الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بلغة الفقيه - السيد محمد بحرالعلوم ج 2

بلغة الفقيه

السيد محمد بحرالعلوم ج 2


[ 1 ]

مكتبة العلمين العامة النجف الاشرف (10) بلغة الفقيه مجموعة بحوث ورسائل وقواعد فقهية لامعة تسد ضرورة الفراغ في التشريع الاسلامي والفقه الاستدلالي لاغنى للفقيه والقانوني عن معرفتها. تصنيف الحجة المحقق السيد محمد آل بحر العلوم - قدس سره - شرح وتعليق الفقيه الورع السيد محمد تقي آل بحر العلوم - دام ظله - الجزء الثاني

[ 2 ]

منشورات مكتبة الصادق طهران ناصر خسرو پاساژ مجيدى الطبعة الرابعة 1984 ميلادي 1362 شمسي 1403 قمرى

[ 3 ]

رسالة في أخذ الاجرة على الواجبات

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (مسألة) المشهور نقلا وتحصيلا عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات مطلقا تعبديا كان الواجب أم توصليا عينيا كان وجوبه أم كفائيا (1) بل


(1) محصل الكلام في المسألة المذكورة: أن الواجب اما أن يكون نظاميا وهو ما يتوقف عليه نظام البلاد والعباد، ويلزم من عدمه اختلال عيش الانسان وإما أن لا يكون كذلك. أما الواجبات النظامية، فلا مانع من أخذ الاجرة عليها سواء كانت عينية أم كفائية، تعيينية أم تخييرية إذ النظام إنما يتوقف فيها على بذل العمل وإصداره وعدم حبسه واحتكاره، ولا يتوقف على كون المبذول من العامل والصادر منه بنحو التبرع والمجانية، فيجوز للعامل أخذ الاجرة من المستأجر له على نفس العمل، وان وجب عليه إصداره. وبتعبير آخر: إن العمل الصادر من الشخص له حيثيتان حيثية الايجاد والاصدار وحيثية الوجود والصدور، وما يتوقف عليه نظم العيش ويلزم من عدمه اختلاله في الواجب النظامي، هي الجهة الاولى من العمل، وهي حيثية الايجاد والبذل ممن وجب عليه، ولا معنى لتعلق الاجارة بها، إذ هي قائمة بشخص الموجد ولا يعقل تمليكها والمعاوضة عليها بعقدها: نعم الجهة الثانية منه وهي الجهة الاسم المصدرية من العمل، أعني ذاته وما يكون به العمل عملا ويمكن تمليكه والمعاوضة عليه، فلا مانع من =

[ 6 ]

عن بعض دعوى عدم الخلاف فيه وعن غير واحد حكاية الاجماع عليه وان كنا لم نتحققه على هذه الكلية. ولا يخفى عليك عدم اختصاص النزاع بعقد الاجارة كما يتوهم من اخذهم الاجرة في عنوان المسألة بل يعم سائر عقود المعاوضات مما وقع بذل المال فيه بدلا وعوضا عن الواجب بعنوان المعاوضة والمعاملة عليه: نعم


= استيجار العامل عليه، ولم تكن مقهوريته على الجهة الاولى منه موجبة لسلب ماليته وعدم صحة الاجارة عليه. وببيان أوضح: إن ما يلزم صدوره وتحققه من عمل المكلف قد يكون من جهة كونه متعلقا لأمر إلزامي من الشارع المقدس، وبما أن أمر المولى وتكليفه إنما يتعلق بذات العمل ونفسه ويكون المكلف ملزما به ومقهورا عليه فلا يكون مملوكا له ومقدورا عليه، فان حقيقة ملكية العمل والقدرة عليه، كون كل من فعله وتركه تحت اختيار العامل ولم يكن ملزما بأحدهما. وعليه، فلا يصح تعلق الاجارة بما ألزم بفعله، كما لا يصح تعلقها بما ألزم بتركه، فأكل المال بازائه أكل له بالباطل: هذا إذا كان نفس العمل وذاته متعلقا لأمر إلزامي من الشارع وأما إذا لم يكن العمل متعلقا لامر إلزامي منه، بل كان مما يتوقف عليه نظم البلاد، فحيث أن النظام إنما يستقيم بإيجاد العمل وبذله، والاختلال يحصل باحتكاره وحبسه، والضرورة تقدر بقدرها، فاللازم على العامل بذله، والممنوع منه حبسه، وأما كون ذات العمل بنحو التبرع والمجانية فهو التزام بلا إلزام، وعليه فلزوم بذله لا بوجب سلب ماليته، فيجوز أخذ الأجرة عليه ممن استأجره على ذات العمل ونفسه، وكما يجب على التاجر عند المخمصة بذل ما عنده من الطعام ويحرم عليه احتكاره، ولا يلزمه حينئذ التبرع به وبذله مجانا بل له بيعه وأخذ ثمنه من المشتري فكذلك =

[ 7 ]

لا يشمل ما لو كان البذل لاجله بنحو العطية وشبهها، وان وجب البذل بسهب، كما لو نذر أن يعطي درهما لمن صلى الفريضة فانه يجوز أخذ المنذور حينئذ بلا اشكال فيه ولا خلاف. هذا وليعلم اولا انه يعتبر في صحة الاجارة وغيرها من سائر عقود المعاوضات وتأهلها لترتب الاثر عليها امور:


= الواجب النظامي، فيجوز للطبيب المعالج والخباز والخياط ونظائرهم ممن يجب عليهم بذل اعمالهم عينا أو كفاية أخذ الأجرة عليها. ثم إن الواجب غير النظامي: ما كان منه واجبا على شخص دون غيره ولم يعتبر فيه المباشرة ممن وجب عليه بل كان قابلا لنيابة الغير عمن وجب عليه، بأن ثبت بالدليل صحة تبرعه به عنه، تصح الاجارة عليه، تعبديا كان أم توصليا عينيا كان أم كفائيا - فإذا وجب الجهاد على شخص عينا أو كفاية فله استيجار من لا يجب عليه ليجاهد عنه، بناء على قبوله للنيابة، ومثله ما وجب على ولي الميت من قضاء ما فاته من الصلاة نيابة عنه، فله استيجار غيره على ادائها نيابة عن الميت: وأما ما وجب على الشخص عينا، فلا يصح استيجاره عليه لعدم ملكيته له، فان مرجع ملكية العمل كونه تحت اختيار عامله وقدرته، بحيث له فعله وله تركه، فإذا كان واجبا عليه ومسلوب الاختيار في تركه، لم يكن مالكا له، كما أنه لو كان محرما عليه لا يصح استيجاره عليه لعدم قدرته شرعا على الفعل وكذا ما وجب على الشخص كفاية لا عينا، فانه وان لم يكن كالواجب العيني من جهة سلب اختياره عن الترك، فله تركه عند قيام الغير به ممن وجب عليه كفاية، ولكن مع ذلك لا يصح استيجاره عليه ممن لا يجب عليه ولا يطلب منه، اصلا، إذ لا يملك المستأجر عمل الاجير باستجاره له في في قبال ما يدفعه له من الاجرة، وما يأتي به الاجير إنما يأتي بما وجب =

[ 8 ]

الاول - ان تكون المنفعة المستأجر عليها مثلا عائدة ولو بنوع من الملاحظة إلى المستأجر بحيث يتعلق له بها غرض عقلائي، وان كانت بنفسها ترجع لغيره، بل ولو لنفس الاجير كما لو استأجره على بناء دار نفسه لكن حيث يكون له في ذلك غرض عقلائي والا كانت المعاملة عليه سفها


= عليه كفاية، ولا يكون عمله للمستأجر بازاء الإجرة، ومجرد كون المستأجر حاملا له على الاتيان بما وجب عليه ومعينا له ببذل الأجرة، لا يصحح الاستيجار ما لم ينتقل نفس العمل من الأجير إليه في قبال ما انتقل منه إليه من الأجرة بمقتضى المعاوضة. والحاصل، كما يعتبر في متعلق الاجارة كون العمل مقدورا للاجير فعلا وتركا كما ذكرنا كذلك يعتبر امكان حصوله للمستأجر وملكيته له بالاستيجار بماله من الآثار، فأكل الأجير المال بازاء إتيانه ما وجب عليه كفاية لنفسه بماله من الاثر، أكل له بالباطل، بل الأمر كذلك فيما لو كان العمل المستأجر عليه مستحبا كقرائة الإجير القرآن لنفسه. هذا ولو كان العمل واجبا على كل منهما بالمباشرة كالصلاة اليومية وصوم شهر رمضان مثلا فعدم صحة استيجار الشخص عليه واضح، سواء استأجره المستأجر ليصلي أو يصوم عن نفسه أو عن المستأجر: أما لو استأجره على العمل لنفسه لا للمستأجر، فلوجوب ذلك عليه عينا وعدم كونه مملوكا له كما ذكرنا مضافا إلى عدم إمكان حصول ملك المستأجر له في قبال ما يدفعه من الاجرة ولا يسقط الوجوب عنه بعمل الأجير، وأما لو استأجره على أن ينوب عنه في ذلك العمل، فحيث أن العمل المذكور مما يجب على المستأجر بالمباشرة لا يصح استيجاره الغير للنيابة عنه فيه. وأما لو وجب على كل منهما كفاية، فان لم تعتبر المباشرة في عمل المستأجر، واستأجر من ينوب عنه فيه ولو كان الأجير ممن وجب عليه =

[ 9 ]

وأكل المال حينئذ أكل بالباطل بل ربما يلزم حينئذ الجمع بين العوض والمعوض فإذا لا تصح الاجرة على الافعال العبثية وابداء الحركات اللغوية كالذهاب إلى الاماكن الموحشة ورفع الصخرة عن مكانها ونحو ذلك مما لا يتعلق للعقلاء غرض فيه.


= العمل المذكور ايضا كفاية كالجهاد مثلا بناء على قبوله للنيابة، صح الاستيجار، فان النائب نظرا إلى عدم وجوب الجهاد عليه عينا مالك لعمله والمستأجر حيث لا يعتبر فيما وجب عليه من الجهاد المباشرة بنفسه بل له استنابة غيره عنه فهو قابل لان يملك عمل الأجير بدلا عما يدفعه إليه من الأجرة فيصح استيجاره، ويكون المجاهد هو المستأجر بنائبه وبدنه التنزيلي ويسقط الوجوب عنهما بفعل الاجير كما لا يخفي نعم، لو استأجره على العمل لنفسه بما يترتب عليه من الأثر لا المستأجر فلا تصح الاجارة، ومجرد انتفاع المستأجر بعمل الأجير لنفسه بسقوط الوجوب عنه لقيام الاجير بالواجب الكفائي لا يكفي في صحة الاستيجار ما لم يدخل ذلك العمل في ملك المستأجر بماله من الأثر بدلا عما خرج من ملكه إليه من الأجرة بمقتضى المعاوضة. وما يظهر من سيدنا المصنف قدس سره من كفاية ذلك حيث يقول: " وأما الكفائي التوصلي فلا مانع من صحة تعلق الاجارة به ووجود المنفعة فيه للمستأجر ولو بسقوط التكليف عنه بفعله، فتشمله عمومات أدلة العقود " انتهى. غير واضح، كما أنه لو وجب على المستأجر كفاية المباشرة في العمل وعدم قبوله للنيابة كالصلاة على الميت مثلا لا تصح الاجارة فيه بمجرد انتفاع المستأجر بسقوط الواجب الكفائي عنه بفعل الاجير.

[ 10 ]

ولا يتوهم النقض بجواز أخذ السبق (1) في عقد المسابقة مع أن البذل من الباذل بازاء مالا منفعة له فيه، لانه من المحتمل قويا أنه من الالتزام بالعطية والوعد بها على تقدير السبق غير أن الالتزام بما التزم به انما هو لدليله الخاص، فهو مستثني من الرهان المنهي عنه في الاخبار شرع لتحصيل الاستعداد على القتال والجهاد، وليس من المعاملة بشئ حتى يتم النقض به، وان وقع التعبير بها في كلام بعض الفقهاء. الثاني ان لا يكون العمل مما يعتبر في صحته وترتب الاثر عليه ما ينافي اتيانه للوفاء به، والا كان المأتى به غير المعوض عليه والمعوض عليه غير المأتى به فيكون أكل المال حينئذ أكلا بالباطل: الثالث أن لا يكون مستحقا عليه بحيث يخرجه عن كونه مملوكا له سواء كان الحق لله أم لغيره مستأجرا كان أم غيره، ولذا لا يجوز أخذ العوض على الزكاة ممن دفعها إليه، وان وجد مستحق سواه، ومثله أخذ الاجرة على العمل المملوك بخصوصه باجارة سابقة عليه ضرورة كونه مملوكا للاول فلا يعقل تملكه لغيره، فاعتبار هذه الشروط في صحة المعاملة وقابليتها لترتب الاثر عليها مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه. إذا عرفت ذلك، فنقول: اختلفت كلمات الفقهاء في هذه المسألة على اقوال: فبين قائل بالمنع عنه مطلقا وهو المشهور، وفي (المسالك): هو المشهور وعليه الفتوى (2) وبين من منع عنه فيما يجب فيه قصد القربة كما عن فخر


(1) السبق بفتحتين: الخطر الذي يوضع بين أهل السباق، جمعه اسباق. (2) راجع: كتاب التجارة منه في شرح قول المصنف عند تعداد ما يحرم التكسب به: الخامس ما يجب على الانسان فعله:: "::: هذا هو المشهور بين الأصحاب وعليه الفتوى ":

[ 11 ]

المحققين رحمه الله وبعض المتأخرين، وبين من منع فيما كان واجبا بالذات كما في (الرياض) بل فيه بعد نفي الحلاف: ان عليه الاجماع في كلام جماعة (1) وبين مانع في كل ما كان الغرض الاهم منه الآخرة والجواز فيما كان الغرض الاهم منه الدنيا كما عن السيد في (مفتاح الكرامة) (2)


(1) في كتاب التجارة في شرح قول المصنف: السادس (يعني مما يحرم التكسب به): أخذ الأجرة على الواجب: من تغسيل الاموات وتكفينهم وحملهم ودفنهم.. قال سيدنا في (الرياض): " ونحوها الواجبات الأخر التي تجب على الاجير عينا أو كفاية وجوبا ذاتيا بلا خلاف، بل عليه الاجماع في كلام جماعة، وهو الحجة، مع منافاته الاخلاص المأمور به كتابا وسنة وأخرج بالذاتي: التوصلى كأكثر الصناعات الواجهة كفاية توسلا إلى ما هو المقصود من الامر بها، وهو انتظام امر المعاش والمعاد، فانه كما يوجب الامر بها كذا يوجب أخذ الأجرة عليها، لظهور عدم انتظام المقصود بدونه، مع أنه عليه الاجماع نصا وفتوى، وبذلك يندفع ما يورد من الاشكال بهذه الواجبات في هذا المجال. ": (2) في شرح قول المحقق: الخامس (اي مما يحرم التكسب به): ما يجب على الانسان فعله يحرم الأجر عليه كتغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم قال السيد في الشرح في جملة كلام له: " إن ما وجب كفاية لذاته يحرم أخذ الأجرة عليه. وهو كل ما تعلق أولا وبالذات بالاديان كالفقاهة واقامة الحجج العلمية ودفع الشبهات وحل المشكلات والامر بالمعروف والتغسيل والتكفين، لانه راجع إلى الدين، أو الابدان كالطبابة والتمريض واطعام الجائعين وستر العراة واغاثة المستغيثين في النائبات على ذوى اليسار وانقاذ الغرقي (إلى قوله) والذي يجوز أخذ الاجرة عليه من الواجب الكفائي هو ما يتعلق أولا وبالذات بالاموال وإن رجع بالاخرة إلى =

[ 12 ]

ويظهر من جدى العلامة (في المصابيح التفصيل بين التعبدي منه والتوصلي فمنع في الاول مطلقا وفصل في الثاني بين الكفائي منه والعيني فجوز في الاول مطلقا وفصل في الثاني بين ما كان وجوبه للضرورة أو حفظ النظام وغيره، فجوز في الاول ومنع في الثاني مطلقا ذاتيا كان الواجب أم غيريا (1).


= الاول كالحياكة والصياغة والتجارة ونحو ذلك (إلى قوله) وبعبارة اخرى كل ما كان الغرض الاهم منه الآخرة: إما بجلب النفع أو دفع الضرر، لا يجوز أخذ الاجرة عليه، ولا ينتقض بالجهاد لما ستعرف، وكل ما كان الغرض الاهم منه الدنيا اما يجلب النفع أو دفع الضرر فانه يجوز أخذ الاجرة عليه، وان كان قد يرجع بالاخرة إلى المهمات الدينية باعتبار كونه وسيلة إليها.. ". (1) قال جدنا (السيد بحر العلوم) قدس سره في (المصابيح كتاب التجارة) في مقام بيان ما يحرم التكسب به: مصباح - المشهور ان ما يجب فعله لا يجوز أخذ الاجرة عليه عينيا كان الوجوب ام كفائيا، عبادة كان الواجب أم غيرها وعليه إشكال مشهور، وهو: ان الصناعات التي يتوقف النظام عليها مما تجب كفاية على ما صرحوا به، فيلزم عدم جواز أخذ الأجرة عليها، وكذا يلزم أن يحرم على الطبيب اخذ الاجرة على الطبابة لوجوبها كفاية كالفقاهة، وان يحرم أخذ الأجرة لما يعمله لضرورة نفسه أو دفعها عن غيره أو لتحصيل النفقة الواجبة ومن ثم فصل بعضهم، فمنع من أخذ الأجرة إذا كان الواجب عبادة لمنافاته الاخلاص، وجوزه في غيرها لعدم المانع، وهذا مختار فخر المحققين وجماعة من المتأخرين، وهو وان سلم من الاشكال المذكور ولكن يرد عليه: أن القول بجواز أخذ الأجرة في غير العبادة انما يصح في الكفائي =

[ 13 ]

والاقوى قصر الجواز فيها على التوصلى من الواجبات الكفائية والمنع فيما عداه، تعبديا كان الواجب ولو كفائيا عينيا كان ولو غيريا. واستدل للاول على ما يظهر من احتجاج بعضهم لما أخذوه باطلاقه عنوانا في المسألة بأمور: الاول الاجماع وفيه انه في الجملة مسلم، والمحصل منه على الكلية ممنوع والمنقول منه ظاهرا أو صريحا في بعض الموارد الجزئية كالقضاء والشهادة والاذان وتعليم صيغة النكاح والقائها على المتعاقدين كما عن بعض منهم (المبسوط) و (الخلاف) و (التحرير) و (جامع المقاصد) غير مجد، والمجدي منه على الكلية لم نتحققه الا في ظاهر (مجمع الاردبيلي) قدس سره حيث قال: " الظاهر انه لا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على فعل واجب على الاجير سواء كان عينيا أم كفائيا فكان الاجماع دليله انتهى بناء على قرائة (كان) فعلا لا حرفا، ولعل نظر (الرياض) إليه في دعوى الاجماع عليه وهو مع ذلك موهون بما عرفت من التفصيل في الاقوال المتقدمة.


= منه دون العيني، لان اخذ الاجرة على العمل انما يجوز إذا كان العمل مما يستحق الأجرة، والعمل انما يستحق الاجرة أو جاز الامتناع عنه بدونها، إذ مع امتناعه جاز الامتناع عن اعطاء الاجرة، وامتنع الالزام عليها. وعلى هذا فينبغي التفصيل في غير العبادة بالفرق بين العيني والكفائي. ويشكل ذلك ايضا بأن الصناعات الكفائية مع الانحصار تصير عينية، ومع ذلك يجوز أخذ الاجرة عليها ولا يجب العمل مجانا، فان ما يصنعه العامل لضرورة نفسه أو تحصيل نفقته الواجبة، واجب عيني، ويجوز أخذ الاجرة عليه، بل يجب، فينبغي التفصيل في العيني من غير العبادة =

[ 14 ]

الثاني منافاته للاخلاص المعتبر في العبادة. وفيه أنه أخص من المدعي لاختصاصه بالتعبدي من الواجبات ومنقوض


= ايضا، بالفرق بين ما كان المطلوب منه دفع الضرر أو حصول النظام، وغيره مما ليس كذلك كوجوب ازالة النجاسة من المسجد مع الانصحار، وتحصيل ما ليس بعبادة من مقدمات العبادة، لتحصيل الطهور والساتر وتطهيره لاجل الصلاة. ووجه الفرق: أن سبب الوجوب في القسم الاول وهو حصول النظام ودفع الضرورة يقتضي الوجوب بحيث يأتي به الانتظام ويندفع به الاحتياج، وليس ذلك الا بأخذ الاجرة، فيقتضي جواز الاجرة فيه، لان المنع منه يوجب اختلال النظام وابقاء الاحتياج، ويلزم منه عدم الوجوب فيها، ولذا جاز الامتناع عن العمل هنا بدون الاجرة، بخلاف القسم الثاني، فانه يجب فيه حصول الفعل مطلقا ولا يسقط التكليف به مع الامتناع عن الاجرة. ومن ثم انتفى الاستحقاق فيه ولم يجز أخذ الاجرة عليه. أما المندوب، فان كان عبادة لم يجز اخذ الاجرة عليه، لمنافاته الاخلاص المعتبر فيها كما مر والا جاز مطلقا كفائيا كان ام = * وأما جواز الاستيجار في مقدمات العبادات إذا كانت غير عبادة كتحصيل الطهور وتحصيل الساتر وتطهير الثوب والبدن، فلكونها من قبيل القسم الثالث، إذ المطلوب من المصلي تحصيل الطهور مثلا كيف اتفق، سواء كان بالمباشرة ام بالنيابة، وكذا في غيرها ". (منه)

[ 15 ]

بالمستحب منها فلا يتم لا طردا ولا عكسا، مضافا إلى ما قيل من تأكد الاخلاص به كما في (الجواهر) حيث قال بعد نقل الاجماع عن بعض ما لفظه: " وهو ان تم الحجة لا لمنافاة ذلك الاخلاص في العمل المعتبر فيه إذ هو مع أنه غير تام فيما لا يعتبر فيه النية من الواجبات كالدفن ونحوه ومنقوض بالمستحب، واضح المنع ضرورة كون الاجارة مؤكدة له باعتبار تسبيبها الوجوب ايضا " (1) وكأنه تبع في ذلك شيخه كاشف الغطاء في


عينيا لجواز الامتناع عنه، فيثبت الاستحقاق بخلاف الواجب. نعم ترتب الأجر والثواب عليه يتوقف على فعله من غير عوض لتوقفه على على قصد الاخلاص المنافي له، وحينئذ يكون عبادة ويندرج في القسم الاول. وأما المطلوب من غيره، فان كان عبادة امتنع أخذ الاجرة عليه مطلقا واجبا كان أو مندوبا، عينيا كان أم كفائيا وكذا غير العبادة ان كان عينيا يطلب فيه المباشرة بالنفس، أو كفائيا لا يطلب من حيث = الانتظام أو دفع الضرورة، والا جاز اخذ الاجرة مطلقا. وأما جواز الاستيجار للحج والصوم والصلاة عن الميت والعبادات المستحقة مطلقا كما هو المتداول بين العلماء في جميع الاعصار، مع كونها عبادات يطلب فيها المباشرة بالنفس، فذلك حكم مخالف للاصل مخرج عنه بالدليل. والاشكال فيه من حيث الوجوب على النائب لاجل الاجارة، ضعيف جدا، لان الممنوع عنه هو الواجب قبل الاجارة، لا الواجب بسببها، والا لزم بطلان الاجارة في الاعمال مطلقا لوجوبها على الاجير بسبب الاجارة، والتالي باطل بالضرورة ". (1) راجع: كتاب التجارة، الخامس مما يحرم التكسب به.. والمقصود: إن منافاة أخذ الاجرة للاخلاص لو تمت إنما تصلح =

[ 16 ]

شرحه على (القواعد) حيث قال: لا لمنافاة القربة فيما يشترط بها فيقتصر عليه كما ظن لان تضاعف الوجوب يؤكدها انتهى. وان نوقش بان الوجوب المسبب عن الاجارة ونحوها توصلي غير معتبر فيه الاخلاص حتى يكون مؤكدا للاخلاص المعتبر في العبادة. الا انها غير واردة، لعدم دعواه لزوم التأكد، بل مدعاه إمكانه المتصور ولو في ايجاده بقصد امتثال الامر الايجابي بالوفاء الحاصل من الاجارة وامكان التأكد ولو في مورد يلزمه عدم المنافاة بينهما بالذات. اللهم إلا ان يناقش بوجه آخر، وهو ان المعتبر كون الاخلاص داعيا محركا على العبادة، وكون الأجرة داعية لها محركة عليها مناف لذلك بالضرورة من غير فرق بين انضمامه مع داعي الاخلاص أو تركب العلة الغائية منهما. وقياسه بالاغراض الدنيوية التي يأتي المكلف بالعبادة لاجلها كسعة الرزق ونحوها. (قياس) مع الفارق، لوضوح الفرق بين كونها مطلوبة من الله كطلب الثواب والنجاة من العقاب ومن غيره كما ستعرف. (ودعوى) كفاية التقرب بوجه في صحة العبادة، ولو بالنسبة إلى الامر الوجوبي بالوفاء إذ المانع خلو العبادة عن القربة لا اشتمالها من جميع الجهات عليها. (واضحة) الفساد لان الامر بالوفاء إنما هو متعلق بالعبادة المعتبر فيها الاخلاص، فالقربة المعتبرة فيما هو كالموضوع للامر بالوفاء كيف يمكن تحققها


= أن تكون دليلا على عدم جواز أخذها في مطلق العبادات واجبة كانت أم مستحبة لا عدم الجواز في الواجبات مطلقا عبادة أو غيرها الذي هو مورد الاستدلال والاحتجاج، دون الاول، فتدبر.

[ 17 ]

من امتثال نفس هذا الامر المتأخر عنه في الرتبة وبمنزلة المحمول في القضية (1) كدعوى (1) امكان اتيان العبادة بداع الاخلاص ليس الا ويكون ذلك وفاء لما وجب عليه بالاجارة وان تجرد عن قصده إذ لا يعتبر في الوفاء به الاتيان لاجله بعد ان كان المفروض من الواجبات التوصلية فلا ينافي الاخلاص المعتبر في العبادة وان لم يكن مؤكدا له إذ الاجارة وسائر عقود المعاوضة انما تتعلق بما امكن ان يكون الاتيان به لاجل الوفاء، وهو أي الامكان متعذر في المقام لضرورة المنافاة بين القصدين. الثالث ما استدل به شيخ مشايخنا (كاشف الغطاء) في شرحه على (القواعد) بما يرجع محصله بتوضيح منا إلى التنافي بين صفة الوجوب واخذ


(1) محصل الدعوى المذكورة ومناقشتها: أتعلق الاجارة بالعبادة لا يتنافى مع داعي الاخلاص حيث لا يعتبر في تحقق الوفاء بمتعلق الامر الاجارى قصد الاتيان به بما هو مستأجر عليه، بل يكفي مجرد الاتيان به ولو بدون داعي امتثال الامر الاجاري، إذ هو توصلي لا يعتبر في تحقق الوفاء به قصد امتثاله وعليه فيمكن للاجير الاتيان بالعبادة بداعي امتثال أمرها العبادي المتعلق بها، وكما يتحقق بذلك التقرب إلى الله تعالى بقصد الامتثال بها كذلك يحصل الوفاء بالاجارة، والحاصل ان الامر الاجاري المتعلق بالعبادة لا ينافي الاخلاص المعتبر فيها وان لم يحصل به تأكده لكونه توصليا لا يعتبر فيه قصد التقرب إلى الله بامتثاله. هذا ولكن الدعوى المذكورة كسابقتها في الاشكال وعدم التمامية فانه وان لم يعتبر في تحقق الوفاء بالاجارة قصد امتثال الامر الاجاري من حيث كونه توصليا ولكن يعتبر في متعلق الاجارة وسائر عقود المعاوضة امكان الاتيان به لاجل الوفاء بالامر الاجاري ونحوه من باب تسليم حق الناس إليهم وهو يتنافى مع كونه عبادة يعتبر فيه الخلوص والتقرب إلى الله تعالى به لظهور المنافاة بين القصدين.

[ 18 ]

العوض على الواجب ذاتا لانه يعتبر في المعوض ان يكون مملوكا لمن له العوض بمعنى ان لا يكون مستحقا عليه ليتمكن من تمليكه لباذل العوض بازاء ما بذله والواجب لكونه واجبا عليه غير مملوك له بل هو مستحق لله ومملوك له وتمليك المملوك ثانيا غير معقول ولذا لا يجوز أخذ الاجرة على عمل مخصوص استؤجر عليه قبله وليس الا لكونه مملوكا لغيره فلا يملك ثانيا وبعبارة اخرى العمل الواجب لكونه واجبا لا احترام له حتى يستحق بذل المال بازائه، وهو في العيني واضح وفي الكفائي وان كان المكلف كليا الا انه منطبق على من قام بالفعل فيكون القائم به قائما بما وجب عليه ولو كفاية والفعل فيه بعد ايجاده هو الواجب المستحق لله تعالى بذلك الوجوب المتعلق بكلي المكلفين. وفيه أنه ان تم فهو انما يتم في غير الكفائي من الواجبات، وأما هو فلا، لان الفعل انما يكون مستحقا لله ومملوكا له بعد اتصافه بالوجود، ولذا لا يجوز الزامه بخصوصه عليه وهو قبله متعلق للاجارة، فالاجارة متعلقة به قبل صيرورته مستحقا لله، فهو حينئنذ من هذه الحيثية عمل محترم جاز بذل المال بازائه، وهذا بخلاف الواجب العيني فان الفعل فيه مستحق لله عليه بخصوصه قبل ايجاده ولذا جاز الزامه به قبله من باب الامر بالمعروف لا يقال: ان الاجارة انما تتعلق بما كان متمولا وفيه منفعة للمستأجر ولا يكون الفعل كذلك الا بعد اتصافه بالوجود وحينئذ فمتعلق الاجارة هو ما تشخص كونه لله تعالى. لانا نقول ان متعلق الاجارة هو الفعل حين عدمه لكن باعتبار قابليته للوجود القائمة هذه القابلية بذات الماهية قبل طرو عارض الوجود عليها، فالماهية باعتبار تلك القابلية الذاتية متمولة ذات منفعة يصح بذل المال بأزائها، وكم من فرق واضح بين الماهية باعتبار وجودها وبين الماهية بعد اتصافها بالوجود، فمتعلق الاجارة هو الاول وما هو مستحق لله هو الثاني.

[ 19 ]

لا يقال: أن الاجارة وان تعلقت بها قبل الوجود الا انها مسبوقة بتعلق الوجوب الكفائي بها فيلزم الاشكال من حيث تعلق الاجارة بما هو متعلق للوجوب. لانا نقول: متعلق الوجوب كلي المكلفين ومتعلق الاجارة خصوص واحد منهم، والخصوصية هي المصححة لتعلق الاجارة بها. هذا وربما يقال بل قيل بجريان ما ذكره في الواجب المخير بالتخيير العقلي فضلا عن التخيير الشرعي إذا كان بعض افراده مشتملا على مزية لم توجد في غيره أو مشقة مفقودة فيما سواه كالدفن في الارض الصلبة المشتملة على زيادة مشقة في حفرها مفقودة في الرخوة فانه لا مانع من اخذ العوض على حفرها بخصوصه إذ الواجب مطلق الدفن لا فيها بالخصوص، وليس كذلك ما لو تساوت افراده من جميع الجهات في متعلق اغراض العقلاء بها، فان بذل المال حينئذ لواحد منها سفه والمعاملة عليها معاملة سفهية. ولكن فيه ان التخيير العقلي بين افراد الطبيعة المطلوبة من شخص معين لا يوجب خروج الفرد المختار عن كونه هو المطلوب منه والمستحق عليه: لان تشخص الطبيعة السارية طور من أطوار وجودها وشأن من شئوناتها غير مباين لها ولا ممتاز عنها الا بخصوصية التطور الغير الموجب لخروجه عن كونه هو المستحق عليه، ولذا كان الموجد له ممتثلا لما أمر به وفي الدين الكلي الثابت في الذمة وفاء له وليس الا لكونه عين المطلوب منه والمشغولة به ذمته، فإذا كان العمل مطلوبا منه كان المأتى به هو المستحق عليه لهم لو كان للخصوصية عنوان مستقل يتحد مع الطبيعة في الوجود مرة ويفترق عنها أخرى كالكون في المسجد مثلا من حيث هو كون فيه، جاز بذل العوض بازاء ذلك العنوان بخصوصه، وان اتحد مع الطبيعة المطلوبة في الوجود والمعوض عنه فيما نحن فيه هو الصلاة في خصوص المسجد لا نفس

[ 20 ]

الكون فيه المتحد معها في الوجود. ومما ذكرنا يظهر لك عدم الفرق في افراد الواجب المخير بين ما اشتمل على مزية زائدة كصلابة الارض في الدفن وغيره كيف ولو جاز البذل على الخصوصية مطلقا لم يشذ واجب تعييني عن جواز المعاوضة عليه ولو باعتبار خصوصية من خصوصيات التشخص واقتصر المنع حينئذ على التعبدي من الواجبات كما تقدم عن الفخر وغيره ولا كذلك في الكفائي لان صيرورة العمل فيه مستحقا لله انما هو بعد قيام المكلف بالفعل وصدوره منه فتأمل: وفي لحوق للتخيير الشرعي بالتخيير العقلي والكفائي وجهان ولعل الثاني هو الاقرب. هذا مع امكان دعوى منع المنافاة بين أخذ الاجرة والوجوب العيني ايضا بالفرق في الملكية بين الخالق والمخلوق والممتنع فيه طرو الملك ثانيا انما هو الثاني دون الاول، فان الارض كما ورد في بعض النصوص كلها بل المملوكات بأسرها مملوكة لله تعالى مع تملك العباد لها. وفيه أن المراد بالمملوكية لله المانع عن تملك الغير، هو كونه مستحقا لله تعالى مطلوبا ايجاده منه بطلبه الحتمي فلا يتعلق حق بايجاده والا فما سوى الله مملوك لمالك السموات والارض. وبالجملة، فهذه الجهة المانعة التي مرجعها إلى انتفاء الشرط الثالث من الشروط المتقدمة في الواجب العيني واضح كما اعترف به المستدل ايضا ووجودها في الكفائي ممنوع كما عرفت مما بيناه. وهنا وجوه استدلوا بها للقول بالمنع مطلقا " كلها مزيفة تركناها خوفا " من التطويل: وأما سند القول بقصر المنع على التعبدي من الواجبات فهو قصر النظر منه على جهة المنافاة بينه وبين الاخلاص من الجهات المانعة عنه كما أن من اقتصر في المنع على الواجبات الذاتية كجدنا في (الرياض) لما رأى من جواز المعاوضة بالضرورة والاجماع في الحرف والصنايع التي هي من الواجبات

[ 21 ]

الغيرية اقتصر في المنع على ما وجب بالذات. وفيه مضافا " - إلى عدم الفرق في المنع بين ما وجب لذاته وما وجب لغيره كتحصيل الطهور والساتر للصلاة كما ستعرف - انه يظهر منه منع الاجرة على حمل الاموات، بل هو مندرج فيما ادعي هو عليه عدم الخلاف مع ان حمل الموتى من الواجب الغيري، بل حفر القبر ايضا مقدمة للدفن فيه، ولا يقول بجواز اخذ الاجرة عليه بل ينقض عليه بانقاذ الغريق والاطفاء الحريق مع انه مقدمة للنجاة من الهلكة بل وبكل ما يجب لاقامة الدين وحفظ شريعة سيد المرسلين مع انها من الواجبات الغيريه. كما ان القول بالتفصيل بين المنع فيما كان الغرض الاهم منه الاخرة والجواز فيما كان الغرض الاهم منه الدنيا كما تقدم من مفتاح الكرامة منقوض ايضا بالانقاذ والاطفاء المتقدمين إذا كان الغرض دنيويا فتأمل (1). مع أنه لا يكاد ينضبط بميزان معلوم يرجع إليه عند الشك والاختلاف.


(1) تقدمت عبارة السيد في مفتاح الكرامة نقلناها بنصها ص 11 ويمكن ان يقال: ان السيد في مفتاح الكرامة لم يجعل المناط في جواز اخذ الاجرة مطلق ما كان للغرض فيه الدنيا، وان كان شخصيا " لينقض عليه بالانقاذ والاطفاء فيما لو كان الغرض فيه دنيويا كما ذكره سيدنا المصنف - قدس سره - بل الظاهر أن مراده ما كان الغرض النوعي فيه الدنيا يجوز أخذ الاجرة فيه بخلاف ما كان الغرض فيه الآخرة فلا يجوز اخذ الاجرة عليه والغرض من انقاذ الغريق والاطفاء الحريق - نوعا " - حفظ النفوس والأموال المحترمة وهو غرض اخروي يقصد به الأجر والثواب نوعا "، ولعل أمر سيدنا المصنف بالتأمل اشارة إلى عدم تمامية النقض المذكور.

[ 22 ]

فإذا الأقوى هو ما ذكرناه من المنع عن ذلك في غير التوصلي من الواجبات الكفائية مطلقا - ذاتيا كان الواجب أو غيريا لانتفاء ما هو المعتبر في صحة المعاوضة وقابليتها لترتب الاثر عليها من الشروط الثلاثة المتقدمة المفقود جميعها في بعض الواجبات وبعضها في جميعها. وأما الكفائي التوصلي، فلا مانع من صحة تعلق الاجارة به بعد وجود المنفعة فيه للمستأجر، ولو بسقوط التكليف عنه بفعله. فيشمله عمومات ادلة العقود. وكيف كان فالمدار في صحة تعلق الاجارة وغيرها من العقود على اجتماع تلك الشروط المتقدمة وعدمه وحيث لا مانع من جهتها في التوصلي من الفروض الكفائية جاز أخذ العوض عليها كما عليه جدنا (في المصابيح (1) تبعا لغير واحد ممن تقدم عليه غير أن بعض الفروض الكفائية ربما يستفاد من ادلة وجوبها صيرورة ذلك العمل حقا " للغير يستحقه من المكلف كما يدعى: أن الظاهر من ادلة وجوب تجهيز الميت أن للميت حقا " على الأحياء في التجهيز فكل من فعل شيئا منه في الخارج فقد ادى حق الميت، فلا يجوز أخذ الاجرة عليه وكذا تعليم الجاهل أحكام عباداته الواجبة عليه وما يحتاج إليه كصيغة النكاح ونحوها لكن تعيين هذا يحتاج إلى لطف قريحة. وان أبيت ذلك فنقول: ان مقتضى القاعدة جواز أخذ الاجرة على الواجب الكفائي إذا كان توصليا " مطلقا " الا ما قام الدليل من اجماع أو غيره على المنع عنه كتجهيز الأموات الذي لم ينقل فيه جواز أخذ الاجرة عليه الا ما يحكى عن المرتضى رحمه الله ولعل خلافه كما حكى عنه في وجوب التجهيز على غير الولى بناء منه على الترتيب في الوجوب بين الولي وغيره لا في حرمة أخذ الاجرة على تقدير الوجوب عليه.


(1) كما مر آنفا ما نقلناه عنه في المصابيح ص 12.

[ 23 ]

ثم ان هاهنا اشكالات نقضية يرد بعضها على القول بمنافاة اعتبار الاخلاص لأخذ الاجرة عليه ذاتا " وبعضها على القول بمنع الاجرة في الواجبات مطلقا " بل وعلى القول بقصر المنع على العيني منها. فمن القسم الأول النقض بالعبادت المأتى بها للاغراض الدنيوية كسعة الرزق وحصول الولد وغير ذلك سيما بالنسبة إلى العبادات الموظفة لذلك، وما كان مشروعا لاجلها كصلاة الحاجة وغيرها، فان العلة الغائية لايجادها هي تلك الاغراض الدنيوية المترتبة عليها دون محض الاخلاص المعتبر فيها مع حكمهم بصحتها كذلك. والجواب بالفرق بين نيل المقصود من الله بواسطة الاطاعة له بفعله لأنه الموظف له عليه وبين نيله بدون واسطة الاطاعة بالفعل بل لنفس كونه فاعلا له بحذف الواسطة، فالمصحح هو امتثال الأمر بالموصل دون الفعل للتوصل به. وبذلك يجمع بين ما ذهب إليه غير واحد من الأصحاب من بطلان العبادة المقصود بها نيل الثواب والنجاة من العقاب، بل نسب ذلك العلامة (في المهناويات) إلى انفاق العدلية وعن الشهيد في (القواعد) إلى قطع الاصحاب، وهو المحكى عن السيد رضى الدين ابن طاووس وبين ما هو المشهور بل المقطوع به من صحتها مع رجاء المثوبة أو النجاة من العقوبة، مع تضافر النصوص عليه من الكتاب والسنة الواردة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتعزيز والتحذير وليس الا لما ذكرناه من الفرق وان الذي يقتضي فساد العبادة بقصده هو ما إذا كان الداعي للفعل والمحرك له عليه ليس إلا النتيجة المجعولة للفعل: من الثواب والعقاب على وجه لولاها لما وقعت منه العبادة، كالأجير الذي يفعل الفعل لمحض الاجرة بحيث لو أريد الفعل منه مجانا لم يفعله. واتيان العبادة بهذا الوجه لا يستبعد فساده دون ما كان الداعي

[ 24 ]

له عليه هو أمر الله تعالى وارادته وان تجرد عن المثوبة والعقوبة غير انه لما كان هو الموظف لهذه الوظائف على هذه الافعال لطفا منه تعالى، قصدها والتمسها منه معرضا " لنفسه بعمله لله تعالى سبحانه إلى نيل الثواب لانه الموظف له بلطفه وكرمه على هذا الفعل، فلا اظن احدا " ينكر صحة العبادة على هذا الوجه ولتفصيل الكلام محل آخر. وهذا هو الذي وعدناك به من بطلان القياس بين الطلب من الخالق والمخلوق. ومنها: النقض بأخذ الاجرة على القضاء عن الميت والحج عنه مع انها عبادات يعتبر فيها الاخلاص (1)


(1) الواجبات العبادية: ما لا يقبل النيابة منها - لاعتبار المباشرة ممن وجب عليه -: فان عدم صحة تعلق الاجارة بها واضح. إذ الواجب المعتبر فيه المباشرة ممن وجب عليه، وكونه ملزما بفعله شرعا مسلوب الاختيار في تركه، لا يتصف بكونه مملوكا " لفاعله لتصح المعاوضة عليه، فان حقيقة ملكية العمل: كونه تحت اختيار عامله وقدرته: وبالجملة فأكل المال بازائه اكل له بالباطل. وأما ما يقبل النيابة منها - بحسب ما يستفاد من الدليل -: اما عن خصوص الميت أو الأعم منه ومن الحي كالحج بالنسبة إلى العاجز عنه، فانه لا إشكال فيما لو تبرع النائب عن المنوب عنه في امتثال أمره المتوجه إليه، وفي سقوطه عنه بامتثال نائبة عنه. إنما الاشكال في صورة استيجار النائب على اتيان ما وجب على المنوب عنه وامتثاله الأمر الموجه إليه بفعله، وأنه كيف يمكن =

[ 25 ]

ويدفعه أن الاجرة في أمثال ذلك مأخوذة على النيابة التي هي عبارة


= تحقق الخلوص في العبادة من النائب مع كون داعيه استحقاق الاجرة، ولو مشوبا بداعي القربة، وهو مناف للخلوص المعتبر فيها: وربما يقال: إن تضاعف الوجوب بسبب الاجارة على العبادة الاخلاص المعتبر فيها، لا أنه ينافيه، ولعل وجهه: ان الأجير على عبادة الغير حيث كان في مقام امتثاله قاصدا " التقرب إلى الله تعالى في امتثال الأمر العبادي الموجه إلى المنوب عنه ليكون تقربه تقربه، وقاصدا " ايضا امتثال الأمر الإجاري المتوجه إليه، والتقرب به - وهو امر " اوفوا بالعقود " وأنه - وان كان توصليا لا يعتبر قصد التقرب به، ولكن يمكن للنائب الأجير ان يقصد التقرب إلى الله بامتثاله كالأمر الأول العبادي، فيتأكد تحقق الاخلاص وقصد التقرب من الأجير. هذا، ولكن يمكن ان يقال: إن تأكد الخلوص إنما يتجه في المتبرع بنيابته عن الغير في اداء عبادته، حيث انه لا يبتغي بنيابته اجرا " من غير الله تعالى على امتثال الأمر المتوجه إلى المنوب عنه، فيمكنه قصد التقرب إلى الله بنيابته وتبرعه وإحسانه إلى المنوب عنه باداء ما وجب عليه من العبادة والتقرب به عنه. وأما الأجير الذي يبتغي بعمله ونيابته استحقاق الأجرة من المستأجر له على النيابة واخذها منه عند امتثاله أمر المولى المتوجه إلي المنوب عنه، فانه لا يتحقق منه الخلوص في العمل وعدم كونه مشوبا بقصده استحقاق أجر من غيره تعالى عليه، فالوجه المذكور لا يدفع غائلة الاشكال. =

[ 26 ]

عن تنزيل الانسان نفسه منزلة غره في الأمر الخاص، عكس الوكالة التي


) = وقد يقال - في التخلص عن الاشكال -: إن أخذ الأجرة على العمل عن الغير من قبيل الداعي على الداعي، فان الأجير ينبعث نحو الاتيان بما وجب على المنوب عنه بداعي امتثال أمر الله تعالى المتوجه إلى المنوب عنه وهو داع قربى، والداعي له على داعي الامتثال استحقاقه الأجرة من المستأجر له على ذلك، فداعي الأجرة في طول داعي القربة لا في عرضه كي ينافي الخلوص المعتبر في العبادة، فهو من هذه الجهة نظير من قصد بعبادته امتثال أمر الله تعالى المتوجه إليه، وكان داعيه على الامتثال المذكور نيل الأجر والثواب من الله تعالى على امتثاله. ومن الواضح: إن ذلك لا ينافي الخلوص المعتبر في العبادة. وفيه: إنه لو كان المصحح لعبادية العبادة مجرد وجود الداعي الالهي فيها، وكان الاتيان بها بمجرد داعي امر الله وتوسيطه في الامتثال كافيا " في عبادية العبادة وتحقق العبودية والخلوص وان انتهت سلسلة دواعيه إلى داع غير إلهي - لكان ذلك وجها " في التخلص عن الاشكال، لكنه بمعزل عن تحقق العبودية والخلوص، فان من كان داعيه إلى امتثال امر الله تعالى المتوجه نحو المنوب عنه استحقاق الإجرة من المستأجر له وأخذها منه، كيف يكون مخلصا في عبادته في حين أن داعيه وتحركه نحو الامتثال لو لم يكن اخذ الأجرة ليس إلا، فلا شبهة في كون ذلك دخيلا في الداعي الالهى ولا وجه لتنظيره بمن كان داعيه إلى امتثال أمر الله تعالى نيل الثواب المجعول منه تبارك وتعالى على التقرب إليه بالعبادة، وكم فرق بين انتهاء الدواعي المتسلسلة إلى الله تعالى، وبين انتهائها إلى غيره، فان الاتيان بالعبادة لله تعالى راجيا " منه لطفه واجره وثوابه وتوسعة رزقه ونحو ذلك هو من حقيقة العبودية ومرتبة منها، ون لم يكن أعلاها، بخلاف الاتيان =

[ 27 ]

هي عبارة عن تنزيل الغير منزلة نفسه فيه ولذا يتوقف حصولها على التوكيل


بها لله تعالى ليستحق بذلك الاجرة المجعولة له من المستأجر على ذلك، فانه ليس بعبادة لله تعالى، إذ ليس حقيقتها صرف قصد العامل كون العمل لله تعالى ما لم يكن باعثه ومحركة نحو العمل أمر الله تبارك وتعالى، ولو لنيل ما هو مجعول منه لطفا " من أجره وثوابه على ذلك، بخلاف ما لو كان المحرك له على ذلك نيل الأجر والثواب من مخلوق مثله، فان ذلك ليس عبادة للخالق - جلا وعلا - وهو من الوضوح بمكان. وقد يقال في مقام التخلص عن الاشكال: إن قصد المستأجر التقرب إلى الله تعالى في استيجاره للنائب في عبادة المنوب عنه كاف في عباديته، وان لم يتقرب النائب بعمله، فان فعل النائب فعل تسبيبي للمستأجر وحاصل هذا الوجه. ان مقتضى دخول النيابة في عمل كون الواجب على المكلف ايجاده بنفسه مباشرة أو التسبيب إليه باستيجار الغير عليه أو طلبه منه - ايجاد العمل نيابة عنه بنحويصح استناد الفعل إليه، ويقال عليه: إنه فاعل التسبيب، وعليه، فيكفي في عبادية العمل قصد التقرب من المسبب له، ولا يعتبر التقرب ممن صدر منه العمل، وهو النائب، فيصح منه، وان كان داعيه إلى ذلك أمر غير إلهي وقصده غير قربى. وفيه: ان باب التسبيب أجنبي عن تصحيح عمل النائب والأجير. توضيح ذلك: ان التسبيب قد يكون في ضمان التالف: فانه كما يثبت بمباشرة الضامن للتلف، كذلك يثبت بتسبيبه إليه بنحو يستند التلف إلى فعل المسبب فيما إذا لم يتوسط بينه وبين موجب الضمان فعل فاعل مختار. فمن حفر بئرا " في طريق وممر للناس ولم يجعل لها غطاء أو غطاها بشئ يسير من الحشيش والتراب مثلا، فمر بها انسان أو حيوان، فوقع فيها ومات، فانه يضمن ديته أو قيمته، وكذا لو اجج نارا " في ريح عاصف =

[ 28 ]

بخلاف النيابة، فانها لا تتوقف على الاستتابة وان توقف ترتب اثرها في


ولم يتخذ لها حافظا أو واقيا "، فأحرق بسببها مال للغير، فانه يضمنه ونحو ذلك. اما لو توسط بين فعل المسبب كحفر البئر - مثلا - وموت الواقع فيها فعل فاعل مختار، كما لو اوقع شخص نفسه في البئر المذكورة، أو اوقعه فيها غيره بمباشرته بأن القاه فيها أو سبب الغير الوقوع فيها، كما لو طلى نواحى البئر المذكورة بمزلق حيث لا يطلع المار بها على ذلك، فزلقت رجله ووقع فيها ومات، ففي الصورة المذكورة ونحوها مما توسط بين موجد السبب وموجب الضمان فعل فاعل مختار - لا يستند التلف إلى موجد السبب، بل يكون فعل الموجد من المعدات ويستند التلف إلى الفاعل المختار، ويكون هو الضامن لما تلف. نعم، لو توسط بينهما فعل فاعل غير مختار، كما إذا كان وقوعه فيها بمزاحمة حيوان له أو صبي غير مميز أو نحو ذلك، فالظاهر استناد التلف إلى المسبب والحافز. وحاصل معنى التسبيب - على هذا الوجه - استناد الفعل إلى المسبب حقيقة، كما لو كان هو المباشر له ولا تسبب بالمعنى المذكور في ما هو محل الكلام من عبادة النائب، فانه: إما متبرع أو أجير وهو إما أجير عن الولي أو عن المتبرع في صورة كون المنوب عنه ميتا " أو أجير عن المنوب عنه الحي ليعمل لنفس المستأجر، كما في الأجير عن العاجز في الحج، والتسبيب بمعنى عدم توسط الفاعل المختار وإسناد الفعل إلى المسبب حقيقة دون الفاعل، منتف في الصور المزبورة، فان صدور العمل من النائب بارادته واختياره: نعم فيما لو استأجر المكلف غيره في اتيان ما وجب عليه نيابة عنه، وكان المورد مما تصح فيه النيابة عن الحي كالحج بالنسبة إلى العاجز عنه يمكن ان يقال: إنه من التسبيب واستناد فعل الأجير إلى المستأجر =

[ 29 ]

بعض الموارد عليها، فالنيابة التي هي من فعل القلب هي المأخوذ عليها


= ولكن بنحو من المجاز والمسامحة، واين ذلك من كون باب النيابة مطلقا من باب التسبيب، فالوجه المذكور غير تام ايضا. وربما يقال: إن المصحح لعمل الاجير: هو اتيانه بالعمل بداعي الأمر الاجاري المستفاد من الامر بوفاء عقد الاجارة بقوله - تبارك وتعالى - " أوفوا بالعقود ". ولكنه ايضا غير تام، ولا صلاحية له لتصحيح عمل الأجير، فان الأمر الاجاري توصلي لا يعتبر في سقوطه قصد امتثاله، وإن صحة عمل الأجير تتوقف على قصد امتثال الأمر. وعليه، فلم يكن ملاك عبادة عمله هو الأمر الاجارى، لأنه متعلق بما هو عبادة في نفسه، فجهة العبادية مأخوذة فيما هو الموضوع للامر الاجاري، ورتبة الموضوع متقدمة على ما تعلق به من الأمر، فلا يعقل كون الامر الاجاري ملاكا لعبادية عمل الأجير هذا مضافا إلى ان الأجير استوجر للاتيان بما هو عبادة للمنوب عنه وموجب لقربه، فلو كان ملاك العبادية الأمر الإجاري المتعلق به، يكون عمل الأجير عبادة له وموجبا " لقربه... وبالجملة، فالوجوه المذكورة مخدوشة بجملتها، وغير صالحة للتفصي بها عن الاشكال، ان لم تكن موجبة لتأكد الاشكال. ويمكن ان يقال في التخلص عن الاشكال بأن مقتضى الاصل في الأمر العبادي الموجه إلى المكلف عدم سقطوه عنه إلا بامتثاله وإطاعته وعدم الاكتفاء بامتثال غيره عنه. نعم قد يثبت بالدليل في بعض الواجبات سقوط الأمر الموجه نحو شخص بامتثال غيره، نيابة عنه، وذلك بحسب مقدار ما يستفاد من الدليل، وانه يختص بالقضاء عنه بعد موته أو يشمل الاتيان به عنه في حياته لعجزه، وعليه، فمرجع دليل قبول العمل للنيابة إلى التوسعة = [... ]

[ 30 ]


= في مرحلة امتثال التكليف وتنزيل فعل النائب منزلة فعل المنوب عنه في إسقاط التكليف الموجه نحو المنوب عنه. وما يظهر مما ذكره سيدنا - قدس سره -: من ان النيابة بعد تحققها وامضاء الشارع لها موجبة لتوجه التكليف ال متعلق بالمنوب عنه إلى النائب فيما استنيب فيه بعد تنزيل الذات منزلة الذات - إلى آخر كلامه - ومحصله ان النائب بعد تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه في مقام الاتيان بما وجب عليه وإمضاء الشارع - بدليل قبول ذلك الواجب للنيابة التنزيل المذكور يتوجه أمر المنوب عنه إلى النائب ويكون امتثال النائب امتثالا لأمر المنوب عنه وتقربه تقربه هذا حاصل ما ذكره سيدنا. ولكنه غير واضح، فان تنزيل النفس منزلة الغير ليس هو امرا واقعيا ليكون النائب بعد تنزيل نفسه منزله المنوب عنه هو هو ليتوجه امر المنوب عنه إليه ويكون فعله فعله وتقربه تقربه وإنما هو محض تقريب للنيابة في العمل وأن مرجعها جعل النائب نفسه عند امتثال أمر المنوب عنه نازلا منزلته وقائما " مقامه في امتثال امره المتوجه إليه، وأما توجه أمر المنوب عنه إلى النائب، فان رجع إلى كون شخص أمر المنوب عنه متوجها إلى النائب بنحو يكون ذلك الامر متعلقا " بالمنوب عنه وبنائبه عند موته أو عجزه فالظاهر استحالته فانه كيف تمكن توجه امر شخصي من الآمر نحو مكلف ومع عجزه عن امتثاله أو موته يتوجه شخص ذلك الامر إلى من ينوب عنه في الامتثال، نعم يمكن ان يكون النائب مأمورا " بأمر آخر، مثل أمر المنوب عنه، ولكنهما أمران تعلق أحدهما بالمنوب عنه، والآخر بالنائب ولكل منهما امتثال على حدة، وكيف يكون امتثال النائب امره الموجه إليه امتثالا لأمر المنوب عنه، وموجبا " لاسقاطه: فما يمكن ان يقال: هو ما ذكرناه: من ان دليل قبول الواجب =

[ 31 ]

[... ]


= للنيابة مقتضاه للتوسعة في مقام الامتثال، وكون الأمر الموجه نحو المنوب عنه قابلا للامتثال منه وممن ياتي بالفعل نيابة عنه. وعليه، فالمتبرع عن الغير في نيابته عنه امتثال ما وجب عليه، إنما ياتي بالعمل بداعي تفريغ ذمة المتبرع عنه عما توجه إليه من التكليف، فيكون في عمله وامتثاله قاصدا " امتثال الأمر الموجه إلى المنوب عنه، وهو المحرك والباعث له نحو العمل والملاك لعباديته، دون الأمر الندبي المتوجه إليه، إذ يمكن ان لا يقصد امتثاله والتقرب به - اصلا - ومع فرض قصد امتثاله لا يقع عن المتبرع عنه ما لم يقصد امتثال الأمر المتوجه إلى المتبرع عنه، فلو لم يأت بالعمل بداعي أمر المتبرع عنه لم يرتبط عمله به ليكون امتثالا لأمره وموجبا " لتفريغ ذمته، وهذا الفعل الخارجي من المتبرع وإتيانه بالعمل بداعي تفريغ ذمة المتبرع عنه عما توجه إليه من التكليف مصداق للنيابة عنه بلا حاجة إلى تنزيل نفسه منزلته نفس المنوب عنه ثم الاتيان بما وجب عليه بعد التنزيل نعم، الشارع بدليل قبول ذلك الواجب للنيابة - نزل ما يصدر من النائب بداعي تفريغ ذمة المنوب عنه عما وجب عليه من العبادة منزلة ما يصدر عنه وجعل امتثاله ل لامر المتوجه نحوه عند نيابته عنه بمنزلة امتثاله في سقوط الأمر به، وليست التوسعة المذكورة من الشارع في امتثال التكليف من قبيل التعميم للمباشرة والتسبيب، فان ما يصدر عن المتبرع لم يكن بتسبيب من المتبرع عنه لامكان التبرع فيه عن الميت، ومن الواضح عدم تعقل التسبيب فيه، وفي ما لو أمكن التسبيب ربما يصدر العمل من المتبرع بلا اطلاع من تبرع عنه، وقد لا يرضى بالتبرع عنه، ولربما ينهي عنه، كما لو نهى الولد الأكبر الذي وجب عليه قضاء ما فات عن ابيه غيره بالتبرع عنه في العمل فلم ينته المتبرع وأتى به بداعي تفريغ ذمة الميت، فانه يصح وتحصل به براءة ذمة الميت وبراءة الولد الأكبر. مع أنه ليس في هذه =

[ 32 ]

[... ]


= الصورة تسبيب - أصلا - لا من الميت ولا من الولد الاكبر - وهذا كاشف عن أن المناط في صحة العمل ليس هو التسبيب، بل المصحح له ما ذكرناه = من كونه قاصدا " في إتيانه بالعمل تفريغ ذمة الغير المتوقف على قصده امتثال الأمر المتوجه إلى الغير. ثم إن الفعل الخارجي الصادر من المتبرع بعنوان كونه عن الغير محقق لعنوانين طوليين: أحدهما - كونه نيابة عن الغير المتوقف على قصده الفعل عنه، فما لم يقصد كونه عن الغير لا يقع عنه، وإن قصد امتثال الأمر المتعلق بالغير - ثانيهما - كونه عبادة واجبة على الغير، وهو متوقف على قصده امتثال الأمر المتوجه إلى الغير، وهو ملاك عبادية عمل المتبرع عنه. وأما كون العمل عن الغير المحقق لعنوان النيابة المتقدم في الرتبة على العنوان الثاني فهو أجنبي عن ملاك عبادية العمل المأتي به عن الغير، فان المقصود كون العمل مقربا للغير المنوب عنه، والنيابة عمل للنائب، فلو كان قصدها ملاكا " لعبادية عمله لكان منشأ لتقربه لا لتقرب المنوب عنه. ثم إن النائب يمكن ان يقصد بنيابته التقرب، ويمكن ان لا يقصده فان قصده كان عمله مقربا " له - أيضا - إذ هو متبرع باتيان عبادة الغير قربة إلى الله تعالى، فيحصل - حينئذ - تقرب للمنوب عنه لاتيان عبادته بفعل النائب، وتقرب للنائب لقصده التقرب بنيابته، ولو لم يقصد التقرب بنيابته بل قصد إتيان العبادة عن المنوب عنه يكون عمله موجبا لتقرب المنوب عنه، لا لتقرب نفسه، حيث أنه لم يقصد التقرب بنيابته، وهو غير قادح، إذ النيابة ليست عبادية، وإنما هي توصلية، فلا يقدح عدم قصد التقرب بها، بل تصح - مطلقا " -. والحاصل، إن عنوان كون العمل نيابة عن الغير وعنوان كونه عبادة الغير عنوانان طوليان، ثانيهما متوقف على الأول، وهو - اي الأول - =

[ 33 ]

الأجرة دون الفعل المنوب فيه المعتبر فيه الاخلاص الذي هو من أفعال الجوارح. فهنا فعلان: إحدهما فعل قلبي وهو النيابة، والآخر من افعال الجوارح وهو من الفعل المنوب فيه، وما يعتبر فيه الاخلاص هو الثاني دون الاول الذي هو من التوصلي الذي مرة يكون راجحا واخرى يكون مرجوحا وثالثة مباحا "، والراجح قد يكون واجبا "، وقد يكون مستحبا "، فيختلف حكمها بحسب ما يقتضيه موجبه. ومتعلقها أي الفعل المنوب فيه قد يكون توصليا ايضا وقد يكون تعبديا يعتبر فيه الاخلاص.


= قصدي مضاف إلى النائب، وليس عباديا " متوقفا " على قصد القربة به، بل يصح، ولو لم يقصد به التقرب، والعنوان الثاني مضاف إلى المنوب عنه لكونه عبادة عنه، ويتوقف تحققه على قصد امتثال الأمر المتوجه إلى المنوب عنه ويكون موجبا " لقربه دون النائب، كما لو كان المنوب عنه هو المباشر لكان قصده كذلك، فيكون اجتماع هذين العنوانين أعنى عنوان النيابة وعنوان العبادة عن الغير في الفعل الخارجي الصادر عن النائب - كاجتماع عنواني الصلاة والغصب في الفعل الخارجي وهو الصلاة في الدار المغصوبة - مثلا - سوى ان الصلاة والغصب عنوانان عرضيان، وهذان العنوانان طوليان، الثاني منهما في طول الأول. إذا عرفت ذلك، فنقول فيما هو محل الكلام من عبادة الأجير -: ما هو متعلق الاجارة وتقع الأجرة بأزائه عنوان النيابة في عمل الغير وقد عرفت أنه توصلي، فيصح ان يقصد به استحقاق الأجرة من المستأجر وليس مرتبطا " بملاك عبادية العبادة عن الغير كي يكون أخذ الأجرة منافيا " لها بل الذي ينافي أخذها كون النيابة عبادة المفروض عدمها، فعدم استحقاق الأجير الأجر والثواب بنيابته لا ينافي تحقق عبادة الغير عنه وصيرورة المنوب عنه مستحقا " للاجر والثواب، والمفروض دخول النيابة في عمل المنوب عنه بمعنى حصول القرب له بالاعم من عمل نفسه وعمل نائبه عنه. =

[ 34 ]

ثم ان النيابة بعد تحققها وامضاء الشارع لها موجبة لتوجه التكليف


= وبالجملة، إن متعلق الاجارة عمل مباشري للنائب، وهو إتيانه بالعمل بقصد نيابته عن المنوب عنه، والباعث له على ذلك بذل المستأجر له الأجرة على نيابته وملاك عبادية العمل هو الأمر المتوجه إلى المنوب عنه، وتعنون العمل بكونه عبادة المنوب عنه في طول إتيان النائب بالعمل بقصد النيابة عن الغير، فأحد العنوانين محقق لنيابة النائب، والعنوان الآخر محقق لعبادة المنوب عنه، وما يتوقف صحته على قصد الامتثال هو الثاني منهما، وما يقع بازاء الأجرة أولهما. هذا محصل ما افاه شيخنا الاستاذ - قدس سره - ولا أظنك بعد هذا التقريب تتوهم مما ذكره سيدنا المصنف - قدس سره - بقوله: " فالنيابة التي هي من فعل القلب هي المأخوذ عليها الأجرة " وقوله - رحمه الله -: " فهنا فعلان: حأدهما - فعل قلبي وهو النيابة، والآخر من افعال الجوارح وهو الفعل " الخ. فتقول: إن الاجارة لا بد أن تقع على عمل، ولا يكفي في متعلقها صرف فعل القلب، وذلك لما ذكرنا: من أن متعلق الاجارة: للنيابة وهو العمل عن الغير، وكونه قصديا " منوطا " بقصد النائب النيابة لا يقتضى كونه عبارة عن نفس القصد الذي هو مجرد فعل القلب، بل هو فعل خارجي له جهة اضافة إلى النائب وهي جهة الاصدار بالمعنى المصدري، وله جهة أخرى بالمعنى الاسم المصدري التي هي جهة العبادية وكونه امتثالا للامر المتوجه إلى إلى المنوب عنه بفعل نائبه، والجهة الاولى توصلية محضة، والجهتان طوليتان وليس تعددهما بمحض الاعتبار، كما يتوهم ذلك. وبالجملة فهذا الوجه خير الوجوه في مقام دفع الاشكال، وما سواه مما دفع به الاشكال غير خال عن الخدشة، والله تعالى هو العالم.

[ 35 ]

المتعلق بالمنوب عنه إلى النائب فيما استنيب فيه بعد تنزيل الذات منزلة الذات الذي من آثاره الوضعية صيرورة فعله فعله وتقربه تقربه، فالاجارة - وان تعلقت بايجاد الفعل عن المنوب عنه ومعناه ايجاده نيابة عنه وتنزيل فعله منزلة فعله - إلا أن التنزيل المذكور مسبب عن تنزيل ذاته منزلة ذاته، ومن آثاره الوضعية المترتبة عليه، فهو مقدور له بواسطته، فلا تعدد في الجعل والتنزيل من النائب، بل الحاصل منه جعل واحد وهو قيام ذاته مقام ذات غيره فيه وصيرورة فعله فعل غيره من آثار هذا الجعل غير موقوف على جعل آخر فمرجع الاجارة - في الحقيقة إلى هذا الجعل الذي هو فعل قلبي، وان تعلقت بفعل الجوارح من العبادة وغيرها، فافهم فانه دقيق ثم ان النيابة المستحبة ان كان إيجادها لامتثال الأمر الاستحبابي أثيب النائب عليها، وان كان متعلقها توصليا "، غير أن متعلقها: ان كان عبادة كان ثواب فعل المنوب فيه للمنوب عنه وثواب النيابة للنائب. وبالجملة فان كان الفعل المنوب فيه مما يثاب عليه كما لو كان عبادة كان ثوابه للمنوب عنه، وان كان صادرا " من النائب لانه هو هو بعد الجعل والتنزيل سواء كانت النيابة مما يثاب عليها النائب أم لا كما ان ثواب النيابة حيث يثاب عليها للنائب اثيب المنوب عنه بالمنوب فيه أم لا كما لو كان من التوصليات، فقد يخلوان من الثواب، وقد يترتب عليهما الثواب ويختص - حينئذ - كل من الناب والمنوب عنه بما يرجع إليه من ثواب النيابة وثواب متعلقها المنوب فيه، وقد يخلو أحدهما عنه دون الآخر. واما صلاة الهدية التي تضافرت النصوص على استحباب التبرع بها ومنها صلاة ليلة الدفن لرفع الوحشة عن الميت في القبر فلا يجوز الاستيجار عليها بناء على منافاة الاخلاص لأخذ الأجرة لان بذل العوض إن كان بازاء العمل فالمفروض اعتبار الاخلاص فيه المنافي له، وان كان

[ 36 ]

بازاء الثواب المترتب عليه، فمع أنه غير معلوم تحققه لاحتمال وجود ما يمنع عن قبوله مع جهالة مقداره على فرض تحققه، لا سنخية له مع الاموال والاعمال الدنيوية التي تصح المعاملة عليها لعدم احتسابه من المتمولات عرفا ولا شرعا ". كيف ولو كان ثواباته مما تصح المعاوضة عليها لاستغنى الفقير ببيع مثوباته، وربما يكون به مستطيعا ". اللهم إلا أن يكون البذل بازاء الإهداء الذي هو فعل من أفعال المهدي كما ذكرنا في الأجرة على النيابة، إلا أن الاهداء بعد فرض انسلاخ المالية عن متعلقه لا معنى لبذل المال عليه. فإذا ما هو المتعراف من الاستيجار على صلاة الوحشة، ولو بالاجارة المعاطاتية لا يخلو من اشكال، بناء على المنافاة المزبورة. نعم يصح ذلك بناء على تأكد الاخلاص بالاجارة، وحينئذ فالمتخلص عنه اما بالبذل بنحو العطية وتبرع المصلى بالصلاة، أو باستنابته والاستيجار على النيابة عن نفسه فيكون المستأجر المستنيب هو المهدي للثواب دون النائب إلا أن يناقش في مشروعية النيابة هنا، إذ ليس كلما يصح التبرع به تصح النيابة فيه، نعم كل مورد تصح النيابة متبرعا " فيه يصح الاستيجار عليه. ومن القسم الثاني النقض يالحرف والصنايع المتوقف عليها النظام، فانها لذلك من الواجبات الكفائية مع جواز أخذ الأجرة لها والمعاملة عليها، بل حتى مع تعيينها على واحد مخصوص بسبب الانحصار فيه. ويدفعه ان وجوب الصنائع انما هو لحفظ النظام وانما يستقيم النظام

[ 37 ]

بالتكسب بها وأخذ العوض عليها لأن لزوم التبرع بها يوجب الاخلال به دون حفظه، فيلزم من وجوب التبرع بها نقض الغرض من وجوبها (1)


(1) محصل ما ذكره سيدنا من الوجه في جواز أخذ الأجرة على الواجبات النظامية أن السبب الموجب لما يتوقف عليه عيش الانسان ويلزم من عدمه اختلاله، هو استقامة النظام به وارتفاع الاختلال بوجوده، وهو متوقف على جواز أخذ الأجرة عليه، فانه لولا جواز ذلك ولزوم التبرع به لا يستقيم النظام، بل يحصل الاختلال لعدم الاقدام نوعا " على ذلك مجانا، فلا مناص عن جواز أخذ الأجرة عليه. وهذا وان كان وجها ويحصل دفع الاشكال عن جواز أخذ الأجرة على الواجب النظامي وقد سبق من سيدنا الاعظم طاب ثراه في (المصابيح) للتوجيه به ايضا "، ولكن ما ذكرناه من الوجه فيما سبق من تعليقتنا، واوضحناه بما لا مزيد له لعله اوضح، وحاصله ان الواجب النظامي لم يكن كغيره مما تعلق به تكليف شرعي الزامي ليكون المكلف ملزما " ومقهورا " على الاتيان به ومسلوب القدرة شرعا " عن تركه المقتضى ذلك عدم ملكيته وسلب ماليته وعدم صحة تعلق الاجارة به والمعاوضة عليه، بل هو اي الواجب النظامي من العمل اقتضى وجوبه والزام العامل به، ضرورة توقف انتظام العيش عليه ولزوم اختلاله بعدمه. وحيث ان الضرورة انما تقدر بقدرها، فاللازم على العامل بذله لمن احتاج إليه، والممنوع حبسه عنه، ومجرد ذلك لا يقتضى لزوم التبرع به وسقوط ماليته وعليه فله أخذ الاجرة عليه ممن عمل له ومع اعساره له احتسابها دينا عليه واستحصالها عند يساره أو غير ذلك من وجوه الاستحصال عند عدم اليسار. والحاصل بان مالا يستقيم النظام الا به من الأعمال ويلزم من عدمه اختلال العيش لنوع الانسان بمنزلة ما لا يستقيم الا ببذله من أعيان الأموال =

[ 38 ]

ومن ذلك أخذ الأجرة على الطبابة التي هي ايضا من الواجبات الكفائية بل يجوز ذلك حتى مع تعيينها على الطبيب بالانحصار، ضرورة أن الانحصار يوجب انقلاب ذلك الوجوب الكفائي إلى الوجوب العيني والواجب كفاية هو التكسب بها، فيتعين عليه مع الانحصار، فمعنى التكسب هو أخذ الاجرة بازاء العمل، فيجب على الطبيب مع التعيين عليه - معالجة المريض - ببيان الدواء بعد تشخيص الداء وأخذ العوض منه مع قصده، وعلى المريض أو وليه بذل العوض له، ومع الامتناع يجبره الحاكم على البذل ان كان له مال وإلا فله في ذمته، فان مات فيستوفيه من بيت المال من الزكاة أو غيرها ومثله العمل لتحصيل النفقة الواجب عليه لنفسه ولمن يجب عليه نفقته فان المتوقف عليه حصول النفقة هو العمل المأخوذ عليه الأجرة وهو الواجب عليه مقدمة دون العمل المجاني. وهنا مسلك آخر لجواز أخذ الاجرة على الطبابة وان تعينت عليه للانحصار سلكه شيخنا المرتضى في (مكاسبه) حيث قال: " ومن هذا الباب أخذ الطبيب الأجرة على حضوره عند المريض إذا تعين عليه علاجه


= فكما ان غاية ما يقتضيه ضروره نظام العيش عند شحة الطعام مثلا وقلته لزوم بذله لمحتاجه وحرمة حبسه واحتكاره على تجاره ومالكيه زائدا " على مقدار حاجتهم إليه ولا يقتضى ذلك لزوم التبرع به ومجانية بذله بل لمالكه أخذ عوضه والمعاوضة عليه مع من احتاج إليه، هكذا مثل الخباز والبناء والنساج والخياط ونظائرهم ممن لا يستقيم النظام الا بأعمالهم إنما يلزمهم تهيئة أنفسهم للعمل المطلوب منهم عند الاحتياج إليه ولا يلزمهم بذله لمن احتاجه بنحو التبرع والمجان بل للعامل أخذ الأجرة عليه واستحقاقها منه عند عدم تبرعه بعمله له، وهو منشأ السيرة الجارية على أخذ الاجرة على العمل مع عدم استقامة النظام الا به.

[ 39 ]

فان العلاج وان كان معينا " عليه إلا ان الجمع بينه وبين المريض مقدمة للعلاج واجب كفائي بينه وبين أولياء المريض، فحضوره أداء للواجب الكفائي كاحضار الأولياء إلا أنه لا باس بأخذ الاجرة عليه " انتهى، ومقتضاه: التفصيل وعدم جواز أخذ الأجرة فيما لو تعين الجمع ايضا على الطبيب لعدم إمكان نقل المريض إليه، وهو خلاف إطلاق كلامهم في جواز ذلك له وان تعينت المعالجة عليه ببيان الدواء بعد تشخيص الداء. وما ذكرناه هو الوجه في جواز أخذ الاجرة على الصنايع مع كونها من الواجبات الكفائية. لا ما ذكره شيخ مشايخنا في (شرحه على القواعد) من دعوى كونها من الواجب المشروط لا المطلق، حيث قال - بعد ذكر ما يدل على المنع عن أخذ الاجرة على الواجب - ما نصه " أما ما كان واجبا " مشروطا " فليس بواجب قبل حصول الشرط، فتعلق الاجارة به لا مانع منه، ولو كانت هي الشرط في وجوبه، فكل ما وجب كفاية من حرف وصناعات لم تجب إلا بشرط العوض باجارة أو جعالة أو نحوهما، فلا فرق بين وجوبها العيني للانحصار ووجوبها الكفائي لتأخير الوجوب عنها وعدمه قبلها " انتهى، لان الصناعات انما تجب مقدمة لحفظ النظام الذي هو من الواجب المطلق دون المشروط فيتبع وجوبه في الاطلاق والتقييد. اللهم إلا أن يرجع كلامه - ولو بالتكلف إلى ما ذكرناه. ولا ما قيل في دفعه بأن المتوقف عليه النظام هو مطلق العمل الاعم من العمل بالاجرة، لا خصوص المتبرع به حتى لا يجوز أخذ الاجرة عليه لانه إذا فرض وجوب العمل من حيث هو ولو للغير امتنع أخذ العوض عليه بناء على عموم المنع عن اخذ العوض على الواجبات مطلقا ". ولا ما قيل من الالتزام بجواز أخذ الأجرة على الواجبات الغيرية وقصر

[ 40 ]

المنع على ما كان واجبا بالذات كما تقدم من جدنا في الرياض وقصر المنع على الواجبات التعبدية كما تقدم عن فخر المحققين انه لما عرفت من عموم المنع اولا وعدم التفصى بهما عن الاشكال على القول المشهور بالمنع مطلقا " ثانيا ". ولا ما قيل بالالتزام بخروج ذلك بالاجماع والسيرة القطعية لقيامها على ما اقتضته القاعدة وإلا فالمانع عقلي - كما عرفت - لا يمكن الخروج عنه بالدليل الشرعي. ولا ما قيل كما عن جامع المقاصد باختصاص جواز الاخذ بصورة قيام من به الكفاية، فلا يكون حينئذ واجبا "، لان الظاهر من فتواهم جواز الأخذ ولو مع بقاء الوجوب الكفائي، بل ومع وجوبه عينا للانحصار كما هو صريح بعضهم. فالوجوه المذكورة كلها عدا الاول منها ما بين مزيف في نفسه أو غير ناهض لدفع الاشكال، بناء على القول بعموم المنع كما هو المشهور، فالوجه هو ما ذكرناه في دفع الاشكال فافهم. وأما النقض بوجوب بذل الطعام للمضطر مع جواز أخذ العوض منه ففيه ان المأخوذ منه عوض المبذول دون البذل الواجب، مضافا " إلى أن البذل انما يجب لدفع الضرر عن المضطر، والبذل مجانا ضرر على الباذل ولا يدفع الضرر بالضرر، مع ان طريق الجمع بين احترام المال ودفع الضرر عنه هو البذل بالعوض دون المجاني. ومنه يظهر الجواب عن النقض برجوع الام المرضعة بعوض ارضاع اللبا (1) مع وجوبه عليها، بناء على توقف حيوة الولد عليه، فان المأخوذ


(1) اللبأ - بالكسر فالفتح - كعنب أول اللبن في النتاج ينزل من ثدي الام =

[ 41 ]

عليه العوض شئ والواجب شئ آخر، فلا يحتاج في الاستدلال عليه إلى التمسك بعموم آية " فان ارضعن لكم فاتوهن أجورهن " (1) وأما النقض بجواز أخذ الوصي الأجر على عمل الوصاية مع وجوبه عليه عينا، فلعله من قبيل الوكالة أو النيابة عن الموصى، ولو بتنزيل الشارع له منزلته حيث لا يعلم بالوصية، وقلنا بوجوب قبولها عليه أو دخوله فيما يتوقف عليه النظام ايضا لمسيس حاجة عموم الناس في امورهم إلى من يقوم مقامهم بعد موتهم، ولولا استحقاق الاجرة ولزوم العوض لاختل أمر الناس في وصاياهم. هذا وأورد بعضهم على المشهور: النقض بالجهاد الواجب كفاية مع جواز النيابة فيه وأخذ الاجرة عليه، حتى ان شيخنا في (الجواهر) نسبه إلى ظاهر الفتاوى، حيث قال: " بل ظاهر الفتاوى عدم الفرق في النائب بين كونه قادرا " بنفسه على الغزو من دون حاجة إلى الجعل وغيره ممن لم يكن قادرا "، ولا ينافي ذلك كونه واجبا على الاول بعد ان كان مخيرا " بين فعله لنفسه وبين فعله عن غيره، كما ان الجاعل مخير بين فعله بنفسه وبين النائب عنه، ومن ذلك يعلم ما في تقييد بعضهم النائب في المسألة السابقة بكونه غير واجب الجهاد لفقره " انتهى. وفيه ان المسلم عند الاصحاب - حتى ادعى الاجماع عليه كما في (المنتهى) وغيره - تخيير من وجب عليه الجهاد بين أن يجاهد بنفسه أو يستنيب غيره عنه، وأما تخييره بين الجهاد لنفسه أو نيابته عن غيره فممنوع. وبعبارة اخرى


= ينزل من ثدي الأم عند أول يوم من ولادتها، بلون أصفر وبشكل لزج، تسميه الامهات (الصمغ) وقد اشتهر لدى الاطباء - قديما " وحديثا " ان هذه المادة ضرورية للطفل في نشاطه وسلامته من الآفات الجسمية والعقلية (1) سورة الطلاق آية: 6.

[ 42 ]

من وجب عليه الجهاد له استنابة غيره، وليس له أن يصير نائبا عن غيره ومبنى الاول على عدم وجوب المباشرة وهو كذلك لكونه كفائيا "، والمقصود منه دفع العدو، ومبنى الثاني: جواز أخذ العوض على الواجب ولو كفاية وعدمه، وهو غير جائز بناء على المشهور، ولذا قيد جماعة كما اعترف به في (الجواهر) في النائب أن لا يكون ممن يجب عليه الجهاد كالمعسر والذمي ونحوهما، بل صرح بذلك في (التحرير) و (والمنتهى) قال في الاول: ".. ولا يجوز لمن وجب عليه الجهاد ان يجاهد عن غيره بجعل، فان فعل وقع عنه ووجب رد الجعل إلى صاحبه " وقال في الثاني: " لا يجوز لمن وجب عليه الجهاد أن يجاهد عن غيره، فان فعل وقع عنه ووجب رد الجعل إلى صاحبه لانه قد تعين عليه، فلا يجوز أن ينوب عن غيره فيه كالحج " انتهى، ومما ذكرنا يظهر لك مواقع النظر في كلام (الجواهر) (1)


(1) من مواقع النظر: نسبته جواز أخذ الأجرة على الجهاد إلى ظاهر الفتاوى - مطلقا " - مع ان المشهور عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب وان كان كفائيا نعم يجوز أخذ الأجرة عليه مع حاجته إليها لعسره وعدم تمكنه من الجهاد الا بما بذل له من الأجرة. ومن مواقع النظر: قوله: " ولا ينافي ذلك (اي اخذ الجعل عليه) كونه واجبا " على الاول (يعني به القادر بنفسه على الغزو والجهاد من دون حاجة إلى جعل ليساره) بعد ان كان مخيرا " بين فعله لنفسه وبين فعله عن غيره " ووجه النظر: أنه لم يثبت التخيير للقادر بين الجهاد لنفسه، وبين فعله عن غيره نعم الذي ثبت هو أن من وجب عليه الجهاد لقدرته عليه يتخير بين أن يجاهد بنفسه أو يستنيب غيره بان يجاهد عنه فيما إذا كان نائبه لم يجب =

[ 43 ]

والعجب من الفاضل الجواد في (شرح اللمعتين) حيث تفصى عن النقض بالجهاد بوقوع البذل على المقدمات الموصلة إلى الجهاد دون نفس الجهاد


= عليه الجهاد بنفسه ولو وجوبا " كفائيا " فله استنابته بأجرة أو بمجرد طلبه منه الجهاد عنه. ومنها: اشكاله على من قيد النائب بمن لم يجب عليه الجهاد لفقره. هذا ولكن الظاهر انه لا ينبغي الاشكال في جواز اخذ الاجرة على الجهاد عن الغير ولو كان النائب ممن وجب عليه كفاية، ولا موجب للتقييد بمن لم يجب عليه لاعساره بعد فرض قابليته للنيابة وعدم اشتراط المباشرة فيه ممن وجب عليه وعدم الدليل على اشتراط كون النائب ممن لا يجب عليه الجهاد ولو كفاية سوى ما اشتهر من عدم جواز أخذ الاجرة على الواجب مطلقا ولو كفاية. وما ذكره سيدنا من تصريح العلامة (قده) بذلك في التحرير والمنتهى بقوله فيهما: " ولا يجوز لمن وجب عليه الجهاد ان يجاهد عن غيره بجعل فان فعل وقع عنه ووجب رد الجعل إلى صاحبه ". غير واضح شموله لما وجب كفاية واحتمال الاختصاص بما وجب عليه عينا، ويشهد لذلك تعليله في المنتهى بقوله (قده): لانه قد تعين عليه فلا يجوز أن ينوب عن غيره فيه كالحج، فتأمل. كما أن ما ذكره من التعليل لتخيير من وجب عليه الجهاد بين ان يجاهد بنفسه أو يستنيب غيره عنه بكونه كفائيا " ن والمقصود منه دفع العدو. صالح للتعليل به على عدم لزوم من وجب عليه الجهاد كفاية - أن يجاهد لنفسه، بل له النيابة عن الغير وأخذ الاجرة عليها. وبالجملة: لم يتضح الوجه في عدم جواز أخذ الأجرة على مطلق ما وجب على الشخص ولو كفاية، نعم ما وجب عليه عينا عبادة كان أو غيرها، فالوجه في عدم الجواز واضح كما ذكرناه.

[ 44 ]

الواجب على الاجير، وهو كما ترى. هذا كله بالنسبة إلى أخذ الاجرة على الواجبات. وأما المستحبات، فما كان منها عبادة لا يجوز أخذ الاجرة عليها بناء على المنافاة بينها وبين الاخلاص، وغير العبادة منها، فلا مانع من أخذ الاجرة عليه حيث يكون مشتملا على منفعة يصح بذل المال بازائها بحيث لا تعد المعاملة عليها من المعاملات السفهية واكل المال معها أكلا بالباطل، فيجوز أخذ الأجرة على تثليث الغسلات في غسل الميت وتكفينه بالقطع المستحبة، بل والزيادة على القدر الواجب في حفر القبر، أو يفصل في الاخير بين حصوله دفعة أو بالتدريج. والله العالم بحقائق الامور.

[ 45 ]

رسالة في بيع المعاطاة

[ 47 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة (في المعاطاة التي كثر تعاطى عموم الناس في أغلب معاملاتهم بها) ولنبدء بنبذة من الكلام مما له ربط تام بالمقام، وهي: انه هل للفظ في مورد العقود اثر مختص به بحيث لا يترتب إلا عليه، أم لا؟ وعلى الاول فهل هو حصول الملك، أو لزومه؟ وعلى التقديرين، فهل المتوقف عليه هو مطلق اللفظ، أو لفظ مخصوص وصيغة خاصة؟ اختلفت كلماتهم في ذلك: فبين من لم يعتبر اللفظ في ترتيب الاثر المقصود من البيع، وهو لزوم الملك واكتفى في تحققه بالفعل المجرد عن الصيغة مطلقا، وهو المنسوب إلى المفيد في (المقنعة) واطلاق كلامه المحكي عنه يوهم ذلك (1) وتبعه على ذلك المقدس الاردبيلي رحمه الله والفاضل الكاشاني والمحقق السبزواري.


(1) فانه (قدس سره) قال على ما حكى عنه: وينعقد البيع على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا " وتراضيا بالبيع وتقابضا وافترقا بالابدان، فانه من المحتمل كونه في مقام بيان انعقاد اصل البيع وشرائطه صحة ولزوما فعدم ذكره لصيغة العقد من جملتها واعتبارها فيهما دليل على عدم الاعتبار اصلا لا في الصحة ولا في اللزوم. ويمكن ان يكون تركه لذكر الصيغة إنكالا على وضوح اعتبارها فيه =

[ 48 ]

وبين قائل باعتباره فيه غير أنه لم يعتبر في اللفظ أن يكون بصيغة خاصة، بل يكفي عنده مطلق اللفظ الدال على التراضي، وهو المحكي في المسالك عن بعض مشايخه المعاصرين وفي الحدائق - مع اختيار له - نسبه إلى جماعة. وبين قائل باعتبار الصيغة الخاصة في إفادة الملك أو لزومه وعليه فتعم المعاطاة كل ما كان بغير الصيغة الخاصة، سواء كان التراضي مدلولا عليه بالفعل أو بالقول كما انه يختص على الثاني بما كان مدلولا عليه بالفعل دون القول، ويدخل المدلول عليه بالقول في العقود القولية. ولعل مبنى الاختلاف في ذلك، هو ان يقال: ان البيع بعد ان لم يكن له حقيقة شرعية ولم يرد نص من الشارع في معناه فان لم يتحقق له - مع ذلك - معنى في العرف أو في اللغة بحيث يتبادر منه عند الاطلاق، فلا بد حينئذ في ترتب الاحكام الشرعية من الاقتصار على القدر المتيقن وتحققه بايجاد كل ما هو محتمل اعتباره شطرا " أو شرطا فيه ولعله الوجه في اعتبار المشهور الصيغة الخاصة في تحققه واعتبارهم فيه العربية والماضوية، وتقديم الايجاب على القبول والموالاة بينهما وغير ذلك. وان قلنا بوجود معنى له في العرف أو اللغة بحيث يتبادر منه ذلك عند الاطلاق، غير ان الشارع اعتبر في ترتب الاثر عليه شرطا " اقتصر على ما علم اعتباره فيه شرعا باجماع ونحوه، وما شك في اعتباره وشرطيته فالاصل عدمه، والمرجع فيه هو المفهوم العرفي لانه بحكم المطلقات عند


= كتركه في (المقنعة) على ما نقل اعتبار ذلك في النكاح والطلاق مع وضوح اعتبارها فيهما. وبالجملة فالكلام المحكى عن المقنعة لم يكن واضح الدلالة على عدم اعتبار صيغة العقد في البيع صحة ولزوما " كما نسب إليه ذلك.

[ 49 ]

الشك في تقييدها، ولعله محط نظر القائلين باعتبار كون الدال على التراضي مطلق القول دون لفظ مخصوص بناء على أن القدر الثابت اعتباره شرعا " هو ذلك. وان قلنا بعدم اعتبار شئ فيه زائد على ما هو المتعارف عند العرف فلا بد من ترتب الأحكام الشرعية على ما يطلق عليه البيع عرفا، الا ما ثبت النهي عنه شرع " كبيع الملامسة والمنابذة وبيع الحصاة ولعله الوجه فيما اختاره المفيد (ره). إذا عرفت ذلك فنقول: ثبوب معنى للبيع عند العرف العام بحيث يتبادر منه عند الاطلاق ويتعاطونه في معاملاتهم الجارية بينهم قديما وحديثا " عند ارادة التمليك والتملك بعضهم مع بعض حتى ممن لم يتطرق سمعهم اغلب الاحكام الشرعية - مما لاشك فيه وإنكاره مكابرة، فلا بد حينئذ من ملاحظة ثبوت مقدار ما اعتبره الشارع فيه على تقدير تحققه بالنسبة إلى ترتب الاثر عليه والقدر الثابت بالاجماع هو اعتبار القول الدال على التراضي صريحا " فيه لقصور الافعال عن الدلالة على المقاصد بخلاف الالفاظ، ولان القول بكفاية الافعال في اللزوم لم ينسب إلا إلى المفيد منا وبعض العامة، بل قد يتأمل في صحة النسبة إليه، وان اوهمها اطلاق عبارته حيث قال في (المقنعة): " والبيع ينعقد على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا " وتراضيا بالبيع وتقابضا وافترقا بالابدان " لقوة احتمال ارادته من ذلك بيان الشرائط لصحة البيع ولزومه، لا ان المراد تحققه بذلك من دون صيغة وان تركه لذكر الصيغة اتكال منه على معلومية اعتبارها فيه، والمفروغية عنه كتركه المنقول عنه في الكتاب المزبور لاعتبار الصيغة في النكاح والطلاق المعلوم اعتبارها فيهما من غير خلاف ولذا قال في (المختلف): " وللمفيد قول يوهم الجوار " وساق كلامه المتقدم، ثم قال: " وليس

[ 50 ]

هذا تصريحا بصحته إلا انه موهم " بل يرشد إلى ذلك ما في (كشف الرموز) للابى في باب الفضولي من نسبة اعتبار اللفظ المخصوص في البيع إليه، والى الطوسي، وان تبعه في هذا القول المقدس الاردبيلي في (مجمعه) والمحدث الكاشاني في (مفاتيحه) ونفى عنه البعد بعد نقله السبزواري في (كفايته) والنراقي في (مستنده) وان كان الاول منهم لم يعض عليه بضرس قاطع وان انتصر له واستدل عليه بادلة كثيرة وبالغ في الانتصار له وقواه إلا انه مع ذلك قال بعد ذكره ان افادة اللزوم هو الظاهر من المفيد للادلة التي ذكرها مانصه: " ويحتمل عدم اللزوم لان الاصل عدم اللزوم والملك أعم ولان الملك واللزوم متغايران وما كان، وقد دلت الادلة على حصول الاول وبقى الثاني على نفيه إذ لا دليل وما لزم من الادلة المذكورة الا الأول فتأمل " (1) بل ومال إليه في (المسالك) في موضعين، وان استجود في الاول موافقة المشهور، وقال في الموضع الثاني: " وما احسنه وأمتن دليله ان لم ينعقد الاجماع على خلافه " (2)


(1) لعله إشارة إلى أن ما ذكر من الأدلة على حصول الملك بالمعاطاة إن تمت فاللزوم هو مقتضى الاصل فيه لا عدمه، فان مقتضى الاستصحاب وبقاء ما كان: عدم خروج ما حصل بها من الملك بمجرد رجوع المالك الأول به، وسيأتي توضيح: أن مقتضى الاصل في الملك اللزوم وان اختار سيدنا - قده - إصالة الجوار. (2) في شرح قول المصنف: الفصل الثاني في عقد البيع وشروطه وآدابه: العقد هو اللفظ الدال على نقل الملك إلى مالك آخر بعوض معلوم ولا يكفي التفابض من غير لفظ وان حصل من الامارات ما يدل على ارادة البيع انتهى. قال في المسالك: هذا هو المشهور بين الاصحاب، بل كاد أن يكون =

[ 51 ]

قلت والظاهر: تحقق الاجماع - بقسميه - على خلافه إذ لم ينسب القول بكفاية الفعل في لزوم المعاطاة قبل الجماعة إلا إلى المفيد الذي قد عرفت ما في النسبة إليه، مع انه كما قبل مسبوق بالاجماع وملحوق به وان كان وقوع التعبير بنحو المشهور والمعروف في كلام بعض بل والاشهر - والاكثر - في كلام بعض آخر - يعطي وجود قائل به غير المفيد ممن يعتد به


= اجماعا "، غير ان ظاهر المفيد - رحمه الله - يدل على الاكتفاء في تحقق البيع بما دل على الرضا به من المتعاقدين إذا عرفاه وتقابضاه. وقد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب إلى ذلك ايضا، لكن يشترط في الدال: كونه لفظا، واطلاق كلام المفيد أعم منه، والنصوص المطلقة من الكتاب والسنة الدالة على حل البيع وانعقاده من غير تقييد بصيغة خاصة يدل على ذلك، فإذا لم نقف على دليل صريح في اعتبار لفظ معين، غير ان الوقوف مع المشهور هو الاجود مع اعتضاده باصالة بقاء ملك كل واحد بعوضه إلى ان يعلم الناقل فلو وقع الاتفاق بينهما على البيع وعرف كل منهما رضاء الآخر بما يصير إليه من العوض المعين الجامع لشرائط البيع غير المخصوص لم يفد اللزوم الخ. ثم انه بعد ذلك في شرح قول المصنف: سواء كان في الحقير أو الخطير. قال في (المسالك): رد به على بعض العامة حيث اكتفى بالمعاطاة في المحقرات وأقامها فيه مقام البيع: واختلفوا في تحديدها فقال بعضهم: ما لم يبلغ نصاب السرقة، وأحالها آخرون على العرف كرطل خبز وغيره مما يعتاد فيه المعاطاة وهو تحكم، والذي اختاره متأخرو الشافعية وجميع المالكية انعقاد البيع بكل ما دل على التراضي وعده الناس بيعا "، وهو قريب من قول المفيد، وشيخنا المتقدم: وما احسنه وامتن دليله ان لم ينعقد الاجماع على خلافه.

[ 52 ]

إلا اني لم اجده منقولا عن غيره. هذا مضافا إلى الاصل المقرر بوجوه (1). نعم لم يثبت عندنا اجماع على اعتبار الصيغة الخاصة، وان كانت دعوى الشهرة عليه غير بعيدة. وبالجملة القدر الثابت بالاجماع اعتباره في لزوم البيع، هو كون الدال على التراضي لفظا "، واما اعتبار الصيغة الخاصة فلا دليل عليه، وحينئذ فيقتضى الاكتفاء في اللزوم بمطلق ما دل على التراضي باللفظ كما عليه جمع


(1) يعني به اصالة عدم اللزوم بالمعاملة الحاصلة بالمعاطاة، فانه يمكن تقرير الاصل أولا باستصحاب بقاء العين المأخوذة بالمعاطاة على ملك المعطى وعدم خروجها عن ملكه بمجرد التعاطي، وغاية ما يحصل به اباحة التصرف فيها، وأما الملك فمقتضى الاصل عدم الحصول به وعليه فعدم اللزوم لعدم الملك. ويمكن تقرير اصالة عدم اللزوم بناء على افادتها الملك ايضا بتقريب أن مرجع اللزوم في الملك إلى انقطاع علقة المالك الاول عنه بتاتا، والجواز إلى بقاء علقة للمالك الاول فيه وعليه فإذا انتقل الملك من المالك الاول إلى الثاني بالمعاطاة وحصل الشك في كون الحاصل بها الملك اللازم أو الجائز، فمقتضى الاستصحاب واصالة بقاء علقة المالك الاول جواز الرجوع بها. ويمكن تقرير اصالة عدم اللزوم بأن أصل الملكية ليس فيها إباء لجواز الرجوع بها للمالك الاول نعم ربما يكون فيها جهة شدة. وقوة بها يتحقق الاباء عن الرجوع للمالك الاول، وهو منشأ اتصافها باللزوم والاصل عدمها عند الشك بوجودها. هذا ولكن سيأتي ان المختار تبعا لشيخنا الاستاذ (قده) إصالة اللزوم في الملك، ويأتي تقريب ذلك.

[ 53 ]

من المتأخرين، منهم صاحب (الحدائق) حاكيا " عن جماعة من المحدثين وقد تقدم حكاية (المسالك) عن بعض مشائخه المعاصرين وهو لا يخلو من من قوة. ويؤيده بل يدل عليه قوله: صلى الله عليه وآله " انما يحلل الكلام ويحرم الكلام " (4) فيرجع فيما دل عليه بغير الصيغة الخاصة من اللفظ إلى عموم


(4) هذا الحصر إنما ذكر فيما رواه الشيخ في (التهذيب في باب النقد والنسيئة.) عن ابن ابي عمير عن يحيى ابن الحجاج عن خالد ابن الحجاج، قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجئ فيقول: اشتر هذا الثوب واربحك كذا وكذا؟ قال: اليس ان شاء ترك وان شاء اخذ قلت: بلى، قال: لا بأس به، إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام " انتهى ثم ان سيدنا (قده) لما استظهر تحقق الاجماع - بقسميه - على عدم لزوم المعاملة الحاصلة بالمعاطاة واضاف إلى الاجماع إصالة عدم اللزوم بالوجوه المقررة المشار إليها في التعليقة السابقة، قوى الاكتفاء في تحقق لزوم المعاملة بمطلق ما دل على التراضي من اللفظ، نظرا " منه إلى ان القدر المتيقن من الاجماع على عدم لزوم المعاملة صورة خلوها من اللفظ، وغايته اعتبار مطلق اللفظ في تحققه لا خصوص الصيغة الخاصة منه، وأيد ما قواه من الاكتفاء بمطلق اللفظ بمفاد الحصر المذكور في الرواية المزبورة، بل استفاد منه الدلالة على ذلك، وحاصل ما ذكره من التوجيه لها ان خالدا لما سأل الامام عليه السلام عن حكم المقاولة الخاصة بينه وبين الرجل بان يشتري خالد الثوب من مالكه ويشتريه الرجل منه على الربح المعين قال له الامام عليه السلام: اليس ان شاء ترك وان شاء اخذ، يعني اليس الذي كان بينكما من الكلام والمقاولة مجرد مواعدة على اشتراء الثوب منك بربح كذا بعد ما تشتريه من مالكه، ولم يكن الكلام التزاما فعليا يبيع الثوب منه واشترائه له قبل الشراء من مالكه؟ قال: بلى يعنى: لم يكن اشتراء فعلي، بل صرف =

[ 54 ]

" احل الله البيع " " واوفوا بالعقود " لكونه حينئذ منها كالعقد بالصيغة الخاصة، وبه يخرج عن الاصل المتقدم. اللهم إلا ان يقال ان اعتبار الشرط في الموضوع العرفي شرعا انما استفيد من دليل لبى، وهو الاجماع المحصل من فتاوى الاصحاب على عدم كفاية الفعل في لزوم المعاطاة على اختلاف منهم في اعتبار الصيغة الخاصة أو كفاية مطلق القول ولكن المعتبر فيه لم يعلم خصوص أحدهما، فيكون الشرط المعتبر من هذه الحيثية مجملا، فيسرى الاجمال إلى العام المانع من


= مواعدة على الشراء. فقال عليه السلام: لا بأس به، إنما يحل الكلام ويحرم الكلام. المراد على الظاهر: ان مجرد المقاولة والمراضاة على شراء ما تشتريه من مالكه بربح كذا لا يترتب عليه اثر من تحليل أو تحريم، إنما المحلل والمحرم الكلام الذي ينشأ به بيع الثوب من مشتريه الثاني والمدار في التحليل والتحريم عليه فان كان الكلام المنشأ به بيع الثوب من المشتري الثاني صادرا " من المشتري الاول له بعد اشترائه من مالكه الاول، فالكلام محلل، وان كان صادرا قبل اشترائه فالكلام المنشأ به البيع محرم، إذ هو من مصاديق بيع الغرر المنهى عنه، فان مالكه قد لا يبيعه الثوب، فالمبيع مجهول الحصول للمشتري، والغرر فيه أعظم من الجهل بالمقدار. وبمقتضى اطلاق محللية الكلام وعدم التقييد بصيغة خاصة منه وشمول عموم: " احل الله البيع " و " اوفوا بالعقود " لما إذا كان انشاء المعاملة بغير الصيغة الخاصة يثبت ما قواه المصنف (قده) اولا من الاكتفاء في لزوم المعاملة بمطلق ما دل على التراضي من اللفظ، ويخرج به عن اصل عدم اللزوم المقرر لديه بالوجوه، وان عدل عن ذلك اخيرا " إلى اقوائية ما عليه المشهور من اعتبار الصيغة الخاصة في اللزوم بعد ذكره وجه العدول عنه.

