ومات كان ما وهب راجعا " إلى الميراث، وكذلك ما يتصدق به في حال حياته، والبيع في حال المرض صحيح كصحته في حال الصحة إذا كان المريض مالكا " لرأيه وعقله (1) وقال في (الخلاف في باب الهبة): إذا وهب في مرضه المخوف شيئا " وأقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال: لزمت الهبة في جميع الموهوب، ولم يكن للورثة فيها شئ، ومنهم من قال: يلزم في الثلث ويبطل فيما زاد عليه، وبه قال جميع الفقهاء، دليلنا على الاول: أخبار الطائفة المروية في هذا الباب، والرجوع إليها هو الحجة في هذه المسألة (2). وفيه أيضا " في باب الوصية: " تصرف المريض فيما زاد على الثلث إذا لم يكن منجزا " لا يصح بلا خلاف، وإن كان منجزا " مثل العتاق والهبة والمحاباة فلاصحابنا فيه روايتان: إحديهما أنه يصح والاخرى أنه لا يصح وبه قال الشافعي وجميع الفقهاء، ولم يذكروا فيه خلافا "، دليلنا على الاول الاخبار المروية من طرق أصحابنا ذكرناها في الكتاب الكبير " (3) وفيه أيضا " في باب الشفعة: " إذا باع في مرضه المخوف شقصا " وحابى فيه من وارث صح البيع، ووجبت به الشفعة بالثمن الذي وقع عليه البيع، وعند الفقهاء يبطل البيع لان المحاباة هبة ووصية، ولا وصية لوارث، ويبطل في قدر المحاباة إلى أن قال دليلنا أن هذا بيع صحيح فمن جعل المحاباة فيه وصية فعليه الدلالة " (4).


(1) راجع: كتاب الوصايا، باب الاقرار في المرض والهبة فيه، ص 620 طبع دار الكتاب العربي بيروت. (2) راجع: مسألة (21) وهي آخر مسألة من كتاب الهبة. (3) راجع: مسألة 12 من كتاب الوصايا. وبقصد بالكتاب الكبير: التهذيب. (4) راجع: مسألة 40 من كتاب الشفعة.

[ 26 ]

وقال في (السرائر) في (باب الهبات): (إذا وهب في مرضه المخوف شيئا " وأقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال: تلزم الهبة في جميع الشئ الموهوب، سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث، وهو الصحيح من المذهب الذي تقتضيه الاصول) (1). وأيضا " فيه في باب الوصية: (لان ذلك ليس بتدبير، وانما ذلك عطية منجزة في الحال، والعطايا المنجزة صحيحة على الصحيح من المذهب لا تحسب من الثلث، بل من أصل المال) (2). وأيضا " في موضع آخر منه: (قال محمد بن ادريس (ره) ان أراد بأنه بت عتقه في حال حياته ولم يجعله مدبرا " بعد موته فانه ينعتق جميعه ولا يستسعى في شئ لان هذه عطية منجزة في الحال إلى أن قال: الا على مذهب من قال من أصحابنا أن العطايا المنجزة تكون أيضا " مثل المؤخرة تخرج من الثلث إذا كانت في مرض الموت، والاول هو الاظهر بين الطائفة وعليه الفتوى وعليه العمل (3). وفيه أيضا " في باب المهور من كتاب النكاح: (والصحيح أنها إذا


(1) راجع باب الهبات والنحل من كتاب الوقوف والصدقات ص 382 الطبعة العلمية في قم سنة 1390 ه‍. (2) راجع باب الوصية من كتاب الصدقات ص 386 الطبعة الثانية في قم، أثناء عرض مسألة: ما إذا أوصى بعتق عبده وكان دين. (3) المسألة في كتاب الصدقات، باب الوصية المبهمة والوصية بالعتق ص 390 من الطبعة الآلفة. وهذه الجملة ذيل لكلام الشيخ الطوسى رحمه الله وأصل المسألة هكذا: قال شيخنا رحمه الله في نهاية: وإن أعتق مملوكا " له بعد موته ولا يملك غيره أعتق ثلثه واستسعى فيما بقى لورثته، قال محمد ابن ادريس..

[ 27 ]

أبرأته من مهرها سقط جميعه، وصح الابراء لان هذا جميعه ليس بوصية وانما هو عطية منجزة قبل الموت والوصية بعد الموت، وانما هذه الرواية على مذهب من قال من أصحابنا: إن العطاء في المرض، وان كان منجزا " يخرج من الثلث مثل العطاء بعد الموت، والصحيح من المذهب أن العطاء المنجز في حال مرض الموت يخرج من أصل المال لا من الثلث لانه قد أبانها من ماله وتسلمها المعطى وخرجت من ملك المعطي، لانه لا خلاف أن له أن ينفق جميع ماله في حال مرضه، فلو كان ما قاله بعض أصحابنا صحيحا " لما جاز ذلك ولما كان يصح منه النفقة بحال (1). وقال السيد في (الانتصار): (ومما انفردت به الامامية أن من وهب شيئا " في مرضه الذي مات فيه إذا كان عاقلا مميزا " تصح هبة ولا يكون من ثلثه، بل يكون من صلب ماله، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أن الهبة في مرض الموت محسوبة من الثلث، دليلنا الاجماع المتردد، ولان تصرف العاقل في ماله جائز، وما تعلق للورثة بماله حق، وهو حي، فهبته جائزة، ولذلك صح بلا خلاف نفقة جميع ماله على نفسه


(1) راجع هذه المسألة في باب المهور من كتاب النكاح ص 303 من الطبعة الآنفة الذكر، والعبارة هذه تتبع مسألة ما إذا أبرأت المرأة زوجها من جميع مهرها في حال مرضها ولم تملك سواه. وقبل هذه العبارة هكذا: وروي أنه لا يجوز للمرأة أن تبرئ زوجها من صداقها في حال مرضها إذا تملك غيره، فان أبرأته سقط عن الزوج ثلث المهر وكان الباقي لورثنها، أورد هذه الرواية شيخنا في نهاية ايرادا " لا اعتقادا "، كما أورد أمثالها مما لا يعمل هو به ورجع عنه. لانها مخالفة للادلة لان الانسان العاقل الغير مولى عليه مسلط على التصرف في ماله، يتصرف فيه كيف يشاء، والصحيح.

[ 28 ]

في مأكل ومشرب) (1). وقال في (الغنية في باب الهبة): (والهبة في المرض المتصل بالموت محسوبة من أصل المال لا من الثلث بدليل الاجماع المشار إليه) (2). وقال ابن البراج في الوصية: (إذا جمع بين عطية منجزة وعطية مؤخرة دفعة واحدة ولم يخرجا من الثلث كيف يفعل بهما؟ الجواب: إذا جمع بين ذلك ولم يخرجا من الثلث قدمت العطية المنجزة لانها سابقة وتلزمه في حق المعطى فيجب فيها ما ذكرناه من التقديم على المؤخرة التي لم تلزم انتهى) فتأمل (3). وقال في الوسيلة في باب الوصية: (فان أوصى في حال الصحة أو في المرض غير المخوف أو المشتبه ونجز كان من أصل المال) انتهى (4) وظاهره يعطي القول به من الثلث وان كان المحكي عنه على لسان غير واحد القول به من الاصل. وفي (كشف الرموز) بعد ذكر أدلة القولين: (والاشبه أن جميع تصرفاته من الاصل لوجوه إلى أن قال الرابع: لفتوى أكثر


(1) راجع (الانتصار للمرتضى) بعنوان مسائل شتى: مسألة في الهبة أيضا ": ص 224 طبع النجف الاشرف سنة 1391 ه‍. (2) راجع: الغنية للسيد أبي المكارم بن زهرة المطبوعة ضمن (الجوامع الفقهية): فصل في الهبة. (3) راجع كتاب: جواهر الفقه للقاضي بن البراج المطبوع ضمن الجوامع الفقهية في ايران آخر باب المسائل التى تتعلق بالوصايا. (4) وتتمة العبارة هكذا: وان لم ينجز كان من الثلث، راجع الوسيلة إلى نيل الفضيلة لابن حمزة المطبوع ضمن الجوامع الفقهية بعنوان فصل في بيان أحكام الوصية.

[ 29 ]

الاصحاب (1) وقال السبزواري في (الكفاية): (وأما التبرعات المحضة كالهبات والصدقات وما في حكمها كالبيع بأقل من ثمن المثل والشراء بأزيد منه في القدر الزائد مما أخذه من العوض، فاختلف الاصحاب في حكمها فقيل أنها تمضي من الثلث، وقيل: من الاصل، وهو أقرب، للاصل) (2). وأما القول بنفوذه من الثلث، فهو مذهب جم غفير من الاصحاب نتلو عليك أيضا " جملة من عباراتهم. قال الشيخ في (المبسوط) في باب الوصية: (رجل أعتق عبدا " له، لا مال له غير، في مرضه المخوف، نظر فيه: فان لم يجزه الورثة بطل العتق في ثلثي العبد، وصح في الثلث، ويكون الولاء في الثلث له) (3).


(1) كشف الرموز للحسن اليوسفي الآبي، وهو كشف وشرح لرموز كتاب (المختصر النافع) لاستاذه المحقق الحلي، ولعله أول شرح لهذا الكتاب. والكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات، يقول السيد بحر العلوم في رجاله المطبوع (ج‍ 2 ص 182): في آخر الحديث عن الكتاب ومؤلفه: " وعندي من كتابه نسخة قديمة بخط بعض العلماء، وعليها خط العلامة المجلسي طاب ثراه وفي آخرها: ان فراغه من تأليف الكتاب في شهر شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وتاريخ نقل النسخة سنة ثمان وستين وسبعمائة ". (2) راجع: آخريات كتاب الوصية، الثالثة من مسائل تصرفات المريض وقبل كلمة: (للاصل) هذه الجملة: وهو أقرب، مع قبول الاحاديث المعارضة للحمل على الوصية وعدم ابائها عن ذلك، كما فعل مولانا. " (3) راجع ذلك في أوائل كتاب الوصايا (ج‍ 4 ص 10) طبع المكتبة المرتضوية ايران.

[ 30 ]

وقال في (الغنية) في عتق المالك عبده: (العتق في مرض الموت من أصل التركة، ان كان واجبا "، وان كان متبرعا " به فهو من الثلث) (1). وفي (النافع) في كتاب الوصية: (الثامنة تصرفات المريض: ان كانت مشروطة بالوفاء فهي من الثلث، وان كانت منجزة وكان فيها محاباة أو عطية محضة، فقولان، أشبههما انها من الثلث) (2). وفي موضع آخر منه في الوصية أيضا ": (ولو اعتق مماليكه عند الوفاة أو أوصى بعتقهم ولا مال له سواهم اعتق ثلثهم بالقرعة (3). وفي باب الحجر منه أيضا ": (والمريض ممنوع من الوصية بما زاد عن الثلث، وكذا في التبرعات المنجزة على الخلاف) (4). وقال في (الشرايع) في باب الحجر: (والمريض ممنوع من الوصية فما زاد على الثلث اجماعا "، ما لم يجز الورثة، وفي منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا، والوجه المنع) (5). وفي كتاب الوقف منه أيضا ": (أما لو وقف في مرض الموت: فان أجاز الورثة، والا أعتبر من الثلث كالهبة والمحاباة في البيع، وقيل:


(1) بهذا المضمون لا بنصه يوجد في فصل الهبة من كتاب الغنية. (2) المختصر النافع للمحقق الحلي، كتاب الوصايا، آخر أحكام الوصية ص 193 طبع النجف. (3) نفس المصدر الآنف، وأوائل المسألة هكذا: (الخامسة إذا أوصى بعتق عبده أو أعتقه عند الوفاة، وليس له سواء، إنعتق ثلثه ولو أعتق ثلثه عند الوفاة، وله مال، أعتق الباقي من ثلثه..). (4) أنظر: آخر كتاب الحجر ص 170 من نفس الطبعة. (5) راجع: آخر الفصل الاول من كتاب الحجر، أول ص 102 من ج‍ 2 طبع النجف سنة 1389 ه‍،

[ 31 ]

يمضي من أصل الشركة، والاول أشبه (1). وفي كتاب الهبة منه أيضا ": (السابعة إذا وهب في مرضه المخوف وبرء صحت الهبة، وإن مات في مرضه ولم تجز الورثة اعتبرت من الثلث على الاظهر) (2). وفي كتاب العتق منه أيضا ": (الحادثة عشرة: العتق في مرض الموت يمضي من الثلث، وقيل: من الاصل، والاول مروي) (3). وقال العلامة في التبصرة " الخامس: المريض وتمضي وصيته في الثلث خاصة، ومنجزاته المتبرع بها كذلك إذا مات في مرضه) (4). وقال في وصيته أيضا ": (وتصرفات المريض من الثلث، وان كانت منجزة، وأما الاقرار: فان كان متهما " فكذلك والا فمن الاصل ") 5). وقال في (التحرير) في كتاب الحجر: (الرابع عشر: المريض محجور عليه إلا في ثلث ماله في التبرعات كالهبة والصدقة والعتق، ولو


(1) راجع: اوائل كتا ب الوقف: (ج‍ 2 ص 212) من نفس الطبعة. (2) راجع: آخر كتاب الهبات: (ج‍ 2 ص 232) من نفس الطبعة. (3) راجع: آخر مسألة من الملحقات بالفصل الاول (ج‍ 3 ص 110) من طبع النجف. (4) راجع: الفصل الثالث من كتاب الديون في الحجر وأسبابه الستة، وهى: الصغر والجنون والسفه والملك والمرض والفلس. (5) راجع ذلك في آخريات الفصل الثالث في الوصايا من كتاب الهبات.

[ 32 ]

اشتمل البيع على المحاباة مضى ما قابل رأس المال من الاصل) والزيادة من الثلث، ولو أجازت الورثة صح جميع ما أجازوا فيه (1). وقال في كتاب الهبة منه أيضا ": " الثاني عشر: المريض، إذا وهب وأقبض: فان برأ أو شرط ثوابا " يوازن القيمة، خرجت من صلب المال، وان تبرع بالهبة ومات في ذلك المرض أخرجت من الثلث " (2). وفي كتاب الوقف منه أيضا ": " وأما المريض فان برأ من مرضه صح وقفه، وان مات فيه أخرج من ثلث المال، ولو أجاز الورثة خرج من الاصل " (3). وفي الوصية منه أيضا ": " تصرفات المريض قسمان: مؤجلة ومنجزة إلى أن قال: وان وقعت في مرض الموت فقولان أقربهما خروجها من الثلث، وكذا إذا وهب في الصحة وأقبض في مرض الموت، وأما الاقرار: فان كان المريض متهما " كان من الثلث، وان كان مأمونا " أخرج من أصل المال " (4). وفي كتاب العتق منه أيضا: " وكذا لو أعتقه عند موته منجزا "، ولا شي ء غيره، عتق من الثلث " (5). وفي موضع آخر منه: " والعتق في مرض الموت من الثلث على


(1) راجع ذلك في آخر الفصل الاول من المقصد الرابع من كتاب الحجر برقم (يد) أي (14) بالحساب الابجدي. (2) الفصل الثاني من كتاب الهبة بعنوان (يب أي 12) (3) راجع ذلك في خلال الفصل الثالث في شرائط الوقف من فصول المقصد الثاني في الوقف. (4) راجع: الفصل الثامن منه في تصرفات المريض بعنوان (آ). (5) راجع: الفصل الرابع منه في الاحكام بعنوان (ط 9).

[ 33 ]

الاقوى " (1). وموضع آخر منه: " العاشر: لو أعتق المريض ثلاثة متساوية هي التركة، فعتق أحدهم بالقرعة، ثم ظهر عليه دين مستوعب، بطل العتق والقسمة " (2). وقال في موضع آخر بعده: " إذا نذر المريض العتق فالوجه أنه من الثلث " (3). وقال في (التذكرة) في باب الوقف: " مسألة: يصح وقف المريض كما يصح وقف الصحيح، إلا أن بين علمائنا خلافا " في أنه هل يمضي من الاصل أم الثلث، والمعتمد الثاني " (4). وقال بعده بمسألة: " تذنيب: ولو وقف في مرض موته وعليه دين مستوعب بطل الوقف على الاقوى، لان منجزات المريض كالوصية عندنا " (5). وقال أيضا " في كتاب العتق منه: " قد بينا أن الوصية تعتبر من الثلث فتمضي فيه خاصة، وكذا التبرعات الصادرة في مرض الموت على الاقوى " ثم فرع على وقوعها من الثلث فروعا ". وفي (المختلف): بعد نقل القول بالثلث عن جماعة قال: " وهو المعتمد " (6). ] (1) راجع: (حرف ز أي 7) من نفس الفصل. (2) راجع: رقم (ي أي رقم 10) من نفس الفصل. (3) راجع: رقم (يا أي 11) من نفس الفصل الآنف. (4 و 5) راجع المسألة العاشرة من مسائل البحث الرابع في اللواحق، والتهذيب في المسألة الحادية عشرة منه. (6) راجع: كتاب الهبات وتوابعها، الفصل الخامس في الوصايا: =

[ 34 ]

وقال في (الارشاد) في باب الوصية: " وأما المنجزات الواقعة في مرض الموت المتبرع بها كالهبة والعتق، ففيها قولان: أقربهما أنها من الثلث ولو برأ لزمت إجماعا " (1). وفي الوقف منه: " ولو إشترى المديون المريض أباه، لم يعتق الا بعد الدين من الثلث، ولو إشتراه محاباة عتق قدر المحاباة ". وقال في (القواعد) في باب الوصية: " الفصل الثالث في تصرفات المريض، وهي قسمان إلى أن قال وأما المعجلة للمريض، فان كانت تبرعا " فالاقرب أنها من الثلث أن مات في مرضه وان برأ لزمت إجماعا ": (2). وقال ولده في (الايضاح) في شرحه: " إختلفت الفقهاء في تصرفات المريض المنجزة المتبرع بها، أعنى التي بلا عوض غير الاقرار، فقال بعضهم: أنها من الثلث كالمعلقة بالموت، وهو إختيار والدي المصنف والشيخ في (المبسوط) والصدوق وابن الجنيد، ومفهوم قول الشيخ في (الخلاف). وقال المفيد في (المقنعة) والشيخ في النهاية وابن البراج وابن ادريس أنها من الاصل، والاول هو الاصح عندي، لوجوه " (3)


= مسألة: عطايا المريض المنجزة، قال: وللشيخ قول آخر في المبسوط إنها من الثلث وهو قول الصدوق.. الخ. (1) راجع: إرشاد العلامة: المطلب الرابع في تصرفات المريض ضمن المقصد الرابع في الوصايا من كتاب العطايا. (2) راجع: قواعد العلامة: الفصل الثالث في تصرفات المريض ضمن المقصد الرابع في الوصايا ضمن كتاب الوقوف والعطايا. (3) راجع: (ج‍ 2 ص 594 592) الطبعة العلمية بقم سنة 1388 ه‍.

[ 35 ]

وقال أيضا " في آخر المسألة: " خاتمة: المنجزة المتبرع بها تشارك الوصايا في خروجها من الثلث عندنا، وتأخرها عن الديون وتزاحم الوصايا " (1). وفي (القواعد) في كتاب الوقف منه: " ولو وقف المريض على ابنه وبنته ولا وارث غيرهما دفعه دارا " هي تركته، فان أجاز لزم، والا صح في الثلث " (2). وفي (جامع المقاصد في شرحه): " أي لو وقف المريض على ابنه وبنته إلى أن قال فإذا رد لم يصح تصرفه فيما زاد على الثلث " (3). وفي وصية القواعد أيضا ": " والفصل الثالث في تصرفات المريض، وهي قسمان: منجزة ومعلقة إلى أن قال وأما المعجلة للمريض، فان كانت تبرعا " فالاقرب أنها من الثلث، ان مات في مرضه " (4). وأيضا " بعده قال: " الاقرب عندي أن كل تصرف وقع في مرض اتفق الموت معه سواء أكان مخوفا " أم لا، فانه يخرج من الثلث، ان كان تبرعا " والا فمن الاصل، وقيل: ان كان مخوفا " فكذلك والا فمن الاصل كالصحيح " (5). وقال أيضا " بعده: " مسائل: الاولى الهبة والعتق والوقف


(1) راجع: (ج‍ 2 ص 594 592) الطبعة العلمية بقم سنة 1388 ه‍. (2) راجع: الفصل الثاني في اللواحق من الكتاب. (3) راجع: ذلك في نفس العنوان (قوله): ولو وقف المريض.. (4 و 5) راجع: الفصل الثالث في تصرفات المريض من المقصد الرابع في صفحة واحدة.

[ 36 ]

والصدقة المندوبة محسوبة من الثلث كالوصية " (1). وقال في (جامع المقاصد) في شرح كلام الماتن في المواضع الثلاثة: قال في شرح الموضع الاول: " إختلف الاصحاب في تصرفات المريض المنجزة إذا كانت تبرعا ": فقال الشيخ في (المبسوط) والصدوق وابن الجنيد: انها من الثلث كغير المنجزة، واختاره المصنف، وقال المفيد في (المقنعة) والشيخ في (النهاية) وابن البراج وابن ادريس: انها من الاصل، والمختار الاول " (2). وقال في شرح قول الماتن في الموضع الثاني: " بعد أن علم أن تصرفات المريض من الثلث وإن كانت منجزة إذا كانت تبرعا " الخ (3). وقال في شرح الموضع الثالث: " وجه القرب عموم الاخبار الدالة على الحجر على المريض فيما زاد عن الثلث " (4). وفي كتاب الحجر منه بعد قول الماتن " وان كانت منجزة على رأي بشرط موته في ذلك المرض قال: " هذا هو الاصح عملا بصحيح الاخبار " (5). وقال الشهيد في (اللمعة) في باب الهبة: " ولو وهب أو وقف


(1) راجع: الفصل الثالث في تصرفات المريض من المقصد الرابع في صفحة واحدة. (2) العنوان الآنف الذكر في شرح قوله: وأما المعجلة للمريض.. الخ (3) راجع: نفس العنوان بعد ذلك في شرح قوله: في بيان مرض الموت: الاقرب عندي.. الخ. (4) راجع: نفس العنوان بعد ذلك بصفحتين تقريبا " في شرح قوله: في التبرعات وفيه مسائل.. الخ. (5) راجع ذلك في نفس الكتاب في شرح قوله: وإن كانت منجزة.

[ 37 ]

أو تصدق في مرض موته فهي من الثلث الا أن يجيز الوارث " (1). وفي باب الحجر منه أيضا ": " والمريض ممنوع مما زاد عن الثلث، وان تنجز على الاقوى " (2). وفيه أيضا " في باب العتق في شروط المعتق: " ويشترط بلوغ المولى واختياره إلى أن قال وكونه غير محجور عليه لفلس أو مرض فيما زاد عن الثلث " (3). وفي موضع آخر منه: " فمن أعتق شقصا من عبده عتق كله، الا أن يكون المعتق مريضا " ولم ببرء، ولم يخرج من الثلث الا مع الاجازة " (4). وقال (في الدروس في باب العتق): " ووقف المريض: ماض من الثلث إذا لم يجزه الوارث " (5). وأيضا فيه في كتاب الوصية: " درس، منجزات المريض المشتملة على


(1) راجع ذلك بعنوان: الثاني الهبة (ج‍ 3 ص 196) طبع النجف الاشرف سنة 1987 ه‍، وصاحب اللمعة هو الشهيد الاول. (2) راجع ذلك بنفس المصدر الآنف (ج‍ 4 ص 106 من طبع النجف الاشرف). (3) راجع ذلك في كتاب العتق من شرح اللمعة للشهيد الثاني (ج‍ 6 ص 241 240) طبع النجف والعبارة هي المتن للشهيد الاول. (4) المصدر الانف نفسه (ص 262 261) بعنوان السراية في العتق. والمقصود بالشقص بالكسر: الجزء. (5) هذه الجملة مذكورة في اول كتاب الوقف بعنوان (وله شروط، أحدها أهلية الواقف).

[ 38 ]

تفويت المال بغير عوض كالهبة والعتق والوقف، أو على محاباة كالبيع بالثمن الناقص أو الشراء بالزائد، حكمها حكم الوصية في أصح القولين " (1). وفي (غاية المرام في باب الوصية): " القول إنها من الاصل قول الشيخ في النهاية إلى أن قال: وقال: في (المبسوط) ومحمد بن بابويه وابن الجنيد: انها من الثلث، واختاره المصنف والعلامة وهو المعتمد، والمستند الروايات " (2). وقال في المسالك في كتاب الحجر بعد قول المصنف وفي منعه من التبرعات المنجزة " وفي وقوع هذه وشبهها من أصل المال أو من الثلث قولان: أحدهما إنها من الاصل إلى أن قال والثاني أنها من الثلث، ذهب إليه جماعة من المتقدمين، منهم الصدوق والشيخ في أحد قوليه، واختاره عامة المتأخرين. ومنهم المصنف وهو الاقوى " (3).


(1) راجع: اوائل كتاب الوصية من الدروس للشهيد الاول بعنوان: (ويعتبر في الموصي شروط ثلاثة إلى قوله: وثالثها خروجه من الثلث أو اجازة الوارث). (2) غاية المرام في شرح شرائع الاسلام لمؤلفة الشيخ مفلح بن الحسن الصيمري، تلميذ أبي العباس أحمد بن فهد الحلي، والكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات، رأينا في مكتبة الشيخ الهادي من آل كاشف الغطاء جد الشيخ علي كاشف الغطاء حفظه الله. وقدعين نسبة الكتاب لمؤلفه المذكور المحقق الثبت الامام الطهراني قدس سره راجع: هذه الجملة في أخريات كتاب الوصية من الكتاب المذكور في منجزات المريض. (3) مسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام للشهيد الثاني قدس سره راجع ذلك في آخر الفصل الاول من كتاب الحجر، وعبارة المتن الكاملة كما مرت عليك آنفا " هكذا: " والمريض ممنوع من الوصية =

[ 39 ]

وأيضا " فيه في كتاب العتق بعد قول الماتن: أما لو وقف في مرض الموت فان أجاز الورثة، والا أعتبر من الثلث كالهبة والمحاباة في البيع. وقيل يمضي من أصل التركة، والاول أشبه قال: " هذا هو الاظهر " (1). وقال أيضا " في باب الهبة: " وأما إذا إتفق موته في مرضه: فان كان المرض مخوفا " بمعنى غلبة الهلاك معه فالاظهر ان منجزاته من الثلث حيث لا يجيز الوارث " (2). وقال في (الروضة) في كتاب الحجر بعد قول الماتن: " وان تنجز على الاقوى: " للاخبار الكثيرة الدالة عليه منطوقا " ومفهوما " وقيل: يمضي من الاصل " (3).


= بما زاد عن الثلث اجماعا "، ما لم تجز الورثة، وفي منعه من التبرعا ت المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا والوجه المنع ". (1) وجدنا هذه العبارة متنا " وشرحا " في أوائل كتاب الوقوف والصدقات. وتتمة عبارة الشرح تحت عنوان (وقيل يمضي..) هكذا: ".. وقد تقدم الكلام فيه وسيأتي تحقيقه في الوصايا ". (2) راجع: آخر كتاب الهبات في شرح قول الماتن " إذا وهب في مرضه المخوف وبرئ صحت الهبة.. "، وقبل هذه الجملة قوله: " لا خلاف في ان المريض إذا برئ من مرضه ينفذ تصرفه مطلقا "، وأما إذا اتفق.. " وتتمة العبارة: " وقيل: يكون من الاصل. وسيأتي تحقيق في الوصايا.. ". ويشير في هذين الموردين إلى التحقيق المسهب الذي شرح به قول الماتن " القسم الثاني في تصرفات المريض " من كتاب الوصايا. (3) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني قدس سره راجع ذلك في شرح قول الماتن " والمريض ممنوع مما زاد على الثلث =

[ 40 ]

وفي باب الوصية منه: " واعلم أن المنجزة تشارك الوصية في الخروج من الثلث في أجود القولين " (1). وفي باب الهبة منه أيضا " بعد قول الماتن: فهي من الثلث قال: " على أجود القولين " (2). وفي (المهذب البارع) بعد قول الماتن: وكذا في التبرعات المنجزة على الخلاف: " أقول المشهور أنها من الثلث، وهو أحد قولي الشيخ في (المبسوط والنهاية) قاله الصدوق وأبو علي وظاهره الخلاف، واختاره المصنف و (العلامة) وقال الشيخان في النهاية والمقنعة: أنها من الاصل إلى أن قال والروايات بالاول " (3). انتهى. وعنه في (المقتصر) اختياره أيضا ". وفي (المعالم لابن قطان): " ويحجر على المريض في ثلثي ماله، فلو تبرع منه بشئ منجزا أو وصية لم يصح ان مات في مرضه ولم يجز الورثة " (4).


= وإن نجز على الاقوى ": ج 4 ص 106 طبع النجف. (1) راجع: الفصل الثالث في الاحكام من كتاب الوصايا (ج‍ 5 ص 64) من طبع النجف. (2) راجع: ج‍ 3 ص 196 من طبع النجف في شرح قول الماتن: ولو وهب أو وقف أو تصدق في مرض موته فهي من الثلث. (3) المهذب البارع في شرح الشرائع لمصنفه أحمد بن محمد بن فهد الحلي، ولا يزال من نفائس المخطوطات، رأينا نسخة الخطية في مكتبة الشيخ علي حفيد (الهادي من آل كاشف الغطاء) حفظه الله. والمسألة مذكورة في أخريات كتاب الوصية منه (4) معالم الدين للشيخ محمد بن شجاع القطان تلميذ الشيخ المقداد. =

[ 41 ]

وفي (المقابيس للشيخ أسد الله التستري) بعد حكاية القولين عن الاصحاب قال: " والمعتمد الاول وهو أنها من الثلث " (1). وفي التنقيح بعد ذكر أدلة الثلث، قال: " والفتوى على هذا " (2). وهو مختار الفاضل الجواد في (شرح اللمعتين) (3) وشيخنا في (الجواهر) (4) وجدنا في رسالة مستقلة، وان عدل عنه إلى الاصل في الرياض (5). هذا ما وسعنا من نقل عباراتهم، والانصاف ان القولين متكافئان ] = والكتاب من نفائس المخطوطات.


(1) راجع: ذلك في كتاب الوصية منه بعنوان (مقباس، اختلف الاصحاب في منجزات المريض). (2) التنقيح الرائع من مختصر النافع، شرح مفصل للمختصر في مجلدين ضخيمين، تأليف الفاضل المقداد السيوري من أعلام القرن التاسع الهجري، والكتاب لا يزال من نوادر المخطوطات. (3) أشرنا في تعليق ص 124 من الجزء الاول من البلغة: أنه يحتمل أن يريد المصنف: شرح اللمعة المسمى بالانوار الغروية للفاضل الشيخ محمد جواد بن الشيخ محمد تقي بن الشيخ محمد الاحمدي، الشهير بملا كتاب وهو من نفائس المخطوطات. (4) قال في كتاب الحجر: والسادس المريض، وهو ممنوع من الوصية بما زاد عن الثلث كالصحيح اجماعا " محصلا ومحكيا " مستفيضا " أو متواترا ".. إلى آخر عبارة المتن والشرح ويقول بعد ذلك: وفي منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا إلى قوله: ولكن مع ذلك كله فالوجه المنع من التبرع بالزائد فلا ينفذ على الورثة الا مع اجازتهم (5) قال السيد الطباطبائي في كتاب الرياض (ج‍ 2 كتاب الوصايا) متنا " =

[ 42 ]

في المعروفية بين الاصحاب، والظاهر تحقق الشهرة على الاصل بين القدماء، وعلى الثلث بين المتأخرين. وأما عند متأخري المتأخرين، ولا سيما بين المعاصرين فلا استبعد انقلاب الشهرة إلى ما عليه أكثر القدماء. وكيف كان يدل على النفوذ من الاصل بعد الاصل (1) وعمومات * (هامس) * = وشرحا ": " الثامنة تصرفات المريض إذا كانت مشروطة بالوفاء، ويعبر عنها بالوصية، فهى من الثلث مع عدم اجازة الورثة. وان كانت منجزة غير معلقة عليها.. فقولان، أشبههما وأشهرهما بين المتأخرين أنها نخرج من الثلث.. إلى قوله: والحلي والمرتضى وابن زهرة أخرجوه من الاصل، وهو المشهور بين القدماء ظاهرا "، بل لعله لاشبهة فيه جدا " إلى قوله والمسألة محل اشكال وريبة لاختلاف النصوص وقبول جل منها التأويل مما يؤول إلى الآخر مع غموض المرجحات وتعارض الوجوه الاعتبارية من الطرفين، الا أن الترجيح للاخبار الاخيرة (أي أخبار الاصل) إلى قوله: ولقد كتبت في المسألة رسالة منفردة رجحت فيها خلاف ما هنا (أي الثلث) لغفلتي عن الشهرة القديمة، فالمصير إلى القول الثاني أقوى ثم أقوى ". وسبب تعبير سيدنا صاحب المتن عن صاحب الرياض ب‍ (جدنا) باعتبار أن السيد مير على الطباطبائي رحمه الله صاحب الرياض أبو أمه، فهو جده لامه. (1) المراد من الاصل هنا: الاستصحاب التنجيزي، وهو استصحاب السلطنة على ماله التي كانت له قبل المرض إلى ما بعده التي من آثارها نفوذ تصرفاته من الاصل. وأما جريان الاستصحاب التعليقي بأن يقال: كان بحيث لو تصرف نفذ تصرفه من الاصل فيستصحب، فمبني على كون المستصحب حكما " شرعيا " وهو فرع كون الملازمة الثابتة بين التصرف والنفوذ من الاصل حكما " للشارع مجعولا منه للمالك من حيث هو مالك، لاأمرا " =

[ 43 ]

سلطنة الناس على أموالهم، واجماعي الانتصار والغنية المعتضدين بذلك وبالشهرة المحكية، بل المحققة بين القدماء: الاخبار الخاصة التي منها موثقة عمار المروية في الكتب الاربعة: " عن ابن أبي عمير عن مرازم عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الميت أحق بماله مادام فيه الروح، يبين به، فان قال بعدي فليس له الا الثلث " غير أن في (الفقيه) وما حضرني من نسختي الكافي مكان فان قال بعدي (فان تعدى) (1) وعليه فمعناه التعدي من زمن الحياة إلى ما بعد الموت، فيكون موافقا " لما في (التهذيبين) (2) في المعنى لا بمعنى التعدي عن الثلث ] = اعتباريا " ينتزعه العقل من الموضوع فيحكم به فكم من فرق واضح بين قولنا: عصير العنب إذا غلا كان حكمه كذا، وقولنا: العصير المغلي حكمه كذا، فيجري الاستصحاب التعليقي في الاول لكون الملازمة بين الغليان والتنجس مثلا " ثابتة شرعا " مجعولة منه للعصير بما هو عصير، وان كان تنجزه بالغليان، ولا يجزي في الثاني، إذ لاحكم للعصير شرعا " مطلقا " قبل الغليان. وفي المقام يحتمل كون النفوذ حكما " للتصرف بان يكون موضوعه المالك للتصرف لا المالك إذا تصرف كان حكمه النفوذ، وعليه فلا يجري الاستصحاب التعليقي أيضا "، إذ لاحكم للشارع مطلقا " قبل التصرف، وان أريد كون النفوذ من آثار السلطنة المجعولة للمالك فهو من الاستصحاب التنجيزي لا التعليقي فافهم (منه قدس سره).


(1) راجع: الكافي للكليني، كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بما له مادام حيا "، حديث رقم (7) ولم نجد نص الحديث بسنده المذكور في كتاب الفقيه للصدوق (ج‍ 4 ص 149) طبع النجف باب 97 في أن الانسان أحق بماله.. (2) لعله يريد بالتهذيبين: كتابي الشيخ الطوسي في الاخبار (التهذيب

[ 44 ]

إلى ما يزيد عليه، كما احتمله في (الجواهر) لعدم تقدم ذكر الثلث قبله حتى يوافق التعدي عنه إلى ما زاد عليه. ومنها في (الكافي) بالسند المتقدم مروي هكذا: " قال قلت، الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، قال نعم فان أوصى به فليس له الا الثلث " (1) والظاهر أنها رواية مستقلة، وهي موافقة لما في (التهذيبين) ومؤيدة لما احتملناه من (التعدي) في بعض نسخ الكافي، ودلالتهما على النفوذ من الاصل بمكان من الظهور. ومنها موثقته الثالثة في (التهذيب، والاستبصار): " وعن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ فقال: إذا أبانه جاز " (2) وظاهر السؤال يعطي كون المرض مرض الموت، لانه مظنة المنع عن التصر فيه فيما زاد على الثلث، والنفوذ منه إذا كان بقدره فما دون كما عليه العامة، فناسب السؤال عنه من الامام.


والاستبصار) والتثنية باسم أحدهما للتغليب كالحسنين والقمرين لاهمية كتاب التهذيب وشهرته راجع من التهذيب: (باب 10 الرجوع في الوصية، حديث رقم (756) ج‍ 9 ص 188 طبع النجف، وفيه جملة (فان قال بعدي) كما في المتن. وهكذا يوجد في الاستبصار (ج‍ 4 ص 122). طبع النجف، حديث رقم (463). (1) لم نجد في الكافي بهذا الباب المذكور والسند المزبور الا تلك الرواية الآنفة الذكر فالظاهر أن الرواية واحدة في المقامين لااثنتان، والله العالم. (2) راجع من التهذيب: (ج‍ 9 ص 190 طبع النجف) حديث رقم (864) باب الرجوع في الوصية، ومن الاستبصار: =

[ 45 ]

ومنها موثقته الرابعة المروية في (الكتب الاربعة): " عنه عليه السلام قال: الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ان أوصى به كله فهو جائز له " (1) واشتمالها على ما لا نقول به: من نفوذ الوصية بكل ماله لا يضر في الاستدلال بصدرها على المطلوب، فلتحمل الوصية فيها على التنجيز أو غيره من المحامل كما قيل وان كان يحتمل غير بعيد عندي إرادة ان الرجل أحق بماله في تعيين وصيته فيما شاء من أعيان ماله كله، إذ له تعيين ذلك، وعليه فلا دلالة في الرواية على المنجزات بالكلية لا من الاصل ولا من الثلث. ومنها موثقته الخامسة في (التهذيب والفقيه والكافي): " عنه عليه السلام قال: صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شئ من الروح، يضعه حيث شاء " (2). ومنها في (الكافي والتهذيب والاستبصار) " عن أبي بصير


ج‍ 4 ص 120 طبع النجف باب 74 أنه لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث) حديث رقم (11). (1) راجع من التهذيب: (باب 10 الرجوع في الوصية حديث رقم (753) ج‍ 9 طبع النجف بسنده عن عمار الساباطي، ومن الاستبصار (ج‍ 4 ص 121 طبع النجف) باب 74 لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث حديث رقم (9). ومن الكافي للكليني ج‍ 7 ص 7 طبع الجديد طهران باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم 2 بنفس السند. ومن كتاب (من لا يحضره الفقيه للصدوق) ج‍ 4 ص 150 طبع النجف، باب 97 أن الانسان احق بماله، بنفس السند. (2) راجع من التهذيب: ج‍ 9 ص 186 طبع النجف باب 10 حديث رقم (1)، ومن الفقيه (ج‍ 4 ص 149 طبع النجف) باب 97 حديث رقم (1)، ومن الكافي (ج‍ 7 ص 7 باب أن صاحب المال أحق بماله) =

[ 46 ]

عنه عليه السلام: " قال قلت له: الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ فقال: هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت، أن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حبا " ان شاء وهبه وان شاء تصدق به وإن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، فان أوصى به فليس له إلا الثلث، ألا أن الفضل في أن لا يضيع من يعوله ولا يضر بورثته " (1) ومنها خبر سماعة في (الكافي والتهذيب): " قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون له الولد أيسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت " (2). ومنها حسنة أبي شعيب المحاملي في (التهذيب والكافي): " عنه عليه السلام قال: الانسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه " (3). ومنها صحيح صفوان الذي أجمعوا على تصحيح ما يصح عنه في (الكافي): " عن مرازم عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام في الرجل


= حديث رقم (1). (1) راجع من الكافي: (باب ان صاحب المال أحق بماله حديث رقم 10)، ومن التهذيب: باب الرجوع في الوصية حديث رقم 8 ج‍ 9 ص 188 طبع النجف. ومن الاستبصار: باب أنه لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، حديث رقم (12). (2) راجع من الكافي: كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم (5). ومن التهذيب، كتاب الوصايا باب 10 الرجوع في الوصية، حديث رقم (2) تسلسل (749). (3) راجع من التهذيب: كتاب الوصايا، باب 10 الرجوع في الوصية، حديث رقم (4) تسلسل (751)، ومن الكافي: كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم (5) طبع طهران

[ 47 ]

يعطي الشئ من ماله في مرضه؟ فقال: إذا أبان به فهو جائز وان أوصى به فهو من الثلث " (1). ومنها مرسلة الكيني في (الكافي) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أنه أعاب رجلا من الانصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم فقال: تركت صبية صغارا " يتكففون الناس " (2). والاعابة مستلزمة للنفوذ من الاصل لانه الموجب لحرمان الصبية الصغار. ومنها صحيحة محمد بن مسلم في (الكافي والاستبصار): " عنه عليه السلام قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكه وأوصى بوصية وكان أكثر من الثلث؟ قال: يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي " (3) بناء على أن تقديم العتق لنفوذه من الاصل، وإلا فينبغي تقديم ما هو مقدم في الذكر، والنقصان فيما بقي من المسؤول عنه، وهو الوصية لكونها أكثر من الثلث، لا كون مجموع العتق والوصية أكثر من الثلث حتى يكون دليلا على نفوذه من الثلث. ومنها مرسلة ابن أبي عمير في (الكافي): " عنه عليه السلام في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مملوكه في مرضه؟ فقال: إن كان


(1) راجع من الكافي: كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم (6)، طبع طهران الحديث. (2) راجع من الكافي نفس المصدر الآنف الذكر، آخر حديث رقم 10: ج‍ 7 ص 9 طبع طهران الحديث. (3) راجع من الكافي: المصدر الآنف الذكر، باب من أوصى بعتق أو صدقة، حديث رقم (4) ومن الاستبصار: ج‍ 4 ص 120، طبع النجف، حديث تسلسل (454)

[ 48 ]

أكثر من الثلث، رد إلى الثلث، وجاز العتق " (1) بارادة جوازه من الاصل لا من الثلث بالتقريب المتقدم. وبالجملة فالانصاف: أن هذه الروايات وافية الظهور في الدلالة على النفوذ من الاصل، سيما ما كان فيها مقابلا للوصية النافذة من الثلث. وأما ما أستدل به على النفوذ من الثلث فأخبار: بعضها لا ظهور فيه على المدعى، بل على خلافه أظهر " وبعضها مع ضعف السند متضمن لما لا يلتزم به أحد، وبعضها لو سلم ظهوره فمع معارضته لما هو أقوى منه دلالة لا تكافئ ما تقدم من أدلة الاصل. فمن الاول أخبار: منها النبوي: " ان الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم " (2). وفيه أنها ظاهرة في إرادة بقاء مقدار مما ينتقل عنه إلى غيره بالموت لينتفع به بالوصية بعد الموت وهو المناسب للصدقة، دون التصدق ببعض ما كان كله له، كيف وهو من حرمانه من أكثر ماله حين ما يملكه. ومنها ما عن (البحار): " وليس للميت من ماله إلا الثلث فإذا أوصى بأكثر من الثلث رد إلى الثلث " (3).


(1) الكافي للكيني: كتاب الوصايا، باب من أوصى بعتق أو صدقة أو حج الحديث الاول. (2) في مستدرك الوسائل، كتاب الوصايا، باب جواز الوصية بثلث المال الحديث هكذا: " وفي درر اللئالي عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ان الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم ". (3) في الوسائل: كتاب الهدايا باب 10 جواز الوصية بثلث المال روايات كثيرة بهذا المضمون.

[ 49 ]

فهو كما ترى من ظهوره في الوصية. والعجب ممن استدل به على المنجز. ومنها خبر أبي حمزة: " ان الله يقول يا بن آدم تطولت عليك بثلاث إلى قوله وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خبرا " " (1). وفيه ما تقدم: من أن التطول يناسب العطية حيث ما يكون المقتضي للحرمان موجودا "، وهو هنا الموت الموجب لانتقال ماله كله إلى وارثه لولا التطول عليه ببقاء ثلثه له للوصية به فيما ينفعه بعد موته، ومنها مصححة علي بن يقطين: " ما للرجل من ماله عند موته؟ قال: الثلث، والثلث كثير " (2). ومنها مصححة يعقوب بن شعيب " عن الرجل يموت، ماله من ماله؟ فقال: له ثلث ماله " (3). ومنها خبر عبد الله بن سنان: " للرجل عند موته ثلث ماله قال بعد ذلك: وان لو يوص فليس على الورثة امضاؤه " (4).


(1) في الوسائل، كتاب الوصايا باب كراهة ترك الوصية نص الحديث هكذا: " عن أبي خمزة عن بعض الائمة عليهم السلام قال: ان الله تعالى يقول يابن آدم تطولت عليك بثلاثة: سترت عليك مالو يعلم به أهلك ماواروك واوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدم خيرا "، وجعلت الخ.. ". (2) في الوسائل ج 13 ص 363 الطبعة الحديثة باب 10 حديث رقم 8 هكذا: قال: سألت أبا الحسن عليه السلام ما للرجل. الخ. (3) في الوسائل الجديدة (ج 13 ص 362) حديث تسلسل (24570) يرويه عن شعيب بن يعقوب ويرويه عن الكليني والشيخ عن يعقوب بن شعيب كما في المتن - ولعله الاصح، وتكملته: وللمرأة أيضا ". (4) راجع الوسائل ج 13 باب 10 حديث تسلسل (7) طبع الجديد

[ 50 ]

والتقريب هو ظهور كلمة (عند) وقوله (يموت) في الاشراف على الموت، دون تحققه بظهور اماراته المتحققة في المرض المتضمنة لكون الذي له في هذا الحال هو الثلث وما عداه ليس له، المحمول على ارادة نفي مطلق التصرف فيما زاد عليه الذي منه المنجز. وفيه مع وجوب تقييدها حينئذ بالتصرفات التبرعية ظاهرة أو محمولة على ارادة الوصية المتحققة قبل الموت عند الاشراف عليه غالبا "، سيما بقرينة ذيل خبر ابن سنان، مع أن الاطلاق (يموت) (وعند الموت) وارادة وقوعه وتحققه شايع كثير فيه وفي أمثاله من نحو الرجل يبيع وينكح ويهب ويقف ونحو ذلك، مع أن خبر البحار المعبر فيه بالميت قرينة على ارادة السؤال عنه عليه السلام من حيث تحقق الموت وتلبسه به. وبالجملة فلا مجال لانكار ظهورها في الوصية. ومنها خبر السابري: " عن امرأة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له: ان المال الذي دفعته اليك لفلانة إلى أن قال في ذيله: وان كانت متهمة فلا يحلف ويضع الامر على ما كان، فانما لها من مالها ثلثه " (1). وفيه مع كونه من مسألة الاقرار في مرض الموت دون المنجز فيه، وستعرف القول به في الثلث مع التهمة ضعيف السند ممنوع جبره. ومن الثاني أخبار: منها خبر أبي ولاد: " عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرئه منه في مرضها؟ قال: بل تهبه له فتجوز هبتها. ويحسب


(1) الوسائل الجديدة كتاب الوصايا باب 16 حديث تسلسل (2) ونص الحديث بسنده هكذا: عن العلا بياع السابري قال: سألت أبا عبد الله عن امرأة..

[ 51 ]

ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئا " (1). ونحوه خبر سماعة أيضا ": " عن الصادق عليه السلام عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه فتبرء ذمته في مرضها؟ قال: لا، ولكن ان وهبت جاز له ما وهبته من ثلثها " (2). ومنها مصححة الحلبي " عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها؟ فقال: لا " (3). وفيه: أنها متضمنة لبطلان الابراء رأسا، ولم يقل به أحد، وصحة هبة الدين لمن هو عليه، ولعل الاكثر لا يصححونه كبيع الدين ممن هو عليه، وان كان من المحتمل قويا صحته، وكون مفاده الابراء، لا التمليك الحقيقي، كما احتملناه أيضا " في شراء أحد العمودين: أنه بيع يكون مفاده الانعتاق لا التمليك حقيقة، ولو انآما بناء على أن بدلية الثمن عن الدين في الاول مفاده السقوط، وعن الرقية في الثاني مفاده الانعتاق. وبالجملة فالتفصيل بين الابراء والهبة ببطلان الاول، وصحة الثاني لم يقل به أحد، فكيف يمكن رفع اليد بها عن تلك الادلة، مع ضعف السند، وعدم الجابر أيضا ". ومن الثالث: روايات العتق التي هي العمدة لهم في الاستدلال على مطلوبهم.


(1) الوسائل، كتاب الوصايا، باب إن من أوصى بأكثر من الثلث حديث رقم (11). (2) الوسائل الجديدة، كتاب الوصايا، باب 17 حديث تسلسل 16 (3) المصدر الآنف الذكر باب 17 حكم التصرفات المنجزة حديث 15

[ 52 ]

ومنها خبر علي بن عقبة: " في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا " له ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه الا ثلثه، وسائر ذلك الورثة أحق بذلك، ولهم ما بقي " (1) ونحوه خبر عقبة بن خالد (2). ومنها خبر أبي بصير " أن اعتق رجل عند موته جارية له ثم أوصى بوصية أخرى ألغيت الوصية وأعتقت الجارية من ثلثه، الا ان يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية " (3). ومنها خبر السكوني: " ان رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يستسعي في ثلثي قيمته للورثة " (4). ومنها النبوي العامي: " ان رجلا من الانصار أعتق ستة أعبد له في مرضه ولا مال له غيرهم، فاستدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) راجع: الوسائل للحر العاملي، كتاب الوصايا (باب 11 ان من أوصى باكثر من الثلث) حديث رقم (4). (2) ذكر نصه في الوسائل باب 17 حديث (13). وهذا نصه: ".. عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل حضره الموت فاعتق مملوكا " له ليس له غيره. فأبى الورثة أي يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه قال: ما يعتق منه الا ثلثه ". (3) الوسائل باب 11 حديث رقم (6) الا أن فيه كلمة (خادما ") في أول الحديث بدل كلمة (جارية). (4) في الوسائل، كتاب العتق باب 64 من أعتق بعض مملوكه حديث رقم (5) ".. عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (ع): قال: إن رجلا.. ".

[ 53 ]

وجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فاعتق اثنين وأرق أربعة) (1) ومنها رواية اسماعيل بن أبي همام: " في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابة واعتق مملوكا " وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع في وصيته؟ قال: يبدأ بالعتق فينفذه " (2). ومنها صحيحة ابن مسلم: " عن رجل حضره الموت فاعتق غلامه وأوصى بوصية وكان اكثر من الثلث؟ قال: يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي " (3). ومنها حسنته: " في رجل أوصى بأكثر من ثلثه واعتق مملو كه في مرضه؟ فقال: إذا كان أكثر من الثلث يرد إلى الثلث وجاز العتق " (4) بدعوى ظهور لفظ (اعتق) في العتق المنجز، لان الوصية بالعتق عتق في المستقبل دون الماضي، فيجب حمل اللفظ على معناه الحقيقي فان تم في العتق تم في غيره بالاولوية، وعدم القول بالفصل.


(1) ذكر هذا الحديث المرسل عن النبي صلى الله عليه وآله عن على عليه السلام وعن الامام الكاظم عليه السلام بمضامين متقاربة في كتاب الجواهر كتاب الوصايا في شرح قول المصنف: مسائل اربع: الاولى إذا أعتق أو اوصى بعتق عبيده وليس له سواهم. (2) الكافي للكليني، كتاب الوصايا، باب من أوصى بعتق أو صدقة أو حج حديث رقم (3). (3) سبق آنفا " تخريج هذا الحديث عن الكافي والاستبصار. (4) الكافي للكليني كتاب الوصايا باب من أوصى بعتق أو صدقة.. حديث رقم (1).

[ 54 ]

وفيه مضافا " إلى معارضتها لمرسلة الكافي المتقدمة (1) المتضمنة لاعابة النبي صلى الله عليه وآله المستلزمة لنفوذ العتق من الاصل، والى شيوع اطلاق (اعتق) على التدبير والوصية به في الاخبار وكلمات الفقهاء تبعا " لها يجب حملها على ذلك لوجود القرينة الصارفة عن الظهور لو سلم في بعضها كخبر أبي بصير الموصف فيه للوصية المعطوفة على العتق بثم كلمة أخرى الصريحة في كون الاولى وصية بالعتق لا عتق منجز، وتقديمه للتقدم بالذكر مع كونه مدلولا عليه بثم أيضا "، مع ظهور البدأة بالعتق في بعضها والجواز مطلقا " في الآخر في كون العتق منجزا " ينفذ من الاصل والا يقتضي البدأة بالاقدم فالاقدم، والجواز مع وفاء الثلث به لا مطلقا ". ومنها: الاخبار الواردة في عتق المملوك وعلى المعتق دين لا يملك غيره وهي ثلاثة الاولى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: " قال سألني أبو عبد الله عليه الصلاة والسلام: هل يختلف ابن ابي ليلى وابن شبرمة؟ فقلت: بلغني انه مات مولى لعيسى بن موسى وترك عليه دينا " كثيرا " وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمة: أرى ان يستسعيهم في قيمتهم فيدفعها إلى الغرماء فانه قد أعتقهم عند موته، وقال ابن أبي ليلى، ارى ان أبيعهم وادفع اثمانهم إلى الغرماء فانه ليس له ان يعتقهم عند موته وعليه دين يحيط بهم، وهذا أهل الحجار اليوم يعتق الرجل عبده وعليه دين كثير فلا يجيزون عتقه


(1) تقدمت الاشارة إليها ففي آخر باب ان صاحب المال احق بماله من الكافي: كتاب الوصايا: " وروى ان النبي قال لرجل من الانصار اعتق مماليك له لم يكن له غيرهم فعابه النبي صلى الله عليه وآله وقال: ترك صبية صغارا " يتكففون الناس ".

[ 55 ]

إذا كان عليه دين كثير، فرفع ابن شبرمة يده إلى السماء، فقال: سبحان الله يا بن أبي ليلى، متى قلت: هذا القول؟ والله ما قلته الا طلب خلافي فقال أبو عبد الله عليه السلام: وعن رأي ايهما صدر؟ قال قلت: بلغني انه أخذ برأي ابن أبي ليلى، وكان له في ذلك هوى فباعهم وقضى دينه قال: فمع ايهما من قبلكم؟ قلت مع ابن شبرمة وقد رجع ابن ابي ليلى إلى رأي ابن شبرمة بعد ذلك، فقال اما والله ان الحق لفي الذي قال ابن ابي ليلى وإن كان قد رجع عنه، فقلت له: هذا ينكسر عندهم في القياس، فقال: هات قايسني، فقلت: انا اقايسك؟ فقال: لتقولن بأشد ما يدخل فيه من القياس، فقلت له: رجل ترك عبدا " لم يترك مالا غيره، وقيمة العبد ستمأة درهم ودينه خمسمأة درهم، فاعتقه عند الموت كيف يصنع؟ قال: يباع العبد فيأخذ الغرماء خمسمأة درهم، ويأخذ الورثة مأة درهم فقلت: أليس قد بقى من قيمة العبد مأة درهم عن دينه؟ فقال: بلى قلت: أليس للرجل ثلثه يصنع به ما يشاء؟ قال: بلى، قلت: أليس قد أوصى للعبد بالثلث من المأة حين أعتقه؟ فقال: ان العبد لا وصية له انما أمواله لمواليه، فقلت له: فان كان قيمة العبد ستمأة درهم ودينه أربعمأة؟ قال كذلك يباع العبد فيأخذ الغرماء أربعمأة درهم، ويأخذ الورثة مأتين، ولا يكون للعبد شئ، قلت له: فان كان قيمة العبد ستمأة درهم ودينه ثلثمأة درهم؟ فضحك، وقال: من ههنا، أتى أصحابك: فجعلوا الاشياء شيئا " واحدا "، ولم يعلموا السنة، إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة أو كان مال الورثة اكثر من مال الغرماء ولم يتهم الرجل على وصيته، اجيزت وصيته على وجهها. فالآن يوقف هذا فيكون نصفه للغرماء، ويكون ثلثه للورثة ويكون له السدس " (1).


(1) الكافي للكليني، كتاب الوصايا، باب من اعتق وعليه دين، الحديث الاول.

[ 56 ]

والخبر صريح في التفصيل بين ما كان الدين نصف قيمة العبد فما دون، وبين ما زاد عليه، صح العتق ونفذ من الثلث في الاول وبطل في الثاني، وكان بين الورثة والغرماء. واليه يرجع الخبر الثاني، وهو صحيحة زرارة: " عن أحدهما عليهما السلام في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين؟ قال: ان كان قيمته مثل الذي عليه ومثله جاز عتقه والا لم يجز " (1). والخبر الثالث في الصحيح: " إذا ملك المملوك سدسه استسعى " (2) بتقريب انه لا يملك السدس الا حيث يكون الدين نصف قيمته فما دون، وذكر السدس لبيان اقل المرتبة. وفيه: انها محمولة على الوصية بقرينة ذكرها مكررا " في الاول، وان تضمنت ما يخالف القاعدة فيها أيضا "، لاقتضائها في الوصية نفوذ العتق في ثلث ما زاد على الدين مطلقا "، وان ملك أقل من السدس المنبعث عن زيادة الدين على النصف، واختصاص البطلان بما إذا كان الدين محيطا " بالقيمة كما يعطيه إطلاق الصحيح: " في الرجل يقول: ان مت فعبدي حر، وعلى الرجل دين؟ قال: ان توفي وعليه دين قد احاط بثمن العبد بيع العبد، وان لم يكن أحاط بثمن العبد استسعى في قضاء دين مولاه


(1) الكافي، كتاب الوصايا باب من اعتق وعليه دين، حديث 2 (2) الرواية عن أبي البختري عن أبي عبد الله الصادق (ع) كما استدل بها العلامة في المختلف في باب منجزات المريض، مسألة عطايا المريض المنجزة وفي الوسائل كتاب الوصايا باب 39 إن من اعتق مملوكا " لا يملك غيره حديث رقم (1).

[ 57 ]

وهو حر إذا وفاه " (1) لكن يجب تقييده بتلك الاخبار المفصلة، حملا للمطلق منها على المقيد. ومنها ما ورد في عطية الوالد لولده، المفصل فيه بين وقوعه في حالتي الصحة والمرض، كخبر جراح المدائني: " عن عطية الوالد لولده؟ قال إذا أعطاه في صحته جاز " (2). وخبر سماعة: عن عطية الوالد لولده؟ فقال: أما ما كان صحيحا " فهو ماله يصنع به ما يشاء، فأما في مرضه فلا يصلح " (3) المحمولة على الكراهة لايجابه الشحناء والبغضاء بينهم، بقرينة التعبير في الاخير بلا يصلح، وبما ورد في الخبر الآخر من التفصيل بين الاعسار والايسار (4). واستدلوا أيضا " بعد الاخبار بأدلة لا يخفى وهنها. منها التمسك بأصالة عدم انتقال الزائد على الثلث.


(1) الوسائل، المصدر الآنف حديث رقم (3) باسقاط بعض الكلمات. (2) في الوسائل باب 17 حديث (14) ".. عن جراح المدائني قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن عطية الوالد لولده يبينه؟ قال: إذا اعطاه في صحته جاز ". (3) الوسائل كتاب الوصايا باب 17 حكم التصرفات المنجزة حديث (11). (4) يشير إلى خبر أبي بصير كما في الوسائل بنفس المصدر حديث (12) قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخص بعض ولده بالعطية؟ قال: ان كان مؤسرا " فنعم، وان كان معسرا " فلا " وجملة (وبما ورد الخ) عطف على جملة " لكن يجب تقييده بتلك الاخبار ".

[ 58 ]

وفيه: انها محكومة لاصالة بقاء سلطنة المالك، لكون الشك فيه مسببا " عن الشك في بقائها. ومنها ما في (المختلف) قائلا: " لنا ان امضاء الوصية من الثلث مع القول بخروج العطايا المنجزة من الاصل مما لا يجتمعان، والمقدم حق فالتالي باطل، أما صدق المقدم فبالاجماع والاخبار المتواترة الدالة عليه. وأما بيان عدم الاجتماع، فلان المقتضى لحصر الوصية في الثلث انما هو النظر إلى حق الورثة والابقاء عليهم، وفي الاحاديث دلالة على التنبيه على هذه العلة وهي موجودة في المنجزات، فتساويا في الحكم " (1) ونبه عليه ولده في الايضاح أيضا " (2). وفيه: ان عدم نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث انما هو لكونه تصرفا " في مال الوارث وملكه فيتوقف على اجازته، واين ذلك من المنجز الذي هو تصرف من المالك في ملكه، فكيف يقاس المنجز بالوصية؟.


(1) راجع أول مسألة منه في منجزات المريض في أخريات كتاب العطايا الفصل الخامس في الوصايا ويشير بذلك إلى وحدة المناط بين المسألتين فلابد أن يتحدا في الحكم ايضا "، وهذا القياس يسمى بقياس تنقيح المناط المفروض الحجية كقياس منصوص العلة والاولوية. (2) قال فخر المحققين في آخر كتاب الوصايا منه الفصل الثالث في تصرفات المريض: (ج 2 ص 593 طبع قم): " لو كانت من الاصل لقدم العتق المتبرع به على الدين، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الملازمة: ان المريض لا يصلح للمانعية حينئذ، فبقى حكم الصحة لاصالة البقاء، وأما بطلان التالي فلما رواه زرارة في الصحيح عن الصادق (ع): " إذا ترك الدين عليه ومثله أعتق المملوك واستسعى ".

[ 59 ]

ومنها ما قيل من: لزوم خروج المنجز من الاصل اختلال حكمة حصر الوصية في الثلث لامكان التجاء كل من يريد الزيادة في الوصية إلى عقد منجز فيعاوض جميع ماله بدرهم مثلا فرارا " عن رد الوصية. وفيه: ان جريان مثل ذلك في الفقه غير عزيز بل نظائره أكثر من أن تحصى، فان بيع الاثمان يعتبر فيه التقابض بخلاف الصلح عليها فيجوز الالتجاء إلى الصلح، وكذلك الربا، بناء على اختصاصه بالبيع، مع ما ذكر في محله من الحيل الشرعية لتحصيل ما يراد أخذه من الربا وكذا التخلص عن حق الشفعة بالصلح، بناء على اختصاصها بالبيع، وعن خيار المجلس بغير البيع من العقود، إلى غير ذلك. ومنها كونه مقتضى الجمع بين النصوص بالجمع الدلالتي (1) حملا لاطلاق الاحقية ونحوه القاضي بنفوذ جميع التصرفات على التقييد بما دل على المنع عن بعضها من التبرع والمحاباة.


(1) التعارض بمصطلح الاصوليين: هو تنافي الدليلين اللفظيين التامين من حيث الحجية ولقد اشتهر بينهم أن الجمع بينهما أولى من الطرح إذ بحكم التكاذب بينهما لا يمكن الاخذ بهما معا " فلابد إذا ". إما من تذويب التكاذب واقعا " بالجمع بينهما، أو اللجوء إلى المرجحات السندية المشهورة الخمسة أو الستة، واخيرا " فيتساقطان. ولقد بحث الاصوليون طرقا " للجمع بينهما بعضها محل وفاق، وبعضها محل خلاف في الصحة، وأهم طريق متفق عليه في كيفية الجمع الجمع الدلالتي، وهو الجمع العرفي وقد يسمى بالجمع المقبول أي عند العرف، وموارده كثيرة، بعضها أظهر من بعض وربما نوقش في صحة بعضها. ومن موارده المتفق عليها ما إذا كان احد الدليلين قرينة وشاهدا " على التصرف بمدلول الآخر فيحمل ذلك الآخر عليه فحينئذ يذوب التكاذب واقعا " بين الدليلين وان كان ظاهرا " بينهما. =

[ 60 ]

وفيه عدم قابلية النصوص المقيدة بعدما عرفت لتقييد تلك المطلقات الآبي ظهورها عن التقييد المؤيدة بعمومات: سلطنة الانسان على ماله، والاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة بين القدماء ومتأخري المتأخرين، ومخالفتها لمذهب العامة الموجبة لحمل ما يخالفها لو سلم ظهورها على التقية وان لم يكن فيها اشعار بها واشارة إليها، إذا لم يعتبر ذلك في الحمل عليها في الاخبار العلاجية إذ يكفي في الحمل عليها الموافقة لفتوى بعضهم فضلا عن الموافقة لفتاويهم اجمع، بل ربما يحتمل قويا " إرادة خصوص المنجزات من تلك الاخبار سؤالا وجوابا " حيث كان اتفاق الجمهور على المنع عنه فيما زاد على الثلث فأوجب ذلك السؤال عنه من الامام (ع) فأجاب عليه السلام عن ذلك بما يفيده تلويحا "، ومن البعيد ان يكون مفاد هذه الاخبار على كثرتها مفاد " الناس مسلطون على أموالهم " فافهم. وبالجملة فلا مناص عن القول بنفوذ المنجزات من الاصل لما ذكر مؤيدا ذلك كله بما قيل: من قيام السيرة على عدم الضبط عن المريض في تصرفاته، الكاشف ذلك عن نفوذه من الاصل. الا أنه فيه ما تقدم من كونه اعم منه ومن جواز التسليم والتنفيذ للمعطى من حين التنجيز اتكالا على مقتضي الاصول في ذلك، بناء على الثلث أيضا "


= ويعم هذا الباب كل موارد تقديم النص على الظاهر أو الاظهر على الظاهر وذلك لان الجمع العرفي كذلك يخرج الدليلين عن واقعية التكاذب فلا تصل النوبة إلى دور المرجحات السندية لانها في حال الحيرة ولا حيرة حينئذ. فمن مواد هذا الجمع ما إذا كان بين الدليلين عموم وخصوص من وجه أو مطلق فيقدم الخاص على العام عرفا "، لاقوائية طهوره وهكذا إذا كان بينهما اطلاق وتقييد فيقدم المقيد على المطلق لنفس ملاك الاقوائية في الظهور، وما في المتن اشارة إلى ذلك الجمع.

[ 61 ]

هذا ومما يتفرع على النفوذ من الثلث أمور: الاول تقدم الدين عليها كالوصية لان الثلث لا يكون إلا بعد اخراج الدين وعلى نفوذها من الاصل تقدمها على الدين، إذ على القول بالاصل لم يفرق المنجز بين وقوعه في المرض أو في الصحة التي لا اشكال في تقدمه على الدين وان لم يكن له مال غيره، فيبقى الدين حينئذ بلا وفاء. والعجب من شيخنا في (الجواهر) بنى على تقديم الدين عليه عند أهل القول بنفوذه من الاصل أيضا " غير الحلي منهم، حيث قال بعد أن حكي عن ابن ادريس نفوذ عتق المريض من الاصل وسقوط الدين من رأس ما لفظه: " وأصحابه الموافقون له في كون المنجزات من الاصل لا يوافقونه فيما إذا زاحم التنجيز الدين، بل يخصونه بالنسبة إلى الورثة والا كانوا محجوجين بهذا الصحيح وغيره، بل لعل مقابلته بالقول بالخروج من الثلث المعلوم كون المراد منه بعد خروج الدين تشهد بعدم المزاحمة المزبورة " انتهى (1). ولعل مراده تقديم الدين عليه في خصوص العتق إذا كان على المعتق دين يبلغ نصف قيمة العبد فما دون، للاخبار المتقدمة، لا تقديمه عليه مطلقا "، إذ مع عدم مساعدة دليل عليه لا يقول به احد من اهل القول بالنفوذ من الاصل، بل يوافقون الحلي في تقديمه المنجز على الدين. نعم في خصوص العتق المذكور ربما يقال به، تعبدا " بالنصوص الورادة فيه


(1) راجع: هذا المطلب ونص العبارة المذكورة في اوائل كتاب الحجر من الجواهر، أثناء العرض المفصل عن منجزات المريض، في شرح قول المحقق: " وفي منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا، فالوجه المنع ".

[ 62 ]

واطلاق الحلي بتقديم المنجز مطلقا " على الدين مبني على أصله: من عدم العمل بأخبار الاحاد " (1)


(1) الخبر الواحد: هو غير البالغ درجة التواتر المفيد للقطع، وان تعددت رواته. وهو نوعان: منه ما يفيد القطع، وان كان مخبره واحدا "، كما إذا احتف بقرائن تفيد اليقين بصدوره، وهذا النوع مما لاشك في حجيته لا لذاته بل لانتهائه إلى القطع المفروض الحجية ومنه ما ليس بتلك الدرجة من افادة القطع. وفي حجية مثل هذا النوع من الخبر الواحد وعدمها وقع الخلاف بين السيد المرتضى وأتباعه والشيخ الطوسي وأتباعه، فانكر السيد حجيته إذا لم يكن محفوفا " بقرائن تدل على صحته، وتبعه من الخاصة: القاضي ابن البراح، وابو المكارم ابن زهرة. والطبرسي صاحب المجمع، وابن ادريس الحلي صاحب السرائر، وغيرهم. ومن العامة: ابن علبة، والاصم، والقاشاني من اهل الظاهر، وغيرهم. وقال شيخ الطائفة الطوسي بحجيته، وان لم يفد العلم ولم يكن محفوظا " بقرائن تدل على صحته، وعليه عامة الفقهاء المتأخرين من الامامية. وربما نسب القول بالحجية ايضا " إلى كثير من العامة كابن شريح والحسن البصري والصيرفي من الشافعية واحمد بن حنبل، وداود الظاهري، والحسين الكرابيسي، وحكى ذلك عن مالك بن أنس أيضا " كما ذكر ذلك ابن حزم في الاحكام. وفي الحقيقة: ان مركز الخلاف بين الفريقين في وجود الدليل على الجواز وعدمه، فالمنكر كفريق السيد المرتضى علم الهدى ينكر وجود الدليل القطعي على الحجية. والقائل بالحجية كفريق الشيخ الطوسي =

[ 63 ]

وبالجملة فالاخبار المفصلة في عتق المديون ان قلت بظهورها في الوصية كما عرفت قلت بتقديم المنجز على الدين مطلقا "، بعد البناء على نفوذه من الاصل، عملا بالقاعدة مع عدم المخرج عنها، وان قلت


= يرى قيام الدليل على ذلك. فالخلاف ليس في حجية الخبر غير المفيد للعلم وعدم الحجية. وانما في قيام الدليل على الحجية وعدمه، فهو صغروي في الحقيقة مع اعتراف كل من الفريقين بحجية الخبر المفيد للعلم. وكل من الفريقين يعضد رأيه بالادلة الاربعة، الكتاب والسنة والاجماع والعقل، وبالمؤيدات الكثيرة، ولا يسع المجال لاستعراضها ومناقشتها وابن ادريس الحلى من مؤيدي السيد المرتضى في انكار حجية الخبر الواحد غير المفيد للعلم كما في المتن ولكن الذي يستعرض أدلة الفريقين ويستوعب المسألة درسا " وتحقيقا " في مظانها من كتب اصول الفقه للعامة والخاصة، لا يجد بدا " من موافقة الشيخ الطوسي من القول بحجية الخبر الواحد بحد ذاته وان لم يفد القطع، وذلك لكثرة الآيات الواردة في هذا الخصوص كمفهوم آية النبأ، ومنطوق آية النفر، وآية حرمة الكتمان، وآية الذكر. وكذلك لورود السنة النبوية عملا وقولا في ذلك: فمن العملية ما تواتر نقله من إنفاذ رسول الله صلى الله عليه وآله امراءه وقضاته ورسله وسعاته إلى الاطراف وهم آحاد لقبض الصدقات وحل العهود وتقريرها وتبليغ الاحكام، وذلك يدل بالملازمة على حجية اقوالهم ووجوب الاخذ منهم، ومن القولية: روايات متواترة لفظا " ومضمونا "، استعرضنها عامة كتب الاصول وقد ذكرت منها طوائف كثيرة، منها ما ورد في مقام الترجيح بين الخبرين المتعارضين بالاعدل والاشهر والاصدق والقول =

[ 64 ]

بظهورها في المنجز حملا للماضي على معناه الحقيقي أو الاعم منه ومن الوضعية من باب عموم المجاز، التزمنا بالتفصيل المتقدم تعبدا " بالاخبار


= بالتخيير عند التساوى، ومنها ما ورد في ارجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحاب الائمة عليهم السلام، ومنها ما دل على وجوب الرجوع إلى الرواة والثقاة والعلماء، ومنها ما دل على الترغيب في كتابة الروايات وحفظها وبثها. ومنها ما دل على ذم الكذب والتحذير من الكذابين والوضاعين. ومنها ما ورد في تسويغ الرجوع إلى أمثال كتب الشلمغاني وبني فضال، ونحوهم من المنحرفين في الرأى، الصدوقين في النقل، إلى غير ذلك من طوائف الروايات التي يستفاد من مجموعها رضى الائمة عليهم السلام، بل رغبتهم بالعمل بالخبر الواحد، وان لم يفد القطع هكذا في رسائل الشيخ الانصاري وكفاية الآخوند وغيرهما من كتب الاصول وأما دعاوي الاجماع على العمل بالخبر الواحد مطلقا "، فقد تواترت باستمرار على ألسنة عموم الفقهاء منذ عهد الشيخ إلى اليوم. وأما دليل العقل واستقراء طريقة العقلاء في ذلك، فعن الحجة النائيني كما في تقريرات تلميذه الكاظمي قدس سرهما قوله: " واما طريقة العقلاء، فهى عمدة أدلة الباب بحيث لو فرض أنه كان سبيل إلى المناقشة في بقية الادلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد على خبر الثقة والاتكال عليه في محاوراتهم ". وأخيرا "، نقول ان من يستعرض المسألة في مظانها من كتب اصول الفريقين: الخاصة والعامة، ويتأمل في أدلة الطرفين، لا يجد مناصا " إلا الاعتراف بحجية العمل بالخبر الواحد افاد العلم أم لم يفد. ولزيادة التفصيل في هذا الموضوع يراجع بابه من كتب الاصول للفريقين ككفاية الآخوند ورسائل الانصاري وارشاد الفحول والاحكام لابن حزم وغيرها.

[ 65 ]

الخاصة مع الاقتصار على موردها من التفصيل في دين المعتق من غير تعد منه إلى غيره من سائر المنجزات، فيرجع فيها إلى تقديم المنجز على الدين مطلقا ". الثاني بتعيين المنجز ثلثا "، إن كان بقدره وتعيينه من الثلث، ان كان دونه لان ذلك بحكم تعيين الميت ثلثه في مال مخصوص بعد أن كان له تعيين ذلك، وليس للوارث مزاحمة المنجز له في العين المنجزة وتبديلها بغيرها. الثالث كون العبرة بثلث المال عند الموت لا حين التنجيز كالوصية التي يعتبر فيها الثلث حين الموت لاحينها. الرابع تقديم المتقدم منها فالمقدم في المنجزات المرتبة مع زيادتها على الثلث مطلقا ". وان كان فيها عتق متأخر، فيقدم المنجز المتقدم عليه اجماعا " كالوصايا المتزاحمة، غير أنه في الوصايا قيل بتقدم العتق وإن كان متأخرا " في الذكر كما عن الشيخ والاسكافي، ولكن المشهور فيها بنوا على العمل بالترتيب المذكور فيها، وإن كان فيها عتق متأخر ولعل مستند الشيخ وابن الجنيد (1) ما تقدم من قوله: " يبدأ بالعتق " في الاخبار المتقدمة.


(1) ابن الجنيد هو الاسكافي، وهو محمد بن أحمد بن الجنيد أبو على الكاتب الاسكافي، من أعاظم الفرقة وأعيان الطائفة وأفاضل قدماء الامامية وأكثرهم علما " وفقها " وأدبا "، وأكثرهم تصنيفا " وأحسنهم تحريرا "، وأدقهم نظرا "، متكلم فقيه، محدث أديب، واسع العلم، صنف في الفقه والكلام والاصول والادب الكتابة وغيرها. تبلغ مصنفاته عدا أجوبة مسائله نحوا " من خمسين كتابا.. " هكذا ذكره وأطراه السيد بحر العلوم في فوائده الرجالية (ج‍ 3 ص 206 طبع النجف) ويستمر في استعراض كتبه ومؤلفاته إلى قوله في آخر ص 207 وهذا الشيخ على جلالته في =

[ 66 ]

ولو اجتمعت منجزات ووصايا وزاد المجموع على الثلث، فلا إشكال بل لا خلاف في تقديم المنجزات على الوصايا مطلقا "، وان تأخر عنها في الذكر وكان النقصان في الوصية، لان التنجيز تمليك فعلي، وقدتم السبب من قبل المعطى، وأن كان مراعى في التخريج بالموت. ولا كذلك الوصية فانها معلقة على الموت الذي هو بمنزلة الجزء من السبب. هذا كله في المنجزات، وأما الاقرار في مرض الموت، فلا يخلو: أما أن يكون الاقرار بدين أربعين، وعلى التقديرين: فاما أن يكون لاجنبي أو للوارث. وعلى التقادير: فاما أن يكون متهما " في إقراره أو لا يكون متهما " فيه: اختلفت كلماتهم في نفوذه من الاصل مطلقا "، أو التفصيل بحسب الصور المتقدمة والقيود الواردة في بعض النصوص من التقييد بكونه عدلا أو مرضيا " أو مليا " أو مصدقا ": على أقوال. وليعلم أولا كما سبق أنه لا ملازمة بين القول بنفوذ المنجزات من الاصل ونفوذ الاقرار منه أيضا " كما ادعاه في (المهذب) (1) لامكان


= الطائفة ورياسته وعظم علمه: قد حكي القول عنه بالقياس، ونقل ذلك عنه جماعة من أعاظم الاصحاب، ومع ذلك فقد أثنى عليه علماؤنا وبالغوا في إطرائه ومدحه وثنائه. ". وهو من اعلام القرن الرابع الهجري ومن معاصري الشيخ الكليني قدس سرهما. (1) المهذب البارع في شرح المختصر النافع للمحقق الحلي، تأليف الشيخ أحمد بن محمد بن فهد الحلي المتولد سنة 757 ه‍ والمتوفى سنة 841 ه‍، ولا يزال الكتاب من نفائس المخطوطات في مكتبة آل كاشف الغطاء الخاصة، وهو مجلد ضخم مستوعب للشرح والتفصيل والتحقيق، قال في آخر كتاب الوصايا منه في شرح قول المحقق: " أما الاقرار للاجنبي =

[ 67 ]

التخلف في الثاني بنفوذه من الثلث في مورد التهمة، تعبدا " بالادلة الخاصة فيه، كما أنه لا ملازمة بين القول بنفوذ المنجز من الثلث ونفوذ الاقرار منه أيضا " وإن نسب إليه ذلك أيضا " في (ملحقات البرهان) (1) إلا أني لم أجده فيما حضرني من نسخة (المهذب) بل الموجود فيه التصريح بالعدم (2). وانما نمنع الملازمة فيه لخروج المقر به عن كونه تركة الميت وماله ومتعلقا " به حق الغير بعمومات أدلة (إقرار العقلاء) فيكون خارجا " من


= فان كان متهما " على الورثة فهو من الثلث، وإلا فهو من الاصل ": " أقول: إقرار المريض هل يمضي من الاصل، أو يتقيد بالثلث كالوصية؟ ابن ادريس على الاول، وهو لازم لكل من جعل المنجزات من الاصل ". (1) هي مجموعة صغيرة تحتوي على أربعة رسائل موجزة: في المسافة الملفقة، والرجوع عن قصد الاقامة، وميراث الزوجة، وتصرفات المريض اعتبرها مصنفها وهو الفقيه المحقق السيد على بحر العلوم الطباطبائي صاحب البرهان القاطع من ملحقات كتابه (البرهان). قال أعلى الله مقامه في آخريات الرسالة الرابعة من المجموعة: " وأما الاقرار من المريض بمال للغير، فربما استظهر من اتفاق الاصحاب غير الحلي وسلار على عدم نفوذه مطلقا " من الاصل - القول بخروج المنجزات من الثلث إلى قوله: وعن المهذب: إن القول بكون المنجز من الاصل يلزمه القول بنفوذ الاقرار من الاصل، والقول بكونه من الثلث يلزمه القول بأن الاقرار من الثلث. ". (2) ففي المهذب تتمة العبارة الآنفة الذكر هكذا: " ومن قال: انها من الثلث: منهم من قال: الاقرار من الاصل. ومنهم من فصل والتفصيل في موضعين: (1) في الفرق بين العين والدين (2) وفي الفرق بين الوارث والاجنبي إلى آخر كلامه..

[ 68 ]

الاصل، وإن قلنا بخروج المنجزات من الثلث. هذا واستدل شيخنا في (الجواهر) على خروج المنجزات من الثلث بالادلة الدالة على نفوذ الاقرار منه في مورد التهمة ثم قال: " ولا ينافيه النفوذ من الاصل مع عدم التهمة، إذ لعله تعلق لا يمنع من الاقرار مع عدم التهمة، فان تعلق الحقوق بالنسبة إلى ذلك مختلف " (1) انتهى. وتقريب الاستدلال بها على مدعاه في المنجز انما هو لكون المانع عن النفوذ فيما زاد على الثلث في غير مورد التهمة تعلق حق الوارث به وهو كما يمنع من نفوذ الاقرار فيه كذلك يمنع من نفوذ المنجز فيه أيضا " لوجود الملاك، وهو تعلق حق الغير به، فيكون من تنجيز ما تعلق به حق الغير، وهو باطل. قلت: لنا في كلا طرفي كلامه تأمل، أما التعليل بعدم المنافاة ففيه أن حق الغير بعد فرض تعلقه لا يمكن نفوذ الاقرار في متعلقه وان لم يكن متهما "، لعدم شمول دليل الاقرار له، بعد أن كان مورده النفوذ على نفسه دون غيره. (ودعوى) اختلاف الحقوق بالنسبة إلى ذلك (أمر) لا نعقله بعد فرض التعلق. وأما التقريب، ففيه أنه كما يحتمل أن يكون المانع تعلق حق الغير به وعليه فيمنع في المنجز أيضا " كذلك يحتمل أن يكون المانع لزوم التفويت على الوارث والاضرار به، وان لم يتعلق له به حق فعلي، وحيث


(1) فقد ذكر قبل هذه الجملة قوله: مضافا " إلى نصوص الاقرار المتضمنة لنفوذه من الثلث مع التهمة، وبدونها من الاصل ولو لاتعلق حق الوارث في الجملة بحيث لا يمضي الاقرار عليه، لم يكن وجه للنفوذ من الثلث.. ولا ينافيه. راجع: كتاب الحجر في أخريات شرح قول المحقق: وفي منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا.

[ 69 ]

لا ضرر ولا تفويت على الوارث لو نفذ من الثلث التزمنا بنفوذه فيه، عملا بدليل الاقرار في الجملة (1) ولا يتوهم على هذا الوجه لزوم القول بالتفصيل بين التهمة وعدمها في المنجز أيضا ". مع أنه لا قائل به لان التنجيز انشاء للنقل وايجاد لسببه وداعي التفويت لا يوجب سقوط أثر الانشاء وليس هو كالاقرار من مقولة الخبر المحتمل فيه الصدق والكذب حتى يلغي الشارع احتمال الكذب في غير التهمة ويعتبره فيها. وبعبارة أخرى: الاقرار، وان كان خبرا " عن أمر سابق يحتمل فيه الصدق والكذب، الا أن غلبة الصدق فيما عليه أوجب جعله الشارع طريقا " إلى الواقع، لان العاقل لا يقر غالبا " بما فيه ضرر عليه، وفي مورد التهمة يضعف ذلك الظهور، ويقوى احتمال الكذب فيه لداع من الدواعي، فيسقط عن الطريقية، ولا كذلك الاسباب والانشائات في تأثيرها وايجاد مسبباتها، وان اختلف الدواعي. نعم يلزم القول بالتفصيل في المنجز أيضا "، ولو كان وجه المنع في الاقرار مع التهمة تعلق حق الوارث وهو مما يضعف كونه الوجه في ذلك أيضا ". إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى ذكر الاقوال وأدلتها فنقول: اختلفت كلماتهم في نفوذ الاقرار في مرض الموت على أقوال:


(1) اشارة إلى الحديث النبوي المشهور على ألسنة الفقهاء والمذكور في كتبهم الفقهية في مقام الاستدلال على إلزام المقر بما أقر به، وهو قوله صلى الله عليه وآله: " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " قال: الحر العاملي في الوسائل أوائل كتاب الاقرار، باب صحة الاقرار من البالغ العاقل: " وروى جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ".

[ 70 ]

أحدها: نفوذه من الاصل مطلقا "، وهو المحكى عن السرائر، والغنية، والمراسم وكشف الرموز. وعن الاولين: دعوى الاجماع عليها (1).


(1) ففي أخريات كتاب الصدقات من (كتاب السرائر) لمحمد ابن إدريس الحلي، باب الاقرار في المرض ص 391 طبع حجري، قوله: " إقرار المريض على نفسه جائز للاجنبين وللوارث وعلى كل حال، إذا كان عقله ثابتا " في حال الاقرار، يكون ما أقر به من أصل المال، سواء كان عدلا أو فا، متهما على الورثة أو غير متهم، وعلى كل حال سواء كانت مع المقر له بينة أو لم تكن، لاجماع أصحابنا المنعقد: أن إقرار العقلاء جائز فيما يوجب حكما في شريعة الاسلام ". وفي كتاب الغنية للسيد أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني بعنوان (فصل في الاقرار) ضمن كتاب التجارة، عبارته في أول الفصل هكذا: " ويصح إقرار المحجور عليه واقرار المريض للوارث وغيره بدليل الاجماع المشار إليه. " وعبارته في آخر الفصل هكذا: " ومن أقر بدين في حال صحته ثم مرض فأقر بدين آخر في حال مرضه صح، ولا يقدم دين الصحة على دين المرض إذا ضاق المال عن الجميع بل يقسم على قدر الدينين بدليل قوله تعالى: " من بعد وصية يوصى بها أو دين " من غير فضل ". ومن ملاحقة العبارتين يظهر رأيه جليا " في تقديم الاقرار بالدين من الاصل مستدلا بالاجماع. وفي كتاب المراسم العلوية في الاحكام النبوية المطبوع ضمن الجوامع الفقهية في ايران للشيخ حمزة أبي يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي من أعلام القرن الخامس الهجري، قال في أخريات كتاب العتق والتدبير =

[ 71 ]

ثانيها التفصيل بين التهمة، فينفذ من الثلث مطلقا "، وعدمها فينفذ من الاصل كذلك، سواء كان بدين أو بعين لاجنبي أو للوارث، وهو المنسوب إلى الاكثر. ثالثها إنه من الاصل مع العدالة وعدم التهمة مطلقا "، ومن الثلث مع عدمها مطلقا "، وهو المحكي عن القاضي ونهاية الشيخ (1). رابعها ان كان المقر عدلا فهو من الاصل، والا فمن الثلث حكاه في مفتاح الكرامة والجواهر قولا ولم ينسباه إلى قائل. خامسها انه للاجنبي من الاصل مطلقا "، وللوارث كذلك مع عدم التهمة، ومن الثلث معها، وهو محكي عن ابن حمزة (2)


= والمكاتبة، بعنوان ذكر الاقرار في المرض: " من كان عاقلا يملك أمره فيما يأتي ويذر، فاقراره في مرضه كاقراره في صحته " أي في الاخراج من الاصل. (1) لم نجد ذلك جليا " في مظانه من كتاب جواهر الفقه للقاضي ابن البراج، ولكن رأيه هذا منقول في عامة الموسوعات الفقهية، وفي نهاية الشيخ الطوسي قدس سره آخر كتاب الوصايا، باب الاقرار في المرض والهبة، ص 617 طبع دار الكتاب العربي في بيروت هكذا: " اقرار المريض جائز على نفسه للاجنبي وللوارث على كل حال إذا كان مرضيا " موثوقا " بعدالته، ويكون عقله ثابتا " في حال الاقرار، ويكون ما أقر به من أصل المال، فان كان غير موثوق به، وكان متهما "، طولب المقر له بالبينة، فان كانت معه بينة أعطي من أصل المال وإن لم يكن معه بينة أعطي من الثلث، إن بلغ ذلك. فان لم يبلغ فليس له أكثر منه ". (2) قال ابن حمزة المشهدي في كتاب الوسيلة المطبوع بالحجر ضمن الجوامع الفقهية، في فصل الاقرار، قبل كتاب النفقات: " واقرار =

[ 72 ]

سادسها ما هو المحكي عن المقنع: من نفوذه من الثلث في حق الوارث، ولم يعلم فتواه في الاجنبي (1). سابعها ما هو المحكي عن المقنعة: من أنه ان كان بدين فهو من الاصل مطلقا "، وان كان بعين وكان عليه دين يحيط بما في يده قبل إقراره ان كان عدلا مأمونا "، ولم يقبل إقراره ان كان متهما " (2). ثامنها انه ان كان مأمونا " فهو من الاصل، صحيحا " كان أو مريضا " لوارث أو لاجنبي بدين أو بعين، وان كان متهما " فهو من الثلث مطلقا " وهو المحكي عن أبي الصلاح، ولم أجد موافقا " له في التفصيل بين التهمة وعدمها في حال الصحة، بل قيل بعد حكايته عنه لا خلاف في نفوذه من الاصل في الصحة مع التهمة أيضا ". تاسعها نفوذه من الثلث للورثة مطلقا " مع التهمة وعدمها، وللاجنبي


= المريض إذ كان صحيح العقل مثل اقرار الصحيح إلا في حق بعض الورثة لشئ إذا كان متهما "، فإذا أقر له ولم يكن للمقر له بينة على ما اقر له به، كان في حكم الوصية ". (1) المقنع للصدوق رحمة الله طبع بالحجر في ايران مع الجوامع الفقهية، قال في أوائل باب الوصايا " وإذا أقر الرجل وهو مريض لوارث بدين، فانه يجوز إذا كان الذي أقر به دون الثلث " ولم يذكر غير الوارث. (2) كمال العبارة في مقنعة الشيخ المفيد طبع حجري في ايران، باب الاقرار في المرض هكذا: " واقرار العاقل في مرضه للاجنبي والوارث سواء، وهو ماض واجب لمن أقر به. وإذا كان على الرجل دين يحيط بما في يديه، فأقر بأنه وديعة لوارث وغيره، قبل إقراره إن كان عدلا مأمونا "، وإن كان متهما " لم يقبل إقراره... "

[ 73 ]

التفصيل بين التهمة وعدمها، وهو أختيار النافع (1). ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الاخبار التي: منها خبر منصور بن حازم: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا "؟ فقال: ان كان الميت مرضيا فأعطه الذي أوصى له " (2). ومنها خبر أبي أيوب عنه ايضا " (3). ومنها خبر العلا بياع السابري: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له: ان المال الذي دفعته اليك لفلانة، وماتت المرأة فاتى أوليائها للرجل فقالوا له: انه كان لصاحبتنا مال ولا نراه الا عندك فاحلف لنا ما لها قبلك شئ، افيحلف لهم فقال: ان كانت مأمونة عنده فيحلف لهم، وان كانت متهمة فلا يحلف لهم ويضع الامر على ما كان فانما لها من مالها ثلثه " (4). ومنها خبر أبي بصير: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل معه مال مضاربة، فمات وعليه دين وأوصى ان هذا الذي ترك لاهل


(1) تمام العبارة في المختصر النافع للمحقق آخر كتاب الوصايا هكذا ".. أما الاقرار للاجنبي، فان كان متهما " على الورثة فهو من الثلث وإلا فهو من الاصل. وللوارث من الثلث على التقديرين. (2) الوسائل، كتاب الوصايا، باب 16 صحة الاقرار للوارث حديث رقم (1). (3) في نفس المصدر آخر الحديث الثاني يشير الحر العاملي إلى خبر أبي أيوب عن الامام الصادق (ع). وبهذا النص برقم (8) بنفس الباب. (4) المصدر نفسه حديث رقم (2).

[ 74 ]

المضاربة أيجوز ذلك؟ قال: نعم إذا كان مصدقا " (1). وصحيح الحلبي: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يقر لوارث بدين فقال يجوز إذا كان مليا " (2). ومنها خبره الآخر: " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أقر لوارث بدين في مرضه أيجوز ذلك قال " نعم إذا كان مليا " (3). ومكاتبة محمد بن عبد الجبار إلى العسكري عليه السلام: " عن امرأة أوصت إلى رجل واقرت له بدين ثمانية آلاف درهم وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبة وصفر ونحاس وكل ما لها أقرت به للموصى له وأشهدت على وصيتها وأوصت أن يحج عنها من هذه التركة حجتان ويعطى مولى لها أربعمأة درهم وماتت المرأة وتركت زوجها، فلم ندر كيف الخروج من هذا واشتبه علينا الامر، وذكر كاتب ان المرأة استشارته فسألته أن يكتب لهم ما يصح لهذا الوصي فقال لها لا تصح تركتك لهذا الوصي الا باقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود وتأمريه بعد ان ينفذ ما توصيه به، فكتبت له بالوصية على هذا. وأقرت للوصي بهذا الدين، فرأيك أدام الله عزك في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا وتعريفنا ذلك لنعمل به ان شاء الله تعالى؟ فكتب عليه السلام بخطه ان كان الدين صحيحا " معروفا " ومفهوما " فيخرج الدين من رأس المال، وان كان لم يكن الدين حقا " انفذ لها ما اوصت به من ثلثها كفى أو لم يكف " (4). ومنها خبر اسماعيل بن جابر: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن


(1) المصدر نفسه حديث رقم (14). (2) المصدر نفسه بنفس الباب. حديث رقم (5). (3) المصدر نفسه بنفس الباب. حديث رقم (7). (4) المصدر نفسه حديث رقم (10).

[ 75 ]

رجل أقر لوارث وهو مريض بدين له عليه؟ قال: يجوز إذا أقر به دون الثلث " (1). ومنها خبر سماعة: " سألته عمن أقر لوارث بدين عليه وهو مريض قال يجوز عليه ما أقر به إذا كان قليلا (2). ومنها خبر أبي ولاد: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اعترف لوارث له بدين في مرضه؟ فقال لا تجوز وصيته لوارث ولا اعتراف له بدين " (3). ومنها خبر السكوني: " قال أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أقر عند موته لفلان وفلان: لاحدهما عندي ألف درهم ثم مات على تلك الحال أيهما أقام البينة فله المال فان لم يقم واحد منهما البينة فالمال بينهما نصفان " (4). ومنها خبر سعد بن سعد: " عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن رجل مسافر حضره الموت فدفع مالا إلى رجل من التجار فقال له إن هذا المال لفلان ابن فلان ليس لي فيه قليل ولا كثير فادفعه إليه يصرفه حيث شاء، فمات ولم يأمر فيه صاحبه الذي جعله له بأمر ولا يدري صاحبه ما الذي حمله على ذلك كيف يصنع؟ قال يضعه حيث شاء " (5).