[ 55 ]

التمسك به في مورد الاجمال وان كان حجة في غيره، ويساوي وجود العام المجمل في مورد الاجمال عدمه الذي قد عرفت - فيما تقدم - في مبني الاختلاف من لزوم الاقتصار فيما خالف الاصل حينئذ على القدر المتيقن وهو ما اشتمل على الصيغة الخاصة دون مطلق اللفظ. ولعله بل هو الوجه في اعتبار المشهور لها، مع ان تحقق الموضوع العرفي وعموم " احل الله البيع " ونحوه بمرئ منهم ومنظر. لا يقال: ان مرجع الاجمال حينئذ إلى الشك في تقييد القول بالصيغة الخاصة بعد معلومية اعتبار اصله وحينئذ فالاصل عدمه، ومقتضاه الاكتفاء بمطلق القول. لأن الشك فيما هو المجعول من الشرع لا في نفس الجعل منه وبعبارة أخرى: مآل الشك إلى الترديد في كيفية الجعل الدائرة بين المتباينين دون الاطلاق والتقييد، إذ لا معقد للاجماع حتى يؤخذ باطلاقه عند الشك بعد ان كان الاجماع متصيدا " من فتاويهم المختلفة في التعبير عما هو المعتبر في الموضوع العرفي فافهم. فإذا ما عليه المشهور من اعتبار الصيغة الخاصة في اللزوم هو الاقوى، وعليه فالحصر في قوله " انما يحلل الكلام " إضافي ثم ان المعاطاة - بعد ما عرفت موضوعها في الجملة: من أنها اما التعاطى بمجرد الفعل الدال على التراضي وأما التعاطي بمطلق ما دل عليه غير الصيغة الخاصة، بناء على الاختلاف المتقدم تتصور بحسب قصد المتعاطيين على وجوه اربعة، ذكرها شيخنا في الجواهر: احدها - قصد الاباحة بالافعال ونحوها مصرحا بذلك ولو بالقرائن الدالة على ارادة الاباحة المطلقة. ثانيها - قصد البيع بذلك على ارادة النقل البيعي من غير تعرض للزوم وعدمه أو مع قصد عدمه، ثالثها - ارادة التسليط المطلق المجرد عن قصدي الاباحة والتمليك بل يعطى للبقال شيئا " ليتناول عوضه فيدفعه إليه. رابعها - قصد الملك المطلق

[ 56 ]

والمعاوضة بالعينين من غير نظر إلى عنوان البيع. وهناك وجوه أخر يمكن تعقلها الا ان الاربعة المذكورة أصولها. وجملة صورها، هي انه: أما ان تكون المعاطاة يقصد التمليك من الجانبين أو الاباحة بالتصرف كذلك، وكل منهما يتصور على وجهين: احدهما تمليك المعوض بتملك العوض على ان يكون المقابل لتمليك المعرض هو ملكية العوض كملكية الثمن في البيع من غير توقف على تمليك جديد. الثاني تمليك المعوض المقابل بتمليك العوض على ان يكون التمليك بازاء التمليك كالهبة المعوضة، فيتوقف تملك العوض على تمليك جديد له وفي الاباحة ايضا كذلك يتصور على وجهين: أحدهما - اباحة التصرف المعوض بالاباحة بالمعنى المصدرى بمعنى كون العوض مباحا له. الثاني - الاباحة المقابلة بالاباحة بالمعنى الفعلي كالتمليك بازاء تمليك جديد. هذا مع تساوى القصد المتعلق بالمالين كالاباحة بالاباحة أو التمليك بالتمليك ومع فرض اختلافه كالاباحة بالتمليك أو التمليك بالاباحة، فيتصور ايضا على اربع صور: فالحاصل من المجموع صور ثمان، ويزيد عليها لو ضمت إليها صور انقسام الاباحة إلى الكلية أو الجزئية لأن متعلقها: اما مطلق التصرف حتى التصرفات المتوقفة على الملك، أو بعض التصرفات وهو غير المتوقف عليه كما هو أحد الاقوال في المعاطاة كما ستعرف وتزيد ايضا " بملاحظة القسمين الأخيرين من التسليط المطلق ومطلق التمليك بناء على إمكان تحقق الاول وأعمية الثاني من البيع. وعليك بتصويرها، إلا أن أغلبها بل عدا الاربعة المتقدمة منها محض فرض ومجرد تصوير عقلي: وأما الصورة الثالثة من الاربعة المتقدمة، وهي قصد التسليط المطلق فقد ناقش فيه شيخنا المرتضى في (المكاسب) بما يرجع محصله إلى امتناع خلو الدافع في دفعه عن قصد عنوان من العناوين الخاصة.

[ 57 ]

ووجهه ان التسليط الذي هو القدر المشترك بين الاباحة والتمليك بمنزلة الجنس فيمتنع عقلا تحققه في الخارج من غير فصل لان الجنس لا يتقوم الا بالفصل. وقد يجاب عنه بان التسليط المطلق المجرد عن قيدي الاباحة والتمليك موضوع عرفي يمكن تحققه في العرف كدفع المغصوب ماله إلى الغاصب من اللصوص وقطاع الطريق وغيرهما، فان المالك في دفعه مسلط للغاصب على ماله من غير قصد منه إلى كون التسليط بنحو الاباحة أو التمليك، بل قد يقصد عدمهما لحصول الغرض من دفع الضرر عن نفسه بمجرد الدفع المجرد عن قصد شئ زائد عليه، وهو من الامور الوجدانية، ولعل انكاره لا يخلو عن مكابرة. وان أبيت ذلك فلا يمكنك التأبي عن امكان وقوعه عند الغفلة عن العناوين الخاصة من التمليك والاباحة باقسامهما بحيث لا يكون شئ منها ملتفتا إليه وحينئذ فاما ان يتحقق التسليط بهذا الدفع اولا، والثاني باطل لتحققه بالوجدان المغني عن اقامة البرهان والاول اما ان يتحقق معه الاباحة والتمليك اولا يتحقق شي منهما، والاول باطل لعدم قصد شئ منهما، فتعين الثاني وهو المطلوب فلا يكون محالا كيف وادل دليل على امكان الشئ وقوعه، ومتى امكن فرض وقوعه في صورة الغفلة أمكن ذلك في غيرها لعدم مانع الاستحالة ولزوم محذور تحقق الجنس بلا فصل، يدفعه منع تحققه كذلك غير ان فصل التسليط المطلق امر عدمي وهو عدم فصلى الاباحة والتمليك، فهو كالمطلق المقيد بالاطلاق، فللتسليط اقسام ثلاثة اثنان منها فصلهما امر وجودي وهما الاباحة والتمليك، والثالث فصله امر عدمي والقدر المشترك بين الثلاثة وهو مطلق التسليط جنس لها كالمطلق المجرد عن جميع القيود حتى عن قيد الاطلاق، وهو المعبر عنه بالماهية المرسلة

[ 58 ]

المعراة عن جميع القيود التي ليست هي الا هي. هذا ويمكن الخدشة في الجواب المذكور بان يقال: التسليط المطلق ان كان اضطراريا كدفع المغصوب ماله إلى الغاصب، فنمنع صدق التسليط عليه، بل هو من تسلط الغاصب بواسطة المغصوب منه دون تسليطه فان التسلط وان كان لازما " للتسليط إلا انه لازم أعم يجتمع معه مرة ويفترق عنه أخرى كما لو كان بدون واسطة المالك، بل ولا بدرايته، فدفع المغصوب منه واسطة لتسلط الغاصب وطور من اطوار تسلطه وليس هو الا بمنزلة الآلة له لحصول غرضه من التسلط كالرشاء والغواص لاخراج المال من البئر أو البحر، ومثله ما لو كان الدفع منه مع الغفلة عنه كدفع النائم الغافل عن نفس الدفع، وان كان اختياريا فلا بد وان يكون منبعثا " عن ارادة فعلية مسببة عن تصوره وتصور ما يترتب عليه من المصلحة المحركة للميل والشوق المحرك لتلك الارادة المحركة للاعضاء على العمل كما هو الشأن في صدور جميع الافعال الاختيارية، فلا ينفك ذلك التصور والملاحظة عن الجهة الباعثة عن كيفية مخصوصة من العناوين الخاصة، وان وقعت الغفلة عنها عند العمل أو في اثنائه لانها محفوظة في الخزانة تجري الافعال على منوالها كما نشاهد من انفسنا بالنسبة إلى افعالنا الاختيارية الواقعة في الخارج من الغفلة في اثنائها أو عند ابتدائها بعد التشاغل بمقدماتها عن وجوه الفعل ومشخصاته ولذا اكتفينا بالاستدامة الحكمية في نية العبادات. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن النقض بالغفلة، لانها ان كانت عن نفس الدفع مع تحققه، فكونه تسليطا ممنوع، بل هو كدفع النائم من واسطة التسلط، وان كانت الغفلة عن قصدي الاباحة والتمليك، فهو جار على منوال ما في الخزانة مما أضمره من المشخصات عند وجود الداعي المحرك عليه، فالفرق بين التسليط المطلق ومطلق التسليط، هو أن الاول غير متحقق في

[ 59 ]

الخارج لعدم تحقق الجنس بدون الفصل، والثاني موجود بوجود أنواعه المتمايز بعضها عن بعض بالفصول نحو البيع والهبة والعارية وغير ذلك كالكلي الموجود في ضمن افراده أو انواعه، فافهم هذا والمسألة بعد محتاجة إلى تأمل. وأما الرابعة منها، وهي قصد التمليك المطلق دون خصوص البيع، فقد أورد عليه شيخنا المتقدم ايضا بقوله: " والثاني بما تقدم في تعريف البيع من ان التمليك بالعوض على وجه المبادلة هو مفهوم البيع لا غير " ومرجع كلامه إلى منع أعمية التمليك المطلق أي تمليك العين بالعوض من مفهوم البيع حتى يمكن فيه فرض قصد غير النقل البيعي منه ويكون قسيما له. قلت واقصى ما يمكن ان يوجه به القول بالاعمية هو أحد امرين. الاول - دعوى اختصاص البيع بما كان التمليك حاصلا باللفظ، فهو معاوضة خاصة وبعبارة اخرى: دعوى مدخلية اللفظ مطلقا " أو الالفاظ الخاصة في تحقق مفهوم البيع، فيكون التمليك بغيره تمليكا " بغير البيع ومعاوضة مستقلة، ومنه المعاطاة الممكن فيها حينئذ قصد التمليك البيعي منها أو قصد معاوضة مستقلة. ويشهد له بل يدل عليه ما في (الغنية) من دعواه الاجماع على ان المعاطاة ليست ببيع. وفيه - مع ان منع كون المعاطاة بيعا أول الكلام، كيف والكركي في (جامعه) نسبه مرة إلى المعروف، واخرى إلى الاتفاق، وانه لا يحسن التقسيم مع كون النزاع صغرويا " ايضا " وانما يتجه بعد الفراغ عن ثبوت الصغرى وتحققها من الأعمية انه لا يتم على التقديرين، لان المعاطاة ان كانت بيعا " فلا يكون قصده التمليك بها قسيما للنقل البيعي لتحققه بها قهرا " إذ لا ينفك

[ 60 ]

قصد التمليك فيها عن قصده، وان لم تكن بيعا " كانت معاوضة مستقلة قهرا " من غير مدخلية للقصد فيها، فلا يكون قصد نقل البيع قسما " منها فتأمل. مضافا إلى ما يمكن ان يقال: ان الملكية وان اختلفت بالنوع اما بحسب اختلاف متعلقها من العين أو المنفعة، واما بحسب المجانية والعوض أو غير ذلك الا ان النوع الخاص منها وهو تمليك العين بالعوض على وجه المبادلة لا تختلف ذاته وحقيقة معناه، وان اختلفت اسباب تحققه بالفرض لانه من الاختلاف في السبب الموجد والمسبب شئ واحد واختلاف السبب لا يوجب اختلاف ذات المسبب، نظير الحدث الاصغر الحاصل بأحد اسبابه: من النوم أو الريح أو الخارج من احد السبيلين، فان المسبب في جميع ذلك حقيقة واحد، والاختلاف انما هو في السبب الموجد لها وحينئذ فلا تغاير في الملكية بين القصدين، ولا تخالف بين المقصودين حتى يصلح ان يكون احدهما قسيما للاخر، فتأمل وهذا بخلاف قصد الاباحة والتمليك، بل وقصدي الاباحة المطلقة أو الخاصة لتحقق المغايرة الذاتية في المقصود من ذلك. الثاني - دعوى اختصاص البيع الذي من الافعال التوليدية بين الاثنين بما إذا كان بالنسبة إلى أحدهما بنحو الاصالة، وهو المعبر عنه بالبايع، وبالنسبة إلى الآخر المعبر عنه بالمشترى بنحو التبعية، لان المشترى قابل لايجاب البايع، فكأنه تابع له في قبوله فعله. توضيح ذلك: ان عقد البيع مركب إضافي من عقد، وهو لغة الشد الوثيق بين الطرفين حقيقيين أو نسبيين كني به عن الربط بين شيئين الحاصل بقرار من المتعاقدين، وبيع ومعناه لغة وعرفا تمليك عين بعوض على وجه المبادلة والمفاعلة في البدلية لاقتضاء المعاوضة بدلية كل من المرتبطين عن الآخر لأن البدلية مرة تكون من جانب واحد كضمان بدل التالف

[ 61 ]

ويسمى بالتعويض، ومرة تكون من الجانبين وتسمى بالمعاوضة، وعلقة البدلية الحاصلة بالبيع وان كانت من حيث هي بسيطة إلا أنها تنحل إلى بدليين لتحقق بدلية كل منهما عن الاخر بالضرورة، غير ان بدلية أحدهما - وهو المعوض - مضمحلة بالنسبة إلى بدلية الآخر وهو العوض، فالمعوض متمحض للتبديل والعوض للبدلية وان صدق العكس عليهما في الحقيقة وهذه العلقة محيث التحقق والتكوين فعل توليدي بين اثنين نسبته من حيث التكوين والعلية في الايجاد إلى كل من الفاعلين البايع والمشترى بالسوية إلا أنه من حيث الاستقلال بالانشائية والتبعية فيها ينسب إلى من كان مستقلا بها لانه الاصل في النسبة، فيقال له: البايع ويقال للآخر: المشترى لكونه تابعا " للبايع في قبول انشائه فكأن البايع اصيل فيه والمشترى تابع له ولاختلاف الحيثيتين المزبورتين اختلفت نسبة البيع مرة إلى الموجب والقابل كليهما، واخرى إلى الاول منهما مع صدق المبيع على المبذول من البايع خاصة والعوض على المبذول من المشترى كذلك وليس الا لتمحض الاول بالتبديل، والثاني بالبدل لما عرفت من ملاك ذلك من الاستقلالية والتبعية في الانشاء ولذا كان تعدى الفعل إليه بالباء المسماة عند النحويين بباء البدلية والباء الداخلة على الاعواض والاثمان. ولتنقيح الكلام فيه محل آخر، وعليه فالملكية للعين بالعوض أعم من البيع لافتراقه فيما لا يوجد فيه الملاك المزبور. وفيه - بعد تسليم عدم صدق البيع إلا على ما كان كذلك ومع الغض عما تقدم إنما يتم ما ذكر فيما لو وقعت المعاطاة من المتعاطيين لا بنحو الايجاب والقبول الفعليين بل بنحو الاستقلالية في الانشاء لكل منهما كالتفاسخ الحاصل من المتعاقدين بقول كل منهما: تفاسخنا، وهو على تقدير تحققه من الفروض النادرة ان لم نقل بكونه مجرد فرض امكاني لا يمكن تنزيل كلمات الاصحاب عليه وجعله محط أنظارهم في

[ 62 ]

هذا النزاع العظيم ولبس الاختلاف بينهم إلا فيما يليق بالبحت عنه من حكم ما هو المتعارف بين الناس من معاملاتهم بالمعاطاة الجارية على منوال عقود المعاوضات إلا في تحقق العقد اللفظى فانه الجدير بالبحث عن حكمه لا ما يمكن فرض وقوعه في الخارج وهذا مما اشكال فيه كما لا اشكال ظاهرا " في ان قصد المتعاطيين التملك بالمعاطاة غالبا " كالبيع العقدى دون الاباحة المطلقة مع بقاء العين على ملك مالكها خلافا لشيخنا في (الجواهر) ولعل نظره مضافا إلى التخلص عن المحاذير الآتية إلى عدم الفرق في نظر العرف العام ولا سيما عند العوام بين الاباحة المطلقة، وبين ملك الرقبة في النتيجة والغرض المقصود من صحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك سواء كان منبعثا عن ملكية العين والاباحة المطلقة ويتضح ذلك في المحقرات كدفع الدرهم من الشارب لحصول الغرض به من شرب الماء من غير تعلق غرض له بكون التسلط عليه منبعثا عن ملكية الماء دون اباحته ويشهد لذلك معاطاة من لا يقول بافادتها الملك، بل مفادها الاباحة اجتهادا " أو تقليدا " في المحقرات فكيف يقصد التمليك والتملك بمعاملته مع العلم بعدم وقوع المقصود منها مع وقوع المعاملات المعاطاتية في أغلب معاملاتهم؟ إلا ان الانصاف دعوى وقوع معاملات الناس غالبا، وما هو المتعارف بينهم بقصد الاباحة دون الملك مكابرة مما يشهد بخلافه الوجدان، بل الذي عليه الناس عموما " وخصوصا " وهو قصد الملك في معاملاتهم المعاطاتية. وكيف كان فالكلام إلى هنا في موضوع المعاطاة. وأما حكمها فجملة الاقوال فيها عدا ما هو منسوب إلى المفيد (ره) من اللزوم كما تقدم: اربعة، لان القول بكفاية مطلق اللفظ في اللزوم كما تقدم عن بعض متأخري المتأخرين ليس في الحقيقة (قولا) في حكم المعاطاة، بل هو خلاف في موضوعها. وبالجملة (قول) وقيل: انه المشهور

[ 63 ]

بافادتها الاباحة المطلقة لجميع التصرفات حتى المتوقفة منها على الملك مع بقاء كل من العينين على ملك مالكه، غير انه يحصل الملك بتلف احدى العينين وما بحكمه، بل (عن المسالك): " ان كل من قال بالاباحة يسوغ جميع التصرفات (وقول) بافادتها لذلك الا ما يتوقف على الملك كالوطء والعتق واخراجه في خمس أو زكاة وغير ذلك، وهو المحكى عن حواشي الشهيد على القواعد، ويوافقه ما عن (المبسوط) من المنع عن وطئ الجارية المهداة بالهدية المجردة عن الايجاب والقبول، و (قول) بلحوقها بالبيع الفاسد من عدم الملك وعدم جواز التصرف فيه، وهو المحكى عن العلامة في (نهايته) وان حكى الرجوع عنه في كتبه المتأخرة، بل قيل بعدم موافق له ومسبوق بالاجماع وملحوق به و (قول) بافادتها الملك المتزلزل ويستقر بالتلف وما بحكمه، وهو صريح الكركي في شرحه على القواعد والمحكى عنه في تعليقه على الارشاد، حتى أنه نزل الاباحة في كلام الاصحاب على ارادة الملك المتزلزل، مع أن عباراتهم بين ظاهرة وصريحة بخلافه وعدم تحقق الملك بها وحملها على عدم اللزوم في غاية البعد. وعليك بالرجوع إلى عباراتهم ليتضح لك حقيقة الحال، وانما تركناها خوفا " من الاطالة. وتبعه على هذا القول غير واحد ممن تأخر عنه وهو العمدة من الاقوال في المسألة بعد الاول منها، بل هما - أي القول بالاباحة المطلقة والقول بالملك المتزلزل قد يدعي تكافؤهما في الشهرة بين متأخري المتأخرين. قيل: ويبعد كل من القولين: أما الأخير فيبعده ان حصول الملك وكون المعاطاة من النواقل له مما يتوقف على جعل أو امضاء من الشارع، وليس عليه دليل، مع ان مقتضى الاصل هو العدم الا دعوى السيرة الممنوع قيامها على أزيد من جواز التصرف الذي هو قدر مشترك بين الملك والاباحة وفيه ما ستعرف من الدليل

[ 64 ]

على الملك وقيام السيرة على ترتب آثاره على المأخوذ بالمعاطاة. ويبعد الاول أيضا مخالفته للقواعد المسلمة التي منها قاعدة تبعيه العقود للقصود، لان الملك المقصود حصوله بالتعاطي غير واقع بالفرض والواقع وهو الاباحة المجردة غير مقصودة إذ الاباحة ان اريد بها الاباحة المترتبة على الملك، فمع كونه خلاف الفرض يدفعه انها معلولة للملك، والمعلول عدم عند عدم العلة، وان اريد بها المقابلة للملك وما هو قسيم له فلم تكن مقصودة بالتعاطي حتى تكون واقعة بناء على ما عرفت من قصد المتعاطيين التمليك بالمعاطاة، ومنها ما هو مسلم عندهم من عدم جواز التصرف في المقبوض بالبيع الفاسد الذي هو بمعنى عدم ترتب الأثر عليه شرعا " بل مطلق المعاملات الفاسدة التي منها المعاطاة لعدم ترتب الاثر المقصود من الملك عليها، وهو الوجه لما ذهب إليه العلامة في (نهايته) من المنع عن التصرف في المعاطاة، ومنها ما هو المعلوم من ان العين المضمونة بالمسمى إذا لم يسلم ضمانها به كانت مضمونة ببدلها الواقعي من المثل أو القيمة، ولذا كان المقبوض بالعقد الفاسد عندهم مضمونا بذلك دون المسمى، وعليه فكيف يكون تلف احدى العينين موجبا " لدخول الاخرى في ملك من هي في يده بل القاعدة تقتضي حينئذ بناء على الاباحة المجردة جواز الرجوع على العين الموجودة لمالكها ويغرم لصاحبه بدل التالف من المثل أو القيمة، وهو خلاف ما هو كالمتفق عليه عندهم من اللزوم وعدم جواز الرجوع بالتلف وما بحكمه هذا كله مضافا إلى استبعادات أخر ذكر لزومها على اهل هذا القول شيخ مشايخنا (كاشف الغطاء) في شرحه على القواعد، تركناها جملة اقتصارا " على ذكر العمدة منها. هذا ويمكن الجواب عن ذلك: إما عن الاول فبان مخالفة المقام لقاعدة تبعية العقود للقصود، وان

[ 65 ]

كانت مخالفة لكلتا الكليتين الايجابية منهما والسلبية، لعدم وقوع المقصود وهو الملك ووقوع غير المقصود، وهو الاباحة المجردة، لكن الايجابية الكلية انما تتم بعد اعتبار العقد وترتب الأثر عليه شرعا "، والا فعدم وقوع المقصود من العقود غير عزيز كالعقود الفاسدة، فالعمدة هي المخالفة للكلية السلبية، إذا العقد انما يتقوم بالقصد ووقوع غير المقصود منه غير معقول، الا أن من المعلوم ان قاعدة التبعية لا تقتضي وقوع غير المقصود، بل هو باق على حكم الاصل فيه، لا أنها تقتضي عدمه بحيث لو فرض ثبوته بدليل كان معارضا " لها ولو بنحو معارضة العموم والخصوص المطلق، بخلافه على الاول - وحينئذ فنقول: الواقع اما أن يكون مباينا " للمقصود أو يكون جزء منه والثاني اما: ان يكون جزء خارجيا " بأن يكون المقصود مركبا " خارجيا " والواقع جزء منه أو يكون جزء ذهنيا من مركب ذهني - وحينئذ - فان كان الواقع مباينا " للمقصود، فلا ينافي ثبوته لو دل الدليل عليه، لما عرفت من عدم المعارضة بينه وبين مفاد القاعدة ومنه ثبوت ضمان بدل التالف بالمثل أو القيمة لعموم " على اليد " عند بطلان المسمى، وليس ذلك نقضا " لعموم القاعدة، ولا تخصيصا " له ونسبة الضمان بذلك إلى العقد عند بطلان المسمى لا يخلو من تسامح، إذ الموجب له انما هو القبض عند العقد دون العقد نفسه، وان كان جزء فان كان خارجيا كان مقصودا " - ولو بالتبع لان قصد الكل متضمن لقصد جميع اجزائه، ولذا صح بيع ما يملك من الدار وما لا يملك صفقة فيما يملك بالاتفاق وان انجبر ضرر التبعض بالخيار، وليس الا لكونه مقصودا " - ولو ضمنا - ضرورة أن بيع الدار ينحل إلى بيع كل جزء جزء منها، فلا نقض من جهته - ايضا " - وان كان ذهنيا كالمعاملة المشروطة بشرط فاسد وبيع الموصوف الشخصي مع انتفاء الوصف، امكن الحكم بالصحة مع انتفاء الشرط أو القيد

[ 66 ]

لو استفيد من الدليل تعدد المطلوب دون الوحدة. ولعل نظر من بنى على الصحة في نحو ذلك إليه وان انجبر ايضا " بالخيار، لكن الشأن في ثبوت الصغرى، وهى كونه من التعدد في المطلوب وعليه، فذات المطلق أو المشروط مقصودة - ايضا " - ولو في ضمن المقيد ومنه يظهر أيضا عدم نقض القاعدة بذلك على القول به. وأما النقض ببيع الغاصب لنفسه بناء على وقوعه للمالك مع اجازته كما عن كثير، فلعله اجنبي عن المرام، وليس نقضا على القاعدة اصلا لان التبعية انما هي بالنسبة إلى الامور الداخلة في قوام العقد التي لا يتقوم بدون قصدها، فقصد كونه لنفسه أو لغيره خارج عن مفاد العقد، وقصد البيع لنفسه أو للمالك لا يضر في الاول، كما لا ينفع في الثاني، فإذا قاعدة (تبعية العقود للقصود) قاعدة مستقيمة سليمة عما أورد عليها من النقوض المتقدمة شيخنا المرتضى في (مكاسبه). إذا عرفت ذلك، فنقول: فيما نحن فيه ان الاباحة المجردة التى هي مفاد المعاطاة عند الاكثر يحتمل ان تكون من القسم الاول، وهو كون الواقع مباينا " للمقصود، غير انه ثبت بالدليل الخاص من قيام السيرة القطعية عليه، ولكن يندفع بمنع قيامها على خصوص الاباحة المجردة - كما عرفت - اولا ولزوم كون الاباحة حينئذ شرعية مع ظهور كلماتهم في كونها مالكية - ثانيا " - وكون الاباحة حاصلة عند المعاطاة لابها مع تصريحهم بان المعاطاة تفيد الاباحة - ثالثا - ويحتمل ان تكون من ثاني قسمي الثاني من باب تعدد المطلوب بتقريب: ان المعاطاة تسليط للغير على ماله قاصدا به الملك، والتسليط المجرد عن الملك مفيد للاباحة بحكم العرف، ولا ينافي قصد التمليك معه إن لم يكن مؤكدا " له، فهو قاصد للتمليك بما هو تسليط من الفعل وليست الاباحة المقصودة هي القسيمة للملك بل المجامعة معه التابعة له

[ 67 ]

المقصودة ضمنا وبالتبع الا انها باقية مع عدم الملك ايضا بناء على التعدد في المطلوب ويشهد لذلك ما ذكره في (المسالك) من قوله: " وانما حصلت الاباحة باستلزام اعطاء كل منهما الآخر سلعته مسلطا " له عليها الاذن في التصرف فيها بوجوه التصرفات " انتهى. ولا كذلك في العقود الفاسدة لعدم التسليط فيها لا بالقول ولا بالفعل أما القول فلان الصيغة فيها لا تدل بمدلولها المطابقي الا على التمليك واباحة التصرف قد يدعي انها من الاحكام الشرعية المترتبة على الملك غير مقصودة للمالك بل هي مترتبة على الملك وان قصد عدمها ولو سلم كونها مقصودة فهي مقيدة بالملكية بنحو الوحدة في المطلوب دون تعدده، فلا تسليط بالقول بوجه اصلا ". وأما الفعل وهو دفع العين إلى صاحبها، فانما هو اداء لمالكها بالعقد ولو بزعمه الفاسد، فلا تسليط فيه على مال الدافع بقصد التمليك للمدفوع له، ضرورة ان الملكية المقصودة المتخيل وقوعها حاصلة بالعقد سابقة على الدفع المقصود به دفع ملك الغير إلى مالكه، لا تسليط للغير على ماله بقصد التمليك له وهذا بخلاف المعاطاة فان الملكية فيها متأخرة عن التسليط بالدفع طبعا وان اقترنت معه في الزمان. توضيح الفرق بين المعاطاة والعقود الفاسدة مع تساويهما في قصد الملك وعدم انشاء مستقل للاباحة: هو ان تبعية الاباحة للتمليك في العقد الفاسد كاد أن ينعكس أمرها في المعاطاة لسبق الملكية المفروضة على الدفع وعدم التسليط به لكونه من اداء المال إلى مالكه في العقد الفاسد وسبق التسليط على الملكية المقصودة بالذات في المعاطاة فالملكية فيها يوشك ان تكون تابعة للتسليط لا متبوعة له كما في العقد الفاسد، وبذلك ينقدح الوجه في تعقل التعدد في المطلوب في المعاطاة وعدم امكانه في العقد الفاسد: هذا اقصى ما يمكن ان يجاب به عن مخالفة قول المشهور لقاعدة التبعية

[ 68 ]

ولكن مع ذلك لا يخلو عن تأمل لما عرفت سابقا " من أن التسليط المقصود به التمليك في المعاطاة لا يبقي مع انتفاء الملك لذهاب الجنس بذهاب فصله، فالاباحة الضمنية للملك منتفية والقسيمة له غير مقصودة - اصلا - وليست الاباحة هنا كالمطلق المقيد بقيد أو المشروط بشرط حتى يمكن فيه فرض تعدد المطلوب، وان هو الا كالعقد الفاسد في وحدة المطلوب وان فرض الفرق بينهما في سبق الملك على الفعل ولحوقه به. اللهم الا ان يتشبث للقول باباحة التصرف بوجه آخر، وهو إحراز الرضا من المالك بالتصرف وان لم يتحقق الملك بشاهد الحال الذي قد يدعي تحققه في خصوص المعاطاة المبنية على التسامح بخلاف العقود المبنية على المداقة من ضبط الالفاظ واجتماع الشروط وفقدان الموانع الكاشفة عن المداقة وعدم التسامح فيها، فاحراز الاذن بالتصرف - حينئذ - مع عدم سلامة المقصود من الملك - مفقود، ويكفي في صحة التصرف إحراز الرضا القلبي من المالك، وان بطل العقد أو المعاطاة في افادة المقصود من الملك. ويشهد لذلك قول العلامة في هبة (التحرير) بعد ان اعتبر الايجاب والقبول فيها ما لفظه: " وهل يستغنى عن الايجاب والقبول في هدية الاطعمة؟ الاقرب عدمه نعم يجوز التصرف عملا بالاذن المستفاد من العادة ". وأما الجواب عن الثاني وما فيه، فيظهر مما ذكرنا في الجواب عن الاول إذ القاعدة الثانية ليست هي بنفسها قاعدة مستقلة بل هي من فروع قاعدة (تبعية العقود للقصود) ضرورة أن الوجه في عدم إفادة العقود الفاسدة للاباحة انما هو عدم كون الاباحة مقصودة الا في ضمن الملكية على وجه التبعية والفرعية فمتى لم يقع الملزوم بمقتضى فساد العقد لا يقع ما كان لازما له متفرعا عليه ايضا، فلا يقتضي العقد جواز التصرف بل يبقي التصرف في مال الغير على حرمته الاصلية. واما المخالفة للقاعدة الثالثة فلا

[ 69 ]

يكاد ينطبق معها قول الاكثر بوجه اصلا اللهم الا بدعوى ان بطلان الضمان بالمسمى من حيث البدلية بين العينين في الملك لا يستلزم بطلان الضمان به من حيث بدلية التسليط بالتسليط بمعنى بدلية السلطنة التي له على ماله بالسلطنة على مال صاحبه وكذا لصاحبه بالعكس، وليست الاباحة المجردة على القول بها اباحة مجانية، بل هي اباحة بعوض اباحة وسلطنة بازاء سلطنة مع صحة البدلية المذكورة، وتماميتها هنا في مقام البدلية، وان لم تتم البدلية بين العينين، ومن المعلوم جواز الرجوع بأحد البدلين وانتزاع السلطنة من صاحبه على ماله موقوف على ارجاع بدله المتعذر عند تلف العين التي هي بمنزلة الموضوع لتلك السلطنة، والتبديل عنه بالسلطنة على المثل أو القيمة تبديل ببدل آخر غير بدله المسمى الذي تمت بدليته. ولعله هو مراد من استدل على اللزوم بالتلف من أهل هذا القول بعدم امكان التراد معه. هذا ولكن الدعوى المذكورة على عهدة مدعيها والمسألة عندي بعد لا تخلو عن اشكال. ومما ذكرنا ظهر مستند قول العلامة في (النهاية) وهو قوي، لولا قيام الاجماع بقسميه على اباحة التصرف، وعدم جواز الرجوع عند التلف ونحوه، وكذا مستند القول بالاباحة إلا فيما يتوقف على الملك كما تقدم عن حواشى الشهيد. ولكن الاقوى من الاقوال المتقدمة، هو القول بافادتها الملك المتزلزل، ويستقر بالتلف وما بحكمه - كما عليه الكركي وجماعة ممن تأخر عنه - بل وهو ظاهر العلامة في (التحرير) حيث قال: " والاقوى عندي ان المعاطاة غير لازمة بل لكل منهما فسخ المعاوضة ما دامت العين باقية لظهور نفي اللزوم في ثبوت الملك مع ظهور التعبير بفسخ المعاوضة فيه ايضا "، ووجهه يتضح بعد بيان مقدمة متكفلة لبيان معنى الملك ومراتب الملكية.

[ 70 ]

فنقول: ان من الاعراض مالا يكون الخارج ظرفا لعروضه بل هو ظرف للاتصاف به وهذا هو المعبر عنه بالاعتبارى ووجوده انما هو بوجود منشأ انتزاعه على نحو ينتزع هذا العرض منه فمن ذلك المالية، فانها قد تدور مدار ما في الشئ من الجهات الذاتية أو من الجهات الخارجية ولو بجعل جاعل بحيث يتعلق به ولو من تلك الجهة أغراض عموم الناس، ويبذلون بازائه الاموال، ولا يعتبر في المنشأ كونه ذاتيا " للشئ وصفة من اوصافه الذاتية كالجواهر والمعادن وأمثال ذلك، بل المدار في تحقق المالية للشئ تعلق أغراض الناس عموما " به والسعي في تحصيله لنيل الاغراض المقصودة منه، ولو كان المنشأ امرا " خارجيا "، ولعل من ذلك ما هو المتعارف في عصرنا من جعل السلاطين الاوراق المطبوعة المعبر عنها بالنوط والاسكناس المعدودة بحكم الاثمان في إجراء المعاملات بها فيما بينهم كالنقود المسكوكة فان لها من حيث هي كذلك مالية متعلقة بها أغراض عموم العقلاء ولو كان ذلك بجعل السلاطين دون جهة في ذاتها ويحتمل قويا ان يكون حكم تلك الاوراق حكم (البروات والسجلات) فانها لا مالية لها بنفسها وانما مطلوبيتها ليست الا لكونها وسيلة إلى تحصيل مال آخر وكم من فرق واضح بين كونها مالا وبين كونها وسيلة إلى تحصيل مال آخر وثمرات مرتبة عليه، ومن ذلك الملكية ايضا وهي ربط خاص بين المالك والمملوك موجب لسلطنته عليه أو نفس السلطنة الحاصلة له عليه، فبين المالية والملكية بحسب المورد عموم وخصوص من وجه، يفترق الاول عن الثاني في الاموال المباحة، والثاني عن الاول في مثل الحبة من الحنطة، فانها لا مالية لها مع بقائها على الملكية. ثم ان للملكية بحسب اختلافها قوة وضعفا " مراتب ثلث، أضعفها ملكية الانتفاع، وأقوى منها ملك المنفعة، وأقوى منهما ملك الرقبة لان

[ 71 ]

السلطنة انما تتعلق بالعين غير انها إن احاطت بجميع جهاتها عبر عنها اصطلاحا بملك الرقبة وملك العين، وان اختصت بجهة من جهاتها مع الاستقلالية فيها من تلك الجهة عبر عنها كذلك بملك المنفعة لاختصاص تعلق السلطنة بها من تلك الجهة الخاصة فالعين المستأجرة مملوكة للمستأجر من حيث تلك المنفعة، وان كانت مملوكة للمؤجر بالملكية التامة، وان كانت لا مع الاستقلالية فيها عبر عنها بملك الانتفاع كحق المارة والصلاة في الاراضي المتسعة مما كانت الاباحة فيه شرعية، فان العين فيها مملوكة للمباح له من جهة الانتفاع الخاص بها، لا ان الانتفاع مملوك في الحقيقة وان وقع التعبير بذلك اصطلاحا "، أو كانت مالكية كالعارية فان العين المستعارة مملوكة للمستعير من جهة المنفعة المباحة له بالملكية الضعيفة التي لا ينافيها كونها مملوكة للمعير بالملكية التامة، وللاستقلالية في السلطنة الخاصة وعدمها افترقت في جواز النقل وعدمه ملكية المنفعة عن ملكية الانتفاع وبذلك دخل وطئ الامة المحللة في ملك اليمين إذ ليس من التزويج قطعا " مع الحصر في قوله تعالى: " الا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم " بل الزوجة ايضا مملوكة للزوج من جهة الانتفاع ببضعها، وان وقع التعبير عنه بملك البضع، الا أن المقصود ملكيتها من جهة الانتفاع بالبضع، فلا تنافي الحرية، وإلا فلا معنى لملكية نفس البضع ويحتمل أن تكون ملكية البضع من قبيل ملكية المنفعة، وان فارقته في بعض الاثار كعدم جواز النقل فاشبهت ملك الانتفاع لان الملكية تدور مدار عنوان الزوجية الحاصلة بالعقد، فالزوجة واسطة العروض يدور مدارها وجودا " وعدما "، بخلاف المستأجر فانه محل للملكية الحاصل بالعقد يمكن فيه النقل والانتقال. هذا ولا ينافي السلطنة القوية البالغة للمرتبة القصوى من الملكية: عدم نفوذها لمانع من اسباب التحجير كالصغر والسفه ونحو ذلك، كما لا ينافي

[ 72 ]

تماميتها في مرحلة الملكية القوية نقصانها من جهة اخرى كالشركة التي معناها ملك كل من الشريكين أو الشركاء كل المال ملكية ناقصة بالنسبة إلى التمام وانبساطها على الكل بحيث لو تم نقصانها من هذه الجهة بالقسمة عبر عنه بأحد الكسور التسعة، كالنصف والثلث، وغير ذلك من غير حدوث ملكية جديدة، وليس النقصان الا من جهة المتعلق وهو الكل والنسبة إليه، ولذا كانت قسمة المشاع عندنا إفراز حق وتمييز حصص كما طفحت بذلك عباراتهم في تعريفها خلافا للعامة حيث ذهبوا إلى أن القسمة معاوضة لانتقال شطر من حصة كل من الشريكين مثلا إلى الآخر بعوض ما انتقل منه إليه، وهذا هو الوجه للتخلص عن الاشكال الوارد على ليست بمعاوضة، لا ما ذكروا له من الوجوه المقررة في محله .


توضيح الاشكال وحله، هو أن قسمة المشاع مطلقا - ولو الغير المشتمل منها على الرد لا تنفك عن تحقق المعاوضة فيها لان بها تختص الحصة باحدهما بعد ان كانت مشاعة بينهما مملوكة لكل منهما بعوض ما انتقل منه إلى شريكه، وهل المعاوضة الا ما كان كذلك مع ان الاصحاب عرفوها بانها تمييز الحصص وافرازها لا معاوضة لهم المشتملة منها على الرد لا تنفك عن المعاوضة بين المردود وعوضه. وقد تصدى بعض للجواب عنه بما يرجع ملخصه إلى أن معنى الشركة في المال بالاشاعة هو أن لكل من الشريكين نصفه مثلا على وجه البدلية فالمملوك لكل منهما النصف الكلي على وجه ينطبق على افراد الانصاف المتصورة له بحسب اختلاف الاجزاء والكيفية، فالصبرة المشاعة بين الاثنين بالسوية مثلا تختلف قسمتها نصفين كيفية بحسب اختلاف اجزائها تبديلا وتتكثر افراد الانصاف بحسب ذلك الاختلاف، فالمملوك لكل منهما كلي النصف المنطبق على كل واحد من تلك الانصاف انطباق الكلي على الفرد =

[ 73 ]

وكيف كان إذا تبين ذلك ظهر لك ان الاباحة المطلقة من جميع وجوه التصرف التي هي مفاد المعاطاة عند الاكثر ترادف الملكية التي تجامع عدم اللزوم وجواز الرجوع من آثار بقاء العلقة للمالك الذي قد يقال هو مقتضى الاصل عند الشك فيه، لا ما قيل: من أن الأصل يقتضى اللزوم في الملك، فتأمل. غير أن من صرح بعدم الملك مع ذلك فمقصوده الملك اللزومي الذي لا يجوز فيه الرجوع دون مطلق الملكية ومن ذلك قولهم عليهم السلام: " ما هو لنا فقد أبحناه لشيعتنا " ولذا صح جميع التصرفات فيه حتى


= فالمقبوض بالقسمة هو مصداق ما كان مملوكا له من الكلي، غير انه تعين بعد ان كان لا على التعيين وهو معنى القسمة المفسرة بتعيين الحصص ايضا وفيه مع ان ذلك ينافي الشركة بالاشاعة إذ الاشاعة في الكل لا بد وان تنتهي اجزائه إلى الجزء اللا يتجزأ بناء على وجوده فذلك الجزء أما أن يكون لهما أو لاحدهما أو لالهما ولا لاحدهما، لا سبيل إلى الاخيرين لمنافاتهما الملكية والشركة في الملكية، فتعين الاول وحينئذ لانصف له حتى يملك النصف منه والنصف الموهوم بناء على عدم وجوده لا تتعلق به الملكية. أن ذلك يستلزم ان يختص كل واحد من النصفين المفروضين لا على التعيين باحدهما دون الآخر وكذا للاخر النصف الاخر كذلك وهو ينافي الاشاعة التي معناها الشركة وعدم الاختصاص في كل ما يفرض جزء. وآخر قد تصدى له بوجه آخر وهو ان الاشاعة من اشاع بمعنى انتشر ومعناه ان الملكية منتشرة في جميع اجزاء المال بحيث لو جزأت الكل فلا بد ان تنتهي اجزائه إلى الجزء اللا يتجزأ بناء على وجوده متعلقة به ملكية واحدة قائمة بالشريكين فلكل منهما نصف الملكية لا ملكية النصف إذ لا نصف له بالفرض حتى يكون مملوكا وليس الكل الا عين تلك الاجزاء مجتمعة ولا فرق في الملكية بين ملكية الكل وملكية الجزء لان التفريق والاجتماع لا يوجبان =

[ 74 ]

المتوقفة على الملك، بل ملك الشيعة لما أباحوه لهم كالجواري المغنومة بالغزو بغير اذن الامام، بناء على الاقوى: من كونها من الانفال، وخمسهم في المغنومة بنحو الغيلة والسرقة كاد أن يكون من الضروريات، وليس الا لليد على ما أباحه المالك اباحة مطلقة كما ستعرف. ومنه ايضا الاباحة المستفادة ولو بالقرائن من إعراض المالك عموما "


= الفرق في معنى الملكية، واما بناء على عدم وجوده فما كان دونه فهو موجود وهمي لا تتعلق به الملكية وقسمته قسمة وهمية وتلك الاجزاء الوهمية يفرض اجتماعها حتى إذا بلغت جوهر الفرد تعلقت به الملكية، وحينئذ فيجري فيه الكلام المتقدم، وعليه فمعنى الشركة هو ملكية واحدة متعلقة بالمال قائمة بالشريكين بمنزلة مالك واحد. وفيه بعد تسليم فرض معنى لنصف الملكية انه لا يجدي ذلك فرقا في تحقق المعاوضة بين نصف الملكية وملكية النصف لتحقق التبديل فيهما معا " اللهم الا ان يرجع ولو بتكلف إلى ما نذكر. فالاحسن في الجواب هو ان يقال ان الملكية في الشركة وان كانت تامة في مرحلة نفسها قوية في مرتبتها لكنها ناقصة من جهة نسبتها إلى تمام المال بحيث لو تمت من هذه الجهة لكانت كسرا " من الكسور، وعليه فكل واحد من الشركاء مالك لتمام المال ملكا ناقصا يعبر عنه بالكسور كالنصف والثلث مثلا، والغرض ان هذا الناقص على تقدير التمامية نصف أو ثلث والقسمة عبارة عن تتميم الملك في جزء خاص فملك رقبة المال مرتبة من السلطنة لا نقص فيها مطلقا والضعف الذي في الشركة ليس في نفس المرتبة وانما هو في تعلقها بتمام المال ولهذا تتم بالقسمة مع ان المالك لم يتغير ولم يحدث بالقسمة سلطنة جديدة والجوهر الفرد غايته لا تتم فيه الملكية من جهة الضعف الحاصل من الشركة لعدم امكان القسمة فيه فافهم واغتنم (منه عفي عنه)

[ 75 ]

أو خصوصا " كنثار العرس فانه يملكه الأخذ باليد بعد إعراض المالك عنه. وحيث انجر الكلام إلى مسألة الاعراض، فلا باس بالتعرض لها ببيان حكمه ولو بنحو الاجمال. فنقول: الاعراض بما هو إعراض حيثما يتحقق ويوجد هل يكون سببا " لخروج المال عن ملك المعرض، وبعبارة أخرى: هل يخرج المعرض عنه بمجرد الاعراض عن ملك المعرض أم لا؟ وعلى الثاني: فهل يملك بالقبض ووضع اليد عليه مع كونه معرضا عنه أم لا؟ وعلى الثاني فهل يجوز للآخذ التصرف فيه مطلقا " ام لا كذلك، أو يفصل بين التصرفات المتوقفة على الملك كالبيع ونحوه وغير المتوقفة عليه؟ احتمالات، بل لعلها اقوال ذهب إلى الاول جماعة منهم الشيخ في محكى المبسوط والقمي في (اجوبة مسائله) بل في (الكفاية) نسبته إلى الاشهر، حيث قال " ولو أطلق الصيد من يده لم يخرج عن ملكه إذا لم ينو قطع ملكه عنه وان نوى ذلك، ففي خروجه عن ملكه قولان: اشهرهما الاول ولعله الاقرب ".. " انتهى كلامه. وذهب غير واحد إلى بقاء الملك وعدم الخروج عنه بمجرد الاعراض بل في (المسالك) نسبه إلى الاكثر حيث قال في مسألة ما لو اطلق الصيد ما لفظه " وان قطع نيته عن ملكه، ففي خروجه عنه وجهان: احدهما وهو الذي اختاره المصنف والاكثر عدمه لانه ملك. وزواله يتوقف على اسباب شرعية، فلا يحصل بمجرد الارادة، والاعراض عن الملك لم يثبت شرعا أنه من الاسباب الناقلة عنه والقول بخروجه بذلك عن ملكه للشيخ في (المبسوط) " وقال ايضا في مسألة غرق السفينة " والاصح ان جواز أخذ ما يتخلف مشروط باعراض مالكه عنه مطلقا "، ومعه يكون اباحة لآخذه ولا يحل أخذه بدون الاعراض مطلقا عملا بالاصل " انتهى.

[ 76 ]

ووجه القول بجواز التصرف، هو ظهور حال المعرض في الرضا به وقيام شاهد الحال عليه، ووجه التفصيل هو توقف تلك التصرفات على الملك المفروض عدمه في المقام، ووجه المنع مطلقا عدم الملك وعدم إحراز الاباحة المتوقفة على انشائها منه، مع منع قيام شاهد الحال عليه على وجه الكلية مع اقتضاء الأصل العدم في الجميع عند الشك فيه. والاظهر عندي عدم الخروج عن الملك بمجرد الاعراض، ولكن يملك بالقبض ووضع اليد عليه بقصد التملك: اما الأول، فلعدم الدليل على خروجه من الملك بمجرد الاعراض إذ الخروج عنه كالدخول فيه متوقف على سبب شرعي، ولم يقم دليل على سببية الاعراض له، مع ان مقتضى الاصل هو البقاء على الملكية، واما الثاني وهو التملك بالقبض فلصيرورة المعرض عنه بالاعراض ورفع اليد عنه بحكم المباح، فيدخل تحت عموم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد " الحديث (1) وقوله عليه السلام: " لليد ما اخذت وللعين ما رأت " (2) خرج عنه الملك الغير المعرض عنه والمزاحم فيه المالك فتأمل، فيبقي الباقي تحت العموم، فاليد سبب للملك ما لم يسبق بيد وملكية مزاحمة، سواء كان المال الموضوعة عليه اليد من المباحات الاصلية اوما هو بحكمها، مضافا " إلى صحيحة عبد الله ابن سنان عن ابي عبد الله عليه


(1) سبق الكلام على هذا الحديث النبوي في الجزء الاول من هذا الكتاب (2) في خبر السكوني: في رجل ابصر طائرا فتبعه حتى سقط على شجرة فجاء رجل آخر فاخذه فقال امير المؤمنين (ع) للعين ما رات واليد ما اخذت (كذا في الجواهر) هذا وفي استفادة سببية اليد لملكية ما اخذته من هذه الفقره من الخبر بنحو الايجاب الكلي وكون ذلك بنحو القاعدة تأمل، فانه مضافا " إلى خروج ما خرج منها يمكن كون الحكم المذكور منه عليه السلام من قبيل الحكم في واقعة خاصة لا عموم فيها، ولعله لذا أمر بالتأمل.

[ 77 ]

السلام قال: " من اصاب مالا أو بعيرا " في فلاة من الارض قد كلت وأقامت وسيبها صاحبها لما لم تتبعه فأخذها غيره فأقام عليها وانفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ولا سبيل له عليها، وانما هي مثل الشئ المباح " وليس المماثلة في الخروج عن الملكية، بل مثله في التملك بالقبض وذكر البعير على جهة المثال سيما مع عطفه على المال. والى رواية الشعيري قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن سفينة انكسرت في البحر وفيها مال فأخرج بعضه بالغوص، وأخرج البحر بعض ما غرق فيها؟ فقال: اما ما اخرجه البحر، فهو لأهله الله أخرجه لهم، واما ما أخرج بالغوص فهو لهم وهم احق به " وقال في (السرائر) بعد ذكر الرواية " قال محمد بن ادريس: وجه الفقه في هذا الحديث: ان ما أخرجه البحر، فهو لأصحابه، وما تركوه آيسين منه، فهو لمن وجده وغاص عليه لانه صار بمنزلة المباح، ومثله من ترك بعيره من جهد من غير كلاء ولا ماء، فهو لمن أخذه، لانه خلاه آيسا " منه ورفع يده عنه فصار مباحا "، وليس هذا قياسا " لأن مذهبنا ترك القياس، وانما هذا على جهة المثال والمرجع فيه إلى الاجماع، وتواتر النصوص، دون القياس والاجتهاد وعلى الخبرين اجماع اصحابنا منعقد. قلت: تنزيل الرواية على تحقق الاعراض عن البعض باليأس - وهو ما اخرج بالغوص وعدمه في البعض الآخر وهو ما اخرجه البحر كما يظهر من عبارة السرائر تفكيك ركبك. وحينئذ تشكل الرواية لأن الاعراض: ان كان متحققا "، فما اخرجه البحر كما اخرج بالغوص يملكه من سبق إليه، وإلا فما اخرج بالغوص ايضا لمالكه، وحملها على إرادة المال للمالك في الصورتين، والتفصيل انما هو في المخرج، والمقابلة بين ما اخرجه الغواص لهم وما اخرجه الله كما احتمله في (الجواهر) ضعيف جدا ". فالاولى عندي بل هو المتعين حمل الرواية على الغالب من حصول الاعراض بالغرق وصيرورة المال بعده بحكم المباح، يملكه من سبق إليه ولذا

[ 78 ]

ما أخرج بالغوص ملكه الغواص، غير ان ما اخرجه البحر لم يحرز بقاء الاعراض مع كونه ملقى في الساحل، بل الظاهر رجوعه عنه، فلا يملكه من سبق إليه لخروجه عن حكم المباح عند وضع اليد عليه، وهو شرط في التملك باليد ويكفي في التوقف الشك فيه بعد منع جريان الاستصحاب في المقام (1) ويؤيد ما ذكرنا من التملك باليد رواية علي بن ميمون الصايغ، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يكنس من التراب، فأبيعه، فما اصنع به؟ قال: " تصدق به، فاما لك أو لاهله " الخبر. ومثله خبره الآخر: " سألته عن تراب الصواغين وإنا نبيعه؟ قال: أما تستطيع ان تستحله من صاحبه؟ قال قلت لا إذا اخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت: فبأى شئ نبيعه؟ قال بطعام، قلت فأى شئ نصنع به؟ قال تصدق به: إما لك أو لاهله " بناء على ارادة (اما) هو لك بالاعراض فالصدقة بملكك أو لصاحبه، فالصدقة بملكه والامر بالصدقة أخذ باطراف الاحتياط، وتضمن الأخير لما لا يقول به أحد: من تسويغ خوف التهمة للتصدق بمعلوم المالك لا يضر في الاستدلال بفقرته الاخرى: واما على ارادة: لك ثواب الصدقة لو ظهر المالك ولم يرض بها، أو هو له لو رضى بها كما هو أحد الاحتمالين فيهما بل لعله الظاهر منهما - فهي أجنبية عن مسألة الاعراض، وضعف سند خبر الشعيري، منجبر بما تقدم من كلام الحلي (في السرائر). وكيف كان، فالأظهر هو التملك باليد مطلقا " سواء كان الاعراض اختياريا " أو قهريا. كما في صورة اليأس، وفي المحقرات وغيرها، والقول به في خصوص الاعراض القهري أو في المحقرات بالخصوص. تفصيل من


(1) فان موضوع تملك ذي اليد لمال الغير كونه معرضا عنه ومباحا " من مالكه عند وضع اليد عليه واستصحاب بقاء الاعراض منه وعدم رجوعه عنه لا يثبت به موضوع التملك.

[ 79 ]

غير دليل. ولعل نظر من اقتصر في الحكم على الأخير إلى دعوى عدم الدليل على تملك المعرض عنه الا السيرة الممنوع قيامها إلا في المحقرات كجلات الانعام والسنابل المتخلفة من الزرع وحطب المسافر ونحو ذلك من المحقرات التي يعاملون مع ملتقطها معاملة المالك من البيع والشراء. وفيه ما عرفت من قيام الدليل عليه من النصوص المعتضدة بدعوى الاجماع المتقدم من السرائر عليه نعم، يتحقق الاعراض فيهما - غالبا " - فاليأس أو الحقارة محقق لموضوع الاعراض غالبا لا شرط في حكمه فافهم. هذا ولو نوى المعرض الرجوع عن اعراضه فاما أن يكون ذلك قبل قبض الغير له أو بعده، وعلى التقديرين، فأما أن نقول بخروجه عن ملك المعرض بالاعراض اولا، وعليه فاما أن نقول بتملك الغير بالقبض اولا وان جاز التصرف فيه، فان نواه قبل القبض وقلنا بالخروج لم يرجع إلى ملكه بالنية، لأن الدخول فيه متوقف على سبب كالقبض مفقود في المقام بالفرض، فلو تسابق المعرض وغيره على قبضه فهو لمن سبق إليه بالقبض بلا اشكال، كما لا اشكال في جواز الرجوع عليه مع بقاء العين وان قبضه الاخر بناء على بقائه في ملكه وعدم تملك الغير له بالقبض. وأما بناء على التملك به فان كان الرجوع قبله، فلا اشكال ايضا في عدم تملك القابض له لان المدار في التملك بالقبض على كون المال بحكم المباح عند القبض ووضع اليد عليه حتى يكون المحل قابلا لتاثير اليد فيه بالملكية، ولعله تشعر به بل ترشد إليه رواية الشعيري المتقدمة الحاكمة بان ما أخرجه البحر فهو لاصحابه، بناء على ما ذكرنا من رجوع المعرض عن الاعراض حينئذ بحكم العادة. وأما لو نوى الرجوع بعد قبض الغير له بناء على التملك به، ففي جواز الرجوع على العين مع بقائها وعدمه وجهان: قد يقال: انهما مبنيان

[ 80 ]

على أن الاصل في الملك هل هو اللزوم أو الجواز (1) ذهب إلى الاول جماعة، منهم (شيخنا المرتضى) في مكاسبه ونظره مضافا إلى كفاية استصحاب الكلي بالنسبة إلى الاثار المترتبة عليه لو سلم كون الاختلاف باللزوم والجواز من الاختلاف في ماهية الملك، وحقيقته أن جواز الرجوع وعدمه باعتبار حكم الشارع له بذلك ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملك لا اختلاف حقيقة الملك.


(1) توضيح ذلك: أن المختار لجماعة من الاصحاب، - ومنهم شيخنا الانصاري - كون الأصل العملي في الملك اللزوم، وذهب سيدنا المصنف - قدس سره - إلى أن الاصل فيه الجواز حتى يقوم دليل على اللزوم. ومنشأ الخلاف: هو أن اللزوم والجواز منوعان للملك، فالملكية اللازمة حقيقة، والجائزة حقيقة أخرى. أو ان الملك حقيقة واحدة، واللزوم والجواز حكمان يعرضان لسببه، فالبيع المجعول فيه الخيار بالأصل = أو بالشرط جائز جوازا " حقيا " بمعنى ان الشارع المقدس بدليل الخيار أو دليل الشرط جعل أمر العقد إقرارا " وفسخا " بيد العاقد مثلا، وحقا " من حقوقه، انشاء اقره وان شاء فسخه، والهبة المجانية لغير ذي الرحم جائزة جوازا " حكم يا " لحكم الشارع بجواز الرجوع فيها، بخلاف الهبة لذي الرحم أو المشروط فيها العوض، فانها لازمة لا يجوز الرجوع فيها، فاللزوم والجواز حكمان شرعيان مجعولان لسبب الملك، فإذا تحقق وشك في زواله للشك في أن سببه المقتضى له مما يجوز فسخه والرجوع فيه، فمقتضى الاستصحاب وابقاء ما كان على ما كان هو الحكم ببقاء ما تحقق من الملك وعدم تأثير رجوع مالكه السابق المنتقل منه الملك حتى يعلم ان سببه مما يجوز فسخه والرجوع به. وبالجملة، فالمدعي ان الملكية العرفية والجدة الاعتبارية لها حقيقة =

[ 81 ]

وانت خبير بان دعوى اصالة اللزوم في الملك بمعنى استصحابه للشك في زواله بمجرد رجوع مالكه الأصلي لا تتم بناء على اختلاف حقيقة الملك


= واحدة، وهي إضافة خاصة وعلقة تامة بين المالك والمملوك حاصلة بأحد اسبابها الشرعية، وهذه الاضافة إذا انتقلت من شخص إلى آخر بأحد اسباب النقل تنقطع بكلها عن الاول وتثبت للثاني. فما يذكره سيدنا - رحمه الله - فيما سيأتي من كلامه في تقريب ما يختاره من اصالة الجواز وعدم اللزوم من قوله: " بل الاصل يقتضي بقاء العلقة للمالك الأصلي، وان انتقل المك عنه " إن اراد بها العلقة المالكية كما يظهر من جعل استصحابها حاكما على استصحاب الملك للمالك الثاني، فهو غير واضح، فان منشأ اتصاف الملك باللزوم أو الجواز هو حكم الشارع على بعض اسبابه بجواز الرجوع به جوازا " حكميا " أو حقيا ": وعليه فلو ثبت الجواز الحكمي أو الحقي بمعنى الخيار، فدليله يكون حاكما على إصالة اللزوم أي استصحاب الملك عند الشك في زواله وارتفاعه كما أن دليل الخيار مخصص لعموم " اوفوا بالعقود ". وأما مع الشك في الجواز، فمقتضى الاصل في الملك اللزوم، سواء كانت الشبهة حكمية أم موضوعية. والحاصل، إن مناقشة سيدنا المصنف إصالة اللزوم في الملك مرجعها أحد امرين: اما كون الملك اللازم مبائنا " للجائز حقيقة وانهما حقيقتان فإذا كانا كذلك لا وجه لجريان استصحاب الملك بعد رجوع المالك الأصلي به، فانه يدور المستصحب بين كونه مقطوع الارتفاع ان كان الملك هو الجائز، وبين كونه مشكوك الحدوث ان كان هو اللازم. وفي مثله لا يجري الاستصحاب. =

[ 82 ]

بحسب اللزوم والجواز، مع منع جريان الاستصحاب في القدر المشترك بينهما فثبوت الاصل يتوقف على أحد أمرين: اما ثبوت الوحدة في ماهية الملك أو جريان الاستصحاب في الكلي لو فرض تعددها. مع ان كلا منهما في حيز المنع:


= والمناقشة الثانية: هي انه لو فرض جريان استصحاب الملك في نفسه لكن استصحاب بقاء علقة المالك الاصلي الذي هو استصحاب سببي يحكم عليه. هذا ولكن الظاهر عدم تمامية المناقشتين: أما الاولى فلما ذكرنا من ان اللزوم والجواز ليسا منوعين للملك بل هما حكمان شرعيان يعرضان لسبب الملك. وعليه فلو شككنا في سبب من اسباب الملك. أنه محكوم شرعا باللزوم أو الجواز لشبهة حكميه أو موضوعية، يكون الشك المذكور منشأ للشك في بقاء الملك للمالك الثاني أو ارتفاعه بعد رجوع المالك الاول فيستصحب الملك ويحكم ببقائه للثاني، والشاهد على كون اللزوم والجواز من أحكام السبب لا من خصوصيات المسبب، هو أن تخصص الملك باحدى الخصوصيتين: ان كان المدار فيه انشاء المنشئ بحيث إذا قصد بانشائه الملك كونه لازما يكون لازما " ولو قصد كونه جائزا "، يكون جائزا "، فهما تابعان لقصد المنشئ وعليه فلو قصد في الهبة لذي الرحم أو المعوضة الجواز تكون جائزة، وفي الهبة المجانية لغير ذي الرحم لو قصد لزومها تكون لازمة، فهو واضح البطلان وان كان التخصص بأحدى الخصوصيتين بجعل من الشارع بان قيد المنشأ في كل مورد باحدى الخصوصيتين كأن أخذ اللزوم في الهبة لذي الرحم مثلا قيدا " في الملك، والجواز في الهبة لغير ذي الرحم قيدا " له، وعليه فلا بد للمنشئ ان يقصد المنشأ بتلك الخصوصية حيث أنها حينئذ من القيود المقومة للمنشأ لا بد من قصدها عند الانشاء، فلو اهملها وقصد الملك المطلق =

[ 83 ]

أما الأول فقد يقال: ان اسباب الملك مختلفة بحسب الماهية والحقيقة واختلاف ماهية السبب موجب لاختلاف ماهية المسبب أما الصغرى فوجدانية لما نرى من اختلاف سبب الملك اللازم والملك الجائز كالبيع والهبة بحسب الماهية والحقيقة، وأما الكبرى فلانه يستحيل ان تكون ماهية واحدة مسببة عن ماهيتين مختلفتين إلا ان يكون بينهما قدر جامع يكون هو السبب لما هو المعلوم من اعتبار الارتباط والسنخية بين العلة والمعلول فالملكية اللازمة


= ولم يقيده باللازم أو الجائز، فمقتضاه بطلان انشائه إذ لم يكن قاصدا إحدى الحقيقتين والخصوصيتين، ولا يمكن الالتزام بذلك، فان الوجدان أصدق شاهد على ان المنشئ في التمليكات معاوضية كانت أو مجانية لازمة كانت أو جائزة، حكميا كان الجواز أو حقيا لا يقصد سوى التمليك المعاوضي أو المجاني على اختلاف فيها ولا يقصد لزوما ولا جوازا. كما ان المناقشة الثانية لاصالة اللزوم في الملك وهي كون استصحاب بقاء الملك بعد رجوع مالكه الأصلي محكوما باستصحاب بقاء العلقة للمالك الاصلي لان الشك في بقاء الملك للمالك الثاني بعد رجوع المالك الاول مسبب عن الشك في بقاء علقة المالك الاول فيما انتقل منه إليه، فمقتضى استصحاب بقاء علقته زوال ملكية الثاني بعد رجوع الاول لكون الاستصحاب السببي حاكما على الاستصحاب المسببي. مدفوعة بما ذكرناه سابقا: من ان العلقة المالكية للمالك الاول والاضافة التي كانت له بالنسبة إلى ما انتقل منه قد انقطعت بالانتقال إلى الثاني، وعلقة أخرى حكمية ام حقية مرجعها جواز رجوعه بما انتقل منه، واعادته إلى ملكه على فرض وجودها فانما تحدث بعد الانتقال وانقطاع الأولى، إذ لا معنى لوجودها حين وجود الاولى كما لا يخفى وهي مشكوكة الحدوث، والأصل عدمها، فلا حاكم على اصالة اللزوم.

[ 84 ]

والجائزة مختلفتان نوعا أو صنفا بسبب اختلاف اسبابهما كذلك، ولا يجدي التعدد الفردي في رفع الاستحالة المذكورة، لان الخصوصيات الفردية غير مأخوذة في حقيقة المسبب بعد ان كان السبب سببا للطبيعة الكلية، فالملكية الحاصلة من البيع مثلا طبيعة واحدة، وان تعددت افرادها بحسب تعدد أفراد البيع. وكذا الملكية الحاصلة من الهبة طبيعة واحدة، وان تعددت افرادها بحسب تعدد افراد الهبة، فليس تعددها الا تعددا بحسب الافراد، بخلاف الطبيعتين المزبورتين المختلفتين بحسب النوع أو الصنف دون الفردية نعم قد يجدي تعدد المسبب فردا في الاحكام التكليفية كما في وجوب سجدتي السهو للكلام والسلام وغيرهما من اسباب وجوبهما، فانها تتعدد بتعدد اسبابها الموجبة لها مع كونها في الجميع ماهية واحدة. ودعوى وجود القدر الجامع بين الاسباب المختلفة وهو السبب في تحقق المسبب فمع أنها ممنوعة بل الاصل عدمه، لا بد من احرازه حتى يحكم باتحاد المسبب ليجري الاستصحاب فيه عند الشك في بقائه نعم إذا علم اتحاد طبيعة المسبب من الخارج كشف ذلك عن وجود الجامع بين اسبابه المختلفة كالملك المسبب عن البيع والصلح ونحوهما أو يقال بتقريب آخر، وهو ان اللزوم والجواز من آثار الملك أو من أحكامه ضرورة انقسام الملك شرعا إلى الجائز واللازم واختلاف الاثر أو الحكم كاشف عن اختلاف المؤثر أو الموضوع، والفرق بين التقريبين: ان اللزوم والجواز بانفسهما من المشخصات النوعية بمعنى ان اختلاف الملك نوعا أو صنفا بنفس اللزوم والجواز على الاول، وكاشف عن وجود ما به يختلفان نوعا بحسب الواقع من غير جهة اللزوم والجواز على الثاني، ضرورة أن اثر الشئ أو حكمه لا يوجب تمييزه نوعا إلا بحسب الاعتبار والانتزاع اللهم إلا ان يدفع الاخير بمنع كونهما من أثر الملك أو حكمه وان اتصف بهما مسامحة، بل هما - أي

[ 85 ]

اللزوم والجواز - اثر العقد الذي هو سبب الملك أو حكمه فيرجع حينئذ إلى التقريب الاول. هذا مع امكان ان يقال: ان اختلاف الملك باللزوم والجواز من الاختلاف في مرتبة الملكية شدة وضعفا، فللملكية مرتبتان اضعفهما الملكية الجائزة واقواهما الملكية اللازمة. واما الثاني اعني استصحاب الكلي، فقد يقال بالمنع منه مطلقا من غير فرق بين ما كان الشك فيه في المقتضى كالحيوان المردد بين ما كان يعيش سنة مثلا ومالا يعيش الا يوما، أو كان الشك في قدح العارض مع اقتضائه البقاء لولاه كالحدث المردد بين ما لا يزول الا بالغسل وما يزول بالوضوء إذا توضأ بعده، والمقام من قبيل الثاني، إذ الملكية مقتضاها البقاء ووجه المنع عنه مطلقا: انه لا بد في الاستصحاب من يقين سابق وشك لاحق موجودين عند جريانه، وليس في المقام، إذ الكلي مردد بين فردين احدهما معلوم البقاء على تقدير حدوثه، والآخر مع كونه مشكوك الحدوث معلوم الزوال على تقديره، والمفروض عدم وجود الكلي في ضمن فرد ثالث إلا ان الانصاف ان الكلي من حيث هو كلي ومشترك متيقن الحدوث مشكوك البقاء ولو من جهة الترديد بين الفردين، فلا مانع من استصحابه وترتب آثاره الشرعية عليه وان كان لا يثبت به خصوص أحد الفردين لانه من الاصل المثبت ففي ما نحن فيه بعد الرجوع يستصحب كلي الملك الذي أثره جواز تصرف من انتقل إليه، ضرورة أن جواز التصرف من آثار مطلق الملك الاعم من الجائز واللازم كما يستصحب كلي الحدث المردد بين الاصغر والاكبر بعد الوضوء ويترتب عليه المنع عن الدخول في الصلوة ومس كتابة القرآن ولا يحرم عليه الاجتياز في المسجدين واللبث في المساجد لانهما من آثار الحدث الاكبر لا مطلق الحدث. هذا اقصى ما يمكن ان يقال أو قيل في اقتضاء الاصل في الملك اللزوم

[ 86 ]

ولكن مع ذلك لا يبعد ان يكون الاقوى هو العدم بل الاصل يقتضي بقاء العلقة للمالك الاصلي وان انتقل الملك عنه إذ لا ملازمة بين زوال الملك وزوال علقة المالك بالكلية، بل قد تبقى بعده كما هو في الملك الجائز. توضيح ذلك: ان من الاسباب المملكة ما يوجب قطع سلطنة المالك بالكلية بحيث يكون كالاجنبي بعد ايجاده السبب، ومنها مالا يوجب قطعها بالكلية بل يكون زمام المال وناصية الملك بيد المالك كالعقود الجائزة، فإذا شك في تأثير السبب، فالاصل يقتضي بقاء العلقة ولذا كان جواز الرجوع من الاحكام لا من الحقوق لانه من أثار السلطنة السابقة لا احداث سلطنة جديده للمالك، ولا يعارضه استصحاب الملك لو سلم جريانه في المقام لان الشك فيه مسبب عن الشك في بقاء العلقة والاصل في السبب حاكم على الاصل في المسبب وعليه فالاقوى هو جواز الرجوع بالاصل إلا انه مع ذلك ينبغي الخروج عن حكم الاصل في مسألة الاعراض بحكم صحيحة ابن سنان المتقدمة النافية للسبيل عليها وقد تقدم دعوى الحلي في (السرائر) الاجماع على مضمونه نعم اصالة عدم اللزوم وبقاء العلقة للمالك الاصلى يوافقها الدليل في المعاطاة بعد ما عرفت من الاجماع البسيط أو المركب على عدم اللزوم وخلافا لما هو المنسوب إلى المفيد كما تقدم فالاصل يخرج عنه بالدليل في مسألة الاعراض ويؤكده الدليل في مسألة المعاطاة. هذا ولتذيل المسألة بفرع، وهو: لو نبتت السنابل المعرض عنها في المزرعة حتى صارت زرعا فلا يخلو اما ان يكون الحب مختصا بغير صاحب الارض أو مشتركا بينه وبين غيره وعلى التقديرين: فاما ان يكون بسقي من السماء، أو بسقي من صاحب الارض وعلى التقادير فاما أن نقول بخروجه عن الملك بالاعراض أو ببقائه فيه مع تملكه باليد أو اباحته له.

[ 87 ]

فعلى القول بالخروج عن الملك بمجرد الاعراض بملكه صاحب الارض لانه مباح نما في ارضه فهو نماء ملكه. وعلى القول بالعدم مع بقائه على الاباحة مطلقا فهو لمالك البذر وعليه أجرة الارض لصاحبها كلا ان كان مختصا بغيره وبالنسبة ان كان مشتركا بينهما. وعلى القول بالتملك بالاستيلاء فلمالك اللارض، ان كان بسقي منه مع قصده الملكية، وان لم يكن بقصده أو كان بسقي من السماء، فالاقوى العدم والبقاء على ما كان عليه، لعدم وجود سبب الملك من اليد ونية التملك إذ ليس مجرد الكون - بل النمو في الملك - مملكا، ولذا لا يملك الصيد المباح بمجرد التوحل في ارضه إلا أن يوحل الارض للتوحل فيه، فيكون كشبكة الصياد يملك بالاصطياد. هذا تمام الكلام في مسالة الاعراض قد تعرضنا لها استطرادا، فلنرجع إلى اصل المسألة من ترجيح القول بافادة المعاطاة الملك. فنقول يدل عليه أمور: الاول ان المعاطاة بيع لغة وعرفا ولم تثبت له حقيقة شرعية لا بالوضع التعييني ولا التعيني حتى يحمل عليه في كلام الشارع، وكل بيع محكوم عليه بالصحة الا ما خرج بالدليل، لعموم قوله تعالى: " أحل الله البيع وحرم الربوا " بناء على ظهور تعلق الحل بنفس البيع الذي هو في معنى الحمل عليه في ارادة الحكم الوضعي لا مجرد الحكم التكليفي، فتكون الصحة مدلولا عليها بالمطابقة عرفا أو بارادة حلية التصرف، نحو قوله تعالى: " حرمت عليكم امهاتكم " أي وطؤهن. وحلية جميع التصرفات مستلزمة لصحة البيع، فتكون الصحة مدلولا عليها بالالتزام وعلى التقديرين، فمعنى صحة البيع هو حصول النقل والملك المترتب عليه جواز التصرف فيه.

[ 88 ]

وبالجملة فالدليل مركب من صغرى وجدانية، وكبرى برهانية وهي عموم الآية. هذا وقد يناقش فيه يمنع صغرى الدليل اولا وكبراه ثانيا. اما الاول، فقد يمنع كون المعاطاة بيعا لان البيع بحسب ما تقتضيه تعاريفهم من كونه: هو عقد يدل على الايجاب والقبول أو هو اللفظ الدال عليه ونحو ذلك أو انه النقل أو التمليك أو المبادلة وأمثال ذلك يدور أمره بين كونه اما اسم اللفظ أو اسم المعنى وهو المعنى النفسي القائم بالنفس المعبر عنه بالكلام النفسي المفسر بمدلول الكلام اللفظي وعلى التقديرين فلا تكون المعاطاة بيعا: اما على الاول فواضح، وأما على الثاني فلان الانشاء النفسي الذي هو المعنى القائم بنفس المنشا هو مدلول الانشاء اللفظي من الامر أو النهي الذي هو عبارة عن الطلب الخاص وهو الطلب بالقول أو القول الدال على الطلب الكاشف عن الارادة نعم ربما يلحق بالقول مطلق ما يكشف عن الارادة حكما لا موضوعا كالكتابة والاشارة من الافعال الدالة عليها في وجوب الامتثال وترتب الثواب والعقاب على الموافقة والمخالفة الا انه ليس بأمر ولا نهي حقيقة وموضوعا بل ملحق بهما حكما في ترتب الاحكام المذكورة عليه ومثل الانشاء موضوعا وحكما الاخبار ايضا وبالجملة فالانشاء وقسيمه من الاخبار قسمان من الكلام ولا يتقوم شئ منهما بدون اللفظ، فإذا جعل معنى البيع هو الانشاء النفسي فلا مناص عن القول بتوقف صدق عنوانه على وجود اللفظ المفقود في المعاطاة. والجواب عنه اولا بمنع كون الكلام النفسي والمعنى القلبي لا بد وأن يكون اللفظ كاشفا عنه ومظهرا له، ولو سلم فهو محض اصطلاح لا مشاحة فيه، بل يكفي في المظهر له مطلق ما يدل عليه لفظا كان أو فعلا - كيف وهو في مرتبة التحقق والحصول مقدم على تحقق الكاشف وحصوله

[ 89 ]

فالمتحقق في الانشاء الفعلى فعلان: أحدهما - فعل النفس والاخر - فعل الجوارح، فالاول هو الانشاء النفسي، والثاني هو الانشاء الفعلي وحصر الكلام في الخبر والانشاء لا يدل على حصرهما في الكلام وهذا المعنى متحقق في المعاطاة كما هو متحقق في العقود القولية. وثانيا بمنع كون البيع اسما لذلك المعنى وانما هو من العناوين الثانوية المنتزعة من العناوين الاولية، وليس هو الا كسائر الافعال الاختيارية الصادرة من الفاعل المختار بسبب دواعيها والاغراض الموجبة لها المترتبة عليها، غير ان بعضها لم يكن المقصود منها إلا ذوات تلك الافعال من حيث هي لاغراض خاصة، وبعضها لم يكن المقصود منها الا عناوينها الثانوية كالقيام للتعظيم والضرب للتأديب والشتم للايذاء ونحو ذلك من الافعال التي لم يكن الغرض منها إلا كونها آلة ومحققة لما يترتب عليها من العناوين الثانوية، وليس البيع إلا من هذا القبيل، وما ذكرنا من الوجه الاول انما هو مع التنزل والمماشاة، والا فهو غير مرضي عندنا من اصله خلافا للاشاعرة. نعم انما التأمل في كون البيع اسما لنفس السبب الذي هو العنوان الاولى من حيث ما يترتب عليه من العنوان الثانوي على وجه يكون التقييد داخلا والقيد خارجا، أو هو اسم لنفس العنوان الثانوي المنتزع دون منشأ الانتزاع كما يظهر من تعريفه بالنقل، والاظهر هو الاول لظهور كون النقل أثر البيع دون حقيقته، وعلى تقدير كونه اسما للعنوان الثانوي كما يظهر من تعريف من عرفه بالنقل أو الانتقال فلا يخلو من تسامح: اما الثاني فلان الانتقال من عوارض المبيع لا نفس البيع واما الاول فقد يمنع اطراد حصوله في موارد البيع كلها، فان منها ما لا يتحقق النقل فيه (1)


(1) يمكن ان يقال: إن البيع كيف ما كانت حقيقته لا يخلو مورد =

[ 90 ]

كبيع الدين على من هو عليه بناء على جوازه، بل يستحيل ذلك فيه وشراء العبد تحت الشدة من الزكوة المفروض كونه مصرفا لها في الآية كغيره من السهام والشراء بغلة الوقف للعين الموقوفة، فانه لا ينتقل إلى المشتري بل يكون وقفا لان بدل الوقف وقف كما أن بدل الملك ملك، وشراء


= من موارده عن نقل وانتقال، وما ذكره سيدنا قدس سره من الامثلة مطرد فيها ذلك: أما بيع الدين فلا استحالة لنقله إلى من هو عليه، فان ما للدائن على المديون ليس هو الكلي المتخصص بخصوصية كونه على المديون، وبما هو في ذمته للدائن، فانه بالنحو المذكور من التقييد يستحيل استيفاؤه من المديون حيث لا يمكن تطبيقه على الخارج ليتحقق استيفاؤه منه، بل ما يملكه الدائن على المديون منا من الحنطة مثلا كليا، وعليه فتكون ذمة المديون مشغولة به وظرفا له، فيمكن للدائن أن ينقل إلى المديون منا من الحنطة كليا ايضا بالبيع منه، فتشتغل ذمته للمديون بما اشتراه منه من المن الكلي، فتكون ذمة كل منهما مشغولة لصاحبه بمثل ما في ذمة الآخر له من الكلي. وفي مقام التطبيق يطبق البائع ما يستحقه المديون من الكلي الذي اشتراه منه على ماله عليه من الكلي، فتبرأ ذمة كل منهما مما لصاحبه عليه من المن الكلي، فيكون على هذا حقيقة بيع الدين على من هو عليه نقل كلي من المال إلى من عليه للناقل كلي مثله. وليس معناه نقل خصوص المال الذي هو في ذمة المديون بما هو في ذمته للدائن إلى المديون حتى يستحيل ذلك، فانه التزام بلا إلزام، نعم اتصاف ما نقله الدائن إلى المديون بالبيع منه بكونه دينا للمديون على الدائن بنفس البيع، بخلاف ما للمديون عليه، فان الاتصاف بكونه دينا للدائن عى المديون سابق على ذلك، ولا ضير فيه بعد ما كان المبيع دينا لا عينا خارجية. ولا ملزم في =

[ 91 ]

احد العمودين بناء على سببيته للانعتاق قهرا من دون تحقق الملك اصلا كما يدل عليه بعض الاخبار، وان دل بعضها الآخر عليه كونه " إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو عمته عتقوا " وقوله: " إذا ملكهن عتقن "


= صدق بيع الدين ان يكون اتصافه بكونه دينا قبل بيعه، بل يكفي صدق الدين عليه بنفس البيع في قبال العين الخارجية. والحاصل: إن ما اشتغلت به ذمة المديون للدائن من المال الكلي تارة يلحظ بما هو على المديون وفي ذمته للدائن، وهو بهذا اللحاظ غير قابل الا للاسقاط عن المديون ولا يقبل للنقل والبيع إلى غير من هو عليه، فضلا عمن هو عليه، بل لا يمكن استيفاؤه من المديون، فانه بهذا التقييد لا يمكن تطبيقه على ما في الخارج ليمكن تسليمه لمن اشتراه وأداؤه لمن هو له. واخرى يلحظ بما هو كلي مجرد عن التقييد بكونه في ذمة المديون وهو بهذا اللحاظ كما يصلح لنقله وبيعه إلى غير من هو عليه بلا اشكال وتطبيقه على ماله في ذمة المديون من الكلي واحالة المشتري عليه فكذا لا ينبغي الاشكال في صلاحية نقله إلى المديون وتطبيقه على ماله من الكلي في ذمته، فتبرأ ذمة المديون مما للدائن عليه من الكلي. وأما شراء العبد تحت الشدة من الزكوة، فتحقيق ذلك يتوقف على بيان المدرك في الحكم المذكور، وهو ما رواه الكليني قدس سره في (الكافي): عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن عمرو عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: " سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكوة الخمسمائة والستمائة يشترى بها نسمة ويعتقها؟ فقال عليه السلام: إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم ثم مكث مليا ثم قال: إلا ان يكون عبدا مسلما في ضرورة، فيشتريه ويعتقه " وهذه الرواية رواها الشيخ في (التهذيب) عن الكافي عن عمرو ابن ابي نصر عن ابي عبد الله عليه السلام =

[ 92 ]

المنزل دلك على الشراء وان عبر بالملك تسامحا على الاقوى في تلك المسألة بناء على عدم شمول " لا عتق إلا في ملك " للانعتاق أو ارادة عدم تحققه إلا في المملوك ويتلوه في القوة ترتب الانعتاق على الملك وتقدمه عليه طبعا لا بالزمان، بدعوى سببية الشراء للملك والانعتاق معا، غير أن


= وعلى كل يقول الامام عليه السلام فيها: الا ان يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه. وظاهرها: ان عتق العبد المشترى بالزكوة إنما يكون بعد اشترائه من مالكه فهو قبل ان يعتق ملك لا بد له من مالك، فاما ان يكون مالكه من عليه الزكوة باعتبار أن ثمنه الذي ابتيع به خرج من ملكه إلى ملك بايعه، ومقتضى المعاوضة والمبادلة دخول المعوض في ملك من خرج العوض من ملكه، وعليه فينتقل العبد إلى ملك من عليه الزكوة، ويكون أداؤها بعتقه، واما ان يكون مالكه بعد الاشتراء وقبل العتق مستحق للزكوة واربابها بناء على أن ما اشتري به العبد هو من زكوة ماله خصوصا إذا كان قد عزله عن بقية أمواله أو من زكوة غيره دفعه إليه من وجبت عليه ليصرفها في سبلها وعلى كل فالمال المشترى به العبد ملك المستحق للزكوة غاية الامر، لم يكن من قبيل ملك شخص أو اشخاص معينين، بل هو نحو خاص من الملك يعبر عنه بملك الجهة، ومرجعه لزوم الصرف فيها، فهو مضاف إليها وهي المالكة له، فإذا اشتري به العبد تحت الشدة والضرورة ليعتق فمقتضى المبادلة بين المالين كون العبد بعد الاشتراء ملكا لمن ملك بدله وهو المستحق للزكاة فيعتق عنهم، وقد كان قبل الشراء ملك سيده. وهل النقل الا تحويل الملك من مالك إلى آخر ومما يشهد لكون العبد بعد الشراء ملك أرباب الزكوة: ما عن الكليني والشيخ قدس سرهما في الموثق: عن عبيد بن زرارة قال: " سألت أبا عبد الله عن رجل أخرج زكوة ماله الف درهم فلم يجد موضعا يدفع =

[ 93 ]

الاول مقدم على الثاني بالذات لا بالزمان، أو ضعف منه القول بدخوله في الملك آناما، ثم ينعتق، جمعا بين ما دل من الاخبار على الملك وقاعدة " لا عتق إلا في ملك " وبين ما دل على الانعتاق قهرا وتربة على نفس الشراء بارادة المستقر من الثاني وغيره من الاول.


= ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع فيمن يريده، فاشتراه بتلك الالف درهم التي أخرجها من زكوته فاعتقه، يجوز ذلك؟ قال عليه السلام: نعم لا بأس بذلك، قلت: فانه لما أعتق وصار حرا اتجر واحترف فأصاب مالا ثم مات وليس له وارث، فمن يرثه إذا لم يكن له وارث؟ فقال عليه السلام يرثه الفقراء المؤمنون لانه انما اشتري بمالهم. " فانه عليه السلام نزل العبد المشترى من الزكوة المعتق بمنزلة العبد المعتق من مالكه في كون ولائه له. ثم ان نية الزكوة من مشتري العبد بها هل هي عند دفع الثمن إلى البايع لانه وقت صرف الزكوة في عتق العبد كما اختاره الفقيه الهمداني (قده) في مصباحه أو أنها مقارنة للعتق - كما عن الشهيد (قده) في المسالك - وقواه الشيخ في (الجواهر) قال (قده): " لان دفع الثمن خصوصا إذا كان بعد إجراء الصيغة لكونه مقتضى البيع ومن هنا ينتقل العبد إلى أهل الصدقة ولذا كان ولاؤه لهم إلى قوله فيكون إيصاله إلى الفقراء يعتقه عنهم. " قال سيدنا الحجة المعاصر دام ظله في (المستمسك): وما ذكره (قده) في محله لان الشراء بالزكوة سواء كان بعد العزل والتعيين كما هو ظاهر مورد النص أم بالذمة بعنوان الولاية يوجب تبديل الزكوة بالعبد ومقتضى البدلية صيرورة العبد زكوة وليس ذلك دفعا للزكوة ولا أداء لها كما لو بدل الزكوة بعين أخرى لا يكون اداء لها، بل الاداء باخراجها عن يده، وذلك انما يكون بالعتق في المقام فهو مورد النية =

[ 94 ]

وبالجملة فتحقق النقل والدخول في ملك المشتري غير معلوم في جميع موارد البيع، فالاحسن في التعبير عن العنوان الثانوي في البيع بالمبادلة لو قلنا بكونه اسما له حتى يكون مطردا في جميع موارده، ولعل التعبير عنه بالنقل في كلام من عرفه به منزل على الغالب.


= لا اداء الثمن إلى البايع إذ بمجرد المعاملة تكون العين ملكا للبايع فاداؤها اداء لمال البايع إليه فلاحظ وتأمل " انتهى. ولكل من القولين وجه، ومن هنا احتاط شيخنا الاستاذ قدس سره بالاستمرار بالنية من حين الدفع إلى حين الاعتاق. وعلى كل فعدم تحقق النقل في العبد المشترى من الزكوة غير واضح اللهم إلا ان يقال: انه بعد الشراء قبل العتق لم يكن مملوكا لاحد لا لمن اشتراه ولا للمستحق للزكوة بل هو في طريقه إلى الانعتاق فتأمل. وأما الشراء بغلة العين الموقوفة فما يمكن ان يقال فيه: ان الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها - كما في الخبر - فاراضي الزراعة والبساتين تارة توقف على ان ما يحصل من غلتها هو ملك للموقوف عليهم كسائر املاكهم وعليه ما يباع من الغلة ويشترى بثمنه ما يحتاج الوقف إليه فما يشترى به ملك طلق للموقوف عليهم يجوز بيعه وابداله بغيره، فانه بدل ما اشتري به المفروض كونه ملك الموقوف عليه، واخرى توقف المزرعة أو البستان مثلا على ان ما يحصل من غلتها يصرف مقدار منه فيما يحتاج الوقف إليه من آلات وحيوانات وغير ذلك، والباقي يعطى للموقوف عليهم. ولعل سيدنا يريد هذه الصورة حيث يقول: فانه (يعنى المشترى بالغلة) لا ينتقل إلى المشتري بل يكون وقفا لان بدل الوقف وقف، انتهى اقول الوقف على اقسام: الاول - وقف المشاعر كالمشاهد والمساجد ونحوها، والوقف في هذا القسم ليس بتمليك وانما هو فك ملك وتحرير =

[ 95 ]

وأما الثاني وهو المناقشة في الكبرى، فقد يقال بانا نعلم ان الشارع اعتبر قطعا في هذا الموضوع العرفي مطلق اللفظ أو الالفاظ والخاصة غير أنه لم يعلم اعتباره فيه شرطا في الملك أو في اللزوم، ومع ذلك كيف يستدل بعمومه مع كونه مخصصا بما اعتبره فيه، والخاص المجمل يوجب سريان اجماله إلى العام.


= فعدم جواز بيعه من حيث عدم كونه ملكا لاحد كالحر لا لدليل خاص على عدم جواز البيع ومن هنا لو غصبه غاصب لا يضمنه. الثاني - ما يلحق بالاول كالقناطر والشوارع العامة ونحو ذلك مما يكون وقفه لانتفاع كل أحد به، فيكون كالمباحات لمن سبق إليه الانتفاع به بالمرور والاستطراق وهذا القسم كالاول في عدم كونه تمليكا بل هو اعدام للملكية ينتفع به من شاء. والظاهر أن وقف المقبرة من هذا القسم ايضا. نعم إذا كان الواقف لها مسلما لا يدفن فيها غير المسلم فان ظاهر حال المسلم ايقافها لخصوص دفن المسلم فيها، ولكونها تعد مقبرة للمسلمين، فلا يدفن فيها غير مسلم. كما أن الظاهر أن وقف الخانات المبنية للمسافرين وكتب الادعية والزيارات والاشجار الموقوفة لانتفاع المارة وسائر ما قصد بوقفه انتفاع عامة الناس من هذا القسم ايضا. الثالث - الوقف على الجهة كالعلماء والطلاب مثلا والظاهر كون هذا القسم تمليكا للجهة لا كالقسمين الاولين في كونه تحريرا واعداما للملكية، ومن هنا لو غصبه غاصب يضمن للجهة. الرابع - الوقف الخاص على البطون، وهو المسمى بالوقف الذرى، وهو كالقسم الثالث يملكه البطون بطنا بعد بطن، وهو تابع لجعل الواقف من كونه تشريكيا أو ترتيبيا وتسميته خاص في قبال القسم الثالث مما كان الموقوف عليهم جهة عامة كالعلماء والطلاب. =

[ 96 ]

والجواب عنه بان ذلك: ان كان معتبرا في أصل الملك وجب تخصيص العام به، ولا كلف ان كان معتبرا في اللزوم، فالامر دائر بين


= القسم الخامس الوقف على الوقف كوقف فرش أو سراج أو أثاث على مسجد أو مشهد وكوقف على مدرسة ونحوها. هذه جملة اقسام الوقف، وقد ذكرنا أن عدم جواز بيع القسمين الاولين ليس من جهة قيام الدليل على عدم جواز بيع الوقف بل لعدم كونهما من الملك والبيع تبديل الاموال بعضها ببعض واما الاقسام الثلاثة الاخر، فمقتضى القاعدة الاولية جواز بيعها فانها نحو من الملك، إذ القسم الثالث ملك الجهة والرابع ملك البطون، والقسم الخامس - وهو الوقف على الوقف - فمرجعه تمليك الجهة أو المسلمين حسب اختلاف ما وقف على الوقف في كونه لمدرسة أو لمسجد مثلا هذا ما تقتضيه القاعدة الاولية، ولكن ثبت بالدليل أن الوقف لا يجوز بيعه فمقتضى القاعدة الثانوية عدم جواز بيعه، نعم استثنى الاصحاب موارد يجوز بيع الوقف فيها على اختلاف فيما بينهم فيما يجوز بيعه منها كما هو محرر في باب بيع الوقف. هذا ولكن بقي أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أن الدليل الدال على عدم جواز بيع الوقف الا في موارد خاصة انما هو أصل الوقف وما جرت عليه صيغته من الواقف كالمزرعة والبستان والفرش والسراج والباب للمسجد والمدرسة - مثلا - وأما غلة الموقوفة وعائداتها، فلو بيعت واشترى بثمنها شئ فيه نفع للوقف أو الموقوف عليه ثم رأى متولى الوقف تبديله بما هو اصلح جاز له البيع والتبديل به مع ملاحظة شرط الواقف. والحاصل ان أصل الوقف ثبت بالدليل عدم جواز بيعه وتبديله الا في موارد استثناها الشارع من عموم عدم الجواز فلا بد من الاقتصار =

[ 97 ]

التخصيص وعدمه، بل يتعين كونه شرطا في اللزوم باصالة العموم التي هي من الاصول اللفظية لأن مرجعها إلى اصالة الحقيقة، فيثبت بها جميع


= عليها وعدم التعدي عنها، فلو قلنا بأن الوقف لا يجوز بيعه الا إذا سقط عن عن الانتفاع المعتد به لا يجوز بيعه وتبديله بما هو أصلح ما دام فيه نفع معتد به بخلاف ما إذا اشترى بغلته شئ للوقف أو الموقوف عليه فاقتضت المصلحة تبديله بالاصلح، جاز للمتولى بيعه وتبديله به، وان كان في الاول نفع معتد به وكذا لو عرض بعض المجوزات لبيع الوقف فبيع واشترى بثمنه مال آخر يجوز تبديله بما هو أصلح للموقوف عليه أو للوقف وبالجملة انما يتقيد بنصوص جواز بيع الوقف في نفس الاعيان الموقوفة دون غيرها من ثمراتها ونمائاتها وابدالها. وما يقال من أن بدل الوقف وقف فانما يراد به على الظاهر كونه في حكم الوقف في عدم جواز صرفه الا في سبيل الموقوف عليه، إذا تبين ذلك فنقول: ان المتولي للوقف إذا اشترى بغلته ما ينتفع به للعين الموقوفة فما اشتراه بالغلة ينتقل بشرائه إلى الموقوف عليه بالوقف العام أو الخاص، إذ هو بدل ثمرة المزرعة والبستان مما هو ملك للجهة أو البطون بنحو من انحاء الملك ولو اشترى بغلة وقف على مسجد أو مشهد فبمقتضى أن مرجع الوقف المذكور كونه وقفا على المصلين في المسجد مثلا أو الزائرين للمشهد، فاشتري من الفرش ونحوه مما يحتاج إليه المسجد أو المشهد يكون ملكا للمصلين فيه أو الزائرين له بنحو من الملك فالمشترى بالغلة ينتقل إليهم بالبيع. وما ذكرناه من أن وقف المسجد والمشهد تحرير، لا يلزم منه كون ما وقف عليه من المزرعة والبستان كذلك ويشهد لذلك ما ذكرناه من أنه لو غصب المسجد غاصب لا يكون ضامنا لاحد فانه ليس بملك ولكنه لو غصب المزرعة أو البستان الموقوفة عليه

[ 98 ]

اللوازم الشرعية والعقلية ولو بواسطة بعيدة، بل يجري ذلك في كل خاص مجمل مصداقي مردد بين فردين: أحدهما داخل في العموم يوجب تخصيص العام به على تقدير ارادته، والآخر خارج عنه لا يوجب ذلك لو كان مرددا، فباصالة العموم يتعين كونه الفرد الخارج مثال ذلك ما لو قال: اكرم العلماء


يضمن ما غصبه له، وكأن سيدنا قدس سره حيث يقول في الشراء بغلة الوقف للعين الموقوفة أنه لا ينتقل إلى المشترى بل يكون وقفا لان بدل الوقف وقف يعتبر في النقل والملك بالنسبة إلى المبيع كونه لشخص أو اشخاص فما كان للنوع أو الصنف لا يعتبره ملكا له ولا نقلا إليه، وهو التزام بلا الزام نعم هو لا ينتقل إلى المشتري بما هو هو كالمتولي مثلا وانما ينتقل إلى مالك المبدل من النوع، أو الصنف، ويكون نحو ملكهم للبدل نحو ملك المبدل نوعا أو صنفا هذا، وأما شراء العمودين بناء على سببيته للانعتاق قهرا من دون تحقق الملك أصلا كما يقوله سيدنا قدس سره فان روايات الباب، وان كان بعضها كما يقوله قدس سره تنفي اصل الملك بالنسبة إلى العمودين وبعض المحارم كرواية عبيد بن زرارة المروية في (التهذيب) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يملك الرجل فقال عليه السلام: لا يملك والديه ولا ولده ولا أخته ولا عمته ولا خالته وهو يملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوى القرابة، ولا يملك أمه من الرضاعة " وفي (التهذيب) ايضا عن ابي جعفر عليه السلام قال: " لا يملك الرجل والديه ولا ولده ولا عمته ولا خالته، ويملك أخاه وغيره من ذوى قرابته " وفيه ايضا: " عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الرجل يملك أخاه إذا كان مملوكا ولا يملك أخته " وفيه ايضا: " عن ابي حمزة الثمالي قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المرأة ما تملك من قرابتها؟ قال عليه السلام كل أحد الا خمسة: اباها وامها وابنها وابنتها وزوجها ".

[ 99 ]

ثم قال: لا تكرم زيدا، وكان زيد مرددا بين فردين أحدهما عالم والآخر جاهل، فباصالة العموم يتعين كون المنهى عن إكرامه هو الجاهل، ففي ما نحن فيه يتعين كون ما اعتبره الشارع شرطا اعتبره في اللزوم بحكم اصالة العموم عند الشك في تخصيص العام.


هذا ولكن بعض الروايات الاخر تدل على الملك ثم العتق، منها ما روي في (التهذيب): عن الرجل يتخذ أباه أو امه أو اخاه أو اخته عبدا فقال: " أما الاخت فقد عتقت حين يملكها، وأما الاخ فيسترق واما الابوان فقد اعتقا حين يملكهما " قال: " وسألته عن المرأة ترضع عبدها اتتخذه عبدا؟ قال: تعتقه وهي كارهة " ومنها ما روي عن محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: " إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو عمته أو خالته اعتقوا " ويملك ابن اخيه وعمه وخاله ويملك عمه وخاله من الرضاعة " ومنها ما روي عن كليب الاسدي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يملك أبويه وأخوته؟ فقال: ان ملك الابوين فقد عتقا وقد يملك اخوته فيكونون مملوكين ولا يعتقون " ومنها ما روى عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " وسمعته يقول: لا يملك (يعني الرجل) ذات محرم من النساء ولا يملك ابويه ولا ولده، وقال إذا ملك والديه أو اخته أو عمته أو خالته أو بنت اخيه وذكر هذه الآية من النساء عتقوا، ويملك ابن اخيه وخاله ولا يملك امه من الرضاعة ولا يملك اخته ولا خالته إذا ملكهم اعتقوا " ويعني بالآية قوله تعالى " حرمت عليكم امهاتكم " الخ. ومنها ما روي عن ابي بصير وابي العباس وعبيد كلهم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو عمته أو خالته أو بنت اخيه أو بنت اخته - وذكر اهل هذه الآية من النساء " عتقوا جميعا، ويملك عمه وابن اخيه والخال ولا يملك امه -

[ 100 ]

لا يقال: ان الآية الشريفة من حيث حلية افراد البيع لا عموم لها، بل هي مهملة من هذه الحيثية، سبقت لمحض بيان مشروعية البيع وحليته في الجملة، نحو " اقيموا الصلوة وآتوا الزكوة " والعموم الناشئ من الحكمة فرع إحراز كونه في مقام البيان، وهو غير معلوم في المقام، ويكفي في التوقف الشك فيه.