(1) الوسائل كتاب الوصايا، باب الاقرار للوارث، حديث رقم (3). (2) المصدر نفسه، حديث رقم (9). (3) في الوسائل، كتاب الوصايا، باب 15 جواز الوصية للوارث حديث (12) هكذا: وعنه عن القاسم بن سلبمان قال: سألت أبا عبد الله. الخ (4) راجع: مستدرك الوسائل، كتاب الوصايا باب 24 إن من أقر الواحد من اثنين. (5) الوسائل كتاب الوصايا، باب 16 حديث رقم (6).

[ 76 ]

وأنت خبير بأن القول المشهور وهو التفصيل بين التهمة وعدمها بالنفوذ من الثلث مطلقا " أو من الاصل كذلك هو مقتضى الجمع بين هذه الاخبار بعد ارجاع بعض القيود التي فيها ككونه عدلا أو مرضيا " أو ثقة أو مصدقا " أو مليا "، سيما بناء على تفسير الملاة بالوثاقة كما عن الصحاح إلى المأمونية المقابلة للتهمة، فيكون مرجح الكل إلى التفصيل بين التهمة وعدمها، بها تخصص عمومات أدلة الاقرار التي مقتضاها نفوذه من الاصل ولو مع التهمة في مرض الموت، ضرورة ان في كل من الاقوال المتقدمة عدا القول بالتفصيل المذكور طرحا " لبعض هذه النصوص أو جلها مع عدم الداعي إليه، فراجع. بقي هنا إشكال في ضمن إشكال. الاول ان مقتضى مفهوم النصوص المتقدمة كما قيل سقوط الاقرار مع التهمة رأسا "، لا نفوذه من الثلث. الثاني بعد فرض النفوذ عليه يقتضي نفوذه على قدر نسبة ما يخصه من المال وهو الثلث، لا نفوذ كله منه كما ينفذ على المعترف من الورثة مع انكار الباقي بدين على مورثهم بقدر نصيبه من الارث، لا كله. والجواب: اما عن الاول، فمع قيام الاجماع بقسميه على عدم حرمان المقر له مما أقر به المقر ونفوذه من ثلثه، إشعار جملة من النصوص به بل دلالتها عليه، كما في ذيل خبر العلا من التعليل لعدم الحلف بأنما لها من مالها الثلث، فانه لا ربط لذكر ذلك إلا من حيث نفوذ ما أقرت به من الثلث، وذيل روايتي اسماعيل بن جابر، وسماعة، بناء على ظهور إرادة الثلث فما دون من الاولى، وإرادة الثلث من القليل في الثانية. ومنه يعلم الجواب عن الثاني أيضا "، مضافا " إلى وضوح الفرق بينه وبين اعتراف أحد الورثة بدين على الميت، ضرورة ان المخاطب بالوفاء

[ 77 ]

هنا هو المقر بعد ثبوت الدين عليه باقراره، فيكون وفاء ما عليه مما له من المال وهو الثلث، ولا كذلك في الوارث، فان المخاطب بالوفاء جميع الورثة، فعلى المعترف بنسبة ما يخصه من الارث باعترافه، فما أبعد ما بين المقيس والمقيس عليه. نعم يقاس المقام بما لو علم الوصي بدين على الميت مع انكار الورثة وعجزه عن اثباته، فانه يجب عليه وفاؤه من الثلث مع عدم التمكن من غيره وليس إلا لكون الدين على الميت، والوصي نائب عنه ومخاطب به، حيث لا طريق له على الوارث، فظهر لك من مجموع ما ذكرنا أن الاقوى في مسألة المنجزات في مرض الموت نفوذها من الاصل وفي مسألة الاقرار فيه نفوذه منه أيضا "، سواء كان بدين أو بعين لاجنبي كان أو للوارث، الا في صورة التهمة، فانه ينفذ من الثلث مطلقا " في الصورة المزبورة، وحيث قوينا نفوذه المنجز من الاصل كفينا مؤنة التعرض لبقية الفروع المبتنية على نفوذه من الثلث. والله العالم بحقائق أحكامه

[ 79 ]

رسالة في حرمان الزوجة من بعض الارث

[ 80 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 81 ]

أجمعت الامامية على ما قيل عدا الاسكافي (1) على حرمان الزوجة في الجملة إرثا " من تركة زوجها. وانما اختلفوا في موضعين (الاول): فيما تحرم منه من أعيان التركة (الثاني): فيمن تحرم منه من الزوجات مطلقا "، أو خصوص غير ذات الولد منها. أما الموضع الاول فقد اختلفت كلماتهم في ذلك على أقوال: أحدها وهو المنسوب إلى الشيخ في (النهاية) وابن حمزة وابن البراج وأبي الصلاح والتقى (2): بل قيل هو المشهور حرمانها


(1) نسبة إلى (إسكاف) بالكسر، وهى النهر أو انات بين بغداد وواسط. وهو نفس ابن الجنيد محمد بن أحمد أبو على الكاتب، وكان من أعاظم الفقهاء الامامية، ومن مقدميهم في العلم وكثرة التصنيف في مختلف فنون العلم والادب، وكان يقول بحجية القياس، ويوافق العامة في كثير من فتاواه توفي بالري سنة 381 ه‍ (راجع عن تفصيل ترجمته: رجال السيد بحر العلوم مع تعليقاته: ج‍ 3 ص 224 205 (طبع النجف). (2) هكذا في الاصل مع العطف. ولعل الصحيح بدون واو العطف فان أبا الصلاح هو نفسه التقي بن نجم بن عبيدالله الحلي المعاصر للعلمين السيد المرتضى والشيخ الطوسي، وله مصنفات في الفقه كثيرة منها (الكافي) ولعله لا يزال من نفائس المخطوطات (ترجم له السيد بحر العلوم في رجاله ج‍ 2 ص (131 - 134) طبع النجف الاشرف.

[ 82 ]

من مطلق الارض، سواء كانت بياضا " أو مشغولة بزرع أو بناء أو نخل أو شجر أو غير ذلك (1) ويقوم البناء وما فيه من الآلات كالطوب (2) والبوب والخشب والقصب وغير ذلك من الآلات المستدخلة في البناء، ويعطى حقها من قيمة ذلك، ونسب إلى أهل هذا القول توريثها من عين النخل والشجر، وعليه يكون حرمانها عندهم من مطلق الارض مطلقا " عينا " وقيمة، ومن البناء وما فيه من الآلات عينا " لا قيمة، وتوريثها من عين


(1) ففي (النهاية للشيخ الطوسي ص 642) طبع دار الكتاب العربي: " والمرأة لا ترث من زوجها من الارضين والقرى والرباع من الدور والمنازل، بل يقوم الطوب والخشب وغير ذلك من الآلات وتعطي حصتها منه، ولا تعطي من نفس الارض شيئا وقال بعض أصحابنا ان هذا الحكم مخصوص بالدور والمنازل دون الارضين والبساتين والاول اكثر في الروايات، واظهر في المذهب، وفي (الوسيلة إلى نيل الفضيلة لابي جعفر محمد بن على بن حمزة الطوسي، المطبوع مع الجوامع الفقهية طبعة حجرية في ايران) في فصل ميراث الازواج: ".. وإن لم تكن (أي الزوجة) ذات ولد منه (أي الزوج) لم يكن لها حق في الارضين والقرى والمنازل والدور والرباع ". وأما القاضي ابن البراج. فلم نجد رأيه في ذلك صريحا " في مظانه من كتابه جواهر الفقه، المطبوع ضمن الجوامع الفقهية، ولكن ينسب إليه ذلك في عامة الموسوعات الفقهية كما في المتن. وأما أبو الصلاح التقي الحلبي، فلم يحضرني كتابه (الكافي) المخطوط كما عرفت ولكن المنقول عنه ذلك أيضا " في عامة الموسوعات الفقهية. (2) الطوب بالضم: الآجر كما عن القاموس.

[ 83 ]

النخل والشجر. لكن لم أجد في النهاية ذكر النخل والشجر (1) حتى يعلم توريثها من عينهما أو من قيمتهما ولعل النسبة من جهة اختصاص الحرمان في الذكر بالارض واختصاص التقويم في الذكر بالبناء والآلات، وليس النخل والشجر منهما فيكونان باقيين في عمومات الارث، الموجب للارث من عينهما كسائر الاموال، إلا انه كما يحتمل ذلك، مع عدم جواز النسبة بمجرد ذلك، كذلك يحتمل ادخالهما في الآلات التي ترث من قيمتها لا من عينها، وكيف كان الثاني مثل الاول مع توريثها من قيمة النخل والشجر، وهو للعلامة في القواعد والشهيد في الدروس (2) وجمع كثير، بل نسبه غير واحد كالقواعد وغيره إلى المشهور. بل لعله قول من تقدم من القدماء بناء على إلحاقهما بالآلات، كما عرفت. وعلى فتحرم من مطلق الارض عينا " وقيمة، وتعطى من قيمة ما عليها من الاعيان الثابتة مطلقا "، فتحرم


(1) ولعل في آخر عبارة (النهاية) الآنفة الذكر إشارة إلى ذلك حيث يقول ". وقال بعض أصحابنا. " فان كلمة (البساتين) ترمز إلى النخل والشجر، والله العالم. (2) قال العلامة في قواعده في أخريات الفصل الرابع من كتاب الفرائض: " أما الروجة: فان كان لها ولد.. وان لم يكن لها ولد، فالمشهور أنها لا ترث من رقبة الارض شيئا ". وتعطي حصتها من قيمة الآلات والابنية والنخل والشجر. ". وقال الشهيد الاول في دروسه: كتاب الميراث بعنوان (درس وثالث عشرها ": " الثالث لو خلت الزوجة عن ولد لم ترث من رقبة الارض شيئا "، وتعطي قيمة الآلات والابنية والشجر. ".

[ 84 ]

من عينها لا من قيمتها، ولو كان نخلا " أو شجرا ". الثالث اختصاص الحرمان بخصوص أرض الرباع، وهي الدور والمساكن عينا " وقيمة، ومن عين ما فيها من البناء دون قيمته وترث من غير ذلك عينا "، وان كان أرضا "، كسائر أمواله. وهو منسوب إلى المفيد (1) وابن ادريس (2) وكاشف الرموز (3). ومال إليه في


(1) قال الشيخ المفيد كما في المقنعة باب ميراث الازواج غير ذوي الاولاد: ". ولا ترث الزوجة شيئا " مما يخلفه الزوج من الرباع وتعطي قيمة الخشب والطوب والبناء والآلات فيه، وهذا هو منصوص عليه عن نبي الهدى عليه وآله الصلاة والسلام وعن الائمة من عترته. والرباع: هو الدور والمساكن دون البساتين والضياع ". (2) قال محمد بن إدريس العجلي الحلي في كتابه (السرائر: كتاب الفرائض أثناء فصل: وإذا انفرد الولد من الابوين وأحد الزوجين): " وكذا ذهب السيد المرتضى فيما رواه أصحابنا وأجمعوا عليه: من أن الزوجة التي لا يكون لها من الميت ولد لا ترث من الرباع والمنازل شيئا ". والحق بعض أصحابنا جميع الارضين من البساتين والضياع وغيرها وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر، والاول اختيار الشيخ المفيد إلى قوله: والصحيح أنها لا ترث من نفس التربة ولا من قيمتها، بل يقوم الطوب والآلات وتعطي قيمة ". (3) كشف الرموز أول شرح للمختصر النافع للمحقق الحلى، تصنيف الفقيه الحسن بن أبي طالب الآبي اليوسفي معاصر المحقق الحلي وتلميذه الاقدم وهو من نفائس المخطوطات (راجع عنه وعن مؤلفه، رجال السيد بحر العلوم ج‍ 2 ص 186 179 مع التعليقات) طبع النجف. ويظهر من السيد =

[ 85 ]

(المختلف) الا أن قرار فتواه على قول الشيخ (1). وقواه في الكفاية (2)


= في رجاله: أن المحقق المنقول عنه في هذا الكتاب يرى الحرمان من الرباع لمطلق الزوجة، حتى لو كانت ذات ولد فلاحظ. (1) مختلف الشيعة في أحكام الشريعة للعلامة الحلي قدس سره ففي كتابه الفرائض منه، مسألة حرمان الزوجة من الارض والرباع يقول: " مسألة قال الشيخ في النهاية: المرأة لا ترث من زوجها من الارضين والقرى والرباع من الدور والمنازل.. " وبعد أن يستعرض آراء الفقهاء القدماء في المسألة كالقاضي بن البراج وأبي الصلاح الحلي وابن حمزة والشيخ المفيد وابن ادريس والسيد المرتضى وغيرهم يقول: " والذي يقوي في نفسي أن هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الاكثر من الذكور بالمصحف والسيف، وأن الرباع، وان لم يسلم في الزوجات، فقيمتها محسوبة لها. " وفي آخر المسألة يختم كلامه بقوله: " وبعد هدا كله فالفتوى على ما قاله الشيخ رحمه الله ". (2) راجع من كفاية السبزواري، كتاب المواريث، البحث الرابع في الميراث بحسب السبب، وفيه فصول: الاول في بعض الاحكام المتعلقة بميراث الازواج، وفيه مسائل: " الثالثة المشهور بين علمائنا حرمان الزوجة عن شئ من ميراث الزوج في الجملة إلى قوله: وللاصحاب اختلاف في هذه المسألة في موضعين: (الاول) فيما يحرم منه وقد اختلف في الاصحاب على أقوال إلى قوله: الثالث حرمانها من الرباع، وهى الدور والمساكن دون البساتين والضياع، وتعطي قيمة الآلات والابنية من المساكن، وهو قول المفيد وابن ادريس " وبعد ذكر الاقوال في المسألة يستعرض الروايات التي يظهر منها الخلاف =

[ 86 ]

وهو ظاهر النافع (1) والمحكى عن تلميذه في شرحه (2). الرابع وهو للمرتضى رحمه الله تعالى: (3) إختصاص الحرمان


= في الاقوال، ثم يأخذ في ترجيح الاقوال على ضوء ترجيح أدلتها والجمع بين متعارضاتها، فيرجح أولا قول السيد المرتضى، وهو رابع الاقوال لقوة دليله. وأخيرا ": يختم المورد بقوله: " وبعد قول السيد فقول المفيد ومن تبعه لا يخلو عن قوة ". (1) وذلك لقول المحقق الحلي الصريح في (مختصر النافع، كتاب الميراث، المقصد الثاني في ميراث الازواج: " ويرث الزوج من جميع ما تركته المرأة، وكذا المرأة عدا العقار، وترث من قيمة الآلات والابنية. ". (2) لا ندري ماذا يقصد الماتن ب‍ (تلميذه وشرحه) بعد أن ذكر (كشف الرموز للمحقق الآبي) تلميذ المحقق الحلي وهو أول شروح النافع بعد شرح المصنف نفسه له والذي يستعرض شروح (النافع). المدرجة في (الذريعة للمرحوم الطهراني) ويواكب تلاميذ المحقق الحلي المذكورة في مصادر ترجمته لم يجد تلميذا " شارحا " للكتاب غير المحقق الآبي المذكور، فان أقدم ما أطلعنا عليه من شروح، هو (التنقيح الرائع) للفاضل المقداد السيوري المتوفى سنة 826 ه‍. و (المهذب البارع للشيخ أحمد بن محمد بن فهد الحلي المتوفى سنة 841 ه‍. وهذان العلمان لا يمكن لهما معاصرة أو تلميذة المحقق الحلي المولود سنة 602 والمتوفى سنة 676 ه‍ عادة بحكم البون الشاسع بين التاريخين. وأخيرا، فلم نجد تخريجا " واضحا " لما يريده الماتن قدس سره من هذه الجملة على أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. والله العالم. (3) قال السيد في كتابه (الانتصار: ص 301) طبع النجف =

[ 87 ]

بالرباع أرضا " وعمارة، لكن عينا " لا قيمة، فتعطى حقها من قيمتها أرضا " وعمارة، وتوريثها من غير ذلك عينا " ولو كان ضيعة وعقارا ". هذه أربعة أقوال في حرمان الزوجة. إن صحت نسبة توريثها من عين النخل والشجر إلى الشيخ وأتباعه. وقول وهو لابن الجنيد: عدم حرمانها من شئ وتوريثها من عين كل شئ كغيرها من الورثة (1). فالمسألة بالنسبة إلى ميراث الزوجة خماسية الاقوال أو رباعيتها. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الاخبار الواردة في المقام عن الائمة الاطهار عليهم السلام. وهانتلوا عليك جملة ما وقفنا عليه: منها موثقة عبيد بن زرارة والبقباق: " قلنا لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل تزوج امرأة ثم مات عنها وقد فرض لها الصداق؟ قال: لها نصف الصداق " وترثه من كل شئ، وان ماتت


= سنة 1391: " مسألة، ومما انفردت به الامامية القول بأن الزوجة لا ترث من رباع المتوفي شيئا "، بل تعطي بقيمة حقها من البناء والآلات دون قيمة العراص، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، ولم يفرقوا بين الرباع وغيرها في تعلق حق الزوجات: والذي يقوي في نفسي أن هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الاكبر من الذكور بالسيف والمصحف، وأن الرباع، وان لم تسلم إلى الزوجات، فقيمتها محسوبة لها ". (1) كما مرت الاشارة من الماتن إلى قوله باستثنائه في أول المسألة. وتذكر مخالفته هذه في عامة كتب الفقه بهذا الموضوع. ولاعجب منه فانه كثير المخالفة للامامية في آرائه الفقهية، بالرغم من كونه من مفاخرهم وأعاظمهم كما عرفت ذلك من السيد بحر العلوم في رجاله.

[ 88 ]

فهي كذلك " (1). ومنها رواية البقباق وابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) قال:: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئا "، أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئا "؟ قال: يرثها وترثه من كل شئ ترك وتركت " (2). ومنها رواية محمد بن مسلم، قال " " قال أبو عبد الله عليه السلام ترث المرأة الطوب ولا ترث من الرباع شيئا "؟ قال: قلت: كيف ترث من الفرع ولا ترث من الرباع شيئا "؟ فقال لي: ليس لها منهم نسب ترث به وانما هي دخيل عليهم فترث من الفرع، ولا ترث من الاصل، ولا يدخل عليهم داخل بسببها " (3). ومنها رواية زرارة ومحمد: " ولا ترث النساء من عقار الدور شيئا " ولكن يقوم البناء والطوب، وتعطى منها ثمنها أو ربعها " (4). ومنها رواية يزيد الصائغ: " ان النساء لا يرثن من رباع الارض شيئا "، ولكن لهن قيمة الطوب والخشب " (5). ومنها روايته أيضا ": " عن النساء: هل يرثن من الارض؟


(1) كتاب الوسائل للحر العاملي كتاب النكاح، أبواب المهور باب 58، حديث (8): عن عبيد بن زرارة وفضل أبي العباس قالا: قلنا لابي عبد الله (ع) وفضل هو الملقب بالبقباق. (2) الاستبصار للشيخ الطوسي، باب 94 حديث رقم 12. (3) الاستبصار باب 94 حديث (4). (4) الوسائل، كتاب الفرائض باب 6، حديث رقم (7). (5) في الوسائل، كتاب الفرائض باب 6، حديث (11) قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن النساء..

[ 89 ]

فقال لا، ولكن يرثن قيمة النباء، قال: قلت فان الناس لا يرتضون أبدا " فقال: إذا ولينا ولم يرض الناس ضربناهم بالسوط، فان لم يستقيموا ضربناهم بالسيف " (1). ومنها رواية الصفار عن بصائر الدرجات عن عبد الملك: " قال دعا أبو جعفر عليه السلام بكتاب علي عليه السلام فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطويا "، فإذا فيه: ان النساء ليس لهن من عقار الرجل إذا توفي عنهن شئ، فقال: أبو جعفر عليه السلام: هذا والله خط علي عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله " (2). ومنها رواية موسى بن بكير الواسطي: " قال قلت لزرارة: إن بكيرا " حدثني عن أبي جعفر عليه السلام ان النساء لا ترث امرأة مما ترك زوجها من تربة دار، ولا أرض الا أن يقوم البناء والجذوع والخشب، فتعطى نصيبها من قيمة البناء، وأما التربة فلا تعطى شيئا " من الارض ولا تربة دار، قال زرارة: هذا مما لا شك فيه " (3). ومنها ما كتبه الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: " علة المرأة أنها لا ترث من العقار شيئا " إلا قيمة الطوب والنقض، لان العقار لا يمكن تغييره وقلبه، والمرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها وبينه من العصمة، ويجوز تغييرها وتبديلها، وليس الولد والوالد كذلك، لانه لا يمكن التفصي بينهما، والمرأة يمكن الاستبدلال بها فما يجوز


(1) الوسائل، المصدر الآنف الحديث قبل ذلك رقم (8) عن يزيد الصائغ عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن النساء. (2) الوسائل، أبواب ميراث الازواج، باب 6 حديث (17). (3) الوسائل، بنفس المصدر الآنف، حديث رقم (15) والاستبصار باب 94، حديث رقم (11) طبع النجف.

[ 90 ]

أن يجئ ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تغييره وتبديله إذا أشبهه، وكان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات والقيام " (1). ومنها رواية محمد وزرارة: " ان النساء لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئا "، الا أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء " (2). ومنها رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال إنما جعل للمرأة قيمة الخشب والطوب لئلا يتزوجن، فيدخل عليهم من يفسد مواريثهم " (3). ومنها رواية ميسرة بياع الزطي عن عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن النساء مالهن من الميراث؟ فقال: لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأما الارضون والعقار فلا ميراث لهن فيه، قال قلت: فالثياب؟ قال: الثياب لهن نصيبهن، قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن والربع مسمى؟ قال: لان المرأة ليس لها نسب ترث به وانما هي دخيل عليهم، وانما صار هذا هكذا لئلا تزوج المرأة فيجئ زوجها أو ولد من قوم آخرين، فيزاحم قوما " في عقارهم " (4).


(1) الوسائل، كتاب الفرائض والمواريث، باب 6 حديث (14). (2) الاستبصار، باب 94، حديث (10) عن محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر..، (3) الوسائل، كتاب الفرائض والمواريث، باب 6 حديث (9). (4) الاستبصار باب 94، حديث (8). والزط بالضم: طائفة من أهل الهند، معرب (جت) وإليهم ننسب الثياب الزطية هكذا في كتب اللغة: فيكون المقصود من (بياع الزطي) بياع الثياب المنسوبة إلى الزط. ولعل في الرواية شاهدا " على ذلك لسؤال الراوي عن الثياب والله العالم.

[ 91 ]

ومنها رواية مؤمن الطاق: " لا يرثن النساء من العقار شيئا "، ولهن من قيمة البناء والشجر والنخل " (1). ومنها رواية زرارة ومحمد: " لا ترث النساء من عقار الارض شيئا " (2). ومنها رواية عبد الملك بن أعين: " ليس للنساء من الدور والعقار شئ " (3). ومنها رواية الفضلاء الخمسة: " المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض الا أن يقوم الطوب والخشب قيمة، فتعطى ربعها أو ثمنها، إن كان له ولد، من قيمة الطوب والجذوع والخشب " (4). ومنها رواية طربال المتضمنة لما ستعرف، ومنها موثقة زرارة. ومنها صحيحة زرارة: " ان المرأة لا ترث فيما ترك زوجها عن القرى والدور والسلاح والدواب شيئا " وترث من المال والفراش والثياب


(1) في الوسائل، أبواب ميراث الازواج، باب 6 حديث (16): عن الاحول عن أبي عبد الله، قال: سمعته يقول. والمقصود بالاحول: هو مؤمن الطاق، أبو جعفر محمد بن على بن النعمان الكوفي الصيرفي، تلميذ الامامين الباقرين عليهما السلام. (2) في الاستبصار، طبع النجف كتاب المواريث باب 94، حديث رقم (3) الحديث عن أبي جعفر عليه السلام. (3) في الوسائل، كتاب الفرائض باب 6 من ابواب ميراث الازواج حديث (10) عن أحدهما عليهما السلام.. (4) المصدر الآنف حديث (5). ويقصد بالفضلاء الخمسة هم: زرارة وبكير وفضيل وبريد ومحمد بن مسلم، فانهم بجمعهم رووا الحديث عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.

[ 92 ]

ومتاع البيت مما ترك، ويقوم النقض والابواب والجذوع والقصب، فتعطى حقها منه " (1) وموثقته مثلها الا أن (الرقيق) فيها بدل (الفرش) وليس فيه الابواب. ورواية طربال نحو الموثقة الا انه قال فيها (ويقوم النقض والاجذاع والقصب والابواب) (2). ومنها رواية محمد بن مسلم: " النساء لا يرثن من الارض ولا من العقار شيئا " (3). ومنها رواية الصدوق في (الفقيه) عن ابن أبي عمير عن ابن اذينة: " في النساء إذا كان لهن ولد أعطين من الرباع " (4) إذا وقفت على ما تلوناه عليك من الاخبار فاعلم إن كلا من هذه الاقوال عدا المشهور يركن قائله إلى بعض منها، فنقول: حجة الاسكافي: عمومات الكتاب، منضما " إليها روايتا عبيد بن زرارة، وابن أبي يعفور المتقدمة، وقريب منهما خبر أبي الجارود الدالة على توريثها من كل شئ. وفيه: أنها مخصصة بعد الاجماع المحصل، فضلا عن المنقول البالغ فوق حد الاستفاضة على حرمانها في الجملة بالاخبار المتقدمة،


(1) الوسائل كتاب الفرائض باب 6 من ميراث الازواج حديث (1) (2) في الاستبصار، باب 94 حديث (9)، الحديث بسنده عن خطاب ابن أبي محمد الهمداني عن طربال بن رجا عن أبي جعفر (ع): " أن المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئا "، وترث من المال والرقيق والثياب ومتاع البيت مما ترك ويقوم النقض والجذوع والقصب فتعطي حقها منه ". (3) الوسائل كتاب الفرائض باب 6 من ميراث الازواج حديث (4). (4) الوسائل، أبواب ميراث الازواج، باب 7 حديث (2).

[ 93 ]

فلتحمل تلك الاخبار (1) على التقية، لان الحرمان من منفردات الامامية مع إشعار الثانية بها حيث أقر السائل على ما هو مركوز في ذهنه: من حرمان الزوجة، وانما سأل عن حرمان الزوج وعدمه وأجاب بالمساواة بينهما تقية. حجة المرتضى: الجمع بين عمومات الارث، والمتيقن مما دل على الحرمان، وهو الرباع، بحمل الحرمان فيها على الحرمان من العين، والارث فيها من القيمة. وفيه: مع منافاته لما دلت عليه نصوص الرباع: من التفصيل القاطع للشركة باختصاص التقويم فيها بالآلات والابنية دون عراصها أن ذلك ليس جمعا " بين الدليلين بل هو طرح لهما، إذ ليس كل من العين والقيمة مندرجا " في العام اندراج المصاديق فمفهوم الكلي حتى يكون حمل كل منهما على بعض أفراده عملا به في الجملة، بل هو طرح لهما بالكلية، ولو سلم فلا شاهد لهذا الجمع الذي لا يمكن المصير إليه إلا بعد قيام شاهد عليه. حجة المفيد: تخصيص عموم الكتاب بما تواترت عليه نصوص الباب: من أرض الرباع التي هي القدر المتيقن منها، واختصاص التقويم ببنائها وآلاتها البنائية، القاضي بالحرمان من عراصها عينا " وقيمة، ومن البناء عينا " لا قيمة، فيبقى غيرها من سائر الارضين وما عليها باقيا " تحت عموم المواريث، لاصالة العموم مع عدم اليقين بالتخصيص، ومقتضاه الارث من أعيان ذلك مطلقا ". وفيه: ان العمومات، كما هي مخصصة بالرباع، كذلك مخصصة


(1) أي رواية عبيد وابن أبى يعفور وخبر أبي الجارود الدالة على عموم التوريث من كل شئ.

[ 94 ]

بما دل على حرمانها من مطلق الارض والضيعة والعقار والقرى: من النصوص المتقدمة، واختصاص بعضها بالرباع في الذكر لا ينافي ذكر ما يعمها في غيره، كما ان اشتمال بعضها على ما لا تحرم من عينها كالسلاح والدواب لا يضر بالتمسك بها في غيرهما، إذ هو كالعام المخصص في كونه حجة في الباقي، مع احتمال تنزيلهما كما قيل على أعيان الحيوة بارادة السيف من السلاح والراحلة من الدواب، كما وردت في بعض أخبار الحيوة وان لم نقل بأنها منها، وحينئذ فلا يبقى شك في التخصيص حتى يتمسك فيه باصالة العموم. حجة الشيخ وأتباعه بناء على توريثها عندهم من عين النخل والشجر تخصيص عمومات الارث بما دل على حرمانها من مطلق الارض: من تلك النصوص القاضية بحرمانها منها عينا " وقيمة، وتخصيصها بالحرمان من عين النباء وآلاته بما دل مستفيضا " على تقويمها واعطائها من القيمة، ويبقى غير البناء مما هو ثابت في الارض كالنخل والشجر وغيرهما باقيا " في عمومات الارث الموجب لاستحقاقها من العين دون القيمة. وفيه: مع أن النصوص النافية للارث من العقار والقرى التي مقتضاها نفي الارث من الارض وما فيها عينا " وقيمة بعد تخصيصها بما دل على تقويم البناء وإعطائها من قيمته، هي أخص من عمومات الارث ومقتضاها بعد الحمل عليه حرمانها في غير البناء مما هو ثابت في الارض كالنخل والشجر من العين والقيمة معا " كالعراص، لا توريثها من عينها ودعوى الاجماع على عدم حرمانها من النخل والشجر عينا " وقيمة فمع أن ثاني الشهيدين في (رسالته) يظهر منه التأمل في تحققه لا يثبت الاستحقاق من عين ذلك دون القيمة ان أغلب النصوص، وان اختص في التقويم بالنباء والآلات الخارج عنهما النخل والشجر، الا أن مصححة

[ 95 ]

(مؤمن الطاق) صرحت بتقويم النخل والشجر أيضا "، المنتجة بعد التخصيص بها حرمانها من عينهما، دون القيمة كغيرها من الابنية وآلاتها. ومن ذلك يظهر لك حجة القول المشهور المنصور، وهو حرمانها من مطلق الارض مطلقا " عينا " وقيمة، وإرثها من قيمة مطلق ما هو ثابت عليها حتى النخل والشجر، وانه مقتضى الجمع والعمل بالنصوص المتقدمة المؤيدة بالشهرة المحكية مطلقا "، أو بين المتأخرين، وبموافقته المحكمة المعبر عنها بالعلة في مكاتبة (ابن سنان) (1) لعدم الفرق في الافساد بين الرباع وغيرها من العقار المفسر بكل ملك ثابت له أصل، فيشمل الدار والارض والنخل والضيعة، فهي أعم من الرباع المفسرة بخصوص المنازل والمساكن. فظهر من ذلك كله أن الاقوى في المسألة حرمانها من مطلق الارض مطلقا "، عينا " وقيمة، ومن مطلق أعيان ما عليها من الابنية، وآلاتها المثبتة والنخل والشجر ونحوهما عينا " لا قيمة، فترث من قيمة ذلك كله دون أعيانها، إلا أنه مع ذلك لا محيص عن الصلح عند العمل حيثما يمكن لان الاحتياط لا يترك في مثل المقام (الموضع الثاني): هل يعم الحرمان مطلق الزوجة أو يختص بغير ذات الولد منها؟ قولان معروفان. الاول: منسوب كما في الرياض وغيره إلى ظاهر الكليني والمفيد والمرتضى وللشيخ في الاستبصار والحلبي وابن زهرة وصريح الحلي وجماعة من المتأخرين، ومنهم المحقق في النافع، وتلميذه الآبي، بل في الرياض


(1) وهي ما كتبه الامام الرضا عليه السلام: إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله كما تقدم والمقصود بالعلة هي قوله (ع): " لان العقار لا يمكن تغييره ".

[ 96 ]

بعد أن قواه نسب الاجماع عليه إلى السرائر ومحكى الخلاف (1). والثاني: منسوب إلى الشيخ في النهاية والتهذيب والصدوق في الفقيه بل في (المسالك) نسبه إلى اجلاء المتقدمين، وجملة المتأخرين بعد أن نسبه أولا إلى المشهور خصوصا " بين المتأخرين (2) وفي (الكفاية) نسبته أيضا ": إلى المشهور بين المتأخرين (3)، وفي الرياض إلى أكثر المتأخرين (4)


(1) قال في أخريات المقصد الثاني في ميراث الازواج من كتاب المواريث " واعلم إن مقتضى اطلاق العبارة وغيرها من عبائر الجماعة مما أطلق فيه الزوجة، عدم الفرق فيها بين كونها ذات ولد من زوجها أم لا، وهو الاقوى وفاقا " لكثير من أصحابنا كالكليني والمفيد والمرتضى والشيخ في الاستبصار والحلبي وابن زهرة ظاهرا " والحلي وجماعة من المتأخرين صريحا " وفي السرائر، وعن الخلاف الاجماع عليه ". (2) قال في هذا الباب من كتاب الفرائض: " الثاني في بيان من تحرم من الارث مما ذكر من الزوجات، وقد اختلف الاصحاب فيه أيضا ": فالمشهور خصوصا " بين المتأخرين وبه صرح المصنف في الكتاب: اختصاص الحرمان بغير ذات الولد من الزوج إلى قوله مضافا " إلى ذهاب جماعة من أجلاء المتقدمين كالصدوق والشيخ في التهذيب وجملة المتأخرين إليه. ". (3) قال السبزواري في كفاية، أخريات كتاب المواريث: " ولهم ههنا اختلاف آخر فيمن تحرم من الارث من الزوجات، فالمشهور خصوصا " بين المتأخرين اختصاص الحرمان بغير ذات الولد من الزوج ". (4) فانه قال بعد عبارته الآنفة الذكر: " واكثر المتأخرين خصوا الحكم بغير ذات الولد. ".

[ 97 ]

وعليه المحقق في الشرايع (1) والعلامة في المختلف (2) والتحرير والارشاد والقواعد والتبصرة، والشهيد في اللمعة (3) واستحسنه الفاضل المقداد في (التنقيح) (4). وبالجملة الانصاف، أن القولين متكافئان في المعروفية، الا أنه لا دليل على التفصيل المذكور الا مقطوعة ابن أذينة المتقدمة، اما بجعلها شاهد جمع بين الروايات المطلقة بالحرمان، والمطلقة بتوريثها من عين كل شئ كموثقة


(1) قال في المسألة الخامسة من المقصد الثاني في مسائل من أحكام الازواج: " إذا كان للزوجة من الميت ولد، ورثت من جميع ما ترك، ولو لم يكن لم ترث من الارض شيئا، وأعطيت حصتها من قيمة الآلات والابنية ". (2) قال في أخريات كتاب الفرائض وأحكامه: " مسألة، قال الشيخ في النهاية: المرأة لا ترث من زوجها من الارضين والقرى والرباع من الدور والمنازل إلى قوله: وهذا الحكم الذي ذكرناه إنما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميت، فان كان لها منه ولد أعطيت حقها من جميع ما ذكرناه " ونكتفي بهذا عن مراجعة بقية كتبه المذكورة. (3) قال ضمن عنوان القول في ميراث الازواج: " وتمنع الزوجة غير ذات الولد من الارض مطلقا " عينا " وقيمة، وتمنع من الآلات والابنية عينا " لاقيمة. " وأيضا " فانه مختار الروضة، فانه بعد ذلك يقول: " واعلم إن النصوص مع كثرتها في هذا الباب خالية عن الفرق بين الزوجتين، بل تدل على اشتراكهما في الحرمان. وان كان في الخالية من الولد أقوى ". (4) هو من الشروح القديمة للمختصر النافع، ولا زال من نفائس المخطوطات كما عرفت سابقا ".

[ 98 ]

عبيد بن زرارة، ورواية ابن أبي يعفور المتقدمتين بحملهما على ذات الولد، وحمل تلك المطلقات النافية على غير ذات الولد بشهادة المقطوعة عليه، أو تخصيص المطلقات النافية بالمقطوعة، لكون التعارض بينهما من تعارض العام والخاص المطلق بعد حمل المطلقات المثبتة للارث على التقية، لكونه مذهبا " للجمهور كافة، مع إشعار رواية ابن أبي يعفور بها كما عرفت لكن الشأن في ثبوت كونها رواية لا رأيا " منه والذي يعطى كونها رواية رواية أجلاء الرواة عنه، بارسالها على نسق الرواية وتدوين مشايخ الحديث لها في أصولهم المعمولة لتدوين الروايات فيها، مع كون من عرفت من أعاظم فقهائنا رضوان الله عليهم الذاهبين إلى القول بالتفصيل إليها، والاعتماد فيه عليها وابن ادريس بنى على كونها رواية، وان رماها بالشذوذ، ولم يعمل بها بناء على أصله في أخبار الاحاد (1). ويؤيد ذلك أيضا " مضافا " إلى كونه من أجلاء الرواة ومشايخهم من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام أنه صاحب أصل وكتاب، له كتاب في المواريث أيضا " (2)، ومن المعلوم أن المدون في أصولهم


(1) فانه قال في أخريات الفصل: وإذا انفرد الولد من الابوين وأحد الزوجين من كتاب الفرائض من السرائر آخر ص 401 طبع ايران حجري: " هذا إذا لم يكن لها من الميت ولد، فأما إذا كان لها منه ولد أعطيت سهمها من نفس جميع ذلك، على قول بعض أصحابنا، وهو اختيار محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، تمسكا " منه برواية شاذة وخبر واحد لا يوجب علما " ولاعملا. ". (2) ففي (رجال النجاشي حرف العين باب عمر وعمرو وعثمان) قوله: عمر بن محمد بن عبد الرحمان بن أذينة.. إلى آخر نسبه الذي =

[ 99 ]

رواياتهم التي يتلقونها من الائمة عليهم السلام. ومن مجموع ذلك كله ربما يحصل للفقيه العلم العادي بكونها رواية، مضافا " إلى لزوم القول بالتفصيل أقلية التخصيص في عموم الكتاب. الا ان الانصاف مع ذلك كله، أن تقييد تلك المطلقات على كثرتها وعموم بعضها الناشئ من ترك الاستفصال واختلاف رواتها مع تفاوت زمانها بمقطوعة واحدة عندي محل تأمل، وان اقتضته الصناعة بعد فرض كونها حجة، لان الخاص وان كان واحدا " مقدم على العمومات وان كثرت. فالاوجه هو الحرمان مطلقا "، وان كانت ذات ولد، كما تقتضيه الحكمة المنصوص عليهما في الاخبار المتقدمة للحرمان أيضا "، وان كانت أضعف منها في غير ذات الولد كما قيل. وأقلية التخصيص انما يركن إليها عند الشك فيه، لا مع قيام الدليل عليه. وأما أجماع الحلي بعد تسليمه فموهون بما عرفت من الخلاف في المسألة، ولعل دعواه منه الاجماع على القاعدة المستفادة من تلك المطلقات المتواترة معنى في الدلالة عليها. نعم ربما يتوهم في المقام، بل قد توهمه بعض المعاصرين، تخصيص المطلقات بغير ذات الولد مع قطع النظر عن مقطوعة ابن أذينة (1) بدعوى


= ينهيه إلى عدنان، ثم يقول: شيخ أصحابنا البصريين ووجههم، روى عن أبي عبد الله عليه السلام بمكاتبة، له كتاب الفرائض.. " وفي رجال الشيخ الطوسي باب أصحاب الكاظم عليه السلام قوله: " عمر بن أذينة ثقة، له كتاب ". (1) الآنفة الذكر القائلة: " في النساء إذا كان لهن ولد =

[ 100 ]

اقتضاء الترتيب في علاج الاخبار المتعارضة، وذلك بتقريب أن الاخبار الآمرة بارثها مطلقا " من كل شئ، مخصصة أولا بالاجماع على حرمان غير ذات الولد، الخارجة به عن عمومها، وبعده تنقلب النسبة، وتكون بينها وبين المطلقات النافية للارث نسبة العام والخاص المطلق، فتخصص تلك المطلقات بها، المنتج للتفصيل بعد الحمل عليه، كما لو ورد عن المولى الامر باكرام العلماء وورد عنه النهي عن إكرامهم، وورد عنه: لا تكرم النحويين، فالتعارض بين أكرام العلماء، ولا تكرم العلماء من تعارض المتباينين، الا أنه بعد تخصيص عموم (أكرم العلماء) بخصوص النهي عن إكرام النحويين، لكونه أخص منه مطلقا "، انقلبت النسبة بين عموم (أكرم العلماء) بعد إخراج من خرج منهم بالخاص، وبين عموم (لا تكرم العلماء) إلى العموم والخصوص المطلق، فيحمل العام منهما على الخاص، المنتج بعد الحمل عليه لوجوب إكرام غير النحويين من العلماء، وحرمة إكرام النحويين منهم، وفيما نحن فيه كذلك. الا أنه توهم فاسد، وان كانت الكلية مسلمة في التخصيص بالمتصل وما يجري مجراه من كلام الائمة عليه السلام المنزل منزلة كلام واحد من متكلم واحد، الا أنها لا تجري في المقام، لعدم قيام الاجماع عليه


= أعطين من الرباع " فانها كالصريحة في التقييد، منطوقا " ومفهوما "، فلا مجال للتصرف فيها بخلاف غيرها من المطلقات. ووجه تسميتها بالمقطوعة لعدم اسناد القول فيها إلى إمام، وانما هي عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة في النساء إلى آخر الحديث، فلم يعرف أنها عن إمام معصوم. وإن كان المعروف عن ابن أبي عمير أنه لا يروي إلا عن امام معصوم، وذلك مما يوثق الرواية ويعطيها اعتمادا "، وان كانت مقطوعة: خصوصا " إذا اعتمدنا على رواية الصدوق فانه في الفقيه رواها عن ابن أبي عمير فقط.

[ 101 ]

بعنوانه المخصوص، والاخذ بالقدر المتيقن لا يكشف عن رأى المعصوم عليه، فلعل رأيه موافق لما يعمه، وعليه فيكون مباينا " لتلك الاخبار لا أخص منه، وهو واضح. بقي هنا أمور ينبغي التنبيه عليها: الاول: الظاهر من كلام من خص الحرمان بالرباع، كالمفيد ومن تبعه: ارادة ما يعم الدار وغيرها من مطلق الابنية الشامل لبيوت الدواب والغنم ومحارز الغلة وعلف الدواب وغير ذلك من الخانات والدكاكين والحمامات والمسابك، بل كل بنية أعدت لاي مصلحة كانت، فتحرم من أرضها وترث من بنائها، في مقابل الارض الفارغة أو المشغولة بغير البناء: من زرع أو نخل أو شجر أو غير ذلك. قال جدنا في (الرياض): " الظاهر كما صرح به جماعة من غير خلاف بينهم أجده: أنه لا فرق في الابنية والمساكن على القول باعتبارها بين ما يسكنه الزوج وغيره ولا بين الصالح للسكنى كالحمامات والارحية وغيرها، إذا صدق عليه اسم البناء " (1) وفي المختلف: " قال المفيد: ولا ترث الزوجة شيئا " مما يخلفه الزوج من الرباع وتعطى قيمة الخشب والطوب والبناء والآلات فيه، وهذا منصوص عليه عن نبي الهدى عليه وعلى آله السلام، وعن الائمة عليهم السلام، من عترته عليهم السلام. والرباع هي الدور والمساكن دون البساتين والضياع " (2) انتهى.


(1) ذكر ذلك في آخر المقصد الثاني في ميراث الازواج من كتاب المواريث، وأول العبارة هكذا: " وهنا فوائد مهمة يطول الكلام بذكرها جملة إلا أنا نذكر منها مالابد منه وهو أن الظاهر. " (2) هذه العبارة ضمن: " مسألة قال الشيخ في النهاية: المرأة لا ترث من زوجها " في بحث ارث الزوجة من كتاب الفرائض وأحكامه.

[ 102 ]

ولعله مستفاد من مقابلته للبساتين والضياع، والا فالظاهر عدم شمول المنازل والمساكن المفسرة بهما الرباع، لمطلق الابنية حتى الدكاكين والحمامات ونحوهما ولكن الظاهر ذلك بقرينة المقابلة، ورواية يزيد الثانية عن النساء: " هل يرثن الارض؟ فقال: لا ولكن يرثن قيمة البناء " والبناء في كلامه مطلق، وكل بناء ترث من قيمته لا من عينه تحرم من أرضه عينا " وقيمة، بل لعل الكلية عكسا " أيضا " مسلمة، فكل أرض تحرم منها عينا " وقيمة، يقوم ما عليها من البناء والآلات، فنرث منها قيمة لا عينا ". ومنه يظهر دخول النخل والشجر في الآلات، ولذا نسب القول بارثها من قيمتها إلى المشهور، والى الشيخ وأتباعه أيضا " كما في المختلف مع أنه لا نص عليهما في كلامهم. الثاني: الآلات التي تحرم من عينها وترث من قيمتها. منها ما هو معلوم الدخول فيها كالطوب، وهو الآجر المفخور المستدخل في البناء الثابت في الارض، ومطلق الاخشاب والاعتاب والشبابيك، ولو كانت حديدا " المستدخلة في البناء، بل الثابتة بنحو العمود، لوضع البناء والآته عليه كالدلقات (1) المعمولة للطوارم في عصرنا، بل والسلم المنصوب للصعود والنزول المستدخل في البناء ولو كان من الخشب، بل والمرآة والزجاج المستدخلة في البناء والابواب والشبابيك. ومن ذلك أيضا " حائط البستان المعبر عنه بالطوف، سواء قلنا بارثها من عين النخل والشجر أو من قيمتهما، لكونه من البناء المقوم، خلافا " للمحكي عن ثاني الشهيدين في (رسالته) حيث قال: " وأما حيطان البساتين وغيرها من


(1) الدلقات بفتحتين مصطلح خاص في الاسطوانات الخشبية، المستعملة يومئذ -.

[ 103 ]

الاملاك فبحكم البناء إن لم نقل باختصاصه بالرباع، وان قلنا بارثها من عين الاشجار تبعه البناء " (1) انتهى. وفيه: أنه لا ملازمة بين حكم المحاط والمحيط بعد صدق البناء عليه، إذ كل منهما يتبع دليله. ومنها ما هو معلوم الخروج عنها، فترث من عينها، لا من قيمتها وهو الآلات المنفصلة عن البناء، سواء كانت مبنية ثم انفصلت يالهدم والقلع، أم أعدت للبناء والوضع فيه، ولكن بعد لم يوضع فيه، بل ولو وضع على البنيان بنحو السقف ولكن بعد لم يثبت فيه بالبناء عليه ولو ببناء أطرافه، ترث من عينها أيضا ". ومنها ما هو مشكوك كالجذوع المنصوبة على الارض لوضع أغصان الكرم عليه، والقدور المنصوبة في الدكاكين لطبخ (الهرايس) والرؤوس ومحال صنع الحلوى، فيرجع حكمه إلى الاصل الموجب للارث من عينها ويمكن جعل الضابط فيما يقوم وتعطى من القيمة، وما لا يقوم وتعطى من العين: جزئيته من بناء ذلك المحل والعقار من دار ودكان أو حانوت أو حمام أو مسبك فما عد جزء منها تعطى من قيمته، والا فترث من عينه، لا كل ما يثبت في الارض بحيث لا يعد من أجزاء البناء، والعمارة كالتخت المنصوب في البيت، وان ثبتت أركانه في الارض، والمنبر من الخشب المثبت كذلك، فانها ترث من أعيانها، لا من قيمتها. والظاهر دخول (صفرية الحمام) فيما تقوم، لثبوت جزئيتها منه، وان لم نقل بجزئية القدور المنصوبة في الدكاكين للمطابخ المذكورة، إذ لا أقل من الشك في جزئيتها منها.


(1) هي رسالته المطبوعة ضمن مجموعة رسائله الصغيرة: في صلاة الجمعة، والحبوة وكشف الريبة وغيرها، راجع هذه العبارة في الرابع من مباحث المطلب الخامس من الرسالة.

[ 104 ]

الثالث في كيفية التقويم. والكلام فيه يقع في مرحلتين: الاولى: يقوم ما ترث من قيمته من الاعيان ثابتة مستحقة للبقاء. إلى أن تفنى مجانا "، لا باجرة. أما كونها ثابتة، فلكونها موروثة كذلك ولو بالقيمة. وأما كونها مجانا "، فلعدم وجود موجب لاستحقاق الاجرة لان السبب لها " اشغال ملك الغير بوضع ما يملكه فيه. والمرأة على الاقوى لم تملك العين الشاغلة لملك الغير حتى تستحق عليها الاجرة، وليس اعطاؤها القيمة بدلا عن العين المملوكة لها، بل تملكها للقيمة بأصل الارث، ولو بنحو البدلية عن العين (1) والتدارك لماليتها. ومما ذكرنا ظهر لك ضعف ما احتمله ثاني الشهيدين في (رسالته) من تقويمها باقية أجرة، معللا بأن الارض لا تستحق فيها شيئا، وما تستحق


(1) توضيح المطلب: أن ملك المحال أو المظروف ولم يملك المحل والظرف فتملكه للحال بمجرده لا يوجب استحقاق البقاء في محل يملكه غيره ولو ثبت استحقاقه للبقاء بدليل خارج، فبمجرده لا يثبت أيضا "، الوضع بنحو المجانية لان جواز الوضع يمكن بنحو المجان أو بالعوض، والعام لا يدل على خصوص الخاص، فما لم يثبت من الخارج كون الوضع بنحو المجان اقتضت القاعدة كونه بالاجرة، لانه شاغل لملك الغير، فلابد من تداركه بالاجرة عوضا " عن المنفعة المستوفاة، ومعلوم أن لزوم التدارك انما هو مسبب عن التصرف في ملك الغير بابقاء ملكه فيه فهذا السبب مفقود في المقام، إذ الزوجة لم تملك العين أولا، ثم ينتقل حقها إلى البدل، بل تملك القيمة من أول الامر، ولو بدلا عن العين وتداركا " لماليتها فالموجب للاجرة بوضعه لم تملكه أبدا "، وما ملكته وهو القيمة غير موجب للاجرة (منه دام ظله).

[ 105 ]

فيه موضوع في تلك الارض (1)، وان ضعفه هو بما يرجع محصله إلى التمسك في نفيها باطلاق النصوص باستحقاقها قيمة ذلك، وبالاقتصار على القدر المتيقن: من تخصيص عمومات القرآن تقليلا للتخصيص بقدر الامكان (2)، الا أن التضعيف ضعيف، لامكان دعوى كون المطلقات مهملة من حيث الكيفية، وانما هي مسوقة لبيان توريثها من القيمة، لا من العين (ودعوى) التقليل والاقتصار على القدر المتيقن (موهونة)


(1) قال: في رسالته الصغيرة المطبوعة في ضمن رسائل صغيرة أخرى من مباحث المطلب الخامس في بيان الحكمة في هذا الحرمان: " الخامس: كيفية التقويم لما تستحق فيه القيمة من البناء والشجر على القول به: أن يقوم مستحق البقاء في الارض مجانا " إلى أن يفني، ثم تعطي من قيمة الربع أو الثمن، هذا هو الظاهر الموافق للاصول، لان الاصل ارثها من عين كل شئ، فإذا عدل عنه إلى القيمة في بعض الموارد وجب الاقتصار فيما خالف الاصل على ما به يتحقق المعنى المخصص، وهنا كذلك، ولان البناء والشجر موضوع بحق في ملك مالكه، فلا وجه لتقويمه مستحقا " بأجرة، ويحتمل تقويمه كذلك بأجرة، إلتفاتا " إلى أن الارض لا يستحق فيها شيئا "، والبناء والشجر الذي يستحق فيه موضوع في تلك الارض التي ليست لها، ومشغل لها، فيجمع بين حقها وحق الورثة في الارث بتقويمها مستحقة البقاء بأجرة " وأشار بذلك إلى المرحلة الثانية من التقويم. (2) قال بعد ذلك: " ويضعف بأن النصوص مطلقة في استحقاقها قيمة ذلك، والاصل فيه كونه على هيأته التي هو عليها وقت التقويم، ولان ذلك تخصيص لعموم القرآن، فيقتصر فيه على موضع اليقين تقليلا للتخصيص بقدر الامكان، فيجب زيادة القيمة ما أمكن لكونه خلاف الاصل. ".

[ 106 ]

جدا " (كما ان) ما ذكره وجها " للمجانية بقوله: " هذا هو الظاهر الموافق للاصول لان الاصل ارثها من عين كل شئ، فإذا عدل عنه إلى القيمة في بعض الموارد وجب الاقتصار فيما خالف الاصل على ما به يتحقق المعنى المخصص، وهو هنا كذلك. ولان البناء والشجر موضوع بحق في ملك مالكه، فلا وجه لتقويمه مستحقا " بأجرة (1) انتهى (ليس) بوجيه من وجوه غير خفية. الرابع: لو لم يكن مع الزوجة وارث غير الامام، وقلنا بعدم الرد عليها، فهل تحرم مما كانت تحرم منه، لو كان معها وارث أم لا؟ وجهان: من دعوى عدم انصراف المطلقات في الاخبار المخصصة إليها مع عدم اتيان حكمة الحرمان هنا أيضا "، ومن اقتضاء التدرج في طبقات الارث وقيام اللاحقة مقام السابقة الحرمان أيضا "، مضافا " إلى مفاد الاخبار عدم استحقاقها الارث، لا تقديم الوارث عليها من باب المزاحمة والتقديم. الخامس: هل يتعين على الوارث دفع حصة الزوجة من القيمة أم له الدفع من العين وتجبر الزوجة حينئذ على القبول؟ قولان: اختار ثانيهما جماعة نظرا " إلى ظهور علة الحرمان في الارفاق بالوارث والتوسعة له، وعدم ظهور الامر بالتقويم والدفع من القيمة على أزيد من الجواز لكونه في مظنة توهم إرثها من العين، فلا يفيد أزيد من الجواز كالامر الوارد في مورد الخطر الذي لا يفيد أزيد من الاباحة، والى انه ابقاء لآية المواريث على عمومها في الآلات والابنية، لانه على تقديره يتعلق ارثها بنفس الاعيان، وان كان الموارث غيرها ولاية التبديل والمعارضة


(1) وهذه الجملة بعض عبارته التي نقلناها بنصها آنفا " في كيفية المرحلة الثانية من التقويم، فلاحظ

[ 107 ]

عنها بالقيمة كالزكاة، بناء على تعلق حق الفقراء بالعين (1) ولمالك النصاب دفع بدله من القيمة. الا ان الاقوى: هو الاول، نظرا " إلى ظاهر الاخبار الدالة على نفي إرثها من العين وانما ترث من القيمة، وان مفادها تعلق ارثها بالقيمة من أول الامر، الا انها ترث حينئذ من العين، ثم ينتقل حقها إلى القيمة (وكون) العلة هي الارفاق والتوسعة (فمع) انها حكمة وأن عبر عنها بالعلة (2) يمكن أن تكون منشأ لتشريع الحكم بذلك بجعل ارثها من القيمة ولو حسما " لمادة الفساد غالبا "، (وكون) الامر بالتقويم في مظنة توهم الارث من العين، ليس بأولى من كونه في مظنة توهم حرمانها من العين والقيمة معا " كالارض فيكون ظاهرا " في تعيين الارث من القيمة، وبقاء العام على عمومه يرجع إليه عند الشك في التخصيص، لا مع وجود المخصص، لما عرفت من كون الارث من القيمة مفاد ظواهر الاخبار المستفيضة، بل المتواترة معنى. وقياسه بالزكاة قياس مع الفارق


(1) المشهور بل عن مصابيح السيد بحر العلوم -: انه كاد أن يكون اجماعا "، تعلق الزكاة بالعين، لا بالذمة بدليل قوله عليه السلام: " فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالدوالي نصف العشر. وبغيرها من الروايات الكثيرة المذكورة في الرسائل باب 4 من أبواب زكاة الانعام وباب 1 من أبواب ما نجب فيه الزكاة. ثم اختلف القائلون بالتعلق بالاعيان هل على نحو الاشاعة في الكل والشركة، أم على الكلي في المعين (التفصيل في كتاب الزكاة من كتب الفقه). (2) والحكمة ليست كالعلة في دوران الحكم مدارها وجودا " وعدما " كما هو المسلم في باب الاصول.

[ 108 ]

لظهور أخبارها نحو قوله عليه السلام: فيما سقت السماء العشر " (1) في تعلق حق الفقراء بالعين، غير أنه قام الدليل على جواز إعطائه القيمة بدلا عن العين، وتكون من قبيل المعاوضة القهرية على الفقراء، ولم يقم مثله دليل هنا على تعلق ارثها بالعين الا ظاهر العموم الذي قد عرفت تخصيصه بظواهر المستفيضة الدالة على كون إرثها من القيمة دون العين، مع احتمال جريان ذلك في الزكاة أيضا " كما ستعرف. السادس: هل يجوز للوارث قبل اعطاء الزوجة حقها من القيمة التصرف في تلك الاعيان بالتصرفات المتلفة أو الناقلة، أو يكون كالمحجور عليه ليس له ذلك، بل يكون مراعى بدفع القيمة لها؟ وجهان، بل قولان: إختار الاول منهما: شيخنا في (الجواهر) تبعا " لثاني الشهيدين في (رسالته) نظرا " إلى أن القيمة حق لها في ذمته كسائر ديونه التي لا يمنع الامتناع عن أدائها عن التصرف في أمواله. نعم يجبر على الوفاء، مع المماطلة ويجوز التقاص من ماله، حيث لا يمكن جبره. قلت: الاقوى هو الثاني على كل من القولين في التنبيه السابق. أما بناء على تعلق حقها بالعين وللوارث دفع القيمة فواضح، لان الحق لا يتحول عن العين الا بدفع القيمة، فهو ثابت ما دام لم يدفع البدل لان النقل لا يحصل الا بالدفع، وليس كالبيع الذي فيه يحصل النقل والانتقال بالعقد، ووجوب دفع العوضين حينئذ من آثار ملك العينين، بل يشبه المقام بالمعاطاة التي يحصل فيها النقل بنفس التسليم والتعاطي،


(1) بهذا النص وبمضامينه روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ذكرت في ابواب زكاة الغلاة من كتاب الزكاة في الوسائل وغيرها من كتب الاخبار.

[ 109 ]

فما دام لم يدفع القيمة إلى الزوجة لم ينتقل حقها من العين إلى البدل، فلا ينفذ التصرف فيه قبله، لكونه من التصرف في متعلق حق الغير ايضا "، وأما بناء على تعلق إرثها بالقيمة من أول الامر كما هو الاقوى فلان إرثها، وإن لم يتعلق بعين البناء والآلات، الا أنه متعلق بماليتها، ولزوم دفع القيمة من باب التدارك لمالها من مالية الاعيان فأشبه الضمان بالقيمة لما يتلفه من القيميات من كونه تداركا " لمالية التآلف بعد القاء الخصوصيات المشخصة عند العقلاء في التالف القيمي، فالتصرف في العين باتلافها أو نقلها بماليتها موقوف على تدارك ما للزوجة في ماليتها بالارث. وبالجملة: نسبة مالية الاعيان المقومة المتعلق بها حق الزوجة، نسبة نفس الاعيان، لو كان حقها متعلقا " بها في عدم نفوذ التصرف الا بعد التدارك. وبما ذكرنا: يظهر لك دفع توهم ورود التوالي الفاسدة على القول بارئها القيمة من أول الامر: من وجوب دفع القيمة على الوارث، وان لم يتمكن من العين، كالمغصوبة عند الموت لدخولها في ملكه قهرا " الموجب لشغل ذمته لها بالبدل، ومثله ما لو تلفت بعد الموت فورا " باستقرار القيمة في ذمته، مع أنه لا أظن أحدا " يلتزم به، وان التزم به الاستاذ عمنا رحمه الله في (ملحقات برهانه) (1) أو ليس الا لكون القيمة تداركا " للمالية، فإذا تلفت بتلف العين لا بتفريط لم يضمنها الوارث، وانما يضمنها لو تأخر، التدارك وكان بتفريط منه، فتستحق القيمة عليه حينئذ. وأما النماء المتحقق بعد الموت كاجرة المساكن وثمرة النخل، بناء


(1) ففي آخر الرسالة المخطوطة ضمن رسائل أخرى يقول في عرض ذكره لثمرات المسألة: " منها ان تلف البناء أو الشجر بعد الموت بأن جاء سيل وأخذ ما على الارض طالبت الزوجة الورثة بثمنها أو ربعها من قيمتها لان محل القيمة التي للزوجة هو ذمة الورثة.. ".

[ 110 ]

على حرمانها من العين دون القيمة، فهو مختص بغيرها من الورثة لا تستحق هي منه مطلقا "، وان تأخر التدارك، وكان بتفريط، لان النماء من توابع ملك العين، لا ملك المالية. وبذلك يظهر ضعف ما في (ملحقات البرهان): من ابتناء ذلك على ما قواه: من دخولها بمجرد الموت في ملك الوارث واشتغال ذمته بالقيمة، حيث قال: " منها ان تلف البناء والشجر بعد الموت، بأن جاء سيل وأخذ ما على الارض طالبت الزوجة الورثة بثمنها أو ربعها من قيمتها لان محل القيمة التي للزوجة هو ذمة الورثة، وبمجرد الموت تنتقل العين إلى ملك الورثة، وبمجرده أيضا " تستقر قيمتها في ذمتهم، ولذا لو نمت بعد الموت بأن أثمر الشجر بعد موت الزوج ليس للزوجة في الثمر شئ وإذا تلف ملك أحد لا يوجب سقوط حق الآخر. لكن في (مفتاح الكرامة): ان هذه القيمة مستحقة من التركة، وليست متعلقة في ذمة الورثة، فلو غصبت التركة من الورثة لم يضمنوا لها، وان عادت بعد الغصب عاد حقها، وهذا غير موافق لظاهر الادلة " (1) انتهى. ولا يخفى عليك مواقع التأمل في كلامه، ولعل ما عن (المفتاح) إشارة إلى ما ذكرنا.


(1) (ملحقات البرهان) هي مجموعة من رسائل أربعة صغار: في المسافة الملفقة، والرجوع عن قصد الاقامة، وتصرفات المريض وميراث الزوجة، تأليف الحجة آية الله المحقق السيد على بحر العلوم صاحب (البرهان القاطع) اعتبرها من ملحقاته. وهذه العبارة توجد في أخريات رسالته الاخيرة، في ميراث الزوجة. وتاريخ خط هذه المجموعة من الرسائل بخط المؤلف سنة 1286 ه‍.

[ 111 ]

ثم انه يحتمل قويا " جريان مثل ما ذكرناه هنا في الزكاة أيضا "، بدعوى تعلق حق الفقراء بمالية الاعيان الزكوية، فللفقير العشر من المالية أو مالية العشر من النصاب. ودفع القيمة تدارك لماله من مالية الاعيان دون البدلية عن نفسها، غير أنه مخير في تداركها بدفع المالية القائمة بتلك الاعيان أو بغيرها، وهو مقتضى الجمع بين ما ورد مما هو ظاهر في التعلق بالعين كالعشر في الغلات (1)، وما هو ظاهر في التعلق بالمالية كالشاة في الابل (2)، الظاهر من كون ذلك تقديرا " للمالية المجعولة للفقير في نصاب الابل مثلا بل وكذلك الشاة من نصب الغنم مما هو من جنسه (3)، فان مرجع ذلك تعيين ما يستحقه الفقير من المالية


(1) كرواية زرارة: عن أبي جعفر عليه السلام: كما في ابواب زكاة الغلات من الوسائل - قال: " ما أنبتت الارض من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ما بلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا "، فذلك ثلثمائة ففيه العشر وما كان منه يسقي بالرشا والدوالي والتواضح، ففيه نصف العشر " وأمثالها في الباب كثير. (2) كما ورد كثيرا " في باب تقدير النصب في الابل من كتاب زكاة الوسائل كصحيحة زرارة: عن أبي جعفر عليه السلام قال: " ليس فيما دون الخمس من الابل شئ، فإذا كانت خمسا "، ففيها شاة، فإذا عشرة، فإذا كانت عشرا "، ففيها شاتان، فإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث من الغنم، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم، فإذا بلغت خمسا " وعشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين.. ". (3) كرواية الفضلاء الخمسة كما في المصدر الآنف الذكر باب تقدير النصب في الغنم: " عن أبي جعفر. وأبي عبد الله عليهما السلام: =

[ 112 ]

القائمة بتلك الاعيان المنتشرة في جميع أجزائها بما يساوي شاة مثلا. وبذلك يظهر: ان ما ثبت جوازه للمالك من العزل والقسمة والتبديل ونحو ذلك مما هو مخالف لقواعد الشركة، كله جار على القاعدة، لا مخالف لها، وانما ثبت تخصيصها بدليل خاص. السابع: انه على القول بالتفصيل بين ذات الولد وغيرها، لو اجتمعتا فهل يجوز الاولى كمال النصيب من العراص وغير البناء، وعليها دفع نصف قيمة البناء للاخرى، لانها ترث الثمن في ذلك بالفريضة، غير أنه مع التعدد تقسم بينهن والمحرومة بحكم المعدومة في ذلك، فتختص هي بها، وعليها دفع ما ترث الاخرى منها؟ أم لها نصف ذلك، ويرجع الباقي إلى الورثة، وعليهم دفع نصيب الاخرى من القيمة، لانها تحجب الاولى عن الكمال، لصدق التعدد بوجودها، وان لم ترث لحرمانها بالدليل؟ وجهان: والاول هو الاقوى، لما عرفت من عدم الدليل على الحجب، مع الحرمان. الثامن: الاقوى توزيع الدين على ما ترث منه الزوجة وما تحرم منه لتعلق الدين استيفاء بمجموع التركة، وليس للوارث غيرها، اخراج الدين كله مما ترث منه ليسلم له ما تحرم منه، كما أن ليس لها اخراجه بكله مما تحرم منه، لان في كل منهما ضررا " على الآخر، وهو منفي عقلا ونقلا، مضافا " إلى أن العدل والانصاف يقتضيان التوزيع.


= في كل أربعين شاة، وليس فيما دون الاربعين شئ، حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت على مائة وعشرين ففيها شاتان.. فإذا زادت على المائتين شاة واحدة، ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت ثلثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة، فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة.. ".

[ 113 ]

التاسع حق الزوجة حق مالي يجوز الصلح عليه، فلو صالح المحرومة عن حقها مصالح وجب دفع القيمة ألى من انتقل الحق إليه بالصلح، سواء كان أجنبيا " أو بعض الورثة، وهو واضح، وان توهم بعض المعاصرين بطلان الصلح مطلقا "، بناء على ما احتمله في دفع القيمة من كونه حكما " تكليفيا محضا لا شائبة فيه للوضع كما لو نذر اعطاء درهم لزيد، وفساد المبني بمكان من الوضوح لمخالفته صريح الاخبار الناطقة بارثها من القيمة. وما أبعد ما بين هذا القول، والقول بتعلق حقها بالاعيان، وللوارث تبديله بالقيمة. العاشر الاقوى على القول بالتفصيل بين ذات الولد وغيرها أنه لا فرق في الولد بين الذكر والانثى والخنثى، ولا بين الولد وولد الولد، وان لم يكن وارثا "، لوجود الولد الصلبي، ولا بين كونها ولدته في نكاح ترث به أولا، كما لو أولدها في المتعة ثم تزوجها بعقد دائم ومات عنها كذلك، بل ولا بين مالو أولدها بنكاح صحيح أو ملحق به كالشبهة لو تزوجها بعد ذلك ومات عنها، إذا كانت الشبهة لهما، بل وان اختصت به دونها لكونها ذات ولد منه، وفيما لو اختصت بها دونه إشكال: من أنه زان، فليست بذات ولد منه شرعا "، ومن أنها ذات ولد صحيح بالنسبة إليها، كل ذلك لاطلاق (المقطوعة) بناء على الاعتماد عليها في التفصيل بين ذات الولد وغيرها. و (دعوى) الانصراف في بعض الصور المذكورة ان سلمت (فهو) من الانصراف البدوي بالذي لا تعويل عليه. الحادي عشر لو ملكت الزوجة شيئا " من رقبة الارض يساوي فرضها أو أزيد في حياة زوجها بأحد الاسباب المملكة، فحكمها بالنسبة

[ 114 ]

إلى البناء والآلات حكم ما لو لم تملك شيئا " من العراص، ولان ذلك حكمها بالارث، فلا ينافي ملكها الرقبة بغيره من الاسباب. الثاني عشر إذا كان في الارض التي لم ترث منها لا عينا " ولا قيمة زرع ولم يبلغ أوان حصاده، ورثت من عين الزرع، فهل لمالك الارض أمرها بالقلع، أو عليه التبقية بالاجرة؟ وجهان: وهذه من فروع مسألة من ملك زرعا " في أرض لم يملك بقاءه فيها وكان الوضع فيها بحق، وقد اختلفوا هناك على أقوال: وتنقيح المسألة هو أن يقال: ان الملكية بهذا النحو (مرة) تكون بالاجارة (وأخرى) بالمزارعة (وثالثة) بالانتقال بالارث. أما إذا كانت بالاجارة، كما لو استأجر أرضا " مدة لم يدرك الزرع فيها، فأما أن تكون المدة غير كافية لبلوغ الزرع عادة، أو كانت كافية غير أنه اتفق تأخيره، وعلى الثاني: فأما أن يكون التأخير بتفريط من المستأجر، أو لا بتفريط منه. فان كان الاول، بأن استأجر مدة تقصر عادة عن ادراك الزرع فيها، فلمالك الارض بعد انقضاء المدة أمره بقلعه من دون أرش عليه، وان تضرر به الزارع، لانه اتى من قبله، حيث أقدم على مدة لا تفي للزرع فيها، وإلزام مالك الارض بالتبقية، ولو يأجرة، نوع ضيق عليه لا يجب تحمله، ولا يجدي كون الزرع في مدة الاجارة كان بحق، إذ لا يوجب ذلك حقا " له فيما زاد عليها، فهو فيه ظالم مندرج في منطوق: " ليس لعرق ظالم حق " (1) ومثله ما لو كانت المدة كافية، ولكن التأخير كان بتفريط من الزراع، لوحدة المناط.


(1) حديث نبوى شريف وقوله: " لعرق ظالم " بالتنوين في كليهما. وغلط من قرأه بالاضافة، هكذا رواه أبو داود عن سعيد بن بريد والنسائي والترمذي كذلك، وأخرجه الطيالسي وغيره عن زمعة بن صالح =

[ 115 ]

وأما لو كان التأخير بغير تفريط منه، بل بآفة سماوية من كثرة برد أو قلة الامطار، فعليه التبقية ولكن بأجرة لا مجانا "، لان في القلع قبل بلوغه ضررا " على الزارع من غير تسبيبه، والاقدام منه عليه، وابقاؤه في المدة الزائدة ضرر على المالك، وكل منهما منهي عن الاضرار، فلابد من تدارك هذا الضرر الحادث بآفة سماوية، وهو انما يحصل بأحد وجهين أما القلع مع الارش، أو الابقاء مع الارش، أو الابقاء بأجرة (1) إلا أن التدارك هنا يتعين على الزارع بدفع الاجرة، لان الضرر، وان لم يأت منه، الا أنه جاء من قبل زرعه، دون الارض، فعليه تداركه ان اراد الابقاء، والا فله قلع زرعه، وان كان قصيلا. وبعبارة أخرى، شمول (لا ضرر) للضرر المجبور بالاجرة، وتوجهه نحو الزارع أضعف ظهورا " من شموله لضرر القلع المجبور بالارش المتوجه نحو مالك الارض فإذا قدم دليل نفي الضرر في جانب الزارع عليه في جانب المالك فلا يتمسك حينئذ، بعموم (الناس مسلطون) لكونه محكوما " لدليل نفي الضرر. وأما إذا كان بالمزارعة، فإذا كان التأخير بتفريط من الزارع، فحكمه حكم الاجارة فيه: من أنه للمالك قلعه بلا ارش عليه، وان لم يكن بتفريط منه، فيتخير المالك بين القلع وعليه الارش، والابقاء وله


= و عبد الله بن عمر وذكرته عامة كتب الاخبار من العامة والخاصة كما ورد ذكره في كتاب كشف الخفاء. للعجلوني وغيره من معاجم الحديث. (1) في النسخ المطبوعة والمخطوطة ذكر وجهين في حين أن الصور المذكورة ثلاثة. فلابد من تأويل الوجهين، من حيث القلع والابقاء وان كان الابقاء بصورتين.

[ 116 ]

الاجرة، وانما كان له الخيرة بينهما في المزارعة دون الاجارة، لان الزرع مشترك بينهما، ولا يجبر المالك على ابقاء حصته من الزرع، فله قلعه قصيلا كما كان للمستأجر ذلك، غير ان قلعه لحصته مستلزم لضرر الزارع في حصته، فوجب عليه حينئذ تداركه بالارش، ولذا كان مالك الارض في المزارعة مخيرا ". بين القلع وعليه الارش، وبين الابقاء، وله الاجرة وليس له القلع في الاجارة، وان كان بأرش، بل يتعين عليه الابقاء بالاجرة. والى ما ذكرنا من الفرق في الحكم بالتخيير والتعيين، بين المزارعة والاجارة صرح العلامة في (القواعد) حيث قال: في باب الاجارة: " فان استأجر للزرع وانقضت المدة قبل حصاده: فان كان لتفريط المسأجر كأن يزرع ما يبقى بعدها فكالغاصب، وان كان لعروض برد أو شبهه، فعلى المؤجر التبقية، وله المسمى عن المدة وأجرة المثل عن الزائد " (1). وقال في باب المزارعة منه: " فلو ذكر مدة يظن فيها الادراك فلم يحصل، فالاقرب ان للمالك الازالة مع الارش أو التبقية بالاجرة سواء كان بسبب الزارع كالتفريط بالتأخير أو من قبل الله كتأخير الاهوية وتأخر المياه " (2) انتهى. غير أن حكمه في التسوية بين التفريط وعدمه في المزارعة، ينافي قوله: في الاجارة مع التفريط " كالغاصب الذي حكمه جواز القلع للمالك بلا ارش ".


(1) راجع كتاب الاجارة الثالث في اجارة الارض والعقارات. (2) راجع: الفصل الثاني من المقصد الثاني في المزارعة، وأوله: الثاني في تعيين المدة.

[ 117 ]

وأما فيما نحن فيه، وهو الانتقال بالارث فحكمه حكم المزارعة، لكون الزرع أو الثمرة على النخل والشجر مشتركة بين الزوجة لكونها ترث من عين ذلك، وبين الوارث غيرها، فيتخير الوارث غيرها بين القلع ودفع الارش إليها والابقاء واخذ الاجرة منها، لوجود ما ذكرنا من ملاك التخيير في المزارعة هنا أيضا "، فافهم. هذا آخر ما أردنا بيانه في هذه المسألة ولله الحمد أولا وآخرا

[ 119 ]

رسالة في الرضاع

[ 120 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 121 ]

مسألة اتفقت كلمة فقهائنا، بل الفقهاء كافة اتفقوا، على سببية الرضاع لنشر الحرمة في الجملة. ولنصدر المسألة تيمنا " بما يدل عليه من الكتاب والسنه المستفيضة بل المتواترة معنى. فمن الاول قوله: عز من قائل: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، واخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فان لم تكونوا دخلتم بهن، فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وان تجمعوا بين الاختين، الا ما قد سلف، ان الله كان غفورا " رحيما " (1) وهذه الآية الشريفة مع قوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح اباؤكم " (2) دلت على أسباب التحريم من النسب والرضاع والمصاهرة. ومن الثاني أخبار: منها ما رواه في الكافي والتهذيب: " عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة " (3).


(1) سورة النساء / 23. (2) سورة النساء / 22 وتكملة الآية هكذا ".. من النساء الا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا " وساء سبيلا ". (3) باب الرضاع من الكافي، كتاب النكاح رقم الحديث (1).

[ 122 ]

ومنها ما رواه في الكافي في الصحيح: " عن ابراهيم بن نعيم الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام: انه سئل عن الرضاع؟ فقال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (1). ومنها ما رواه في الكافي: " عن عبد الله بن سنان في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يصلح للمرأة أن ينكحها عمها ولا خالها من الرضاعة " (2). ومنها ما رواه في الكافي والفقيه عن أبي عبيدة الحذاء في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها ولا على أختها من الرضاعة، وقال: ان عليا " عليه السلام: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله بنت حمزة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله: وعمه حمزة قد رضعا من امرأة " (2). ونحوها رواية أبان عمن حدثه، وحسنة الحلبي، المرويتان في الكافي " (4).


(1) في نفس المصدر حديث رقم (2) من الباب، الحديث عن أبي الصباح الكناني، والظاهر أنه هو المسمى (بابراهيم بن نعيم) وبنفس النص، حديث رقم (3) من الباب عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) كتاب النكاح، باب نوادر في الرضاع، حديث رقم (10). (3) راجع من الكافي: باب نوادر في الرضاع من كتاب النكاح، حديث رقم (11). (4) أما رواية ابان عمن حدثه فهي هكذا: " عن أبي؟ عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عرضت على رسول الله ابنة حمزة =

[ 123 ]

ومنها ما رواه في الكافي: " عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل وأنا حاضر عن امرأة أرضعت غلاما " مملوكا لها من لبنها حتى فطمته، فهل لها أن تبيعه؟ قال: فقال: لا هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه وأكل ثمنه، قال ثم قال: أليس رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (1). ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي وابن سنان: " عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة أرضعت ابن جاريتها قال: تعتقه " (2). ومنها ما رواه عن أبي بصير وأبي العباس وعبيد كلهم جميعا ": " عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يملك أمه من الرضاعة، ولا أخته ولا عمته، ولا خالته، فانهن إذا ملكن عتقن، وقال: كلما يحرم من النسب فانه يحرم من الرضاع " (3).


= فقال: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاع ". وأما صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله قال: قال أمير المؤمنين (ع) في ابنة الاخ من الرضاع: لا آمر به أحدا " ولا أنهى عنه، وانما أنهى عنه نفسي، وولدي، وقال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتزوج ابنة حمزة، فأبى رسول الله وقال: هي ابنة أخي من الرضاع " وكلاهما في باب الرضاع من كتاب النكاح رقم (4، 5). (1) باب النوادر من كتاب النكاح حديث رقم (16) وفي الوسائل في باب 17 من ابواب ما يحرم من الرضاع. (2) الوسائل باب 17 من ابواب ما يحرم من الرضاع حديث (2) (3) في الوسائل، باب 4 من ابواب بيع الحيوان حديث رقم (1) وهو طويل والمذكور هنا آخره.

[ 124 ]

ومنها ما رواه في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن العبد الصالح عليه السلام: " قال: قلت له أرضعت أمي جارية بلبني؟ قال: هي أختك من الرضاعة، قال: قلت: فتحل لاخي من أمي لم ترضعها بلبنه يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر، قال: والفحل واحد؟ قلت: نعم هو أخي لابي وأمي، قال: اللبن للفحل، صار أبوك أباها وأمك أمها " (1). ومنها في الموثق عن سماعة: " قال: سألته عن رجل كان له امرأتان، فولدت كل واحدة منهما غلاما "، فانطلقت احدى امرأته فأرضعت جارية من عرض الناس، أينبغي لابنه أن يتزوج بهذه الجارية؟ قال: لا لانها أرضعت بلبن الشيخ " (2). ومنها ما عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر: " قال سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام: عن امرأة أرضعت جارية ولزوجها ابن من غيرها أيحل للغلام أبن زوجها أن يتزوج الجارية التي أرضعت فقال: اللبن للفحل " (3). ومنها في الصحيح: " عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تزوج امرأة فولدت منه جارية، ثم ماتت المرأة، فتزوج أخرى فولدت منه ولدا "، ثم انها أرضعت من لبنها غلاما "، أيحل لذلك الغلام الذي أرضعته أن يتزوج ابنة المرأة التي كانت تحت الرجل قبل المرأة الاخيرة؟


(1) الوسائل كتاب النكاح باب (8) من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث (3) والمقصود من العبد الصالح هو الامام موسى بن جعفر (ع). (2) المصدر الآنف الذكر، باب 6 حديث رقم (6). (3) الوسائل، كتاب النكاح باب 6 من أبواب ما يحرم الرضاع حديث (7).

[ 125 ]

قال: ما أحب أن يتزوج ابنة فحل قد رضع من لبنه " (1). ومنها في الحسن عن الحلبي: قال: " قلت لابي عبد الله (ع) أم ولد رجل قد أرضعت صبيا "، وله ابنة من غيرها، تحل لذلك الصبي هذه الابنة؟ فقال: ما أحب أن يتزوج ابنة رجل قد رضعت من لبن ولده " (2). ومنها عن التهذيب في الموثق: " عن جميل بن دراج عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كل شئ من ولدها، وان كان الولد من غير الرجل الذي كان أرضعته بلبنه، وإذا ارضع من لبن رجل حرم عليه كل شئ من ولده وإن كان من غير المرأة التي أرضعته " (3). ومنها ما عن الكافي: " في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لو أن رجلا تزوج جارية رضيعا " فأرضعته امرأته فسد نكاحه. قال: وسألته عن امرأة رجل ارضعت جارية أتصلح لولده من غيرها؟ قال لا: قلت: فنزلت منزلة الاخت من الرضاعة؟ قال: نعم من قبل الاب " (4). وبهذا الاسناد عن الحلبي و عبد الله بن سنان: " عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل تزوج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته أو ام ولده؟


(1) المصدر الآنف الذكر حديث رقم (5). (2) المصدر الآنف الذكر، حديث رقم (8). (3) المصدر الآنف الذكر، باب 15 حديث (3). (4) الوسائل، باب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، حديث رقم (1).

[ 126 ]

قال: تحرم عليه " (1). ومنها رواية عثمان عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: " ان أخي تزوج امرأة فأولدها فانطلقت، فأرضعت جارية من عرض الناس فيحل لي أن أتزوج تلك الجارية التي أرضعتها امرأة أخي؟ قال: لا، إنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (2). ومنها رواية مسمع: " عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أمير المؤمنين عليه السلام: ثمانية لا تحل مناكحتهم ألى أن قال أمتك وهي عمتك من الرضاعة، أمتك وهي خالتك من الرضاعة " (3) الحديث. ومنها روايته الاخرى: " وعنه عليه السلام قال: عشر لا يجوز نكاحهن إلى أن قال أمتك وهي عمتك من الرضاعة، وأمتك وهي خالتك من الرضاعة " (4).


(1) الوسائل: كتاب النكاح أبواب ما يحرم بالرضاع باب 10، حديث (2). الكافي، باب نوادر في الرضاع حديث (6). (2) الوسائل، كتاب باب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (7). (3) في كتاب النكاح من الكافي باب في نحوه، حديث (1) بسنده هكذا: ".. عن مسمع بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قال أميرالمؤ منين عليه السلام: ثمانية لا تحل مناكحتهم أمتك أمها، امتك أو اختها، امتك، وأمتك، وهي عمتك من الرضاعة، وأمتك وهى خالتك من الرضاعة، أمتك وهي أرضعتك، أمتك، وقد وطئت حتى تستبرأها بحيضة، أمتك وهي حبلى من غيرك، أمتك وهي على سوم أمتك ولها زوج ". ومثله في الوسائل كتاب النكاح. (3) في أبواب ما يحرم بالرضاع روايات كثيرة بهذا المضمون =

[ 127 ]

ومنها رواية مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام: " يحرم من الاماء عشر: لا تجمع بين الام والبنت، يعني في النكاح، ولا بين الاختين إلى أن قال ولا امتك وهي عمتك من الرضاعة، ولا أمتك وهي خالتك من الرضاعة، ولا أمتك وهي رضيعتك " (1). ومنها صحيحة محمد بن مسلم: عن أبي جعفر عليه السلام: في رجل فرج بامرأة، أيتزوج أمها من الرضاعة أو بنتها؟ قال: لا (2) إلى غير ذلك من الاخبار. وتمام الكلام في هذه المسألة ينتهي في طي مقدمة، ومباحث وخاتمة. أما المقدمة، فهي أن ربط الرضاع من سنخ ربط النسب الذي هو ربط بين النسب والمنسوب إليه ربط تكوين واشتقاق، فان الولد متكون من والديه، ومادته الاصلية مشتقة من مادتهما السارية في جميع الطبقات النازلة سريان المصادر في جميع مشتقاتها (3)، ولذا كان نماء كل بذر


= توجد في عامة كتب الاخبار. وبهذا المضمون والسند في كتاب الوسائل كتاب النكاح، باب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع. (1) الوسائل، كتاب النكاح باب 8 من ابواب ما يحرم يلرضاع حديث (9). (2) المصدر الآنف، باب 6 من زنا بامرأة حرمت عليه بنتها وأمها، حديث رقم (1) و (2). (3) بناء على ما هو التحقيق من أن المصادر هي أصول المشتقات، لا الافعال، فان المبدأ فيها موجود في جميع مشتقاته، ففي ضرب وضارب ومضروب ومضرب وغيرها من المشتقات يوجد المبدأ كاملا غير منقوص.

[ 128 ]

من جنس أصله. " من يزرع الشوك لم يحصد به عنبا " (1) وليس الا لسريان حقيقة الاصل في فروعه، ولعل الرضاع بشرائطه كما يعرب عنه ما قيل: " ان لحمة الرضاع كلحمة النسب " (2): له تأثير في ذلك الربط الاصلي ولو بنحو الاشتداد أو موجب لما يضاهيه من الربط الذي يكون من سنخه، وان كان ضعيفا " في مرتبة الربطية، ولذا يجتمع معه في بعض الاحكام، ويفترق عنه في بعضها الآخر. وبذلك الربط الحاصل منه اليهما، ومنهما إليه نسبا " ورضاعا " تحصل الارتباطات صاعدة ونازلة المعبر عنها بالعناوين السبعة النسبية (3) وما يضاهيها من الرضاع، وحيث


(1) هو عجز بيت لشاعر عربي جاهلي أو مخضرم، لا نعرف قائله: ويروي مع صدره كما في مجمع الامثال للميداني هكذا: إذا وترت امرءا " فاحذر عداوته من يزرع الشوك لم يحصد به العنبا قال الميداني: لا يقال: حصدت العنب، بل قطفته، ولكن الشاعر العربي وضع الحصد مكان القطف والمقصود منه: من أساء إلى انسان فليتوقع. وهو على غرار المثل المعروف: " أعجز من جاني العنب من الشوك "، قال حمزة: وهذا الشاعر أخذ هذا المثل من حكيم من حكماء العرب من قوله: من يزرع خيرا " يحصد غبطة، ومن يزرع شرا " يحصد ندامة، ولن يجتني من شوكة عنبة ". (2) هذا الكلام من ألسنة الفقهاء بحكم اشتراك الرضاع مع النسب في تأثير المنع، وليس حديثا " ولا رواية على الظاهر وانما الحديث النبوي المذكور في عامة كتب الحديث للفريقين هو قوله صلى الله عليه وآله: " الولاء لحمة كلحمة النسب " فجاء هذا الكلام على هذا الغرار بحكم وجود الملاك في الثلاثة. (3) في كتب الفقه: إن أسباب التحريم ستة: النسب، الرضاع =

[ 129 ]

انا لم نحط به علما " وبكميته وبشرائط حصوله اقتصرنا فيه على ما اعرب عنه الدليل، وأوضح لنا منهج السبيل الموجب للرجوع فيما شك إلى ما تقتضيه الاصول.


= المصاهرة، استيفاء العدد، اللعان، الكفر والارتداد بشروط مفصلة هناك. والاصناف المحرمة من النسب سبعة وهى المقصودة بالعناوين السبعة في المتن، وهي: (1) الام والجدة وان علت لاب كانت أم لام أم لهما. (2) والبنت الصلبية وبناتها وان نزلن وبنات ابنها وإن نزلن أيضا " (3) والاخوات لاب كن أو لام أولهما وبناتهن وبنات أولادهن. (4) والعمات، سواء كن أخوات أبيه لابويه أم لاحدهما، وكذا أخوات أجداده وان علون. (5) والخالات لاب أو لام أو لهما وكذا خالات الاب والام وان علون. (6) وبنات الاخ، سواء كان الاخ لابوين أم لاحدهما سواء كانت بنته الصلبية أم بنت بنته وان نزلت، أو بنت ابنه، وبناتهن وإن نزلن (7) وبنات الاخت وان نزلن. هذه المحرمات من النساء على الرجال. ومقابل ذلك يحرم من الرجال على النساء أيضا "، فيحرم على لمرأة أبوها وان علا وابنها وان نزل وأخوها وابن أخيها وابن الاخت، والعم والخال وان ارتفعا -. (عن كتب الفقه: كتاب النكاح)

[ 130 ]

وأما المباحث، فالاول منها في بيان معنى العبارة التي تضمنتها أخبار الفريقين، واستفاض نقلها بينهم، وهي: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). فنقول: ما يحرم من النسب من العناوين السبعة النسبية إذا وجد نظيره في الرضاع أوجب الحرمة بارادة العنوان من الموصول، والا فنفس من يحرم من النسب لا معنى لكونه يحرم من الرضاع، كما هو ظاهر العبارة فلا بد من انتزاع عنوان يكون وجوده مناطا " للحكم، وانما وقع التعبير بذلك لبيان اعتبار اتحاد العنوان الحاصل منهما، فيكون حاصل المعنى: ان الرضاع يوجب ربطا " على حد ربط النسب، وعلاقة نحو علاقته، كما يعرب عنه تشبيه لحمته بلحمته، فالعلائق السبعة الرضاعية تحرم كما تحرم العلائق السبعة النسبية، وبعبارة أخرى: ان الرضاع يحدث ما يحدثه النسب من العناوين السبعة، ويفعل فعله في تحققها بعد تنزيل الرضاع منزلة الولادة في ذلك، فيجرى مجراه في التحريم، سواء كان الحكم به بسبب النسب أو بسبب المصاهرة كأم الزوجة الرضاعية، فانها محرمة على زوج بنتها من الرضاع، ولكنها بالمصاهرة لا بالرضاع كما ستعرف. الثاني: هو ان الثابت من نصوص التحريم بالرضاع، انما هو ما يحدث به أحد تلك العناوين المحرمة من النسب دون لوازمها. فلو ارضعت أجنبية أخاك فبنتها، وان كانت أخت أخيك، الا أن أخت الاخ في النسب انما تحرم لكونها أختا "، لا لكونها أخت أخ، فلو تجرد عن عنوان الاخت في الرضاع لم تكن محرمة، بل ربما تنفك أخت الاخ عن عنوان الاخت في النسب أيضا "، فيجوز له نكاحها كما لو كانت امرأة لها بنت ثم تزوجها أبوك، فأولدها ولدا " هو أخوك من أبيك، واخته من أمه اخت أخيك نسبا " من أمه، وليست بأختك أصلا، فلا مانع عن تزويجك إياها

[ 131 ]

لما عرفت أن عنوان أخت الاخ من حيث هو ليس من العناوين المحرمة في النسب، وكذا يجوز لك تزويج المرضعة، وان كانت ام أخيك، لان أم الاخ انما تحرم عليك في النسب، أما لكونها أما لك أو لكونها منكوحة أبيك فحيث ينفك عنهما في الرضاع، لم تنشر الحرمة بينهما. وبالجملة فالمدار في التحريم بالرضاع على تحقق ما به يحرم في النسب كالامومة والاخوة والبنوة مثلا فأم الاخ الرضاعي من النسب أو الرضاع لا تحرم على أخيه لان حرمة أم الاخ من النسب انما تحرم: إما لكونها أما " له أو منكوحة أبيه، وكل منهما موجب للحرمة. وحيث يتجرد عنوان أم الاخ عنهما لم تحرم، سواء كانت أما نسبية للاخ الرضاعي أو أما " رضاعية للاخ النسبي، فضلا عن الام الرضاعية للاخ الرضاعي. وكذلك أخت الاخ من الرضاع، فانها لا تحرم على أخيه، لان أخت الاخ من النسب انما تحرم لكونها اختا " لا أخت أخ، فحيث تجردت أخت الاخ عن عنوان الاخت لم تكن محرمة، سواء كانت أختا " من الرضاع لاخيه من النسب، أو اختا " من النسب لاخيه من الرضاع. وكذا أخت العمة وأخت الخالة لا تحرم ما لم تكن عمة أو خالة. وكذا في البنوة أيضا " فان اخت الابن من النسب محرمة: إما لكونها بنتا " له أو ربيبة، وكل منهما موجب للحرمة، فلو تجرد عنوان اخت الابن عنهما كالاخت الرضاعية للابن النسبي أو الاخت النسبية للابن الرضاعي لا يقتضي الحرمة من حيث القاعدة، وان قلنا بها لدليل خاص كما ستعرف. وحيث تبين لك الضابط في مدار التحريم ظهر لك ضعف ما استثناه في (التذكرة): من أربعة نسوة يحرمن في النسب، وقد لا يحرمن في الرضاع، وهن: أم الاخ، والاخت، وأم ولد الولد وجدة الولد واخت الولد ثم قال بعد عدهن: وهذه الصور الاربع مستثناة من

[ 132 ]

قولنا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (1) ضرورة عدم دخولهن في عموم القاعدة حتى يصدق الاستثناء للذي معناه اخراج ما لولاه لدخل، اللهم الا أن يكون استثناء من توهم الدخول. واضعف منه: ما ذهب إليه الحلي في (السرائر) قال بعد حكايته قول الشيخ في المبسوط: من أنه يجوز للفحل أن يتزوج بأم هذا المرضع وبأخته وبجدته ما لفظه: " أما تزويجه بأخته وبجدته فلا يجوز بحال لانا في النسب لا نجوز أن يتزوج الانسان بأخت ابن ولا بأم امرأة بحال إلى أن قال: والذي يقتضيه مذهبنا أن أم أم ولده من الرضاع محرمة عليه، كما أنها محرمة عليه من النسب، لانه اصل في التحريم من غير تعليل، فعلى هذا امرأة لها لبن أرضعت بنتا " لقوم الرضاع المحرم، ولتلك البنت المرضعة اخت، فانه يحل لابن المرضعة الذي قد شربت هذه البنت المرضعة منه ان يتزوج بأختها وهي اخت أخيه من الرضاع، لما مضى من الاصل، وهو انه انما يحرم هذا المرتضع وحده، ومن كان من نسله دون من كان في طبقته وهذه من طبقته، لانه لا نسب بينه وبين اخت أخيه


(1) ففي أخريات كتاب النكاح، آخر المبحث الاول من الفصل الثاني في الرضاع قال: " أخت ولدك في النسب حرام عليك لانها إما بنتك أو ربيبتك. وأذا أرضعت أجنبية ولدك فبنتها اخت ولدك، وليست بنتا ولا ربيبة ولا تحرم اخت الاخ في النسب ولا في الرضاع إذا لم تكن اختا " له بأن يكون له أخ من الاب واخت من الام، فانه يجوز للاخ من الاب نكاح الاخت من الام. وفي الرضاع لو أرضعتك امرأة وأرضعت صغيرة أجنبية منك يجوز لاخيك نكاحها وهي اختك من الرضاع، وهذا الصور الاربع مستثناة من قولنا: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".

[ 133 ]

ولا رضاع " (1) انتهى. وكأنه لما رأى عدم انفكاك جدة المرتضع، وكذا اختها عن التحريم عن الاب في النسب وانفكاكه عنه في اخت الاخ بالنسبة إلى اخيه فيه اجرى الرضا مجراه في ذالك، فحم بالتحريم في وكأنه غفل عن كون سبب التحريم في الجدة لكونها ام زوجة لا لكونها جدة، وفي اخت البنت لكونها بنتا " أو ربيبة، لا لكونها اخت بنت مع عدم وجودهما في الرضاع، لان المرضعة لا تكون بحكم الزوجة لاب المرتضع حتى تكون امها ام زوجة لتحرم بالمصاهرة، ولا اخت البنت بنتا ". نعم نقول: بحرمة اخت البنت، لا للقاعدة، بل للدليل الخاص (2) والحلي لم يستند إليه في التحريم، بل استند فيه إلى القاعدة، هو كما ترى. ثم ان مقتضى الضابط المتقدم حسبما عرفت وان كان جواز نكاح اخت الابن، ما لم تكن بنتا " أو ربيبة الا ان النصوص الخاصة نصت بتحريمها على الاب، وهي القاعدة المعروفة: من انه لا ينكح اب المرتضع في اولاد صاحب اللبن نسبأ ورضاعأ ولا في اولاد المرضعة نسبأ لا رضاعأ، خلافا للطبرسي فألحق الرضاع منهم بالنسب، بناء منه على كفاية اتحاد المرضعة في نشر الحرمة بالرضاع، وان تعدد الفحل كما يأتي. والنصوص المخرجة لها عن القاعدة، هي: صحيحة علي بن مهزيار: " قال: سأل عيسى بن جعفر أبا جعفر الثاني (ع) عن امرأة ارضعت لي صبيا " فهل يحل لي ان اتزوج بنت زوجها؟ فقال ما أجود ما سألت،


(1) كتاب النكاح، باب الرضاع وما يحرم من ذلك: ص 294 طبع ايران حجري. (2) ولعله لما في الوسائل، باب 16 من ابواب ما يحرم من الرضاع.

[ 134 ]

من ههنا يؤتى ان يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل هذا هو لبن الفحل لا غيره، فقلت له: ان الجارية ليست بنت المرأة التي ارضعت لي، هي بنت غيرها، فقال: لو كن عشرا " متفرقات ما حل لك منهن شئ، وكن في موضع بناتك " (1) وهي صريحة في اولاد الفحل مطلقا " من الرضاع أو النسب مطلقا "، وان لم تكن من المرضعة. وما رواه الكليني في الصحيح: " عن عبد الله بن جعفر قال: كتبت إلى ابي محمد (ع): امرأة ارضعت ولد الرجل، هل تحل لذلك الرجل ان يتزوج ابنة هذه المرضعة ام لا؟ فوقع: لا يحل له " (2). وما رواه ايوب بن نوح في الصحيح: " قال: كتب علي بن شعيب إلى ابي الحسن (ع): امرأة ارضعت بعض ولدي هل يجوز لي أن أتزوج بعض ولدها؟ فكتب: لا يجوز ذلك لك، لان ولدها صارت بمنزلة ولدك " (3) وموردها اولاد المرضعة واطلاقه يعم ما لو كان من غير صاحب اللبن، لكن مع الاقتصار على أولادها من النسب، بناء على اعتبار اتحاد الفحل في اللبن المحرم، وتنزيلا للولد والبنت فيهما على معناهما الحقيقي، وهن صحاح، عمل بها المشهور لا بأس باستثناء موردها عن القاعدة، مع امكان دعوى عدم المنافاة بينها وبين ما تقتضيه أصالة الحل في غير العناوين المحرمة في النسب، إذ ليست النسبة بينهما إلا نسبة الاصل إلى الدليل الوارد عليه، لعدم ما يدل على الحصر


(1) راجع: الوسائل باب 6 من ابواب ما يحرم بالرضاع في اشتراط اتحاد الفحل في نشر الحرمة حديث رقم (10). (2) في الوسائل، كتاب النكاح باب 16 من ابواب ما يحرم من الرضاع حديث رقم (2). (3) الوسائل، باب 16 من ابواب ما يحرم بالرضاع في حرمة نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن حديث رقم (1).

[ 135 ]

في حديث: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". اللهم الا ان يقال: ان الحديث ونحوه في مقام اعطاء القاعدة التي يجب اطرادها طردا " وعكسا ". فتخصص الكلية السلبية حينئذ بالنصوص الخاصة. وكيف كان فيتفرع على القول به تحريم الزوجة على زوجها لو أرضعت ولدها أمها التي هي جدة الولد من أمه، لان الزوجة حينئذ من أولاد المرضعة نسبا "، وقد عرفت أنه لا ينكح أب المرتضع في أولاد المرضعة نسبا "، لعدم الفرق في التحريم بالرضاع بين سبعة على النكاح أو لحوقه به. ثم: ان مورد النصوص الخارج بها عن القاعدة: هو حرمة نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن. وهل يحرم نكاح الفحل، صاحب اللبن، في أولاد أب المرتضع كما في (الخلاف) و (النهاية) وغيرهما، أو لا يحرم، كما عليه المشهور ظاهرا "؟ وجهان، بل قولان: ينشئان: من الرجوع إلى القاعدة في غير مورد النص المخرج له عنها، ومن وحدة المناط بعد تنزيل إخوة الولد منزلة الولد من غير فرق بين كون الولد المنزل عليه ولد نسبيا " أو رضاعيا ". وفيه: مضافا " إلى خروجه عن مورد النص الموجب لاندراجه تحت القاعدة المقتضية للحل، أنه من القياس الذي لا نقول به، لان ربط النسب في التحريم على أبيه أقوى من ربط الرضاع، فالمنزل منزلة القوى لا يقاس به المنزل منزلة الضعيف، وهو الولد من الرضاع، مع أن التنزيل منزلة الضعيف ليس منطوق نص حتى يقال: بالتحريم، لعدم الفائدة مع عدمه، بل هو تنزيل مستنبط من القياس بالتنزيل المنصوص، فهو من القياس، مع ما عرفت من وضوح الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فالاقوى عدم التحريم فيه، وان قلنا بالتحريم في الاول.

[ 136 ]

وهل: نسبة اخوة المرتضع من الرضاع إلى أمه من النسب كنسبتهم إلى أبيه فيكونوا بمنزلة أولادها في التحريم أم لا؟ وجهان: ذهب شيخنا المرتضى قدس سره في رسالته الرضاعية إلى الاول حيث، قال: " والرواية أي رواية ابن مهزيار وان اختصت بتحريم ولد الفحل على أب المرتضع، الا ان تحريمهم على أمه أيضا " ثابت بالاجماع المركب ظاهرا "، مع ان كونهم بمنزلة بنات أبي المرتضع يستلزم كونهم بمنزلة بنات أمه " (1) انتهى. قلت: تنزيلهم منزلة أولاد الاب لا يستلزم تنزيلهم منزلة اولاد الام لتكون لهم أما "، ولو بالتنزيل حتى تحرم أمها عليهم، لكونها لهم حينئذ بمنزلة الجدة. نعم غايه الامر ثبوت تحريمها عليهم بنفسها لكونها، ان لم تثبت أمومتها لهم، فهي منكوحة أبيهم التنزيلي، وزوجة الاب لا تحرم أمها على أولاد زوجها، فتظهر الثمرة في تحريم أمها عليهم وعدمه. مع إمكان أن يقال: يحتمل عدم تحريمها أيضا " عليهم لانها ليست بزوجة أب لا من الرضاع ولا من النسب، وزوجة الاب من النسب محرمة، والاب من الرضاع كالاب من النسب في ذلك، ولا دليل على كون المنزلة منزلة الاب من جهة اخوة ولده المنزلين منزلة أولاده بحكم الاب في تحريم زوجته عليهم، إذ لا أبوة بينهم، لا من الرضاع ولا من النسب، بل هو بمنزلة الاب لمن هو بمنزلة الولد، فالقدر الثابت من الرواية تنزيلهم منزلة أولاده في خصوص تحريمهم عليه، دون غيره، فتأمل هذا. وأما نكاح إخوة المرتضع من النسب في إخوته من الرضاع، أي أولاد أب المرتضع في أولاد الفحل مطلقا "، وفي أولاد المرضعة نسبا "،


(1) رسالة استدلالية مفصلة طبعت في أخريات كتاب المكاسب في مجلد واحد

[ 137 ]

فالاشهر، بل الاقوى جوازه، لانهم بالنسبة إليهم ليس إلا إخوة الاخ وانما تحرم اخوة الاخ في النسب، لكونهم إخوة لا أخوة أخ، فإذا انفك عنوان (إخوة الاخ) عن الاخوة كما هنا لا يوجب التحريم، وإن نزلوا في النصوص الخاصة منزلة أولاد الاب، فان تحريم أولاد الاب بعضهم على بعض ليس من حيث كونهم أولاد أب، بل من حيث كونهم إخوة، خلافا " للخلاف والنهاية والسرائر، وقواه في الكفاية، حيث قال: " والوجه الاستدلال على التحريم بأن كونهم بمنزلة الولد يقتضي أن يثبت لهم جميع الاحكام الثابتة للولد من حيث الولدية لعدم تخصص في المنزلة، ومن جملة أحكام الولد تحريم أولاد الاب عليه، فاذن، القول بالتحريم لا يخلوا عن قوة " (1) انتهى. وفيه ما تقدم: من أن تحريم أولاد الاب بعضهم على بعض ليس من حيث كونهم أولاد أب، بل، من حيث كونهم إخوة ويدل عليه عطف الاخوات على الامهات في المحرمات النسبية والرضاعية، والا لاكتفى عن ذلك بذكر (وبناتهن)، وليس إلا لكون المعتبر عنوان الاخوة دون عنوان أولاد الاب أو الام. اللهم الا أن يقال بل قد قيل (2) ان الاخوة التي نيطت بها الحرمة في آية المحرمات ليس مفهومها العرفي بل الحقيقي الا كون الشخصين ولدا " لواحد، فكونهم أولادا " لابيه أو لامه عين كونهم اخوة له لا أنه عنوان آخر ملازم له.


(1) المقصود منها: كفاية الاحكام للسبزواري، راجع ذلك ضمن كتاب النكاح البحث الثاني من الفصل الثاني في أسباب التحريم. (2) القائل: شيخنا المرتضى في رسالته الرضاعية (منه).

[ 138 ]

وفيه: منع اتحاد الاود الاب مع الاخوة في المعنى، وان كلا " منهما عين الآخر، ضرورة أن عنوان أولاد الاب من حيث هو غير ملحوظ فيه الا ربط كل واحد منهم إلى الاب بربط التكوين، والتولد، والملحوظ في عنوان الاخوة ليس الا ربط بعضهم مع بعض باشتراكهم في ذلك الربط الحاصل بالتوالد، فالربط الملحوظ في عنوان أحدهما غير الربط الملحوظ في عنوان الآخر، وان كانا متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر بل لا ملازمة بينهما في الرضاع، كما ينفكان في أولاد المرضعة رضاعا " مع تعدد الفحل، ضرورة انهما أولاد أم، ولا أخوة بينهما، بناء على المشهور من اعتبار اتحاد الفحل في ثبوت عنوان الاخوة كما ستعرف. مضافا " إلى امكان أن يقال: ان أولاد الاب يعم ما كان نسبته إليه بواسطة أولا بواسطة، وما كان بواسطة لا يوجب التحريم كأولاد حاشية الاب والجد الا ما كان من حاشية نفسه كأولاد الاخ والاخت، وتنزيل أولاد الفحل منزلة أولاده انما هو بواسطة المرتضع، فلا يصدق عليهم إخوة، ولا أولاد أخ أو اخت، فالاقوى جواز نكاح بعضهم في بعض، وان حرم نكاح كل من الطرفين على المرتضع لكونهم إخوته، وعلى أبيه لكونهم أولاده أو ربيبته أو بمنزلة أولاده، ولكن الاحتياط لا يترك في جميع ذلك. الثالث: لم يفرق في تنزيل الرضاع منزلة النسب: بين كون التحريم به أو بالمصاهرة كالعناوين الخمسة المحرمة بها (1) فان أم الزوجة


(1) وهي زوجة الاب، وان علا، وزوجة الابن وان نزل وأم الموطوءة حلالا أم حراما " وأم المعقود عليها وان علت وابنة الموطوءة فنازلا على الفاعل، سواء تقدمت ولادتها على الوطئ أم تأخرت عنه على تفصيل في هذه العناوين الخمسة، مستوفي في محرمات النكاح من كتب الفقه.

[ 139 ]

الرضاعية أم للزوجة بالتنزيل ومحرمة على الزوج، لكن بالمصاهرة لا بالرضاع فلا ينافي تحريمها بالمصاهرة كونها أما " بالرضاع، وان هو الا من فعل الرضاع فعل النسب، لا فعل المصاهرة، ضرورة أن علقة المصاهرة التي هي علاقة حاصلة بين كل من الزوجين وأقرباء الآخر منتزعة من وجود علقتين: علقة الزوجية، وعلقة النسب، فإذا وجدتا حدثت منهما علقة ثالثة هي الموجبة للحرمة، وهي المصاهرة، ففي المثال المتقدم: علقة الزوجية موجودة بالوجدان، وعلقة النسب موجودة بالرضاع المنزل منزلته في تحقق عنوان الامومة، فحدثت من وجوديهما علقة المصاهرة، فأوجب التحريم، فالحرمة مسببة عن المصاهرة، لا من الرضاع كي يتوهم أن الرضاع لا يفعل فعل المصاهرة، وأين هو من فعل المصاهرة، وانما فعل فعل النسب من إحداث عنوان الامومة للزوجة الرضيعة، فهو تنزيل الرضاع منزلة النسب لا منزلة المصاهرة. وكذا تحرم حليلة الابن الرضاعي، لتنزيله بالرضاع منزلة ابنه في النسب، فتحرم بالمصاهرة. وكذا تحرم بالمصاهرة منكوحة الاب الرضاعي بعد تنزيله منزلة أبيه في النسب، وبنت الزوجة المدخولة بها في الرضاع لكونها ربيبة له بالرضاع بعد تنزيلها منزلة البنت بالنسب. والجمع بين أخت الزوجة الرضاعية بعد تنزيلها منزلة الاخت النسبيه، ففي ذلك كله تحريم بالمصاهرة بعد ايجاد الرضاع علقة القرابة، (ودعوى) اختصاص تحريم العناوين السبعة الرضاعية في الصدق بالنسبة إلى من تحرم عليه، أو اختصاص حرمة المصاهرة بما إذا كانت علقة القرابة حاصلة من خصوص النسب دون المنزل منزلته (موهونة) لانه تقييد للادلة من غير دليل. وبذلك يظهر ضعف ما احتمله قويا " في (القواعد): من عدم

[ 140 ]

التحريم لو ارضعت امته الموطوءة زوجته الصغيرة حيث قال: ولو ارضعت أمته الموطوءة زوجته حرمتا إلى أن قال ويحتمل قويا " عدم التحريم بالمصاهرة " (1). قلت أما: حرمة الامة، فلكونها أما " لزوجته بالرضاع المنزل منزلة أمها من النسب. وأما الزوجة، فلكونها بنت موطوئته بالرضاع، إن كان اللبن من غيره، وبننه ان كان اللبن منه، فتحريمهما في غير صدق البنتية بالمصاهرة، لكن بعد تنزيل الرضاع منزلة النسب. ومنشأ ما احتمله قويا " كونه من تنزيل الرضاع منزلة المصاهرة، وهو توهم فاسد كما عرفت. الرابع: أركان الرضاع الموجبة لنشر الحرمة ثلاثة: الرضيع والمرتضعة وصاحب اللبن، كأركان النسب المتحققة بالولد ووالديه، فتنشر الحرمة بالرضاع من الرضيع إليهما، والى كل من أبوي كل منهما فصاعدا " مطلقا " نسبا " ورضاعا "، خلافا " للقواعد وثاني المحققين في شرحه في بعض صور الثاني كما ستعرف وإلى أولادهما فنازلا، والى حاشية كل منهما، ومن أبويهما دون أولادهما لان بنت العم والعمة وكذا بنت الخال والخالة لا يحرمن عليه، ومنهما إليه فنازلا من غير فرق في جميع الطبقات صعودا " ونزولا بين النسب والرضاع، إذا وجد به العنوان المحرم بالنسب، فالمرضعة أم للرضيع، وصاحب اللبن أب له، وآباؤهما وأماتهما أجداد وجدات، وأخوتهما عم وعمة، وخال وخالة، وأولادهما إخوة له، وأولادهم أولاد أخ أو اخت، وأولاده بالنسبة اليهما أولاد ابن أو بنت لهما فتنشر الحرمة في جميع ذلك نسبا " ورضاعا " على الشرط المتقدم.


(1) كتاب النكاح، الفصل الاول في الرضاع من المحرمات السببية في أخريات المطلب الثالث منه.

[ 141 ]

وعنوان العمومة والخؤلة لكل من الابوين ثابت له أيضا "، فعم الام وعمتها عم له، وعمة، وخال الاب وخالته خال له وخالة وان ترامت فكل من العمومة والخؤلة لكل من الابوين وان ترامت بوسائط متعددة تنزل منزلتهما بلا واسطة، فتجرى عليها أحكامها، كغيرها من العناوين المتصاعدة والمتنازلة. وبالجملة: يحرم على الانسان أصوله وفصوله، وكل فصل من أول أصل، وأول فصل من كل أصل بعده، فلا تحرم بنات العم والعمة ولا بنات الخال والخالة. وبعبارة أخرى: يحرم على الانسان ذوو قرابته مطلقا "، الا فروع حاشيتي أصوله، من غير فرق في ذلك كله بين النسب والرضاع. وكذا تحرم بالمصاهرة على الزوج أصول الزوجة مطلقا ". وفصولها مع الدخول بها والجمع بين الاختين مطلقا "، وعلى الزوجة أصول الزوج وفصوله مطلقا " في كل ذلك تنزيلا للرضاع منزلة النسب. الخامس: في شروط نشر الحرمة بالرضاع التي يرجع اعتبار بعضها في المرضعة وبعضها في الرضيع وبعضها في الرضاع. أما الاول: فيشترط في المرضعة: أن تكون امرأة حية، در لبنها عن نكاح، أي وطئ صحيح، غير حائل، فلا تحرم بلبن الخنثى المشكل. لو وطئت شبهة، لعدم إحراز الانوثة، سيما على القول بكونها حقيقة ثالثة فضلا عن لبن الذكر أو البهيمة ولا الميتة، ولو كانت امرأته لعدم صدق الارضاع المصرح به في آية الرضاع، ولا غير الموطوءة، وان كانت ذات بعل، ولا الحائل، وان كانت موطوءة بنكاح صحيح، ولا مع الحمل أو الولادة ان كان من الزنا، اجماعا " بقسميه في ذلك كله. وان تردد في اعتبار الحياة بعض، وهو لا يضر بالاجماع المعتضد بدعوى غير

[ 142 ]

واحد ظهور الاتفاق عليه، كما عن (كاشف اللثام) وغيره. مضافا " إلى الاخبار الصحيحة، أو بحكمها، ففي رواية عبد الله بن سنان: " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن لبن الفحل؟ قال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك: ولد امرأة أخرى، فهو حرام " (1). وما رواه في الكافي: " عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية وغلاما " من ذلك اللبن هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: لا " (2) ورواه الصدوق باسناده: " عن أبي عمير عن يونس عن يعقوب مثله " (3) وما رواه الشيخ: " عن يعقوب بن شعيب قال: قلت: لابي عبد الله عليه السلام: امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكرانا " واناثا " أيحرم من ذلك الرضاع؟ فقال لي: لا " (4) وما رواه في الكافي أيضا: " عن بريد العجلي في حديث قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فسر لي قال: فقال: كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام، فذلك الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله " (5).


(1) الوسائل، كتاب النكاح باب 6 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (4). (2) المصدر المذكور باب (9) حديث رقم (1). (3) المصدر المذكور نفسه وبعد ذكر الحديث قال: ورواه الصدوق.. الخ. (4) المصدر الآنف الذكر في نفس الباب حديث رقم (2). (5) الوسائل، كتاب النكاح باب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث (5) وتكملة الحديث بعد ذلك: وكل امرأة ارضعت من لبن فحلين كانا لها =

[ 143 ]

ويلحق: وطئ الشبهة في نشر الحرمة بالصحيح على الاصح خلافا " للحلي، لتردده فيه (1) ولعله للاصل، والاقتصار على المتيقن في اللحوق به على النسب. ويدفعه مضافا " إلى دعوى الاجماع عليه المعتضد بالشهرة المستفيضة ومساواته له في أغلب الاحكام إطلاقات أدلة الرضاع أو عمومها مع الاقتصار على المتيقن من الزنا في الخروج عنها وثبوت النسب بالشبهة واللبن عندهم يتبع النسب. هذا: إذا كانت الشبهة لهما. وان اختصت بأحدهما اختص به حكمه، لثبوت النسب بالنسبة إليه، دون غيره، واللبن يتبع النسب. فان اختصت بها دونه حرمت هي على الرضيع لكونها أما " له، وكذا بناتها نسبا " ورضاعا " من هذا اللبن، لثبوت الاخوة بينهم بالفرض من الام، وكذا من غيره على قول الطبرسي (2).


= واحدا " بعد واحد من جارية أو غلام، فان ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وانما هو من نسب ناحية الصهر رضاع ولا يحرم شيئا "، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم ". (1) بل لعله جازم بالعدم، حيث قال في السرائر في اوائل كتاب النكاح أثناء البحث عن المحرمات: " فأما عقد الشبهة ووطئ الشبهة فعندنا لا ينشر الحرمة ولا يثبت به تحريم المصاهرة بحال. وانما أصحابنا رووا: أنه يلحق به الولد ولا يجد فاعله.. ". (2) هو أبو على الطبرسي: الفضل بن الحسن بن الفضل صاحب تفسير مجمع البيان المتوفى سنة 548 ه‍ المدفون في المشهد الرضوي. قال: في هذه المسألة بعدم اشتراط اتحاد الفحل. بل يكفي في نشر الحرمة =

[ 144 ]

وبالجملة: تحرم عليه المرضعة وأصولها وفصولها وحاشيتها وحاشية أصولها، دون فصول الحواشي. ولا تنشر الحرمة لو كان أنثى بينها وبين الفحل بالرضاع، وان حرمت عليه بالمصاهرة، بناء على حصولها بالزنا السابق، فبنتها من النسب تحرم عليه بالمصاهرة، لكونها بنت موطوئته ولو بالفجور، فتحرم بنتها من الرضاع عليه أيضا " بها تنزيلا للرضاع منزلة النسب، فتحرم بالمصاهرة عليه وعلى أصوله دون فصوله، إذ لا مصاهرة بينهم، ولا اخوة بالرضاع. وكذا يختص حكم الرضاع بالفحل لو اختصت الشبهة به دونها. ويحتمل غير بعيد عدم نشر الحرمة مطلقا "، ولو بالنسبة إلى من اختصت به، لكونها بحكم من در لبنه بنفسه لا تأثير له بعد بطلان النكاح بالنسبة إلى صاحبه، فكأنه أرضعته بلبنها من غير فحل أو بلبنه من غير أمومة، وعليه فلا تحرم بنت الموطوءة رضاعا " على الواطئ " وان قلنا: بثبوت المصاهرة بالزنا لعدم تحقق الرضاع الناشر. حتى ينزل منزلة النسب، بل ولا تحرم عناوين النسب أيضا " لذلك، فلا تحرم المرضعة على الرضيع، وان اختصت الشبهة بها دونه. هذا: وهل يكتفى بالحمل، في نشر الحرمة باللبن أو يعتبر فيه الولادة؟ قولان: نسب ثانيهما إلى الاكثر، بل عن الخلاف والغنية


= الرضاعة اتحاد المرضعة فقط، أخذا " بعموم واطلاق صدق الاخوة بين جميع الذين أوضعتهم من ألبانها وان كانت من فحول متعددة، وقياسا " على تحريم التناكح بمحض صدق الاخوة النسبية، والحديث النبوي يقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. ولكن رأيه هذا يصطدم بروايات صحيحة عن أهل البيت عليهم السلام تقيد ذلك الاطلاق المدعى، يراجع في تفصيل المسألة ما ذكر في المتن من الروايات.

[ 145 ]

والسرائر ودعوى الاجماع عليه (1). ولعله الاقوى لذلك، مضافا " إلى الاصل بعد تقييد المطلقات لو سلم كونها مسوقة لبيان ذلك بما دل على التقييد بها في الاخبار المتقدمة. ودعوى ورود القيد مورد الغالب فلا يفيد تقييدا ": وليست بأولى من حمل المطلقات عليه، فيبقى الاصل سليما في غير مورد التقييد. وعليه: فهل يعتبر أن تكون الولادة في محل يمكن أن يعيش فيه الولد، أو يكفي انفصاله مع ولوج الروح فيه، أو يكفي مطلقا "، ولو بالسقط قبله؟ احتمالات: والاقوى الرجوع فيه إلى صدق الولادة عرفا ". هذا: ولا فرق في النكاح الصحيح بين كونه بعقد دائم أو منقطع أو بملك اليمين ونحوه، اجماعا " بقسميه وتنزيلا للفظ (امرأتك) ونحوه في الاخبار على ارادة من يستحق نكاحه، كما لا فرق بين كون المرضعة باقية في حبال الزوج أو بانت عنه بطلاق ونحوه. وان طالت المدة، ما لم تتجاوز عن الحولين، ان اعتبرناهما في ولد المرضعة، كما هو قول، ولا فمطلقا " وان طالت أحوالا مع استمرار اللبن فيها أو على عوده بعد انقطاعه، لاصالة بقاء اللبن على ما كان يحال عليه، بل وان تزوجت


(1) قال الشيخ في الخلاف آخر كتاب الرضاع: " مسألة، إذا در لبن امرأة من غير ولادة فأرضعت صبيا " صغيرا " لكم ينشر الحرمة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم ". وفي الغنية للسيد أبي المكارم بن زهرة في أخريات كتاب النكاح، باب الرضاع قوله: " ومن شروط تحريم الرضاع: أن يكون لبن ولادة، لا در بدليل إجماع الطائفة " وفي السرائر لابن ادريس الحلى أوائل كتاب النكاح: قوله: " ومن شروط تحريم الرضاع: أن يكون لبن ولادة من عقد أو شبهة عقد، لالبن در أو لبن نكاح حرام، بدليل اجماعنا ".

[ 146 ]

بآخر، ما لم تحمل منه، سواء زاد أم نقص أم انقطع ثم عاد، لان اللبن مما قد يزيد وينقص، ولم يحدث ما يحال عليه، فهو منسوب إلى الاول ب‍ وان حملت منه، مع استمرار اللبن وعدم حدوث زيادة فيه، فهو منسوب إلى الاول أيضا "، للاصل حيث لم يعلم تجدد ناقل عنه، بل عن (التذكرة): " لا نعلم فيه خلافا " (1)، بل وان حدثت فيه زيادة يمكن استنادها إلى الحمل للاصل مع الشك في الاستناد، خلافا " للشافعي في أحد قوليه: ان زاد أربعين يوما " فاللبن لهما عملا بالظاهر من أن الزيادة بسبب الحمل الثاني. وفي (المسالك) بعد حكايته عنه قال: " وهذا قول موجه على القول بالاكتفاء بالحمل، وان كان العمل على الاول " (2).


(1) في البحث الثالث في اللبن من فصل الرضاع (الثاني) من أقسام مسألة إذا طلق الرجل زوجته أو مات عنها ولها منه لبن هكذا: " الثاني إن تزوجت بأخرى وبقى لبن الاول بحاله لم يزد ولم ينقص ولم تلد من الثاني فهو للاول، سواء حملت من الثاني أم لم تحمل ولم نعلم فيه خلافا " لان اللبن كان للاول ولم يتجدد بما يجعله من الثاني، فيبقى للاول ". (2) قال في شرح قول المصنف بعنوان السبب الثاني من أسباب التحريم الرضاع: " ولو طلق الزوج وهى حامل منه " قال: " الرابعة أن يكون بعد الحمل من الثاني وقبل الوضع، ولكن تجدد في اللبن زيادة يمكن استنادها إلى الحمل من الثاني فاللبن للاول أيضا " قطع به في (التذكرة) استصحابا " لما كان.. ونقل عن الشافعي في ذلك قولين أحدهما مثل قوله والآخر أنه ان زاد بعد أربعين يوما " من الحمل الثاني، فهو لهما عملا بالظاهر من ان الزيادة لسبب الحمل الثاني فيكون اللبن للزوجين وهذا قول.. "

[ 147 ]

وفيه: ان الظاهر لا يلتفت إليه في مقابل الاصل حتى على القول بالاكتفاء بالحمل، لان الاكتفاء بالحمل على القول به حيث لا يكون هناك ما هو أقوى منه في الاستناد إليه. أما لو انقطع اللبن عن الاول انقطاعا " بينا "، ثم عاد في وقت يمكن أن يكون للثاني، فالمنسوب إلى قطع الاصحاب كما في (المسالك) إنه يكون للثاني، وعلله فيه بأنه لما انقطع ثم عاد كان سببه الحمل فأشبه ما إذا نزل بعد الولادة (1) وهو جيد لانقطاع الاصل بانقطاعه عن الاول وبالحمل من الثاني يمكن استناده إليه والاحالة عليه، حينئذ فنشر الحرمة به وعدمه مبني على الخلاف المتقدم في الاكتفاء بالحمل فيه أو اعتبار الولادة. أما إذا وضعت حملها فاللبن بعد الوضع للثاني خاصة، وعن (التذكرة) " اجماع الكل عليه، سواء زاد أم نقص القطع أم اتصل " (2) وعلله في (المسالك) بأن لبن الاول انقطع بولادة الثاني فان حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره (3)، وهو حسن وقد عرفت انه لو استمر


(1) المصدر الآنف الذكر من المسالك الصورة الخامسة من تلك الصور قال: ان ينقطع اللبن عن الاول انقطاعا " بينا " ثم يعود في وقت يمكن أن يكون للثاني فقد قطع المصنف والاصحاب بأنه يكون للثاني. " (2) في المصدر الآنف الذكر من التذكرة قال في الرابع من الاقسام: " أن تحمل من الثاني وتلد فاللبن بعد الولادة للثاني خاصة بالاجماع قاله كل من يحفظ عند العلم سواء زاد أو لم يزد أو انقطع أو اتصل، لان لبن الاول انقطع بولادة الثاني فان حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره ". (3) ذكر ذلك في المسألة السادسة من المصدر الآنف الذكر. =

[ 148 ]

اللبن إلى الوضع من الثاني كان ما قبل الوضع للاول مطلقا "، الا في صورة ما إذا انقطع انقطاعا " بينا " ثم عاد بعد الحمل الممكن فيه استناده إليه. وأما الثاني (1) فيعتبر في المرتضع: أن يكون سنه دون الحولين ويكفي فيه تمامية رضاعه بتماميتهما، فلو ارتضع أو وقع المتمم بعدهما لم ينشر إجماعا بقسميه ومنقوله فوق الاستفاضة. ويدل عليه مضافا " إليه الحديث المروي بطرق معتبرة " لا رضاع بعد فطام " (2) وما بمعناه الظاهر بحكم التبادر، والسياق في إرادة ذلك، دون ولد المرضعة. والمراد به سن الفطام لا تحققه، فلو ارتضع قبلهما بعده أو بعدهما قبله (3) نشرت الحرمة في الاول، ولم تنشر في الثاني، بلا خلاف أجده فيهما، الا ما يحكى عن ظاهر ابن أبي عقيل في الاول (4)، وعن صريح ] = وهذا التعليل ليس للمسالك، وانما هو للتذكرة كما مر عليك وانما نقله المسالك عن التذكرة حرفيا " بلا إشارة إلى قائله فيتصور سيدنا الماتن قدس سره أنه للمسالك فنسبه إليه.


(1) أي من شروط نشر الحرمة في الرضاع، وهي أنواع ثلاثة كما مر آنفا، وقد سبق الحديث عن شروط النوع الاول منه (المرضعة) والثاني في شروط المرتضع. (2) يراجع من نكاح الوسائل باب 15 من ابواب الرضاع، أنه يشترط في نشر الحرمة بالرضاع كونه في الحولين ففيه روايات كثيرة بهذا النص وبمضمونه. (3) أي قبل الحولين بعد الفطام، أو بعد الحولين قبل الفطام. (4) هو الحسن بن على بن أبي عقيل أبو محمد العماني الحذاء، من أعلام القرن الرابع الهجري ومن أساتذة الشيخ المفيد قدس سرهما.

[ 149 ]

الاسكافي في الثاني (1) ونفى عنه البعد في (الكفاية) (2) جمودا " منهما على لفظ الفطام، الظاهر في فعليته وتحققه، الا انه من المعلوم ارادة استحقاق الفطام المتحقق بكمال الحولين منه، ولو بمعونة فهم الاصحاب وتفسيره في خبر حماد بن عثمان: " قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا رضاع بعد فطام قال قلت: جعلت فداك، وما الفطام؟ قال: الحولان اللذان قال: الله عزوجل " (3). نعم يوافق قول الاسكافي خبر داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام " الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم يحرم " (4) الا انه مرمي في (التهذيب) بالشذوذ، وموهون باعراض الاصحاب عنه، ولذا حمله في (الاستبصار) على التقية. وهل يعتبر الحولان في ولد المرضعة أيضا "، بمعنى اعتبارهما من ولادتها، أم لا؟ قولان: المشهور على الثاني، وهو الاحوط، بل الاقوى لاطلاقات أدلة الرضاع، المتيقن تقييدها باعتبارهما في المرتضع، خلافا " لما عن التقي وابنى زهرة، وحمزة، فذهبوا إلى الاول، وعن الغنية الاجماع عليه، مستندين في ذلك إلى إطلاق أو عموم حديث " لا رضاع بعد فطام " وإلى تفسير ابن بكير فيما ورد من سؤال ابن فضال منه في المسجد: " فقال له: ما تقولون في امرأة أرضعت غلاما " سنتين ثم أرضعت صبية


(1) هو محمد بن احمد بن الجنيد أبو على الكاتب الاسكافي المتوفى في الري سنة 381 ه‍. وهو ومعاصره ابن أبي عقيل من قدماء الامامية واعاظم الطائفة. وكثيرا " ما كانا يخالفان فقهاء الامامية في فتواهم وآرائهم. (2) في كتاب النكاح، البحث الثاني في شروط الرضاع. (3) الوسائل، كتاب النكاح باب 5 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (5). (4) المصدر المذكور حديث رقم (7).

[ 150 ]

لها أقل من سنتين حتى تمت السنتان: يفسد ذلك بينهما؟ قال: لا يفسد ذلك بينهما لانه رضاع بعد فطام وانما قال رسول الله صلى الله عليه وآله (لا رضاع بعد فطام) أي انه إذا تم للغلام سنتان أو الجارية، فقد خرج من حد اللبن ولا يفسد بينه وبين من شرب لبنه " (1). وعليه فلا تنشر الحرمة لو بلغه احدهما فضلا عنهما، وانما تنشر فيما لو وقع الرضاع في الحولين من سن المرتضع وولد المرضعة معا ". وفيه: أن المورد ليس من المطلق أو العام حتى يتمسك باطلاقه أو عمومه، وان توهم ذلك من ورود النكرة في سياق النفي، بعد أن كان أمر الفطام دائرا " بين اعتباره في المرتضع أو في ولد المرضعة، بحيث لو تساوى الاحتمالان لكان مجملا لا عاما "، لان النكرة المنفية هي لفظ الرضاع، دون الفطام، وعموم (لا رضاع) يتبع سعة المتعلق، وتفسير ابن بكير مع أنه اجتهاد منه لا رواية معارض بما عن (الفقيه) في تفسيره: ان معناه إذا رضع الصبي حولين كاملين ثم شرب بعد ذلك من لبن امرأة أخرى ما شرب لم يحرم ذلك الرضاع، لانه رضاع بعد فطام أي بعد بلوغ سن الفطام، وان احتمل عدم المنافاة بين التفسيرين، لاحتمال أنه ذكر بعد الافراد في مقابلة العامة الذين يحرمون ح برضاع الكبير، وإجماع (الغنية) موهون بما عرفت، فالاقوى ما عليه الاشهر، بل المشهور وأما الثالث: وهو ما يعتبر في الرضاع فأمور. منها أن يكون الرضاع بلبن واحد وهو معتبر بوجهين: (الاول): اعتباره في القدر المحرم من الرضعات، وهو معتبر فيه على سائر الشرائط المعتبرة في أصل التأثير، بحيث لو تعدد الفحل فيه لم ينشر الحرمة مطلقا " حتى بين الرضيع والمرضعة، واعتباره


(1) المصدر المذكور، حديث رقم (6).

[ 151 ]

بهذا الوجه موضع وفاق. الا ممن يكتفي في التحريم بمسمى الرضاع أو الرضعة الواحدة، وهو قول متروك كما سيأتي وتصويره كما قيل إذا أرضعته امرأة بعض الرضعات بلبن فحل ثم تزوجت بآخر بعد مفارقتها الاول وأرضعته تتمة الكمية المعتبرة بلبن الثاني مع عدم تخلل المنافي برضاع أجنبي في المدة الواقعة بين الرضاعين مع فرض تغذيته بالمأكول في تلك المدة فان الرضاع حينئذ لا تأثير له في التحريم أصلا، بل يعتبر في تأثير الرضاع اتحاد الفحل والمرضعة معا " في الكمية المعتبرة بلا خلاف فيه. الثاني: هل يعتبر اتحاد الفحل أيضا "، في نشر الحرمة بين المرضعين أم يكفي فيه اتحاد المرضعة، وان تعدد الفحل؟ قولان: الاقوى كما عليه المشهور شهرة عظيمة: هو الاول، بل حكاية الاجماع عليه مستفيضة كما عن المبسوط والسرائر والتذكرة وغيرها فلو أرضعت واحدة تمام الرضعات المعتبرة بلبن فحل ثم أرضعت بعد ذلك آخر أو أخرى بلبن فحل آخر كذلك، لم تنشر الحرمة بين المرتضعين وان نشرت بين كل منهما والمرضعة وصاحب لبنه. ويدل عليه مضافا " إلى الاجماعات المعتضدة بالشهرة المحصلة فضلا عن المستفيضة صحيحة العجلي أو حسنته قال: " سألت أبا جعفر (ع) إلى أن قال فسر لي ذلك أي: يحرم من الرضاع. الخ، فقال: كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام فذلك الرضاع الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وكل امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحدا " بعد واحد من جارية أو غلام، فان ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وانما هو من نسب ناحية الصهر رضاع ولا يحرم شيئا "، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة

[ 152 ]

فيحرم " (1) وصحيحة الحلبي: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرضع من امرأة وهو غلام فهل يحل له ان يتزوج اختها لامها من الرضاعة؟ فقال: ان كان المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد، فلا يحل، وان كان المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك " (2) وموثقة عمار الساباطي: " انه سئل الصادق عليه السلام، عن غلام رضع من امرأة أيحل له ان يتزوج أختها لابيها من الرضاعة؟ قال فقال: لا، فقد رضعا جميعا " من لبن فحل واحد من امرأة واحدة؟ قال قلت: يتزوج أختها لامها من الرضاعة؟ قال فقال: لا بأس بذلك، ان اختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي أرضعت الغلام، فاختلفت الفحلان، فلا بأس " (3) مؤيدا " بذلك العلة المستفادة من المعتبرة المستفيضة في نشر الحرمة مع اتحاد الفحل، وان تعددت المرضعة، وهي كون البن للفحل وان اتحاده هو المناط فيه. خلافا " للطبرسي فذهب إلى الثاني (4) وتبعه عليه (الفيض) في محكى مفاتيحه. وليس لهما دليل على ذلك الا إطلاقات الرضاع، وعموم حديث " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " الذي يجب الخروج عنها بتلك الادلة المعتبرة الدالة على شرطية اتحاد الفحل في ذلك، ورواية محمد ابن عبيدة الهمداني: " قال: قال الرضا عليه السلام: ما يقول أصحابك


(1) الوسائل، كتاب النكاح باب 6 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (1) والمراد بالعجلي: هو بريد العجلي. (2) نفس المصدر المذكور، حديث رقم (3). (3) نفس المصدر الآنف الذكر حديث رقم (2). (4) اي عدم اشتراط اتحاد الفحل بل يكفي اتحاد المرضعة في التحريم.

[ 153 ]

في الرضاع؟ قال قلت: كانوا يقولون: اللبن للفحل حتى جائتهم الرواية عنك: انه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فرجعوا إلى قولك، قال فقال لي: وذلك لان أمير المؤمنين سألني عنها البارحة فقال لي: أشرح لي اللبن للفحل، وأنا اكره الكلام، فقال لي: كما أنت حتى أسألك عنها: ما قلت في رجل كانت له أمهات أولاد شتى فأرضعت واحدة منهن بلبنها غلاما " غريبا " أليس كل شئ من ولد ذلك الرجل من أمهات الاولاد الشتى محرما " على ذلك الغلام؟ قال قلت بلى، قال فقال أبو الحسن عليه السلام: فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الامهات وانما حرم الله الرضاع من قبل الامهات وان كان لبن الفحل أيضا " يحرم " (1) التي لا تقاوم تلك الادلة لاعراض الاصحاب عنه، وموافقتها لمذهب العامة، فهي محمولة على التقية حيث كان مذهبهم الفتوى بذلك، على ما حكاه في (السرائر) حيث قال: " ان كان لامه من الرضاع بنت من غير أبيه من الرضاع، فهي أخته لامه عند المخالفين من العامة لا يجوز له أن يتزوجها. وقال أصحابنا الامامية بأجمعهم: يحل له تزويجها لان الفحل غير الاب وبهذا فسروا قول الائمة عليهم السلام في ظاهر النصوص وألفاظها المتواترة: أن اللبن للفحل، يريدون: لبن فحل واحد " (2) انتهى. فإذا " ما عليه المشهور هو الاقوى، وان كان الاحتياط لا ينبغي تركه إذ لولا لزوم تنزيل الاخبار على الفرض النادر، بل الاندر، لامكن حملها


(1) الوسائل، كتاب النكاح باب 6 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (9). (2) كتاب النكاح، باب الرضاع ومقدار ما يحرم من ذلك وتتمة العبارة. واما إذا كان فحلان ولبنان فلا يحرم ".

[ 154 ]

على اعتبار اتحاد الفحل في القدر المحرم، كما يشم ذلك من خبر (العجلي) المشعر باعتباره في أصل النشر والتأثير. ومن التقييد بوحدة المرضعة في الخبرين الاخيرين مع عدم اعتبار وحدتها الا في ذلك اتفاقا ". هذا وما أبعد كما قيل بين قول الطبرسي المكتفي في التحريم بوحدة المرضعة مطلقا حتى بين المرتضعين، وبين قول العلامة في القواعد من اعتبار اتحاد الفحل مطلقا "، حتى في غيرهما حيث قال: " العاشر لا تحرم أم المرضعة من الرضاع على المرتضع ولا أختها منه، ولا عمتها منه. ولا خالتها ولا بنات أختها، ولا بنات أخيها، وان حرمن بالنسب لعدم اتحاد الفحل " (1) انتهى. واغرب منه موافقة الشارح له في (جامع المقاصد) (2)، حيث التفت إلى جهة الاشكال، وأجاب بما يكون ردا " على نفسه حيث قال في شرحه: " أطبق الاصحاب على أن حرمة الرضاع لا تثبت بين مرتضعين الا إذا كان اللبن لفحل واحد، وقد حققنا هذا فيما تقدم وأوردنا النص


(1) كتاب النكاح، المطلب الثالث في أحكام الرضاع فروع (ي) وهو رمز العاشر. (2) للمحقق الكركي قدس سره - وهو نور الدين على بن عبد العالي الكركي العاملي الملقب بالمحقق الثاني، له كتب ومؤلفات فقهية وغير فقهية كثيرة، واهم كتبه الفقهية شرح قواعد العلامة في ست مجلدات المسمى ب‍ (جامع المقاصد) طبع منها ثلاثة، وبقى الآخر مخطوطا "، توفي يوم الغدير 18 ذي الحجة من سنة 940 ه‍ على الاصح وكانت وفاته في النجف الاشرف ودفن فيها. والعبارة الآتية مذكورة في مسائل الرضاع ضمن كتاب النكاح منه وهي (12 مسألة) وهذه المسألة شرح العاشرة منها.

[ 155 ]

الوارد بذلك وحكينا خلاف الطبرسي، فعلى هذا لو كان لمن أرضعت صبيا " أم من الرضاع لم تحرم تلك الام على الصبي لان نسبتها إليه بالجدودة انما يتحصل من رضاعه من مرضعته ورضاع مرضعته منها، ومعلوم أن اللبن في الرضاعين ليس لفحل واحد، فلا تثبت الجدودة بين المرتضع والام المذكورة لانتفاء الشرط فينتفي التحريم، ومن هذا يعلم، أن أختها من الرضاع وعمتها منه وخالتها منه لا يحرمن، وان حرمن بالنسب، لما قلناه من عدم اتحاد الفحل، ولو كان المرتضع أنثى لم يحرم عليه أبو المرضعة من الرضاعة ولا أخوها منه ولا عمها منه، ولا خالها منه، لمثل ما قلناه، فان قيل: عموم قوله عليه السلام: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " يقتضي التحريم هنا، وأيضا " فانهم قد أطلقوا على مرضعة المرضعة أنها أم، وعلى المرتضعة بلبن أبي المرتضع: انها أخت، فتكون الاولى جدة، والثانية خالة، فيندرجان في عموم التحريم للجدة والخالة، وكذا البواقي، قلنا: الدال على اعتبار اتحاد الفحل خاص، فلا حجة في العام حينئذ وأما الاطلاق المذكور فلا اعتبار به مع فقد الشرط، فانهم اطلقوا على المرتضع أنه ابن للمرضعة، وعلى المرتضعة منها بلبن فحل آخر: انها بنت لها أيضا "، ولم يحكموا بالاخوة المثمرة للتحريم بين البنت والابن لعدم اتحاد الفحل " انتهى. وانت خبير بما فيه، لان الاخبار الخاصة المخصصة لعموم الحديث " يحرم من الرضاع " ونحوه التي عمدتها صحيحة الحلبي، وموثقة عمار (1)


(1) أما صحيحة الحلبي فهي " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يرضع من امرأة وهو غلام أيحل له ان ينزوج أختها لامها من الرضاعة؟ فقال: ان كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحل وان كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين =

[ 156 ]

قد صرحتا بتحريم أخت المرضعة على المرتضع إذا ارتضعتا من لبن فحل واحد، ومن المعلوم أن لبن ارتضاع المرضعة مغاير للبن المرتضع منها بالفحولة، وبالجملة: فشرط اتحاد الفحل بهذا الوجه بناء على اعتباره لم يعتبر الا في تحقق عنوان الاخوة بين المرتضعين دون غيره من العناوين. ومنها (1) الكمية، وهي معتبرة عندنا، إذ لا يكفي مسمى الرضاع في نشر الحرمة، بل ولا الرضعة الواحدة، وان كانت بأن يمتلئ بطن الصبي ويتضلع، خلافا " لمعظم أهل الخلاف في الاول، فاكتفوا في النشر بمسماه، وان قل، كأبي حنيفة وأصحابه ومالك والاوزاعي والثوري والبلخي والليث بن سعد عن ما حكي عنهم بل عن الاخير دعوى اجماع اهل العلم على نشر الحرمة بمثل ما يفطر به الصائم، راوين الفتوى بذلك عن علي عليه السلام، وابن عباس وابن عمر، مستندين إلى إطلاقات أدلة الرضاع من الكتاب والسنة. وعن الشيخ في (التبيان) والحلي في (السرائر) حكاية ذلك عن


= فلا بأس بذلك " وأما موثقة عمار الساباطي التي سميت بالموثقة لاجله من حيث كونه فطحيا " فهي: " قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غلام رضع من امرأة، أيحل له أن يتزوج اختها لابيها من الرضاع؟ فقال: لا، فقد رضعا جميعا " من لبن فحل واحد من امرأة واحدة. قال: فيتزوج أختها لامها من الرضاعة؟ قال: فقال: لا بأس بذلك إن اختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي ارضعت الغلام، فاختلف الفحلان، فلا بأس " كلاهما في الوسائل باب 6 من ابواب الرضاع المحرم. (1) أي: من شروط الرضاع المحرم، عطفا " على قوله الآنف الذكر: وأما الثالث وهو ما يعتبر في الرضاع فأمور: منها أن يكون الرضاع بلبن فحل واحد.. الخ.

[ 157 ]

بعض أصحابنا، ولم نعثر على القول به منا إلا ما يحكى عن المصري في (دعائم الاسلام) (1) انه روى عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه قال: " يحرم من الرضاع كبيره وقليله حتى المصة الواحدة " ثم قال: وهذا قول بين صوابه لمن تدبره وقوله عليه السلام " لان الله تعالى يقول: " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " والرضاع على القليل والكثير. ويوافقه مكاتبة علي بن مهزيار لابي الحسن عليه السلام: " يسأله عما يحرم من الرضاع؟ فكتب إليه قليله وكثيره حرام " (2). وللاسكافي منافي الثاني فيما حكى عنه أنه قال: " قد اختلفت الرواية من الوجهين جميعا " في قدر الرضاع المحرم، الا ان الذي أوجبه الفقه عندي واحتياط المرء لنفسه: أنه كلما وقع عليه اسم رضعة وهي ملاة بطن الصبي أما بالمص أو الوجور محرم للنكاح ". ولعله نظرا " منه إلى ما ورد في الضعيف برجال العامة والزيدية " عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام: انه قال: الرضعة الواحدة كالمأة رضعة لا تحل له أبدا " (3) والقوي: " الرضاع الذي


(1) هو النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر، كان في بدء حياته مالكيا " ثم استبصر، ويعرف بالقاضي النعمان أبي حنيفة الشيعي تميزا " له عن أبي حنيفة المشهور. ولد على الاصح سنة 259 ه‍ وتوفى في مصر سنة 363 ه‍، وصلى عليه المعز لدين الله، ودفن هناك له ترجمة ضافية في تحقيقاتنا على الجزء الرابع من (رجال السيد بحر العلوم). (2) الوسائل، كتاب النكاح باب 2 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث (10). (3) المصدر نفسه حديث (12).

[ 158 ]

ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع حتى يمتلئ ويتضلع " (1) والحسن المضمر: " سألته عما يحرم من الرضاع قال إذا رضع حتى تمتلئ بطنه فان ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يحرم " (2). الا ان الجميع كما ترى، إذ المطلقات على تقدير كونها مسوقة لبيان ذلك يجب تقييدها بما دل على اعتبارات التقديرات الآتية في التحريم، والروايات المتقدمة مع ضعف سندها، وعدم العمل بها، واحتمال بعضها لبيان كمية الرضعة المحتسبة بالتقدير بالعدد لا تقاوم النصوص المستفيضة. بل المتواترة معنى على اعتبار التقدير لما لا يكون ذلك منه كما ستعرف بل وصريح بعضها عدم الاكتفاء بالرضعة أو الرضعتين المعتضدة بالاجماعات المحكية عن (الخلاف) (ونهج الحق) ومواضع من التذكرة. ثم ان الكمية المعتبرة عندنا لها تقديرات ثلاثة: بحسب الاثر والزمان والعدد. أما الاول، فهو ما أنبت اللحم وشد العظم. ويدل عليه مضافا " إلى الاجماعات المستفيضة المحكية عن التذكرة والايضاح والمسالك وتلخيص الخلاف وغيرها المعتضدة بنفي الخلاف عنه في كلام جماعة ما استفاض عن الصادق عليه السلام: من التحديد بذلك في الصحيح: " ما يحرم من الرضاع، الا ما أنبت اللحم وشد العظم " (3) والصحيح: " قلت:


(1) المصدر نفسه باب 4 حديث (2) وآخره هكذا: " حتى يتضلع ويمتلئ وينتهي بنفسه " وهو مرسل ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) المصدر لفسه باب 4 حديث (1) عن ابن أبي يعفور. (3) باب 2 من ابواب ما يحرم من الرضاع من نكاح الوسائل حديث (14).

[ 159 ]

فما الذي يحرم من الرضاع؟ فقال ما أنبت اللحم والدم " (1) وصحيحة علي بن رئاب قال قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال ما أنبت اللحم وشد العظم، قلت فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا، لانه لا ينبت اللحم ولا يشد العظم عشر رضعات " (2) والحسن: " لا يحرم من الرضاع الا ما أنبت اللحم والدم " (3) ومرسلة ابن أبي عمير التي هي بحكم الصحيحة: " والرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع حتى يتضلع ويتملا وينتهي من نفسه " (4). والخبر: " قلت له يحرم من الرضاع الرضعة والرضعتان والثلاث؟ فقال: لا الا ما اشتد عليه العظم وأنبت اللحم " (5). وخبر هارون بن مسلم: " عن أبي عبد الله عليه السلام: لا يحرم من الرضاع الا ما شد العظم وانبت اللحم، فأما الرضعة والرضعتان والثلاث حتى بلغ عشرا " إذا كن متفرقات فلا بأس " (6) وخبر عبيد ابن زرارة: " عن أبي عبد الله عليه السلام: سألته عن الرضاع ما أدنى


(1) بهذا المضمون تقريبا " باب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث (2). (2) باب 2 من ابواب ما يحرم بالرضاع من نكاح الوسائل حديث رقم (2) الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) المصدر نفسه باب 2 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث (1) وهي حسنة حماد بن عثمان عنه عليه السلام. (4) المصدر نفسه باب 4 حديث (2). (5) المصدر نفسه باب 2 حديث (23) الحديث عن عبد الله بن سنان عن أبي الحسن عليه السلام. (6) المصدر نفسه باب 2 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث (19).

[ 160 ]

ما يحرم منه؟ قال: ما أنبت اللحم والدم، ثم قال: ترى واحدة ينبته؟ فقال: لا، فقلت: اثنتان أصلحك الله؟ فقال: لا، قال: فلم أزل أعد عليه حتى بلغت عشر رضعات " (1) بناء على مخالفة الجواب بما بعد (حتى) لما قبلها، وخبره الآخر عنه أيضا ": " في حديث إلى أن قال: فما الذي يحرم من الرضاع؟ فقال ما انبت اللحم والدم فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟ فقال كان يقال عشر رضعات، قلت: فهل يحرم عشر رضعات؟ فقال: دع ذا، ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع " (2). إلى غير ذلك من النصوص، ولا يضر اشتمال بعضها على الدم بدل العظم، سيما بناء على إرادة الغريزي منه وهو الذي ينسب إليه الانبات لا الذي يستحيل إليه الغذاء في الكبد قبل الانتشار منه إلى الاعضاء كما في كشف اللثام، (3) ولا الاقتصار في بعضها على ما أنبت اللحم، سيما بناء على الملازمة بينه وبين ما يشد العظم، أو تخصيصه بما دل على شد العظم أيضا " ان اعتبرنا التأثير فيهما كما هو الاقوى لكونه مقتضى الجمع بين النصوص


(1) المصدر نفسه، باب 2 حديث (21). (2) المصدر نفسه، حديث (18). وهي صحيحة عبيدة، (3) هذه نص عبارة (كشف اللثام في شرح قواعد الاحكام) للشيخ بهاء الدين محمد بن الحسن بن محمد الاصبهاني المشهور بالفاضل الهندي المتوفى في اصفهان سنة 1137 ه‍ والمدفون فيها. وقد وردت في بيان كمية الرضعة المحرمة التي تقدر بواحدة من ثلاث: إما العدد أو انبات اللحم أو اشتداد العظم. وأول الجملة هكذا بعد استعراض روايات الباب: " والمراد بالدم فيها أي في حسنة حماد وصحيحة عبيدة الغريزي، وهو الذي ينسب إليه الانبات.. ".

[ 161 ]

ثم الظاهر منها ارادة فعلية النبت لا أهلية الانبات. فلو منع عنه مانع لمرض ونحوه لم تنشر الحرمة مع احتماله، وهو الاحوط، كما أن الظاهر ايضا " كونه الاصل في التقدير، والاخيران معتبران من باب الامارة عليه كما يعطيه صريح بعضها. وعليه، فلو علم بتخلف الاثر عن التقديرين الآخرين، فلا نشر للحرمة، وتنشر لو تخلفا عنه بأن حصل، ولما يكمل العدد أو الزمان فيكونان مرجعين ما لم يحرز عدمه، خلافا " لجماعة فاعبروها أصولا وأسبابا " متعددة للتحريم بحيث لو انفرد كل منها عن أخويه نشرت الحرمة، ولآخرين فاعتبروا العدد أصلا، وظاهر النصوص هو الاول. هذا وربما يقال: ان التقدير بالاأر انما يناسب القول بكفاية الرضعة الواحدة، بل المسمى، لما هو مسلم عند الاطباء: من فعل الطبيعة في الغذاء بعد وروده في المعدة، فانه يطبخ فيها وينجذب صفوه بتوسط العروق الماسا ويقا إلى الكبد، وتبقى فضلته في قعر المعدة، ثم ينضج في الكبد وتطبخه طبخا " ثانيا "، فتنوعه إلى أربعة أنواع، تعلوها رغوة صافية متلونة بالصفرة، سميت صفراء، وعاؤها المرارة، ورسوبها السوداء متلون بالسوداء المشوب بالخضرة، وعاؤه الطحال وما بينهما، لا بمرتبة الرغوة في الصفرة ولا بمرتبة السوداء في الرسوب، هو الدم والبلغم، فما رق منه وتم نضجه تلون بالحمرة، وهو الدم، وما لم يتم هو البلغم ولا وعاء لهما فينشر الدم مصاحبا " للبلغم إلى أعضاء البدن، فيتخلف بدلا عما تحلل من البدن، فان انقطع المدد عن الدم من الغذاء مدة بحيث لا يمكن استحالته بدلا عما تحلل، تخلف البلغم حينئذ عن الدم بعد تلونه بلونه في التحليل إلى ما يكون بدلا عما تحلل، حتى يأتيه المدد، فالدم الحاصل من الغذاء وان قل هو الناشر إلى البدن ويأخذ كل ذي قسط قسطه، ويكون بدلا لما

[ 162 ]

تحلل منه، فيحصل النمو به لكل جزء من اجزاء البدن. واين ذلك من اعتبار العدد أو الزمان بعد حصول الاثر بالرضعة الواحدة، بل بالاقل منها. وفيه: ان المعتبر ليس مطلق النمو، بل النمو الخاص، وهو ما زاد على المسمى بما يدرك بالحس، ولو لاهل الخبرة موازيا " لما يحصل بالعدد أو الزمان، إذ ليس موضوع الحكم هنا إلا كسائر موضوعات الاحكام الشرعية المبتنية على الصدق العرفي دون المداقة الفلسفية. ولو سلم فلا يعلم حصوله مع احتمال فساده في مرتبة من المراتب المتقدمة بحيث يمنع عن الاستحالة إلى ما يكون بدلا عما يتحلل من البدن وإصالة السلامة لا يثبت بها النمو الذي هو شرط التحريم. هذا والمرجع في تحققه هو أهل الخبرة، والاقوى انه يعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة من العدد والعدالة، لاعتبار العلم بذلك، أو ما يقوم مقامه، ولا يكفي الواحد، وان كان عدلا أفاد الظن، لعدم الدليل على الاكتفاء به. ولشيخنا في (الجواهر) طريق آخر للعلم بتحققه معترف بانفراده به حيث قال فيه: " وللعلم بالاثر طريقان: أحدهما الرجوع إلى قوله أهل الخبرة إلى أن قال وثانيهما أن يتحقق الرضاع مدة طويلة كشهرين أو ثلاثة مثلا مع اختلال شرط الزمان والعدد، كما إذا كانت الرضعات ناقصة واشترطنا الكمال في المدة كالعدد أو تحقق الفصل في المدة قبل إكمال العدة، وقلنا: بعدم اشتراط التوالي في النشر بالاثر، فيحكم بالتحريم بهذا الطريق، لان العادة قاضية باستقلاله مثلا في انبات اللحم وشد العظم وان لم يرجع فيه إلى أهل الخبرة، وهذ القسم وان

[ 163 ]

لم يصرحوا به الا انه داخل فيما قالوه " (1) انتهى. وحاصله بتوضيح منا حصول العلم العادي بالنمو البالغ حد الاثر المعتبر شرعا " بالرضعات الواقعة في المدة الطويلة بعد ضم ما حصل من اللواحق إلى السوابق، وان كان الحاصل من كل منها بنفسه لا يجدي في المقدار، الا أن الحاصل من المجموع يبلغ الحد المعتبر، وان تخلل بين النموات الحاصلة من الرضعات نموات حاصلة من غيرها، لعدم اعتبار التوالي في التقدير بالاثر. وفيه: ان ذلك انما يتم بعد احراز مقدمتين: حدوث النمو بكل من الرضعات لينضم بعضه إلى بعض، وهو ممنوع لاحتمال فساده في مرتبة من مراتب الطبخ، والنضج في المعدة أو في الكبد أو في النشر إلى حيث ينتهي إلى نمو البدن منه، وقد عرفت أن اصالة الصحة لا تثبت النمو ودوامه بعد فرض حصوله إلى أن يبلغ المجموع القدر المعتبر، وهو ممنوع أيضا "، لان البدن يتحلل منه ويتخلف بدله وإصالة البقاء مع أنه ضعف في ضعف لا يثبت تحقق عنوان الشرط المعتبر في الاثر، ولعله لذا لم يجعلوه طريقا " للعلم به، كما اعترف به هو رحمه الله. وأما الثاني (2) فهو التقدير بالزمان، وهو رضاع يوم وليلة بحيث يرتضع كلما يحتاج إليه الصبي حتى يرتوي، ويصدر بنفسه، تنزيلا للرضعة والرضاع في الاخبار على المتعارف، وقوله (ع): في مرسلة ابن أبي عمير:


(1) قال قدس سره في كتاب النكاح في عرض كلامه عن شروط الرضاع المحرم تحت عنوان الشرط الثاني الكمية: " وكيف كان، فللعلم بالاثر طريقان.. ". (2) أي من شروط المرتضع، فالشرط الاول كما مر آنفا " هو المشار إليه بقوله: أن يكون سنه دون الحولين..

[ 164 ]

" الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع حتى يتملى ويتضلع وينتهي بنفسه " (1) كخبر ابن أبي يعفور: " سألته عما يحرم من الرضاع؟ قال: إذا رضع حتى يمتلئ بطنه فان ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يحرم " (2) بناء على اعتباره كذلك في الكشف بالعدد أو الزمان عن الاثر، ولو تعبدا "، والا فلو تحقق الاثر بغيرهما كفى في التحريم. ويدل على التحريم بهذا التقدير بعد الاجماع المستفيض نقله، المعتضد بدعوى الاتفاق عليه من غير واحد موثقة زياد بن سوقة: " قلت لابي جعفر عليه السلام: هل للرضاع حد يؤخذ به؟ قال: لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينهما رضعة امرأة غيرها، فلو ان امرأة أرضعت غلاما " أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتهما امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات، لم يحرم نكاحهما " (3) وضعف السند مع أن الموثقة حجة مجبور بعمل الطائفة بها فيه (4) وان عورض في العدد بروايات أخر. وما عن (المقنع): انه: سئل الصادق عليه السلام: هل لذلك حد؟ فقال: لا يحرم من الرضاع الا رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة


(1) الوسائل، كتاب النكاح باب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث (2). (2) المصدر نفسه حديث رقم (1). (3) المصدر نفسه باب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (1). (4) أي بالموثقة في التقدير بالزمان.

[ 165 ]

رضعة متواليات لا يفصل بينهن " (1). والظاهر انها رواية أخرى، وإرسالها مجبور بما عرفت. ولا يعارضه تحديد المدة بثلاثة أيام متواليات كما عن (الفقه) المنسوب إلى الرضا عليه السلام: " والحد الذي يحرم به الرضاع مما عليه عمل العصابة، دون كل ما روى، فانه مختلف: ما أنبت اللحم وقوى العظم وهو رضاع ثلاثة أيام متواليات أو عشر رضعات متواليات محررات مرويات بلبن الفحل " وبخمسة عشر يوما " في مرسلة الصدوق المحكية عن (هدايته): " انه سئل الصادق عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟ " ولا يحرم من الرضاع الارضاع خمسة عشر يوما " ولياليهن وليس بينهن رضاع " (2) لاعراض الاصحاب عنهما، وتطرق الموهنات عليهما مع احتمال قطع الحديث على النسب في الثاني، فيكون الباقي فتوى منه، ولا موافق له عليه حينئذ. ولا التحديد بسنة في صحيح علاء بن رزين عن الصادق (ع): " سألته عن الرضاع، فقال: لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدي واحد سنة " (3) وان صح سنده الا أنه متروك العمل به معرض عنه، مع اشتماله على اعتبار وحدة الثدي المعلوم عدمه، الا أن يكون كناية عن وحدة المرضعة، فيجب طرحه، أو تصحيفه بالضم والتشديد أو بالكسر مع الاضافة إلى ضمير الارتضاع: على أن المراد في الحولين اللذين هما سن الرضاع والسنة فيه، فيوافق خبر الحلبي عن الصادق (ع):


(1) وأول عبارة (المقنع للصدوق) هكذا: " ولا يحرم من الرضاع إلاما أنبت اللحم وشد العظم " راجع: آخر كتاب النكاح منه. ومثله في الوسائل في باب 1 من ابواب ما يحرم بالرضاع. (2) المصدر نفسه من الوسائل حديث رقم (15). (3) المصدر نفسه من الوسائل حديث رقم (13).

[ 166 ]

" لا يحرم من الرضاع الاما كان حولين كاملين " (1) وخبر عبيد بن زرارة أو زرارة عنه (ع) أيضا ": " سألته عن الرضاع؟ فقال: لا يحرم من الرضاع الا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين " (2) بناء على ارادة حولي المرتضع المعتبر فيهما وقوع الرضاع، ولا فرق في اليوم أو الليلة بين الطويل منهما والقصير لانجباره أبدا " بالآخر. كيف ولو اعتبر التساوي بينهما وجب حمل الآخر على يومي الاعتدال، وما يقرب منهما في السنة، وهو مع بعده ينافي كونه علامة. نعم في الاكتفاء بالتلفيق لو وقع في أثناء أحدهما لحصول المعنى أو وجوب الاحتساب من أولهما للاصل مع الاقتصار على المتيقن من الخروج عنه قولان: اختار ثانيهما جدنا في (الرياض) تبعا " لجماعة، ولعل الاول هو الاقوى والاقرب إلى اعتبار العدد في كونهما علامتين للاثر. وأما الثالث: (3) وهو التقدير بالعدد، فقد اختلفت كلمات الفقهاء بعد شذوذ القول بكفاية الرضعة الواحدة كما عرفت، مع أن الواحد ليس من العدد، وان تألفت منه الاعداد، على قولين: بين قائل بالعشر ونسب ذلك إلى مشهور القدماء منهم: المفيد وابن أبي عقيل والمرتضى وسلار وابن البراج وأبي الصلاح وابن حمزة على ما حكى عنهم وهو المحكى عن المختلف والايضاح، واستقر به في اللمعة، وهو أحد قولي ابن ادريس حيث قال: في أول النكاح من السرائر: " المحرم عشر رضعات متواليات في الصحيح من المذهب، وذهب بعض


(1) المصدر نفسه باب 5 حديث (10). (2) المصدر نفسه باب 5 حديث رقم (8). (3) وهو الثالث من شروط المرتضع، وهي الاثر، والزمان، والعدد: المشار إليه الآن.

[ 167 ]

أصحابنا إلى خمس عشرة رضعة، معتمدا " على خبر واحد، ورواية عمار بن موسى الساباطي، وهو فطحي المذهب مخالف للحق، مع أنا قد قدمنا أن أخبار الاحاد لا يعمل بها ولو رواها العدل، فالاول مذهب السيد المرتضى وخيرته وشيخنا المفيد، والثاني خيرة شيخنا أبي جعفر الطوسي والاول هو الاظهر الذي يقتضيه أصول المذهب " (1) وان قال في أول باب الرضاع: " الذي يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم وشد العظم على ما قدمناه، فان علم ذلك والا كان الاعتبار بخمس عشرة رضعة على الاظهر من الاقوال، وقد حكينا الخلاف فيما مضى الا أنا اخترنا هناك التحريم بعشر رضعات، وقويناه، والذي أفتى به وأعمل عليه الخمس عشرة رضعة لان العموم قد خصصه جميع أصحابنا المحصلين والاصل الاباجة والتحريم طارئ، فالاجماع من الكل يحرم بخمس عشرة رضعة فالتمسك بالاجماع أولى وأظهر فان الحق أحق أن يتبع " انتهى. وهذا منه يدل على اضطرابه في المسألة. وبين قائل بالخمس عشرة، وهو خيرة الشيخ والعلامة في التذكرة والارشاد والتبصرة والتلخيص، وظاهر القواعد والتحرير والشرايع، بل اختلفت كلماتهم في الاشهر من القولين: فعن المختلف والمقتصر، وغاية المرام ونهاية السيد: ان العشر هو قول الاكثر، وفي (الروضة) نسبته إلى المعظم، وعن التذكرة وزبدة البيان، والمفاتيح: أن المشهور هو الخمس


(1) فانه قال: " ومن شروط تحريم الرضاع أن يكون ما ينبت اللحم ويشد العظم، فان لم يحصل ذلك فيوما " وليلة أو عشر رضعات " هكذا أول العبارة، وتكملتها: " لان الرضاع يتناول القليل والكثير فالاجماع حاصل على العشرة وتخصيصها، ولان بعض أصحابنا يحرم بالقليل من الرضاع والكثير ويتعلق بالعموم، فالاظهر ما اخترنا ".

[ 168 ]

عشرة: وعزاه في (كنز العرفان) إلى الاكثر، وفي (كنز الفوائد) إلى عامة المتأخرين، وفي المسالك: إلى أكثرهم، قال: " واكثر القدماء على القول بالعشر " ودفع بذلك التنافي بين كلامي العلامة في المختلف والتذكرة. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الاخبار في ذلك: فمن ذهب إلى العشر استدل بعد العمومات بروايات منها: رواية فضيل بن يسار: " عن الباقر عليه السلام قال: لا يحرم من الرضاع الا المخبور، قلت: وما المخبور؟ قال أم تربي أو ضئر تستأجر أو أمة تشترى، ثم ترضع عشر رضعات يروى الصبي وينام " (1) ومنها: الموثق عن عمر بن يزيد قال: " سألت الصادق عليه السلام عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين؟ فقال: لا يحرم، فعددت عليه حتى أكلمت عشر رضعات، قال إذا كانت متفرقة فلا " (2) ومنها خبر هارون بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام: " لا يحرم من الرضاع الا ما شد العظم وأنبت اللحم فأما الرضعة والرضعتان والثلاث حتى بلغ عشرا " إذا كن متفرقات فلا بأس " (3) ومنها خبر عبيد ابن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال: ما أنبت اللحم والدم ثم قال ترى واحدة ينبته؟ فقال: لا، فقلت: اثنتان أصلحك الله فقال: لا، قال:


(1) الوسائل، كتاب النكاح باب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (11) باختلاف بسيط في بعض كلمات الحديث. (2) المصدر الآنف ذكره حديث رقم (5) (3) المصدر الآنف الذكر حيثان: رقم 9 و 19 منه، وفي كل منهما هارون عن مسعدة بن زياد العبدي.

[ 169 ]

فلم أزل أعد عليه حتى بلغت عشر رضعات " (1) وعنها خبره الآخر أيضا " في حديث إلى أن قال: " فما الذي يحرم من الرضاع؟ فقال: ما أنبت اللحم والدم، فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟ فقال: كان يقال عشر رضعات، قلت: فهل يحرم عشر رضعات؟ فقال: دع ذا، ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع " (2). ومن ذهب إلى الخمس عشرة استدل بروايات: منها موثقة ابن سوقة المتقدمة. ومنها موثقة عبيد بن زرارة " عن أبي عبد الله عليه السلام: قال سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرمن شيئا " (3) ونحوه خبر ابن بكير عنه أيضا " (4) ومنها: صحيحة علي بن رئاب عنه أيضا ": " قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: ما انبت اللحم وشد العظم، قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا، لانه لا ينبت اللحم ولا يشد العظم عشر رضعات " (5) ومنها مرسلة (المقنع) المتقدمة في التقدير بالزمان. والاحسن في الجمع بين أخبار القولين مع معارضتها ببعضها الدال على العشر بالمفهوم الذي لا يقام المنطوق في المعارضة والحصر في رواية فضيل المعلوم عدم اختصاص التحريم بما فيها مع اشتمال سنده على محمد بن سنان المجروح عند الاكثر، والتعليل بعدم الانبات بالعشرة في صحيحة ابن رئاب، الموجب لتقديم الخبر المعلل على غيره، مع أقوائية سنده.


(1) المصدر الآنف الذكر حديث رقم (21). (2) المصدر الآنف الذكر حديث رقم (18). (3) المصدر الآنف الذكر حديث رقم (3). (4) المصدر الآنف الذكر حديث رقم (4). (5) المصدر الآنف الذكر حديث رقم (2).

[ 170 ]

حمل أخبار العشر على التقية، كما يشعر به، بل يؤمي إليه نسبته إلى قائل في قوله: (كان يقال) في خبر عبيد بن زرارة، سيما قوله فيه: " دع ذا " والجواب بما لا يطابق سؤاله، وليس الا الاعراض عن بيان عدم النشر بالعشر، بذكر جملة أخرى على التقية، فإذا بطل النشر بالعشر انحصر العدد المحرم بخمس عشرة، إذ لا قائل بالتحريم فيما بينهما من العدد، والخمسة عشر مع دلالة النص عليه اجماعي، بل لا خلاف في التحريم به. ثم انه يعتبر في العدد: التوالي، بمعنى عدم تخلل رضعة من امرأة أخرى، اجماعا "، وللموثقة المتقدمة المصرحة به، وبتفسيره، وبذلك فلا يقدح تخلل غيرها من المأكول وغيره للاصل، ولتفسيره في النص بما عرفت. وفي اختصاص القدم بتخلل الكاملة منها، لوحدة المراد منها ومن الرضعة المعتبرة في العدد بحسب السياق بعد تنزيلها على التعارف، أو يعمها والناقصة أيضا "، فيقدح تخلل مسماها لنفي الطبيعة الوجب لنفي جميع أفرادها، ولعله الاقوى. وجهان: بل قولان. وهو معتبر أيضا " في التقدير بالزمان، لكن بمعنى عدم تخلل مطلق المأكول والمشروب، رضاعا " كان أو غيره في المدة المضروبة حدا " لا للتقيد به في الموثقة، والا، لا اختص القدح بما فسر به مع ظهور تخصيص التقييد به بالجملة الاخيرة، بل لان ذلك مقتضى انطباق الرضاع في المدة المزبورة. وتقييده بامرأة واحدة من لبن فحل واحد: توضيحه: أن القدر المحرم أيا " ما كان من التقديرات الثلاث يعتبر فيه بالنص والاجماع اتحاد الفحل والمرضعة معا "، فلو تلفق العدد مثلا من مرضعتين، بطل الاحتساب، وان اتحد الفحل، كما لو

[ 171 ]

ارتضع ما دون العدد من مرضعة، وارتضع المكمل كذلك من غيرها، لم تنشر الحرمة، وان انحد الفحل، لعدم صيرورته بذلك أبا "، ولا المرضعات أمهات لانتفاء الشرط الموجب لانتفاء المشروط، بخلاف ما لو ارتضع من واحدة تمام القدر من لبن فحل، ومن أخرى دونه من ذلك اللبن أيضا "، تحققت الابوة للفحل، والامومة للاولى، لوجود شرط التحريم، ولم يتحقق الامومة للثانية لفقد الشرط. وان حرمت على المرتضع لو كان ذكرا " لا لكونها أمه، بل لكونها منكوحة أبيه. وبالجملة: رضاع القدر المحرم لا بد أن يكون من مرضعة واحدة. وحيث يتحقق ذلك في العدد، وان تخلل المأكول فيه ما لم يتخلل الرضاع في أثنائه، احتيج ألى قيد التوالي بهذا المعنى فيه، ولا يتحقق ذلك في الزمان مع تخلل الغذاء مطلقا "، لعدم انطباق الرضاع معه على تمام المدة، الذي معناه أن يرتضع كل ما يحتاج إليه من لبن امرأة واحدة، فان لم يكن بغير اللبن لم يكن رضاعا " وان كان منه بارضاع أجنبية، لم يكن من امرأة واحدة فقوله: " رضاع يوم وليلة من امرأة واحدة " يعطي منافاة التخلل مطلقا " ولذا قال جدي (رحمه الله) في (الرياض): " وان لا يفصل بين الرضعات برضاع غير المرضعة والمأكول والمشروب في الزمانية خاصة دون العددية فيمنع فيها الفصل برضاع غير المرضعة خاصة " (1) انتهى. وما أبعد ما بينه وبين القول بعد اعتبار التوالي أصلا، حتى الرضعة والرضعتين في التقدير بالمدة، لصدق رضاع يوم وليلة عرفا " مع التخلل المذكور، فضلا عن تخلل غيره.


(1) أوائل كتاب النكاح في شروط الرضعات العددية والزمانية، شرح قول المحقق " ويعتبر في الرضعات قيود ثلاثة ".

[ 172 ]

وفيه مساواة اعتبار الزمان هنا للزمان في ضرب المسافة، ويوم التراوح مع فرضه حدا " للرضاع الواقع فيه، المحمول بيان كميته بعد امتناع رضاع مستمر في تمام المدة على التغذي به كلما احتاج إليه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، بعد أن كان الظرف حدا " لوقوع المظروف فيه، وهو واضح. ومنها: أي من الامور المعتبرة في الرضاع: أن يكون الارتضاع من الثدي على المشهور شهرة عظيمة كاد أن يكون من المتفق عليه، عدا الاسكافي والشيخ في المحكى عن موضع من (مبسوطه)، دون المواضع الاخر فاكتفيا بالوجور، ولعله (للمرسل) عن الصادق عليه السلام: " وجور الصبي اللبن بمنزلة الرضاع (1) الموهون مع إرساله باعراض الاصحاب عنه، واحتمال ارادة التغذي في المنزلة و (لدعوى) شمول الرضاع له، فيدخل تحت اطلاقات أدلة التحريم بالرضاع، الممنوع صدقها عليه بحكم العرف، وتبادر الغير منه، (ولحصول) الانبات الموجب للتحريم به، فيحكم بوجود المعلول بعد وجود علته، وهو مسلم ان كانت العلة مطلق النشوء لا النشوء الخاص الحاصل من الرضاع المتبادر منه غيره، مع كونها من العلة المستنبطة التي لا تعويل عليها، لاحتمال أن يكون للرضاع مدخلية في التحريم بالاثر كما للحمل أو الولادة مدخلية في التأثير، بل ولا يجدي الوجور من الثدي إلى حلق الصبي، ما لم يكن بالتقامه الثدي وامتصاصه، بل ولا بد أن يكون على النحو المتعارف، بل قد يشكل لو التقم وامتص من الثدي لا من موضع معتاد، لو فرض ثقب فيه فضلا عن غير الثدي، لخروجه عن اطلاقات أدلة الرضاع بعد تنزيله على


(1) الوسائل، كتاب النكاح باب 7 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث رقم (3).

[ 173 ]

المتعارف، فضلا عما لو أدخل اللبن في جوفه من ثقب ونحوه أو أكله جبنا " ونحوه، لعدم صدق الرضاع على ذلك كله. ومنها: أن يكون الرضاع بلبن غير ممزوج بغيره بحيث يخرجه عن عن اسمه، ولو في فيه بسكر ونحوه، بل ولو بلعابه المخرج له عن إطلاق اسم اللبن عليه. المبحث السادس: هو انه لا فرق في التحريم بالرضاع بين سبقه على النكاح أو لحوقه له، فكما يبطل به النكاح ابتداء، يبطل به استدامة من غير خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه. مضافا " إلى اطلاقات أدلة الرضاع الشاملة للتحريم به حدوثا " ودواما " وخصوص الخبرين المتقدمين: صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال لو أن رجلا تزوج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد نكاحه " والآخر بهذا الاسناد عنه أيضا ": " في رجل تزوج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته أو أم ولده؟ قال: تحرم عليه "، ولان العنوان المتحقق به مثل النسب لا يمكن فرض جواز النكاح معه وتحققه مما يترتب على وقوعه قهرا " من دون تخلف فيه، وترتب الحكم على العنوان الحاصل به ضروري لا يدانيه شك ولا شبهة من غير فرق بين كون التحريم بالرضاع أو بالمصاهرة بعد تنزيل الرضاع فيها منزلة النسب كما تقدم. ويتفرع عليه فروع: الاول: لو كانت له زوجة صغيرة فأرضعتها من يفسد نكاحها بالرضاع كأمه وجدته وأخته وزوجة الاب والاخ إذا كان بلبنهما، فانه يفسد نكاحها حينئذ لصيرورتها أختا " أو عمة أو خالة على الاولين، وبنت اخت على الثالث وأختا " أو بنت أخت على الاخيرين، فيبطل به لاحقا " كما يبطل به سابقا "، لما عرفت من تضافر النصوص والفتاوى بذلك

[ 174 ]

وفي سقوط مهرها وعدمه أو التشطير وجوه، بل لعلها أقوال: وتفصيل المسألة هو ان المرتضعة: ان اختص السبب المحرم بها بأن انفردت به، كما لو سعت بنفسها إلى ثدي المرضعة فامتصت منه بدون شعورها كما لو كانت نائمة أو بحكمها، فالوجه سقوط مهرها، وعللوه بأن الفسخ جاء من قبلها، فكان كالردة قبل الدخول (1). ويحتمل التشطير، لانه فسخ قبل الدخول فأشبه بالطلاق المنصف للمهر، والموت على القول به.


(1) الردة بالكسر الاسم من الارتداد عن الدين. وأصحاب الردة على ما نقل منهم: من ارتد عن الاسلام إلى الجاهلية، ومنهم من أنكروا فرض الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وآله والتفصيل في محله والمرتد عن الاسلام إلى الكفر قسمان: إما عن فطرة الاسلام، فيقتل في الحال وتعتد زوجته حين الارتداد عدة الوفاة وتقسم تركته بين ورثته. وان تأخر قتله فتاب لا تسقط هذه الاحكام بتوبته لكنها مفيدة لطهارة بدنه وصحة عباداته وتملكه الجديد. وأما المرتد عن غير فطرة، بل عن ملة بأن كان كافرا " فأسلم ثم ارتد، فيستتاب عدة مرات. فان تاب، وإلا قتل في الرابعة وتعتد زوجته عدة الطلاق، فان تاب في العدة رجعت الزوجية، والا بانت منه، ولا تقسم أمواله إلا بعد القتل. عن رسالة الاحكام لسيدنا الوالد قدس سره وفي الحديث عن أهل البيت عليهم السلام: " كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الاسلام وجحد محمدا صلى الله عليه وآله بنبوته، وكذبه، فان دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، وامرأته بائنة منه فلا تقربه ويقسم ماله على ورثته وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها وعلى الامام أن يقتله إن أتي به إليه ولا يستتيبه " عن كتب الاخبار.

[ 175 ]

ويحتمل عدم سقوط شئ من المهر بالعقد، فيستصحب حتى يثبت السقوط، ولا دليل عليه بعد تنزيل فعلها لعدم القصد والشعور منزلة العدم والتشطير انما ثبت في الطلاق لدليله، فلا يقاس به غيره. ويضعف بعد مدخلية القصد في حكم الوضع، لان غايته عدم الاثم، لا عدم السقوط، فإذا " الاقوى: السقوط كما عليه الفتوى. وان اختص السبب بالمرضعة، بأن انفردت بارضاعها من دون ضرورة، فلا يسقط شئ من مهرها، لان الفسخ جاء من قبل المرضعة لا من قبلها. والتشطير قد عرفت ما فيه. وفي رجوع الزوج على المرضعة بذلك وعدمه؟ وجهان: مبنيان كما قيل على ضمان منفعة البضع لانها مما تقابل بالمال في كثير من الموارد، وعدمه لانها غير متمولة وإن قوبلت أحيانا " بالمال. ولعل الاظهر، بل الاقوى: رجوع الزوج عليها حتى على القول بعدم ضمان منفعة البضع، غير أنه على القول به يرجع عليها بمهر المثل لكونه قيمة المنفعة المفوتة عليه، ويرجع عليها بما يغرم لها، لو قلنا بعدمه للضر الوارد عليه من قبلها. (ودعوى) ثبوت غرامة المهر انما هو بالعقد لا بالفسخ الطارئ كما في (المسالك) فلا ضرر من قبلها (ضعيفة) لان الاقدام منه بالعقد انما هو على المهر المعوض بالمنفعة أو الانتفاع، وهو ليس بضرر، وانما الضرر دفعه بلا عوض، الموجب لتضييعه عليه، وهو مسبب عن فعلها. وعليه فيرجع بما يغرم من المسمى، زاد على مهر المثل أو لا، ويحتمل الرجوع بمهر المثل فيما لو زاد المسمى فان الزيادة ضرر أقدم عليه بالعقد وانما الفائت عليه بفعلها ما يساوي مهر المثل أو الاقل منه من المسمى. لا يقال: ان دفع الزيادة انما كان بازاء المعوض من البضع، ولو لخصوصية دعته إليه، والفرض أنه لم يسلم له ذلك.

[ 176 ]

لانا نقول: ان الخصوصية داعية إلى الاقدام على الضرر وتحمله لا أن دفع الزائد معها ليس بضرر كي يقال: دفعه بدونه ضرر جاء من قبلها. وان كان إرضاعها لضرورة كالخوف عليها من التلف، فقد قيل بعدم ضمانها هنا، وان قلنا بضمانها، لو قصدت به الافساد، لان الفعل جائز لها، بل واجب عليها، فكان كما لو حفر بئرا " في ملكه، فانه لا يضمن المتردي فيها، مضافا " إلى كونها محسنة: " وما على المحسنين من سبيل " (1). وفيه: وضوح الفرق بين المقام المستلزم لصدق الاتلاف والضرر على الزوج، وبين حفر البثر غير المستلزم للتردي فيها، والاحسان لو سلم ايجابه الجبران في المقام فغايته الرجوع على الصغيرة في مالها بما تغرم للزوج، لا عدم ضمانها له بما أضرته به أو أتلفته عليه، ولو اشتركا في السبب، فستعرف الكلام فيه ان شاء الله. الثاني: لو كان له زوجتان: كبيرة، وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة مؤبدا "، لانها صارت أم زوجته، وأم الزوجة محرمة أبدا "، والصغيرة كذلك، ان كان الرضاع بلبنه أو لم يكن ولكن دخل بها، لانها على الاول بنته، وعلى الثاني ربيبته التي دخل بأمها، وكل منهما لا ينفك التحريم عنه، وان لم يدخل بها انفسخ به نكاح الصغيرة أيضا "، لامتناع نكاح الام وبنتها، وإبطال أحدهما بالخصوص ترجيح بلا


(1) فقرة من آية (91) من سورة التوبة، وتمام الآية هكذا: " ليس على الضعفأ ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم " أي ما عليهم سبيل بالحجة والعقوبة والمؤاخذة بحكم احسانهم وتفضلهم.

[ 177 ]

مرجح، فكان كما لو عقد عليهما دفعة، من غير فرق في البطلان بين الحدوث والدوام، وجاز له تجديد العقد عليها، لانها حينئذ ربيبة لم يدخل بأمها، ومثلها يجوز العقد عليها. ويدل عليه ما تقدم: من النص (1) وخبر علي بن مهزيار: " عن أبي جعفر عليه السلام، قال قيل له: ان رجلا تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته، ثم أرضعتها امرأته الاخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه، فقال أبو جعفر عليه السلام: أخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولا، فأما الاخيرة فانها لا تحرم عليه، لانها أرضعتها وهي بنته " (2). وهذه النصوص كافية في إثبات المدعى: من ابطال النكاح السابق بالرضاع اللاحق. وضعف سند الاخير (3) واشتماله على ما يمكن المناقشة فيه على التخطئة في تحريم الثانية لكونها مرضعة لبنته دون زوجته لبينونتها بارضاع الاولى بتقريب: أنه انما يتم بناء على اعتبار فعلية الزوجة في تحريم أمها على الزوج، وهو ممنوع، بل يكفي في التحريم كونها أم امرأته ولو كانت زوجة بمنع اعتبار التلبس بالمبدء في قوله تعالى: " وأمهات نسائكم " كما


(1) إشارة إلى صحيحة الحلبي: " لو أن رجلا تزوج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد نكاحه " وخبره الآخر: " رجل تزوج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته أو أم ولده قال تحرم عليه ". (2) الوسائل، كتاب النكاح باب 14 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث (1) والخبر في غير مورد المسألة، ولكنه شامل لها بالانطباق. (3) وهو خبر ابن مهزيار، فان في طريقه صالح بن أبي حماد وهو ضعيف لدى علماء الرجال.

[ 178 ]

ستعرف الكلام فيه في الفرع الآتي. لا يضر بعد الجبر، والعمل بمضمونه في إثبات المدعى لتصريحه بانفساخ نكاح الصغيرة، والاولى من المرضعتين. وبالجملة: لا إشكال في حكم المسألة بعد وضوح مدركها: من تطابق النصوص والفتاوى عليه. فلا يلتفت إلى ما عسى أن يقال على تحريم الكبيرة مؤبدا " لصيرورتها بالارضاع أم الزوجة: بانه بمجرد صدق الامية والبنتية يتحقق انفساخ النكاح، فيستحيل صدق أمية الزوجة فعلا، ضرورة استلزام صدق الامية فسخ الزوجية، لانه أول آنات صدق البنتية. أو يقال على انفساخ نكاح الصغيرة أيضا "، مع عدم الدخول بأمها المرضعة بعدم الموجب لانفساخ نكاحها، مع اقتضاء الاصل بقاءه واختصاص الام بالانفساخ ابقاء على تعميم الزوجة لمن كانت زوجة (1) لتحقق سبب التحريم فيها وابقاء الربيبة على عقدها الاول من غير حاجة إلى تجديد العقد عليها لصحة نكاح الربيبة، مع عدم الدخول بأمها، وان عقد عليها أولا، ثم انفسخ عقدها، ولا يقاس المقام بالعقد على الام وبنتها دفعة لعدم التأثير في كل من العقدين الموجب لعدم تحقق الزوجية لكل منهما. إذ ذلك كله مع انه اجتهاد في مقابل النص (2) يدفع الاول منهما:


(1) وان لم تكن بالفعل زوجة، بل هي ربيبة غير مدخول بأمها، فتكون الام على هذا مشمولة لقوله تعالى: في تعداد المحرمات من النساء: " وأمهات نسائكم " فتحرم: وذلك على اختيار أن المشتق حقيقة في الاعم مما تلبس بالمبدأ بالفعل وفيما انقضى عنه المبدء وتلبس بالفعل بغيره. (2) تلك النصوص المشار إليها آنفا " من خبر ابن مهزيار وغيره.

[ 179 ]

اولا ": أنه يكفي في التحريم المؤبد صدق الامية، ولو على من كانت زوجة على المشهور شهرة عظيمة، وثانيا " إن مرتبة انفساخ الزوجية متأخرة طبعا " عن مرتبة صدق الامية والبنتية، لانها معلولة، والمعلول متأخر عن العلة بالذات، وان اقترنا بالزمان، وهذا القدر من التأخر ولو طبعا " كاف في تحقق سبب التحريم. والثاني منهما: بأن المانع هو امتناع اتحاد زمان زوجية الام وبنتها، وهو كما يمنع عن تأثير العقدين ابتداء كذلك يمنع عن دوام أثرهما، وبعد الانفساخ لا مانع عن تجديد العقد على البنت ما لم يدخل بأمها. هذا: وقد تقدم الكلام في ما يتعلق بثبوت مهر الصغيرة حينئذ وسقوطه مطلقا "، أو على التفصيل المتقدم، وأما الكبيرة، فيثبت مهرها بعد الدخول مطلقا " وقبله أيضا "، ان لم يكن الفسخ من قبلها، وإلا فيسقط كله مطلقا "، ولو كان لضرورة، لان الفسخ كان من قبلها، والتشطير خلاف الاصل. ومع الضرورة فالاقوى فيه السقوط أيضا "، بعد أن كان الفسخ من قبلها. نعم لا يبعد رجوعها على الصغيرة في مالها بما تضررت بالاحسان عليها. ولو استند التحريم إلى فعليهما، بأن كان السبب المحرم مشتركا " بينهما كأن أرضعتها الكبيرة مختارة عشر رضعات، ثم انفردت الصغيرة بخمسة أخر من غير شعور الكبيرة بناء على التحريم بالخمس عشرة. يحتمل الحوالة في التحريم على الاخير، فتكون العشرة حينئذ شرطا " في تحقق التحريم بالاخير، وعليه فحكم الكبيرة حكم النائمة في إرضاعاتها العشر التي تثبت مهرها، لعدم كون الفسخ من قبلها، فتكون حكم الصغيرة كما لو انفردت في تمام العدد في سقوط مهرها. ويحتمل التقسيط، ولعله الاقوى، لان للسبب مركب من آحاد العدد

[ 180 ]

فكل منها جزء منه، فيسقط من الكبيرة ثلثا مهرها بفعلها، ويثبت لها الثلث، ان لم نقل بالتشطير للفرقة قبل الدخول، ويسطق الباقي أيضا " بالفرقة، ان قلنا به، لانه أقل من النصف الساقط بها، ويسقط من الصغيرة بفعلها الثلث ويثبت لها الثلثان على الزوج، ان لم نقل بالتشطير وان قلنا به فيثبت لها عليه السدس، لسقوط الثلث بفعلها والنصف بالفرقة فيسلم السدس لها من المهر. ويحتمل العكس في ترتيب التقسيط على التشطير: بتقديم السقوط بالفرقة على السقوط بالفعل، وحينئذ فيسقط من مهر الصغيرة النصف بالفرقة ثم الثلث بفعلها، فيثبت لها على الزوج ثلث المهر، ويسقط من الكبيرة حينئذ النصف بالفرقة ثم الثلثان بفعلها فيبقى لها السدس من مهرها، وفي رجوع الزوج بما يغرمه لكل منهما على الاخرى ما تقدم. هذا والذي يظهر من تتبع كلماتهم أن المدار في سقوط المهر وعدمه على كون الفسخ من قبلها وعدمه، الا أن شيخنا في الجواهر علل السقوط بوجه، ان تم كان مقتضاه السقوط مطلقا "، وان لم يكن الفسخ من قبلها حيث قال في الفرع الاول: " ولو انفردت المرضعة بالارتضاع مثل أن سعت إليها فامتصت ثديها من غير شعور المرضعة سقط مهرها لبطلان العقد الذي باعتبار استدامته يثبت استدامة استحقاق المهر، بل كل عقد يتعقبه الفسخ والانفساخ من طرف أو طرفين يبطل تسبيبه، ومنه الاقالة والخيار في البيع المقتضيين رد الثمن إلى المشتري، والمبيع إلى البايع، بل ذلك روح البطلان الذي هو كالصحة، المستلزم حصولها في طرف ثبوتها في الطرف الآخر، ومن هنا لم يذكر أحد في المقام وجها " لثبوت المهر " (1) انتهى.