من الرضاعة ولا اخته ولا عمته ولا خالته من الرضاعة إذا ملكهن عتقن، وقال: يملك الذكور ما عدى الولد والوالدين ولا يملك ذات محرم، قلنا: وكذلك يجري في الرضاع؟ قال: نعم، وقال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ومنها ما روي عن عبد الله ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " إذا اشترى الرجل اباه أو اخاه فملكه فهو حر الا ما كان من قبل الرضاع ولا ينافي الحكم فيها بحرية الاخ والتفرقة بين النسب والرضاع في الحكم بحرية الاب إذا اشتراه، فملكه لسقوطهما بالمعارضة لغيرهما هذا ما وجدته في (التهذيب) من روايات الباب ويؤيدها أو يدل عليها أخبار أم الولد وانها تعتق من نصيب ولدها والانصاف ان الناظر في الاخبار المذكورة بضم بعضها إلى بعض، مضافا إلى مناسبات للحكم والموضوع وقرائن فيها يستظهر ما استضعفه سيدنا قدس سره مما ينسب إلى المشهور من القول بدخول المملوك في ملك المشتري ثم يعتق فان ظاهر قوله عليه السلام: إذا ملك الرجل والديه أو اخته إلى آخر ما ذكر في الآية الشريفة عتقوا جميعا، وقوله عليه السلام: ان ملكهن عتقن وما كان بهذا التعبير من الروايات مضافا إلى ما رواه في (الكافي) عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك " وفي رواية أخرى: " قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا عتق الا بعد ملك " ان الانعتاق انما يكون بعد تحقق الملك المسبب عن احد أسبابه الاختيارية

[ 101 ]

لانا نقول: نمنع أولا كون العموم فيها عموم الحكمة حتى يتوقف على احراز ذلك، بل هو عموم سرياني بالوضع، بناء على الاقوى من تعلق الأحكام بنفس الطبايع السارية في جميع مصاديقها وافرادها لابها من حيث وجودها ولا بالطبايع الموجودة، وثانيا نمنع الاهمال، كيف والاصل في كلامه هو البيان، بل هو الظاهر هنا بقرينة المقابلة للربا سيما مع تمسك العلماء بعمومها في موارد عديدة، فظهر لك تمامية صغرى الدليل وكبراه وصح الاستدلال بالآية الشريفة على المدعى من افادة المعاطاة الملك. الثاني من الادلة قوله تعالى: " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم " بتقريب أن المعاطاة تجارة لغة وعرفا فتدخل في حكم المستثنى، وهو الجواز. والاباحة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي - على ما حكى عنهم - بالنصب على ان (كان) ناقصة، والتقدير: الا أن تكون التجارة تجارة عن تراض، واموالكم اموال تجارة حذف المضاف وأقيم


أو غيرها كالارث، غاية الامر أنه ملك آني لا يترتب عليه شئ من آثاره سوى الانعتاق المتوقف على سبق الملك، وأما عدم تحقق الملك اصلا وتنزيل الملك على الشراء وكون التعبير عنه بالملك تسامحا كما ذكره سيدنا وقواه - مع انه لم يرد في الروايات ذكر للشراء وجلها عبر فيها: إذا ملك الرجل والديه الخ وإذا ملكهن وإذا ملكن نعم في رواية ابن سنان: " إذا اشترى الرجل أباه أو اخاه فملكه فهو حر " وهي - ايضا - ظاهرة فيما ذكرناه: من ترتب الحرية على الملك المترتب على الشراء. وما ذكره قدس سره بعد التنزل: من كون الترتب على الملك وتقدمه على الانعتاق بالطبع بدعوى كون الشراء مثلا سببا للملك والانعتاق معا غير ان الأول مقدم على الثاني بالذات، لا بالزمان، ولعله لما قد يقال من أن التأخر في الزمان مستلزم لتأخر المعلول عن علته، ولو -

[ 102 ]

المضاف إليه مقامه، والباقون بالرفع على ان (كان) تامة بمعنى أن تقع تجارة، وعلى التقديرين فالظاهر كون الاستثناء منقطعا، لان المستثنى وهو التجارة عن تراض ليس من جنس الباطل الذي هو المستثنى منه المشعر بعليته للحكم وهو الاباحة، والنهي عن الاكل كناية التصرف عبر به لكونه من أعظم التصرفات، والحكم التكليفي مستلزم للحكم الوضعي، فالصحة مدلول عليها بالالتزام وجواز مطلق التصرف مدلول عليه بالعموم المستفاد


بمقدار آن ولكنه مع ذلك هو خلاف المتفاهم العرفي المنزل عليه كلامهم عليهم السلام. والظاهر أن سيدنا إنما عدل عن ثالث الوجوه واستضعفه لتصريح الروايات الاول بعدم الملكية أصلا بالنسبة إلى مواردها، مضافا إلى أن مقام الابوين لا يناسب التملك، وكذا المحارم، ولكن الظاهر أن المنفي في الروايات الملك المقتضى للاسترقاق واتخاذ العبودية نحو سائر المماليك ما لا يناسب مقام الابوين، والذي لا يتناسب مع المحارم اتخاذهن إماء له وسراري كغيرهن من الاماء. كما ان مالا يناسب الولد رقيته وعبوديته لأبويه. والحاصل ان روايات الباب على طائفتين، فطائفة تنفي اصل الملك بالنسبة إلى الابوين والولد والمحارم، وتثبته لما سواها من الأرحام، وطائفة تثبت الملك لهم ولكنه المتعقب للعتق والتحرر بالنسبة إلى ما تنفيه الأولى، ومقتضى الجمع رفع اليد عن ظهور احدى الطائفتين لاظهرية الاخرى، والمدعى اظهرية الطائفة الثانية في تحقق الملك بالنسبة إلى مواردها، ولكنه المتعقب للتحرر، فلتكن هي القرينة الصارفة لظهور الطائفة الاولى في نفي تحقق الملك. وبالجملة، لم يتضح مورد من الموارد التي ذكرها سيدنا رحمه الله لم يطرد فيها تحقق النقل الاعتباري في البيع.

[ 103 ]

من حذف المتعلق، والحكم بالاباحة المطلقة يعم جميع أقسام التجارة عن تراض التي منها المعاطاة والا لكان بعضها باطلا داخلا في المستثنى منه وكان من جنسه والمفروض كونه خارجا عنه، فالتجارة عن تراض بجميع اقسامها التي منها المعاطاة صحيحة وكان اكل المال بها اكلا بالحق لا بالباطل إلا ما خرج بالدليل. لا يقال: ان هذا النحو من الاستثناء مسوق لافادة شرطية المستثنى نحو: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صلاة الا بطهور، المستفاد منه عموم حكم المستثنى منه دون حكم المستثنى، ضرورة عدم صحة الصلوة بمجرد الطهور أو الفاتحة بل مسوق لبيان بطلان كل صلوة فاقدة لهما لا صحة كل صلاة مشتملة عليهما وبالجملة لا عموم في المستثنى حتى يتمسك به في المقام بل هو مهمل لا إطلاق فيه وانما ذكر لافادة محض الشرطية وعموم حكم المستثنى منه. لانا نقول: لا يتم ذلك بناء على ما هو الظاهر من كون الاستثناء منقطعا - كما قيل - لان مغايرة المستثنى للمستثني منه بالجنسية في المنقطع لا يستلزم كون ما عدا المستثنى من جنس المستثنى منه كلية حتى يؤخذ بعموم الحكم فيه، بل غايته ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى ولو لمغايرته له في الموضوع والجنسية، فيكون الكلام حينئذ مسوقا لبيان حكم المستثنى فقط وانما ذكر المستثنى منه توطئة لذلك، فهو نظير قولك: لا تأكل الحرام الا ما كان كدا باليمين، المسوق لبيان حلية ما حصل بالكد لا حصر الحلال فيه وحرمة ما عداه. نعم لو كان التعبير لا أكل بالحق إلا ما كان تجارة عن تراض، لكان قياسه بنحو لا صلوة الا بفاتحة الكتاب، في افادة الشرطية وعموم المستثنى منه وإهمال المستثنى حسنا. هذا ويمكن تمامية ذلك على القول بكون الاستثناء متصلا كما عن بعض باضمار شئ، والتقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وان تراضيتم

[ 104 ]

فالمستثنى منه حينئذ يعم التجارة وغيرها مع التراضي وغيره، وكان كل ذلك أكلا بالباطل إلا ما كان تجارة عن تراض. الا انه يضعفه مضافا إلى لزوم الحذف والاضمار حينئذ الالتزام بالنسخ أو كثرة التخصيص المستهجن لعدم حصر اسباب حل الاكل والجواز بالمستثنى وهو التجارة عن تراض، ضرورة انه كما يحل بذلك يحل بالهبات والوقوف والصدقات والوصايا وأروش الجنايات وسائر النواقل الشرعية والاباحات بقسميها الشرعية والمالكية، فكيف يكون مطلق غير التجارة عن تراض اكلا بالباطل، ولا كذلك على المنقطع لرجوعه إلى ذكر السبب الخاص لا حصر الاسباب به، فتبين بذلك ظهور الاستثناء في المنقطع وعليه يتم الاستدلال بالآية على المدعى، نعم ربما يخدش الدليل بوجه آخر وهو ان الاباحة المستفادة من الحل في المستثنى مرددة بين معنيين الاباحة المسببة عن الملك التي هي من آثاره والاباحة المجردة عنه المقابلة له وان عمت سائر التصرفات حتى المتوقفة على الملك، والاستدلال انما يتم على ارادة المعنى الاول وهو موقوف على قرينة معينة مفقودة في المقام، فيكون مجملا لا يصلح الاستدلال به على المدعى. ودعوى ان حلية ما يتوقف على الملك كالبيع والعتق ونحوهما كما هو المفروض من كون الاباحة مطلقة تصلح أن تكون قرينة لارادة الاباحة المسببة عن الملك. يدفعها لزوم الملك عند التصرف الخاص لا تحققه من الاول. والجواب عنه - مضافا إلى ما عرفت من أن الاباحة المطلقة المحيطة بجميع جهات التصرف في العين ترادف ملكية الرقبة - لزوم التخصيص وعدم جواز التصرف المتوقف على الملك لو اريد بالاباحة المجردة، لان عمومها المستفاد من حذف المتعلق يعارضه ما دل على توقف هذه التصرفات الخاصة كالبيع

[ 105 ]

والعتق والوقف والوطئ على الملك تعارض العام والخاص المطلق فيجب تخصيص العام به، ولا يلزم ذلك لو اريد بها الاباحة الناشئة عن الملك وحيثما دار الامر بين ما يلزم تخصيصه لو اريد وما لا يلزم تخصيصه، تعين الثاني بحكم إصالة العموم الكاشفة عن المراد والرافعة للاجمال نظير ما تقدم في الخاص المجمل المصداقي حيث يرتفع الاجمال عنه باصالة العموم. ودعوى الفرق بينهما بأن المقام من الدوران بين العامين أحدهما مخصص والآخر غير مخصص وهذا بخلاف الخاص المردد بين ما يوجب تخصيص العام به وما لا يوجب ذلك، وبعبارة أخرى مرجع الشك في المقام إلى نفس العموم لا إلى تخصيص العام. يدفعها ان ذلك، وان كان مسلما وليس في كونه من الشك في التخصيص بدرجة الوضوح مثل الخاص المجمل المصداقي، إلا انه يرجع إليه بعد التأمل فتأمل، فيصلح حينئذ ان تكون إصالة العموم قرينة معينة للمعنى المراد من الاباحة المستفادة من حكم المستثنى في الآية الشريفة. ان قلت: ان المشهور من أهل القول بالاباحة المجردة بل جلهم عدا من شذ منهم كالمحكي عن الشهيد في تعليقه على القواعد يقولون بجواز جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك، ولا يقولون بتخصيص عموم الاباحة بتلك التصرفات حتى يدور الامر بين التخصيص وعدمه، ويقولون بدخوله آناما قبل ذلك التصرف في الملك للجمع بين ما دل على جواز تلك التصرفات من الاجماع والعموم المستفاد من حذف المتعلق وما دل على توقفها على الملك واصالة عدم الملك بالقبض والتعاطي حينئذ فلا قرينة على ارادة احد المعنيين من الاباحة ان لم نقل بظهورها في المجردة عن الملك. قلت: ضرورة الجمع والالتجاء إلى الدخول في الملك آناما قبل التصرف متوقف على ثبوت مقدمات لا دليل لهم على بعضها، لان التزامهم بجواز

[ 106 ]

تلك التصرفات: ان كان من جهة عموم حذف المتعلق فيلزمهم تخصيصه بما دل على توقفه على الملك لاخصيته منه مطلقا وان كان من جهة الاجماع على جوازها فلا يعلم تحققه ممن يقول بالاباحة المجردة بل لعله من جهة الاباحة المسببة عن الملك، نعم لو كان عدم الملك عند القبض والتعاطي مدلولا عليه بدليل اجتهادي معتبر لكان الالتجاء إلى الملك آناما قبل التصرف حسنا ولكن ليس عليه دليل إلا الاصل المأخوذ في مجراه الشك ويرتفع الشك بظهور العموم المستفاد من حذف المتعلق المعتضد بالاجماع والشهرة المحققة على جواز التصرفات المتوقفة على الملك في ارادة الاباحة المسببة عنه من حكم المستثنى فتكون الآية الشريفة بمعونة ما ذكرنا وارادة على استصحاب عدم الملك بالقبض مؤيدا بلزوم ما يستبشع منه العقل من الدخول في الملك بمجرد الارادة للتصرف وان الارادة من المملكات والنواقل فافهم. الثالث - قوله تعالى " اوفوا بالعقود " والاستدلال به على المدعى مبنى أولا - على شمول العقد للمعاطاة اما بناء على تفسيره بمطلق العهد - كما وقع في صحيحة ابن سنان وتفسير بعض أهل اللغة به الشامل حينئذ للمعاطاة قطعا أو بناء على كفاية مطلق التوثيق الشامل للتوثيق القولى والفعلى بناء على تفسيره كما عن اكثر أهل اللغة بالعهد الوثيق أو المشدد احترازا عما لا وثوق فيه اصلا كالعهود القلبية التي من المعلوم عدم وجوب الوفاء بها، بل لا بد من كون العهد القلبي منكشفا بما يوجب الوثوق به من الكواشف مطلقا ولو كان الكاشف فعلا ومنه المعاطاة، وحمل ما ورد في تفسيره بمطلق العهد على بيانه في الجملة، وثانيا - على ارادة وجوب العمل على طبق ما يقتضيه العقد، ان لازما فلازما وان جائزا فجائزا - كما عن بعض - فجواز الرجوع في العقود الجائزة وحرمة التصرف في العين بعده هو مقتضى العقد الجائز فيجب الوفاء به بناء على ذلك والحكم التكليفي المستفاد من الامر بالوفاء مستلزم للصحة، إذ الفاسد لا يجب الوفاء

[ 107 ]

به. واما بناء على اختصاصها بالعقود القولية، اما بدعوى انصراف العقد إليه، أو بدعوى ظهور الوثوق والتشديد المقيد بهما العقد في اللغة والوثوق التام لا في الجمله الغير الحاصلة إلا بالقول لعدم المجال معه إلى الانكار ولا مسرح لا بداء عذر معه ربما يكون مسموعا عند العقلاء لو كان الكاشف عما في القلب هو الفعل فالعهد الفعلى أي الكاشف عما في الضمير بالفعل ربما لا يحصل منه الوثوق التام بامكان ابداء عذر مخالف له مقبول عند العقلاء، لعدم صراحة الافعال في الكشف عن الباطن بخلاف الاقوال التي هي صريحة في ذلك مع بناء العقود على المداقة حسما للعناد وقطعا لمثار الفساد فلا يشمل المعاطاة قطعا، كما لا يشملها ايضا لو قلنا باختصاصها بالعقود اللازمة كما عن الاكثر بدعوى ظهورها في لزوم الوفاء بما جرى عليه العقد وعدم جواز نقضه بفسخ ونحوه لان المدعى جواز الملك دون لزومه، فالاستدلال به موقوف على احراز مقدمتين كل منهما في حيز المنع: شمول العقد للمعاطاة، وتعميمه للعقود اللازمة والجائزة، كيف وظاهر الاكثر استفادة اللزوم منها ولذا يستدلون بها على اصالة اللزوم في العقود كما يظهر ذلك لمن راجع كلماتهم في موارد عديدة. لا يقال: انا نمنع ابتناء الدليل وتوقفه على المقدمة الثانية لان التفكيك بين اللزوم المستفاد من الآية وبين الصحة المدلول عليها بالملازمة ممكن في الحجة ان لم ينفكا في الوجود، وبعبارة اخرى: انا نلتزم بتخصيص اللزوم المستفاد منها بغير المعاطاة لما دل على عدمه فيها ونقول بالصحة فيها ايضا، وما الآية الا كالرواية المشتملة على مالا يقول به أحد فانها لا تسقط عن الحجية في غيره من مداليلها، وبالجملة ليست آيه " اوفو بالعقود " الا كآية " احل الله البيع " و " تجارة عن تراض " في افادتها اللزوم والصحة بالملازمة معا وانتفاء اللزوم لدليل لا يوجب انتفاء الصحة

[ 108 ]

اللازمة - كما في الآيتين - حيث استدللنا بهما على الصحة في المعاطاة ولم نقل باللزوم فيهما مع كون اللزوم مستفادا منهما ايضا ولذا استدل بهما ايضا على اصالة اللزوم في البيع. لانا نقول: جهة مفاد الصحة في الآيتين غير جهة مفاد اللزوم فيهما لان الصحة مستفادة فيهما من الحكم بالحل والامر بالاكل الدال هنا على الاباحة واللزوم ولو بعد الرجوع بفسخ ونحوه مستفاد من العموم في الاحوال أو الازمان، فجهة مفاد الصحة غير جهة مفاد اللزوم يمكن التفكيك بينهما في الحجة، ولا كذلك آية " اوفوا بالعقود " فان الصحة فيها مستفادة من نفس الامر بالوفاء الدال على اللزوم ولا يمكن التفكيك بينهما في الحجة أيضا لوحدة جهة الافادة فانتفاء اللزوم المستفاد من الامر بالوفاء ابتداء لدليل مستلزم لانتفاء الصحة المستفاد منه بالتبع والملازمة فافهم فانه دقيق الرابع - قوله عليه السلام: الناس مسلطون على اموالهم " والتقريب فيه: ان المراد بتسلط الانسان على ماله هو القدرة عليه بمعنى نفوذ تصرفاته فيه، ومقتضى عموم السلطنة نفوذ جميع التصرفات التي منها المعاطاة إذ المنع عنه سلب للقدرة عليه من هذه الجهة وهو ينافي العموم المستفاد من الحكمة أو حذف المتعلق. وناقش في ذلك شيخنا المرتضى (في مكاسبه) بما يرجع ملخصه إلى أن غاية ما يستفاد من الرواية هو عموم السلطنة بالنسبة إلى أنواع التصرفات بحيث لو شك في قدرته على نوع خاص منها حكم بالعموم، وأما بالنسبة إلى كيفية حصوله وسبب تحققه، فلا عموم فيها لانها لم تكن مسوقة لبيان الاسباب الموجبة لها، فهي مهملة من هذه الحيثية وان كانت مطلقة من حيثية أنواع التصرف، وبالجملة، فالقدر المسلم من العموم هو العموم بحسب الكم لا بحسب الكيف.

[ 109 ]

وهو كلام حسن متين لولا ظهورها بحكم التبادر في امضاء ما هو المتعارف عند الناس في انحاء تصرفاتهم في أموالهم كما وكيفا، فهي ناظرة إلى ما هو المتعارف عندهم الذي منه المعاطاة كيف ولو كان المقصود منها خصوص الانواع الثابتة شرعا لكان ذلك تأكيدا لادلة تلك الاسباب للاكتفاء بها حينئذ عنه ولذا لو لم تكن ادلة تلك الاسباب لوجب حمل الرواية على الامضاء لما هو المتعارف بينهم وهو واضح بحكم الوجدان والتبادر، فالرواية وافية في اثبات المدعى. الخامس - السيرة القطعية الجارية بين الناس من العوام والخواص خلفا عن سلف في معاملاتهم بالمعاطاة بقصد التمليك والتملك عند التعاطى وترتب جميع التصرفات عليه حتى المتوقفة على الملك، مع بنائهم على حلية ذلك وجوازه، لا أنها منبعثة عن عدم المبالاة منهم. فلا وجه للمناقشة فيها اولا بمنع قيامها على الموضوع من قصد التمليك بالمعاطاة كما ذهب إليه شيخنا في (الجواهر) حيث جعل محل النزاع في المعاطاة هو ما كان منها بقصد الاباحة لا بقصد التمليك، وثانيا بمنع ترتب التصرفات المتوقفة على الملك عليه - كما تقدم عن الشهيد في تعليقه على القواعد - وثالثا بمنع كونها الكاشفة بل هي كبعض سيرهم الناشئة عن قلة المبالاة في الدين والتسامح في احكام سيد المرسلين كما احتمله شيخنا المرتضى في (مكاسبه). إذا السيرة في المقام تنحل بالتحليل الا الامور الثلاثة قائمة على كل واحد منها بحكم الوجدان، ومن نظر إلى ذلك بعين الانصاف وجانب طريق الاعتساف وجدها اوضح من الشمس وابين من الامس غنية عن البيان غير محتاجة إلى البرهان. نعم قد يناقش في السيرة بوجه آخر وهو أن اعتبارها انما هو من

[ 110 ]

حيث كشفها عن تقرير الامام وامضائه، وإلا فعمل الناس من حيث هو عملهم ليس بحجة، واحرازه يتوقف على شروط: منها عدم الردع لهم مع تمكنه منه وهو غير معلوم في المقام اما بناء على الاكتفاء بما دل على توقف تلك التصرفات على الملك عن الردع، فتكون تلك الادلة كافية في الردع أو لاحتمال وجود مانع عنه يكون بسببه غير متمكن من الردع، واحراز عدم المانع بالاصل لا يجدي فيما كان اعتباره من حيث القطع بالكشف وليس هو من الدليل الظني حتى يكون الاصل فيه معتبرا. لا يقال: على الاول لا تعارض بين ادلة تلك التصرفات نحو " لا عتق إلا في ملك " " ولا وطء إلا في ملك " وبين السيرة المفيدة للملك حتى تصلح تلك الأدلة للردع بل هي محققة لشرط صحة التصرف وهو الملك. لانا نقول: الحكم بصحة التصرف موقوف على احراز الملكية قبله والمفروض كونها مستفادة من السيرة على التصرفات فاستفادة الملكية من السيرة متأخرة في المرتبة عن التصرف، فكيف يكون شرطا لصحته نعم المتيقن تحققه منهم قبل التصرفات هو اعتقاد الملكية والمتوقف عليه التصرفات نفس الملكية لا اعتقادها، وبعبارة اخرى: الحكم بصحة التصرف موقوف على ثبوت الملك فلو توقف ثبوت الملك على صحة التصرف لزم الدور المحال ان قلت: ان الردع المعتبر عدمه في كشف العمل عن الامضاء انما هو الردع عن خصوص ما عليه العمل والسيرة ولذا لا يكتفي في ردع من شرب الخمر - مثلا - بعمومات الكتاب والسنة الدالة على حرمته بل يجب ردعه وزجره عنه بالخصوص ان جوز عليه الارتداع مع ان العمومات اظهر دلالة في المنع عن العمل الشخصي من تلك الادلة في مورد المعاطاة فكيف تصلح ان تكون رادعة عنه. قلت ما ذكرته حسن، ان كان وجوب الردع من باب الامر بالمعروف

[ 111 ]

والنهي عن المنكر واما ان كان من باب الارشاد الواجب بيانه على سفراء الله سبحانه وتعالى لما دل على أن التكاليف الطاف واجبة كما فيما نحن فيه فتكفى العمومات ونحوها في الارشاد وبيان الاحكام الالهية، وان استدل على اعتبار السيرة بوجوب الامر بالمعروف وجوب الارشاد ايضا إلا أن بين مورديهما عموما من وجه وما نحن فيه من مورد الارشاد الذي تكفي في بيانه العمومات ونحوها حينئذ فتكفي تلك الادلة نحو " لا عتق إلا في ملك ولا وطء إلا في ملك " ارشادا للمنع عن نحو هذه التصرفات في المأخوذ بالمعاطاة. والجواب عنه: اما عن الاول فقد يقال اولا: ان تلك الادلة غير ناظرة إلى ما عليه السيرة من المعاطاة لتصلح ان تكون ردعا لهم بل ليست مسوقة الا لافادة مجرد الشرطية وبيان الحكم الكبروى واين ذلك من مفاد السيرة الذي هو من الحكم الصغروي وبمنزلة الموضوع من الكبرى وثانيا مع التنزل لنا ان نمنع كفاية ذلك للارشاد بعد قيام احتمال تحقق الملك بالمعاطاة على حسب معتقدهم لكونه بيعا عرفا فيكون السكوت عن ردعهم حينئذ لتحقق الشرط وبعبارة اخرى السكوت عن ردع من اعتق المأخوذ بالمعاطاة كما يحتمل ان يكون للاكتفاء عنه بقوله (لا عتق إلا في ملك) يحتمل ايضا ان يكون لتحقق شرط العتق وهو الملك، ومع قيام الاحتمالين يكون مجملا لا يصلح للارشاد والبيانية. واما عن الثاني وهو الشك في التمكن منه الذي مرجعه إلى الشك في وجود المانع دون أصل المقتضى فاجراء الاصل فيه وفي امثاله مما لا شك فيه، وهو من الاصول العقلائية لا ينافي قطعية الكشف عن الامضاء بالعمل وإلا لم يبق محل للسيرة ومورد للتمسك بها اصلا، كما لا ينبغي الاعتناء باحتمال كون السكوت عن الردع لمصلحة اقتضت إخفاء الحكم الالهي

[ 112 ]

وتأخير بيانه - كما توهم - فان ذلك ونحوه من الاحتمالات الوهمية والخيالات السوداوية لا ينبغي الاعتناء بها ولا الاصغاء إليها. وبما ذكرنا ظهر لك تحقق السيرة وحجيتها للكشف عن إمضاء المعصوم وتقريره. فإذا القول بافادة المعاطاة الملك المتزلزل دون الاباحة المجردة هو الاقوى، للادلة المذكورة التي مقتضاها - وان كان لزوم الملك كما نسب إلى المفيد - الا انه يخرج عنه بالخصوص بالاجماع الظاهر المصرح به في جملة من العبائر، بل عن بعض دعوى الاتفاق على عدم اللزوم: إما لعدم الملكية فيكون من السالبة بانتفاء الموضوع على القول بالاباحة أو لتزلزلها بناء على الملكية، فالقول بافادتها الملك اللازم احداث قول ثالث. هذا وتظهر الثمرة بين القول بالملك المتزلزل والقول بالاباحة المجردة في امور: وليعلم ان ما نذكره من الثمرات انما هو بحسب اقتضاء القاعدة، والا فقد يخرج عنها لدليل يكون منها بمنزلة التخصيص لها، إذ القاعدة بمنزلة الدليل العام فتكون الثمرة في مورد التخصيص خارجة عنه حكما لا موضوعا: الاول نماء العين المأخوذة بالمعاطاة (1) وبيان حكمه على كل من


(1) النماء: هو ما يحصل في العين من الزيادات الحسية، سواء كان متصلا بها غير قابل للانفصال عنها كالسمن في الحيوان والنمو في الاشجار أم كان قابلا للانفصال عنها، وكانت له حالتان: اتصال في حال وانفصال في اخرى كاللبن والهيض والنتاج في الحيوان، والثمر في النخيل والاشجار. والكلام فيه - وفي المنافع مما لم يكن حسيا في الخارج كسنى الدار - تارة - على المختار من افادة المعاطاة الملك الجائز، واخرى - بناء على افادتها الاباحة. =

[ 113 ]

القولين في موضوعها من قصد المتعاطيين التمليك أو الاباحة وعلى كل من القولين في الاول ايضا من إفادتها الملك أو الاباحة، المجردة. وجملة صورها: هو أن النماء: اما ان يكون منفصلا عن العين، أو متصلا بها، وعلى الاول فأما أن يكون تالفا حقيقة أو حكما أو موجودا وعلى التقادير، فالكلام فيه مرة مع عدم رجوع المالك بالعين وأخرى مع الرجوع بها.


= فأما بناء على إفادتها الملك الجائز، فالحكم فيما هو غير قابل للانفصال واضح، فانه يتبع العين في الملك، إذ هو جزء منها غير قابل للانفكاك عنها، وأما ما كلان قابلا للانفصال، فالمنفصل منه لا ينبغي الاشكال في عدم تبعيته للعين في تزلزل الملك، إذ هو نماء ملك ملكه: يتبع ملك الاصل بعد المعاطاة، والاصل فيه اللزوم، وما ثبت بالاجماع على الجواز فانما هو بالنسبة إلى أصل العوضين، فلا وجه لرجوعه إلى المالك الاصلي بتبع العين لو رجع بالمعاوضة، وهو واضح. وأما ما كان من النماء القابل للانفصال متصلا بالعين حين الرجوع بالمعاوضة فربما يقال: انه بتبع العين بالرد إلى المالك الاصلي عند الرجوع بالمعاوضة، ولكنه على اطلاقه مشكل. نعم لا يبعد ذلك في مثل الصوف والشعر، وان بلغ أو ان جزهما، بل اللبن في الضرع وان استحلب، ونحو ذلك مما يعد في العرف بمنزلة الجزء من العين. أما مثل ثمر الشجر - خصوصا عند اوان الاقتطاف - وحمل الدابة فالحكم بتبعيته للعين في الرجوع إلى المالك بالرجوع بالمعاوضة مشكل، بل قوى سيدنا - قدس سره - فيما سيأتي من كلامه عدم التبعية في مثل ذلك، وبالجملة كل ما لم يتضح كونه بمنزلة الجزء من العين فالاصل بقاؤه على ملك مالكه المنتقل إليه الاصل بالمعاوضة وعدم عوده إلى المالك الاصلى بتبع العين عند الرجوع بها هذا بناء على افادة المعاطاة الملك الجائز، وأما بناء على افادتها الاباحة =

[ 114 ]

فنقول: لا اشكال في أنه يترتب على ملكية العين ملكية النماء لانه نماء ملكه فيكون مملوكا له كنماء المبيع في زمن الخيار، بل لعله اولى منه لوجود القول فيه بتوقف الانتقال على مضي زمن الخيار وفي رجوع المالك به لو رجع بالعين وجهان، والاقوى: العدم، لان التزلزل في الاصل: أما للاجماع على عدم اللزوم فيه، أو لاصالة عدم اللزوم في الملك، وكل منهما منتف في النماء. أما الاجماع فانا لم نحققه على جواز الرجوع بالنماء لو رجع بالعين


= دون الملك فربما يقال كما يظهر من سيدنا الخال ان النماء مملوك لمالك العين مباح التصرف للاخذ مع القول بكونها مالكية للاذن الضمنى أو يشاهد الحال، وأما ان قلنا بكونها شرعية وقلنا بها لخصوص الدليل، فيشكل لتعلق الاباحة بالعين وقصور دليلها بالنسبة إلى اباحة النماء، وعليه فلا يجوز التصرف فيه وان جاز في الاصل اللهم إلا أن يقوم اجماع أو سيرة قطعية فتأمل. انتهى. هذا ولكن الذي يظهر مما ذكره الشيخ الاكبر كاشف الغطاء في مقام استبعاد القول بالاباحة من استلزام التفكيك بين العين والمنفعة بالقول بالاباحة في العين والملك في المنفعة التسالم على عدم الفرق بين القول بالملك والقول بالاباحة في ملكية المنافع والنماءات لمن انتقل المال إليه وعدم تبعيتها للعين في مجرد الاباحة. ولكن حكى شيخنا الانصاري قدس سره عن بعض تبعية النماءات للعين في الارتجاع إلى المالك على القول بالاباحة. وعلى كل فالظاهر عدم الفرق بين القولين في ملكية النماء لمن انتقل المال إليه وعدم تبعيته للعين في الرجوع إلى المالك ولو قلنا بالاباحة، وذلك للنبوي المعتبر " الخراج بالضمان " وان ناقش شيخنا الانصاري في سنده. ولكن الذي يظهر من المحكى عن (صيوط الشيخ) قدس سره =

[ 115 ]

لا محصلا ولا منقولا، وأما الاصل فان قلنا باقتضائه اللزوم في الملك وان خرجنا عنه في الاصل بالاجماع فواضح، وان قلنا باقتضائه الجواز فانما نقول به في الاصل لاستصحاب بقاء العلقة للمالك الاول الحاكم على استصحاب الملك للثاني لكونه مسببا عنه كما عرفت سابقا والنماء لم يكن مملوكا للاول وانتقل عنه حتى يستصحب بقاء العلقة فيه، فيبقى استصحاب الملك فيه سليما عن المعارض ومقتضاه اللزوم.


= من البحث عن مقدار دلالته: هو الفراغ عن اعتبار سنده، فالظاهر كونه من النبويات المتلقاة بالقبول لدى الفريقين. فالمحكي عن الشافعي في (مختلف الحديث) وعن ابن ماجة في (صحيحه) وعن ابي داود في (سننه) أنهم رووا - جميعا - من طريق مسلم ابن خالد مسندا عن عائشة أن رجلا ابتاع عبدا فاستعمله ثم ظهر على عيب، فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله برده بالعيب، فقال المقضى عليه: قد استعمله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخراج بالضمان، انتهى. والمحكى عن (غوالي اللئالى) أنه روي عنه صلى الله عليه وآله: أنه قضى بأن الخراج بالضمان، ومعناه: ان العبد مثلا يشتريه المشتري، فيغتله حينا ثم يظهر على عيب به فيرده بالعيب، انه لا يرد ما صار إليه من غلته وهو الخراج، لانه كان ضامنا له لو مات، انتهى. وقد استند إليه أبو حنيفة - في قضية - ابي ولاد عنه اكتراثه بغلا من الكوفة إلى قصر بني هبيرة في طلب غريم له فخالف وركبه إلى النيل ثم منه إلى بغداد ثم منها إلى الكوفة وأرجعه بعد خمسة عشر يوما، فخاصمه صاحب البغل في كراه وتراضيا بأبي حنيفة، فقضى لهما بسقوط الكرى بعد ارجاع البغل سليما: فان مستند قضاء ابي حنيفة استفادته من قوله صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " أن ضامن مال الغير والمتعهد به ولو =

[ 116 ]

نعم ربما يتوهم المناقشة فيه بدعوى أن، ملكية النماء متفرعة عن ملكية الاصل ومنبعثة عنه فيكون النماء تابعا له في كيفية الملك من التزلزل. وليس بشئ بعد اقتضاء الدليل للاختلاف بينهما في الكيفية من التزلزل في الاصل واللزوم في النماء، ومحض التبعية والتسبيب في الملك لا يصلح دليلا للاتحاد في الكيفية. نعم ربما يمكن صحة دعوى التبعية بناء على تعدد ماهية الملك اللازم والمتزلزل لاستحالة تولد ماهية من ماهية أخرى تخالفها، ضرورة اعتبار السنخية بين العلة والمعلول، وأما بناء على وحدتها وانما الاختلاف في المرتبة شدة وضعفا


= كان غاصبا له - فخراجه ومنافعه غير مضمونة عليه لمالكه، وانما يضمن له نفس المال خاصة، فان أرجعه إليه سليما لا يضمن له منافعه المستوفاة فضلا عن الفائتة تحت يده. هذا ولكن الاستناد إلى النبوي في عدم ضمان الغاصب خراج المغصوب لمالكه غير صحيح، فانه مضافا إلى عدم المناسبة بين ضمان العين بحكم الشارع وجعله بعموم " على اليد ما اخذت حتى تؤدي " وبين مجانية المنافع رد الصادق عليه السلام عندما حكى له ابو ولاد قضاءه بقوله عليه السلام: في مثل هذا القضاء تحبس السماء ماءها والارض بركاتها. فالمتعين كون المراد بالضمان في النبوي المذكور هو بمعناه المصدري الحاصل بجعل واختبار من الضامن بمبادلة ومعاوضة. وعليه فالمراد أن من تعهد بمال وضمنه بعوضه باختياره وجعله، فخراجه وما يتحصل منه من منافعه ونمائه له مجانا، فلو حصل فسخ للمعاوضة بخيار للفاسخ أو تفاسخ منهما لا يضمن كل منهما لصاحبه ما تحصله من المنافع والنماء، وذلك ما تقتضيه مناسبة الحكم للموضوع فان الغرض المهم والغاية من الاقدام على ضمان العين بعوضها كون خراجها له مجانا، وعليه فيختص ذلك بالضمان المعاوضي، ولا يشمل ما سواه من =

[ 117 ]

- كما قويناه - فلا، لانتفاء ما يوجب ضعفه في النماء من استصحاب العلقة للمالك الاول. هذا ولا ينقض بنماء المبيع الخيارى مع كونه في الاصل متزلزلا بالخيار وفي النماء لازما، لان التزلزل فيه انما هو من جهة الشرط، لقوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " أو من دليل خارج كخيار العيب ونحوه، لا من سببية البيع التي مقتضاها اللزوم لولا الشرط ونحوه، بخلاف سببية المعاطاة للملك المتزلزل فان السبب بنفسه سبب له، وأما على القول بكون مفادها الاباحة فالنماء مملوك لمالك العين مباح التصرف للاخذ، ان


= ضمان اليد ونحوه مما لم يكن بجعل من الضامن. ثم ان صاحب (الوسيلة) - قدس سره - عمم الحكم باستحقاق الضامن الخراج لما إذا كان الاقدام على الضمان بالعقد الفاسد ايضا كالصحيح قال فيها على ما حكى عنه في ذيل فصل عقده لبيان البيع الفاسد ما هذا لفظه: " فإذا باع أحد بيعا فاسدا وانتفع به المبتاع ولم يعلما بفساده، ثم عرفا واسترد البايع المبيع لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به أو استرداد الولد ان حملت الام عنده وولدت لانه لو تلف لكان من ماله، والخراج بالضمان فان غصب إنسان أو سرق مال غيره أو أمة غيره أو حيوان غيره وباع من آخر ثم استخرج مالكه من يده شرعا وكان المبتاع عارفا بالحال لم يكن له الرجوع على البايع وان لم يكن عارفا كان له الرجوع عليه بالثمن وما عزم للمالك " انتهى. وظاهره وان كان الاختصاص بالضمان الاختياري بالمعاوضة وعدم التعميم لما إذا كان الضمان بحكم الشارع وجعله ولكنه عمم الضمان المعاوضي لما إذا كان بعقد صحيح ممضى أو فاسد ملغى. هذا ولكن الاقوى ما ذهب إليه المشهور من الاختصاص بصورة ما إذا كان الاقدام على الضمان بمعاوضة صحيحة ممضاة من الشارع وهو الذي تقتضيه =

[ 118 ]

قلنا بكون الاباحة مالكية للاذن الضمنى، أو بشاهد الحال كما تقدم وإن قلنا بكونها شرعية وقلنا بها لخصوص الدليل، فيشكل لتعلق الاباحة بالعين وقصور دليلها بالنسبة إلى اباحة النماء وعليه فلا يجوز التصرف وان جاز التصرف في الاصل اللهم الا ان يقوم عليه اجماع أو سيرة قطعية فتأمل.


= مناسبة الحكم للموضوع على ما ذكرنا فان مجرد الاقدام على الضمان بمعاملة فاسدة غير ممضاة من الشارع وجودها كالعدم كيف يمكن ان يكون فيه اقتضاء لملكية المنافع والنماءات للضامن مجانا، والحاصل، اختصاص القاعدة بالضمان المعاوضي الصحيح مما لا ينبغي الريب فيه. ثم ان قاعدة " الخراج بالضمان " تختص - بمقتضى مناسبة الحكم للموضوع - بالضمان المعاوضي الذي اقدم عليه المتعاقدان وتعهد به كل منهما لصاحبه في اصل المعاوضة، فانه المناسب لكونه سببا لملك الخراج، أو كونه عوضا عنه على ما هو مفاد باء الجر في قوله عليه السلام: الخراج بالضمان، ولزوم ذلك وعدم رجوعه للمالك الاصلي لو حصل فسخ أو إنفساخ للعقد. وأما ما تفرع على ذلك وكان تبعا له الثابت بالتعبد اومن ناحية الشرط الضمني في العقد وهو ضمان ما انتقل المال منه المستفاد من قاعدة التلف قبل القبض، فلا مناسبة لكونه مشمولا لقاعدة الخراج بالضمان. فما يحكى عن الشيخ قدس سره في (المبسوط): من حكمه بأن نماء المبيع المردود بخيار العيب قبل القبض للبايع مستدلا عليه بحديث الخراج بالضمان ومفسرا للخراج بالفائدة والضمان بمن يكون المال يتلف من ملكه والاصل قبل القبض في ضمان البايع بالمعنى المذكور فالخراج له. انتهى. فانه مبني على استفادة كون قاعدة الخراج بالضمان شاملة للضمان التبعي ايضا. والحاصل ان للضمان الاصلي في المعاوضة والضمان التبعي متنافيان في =

[ 119 ]

هذا مع وجود النماء، وأما مع التصرف فيه بتلف ونحوه فلا رجوع عليه ببدله وكذلك لا رجوع له ببدل المنافع المستوفاة ايضا. ويجري الكلام مثله فيه على القول بكون المعاطاة ما كان بقصد الاباحة كما تقدم من شيخنا في (الجواهر) في موضوع المعاطاة. هذا كله واضح بالنسبة إلى النماءات المنفصلة عن العين، وأما المتصلة بها، فقد قوى التبعية فيها للعين في جواز الرجوع شيخنا (في الجواهر) حيث قال: " واما المتصلة كالسمن والصوف والشعر الباقين على الظهر واللبن الباقي في الضرع فتتبع العين على الاقوى ". قلت: ويحتمل قويا لولا السيرة الممنوع تحققها الاقتصار في التبعية على ما يصدق عليه أنه جزء منها كالسمن والشعر والصوف وان بلغ أوان


= المفاد بالنسبة إلى ملك الخراج ولزومه، فالاصلي يقتضي بقاءه على ملك من انتقل المال إليه بالعقد، وعدم انتقاله إلى من انتقل المال منه بانفساخ العقد للتلف قبل القبض، والتبعي مقتضاه عكس ذلك وكون الخراج للمنتقل منه بعد الانفساخ، وحيث قلنا باختصاصها بالضمان الاصلي وانه لا مناسبة لشمولها للتبعي فلا اشكال، كما ان القاعدة موردها الضمان المنجز فالمعلق مثل: أعتق عبدك عنى أو تصدق بمالك عنى وعلي ضمانه بكذا أو نحو ذلك مما يكون الضمان فيه معلقا على تحقق المضمون ولم يكن فعليا، لا يكون مشمولا للقاعدة، فلا وجه لكون الضامن مالكا لمنافع العبد بضمانه التعليقي إذا عرفت ذلك فنقول: الكلام في المعاطاة انما هو مبني على كون موضوعها ما قصد المتعاطيان فيها حصول الملك، وانها معاوضة صحيحة ممضاة من الشارع المقدس بعموم آية (أحل الله البيع) وآية " التجارة عن تراض " وأنها لازمة كما نسب إلى المفيد قدس سره أو جائزة مفادها الملك الجائز اللازم باحد الملزمات - كما هو المختار - أو انها مفيدة للاباحة وانما يحصل الملك =

[ 120 ]

جزهما دون مالا يصدق عليه إلا كونه نماء لها كثمار الاشجار، سيما عند أوان اقتطافها، بل ويقوى عدم التبعية أيضا في التزلزل فيما كانت العين له كالوعاء نحو الحمل في بطن امه، ولذا لا يدخل الجنين في بيع الامهات الا بالشرط على الاشهر خلافا للشيخ في (محكى مبسوطه) وأما اللبن فهو من الاجزاء الداخلة في المبيع حيث انه ينشخب من عروق في الضرع الشخاب الدم من العرق، وليس الضرع وعاء له حتى يكون نسبته إليه نسبة الحمل إلى الحامل. هذا بناء على ما قويناه في العين من الملك المتزلزل وفي النماء باللزوم وعدم التبعية لها في التزلزل. وأما بناء على التبعية في الملك المتزلزل أو الاباحة المجردة فالحكم بها في المتصلة اوضح منها في المنفصلة. الثاني - في التصرفات المتوقفة على الملك وهي امور: منها - البيع، فيصح على القول بالملكية ويقع باطلا أو فضوليا على القول بالاباحة فان كان هناك اجماع على الجواز، فلا بد على القول بها من الالتزام بدخوله آنامأ في ملك البايع، للجمع بين الادلة وهو التزام بخلاف القواعد المقررة إلا أنه يمكن تطبيق الصحة على القاعدة، وان قلنا بالاباحة غير أنه يقع للمالك دون البايع لتحقق الاذن الضمنى أو بشاهد


= باحد الموجبات على - ما هو المشهور - وعلى كل فالضمان فيها معاوضي ممضى فان كلا من المتعاطيين اقدم على ضمان ما اخذه من صاحبه بما دفعه إليه من العوض على كل من المباني المذكورة، غاية الامر بناء على المشهور ما حصل بالتعاطي لكل منهما هو الاباحة المطلقة فيما اخذه من صاحبه وحصول ما قصده من الملك يتوقف على احد الموجبات له، وهو لا ينافي كون الضمان معاوضيا. فهي مشمولة لقاعدة (الخراج بالضمان) ولا وجه لعدم الشمول لها بناء على الاباحة كما لا يخفى.

[ 121 ]

الحال منه، لوقوع التسليط منه عليه، وهو وان كان بقصد التمليك إلا ان الملكية منتفية بعدم الامضاء، فيبقى الاذن المطلق، وهو كاف في الصحة، ويخرج البيع عن كونه فضوليا لسبقه بالاذن. وبالجملة الحكم بالصحة عن المالك لا مانع عنه الا ما يتوهم اولا - انتفاء الاذن المقيد بانتفاء قيده، وهو قصد التمليك، والمفروض عدم الوكالة منه عليه، وثانيا - انما يصح وقوعه عن المالك والمفروض وقوعه من البايع لنفسه، فما وقع لم يصح والصحيح غير واقع لان العقود تابعة للقصود. وليس بشئ. أما الاول - فمع كون الفرض تحقق الاباحة المالكية، إذ الكلام على تقدير القول بها امكان دعوى الاذن الضمنى بناء على تعدد المطلوب أو بشاهد الحال كما تقدم فيخرج به عن كونه فضوليا (1)


(1) الظاهر: ان مراده من عدم كون البيع المذكور فضوليا، عدم احتياجه - في الاستناد إلى المالك - إلى اجازة، وكفاية الاذن الضمنى السابق منه، بناء على تعدد المطلوب أو بشاهد الحال، ولكنه غير واضح إذ الاذن الضمنى المستفاد من التعاطى بقصد التمليك انما هو بالبيع لنفس البايع القاصد كون البيع له وكون الثمن داخلا في ملكه عوضا عما يخرج منه إلى المشترى، وهب ان البيع المذكور قابل لان ينفذ، ويصح للمالك كبيع الغاصب لنفسه القابل للتصحيح بالنسبة إلى المالك، فان الغاصب للظالم حيث انه يرى نفسه مالكا للمال وبناء على الادعاء المذكور يوقع المعاملة على المغصوب كما يوقعها على سائر أمواله، فهو لدى التحليل يبيع للمالك، ويقصد دخول الثمن في ملك مالكه، وحيث كان بناؤه لا أساس له بل هو صرف ادعاء، يلغو، ولا يلزم من ذلك لغوية أصل البيع المقصود كونه لمالك المبيع، فيصح للمالك باجازته. وكذا نقول هنا في =

[ 122 ]

وأما الثاني فلعدم اعتبار القصد لمن له البيع في صحته، وهو غير ماخوذ


= بيع المأخوذ بالمعاطاة بقصد التمليك فان البايع حيث كان بانيا على ملكية المبيع بالمعاطاة يقصد البيع لنفسه باعتبار كونه مالكا للمثمن اعتقادا، فهو لدى التحليل يقصد كون البيع لمالكه، وحيث كان اعتقاده خلاف الواقع بناء على عدم إفادة المعاطاة سوى الاباحة تلغو جهة مالكيته، ولا يلزم من ذلك بطلان جهة كون البيع لمالكه الواقعي، ولكن انما يصح ويستند البيع للمالك إذا اجاز البيع له بعد معرفة كون المعاطاة مفادها صرف إباحة التصرف. ولا يقال: إذا امكن نفوذ البيع واستناده إلى المالك بالاجازة المتأخرة عن البيع فينبغي ان يصح بالاذن الضمنى السابق بل هو اولى بالصحة منه وعليه فيمكن القول بعدم الاحتياج في نفوذ البيع المذكور للمالك إلى اجازته المتأخرة عنه والاكتفاء بالاذن السابق. لانا نقول: هذا انما يصح فيما إذا تعلق الاذن السابق بنفس ما تتعلق به الاجازة المتأخرة كما إذا باع الوكيل لموكله بيعا هو مأذون فيه منه، فانه لا يحتاج نفوذ بيعه للموكل إلى اجازة منه بعد البيع، ويكفي في ذلك الاذن السابق منه لكونه تعلق بنفس ما وقع من الوكيل أما فيما نحن فيه مما كان الاذن الضمنى السابق على البيع المستفاد من التعاطي بقصد الملك متعلقا بغير ما يمكن صحته بالنسبة إلى المالك، فلا يكفي في صحته للمالك الاذن السابق، بل لا بد من اجازة المالك بعد ذلك البيع ليصح بالنسبة إليه وذلك لكون الاذن الضمنى من المالك المستفاد من المعاطاة بقصد الملك انما تعلق بالبيع لنفس البايع لا بالبيع له، وما يمكن تصحيحه بالاجازة هو البيع للمالك، فما وقع من البايع المتعلق للاذن الضمنى لا يمكن تصحيحه للمأذون بناء على الاباحة لكونه خلاف حقيقة المعاوضة، وما يمكن =

[ 123 ]

في ماهيته وقوامه (1) ولذا قلنا بصحة بيع الغاصب لنفسه ووقوعه للمالك مع الاجازة. ولا أرى وجها في المقام بناء على الاباحة المجردة لوقوعه عن البايع حتى يلتزم بدخوله آناما في ملكه. وكيف كان فلا يبعد أن يقال بناء على الاباحة صحة البيع ووقوعه


= تصحيحه بناء عليها لا بد فيه من الاجازة لكونه غير ما أذن المالك فيه ضمنا. (1) بناء على ما تقدم - في بعض تعاليقنا من أن حقيقة البيع تبديل البايع العين التي هي طرف اضافة مالكية بطرف اضافة مثلها لآخر في عالم الانشاء عند قبول المشترى ذلك التبديل يلزم ان يكون البايع قاصدا بانشائه خروج المثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك الثمن وخروج الثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك المثمن بدلا عما خرج من ملكه إليه من غير فرق بين كون البايع أصيلا أو وكيلا أو وليا أو فضوليا قاصدا كون البيع لمالك المبيع أو كونه لنفسه لكونه غاصبا أو معتقدا كون المال له ففي جميع الصور المزبورة البايع حيث كان قاصدا دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه إلى مالك الثمن عوضا عما خرج من ملكه إليه، فانه قاصد لمن له البيع فالاصيل لما قصد دخول الثمن في ملكه بدلا عما خرج من ملكه إلى مالك الثمن، فهو قاصد كون البيع له، والوكيل لما قصد دخول الثمن في ملك موكله الذي خرج المثمن من ملكه إلى مالك الثمن بدلا عما خرج من ملك موكله، إليه فهو قاصد كون البيع لموكله وكذا الولي بالنسبة إلى المولى عليه فانه قاصد كون البيع له، وأما الفضولي فتارة يقصد كون البيع للمالك فقصده من له البيع واضح، واخرى يقصد كون البيع له لادعائه كون المبيع له كالظالم المتغلب الباني على كون ما تحت يده من مال الغير مالا له، فينشئ البيع عليه بما أنه مالك له ادعاء، فهو لدى =

[ 124 ]

للمالك غير أن ثمنه المملوك له يقوم مقام المثمن في جواز التصرف فيه مطلقا ولو ببيعه ايضا، فيقوم ثمنه كذلك مقامه، وهكذا وهلم جرا في جميع سلسلة التعويضات بقيام البدل مقام المبدل في الحكم وكونه للمالك مباح التصرف لمن هو في يده بالمعاطاة اللهم إلا أن يكون هناك اجماع على صحة البيع ووقوعه للبايع دون المالك وحينئذ فلا مناص عن الالتزام بدخوله آناما في ملكه.


= التحليل قاصد كون البيع للمالك، ولما كان ادعاء كونه مالكا ملغى، إذ لا واقع له بل هو صرف ادعاء فيصح البيع للمالك ولكن باجازته، ومنه ما نحن فيه فانه لو باع احد المتعاطيين ما تحت يده من المال المأخوذ بالمعاطاة مع قصد المتعاطيين حصول الملك بها بناء على كون الحاصل بها مجرد الاباحة في التصرف دون الملك، فان للبايع انما يقصد البيع له بناء منه على كونه مالكا لما باعه اشتباها فهو كمن اعتقد كون المبيع له فباعه لنفسه بناء على اشتباهه، سوى ان ذاك اشتباهه من ناحية الموضوع، وهذا منشأ اشتباهه تخيله ان المأخوذ بالمعاطاة حكمه الملك لا اباحة التصرف فقط ومن هنا يبيعه لنفسه بما أنه مالك له، فهو لدى التحليل يبيع العين لمالكها فيصح البيع للمالك ان اجازه بعد معرفته ان المبيع له وان المعاطاة حكمها مجرد الاباحة دون الملك. وعلى كل فالوجه في صحة بيع المأخوذ بالمعاطاة ووقوعه لمالكه مع اجازته بناء على الاباحة هو ما ذكرناه: من أن البايع، وان قصد كون البيع له لتخيله واعتقاده كون المبيع له وأن المعاطاة المقصود بها حصول الملك لكل منهما بالنسبة إلى ما أخذه من صاحبه تقتضي الملك وانما ينشأ البيع على ما تحت يده لنفسه بما انه مالك للمبيع فهو لدى التحليل قاصد كون البيع لمالكه، وحيث كان اعتقاد كونه مالكا للمبيع ملغى إذ كان =

[ 125 ]

ومنها - العتق فانه يصح عتق المأخوذ بالمعاطاة على الملكية، ويقع باطلا


= مبنيا على كون المعاطاة مفادها الملك مع انها على الاباحة لا تقتضي سوى اباحة التصرف، فالغاء بنائه واعتقاده لا يقتضي عدم صحة البيع للمالك الحقيقي مع اجازته. وعلى هذا فاشكال صحة بيع المباح له مال المبيح بانه انما يصح وقوعه عن المالك والمفروض وقوعه من البايع لنفسه فما وقع لم يصح لكونه خلاف حقيقة المعاوضة المقتضية لدخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه وقد خرج من ملك المبيح، فكيف يدخل الثمن في ملك البايع المباح له، والصحيح غير واقع لان العقود تابعة للقصود. مندفع فان ما وقع من المباح له من البيع لنفسه لا بما هو هو وأنه زيد بن عمرو مثلا ليقال: ان ما وقع لم يصح بل بما انه هو المالك للمبيع لاعتقاده كونه له وان المأخوذ بالمعاطاة ملك لآخذه فهو انما يقصد وقوع البيع لمالك المبيع تحليلا، فما وقع منه صحيح مع اجازة المالك الحقيقي نعم تطبيق المالك على نفسه خطأ واشتباه، فهو الملغى ولا ملازمة بين الغائه وبطلان البيع وعدم قابليته للتصحيح بالاجازة من المالك. وبهذا التقريب يندفع اشكال المستشكل. وأما ما ذكره سيدنا قدس سره بقوله: وأما الثاني فلعدم اعتبار القصد لمن له البيع في صحته وهو غير مأخوذ في ماهيته وقوامه ولذا قلنا بصحة بيع الغاصب لنفسه ووقوعه للمالك مع الاجازة انتهى. فظاهره دعوى ان المناط في صحة وقوع البيع لشخص أو الاشتراء له مجرد مالكيته للمثمن أو الثمن وعليه فمن قصد بيع ماله لغيره اي قصد خروج المال من ملكه إلى ملك المشتري ودخول ثمنه من المشتري في ملك الغير فالثمن يدخل في ملك البايع ويصح البيع له قهرا نظرا لمالكيته للمثمن

[ 126 ]

[... ]


- ويلغى قصده دخول الثمن في ملك الغير ولو اشترى بماله متاعا للغير كذلك بان قصد باشترائه المتاع دخوله في ملك الغير عوضا عما يخرج إلى صاحب المتاع من ثمنه الخارج من ملكه إليه يدخل المتاع في ملك المشترى نظرا لمالكيته لثمنه ويلغى قصد كون الاشتراء للغير كما ان الغاصب للعين إذا أوقع المعاوضة عليها بيعا أو شراء تصح المعاوضة للمغصوب منه باجازته لكونه المالك للمعوض أو العوض وان قصد الغاصب كونها لنفسة. وبالجملة فقصد المعاوضة على المال بيعا أو شراء كاف في وقوعها لمالك المال، ولا حاجة إلى انضمام قصد كونها له كما لا يضر في ذلك قصد كونها لغيره وقد صرح قدس سره بذلك فيما سيأتي منه في رسالة بيع الفضولي في جواب احتجاج المفصل بين ما لو قصد الفضولي البيع لنفسه وبين قصده البيع للمالك بالبطلان في الاول لوجود ما يمنع عن الصحة فيه من عدم القصد إلى المعاوضة حقيقة، قال: قدس سره وفيه ان قصد البيع متضمن لقصد نقل المال عن مالكه، وهذا القدر كاف في تحقق ماهيته وتعيين المالك غير معتبر في تحقق حقيقة البيع كما نص عليه غير واحد من الاصحاب فكما لا يجب تعيينه لا يضر الخطأ فيه، وبالجملة لما كان قصد البيع مستلزما لقصد نقل المبيع عن مالكه تحققت المعاوضة حقيقة وان انضم إليه قصد وقوعه عن نفسه أو لنفسه بعد ما عرفت من خروج قصد المنتقل عنه بل المنتقل إليه ايضا عن حقيقة البيع وماهيته انتهى. ولكن قد يقال: ان حقيقة المعاوضة جعل كل من العوضين مكان الآخر وسد فراغه به في مرحلة الانشاء، وعليه فكما أن أصل وقوع المعاوضة بين المالين يتوقف على كون الموقع لها قاصدا انشاءها بالعقد فلو كان هازلا أو غالطا لم تقع ولم تصح، فكذلك وقوعها على حقيقتها

[ 127 ]

[... ]


يتوقف على كون المنشئ لها قاصدا حقيقتها، فلو لم يقصدها كذلك لم تصح ولا وجه لصحتها على غير ما قصده. وعليه فنقول: هب ان قصد الشخص بيع ماله من المشتري لتضمنه لقصد نقله إليه من مالكه بعوض منه كاف في تحقق ماهية البيع وصحته بلا حاجة إلى قصد كون البيع له ويتحقق بذلك المعاوضة الحقيقية وكذا قصد بيع مال الغير من المشتري فانه لتضمنه لقصد نقله عن مالكه بعوض من المشتري يتحقق به حقيقة البيع ويصح باجازة مالكه. ولكن هذا انما يتم فيما لو لم ينضم إلى قصد البايع بيع ماله أو بيع مال الغيب ما ينافي حقيقة البيع. أما في صورة تحقق المنافي لذلك كما لو قصد البايع بيع ماله للغير بان قصد خروج المبيع من ملكه إلى ملك المشترى ودخول العوض في ملك الغير أو قصد بيع مال الغير لنفسه بان قصد دخول الثمن في ملكه بدلا عما خرج إلى المشتري من مال الغير، ففي كون ذلك قصدا لحقيقة البيع وماهيته إشكال، بل منع، إذ ليس حقيقته مجرد نقل المبيع من مالكه بعوض مطلقا بل البيع انشاء نقل المال من مالكه إلى مالك الثمن بعوض منتقل منه إلى مالك المبيع. فقول سيدنا قدس سره. وبالجملة لما كان قصد البيع مستلزما لقصد نقل المبيع عن مالكه تحققت المعاوضة حقيقة، وان انضم إليه قصد وقوعه عن نفسه أو لنفسه الخ لم يتضح المراد منه، فان كان المراد على تحققها ما قصده البايع من كون البيع في الصورة الاولى للغير المستلزم لدخول العوض من المشتري في ملك الغير بدلا عما خرج من البايع إليه من المعوض، وفي الصورة الثانية لنفسه المستلزم لدخول العوض في ملك نفسه بدلا عما خرج إلى المشتري من ملك الغير، فهو ليس من المعاوضة الحقيقية وان كان المراد وقوع المعاوضة

[ 128 ]

[... ]


وتحققها المالك المبيع الذي استلزم قصد البيع قصد النقل عنه على ما يقوله سيدنا ويلغى ما قصده البايع من كون المعاوضة لغير مالك المبيع، ففي صورة مالو باع المالك ماله قاصدا دخول عوضه من المشترى في ملك غيره يصح البيع ويدخل العوض في ملك مالك المعوض وان كان خلاف ما قصده البايع، كما انه لو باع الفضولي مال غيره لنفسه بان قصد دخول عوضه من المشتري في ملكه بدلا عما خرج إليه من مال الغير يصح البيع لمالك المبيع باجازته ويلغى قصد البايع كون البيع لنفسه، فالالتزام بذلك على اطلاقه مشكل بل ممنوع، فان العقود صحة وفسادا تتبع قصد المتعاقدين فإذا كان المالك عند بيع ماله وقصده إخراجه عن ملكه إلى ملك المشتري وادخال عوضه في ملك غيره لم يقصده على حقيقته، أعني ادخال الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه إلى ملك المشتري، فباي وجه يلغى ما قصده من كون البيع للغير ويقع البيع له ويدخل العوض في ملكه لمجرد كونه مالكا للمعوض وان لم يكن المقصود له انشاء البيع لنفسه بل لغيره. وبالجملة ان ما انشأه البايع مبادلة خارجية شخصية مفادها كون المبيع للمشتري وعوضه لغير البايع وصحتها كذلك يدور مدار شمول دليل الامضاء للمبادلة المذكورة على ما انشأت وصحة مبادلة اخرى لم تكن منشأة للبايع، وهي كون الثمن له بدلا عما خرج منه إلى المشتري لا يقتضي صحتها على ما أنشات، نعم فيما لو باع الفضولي مال الغير لنفسه يمكن تصحيح. البيع لمالك المبيع باجازته وان قصد الفضولي كون البيع له عند انشائه للعقد، ولكن ذلك انما هو فيما لو كان البايع من الغصاب المتغلبين وأهل النهب والغارات وامثالهم ممن يرون ادعاء ان ما تحت ايديهم من الاموال المنهوبة مالا لهم وعند انشاء المعاوضة على ذلك يقصدون انشائها على ما هو لهم

[ 129 ]

[... ]


فالبايع منهم لما تحت يده من مال الغير ينشأ البيع عليه بما هو مال له فهو لدى التحليل يوقع البيع لمالك المبيع ويطبقه على نفسه ادعاء منه انه المالك له فالغاء التطبيق المذكور لكونه صرف ادعاء منه لا واقع له لا يقتضي الغاء ما انشأ من البيع للمالك المبني على الادعاء، فيصح البيع للمالك باجازته. وبالجملة، هو بناء على ادعائه قاصد للمعاوضة الحقيقية تحليلا وكون العوض داخلا في ملك مالك المعوض، وليس كمن باع مال نفسه للغير في كونه غير قاصد حقيقتها. ونظير للغاصب المذكور من باع مال الغير لنفسه مشتبها ومعتقدا كون المال له فانه عند انشاء البيع يوقعه لمالك المبيع حقيقة فخطاه في كونه المالك لا في البيع للمالك فيصح البيع باجازته. هذا ولكن ما ذكرناه من امكان تصحيح بيع الغاصب باجازة المالك انما هو فيما إذا كان متغلبا ويبيع مال المغصوب منه بما انه مال له ادعاء وأما الغاصب الذي يبيع مال المغصوب منه لا بما هو مالك له بل بما انه غاصب له وبايع له عدوانا فانه يقصد اخراج المال من مالكه المغصوب منه وادخال عوضه في ملك نفسه، فهو غير قاصد للمعاوضة على حقيقتها ولا وجه لتصحيحها على ما قصده وان اجازها المالك. ثم ان ما ذكرناه في هذه التعليقة والتي قبلها بناء على ما لم يستبعده سيدنا قدس سره من أن بيع احد المتعاطيين ما تحت يده من المال المأخوذ بالمعاطاة بناء على الاباحة يصح ويقع للمالك المبيح، ولكنا قربنا في بعض تعاليقنا وقوعه عن المباح له وذلك للاقدام المعاوضي من كل من المتعاطيين على ضمان المأخوذ بالمعاطاة بعوضه الذي دفعه لصاحبه عند تلفه أو اتلافه أو ما هو بمنزلة الاتلاف مما لا يمكن لصاحبه الرجوع به على

[ 130 ]

بناء على الاباحة المجردة (1) لقوله: " لا عتق الا في ملك " مع احتمال أن يقال فيه من الحكم بالصحة ووقوعه عن المالك بناء على الاباحة - كما تقدم في البيع - وان قلنا ببطلان العتق الفضولي على الاشهر، لخروجه عنه بسبق الاذن الضمنى أو بشاهد الحال كما تقدم إلا أن ذلك مبنى على عدم اعتبار القربة في صحة العتق بتنزيل ما دل عليه من قوله: " لا عتق إلا ما اريد به وجه الله " وغير ذلك على نفي الكمال دون الصحة: وأما بناء على اعتبارها فيشكل لان المالك غير متقرب به والمعتق غير مالك فلا وجه حينئذ لصحته ان قام الدليل عليه الا دخوله آناما في ملك المعتق ويقع حينئذ عنه لا عن المالك. ومنها وطى الامة المأخوذة بالمعاطاة، فيجوز على الملكية ولا يجوز


- كل من القول بافادها الملك أو الاباحة، ففيما هو محل الكلام من بيع المباح له ما تحت يده من مال المبيح مقتضى الضمان المعاوضي الذي أقدم عليه المتعاطيان انتقال عوضه الذي هو تحت يد صاحبه إليه عند البيع الذي هو بمنزلة اتلاف مال المبيح عليه لعدم امكان رجوعه به بعد فرض كون البيع باذن منه وتسليط عليه وانتقال العوض إلى ملك المبيح مستلزم لانتقال مال المبيح إلى المباح له حين البيع لئلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض في الملك، وعليه فيخرج المبيع من ملك المباح له إلى ملك المشتري، ويدخل عوضه من المشتري في ملكه، وهو معنى وقوع البيع عن المباح له ولعله يأتي في بعض تعليقاتنا زيادة توضيح لذلك. (1) يمكن أن يقال: إن الكلام في العتق كما قربناه فيما سبق من البيع: من صحته ووقوعه عن المعتق لما ذكرناه: من أن مقتضى الاقدام المعاوضي من المتعاطيين وكون كل من العوضين مضمونا بالآخر عند الاتلاف وما هو بمنزلته انتقال العبد عند عتقه إلى المباح له وينعتق عنه لانتقال

[ 131 ]

على الاباحة بناء على اعتبار الصيغة في التحليل كما هو أحد القولين فيه، فتظهر الثمرة بينهما اللهم إلا ان يكون هناك اجماع على الحل فلا بد حينئذ من الالتزام بدخوله آناما في الملك فتنعدم الثمرة حينئذ حكما لا موضوعا الا


- عوضه إلى ملك المبيح المستلزم لانتقاله إلى المباح له نحو ما ذكرنا في بيعه. فما ذكره سيدنا: من بطلانه على الاباحة المجردة، لقوله صلى الله عليه وآله: " لا عتق إلا في ملك " غير واضح، كما ان ما احتمله: من الحكم بالصحة والوقوع عن المالك بناء عليها، وان قلنا ببطلان الفضولية في العتق لخروجه منه، لسبق الاذن الضمني أو مشاهد الحال - غير واضح - ايضا - فان محل الكلام في المعاطاة المقصود بها لكل من المتعاطيين تمليك ما اعطاه لصاحبه، فالاذن الضمني أو مشاهد الحال من المعطي المستفاد من الاعطاء بقصد التمليك بالتصرف فيما أخذه وما كان بمنزلته كالعتق ونحوه من النقل اللازم بما انه مملوك له بالأخذ منه، لا الاعم من ذلك، ومما فرض كونه مباحا له، فما تعلق الاذن به، وهو عتق المملوك لمعتقه، بناء على كون المعاطاة مفادها الاباحة لم يحصل على الفرض، وما حصل وهو العتق عن المالك لم يكن متعلقا للاذن الضمنى. وما ذكرناه من الوجه في امكان وقوع بيع المأخوذ بالمعاطاة عن المالك بناء على الاباحة، لا يجري في عتقه، إذ البيع صالح للفضولية يمكن تصحيحه باجازة المالك، بناء عليها، بخلاف العتق غير الصالح للفضولية على الفرض. وبالجملة، ما احتمله سيدنا قدس سره من الحكم بصحة وقوع العتق عن المالك بناء على الاباحة، بعيد. والاقرب ما ذكرناه من وقوعه عن المباح له.

[ 132 ]

ان المنع عنه محكى عن الشيخ والشهيد في تعليقه على القواعد. وبالجملة فالجواز على القول بالاباحة مبنى اما على دخوله آناما في الملك أو على كفاية الاباحة المطلقة في التحليل وعلى التقديرين فتنعدم الثمرة حكما لا موضوعا. الثالث - في وجوب الخمس والزكاة وتعلقهما بالعين المأخوذة بالمعاطاة إذا اجتمع فيها شرط الوجوب فيتعلقان بها فيجب على الآخذ بناء على القول بالملكية وان كانت متزلزلة بناء على عدم شرطية استقراره في الوجوب ولا يجب على القول بالاباحة مع احتمال الفرق بين الخمس والزكاة فيجب الاول مطلقا ولو قلنا بان مفادها الاباحة المجردة لصدق الغنيمة عليه بالمعنى الاعم فيدخل في عموم الآية بناء على الاكتفاء فيه بمجرد صدق الفائدة التى هي اعم من الملكية بعد ان كانت الاباحة فيها مطلقة فتنعدم الثمرة فيه موضوعا لا حكما بخلاف الزكاة المشروط وجوبها بالملك اللهم الا ان يقال: بتعلق الزكاة بها على القولين ووجوبها على التقديرين غير أنه يجب على الآخذ إذا اجتمعت عنده شرائط الوجوب على القول بالملكية ويجب على المالك على القول بالاباحة وان سقط عنه بدفع الاخذ لها زكاة اللهم إلا ان يقال بعدم تمكن المالك غالبا من التصرف في ملكه المأخوذ منه بالمعاطاة اما لغيبة الآخذ أو لمجهوليته فلا يجب عليه لذلك ولا على الاخذ لعدم تملكه بالمعاطاة. وحينئذ فان قام اجماع على وجوب الزكاة على الآخذ فلا بد من الالتزام بدخوله آناما في ملكه. هذا وحيثما تعلق الخمس أو الزكاة بالعين المأخوذة بالمعاطاة، فغير بعيد تحقق اللزوم بذلك على القولين لكونه بحكم تلف بعض العين أو نقله فلا يجوز الرجوع بالباقي بناء على أن تلف البعض من الملزمات ايضا، مع احتمال دعوى اللزوم بذلك في الخمس فقط، لكونه بحكم تصرفه وتلفه

[ 133 ]

عنده بخلاف الزكاة حيث قلنا بوجوبها على المالك والدفع اسقاط عنه فانه حينئذ بحكم رجوعه بالبعض الذي لا ينافي جواز رجوعه بالباقي. هذا ما تطرق إليه الخيال على تشتت البال بحسب ما تقتضيه القاعدة وعليك بالتأمل فيه فانه لا يخلو من الحاجة إليه والى مراجعة كلمات الاصحاب. الرابع - فيما لو مات المتعاطيان فينتقل كل من العينين إلى وارث من كانت بيده بالارث على الملكية والى وارث المالك بناء على الاباحة (1) وعليه


(1) تحرير الكلام في التنبيه المذكور هو انه لا اشكال في لزوم المعاطاة بموت المتعاطيين بناء على الملك فان جواز الرجوع الثابت في المعاطاة انما هو من قبيل الاحكام الثابتة لموضوعاتها التي لا تقبل الارث نظير جواز الرجوع بالهبة وليس من سنخ الحقوق التي تورث بحكم النبوي المشهور: " ما ترك الميت من حق فهو لوارثه " وكذا لو مات احدهما فليس لوارثه الرجوع بها بل ليس للحي منهما الرجوع إذ الظاهر أو المتيقن من الجواز في المعاطاة رجوع كل من المتعاطيين على صاحبه واخذ العين منه لا الاعم من ذلك والرجوع إلى وارثه. وبالجملة فكما ان الرجوع بالمعاطاة موضوعه الرجوع بنفس العين فلو تلفت ليس لكل منهما الرجوع على صاحبه بمثل التالف أو قيمته وتلزم المعاطاة بذلك، فكذا لو مات المتعاطيان أو احدهما ليس للوارث لهما أو الموجود منهما الرجوع بالمعاطاة الواقعة بين المورثين أو الواقعة بين احدهما ومورث الآخر وتلزم المعاطاة بذلك. هذا بناء على إفادتها الملك الجائز وأما بناء على افادتها الاباحة فالذي يظهر من سيدنا قدس سره تبعا لغيره بطلانها بالموت حيث يقول: فينتقل كل من العينين إلى وارث من كانت العين بيده بالارث على الملكية والى وارث المالك بناء على الاباحة انتهى. والوجه في ذلك جعلها على الاباحة من قبيل العقود الاذنية كالعارية مثلا التى قوامها مجرد الاذن في التصرف، فتبطل بموت كل من -

[ 134 ]

فلا يجوز التصرف لكل من ورثة الطرفين إلا باذن جديد من المالك الوارث ان كانت الاباحة أو بتجديد المعاملة بينهما لعدم تأثير اذن المورث في اباحة الوارث ان كان الاباحة مالكية، وكذلك ان كانت شرعية لقصور دليلها بالنسبة إلى غير المتعاطيين


- الآذن والمأذون، ويفتقر جواز التصرف إلى اذن جديد ممن له الاذن هذا ولكن بمقتضى ما ذكرناه فيما سبق من انها من المعاوضات على كل من القول بالملك أو الاباحة وانها مبادلة بين الملكين على رأي وبين السلطنتين على رأى آخر، فلا وجه لبطلانها بالموت بل تلزم بذلك للسيرة القطعية على عدم البطلان بالموت فان وارث الميت من المتعاطيين لو رجع إلى الحي منهما بما في يده من احد العوضين وأخذه منه قائلا: ان الاذن انما كان من مورثة وبطل بموته ينكر عليه ذلك وكذا لو رجع الحي على وارث الميت منهما وأخذ ما في يده من العوض، وهو كاشف عن عدم البطلان بالموت ولو كان الاذن في المعاطاة نظير الاذن من المعير للمستعير بالتصرف بما تحت يده من العارية، لما كان للانكار وجه. ويشهد لعدم البطلان ايضا: ان كاشف الغطاء قدس سره في مقام استبعاد ما ذكره المشهور من الاباحة ذكر من جملة المبعدات ترتيب آثار الملك على ما ليس بملك حيث قال: " ومنها ان الاخماس والزكوات إلى أن يقول والمواريث والربا والوصايا تتعلق بما في اليد إلى قوله فتكون متعلقة بغير الاملاك " فيظهر من ذكر ذلك في مقام الاستبعاد ان ارث الوارث ما في يد مورثه من مسلمات الفقه حتى عند القائلين بالاباحة. وشيخنا الانصاري قدس سره اعترف له بالاستبعاد حيث قال: " واما ما ذكره من تعلق الاخماس والزكوات " إلى آخر ما ذكره فهو، استبعاد محض ولو كان موت احد المتعاطيين بناء على الاباحة موجبا لبطلان المعاطاة لم يلزم تعلق الارث بغير الملك إذ الوارث حينئذ يرث ما يملكه مورثه

[ 135 ]

ولو مات أحدهما، فينتقل إلى وارثه بالارث على الملكية. وغير بعيد الحاقه بالنقل الاختياري في ايجابه اللزوم، ويجوز لكل من الحي وورثة الميت التصرف فيما انتقل إليه لكونه ملكا له. وأما بناء على الاباحة فلا يجوز للحى التصرف فيما بيده لتوقفه على الاذن من وارث المالك ان كانت الاباحة مالكية أو شمول دليلها لهذه الصورة ان كانت شرعية كما عرفت وأما تصرف ورثة الميت فقد يقال بجوازه ان كانت الاباحة مالكية لتحقق الاذن أو بشاهد الحال من المالك الموجود الظاهر في شموله لجميع طبقات الطرف الآخر، اللهم إلا أن يمنع ظهور الحال في رضائه بالتصرف في ماله مع كونه ممنوعا عن التصرف فيما هو بيده. وبالجملة فالمدار على القول بالاباحة في جواز التصرف على تحقق


- لا ما في يد مورثه المباح له، فلا وجه لاستبعاد الشيخ كاشف الغطاء الارث، ولا لاعتراف الشيخ الانصاري قدس سره ذلك الاستبعاد. هذا وأما لزوم المعاطاة بالموت فلما ذكرناه من ان الثابت والمتيقن من الجواز في باب المعاطاة رجوع كل من المتعاطيين على صاحبه واخذه العين منه، فلو تلفت العين أو مات صاحبه لم يمكن تحقق ما هو الثابت في قبال اصالة اللزوم في المعاوضة من اخذ العين من صاحبه فانه في صورة موت صاحبه وان امكن ارجاع العين ولكنه من وارثه لا منه والاصل اللزوم في المعاوضه بلا فرق بين القولين لما ذكرناه من انها معاوضة على كل من المسلكين الملك أو الاباحة، فكما ان الاصل عدم رجوع الملكين إلى المالك الاصلى ما لم يثبت جوازه فكذا الاصل عدم عود السلطنتين إلى المالك الا بعد تحقق الرجوع ونفوذه. هذا تحرير الكلام في ما ذكر في التنبيه المذكور ومنه تعرف وجه المناقشة فيما ذكره سيدنا قدس سره.

[ 136 ]

الاذن من المالك الفعلى أو من المالك الحقيقي وهو غير مندرج تحت قاعدة كلية هذا بحسب ما تقتضيه القاعدة من الفرق بين القولين فان قام دليل من اجماع أو سيرة على جواز التصرف في صورة موتهما أو موت احدهما من غير توقف على اذن جديد، فهو خروج عن القاعدة وتخصيص لها بدليل خاص. الخامس - لا يرجع بالنفقة لو رجع بالعين على الملكية لانه بدلها في ملكه فلا يستحق الرجوع بها على غيره ويرجع بها على الاباحة لو رجع عليه مع عدم التبرع بالانفاق على الاظهر. ثم ان ههنا امورا ينبغي التعرض لها والتنبيه عليها. منها ما ذكروه في ملزمات المعاطاة: من تلف العينين أو احديهما - كلا أو بعضا - أو نقلهما أو احديهما كذلك بنقل لازم أو جائز أو مزج بغيره بحيث لا يتميز عنه أو تصرف مغير للصورة. فنقول اما التلف، وهو: اما أن يكون من الجانبين أو من جانب واحد وعلى التقديرين، فالكلام فيه مرة على القول بالملكية واخرى على القول بالاباحة. أما مع تلف العينين، فالتالف من مال من انتقل إليه على القول بالملك لانه تلف في ملكه ولا معنى لضمانه ملك نفسه، فلا رجوع لاحدهما على صاحبه ببدله الواقعي من المثل أو القيمة لو اراد الرجوع لانقطاع استصحاب علقة المالك في العين بعد تلفها (1) وهو معنى اللزوم


(1) ليس منشأ اللزوم وعدم جواز رجوع أحدهما على صاحبه بالبدل الواقعي: هو انقطاع استصحاب علقة المالك بتلف العين، لما ذكرناه سابقا من أنه بعد انتقال المال إلى الطرف بالتعاطي وملكه له، لم يبق لمالكه الاول علقة فيه اصلا حتى يتصور استصحابها وينقطع ذلك بتلف العين، بل الوجه في اللزوم وعدم جواز الرجوع بعد التلف هو ان المتيقن من الجواز الثابت بالاجماع في قبال إصالة اللزوم الثابتة بآية التجارة عن تراض.

[ 137 ]

فيه. ومنه يظهر الفرق بينه وبين تلف المبيع في زمن الخيار الذي يرجع فيه ببدل التالف من المثل أو القيمة لكون الرجوع فيه من احكام العقد الخيارى بخلاف المقام. وأما على القول بالاباحة، فلا اشكال في اللزوم بذلك، بل ذهب غير واحد إلى عدم الخلاف فيه، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه وانما الكلام في ان ذلك هل هو على وفق القاعدة، أو على خلافها، خرج عنها بالاجماع؟ ذهب بعض إلى الأول، نظرا إلى اصالة البرائة عن بدل التالف للمالك لو أراد الرجوع بالبدل الواقعي من المثل أو القيمة مع عدم ما يوجب ضمانه لان الموجب له: أما الأصل، وهو استصحاب جواز الرجوع قبل التلف، وقد عرفت انقطاعه بانتفاء متعلق العلقة المستصحبة من العين، واما اليد لعموم حديث " على اليد " الممنوع شموله للمقام لان اليد لم تكن يد ضمان عند وجود العين ولا بعد تلفها، مع عدم ارادة الرجوع وجواز الرجوع فرع كون اليد يد ضمان قبله. وذهب جماعة إلى الثاني نظرا إلى كون العين عند المعاوضة بالتعاطي مضمونة على قابضها بالبدل الجعلى، فإذا لم يسلم ولم يلزم المسمى المجعول بقرار المتعاطيين رجع إلى البدل الواقعي من المثل أو القيامة فاليد يد ضمان من اول الامر.


- ونحوها صورة بقاء العينين. لا يقال: ثبت في الاصول أنه لو ورد عام وورد مخصص له ولم يكن له عموم زماني، ففي مقام الشك يتمسك باستصحاب المخصص لا بعموم العام، وما نحن فيه من ذلك، فان عموم آية التجارة عن تراض ونحوه مما هو مدرك إصالة اللزوم المقتضى لعدم جواز ارجاع كل من المتعاطيين ما ملكه لصاحبه بالمعاطاة واعادته إلى ملكه الا بالتجارة عليه وكسبه منه عن رضا به، قد خصص بالاجماع على جواز المعاطاة، فعند الشك في =

[ 138 ]

قلت: المرجع في الضمان للبدل وعدمه إلى كون الاباحة هل هي مجانية أو بعوض إذ لا معنى لغرامة البدل مع كون الاباحة مجانية التى معناها لا غرامة عليه اصلا، وحيث كانت المعاطاة معاوضة فلا جرم كانت العين مضمونه ببدلها على من قبضها، وقياسه بنثار العرس المبذول مجانا كما في الجواهر قياس مع الفارق نعم يمكن أن يقاس به بناء على مذهبه في موضوع المعاطاة من قصد الاباحة بالاباحة، فان العوضية إنما هي بين الاباحتين لا بين العينين فتكون الاباحة حينئذ بالنسبة إلى متعلقها مجانية من الجانبين وان وقعت الاباحة بأزاء الاباحة ولعله مثله ايضا في المجانية لو فرض قصدهما التمليك بالتمليك كما هو أحد الاحتمالات المتقدمة في تصوير المعاطاة بارادة التسليط التمليكي بازاء التسليط التمليكي فالملكية حينئذ مجانية وان قوبلت بالملكية الاخرى كذلك نظير الهبة المشروطة بالهبة على وجه يكون احدهما كالداعي للاخر نعم بناء على فرض قصد التمليك بالتمليك اي تمليك العين بتملك الاخرى على نحو التمليك البيعي كما هو أحد الاحتمالات المتقدمة ايضا بل هو الغالب من قصد المتعاطيين كما نشاهده بالوجدان فيشكل الحكم باللزوم بناء على القول بالاباحة فيه ضرورة كون المعاوضة في هذه الصورة انما هي بين العينين ومقتضاه الضمان، والمسمى وان وقع القرار بينهما عليه الا ان الالتزام به مع كونه غير البدل الواقعي موقوف على ثبوت ملزم شرعي وهو مع كونه ممنوعا عين الدعوى ومصادرة وهذا بخلاف البدل الواقعي فان دفعه يعد عرفا دفعا للتالف ولا حق للمالك


= جواز الرجوع بها بعد تلف العين ينبغي التمسك باستصحاب جواز الرجوع فيلزم من تلف المال عنده دفع مثله أو قيمته لطرفه لو رجع بها. لانا نقول: هذا يتم فيما لو كان الجواز ثابتا بدليل الخيار مما كان موضوعه العقد فان مرجعه إلى سلطنة لذي الخيار على حل العقد واقراره فلو شك في بقاء الخيار للشك في كونه دائرا مدار بقاء العين أو أنه باق =

[ 139 ]

ازيد من ذلك وعليه فيكون اللزوم في هذه الصورة على خلاف القاعدة خرج عنها بالاجماع اللهم الا ان يوجه تطبيقه عليها بما سيأتي. هذا مع تلف العينين وأما مع تلف احديهما وبقاء الاخرى، ففي صورة ما لو كان من قصد المتعاطيين الاباحة بالاباحة فلمالك العين الموجودة الرجوع بها لانها ملكه بالفرض وان أباح التصرف لغيره ولا رجوع عليه ببدل التالف لان المفروض فيها كون الاباحة مجانية ولا يتوهم استلزامه الجمع بين العوضين إذ لا معاوضة بين العينين بل هي بين الاباحتين وقد حصل التصرف فيهما من الجانبين. وأما مع قصدهما الملكية على نحو الايجاب والقبول القولي فعلى القول بالاباحة مقتضى القاعدة جواز الرجوع بالعين الموجودة لمالكها لكونها باقية على ملكه والغرامة لصاحبه عن التالف عنده ببدله الواقعي لكون يده يد ضمان لعموم حديث " على اليد " بعد ان كانت المعاوضة بين العينين، وليس المسمى بدلا عنه وان وقع القرار عليه لعدم الدليل على وجوب الالتزام به بعد أن لم تتم البدلية بينهما بالفرض إلا أن يقوم اجماع عليه، وهو ان ادعى فعلى عهدة مدعية. وأما بناء


= مع تلفها ايضا، ففي مثل ذلك يكون المورد من قبيل استصحاب حكم المخصص المقدم على اصالة العموم ويجري استصحاب بقاء السلطنة على حل العقد عند تلف العين ويلزم من تلفت عنده مع الفسخ البدل الواقعي من المثل أو القيمة لطرفه. أما ما نحن فيه مما كان الجواز فيه ثابتا في قبال إصالة العموم واللزوم بالاجماع الذي هو دليل لبي ولا معقد له فكما يمكن أن يكون مفاده ثبوتا جواز الرجوع بالمعاوضة الحاصلة بالمعاطاة القابل للبقاء مع تلف العين كذلك يمكن أن يكون هو جواز الرجوع بالعين التي وقع التعاطي بها الغير القابل للبقاء مع التلف ومع الشك يقتصر على القدر المتيقن من الجواز، وهو صورة بقاء العين. والحاصل: ان المقام ليس من قبيل =

[ 140 ]

على الملكية فعلى القول باصالة اللزوم في الملك لا رجوع لاحدهما على صاحبه لانه مقتضى الاصل الذي خرج عنه بالخصوص الرجوع مع بقاء العينين وأما بناء على المختار من اصالة الجواز في الملك لاستصحاب بقاء العلقة السابقة، فيشكل تطبيق الحكم فيه باللزوم على القاعدة كما عليه المشهور، بل ادعى عدم الخلاف فيه وان احتمله (في المسالك) احتمالا إذ مقتضى استصحاب بقاء العلقة بالنسبة إلى العين الموجودة لمالكها جواز الرجوع بها فان رجع بها رجع صاحبه عليه حينئذ ببدل التالف من المثل أو القيمة لكون العين التالفة كانت مضمونة عليه قبل التلف.


= استصحاب حكم المخصص، بل هو من موارد التمسك بعموم العام واصالة اللزوم. ثم ان هذا بناء على حصول الملك بالمعاطاة. وأما بناء على القول بافادتها الاباحة فكذلك لا يمكن احراز جواز الرجوع بعد تلف العين لان الجواز الثابت قبل التلف بناء على الاباحة هو مقتضى سلطنة المالك على ماله فانا قلنا بان المعاطاة بناء على الاباحة مبادلة بين المالين مفادها سلطنة كل من المتعاطيين على ما تحت يده من مال الآخر سلطنة مطلقة مع بقاء كل منهما على ملك مالكه، وبما أن اصل الملك لكل منهما فيما دفعه إلى طرفه باق على ما كان عليه فلكل منهما إبطال المعاوضة وارجاع ما حصل بها من السلطنة المطلقة لطرفه إليه بمقتضى سلطنة الناس على اموالهم، كما كان أصل المعاوضة بمقتضاها، ولكن حيث كان تلف مال المالك المبيح موجبا لخروجه عن ملكه ودخوله في ملك المباح له قبل التلف آناما بمقتضى كون الضمان فيها معاوضيا وان ما بيد كل منهما مضمون بعوضه الذي هو في يد الآخر فيدخل العوض عند المتلف في ملك المبيح ولازمه خروج المباح عن ملكه ودخوله في ملك المباح له قبل التلف آناما، والا لزم الجمع بين العوض =

[ 141 ]

اللهم إلا ان يوجه تطبيق الحكم باللزوم على القاعدة حينئذ باحد وجهين: (الاول) ان المعاطاة بناء على افادتها الملكية تقتضي صحة بدلية كل من العينين عن الاخرى، ومقتضاها تعيين الغرامة بالبدل الجعلى دون الواقعي غير ان كلا من المتعاطيين بحكم الاستصحاب له ابطال المبادلة الذي معناه الرجوع بما كان له وارجاع بدله إلى صاحبه، وهو غير ممكن مع التلف فيتوقف الرجوع على التراد الغير الممكن إلا مع بقاء العينين (الثاني) ان ملكية المعاطاة استفيدت من عمومات " احل الله البيع " " وتجارة عن تراض " ونحو ذلك التي مقتضى عمومها الازماني اللزوم خرج عنها صورة بقاء العينين بالدليل، فيبقى غيرها مندرجا تحت العموم المنقطع به الاستصحاب اللهم الا ان يخدش فيه بدعوى ان الزمان ليس من المشخصات الفردية بحيث يكون الفعل بحسب اجزائه المساوية افرادا متعددة للعام حتى لا ينافي خروج فرد منه جريان اصالة العموم في غيره لكونه من الشك في التخصيص بل هو ظرف للفعل


= والمعوض في الملكية، فالسلطنة التي كانت للمالك على ماله المباح لطرفه ارتفعت بدخوله في ملك طرفه، والاجماع القائم على جواز الرجوع لكل من المتعاطيين ظهر حاله وان القدر المتيقن منه ما كان قبل التلف، فلا وجه لضمان كل منهما لصاحبه البدل الواقعي من المثل أو القيمة والاصل عدمه. هذا حكم ما لو كان التالف كلا العينين ومنه يظهر حكم ما لو تلف احدهما أو بعضه لما ذكرناه من امكان كون موضوع الجواز في المعاطاة بناء على الملك بقاء العينين على حالهما فيتلف احدهما أو تلف بعضه يرتفع موضوع الجواز، والمتيقن من الجواز تلك الصورة على نحو ما ذكرنا: من أن المورد من موارد التمسك بعموم العام لا باستصحاب حكم المخصص. هذا على القول بافادتها الملك، وقد سبق ان الحكم بناء على الاباحة لا يخالف القول بالملك، فان تلف العين إذا كان كاشف عن سبق ملكها لمن =

[ 142 ]

الملحوظ في مجموع اجزائه بنظر الوحدة ولا يوجب صيرورته به افرادا متعددة بل هو فرد واحد فإذا فرض خروجه في جزء من اجزاء الزمان وثبت الحكم بالجواز فيه انقطع حكم العام واستصحب حكم المخصص إذ لا يلزم من ذلك زيادة تخصيص حتى تنفي بالاصل فتأمل ويلحق بتلف العين تلف بعضها في الحكم ودليله. هذا كله في التلف، وأما النقل الشرعي، ففي لحوق نقل العينين أو أحديهما كلا أو بعضا منهما أو من أحدهما بالتلف حكما مطلقا سواء كان بنقل لازم أو جائز أولا كذلك أو التفصيل بالاول في الاول والثاني في الثاني مطلقا على القول بالملكية أو الاباحة أو يفصل بينهما وجوه واحتمالات، لعل بعضها أقوال.


= تلفت عنده الملازم لملكية طرفه للعين الباقية بحسب ما يقتضيه الضمان المعاوضي فالحكم بجواز إرجاع العين الموجودة ممن هي بيده وضمانه بدل العين التالفة أو القيمة له يحتاج إلى دليل مفقود، والاصل عدمه والحاصل: أنا ذكرنا فيما سبق أن محل الكلام والنزاع الواقع في كلمات الاصحاب من الفقهاء هو في المعاطاة التى قصد بها المتعاطيان حصول الملك لكل منهما بنحو يكون كل من العينين عوضا عن الاخرى، وهي المعاطاة الدائرة بين الناس عرفا وعمدة ما قيل في حكمها قولان: أحدهما كونها مفيدة للملك الجائز، ويلزم باحد الملزمات، وهو المختار للمحقق الكركي قدس سره ومن تبعه على ذلك، وهو أقوى القولين. والقول الآخر ما ينسب إلى المشهور من أنها تفيد الاباحة المطلقة في التصرفات ويحصل الملك بتلف العين أو بالتصرف المتوقف على الملك. وعلى كل هي معاوضة عرفية مشمولة لآية التجارة عن تراض والضمان فيها معاوضي والتعاطي بينهما بالقصد المذكور مصداق للتكسب غاية الامر بناء على ما يستفاد من ظاهر المشهور أن الملك لم يتحقق حين التعاطى =

[ 143 ]

وبالجملة النقل: أما بعقد لازم أو جائز وعلى التقديرين، فالكلام مرة بناء على الملكية وأخرى على الاباحة. أما النقل اللازم، فلا إشكال في عدم جواز رجوع كل منهما إلى صاحبه بناء على الملكية لانقطاع استصحاب جواز الرجوع بعدم امكان التراد المأخوذ في موضوع الحكم بالجواز اما رجوع الناقل على صاحبه بالعين الباقية، فلتوقفه على ارجاع بدلها له وهو ممتنع عليه شرعا بنقله اللازم، والممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، وأما عدم رجوع صاحبه بالعين المنتقلة فلكونها منتقلة بنقل صحيح لازم لا رجوع له فيه، فامتنع التراد المعلق على امكانه الحكم بالجواز. هذا مع مضي النقل، ولو فرض عود المنقول بفسخ أو تقايل ففي جواز الرجوع لامكان التراد حينئذ وعدمه وجهان: أقواهما الثاني:


= كما هو المختار للمحقق الكركي ومن تبعه، وانما الحاصل ابتداء اباحة التصرف المطلق والملك متوقف على التلف أو التصرف المتوقف على الملك، وهو غير مانع عن صدق التجارة عليها كما لا يخفى. ولو نوقش في صدقها بناء على الاباحة فيكفى في مشروعتها وان الضمان فيها معاوضي: اجماع الاصحاب على ذلك، فان ما يحكى عن العلامة قدس سره في نهايته من القول بفسادها يحكى ايضا رجوعه عنه في الكتب المتأخرة عنها وبالجملة لا ينبغي التشكيك في كون الضمان فيها معاوضيا، ومقتضى ذلك كون كل من العوضين مضمونا بالآخر فبتلف احدى العينين تتعين الاخرى للبدلية فاستشكال سيدنا قدس سره في ما سيأتي: منه من الحكم باللزوم في صورة تلف العينين بناء على الاباحة بل جزمه بعدمه في صورة تلف احدى العينين، وان مقتضى القاعدة جواز الرجوع بالعين الموجودة لمالكها والغرامة لصاحبه عن التالف عنده ببدله الواقعي - آخر ما قال - غير واضح.

[ 144 ]

إما بناء على اصالة اللزوم في الملك فظاهر لان المتيقن من التراد الجائز معه الرجوع هو ما كان قبل النقل إذ لم يثبت في مقابلة اصالة اللزوم في الملك امكان التراد بقول مطلقا، فالموضوع غير محرز، بل وكذا بناء على اصالة الجواز فيه لتحقق اللزوم بالنقل، فيستصحب وينقطع به استصحاب الجواز وليس إمكان التراد علة للحكم بالجواز حتى يدور الجواز مداره وجودا وعدم بل هو موضوع للحكم به وقد زال بعروض المنع الشرعي بالنقل، وأما بناء على الاباحة المطلقة فكذلك بناء على أن صحة ما يتوقف على الملك كالبيع مثلا يكشف عن سبق الملكية آناما، فينقطع الاستصحاب بامتناع التراد ايضا بل، لعله هنا أولى، لتبدل عنوان الاباحة الذي من المحتمل كونه مناطا لجواز الرجوع بعنوان الملكية التي لم يعلم تعلق جواز الرجوع به حتى يستصحب، وأما بناء على عدم الكشف عن سبق المكية بل يقع البيع عن المالك المبيح، فان قلنا بوقوعه فضوليا يتوقف على الاجازة منه فيجوز الرجوع لامكان التراد مع عدم الاجازة لعدم تحقق النقل المتوقف عليها، وان قلنا بخروجه عن الفضولي لسبق الاذن منه ووقوع البيع له ورجوع العوض إليه غير انه مباح التصرف للناقل كما تقدم جاز الرجوع للناقل على العين الباقية، والا لزم الجمع بين العوض وبدل المعوض الذي هو بمعنى الجمع بين العوضين وبعبارة اخرى: يلزم من البناء على كون العوض للمالك المبيح مباح التصرف للناقل كون العين الموجودة باقية على ملك مالكها مباحة التصرف لمن هي في يده، وإلا لزم الجمع بين العوضين، ومقتضى ذلك جواز رجوع كل منهما على الآخر ايضا. هذا ولو عادت العين بفسخ ونحوه مع كون البناء على الكشف عن سبق الملكية، بل هو اولى منه بناء على الملكية كما عرفت، نعم لو قلنا

[ 145 ]

بان الكاشف عن الملك هو العقد (1) الناقل، فإذا فرضنا ارتفاعه بالفسخ عاد الملك إلى المالك الاول وان كان مباح التصرف لغيره ما لم يسترد عوضه


(1) حاصل ذلك وتقريبه: ان العقد الصادر من المباح له المفروض صحته ولزومه مقتض لانتقال المال من المالك المبيح إليه، ثم منه إلى الثالث ومقتضى ذلك أن فسخه موجب لعود المال بالفسخ من الثالث إلى المالك الاول، فتعود سلطنته السابقة عليه، ومقتضاها جواز رجوعه به. هذا ولكن لقائل ان يقول: ان المعاوضة الواقعة بين المتعاطيين - المفروض صحتها مقتضاها ضمان كل منهما لصاحبه ما أخذه منه عند تلفه أو إتلافه بعوضه، والتصرف المذكور المفروض صحته ولزومه من المباح له فيما أخذه بمنزلة الاتلاف له على المالك المبيح، لكونه موجبا للخروج عن ملكه بعقد لازم، ومقتضى الاقدام المعاوضي الحاصل بالمعاطاة الموجب لضمان العين لمالكها بعوضها عند عدم إمكان اعادتها إليه كون العوض منتقلا إلى المالك المبيح حينئذ أي حين التصرف الملازم لانتقال العين إلى المباح له لكون الضمان معاوضيا وعليه فيكون الموجب لانتقال العين إلى المباح له هو الاقدام المعاوضي الحاصل بالمعاطاة المقتضى لضمان كل من العينين بالاخرى. واما العقد الناقل فانما هو موجب لانتقال المال من المباح له إلى المشتري، فارتفاعه بالفسخ لا يوجب رجوع العين إلى ملك المبيح بل رجوعها إلى ملك المباح له، فان انحلال العقد انما يوجب ارتفاع مقتضاه، وهو انتقال المال من المباح له إلى المشترى دون ما يقتضيه الاقدام المعاوضي الحاصل بالمعاطاة. وبالجملة بناء على ان محل الكلام انما هو في المعاطاة التي قصد المتعاطيان بها حصول الملك لكل منهما فيما اخذه من صاحبه بدلا عما دفعه إليه =

[ 146 ]

كان مقتضى قاعدة السلطنة جواز التراد لو فرض كون العوض الآخر باقيا على ملك مالكه الاول أو عائدا إليه بفسخ. وكذا لو قلنا بأن البيع لا يتوقف على سبق الملك، بل يكفي فيه اباحة التصرف والاتلاف ويملك الثمن بالبيع كما عن القطب والشهيد في باب بيع الغاصب: ان تسليط المشترى للبايع الغاصب على الثمن والاذن في إتلافه يوجب جواز شراء الغاصب به شيئا، وأنه يملك الثمن بدفعه إليه، فليس للمالك اجازة هذا الشراء ويظهر ايضا من المحكي عن (المختلف) حيث استظهر من كلامه فيما لو اشترى جارية بعين مغصوبة: أن له وطء الجارية مع علم البايع بغصبية الثمن، ومقتضى ذلك ان يكون تسليط الشخص لغيره على ماله وان لم يكن على وجه الملكية يوجب جواز التصرفات المتوقفة على الملك، إلا أنه يضعف الاول بان العقد ان لم يؤثر النقل من حينه فلا معنى لعود


= فكل منهما عند بيع ما أخذه بقصد كون البيع له ودخول عوض المبيع في ملكه بدلا عما خرج من ملكه وصحة البيع على ما قصده تتوقف على ملكيته للمبيع بسبب ناقل له إليه سابق على بيعه ونقله إلى المشترى وهو ما ذكرنا من انه هو الاقدام من المتعاطيين على كون كل من العوضين مضمونا بعوضه عند اتلافه أو ما هو بمنزلته من النقل اللازم المستلزم ذلك انتقال العين إلى المباح له بدلا عما انتقل حينئذ إلى المبيح من عوضها. وعليه فالعقد الصادر من المباح له يتمحض لنقل العين من ملكه إلى ملك المشترى، فلو عرض له فسخ بالخيار أو تفاسخ بتقايل تعود العين إلى ملك من انتقلت منه إلى المشتري وهو المباح له ولا وجه لعودها إلى المالك الاصلى، إذ الفسخ انما يوجب نقض ما عقده العاقد وهو انما قصد نقل العين منه إلى المشتري لا نقلها من مالكها إليه ثم منه إلى المشتري ليكون الفسخ موجبا لعودها إلى مالكها الاصلى.