(1) هذه الجملة مجموعة من متن الشرائع وشرح الجواهر، ذكرها =

[ 181 ]

قلت: ما ذكره شيخنا وجها " لذلك وجيه ان عد عقد النكاح من عقود المعاوضات حقيقة، وليس كذلك لانه عقد شرع لحدوث علقة الارتباط بين الزوجين من حيث انتفاع كل منهما بالآخر بالانتفاع الخاص من وطئ ونحوه، وان شئت قلت: حقيقته تسليط كل منهما صاحبه على نفسه من حيث الانتفاع الخاص به، غير ان تسليط الزوجة للزوج على نفسها كذلك أوجب انتفاء سلطنتها التي كانت لها على نفسها قبله، واختصت السلطنة على الانتفاع الخاص بالزوج، بخلاف الزوج فانه باق على ما كان عليه من سلطنة التسليط على نفسه ولذلك صارت الزوجة مملوكا " بضعها للزوج بهذا المعنى، لان الانتفاع بها مختص به، ووقع التعبير عن ذلك بالهبة في قوله عز من قائل: " وهبت نفسها للنبي ان أراد النبي أن يستنكحها " (1) وهذا التسليط منها مرة يكون مجانا " فتكون مفوضة وأخرى يعطى بازائه شئ يكون المبذول لها كالنحلة فتكون، حينئذ ممهورة، وليس الغرض المقصود من العقد الا التناكح والتناسل غالبا " دون تملك المهر، ولذا لا يبطل العقد ببطلانه أو الاخلال به، ولا يعد ركنا " من أركانه، بخلاف المعاوضة التي ليست معناها الا تبديل مال بمال، الموجب لرجوع كل بدل إلى صاحبه ببطلان التبديل وانتفاء البدلية، ولذا كان كل من العوضين ركنا " من العقد.


= في أحكام الرضاع ومسألة العشرة من كتاب النكاح في شرح قول المحقق: " الرابعة الرضاع المحرم بمنع من النكاح سابقا "، ويبطله لاحقا " " (1) آية (50 من سورة الاحزاب) وأول الآية هكذا: " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللآتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللآتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت.. ".

[ 182 ]

وان ابيت الا كونه معاوضة، فالمعوض نفس التسليط الحاصل بالعقد لطرو الانفساخ في الاثناء غير أنه لو كان من قبلها كان ذلك منها رفعا " لتسليطها ورجوعها عن فعلها عرفا "، وليس كذلك لو لم يكن من قبلها. نعم لو كان عوضا " عن السلطنة الحاصلة بالتسليط أمكن دعوى الرجوع به مطلقا "، لاستلزام بطلان المعوض بطلان العوض. وبعبارة أخرى: المهر بعد تسليمه يكون عوضا " عن التسليط الذي هو فعلها، ولذا كان الايجاب منها، وبعد تحققه بالعقد وفرض صحته فالاستدامة لاثره، وهو التسلط والسلطنة، وبطلان الاستدامة بالفسخ الطارئ لا من قبلها يشبه تلف المعوض بعد التسليم، ولا كذلك لو كان من قبلها، فانه رجوع منها عرفا " عما فعلته، وابطال لما بذلته، فلا تستحق المهر حينئذ، ولذا تراهم فصلوا في سقوط المهر وعدمه: بين كون الفسخ من قبلها، وعدمه مع كون بطلان استدامة العقد المستلزم لرجوع كل من المعوضين إلى صاحبه بمرئ منهم ومنظر. فافهم. الثالث: لو كانت له زوجة كبيرة فأرضعت له زوجتين صغيرتين حرمن عليه أجمع، ان كان الرضاع بلبنه وكذا إن لم يكن، ولكن كان قد دخل بالكبيرة، لصيرورة الكبيرة بذلك أم زوجته، والصغيرتين بنتيه على الاول وبنتي منكوحته على الثاني مطلقا "، من غير فرق بين مالو ارتضعتا دفعة أو على التعاقب، لان الثانية حينئذ أيضا "، ربيبته التي قد دخل بأمها. وان لم يكن قد دخل بها وكان اللبن من غيره حرمت الكبيرة مؤبدا "، لكونها أم زوجته، وانفسخ نكاح الصغيرتين، وان ارتضعتا دفعة لعدم اجتماع نكاح الام وبنتها في وقت، وجاز تجدد العقد على كل منهما لانهما ربيبتان لم يدخل بأمهما، وان كان على التعاقب حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح الاولى دون الثانية، لانها صارت ربيبة بعد انفساخ زوجته

[ 183 ]

المرضعة، ولم يدخل بأمها، فلا موجب لانفساخ نكاحها، بخلاف الاولى لاتحاد نكاح الام وبنتها في وقت واحد وأما الكلام في مهورهن، فيعلم مما تقدم. الرابع: لو كان له زوجتان كبيرتان وزوجة صغيرة، فأرضعتها إحدى الكبيرتين الرضاع المحرم، ثم أرضعتها الاخرى كذلك حرمت الصغيرة مؤبدا "، ان كان بلبنه، أو لم يكن ولكن دخل بأحديهما، لانها، إما بنته أو ربيبته التي دخل بأمها، والاولى من المرضعتين مؤبدا " مطلقا "، وان لم يدخل بها لانها أم زوجته. وتحرم الثانية أيضا " على المشهور شهرة عظيمة، لصدق " وامهات نسائكم " عليها الشاملة لمن هي ام زوجة فعلا أو صارت أم من كانت زوجة، لان الاضافة تكفي في صدقها ادنى الملابسة مع منع جريان " نسائكم " المضاف مجرى المشتق أولا " ولو سلم جريانه مجراه، فنمنع اعتبار التلبس في صدق المشتق ثانيا " ولو سلم فنمنع اعتباره في المقام ثالثا " وان اعتبرناه في غيره لعدم اعتباره في " نسائكم " في آية تحريم الربائب بالنص والاجماع، (والتفكيك) بينهما: بدعوى عدم استلزام صرف ظهور أحدهما بقرينة صرف ظهور ما لم تقم عليه قرينة (ركيك) تأباه وحدة السياق، مضافا " إلى ما يظهر من موارد التحريم بالمصاهرة كون السبب مجرد حدوث علقتي النسب والزوجية وما بحكمها في الخارج، ولا دليل على شرطية اتحادهما في الزمان. بل يمكن أن يستدل عليه في المقام بحديث " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " لان أم الزوجة في النسب محرمة، فأمها من الرضاع كذلك من غير فرق بين سبق الامومة ولحوقها، غير أن الامومة من النسب لا يمكن فرض تحقق عنوانها بعد الزوجية لتأخر التكوين. بخلاف عنوان الامومة من الرضاع، ولذا تحرم الربيبة لو تأخر حدوث عنوان البنتية والامية عن انفساخ الزوجية.

[ 184 ]

وقيل كما عن الشيخ في (النهاية) وابن الجنيد: لا تحرم الثانية لانها أرضعتها، وهي بنته. نعم هي أم من كانت زوجة، فلا تحرم: أما بناء على اعتبار التلبس بالمبدء في صدق المشتق وقد عرفت ما فيه، أو لخبر علي بن مهزيار المتقدم الصريح في ذلك (1). وفيه مع ضعف سنده بصالح بن أبي حماد أنه مرسل، لانه في (الكافي) رواه عن أبي جعفر عليه السلام (2) وأبو جعفر عند الاطلاق يراد به الباقر عليه السلام مؤيدا " بكون المخطئ ابن شبرمة الذي أدركه عليه السلام. ولو أريد به الجواد عليه السلام، لان ابن مهزيار أدركه، لم يعلم أنه أخذ منه، لظهور كلمة (رواه) في غيره فالارسال محقق على التقديرين. ولعله لذا أعرض المشهور عن هذه الفقرة من مضمونه. فالاقوى: ما عليه المشهور: من تحريم الثانية أيضا ". ومما ذكرنا يظهر مواقع التأمل في كلام شيخنا في (الجواهر) حيث اختار عدم تحريم الثانية، قائلا بعد الاستدلال بخبر ابن مهزيار: ما لفظه:


(1) أي في عدم الحرمة وذلك بصراحة ذيله القائل: " فأما الاخيرة فانها لا تحرم عليه لانها أرضعته وهي بنته " والتعليل يعطي اشتراط فعلية التلبس في المشتق. (2) وكذلك في الوسائل: كتاب النكاح باب 14 من ابواب ما يحرم بالرضاع ينقله هكذا عن الكليني: " محمد بن يعقوب عن على بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن على بن مهزيار عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قيل له: ان رجلا تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته، ثم أرضعتها امرأة له أخرى؟ فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه، فقال ابو جعفر عليه السلام: أخطأ ابن شبرمة: تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولا، وأما الاخيرة فلم تحرم عليه كأنها أرضعت ابنته ".

[ 185 ]

" ولا يلزم منه عدم حرمة ربيبته التي هي بنت من كانت زوجته المدخول بها، ضرورة الفرق بين مصداق قوله تعالى: " ورباثبكم اللآتي في حجوركم من نسائكم اللآتي دخلتم بهن " وبين قوله: " أمهات نسائكم " فان الاولى صادقة قطعا " على بنت من كانت زوجة، بخلاف الثانية، الظاهرة في اعتبار اجتماع الامية والزوجية، خصوصا " مع اشتراط بقاء المبداء في صدق المشتق ان شابهه، على أنه قد عرفت انحصار المحرم في الرضاع بما يحرم من النسب، وليس في النسب من انحصر صدقها في أم من كانت زوجة، إذ أم المطلقة مثلا ليس حرمتها لذلك بل لتحقق الصدق قبل الطلاق وهو سبب التحريم مؤبدا " فليس حرمتها لانها أم من كانت زوجته بل لانها كانت أم زوجة فعلا.. بخلاف الربيبة، فان في النسب بنت من كانت زوجة مندرجة تحت الآية الشريفة، فيحرم مثلها في الرضاع " (1). ولعل الذي دعاه إلى الفرق حتى قطع بدخول بنت من كانت زوجة في آية تحريم الربائب كلمة: " دخلتم بهن " فيها. وأنت خبير بأن الدخول لا مدخلية له في صدق " نسائكم " على من كانت زوجة، ان اعتبرنا التلبس في صدق المشتق حقيقة. الخامس: لو كانت له زوجة صغيرة، فأرضعتها أمته الموطوءة، حرمت الموطوءة مؤبدا "، لانها أم زوجته، والصغيرة أيضا " كذلك مطلقا " لانها: إما بنته أو ربيبته التي دخل بأمها الا أنه لا يرجع هنا على الموطوءة بمهر الصغيرة، لو ثبت لها عليه مهر، وان قلنا بالرجوع على الكبيرة بمهر


(1) هذه الجملة شرح لقول المحقق في أخريات المسألة الرابعة من أحكام الرضاع " ولو كان له زوجتان وزوجة رضيعة فأرضعتها احدى الزوجتين أولا، ثم أرضعتها الاخرى حرمت المرضعة الاولى والصغيرة دون الثانية، لانها أرضعتها وهي بنته ".

[ 186 ]

الصغيرة في الفروع المتقدمة ان كانت الامة مملوكة له، لان السيد لا يثبت له على مملوكته مال، الا إذا كانت مكاتبة مطلقا "، ولو كانت مشروطة، لصيرورتها بحيث يمكن له الاستحقاق عليها وان كانت موطوءة بالعقد أو بالتحليل فيستتبع به بعد عتقها. خلافا " لشيخنا في (الجواهر) حيث مال إلى الاستتباع مطلقا " ولو كانت مملوكته، عملا بقاعدة الضمان في اتلاف المال (1). وهو ضعيف، للفرق الواضح بين مملوكه ومملوك غيره، لان الاول لا يمكن الاستحقاق له عليه، والثاني لا يمكن الاستيفاء منه، لمزاحمة حق مالكه المقدم على حقه، فيستتبع بعد العتق، لعدم المزاحمة حينئذ. ولو قيل بتأخر الاستحقاق في الاول إلى العتق، لزم تخلف المعلول عن علته. السادس: لو كان لاثنين زوجتان: كبيرة وصغيرة، فطلق كل منهما زوجته، وتزوج بالاخرى، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة الرضاع المحرم حرمت الكبيرة عليهما مطلقا "، وان لم يدخلا بها، لصيرورتها أم زوجة بالنسبة إلى أحدهما، وأم من كانت زوجته بالنسبة إلى الآخر، بناء على الاقوى: من التحريم بذلك، وحرمت الصغيرة عليهما، ان دخلا بها، على من دخل، ان اختص الدخول بأحدهما، لصيرورتها ربيبته التي دخل بأمها، كما أنه لو فرض اللبن لاحدهما صارت بنتا ". بقي هنا مسائل: الاولى إذا قال: هذه اختي من الرضاع أو بنتي أو


(1) قال في شرح قول المحقق في أحكام الرضاع من كتاب النكاح: " الخامسة: لو كانت له أمة يطأها، فأرضعت زوجته الصغيرة حرمتا جميعا " عليه، ويثبت مهر الصغيرة، ولا يرجع به علي الامة:.. الا أن الانصاف عدم خلو ذلك عن التأمل، إن لم يكن إجماعا "، ضرورة اشتراك ضمانه مال الغير، ويتبع به بعد العتق ان اعتق.. ".

[ 187 ]

أمي مع إمكان ذلك بأن لا يكذبه الحس بحسب سنهما على وجه لا يمكن ارتضاعهما من لبن واحد، أو ارتضاعها من لبنه أو ارتضاعه منها إذ لا أثر لقوله حينئذ فلا يخلو: اما أن يكون الاقرار منه قبل العقد عليها أو بعده وعلى التقديرين: فاما أن تصدقه، أو تكذبه، اولا بأن لا يعلم الحال. ولو كان بعد العقد: فاما أن يكون قبل الدخول بها أو بعده. وعلى التقديرين، فاما أن يكون قد سمى لها مهرا " أولا، وعلى التسمية: فأما أن يكون المسمى بقدر مهر المثل أو اكثر منه أو أقل. فنقول: أما إذا كان قبل العقد، حكم بتحريمها عليه ظاهرا " مطلقا " صدقته أو لا، فلا يجوز له التزويج بها، وان اكذب نفسه، لعموم نفوذ: " إقرار العقلاء على أنفسهم ". نعم لو أظهر لدعواه تأويلا محتملا بأن قال: " إني اعتمدت في الاقرار على قول من أخبرني، ثم تبين لي أن مثل ذلك لا يثبت به الرضاع، وأمكن في حقه ذلك ففي (المسالك) احتمل القبول لامكانه، الا أنه قال بعده: " وأطلق الاصحاب عدم قبوله مطلقا "، لعموم: اقرار العقلاء على أنفسهم جائز وعليه العمل " (1) انتهى وقوى في (الجواهر) قبول قوله في تكذيب نفسه بابداء التأويل المحتمل في حقه مع تصديقها له، مناقشا " في شمول الخبر لهذه الصورة حيث قال بعد نقل كلام (المسالك) عن الاصحاب: " وفيه أن المتيقن من الخبر المزبور الزام المقر بما أقر به لمن أقر لمن مع المخالفة له، لا أن المراد به إلزامه بذلك، وان وافقه المقر له على الكذب في الاقرار إلى أن قال بعد نقل كلام العلامة وشارحيه واستغرابه منهم عدم احتمالهم القبول في هذه الصورة ونقل ماعن أبي حنيفة القبول مطلقا "، وانه على


(1) راجع ذلك في شرح قول المحقق في المسألة السابعة من أحكام الرضاع: " إذا قال: هذه أختي من الرضاع ".

[ 188 ]

اطلاقه غير جيد: ضرورة عدم قبوله مع المخاصمة ما لفظه: " نعم ما قلناه في صورة التصديق على الكذب في الاقرار لا يبعد قبوله في المقام وفي غيره من المقامات من البيع والملكية والوقفية والزوجية ونحو ذلك، بل إن لم يقم اجماع، أمكن دعوى القبول في حال عدم العلم من الخصم فضلا عن صورة الموافقة له على الاقرار الصوري، والمسألة محتاجة إلى تأمل تام في غير المقام من أفرادها " (1) وقال قبل ذلك في صدر المسألة: " فان اكذب نفسه ووافقته المرأة على ذلك، احتمل قويا " جواز النكاح لانحصار الحق فيهما ". قلت: تنقيح هذه المسألة: هو أن يقال: الرجوع عن الاقرار مرة يكون بانكاره نفس الاقرار الذي هو فعل من أفعاله، وأخرى بانكاره لما أقر به من البيع أو الوقف ونحوهما، ومرة ثالثة بانكاره لصحة الاقرار بدعوى صورية إقراره أو كونه مكرها " عليه، ونحو ذلك من الدعاوي المستلزم ثبوتها بطلان الاقرار. لا كلام في عدم قبول إنكاره في الصورتين الاوليين بمعنى عدم الاصغاء إليه، لكونه إنكارا " بعد اقرار. وأما الصورة الاخيرة فالاقوى قبول قوله بمعنى الاصغاء إليه كسائر الدعاوى المسموعة، لكن على موازين القضاء. فيطالب بالبينة، وعلى المنكر اليمين حيث يتوجه عليه، ولذا يثبت لو صدقه المنكر، لانحصار الحق فيهما كما ذكره في (الجواهر) ولعله على غير هذه الصورة ينزل إطلاق كلام الاصحاب، لو سلم، وحينئذ فيبطل نفوذ الاقرار وأثره بالنسبة اليهما، دون غيرهما، لعدم ثبوت الزوجية في الواقع، حتى يجوز لام الزوجة


(1) راجع العبارة بطولها في شرح المسألة السابعة من كلام المحقق كما أشرنا إليه.

[ 189 ]

مثلا الكشف عن معاصمها عنده " بخلاف ما لو أقام على دعواه بينة أو حكم بثبوتها الحاكم، فانه يبطل بذلك الاقرار من أصله في الواقع. وان كان بعد العقد، وكان قبل الدخول، حكم عليه بالتحريم، لنفوذ الاقرار في حقه، فان صدقته فلا شئ لها من المهر، لبطلان العقد وكذلك ان لم تصدقه، ولكن أقام على ذلك بينة أو حلف اليمين المردودة لو ادعى عليها العلم بذلك فأنكرت مع ردها اليمين، والا فلا ينفذ الاقرار في حقها، فلها المهر كملا "، لثبوته بالعقد، أو النصف على القول بالتشطير الفسخ قبل الدخول، سيما وقد جاء من قبله. وان كان بعد الدخول، وصدقته على ذلك. فالعقد باطل: فان أعترفت بالعلم قبله، فلا شئ لها عليه، لانها بغي بالدخول، وان ادعت تجدد العلم لها بعده قبل قولها. وحينئذ: فيحتمل ثبوت المسمى لها، بناء على أن العقد هو سبب ثبوت المهر، لانه مناط الشبهة، فكان كالصحيح لتضمين البضع بما وقع عليه التراضي في العقد. ويحتمل ولعله الاقوى ثبوت مهر المثل مطلقا "، وان زاد على المسمى لبطلان العقد الموجب لبطلان ما تضمنه من المهر ومنع إلحاق الشبهة بالصحيح إلا في عدم الاثم وبعض الاحكام فيضمن لها قيمة المثل، جريا " على قاعدة ضمان تلف الاموال وما بحكمها، أو الرجوع إلى المسمى، ان ساواه، أو كان أقل منه، لقدومها على الرضا عن البضع بالاقل، فلا يلزمه الزائد. ويضعف بأن مهر المثل والمجعول شرعا " في قيمته، ورضاها بدون وجه شرعي لا عبرة به. وان كذبته في إقراره، لم ينفذ في حقها إقراره، ولم يجز لها التزويج من غيره، وجاز لها مطالبته بحقوقها، وان لم يجز له مطالبتها بحقوقه، لمنافاتها إقراره النافذ في حقه، الا أن يقيم بينة على ما أقر به

[ 190 ]

فيثبت بها بطلان النكاح الموجب لبطلان حقوقها على الا المهر، فيثبت لها بالدخول حسبما تقدم من مهر المثل أو المسمى مطلقا " أو على التفصيل ولو اكذب نفسه بابداء التأويل المحتمل في حقه في صورتي: ما بعد العقد قبل الدخول، وبعده، وصدقته في التكذيب، فالكلام فيه ما تقدم من تصديقها لتكذيب نفسه في الصورة المتقدمة قبل العقد. هذا كله في الممهورة، ومنه يعلم حكم ما لو كانت مفوضة في جميع الصورة المتقدمة، والله العالم. الثانية: لا تقبل الشهادة على الرضاع وإن وصفه بالمحرم مطلقة، بل لابد أن تكون مفصلة بأن يشهد على الارتضاع في الحولين من الثدي خمس عشرة رضعة أو عشر رضعات متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد بلبن الحمل أو الولادة عن نكاح صحيح أو بحكمه، من غير خلاف أجده ممن تعرض لهذا الفرع. وعللوه بوقوع الاختلاف الكثير بين الفقهاء فيما يعتبر في التحريم به من الشروط: فقد يعتبر عند الحاكم في التحريم بالرضاع مالا يعتبر فيه عند الشاهد: أما اجتهادا " أو تقليدا " منه لغيره. وأشكل عليه باستلزام ذلك اعتبار ذكر التفصيل في غيره من الشهادات أيضا "، لسريان العلة في غيرها من أغلب موارد الشهادة، قال في (المسالك) بعد التعليل بذلك: " ومثل هذا، ما لو شهد الشاهدان بنجاسة الماء مع الاختلاف الواقع بين الفقهاء فيما تحصل به نجاسة " (1) وفي (الجواهر)


(1) في شرح المسألة الثانية منه للمحقق من أحكام الرضاع من كتاب النكاح وهي قوله: " لاتقبل الشهادة بالرضاع إلا مفصلة. " قال الشهيد الثاني قدس سره في كلام له قبل هذه الجملة المذكورة في المتن، واعلم أن ما ذكر من اعتبار التفصيل يتم مع اختلاف مذهب الشاهد =

[ 191 ]

بعد ذكر عدم قبولها إلا مفصلة، والتعليل بذلك، وحكاية ما تقدم من (المسالك) قال: " وصريحه كظاهر غيره سراية المسألة في كل ما كان المشهود به ذا شرائط مختلف فيها أو أسباب كذلك، ومنه حينئذ الملك والبيع والوقف والزوجية والطلاق ونحو ذلك مما يقطع الفقيه بملاحظة افرادها بعدم اعتبار التفصيل في الشهادة بها، ومنه ينقدح الاشكال فيما نحن فيه إلى أن قال بعد المبالغة في الاشكال على الفرق بين المقام وغيره: " فالمتجه طرد الحكم في الجميع نحو ما سمعته من (المسالك) إذ احتمال الخصوصية في الرضاع لم نتحققها " (1) وقال بعض الفضلاء (2) في تعليقه على (الروضة) في الرد على التعليل لذلك بالاختلاف في شرائطه: أنه لو تم لزم وجوب التفصيل في جميع الشهادات حتى في الملك والبيع ونحو ذلك لوقوع الاختلاف في بعض أسباب الملك، وبعض شروط البيع مع قبول الشهادة في جميع ذلك مجملة غير مفصلة، والظاهر أن اعتبارهم التفصيل في الشهادة على الرضاع مستند إلى النص لدلالة بعض الظواهر عليه كما بيناه (في رسالة الرضاع).


= لمذهب الحاكم في الشرائط واحتمال الاختلاف. أما مع العلم باتفاقهما على الشرائط كما لو كان الشاهد مفلدا " للحاكم فيها موثوقا " بمراعاة مذهبه فالوجه عدم الافتقار إلى التفصيل وان كان أحوط، خروجا " من خلاف الاصحاب حيث أطلقوا اشتراطه، ومثل هذا.. ". (1) تجد هذه العبارة بتفصيلها في شرح المسألة الثامنة المذكورة للمحقق من مسائل الرضاع في النكاح. (3) القائل: أقا محمد على الهزار جريبي المازندراني (منه). ولد 1188 وتوفى سنة 1245 ه‍ من مؤلفاته الكثيرة: تعليقته المفصلة على (روضة الشهيد الثاني) من الطهارة إلى الديات (منا)

[ 192 ]

والعجب منه أنه في (رسالته الرضاعية) استند في اعتبار التفصيل إلى وقوع السؤال من الامام عن عدد الرضعات ممن أخبر بوقوع رضاع بين اثنين. وأنت خبير بأن عدم قبول قول من أخبر بالرضاع لا يستلزم عدم قبول من أخبر بوقوع الرضاع المحرم وأطلق من غير ذلك التفصيل، لان الاول أعم من الثاني، فلا يكون شهادة به. وبعبارة أخرى: مرة تكون الشهادة على وقوع رضاع، وأخرى على الرضاع المحرم، ومرة ثالثة على وقوعه مفصلا. لا كلام في قبل الاخير، كما أنه لا كلام في عدم كفاية الاول في الحكم بالتحريم. وانما الكلام في الصورة الثانية التي هي غير مورد الاخبار التي استند إليها في اعتبار التفصيل في خصوص الشهادة على الرضاع. ولذا لم نجد منهم من استند في المقام إلى النص وانما استندوا إلى العلة المتقدمة. هذا وتمام الكلام في المسألة ينتهي في مقامين: الاول: في طريق الشهادة، والثاني في المشهود به. أما الاول فنقول: إذا شهد الشاهد شهادة مطلقة، فمقتضى القاعدة عدم قبولها، لان الشهادة في الحقيقة إخبار عن ثبوت النسبة بحسب علمه واعتقاده، إذ لا طريق له إليه الا العلم، وتصديق خبره بما دل على تصديق خبر العادل، وليس معناه إلا تصديقه في علمه به وكونه معتقده ومعلوما " له، وأين ذلك من ثبوت المخبر به في الواقع مع وقوع الخطأ فيه كثيرا "، إلا إذا تعلق بالمحسوسات أو بما كان منتهيا " إلى المبادي الحسية (1)


(1) فالمحسوسات واضحة الامثلة، وأما المنتهية إليها من الحدسيات كاثبات الملكات النفسية مثل العدالة والعفاف ونحوهما من طريق المبادي المحسوسة المتمثلة بالاعمال الخارجية.

[ 193 ]

اللهم الا أن يكون مفاد دليل " صدق العادل " تصديقه في المخبر به وكونه مطابقا " للواقع، وهو انما يتم حيث يكون المخبر به من الامور الحسية أو المنتهية إليها، لان احتمال الكذب منفي في حق العادل بما دل على تصديقه، واحتمال الخطأ منفي بالاصل لندرة وقوعه في المحسوسات ولغوية احتماله فيها عند العقلاء، ولذا خص الاكثر اعتبار الشهادة فيما كان المشهود به من الامور الحسية أو منتهيا " إليها. وأما الثاني، فالمشهود به: مرة يكون له واقع لا يختلف باختلاف الآراء والانظار، كالملكية والزوجية ونحوهما وانما الاختلاف في بعض أسبابه، وأخرى يكون مما لا واقع له متفقا " عليه، بل تحققه واقعا يختلف باختلاف الآراء كبعض الاسباب الشرعية، فان البيع بالفارسية مثلا عند بعض سبب، وعند آخر غير سبب. فان كان المشهود به من القسم الاول، قبلت الشهادة به مطلقة، لانه شئ متحد له واقع غير متخلف فيه، يمكن استناده في تحققه إلى الحس، فلا يكلف بالتفصيل ذكر السبب. ولا كذلك لو كان من القسم الثاني لعدم ثبوت واقع الا بحسب معتقده فلا بد من ذكره مفصلا في شهادته به حتى يعلم موافقته فيه للحاكم وعدمه وليس معنى تصديقه في هذه الصورة الا تصديق خبره دون المخبر به. ومن الثاني الفسق، والعدالة بناء على انها عبارة عن حسن الظاهر (1)


(1) العدالة في اللغة معناها الاستقامة والاعتدال في كل شئ وعدم الجور والانحراف يمينا " وشمالا. وفي مصطلح الفقهاء حيث أخذوها شرطا " في كثير من المسائل والاحكام كمسألة التقليد وإمامة الجماعة والطلاق والشهادات اختلف في حقيقتها: أنها الملكة النفسانية الباعثة على اتيان الواجبات وترك المعاصي، أو أنها فعل الواجبات وترك المحرمات عن =

[ 194 ]

لتوقفهما على معرفة المعاصي حتى يكون مرتكب واحد منهما فاسقا "، ومتجنب الكل ظاهرا " عادلا، وكم من فعل يكون معصية عند بعض، ولا يكون معصية عند آخر، فلعل الشاهد استند في تفسيقه إلى صدور فعل منه يراه معصية بالاجتهاد أو التقليد، ولا يراه الحاكم معصية، وفي تعديله بحسن الظاهر عنده لتجنبه ظاهرا " عن جملة أمور لا يرى غيرها معصية حتى يكون ارتكابه


= ملكة، أو انها الاستقامة العملية والسلوك في جادة الشرع باتيان الواجبات وترك المحرمات، أو انها: الاسلام وعدم ظهور الفسق في الخارج، أو انها، حسن الظاهر فحسب، ولكل من هذه الآراء قائلون وأدلة وصلات بأخبار أهل البيت عليهم السلام: ولو أمعنا التأمل والتحقيق في هذه الآراء الخمسة لتمخضت عن رأيين متعارضين فقط، فان الاولين ربما يجتمعان في مفهوم واحد، فيخضع أحدهما للآخر وتكون الحصيلة: أن العدالة نتيجة عمل خارجي وانطواء نفسي، والآخران، الظاهر أنهما من الطرق الكاشفة عن حقيقة العدالة، لاهي نفسها، كما أن للعدالة طرقا " أخرى تكشف عنها غير حسن الظاهر وعدم ظهور الفسق، وهي العلم، والبينة والوثوق والاطمئنان، والشياع والا ستفاضة على ما قيل. ثم اختلفوا في المعاصي التي تهدم العدالة، هل تنقسم إلى صغيرة وكبيرة أم كل الذنوب كبائر؟ وانما الاختلاف بينهما نسبي. ثم اختلف القائلون بالتقسيم في المائز بينهما فالمشهور: إن الكبيرة ما توعد عليها النار في الكتاب، وقيل: محض التوعد، سواء من الكتاب أم من السنة. وقيل: الكبيرة هي ما رتب لها في الشريعة حد معين. وقيل: الكبيرة: هي المعلومة الحرمة بدليل قاطع كاجماع أو كتاب أو سنة، وقيل: غير ذلك في تعريف الكبيرة، وبالمعاكسة تعرف الصغيرة لان الكبر والصغر من المعاني المتضائفة التي يعرف أحدها بمعاكسة الآخر =

[ 195 ]

معصية، ويراه الحاكم معصية نعم على القول بأنها هي الملكة، تقبل الشهادة بها مطلقة، لان لها واقعية كالملكية والزوجية. ومنه أيضا ": سببية الرضاع للتحريم، فكم من رضاع يراه بعض سببا " للتحريم شرعا "، وينكره الآخر، ولا يرى سببيته له شرعا "، فلا تكفي شهادته الرضاع المحرم الا مفصلة بذكر سبب التحريم من الكمية والكيفية. هذا مع أن ما كان من القسم الثاني يؤول في الحقيقة إلى الفتوى فان ترتب المترتب على ما يراه سببا " فتوى منه بذلك واجتهاد في سببية السبب وهو غير مقبول ولا متبع. ولا كذلك ما كان من القسم الاول، فانه له واقع يشهد بثبوته وتحققه في الواقع، ولا تؤول الشهادة عليه إلى الفتوى والاجتهاد. نعم لو ان ما كان من القسم الثاني يجري فيه الاصل الموضوعي كما لو كان له فردان: صحيح وفاسد لم يسئل عن تفصيله، للحمل على الصحيح باصالة الصحة، غير أن الكلام فيه في أن اجزاء الاصل: هل هو وظيفة الشاهد أم وظيفة الحاكم. والظاهر هو الاول لان الحاكم وظيفته الحكم بالبينة لا بالبينة والاصل. نعم ليس على الشاهد بيان الاستناد إليه في شهادته، بل قد يقال: بافساده الشهادة بذكر المستند في بعض الموارد، قال الشهيد في (القواعد):


= ثم اختلفوا أيضا " بعد الاتفاق بقدح الكبيرة في العدالة واستمرارها هل تقدح الصغائر فيها أيضا "، وكذا منافيات المروة وهي الصفات الموجبة للخسة والدناءة على اختلافها؟ إلى غير ذلك من مسائل الخلاف بين الفقهاء في موضوع العدالة وطرقها وقادحيتها وغير ذلك يراجع في تفصيل ذلك: موضوع العدالة في أبواب الاجتهاد وامامة الجماعة والشهادات من الموسوعات الفقهية وكتب الاخبار.

[ 196 ]

" ذكر الشاهد السبب في الشهادة: قد يكون سببا " كما في صورة الترجيح وقد يكون فعله وتركه سواء كما في صور كثيرة، وقيل قد يكون ذكر السبب قادحا " في الشهادة كما لو قال: اعتقد أن هذا ملكا للاستصحاب وان كان في الحقيقة مستندا " إلى الاستصحاب. وكذا لو صرح بأن هذا ملكه، علمته بالاستفاضة، وهذا ضعيف، لان الشرع جعل الاستفاضة من أسباب التحمل، فكيف يضر ذكرها، وانما يضر ذكر الاستصحاب ان قلنا به لانه يؤذن بشكه في البقاء. ولو أهمل ذكره وأتى بصورة الجزم زال الوهم. ولو قيل بعدم الضرر أيضا "، كان قويا ". وكذا الكلام لو قال: هو ملكه، لاني رأيت يده عليه أو رأيته يتصرف فيه بغير مانع وغاية ما يقال: ان الشاهد ليس له وظيفة ترتب المسببات على الاسباب انما يشهد بما يعلم، وانما ذلك وظيفة الحكام. قلنا: إذا كان الترتيب شرعيا " وحكاه الشاهد، فقد حكي صورة الواقعة، فكيف ترد الشهادة بما هو مستندها في الحقيقة (1) انتهى. وبالجملة: لو كان في المقام أصل موضوعي يمكن استناده كاصالة الصحة، والاستصحاب ونحوهما لا مانع من الاستناد إليه، لان الاصل حينئذ يكون بالنسبة إليه كالرؤية بعد فرض اعتباره. لا يقال: أن الاصل لا يوجب العلم بالمشهود به، ولا ريب أن العبرة بالعلم لا غير، كما يستفاد من الاخبار المتواترة. لانا نقول: معنى اعتبار الامارة ترتب جميع الآثار على ما قامت عليه، ومن المعلوم أن جواز الشهادة أيضا " من الآثار، فلا بأس بأدائها


(1) توجد هذه العبارة في قواعد الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي الدمشقي المتوفى سنة 786 ه‍ ص 170 طبع ايران حجري بعنوان: قاعدة في ذكر السبب في الشهادة.

[ 197 ]

بصورة الجزم من غير حاجة إلى ذكر المستند. فتحصل مما ذكرنا ان المشهود به. إن كان من الامور الواقعية جازت الشهادة عليها مطلقة ولم يفتقر قبولها إلى ذكر التفصيل، كالشهادة على الملكية أو الزوجية ونحوهما مما قامت السيرة القطعية المتلقاة خلفا " عن سلف إلى زمن المعصوم عليه السلام على قبولها مطلقة في أمثال ذلك من غير استفصال منه على أسبابها. وان كان من غيرها، فان كان هناك أصل موضوعي فكذلك، والا فلا بد من التفصيل، فيقبل منه ما كان معتقده اجتهادا " أو تقليدا موافقا " لمعتقد الحاكم، ولا يقبل؟ ما كان مخالفا " له. نعم غير بعيد استثناء صورة ما لو علم الحاكم موافقته لمذهبه وكان واثقا " به، فيقبلها عنده، مطلقة غير منفصلة، كما استثناها بعض، الا أنه خلاف إطلاقهم المنع عن قبولها مطلقة، فالرضاع مما لا تقبل الشهادة فيه مطلقة. وكذا الشهادة على النجاسة، فانها أيضا " مما اختلفت فيها الاقوال فان العصير مثلا طاهر عند واحد، ونجس عند آخر (1). وكذا الكر، فانه أيضا " ليس من الامور الواقعية، بل يختلف باختلاف آراء المجتهدين: فرب مقدار من الماء هو كر عند بعض، وليس بكر عند آخر (2) فالشهادة في أمثال ذلك لا تقبل مطلقة.


(1) العصير العنبي إذا غلا واشتد بنفسه أو بالواسطة ولم يذهب ثلثاه اختلفوا في نجاسته بعد اتفاقهم على حرمته إذا أسكر كالمسكرات عموما " فالمشهور ألحقوا النجاسة بالحرمة، وغيره فرقوا بينهما حتى في الخمر وعامة المسكرات فقالوا بالحرمة لا النجاسة عن الموسوعات الفقهية في أحكام النجاسات. (2) اختلف الفقهاء في مقدار الكر الوارد في لسان الاخبار، الذي به يعصم الماء المطلق من الانفعال بالنجاسة: على أقوال شتى، فقيل =

[ 198 ]

وبعد الوقوف على ما ذكرنا يظهر لك: أن العلة في اعتبار التفصيل في الشهادة على الرضاع ليست سارية في جميع موارد الشهادات كما تقدم من الجواهر ولا مخصوصة بخصوص الرضاع حتى يقع الاشكال في وجه الخصوصية مع وجودها في غيره أيضا "، بل تختلف بحسب المقامات في موارد الشهادات حسبما ذكرنا. هذا: ولا يتوهم الفرق على ما قلنا بين ما لو شهد على الرضاع على أحد العناوين السبعة المسببة عنه، فيقال بالقبول مطلقة في الثاني كالشهادة على الامومة والبنتية، فانها كالشهادة على الملكية والزوجية، ضرورة عدم الفرق بينهما بعد أن كانت العناوين المحرمة مسببة عن الاسباب المختلفة في تحققها، ولذا عطف غير واحد الصورة الثانية على الاولى في تعداد الامثلة كالعلامة في بعض كتبه، والكركي، وكاشف اللثام وشيخنا في (الجواهر)، بل منهم من اقتصر في المثال على الصورة الثانية كالداماد في (الرسالة الرضاعية) حيث قال فيها: " مسألة: لا تسمع الشهادة في الرضاع مطلقة كما يسمع الاقرار به مطلقا "، بل لا بد من التفصيل، فلو شهد الشاهدان بأن هذا ابن هذه من الرضاع أو أخوها مثلا لم تسمع حتى يقولا: نشهد انها أرضعته من لبن الولادة عشر رضعات تامات إلى أن قال صرح بذلك الاصحاب، وذهبت إليه العامة، لان النصاب المتعلق به التحريم مختلف فيه كمية وكيفية: فبعضهم حرم بالقليل وبعضهم بالايجاز (1) إلى غير ذلك من الاختلافات، فلا بد من ذكر الكمية


= هو ما بلغ مكسر مساحته (27 شبرا ")، وقيل (26 شبرا ")، وقيل ثلاثة واربعين شبرا " إلا ثمن الشبر، وقيل غير ذلك عن الموسوعات الفقهية وكتب الاخبار في أوائل كتاب الطهارة (1) أوجره ايجارا ": الشئ في فيه: جعله فيه

[ 199 ]

والكيفية، وسائر ما اختلف في اعتباره إلى أن قال بعد ذلك: ضابطة إعلمن: ان هذا الحكم ليس مختصا " بباب الرضاع، بل أنه أصل ضابط في مطلق الشهادة فيما اختلف فيه آراء المجتهدين " (1) انتهى. هذا كله في الشهادة على الرضاع مطلقة. ولو شهد على الاقرار به مطلقا "، قبلت الشهادة في ثبوت الاقرار، وان كان مطلقا "، لنفوذه في حق المقر مطلقا " مفصلا كان أو مطلقا " و (دعوى) ان المقرر بما ظن محرما " ما ليس منه (يدفعها) أنه أمر آخر لا تعلق له بالشهادة على الاقرار الذي مع ثبوته لا يجب على الحاكم استفصاله، لعموم مؤاخذة العقلاء باقرارهم وهو واضح، لا شك فيه ولا شبهة تعتريه. الثالثة: لو ملك أحد عموديه من الرضاع انعتق عليه كالنسب على الاظهر الاشهر، بل المشهور، ولا سيما بين المتأخرين، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه، للمعتبرة المستفيضة الدالة على الانعتاق فيه، مع تضمن بعضها للاستدلال عليه بحديث " يحرم من الرضاع " (2) فلا يعارضها


(1) توجد هذه العبارة في أخريات الرسالة المسماة بضوابط الرضاع ص 117 طبع ايران حجري والسيد الداماد هو محمد باقر بن محمد الحسيني الاسترابادي المعروف بالسيد الداماد لان والده كان صهرا " للمحقق الثاني الكركي، توفى سنة 1041 ه‍ ودفن في النجف الاشرف. (2) الروايات المعتبرة بهذا المضمون كثيرة، تجدها في عدة أبواب وكتب من كتب الاخبار، ككتاب العتق، وباب الرضاع من النكاح وفي كتاب الضمان، وفي كتاب التجارة باب 4 من أبواب بيع الحيوان من كتاب الوسائل، روايات كثيرة نذكر منها ما يلي: " محمد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن ابن أبي عمير عن ابان بن عثمان عن أبي بصير وأبي العباس وعبيد، كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام: =

[ 200 ]

مادل على العدم من الاخبار المرجوحة بالنسبة إلى تلك المعتبرة، التي هي أكثر منها عددا " وأوضح منها سندا وأرجح منها بالعمل وبمخالفة العامة (1)


= قال: إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أخته وذكر اهل هذه الآية من النساء عتقوا جميعا " ويملك عمه وابن أخيه وابن أخته والخال. ولا يملك أمه من الرضاعة ولا اخته ولا عمته ولا خالته، إذا ملكن عتقن، وقال: ما يحرم من النسب فانه يحرم من الرضاع. وقال يملك الذكور ما خلا والدا " أو ولدا "، ولا يملك من النساء ذات رحم محرم قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: نعم يجري في الرضاع مثل ذلك ". ولقد عقد في الوسائل كتاب العتق منه بابا " خاصا " بانعتاق العمودين من الرضاعة على ولديهما، يحتوي على زهاء عشرة أحاديث متقاربة المضامين. (1) قال: السيد الداماد في (رسالته الرضاعية ص 87) طبع ايران حجري: " مسألة: هل الرضاع شقيق النسب في كونه سببا " في العتق، فينطبق على المالك منه ما ينعتق عليه من النسب؟ ذهب اكثر علمائنا وكثير من فقهاء العامة إلى انه كذلك إلى قوله: وخالف فيه الحسن ابن أبي عقيل من قبل وقال: لا بأس بملك الام والاخت من الرضاعة وبيعهن، وانما يحرم منهن ما يحرم من النسب في وجه النكاح فقط، فوافقه الشيخ المفيد وتلميذه سلار بن عبد العزيز، وارتضاه وانتصره محمد ابن إدريس وسبطه المدقق يحيى بن سعيد رحمهما الله وأما أبو علي بن الجنيد فكلامه يعطي جواز الملك على كراهة وعدم تسويغ البيع الا لضرورة ويستمر في تأييده لكلام المشهور بالكتاب والسنة ثم يقول: احتج النافون للانعتاق.. بموثقة الحسن بن محمد بن سماعة بعلو اسناده عن عبد الله وجعفر ومحمد بن العباس عن أحدهما عليهما السلام قال: يملك =

[ 201 ]

ولولا تضمن بعضها للاستدلال بحديث (يحرم) لامكن المناقشة في الاستدلال به عليه، كما استدل لظهوره في حرمة النكاح دون غيره، فاللازم حينئذ حرمة ترتيب آثار الملك بقرينة استدلال الامام به في المقام، وكيف كان فلتفصيل المسألة محل آخر. الرابعة: اختلفوا في ثبوت الرضاع بشهادة النساء وعدمه على قولين: فعن الشيخ في (الخلاف) وموضع من (المبسوط) والحلي في (السرائر) والعلامة في (القواعد) وغيرهم عدم قبول شهادتين في الرضاع، بل في الاول: دعوى الاجماع عليه (1) وفي الاخيرين: القول بالقبول متروك، وهو الذي يقتضيه الاصل وعموم " فانكحوا ما طاب لكم


= الرجل أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرضاعة ". وموثقته أيضا " " عن محمد بن زياد عن عبد الله بن سنان أبي عبد الله عليه السلام: قال: إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فهو حر إلا ما كان من قبل الرضاع " وموثقة ابن فضال عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في بيع الام من الرضاعة قال: لا بأس بذلك إذا احتاج ". ثم يأخذ في قدح الروايات المعارضة من حيث السند بأن جميعها موثق وتلك صحاح، والموثق لا يعارض الصحيح، ومن حيث الدلالة بان عامتها خارج عن حريم النزاع، إذ بعضها غير متعرض للعمودين، وبعضها مأول بعضها يخص البيع بوقت الحاجة والضرورة لا مطلقا " إلى آخر كلامه المفصل المفيد فراجعه. (1) قال: الشيخ في الخلاف ج 2 آخر كتاب الرضاع، مسألة 11 " لاتقبل شهادة النساء عندنا في الرضاع بحال إلى قوله: دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم ".

[ 202 ]

من النساء (1) وأحل لكم " (2) فتأمل، ولان التحريم متوقف على وجود سببه، ولا دليل على ثبوته بشهادتهن، الا ما قد يقال: باندراجه في عموم ما دل على قبول شهادتهن فيما يتعذر أو يتعسر الاطلاع عليه من أمورهن للرجال، الممنوع كون الرضاع منه حتى تشمله كلية الكبرى. وعن المفيد والمرتضى وسلار والحسن وأبي علي وابن حمزة والشيخ في موضع آخر من (مبسوطه) قبول شهادتهن فيه، واستقر به العلامة في (القواعد) (3) والمحقق في الشرايع (4) وان تردد هو في النافع الا أنه جعله فيه الاشبه (5)، بل قيل: أنه الاشهر، ولا سيما بين المتأخرين، لعموم ما دل على قبول شهادتهن فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه


(1) " وان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء. " سورة النساء / 3. (2) ففي سورة النساء آية 24 بعد عرض آية التحريم السابقة " حرمت عليكم. ". " وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتقوا بأموالكم محصنين غير مسافحين.. ". (3) فقال في خاتمة باب الرضاع: " الاقرب قبول شهادة النساء منفردات.. إلى قوله: ولو شهدت بأني أرضعته فالاقرب القبول ما لم تدع أجرة ". (4) قال: في أخريات الطرف الثالث في أقسام الحقوق: من كتاب الشهادات: " وفي قبول شهادة النساء منفردات في الرضاع خلاف؟ أقربه الجواز ". (5) قال في ملحقات كتاب الشهادات من المسائل " الثالثة: لاتقبل شهادة النساء في الهلال والطلاق وفي قبولها في الرضاع تردد، أشبهه القبول ".

[ 203 ]

ويطلعوا عليه (1) والرضاع منه، وخصوص مرسلة ابن بكير: " عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه السلام في امرأة أرضعت غلاما " وجارية قال: يعلم ذلك غيرها؟ قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها " (2) الظاهرة بعموم مفهوما على أنها تصدق مع وجود غيرها، الشامل باطلاقه ما لو كان الغير من النساء ولو لم نقبل شهادتها لم يكن وجه للتعليق على عدم وجود الغير معها مع كون الاجماع المتقدم موهونا " بفتوى حاكيه في شهادة (مبسوطه) المتأخر عن (خلافه) على ما قيل بالخلاف مؤيدا " باطلاق قبول قول المرأة والنسوة إذا كن مستورات في خبر ابن أبي يعفور (3) وبما روي عن الفقيه من أن نقص عقول النساء هو الموجب


(1) مضامين روايات كثيرة ذكرها الوسائل في كتاب الشهادات باب 24 ما تجوز شهادة النساء فيه. فمن ذلك: " عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابراهيم الحارثي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: تجوز شهادة النساء فيما لايستطيع الرجال أن ينظروا إليه ويشهدوا عليه.. " وغيرها مثلها كثير. (2) في الوسائل: كتاب النكاح، باب 12 من ابواب ما يحرم بالرضاع حديث 3، الرواية هكذا: " وباسناده أي محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن عبد الله بن زرارة ومحمد وأحمد ابني الحسن بن علي عن الحسن بن علي عن عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا.. ". (3) في الوسائل، كتاب الشهادات باب 41 ما يعتبر في الشاهد من العدالة، حديث رقم (20)؟: " محمد بن الحسن باسناده عن أبي القاسم جعفر بن محمد قولوية عن أبيه عن علي بن عقبة وذبيان بن حكيم الاودي عن موسى بن أكيل عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي جعفر (ع): =

[ 204 ]

لكون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل " وان شهادة الثنتين منهن بمنزلة شهادة رجل واحد (1) فتأمل. ولعل هذا القول هو الاقوى، لان الرضاع لا يمكن انكار كونه من الامور الخفية التي لا يمكن اطلاع الرجال عليها غالبا " حسبما هو معتبر في التحريم، فلو لم تعتبر شهادتهن عليه لزم الوقوع كثيرا " في ورطة نكاح المحرمات مع غلبة إرضاع غير الامهات من المرضعات، فناسبت الحكمة قبول شهادتهن، وشمول أخبار قبولها له أيضا "، وان كان موردها ما لا يجوز نظر الرجال إليه كالعذرة وعيوب الفرج والحيض والنفاس، وحيث قلنا بقبول شهادتهن منفردات قلنا بقبول شهادتهن منضمات، فتقبل فيه شهادة رجل وامرأتين بالاولوية. ثم على تقدير قبول شهادتهن، فهل تقبل شهادتهن فرعا " على شهادتهن على الرضاع أولا؟ وجهان: ينشأن من قبول شهادتهن أصلا "، فتقبل شهادتهن فرعا " بالاولوية، ومن ان القبول في الاصل لتعسر اطلاع الرجال عليه، ولا كذلك في الفرع. وبذلك تمنع الاولوية وعلى تقدير تسليمها فهي ظنية لا تجدي. ] = قال: تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف، مطيعات للازواج، تاركات للبذاء والتبرج إلى الرجال في انديتهم ".


(1) الوسائل، باب 16 من أبواب الشهادات في تفسير الحسن العسكري عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) في تفسير قوله تعالى: " ان تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى ": " إذا ضلت إحداهما عن الشهادة فنسيتها ذكرت إحداهما الاخرى بها فاستقامتا: في أداء الشهادة عند الله شهادة امرأتين بشهادة رجل لنقصان عقولهن ودينهن ".

[ 205 ]

الخامسة: هل يقع الظهار بالرضاع كما يقع بالنسب بأن يقول لامرأته أنت علي كظهر أمي من الرضاع، أم لا؟ فيه خلاف: قيل بالوقوع، لعموم: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (1) وخصوص صحيحة زرارة: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الظهار؟ فقال: هو من كل ذي محرم أم أو أخت أو عمة أو خالة، ولا يكون الظهار في يمين، قال قلت: كيف يكون؟ قال: يقول الرجل لامرأته وهي طاهرة في غير جماع أنت علي حرام مثل ظهر أمي أو أختي، هو يريد بذلك الظهار " (2)، واشتراكهما في قول الزور والمنكر. وفي الكل نظر: أما الحديث، فلظهوره في اشتراك عناوين النسبية والرضاعية في التحريم، لا في اشتراكهما في وقوع الظهار به في التشبيه. وأما الصحيحة، فلان غاية ظهور التنكير شموله لكل محرم بالنسب أما كان أم غيرها، كما صرح بذكرهن بعده، لا كل ما كان محرما "، ولو بالرضاع. وأما اشتراكهما في قول الزور، فلكونه بمجرده لا يثبت به حكم الظهار، ضرورة أن الظهار زور ومنكر، لا كل زور ومنكر ظهار. فإذا " الاقوى هو القول بالعدم، لا للاصل مع عدم الدليل المخرج منه. خاتمة: قد ظهر لك: ان بعض أحكام النسب ثابت في الرضاع، وهو تحريم النكاح وثبوت المحرمية بالاتفاق، وبعضها مختلف فيه عندهم وهو انعتاق أحد العمودين من الرضاع بالملك، وثبوت الظهار بالتشبيه


(1) نبوي مشهور مروي بطرق مختلفة. ذكرت في الوسائل في أوائل أبواب ما يحرم بالرضاع من كتاب النكاح. ". (2) راجع من الوسائل، كتاب الظهار، باب 2 حديث (2) وباب 4 حديث (1) مثله.

[ 206 ]

بالمحرمات من الرضاع، كما عرفت الخلاف فيه، وأن الاقوى هو الثبوت في الاول، والعدم في الثاني، ويفترقان في كثير من الاحكام، فانها تثبت في النسب ولا تثبت في الرضاع كالتوارث، واستحقاق المنفعة وعدم قبول شهادة الولد على والده، وسقوط قود الوالد بالولد، وعدم استيفائه حد القذف، وحد القطع بسرقة ماله، وحق الولاية للاب والحضانة للام، وتحمل العقل (1) في جناية الخطأ، وعدم نفوذ قضاء الولد على والده، دون الافتاء، وانصراف إطلاق الوالد أو الولد في النذور والايمان إلى من كان من النسب دون الرضاع، فان هذه الاحكام ثابتة في النسب دون الرضاع فلا توارث بين الولد ووالده من الرضاع، ولا استحقاق للنفقة أيضا "، وتقبل شهادة الولد على والده من الرضاع، ويقاد الوالد بولده من الرضاع ويستوفى منه حد القذف والسرقة، إلى غير ذلك من الاحكام المتقدمة، فانها غير جارية في الرضاع. فاتضح لك أن حكم الرضاع بحسب مشاركته للنسب ومباينته إياه، ينقسم إلى أقسام ثلاثة: قسم يتحد حكمهما إجماعا "، وقسم يختلف حكمها كذلك، وقسم اختلفت فيه كلمات الفقهاء، وقد عرفت التفصيل في كل منها بما لا مزيد عليه. تنبيه: اعلم ان للام إطلاقات ثلاثة: أمهات النسب، وأمهات الرضاع وأمهات التبجيل والعظمة، وهن زوجات النبي صلى الله عليه وآله


(1) بالفتح والسكون الاسم من عقل يعقل، وهي دية القتيل، قال الطريحي في مجمع البحرين " وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الابل فعقلها بفناء أولياء المقتول أي شدها في عقلها ليسلمها إليهم، ويقبضونها منه، فسميت الدية عقلا، بالمصدر، يقال: عقل البعير يعقله عقلا، والجمع عقول ".

[ 207 ]

فانهن أمهات المؤمنين، لقوله تعالى: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " (1) ويشاركن أمهات النسب في حرمة نكاحهن بالنص لا باطلاق الامومة عليهن دون المحرمية، فلا يجوز عندنا النظر اليهن فيما يجوز النظر إلى المحارم، خلافا " لبعض من خالفنا على ما قيل فجوزوا النظر اليهن لاطلاق الامومة عليهن، وهو مردود بالنهي عن التبرج، مضافا " إلى ما روته أم سلمة: " قالت كنت أنا وميمونة عند النبي صلى الله عليه وآله: فأقبل ابن أم مكتوم، فقال احتجبا عنه، فقلنا انه أعمى، فقال النبي صلى الله عليه وآله: فعميا وان أنتما؟ " (2) الخبر. وليس كل من حرم نكاحها جاز النظر إليها كأخت الزوجة. اللهم الا ان تدعى الملازمة بين تأبيد الحرمة والمحرمية، فلا ينقض بأخت الزوجة المحرمة، جمعا " لا تأبيدا ". وفيه: ان الملازمة، لو سلمت كليتها، فانما هي بين التحريم بأحد العناوين المتقدمة والمحرمية، لا مطلقا "، وقد عرفت أن حرمة نكاحهن بالنص لا باطلاق الامومة عليهن، فقد استبان أن المراد أمومة الاجلال والكرامة، لا غير. هذا ما وسعنا من تحرير مسائل هذا الباب على تشتت البال وتشويش الخيال، والله الهادي إلى الحق والموفق للصواب.


(1) سورة الاحزاب / 6. (2) في مقدمات كتاب النكاح من الوسائل باب 129 من ابواب مقدماته وآدابه، الحديث رقم (4) هكذا: " عن أم سلمة، قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال: إحتجبا، فقلنا: يارسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعميا وان أنتما، ألستما تبصرانه؟.

[ 209 ]

رسالة في الولايات

[ 210 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة في الولاية وأقسامها، وموارد ثبوتها، والقدر الثابت منها. وتنقيح الكلام فيها يتم بذكر مقدمة ومباحث: أما المقدمة، ففي بيان معناها، وانقسامها بنحو الاجمال، وما يقتضيه الاصل فيها، فنقول وبالله التوفيق: الولاية لغة كما عن القاموس والمجمع بالفتح: مصدر بمعنى الربوبية والنصرة، ومنه قوله تعالى: " هنالك الولاية لله الحق " (1) وبالكسر: اسم معنى الامارة (2) واصطلاحا ": هي سلطنة على الغير عقلية أو شرعية، نفسا " كان أو مالا أو كليهما بالاصل، أو بالعارض.


(1) سورة الكهف / 44. وتتمة الآية: " هو خير ثوابا "، وخير عقبا " ". (2) والسلطنة والامارة نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة: هي المتعلقة بانحاء التصرفات المشروعة على جهة العموم، كما لو جعل الشارع المقدس للفقيه مثلا الولاية على أموال القاصر بجميع انحاء التصرفات الراجعة مصلحتها إليه بلا استثناء، وتسمى هذه بالولاية العامة. والخاصة: هي السلطنة الضيقة النطاق، كما لو فرض جعل الشارع للفقيه إجازة خاصة بنحو معين من التصرفات كالايجار أو الاستيجار فقط. وتسمى هذه بالولاية الخاصة.

[ 211 ]

والفرق بينها وبين الحق المفسر بذلك ايضا " كما تقدم في مسألة الفرق بين الحق والحكم (1) هو ان تفسير الحق بذلك تفسير له باعتبار اثره غالبا " فان الحق حقيقة: هو الشي ء الثابت الموجب لسلطنة من هو له على من هو عليه. والولاية هي نفس السلطنة المنجعلة أو المجعولة لصاحبها على الغير، فأثرها في الاول وهو التصرف من صاحبها انما هو غالبا " لاستيفاء ما هو له ولمصلحته، وفي الثاني انما هو لنقص في المولى عليه ورجوع مصلحته إليه اتقانا " للنظام. ثم انها تنقسم باعتبارات مختلفة إلى أقسام متعددة: فتنقسم باعتبار إلى الولاية بالمعنى الاخص، واليها بالمعنى الاعم، (فالاولى) هي المسببة عن أحد الاسباب الخمسة: الاب، والجد له، والملك، والسلطنة، والوصية كما عن (التذكرة) حيث حصرها في الاسباب المذكورة ثم قال بعد عدها " ولا تثبت بغيذلك عندنا " (2) (والثانية): هي مطلق القدرة على انفاذ التصرف في الشئ، فتعم الوكيل والمأذون، والمتصدق في مجهول المالك، ومالك الصدقة في الزكاة بالنسبة إلى العزل والدفع إلى المستحق وتبديل العين بالقيمة، والام بالنسبة إلى الحضانة، ومتولي الوقف العام أو الخاص من الواقف، وفي القصاص والتقاص، والمرتهن في بيع العين المرهونة في الجملة وغير ذلك من الموارد التي وقع التعبير فيها كثيرا " بالولاية لمن له ذلك في كلمات الفقهاء. وهو


(1) وهي المسألة الاولى من الجزء الاول من كتاب (بلغة الفقيه) (2) قال في أوائل كتاب النكاح من التذكرة، المبحث الثاني في أسباب الولاية: " وهي عندنا خمسة: الابوة والجدودة والملك والسلطنة والوصاية، ولا تثبت بغير ذلك عندنا، خلافا " للعامة فانهم يثبتون مع ذلك شيئين آخرين: العصوبة والعتق ".

[ 212 ]

وان كان بظاهره ينافي ما تقدم من (التذكرة): من اختصاصها بأحد الاسباب المتقدمة، الا أن الجمع بينهما يقتضي حمل ما تقدم من (التذكرة) على الولاية بالمعنى الاخص التي هي من قبيل المنصب، وحمل غيره عليها بالمعنى الاعم التي مرجعها في الحقيقة إلى التولية والتفويض، ويمكن الجمع بحمل ما كان مسببا " عن أحد الاسباب الخمسة المتقدمة على الولاية بالكسر التي قد عرفت معناها: الامارة المناسبة لكونها من المناصب، وغيره على الولاية، بالفتح، لتضمنها النصرة والمساعدة، والا فكثير من ذلك يعد من الحقوق التي تغاير الولاية بالمعنى الاخص. وتنقسم ايضا " باعتبار إلى الاجبارية والاختيارية، وهما صفتان لمن له الولاية، دون من عليه، فمناط الاختيارية كونها بالنظر والاختيار كالوكيل ونحوه، والاجهارية كونها بالجعل والعنوانية، كما في الاب والجد، وان أمكنه الخروج بما يوجب سقوطها عنه بكفر ونحوه، فان ذلك لا ينافي صدق الاجبارية عليها، كالتزام الوكيل ونحوه بنذر وشبهه غير المنافي لصدق الاختيارية عليها. وهذا التقسيم لها باعتبار معناها الاعم، وعلى الاحتمال الآخر في الجمع: من اختصاص كل لفظ بمعناه، فالاجبارية صفة للولاية بالكسر والاختيارية صفة لها بالفتح. وباعتبار عموم المولى عليه وخصوصه، وبالنسبة إلى عموم جهات التولية وخصوصها تنقسم أيضا ": إلى الولاية العامة والخاصة وعموم جهات الخاص وخصوصها، فولاية الحاكم عامة لكونها تعم أفراد الناس في أنفسهم وأموالهم بعد وجود سبب الولاية عليه، وولاية الاب خاصة على ولده الصغير، وان عمت من حيث تعلها بنفسه وماله، ومثله وصي الاب على صغار ولده، ولو اختصت الوصية بجهة خاصة من أمر الصغير، فهو ولي عليه بخصوصه في خصوص تلك الجهة التي ولي عليه فيها.

[ 213 ]

وباعتبار الاستقلالية في التصرف أو اعتباره في تصرف الغير: تنقسم إلى ما يكون الولي مستقلا بالتصرف، سواء كان تصرف الغير منوطا " باذنه أم لا، ومرجع ولايته حينئذ، إلى كون نظره سببا " في جواز تصرفه، والى ما يكون تصرف الغير منوطا " باذنه ومرجعه حينئذ إلى كون نظره شرطا " في تصرف الغير، فهو بهذا الاعتبار يطلق عليه الولي أيضا ". لعدم استقلالية تصرف الغير إلا باذنه، وبين المعنيين عموم من وجه كما قيل. ثم ان اكمل الولايات وأقواها: هو ولاية الله سبحانه وتعالى على خلقه من الممكنات بعد أن كانت بأسرها في جميع شؤونها وكافة أطوراها مفتقرة في وجودها إلى الواجب، مقهورة تحت سلطانه متقلبة بقدرته، إذ لا استقلالية للمكن في الوجود لكونه ممكنا " بالذات موجودا " بالغير، وعدم التعلق في الممتنع لنقص في المتعلق، لا لقصور في التعلق، وإلا فهو على كل شئ قدير. ومن رشحات هذه الولاية: ولاية النبي صلى الله عليه وآله وخلفائه المعصومين عليهم السلام: بالولاية الباطنية، فان لهم التصرف بها في الممكنات بأسرها من الذرة إلى الذروة باذنه تعالى، وهي بهذا المعنى خارجة عن الولاية المبحوث عنها في المقام، ولهم كما ستعرف الولاية الظاهرية ايضا " على كافة الرعية، بعد أن كانت الناس طرا " رعاياهم، بل عبيدهم، لكن عبيد الطاعة، لا عبيد الملك، كما ورد عن الرضا (ع) (1).


(1) في الجزء الاول من اصول الكافي للكليني، كتاب الحجة باب فرض طاعة الائمة عليهم السلام حديث (10) هكذا: ". وبهذا الاسناد عن مروك بن عبيد عن محمد بن زيد الطبري، قال: كنت قائما " على رأس الرضا عليه السلام بخراسان، وعنده عدة من بني هاشم، وفيهم اسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: يا اسحاق، بلغني =

[ 214 ]

هذا ولا ريب في أن مقتضى الاصل الاولى عدم الولاية بجميع معانيها لاحد على أحد لانها سلطنة حادثة، والاصل عدمها، ولانها تقتضي أحكاما " توقيفية والاصل عدمها، إلا أنه خرجنا عن هذا الاصل في خصوص النبي صلى الله عليه وآله، والائمة عليهم السلام بما دل: من العقل والنقل على أن لهما أولوية التصرف مستقلا في نفوس الناس وأموالهم من غير توقف على اذن أحد منهم، فضلا " عن ثبوتها لهما بمعنى توقف تصرف الغير في شئ من إذنهما، ولو في الجملة. أما العقل، فالمستقل منه حكمه بوجوب شكر المنعم بعد معرفة أنهم أولياء النعم، والغير المستقل حكمه بأولوية وجوب اطاعة الرعية للامام بالنسبة إلى وجوب إطاعة الابن للاب، لان الحق في الاول أعظم منه، في الثاني بمراتب. وأما النقل، فمن الكتاب منه قوله تعالى: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " (1) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا " أن يكون لهم الخيرة.. " (2) " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " (3) " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول


= أن الناس يقولون انا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله، ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله، ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب ". (1) الاحزاب / 6، وتتمة الآية: وأزواجه أمهاتهم. (2) الاحزاب / 36. (3) سورة النور آخر آية / 63.

[ 215 ]

[ وأولي الامر منكم " (1) و " انما وليكم الله ورسوله " (2) الآية. ومن السنة منها مستفيضة بذلك، بل متواترة معنى، ويكفيك منها الاخبار الدالة على وجوب اطاعتهم، وان طاعتهم: طاعة الله ومعصيتهم معصيته (3) مضافا " إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في خبر أيوب بن عطية: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه " (4) وإلى ما ورد عنه صلى الله عليه وآله متواترا " في حديث (غدير خم): " ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فهذا علي مولاه " (5) وإلى مقبولة عمر بن حنظلة (6).


(1) سورة النساء، أوائل آية 59. (2) سورة المائدة / 55، وتكملة الآية: والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وقد نزلت في حق علي (ع). (3) ذكر الكليني في كتاب الحجة من أصول الكافي روايات كثيرة بهذا المضمون وعقد لها بابا " أسماه (باب فرض طاعة الائمة). (4) في أصول الكافي، كتاب الحجة، باب ما يجب من حق الامام على الرعية، حديث رقم (6) وتتمة الحديث " وعلى أولى به من بعدي ". (5) لسنا بحاجة إلى اثبات تواتر الحديث من طرق السنة والشيعة، ولا إلى تخريجه وعرض قصته بعد أن أسهبت في ذلك الاجزاء الاوائل من كتاب الغدير للمغفور له الحجة الاميني قدس سره. (6) في أصول الكافي. كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث حديث رقم (10): " باسناده عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان والى القضاة: أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فانما يأخذ سحتا " =

[ 216 ]

ومشهورة أبي خديجة (1) والى ما ورد في التوقيع من الامر بالرجوع في الوقايع الحادثة إلى رواة الحديث معللا بأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " (2). ] = وان كان حقا " ثابتا "، لانه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به "، قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما "، فاني قد جعلته عليكم حاكما ". فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منا، فانما استخف بحكم الله، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله.. " الحديث.


(1) في الوسائل، كتاب القضاء باب 11 من أبواب صفا ت القاضي حديث رقم (6): " باسناده على أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد الله عليه السلام: إلى أصحابنا، فقال: قل لهم: اياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شئ من الاخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته عليكم قاضيا "، واياكم أن يخاصم بعضكم بعضا " إلى السلطان الجائر ". (2) في المصدر الآنف الذكر، حديث رقم (9): " وفي كتاب اكمال الدين واتمام النعمة، عن محمد بن محمد بن عصام عن محمد بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتابا " قد سألت فيه عن مسائل اشكلت على، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (ع): أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " الحديث. ورواه الشيخ في (الغنية) والطبرسي في (الاحتجاج) وغيرهم.

[ 217 ]

قلت: الكلام في ثبوت الولاية مستقلا لهما تارة بمعنى نفوذ تصرفه ووجوب طاعته، لو تصرف في شئ أو أمر به، وأخرى بمعنى أن له أنحاء التصرف في نفوس الرعية وأموالهم، حسبما تتعلق به ارادته، كما ينفذ تصرف الانسان بحسب إرادته في نفسه وماله في غير معصية موجبة لعدم نفوذه، فله أن يزوج البالغة الرشيدة بغير اذنها، أو يببع مال انسان بغير اذنه كما كان ذلك لكل منهما في نفسه أو ماله، فنفوذ التصرف ووجوب الاطاعة مقام، وله أن يتصرف أو أن يأمر مقام آخر. لا إشكال في ثبوتها لهما بالمعنى الاول، فان الادلة المتقدمة كل منها واف في الدلالة عليه كاف في اثباتها له، بعد ان كانت اطاعتهم اطاعة الله تعالى: وأما الجزم بثبوتها بالمعنى الثاني، ففيه تأمل، لعدم نهوض تلك الادلة عليه، بعد ان كان غير آية " النبي أولى بالمؤمنين " وما بمعناها من السنة كلها واردة في مقام وجوب الاطاعة وحرمة المخالفة الراجعين إلى المعنى الاول، دون الثاني وأما هي، فلا دلالة فيها على المطلوب أيضا "، بناء على تفسيرها بأنه: أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بعضهم من بعض. نعم بناء على تفسيرها كما هو الظاهر منها بارادة أنه أولى بكل مؤمن من نفسه على نفسه، ربما يكون وافيا في اثبات ذلك، الا أنه للتأمل فيه مجال، لقوة احتمال أن يكون المراد بيان الاولوية عند التزاحم في التصرف، وتقدم ارادته عند التخالف في الارادة بحيث لو أراد الانسان شيئا وأراد الامام غيره، قدمت ارادته على ارادته، لكونه إنما يأمره بشئ أو ينهاه عنه ليس الا لمصلحة ملزمة راجعة إليه، ضرورة أنه في مرتبة المكمل لنقص المولى عليه الذي اقتضى اللطف وجود مكمل له متبوع في أوامره ونواهيه، بل ولو كان لمصلحة نفسه، لرجوعها أيضا

[ 218 ]

إلى مصلحة النوع، المقدم على مصلحة الشخص، فيرجع حينئذ إلى معنى الاول المدلول عليه بما سواه من الادلة، فلا تكون ناهضة لافادة المعنى الثاني، إذ لا دليل على ثبوتها بهذا المعنى لهم كان مقتضى الاصل عدمه مؤيدا بما هو المعهود من سيرتهم في الناس على حد سيرة بعضهم مع بعض من الاستيذان من البالغة الرشيدة في تزويجها، وبيع المال عن المالك باذنه، وعدم التصرف في مال الصغير مع وجود وليه الاجباري، وعدم التصرف في مال أحد إلا باذنه إلى غير ذلك من الموارد التي يقطع الانسان بمساواة معاملاتهم بين الناس مع معاملات بعضهم من بعض. وبالجملة، ليس سلطنتهم على الرعية كسلطنة السيد على مملوكه الجائز له التصرف فيه لمحض التشهي ما لم يكن من أحد الوجوه المحرمة. هذا والبحث عن ذلك، وان كان قليل الجدوى، بل معدوم الثمرة لعدم ظهورها الا فيما عسى أن يتوهم ظهورها في الفقيه زمن الغيبة، بناء على عموم ولايته، وأن له ما للامام حيث شك في تصرف أن له ذلك للشك في كونه للامام أم لا، فان ولاية الفقيه فرع عن ولاية الامام والفرع يتبع أصله، فلا يزيد عليه بالضرورة. وهو فاسد، لعدم ثبوتها بهذا المعنى للفقيه بالضرورة بحيث لو تصرف وجب تنفيذه مطلقا، كما هو للامام وان قلنا بعموم ولايته، إذ الثابت له من الادلة الولاية بالمعنى الثاني، وهو كون نظره شرطا في التصرف: اما مطلقا أو في الجملة: وأما كون النظر مسببا فيه، فهو مختص بالنبي وخلفائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين كما ستعرف. وأما الولاية لهما بالمعنى الآخر الذي قد عرفت مرجعه إلى اعتبار اذنه شرطا في تصرف الغير، فثبوتها لهما في الجملة مما لا شك فيه. ويدل عليه مضافا إلى ما يدل عليه من الادلة المتقدمة: ما عن

[ 219 ]

(العلل) بسنده عن أبي الفضل بن شاذان عن مولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام: في حديث قال فيه: " فان قال قائل: فلم وجب عليهم معرفة الرسل والاقرار بهم والاذعان لهم بالطاعة؟ قيل له: لانه لما لم يكن في خلقهم وقواهم ما يكملون به مصالحهم وكان الصانع متعاليا عن أن يرى، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهرا، لم يكن بدلهم من رسول بينه وبينهم معصوم يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويوقفهم على ما يكون به احراز منافعهم ودفع مضارهم إذا لم يكن في خلقهم ما يعرفون به وما يحتاجون إليه من منافعهم ومضارهم، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن مجيئ الرسول منفعة ولا سد حاجة، ولكان اتيانه عبثا بغير منفعة ولا صلاح وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شئ، فان قال قائل: فلم جعل أولي الامر وأمر بطاعتهم؟ قبل: لعلل كثيرة. منها أن الخلق لما وقفوا على حد محدود، وأمروا أن يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم الا بأن يجعل عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم، لانه ان لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والاحكام. ومنها أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل عاشوا وبقوا الا بقيم ورئيس لما لا بد لهم من أمر الدين والدنيا فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه، ولا قوام الا به فيقاتلون به عدوهم ويقسمون به فيأهم، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم. ومنها أنه لو يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا لدرست الملة وذهب الدين وغيرت السنة والاحكام، ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه

[ 220 ]

الملحدون، وشبهوا ذلك على المسلمين، لانا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بينا، وغيرت الشرائع والسنن والاحكام والايمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين " (1) الحديث. وانما الكلام في ثبوتهما لهما بنحو الكلية التي معناه: توقف كل تصرف على اذنهم، الا ما علم عدمه بدليل يخصه أو يدل عليه بنحو العموم أو الاطلاق. والظاهر عدمه، لعدم دليل ينهض باثبات الكلية المزبورة، وحيث كان الحكم مخالفا للاصل وجب الاقتصار فيما خالفه على ما قام عليه الدليل. وقصارى ما دلت عليه الادلة لزوم الرجوع إليهم في المصالح العامة التي لا يريد الشارع فعلها من مباشر معين كاقامة الحدود والتعزيرات والقضاء في الناس دفعا للخصومة فيما بينهم، والتصرف في مال القصر والمجانين مصلحة لهم، والالزام بأداء الحقوق ونحو ذلك. وبالجملة فما علم بوجوب الرجوع فيه إليهم وتوقف التصرف على اذنهم أو علم عدمه بدليل، ولو بنحو العموم أو الاطلاق، فلا كلام فيه. وحيثما شك في مورد، قيل: يرجع فيه إلى ما تقتضيه الاصول العملية. وفيه: أن الاصل انما يكون مرجعا في مورد الشك مع انسداد باب العلم المفروض انفتاحه في المقام بالرجوع إلى الامام أو نائبه الخاص، (ودعوى) ان الاصل يقتضي توقف كل تصرف على إذنهم الا ما خرج بالدليل بناء


(1) ذكر الحديث بكامله، الشيخ الصدوق قدس سره المتوفى سنة 381 ه‍ في كتابه عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج‍ 2 ص 97 طبع النجف الاشرف باب 34: العلل التي ذكرها الفضل بن شاذان.

[ 221 ]

على استفادته من الادلة المتقدمة (فهي) على عهدة من استفاد منها قاعدة كلية يرجع إليها عند الشك، ولم يتحقق عندنا من الادلة ما يوجب ثبوتها بنحو الكلية حتى يكون مرجعا عند الشك في مورد خاص. نعم، الظاهر من تلك الادلة حسبما ذكرنا وجوب الرجوع إليهم في كل ما يكون من المصالح العامة الذي يرجع فيه كل قوم إلى رئيسهم ضبطا للسياسة، واتقانا للنظام، كما صرح به خبر العلل وغيره. هذا: واذ قد عرفت ما ذكرناه مقدمة، وتبصرت فيما عرفناك في ولاية النبي صلى الله عليه وآله، والامام عليه السلام، فلنراجع إلى ما هو المهم في المقام: من ولاية غير الامام من أقسام الولايات، فنقول: ها هنا مباحث: (المبحث الاول) في ولاية الحاكم، أعني (الفقيه) في زمن الغيبة. وهذا القسم هو الاهم في التعرض من سائر أقسامها لما يبتني عليه كثير من الاحكام المتفرقة في أبواب الفقه. والكلام فيه: تارة في ثبوتها له، وأخرى في القدر الثابت منها، وثالثة في المولى عليه وموارد الولاية. أما ثبوتها للفقيه، ولو في الجملة، فمما لا كلام فيه بعد الاجماع عليه بقسميه، وورود النصوص المعتبرة في القضاء وما يعمه، والحوادث الواقعة وانما الكلام في القدر الثابت منها له، فالذي يظهر من بعض ثبوت الولاية للفقيه بمعنييها (1) على وجه له الاستقلالية في التصرف، فضلا


(1) أي الخاصة والعامة. ولعل المقصود بالبعض هو المحقق الكركي =

[ 222 ]

عن توقف تصرف الغير على نظره، حسبما هي ثابتة للامام عليه السلام إلا ما خرج بالدليل، مستدلا على العموم بهذا المعنى بالنصوص الكثيرة الواردة في مدح العلماء المتضمنة: جملة منها: على انهم ورثة الانبياء (1) وجملة: على انهم العلماء وأمناء الرسل (2).


= صاحب (جامع المقاصد) ومن تبعه، فقد استدلوا على سعة أفق الولاية للفقيه في زمن الغيبة بالادلة الاربعة، فالعقل المستقل بضرورة نصب الامام الحق حفظا للنظام الديني والدنيوي هو نفسه يستقل بضرورة استمرارية الرعاية والنظام في زمن الغيبة على أيدي وكلاء الامام وفقهاء الشريعة لاضطلاعهم بها اكثر من غيرهم، واستدلوا بالاجماع بقسميه على ذلك أيضا فعن (جامع المقاصد) في هذا الباب: " اتفق اصحابنا على أن الفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه بالمجتهد في الاحكام الشرعية، نائب من قبل أئمة الهدى عليهم السلام: في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل. وربما استثنى بعض الاصحاب القتل والحدود " وهكذا استدلوا على سعة أفق الولاية للفقيه بظاهر اطلاقات الآيات الشاملة بمقتضى عموم الخطاب فيها لكل زمان للفقيه أيضا، مثل قوله تعالى: " واسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " وقوله تعالى: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم ". واستدلوا أخيرا على ذلك بطوائف كثيرة من النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام: أشار الى جملة منها سيدنا المصنف (قده) (1) أصول الكافي، كتاب فضل العلم، وباب صفة العلم حديث (2) وباب ثواب العالم والمتعلم حديث (1). (2) المصدر نفسه باب صفة العلم، حديث رقم (5).

[ 223 ]

وعلى أنهم حصون الاسلام (1)، وعلى انهم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله (2) وعلى تشبيههم بسائر الانبياء في حديث افتخاره يوم القيامة في المروي عن (جامع الاخبار) (3) وعلى تنزيلهم منزلة أنبياء بني اسرائيل


(1) أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء حديث (3). (2) الوسائل، كتاب القضاء باب 8 من أبواب صفات (القاضي) حديث رقم (50) و (53). (3) المطبوع عدة مرات بمجلد واحد منسوبا إلى الشيخ الصدوق قدس سره والظاهر عدم صحة النسبة، كما حقق ذلك المحقق الثبت الشيخ أغا بزرك الطهراني رحمه الله في (الذريعة ج‍ 5 ص 33) بحرف الجيم. ومما قاله بعنوان (جامع الاخبار): " المطبوع مكررا من سنة 1287 ه‍ حتى اليوم، المتداول المرتب على (141 فصلا) المشهور انتسابه إلى الشيخ الصدوق، لكنه مما لا أصل له أصلا، وقد اختلف أقوال الاصحاب في تعيين مؤلفه، نعم هو غير الصدوق جزما، كما ذكره شيخنا في (نفس الرحمان) ثم فصله في (خاتمة المستدرك ص 366) وأنهى أطراف الترديد في المؤلف إلى سبعة كلها محتملات، إلى آخر العرض في التحقيق الذي يبعث على عدم الثقة بالنسبة، والله العالم. وهذه الجملة ذكرت في الكتاب: الفصل العشرون في العلم، ضمن حديث مفصل عن رسول الله صلى الله عليه وآله من طريق أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أيها الناس إن في القيامة أهوالا إلى قوله: اجثوا على ركبكم بين يدي العلماء تنجو منها ومن أهوالها، فاني أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي كسائر الانبياء قبلي " والظاهر من هذه الجملة تشبيه نفسه صلى الله عليه وآله بسائر الانبياء من حيث الافتخار بعلمائهم، لا تشبيه علماء أمته بسائر الانبياء، فكلمة (كسائر) متعلقة بكلمة (افتخر) لا أنها صفة للعلماء، والله العالم.

[ 224 ]

في المروي عن (الفقه الرضوي) (1)، وعلى فضلهم على الناس كفضل


(1) وهو كتاب فقه الرضا، المنسوب إلى الامام الرضا عليه السلام وقد ظهر الكتاب على يد المجلسي صاحب البحار في اواخر القرن الحادي عشر الهجري. وقد اختلف العلماء في صحة النسبة وحجية ما في الكتاب من الروايات وعدم ذلك على أقوال شتى: فمنهم من يرى صحة النسبة والحجية معا، وفي طليعتهم المجلسيان الاول والثاني قدس سرهما ويميل إلى رأيهما بصحة النسبة والاعتماد عليه سيدنا الحجة البالغة السيد بحر العلوم قدس سره فقد عقد لذلك في آخر كتاب (فوائده الاصولية) فائدة خاصة، فصل فيها مختلف الآراء حول صحة النسبة والاعتماد وبطلانهما، وأخيرا يظهر منه صحة النسبة والاعتماد لما فصله من ذكر المؤيدات الناصعة في اثبات ذلك. وهذا الرأي يعني: أن الكتاب للامام (ع) تأليفا أو املاء. وقول بانكار النسبة وعدم صحة الاعتماد على ما جاء فيه من اخبار كما ذهب إلى ذلك صاحب الفصول والحر العاملي وبعض آخر غيرهما وقول ثالث بالتوقف في ذلك، كما يظهر من الفاضل الهندي في (كشف اللثام) وبعض آخر. وقول رابع: اعتبار اخباره من الاخبار القوية المحتاجة إلى تعضيد أو سلامة من المعارض مع انكار النسبة إلى الامام (ع) كما هو رأي الشيخ الانصاري وبعض معاصريه. والظاهر كما عليه المستدرك للنوري والسيد المحسن الكاظمي وبعض المحققين من المتأخرين: أنه ليس من تأليف الامام (ع) ولا من املائه على أصحابه، ولكنه من املاء بعض أصحابه وجمعه لاقوال الامام كأنه الاصل من كلامه، فما جاء فيه من أخبار في معرض الحجية وعدمها.

[ 225 ]

النبي صلى الله عليه وآله: على أدتاهم في المروي عنهم في الاحتجاج (1)، وعلى تفضيلهم على جميع خلق الله إلا النبيين والمرسلين وكفضل الشمس على الكواكب، وفضل الآخرة على الدنيا، وكفضل الله على كل شئ، في المروي عن (المنية) انه: (قال الله تعالى لعيسى على السلام: عظم العلماء واعرف فضلهم واني فضلتهم على جميع خلقي الا النبيين والمرسلين (2) وعلى أنهم حكام على الملوك والملوك حكام على الناس، في المروي عن كنز الكراجكي (3) عن الصادق عليه السلام، وعلى الرجوع إليهم في الحوادث الواقعة، فيما صدر من التوقيع الرفيع المشهور، وأن مجاري الامور بيدهم، وعلى نصبه حاكما وقاضيا، في مقبولة ابن حنظلة، ومشهورة أبي خديجة (4) إلى غير ذلك مما ورد في تعريفهم وتوصيفهم وأنهم كفلاء لايتام آل محمد، صلى الله عليه وآله، المعني بهم هنا الائمة: من يتم العلم لا يتم الابوين. وتقريب الاستدلال بهذه الاخبار هو أن يقال: أما الجملة الاولى: فبتقريب أن الارث هو انتقال مال المورث إلى


(1) في اوائل كتاب منية المريد في آداب المفيد والمستفيد للشهيد الثاني قدس سره. (2) اوائل كتاب: منية المريد في آداب المفيد والمستفيد للشهيد الثاني قدس سره (3) كنز الفوائد للقاضي أبي الفتح محمد بن على بن عثمان الكراجكي من أعلام القرن الخامس الهجري ومن تلامذة الشيخ المفيد قده ذكره وذكر كتابه باطراء سيدنا الحجة المهدي قدس سره في كتاب رجاله المعروف بالفوائد الرجالية (ج‍ 3 ص 307 302). (4) مر عليك آنفا: نص رواية التوقيع وحديثي المقبولة والمشهورة.

[ 226 ]

الوارث، والولاية من جملة ما هو للمورث، فتنتقل إلى الوارث (1). وفيه مع قوة ارادة الائمة عليهم السلام: من العلماء لوقوع التفسير بهم كثيرا في اطلاق العلماء، وحملا للارث حينئذ على معناه الحقيقي وهو الوارث لا بواسطة، ولو أريد العموم من العلماء لزم التجوز في اطلاق الورثة عليهم، لان العلماء ورثة الاوصياء، والاوصياء، هم ورثة الانبياء واطلاق ورثة الانبياء على من كان وارثهم بالواسطة مجاز. ولو قيل بلزوم التجوز على كل تقدير: إما بتخصيص عموم العلماء أو بالتجوز في الورثة بارادة من يكون وارثا بالواسطة. قلنا: التخصيص أولى من المجاز حيث يدور الامر بينهما، ومع فرض التساوي بين الاحتمالين يسقط الاستدلال به حينئذ أن ذلك انما يحمل الارث على ما يشمل متعلقه الولاية حيث لا يكون من أفراده ما هو المتبادر منه أو المنصرف إليه المفروض وجوده في المقام، لظهور المراد من كونهم ورثة الانبياء ورثتهم في تبليغ الاحكام وتمييز الحلال من الحرام سيما مع وجود قرينة لذلك في بعضها المذيل بقوله: " ان الانبياء لا يورثون دينارا ولا درهما وانما يورثون علما " (2) فالموروث حينئذ، هو خصوص


(1) إذ لا اشكال في عدم ارادة الارث الحقيقي ههنا لعدم النسب الموجب له، فلا بد من الاخذ بأقرب المجازات، وهو انتقال ما هو ثابت لهم عليهم السلام: من المنزلة والمقام إلى العلماء، وهي الولاية والسلطة على الرعية، الا ما أخرجه الدليل. (2) في أوائل كتاب (منية المريد في آداب المفيد والمستفيد للشهيد الثاني) الحديث عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وان الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وان العالم ليستغفر له من في السماوات =

[ 227 ]

العلم (ودعوى) ثبوت الولاية للانبياء، إنما هو لعلمهم، لانها من جملة آثاره ويدور مداره في الوجود فتثبت للعلماء أيضا، لوجود ما هو مناط وجودها فيهم أيضا (مدفوعة) بأن الملازمة على تقدير تحققها انما تستلزم وجودها لهم في الجملة، دون القدر الثابت منها للنبي صلى الله عليه وآله لقوة احتمال تبعية الولاية للعلم في المقدار. وأما الثانية، فبتقريب أن الامين له الولاة فيما هو أمانة عنده من مال المؤتمن بالكسر وبعمومه المستفاد من حذف المتعلق يشمل الولاية التي هي من ماله أيضا، حسبما عرفت في الارث، فأمناء الرسل أمناء لمالهم الذي منه الولاية. وعليه فتكون الامانة حينئذ: هي في صفات الرسل من العلم بالاحكام والولاية ونحوهما. ويمكن أن يقرر وجه آخر وهو أنهم أمناء على الرعية، فتكون هي المقصودة بأمانة، فكما أن الامين له ولاية حفظ الامانة بجميع معاني حفظها على التلف والفساد بحيث يكون حافظا لوجودها ولسلامتها، فكذلك في المقام، لتحقق هذا المعنى فيهم: من وجوب حفظهم فيما يرجع إليهم من صلاح أمور معادهم ومعاشهم من الفساد والافساد، وهو معنى الولاية التامة والرئاسة الكبرى الثابتة للنبي صلى الله عليه وآله، والامام عليه السلام. وفيه: ما تقدم أيضا: من أن الحمل على العموم انما هو حيث لا يكون هناك ما يتبادر منه أو ينصرف إليه المطلق المفروض وجوده هنا، وهو كونهم أمناء في تبليغ الاحكام وإرشادهم إلى معرفة الحلال والحرام كما يعطي تصريح بعضها بالامناء على الحلال والحرام، مضافا إلى كفاية


= ومن في الارض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، لان العلماء ورثة الانبياء لان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر ".

[ 228 ]

ثبوته في الجملة في مدحهم واطلاق الامناء عليهم، وأما التعميم إلى جهات الاتيان وقدر الامانة، فالاطلاقات مهملة من هذه الحيثية، غير مسوقة لبيانها. ومثل ذلك تقريبا وردا: يجري في الثالثة المعبر فيها عنهم بحصون الاسلام بناء على أن التشبيه بالحصن من حيث كونه حافظا لما فيه من عروض الآفات عليه. وأما الرابعة (1): فبتقريب أنه لو قيل: فلان خليفتي، من غير تقييد فهم عرفا منه، بل كان معناه: أنه قائم مقامه في كل ما كان له أن يفعل الا ما خرج، تنزيلا للخلف منزلة السلف فيما تقتضيه الوظيفة التي منها الولاية. وفيه: ما تقدم من التبادر أو الانصراف إلى التنزيل في تبليغ الاحكام الموجب للحمل عليه، لا على العموم. ومثل ذلك يجرى فيما ورد من التشبيه بالرسل (2) تعميما لوجوه الشبه أو اختصاصا بما يتبادر منها أو ينصرف إليه. وكذا فيما ورد من التنزيل منزلة الانبياء في بني اسرائيل في (الرضوي) (2).


(1) وهي قوله صلى الله عليه وآله اللهم ارحم خلفائي، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي، كما في مرسلة الفقيه. (2) أمثال قوله صلى الله عليه وآله: " علماء أمتي كسائر أنبياء بني اسرائيل " كما في كتب الاخبار. (3) في قوله صلى الله عليه وآله: " منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني اسرائيل ".

[ 229 ]

وأما ما دل على الفضيلة والافضلية (1) فالتقريب فيه بدعوى المناسبة بين منصب الولاية والفضيلة في الشرف. وفيه انها ممنوعة عكسا، وان سلمت طردا، إذ لا يلزم أن يكون الفاضل وليا على المفضول. نعم يلزم أن يكون الولي فاضلا بالنسبة إلى المولى عليه من حيث الجهة الموجبة للولاية عليه، لانه بمنزلة المكمل لنقصانه، والا لزم الترجيح بلا مرجح. بقي الجواب عما قد يشكل على الخبر المروي عن قوله تعالى لعيسى: عظم العلماء واعرف فضلهم فاني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين (2) فان العلماء ان أريد بهم خصوص الائمة عليهم السلام: لزم مفضوليتهم بالنسبة إلى سائر النبيين والمرسلين وهو غير معلوم، بل معلوم العدم (3)، وان أريد بها غيرهم لزم أفضلية العلماء من الائمة لدخولهم حينئذ في الجمع المضاف. فنجيب عنه بارادة أفضلية علماء كل عصر بالنسبة إلى أهل عصرهم إلى نبي ذلك العصر، وأفضلية الائمة على أنبياء السلف والمرسلين مستفادة من دليل خارج، فلا تخصيص حينئذ، لا في الجمع المحلى باللام ولا المعرف بالاضافة.


(1) أمثال قوله صلى الله عليه وآله: كما عن مفتاح الفلاح للبهائي: " علماء أمتي أفضل من أنبياء بني اسرائيل " أو تفضيلهم على الناس كفضل النبي على أدناهم كما عرفت كفضل الله على كل شئ. كما عن المنية. (2) كما عرفت ذلك عن منية المريد للشهيد الثاني. (3) فان الذي يظهر من الاخبار الواردة في مظانها: " ان الائمة عليهم السلام أفضل الخليقة بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله: آدم ومن دونه ".

[ 230 ]

وأما كونهم حكاما على الملوك الذين هم حكام على الناس (1) فغايته ثبوت الحكم لهم ولو في نفوذ قضائهم عليهم، وأين ذلك من ثوبت الولاية الكلية لهم؟ وأما التوقيع وما يليه من الاخبار (2) فلا ينهض لاثبات الولاية الاستقلالية للفقيه على وجه يكون مستقلا بالتصرف كالامام الا فيما خرج بالدليل. وبالجملة: لا شك في قصور الادلة على اثبات أولوية الفقيه بالناس من أنفسهم، كما هي ثابتة لجميع الائمة عليهم السلام بعدم القول بالفصل بينهم وبين من ثبت له منهم عليهم السلام بنص غدير خم، بل الثابت للفقيه انما هو الولاية بالمعنى الثاني (3) لكن الكلام في ثبوتها له بنحو العموم على وجه يرجع إليه حيث ما شك في مورد ثبوتها له فيه أولا، بل يقتصر في الرجوع إليه على كل مورد قام الدليل عليه بخصوصه، ويبقى مورد الشك تحت الاصل الذي قد عرفت مقتضاه العدم؟ وجهان بل قولان:


(1) كما عن كنز الكراجكي من قول الامام الصادق (ع). (2) من قوله (ع): في التوقيع المشهور: " فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " وقول الامام الحسين (ع) كما في تحف العقول: " ان مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله، الامناء على الحلال والحرام " وقول الامام الصادق (ع) في مقبولة ابن حنظلة " فاني قد جعلته عليكم حاكما " وقوله (ع) في مشهورة أبي خديجة: " فاني قد جعلته عليكم قاضيا " كما مر آنفا، وكقولهم (عليهم السلام) كما في كتب الاخبار " إن العلماء كافلون لايتام آل محمد صلى الله عليه وآله ونحو ذلك كثير في كتب الحديث. (3) وهو دخل اعتباره في تصرفات الغير لا استقلاله في التصرف

[ 231 ]

وتنقيح هذه المسألة من أصلها بعد معلومية أن البحث في وجوب الرجوع إلى الفقيه في زمن الغيبة انما هو من حيث تبعيته للامام فيما يجب الرجوع فيه إليه ونيابته عنه، وإلا فهو كغيره من عدول المسلمين هو أن يقال: ان كل معروف علم ارادة وجوده في الخارج. ولكن شك في توقفه على اذن الفقيه في زمن الغيبة وعدمه، بل يجب ايجاده على كل من يقدر عليه كفاية: فأما أن يكون الشك فيه مسببا عن الشك في كونه مشروطا باذن الامام عليه السلام أولا، أو يكون مسببا عن الشك في حصول الاذن منه للفقيه بخصوصه ولو بنحو العموم في المتعلق بعد فرض اعتبار اذنه فيه. وبعبارة اخرى: الشك في وجوب الرجوع فيه إلى الفقيه: مرة للشك في وجوب الرجوع فيه إلى الامام عليه السلام، وأخرى في مأذونية الفقيه منه بالخصوص، ولو بنحو العموم بعد احراز كونه مما يعتبر فيه إذن الامام عليه السلام. أما إذا كان منشأ الشك في الاول، فلا مانع عن التمسك فيه بالاصل الذي مقتضاه العدم، إذ المانع عنه كما تقدم ليس الا انفتاح باب العلم المفروض انسداده في زمان الغيبة. وعليه فيكون من الواجب كفاية على كل من يقدر عليه فقيها كان أو غيره. وان كان هو الثاني، فلا كلام في كون الفقيه هو المتيقن ممن كان له ولاية ذلك، انما الكلام في اختصاصها به، ان ثبت عموم النيابة له، وإلا فيتولاه كل من يقدر عليه كفاية، للعلم بارادة وجوده شرعا وعدم تعيين الموجد له، بناء على عدم استفاة العموم من أدلة النيابة، الا انه حينئذ، يدور أمره بين احتمالات ثلاثة: سقوط اعتبار الاذن في زمن الغيبة أو اختصاص الاذن للفقيه فيه، أو تعميمه لكل من يقدر عليه أما سقوط الاذن من أصله، ففيه تقييد لما دل على اعتباره من غير دليل. وأما

[ 232 ]

اختصاصه به، فلا دليل عليه بالفرض، فلم يكن بد من القول بحصوله لكل من يقدر عليه كفاية بعد إحراز التكليف به وفرض عدم تعيين مكلف خاص. وبالجملة: لا بد من حصول الاذن بعد فرض اعتباره: فأما ان يكون خاصا أو عاما للمكلفين. لا يقال: الاصل عدم سقوطه عن الفقيه بفعل غيره، والسقوط عن غيره بفعله مقطوع به (لانا نقول): الشك فيه مسبب عن الشك في اختصاص الاذن به، والاصل عدمه (ودعوى) معارضة إصالة عدم قصد الاختصاص بأصالة عدم قصد التعميم، فيبقى أصل عدم السقوط سليما (موهونة) بأن التعميم لا يحتاج إلى القصد، بل يكفي فيه عدم قصد الاختصاص. ومع التنزل وفرض التساوي في مخالفتهما للاصل لرجوعه إلى الشك في كيفية الاذن، فالمرجع حينئذ إلى أدلة اشتراك التكليف، إذ الاصل البراءة عن التعيين لمزيد الكلفة فيه حيث يدور الامر بينه وبين التخيير الذي منه الوجوب الكفائي أيضا. نعم لو شك في أصل وجوبه على غير الفقيه بحيث لا يكون ايجاده في الخارج مطلوبا الا منه، كان المرجع فيه لغير الفقيه هو البراءة لكون الشك فيه حينئذ، راجعا إلى الشك في التكليف، كما لو شك في كون الوجوب مشروطا بحضور الامام (ع)، نظير شرطية الحضور لوجوب الجمعة عينا أو مطلقا فالمرجع فيه أيضا، إلى البراءة مطلقا للفقيه وغيره. وهاتان الصورتان خارجتان عن حريم البحث، لان الشك فيهما شك في أصل إرادة ايجاده في الخارج مطلقا، أو من غير الفقيه. إذا عرفت ذلك، ظهر لك أن المهم في المقام هو النظر في أدلة النيابة من حيث استفادة العموم منها وعدمه، فنقول: ان ما يتوقف على اذن الامام عليه السلام: ان لم يكن لصرف تعظيمه وجلالته ومحض المكرمة

[ 233 ]

له، بل كان من حيث رياسته الكبرى على كافة الانام الموجب للرجوع إليه في كل ما يرجع إلى مصالحهم المتعلقة بأمور معادهم أو معاشهم ودفع المضار عنهم وتوجه الفساد إليهم مما يرجع فيه المرؤسون من كل ملة إلى رؤسائهم إتقانا للنظام المعلوم كونه مطلوبا مدى الليالي والايام، فلا بد من استخلاف من يقوم مقامه في ذلك حفظا لما هو المقصود من النظام وحينئذ فأما أن يكون المنصوب من قبله هو كل من يقدر عليه من غير اختصاص ببعض دون بعض، أو يكون صنفا خاصا منه. وعلى الثاني: فأما أن يكون هم الفقهاء، أو طائفة مخصوصة غيرهم، والاخير باطل قطعا، لعدم الدليل عليه، بل ولا الاشارة منه إليه. والاول مستلزم لكفاية نظر المريد لايجاده في الخارج والاستغناء عن نظر من يكون نظره مكملا ومعتبرا في تصرف غيره، وهو مناف للفرض من اناطته بنظر الامام من حيث رياسته الذي مرجعه إلى التوقف على انضمام نظر الرئيس والاحتياج إليه. فتعين كون المنصوب هو الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة مع ظهور بعض الادلة المتقدمة في ذلك، كقوله عليه السلام: " وأما الحوادث الواقعة " وقوله: " مجاري الامور بيد العلماء " وقوله: " هو حجتي عليكم، وجعلته حاكما " فان المتبادر منها عرفا استخلاف الفقيه على الرعية واعطاء قاعدة لهم كلية بالرجوع إليه في كل ما يحتاجون إليه في أمورهم المتوقفة على نظر الامام، وان وقع السؤال في بعضها عن بعض الحوادث الا أن الالف واللام في الجواب ظاهرة في الجنس بقرينة المقام وسوقه مساق ما هو كالصريح في العموم بارادة كل أمر من الجميع المحلى في قوله: " مجاري الامور " مما يكون من شأنه الجريان على نظر الامام عليه السلام. نعم لو شك في جهة اعتبار نظره بين كونه شرطا تعبدا الموجب للاقتصار فيه عليه، أو من حيث رياسته الموجب للاستخلاف فيه كان المرجع في وجوب

[ 234 ]

الرجوع إلى الفقيه هو البراءة هذا مضافا إلى غير ما يظهر لمن تتبع فتاوى الفقهاء في موارد عديدة كما ستعرف في اتفاقهم على وجوب الرجوع فيها إلى الفقيه مع انه غير منصوص عليها بالخصوص، وليس الا لاستفادتهم عموم الولاية له بضرورة العقل (1) والنقل (2)، بل استدلوا به عليه، بل حكاية الاجماع عليه فوق حد الاستفاضة، وهو واضح بحمد الله تعالى لا شك فيه ولا شبهة تعتريه، والله أعلم. وأما الكلام في موارد ثبوت الولاية له التي قد تقدمت الاشارة إليها مجملا: فمنها الصغير والمجنون، فان الولاية عليهما ثابتة للحاكم ما لم يكن لهما ولي مقدم عليه في المرتبة (3) بضرورة العقل (4) المؤكد بالنقل (5)


(1) فان العقل كما يحكم بضرورة نصب الولاية للنبي والائمة (ع) لاستقامة النظام الديني والدنيوي، كذلك يحكم بضرورة نصب من يقوم مقام الامام (ع) عند غيبة لنفس العلة. وهذا المعنى من المستقلات العقلية التي لاريب فيها. (2) كما عرفت آنفا من استعراض الروايات الكثيرة الظاهرة في هذا المعنى من الولاية. (3) وهم الاب والجد له، والوصي المنصوب من قبلهما. (4) فان العقل يستقل بالحكم بضرورة نصب من يرعى شؤونهما النفسية والمالية بحكم قصورهما عن ذلك وحيث لا يوجد لهما ولي ذاتي أو منصوب من قبله فلا مناص من إناطة الامر إلى الحاكم الشرعي لانه ولي من لا ولى له كما اشتهر ففي الحديث النبوي. (5) فمن الكتاب مفهوم قوله تعالى: كما في سورة النساء: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا =

[ 235 ]

فله التصرف في نفوسهم مما يوجب حفظها وترتيبها، حسبما تقتضيه مصالحهم التي منها الايجار والاستيجار، فضلا عن أموالهم ونحوها مما يرتبط بهم من الحقوق وغيرها (1) فله أنحاء التصرف فيها مراعيا فيه المصلحة لهما ولو بجلب المنفعة، فضلا عن دفع المضرة وفي تعيين الاصلح أو كفاية الصلاح؟ وجهان: ولعل الاخير هو الاقوى (2).


= إليهم أموالهم " والرشد على ما هو المشهور العقل والتدبير. فتكون الآية شاهدا لضرورة الولاية عليهما: إما من قبل وليهما النسبي أو المنصوب من قبلهما أو من قبل الشرع والضرورة القطعية وهو الحاكم. ومن السنة عموم الحديث النبوي المشهور: " السلطان ولي من لاولي له ". وهو شامل لولاية الحاكم لكل من الصغير والمجنون مع فقد وليهما الاولي. والروايات عن أهل البيت عليهم السلام في هذا المعنى كثيرة تذكر في كتاب الوصايا والنكاح والحجر كما سيأتي ذكرها في المتن. (1) نحو حقوقهم الاعتبارية كحق الشفعة والخيار والفسخ بالخيار ودعوى الغبن والاحلاف ورد الحلف وحق القصاص بالدم والجنايات وإقامة البينات وجرح الشهود وغير ذلك مما يرتبط بشؤونهم الاعتبارية فضلا عن نفوسهم وأموالهم. (2) والمراد بالاخير: هو كفاية محض الصلاح، ولا ضرورة إلى توخي الاصلح لهما كما عليه المشهور ولعله لاطلاقات أدلة الولاية وصدق السلطنة والرعاية، ولكن القدر المتيقن من الاجماع ودليل العقل: توخي الاصلح لهما في مورد التعارض بينه وبين محض الصلاح. وبذلك تقيد إطلاقات الادلة النقلية غير المثبتة لذلك، فرعاية الاصلح، ان لم تكن أقوى، فلا أقل من الاحتياط.

[ 236 ]

ومنها الولاية على الغائب في أمواله في الجملة (1)، فان القدر الثابت أن له التصرف فيها ولاية ببيع ونحوه إذا تسارع إليه الفساد ونحوه مما يوجب بقاء الضرر عليه، أو استيفاء حق للغير مستحق عليه، يتوقف استيفاؤه منه ولو ببيع ونحوه، لما دل على ولايته على الممتنع عن أداء الحق عليه (2) بعد اتحاد المناط بينهم من امتناع ايصال الحق إلى مستحقه، من غير فرق في الامتناع بين كونه قهرا أو عن اختيار، الا في الاثم وعدمه، مضافا إلى ما دل عليه غيره من الادلة (3) وتعطيل الاستيفاء إلى وقت الحضور ضرر منفي لا يجب تحمله. وكذا الولاية على قبض ما يستحقه الغائب على من عليه الحق منه إن اراد دفعه إليه للتخلص عنه ما لم يكن له وكيل على قبضه ولو بنحو العموم وانما يتعين كونه له بقبضه اياه منه لا قبله ان كان دينا ونحوه من المثليات في بدل الغرامات.


(1) والغائب كما يظهر من تضاعيف ما ذكره الفقهاء في الباب نوعان: أحدهما المفقود خبره مطلقا، ويشمل الضائع في البلدان أو في بلاده الواسعة الاطراف، والضال الطريق، والمنقطع الذي تعطلت به واسطة الايصال ولم بعلم خبره، والمفقود في المعركة والاسير، ومطلق الغائب المجهول الجهة. والثاني الغائب المعلوم الخبر ولكن غيبته مجهولة الامد، مع طول المدة، والظاهر شمول الولاية في الجملة لكلا النوعين كما يظهر من عموم مناطات الادلة الواردة في بعض الفروع، بالاضافة إلى الاطلاقات الشاملة. (2) كما سيأتي بيان ذلك من قبل المصنف قريبا. (3) كمرسلة جميل بن دراج عن أحدهما عليهما السلام: قالا: " الغائب يقضي عليه إذا قامت عليه البينة ويباع ماله، ويقضي دينه، وهو غائب.. " وغيرها من الروايات بهذا المضمون في باب القضاء.

[ 237 ]

وأما في غير ذلك فليس له ولاية التصرف، وان كان له فيه المصلحة والا لجاز التصرف للحاكم في أموال الغيب والتقلب فيها للاسترباح لهم المقطوع بعدم جوازه، للاصل، وقاعدة المنع عن التصرف في مال الغير إلا باذنه. والتشبث للجواز بدليل الاحسان (1) من الوهن بمكان، وإلا لجاز في الحاضر أيضا، لانه إحسان عليه، بل ومع منعه عنه، لم يذهب إليه وهم فضلا عن القول به. نعم يجب عليه حفظه، لا من باب الحكومة والسياسة، بل للاذن المستفاد بشاهد الحال، أو لقاعدة نفي الضرر الموجب لوجوبه كفاية على كل من يقدر عليه وان كان غير الحاكم، سواء تعلق الحفظ بالعين أم بالمنفعة، ولعل جواز البيع فيما يتسارع إليه الفساد من ذلك أيضا، لرجوعه إلى حفظه ولو بحفظ ماليته، فيجب عليه كفاية، لا ولاية فتأمل، من غير فرق في المنع عن التصرف فيما ذكرنا بين أقسام الغيب حتى المجهول ماله المفقود أثره، فلا ينصرف في أمواله، ولو بالقسمة بين ورثته حتى بعد الفحص عنه واليأس منه، على الاقوى، وعليه العظم كما في (المسالك) (2) للاصل ولزوم تعطيل حق الوارث فرع تحقق كونه مالكا بالارث وتنزيل الظن بالموت بعد الفحص منزلة اليقين بعد تسليمه كما ستعرف مخصوص بما دل على اعتباره في خصوص بينونة الزوجة:


(1) انطلاقا من قوله تعالى: ".. وأحسنوا ان الله يحب المحسنين " كما في سورة البقرة آية 195 (2) مسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام للشهيد الثاني قده كتاب الفرائض، المسألة الثامنة من مسائل ثمانية: المفقود يتربص بماله. تعليقا على قول المحقق (وقال في الخلاف: لا يقسم حتى تمضى مدة لا يعيش مثله إليها) قال: " هذا هو الاقوى تمسكا بالاصل وعليه المعظم ".

[ 238 ]

أما بالطلاق أو أمرها بالاعتداد بعدة الوفاة من غير توقف على الطلاق، فان الولاية ثابتة له في ذلك باتفاق النص والفتوى الا من الحلي رحمه الله في زمن الغيبة. وتفصيل القول فيه: هو أن للرأة المفقود زوجها المقطوع أثره: ان كان هناك من ينفق عليها، أو صبرت على ما هي عليه، فلا بحث، وان لم يكن من ينفق عليها ولم تصبر رفعت أمرها إلى الحاكم فأجلها أربع سنين وفحص عن حاله في المدة المزبورة في الجهات المحتمل كونه فيها، فان لم يعلم حاله في مدة الاجل أمرها الحاكم بالاعتداد أربعة أشهر وعشرة أيام ثم هي تحل للازواج من غير توقف على الطلاق كما هو ظاهر المحقق في الشرايع (1) وغيره تنزيلا للظن بالموت بعد الفحص منزلة اليقين به بالنص أو أمر وليه بالطلاق، فان لم يكن أو كان، ولم يطلق، طلقها الحاكم على الاشهر الاظهر من اعتبار الطلاق في الفرقة، جمعا بين الاخبار بحمل مطلقها على مقيدها. نعم عن (الحلي) سقوط هذا الفرع من أصله في زمن الغيبة وأنها مبتلاة فيه وعليها الصبر إلى أن يعرف موته أو طلاقه (2).


(1) قال في كتاب الطلاق، المقصد الخامس في العدد، الفصل الخامس في عدة الوفاة " والمفقود إن عرفت خبره إلى قوله: وان لم يعرف خبره أمرها (اي الحاكم) بالاعتداد عدة الوفاة ثم تحل للازواج ". (2) ففي السرائر كتاب الطلاق، باب العدد، بعد الكلام عن عدة الوفاة يقول: " وأما ما يجري مجرى الموت فشيئان: أحدهما غيبة الزوج التي لا تعرف الزوجة معها له خبرا ولا لها نفقة وبعد عرض المسألة وحكمها كما في المتن يقول: " وهذا حكم باطل في حال غيبة الامام (ع) وقصور يده، فانها مبتلاة، وعليها الصبر إلى أن تعرف موته أو طلاقه على ما وردت به الاخبار عن الائمة الاطهار ".

[ 239 ]

وهو على أصله حسن حيث لم يعمل بأخبار الآحاد ويؤيده النبوي المروي: " تصبر امرأة المفقود حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه " وخبر السكوني: " عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: إن عليا (ع): قال: في المفقود لا تتزوج امرأته حتى يبلغها موته أو طلاق أو لحوق بأهل الشرك " (1). وهما مع ضعف سندهما محمولان على غير مورد الاخبار الوادة في هذا المضمار التي منها موثقة سماعة: " سألته عن المفقود، فقال: ان علمت أنه في أرض فهي تنتظر له ابدا حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاقه، وان لم تعلم أين هو من الارض كلها ولم يأتها منه كتاب ولا خبر، فانها تأتي الامام فيأمرها أن تنتظر أربع سنين، فيطلب في الارض فان لم يجد له أثرا حتى تمضي أربع سنين أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تحل للازواج، فان قدم زوجها بعدما تنقضي عدتها فليس له عليها رجعة. وان قدم وهي في عدتها أربعة أشهر وعشرا، فهو أملك برجعتها " (2) وظاهرها الاكتفاء بالامر بالاعتداد من غير توقف على الطلاق. ومنها صحيحة الحلبي: " سئل أبو عبد الله عليه السلام: عن المفقود؟ قال: المفقود إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها، فان لم يجد له أثرا أمر الوالي وليه أن ينفق عليها، فما أنفق عليها فهي امرأته، قال قلت: فانها تقول: إني أريد ما تريد النساء: قال: ليس لها ذلك ولا كرامة، فان لم ينفق عليها وليه


(1) الوسائل كتاب الطلاق باب 23 حكم طلاق زوجة المفقود حديث (3). (2) الكافي للكليني، كتاب الطلاق باب المفقود حديث (4).

[ 240 ]

أو وكيله أمر بأن يطلقها، وكان ذلك عليها طلاقا " (1). ومنها صحيح بريد: " سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن المفقود كيف يصنع بأمرأته؟ قال: ما سكتت وصبرت يخلى عنها، فان هي رفعت أمرها إلى الوالي أجلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه فليسأل عنه، فان خبر عنه بحياة صبرت، وان لم يخبر عنه بشئ حتى تمضي الاربع سنين دعا ولي الزوج المفقود، فقيل له: هل للمفقود مال؟ قال: فان كان له مال أنفق عليها، حتى يعلم حياته من موته، وان لم يكن له مال قيل للولي: انفق عليها، فان فعل فلا سبيل لها أن تتزوج، ما أنفق عليها، وان أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي على أن يطلق تطليقة في استقبال العدة وهي طاهر، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فان جاء زوجها من قبل أن تنقضي عدتها من يوم طلقها الولي فبدا له أن يراجعها فهي إمرأته، وهي عنده على تطليقتين، وان انقضت العدة قبل أن يجيئ أو يراجع فقد حلت للازواج ولا سبيل للاول عليها " (2). ومنها مرسلة الفقيه، وفيه: " وفي رواية أخرى: ان لم يك للزوج ولي طلقها الوالي، ويشهد شاهدين عدلين، فيكون طلاق الولي طلاق الزوج، وتعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تتزوج ان شاءت " (3). ومنها خبر أبي الصباح: " عن أبي عبد الله عليه السلام: في إمرأة غاب عنها زوجها أربع سنين، ولم ينفق عليها ولم تدر حي هو أم ميت؟


(1) في الوسائل المصدر الآنف حديث (4). وفي آخره: طلاقا واجبا. (2) الوسا، كتاب الطلاق باب 23 حكم طلاق زوجة المفقود حديث (1). (3) المصدر الآنف الذكر من الوسائل حديث (2).

[ 241 ]

أيجبر وليه على أن يطلقها؟ قال: نعم، وان لم يكن ولي طلقها السلطان قلت فان قال الولي: أنا أنفق عليها؟ قال: فلا يجبر على طلاقها، قال قلت: أرأيت ان قالت: أنا أريد ما تريد النساء ولا أصبر ولا أقعد كما أنا؟ قال: ليس لها ذلك، ولا كرامة إذا أنفق عليها " (1). والجمع بينها موجب لاعتبار الطلاق الا أن عدتها عدة الوفاة على القولين تعبدا بالنص المقدر لها ذلك. (واحتمال) كون وجه الجمع بين الطلاق وكون عدتها عدة الوفاة هو احراز ما يوافق الواقع من كونه إما ميتا، فالعدة عدة الوفاة، وإما حيا فالفرقة بالطلاق، وعدة الوفاة مشتملة على عدة الطلاق وتظهر الثمرة فيما لو آب فيما بين العدتين لم يملك رجوعها لانكشاف الواقع بانقضاء عدتها (حسن) لولا أنه اجتهاد في مقابل النص المصرح في مضمر سماعة بما لو قدم وهي في عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام كان أملك برجعتها، الشامل لما لو كان وقت قدومه بين زمن العدتين، فلا مندوحة عن الالتزام تعبدا بكون عدة هذا الطلاق بخصوصه مساوية لعدة الوفاة. هذا، ولعل المراد بالولي المأمور من الحاكم بالطلاق: هو من كان متصرفا بالولاية الاذنية، لا خصوص الوكيل لمنافاته لعطفه عليه في الصحيحة المتقدمة، فلا ينافي عطفه عليه لكونه أخص منه، أو الاولى بميراثه من أولى الارحام، أو الولي الاجباري باعتبار سبق ولايته في حال الصغر، وان زالت عنه في الكبر. وكيف كان، فان رجع بعد انقضاء العدة أربعة أشهر وعشرة أيام كان أجنبيا لم يملك الرجوع بها، تزوجت بغير أم لا، وان رجع في


(1) الوسائل، المصدر الآنف الذكر حديث (5) وفي الكافي: كتاب الطلاق، باب المفقود حديث (3).

[ 242 ]

في أثنائها مطلقا، كان أملك برجعتها. ومنها الولاية على المحجور عليه. وهو: لجنون أو لسفه أو لصغر بالنسبة إلى نكاحهم. أما المحجر عليه للجنون مع مسيس الحاجة الضرورية إليه، وكان له صلاحا، فجملة صوره هي أنه: لا يخلو: إما أن لا يكون لهما (1) ولي اجباري من الاب أو الجد له، أو كان. وعلى التقديرين: فأما أن لا يكون جنونهما متصلا بالبلوغ، بل تجدد وطرء عليه بعده، أو كان متصلا به. وعلى التقادير: فاما أن يكون جنونه إطباقيا أو أدواريا يجن في وقت ويفيق في آخر. أما إذا لم يكن لهما ولي ومسته الضرورة إليه وكان اطباقيا، فلا اشكال في كون الولاية حينئذ للحاكم مطلقا، تجدد جنونه بعد بلوغه أو بلغ مجنونا، بل لعل الاجماع بقسميه عليه. وأما لو كان له ولي وكان الجنون طارئا عليه بعد البلوغ والرشد، فالاقوى ولعله الاشهر كون الولاية فيه له أيضا، دون الولي الاجباري لانقطاع ولايته بالبلوغ والرشد. (ودعوى) كون الولاية ذاتية لهما باقتضاء الابوة والجدودة ذلك، غير أن البلوغ مانع عنه فتعود بطروه عليه (موقوفة) على استفادة ذلك من الادلة، ودونها خرط القتاد، فالولاية للحاكم، لانه ولي من لا ولي له. نعم إذا اتصل جنونه ببلوغه أشكل الحكم بانقطاع ولايته بمجرد البلوغ مع اقتضاء الاصل بقاءها، بناء على جريان الاستصحاب، فيما لو كان الشك في المقتضي، مع ظهور آية


(1) الملاحظ أن الضمائر في التقسيم تثنى وتفرد بلحاظي الذكر والانثى، أو المحجر عليه، والمقصود واحد .

[ 243 ]

(الايناس) (1) في ذلك وان كان موردها المال، لتعليق الحكم بالدفع على البلوغ وايناس الرشد القاضي بعدمه والحبس عنه بانتفاء أحدهما، والمخاطب بالدفع بعد تحقق الشرطين بمقتضى السياق هو المخاطب بالحبس قبله، وهو الولي الاجباري المقدم على غيره مع وجوده مراعاة الاذن منهما في هذه الصورة، بل وفي ما قبلها أيضا هو الاحوط. هذا إذا كان الجنون إطباقا، وأما إذا كان أدوارا، فقد صرحوا بعدم الولاية لاحد عليه، بل ينتظر به إلى وقت الصحة ويوكل فيه إلى نفسه وبالجملة: يظهر من اعتباراتهم اعتبار الامرين: مسيس الحاجة إلى النكاح وكون الجنون إطباقا، مع أن الاول يغني عن الثاني ان كانت الحاجة في مجموع الوقتين، لعدم المسيس إليه في دور الجنون وان كان جميعهما فلا وجه للانتظار به إلى دور الافاقة بعد تنزيل الولي منزلته، بل يزوجه فيه دفعا للضرورة عنه وان كان أدواريا. وأما المحجور عليه للتبذير كالسفيه: فأما أن لا يستلزم نكاحه اتلافا لما له، أو يستلزم وعلى التقديرين: فأما أن لا تكون له بالنكاح حاجة ضرورية، أو تكون. فان لم يستلزم ذلك صح نكاحه بنفسه مطلقا، وان لم تكن له به حاجة، لانه ليس محجورا إلا في ماله الذي ليس النكاح منه. وان استلزم ذلك غير أنه لا ضرورة تحوجه إليه لم يصح نكاحه، وان أذن له الولي، لعدم الضرورة المسوغة لاتلاف ماله بعد الحجر عليه للحفظ له.


(1) وهي قوله تعالى: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا " سورة النساء آية / 4.

[ 244 ]

وان كان له به حاجة يتضرر بتركه كانت الولاية فيه للحاكم مع فقد الاولى منه، كما صرح به غير واحد من الاصحاب، قال في (المبسوط) " وان كان محجورا عليه بسفه، نظرت: فان لم يكن به حاجة إلى النكاح لم يكن لوليه تزويجه إلى أن قال: وان كانت به حاجة إليه بأن يطالبه وعرف من حاله الحاجة فعلى وليه أن يزوجه، لانه منصوب للنظر إلى مصالحه " (1). وقال في (الشرايع): " والمحجور عليه للتبذير لا يجوز له أن ينزوج غير مضطر، ولو أوقع كان العقد فاسدا، فان اضطر إلى النكاح جاز للحاكم أن يأذن له، سواء عين الزوجة أو أطلق، ولو بادر قبل الاذن والحال هذه صح العقد، فان زاد في المهر عن المثل بطل في الزائد " (2). وإذا زوج الاجنبي وقف على اجازة من إليه العقد وقيل: يبطل، والاول أظهر. وقال في (القواعد): " والمحجور عليه للسفه لا يجوز له أن يتزوج إلا أن يكون مضطرا إليه، فان تزوج من غير حاجة كان العقد فاسدا، ومع الحاجة يأذن له الحاكم فيه " (3) انتهى فلو استقل به والحال هذه بطل عقده لاستلزامه التصرف في ماله الممنوع عنه بالحجر عليه من المهر والنفقات، مضافا إلى مفهوم صحيحة الفضلاء: " عن أبي جعفر عليه السلام قال: المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولى عليها تزويجها بغير ولي جائز " (4) ويتم في السفيه


(1) راجع: كتاب النكاح من (مبسوط الشيخ) أوائل: فصل في ذكر أولياء المرأة. (2) اوائل الفصل الثالث في أولياء العقد. من كتاب النكاح. (3) راجع: قواعد العلامة، كتاب النكاح، الفصل الثاني في الاولياء. (4) المراد بالفضلاء هم الاربعة الموثقون: الفضل بن يسار ومحمد =

[ 245 ]

بعدم القول بالفصل بينه وبين السفيهة، فتأمل. فلو استقل فيه بنفسه والحال هذه بطل عقده على الاقوى، لكون الولاية فيه للحاكم لما ذكرنا، لا لما توهم من التلازم بين ولاية النكاح وولاية المال، لانتقاضه بالمفلس وطلاق زوجة المفقود. ويحتمل كما قيل الصحة، لانه بنفسه ليس تصرفا ماليا، والمهر غير لازم في العقد بنفسه، والنفقة تابعة كتبعية الضمان للاتلاف. وفيه: ان صحة العقد مع عدم المهر أو فساده لا ينفي لزوم الخسارة في ماله، وقياس تبعية النفقة للنكاح بتبعية الزمان للاتلاف، قياس مع الفارق لان الضمان مرتب على تحقق الاتلاف في الخارج وان كان محرما، والنفقة مرتبة على العقد الصحيح وهو لاستلزامه التصرف في المال يقع فاسدا لا تأثير له. وأما الكلام فيه بالنسبة إلى وليه الاجباري، فهو الكلام في المجنون بالنسبة إليه حرفا بحرف. وأما المحجور عليه للصغر فلم أعثر على من صرح بثبوت الولاية عليه للحاكم في نكاحه، وان نسب القول بالعدم في (الروضة) و (الرياض) إلى المشهور في الاول، وإلى الاشهر في الثاني (1) الا ان ظاهر الاصحاب


= ابن مسلم وزرارة بن أعين وبريد بن معاوية. والصحيحة مذكورة بسندها ونصها في الوسائل كتاب النكاح، باب 3 حديث (1). (1) قال: الشهيد الثاني في الروضة: كتاب النكاح، أوائل الفصل الثاني في العقد في شرح قول الشهيد الاول في اللمعة: " والحاكم والوصي يزوجان من بلغ فاسد العقل " قال: " ولا ولاية لهما على الصغير مطلقا في المشهور " وقال: السيد الطباطبائي في الرياض، كتاب النكاح في فصل أولياء العقد شارحا عبارة (المختصر النافع للمحقق): " ولا يزوج الوصي إلا من بلغ فاسد العقل. وكذا الحاكم " معلقا على الفقرة الاولى هكذا: ولا يزوج =

[ 246 ]

كما في (الحدائق) وغيره (1) اتفاقهم عليه، بل الذي يظهر منهم كونه من المسلمات عندهم حتى أن من تنظر فيه انما تنظر في الدليل كما ستعرف. قال: في (المبسوط) فيما حضرني من نسخته: " النساء على ضربين عاقلة، ومجنونة، فان كانت مجنونة، نظرت: فان كان لها أب أو جد كان لهما تزويجها صغيرة أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا فان لم يكن لها أب ولا جد ولها أخ أو ابن أخ أو عم أو ابن عم أو مولى نعمة فليس له إجبارها بحال صغيرة أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا بلا خلاف، ولا يجوز للحاكم تزويجها. وعند المخالف: للحاكم تزويجها، ان كانت كبيرة بكرا كانت أو ثيبا إلى أن قال: وان كانت عاقلة، نظرت: فان كان لها أب أوجد أجبرها، ان كانت بكرا صغيرة كانت أو كبيرة وان كانت ثيبا كبيرة لم يكن لهما ذلك وان كانت ثيبا صغيرة كان لهما ذلك. وفيهم من قال: ليس لهما ذلك على حال. وان كان لها أخ أو ابن أخ أو عم أو ابن عم أو مولى نعمة لم يكن له تزويجها صغيرة بحال وان كانت كبيرة كان له تزويجها بأمرها بكرا كانت أو ثيبا والحاكم


= الوصي للاب والجد صغيري الموصي مطلقا على الاشهر كما في المسالك: وهو الاظهر " وعلى الفقرة الثانية هكذا: وكذا الحاكم. فلا يزوج الصغيرين مطلقا في المشهور " فالملاحظ ان كلمة الاشهر وردت في الوصي لا في الحاكم كما يقول السيد المتن فلاحظ. (1) قال: الشيخ البحراني قدس سره في الحدائق الناضرة أوائل كتاب النكاح، في ولاية الحاكم: " وتثبت ولايته على من تجدد جنونه أو سفهه بعد البلوغ من غير اشكال عندهم ولا خلاف وتنتفي عن الصغير مطلقا عند الاصحاب ".

[ 247 ]

في هذا كالاخ والعم سواء في جميع ما قلناه، إلا في المجنونة الكبيرة فان له تزويجها وليس للاخ والعم ذلك. ثم قال: فهذا ترتيب النساء على الاولياء: فان أردت ترتيب الاولياء على النساء قلت: الاولياء على ثلاثة أضرب: أب وجد، وأخ وابن أخ وعم وابن عم ومولى نعمة، والحاكم: فان كان أب أو جد وكانت مجنونة أجبرها، صغيرة كانت أو كبيرة ثيبا كانت أو بكرا. وان كانت عاقلة أجبرها ان كانت بكرا، صغيرة كانت أو كبيرة، وان كانت ثيبا لم يجبرها صغيرة عندهم، وعندنا: ان لهما اجبارها إذا كانت صغيرة، وله تزويجها باذنها إذا كانت كبيرة، فان كان لها أخ وابن أخ وعم وابن عم ومولى نعمة لم يجبرها أحد منهم، صغيرة كانت أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا عاقلة كانت أو مجنونة، والحاكم يجبرها إذا كانت مجنونة، صغيرة أو كبيرة، وان كانت عاقلة فهو كالعم " (1) انتهى. ولعل كلامه هنا في الصغيرة المجنونة بالنسبة إلى ولاية الحاكم عليها ينافي كلامه المتقدم فيها فلاحظ (2). وعنه في (التبيان): " لا ولاية لاحد عندنا الا للاب والجد على البكر غير البالغ فاما من عداهما فلا ولاية له " (3) انتهى وهو بالنسبة إلى الصغيرة غير البكر مسكوت عنه،


(1) راجع ذلك من المبسوط: كتاب النكاح في أوائل: فصل في ذكر أولياء المرأة.. (2) أي كلامه في العبارتين مختلف بالنسبة إلى الصغيرة المجنونة ففي العبارة الاولى يقول: " ولايجوز تزويجها.. " أي مطلقا، وأخيرا يقول: " والحاكم يجبرها إذا كانت مجنونة صغيرة أو كبيرة ". (3) بهذا المضمون ذكر في تبيان الشيخ في تفسير الآيات الاولى من سورة النساء.

[ 248 ]

عاقلة كانت أو مجنونة. نعم بالنسبة إلى البكر الصغيرة، عاقلة كانت أو مجنونة، ظاهرة الاجماع على عدم الولاية لغير الاب والجد له، وان كان الحاكم. وقال في (السرائر) " عندنا: أنه لا ولاية على النساء الصغار اللاتي لم يبلغن تسع سنين، الا للاب والجد من قبله " (1) انتهى. وهو ظاهر في الاجماع على اختصاص الولاية على الصغيرة بالاب والجد له. وقال في (التذكرة) في ولاية السلطنة: " المراد بالسلطان هنا الامام العادل أو من يأذن له الامام، ويدخل فيه الفقيه المأمون القائم بشرائط الاقتداء والحكم، وليست ولايته عامة، وليس له ولاية على الصغيرين ولا على من بلغ رشيدا، ذكرا كان أو انثى إلى أن قال في المسألة الثالثة قد بينا أنه ليس للسلطان ولاية في تزويج الصغائر وبه قال الشافعي، خلافا لابي حنيفة فانه قال: له تزويجها الا أنه لا يلزم، فإذا بلغت كان لها الرد، بخلاف تزويج الاب والجد، وعلى هذا التفسير فهو موافق لمذهبنا لانه فضولي لا فرق بينه وبين الاجنبي " (2). وقال في (الشرايع): " ولو زوج الصغيرة غير الاب والجد توقف على رضاها عند البلوغ وكذا في الصغيرة " انتهى، وقال: مثله في (النافع) (3).


(1) السرائر لابن إدريس الحلي، ذكر ذلك في أوائل كتاب النكاح باب من يتولى العقد على النساء. (2) راجع ذلك في تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي، أوائل كتاب النكاح، البحث الثاني في أسباب الولاية الخمسة، السبب الرابع: السلطنة: (3) لم نجد في الشرائع هذه العبارة بنصها في الفصل الثالث في =

[ 249 ]

وقال في (القواعد): " وأما الحكم فان ولاية الحاكم تختص في النكاح على البالغ فاسد العقل أو من تجدد جنونه بعد بلوغه، ذكرا كان أو انثى، مع الغبطة، فلا ولاية له على الصغيرين، ولا على الرشيدين، وتسقط ولايته مع وجود الاب أو الجد له " (1). وقال الكركي في شرحه بعد ذكره المراد من الحاكم: " إذا تقرر ذلك فولاية الحاكم في النكاح انما تثبت على من بلغ فاسد العقل أو تجدد فساد عقله بعد البلوغ، ذكرا كان أو انثى، إذا كان النكاح صلاحا له " (2). وقال في (الحدائق): " وتنتفي أي ولاية الحاكم عن الصغير مطلقا عند الاصحاب " (3). وقال في (المسالك): " وقد ذكر المصنف وغيره: أنه لا ولاية للحاكم على الصغير مطلقا، وعللوه بأنه لا حاجة له إلى النكاح، والاصل عدم ثبوت ولايته فيه ولا يخلو من نظر، ان لم يكن اجماعيا " (4). وقال: سبطه السيد السند في (شرحه على النافع): " وهذا التفصيل أعنى اختصاص ولايته بمن بلغ فاسد العقل هو المعروف من مذهب الاصحاب


= أولياء العقد من كتاب النكاح، بل الموجود مضمونها، ولكنها بنصها موجودة في نفس الباب من (المختصر النافع) للمحقق نفسه. (1) يراجع من قواعد العلامة: الفصل الثاني في الاولياء من كتاب النكاح. (2) جامع المقاصد للمحقق الكركي، أوائل كتاب النكاح، في أولياء العقد. (3) نقلنا نفس العبارة عنه آنفا. (4) راجع ذلك في خلال الفصل الثالث في أولياء العقد من كتاب النكاح من مسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام للشهيد الثاني.

[ 250 ]

ولم نقف لهم في هذا التفصيل على مستند. والحق، انه: ان اعتبرت الاطلاقات والعمومات المتضمنة لثبوت ولاية الحاكم وجب القول بثبوت ولايته في النكاح على الصغير والمجنون مطلقا كما في ولاية المال، وإلا وجب نفيها كذلك. وأما التفصيل فلا وجه له، ولعلهم نظروا في ذلك إلى أن الصغير لا حاجة له إلى النكاح، بخلاف من بلغ فاسد العقل، وهو غير واضح، فان الحاجة للكبير، وان كانت أوضح، لكنها ليست منتفية في حق الصغير، خصوصا الانثى، والمسألة محل إشكال، وللنظر فيها مجال " (1). وقال في (الكشف): " ولا ولاية له على الصغيرين للاصل، وعدم الحاجة فيهما، وفيه نظر ظاهر، فان استند الفرق إلى الاجماع صح، والا أشكل " (2) انتهى.


(1) يقصد بالسيد السند: السيد محمد بن على بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي الجبعي صاحب المدارك المتوفى سنه 1009 ه‍، العيلم المحقق، تلمذ على أبيه تلميذ الشهيد الثاني وعلى المقدس الاردبيلي وغيرهما من فحول الفقهاء. وكان الشهيد الثاني صاحب المسالك جده لامه، فلذلك غير عنه سيدنا في المتن بسبطه. من آثاره العلمية غير المدارك شرح مفصل على المختصر النافع للمحقق الحلي، ولعله لم يزل من نفائس المخطوطات. ولقد نقل نفس العبارة المشار إليها في المتن شيخنا المحقق البحراني في حدائقه في باب (ولاية الحاكم). (2) يقصد (كشف اللثام في شرح قواعد الاحكام) تأليف المحقق محمد بن الحسن الاصبهاني الشهير بالفاضل الهندي المتوفى سنة 1137 ه‍ باصبهان والمدفون فيها. راجع هذه العبارة في كتاب النكاح منه، الفصل الثاني في الاولياء، في قول العلامة: واما الحكم فان ولاية الحاكم تختص في النكاح.

[ 251 ]

قلت: والاقوى عندي: هو القول بالعدم. ويدل عليه بعد الاصل مفهوم الاخبار المعتبرة التي: منها خبر محمد بن مسلم: " عن أبي جعفر عليه السلام في الصبي يزوج الصبية: يتوارثان؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم " (1). ومنها خبر عبيد بن زرارة المروي في (البحار: " عن أبي عبد الله عليه السلام في الصبي تزوج الصبية هل يتوارثان؟ فقال: ان كان أبواهما اللذان زوجاهما حيين فنعم " (2) ومنها صحيحة محمد بن مسلم: " قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصبي يتزوج الصبية؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، ولكن لهما الخيار إذا أدركا، فان رضيا بذلك فان المهر على الاب، قلت: فهل يجوز طلاق الاب على ابنه، في صغره؟ قال: لا " (3) واشتمال ذيله على ما لا نقول به: من الخيار بعد الادراك لا يضر في الاستدلال بصدره على المدعى ومنها ما رواه في (الكافي) في الصحيح (والتهذيب) في الموثق: " عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (ع): عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما، وهما غير مدركين فقال: النكاح جائز، وأيهما أدرك كان له الخيار، وان ماتا قبل أن يدركا، فلا ميراث


(1) تهذيب الشيخ الطوسي (قده)، كتاب النكاح باب 34 عقد المرأة وأولياء الصبية حديث (32)، وتكملة الحديث، قلت: فهل يجوز طلاق الاب؟ قال: لا ". وفي الوسائل، كتاب الطلاق باب 33 من أبواب مقدمات يذكر نص الحديث بسنده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع). (2) ذكر ذلك في الوسائل، كتاب الفرائض باب 11 حديث (3) بعدة أسانيد (3) تهذيب الشيخ: كتاب النكاح باب 32 حديث (19).

[ 252 ]

بينهما، ولا مهر الا أن يكونا قد أدركا ورضيا، قلت: فان أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: يجوز ذلك عليه ان هو رضي، قلت: فان كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي بالنكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك، فتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث الا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها المراث ونصف المهر قلت: فان ماتت الجارية ولم تكن أدركت: أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لان لها الخيار إذا أدركت، قلت: فان كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الاب، ويجوز على الغلام، والمهر على أب الجارية.. " (1) الخبر. واختصاص المورد بالاب، وان وقع في فرض السؤال، الا أن مساقها مساق غيرها من الاخبار، وذكر الاب قرينة ارادة غيره من الوليين المذكورين أولا، ولذا كان لهما الخيار عند البلوغ لكونه حينئذ فضوليا موقوفا على الاجازة. ومنها رواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام، فيها: " واليتيمة في حجر الرجل لا يزوجها إلا برضاها " (2) بناء على ارادة البلوغ كناية من المستثنى الشامل باطلاق المستثنى منه لما لو كانت في حجر الحاكم، ويؤيد القول به كونه من المسلم عندهم، بل يمكن استفادة الاجماع عليه من كلامهم، فان الفاضل في (التذكرة) قال في البحث التاسع في المولى عليه، في كتاب النكاح في المسألة الثانية: " المجنون الصغير يجوز للاب والجد له أن يزوجاه مع المصلحة كالعاقل، وليس لغيرهما ذلك


(1) الكافي للكليني، كتاب المواريث باب ميراث الغلام والجارية يزوجان: حديث (1). والتهذيب للطوسي كتاب النكاح، باب 32 عقد المرأة وأولياء الصبية، حديث (31). (2) التهذيب، كتاب النكاح باب 32 حديث (26).

[ 253 ]

من عصبة وسلطان اجماعا " (1) انتهى. ونفي الولاية عن غيرهما في المجنونة الصغيرة بالاجماع يعطي نفيها كذلك في الصغيرة الخالية عن الجنون بالاولوية التي كادت أن تكون قطعية بل هي كذلك، لان السبب الموجب للولاية في الصغيرة المجنونة أكثر منه في الصغيرة المجردة عن الجنون. بل في (الرياض) صرح بالاجماع على ما يشمله حيث، مزج قول مصنفه: ولو زوج الصغيرة غير الاب والجد توقف على رضاها عند البلوغ، وكذا في الصغير، بقوله: اجماعا (2). هذا مضافا إلى أن الولاية له، ان سلمت. فانما هي فيما إذا اضطر الصبي إلى النكاح بحيث يتضرر بتركه، والمفروض عدم الحاجة إلى الوطئ لصغره حتى يتولاه الحاكم، دفعا للضرر عنه. وهذا بخلاف المجنون والسفيه الممكن في حقهما الحاجة إليه والتضرر بتركه. (ودعوى) امكان فرض الحاجة إليه لعدم انحصارها بالوطئ حتى يقال بانتفائها بالنسبة إليه كما في (الجواهر) تبعا لغيره (واضحة) الضعف، إذ المصلحة الموجبة له: أما أن تكون لجلب المنفعة له، أو لدفع المضرة عنه، فان كان من القسم الاول، فواضح، وان كان من القسم الثاني فانما يجب مقدمة، دفعا للضرورة وجوب وجود ما يتوقف عليه ذو المقدمة من حيث الايجاد والعمل لا من حيث السببية، ومقتضاه الاكتفاء فيه بالصورة الظاهرية التي لم يترتب عليها أثر في الواقع. وبالجملة: إذا توقف دفع الضرر عن الصغير في نفسه أو ماله على انتسابه مثلا إلى ذي شوكة بالتزويج، ولم يكن التخلص بغيره،


(1) البحث التاسع من بحوث الركن الثاني في العاقد، وهي الزوجة أو وليها، المسألة الثانية منه. (2) راجع ذلك في أوائل الفصل الثاني في أولياء العقد.

[ 254 ]

وجب على الولي، وان كان الحاكم، ايجاده بحسب الصورة، توصلا، لعدم توقفه على النكاح الصحيح المؤثر لعلقة الزوجية في الواقع، إذ ليس ذلك مشرعا له، كما لا يكون مشرعا ومسوغا في غيره كالمجبور على البيع والطلاق ونحوهما، فان بيع المجبور عليه والطلاق كذلك لا يؤثران تمليكا ولا بينونة قطعا بالضرروة، بخلاف المجنون والسفيه، فان ضرورتهما غالبا تتعلق بالوطئ والمحرمية للخدمة ونحوها المتوقف دفعها على صحيح النكاح لا صوريته، فالتعليل لعدم الولاية بما عللوه: من عدم حاجة الصغير إلى النكاح متين جدا. وأقصى ما يمكن أن يستدل به للقول بثبوتها له: عموم مادل على ولاية الحاكم المستفاد من نحو قوله صلى الله عليه وآله: " السلطان ولي من لا ولي له " وغيره المراد به أنه قائم مقام الولي، حيث لا ولي غيره، مضافا إلى خبر أبي بصير الوارد في تفسير: " من بيده عقدة النكاح " (1)، بل في صحيح ابن سنان: " الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها " (2) وبذلك يقطع الاصل المستدل به على النفي، ويخصص به، سيما بالنبوي منها عموم ما دل بالمفهوم عليه، لان النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق. توضيح ذلك: ان مادل بالمفهوم على نفي الولاية عن غير الاب والجد له يعم الحاكم وغيره، وما دل على ولاية الحاكم أخص منه مطلقا من حيث ذات الولي، وان كان عاما في نفسه بالنسبة إلى متعلق الولاية، نكاحا


(1) الوسائل، كتاب النكاح، باب حديث (4) باسناده: " عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الذي بيده عقدة النكاح؟ قال: هو الاب والاخ والرجل يوصي إليه، والذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري ". (2) المصدر نفسه حديث (2) بسنده عن عبد الله بن سنان.

[ 255 ]

كان أو غيره، بعموم حذف المتعلق، بناء على أن المنساق من النبوي ونحوه: ان كل مورد يتعلق به ولاية الولي من الاب والجد والسلطان قائم مقامه، ومنه النكاح بالنسبة إلى الصغير. ولكن فيه ما لا يخفى: أولا إنه لا جابر نضيف سنده بعدما عرفت من فتوى الكل أو الجل بالعدم وثانيا لا عموم له. من حيث المتعلق بل هو من هذه الحيثية مهمل مسوق لاثبات الولاية في الجملة، ولان سلمنا عمومه من حيث المتعلق فالنسبة بينهما حينئذ نسبة العموم والخصوص من وجه، لان مفاد المفهوم: ان غير الاب لا ولاية له في نكاح الصغير سلطانا كان أو غيره ومفاد الحديث، بناء على العموم: السلطان له ولاية على المولى عليه في النكاح وغيره، واللازم حينئذ الرجوع إلى المرجحات الخارجية الموجودة لعموم المفهوم، فيخصص بها عموم الحديث المستفاد من حذف المتعلق، لو سلم (لا يقال) ولاية الفقيه فرع ولاية الامام (ع): وهي ثابتة له بالضرورة بالولاية العامة، فيثبت للفرع ما هو ثابت للاصل بعموم النيابة (لانا نقول): غير معلوم ثبوتها في الاصل حتى يلتزم به في الفرع بعموم النيابة، ويكفي الشك فيه بعد أن كان مقتضى الاصل عدمه، ولا ينافي ذلك ولايته العامة الموجبة لوجوب التسليم له في امتثال أوامره وتنفيذ تصرفاته لو أمر أو تصرف من غير رد له واعتراض عليه، لما مرت إليه الاشارة: من أن الكلام في الشئ بعد فرض وقوعه منه غير الكلام فيه من حيث أن له ايقاعه أم لا، وان ذلك الا كما لو قيل: لو جعل الله فرعون في الجنة وموسى في النار لا يعترض عليه. وقد تقدم أن المشاهد من أحوالهم والمعروف من سيرتهم جريهم على ما أسسوه من القواعد الشرعية والقوانين الالهية من غير فرق بينهم وبين غيرهم من الرعية في الفروج والاموال ونحوها. وتأخر ولايتهم

[ 256 ]

على الصغير عن وليه الاجباري أقوى دليل لما ذكرنا، مع أنه أولى بالولي من نفسه، فضلا عن المولى عليه. وقد تقدم من (الفاضل) (1) نفي الولاية عن السلطان، المراد منه الامام (ع) فالفقيه منفية عنه بالاولوية وأما تفسير (من بيده عقدة النكاح) بالولي في الرواية، فهي مجملة من حيث الذات ومهملة من حيث المتعلق. والمتيقن هو الولي الاجباري، وارادة مطلق من يتولي أمرها مقطوع بعدمها، لشمول سعته حينئذ العصبة المقطوع بعدمه. ومنها ولايته على المفلس في التحجير عليه عن التصرف في ماله دون غيره بعد اجتماع شرايطه: من ثبوت الدين عند الحاكم، وحلوله ونقصان ماله عنه، والتماس الغرماء له في التحجير عليه، لان الحق لهم فيتوقف على مطالبتهم، فان ولايته في التحجير عليه حينئذ ثابتة بالاجماع بقسميه ومنقوله فوق حد الاستفاضة، المعتضد بدعوى غير واحد عدم الخلاف فيه، وان خلت النصوص كما في الحدائق عما يدل عليه صريحا بل وظاهرا ولذا توقف في أصل الحجر بالفلس، محتجا عليه بذلك (2) الا انه غير ملتفت إليه، بعدما عرفت من الاجماع عليه. نعم ادعى شيخنا في (الجواهر) اشعار النصوص به، بل ظهورها


(1) وهو العلامة في (التذكرة) كما تقدمت عبارته آنفا. (2) أي بخلو النصوص عن الدلالة على الولاية صراحة. وقوله: (غير ملتفت إليه) أي إلى احتجاج الحدائق بذلك. قال في حدائقه: كتاب الحجر، أوائل المطلب الثالث في المفلس: " بقى هناشئ لم أقف على من تنبه له وهو أن ما اشتهر في كلام الاصحاب، بل الظاهر أنه لا خلاف فيه من كون المفلس يجب المحجر عليه كما يجب على الصبي والسفيه والمجنون لم أقف فيه على نص واضح "

[ 257 ]

فيه حيث قال في الرد عليه بعد نقله عنه التوقف في أصل المسألة: " وفيه مع عدم انحصار الحجة فيها، بل الاجماع بقسميه هنا كاف في ذلك على أن الموجود منها غير خال من الاشعار، بل الظهور، سيما النبوي المتقدم آنفا، كموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: " كان أمير المؤمنين (ع) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه ثم يأمره فيقسم ماله بينهم بالحصص فان أبى باعه، فيقسمه بينهم، فان الامر بقسمة ماله ظاهر في رفع اختياره في التخصيص لو أراده، بل هو ظاهر في رفع اختياره لو أراد التصرف فيه على وجه يخرجه عن ملكه حتى لا يستحق الديانة منه، بل لعل المراد من قوله: (يحبس) المنع من التصرف، كما يرشد إليه خبر غياث: عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: إن عليا عليه السلام كان يفلس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر به، فيقسم ماله الحديث ضرورة عدم معقولية ارادة غير ذلك من التفليس خصوصا بعد قوله (ع) ثم الخ، ومنه حينئذ تظهر دلالة خبر الاصبغ بن نباتة: عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه قضى ان الحجر على الغلام حتى يعقل، وقضى في الدين أنه يحبس صاحبه، فان تبين افلاسه والحاجة فيخلى سبيله حتى يستفيد مالا، وقضى عليه السلام: في الرجل يلتوي من غرمائه انه يحبس ثم يأمر به فيقسم ماله بين غرمائه بالحصص فان أبى باعه فيقسم بينهم، بل وخبر السكوني عن جفعر عن أبيه عن علي عليهم السلام: انه كان يحبس في الدين ثم ينظر فان كان له مال أعطى الغرماء وان لم يكن له مال، دفعه إلى الغرماء وقال لهم: اصنعوا به ما شئتم " ان شئتم فأجروه، وان شئتم فاستعملوه " (1) انتهى.


(1) هذه العبارة بطولها ذكرها في (الجواهر): كتاب المفلس في شرح قول المحقق: " وكذا لا يحجر عليه الحاكم لو سأل هو الحجر =

[ 258 ]

وفيه: ان الانصاف عدم ظهور هذه النصوص في المدعى من الحجر بالفلس، وانما هي ناظرة إلى حكم الممتنع من حيث هو ممتنع المماطل عن أداء ما عليه من الحق من أمره بالوفاء وحبسه على تقدير العدم، والتصدي معه لبيع ماله للوفاء عنه، وهو حكم مرتب على تحقق عنوان الامتناع المأخوذ في موضوعه بحيث لا يترتب الحكم المذكور مع عدم تحققه في الخارج وان كان كارها للوفاء في الباطن. وأين ذلك من التحجير عليه بالتماس الغرماء الذي يكفي في تسويغه مجرد خوفهم على تلف أموالهم، امتنع المديون عن الوفاء أو لم يمتنع، ومنعه عن التصرف في ماله وسلب اختياره عنه والتقسيم بين غرمائه حكم مشترك بين المفلس والممتنع، وبينهما عموم من وجه يجتمعان ويفترقان، فلا يستدل بنصوص الحكم في أحدهما على ثبوته في الآخر. نعم ربما يشعر به خبر غياث المتقدم، بناء على إرادة تنزيل الملتوي منزلة المفلس في تقسيم ماله بين غرمائه المشعر بمفروغية كون ذلك حكم المفلس، مع أنه يحتمل قريبا إرادة صيرورته مفلسا بعد سلبه خيار ماله وقسمته بين غرمائه. ولو سلم، فان هو الا إشعار لا ترفع به اليد عن الاصول المعتبرة. وأما النبوي المروي عنه صلى الله عليه وآله أنه حجر على معاذ بالتماسه، فهو مرمي بالضعف لكونه عاميا، وبعدم العمل بمضمونه من الحجر عليه بالتماسه دون غرمائه، وان استقر به في


= على نفسه، ويستعرض الادلة على ذلك من الاصل والروايات وتحققها ويردها إلى قوله في رد الخبر مع كون المشهور على خلافه كما في المسالك إلى قوله وما أبعد ما بينه وبين المحدث البحراني الذي توقف في أصل الحجر بالفلس، ولو مع الشرائط، محتجا بأنه ليس في النصوص ما يدل عليه، وفيه.. " الخ. والروايات المذكورة في عبارته ذكرت في الوسائل كتاب الحجر (باب 6، 7).

[ 259 ]

(التذكرة) مستدلا به عليه (1) ومع طرح الحديث بتمام مضمونه كما فعله في (الجواهر) كيف يستدل به على المدعى من ثبوت الحجر بالفلس. وبالجملة: فالمسألة من حيث النصوص المذكورة كما ذكره صاحب (الحدائق) إلا أنه من حيث الفتوى لا إشكال فيها، لعدم انحصار الحجة بها، بعد ما عرفت من الاجماع بل الضرورة عليه. ومنها ولايته على الممتنع عن أداء ما عليه من الحقوق المستحقة عليه ونحوها، حتى على قبض الثمن المردود له في زمن الخيار لو امتنع عن قبضه في بيع الخيار ونحوه، ولم يكن اجباره عليه، فيتولى قبضه الحاكم ويفسخ بالخيار بعد قبضه، وكذا بيع ماله للوفاء عنه (2)، ويدل عليه بعد الاجماع بقسميه النصوص المتقدمة وغيرها، بل هو المعني بقولهم: " الحاكم ولي الممتنع ". ومنها ولايته على الاوقاف العامة مع عدم تعيين الواقف وليا عليها فان الولاية ثابتة له عليها نصا وإجماعا بقسميه، ولانه من المصالح العامة التي يرجع بها إلى الامام (ع) وإلى نائبه بعموم النيابة. وجملة الكلام في الولاية الوقف بعد ثبوت ان للواقف جعل ولاية


(1) قال العلامة في (التذكرة): كتاب الحجر، أواخر الفصل الثاني في شرائط الحجر: فروع ج -: " لو لم يلتمس أحد من الغرماء الحجر، فالتمسه المفلس، فالاقرب عندي جواز الحجر عليه لان في الحجر مصلحة للمفلس، كما فيه مصلحة للغرماء إلى قوله: وقد روي أن حجر النبي صلى الله عليه وآله على معاذ كان بالتماس من معاذ دون طلب الغرماء ". (2) وذكر الفقهاء في هذا الباب مواضيع؟ كثيرة في متفرقات أبواب الفقه تكون للحاكم الولاية فيها على مطلق الممتنعين عن الالتزام بحقوقهم وواجباتهم من الماليات وغيرها، لا يسع المجال استعراضها.

[ 260 ]

الوقف لنفسه أو لغيره بالنص والاجماع (1) هو: أن الواقف: (مرة) يوقف العين وقفا عاما على نوع أو جهة ويجعل وليا عليه من دون أن يعين كيفية خاصة زائدة على عنوان الوقف على ذلك النوع أو تلك الجهة بل يجعل كيفيات التصرف والصرف في مصرفه موكولا إلى نظر الولي، فله بحسب الجعل من الواقف أنحاء التصرف فيه إلا ما ينافي عنوان الوقف إذا لم يعين عليه كيفية خاصة، بل جعلها موكولة إليه ومنوطة بنظره، فليس لاحد الرد عليه في تصرف من تصرفاته إلا ما كان منافيا للوقف وعنوانه. (وأخرى) يعين كيفيات مخصوصة، ويقررها في جعل الوقف، ويجعل وليا عليه بحسب ما قرره وعينه من الكيفية المخصوصة، إلا أن غرضه من جعل النظارة على الواقف إعطاء منصب له عليه وعود منفعة مالية كحق التولية أو اعتبارية أو هما معا إليه بحيث يكون جل مقصوده مصلحة الولي مقدما على مصلحة الموقوف عليه، كما لعله يقصد ذلك كثيرا في جعلهم النظارة لاولادهم للتوصل به إلى أغراضهم الدنيوية في حق أولادهم وعليه فليس له أن يتصرف فيه لغير ما قرره في الكيفية المجعولة بأصل الوقف، لانها غير موكولة إلى نظره كالاول. (وثالثة) يجعل وليا وغرضه


(1) وخالف ابن إدريس في (السرائر) في جواز جعلها للنفس مطلقا، ولكنه خلاف الاجماع. قال العلامة في (التذكرة): في مسألة أن الواقف أحق بالتولية: " حق التولية للواقف في الاصل، لان أصل قربة الوقف منه، فهو أحق أن يقوم بايصائها وصرفها في مظانها ومواردها. فإذا وقف، فلا يخلو: إما أن يشترط التولية لنفسه أو لغيره أو يطلق ولا يذكر شيئا. فان شرطها لنفسه صح ولزم لانه أكد بشرطه بمقتضى الاصل إلى قوله: ولا نعلم فيه خلافا. وإن شرطها لغيره لزم عندها ولم يجز لاحد مخالفته عند علمائنا.. ".

[ 261 ]

ليس إلا مصلحة الموقوف عليهم ورعايتهم في ايصال حقوقهم إليهم من دون غرض يتعلق بالولي، وان جعل له حق التولية عوضا عن المباشرة. والظاهر ثبوت جعلها للواقف لنفسه أو لغيره بجميع معانيها الثلاثة، لعموم ما ورد: من أن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها (1)، مضافا إلى أن ذلك من شؤون تصرفات المالك في ملكه التي منها اخراجه عن ملكه مكيفا بهذه الكيفية. (ودعوى) كونه تصرفا في غير ملكه أو في ملك غيره بالوقف (مسلمة) لو كان جعل الولاية متأخرا عن تمليك الغير أو اخراجه عن ملكه، ولو تأخرا بالطبع، وليس كذلك، بل هما أي الوقف والولاية مجعولان بجعل واحد من المالك في ملكه، فالنظارة المجعولة بأحد المعنيين الاولين هي ولاية، وبالمعنى الاخير الظاهر أنها تولية، لا ولاية. والفرق بينهما: ان التولية محض تسليط على الشئ وصاحبه مسلط ومفوض عليه، والولاية سلطنة وصاحبه سلطان وذو سلطنة، والفرق بين التسليط والتسلطن واضح، فالتولية والتفويض معنى، والولاية التي حقيقتها الامارة معنى آخر. فالاولى تشبه الحكم، والثانية تشبه الحق وان كثر اطلاق الولاية على التولية في كثير من مواردها في لسان الفقهاء تسامحا بارادة الولاية بالمعنى الاعم. هذا إذا عين الواقف وليا على الوقف. وان لم يعين " (2) فان كان


(1) في الوسائل: كتاب الوقوف والصدقات باب 2 حديث (1، 2): نص الحديث جواب مكاتبة إلى الامام الحسن العسكري سلام الله عليه. (2) وان لم يعين الواقف متوليا خاصا في ضمن العقد، فهل التولية له، أو للموقوف عليهم، أو للحاكم الشرعي مطلقا، أو يفصل بين الوقف الخاص والعام كما في المتن؟ أقوال في المسألة، ولكل منها أدلة ومؤيدات استعرضتها كتب الفقه في مظانها من أبواب الوقف. =

[ 262 ]

الوقف خاصا كانت الولاية للموقوف عليهم من ولاية الملك. بناء على كون العين الموقوفة ملكا لهم ملكية خاصة تباين الملكية المطلقة في كثير من أحكامها: من ضيق دائرة السلطنة، وتقيدها بالحياة، واقتضائها الدوام وان انتقلت بالموت، فالموت في الوقف انتهاء لزمان الملكية. وفي الملك قاطع للملكية وناقل لها إلى غيره. وان كان وقفا عاما فالولاية عليه للحاكم، لانها من المصالح العامة إلا أن الظاهر أنه من التولية دون الولاية بالمعنى الاخص، فليس له الا مباشرة إصلاح الوقف، وصرف نمائه في مصرفه بنفسه أو بنائبه، بناء على أن النوع أو الجهة مصرف. ولو قلنا كما لعله الاظهر انه ملك للنوع ولو على جهة خاصة كالاراضي المفتوحة عنوة على الاقوى من كونها ملكا للمسلمين يصرف نماؤها في مصالحهم العامة (1)، كان الاظهر كونها من باب الولاية، دون التولية. ومنها ولايته على المال المنتقل إليه بالارث ممن لا وارث له سواه فانه على المشهور كما قيل يجب صرفه على مطلق الفقراء، وان لم يكن من أهل بلده. وقيل باختصاصه بفقراء بلده نظرا إلى أدلة لا تصلح لاثبات الاختصاص بهم (2)، وقيل: بحفظه له بدفنه أو الوصية به


= وربما بنيت المسألة على الخلاف في أن العين الموقوفة هل تبقى على ملك الواقف، أو تنتقل إلى الموقوف عليهم أو إلى الله تعالى، أو بالتفصيل بين الخاصة: فالى الموقوف عليهم، والعامة فالى الله تعالى. (1) راجع: الجزء الاول من (البلغة) أوائل الرسالة في الاراضي الخراجية. (2) كما هو رأى الشهيد الاول قدس سره قال: في أوائل الفصل الثالث في الولاء من كتاب الميراث من (اللمعة) بعد الكلام =

[ 263 ]

كما عن الخلاف مدعيا فيه الاجماع عليه (1) الموهون بشذوذ القول به وقيل: بتحليله للشيعة لكونه من الانفال بناء على أنه حكمها (2). ولعل سند المشهور مضافا إلى ظهور بعض النصوص (3) فيه اجراء


= على ولاء المعتق وضامن الجريرة " ثم الامام عليه السلام. ومع غيبته يصرف في الفقراء والمساكين من بلد الميت " وقال الشهيد الثاني في شرح هذه العبارة: " ولا شاهد لهذا التخصيص إلا ما روى من فعل أمير المؤمنين عليه السلام. وهو مع ضعف سنده لا يدل ثبوته في غيبته ". (1) قال الشيخ في (الخلاف) كتاب الفرائض مسألة 15: " كل موضع وجب المال لبيت المال عند الفقهاء للمسلمين. وعندنا للامام إن وجد الامام العادل سلم إليه بلا خلاف، وان لم يوجد وجب حفظه له عندنا كما تحفظ سائر أمواله التي يستحقها.. ". (2) راجع: الجزء الاول من البلغة، ص 288 المقالة الرابعة في أرض الانفال. (3) منها كما في الوسائل باب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والامامة من كتاب الفرائض والمواريث صحيحة: محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " من مات وليس له وارث من قرابته ولا مولى عتاقه قد ضمن جريرته فماله من الانفال ". ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) ".. ومن مات وليس له موالى فماله من الانفال " وغيرهما بنفس الباب روايات أخر بمضمونها. قال الشهيد الثاني في (المسالك) في كتاب الفرائض في شرح قول المحقق أخر المقصد الثالث في الميراث بالولاء: فإذا عدم الضامن كان الامام وارث من لا وارث له الخ: ".. وذهب جماعة =

[ 264 ]

حكم مجهول المالك عليه فيدفع إلى الفقراء صدقة عنه، لوجود مناطه الذي هو تعذر وصول المال إلى صاحبه، وهو قوي في غير الاراضي منه. وأما هي فقد تقدم الكلام فيها في بحث الانفال من (رسالتنا الخراجية) (1). ثم انه من المعلوم ان مباشرة الحاكم له هنا من باب التولية دون الولاية التي غير معقول جريانها على هذا الغائب (ع) الذي هو أكمل الانام، وله الولاية عليهم بالتمام، فكيف يكون مولى على مال لمن له الولاية عليه؟. تنبيه: قد عرفت ان للحاكم ولاية على الايتام ما لم يكن هناك ولي مقدم عليه، فلو نصب قيما عليه كانت القيمومة بالنيابة عنه، ومقتضاها انعزاله بموته أو بخروجه عن الاهلية. وهل له إعطاء ولاية الصغار إليه بحيث تدور سلطنة ولايته عليهم مدار حياة نفسه دون حياة الحاكم؟ الظاهر العدم، بل هو المتعين، للاصل، مع عدم دليل يصلح به الخروج عنه، وذلك واضح لا شك فيه ولا شبهة تعتريه. هذا ما وسعني من التعرض لموارد ولاية الحاكم والتعرض لغيرها بالاستقصاء موقوف لكثرتها وتفرقها في أبواب الفقه على مزيد تتبع لا يسعني الآن ذلك (2).


= منهم المصنف إلى قسمته في الفقراء والمساكين، سواء في ذلك أهل بلده وغيرهم وهذا هو الاصح. وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، والحلبي عن أبي عبد الله (ع): أنه من الانفال وهو دال على جواز صرفه في الفقراء والمساكين، إن لم يدل على ما هو أعم من ذلك ". (1) وهي الرسالة الخامسة من محتويات الجزء الاول من كتاب: (بلغة الفقيه). (2) وقد ذكر الفقهاء رضوان الله عليهم لولاية الفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة موارد كثيرة أخرى متفرقة في مظانها من أبواب =

[ 265 ]

(المبحث الثاني) في الولاية بالقرابة، وهي ثابتة للاب والجد له (1) من النسب شرعا فلا ولاية للاب رضاعا، ولا لمن أولده سفاحا. وثبوتها لهما بالاشتراك بينهما مورد اتفاق النص والفتوى. وان اختص الاول بالذكر في أكثر النصوص (2)، الا ان المراد منه ما يشمل الجد


= الفقه كولايته على التصرف في سهم الامام عليه السلام الذي هو نصف الخمس حسب ما يراه من المصلحة، وكولايته على التصرف بأموال الزكاة وأخذها من الممتنع ووضعها في شؤون المسلمين، وكولايته على التصرف بمجهول المالك والمال الذي لا يمكن ايصاله إلى صاحبه لبعض الموانع، فيتصدق به على الفقراء بثواب صاحبه الواقعي كما سيأتي من الماتن. وكولايته على التصرف في الاراضي المفتوحة عنوة في زمان الامام (ع) كما هو الظاهر وكولايته على من لا ولي له في الدماء والفروج والاموال المحترمة على ضوء الاصلح وغير ذلك كثير من الموارد الخاصة والعامة وموارد الحسبة التي سيذكر بعضها سيدنا المصنف قدس سره فراجع. (1) وعليه عامة الفقهاء الامامية، إلا ابن أبي عقيل من القدماء فانه لا يرى ولاية التزويج إلا إلى الاب دون غيره من الاولياء. (2) في (التهذيب) كتاب النكاح باب 32 في أولياء العقد روايات كثيرة بهذا المضمون، كقول الامام الباقر عليه السلام كما في رواية زرارة ورواية محمد بن مسلم: " لا ينقض النكاح إلا الاب ".

[ 266 ]

ولو بقرينة ما تضمن لفظه منها (1)، بل وتقدم عقده على عقد الاب مع المعارضة (2)، بل واطلاقها يقتضي اشتراك الجد مطلقا وان عد مع الاب في الولاية. وأنه لا ترتيب في العوالي من الاجداد كما عن الاكثر خلافا لما عن بعض كما في الحدائق والمفاتيح فذهبوا إلى الترتيب بين الاجداد: يختص بها الادنى منهم، فالادنى (3). واختاره (المسالك


(1) ففي التهذيب بنفس الباب الآنف حديث (36) " باسناد عن عبيد بن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل ويريد جدها أن يزوجها من رجل آخر؟ قال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا، ان لم يكن الاب زوجها قبله. ويجوز عليها تزويج الاب والجد ". (2) كالرواية الآنفة عن المصدر الآنف وفيه أيضا: رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: إذا زوج الرجل بنت ابنه فهو جائز على ابنه، ولابنه أيضا أن يزوجها، فقلت: فان هوى أبوها رجلا وجدها رجلا؟ فقال: الجد أولى بنكاحها ". (3) في الحدائق الناضرة للشيخ يوسف البحراني، كتاب النكاح، أخريات المسألة العاشرة قوله: " وهل يتعدي الحكم هنا إلى أب الجد وجد الجد ولمن علا مع الاب أو مع من هو أدنى منه حتى يكون أبو الجد أولى من الجد وجد الجد أولى من أب الجد إلى قوله: قد عرفت مما قدمناه في غير مقام، قوة القول الثاني.. وحينئذ، فيقدم عقد الاعلى في الصورة التي فرضتها ". أما المفاتيح الملا محسن الفياض القاشاني المتوفى في قاشان والمدفون فيها سنة 1091 ه‍ طبع القسم منه وبقى الآخر مخطوطا، رأينا نسخته الخطية الكاملة في مكتبة =

[ 267 ]

في كتاب الوصية) (1). ومن الغريب ما وقع من الفاضل (الجواد) في شرح اللمعتين (2) حيث توهم منه القول بالتريب حتى بين الاب والجد له الادنى حيث قال بعد أن نسب إلى ظاهر الاكثر اشتراك الاب والجد فيه الولاية، ونقل الخلاف في ترتيب الاجداد عن المفاتيح والحدائق ما لفظه: " بل عن الفاضل الشارح في وصايا المسالك: أن الولاية للاب ثم لمن يليه من الاجداد على ترتيب الولاية: الاقرب منهم إلى الميت فالاقرب، ومقتضاه الترتيب بين الاب والجد الادنى أيضا، وهو غريب لمنافاته ما فرضوه من الخلاف في تقديم عقد الاب أو الجد مع التعارض، بل الرجحان في ذلك لعقد الجد على الاظهر لفحوى ما دل عليه في عقد النكاح من الرواية والاجماع ومنافاته لما اختلفوا فيه: من أن ولاية الجد مشروطة بحياة الاب أولا، وفرعوا عليه تقديم وصي الاب على الجد، وان كان الاظهر عموم ولاية


= الحجة للشيخ على آل كاشف الغطاء حفظه الله، ولم نجد هذا الموضوع في مظانه من هذه النسخة المخطوطة. والله العالم. (1) راجع ذلك في (مسالك الافهام) في شرح شرائع الاسلام، للشهيد الثاني: كتاب الوصايا، آخر الفصل الخامس في الاوصياء قوله: في شرح قول المحقق (وكذا لو مات إنسان ولا وصي له..): " إعلم أن الامور المفتقرة إلى الولاية: إما أن تكون أطفالا أو وصايا أو حقوقا أو ديونا، فان كان الاول، فالولاية فيهم لابيه ثم لجده لابيه ثم لمن يليه من الاجداد على الترتيب الولاية للاقرب منهم إلى الميت فالاقرب ". (2) أشرنا - غير مرة في هذا الكتاب إلى أن المراد من (شرح اللمعتين): شرح الروضة للشيخ الجواد المعروف بملا كتاب، والتثنية للتغليب والكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات.

[ 268 ]

الجد " انتهى. وأنت خبير بأن مراده من الاب هو أب الميت، فيكون هو الجد الادنى لاطفاله. وقوله (ثم لمن يليه من الاجداد): جد الميت، فهو منه قول بالترتيب بين الاجداد، لا بين أب الطفل وجده. ويدلك عليه صريح قوله: (الاقرب منهم إلى الميت فالاقرب). ويشهد له ذكر الفرع في الوصية التي موضوعها لو مات وله أطفال فالولاية لابيه، أي لاب الميت الذي هو الجد الاندى لاطفال أبنه دون أبيه الذي هو الجد الاعلى، فهو منه قول بالترتيب بين الاجداد. لا بين الاب والجد الادنى كما توهمه الفاضل المتقدم ذكره. هذا: ومن اعتبر الترتيب في الاجداد: ان استند في ذلك إلى دعوى انصراف الجد إلى الادنى منه دون الاعلى فلا يشاركه في الولاية، وهو، وان كان يجري مثله في الاب، بل هو فيه أظهر منه في الجد لو سلم شموله للجد حقيقة إلا أن الجد منصوص عليه مستفيضا في النكاح وغيره حتى قيل بتقدم عقده على عقد الاب لو اتحد زمانهما، بل قيل كما تقدم باشتراط ولايته بحياة الاب، ومقتضى ذلك كله المشاركة معه في الولاية ولم تثبت مشاركة العوالي من الاجداد في الولاية مع الادنى بعد اختصاصه به بالانصراف، بل مقتضى الاصل هو العدم (ففيه): ان انصراف الجد إلى الادنى لو سلم كان مقتضاه عدم الولاية للاعلى أصلا، ولو مع فقد الادنى للاصل، دون الترتيب بينهما. وان استند في ذلك إلى آية: " وألوا الارحام بعضهم أولى ببعض، الدالة على كون القريب أول بقريبه من البعيد أولوية تعيين، لا أولوية تفضيل مع الاشتراك في المبدء، ومقتضاه، وان كان الترتيب بين الاب والجد الادنى أيضا، الا أنه خرج عنه بالنص والاجماع على الاشتراك بينهما

[ 269 ]

فيبقى الباقي داخلا في العام، وعدم الاولوية في غيرهم من الارحام من السالبة بانتفاء الموضوع، لعدم الولاية لهم، لا لعدم الاولوية بينهم. (ففيه): ان نصوص ولاية الجد الشاملة بالاطلاقها للقريب والبعيد أخص مطلقا من عموم أولوية الارحام بعضهم ببعض في الولاية وغيرها، المستفاد من حذف المتعلق، فليكن مقدما عليه تقديما للخاص على العام أو المقيد على المطلق، مضافا إلى وجود المناط اشتراك الجد القريب مع الاب في البعيد أيضا معه من نحو: " الولد وما يملك لابيه " (1) وغيره. فإذا الاقوى ما عليه المشهور. فظهر من ذلك كله حكم المسألة بجملة صورها الثلاثة. الاولى: اشتراك الاجداد مطلقا مع الاب في الولاية على أطفاله، وهو المنسوب إلى الاشهر، بل المشهور. ويقابله القول بالترتيب في الاجداد


(1) في الوسائل، كتاب النكاح باب 11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد حديث (5): " وعن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد أبي نصر عن أبي المغرا عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إني لذات يوم عند زياد بن عبد الله إذا جاء رجل يستعدي على أبيه، فقال: أصلح الله الامير، إن أبي زوج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا: نكاحه باطل. قال: ثم أقبل على، فقال ما تقول يا أبا عبد الله؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه، فقلت لهم: أليس فيما تروون أنتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إن رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت ومالك لابيك؟ قالوا: بلى، فقلت لهم: فكيف يكون هذا وهو ماله لابيه ولايجوز نكاحه؟ قال: فأخذ بقولهم، وترك قولي ".

[ 270 ]

فلا يشترك مع الاب في الولاية الا أبوه الذي هو الجد الادنى للطفل. الثانية: لو فقد الجد الادنى قام الاعلى مقامه في الاشتراك مع الاب في الولاية بناء على الترتيب. والظاهر أنه مما لا خلاف فيه، لثبوت الولاية لهم في الجملة غير أن القريب منهم يمنع البعيد عندهم بما دل على الترتيب. الثالثة: لو فقد الاب، فهل تختص الولاية بأبيه الذي هو الجد الادنى، بناء على الترتيب، أو يشاركه أبوه حينئذ كما كان هو يشارك ابنه؟ وجهان: من ثبوت اشتراك الولد مع والده في الولاية، وهو هنا منه، ومن أن الثابت خروجه عن الترتيب أب الطفل وجده الادنى، وجريان الحكم في غيرهما قياسا بهما لا نقول به. ولا ولاية لغير الاب وآبائه من قبل الاب من الاقارب مطلقا بالنص والاجماع (1). والقول بثبوتها لبعض منهم كما عن بعض شاذ لا يلتفت إليه (2).


(1) أما النص فقد ورد بمضامين كثيرة تخص الولاية بالآباء من طرف الآباء، كمفهوم قوله (ع): " ان كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم كما في الوسائل باب 6 من أبواب عقد النكاح وأما دعاوى الاجماع في المسألة فقد تواردت على ألسنة عامة الفقهاء في كتبهم كما عن الشيخ في (تبيانه) في تفسير قوله تعالى: " إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقد النكاح ": " لا ولاية لاحد عندنا إلا للاب والجد على البكر غير البالغ فأما من عداهما فلا ولاية له " ومثله غيره من عموم الفقهاء. (2) كالقول من بعض أصحابنا بثبوتها للام وآبائها وللاخ، لروايات مع ضعف سندها محمولة على التقية، وكالقول من بعض العامة بثبوتها للعصبة والمعتق والابن بالنسبة إلى أمه. كل ذلك شاذ، ولا دليل معتبر عليه.

[ 271 ]

ثم الظاهر نفوذ تصرفهما مطلقا، فيما يتعلق بالطفل وماله، نكاحا كان أو غيره الا الطلاق، فانهما لا يملكانه بالنص. وفي إلحاق الفسخ وهبة ما بقي من أجل المتعة به، وجهان: والاقوى: العدم، اقتصارا على المنصوص في الخروج عما لهما الولاية عليه وهو الطلاق. وهل يعتبر في تصرفهما رعاية المصلحة له، أو يكفي عدم المفسدة أو لا يعتبر شئ منهما؟ وجوه بل أقوال: وسطها أوسطها، لما دل على جواز الاقراض من مال الطفل، وتقويم الجارية على نفسه، وغير ذلك المعلوم خلوه بمجرده عن مصلحة تعود إليه. وعود الاجر والثواب الاخروي له لكونه مالكا للمال، ليس من المصلحة التي عليها المدار، بناء على اعتبارها في تصرف الولي، مضافا إلى خلو أخبار تزويج الاب والجد للطفل عن اعتبارها، مع أولوية الفروج بالاحتياط من غيرها ولولا أدلة نفي الضرر فيما اشتمل على مفسدة، واشعار بعض النصوص بعدمها لكان القول بعدم اعتبارها أيضا قويا، إلا أن الذي يظهر من عبارات بعض، سيما القدماء، ان اشتراط التصرف بالمصلحة من المفروغ عنه عندهم، وأنه المسلم فيما بينهم، فعن (المبسوط) قال: " ومن بلي أمر الصغير والمجنون خمسة: الاب والجد للاب ووصي الاب والجد والحاكم ومن يأمره ثم قال: وكل هؤلاء الخمسة لا يصح تصرفهم الا على وجه الاحتياط والحظ للصغير لانهم انما نصبوا لذلك، فإذا تصرف فيه على وجه لا حظ فيه، كان باطلا، لانه خلاف ما نصب له ". وعن (السرائر): " لا يجوز للولي التصرف في مال الطفل الا بما يكون فيه صلاح المال، ويعود نفعه إلى الطفل دون المتصرف فيه، وهذا الذي تقتضيه أصول المذهب " انتهى. وهو المحكى عن صريح المحقق، والعلامة،

[ 272 ]

والشهيدين، وثاني المحققين (1) وعن (شرح الروضة) للفاضل الهندي (2) ان المتقدمين عمموا الحكم باعتبار المصلحة من غير استثناء: وعن (مفتاح الكرامة): أنه استظهر من عبارة (التذكرة) في باب الحجر نفي الخلاف في ذلك بين المسلمين. وربما يستدل له في الجد مع فقد الاب بعموم قوله تعالى: " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن " (3) الشامل للجد، ويتم في الاب بعدم القول بالفصل. وفيه: بعد تسليم عمومها أنه مخصص بما دل على ولاية الجد وسلطنة الظاهر في أن له أن يتصرف في مال طفل بما ليس فيه مفسدة له. هذا: ويحتمل غير بعيد التفصيل بين مالو كان تصرف الاب لحاجة به وضرورة له أدت إليه فيكون له ذلك ما لم تستلزم المفسدة، وان كان لامر يرجع إلى الطفل اعتبرت المصلحة فيه. فولاية الاب برزخ بين ولاية السيد وبين ولاية الحاكم، فهي أقوى منها، ولذا كان مقدما عليه في الولاية على ولده المنزل منزلة المملوك له في الاخبار. ثم المدار في المصلحة حيث اعتبرناها في التصرف على وجودها في الواقع، فلو تصرف بناء عليها فانكشف العدم لم ينفذ لانتفاء المشروط


(1) يريد به المحقق الثاني الكركي العاملي المتوفى سنة 940 ه‍ في كتابه (جامع المقاصد في شرح القواعد للعلامة) راجع: هذا الموضوع في باب شروط المتعاقدين من الكتب التي أشار إليها الماتن قده. (2) واسمه (المناهج السرية في شرح الروضة البهية) يقع في مجلدات أربعة، لا تزال مخطوطة، راجع: (الذريعة للمحقق الطهراني باب الميم). (3) وتكملة الآية: " حتى يبلغ أشده " سورة الانعام / 152.

[ 273 ]

بانتفاء شرطه، ولا كذلك لو تصرف بما فيه الصلاح فبان وجود الاصلح وقلنا بتقديم الاصلح على ما فيه الصلاح، لوضوح الفرق بين التقديم مع المزاحمة الموقوف على الالتفات إلى وجود المزاحم، وبين مبغوضية التصرف من أصله، وبذلك يظهر ضعف احتمال كون الحسن حينئذ داخلا في عموم المستنثى منه المنهي عنه في آية: " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " والغفلة انما تمانع تنجز النهي لا نفسه. ولو انعكس الامر بأن تصرف بانيا على عدم المصلحة، فظهر وجودها صح تصرفه، وان توهم النهي عنه لوجود ما هو شرط في الصحة نعم يجري عليه قبح التجري وهو غير البطلان. (المبحث الثالث) في ولاية الوصي المنصوب من الموصى قيما على أطفاله، وهي ثابتة له بالنص والاجماع، لكن بحسب ما هو مجعول له منه من حيث الاطلاق والتقييد. فان اطلق فلا اشكال في نفوذه ما يتولى من مصالحهم في حفظ نفوسهم وأموالهم وأخذ الحقوق الراجحة إليهم من غيرهم وإلى غيرهم، منهم وغير ذلك من بيع واجارة ومزارعة ومساقاة ونحو ذلك مما يتعلق باصلاح أموالهم، كما لا اشكال في المنع عن فعل بعض ما كان للاب جوازه من حيث الابوة القائمة بذلك الاب لعدم قابلة الانتفاع حينئذ منه إلى غيره. ومع الشك فيه يرجع إلى الشك في القابلية التي لا يمكن إحرازها بالاصل وعمومات الوصية ولعل من ذلك جواز تزويج الصغير والصغيرة لغير الاب والجد له، وان كان قيما، فان الاصحاب اختلفوا في ثبوت ولاية التزويج للوصي مطلقا، أو مع نص الموصي له عليه أو

[ 274 ]

نفيها مطلقا على أقوال: اشهرها كما في (المسالك) (1)، بل المشهور كما عن غيره: هو الاخير، للاصل مع الشك في قابليتها للانتقال عنه بعد الموت، واستغناء الصغيرة عن الحاجة إلى النكاح وعموم مفهوم الصحيحين في تزويج الصبي للصبية: " ان كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز " (2) وخصوص الصحيح المضمر: " سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين وبنتا والبنت صغيرة فعمد أحد الاخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه، ثم مات أب الابن المزوج، فلما أن مات قال الآخر: أخي لم يزوج ابنه، فزوج الجارية من ابنه، فقيل للجارية: أي الزوجين أحب اليك: الاول أو الاخير؟ قالت: الاخير، ثم ان الاخ الثاني مات وللاخ الاول ابن أكبر من الابن المزوج، فقال للجارية: اختاري أيهما أحب اليك الزوج الاول أو الزوج الاخير؟ فقال: الرواية فيها أنها للزوج الاخير.. " (3) الخبر وهي وان كانت مضمرة الا أنها بالشهرة العظيمة منجبرة.


(1) قال: الشهيد الثاني في المسالك في با ب أولياء العقد من كتاب النكاح في شرح قول المحقق: ولا ولاية للوصي وان نص ل‍ الموصي على النكاح: " اختلف الاصحاب في ثبوت ولاية التزويج للوصي مطلقا أو مع نص الموصي له عليه أو نفيها مطلقا على أقوال أشهرها الاخير ". (2) إشارة إلى صحيحي محمد بن مسلم عن الامام الباقر عليه السلام، المتقدمين المذكورين في أبواب عقد النكاح وأولياء العقد من كتاب النكاح من الوسائل وغيره من كتب الاخبار. (3) نفس الخبر باختلاف بسيط في بعض كلماته في الوسائل، كتاب النكاح باب 8 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد حديث (1) هكذا: " محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: سأله رجل.. الخ.

[ 275 ]

واستدلوا على الاول بصحيحة ابن مسلم وأبي بصير: " عن أبي جعفر عليه السلام، سألته عن الذي بيده عقدة النكاح؟ قال: هو الاب والاخ والموصى إليه " (1). وخبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام: " الذي بيده عقدة النكاح هو الاب والاخ والموصى إليه " (2) وهما مع ندرة القول بمضمونهما كما في الرياض وغيره وخلوهما عن ذكر الجد وتضمنهما لولاية الاخ الذي لا يقول به أحد لا يكافئان ما تقدم، فيحملان على استحباب الاطاعة له. وعليه يحمل ذكر الاخ أيضا. ومنه يظهر ضعف القول بالتفصيل بين ما لو نص عليه وعدمه بالثبوت في الاول وعدمه في الثاني، تنزيلا لاطلاق كل من الاخبار المتعارضة على ذلك، جمعا بينها، هو حسن لو كان له شاهد عليه. وكذا القول بثبوتها له فيما لو بلغ سفيها مع الحاجة إليه واستثناء هذه الصورة من النفي مطلقا كما عن بعض منهم المحقق والعلامة ضعيف أيضا، لعدم الدليل عليه. (ودعوى): كون ذلك للاب فكما له أن يدفع الضرر بالتزويج عن ولده لو بلغ سفيها لو اضطر إليه، كذلك الوصي القائم مقامه له ذلك أيضا حيث يكون مضطرا إليه (فاسدة) لثبوت ولاية التزويج للاب على صغاره المستصحبة إلى البلوغ وإيناس الرشد ولا كذلك الوصي حيث قلنا بعدم ولايته على الصغير مطلقا، فلا متيقن حتى يستصحب. وحدوث الولاية له عليه عند البلوغ سفيها مع كونه منفيا بالاصل لا دليل عليه، فالولاية حينئذ للحاكم يتولاه إذا كان له به حاجة. وكذا للوصي الولاية على مال الموصي فيما له الوصية به من الثلث، فله التصرف حسب الوصية له من


(1) و (2) الوسائل، كتاب النكاح، باب 8 من ابواب عقد النكاح وأولياء العقد، إلا ان فيها (والرجل يوصى إليه) بدل (والموصى إليه) .

[ 276 ]

باب الولاية، لا من باب التولية، لانها في الحقيقة إعطاء سلطنة له من المالك الموصي فيما كان له من السلطنة على ماله، غير أنها مقصورة على الثلث، لانه القدر الثابت من الادلة في جواز انتقالها منه إليه بعد الموت. * (المبحث الرابع) * في ولاية المقاصة والاخذ بالتقاص. وهي في الجملة ثابتة بالكتاب نحو قوله تعالى: " والحرمات قصاص " (1) " ولكم في القصاص حياة " (2) " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (3) " فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " (4) " وجزاء سيئة سيئة؟ مثلها " (5) ونحو ذلك بالسنة عموما: " نحو لا ضرر ولا ضرار " (6)


(1) سورة البقرة / 194. وأول الآية: الشهر الحرام بالشهر الحرام. (2) سورة البقرة 179. وأخر الآية: يا أولى الالباب لعلكم تتقون (3) سورة البقرة 194. وأول الآية: (الشهر الحرام بالشهر الحرام). (4) سورة النحل / 126. وأول الآية (وان عوقبتم). (5) سورة الشورى / 40، وتكملة الآية: فمن عفا وأصلح فأجره على الله. (6) الكلام حول هذه القاعدة المستقلة؟ من الحديث النبوي بايجاز من جهات: في مدرك حجيتها، وفي المعنى اللغوى للكلمتين، وفي المقصود الشرعي من ذلك. أما الجهة الاولى فانها من الاحاديث النبوية المسلمة الورود من العامة والخاصة، والمتواترة النقل اجمالا من الطرفين بأسانيد وصور بعضها صحيح وبعضها موثق بحيث يقطع بصدور البعض منها على الاقل =

[ 277 ]

وخصوصا بالغا فوق حد الاستفاضة كما نشير إلى بعضها، وبالاجماع محصلا ومنقولا كذلك،


= ولقد طبقها النبي صلى الله عليه وآله ككبرى كلية على موارد عديدة جاءت في بعضها خالية من الملحق، وفي بعضها بالحاق كلمة (في الاسلام) وفي الآخر بالحاق كلمة (على مؤمن). والظاهر أن منطلق هذه القاعدة من قصة سمرة بن جندب مع الانصاري المتواترة النقل في كثير من المصادر العامة والخاصة بلا زيادة، كما يرويها الكليني في الكافي في كتاب المعيشة باب الضرار حديث (2) بطريق عبد الله بن بكير عن زرارة عن الامام الباقر (ع) حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله للانصاري بعد مساومته المتصاعدة لسمرة في بيع نخلته الكائنة في بستان الانصاري، وتضرر الانصاري بكثرة تردد سمرة إلى نخلته من طريق بيته وعدم استئذانه منه يقول له: اذهب فاقلعها وإرم بها إليه، فانه لاضرر ولاضرار ". وفي تاج العروس للزبيدي في شرح القاموس بنفس المادة يشير إلى الحديث بلا زيادة أيضا. حيث يقول في عرض تفسيره لفقرتيه: " وبه فسر الحديث: لا ضرر ولاضرار " ومثلها غيرهما من عامة كتب الاخبار واللغة والفقه. وجاءت بزيادة كلمة (على مؤمن) في الرواية الثانية للكليني في نفس الباب حديث (8) من طريق عبد الله بن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ففي آخر الحديث المذكور: " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسمرة: انك رجل مضار، ولا ضرر ولاضرار على مؤمن.. " كما جاءت القاعدة بزيادة (في الاسلام) في نهاية ابن الاثير الجزري، وفي (مجمع البحرين للطريحي) بنفس المادة أثناء تفسيرهما لفقرتي الحديث ونحوهما في بعض كتب الحديث والفقه واللغة: وعلى كل فاختلاف الحديث في وروده باحدى الزيادتين أو بدونهما لا يوهن تحقق التواتر الاجمالي =

[ 278 ]

وتفصيل المسألة: هو أن يقال: ان الحق الذي يراد أن يقتص عنه ببدله: إما عقوبة كالقصاص، أو مال، وهو: إما عين، أو دين.


= أو المعنوي في نقله بعدما كان التسالم من الجميع على أصل بنته الاصيلة المتكونة من فقرتي الضرر والضرار المنفيين وذلك كاف في مقام الوثوق بمدرك القاعدة. وأما الجهة الثانية فالضرر: إسم مصدر. والمصدر: الضر بالضم وقد يفتح وهو ضد النفع: ومعناه: إحداث النقص بالنفس أو المال أو العرض أو أي شأن من شؤون المتضرر نفسه، والضرار على فعال: ايقاع الاضرار بالغير بذلك المعنى والذي يترائي من كلمات اللغويين كابن الاثير في النهاية، والزبيدي في تاج العروس شرح القاموس وغيرهما في تفسير الضرر بأنه: ضد النفع أو النقص الداخل على الشي أو فعل الواحد ونحو ذلك: ان المقابلة بين الضرر والنفع من باب التضاد لا من باب العدم والملكة كما قيل بدليل انتفائهما معا في مثال البيع برأس المال مثلا. ولو كان التقابل بينهما بنحو العدم والملكة لما خلا الواقع من أحدهما، كما أن الذي يترائي من كلمات اللغويين أيضا في مقام التفريق بين الضرر والضرار بأن الضرر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين على حد تعبير النهاية والتاج واللسان وغيرها: أن المقصود من فعل الاثنين ليس معناه كأبواب المفاعلة قيام المعنى أو صدوره من اثنين بل معناه صدور الفعل من واحد وقيامه بالآخر، فأحدهما يحدث الضرر والآخر يتأثر به. وأما الجهة الثالثة فقد قيل في تفسير هذه الجملة عدة معان، في بعضها ابقاء الاستعمال على حقيقته من نفي الطبيعة، وفي بعضها يصرف عن المعنى الحقيقي إلى التجوز المناسب.