[ 147 ]

العين بفسخ ونحوه كما هو الفرض وان اثر ذلك فقد اوجب اللزوم المنقطع به الاستصحاب بل هو المستصحب، والثاني بامتناع كون العوض لغير من له المعوض (1) (كيف ومقتضى العوضية قيام العوض مقام المعوض، فلو فرض كون العوض ملكا للبايع كشف ذلك عن سبق ملكيه المعوض له جزما.


(1) المختار للمشهور وان كان هو القول بان مقتضى المعاوضة دخول العوض في ملك من خرج المعوض من ملكه كما يقوله سيدنا قدس سره ولكن على فرض القول بامكان تحقق المعاوضة بخروج أحد العوضين من ملك شخص ودخول العوض الاخر في ملك غيره - كما هو المحكى عن القطب والشهيد قدس سرهما في باب بيع الغاصب، لا يمكن القول بعود سلطنة المبيح على الرجوع بالمعاطاة لو انحل بيع العين التي باعها المباح له بفسخ أو تقايل، إذ غاية ما يمكن ان يقال على هذا المبنى: إن صحة البيع من المباح له لا تتوقف على ملكيته للمبيع بل يكفي فيها تسليط المالك له عليه المفروض تحققه في المعاطاة بناء على كونها معاملة صحيحة، وعلى المبنى المذكور فالعين التي باعها المباح له لنفسه تخرج عن ملك المبيح إلى ملك المشتري وثمنها يخرج من ملك المشتري إلى ملك البايع، فإذا حصل فسخ أو انفساخ ورجع كل من العوضين إلى ملك مالكه السابق عادت العين المبيعة إلى ملك المبيح وعادت سلطنته على الرجوع بالمعاطاة. هذا ولكن ذكرنا سابقا ان مقتضى المعاوضة الواقعة بين المتعاطيين ضمان كل منهما لصاحبه ما اخذه منه بعوضه عند تلفه أو إتلافه والتصرف المذكور من المباح له فيما أخذه من المبيح من حيث كونه بالعقد اللازم بمنزلة الاتلاف له على مالكه المبيح لكونه موجبا لخروجه عن ملكه وانتقاله إلى المشتري وارتفاع سلطنته على اعادته إليه، ومقتضى ضمان العين لمالكها =

[ 148 ]

هذا كله في النقل اللازم، وأما في النقل الجائز فليس لمن بيده العين الباقية الرجوع على الناقل بناء على الملكية وإلزامه بالرجوع على ما نقله - بمعاوضة كان النقل أو مجانا - لعدم حصول إمكان التراد فعلا، وتحصيله - ولو كان مقدورا بواسطة الرجوع - غير واجب لان ارجاع ما اخذه بعد الرجوع عليه لم يعلم كونه من الوجب المطلق حتى يجب تحصيل مقدماته بل الظاهر انه من الواجب المشروط للاصل حيث كان الوجوب مستفادا من دليل لبى لا من اللفظ حتى يتمسك فيه باصالة الاطلاق ولا له الرجوع ايضا بنفسه على من انتقلت العين إليه إذ لاخيار له فيه ولا سلطان له عليه. واما بناء على الاباحة فقد فصل فيه شيخنا المرتضى في (مكاسبه) بين مالو كان النقل بمعاوضة أو مجانا (1) فالحق الاول في اللزوم، وحكم


= حينئذ بعوضها: انتقال عوضه إلى المالك المبيح ولازمه انتقال العين إلى المباح له لكون الضمان معاوضيا وعليه فخروج العين إلى المشتري انما هو من ملك المباح له، لا المبيح، فعودها بالفسخ إليه لا إلى المبيح، فلا سلطنة له على الرجوع حتى على مبنى القطب والشهيد قدس سرهما وبالجملة لا فرق في لزوم المعاطاة وعدم امكان الرجوع بها عند نقل العينين أو احدهما بالنقل اللازم بين القول بافادتها الملك وبين القول بافادتها الاباحة، كما لا فرق في ذلك بين مبنى المشهور ومبنى القطب والشهيد قدس سرهما. (1) قال قدس سره فيها: " نعم.. لو كان (يعنى الناقل الجائز) غير معاوضة كالهبة، وقلنا بأن التصرف في مثله لا يكشف عن سبق الملك إذ لا عوض فيه حتى لا يعقل كون العوض لواحد وانتقال المعوض إلى الآخر بل الهبة ناقلة للملك عن ملك المالك إلى ملك المتهب، فيتحقق حكم جواز الرجوع بالنسبة إلى المالك لا الواهب، اتجه الحكم بجواز التراد مع =

[ 149 ]

بالجواز في الثاني للكشف في الاول عن سبق الملك اناما حتى لا ينافي كون العوض له إذ العوض لا يكون إلا لمن له المعوض ولا عوض في النقل المجاني حتى يستلزم الكشف عن ذلك، بل يقع النقل عن المالك المبيح فيجوز الرجوع بقاعدة بقاء السلطنة ولكن في النفس من هذا التفصيل شئ لان النقل الجائز المجاني


= بقاء العين الاخرى أو عودها إلى مالكها بهذا النحو من العود إذ لو عادت بوجه آخر كان حكمه حكم التلف.. " انتهى. هذا ولكن قد يقال ان الهبة الصادرة من المباح له لم تكن عن المالك المبيح بوكالة سنه أو باذن منه في الهبة عنه لتكون الهبة هبته وهو الواهب حقيقة حتى يتحقق حكم جواز الرجوع بالنسبة إليه، وانما وهب المباح له مال المبيح عن نفسه، والمفروض ان التصرف المذكور - أعني الهبة عن نفسه - باذن من المالك ضمنا، وكما هو مقتض لانتقال المال إلى المتهب كذلك يوجب انتقال عوضه إلى المالك بمقتضى الضمان المعاوضي الحاصل من المتعاطيين إذ الهبة المذكورة وان كانت غير لازمة يجوز الرجوع بها لكنها بالنسبة إلى المالك كالنقل اللازم الذي هو بمنزلة الاتلاف عليه كما ذكرنا فان الهبة المذكورة لم تكن عنه ليكون هو الواهب حقيقة فله الرجوع بهبته، وانما هي للمباح له، ومجرد الاذن الضمنى من المالك المبيح بالهبة لا يجعلها هبة عنه ما لم يقصد الواهب كونها عن المالك فلا مناص عن الالتزام بكون المال المذكور منتقلا من المبيح إلى المباح له بموجب الضمان المعاوضي ثم منه إلى المتهب، وعليه فالهبة هبته، فحكم جواز الرجوع انما هو بالنسبة إليه لا إلى المالك ففسخها بالرجوع فيها مقتض لعود المال إليه لا إلى المالك المبيح، ثم ان ما ذكرناه يختلف عما ذكره سيدنا قدس سره في مقام الاشكال على التفصيل الذي ذكره شيخنا الانصاري قدس سره =

[ 150 ]

كالهبة مثلا ان كان بحكم التلف لم يفرق فيه بين البناء عل الملكية أو الاباحة فان كان اللزوم في الاول لحصول النقل من المالك، فقد حصل النقل عنه بالفرض بناء على الاباحة ايضا غير انه في الاول كان بمباشرة المالك وفي الثاني بمباشرة الناقل عنه، فان كان نقل المالك قاطعا للاستصحاب لان الموضوع معه غير محرز كما تقدم فهو حاصل على التقديرين، وإلا فلا كذلك وان لم يكن بحكم التلف فهو كذلك ولو مع البناء على الملكية. وبعبارة اخرى كما لا يجب على الناقل الرجوع على الثالث بناء على الملكية لو رجع عليه صاحبه ودفع إليه العين الباقية لما تقدم، فكذا لا يجب على المالك الذي وقع النقل عنه بناء على الاباحة الرجوع لو رجع الناقل عليه بالعين الباقية في يده لاتحاد المناط في الصورتين، والتفرقة بينهما بوقوع النقل من المالك في الاول وعنه بمباشرة الناقل في الثاني لا يجدى في المناط. اللهم إلا ان يفرق بين النقلين بان النقل الموجب لقطع الاستصحاب هو ما كان اثره محالفا للاستصحاب لا ما كان مؤكدا له إذ الحكم فيه بالجواز يكون مسببا عن سببين فتأمل . هذا ولو نقل ثالث فضولا فاما أن يقع الرد أو الاجازة من أحد المتعاطيين أو منهما وعلى الثاني فأما ان يتفقا في الاجازة أو يتفقا في الرد أو يختلفا فيهما وعلى التقادير فاما أن يتحد زمانهما أو يختلف بتقديم زمان الرد أو زمان الاجازة وعلى التقادير كلها فالكلام مرة بناء على الملكية واخرى بناء على الاباحة. إذا عرفت ذلك فاعلم اولا: ان الاجازة تصح من كل واحد من


وجه التأمل امكان دعوى ان جواز الرجوع في المعاطاة من اثار بقاء العلقة السابقة المنقطعة بتصرف النقل دون القدرة الحاصلة عليه بالعقد الجائز فتأمل (منه قدس سره).

[ 151 ]

المتعاطيين على كل من القولين: الملك والاباحة فلو وقعت من الاول فعلى القول بالاباحة واضح لانه مالك، وعلى القول بالملك فلتضمنها الرجوع الموجب للفسخ فتكون مستلزمة للزوم الفضولي ووقوعه عنه ورجوع الثمن إليه كما لو فسخ اولا ثم اجاز للفضولي. كيف ولو لا تضمنها الرجوع للزم لغوية الاجازة لكونه حينئذ اجنبيا، فالرجوع كما يحصل بالفعل كذلك يحصل بالقول الدال عليه بالمطابقة أو بالالتزام، ولو وقعت من الثاني - وقلنا بالملكية - اثر في الفضولي صحة لوقوعها من المالك وفي المعاطاة لزوما لحصول النقل الموجب له بها، وكذا على القول بالاباحة لكونها كالبيع كاشفة عن سبق الملك آناما لكون الاجازة تصرفا والمفروض له أنحاء التصرفات بناء على الاباحة، فالاجازة حينئذ واقعة من المالك في الصورتين على كل من القولين وهو واضح. هذا ومن كانت له الاجازة كان له الرد ايضا، غير أنه يؤثر في الفضولي بطلانا مطلقا (1) وفي المعاطاة فسخا لو وقع من الاول وقلنا بالملك


(1) الظاهر ان الرد من المالك الاول بالنسبة إلى نقل الفضولي ليس كاجازته في كونه رجوعا بالمعاطاة فان الاجازة منه لكونها توجب استناد نقل الفضولي إليه والاستناد غير ممكن من الاجنبي عن المال فصحة الاجازة وعدم لغوية الاستناد إليه تستلزم كون نقل الفضولي المجاز من المالك بمنزلة نقله وبيعه في ايجابه الرجوع بالمعاطاة وفسخها ورجوع المال إلى ملكه وأما رده لعقد الفضولي فيمكن القول فيه بان المالك الاول انما ثبت له جواز رد المال إلى ملكه ممن انتقل إليه بالمعاطاة واما رد عقد الفضولي بمعنى رد المال من الثالث إلى مالك العين فعلا فلم يثبت جوازه للمالك الاول وعلى فرض الجواز لا يتحقق به الرجوع بالمعاطاة اللهم إلا ان يقال ان انشاء الرد من المالك الاول بما انه من شؤون ملكيته السابقة وتمسكه بها =

[ 152 ]

لتضمنه الرجوع الموجب له والا لزم لغويته لكونه حينئذ اجنبيا كما لو وقعت الاجازة منه على القول بالملك، ولا تأثير له في المعاطاة لزوما لو وقع من الثاني لعدم النقل منه الموجب له ولا يتوقف الرد على الملك حتى يكشف


= فهو دال بالدلالة الالتزامية على ارادة الرجوع بالمعاطاة به اما رد المالك للعين حال العقد فلا اشكال في نفوذه منه ولكن لا يتحقق به الرجوع بالمعاطاة كما يقوله سيدنا قدس سره هذا بناء على حصول الملك بالمعاطاة. وأما على الاباحة فلا اشكال في نفوذ اجازة المبيح لكونه مالكا للعين فتنفذ اجازته لبيع الفضولي لها وحيث ان اجازته بمنزلة بيعه بنفسه لها ولازمه خروج العين عن ملكه إلى المشتري لها ودخول ثمنها في ملكه بدلا عنها فمقتضى ذلك تحقق الرجوع بالمعاطاة الواقعة بينه وبين طرفه فيها فتبطل. واما اجازة المباح له لبيع الفضولي فمقتضى كونها كبيع العين بنفسه والمفروض كون التصرف المذكور من المباح له بأذن ضمنى من المالك وكونه كاشفا عن ملكه آناما قبل التصرف أو به، فغير بعيد لزوم المعاطاة بذلك واما الرد من المبيح أو المباح له فلا اشكال في تأثيرهما في بطلان بيع الفضولي ولكنهما لا يوجبان الرجوع بالمعاطاة وهو واضح بالنسبة إلى رد المباح له وكذا المبيح على الظاهر ويحتمل كون رده كاجازته رجوعا بها نظرا إلى ان المعاطاة بناء على الاباحة وان لم يكن مفادها المبادلة بين الملكين. كما هي كذلك على الملك ولكنها مبادلة بين السلطنتين فكأن كلا من المتعاطيين بدل سلطنته المالكية على ماله بسلطنته على مال الآخر فكل منهما وان بقي ملكه ولم ينتقل إلى الاخر ولكن شؤنه واثاره انتقلت إليه. وعليه فكما ان اجازة المالك لعقد الفضولي الواقع على ما تحت يد طرفه فيه اقتضاء للرجوع بالمعاطاة لكونه تمسكا بشأن من شؤن الملك واعادة لسلطنته المنقولة لطرفه بالمعاطاة فكذا رده لذلك ولا يخلو ذلك من وجوه.

[ 153 ]

عن سبقه اناما بل يكفي في صحة ابطاله للفضولي كونه من التصرفات المباحة له. هذا لو وقعت الاجازة أو الرد من أحدهما ولو وقع منهما معا وكان الواقع منهما الاجازة، فان اتحد زمانهما (ففي) سقوط الاجازتين معا بالكلية لانه من تعارض السببين المتضادين في الاثر الموجب للتساقط بعد ان كان ترجيح احدهما على الآخر ترجيحا بلا مرجح، أو تأثيرهما في الفضولي صحة عملا بالقدر المشترك منهما وسقوط اثر كل منهما في المعاطاة من الفسخ واللزوم للتعارض، أو تقديم اجازة المالك سواء كان الاول بناء على الاباحة أو الثاني بناء على الملكية، إما لان مالك العين اقوى من مالك التصرف بالرد والاجازة، أو تقديم ذلك بناء على الكشف لان اجازة المالك حينئذ كاشفة عن صحة الفضولي من حين العقد والاجازة الاخرى كاشفة من حينها فوقعت حيث لا مورد لها لسبق اثر اجازة المالك فسخا ولزوما ولا كذلك بناء على كون الاجازة ناقلة، أو تقديم اجازة الاول مطلقا ولو بناء على الملكية لما ستعرف: (وجوه واحتمالات). أقواها الاخير لان الوجوه المتقدمة عليه كلها مزيفة. اما الاول، فلما يتضح لك من أن تقديم إجازة الاول ليس من الترجيح بلا مرجح وأما الثاني، فلان اثر صحة الفضولي المسبب عن إجازة الاول الموجب لكون البيع له والثمن عائدا إليه اثرها. المسبب عن اجازة الثاني الموجب لوقوع الفضولي عنه والثمن له وتغاير الاثر يكشف عن مغايرة المؤثر، فلا جامع بينهما حتى يكون هو المؤثر. وأما الثالث، فيمنع الاقوائية بهذا المعنى نعم لو سلم بمعنى ان نفوذ الاجازة من المالك هو المتيقن ومن غيره يمكن المنع عنه، ولكن هذا المقدار

[ 154 ]

لا يجدى في المقام بعد فرض نفوذها مطلقا ولو من غير المالك ممن له التصرف. واما الرابع - وهو دعوى سبق الاثر ولحوقه بناء على الكشف، ففيه أنه يشترط في كشف الاجازة عن ترتب الاثر من حين العقد عدم وجود مانع عنه إلى حين وقوعها، والمفروض هنا وجود ما يمنع عنه، فلا فرق هنا بين القول بالكشف والقول بالنقل في ذلك. وأما ما يدل على تقوية الاخير: من تقديم إجازة الاول مطلقا فوجوه: الاول - ان مرتبة اللزوم المسبب عن النقل الحاصل باجازة الثاني للفضولي متأخرة طبعا عن مرتبة الرجوع باجازة الاول وان اقترنت معه في الزمان ضرورة أن الاجازة من الثاني تؤثر في صحة الفضولي أولا، وبصحته يتحقق النقل وبتحققه يتحقق اللزوم، وهذا بخلاف الاجازة من الاول فانها متضمنة للرجوع أولا، وتؤثر في صحة الفضولي ثانيا، فالرجوع الموجب للانفساخ مقدم على النقل الموجب للزوم في المرتبة طبعا وبالذات. الثاني - ان الشك عند تقارن الاجازتين بالنسبة إلى لزوم اجازة الثاني شك في وجود سبب اللزوم وهو النقل والاصل عدمه، وبالنسبة إلى اجازة الاول شك في قدح العارض عن تأثير ما يقتضى الفسخ وهو الرجوع فالمقتضى محرز والشك إنما هو في قدح العارض والاصل عدمه بناء على جريان الاصل فيما كان من قبيل المقتضى والمانع مطلقا من غير فرق بين ما لو كان الشك في وجود المانع أو مانعية الموجود لانه من الاصول العقلائية. الثالث - ان نفوذ الاجازة من الثاني وتحقق النقل بها مشروط بكون العين مباحة التصرف حين الاجازة ولا اباحة مع رجوع الاول ومنعه عن تصرف الثاني وان كان مقارنا له، إذ المدار على المنع حين التصرف سواء كان حدوثه قبله أو مقارنا له، وكما لا ينبغى التأمل في بطلان الاجازة لو صرح

[ 155 ]

الاول بالفسخ عند اجازة الثاني فكذلك فيما كان متضمنا للفسخ بعد فرض كون الاجازة متضمنة له لعدم الفرق بين الدلالة عليه بالمطابقة أو بالالتزام فافهم وتأمل، ويتلوه من الاحتمالات في القوة الاول. هذا ولو اختلف زمان الاجازتين فالتأثير للسابق منهما في الفضولي صحة مطلقا سواء كان من الاول ام الثاني على القول بالملك أو القول بالاباحة في المعاطاة، فسخا ان كان من الاول مطلقا على القولين لتضمنها الرجوع الموجب لذلك، وفيها لزوما ان كان من الثاني كذلك على القولين لحصول النقل به الموجب له. ولو وقع الرد منهما واتحد زمان الردين، بطل الفضولي قطعا، وفي فسخ المعاطاة برد الاول وجه مبنى على القول بالملك وكون الرد كالاجازة متضمنا للرجوع وعدم تحقق النقل برد الثاني حتى يتوهم المعارضة لرجوع الاول كالاجازة منه. نعم في تضمن رد الاول الرجوع على الاباحة نوع خفاء. ومع اختلاف زمانهما فالتأثير للسابق منهما في بطلان الفضولي وفي فسخ المعاطاة به ان كان من الاول وجه مبني على ما عرفت، ولا موجب للزوم المعاطاة ان كان السابق من الثاني لما عرفت ايضا من عدم تحقق النقل منه برده حتى يوجب ذلك. هذا ولو وقع من احدهما الرد ومن الآخر الاجازة في زمان واحد فان كانت الاجازة من الاول صح الفضولي وانفسخت المعاطاة بها قطعا لعدم توهم معارضة رد الثاني لها كما عرفت، وان كان الرد منه والاجازة من الثاني فحكمه على الملكية حكم تزاحم الاجازتين في ورود الاحتمالات المتقدمة، وان اختلفا مع ذلك في الزمان أثر السابق منهما في صحة الفضولي ان كان هو الاجازة غير انه تنفسخ المعاطاة بها ان كانت من الاول وتلزم

[ 156 ]

ان كانت من الثاني لحصول النقل الموجب له وان كان السابق هو الرد بطل الفضولي مطلقا غير انه ان سبق الرد من الاول أثر في المعاطاة فسخا بناء على الملك أو مطلقا على تأمل فيه، ولا تأثير له في لزوم المعاطاة ان سبق الرد من الثاني، فلا تأثير في الاجازة اللاحقة من الاول حينئذ في المعاطاة فسخا إلا إذا أمكن فيها تصور ارادة الرجوع بها كما لو فرض جهله بالرد السابق من الثاني حكما أو موضوعا، بل ومثله في تضمن رد الاول الرجوع لو سبق رد الثاني عليه مع جهل الاول به، فهذا حكم جميع الصور المتصورة في المقام. هذا ولو وقع التصرف في العين منهما أو من احدهما بما يوجب تغيير الصورة كطحن الحنطة وقطع الخشبة وتفصيل الثوب، ففي لزوم المعاطاة به مطلقا اولا كذلك أو التفصيل وجوه، بل أقوال. ولعل الاول منها لا يخلو من قوة، لامتناع التراد المقصود منه رد كل من البدلين إلى صاحبه، ضرورة أن نقض المبادلة موقوف على ارجاع البدل والبدل بما هو بدل مركب من جزء مادى وجزء صوري، وكما ينتفي المركب بانتفاء جزئه المادي كذلك ينتفي بانتفاء جزئه الصوري بعد ان كان ملحوظا في عنوان البدلية. نعم ان لم يكن ملحوظا فيه بل كان المجعول بدلا هو ذات الشئ باجزائه المادية فقط، كان ارجاعه ارجاعا لعين البدل وان تغيرت الصورة لعدم كونها ملحوظة في عنوان البدلية، مضافا إلى لزوم الضرر - غالبا - سيما مع عدم كونه مضمونا على الضار بل لم ينفك ذلك عنه لاختلاف الاغراض وتفاوت الرغبات والالزام بقبول ذلك حكم ضرري منفى في الشرع بالاية والرواية الحاكمة على استصحاب الملك بناء على الاباحة وعلى استصحاب بقاء العلقة بناء على الملك لو سلم جريان الاستصحاب في المقام مع امكان منع جريانه فيه لانتفاء الموضوع ولا اقل من الشك في بقائه للشك في كون الموضوع عرفيا أو حقيقيا.

[ 157 ]

وفصل شيخنا المرتضى في (مكاسبه) في اللزوم وعدمه بين القول بالملكية والاباحة حيث قال: " ولو تصرف في العين تصرفا مغيرا للصورة كطحن الحنطة وفصل الثوب فلا لزوم على القول بالاباحة، وعلى القول بالملك، ففي اللزوم وجهان مبنيان على جريان استصحاب جواز التراد، ومنشأ الاشكال أن الموضوع في الاستصحاب عرفي أو حقيقي " انتهى. قلت: ولعل نظره في عدم اللزوم بناء على الاباحة إلى أنه لا دليل على خروج العين عن ملك المالك بهذا التصرف المأذون فيه (1) وقياسه بالنقل


(1) سبق منا القول: بان المعاطاة بناء على الاباحة مبادلة بين السلطنتين المطلقتين. وعليه فلا فرق بينها وبين القول بافادتها الملك سوى انها عليه توجب خروج المعوض عن ملك مالكه ودخوله في ملك مالك العوض وخروج العوض عن ملك مالكه، ودخوله في ملك مالك المعوض وعلى الاباحة، فالملكان باقيان بعد التعاطى على ما كانا عليه قبله، غير أن التبديل بين المتعاطيين انما كان في شئون الملك وآثاره فان كلا منهما سلط صاحبه على كافة التصرفات في ماله عوضا عن تسلطه على مال صاحبه ومن هنا قيل: ان الاباحة بالمعنى المذكور مرجعها الملكية وعلى كل فعلى الوجه المذكور للاباحة التي قال بها المشهور الذي هو احسن الوجوه لم تبق لمالك العين سلطنة عليها بعد المعاطاة. نعم له اعادة السلطنة التي اعطاها لطرفه لنفسه بالرجوع بالمعاطاة. وعليه فليس الكلام في خروج العين عن ملك المالك بالتصرف المغير للعين حتى يقال: لا دليل على خروجها به فيستصحب ملكه ولا الشك في جواز الرجوع بالعين تكليفا، ليقال: قبل التغير كان جائزا فيستصحب الجوار بل الشك في جواز الرجوع وضعا من المالك ومؤثريته بعد التغير في عود سلطنته المعطاة لطرفه إليه. =

[ 158 ]

والتلف قياس مع الفارق. أما الاول فلكشفه عن سبق الملك ولو اناما، والثاني لكون التالف وان كان مباحا إلا انه مضمون بالبدل الجعلى بعد فرض صحة المعاوضة ولا كذلك بناء على الملكية بل هو مبنى على ما ذكره من مبنى الوجهين من الفرق بين الموضوعين الذي يحتمل أن يريد به، كما لعله الظاهر ان الموضوع ان كان حقيقيا فلا يجرى الاستصحاب مع التصرف المغير للصورة مطلقا لتبدل الموضوع معه حقيقة وتلزم به المعاطاة مطلقا وان كان


= والمتيقن من ذلك هو ما قبل حصول التغير واستصحاب سببية رجوعه ومؤثريته في عود سلطنته إلى ما بعد حصوله من قبيل الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به، فاصالة عدم عودها وبقاء السلطنة لمن بيده المال بعد تغيره لا اشكال فيها ومقتضاها لزوم المعاطاة بذلك. والحاصل بناء على ما ذكرناه من كون المعاطاة على الاباحة مبادلة بين السلطنتين المطلقتين لا مجرد اباحة التصرف، فلا فرق بين المسلكين: القول بالملك والقول بالاباحة في لزومها بالتغير الموجب لذهاب صورة ما وقع عليه التعاطى فان استصحاب ملكية من بيده المال بناء عليها أو سلطنته المطلقة عليه الحاصل ذلك بالمعاطاة عند الشك في زوالهما وعودهما للمالك الاصلى أو المبيح بعد التغير مما لا ينبغى الاشكال فيه. (فالجزم) بنفي اللزوم على الاباحة، نظرا لعدم الدليل على خروج العين عن ملك المالك بالتصرف المأذون فيه بل التشكيك في اللزوم على الملك، نظرا لاحتمال كون الموضوع في الاستصحاب حقيقيا لا عرفيا (غير) واضح. ثم ان ما ذكرناه من تقريب اللزوم بالتغير المذهب للصورة يطرد فيما سيأتي من صورة الامتزاج، والكلام فيها هو الكلام فيما ذكرناه، والمختار هو المختار هنا.

[ 159 ]

عرفيا فيدور استصحاب الجواز وعدمه مدار الصدق العرفي، وقد يصدق على المتغير انه هو عرفا وان كان غيره حقيقة ويحتمل ان يريد بالفرق ان الموضوع ان كان حقيقة الشئ فيجري استصحاب الجواز ما دامت ذات العين باقية لعدم تبدل الذات بتغير الصفات كالملكية المتعلقة بالعين التي لا تزول بزوال اوصافها، فلا تلزم المعاطاة بتغيير الصفات مطلقا بخلاف ما لو كان الموضوع عرفيا فانه قد يصدق على المتغير انه غير الاول فلا يجرى الاستصحاب فيه لتبدل الموضوع حينئذ ومقتضاه اللزوم لعدم التراد عرفا وان تحقق الرد حقيقة. وكيف كان ففيه: ان ما ذكره من التفصيل انما يتوجه على مبناه من إصالة اللزوم في الملك وكون جواز الرجوع من الاحكام التعبدية الثابتة بالاجماع ونحوه. وأما على ما قويناه: من اصالة الجواز فيه، فلا يتم ما ذكره من التفصيل لان متعلق العلقة على القول بالملك هو عين متعلق الملك على القول بالاباحة، فان كان هذا النحو من التصرف مخرجا للعين عن تعلق العلقة بها كان مخرجا عن تعلق الملكية بها، ايضا، وإلا فلا فيهما كذلك لان العلقة للمالك الاول على الملكية ليست إلا اثرا من آثار الملكية السابقة ومرتبة من مراتب السلطنة الاولية ليست سلطنة جديدة حدثت للاول، فالاقرب هو الاول، ويتلوه في القرب الوجه الثاني، لما عرفت من الاصل وعدم ثبوت الخروج عنه بهذا النحو من التصرف مطلقا من غير فرق بين القول بالملك والقول بالاباحة. وعليه فيصح دعوى امكان التراد حينئذ الا إذا استلزم التراد ضررا حيث لا نقول بتعميم الضرر واطراده في انواع التصرف لحكومة قاعدة الضرر على الاحكام التكليفية والوضعية. وعليه فيتجه التفصيل بين ما يوجب الضرر وما لا يوجبه فيحكم باللزوم في الاول لقاعدة الضرر الحاكمة على الاصول، وبالجواز في الثاني للاستصحاب، وتكون المسألة

[ 160 ]

حينئذ رباعية الأقوال. (وتوهم) عدم تأثير الضرر بسبب الاقدام عليه (يدفعه) مع ان الاقدام من مسقطات الضمان لا من المسوغات للاحكام منع جريانه في المقام لان مجرى قاعدة الاقدام هو الاقدام على موضوع يكون حكمه الشرعي جواز الرجوع، فلا بد اولا من إحراز كون الجواز حكما شرعيا في المقام حتى يكون الاقدام عليه اقداما على موضوع الضرر وهو اول الكلام، فأشبه ذلك بالدور لان ثبوت جريان الاقدام يتوقف على ثبوت كون الحكم، الشرعي هو جواز الرجوع، والمفروض ان ثبوت الحكم بالجواز لعدم تأثير الضرر انما هو بقاعدة الاقدام، فظهر بذلك ضعف ما قيل: من ان الضرر مستند إلى تقصيره في التحفظ بايجاب البيع واما لو امتزج العينان أو احديهما بالغير بحيث لا يتميز، فالاقوى فيه اللزوم مطلقا بناء على الملك أو الاباحة امتزجت بالاجود أو بغيره من المساوى أو الاردى، لامتناع التراد حينئذ مطلقا، ضرورة أن رد العين على الوجه الاول متعذر بالفرض ورد الجميع مقدمة مع كونه ضررا فيه المنة التي لا يجب تحملها، وبعد القسمة ففرد المقسوم مشتمل على بعض منه وبعض من غيره وهو غير الاول فرده ممتنع وقد عرفت ان نقض المبادلة موقوف على رد البدل بعينه. لا يقال: إن استنادهم في اللزوم هنا إلى امتناع التراد ينافي كلامهم في القسمة أنها إفراز حق وتمييز حصص، فإذا كان المقسوم هو عين المملوك من دون اشتمال على المعاوضة أمكن الرد بعد القسمة. لانا نقول: إن المقسوم عين المملوك بالاشتراك والاشاعة لا عين المأخوذ بالمعاطاة، ومناط الرجوع رد الثاني دون الاول فافهم. وفصل شيخنا المرتضى في (مكاسبه) بين القول بالملك والاباحة بما لفظه: " ولو امتزجت العينان أو احداهما سقط الرجوع على القول بالملك

[ 161 ]

لامتناع التراد، ويحتمل الشركة وهو ضعيف: أما على القول بالاباحة فالاصل بقاء السلطنة على ماله الممتزج بمال الغير فيصير المالك شريكا مع مالك الممتزج به نعم لو كان المزج ملحقا له بالاتلاف جرى عليه حكم التلف.. " انتهى. وهو لا يخلو من تأمل لان التراد حينئذ ان كان ممتنعا كما اعترف به على الملكية - سقط الرجوع به على الاباحة ايضا لتوقف الرجوع مطلقا على رد البدل الممتنع بالفرض، وان فرض امكان التراد فلا يسقط الرجوع ولو قلنا بالملك، مضافا إلى لزوم الضرر بالشركة الموجبة لعدم استقلالية المالك. ونسب إلى (المسالك) احتمال التفصيل بين المزج بالاجود وغيره وهذه عبارته: " لو اشتبهت بغيرها أو امتزجت بحيث لا يتميز فان كان بالاجود فكالتلف وان كان بالمساوى أو الاردى احتمل كونه كذلك، لامتناع التراد على الوجه الاول، واختاره جماعة ويحتمل العدم في الجميع لاصالة البقاء.. " انتهى مستشعرا ذلك من اختصاص الاجود بالذكر في الاحتمال الاول. وفي (شرح القواعد) لكاشف الغطاء: " وألحق به أي بالتلف طحن الحنطة ومزجها مطلقا أو بالاجود دون الادنى والمساوي إلى ان قال واما المزج على وجه لا يتميز، فلا يمكن رده بعينه وقبول الجميع فيه منة، ودخول مال الغير في ماله من غير فرق بين الاجود ومقابلاته.. " انتهى وعبارة (المسالك) غير صريحة في ذلك. وكيف كان فلا أرى وجها للتفصيل بين المزج بالاجود وما يقابله من الاردى أو المساوى الا ما عسى أن يوجه بلزوم الضرر في الاول بناء على الشركة بحسب الكم وبنسبة القيمة للزوم نقصان المال عما أخذه اولا في الكم، وهو ضرر، ولا كذلك لو امتزج بالمساوى للمساواة فضلا عن

[ 162 ]

الاردى لما فيه من الزيادة الكمية، وهو فاسد، لان ضرر الاول في الاول بالكم مع كونه مجبورا بالكيف وهو الجودة معارض بضرر الثاني كما في المزج بالاردى، فالقول باللزوم مطلقا هو الاقوى. ويلحق بما لا يتميز في الحكم مالا يمكن الافراز وان تميز لوحدة المناط من امتناع التراد. هذا ولو اختلفا في حصول سبب اللزوم، ففي تقدم قول مدعى اللزوم أو الجواز نظر: ينشأ من ان مدعي اللزوم يدعى أمرا حادثا يقتضى الاصل عدمه، ومن أنه ملك التصرف فيملك الاقرار به، لان من ملك شيئا ملك الاقرار به، وهو الاقرب لحكومة قاعدة (من ملك) على استصحاب جواز الرجوع، ولا كذلك لو ادعى بعد الفسخ حصوله قبله لانه حينئذ لم يملك التصرف حتى يملك الاقرار به، ولعله الوجه فيما ذكره شيخ مشايخنا في (شرحه على القواعد) في هذه المسألة حيث قال: " ففي تقديم قول مدعى اللزوم أو الجواز إشكال ". ولو ادعى تصرفا أو اتلافا بعد الفسخ فالقول قول منكره مع يمينه ولكن العجب من شيخنا في (الجواهر) حيث استند في مسألة نفوذ دعوى الوكيل على الموكل فيما وكل عليه إلى القاعدة المزبورة ايضا بل جعلها من اصول المذهب وقواعده ولم يستند إليها هنا، وبنى على تقديم قول مدعى الجواز للاستصحاب، ولعل ذلك منه غفلة عن مجراها هنا واعجب من ذلك قوله بعد ذكر مختاره: " وكون بعض افراده لا يعلم إلا من قبله لا يسقط حق الغير، لكن في شرح الاستاد: ان في تقديم قول احدهما اشكالا " انتهى، ضرورة ان بعض الاسباب لو سلم كونه مما لا يعلم إلا من قبله، فلا إشكال في قبول قول مدعيه، وان استلزم سقوط حق الغير لتخصيص عمومات " البينة على المدعى " بما دل على قبول قوله فيما لا يعلم الا من قبله ولا مجرى لموازين القضاء فيه لتعذر اقامة البينة عليه وعدم

[ 163 ]

امكان توجه اليمين على المنكر لكونه لا يعلم إلا من قبله فلا بد من قبول قوله، ولو تداعيا فادعى كل واحد منهما وقوع ما هو له من الفسخ، وسبب اللزوم، فلا يخلو: اما أن يعلم بوقوعهما أو بوقوع واحد منهما أولا يعلم بوقوع شئ منهما، فان لم يعلم شئ من ذلك فكل منهما وان ملك ما يدعيه إلا أن جريان قاعدة (من ملك) في حقه معارض بالمثل في حق الآخر مع أن بعض صورها مما يشك في كونه من موضوع القاعدة وهو الملك لاحتمال وقوعه منه حيث لا محل له لسبق الآخر إذ التأثير للسابق منهما واستصحاب جواز الرجوع مثلا إلى وقوع الفسخ منه مع أنه لا يثبت وقوع الفسخ في وقت الملك معارض باستصحاب جواز التصرف الملزم إلى وقت وقوعه منه ايضا وحينئذ فمقتضى القاعدة في المقام التحالف لان كلا منهما منكر لما يدعيه الآخر، وبعد التحالف يبنى على ما كان عليه أولا قبل التداعي ولو علم وقوع احدهما الغير المعين فالحكم كذلك وان استلزم مخالفة العلم الاجمالي لان مخالفته في مورد التداعي غير عزيزة، وكذلك لو اقاما بينة لتساقط البينتين بالتعارض ولو اقام احدهما حكم له بها فسخا كان أو لزوما لثبوت المقتضى وعدم تحقق المانع إذ المانع سبق فعل الاخر عليه ويحتمل في غير الصورة الاولى الابتناء على القول بالاباحة أو الملك، إذ مرجع الشك على الاول إلى خروج العين عن ملك المالك المبيح والاصل بقاؤه، وعلى الثاني فالأصل بقاء الملك للثاني أما بناء على اصالة اللزوم في الملك فواضح لخروج المورد عن المتيقن الخارج عن حكم الاصل المزبور وأما على اصالة الجواز فلاستصحاب الملك للثاني: بعد سقوط استصحاب الجواز وبقاء العلقة الذي هو الأصل السببي بسبب الابتلاء بالمعارض فيبقى الاصل في المسبب سليما.

[ 164 ]

ومنها - أي ومن الامور التي ينبغى التنبيه عليها - انه هل تجرى المعاطاة في غير البيع مطلقا " عقدا " كان أو ايقاعا "، والعقد باقسامه مجانيا " كان أو معاوضيا " فيعم العقود التمليكية بقسميها والعقود الاذنية، وبعبارة اخرى: هل تجري المعاطا في العقود بانواعها وفي الايقاعات باقسامها أو تختص بصنف خاص من نوع المعاوضات وهو البيع أو تجري في بعض منها دون بعض؟ فنقول ولنبدأ اولا " بذكر جملة من كلمات الاصحاب في هذا الباب توطئة لبيان ما هو الحق والصواب. قال في (جامع المقاصد): " إن في كلام بعضهم ما يقتضى اعتبار المعاطاة في الاجارة والهبة وذلك انه إذا أمره بعمل على عوض معين عمله واستحق الاجرة ولو كانت هذه اجارة فاسدة لم يجز له العمل ولم يستحق اجرة مع علمه بالفساد، وظاهرهم الجواز بذلك، وكذا لو وهب بغير عقد فان ظاهرهم جواز الاتلاف، ولو كانت هبة فاسدة لم يجز بل منع من مطلق التصرف وهو ملحظ وجيه " انتهى. قلت: عدم جواز العمل حينئذ انما هو فيما يستلزم التصرف في مال الغير والا فلا دليل على منعه مطلقا، وان لم يستلزم ذلك. ثم الاستشهاد به على جريان المعاطاة فيه مبنى على ارادة لزوم المسمى دون اجرة المثل. وقال في (كتاب الرهن) " قال: في (التذكرة) الخلاف في الاكتفاء فيه بالمعاطاة والاستيجاب والايجاب عليه المذكور بالبيع بجملته آت هنا، ويشكل بأن باب البيع ثبت فيه المعاطاة بالاجماع بخلاف ما هنا أما الاستيجاب والايجاب فنعم " انتهى. وقال في (كتاب الهبة): " ولا يكفي المعاطاة والافعال الدالة على الايجاب، نعم يباح التصرف، أي لا يكفي في حصول الملك المعاطاة أعنى إعطاء الواهب وأخذ المتهب أو إعطاء أحدهما الهبة والآخر الثواب، وكذا

[ 165 ]

الافعال الدالة على الايجاب اقتصارا " على الاسباب الشرعية التي يثبت نقلها للملك وهي العقود دون الافعال، نعم يباح التصرف بذلك كما يباح أكل الضيف الطعام بوضعه بين يديه وأخذ نثار العرس " انتهى. وقال في (كتاب القرض) " ظاهر عباراتهم: أنه لا بد من الايجاب القولى، وعبارة التذكرة ادل على ذلك، ويرد عليه أنه قد سبق في البيع الاكتفاء بالمعاطاة التي هي عبارة عن الاخذ والاعطاء، فإذا اكتفى في العقد اللازم بالايجاب والقبول الفعليين فحقه ان يكتفي بهما هنا بطريق اولى، وليس ببعيد ان يقال: انتقال الملك إلى المقترض بمجرد القبض موقوف على هذا الا اباحة التصرف إذا دلت القرائن على ارادتها " انتهى. وفي (المسالك): " العاشر، ذكر بعض الاصحاب ورود المعاطاة في الاجارة والهبة بأن يأمر بعمل معين ويعين له عوضا "، فيستحق الاجرة بالعمل، ولو كان اجارة فاسدة لم يستحق شيئا مع علمه بالفساد بل لم يجز له العمل والتصرف في ملك المستأجر مع إطباقهم على جواز ذلك واستحقاق الأجرة، انما الكلام في تسميته معاطاة في الاجارة وذكر في مثال الهبة ما لو وهبه بغير عقد فيجوز للقابض اتلافه وتملكه به ولو كانت هبة فاسدة لم يجز، ولا باس به إلا أن في مثال الهبة نظرا " من حيث ان الهبة لا تختص بلفظ بل كل لفظ يدل على التمليك بغير عوض كاف فيها كما ذكروه في بابه وجواز التصرف في المثال المذكور موقوف على وجود لفظ يدل عليها فيكون كافيا " في الايجاب، اللهم إلا ان يعتبر القبول القولى مع ذلك ولا يحصل في المثال فيتجه ما قاله " انتهى. وفي (التحرير في كتاب الهبة): ".. وهل يستغنى عن الايجاب والقبول في هدية الاطعمة؟ الاقرب عدمه، نعم يجوز التصرف عملا بالاذن المستفاد من العادة " انتهى.

[ 166 ]

وقال في (كتاب الوقف) منه: " لا يحصل الوقف بالفعل المقترن بما يدل عليه مثل أن يبنى مسجدا " ويأذن للناس للصلوة فيه أو مقبرة ويأذن بالدفن فيها أو سقاية ويأذن في دخولها وانما يصير وقفا بالقول الدال عليه " انتهى. وفي (كتاب العتق منه) قال: ".. يشترط في العتق الاتيان باللفظ الصريح مع النية فلا يقع بمجرد النية منفكة عن اللفظ ولا باللفظ الذي ليس بصريح وان نوى العتق، ولا باللفظ الصريح مجردا " عن النية " انتهى. وقال في (الدروس): " فرع لو قال: جعلت هذا للمسجد، قال الفاضل: هذا تمليك لا وقف، فيشترط فيه قبول القيم، ويصح وكأنه أجراه مجرئى الوصية للمسجد إلا انه لا يشترط في الوصية هنا القبول " انتهى. وقال في (المبسوط في احكام المساجد): " وإذا بنى مسجدا " خارج داره في ملكه، فان نوى به ان يكون مسجدا " يصلي فيه كلما اراده زال ملكه عنه فان لم ينو ذلك فملكه باق عليه سواء صلى فيه أو لم يصل " انتهى. وقال في وقفه -: " إذا بنى مسجدا " واذن لقوم فصلوا فيه أو بنى مقبرة فاذن لقوم فدفنوا فيها لم يزل ملكه حتى يقفه لفظا على ما بيناه فيما مضى. وقال قوم: يزول ملكه إذا اذن وصلوا فيه ودفنوا في المقبرة والاول أصح " انتهى والى غير ذلك من كلماتهم المحررة في الابواب المتفرقة وبالجملة فالمسألة غير منقحة في كلماتهم، وتنقيحها يتوقف على توزيع الكلام في الايقاعات مرة وفي العقود باقسامها أخرى، وبيان ما هو الضابط لجريان المعاطاة وعدمه حتى يكون ميزانا يتميز مجراه عن غيره. فنقول: اعلم إن مقتضى الاصل الاولى في الجميع هو الفساد بمعنى

[ 167 ]

عدم ترتب الأثر المقصود من المعاطاة عليها، غير ان بعض الموارد مما يصدق على المعاطاة فيه أسماء المعاملات المعلق عليها الاحكام مع قيام السيرة على المعاطاة فيه التي هي عمدة الادلة الدالة على صحتها فيحكم بالخروج عن الاصل المزبور بالسيرة والاخبار الخاصة بتلك المعاملة الشاملة باطلاقها للمعاطاة أيضا " بعد صدق الاسم عليها وما شك في ذلك فضلا عما لو علم عدمه بقي تحت حكم الاصل من الفساد. إذا عرفت ذلك فنقول: اما الايقاعات، فمنها مالا يصدق الاسم على المعاطاة منه كالطلاق والظهار واللعان والايلاء والعتق ونحو ذلك مما يختص الاسم بما وقع منه بالصيغة الخاصة ضرورة أن اخراج الزوجة من الدار مثلا بقصد البينونة واطلاق العبد عن الخدمة بقصد العتق لا يسمى طلاقا ولا عتقا، وهذا النحو منها مما لا شك في اعتبار الصيغة في صحته وعدم ترتب الاثر على المعاطاة منه. ومنها ما يشبه العقود كالاوقاف العامة والوصية للجهة العامة كبناء المساجد وتعمير المشاهد والقناطر والمدارس والخانات والرباطات وما يعين لها ويوضع فيها كالحصر والبواري للمساجد وفرش المشاهد وما يعلق فيها من المعلقات للزينة أو التعظيم بل وما يدخر لها من الجواهر الثمينة والاموال النفيسة مما يصنع لحفظها خزانة خاصة فقد يقال: يصدق الوقف على ما كان منها بالافعال وان تجردت عن الصيغة، بل ادعى قيام السيرة عليه بل تحققها مما يشهد به الوجدان وانكاره مكابرة ومقتضاه تأثير المعاطاة فيه صحة وخروجه عن حكم الاصل المزبور بالسيرة القطعية التي قد عرفت أنها العمدة في أدلة صحة المعاطاة، مضافا إلى اطلاقات ادلة الوقف بعد صدق الاسم عليه، ولكن قد يشكل مع ذلك بمعارضة السيرة لظهور الاجماعات المحكية المعتضدة بدعوى غير واحد الوفاق والاطباق على اعتبار الصيغة في الوقف، وأنه

[ 168 ]

لا يصح بالفعل فالسيرة موهونة بذلك منبعثة عن عدم المبالاة والاطلاقات مقيدة به. ودعوى وهن الاجماع بالسيرة موهولة باشتراط حجيتها بعدم الردع ومن المحتمل الاكتفاء بذلك ردعا في المقام، ولكن حمل عمل الناس من العوام والخواص من التصرفات المترتبة على الوقف على التسامح مما يقطع بعدمه. والسيرة الكاشفة محققة، إلا ان المنكشف بها يدور بين احد وجوه ثلاثة: البقاء على الملك للاصل مع الاباحة المالكية للجهة الخاصة - كما عليه جماعة - أو التمليك - لها كما تقدم في عبارة الدروس أو الوقف كما هو المحكي عن المبسوط، والمحتمل من الذكرى واختاره الاردبيلى وبعض المعاصرين في (عناوينه) فالمنكشف بها اعم من الوقف والعام لا يدل على الخاص بخصوصه. إلا أن الوجوه المذكورة كلها مخدوشه: أما الاول فلاستلزامه التوقف عن التصرف مع الشك في الاذن من المالك سيما مع انتقال العين إلى الوارث المحتمل فيه مع ذلك الصغر والجنون وغير ذلك من الاسباب المانعة عن التصرف مع عدم الالتزام به قطعا، اللهم إلا أن يلتزم بلزوم الاباحة مطلقا لعموم ما دل على عدم جواز الرجوع فيما اريد به وجه الله. وأما الثاني، فبعد تصحيح الملك للجهة بارادة الملك للمسلمين أو طائفة منهم وان تعين صرفه في الجهة الخاصة موقوف على السبب المملك المفقود في المقام اللهم إلا أن يكون من الهبة لهم بالمعاطاة ان قلنا بجريانها فيها. هذا ويمكن ان يوجه الحكم بالوقفية عند صدور الفعل في امثال المقام بدعوى ثبوت الوقف بالفعل الظاهر فيه تقديما للظاهر بل الاصل بالسيرة.

[ 169 ]

وبناء العقلاء فيكون ظهور الافعال في امثال ذلك معتبرا " في مفادها كظهور الالفاظ في مداليلها فيخرج عن الاصل بظهور الفعل كما يخرج عنه بظهور اللفظ في مدلوله. وبالجملة هذه الافعال وان لم نعتبرها سببا " للوقف كالعقد ولكن نعتبرها كاشفة عن ثبوته وتحققه كالبينة والاقرار والسيرة دليل على حجية الفعل من باب الكاشفية دون السببية، وحينئذ فلم يبق تحت حكم الاصل إلا ما علم علما " قطعيا " بعدم اجراء الصيغة فيه وهو فرض نادر نمنع قيام السيرة عليه وهذا الوجه لم نجد من تنبه له وهو حسن متين. واما الشفعة، فالظاهر جريان المعاطاة فيها ويملك الشفيع بمجرد دفع الثمن إلى المشترى واخذ المبيع منه فبيع الشريك للاجنبي سبب شرعي لتحقق حق الشفعة للشفيع، وبالدفع والاخذ يملكه لانه يصدق عليه بذلك انه شفع فيما هو حقه فتشمله اطلاقات ادلة الشفعة مع قيام السيرة عليه ايضا ولزومها بالمعاطاة مع كون حكمها الجواز مستفاد من كون الحق ثابتا " له بالقهر على المشتري المناسب معه اللزوم لا التوقف على رضاه، ولعل مثلها أيضا في جريان المعاطاة الإقالة والفسخ بدفع العوض واخذ المعوض مع قصد احدهما للصدق العرفي مع دعوى السيرة عليه أيضا، ويؤيده ما قيل من ان تعريض المبيع للبيع مسقط للخيار. وأما القسمة المشتملة على الرد فلكونها متضمنة للمعاوضة تجرى المعاطاة فيها على الظاهر كما في (المسالك). ومثلها بل اقوى منها في جريان المعاطاة تحققها في الاجازة التي مرجعها إلى الاذن في البيع وان جرى الاصطلاح على تسمية الاذن اللاحق بالا جازة، وكذا البذل الموجب لتحقق الاستطاعة يصدق بمجرد دفع المال إلى المبذول له ووضعه بين يديه إذا قبله منه بالاخذ والتناول من دون توقف على اللفظ

[ 170 ]

في ايجابه وقبوله. وأما جريانها في الاسقاط والابراء ففيه تأمل بل منع للشك في السقوط والبرائة بمجرد الفعل الكاشف عن المقصود للشك في صدق الاسم عليه مع الشك في تحقق السيرة عليه ايضا فيبقى تحت حكم الاصل من الفساد مع استصحاب شغل الذمة. وأما الكلام في العقود: فمنها مالا يتحقق موضوع المعاطاة فيه لعدم القبض والاقباض والفعل المقصود به انشاء التمليك فيه كالضمان والكفالة والحوالة بل لا تصرف فيها حتى يقال بنحو الاباحة أو التمليك، ومثل ذلك لا اشكال في خروجه عن محل الكلام، واما غيره: فاما ان يكون من العقود المجانية أو المعاوضة، والاول: اما ان يكون من العقود التمليكية أو الاذنية اما الاذنية منها كالعارية والوديعة والوكالة بغير جعل، فلا ينبغي التأمل في صحتها بالمعاطاة وترتب الاثر المقصود منه عليها لتحقق ما هو ملاك الصحة فيه من الاذن فيجوز التصرف فيه، بل ويترتب الاثر المعلق على عناوينها الخاصة كنفوذ تصرف الوكيل قبل العلم بالعزل على الموكل لتحقق المسمى المتعلق عليه الحكم بالافعال كما يتحقق بالالفاظ، فتشمله اطلاقات اخبارها الخاصة، مضافا إلى قيام السيرة القطعية على معاطاتها نعم لو لم نقل بتحقق المسمى بالعناوين الخاصة بالافعال في ذلك، اقتصر في ترتب الاثار على ما يتوقف على مجرد الاذن المستفاد بشاهد الحال دون ما يتوقف على تحقق العنوان الخاص. واما العقود التمليكية، فمنها ما تجري المعاطاة فيه بل الغالب وقوعه بها كالصدقة والهدية والهبة الغير المعوضة، ضرورة ان المتعارف بين الناس قديما " وحديثا خلفا " عن سلف التصدق بالافعال والتهادى بينهم بالارسال إلى البلدان ومن مكان إلى مكان على ايدي المماليك والصبيان وترتب آثار

[ 171 ]

الملكية على تلك الاعيان، والاقتصار على الصحة في بعض التصرفات دون بعض يكذبه الوجدان، (فما) عن بعض: من افادة الهدية المجردة عن الصيغة الاباحة دون التمليك فلا يجوز وطئ الامة المهداة كذلك، ومثلها الهبة في ذلك (ضعيف) جدا " محجوج بالسيرة القطعية الكاشفة عن تقرير الحجة، وان قلنا باللزوم فيما كان منها معوضا بالقربة كالصدقة مع وقوعها بالمعاطاة لعموم ما دل على عدم الرجوع فيما أريد به وجه الله ومنها ما يشك في جريان المعاطاة فيه كالوقف الخاص والتحبيس والسكنى والعمرى والرقبى، للشك في صدق الاسم عليه بمجرد الفعل مع عدم معلومية السيرة عليه بل يمكن دعوى السيرة على عدمه فيبقى تحت حكم اصالة الفساد. واما عقود المعاوضات وما يشبهها كالنكاح، فنقول: اما النكاح، فلا شك في عدم جريان المعاطاة فيه. ويدل عليه بعد - اصالة الفساد في المعاملات واصالة الحرمة في الفروج والاجماع بقسميه على اعتبار الصيغة فيه ومنافاة حكم المعاطاة من الجواز للزوم علقة النكاح التي لا تنقطع إلا بسبب مخصوص كالطلاق ولزوم عدم تحقق الزنا إلا في مورد الاكراه مع كون الغالب أو الاغلب وقوعه مع التراضي من الطرفين - عدم تعقل سببية المعاطاة للحل في النكاح لان المعاطاة انما تكون سببا " لصحة ما يترتب عليها من الملك أو التصرفات وجواز التصرف أو الملك متأخر في التحقق عن مرتبة السبب، وحينئذ فالفعل وهو الوطى المقصود به الحلية هو ايضا محتاج إلى سبب محلل له، فان كان هو بنفسه سببا " لحلية نفسه لزم اتحاد السبب والمسبب في مرتبة واحدة، مع امتناع كون الشئ مؤثرا في نفسه وان كان هو التمكين فلا يصدق عليه اسم النكاح حتى يكون مشمولا لاطلاقات اخباره وبذلك ظهر لك خروج معاطاة النكاح عما ذكرنا ميزانا " لصحة المعاطاة من صدق اسم المعاملة المقصودة على معاطاتها لان المشهور

[ 172 ]

على ما قيل: ان النكاح حقيقة في العقد فلا تدخل المعاطاة في مسماه بل ولو قلنا بالاشتراك بينه وبين الوطء كان مجملا لم يصح معه التمسك بالاطلاقات على معاطاته أيضا بل لا يصح التمسك بها وان قلنا بكونه حقيقة في الوطء لما عرفت من ان الوطء الاول متوقف على سبب محلل له والتمكين وسائر المقدمات الفعلية لا يصدق عليه النكاح على جميع الاقوال حتى يكون مشمولا لاطلاقات اخباره. وأما الاجارة فالاقوى صحة المعاطاة فيها (1) لدخولها في مسماها عرفا فتشملها اطلاقات اخبارها مع قيام السيرة القطعية عليها، وبذلك يخرج عن


(1) المناط في امكان إنشاء المعاملة بالفعل: كون الفعل الخارجي مصداقا " عرفيا لتلك المعاملة المنشأة به بحيث يحمل عليه بالحمل الشايع الصناعي عنوان تلك المعاملة، ولا اثر لمجرد قصد عنوانها بالفعل إذا لم يكن ذلك مصداقا " عرفيا لها، فان الافعال والاقوال في باب المعاملات آلات لانشاء حقائقها، والمنشأ انما ينشأ بما هو آلة لانشائه، وان الاجارة تمليك منفعة أو عمل بأجرة وتبديلهما بها في عالم الانشاء والاعتبار، ففي مثل منافع الاموال يمكن إنشاء تمليكها للمستأجر بتسليطه على العين المستأجرة بقصد تمليك منفعتها مدة معينه بأجرة مقررة، فيتحقق انشاء تمليك المنفعة من المؤجر بدفع العين للمستأجر بذلك القصد، ويتحقق تملك المستأجر لها بأخذه العين منه بالقصد المذكور بناء على تحقق حكم المعاطاة بالإعطاء من جانب وأخذ الجانب الآخر فيحمل على الاعطاء والأخذ المذكور عنوان الايجار والاستيجار أو ذلك مع اعطاء الأجرة من الجانب الآخر، بناء على عدم تحققها بمجرد أخذ الجانب الثاني هذا في تمليك منافع الاموال. وأما تمليك الاعمال فعمل المملوك إنسانا كان أو حيوانا " الكلام فيه هو الكلام في منافع الاموال، فانه منها فيتحقق التمليك والتملك والايجار والاستيجار بدفع المملوك واخذة بقصد =

[ 173 ]

حكم الاصل في المعاملات من الفساد - كما عرفت من الميزان المتقدم على على صحتها وحينئذ يملك الأجرة بتسليم العين للمستأجر لان قبضها قبض لمنفعتها عرفا ملكا " متزلزلا ان تعلقت الاجارة بالاعيان لتمليك منافعها.


= تمليك عمله ومنفعته وتملكها في المدة المعينة بالاجرة المعينة أو ذلك مع دفع الاجرة من المستأجر. وأما عمل الحر فامكان تحقق انشاء تمليكه وإيجار الحر نفسه للعمل بالفعل مشكل فانه قبل ايجاده لم يتحقق من العامل سوى قصد واقدام على العمل، وبعد وجوده وتحققه في الخارج لا معنى لكونه مملوكا للمستأجر على الأجير وحال الاشتغال به انما هو تحت سلطان موجده فلا وجه لكونه تحت سلطنة الغير والحاصل ان الملكية جدة اعتبارية واضافة بين المالك والمملوك حاصلة باسبابها ومن اسبابها الاجارة، ولا اشكال في إمكان إنشائها بالعقد المشتمل على الايجاب من المؤجر والقبول من المستأجر سواء كان متعلقها منفعة مال أو عملا وأما انشائها با لمعاطاة والفعل المقارن لقصد التمليك والتبديل، فبالنسبة إلى منافع الاموال ومنها عمل المملوك يمكن ذلك بتسليط المؤجر للمستأجر على العين المستأجرة والتسلط عليها من المستأجر ويكون ذلك تسليطا له على منافعها المتدرجة الوجود، ويحمل عليه عنوان الاجارة بالحمل الشايع الصناعي، وتشمله ادلتها، فيملك المستأجر منفعة المال في المدة المعينة بالاجرة المقررة. وأما عمل الحر بناء على ما هو المشهور من عدم دخول الحر تحت اليد شرعا " ومن هنا لا تضمن منافعه بحبسه وغصبه، فصحة وقوع الاجارة المعاطاتية بالنسبة إليه وامكان تحقق مصداق خارجي فعلي يحمل عليه عنوان الاجارة لتشمله أدلتها، وتثبت له أحكامها مشكل، فانا لا نتصور فعلا خارجيا " يمكن ان يكون سببا " لتمليك عمل الحر للغير وآلة لانشائه، والعمل الصادر منه لا يمكن أن يكون سببا " لتمليك نفسه لاعتبار المغايرة بين السبب والمسبب =

[ 174 ]

وان تعلقت بالاعمال فانما يملك الاجرة بعد تمام العمل إذ لا قبض قبله ولا تسليم إلا في عمل المملوك بعد قبضه بخلاف الاجارة العقدية المتعلقة بالاعمال فانها تملك بالعقد وان كان لا يستحق المطالبة إلا بعد العمل. ويحتمل ان يملك المستأجر العمل على المؤجر بالمعاطاة لو دفع الاجرة قبل العمل بناء على تحقق المعاطاة بالدفع من جانب واحد لحصول المعاطاة بينهما بالقبض والاقباض له.


= نعم لو فرض ان ما يملكه المستأجر للحر بازاء الاجرة نتيجة عمله وما يترتب عليه من الاثر كمخيطية الثوب - مثلا - أمكن أن يقال: ان العمل الصادر من الأجير سبب ومحصل له، لكنه بعيد فان المستأجر عليه نفس العمل لا اثره التوليدي، فتحقق عنوان الاجارة بالمعاطاة في عمل الحر غير واضح وان وجهه بعض سادتنا المعاصرين طاب ثراه في تعليقته على (العروة الوثقى) في (كتاب الاجارة) قال (ره): " لكن المعوض فيها وهو العمل أو المنفعة لما كان متدرج الوجود كان ايجابها من المؤجر باعطاء بعضه انشاء لما تساوما عليه من المعاملة على الكل كما قد يتفق نظيره في البيع أيضا فيكون في المتقدرة بالزمان بتسليم العين في أوله قصدا " إلى اجارتها في جميعه " انتهى ولكن يمكن ان يقال: إن منشأ الاشكال ان السبب المملك والآلة التي ينشأ بها ملكية الغير للمنفعة أو العمل لا بد من كونه مغايرا لمسببه وما أنشأ به، فالاجارة المنشأة بالعقد المشتمل على الايجاب من المؤجر والقبول من المستأجر السبب المنشأ به تمليك المنفعة أو العمل هو العقد فيملك المستأجر المنفعة المتدرجة بحسب الزمان أو العمل المتدرج الوجود من العامل بالايجاب والقبول الصادرين من المؤجر والمستأجر وأما المعاطاة من الاجارة فالسبب المملك لمنافع الاموال تسليط المؤجر للمستأجر على العين المستأجرة وتسليمه اياها بقصد تمليكه منفعتها مدة الاجارة فيصدق الايجار والاستيجار بدفع العين للمستأجر بقصد تمليك منفعتها في المدة =

[ 175 ]

وبالجملة فالمعاطاة جارية في الاجارة. ويؤيده ما تقدم من عبارتي (المسالك) (والمحقق الكركي) من ظهور الاتفاق على استحقاق الاجرة لو أمره بعمل على عوض معين عمله واستحق الاجرة بناء على ارادة المسمى من الاجرة بجعل الالف واللام للعهد دون الجنس نعم قد تكرر في كلام بعض دعوى الاجماع على اعتبار الصيغة في العقود اللازمة، وهو مع كونه - ممنوعا " من أصله وموهونا " بذهاب جم غفير على صحة المعاطاة في أغلبها محمل على ارادة اعتبارها في اللزوم دون الصحة. هذا ويحتمل عندي قريبا ان السبب في استحقاق العامل العوض على من أمره بعمل على عوض معين بناء على عدم كونها من الاجارة هو أمره بالعمل مع قصد العامل بعمله كونه له مضمونا " عليه، فيكون أخذ العوض


= المذكورة بالاجرة المقررة في المقاولة وأخذ المستأجر لها بقصد تملك المنفعة على ما قرر ويحمل على هذا الاعطاء والاخذ بالقصد المذكور عنوان الاجارة وتشمله ادلتها. وأما عمل الحر وايجاره نفسه له فلا نتصور فيه فعلا صادرا " من العامل سوى نفس عمله الخارجي ولا يمكن أن يكون هو السبب في تمليكه للغير والآلة لانشائه لاعتبار المغايرة بين السبب والمسبب وآلة الانشاء وما أنشأ بها وبعبارة اوضح: إن عمل الحر قبل وجوده وتحققه مملوك له وتحت سلطانه وبعد تحققه من العامل في الخارج ينعدم، ولا محصل لملكية الغير له. نعم ربما تبقى لبعض الاعمال بعد تحققها آثار يملكها المستأجر بتبع ملكيته للعمل وتكون هي المناط لماليته كالخيا طة والتجارة والصياغة وأمثالها، وذلك لا يقتضي كون تلك الاثار هي المتعلقة لاجا رة الاجير والعمل سبب لتحققها. فما يقوله سيدنا المعاصر قدس سره ".. كان إي‍ جابها من المؤجر باعطاء بعضه إنشاء لما تساوما عليه من المعاملة على الكل، غير واضح. =

[ 176 ]

من قبيل الجعالة لا من باب الاجارة.


= وأ ما ما احتمله سيدنا الخال قدس سره بقوله: ".. ويحتمل ان يملك المستأجر العمل على المؤجر بالمعاطاة لو دفع الاجرة قبل العمل بناء على تحقق المعاطاة بالدفع من جانب واحد لحصول القبض والاقباض له " انتهى. فانه مشكل ايضا، فانا وان قربنا تحقق عنوان المعاوضة والمعاطاة بالقبض والاقباض من جانب واحد بقصد التمليك والتملك بالعوض ولكن حيث يكون التسليط والتسلط الخارجي على المعوض. واما ما كان منه بالنسبة إلى العوض كالاجرة والثمن في الاجارة والبيع، فصدق عنوان الاجارة بتسليم الاجرة من المستأجر وتسلمها من المؤجر مشكل غايته. وكذا تحقق عنوان البيع بتسليم الثمن وتسلمه، إذ ليس معنى تحقق عنوان المعاملة بالفعل تحققها بكل فعل خارجي ما لم يصدق عليه عنوانها عرفا وما يتحقق بدفع الاجرة واخذها عنوان التسليط والتسلط عليها لا عنوان الايجار والاستيجار وتمليك المنفعة أو العمل وتملكها الذي هو حقيقة الاجارة والفرق بين تسليم المعوض وتسلمه حيث ذكرنا امكان تحقق عنوان البيع أو الاجارة به، وبين تسليم الثمن أو الاجرة وتسلمهما: هو ان ما ينشاه البايع تمليك المبيع للمشتري بعوضه وما ينشأه المشتري تملك ذلك به وقبول ما انشأه البايع ومطاوعته عليه باشترائه، وكذا بالنسبة إلى الاجارة فان المؤجر ينشأ تمليك المنفعة للمستأجر بالاجرة والمستأجر يتملكها بقبوله ومطاوعته لما أنشأه المؤجر فحقيقة إنشاء البايع أو المؤجر تمليك العين أو منفعتها بالثمن أو الاجرة ومرجع ذلك التسليط المطلق على العين أو المنفعة، وان شأت فقل: ذلك أثر إنشائه لا عينه وما هو حقيقة إنشاء المشتري أو المستأجر تملك ما ملكه البايع والمؤجر من العين أو المنفعة وقبول ما أنشأه كل منهما بعوضه =

[ 177 ]

توضيح ذلك: إن العمل كما يمكن وقوعه للعامل يمكن وقوعه لغيره


= ومطاوعتهما على ما أنشأه من تمليك العين بالعوض أو المنفعة بالاجرة، وعليه فالمالك للعين إذا دفعها لغيره قاصدا " بدفعه تمليكها له أو تمليك منفعتها مدة معينة بعوض معين تساوما وتقاولا عليه قبل الدفع واخذها طرفه قاصدا " تملك العين أو المنفعة المعينة بما تساوما عليه من العوض، ينطبق على فعلهما الخارجي الاقباض بقصد التمليك للعين أو المنفعة والقبض بقصد التملك عنوان البيع والشراء أو الايجار والاستيجار. وأما صدق عنوان الشراء بمجرد دفع المشترى الثمن لمالك العين وقبضه له من غير تسليط منه لها بقصد تمليكها بالثمن فانه مشكل غاية الاشكال: ومثله صدق عنوان الاستيجار بمجرد اقباض الاجرة لمالك العين وقبضها على ما احتمله سيدنا - قدس سره - فان الاشتراء أو الاستيجار انما يتحقق بانشاء تملك العين أو المنفعة بالعوض عقيب انشاء تمليكهما به فانه مفهوم مطاوعي فعليته بتأخره عن انشاء التمليك. وسيأتي من سيدنا - قدس سره - في مقام بيان كفاية تحقق الاعطاء من جانب واحد قوله: " وفي صدق انشاء تمليك المثمن بقبض الثمن تأمل ولعل الوجدان يشهد بخلافه " انتهى. نعم ما احتمله أخيرا " وقربه بقوله: " ويحتمل عندي قريبا " أن السبب في استحقاق العامل العوض على من أمره بعمل على عوض معين بناء على عدم كونها من الاجارة هو امره بالعمل مع قصد العامل بعمله كونه مضمونا عليه، فيكون اخذ العوض من قبيل الجعالة لا من باب الاجارة.. " - إلى آخر كلامه - تقريب موجه. وتوضيحه: ان كل من استوفى من غيره مالا أو عملا محترما " بأمر معاملي ولم يقصد المأمور التبرع والمجانية بما بذله لامر الآمر له بل قصد استحقاق عوض ما بذله على الآمر به فانه يستحق عوض ما بذله لأمره سواء =

[ 178 ]

ما لم يمنع عنه دليل خاص، غير أن وقوعه له مشروط بقصده واستدعاء


= عينه له كأن قال له: اعتق عبدك عنى أو تصدق بمالك عنى، أو أمره بحمل متاعه إلى مكان كذا أو خياطه ثوبه مثلا ونحو ذلك من الاموال والاعمال المحترمة المبذولة لامره، بل لو أمره بالقاء متاعه في البحر حيث يكون في ذلك غرض عقلائي فانه يستحق على الآمر ما عينه له من العوض ولو لم يعين له - بان قال له: وعلى ضمان ذلك، فانه يستحق قيمة المال المستوفى أو مثله أو اجرة مثل العمل بضمانه لما بذله بل بمجرد استجابة المأمور لأمر الآمر غير قاصد للتبرع والمجانية بما بذله لامره وان لم يصرح الآمر بضمانه له فانه يستحق عليه المثل أو القيمة أو اجرة مثل العمل بحسب اختلاف ما استوفاه من كونه مثليا " أو قيميا " أو عملا محترما ". نعم مع تصريح الآمر بالتبرع والمجانية - فيما طلبه من الامور أو كان في طلبه قرينة على ذلك، لا اثر لقصد المأمور عدم المجانية والتبرع. ثم ان الضابط فيما يصح استيفاؤه بالأمر المعاملي: هو كل ما يصح التبرع به من الغير، فأمر الآمر انما يكون مصححا " لرجوع المأمور عليه بما ضمنه له مع عدم تبرعه وبذله مجانا كما انه لا تشتغل ذمة الآمر بالعوض إلا بعد الاستيفاء وحصول المطلوب من المأمور فان الامر المعاملي مقتضاه الرجوع عليه بما يخسره للمضمون له ويؤديه ومن هنا في الضمان العقدي لو رضي المضمون له من الضامن باقل مما في ذمة المضمون عنه لا يرجع عليه الا بمقدار ما أداه إليه. والذي يظهر من سيدنا: جعل باب الاستيفاء بالامر المعاملي على اطلاقه من قبيل الجعالة حيث يقول: " وهو من الأسباب الموجبة للضمان شبه الجعالة بل هو منها - إلى ان يقول -: ولعل منه غرامة ثمن العبد في نحو: أعتق عبدك عنى، لان العتق من المالك بقصد وقوعه للآمر باستد عائه =

[ 179 ]

من الغير لنفسه فلا يتحقق العمل له إلا بتحقق الامرين، وهو محترم غير مبذول بنحو المجانية، ولذا التزم بالأجر من لم يقل بجريان المعاطاة في الاجارة، وهو من الاسباب الموجبة للضمان شبه الجعالة، بل هو منها. ومن ذلك رجوع الضامن على المضمون عنه بما دفع إلى المضمون له إذا لم يكن متبرعا " وكان الضمان بأمره. بل ولعل منه ايضا " غرامة ثمن العبد في نحو اعتق عبدك عني، لان العتق من المالك بقصد وقوعه للامر باستدعائه لنفسه عمل متمول باعتبار متعلقه محترم مبذول لا بنحو المحالية فغرامة مالية عمل العتق


= لنفسه عمل متمول باعتبار متعلقه: " مبذول لا بنحو المجانية فغرامة مالية عمل العتق بقدر مالية المعتق إلى قوله بل يمكن ان يقال: من هذا الباب ايضا غرامة المتاع فيما لو قال: الق متاعك في البحر وعلى ضمانه، فان عمل الالقاء المتمول باعتبار الملقى محترم مبذول للآمر باستدعائه لنفسه مضمون عليه باجرته المساوية لقيمة المتاع " انتهى. وحيث ان سيدنا - قدس سره - جعل باب الاستيفاء بالامر المعاملي على اطلاقه من قبيل الجعالة ولو كان المستوفى عينا متمولة وحقيقة الجعالة بذل المال على المحترم من الاعمال التجأ إلى جعل مثل: أعتق عبدك عني والق متاعك في البحر، من باب بذل الجعل على عمل محترم باعتبار متعلقه وهو المعتق أو المتاع - مثلا - ولعله يلتزم بذلك في مثل أد دينى وتصدق بمالك عني وعلي ضمانه، ونحو ذلك مما كان المستوفى بالامر المعاملى مالا محترما ". والالتزام بذلك في غاية الاشكال، فان الاجارة على العمل كالجعالة عليه قد تستوجب بذل شئ من مال الاجير أو العامل، ولكن حيث لم يكن ذلك قوام مالية العمل ومناط بذل الاجرة له والجعل عليه، فلا يصح اجارة الشخص نفسه لعتق عبده عن المستأجر أو القاء ماله في البحر فيما لو كان الملقى مناط مالية الالقاء وقوامه وما كان من قبيل ذلك، والجعالة =

[ 180 ]

له بقدر مالية المعتق، فلا يحتاج في صحته عنه إلى تكلف دعوى تضمن ذلك الرخصة في ادخاله في ملكه والوكالة عنه في عتقه لعدم القصد إلى شئ من ذلك بالوجدان. نعم ربما يشكل ذلك من جهة القربة المعتبرة فيه إذ المتقرب هو المعتق دون من كان العتق له فكيف يقع منه


= على العمل كالاستيجار عليه في اعتبار كون العمل بنفسه له مالية واحترام هذا مضافا إلى اعتبار جماعة في مال الجعالة تعيينه جنسا ونوعا وقدرا كمال الاجارة والمضمون فيما يستوفى بالامر المعاملي غالبا لم يتعين كذلك والحاصل جعل باب الاستيفاء بالامر المعاملي من قبيل الجعالة على اطلاقه لا يتم. واما امكان جعل مثل الق متاعك في البحر وعلي ضمانه، من باب الضمان لولا تضمنه التعليق على الشرط - وهو الالقاء المنافي للتنجز المعتبر في صحة الضمان كما يقوله سيدنا - قدس سره - فهو ايضا غير واضح. وقد تأمل في آخر كلامه في امكان كون المورد منه، وذكر وجه التأمل في حاشية (منه) ويمكن ان يقال: لا ملزم لجعل باب الاستيفاء بالامر المعاملي مطلقا من قبيل الجعالة على الاعمال حتى يتكلف له بما لا يخلو عن اشكال: من عد مثل: أعتق عبدك عنى، وتصدق بمالك عنى، ونحو ذلك مما كان المستوفى للامر من المأمور مالا محترما "، وجعل ذلك من قبيل الاعمال المتمولة باعتبار قيمة متعلقها كما يقوله سيدنا، ولا لاحتمال كون مثل: الق متاعك في البحر وعلي ضمانه من باب الضمان لولا مانعية التعليق. ثم التأمل في ذلك بما ذكر وجهه في الحاشية، فلم لا نقول: انه على اطلاقه معاملة مستقلة لا ينبغي التأمل في مشروعيتها طرفاها الآمر والمأمور وانها من قسم المعاوضات وان استبعده سيدنا - قدس سره - عوضاها ما بذله المأمور من ماله أو عمله لامر الآمر، وما ضمنه له الآمر من عوض على ما بذله لأمره، وأنها مشمولة لعموم آية: " التجارة عن تراض " فالضامن =

[ 181 ]

مع فرض عدم النيابة عنه؟ اللهم إلا أن يرجع إليها ولو بنوع من التكلف بل يمكن ان يقال من هذا الباب ايضا غرامة المتاع فيما لو قال: الق متاعك في البحر وعلي ضمانه، فان عمل الالقاء المتمول باعتبار الملقى محترم مبذول للامر باستدعائه لنفسه مضمون عليه بأجرته المساوية لقيمة المتاع ويشهد لذلك ما في (الجواهر) عن محكي (التذكرة) في هذا الفرع، حيث قال: " ولو قلنا انه جعالة خلصنا من الالزام " انتهى، وعليه فالضمان بالقيمة وان كان المتاع مثليا ولولا تضمنه التعليق على الشرط، وهو الالقاء


= يكسب من المأمور ما استوفاه من المال أو العمل بدلا عما يضمنه له من الغرامة، والمضمون له يكسب ما ضمنه الضامن له وتعهد به من الخسارة فان الضمان ربما يكون حكما شرعيا ناشئا عن سببه المقتضى له من غصب مال الغير أو اتلافه أو قبضه بالسوم ونحو ذلك من اسباب كون المال في عهدة الضامن شرعا " يلزمه خسارته وغرامته لمالكه، وفي مثله لا يدخل شئ في ملك الضامن قبال ما يخسره للمضمون له من الغرامة. وقد يكون الضمان اختياريا " من الضامن وتعهد " ا منه بمعناه المصدري بدفع غرامة للمضمون له بدل ما يستوفيه منه من مال أو عمل محترم، وفي مثله يكون التعهد المذكور من الضامن واستدعائه من المضمون له بذل ماله أو عمله له وفي سبيله واستجابة المضمون له لما استدعاه الضامن منه غير قاصد التبرع بما بذله له وفرض امضاء الشارع لذلك وكونه مشمولا لآية " التجارة عن تراض " مقتضيا " لدخول ما استوفاه منه في ملكه عوضا " عما ضمنه له من بدله، ولا حاجة إلى قصد المضمون له ادخاله في ملكه بعد ما كان طبع المعاملة المذكورة يقتضي ذلك فان ما تعهد به الضامن للمضمون له من العوض لما لم يكن بعنوان التبرع والمجان بل بازاء ما استوفاه من ماله أو عمله، فلا ملزم للقصد المذكور حتى يقول سيدنا - قدس سره - في مثل: اعتق =

[ 182 ]

المنافي للتنجز المعتبر في صحة الضمان، لقلنا به من باب الضمان لا من باب الجعالة وليس المانع عنه إلا ذلك، لا ما قيل: انه من ضمان ما لم يجب نظرا إلى ضمان الاعيان معناه ضمان ما تشتغل به ذمته بعد التلف وهو غير متحقق حين الضمان ومقتضاه البطلان إلا ان صحته في المقام بالاجماع المستفيض بل في (الخلاف) دعوى اجماع الامة عليه عدل الثوري الواجب فيه الاقتصار على القدر الثابت منه وهو في صورة الخوف لا مطلقا، لان ضمان الاعيان من ضمان ما وجب لا من ضمان ما لم يجب، إذ الضمان معناه التعهد ودخول الشئ في عهدة الضمان، غير أن التعهد ان تعلق بمال في الذمة كان معناه التحويل من ذمة إلى اخرى وان تعلق بالعين كان معناه كونها متداركة مرجوعة ودفع المثل أو القيمة مرتبة من مراتب رد العين وتداركها وشأن من شؤنه مندرج في التدارك الذي هو معنى كون العين في العهدة، فالمضمون


= عبدك عني: " فلا يحتاج في صحته عنه إلى تكلف دعوى تضمن ذلك الرخصة في ادخاله في ملكه والوكالة عنه في عتقه لعدم القصد إلى شئ من ذلك بالوجدان " انتهى. وعليه ففي مثل: اعتق عبدك عني وعلي ضمانه باستجابة المالك لما استدعاه الآمر يدخل العبد في ملك الامر ملكية آنية استطراقية ثم ينعتق عنه فولاؤه له وكذا مثل اد دينى وعلي ضمانه يدخل المال المؤدى به الدين في ملك الآمر ثم يتحقق به وفاء الدين، وكذا كل مال استوفي من مالكه بالأمر المعاملي بل وكذا مثل: الق متاعك في البحر وعلي ضمانه، مع فرض صحته وتوقف النجاة من الغرق على الالقاء يدخل المتاع في ملك الضامن له بالقائه ويتلف منه كل ذلك لاقتضاء نفس الاستيفاء بالأمر المعاملي وكون الضمان معاوضيا ذلك، ولا ارى وجها " لاستبعاد سيدنا - قدس سره - له سوى ما ذكره من عدم القصد إلى شئ من ذلك بالوجدان وحيث ان الضمان اختياري =

[ 183 ]

هو العين وهو متحقق عند الضمان. نعم لو ضمن العين حين عدمها كان من ضمان ما لم يجب، ومقتضى الوجه المذكور هو الضمان مطلقا مع الخوف وعدمه دون التفصيل بينهما كما تقدم فتأمل إلى غير ذلك من الموارد التي يستحق بالعمل له العوض المعين عليه ان كان من الجعالة، وإلا فاجرة المثل.


= وكون استيفاء الاموال والاعمال بالامر يقتضى وقوع ما استدعاه الآمر من المأمور في ملكه فلا حاجة إلى قصد ذلك. نعم يبقى شئ وهو ان المعاملة المذكورة بناء على كونها على اطلاقها من المعاوضات غالبا لم يتعين فيها العوض المضمون له عند المعاملة فتدخل بذلك في المعاملات الغررية المنهي عنها. ويمكن ان يقال: ان دليل النهي عن الغرر ليس من العمومات الابية عن التخصيص، وبناء على تسالم الأصحاب على صحة المعاملة المذكورة وعدم استشكال أحد فيها من ناحية الغرر، يمكن تخصيص دليل النهي عن الغرر بالاجماع الثابت على صحتها - مطلقا " -. هذا بناء على أن الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله: هو النهي عن مطلق المعاملة الغررية - بيعا " كانت أم غيره - وأما بناء على كون الوارد عنه صلى الله عليه وآله النهي عن بيع الغرر - كما يظهر ذلك من كثير ممن ذكر النبوي المذكور فالأمر - أوضح - فتدبر. وجه التأمل ان ما ذكر ان تم فانما يتم حيث ما يتحقق القبض ليدخل به المقبوض في العهدة واما مع عدمه فلا ضمان الا في خصوص المورد لدليله المخرج له عن القاعدة الموجب لقصر الحكم فيه على صورة الخوف اللهم إلا أن ينزل عبارة الامر على القبض عنه ثم الالقاء بعده فيكون الالقاء عنه بعد القبض كذلك الا انه احتمال بعيد جدا " كاحتمال كونه من المعاوضة ببدله فيكون من قسم المعاوضات وان خرج عن القواعد لدليله الخاص.

[ 184 ]

وأما ما ذكره (في جامع المقاصد) و (المسالك) في الفرع المتقدم من أنه لو كانت هذه إجارة فاسدة لم يستحق اجرة كما في الاول أو شيئا كما في الثاني، ففيه ان الاجارة الفاسدة مضمونة ايضا، لأن صحيحها مضمون وما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. وأما الجعالة فجريان المعاطاة فيها اولى من جريانها في الاجارة لتوسعها وعدم اندراجها في العقود اللازمة التي ادعى الاجماع على اعتبار الصيغة الخاصة فيها مع قيام السيرة عليها. وأما الرهن فلا مانع من جريان المعاطاة فيه بعد الصدق العرفي وقيام السيرة عليه (1) الا ما قيل من منافاة حكم المعاطاة: من جواز الفسخ للتوثيق المأخوذ في قوام الرهن ولزومه النقض للغرض. ويدفعه عدم انحصار فائدته بالوثوق: من خوف الرجوع حتى يكون الرهن بالمعاطاة لغوا، بل


(1) الظاهر تسالم الاصحاب على كون الرهن لازما من طرف الراهن ويظهر منهم ان اللزوم مقتضى حقيقته، فانه وثيقة على دين المرتهن ولا وثوق مع قدرة الراهن على فسخ الرهن والرجوع بالعين المرهونة، ومقتضى ذلك عدم صحة إنشائه إلا بالعقد المشتمل على الايجاب والقبول، فانه الذي يجب على العاقد الالتزام بمؤداه بمقتضى قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " بخلاف ما لو أنشأ الرهن بالمعاطاة فان غاية ما يقتضيه صدق الرهن على ما انشأ بها وقيام السيرة عليه صحة ذلك أما اللزوم مع فرض عدم صدق العقد على المنشأ بالمعاطاة، فلا مقتضى له كما في غير الرهن مما انشأ من المعاملات بالأفعال. ويمكن ان يقال: ان الوجه فيما اتفق عليه الاصحاب من عدم لزوم ما انشأ بالمعاطاة هو عدم وجود المقتضى للزوم فيها وهو العقد الواقع بين المتعاقدين الدال بالدلالة اللالتزامية على التزام كل منهما لصاحبه بالثبات =

[ 185 ]

جل فائدته اختصاص المرتهن باستيفاء حقه منه مع قصوره عن ديون الراهن وعدم الضرب فيه مع الغرماء مع وثوقه من الراهن بعدم رجوعه عنه ويؤيد ذلك - بل يدل عليه -: ان اعتبار القبض فيه انما هو للوثوق مع عدم اعتبار استدامته بالاجماع مع انا نمنع كون اللزوم من قوام الرهن، بل هو من فوائده وقد تقدم من العلامة في (التذكرة) مساواة الرهن للبيع في جريان الخلاف في معاطاته. وأما القرض فالمتداول بين الناس انما هو بالمعاطاة دون الصيغة، فالسيرة فيه أتم منها في غيره. والعجب من الكركي في المكي عنه في صيغ العقود حيث فرق بين المعاطاة في القرض وبينها في البيع بافادتها الاباحة في الاول والملك في الثاني حيث قال في القرض: ".. لا يكفي الدفع على جهة القرض من غير لفظ في حصول الملك نعم يكون ذلك في القرض كالمعاطاة في البيع فيثمر


= والبقاء على ما تعهد به له، وآية " اوفوا بالعقود " انما تلزم بالوفاء بالعقد باعتبار التعهد الالتزامي فيه المفقود في المعاملة المنشأة بالفعل. ولكن هذا غاية ما يقتضى الحكم بالجواز فيما انشأ بالمعاطاة من جهة القصور في المقتضي، وهو الفعل المنشأ به المعاملة، وقد يوجد فيما أنشأ بالفعل ما يقتضى لزومه، وأنه إذا صح لزم وهو موجود في الرهن فان الاستيثاق والتطمين للمرتهن بعدم ذهاب دينه الذي هو له على الراهن وامكان استحصاله من العين المرهونه لا يحصل له مع جواز الفسخ ورجوع الراهن بالعين المرهونة. وبالجملة فكون طبع المعاطاة الجواز وعدم اللزوم لا ينافي وجود جهة تقتضي اللزوم في بعض ما انشأ بها، وقد سبق من سيدنا - قدس سره - القول باللزوم في الصدقة الواقعة بالمعاطاة لعموم ما دل على عدم الرجوع فيما اريد به وجه الله تعالى.

[ 186 ]

اباحة التصرف، فإذا تلفت العين وجب العوض، والذي ينساق إليه النظر أن المعاطاة في البيع تثمر ملكا " متزلزلا، ويستقر بذهاب احد العينين أو بعضها ومقتضى هذا أن النماء الحاصل في المبيع قبل تلف شئ من العينين يجب أن يكون للمشتري بخلاف الدفع للقرض، فانه لا يثمر الا محض الاذن في التصرف واباحته، فيجب أن يكون نماء العين للمقرض لبقاءها على الملك " انتهى. ولذا قال شيخنا في (الجواهر) بعد ذكر كلامه وهو صريح في الفرق بين المعاطاة - فيهما " ولا يخفى عليك صعوبة إثبات ذلك عليه ضرورة اشتراك الجميع في الادلة كما عرفته. انتهى. اللهم إلا ان يوجه الفرق بقيام الاجماع عنده على اعتبار الصيغة في العقود اللازمة التي منها القرض الظاهر في كونها معتبرة في الصحة دون اللزوم الموجب لجريان حكم العقد الفاسد على المجرد عنها وان كان بالمعاطاة غير انه في البيع يصرف الظهور في شرط الصحة إلى كونه شرطا " في اللزوم بالاجماع على صحة المعاطاة في البيع وافادتها الاباحة الشرعية المقصود بها عنده الملك المتزلزل ولا اجماع كذلك في غيره من العقود اللازمة حتى يصرف ظهور اعتبار الصيغة في صحتها إلى اعتبارها في اللزوم، غير ان الاباحة المالكية في القرض مستفادة من شاهد الحال وفيه: ان الاجماع ليس منعقدا " في كل عقد مستقل حتى يمكن صرف ظاهر بعض وابقاء غيره على ظاهره، بل هو معقد واحد لاعتبار الصيغة في الجميع وارادة شرطيتها للصحة في بعض واللزوم في بعض آخر أشبه باستعمال اللفظ الواحد في المعنيين. لا يقال: ان ما ذكرته من الوجه للفرق مع قطع النظر عما أوردته عليه مبني على كون القرض من العقود اللازمة حتى يكون مندرجا تحت معقد الاجماع على اعتبار الصيغة فيها مع أن غير واحد من الاصحاب ذهب إلى كونه من

[ 187 ]

العقود الجائزة، بل ادعي الاجماع على كونه منها. لانا نقول: المراد بكونه من العقود الجائزة جواز المطالبة بالوفاء متى شاء ولو في المجلس وان كان مؤجلا، وشرط التأجيل فيه غير ملزم إلا إذا كان في ضمن عقد لازم غيره. ويدل على ارادة ذلك من الجواز: ذهاب الاشهر - بل المشهور - إلى عدم التزام المقترض له برجوع العين المقبوضة منه لو كانت باقية، وليس ذلك إلتمليك العين ملكا " لازما " بالقرض الذي مفاده تمليك العين مضمونة عليه، فوجوب البدل فيه من باب الغرامة والتعويض لا من باب المعاوضة، ولو كان من العقود الجائزة كان له استرداد العين مع بقائها نعم للمقترض ردها بنفسها لكونها أحد مصاديق الكلي الواجب عليه مخيرا " بين افراده التي هي منها، بل لعله اولى من غيره. (وتوهم) جواز امتناع المقرض عن قبولها بالخصوص لانه بالقرض يستحق عليه المثل وليس العين منه لان الشئ لا يكون مماثلا لنفسه بل هو هو لا مثله وان كان مثليا (توهم) فاسد لان الثابت في الذمة هو الكلي المسمى باسمه كالدرهم والدينار والحنطة والشعير لا خصوص عنوان المثل بما هو مثل وان وقع التعبير به، فلانطباق الكلي عليه. نعم لو قلنا بالقرض في القيميات كما هو الاقوى وقلنا بثبوت القيمة في الذمة من اول الامر، كان للمقرض الامتناع عن قبول العين لو ردها المقترض لانه غير حقه المستحق عليه ولا كذلك لو قلنا بالانتقال إلى القيمة عند الوفاء لا قبله لصدق الوفاء برد العين حقيقة بل هو احق بالصدق من رد القيمة. وأما المزارعة والمساقاة فتجرى فيهما المعاطاة ايضا لتحقق الصدق العرفي مع قيام السيرة عليها فيهما. هذا تمام الكلام في جريان المعاطاة في غير البيع من العقود والايقاعات

[ 188 ]

وقد عرفت أن المناط فيه دخوله في اسم المعاملة واندراجه تحت اطلاق اخبارها مع قيام السيرة عليها (ودعوى) كون المطلقات من حيث شمولها للمعاطاة مهملة أو منصرفة إلى غيرها من العقود القولية (ممنوعة) مردودة على مدعيها. ومنها: انه هل يعتبر في المعاطاة الواردة مورد العقد ما يعتبر فيه وبعبارة اخرى: هل يشترط في المعاطاة كونها جامعة لشرائط العقد إلا الصيغة، فيعتبر في معاطاة البيع ما يعتبر في عقده وفي معاطاة الاجارة ما يعتبر في عقدها، وهكذا في كل معاملة تقع المعاطاة فيها أم لا؟ اختلفت كلماتهم في ذلك ولنقدم ذكر جملة منها. قال في (المسالك): " فلو وقع الاتفاق بينهما على البيع وعرف كل منهما رضاء الآخر بما يصير إليه من العوض المعين الجامع لشرائط البيع غير اللفظ المخصوص لم يفد اللزوم ". وقال في (الحدائق): " المشهور بين القائلين بعدم لزوم بيع المعاطاة هو صحة المعاطاة المذكورة إذا استكملت شروط البيع غير الصيغة المخصوصة وانها تفيد اباحة تصرف كل منهما في ما صار إليه من العوض المعين من حيث اذن كل منهما للاخر في التصرف بتسليطه على ما دفعه إليه إلا انه لا يفيد اللزوم ما دامت العين باقية بل لكل منهما الرجوع في ما دفعه للاخر ونقل عن العلامة في (النهاية) القول بفساد بيع المعاطاة وانه لا يجوز لكل منهما التصرف فيما صار إليه " انتهى. ومقابل المشهور في كلامه ما نقله عن العلامة. وفي (شرح القواعد) لشيخنا كاشف الغطاء ما لفظه: " ومنها أنها هل هي داخلة في اسم المعاملة التي جائت في مقامها فتجري فيها شرائطها وأحكامها؟ الظاهر من جماعة من الاصحاب اختيار ذلك، فتجري فيها قائمة

[ 189 ]

مقام البيع احكام الشفعة والخيار والسلم وبيع الحيوان والثمار وجميع شرائطه سوى الصيغة ولم يقم على ذلك شاهد معتبر من كتاب أو سنة أو اجماع والاقوى انها قسم آخر بمنزلة الصلح والعقود الجائزة يلزم فيها ما يلزم فيها فتصح المعاطاة على المشاهد من مكيل أو موزون من غير اعتبار مكيال أو ميزان وبنحو ذلك جرت عادة المسلمين " انتهى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان تنقيح المسألة لا بد فيه من الكلام على كل من القولين في موضوع المعاطاة من قصدهما الاباحة المعوضة بالاباحة، أو كان من قصدهما التمليك. وعلى الثاني، فالكلام مرة بناء على افادتها الاباحة، واخرى بناء على الملك المتزلزل، وعلى الثاني، فتارة بناء على كونها بيعا " في مورد البيع واجارة في مورد الاجارة وهكذا، واخرى بناء على انها سبب مستقل يفيد مفاد العقد الواردة مورده. فنقول: اما على القول بأن موضوعها الاباحة العوضية - كما ذهب إليه شيخنا في (الجواهر) - فالمرجع فيه هو مادل على صحة هذه المعاوضة: فان استدل عليها بعموم " الناس مسلطون على اموالهم " فمقتضاه عد اعتبار ما شك في اعتباره فيه، وان استدل عليها بالسيرة أو الاجماع، فينعكس الامر لان المتيقن منها هو ما كان جامعا للشرائط. وكذا على القول بكون موضوعها ما إذا كان بقصد الملكية، ولو قلنا بافادتها الاباحة الشرعية - كما نسب إلى المشهور - فانه القدر المتيقن من الاجماع المنقول على سببيتها للاباحة الشرعية. وأما على القول به مع القول بافادتها الملك، فمبني على كون اعتبارها من جهة دخولها في اسم المعاملة الخاصة أو كونها معاوضة مستقلة أو سببا " خاصا ". أما على الاول فيعتبر فيها ما يعتبر في تلك المعاملة الواردة في موردها

[ 190 ]

من الإحكام والشرائط مطلقا ". ويحتمل - غير بعيد - التفصيل بين ما ثبت اعتباره بدليل لفظي أو بدليل لبى فيختص اعتباره في الثاني بالعقد اللفظي بناء على ان المتبادر عند الفقهاء والمنصرف إليه في لسانهم هو العقد اللفظي دون الفعلي والاجماع متصيد من فتاويهم، فتأمل. واما على الثاني وهو كونه سببا " خاصا "، فلا يعتبر فيه إلا ما قام الدليل عليه من سيرة أو اجماع ولا يقاس بالعقد الواردة مورده فيما اعتبر فيه لعدم اندراجه بالفرض في اسم المعاملة الخاصة وان وقع في موردها حتى يعتبر فيه ما يعتبر فيها والاصل يقتضى العدم في كل ما شك في اعتباره وهو مما لا ريب فيه، وانما الاشكال فيما يصلح أن يكون وجها " للحكم بكونها سببا " مستقلا يفيد الملك وليس إلا سببية اليد له بعد تسليط المالك عليه كتملك المتناول لنثار العرس باليد لتسليط المالك مطلقا كالنثار في الطرق والشوارع العامة أو لجماعة مدعوين للتفرج والاستيناس يملكه من سبق منهم بالاخذ دون غيرهم، فيكون التسليط عاما " فيهم وخاصا " بالنسبة إلى غيرهم، ويعبر عن الاول بالإعراض وعن الثاني بالتسليط، وان تضمن الاعراض بالنسبة إليهم ايضا، وليس منه تقديم الطعام للضيف - كما توهمه بعض الفحول - إذ لا تسليط فيه على الغير إلا بأكله، فهو من اباحة الاتلاف بالاكل لا من التسليط على التملك باليد. وبالجملة كما ان اليد سبب لحدوث الملك في المباحات الاصلية وما بحكمها من الاعراض العام بل ولو الخاص بعد صيرورة المحل به قابلا للتملك باليد، فكذا تسليط المالك شخصا خاصا على ماله يصيره قابلا لتملكه له باليد فالملك في المعاطاة للبدلين معلول لليد المنبعثة عن تسليط كل من المالكين لصاحبه على ماله بقصد التبديل بين المالين، والسيرة حجة عليه كاشفة عن امضاء الشارع له، والتعبير بالبيع فيما وقع التمليك والتبديل

[ 191 ]

بين العينين، وبالاجارة فيما وقع بين العين والمنفعة وغير ذلك من التسامح في التعبير عرفا للمشابهة التامة بينهما، وهو وجه حسن إلا أن ثبوته على عهدة مدعيه. ومنها ايضا: انه يعتبر التقابض في ماهية المعاطاة فلا تتحقق المعاطاة مع كون كل من المالين بيد صاحبه. وهذا مما لا كلام فيه، وانما الكلام في انه هل يعتبر فيها حدوث القبض وان اكتفينا باستدامته فيما يعتبر فيه القبض كالرهن وغيره، أو يكفى فيها استدامته؟ الظاهر هو الاول، وان قلنا بعدم بقاء الاكوان واحتياج الباقي إلى المؤثر فلو كان مال كل منهما بيد صاحبه أمانة ووقعت العاملة بينهما بالمعاطاة عليهما، توقف تحقق موضوع المعاطاة على الرد وحدوث الاعطاء من الجانبين أو من احدهما على رأى. ومنها: ان القدر المتيقن من المعاطاة في افادتها الملك أو الاباحة هو حصول الاعطاء من الجانبين، فلو حصل من جانب واحد ففي لحوقه بها حكما وعدمه وجهان: مبنيان على القول بالملك أو الاباحة ودليلهما، فعلى الثاني يشكل الحكم به لخروجه عما ثبت بالاجماع افادته الاباحة بخلافه على الاول لوجود ما دل على الملك فيه ايضا: من السيرة القطعية وصدق اسم المعاملة الخاصة عليه، فيدخل في بيع النسية ما لو كان المعطى هو المبيع وفي بيع السلم ما لو كان المعطى هو الثمن، ولم يقع لفظ المعاطاة في متن رواية أو معقد اجماع حتى يجب الجمود عليه، بل في (مكاسب) شيخنا المرتضى قدس سره بعد ذكر نسبة القول باللحوق إلى ظاهر جماعة من متأخرى المتأخرين تبعا للدروس قال ما لفظه: " ولا ريب انه لا يصدق معنى المعاطاة لكن هذا لا يقدح في جريان حكمها عليه بناء على عموم الحكم لكل بيع فعلي فيكون اقباض احد العوضين من ماله تمليكا له بعوض أو مبيحا له به واخذ الآخر له تملكا له بالعوض أو اباحة له بازائه، فلو كان المعطى

[ 192 ]

هو الثمن كان دفعه على القول بالملك والبيع اشتراء واخذه بيعا للمثمن به فيحصل الايجاب والقبول الفعليان بفعل واحد في زمان واحد " انتهى. وفي قصد انشاء تمليك المثمن بقبض الثمن تأمل. ولعل الوجدان يشهد بخلافه. بل قد يدعى انعقاد المعاطاة بمجرد ايصال العوض واخذ المعوض من غير توقف على اعطاء اصلا، فضلا عن التعاطى ومثل لذلك شيخنا المتقدم في (المكاسب) بما تعارف من أخذ الماء مع غيبة السقاء ووضع الفلس في المكان المعد له إذا علم من حال السقاء الرضا بذلك، وكذا غير الماء من المحقرات كالخضروات ونحوها. ثم قال: " ومن هذا القبيل دخول الحمام ووضع الاجرة في كوز صاحب الحمام مع غيبته " انتهى. وظاهره كون ذلك في الحمام من الاجارة المعاطاتية، ولازمه - كما يظهر من غيره كون ما هو المتعارف بين الناس من وضع الحمام والدخول فيه داخلا في قسم الاجارة من عقود المعاوضات. وحينئذ ففي المقام وامثاله مما استلزم من تعلق الاجارة به تلف العين كاستيجار المرضعة وفحل الضراب والصباغ والكاتب والمنحة والبئر وحدها ونحو ذلك بالنسبة إلى اللبن والنطفة والصبغ والمداد والماء اشكال، حيث يعتبر في صحة الاجارة تعلقها بالمنفعة مع بقاء العين، بل ادعى الاجماع عليه كما في محكى (التذكرة) وغيره، ومقتضاه بطلان الاجارة في هذه الموارد مع ان صحتها في البعض مورد اتفاق النص والفتوى بل السيرة قائمة في الجميع وان منع بعض عن صحتها في البئر المستقلة كالعلامة وغيره. ولذا اعترف غير واحد بجريان الاجارة في امثال ذلك على خلاف الاصل، وقد تعرضوا لها في اجارة المرضعة المدلول عليها بنص الكتاب لقوله تعالى: " فان ارضعن لكم فاتوهن اجورهن " بناء على ظهور الاجر في الاجارة كالثمن في البيع والجعل في الجعالة.