[ 279 ]

فان كان الاول، ففي جواز استيفاء حقه بنفسه كما عن جماعة بل في (الرياض) عليه أكثر المتأخرين بل عامتهم (1) أو وجوب رفعه إلى الحاكم كما عن جماعة أيضا، بل عن (الخلاف): لا ينبغي أن


= فمن ذلك حمل النفي على النهي، فيكون المراد تحريم الاضرار بالنفس أو الغير بعامة شؤونهما على غرار قوله تعالى: " ولا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " وقوله صلى الله عليه وآله: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل " على بعض التفاسير وذلك لصحة قيام المصدر مقام الفعل في الاستعمال، فيكون المراد: لا تضر نفسك ولا غيرك. ومن ذلك ان يكون المراد نفي الحكم حقيقة بلسان نفي الموضوع، بمعنى أن ليس في عالم التشريع حكم مجعول يستلزم ضررا على النفس أو على الغير، فالسالبة بانتفاء الموضوع تكوينا، من قبيل قوله (ع): " لا سهو في السهو ". ومن ذلك أن يكون المنفي هو الضرر أو الاضرار غير المتداركين شرعا، إذ المتدارك منهما ليس ضررا ولاضرارا في نظر الشرع، كما هي النظرة العرفية والعقلائية كذلك. فالذي تستلزم القاعدة بناء على هذا المعنى، وجوب تدارك الضرر الحاصل إذا حدث، حيث أن ذلك المعنى أقرب المجازات بعد رفع اليد عن نفي الحقيقة. ولعل القول الثاني أقرب الثلاثة إلى مذاق الشريعة وابتنائها على المنة والمصلحة واللطف، وأبقى للنفي والمنفي على حقيقتهما بلا تجوز (هذا، وللتفصيل مراجعة مظان القاعدة من كتب الاخبار واللغة والفقه الموسعة من الفريقين). (1) راجع: أوائل كتاب كتاب القصاص منه، القسم الاول في القود.

[ 280 ]

بقتص بنفسه لان ذلك للامام أو من يأمره بلا خلاف (1)، بل عن (الغنية): دعوى الاجماع عليه. فان تم كان هو الدليل، لا ما قيل: من عظم خطره والاحتياط في اثباته، ولان استيفائه وظيفة الحاكم على ما تقتضيه السياسة وزجر الناس، لان اطلاق السلطان للولي وتسلط الناس على استيفاء حقوقها وغير ذلك يقتضي عدم اعتبار الرفع إلى الحاكم مع فرض معلومية الحال وإقرار الخصم، كما أنه يقتضي مباشرته لا خصوص الحاكم؟ قولان: وقد عرفت مستندهما (2). ولعل الاول هو الاقوى، وان كان الاحوط هو الثاني. وان كان الثاني، وكان موجودا جاز له استردادها بنفسه من غير توقف على إذن الحاكم، وان تمكن من اثبات حقه عنده، ما لم ينجر إلى فتنة توجب الكف عنه، فيرفع أمره حينئذ إليه، حسما للفساد، وان لم يتمكن من الاسترداد أو كانت تالفة وهو مماطل أو جاحد وأمكنه التقاص ببدله، اقتص به عنه مستقلا، وان كان من غير جنسه، لاطلاق ما دل عليه من الاخبار كصحيحتي داود بن رزين، وابن زربي قال في أحديهما: " قلت لابي الحسن موسى (ع): إني أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال، فلي أن آخذه؟ فقال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه " (3)


(1) راجع هذه العبارة في كتاب الجنايات من الخلاف مسألة (8). (2) أي من عرض القولين في صدر المسألة، وهو دعوى الاجماع من الطرفين (3) في الوسائل، كتاب التجارة. باب 83 من أبواب ما يكتسب به ذكر نص الحديث الاول، وأشار إلى الثاني بروايته عن الصدوق. وفي (التهذيب للشيخ الطوسي) كتاب المكاسب، أحاديث النقاص حديث (99) ".. عن داود بن زربي قال قلت لابي الحسن موسى.. " الخ.

[ 281 ]

وقال في الاخرى: " قلت لابي الحسن عليه السلام: إني أعامل قوما، فربما أرسلوا إلى فأخذوا مني الجارية والدابة فذهبوا بهما مني ثم يدور لهم المال عندي، فآخذ بقدر ما أخذوا مني؟ فقال: خذ منهم بقدر ما أخذوا منك ولا تزد عليه " (1) إن لم يكن ذلك إذنا منه. نعم قد يقال: لو كان البدل من غير جنس الحق وكان مثاليا توصل ببيع البدل إلى ما يكون من جنسه، فيقتص به عنه. وحينئذ فيجب الرفع إلى الحاكم، لان ولاية البيع غير ولاية التقاص. الا انه يضعف: بأن دفع المثل انما اعتبر الضمان لوجوب الرد على الضامن في حالتي وجود العين وتلفها الصادق معه برد المثل عرفا. والاخذ بالتقاص ليس فيه عنوان الرد والاسترداد حتى يعتبر فيه ذلك، بل هو أخذ بالبدل عوضا عن ماله، سوغه الشارع تداركا للضرر المرتفع بتدارك المالية. وبالجملة، ليس في التقاص عنوان رد العين واستردادها حتى يعتبر فيه المثل بخلاف الضمان المأخوذ فيه الخروج عن عهدة العين بردها الصادق يرد مثلها بعد تلفها، فالرد والاسترداد عنوان، والاخذ بالبدل مقاصة عنوان آخر، لا دليل على اعتبار المثل فيه أيضا، بل الاصل قتضي عدمه. وعليه فيتخير التقاص بين ما كان من جنسه وغيره لو اجتمعا عنده، بل إطلاق الاخبار الآتية في التقاص عن الدين الذي لا ينفك غالبا عن كونه عينا مخصوصة مع ترك الاستفصال عن جنس المال الذي


(1) في الوسائل، كتاب التجارة، باب 83 من أبواب ما يكتسب به، ذكر نص الحديث الاول، وأشار إلى الثاني بروايته عن الصدوق وفي (التهذيب للشيخ الطوسي) كتاب المكاسب، أحاديث التقاص حديث (99) ". عن داود بن زربي قال قلت لابي الحسن موسى.. " الخ.

[ 282 ]

يقتص به عنه يعطي جوازه مطلقا ولو من غير جنسه. وان كان الثالث أعنى كون الحق دينا كان له التقاص بنفسه بما يقع من ماله في يده إذا كان ممتنعا عن حقه أو جاحدا له من غير توقف على اذن الحاكم مطلقا، تمكن منه ومن اثبات حقه عنده أولا، لاطلاق بعض الادلة المتقدمة، وخصوص ما ورد في الدين نحو: خبر جميل بن دراج: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده: أيأخذه، وان لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم " (1) وخبر على بن مهزيار (2) وصحيح أبي بكير: " قلت له رجل لي عليه دراهم فجحدني حلف عليها: أيجوز لي ان وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال فقال: نعم " (3) والمروي عن النبي صلى الله عليه وآله لما قالت له هند: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وانه لا يعطيني ما يكفيني وولدي الا ما أخذت


(1) الوسائل، كتاب التجارة، باب 83 من أبواب ما يتكسب به حديث (10). (2) في المصدر الآنف من الوسائل، حديث (8): " وباسناده عن محمد بن الحسن الصفار عن عبد الله بن محمد بن عيسى عن على بن مهزيار عن إسحاق بن ابراهيم: ان موسى بن عبد الملك كتب إلى أبي جعفر (ع) يسأله عن رجل دفع إليه رجل مالا ليصرفه في بعض وجوه البر، فلم يمكنه صرف المال في الوجه الذي أمره به، وقد كان له عليه مال بقدر هذا المال، فسأل. هل يجوز لي أن أقبض مالي أو أراده عليه؟ فكتب: " اقبض مالك مما في يدك ". (3) المصدر الآنف من الوسائل حديث (4) والظاهر أن الراوي ابو بكر الحضرمي عن الامام الصادق عليه السلام.

[ 283 ]

منه سرا، وهو لا يعلم، فهل على ذلك شئ؟ فقال صلى الله عليه وآله: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (1). (ودعوى): تخيير الغريم في تعيين الوفاء من ماله إذا كان الحق كليا، فلا يتعين الا بتعيينه أو تعيين وليه ان كان ممتنعا، وهو الحاكم القائم مقامه في التعيين (ضعيفة) لعدم المنافاة بين كون الحاكم وليا على الممتنع وثبوت الولاية للمقتص أيضا بالادلة الخاصة، فالاظهر كما عليه الاكثر جواز التقاص بنفسه مطلقا من غير توقف على اذن الحاكم، ممتنعا كان الغريم أو جاحدا. نعم قيل كما عن الشيخ في (النهاية وجماعة: المنع عن التقاص من الوديعة، لعموم مادل على وجوب رد الامانات إلى أهلها " (2) حتى ورد عن الصادق عليه السلام في خبر عبد الله بن اسماعيل: " أد الامانة لمن ائتمنك وأراد منك النصيحة ولو أنه قاتل الحسين عليه السلام " (3) وقال أيضا في خبر عمار: " إعلم أن ضارب علي بالسيف وقاتله، لو ائتمنني


(1) ذكر هذا الحديث الشريف في كتاب (الادب النبوي) تأليف عبد العزيز الخولي: ص 298 حديث رقم (127) ونسب روايته إلى البخاري ومسلم. (2) في الكافي، كتاب المعيشة، باب أداء الامانة: روايات كثيرة بهذا المضمون منها: " عن ابن بكير عن الحسين الشيباني أو الشباني عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: رجل من مواليك يستحل مال بني أمية ودماءهم، وانه وقع لهم عنده وديعة؟ فقال: أدوا الامانات إلى أهلها وإن كانوا مجوسا ". (3) في الوسائل، كتاب الوديعة: باب 2 وجوب رد الامانة حديث (4) هكذا: عن اسماعيل بن عبد الله القرشي في حديث: ان رجلا =

[ 284 ]

على السيف واستشارني ثم قبلت ذلك منه لاديت إليه الامانة " (1). وخصوص خبر ابن أخ الفضيل بن يسار: " قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، ودخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: اسأله فقلت: عماذا؟ فقالت: إن ابني مات وترك مالا كان في يد أخي، فأتلفه، ثم أفاد مالا فأودعنيه، فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شئ؟ فأخبرته بذلك، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أد الامانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك " (2). والقول بالجواز للشيخ في (التهذيبين) والحلي في (السرائر) والفاضل في (الارشاد) و (المختلف) وظاهر (النافع) وصريح (الشرايع) والصيمري في (شرحه) والمقداد في (التنقيح) والشهيدين في (النكت) و (المسالك) على ما حكي عنهم، بل في الاخير، وعن الكفاية: " انه عليه أكثر المتأخرين " وفي (الرياض): " بل لعله عليه عامتهم " لاطلاق الادلة المتقدمة وعمومها، وخصوص صحيح البقباق: ". إن شهابا ماراه في رجل له ذهب بألف درهم، واستودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الالف التي أخذ منك فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب علي أبي عبد الله عليه السلام، فذكر


= قال لابي عبد الله عليه السلام: الناصب يحل لي اغتياله؟ قال: أد الامانة.. الخ. وبمضمونه بنفس المصدر حديث (12). (1) في الكافي، كتاب المعيشة، باب أداء الامانة، حديث (5): " بسنده عن عمار بن مروان قال: قال أبو عبد الله: في وصية له: إعلم أن ضارب علي. " الخ. (2) الوسائل، كتاب التجارة باب 83 جواز استيفاء الدين، حديث (3).

[ 285 ]

ذلك، فقال له: أما أنا فأحب أن أن تأخذ وتحلف " (1) ومكاتبة علي بن سليمان: " قال كتب إليه رجل غصب رجلا مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه: أيحل له حبسه عليه أم لا؟ فكتب عليه السلام: نعم يحل له ذلك ان كان بقدر حقه، وان كان أكثر فيأخذ اكثر فيأخذ منه ما كان عليه ويسلم الباقي له ان شاء " (2). فلتحمل الاخبار المانعة على الكراهة، جمعا، بل ظاهر الصحيحة عدمها، لكونه عليه السلام لا يحب المكروه، إلا أن قاعدة التسامح تقتضي ثبوتها. ولو فرض التعارض بين الاخبار الخاصة وتساويهما في الظهور وغيره الموجب لتساقطهما من البين وجب الرجوع إلى عمومات الطرفين من وجوب رد الامانات وجواز التقاص. والنسبة بينهما وإن كان من العموم والخصوص من وجه، إلا أن المرجح لما عرفت مع عمومات التقاص، مضافا إلى منع كون الاخذ بالتقاص خيانة، بل لعله إحسان عليه بابراء ذمته، بل هو نوع إيصاله له ورد إليه، فالاظهر كما عليه الاكثر هو الجواز مطلقا، ولو كان من غير جنس حقه. هذا وحيثما أراد التقاص ولم يمكن الاخذ بقدر حقه الا ببيعه كما لو كان له عليه مأة درهم وعنده سيف مثلا قيمته مأتان تولى بيعه ليقتص بثمنه قدر حقه، ففي ضمانة لو تلف قبل بيعه بغير تعد وتفريط وعدمه وجهان، بل قولان: اختار بعضهم العدم لان القبض المتجدد بعد القصد وإن لم يرض به المالك وخرج المقبوض عن كونه أمانة مالكية إلا أنه كان


(1) المصدر الآنف الذكر. حديث (2). وابو العباس هو البقباق. (2) تهذيب الشيخ الطوسي كتاب المكاسب أخر أحاديث التقاص حديث (106): " عن محمد بن عيسى عن على بن سليمان قال: كتب إليه. والظاهر أن المقصود هو الباقر عليه السلام، بقرينة ما قبله من الحديث.

[ 286 ]

مأذونا من الشرع فيكون أمانة شرعية " والامين مطلقا لا يضمن سواء كان مالكيا أو شرعيا. ويضعف بأن الاذن الشرعي أعم من المجاني والضمان بالعوض، والعام لا يدل على خصوص الخاص، واليد من أسباب الضمان كالاتلاف لعموم " على اليد " (1) ونحوه بعد فرض خروج ما تحتها عن كونه أمانة مالكية، ولا ملازمة بين المأذونية والامانة الشرعية التي معناها استنابة المأذون في حفظ مال المالك بجعل الشرع، كالثوب الذي أطارته الريح وأما التصرف المأذون في مال الغير باتلاف عين أو منفعة كالاكل في المخمصة فقبضه مقدمة للاتلاف المأذون، وان كان مأذونا فيه، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه، إلا أنه قبض ضمان لليد وعدم كون الاذن به للحفظ لمالكه، بل لكونه مقدمة للاتلاف الذي رخص فيه شرعا، فلو تلف قبل اتلافه كان عليه ضمانه، وليس إلا لليد الموجبة له بعد أن لم يكن القبض قبض أمانة شرعية، وان كان مأذونا به من الشارع، فإذا الاظهر الضمان بمجرد القبض المراد به التقاص، ولو ببيعه والتقاص بثمنه وان جواز ذلك من باب التولية دون الولاية التي لا معنى لضمان الولي كالحاكم ونحوه. وفي ضمان الزائد على ما اقنص به من ثمنه، وعدمه وجهان. بل قولان: والاقوى العدم وفاقا للقواعد وغيره، لكونه بالنسبة إليه أمينا من الشارع استنابه على حفظه لمالكه إلى أن يوصله إليه فورا، فلو أخر لا لعذر دخل في ضمانه، خلافا لشيخا في (الجواهر) تبعا لغيره. ولعله نظرا إلى كونه سن ثمن مال مضمون عليه بجملته. وفيه: ان أحكام


(1) سيأتي الكلام من السيد الماتن ومنا حول هذه القاعدة المستلة من الحديث النبوي الشريف في الرسالة الآتية (قاعدة اليد).

[ 287 ]

اليد تختلف باختلاف العناوين الطارئة عليها، فاليد على الزائد من الثمن غيرها على العين المثمن باختلاف عنوانها، فافهم فانه واضح. (المبحث الخامس) في ولاية المتصدق لمجهول المالك، لقطة كان أو غيرها، وهو: عين أو دين. فان كان الاول تخير بين التصدق به أو بثمنه، أو كان الصلاح في بيعه عن مالكه، لثبوت الولاية له في ذلك بالنصوص المستفيضة وبين دفعه إلى الحاكم أو حفظه والايصاء به (1) ولا يضمنه على الاخيرين.


(1) وعلى كل من هذه الموارد الثلاثة شواهد من النصوص المذكورة في كتاب اللقطة من كتب الاخبار، فشاهد التصدق من قبل الملتقط قول أمير المؤمنين عليه السلام وقد سئل عن حكم اللقطة: " يعرفها فان جاء صاحبها دفعها إليه وإلا حبسها حولا، فان لم يجئ صاحبها أو من يطلبها تصدق بها " كما في الوسائل باب 2 من أبواب اللقطة. وشاهد الدفع إلى الامام عليه السلام والى الحاكم بحكم نيابته العامة عنه رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رجل: إني قد أصبت مالا وإني قد خفت فيه على نفسي، ولو اصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه قال: فقال له أبو عبد الله (ع)، والله ان لو أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: إى والله، قال: فأما والله ماله صاحب غيرى، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلفف، فقال: فاذهب فاقسمه في إخوتك ولك الامن مما خفت منه، قال: فقسمته بين إخواني " الوسائل باب 7 من أبواب اللقطة وشاهد الحفظ والايصاء به =

[ 288 ]

وفي ضمانه على الاول لو حضر المالك ولم يرض بالاجر؟ قولان: أشهرهما ذلك، للنص (1) ولولاه لامكن القول بعدمه، لان ذلك نوع إيصال إلى المالك بعد تعذر إيصال العين إليه. وهو الوجه للقول بالعدم، لا ما قيل كما في (الروضة): من كونه أمانة قد دفعها باذن الشارع فلا يتعقبه الضمان (2) لان الاتلاف من اسباب الضمان، والاذن به أعم من كونه مجانا أو بالعوض. وان كان الثاني أمكن القول بتعيين الدفع إلى الحاكم، لان المدفوع لا يتعين كونه للمالك لكي يتصدق عنه الا بقبضه أو قبض من يقوم مقامه من الوكيل أو الحاكم، إلا أن إطلاق ادلة التصدق يعطي كون ولاية


= رواية علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (ع): " قال: سألته عن الرجل يصيب اللقطة دراهم أو ثوبا أو دابة: كيف يصنع؟ قال: يعرفها سنة فان لم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله حتى يجي ء طالبها فيعطيها إياه وان مات أوصى بها، فان اصابها شئ فهو ضامن " الوسائل باب 2 من ابواب اللقطة. (1) في الوسائل باب 2 من ابواب اللقطة حديث (14): " عن علي ابن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: وسألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرفها سنة، ثم يتصدق بها، فيأتي صاحبها: ما حال الذي تصدق بها؟ ولمن الاجر؟: هل عليه أن يرد على صاحبها أو قيمتها؟ قال: هو ضامن لها، والاجر له، الا أن يرضى صاحبها فيدعها والاجر له ". (2) راجع: كتاب اللقطة، الفصل الثالث في لقطة المال. في شرح قول الماتن (وفي الضمان خلاف) أي في الضمان وعدمه. فبعد أن ذكر منشأ الضمان: من دلالة الاخبار، وقاعدة (على اليد)، وكونه إتلاف مال الغير ذكر منشأ عدم الضمان، فقال: ومن كونه أمانة. الخ.

[ 289 ]

التعيين له أيضا كالمالك في الزكاة، الذي له ولاية التعيين والتبديل. ولكن الاحتياط في الدين لا ينبغي تركه. ولو كان لقطة التي معناها المال الضايع لا مطلق ما لا يد عليه من المال تخير الملتقط بعد التعريف حيث يجب بين الوجوه الثلاثة المتقدمة وزيد فيها مطلقا وفي غير الحرم منها جواز التملك بالنية مضمونا عليه لمالكه لو ظهر وطلبه بالمثل أو بالقيمة بمعنى تملكه بنحو المجان غير مضمون عليه إلا بعد الظهور والمطالبة لا بمعنى كونه مضمونا من حين التملك بنحو المعاوضة أو بنحو الضمان الموجب لاشتغال الذمة بالمثل أو القيمة عند التلف قبل الظهور فيكون دينا على التقديرين يخرج لو مات من اصل التركة، كما يظهر من عبارات الاكثر إلا أنها منزلة على ما ذكرنا، كما هو مفاد الاخبار الواردة في المقام، وصرح به الشيخ على ما حكى عنه في (التذكرة) حيث قال: " مسألة قال الشيخ رحمه الله: اللقطة تضمن بمطالبة المالك لابنية التملك " وإن أورد عليه بقوله بعده: " وفيه نظر لان المطالبة تترتب على الاستحقاق فلو لم يثبت الا الاستحقاق أولا لم يكن لصاحبها المطالبة فلو ترتب الاستحقاق على المطالبة لزم الدور " (1). إلا أنه فيه أن علقة المالك حسبما دلت عليه الادلة لم تذهب بالكلية وان ضعفت حتى بلغت أدنى مراتب الملك من مرتبة مالك أن يملك، وهذه المرتبة كافية في جواز المطالبة والتغريم بعدها. وكيف كان فلو نوى الحفظ لمالكه بعد نية التملك لم يخرج عن كونه مضمونا بالمعنى الذي ذكرنا من الضمان التقديري بحيث لو ظهر وطلب كان عليه رد المثل أو القيمة مطلقا أو مع تلف العين، ومع وجودها ردها، فيكون بحكم الفسخ الموجب لذلك لعدم الخروج


(1) راجع هذا الموضوع في آخر المبحث الاول الضمان وعدمه من المطلب الثاني في الاحكام من كتاب اللقطة.

[ 290 ]

بمجرد ذلك عن ملكه وصيرورته أمانة بيده. ولو انعكس الامر، بأن نوى التملك بعد نيته الحفظ صح تملكه وضمن بالمعنى المذكور من حينه وليس اختيار الحفظ مانعا عن جواز التملك لكونه مشمولا لاطلاق ما دل على جوازه. وتفصيل الكلام في المقام موكول إلى محله. والمقصود هنا بيان ثبوت الولاية في الجملة لمن بيده المال أو عليه قيمته. (المبحث السادس) في ولاية الحسبة التي هي بمعنى القربة، المقصود منها التقرب بها إلى الله تعالى. وموردها كل معروف علم إرادة وجوده في الخارج شرعا من غير موجد معين. فهو من قبيل ما كان فيه ولاية الفقيه، غير أنه متعذر الوصول له حتى يرجع إليه. وثبوتها في مواردها مدلول عليه بالكتاب عموما، نحو قوله تعالى: " وأحسنوا إن الله يحب المحسنين " (1) وقوله: " وما على المحسنين من سبيل " (2) بعد معلومية كونه إحسانا، والسنة المستفيضة عموما كقوله صلى الله عليه وآله: " عون الضعيف من أفضل الصدقة " ونحوه، وخصوصا، كما ستعرف، والاجماع بقسميه محصلا ومنقولا فوق حد الاستفاضة، بل وبضرورة العقل الحاكم بوجوب حفظ النظام. فمن الموارد المنصوص عليه بخصوص: ولاية عدول المؤمنين فيما لم يكن أب ولا جد ولا وصي ولا حاكم أن يأتوا بما للاب والجد فيه الولاية أو الحاكم، مع عدم لزوم المباشرة. ضرورة تقدمهم عليهم ان وجدوا


سورة البقرة / 195، ومبدء الآية: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا.. ". (2) سورة التوبة / 92. ومبدء الآية: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين. ".

[ 291 ]

نصا وفتوى، بل ضرورة، لما رواه في (الكافي) في الصحيح: عن محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه بهذا بأمر القاضي، لانهن فروج، فذكرت ذلك لابي جعفر عليه السلام، فقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولم يوص إلى أحد ويخلف الجواري فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لانهن فروج. فما ترى في ذلك القيم؟ قال فقال: إذا كان القيم مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس " (1). ومثله ما رواه في التهذيب في آخر الوصايا، لكن بزيادة تقييد عبد الحميد فيه (بابن سالم العطار) وكذا حكاه عنه في (نقد الرجال) (2) بالزيادة المذكورة. والوجوه المحتملة في المماثلة بين أمور أربعة: المماثلة في الايمان بالمعنى الاعم، أو في الوثاقة وبينهما عموم من وجه، أو في الفقاهة لكون محمد بن اسماعيل بن بزيع من الفقهاء من مشايخ بن شاذان، و عبد الحميد ان أريد به ابن سعد البجلي الكوفي بناء على ظهور لفظ (الكتاب) فيها لما عن


(1) في الوسائل باب 16 من ابواب عقد البيع وشروطه، حديث (2) ينقله عن الكافي والتهذيب. (2) فقال هكذا: عبد الحميد بن سالم العطار ثقة.. ونقد الرجال تأليف المير مصطفى التفريشي المتوفى بعد سنة 1015 ه‍، وهو تاريخ فراغه من تأليف كتابه، إذ لم يضبط لوفاته تأريخ معين.

[ 292 ]

(النجاشي) في حقه: " صفوان عنه بكتابه " (1) أو في العدالة. لا سبيل إلى الثالث لمعلومية عدم اعتبارها مجردة عن غيرها من أحد العناوين المتقدمة، مع منافاة اعتباره لاطلاق المفهوم الدال على ثبوت البأس مع عدم الفقيه ولو مع تعذره المفروض ارادة ايجاده مع فقد الفقيه أيضا ولو لتعذر الوصول إليه، وهذا بخلاف الاحتمالات الاخر، فان البأس ثابت للفاسق أو الخائن أو المخالف. وأما الوثاقة، فيقرب اعتبارها موثقة سماعة: " في رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك؟ قال: ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس " (2) بناء على أن المراد من يوثق به في مراعاة المصلحة وملاحظة الغبطة، كما ورد في صحيحة علي بن رثاب: " رجل مات وبيني وبينه قرابة وترك أولادا صغارا ومماليك وجواري، ولم يوص، فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية ويتخذها أم ولد، وما ترى في بيعهم؟ قال: ان كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجورا منهم، قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية ويتخذها أم ولد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم بأمرهم الناظر فيما يصلحهم وليس لهم أن يرجعوا فيما فعله


(1) في رجال النجاشي حرف العين: " عبد الحميد بن سعد بجلي كوفي، له كتا ب، أخبرنا ابن نوح قال: حدثنا الحسن بن حمزة قال: حدثنا ابن بطة قال: حدثنا الصفار قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدثنا صفوان عن عبد الحميد بكتابه ". (2) في تهذيب الشيخ الطوسي من زيادات كتاب الوصية، حديث (22) هكذا: " أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن زرعة عن سماعة قال: سألته عن رجل..

[ 293 ]

القيم بأمرهم الناظر فيما يصلحهم " (1) الخبر. وعليه فالظاهر كون عبد الحميد هو ابن سالم العطار، الذي نص على وثاقته كثير من علماء الرجال، وقيده به في (التهذيب) ولم نعثر على من نص على وثاقة عبد الحميد ابن سعد البجلي، الا أن الاغا في (التعليقة) (2) استقرب كونه هو، واستبعد كونه ابن سالم، معللا مع سقوطه من نسخته في (التهذيب) بأن المراد من أبي جعفر عليه السلام في الرواية: هو الجواد عليه السلام، وابن سالم من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، لم يدرك الجواد عليه السلام، فيعطي كونه ابن سعد البجلي الكوفي. وفيه مع ان ابن سعد لم يثبت كونه أدرك الجواد عليه السلام أيضا، وان قلنا باتحاده مع ابن سالم حيث أنه من أصحاب الرضا (ع) فقط أو الكاظم والرضا عليهما السلام أن عبد الحميد ليس راويا عن الجواد عليه السلام حتى يلزم أن يكون حيا يومئذ، وانما الراوي ابن بزيع. ولعل مراده: انه اتفق ذلك ولو قيل وقت السؤال بمدة، وحكاه للامام حكاية، مع امكان توثيقه أيضا بنفس هذه الرواية فتأمل، ورواية صفوان الذي هو من أصحاب الاجماع عنه. الا أن الاقوى مع ذلك اعتبار العدالة، للنص عليها في خبر اسماعيل بن سعد: " قال سألت الرضا عليه السلام عن رجل يموت بغير وصية وله ولد صغار وكبار: أيحل شراء شئ من خدمه ومتاعه من غير


(1) المصدر نفسه، حديث (21) سهل بن زياد عن ابن محبوب عن على بن رثاب قال: سألت أبا الحسن (ع) عن رجل بيني وبينه قرابة مات وترك.. (2) تعليقة الاغا الوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1206 ه‍ كما هو الصحيح على رجال الميرزا محمد الاسترابادي المطبوع بايران، طبعت معه في هامشه.

[ 294 ]

أن يتولى القاضي بيع ذلك، فان تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة، أيطلب الشراء منه أم لا؟ قال عليه السلام: إذا كان الاكابر من ولده معه في البيع، فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك " (1). مضافا إلى أن الحكم، أعني التصرف في مال الغير، حيث كان مخالفا للاصل وجب الاقتصار فيه على الاخص منها، وهو العدالة لانها أخص من الايمان والوثاقة. مع كونها المنساق إليها في أمثال ذلك عرفا. هذا ومع تعذر العدول، فهل يثبت ذلك لغيرهم من الفساق، فيكون واجبا كفائيا على كل من يقدر عليه وان كان فاسقا؟ أو لا. والكلام فيه (مرة) من حيث تكليه نفسه في جواز تصديه وعدمه (وأخرى) من حيث فعله المرتبط به فعل غيره كشراء مال الطفل منه حيث تصدى لبيعه. أما الاول، فالظاهر جواز توليته ذلك مع المصلحة ومراعاة الغبطة، توصلا إلى ما يريد الشارع ايجاده للمصلحة المترتبة على وجوده، كتجهيز الميت الواجب كفاية على كل من يتمكن منه مع عدم ولي له مطلقا حتى الحاكم وعدول المؤمنين، وحينئذ فلو أحرز صدور الفعل المعروف منه سقط عن الغير، وان شك في صحته، حملا للفعل منه على الصحيح بحكم إصالة الصحة في فعل المسلم. وفي قبول قوله لو أخبر بوقوعه منه صحيحا تردد، ينشأ: من أنه يملك وقوعه كذلك فيملك الاقرار به كما يقبل قول الوكيل فيما وكل فيه. ومن لزوم التبين في نبأ الفاسق بحكم آية


(1) تهذيب الشيخ الطوسي: آخر كتاب الوصية في الزيادات: آخر حديث (20).

[ 295 ]

النبأ " (1). وأما الثاني، ففي جواز الاقدام على ما يصدر منه من التصرف، ولو مدعيا فيه المصلحة ومراعاة الغبطة، إشكال، ما لم يحرز ذلك فيه بنفسه، فلا يجوز إشتراء مال الطفل من الفاسق المتصدي لبيعه، ما لم يحرز المشتري الغبطة له في بيعه، إذ لم يقع منه فعل حتى يحمل على الصحيح بل هو متصد لوقوعه، وغير مصدق في دعواه الغبطة، وان كان الاخبار بها مرجعه غالبا إلى علمه الذي لا يعلم الا من قبله. وهذا بخلاف العادل المصدق في خبره بالنسبة إلى المخبر به في الواقع، وان كان من علمه الذي هو طريق له إليه، وليست المصلحة مما لا طريق إلى ثبوتها الا بعلم المخبر الذي لا يعلم إلا من قبله حتى يجب تصديق الفاسق في خبره لترتب المخبر به عليه. وبعبارة أخرى: تصديق خبر العادل بحكم مفهوم آية النبأ ولزوم التبين في خبر الفاسق بحكم منطوقها انما هو في كل منهما بالنسبة إلى المخبر به، دون نفس الخبر وبالجملة، الحكم هنا وهو جواز التصرف في مال الطفل محمول على تصرف فيه الغبطة له، فيجب أولا احراز الموضوع في ترتب الحكم عليه، فلا بد في كل فعل يقع بين اثنين من إحراز الموضوع لكل منهما في ترتب الحكم عليه، ولعله يعطي ذلك وقوع السؤال عن حل الشراء وطيبه في خبر اسماعيل بن سعد، الدال بمفهوم الجواب على ثبوت البأس إذا لم يقم عدل في ذلك. وعليه فيجوز بل يجب أخذ المال من يدل الفاسق المتصدي لبيعه ما لم تعلم الغبطة فيه، لان عموم أدلة القيام بذلك المعروف لا ترفع اليد


(1) وهي قوله تعالى كما في سورة الحجرات / 6: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ".

[ 296 ]

عنها بمجرد تصرف الفاسق، فان وجوب اصلاح مال اليتيم ومراعاة غبطته لا ترتفع عن الغير بمجرد تصرف الفاسق. نعم لو وجد في يد الفاسق ثمن من مال الصغير لم يلزم الفسخ مع المشتري وأخذ الثمن من الفاسق، لان مال اليتيم الذي يجب إصلاحه وحفظه من التلف لا يعلم أنه الثمن أو المثمن، ولعل إصالة صحة المعاملة من الطرفين تحكم بالاول، ان لم تكن مثبتة، لكن يجري المنع عن تناول الثمن على كل من تقديري صحة المعاملة على المثمن وفسادها، لبقائه على ملك مالكه على الثاني، وعدم إحراز المصلحة فيه على الاول. هذا وليعلم ان تصرف العدول مع فقد من هو مقدم عليهم في المرتبة ليس على وجه النيابة عن الحاكم، فضلا عن كونه على وجه النصب من الامام عليه السلام، بل هو محض امتثال للتكليف به وجوبا أو استحبابا، فيجوز لغير المتصدي منهم مزاحمة المتصدي فيه، وان دخل في مقدمات العمل، وكان الاثر لمن سبق منهما في النتيجة دون المقدمات. وأما الحكام ففي جواز مزاحمة بعضهم لمن سبقه منهم في مقدمات العمل دون نفسه؟ وجهان: مبنيان كما قيل على مستند ولاية الحاكم فانه: ان استندنا في ولايته إلى أمره عليه السلام، بارجاع الحوادث إليه في (التوقيع) المتقدم) جازت مزاحمته قبل وقوع التصرف منه وان دخل في مقدماته لان المأمورين بالارجاع هم العوام دون الحكام، فانهم أولياء في مرتبة واحدة كالاب والجد له الموجب لنفوذ تصرف السابق منهما في نفس الفعل دون مقدماته، وان استندنا إلى عمومات النيابة كما يعطيه إضافة (الحجة) إلى نفسه في تعليله " بأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " وغيره، فيمكن أن يقال بعدم جواز المزاحمة بعد سبق أحدهم، ولو في مقدمات الفعل، لانه بعد تنزيله منزلة الامام بالنيابة التي مرجعها إلى تنزيل

[ 297 ]

النائب منزلة المنوب عنه، كان كمن زاحم الامام عليه السلام، بعد دخوله ولو في مقدمات الفعل، المعلوم عدم جواز ذلك. لكن الاظهر جواز ذلك مطلقا، وان استندنا في ذلك إلى عمومات النيابة، لان المنع حينئذ انما يتم لو كانت النيابة متعلقة بمقدمات الفعل أيضا، كنفسه، وهو ممنوع إذ المسلم كون الفعل بنفسه متعلق بالنيابة دون مقدماته، فلا ينزل منزلة الامام إلا حيث يدخل فيما كان نائبا عنه فيه وهو نفس التصرف المعروف دون مقدماته، وان هما الا كالوكيلين النافذ تصرف السابق منهما فيما وكل فيه، وان سبقه الآخر في مقدماته. هذا كله ما لم تستلزم المزاحمة والسبق إلى النتيجة توهينا لمن سبقه في التصدي الداخل في مقدمات العمل قبله وإلا فهو ممنوع لذلك، وهو أمر آخر لا دخل له بالجهة المبحوث عنها فافهم، والله العالم بحقائق أحكامه. ثم ما سمح به الدهر من تحرير مسألة الولاية، لا ما أردناه، إذ كان المرام هو التتبع التام والعموم في كلمات القوم، واستحصال نهاية ما أرادوا واستنتاج غاية ما أفادوا، فحال دون المرام حائل الايام، وتتابعت صروف الزمان ومعوقات الحدثان، فمما أصبت به عند اشتغالي بالولاية: أن فجعت بولد، وأي ولد، روح له اللطف جسد، علي الاسم والسمة،، لم أسمع في حبه لا ولمه، نشأ أكرم منشأ، ويعرف حسن المنتهى بحسن المبدء غاص في بحار الفقه على الخفايا وبجودة الفكر أبرزها، وجال في ميادين العلم لاحراز الغاية فأحرزها. ورثاه بعض العلماء (1). بقصيدة، أولها:


(1) هو العلامة الاديب السيد رضا بن السيد محمد بن هاشم الموسوي النجفي الشهير بالهندي المتولد سنة 1290 والمتوفى سنة 1363 ه‍ والقصيدة تناهز الخمسين بيتا من روائع الادب العربي، نوجد بكاملها في مجموعنا المخطوط.

[ 298 ]

ألم يكف بالمهدي ما فعل الردى * فثنى وأشجى في علي محمدا فأقام فقده وأقعد، وغار الحزن بقلبي وأنجد. ما غاب عني انما شوقه * يمثله عندي على شكله فأطلق الدمع لفقدانه * وأحبس القلب على ثكله ما كنت بالجازع لو لم اكن * فجعت بالمهدي من قبله لا يبرء الآسون جرح الحشا * إن وقع الجرح على مثله (1) أصبت به ولما يندمل جرح أخيه، وحصلت منها على ضد ما أرتجيه كنت أرتجي أن يكونا اكرمي خلف عن أكر سلم، يستكملان تليد الفضل والطريف، ويرفعان قواعد الدين الحنيف. فكان غير الذي قدرت من أمل * (ما كل ما يتمنى المرء يدركه) وطنت نفسي لما يجري القضاء به * رضا بما يفعل المولى ويتركه قد يصعب المهر أحيانا وفارسه * يلوي الشكيم على شد قيد يعركه (2) " وحسبي الله ونعم الوكيل وأفوض أمري إلى الله ان الله بصير بالعباد "


(1) الظاهر: أن هذه الابيات الاربعة من انشاء المصنف قده في رثاء ولده وقرة عينه، وتطفح العاطفة الابوية من خلالها. (2) وهذه الابيات الثلاثة أيضا من إنشاء قريحة السيد المصنف قده في رثاء ولديه وفلذتي قلبه، فقد فقد بفقدهما عينيه الباصرتين. وعجز البيت الاول تضمين لصدر بيت للمتنبي، عجزه (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن) من قصيدة له كما في ديوانه يستهلها بقوله: بم التعلل لاأهل ولا وطن * ولا نديم ولا كأس ولا سكن

[ 299 ]

رسالة في قاعدة اليد

[ 300 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين: محمد صلى الله عليه وآله وعترته الطيبين الطاهرين، ولعنه الله على أعدائهم أجمعين، من الآن إلى يوم الدين. وبعد، فيقول الراجي عفو ربه الغني محمد بن محمد تقي آل بحر العلوم الحسني الحسيني الطباطبائي (1). (مسألة) في قاعدة اليد، والكلام فيها (مرة) في موضوع اليد ومعناها (وتارة) في اعتبارها بعد قيام الدليل عليه من حيث كونها أصلا أو إمارة (وأخرى) في أحكامها وسعة عمومها (ورابعة) في معارضتها مع غيرها وتقديمها عليه وتقديم الغير عليها، فهنا مقامات:


(1) هكذا كان سيدنا وجدنا (بحر العلوم) يكتب في توقيعاته الشريفة ويوجد لدينا بعض صور خطه الشريف موقعا ب‍ (محمد المهدي الحسني الحسيني الطباطبائي) وذلك بحكم انتسابه إلى ابراهيم طباطبا بن اسماعيل الديباج بن ابراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الامام الحسن السبط (ع) وأم ابراهيم الغمر المدفون في الكوفة فاطمة بنت الامام الحسين (ع)، فهو من طرف الاب حسني طباطبائي، ومن طرف الام حسيني فاطمي.

[ 301 ]

(المقام الاول) في معنى اليد. والمقصود منها في المقام: هو الاستيلاء والسلطنة على الشئ بحيث تكون لصاحبها القدرة على أنحاء التصرف فيه. وهو أحد معانية الحقيقية عرفا، للتبادر، بل ولغة، كما يظهر من تعدادهم ذلك في معانيها الظاهر في الحقيقة، فعن ابن الاعرابي في (لسان العرب): " اليد: النعمة، واليد: القوة، واليد: القدرة، واليد: الملك: واليد: السلطان، واليد: الطاعة، واليد: الجماعة، واليد: الاكل " وفيه أيضا: " ويد الريح: سلطانها، قال لبيد: (نطاف أمرها بيد الشمال) لما ملكت الريح تصريف السحاب جعل لها سلطان عليها، ويقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه، ولا يقال: في يدي فلان " (1) وفي (الصحاح): " واليد: القوة، وأيده أي قواه إلى أن قال: " وهذا الشئ في يدي أي في ملكي " وفي (القاموس) في تعداد معانيها قال: " والقوة والقدرة والسلطان والملك بكسر الميم.. (3) " انتهى. وهي بهذا المعنى لا تستلزم وقوع التصرف فيه، بل يكفي في تحققها القدرة عليه فمن حمى أرضا لنفسه استولى عليها، وان لم يتصرف فيها بزرع أو رعي ونحوهما، فانه ذو يد عليها عرفا قبل وقوع التصرف فيها. نعم، لا يصدق اليد على الشئ بمجرد القدرة على الاستيلاء عليه، بل لا بد من فعليته في


(1) راجع ذلك في مادة (يدي) منه (2) راجع ذلك في مادة (يدي) منه (3) وتتمة العبارة: " والجماعة والاكل والندم والغياث والاستلام والذل والنعمة والاحسان تصطنعه " راجع ذلك في مادة (يدي) منه.

[ 302 ]

صدقها عليه، فالقدرة على الاستيلاء غير فعليته الموجبة لتحققها به، فقد تجتمع مع التصرف، وقد تنفك عنه، ولذا تنقسم اليد إلى المجردة عن التصرف، والمنضمة معه. نعم بالاستيلاء تتحقق مرجعية المستولي للمال، وإليه يرجع أمر المال في كل ما يتعلق به، فلا ينفك الاستيلاء عن المرجعية بل هي أثره ومسببة عنه. ثم اليد على الشئ التي قد عرفت أن معناها الاستيلاء عليه والاحاطة به: (مرة) تكون سببا للملك (وأخرى) مسببة عنه. فالاول، كالحيازة للمباح، فانها تحدث ربطا بينه وبين الحائز ربط إضافة واختصاص، يعبر عنه بالملك، له طرفان: طرف الاضافة إلى المالك، وطرف التعليق بالمملوك، ولا ينتفي الربط الحادث به بكلا طرفيه إلا بفك الملك كالتحرير والاعراض على القول بخروج المعرض عنه عن الملك به. والثاني، وهو ما كان مسببا عن أحد النواقل الشرعية، سواء كانت اختيارية أو قهرية، كالارث، فان اليد والاسيتلاء على المنتقل إليه انما هو بأحد أسبابه الموجبة للنقل إليه، والنقل حينئذ انما هو تحويل لطرف الاضافة من المنتقل إلى المنتقل إليه، فطرف التعلق والحالة هذه لم ينفك عن كونه متعلقا به، وان كان بالدقة الفلسفية يرجع إلى إعدام ربط الاول بطرفيه وإحداث ربط جديد بين المال والمنتقل إليه، فالملك حينئذ مسبب عن العقد دون الاستيلاء، بل الاستيلاء والسلطنة عليه مسبب عن الملك الحاصل بأحد أسبابه، غير أن السلطنة المسببة عن أحد أسبابها انما هي السلطنة الاستحقاقية، وقد تجامع الاستيلاء الفعلي، فيتحدان في الوجود، وقد تنفك الاقتضائية عن الفعلية كالعين المغصوبة تحت يد الغاصب.

[ 303 ]

هذا وما ذكرنا من انفكاك اليد عن التصرف لا ينافي استكشاف ثبوتها به حيث يقع الشك في تحققها بعد أن كانت فعلية التصرف مسببة عنها غالبا. وبالجملة: لا شك في صدق اليد لمن يشاهد منه بعض التصرفات المترتبة على الملك كالبيع والاجارة في الاعيان، واستعمالها كذلك غالبا كالحمل والركوب في الدابة والهدم والتعمير في الدار والزرع والغرس في الارض وغير ذلك من وجوه الاستعمالات الكاشفة عن اليد والاستيلاء بدلالة الاثر على المؤثر. والمرجع فيما شك في صدق اليد به إنما هو العرف. والظاهر صدق اليد على الدار لمن أغلق بابها ومفتاحها بيده، كما تصدق اليد على الدابة إذا كان بيده زمامها. وفي صدق اليد على الدار بمجرد كون مفتاحها بيده ما لم يعلم استناد الاغلاق إليه؟ اشكال. وأشكل منه مع انفتاح الباب، فهو كمن بيده لجام الدابة غير الملتجمة به وان اختص بها. وفي صدق اليد على المتاع بوجوده في داره. أو على الدار بوجود متاعه فيها ما لم يعلم استناد الوضع إليه أيضا؟ إشكال. اللهم إلا أن يدعى ظهور ذلك في كونه مستندا إليه، وهو على عهدة مدعيه أولا. ولو سلم فممنوع بلوغ ظهوره حد الصدق به ثانيا. وقد تتعارض وجوه التصرف والاستعمال. فان تساويا في مرتبة الاستكشاف في الشدة الضعف تساويا في صدق البدء أو عدمه. والا فالصدق لما هو أشد في القوة كالدابة التي عليها حمل أحد وزمامها بيد الآخر. فهي لآخذ الزمام دون صاحب الحمل، بل ولو ركبها رجل وقادها الآخر فاليد للقائد. ولو كان لاحد الجارين استطراق في مسلك مخصوص في دار جاره إلى بئر يستقى منها مثلا فهل المسلك مشترك في الملك بينهما

[ 304 ]

بناء على صدق اليد لهما عليه، أو يختص بصاحب الدار، وانما لجاره حق الاستطراق فقط لمنع اليد على أزيد مما يفيد ملك المنفعة أو الانتفاع، أو يختص بالسالك بدعوى اختصاص اليد له المستكشف بمشاهدة تصرفه فيه ومنع ثبوت يد لصاحب الدار عليه ما لم يكن مشاركا له في استعماله والتصرف فيه؟ احتمالات: أضعفها الاخير، ولكل من الاولين وجه. ولعل الاخير أوجه. وان لم يكن للسلوك مسلك مخصوص لم يثبت له أزيد من حق الاستطراق قطعا، لمنع صدق اليد له على شئ من عرصة الدار، وان تعين عليه ذلك في أقصر الخطوط من المبدء إلى المنتهى، لانه المتيقن من تعلق حق الانتفاع به وجواز مزاحمة المالك فيه. والتعيين في جزء منها، ان قلنا به، فبحكم شرعي لا مدخلية له في صدق اليد عليه عرفا. ويد الودعي على الوديعة يد المودع بعد تنزيله منزلته في حفظها لان معناها الاستنابة في الحفظ ولذا لا يقع الضمان فيها لعدم تعقل ضمان الانسان لنفسه في ماله، بل هو كذلك في مطلق الامين كالوكيل والمستعير، فاليد فيهما حقيقة للموكل والمعير، وان كانت العارية بالضمان تخرج عن الايتمان فيد التابع للمتبوع وان ترتب عليها أثر في الجملة من حيث هي كذلك. (المقام الثاني) في الدليل على اعتبارها. ويدل عليه مضافا إلى محكى الاجماع المستفيض المعتضد بدعوى الاتفاق عليه من بعض والضرورة من آخر الروايات المستفيضة: منها رواية حفص بن غياث المروية في الكتب الثلاثة، وفيها: " أرأيت إذا رأيت شيئا في يد رجل، أيجوز لي أن

[ 305 ]

أشهد أنه له؟ قال: نعم، فقال الرجل: أشهد أنه في يده، ولا أشهد أنه له فلعله لغيره؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: أفيحل الشراء منه؟ قال: نعم، فقال عليه السلام: فلعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبلك اليك؟ ثم قال (ع): ولو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق " (1). ومنها المروية في الوسائل صحيحا، وعن الاحتجاج مرسلا كما قيل: عن مولانا الصادق عليه السلام في حديث فدك: " إن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال لابي بكر: أتحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين؟ قال: لا، قال: فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت أنا فيه: من تسأل البينة؟ قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين، قال: فإذا كان في يدي شئ فادعي فيه المسلمون: تسألني البينة على ما في يدي، وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده ولم تسأل المؤمنين على ما ادعوا علي كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم " (2).


(1) راجع: الوسائل كتاب القضاء، باب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، حديث (2) ولعل مقصوده من الكتب الثلاثة باستثناء الاستبصار بقرينة نقل الوسائل نفس الحديث عن الصدوق والشيخ والكليني، والرواية عن الصادق (ع). (2) في الوسائل، بنفس الباب حديث (3) بسنده عن علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان جميعا عن أبي عبد الله (ع).. وقال بعد نقل الحديث: ورواه الصدوق في (العلل) عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن ابيه، ورواه الطبرسي في (الاحتجاج) مرسلا.

[ 306 ]

ومنها رواية مسعدة بن صدقة: " كل شئ هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل ثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة: أو المملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " (1). ومنها رواية حمزة بن حمران: " ادخل السوق فأريد ان أشتري جارية، تقول: إني حرة، فقال: اشترها، الا ان يكون لها بينة " (2). ومنها صحيحة العيص: " عن مملوك ادعى أنه حر ولم يأت ببينة على ذلك: أشتريه؟ قال نعم " (3). ومنها موثقة يونس بن يعقوب: " في المرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة؟ قال (ع): ما كان من متاع النساء فهو للمرأة وما كان من متاع الرجل والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له " (4).


(1) في الوسائل، كتاب التجارة باب 4 من ابواب ما يتكسب به حديث (4): عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: كل شئ.. (2) الوسائل، كتاب التجارة باب 5 من ابواب بيع الحيوان حديث (2) بسنده عن حمزة بن حمران قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ادخل السوق.. (3) نفس المصدر والباب حديث (1) بسنده عن العيص بن القاسم عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن مملوك.. (4) في الوسائل، كتاب الفرائض والمواريث، باب 8 من ابواب ميراث الازواج حديث (3)، عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (ع) في امرأة تموت..

[ 307 ]

(والمناقشة) فيها بضعف السند في بعض، وعدم الدلالة أو اجمالها في جملتها، لان حديث (فدك) لا يدل على أزيد من كون المطالب بالبينة انما هو المدعى دون المدعى عليه، وهو غير المدعى: من إفادة اليد الملكية، ومثل ذلك في عدم الدلالة له ما تضمن جواز الشراء ممن يكون المال في يده الدال على صحة المعاملة معه بالغاء ما يوجب المنع عنه من الاحتمالات المانعة عن الصحة من السرقة والحرية ونحوهما، وهو أعم من إفادة الملك، فان الولي والوكيل والمأذون مثلا يجوز الشراء منهم مع عدم كونه ملكا لهم، فجواز الشراء وصحة المعاملة أعم من الملكية والعام لا يدل على خصوص الخاص. وتضمن خبر حفص لجواز الشهادة استنادا في تحملها إلى مؤدى الاصول والامارات، وهو ممنوع جدا كما ستعرف والاستدلال بخبر (مسعدة) مبني على كون جملة (هو لك) صفة للشئ (وحلال) خبرا للمبتدأ، وهو أحد الاحتمالين فيه، مع انه يحتمل ولعله الظاهر كون لفظ (حلال) خبرا للضمير المنفصل، وهو مع خبره خبر للمبتدأ الاول و (لك) متعلق (بحلال) والمعنى: كل شئ هو حلال لك حتى تعرف.. الخ وحينئذ فيكون من أدلة البراءة، دون اعتبار اليد، ولا أقل من إجمال الخبر بعد قيام الاحتمالين فيه. (مدفوعة) أما: ضعف السند فمجبور بالعمل. وأما مطالبة البينة من غير ذي اليد في خبر (فدك) فلكونه مدعيا يدعى خلاف الظاهر على ذي اليد، وليس الا لظهور كون ما في يده له، وإلا لكان مدعيا أيضا وكان مورد التداعي دون المدعي والمدعى عليه. وأما ما تضمن جواز التصرف من البيع والشراء فظاهر بمعونة السياق في أن المستند هو كونه له وأما تضمن خبر حفص لما لعله لا نقول به، فلا يخرجه عن الحجية في غيره وأما خبر مسعدة فالاحتمال الاول فيه هو الظاهر منه. ولو بمعونة الامثلة فيه.

[ 308 ]

هذا مع أن من مجموع الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض ولو بمعونة سياقها يشرف الفقيه على القطع باعتبار اليد وإفادتها الملك. ثم الظاهر اعتبارها من باب الظن النوعي الحاصل من غلبة كون الشئ في اليد ملكا لمن هو في يده اعتبرها الشارع إتقانا للنظام وقياما للسوق كما صرح به في ذيل خبر حفص بن غياث، بل المستفاد منه اعتبار كل إمارة يوجب عدم اعتبارها اختلال النظام، بل الادلة دلت على امضاء الشارع لما عليه بناء العقلاء من أهل الاديان في جميع الازمان قبل الاسلام وشرع الاحكام من الحلال والحرام: من اعتبار اليد وإفادتها الملك. هذا وهل يعتبر في التملك باليد كالحيازة للمباح قصد الملك، أم يغني قصدها عن قصده، فتكون الحيازة بنفسها سببا تاما للملك، وان تجردت عن قصده، بل ولو مع قصد العدم، لان ترتب المسبب على السبب قهري وان كان السبب اختياريا، ومثله سببية الاحياء للملك في (الموات) في اعتبار القصد معه، وعدمه، بل ومع قصد العدم؟ وجهان: بل قولان ولعل الاقوى العدم، لما دل على سببية الاحياء والسبق للملك نحو " من أحيى أرضا ميتة فهي له " وقوله في النبوي المنجبر: " من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو احق به " (1) الشامل باطلاقه مالو تجرد عن قصد الملك بل ولو مع قصد عدمه، مع احتمال ورود المطلقات مورد الغالب: من وقوع ذلك بقصد التملك، فيبقى غيره على مقتضى الاصل: من عدم الملك. ولتحقيقه محل آخر. نعم يستثنى من تأثير اليد للملك في المباحات موات الارضين منها، فانها انما تملك بالاحياء، لما دل على سببيته للملك. وأما تحجيرها فلا يفيد


(1) مضى تحقيق وتخريج هذين الحديثين النبويين وغيرهما في آخر الجزء الاول من (البلغة) ضمن البحث عن الاراضي الخراجية.

[ 309 ]

الا الاولوية بالتصرف، وهذا مسلم عندهم، مع شمول حديث " من سبق " لها الدال على الاحقية المطلقة التي هي مساوقة للملكية، ولذا يستدل به على الملك في الاحتشاش والاحتطاب ونحوهما، وخروجها عنه بما دل على حصر سبب الملك فيها بالاحياء ينافي الاستدلال به كما عن بعض على الاولوية بالتصرف بالتحجير المتوقف على ارادة مطلق الاحقية من لفظ الاحق فيه، دون الاحقية المطلقة، ولعله لذا اعترف جدنا في (الرياض) بعدم العثور على نص يدل على افادة التحجير الاولوية بالتصرف، حتى احتمل استناد الاصحاب في حكمهم بذلك إلى فحوى ما دلى عليها في السبق إلى مكان من المسجد أو السوق ونحوهما من النص. قال في باب إحياء الموات: " واعلم اني لم أقف على ما يتضمن أصل التحجير فضلا عما يدل على خصوص الاولوية به إلا اتفاقهم عليه ظاهرا ودعواه في كلام جمع منهم صريحا ولعلهم أخذوه من فحوى ما دل عليها من السبق إلى مكان من المسجد أو السوق من النص وغيره ولا بأس به " (1) انتهى. وبالجملة، التمسك بالحديث على الملك في غير (الموات) من المباحات الاصلية بالسبق إليها، وعلى الاولوية بالتصرف فيها بالسبق والتحجير دون الملك ما لم يبلغ حد الاحياء، لا يخلو من إشكال ظاهرا. وتوضيحه: هو ان مفاد الجملة الشرطية علية المقدم للتالي علية تامة بحيث يترتب عليه التالي ترتبا فعليا، ومقتضاه كون السبق علة للاحقية، وحينئذ: فان أريد بها الاحقية المطلقة، أي الاحقية في جميع وجوه التصرفات والانتفاعات حتى المتوقفة على الملك، كان ذلك مساوقا للملكية ومقتضاه حصول الملك بالتحجير لتحقق السبق به الموجب له بمقتضى العلية


(1) ذكر ذلك في أوائل كتاب احياء الموات أثناء عرض المصنف لشروط الاحياء، ومنها: أن لا يكون محجرا عليه من قبل..

[ 310 ]

المستفادة منه. وان أريد بها مطلق الاحقية الصادقة على مجرد الاولوية دون الملكية، لم يكن دالا على الملك بالسبق في المباحات الاصلية، لانه اعم والعام لا يدل على خصوص الخاص. وان أريد المعنيان منهما معا كان من استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى. ولكنه مدفوع بأن خروج الانتفاعات المتوقفة على الملك في خصوص الموات من المباحات، وان سبق إليها بالتحجير، عن اطلاق الاحقية المستفاد عمومها من حذف المتعلق بأدلة الاحياء الدالة على انحصار سبب الملك به لا ينافي ثبوت الاحقية في باقي التصرفات غير المتوقف على الملك بالاطلاق المقيد بغيره. توضيح ذلك: أن الحكم المطلق إذا كان مترتبا على موضوع عام، ثم ورد دليل مقيد له في خصوص جهة من جهات إطلاقه بالنسبة إلى فرد مخصوص من افراد موضوعه العام، كان ذلك الفرد من غير تلك الجهة مشمولا لاطلاق الحكم باقيا على اندراجه في عموم الموضوع يستدل به عليه مثلا لو قال: (اكرام العلماء واجب) الظاهر بمعونة حذف المتعلق في كونه واجبا في الحضر والسفر مثلا، ثم ورد نهي عن إكرام زيد العالم في السفر، فيبقى وجوب إكرام زيد في الحضر مدلولا عليه باطلاق نفس الخبر، وغيره من أفراد العلماء يجب إكرامه في حالتي السفر والحضر، لسلامة جهات الاطلاق في حقهم عن التقييد واختصاصه به في خصوص السفر ففي ما نحن فيه نقول: ان لفظ ما في الحديث يعم جميع الاعيان التي لم يسبق إليها مسلم، سواء كانت مواتا أم غيرها من المباحات الاصلية مما ينقل ويتحول، والاحقية بالسبق إليها الشامل بعمومها المستفاد من حذف المتعلق لجميع التصرفات ووجوه الانتفاعات حتى المتوقفة على الملك حكم شرعي مرتب على ذلك الموضوع العام ثابت لمن سبق إليها بايجاد علته من السبق

[ 311 ]

غير أنه لما ورد دليل خاص في خصوص الموات قد دخل على حصر سبب الملك بالاحياء، وجب خروج التصرفات المتوقفة على الملك عن إطلاق الاحقية فيها، وبقي غيرها حتى ما يكون سببا للملك كنفس الاحياء، لانه غير متوقف على الملك، داخلا تحت إطلاق الاحقية فيها أيضا. وحينئذ فالاحقية المطلقة الملازمة للملكية والاحقية في الجملة الملازمة لمجرد الاولوية بالتصرف مقصودان من لفظ الاحق في الحديث المستعمل في مطلق الاحقية أي الطبيعة المهملة، فيستفاد إطلاقه في غير الموات من الجهتين: من الاطلاق والارسال، وفي الموات من الجهة الاولى فقط من حمل المطلق على المقيد. ومن المحقق في محله: أن الطبيعة المهملة تتحد مع المراتب أعلاها وأسفلها والمتوسطات بينهما فهي حقيقة في جميع مراتبها، كما عليه (سلطان العلماء) (1) فالمراد من الاحق في المباحات الاصلية غير الموات: هو المرتبة العالية بقرينة دليل الحكمة، فأصل الاحقية مستفاد من اللفظ، وخصوصية المرتبة من دليل الحكمة، وفي الموات هو غير المرتبة العالية، فأصل الاحقية مستفاد أيضا من اللفظ، وأما خصوصية المرتبة النازلة فهي مستفادة من دليل المقيد، فلا يلزم هناك استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، بل لا يلزم ذلك حتى على القول باستفادة الاطلاق من اللفظ وكون التقييد مجازا، فان اللفظ بعد التقييد مجاز في الباقي، لا أنه مستعمل في اكثر من معنى.


(1) وهو السيد الحسين بن الميرزا رفيع الدين محمد بن محمود الحسيني الاصبهاني العالم المحقق الشهير ب‍ (سلطان العلماء) لتفويض الشاه عباس الماضي الصفوي أمر الوزارة والصدارة إليه فكان خليفة السلطان وصهره على ابنته، له تأليف وتعاليق قيمة على الروضة والمعالم والزبدة وغيرها في منتهى التحقيق والتدقيق توفى في أيام الشاه عباس الثاني في مازندران ونقل جثمانه الطاهر إلى النجف الاشرف سنة 1064 ه‍.

[ 312 ]

وأما السبق إلى الاوقات العامة، فهو موجب للاحقية في التصرفات الموافقة لجعل الوقف أو الغير المنافية له. وأما المنافيات له فغير موجب لها لعدم قابلية دخولها في الملك وعدم تسويغ ما ينافي الوقف من التصرف فان الوقوف على حسب ما يقفها أهلها، فهو أيضا خارج بالدليل الخاص عن اقتضاء السبق للاحقية في جميع التصرفات المنافية للوقف. فتلخص مما ذكرنا: أن السبق إلى ما لم يسبقه مسلم مما يكون هو وغيره لولا السبق شرع سواء موجب للاحقية في جميع التصرفات ووجوه الانتفاعات في غير الموات والاوقات العامة من المباحات الملازمة للملكية ولمجرد الاولوية دون الملكية فيهما بمعونة دليل الحكمة في الاول، والمقيد في الثاني. (المقام الثالث) في مقدار عموم (قاعدة اليد) وبيان جملة من أحكامها. وتمام الكلام فيه يتم في طي امور. (الاول) هل تجري (قاعدة اليد) في غير الامول من الاعراض والنسب، بمعنى ثبوتهما باليد، أم هي مختصة بالاموال. وعليه، فهل هي تختص بالاعيان منها أم تعم المنافع أيضا، فنقول: القدر المستفاد من أدلة اعتبارها من الاخبار المتقدمة: هو اعتبارها في الاموال، لعدم عموم فيها يشمل غيرها الا إطلاق قوله (ع) في ذيل موثقة ابن يعقوب: " ومن استولى على شئ منه فهو له " وهو حسن لولا تقييد شئ فيه بالضمير المجرور ب‍ (من)

[ 313 ]

العائد إلى المتاع. وحيث لا دليل على اعتبارها في غير مورد الاخبار، فمقتضى الاصل عدمه. ومنه يظهر الوجه في عدم ثبوت الاعراض باليد، وان حكي الاجماع عليه فيما لو تنازع رجلان في زوجية امرأة هي تحت أحدهما، كان القول قول من هي تحته. فان تم فللاجماع ولظهور حال المسلم، وحمل أفعاله على الصحيح حتى يثبت من يدعى فسادها، لا لاعتبار اليد عليها. اللهم إلا أن يستدل عليه: بمناط ما هو مذكور من الامثلة في خبر (مسعدة) المتقدم: " أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك " بناء على عدم الفرق في إلغاء ما يخالف اليد بين مجرد احتماله أو وجود مدع به، لكن على أحد الاحتمالين المتقدمين في تفسير الخبر: من جعل جملة (هو لك) صفة لشئ و (حلال) خبرا ليكون حينئذ دليلا على على اعتبار اليد. وبأن البضع يملك، واليد إمارة مفيدة للملك، ملك عين كان أو ملك الانتفاع، فتأمل، فضلا عن ثبوت النسب بها، بل لعل عدمه من المتفق عليه عندهم، كما يظهر من كلماتهم في مسألة: ما لو تنازع اثنان على نبوة صبي في يد أحدهما، حيث حكموا بمساواتهما في الدعوى وأنه من باب التداعي دون المدعي والمدعى عليه. ولولاه لكان ذو اليد مدعى عليه ومنازعه مدعيا. نعم في (القواعد) ما يعطى ذلك على إشكال حيث قال: " ولو تداعيا صبيا. وهو في يد أحدهما لحق بصاحب اليد خاصة على إشكال " (1) ويظهر من ولده (الفخر) في شرحه: ان من الاصحاب من يقول بذلك حيث قال: " اليد: إما أن تكون عن التقاط، أولا، والاول لا تقدم


(1) راجع ذلك في كتاب القضاء من (قواعد العلامة) الفصل الرابع في النسب.

[ 314 ]

والثاني: إما أن يتقدم استلحاق صاحب اليد فيقدم، أولا يتقدم، فهل يقدم؟ قيل: نعم، لانها إمارة دالة عليه، لانه مدعى عليه وغيره مدع، وقيل: لا، لان اليد لا تأثير لها في النسب ولا في ترجيحه، والاصح الثاني " (1) انتهى. قلت: ولعل التقديم لو قيل به فلترجيح أحد الاقرارين باليد بعد تساويهما في الاقرار، لا لتقديم قول ذي اليد من حيث هو ذو اليد على من يدعي عليه. نعم يلحق الصغير بمن ادعى بنوته إذا كان أبا أو ولو كان أما حيث يمكن اللحوق به ولا منازع له عليه، الا أن ذلك من ثبوت النسب بالاقرار المتضمن له دعواه بها مع ورود الاخبار المستفيضة به، مضافا إلى إمكان كونه مندرجا تحت قاعدة المدعى بلا معارض، ان قلنا بها، فلا دخل له بثبوت النسب باليد. ثم على تقدير اختصاص (قاعدة اليد) بالاموال، فهل هي تختص بالاعيان منها، أم تعم المنافع أيضا؟ صرح بالاول منهما النراقي في (مستنده) حيث قال بعد أن ذكر اختصاص أخبار الباب بخصوص الاعيان ما نصه: " يمكن دعوى اختصاص صدق اليد حقيقة بالاعيان، فانها المتبادر عرفا من لفظ ما في اليد، بل الاستيلاء، وصدقه على المنافع غير معلوم، بل نقول: ان الكون في اليد والاستيلاء انما هو في الاشياء الموجودة في الخارج القارة، وأما الامور التدريجية الوجود الغير القارة، كالمنافع، فلو سلم صدق اليد والاستيلاء فيها، فانما هو فيما تحقق ومضى، لا في المنافع


(1) راجع: (إيضاح الفوائد في شرح اشكالات القواعد) لفخر المحققين في نفس الباب.

[ 315 ]

الآتية التي هي المراد هنا " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه بعد صدق اليد عرفا على المنافع وان قبضها حاصل بقبض العين، ولذا جاز للمؤجر مطالبة الاجرة من المسأجر بمجرد قبضه العين المسأجرة مع أن ما بازاء الاجرة إنما هو المنفعة، وليس له المطالبة إلا بعد قبضها الحاصل بقبض العين، لان اليد على العين يد على منافعها، والا لكان من المطالبة قبل القبض والتسليم، الذي قد عرفت جواز الامتناع عنه قبله في (قاعدة تلف المبيع قبل قبضه) بما لا مزيد عليه " (2). ومن هذا الباب: عدم ضمان منفعة الحر، إذ لا يد على حتى تصدق اليد على منافعه، ولا كذلك المملوك فان منافعه مضمونة لصدق اليد عليها باليد عليه، ولا دخل للاستيفاء في صدق اليد على المنفعة بقبض العين حتى يفصل بين المستوفاة منها وغيرها، أو يفرق فيها بين ما مضي وما يأتي. نعم، من استولى على عين يدعي استحقاق منفعتها بالخصوص، وأنكره مالك العين، لم يقبل قول المدعي بملك المنفعة بمجرد اليد عليها باليد على العين مع انكار المالك، لان المنفعة تابعة في الملك للعين، فدعوى المدعي


(1) مستند الشيعة في أحكام الشريعة للمولى أحمد بن محمد مهدي النراقي الكاشاني المتولد سنة 1185 والمتوفى سنه 1225 ه‍ طبع في ايران بمجلدين ضخمين طبعه حجرية. راجع هذه العبارة في المجلد الثاني منه كتاب القضاء والشهادات، السادس من مواضيع الكلام في اليد ضمن الفصل الخامس في نبذ من أحكام الدعاوي في الاعيان. وأول العبارة هكذا: " هل يختص اقتضاء اليد لاصالة الملكية أو الاختصاص بالاعيان، أم يجري في المنافع أيضا إلى قوله إلا أنه يمكن. ". (2) راجع الرسالة الثالثة من محتويات الجزء الاول من (البلغة).

[ 316 ]

استحقاقها خاصة متضمنة لدعوى نقلها منه إليه، فلا تقبل الا بحجة شرعية فلا تأثير لليد عليها، كما لا تأثير لليد اللاحقة بعد اعترافه باليد السابقة حسبما ستعرف وانما يقبل قوله بالاستحقاق حيث لا يعلم إنكار المالك له، كما يقدم قول المستولي على غيره لو ادعى الاستحقاق أيضا لاتحاد جهة الاختصاص بهما معا، مع كون أحدهما ذا اليد، فالقول قوله حتى تقوم بينة على خلافه، فلو كانت العين بيد شخص يدعي استيجارها من المالك ولم يعلم انكار المالك لدعواه وادعى غيره استحقاق المنفعة أيضا باجارة أو غيرها، كان القول في استحقاق المنفعة قول من هي في يده، ويطالب المدعي بالبينة. الا أن ذلك يشكل على (النراقي) مع اعترافه به، بناء على مختاره: من عدم صدق اليد على المنافع واختصاص اعتبارها بالاعيان، إذ لا يد للمستولي بالفرض على المنفعة، وما هو ذو يد عليه معترف به لغيره، فما يدعيه من المنفعة لا يد له عليه، وماله يد عليه من العين لا يدعيه. وعليه فيكون من التداعي دون المدعي وللمدعي عليه قال في (المستند): " فلو ادعى أحد استيجار شئ في يد غيره مدعيا بأنه استأجره، يطلب البينة من المدعي لاصالة الاختصاص بالمستولي فان جهة الاختصاص بينهما واحدة بخلاف ما لو ادعى المالك عدم الاجارة لان ملكيته مختصة به والمستأجر يدعي الاختصاص الاستيجاري، ولا دليل عليه " (1).


(1) راجع ذلك في المصدر الآنف الذكر من المستند بعنوان: (السابع) ما ذكر من أن الاستيلاء يدل على اصالة الاختصاص للمستولي إنما هو إذا لم يكن هناك مدع ثبت له اختصاص آخر أيضا، فلو كان كذلك لا يفيد الاستيلاء شيئا إلى قوله: فلو أن..

[ 317 ]

ومثله في (عوائده) فراجع (1). (الثاني) هل يختص اعتبار اليد وكونها إمارة بالنسبة إلى غير صاحبها أو يعم حتى بالنسبة إليه أيضا لو شك في كون ما في يده له، قولان: أقواهما الثاني لا لما قيل: من الاستدلال عليه أولا بخبر مسعدة المتقدم، بناء على كونه دليلا على اعتبار اليد دون البراءة بجعل (هو لك) فيه صفة (لشئ) ومورده بقرينة الامثلة فيه: كون ذي اليد محتملا لخلاف ما تقتضيه يده في الملكية أو الاختصاص وشاكا فيه: الامر فيه بالغاء ذلك الاحتمال وعدم ترتب الاثر على شكه وثانيا بعموم قوله في ذيل موثقة يونس بن يعقوب (ومن استولى على شئ منه فهو له) الشامل باطلاقه لما كان المستولي شاكا أيضا لان الاول مع قوة احتمال كونه دليلا على البراءة بجعل (حلال) خبرا للضمير المنفصل كما تقدم فيكون دليلا للبراءة دون قاعدة اليد: أن الشك فيه لو سلم انما هو للشك في تملك من انتقل منه إليه المعلوم اعتبار اليد فيه، مع أن بعض أمثلته لا دخل لليد فيه، كالزوجة المحتمل كونها (رضيعتك) فان الموجب لالغاء احتمال ذلك فيه انما هو مخالفته للاصل دون قاعدة اليد. وأما الثاني، فلظهور اختصاص قوله في الموثقة (من استولى على شئ) في أن كلا من الرجل والمرأة إذا مات وكان مستوليا على شئ من متاع البيت حكم له به، ومع الاشتراك في الاستيلاء يحكم بالاشتراك


(1) عوائد الايام في بيان قواعد الاحكام. نفس العبارة ذكرها في أخريات القاعدة في بيان أن مقتضى اليد الملكية.

[ 318 ]

وأين ذلك من كون المستولي بنفسه شاكا في ملكه لما في يده. بل لصحيحة جميل بن صالح عن الصادق عليه السلام: " رجل وجد في بيته دينارا؟ قال: يدخل منزله غيره؟ قلت: نعم كثير، قال: هذه لقطة، قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال: فيدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا؟ قلت: لا، قال: فهو له " (1) حيث حكم بأن ما في الصندوق له مع كونه شاكا فيه بالفرض، وليس إلا لكون اليد معتبرة حتى بالنسبة إلى صاحبها، ولعموم التعليل في ذيل خبر (حفص) المتقدم " ولو لم يجز ذلك ما قام للمسلمين سوق " بعد فرض كون السوق مثالا، وان المقصود لزوم اختلال النظام لولا اعتبار اليد، والظن النوعي المستفاد من غلبة كون ما في اليد ملكا لصاحبها الشامل لذي اليد أيضا، لوجود المناط فيه بعد أن كان الغالب عدم تذكره لسبب ملكية ما هو تحت يده من متاع البيت وأثاثه وأمتعته الموضوعة للبيع في دكانه من الاقمشة وغيرها. وان نوقش في الرواية بمنافاة ذيلها الحاكم بملكية ما في الصندوق لصاحبه الدال على اعتبار اليد ولو كان شاكا صاحبها لصدرها الحاكم بكون ما وجده في دار لقطة إذا دخلها غيره أيضا، الدال على عدم اعتبار اليد مع كون صاحبها شاكا، إذ المفروض أن الدار وما فيها لم تخرج بدخول الغير عن كونها تحت يد مالكها وكونه ذا يد عليها بما فيها، الا ان المناقشة ضعيفة، لمنع الغلبة المفيدة للظن ولو نوعا بكون ما وجده في بيته مع دخوله الغير فيه كثيرا مالكا له إذا كان مما يمكن سقوطه من الداخلين فيه كالدينار ونحوه، ضرورة أن ملك البيت من حيث هو ليس سببا لتملك ما فيه، وهذا بخلاف ما يوجد فيه من الامتعة


(1) الوسائل، كتاب اللقطة، باب 3 من أبوابها، حديث (1).

[ 319 ]

وغيرها مما يبعد وضعه فيه من الداخلين أو سقوطه منهم، فهو له وان شك فيه لغلبة عدم تذكر المالك مفصلا لما يملكه مما هو موجود في بيته أو دكاته ونحوهما. وان أبيت عن ذلك، فنقول: ان مقتضى اليد اعتبارها مطلقا في كل ما يوجد في ملكه من افادتها الملكية له، خرج من ذلك مورد النص فيبقى الباقي داخلا في العموم، وكونه من التخصص لا من التخصيص قد عرفت ما فيه. نعم قد يقال: ان الصحيحة تعارضها موثقة اسحاق بن عمار: " عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيها نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة: كيف يصنع؟ قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها، قلت: فان لم يعرفوها؟ قال: يتصدق بها " (1) حيث قيد الدفع إليهم بالمعرفة الموجب لعدمه مع عدمها الشامل لصورة الشك أيضا أولا مع تصريحه ثانيا بالتصدق مع عدم المعرفة الشامل الاطلاقة للشك أيضا كما عرفت مع أن الامر بالسوأل لا يكاد يتجه مع كون أهل المنزل ذوي أيد على المنزل وما فيه ظاهرأ أو باطنا: بل اللازم دفعه إليهم من دون سؤال منهم، فان أنكروه تصدق به. الا انها منزلة لكون المال فيه مدفوعا بالفرض على الكنز الذي لو وجده في الخربة كان لواجده، وفي العمار عرف به أهله أولا، وليست للعمارة من حيث هي مدخلية الا من حيث احتمال كونه لاهلها


(1) المصدر الآنف الذكر باب 5 من أبواب اللقطة، حديث (3) بسنده هكذا: " عن اسحاق بن عمار قال: سألت أبا ابراهيم (ع) عن رجل.. ".

[ 320 ]

المفقود في الخربة. هذا وما أبعد ما بين القول بعدم اعتبار اليد في حق صاحبها لو كان شاكا، وبين القول بكونه ملكه، وان علم عدمه، وأنه مما أعطاه الله ورزق ساقه إليه كما عليه جدنا في الرياض لاطلاق الصحيحة المتقدمة في الصندوق، بناء على شموله لما لو كان بالعدم المعلوم انصرافه إلى غيره " (1). هذا، وهل يشترط في اعتبارها انضمام كونه مدعيا له، أم يكفي فيه عدم نفيه عن نفسه فيحكم به له، وان كان ساكتا عن دعواه ذلك؟ وجهان: والاقوى هو الثاني، لعموم صدر خبر حفص المتقدم " أرأيت إذا رأيت شيئا في يد رجل؟ أيجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: نعم " الناشئ من ترك الاستفصال عن دعواه الملكية وعدمها، وذيل موثقة ابن يعقوب: " ومن استولى على شئ منه فهو له " والاجماع محكي عليه أيضا، بل لعله من الضروريات المسلمة عندهم، ولذا لم يشك أحد في ملكية ما في يد الغائب له، وما في يد الميت كذلك، فينتقل منه إلى وارثه ما لم يعلم خلافه، وفي جواز الانتفاع بما في يد أحد مع اذنه من غير احراز منه لدعواه ملكيته، وليس الا لكفاية اليد للحكم بالملكية وان لم ينضم إليها دعواها. (الثالث). لا فرق في افادة اليد الملك بين اليد العادية وغيرهما فيما لم تكن


(1) راجع ذلك منه في كتاب اللقطة، الثانية من المسائل الثلاث ما وجده في داره أو في صندوقه المختصين بالتصرف فيهما فهو له..

[ 321 ]

عادية بالنسبة إليه، كسرج الفرس وثياب العبد المغصوبين إذا ادعاهما الغاصب لعدم معلومية الغصب فيهما، فيقدم قوله، لانه ذويد عليهما، وطولب المالك بالبينة ان ادعاه، ويحتمل قويا الفرق بين العبد والدابة، ففي العبد ما لم يصدق مولاه، والا فيقدم قول المالك، لان العبد ذويد على ثيابه، وهو وما في يده لمولاه، بخلاف الدابة بالنسبة إلى ما عليها من السرج واللجام. (الرابع) لو اشترك اثنان أو أكثر فيما يصدق به اليد عرفا، فهل الثابت به يد واحدة لهما فلا يد لكل واحد منهما أو يثبت به يدل كل واحد منهما فتعدد الايدي حينئذ وعليه فهل تختص اليد بالبعض نصفا أو ثلثا بحسب تعدد الشركاء فيكون له اليد على النصف أو الثلث، أو لكل يد على كل العين وجميعها وان زوحم بمثلها عليه؟ فعلى الاول لا تعارض بين اليدين لاختلاف متعلقهما وعلى الثاني كان من تعارض اليدين لاتحاد المتعلق فيهما. وتظهر الثمرة بينهما فيما لو غصب العين إثنان دفعة، فتلفت عندهما رجع المالك عليهما معا بالمناصفة أو بالمثالثة بحسب تعدد الشركاء، على الاول، وله الرجوع على من شاء منهما أو عليهما بالتوزيع على التساوي أو على التفاضل، على حد حكم تعاقب الايدي، على الثاني أقوال: أما الاول، فلا إشكال في بطلانه لتعدد اليد بعد فرض تحقق ما يوجب صدقها بالنسبة إلى كل واحد منهما من الاستيلاء بحيث لو كان منفردا لكان مستقلا به. نعم لو كان تحققه موقوفا على الانضمام بحيث لولاه لم يحصل

[ 322 ]

استيلاء أصلا لم تتحقق الا يد واحدة لهما، وان كان الحكم فيها وفي الصور الآتية التنصيف أو التثليث مثلا بحسب تعدد الشركاء. وبالجملة: ليست اليد آبية عن صدق التعدد بعد فرض وجود ما به يتحقق الصدق. وعلى الثاني، فذهب إلى الاول منهما بعض، ولعله الاكثر، فاليد إنما هي عندهم ثابتة على البعض المختف قدره بحسب تعدد الشركاء، فلا يد له على ما زاد عليه وكانت اليد لصاحبه فيه، فيكون كل منهما أو منهم بالنسبة إلى ما في يد صاحبه مدعيا، وبالنسبة إلى ما في يده مدعى عليه. والاقوى عندي: هو الاخير، كما يظهر من شيخنا في (الجواهر) فتكون لكل واحد منهما أو منهم يد على الكل، لعدم تعقل اليد على البعض المشاع بعد امتناع فرض تعقله الا بتعلق اليد بجميع العين ولذا لم يتحقق قبض البعض المشاع الا في ضمن قبض الجميع، وليس الا لعدم تعقل قبضه مشاعا بقبض البعض المعين، فاليد ثابتة على الكل، لكن لا بنحو الاستقلال، فالمنفي في المقام انما هو الاستقلالية دون أصل الاستيلاء واليد فحينئذ يكون كل من ذوي الايدي على العين مدعيا للجميع ومدعى عليه بالنسبة إليها كذلك. نعم ربما يرد في المقام إشكال على كل من القولين الاخيرين، وهو أن اليد الثابتة لكل منهما: ان كانت على البعض أشكل تعقله مع تساوي أجزاء العين بالنسبة إلى تعلق اليد بها كما عرفت وان كان على الكل أشكل الحكم بملكية البعض من النصف أو الثلث كما عليه الفتوى بعد فرض ثبوت اليد على الجميع، وان عورض بمثلها فيكون من تعارض السببين الفعليين الممتنع تواردهما على مسبب واحد.

[ 323 ]

وبالجملة الحكم بالتنصيف مثلا بينهما حينئذ انما يكون منشأ النصف بالتحريك دون اقتضاء اليد، وهو خلاف ما يظهر من فتواهم بذلك. ودفع الاشكال بما تنكشف به حقيقة الحال: هو أن يقال: إن الملكية تابعة لليد في الاستقلالية وعدمها، لان الحكم بها إنما هو باقتضاء اليدلها، ويتصف كل منهما بالاستقلالية واللا استقلالية، ومقتضى اليد على الكل لا بنحو الاستقلال ملكية الكل كذلك، فكل منهما يملك الكل لا بنحو الاستقلال بحيث لو تم نقصانها من حيث عدم الاستقلال تولد منه كسر مثلا من الكسور التسع (1) فملكية البعض مستقلا هو عين ملكية الكل لا بنحو الاستقلال، بل الملكية المنبسطة على الكل لا ضعف فيها في مرتبة الملكية، وانما النقصان فيها من جهة الاستقلالية على وجه أو تمت هي من هذه الجهة وصارت ملكية مستقلة كانت مقتصرة على كسر من الكسور أو جزء من الاجزاء بحسب تعدد الشركاء، فالمقتصرة على البعض هي عين المنبسطة على الكل، لا فرق الا في الاستقلالية وعدمها. ولعله إلى ما ذكرنا يرجع كلامهم في إفادتها ملكية النصف، أي الملكية الاستقلالية، وبذلك صح اتصاف كل منهما بأنه مدع ومدعى عليه لان كلا منهما يدعي الاستقلالية المستلزمة دعواه لعدم ملكية صاحبه أصلا لا عدم استقلاليته، وصاحبه من حيث كونه ذا يد ولو بنحو الاستقلال الظاهرة في الملكية كذلك منكر، فكل منهما مدع للاستقلالية ومنكر لما يدعيه صاحبه عليه من نفي أصل الملكية، فما به يكون مدعيا غير ما به يكون مدعى عليه، فلا وجه لالتزام لغوية حكم اليد بالنسبة اليهما، وان


(1) ويقصد: الاعتيادية منها لا العشرية، وهي المنكسرة عن الواحد كالنصف والثلث والربع والخمس والسدس والسبع والثمن والتسع والعشر.

[ 324 ]

القضاء به لهما بالمناصفة، لقاعدة المدعى لمال لا يد لاحد عليه. كيف والمال تحت يديهما أولا واختصاص قاعدة قبول قول من يدعي مالا لا يد لاحد عليه بما لا يكون له منازع كما ستعرف والمفروض كون كل منهما منازعا للآخر ثانيا وان اليدين بالنسبة اليهما من توارد السببين على مسبب واحد المعلوم امتناعه، فيكون اليمين لترجيح أحد السببين على الآخر لا للقضاء به. كيف وانما الممتنع توارد السببين التامين على ملكية الكل بنحو الاستقلال لا بنحو الشركة. وبما ذكرنا يتضح لك مواقع التأمل في كلام شيخنا في (الجواهر) في اشتراط القضاء لهما باليمين وعدمه حيث قال: " وقد يناقش بعدم اندراجهما في القاعدة المزبورة إذ الفرض أن يد كل منهما على العين لانصفها ضرورة عدم تعقل كونها على النصف المشاع الا بكونها على العين أجمع في كل منهما، وحينئذ فلا مدع ولا مدعى عليه منهما، ضرورة تساويهما في ذلك، الا ان الشارع قد جعل القضاء في ذلك بأن العين بينهما كما سمعته من النبوي المرسل، فالنصف هو القضاء بينهما في الدعوى المزبورة التي كان مقتضي يد كل منهما الكل. ومنه يظهر لك عدم كون كل منهما مدعيا لنصف الآخر ومدعى عليه في نصفه كي يتوجه التخالف، بل المتوجه إلغاء حكم يد كل منهما بالنسبة إلى تحقق كونه مدعى عليه، ويكون كما لو تداعيا عينا لا يد لاحد عليها ولا بينة لكل منهما، فان القضاء حينئذ بالحكم بكونها بينهما لكون الدعوى كاليد في السبب المزبور المحمول على التنصيف بعد تعذر إعماله في الجميع للمعارض الذي هو استحالة اجتماع السببين على مسبب واحد إذ لا وجه لاستحقاق كل منهما اليمين على الآخر ضرورة عدم كونه مدعى عليه بعدم يد له على العين يراد رفعها عنه، فقول كل منهما: (هي لي)

[ 325 ]

دعوى بلا مدعى عليه، فلا يمين فيها فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع " انتهى. قلت: ان ما ذكرنا أدق، وبالقبول أحق فظهر لك: أن توقف القضاء على اليمين انما هو للميزان، لا لترجيح أحد السببين بها على الآخر، ولا ينافيه النبوي المرسل: " في رجلين تنازعا في دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها النبي صلى الله عليه وآله بينهما " حيث لم يذكر فيه القضاء باليمين لعدم معلومية كون الدابة في يديهما، فلعله تنازعا فيها ولا يدلهما عليها وهو واضح. (الخامس) كما أن اليد تفيد الملكية وتكون امارة عليها، كذلك فيما يعتبر في حلة التذكية، إن كانت اليد لمسلم تفيد كونه مذكى اجماعا بقسميه وللمعتبرة المستفيضة فيها وفي سوق المسلمين وأرضهم وهل هي إن كانت للكافر إمارة على الميتة أو لا تكون إمارة أصلا، وانما الحكم بكونه ميتة لاصالة عدم التذكية السالمة عما يحكم عليها من الامارة الدالة على التذكية؟ قولان: ذهب إلى الاول منهما شيخنا في (الجواهر) (1) تبعا لاستاذه (كاشف الغطاء). والاقوى: الثاني، لعدم ما يدل على كون يد الكافر إمارة على الميتة الا ما عسى أن يتوهم استفادته - كما في الجواهر من خبر اسحاق بن عمار " عن العبد الصالح عليه السلام:


(1) قال في كتاب الطهارة باب النجاسات، في أخريات شرح قول المحقق " ولا يجوز استعمال شئ من الجلود الا ما كان طاهرا.. ": " أما ما كان مطروحا ولا أثر استعمال عليه أو كان في يد كافر لم يعلم سبق يد مسلم عليه أو أرضهم وسوقهم وبلادهم فهو ميتة لا يجوز استعماله ".

[ 326 ]

لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام، قلت: فان كان فيها غير أهل الاسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس " (1) الدال بمفهومه على ثبوت البأس مع عدم الغلبة في المجهول فضلا عما علم كفره وخبر اسماعيل بن عيسى: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل من سوق من اسواق الجبل: أيسأل عن ذكاته إذا كان البايع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك " (2) بناء على أن الامر بالسؤال من جهة الميتية ومن تقديمهم يد الكافر على أرض المسلمين وسوقهم في الحكم بكون المأخوذ منه ميتة، إذ لو لم تكن يد الكافر إمارة لم يكن مجرى للاصل المحكوم لامارة السوق، وليس الا لكون اليد إمارة، فتكون من تعارض الامارتين، وأقوائية إمارة اليد من السوق. وفي الكل نظر: أما خبر اسحاق، فلكفاية الاصل الموجب للاجتناب في ثبوت البأس. وأما خبر اسماعيل فلظهور الالزام بالسؤال في عدم إمارية يد الكافر، وإلا لوجب الاجتناب عنه، دون الفحص (ودعوى) استفادتها من المقابلة ليد المسلم المستفاد منها حكم الوضع من الا مارية دون صرف التكليف، فليكن كذلك في يد الكافر بقرينة المقابلة ولو بمعونة فهم العرف منها (فدفعها): أنه يكفي في التقابل عدم ما هو ثابت في يد المسلم من الا مارية، سيما في المفهوم الذي ليس المستفاد منه الا سلب ما هو ثابت بالمنطوق.


(1) الوسائل، كتاب الطهارة، باب 50 من أبواب النجاسات حديث (5). (2) المصدر نفسه، حديث (7)، وتكملته: " وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه ".

[ 327 ]

وأما تقديم يد الكافر على سوق المسلمين، فانما هو لقصور السوق عن كونه إمارة فيما كان في يد الكافر فعلا، المعلوم كفره، وانما هو امارة بالنسبة إلى مجهول الحال، إلحاقا للمشكوك بالغالب، فالتقديم فيه ليس الا للاصل السالم عما يحكم عليه من أدلة السوق الدالة على حكم مجهول الحال دون معلوم الكفر. وبما ذكرنا ظهر لك أن يد الكفار ليست إمارة على الميتية حتى تعارض يد المسلم التي هي إمارة على التذكية تعارض الامارتين الموجب للترجيح بينهما، بل هو من باب تقابل الامارة وعدم الامارة، لا إمارة العدم حتى يلتمس الترجيح. وحيث اتضح لك ما ذكرنا، ظهر أنه لا شك على المختار في الحكم بتذكية الذبيحة المشتركة بين المسلم والكافر الموجودة في يديهما، معا، لقيام الامارة عليها من يد المسلم، سيما على المختار: من كون اليد على الكل وان كان لا بنحو الاستقلال الحاكمة على إصالة عدم التذكية، وان كانت في يد الكافر أيضا، لما عرفت من عدم كون يده إمارة على العدم، فهي بحكم العدم في قبال يد المسلم، فلم يبق الا الاصل المحكوم لها. ولعله كذلك أيضا، على القول الآخر، وان كان حينئذ تعارض الامارتين لاقوائية يد المسلم في الامارة باعتضادها بأصالة صحة فعله، وليس الاصل في فعل الكافر الفساد حتى يكون معاضدا ليده، وإصالة عدم التذكية ليست في مرتبة الامارة حتى تصلح للاعتضاد بها (1) وهذا هو الوجه


(1) ولا يخفى أن ذلك ينتقض باصالة الصحة التي جعلها سيدنا المصنف عاضدة لامارية يد المسلم، فهي أيضا ليست في مرتبتها كي تعضدها. وعليه فالمرجع بعد تساقط الامارتين بالمعارضة إصالة عدم التذكية، وذلك لحكومتها على أصالة الصحة، لانها أصل موضوعي وتلك أصل حكمي، فتأمل جيدا.

[ 328 ]

في ترجيح يد المسلم على يد الكافر، لو قلنا بكونها إمارة أيضا، لا ما ذكره شيخنا في (الجواهر) زيادة عليه من أقوائية ما دل من الاخبار على اعتبار يد المسلم بالتعدد، لان أكثرية العدد لا تصلح للترجيح بعد حجية ما دل على اعتبار يد الكافر، وأنها امارة. وهو واضح بل وكذا على المختار = لو وجد في السوقين أو الارضين للمسلمين والكفار مع علم التاريخ وجهله لانقطاع الاصل بتحقق الامارة القاطعة له. نعم يشكل على القول الآخر لو كان السابق من اليدين أو السوقين ما هو إمارة على الميتية (1) لعدم المانع عن الحكم بها بعد فرض انفرادها عما يعارضها من الامارة، فلا يجدي لحوق إمارة التذكية بعد عدم تعقل لحوق التذكية فعلا بعد الموت، ضرورة كون الامارة كاشفة عن تحقق الموضوع الذي هو مؤداها في الواقع، وان كان كشفا ظنيا، الا أن الشارع اعتبرها في مرحلة الكاشفية، وليست الامارة كالاصل الذي لا يترتب عليه الا الاحكام المجعولة للشارع حتى يمكن التفكيك فيها بحسب اقتضاء الاصول لها. اللهم الا أن يقال: ان الميتة حيث لا ينتفع بها المسلم بوجوه الانتفاعات أصلا لحرمتها ونجاستها، لم يكن بد من كون ما في يده مذكى: ولا كذلك


(1) قد يقال بعدم ورود الاشكال ضرورة أنه بناء على كون الامارة كاشفة، فمعناه كشفها عن الواقع وترتيب الآثار من أول الامر كما هو مختار سيدنا المصنف قدس سره فيما يأتي فلا بد من المعارضة مطلقا حتى في صورة سبق إحدى الامارتين على الاخرى، إن مقتضى كل منهما ترتيب آثار الواقع من ذي قبل، وذلك تناقض ظاهر. نعم يتم الاشكال بناء على الوجه الآخر من وجهي الامارة وهو ترتيب الآثار من حين تحققها لا من ذي قبل فتأمل.

[ 329 ]

الكافر، فان عدم تذكيته عنده لعدم حاجته إليها لا لحاجته إلى عدمها (1) فغلبة عدم التذكية عند الكافر لعدم مسيس الحاجة إليها، وغلبة التذكية في يد المسلمين وسوقهم لمسيس الحاجة إليها لتوقف وجوه الانتفاعات به على التذكية، فحيث وجد في يد المسلم، فلا بد من وقوفه على تذكيته وان سبقتها يد الكافر. واليه يرجع ما تقدم من اصالة الصحة في فعل المسلم. وعدم إصالة الفساد في فعل غيره. ومنه يعلم الوجه في تقديم اليد الحكمية للمسلم على اليد الفعلية للكافر فضلا عن سوقهم وأراضيهم، وظهر لك أيضا حكم الذبيحة المشتركة بين المسلم والكافر والموجودة في يديهما فعلا بعد الحكم بتذكيتها لو تقطعت وانفرد بقطعة منها بعد العلم بكيفيتها، فان القطعة المبانة منها مذكاة، وان كانت في يد الكافر. هذا وحيث حكم على الجلد ونحوه بعدم التذكية الراجع إلى الميتية للاصل واستعمل، ثم قامت إحدى إمارات التذكية من يد المسلم أو غيرها فهل هو على نحو الكشف أو من حين قيام الامارة، فيحكم بنجاسة ما لاقاه قبل ذلك؟ وجهان: الاقوى: الاول، وان اختار ثانيهما شيخنا في (الجواهر) حيث قال: " وعلى كل حال فحيث حكم بالتذكية لحصول إمارتها الشرعية بعد الحكم بالميتية للاصل أو لليد أو بالعكس، فهل هو على الكشف بمعنى جريان حكم المذكى عليه مثلا فيما مضى من الافعال والمباشرة لو كانت، أولا، بل من حين تحقق الامارة؟ وجهان: أوفقهما بالاصل والاحتياط الثاني، ولا ينافيه عدم تصور التذكية له الآن، ضرورة


(1) قد يستلزم ذلك اخراج يد الكافر عن الا مارية وهو خلاف الفرض ومع التسليم فذلك جار فيهما حتى لو كانتا في عرض واحد، ولا خصوصية لحالة سبق احديهما الاخرى كما لا يخفى.

[ 330 ]

كون المراد جريان الاحكام لا التذكية حقيقة، وربما يؤيده في الجملة ما قيل من وجوب الوضوء للعصر مثلا على من شك فيه بعد الفراغ من الظهر، وان حكم بصحة الظهر بناء على أن الدليل فيها صحة فعل المسلم، فهي حينئذ وان ثبتت في الظهر، لكن لا يثبت بها كونه متوضأ حقيقة، فتأمل جيدا " (1) انتهى. وفيه: أن ما ذكره انما يتم على تقدير أن يكون اعتبار اليد من باب التعبد وكونه من الاصول التعبدية، لا من باب الامارة التي معناها الكشف عن الواقع. وثبوت مؤداها في الواقع وان كان في مرحلة الظاهر، لكون الكشف ظنيا لا علميا كما عرفت والتأييد بما ذكره من وجوب الوضوء للعصر تأييد بما لا يكون مؤيدا، لان صحة الظهر انما هي لاصالة الصحة أو لقاعدة الشك بعد الفراغ التي هي من الاصول التعبدية التي يمكن التفكيك في أحكامها. وأين ذلك من اليد التي هي من الامارة التي قد عرفت معناها، وقد اعترف هو بها. وبالجملة حيث قامت إمارة على التذكية كشفت عن تحققها من حين إزهاق الروح، فتترتب عليه أحكامها من حينه، لا من حينها، والله العالم. (السادس) يشترط في إفادة اليد الملك عدم العلم بحدوثها بعنوان آخر، فلو علم بكونها في يده بنحو العدوان أو الامانة، ثم شك في ملكيتها وهي في يده في الزمان اللاحق لم تكن اليد مقدة للملك عند الشك، لاستصحاب


(1) ذكر ذلك في المسألة الاولى في البحث عن لباس المصلي من كتاب الصلاة.

[ 331 ]

اليد السابقة، وأصالة عدم تبدل عنوانها بعنوان آخر، وهو مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه. (السابع) يقبل قول ذي اليد مطلقا، وان كانت عادية في جملة مما يتعلق بما في يده كالطهارة والنجاسة، فلو أخبر بطهارة ما كان متنجسا أو بالعكس قبل قوله، للاجماع المحكى فيه، وفي قبول تصديقه لاحد المتنازعين لو تنازعا على عين في يده فصدق أحدهما فيكون المصدق بحكم ذي اليد في كونه مدعى عليه وصاحبه مدع وعليه البينة، وهو من المسلم عندهم من حيث الفتوى، الا أن الكلام في دليله، مع قطع النظر عن الاجماع عليه إذ غاية لزوم تصديقه بالاقرار نفوذه في نفيه عن نفسه، لا كونه للمصدق فيكون حينئذ من المتنازع على شئ لا يد لاحد عليه بعد أن كان يده بالاقرار كلا يد. ولعل المستند: هو قاعدة " من ملك شيئا ملك الاقرار به " (1) وهي قاعدة مسلمة عندهم على ما يظهر من فتاواهم المتفرعة


(1) انها قاعدة فقهية مسلمة لدى عامة الفقهاء، يطبقونها على مواردها المتفرقة في أبواب الفقه. وللتعرف عليها بايجاز يستدعي الكلام عن جهات. الاولى الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) هو عموم مفاد هذه وخصوص مفاد تلك، فتلك مقتصرة على صورة ما إذا كان الاقرار على النفس لا لها، وهذه تعم الصورتين. الثانية مدرك القاعدة: الملازمة العقلية بين السلطنة على ثبوت الشئ واقعا وبين السلطنة على إثباته خارجا كما قيل (أولا) أو التسالم =

[ 332 ]

في أبواب الفقه المعللة بها في كلماتهم وان ذكر بعض لها وجوها ومؤيدات لعلها لا تخلو من مناقشة. منها ما ذكره المدقق التستري الشيخ أسد الله قده في رسالته المعمولة لهذه (القاعدة) ما لفظه: " ومما يؤيده مطلقا في التصرفات القولية ان المقر حيث كان قادرا على انشاء المقر به عندما أقر به، فتكليفه مع فقد البينة عليه بفعله لاثباته مع ان المرجع إليه في قصد مدلوله وكونه لاغيا ظاهرا في نظره، بل ممتنعا لكونه تحصيلا للحاصل في الطلاق ونحوه خال من حكمة يعتد بها، فينبغي عدم اعتبار الشارع لمثله، فإذا ثبت ذلك بحسب الاصل اطرد فيها إذا عرض ما يمنع من الانشاء كموت الزوج ونحوه، فليتأمل في ذلك " انتهى. وفيه: ان خلو التكليف بفعله لاثباته للغويته عنده أو لامتناعه لكونه من تحصيل الحاصل عن الحكمة، مبني على تصديقه فيما أقر به وتحققه في الواقع، وهو أول الكلام، فتكون فائدة التكليف بفعله الحكم بنفوذه


= المطبق والاجماع المستفيض (ثانيا) حتى أنها اعتبرت عند الفقهاء من الضروريات الاولية واعتبروها في مقام الاستدلال كالادلة اللفظية. الثالثة مفاد القاعدة يجزئيها الشرطي والجزائي: أن المالك للشئ عينا كان أم فعلا واقعا، مالك للاقرار به ظاهرا، بلا فرق في السلطنة بين ما لو كانت أولا وبالذات كالمالك الاصلي أم حصلت ثانيا وبالعرض، كالوكيل والولي ونحوهما، الرابعة الظاهر شرطية كون المقر مالكا للشئ فعلا في زمان الاقرار لتطبيق القاعدة، فلا تكفي مالكيته لذلك في زمان وقوع الفعل منه سابقا، ويترتب على ذلك عدم نفوذ إقرار الوكيل أو الولي مثلا بعد انتهاء دور الوكالة أو الولاية. والتفصيل لا يسعه المجال.

[ 333 ]

على غيره في مرحلة الظاهر، فجهل الغير بالواقع في النفوذ عليه حكم جهل نفسه به مع الشك فيه في الاحتياط بفعله ثانيا، وان احتمل وقوعه منه أولا فتكون فائدته قطع الشك باليقين في النفوذ على غيره، فالاحسن أن يؤيد بخلو العدول عن الانشاء مع القدرة عليه إلى الاقرار به كاذبا عن الفائدة الموجبة لذلك مع فرض تمكنه فعلا مما يحصل به الغرض من الانشاء المفروض قدرته عليه حين الاقرار به، ضرورة أن الاقرار بخلاف الواقع لا بد وأن يكون لداع قوي مفقود فيما يتمكن من إنشائه. ولا كذلك فيما كان موافقا للواقع لكفاية موافقيته له في العدول عن الانشاء إلى الاقرار به، فلذا اعتبر تصديق إقراره في ثبوت المقر به شرعا. وقال أيضا بعد كلامه المتقدم: " وأما أدلة الاقرار فهي شاملة للاقرار بالتصرفات العقدية والايقاعية وما أشبهها، قطعا من حيث أنها تقتضي إلزامه بما لولاها لما ألزم به أو اسقاط ما لولاها لكان ثابتا له، ولا ريب أنه ليس معنى (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) كونه نافذا بالنسبة إليهم خاصة على أن يكون قوله " على أنفسهم " متعلقا بجائز، وقدم عليه لافادة الحصر بعد الاقرار، وذلك هو الظاهر من اللفظ والثابت في الحكم، فان من أقر بما في يده خاصة أنه غصبه من زيد يحكم عليه، وعلى كل من صارت يده عليه من الودعي والوصي والوارث وغيرهم بوجوب تسمليه إلى زيد، وضمانه بعد تلفه بمجرد ثبوت الاقرار المذكور ويسقط به عن ذلك المال حق كل من له حق مالي على ذلك المقر كواجب النفقة والغريم. وإذا أقر من عنهد جارية بأنه غصبها من فلان نفذ ذلك في حقه وحق الجارية، وبالولد له منها كما نص عليه في الاخبار. وإذا أقر المولى بعتق عبده حكم بحريته ونفذ ذلك في حقهما وفي كل ما يترتب على حريته من إرث ووصية وغيرهما. وإذا أقر الاب بنكاح الصغير نفذ ذلك

[ 334 ]

في حق الجد كعكسه. وإذا أقر الصبي بالوصية في المعروف نفذ في حق وليه في حياته ووارثه بعد موته. وإذا أقر ذو الحق بوصول حقه إليه نفذ في حقه، وفي حق من عليه الحق فيسقط عنه التكليف بالوفاء وان كان غير عالم به ما لم يكن عالما بعدمه، وربما لا يجوز له الوفاء حينئذ، كما إذا كان مصادما لحق واجب عليه. وإذا أقر أحد بحق عليه لغيره نفذ ذلك بالنسبة إليهما، وان جهله ذلك الغير ما لم يعلم خلافه ووجب عليه أخذه إذا توقف عليه حق لازم له عليه، وهكذا حكم سائر الاقارير، فلا ينبغي ان يحمل الخبر على المعنى المزبور. نعم يمكن أن يحمل على أن المراد ان اقرارهم على أنفسهم من حيث أنه إقرار جائز على أنفسهم، من غير تعرض لما عداهم نفيا ولا إثباتا فيثبت الحكم في غير المقر نفيا أو إثباتا بدليل آخر، فلا يدل حينئذ على المدعى ولا ينفيه الا ان فيه تقليل فائدة الخبر، وتقييد إطلاقه بلا ضرورة إليه، فالاولى أن يحمل على أن اقرارهم على انفسهم فيما يتعلق بهم نافذ مطلقا، فبالنسبة إليهم اصالة وبالنسبة إلى غيرهم فيما يترتب عليه تبعا، وعلى هذا بناء الاقارير، فالتصرف المقر به ان كان مما يشارك المقر فيه غيره كعقد النكاح مثلا لم ينفذ الا في حقه خاصة، وان كان مما يختص به نفذ بالنسبة إليه أولا وبالذات، وبالنسبة إلى غيره ثانيا وبالتبع. وعلى هذا فحكم التصرف بقسميه حكم العين التي عليها يد المقر مع غيره، وما عليها يده خاصة. ولما كان كل من إبقاء النكاح وإزالته مع توابعه بالطلاق حقا مختصا بالزوج له الولاية عليه لا غير، فاقراره حينئذ بالطلاق إقرار في حق نفسه، واخراج لامره من يده، فإذا سمع كان ثابتا مطلقا ولا معنى للتفرقة المذكورة أصلا وكذلك الكلام في نظائر الطلاق كاقرار الاب بنكاح الصغير ونحوه، انتهى.

[ 335 ]

وهو كلام حسن جدير بأن يكتب النور على وجنات الحور، الا أنه مبني على كون الاقرار كالبينة في كونه إمارة ناظرة إلى الواقع، لا أنه من قبيل الاصول التعبدية في وجوب الاخذ بمؤداه والالزام بما أقر به حتى يمكن التفكيك في أحكامها، واستفادة أحد الامرين، كونه أصلا أو إمارة مبني على كون الجار متعلقا بالاقرار، أو بجائز، قدم عليه لافادة الحصر، فيكون الاول مفاد الثاني. والثاني مفاد الاول، الا أن التعلق بالاقرار يضعفه لزوم كون القيد حينئذ توضيحا، لان مفهوم الاقرار لا يتحقق الا حيث يكون على النفس فتأمل. (الثامن) لو أقر بما في يده لزيد ثم أقر به لعمرو بالاضراب، كما لو قال: هو لزيد بل لعمرو، قضى به للاول باقراره وغرم بدله للثاني بالحيلولة فهو كالمتلف عليه، لانه حال باقراره النافذ عليه للاول بين الثاني وحقه باعترافه، بلا خلاف منه معتد به، بل عن (الايضاح): إن ذلك من قواعدهم الظاهر في الاجماع عليه. وان حكى عن ابن الجنيد: الرجوع إليه في مراده ان كان حيا وإلا فهو مال متداعى بينهما فان انتفت البينة حلفا واقتسماها ونفى عنه البعد في الدروس قائلا بعد حكايته عنه: " وليس ذلك ببعيد لانه نسب الاقرار اليهما في كلام متصل، ورجوعه عن الاول إلى الثاني محتمل لكونه عن تحقق وتخمين فالمعلوم انحصار الحق فيهما، أما تخصيص أحدهما فلا " انتهى. إلا انه من الضعف بمكان، لان اتصال الكلام مع احتمال الخطأ والتخمين لا ينافي التعبد باقراره في النفوذ عليه لاطلاق دليله، ولغوية

[ 336 ]

احتمال الخطأ والنسيان في مقابل الاقرار. كضعف ما احتمله في (المسالك) ولعله في العامة كما في الجواهر: من القضاء به للاول وعدم العزم للثاني، لانه إقرار بما تعلق به حق الغير قبله، مع أنه: إن تم كان مقتضاه عدم الدفع له لو فرض انتقاله إليه من الاول، مع أن وجوب الدفع إليه حينئذ كاد أن يكون من المتفق عليه. ومثله ما لو أضرب عن الثاني إلى الثالث أيضا في دفع العين للاول والغرامة لكل واحد من الاخيرين بتمام البدل. نعم لو عطف الثالث على الثاني من دون اضراب عنه بأن قال: هو لزيد بل لعمرو وبكر، غرم بدلا واحدا لهما بالتوزيع عليهما بالمناصفة بينهما، ولو قال: هو لزيد وعمرو، بل لبكر دفع العين إلى الاولين وغرم تمام البدل لبكر، ولو قال: بل ولبكر بالعطف، غرم الثلث، واحتمال النصف عملا بالاضراب والعطف الموجب للتشريك مع أحدهما كما في الجواهر ضعيف. وكذا مثله في الحكم ما لو قال: غصبته من فلان، بل من فلان في الدفع للاول والغرامة للثاني، لما تقدم من الاقرار والحيلولة، بعد أن كان الاقرار بالغصب مستلزما للاقرار باليد للمغصوب منه الدال على الملك له، لكن في (القواعد): الاشكال في ذلك (1). ولعله ينشأ مما ذكرنا ومن أن الغصب يصدق من ذوي اليد، وان لم يكن مالكا للعين، كما لو كان بيده بنحو الاجارة أو الاعارة، فيدفع للاول لسبق الاقرار باليد الظاهرة في الملك وعدم الصارف لها عن الظهور، بل يصلح أن يكون هو صارفا عن ظهور الثاني فيه، فليحمل الغصب في الاقرار الثاني على


(1) راجع ذلك في المطلب الثاني فيما عدا الاستثناء من كتاب الاقرار

[ 337 ]

ما تنفك اليد فيه عن الملك وعليه فلا غرامة للثاني ببدل العين. وضعف كما في الجواهر تبعا للمسالك بأن الاقرار بالغصب: اما أن يقتضي الاقرار بالمك على وجه يقتضي الضمان أولا. فان اقتضاه فقد أقر للاثنين بذلك فكانت كالسابقة فيضمن للثاني، وان لم يقتض لم يجب الدفع إلى الاول في هذه الصورة فضلا عن الغرم للثاني لعدم الاقرار له بما يقتضي الملك لان الفرض أعمية الغصب من الملك، (واحتمال) الفرق بعدم المعارض للاول بخلاف الثاني الذي عارضه حق الاول بسبب الاقرار (يدفعه): أنه مقتض لعدم الغرامة للثاني، وان صرح بالملكية (1) انتهى. وأنت خبير بوضوح الفرق بين الاقرار بالملك، والاقرار بالغصب الذي قد عرفت كونه أعم منه، فيغرم في الاول بخلاف الثاني. هذا والمسألة وان كانت من أحكام الاقرار الا انا تعرضنا لها استطرادا لكونها متعلقا بما في اليد.


(1) راجع ذلك من الجواهر في كتاب الاقرار، النظر الرابع في اللواحق في المقصد الاول منها، في شرح قول المحقق (وكذا لو قال: غصبتها من فلان بل من فلان) وعلق عليه بقوله: لان الاقرار بالغصب من الشخص يستلزم الاقرار له باليد الدالة على الملكية. ثم ذكر اشكال القواعد على ذلك إلى قوله: وفيه: ان الاقرار.. الخ. وفي مسالك الشهيد الثاني في نفس الباب. علق على قول المحقق ذلك بتوجيهه " بأن الاقرار بالغصب من الشخص يستلزم الاقرار له باليد إلى قوله في رد ذلك: " ويضعف بأن الاقرار بالغصب.. " إلى آخر ما ذكر في المتن من عبارة الجواهر.

[ 338 ]

(التاسع) هل تجوز الشهادة بالملك المطلق بمشاهدة اليد الظاهرة فيه أولا؟ قولان: والاول مروي (1). وتنقيح المسألة: هو أن اليد: إما أن يكون معها التصرف المكرر بلا منازع كالهدم والبناء، والاجارة ونحو ذلك من التصرفات التي لا تنفك غالبا عن الملك، أو لا يكون بل كانت مجردة عنه. فان كان الاول، فالجواز هو المشهور شهرة عظيمة حتى ادعى الاتفاق عليه، بل عن (الخلاف): دعوى الاجماع عليه، فان تم، والا، فلا يخلو من إشكال ظاهرا، وان استندوا فيه إلى قضاء العادة بأن ذلك لا يكون الا في الملك وجواز شرائه منه، ومتى حصل عند المشتري جاز له دعوى الملكية. ولو ادعى عليه فأنكر جاز له الحلف، والى الاولوية من اليد المجردة عنه، المصرح في خبر حفص بن غياث بجواز الشهادة فيها مع تضمنه أيضا لما عدا الاول من الوجوه المذكورة، لعدم (2) خلو الوجوه المذكورة عن المناقشة: أما الاول: فان أريد بقضاء العادة: الملازمة بينها وبين الملك، فممنوعة لامكان وقوعه من غير المالك كالوكيل والولي ونحوهما. وان أريد بهما غلبته، فلا يفيد إلا الظن المعلوم عدم جواز الشهادة به.


(1) اشارة إلى رواية حفص بن غياث المتقدمة، وفيها: " إذا رأيت شيئا في يد رجل، أيجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: نعم ". (2) تعليل للاشكال المذكور بقوله آنفا: وإلا فلا يخلو من اشكال.

[ 339 ]

وأما الثاني، فلعدم توقف جواز الشراء على كون البايع مالكا، بل يكفي فيه صحة بيعه الموافقة للاصل، فيكون من الاسباب الشرعية الموجبة للملك المسوغ للحلف عليه. ومنه يظهر الجواب عن الثالث. وأما الاولوية، فممنوع جواز الشهادة في الاصل، وهو اليد المجردة حتى يستدل بها هنا، كيف والمنع هنا يستلزم المنع في اليد المجردة بالاولوية، وان كان الثاني، وهو اليد المجردة عن انضمام التصرف إليها، فأكثر المتأخرين كما في المسالك والكفاية وغيرهما على الجواز أيضا، ونظرهم فيه إلى خبر حفص المتقدم الصريح في جواز الشهادة على الملك والظاهر في كون اليد مجرده عن التصرف. والجواز فيه مستلزم للجواز في الاول بالاولوية. كما أن المنع في الاول مستلزم للمنع هنا كذلك، إلا أن الخبر مع ضعف سنده مخالف لما دل على اعتبار العلم في الشهادة، ضرورة أن مفاد اليد ليس إلا الظن وان نصبها الشارع طريقا للحكم بالملكية فلا يكفي فيما كان العلم بالواقع معتبر فيه، وبرده أيضا ما قاله في (الشرايع) بعد أن نسب الجواز إلى القيل: " وفيه اشكال " علله بقوله: " من حيث أن اليد لو أوجبت الملك له لم تسمع دعوى من يقول: الدار التي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال: ملك هذا لي " (1) انتهى. مضافا إلى ما قيل على الجواز: من لزوم التعارض بين بينة المدعي


(1) قال في كتاب الشهادات، الطرف الثاني فيما به يصير شاهدا، مسائل ثلاث: الاولى " لاريب أن المتصرف بالبناء والهدم والاجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق، أما من في يده دار فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد، وهل يشهد له بالمطلق؟ قيل: نعم، وهو المروي، وفيه اشكال من حيث.. ".

[ 340 ]

لو شهدت بالملك له وبينة ذي اليد، كذلك لو علم استنادها إلى اليد لتساويهما في الشهادة على الملك والرجوع في الترجيح حينئذ إلى ترجيح البينة الخارجة أو الداخلة، مع أن تقديم بينة المدعي في الفرض من المسلم ظاهرا عندهم حتى على القول بتقديم البينة الداخلة للترجيح باليد، لانه انما هو حيث لا يعلم الاستناد إليها لا مطلقا. وبالجملة: ليس للشاهد أن يشهد الا على اليد أو التصرف أو هما معا ضرورة عدم جواز الشهادة على مؤدى الاصول والامارات كالاستصحاب والبينة، مع أنها أقوى من اليد، ولذا تقدم عليها. وأجيب عن ذلك كله: أما عن ضعف الخبر فبانجباره بالشهرة المستفيضة والاجماع المحكي، وبعد الجبر يخصص به عمومات ما دل على اعتبار العلم في الشهادة، فيكون المورد مستثنى منها. وأما عن تعليل الشرايع للمنع، فمع أن مثله جار في التصرف الذي نفي الريب عن الجواز فيه، فلا وجه للفرق بينهما، لا يخفى وضوح الفرق بينهما إذ التصريح بالملك تكذيب لدعواه وقوله: التي في يد هذا، إلى محقق لموضوعه، لان المدعي من كان قوله مخالفا للظاهر. وأما عن استلزام الجواز التعارض بين البينتين والرجوع إلى ترجيح الداخلة أو الخارجة، فلعدم المنافاة بين الجواز وأقوائية بينة المدعي من بينة ذي اليد إذا علم استنادها في الشهادة على الملك إليها، وتقديم الترجيح بذلك على الترجيح بغيره من المرجحات. هذا غاية ما ذكر دليلا للمنع والجواز من الطرفين والنقض والابرام من الجانبين. ونحن ذكرناها جريا على طريقتهم. والا فالذي يقتضيه التحقيق في وجه جواز الشهادة على مقتضى اليد من الملك كالشهادة على نفسها: هو ان الملكية سواء أريد بها ما يوجب السلطنة الخاصة أو نفسها: هي أمر اضافي واختصاص خاص منتزع من أسبابه، وتحقق المعنى المنتزع

[ 341 ]

يدور مدار تحقق منشأ انتزاعه، سواء كان المنشأ من الاسباب الواقعية المستحيل التخلف أو الشرعية الممكن في حقه ذلك في الواقع. وحيث تحققت الاحاطة بالشئ الحاصلة من الاستيلاء عليه كانت موجبة لاختصاص المحاط بالمحيط وإضافته إليه ومقتضية له ما لم يمنع عنه مانع من الاختصاص بالغير، ضرورة أن الاحاطة على ما لا اختصاص له بأحد يوجب انتزاع الاختصاص الخاص إليه، وحيثما شك فيه كان مقتضى الاصل عدمه (وسبق) الملكية للغير من حيث هو سبق، سيما لو كان مجهولا مع الشك في بقائها كما هو الغالب في موارد اليد (لا) ينافي الملكية للثاني، لعدم اتحادهما في الزمان، وانما المنافي كونه حين ما هو في اليد مستحقا للغير، وهو كما يحتمل، يحتمل العدم لامكان الانتقال إليه ولو من المالك الاول، فيكون الثاني من شؤن سلطنة الاول وفي طوله فمرجع الشك حينئذ إلى الشك في كون اليد الفعلية طولية أو عرضية، ويكفي في ترتب الاثر على اليد الفعلية من انتزاع الاضافة الخاصة منها إلى صاحبها عدم احراز كونها عرضية للاصل، وان لم يثبت به كونها طولية بعد ثبوت المقتضي وعدم المانع بالاصل، فلا تزاحم اليد الفعلية باليد السابقة، سواء كان الشك في حدوثها للاصل أم في دوامها بعد العلم بحدوثها لان المنافاة في الثاني منفية بالاصل أيضا كما عرفت. نعم هي مستصحبة، ومقتضاها، وان كان ذلك، الا أن التفكيك بين الاحكام في مجاري الاصول التعبدية غير عزيز فتأمل (1)، مع كون اليد كما ستعرف مقدمة على الاستصحاب، إذ لولاه لما قام للمسلمين سوق.


(1) وجه التأمل: هو أن الشك في المزاحمة وعدمها مسبب عن الشك في دوام اليد وعدمه، والاصل في السبب حاكم على الاصل في المسبب فبالاستصحاب يتعين كونها عرضية (منه رحمة الله).

[ 342 ]

وبالجملة، فمنشأ الانتزع، وهو الاستيلاء مادام موجودا كان مقتضيا لانتزاع الاضافة الخاصة منه ما لم يمنع مانع عنه من كونها يدا عرضية، وقد عرفت أن مقتضى الاصل عدمه، والاستصحاب غير مجد في المقام. واذ قد عرفت ذلك، ظهر لك جواز الشهادة على الامر المنتزع، وهو الملكية، بمشاهدة منشأ انتزاعه، فاليد ولو كانت مجرده عن التصرف كما يجوز الشهادة عليها إذا كانت معلومة بالحس أو غيره، كذلك يجوز الشهادة على ما ينتزع منها من الاختصاص الخاص، ضرورة معلومية المنتزع بمعلومية منشأ انتزاعه، ولا ينافي كونها من هذه الحيثية سببا لانتزاع الملكية كونها كاشفة عن سبق الاستحقاق بالغلبة. ولا كذلك مؤدى غيرها من الاصول والامارات الموجبة للحكم به تعبدا، ولذا لا تجوز الشهادة بمؤدى الاستصحاب والبينة، مع أنها أقوى من اليد كما ستعرف فما دل على اعتبار اليد في إفادتها الملك انما هو في الحقيقة إمضاء من الشارع لما عليه العرف والعقلاء من الانتزاع المذكور بمشاهدة منشأ انتزاعه. ويشهد لما ذكرنا: ما هو المعلوم: من جواز الشهادة على الملك المطلق بمشاهدة أسبابه الشرعية كالبيع ونحوه مع عدم العلم بملك البايع للمبيع الموجب لسراية الشك إلى ملك المشتري لتوقفه عليه في الواقع، وليس إلا لكون السبب الشرعي معلوما بالحس أو غيره، وترتب المسبب على السبب علمي من غير حاجة إلى تقييد الملك فيه بالظاهر وكونه حكما ظاهريا، فكذلك اليد والاستيلاء إذا كان مشاهدا جازت الشهادة بما ينتزع منه لكونه معلوما بمعلومية منشأ الانتزاع، وان كان اعتباره للحكم بسبق الاستحقاق من باب الامارة الكاشفة عنه بالغلبة. ولذا حكي عن (كشف اللثام) تشبيه الشهادة بمقتضى بعض الطرق الشرعية بالشهادة على أثر الاسباب الشرعية فانها أيضا محتملة للفساد، كما

[ 343 ]

تحتمل الطرق التخلف. وان استغربه في (الجواهر) وأورد عليه بوجهين: لا يخلوان من نظر حيث قال بعد حكايته عنه: " وفيه أولا ان من الواضح الفرق بينهما ضرورة أن الشارع قد جعل السبب في الظاهر سببا للاثر فيه على وجه لم يتخلف عن مقتضاه، بخلاف الطريق، فانه قد جعله طريقا مع تخلفه، إذ التصرف قد يجامع غير الملك بخلاف البيع الصحيح بحسب الظاهر، فانه لا يتخلف عن أثره فيه كالسبب في الواقع. وان أبيت عن ذلك وفرضت صورة تختلف فيها الشهادة بالسبب وبأثره لم تجوز الشهادة بالاثر أيضا، بل لابد فيها إذا كانت عند الحاكم من الشهادة بالسبب نفسه وفعله. ولذا أوجب الاصحاب ذكر السبب في الشهادة بالجرح، ولم يجوزوا الشهادة بالاثر، لاحتمال كونه غير مسبب عند الحاكم.. " (1) انتهى موضع الحاجة من كلامه. وأنت خبير بما فيه: أما الاول، فلما عرفت: من عدم الفرق بين اليد من حيث كونها منشأ وسببا للامر المنتزع منه المشهود به، وبين غيرها من الاسباب الشرعية، وان كان الفرق بينهما من حيث كونها كاشفة عن سبق الملك بالغلبة واضحا. ولعل (الجواهر) اقتصر نظره إليها من حيث الكاشفية دون حيث السببية التي هي الوجه للتشبيه في كلام (الكشف) ولذا اختصت اليد


(1) راجع ذلك في نفس الباب الآنف الذكر من الشرائع في شرح قول المحقق: أما من في يده دار.. وقيل هذه العبارة قوله: ومن الغريب ما في (كشف اللثام) من تشبيه الشهادة بمقتضى الطرق الشرعية بالشهادة على أثر الاسباب الشرعية فانها أيضا محتملة للفساد كما تحتمل الطرق التخلف. وفيه.. الخ.

[ 344 ]

بجواز الشهادة بمفادها دون غيرها من سائر الامارات التي لا توجد فيها الحيثية السببية. وأما الثاني، فلان ذلك السبب في الجرح إنما هو لاحتمال أن لا يكون سببا عند الحاكم وان كان سببا عند غيره، وهذا غير الطريق المعلوم كونه طريقا، وان احتمل تخلفه عن الواقع، فتخلف الطريق بعد معلومية كونه طريقا غير الشك في نفسه الطريقية، وكونه طريقا أولا، والذي يشبه ذكر السبب في الجرح هو الثاني دون الاول، فالقياس بينهما مع كونه قياسا قياس مع الفارق. ولعل ما ذكرنا من سببية اليد للانتزاع منها وجواز الشهادة على الاثر المنتزع من منشأه والتشبيه بالاسباب الشرعية في جواز الشهادة مع احتمال التخلف في السبب مستفاد من نفس الخبر المتقدم من قوله: " أفيحل الشراء منه؟ قال: نعم، فقال: لعله لغيره " الخ، فتكون الرواية على ما ذكرنا، وفتاوى أكثر الاصحاب في جواز الشهادة على مفاد اليد من الملك موافقة للقاعدة، ولذا أفتى بمضمونها من لا يعمل بخبر الواحد. وان كان صحيحا فضلا عن الضعيف منه ولو كان منجبرا. اللهم الا أن يفرق في جواز الشهادة على الامر المنتزع بين ما كان منشأ انتزاعه سببا كالحيازة أو كاشفا عن سبب متقدم، فتجوز الشهادة على المنتزع في الاول ولا تجوز في الثاني، إلا على نفس المنشأ دون المنتزع منه، لكونه معلوما على الاول، ومظنونا على الثاني ولو بالظن المعتبر شرعا. نعم تحقق المنشأ وهو اليد سبب لتحقق الحكم بذلك شرعا لا واقعا، فتأمل. (العاشر) الاصل في اليد على مال الغير ايجابها الضمان ودخوله في عهدة ذي اليد إلى حصول التأدية بنفسه مع وجوده، وببدله مع تلفه بالمثل إن كان

[ 345 ]

مثليا، وبالقيمة ان لم يكن، الا ما استثني. ويدل على سببيتها للضمان مضافا إلى الاجماع عليها بقسميه في الجملة، وقاعدة الاحترام الموجبة لذلك حسبما مر تفصيلها في قاعدة " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " (1) النبوي المنجبر ضعف سنده بتلقي الاصحاب له بالقبول، واستدلالهم به عليه في كثير من الموارد، وهو: " على اليد ما أخذت حتى تؤدى " (2)


(1) مضى تحقيق ذلك ضمن الرسالة الثانية من الجزء الاول من هذا الكتاب (2) في كشف الخفاء للعجلوني ج‍ 2 ص 69 يرويه عن أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث الحسن عن سمرة بن جندب بلفظ (حتى تؤديه) وكذلك في كنز العمال للمتقي ج‍ 5 ص 257، وسنن البيهقي ج‍ 6 ص 29 ومثله مستدرك وسائل الشيعة للنوري باب 1 من كتاب الغصب حديث (4) ولكن في سنن أبي داود والترمذي ومثله: خلاف الشيخ الطوسي كتاب الغصب مسألة (20) فيما إذا غصب شيئا ثم غير صفته.. وبعض كتب الحديث ترويه بلفظ (حتى تؤدي) وعلى كلتا صورتي روايته، فالحديث متواتر النقل اجمالا. وبلغ من الشهرة بحيث اعتبر قاعدة كلية يطبقها الفقهاء على مختلف مواردها من الفقه. والملاحظ أنه ليس المقصود من اليد في الحديث المذكور: اليد الجارحة إذ ربما ليس للمتعدي يد أصلا أو أن المأخوذ غير قابل لوضعه في اليد الخاصة كالدور ونحوها، بل المقصود ههنا المعنى الاستعاري لليد، وهو محض المستولي على الشئ، ومعناه إقرار الضمان القهري على صاحب اليد الآخذة من قبل الشرع أو العقل أو كليهما. فلا يرتفع هذا الضمان الاعتباري الا بالاداء إلى المالك الحقيقي أو التنزيلي بواحدة من مراتب الاداء المتدرجة، برد العين مع وجودها، أو برد مثلها مع إمكان ذلك، أو برد قيمتها مع تعسر الاولين كما ستعرف

[ 346 ]

الشامل باطلاق اليد فيه لانواع اليد الا ما خرج عنه بالدليل كيد الامانة بالمعنى الاعم، مالكية كانت أو شرعية. بناء على ما هو الظاهر منه ولو بمعونة فهم العرف من سياقه: من أن المراد (ثابت على اليد ضمان ما أخذت حتى تؤدي) فهو إنشاء لبيان حكم الشرع من الضمان، لا إخبار عن كون المأخوذ كائنا في اليد إلى زمان التأدية، لانه مع كونه حينئذ من بيان الامر البديهي الذي يجل عنه الحكيم لا يناسب التعدي بكلمة (على) ولا التغيي بخصوص التأدية، للزوم الكذب مع التلف قبلها، ضرورة أن غايته التلف حينئذ دون التأدية، فهو إنشاء لحكم شرعي تكليفي أو وضعي لا سبيل إلى الاول منهما، فيتعين الثاني. وتقريبه: هو أن قوله صلى الله عليه وآله (على اليد) متعلق بمحذوف هو خبر للموصول المتأخر بصلته، والمحذوف المتعلق به إما من أفعال العموم كالثبوت والكون، أو من أفعال الخصوص كواجب أو لازم ونحوهما. ثم انه لا بد أيضا من تقدير مضاف للموصول بدلالة الاقتضاء بعد عدم صلاحتيه بنفسه لان يكون مبتدأ للخبر المتقدم حيث كان المراد منه الاعيان الخارجية المتصفة بكونها مأخوذة، فهي بنفسها غير قابلة لتعلقها باليد المراد منها صاحبها، وانما القابل لذلك انما هو باعتبار أمر آخر فيها من العهدة والضمان أو الحفظ أو الرد ونحو ذلك، فهو نظير قوله تعالى: " اسأل القرية " الدال على سؤال الاهل بدلالة الاقتضاء: فان كان المضاف المقدر هو الضمان كان المتعلق به المقدر من أفعال العموم نحو (ثابت)، وان كان غير ذلك كان المناسب تقدير المتعلق به من أفعال الخصوص نحو (واجب ولازم) فيكون الحاصل على الاول (ثابت على اليد ضمان ما أخذت وعهدته) وعلى الثاني (واجب على اليد حفظ ما أخذت أورد ما أخذت أو أداء ما أخذت)، فلا كلام في أصل

[ 347 ]

التقدير والحذف في الجملة في المقامين، انما الكلام في تعيين المقدر والمحذوف فيهما. والاظهر بل الظاهر، بل المتعين من سياق أمثال المقام بحسب المتفاهم عند العرف من نحو قولهم: على زيد مال عمرو، وعليه دين، وعليه دم فلان، وعليك تفاوت قيمة ما بين الصحيح والمعيب في قول الصادق عليه السلام في صحيحة أبي ولاد، إلى غير ذلك من الامثلة هو الاول، فان الانسب بجعل التأدية غاية لحمل المحمول المقدر على الموصول هو ذلك، دون المعنى الثاني الذي حاصله: واجب أو لازم على اليد حفظ المأخوذ أو رده أو تأديته إلى أن تؤديه، فان ذلك بين ما هو اظهار لحكم بديهي كتقدير الحفظ، وما يوجب النفرة كتقدير الرد أو التأدية، مع استلزامه خلو الحديث عن ذكر ما هو حكمه بعد التلف، ويكون على الاول أتم فائدة وأعم نفعا. وحيث تعين المعنى الاول، فالمستفاد منه هو حكم الوضع، وان استلزم التكليف بدليل خارج أو بإجماع مركب ونحوه، فمن يدعي ظهوره في الحكم التكليفي، فلعل دعواه ناشئة من الغفلة عن الفرق في مدخول كلمة (على) بين ما كان من الافعال نحو (عليك بالصدقة وعليك بصلاة الليل وأداء الفرائض) ونحو قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت " وما كان من الاعيان كالامثلة المتقدمة، فدعوى الظهور في بيان الحكم التكليفي مسلمة في الاول، وممنوعة في الثاني، بل الظاهر فيه كونه بيانا للحكم الوضعي، وان لم ينفك عن التكليف. هذا مع امكان ان يقال: بعدم الحاجة إلى الحذف والتقدير على تقدير كونه بيانا للحكم الوضعي بدلالة كلمة (على) الموضوعة للضرر على العهدة والضمان، كدلالة (كلمة اللام) على الملك المتعلقة بالاعيان والاموال عند الاطلاق، فانها منصرفة إلى الاختصاص المطلق المساوق للملكية والملازم لها، وان كانت في الاصل موضوعة لمطلق الاختصاص

[ 348 ]

فكذلك كلمة (على) فانها عند الاطلاق منصرفة إلى التضرر المطلق الذي هو ضد الملكية للضمان أو ملازم له، فقوله (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ضد قوله (ع): " لليد ما أخذت والعين ما رأت " (1) فكما أن الثاني دليل على الملكية، فالاول دليل على الضمان والعهدة، فلا يحتاج في الاستدلال بالحديث على الضمان إلى تكلف الحذف والتقدير فان هذا المعنى انما يستفاد منها باعتبار كونها ملاحظة لمعنى أسمى هو الضمان والعهدة، كما في دلالة سائر الحروف على المعاني الحرفية المعبر عنها عند إرادة تفصيل معانيها بمعان اسمية، مثل أنه يقال: (من) للابتداء (والى) للانتهاء (واللام) للاختصاص (وهذا) للاشارة، ونحو ذلك، بل لعل فهم الاصحاب ذلك منه حجة أخرى كاشفة عن قرينة كانت موجودة فيه خفيت علينا. وحيث قد عرفت معنى الحديث وما يراد منه، فاعلم ان الحديث بالنسبة إلى أفراد اليد وأنواع الاخذ، وان كان مطلقا، الا أنه بالنسبة إلى زمان الاخذ إلى حين الاداء عام، فلو ثبتت يد على مال لا بعنوان الضمان


(1) في الكافي للكليني، كتاب الصيد، باب صيد الطيور الاهلية حديث (6) " باسناده: أن أمير المؤمنين (ع) قال في رجل أبصر طائرا فتبعه حتى سقط على شجرة، فجاء رجل آخر فأخذه فقال (ع): للعين ما رأت ولليد ما أخذت ". وفي (من لا يحضره الفقيه) للصدوق باب 47 نادر من أبواب القضاء والاحكام حديث (1): " روى السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (ع): أله سئل عن رجل أبصر طيرا.. الحديث. وفي (التهذيب للشيخ الطوسي): كتاب الصيد والذبائح باب الصيد والذكاة، حديث (57) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في رجل.. الحديث.

[ 349 ]

في وقت كيد الامانة مثلا ثم شك في ضمانها لعروض ما يوجب الشك به في أصل معنى الامانة، حكمنا على اليد فيه بالضمان، وان اقتضى الاستصحاب عدمه، لعموم (على اليد) القاضي بالضمان في جميع الازمان. من أن الاخذ إلى آن التأدية، والخروج عنه في زمان لا ينافي الدخول فيه في بقية الازمان، ولا يعارض استصحاب حكم المخصوص عموم العام، ولذا استدلوا على الضمان في صورة التعدي أو التفريط بعموم (على اليد) ولم يلتفتوا إلى استصحاب عدمه قبله. نعم لو ثبت بالاستصحاب نفس العنوان الخاص المخرج به عن العموم دون حكمه، قدم عليه، لانه من الاصل الموضوعي المرتب عليه حكمه، وهذا في الحديث عكس قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " فانه عام بالنسبة إلى الافراد، مطلق بالنسبة إلى الزمان فلو ثبت في وقت عدم وجوب الوفاء بعقد ثم شك فيه في وقت آخر كان اللازم استصحاب حال المخصص، كما لو شك في لزوم البيع الغبني للشك في كون الخيار على الفور أو باق بعد للعلم به، فاللازم هنا استصحاب حكم المخصص الحاكم على العموم المستفاد من دليل الحكمة في " أوفوا بالعقود " المطلق بالنسبة إلى الازمان، ضرورة صلاحية الاستصحاب لان يكون بيانا في مورد كان العموم فيه من جهة عدم البيان، فلا إشكال، كما توهم في تقديم استصحاب حال المخصص على حال العموم في " أوفوا بالعقود " ولو شك في لزوم العقد في زمان لم يكن لازما قبله، وتقديم حال العموم على حكم المخصص في حديث (على اليد) لو شك في ضمان يد في زمان لم تكن على الضمان في زمان قبله، لوضوح الفرق بين المقامين، فان دلالة الحديث على الضمان في الازمان من زمان الاخذ إلى حين التأدية بالعموم المستفاد من التقييد بالغاية، وعلى أفراد اليد بالاطلاق بدليل الحكمة، والاستصحاب لا يقام العام لحكومته عليه فيتعاكسان في

[ 350 ]

تقديم أحدهما على الآخر في حديث والآية، فيقدم حال العموم على استصحاب حكم المخصص في الاول وبالعكس فيقدم حال المخصص على العموم الناشئ من الحكمة في الآية، وهو واضح بأدنى تأمل، فافهم. (المقام الرابع) في حكم معارضتها مع غيرها من الاستصحاب أو البينة أو الاستفاضة فهنا موارد ثلاثة: (الاول) في معارضتها مع الاستصحاب. واللاكم فيه مرة في غير صورة التنازع وأخرى فيها. وعلى التقديرين فباعتبارهما: أما من باب الكشف فيهما أو التعبد كذلك أو بالاختلاف بينهما من حيث جهة اعتبارها فهنا صور: والحق تقدم (اليد) على الاستحصاب مطلقا، سواء قلنا باعتبارها من باب الامارة كما يعطيه صدر خبر حفص من قوله " أرأيت إذا رأيت شيئا في يد رجل " الخ الظاهر في كون النقص عليه بما هو عليه بناء العقلاء فيكون امضاء منه عليه السلام لما هو عليه طريقتهم، أم من باب التعبد كما لعله يعطيه ذيل الخبر الظاهر في كون منشأ الجعل والتعبد هو قيام السوق، وانه لولاه لاختل النظام، وسواء قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الكشف أم التعبد. أما على المختار: من كونها إمارة كاشفة عن الواقع، والاستصحاب اعتباره من باب التعبد، فتقديمها عليه واضح، ضرورة حكومة الامارة التي هي في الموضوعات بمنزلة الدليل الاجتهادي في الاحكام على الاصل.

[ 351 ]

وأما تفدمها عليه على بقية الاقوال في كيفية اعتبارهما، فلانه لما لم ينفك مورد (اليد) غالبا من استصحاب مخالف لها في الاقتضاء، كان اعتبارها لولا التقدم لغوا وحمل الاخبار الكثيرة على فرض مورد نادر يمكن فيه التفكيك بينهما كما لو علم دخول المباح أما في ملك زيد أو عمرو دون غيرهما وشاهدناه في يد أحدهما، فاستصحاب عدم الملك بالنسبة إلى من هو في يده معارض بمثله في الآخر، وبعد التساقط يحكم به باليد لصاحبها، بعيد عن الصواب. هذا ويظهر من بعض الغاء اليد في صورة التداعي بتقديم الاستصحاب عليها، وهو ليس يجيد الا في صورة ما لو اعترف ذو اليد بسبق يد المدعي أو ملكه، فيطالب هو بالبينة، لان اعترافه بذلك متضمن لدعوى انتقاله منه إليه، فيكون، مدعيا يطالب بالبينة. وبالجملة: ذو اليد إن لم يعترف بسبق الملك لاحد أو اعترف، ولكن لغير من يدعى عليه من غيبته، بل وحضوره مع سكوته، قدم قول ذي اليد. ولا كذلك لو اعترف به له لما عرفت من تضمن اعترافه له دعوى الانتقال منه إليه فتلغو يده وبطالب بالبينة. بل ويحتمل أن يكون مثله في لغوية اليد ومطالبته البينة ما لو اعترف لغيره ممن لو تم له لكان للمدعي، لانه يمت به، كما لو اعترف به لمورثه مثلا فان الاعتراف بسبق الملك له كالاعتراف بسبق الملك لنفس المدعي وبعبارة أخرى: فرق في الاعتراف لغير المدعي بين من كان ملك المدعي في طول ملك المعترف له أو في عرضه في لغوية اليد في الاول، وعدمها في الثاني. ولعله بذلك يتشبث الخصم لتصحيح مطالبة (الاول) للبينة من ذي اليد في (حديث فدك) (1) بعد اعترافه بالنحلة من رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) المقصود ب‍ (الاول): هو ابو بكر بن أبي قحافة التيمي =

[ 352 ]

الذي لو لم يتم الانتقال منه إليه لكان فيئا للمسلمين: بحيث مجعول عليه صلى الله عليه وآله


= (رضى الله عنه). والمقصود بذي اليد هي فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وآله حيث كانت صاحبة اليد في فدك تصرف فيها بعد أن نحلها اياها أبوها النبي صلى الله عليه وآله أيام حياته وكانت (خالصة له) لانها مما لم يوجف عليها بخيل ولاركاب وفدك كما عن ياقوت الحموي في معجم البلدان قرية بينها وبين المدينة ثلاثة أيام " وبها عين فوارة ونخل كثير ". قال البلاذري في (فتوح البلدان): ومثله غيره من المؤرخين: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله خبير، ولم يبق غير ثلاثة حصون خاف اليهود خوفا شديدا، فصالحوا النبي صلى الله عليه وآله على الجلاء وحقن الدماء، فقبل النبي منهم، ولما بلغ أهل فدك ذلك أرسل رئيسهم (يوشع بن نون) اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلح على أن يعطيه فدك، ويؤمنه وقومه وعلى أن يعمل بها في نخيلها بأن يكون لهم نصف التمر، ثم ان شاء رسول الله أبقاهم وان شاء أجلاهم، فرضى صلى الله عليه وآله. وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله لانها مما افاء الله بها على رسوله حيث لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب: ومثل ذلك في شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي بعنوان: ما ورد من السير والاخبار في أمر فدك. وفي نفس المصدر وغيره من مصادر التأريخ: ان فاطمة (ع) قالت لابي بكر ان فدك وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب فشهد، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضا، فجاء عمر بن الخطاب و عبد الرحمن ابن عوف فشهدا أن رسول الله كان يقسمها. قال أبو بكر: صدقت يابنة رسول الله وصدق على وصدقت أم أيمن وصدق عمر وصدق عبد الرحمان ابن عوف.. قال ابن أبي الحديد ومثله غيره: طالبته أولا =

[ 353 ]

" نحن معاشر الانبياء لا نورث " الخ، مع اعترافه في احتجاج علي (ع) معه بعدم سؤال البينة من ذي اليد، بل تسئل ممن يدعى عليه (1) وليس الا لبطلان اليد بدعوى الانتقال بالنحلة التي لو تتم لكان فيئا لا ميراثا، الا (أن المبنى): من احتمال المساواة بين الاعتراف بسبق اليد لنفس


= بالنحلة، ولما منعت منها طالبت ضرورة بالميراث لان للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه وسبب، فقال أبو بكر بعد أن احتجت عليه الزهراء بتلك الخطبة البليغة: ياخير النساء وابنة خير الانبياء، والله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عملت إلا باذنه، وإن الرائد لا يكذب أهله وإني أشهد الله وكفى بالله شهيدا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنا معاشر الانبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا وإنما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة. هذا بايجاز وللتفصيل عن موضوع فدك يراجع ما كتبناه في تعليقنا على الجزء الثالث من (تلخيص الشافي). (1) في الوسائل، كتاب القضاء، باب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، حديث (3): " على بن ابراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان جميعا عن أبي عبد الله (ع) في حديث فدك: أن أمير المؤمنين (ع) قال لابي بكر: أتحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال: لا، قال: فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه، ادعيت أنا فيه: من تسأل البينة؟ قال: إياك كنت اسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين. قال: فإذا كان في يدي شئ فادعى فيه المسلمون، تسألني البينة على ما في يدي، وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده، ولم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوا علي كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم إلى أن قال: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر ".

[ 354 ]

المدعي أو لمن يمت به من مورثه في لغوية اليد فيهما مع امكان تضعيفه بوضوح الفرق بينهما بتقريب: أن الاعتراف للمدعي اعتراف له باليد وان كانت سابقة، والاعتراف لمورثه لا يكون اعترافا باليد والملكية السابقة لا بضميمة مقدمة هي بقاء يد المورث إلى حين موته، بل ومعها أيضا لعدم ثبوت اليد به للوارث (فاسد) لا ينفع في تشبث الخصم لتصحيح فعل (الاول): من انتزاع (فدك) من يد فاطمة عليها السلام ومطالبتها بالبينة لسبق الانتزاع منها على دعواها النحلة، حيث كان فيما جاء به من (حديث فدك): ان الاول لما بويع واستقام له الامر على جميع المهاجرين والانصار بعث إلى (فدك) من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله منها، ثم جائت فاطمة عليها السلام، فوقع بينها وبينه من الاحتجاجات ما وقع، وكذا بين علي (ع) وبينه بما ظهر منه وبان، من المخالفة للكتاب والسنة. ولو سلم المبنى لم يجز انتزاع العين من ذي اليد إلا بعد الاعتراف لمن لو تم له لكان للمدعي، وقد انتزعها منها قبل الاعتراف والمخاصمة. وبالجملة: في لغوية اليد بالاعتراف لمورث المدعي وعدمها لنا تأمل، والله العالم. الثاني: في معارضتها مع البينة التي هي من الامارات الكاشفة عن الواقع. وتقديمها على اليد مما لا كلام فيه: سواء قلنا بكونها أصلا أو إمارة. أما على الاول فواضح، لحكومة الامارة على الاصل وأما على الثاني، فهو وان كان من تعارض الامارتين، الا أن الواجب فيه تقديم أقواهما، وهو البينة، لان اعتبارهما في مورد اليد دليل على تقدمها عليها، كما ان اعتبار اليد في مورد الاستصحاب دليل على تقدمها عليه، ولانه يلزم من عدم تقدمها على اليد عدم سماع دعوى المدعى على ذي اليد إذ التكليف بالبينة ومطالبتها منه لغو مع فرض عدم تقدمها على اليد ولا

[ 355 ]

شئ أقوى من البينة، حتى يكلف المدعي باقامته مع حصر ميزان القضاء بالبينات والايمان كون الاولى على المدعي والثانية على المنكر. هذا مضافا إل أن اعتبار إمارة اليد من باب الغلبة المنكشف بها حال المشكوك من حيث كونه مشكوكا إلحاق له بالغالب، فالحيثية المزبورة مأخوذة في موضوعها والبينة، وان كانت إمارة كاشفة عن الواقع عند الجهل به، إلا أن الجهل لم يؤخذ موضوعا في اعتبارها، فالجهل مورد للحاجة إليها غالبا لا أنه مأخوذ في موضوع اعتبارها. وبعبارة أخرى: البينة معتبرة في مورد الجهل بالواقع لكن لا من حيثية الجهل به كالدليل الاجتهادي المعتبر طريقا في معرفة الاحكام المفيد للظن لا من حيث الجهل بحكم مورده، بخلاف الغيبة، فانها معتبرة في الحاق المشكوك من حيث كونه مشكوكا بالغالب للظن الحاصل من الغلبة، فحصول الظن بها انما هو بعد ملاحظة الغلبة في اكثر الافراد والشك في فرد خاص، فيحصل الظن باللحوق كالاستصحاب المأخوذ فيه الشك بناء على اعتباره من باب الظن النوعي، وبناء العقلاء المستفاد امضاؤه من الاخبار ولا كذلك البينة، إذ لا يتوقف حصول الظن بها على ملاحظة الجهل في موردها، فالامارات كما تحكم على الاصول كذلك يحكم بعضها على بعض، فما كان ملاحظة الشك مأخوذة في موضوعه كان محكوما لما لم تكن مأخوذة فيه لكونه رافعا لموضوعه، غير أنه لما كان ظنيا كان حاكما. ولو كان علميا لكان واردا عليه. ثم البينة: ان شهدت بالملك المطلق أو بالفعل، قدمت على اليد، وان شهدت به في الوقت السابق لم تقدح في اعتبار اليد، لعدم المنافاة بينهما، لاختلاف زمانهما، إلا بالاستصحاب الذي قد عرفت حكومة اليد عليه ومنه يظهر الوجه بالاولوية في تقديم اليد اللاحقة على اليد السابقة. (لا يقال): ان حكومة اليد على الاستصحاب تنافي تقدم البينة

[ 356 ]

عليها مع العلم غالبا باستناد الشاهد في شهادته إلى الاستصحاب، وان هو الا تقديم للمحكوم على الحاكم. (لان) ذلك أولا: هو اجتهاد في مقابل النص لورود المعتبرة التي هي ما بين صريحة وظاهرة في جواز تعويل الشاهد على الاستصحاب حتى عقد لذلك بابا في (الوسائل) حيث قال: باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك وعدم المشاك في الارث إلى أن قال: " محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن وهب قال: قلت: ان ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار، مات فلان وتركها ميراثا، وانه ليس له وارث غير الذي شهدنا له؟ فقال: اشهد بما هو علمك، قلت: ان ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس، فقال: احلف انما هو على علمك " (1) " وعنه عن أبيه عن اسماعيل بن مرار عن يونس عن معاوية بن وهب، قال قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون في داره، ثم يغيب عنها ثلاثين سنة، ويدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث داره ولا ندري ما أحدث له من الولد الا أنا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئا ولا حدث له ولد، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين تركت في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أن هذه الدار دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان أو نشهد على هذا؟ قال: نعم، قلت: الرجل يكون له العبد والامة، فيقول أبق غلامي أو أبقت أمتي، فيؤخذ بالبلد، فيكلفه القاضي البينة أن هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه: أفنشهد على هذا إذا كلفناه ونحن لم نعلم أنه أحدث شيئا؟ فقال: كلما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم نشهد به. محمد بن الحسن باسناده عن علي بن ابراهيم نحوه


(1) راجع من كتاب الشهادات منه باب 17، حديث (1).

[ 357 ]

وكذا الذي قبله (1) " وباسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن أحمد بن الحسن وغيره عن معاوية بن وهب، ولا أعلم ابن أبي حمزة إلا رواه عن معاوية بن وهب، قال قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون له العبد والامة قد عرفت ذلك فيقول أبق غلامي أو أمتي، فيكلفونه القضاة شاهدين بأن هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يهب، الشهد على هذا إذا كلفناه؟ قال نعم " (2) انتهى. وثانيا: ان البينة التي تنفك غالبا عن الاستصحاب لما اعتبرها الشارع في موارد اليد التي يخالف مفادها مقتضى البينة، دل على تقدم استصحابها بالخصوص على اليد بالنصوص، وان كانت اليد مقدمة على غيره من سائر الاستصحابات. وبالجملة كما أن اعتبار اليد في مورد الاستصحاب دل على تقديمها عليه، والا لكان اعتبارها لغوا كذلك اعتبار البينة التي لم تنفك غالبا عن الاستصحاب في موارد اليد دل على تقديمه بالخصوص عليها والا لكان اعتبار البينة لغوا في أغلب مواردها (ودعوى) اختصاص اجراء الاستصحاب بالحاكم دون الشاهد (مدفوعة) بلزوم تركب ميزان القضاء حينئذ من البينة وفعل الحاكم، مع أن الحكم منه إنما يكون بعد إقامة الميزان عنده. وكيف كان، فالمستفاد من الاخبار المتقدمة بضميمة ما ورد فيما يعتبر في الشهادة من العلم الحاصل من طريق الحس كما عن بعض جمودا على التمثيل بالمحسوس من الشمس والكف في النصوص، أو الاعم منه ومن غيره تنزيلا للمنصوص على المثال بارادة حصول تلك المرتبة من العلم القطعي ان ما هو معتبر حين التحمل غير ما هو معتبر حين الاداء، لان العلم الحاصل بالحسن أو ما هو مثله لا بد من ضعفه، بل وزواله غالبا


(1) المصدر الآنف الذكر حديث (2) مع تبعه الاخير. (2) المصدر الآنف الذكر حديث (3).

[ 358 ]

بمرور الليالي والايام، سيما نحو العام، فضلا عن الاعوام، لطرو الاحتمالات المنبعثة عن عروض العوارض وتطرق الحوادث فلا مندوحة إلا الاستناد إلى الاستصحاب عند أداء ما تحمله من الشهادة. وبالجملة: فالروايات كما تراها صريحة في جواز الشهادة مستندا في بقاء المعلوم عند التحمل إلى الاستصحاب وحملها على صورة بقاء العلم القطعي إلى حين الاداء كما في الجواهر (مع) كونه حملا على الفرض النادر، بل الاندر تأباه صراحة منطوقها. وبما ذكرنا يظهر لك: أنه لو كان الحاكم شاهدا جاز له الشهادة بالملك، ولم يجز له الحكم به، ولو قلنا بجواز القضاء بعلمه، لان تنزيل الظن الاستصحابي منزلة العلم بالبقاء في الشهادة لدليل دل عليه بالخصوص لا يوجب تنزيله منزلة العلم في القضاء به، بل ولو ضم إليه شاهد واحد أيضا، للزوم تركيب ميزان القضاء حينئذ. نعم لو علم به من دون استناد إلى الاستصحاب، ومنعنا عن القضاء بعلمه واستثنى منه ما لو ضم إليه شاهد واحد بلا خلاف كما في (وسائل البغدادي) لان علمه لا يقصر عن شهادة الشاهد، فيكون من القضاء بالعلم على القول بالمنع عنه، لا من القضاء بالبينة فافهم. هذا، ولكن يجوز له الحكم بالدين على من هو عليه لو علم به في السابق، كما يجوز الحكم به لو شهدت البينة كذلك لثبوت الاشتغال المستصحب إلى أن يتحقق الوفاء، لعدم وجود ما يعارضه مما يكون مفاده الوفاء، فاتضح الفرق بين ما لو ادعى دينا على أحد ومالا في يد أحد، فيكتفى في الاول بالبينة وان شهدت به في السابق، ولا يكتفي بها في الثاني، لوجود ما يكون مفاده الملك الفعلي المقدم على الاستصحاب، بخلاف الاول، والله العالم بحقائق أحكامه. الثالث: معارضتها مع الاستفاضة التي تثبت بها أمور خاصة، منها:

[ 359 ]

الملك المطلق من دون تقييد بذكر السبب. وتقديمها على اليد أو تقديم اليد عليها مبني على الاقوال في اعتبار خصوص ما أفاد العلم منها أو الاعم منه ومن الظن المتاخم، أو مطلق الظن. فعلى الاول: تقديمها على اليد مما لا كلام فيه، إذ ما وراء العلم من شئ، إلا أنه لا معنى حينئذ لاختصاص ثبوت الامور المخصوصة بها، من الولاية والملك المطلق والنسب والوقف والموت والعتق. وعلى الاخيرين ولا سيما الاخير منهما فالعمدة في دليل اعتبارها كما قيل هو: الاجماع، وهو غير معلوم تحققه فيما كان اليد على خلافها، فالاقوى تقدمها على الاستفاضة كما لعله المشهور بينهم خلافا لوالد الشيخ البهائي في (رسالته التي كتبها في هذه المسألة) فاختار فيها تقديم الاستفاضة على اليد. واستدل عليه بأمور لا تتم الا على مبناه: من أنه لا دليل على اعتبار اليد بعد تضعيفه لسند خبر حفص المتقدم الا إصالة الصحة وحمل أفعال المسلمين عليها وانكار كونها بنفسها من الامارات أو الاصول التعبدية. وهو على مبناه حسن لكن دون صحته خرط القتاد، بعد ما عرفت من دليل اعتبارها وإفادته الملك حتى بالنسبة إلى ما لا يجري فيه أصل الصحة في فعله كالصغير والكافر. هذا والظاهر أنه لا يجوز الشهادة بمفادها في الامور المذكورة مستندا إليها إلا فيما يحصل بها العلم، بناء على كفايته وفي الشهادة، وان حصل من غير طريق الحسن كما هو الاقوى ضرورة أن جوازها في صورتي حصول مطلق الظن أو الظن المتاخم بناء على كفاية ذلك في اعتبارها ينافي اعتبار العلم في الشهادة. أللهم إلا ان يكتفي به سيما المتاخم منه في خصوص الشهادة المستندة إليها وان لم يكتف به في الشهادة بمؤدى البينة التي هي أقوى من الاستفاضة

[ 360 ]

في كونها طريقا إلى ترتب الاحكام عليها، إلا أنه لم يقم عليه دليل واضح، وان كان ظاهر عباراتهم يعطي جواز ذلك، إلا أنها لا تخلو من تشويش واضطراب. نعم يشهد الشاهد بنفس الاستفاضة دون مفادها، فيحكم الحاكم بمفادها لثبوت ما يوجبه بالبينة لعدم الفرق بين قيام الاستفاضة عند الحاكم وبين قيام البينة عليها عنده، ان قلنا بجواز القضاء بالاستفاضة منه، كما لعله يظهر أيضا، من عبارات أكثرهم في الحكم بمفادها من الامور التي ثبتت بها وبالجملة: فهناك مقامات ثلاثة. الاول: اعتبار الاستفاضة وحجيتها في ثبوت أمور مخصوصة بها بحيث يترتب على الثابت منها أحكام تحققه في الخارج كاليد بالنسبة إلى مفادها. الثاني: في الحكم والقضاء بها على الخصم بحيث يكون ميزانا له عليه كالبينة. الثالث: في جواز الشهادة بمفادها مستندا إليها عند الحاكم. أما الاول، فهو من المتفق عندهم، وان وقع الخلاف في مقدار ما يثبت بها من الامور. وأما الاخيران، فيظهر من كلام بعض وقوع الخلاف فيه. والذي يظهرمن جدنا في (الرياض) دعوى الاتفاق عليه في الاخير منهما (1) قلت: إن تم اجمافيهما أو في أحدهما، فهو، والا ففي غير صورة حصول العلم بها إشكال، لعدم دليل واضح يدل على كونها ميزانا للقضاء


(1) راجع ذلك في أخريات كتاب القضاء منه، الفصل الثالث في أحكام تعارض البينات. وفي أخريات كتاب الشهادات. المسألة الاولى من مسائل أربع في شرح قول المصنف: يكفي في جواز الشهادة بالملك مشاهدته يتصرف فيه الخ. (* 9

[ 361 ]

فضلا عن الشهادة بمفادها لو سلم كونها ميزانا، كما يصير شاهدا بمفاد البينة، مع أنها ميزان القضاء. وتفصيل الكلام في اعتبارها، ومقدار ما يثبت بها، وما هو شرط فيها موكول إلى محله. وانما الكلام هنا في تقدمها على اليد، أو تقدم اليد عليها. وقد عرفت ما هو الاقوى منهما والله العالم. (تذييل) اشتهر بين الفقهاء: أن من ادعى مالا يد لاحد عليه قضي له به وذكروها بنحو القاعدة الكلية، وأرسلوها إرسال المسلمات، والمعروف عندهم أيضا قاعدة أخرى، وهي ان من ادعى أمرا ولا معارض له قيل قوله. وهي أعم من الاولى، لاشتمالها على ما لا يدخل من الامور تحت اليد، واختصاص الاولى بما لا يد عليه مع كونه قابلا للدخول تحت اليد مع اختصاصها أيضا فيما لا يكون له منازع فيما بدعيه، والا لكان من التداعي. فلا يقبل قول كل منهما الا بالحجة، ولذا قيده به توضيحا (في القواعد) حيث قال: " وكل من ادعى ما لا يد لاحد عليه ولا منازع له فيه قضي له به " انتهى. هذا وليعلم أولا ان اليد المنفية في القاعدة الاولى تعم يد المدعي وغيره. وان نفى ملكية العين عن نفسه وأثبتها لمالك مجهول فانه لا يسلمه إلى مدعيه بمجرد دعواه إلا باقامة الحجة وان احتمل كونه مالكا له ولذا صرحوا في اللقطعة بعدم تسليم الملتقط إباها لمن يدعيها بمجرد دعواه الا أن تكون مقرونة بحجة أو محفوظة بقرائن تفيد العلم العادي بصدقه لانه المكلف بايصالها إلى مالكها، فهو معارض لمن يدعيها بحسب الوظيفة ولذا يكون خارجا عن القاعدتين. كما يخرج عنهما لو كان المدعى به تحت

[ 362 ]

يد المدعي لكونه حينئذ يقضي به له لليد، دون غيرها من القاعدتين. كما يحكم به له أيضا لو كانت دعواه موافقة للاصل فان الحكم بذلك انما هو للاصل دون القاعدة، الا ان يستدل بها حينئذ تكثيرا للادلة. فهذه الصور الثلاث من الدعاوي خارجة عن القاعدتين. ثم المراد من قولهم في القاعدة الاولى: (لا يد لاحد عليه) دائر بين محتملات ثلاثة: الاول: انه لا يد لاحد عليه مطلقا في حالتي الدعوى وما قبلها أصلا لا لمعلوم صاحبها ولا لمجهول. الثاني: لا يد لاحد عليه في حال الدعوى وقبله لمعلوم مع العلم بسبق يد عليه قبله، لكن مجهول صاحبها. الثالث: اختصاص نفي اليد بحال الدعوى دون ما قبله، بل ولو علم سبق يد عليه قبله لمعلوم فضلا عن المجهول. لا اشكال في عدم ارادة المعنى الاول، والا لاختصت القاعدة بقبول قوله في المباحات الاصلية، وما كان بحكمها وكادت تنعدم فائدتها. وارادة المعنى الثاني غير بعيدة، وان كان الثالث أعم نفعا، بل لعله الظاهر من كلماتهم. هذا والمراد من قولهم (قضى له به) ليس المراد منه ما هو ظاهره من قضاء الحكم، بل قبول قوله في ترتيب آثار الملك له وجواز المعاملة معه عليه. وما ذكرنا من الاحتمالات في نفي اليد في القاعدة الاولى يجري مثله في نفي المعارض والمنازع في القاعدة الثانية، وستعرف الحال بالنسبة إلى محتملاته في آخر المسألة. إذا عرفت ذلك فنقول: يدل على الاولى من القاعدتين مضافا إلى الاجماع المحكى مستفيضا المعتضد بالشهرة المحققة فضلا عن المنقولة صحيحة

[ 363 ]

منصور بن حازم: " قلت للصادق (ع): عشرة كانوا جلوسا ووسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا: ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، فقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال (ع): هو للذي ادعاه " (1) الخبر. فانه حكم عليه السلام بأنه لمن ادعاه، وليس الا لكونه مدعيا له بلا معارض لما لابد لاحد منهم عليه، بعد أن نفاه كل منهم عن نفسه وان نوقش فيه بأنه من الحكم له باليد لان توسط الكيس بينهم أوجب صدق اليد لهم عليه، فإذا نفي من نفى منهم عن نفسه ثبتت اليد لمن لم ينفم فضلا عن دعواه بكونه لم. وأشار إليها في محكى (السرائر) حيث قال بعد ذكر الصحيحة: " ان هذا الحديث صحيح وليس هذا مما أخذه بمجرد دعواه وانما هو لما لم يثبت له صاحب سواه واليد على ضربين. يد مشاهدة ويد حكمية، فهذا يده عليه يد حكمية لان كل واحد منهم نفى يده عنه وبقي يد من ادعاه عليه حكمية. ولو قال كل واحد من الجماعة في دفعة واحدة أو متفرقا: هو لي، لكان الحكم فيه غير ذلك. وكذلك لو قبضه واحد من الجماعة ثم ادعاه غيره، لم تقبل دعواه بغير بينة، لان اليد المشاهدة عليه لغير من ادعاه، والخبر الوارد في الجماعة: أنهم نفوه عن أنفسهم ولم يثبتوا لهم عليه بدا لا من طريق الحكم ولا من طريق المشاهدة، ومن ادعاه له عليه يد من طريق الحكم، فقبل فيه دعواه من غير بينة، فافقه ما حررناه. وأيضا انما قال: ادعاه من حيث اللغة لان الدعوى الشرعية من ادعى في يد غيره عينا أو دينا " (2) انتهى. قلت: قوله: انما قال ادعاه من حيث اللغة الخ دفعا لما يتوهم من أن قوله عليه السلام في الجواب هو للذي ادعاه، كونه له من جهة دعواه لا


(1) الوسائل، كتاب القضاء باب 17 حديث (1). (2) كتاب القضاء من السرائر، أخريات باب النوادر في القضاء.

[ 364 ]

من جهة اليد بارادة المعنى اللغوي من الدعوى دون المعنى الشرعي، ويؤكد ما ذكر من كون المحدقين بالكيس ذوي أيد عليه: ما ذهب إليه غير واحد في باب اللقطعة في الحكم بأن ما يقرب من اللقيط أو غيره بكونه له لليد عليه وان كان صغيرا، فكيف بمن كان الكيس في وسطهم؟ ولو ادعاه غيرهم وأنكروه كان هو المدعي وعليه البينة دونهم، وليس الا لكونهم ذوي أيد عليه. إلا أن المناقشة ضعيفة لا لما قيل: من عدم اليد حتى لمن ادعاه لنفيه عن نفسه أولا، لاندراجه في قوله: (فقالوا كلهم لا) الظاهر في معناه الحقيقي الشامل له أيضا، فقبول دعواه بعد نفيه عن نفسه ليس إلا لكونه مدعيا بلا معارض لظهور الجملة بخروجه من العموم وأنه بحكم الاستثناء الصارف لظهور الاداة في العموم الشامل له عن ظهوره مع كونه من دعوى الحق بعد إقراره بعدمه المعلوم بطلانها. والحمل على الصحة في قوليه لامكان نسيانه أولا ثم التذكرة بعده كما في الجواهر غير موافق للقواعد الشرعية بل لمنع كونهم ذوي أيد على الكيس المطروح بينهم، فان مجرد قرب الشئ من شخص لا يوجب صدق اليد له عليه الا إذا كان القرب منه محفوفا بقرائن توجب صدق ذلك، والا فمجرد القرب من حيث هو ممنوع ايجابه لصدق اليد عليه أشد المنع. ولذا ذهب الاكثر إلى المنع عنه في باب اللقطة. قال في (مفتاح الكرامة): " ولا يحكم له بما يوجد قريبا منه، كما في التذكرة والدروس ومجمع البرهان. وكذا الارشاد والروضة، وقيده في الدروس بما لا يدله عليه ولا هو بحكم يده إلى أن قال وفي: (الشرايع): فيما يوجد بين يديه أو إلى جانبيه تردد: أشبهه أنه لا يقضى له، وفي التحرير في القريب مثل ما يوجب بين يديه أو إلى جانبيه

[ 365 ]

نظر، ونحوه ما في الكفاية " انتهى، وفيه عن (المبسوط): " وأما ما كان قريبا منه مثل أن يكون بين يديه صرة أو رزمة، فهل يحكم بأن يده عليه أم لا؟ قيل فيه: وجهان: (أحدهما) لا تكون يده عليه، لان اليد يدان: يد مشاهدة ويد حكمية وهي ما يكون في بيته ويتصرف فيه، وهذا ليس بأحدهما (والوجه الثاني) أن تكون يده عليه، لان العادة جرت بأن ما بين يديه يكون له مثل الاناء بين يدي الصراف، والميزان وغيرهما وهذا أقوى " (1) انتهى. والتعليل بجريان العادة والتمثيل بالميزان ونحوه مما يعطي فيه لزوم الاقتران بما يفيد ذلك لا مطلقا مع كون الصحيحة المزبورة بمرئى منهم ومنظر، ولم يستدل أحدهم بها على سببية القرب لصدق اليد، نعم اللقيط وان كان صغيرا، ذو يد على ثيابه وما هو ملفوف به والمشدود على ثوبه والموجود في جيبه والموضوع تحته والخيمة والفسطاط الموجود فيهما والدار التي لا مالك لها، وفي هذه الثلاثة من الاقمشة، كل ذلك محكي في مفتاح الكرامة عن المبسوط والشرائع والتحرير والمسالك والدروس والارشاد واللمعة والروضة ومجمع البرهان والكفاية، بل فيه عن (المبسوط): ذلك كله مما لا خلاف فيه " (2) انتهى. قلت: وهو كذلك لصدق اليد والاستيلاء في جميع ذلك وان كان صغيرا، لان الاستيلاء ممكن في حقه وان كان حصوله له بفعل الغير، ولا يعتبر في صدق اليد وحصول الاستيلاء له أن يكون حدوثه بفعل نفسه


(1) راجع ذلك في كتاب اللقطة، المطلب الاول في الملقوط في شرح قول العلامة في القواعد (ولا يحكم له بما يوجد قريبا منه). (2) راجع نفس المصدر في شرح كلام القواعد (أو ما في يده عند الالتقاط) الخ.

[ 366 ]

حتى يتوهم عدم صدقه في الصغير لعدم تمكنه من الاستيلاء الذي هو مسبب عن الافعال الاختيارية. فظهر أن توسط الكيس من حيث هو لا يوجب صدق يد المحدقين به عليه، ولو سلم، فالتوسط إن أوجب صدق اليد، فالثابت به انما هو يد واحدة لمجموع من لا يتحقق عنوانه الا بهم دون كل واحد منهم، ضرورة عدم صدق التوسط والبينة لواحد من العدد، فلا يد لمن ادعاه أيضا بعد نفي الغير له عن أنفسهم. اللهم الا أن يجاب عنه بأن السبب في المقام إنما هو قرب الكيس من كل واحد منهم لا توسطه بينهم. هذا ومع التنزل والتسليم، فتوسط الكيس بين جماعة محدقين به يمكن تحققه في الخارج على كيفيات مختلفة يوجب صدق اليد في بعضها دون جميعها، فلعله كان مطروحا قبل أن يحدقوا، وان كان دفعة، فلايد لهم عليه، أو اجتمعوا عليه متفرقين لا دفعة، فلا يد لغير الاول منهم أو كان المدعى لاحقا في الدخول معهم في الاجتماع عليه وان كان السؤال، فلا يد للمدعى عليه، والحكم في الجواب بكونه له من دون استفصال عن الكيفية لابد وان يكون منطبقا على جميع محتملاتها التي لا يتم الحكم في بعضها لو كان سببه اليد، فلابد من سبب موجود في جميع صورها، وليس الا كونه مدعيا بلا معارض فيما لايد لاحد عليه، وليس اللفظ ظاهرا في كيفية حتى يؤخذ بظاهره في الدلالة عليها، بل الكيفيات خارجة عن مداليل الالفاظ فلا ظهور للسؤال في كيفية مخصوصة. وحينئذ فالصحيحة وافية في الدلالة على المقصود من اثبات القاعدة الاولى. واستدل عليها أيضا في (الجواهر) تبعا للمحكي عن استاذه في (مفتاح الكرامة) بصحيحته الاخرى المروية في (الكافي في باب الحجة) وفيه: " محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى عن

[ 367 ]

منصور بن حازم قال قلت: لابي عبد الله (ع): ان الله أجل واكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون بالله، قال: صدقت: قلت: إن من عرف أن له ربا فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضى أو سخطا وأنه لا يعرف رضاه أو سخطه الا بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة، وأن لهم الطاعة المفترضة، وقلت للناس: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله: كان هو الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلى قلت: فحين مضى رسول الله صلى الله عليه وآله من كان الحجة على خلقه؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، فما قال فيه من شئ كان حقا، فقلت لهم: من قيم القرآن؟ فقالوا: اين مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم، وحذيفة يعلم، قلت: كله؟ قالوا: لا، فلم أجد أحدا يقال: أنه يعرف ذلك كله الا عليا (ع) وإذا كان الشئ بين القوم، فقال: هذا لا أدري وقال هذا لا أدري وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: أنا أدري فأشهد ان عليا عليه السلام كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وأن ما قال في القرآن فهو حق، فقال: رحمك الله " (1) الخبر. وتقريب الاستدلال بها على المدعى بتوضيح منا: هو عموم


(1) راجع ذلك من الجواهر: في كتاب القضاء، النظر الرابع في أحكام الدعوى، الفصل الثاني من فصلى المقدمة في التوصل إلى الحق في شرح المسألة الاولى من مسألتي المحقق (من ادعى مالا يد لاحد عليه قضى له به..) والحديث ذكره الكليني في أصول الكافي كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجة، حديث (2).

[ 368 ]

قول الراوي (وإذا كان الشئ بين القوم) الخ. الظاهر في أن لقديم قول من يدعي الدراية على من لا يدعيها وأنه مقبول متبع من المفروغ عنه عند العقلاء على نحو القاعدة الكلية ليتم الاستدلال بها على ثبوته في المورد الخاص من ثبوت الامامة لعلي (ع)، وقد أقره الامام على ذلك بقوله: في الجواب: رحمك الله. وفيه: ان ذلك إن تم، فهو بمعونة صدرها والفقرات المشتملة عليها مخصوص بما يتعلق بالاحكام من المسائل العلمية الراجع محصله إلى وجوب اتباع الاعلم وتقديم الفاضل على المفضول، وأين ذلك من قبول قول المدعي في الامور الخارجية نحو الملكية وغيرها، وعموم الشئ انما هو بحسب متعلقه دون غيره. وأما الدليل على القاعدة الثانية، فلم أجد ما ينهض لاثباتها بنحو الكلية، وان استدل عليها جدنا في (الرياض) برواية الكيس (1). الا أن مفادها كما عرفت مخصوص بما يمكن دخوله تحت اليد، لا كل أمر تعلق به دعوى من يدعيه بلا معارض لتكون دليلا على القاعدة الثانية التي قد عرفت أنها أعم من الاولى. نعم قد ثبت من الشرع في جملة من الموارد قبول قول المدعي بمجرد دعواه، التي منها: من يدعي عينا لا يد لاحد عليها، ومنها: دعوى الوكالة في بيع ما في يده كالدلال ونحوه مما قامت السيرة القطعية على جواز المعاملة معه عليه، وان لم تنفذ على الموكل لو أنكر وكالته، ومنها: دعوى: المرأة عدم اليأس وعدم الزوج أصلا، ودعوى الاعسار مع عدم


(1) ذكر ذلك في كتاب القضاء، ضمن النظر الرابع في بيان الدعوى، الفصل الاول في بيان المدعى، الاولى من مسائل خمس: من انفرد بالدعوى لما لايد لاحد عليه.

[ 369 ]

سبق اليسار، ودعوى الصبي عدم البلوغ، ودعوى الحرية حيث لا يعلم سبق الملك، ومنها: دعوى المرأة اليأس والحيض والطهر والحمل، والصبي دعوى البلوغ باحتلام، ودعوى المطلقة ثلاثا أنها تزوجت بالمحل مع الوطئ والطلاق بعده، وهذه الموارد، وان قبل قول المدعي فيها، إلا أنه لا لامر جامع بينها: من كونه مدعيا بلا معارض حتى يتسرى إلى غيرها فيحكم به عند وجوده، بل لان سبب القول فيها مختلف، فان الاول منها مندرج كما عرفت في القاعدة الاولى، والثاني انما يقبل قوله لقبول قول ذي اليد فيما يتعلق بما هو في يده مطلقا، وان لم تكن يدا مالكية، بل ولو كانت يد عدوان كالغاصب فانه يقبل تصديقه لاحد المتنازعين على العين المغصوبة في يده كما ستعرف. وأما دعوى المرأة عدم الياس وعدم الزوج أصلا، ودعوى الاعسار مع عدم سبق اليسار وعدم البلوغ والحرية حيث لا يعلم سبق الملك، فانما يقبل قول المدعي في أمثال ذلك لكونه موافقا للاصل، لا لعدم المعارض. وقد عرفت خروج ما كان موافقا له عن موضوع القاعدة، فانه من قبول قوله بالدليل المعتبر وان كان هو الاصل. وأما بقية الموارد المتقدمة فلكونها مما لا يعلم إلا من قبله، وكل ما كان كذلك قبل قوله، وهي قاعدة أخرى معتبرة بالنص والاجماع. وبالجملة: فان تم اجماع على تأسيس هذه القاعدة، وإلا فلا دليل عليها بنحو الكلية. والله العالم بحقائق أحكامه

[ 370 ]

رسالة في أحكام الدعاوى

[ 371 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: في معنى المدعي والمدعى عليه عرفا، ووظيفة كل واحد منهما، وذكر أحكام التداعي وبيان نبذة مهمة من مسائل القضاء، فهنا مقامات: (المقام الاول) في معنى المدعي عرفا، حيث لم تثبت له حقيقة شرعية حتى يحمل عليها ما عبر به في الاخبار الكثيرة، مع معلومية عدم ارادة معناه اللغوي وهو الطلب، لصدقه على المنكر أيضا. وما كان كذلك، فالمرجع فيه هو العرف. وقد اختلفوا في تعريفه على أقوال: فبين من عرفه ب‍ (من لو ترك الخصومة لترك) (1) وهو المقصود ممن عبر عنه بأنه (لو ترك يخلى وسكوته) (2) أو وسبيله (3) وبين من عرفه بأنه: الذي يدعى خلاف


(1) بهذا عبر المحقق الحلي في الشرايع آخر كتاب القضاء. النظر الرابع في أحكام الدعوى وبهذا أيضا عبر الشهيد الاول في متن اللمعة في كتاب القضاء، القول في كيفية الحكم. وغيرهما كالعلامة في قواعده في كتاب القضاء أيضا. (2) وهو تعبير الشهيد الثاني في الروضة في شرح كلام الشهيد الاول في المصدر الآنف. قال: وهو المعبر عنه بأنه الذي يخلى وسكوته ". (3) في الرياض: كتاب القضاء، أحكام الدعوى في تعريف المدعى: " هو الذي يترك ويخلى سبيله لو ترك الخصومة ولم يطالب =

[ 372 ]

الاصل، أو خلاف الظاهر (1) وبين مقتصر فيه على المعطوف عليه أو على المعطوف (2) فتكون المسألة ثلاثية الاقوال أو رباعيتها، ويحتمل في كلام بعض (3) كونها ثنائية. والمشهور كما قيل: هو الاول. وعليه، فمعنى تركه المعلق: هو تركه كما كان قبل الدعوى، ومن حيث ما كان يدعى به وان لم يترك بالكلية ومن حيثية أخرى، فلا ينتقض بمدعي الوفاء، فانه يطالب بالدين وان ترك دعوى الوفاء، فالحيثية مأخذوة في التعريف.


= بشئ " وفي المسالك للشهيد الثاني بنفس الباب: الذي إذا سكت خلى ولم يطالب بشئ ". (1) الملاحظ: أن هذين التعبيرين والتعبير الاول عن المدعى ذكره عامة فقهائنا الاعلام من القدماء والمتأخرين كالعلامة في قواعده، وتبعه جميع شراح القواعد كولده فخر المحققين في الايضاح، والمحقق الكركي في جامع المقاصد، والفاضل الهندي في كشف اللثام، وهكذا في كفاية السبزواري والمسالك للشهيد الثاني، وغيرهم في غير ذلك من عامة الكتب الفقهية، في باب الدعوى من كتاب القضاء، فانهم ذكروا تعاريف ثلاثة أو أربعة للمدعي: إنه الذي يترك لو ترك، وإنه الذي يدعى خلاف الاصل، وإنه الذي يدعي خلاف الظاهر، ونحو ذلك. والمنكر بعكسه بحكم المضايفة بينهما. (2) يلاحظ (الجواهر) في هذا الباب فانه يستعرض عامة تعارف المدعي والمنكر. (3) كالمحقق في (شرائعه) بنفس الباب، فانه لم يذكر تعريفه بخلاف الظاهر. ولعله لما ذكره في (الجواهر): " مما لا ينبغي صدوره ضرورة عدم منافاة أكثر الدعاوي للظاهر الذي هو مقتضى العادة ونحوها ".

[ 373 ]

والمراد بالاصل: هو القاعدة الشرعية المعمول بها في الواقعة المخصوصة سواء كان من الاصول الاولية العملية كاصالة البراءة واصالة العدم واستصحابه، أم الثانية كاصالة الصحة ونحوها، أو الظواهر المعتبرة كقاعدة اليد ونحوها، فالمدار في كل خصومة على ما هو مقتضى الاصل المعمول به فيها، فمن يكون قوله مخالفا كان مدعيا. وبعد تبين معنى الاصل الموجب لصدق المدعى على من كان قوله مخالفا له، ظهر لك عدم ورود ما قيل عليه كما في الجواهر من إجمال التعريف به: " لانه ان كان المراد مخالفة مقتضى كل أصل بالنسبة إلى تلك الدعوى، فلا ريب في بطلانه ضرورة أعمية المدعى من المخالفة للاصل، فان كثيرا من أفراده موافقة لاصل العدم وغيره، ولكنها مخالفة لاصل الصحة ونحوه، وان أريد مخالفة أصل في الجملة، فلا تمييز فيه عن المنكر الذي قد يخالف أصلا من الاصول " (1) انتهى. ضرورة أنه لا مسرح ولا مجرى للاصل الاولى بعد حكومة الاصل الثانوي عليه حتى تكون مخالفته مناطا في الصدق، فلو تنازعا في صحة المعاملة وفسادها كان من يدعي الفساد مدعيا لمخالفة قوله الاصل المعمول به في الخصومة وهو إصالة الصحة، ومن يزعم الصحة منكرا لموافقة قوله له وان كان مخالفا للاصل الاولى وهو عدم الانتقال والتملك لعدم العبرة به


(1) قال في ضمن النظر الرابع في أحكام الدعاوي، في شرح قول المحقق: وكيف عرفناه فالمنكر في مقابله: " وعلى كل حال، لا يخفى عليك أيضا أنه ليس شئ منها منطبقا على معنى المدعى الذي قد عرفت وانما المراد بتعريفه بذلك التمييز بذكر شئ من خواصه اللازمة أو الغالبة وان خرجت عن مفهومه، مع انه قد يناقش أيضا بأن فيه إجمالا لانه ان كان. " الخ.

[ 374 ]

بعد محكوميته وهذا بخلاف ما لو تنازعا في وقوع أصل المعاملة وعدمه فان المدعى منهما من يزعم وقوعها، لانه يعدى خلاف الاصل، وهو أصل العدم وهو المعمول به حيث لا أصل يحكم عليه هنا. ولعل التعريف به حينئذ يرجع في المعنى إلى التعريف الاول لعدم الانفكاك بينهما. ثم الظاهر من (الظاهر) الذي أنيط بمخالفته صدق المدعي في التعريف: هو الظهور النوعي الناشئ من الغلبة، دون ظاهر حال الشخص فانه لاختلافه بحسب الاشخاص والاحوال غير صالح لجعله ميزانا في الصدق وعليه فيكون التعريف به أعم مطلقا من التعريف بمخالفة الاصل، بناء على اعتبار الاصول من باب الظن النوعي، وارادة ما يعم الظهور العرفي من التعريف بمخالفة الظاهر. وان اعتبرناها من باب التعبد خرجت الاصول عن التعريف، وكانت النسبة حينئذ بينه وبين التعريف بمخالفة الاصل عموما من وجه: يجتمعان في مورد، ويفترقان في آخر، كما لو ادعت الزوجة بعد الطلاق الدخول بها مع الخلوة قبله مع ادعاء الزوج عدمها، فانها مدعية على التعريف بمخالفة الاصل والزوج منكر، وبالعكس على التعريف بمخالفة الظاهر لغلبة وقوع الوطئ ممن هو حديث عهد بالعرس مع الخلوة بها باسدال الستر وإغلاق الباب الكاشفة عنه كشفا ظنيا، وكانت امارة عليه معتبرة شرعا بما دل عليها من الاخبار المستفيضة. وحيث أردنا بالاصل القاعدة الشرعية المعمولة في تلك الخصومة اندرج فيه التعريف بمخالفة الظاهر، إن خصصناه بما كان ظهوره معتبرا شرعا، وان عممناه لما يشمل الظهور العرفي كان أعم من وجه، كما يظهر من بعض في مسألة: ما لو اتفق الزوجان على إسلامهما قبل المسيس، واختلفا في التقارن وعدمه، فادعت الزوجة سبق اسلامها على الزوج فيبطل به النكاح، وادعى الزوج عدمه والتقارن فيه فالنكاح باق، فالزوجة مدعية على التعريف بمخالفة

[ 375 ]

الاصل لمخالفة قولها له وهو اصالة عدم التقدم لا استصحاب النكاح، لان الاصل المعمول به في المقام انما هو الاصل الموضوعي دون الحكمي، والزوج منكر، وعليه فيحلف الزوج ويكون النكاح بينهما على حاله، وينعكس الامر على التعريف بمخالفة الظاهر لبعد التقارن وندرته فتحلف الزوجة ويبطل النكاح. (والمناقشة) بأن قول مدعي التقارن مخالف للاصل أيضا، بعد أن كان معنى التقارن بين الشيئين هو كون حدوث أحدهما عند حدوث الآخر المعلوم كون مقتضى الاصل عدمه، بل كل من التقارن والتقدم عنوان منتزع مما يكون منشأ انتزاعه مخالفا للاصل، بل التأخر أيضا كذلك بناء على أن منشأ انتزاعه هو حدوث كونه مسبوقا بالآخر وحادثا بعده، لا عدم حدوثه عنده وقبله حتى يكون موافقا للاصل وهو أصل العدم، وحينئذ فيكون الزوج مدعيا أيضا (فاسدة) لان الاصل المعمول به في هذه الخصومة المنوط بمخالفته صدق المدعي كما عرفت هو اصالة عدم التقدم دون إصالة عدم التقارن، لعدم ترتب الاثر عليه وانما الاثر مرتب على الاصل الاول، ضرورة أن بطلان النكاح انما يترتب على تقدم إسلام الزوجة، وعدم التقارن لا يثبت تقدم اسلامها، بل هو أعم منه ومن التأخر المتحد مع التقارن في الحكم من بقاء النكاح وهو واضح. وكيف كان فالمنكر في كل تعريف: ما يقابل المدعى فيه، وحيث ما فرض الشك في الصدق من حيث الشك في انطباق التعاريف عليه وعدمه إلزام أحدهما بالبينة من دون تعيين، بناء على أن الاكتفاء من المنكر بيمينه انما هو للتسهيل عليه في حجته وكونها رخصة في حقه. وأما على القول بالعزيمة واختصاص الوظيفة بها، فيشكل الحكم في حق كل منهما باقامة البينة أو اليمين كما ستعرف. والاحسن في الاحالة في ذلك على العرف. بل الظاهر: ان من عرفه بأحد التعاريف المذكورة إنما رام

[ 376 ]

التعريف له بلازمه وخاصته لا التعريف له بالكنه والحقيقة حتى ينطبق عليه طردا وعكسا، فالكل يحومون حول معنى واحد مما هو عند العرف من معناه. ولعله عندهم هو الاخبار الجازم بما يقتضي ترتب الحق له أو سقوطه عنه، فان الاخبار بذلك يسمى عندهم دعوى، والمخبر مدع، كما أن الاخبار بما يعود ضررا عليه عندهم إقرار، وبما لا يكون لا له ولا عليه بل هو مجرد نسبة المحمول إلى الموضوع خبر. والاخبار بما يكون دعوى منه لا ينفك عن الطلب الذي هو معناه اللغوي، غير أنه عرفا طلب خاص لا مطلق الطلب الذي قد ينطبق على المنكر أيضا. (المقام الثاني) في حكم المدعى والمدعى عليه المعبر عنه بالمنكر أيضا، وبيان وظيفة كل واحد منهما، فنقول: إنه قد استفاض النص والاجماع على أن: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " (1) وقيل في وجه اختصاص كل منهما بما عليه من الوظيفتين هو ضعف الدعوى لمخالفتها الاصل أو الظاهر، وقوة الانكار لموافقته له أو لهما فلم يقنع في الدعوى إلا بالحجة القوية، أعنى البينة لبعدها عن التهمة جبرا لخبره، وأجتزأ في الانكار بما لا يكون في القوة كالبينة وهو اليمين دفعا للتهمة المحتملة فيه، وان لم تبلغ قوة التهمة في المدعى، فاقتضت المناسبة ذلك تعديلا للميزان وعلى كل حال، فمن المعلوم أن النصوص المفصلة واردة في مقام البيان بنحو التفصيل لما بين


(1) ومنطلق النصوص والاجماعات هو النبوي المشهور المذكور في عامة كتب الحديث من الفريقين في باب القضاء: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ".

[ 377 ]

بنحو الاجماع: من الميزان للحكم وحصر القضاء به في قوله صلى الله عليه وآله: " انما أقضي بينكم بالبينات والايمان " (1) فتكون مبنية لوظيفة كل منهما بنحو القاعدة الكلية، فالقضاء بغيرهما أو بغير التفصيل فيهما خروج عن موازينه. نعم قد تخصصت القاعدة كما قيل بجملتيها: الاولى والثانية في موارد: بعضها متعلق بالاولى، وهي (البينة على المدعي) فيقبل قوله بلا بينة: إما مطلقا، أو مع اليمين، وبعضها متعلق بالثانية بمعنى أنه منكر لا يمين عليه أو يمين لا عن المنكر، بل على المدعي. أما الاول ففي موارد: (منها): دعوى الامين تلف العين المقبوضة له بنحو الامانة الشرعية أو المالكية، فانه يقبل قوله في التلف، ولو مع يمينه، ولا يطالب باقامة البينة عليه. ويدل عليه مضافا إلى الاجماع المستفيض المرسل عن الصادق (ع) وفيه: " عن المودع إذا كان غير ثقة: هل يقبل قوله؟ قال: نعم ولا يمين عليه " (2) وخبر مسعدة عنه (ع): " ليس لك أن تأتمن من خانك، ولا تتهم من ائتمنت " (3) وخبر ابن زياد عنه عن أبيه: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ليس لك أن تتهم من ائتمنته ولا تأتمن الخائن " (4) وضعف السند منجبر بما عرفت


(1) راجع: الوسائل، كتاب القضاء باب 2 من ابواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى حديث (1). وتتمة الحديث: " وبعضكم ألحن بحجيته من بعض فايما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار ". (2) الوسائل: كتاب الوديعة باب 4 في أحكامها حديث (7). (3) نفس المصدر الآنف حديث (9). (4) المصدر الآنف حديث (10) بتكملة جملة: وقد جربته.