[ 193 ]

وحيث انجر الكلام إلى هذا المقام، فلا بأس بالاشارة إلى ما يرفع به الاشكال. قال العلامة في (القواعد): " وهل يتناول العقد اللبن أو الحمل ووضع الثدي في فيه ويتبعه اللبن كالصبغ في الصباغة وماء البئر في الدار؟ الاقرب الاول لاستحقاق الاجر به بانفراده دون الباقي بانفرادها والرخصة سوغت تناول الاعيان " انتهى. وقال في (المسالك): " واعلم ان حكم الاستيجار للارضاع ثابت على خلاف الاصل لان متعلق الاجارة الاعيان ليستوفي منها المنافع والركن الاعظم في الرضاع اللبن، وهو عين تالفة بالارضاع فتكون المعاوضة عليه بالاجارة خارجة عن موضوعها، ومثلها الاستيجار للصبغ والبئر للاستقاء ومن ثم ذهب بعضهم إلى ان المنفعة المستحقة هنا التي هي متعلق الاجارة المرضعة من حيث حملها للولد ووضعه في حجرها ووضع الثدى في فيه ونحو ذلك من الاعمال الصادرة عنها لا نفس اللبن. ويضعف بان المقصود بالذات هو اللبن وهذه الامور تابعة أو مقدمة والاجود ان المقصود مجموع ما ذكر من المنافع مع عين اللبن وجوازه حينئذ مع ان بعض متعلقها عين ذاهبة للنص وهو قوله تعالى: " فان ارضعن لكم فاتوهن اجورهن " وفعل النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده من الائمة (ع): ويمكن ان يقال: على تقدير كون المراد المجموع ان اللبن يكون تابعا لكثرة قيمة غيره من المنافع وقلة قيمته وان كان اللبن مقصودا من وجه آخر، ويثبت للتابع من الحكم المخالف مالا يثبت للمتبوع ومثله القول في الصبغ " انتهى. قلت: كون اللبن هو الركن الاعظم لا ينافي جعل الاجرة بازاء نفس العمل المقصود به التوصل إلى غيره فان العمل المستأجر عليه مرة يكون بنفسه مقصودا، وأخرى من جهة ما يترتب عليه من الثمرات والفوائد

[ 194 ]

بحيث يكون العمل مقدمة لحصولها ووسيلة إلى تحققها، والاجرة على التقديرين مجعولة بازاء نفس العمل غير ان تسليم العمل الواجب بالاجارة ان استلزم عقلا تلف عين للاجير كان ذلك عليه وفائتا منه وإلا فعلى المستأجر بذل ما يتوقف عليه حصول المقصود ان كان خارجا عن العمل دون المؤجر إلا بالشرط عليه أو بقضاء العادة، فمن استأجر كاتبا للكتابة كان عليه المداد لقضاء العادة به وان لم يشترط ذلك عليه، ولا كذلك القرطاس فانه على المستأجر إلا إذا اشترطه على الاجير. إذا عرفت ذلك فنقول: الاجرة للمرضعة مبذولة بازاء الارضاع الذي هو عبارة عن ايصال لبنها من باطن الثدى إلى معدة الصبي وهو عمل منها يصح لها أخذ الاجرة عليه وان لم تقع منها حضانة إلا ان ايجاد هذا العمل في الخارج الذي هو بمنزلة التسليم للوفاء مستلزم عقلا لتلف لبنها وأين ذلك من كون اللبن بازاء الاجرة مستقلا أو بضميمة ومثل ذلك الاجرة لنزو الفحل الذي هو لايصال مائه إلى رحم الانثى وكذا الاجرة لسقي الزرع من بئر الاجير وأمثال ذلك مما استلزم الايفاء بالعمل اتلاف العين عليه. وأما الكاتب، فقد عرفت: أن عمله المستأجر عليه وهو الكتابة لا يستلزم عليه تلف المداد منه إلا ان العادة جرت بكونه عليه، فاغنت عن اشتراطه ودخل بالشرط على المستأجر، وحيث لم تجر العادة في القرطاس كان ذلك على المستأجر إلا إذا اشترط هو على المؤجر، وفي كون الخيوط على الخياط تردد ينشأ من التردد في قضاء العادة وعدمه. ولو اختلفت العادة باختلاف البلدان جرى في كل بلد حكمه. وأما الحمام فالاجرة مبذولة بازاء الدخول والاستحمام والانتفاع به - غسلا أو غسلا - وما يتوقفان عليه من الماء قد جرت العادة بكونه على

[ 195 ]

صاحب الحمام مبذولا منه مجانا لكونه مستحقا عليه بالعادة كالمستحق بالشرط في عقد الاجارة، وهذا هو الوجه في صحة اجارته لا ما قيل كما عن (التذكرة) وغيره: من أن بعض الاعيان قد يتناولها عقد الاجارة لمسيس الحاجة والضرورة أو يكون مشمولا بالتبع، أو عسى ان يقال - ولو بتكلف - كون الجميع منافع حتى استعمال الماء وان استلزم ذلك اتلاف بعض اجزاء الماء ضرورة كونه كاتلاف بعض اجزاء الثوب مثلا بالاستعمال ومرجعه إلى ملحوظية ماء الحمام جملة بلحاظ وحداني، وما يستعمل ويتخلف في البدن ونحوه من اجزائه كاجزاء الثوب التالفة باندراسه للاستعمال. وفيه: انه لو سلم ذلك فانما يتم بالانغماس فيه لا بالاستعمال صبا في الغسل أو الغسل. هذا وتعيين مدة اللبث ومقدار الماء موكول إلى ما جرت به العادة وما زاد عليه مشروط بالرضاء المحرز غالبا بشاهد الحال. وأما البئر فلا ارى وجها لصحة اجارتها منفردة للاستقاء، وان صحت اجارتها تبعا للدار، ولذا حكى عن موضع من (التذكرة) و (القواعد) و (جامع المقاصد) بعد الاشكال ان الاولى والاقوى المنع. نعم حكى عن (الايضاح) وموضع آخر من (التذكرة) الجواز. ولا وجه له يستند إليه إلا ما عسى ان يتوهم ان الاجرة في مقابل منفعة البئر من تصرف الاستقاء وغيره وبذل الماء لاقتضاء العادة كالحمام وفيه ان منفعتها المبذول في في مقابلها الاجرة انما هي استعمال مائها، فهي كاجارة الشجرة لا كل ثمرها المعلوم بطلانها، أو عسى ان يقال: كما في (أجوبة مسائل القمي) مستشعرا ذلك من الحلي في (السرائر) أنه باجارتها امتنع المالك عن التصرف في مائها باختياره، فأشبه بالاعراض الموجب للخروج عن ملكه، فيدخل في ملك المستأجر بالحيازة، فهو من التسليط الخاص المملوك باليد والحيازة وفيه مع ان الامتناع الاختياري شرعا موقوف على صحة الاجارة ومتأخر

[ 196 ]

عنها في المرتبة فكيف يكون وجها لها انا نمنع ان يكون الممنوع عن التصرف ولو بالاختيار معرضا عنه وأن مجرد الامتناع عنه بحكم الاعراض، مضافا إلى أنه على القول بصحة الاجارة فالماء مملوك للمستأجر بعقدها لا باليد ومثل اجارة البئر في الاشكال اجارة المنحة وهي الشاة لشرب لبنها، وان قلنا بصحة عاريتها، للاجماع المنقول في كلام بعض، وهو الدليل ان تم لا بعض النصوص الضعيفة سندا ودلالة فالعمدة هو الاجماع وهو المخرج لها ان تم عن الاصل في العارية لانها كالاجارة في اعتبار الانتفاع بها مع عدم تلف العين ولذا وجب الاقتصار عليها دون غيرها من الانعام ذوات الالبان ولبنها دون غيره من اعيان منافعها كالصوف ونحوه ولا يتوهم صحة اجارتها لشرب لبنها بعد صحة اعارتها لذلك بقاعدة: كلما صح عاريته صح اجارته لان القاعدة الكبروية - لو سلم كليتها بحيث تشمل الصحة المستفادة من دليل خاص على خلاف الاصل في العارية - معارضة بما دل على اعتبار عدم استلزام تلف العين في صحة الاجارة بنحو العموم من وجه وتخصيص الثانية بالاولى ليس باولى من العكس، بل العكس اولى لقوة ظهورها في ارادة التساوى بينهما من حيث المنفعة والتسليط عليها مع بقاء العين غير انه في الاجارة تمليك لها وفي العارية اباحة: ومثلهما في الاشكال ايضا اجارة آجام السمك لاصطياد ما فيه منه إذ لا منفعة فيه تتعلق الاجارة بها إلا صيد السمك المملوك لصاحبه نعم لو كان مباحا وان كان في المحل المملوك لعدم قصد الحيازة به صح إجارته للدخول فيه للاصياد. هذا والقول بكون ما هو المتعارف بين الناس في البئر وأمثالها من المنحة وغيرها مما دلت السيرة على صحتها من الاباحة العوضية دون الاجارة المعاطاتية لا يخلو من قوة ان تم قيام السيرة عليه. هذا ومن جملة الاجوبة عن الاشكال في هذه الموارد: ما أجاب به

[ 197 ]

المحقق القمي في (اجوبة مسائله) بما يرجع محصله إلى ان الشرط المذكور غير ماخوذ في مفهوم الاجارة بل انما هو ثابت بالاجماع فليقتصر على مورد ثبت به اعتباره فيه ويبقى كل مورد اختلف في اعتباره فيه تحت اطلاقات ادلة الاجارة القاضية بالصحة. وفيه: ان لاجماع المحكى على اعتباره في صحة الاجارة انما هو منعقد على نحو الكلية الشاملة لجميع الموارد الموجب لتقييد المطلقات بها فلا يخرج عنها إلا بالدليل لا انه منعقد على اعتباره في كل مورد مورد بخصوصه حتى يكون المختلف فيه خارجا عنه فافهم واغتنم ما ذكرناه في حل الاشكال ومنها انه بناء على اندراج المعاطاة في اسماء المعاملات، فان صرح فيها بواحدة منها بالخصوص بنى عليه وإلا كان البيع اصلا في نقل الاعيان مقدما على الصلح والهبة المعوضة والاجارة اصلا في نقل المنافع مقدمة على الصلح والجعالة. ومنها انه بناء على اعتبار الالفاظ المخصوصة في صحة العقد لو اوقع العقد بغيرها، فالاقوى حرمة التصرف لبطلان المعاملة عقدا أو معاطاة لفساد الاول بانتفاء ما اعتبر في صحته، وفساد الثاني لانتفاء الفعل المقصود به الانشاء والواقع من التقابض مقصود به الوفاء دون التمليك فما قصد به التمليك غير مجد والمجدي غير مقصود به التمليك. نعم لو حصل الانشاء الفعلي بعد العقد الفاسد بالتقابض وما بحكمه بقصد التمليك والتملك كان ذلك من المعاطاة والعقد السابق وجوده كعدمه. هذا تمام الكلام فيما اردنا بيانه في مسألة المعاطاة والله العالم بحقائق احكامه

[ 199 ]

رسالة في عقد الفضولي وفيها مسألة الضمان

[ 200 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 201 ]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين وعترته الاطهار المنتجبين وخلفائه الراشدين المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين. (مسألة) لو عقد الفضولي على ما لا يملك التصرف فيه، ففي صحته وتوقف نفوذه على الاجازة مطلقا أو بطلانه كذلك أو التفصيل بين سبق المنع من المالك فالثاني، وعدمه فالاول، أو بين ما لو قصد وقوعه للمالك فالاول أو لنفسه فالثاني: وجوه، بل أقوال. ولنبدأ اولا بذكر معنى الفضولي. وهو لغة كما في المصباح والقاموس: المشتغل بما لا يعني، قال في الاول: " وفضل من باب قتل زاد، وخذ الفضل أي الزيادة والجمع فضول مثل فلس وفلوس وقد استعمل الجمع استعمال المفرد فيما لاخير فيه. ولهذا نسب إليه على لفظه فقيل: فضولي لمن يشتغل بما لا يعينه لانه جعل علما على نوع من الكلام فنزل منزلة المفرد وسمى بالواحد " انتهى. ولولا تنزيل الجمع منزلة المفرد لكان القياس ان يقال فضلى لا فضولي، واصطلاحا كما عن الشهيد هو الكامل غير المالك للتصرف وعن بعض العامة العاقد بلا إذن من يحتاج إلى اذنه. ومقتضى التطابق بين العرفين كونه صفة للعاقد دون العقد، فالعقد فضول والعاقد فضولي، فتوصيف العقد به لا يخلو من المسامحة. وبين التعريفين ظاهرا عموم مطلق لان الثاني يعم الصغير والمجنون دون الاول لخروجهما عنه بقيد الكمال اللهم إلا ان يرجع إليه بارادة المنع من جهة عدم الاذن ممن له الاذن، فيكون قيد الكمال مطويا فيتساويان في النسبة.

[ 202 ]

وكيف كان فيدخل في الفضولي العقد الصادر من الباكرة الرشيدة بدون اذن الولي ومن المالك إذا لم يملك التصرف لتعلق حق الغير بالمال كبيع الراهن العين المرهونة والمحجور عليه لفلس ونحوه، ويخرج عنه عقد الصغير والمجنون ونحوهما ممن لا أهلية له لذلك. وبالجملة فالمنع عن تأثير العقد تارة - من جهة عدم اهلية العاقد لنقصان فيه الراجع إلى عدم المقتضى له، وأخرى - إلى وجود مانع عن تأثيره ولو من جهة ثبوت ولاية أو حق الغير عليه أو في ماله، فيكون لذلك ممنوعا عن التصرف، فالاول خارج عن الفضولي والثاني مشمول له، والاقوى في السفيه كونه من القسم الثاني - كما عليه المشهور - وان احتمل كونه من الاول لرجوع المنع فيه إلى نقصانه. وكيف كان استدل للاول بوجوه: منها: عمومات " أوفوا بالعقود " " واحل الله البيع " و " تجارة عن تراض " بناء على شمولها للفضولي بعد لحوق الاجازة، لان مرجع الشك فيه إلى الشك في اعتبار مباشرة المالك شرعا أو اقتران رضائه بالعقد وكل منهما تقييد للمطلقات أو تخصيص للعمومات من غير دليل منفي بالاصل فبحكم اصالة الاطلاق أو العموم يخرج عن حكم الاصل في المعاملات وهو الفساد. ولعل إلى ذلك يرجع استدلال من استدل على الصحة كما في المختلف وغيره بانه عقد صدر من أهله في محله، ضروة أن تحقق الاهلية بمعنى البالغ العاقل الرشيد بمجرده لا يثبت الصحة إلا بضميمة مقدمة كبروية ثابتة بالعمومات، فيكون الدليل مركبا من صغرى وجدانية مذكورة، وكبرى برهانية مطوية، وهي: ان كل عقد صدر من أهله في محله صحيح شرعا بحكم العمومات المتقدمة كيف ولولاها لاتجه الرد عليه بانه مصادرة - كما عن الشهيد في غاية المراد - لان تحقق الاهلية التامة بمعنى الجامعة لما

[ 203 ]

يعتبر شرعا هو عين الدعوى، وجعلها دليلا أو جزء دليل مصادرة محضة ولا يخرج عنها إلا بالرجوع إلى ما ذكرنا، ومقتضاه - وان كان افادة اللزوم وان لم تلحقه الاجازة - إلا ان ذلك خارج عن العمومات بالاجماع، فيبقى الملحوق بها مندرجا فيها، ويلزم من لزومه بالاجازة صحته قبلها بالصحة التاهلية. اللهم إلا ان يدعى عدم شمول العمومات للفضولي لان المخاطب بها اما العاقد الفضولي أو المالك لا غيرهما، ولا سبيل إلى كل منهما. أما العاقد الفضولي فلعدم وجوب الوفاء عليه بعقده قطعا، وأما المالك فقبل اجازته كذلك وإلا لوجبت عليه الاجازة. وأما بعدها فهو مجيز لا عاقد، مضافا إلى امكان دعوى انصرافها إلى غير الفضولي. وعليه فيتجه الاشكال بالمصادرة لان المقدمة الكبروية لا دليل عليها بالفرض، والصغرى بنفسها لا تثبت المطلوب إلا بارادة الاهلية التامة، وهى عين المصادرة. ويمكن الجواب عنها بكون المخاطب بها هو المالك المجيز وهو بها بحكم العاقد عرفا فيشمله الخطاب، أو يقال بشمول الخطاب له بعد الاجازة وان لم يتلبس بالمبدء لعدم الدليل على اعتبار التلبس به في توجه الخطاب عليه. واما دعوى الانصراف فلو سلمت فهو من الانصرافات البدوية منبعث عن ندرة الوقوع التي لا عبرة بها مع امكان منع ندرة وقوعه من الفضولي كيف وقد قيل بشيوعه وغلبة وقوعه بل وقيام السيرة عليه كما ستعرف. ومنها: خبر عروة البارقي الذي أغنت شهرته عن النظر في سنده، وقد تضمن: ان النبي (ص) دفع إليه دينارا ليشترى به شاة للاضحية، فاشترى به شاتين وباع أحديهما في الطريق بدينار ورجع إلى النبي صلى الله عليه وآله بشاة ودينار، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: بارك الله لك في صفقة يمينك: وتقريب الاستدلال به على صحة الفضولي بكل من فعلي عروة اشترائه

[ 204 ]

لشاتين بدينار الخارج عما وكل عليه: من اشتراء الواحدة به. واحتمال توقف اشتراء الواحدة المأمور بها على ضميمة الثانية لعدم رضائه بالتبعيض بعيد جدا وبيعه لواحدة منهما بدينار مع أنه لم يوكله على البيع اصلا، وقد اقره النبي صلى الله عليه وآله على ذلك ودعا له بالبركة. (ودعوى) خروج الاول عن الفضولي: اما بدعوى دخوله في الوكالة بالفحوى أو باحتمال اشترائه لنفسه ودفع الدينار وفاء عما في الذمة كما هو الغالب في المعاملات حتى النقدية منها. (يدفعها) أما الاولوية فهي لو سلمت فبالنسبة إلى شراء الواحدة بدينار لا شرائها بنصفه، والدخول في الوكالة عرفا - لو سلم - فهو في جانب نقيصة الثمن دون الزيادة في المثمن إلا مع فرض تعذر حصول الواحدة بالاقل وهو غير معلوم، بل ومع التعذر فغايته إحراز الرضا بشراء الشاتين به، ولا يدخل بمجرد ذلك في عنوان الوكالة. وأما احتمال كون الشراء لنفسه، فمع ان ظهور غلبة كون الثمن كليا في الذمة بمجرده لا يتعين كونه في ذمته حتى يكون الشراء لنفسه بل يتبع قصده في ذلك أنه لا يحتاج وقوعه للنبي صلى الله عليه وآله إلى قصد كونه له، لكفاية أمره به الداعي له عليه، وان غفل عن القصد حين الشراء مطلقا. وكونه أحدث القصد لنفسه منفي بالاصل، ومع التنزل وفرض كون الاشتراء للنبي صلى الله عليه وآله لا على جهة الفضولي فيكفى بيعه للشاة مع تقرير النبي دليلا على صحة الفضولي. هذا وقد نوقش في الخبر بأنه قد تضمن وقوع التصرف قبضا وإقباضا من الفضولي، وهو محرم لعدم جواز تصرفه قبل لحوق الاجازة، وهو ينافي تقرير النبي صلى الله عليه وآله والدعاء له بالخير، فلا بد في دفع المناقشة من تنزيله على علم (عروة) برضاء النبي صلى الله عليه وآله بذلك. وحينئذ فيدور الامر بين أمور ثلاثة: اما استثناء صورة العلم بالرضا ولحوق الاجازة عما دل على

[ 205 ]

عدم جواز التصرف في الفضولي قبل الاجازة، أو خروج الفرض عن الفضولي بناء على كفاية الرضا المقارن من المالك في انعقاد المعاملة وترتب الاثر عليها: أو صحة اقباضه المبيع لعلمه برضاء النبي صلى الله عليه وآله له وتنزيل قبضه الثمن على كونه أمانة في يده من المشترى بعد تنزيله على علم المشترى بالفضولي ليمكن تصحيح القبض بالامانة وإلا فلا يجوز قبضه للثمن مع جهل المشترى بالفضولى، وان صح إقباضه للعلم بالرضا. هذا ولكن قد يخدش في الوجوه المذكورة: أما خروج المعاملة المقرونة برضاء المالك عن الفضولي فهو خلاف ظاهر اتفاقهم على كونها منه، وأما الوجهان الآخران، فمبنيان على خروج الشراء عن الفضولي ودخول الشاتين في ملك النبي صلى الله عليه وآله من غير توقف على اجازته حتى يصح تصرفه في اقباض المبيع لعلمه برضاء النبي صلى الله عليه وآله وإلا فلا يجدى رضاءه قبل التملك في جواز التصرف في المبيع باقباضه. وبعبارة أخرى: ان قلنا بكفاية العلم بالرضاء ولحوق الاجازة في جواز التصرف فلا ريب في اعتبار كونه مالكا حين التصرف حتى يكتفى برضائه، وبناء على ما قويناه من وقوع الشراء فضوليا لم يكن النبي صلى الله عليه وآله قبل الاجازة مالكا للشاة المبيعة، وان قلنا بكونها كاشفة حكما فلا محيص عن ورود الاشكال على الخبر بناء على فضولية الشراء، اللهم إلا أن يصحح تصرفه في اقباض المبيع بعلمه برضاء من يعتبر رضاه فيه وهو من كان مالكا في الواقع الدائر بين كونه النبي صلى الله عليه وآله ان لم يكن الشراء فضوليا أو البايع الاصلى ان كان فضوليا لانه بعدم الاجازة ترجع إليه الشاة مجانا ولو قلنا بالمنع من تصرف الفضولي قبل الاجازة مطلقا ولو مع العلم بلحوقها تعين الحمل على الوجه الاخير من تنزيل قبض الثمن على الامانة واقباض المبيع على العلم برضاء من يعتبر رضاه في التصرف.

[ 206 ]

وكيف كان، فالرواية كافية في اثبات المطلوب، بل هي احسن من غيرها في الدلالة عليه لولا انها حكاية فعل وقضية في واقعة. ومنها: مصححة محمد بن قيس عن ابي جعفر محمد الباقر (ع) قال: " قضى أمير المؤمنين (ع) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه، فجاء سيدها فخاصم سيدها الاخر وليدتي باعها ابني بغير اذني، فقال (ع): الحكم ان يأخذ وليدته وابنها، فناشده الذي اشتراها، فقال له: خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك، فلما رآه أبوه قال ارسل ابني قال: لا والله لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني فلما رأى ذلك سيد الوليدة اجاز بيع ابنه.. ". الحديث وتقريب الاستدلال به من وجهين قوله (ع) في معالجة فك الولد بعد المناشدة خذ ابنه حتى ينفذ البيع لك، وقول الباقر (ع) في مقام الحكاية ولما رأى ذلك سيد الوليدة فاجاز بيع ابنه. وهي وان اشتملت على مالا يمكن الالتزام به: من تأثير الاجازة المسبوقة بالرد لظهور المخاصمة فيه في نفوذ البيع للاجماع المنعقد على بطلان الاجازة الواقعة كذلك إلا أنه يجب صرف ما هو ظاهر في الرد عن ظاهره بالحمل على التردد دون الرد بقرينة ظهور تنفيذ البيع واجازته في كلاميهما عليهما السلام في الامضاء لما سبق من البيع وحملهما على تجديد المعاملة بعيد جدا. وحيث كان التعارض بين الظاهرين لعدم امكان العمل بهما بالاجماع من تعارض الظاهر. والاظهر تعين صرف الاول بقرينة الثاني دون العكس، كما يتعين صرف الظاهر بقرينة النص عند التعارض بينهما. هذا وما يقال من وجوه استظهار الرد من الرواية زيادة على جهة ظهور المخاصمة فيه من اطلاق حكم الامام (ع) بأخذ الوليدة وابنها مع وجوب تقييده باختيار الرد لو لم يكن رادا إذ لا معنى لاخذها مع الاجازة

[ 207 ]

ومناشدة المشتري للامام (ع) والحاجة عليه في فك ولده وقوله (حتى ترسل ابني) الظاهر في انه حبسه لما يغرمه من قيمة الولد ولو يوم الولادة فانه مغرور به، والمغرور يرجع على من غره، وارجاع الوليدة وإمساك ولدها لقيمته يوم الولادة وحمل امساكه الوليدة لقبض ثمنها (ينافيه) قوله (ع) فلما رأى ذلك سيد الوليدة اجاز بيع ابنه، إذ المناسب لذلك إسقاط القيمة لا اجازة البيع فيكون الظهور في الرد ولو بمعونة مجموع ما ذكر من الوجوه اقوى من ظهور تنفيذ البيع واجازته في الامضاء فينعكس الامر في صرف الظاهر، وتسقط الرواية حينئذ عن الحجية على المطلوب. يدفعه امكان المناقشة في الجميع: أما إطلاق الحكم بأخذ الجارية فلانه يجتمع مع الرد والتردد لبقاء الملك ما لم تتحقق الاجازة واما ابنها فلاستحقاق القيمة على ابيه إلا إذا اجاز، وقلنا بان الاجازة كاشفة فيكون القبض في حال التردد للقيمة على تقدير اختيار الرد، وأما مناشدة المشتري له فلتعجيل الفك حبا لولده وإلا فولده مردود عليه على كل حال وان رد البيع غير انه مع الرد له القيمة على ابيه، وأما اخذ الجارية فقد عرفت انه له ذلك رد أو تردد بل ومع الاجازة لاجل ثمنها لان اجازة البيع غير اجازة قبض الثمن والفرض وقوع كل من البيع وقبض الثمن فضولا. هذا ومع التنزل وفرض التساوى في الظهور بحيث يكون صرف احدهما بالخصوص عن ظاهره ترجيحا بلا مرجح، فغاية سقوطها عن الحجية - لو استدل بها من جهة الاجازة الشخصية الواقعة في مورد الرواية بناء على قاعدة اشتراك جميع القضايا المتحدة نوعا في الحكم الشرعي حيث لا يمكن التعدي إلى غير موردها للاجماع المتقدم المانع عن الاستدلال بها الموجب للاقتصار على موردها ولو بحمل المورد على علم الامام (ع) بكون مالك الوليدة كاذبا في دعواه عدم الاذن للولد فاستعمل ما به يصل الحق إلى

[ 208 ]

صاحبه مع مراعاة ميزان الدعوى والقضاء في مرحلة الظاهر، وهو لا ينافي الاستدلال بظهور قوله حتى ينفذ لك البيع وقوله: فلما رأى ذلك سيد الوليدة اجاز بيع ابنه، في ان للمالك أن يجيز العقد الواقع على ملكه. وبالجملة فالرواية وان كانت في قضية شخصية لا يمكن التعدي منها إلى مثلها بالاجماع إلا أنها يستنبط منها تأثير اجازة المالك في العقد الواقع على ملكه فضولا ولو في الجملة في غير مورد الاجماع على البطلان، وهو الاجازة المسبوقة بالرد، فالرواية تنهض لاثبات المطلوب من صحة الفضولي بالصحة التأهلية، وما أورد عليها من الموهنات غير ما ذكرنا من امره (ع) باخذ ابن الوليدة ولو على قيمته يوم الولادة مع انعقاده حرا على الاقوى بل ولو انعقد مملوكا يجب فكه بقيمته لوجوب الامر بدفع القيمة أو فكه بها أولا مع خلو الرواية عنه، وكذا أمره بحبس ابن السيد المعلوم حريته اما لما يغرمه من قيمة ولده، أو لثمن الوليدة الذى اخذه منه اولهما معا فانما يجوز الرجوع عليه بعد التغريم والاخذ منه لا قبله وبعد المطالبة والامتناع عن الغرامة مع كونه مليا يجوز حبسه لا أمره بالحبس ابتداء كلها موهونة لا توجب السقوط عن الاستدلال بها حسب ما ذكرنا مع كونها قضية شخصية لعلها كانت محفوفة بقرائن حالية أو مقالية سقطت من الرواية. ثم ليعلم اولا انه يفرق في اجازة السيد بعد تحققها بين كونها كاشفة وبين كونها ناقلة في استحقاقه قيمة الولد على ابيه وعدمه فلا يستحق على الكشف مطلقا ولو حكميا لكشفه عن كون الوطئ في ملكه ويستحق على النقل وان اجاز لخروجها عن ملكه من حين الاجازة لا قبلها، وثانيا انه له الرجوع في ثمن الوليدة لو اجاز بيع ابنه على كل واحد من المشتري وابنه البايع لو كان البيع بثمن شخصي، ويتعين الرجوع على المشتري خاصة لو كان الثمن كليا في الذمة مع إجازته البيع فقط، لعدم تعيين المقبوض ثمنا

[ 209 ]

إلا بعد اجازة القبض المفروض عدمه في الرواية كما يتعين الرجوع به على ابنه مع اجازة القبض ايضا، وهو اشكال آخر في الرواية لان ظاهرها الاكتفاء في السقوط عن المشتري بمجرد إجازته البيع، وقد عرفت انه لا يستلزم اجازة القبض مع خلو الرواية عنها. ومنها: فحوى النصوص المعتبرة والاجماعات المحكية على صحة الفضولي في النكاح مع ما دل على تأكد الاحتياط في الفروج وانه يكون منه الولد المناسب لشدة الاهتمام في الاحتياط فيه، فإذا جاز ذلك فيما كان الاحتياط فيه اشد جاز فيما كان الاحتياط فيه أضعف بطريق اولى، وقد تمسك بها جماعة منهم الشهيد في (غاية المراد) والسيد جدنا في (الرياض) بل فيه بعد ذكر الاولوية: " ولعمري انها من اقوى الادلة ولولاها لاشكل المصير إلى هذا القول لحكاية الاجماعين الاتيين " انتهى. ورد بكون الاولوية موهونة بما روي عن الصادق عليه السلام في تزويج الوكيل المعزول قبل بلوغ خبر عزله إليه، ردا على العامة المفرقين بين بيعه وتزويجه بالصحة في الاول والبطلان في الثاني، قائلا: سبحان الله ما أجور هذا الحكم وأفسده فان النكاح اولى وأجدر أن يحتاط فيه لانه الفرج ومنه يكون الولد " الخبر، الظاهر في كون الصحة والنفوذ هو الموافق للاحتياط دون البطلان فإذا حكموا بما يوافق الاحتياط في مورد الاضعف، وهو البيع " يلزمهم الحكم به فيما كان الاحتياط فيه أشد وهو النكاح بطريق أولى. وبالجملة إذا ثبت الحكم بما يوافق الاحتياط في مورد الاضعف ثبت ذلك في مورد الاقوى بالاولوية، كما ان رفع اليد عن الاحتياط في مورد يكون فيه الاحتياط أقوى يستلزم رفع اليد عنه في مورد الاضعف بالاولوية، ولا يلزم من العمل بالاحتياط فيما كان الاحتياط فيه اقوى العمل به فيما

[ 210 ]

كان الاحتياط فيه أضعف، فالحكم منهم بالصحة الموافقة للاحتياط في البيع يلزمهم الحكم بها في النكاح بطريق اولى ولا يلزم من الصحة في النكاح الصحة في البيع. نعم يبقى السؤال عن وجه الحكم بكون الصحة اوفق بالاحتياط من البطلان. ولعل الوجه انه لو بني على البطلان وتزوجت بغيره وفرضت الصحة في الواقع كان نكاح الثاني لها زنا بذات البعل ولو بنى على الصحة وفرض البطلان في الواقع كان من الزنا بالخالية عن المانع، ومتى دار الامر بين المحذورين كان الاحتياط في التجنب عن الاشد منهما وهو الحكم بالصحة. ويجرى مثل ذلك في نكاح الفضولي حرفا بحرف، لوحدة المناط، وان كان مورد النص هو تزويج الوكيل المعزول دون الفضولي فظهر أن الصحة في النكاح ولو كان فضوليا لا تستلزم الصحة في البيع لان الاحتياط في البيع اضعف منه في النكاح. وفيه - مع ان اولوية الصحة من البطلان في تزويج الوكيل المعزول موهونة بمثلها عكسا في طلاقه حرفا بحرف - أنه ليس الاحتياط في ذلك بل الاحتياط في الفروج حينئذ: اما بالطلاق أو بتجديد العقد أو الاجازة، لانه يكون فضوليا على تقدير العزل في الواقع وصحته ثابتة في النكاح بالنص والاجماع ويمكن ان يكون ذلك من الامام عليه السلام في مقام الرد عليهم جريا على مذاقهم. نعم يمكن المناقشة في الاولوية التي استدلوا بها بوجه آخر، وهو أن تأثير الاسباب في ايجاد مسبباتها دائر مدار تحققها في الواقع بحسب ما تقتضيه ذواتها في السببية من غير مدخلية ما وراء ذاته فيه، فلا اعتبار في سببية السبب بكثرة الاجزاء أو الشرائط وقلتها وكون النكاح مبنيا على الاحتياط في معرفة سببه وما به يتحقق السبب لا اعتبار الكثرة في اجزائه وشرائطه.

[ 211 ]

وبعبارة أخرى: معنى الاحتياط المؤكد فيه ان لا يعتمد في الطرق الموصولة إلى معرفة السبب أو تحققه على ما يعتمد عليه في غيره من الظنون أو الاصول، فمورد الاحتياط انما هو في الشبهات الحكمية والموضوعية كما لو شك في شرطية شئ أو جزئيته في عقده أو شك في كونها المعقودة أو غيرها، لا في كثرة الاجزاء وشرائط السبب وقلتها، فالضيق والتوسعة في الاسباب لا مدخلية لهما في الاحتياط وعدمه فالتوسعة والتخفيف في سبب النكاح لا ينافي الاحتياط المؤكد فيه، بل لعل المناسب لحفظ الفروج من الزنا التوسعة في اسباب حليتها حذرا من الوقوع فيه ولعله الحكمة في تحليل المتعة وملك اليمين وتحليل الامة وحكمة حياء المرئة المسوغ لتقديم القبول على الايجاب في عقده، فليس التخفيف الثابت في النكاح من حيث صحة الفضولي فيه بالنص والاجماع رفعا لليد عن الاحتياط فيه حتى يستلزم رفع اليد عنه في غيره بالاولوية ولذا لم يتمسك بها جل الفقهاء مع وضوحها لو كانت متحققة فافهم. ومنها: ما ورد بطرق معتبرة في تزويج العبد نفسه بغير اذن سيده من ارجاع الامر إلى مشيئة السيد بين التفريق والاجازة، معللا فيه بانه لم يعص الله وانما عصى سيده فان شاء فرق بينهما وان شاء أجاز. وهو صريح في الصحة على تقدير الاجازة، ولا يقدح في الاستدلال به مطلقا اختصاص مورده بالنكاح المعلوم صحة الفضولي فيه بالاجماع والنصوص المستفيضة والتمسك في التعدي منه إلى غيره بالاولوية - مع كونها ممنوعة كما عرفت - قد تقدم الاستدلال بها ايضا لان الاستدلال به من جهة عموم العلة المنصوصة فيه المستفادة من مقابلة عصيان الله بعصيان سيده بتقريب: أنه لم يعص الله حتى لا يرجى زوال المعصية بلحوق رضاه لان حرام الله حرام إلى آخره، بل عصى سيده المحتمل في حقه تعقب الرضا له، فيكون حاصل الفرق: إمكان لحوق الرضا وعدمه،

[ 212 ]

فيصح في الاول بشرط اللحوق لزوال المانع حينئذ ويبطل في الثاني لدوامه وامتناع رفعه، ومقتضاه الصحة حيث ما كان المانع مرجو الزوال - نكاحا كان أو غيره عبدا كان العاقد أو غيره لنفسه كان عقد العبد أو لغيره - غير أنه في الاخير يحتمل التوقف على اجازة مولاه ايضا لان العبد بجميع جوارحه مملوك لمولاه يتوقف التصرف فيه ولو من نفسه على اذنه أو اجازته بعد حمل ما ورد من سلب قدرته على شئ وأنه كل على مولاه في قوله تعالى: " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه " على ارادة سلب الاستقلالية عنه وانه بنفسه لا يقدر على شئ وهو حقيقة وان كان مقدورا له بواسطة اذن مولاه على سلب القدرة عنه بالكلية بمعنى عدم القابلية له على شئ كالصغير والمجنون لان عدم القدرة أعم من عدم القابلية، كيف وهذه الروايات مع ما دل على صحة تجارة العبد المأذون دليل على ثبوت القابلية له وانه ليس مسلوب العبارة، فتكون قرينة على ارادة ما ذكرناه من الآية، ويحتمل قويا عدم توقف نفوذه على اجازة مولاه بل يتوقف على اجازة من وقع الفضولي عنه فقط مطلقا وان منع عنه المولى لعدم معلومية مملوكية العبد لمولاه بهذا القدر الذي يتوقف انشاؤه وتكلماته حتى في المباحات التي لا تزاحم حقوق مولاه على إذنه واحرازه ولو بشاهد الحال، ولو سلم فغايته الاثم بمعصيته وهو لا يدل على الفساد في المعاملة وبطلانه في الرواية برد السيد بسبب معصيته انما هو من جهة مزاحمته فيما يترتب على نفوذ عقده من الاثار المترتبة عليه، والتعبير بالمعصية ربما يكون لذلك ولو مسامحة، وإلا فكون العقد بنفسه معصية أول الكلام والمناقشة بالتفكيك بين المعصيتين فيه مع أنه يلزم من معصية السيد معصية الله أيضا فهو عاص لله بمعصية السيد. مدفوعة باختلاف الحيثية من جهة الاولية والثانوية، فانه لم يعص

[ 213 ]

الله اولا وبالذات وان عصاه بمعصية السيد ثانيا وبالعرض، ضرورة ان النكاح من حيث هو ولو للعبد مأمور به شرعا وان كان فيه مشروطا باذن السيد. ومنها: ما ورد في عامل مال المضاربة لو خالف ما شرط عليه من تعيين سلعة مخصوصة فاشترى غيرها: أنه يضمن المال والربح بينهما على الشرط وهو لا يتم إلا على صحة الفضولي وان الاجازة كالاذن السابق لتصح المضاربة ويكون الربح على الشرط والا فالربح كله للمالك، وان قلنا بكونه فضوليا يصح بلحوق الاجازة، لكن غير بعيد بل يحتمل قويا دعوى ان ذلك ليس من الفضولي حتى يصلح أن يكون دليلا على صحته، لان الغرض الاصلى من المضاربة انما هو الاسترباح بتقلب المال ولم يتعلق غرض بخصوص الاعيان إلا من جهة التحفظ عن الخسران وسلامة رأس المال عن النقصان، ولعل الشرط لذلك لانه بمخالفته يدخل المال في عهدة العامل وضمانه فيحصل المقصود وهو السلامة عن الخسران، وإلا فاطلاقات النصوص الواردة في المقام تقضى بصحة المضاربة والربح على الشرط من غير توقف على الاجازة وليس الا لتحقق الاذن الكلي بما يوجب الربح فهي موافقة للقواعد جارية على مجراها، وعليه فلا اثم على العامل بالتصرف فيه كما يشعر به خلو النصوص عن التعرض له مع كونه مقام بيانه ايضا وهو مؤيد لما ذكرناه. نعم لو قلنا بمخالفة النصوص القواعد وجب الاقتصار على موردها والتعدى منه إلى غيره، وان امكن بالحمل على الفضولي، إلا انه يجب تقييدها بالاجازة والرضاء بها مضاربة أو تنزيلها على الغالب من تحقق الاجازة بظهور الربح، وبالجملة فالنصوص اما محمولة على ما ذكرناه أو على الفضولي مع التقييد بالاجازة - كما عن بعض - أو على التعبد بظاهرها المخالف للقواعد مع الاقتصار على مورها، وتفصيل الكلام فيه موكول إلى محله. فهي لا تصلح

[ 214 ]

لان تكون دليلا في المقام الا على الاحتمال الثاني. ومنها: ما ورد في استرباح الودعى الجاحد للوديعة من ردها بربحها للمالك المودع، فعن مسمع ابن ابي سيار قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني كنت استودعت رجلا مالا فجحد فيه وحلف لي عليه ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته اياه، فقال: هذا مالك فخذه وهو اربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك مع مالك واجعلني في حل، وأخذت المال منه وابيت ان آخذ الربح، واوقفت المال الذي كنت استودعته واتيت حتى استطلع رأيك فما ترى؟ قال فقال عليه السلام خذ الربح واعطه النصف وأحله، ان هذا الرجل تائب، والله يحب التوابين. " الخبر وأخذ الربح الظاهر في الاستحقاق مبنى على صحة الفضولي والا فلا شئ له من الربح، وهو منزل على الغالب من لحوق الاجازة ليستحق الربح، ومن وقوع المعاملة بالمعاطاة لا بالعقود حتى يقال بغلبة الاثمان فيها كليا في الذمة فغلبة العقود في كون الثمن كليا في الذمة لا شخصيا معينا لا تنافي غلبة وقوع المعاملات بالمعاطاة التي يكون الثمن فيها مشخصا خارجا واعطاء النصف له للنصف لا بالاستحقاق رعاية لاحترام عمله بعد التوبة وان كان مهدورا من اصله لان الله يحب التوابين. ومنها: ما ورد مستفيضا - وفيه الصحيح والمعتبر - فيمن اتجر بمال الطفل لنفسه بغير اذن وليه: أنه يضمن المال والربح للطفل أو اليتيم. والتقريب فيه: ما تقدم حرفا بحرف وكون الربح له مطلقا وان لم تلحقه الاجازة نظرا إلى اطلاقها، يدفعه ورود الاطلاق مورد الغالب - كما عرفت من لحوق الاجازة من الولي - أو منه بعد البلوغ بظهور الربح فلا يفيد تخصيصا لما دل على اعتبار الاجازه في صحة الفضولي وكذا لا حاجة إلى ما قيل من تحقق الاجازة الالهية في امثال المقام.

[ 215 ]

ومنها: مصححة الحلبي عن الرجل يشترى ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه ثم رد على صاحبه فابى أن يقبله الا بوضيعة؟ قال: لا يصلح له أن يأخذ بوضيعة، فان جهل فاخذه فباعه باكثر من ثمنه يرد على صاحبه الاول ما زاد: والتقريب فيه ما تقدم من التنزيل على الغالب باجازة البيع الواقع بالزيادة على الثمن المطلوب له برده بل هو مطلوب له بالاولوية. ومنها: ما روى من بيع عقيل دون النبي صلى الله عليه وآله بمكة ثم أخبره النبي صلى الله عليه وآله فأجازه. ومنها: رواية ابن اشيم عن ابي جعفر عليه السلام " عن عبد لقوم مأذون له في التجارة: دفع إليه رجل الف درهم، فقال: اشتر بها نسمة واعتقها وحج عني بالباقي، ثم مات صاحب الالف فانطلق العبد فاشترى اباه فأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي للحج عن الميت، فحج عنه وبلغ ذلك موالى أبيه ومواليه وورثة الميت جميعا، فاختصموا جميعا في الالف، فقال موالى العبد المعتق: انما اشتريت اباك بما لنا، وقال الورثة: انما اشتريت اباك بمالنا وقال موالى العبد: أنما اشتريت أباك بمالنا فقال: أبو جعفر عليه السلام: أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، وأما المعتق فهو رد في الرق لموالى ابيه واى الفريقين بعد اقاموا البينة على انه اشترى اباه من أموالهم كان له رقا ". الحديث وتقريب الفضولية فيه وتصويرها بالنسبة إلى ورثة الدافع مبنى على كون الدفع منه بعنوان الوكالة ووقوع الاشتراء بعد موته الموجب لبطلانها وانتقال المال إلى الوارث، فيكون التصرف فيه على تقديره فضوليا وبالنسبة إلى مولى المأذون باختصاص الاذن منه بالتجارة التي ليس الواقع منها بناء على ظهور الاذن في التجارة بما فيها الاسترباح فيكون الشراء بماله على تقديره تصرفا فيه بغير اذنه وإلا بان كان الاذن بمطلق التكسب الشامل للاسترباح وغيره، كان الفضولي مختصا بورثة الدافع وعلى كل حال

[ 216 ]

فهو ظاهر في الصحة بناء على انه لولا كفاية الاشتراء بعين المال في تملك المبيع بعد المطالبة المتضمنة لاجازة البيع لم يكن مجرد دعوى الشراء بالمال ولا اقامة البينة عليها كافية في تملك المبيع (وحمل) الدفع على الوصية - كما احتمله في الجواهر - مع انه ياباه صريح ذيل الخبر من قوله: واي الفريقين إلى قوله: كان له رقا، لان دعوى الورثة على تقديره دعوى للحرية دون الترقية (يدفعه) أنه لا تتوجه الدعوى حينئذ منهم بذلك لعدم المدخلية لهم فيه حينئذ وكيف كان فان اقام واحد منهما بينة حكم له بها وان اقامها كل واحد منهما بنى عى تقديم بينة الداخل أو الخارج بناء على ان يد العبد وان كان ماذونا يد مولاه. وبالجملة فالرواية - وان امكن الاستدلال بها على صحة الفضولي بناء على ما قررناه فضلا عن التأييد بها إلا انها لضعف سندها بجهالة الراوى أو غلوة وان سبق عليه بعض اصحاب الاجماع - كما قيل - ومخالفتها للقواعد من جهة اشتمالها على صحة تصرف المأذون بالتجارة في غير ما اذن له اولا، وصحة استيجار ابيه للحج مع ظهور الامر في ان يحج عنه بنفسه ثانيا، وصحة الحج مع كونه رقا بغير اذن سيده ثالثا، وتقديم قول مولى الاب المدعى لفساد البيع على المدعين للصحة من مولى المأذون وورثة الدافع رابعا، وان تخلص عنه في القواعد بحمل كلام موالى الاب على انكار البيع من اصله وانه المعني بقولهم انما اشتريت اباك بمالنا، وهو كما ترى من التكلف المخالف لصريح الخبر، وعدم تقديم قول ذي اليد وهو مولى المأذون وتقديم قول مولى الاب على قوله مع كونه خارجا خامسا، وعود العبد رقا إلى مولاه مع اعترافه بالبيع وان ادعى فساده. سادسا يجب طرحها وان كانت مشهورة، رواية لافتوى، وان حكى العمل بها عن الشيخ في (النهاية) والقاضي وحينئذ فالذي تقتضيه اصول

[ 217 ]

المذهب وقواعد - بعد طرح الخبر -: هو ان يقال ان المأذون: ان كان مأذونا بالتجارة وغيرها لمولاه ولغيره نفذ إقراره في عمله فيصح عتقه وحجه عن الدافع ان وقع ذلك منه في حياته، وان وقع بعد موته كان المعتق رقا لورثة الدافع لثبوت كون الاشتراء بمالهم باقراره بعد بطلان الوكالة بموت الدافع وانتقال المال إلى ورثته لكون يد المأذون حينئذ مشتركة بين مولاه وغيره ممن له مال عنده أو عمل كلفه به وانه كالحر في الامانة. وما قيل من عدم قبول قول المأذون لغير مولاه، انما هو فيما كان الاذن مختصا بالتجارة لنفسه، وان كان الاذن له مقصورا على التجارة لنفسه أو مشكوكا تعميمه قدم قول مولى المأذون لكونه ذا يد على عبده وما في يده حتى يعلم انتفاؤه عنه ويرد المعتق رقا لمولاه المأذون حتى تقوم بينة على خلافه، فان اقامها كل من ورثة الدافع ومن موالى الاب قدمت بينة الورثة لترجيحها بدعوى الصحة ويحتمل تقديم بينة مولى الاب لكونها كالخارجة بالنسبة إلى بينة الورثة لانها بينة اقيمت على خلاف الاصل والظاهر وهو الفساد، ومع انضمام بينة مولى المأذون إلى البينتين بنى تقديمها على تقديم بينة الداخل على الخارج وعدمه، وعلى الثاني، ففي تقديم احدى البينتين الخارجتين على الاخرى ما تقدم من الاحتمالين. ومما ذكرناه ظهر ضعف ما قواه في (الدروس) حيث قال: " وقد يقال بان المأذون بيده مال المولى الاب وغيره وبتصادم الدعاوى المتكافئة يرجع إلى اصالة بقاء الملك على مالكه ولا يعارضه فتواهم بتقديم دعوى الصحة على الفساد لان دعوى الصحة مشتركة بين متقابلين متكافئين تساقطا، وهذا واضح لا غبار عليه.. " انتهى. لما عرفت من الترجيح ومنع التكافؤ على كل من تقديري عموم الاذن وخصوصه: ومع فرض تسليم التكافؤ فقد يمنع التساقط بالكلية لتوافقهما على

[ 218 ]

الصحة ونفى الثالث. هذا وتمام الكلام فيه موكول إلى محله. ومنها: ما ربما ايد به القول بالصحة موثقة عبد الله عن ابي عبد الله عليه السلام: " عن السمسار يشترى بالاجر فيدفع إليه الورق فيشترط عليه أنك تأتى بما تشتري فما شئت اخذته وما شئت تركته، فذهب ليشتري المتاع فيقول: خذ ما رضيت ودع ما كرهت؟ قال لا بأس.. " الخبر بناء على قيام احتمالات متكافئة في اشتراء السمسار يكون على احدها فضوليا عن صاحب الورق مع نفي الباس عنه في الجواب القاضي بحكم ترك الاستفصال مع اجمال السؤال بعموم الحكم بالصحة بجميع محتملاته لان اشتراء السمسار يحتمل ان يكون لنفسه بماله أو في ذمته ويكون المدفوع له قرضا عليه يستوفي منه صاحب الورق بما يشتري من المتاع. ولا ينافي هذا الاحتمال فرض السمسار في الرواية ممن يشترى بالاجر، لان توصيفه به بملاحظة صناعته وحرفته لا بملاحظته هذه القضية الشخصية. ويحتمل ان يكون وقوعه منه بنحو الوكالة عن صاحب الورق على ان يكون الاشتراء له مشروطا له الخيار على بايع المتاع بتوسط السمسار ما شاء اخذه وما كرهه رده وعليه وان كان الانسب بل المناسب التعبير عن الرد بالفسخ إلا انه يعبر به كناية عنه ايضا. ويحتمل ان يكون الاشتراء من السمسار وقع بعين الورق لا باذن صاحبه حتى يخرج به عن الفضولي ويكون دفع المال منه إليه بنحو الامانة وحصول الاطمينان له بوصول ثمن ما يشتريه منه ويكون فائدة الشرط عليه من أخذ ما يريده ورد ما يكرهه عدم مطالبة الاجر منه على عمله أو حذرا من إبائه وامتناعه عن ذلك، فترك الاستفصال مع الاجمال بقيام الاحتمال في السؤال يقضي بعموم الحكم في جميع المحتملات التي منها احتمال الفضولي عنه.

[ 219 ]

وفيه: ان احتمال الفضولي - مع كونه بعيدا في نفسه موهون بغلبة تسليم الثمن الشخصي الواقع عليه العقد فضلا عن غلبة وقوع المعاملة بالمعاطاة المستلزمة لذلك. وتسليم الورق قبل اجازة صاحبه محرم - ينافيه وجوب حمل فعل المسلم على الصحيح واحتمال الاذن يدفعه ثمنا ودعوى عدم منافاته للفضولي من الاغلاط الفاحشة. نعم هنا احتمال رابع يكافأ الاحتمالين الاولين، وهو وقوع الاشتراء بالمساومة واطلاقه عليه اطلاق شايع أو مجاز بالمشارفة ويكون دفع الورق لطمانينة السمسار وهو كثير الوقوع سيما مع الدلال والسمسار، وهو عندي اظهر الاحتمالات، ويتلوه في الظهور الاحتمال الاول، واضعفها بل لا يلتفت إليه الاحتمال الثالث، فلا تصلح الموثقة للاستيناس بها على الصحة فضلا عن التأييد بها. ومنها: ما ورد من صحة الاشتراء مما فيه الخمس ممن لا يخمس من غيرنا مع كونه من المعاملة على مال الامام (ع) من غيره وهو فضولي صح باجازة الامام (ع) بحكم اخبار الاباحة والتحليل: ومنها: ما ورد من الامر بالتصدق بالمظالم ومجهول المالك مع تخيير المالك بين الرد فيأخذ العين أو بدلها مع التلف ويكون الاجر للمتصدق وبين الاجازة فيكون له الثواب. والجواب عنه وعما قبله بخروجهما عن الفضولي للاذن منهم بذلك لشيعتهم المستفاد من أخبار الاباحة والتحليل في الاول، وللامر بالتصدق شرعا عن المالك لانه من اقرب طرق الايصال إليه عند تعذر الحقيقة في الثاني، وان قلنا بتخيير المالك بعد ظهوره بين الرد، فيرجع ببدل التالف من المثل أو القيمة وبين الامضاء فله الفوز بالثواب. وهذه الادلة المذكورة للقول بالصحة، وان امكن المناقشة في اغلبها

[ 220 ]

إلا أنه لتراكم بعضها مع بعض ربما يشرف الفقيه على القطع بافادتها الصحة فضلا عن الظن الاطميناني بها. واحتج للقول بالبطلان بعد الاصل بالادلة الاربعة. أما الكتاب فقوله تعالى: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " بناء على استفادة حصر الحل في المستثنى من الاستثناء أو من مفهوم القيد، والفضولي خارج عنه داخل في المستثنى منه لانه عقد على مال الغير بغير رضاه، فيكون من التجارة لا عن تراض أو من غير التجارة عن تراض. وفيه منع إفادة الحصر في المستثنى مع ظهور كون الاستثناء منقطعا لان التجارة عن تراض ليس من افراد الاكل بالباطل حتى يكون داخلا فيه موضوعا خارجا عنه حكما وحينئذ فيكون ذكر المستثنى منه توطئة لبيان سببية المستثنى للحل لا حصر سببية الحل في المستثنى، فهو من قبيل اثبات حكم لموضوع ونقيضة لموضوع آخر، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا في المعاطاة فراجع. واما استفادته من مفهوم القيد، فقد أجيب عنه مرة بانكار كونه قيدا بل هو خبر بعد خبر على قرائة النصب، واخرى بمنع تحقق المفهوم له لوروده مورد الغالب كما في قوله تعالى: " وربائبكم اللاتي في حجوركم " وفيه: اما الاول فيدفعه ما هو مسلم عندهم: من أن الجمل والظروف بعد النكرات اوصاف وبعد المعارف أحوال. واما الثاني - فيدفعه - مضافا إلى كون الاصل في القيد أن يكون احترازيا أن القيد انما ينزل على الغالب حيث يكون حكم المقيد به والمجرد عنه واحدا، ومن المعلوم ان التجارة المجردة عن التراضي بالمرة الذي هو من افراد الموضوع المفهوم غير صحيح وهو من الاكل بالباطل، فيكون خروج الفرد من المفهوم المعلوم خروجه

[ 221 ]

عن حكم المقيد قرينة مؤكدة لاصالة الاحتراز في القيد. فالاحسن في الجواب أن يقال (1) ان التجارة التي هي بمعنى التكسب هنا كناية عن السبب الناقل، وهو الفضولي مركب من العقد والاجازة، بناء على النقل أو منه معقبا بلحوقها أو مراعى به بناء على الكشف كما سيأتي وبلحوق الاجازة يصدق عليه أنه تجارة عن تراض، وقبلها لا تجارة،


(1) وببيان آخر: إن الخطاب في الآية الشريفة لمالكي الاموال، والاكل كناية عن التملك لا مجرد التصرف، إذ هو غير متوقف جوازه على التجارة عن تراض. ويمكن أن يكون الاستثناء في الاية متصلا، وان المراد: لا يأكل بعضكم أموال بعض بالنهب والغصب والسرقة والمقامرة وغيرها من الوجوه الواقعة عن غير رضا من مالكي الاموال، فانه باطل فقوله " بالباطل " بيان لوجه التحريم وعلته وهو المستثنى منه في الآية: إلا أن تكون بينكم تجارة عن تراض، على قرائة الرفع، أو إلا أن تكون الاموال المأكولة والمتملكة بتجارة عن تراض، على قرائة نصب (تجارة) فيكون النصب بنزع الخافظ، أو يكون التقدير: إلا أن تكون الاموال أموال تجارة عن تراض، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وعلى كل فسواء كان الاستثناء متصلا أو منقطعا فالتجارة عن تراض لم تكن من الباطل، والاستدلال بالآية على صحة الفضولي لا يتوقف على كون الاستثناء متصلا، بل يتوقف على بيان أن التجارة الصادرة من الفضولي على مال الغير، وان لم تكن بمعناها المصدرى - وهي جهة الانشاء بالعقد الصادر منه عن رضى ممن ينفذ رضاه، ولكنها بمعناها الاسم المصدري المنشأ بانشاء الفضولي، أعني: انتقال مال المالك إلى الغير بعوضه المجاز من قبل المالك - هي تجارة له اي للمالك عن رضى منه بها وبمفادها، فتشملها الآية الشريفة.

[ 222 ]

لا اله تجارة لاعن تراض. وأما السنة، فاخبار: منها - النبوي المروي مستفيضا " لا تبع ما ليس عندك " بناء على إرادة السلطنة من الظرف المضاف، فيكون النهي عن بيع ما هو خارج عنها الذي منه الفضولي ولا ينقض ببيع الولى والماذون لتحقق السلطنة لهما عليه. وفيه - مع كونه مرميا بضعف السند لكونه عاميا ومعارضا بما هو اقوى منه سندا ودلالة من النصوص المعتبرة المستفيضة المجوزة لبيع ما ليس عنده المعربة عن كون المنع عنه مذهب العامة، ففي الصحيح: عمن باع ما ليس عنه؟ قال: لا بأس، قلت: ان من عندنا يفسده قال ولم قلت: باع ما ليس عنده، قال ما يقول في السلف قد باع صاحبه ما ليس عنده الخبر (محمول) على بيع ما يتعذر عليه تسليمه أو يتعسر ارشادا إلى دفع كلفة التسليم، وليس منه الفضولي مع اجازة المالك أو ينزل على البيع عن نفسه قبل أن يملك، ثم يمضي ليشتريه من مالكه كما عن (التذكرة) مستدلا عليه بقوله، لانه صلى الله عليه وآله ذكره جوابا لحكيم بن حزام حيث سأله عن ان يبيع الشئ فيمضي ويشتريه ويسلمه فان هذا البيع غير جائز ولا نعلم فيه


= والحاصل: ان حقيقة التكسب ونتيجة إنشاء الفضولي - والعقد الصادر منه وهي المبادلة بين المالين القابلة للاستناد إلى المالك باجازته هي تجارة للمالك لا للفضولي ليقال: إنها لم تكن عن رضى ممن له الرضا والاختيار ولم تكن مشمولة للاية الشريفة. وبه يظهر ما في كلام شيخنا المرتضى في (مكاسبه) في الجواب عن النبوى قائلا: ان الظاهر من الموصول هي العين الشخصية للاجماع والنص على جواز بيع الكلي لانه منه كالاجتهاد في مقابل النص. (منه دام ظله)

[ 223 ]

خلافا للنهي المذكور وللغرر لان صاحبها قد لا يبيعها " انتهى. ولعله يأتي منا مزيد بيان للمنع عن مثل هذا البيع. ومنها: النبوى الاخر: " لا بيع إلا فيما يملك " بعد قوله صلى الله عليه وآله " لاطلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك " الظاهر بقرينة السياق في إرادة الاعم من ملك العين وملك التصرف والعاقد الفضولي ليس بمالك لا للعين ولا للتصرف. وفيه - مع قوة احتمال (1) ارادة نفي البيع عما لا يملك بالبناء للمجهول أو للمعلوم بارادة نفي المملوكية دون الملك كالحر ونحوه، أو احتمال نفي البيع قبل أن يملك ثم ملك كالخبر السابق، أو منزل على ارادة البيع الموجب لترتب الآثار عليه - لا تكافئ ما تقدم: من أدلة الصحة من وجوه عديدة. ومع الغض عما ذكرنا في الخبرين، ان هما إلا كالعام المخصص بما تقدم من ادلة الصحة لانها بالنسبة إليها كالخاص بالنسبة إلى العام. ومنها: صحيحة محمد بن الحسن الصفار: " انه كتب إلى ابي محمد العسكري (ع) في رجل باع له قطاع ارضين وعرف حدود القرية الاربعة، وانما له في هذه القرية قطاع ارضين، فهل يصلح للمشتري ذلك وانما له بعض هذه القرية وقد أقر له بكلها؟ فوقع (ع) لا يجوز بيع ما ليس يملك وقد وجب الشراء من البايع على ما يملك " الخبر بناء على إرادة الفساد من عدم الجواز


(1) الظاهر ان احتمال ارادة نفى البيع عما لا يملك - بالبناء للمجهول أو المعلوم بارادة نفي المملوكية دون الملك كالحر ونحوه - بعيد، فان النفي في النبوى المذكور لبيان نفي صحة مدخوله وترتب الاثر عليه بلسان نفي حقيقته، فهو نفي للحكم بلسان نفي الموضوع لا نفي للموضوع، وما لا يملك كالحر غير قابل للبيع والعتق، كما ان غير الزوجة غير قابله للطلاق، إذ البيع مبادلة مال بمال، والعتق فك رقبة المملوك، والطلاق حل رقبة الزوجية.

[ 224 ]

الظاهر في التحريم وإرادة الوجوب الشرطي بمعنى الصحة من قوله: وجب الشراء من المالك على ما يملك. وفيه - مع أنها مكاتبة ويحتمل قريبا ارادة النفوذ من الجواز المنفى كما فهمه الاصحاب وبنوا عليه فيمن باع ما يملك وما لا يملك صفقة بالنفوذ في الاول وتوقفه في الثاني على اجازة المالك، واطلاقه عليه شائع في كلامهم ومنه قولهم: اقرار العقلاء على انفسهم جائز اي نافذ - أنها محمولة على ارادة الصلاحية التي توجب النقل والانتقال وترتب الآثار على ذلك. ومنها: صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل قال: " سألت ابا الحسن الاول عليه السلام عن رجل اشترى من امرأته من آل فلان بعض قطائعهم، وكتب عليها كتابا بأنها قد قبضت المال ولم تقبضه، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: قل له ليمنعها اشد المنع، فانها باعت مالا تملكه " الخبر ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) في حديث قال فيه: " سأله رجل من اهل النيل عن ارض شراها بفم النيل، وهل الارض يقولون: هي ارضهم وأهل الاسنان يقولون: هي ارضنا؟ قال لا نشترها إلا برضاء أهلها " الخبر. ومنها: موثقة سماعة قال: " سألته عن شراء الخيانة والسرقة؟ قال إذا عرفت أنه كذلك فلا " الخبر. ومنها: ما رواه في الاحتجاج مما خرج من الناحية المقدسة في توقيعات محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميرى في السؤال حصة مغصوبة، فهل يجوز شراؤها من السلطان أم لا؟ فأجاب (ع): " الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو برضا منه " الخبر ومنها: ما عن (الفقيه) باسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق (ع) عن آبائه (ع) عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث

[ 225 ]

المناهي قال: " ومن اشترى خيانة فهو كالذي خانها " الخبر. ومنها ما رواه الشيخ عن ابي بصير قال: " سألت احدهما (ع) عن شراء الخيانة والسرقة؟ قال لا " الخبر ومنها - ما رواه عن جراح عن أبي عبد الله (ع) قال: " لا يصلح شراء الخيانة والسرقة إذا عرفت " الخبر ومنها - ما عن قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر (ع) عن اخيه موسى (ع) قال: " سألته عن رجل سرق جارية ثم باعها يحل فرجها لمن اشترها؟ قال: إذا انبأهم أنها سرقة فلا تحل وان لم يعلم فلا بأس ". والجواب عن هذه الطائفة من الاخبار التي أوردها في (الحدائق) مستدلا بها على مختاره من بطلان الفضولي حتى كأنه عثر على ما لم يعثر عليه من قبله متبجحا بها عليهم: أنها ظاهرة بقرينة السياق في إرادة التملك من الابتياع المذكور ولزومه وترتب الآثار عليه على حد الابتياع من المالك لمن نظر إليها بعين الانصاف وجانب طريق الاعتساف، مضافا إلى ان صحيحة ابن فضيل انما تضمنت السؤال والجواب عن اعطاء المال للفضولي وهو ممنوع عنه حتى على القول بالصحة ايضا: والى أن صحيحة محمد بن مسلم مفروض فيها التنازع بين أهلها الظاهر في الرد وعدم الاجازة ممن لم يقع الاشتراء منه (ودعوى) ظهور حصر الجواز في المستثنى في الجواب على سبق الاذن دون لحوقه (مردودة) على مدعيها، واين ذلك من من محل النزاع في قابلية عقد الفضولي وتأثيره بلحوق الاجازة وعدمها. وأما الاجماع فهو محكى عن الشيخ في (الخلاف) وابن زهرة في (الغنية) مؤيدا بدعوى الحلى في مضاربة (السرائر) عدم الخلاف في بطلان شراء الغاصب بعين المغصوب وفيه - مع انه موهون بمصير المعظم، بل المشهور على الخلاف، بل

[ 226 ]

الشيخ هو افتى بالصحة في (نهايته) الذى قيل: إنها آخر كتبه ولعل فتواه بها فيها تعطى كون الاجماع منه منقولا لا محصلا له، بل لم تنسب الفتوى بالبطلان إلى غير مدعيه، والحلى من القدماء، بل المحكي عنهم القول بالصحة بل عن ظاهر (التذكرة) دعوى الاجماع عليه - أنه لا يكافئ ما تقدم من ادلة الصحة، وان ذهب إليه بعض متأخرى المتأخرين على ما حكى عنهم كالفخر والسيد الداماد والمقدس الاردبيلى والحر في (وسائله) والبحراني في (حدائقه) وقواه جدنا في (مصابيحه). وأما العقل فتقريره على ما قيل بتوضيح منا - هو: ان الفضولي متصرف في مال الغير بالعقد عليه بغير اذنه، والتصرف في مال الغير كذلك قبيح عقلا ونقلا، ففي التوقيع المروي عن الاحتجاج " لا يجوز لأحد ان يتصرف في مال غيره إلا باذنه ". بيان ذلك: ان العقد حسب ما عرفت معناه الربط بين العوضين بالتبديل بينهما غير أنه ان كان من غير المالك ومن بحكمه كان ذلك الربط ناقصا " وضعيفا " يتم ويقوى باجازة المالك وان كان منه كان قويا " تاما " بحيث يترتب عليه اثره من النقل والانتقال، وهذا الامر الحادث في مال الغير تصرف فيه في الواقع لا بالتسامح العرفي وهو محرم منهي عنه، والنهي يقتضى الفساد فالقول بالصحة الموجبة لما يقتضي الفساد يستلزم القول بعدمها، فهو من قبيل ما يلزم من وجوده عدمه وما كان كذلك كان باطلا بالضرورة. وبهذا التقرير يتضح لك بطلان قياسه الاستضائة والاصطلاء بنور الغير وناره لأن المقيس عليه من الانتفاع بمال الغير المجرد عن التصرف فيه بخلاف المقيس الذي هو من التصرف فيه حقيقة - كما عرفت - ولا ملازمة بينهما وأن إحراز الاذن بهذا النحو من التصرف من الحال أو المقال لا يخرجه عن الفضولي بالاتفاق وأنه محرم وان لم يقصد ترتب الاثر عليه لكونه بنفسه

[ 227 ]

تصرفا " ولا يعترف به القائل بالصحة. ومنه يظهر لك مواقع التأمل - بل النظر - في كلام شيخنا في (المكاسب) حيث قال - في الجواب عنه ما لفظه - " والجواب ان العقد على مال الغير متوقعا " لاجازته غير قاصد لترتيب الآثار عليه ليس تصرفا فيه - إلى أن قال ثم لو فرض كونه تصرفا فمما استقل العقل بجوازه مثل الاستضائة والاصطلاء بنور الغير وناره مع انه قد يفرض الكلام فيما إذا علم الاذن في هذا من المقال أو الحال بناء على أن ذلك لا يخرجه عن الفضولي، مع أن تحريمه لا يدل على الفساد، مع أنه لو دل لدل على بطلان البيع بمعنى عدم ترتب الاثر عليه وعدم استقلاله في ذلك ولا ينكره القائل بالصحة " انتهى فالاحسن أن يجاب عنه - كما ذكروه في طي أجوبتهم - أولا - بعدم الدليل على حرمة هذا النحو من التصرف، لا عقلا لعدم حكمه بحرمته، ولا نقلا لعدم انصراف التصرف فيه إلى مثل ذلك، وثانيا " بعدم دلالة النهي التحريمي على الفساد وإن تعلق بذات المعاملة مطلقا " سواء كان لمبغوضية ذاته بذاته، ومن حيث كونه فعلا من الافعال كعقد المحرم أو المعتكف على الاجنبية أو لاستلزامه العنوان المحرم كالبيع وقت النداء المستلزم لتفويت الجمعة أو لمبغوضية اثره المترتب عليه كبيع المصحف أو المسلم من الكافر بناء على تملكه وجبره بالخروج عن ملكه بخلاف ما كان منه ارشادا " إلى عدم ترتب الاثر عليه، فان النواهي الارشادية تقتضي الفساد قطعا " بعد أن كان معنى الفساد في المعاملة عدم ترتب الاثر عليها، واكثر ما ورد من النواهي في المعاملات من القسم الأخير، ولذا قيل بالحمل عليه عند الشك فيه، لان الظن بالشئ يلحق بالاعم الأغلب وان كان حقيقة في التحريم، وتفصيل الكلام فيه موكول إلى محله وكيف كان فلو سلم التحريم فلا نسلم اقتضاءه الفساد هذا.

[ 228 ]

وقد استدل بعض (1) للقول بالبطلان بوجهين آخرين: الاول - ان القدرة على التسليم شرط في صحة البيع بالاجماع المستفيض وهي مفقودة في الفضولي، لانه فعل المالك دون العاقد الفضولي. وفيه - اولا أنه مبني على شرطية القدرة لا مانعية العجز، وهو غير معلوم، وان طفحت بالاول عباراتهم واشتملت عليه معاقد إجماعاتهم إلا أنه من المحتمل قويا " - كما في الجواهر - ارادة مانعية العجز منه ولو بقرينة تمثيلهم لما لا يكون مقدورا " ببيع السمك في الماء، والطير في الهواء ونحوهما مما يوجب الياس من حصوله، واختلافهم في صحة بيع الضال والضالة ونحوهما مما يرجى حصوله مع عدمها حال البيع وتظهر الثمرة في المشكوك فيه، فيبطل على الاول، ويصح على الثاني ومنه الفضولي المتوقع للاجازة والمقصود من مانعية العجز مانعية أثره الحاصل من العلم به وهو اليأس الذي هو أمر وجودي لكونه من الصفات النفسانية تحدث بحدوث سببه وبذلك يظهر ضعف ما قيل في الرد عليه: من أن العجز الذي معناه عدم القدرة أمر عدمي لا يصلح لصدق المانعية عليه بعد ان كان المانع ما يلزم من وجوده العدم. وثانيا " - لو سلمنا شرطية القدرة فلا نسلم اعتبارها في مطلق العاقد، وإلا لبطل أغلب الوكالات وهي الواقعة على مجرد العقد وإجزائه دون لوازمه، وانما المعتبر فيها قدرة الموكل دون العاقد الوكيل، وليس الا من جهة عدم مدخلية الوكيل في لوازم العقد من التسليم ونحوه، فعدم اعتبار القدرة في الوكيل المزبور لعدم مدخليته في التسليم لا لوكالته على العقد وهذه الجهة السلبية مشتركة الورود بين الوكيل والفضولي (ودعوى)


(1) المقصود به جدنا الأعلى - قدس سره - السيد بحر العلوم، ذكره في (مصابيحه) الذى لا يزال مخطوطا ".

[ 229 ]

اختصاص تأثير قدرة الموكل بما لو بنى عليها عقد الوكيل (ضعيفة) بل ممنوعة بل هي المعتبرة في الصحة مطلقا، لانه المأمور بالوفاء به إلا إذا بنى العقد على قدرة الوكيل على التسليم، كضعف دعوى الفرق بينهما: بأن عقد الوكيل عقد الموكل بعد تنزيل ذاته منزلة ذاته بالوكالة أو فعله منزلة فعله ولا كذلك الفضولي، كيف ولو كان الوجه ذلك لكان الاحسن أن يستدلوا على الاكتفاء بقدرة الموكل في نحو ذلك بأنه العاقد، لا بأنه المأمور بالوفاء هذا مع ان الظاهر من عباراتهم كون المعتبر في الصحة وجود القدرة في الواقع دون القدرة المعلومة، خلافا لجدنا في (المصابيح) فاعتبر القدرة المعلومة في الصحة والظاهر أن العلم بها شرط للحكم بالصحة دون نفس الصحة وحينئذ فاما أن يعلم بها أو يعلم عدمها أو لا يعلم. وعلى التقادير الثلاث، فاما ان يصادف وجودها في الواقع أو يصادف عدمها. فان علم بها وكانت موجودة في الواقع صح على التقديرين كما أنه يبطل كذلك لو كانت مفقودة لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه. وان علم عدمها وكانت مفقودة في الواقع بطل أيضا لانتفاء الشرط على القولين وان صادف وجود المانع ايضا وهو اليأس الحاصل من العلم به على ما قويناه من احتمال مانعية العجز غير أن الحكم بالبطلان حينئذ مسبب عن عدم الشرط دون وجود المانع. وان كانت موجودة في الواقع مع العلم بعدمها بطل عندنا لوجود المانع وهو اليأس، لا لانتفاء الشرط وهو القدرة لانكشاف وجوده، وعند جدنا، لانتفاء الشرط ولو بانتفاء جزئه وهو وصف العلم. وان كان لا يعلم وصادف عدمها في الواقع بطل على القولين لانتفاء الشرط ولو بانتفاء جزئه على التقديرين، وان صادف وجودها بطل لانتفاء الشرط بناء على أنه القدرة المعلومة. وصح عندنا لوجود الشرط وهو القدرة في الواقع وعدم المانع وهو اليأس.

[ 230 ]

ثم ان المدار في وجود الشرط على وجوده عند استحقاق التسليم لكونه مقدمة له لتوقفه عليه لا حال العقد، فلو تجددت القدرة بعد العقد قبل زمان التسليم صح العقد ما لم يعلم عدمه حال العقد، وإلا بطل لوجود اليأس المانع عن الصحة حين الاقدام على العقد لدخوله معه في السفه الموجب لبطلانه وبل هو المتيقن ارادته من الغرر المنهى عنه في النبوي المشهور بين الفريقين، لا مطلق ما كان فيه خطر كما يظهر من تفسير بعض له بالخطر لانتقاضه بصحة جملة من الموارد الخطرية على ما صرح بها غير واحد من الاصحاب فالظاهر كون المراد من الغرر المنهى عنه الخطر المفضى إلى السفه أو التخاصم. هذا وبعد الاحاطة بما ذكرنا في الجواب عن الدليل المذكور يتضح لك مواقع التأمل في كلام جدنا - قدس سره - (في المصابيح) عند ترجيحه لبطلان الفضولي ما لفظه: " تكميل القدرة على التسليم التي هي شرط في البيع هي القدرة المعلومة للمتبايعين حال العقد دون القدرة الواقعية لان الغرر لا يندفع بمصادفة الواقع وانما يرتفع بالعلم، فلو باع مالا يعلم حصولها فيه بطل البيع وان قدر عليه بعده ولو باع ما يعتقد تمكنه منه صح وان تجدد العجز والمعتبر في العلم الوثوق بالتمكن فلا يشترط اليقين ولا يكفى فيه مطلق الظن، ثم القدرة المعتبرة هي قدرة العاقد إذا كان مالكا " ووليا " أو وكيلا في البيع ولوازمه، اما إذا كان وكيلا على خصوص العقد واجراء الصيغة فالشرط قدرة الموكل لانه المطالب بالتسليم دون الوكيل. وتظهر الفائدة فيما إذا قدر احدهما على التسليم دون الاخر، فانه ان كان الموكل صح البيع، والا بطل، ولو كان احد المتعاقدين وكيلا على البيع وما يتبعه من اللوازم وعلم الآخر بذلك ورضى بتسليم الموكل كفى في صحة البيع قدرة أحدهما إذا رضى الموكل برجوعه عليه فلو عجزا معا " بطل البيع. وأما الفضولي

[ 231 ]

فهذا الشرط غير متحقق فيه. ومن ثم ترجح بطلانه، وذلك لان اجازة المالك غير معلومة الحصول إذ قد لا تحصل القدرة على التسليم مطلقا " وقد تحصل لكن بالقياس إلى نفس العقد دون لوازمه، فلا تحصل من العاقد، وقدرة المالك انما تؤثر لو بنى عليها العقد وحصل التراضي بها حال البيع لما عرفت أن بيع المأذون لا يكفى فيه قدرة الآذن مطلقا "، بل مع الشرط المذكور وهو غير متحقق في الفضولي، والبناء على القدرة الواقعية باطل إذ القدرة المشروطة هي القدرة المعلومة دون الواقعية كما سبق بيانه والقدرة الواقعية انما تتحقق حال الاجازة لا قبلها، ضرورة أن الاجازة اللاحقة لا تؤثر القدرة السابقة، والمعتبر من القدرة - على ما ستعرفه - ما كان حال البيع أو قريبا منه في البيع الحال وعند حلول الاجل وما يقرب منه في المؤجل، ولا ريب أن ذلك غير حاصل في بيع الفضولي، والتأجيل بالاجازة غير مأخوذة في العقد ولو اشترط لم يصح لجهالة الاجل والحاصل ان القدرة قبل الاجازة لم توجد وبعدها ان وجدت فلا تنفع " انتهى. الثاني من الوجهين -: أن الفضولي غير قاصد حقيقة إلى مدلول اللفظ كالمكره كما صرح به في (المسالك). وفيه انه قاصد للانشاء وان علم بعدم ترتب الاثر على انشائه ما لم تلحقه الاجازة، وهذا القدر من القصد كاف في الصحة التي هي بمعنى القابلية، فهو كبيع المكره الذي لا اشكال في كونه قاصدا " لمعنى الانشاء حقيقة من الكلام الانشائى، غير أنه لم يكن مريدا " لوقوع اثره في الخارج فإذا تعقبه الرضا الذي هو شرط الصحة بحكم قوله " تجارة عن تراض " وغيره، صح على المشهور، وليس إلا لتحقق الانشاء المقصود أولا وتحقق الرضا المعتبر في الصحة بعده، واعتبار المقارنة بينهما منفى بالاصل حسبما تكرر بيانه.

[ 232 ]

وبذلك يظهر ضعف ما ذكره الشهيدان وغيرهما: من أن المكره قاصد للفظ دون مدلوله. اللهم إلا أن يؤول كلامهم - ولو بالتكلف - إلى ما ذكرناه، كيف والهازل الذي هو دونه قاصد إلى اللفظ ومدلوله لكن بارادة صورية، وبذلك امتاز الهازل عن الملقن كالصبي ونحوه القاصد إلى اللفظ دون المعنى وامتاز الملقن عن الغالط الذي لا قصد له إلى اللفظ ايضا، فمراتب الكلام مع القصد وعدمه متعددة، وهي مرتبة الغالط وهو الذي لا قصد له للفظ ولا للمعنى ومرتبة الملقن ونحوه وهو القاصد للفظ دون المعنى، ومرتبة الهازل وهو القاصد للفظ والمعنى قصدا " صوريا " ولذا لو تعقب الرضا بعد الهزل لا يجدى في الصحة لعدم الانشاء حين الهزل حقيقة، والرضا ليس بانشاء، والاثر مترتب على الانشاء، ومرتبة المكره وهو القاصد إلى اللفظ والمعنى الانشائى قصدا " حقيقيا " الا انه لم يكن ذلك منه عن طيب ورضاء، فإذا رضى بالانشاء المتقدم اجتمعت فيه شرائط الصحة، ويشهد لما ذكرنا إخراجهم بيع المكره بقيد الاختيار في شرائط المتعاقدين دون القصد، وبه أخرجوا الملقن والهازل والفضولي كالمكره في تحقق قصد الانشاء منه حقيقة، بل مع الرضا ايضا إلا ان المعتبر رضا المالك دون رضاه ولذا أخرجوه بقيد الملك في شرائط المتعاقدين، فإذا أجاز المالك الانشاء المقصود من الفضولي اجتمعت في عقده شرائط الصحة الفعلية. فقد ظهر مما ذكرنا فساد ما استدلوا به على البطلان مطلقا " ولم يبق إلا الاصل المخرج عنه بما ذكرنا من ادلة الصحة. احتج من فصل بين سبق المنع وعدمه، فحكم بالبطلان في الاول وبالصحة في الثاني بما يرجع محصله في الاول مرة - إلى عدم الدليل على الصحة بعد أن كان مقتضى الاصل هو الفساد بناء على عدم الدليل المخرج

[ 233 ]

عنه الا حديث عروة البارقي المختص بغير المقام، وأخرى إلى وجود الدليل على البطلان، وهو بقاء المنع إلى ما بعد العقد ولو بآن ما، فيكون ردا " بعد العقد الموجب لسقوط الاجازة عن التأثير في نفوذه بالاتفاق. والجواب: أما عن الاول، فبقيام تلك الادلة المتقدمة من العمومات والاطلاقات الشاملة له باطلاقها بل بعموم ترك الاستفصال في بعضها، مع ان جملة منها كالصريحة بعدم الرضا بذلك كرواية جحود الودعى وما تضمن صورة تعدى عامل مال المضاربة عما عينه وأمر به رب المال فتأمل، الكافي بعضها للخروج به عن الاصل فضلا عن مجموعها. وأما عن الثاني فبمنع كون الباقي بعد العقد هو المنع وانما هو مجرد عدم الرضا بعد ان كان الرد معناه حل العقد وابطال ما حصل به من الربط فهو بمعنى الفسخ وهو ليس برد غير أنه جرى الاصطلاح في تسمية ما كان منه بعد العقد المؤثر للربط التام فسخا "، وتسمية ما كان منه بعد العقد المؤثر للربط في الجملة ردا " فالرد كالفسخ محتاج في تحققه إلى انشاء مفقود بالفرض بعد العقد، فالباقي وهو الكراهة غير الرد، والرد غير موجود بعد العقد حتى لا تؤثر الاجازة فيه لزوما ". واحتج المفصل بين ما لو قصد البيع لنفسه أو للمالك بوجود ما يمنع من الصحة في الاول من عدم القصد إلى المعاوضة حقيقة لان المعاوضة التي هي بمعنى المبادلة بين المالين المستلزمة لدخول احدهما في ملك مالك الآخر غير مقصودة للعاقد، والمقصود له من وقوع البيع لنفسه غير معاوضة بين المالين بل هو من التسليط بازاء التسليط وليس مطلق التسليط المقابل بمثله من المعاوضة حقيقة. وفيه - ان قصد البيع متضمن لقصد نقل المال عن مالكه (1) وهذا


(1) منشأ اشكال المفصل: هو ان حقيقة البيع تبديل طرف إضافة

[ 234 ]

القدر كاف في تحقق ماهيته وتعيين المالك غير معتبر في تحقق حقيقة البيع كما نص عليه غير واحد من الاصحاب، فكما لا يجب تعيينه لا يضر الخطأ فيه. وبالجملة لما كان قصد البيع مستلزما لقصد نقل المبيع عن مالكه تحققت المعاوضة حقيقة وان انضم إليه قصد وقوعه عن نفسه أو لنفسه - بعد ما عرفت من خروج قصد المنتقل عنه بل المنتقل إليه ايضا عن حقيقة البيع وماهيته.


- المالك للمثمن بطرف إضافة المالك للثمن، وهو معنى المبادلة بين المالين المستلزم لدخول كل منهما في ملك مالك الآخر فقصد حقيقة البيع انما يتحقق بقصد البابع خروج المثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك الثمن. وخروج الثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك المثمن، فيكون كل من المثمن والثمن بدلا وعوضا " عن الآخر. إذا تبين هذا، فالفضولي إذا قصد ببيعه كونه للمالك فقد قصد حقيقة البيع والمبادلة فلو قبل المشتري بيعه وتعقب ذلك باجازة المالك تتم المبادلة لمالك المثمن وتستند إليه، وأما لو قصد البيع لنفسه بأن قصد بانشائه خروج المثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك الثمن وخروج الثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك نفسه لا في ملك المالك للمثمن، فلم يكن قاصدا " حقيقة المعاوضة بانشائه، فلو قبل المشترى ما أنشأه وتعقب ذلك اجازة المالك لتلك المبادلة، فان اجازها على ما قصده الفضولي لم تكن اجازة للبيع على حقيقته، وان أجازها لنفسه لم يكن اجازة لما أنشأ الفضولي. هذا حاصل ما ذكره المفصل من التفرقة بين صورة قصد الفضولي البيع لنفسه وبين قصده البيع للمالك وان البايع في الصورة الاولى لم يقصد البيع على حقيقته واجازة المالك لما قصده البايع الفضولي على ما قصده لم تكن اجازة للبيع على حقيقته، واجازته البيع لنفسه لم تتعلق ببيع الفضولي -

[ 235 ]

هذا وما ذكرناه اولى مما اجاب عنه شيخنا المرتضى في (مكاسبه) بما لفظه: " ان قصد المعاوضة الحقيقية مبني على جعل الغاصب نفسه مالكا " حقيقيا " وان كان هذا الجعل لا حقيقة له، لكن المعاوضة المبنية على هذا


- وانما هي اجازة مبادلة لم تقع من الفضولي. وهو تفصيل موجه. وما يقوله سيدنا - قده - في دفع احتجاجه وتفصيله: بأن قصد البيع متضمن لقصد نقل المال عن مالكه وهذا القدر كاف في تحقق ماهيته وتعيين المالك غير معتبر في تحقق حقيقة البيع، لا يدفع غائلة إشكال المفصل، إذ ليس الكلام في قصد نقل المال عن مالكه حتى يقال بان قصد البيع متضمن له، وهو كاف في تحقق ماهيته ولا في اعتبار تعيين المالك حتى يقال بعدم اعتباره في تحقق حقيقة البيع وكل ذلك مسلم بلا كلام، انما الكلام في أن البيع بناء على ان حقيقته تبديل طرف اضافة مالك المثمن بطرف إضافة مالك الثمن وجعل كل منهما مكان الآخر لا مطلق تبديل اضافة باضافة اخرى، وهو من الانشائيات التي لا تتحقق الا بالقصد لا من الواقعيات التي يمكن تحققها بلا قصد إليها. وعليه فتحقق البيع انما يكون بقصد البايع نقل المثمن من ملك مالكه إلى ملك مالك الثمن ونقل الثمن من ملك مالكه إلى مالك المثمن بدلا عما دخل في ملكه من المثمن، فمع تحقق هذا المعنى بانشاء البايع الفضولي وقبول المشترى الاصيل لما أنشأه البايع يتحقق البيع على حقيقته، فإذا تعقبه اجازة المالك للمبيع واستند البيع إليه بها، تم البيع له بناء على صحة بيع الفضولي باجازة المالك، وأما لو قصد البايع الفضولي نقل المثمن من مالكه إلى ملك المشترى ونقل الثمن من مالكه إلى نفسه لا إلى مالك المثمن وقبل المشترى ما أنشأه فلو أجاز المالك بيع الفضولي على ما قصده لم يكن إجازة للبيع على حقيقته، وان اجازه لنفسه لم يكن اجازة لبيع الفضولي. هذا محصل اشكال المفصل. وما ذكره سيدنا - قده - غير دافع -

[ 236 ]

الامر غير الحقيقي حقيقة، نظير المجاز الا دعائي في الاصول، نعم لو باع لنفسه من دون بناء على ملكية المثمن ولا اعتقاد له كانت المعاملة باطلة


- له، وعليه فينحصر دفع اشكال بيع الفضولي لنفسه بما ذكره شيخنا الانصاري - قده - وحاصله: ان الفضولي القاصد نقل مال المالك لنفسه اما أن يكون معتقدا " كون المال له اشتباها " أو يعلم كونه للمالك ولكنه غاصب له، وهذا على قسمين: فتارة - يكون من الظلمة والسراق وذوي النهب والغارات ممن يرى ادعاء أن المال له ولا يفرق بين مال نفسه وبين ما تحت يده من المال المغصوب، وبناء على ذلك الادعاء يوقع التصرفات المتوقفة على الملك عليه كما يوقعها على ماله الحقيقي بلا فرق بينهما، واخرى - لا يكون من اولئك بل يرى أن المال الذي تحت يديه لغيره وانه غير مستحق له ولا للتصرف فيه ولكنه مع ذلك يتصرف فيه بالبيع والشرآء عدوانا " وعصيانا ". هذه صور بيع الفضولي لنفسه. أما في الصورة الاولى، بل وكذا الثانية، فيمكن دفع إشكال المفصل بأن يقال: أن المعتقد اشتباها أن المال له يوقع المعاوضة عليه بما أنه ماله ففي مقام البيع بقصد المعاوضة على حقيقتها باخراج المال عن ملكه بما هو مالك له إلى ملك المشتري فيدخل الثمن في ملك مالك المثمن عوضا " عما خرج من مالك المثمن إلى مالك الثمن، وكذا يقال في الغاصب الذي غصب الاضافة من مالكها بغصبه للمال وادعاء أنه له كسائر أمواله فيوقع المعاوضة عليه كما يوقعها على سائر امواله المملوكة له فانه لما بنى على كون مال المغصوب منه مالا له ادعاء " وتجبرا " فعند ايقاع المعاوضة عليه لنفسه يقصدها على حقيقتها فيخرج المثمن من مالكه إلى مالك الثمن ويدخل بدله في ملك مالك المثمن بما انه مالك له ادعاء، فهو - كما ذكرنا في سابقه لدى التحليل - قاصد لكون المعاوضة للمالك، فالغاء

[ 237 ]

غير واقعة له ولا للمالك لعدم تحقق معنى المعاوضة، ولذا ذكروا: انه لو اشترى بماله لغيره شيئا بطل ولم يقع له ولا لغيره " انتهى (1) ومنشأ الأولوية غلبة وقوع البيع من الغاصبين مجردا عن سبق التنزيل المذكور بالوجدان، اللهم إلا ان يرجع كلامه - ولو بالتكلف - إلى ما ذكرناه


- جهة مالكيته المدعاة لكونها خلاف الواقع لا يمنع من صحة المعاوضة للمالك الحقيقي لو قبلها الاصيل وأجازها المالك له لا للغاصب. ثم ان البناء المذكور من هذا الغاصب وجعل نفسه مالكا ادعاء انما يكون عند غصبه واستيلائه على المال بلا حاجة إلى الجعل عند المعاوضة والالتفات إليه، فلا يقال: ان الغالب وقوع البيع من الغاصبين مجردا عن سبق التنزيل بالوجدان. وبالجملة ففي الصورتين المزبورتين يمكن تصحيح المعاوضة للمالك باجازته كما لو قصدها الفضولي ابتداء له وأما الصورة الثالثة وهي: قصد الغاصب اخراج المال من ملك المغصوب منه وادخال ثمنه في ملك نفسه فلا يمكن تصحيحها بوجه. نعم بناء على القول بامكان تحقق المعاوضة بخروج المعوض من ملك شخص ودخول العوض في ملك آخر - كما هو المحكى عن القطب والشهيد - قدس سرهما - في باب بيع الغاصب - يتجه ذلك، لكنه خلاف ما بنينا عليه من مذهب المشهور. (1) قد اتضح مما ذكرناه في التعليقة السابقة الجواب عن إشكال بيع الغاصب، لكن لا بأس بتكرار الكلام لما في ذلك من زيادة التوضيح فنقول: الاشكال في بيع الغاصب لنفسه مبنى على أن حقيقة البيع تبديل طرف الاضافة، أعنى المبيع بالثمن وسد فراغه به، وليس هو تبديل مطلق إضافة باضافة اخرى، توضيح ذلك: إن الملكية التي هي جدة اعتبارية واضافة بين المالك والمملوك لها طرفان: أحدهما يرتبط بالمالك -

[ 238 ]

ولذا صح - على الاقوى - فيما لو اشترى بماله لغيره شيئا وقوعه لنفسه وان قصده للغير كما اختاره هو - رحمه الله - في مسألة تعاقب العقود. والعجب منه مع ذلك نسبة البطلان رأسا " إلى فتوى الاصحاب هنا، مع أنه


- والآخر بالمملوك، نظيرها خارجا حبل طرف منه بيد شخص والآخر مشدود برقبة حيوان مثلا، فكما ان هذا الحبل الخارجي تارة يحل من الحيوان المعين ويشد بآخر ويبقى طرفه الذي بيد الشخص على حاله، واخرى يبقى طرفه المشدود بالحيوان على حاله ويؤخذ الحبل من يد الشخص ويسلم إلى آخر، فكذلك الملكية الاعتبارية تارة يكون التبديل فيها بطرفها المتصل بالمملوك بحله وشده باخر مع بقاه الربط بالنسبة إلى الطرف المتصل بالمالك وهو معنى البيع وحقيقته ومن هنا قالوا: البيع مبادلة مال بمال، مما كان مفاده تبديل مملوك باخر مع بقاء المالك على مالكيته، وعليه فلا بد من أن يكون العوض في البيع وهو الثمن داخلا في ملك من خرج المعوض عن ملكه إلى ملك من خرج الثمن من ملكه إلى مالك المثمن بدلا عنه، وتارة اخرى يكون التبدل في الاضافة بطرفها المتصل بالمالك بترك المال لاخر يقوم مقامه في تسلمه له وذلك هو الارث. والثاني - وهو قيام شخص مقام آخر في تسلمه للمال - حكم من الشارع المقدس لا يناط باختيار، والاول منهما جعل الشارع زمام التبديل واختياره بيد المالكين بحكم قاعدة تسلط الناس على اموالهم اللهم الا في موارد خاصة تسلب السلطنة من المالك وتجعل لآخر حسب ما هو مذكور في موارده. إذا عرفت ذلك فاشكال بيع الغاصب لنفسه يكون من جهتين: الاولى إن المعاملة الصادرة من الغاصب مخالفة لحقيقة البيع على ما ذكرنا من ان حقيقته تبديل طرف الاضافة من ناحية المال المملوك، ومقتضاه دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه وهو المالك له ومقصود الغاصب -

[ 239 ]

لم نعثر على ذلك في كلامهم، بل الذي وجدناه حكمهم بالبطلان فيما لو دفع مالا للغير ليشترى به لنفسه. ولعل المراد بالبطلان عدم وقوعه للمشترى المأمور بالاشتراء. واما وقوعه للامر فهو محل الكلام، بل الاقوى فيه


- دخول الثمن في ملكه بازاء خروج المثمن من مالكه، فهو غير قاصد لحقيقة البيع الجهة الثانية المتفرعة على الجهة الاولى أن الاجازة الصادرة من المالك للمعاوضة المقصودة للغاصب. ان كانت اجازة لما قصده الغاصب من دخول الثمن في ملكه بدلا عما خرج من ملك المغصوب منه إلى مالك الثمن فهي - بالاضافة إلى انها ليست اجازة للبيع على حقيقته، فكيف تكون مصححة لبيع الفضولي - تقتضي دخول الثمن في ملك الغاصب في قبال خروج المثمن من ملك المغصوب منه، وهو خلاف ما هو المتسالم عليه بينهم من دخول الثمن في ملك المالك باجازته البيع، وان كانت الاجازة من المالك موجبة لنقل الثمن من المشتري إليه في قبال خروج المثمن من ملكه إلى المشتري، فهذه الاجازة لم تكن اجازة لما وقع من الفضولي بل هي معاملة مستقلة بينه وبين المشترى ولا ربط لها بما وقع من الفضولي. هذا ويمكن دفع الاشكال من جهتيه بأن يقال: الفضولي القاصد بيع مال الغير لنفسه: اما أن يكون معتقدا كونه له اشتباها، وأما أن يكون غاصبا له أما في صورة جهله واشتباهه باعتقاده أن المال له فلا لاريب في تحقق المعاوضة الحقيقية منه فانه قاصد خروج المال من ملك مالكه إلى ملك المشتري ودخول ثمنه في ملك مالك المثمن عوضا عنه غير أنه لما اعتقد خطأ كونه المالك للمثمن قصد المعاوضة لنفسه فهو لدى الحقيقة قاصدها لمالك المثمن ونظرا لاشتباهه وتطبيق المالك على نفسه قصدها لنفسه فيلغو اشتباهه وتصح للمالك الحقيقي باجازته. وانما الاشكال في تحقق قصد المعاوضة الحقيقية من الغاصب فيمكن ان يقال: ان غالب الغصاب - لا سيما الظلمة والسراق -

[ 240 ]

ذلك بل لا حاجة إلى الاجازة بعده لوقوع الاذن منه بل الامر وان قصد به للغير بعد ما عرفت من خروج قصد المنتقل عنه والمنتقل إليه عن حقيقة البيع.


- وأهل النهب والغارات البناء والادعاء على ملكيتهم لما غصبوه، ومرجع ذلك إلى غصب الاضافة الكائنة بين المال والمالك، وكأن الغاصب يقطع حبل الملكية بين المالك وملكه ويشده بنفسه، وبعد هذا يرى نفسه ذا اضافة وجدة اعتبارية فيبيع ما يملكه بالادعاء كسائر امواله التي هي تحت سلطانه وبهذا الاعتبار تصدر المعاوضة منه على حقيقتها فيوقعها على الملكين. للمالكين ثم ان البناء والادعاء المذكور من الغاصب ورؤية نفسه مالكا الذي هو لا يبتنى على اساس صحيح لا يضر بالمعاوضة الواقعة منه ولا يوجب فسادها كسائر مواضع صحة العقد، بل هو كسائر العقود الصادرة من الفضولي من ناحية الصحة التأهلية، فهو اي الغاصب نظير من امتثل بصلاته الامر الواقعي الصادر من الشارع المقدس المتصف بالاستحباب بانيا على وجوبه تشريعا، فان الظاهر صحة فعله وامتثاله ولغوية بنائه، وكذا هنا نقول بصحة بيعه ومبادلته ولغوية بنائه وادعائه من حيث أنه لا واقع له. ثم ان البناء المذكور وغصب الاضافة وقطع حبل الملك ووصله بنفسه الموجب لقصده المعاوضة الحقيقية بين المالين حاصل للغاصب المذكور من حين الغصب والاستيلاء على مال الغير عدوانا ولا يلزم ان يكون حاصلا حين انشاء المبادلة حتى يقال - كما في كلام سيدنا - قده -: ان الغالب وقوع البيع من الغاصبين مجردا عن سبق التنزيل المذكور بالوجدان (انتهى)، إذ الوجدان شاهد بان الغاصب المذكور والسارق والناهب مال غيره يوقع المعاملة على ما غصبه كما يوقعها على مال نفسه بلا تفاوت، وما ذلك الا من حيث سبق ذلك التنزيل وغصب الاضافة المالكية -

[ 241 ]

[... ]


- وجعلها لنفسه وليس المدعى ان كل معاوضة تصدر من الغاصب فيما لو قصدها لنفسه قابلة للتصحيح بالاجازة ولو لم تكن مسبوقة بالادعاء والبناء المذكور. ويكفي القائل بالتصحيح الايجاب الجزئي واختصاصه بالمعاوضات الصادرة من الظلمة والسراق وأهل النهب والغارات ومن كان من قبيلهم ولا مضايقة عن البطلان وعدم قابلية التصحيح بالاجازة في المعاملات الصادرة من غير هؤلاء من الغصاب ممن يقصد دخول الثمن في ملكه في قبال خروج المثمن من مالكه المغصوب منه المال. ثم ان الاجازة من المالك لبيع الغاصب فيما لو باع لنفسه امضاء لنفس المبادلة بين المالين الواقعة منه دون ما قارن ذلك من البناء والادعاء غير المبنى على اساس شرعي فتكون على هذا كالاجازة الصادرة من المالك لبيع الفضولي المعتقد اشتباها كون المال له. وعلى هذا فالاجازة تقتضي دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه وهو المالك دون ما قصده الفضولي اشتباها أو بناء وادعاء الملغى ذلك شرعا. فاتضح الامر وارتفع الاشكال من ناحية الاجازة كما ارتفع من ناحية قصد المعاوضة الحقيقية. هذا حكم من باع مال غيره لنفسه مع اجازة المالك البيع له وانه انما يصح فيما لو اعتقد البايع ان المال له اشتباها وفيما لو بنى على كونه له ادعاء دون ما إذا لم يسبق منه اعتقاد أو بناء وادعاء، وأما من اشترى بماله لغيره شيئا، فتارة يكون الداعي والباعث للمشتري في اشترائه المال ان يجعله للغير بعد الشراء بنقله إليه بمعاوضة أو هبة مجانية فهو باشترائه المال قاصد للمعاوضة الحقيقية إذ هو قاصد نقل الثمن منه إلى ملك مالك المثمن عوضا عما يدخل في ملكه من مالك المثمن، ولا اشكال في ذلك واخرى يقصد المشترى باشترائه خروج الثمن من ملكه إلى ملك مالك المثمن عوضا -

[ 242 ]

[... ]


- عما يخرج من مالك المثمن إلى ملك الغير، فهو غير قاصد للمعاوضة على حقيقتها فانه قصد خروج الثمن منه إلى البايع ودخول المبيع في ملك الغير بدلا عن الثمن الذي خرج منه إليه، ولا وجه لتصحيحه لا للغير ولا لنفس المشترى اما للغير فلانه خلاف مقتضى حقيقة المعاوضة، وأما لنفس المشتري فلعدم قصده الشراء لنفسه، بل قصد الغير به، ومجرد كون الثمن الذي اشترى به الشئ ملكا للمشترى لا يجعل الاشتراء له قهرا - كما يظهر من سيدنا - قده - فان العقود صحة وفسادا تتبع القصود، وما ذكره - قده - من خروج قصد المنتقل عنه والمنتقل إليه عن حقيقة البيع: ان كان المراد به عدم اعتبار قصد البايع المنتقل عنه والمنتقل إليه وتعيينه في حقيقة البيع وأنه يكفي في ذلك قصد خروج المبيع من مالكه الواقعي إلى مالك الثمن وخروج الثمن من مالكه الواقعي إلى مالك المثمن وان لم يعلمهما البايع فعلا - كما لو كان وكيلا - ولم يعلم بنحو التعيين الموكل له، فهو مما لا اشكال فيه. ولكنه بحسب الظاهر لا يريد ذلك، بل مراده كفاية وقوع البيع أو الشراء لشخص وصحته له كون المثمن أو الثمن له واقعا وبلغو قصد البايع أو المشترى خلافه فمن قصد كون البيع أو الشراء لزيد مثلا مع كون المثمن أو الثمن لغيره يلغو قصد كونهما لزيد، ويقع لمالك المثمن والثمن، فهو ما ذكرناه من عدم امكان الموافقة عليه، ولم يتضح ما نسبه لشيخنا الانصاري - قده -: من اختياره في مسألة تعاقب العقود صحة شراء شخص بماله شيئا لغيره ووقوعه لنفسه وان قصده للغير. وعلى كل فالاقوى بطلان الشراء المذكور فيما لو قصد المشتري بالشراء خروج الثمن من ملكه إلى مالك المثمن وخروج المثمن من مالكه البايع إلى الغير بناء على ما اخترناه من مذهب المشهور. نعم بناء على ما ذكره

[ 243 ]

[... ]


- القطب والشهيد - قده - من امكان تحقق المعاوضة بخروج المال من شخص ودخول عوضه في ملك آخر، فلصحته وجه. وحكم الاصحاب بالبطلان فيما لو دفع شخص مالا للغير ليشتري به لنفسه شيئا فاشتراه لنفسه وجهه كون الاشتراء المذكور خلاف مقتضى حقيقة المعاوضة واحتمال ارادتهم من البطلان عدم وقوعه للمشتري المأمور بالاشتراء دون الآمر - كما احتمله سيدنا قده خلاف الظاهر من حكمهم البطلان. (فما قواه) سيدنا قده من الحكم بوقوعه للآمر بقوله: وأما وقوعه للامر فهو محل الكلام بل الاقوى فيه ذلك بل لا حاجة فيه للاجازة لوقوع الاذن منه بل الامر وان قصد به للغير للغوية القصد المزبور (غير) واضح فان ما وقع من المأمور مصداق خارجي من المبادلة قصد به المأمور اشتراء شئ له بمال الآمر ومرجعه إلى كون الثمن الخارج من ملك الآمر إلى ملك البايع بدلا وعوضا عما يخرج من ملك البايع إلى ملك المأمور بالاشتراء وإذا كانت المبادلة الخارجية الصادرة من المشترى المأمور باطلة لكونها خلاف حقيقة المعاوضة إذ المعوض فيها لم يقصد دخوله في ملك من خرج العوض من ملكه وهو الآمر بل قصد دخوله في ملك المأمور عوضا " عما خرج من ملك الآمر إلى مالك المعوض فمع فرض بطلانها على ما قصده المتبايعان كيف يمكن أن تقع وتصح للامر باذنه أو اجازته في حين ان موقعها لم يقصدها له وانما قصدها لنفسه، وهل هي الا معاملة واحدة خارجية باطلة، ولا وجه لمقايستها ببيع الغاصب أو المشتبه مال الغير لنفسه أو اشترائه به شيئا " لنفسه حيث قلنا: ان تلك المبادلة وان لم تصح على ما قصدها موقعها الفضولي ولكنها قابله للتصحيح بالنسبة إلى المالك باجازته لها، وذلك للفرق بين المعاملة التي يوقعها الغصب أو المشتبه وبين هذه المعاملة الصادرة من المأمور

[ 244 ]

[... ]


- باشتراء شئ لنفسه بمال الآمر أو اشترائه لنفسه بلا امر من مالك الثمن، وذلك لما ذكرنا سابقا ان الغاصب المتسلط على مال الغير بالنهب والغارة أو السارق له أو نحو ذلك ممن يرى ادعاء ان مال الغير له كسائر امواله المملوكة له أو المشتبه المعتقد ان مال الغير له نظرا " لسبق بنائهما على كون المال لهما وانهما المالكان له فعند انشائهما المبادلة على ذلك المال يوقعان المعاوضة على حقيقتها بعد التنزيل والادعاء أو الاعتقاد والاشتباه فيقصد ان خروج المال من ملكهما بما هما مالكان له إلى ملك الطرف ودخول عوضه في ملكهما بدلا عما خرج من ملكهما إلى ملكه، فهي على هذا معاوضة حقيقية مرجعها وتحليلها مبادلة بين مالين لمالكيهما ولما كان بنائهما السابق على العقد لا واقع له ولا اساس له شرعا " فيلغو، ولا يقتضى الغائه بطلان المبادلة المذكورة المبتنية على البناء المذكور، وعدم قابليتها للتصحيح من مالك العين باجازته لها، فتصح له شأن غيرها من المعاوضات الفضولية. وهذا بخلاف ما هو محل الكلام وهو اشتراء شخص شيئا " لنفسه بمال الغير بامر منه أو بلا امر أو اشتراء شئ لغيره بثمن مملوك للمشترى، فان المعاملة المذكورة في الصورتين المزبورتين على خلاف مقتضى المعاوضة الحقيقية حيث لم يقصد بها دخول المثمن في ملك من خرج الثمن من ملكه إلى مالك المثمن، فهي على ما قصدها المتعاملان باطلة لما ذكرناه من كونها خلاف حقيقة المعاوضة ولم تكن صالحة للتصحيح بالنسبة إلى المالك للثمن واقعا " باذنه أو اجازته - كما قلناه في بيع الغاصب والمشتبه - والحاصل ان الغاصب المتغلب والمشتبه انما يبيعان مال الغير لنفسهما بما هما مالكان له ادعاء أو اعتقادا فهما لدى الحقيقة يبيعان مال الغير لمالكه غاية الامر هما مخطئان في تطبيق المالك على نفسهما فيلغو ما اخطئا فيه من التطبيق ويصح البيع للمالك الحقيقي

[ 245 ]

وبالجملة لا فرق بين مالو اشترى بماله لغيره أو اشترى لنفسه بمال غيره في دخول المثمن في ملك مالك الثمن، غير أنه في الثاني يتوقف على الاجازة لكونه من الفضولي بخلاف الاول لوقوعه من المالك وان قصد به للغير للغوية القصد المزبور (1) وبما ذكرنا ظهر الجواب عما لو قرر المنع بوجه آخر وهو أن الاجازة انما هي إمضاء لمضمون العقد ومضمونه غير متحقق بل غير مقصود، فالمجاز غير واقع والواقع غير مجاز، وذلك لان الاجازة وان تعلقت بما اشتمل


- باجازته، وهذا بخلاف من اشترى لنفسه بمال غيره شيئا فسواء كان الشراء باذن من مالك الثمن أو بدون اذن منه انما يشتري المشتري ذلك الشئ لنفسه بما هو هو لا بما هو مالك للثمن الذي اشترى به الشئ حتى يكون الشراء لدى التحليل لمالك الثمن، فيصح باجازته أو يكتفي باذنه فيما لو كان الشراء باذنه - كما يقوله سيدنا - قده وإذا لم يصح الشراء لمالك الثمن لكونه غير مقصود بالشراء ولا لنفس المشتري لعدم امكان دخول المثمن في ملكه عند كون الثمن ملك غيره فلا محالة يقع باطلا غير صالح للتصحيح وكذا من اشترى لغيره شيئا " بثمن مملوك له لا للغير فانه يقع باطلا ولا قابليته لتصحيحه لا لمن قصد الشراء له لكونه غير مالك للثمن ولا لنفس المشتري لكونه غير مقصود بالشراء. (1) مقتضى ما سبق في التعليقة انه في الصورة الثانية وهي ما لو اشترى لنفسه بمال غيره يمكن تصحيح الشراء لمالك الثمن باجازته والغاء قصد المشتري كون الشراء لنفسه وذلك فيما لو كان المشترى بانيا على كونه المالك للثمن تغلبا وعدوانا " أو اشتباها واعتقادا " بنحو ما ذكرناه سابقا: من أن اشترائه لدى التحليل يكون لمالك الثمن وقصد نفسه لكونه على غير اساس شرعي يكون لاغيا فمع اجازة مالك الثمن ذلك الشراء يقع له. وأما الصورة الاولى

[ 246 ]

عليه العقد غير أنها تؤثر فيما يمكن تأثيرها فيه من وقوع نقل الملك عن مالكه، ولا تؤثر فيما لا يمكن ذلك فيه من وقوعه لنفسه لقاعدة دخول احد العوضين في ملك مالك الاخر قهرا "، فالاجازة تؤثر في بعض مضمون متعلقها لا انها لا تتعلق إلا بذلك البعض كما توهم. هذا ولو اجاز المالك بيع الفضولي لنفسه حسبما قصده، ففي وقوعه له وجه احتمله شيخ مشايخنا في شرحه على (القواعد) ووجهه كما عن بعض تلامذته - مبنى إما على دخوله آناما " في ملك الفضولي لاستلزام وقوعه له مع استحالة دخول أحد العوضين في ملك غير مالك الآخر لذلك نظير قوله: اعتق عبدك عنى، أو على تنزيل الاجازة اللاحقة منزلة الاذن السابق مع انكار لزوم دخول أحد العوضين في ملك مالك الآخر - كما عن بعض - وفي كلا الوجهين نظر لثبوت الملازمة عقلا بعد فرض المعاوضة بين المالين وعدم الدليل على وقوعه له حتى يلتزم بمحذور دخوله انا " ما في الملك كيف، والدخول في الملك بدلالة الاقتضاء فرع ثبوت المقدمتين الممنوعة احديهما في المقام، ضرورة ان وقوع المقصود بالاجازة حسبما قصد اول الكلام من بل محل منع. ثم ان هيهنا اشكالا على القول بصحة الفضولي (1) وهو ان بيع


- وهي مالو اشترى المشتري بماله لغيره بان قصد بمعاملته خروج الثمن من ملكه إلى مالك المثمن وخروج المثمن من مالكه إلى الغير (فدخول) المثمن في ملك المشتري المالك للثمن قهرا " والغاء قصده كون الشراء للغير (غير) واضح بل الظاهر بطلان المعاملة المذكورة اصلا. (1) لو باع الغاصب ما غصبه: فبناء على ما ذكرناه من الوجه في بيعه وقابليته للحوق الاجازة من المالك فلا اشكال مع اجازة المالك في انتقال الثمن إليه ولغوية قصد الفضولي كما ذكرنا: انما الكلام لورد البيع -

[ 247 ]

الغاصب مطلقا " ولو لنفسه يعد من الفضولي عند الاكثر، ومقتضاه على القول بالصحة وقوعه للمالك بالاجازة ومع الرد للمشترى استرداد ما دفعه ثمنا " للبايع الغاصب لو رجع المالك عليه بسلعته مطلقا " حتى مع علمه بالغصب وبقاء العين بيد الغاصب، مع ان المنسوب إلى ظاهر الاصحاب - بل إلى نصهم كما في الايضاح عدم جواز الاسترداد في الصورة المزبورة. لا يقال: ان الاشكال انما يرد على القول بان الاجازة ناقلة، وأما على الكشف فلا


- ولم يمضه، فهل للمشتري استرجاع الثمن من الغاصب مع علمه بكونه غاصبا ربما يقال بعدم جواز الرجوع به عليه ولو كان موجودا " عنده يتوهم أن المشتري ملكه اياه تمليكا مجانيا " مع علمه بكونه غاصبا للمبيع ولكنه توهم فاسد إذ المشتري انما ملك الثمن للغاصب بما هو مالك للمثمن ادعاء وسارق للاضافه وبان على انه مالك له فيكون تمليكه الثمن له عوضا عن ملكيته للمثمن ولم يكن تمليكه له بما انه زيد بن عمرو مثلا بل بما انه مالك للمثمن، فتمليكه معاوضي ومن هنا لو أجاز المالك المعاوضة ينتقل الثمن إليه بازاء ما يخرج من ملكه إلى المشتري من المثمن، وكيف يمكن الجمع بين كون تمليك الثمن للمالك بعنوان المعاوضة على تقدير اجازتها وللغاصب مجانا مع فرض ردها. وهل هي الا معاملة واحدة وانشاء بسيط غير صالح لكونه معاوضيا على تقدير ومجانيا على تقدير آخر. ثم لو فرضنا صحة الدعوى المذكورة وان الثمن ملك للغاصب مجانا على تقدير الرد من المالك، فلا يخرج عن كونه هبة مجانية يجوز للواهب الرجوع بها ما دامت العين باقية ولا يزيد حكمه على حكمها. وبالجملة فمن البعيد التزام قائل بعدم جواز رجوع المشتري على الغاصب بالثمن مع وجوده عند رد المالك وعدم تنفيذه المعاملة إذ هو لا يرجع إلى وجه وجيه ولابد من تأويل كلام القائل به لو فرض وجوده نعم القول -

[ 248 ]

لان الاجازة على تقديره تكشف عن تقدم سبب تملك المجيز وهو العقد على التسليط الموجب لتملك البايع فيكون التسليط منه للبايع من التسليط على مال الغير ولا كذلك على القول بالنقل لسبق التسليط حينئذ على الاجازة التى هي سبب النقل أو جزء السبب فهو حينئذ من التسليط على مال نفسه لانا نقول: ان المعاوضة ان لم تكن مقصودة فلا صحة حتى تؤثر الاجازة في عقدها لزوما فلا يجدى حينئذ في تملك المجيز سبق العقد على التسليط، وان كانت مقصودة لم يكن التسليط للبايع مجانا "، بل تسليط بعوض، ومقتضاه جواز الاسترداد على تقدير الرد حتى على القول بالنقل. ولعله


- بعدم ضمان الغاصب بدل الثمن لو تلف عنده بلا تفريط وانه ليس للمشترى تغريمه كما نسب إلى بعض موجه إذ هو من صغريات: مالا يضمن يصححه لا يضمن بفاسده، فان المشتري مع علمه بكونه غاصبا " وأنه غير مالك للمثمن حقيقة سلطه على الثمن تسليطا " مجانيا " لكونه عالما بان عوضه لا يخرج من ملكه بل من المالك على تقدير الاجازة وتسليطه اياه وان كان معاوضيا كما ذكرنا، ولكن لما لم يكن عوضه من الغاصب بل من المالك، فهو بالنسبة إلى الغاصب تسليط مجاني والحاصل أنا وان قلنا ان تسليط مالك الثمن للغاصب على ماله تسليط معاوضي ومن هنا قلنا بجواز استرداده لو كان موجودا " عند رد المالك المعاملة وعدم امضائها، ولكن حيث لم يضمن الغاصب الثمن لمالكه الا بان يدفع إليه عوضه المملوك له ادعاء وهو مال المغصوب منه حقيقة فهو لم يضمنه على ان يدفع إليه عوضه من ماله الحقيقي فهو بالنسبة إليه تسليط مجاني، وليس كسائر المعاوضات الفاسدة مما يكون تسليط المشتري للبايع على الثمن بازاء عوضه المجعول له عند انشاء المعاوضة من ملك البايع فهو ضامن للثمن لكون ذلك من صغريات اصل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

[ 249 ]

يأتي تمام الكلام فيه - انشاء الله تعالى - في مسألة تعاقب الأيدي. ثم ليعلم انه لا فرق في صدق الفضولي وصحته - على القول بها - بين كون المعقود عليه عينا خارجية للغير أو كليا " في ذمة الغير - ثمنا " كان أو مثمنا " غير أن تعيين الذمة وتشخيصها كما يكون بالاضافة كقوله: بعتك قفيزا " من الحنطة في ذمة زيد بكذا أو بعتك كذا بدرهم في ذمة زيد كذلك يتعين مع عدمها لمن قصد العقد له لتوقف ذلك على كون الثمن أو المثمن في ذمته حتى يتحقق المعاوضة له، ومع اختلاف القصد والاضافة كما لو قصد البيع لنفسه بمال في ذمة الغير أو للغير بمال في ذمة نفسه وقع لمن أضيفت الذمة إليه دون من قصد البيع له تقديما " للتعيين بالاضافة على التعيين بالقصد لكون المعاوضة بينهما من تعارض النص والظاهر لصراحة النسبة بالاضافة وظهورها بقصد الوقوع له الناشئ من استحالة دخول أحد العوضين في ملك غير مالك الآخر فيلغو هنا قصد المنتقل عنه والمنتقل إليه، كما عرفت لغويته لو كان شخصيا " مع قصد المعاوضة لغير مالكه، حينئذ فان اجاز صاحب الذمة وقع العقد له وان رد بطل رأسا " مطلاقا " سواء كان تعيين الذمة بالاضافة أو بالقصد خلافا " لبعض في الأخير (1) وهو مشكل إن


(1) بيع الكلي في ذمة الغير فضولا أو الاشتراء له كذلك يكون: تارة باسناد البيع أو الشراء إليه صريحا كقول الفضولي للاصيل: بعتك منا " من الحنطة في ذمة زيد - مثلا - بكذا أو اشتريت منك منا بكذادرهم في ذمة زيد، واخرى يكون صرف ذلك إلى الغير بمجرد القصد والنية من دون ذكر لذلك باللفظ في متن العقد. أما في صورة الاضافة إلى الغير صريحا، فلا اشكال في كونه من الفضولي فيصح مع اجازة من اضيف إليه ويبطل مع رده وأما في صورة مجرد القصد والنية، فالمنقول من جماعة من اصحابنا - قدس سرهم - ان العقد المذكور يصلح ان يكون للمنوي

[ 250 ]

أريد وقوعه له في الواقع. وان أريد به الحكم الظاهرى لاطلاق الذمة مع عدم اضافتها للغير كان له وجه، وان أمكن الخدشة فيه لانه مما لا يعلم إلا من قبله فالقول قوله بيمينه ومقتضاه البطلان رأسا " برد من قصد له لا وقوعه للعاقد ولا ظهور اللفظي فيه حتى يكون متبعا " في افادة مدلوله: بل هو من ظهور حال المعاملة ولا دليل على اعتباره والتعبد به فتأمل.


- من حيث القصد والنية فيصير عقدا " له، ويلزم به بعد الاجازة منه ولو رده يقع عن المباشر واقعا، ويلزم به ما لم يصدقه طرفه بنيته، والا فيبطل ولا يلزم المباشر الالتزام به لا واقعا ولا ظاهرا ". والحاصل انهم فرقوا بين اسناد العقد إلى الغير صريحا، فيحكم بالصحة مع الاجازة، وبالبطلان مع الرد، وبين صرفه إلى الغير بالنية، فيحكم بصحته على كل تقدير عند عدم تصديق طرفه بنيته، فيصح من الغير، ويلزم بمضمونه مع اجازته للعقد ومن المباشر له مع رده للعقد، ويكون لازما من ناحية المباشر واقعا " حينئذ لا الحكم بنفوذه من المباشر ظاهرا " لاطلاق الذمة الظاهر في ذمته مع عدم اضافتها إلى الغير ليخدش فيه بانه مما لا يعلم الا من قبله فالقول قوله بيمينه، ومقتضاه البطلان برد من قصد له لا وقوعه للعاقد - إلى آخر ما ذكره سيدنا الخال. نعم يمكن ان يخدش في ذلك بأن نية الغير: ان كانت مؤثرة في صرف العقد إليه فلا وجه للفرق بينها وبين الاضافة إلى الغير صريحا "، وان لم تكن مؤثرة في ذلك فلا وجه لصلاحية اسناد العقد إلى الغير المنوي لكون المفروض الغائها وعدم تأثيرها في شئ. هذا ويمكن توجيه ما افادوه بما ذكرناه في بعض تعليقاتنا من ان البيع الذي هو تبديل طرف الاضافة بمثله من اضافة اخرى لآخر، إذا انشأ بالعقد الواقع من المتبايعين فالمنشأ به معنيان: احدهما - بالمطابقة وهو تبديل -

[ 251 ]

هذا وقد يختلج بالبال في المقام اشكال، وهو ان تعيين الذمة في ذمة ما أو في ذمة من يجيز وحينئذ فان قصد البايع ذمة المشترى وقصد المشترى ذمة غيره اختلف الثمن باختلاف الذمة وهو يقتضى البطلان مطلقا وان اجاز من قصده المشتري، وانه كما لو قصد البايع البيع بالثمن الشخصي وقصد المشترى وقوع غيره ثمنا مع أنهم بنوا - هنا وفي فروع المضاربة - على وقوعه للغير ان أجاز وإلا فللمشترى مع ان القاعدة تقتضي في ذلك بطلان العقد.


- المبيع بالثمن وثانيهما بالالتزام وهو التزام كل من المتبايعين لصاحبه بما أوجده من التبديل. ومن هنا سمي انشاؤهما عقدا "، فانه العهد المؤكد نظرا " لالتزام كل منهما وتعهده لصاحبه بخروج ما يملكه من المثمن أو الثمن عن ملكه ودخوله في ملك الآخر بازاء ما يخرج من ملك صاحبه إليه، وبالعقد الواقع منهما يملك كل منهما التزام الاخر ويتسلط عليه بنحو لا يجوز لكل منهما رفع اليد عن التزامه الا برضا صاحبه ومنه تطلق الاقالة التي هي رفع كل منهما يده عما يملكه من التزام صاحبه فيرجع كل عن التزامه وليست الاقالة بيعا كما ربما يتوهم وانما هي رفع الالتزام من كل من المتبايعين ومنه يظهر ايضا وجه الخيار المجعول شرعا " أو من المتعاقدين لاحدهما أو لكل منهما فانه ملك من له الخيار التزام نفسه والتزام الاخر فيما لو كان الخيار لاحدهما فيصح له الرجوع عما التزمه لصاحبه المعبر عنه بالفسخ وما لو كان الخيار لكل منهما فان كلا منهما يملك التزامه فله حله فتنفسخ المعاملة حينئذ ويرجع كل من العوضين إلى ملك مالكه الاول. ثم ان المشترى للسلعة لو نوى حال الشراء كونه لثالث فمقتضى اسناد الالتزام إلى نفسه وكونه طرفا للالتزام العقدي مع البايع كون الشراء له وذمته المشغولة بالثمن إذا كان كليا ولا اثر لصرفه الشراء إلى الثالث بالنية ما لم يضفه إليه صريحا ". هذا ولكن يمكن ان يقال: ان الفقهاء في مقام تقسيم البيع بالنسبة إلى رأس المال إلى مساومة ومرابحة ومواضعة ذكروا قسما رابعا " سموه: بيع -

[ 252 ]

ولكن يدفعه: ان تعيين الذمة انما يعتبر لتحقق معنى الملك لا لتشخيص الثمن الذي هو الدرهم الكلي، وليس معرفة من عليه الثمن الا كمعرفة لمن له الثمن الذي قد عرفت خروجه عن حقيقة البيع لان صاحب الذمة هو


- التولية، وهو اشتراء شخص سلعة بثمن في ذمته ثم اعطاء ما اشتراه من البايع للغير براس مال ما اشتراه به بان يقول له بعد علمه بالثمن وما يتبعه من الشرط: وليتك العقد، فإذا قبل الغير لزمه مثله جنسا ووصفا وقدرا " وما يتبعه من شرط فالمشترى للسلعة المالك لالتزام بايعها بالاشتراء منه ينقل ما ملكه بالعقد من الالتزام إلى من ولاه العقد، فيصير هذا الثالث مالكا لالتزام البايع والبايع مالكا لالتزامه كما لو كان هو بنفسه مشتريا من اول الامر فتشتغل ذمته للبايع بالثمن ويضمنه له في طول ضمان المشترى للسلعة، فلو رجع البايع عليه بالثمن لا يرجع على المشتري. ولو رجع البايع على المشترى بالثمن يرجع به على من ولاه العقد لان ذمته مخرج لذمته. إذا تبين ذلك، فقد يقال: ان مجرد نية الغير في اشتراء السلعة من بايعها وان لم تؤثر في صرف الالتزام إلى الغير بل هو الملزم به لطرفه البايع لها ولكن قصد الغير باشترائه يصلح بان يكون بمنزلة ايجاب بيع التولية المفتقر إلى قبول الغير فان تعقبه ما هو قبول له من اجازة ذلك الغير لذلك العقد حسب ما نواه انصرف العقد وصح اسناده إلى الغير فيلتزم بما يلتزم به القابل في بيع التولية. وبالجملة فالصادر عن المباشر بقصد الغير له نسبة فعلية إلى المباشر وقابلية التحويل إلى الغير بواسطة قصده المتوقف على قبوله باجازته وان رد من قصدت المعاملة له وقعت لنفس المباشر واقعا فما ذكره البعض من الفرق بين اسناد المعاملة إلى الغير صريحا من الصحة مع الاجازة والبطلان مع الرد وبين ما إذا قصد كونها للغير من صحتها على كل تقدير فمع الاجازة تنفذ عن المجيز ومع الرد عن المباشر واقعا " له وجه وجيه.

[ 253 ]

المالك للثمن في الحقيقة نعم لو كان الثمن الكلي دينا " لم يلزم البايع القبول على من قصده المشتري لتفاوت الرغبات بين الذمم في الدين، وهل يجبر البايع بالخيار دفعا للضرر، أو يبطل العقد رأسا ": وجهان. ولعل الاخير هو الاقوى لرجوعه إلى اختلاف الثمن حيئنذ ولو باختلاف وصفه فكما ان وصف النقد والنسية موجب لاختلاف الثمن وان كان كليا " فكذا يختلف باختلاف من عليه الدين فافهم. تذنيبان (1) الاول انه هل يجرى الفضولي في المعاطاة، كما يجري


(1) قد يقال ان في جريان الفضولية في المعاطاة اشكالا بل منعا " أما بناء على افادتها للاباحة فلكون سببها المؤثر التسليط المالكي لا تسليط الغير، فاجازة المالك تسليط الغير هو تمام المؤثر في الاباحة وليس لتسليط الفضولي أي مدخلية في ذلك، فان الفضولية انما هي في مورد يكون فعل الفضولي هو السبب المؤثر واجازة المالك من قبيل الشرط لفعلية الاثر ليتصور النزاع في كونها كاشفة أو ناقلة وأن الأثر المقصود بناء على كون المعاطاة مفيدة للاباحة انما يترتب على اجازة المالك وهي السبب التام في اباحة التصرفات في العين للاصيل، ولا يكون لاعطاء الفضولي اثر في ذلك اصلا. وعليه فجريان الفضولية في المعاطاة بناء على الاباحة لا معنى له. وأما بناء على افادتها الملكية. فيقال ذكرنا سابقا ان البيع الذي هو تبديل طرف اضافة مالكية بطرف اضافة مثلها لآخر تارة ينشأ بلفظ دال على مفهومه ومعناه كبعت مثلا مما ورد فيه هيئة الماضي على مادة البيع، واخرى ينشأ بفعل خارجي معنون بعنوان العطاء وبما ان قصد المعطى تمليك ما اعطاه للغير بعوض ما ياخذه منه يتعنون هذا الفعل الخارجي بعنوان البيع، ويكون مصداقا " له ويحمل عليه البيع بالحمل الشايع الصناعي وتشمله أدلة صحته كآية: أحل الله البيع، ونحوها أما في صورة انشاء البيع بالقول فيمكن -

[ 254 ]

في المعاطاة، كما يجرى في العقود القولية أم لا؟ وتنقيح المسألة موقوف على بسط الكلام فيها على جميع الأقوال في


- أن يلحظ المنشأ فيه باللحاظ المصدري يعنى المبادلة الخاصة من حيث صدورها من فاعلها بحيث تكون جهة الاصدار ملحوظة ويمكن لحاظها بما هي هي بلا جهة اسنادها إلى فاعلها وهي اللحاظ الاسم المصدرى والمنشأ بالقول صالح لكلا اللحاظين. ثم ان المعاملة الكذائية لو انشاها الفضولي فالجهة الصالحة لاسنادها إلى المالك باجازته هي نفس المبادلة بين المالين من حيث هي هي وهي الجهة الثانية المعبر عنها بالمعنى الاسم المصدرى. واما الجهة الاولى الملحوظ فيها حيثية الاصدار من الفضولي، فهي قائمة به وواقعة منه والأصدار القائم بالفضولى والمضاف إليه لا يصلح اسناده واضافته إلى غيره ولو كان ذلك الغير مالكا واجاز. نعم الحيثية الثانية الاسم المصدرية وهي حيثية الوجود والصدور بما انها مبادلة بين المالين للمالكين تصلح للاسناد إلى المالك بالاجازة وتضاف إليه بها. هذا فيما لو أنشأ البيع بالقول وأما انشاءه بالمعاطاة فالفعل الخارجي اعني اعطاء المال المقرون بقصد تمليكه للغير بالعوض إذا كان من مالكه كما ذكرنا يتعنون بكونه بيعا ويكون مصداقا خارجيا للبيع، ويشمله دليل حلية البيع واما العطاء من غير المالك فحيث لم يتحقق به انشاء بمفهوم البيع ومعناه كالقول ليتصور فيه المعنى المصدرى والاسم المصدرى فان انشاء المعاني والمفاهيم انما يكون بالاقوال لا بالافعال بل لم يكن في المعاطاة الا فعل خارجي مضاف إلى فاعله وموجده وغير قابل لان ينتقل عن موجده إلى غيره، ويستند إليه بالاجازة منه وبالجملة فلا يتصور في المعاطاة موضوع قابل لتعلق اجازة المجيز واستناده إليه بها، فالحكم يجريان الفضولية في المعاطاة في غاية الاشكال. لا يقال: المعاملة المعاطاتية مما لا ريب في صحتها من الوكيل ويصح -

[ 255 ]

المعاطاة وحينئذ، فنقول: اما على القول بافادتها الملك المتزلزل فالظاهر جريان الفضولي فيها بناء على عدم كونها معاملة مستقلة بل هي مندرجة في المعاملات الخاصة لشمول ما يقتضى صحته في العقد القولى من عمومات: " احل الله البيع " و " تجارة عن تراض " و " وأوفوا بالعقود " بناء على اعمية العقود للعقد الفعلي، بل وجملة الاخبار الخاصة المحمولة على ما هو الغالب من وقوع المعاملات بنحو المعاطاة ولا مانع منه إلا ما يتوهم من حرمة السبب، وهو الاقباض لكونه تصرفا " في مال الغير فلا يترتب عليه الأثر مع أنه اخص من المدعى لامكان فرض تحققها بدون التصرف لو كان دينا في الذمة وفرض تحقق الرضا من المالك بناء على أن مجرد الرضا المقارن لا يخرجه عن كونه فضوليا " - كما هو مذهب غير واحد من الاصحاب لا ملازمة بين الحرمة والفساد كما تقدم وحينئذ فالمقتضى للصحة موجود والمانع مفقود واما على القول بافادتها الاباحة فالظاهر عدم جريانه فيها لقصور ما دل على صحتها المخالفة للقواعد من اجماع أو سيرة عن شمول الفضولي منها إذ القدر الثابت منهما افادة المعاطاة الواقعة بقصد التمليك للاباحة المجردة إذا كان من غير الفضولي ومثله الكلام عل القول بكونها معاملة مستقلة اللهم إلا ان يستدل عليه هنا بما استدل به على صحة اصل الفضولي من السيرة مع غلبة المعاطاة في معاملاتهم. الثاني في جريان الفضولي في غير المعاوضات من العقود كالوقوف


- اضافتها واستنادها إلى الموكل بوقوعها من الوكيل فالبيع المعاطاتي الصادر من الوكيل المفوض هو بيع للموكل بتوكيله، فلم لا يكون البيع المعاطاتي الصادر من الفضولي بيعا " للمالك باجازته؟ وما الفرق بينهما؟ فانه يقال: ليس حكم الاجازة حكم التوكيل، ولا يقاس احدهما بالآخر، فان الموكل إذا وكل شخصا " في بيع متاعه وفوض إلى الوكيل

[ 256 ]

والصدقات وغيرها والعبادات المالية كالاخماس والزكوات والكفارات، ففي (شرح القواعد لكاشف الغطاء قدس سره) ما لفظه: " وفي جرى الفضولي فيما جرث فيه الوكالة من العبادات كالاخماس والزكوات واداء النذر والصدقات. ونحوها من مال من وجب عليه أو من ماله وفيما قام من الافعال مقام العقود ونحوه، وكذا الايقاعات مما لم يقم الاجماع على المنع فيها وجهان: أقويهما الجواز ويقوى جريانه في الاجازة واجازة الاجازة " انتهى. قلت: وقد يشكل القول بصحة الفضولي فيما يعتبر في صحة القربة كالصدقات والوقوف بناء على اعتبارها فيها لأن المتقرب: ان كان هو العاقد فكيف يتقرب بالتصدق بمال الغير، وان قصد بها تقرب المالك بجعل نفسه نائبا " عنه في قصد القربة، فهو مبنى على قصد القربة للنيابة وهو غير معلوم بل معلوم العدم وان قصد النيابة في الانشاء المتقرب به لقبوله الوكالة بناء على ان ما يصح فيه الوكالة تصح فيه النيابة ففيه منع ثبوت الملازمة، فان النيابة منها ما تتوقف صحتها على الاستنابة وما نحن فيه من القسم الاول، فلا تصح فيه النيابة إلا بعد سبق الاستنابة المفقود في المقام


- اختيار المصداق فباعه فمن حين ايجاد البيع بالفعل الذي هو مصداق - له كما ذكرنا - استند البيع للموكل وصار بيع الوكيل بيعه، وهذا بخلاف الفضولي إذا أنشأ البيع بالمعاطاة، فان الفعل الخارجي فعله وصادر عنه ومضاف إليه وليس له استناد إلى المالك وليس له جهة اسم مصدرية يمكن باجازتها اسناده إلى المالك، فهو فعل الفضولي وبيعه ولا أثر لاجازة المالك فيه. نعم لو قلنا بأن الاجازة من المالك هي السبب المؤثر في الملكية كما قلناه - بناء على افادة المعاطاة إباحة التصرف فتكون الاجازة بيعا مستقلا لا ربط له بعمل الفضولي، لكنه بعيد عن الصحة.

[ 257 ]

وإلا لخرج عن كونه فضوليا وان كان هو المالك عند الاجازة، فمع ان اجازة الوقف غير الوقف المعتبر فيه القربة لا يجدي قصدها مع تجرد السبب أو شطر منه عنها لان معنى اعتبارها في صحة الوقف اعتبار كونها الداعي له، فلا بد من اقترانه بأول العمل حتى يكون ايجاده منبعثا عنها فلا يجدى تحققها في اثناء العمل أو بعده بخلاف شرط الرضا فان الشرط تحققه ويكفي في الصحة تحققه متى وجد اللهم إلا ان يدعى انه بالاجازة يصير كالوقف المستأنف كما استحسنه في الشرايع ضرورة ان معنى الوقف وحقيقته انما يتحقق بالاجازة فيكفى اقترانها بالقربة. هذا وربما يتوهم ان اللازم حينئذ الاكتفاء بنية القربة عند القبض بناء على اعتباره في صحة الوقف لتحقق معناه حينئذ عنده مع معلومية عدم الاكتفاء بها حين القبض إذا تجردت الاجازة عنها. الا انه يدفعه ان القبض ليس ماخوذا " في ماهية الوقف وحقيقة معناه وان اعتبر شرطا في صحته بمعنى ترتب الأثر عليه ضرورة ان معنى الوقف هو التمليك بنحو تحبيس العين وتسبيل المنفعة والقبض خارج عنه بالبداهة وان قلنا بتوقف تحقق اثره في الخارج على القبض. توضيح ذلك: ان معنى الوقف له مراتب في الوجود لانه: مرة يوجد بالوجود الذهنى، واخرى بالوجود الانشائى الذى هو اخص من مجرد الوجود اللفظي، وثالثة أو رابعة بالوجود الخارجي الذي به يتحقق مصداقه ونعنى بالوجود الخارجي الوجود الاستقراري المتحقق به اثره، وإلا فما عدا الذهنى منه خارجي ايضا بالمعنى الاعم والموجود الانشائى هو السبب للموجود الخارجي إذا وجد من مالك الانشاء بمباشرته أو اذنه أو اجازته وهو الذي يعتبر وقوعه بقصد القربة لا الموجود بالمعنى الأخير والقبض معتبر فيه بالمعنى الأخير.

[ 258 ]

وبالجملة فما يوجب منع جرى الفضولي في ذلك أو التوقف فيه هو اعتبار القربة في صحة الوقف لا ما قيل: من ان الفضولي على خلاف الضوابط فيقتصر فيه على خصوص ما ورد فيه دليله المفقود في الوقف لشمول عموم " اوفوا بالعقود " له، وهو العمدة في ثبوت المقتضى للصحة فيه، لا ما قيل: انه قسم من الصدقة التي ثبت بالنص جوازها من الفضولي في مثل مجهول المالك ونحوه لمنع كون التصدق بمجهول المالك من الفضولي بعد أمر الشارع واعطائه له ولاية التصدق وانه في الحقيقة نوع إيصال للمال إلى مالكه بعد تعذر ايصال العين إليه وان قلنا بالخيار للمالك لو ظهر بين القبول والرجوع على المتصدق ببدله دون المتصدق عليه مطلقا ولو مع بقاء العين عنده. ثم لا فرق بين الوقف بناء على اعتبار القربة فيه وغيره من الصدقات منعا " وجوازا " للفضولي فيه. نعم يفرق بين الوقف بعد الاجازة والصدقة بعدها على القول بالبطلان أنه يبطل في الوقف رأسا " ولا ينتقل المال عن ملك مالكه بخلاف الصدقة فانها تبطل صدقة وتصح هبة لاشتراكهما في التمليك المجاني وتمتاز الصدقة بكون التمليك فيها بداعي القربة كما هو الشأن في كل مشترك بين امرين يكون فصل احدهما التجرد عن فصل الاخر. ثم الظاهر ان الاجازة على القول بصحة الفضولي في المقام ناقلة وان قلنا بها كاشفة في البيع ونحوه. وأما جرى الفضولي في الخمس فتصويره فيه: مرة ممن وجب في ماله الخمس، وأخرى من الاجنبي، وعلى الثاني، فمرة يدفعه من مال المالك وأخرى من مال نفسه عنه، وعلى الاول فمرة يدفعه فضولا قبل العزل واخرى بعده. وحينئذ فنقول اما الاول فتصويره فيما دفع المالك سهم الامام إلى مستحقه

[ 259 ]

فضولا عن الامام أو نائبه في زمن الغيبة، وحكمه حكم الفضولي في الصدقات بناء على ان الدفع إليهم من الصدقة عن الامام (ع) فيجرى الخلاف المتقدم هنا صحة وفسادا " لانه فرد منها، وأما بناء على انهم المصرف لهذا المال فلا مانع عن صحة الفضولي هنا وان قلنا ببطلانه في الصدقات لخروجه عنها بالفرض. وحينئذ فان اجاز الامام عليه السلام أو نائبه صح وإلا رجع به الامام عليه لكونه مضمونا " عليه بالاتلاف. وأما الثاني وهو ما لو كان الفضولي أجنبيا: فان كان المدفوع إلى مستحقه من مال المالك وكان ذلك قبل العزل، فيكون فضولا عن المالك من حيث دفعه عنه من ماله وعن الامام من حيث صرف نصيبه من غير اذنه، وان كان في مصرفه. وحينئذ فان أجازا معا " صح المدفوع خمسا " وبرئ المالك منه، وان رد المالك فقط لم يتحقق موضوع لاجازة الامام عليه السلام لعدم تعيين المدفوع خمسا "، وان انعكس الامر بأن اجاز المالك ورد الامام (ع) ففي تعيين المدفوع خمسا بالاجازة، فيرجع الامام على الدافع أو المدفوع له دون المدفوع عنه وعدمه الموجب لبقاء المالك تحت العهدة وجهان مبنيان على شمول دليل التعيين للمالك إلى هذا النحو من التعيين الحاصل بالاجازة بعد الدفع الموجب لعرضة المال للتلف بل هو في بعض الصور من تعيين التالف وعدمه، وعليه فعلى المالك دفع سهم الامام له لبقائه في عهدته ويتخير المالك، وان اجاز في الرجوع على الفضولي أو المدفوع له لكون الخمس عنوانا " للمدفوع لا داعيا " للدفع فالحيثية تقييدية لا تعليلية كما لو دفع مالا للغير بعنوان الوفاء له عن دينه فانكشف عدم الدين فلا يتوهم في المقام انه يبطل خمسا ويصح هبة كما في الصدقة، مع احتمال عدم رجوعه على الدافع بناء على سقوط الضمان عنه بالاجازة، كما لا يدخل بالاذن في ضمانه، وان كان بعد العزل فلا رجوع للامام على

[ 260 ]

المالك لتعيين المعزول خمسا ويده عليه أمانة، بل يتخير الامام بين الرجوع على الدافع الفضولي أو المدفوع له، فان رجع عليه رجع هو على الدافع للغرر، على الاقوى، كما انه لو رجع على الدافع لم يرجع الدافع على المدفوع له مع تلف العين لكونه غارا " على القواعد في مسألة تعاقب الايدى، وان كان الفضولي اجنبيا " ودفع من مال نفسه خمسا " عن المالك لم تبرء ذمة المالك وان دفعه إلى الحاكم لان ذلك من العبادات المالية التي لا يتحقق امتثالها بدفع المتبرع إلا أن يكون بالوكالة عنه، وقياسه بالدين الذي وفاؤه من التوصليات قياس مع الفارق. نعم ربما يظهر (من المسالك) في زكوة الفطرة في تبرع الموسر عن الضيف الصحة مع توقفه على اذنه الظاهر في ارادة الاجازة منه حيث قال: " ولو تبرع الموسر باخراجها عنه، ففي الاجزاء قولان وجزم الشهيد بعدمه، وهو حسن مع عدم اذن الضيف، وإلا فالاجزاء احسن " انتهى، مع قوة احتمال ارادة الاذن السابق على الدفع بحمل الاذن عند ارادة التبرع كقوله تعالى: " إذا قرأت القران فاستعذ بالله " من (إذا قرأت القرآن) مؤيدا " بظهور لفظ الاذن فيه، وإلا فالأذن اللاحق يعبر عنه في كلامهم بالاجازة. هذا كله في الخمس ويجرى مثله الكلام في الزكوة والكفارات. وأما جريانه في الوصية ففي (الدروس) ما لفظه: " ولا تصح الوصية بملك الغير ولو أجاز الغير احتمل النفوذ ". انتهى وفي (جامع المقاصد) في شرح قول مصنفة: ولو أوصى بالمشترك صح في نصيبه لاختصاصه به قال: " لا فرق في ذلك بين أن يوصي بجميع المشترك أو بقدر نصيبه في انه إنما يصح في نصيبه لاختصاصه به بخلاف البيع، فانه لو باع الجميع وقف في ملك الغير على الاجازة،

[ 261 ]

ولو باع قدر نصيبه ففى انصرافه إلى ما يملكه وجهان: أصحهما انصرافه إليه، وقد سبق، والفرق تأثير الاجازة في بيع الفضولي دون الوصية إلا على احتمال الدروس " انتهى. وعن (التذكرة) احتمال صحة الوصية بملك الغير إذا قيده بتملكه. قلت: الوصية عقد جائز، والاقوى جريان، الفضولي في العقود الجائزة التمليكية التي منها الوصية، فضلا عن العقود الاذنية التى يكفي اباحتها متى تحقق الاذن لعموم " اوفوا بالعقود " بناء على ارادة الوفاء بمقتضى العقد، ان لازما " فلازما " وان جائزا " فجائزا "، مضافا إلى اقتضاء الصحة بلحوق الاجازة في كل ما تصح فيه الوكالة لعدم اعتبار المباشرة للعقد بالفرض مع اصالة عدم وجوب اقترانه برضاء المالك فتأمل فما احتمله في (الدروس) من صحة الفضولي في الوصية هو الأظهر لما ذكرنا لا لما قبل من قيام الدليل على صحته في الوصية بما زاد على الثلث موقوفا على اجازة الوارث، لان ذلك في الحقيقة ليس من الفضولي الا على تقدير انتقال الموصى به إلى الوارث والنقل منه بالاجازة إلى الموصى له وليس كذلك بل يتلقى الموصى له المال من الموصي دون الوارث، بل هي منه إنشاء تمليك لملكه وان توقف التملك على الموت فلا تعليق في الانشاء بل هو منجز والتعليق في الاثر وان الاجازة من الوارث تنفيذ للتمليك بالوصية لا تمليك منه بالاجازة ولذا نفذت الوصية باجازته في حياة الموصى على الاشهر الاظهر وليس كما توهم من اسقاط ما لم يجب حتى يشكل لزومه، بل مرجعه في الحقيقة إلى رضاء الوارث بعدم الارث من المال المخصوص الموصى به، وتأثير ذلك بالرضا المذكور ثابت بدليله المخصص لعموم الارث في التركة، وتنقيح


ستعرف وجه التأمل فيما بعد. (منه قدس سره)

[ 262 ]

ذلك موكول إلى محله وليس ذلك من الفضولي بشئ وان وقع التعبير في كلامهم بالتوقف على الاجازة. وبما ذكرنا من صحة الفضولي حيث ما تصح الوكالة مع الاصل المتقدم يتضح وجه جرى الفضولي في الايقاعات الا ما قام الدليل على عدمه فيه ان لم يقم اجماع على المنع عنه مطلقا " اللهم إلا أن تمنع الكلية المتقدمة وهي صحة الفضولي حيث ما تصح الوكالة، فلا يستكشف بصحة الوكالة صحة الفضولي، بل غايته بثبوت الوكالة يثبت الاكتفاء بالمباشرة الحكمية عن المباشرة الحقيقية بعد تنزيل الوكيل منزلة الموكل، فلا يقاس عليه مالا مباشرة فيه اصلا لا حقيقة ولا حكما " كالفضولى. وأما اجازة الاجازة فالظاهر الاكتفاء بها في الصحة لشمول ما دل على اللزوم بالاجازة لها لانها اجازة في الحقيقة ولو بالواسطة، وعلى الكشف يترتب الأثر من حين العقد لا من حين الاجازة الأولى، كما انه على النقل يترتب من حين الثانية. وأما الفسخ والاسقاط والابراء فقد يقال بنفوذ الاجازة فيها مع كونها من الايقاعات وان قلنا ببطلان الفضولي فيها مطلقا بناء على أن إجازة الفسخ فسخ واجازة الاسقاط أو الابراء اسقاط وابراء لعدم اعتبار الفاظ مخصوصة فيها. وتظهر الثمرة بين كونها فسخا أو اجازة للفسخ في النماء الحاصل بينهما على القول بكاشفية الاجازة، فانها من حين الفسخ على الاجازة ومن حين الاجازة على الفسخ فافهم. بقى الكلام في مسألة الاجازة والرد. والاول منهما يقع تارة في موضوع الاجازة، واخرى في حكمها وما يشترط في تأثيرها، فنقول: أما موضوعها فالظاهر ان الاجازة هي القول الدال على الرضا بالعقد أو ما بحكمه من الافعال الدالة عليه بحيث يصح بذلك استناد العقد إليه،

[ 263 ]

فيدخل في عمومات الامر بالوفاء، والتجارة عن تراض، وأحل الله البيع وتشمله الاطلاقات الواردة في المعاملات الخاصة، فلا يكفى مجرد الرضا غير المنكشف بقول أو فعل في تحققها بعد أن كان اعتبارهما من باب السببية لا من باب الكشف عن السبب - كما ذهب إليه بعض مستد لا عليه - اولا بما يظهر من تعليلهم لعدم تحقق اجازة المالك بسكوته مع علمه بوقوع العقد بأن السكوت لا يدل على الرضا لانه اعم منه الظاهر في أنه لو كان دالا عليه لكان كافيا " في تحقق الاجازة، ولولا كفاية الرضا في تحققها لكان التعليل بعدم الكاشف الوجودى أولى من التعليل بعدم دلالة السكوت على الرضا ضرورة انه حينئذ لو كان دالا عليه لم يكن مجديا " ايضا ". وثانيا " بما هو العمدة عندهم: من ادلة الفضولي، وحديث (عروة) المتقدم المتضمن لتصرفه في تسليم المبيع فضولا مع تقرير النبي صلى الله عليه وآله له عليه مع اتفاقهم على عدم جواز التصرف في الفضولي، ولا يتم ذلك إلا بالاجازة المتحققة برضاء النبي المحرز بشاهد الحال وثالثا بما دل على كفاية سكوت البكر في تزويجها وأنه اقرارها، وليس الا للاكتفاء به كشفا " عن رضائها توسعة للحياء. ورابعا " بما ورد من المعتبرة المستفيضة المتضمنة لصحة نكاح العبد المتزوج بغير اذن سيده ان سكت مع العلم به، وكذا لو قال لعبده: طلق فانه إجازة منه لنكاحه. وخامسا بما حكى عن جماعة من أنه إذا أنكر الموكل الاذن فيما اوقعه الوكيل من المعاملة فحلف انفسخت لان الحلف يدل على كراهتها. وسادسا " بما عن صريح غير واحد: من أنه لو رضي المكره بما فعله صح. وسابعا " بما يظهر من استدلالهم على كون الاجازة كاشفة بان العقد

[ 264 ]

مستجمع للشرائط عدا رضى المالك فإذا حصل عمل السبب التام عمله. هذا هو عمدة ما استدلوا به على تحقق الاجازة بمجرد الرضا. وفي الكل نظر: أما التعليل بعدم دلالة السكوت على الرضا فلعله من التعليل بالقدر المتيقن على عدم تحقق الاجازة لانها اما مجرد الرضا أو الرضا المنكشف بكاشف وجودي فعدم الرضا مستلزم لعدم الاجازة على كل من القولين وليس كذلك أو علل بعدم الكاشف الوجودى لامكان المناقشة فيه بعدم اعتباره في تحققها. وأما تصرف عروة بتسليم الشاة فيكفي في جوازه احراز الطيب من النبي ولو بشاهد الحال كسائر التصرفات في اموال الغير ولا يكفي ذلك في تحقق ماهية الاجازة. وبعبارة اخرى: الرضا بالتصرف يستلزم الحلية لا تنفيذ المعاملة وامضائها الذي هو معنى الاجازة وكلامهم بعدم جواز التصرف قبل الاجازة مسوق لبيان التوقف على الرضا المحرز بالاجازة لا التوقف على الاجازة حتى لو احرز الرضا بدونها. وأما سكوت البكر فالذي يكشف منه عن الرضا انما هو السكوت عن الرد والنهر للخاطب لا السكوت عن النطق بالقبول أو اجازة العقد أو التوكيل عليه فانه أعم من الرضا كغيره من عقود المعاملات. نعم الحيأ يمنع عن النطق بذلك لا ان السكوت عنه دال على الرضا به. وبالجملة: السكوت عن الرد الذي هو مقتضى الحياء الموجب له لولا مانع الرضا هو الكاشف عن الرضا دون السكوت عن اظهار القبول، نعم الرضا مقتض لاظهار القبول لولا مانع الحياء فالسكوت الكاشف عن الرضا بالكف عن الرد أمر وجودي منزل منزلة القول في الكشف عنه. وان ابيت عن ذلك، فنقول: السكوت عن اظهار القبول في مورد

[ 265 ]

يقتضى الرد عنه متضمن لفعل وجودي يكشف عن الرضا فهو نظير قولهم: السكوت في مورد البيان وعدم الردع في مورد يقتضيه لو كان محله تقرير. لا يقال: انه يلزم ذلك الاكتفاء بسكوت غير البكر ايضا إذا أحرز الحياء منها كالبكر وهو ينافي الاقتصار منهم على البكر في كفاية السكوت لانا نقول: كشف المورد عن الكف انما هو ظني اكتفى به دليله الخاص في البكر وان كان لحكمة الحياء فيها نوعا " فلا يقاس غيرها بها وان ساواها في الحكمة فالكف وان كان كافيا " في الكشف عن الرضا مطلقا لكونه فعلا وجوديا " إلا أن ثبوته بالكاشف الظني وهو المورد مخصوص بالبكر لدليله الخاص بها. وأما سكوت المولى مع العلم بتزويج عبده فمع امكان ان يقال فيه ما قلنا في سكوت البكر، يمكن ان يقال أيضا ان المستفاد من الرواية هو مانعية معصية السيد المنبعثة عن مزاحمة حقوقه لنفوذ العقد وهي ترتفع بمجرد الرضا لانتفاء المعصية بانتفاء المزاحمة معه، كيف والعبد يملك انشاءه وينفذ لو عقد للغير على الاظهر من غير توقف على اجازة سيده وان استحق الاجازة على من عقد له على رأي ضعيف لعدم معلومية مملوكية العبد بهذا القدر مما لا يزاحم حقوق مولاه كما تقدم. وبعبارة أخرى: يكفي في رفع معصية السيد طيب نفسه المحرز بسكوته وليس ذلك من الاجازة بشئ وان عبر بها. وأما قول السيد لعبده: طلق، فمع كونه يأتي فيه ما تقدم من سكوته يمكن دعوى دلالة األمر به على الرضا بعقده بدلالة الاقتضاء لتوقف الطلاق على سبق النكاح فيكون الرضا حينئذ مدلولا عليه بالقول، إذ لا يعتبر في الكشف به لفظ خاص ولا دلالة مخصوصة، بل لعل الكتابة كافية في ذلك

[ 266 ]

أيضا كما يشعر به قوله صلى الله عليه وآله في حديث عروة: " بارك الله في صفقة يمينك ". وأما ايجاب الكراهة المدلول عليها بظهور الحلف فيها للرد الموجب للفسخ، فمع أنه ممنوع في نفسه ولعله ذهب إليه من يرى كفاية مجرد الرضا في تحقق الاجازة، يمكن ان يجرى فيه ما تقدم في أمر السيد لعبده بالطلاق فتأمل وأما قولهم بصحة بيع المكره بلحوق الرضا، فلو سلم، يدفعه أن الطيب والرضا شرط مستقل معتبر في نفوذ العقد ولو مع وقوعه من المالك وهو منتف في بيع المكره فإذا حصل تم السبب وأثر أثره، واين ذلك من الاجازة المصححة لعقد غير المالك المنتفى فيه شرط الملك حتى يستدل به عليه ولذا عدوا من الشرائط الاختيار والملك، فاحترزوا بالاول عن بيع المكره وبالثاني عن بيع الفضولي. وبالجملة، لا مانع من نفوذ بيع المكره إلا عدم الرضا المرتفع بحصوله والمانع في الفضولي غير ما هو مانع في المكره. وأما استدلالهم بما تقدم في كون الاجازة كاشفة، ففيه أن كلامهم مسؤق لبيان شرطية حصول الرضا وتمامية العقد به، وأما كيفية الحصول فهي قضية مهملة غير سوق لبيانها وهو واضح. وأما شروط تأثير الاجازة فهي (1) أمور:


وجه التأمل امكان دعوى الفرق بان الحلف غايته الاشعار بالكراهة دون الدلالة عليها. (1) وبتعبير أوضح لا ينبغي الريب في انه حصل بفعل الفضولي وانشائه اضافة شأنية لطرفه بالنسبة إلى مال المالك. وهذه الاضافة - وان كانت تاهلية صرفة - لم تبلغ مرتبة الفعلية، ولكن لها نحو من الوجود والثبوت بالنسبة -

[ 267 ]

الاول: ان لا يسبقها رد، فلو تخلل الرد بينها وبين العقد بطل تأثيرها لان الرد ابطال لما احدثه الفضولي من ربط البدلية بين العينين ولو ناقصا "، فهو بمعنى الفسخ الذي لا شك في عدم تأثير العقد بعده غير أن الربط الحاصل في المردود ضعيف وفي المنفسخ شديد فليكن تأثير الرد في الابطال أولى من الفسخ فيه. مضافا " إلى دعوى الاجماع الصريح. والظاهر


- إلى العدم المحض، فهي قابلة لصيرورتها إضافة فعلية باجارة المالك لعقد الفضولي. ولكن الكلام في أن غاية ما يقتضيه دليل سلطنة الناس على أموالهم بالنسبة إلى فعل الفضولي سلطنة المالك على إقراره وتثبيته، فهو مخير بين الاجازة وعدمها ولا سلطان له على الرد وإبطال فعل الفضولي وانشائه فلا اثر لرده وله الاجازة بعده، فتلك الاضافة التاهلية لطرف الفضولي بالنسبة إلى مال المالك بعد الرد باقية لها شأنية البلوغ إلى مرتبة الفعل باجازته العقد بعد الرد، وهو المختار لبعض الاصحاب، فانهم حكموا بعدم بطلان عقد الفضولي بالرد من المالك وقابليته للحوق الاجازة منه. ومقتضى ما ذكروه أن المالك غاية ما تقتضيه سلطنته على ماله تثبيت تلك الاضافة الشأنية للطرف وإيصالها إلى مرتبة الفعلية، وليس له اعدامها وإذهابها عن صفحة الوجود هذا ولكن يمكن ان يقال: ان ذلك قصر لسلطنة المالك ونقص لها، بل الذي ينبغي اختياره - ولعله المشهور بين القائلين بصحة الفضولي - أن دليل سلطنة المالك على ماله مقتضاه تسلطه على امضاء عقد الفضولي وابلاغ تلك الاضافة الشأنية الحاصلة للطرف به مرتبة الفعلية باجازته العقد وعلى رده وابطال ما حصل به من أهلية الاضافة واعدامها برده العقد، فلم يبق بعده شئ قابل للاجازة. وربما يتأمل في كون فعل الفضولي منشأ لحصول اضافة لطرفه بالنسبة إلى مال المالك بدعوى أن الاجازة منه مما لا إشكال في دخلها في تحقق الملك إذ العقد الصادر من الفضولي يتوقف تأثيره على -

[ 268 ]

من بعض معتضدا " بدعوى الاتفاق من جماعة وان كان ظاهر خبر الوليدة المتقدم يعطى عدم اعتبار هذا الشرط وتاثير الاجازة المسبوقة بالرد بناء على ظهور المخاصمة فيه واطلاق حكم علي (ع) بأخذ الوليدة مع لزوم تقييده باختيار الرد لولا ظهوره فيه واسترداد الجارية ومناشدة المشتري للامام (ع) برد ولده - حسبما تقدم ذلك كله - إلا انه يجب بمعونة ما تقدم من الاجماع والقاعدة صرفه إلى مالا ينافي اعتبار هذا الشرط بالحمل على التردد دون


- استناده إلى المالك. وهو انما يحصل بالاجازة فقبلها لم توجد اضافة للطرف بالنسبة إلى مال المالك، لكي يكون سلب قدرته عن رفعها منافيا لتمام سلطنته. والدعوى المذكورة - وان كان لها وجه معقول دقة فان حصول الاضافة ينافيه دخل الاجازة في حصول الملك - ولكن يمكن القول بان العرف يرى وجود اضافة شأنية تاهلية لطرف الفضولي بالنسبة إلى المال في قبال العدم المحض غاية الامر فعليتها تتوقف على حصول الاجازة. وعليه فهذا الوجود العرفي صالح للرد من المالك كما هو صالح للاجازة ونفي سلطنته عن رده واعدامه قصر لها مناف لعموم دليل السلطنة. وبالجملة فالحكم ببقاء محل وموقع لاجازة عقد الفضولي واستناده إليه بها ليضاف العقد إليه ويكون عقدا " له ليلزمه الوفاء به بعد رده في غاية الاشكال لا يقال: ظاهر صحيحة محمد بن قيس الواردة في بيع الوليدة تأثير الاجازة بعد الرد. لانا نقول: الرد كالفسخ من ذي الخيار لا بد من انشائه بقول يدل عليه أو فعل يكون مصداقا له ومجرد أخذ المالك الجارية الوليدة بعد مخاصمته للمشتري لا يكون ردا " فعليا " لامكان كون ذلك لاجل أخذ الثمن لا لرده البيع. وبالجملة فلم يظهر من الصحيحة قابلية العقد للحوق الاجازة بعد تحقق الرد من المالك له.

[ 269 ]

الرد مع الجواب عما يستظهر منه الثاني بالوجوه المتقدمة. نعم لو كان الوجه في اعتباره ليس إلا عدم استناد العقد إلى المالك برده وان اجاز بعده أمكن دفعه بمنع ذلك وصحة الاستناد إليه بالاجازة عند تحققها وعدم الاستناد حين الرد قبل لحوق الاجازة منشأه عدم الاجازة لا وجود الرد. و (دعوى) إخراج المورد بالرد عن قابلية الاستناد ولو بلحوق الاجازة (عين) المصادرة، الا انك قد عرفت أن الموجب لاعتبار هذا الشرط إبطال العقد بالرد وزوال الربط به فلا يبقى بعده ما تلحقه الاجازة. الثاني - يشترط في تأثير الاجازة كون المجيز مالكا حين الاجازة، فلو عقد فضولا على مال ثم انتقل المال إلى الوارث قبل الاجازة من المورث ملك الاجازة بناء على جواز مغايرة المجيز والمالك حال العقد كما سيجئ في مسألة: من باع ثم ملك، لانها من آثار ملك المال، وليست بنفسها موروثة لأنها من الأحكام لا من الحقوق، ومع تعدد الوارث لكل واحد منهم الاجازة في ما يملكه من التركة دون غيره منها ومع التبعض للاصيل خيار تبعض الصفقة ولا كذلك لو كانت الاجازة بنفسها موروثة بناء على انها من الحقوق فانه حينئذ لكل واحد منهم اجازة ما وقع عليه العقد جملة ومن كان له الاجازة كان له الرد، وحينئذ، فلو اتفقا على أحدهما أو اختلفا وكان على التعاقب كان الحكم واضحا "، وان اختلفا واتحد زمانهما ففي سقوط كل منهما بتصادم الآخر، فيلغو عن السببية ويرجع إلى ما يلحق بعدهما من الرد أو الاجازة أو سقوط إجازة الثاني عن التأثير لصدق تخلل الرد بينها وبين العقد ايضا، فيشمله اطلاق ما دل على بطلان الاجازة المسبوقة بالرد من معقد الاجماع مع احتمال دعوى عدم اطلاق المعقد له أو انصرافه لو سلم إلى غير الرد المعارض بالاجازة -: احتمالات، ويحتمل الفرق ايضا " بين ارث الاجازة وتبعيتها للمال الموروث فيما لو تعلق عقد الفضولي بعين يختص

[ 270 ]

بها وعلى الارث كان لمن يرثها مطلقا مع احتمال اختصاص ارثها بمن يرث متعلقها ضرورة ان حقيتها باعتبار حقية متعلقها. هذا ولكن لا ثمرة في هذه الفائدة بعد معلومية كون الاجازة من الاحكام لا من الحقوق بالبداهة كما تقرر في محله. الثالث - هل يعتبر في تأثير الاجازة مطابقتها للعقد مطلقا " كما وكيفا " أولا يعتبر كذلك أو يفصل فيعتبر في الثاني دون الاول؟ وجوه، بل لعلها اقوال. وجملة صورها بحسب الاختلاف فيهما أو في أحد هما من حيث النقيصة أو الزيادة كثيرة، أصولها أربعة بمعرفة أحكامها تعرف أحكام غيرها ضرورة أن الاختلاف اما بحسب الكم أو بحسب الكيف، وكل منهما: إما أن تقع الاجازة على بعض ما وقع عليه العقد أو عليه مع الزيادة. فنقول: إحداها لو اوقع العقد على صفقة فأجاز المالك بيع بعضها، والاقوى فيها الجواز بناء على جريان الفضولي في مسألة تبعض الصفقة لوجود المقتضى وعدم المانع من غير فرق بين كون المبيع لمالك أو لمالكين فأجاز أحدهما دون الآخر غير أن ضرر المشترى بالتبعض مجبور بالخيار، وأما على القول ببطلان التبعض مطلقا كما عن بعض لان الواقع غير مقصود والمقصود غير واقع أو في خصوص الفضولي لكونه مخالفا " للاصل، فيقتصر على موارد دليله التي ليس المفروض منها فيعتبر المطابقة في تأثير الاجازة إلا أن كلا من المقدمتين مع كونه خلاف المشهور في حيز المنع جدا ". ثانيتها عكسها، كما لو عقد على البعض وأجاز بيع الكل فلا اشكال في عدم نفوذها في الزائد، وان رضي به المشترى لان مرجع نقله حينئذ إلى النقل بمجرد التراضي ومن غير سبب يوجبه وفي نفوذها فيما وقع عليه العقد وجهان، أقربهما العدم لعدم إحراز الاجازة في البعض بعد قيام احتمال مدخلية الضميمة في الرضا.

[ 271 ]

ثالثتها لو اوقع العقد على شرط فاجازه المالك مجردا " عن الشرط (1) والاقوى هنا سقوطها عن التأثير حيث يكون الشرط قيدا " للمبيع ومن مشخصاته لعدم قابلية العقد للتبعيض من حيث الشرط إذا كان كذلك وان كان قابلا للتبعيض من حيث الجزء. توضيح الفرق بينهما مع كون الشرط جزء جزء عقليا ": هو أن الكل في الخارج ليس إلا عبارة عن مجموع الأجزاء الخارجية القابل كل منها لتعلق البيع به مستقلا فبيع الكل ينحل إلى بيع كل جزء بنحو التعاطف، وأما


(1) توضيح ذلك: ان الشرط الذي وقع عليه العقد الفضولي واجازة المالك مجردا " عنه تارة يكون قيدا " للمبيع ومن مشخصاته الذي مرجعه إلى التوصيف بمعنى أخذ المبيع عند انشاء المعاوضة معنونا " ومتصفا " به، سواء ذكر بنحو الشرط أو بنحو الوصف واخرى يكون الشرط في ضمن العقد من قبيل الالتزام في الالتزام كما لو اشترط في ضمن بيع الثوب صبغه أو خياطته: أما ما كان فيه الشرط قيدا " ومشخصا للمبيع فان أهل العرف بنظرهم العرفي يرون المباينة بين الواجد للشرط أو الوصف وفاقده كما لو فرض ان الفضولي باع منا " من الأرز في ذمة المالك من نوع العنبر، مثلا فاجازة المالك، ولكن الغى العنبرية وأمضى المعاملة على طبيعة الارز، ففي هذه الصورة تسقط الاجازة عن التأثير في إمضاء المعاملة الواقعة من الفضولي وتصحيحها فان ما وقع من العقد مباين لما اجازه المالك عرفا ". نعم لو لم ير العرف مباينة بين الواجد للقيد والفاقد له بان كان القيد الذي اخذه الفضولي في متعلق العقد صفة كمال فيه والغى المالك تلك الصفة عند الاجازة كأن عقد الفضولي على جارية للمالك موصوفة بصفات من جملتها كونها كاتبة مثلا، والمالك أجاز عقده، ولكن الغى جهة الكتابة، فالظاهر تأثير تلك الاجازة في تصحيح العقد وان كان للاصيل خيار تخلف الوصف. - [... ]

[ 272 ]


- هذا إذا كان الشرط الذي أخذه الفضولي في العقد ولم يمضه المالك باجازته قيدا " في المبيع ومن مشخصاته الذي قلنا إن مرجعه التوصيف. وأما إذا كان الشرط من قبيل الالتزام في الالتزام كاشتراط خياطة الثوب أو صبغه مثلا في ضمن عقد بيعه فاجاز المالك اصل البيع ولم يجز الشرط المأخوذ فيه، فالظاهر صحة اجازته لاصل البيع والتزامه به وان الغى جهة الشرط ولم يمضها. نعم حيث لم يلتزم الاصيل بالعقد الا مقرونا " بالشرط ولم يجزه المالك فلم يسلم له شرطه فيتخير بين امضاء العقد واسقاط شرطه وبين فسخ العقد وابطال أصل المعاوضة. والحاصل ان الفقهاء في مسائل تشبه مسئلتنا فيما التزم العاقد من الشرط في ضمن العقد ولم يسلم الشرط للمشروط له لم يلتزموا يبطلان العقد، بل قالوا بان المشروط له يتخير بين امضاء العقد وفسخه، منها صورة ما لو تعذر الشرط المأخوذ في العقد بعد ان كان غير متعذر، ومنها صورة فساد الشرط فيما لم يسر فساده إلى فساد العقد كما إذا كان منافيا لمقتضاه فان المشهور عدم بطلان العقد بفساد الشرط بل يثبت للمشروط له الخيار ومنها قرين مسألتنا مما كان العقد من الفضولي على الكل والمالك اجاز البعض، فان مرجع بيع الكل إلى بيع كل جزء بشرط انضمامه إلى الجزء الآخر غاية الأمر ان الشرط ضمنى غير مصرح به فانهم قالوا بصحة البيع في البعض المجاز وان ثبت للمشتري خيار تبعض الصفقه بل أو التزم البائع بنفسه للمشتري في ضمن العقد بشرط ولم يف به اختيارا "، فانهم قالوا: يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط ولم تبطل اصل المعاوضة والسر في ذلك أن الشرط لم يكن قيدا " وعنوانا " للمعقود عليه حتى يكون تخلفه موجبا " لبطلان اصل المعاوضة وانما هو التزام بشئ خارج عن اصل المعاوضة التزم به العاقد

[ 273 ]

الجزء العقلي فغير قابل لتعلق البيع به والقابل في الفرض إنما هو المشروط به من حيث كونه مشروطا به أو المجرد عنه من حيث هو كذلك، والاول غير مجاز، والثاني لم يكن بعضا " من المشروط وان كان مجازا "، ضرورة أن المطلق بشرط الاطلاق مباين للمقيد لا بعض منه والذي هو جزء منه المطلق المعرى عن قيدي الاطلاق والتقييد المعبر عنه اللابشرط، واين ذلك من مسألة التبعض. نعم يقوى صحة المجاز كذلك إذا لم يكن الشرط من المشخصات بل كان مجرد التزام به في ضمن عقد البيع بناء على عدم فساد العقد بسقوط الشرط من المالك أو لفساده شرعا ". ومنه يظهر الاشكال في اطلاق كلام شيخنا في (مكاسبه) حيث قال: " ولو اوقع العقد على شرط فاجاز المالك مجردا عن الشرط فالاقوى عدم الجواز بناء على عدم قابلية العقد للتبعيض من حيث الشرط وان كان قابلا للتبعيض من حيث الجزء ولذا لا يؤثر بطلان الجزء بخلاف بطلان الشرط " انتهى. رابعتها عكسها بأن عقد الفضولي وأجاز المالك مشروطا ورضي الاصيل به (1) ففيه احتمالات: أقواهما البطلان مطلقا " لعدم الالتزام بالشرط الواقع


- في ضمن عقدها للمشروط له ونظرا لارتباط الالتزام المعاوضي بالالتزام به فللمشروط له ترك الالتزام بالمعاوضة عند تخلفه وعدم حصوله وتسلطه على فسخ المعاوضة أو الالتزام بها ورفع اليد عن حقه المجعول له باسقاط شرطه وحقه الذي التزم به العاقد. هذا لو التزم العاقد الفضولي بشرط للاصيل على المالك، وأما في صورة العكس والتزام الفضولي يشرط في ضمن عقده للمالك على الاصيل فالامر اوضح إذ لا ينبغي الريب فيه. (1) لا يقال: مقتضى ما ذكرناه وهو المشهور من أن فساد الشرط لا يسري إلى فساد العقد بل يصح العقد وان فسد ما تضمنه من الشرط فلتكن -

[ 274 ]

خارج العقد والمجرد عنه غير مجاز لتعلقها به مشروطا، لا مطلقا ". الرابع - هل يشترط في تأثير الاجازة علم المجيز تفصيلا بالعقد وحقيقته وجميع ما يعتبر في صحته أم يكفي العلم الاجمالي بوقوع عقد على ماله قابل للاجازة؟ وجهان: والأول هو الاقوى لعموم النهي عن الغرر مضافا إلى لحوق كل اجازة إلى عقدها في الغرر المنهى عنه فيه. وقياسها بالوكالة المغتفرة فيها الجهالة في الجملة اتفاقا كما (في المسالك) وغيره، قياس مع الفارق لان مرجع اطلاق الوكالة إلى تفويض الامر إلى الوكيل وتعيين الامر بيده كعامل القراض وهو الوجه في اغتفار الجهالة فيها لا ما ذكره (في المسالك) من أن الغرر مندفع بمراعاة الوكيل مصلحة الموكل لان المصالح بنفسها


- الاجازة من المالك المتضمنة للشرط الذي لا يلزم الاصيل الوفاء به بمنزلة الشرط الفاسد المشتمل عليه العقد، فكما ان فساده لا يسري إلى فساد العقد فكذا هنا فان فساد الشرط وعدم لزوم الوفاء به لا يسرى إلى فساد الاجازة فلم لا تصح ويختص الفساد بالشرط؟ قلنا فرق بين اشتراط العقد بالشرط الفاسد وبين تقييد الاجازة بشرط لا يجب على الاصيل الوفاء به لعدم ذكره في متن العقد فان العاقد المتضمن عقده لشرط فاسد التزم بعقدة التزامين أحدهما - باصل المعاوضة بين المالين، والالتزام الآخر بالشرط الذي تضمنه عقده غاية الامر احد الالتزامين مرتبط بالاخر، وعليه يمكن التفكيك بين الالتزامين فيصح احدهما وهو الالتزام باصل المعاوضه ويبطل الآخر وهو الالتزام بالشرط، ونظرا لارتباط احدهما بالآخر يثبت الخيار للمشروط له وهذا بخلاف المجيز الذي قيد اجازته بشرط لا يجب الوفاء به بل هو ملغى فانه لم يلتزم الا بالتزام بسيط ولم يتحقق منه التزامان ليمكن التفكيك بينهما بالصحة وعدمها. وبالجملة العقد الصادر من الفضولي لم يجزه المالك وما اجازه المالك ليس هو عقد الفضولي فكيف يصح والحال هذه؟.

[ 275 ]

تتفاوت وان تساوت في الزيادة والنقيصة فلا يندفع الغرر بمراعاتها ايضا " فيعتبر في المجيز علمه بكل ما لولاه لكان غررا " تكون المعاملة معه سفها أو منجرا " معه إلى التخاصم كما تقدم من معنى الغرر، ولا دليل على اعتبار أزيد من ذلك (1)


(1) المراد أنه لو علم المالك اجمالا بوقوع عقد على ماله وتردد بين أن يكون بيعا " أو اجارة أو صلحا " أو علم بكونه بيعا " مثلا وجهل المبيع وتردد بين كونه داره أو دكانه أو دابته مثلا أو علم بشخص المبيع وتردد في ثمنه الذي باعه الفضولي به فجهل عينه أو مقداره، ففي جميع الصور المذكورة ونظائرها مما تكون فيه المعاملة الواقعة من الفضولي مجهولة عند المالك، فلا يصح - والحال هذه - اجازتها على ابهامها فان ذلك من الغرر المنهي عنه ومقايسة باب الفضولي بباب التوكيل قياس مع الفارق، فان المالك المسلط على ماله له تفويض شؤن سلطنته إلى الوكيل بالتصرف في امواله كلا أو بعضا " كمية أو كيفية ومنه عامل باب القراض. وعليه فكل معاملة تصدر من الوكيل المذكور ماضية على الموكل ويلزمه تنفيذها ولم يكن في ذلك شئ من السفه والغرر المنهي عنه. وهذا بخلاف المعاملة الخارجية الصادرة من الفضولي التي يجهل المالك نوعها أو شخصها فان اجازتها على ابهامها واجمالها وترددها بين انواع أو افراد سفه وغرر مؤد إلى التشاجر والتنازع منهى عنه في النبوي المشهور. بقي شئ ينبغى التنبيه عليه، وهو أنه هل يعتبر في الاجازة التنجيز والعلم بتحقق المجاز ام تصح الاجازة معلقة على فرض وجوده؟ ربما يقال باعتبار العلم بوجود المجاز في صحة الاجازة إذ هي من الايقاع الغير القابل للتعليق ولو فرض القول بصحة التعليق في العقود، ويمكن ان يقال بعدم اعتبار العلم بوجود المجاز وصحتها مع الجهل بوجوده سواء قلنا بانها ايقاع أو انها

[ 276 ]

الخامس - هل يعتبر في تأثير الاجازة بقاء اجتماع الشروط المعتبرة في صحة العقد إلى زمان الاجازة اولا يعتبر (1) الظاهر أن ما يرجع إلى صفات المتعاقدين من العقل والرشد ونحوهما لا يعتبر ازيد من تحققه حين الانشاء وأما ما يرجع إلى العوضين فكذلك بعد العلم به ما لم تدخل الاجازة بسبب زواله في المعاملات السفهية كما لو فسد احد العوضين لطول المدة وقبل الاجازة سيما على القول بكونها ناقلة ولو زال وصف الملك بعد العقد ثم عاد إليه قبل الاجازة ففي نفوذ الاجازة حينئذ وعدمه وجهان، مبنيان على


- من العقود باعتبار ان التعاهد الحقيقي بين المالكين انما يتحقق بالاجازة فاخذ ركني العقد انما يتحقق بها ولكن حيث ان التعليق المفسد للعقد أو الايقاع انما هو فيما إذا لم يكن المعلق عليه مما يتوقف عليه تحقق المعلق فمثل تعليق البيع على مالية المبيع والطلاق على زوجية الزوجة مما هو تعليق على ما يقتضيه حقيقتهما ونظيره ما نحن فيه من تعليق الاجازة على وجود المجاز ليس من التعليق الواقع محلا للكلام والنزاع بين الاصحاب في امكان تحققه أو مبطليته على ما فصل في بحث شرطية التنجيز في العقود والايقاعات وان شئت فقل لا تعليق في هذا ونحوه. (1) لا اشكال ولا كلام في ان العقد الصادر عن الفضولي يعتبر فيه جميع ما يعتبر في صحة العقد لوضوح ان الاجازة من المالك ليست عقدا " مستأنفا "، وانما هي تنفيذ وامضاء لعقد الفضولي فيعتبر فيه القابلية للتنفيذ والامضاء بكونه جامعا " لشرائط الصحة، إذ العقد الفاسد في نفسه كيف يتصور اجازته واستناده إلى المالك بها، وهو واضح بالنسبة إلى شرائط العقد، وكذا شرائط المتعاقدين من البلوغ والعقل وشرائط العوضين. لا يقال: لم لا يكون الفضولي كالوكيل في البيع، فانه لا يشترط فيه العلم بمقدار العوضين وأوصافهما بل يكفي علم الموكل بذلك، بل يمكن أن -

[ 277 ]

سقوط العقد عن الصحة التاهلية بزوال الملك فلا تأثير للاجازة بعده أو بقائها وان زال التعلق لزوال وصف المتعلق فيتعلق بعد عود الوصف إليه فتنفذ الاجازة فيه، ولعل الاول هو الاقرب، ومع عدم العود إليه الذي يكون الشئ معه بحكم التلف تلغو الاجازة قطعا " لخلوها عن الفائدة حينئذ، وهو على النقل واضح وعلى الكشف كذلك بناء على القاعدة المسلمة: من ان كل مبيع تلف فيه قبل قبضه فهو من مال بايعه، ولولاها لامكن ظهور الثمرة في كون التالف من المشترى على القول بالكشف دون البايع نعم لو وقع القبض قبله وتعلقت الاجازة به أيضا امكن دعوى ظهور الثمرة المتقدمة فيها على الكشف ولو انعكس الامر بأن زال الملك قبل العقد ثم عاد بعده قبل الاجازة فالظاهر بطلان الاجازة لبطلان العقد الواقع على محل غير قابل للتأثير فيه وان تجددت القابلية بعد، إذ لا قابلية حين العقد ولا عقد عند القابلية. السادس - هل يعتبر في صحة عقد الفضولي لنفوذ الاجازة وجود مجيز له في الحال ولا يعتبر؟ قولان، استقرب الاول منهما العلامة في


- يقال: لا يعتبر فيه البلوغ إذا كان مميزا " وكان الموكل كاملا. لانا نقول: ذلك إنما يصح أن يقال بالنسبة إلى الوكيل في إجراء الصيغه الذي هو بمنزلة الآلة لسانه لسان الموكل، وأما الوكيل المفوض إليه جميع شؤن المعاوضة كالوكيل في باب المضاربة فانه يعتبر فيه ما يعتبر في العاقد من الشروط والفضولي بمنزلته من هذه الجهة فانه الذي تقوم به المعاملة وتصدر منه، والاجازة من المالك موجبة لاستناد المعاملة الصادرة منه إليه، فلا بد من واجديته للشرائط المعتبرة في المعاملة كما انها تشترط بالنسبة إلى الاصيل بلا اشكال. وهل يعتبر بقاؤها إلى حال الاجازة أو يكفي تحققها حال العقد فقط. ثم هل هي معتبرة في المجيز أيضا، وعلى تقدير اعتبارها فيه، فهل -

[ 278 ]

(القواعد) وفاقا للمحكي عن الاسكافي منا، وأبي حنيفة من العامة والاقرب العدم وفاقا لما عن ابن المتوج البحراني والمحقق الثاني وثاني الشهيدين، بل وكل من تعرض للمسألة من المتأخرين حتى قيل: إن القول بالاول من خصائص العلامة فلو باع مال الطفل بما لا مصلحة فيه أو بما يكون خلاف المصلحة ثم بلغ واجاز صح ونفذت الاجازة لشمول ما دل على صحة الفضولي بالاجازة لذلك مضافا إلى ما ورد في تزويج الصغار فضولا، الشامل باطلاقه لما لو اهمل الولى الاجازة إلى بلوغهم ولم يكن لهم ولى اجباري وقلنا بعدم ولاية الحاكم على الصغير في النكاح وبطلان ما استدل به على البطلان: من ان صحة


يعتبر استمرارها من حين العقد إلى حال الاجازة أو يعتبر وجودها حال العقد وحال الاجازة معا " وان لم يتحقق الاستمرار، أو يكفي وجودها في المجيز حال الاجازة فقط ولا يعتبر تحققها فيه حال العقد فضلا عن الاستمرار إلى حال الاجازة..؟ احتمالات تتصور في شرائط العوضين من المعلومية ونحوها وشرائط المتعاقدين من الكمال ونحوه. وأما شرائط الصيغة فلا يتصور فيها ذلك لانها شروط للمنشئ حال الانشاء، وكذا القدرة على التسلم واسلام المشتري للمصحف والعبد المسلم فانهما معتبران فيه حال استحقاق التسلم ووضع يده عليهما نعم بالنسبة إلى شرائط العوضين والمتعاقدين ربما يتصور ذلك. اما الكلام من ناحية اعتبار الشرائط في الفضولي وطرفه فالظاهر كفاية تحققها حال العقد، ولا وجه لاعتبار استمرارها إلى حين الاجازة. نعم يشكل ذلك في الصورة التي ذكرها سيدنا - قدس سره - وهي ما لو فسد أحد العوضين لطول المدة وقبل الاجازة بنحو تعد إجازة المعاملة بعد هذا من السفه، وكذا لو خرج عن المالية ثم عاد إليها حين الاجازة، كما لو صار العصير خمرا " ثم انقلب خلا عند الاجازة، فان الحكم بصحة اجازة البيع الواقع عليه حال كونه عصيرا " حينئذ مع تحلل حالة الخمرية وخروج العقد عن قابلية

[ 279 ]

العقد في زمان عدم المجيز له ممتنعة، وإذا امتنعت في زمان ما امتنعت دائما لان بطلان العقد في زمان يقتضى بطلانه مطلقا " ولما فيه من التصرف على المشتري لامتناع تصرفه في العين لامكان عدم تحقق الاجازة ولعدم تحقق المقتضى وفي الثمن لامكان تحققها فيكون قد خرج عن ملكه وهو منفى بقوله صلى الله عليه وآله: " لا ضرر ولا ضرار " لضعف الاول بمنع امتناع الصحة ان اريد بها الصحة التأهلية، كيف وتوقفها عليه باعتباره فيها عين الدعوى وان أريد بها الفعلية فمسلم إلا أنها غير الصحة المبحوث عنها في الفضولي


- تأثير الاجازة فيه في تلك الحال وان عاد إلى صلاحية التأثير حالها مشكل غايته. أما لو لم تعد القابلية والملكية بان بقي على خمريته فالظاهر عدم الاشكال في عدم تأثير اجازة البيع الواقع عليه حال العصيرية وانفساخه بلا فرق في ذلك بين الكشف والنقل ويلحقه حكم التلف قبل القبض. هذا ما كان من امر الفضولي واعتبار واجديته للشرائط. وأما ما كان من ناحية اعتبار واجدية المجيز أيضا " للشرائط المذكورة، فيمكن أن يقال بان مقتضى ما ذكرنا من أن الفضولي هو الذي تقوم به المعاوضة وهو بمنزلة الوكيل المفوض الذي تعتبر الشرائط المذكورة بالنسبة إليه دون الموكل. وعليه فلا تعتبر في المجيز كالموكل الذي هو بمنزلته. هذا ولكن مقايسة أحدهما بالآخر من هذه الجهة غير صحيحة فان الوكيل المفوض المفروض صحة وكالته جميع شؤن المعاملة المفوض فيها قائمة به وجميع شرائطها انما تعتبر بالنسبة إليه، وهو الملتزم بها وليس شئ من امورها مرتبطا بالموكل اصلا. نعم الذي عليه إمضاؤها والالتزام بمقتضاها فالوكيل المفوض من هذه الناحية بمنزلة ولي القاصر العاقد له على ماله كل الشرائط تلحظ بالنسبة إليه، وليس شئ منها مرتبطا بالمولى عليه سوى ان العقد ماض عليه، وهذا بخلاف الفضولي. وإنا وان ذكرنا أنه كالوكيل المفوض -

[ 280 ]

وضعف الثاني مضافا إلى النقض ببيع مال الغائب النائى المتوقف اجازته على مضى زمان طويل بتدارك الضرر مع الجهل بالخيار ومع العلم فبانه أقدم عليه. هذا والمراد بالمجيز من يملك الاجازة سواء كان مالكا " أو وليه أو الحاكم أو عدول المسلمين ولذا ينذر فرض عدم المجيز اصلا وفرضنا عدمه للاجازة الشخصية حيث لا يكون في البيع مصلحة للطفل تسوغ الاجازة أو كان على خلاف المصلحة. السابع - لا يشترط في المجيز كونه مالكا للتصرف حين العقد بلا إشكال كما لو كان محجورا " عليه من غير فرق بين كون الحجر لنقصان فيه لصغر مثلا أو لتعلق حق الغير به كالرهن غير انه في الاول يختص الجواز بما لو كان العاقد غيره لكونه مسلوب العبارة فينفذ لو بلغ واجاز مطلقا " على الاقوى أو مع وجود المجيز حين العقد واهماله الاجازة بناء على اعتباره كما تقدم وفي الثاني مطلقا سواء كان هو المباشر للعقد أو غيره فضولا مع رفع الحق المتعلق به بفك ونحوه، غير أنه في الثاني يتوقف على اجازة المالك


- تعتبر شرائط المتعاقدين بالنسبة إليه، وكذا معلومية العوضين وليس كالوكيل في إجراء الصيغة فقط لا تعتبر الا صحة انشائه، وليس معنى ذلك أن الفضولي هو المستقل في جميع شؤن المعاوضة والمالك المجيز منعزل عن جميع ما يمكن اعتباره فيه من الشرائط، كيف وهو الركن الركين فيها والمستند إليه العقد باجازته وهو الملتزم بمفاده بعدها وان شئت فقل: ان العقد قائم بالفضولى مع المالك من طرف وبالاصيل من طرف آخر فشرطية الكمال ومعلومية العوضين معتبرة فيه كاعتبارها في الفضولي وطرفه الاصيل نعم الظاهر اعتبارها فيه عند الاجازة فقط، ولا تعتبر فيه حال العقد فضلا عن استمرارها من حاله إلى حالها.

[ 281 ]

وفي الاول غير محتاجة إلى اجازته بعد رفع المانع لوقوع العقد من أهله غير أن نفوذه كان متوقفا على رفع الحق المتعلق به المفروض رفعه بفك أو اسقاط وفي اشتراط كونه أي المالك المجيز مالكا " للعين حين العقد بان يكون المالك حين الاجازة هو المالك حين العقد وجهان، بل قولان. وفي المسألة صور متعددة وجملتها: هو أن البايع لمال الغير فضولا إما أن يبيع لنفسه أو للمالك وعلى التقديرين فاما ان ينتقل الملك إليه أو إلى غيره، وعلى التقادير فاما ان ينتقل قهرا " بالارث أو اختيارا " باحد النواقل. ولكن الذي وقع عنوانا للمسألة في كلامهم هو ما لو باع مال الغير ثم ملكه (1)


(1) المسألة المذكورة لها صور: فان الفضولي إذا باع ملك غيره ثم ملكه وأجاز البيع الصادر منه حين كونه فضوليا ": اما ان يبيع لنفسه أو يبيع للمالك وعلى التقديرين فانتقال المال إليه أما بالشراء من مالكه الاصلي أو بالارث منه ثم الكلام في المسألة: تارة بناء على كون الاجازة ناقلة، وأخرى بناء على كونها كاشفة. اما في صورة بيع الفضولي مال الغير لنفسه بان قصد خروج المبيع من ملك الغير ودخول الثمن في ملك نفسه فالظاهر فساد بيعه وعدم قبوله الاجازة لا من مالكه الاصلي ولا ممن ملكه بعد ذلك لما ذكرناه سابقا ": من أن حقيقة البيع تبديل طرف اضافة بطرف اضافة لآخر وعليه فيعتبر في انشائه قصد دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه إلى مالك الثمن وليس هو تبديل اضافة باضافة اخرى حتى لا يعتبر في إنشائه ذلك ويتحقق مفهومه بقصد دخول الثمن في ملك شخص والمثمن خارج من غيره إلى مالك الثمن. وبالجملة فالمعاملة المذكورة غير قابلة للتصحيح بالاجازة لا من قبل المالك حين العقد ولا من قبل المالك حين الاجازة. ولا يمكن مقايسة المسألة ببيع الغاصب لنفسه فانه كما ذكرنا غير مرة بادعائه -

[ 282 ]

وقد اختلفوا فيه على قولين: فمنهم من ذهب إلى صحة العقد كما لو اتحد المالك بل احتمل بعضهم هنا عدم التوقف على اجازته بعد تملكه ومنهم من ذهب إلى بطلان العقد وخروجه عن حكم الفضولي من الصحة والتوقف على الاجازة.


- وبنائه على ملكية المغصوب واغتصابه وسرقته الاضافة من مالكها ورؤية نفسه المالك للعين ادعاء وايقاع المعاملة عليها بانيا " على ذلك كما يوقعها على سائر أمواله المملوكة له يمكنه قصد المعاوضة الحقيقية بعد الادعاء المذكور وان كان البناء على غير اساس، ولكنه صالح لتحقق البيع منه على حقيقته أعنى دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه والادعاء والبناء المذكور لم يتحقق من البايع الفضولي فيما نحن فيه، فانه في مقام ايقاع المعاوضة بقصد تمليك مال الغير بازاء ما يدخل في ملكه من العوض بما هو هو لا بما هو مالك للمال المذكور ادعاء، وربما يدعى إمكان تحقق المعاوضة الحقيقية من الفضولي المذكور، فيقال: إنه إذا كان عند المعاملة عازما " على تملك العين المبيعة من مالكها بالاشتراء منه ونحو ذلك فهو مالك لها بالمشارفة فيتحقق منه المعاوضة على حقيقتها (ولكن) الدعوى المذكورة مضافا " إلى اختصاصها بصورة عزمه التملك للعين عند إيقاع المعاملة وتهيئة جميع المقدمات للتملك بحيث لم يبق منها سوى العقد الذي يريد إنشاءه بينه وبين مالك العين (عهدتها) على مدعيها. والحاصل: إنا ذكرنا ان المعاوضة الواقعة فضولا إنما يمكن تصحيحها بالاجازة حيث تكون واجدة لجميع ما يعتبر فيها سوى جهة استنادها إلى المالك الحاصل ذلك بالاجازة، والمعاملة المذكورة فاقدة لما به قوامها. هذا لو باع الفضولي مال الغير لنفسه. وأما لو باعه لمالكه فلا اشكال فيه من هذه الناحية فانه قصد المعاوضة على حقيقتها لانه أنشأ تبديل طرف

[ 283 ]

وليعلم اولا " ان اطلاق عنوان من باع مبني على عدم اعتبار قصد المنتقل عنه والمنتقل إليه في صحة البيع كما تقدم، وإلا فلا بد في الصحة من تقييد العنوان بما لو باع للمالك.


- اضافة المالك الاعتبارية أعنى المثمن بطرف اضافة المشترى الاصيل اعني الثمن وطرفه الاصيل قبل ذلك منه باشترائه، ونظرا " لقصده كون البيع للمالك وقصد دخول الثمن في ملك مالك المثمن عوضا " عما يخرج من ملكه إلى مالك الثمن فالمعاوضة المذكورة من هذه الجهة على حقيقتها صالحة للاستناد إلى المالك لو تعقبها الاجازة منه. ولكن لو تعقبها نقل وانتقال من المالك الأصلي للعين المبيعة فضولا إلى الفضولي بنفسه أو إلى شخص آخر بان اشترى الفضولي أو الشخص الآخر العين من المالك، فهل يمكن للمالك الجديد اجازة العقد الاول الصادر فضولا عن المالك واسناد تلك المعاوضة إليه أو لاوقع لاجازته بعد وقوع العقد الثاني من المالك وطرفه؟ الظاهر عدم الاثر للاجازة لما ذكرناه من أن العقد الفضولي انما يصح باجازة المالك إذا لم يتخلل رد من المالك له سواء كان بانشاء قولي منه أو بايجاد عمل يكون منافيا " لمفاد ذلك العقد ومقتضاه بحيث يصدق عليه أنه رد وإبطال للعقد الصادر من الفضولي وبيع المالك للعين المعقود عليها فضولا لغير من اشتراها من الفضولي مناف للعقد الصادر من الفضولي، ومقتضى ذلك كونه ابطالا وردا " من المالك للعقد السابق وعليه فهو غير صالح للحوق الاجازة بعد الرد. وما يقوله سيدنا الخال - قدس سره - تبعا " لشيخنا الانصاري - قدس سره من أن العقد الثاني إنما يكون ردا " موجبا " لعدم صلاحية العقد السابق للاجازة بالنسبة إلى المالك الاول وذلك لا ينافي بقاء الصلاحية للمالك الجديد لا يخلو عن اشكال بل منع، توضيح ذلك: ان الملكية كما ذكرنا هي

[ 284 ]

وثانيا لا بد من فرض كون المبيع عينا " خارجية للغير أو كليا في ذمة الغير، ضرورة أنه لو باع كليا في ذمة نفسه موصوفا " بما يطابق ما هو عند


- جدة اعتبارية وإضافة لها طرفان: طرف يتعلق بالمضاف وهي العلقة المملوكية وطرف يتعلق بالمضاف إليه وهي العلقة المالكية وذكرنا ايضا ان حقيقة البيع هو انشاء تبديل طرف اضافة المالك للمثمن وعلقته المملوكية بطرف اضافة المالك للثمن في طرف قبوله. ثم ان المنشئ للبيع إذا كان هو المالك أو وكيله أو وليه نفذ بيعه ولزم عند عدم الخيار. وأما إذا كان فضوليا توقف نفوذ ما انشأه على امضاء المالك فان اجازه تم ذلك ونفذ وان رده من المالك يقول أو بما ينافي ما أنشأه الفضولي كما لو كان المنافي فعلا خارجيا كاتلافه المبيع مثلا أو كان انشاء ايقاع منه كما إذا كان المبيع عبدا فأعتقه مالكه بل ولو كان المنافي انشاء عقد من المالك عليه مغاير لعقد الفضولي كما لو باعه من مشتر آخر فانه يبطل ما أنشأه الفضولي ولم تبق فيه صلاحية للانفاذ لا من المالك الاصلي ولا ممن ملكه منه بعد إنشاء الفضولي. اما من ناحية المالك الاصلي فانه بعد إخراج المبيع عن ملكه إلى ملك من اشتراه منه مثلا، سواء كان هو الفضولي أو شخص آخر ببيعه منه صار أجنبيا عن المبيع غير مرتبط به فلا تنفذ اجازته للمعاملة الواقعة عليه من الفضولي. وأما من ناحية المالك الفعلى للعين المشتري من المالك الاصلى فلان المفروض ان الفضولي باع مالا خاصا لمالك خاص من مشتر خاص بثمن خاص فهي معاملة شخصية بجميع شئون التشخص ومن كان زمامها بيده وتمضي اجازته لها وهو المالك الاصلي لم يمضها بل ردها ببيعه العين لغير من اشتراها من الفضولي. وأما المالك الفعلي المشتري لها من المالك الاصلي فبحسب سلطنته عليها فعلا بعد الاشتراء لكونها مالا له يتسلط على اجازة ما يقع من العقد عليها فضولا بعد ملكيته بالاشتراء. وأما العقد الواقع على ذلك المال فضولا حينما كان ملكا للمالك السابق المتشخص ذلك العقد بتلك الخصوصيات

[ 285 ]

الغير ثم اشتراه كان خارجا عن المسألة قطعا بل هو خارج عن موضوع


التي من جملتها كون مفاد العقد ونتيجته للمالك السابق، فلا تصح إجازته من المالك الثاني. والحاصل ان الفضولي أنشأ تبديل مال زيد بمال عمرو وطرفه الاصيل قبل ما أنشأه وهذه المبادلة الخاصة صالحة للنفوذ لو اجازها مالك المبيع فعلا وهو زيد الذي كانت المبادلة مقصودة من الفضولي له، وبمقتضى اجازتها تخرج العين من ملك زيد إلى ملك عمرو ويخرج الثمن من ملك عمرو إلى ملك زيد ولو ردها بان باع العين المبيعة فضولا لعمرو من شخص آخر كان هو الفضولي أو غيره فمقتضى كونه ضدا ومنافيا للمبادلة التي اوقعها الفضولي ليس لزيد بعد ذلك اجازة عقد الفضولي وذلك واضح لا ريب فيه وأما من اشترى المال منه وهو المالك الثاني فمن يقول بنفوذ البيع الفضولي له انما يقول به مع اجازته للبيع إذ لا وجه للنفوذ بلا اجازة كما لا وجه لاجازة البيع المذكور على ما قصده الفضولي من كون المعاوضة للمالك الاول بمعنى خروج المثمن من ملك زيد إلى ملك عمرو والثمن بالعكس، ولا يقول به القائل وانما الذي يقوله. ان المعاملة الكذائية التي قصد الفضولي كونها للمالك الاول تمضى وتنفذ للمالك الثاني باجازته العقد الاول الصادر فضولا. وهذا الذي قلنا لا يتم ايضا إذ المعاملة الشخصية على ما قصدها الفضولي ذكرنا انه لا وجه لاجازتها. وأما على ما يريدها المالك الثاني من كونها تنفذ له فلم تقع مبادلة كذائية من الفضولي وانما الواقع غيرها فما وقع لم يجز ممن له الاجازة وما اجير لم يقع من الفضولي والاجازة ليست بعقد مستأنف وانما هي امضاء لما وقع. لا يقال: ان ما باعه الفضولي لمالكه لو انتقل إلى آخر بالارث فلا اشكال ولا خلاف في بقاء قابلية العقد الفضولي الواقع عليه للاجازة من -

[ 286 ]

الفضولي كذلك لانه باع ما يملكه مما هو متعلق بذمته والذي اشتراه انما


- الوارث فيستند البيع المذكور إليه بالاجازة منه، وما الفرق بين انتقال المال إلى الوارث بموت المورث وبين انتقاله إلى المشتري من مالكه ببيعه منه حتى يفرق بينهما ببقاء القابلية في أحد الانتقالين دون الآخر. لانا نقول: ذكرنا فيما سبق ان الملكية اضافة اعتبارية لها طرفان: يتعلق احدهما - بالمضاف المنتزع عنه عنوان المملوكية والطرف الآخر يتعلق بالمضاف إليه المنتزع عنه عنوان المالكية، فالتغيير الحاصل بالموت انما هو في المالكية فان دليل الارث جعل الوارث قائما " مقام المورث في مالكيته للمال، وأما المملوكية التي كانت للمورث فلم يحصل فيها تغيير وتبديل بالموت وليس المراد ان مال المورث باق على حاله وانه مملوك له بعد الموت فانه غير معقول بقاء المملوكية وانتقال المالكية للوارث فانهما متضائفان وانما المراد ان المملوكية التي كانت للمورث بعينها انتقلت إلى الوارث غير ان زمامها كان بيد المورث حال حياته وبعد موته انتقل ذلك الزمام إلى الوارث وهو معنى انتقال المالكية إليه. وعليه فعقد المعاوضة الصادر من الفضولي على مال المورث الصالح للاجازة منه حال حياته بملاك مالكيته لزمام ذلك الملك صالح للاجازة من الوارث بعين ذلك الملاك فان الملك لم يتغير ولم يتبدل بموت المورث وانما التغير والتبدل في المالك، فاجازة الوارث لعقد الفضولي على مال المورث بدل عن اجازته صالحة لانفاذ ذلك العقد وامضائه كما لو كانت صارة عن المورث، وهذا بخلاف التغير والتبدل في الملك بأن باع المالك المال الذي عقد عليه الفضولي من مشتر آخر فان البيع بما انه تبديل طرف اضافة المالك بطرف اضافة المشتري فالتغير والتبدل الحاصل بسببه انما هو في جانب الملك دون جانب المالك. توضيح ذلك: ان الملكية الاعتبارية كما ذكرنا مثالها الخارجي حبل متعلق أحد طرفيه بالمال -

[ 287 ]

يدفعه وفاء عما في ذمته وليس هو من بيع ما ليس عنده المنهى عنه كما نبه


- وتلك العلقة علقة المملوكية والطرف الآخر بيد انسان وتلك علقة المالكية والبيع خارجه حل الحبل من جانب المملوك وشدة بمملوك لآخر. ثم ان التبديل بالحل والشد في البيع: تارة يكون من مالكه الأصيل أو من وكيله أو من وليه، واخرى يكون من فضولي. فبناء على ان العقد من الفضولي فعلا له قابلية التأثير ان تعقبه اجازة المالك الآخذ بزمام الحبل، وهو تارة يمضي فعل الفضولي وانشائه باجازته فلا اشكال في ترتب الاثر عليه كما لا إشكال في بطلانه وعدم ترتب الاثر عليه لو رده، وأخرى لم يجز إلى أن يهلك ويترك المال لمن يرثه منه ويتسلم زمام ذلك المال، ولا اشكال ايضا في نفوذ بيع الفضولي وترتب الاثر عليه بامضاء الوارث واجازته لعقده فانها اجازة ممن ملك زمام المال للعقد الواقع عليه فضولا قبل الرد المبطل له، وانما الاشكال فيما لو لم يتحقق من المالك الاصلى رد لمعاملة الفضولي ولكن صدر منه عمل مناف لعمل الفضولي بنحو لا يمكنه بعد صدوره منه تصحيح عمل الفضولي باجازته كأن باع العين التي باعها الفضولي لمشتر آخر فهل يصح لمن اشترى تلك العين من مالكها الأصلي بعد صدور العقد عليها فضولا باجازته وتصحيحه لنفسه فربما يقال بالصحة كما يظهر من سيدنا الخال تبعا لشيخنا الانصاري - قدس سرهما - يقول سيدنا: " بيع المالك يخرج العقد عن التأثير بالاجازة بالنسبة إليه لا مطلقا حتى بالنسبة إلى المشترى منه ودعوى السقوط به عن التأثير مطلقا مصادرة لانها عين الدعوى ". انتهى ولكن قد يقال: ان العقد الاول - وهو عقد الفضولي حسب الفرض - انما وقع للمالك الاول فإذا سقط عن التأثير له بسبب العقد الثاني الصادر من المالك وطرفه فلم يبق له صلاحية التأثير بالنسبة إلى المالك الثاني حتى -

[ 288 ]

عليه في الدروس، كيف ومن ذلك بيع السلم والنسية. إذا عرفت ذلك، فنقول: الاقرب هنا ايضا هو الصحة لعموم مادل


- يصح بالاجازة منه ويؤثر فان الفضولي الذي ينشأ تبديل مال الغير بالعوض اما يقصد كون المبادلة المذكورة لمالك المعوض فعلا فيقصد بانشائه إخراج المال من مالكه وادخاله في ملك المشتري وبالنسبة إلى العوض يقصد إخراجه من مالكه المشتري وادخاله في ملك المالك للمعوض فعلا، واما يقصد كون المبادلة المذكورة لنفسه، وهو تارة يعتقد أن المال له اشتباها " منه، واخرى يرى كون المال له ادعاء كالغاصب المتغلب على مال الغير الذي يرى أن المال المغصوب كسائر أمواله المملوكة له. وفي جميع الصور المذكورة تصح المبادلة التي أنشأها الفضولي باجازة المالك الحقيقي بناء على ما ذكرناه: من أن بيع الغاصب المتغلب مرجعه وتحليله البيع لمالك المبيع بعد البناء منه أنه المالك له ادعاء وأنه بمنزلة المعتقد كون المال له في قصده المعاوضة الحقيقية - كما أوضحناه فيما سبق - فتصح إجازة بيعه من المالك الحقيقي له ويلغوا بناؤه الادعائي كما في المعتقد اشتباها. نعم لو لم يسبق هذا البناء والادعاء من الغاصب للمال بان قصد ببيعه خروج المثمن من المغصوب منه إلى مالك الثمن وخروج الثمن من مالكه إلى نفسه يكون بيعه باطلا غير قابل للتصحيح باجازة المالك لكونه غير قاصد للمعاوضة الحقيقية، اللهم إلا على مذهب القطب والشهيد - قدس سرهما - من إمكان تحقق المعاوضة الحقيقية باخراج المثمن من ملك شخص وإدخال ثمنه في ملك غيره. هذه صور العقود الصادرة من غير المالك فضولا القابلة للتصحيح بالاجازة بناء على مذهب المشهور. وكلها قصد فيها تبديل مملوك المالك فعلا بعوضه الذي هو حقيقة البيع، وفي جميعها حيث نقول بالتصحيح، فانما هو باجازة المالك الفعلى للمال وكون المناط اجازته ورده. وأما المعاملة -

[ 289 ]

على صحة عقد الفضولي الشامل لصورتي ما إذا اتحد المالك أو تعدد غير انه في الثاني يكشف عن النقل بناء على الكشف من حين التملك لا من حين العقد لان القدر الثابت من دليل الكشف هو النقل من حين استجماع الشرائط المعتبرة التي منها الملك إلا رضا من يعتبر رضاه وليس الملك إلا كالقبض


- التي قصد فيها كونها للمالك للمال المردد بين كونه هو المالك الفعلى أو من ينتقل ذلك المال إليه بالاشتراء منه والحكم بصحتها باجازة كل من المتعاقبين في الملك، وان رد الاول بما ينافيها، انما يبطلها بالنسبة إليه دون صاحبه الذي اشترى ذلك المال منه فله اجازتها واسناد تلك المبادلة إليه - كما يقوله سيدنا تبعا " لشيخنا الانصاري - قدس سرهما - فالحكم بذلك في غاية الاشكال بل هو ممنوع فان البيع الذي حقيقته: تبديل طرف اضافة المالك للمبيع بطرف إضافة المالك للثمن كيف يمكن انشاؤه لمالك مردد بين المالك الفعلي له وبين من يتجدد ملكه للعين بالاشتراء من مالكها بان يقصد الفضولي خروج المبيع أما من مالكه الفعلى إلى ملك المشترى ودخول الثمن في ملك مالك المبيع أو خروجه من ملك مالكه الجديد إلى المشترى ودخول ثمنه في ملك مالكه الجديد على سبيل الترديد. والحاصل لو كانت حقيقة البيع مجرد التبديل بين المالين بلا اعتبار قيام العوض مقام المعوض بمعنى دخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه إلى مالك العوض أو قلنا بكون الاضافة صالحة للتعلق بالمالك المردد بين المالك الفعلى وبين من يتجدد ملكيته للعين امكن القول بصحة المبادلة المذكورة الصادرة من الفضولي للمالك الاول باجازته لها فان لم يجزها بل باع العين لمشتر آخر غير الاصيل صح له اسناد المبادلة المذكورة إليه باجازته لها، وأما بناء على ما قويناه من ان حقيقة البيع تبديل طرف اضافة بطرف اضافة اخرى مع اعتبار تعلق الاضافة يشخص خاص هو المالك الفعلي للعين المبيعة ولو كانت ملكيته لها بادعاء أو اشتباه وعدم معقولية تعلقها بالمالك المردد بين الفعلى - [... ]

[ 290 ]


- والمتجدد، فلا ريب في كون المبادلة المذكورة للفضولي غير صالحة للاجازة حينئذ من المالك الاصلى لخروج العين عن ملكه ببيعها فلا تؤثر اجازته ولا رده وكذا المالك الثاني المشتري من الاول من حيث ان المبادلة الخاصة المنشأة من الفضولي هو أجنبي عنها فلا تؤثر اجازته ولا رده ومبادلة اخرى واقعة على ما ملكه بالاشتراء لم تتحقق. وعلى ما ذكرنا، فجميع صور المسألة غير قابلة للتصحيح باجازة المالك الثاني الا صورة ارثه من المالك الاول. هذا كله بناء على كون الاجازة ناقلة واما بناء على كونها كاشفة فامكان تصحيح العقد باجازة المالك الثاني أشكل فانا لو سلمنا وجود القابلية في عقد الفضولي لاجازة المالك الثاني وتصحيحه بالنسبة إليه بناء على النقل وكون الاجازة ممن له امضاء العقد تقتضي امضاءه وتنفيذه من حين صدورها، لكن بناء على طريقة الكشف وكونها مقتضية لنفوذه وترتب الاثر عليه من حين صدور العقد لو قلنا بصحة العقد من الفضولي باجازة المالك الثاني المشتري من الأول يلزم خروج المبيع عن ملك المالك الاول إلى طرف الفضولي قبل دخوله في ملك الثاني بالاشتراء منه ويلزم كون المبيع مملوكا لمالكين بنحو الاستقلال في وقت واحد لان مقتضى كشف الاجازة عن تأثير العقد من حين صدوره كون المبيع في ذلك الحين منتقلا إلى طرف الفضولي فهو مملوك له، ومقتضى اشتراء المالك الثاني من الاول كونه في حال الاشتراء مملوكا " للاول ولا يمكن الالتزام بذلك. (وما ذكره) سيدنا " تبعا لشيخنا الانصاري - قدس سرهما -: من التزام كون الاجازة هنا تكشف عن صحة عقد الفضولي وتأثيره من حين انتقاله إلى المالك المجيز لا من حين العقد فلا محذور (فيمكن) أن يورد عليه بانه انما يتم ذلك لو قام دليل خاص على صحة العقد الفضولي بالنسبة إلى -

[ 291 ]


- المالك الثاني باجازته لكى ترفع اليد به عن عموم ما تقتضيه الاجازة على طريقة الكشف اعني تصحيح العقد من حين صدوره ونحكم بصحته ونفوذه من حين انتقال المبيع إلى المالك الثاني بالاشتراء من الاول وبالجملة فعموم صحة عقد الفضولي ونفوذه باجازة المالك سواء كان هو المالك حال العقد أو من اشتراه منه وعموم اقتضاء الاجازة صحة العقد من حين صدوره بناء على كونها كاشفة متنافيان لا يمكن العمل بظاهر كل منهما، فلا بد من الاخذ بظاهر احد العامين وترك العمل بظاهر الآخر وليس الاخذ بظاهر العموم الاول - والحكم بكون الاجازة من المالك الثاني تكشف عن صحة العقد ونفوذه من حين انتقال المبيع إلى ملكه ببيع المالك الاول له لا من حين صدور العقد - بأولى من الاخذ بظاهر العموم الثاني والحكم بكون الاجازة من المالك حيثما تتحقق تقتضي تصحيح العقد من الفضولي والحكم بمضيه من حين صدوره. وعليه فلا تصح الاجازة من المالك الثاني لعدم امكان اقتضاء اجازته مضى العقد من حين صدوره، بل المتعين عدم صحتها اصلا من المالك الثاني، لا أنها تصح وتقتضي نفوذ العقد من حين ملكه. وتوضيح ذلك ان اجازة بعض ما وقع عليه عقد الفضولي وقسط منه وان امكن كما لو باع الفضولي مال زيد ومال عمرو بعقد واحد وثمن واحد فاجاز احدهما دون الآخر فانه يصح العقد بالنسبة إلى مال المجيز منهما بقسطه من الثمن ويبطل بالنسبة إلى مال الراد منهما بالقسط الآخر. ومثله لو آجر الفضولي دارا " سنة مثلا وكان المالك لمنفعتها شخصان بنحو التعاقب فاجاز احدهما دون الآخر، فتصح الاجارة بالنسبة إلى ملك المجيز بقسط من الاجرة دون الآخر، ونحو ذلك مما يمكن فيه التبعيض بالاجازة والرد من حيث تعدد متعلق البيع أو الاجارة بخلاف ما إذا كان المتعلق واحدا لا يتصور فيه التعدد كما في مسئلتنا فان العين التي باعها الفضولي وان تعاقب عليها مالكان بحسب - [... ]

[ 292 ]


- الزمان ولكن المنشأ بعقد الفضولي ليس الا تمليك العين ملكية مستمرة في الزمان وتعدد الزمان لا يوجب تعدد المنشأ في البيع إذ هو تبديل طرف اضافة المالك للمبيع بطرف اضافة المالك للثمن تبديلا واحدا " مستمرا باستمرار الزمان. وتعدد الزمان لا يوجب تعدد ملكية العين المنشأة بعقد البيع. نعم في الاجارة التي حقيقتها: تمليك المنفعة للعين يتعدد متعلقها بتعدد الزمان فمن آجر داره شهرا " مثلا بأجرة معينة فقد ملك المستأجر منافع أيام الشهر بتلك الاجرة. ومما يشهد للتعدد في الاجارة دون البيع: أنه في الاجارة يلزم تحديد مدة الاجارة بخلاف البيع فلا تحديد فيه بل لو حدد لبطل. ويشهد لذلك ايضا: ان الفضولي إذا آجر دارا " يملك منفعتها شخصان كل منهما ستة أشهر بنحو التعاقب سنة كاملة بأجرة معينة فأجاز أحدهما دون الآخر، فانه رد صحت الاجارة في النصف الذي للمجيز بنسبة حصته من الاجرة وبطلت في النصف الاخر بتلك النسبة ولم تكن الاجازة من احدهما منافية لرد الآخر لتعدد ملك كل منهما ونحو ذلك مما يمكن فيه التبعيض في المتعلق للعقد. ويمكن اجتماع الاجازة والرد نظرا " لتعدد المتعلق اما مالا يمكن فيه ذلك كبيع الفضولي مال غيره لمالكه فانه إنشاء لملكية. واحدة لطرفه بالنسبة إلى المبيع لها شأنية الاستمرار إلى حين خروج المال عن ملكه باختياره ببيع ونحوه أو بغير اختياره بموت ونحوه، ولا اشكال في كون رضا المالك للعين واجازته له الدخل في نفوذ تلك الملكية المنشأة بانشاء الفضولي وانما الاشكال في مبدء تلك الملكية الواحدة المستمرة، فهل هو حال الاجازة وهو معنى كونها ناقلة، أو حال العقد بناء على كونها كاشفة؟ وجهان، بل قولان لا ثالث لهما، فالقول في مسئلتنا بأن المالك الثاني المشتري

[ 293 ]


- للعين من الاول له اجازة العقد وكون اجازته كاشفة عن تأثير العقد من حين انتقال العين إليه بالاشتراء، احداث قول ثالث، فان الاجازة ان كانت جزء المؤثر بمنزلة قبول القابل فمبدء التأثير للعقد وحصول تلك الملكية المستمرة حال حصولها وان كانت الاجازة بوجودها المتأخر تحدث التأثير للعقد السابق بأحد وجوه الكشف فمبدء ذلك حال حصول العقد، فالقول بان المالك الثاني المشتري من المالك الاول له اجازة العقد والحكم بان اجازته انفاذ للعقد من زمان تملكه للمال المتعلق للعقد لا من حين العقد على طريقة الكشف ولا من حين الاجازة على طريقة النقل الذي مرجعه تجزئة ما انشأه العاقد الفضولي من الملكية الواحدة المستمرة وانفاذ العقد بالنسبة إلى قطعة منه، فانه مضافا إلى منافاته لكلا الطريقين لا دليل عليه بالخصوص ولا قاعدة تقتضيه. و (دعوى) ان الاجازة انما تصح من المالك وعلى الكشف انما تنفذ العقد الصادر فضولا بما يملكه المجيز وقبل الاشتراء لا ملكية له بالنسبة إلى المعقود عليه فلا مناص عن كونها انما تكشف عن تأثير العقد من حين ملكه لا من حين العقد مضافا إلى مالا يمكن الالتزام به على تقدير كونها كاشفة عن التأثير من حين الصدور من المحذورين اللذين مر الكلام عليهما (يدفعها): انه لا موجب للقول بصحة الاجازة من المالك الثاني حتى تقع في مشكلة لا يمكن التخلص منها الا بالقول بكون الاجازة انما تكشف عن تأثير العقد من حين ملك الثاني لا من حين الصدور، فلم لا تقول: ان الاجازة انما تصح من المالك حال العقد دون المالك حال الاجازة فقط، ولم يقم دليل بالخصوص مفاده صحة العقد الفضولي بالنسبة إلى المالك الثاني باجازته، بل يمكن أن يقال: لا دليل يستفاد من عمومه أو اطلاقه صحة ذلك بالنسبة إليه، فان الروايات -

[ 294 ]

في العقد المتوقف صحته عليه (1) فلو اجاز بعد مضي زمان عن القبض المتأخر كذلك فيه فانما تكشف الاجازة عن النقل من حين القبض لا من حين العقد لعدم امكان النقل من حينه بعد ان كان القبض معتبرا في صحته، فمرجع القول بالكشف إلى الكشف من حين الامكان لا من حين العقد مطلقا حتى فيما لا يمكن. وبما ذكرنا ظهر الجواب عن المحاذير التي أوردوها على القول بالصحة فيما لو باع شيئا ثم ملكه: من أنه يلزم كون الملك لشخصين في زمان واحد لان الاجازة من المالك الجديد على الكشف تكشف عن ملك المشترى من حين العقد وهو من حينه للمالك الاول، ولذا صح بيعه للثاني ومن أنه يلزم من صحة عقد الفضولي بطلانه لان صحة عقد الاول مستلزمة لبطلان


المستدل بها على صحة عقد الفضولي بالاجازة موردها الصحة والنفوذ باجازة المالك حال العقد ولا عموم ولا اطلاق فيها بالنسبة إلى المالك حال الاجازة فقط، هذا بناء على ان صحة عقد الفضولي باجازة المالك على خلاف القاعدة وانما استفيدت من روايات الباب، وأما على القول بكونها على طبق القاعدة بمقتضى عموم آية (حل البيع) وآية (التجارة عن تراض) منضما إلى دليل اعتبار طيب النفس في حلية مال المسلم لغيره، فالقاعدة مقتضاها النقل لا الكشف، والكلام مبني عليه. (1) قد يقال: انه لا اشكال في ان إجازة المالك لها الدخل في ترتب الاثر المقصود على العقد الصادر من الفضولي وطرفه الاصيل. إنما الكلام في أن الاجازة بمنزلة الجزء من السبب المؤثر وعليه فلا يترتب الاثر الا عند حصولها وهو معنى كونها ناقلة، أو أن السبب المؤثر في النقل والانتقال هو ما صدر من الفضولي وطرفه من العقد الواقع بينهما فيما لا يتوقف ترتب الاثر المقصود منه الا على الايجاب والقبول من -

[ 295 ]

عقد الثاني، لانكشاف وقوعه على مال الغير، وبطلان الثاني مستلزم لبطلان الاول، لانه بالاجازة الصحيحة تنكشف صحته من حين العقد، والمفروض بطلانها لبطلان عقدها ومن لزوم خروج المبيع عن ملك المجيز قبل دخوله في ملكه لانه باجازته ينشكف الخروج عن ملكه من حين العقد الاول السابق على تملكه بالعقد الثاني ومن لزوم توقف كل من العقدين على اجازة الآخر ضرورة توقف صحة عقد الاول على إجازة الثاني لانتقال الملك إليه


- الطرفين كسائر البيوع أو العقد وتقابض العوضين في مجلسه أو قبض الثمن فيه كما في بيع الصرف والسلم. وعليه فالاجازة من المالك بوجودها المتأخر شأنها تنفيذ ذلك السبب الصادر من الفضولي وطرفه وجعله ماضيا ومؤثرا عند حصوله، وهو معنى كونها كاشفة. وعليه فعدم كشف الاجازة عن النقل من حين العقد فيما يعتبر في صحته التقابض أو القبض في مجلسه كالصرف والسلم انما هو من حيث كونهما في مثل ذلك جزء للسبب الناقل، وشأنها كما ذكرنا على طريقة الكشف جعل السبب بما هو سبب ماضيا ومؤثرا عند حصوله. وبالجملة ليس المدعى ان الاجازة على طريقة الكشف لا بد من كشفها عن النقل من حين العقد مطلقا حتى فيما يعتبر التقابض أو القبض في صحته وترتب الاثر عليه كالصرف والسلم، بل المقصود إنها على الكشف تقتضي حصول النقل والانتقال عند وجود العقد بما هو سبب ناقل فلو لم يكن العقد بنفسه هو السبب بل بانضمامه إلى قبض أو تقابض فكون الكشف فيها انما هو عن النقل والانتقال عند القبض أو التقابض غير صالح للانتصار به على ما هو محل الكلام من صحة اجازة المالك الثاني وكشفها عن النقل من حين تملك المبيع فضولا باشترائه من المالك الاول كما يظهر من سيدنا قدس سره ما لم تقتضه قاعدة أو يساعده دليل بالخصوص.

[ 296 ]

وصحة العقد الثاني على اجازة المشتري الاول لوقوع العقد في ملكه بعد الكشف بالاجازة عن الصحة من حين العقد لان ورودها مبني على الكشف الحقيقي من حين العقد مطلقا ولو مع تغيير المالك، فيلزم: إما تخصيص ما دل على صحة الفضولي بما إذا اتحد المالك من حين العقد إلى زمان الاجازة، أو تخصيص مادل على كون الاجازة كاشفة بذلك، وانها ناقلة من حينها فيما لو تعدد المالك. وأما بناء على الكشف الحكمي كما يأتي أو الكشف من حين ما يمكن مع تنزيل كلام أهل الكشف من حين العقد عليه في مقابل أهل القول بالنقل من حين الاجازة، فلا يرد محذور بالمرة. هذا ويعرف حكم باقي صور المسألة بعد معرفة حكم هذه الصورة منها. ثم اعلم ان (العلامة في القواعد) ذكر في المقام عبارة ربما توهم ما لا يمكن الالتزام به من جعل صورة ما لو باع ثم ملك مثالا لعدم وجود المجيز حين العقد، كما مثل له بما لو باع مال الصبي ثم بلغ وأجاز حيث قال فيه: " فبيع الفضولي موقوف على الاجازة على رأى وكذا الغاصب وان كثرت تصرفاته في الثمن إلى ان قال: والاقرب اشتراط كون العقد له مجيز في الحال، فلو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ على إشكال، وكذا لو باع مال غيره ثم ملكه واجاز " انتهى. وجعل (في جامع المقاصد) قول مصنفه: " وكذا لو باع.. " عطفا على حكم مثال بيع مال الطفل، غير انه تردد في كون الحكم المعطوف عليه لا ينفذ بنحو الجزم أولا ينفذ على اشكال، وتكلف لكل منهما وجها فراجع كلامه. وعليه فيرد على مصنفه: انه كيف جعل ذلك مثلا لعدم المجيز في الحال مع وجود المجيز حين العقد غير أن المجيز حين العقد غير المجيز حين الاجازة وهو شرط آخر على تقدير اعتباره، فالظاهر كونه معطوفا على قوله: وكذا الغاصب

[ 297 ]

بتقدير: وكذا يصح لو باع كما في كنز الفوائد وعليه فيكون العلامة في القواعد ممن يرى صحة بيع من باع مال الغير ثم ملكه واجاز لا بطلانه كما توهم هذا وقد بقى في المقام محذور آخر ربما يتوهم من أجله لغوية الاجازة، وهو أن بيع المالك ولو من الفضولي اما رد لعقده كما ان التصرف بالنقل ونحوه في زمن الخيار فسخ، وفي الهبة ونحوها من العقود الجائزة رجوع بتقريب أن مريد الشئ كاره لاضداده التي منها عقد الفضولي، ولا نعنى بالرد إلا الكراهة المنكشفة: إما بالقول أو بالفعل، كما أن الاجازة هي الرضا المنكشف بأحدهما، وأما بحكم الرد في سقوط العقد عن التأثير ولو بالاجازة كالعتق والوقف ونحوهما مما يوجب خروج المحل عن قابلية تأثير الاجازة فيه، وبذلك يظهر وجه التفصيل بين النقل الاختياري والانتقال بالارث. وفيه ان الضد لبيع المالك انما هو صحة عقد الفضولي بالصحة الفعلية دون الصحة التأهلية لان الضدية المانعة عن تحقق ضده انما هي بفعلية تأثيره لا بشأنيته، وأما القياس بالعتق ونحوه قياس مع الفارق لان المقيس عليه مما يوجب خروج المحل عن قابلية تأثير الاجازة فيه وفي المقيس انما يخرج اجازة المالك عن التأثير في المحل لا خروج المحل عن تأثير الاجازة فيه. وبعبارة اخرى ببيع المالك تخرج العقد الاول عن التأثير بالاجازة بالنسبة إليه لا مطلقا حتى بالنسبة إلى المشترى منه. ودعوى السقوط به عن التأثير مطلقا مصادرة، لانه عين الدعوى. وأما كون التصرف الناقل في زمن الخيار فسخا وفي العقود الجائزة رجوعها، فلظهور الفعل في الصحيح المحمول عليه بحكم اصالة الصحة في فعل المسلم وهو مستلزم للفسخ أو الرجوع والا لبطل لكونه حينئذ تصرفا في مال الغير، فصحة التصرف موقوفة على الملك المتوقف حصوله على الفسخ أو الرجوع، وتصرف المالك بالبيع هنا تصرف في ملكه ولا تتوقف صحته على سبق الرد منه حتى يقال: ان البيع

[ 298 ]

رد منه أو متضمن للرد فينفذ تصرفه فيه ما لم تسبق منه الاجازة، فلا يقاس ذلك بالتصرفات الناقلة في زمن الخيار أو في العقود الجائزة. نعم هنا أخبار استدلوا بها على المنع في المقام، بعضها بنحو العموم كالنبوي المستفيض: " لا تبع ما ليس عندك " والآخر " لا بيع إلا فيما يملك " لشموله ما لو باع ثم ملك، فانه حين البيع بيع لما ليس عنده ولما لا يملك. وفيه ما تقدم فيهما من الجواب عنهما عند الاستدلال بهما على البطلان رأسا (1) من ضعف سند الاول منهما لكونه عاميا كما يفصح عنه الخبر المتقدم واحتمال قرائة (لا يملك) بالبناء للمجهول، وانه محمول على بيع ما يتعذر عليه تسليمه أو يتعسر إرشادا إلى دفع كلفة التسليم المنزل على ارادة البيع الموجب لترتب الآثار عليه، وبعضها بنحو الخصوص في المورد كرواية يحيى بن الحجاج: قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقول لي: اشتر لي هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أربحك كذا كذا؟ قال: لا بأس بذلك اشترها ولا تواجبها قبل أن تستوجبها أو تشتريها " ورواية خالد بن الحجاج قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يجيئني ويقول: اشتر هذا الثوب واربحك كذا وكذا؟ قال: اليس ان شاء أخذ وان شاء ترك؟ قلت: بلى، قال: لا بأس إنما يحرم الكلام ويحلل الكلام " بارادة عقد البيع من الكلام بتقريب: ان الحل والحرمة يدوران مدار الكلام


(1) الاستدلال بالاخبار المذكورة على بطلان ما نحن فيه من بيع مال الغير ثم اشترائه منه واجازة البيع: تارة بالاخبار العامة، وأخرى بالاخبار الخاصة. أما الاخبار العامة كالنبوي الاول والثاني فالمناقشة فيهما بضعف السند ضعيفة، فانهما معمول بهما ومتلقيان بالقبول عند أصحابنا، ويشهد لذلك الاستدلال بهما من البعض على بطلان بيع الفضولي، وفي مسئلتنا على البطلان أيضا كما أن المناقشة في دلالة الثاني منهما باحتمال كون (يملك) بصيغة المجهول وأن المعنى لا بيع فيما لا يكون

[ 299 ]

وجودا وعدما، فالحل يدور مداره نفيا والحرمة اثباتا كما عن الوافي


- مملوكا لاحد كالحر والمباحات الاصلية ضعيفة، فانه مضافا إلى ضعف هذا الاحتمال في نفسه لان مالية المبيع معتبرة في حقيقة البيع وليس النبوى في مقام بيان نفي الحقيقة فيما لا يملك بل في مقام نفي الصحة بلسان نفي الحقيقة ينافيه وحدة السياق فيه بقوله (ع): " لاطلاق فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك " فانه لا يحتمل ان يكون المراد نفي الطلاق في غير المزوجة، والعتق في غير مملوك كالحر. فالمناقشة من هذه الناحية بعيدة جدا، وحينئذ فنقول: لا اشكال في دلالة النبويين على فساد بيع ما ليس عند البايع وما لم يملكه انما الكلام في أن المراد فساده وعدم ترتب الاثر عليه بالنسبة إلى خصوص البايع ولعله الظاهر، كما يشهد بذلك كون النبوي الاول، كان جوابا لحكيم بن حزام حيث سأله عن بيع شئ لم يملكه ثم اشترائه وتسليمه للمشتري. وعليه فلا يقتضي فساده بالنسبة إلى البايع الفضولي عدم صحته بالنسبة إلى المالك الاصلي باجازته البيع واسناده إليه بها، أو ان المراد فساد البيع المذكور اصلا وعدم قابليته للتصحيح حتى بالنسبة إلى المالك الاصلى باجازته البيع وإسناده إليه بها قبل أن يبيعه من شخص آخر، الظاهر من النبويين هو الوجه الاول وأن البيع من الفضولي انما لا يصح ولا يؤثر بالنسبة إلى خصوص البايع، ولا ينافي ذلك تأثيره وصحته بالنسبة إلى المالك إذا أجاز ذلك البيع فان السائل وهو حكيم بن حزام في النبوي الاول سأله عن بيع الشئ ثم اشترائه من مالكه وتسليمه إلى المشترى منه، فسؤاله عن صحة البيع لنفسه لا عن صحته مطلقا ولو للمالك. والنبي صلى الله عليه وآله نهاه عن ذلك بقوله صلى الله عليه وآله " لا تبع ما ليس عندك " بناء على أن النهي منه صلى الله عليه وآله ارشاد إلى عدم ترتب الاثر المقصود من ذلك البيع عليه، فالمستفاد من النبوي -

[ 300 ]

في تفسيره وعليه فيكون المراد من العقد المحرم وجوده والمحلل عدمه هو عقد الفضولي، أو بارادة عقد المالك من الفضولي فيكون ثبوته محللا ونفيه


- بعد الغاء خصوصية السائل وكون النهي وضعيا لا مجرد تكليف: أن كل من باع شيئا قبل تملكه ثم اشتراه من مالكه وسلمه إلى المشترى منه فبيعه باطل لا يترتب عليه الاثر المقصود للبايع وهو تملكه الثمن بازاء تمليكه مال الغير وأما صحة البيع المذكور بالنسبة إلى المالك للعين المبيعة فضولا مع اجازته أو عدم الصحة فلا السائل في مقام السؤال عنه ولا اطلاق الجواب من النبي صلى الله عليه وآله في مقام بيان ذلك، فيرجع في حكمه إلى سائر أدلة صحة العقد الفضولي أو عدم صحته. وكذا النبوي الثاني: " لا بيع إلا فيما يملك " فان مفاده حصر صحة البيع بمعنى ترتب الاثر عليه فيما يملكه حال إيجاد البيع وإنشائه لا مطلق ما يملك ولو بعد الاشتراء من مالكه. ولو كان هذا الظهور مستفادا من قرينة السياق: " لا طلاق الا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك " ان لم تكن القضية بنفسها ظاهرة في ذلك. وبالجملة فلا ينكر ظهور النبويين في عدم صحة البيع بمعنى ترتب الاثر عليه فيما لو باع مالا يملكه ثم اشتراه من مالكه وأجاز، ولو فرض القول بصحة البيع المذكور بالنسبة إلى البايع فضولا فلا حاجه إلى اجازته بعد الشراء وإنما احتيج إلى اجازة المالك الاصلي في تصحيح البيع له ليحصل بذلك الاستناد إليه ويكون البيع بيعه، وفي المقام البيع المذكور هو بيع الفضولي ومستند إليه، ولا يتوقف استناده إلى اجازة منه لما أنشأه حال البيع وقبل الاشتراء كما لا يخفى. وأما الاخبار الخاصة فدلالتها على بطلان البيع قبل الاشتراء وتملكه المبيع منه تكاد تكون صريحة منها: رواية يحيى ابن الحجاج، قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقول لي: اشتر لي هذا الثوب وهذه الدابة

[ 301 ]

محرما فالكلام حينئذ محلل إثباتا ومحرم نفيا كما هو الظاهر في تفسيره. وعلى التقديرين يستفاد منها المنع عن البيع قبل شرائه من المالك، وصحيحة ابن


- وبعنيها أربحك كذا وكذا؟ قال (ع): لا بأس اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها " فانه مضافا " إلى أن ظاهر قول القائل: اشتر لي كذا وبعنيه: أنه طلب منه الاشتراء من الغير ثم البيع منه بعد الاشتراء والامام (ع) أجابه عن حكم ذلك بقوله: لا بأس: أن الامام (ع) في مقام الجواب قال: ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها. فانه (ع) دفعا " لما ربما يتوهم السائل انه لا مانع من اجابة القائل ولو بان يبيعه العين قبل ان يشتريها من مالكها ثم يشتريها ويسلمها إليه، فقال (ع): لا بأس ان تجيبه إلى ذلك ولكن لا تواجبه الخ يعني (ع) لا تقل بعتك العين الكذائية قبل أن تقول لمالكها: بعينها فيقول: بعتكها أو يقول البايع ابتداء منه: بعتك العين الكذائية فتقول: اشتريتها. والحاصل: لا تبعها قبل ان تتملكها فدلالة الجواب على فساد البيع قبل الشراء من المالك واضحة بالنسبة إلى السائل، وهو يحيى ابن الحجاج - سواء أجاز البيع بعد تملكه المبيع باشترائه من مالكه أم لم يجزه - نعم الظاهر أن الامام - عليه السلام - ليس في مقام بيان حكم هذا البيع الفضولي بالنسبة إلى مالك العين الأصلي، فيرجع في حكمه إلى سائر أدلة صحة البيع الفضولي مع اجازة المالك حال العقد: من العمومات مع إضافة دليل اعتبار طيب نفس المالك، أو الادلة الخاصة الدالة على الصحة مع اجازة المالك، ومنها رواية خالد ابن الحجاج قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) الرجل يجيئني ويقول: اشتر هذا الثوب أربحك كذا وكذا؟ فقال عليه السلام: اليس ان شاء اخذ وان شاء ترك؟ قلت: بلى قال (ع): لا بأس به إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام ". وقد ذكر شيخنا الانصاري - قدس سره - احتمالات ثلاثة لقوله: " انما يحلل " الخ لعل أظهرها هو الاحتمال الاخير يعني

[ 302 ]

مسلم قال: " سألته عن رجل أتاه رجل فقال له: ابتع لي متاعا " لعلى اشتريه منك بنقد أو نسية، فابتاعه الرجل من أجله؟ قال: ليس به بأس انما يشتريه


- ان الكلام الذي وقع قبل الشراء. إن كان صرف مقاولة ومواعدة بينهما على أنه يشتريه منه بعد شرائه بربح كذا وكذا يحلل، وان كان إنشاء بيع للثوب قبل اشترائه من مالكه فانه محرم. وعلى كل فمقتضى اطلاق حرمة العقد سواء أجاز العقد بعد اشترائه للثوب أم لم يجز فساد البيع بالنسبة إلى العاقد وان اجاز بعد الشراء والكلام بالنسبة إلى مالك الثوب المبيع فضولا قبل اشترائه هو الكلام في الرواية السابقة وأن الامام عليه السلام ليس في مقام بيان الحكم بالنسبة إليه والمرجع سائر أدلة الفضولي، ومنها: صحيحة ابن مسلم قال: " سألته عن رجل أتاه رجل فقال له: ابتع لي متاعا " لعلي اشتريه منك بنقد أو نسيئة فابتاعه الرجل من أجله؟ قال: ليس به بأس، انما يشتري منه بعد ما يملكه " والظاهر أن المتاع الذي طلب القائل ابتياعه له هو متاع معين والتنكير من السائل، إذ من البعيد أن يقول شخص لآخر: ابتع لي متاعا " اي متاع شئته لعلي أشتريه منك. كما ان الظاهر أنه متاع خارجي لا كلي في الذمة. وعلى كل فتعليل عدم البأس في الجواب بقوله: انما يشتريه منه بعد ما يملكه، يدل على ان الاشتراء إذا كان قبل التملك والابتياع فيه بأس، يعني ليس بصحيح: وبمضمونها سؤالا وجوابا " - صحيحة منصور ابن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام ومنها: صحيحة معوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام يجيئني الرجل فيطلب منى الحرير فيقاولني عليه وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شئ ثم أذهب لأشتري الحرير فأدعوه إليه؟ فقال: أرايت إن وجد هو مبيعا أحب إليه مما عندك أتستطيع أن يصرف إليه ويدعك، أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تصرف عنه وتدعه؟ قلت: نعم، قال: لا بأس "، -

[ 303 ]

منه بعد ما يملكه " وصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله (ع): " في


- وظاهر هذه الرواية أيضا كون الكلام الذي دار بينهما صرف مقاولة على الشراء منه بعد ما يشتري ولم يقع بينهما بيع وشراء فعلي. ثم ان النهى في هذه الروايات يحتمل أن يكون ارشاديا ارفاقا " بالمطلوب منه الشراء ثم البيع، لا شرعيا " مولويا " وانه ارشاد للمسائل بعدم بيع ما طلبه القائل قبل ان يشتري المتاع من صاحبه وجعل الكلام بينهما مجرد مساومة ومقاولة، فانه لو باعه قبل الشراء يلزمه اشتراء ما باعه بكل قيمة يسومها صاحب المتاع لانه ملزم بشرائه وتسليمه من جهة البيع السابق وربما لا يكون ذلك من مصلحته نظرا " إلى كون الثمن الذي يشترى به المتاع اكثر من الثمن الذي باعه به، وربما يدفع له شخص آخر غير صاحبه الذي قاوله على البيع ربحا " يزيد على ربح المقاول بكثير فيخسر الزيادة لو باعه سابقا " أو يكون بقاء المتاع عنده بعد الشراء أصلح من دفعه إلى المشتري بالثمن الذي قاوله عليه أو نحو ذلك، فيكون النهي من قبيل نهي الناصح لمن ينصحه فيقول له: لا تقيد نفسك بالبيع قبل الشراء، بل اجعل نفسك في فسحة بمجرد مقاولة بينكما إلى ان تشتري المتاع وترى رأيك ومصلحتك وعند ذلك بعه منه. وهذا الاحتمال في عالم التصور ممكن ولعله إليه يرجع ما احتمله شيخنا الانصاري - قدس سره - بل قواه: من أن الأخبار المذكورة - عامها وخاصها - اريد بها الكراهة مستشهدا " على ذلك بأن كثيرا " منها واردة في بيع الكلي وأنه لا يجوز بيع الكلي في الذمة ثم اشتراء بعض افراده وتسليمه إلى المشتري الاول والمذهب جوازه. ولعل تعبيره بأن كثيرا " منها الخ مبني على استفادته من صحيحة ابن مسلم، وصحيحة منصور ابن حازم المعبر فيهما في السؤال عن قول القائل: ابتع لي متاعا " أن المراد متاع كلي وقد

[ 304 ]

رجل أمر رجلا ليشترى له متاعا " فيشتريه منه؟ قال: لا بأس بذلك


- ذكرنا أن التعبير في السؤال: ابتع لي متاعا " ليس له ظهور في المتاع الشخصي نعم لا يبعد كون صحيحة معوية بن عمار واردة في بيع الكلي وان المطلوب منه بيع كلي الحرير. لكن لو سلمنا ظهورها في الكلي من حيث تعبيره بقوله: فيطلب منى الحرير، وحمل البأس المفهوم من جواب الامام عليه السلام على الكراهة أو الارشاد بالبيان الذي ذكرناه، فلا نسلمه في باقي الروايات إذ كيف يمكن حمل قوله صلى الله عليه وآله: لا بيع الا فيما يملك، وقوله (ع): انما يحلل الكلام ويحرم الكلام، على الكراهة أو الارشاد. وبالجملة فالاحتمال المذكور وما احتمله شيخنا الانصاري - قدس سره - من الحمل على الكراهة خلاف الظاهر. والحمل على التقية أيضا خلاف الظاهر أو الاصل، فيتعين كون النهي في الاخبار والبأس المفهوم منها أريد به الارشاد إلى أن البيع الواقع قبل الاشتراء فاسد لا يترتب عليه الأثر. وعليه فهل المستفاد منها ان البيع المذكور فاسد بقول مطلق حتى بالنسبة إلى المالك للعين فعلا فلا اثر لاجازته في تصحيح المعاوضة المذكورة، أم أن غاية ما يستفاد منها فساد البيع وعدم ترتب الاثر عليه بالنسبة إلى البايع الفضولي وان اطلاقها ليس في مقام البيان بالنسبة إلى المالك الفعلى للعين؟ الظاهر هو الثاني خصوصا بقرينة سؤال السائل فيها حيث أنه انما يسأل عن صحة البيع بالنسبة إلى البايع، وليس في مقام السؤال بالنسبة إلى إلى المالك أيضا، فلا اطلاق في الجواب بالنسبة إليه. وعليه فالعقد المذكور له القابلية للاجازة من المالك الاصلى واستناد إليه بها، انما الكلام في أن المستفاد من الاخبار هل هو فساد البيع قبل الشراء من مالك العين وعدم تأثيره بالنسبة البايع الفضولي ما لم يجزه بعد الاشتراء من مالك العين -

[ 305 ]

انما البيع بعد ما يشتريه " وصحيحة معاوية بن عمار قال: " سألت


- أما لو أجازه بعده فانه يصح. وبعبارة أخرى: إن العقد المذكور كما له القابلية للتصحيح والاستناد إلى المالك باجازته كذلك له القابلية للاستناد إلى البايع باجازته له بعد الاشتراء من مالك العين وخروجه عن الفضولية، يظهر ذلك من شيخنا الانصاري - قده - في بعض كلامه، وان عدل عنه اخيرا " بقوله: " اللهم إلا أن يقال: ان عدم ترتب جميع مقاصد المتعاقدين على عقد بمجرد إنشائه مع وقوع مدلول ذلك العقد في نظر الشارع مقيدا بانضمام بعض الامور اللاحقة كالقبض في الهبة والاجازة في الفضولي لا يوجب النهي الا مجردا عن لحوق ذلك الشرط - إلى ان يقول -: فالانصاف أن ظاهر النهي في تلك الروايات هو عدم وقوع البيع قبل التملك للبايع وعدم ترتب أثر الانشاء المقصود عليه مطلقا حتى مع الاجازة، وأما صحته بالنسبة إلى المالك إذا اجاز فلان النهي راجع إلى وقوع البيع المذكور للبايع فلا تعرض فيه لحال الماكل إذا اجاز فيرجع فيه إلى مسألة الفضولي - إلى ان يقول بعد كلام له: فالاقوى العمل بالروايات والفتوى بالمنع المذكور " ولكنه يقول بعد ذلك: " ثم ان الواجب على كل تقدير هو الاقتصار على مورد الروايات وهو ما لو باع لنفسه واشترى المشتري غير مترقب لاجازة المالك ولا لاجازة البايع إذا صار مالكا " - إلى أن يقول -: فحينئذ لو تبايعا على أن يكون العقد موقوفا على الاجازة فاتفقت من المالك أو من البايع بعد تملكه لم يدخل في مورد الاخبار " انتهى. ولقائل أن يقول: بناء على ما هو المستفاد من ظاهر هذه الاخبار عامها وخاصها - أن البيع قبل الاشتراء فاسد لا أثر له بالنسبة إلى البايع الفضولي وان اجازه بعد الاشتراء كما التزم به الشيخ - قدس سره بقوله - السابق (فالانصاف).. الخ فما المراد بقوله بعد ذلك. فلو تبايعا على أن يكون -

[ 306 ]

أبا عبد الله (ع): يجيئن‍ الرجل فيطلب بيع الحرير وليس عندي شئ


- العقد موقوفا " على الاجازة؟ فان كان المراد مجرد قصدهما تعليق العقد على الاجازة فأي اثر لذلك مع فرض عدم وقوع البيع للبايع قبل التملك بالاشتراء من المالك وعدم ترتب أثر على انشاء البيع حتى لو اجازه بعد الاشتراء. والحاصل ان شيخنا الانصاري بعد أن ذكر ان الانصاف: ان ظاهر النهي في الروايات عدم وقوع البيع قبل التملك للبايع وعدم ترتب الاثر عليه حتى مع إجازته بعد التملك يريد ان يضيق دائرة فساد البيع قبل الاشتراء بحسب ما استفاده من الروايات ويحصرها بصورة ما لو تبايع المتبايعان قاصدين تنجز النقل والانتقال وعدم الوقوف على شئ بل وقع البيع على وجه يلزم البايع بعد البيع تحصيل المبيع وتسليمه إلى المشتري. اما لو وقع البيع على وجه التعليق على الاجازة من المالك الاصلى أو المالك بعد الاشتراء منه أو تعليق لزومه على ذلك، فلا يكون مشمولا للاخبار الناهية والقاعدة تقضتي جوازه، فيقال له: ان كان المراد يتبايعهما على ان يكون العقد موقوفا على الاجازة مجرد تباينهما على ذلك في نفسهما بلا ذكر لذلك عند انشاء العقد بنحو الاشتراط، ففيه ان الدواعي والأغراض في باب المعاملات لا تكون منشأ لأثر. وأشكل من ذلك ما لو ذكراه في العقد بنحو الاشتراط إذ هو من قبيل التعليق في العقود المجتمع على بطلانه. وبالجملة فالظاهر انه لا ينبغي الريب في عدم صحة بيع ما ليس يملكه البايع ثم اشترائه من مالكه وتسليمه المشتري منه بجميع اقسامه وصوره - منجزا " كان البيع أم معلقا " على الاجازة تعقبه اجازة منه للبيع أم لا - نعم لو اجازه مالكه الاصلي قبل اشترائه منه وكان البيع السابق له لا لنفس الفضولي صح البيع للمالك، فيبطل بيعه الفضولي بعد إجازته البيع السابق بمعنى توقفه على اجازة المشترى الاول. -

[ 307 ]

فيقاولني عليه واقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شئ، ثم أذهب


- فاصرار سيدنا الخال - قدس سره - على تصحيح المعاملة المذكورة إذا تعقبها إجازة من المالك الثاني بعد اشترائه من المالك الاول والقول بأن غاية ما يستفاد من الأخبار المذكورة عدم الصحة الفعلية لا الشأنية فيصح البيع مع اجازة المالك الثاني بعد الاشتراء كما يصح من المالك الاول لو اجاز البيع، والحال ان اطلاق الاخبار المانعة من البيع قبل الاشتراء والحاكمة بعدم الصحة فيما لا يملك وشمولها لصورة تحقق الاجازة من البايع بعد الاشتراء غير قابل للتشكيك والمناقشة. لم يتضح وجهه. وأما صحته من المالك الاول مع اجازة البيع فلما ذكرنا: من أن اطلاق الاخبار ليس في مقام البيان بالنسبة إليه، وانما هي في مقام بيان حكم البائع الفضولي. وأما شيخنا الانصاري - قدس سره - فلم يبت في المسألة بضرس قاطع، فتارة يختار الصحة التأهلية ويحكم بكون البيع قابلا للتصحيح باجازة المالك الثاني بعد الاشتراء، وأخرى يعدل عن ذلك ويحكم بدلالة الاخبار على عدم الصحة ولو مع الاجازة منه بعد الاشتراء وثالثة يضيق دائرة الحكم بالبطلان ويحصرها بصورة ما لو تبايعا قاصدين النقل والانتقال منجزا " دون ما لو علقا البيع على الاجازة، والاقوى بطلان جميع صور من باع ثم ملك وأجاز الا صورة واحدة هي: ما لو باع الوارث مال مورثه للمورث ثم ورثه منه فأجاز فانه يصح البيع المذكور باجازته، سواء قلنا بالنقل أو الكشف، أما بناء على كون الاجازة ناقلة فهو من الوضوح بمكان فان البيع المذكور من الوارث نظرا " لكونه لمورثه فهو قاصد للمعاوضة على حقيقتها ومن حيث انتقال المبيع إليه بالارث فله اجازة البيع الواقع عليه فضولا حال كون المال لمورثه. وعليه فينتقل المبيع إلى المشترى ويدخل عوضه في ملك الوارث حال الاجازة. وكذا بناء على كونها -

[ 308 ]

لاشتري الحرير فأدعوه إليه فقال: أرأيت إن وجد هو مبيعا " أحب إليه مما عندك أتستطيع أن تصرف إليه ويدعك، أو وجدت أنت ذلك: أتستطيع أن تصرف عنه وتدعه؟ قلت: نعم قال: لا بأس ". والانصاف أن هذه الأخبار، وان كانت صريحة في المنع عن البيع قبل التملك إلا أنها محمولة على البيع الموجب لترتب الآثار عليه من الالزام والالتزام بمضمونه بحيث للمشترى مطالبة الفضولي بما باعه والتزام الفضولي للشراء من المالك للدفع إليه وفاء لما التزم به كما لعله العادة الجارية عند العرف على وقوع هذا النحو من المعاملة ولو بقرينة قوله في رواية خالد: اليس إن شاء اخذ وإن شاء ترك، وقوله في صحيحة معاوية: أرايت إن وجد هو مبيعا ".. الخ، النافيتين للبأس عما لم يكن فيه إلزام والتزام، الدالتين بالمفهوم على ثبوته فيما كان كذلك وليس إلا البيع الموجب لترتب الآثار عليه بارادة الصحة الفعلية منه دون الشأنية المبحوث عنها في المقام، كيف والصحة التأهلية ثابتة للعقد بالنسبة إلى المالك لان البحث عنها هنا بعد البناء


- كاشفة فانها من الوارث تصحح العقد وتنفذه للمورث، وبما انه وارثه فينتقل العوض إليه بالارث. نعم لو قصد الوارث بيع مال المورث لنفسه فحيث لم يقصد المعاوضة على حقيقتها بل قصد دخول العوض في ملكه بدلا عن ملك مورثه فالمعاملة المذكورة غير قابلة للتصحيح بالاجازة بل هي باطله، اللهم إلا إذا كان الوراث من الظلمة والغصاب المتغلبين الذين يرون ادعاء كون مال الغير مالا لهم فيوقع البيع عليه بما انه مالك له فهو لدى التحليل يبيع لمالك المبيع ويطبق ذلك على نفسه ادعاء "، فلغوية ادعائه لا تنافي كون البيع لمالك المبيع حقيقة وعليه فيمكن للوراث تصحيح البيع المذكور لمورثه باجازته بعد انتقال المال إليه بالارث، فتأمل جيدا ". وقد اطلنا الكلام في المقام والله تعالى هو العالم بالأحكام.

[ 309 ]

على صحة الفضولي وعدم العبرة بقصد المنتقل عنه في حقيقة البيع كما عرفت والتبعيض في الصحة بالنسبة إلى بعض دون بعض لا وجه له. لكن رواية حسن بن زياد الطائي قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) إني كنت رجلا مملوكا فتزوجت بغير اذن مولاى ثم اعتقني بعد، فأجدد النكاح؟ فقال: علموا انك تزوجت؟ قلت: نعم، فسكتوا ولم يقولوا لى شيئا، قال: ذلك إقرار منهم، أنت على نكاحك " ظاهرة بل صريحة ولو بمعونة السؤال عن علم السيد واستناد صحة النكاح والبقاء عليه إلى سكوته مع علمه المنزل على إقراره - في بطلان عقده اولا ذلك، وإلا لكان استناد ذلك إلى اجازته حين أن ملك نفسه بالتحرير أولى لان النكاح حينئذ صحيح على كل تقدير عند التحرير مطلقا " أو مع اجازته من غير حاجة إلى السؤال عن علم السيد وسكوته حتى يكون إقرارا " منه. إلا أنه يمكن الجواب عنه، بأن سؤال السائل - وان وقع عن لزوم تجديد النكاح وعدمه وعدم التجديد وان كان معلولا لأحد أمرين اما الاقرار السابق أو التحرير اللاحق الموجب لصحته من حينه لا من حين العقد - الا أن فائدة السكوت مع العلم أتم لاستلزامه الصحة من حين العقد فالعدول عن بيان حكم المسؤول عنه إلى السؤال عما يستلزمه لو تحقق انما هو رجاء لتصحيح النكاح والوطء من حين العقد، فانه اتم فائدة وأعم نفعا ". هذا وعلى ما نزلنا عليه الأخبار المتقدمة ينزل كلام العلامة في (التذكرة) حيث أفتى في المسألة بالبطلان، نافيا " للخلاف فيه، مستدلا عليه بنهي النبي صلى الله عليه وآله عن بيع ما ليس عندك، ولزوم الغرر، حيث قال فيه: " فروع - إلى أن قال: الثالث، لا يجوز أن يبيع عينا " لا يملكها ويمضى ليشتريها ويسلمها، وبه قال الشافعي وأحمد، ولا نعلم فيه خلافا "، لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن بيع ما ليس عندك، ولاشتماله على الغرر فان صاحبها قد

[ 310 ]

لا يبيعها وهو غير مالك لها ولا قادر على تسليمها " انتهى، ضرورة أن كلامه لا ينطبق إلا على ارادة الصحة الفعلية من البيع وترتب الاثر عليه حتى يستلزم الغرر باحتمال تعذر التسليم لعدم رضاء صاحبها، سيما وقد سبق منه في الرد على من استدل على بطلان الفضولي رأسا " بعدم القدرة على التسليم: الجواب عنه بأن القدرة على التسليم من المالك موجودة ان اجازه فلو أراد بالصحة هنا الصحة التأهلية كان ما ذكره جوابا " عن دليل خصمه - هنا - جوابا " له عن دليله في المقام إذ القدرة له على التسليم حاصلة على تقدير تملكه كما ان القدرة على التسليم هناك حاصلة على تقدير اجازة المالك فالقدرة الفعلية منتفية في المقامين والتعليقية موجودة فيهما ولا يمكن التفكيك إلا بارادة المنع عن الصحة الفعلية هنا والجواز على الصحة التاهلية هناك. ويشهد لذلك ايضا " ما هو المحكي عنه في (المختلف) فراجع وكيف كان فالاقوى في المسألة صحة عقد من باع ثم ملك بالصحة الشأنية التأهلية مطلقا " من غير فرق بين ما لو باع لنفسه أو للمالك وبين من ملك العين بنقل أو انتقال بالارث أو ملك التصرف كما لو باع مال الطفل عاميا " ثم صار فقيها " له الولاية عليه فاجاز لكن في لزوم البيع بمجرد التملك أو توقفه على الاجازة بعده قولان: اختار أولهما الفخر في (ايضاحه) ولعل وجهه دعوى اجتماع شروط الصحة من الطيب المنكشف: بالانشاء القولى بالعقد مستمرا " إلى حصول الملك ولم يكن فاقدا " من شروط التنجز إلا الملك المفروض حصوله بالتملك. نعم لو زال الرضا قبله توقف على حدوثه بعده منكشفا: اما بالقول أو بالفعل، فيكون التسليم على الأول تسليما وفائيا " وعلى الثاني تسليما إجازيا " ولا دليل على اعتبار مقارنة الرضا المنكشف للتملك بعد صحة استناد العقد إليه عند التملك بعد انشائه الكاشف عن الطيب المستمر إلى حين التملك

[ 311 ]

خصوصا " فيما لو باع لنفسه فيدخل في عموم: " أوفوا بالعقود " و " تجارة عن تراض ". ومنه يعلم الجواب عما قيل في رده: من أن الرضا حين العقد لا يجدى لكونه من أجنبي غير مالك وعند التملك لا بد من انكشافه على تقدير تحققه إما بالقول أو بالفعل، وهو وجيه من حيث كبرى القضية، سيما في مالو كان البيع لنفسه. وأما الصغرى وهي ثبوت الرضا مستمرا " إلى حين التملك المتوقف عليه اللزوم لو شك فيه فالاصل بقاؤه. اللهم إلا أن يقال: أنه من الاصل المثبت، ومع ذلك كله فالاحوط - بل لعله الاقوى - قصد الاجازة بالدفع والتسليم بعد التملك لأن المقيد بالانكشاف قولا " أو فعلا " انما هو الرضاء المعتبر، وحيث كان منكشفا " لم يكن معتبرا " وحيث صار معتبرا " لم يكن منكشفا " فلا بد من الكشف عنه حين كونه معتبرا " وهو في زمان التملك فافهم. ويلحق بالمسألة ما لو باع معتقدا أنه مال غيره ثم بان أنه مال نفسه لكن يتعين هنا التوقف بعد الكشف على الاجازة لعدم إحراز الرضا أو فرض العلم بكونه له، بل هو في الحقيقة لليس من الفضولي موضوعا " لانه باع ما هو ملكه لكن مثله في الحكم من الصحة والتوقف على الاجازة نعم لو فرض تحقق الرضا منه حين الانشاء بنقل البيع جزما " غير أنه اقترن بخطاء معتقده للواقع أمكن جريان الكلام المتقدم في لزومه بمجرد الانكشاف، بل هنا أولى لانه باع ما هو ملكه، بل يمكن فيه دعوى اللزوم من حين العقد وينكشف له عند الانكشاف بل لعله هو الاقوى. وفي الحاق العتق ونحوه من الايقاعات بالعقود في هذه المسألة في الحكم من الصحة والتوقف على الاجازة وجهان: مبنيان على جرى الفضولي في الايقاعات وعدمه، وقد تقدم الكلام فيه مستوفى فلاحظ.

[ 312 ]

فظهر مما ذكرنا سابقا " ولاحقا ": أن قصد ما ليس من مقومات البيع لا يقدح بصحته مخالفته للواقع غير أنه يتوقف على الرضا بالواقع بعد انكشاف مخالفة المعتقد له ان كان مما يقبل التوقيف عليه والا بطل رأسا " كالايقاعات بناء على عدم جريان الفضولي فيها أو فيما لا يقبل منها باجماع ونحوه، فلو باع مال نفسه معتقدا " للغير فضولا عنه أو باع مال غيره معتقدا " لنفسه صح فيهما وتوقف على اجازته في الاول واجازة المالك في الثاني بعد الانكشاف أو اعتق مملوكه بظن انه مملوك الغير فضولا بل ولو أعتقه عن نفسه كما لو دفع إليه الغاصب مع جهله، وقال: خذ عبدي واعتقه عنك، فأعتقه عن نفسه ثم انكشف انه مملوكه بطل العتق رأسا " لعدم الطيب في الواقع أو توقف على اجازته بعد الكشف إن قلنا بالفضولى في الايقاعات. ومنه يعلم أنه لو اذن المالك بالتصرف في ملكه معقدا أنه لغيره لا يصح للمأذون العالم بالكيفية التصرف فيه بتلك الاذن لعدم إحرازه على تقدير العلم به بل لو أذن المالك بالتصرف في ملكه معتقدا " انه صديقه لم يجز للمأذون التصرف فيه مع كونه عدوا " لتقييد الاذن له بالعنوان المشتبه في تطبيقه عليه فيدور مداره واقعا "، فلا اذن مع التخلف. وذلك كله واضح، وان تأمل بعض في بعضها (1)


(1) يمكن أن يفرق بين ما لو اذن المالك لأحد في التصرف في ملكه معتقدا " أنه لغيره، وبين ما لو اذن لشخص بالتصرف في ملكه معتقدا أنه صديقه مع كونه عدوا " له في الواقع، فيقال: ليس للمأذون التصرف في الصورة الأولى مع علمه بالكيفية وأنه إنما أذن له بالتصرف لاعتقاده أن المال لغيره، فان دليل: عدم حل التصرف في مال المسلم إلا بطيب نفسه إنما يقتضى جواز التصرف في مال الغير إذا طابت نفسه ورضي بالتصرف فيه بما أنه مال له، ولا يكفي في ذلك مجرد كون المال المأذون بالتصرف -

[ 313 ]

هذا تمام الكلام في موضوع الاجازة وشروط تأثيرها وأما حكمها من حيث كونها ناقلة من حينها أو كاشفة عن النقل من حين العقد، فقد اختلفت كلماتهم في ذلك على قولين فعن الاشهر - بل المشهور - أنها كاشفة وعن غير واحد ومنهم كاشف الرموز والفخر في الايضاح وكاشف اللثام في النكاح وقواه في مجمع الفائدة أنها ناقلة. وأحسن ما استدل به للاول هو ان الاجازة متعلقة بالعقد فهي رضا بمضمونه وامضاء له وليس مضمونه إلا نقل العوضين من. حينه ورد بما يرجع


- فيه مالا له واقعا " ما لم يكن عالما " بكونه له، وبعبارة أخرى: إن الحيثية هنا تقييدية والاذن من المالك في هذه الصورة بالتصرف في المال انما كان بما انه مال الغير لا بما أنه ماله، فمن جعل متاعا " أو طعاما " عند الغير ليقدمه إليه إذا حضر، فقدم له الغير متاعا " من أمتعته أو طعاما منه معتقدا " أنه هو ذلك المتاع أو الطعام المجعول عنده ليقدمه إليه إذا حضر، فلا يجوز له مع علمه باشتباه المقدم التصرف فيه والتناول منه بملاك. طيب نفس المالك به، وهو واضح. إنما الكلام في الصورة الثانية وهي ما لو اذن شخص لآخر بالتصرف في ماله معتقدا " أنه صديقه، وكان عدوا " له واقعا "، فهل حيثية الصداقة هنا ايضا " تقييدية، فهو بمنزلة أن يقول له: كل هذا الطعام، أو تصرف في هذا المتاع إن كنت صديقا " لي، فلا يصح له التصرف مع عدم اتصافه بالصداقة بل بضدها، فتتحد المسألتان في الملاك والحكم - كما يظهر ذلك من سيدنا قدس سره - أو ان حيثية الصداقة تعليلية بمعنى كونها من قبيل الداعي لاذن المالك بالتصرف، فلا يضر تخلفها بجواز التصرف للمأذون، فمن ذبح شاة وطبخها وهيأ طعاما " بداعي أن يدعو لها جماعة من المحتاجين فاعتقد بشخص أنه محتاج فدعاه إلى طعامه، واذن له بالتناول منه والأكل في حين أن المدعو يعلم بأنه ليس منهم وأن المالك مشتبه في اعتقاده أنه -

[ 314 ]

ملخصه إلى منع كون زمان العقد قيدا " للنقل ومندرجا " في مضمونه حتى يكون امضاؤه امضاء للنقل من حينه وانما الزمان من ضروريات الانشاء وظرف له بل مضمون العقد ليس الا مجرد النقل. وترتب الملك عليه جامعا " للشرائط انما هو لاقتضاء وجود السبب وجود مسببه والا لاقتضى القبول الملك من حين الايجاب إذ ليس القبول الا قبول مضمون الايجاب الذي هو التمليك من حينه وكون العقد مركبا " منهما لا يجدى فارقا " بينهما بعد جعل ما ذكر ملاكا " لزمان الملك. وفيه أن الزمان وان لم يكن مأخوذا " على وجه القيدية في النقل إلا أن الانشاء وان كان من الفضولي يحدث ربطا بين العينين ولو في الجملة المنتزعة منه اضافة كل منهما إلى من وقع


- محتاج، لا يبعد القول بجواز تناوله من ذلك الطعام وعدم ضمانه لما أكله. نعم لو صرح المالك بأن طعامه مباح لمن اتصف بالعنوان الكذائي - أي الاحتياج - أو أن ذلك الطعام كان منذورا " للمحتاجين - مثلا - لا يجوز لغير المحتاج التناول منه مع علمه بذلك وأن المالك مشتبه في اعتقاده. والحاصل: يمكن أن يدعى الفرق: بين ما لو صرح المالك في مقام الاذن بالتصرف في ماله بأن المأذون من اتصف بالعنوان الكذائي، فلا يجوز لمن لم يتصف بذلك العنوان واقعا " التصرف بذلك المال، وبين ما لو اذن المالك لشخص خاص بالتصرف بما له معتقدا " بأنه متصف بذلك العنوان وكان ذلك الشخص غير متصف به مع علمه بأن المالك إنما دعاه وأذن له في التصرف لاعتقاده فيه الصداقة - مثلا - فيمكن أن يقال: إنه يجوز له التصرف وان اعتقاد المالك تعنونه بذلك العنوان داع وباعث لاذنه بالتصرف ولا اعتبار بتخلف الداعي في العقود - عهدية كانت أم اذنية - وكذا الايقاعات، بخلاف ما إذا كان المدعو والمأذون ذا العنوان فان المقيد ينتفي بانتفاء قيده.

[ 315 ]

له العقد عرفا " ولو ضعيفة لم يترتب عليه أثر في الشرع، وهذا القدر من الربط والاضافة اثر للانشاء ولو كان المنشئ اجنبيا ": وهذا هو المراد من قولهم بصحة الفضولي بالصحة التأهلية، واستدلال بعضهم على بطلانه رأسا " بانه تصرف في مال الغير كما تقدم بتوضيح منا وإلا فمجرد الاهلية ومحض القابلية لعروض المبادلة بين العينين حاصل قبل الانشاء ايضا "، إذ ليس الكلام فيه فيما لا قابلية له كبيع مالا يملك من الخمر والخنزير ونحوهما فإذا حدث ربط البدلية والاضافة المنتزعة منه بالانشاء وعند وقوعه وحصل الامضاء من المالك له كان ذلك تصحيحا " منه لذلك الاثر وتتميما " منه للسبب المنتج للصحة من حينه، فالتصحيح وان كان حادثا " بالاجازة إلا أن الصحة متعلقة بالاثر السابق الحادث بالعقد لانه أمر مجعول شرعي يدور مدار كيفية جعله واعتباره. وبالجملة فالاجازة محدثة للتاثير في العقد السابق وجاعلته سببا " تاما " حتى كانه وقع مؤثرا، أو للتاثير في أثره الحادث من حينه حتى كانه وقع الربط قويا " موجبا " لترتب الاثر عليه وان لم تكن الاجازة بهذا المعنى شرطا " اصطلاحيا " ليؤخذ فيه تقدمه على المشروط ولا جزء سبب وحينئذ فالتأثير وان كان حادثا " بالاجازة ويحدث بحدوثه الملك إلا أنه ينبسط بحدوثه إلى حين العقد الذي هو منتهى الانبساط من طرف السابق وحرف الابتداء في قولهم: من حين العقد لبيان مبدء الطرف لا مبدء الحدوث، فان زمان الاجازة مبدؤه وحين العقد منتهاه وبملاحظة الانبساط المذكور عبر عنها بالكاشفة وامتاز القول: بها عن القول بكونها ناقلة لعدم الانبساط فيه إلا في الطرف اللاحق. وبذلك يظهر الوجه في عدم جواز التصرف فيه قبل الاجازة لعدم الملكية قبلها في الواقع وان علم لحوق الاجازة باخبار معصوم ونحوه كما التزم به بعض بناء منه على أن الاجازة بنفسها ليست شرطا بل الشرط

[ 316 ]

هو كون العقد ملحوقا بها وهو شرط مقارن للعقد موصوف به حين وقوعه وانما الاجازة محققة لوصف العقد وشرط للعلم باتصافه به كما ستعرف، هذا ولكن الوجه المذكور ان تم فانما يتم بالنسبة إلى خصوص كشف الاجازة عن صحة عقد الفضولي دون كشف سائر الشروط المتأخرة عن صحة مشروطاتها المتقدمة عليها الواقعة كثيرا " في تضاعيف أبواب الفقه من العبادات والمعاملات. وبهذا التقرير اتضح لك صحة الاستدلال على كون الاجازة مؤثرة كذلك بعموم " أوفوا بالعقود وتجارة عن تراض " المتوجه نحو المالك المجيز بعد استناد العقد إليه بالاجازة وتنزيل انشاء الفضولي منزلة انشائه بل رضاء العاقد الفضولي المدلول عليه بانشائه منزلة رضاه حتى كأن رضا العاقد المقارن للانشاء بعد التنزيل رضا المالك الموجب لسببية العقد وتأثيره عنده مجردا " عن ملاحظة قبلية الزمان حتى عن لحاظ ظرفيته ولا يقدح بذلك تبعية الملك للتكليف بالوفاء المتوجه نحو المالك حين الاجازة بعد ما عرفت من الانبساط المذكور. هذا ولكن مع ذلك كله لو سلم سلامة الوجه بهذا التقرير عن محذور تقدم المشروط على شرطه أو المسبب على جزء سببه فلا يكاد يسلم كما قيل عن محذور كون العقد الموجود على صفة عدم التأثير يستحيل لحوق صفة التأثير بل لا فرق في الاستحالة بين كونه على صفة عدم التأثير أو عدم كونه على صفة التأثير لاستحالة خروج الشئ عما وقع عليه اللهم إلا ان يرجع بعد قيام الدليل عليه إلى الكشف الحكمي من لزوم ترتيب آثار الملك عليه من حين العقد لا نفس الملك وهو قول آخر في المسألة كما ستعرف. هذا كله بناء على تصحيح الكشف الحقيقي مع كون الاجازة المتأخرة بنفسها شرطا " وقيل في تصحيحه لذلك لكن بجعل الشرط كون العقد معقبا بالاجازة وملحوقا بها وهو شرط مقارن للعقد ولحوق الاجازة انما هو شرط

[ 317 ]

للعلم بتحقق الشرط المقارن فحال العقد في كونه ملحوقا بها في الواقع اولا مستور غير معلوم في مرحلة الظاهر تنكشف واقعيته بالاجازة وعدمها. ويتضح بهذا الوجه حال كل ما ورد في الشرع من الشرط المتأخر بارجاعه إلى شرطية الوصف المقارن المنتزع من المتأخر بوصف كونه متأخرا " فيكون وجوده كاشفا عن تحقق الوصف العنواني في الواقع المقارن للمشروط به في الزمان فالاجازة تكشف عن سبق تحقق العنوان المشروط به العقد ويكفي في المنع عن التصرف قبلها عدم احراز شرط الصحة فضلا عن كونه مقتضى الاصل ايضا. وأما النماء فحيث يدور مدار ملك العين في الواقع كان نماء المبيع للمشترى ونماء الثمن المعين للبايع تبعا " لملكية العين فيهما من حين العقد. نعم يلزم على هذا الوجه جواز التصرف قبل الانكشاف مع العلم به باخبار معصوم ونحوه كما التزم به بعض مع ان المشهور على المنع عن التصرف، بل لعل الاجماع محكى عليه إلا ان ينزل اطلاق كلامهم على الغالب من الجهل بالواقع أو يلتزم به ان تم الاجماع عليه وان لزم التفكيك بين الملك وحكمه من جواز التصرف بعد اقتضاء الدليل ذلك كالرهن المملوك للراهن الممنوع عن التصرف فيه والمحجور عليه الممنوع عن التصرف في ملكه. اللهم إلا ان يفرق بينهما بوجود المانع عن التصرف في ذلك من تعلق حق الغير به ونحوه لا لعدم اقتضاء الملك لذلك كما في المقام. ولكن قد يخدش الوجه المذكور بان الوصف العنواني امر منتزع من المتأخر، والامور الانتزاعية حيث لا واقعية ولا تحقق لها الا بواقعية منشأ انتزاعها وتحققه كانت بنفسها غير قابلة للمداخلة في التأثير، بل لا بد ان يكون مداخلتها بمنشأ انتزاعها والمفروض عدم مقارنته فالمحذور على حاله. إلا أنه يمكن الجواب عنه بان الانتزاعي وهو وصف التعقب انما

[ 318 ]

هو منتزع عن بعدية الاجازة لا عن الاجازة نفسها والبعدية صادقة بمجرد عدم اقترانها بالعقد بعد فرض لحوقها به فالمنتزع وعنوان منشأ الانتزاع معا " مقترنان بالعقد، وهذا القدر كاف في مداخلته في تأثير العقد. توضيح ذلك: ان الامر الاضافي: تارة يكون منتزعا " من متضايفين متحدين في الوجود زمانا "، وأخرى يكون منتزعا " منهما مرتبين فيه بحيث يكون احدهما مقدما " والآخر مؤخرا " في الزمان. وبعبارة اخرى منتزع من وجود فعلي ومعدوم يوجد في زمان متأخر ويصح اتصاف الاول من حين وجوده بالتقدم ونحوه من الاوصاف المنتزعة كذلك كالسابقية والملحوقية قبل وجود المتأخر لكونه منتزعا " من كونه سيوجد لا مما هو موجود وجوده حينئذ كاشف عن صحة الاتصاف لا شرط لنفسه والحكم مترتب على الاول من حيث كونه متصفا " بالصفة المذكورة من التعقب والملحوقية المأخوذة في مفهومهما تأخر المتأخر، فالصفة المذكورة موجودة في الواقع والاتصاف بها محقق كذلك لكونها منتزعة من امر سيوجد لا من أمر موجود. وهذا القدر كاف في امكان مداخلة الامر الانتزاعي في التأثير من حين انتزاعه كذلك. وهذا الوجه للتخلص عن محذور ما ورد في الشرع من الشرط المتأخر بظاهره عندي أحسن الوجوه المذكورة لذلك بل هو المتعين ولعله إليه يرجع ما هو المحكي عن تقريرات شيخنا المرتضى - قدس سره - في تصحيح الشرط المتأخر: من أن الشرط في هذه الموارد ليس بمتأخر، بل المتأخر بوصف تأخره جعل شرطا " ومعه لا تأخر للشرط فيها. فلا يحتاج في التخلص عنه إلى ما تكلف له بعض فضلاء المعاصرين: من أن الشرط في هذه الموارد ليس المتقدم أو المتأخر بوجودهما الكوني الزماني كى يلزم المحذور بل بوجودهما الدهرى المثالي وهما بهذا الوجود لا يكونان إلا مقارنين للمشروط فان المتفرقات

[ 319 ]

في سلسلة الزمان مجتمعات في وعاء الدهر. وكيف كان فالكلام إلى هنا في امكان كون الاجازة كاشفة عن النقل من حين العقد. وأما كونها كاشفة كذلك فيدل عليه مع ذهاب المعظم إليه بعض الأخبار التي: منها - صحيحة أبي عبيدة الواردة في تزويج الصغيرين فضولا الآمرة بعزل الميراث من الزوج المدرك الذي أجاز فمات للزوجة الغير المدركة حتى تدرك وتحلف، ضرورة ان العزل لها قبل النقل إليها مخالف لقاعدة تسلط الناس على اموالهم فاطلاق الحكم بالعزل منضما إلى عموم: الناس مسلطون على اموالهم يفيدان العزل لاحتمال كون الزوجة الغير المدركة وارثة في الواقع فكأنه احتياط في الاموال قد غلبه الشارع على اصالة عدم الاجازة كعزل نصيب الحمل وجعله اكثر ما يحتمل هذا. وقد بقي الكلام في الثمرات التي ذكروها بين القول بالنقل والقول بالكشف وعلى الكشف بين جميع محتملاته، وقد سبقت الاشارة إلى بعضها اجمالا، فنقول: تظهر الثمرة في جواز التصرف وعدمه من الاصيل حيث يكون أحد الطرفين فضوليا "، والكلام فيه مرة في تصرفه فيما انتقل عنه. اما الاول فقد قيل: إنه لا كلام في عدم جواز التصرف فيه على كل من القولين بالنقل والكشف بجميع احتمالاته الا على القول بشرطية التعقب مع العلم به على الاقوى من جوازه ظاهرا " وواقعا ". وأما الثاني فيجوز التصرف فيه مطلقا " على النقل وعلى الكشف الحقيقي ايضا، بناء على حدوث الملك من حين الاجازة منبسطا " إلى حين العقد، لكونه على التقديرين تصرفا في ملكه ظاهرا " وواقعا "، ولا يجوز ظاهرا " وان جاز في الواقع على الكشف الحقيقي مع كون الاجازة شرطا " متأخرا " كاشفة عن حدوث والملك من حين العقد لا من حينها أو كون التعقب شرطا مقارنا " مع عدم العلم به للاصل فيهما في مرحلة الظاهر ووقوعه في ملكه

[ 320 ]

واقعا " حيث انكشف بلحوق الاجازة ومع العلم بلحوقها جاز التصرف مطلقا " على التعقب قطعا كما عرفت. وعلى الشرط المتأخر مع الكشف عن حدوث الملك من حين العقد أمكن دعوى المنع عنه لاحتمال موضوعية الكشف بالاجازة عن حدوث الملك من حين العقد وهو بعيد جدا " وان نسب إلى ظاهر الاكثر. وقد تقدم إمكان حمل إطلاقهم المنع على الغالب من عدم العلم بلحوق الاجازة والظاهر اتحاد حكم الشرط التعقب أو الاجازة المتأخرة والكشف عن حدوث الملك من حين العقد منعا " وجوازا " في صورتي العلم باللحوق وعدمه في مرحلة الظاهر والواقع. ويحتمل التفصيل بينهما. بل يمكن دعوى جريان ذلك كله فيما انتقل إليه ايضا لوحدة المناط فيه وفى المنتقل عنه ظاهرا ". وأما الثمرة بين الكشف الحكمى الذي مرجعه إلى انبساط مجرد الحكم وترتب آثار الملك من حين العقد وان حدث الموضوع وهو الملك من حين الاجازة وبين غيره من الاقوال، فلا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرنا. هذا وربما علل مع الاصيل عن التصرف فيما انتقل عنه على القول بالكشف بجميع معانيه بامور: الاول لزوم الضر المنفي آية ورواية على من انتقل إليه. الثاني جعل الاصيل ماله عرضة للنقل عنه ولوالى بدل وكل ما كان كذلك لا يجوز التصرف فيه للقاعدة المستفادة من استقراء الموارد الجزئية التي روعى فيها احتمال استحقاق الغير له من غير ملاحظة أصل العدم في ذلك التي منها العزل لاكثر النصيبين في الحمل، ومنها عدم دفع تمام المال للوراث مع احتمال وجود وارث اخر معه إلا مع الانحصار المحرز بعد الفحص، ومنها الوقف المردد بين الترتيب والتشريك بين الطبقات مع ان الاصل عدم استحقاق اللاحقة الزيادة مع الاولى، ومنها عدم جواز التصرف

[ 321 ]

في النذر المعلق على شرط قبل وجوده أو تبين حاله إلى غير ذلك. الثالث - ان قضية الوفاء المأمور به الالتزام بكل ما هو من لوازمه التى منها حرمة التصرف فيه كيف والتعاهد بمعاوضة المال ونقله عن ملكه ينافيه التصرف فيه ولا سيما بما ينافيه، ولا يتوهم استلزام المنع عن التصرف فيما انتقل عنه للامر بالوفاء جواز التصرف فيما انتقل إليه لعدم تبعيض العقد في الأثر، فالمنتقل عنه والمنتقل إليه يتساويان في الحكم منعا " وجوازا " لان عدم التصرف منه فيما انتقل إليه لا يعد نقضا " لما ابرم بالعقد بخلاف التصرف ولا سيما المتلف منه في المنتقل عنه فانه رجوع منه عما تعاهد عليه والتزم به بانشائه العقد الذي تم من جانبه وان توقف شرعا " تأثيره على اجازة الغير وهو امر خارج عن التزامه. وفي الكل نظر: أما الضرر فمع أنه يختص ببعض التصرف ممنوع تحققه مع عدم نفوذه إلا بالاجازة الراجعة إلى اختياره، وأما القاعدة فغير مسلمة لان استفادتها من الموارد الجزئية انما تكون بعد العلم باتحاد مناط الحكم في جميعها مع العلم بوجوده في المشكوك فيحكم به عليه لوجود المناط فيه. وليس ما نحن فيه من هذا القبيل. اما في الارث فلعدم تحقق الانحصار فيه ليدفع تمام المال إليه مع ان الاصل عدم استحقاقه للزائد على نصيبه وكون الشك فيه مسببا عن الشك في وجود وارث غيره والاصل عدمه لا يثبت الانحصار فيه لكونه من الاصل المثبت، وان ناقش في كونه منه شيخنا في (الجواهر) - قدس سره - مع أن دفع الزائد إليه لو فرض كونه لغيره في الواقع من الاتلاف الموجب لضمان الدافع المستلزم للضرر عليه ولا طريق إلى ثبوت الانحصار فيه إلا بالفحص، ومع ذلك قيل بجواز تضمينه واخذ الكفيل منه بعد الدفع إليه لدفع الضرر عن نفسه. وأما الوقف المردد بين الترتيب والتشريك مع عدم اطلاق يشك في

[ 322 ]

تقييده فمرجع الشك فيه حينئذ وان كان هو الشك في كيفية جعل الواقف وانه بنحو الترتيب أو التشريك وهو حادث ولا يمكن تعيين الحادث بالاصل إلا انه يرجع في الحقيقة إلى الشك في مانعية الموجود من الطبقة الاولى عن استحقاق الموجود من الثانية مع كونه من الموقوف عليه ايضا بعد فرض كون الوقف مسلسلا على اولاده ما تعاقبوا وتناسلوا غير أنه شك في كونه ترتيبا " بينهم بمعنى ان وجود السابق يمنع عن استحقاق اللاحق أو تشريكا " لا يمنعه عنه، والمانعية حكم وضعي مشكوك جعله، والاصل يقتضى عدمه إذ الاحكام الوضعية المجعولة مع الشك في جعلها مقتضى الاصل عدمه من غير فرق بين كون الشرع جاعلا له أو الواقف، ولا يتوقف استحقاق اللاحق له بعد دخوله في سلسلة الموقوف عليه على ثبوت عنوان الشركة حتى يكون من الاصل المثبت وان كان ينتج بذلك نتيجتها وبالجملة الشك في مانعية الموجود: مرة للشك في كونه مصداقا لما هو معلوم المانعية، وأخرى للشك في جعل المانعية الذي يكون على تقديره مانعا " والشبهة على الاول موضوعية وعلى الثاني حكمية وأصل العدم يجري في الثاني مطلقا " وان قلنا برجوعه إلى استصحاب العدم ولا يجرى في الاول الا على تقدير القول بكونه اصلا مستقلا والدليل عليه بناء العقلاء إذ المفروض ليس له حالة متيقنة حتى تستصحب واستصحاب عدم وجود المانع لا يثبت عدم مانعية الموجود والشبهة في ترتيب الوقف أو تشريكه من القسم الثاني الذي يجرى فيه الاصل قطعا " فافهم. وأما النذر فالكلام فيه كالكلام في الفضولي مع الاجازة، والخلاف فيه معروف، والمسألة ذات قولين معروفين ليس المنع عن التصرف فيه قبل تحقق الشرط اتفاقيا بل لعل الاقوى فيه الجواز لكون ثبوت حق للمنذور له متعلق بالمنذور مشروطا " بشرط والمشروط، عدم عند شرطه مع ان الاصل

[ 323 ]

يقتضي عدمه. نعم لو قلنا بثبوت الحق له في الواقع لتحقق الشرط في علم الله ولذا قيل بالتفصيل فيه بين ما لو علم تحققه كالمشروط بوقت وما لم يعلم كان كالاجازة المتأخرة على تقدير القول بكونها كاشفة مع امكان الفرق بينهما كما قيل بناء على المنع في الفضولي قبل الاجازة لعموم الامر بالوفاء ولا عموم في النذر المعلق حتى يتمسك به قبل تحقق شرطه مع كون الاصل فيه يقتضي العدم إلا ان الاستناد فيه إلى عموم " الامر بالوفاء " عندي محل نظر - كما ستعرف - واما عزل نصيب الحمل ونصيب الزوجة الصغيرة إلى ان تبلغ وتحلف للنص الخاص فلا يتم بهما تأسيس قاعدة كلية يخرج بها عن حكم الاصل. وأما الثالث وهو التمسك بالامر بالوفاء، فمع أنه لو تم لم يفرق بين الكشف والنقل وإلا فلا على القولين ضرورة أن الشبهة موضوعية على تقدير توقف الوفاء على تمامية السبب وحكمية على تقدير كفاية جزء السبب في ذلك. فان قيل بالاول لزم القول بجواز التصرف على الكشف ايضا عملا بالاصل، وان قيل بالثاني لزم القول بحرمته على النقل ايضا، والتفكيك بينهما على القولين ركيك - نمنع صدق العقد المأمور بالوفاء به قبل الاجازة ولو قلنا بها كاشفة بعد أن كان مقتضى الاصل العدم سيما على القول بكونها شرطا " متأخرا ". فظهر مما ذكرنا قوة جواز التصرف فيما انتقل عنه على كل من القول بالنقل والكشف بمعانيه ما لم يعلم لحقوق الاجازة وضعف القول بالتفصيل بينهما حتى جعلوه ثمرة بين القولين مطلقا ". وتظهر الثمرة ايضا " على ما قيل في النماء المنفصل الحادث بين العقد والاجازة فنماء المبيع للمشترى ونماء الثمن المعين للبايع على الكشف وكل منهما للمالك الاول على النقل وهو حسن على الكشف مع كون التعقب شرطا " أو كاشفا " عن حدوث الملك من حين العقد. وأما على الكشف الانبساطي أو الحكمى ففيه تأمل.

[ 324 ]

هذا مع العلم بتجدد النماء بين العقد والاجازة. وأما مع الشك فيه واحتمال تجدده قبل العقد كالحمل مع كون الحامل مقبوضا " للثاني بقبض صحيح كما لو وقع بعد الاجازة وشك فيه مع ذلك فهو محكوم به له لليد القاضية بملكية ما هو تحت سلطنته إلا ما علم خروجه عن ملكه فيكفى في ملكيته بعد فرض كون اليد عليه احتمال كونه له بحدوثه في ملكه، بل هو القدر المتيقن من ملكية ما يجده في داره أو صندوقه المختصين به مع عدم مشارك له في التصرف، فراجع المسألة في محلها، بل قيل بكونه حينئذ ملكه حتى لو علم أنه لم يكن له لانه من الرزق الذي ساقه الله إليه فمع الشك واستقلال اليد عليه لا اشكال في انه يحكم له في مقام التداعي لكونه ذا يد عليه، والاول يدعى عليه ما هو خلاف الاصل ولا يحتاج الثاني في تملكه إلى اثبات حدوثه في ملكه حتى ينفى بالاصل ايضا لكونه ذا يد عليه بعد ان كان ذا يد على الحامل بل كان ذلك كذلك حتى في تكليف نفسه فيما بينه وبين ربه. نعم يشكل الحكم فيما لو ظهر الحمل والحامل المبيع مثلا تحت يد البايع قبل الاجازة وقبض المشتري، إذ لا يد للمشترى عليه حتى يحكم بكونه له ويد البايع عليه حينئذ على الكشف غير مالكية. ولذا كان مضمونا " عليه بالتلف قبل القبض وإصالة عدم حدوثه قبل العقد معارضة بعدم حدوثه بعده إذا كان الاثر مرتبا " على التأخر والحدوث في ملكه ولا يثبت الحدوث وعنوان التأخر باصالة عدم التقدم، فيكون المورد من التداعي الذي لا يد لاحدهما عليه كالمال المطروح بينهما إلا أن ذلك مبني على عدم اليد للبائع عليه قبل الاقباض -. وفيه تأمل بل لعله ممنوع، وعليه فينعكس الحكم ويحكم به للبايع باليد ما لم يعلم حدوثه بعد العقد فتأمل، لكن ذلك مبني على ما هو المشهور - بل الاقوى - من عدم دخول الحمل تبعا " للحامل في المبيع إلا

[ 325 ]

بالشرط خلافا " للشيخ - قدس سره - فيدخل بالتبع، وعليه فهو للمشترى على التقديرين: إما بالتبع أو لكونه نماء ملكه. وتظهر الثمرة أيضا - على ما قبل فيما لو اشترى عبدا " أو مصحفا " من الفضولي ثم كفر قبل الاجازة، صح على الكشف لكونه مسلما حين العقد وان أجبر على بيعه بالكفر، وبطل على النقل لوجود المانع حين الانتقال وهو حسن ان لم نعتبر في الصحة بقاء قابلية المتعاقدين للمالكية من حين العقد إلى حين الاجازة والا بطل على التقديرين. وتنتفي الثمرة حينئذ من البين، لكن القابلية لو فرض عدم اعتبارها لم يطرد ظهور الثمرة في أنحاء زوالها بين العقد والاجازة الذي منها زوالها بالموت، ضرورة أنه ان كان من المالك المجيز بأن مات قبل الاجازة وقلنا بكونها موروثة - بناء على كونها من الحقوق صح على كل من القول بالكشف أو النقل، وان لم تكن موروثة - كما هوالحق لكونها من الاحكام - بطل على القولين أيضا، فتنتفي الثمرة على التقديرين، إلا أنه قد مر نفوذها منه لكونه مالكا " بناء على عدم اعتبار اتحاد المالك من حين العقد إلى حين الاجازة، وان مات الاصيل وقلنا بعدم جواز الاجازة حينئذ لان المأمور بالوفاء وهو العاقد المورث لم يكن، والوارث لم يكن عاقدا "، انتفت الثمرة على القولين ايضا "، وان قلنا بجوازها لكفاية إنشائه في حياته لنقل ملكه معلقا في نفوذه على وارثه وتوجه الامر بالوفاء عليه، صح على القولين وانتفت الثمرة ايضا على التقديرين غير أنه على الكشف دخل العوض في ملك المورث ثم منه انتقل إلى الوارث، وعلى النقل انتقل من المجيز إليه بلا واسطة المورث وان كان بسبب إنشائه. وبالجملة ليس مظهر الثمرة بين القولين مطلق زوال القابلية بين العقد والاجازة بل يختص ذلك بصنف خاص منه نحو الكفر المانع عن تحقق

[ 326 ]

سلطنة للعاقد على ما انتقل إليه، ولذا كانت الثمرة مبنية على القول ببطلان بيع المسلم أو المصحف من الكافر، وأما على القول بصحته واجباره على البيع فتصح الاجازة على القول بالنقل ايضا وان اجبر بعدها على البيع، وأما لو انعكس الامر بان اشترى كافرا " ثم اسلم قبل الاجازة بطل على الكشف قطعا ". وعلى النقل يحتمل الصحة لان المانع عنها ليس إلا نفى السبيل المفروض عدم تحققه إلا عند الاجازة المفروض كونه مسلما " حينها كل ذلك حيث يصح على الكشف فانما هو على الكشف التعقبى أو الحدوثي من حين العقد. وأما الانبساطي أو الحكمى فهما كالنقل على الاظهر حسبما تقدم. وتظهر للثمرة أيضا " - على ما قيل - فيما لو زال التمول عن العوضين أو أحدهما قبل الاجازة، فعلى النقل بطل لعدم التمول حينئذ وعلى الكشف صح لتموله حين الانتقال. قلت: هو حسن حيثما لا يدخل بزوال التمول الذي هو بحكم التلف تحت قاعدة (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال البايع) كما لو زال التمول عن الثمن المعين، بناء على أن الضمان بالمسمى دون المثل أو القيمة على خلاف القاعدة فليقتصر على ما قام الاجماع عليه من ضمان المبيع دون الثمن والا فتنتفي الثمرة على الكشف أيضا لو زال التمول على المبيع لكونه حينئذ من التلف قبل القبض الموجب للانفساخ، إلا أن يفرض فيه كونه مقبوضا من المشتري الفضولي مع تعلق الاجازة به ايضا الكاشف عن صحته حين وقوعه ان قلنا به، فكما تكشف الاجازة عن صحة العقد تكشف اجازة القبض عن خروج البايع عن الضمان بالقبض المنكشف صحته. هذا كله حيث لا تعد الاجازة بعد الخروج عن التمول من السفه كما لو استتبع نماء عينا " باقيا " أو قيمة كالاجرة، وإلا فيشكل نفوذ الاجازة

[ 327 ]

على الكشف أيضا كالنقل لكونها حينئذ من المعاملات السفهية الخارجة عن مقاصد العقلاء. وحيث ما تصح الاجازة. فتظهر الثمرة ايضا في جملة من الإحكام المتعلقة بالإموال كحق الخيار والشفعة والخمس والزكاة، فلو باع معيبا " حين العقد ثم زال العيب قبل الاجازة فللمشتري الخيار على الكشف لكونه معيبا " حين العقد وان زال في ملكه - على أجود الوجهين فيه - ولا خيار له على النقل لكونه صحيحا " عند الانتقال ولو تبدل الشريك في حال العقد بغيره في حال الاجازة فالشفعة للاول على الكشف وعلى النقل للثاني ويحتمل سقوط الشفعة على الكشف مطلقا لان الاول لم يشفع ما دام كان شريكا " ولو لجهله، والثاني لم يكن شريكا " حين تملكه بل الشفعة للمشترى الفضولي حيث انكشف له تملكه قبل تبدل الشريك ولو باع زكويا " قبل تمام الحول عليه وأجاز بعده فلا زكاة فيه على الكشف لخروجه عن ملك البايع قبل تمام الحول، وعلى النقل تعلق به الزكاة غير أن للمشترى خيار التبعض لتبعضه باخراج الزكاة منه نعم مع علم المجيز به سقط الخيار بالاجازة المتضمنة حينئذ لقبوله البعض بنسبة من الثمن. ولو وهب في اثناء السنة فضولا واجاز المالك بعد انقضائها، فعلى الكشف احتسب الموهوب من المؤنة في الخمس، وعلى النقل تعلق به الخمس فوجب اخراجه منه ودفع الباقي إلى الموهوب له. وتظهر الثمرة ايضا فيما لو تواردت عقود متعددة فضولية على العوضين أو احدهما مع وحدة المحل أو اختلافه، كما لو باع الدار فضوليا " من زيد وباعها زيد من عمرو وهو من بكر وبكر من خالد وهكذا، فللمالك إجازة ما شاء منها، فان أجاز أحدهما صح فيه وفي ما بعده على الكشف لوقوع البيع من المجاز له حينئذ في ملكه وبطل فيما قبله لعدم الاجازة من المالك وعدم امكانها ممن ملك بعد لانه يلزم من صحتها بطلانها إن لم نقل

[ 328 ]

بأن النقل من المالك رد لما سبق عليه من العقد والا فيبطل بسبب ذلك ايضا وعلى النقل تبنى على ما تقدم في مسألة (من باع ثم ملك) من الاقوال فيها البطلان مطلقا " والصحة من غير اعتبار للاجازة منه أو بشرط لحقوها كما هو الاقوى، ومثله ما لو باع الدار بفرس ثم تواردت العقود على الفرس، فان الاجازة تصح فيما أجاز وما بعده وفي الاول منها وهو بيع الدار بالفرس لتوقف صحة ما اجاز على تلك الفرس الموقوف على اجازة بيع الدار بها دون ما يتخلل بين عقد الاول والمجاز. وينعكس الحكم فيما لو تواردت العقود على الاثمان فيصح فيما اجاز وما قبله ويبطل فيما بعده كما لو باع الدار بفرس والفرس بسيف والسيف بقوس والقوس بكتاب وهكذا، فان تملك الثمن المجاز من هذه الاثمان مستلزم لتملك ما قبله وهكذا حتى ينتهى إلى الثمن الاول دون ما بعد المجاز. هذا فيما لو تواردت على احد العوضين. ويظهر لك منه حكم مالو تواردت عليهما معا. ولو عقد اثنان أو اكثر على مال دفعة أو بالتعاقب مع اتحاد المتعلق - كما لو باع الدار زيد من شخص وباعها عمرو من آخر مقارنا " لبيع الاول أو بعد - ه فللمالك اجازة ما شاء من العقدين، فان اجاز احدهما لغى الآخر وان أجازهما: فان كان العقد بنحو التعاقب كان التأثير للسابق منهما، وان كان المجاز لاحقا "، وان اقترنا في الزمان بطلت الاجازتان للتنافي بين مفاديهما وترجيح إحديهما ترجيح بلا مرجح وهل يبقى العقدان على الصحة التأهلية بان يكون وجود الاجازتين كعدمهما أو تكون إجازة كل منهما ردا " للآخر فلا ينفع لحوق الاجازة بعده؟ وجهان. ولو اختلف المتعلق بأن عقد أحدهما على العين والآخر على المنفعة كالبيع والاجارة فان اجاز البيع خرج عقد الاجارة عن قابلية لحوق اجازته

[ 329 ]

لخروج العين عن ملكه، وان اجاز الاجارة لم يبطل عقد البيع رأسا " لعدم التنافي، غير ان المبيع يكون - مسلوب المنفعة مدة الاجارة - موجبا " للخيار مع جهل المشترى به لو تأخرت اجازته عن اجازة الاجارة، وكذا لو اجازهما معا " دفعة مع اقتران العقدين أو سبق عقد الاجارة لامكان العمل بهما لعدم التنافي، فتصح اجازة الاجارة مطلقا إلا إذا كانت مسبوقة باجازة البيع، أو كان عقده سابقا "، فتوقف الصحة على القول بالكشف على اجازة المشتري لانكشاف كونه مالكا " حين عقد الاجارة وهو واضح. ولو باع اثنان من شخص واحد وأجازهما دفعة كقوله: أجزت العقدين ونحوه، فان اتفقا في الثمن جنسا " وكما فواضح، وان اختلفا في الجنس بأن باع أحدهما بالدرهم والآخر بالدينار، أو أحدهما بالفرس والآخر بالسيف بطلا قطعا " لعدم امكان العمل بهما وفقد المرجح في احدهما، وان اختلفا في محض الكم كأن باع احدهما بعشرة دراهم والآخر بالاقل صح ولا مانع من استحقاق الزيادة لتداخل السببين في استحقاق القدر المشترك وانفراد احدهما باستحقاق الزائد لعدم المنافاة مطلقا " حتى لو كان احدهما كليا " في الذمة والآخر عينا شخصيا غير انه يتعين حينئذ دفع الثمن المعين فيتعين الكلي في ضمن هذا المصداق كما لو تعين عليه دفع مصداق خاص بسبب من الاسباب. ولو اختلفا في الاطلاق والتقييد، ففي صحة كل منهما كالزيادة في الثمن أو بطلانهما معا " لتضادهما في الخصوصية وهي الاطلاق والتقييد نظير اختلاف الثمنين جنسا "، أو صحة المطلق دون المشروط لخروج الشرط عن اركان العقد وسقوطه باعتبار التعارض أو صحة ما فيه أثر زائد سواء كان مطلقا أو مشروطا دون غيره كما لو كان احدهما مع الخيار والآخر بدونه وجوه واحتمالات، اوجهها الاول.

[ 330 ]

ثم أن اجازة العقد لا توجب اجازة للقبض، فلو قبض العوض فضولا بعد العقد على المعوض كذلك وأجاز العقد فقط، فللمجيز الرجوع بالعوض على المالك بالاجازة ويرجع هو على من قبض منه العوض فضولا ما لم يكن القبض شرطا في صحة العقد كالصرف فان اجازة العقد فيه بعد المجلس متضمنة لاجازة القبض حملا للاجازة على الصحيح، وان أجازهما معا صح كل منهما، لا لأن إجازة القبض كاشفة عن صحته من حين وقوعه لان ذلك مبني على القول بصحة الفضولي في القبض، بل لكفاية الرضا به من حينها في سقوط ضمانه عن البايع، وعليه فيشكل في قبض الصرف بعد تفرق المجلس لعدم الاعتبار بالقبض من حين الاجازة نعم يصح فيه على القول بصحة الفضولي في القبض وكون اجازته كاشفة عن صحته من حين وقوعه. هذا تمام الكلام في الاجازة. وأما الرد الذي يشترط عدمه في تأثيرها، فالكلام فيه تارة في موضوعه وأخرى في حكمه وتأثيره. أما الاول فهو إنشاء لابطال ما أحدثه الفضولي بانشائه من ربط البدلية وإزالة لقابلية العقد عن التأثير بقول أو فعل صريحين في الدلالة عليه فالأول نحو: فسخت ورددت وأمثال ذلك، والثاني كما لو تصرف فيه بما يوجب فوات محل الاجازة مطلقا ": من تلف العين أو زوال الملك كالعتق ونحوه لانتفاء الموضوع فيهما حينئذ من غير فرق بين علم المالك بعقد الفضولي وجهله. وأما التصرف الموجب لزوال المالكية كالنقل ببيع ونحوه فانما يفوت محل الاجازة بالنسبة إليه لا مطلقا "، وليس هو صريحا " في الرد حتى يحكم بزوال القابلية عن العقد، فتصح الاجازة من المنتقل إليه بناء على عدم اعتبار كون المجيز مالكا " حين العقد غير أنه على الكشف ينكشف نقله من حين التملك بالعقد من المالك لانه الممكن لا من حين عقد الفضولي لانه

[ 331 ]

يلزم من صحتها كذلك بطلانها. وبالجملة لا تلازم بين النقل عن ملكه والرد حتى يكون دالا عليه، بل هو أعم منه، فيبقى ما كان من قابلية العقد على ما كان إلى أن تلحقه الاجازة أو الرد المزيل لها ممن له الرد والاجازة. وقياس التصرف الناقل هنا في الدلالة على الرد بالتصرف الناقل الدال على الرجوع في العقود الجائزة قياس مع الفارق لان صحة النقل في تلك العقود موقوفة على الملك المتوقف تحققه على الرجوع، فيحكم بالرجوع بمعونة إصالة الصحة في فعل المسلم فالنقل في مثل ذلك رجوع فعلي لا كاشف عن سيق الرجوع كما توهم، ولا يتوقف صحة النقل هنا على الرد حتى يحكم به عليه، بل يكفي فيها عدم الاجازة. وبما ذكرنا ظهر لك ما في (مكاسب) شيخنا المرتضى - قدس سره - من التشويش بل المنافاة بين كلاميه هنا، حيث جعل التصرف بالنقل كالبيع ونحوه كالتصرف المتلف للعين أو المزيل للملك كالعتق في كونه مفوتا " للمحل عن قابلية تعلق الاجازة به مطلقا " وبين كلامه في مسألة ما لو باع ثم ملك، حيث بنى على صحة الفضولي للاصل والعمومات وتأثير الاجازة من المالك الجديد، غير أنه تكشف إجازته عن النقل من حين تملكه لانه الممكن لا من حين عقد الفضولي لاستلزام صحتها كذلك فسادها وأنه لا دليل على أن الاجازة كاشفة عن الملك من حين عقد الفضولي مطلقا " حتى لو تجدد المالك بل من حين الامكان، وهو فيه من حين تملكه بالعقد من المالك فراجع. وبالجملة لو كان بيع المالك مفوتا " للمحل عن قابلية تعلق الاجازة به كتلف الملك أو زوال الملكية عنه كيف يصح عقد الفضولي بلحوق الاجازة من المالك الجديد، مع ان الاقوى فيه الصحة كما عرفت، فظهر أن التصرف بالنقل ليس كالتصرف بالعتق والاتلاف وأنه اعم من الرد، وليس بصريح فيه حتى يكون دالا عليه بل هو مجمل بالنسبة إليه. وأما لو تصرف

[ 332 ]

فيه بنقل المنفعة كالاجازة فالاجارة على تقدير صحتها وكونها كاشفة عن الملك من حين العقد مستلزمة لفساد التصرف لانكشاف كونه حينئذ تصرفا في ملك الغير، كما ان نفوذ التصرف على تقدير صحته الذي هو مقتضى قاعدة سلطنة المالك مستلزم لفساد الاجازة لعدم امكان كشفها عن النقل من حين العقد بعد ان كان تأثير الاجازة عن الكشف من حين العقد مع اتحاد المالك وصحة كل منهما وان كانت مستلزمة لفساد الاخر لما بينهما من المنافاة إلا أن المدار في مثل ذلك على السابق منهما، وهو هنا الاجارة، فلا يبقى محل للاجازة إلا بحملها على ارادة نقل العين مسلوبة المنفعة، فيكون من مسألة ما لو وقع العقد مطلقا " واجاز المالك مقيدا " وهو خلاف الظاهر، فالتصرف المذكور رد من المالك مع علمه بعقد الفضولي وبحكمه في ابطاله مع جهله به لكون المنافاة بينهما واقعية علم به أو لم يعلم حتى على القول بالكشف الحقيقي مع كون التعقب شرطا " لان الشرط تعقب الاجازة الصحيحة دون الفاسدة المفروض ثبوت فسادها بسبق التصرف المذكور وهو كما لو تعقبت الاجازة مع تخلل الرد بينها وبين العقد لما عرفت من المدار في مثل ذلك. ومنه يظهر ما في كلام شيخنا المرتضى قدس سره من الاستثناء بعد ذلك بقوله: نعم لو قلنا بان الاجازة كاشفة بالكشف الحقيقي الراجع إلى كون المؤثر التام هو العقد الملحوق بالاجازة كانت التصرفات مبنية على الظاهر وبالاجازة ينكشف عدم مصادفتها للملك فتبطل هي وتصح الاجازة ضرورة كون السبب حينئذ العقد الملحوق بالاجازة الصحيحة. وأما وطء الجارية واستيلادها فهو رد على الكشف مع العلم بالعقد عليه لظهوره فيه لا مع الجهل به ولا على القول بالنقل. والحاصل ان الرد كما يحصل بالقول يحصل بالفعل الدال عليه صريحا "

[ 333 ]

أو ظاهرا لعموم مادل على ابطال العقد بالرد من اجماع وغيره غير ان الفعل منه ما هو بحكم الرد كتلف العين أو زوال الملكية، ومنه ما هو رد كالاجارة حسبما عرفت على الكشف مطلقا " - علم به أم لم يعلم - للمنافاة في الواقع ومنه ما يفصل فيه بين العلم بعقد الفضولي والجهل به، ومنه ما هو أعم منه لا يدل عليه فلا يحكم به إلا إذا كان محفوفا بقرينة تدل عليه. وأما الثاني وهو حكم الرد، فقد عرفت ايجابه لابطال العقد الموجب لسقوط الاجازة مطلقا عن التأثير اجماعا " بقسميه من غير خلاف نجده فيه فلا يصغى إلى ما احتمله بعض فضلاء المعاصرين: من أن قابلية العقد من آثاره الوضعية التي لا تزول بالرد فلا تسقط الاجازة عن التأثير بعده إلا أن يقوم اجماع عليه. هذا وحيثما لم تتحقق الاجازة من المالك - سواء تحقق منه الرد أم لا كالمتردد - جاز له انتزاع عين ماله أو بدله مع التلف ممن هو في يده باقباض الفضولي، ويتخير مع تعاقب الايدي عليه في الرجوع على الكل موزعا " عليهم بالتساوي أو بالتفاوت لاقتضاء الرجوع بالكل عليه الرجوع بالبعض بالاولوية فان رجع على واحد سقط عن الباقين، غير انه ان رجع به على السابق رجع هو على اللاحق ما لم يكن غارا " له، ولا يرجع اللاحق لو رجع عليه على من سبقه إلا إذا كان مغرورا " له، ويرجع هو على من تأخر عنه مخيرا " فيمن شاء منهم، وقرار الضمان على من تلف في يده فيرجع السابق منهم على اللاحق دون العكس الا مع الغرور. وبسط الكلام في هذا المقام يتم في طي مواضع. الاول - في معنى ضمان العين وكونها مضمونة على من قبضها باقية في يده أو منتقلة عنه إلى غيره، موجودة كانت أو تالفة. الثاني - في تصوير تخيير المالك في الرجوع على من شاء منهم في تعاقب

[ 334 ]

الأيدي المتوقف على ثبوت مال له في ذممهم مع كون الثابت - له انما هو مال واحد اما العين أو بدلها، وكيف يجتمع اشتغالات متعددة بحسب تعدد الذمم مع وحدة المال ضرورة انه لو استوفى من احدهم لم يكن له شئ في ذمة الباقين. الثالث - في رجوع من رجع المالك عليه غير التالف في يده على غيره فنقول: أما الموضع الاول، فليعلم أولا أن الضمان والذمة والعهد هو بمعنى كون الشخص على حالة وصفة توجب التكليف باداء ما هو في ذمته ومتعهد به وضامن له بسبب من اسبابه، عقدا " كان كعقود المعاملات أو غيره كاليد والاتلاف والتسبب، فهو نظير الحدث الحاصل للانسان بأحد أسبابه الموجب للمنع معه عن الدخول في الصلوة والتكليف بالطهارة عنه للدخول فيها. وان أبيت عن ذلك فلنقرره بتقرير آخر، وهو: كونه بحيث يكون للغير سلطنة عليه في ماله - مثلا - بسبب من الاسباب فالديان له سلطنة على المديون من حيث ماله، ولذا يطلق عليه الملك فيقال للديان: أنه يملك على المديون كذا، فان الملكية التي هي بمعنى السلطنة قد تتعلق بالعين الخارجية محيطة بجميع جهاتها فتضاف إليها ويعبر عنها بملك العين أو من حيث جهة خاصة منها فتضاف إلى تلك الجهة لاختصاص التعلق بها كملك المنفعة التي ليس معناها إلا السلطنة على العين من حيث منفعتها مطلقا أو منفعة خاصة كسكنى الدار ولبس الثوب مثلا سواء اعتبرت الخصوصية فالشرط أو بقضاء العادة، وقد تتعلق بالنفس من حيث هي كملك الرقبة أو بها من حيث ماله، فيكون له سلطنة عليه في ماله ويعبر عنه بانه يملك في ذمته لعدم الاختصاص بما له الخاص، وهذه السلطنة تحدث لصاحبها بأحد الاسباب المتقدمة، ولعله يأتي مزيد توضيح لذلك في الموضع الثاني.

[ 335 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الضمان قد يطلق على ما يفيد تحويل ما هو ثابت في ذمة أخرى، ويعبر عنه - غالبا " - بضمان المال، وهو لا يتحقق قبل ثبوت الشئ في الذمة بل هو غير معقول، لان ثبوت الشئ لشئ فرع ثبوت المثبت له. ومنه يظهر الوجه في بطلان ضمان ما لم يجب، وأنه أمر غير معقول وهذا النحو من الضمان من العقود لان السبب الموجب له انما هو عقد الضمان. وقد يطلق ويراد به التعهد وكون المضمون متداركا " عليه ويعبر عنه بضمان العين كضمان الغاصب للعين المغصوبة بل مطلق الاعيان المضمونة على من هي في يده، ويسمى هذا النحو من الضمان بضمان العهدة ولتحققه اسباب خاصة كاليد ونحوها. والفرق بين الضمانين: أن الاول يتوقف على المضمون عنه ليتحقق نقل المضمون عن ذمته إلى الضامن بالضمان على ما هو عند الامامية: من أنه تحويل ما في ذمة إلى أخرى لا ضم ذمة إلى ذمة كما هو عند الجمهور، ومن لوازمه عندنا براءة المضمون عنه عن المضمون واشتغال ذمة الضامن به لاقتضاء النقل والتحويل ذلك، ولا يتوقف الضمان بالمعنى الثاني الا على ضامن ومضمون له إذ لا نقل فيه ولا تحويل به يحدث بينه وبين المضمون له بسبب خاص كوضع اليد على ماله أو اتلافه وقد يتعدد الضامن لتحقق سبب الضمان من كل واحد منهم كالايدي المتعاقبة على المال المضمون لان كل واحد منهم في عرض الاخر بالنسبة إلى المالك في ايجاد سبب الضمان. هذا وفي ضمان الاعيان المضمونة على الغير قبل تلفها تلفها بالصيغة خلاف والاظهر عندي بل الاقوى الصحة (1) وقال للمحكي عن (المبسوط)


(1) في صحة الضمان العقدي للاعيان المضمونة بضمان اليد كالمغصوب والمقبوض بالعقد الفاسد والأمانات عند التعدي والتفريط وجوازه قبل -

[ 336 ]

و (التذكرة) و (التحرير) و (الارشاد). وفي (الشرايع) بعد التردد قال: " والاشبه الجواز خلافا " لثاني الشهيدين والمحققين وغيرهم، فقووا البطلان، وتوقف في القواعد حيث قال فيه: والاعيان المضمونة كالغصب والعارية المضمونة والامانة مع التعدي على اشكال، وفي (الكنز): منشأ الاشكال هنا كما قلنا في باب الرهن من صحة الرهن عليه وعدمها وهو أنها ليست ثابتة في الذمة فلا يصح ضمانها ومن وجود سبب ضمان القيمة وهو الغصب واشباهه. انتهى.


- تلف العين: خلاف. وأما بعد التلف وزمان فعلية الضمان بالمثل أو القيمة فلا إشكال ولا خلاف بينهم في صحة الضمان لما فيه ذمة الضامن من المثل أو القيمة، إذ هو من مصاديق الدين، والضمان للعقدي إنما شرع في المذهب لتحويله من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فينحصر الخلاف في ضمان الاعيان المضمونه قبل تلفها - كما يظهر ذلك من استدلال المانعين بكونه من ضمان ما لم يجب، ومن استدلال القائلين بالصحة بكفاية تحقق السبب في ذلك، وهو اليد، نظرا منهم بأن المسبب - وهو ضمان المثل أو القيمة - وان لم يتحقق بعد، إلا أنه لما تحقق سببه - وهو اليد - فهو بمنزلة تحقق المسبب. والذي يظهر من سيدنا الخال - قدس سره - عدم الاشكال في أن ضمان المثل أو القيمة وتحويله إلى ذمة الضامن بالعقد قبل تلف العين من ضمان ما لم يجب، الذي هو غير معقول. ولكنه - مع ذلك - قال بصحة الضمان قبل تلف العين، فانه قال - في جملة كلام له -: ".. فالذي ينبغي أن يقال: إنه لا دليل على اختصاص الضمان عن الغير بكون الثابت في الذمة مالا، بل اللازم ثبوت مضمون أعم من كونه حقا " أو مالا، والعين المضمونة ثابتة، عهدتها في ذمة المضمون عنه، ومعنى ثبوتها في ذمته

[ 337 ]

قلت هذه المسألة، وان وقع الخلاف فيها ولعل الاكثر فيها على المنع نظرا " منهم إلى كونه من ضمان ما لم يجب لان الثابت في الذمة حال وجود العين انما هو وجوب ردها والقيمة انما تثبت بعد التلف وضمانها قبله ضمان لما لم يجب، إلا أن مصداقا " من مصاديق هذه الكلية وهو ضمان الثمن للمشترى عن البايع بعد القبض وقبل التلف مما تكرر نقل الاجماع على صحته ولعله من المسلمات عندهم، ولذا نخلص بعض عن محذور كونه من ضمان ما لم يجب بالاجماع ومسيس الحاجة إليه. وأنت خبير بأن ضمان ما لم يجب - كما تقدم - أمر غير معقول، والاجماع لا يصير غير المعقول معقولا


- كونه بحيث يكون عليه رد العين مع وجودها ودفع بدلها عند التلف وهذا المعنى منتقل من ذمته إلى ذمة الضامن المستلزم لبرائة ذمة المضمون عنه - إلى أن يقول - وبما ذكرنا يتضح أن ضمان الاعيان المضمونه حال وجودها بالعقد ضمان لما يجب لا لما لم يجب وأنه على القاعدة " انتهى. هذا ولكن يمكن أن يقال أن الضمان المجعول بدليله من النبوى المشهور: على اليد ما أخذت حتى تؤدي، وإن لم يكن حكما " تعليقيا " مرجعه لزوم اداء مثل ما أخذ من مال الغير أو قيمته على أخذه عند تلفه، وإنما هو هو حكم تنجيزي وضعي حاصل بنفس وضع اليد على المال مرجعه كونه على عهدة آخذه وكونه ملزما بتبعاته من المحافظة عليه عما يرد عليه من الاخطار ورده إلى مالكه عند أول أزمنة الامكان وتدارك منافعه المستوفاة له أو الفائتة تحت يده بأجرة مثلها وتدارك نقصه وعيبه بدفع أرشه واداء مثله أو قيمته عند تلفه وليست الاحكام المذكورة هي المجعولة بالأصل والضمان منتزع عنها، بل المجعول ضمان عهدة المال وهو حكم وضعي أصلي وتلك الاحكام التكليفية تبعاته. وعليه فمقتضى دليل على اليد، أن ذلك الحكم المستلزم للتبعات المذكورة على عهدة آخذ المال المذكور بمجرد وضع -

[ 338 ]

فالذي ينبغي أن يقال: انه لا دليل على اختصاص الضمان عن الغير بكون الثابت في ذمته مالا " بل اللازم ثبوت مضمون أعم من كونه حقا أو مالا، والعين المضمونة ثابتة عهدتها في ذمة المضمون عنه، ومعنى ثبوتها في ذمته كونه بحيث يكون عليه رد العين مع وجودها ودفع بدلها عند التلف، وهذا المعنى منتقل من ذمته إلى ذمة الضامن المستلزم لبرائة المضمون عنه إلا ان تجدد الدخول في عهدته انما هو لتجدد السبب بعد الضمان لفرض بقاء العين


- يده عليه فهو الملزم بها إلى زمان وصول المال لمالكه، ولا ينتقل ذلك الحكم بتبعاته إلى غير ذي اليد عليه ولو كان بتعهد منه لصاحب المال وعقد بينه وبينه الا بدليل شرعي، فان الاحكام أمر وضعها ورفعها بيد مشرعها والحاصل: ان مقتضى النبوي المتلقى لدى الفريقين بالقبول وهو " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " بناء على ما هو الظاهر: من كون الظرف فيه ظرف استقرار لا ظرف لغو، نظير قول القائل: عليك دينار مثلا لزيد، بمعنى يلزمك دفعه إليه، بل المراد على الظاهر أن ما أخذه ذو اليد من مال الغير عهدته عليه وذمته مشغولة به فوزره وثقله عليه حتى يؤديه إلى مالكه اداء عرفيا " بحسب حالتي بقائه وتلفه، وعند التلف بحسب وجود مثله وتيسره وعدم وجوده أو اعوازه، وهذا معنى ضمان المال المجعول بالحديث الشريف جعلا " اصليا " وضعيا "، ومقتضى اطلاق النبوى كون الحكم المذكور بما يتبعه على آخذ المال ومن استقرت يده عليه إلى وقت ادائه إلى مالكه بما يصدق عليه أداء عرفا " ومقتضى ذلك عدم تحول الحكم المذكور وانتقاله إلى غير ذي اليد ولو كان بتعهد منه لصاحب المال الا بدليل شرعي مفاده الانتقال بذلك التعهد، ودليل تشريع الضمان العقدي الناقل المقيد لاطلاق النبوي المذكور مورده الديون والاموال الكلية التي اشتغلت بها الذمم بأحد أسباب الشغل، ومقتضى الجمع بينه وبين دليل على اليد المستفاد منه كون -

[ 339 ]

في يده بعده، وإلا فلو فرض زوال السبب كاليد مثلا قبل الضمان عنه بالصيغة كما لو ضمن للمالك برضائه في تعاقب الايدى ما في ذمة الاول، التزمنا ببرائة ذمته ولم يتحقق عندنا اجماع على خلافه في هذه الصورة. فظهر ضعف ما أوردوا على القول بالصحة في كلية المسألة: من أن من لوازم هذا الضمان وخاصيته عندنا براءة المضمون عنه مع كون الغاصب - مثلا - باقيا " على الضمان وان ضمن عنه، فهو ان صح أفاد ضم ذمة إلى ذمة ولا نقول به بل هو مذهب غيرنا ضرورة ان ما كان ثابتا قبل الضمان


- غاية ضمان ذي اليد على مال الغير وصوله إلى صاحبه هو تقييد اطلاق دليل على اليد بدليل تشريع الضمان الناقل، وحاصل الجمع بينهما: أن عهدة المال المذكور على آخذه إلى زمان ادائه إلى مالكه بما هو اداء عرفا " ما لم يضمنه ضامن له بالعقد بينه وبين مالكه المضمون له فتبرء حينئذ ذمة ذي اليد مما عليه، وتشتغل ذمة الضامن به لمالكه. وما ذكره سيدنا - قدس سره -: " من إمكان تحقق الضمان العقدى بالنسبة إلى الأعيان المضمونة بقوله: لا دليل على اختصاص الضمان عن الغير بكون الثابت في ذمته مالا بل اللازم ثبوت مضمون أعم من كونه حقا " أو مالا والعين المضمونة ثابتة، عهدتها في ذمة المضمون عنه، ومعنى ثبوتها في ذمته كونه بحيث يكون عليه رد العين مع وجودها ودفع بدلها عند التلف وهذا المعنى منتقل من ذمته إلى ذمة الضامن المستلزم لبرائة ذمة المضمون عنه " انتهى. غير خال عن الاشكال، فانه وإن أمكن في مقام الثبوت انتقال ضمان المال المجعول على ذي اليد بجميع شؤونه وآثاره إلى من يضمنه لمالكه ويتعهد به بتعاقد بينه وبينه، ولكن لا يكفي مجرد الامكان في الحكم بفعلية الانتقال وبرائة ذمة ذي اليد واشتغال ذمة الضامن بما اشتغلت به ذمته ما لم يقم -

[ 340 ]

للتزم بانتقاله عن المضمون عنه إلى الضامن وانما تجدد ضمانه بتجدد سببه لان اليد المفروض بقاؤها بعد الضمان على مال الغير أيضا " سبب للضمان، وان أريد ببقاء ضمان المضمون عنه مع عدم السبب له بعد ضمان الغير عنه فهو ممنوع أشد المنع ولا اجماع عليه متحقق عندنا، وعليه فيكون الاجماع المستفيض على الصحة في مورده من ضمان الثمن اجماعا " على القاعدة فيتسرى منه إلى غيره من مواردها لا على خلاف القاعدة حتى يقتصر على مورده. وبما ذكرنا اتضح أن ضمان الاعيان المضمونة حال وجودها بالعقد ضمان لما يجب، لا لما لم يجب، وأنه على القاعدة. ولعله إلى ما ذكرنا من الوجه يرجع ما استدل به على الصحة من وجود سبب ضمان القيمة وهو الغصب واشباهه بارادة دخول العين بذلك السبب في العهدة وان كانت


- على ذلك دليل من الشارع مفاده انتقال الضمان المذكور إلى الغير بالتعاقد بينه وبين المضمون له، وادلة تشريع الضمان العقدي الناقل موردها - كما ذكرنا - الديون التي اشتغلت بها ذمة المضمون عنه وأما الاعيان الخارجية المضمونة بضمان على اليد، فلا دليل على مشروعية ضمانها بالضمان العقدي الناقل والتمسك بعموم النبوي " الزعيم غارم " غير واضح، فانه مضافا " إلى ما قد يقال: ان ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله: من أن الزعيم غارم ليس من أخبارنا فلا يكون حجة عندنا انتهى. يمكن المناقشة في دلالته ايضا فان مادة الغرامة باشتقاقاتها تستعمل فيما يلزم به الشخص من اداء مقدار من المال إلى الغير بسبب موجب له من اتلاف ماله أو تلف مال مضمون له بوضع يده عليه أو استدانة مال منه، ومنه اطلاق الغريم على من عليه الدين والغارمين في آية الزكوة على من علاهم الدين ولا يجدون لها قضاء، ونحو ذلك من سائر اشتقاقات المادة المذكورة فبناء على كون المراد بالزعيم في النبوى المذكور: المتعهد بالمال

[ 341 ]

العبارة منهم محتملة لارادة كون القيمة بعد وجود السبب ثابتة في الذمة بالقوة القريبة وتنزيل المعدوم منزلة الموجود كما صرح به (الكنز) في باب الرهن، حيث قال: " ومن وجود سبب الضمان ووجود السبب يجرى مجرى وجود المسبب فان كل واحد من هذه سبب في وجوب قيمتها لو تلفت فلها تعلق بالذمة " إلا أنك خبير بما فيه ضرورة توقف النقل والتحويل على الثبوت فعلا ولا تكفي القوة القريبة في دفع محذور المحال، فهو شرط عقلي فان أريد من العبارة ما ذكرناه اتجه التفصيل في السبب بين ما يوجب وجوده دخول العين في العهدة وما لا يوجب ذلك كالعيب الموجب للتسلط على الرجوع بعد الفسخ بالخيار لان سببية العيب ولو كانت قبل العقد لا يوجب دخول الثمن المقبوض للبايع في عهدته قبل الفسخ فلا يصح ضمانه على المختار لكونه من ضمان ما لم يجب، ويصح بناء على كفاية مطلق السبب لتنزيل المعدوم معه منزلة الموجود فافهم. وكيف كان فالاقوى صحة ضمان الاعيان المضمونة وأنه على القاعدة وموجب لبرائة المضمون عنه مع عدم سبب لضمانه كاليد ونحوه بعد ضمان


- الذي اشتغلت به ذمة الغير يكون مفاد القضية ان الكفيل بالمال المضمون على الغير والمتعهد به لصاحبه غرامته عليه فهو مدين بها له ملزم بادائها ودفعها إليه. وبما أن (غارم) اسم فاعل غرم والمشتق حقيقة فيمن للبس بالمبدء في الحال لا الاعم منه وممن يتلبس به في الاستقبال، فظاهر القضية: أن الكفيل المتعهد بالمال ملزم بغرامته عند كفالته وتعهده فإذا كان المتعهديه دينا في ذمة الغير صح القول بان الكفيل غارم له وملزم بأدائه فعلا للمكفول له، فالحمل على حقيقته وأما إذا كان عينا " خارجية مضمونة بضمان الغير فلا يصح أن يقال على ضامنها والكفيل بها للمضمون له انه ملزم بغرامتها وخسارتها فعلا، بل هو ملزم بها بعد تلفها، فاطلاق لفظ -

[ 342 ]

الغير عنه برضاء المضمون له بعقد الضمان لعموم: الوفاء بالعقود، مؤيدا " بقوله تعالى: " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " حيث أن المورد من الجعل الذي لا يثبت في الذمة إلا بعد العمل، فالضمان عنه ضمان لما لم يجب، وليس إلا لثبوت عهدة الجعل في ذمة الملك فيكون الضمان عنه من ضمان العهدة فافهم واغتنم. هذا ولا بأس بتذييل المسألة بضمان درك احد العوضين للبايع أو للمشتري الواقع كثيرا " فيما بين الناس حتى قبل بمسيس الحاجة إليه. فنقول: الضمان: مرة يتعلق بالثمن، وأخرى بالمثمن وعلى التقديرين فتارة يكون متعلقه وهو المضمون عينا " شخصية واخرى كليا " في الذمة. وعلى جميع التقادير: فاما أن يكون قبل القبض أو بعده قبل التلف أو بعده أيضا، وعلى التقادير كلها: فأما أن يكون الضمان للمشتري عن البايع،


(الزعيم) في القضية وان كان ظاهرا " في العموم لضامن العين الخارجية لمالكها، ولكن ظهور المحمول في الغارم بالفعل مقدم على ظهور الموضوع فيتعين كون المراد بالزعيم المتعهد بدين الغير لا الاعم منه ومن العين. هذا مضافا " إلى احتمال كون المراد بالزعيم في القضية هو المتعهد بمال وجعل لشخص على عمل منه تعهدا " ابتدائيا " بلا اعتبار كون المال مضمونا " على آخر ومسبوقا " بضمانه له. وعليه فالمراد: أن الزعيم والمتعهد به ملزم بما تعهد به له على عمله وغارم له والظاهر أن المراد بالزعيم في الآية الشريفة " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " هو بهذا المعنى بان يكون المقصود للمؤذن اني كفيل باداء حمل بعير من الطعام اخسره من مالى لمن جاء بصواع الملك، لا أن المراد: اني ضامن لما في ذمة الملك من الجعل ليشكل بكونه من ضمان ما لم يجب، حيث ان العمل من المجعول له بعد لم يتحقق لتشتغل ذمة الملك بالجعل. -

[ 343 ]

أو بالعكس للبايع عن المشتري. وحيئذ فان تعلق الضمان بالثمن وكان شخصيا " فان كان الضمان للمشتري عن البايع بان خرج المبيع مستحقا " للغير - مثلا - وكان قبل القبض فهو باطل قطعا " لكونه من ضمان ما لم يجب، وان كان بعد التلف فصحيح بلا اشكال لكونه من ضمان المال الموجب للانتقال، ومقتضاه اختصاص الرجوع على الضامن، وان كان بعد القبض وقبل التلف فهو المتيقن مما نقل الاجماع على صحته لو انكشف فساد البيع اما لكون المبيع مستحقا " للغير أو للاخلال بشرط أو غيره، وهو مصداق من مصاديق مسألة ضمان الاعيان المضمونة، فيتخير المشترى في الرجوع على من شاء منهما من الضامن لضمانه، والبايع لتجدد ضمانه بسبب اليد المتجددة بعد عقد الضمان، وهو مظهر الثمرة بين الضمان بعد التلف وقبله بعد القبض وان كان الضمان للبايع عن المشترى بأن انكشف فساد البيع: أما لكون الثمن مستحقا للغير، أو للاخلال بشرط من شروط الصحة، فالثمن في الاول - وان كان مضمونا " على المشتري - إلا انه لمالكه دون البايع، وفي الثاني غير مضمون عليه لكونه ملكه فضمانه عن المشترى للبايع خروج عما يقتضي الصحة على التقديرين. وان كان كليا " وكان الضمان للبايع عن المشتري صح مطلقا قبل القبض وبعده قبل التلف وبعده لكون الثمن كليا " مضمونا " على كل حال وهو من ضمان المال على كل تقدير. وان كان الضمان


- ويجاب عن الاشكال تارة بكفاية المقتضى للثبوت في صحة الضمان ومنع اعتبار الثبوت الفعلى والمقتضي قول المؤذن من قبل الملك ولمن جاء به حمل بعير، وأخرى بثبوت عهدة الجعل في ذمة الملك فيكون الضمان عنه من ضمان العهدة ولعل مرجعهما واحد، وعلى كل فلم يتضح دلالة النبوي المذكور على صحة ضمان الاعيان المضمونة بضمان اليد قبل تلف العين لو سلم صحة سنده. -

[ 344 ]

المتعلق بالثمن الكلي للمشتري عن البايع فباطل قطعا " لعدم وجود المحل له والمدفوع للبايع مصداقا لو وجب رده ليس متعلقا " للضمان. هذا كله فيما لو تعلق الضمان بالثمن. ويجرى الكلام مثله فيما لو تعلق بالثمن حرفا بحرف، والله العالم. ثم انه قد ظهر مما ذكرنا ايضا " وجه عدم صحة ضمان الاجنبي عن البايع أرش ما يحدثه المشترى في المبيع غرسا " أو بناء - مثلا - لو ظهر مستحقا " للغير واختار المالك قلعه من التفاوت بين القيمتين ثابتا " ومقلوعا " أو بقاءه بأجرة لعدم ثبوت شئ حتى العهدة حال الضمان في ذمة البايع حتى ينتقل بالضمان إلى عهدة الضامن وان استحق عليه الارش بعد اختيار القلع للتسبيب والغرور، بل لا يصح الضمان منه أيضا بالعقد وان كان ضامنا " بالبيع بمعنى انه يلتزم بما يغرمه المشتري لو رجع به عليه لا لما قيل من عدم الفائدة في الضمان بعد ان كان البايع ضامنا بهذا المعنى على كل حال لإمكان تصويرها فيما لو اسقط أحدهما الحاصل بسببه بقي الآخر بسببه على تقدير الصحة كذى الخيارين لو اسقط احدهما وفيما لو شرط على البايع ضمانه بوجه صحيح فان صح هذا كفى في الوفاء بالشرط بل لعدم ثبوت شئ حال الضمان حتى يضمنه اولا " وعدم تعقل ضمان الانسان عن نفسه ثانيا ". ومنه يعلم: أنه لو كان شئ


- وأما دعوى عدم الخلاف في ضمان عهدة الثمن اي دركه للمشترى لو ظهر استحقاق المبيع، أو بطلان البيع لخلل فيه، فانه مضافا " إلى ما قد يقال: لم يتحقق اجماع على ذلك، ومجرد عدم الخلاف غير كاف مع قلة المتعرض لذلك من الاصحاب انتهى. وعلى كل فلابد ان يراد الضمان بعد قبض البايع له وقبل تلفه فان ضمانه قبل القبض من ضمان ما لم يجب ولا خلاف في عدم صحته، كما ان ضمانه بعد تلفه من قبيل ضمان الدين ولا خلاف في صحته. فما يمكن ان يدعى كونه من محل الكلام ضمانه قبل التلف ولكن

[ 345 ]

ثابتا " فعلا في ذمة البايع لكان صحة ضمان الأجنبي عنه أولى من صحة ضمانه عن نفسه فانقدح بذلك ضعف ما في الشرايع وعن (التذكرة) من التفصيل بين ضمان البايع عن نفسه وضمان الاجنبي عنه بجوازه في الاول وعدمه في الثاني، اللهم إلا أن تمنع الاولوية لانها مسلمة إن أريد بضمان البايع عن نفسه ما يفيد النقل والتحويل فانه غير معقول لوحدة المحل، وأما تواريد به على تقدير ثبوت شئ في ذمته ضمان العهدة، فهو من تأكد الالتزام الذي قد عرفت فائدته، وأنه أمر معقول، وحينئذ فالوجه للبطلان هو عدم ثبوت شئ حتى يتحقق معنى الضمان بأحد معنييه. ويظهر من (اللمعة) القول بالصحة مطلقا. ومال إليه - بل قال به - (في الروضة) بناء على كفاية وجود السبب منه في ثبوته عليه جريا " لوجود السبب مرجى وجود المسبب فيصح الضمان عنه مطلقا ". وقد عرفت ما فيه.


- لو سلمنا الاجماع على صحته فهو ليس مما نحن فيه، فان غاية ما يستفاد من من ضمان درك الثمن تعهد الضامن للمشتري والتزامه بايصاله إليه ولو بالزامه البايع بدفعة ان كان موجودا " أو أخذه منه ودفعه لمالكه ومع امتناع ذلك أو تلفه وامتناع البايع من دفع بدله يخسره الضامن من ماله. وبالجملة ليس معنى ضمان شخص درك احد العوضين عند ظهور استحقاق الاخر منهما أو ظهور خلل في المعاوضة هو انتقال الضمان من المضمون عنه إلى الضامن بنحو ليس للمضمون له الرجوع إلى المضمون عنه - حينئذ - لبرائة ذمته واشتغال ذمة الضامن بالمضمون بناء على ما هو الحق الذي استقر عليه المذهب من أن الضمان العقدي ناقل لما في الذمة إلى ذمة اخرى لا موجب لضم ذمة إلى ذمة اخرى حتى يجوز للمضمون له الرجوع إلى أيهما شاء كما هو كذلك عند العامة فهو عندنا حيث يشرع موجب لانتقال المضمون من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن فتبرء ذمة وتشتغل أخرى، وفيما هو محل الكلام من ضمان درك

[ 346 ]

فظهر أن المسألة ثلاثية الاقوال: قول بالبطلان مطلقا " وهو الاقوى لعدم ثبوت شئ حال الضمان حتى يصح ضمانه فهو من ضمان ما لم يجب، ويزيد - في صورة مالو كان الضامن هو البايع - ما تقدم من عدم تعقل ضمان الانسان عن نفسه فتأمل، وقول بالصحة كذلك سواء ضمن البايع عن نفسه أو ضمن الغير عنه، وقول بالتفصيل: بين ضمانه عن نفسه


- الثمن أو المثمن لصاحبه عند ظهور الاستحقاق أو الخلل في المعاوضة لم يظهر ممن تعرض للمسألة أن الثمن مثلا المضمون على البايع عند الاستحقاق أو الخلل بضمان الأجنبي لعهدته ودركه بالعقد مع المضمون له: ينتقل ضمانه من عهدة البايع. إلى عهدة الضامن، فتشتغل ذمته وتبرء ذمة المضمون عنه، أعنى: البايع ويشهد لذلك: أنهم في مقام التعبير عن الضمان المذكور قالوا: يجوز ضمان عهدة الثمن أو درك الثمن. والظاهر أن المراد بضمان العهدة أو الدرك أنه عند امتناع أخذه المضمون من البايع أو اخذ بدله عند تلفه يكون عوضه وخسارته على الضامن، فانشغال ذمته بالبدل انما يكون بامتناع اخذه أو اخذ بدله عند تلفه من البايع واما في صورة عدم امتناع اخذه أو اخذ بدله عند تلفه فالمكلف بالرد والاداء هو المضمون عنه وغاية ما يمكن أن يقال أنه يجب على الضامن الزامه بالاداء ولا مانع من الالتزام بذلك مع مساعدة الدليل وثبوت الاجماع على ذلك وعلى كل ليس هو من محل الكلام من الضمان الناقل من ذمة إلى ذمة اخرى وبرائة. ذمة وانشغال اخرى. وحاصل ما ذكرناه من أول المبحث إلى اخره: أنه لم يتضح لدينا دليل على صحة الضمان الناقل بالنسبة إلى الاعيان المضمونة بضمان اليد قبل تلفها بنحو تبرأ به ذمة المضمون عنه وتشتغل ذمة الضامن بها ومقتضى الاصل وبقاء ما كان على ما كان: عدم الانتقال.

[ 347 ]

فيجوز، وبين ضمان الغير عنه فلا وقد تقدم ما يوجب ضعف القولين بزيادة ما يضعف الأخير أيضا ". هذا وقد بقى مورد يظهر منهم الاتفاق على صحة ضمانه وهو ما لو خيف من الغرق وقال لصاحب المتاع في السفينة: الق متاعك في البحر وعلى ضمانه وحكاية الاجماع عليها مستفيضة، مع ما قيل: انه من ضمان ما لم يجب. ويمكن تصحيحه بأحد وجهين: الاول دعوى كونه من الجعالة كما احتمله في (التذكرة) و (التحرير) وعليه فيكون المضمون قيمة المتاع وان كان هو مثليا " لانه مبذول بازاء العمل الذي هو من القيميات فتأمل الثاني بتقريب أن الممتنع من ضمان ما لم يجب هو ما كان ضمانا " عن الغير لتوقف نقله على ثبوته، وأما مجرد الضمان للمالك الذي هو بمعنى الالتزام له بتدارك ماله ببدله، فهو أمر معقول غير أن ثبوت الالزام بهذا الالتزام الذي هو من قبيل الوعد محتاج إلى دليل سيما مع عدم كون العقد عليه متعارفا " حتى يدخل في عموم " الامر بالوفاء " وهو موجود في المقام لما عرفت من نقل الاجماع عليه مستفيضا المعتضد بدعوى غير واحد اتفاق الاصحاب عليه إلا ان الواجب فيه حينئذ الاقتصار على مورده من خوف الغرق فهو في الحقيقة من ضمان عهدة المال للمالك الذي هو من ضمان ما يجب بعد قيام الدليل عليه. وقد تقدم في المعاطاة ما يزيدك توضيحا للمسألة فظهر مما ذكرنا: أن ضمان العين حال وجودها ضمان فعلى كما يعطيه ظهور ظهور كلمة على في حديث " على اليد " لا ضمان تعليقي كما توهم وصرح به غير واحد من الاصحاب، لا لما قيل من عدم الفرق على التعليق بين من كانت العين في يده وغيره في صدق كونه ضامنا " على تقدير لوضوح الفرق بين ثبوت المقتضي للضمان كاليد وان توقف على شرط التلف، وبين عدم ثبوته، بل لما عرفت من ظهور الفعلى من حديث " على اليد " سيما

[ 348 ]

مع جعل التأدية غاية لرفعه في حالتي وجود العين وتلفها الموضع الثاني في تصوير ضمان الايدي المتعاقبة للمالك واشتغال ذممهم له بحسب تعددها بمال واحد (1) فنقول: قد عرفت أن اليد ونحوها من أسباب الضمان موجبة


(1) الظاهر مما ذكره سيدنا في هذا المقام: جعل الضمان المستفاد من دليل: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " منتزعا " من الحكم التكليفي المجعول على ذى اليد، وهو وجوب رد العين لصاحبها وجوبا " مطلقا " غير مقيد بوجودها ودائر مدار بقائها، بل لزوم الرد في جميع حالاتها وأطوارها التي منها حال تلفها برد مثلها أو قيمتها. وهذا الذي ذكره - قدس سره - أحد الوجوه التي ذكروها للضمان المستفاد من النبوي المذكور، وحاصله وجوب رد المال إلى صاحبه وادائه إليه حسب ما يمكن من الاداء من رد شخصه الخاص أو نوعه أو ماليته. وعليه فيمكن الضمان بهذا المعنى على كل من الايدي المتعاقبة على مال الغير، غاية الامر يكون من قبيل الواجب الكفائي على الكل بمعنى أنه يجب على كل الاداء ان لم يؤد غيره ويسقط الوجوب عن الكل بأداء البعض ويعاقب الكل لو لم يحصل الاداء من أحدهم. هذا ولكن القول بأن مرجع الضمان إلى الحكم التكليفي بوجوب الرد خلاف التحقيق وظاهر دليل " على اليد " فان الضمان بمعنى التعهد بالمضمون وكونه في عهدة الضامن حكم وضعي متأصل بالجعل لدى تحقق سببه بحسب الدليل الدال عليه، فوجوب أداء المضمون ورده للمضمون له من آثاره وهو تبع للضمان المجعول بالأصل لا أنه هو المتأصل بالجعل والضمان منتزع منه وتبع له كما، أن ظاهر النبوي الشريف " على اليد ما أخذت حتى تؤدي كون المجعول على ذي اليد والثابت في عهدته نفس ما أخذه من مال الغير ومرجع ذلك إلى حكم وضعي تنجيزي وهو ضمان العين المأخوذة وكونها

[ 349 ]

لدخول العين في عهدة من هي في يده التي مرجعها إلى وجوب الرد عليه مطلقا وعلى كل حال، من غير اعتبار له بحال وجودها كالأمانات المقيد ردها بوجودها، وبالجملة الاستيلاء على مال الغير موجب لرده عليه بقاعدة الاحترام، غير أن منه ما يكون الالتزام برده مشروطا بوجوده ودائرا مدار بقائه بمعنى كون وجوده شرطا " في الالتزام برده كيد الامانات بقسميها: المالكية والشرعية، ومنه مالا يكون مشروطا " بذلك بل يكون الالتزام برده


- على عهدة آخذها وهذا الحكم الوضعي مستتبع ومستلزم لأحكام تكليفية فعلية أو شأنية توضيح ذلك: ان المجعول والمحمول على الشخص تارة يكون من قبيل الافعال، كما يقال: عليه صلاة كذا أو صيام كذا، فالمراد أنه يجب عليه ذلك الفعل، وأخرى يكون من قبيل الاعيان والاموال كما يقال عليه كذا من النقود مثلا فالمراد انها في عهدته وذمته وهو كفيل بها لصاحبها فيجب عليه أداءها إليه ودفعها له بما يصدق عليه أنه أداء ودفع عرفا "، فالكون في العهدة من قبيل الوضع والتكليف بالاداء ونحوه متفرع عليه، وليس هو المجعول بالأصل بالمعنى المذكور من الضمان فمفاد النبوي " على اليد ما اخذت حتى تؤدى " أن ما أخذه ذو اليد واستولى عليه من مال الغير مستقر عليه وثابت في عهدته فهو ناء بثقله وملزم بتبعاته من حفظه عن التلف وما يلحق به وتدارك نقصه الحادث وارش عيبه وأجرة مثل ما استوفاه أو فات من منفعته وآداء مثله أو قيمته عند تلفه حتى يؤديه إلى مالكه هذا ولو تعاقبت الايدي على مال الغير وأخذه كل لاحق ممن سبقه فربما يشكل تعدد الضمناء للمال الواحد ويقال كيف يمكن خسارة كل منهم لمالكه عند تلفه مع انه لم يستحق الا غرامة واحدة ولا يمكن الالتزام بنظير ما التزم به سيدنا - قدس سره - من ارجاع الضمان إلى الحكم التكليفي بوجوب رد العين وأدائها عرفا " إلى مالكها وجوبا " مطلقا " بحسب حالاتها - [... ]

[ 350 ]


- الطارئة عليها وكونها من قبيل الواجب الكفائي على الجميع فان مرجع ذلك بناء على كون الضمان من قبيل الوضع لا التكليف كما أخترناه واستظهرناه من الدليل: ان كلا " من ذوي الايدي المتعاقبة ضامن ومتعهد بالمال لو لم يكن الآخر متعهدا " به وذلك لا يرجع إلى معنى محصل، فان مقتضاه عدم ضمان كل من ذوى الايدي. ثم ان المتسالم عليه ان المالك له الرجوع على كل من ذوى الايدي المتعاقبة بغرامة بدل التالف فهو مختار في الرجوع إلى من شاء وتغريمه لكن لو رجع إلى الأخير منهم، وهو من تلفت العين تحت يده لا يرجع بما غرمه للمالك على من سبقه ولو رجع المالك إلى السابق وغرمه فله الرجوع على اللاحق بما غرمه للمالك وهو يرجع على من لحقه وهكذا حتى يكون قرار الضمان على من تلف المال تحت يده فربما يقال ان كلا من ذوي الايدي المتعاقبة إذا كان ضامنا " للمال الذي استقرت يده عليه بمقتضى دليل على اليد فما الموجب لرجوع السابق بغرامته للمال على اللاحق مع انه مثله في ضمانه للمال الذي كان تحت يده وفي شمول دليل على اليد له ايضا. والحاصل ان الاشكال من جهتين: الاولى - ان كلا من ذوى الايدي المتعاقبة إذا كان ضامنا " ومتحملا غرامة بدل التالف للمالك بمقتضى دليل " على اليد " فاللازم دفع ابدال إليه مع انه لا يستحق الا بدلا واحدا ". الجهة الثانية إن المالك لو رجع ببدل العين التالفة على السابق، فلماذا يرجع بما غرمه للمالك على من لحقه مع أنه مثله في الضمان بسبب اليد، ثم ان شيخنا المرحوم (صاحب الجواهر قدس سره) تخلص عن الاشكال بأن خطاب من استقر الضمان عليه - وهو من تلف المال عنده وضعي ذمي وخطاب غيره ممن استقرت يده على المال تكليفي محض. ولذا يرجع - [... ]

[ 351 ]


- على من تلف المال عنده بغرامته للمالك إذا رجع عليه بها. وعليه فلا تعدد في شغل الذمم بالابدال مع وحدة المال. هذا ولكن قبل عليه - كما اله سيدنا - قدس سره - ايضا -: ان ذلك في تفكيك بين ضمانات الايدي مع استفادة الكل من دليل واحد وهو عموم على اليد ولكنه - رحمه الله - تخلص عن اشكال تعدد الشغل مع وحدة المال بما سبق من كلامه من ارجاع الضمان المستفاد من الحديث إلى الحكم التكليفي بوجوب الرد إلى المالك وجوبا " مطلقا " غير مقيد ببقاء العين. وعليه فيمكن كون الوجوب على كل من ذوي الايدي كفائيا " مرجعه: أنه يجب عليه الاداء ان لم يؤد غيره، لكنا ذكرنا ان ارجاع الضمان إلى الحكم التكليفي خلاف التحقيق من كونه من قبيل الوضع لا التكليف. وقد وجه سيدنا - قدس سره - رجوع السابق من ذوي الأيدي إلى اللاحق دون من سبقه بقوله: فالأحسن في توجيه ذلك هو أن يقال: ان من يدفع البدل إلى المالك يرجع به على من انتقل منه إليه لان العين مقبوضة له منه ولو بالواسطة دون من انتقلت إليه منه لان العين مقبوضة منه، فكيف يمكن منه مطالبة بدلها مع كون نفس العين مقبوضة منه، وهل هو بالنسبة إليه الا جمع بين البدل والمبدل. توضيح ذلك: أن بدفع البدل إلى المالك قام الدافع مقام المالك قهرا فيما كان له من الحق قضاء لحق البدلية وان كانت قهرية، ومقتضاه الرجوع على من أخذ المال منه ولو بالواسطة، فنسبة الآخذ من الدافع كنسبة الاول من المالك، فلا يرجع به على من لم يأخذ المال منه كما لا يرجع المالك كذلك انتهى. ولعل مراده - قدس سره - إن المالك للعين كان له الرجوع على كل من أخذ العين واستولى عليها بالزامه بردها إليه مع وجودها ودفع بدلها [... ]

[ 352 ]


عند تلفها فمن رجع عليه المالك من ذوى الايدي المتعاقبة على العين ببدلها عند تلفها فيدفعه للمالك يثبت له ما كان للمالك من حق الرجوع على من أخذ العين منه ولو كان أخذه بالواسطة قضاء لحق البدلية، وان كانت قهرية فان دفعه البدل للمالك حكم شرعي ملزم به آخذ العين والمستولى عليها، وهو وان كان تغريما له من الشارع ولكنه بدل قائم مقام المبدل، فدافعه يقوم مقام المالك له ويستحق ما كان يستحقه من الرجوع على من أخذ العين ببدلها، وعليه فلو رجع المالك على السابق ببدل العين التالفه وأخذه منه فله الرجوع على من لحقه لكونه عند دفع البدل للمالك قائما مقامه فيستحق البدل ممن اخذ العين منه ولو بالواسطة كالمالك قبل اخذه البدل منه بخلاف ما لو رجع المالك على اللاحق وأخذ بدل العين منه، فانه لا يرجع بما دفعه للمالك من البدل على سابقه لكونه، آخذا للمبدل منه فلو أخذ البدل منه يكون جامعا " بين البدل والمبدل. نعم لو كان للاحق لاحق آخر اخذ العين منه فله الرجوع عليه بما دفعه للمالك من البدل حتى يستقر الضمان على من تلفت العين عنده، فليتأمل هذا. ولعل الاوجه في دفع الاشكال ما ذكره شيخنا الانصاري - قدس سره - وأوضحه الأستاد - قدس سره - وهو مبنى على ما هو التحقيق: من أن الضمان المجعول بدليل. " على اليد " حكم وضعي متأصل بالجعل وان استتبع احكاما " تكليفية فعلية أو شأنية توضح ذلك: إن ما يمكن تصوره في ضمان ذوي الإيدي على مال الغير وجوه ثلثه: أحدها اشتراك الكل في ضمانه بنحو المجموع فيضمن كل منهم بعضه، وهذا انما يتجه فيما لو استولى الكل على المال دفعة واحدة بان كان تحت يد الكل في زمان واحد فيشترك الكل في ضمانه بمعنى ضمان كل بعضه ولا يتجه ذلك فيما نحن فيه من الايدي - [... ]

[ 353 ]


- المتوالية على المال بنحو التعاقب وكون المال في كل زمان تحت يد من الايدي بنحو الاستقلال. الوجه الثاني - أن يكون كل من ذوى الأيدي يضمن المال بتمامه في عرض ضمان الآخر فتكون العين مضمونه لكل منهم في زمان واحد وهذا انما يتجه بناء على ما اختاره سيدنا - قدس سره - ومن قال بمقالته من إرجاع الضمان إلى الحكم، التكليفي بلزوم رد العين بنحو الاطلاق وعدم التقييد ببقاء العين بل وجوب الرد ولو مع تلفها برد مثلها أو قيمتها مما هو رد للعين عرفا ". وعليه فيمكن أن يجب على الجميع أداء العين مطلقا " إلى مالكها بنحو الواجب الكفائي بمعنى كون كل من ذوى الايدي يجب عليه الرد والاداء لو لم يؤد غيره، ولكن بناء على ما اخترناه من أن الضمان حكم وضعي متأصل بالجعل من الشارع بمعنى كون المضمون في عهدة الضامن وذمته فكما لا يعقل كون المال الواحد في زمان واحد في مكانين خارجا عرضا "، فكذا لا يمكن اعتبار كون المال في ذمتين بنحو يكون كل منهما مشغول الذمة بتمامه. نعم يمكن التبعيض في الشغل، ومن هنا كان الضمان العقدي موجبا " لنقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن كما استقر عليه المذهب، وليس من ضم ذمة إلى ذمة كما هو كذلك عند العامة والأعيان المضمونة باليد انما يصح ضمانها بالضمان العقدي الناقل بعد التلف وعليه فتشتغل ذمة الضامن بما اشتغلت به ذمة المضمون عنه من بدلها مثلا أو قيمة بحسب المضمون وتبرء ذمة المضمون عنه من ذلك. وأما في مورد بقاء العين المضمونة. فمرجع ضمانها تعهد الضامن للمضمون له بالزامه ذا اليد يردها إليه كما ان ما يدعى تسالم الاصحاب عليه من ضمان درك المبيع للبايع ودرك الثمن للمشتري ليس من قبيل الضمان العرضي واشتغال ذمتين بمال [... ]

[ 354 ]


واحد، بل مرجع ضمان شخص عن المشتري للبايع عهدة المبيع فيما لو خرج الثمن مستحقا للغير أو ضمانه للمشتري عهدة الثمن فيما لو خرج المبيع مستحقا " خسارة الضامن بدل المضمون من ماله للمضمون له عند امتناع اخذه من المضمون عنه مع وجود المضمون أو امتناع أخذ بدله من المثل أو القيمة عند تلفه. وأما مع وجوده وامكان اخذ المضمون منه أو امكان أخذ بدله مثلا أو قيمة في صورة تلفه، فالضامن المكلف بالرد للعين الموجودة أو الملزم بأداء مثلها أو قيمتها في صورة تلفها هو المضمون عنه نعم غاية ما يمكن: أن يقال: أنه يجب على من ضمن عهدة المبيع فيما لو خرج الثمن مستحقا " أو عهدة الثمن فيما لو خرج المبيع مستحقا " الزامه الضامن برد العين أو الزامه باداء بدلها مثلا أو قيمة في صورة تلفها ولا بأس بذلك مع مساعدة الدليل وقيام الاجماع عليه وليس ذلك من الضمان العرضي الذي قلنا بعدم تعقله بالنسبة إلى ضامنين للمال في زمان واحد. الوجه الثالث - من وجوه ضمان الايدي المتعاقبة على مال الغير كون ضمان اللاحق في طول ضمان السابق لا في عرضه كما في الوجه الثاني، ومحصل ذلك كون الاول ضامنا " للمالك نفس العين بمعنى كونها في عهدته، والثاني ضامن لما ضمنه الاول وتعهد به ومقتضاه كون ذمة الثاني مخرجا لما في ذمة الاول وما على الاول من ثقل العين وتبعاتها ملزما به الثاني، فما يدفعه الاول للمالك من البدل المتدارك به العين التالفة عند رجوع المالك عليه به إنما هو تدارك لما هو في ذمة الثاني ودفع لما هو ملزم به فله الرجوع عليه بما دفعه للمالك لاشتغال ذمته بما اشتغلت به ذمة الاول للمالك وهكذا كل سابق بالنسبة إلى ما لحقه. والحاصل بعد ما ذكرناه من عدم الوجه في اشتراك ذوي الايدي - [... ]

[ 355 ]


- المتعاقبة على مال الغير بضمان بدله للمالك بنحو التوزيع عليهم لعدم استيلائهم على المال دفعيا " وانما كان بنحو التعاقب وذكرنا ايضا عدم الوجه لضمان كل من ذوى الايدي المتوالية ضمانا " عرضيا " للمالك لعدم تعقل كون المال الواحد في زمان واحد في ذمتين وكونه ثابتا " ومستقرا " على عاتق شخصين اعتبارا "، كما لا يتعقل كونه كذلك في مكان واحد خارجا "، فالمتعين كون ضمان ذوى الايدي للمال طوليا " بمعنى كون الاول يضمن العين بماليتها للمالك والثاني يضمن ما ضمنه الاول له بنحو تكون ذمته مخرجا لما في ذمة الاول وما على الاول ثابتا " ومستقرا " على الثاني، فان رجع المالك على الاول ببدل العين التالفة رجع بما اداه للمالك من البدل على الثاني وان رجع به، اي بالبدل على الثاني لا يرجع بما اداه للمالك على الاول. والوجه في ذلك: أن الاول عند ضمانه العين لمالكها بوضع يده عليها لم تكن مضمونة على احد قبله فهو يضمنها بماليتها للمالك بخلاف الثاني فانه يوضع يده عليها بعد الأول ضمنها بما هي مضمونة على الاول يبدلها، وعليه فهو أي الثاني ضامن للمالك بدل العين نظرا " لوضع يده العادية عليها فله الرجوع به عليه وأخذه منه كما أنه ضامن للاول البدل الذي أخذه المالك منه عند رجوعه عليه نظرا " لكونه ضامنا " ما ضمنه للمالك من بدل العين، ولكن المالك لو رجع ببدل عينه التالفة على الثاني وأخذه منه لا يرجع بما أداه للمالك على الاول لأنه لم يضمن للثاني ما أخذه المالك منه من بدل العين التالفة، فانه أي الاول لم يضمن الا للمالك لو رجع عليه ببدل العين بخلاف الثاني فانه يوضع يده عليها بعد الاول يضمن العين لمالكها ببدلها لو رجع عليه به كما أنه يضمن للاول بدلها المأخوذ منه للمالك عند رجوعه عليه وأخذه منه فيخسره له. وبالجملة: أن الاول لا يضمن الا العين للمالك والثاني [... ]

[ 356 ]


- باخذه العين من الاول يضمنها للمالك بسبب وضع يده عليها ويضمن ايضا للاول بدلها المأخوذ للمالك منه بسبب كونه ضامنا ما ضمنه الاول للمالك من بدل العين التالفة نظرا " لأخذه العين منه وضمانه ما ضمنه من بدلها وذلك مقتضى كون ضمان الثاني في طول ضمان الاول لا في عرضه. والحاصل ان الضمان الطولي للايدي المتعاقبة على مال الغير وكون المتأخر يضمن ما ضمنه المتقدم عليه دون المتقدم فانه لا يضمن ما ضمنه المتأخر عنه بكمال الامكان ثبوتا ولا يرد عليه ما ورد على الضمان العرضي من الاشكال انما الكلام في وجه دلالة (على اليد) على الضمان بالنحو المذكور فيقال: ان عموم " على اليد " ينحل إلى قضايا متعددة بعدد أفراد موضوعاتها فكل يد يخصها فرد من الحكم بالضمان ولا موجب لكونه مراعى بتلف العين بل هو ثابت مع وجودها هي نعم ظرف مطالبة المالك بدلها مثلا أو قيمة انما هو بعد التلف ثم ان مقتضى عموم " على اليد " للايدي المتوالية على مال الغير بنحو التعاقب كون كل حكم من الأحكام المتعددة ثبوته لموضوعه بالنحو الذي اتصف به الموضوع عند الحكم عليه، فآخذ العين من المالك ضامن لها ومستقر عليه بدلها عند تلفها، فان أخذها غيره منه فانه وان ضمنها للمالك كالاول الا ان نحو ضمانه لها يختلف عن ضمان الاول لها فان الاول عند ضمانه باخذ العين من المالك لم يضمنها مضمونة على أحد قبله، بخلاف الثاني فانه لما أخذها من الاول ضمنها بما هي مضمونة عليه لكون استقرار يده عليها بعد استقرار يد الاول عليها فهو ضامن لما استقر ضمانه على الاول فتكون ذمته مخرجا لما هو في ذمة الاول وتشتغل بالعين بما هي في ذمة الاول ومستقرة عليه لا بالعين مجردة عن وصف كونها في ذمة أحد قبله كضمان الاول لها ومرجع ذلك إلى ضمان الثاني البدل الذي هو على الاول واشتغال ذمته به ومقتضى اطلاق [... ]

[ 357 ]


دليل " على اليد " بالنسبة إلى الثاني المقتضى لشمول ضمانه للبدل الذي هو على الاول لصورة ما إذا رجع المالك به على الاول واخذه منه وعدم تقييده بما إذا لم يرجع المالك به على الاول بل رجع عليه: هو تبدل ضمانه واشتغال ذمته بالبدل الذي كان عليه للمالك قبل أداء الاول إلى ضمانه واشتغال ذمته فعلا للاول بما أداه إلى المالك من بدل العين عند رجوعه عليه وأخذه منه فعليه حنيئذ اداء يدل المأخوذ من الاول من بدل العين إليه اي إلى الاول ويلزمه دفعه إليه فاتضح بذلك موافقة مقام الاثبات لمقام الثبوت. ثم ان ما قربناه من الضمان الطولي وما وجهنا به هو مراد شيخنا الانصاري - قدس سره - حيث يقول: " فهذا الضمان يرجع إلى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل - إلى قوله -: فما يدفعه الثاني إنما هو تدارك لما استقر تداركه في ذمة الاول بخلاف ما يدفعه الاول " الخ. فمراده على الظاهر بقوله (فهذا الضمان) الخ أن الثاني بأخذه العين من الاول يضمن أحد الأمرين لاحد الشخصين: أما المبدل وهو العين للمالك لو رجع عليه فيضمنها ببدلها ويخسره له، أو بدلها للاول لو رجع المالك به عليه واخذه منه فيضمنه الثاني ويخسره للاول ببدله إذا رجع عليه بما اداه للمالك من البدل. وما ذكره قدس سره هو ما وجهنا به اطلاق دليل " على اليد " بالنسبة إلى الثاني. فاندفع بما ذكرناه اشكال تعدد الضمناء للمالك بنحو الاستقلال مع أنه لا يستحق الا بدلا واحدا " لما له التالف وظهر وجه رجوع السابق منهم على اللاحق بما دفعه للمالك من البدل عند رجوعه عليه واخذه منه وعدم رجوع اللاحق على السابق لو رجع المالك بالبدل عليه وأخذه منه. ثم ان الضمان بالنحو المذكور - وهو الطولى - كما تصورناه في ضمان [... ]

[ 358 ]


- الأيدي المتعاقبة على مال الغير كذلك يتصور فيما يكون بالعقد أو الاتلاف والغرور ولكنه، وان ساوى الضمان بالعقد أو الغرور بالاتلاف في طولية الضمان، لكنه يختلف عن الضمان فيهما من حيث جواز رجوع المالك إلى كل من الضمناء في تعاقب الأيدي وعدم جواز رجوعه الا إلى البعض في الموردين الآخرين. ومنشأ ذلك: اختلاف دلالة دليل الضمان، فدليله في تعاقب الأيدي حديث " على اليد " المقتضى لضمان كل من ذوى الايدى على المال وكون الجميع في زمان واحد ضامنا " مال الغير بنحو الطولية لاستيلاء كل منهم على المال طولا فللمالك الرجوع إلى أيهم شاء ولكن يرجع السابق بما اداه للمالك من بدل العين على اللاحق لكونه ضامنا لما ضمنه دون العكس - على ما قربناه من طولية الضمان - وأما الضمان الذي هو بالعقد أو الاتلاف والغرور فلا يجتمع الضمناء فيهما بالزمان، فان الضمان العقدي حيث كان مقتضاه عند الامامية نقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وليس هو ضم ذمة إلى ذمة كما هو كذلك عند العامة، فلا اجتماع في الضمان للمالك في المذهب، بل المال قبل تحقق الضمان بالعقد كان في ذمة المديون وهو المشغول به وبعد الضمان تشتغل به ذمة الضامن وتبرء ذمة المديون من المضمون والكاشف عن برائة ذمة واشتغال اخرى توقف صحة الضمان ونفوذه على رضا المضمون له وقبوله وعدم كفاية تعهد الضامن له بالمال إذ لو كانت ذمة المضمون عنه وهو المديون بعد ضمان الضامن باقيا " اشتغالها، ومقتضى الضمان ضم الضامن ذمته إلى ذمة المضمون عنه فيصح للمضمون له الرجوع إلى ايهما شاء فما الموجب لتوقف ذلك على رضا المضمون له إذ الضامن على هذا لم ينقل الدين إلى ذمته من ذمة المضمون عنه وانما اشغل ذمته به وأضافها إلى ذمة المديون، وذلك لا يقتضى التوقف على رضا المضمون له - [... ]

[ 359 ]


- هذا ولو كان الضمان بالعقد بالتماس المضمون عنه من الضامن فانه اي المضمون عنه يضمن ما يؤديه الضامن للمضمون له بملاك الاستيفاء فانه استوفى ما أداه الضامن في وفاء دينه بطلب منه فيضمنه له الا إذا كان الضامن متبرعا " بما اداه للمضمون له ولم يكن قاصدا " الرجوع به عليه. وهذا - أي الضمان بالتماس المضمون عنه - ايضا من الضمان الطولي وطوليته أوضح من ضمان الضامن دين المضمون عنه للمضمون له إذ الضامن الذي يضمن الدين للمضمون له يمكن ان يقال: وان كان ذلك خلاف المذهب بان الضامن ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه فالضمان منه في عرض ضمان المضمون عنه، ولكن هذا - أي المضمون عنه الملتمس - يضمن ما يؤديه الضامن للمضمون له فتشتغل ذمته بما يؤديه الضامن من الدين بعد أدائه، فطوليته أوضح. وأما الضمان الذي سببه اليد على مال الغير فانه في صورة تعاقب الأيدي عليه وإن كان مقتضى طوليته الضمان وكون اللاحق ضامنا " ما ضمنه السابق ينبغي ان يكون من هذه الجهة كالضمان العقدى في اقتضائه برائة ذمة السابق واشتغال اللاحق بما اشتغلت به ذمته ولكنه يختلف عنه من جهة ان ضمان اللاحق ما ضمنه السابق لم يكن بتعاقد وتراض من الضامن والمضمون له ليكون فيه اقتضاء لبرائة ذمة واشتغال اخرى بل هو بجعل من الشارع وحكم منه بسبب يده العادية على المال، وحيث كانت العين تحت استيلاء كل من ذوي الايدي بنحو الاستقلال في زمان اقتضى ذلك اجتماع الضمناء في زمان واحد للمالك فان كلا منهم بوضع يده على ماله ضمنه له إلى زمان ادائه له وجاز له الرجوع إلى أيهم شاء ببدل العين، إلا أن السابق يرجع بما أداه للمالك على اللاحق دون العكس نظرا " لطولية الضمان، وعلى كل فمنشأ الاختلاف المذكور اختلاف الدليل واقتضاء كل غير ما يقتضيه الآخر. - [... ]

[ 360 ]


- وأما ضمان الاتلاف والغرور فان الغار وان كان ضامنا " في طول ضمان المتلف المغرور من قبله لكنه لما لم يقم الاتلاف به بل بالمتلف خاصة لعدم إمكان تلف شئ بمتلفين على سبيل الاستقلال وان امكن الاشتراك فيه فليس للمالك الرجوع ببدل العين التالفة الا على متلفها وحيث كان مغرورا " يرجع فيما غرمه للمالك من البدل على من غره بحكم النبوى المعروف المنعقد على طبقه الاجماع: " المغرور يرجع على من غره ". وبالجملة لا اجتماع في الضمان في زمان واحد بحيث يجوز للمالك الرجوع بالبدل على أي الضمناء شاء إلا في تعاقب الأيدي على مال الغير لسببية كل منهم لذلك. هذا ولو استوفى المالك البدل من أحدهم ذهب حقه باستيفائه وبرئت ذمة الجميع من ناحية المالك السابق واللاحق لوحدة حقه المفروض استيفاؤه نعم يرجع السابق منهم على اللاحق بما أداه للمالك عند رجوعه عليه ما لم يكن غارا " للاحقه، لما ذكرنا من أن ذمته مخرج لما في ذمة السابق مخرجيه مطلقة غير مقيدة برجوع المالك عليه بل هي مخرج لما في ذمة السابق ولو رجع المالك على السابق. أما اصل مخرجية ذمته لما في ذمة السابق فانه مقتضى طولية الضمان. وأما اطلاق المخرجية فلاطلاق الدليل وهو (على اليد) فان مقتضاه ضمان اللاحق لما في ذمة السابق حتى لو رجع المالك على السابق وأخذ البدل منه فيرجع بما اداه على اللاحق بمقتضى بقاء مخرجية ذمته لما في ذمة السابق إلى ما بعد ادائه، نعم لو كان اللاحق مغرورا من سابقه لا يرجع السابق فيما اداه للمالك عليه إذ لا معنى لرجوعه عليه بما لو أداه يرجع به عليه لكونه مغرورا " من قبله. ثم إنه لا يجوز للسابق ان يرجع على اللاحق بالبدل قبل ادائه للمالك فان ما في ذمة اللاحق فعلا ليس ملكا للسابق - [... ]

[ 361 ]


- بل هو ملك للمالك فله مطالبته وأخذ حقه منه فلو لم يطالبه واخذ حقه من السابق انتقل حق المطالبة من المالك إلى السابق نظرا " إلى بقاء مخرجية ذمة اللاحق إلى ما بعد أداء السابق بمقتضى اطلاق دليل " على اليد " فيرجع السابق بما اداه إلى المالك على اللاحق فلو ادى بعض بدل العين واكتفى به المالك وعفا عن الباقي فليس له الرجوع الا بما ادى لا بكل البدل فان اللاحق انما يضمن ما يؤد به السابق للمالك ومثله الضمان بالاستيفاء، فلو ضمن شخص عن المديون دينه للمضمون له بالضمان العقدي وكان ذلك بالتماس من المديون فأدى بعض الدين واكتفى به الدائن لا يرجع على المضمون عنه الملتمس الا بمقدار ما أداه لانه الذي استوفاه من الضامن لا بكل الدين، وكذا ضمان الغرور فان المغرور يرجع على الغار بما خسره وغرمه فلا وجه لرجوعه بالكل. ولو أبرء المالك ذمة احد الضمناء مما عليه فالظاهر براءة الجميع وسقوط الحق عنه وعن السابق عليه واللاحق له. أما سقوطه عن السابق فلان ذمة اللاحق كانت مخرجا لما في ذمة السابق على ما قربناه من الطولية بنحو لو رجع المالك على السابق بالبدل جاز رجوعه عليه بما اداه، نظرا " لبقاء مخرجية ذمة اللاحق إلى هذا الحال، ولا يعقل بقاء ما في ذمة السابق مع برائة من ذمته مخرج لما في ذمته فلا بد من سقوط ما في ذمة السابق بذهاب ما هو مخرج لها وهي ذمة من برئت ذمته عن الضمان بابراء المالك لها، وأما براءة ذمة اللاحق فلان ذمته انما تشتغل بما في ذمة السابق فكما ان حدوث اشتغالها بما في ذمة السابق موقوف على ثبوت شغلها اي شغل ذمة السابق فكذا بقاء شغلها يتوقف على بقاء شغل ذمة السابق فببرائة -

[ 362 ]


- ذمة السابق تبرأ ذمة اللاحق أيضا، فان ما في ذمة السابق في ذمة اللاحق فإذا ذهب ما في ذمة السابق لم يبق شئ يكون في ذمة اللاحق. هذا كله بناء على ما هو التحقيق: من طولية الضمان في الضمناء المتعدين ووحدة الحق فبسقوطه لم يبق حق للمالك يطالب به الآخر. وأما بناء على عرضية الضمان وتعدد الحق فسقوط احد الحقوق بالابراء لا يقتضي سقوط غير المبرء منها كما هو ظاهر. ولو صالح المالك احد الضمناء فلا اشكال في سقوط حق المالك كما في الابراء فليس له الرجوع على السابق على المتصالح معه ولا على اللاحق له. إنما الكلام في رجوع المتصالح على من لحقه، فهل الصلح كالابراء فلا يرجع على اللاحق أو ليس كالابراء واما عدم رجوعه على من سبقه فهو واضح، فنقول - قبل بيان ما هو الحق -: ان الصلح عقد ينشأ به التسالم على امر فإذا ورد على العين بعوض ينتج نتيجة البيع وبلا عوض ينتج نتيجة الهبة وعلى المنفعة بأجرة أو بلا اجرة ينتج نتجية الاجارة أو العارية ففي مورد كل معاملة يفيد فائدتها لا انه نفسها حتى يكون له حقائق متعددة بعدد المعاملات التي تكون موردا " له فالمنشأ بصيغة الصلح في صلح العين بالعوض مثلا ليس تمليك العين بالعوض ليكون معنى صالحتك على ان تكون العين لك بكذا ملكتك العين بكذا. ومن هنا: لا تتعدى إلى مفعولها الثاني بنفسها كما في ملكتك بل المنشأ بصيغته التسالم والتباني وما وقع عليه الصلح هو المتسالم عليه ففي صلح العين بالعوض يقع التسالم من الطرفين على ان تكون العين مملوكة للطرف بعوض معين. ومن هنا لم يكن بيعا " إذ لم يقع انشاء على تمليك العين بالعوض ولكنه افاد فائدته وهو التسالم على تمليك العين بالعوض. ثم انه لو وقع على ما في ذمة شخص يكون كبيعه منه أو هبته له موجبا " لانتقاله إليه ثم اسقاطه عن ذمته لعدم -

[ 363 ]

ثابتا " في جميع حالاته وأطواره التي منها حالة تلفه غير أن رد بدله عند التلف رد له عرفا وطور من أطواره فدفع البدل حينئذ من شئونات دفع العين وردها ويعبر عن هذا النحو من الالتزام المطلق بالضمان والعهدة، ويطلق على العين بمجرد الاستيلاء عليها: أنها مضمونة وفي عهدة المستولي عليها وان كانت موجودة. ومنه ظهر أن الاصل في اليد بقاعدة الاحترام هو الضمان إلا ما ثبت تقييد الالتزام برده على وجوده كيد الامانة، فإذا ترتبت الايدى على مال الغير دخل في عهدة الجميع وكانت مضمونة عليهم بالمعنى المتقدم الذي مرجعه إلى اشتراك الكل في الالتزام برده إلى مالكه ولو برد بدله عند تلفه لانه من شؤناته وليس ثبوت البدل في ذممهم بنحو استقرار المظروف في الظرف حتى يستحيل اشتغال ذمم متعددة بمال واحد بل العين متعلقة بالذمة وداخلة في العهدة في كلتا حالتي وجودها وعدمها الموجب تعلقها كذلك لتعلق بدلها عند التلف بعد تنزيله منزلتها عرفا فالعين متعلقة بالذمة بجميع شؤناتها لا مستقرة فيها كى يلزم المحال والتعهدات المتعددة لشئ واحد أمر معقول وثابت شرعا " بالاجماع عندنا في ضمان كل من العوضين عن البايع والمشترى، بل قد عرفت أنه على القاعدة، فهو نظير الواجب الكفائي في العبادات، وفي المعاملات نظير القول بالضمان على مذهب الجمهور من ضم ذمة إلى ذمة مع عدم إنكار أحد منا عليهم بأنه محال، بل غاية ما قيل عليهم عدم اقتضاء دليل الضمان ذلك، بل مفاده النقل والتحويل دون الانضمام فالكل مكلفون بالرد بخطاب الوضع ايضا ". إذا عرفت ذلك فاعلم: أن للمالك فيما لو ترتبت الايدى على ماله الرجوع على كل منهم أو من شاء منهم بالكل أو بالبعض موزعا " عليهم


- تعقل ملكية الانسان شيئا على نفسه فالفارق بين الابراء لما في الذمة وبين الصلح عليه: ان الابراء موجب لاسقاطه ابتداء والصلح موجب لانتقاله

[ 364 ]

بالتساوى أو بالتفاوت لان الرجوع عليه بالكل يقتضى الرجوع عليه بالبعض بالاولوية ويرجع من رجع المالك عليه بما أدى له على من لحقه دون من سبقه ويستقر الضمان على من تلف في يده فلا يرجع هو على غيره، وكله مسلم عندنا من غير خلاف يعرف. وقد ظهر لك وجه الاول بما لا مزيد عليه.


إلى صاحب الذمة ثم اسقاطه عنه ثانيا "، وكذا الحال في بيع ما في ذمة الشخص وهبته له. إذا عرفت ذلك، فنقول: إذا كان في الصلح على ما في ذمة الشخص حيثية الاسقاط مترتبة على حيثية الملك والانتقال، فمن ناحية الحيثية الاولى وهي تملك المصالح ما في ذمته وان صح له الرجوع على من لحقه نظرا " لقيامه مقام المالك حينئذ فله المطالبة ممن لحقه بالبدل، لكن نقول: مطالبة السابق من اللاحق لقيامه مقام المالك انما تصح فيما إذا أدى السابق البدل للمالك فيرجع بما اداه على اللاحق لكونه ضامنا " ما ضمنه. وأما لو صالحه المالك صلحا " مجانيا " على ما في ذمته بلا عوض فلا وجه لمطالبته من اللاحق البدل. ومجرد تملك السابق ما في ذمته آناما بسبب الصلح ملكا غير مستقر لا يترتب عليه سوى برائة ذمته لا يكفي في قيامه مقام المالك إذ لا بقاء للملكية المذكورة، فلا حق له يطالب به اللاحق، وان شئت قلت: ان الصلح الذي لا أثر له الا اسقاط ما في ذمة من صالحه المالك هو بمنزلة الابراء، وقد ذكرنا ان المالك لو أبرأه احد الضمناء برئت ذمة الجميع وذكرنا وجهه. هذا فيما لو كان الصلح بلا عوض، وأما ما كان بعوض فيرجع المتصالح على من لحقه بمقداره وهو واضح إذ اللاحق يضمن ما ضمنه السابق وما خسره للمالك، ثم لو عادت العين من اللاحق إلى السابق انعكس الحكم لكون السابق صار لاحقا فلو رجع المالك عليه لا يرجع على من كان -

[ 365 ]

وأما الثاني وهو الموضع الثالث من المواضع الثلاثة وهو رجوع من رجع المالك عليه على اللاحق دون السابق عليه (1) فقد وجهه شيخنا - قدس سره - (في مكاسبه) بما لفظه: أن السابق اشتغلت ذمته له بالبدل قبل اللاحق فإذا حصل المال في يد اللاحق فقد ضمن شيئا له بدل فهذ الضمان يرجع إلى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل إذ لا يعقل ضمان المبدل معينا " من دون البدل والا خرج بدله عن كونه بدلا فما يدفعه


- لاحقا " بخلاف ما لو رجع المالك على من كان لاحقا فانه يرجع على من كان سابقا " عليه لكونه لاحقا " له فعلا، وقد ذكرنا أن السابق يرجع بما غرمه للمالك على من لحقه إذا لم يكن غارا " له واما مع الغرور فلا يرجع بغرامته عليه إذ لا وجه لرجوعه على من إذا رجع المالك عليه يرجع بما غرمه عليه لكونه غارا " له ولو تعدد الغار في سلسلة الايادي المتوالية فكل مغرور يرجع على من غره، لا على غار مغرور آخر. (1) إنا - وإن ذكرنا فيما سبق كيفية ضمان الإيدي المتوالية على مال الغير - وبما انه يحصل بتكرار الكلام في ذلك زيادة وضوح، فنقول: إن ضمان اليدي المتعاقبة على مال الغير في عالم التصور يمكن أن يكون على انحاء. الاول - كونه من قبيل الواجب الكفائي بمعنى أن كلا من ذوي الأيدي يضمن المال لو لم يكن الغير ضامنا له. وهذا الوجه انما يتم بناء على ان المجعول بالاصل في باب الضمان هو الحكم التكليفي والضمان منتزع منه وتبع له وعليه فيمكن كون كل من ذوي الايدي مكلفا " باداء المال إلى مالكه ما لم يؤده غيره فلو ادى البعض سقط الوجوب عن الكل. ولو لم يتحقق الاداء عوقب الكل شأن الواجب الكفائي. واما بناء على ان الضمان من قبيل الوضع لا التكليف وان مرجعه كون عهدة الضامن وذمته - [... ]

[ 366 ]


- محلا وطرفا " اعتباريا للمضمون نظير الظرف الخارجي للشئ فكما لا يتصور أن يقال: إن زيدا " مثلا في الدار لو لم يكن في غيرها وفي نفس الوقت في غيرها لو لم يكن فيها كذلك لا يمكن اعتبار كون المال في ذمة زيد مثلا لو لم يكن ذمة غيره وفي عين الوقت في ذمة غيره لو لم يكن في ذمته فان مرجع ذلك إلى عدم كونه في الذمتين. وبالجملة بناء على كون الضمان من قبيل الوضع لا التكليف لا معنى لكونه كفائيا نعم بناء على كونه من قبيل التكليف وان مرجعه إلى لزوم اداء مال الغير إليه على آخذه وتداركه له فكونه من قبيل الواجب الكفائي موجه. ولعله الظاهر من كلام سيدنا - قدس سره - ولكنه خلاف التحقيق فان ظاهر دليل على اليد كون نفس ما اخذه ذو اليد من مال الغير على آخذه والظرف فيه ظرف استقرار لا ظرف لغو نظير قول القائل: عليك صلاة كذا وصوم كذا، مما كان ما على الشخص والملزم به فعلا من افعال المكلف وكان مرجعه إلى وجوب ذلك عليه، فظاهر النبوى صلى الله عليه وآله أن ما اخذه ذو اليد من مال الغير بلا استحقاق، فذمة آخذه مشغولة به إلى وقت ادائه ووصوله إلى مالكه فعليه تبعاته من لزوم حفظه وتدارك نقصه وارش عيبه واجرة ما استوفاه أو فات من منفعته واداء مثله أو قيمته عند تلفه، فالتبعات المذكورة انما هي لازمة للضمان وهو ملزوم لها لا انه نفسها ومرجعه إليها. الثاني - من الوجوه المتصورة: كون الضمان من قبيل الوضع لا محض التكليف المتصور فيه الكفائية، فكل من ذوي الايدي المتعاقبة على مال الغير مشغول الذمة به ومتحمل تبعاته إلى وقت ادائه ووصوله إلى مالكه ولازم ذلك استحقاق المالك على كل من ذوي الايدي بدلا عند تلفه، كيف وهل يستحق الا بدلا واحدا " لما تلف من ماله، ولا وجه لاشتراك الكل في ذلك - [... ]

[ 367 ]


- بان يكون على كل بعضه إذ المال لم يكن تحت الايدي في وقت واحد ليتصور فيه الاشتراك في البدل بل أخذه كل ممن سبقه واستقل بالاستيلاء عليه. (وما قد يقال): من أن خطاب من تلف عنده المال ذمي فذمته المشغولة للمالك يبدل العين وأما من سبقه فخطابه شرعي محض وللمالك باعتبار الغضب الزامه باداء ما اشتغلت به ذمة من تلف عنده المال وبالاداء يملك ماللمالك في ذمته قهرا " بالمعاوضة الشرعية فله الرجوع عليه بما ملكه بها انتهى (لم يتضح) وجهه أيضا فان الدليل الدال على ضمان من تلف عنده المال واشتغال ذمته ببدله هو عموم " على اليد ما اخذت حتى تؤدى " وهو الدليل ايضا على لزوم اداء غيره ممن سبقه باخذ المال وكيف يكون خطاب من تلف عنده المال ذمي وخطاب غيره شرعي محض مع كون دلالة حديث على اليد بالنسبة اليهما سواء مع ان تملك غير من تلف المال بيده لما في ذمة من تلف المال بيده بمجرد دفع البدل لا يعلم له سبب اختياري ولا قهرى كما أورده الشيخ الانصاري - قدس سره - على التوجيه المذكور ثم ان سيدنا - قدس سره - بعد ذكر التوجيه المذكور وعدم ارتضائه لما وجهه به قال فالاحسن في توجيه ذلك هو ان يقال: ان من يدفع البدل للمالك يرجع به على من انتقل منه إليه لان العين مقبوضة له منه ولو بواسطة دون من انتقلت إليه منه لان العين مقبوضة منه فكيف يمكن منه مطالبة بدلها مع كون نفس العين مقبوضة منه وهل هو بالنسبة إليه الا جمع بين البدل والمبدل. توضيح ذلك: ان بدفع البدل إلى المالك قام الدافع مقام المالك قهرا " فيما كان له من الحق قضاء لحق البدلية وان كانت قهرية ومقتضاه الرجوع على من أخذ المال منه ولو بواسطة فنسبة الآخذ من الدافع كنسبة الاول من المالك فلا يرجع به على من لم يأخذ المال منه كما لا يرجع المالك [... ]

[ 368 ]


- كذلك انتهى فتأمل جيدا ". ومن الوجوه التي ذكرت في مقام توارد الايدي على مال الغير: هو ان ضمان ذوى الايدى المتعاقبة عليه طولي لا عرضي. وحاصله: ان الاول منهم باخذه المال من مالكه يضمنه له وتشتغل ذمته بالعين بمالها من المالية والثاني باخذه المال من الاول الضامن له قبله يضمن ما ضمنه وتكون ذمته مخرجا لما في ذمته فيكون ما على الاول من بدله عند تلفه مستقرا " على الثاني الآخذ للمال منه حال كونه مضمونا عليه والثالث بالنسبة إلى الثاني يضمن ما ضمنه كذلك حتى تنتهى سلسلة الضمناء إلى من تلف المال تحت يده، فكل لاحق تشتغل ذمته بما اشتغلت به ذمة من سبقه بنحو تكون ذمته مخرجا لما في ذمة السابق ويكون ما عليه منه بدل ما تلف من المال مستقر على اللاحق فعليه تداركه له عند رجوع المالك عليه واخذه منه فالمالك بما انه لا يستحق سوى بدل واحد لماله التالف فله الرجوع به على من شاء من الضمناء فباخذه ممن رجع عليه يسقط حقه عن الكل نعم يبقى معاملة بعضهم مع بعض فان رجع المالك ببدل ما تلف من ماله على السابق واخذ منه رجع بما غرمه له على اللاحق لكونه ضامنا " ما ضمنه وكون ما عليه من البدل مستقرا " عليه فانه بأخذه العين منه حال كونها مضمونه عليه ببدلها يضمنها وبدلها على البدل فان رجع المالك ببدل العين على السابق واخذه منه رجع بما خسره للمالك على اللاحق لكونه بوضع يده على المال بعد وضع السابق يده عليه ضمن ما ضمنه وكان عليه خسارة ما خسره للمالك له فانه ضمن مالا مضمونا على من اخذه قبله فيضمن بدله الذي اخذه المالك منه ببدله لكونه ضامنا " ما ضمنه فعليه خسارته له وان رجع المالك على اللاحق لم يرجع بغرامته على من تقدم عليه بالضمان ما لم يكن مغرورا فيرجع بها على من غره، والفرق بين السابق واللاحق:

[ 369 ]

الثاني فانما هو تدارك لما استقر تداركه في ذمة الاول، بخلاف ما يدفعه الاول، فانه تدارك نفس العين معينا " إذا لم يحدث له تدارك آخر بعد، فان إداه إلى المالك سقط تدارك الاول له " انتهى. وحاصله: ان اللاحق قد قبض عينا " موصوفة بكونها مضمونة ومتداركه فيضمن العين وبدلها على البدلية وليس على الاول الا ضمان نفس العين وتداركها بالبدل، فما يدفعه بدلا عن العين مضمون على اللاحق ايضا ولو بنحو البدلية، وليس ما يدفعه اللاحق من البدل مضمونا على الاول لان عليه تدارك نفس العين لا العين وبدلها معا " على البدلية. وفيه اولا منع اشتغال الذمة بالبدل بعد التلف - فضلا عنه قبله - ضرورة أن قيمة الشئ المفروضة بدلا عنه ليس معناها إلا تعيين مقدار مالية الشئ المنطبق على انواع مختلفة الحقيقة من النقود وليس لها حقيقة في الخارج حتى يصح وقوعها بدلا بل هو مفهوم منطبق على حقايق مختلفة، فليس البدل الا ما يدفعه من العين الشخصية المنطبق عليها ذلك المقدار نعم في المثليات يمكن جعل كلي المثل بدلا وما يدفعه من المثل الشخصي مصداق لذلك


- من حيث رجوع السابق على من لحقه بخسارته دون اللاحق فانه لا يرجع على من سبقه هو ان اللاحق حيث كان وضع يده على المال الذي هو السبب لضمانه متاخرا " عن السابق الضامن له قبله ببدله فقد ضمن المال المضمون على السابق بوصفه الذي هو عليه عند وضع يده عليه واخذه منه، وهو كون بدله عليه أي على السابق فيكون ما على السابق من البدل ضمانه وخسارته وتداركه على اللاحق لانه باخذ المال منه ضمن ما ضمنه من بدله واشتغلت ذمته بما اشتغلت به ذمته من البدل، بخلاف السابق فانه عند وضع يده على المال المقتضى لضمانه لم يكن المال في ضمان اللاحق ليضمن ما ضمنه ويتحمل خسارته فليس الذي عليه سوى ضمان المال لمالكه ببدله ولكن اللاحق بوضع يده على المال بعد السابق يضمن -

[ 370 ]

الكلي المجعول بدلا ككلي الدرهم والدراهم الشخصية، الا أن التفكيك بين المثلى والقيمي في اشتغال الذمة وكيفيته مع كونهما مفاد دليل واحد، غير متصور. وبذلك ظهر لك عدم اشتغال الذمة بعد التلف الا بما كانت الذمة مشغولة به قبله وهو العهدة والضمان ولزوم التدارك إلى دفع البدل الموجب للخروج به عن العهدة وحصول التدارك به، فليس في ذمة السابق إلا عهدة العين لا العين وبدلها ولو بنحو البدلية. وثانيا ": ان تم ما ذكره فانما يتم في خصوص الاول دون غيره ممن سبق عليه من ذوي الأيدي المترتبة كما لو رجع المالك على الثالث أو الرابع - مثلا - فان غير الاول من السوابق قد قبضها مضمونة وعليه أيضا " تدارك العين وبدلها على البدلية فالمدفوع بدلا عن العين للمالك مضمون عليه ايضا " ولو على البدلية مع ان اللاحق يختص رجوعه على من لحقه دون من سبقه مطلقا " ولو غير الاول منهم فالدليل أخص من المدعى. ومما ذكرنا ظهر لك ايضا ضعف ما تخلص به شيخنا في (الجواهر) عن محذور تعدد الشغل مع وحدة المال بأن خطاب من لم يستقر الضمان عليه


- المال لمالكه ببدله بمقتضى وضع يده العادية عليه فيخسره للمالك لو رجع به عليه كما انه يضمن البدل للسابق ببدله لو رجع المالك على السابق واخذ بدل المال منه فيضمنه لللاحق لكونه ضامنا ما ضمنه فيخسره له لو رجع به عليه ولو كان اللاحق لاحق، فالكلام فيه هو الكلام في السابق واللاحق إذ اللاحق سابق بالنسبه إلى من لحقه فيضمن لاحق اللاحق ما اخذه المالك من اللاحق ولا يضمن اللاحق ما اخذه ممن لحقه لكونه سابقا بالنسبة إليه. وهذا ما اراده الشيخ الانصاري - قدس سره - بقوله (والحاصل ان من تلف المال في يده ضامن لاحد الشخصين على البدل من المالك ومن سبقه في اليد فتشتغل ذمته اما يتدارك للعين) يعني ببدلها للمالك عند رجوعه -

[ 371 ]

خطاب شرعي وأنه مجرد حكم تكليفي واختصاص خطاب الوضع بمن كان قرار الضمان عليه وهو التالف عنده ولذا يرجع غيره عليه لو عزم للمالك ولا يرجع هو على غيره لو رجع المالك عليه مضافا إلى ما فيه من التفكيك بين ضمانات الايدي مع استفادة الكل من دليل واحد وهو حديث " على اليد ". فالأحسن في توجيه ذلك: هو أن يقال: ان من يدفع البدل إلى المالك يرجع به على من انتقل منه إليه لان العين مقبوضة له منه ولو بواسطة دون من انتقلت إليه منه لان العين مقبوضة منه فكيف يمكن منه مطالبة بدلها مع كون نفس العين مقبوضة منه، وهل هو بالنسبة إليه الا جمع بين البدل والمبدل توضيح ذلك: أن يدفع البدل إلى المالك، قام الدافع مقام المالك قهرا " فيما كان له من الحق قضاء لحق البدلية وان كانت قهرية ومقتضاه الرجوع على من أخذ المال منه ولو بواسطة، فنسبة الأخذ من الدافع كنسبة الاول من المالك فلا يرجع به على من لم ياخذ المال منه كما لا يرجع المالك كذلك. ثم ان ما ذكرنا كله لم يفرق فيه بين مالو كان المدفوع بدلا عن العين أو عين الحيلولة بعد أن كان بدل العين بدلها ما دامت تالفة، غير أن عودها بعد التلف لما كان محالا عند العرف بنوا على دوام الحيلولة، وإلا فلو


- عليه لكونه ضامنا لها به (واما بتدارك ما تداركها) يعنى به البدل المأخوذ من السابق عند رجوعه عليه واخذه منه فيضمنه من تلف المال بيده ببدله بما انه لاحق للسابق وكونه ضامنا " ما ضمنه ومتحملا خسارته بسبب تأخر ضمانه عنده باخذه المال منه ولو بالواسطة حال كونه مضمونا عليه فيضمن له ما في عهدته من البدل للمأخوذ منه ببدله (وهذا اشتغال شخص واحد) يعنى به من تلف المال بيده (بشيئين لشخصين على البدل) يعني بالشيئين العين وبدلها وبالشخصين على البدل المالك أو السابق فانه اي اللاحق نظرا "

[ 372 ]

فرض عودها باعجاز - مثلا - رجع البدل ايضا إلى مالكه الأول على حد بدل الحيلولة، وليس ذلك الا لدوام الحيلولة عندهم في صورة التلف دون غيرها بخلاف ما لو صالح المالك على نفس العين فانها لا ترجع إليه بعد العود لوقوع البدلية حينئذ بين العينين مطلقا لا ما دامت تالفة. فالمقصود من دفع البدل في الصورتين تدارك ما فوته على المالك من سلطنته التي كانت متعلقة بعين ماله على حسب ما كان له فيها من السلطنة وحيث أنها لاتتحقق إلا بعد تحقق متعلق لها وجب دفعه مقدمة فهو محقق لموضوع المتعلق ولذا لو عاد المبدل رجع البدل إلى مالكه الاول لانتفاء موضوع التدارك حينئذ فيملك بدل الحيلولة ملكا تاما في الملكية ما دامت الحيلولة باقية ولا ينافي ذلك تزلزلها باعتبار التقييد بها. وبما ذكرنا يظهر لك الجواب عما توهم من لزوم الجمع بين العوض والمعوض فتأمل جيدا ".


- لاخذه مال الغير من السابق واستيلائه عليه يضمنه لمالكه ويتداركه له ببدله عند تلفه لو رجع المالك عليه بالبدل أما لو رجع المالك ببدل التالف على السابق واخذه منه لكون يده على المال يد ضمان فيضمن اللاحق البدل المأخوذ من السابق له اي للسابق ببدله فيتداركه به لكونه ضامنا ما ضمنه السابق ومشغول الذمة بما اشتغلت به ذمته من بدل المال. والحاصل ان الضمان الطولى بالبيان الذي ذكرناه ممكن ثبوتا ولا يرد عليه ما ورد على الضمان العرضى من اشكال استلزامه استحقاق المالك على كل من ذوي الايدى المتوالية على ماله بدلا له مع كونه لا يستحق الا بدلا واحدا " لماله التالف. انما الكلام في كيفية دلالة (على اليد) على الضمان الطولي بالمعنى المذكور فيمكن ان يقال في بيانه ان الحديث الشريف بعمومه يدل على ضمان كل من ذوي الايدي المتوالية على مال الغير وتداركه عند تلفه ببدله فالسابق باخذه المال من مالكه ولو بالواسطة عليه ما اخذه منه بتداركه له عند تلفه ببدله واللاحق باخذه المال ممن سبقه ايضا عليه ضمانه وتداركه بالبدل ومقتضى اطلاق دليل على اليد بالنسبة إلى اللاحق كونه ضامنا لما اخذه ممن سبقه في الضمان وان اخذ -

[ 373 ]

وأما نماء البدل المنفصل عنه فلا يتبع العين في الرجوع وكذا المتصل به ما لم يصدق عليه الجزئية وإلا تبع الاصل فيه وقد مر تفصيله في المعاطاة في نماء العين المأخوذة بها، فراجع هذا ولو توقف رد العين على مؤنة وجب على الضامن بذلها مقدمة للرد الواجب عليه من غير فرق بين كون المالك مباشرا " للاسترداد أو غيره وتحسب المؤنة إلى حين الايصال إلى المالك فصرف الاياب لو توقف على سفر من المؤنة ان كان المباشر غير المالك وخارج عنها ان كان هو المباشر لوصول حقه إليه قبله. ولو لم يقدر على استردادها إلا المالك وطلب عوضا " عن الاسترداد غير المؤنة، ففي وجوب بذله على الضامن مطلقا لوجوب الرد عليه المقدور له بواسطة البذل أولا كذلك تنزيلا له منزلة المتعذر فيغرم بدل الحيلولة، أو يفصل بين الاجرة المتعارفة للاسترداد وبين الزائد عليها بما يعد اجحافا "، أو يفصل بين ما يتوقف الاسترداد على عمل منه فيأخذ الاجرة عليه بازاء عمله المحترم بالتراضي وان زاد على أجرة المثل، وبين ما لا يتوقف عليه.. وجوه أقواها الاول ويتلوه الأخير في القوة ويضعف الثاني بأن دفع البدل ليس في مرتبة دفع


- المالك بدله من السابق برجوعه عليه واخذه منه وحيث ان تدارك المتدارك للمالك لا معنى ولا محصل له فلا بد من كون اللاحق عند اخذ المالك بدل العين التالفه ممن سبقه في الضمان وفرض بقاء ضمانه بمقتضى الاطلاق كونه ضامنا " للسابق البدل المأخوذ منه ببدله، وعليه فالمستفاد من دليل " على اليد " ان السابق ضامن لما اخذه من مال الغير ولو بالواسطة لمالكه ببدله ومشغول الذمة به له واللاحق باخذه المال ممن سبقه في الضمان ضامن المال لمالكه ببدله ومتحمل خسارته له لو رجع المالك عليه بالبدل لكونه ضامنا لما اخذه من المال ممن سبقه بسبب وضع يده عليه فعليه اداء بدله للمالك عند تلفه وبمقتضى بقاء ضمانه لما اخذه من السابق إلى ما بعد رجوع المالك عليه وأخذه

[ 374 ]

العين بل منوط بعدم التمكن من ردها المفروض تمكنه منه ولو بالعوض. ومنه يظهر ضعف الثالث سيما إذا كان غاصبا لانه مأخوذ بأشق الاحوال.


- بدله منه من حيث اطلاق دليل على اليد كونه ضامنا " فعلا للسابق بدله المأخوذ منه لكونه ضامنا ما ضمنه ومتحملا خسارته. فعليه تدارك ما اخذه المالك منه من بدل العين ببدله. والحاصل مقتضى دليل على اليد كون السابق ضامنا للمالك ما اخذه ببدله واللاحق ضامنا المال للمالك ببدله مع رجوعه عليه بالبدل كما انه ضامن ما اخذه المالك من السابق من بدل العين لو رجع عليه به واخذه منه فيضمنه اللاحق له ببدله وقد توافق مقام الاثبات ومقام الثبوت. ولا وجه لما يقال من أن اللاحق إذا كان ضامنا للسابق البدل المأخوذ للمالك منه بمقتضى ضمانه ما ضمنه فالسابق ايضا ضامن ما ضمنه اللاحق من بدل المال ومقتضى ذلك ضمانه البدل له ببدله. لانا نقول: ليس المناط في ضمان اللاحق البدل المأخوذ للمالك من السابق كونه ضامنا " للعين ليقال ان السابق ايضا مثله في ضمان العين لمالكها ببدلها فمقتضاه ضمانه البدل للاحق بل المناط كون اللاحق ضامنا للعين باخذها من السابق الضامن لها ببدلها فضمانه لها في طول ضمان السابق المقتضى لضمانه العين للمالك أو بدلها المأخوذ من السابق له ببدله بخلاف ضمان السابق فانه انما اخذ العين من مالكها أو ممن سبقه في الضمان ومقتضاه كونه ضامنا بدلها للمالك أو لمن سبقه في الضمان لكونه ضامنا ما ضمنه، ولا وجه لضمانه لمن لحقه في الضمان فانه لم يأخذ العين منه ليضمن ما ضمنه من البدل المأخوذ للمالك منه، وانما اخذها من المالك أو ممن سبقه فيضمن البدل للمالك أو لمن سبقه في الضمان في صورة أخذه المال منه دون ما لحقه في الضمان، فتأمل في ذلك تعرف.

[ 375 ]

هذا وحيثما أخذ المالك العوض عن الاسترداد إما مطلقا، أو على احد التفصيلين، فهل له الاكتفاء بالعوض عن استرداد العين لان المقصود من دفعه هو التوصل إلى حقه الراجع امره إليه، أولا لأنه مأخوذ عوضا " عما لم يفعله فيكون اكله اكلا للمال بالباطل؟ وجهان. ولعل الأخير هو الاقوى، فيرجع حينئذ بما دفعه للمالك عوضا " عن الاسترداد ويغرم له بدل الحيلولة الا ان يقوم بالاسترداد. هذا ولا يرجع الاول بما دفعه عوضا عن الاسترداد أو مؤنة للرد على من لحقه من الأيدي المتعاقبة لانه خارج عن عهدة العين وبدله وان وجب عليه من باب المقدمة. ثم لو رجع المالك على الاول بالقيمة في القيميات بدلا عن العين أو الحيلولة فدفع نقدا " خاصا "، فهل يتعين في رجوعه على من لحقه دفع مثل النقد المدفوع بدلا لانه القابل للبدلية لما عرفت من عدم قابلية وقوع القيمة من حيث هو بدلا بعد ان كان معناها ليس تعيين مقدار المالية، أوله دفع نقد آخر مما ينطبق عليه مقدار المالية كالاول بالنسبة إلى المالك بعد فرض كونه بالدفع قائما مقامه؟ وجهان والله العالم. تذييل لو مزج المشتري المبيع فضولا مع رد المالك بماله، ثم اودع المجموع عند شخص أمانة، ففي وجوب رد الجميع إليه مع المطالبة أو القسمة ودفع ما يتعين له بها قولان (1) والأول ظاهر الاكثر، لتصريحهم في مسألة مالو


(1) الذي ينبغي أن يقال في المسألة ونظائرها مما يكون مال الغير تحت يد شخص ضامن له فمزجه بماله ثم أودع المجموع عند آخر: إن الكلام يقع في مقامين: -

[ 376 ]

مزج الغاصب المغصوب بماله ثم أودعه بأنه يجب على الودعى رد الجميع إليه مع المطالبة، بل الفتوى بذلك منسوبة إلى الاكثر، بل المشهور، بل عليه الاجماع المحكي في (الغنية) و (السرائر) صريحا وفي (الايضاح) وغيره ظاهرا ". وفي (مفتاح الكرامة): رد " الجميع على المودع خيرة المقنعة والنهاية والمراسم والوسيلة والشرايع والنافع والارشاد والتنقيح وايضاح النافع والرياض والغنية والسرائر وفي الاخيرين الاجماع عليه. وهو - أي الاجماع ظاهر الايضاح وشرح الارشاد لفخر الاسلام وجامع المقاصد حيث نسب فيها إلى الاصحاب. وفي إيضاح النافع: إنه المشهور وأنه يشهد له النظر " انتهى. بل وفيه ايضا ": " انه أول من تأمل في ذلك المصنف في (التذكرة) فانه - بعد أن افتى برد الجميع - قال: و " يحتمل عندي رد قدر مال اللص إليه واحتفاظ الباقي لمالكه والقسمة هنا ضرورية المشعر ذلك باطباق من تقدم عليه على ذلك ". قلت لم اعثر له على وجه في كلماتهم يصلح لذلك، فالمسألة مشكلة جدا ". ولذا اضطربت فيها كلمات متأخرى المتأخرين. وقوى بعضهم احتمال القسمة فيه، بل اختاره.


- المقام الأول فيما تقتضيه القاعدة بالنسبة إلى الحكم من ناحية المزج، وأن صاحب المال ماذا يستحق، وما حكم المسألة من تلك الناحية، المقام الثاني فيما تقتضيه القاعدة من ناحية