[ 378 ]

وان اشتمل الاول على عدم اليمين كما عن بعض، إلا أن الاقوى قبول قوله معها، لعموم مادل على حصر القضاء بميزانه من البينة أو اليمين مع عدم معلومية الجابر له من هذا الخصوص حتى يخصص به ما دل بعمومه على الحصر. هذا مع امكان أن يقال ان انكار المالك للتلف مرجعه في الحقيقة إلى دعوى خيانة الامين واتهامه، كما لعله تشعر به الاخبار المتقدمة مع انطباق التعاريف عليه أيضا، لانه لو ترك ترك، وكان قوله مخالفا للاصل والظاهر من عدم الخيانة، الحاكم على إصالة عدم التلف، والامين منكر وليس هو إلا مخبرا بما يتحقق به انتهاء حق المطالبة والاسترداد للعين من المالك. ضرورة أن العين غير مضمونة على الامين، بل يجب ردها ما دامت موجودة لا مطلقا، حتى يجب رد بدلها مع التلف، فلم تتحقق الخصومة من المالك معه إلا بدعوى أحد أمرين: إما التعدي مع تصديقه التلف أو اتهامه بالخيانة مع تكذيبه، وعلى التقديرين فهو مدع والامين منكر. وعليه فلم يكن المورد مما خرج عن القاعدة كما قيل واتضح به وجه توجه اليمين عليه أيضا، لانه من يمين المنكر في قبول قوله مع الخصومة وليس الوجه فيه هو تعسر إقامة البينة عليه حتى يتجه القول بالتفصيل كما عن الشيخ بين مالو استند إلى مسبب ظاهر كالحرق والغرق ونحوهما وعدمه، سواء استند إلى سبب خفي كالسرقة ونحوها أو لم يذكر السبب أصلا، مع أن ترك الاستفصال في الاخبار يقتضي القبول مطلقا. ومنها: دعوى الودعي رد الوديعة إلى المالك مع انكاره، فانه يقبل قوله على المشهور شهرة عظيمة، بل الاجماع محكي عليه مستفيظا، والنصوص المستفيضة شاملة له أيضا، ولا كذلك في دعوى الوكيل الرد

[ 379 ]

على الموكل، والمستعير الرد على المعير على الاقوى، وان كانت العين بيدهما أمانة بالمعنى الاعم. وقيل كما في (الجواهر) وغيره في الفارق بين الوديعة وغيرها في ذلك انما هو النص والاجماع المفقودان في غير الودعي من الامناء، قلت: وهو وان كان كذلك إلا أنه يمكن تطبيق كل من القبول في الوديعة وعدمه في عيرها على القاعدة، بتقريب: أن انكار الرد في الوديعة مرجعه في الحقيقة إلى أنكار أصل الحفظ الذي ائتمنه المالك عليه واستنابه فيه. وليس الحفظ في غيرها إلا مستتبعة للاغراض المقصودة بالذات من عناوينها والعلة الغائية لا يجادها، فان عقد الوكالة مفاده الاستنابة على التصرف دون الحفظ وان استتبعه، ومفاد العارية هو التبرع بالمنفعة أو الانتفاع. وأما الوديعة فالعلة الغائية لها والمقصود الاصلي فيها ليس الا نفس الحفظ الذي ائتمنه عليه، ولذا عرفوها بأنها الاستنابة على الحفظ، والوكالة استنابة على التصرف، فالحفظ في الوديعة كالتصرف في الوكالة في أن المالك ائتمنه عليه وإن اطمأن بحفظ الوكيل لما له المسبب عن اطمئنانه بأمانته، فهو أمين عنده في حفظه لا أمين له فيه بحيث ائتمنه عليه، وانكار الرد خارج عما ائتمنه عليه في غير الوديعة وان كان مرجعه إلى انكار الحفظ، فيبقى تحت قاعدة البينة على المدعى، لان الرد فعل خارجي يدعيه الوكيل أو المستعير مثلا على المالك فيطالب بالبينة. ومنها: دعوى المالك إبدال النصاب في اثناء الحول لئلا تتعلق به للزكاة أو يكلف بأدائها فانه يصدق قوله فيه بلا يمين، وكذا لو ادعى الدفع إلى المستحق إجماعا فيهما كما في (وسائل البغدادي) وغيره، وهو كذلك لذلك ولان التصرف وهو الابدال في الاول من شؤون المالكية، وفي الثاني مما يملكه بالولاية التي هي ثابتة للمالك كولاية التبديل والعزل بالقسمة، فيندرج تحت قاعدة (من ملك شيئا ملك الاقرار به) بل المالك فيهما منكر لما يدعى عليه

[ 380 ]

الحاكم من اشتغال الذمة بالدفع، سيما في الاول الذي يوافق قوله الاصل وهو عدم تعلق الزكاة بماله أو عدم التكليف بأدائه، مع أنه ولا سيما في الثاني مما يتعسر أو يتعذر إقامة البينة عليه لامكان احتسابه من الدين الذي له على المستحق، وسقوط اليمين فيهما لكون الدعوى عليه من الحاكم غير جازمة لاحتمال الفراغ أو عدم التعلق، سيما مع كونه مصدقا فيهما واستصحاب بقاء العين وعدم الابدال في الاول لا يثبت ادارة الحول على الموجود أو كونه فيه. ومنها: دعوى المالك نقصان ما خرص عليه المصدق لينقص بحسب ذلك ما قرر عليه من الزكاة، بل هو منكر لما يدعى عليه المصدق من بلوغ القدر المخروص المنبعث عن الحدس والتخمين، لموافقته للاصل ومخالفة قول المصدق له. ومنها: دعوى الذمي الاسلام قبل الحول ليتخلص من الجزية، فانه يقبل قول كل منهما، ويصدق بلا يمين. للاجماع المحكي فيهما أيضا في (الوسائل) وغيره، وسقوط اليمين فيهما، لما عرفت من كون الدعوى غير جازمة، والاصل يقتضي البراءة، مع أن الدعوى في الثاني أيضا مما لا تعلم إلا من قبله، مضافا إلى أنه لو أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية عندنا، كما في (المبسوط) للجب (1).


(1) قال الشيخ في المبسوط: كتاب الجزايا ضمن كتاب الجهاد، فصل في كيفية عقد الجزية، آخر الفصل: " وإذا أسلم الذمي بعد الحول سقطت عنه الجزية " ويشير السيد الماتن قده بتعليل (الجب) إلى الحديث النبوي المشهور: " الاسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها " قال الجزري في النهاية بعد ذكر الحديث: " أي يقطان ويمحوان ما قبلها من الكفر والمعاصي ".

[ 381 ]

ومنها: دعوى الصبي الحربي الذي ظاهره البلوغ يالنبات: الاستنبات بالعلاج، ولم يكن عن بلوغ ليلحق بالذراري في عدم القتل. وعن بعض عدم قبول قوله الا بالبينة، لان النبات ظاهر في البلوغ اعتبره الشارع إمارة عليه، فهو مقدم على الاصل فيه، فهو مدع لمخالفة قوله له، فيطالب بالبينة عليه، والاقرب فيه القبول احتياطا في الدماء لانه لو لم يسلم فليس إلا القتل، ولا أقل من كونه موجبا للشبهة التي تدرء بها الحدود بعد أن كان المجعول امارة على البلوغ انما هو النبات بنفسه لا مطلقا، وحيث احتمل كونه غيره أوجب دعواه الشبهة الدارئة للقتل. نعم لو ادعى الاستنبات لابطال ما أوقع من عقد أو ايقاع، فانه لا يقبل قوله حينئذ إلا بالبينة، لسلامة الامارة فيه عما يوجب عدم العمل بها من الشبهة الدارئة للحد. ومنها: دعوى البلوغ، والاقوى تقييدها بدعوى الاحتلام دون السن لعدم تعذر إقامة البينة عليه بخلاف الاحتلام الذي لا يعلم إلا من قبله فانه يقبل فيه لانه لا يمكن اقامة البينة عليه، فلو توقف عليها لزم الحرج والضرر المنفيان: آية ورواية (1). وبالجملة: سماع الدعوى في مثل ذلك انما هو للضرورة التي تتقدر بقدرها، وهي متحققة في دعوى الاحتلام دون السن. اللهم إلا أن يقال بتعسر البينة غالبا عليه أيضا، فيلحق المتعسر غالبا بالمتعذر في القبول. ولعله لذا عن بعض قبول قوله فيه مطلقا من غير تقييد باختصاصه بدعوى الاحتلام، فتأمل. وكيف كان، فلا يمين عليه


(1) اشارة إلى قوله تعالى في نفي الحرج كما في سورة المائدة: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " وقوله صلى الله عليه وآله في نفي الضرر: " لاضرر ولا ضرار في الاسلام ".

[ 382 ]

لانها ضربت على المنكر دون المدعى، وللزوم الدور، لتوقف اعتبارها على البلوغ فلو توقف البلوغ عليها دار: (لا يقال) سماع الدعوى مشروط ببلوغ المدعي والشأن فيه، فيدور أيضا (لانا نقول): ما دل على القبول في المقام من الضرورة يدل على القبول فيه من دون شرط، فيكون مخصصا لما دل على شرطية البلوغ لسماع الدعوى وبما ذكرنا يظهر لك الوجه في قبول قول المدعى لكل ما لا يعلم إلا من قبله كدعوى البرائة مما يتعلق بالحيض والطهر كالعدة وغير ذلك مما يتعذر الاطلاع عليه، ولكل ما يوجب الشبهة الدارئة للحد إحتياطا في الدماء. ومنها: دعوى من عليه الحق الاعسار حيث لا تكون الدعوى مالية ولا مسبوقة باليسار، فان المشهور كما قيل على قبول قوله بيمينه بلا بينة، مع أنه مدع لما يوجب سقوط المطالبة من العسر المفسر بالضيق والشدة في مقابل اليسر المفسر بالسعة، وهما ضدان وجوديان لا ينتقضان فلا يثبت بالاصل حتى يكون مدعيه منكرا في الحقيقة لموافقة قوله له، بل هو مدع لمخالفة قوله إياه، وحيث علق الانظار عليه في الآية الشريفة (1) كان شرطا في وجوبه. فلا بد من إحرازه لتوقف الحكم به على تحققه لكونه شرطا لما علق عليه من الانظار، مضافا إلى ما ورد في الاخبار: " من أن عليا (ع) كان يحبس على الدين ثم يفتش عن ماله فان وجد والا أطلقه وأنظره إلى الميسرة " (2) ولولا جواز المطالبة بالحق عند الشك في الاعسار لم يكن للحبس وجه قبل التبين (لا يقال): مقتضى المفهوم


(1) اشارة إلى آية (280) من سورة البقرة: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". (2) راجع بهذا المضمون في الوسائل آخر: كتاب الحجر باب 7 حديث (1).

[ 383 ]

من جعل الميسرة غاية هو كون اليسار شرطا لجواز المطالبة فيتوقف ثبوته على تحققه والاصل عدمه (لانا نقول): جعل اليسر غاية انما هو لبيان انتهاء زمان الانظار بانتفاء شرطه، وهو الاعسار، لا لكونه شرطا في تركه المرادف للمطالبة، فهو كدخول الليل المجعول: غاية للصوم الواجب في النهار المنتفي هو بانتفاء زمانه المنكشف بدخول الليل. وكذا الحكم المعلق على السكون مثلا المنتفي بالحركة، فانه لانتفاء شرطه وهو السكون لا لخصوصية في الحركة من حيث هي حركة أوجبت انتفاء الحكم أو ثبوت ضده. فاتضح الجواب عما توهم من دوران الامر، بين كون الاعسار، شرطا للانظار كما يستفاد من منطوق الآية أو كون اليسار شرطا للمطالبة كما يستفاد من مفهومها الثابتة حجيته. وهذا أقصى ما يمكن أن يستدل به على عدم قبول قوله إلا بالبينة كما عن بعض إلا أن الاقوى ما عليه المشهور من قبول قوله بيمينه لكونه منكرا لوجود ما يتمكن منه من الوفاء، وان كان الاعسار المفسر بالضيق والشدة أمرا وجوديا بعد أن كان مناط صدقه انما هو بفصله العدمي. توضيح ذلك: ان العسر واليسر المفسرين بالضيق والسعة، وان كانا أمرين وجوديين، الا أنهما يدوران مدار فقد المال ووجوده، وامتياز العسر عن ضده انما هو بفصله العدمي من فقد المال أصلا أو فقد مقدار ما به يتحقق اليسر، ضرورة أن من عنده مال لا يزيد على مؤنته الشرعية وضرورة معيشته هو معسر شرعا، ومناط صدقه عليه انما هو فقدان ما زاد عليه لا وجدان ما نقص عنه، لاشتراكهما في وجدان ذلك القدر، وانما الامتياز بفقد ما زاد عليه ووجد انه، فالاعسار، وان كان وجوديا، إلا ان امتيازه عن ضده بفصله العدمي المأخوذ في صدقه، ولم يكن ملحوظا في صدق الميسرة إلا كونه واجدا للقدر الموجب لصدقه من غير ملاحظة أمر عدمي

[ 384 ]

في صدقه وحقيقته، فيكون الاعسار حينئذ هو الموافق للاصل الموجب لصدق المنكر على من يكون قوله موافقا له، فيتوجه عليه اليمين، وأما الاخبار فمع معارضتها بغيرها وكونها حكاية فعل لا عموم فيه محمولة على كون الدعوى مالية وكانت مسبوقة باليسار. وأما الثانية أي تخصيص الجملة الثانية المتكفلة لبيان وظيفة المنكر: من كونه منكرا لا يمين عليه أو يمين لا على المنكر، بل على المدعى. فالاول منها: هو كل منكر لا غرامة عليه لو أقر بما أنكره فانه لا يمين عليه لان المنكر انما كان عليه اليمين ليدفع بها غرامة المدعي عن نفسه فحيث لا غرامة فلا يمين. وهو واضح، مثاله: ما إذا كان عبد في يد انسان فادعى على مولاه أنه أعتقه. وادعى آخر على مولاه أنه باعه منه: فان كذبهما المولى ولم تكن لهما بينة حلف لهما لانه منكر لدعواهما وان صدق أحدهما ثم كذب الآخر لم يحلف لمن كذبه لانه لا غرامة مع إقراره فلا يمين مع انكاره، ضرورة أنه لو صدق المشتري أولا ثم أقر للعبد لم ينفذ إقراره لكونه إقرارا في ملك الغير ولا غرامة على تفويت الحرية لانها غير مضمونة، فحيث لا غرامة باقراره لا يمين مع انكاره. وهذه قاعدة مسلمة نبه عليها الشيخ في (المبسوط)، وكذا لو صدق العبد أولا لم يحلف للمشتري لانفساخ العقد بحرية العبد المسببة على إقراره له أولا، فيكون من تلف المبيع قبل قبضه الموجب للانفساخ قهرا وإتلاف البايع كالتلف السماوي في سببيته للانفساخ كما أسلفناه في محله، فتكون هذه القاعدة في مجاريها مخصصة لعموم اليمين على من أنكر. والثاني: يمين الاستظهار التي هي على المدعي إذا كانت الدعوى على الميت، فانها لا تثبت له إلا بالبينة واليمين معها، كما دلت عليه النصوص المستفيضة، والحق أن يمينه يمين المنكر، إذ لو كان حيا يدعى الوفاء

[ 385 ]

لكان المدعي حينئذ منكرا عليه اليمين، وحيث كان محتملا في حقه نزل الشارع الميت الصامت منزلة الحي المدعى للوفاء مراعيا فيه الاحتياط، كما هو صريح التعليل في الخبر المروي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وفيه: " وان كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لا اله إلا هو: لقد مات فلان وان حقي عليه، فان حلف وإلا فلا حق له لانا لا ندري لعله قد وفاء ببينة لا نعلم موضعها؟ أو بغير بينة قبل الموت، فمن ثم صار اليمين مع البينة " (1) وعليه فلم يكن المورد خارجا عن قاعدة الوظيفة. (تكملة): هل اليمين اعتبرت في حق المنكر إرفاقا به عن كلفة إقامة البينة أو هي معينة عليه مختصة حجته بها كما يقتضيه ظاهر النبوي المتقدم (2) ولو بمعونة التفصيل القاطع للشركة، وصريح خبر منصور ابن حازم عن الصادق عليه السلام: " قلت له رجل في يده شاة فجاء رجل وادعاها وأقام البينة العدول أنها ولدت عنده لم يبع ولم يهب؟ وجاء الذي في يده البينة مثلهم عدول أنها ولدت عنده لم يبع ولم يهب؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: حقها للمدعي ولا أقبل من الذي هي في يده بينة لان الله عزوجل أمر أن تطلب البينة من المدعي، فان كانت له بينة وإلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر الله عزوجل " (3).


(1) الوسائل: كتاب القضاء، باب 4 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى. والرواية عن الشيخ أي الامام موسى بن جعفر (ع) وهي طويلة حذف في المتن من أولها ومن آخرها. (2) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله: البينة على من ادعى، واليمين على من ادعى عليه، أو من أنكر. (3) الوسائل، كتاب القضاء، باب 12 من أبواب كيفية الحكم =

[ 386 ]

الاقوى هو الاول، لعموم ما دل على حجية البينة، وخصوص. ما ورد مستفيضا في ترجيح إحدى البينتين المتعارضتين بأحد وجوه المرجحات الآتية في صورة ما لو كانت العين في يد أحدهما، ضرورة أن الترجيح فرع حجية كل واحدة منهما، إذ لا تعارض بين الحجة وغير الحجة، مضافا إلى ما ورد في (حديث فدك): من انكار علي أمير المؤمنين (ع) على الاول، حيث ابتدأ بطلب البينة من ذي اليد، وكان حق الطلب أن يبتدء بسؤالها من المدعي وهو المسلمون (1) ولو كانت البينة من ذي اليد غير مقبولة ولا مسموعة، لكان الانكار عليه بعدم القبول وعدم الحجية أولى من الانكار بابتداء الطلب منه، وهو واضح، بل الظاهر كون ذلك من المسلمات عندهم، حيث اختلفوا في تقديم بينة الخارج على على بينة الداخل أو بالعكس مطلقا، أو على التفاصيل الآتية: من الاطلاق والتقييد، وذكر السبب وعدمه، وما يمكن فيه التكرر وما لا يمكن، المعلوم ابتناء ذلك كله على حجية بينة المنكر من دون نكير عليهم، وليس ذلك إلا لكون بينة المنكر معتبرة أيضا، فيكون مخيرا بين اليمين وإقامة البينة ان أراد دفع كلفة اليمين عن نفسه، بل عن بعض: جواز اقامة البينة عند الحاكم تسجيلا لثبوت حقه خوفا من تعذر إقامتها لو ظهر مدع عليه. (لا يقال): إن مرتبة المنكر لاقامة حجته متأخرة عن مرتبة المدعي لاقامة حجته، بل مشروطة بعدم الحجة للمدعي، ولذا لا يمين على المنكر بعد إقامة المدعي بينته، فكيف يكون المنكر مخيرا في حجته بين البينة واليمين؟ (لانا نقول) مع أنه اجتهاد في مقابل النص الوارد في تعارض البينتين مع كون العين في يد أحدهما، يدفعه أن المنكر حيث لا بينة للمدعي مخير


= وأحكام الدعوى، حديث (14). (2) تقدمت الاشارة إلى هذه المحاججة في رسالة: (قاعدة اليد).

[ 387 ]

بين إقامة البينة أو اليمين. ومعها وإن كان لا يطالب باليمين لان الاجلاف حق المدعي يضطر إليه عند الحاجة ومع البينة لا حاجة له إليه، لا أنه يطالب بدفع حجة المدعي أما بابطالها كالجرح أو بالمعارضة بمثلها كالبينة، فالمنكر مع عدم البينة للمدعي مخير بين اليمين وإقامة البينة، ومع بينة المدعى مخير بين إبطالها أو المعارضة بمثلها، غير أنه على الثاني يمكن أن تكون فائدة بينته دفع بينة المدعي، فيكون المورد بعد الاسقاط كما لو لم تكن بينة للمدعي، ويمكن ترجيحها باليد على بينة المدعي بناء على تقديم بينة الداخل على الخارج. فاتضح بما ذكرنا أن اليمين حيث تتوجه على المنكر انما هي من باب الارفاق لا حصر الحجة بها، والله العالم. وأما النبوي، فمع كونه محمولا على الغالب، يحتمل أن يكون ناظرا إلى ما هو للمدعي وعليه من الميزان لقطع الخصومة التي هي من حقوقه ولذا لو تركها لترك من البينة عليه واليمين له على المدعى عليه. ولذا كان الاحلاف متوقفا على طلبه لانه من حقوقه وان توقف استيفاؤه على الحاكم وكان له الاكتفاء باليمين مع تمكنه من البينة فمساق الحديث: البينة على المدعي وله اليمين على من أنكر، وليس ناظرا إلى حصر إثبات حق المنكر باليمين. وأما خبر منصور بن حازم، فمع كونه مرميا بالضعف، غير مكافئ لما دل على الترجيح في صورة التعارض بالمرجحات الآتية المستلزم لقبول بينة المنكر لو انفردت بنفسها، فيختص لو بني على العمل به بمورده من إلغاء بينة المنكر مع قيام بينة المدعي لا مطلقا، وان كان التعليل فيه يقتضي العموم.

[ 388 ]

(المقام الثالث) في التداعي وبيان جملة من أحكامه، فنقول: لو تداعيا في ملكية عين: فلا يخلو: اما أن تكون العين بيديهما أو بيد أحدهما أو بيد ثالث غيرهما أو لا يد لاحد عليها. وعلى التقادير: فأما أن لا تكون لهما بينة أو كانت ولكن لاحدهما دون صاحبه أو لهما معا، فهنا صور، أصولها أربعة، وأقسام كل أصل منها ثلاثة: الصورة الاولى ما لو كانت العين بيدهما، وهي على أقسام: (القسم الاول): إذا لم تكن لهما بينة فالحكم فيه بعد التحالف التنصيف لكون كل منهما مدعيا من جهة ومدعى عليه من جهة أخرى لانه منكر لما يدعي عليه صاحبه من اختصاص الملكية بنفسه، فعليه اليمين من غير فرق بين القول بأن يد كل منهما على النصف فلا يد له على النصف الآخر أو القول بأن يد كل منهما على الكل لا بنحو الاستقلال وأنه من تزاحم البدين في توجه اليمين على كل منهما والقضاء بالنصف عليهما. وهو على الاول واضح لتغاير موضوع ما به يكون مدعيا لموضوع. ما به يكون منكرا فانه في الاول هو النصف الذي في يد صاحبه، وفي الثاني هو النصف الآخر الذي في يده، وتغاير الموضوع شرط في صدق العنوانين على واحد وعلى الثاني: فقد يتوهم الاشكال في صدقهما على كل منهما مع كون العين في يدهما، فان موضوع ما يدعى ملكية جميعه وهو العين عين ما يدعيه الآخر، فكيف يكون مدعى عليه فيما يكون فيه مدعيا، إذ ليس هو الا ملكية الجميع يدعيها كل منهما. الا أنه مدفوع بكفاية التغاير بالاعتبار في صدق العنوانين عليه، إذ العين التي في يديهما مربوطة بهما بمقتضى اليد عليها، فكل منهما بدعواه الاختصاص به يدعى على صاحبه خلاف

[ 389 ]

ما تقتضيه يده من الربط به، فكل من حيث الربط الحاصل له به باليد مدعى عليه، وبالنسبة إلى الربط الحاصل للآخر بها مدع، ضرورة أن مقصود كل منهما في دعواه انتزاع العين من يد الآخر ليستقل بها. وبعبارة أخرى: اليد يدان: يد مستقلة، ويد مزاحمة بمثلها، ومفاد كل منهما غير مفاد الاخرى، لان مفاد الاولى هو الملكية المستقلة بمعنى استقلال مالكها بها، ومفاد الثانية هو الملكية غير المستقلة، فمفاد كل من اليدين هو الملكية في الجملة الثابتة لكل منهما باليد، فدعوى الاختصاص من كل منهما من حيث تعلقها بما يرجع إلى مالك الآخر، ولو في الجملة سبب لكونه كان مدعيا على الآخر، والآخر مدعى عليه وهذا القدر من التغاير كاف في صدق العنوانين على كل منهما. وان أبيت عن ذلك، فلنقرر المطلب بتقرير آخر، وهو أن اليد وغيرها من الامارات المعتبرة شرعا في الاحكام كخبر الواحد والاجماع المنقول مثلا، أو في الموضوعات كالبينة واليد ونحوهما هي امارات على مؤدياتها مفيدة لها دالة عليها عرفا، غير أنها لما كانت ظنية غير علمية احتيج إلى امضاء الشارع للعمل بدلالتها، فالمجعول منه هو اعتبار الدلالة لا كونها دالة، وحينئذ فاليد ان كانت مستقلة كانت دالة على الملكية المستقلة وان كانت مزاحمة بمثلها كانت دالة على النصف كذلك عرفا، والشارع جعل كلا من اليدين معتبرة في مدلولهما العرفي من الكل مستقلا في الاول وبالنصف في الثاني. وان قلنا فيه بكون اليد على الكل أيضا بعد أن كان مفادها النصف عرفا، فكل منهما مدعى عليه لمفاد يده. هذا ومرجعه في الحقيقة إلى ما ذكرناه أولا، ضرورة أن النصف المشاع مستقلا عين الكل لا بنحو الاستقلال، فالملكية المتعلقة بالكل لا بنحو الاستقلال: ان تم نقصانها في الفرض من حيثية الاستقلالية تولد منه كسر من الكسور التسعة

[ 390 ]

وهو النصف مثلا، فلا نقض في الفرض بالنسبة إلى الملكية وانما النقض بالنسبة إلى الاستقلال وعدمه. وبما ذكرنا يظهر لك مواقع التأمل في كلام شيخنا في (الجواهر) حيث قال: " وقد يناقش بعدم اندراجهما في القاعدة المزبورة إذ الفرض أن يد كل منهما على العين لا نصفها، ضرورة عدم تعقل كونها على النصف المشاع إلا بكونها على العين أجمع في كل منهما وحينئذ فلا مدع ولا مدعى عليه منهما، ضرورة تساويهما في ذلك، الا أن الشارع قد جعل القضاء في ذلك بأن العين بينهما، كما سمعته من النبوي المرسل فالنصف هو القضاء بينهما في الدعوى المزبورة التي كان مقتضى يد كل منهما الكل، ومنه يظهر لك عدم كون كل منهما مدعيا لنصف الآخر ومدعى عليه في نصفه كي يتوجه التحالف، بل المتوجه إلغاء حكم يد كل منهما بالنسبة إلى تحقق كونه مدعى عليه، ويكون كما لو تداعيا عينا لا يد لاحد عليها ولا بينة لكل منهما، فان القضاء حينئذ بالحكم بكونها بينهما لكون الدعوى كاليد في السبب المزبور المحمول على التنصيف بعد تعذر إعماله في الجميع للمعارض الذي هو استحالة اجتماع السببين على مسبب واحد، إذ لا وجه لاستحقاق كل منهما اليمين على الآخر، ضرورة عدم كونه مدعى عليه بعدم يد له على العين يراد رفعهما عنه، فقول كل منهما: هي (لي) دعوى بلا مدعى عليه فلا يمين فيها فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع. أو يقال في الفرض باعتبار ثبوت اليد لكل منهما على العين مدعى عليه، لو كان مدع خارج عنهما، وإلا فلا يتصور كونه منهما بعد أن كان مع كل منهما عنوان المدعى عليه لمعلومية التباين بين المدعي والمدعى عليه، ومن هنا كان التحالف إذا كان كل منهما مدعيا منكرا بمعنى أنه مدع لشئ ومنكر لآخر كما هو ظاهر في النظر إلى أفراد ذلك. لا في

[ 391 ]

مثل المقام الذي دعوى كل منهما الكل، والفرض ان اليد لكل منهما فلا يكون مدع فيما هو مدعى عليه فيه. اللهم الا أن يقال: ان اليمين هنا لترجيح أحد السببين كالترجيح بها لاحدى البينتين وان ترتب عليه كون العين للحالف منهما " (1) انتهى وانما ذكرنا كلامه بطوله لتقف على مواقع التأمل فيه وبذلك يظهر الوجه في إحلاف كل منهما للآخر إن أريد القضاء بالنصف عليهما قطعا للخصومة الواقعة بينهما، لان كلا منهما مدعى عليه ويمينه يمين المنكر، خلافا للمحكي عن (الخلاف) والغنية والكافي والاصباح وظاهر الشرائع في الحكم بالتنصيف من دون يمين، بل عن الاولين: دعوى الاجماع عليه مؤيدا بظاهر النبوي المرسل: " ان رجلين تنازعا في دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها النبي صلى الله عليه وآله بينهما " الا أنهما (2) موهونان بالارسال، ومصير المعظم إلى الخلاف من لزوم التحالف، مع كون المرسل، واجماع الغنية ليس فيهما الا عدم التعرض لليمين، وهو أعم من عدمها فلا موجب لتخصيص ما دل على حصر القضاء بالميزان من البينة أو اليمين، ثم ان حلفا أو نكلا مع الرد أو بدونه قضي بينهما وإلا فهو للحالف منهما. هذا وقد يتوهم النقض بعدم اليمين في نظير المقام من التداعي في مسائل تعرضوا لها في الصلح: منها: مسألة ما لو أودعه انسان درهمين وآخر درهما وامتزج الجميع


(1) راجع ذلك في: كتاب القضاء النظر الرابع في أحكام الدعاوي المقصد الاول في دعوى الاملاك، في شرح قول المحقق (مسائل: الاولى لو تنازعا عينا في يدهما ولابينة). (2) أي النبوي ودعوى الاجماع: فالاول موهون بالارسال، والثاني بعدم تحققه.

[ 392 ]

ثم تلف درهم كان لصاحب الدرهمين درهم ونصف، وللآخر نصف درهم لخبر السكوني عن الصادق (ع)، المنجبر بالعمل، وفيه: " عن رجل استودعه رجل دينارين واستودعه آخر، دينارا فضاع دينار منهما؟ فقال: يعطى صاحب الدينارين دينارا ويقتسمان الدينار الباقي بينهما نصفين " (1). ومنها: ما لو كان لواحد ثوب بعشرين درهما وللآخر ثوب بثلاثين درهما، ثم اشتبها، فان خير أحدها صاحبه فقد أنصفه، وان تعاسرا بيعا وقسم ثمنهما بينهما أخماسا: أعطي خمسان لصاحب العشرين وثلاثة أخماس لصاحب الثلاثين، لخبر اسحق بن عمار عن الصادق (ع): " في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما في ثوب، وآخر عشرين درهما في ثوب فبعث الثوبين فلم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه؟ قال: يباع الثوبان، فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن والآخر خمسا الثمن. قلت: فان صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين: إختر أيهما شئت؟ قال: قد أنصفه " (2). ومنها: ما لو كان معهما درهمان فادعاهما أحدهما، وقال الآخر: هما بيني وبينك، كان لمدعيهما درهم ونصف، وللآخر نصف درهم، لمصححة عبد الله بن المغيرة: " عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني وبينك؟ قال فقال أبو عبد الله (ع). أما الذي قال هما بيني وبينك، فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له فيه شئ وأنه لصاحبه، ويقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين " (3).


(1) الوسائل، كتاب الصلح، باب 12 حديث (1). (2) المصدر الآنف الذكر، باب 11 حديث (1). (3) المصدر الآنف الذكر باب 9، حديث (1).

[ 393 ]

ومثله مرسل محمد بن أبي حمزة (1) ولا يمين في هذه النصوص المنجبرة بالعمل الحاكمة بالقسمة المتقدمة. وان استقرب التحالف في الاخير في محكي (التذكرة) حيث قال: " الاقرب أنه لابد من اليمين فيحلف كل واحد منهما على استحقاق نصف الآخر الذي تصادمت دعواهما فيه فمن نكل منهما قضى به للآخر ولو نكلا معا أو حلفا معا قسم بينهما نصفين " (2) واستحسنه في محكي (المسالك). إلا أنه مدفوع: (أولا) بوضوح الفرق بين تلك الفروع ولا سيما الاولين منها، وبين محل البحث المأخوذ فيه كون الدعوى من كل منهما بنحو البت ودوران الاحتمال في المدعى به بين كونه لهما بالاشاعة أو لكل منهما بالاستقلال المنتفيين في المسألة الاول والثانية قطعا، لعدم الجزم بما يدعيه كل منهما بسبب الاشتباه وعدم احتمال الاشاعة في المشتبه منها لمعلومية كونه: إما له أو لصاحبه (وثانيا) بامكان دعوى خروجهما عن عنوان التداعي بحصول الشركة الحكمية بالاشتباه الملحق بالمزج الحقيقي والعرفي في سببيته لها بناء على القول به، لوجود المناط الموجب لها من عدم التمييز فأدت الضرورة إلى الحكم فيه أيضا بالشركة الحكمية دون الحقيقية التي هي بمعنى الاشاعة في الكل لبقاء كل من المالين على ملك مالكه على الاقوى، وكانت الشركة بينهما على نسبة المال، ولذا لو ابتاع بمجموع الدراهم الثلاثة سلعة كانت الشركة فيها أثلاثا، لكن بالاشاعة لكونه معوضا عن مجموع الثمن الذي له فيه الثلث، بخلاف مالو اشتراها بواحدة منهما فان الشركة فيها على حد الشركة في ثمنها من الحكمية لقيام


(1) في المصدر الآنف، آخر الحديث إشارة إلى المرسلة المذكورة. (2) آخر كتاب الصلح بعنوان: مسألة: لو كان في يد شخصين درهمان، فادعاهما أحدهما وادعى الآخر واحدا منهما..

[ 394 ]

المثمن مقام الثمن في دوران الاشتباه بين كونه: إما له أو لصاحبه. (لا يقال) ان مقتضى الشركة في مسألة الوديعة هو الحكم بالتثليث في القسمة بينهما دون التنصيف الذي حكم به الخبر لوارد فيها بتنصيف الدرهم بينهما فيعطى لصاحب الدرهمين درهم ونصف وللآخر نصف درهم فيرجع إلى التربيع في الانصاف الاربعة من الدرهيمن الموجودين دون التثليث فيهما الموجب لتخريج الخبر مخرج الصلح القهري تعبدا (لانا نقول) مقتضى الشركة الحكمية التي هي لا بنحو الاشاعة في قسمتها بعد تلف البعض: هو ما حكم به الخبر من تنصيف المردد المشتبه بينهما لو كانت الشركة بين اثنين فتكون الرواية جارية على القاعدة في قسمة أمثالها، لا على خلافها تعبدا. ضرورة أن القسمة انما ترد على المشتبه المردد بينهما، دون ما هو معلوم لواحد منهما بعد أن كان معنى التقسيم هو إعطاء كل ذي حق حقه من المال فيعطى لصاحب الاكثر ما هو له على التقديرين، سواء كان التالف منه أو من الآخر كصاحب الدرهمين المعلوم كون الواحد منهما له على كل حال. فلا قسمة فيه، وانما القسمة في الواحد المردد بينهما، ومقتضى الشركة فيه بين الاثنين تنصيفه بينهما ويكون التلف منهما بقدر مالو ضم إلى ماله من الموجود كان طبقا لما كان له قبل التلف فيكون حكم التالف في التوزيع حكم الموجود في القسمة من التعلق بالقدر المردد بينهما بحيث لو كان التالف مضمونا، كما لو كان المزج بتعد منه. كانت القسمة في بدله على نسبة القسمة في الموجود المردد. توضيح ذلك: ان خلط المالين المتماثلين بحيث يرتفع التمييز بالاشتباه لا يخلو: أما أن يختلفا في القدر أو يتساويا فيه. وعلى التقديرين: فاما أن تكون الشركة الحكمية بين اثنين أو أكثر. والحكم في جميع صورها: هو ما ذكرنا: من قضاء الضرورة إعطاء حكم الشركة في الجميع قبل

[ 395 ]

التلف على نسبة السهام فيه، للاشتباه الدائر في الكل الموجب لتعذر التعيين ووقوع قسمة الموجود منه بعد التلف على المردد المشتبه بين الشركاء على نسبة عددهم: من التنصيف بين الاثنين والتثليث بين الثلث وهكذا دون القدر المعلوم لاحدهم، وتوزيع التالف منه عليهم كذلك بالنسبة بحيث لو ضم إلى ما أعطى له كان طبقا لما كان له قبل التلف. ولنزد توضيح ذلك بالمثال: كما لو كان لواحد درهم ولآخر تسعة دراهم، فاختلطا وتلف واحد منها أعطي ثمانية منها لصاحب التسعة باليقين ونصف من الواحد الموجود المردد بالشركة، والنصف الآخر لصاحب الدرهم والتالف بالتوزيع بينهما كذلك، فلو كان التالف في المثال درهمين كان لصاحب التسعة سبعة دراهم باليقين، وعليه من التالف واحد كذلك وله نصف من الواحد المردد بالشركة، فلو ضم إلى ماله من الموجود ما تلف منه باليقين وبالتوزيع كان طبقا لما كان له قبل التلف، وكذا بالنسبة إلى صاحب الدرهم لو ضم ما تلف منه من النصف بالترديد إلى ما أعطى له من الموجود كذلك كان طبقا لما كان له من الدرهم قبل التلف وكذا لو كان لاحدهما ثمانية دراهم وللآخر درهمان وتلف منها أربعة دراهم، كان لصاحب الثمانية أربعة من الموجود باليقين وواحد منه بالقسمة للترديد ومن التالف اثنان باليقين وواحد بالتوزيع للترديد، وكان لصاحب الدرهمين درهم من الموجود بالقسمة للترديد، ومن التالف واحد كذلك، فلو ضم التالف من كل منهما إلى ماله من الموجود كان طبقا لما كان له قبل التلف. ولو تساويا في قدر المال فيقسم الموجود بينهما بالسوية، ويوزع التالف عليهما كذلك. ولو كان الشركاء أكثر من اثنين فبالنسبة إلى عددهم في قسمة الموجود بينهم وتوزيع التالف عليهم بالتثليث أو التربيع أو التخميس، وهكذا. والقسمة في الثوبين المشتبهين تقع في ماليتهما على نسبة ملك الثمنين فتحصص أخماسا

[ 396 ]

ويعطي لصاحب العشرين خمسان، ولصاحب الثلاثين ثلاثة أخماس بموجب الشركة الحكمية في نفس الثوبين، غير أن القسمة لما كانت متعذرة في عينيهما كانت في ثمنيهما. وبما ذكرنا اتضح لك عدم منافاة القسمة في فرض الدرهم المردد بينهما للعلم الاجمالي في كونه لاحدهما حتى يقال بكونه من الصلح القهري تعبدا. وأما النقض بالمسألة الثالثة، فقد يدفع بأن النص، وان كان السؤال فيه ظاهرا في كون نسبتهما إليه بنحو الاشاعة. إلا أنه يجب صرفه عن ظاهره بارادة اختصاص التداعي في واحد منهما بقرينة جواب الامام، الظاهر في ارادة الواحد بالعدد الموجب لكون الواحد المتنازع فيه مرددا بين كونه: إما له أو لصاحبه، وحينئذ فيخرج عن محل البحث المفروض فيه قيام احتمال كون ما في يديهما لهما بنحو الاشاعة أيضا، فلا يصلح النقض به. مع أن العلم الاجمالي حينئذ باختصاص ما اختص للتداعي به بأحدهما يوجب سقوط اليد من الجانبين لسقوط احداهما بالعلم الاجمالي بأنها ليست مالكية، والاخرى بسقوط ظهورها في تعيين صاحبها بالنسبة إلى الآخر فيكون حكمها حكم ما لو تداعيا عينا لا يد لاحد عليها: من القضاء فيه بالحلف بعد القرعة كما ستعرف فالحكم فيه بالتنصيف من دون يمين مع أنه لم يصلح نقضا مخالفا للقاعدة أيضا. اللهم الا أن يمنع وجوب صرف السؤال عن ظاهره بتقريب أن يقال: ان قوله في السؤال: (هما بيني وبينك) إما مجمل من حيث ارادة كون النسبة اليهما بنحو الاشاعة فيهما أو ارادة الواحد منهما، واما الاعم منهما الشامل لهما، وقوله في الجواب (فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له فيه شئ) وان كان ظاهرا في ارادة الواحد بالعدد دون الملفق من النصفين المساوي للواحد المعبر عنه به أيضا، الا أن ذلك لم يمكن مما

[ 397 ]

أقر به بقوله (هما بيني وبينك) لظهوره في الوحدة التلفيقية أو اجماله بينها وبين الوحدة العددية، فلا تكون خصوص العددية مقرا بها، فيصرف ظهور الجواب إلى ما يرجع إلى ظاهر السؤال: من كونه بينهما بالاشاعة وحينئذ فيكون داخلا في محل البحث من احتمال كون العين لهما بنحو الاشاعة فيصلح النقض به للحكم في محل البحث لعدم ذكر اليمين فيه. توضيح ذلك: أن الواحد إذا لوحظ بلحاظ الكسور كان مرادفا لما يساويه منها، ضرورة أن الواحد ينطبق على النصفين وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع، وهكذا إلى عشرة أعشار، كما أن عشرين عشرا ينطبق على الاثنين وكذا عشرة أخماس وثمانية أرباع وسته أثلاث وأربعة أنصاف ينطبق عليه أيضا، فيقوم كل من اللفظين مقام الآخر في التعبير، فيقال: واحد ونصفان وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع، وانما التغاير بالاعتبار. إذا عرفت ذلك، فنقول: قوله في السؤال (هما بيني وبينك) من غير تقييد بالتفاضل الظاهر في التساوي ينحل بعبارة أخرى إلى قوله (نصفهما لي ونصفهما لك) وله مصداقان: أحدهما الواحد بالعدد، والآخر بالتلفيق من نصفين، وهو: اما مجمل بينهما أو ظاهر في الوحدة التلفيقية فكيف يكن ما أقر به هو الوحدة العددية فيصرف بقرينة الاقرار إلى ارادة الوحدة من حيث النتيجة المنطبقة على كل منهما. مضافا إلى لزوم مخالفة الرواية للقاعدة إن اختص التداعي فيها بالواحد بالعدد، لما عرفت من سقوط اليدين وارجاع حكمه إلى ما لو لم تكن يد عليها من القرعة والحلف بعدها كما ستعرف فلا مناص عن الحمل على اختصاص التداعي بواحد منهما، الصادق معه أيضا باعتبار المجموع قوله: هما بيني وبينك، مع احتمال الاشاعة أيضا بتثليث الاحتمالات فيه بكونه: إما له أو لصاحبه أو لهما معا مع كونه في يديهما، فيكون من محل البحث.

[ 398 ]

إلا أن النقض به ليس الا من جهة عدم ذكر اليمين فيه مع الحكم بالتنصيف، وهو لا ظهور له في العدم بحيث يخصص ما دل على القضاء باليمين، ولعل الترك للايكال إلى ما يقتضيه القضاء من حصره بالبينة واليمين. (القسم الثاني): لو كانت لاحدهما بينة دون الآخر، قضي بها لصاحب البينة، لعموم ما دل على حجيتها، ولا يمين عليه بناء على أن يمين المنكر للارفاق لا للوظيفة. ولو قلنا بالثاني وأنه يختص حجته بها لزم ضم اليمين إليها بناء على ما عليه المشهور: من أن اليد المشتركة انما هي على النصف، فالقضاء بالجميع له يتوقف على اعمال الوظيفتين. اللهم الا أن يدعى كون الترجيح بالداخل أو الخارج انما هو لضرورة التعارض المفقود من وحدة البينة الموجبة للعمل بمؤداها. ولعله الوجه في اطلاق من أطلق القضاء بجميعها لذي البينة من دون تقييد باليمين معها مع تصريح أكثرهم في صورة التعارض بترجيح بينة الخارج. (القسم الثالث): لو كانت لكل واحد منهما بينة على ما يدعيه قضي بها لهما بالسوية مطلقا أو بعد التحالف من دون ملاحظة الترجيح هنا كما عن المشهور، ولعله عندهم لاختلاف محلهما وموضع اعتبارهما فلا ينفك عن الترجيح: اما بتقديم بينة الخارج أو الداخل، فبينة كل منهما انما تثبت ما تحت يد الآخر على الاول أو ما تحت يده على الثاني، فالمثبت بأحداهما غير المثبت بالاخرى، ومعه لا يرجع إلى المرجحات الخارجية من الاعدلية والاكثرية. وهو حسن بناء على أن يد كل منهما على النصف ويشكل بناء على ما هو الاقوى: من كون يد كل منهما على الكل لتساويهما في الدخول، فلا ترجيح من حيث الداخلية أو الخارجية. وبالجملة: لا كلام في الحكم بالتنصيف، وانما الكلام في وجه

[ 399 ]

ذلك مع اقتضاء بينة كل واحد منهما اختصاص العين به، فبين قائل بتساقط البينتين ورجوع الفرض بعده إلى الصورة الاولى، الا أنه لا ينبغي حينئذ اختصاص ذلك بصورة التساوي، ومع الترجيح باحدى المرجحات الآتية في الصور الباقية ينبغي العمل بالراجح، لان التساقط فرع التكافؤ والتساوي بينهما، وبين قائل بترجيح بينة الخارج بالوظيفة لان يد كل منهما على النصف فيقضى لكل منهما بما في يد غريمه، وقائل بترجيح بينة الداخل باليد فيقضى له بما في يده الموجب للتنصيف على التقديرين وان اختلفا في الاعتبار. وتظهر الثمرة بينهما وبين الوجه الاول في كون التنصيف انما هو بعد التحالف على الاول، وبدونه على الاخيرين، لان المأخوذ فيهما انما هو مأخوذ بالبينة التي لا معنى لليمين معها. فمن الغريب ما ذهب إليه في (التحرير): من لزوم التحالف مع بنائه على ترجيح بينة الخارج حيث قال هنا بعد الحكم بالتنصيف والقضاء لكل منهما بما في يد غريمه تقديما لبينة الخارج ما لفظه: " وهل يحلف كل واحد على النصف المحكوم به أو يكون له من غير يمين؟ الاقوى عندي الاول مع احتمال الثاني " وكذا في (التنقيح) حيث فرع على الحكم بالتنصيف: أما لتقديم بينة الخارج أو الداخل بقوله: " فيكون بينهما نصفين على التقديرين سواء أقاما بينة أو لم يقبما بينة ويكون لكل منهما اليمين على صاحبه فان حلفا أو نكلا فالحكم كما تقدم، وان حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بها للحالف " انتهى. ولم أر وجها لذلك الا التشبث بخبر اسحاق بن عمار: " عن أبي عبد الله عليه السلام، أن رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين (ع) في دابة في أيديهما وأقام كل واحد منهما البينة: أنها نتجت عنده، فأحلفهما علي (ع) فحلف

[ 400 ]

أحدهما وأبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف، فقيل له، فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما به البينة؟ فقال: أحلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين " (1) الخبر وهو كما يحتمل ذلك تعبدا كذلك يحتمل ابتناءه على التساقط الموجب للتحالف كما عرفت. (الصورة الثانية): ما إذا كانت العين بيد أحدهما وادعاها كل منهما، وهي بهذا القيد تندرج في عنوان التداعي، والا فمجرد انكار ذي اليد لما يدعى عليه وتكذيبه فيما يدعيه قائلا في جواب قوله (هو لي) أنه (ليس لك) لا يكون الا مدعى عليه خارجا عن عنوان التداعي، بل هو من قسم المدعي والمدعى عليه فقط ولعل من لم يعتبر بينة المنكر يريد من كان منكرا بهذا المعنى لانها إن شهدت بما يوافق جواب المنكر كانت غير مسموعة، لانها نافية، وان شهدت بأنها له كانت غير مطابقة لجوابه، وهو ان تم خلاف ظاهر ما عليه الاصحاب في معنى المنكر المنطبق عليه تعاريفهم: من موافقة قوله الاصل أو الظاهر، ومن لو ترك لم يترك الصادق على ذي اليد مطلقا، وان قال في جواب مدعيه: هو لي، كما يظهر من كلامهم في ترجيح بينة الداخل أو الخارج وغيره. وكيف كان: فهذه الصورة أيضا تنقسم إلى أقسام ثلاثة، لانها: اما أن لا تكون لهما بينة أصلا، أو كانت لاحدهما، أو لهما معا. أما الاول: فيقضى بها لذي اليد بعد يمينه.


(1) الوسائل: كتاب القضاء، باب 12 من ابواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، حديث (2). وتكملة الحديث هكذا: " قيل: فان كانت في يد أحدهما واقاما جميعا البينة قال: أقضى بها للحالف الذي هي في يده ".

[ 401 ]

وأما الثاني: فيقضى بها لصاحب البينة مطلقا، وان كان ذا اليد بلا يمين عليه على الاقوى ومعها ان لم يعتبر بينة المنكر. وأما الثالث: فيبنى على تقديم بينة الخارج أو الداخل. والاظهر عندي تقديم بينة الداخل لترجيحها باليد. ويحتمل قويا تقديم بينة الخارج لو كانت مطلقتين لمرجوحية بينة الداخل باحتمال استنادها إلى اليد لو قلنا بجواز الشهادة بمفادها، لما تقدم في (قاعدة اليد): من أن مرجع تحقق الامر المنتزع بعد مشاهدة منشأ انتزاعه إلى وجود المقتضى وعدم المانع المحرز بالاصل، ولا يجرى الاصل مع بينة الخارج المثبتة لوجود المانع وكون اليد عرضية، فراجع هناك. (الصورة الثالثة): ما لو كانت العين بيد ثالث، وادعاها كل منهما فان صدقهما أو صدق أحدهما بعينه، كان المصدق بحكم ذي اليد، لقاعدة (من ملك شيئا ملك الاقرار به) فيجري عليه في الاول حكم الاولى بأقسامها الثلاثة، وفي الثاني حكم الثانية كذلك. نعم لكل منهما أو لغير المصدق منهما إحلافه على نفي العلم بما يدعيه. فيحلف لهما في الاول، ولغير المصدق منهما في الثاني، لكونه مدعى عليه على التقديرين. فيتوجه عليه اليمين لذلك، وحيثما توجه اليمين على المصدق بالكسر: فان حلف والا غرم بالنكول أو الحلف بعد الرد، للحيلولة بينه وبين ما يدعيه بتصديقه، فيغرم لكل واحد منهما بدل النصف لو صدقهما وبدل الكل لغير المصدق بالفتح ان صدق أحدهما. ولو أقر لواحد منهما لا بعينه أقرع بينهما، فمن خرج اسمه بالقرعة قضى بها له بيمينه لانكشاف كونه ذا اليد بها، وليست القرعة للكشف عن المالك حتى يقضى له بمجردها بعد الكشف بها عنه، كيف ولا يزيد الاقرار على الوجدان لو كان في يد أحدهما، فانه كما عرفت يقضى له بيمينه، وغاية الاقرار أن

[ 402 ]

المقر له بحكم ذي اليد. ولو قال في الجواب: ليست لي ولا أعرف لمن هي، كان كما لو لم تكن في يد أحد لسقوط يده باعترافه وعدم نسبته إلى يد أصلا، ولو بنحو الاجمال وحكمه حينئذ حكم الصورة الآتية. ولو كذبهما وان ادعاها لنفسه توجه اليمين لكل منهما عليه لكونه منكرا بالنسبة إلى كل منهما ان لم تكن لهما بينة: فان حلف لهما قضى بها له، وان نكلهما أو نكل أحدهما بنى على القضاء بالنكول أو بعد الرد. وان كانت بينة وكانت لاحدهما قضي بها لصاحب البينة. وان كانت لهما وأقاماها سقطت اليد، وكانت العين كما لا يد عليها لتوافق البينتين في مدلولهما الالتزامي، وان تعارضتا في مدلولهما المطابقي، بناء على طريقية البينة. ولو قلنا بسببيتها للحكم بمؤداها، كان من تعارض السببين الموجب لتساقطهما من البين، كما لو وقع البيع من كل من الوكيلين في زمان واحد لبطلان كل منهما بالآخر لاستحالة الترجيح بلا مرجح، فتبقى اليد سليمة عما يوجب سقوطها. وحيث قلنا بها من باب الامارة كما هو الاقوى تعين العمل بالراجح منهما بما هو المنصوص به من المرجحات كالاعدلية والاكثرية لان كون الشي ء مرجحا ككونه حجة يتوقف على الدليل، ومع فقد المرجح أقرع بينهما، فمن خرج اسمه بالقرة أحلف وقضي بها له بعد يمينه. هذا وما ذكرناه: هو مقتضى الجمع بين الاخبار وترجيح طائفة منها على الاخرى، لانها بين مصرحة بالتنصيف من غير تقييد بالتحالف، وبين مصرحة به بعده، وبين ما دل على الترجيح بالاكثرية أو استشعر منه الترجيح بالاعدلية، وبين ما نص مع التساوي والاعتدال على القرعة والقضاء لمن خرج اسمه بها من غير تقييد بالحلف، وبين مقيد لها به بعدها. ولنورد الروايات لتقف على اختلاف مفادها:

[ 403 ]

فمنها: رواية تميم بن طرفة: " ان رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل واحد منهما بينة فجعله أمير المؤمنين عليه السلام بينهما " (1). ومنها رواية غياث: " عن أبي عبد الله (ع) ان أمير المؤمنين عليه السلام، اختصم إليه رجلان في دابة كلاهما أقاما البينة أنه أنتجها فقضى بها للذي هي في يده، وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين " (2). ومنها رواية اسحاق عن أبي عبد الله عليه السلام ": أن رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين (ع) في دابة في أيديهما وأقام كل منهما البينة أنها نتجت عنده فأحلفهما علي (ع)، فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف فقضى بها للحالف، فقيل: فلو لم يكن في يد واحد منهما وأقاما البينة؟ قال: أحلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين " (3). ومنها صحيح داود عن أبي عبد الله (ع): " في شاهدين شهدا على أمر واحد، وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا، واختلفوا؟ قال: يقرع بينهم فأيهم قرع فعليه اليمين، وهو أولى بالقضاء " (4). ومنها موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع): " ان رجلين اختصما إلي علي عليه السلام في دابة فزعم كل واحد منهما أنها نتجت على مذوده


(1) الوسائل: كتاب القضاء، باب 12 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، حديث (4). (2) المصدر الآنف الذكر، حديث (3). (3) مر آنفا من المصنف ذكره، ومنا تخريجه. (4) المصدر الآنف الذكر، حديث (6)، والمقصود من داود: ابن سرحان.

[ 404 ]

وأقام كل واحد منهما بينة سواء في العدد، فأقرع بينهما سهمين، فعلم السهمين كل واحد منهما بعلامة، ثم قال: اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم: أيهما كان صاحب الدابة، وهو أولى بها، فأسألك أن يقرع ويخرج سهمه، فخرج سهم أحدهما فقضى له بها " (1). ومنها رواية البصري المصححة في (الفقيه) المضعفة في (الكافي) عنه أيضا: " قال: كان علي (ع) إذا أتاه رجلان يختصمان، شهود عدلهم سواء وعددهم سواء، أقرع بينهم على أيهما يصير اليمين؟ قال: وكان يقول: اللهم رب السماوات السبع أيهم كان له فأده إليه، ثم يجعل الحق للذي يصير عليه اليمين إذا حلف " (2). ومنها صحيح أبي بصير: " سئل الصادق (ع) عن رجل يأتي القوم، فيدعى دارا في أيديهم ويقيم البينة، ويقيم الذي في يده الدار البينة أنه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها؟ فقال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه. وذكر إن عليا أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البينة لهؤلاء أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، وأقام هؤلاء البينة أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، فقضى بها لاكثرهم بينة واستحلفهم " (3). ومنها ما أرسله في (كشف اللثام) عن علي عليه السلام: في


(1) المصدر الآنف الذكر، حديث (12). (2) المصدر الآنف، حديث (5) والمقصود من البصري: عبد الرحمان بن عبد الله. (3) المصدر الآنف الذكر، حديث (1): أنه سأل الصادق (ع) عن الرجل..

[ 405 ]

البينتين تختلفان في الشئ الواحد يدعيه الرجلان: أنه يقرع بينهما فيه إذا اعتدلت بينة كل واحد منهما وليس في أيديهما " (1). وأنت خبير بما تقتضيه الصناعة في الجمع والتنافي بين هذه الاخبار المختلفة في المفاد، فانها قاضية بتقديم ما دل على الترجيح بالعدد على ما دل باطلاقه على التنصيف أو القرعة لانه أخص منهما فليقيد به، مضافا إلى الاجماع المحكي على اعتبار التساوي عددا وعدالة في الحكم بالتنصيف. والى النص باشتراط التساوي فيهما في اعمال القرعة. وبتقييد إطلاق كل مما دل على التنصيف أو القرعة بما دل على التحالف في الاول واحلاف من خرج اسمه بالقرعة في الثاني جمعا بين مادل عليهما بالاطلاق وما دل عليه بعد الحلف أو التحالف (لا يقال): أن الترجيح بالاعدلية غير منصوص عليه في النصوص وانما المنصوص اشتراط القرعة بالتساوي في العدالة، وهو غير الترجيح بالاعدلية مع ذهاب الاكثر إليه، بل المحكي عن بعضهم تقديمها على الترجيح بالاكثرية (لانا نقول): ما دل على اعتبار التساوي من جهتها في القرعة دل بمفهومه على عدمها عند عدمه، وحينئذ فأما: أن يحكم فيه بالتنصيف والمفروض اشتراطه بالتساوي اجماعا، أو تقديم المرجوح وهو باطل. فتعين العمل بالراجح. وقد تبين ولو بمعونة النصوص أنها من المرجحات نعم النسبة بين أخبار التنصيف بعد تقييدها بالتساوي والتحالف، وبين أخبار القرعة بعد تقييدها به وبالحلف: هو التباين اللازم فيه التماس المرجح وهو لاخبار القرعة من وجوه. بقي الكلام في وجه الاحلاف بعد القرعة، فانها: ان كانت لتعيين المالك كما هو ظاهر بعض النصوص وجب الدفع إليه بعد تعينه بها من


(1) راجع ذلك في كتاب القضاء، المقصد الرابع في متعلق الدعاوي المتعارضة، الفصل الاول في دعوى الاملاك.

[ 406 ]

دون حلف، لانه من دفع المال إلى مالكه، وان كانت لتعيين البينة الصادقة منهما المشتبهة بغيرها فلا يمين أيضا، لان المأخوذ بها مأخوذ بالبينة التي لا يمين معها، وان كانت لتعيين من عليه اليمين كما نص عليه في خبر البصري، فأي وجه لوجوب إحلاف أحدهما حتى يلزم تعيينه بالقرعة. اللهم الا أن تكون القرعة لتقديم أحدهما على الآخر بعد الحصر فيهما تقديما لا ينافي توجه الدعوى عليه من الآخر، فيكون منكرا أو بحكم المنكر في خصوص توجه اليمين عليه فأشبه ذا اليد في تقديم قوله في الجملة مع سماع الدعوى عليه والزامه باليمين، وحينئذ فيصرف ظاهر قوله في بعض النصوص: صاحب الدابة وأولى بها وكونه له، بارادة ذلك في مرحلة الظاهر دون الواقع بقرينة النص في قوله عليه السلام في خبر البصري " على أيهم يصير اليمين " تقديما للنص على الظاهر. وبمثل ذلك يمكن أن يجاب عن وجه احلاف من قدمت بينته، بأحد المرجحين كما في خبر أبي بصير المتقدم، بكون الترجيح موجبا لتقديم قوله، تقديما لا ينافي توجه اليمين عليه كالمنكر، لا موجبا لسقوط بينة الآخر عن الحجية بحيث يكون وجودها كالعدم. توضيح ذلك: أن تزاحم البينتين موجب لتساقطهما بحسب القاعدة الاولية بمعنى كون المزاحمة تمنع الاخرى عن كونها ميزانا للفصل والقضاء فيجب الفصل حينئذ بميزان اليمين بعد حصر القضاء بها وبالبينة، وحينئذ ان اشتملت احدى البينتين على المزية من الاعدلية أو الاكثرية فيحتمل أن تكون المزية موجبة لتقديم ما اشتمل عليها في كونه ميزانا للفصل أو تكون موجبة لتقديم قول صاحبها في توجه ميزان اليمين عليه، والقدر المتيقن منه هو الثاني، إذ ليس هنا ما بدل باطلاقه على الاخذ بذي المزية حتى يكون ظاهرا في جعله ميزانا، بل المستفاد تقديمه المجمل الدائر بين الاحتمالين

[ 407 ]

اللازم حينئذ العمل فيه بالقدر المتيقن، فتكون المزية فيما اشتمل عليها كالقرعة عند التساوي في تقديم قوله من حيث توجه اليمين عليه كالمنكر كما عليه غير واحد من الاصحاب، فيكون الفصل في جميع شقوق المسألة سواء اشتملت احداهما على مزية أولا وسواء قلنا بالقرعة بالتساوي أو التنصيف انما هو بميزان اليمين لا بالبينة، غير أن القضاء في غير الاخير بالحلف، وفيه بالتحالف. (الصورة الرابعة): ما لو تداعيا مع التقارن عرفا عينا لايد عليها ففي سقوط الدعوى منهما، أو القضاء بالنصف بينهما من غير يمين، أو معها، أو القرعة لانها لكل أمر مشكل وجوه: للاول: استحالة اجتماع السببين على مسبب واحد (وفيه): مع استلزامه بقاء الخصومة المنجرة غالبا إلى الفساد أو قطعها بلا ميزان لحصره في البينة واليمين، مع كون دعوى كل منهما سببا لقبول قوله، لان السبب هو دعوى من لم يكن له معارض، وأما المزاحمة بمثلها فهي ساقطة عن السببية لا عن تأثير السبب كما تقدم في محله في قاعدة اليد. وللثاني: اعمال كل من السببين في الجملة ولو في بعض مؤداه كاليدين ونحوها بعد أن كان سقوطهما مخالفا لما دل على سببية كل منهما ولا يمين لانها ميزان في حق المنكر الذي لا يصدق على كل من المدعيين وان صدق عليه كونه مدعيا لعدم الملازمة بين العنوانين في الوجود، وان لم ينفك دعوى المدعى عن انكار كونه لغيره مع عدم صدق المنكر عليه عرفا، لانه لازم دعواه الذي لا عبرة به في صدق المنكر عليه (وفيه): ما عرفت من عدم سببية كل من الدعويين بعد اختصاص السبب بالدعوى التي لا معارض له فيها، وقياسها باليد قياس مع الفارق، لان اليد وان كانت مزاحمة تفيد الملكية الا أنها في الجملة لا مطلقا، ضرورة أن

[ 408 ]

اليد: ان كانت مستقلة تفيد الملكية المستقلة، وان كانت مزاحمة تفيد الملكية في الجملة، بخلاف الدعوى على ما لا يد لاحد عليه، فانها لا تفيد الاختصاص والملكية أصلا إلا حيث لا تكون مزاحمة بمثلها. وللثالث: سقوط الدعويين بالتعارض والرجوع إلى التحالف في قطع الخصومة عند عدم البينة، لحصر ميزان القضاء بالبينة واليمين، وله وجه وان كان الاوجه في المقام هو القرعة، لانها لكل أمر مشكل، الصادق في المقام بعد أن كانت اليمين وظيفة المنكر المنتفي صدقه على كل منهما. وفي توجه اليمين على من خرج اسمه بالقرعة كالبينتين المتعارضتين وعدمه؟ وجهان، وجه الثاني: عدم قابلية الدعوى المعارضة لقبول قوله حتى يستكشف بالقرعة، لما عرفت من اختصاص سببيتها له فيما لم تكن معارضة بمثلها، بخلاف البينة المزاحمة بمثلها فانها لا تسقط عن الحجية أصلا غير أن القرعة لتعيين إحداهما في تقديم قول صاحبها حتى يكون بحكم المدعى عليه في توجه اليمين عليه ووجه الاول: انحصار الفصل وقطع الخصومة في البينة واليمين، وحيث لا بينة فيتعين اليمين إذ القرعة ليست بنفسها ميزانا للفصل، بل لتعيين تقديم من يقدم قوله منهما كما عرفت فتأمل. هذا ان لم تكن لهما بينة. والا: فان كانت لاحدهما قضى بها لصاحب البينة، وان كانت لهما وأقاماها فالحكم في هذا القسم هو الحكم في تعارض البينتين في الصورة الثالثة بعد إلغاء اليد بالبينة من الترجيح بالمنصوص ومع التساوي فالقرعة والقضاء لمن خرج اسمه بها بعد يمينه وفي صحيحتي داود البصري المتقدمتين دلالة على ذلك. هذا كله حيث تكون الدعويان متقاربتين عرفا ليتحقق عنوان التداعي، والا فلو ترتبا قدم قول الاول منهما وكان مدعى عليه ليس الا، لان الثاني ادعى حينئذ على من كانت العين له

[ 409 ]

ظاهرا، وان لم تكن في يده بمقتضى دعواه التي كانت سليمة عن العارض فانه كمن ادعى على من كانت العين في يده. والمدار في الترتيب والتقارن على ما يصدق عليه أحدهما في العرف فلا تقدير له بحسب الزمان حتى يكون هو المرجع، بل المرجع فيه هو الصدق العرف. والله العالم

[ 410 ]

رسالة في القرض

[ 411 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة في القرض. وفيه أجر عظيم وثواب جسيم، حتى أن في بعض الاخبار كما ستعرف: الدرهم منه بضعف درهم الصدقة، وفي بعضها بأكثر. ويدل عليه بخصوصه: من الكتاب قوله تعالى: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " (1) وقوله تعالى: " ان المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا " (2) بناء على ارادة إقراض بعضهم بعضا كما عن بعض التفاسير. وأما على ارادة إقراض الله سبحانه وتعالى تنزيلا له تعالى منزلة المقترض كما يقال: المعاملة مع الله للاسترباح منه بما أعد من الثواب عليه، فيكون دالا عليه بالعموم نحو: " وتعاونوا على البر والتقوى " (3) وقوله تعالى: " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس " (4) بناء على تفسير المعروف بالقرض في المروي عن الصادق عليه السلام كما عن بعض المفسرين. ومن السنة أخبار كثيرة، نحو المروي عن الشيخ مرسلا: " ان


(1) سورة آل عمران، آية / 245. (2) سورة الحديد، آية / 18. (3) سورة المائدة، آية / 2. (4) سورة النساء، آية / 144.

[ 412 ]

القرض أفضل من الصدقة بمثله في الثواب " (1) وقوله (بمثله) يحتمل أن يكون متعلقا بأفضل، فيكون دالا على مساواته للصدقة. ويحتمل كما لعله الظاهر تعلقه بالصدقة، فيكون ساكتا عن مقدار الافضلية غير معارض لما دل على أكثرية ثوابه من الصدقة. ومثله فيما ذكرنا ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام في (ثواب الاعمال): " لان أقرض قرضا أحب إلي من أن أتصدق بمثله " (2) وما روي عنه عليه السلام: " انه كان يقول من أقرض قرضا وضرب له أجلا فلم يوت به عند ذلك الاجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر من ذلك الاجل بمثل صدقة دينار واحد في كل يوم " (3) وما روي عن أبي عبد الله (ع): " ما من مسلم أقرض مسلما قرضا حسنا يريد به وجه الله إلا حسب له أجرها كحساب الصدقة حتى يرجع إليه " (4) وظاهره أنه كحساب الصدقة في كل آن من آنات تأخيره، فيكون ثوابه أضعاف ثوابها، وان كان بالنظر إلى ثواب ذاته ضعف ثواب الصدقة، كما في المروي عنه أيضا: " القرض الواحد بثمانية عشر وان مات حسبتها من الزكاة " (5) لان درهم الصدقة بعشرة تزيد على أصلها بتسعة، والقرض بثمانية عشر، فكان ربحه في الثواب ضعف ربح الصدقة، وان تأخر زاد عنها بحسب التأخير أضعافا مضاعفة، وما روي عنه: " أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أقرض مؤمنا قرضا ] (1) في الوسائل، باب 6 من أبواب الدين والقرض، وفي باب 49 من أبواب المستحقين للزكاة بهذا المضمون روايات كثيرة. (2) (3) الوسائل: كتاب التجارة باب 6 من أبواب الدين والقرض حديث (1). (4) المصدر المذكور حديث (2). (5) المصدر المذكور حديث (4).

[ 413 ]

ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه " (1) وما روى عنه صلى الله عليه وآله في حديث قال فيه: " ومن أقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوي وطور (سينا) حسنات، وان رفق به في طلبه تعدى به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب. ومن شكى إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرم الله تعالى عليه الجنة يوم يجزي المحسنين " (2) إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار. وقد عرفت وجه الجمع فيما اختلف منها في كمية الثواب، بل الاجماع بقسميه عليه، والعقل مستقل بحسنه، لما فيه من سد الخلة واغاثة الملهوف، ومعونة المحتاج فهو من المستقلات العقلية: من قبح الظلم وحسن الاحسان. هذا وتنقيح مهمات مسألة القرض يتم في ذكر مسائل: (المسألة الاولى): في حقيقة القرض. وهو عقد يفيد التمليك بالضمان. أي مضمون على المقترض بغرامة بدله فبالتمليك تخرج الضمانات التي لا تمليك فيها كالاعيان المضمونة على من هي في يده مع بقائها على ملك مالكها. ومعنى ضمانها حينئذ كونها في عهدته بحيث يجب ردها لكونها ملكه، ورد بدلها بعد تلفها. وبالضمان تخرج التمليكات المجانية والمعاوضات أيضا، إذ المقصود منها التبديل لتعلق غرض كل منهما بما في يد الآخر. وليس الغرض من القرض إلا محض الاحسان وعدم الخسران بحيث يكون بحكم عود ماله إليه مع الاحسان بقضاء الحاجة، ولذا ورد: " أن درهم القرض يعود، ودرهم الصدقة لا يعود، فهو من التمليك بالتعويض لا بالمعاوضة، فيكون معنى كونها مضمونة حينئذ: أي لا مجانا، وألا


(1) المصدر المذكور، حديث (3). (2) المصدر المذكور، حديث (5).

[ 414 ]

فلا معنى لكون العين المملوكة ولو بالقرض في عهدة مالكها. هذا وحيث كان التضمين من كيفيات التمليك توقف التملك على القبض، إذ لا ضمان إلا بعد الاستيلاء بعدية بالطبع والمعلومية لا بالزمان فلا يملك بمجرد العقد لعدم انفكاك ملكيته عن الكيفية الخاصة التي لا تحصل إلا بالقبض، فإذا الملكية الخاصة التي هي مفاد القرض معلولة للعلة المركبة من العقد والقبض معا، وفي قرض المقبوض يتحقق الملك بالعقد لتقديم ما به يتحقق الضمان، فلا يحتاج إلى مضي زمان بعده يمكن فيه القبض لو لم يكن مقبوضا، وفي معاطاته قام القبض مقام العلة المركبة في افادتها الملكية المتزلزلة. وقيل بتوقف الملك على التصرف، وهو متجه، ان قلنا بأن مفاد القرض هو الاباحة بالعوض كالمعاطاة بناء على افادتها الاباحة، الا أنك قد عرفت أن مفاده التمليك بالضمان لا الاباحة بالعوض حتى يملك بالتصرف ولو بدخوله في الملك انآما قبله. (المسألة الثانية): اختلفوا في كون القرض من العقود الجائزة، أو اللازمة على قولين: المشهور: هو الاول، بل الاجماع محكي عليه، وهو الحجة لهم، سيما بعد اعتضاده بالشهرة العظيمة. وذهب بعض المتأخرين إلى الثاني، وهو الاقوى، لعموم الامر بالوفاء، خرج منه ما لو علم جوازه، وبقى غيره داخلا في العموم. نعم ربما يقال: ان جواز الرجوع في العقد الجائز انما هو لبقاء علقة الملكية السابقة للاول، وان انتقل إلى الثاني. فهو من آثار السلطنة السابقة ومن شؤنها لان العقود الناقلة للملك: (منها) ما يوجب قطع علقة الملكية بالكلية و (منها) ما يوجب نقل الملك مع بقاء العلقة للمالك ولو في الجملة بحيث يكون زمام الملك بعد بيده على وجه لو شاء الرجوع إليه لرجع، ولا سبيل إلى تعيين أحدهما بالاصل لو شك في كون العقد من أيهما، والشبهة مصداقية ولا يجوز

[ 415 ]

التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية، فاللازم حينئذ الرجوع إلى استصحاب الكلي الثابت ولو في ضمن المرتبة الضعيفة، ولو أضعف مراتب علقة الملكية وهذا القسم هو المتيقن من جريان استصحاب الكلي. توضيح ذلك: ان لاستصحاب الكلي أقساما: منها: ما لو تيقن وجود شئ كالحيوان مثله في ضمن فرد متيقن الزوال مع الشك في قيام غيره من أفراده مقامه. ومنها: ما لو علم وجود حيوان في ضمن فرد مردد بين ما يعيش مدة ومالا يعيش في تلك المدة. ومنها: ما لو علم وجود شئ في مرتبة شديدة وشك في زوالها بالكلية أو بقاء شئ منها، كالسواد الشديد إذا شك في زواله أو زوال شدته مع بقاء مرتبة الضعيف منه. لا اشكال في عدم جريان الاستصحاب في القسم الاول، للقطع بزوال المتيقن والشك في حدوث غيره، فالمتيقن معلوم الزوال، والمشكوك غير متيقن الحدوث. والاقوى جريان استصحاب الكلي في الثاني بالنسبة إلى الآثار المترتبة على الكلي دون الآثار المتربة على خصوص أحد الفردين بخصوصه، لعدم تعيين أحدهما بخصوصه بثبوت الكلي. وأقوى منه جريانه في القسم الاخير، لعدم كونه من تبديل فرد بفرد، ولا من الترديد بين أحد الفردين، بل المشكوك بقاؤه كان متيقنا حدوثه ولو في ضمن الاشد. وما نحن فيه هو من القسم الاخير الذي لا شك في جريان الاستصحاب فيه، ولا يعارض استصحابه باستصحاب بقاء الملك للثاني بعد رجوع الاول عليه، لانه من الاستصحاب في السبب المقدم على الاستصحاب في المسبب. هذا ولكن فيه: إن ذلك لا يتم إلا بدعوى تنويع العام في الامر بالوفاء بالعقود، وهي ممنوعة، فلا بأس بالتمسك بالعام فيما شك في

[ 416 ]

خروجه عنه، كما في المقام، والاجماع على الجواز لم نتحققه إن أريد به الجواز بالمعنى المصطلح، كيف وثمرة الجواز جواز الزام المقترض برد العين ما دامت باقية، والمشهور يمنعونه، مع أنه هو الثمرة بين القولين، نعم للمقترض رد العين لكونها أحد مصاديق ما عليه من الحق، وليس للمقترض الامتناع عن قبولها. وان أريد به كما هو الظاهر جواز المطالبة بحقه متى شاء ولو في مجلس القرض خلافا لبعض العامة حيث منعوا عن ذلك قبل قضاء وطره منها، بل لعله الظاهر من دعوى الاجماع على جوازه، فمسلم ولكن لا دخل له بحل العقد واسترداد العين بابطال ملكية المقترض الذي هو محل الكلام. (المسألة الثالثة) المعروف عند الاصحاب: عدم لزوم شرط الاجل في عقد القرض، بل قيل بعدم وجدان الخلاف فيه قبل الكاشاني. نعم احتمله في (المسالك) بناء على ما ذكره سابقا من لزوم عقده، ولعله لبنائهم على جواز هذا العقد، فلا يجب الوفاء به حتى يجب الوفاء بالشرط في ضمنه والا فليس الشرط مخالفا بناء على اللزوم المقتضى العقد وحقيقته حتى يبطل، بل هو مخالف لاطلاقه الذي له المطالبة بحقه متى شاء، وكل شرط كان كذلك فهو صحيح، وحيث قوينا لزوم العقد فلا جرم نقول بلزوم الشرط فيه، مؤيدا بما أشعرت به مضمرة الحسين بن سعيد: " سألته عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى ثم مات المستقرض: أيحل مال القارض بعد موت المستقرض منه أم لورثته من الاجل ما للمستقرض في حياته؟ فقال: إذا مات فقد حل مال القارض " (1) بعد تنزيلها على اشتراط الاجل دون مجرد الوعد به المعلوم عدم وجوب الوفاء بالوعد المشعر


(1) الوسائل، كتاب التجارة باب 12 من أبواب الدين والقرض حديث (2) والرواية عن الامام الصادق (ع).

[ 417 ]

بأنه كالدين في الحلول بعد الموت. وتحقيق المسألة: هو أن الشرط: إما أن يكون في عقد القرض أو في غيره من العقود اللازمة، وعلى التقديرين: فأما أن نقول بجواز العقد أو بلزومه. أما الاول: فان قلنا بجوازه كان الشرط تابعا له، لما عرفت من عدم وجوب الوفاء بعقده حتى يجب الوفاء بشرطه، وان قلنا بلزومه استتبع لزومه لزوم الشرط لانه من تمام مقتضاه الذي يجب الوفاء به. وأما على الثاني، فيلزم الشرط مطلقا على الاقوى. كما عليه المشهور سواء قلنا بلزوم عقد القرض أو جوازه. أما على الاول فواضح. وأما على الثاني فيلزم الشرط فيه أيضا لعموم الامر بالوفاء بتمام مقتضى العقد الذي منه الشرط مطلقا، سواء أريد بالشرط مجرد أن لا يرجع بالمال إلى الاجل، أو أريد به أن لا يتمكن من الرجوع لسقوط السلطنة عليه بالشرط، بناء على الفرق بينهما برد العين لو استردها، وان أثم بالاسترداد على الاول، وعدم الرد لو استرد على الثاني. ولا يتوهم منافاة الشرط سيما على الثاني وان كان في العقد اللازم لحقيقة القرض، بناء على جوازه لعدم منافاة سلب السلطنة بسبب من الاسباب في وقت خاص لصدق الجواز على العقد، وان هو الا كشرط تأجيل الثمن في البيع، بل المنافي له لو سلم هو سلب مطلق السلطنة لا السلطنة الخاصة. وكيف كان، فظهر أن الاقوى لزوم الشرط مطلقا ولو كان في عقد الفرض قلنا بلزومه، والا فلا يلزم في عقد القرض، ويلزم فيما لو كان في غيره من العقود اللازمة، والله العالم. (تنبيه) لو رهن عينا في عقد قرض إلى أجل، فالاجل للرهن دون القرض، فله المطالبة بالدين قبله وان اختص الاستيفاء من الرهن بحلول الاجل ما لم يصرح بكونه له، فان صرح به بنى على لزوم القرض وجوازه.

[ 418 ]

هذا وربما استدل على بطلان الاجل في القرض بما دل على استحبابه الظاهر في كونه مستحبا ابتداء واستدامة إلى حصول الوفاء، وهو ينافي وجوب الانظار إلى الاجل. وفيه: ان استحباب القرض من حيث هو قرض لا ينافي عروض الوجوب عليه بسبب الشرط لعموم " المؤمنين عند شروطهم " (ودعوى) أن عموم (المؤمنون عند شروطهم) الشامل لما لو كان الشرط في عقد القرض وغيره معارض لعموم ما دل على استحباب القرض الشامل لصورتي وقوع الشرط فيه وعدمه معارضة العامين من وجه، فيرجع في القرض المشروط بالاجل وهو مورد التعارض عموم أدلة القرض باعتضاده بالشهرة المستفيضة (يدفعها) أن اطلاقات القرض مسوقة لاستحبابه من حيث هو قرض غير ناظرة إلى كيفيته من حيث اشتراط الاجل فيه وعدمه، فهي من هذه الحيثية مهملة لا عموم فيها حتى يعارض عموم ما دل على الوفاء بالشرط فيبقى عموم (المؤمنون) سليما عن المعارض. وبذلك ظهر ضعف ما عليه شيخنا في (الجواهر) من بطلان شرط الاجل في القرض مع اختياره لكون عقده من العقود اللازمة مستدلا عليه بذلك. هذا ولا يخفى عليك ان النزاع في جواز عقد القرض ولزومه غير النزاع في لزوم شرط الاجل فيه وعدمه. فان النزاع في الاول يرجع إلى جواز فسخ الملك والرجوع بالعين وعدمه، وفي الثاني إلى جواز مطالبة البدل قبل الاجل وعدمه، وأحدهما غير الآخر، وهو واضح. (المسألة الرابعة): في متعلق القرض وما يصح اقتراضه. وقد ذكروا له ضابطا، وهو أن كل ما يضبط وصفه وقدره يجوز اقتراضه. ولا ريب بل لا خلاف كما قيل في طرده بمعنى صحة قرض مضبوط الوصف والقدر، وانما الكلام في عكسه، وهو أن كل ما لا يضبط وصفه

[ 419 ]

ولا قدره لا يجوز قرضه، لوقوع الخلاف فيه. وتنقيح المسألة: هو أن ما يقترض: إما مثلي أو قيمي، والثاني: إما أن يمكن ضبط أوصافه وقدره بحيث يصح بيعه سلما أو لا يمكن كالجواهر ونحوها لفرط تفاوت أوصافها وقيمتها، فهنا أقسام ثلاثة: لا اشكال، بل لا خلاف في جواز قرض الاول منها، وهو المثلي بل الاجماع بقسميه عليه. وكذا يجوز بلا خلاف كا قيل في الثاني وهو الاول من قسمي القيمي الذي يصح السلم فيه. وأما الثالث، وهو كالجواهر والقسي ونحوهما مما لا يضبط وصفه وتختلف قيمته، ففي جواز اقتراضه وعدمه قولان: المنع، وهو المحكي عن الشيخ في (مبسوطه) والجواز وهو المحكي عن ابن ادريس في (سرائره) ولعله الاشهر. بل المشهور، مستدلين عليه بالاصل، وعمومات القرض مع إمكان المناقشة فيه بأن مقتضى الاصل فيه هو البقاء على ملك مالكه وعدم الانتقال منه إلى المقترض، والعمومات لا تنهض لاثبات ما شك في قابليته للقرض لانها مهملة من هذه الحيثية، وانما هي في مقام بيان رجحانه وما يترتب عليه من الثواب والاحكام. وعليه فيقوى القول بالمنع عنه، بل وعن مطلق القيمي، وان أمكن ضبط وصفه وقدره وصح السلم فيه، ان لم يقم إجماع عليه، وإلا فالاقرب في ضمانه كما عن التذكرة هو المثل الصوري، لانه أقرب إلى العين المقترضة وأوفق بما هو المقصود من القرض من معونة المحتاج وعود المال إليه ولو بالتنزيل، ولذا كان درهم القرض على الضعف من الصدقة لتناوب القرض إليه، بخلاف درهم الصدقة فانها لا تعود وان كان ضمانه في غير القرض من الاتلاف وغيره انما هو بالقيمة، الا أن الاقوى مع ذلك كله جواز القرض فيه أيضا، وضبط الغرامة بالقيمة لما هو المعلوم من حكمة شرع القرض لقضاء الحاجة

[ 420 ]

ومعونة المحتاج التي مقتضاها التعميم فشرح عقدا لما يكون فيه قضاء الحاجة ومعونة المحتاج المناسب لتعميم نفوذه في جميع موارده، نظير العموم المستفاد من الحكم بشئ في موارد الامتنان الشامل لجميع موارده لقضية الامتنان به نحو قوله صلى الله عليه وآله " خلق الله الماء طهورا " لعله لذلك صح استدلالهم عليه بالاصل، وعمومات أدلة القرض، وإلا فقد عرفت ما فيهما. ثم ان ضمان المثلي انما هو بمثله لانه أقرب إلى العين المقترضة من غيره، فكان التدارك به أحرى. وأما القيمي فضمانه بقيمته لانها أضبط فكان أعدل، وحيثما تعذر المثل في المثلي انتقل ضمانه إلى القيمة إلا أن في انتقاله إليها عند التعذر، أو المطالبة ان تأخرت عنه، أو التسليم ان تأخر عنهما أوجها: أوجهها الاخير، لانه انما يخرج به عن عهدة المثل الثابت في ذمته إلى حين الوفاء، وحينئذ فالعبرة بقيمته حين الدفع، لا حين التعذر أو المطالبة أو أعلى القيمتين ان تفاوتت الاسعار، ما لم يكن التفاوت لزيادة متصلة كالسمن ونحوه لو نقصت بتلف الزيادة عنده، والا فلا فيضمنها بقيمتها سمينة لا مهزولة لانها كالعين المضمونة التالفة في يده، بل هي منها. وأما القيمي فالعبرة بقيمته مع الاختلاف من حين القرض المتحقق بالقبض لتعيين ما هو مديون به من غرامة العوض القيمي بالاقتراض وقبول القرض إذ ليس في الذمة الا القيمة الثابتة بالضمان بنفس القرض المتحقق بالقبض حقيقة الذي قد عرفت أن حقيقة التمليك بالضمان، وليست العين المفترضة في عهدة المقترض إلى المطالبة أو التسليم حتى تعتبر القيمة عنده لانها ملكه. ولا يضمن المالك ملكه، ومعنى ضمانها حينئذ، كما عرفت، كونها مملوكة بعوض لا مجانا. ثم إن المضمون بالقيمة لو طالب المقرض بحقه فدفع إليه المقترض العين المقترضة، ففي وجوب قبولها عليه، وعدمه، وجهان: مبنيان على جواز

[ 421 ]

عقد القرض، ولزومه، لانه على الاول كان له فسخ العقد الموجب لرجوع المال إلى مالكه فوجب حينئذ قبوله، ولا كذلك على الثاني، لان الحق الثابت في ذمته هو القيمة وان كان بدلا عن العين، فردها بدلا عنه موقوف على رضاه للزوم العقد بالفرض (ودعوى) أو نوليتها عن العين ورد المبدل أولى من رد البدل مع صدق الوفاء به عرفا، ولذا قال به بعض، كالشهيدين في محكي الدروس والمسالك (ممنوعة) جدا بعد تضمين الملك بالقيمة عند تحققه بالقبض، ضرورة أن القبض برزخ بين المعاوضات والغرامات لا غرامة محضة ولا معاوضة صرفة، وهو واضح. وكيف كان فقد ظهر لك: أن الاقوى جواز قرض الجواري والعبيد بلا خلاف فيه كما في (المسالك) وان حكى عن الشيخ في (المبسوط والخلاف): انه لا نص لنا ولا فتيا في إقراض الجواري، وان قال بعد ذلك: " والاصل جوازه وعموم الاخبار في جواز القرض يقتضي جوازه " فالمقصود من عدم الخلاف في جوازه في المسالك وغيره من الشيخ ومن تأخر عنه. وأما جواز اقتراض الخبز فمنصوص عليه حتى مع التفاوت في الوفاء بالعدد الصغير بدل الكبير وبالعكس المحمول على التفاوت اليسير المعارف فيه للتسامح. بقي في المقام بيان الضابط المائز بين المثلي والقيمي ليتميز به ما هو الثابت في الذمة منهما فنقول: المثلي: هو ما لا مدخلية لخصوصيات الاجزاء الشخصية والتشخصات الفردية في مالية الشئ، بل المالية منوطة بالجامع منها، ولذا صح بدلية البعض عن بعض في الغرامة مطلقا لان مرتبة المالية محفوظة في جميعها. ويقابله القيمي، وهو ما كان لخصوصية الفرد مدخل في المالية، ولذا كان الضبط فيه انما هو بالقيمة لحفظ مراتب المالية فيها، والعبرة في المناط

[ 422 ]

بمدخلية الخصوصيات في المالية وعدمها لا بوجود ماله دخل فيها وعدمه حتى ينتقض بالفردين المتشابهين في جميع الخصوصيات، أو ينتقض بكل المثل المنحصر في فرد لعدم المدخلية في الثاني وان انحصر الكلي فيه ومدخليتها في الاول وان وجد ماله دخل فيها في شبهه، ومع الغض عن ذلك فالمفروض فيما ذكر نادر والنادر بحكم المعدوم فلا يقدح في الميزان. وإلى ما ذكرنا من الضابط يرجع تعريف الاكثر للمثلي بأنه ما تساوت أجزاؤه من حيث القيمة بمعنى قيمة نصفه مثلا تساوي قيمة نصف الآخر كالمنين من صبرة الحنطة فان قيمة كل نصف منها تساوي قيمة النصف الآخر، لا بمعنى أن قيمة النصف منه نصف قيمة الكل، إذ قد يكون للهيئة الاتصالية أو الاجتماعية مدخلية في زيادة القيمة كالدرهم الواحد مثلا فالواحد المنكسر نصفين ينقص عن قيمة كله، ولكن يساوي قيمة نصف الآخر. وبالجملة: فما تساوت أجزاؤه في القيمة بالمعنى المذكور كان مثليا وان اختلفت أوصاف أنواعه، بل واصنافه في الردائة والجودة الموجبة لاختلاف انطباق التعريف على كل من الاصناف المختلفة بالنسبة إلى نفسه، فلا يخرج كل منها في مرحلة نفسه عن كونه مثليا. نعم يجب اعتبار الاوصاف زيادة على عنوان المثل في بدل الغرامات مطلقا في القرض وغيره. وأنت إذا أحطت علما بما ذكرنا من الضابط تجده سليما عما أورده على تعاريفهم من النقض طردا وعكسا، بل وإليه ترجع تعاريفهم في المقام بعد أدنى التأمل. هذا وحيثما شك في كون ما في الذمة مثلا أو قيمة للشك في كون المبدل مثليا أو قيميا، فالقاعدة تقتضي فيه الاحتياط لدوران الثابت في الذمة بين أحد الامرين المتباينين مع عدم تعيين أحدهما بالاصل، دون التخيير حتى يكون مرددا بين كونه للضامن أو للمالك، وليس طريق

[ 423 ]

الاحتياط فيه منحصرا في أحد أمرين: إما دفع الضامن لهما ليتيقن بالبراءة أو رفع يد المالك عنهما لذلك حتى يحكم بعدمه بالاجماع فيقال بالتخيير، بل الاحتياط فيه باعتبار القيمة لانها أضبط في حفظ المالية التي هي العمدة في ملاحظة الاموال بالنسبة إلى غراماتها حيث يدور الامر بين رعايتها ورعاية ذواتها ولو في الجملة من حيث الشبه في الصورة وبالجملة: حيث يمكن الجمع بين التساوي في المالية والصورة، لزم تقديمه ولذا يقدم المثل في المثلي على القيمة، وحيث لا يمكن الجمع ودار الامر بين اعتبار أحدهما كان اعتبار المالية أولى وأحوط، فالاحتياط في الفرض منحصر في اعتبار القيمة وان لم يثبت به كون المضمون قيميا. نعم يظهر من بعض المحققين من المعاصرين كون الاصل في الفرض هو التخيير غير أنه احتمل كون التخيير للضامن لاصالة البرائة عما زاد على ما يختاره، وان فرض اجماع على خلافه، فالاصل تخيير المالك لاصالة الاشتغال وعدم البرائة بدفع ما لا يرضى به المالك، مضافا إلى عموم (على اليد) خرج منها ما إذا رضى المالك بشئ آخر غير العين وبقي الباقي داخلا في العموم، وظاهره المفروغية من كون مقتضى الاصل هو التخيير، وان تردد في كون الخيار للضامن أو للمالك. ويضعفه مضافا إلى كونه مورد الاحتياط اللازم فيه: اما التعيين بالقرعة أو الصلح القهري بناء على أنه لا طريق إلى الاحتياط فيه إلا بأحد الامرين المتقدمين: من بذلهما أو رفع اليد عنهما المعلوم انتفاؤهما بالاجماع والضرورة، وقد عرفت تحقق الاحتياط فيه بالقيمة أنه لا مجرى للبراءة في المقام الدائر أمره بين المتباينين لعدم الشك فيه بين الاقل والاكثر الارتباطيين حتى يؤخذ بالاقل المتيقن وينفى الزائد المشكوك بالاصل كالشك البدوي، ولا بين التعيين التخيير بناء على أن في التعيين كلفة والاصل

[ 424 ]

البراءة عنها لعدم الشك فيه في تعلق التكليف بالفرد المتعين أو بالطبيعة السارية في الافراد بحيث يكون التخيير أحد طرفي الاحتمالين لا نتيجتهما حتى ينفى التعيين بالاصل، لما عرفت من دورانه بين المتباينين. نعم ربما يقال بل قيل بالتخيير العقلي هنا، نظير تخيير المجتهد في الفتوى عند تعارض الدليلين الدائر مفادهما بين المحذورين مع عدم المرجح بناء على رجوع الشبهة فيه إلى الشبهة الحكمية ولو لاختلاف الاقوال في كونه مثليا أو قيميا. ولا يخفى ضعفه مطلقا سواء أريد به تخيير الحاكم حيث يرجعان إليه أو الضامن عند الوفاء أو المالك عند المطالبة بعد أن كانت الشبهة في الموضوع اللازم فيه العمل بالاحتياط حيث يمكن وقد عرفت امكانه أو القرعة أو الصلح القهري، وهو واضح. نعم قد يشكل الاحتياط بالقيمة فيما لو قرر الفرض بوجه آخر يمكن فيه اجراء البرائة، وهو ما لو دار المبدل المضمون بين أحد المعلومين المثلي والقيمي، لا بين كونه مثليا أو قيميا، كما لو كانا موجودين فتلفا وعلم استناد أحدهما إليه دون الآخر، وشك في كون المستند إليه أيهما: أهو المثلي أو القيمي، فان في الفرض مع اختلافهما في المالية الدائرة بين الاقل والاكثر يمكن الاخذ بالمتيقن ونفي الزائد عنه بالاصل، كما لو كانت مالية أحدهما درهما والآخر درهمين، فالاصل البرائة عن الزائد وان لم يثبت به عنوان الاقل من المثلي أو القيمي، ومع التساوي في المالية وضبط مقدارها على التقديرين يحتمل وجوب دفع المثل رعاية لذات المال مع ضبط المالية فيهما. هذا تمام الكلام فيما أردنا بيانه من مهمات مسألة القرض، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. بهذا ينتهي الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع وهو يحتوي رسالتين: اللازم فيه العمل بالاحتياط حيث يمكن وقد عرفت امكانه أو القرعة أو الصلح القهري، وهو واضح. نعم قد يشكل الاحتياط بالقيمة فيما لو قرر الفرض بوجه آخر يمكن فيه اجراء البرائة، وهو ما لو دار المبدل المضمون بين أحد المعلومين المثلي والقيمي، لا بين كونه مثليا أو قيميا، كما لو كانا موجودين فتلفا وعلم استناد أحدهما إليه دون الآخر، وشك في كون المستند إليه أيهما: أهو المثلي أو القيمي، فان في الفرض مع اختلافهما في المالية الدائرة بين الاقل والاكثر يمكن الاخذ بالمتيقن ونفي الزائد عنه بالاصل، كما لو كانت مالية أحدهما درهما والآخر درهمين، فالاصل البرائة عن الزائد وان لم يثبت به عنوان الاقل من المثلي أو القيمي، ومع التساوي في المالية وضبط مقدارها على التقديرين يحتمل وجوب دفع المثل رعاية لذات المال مع ضبط المالية فيهما. هذا تمام الكلام فيما أردنا بيانه من مهمات مسألة القرض، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. بهذا ينتهي الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع وهو يحتوي رسالتين: (رسالة في الوصية ورسالة في المواريث)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية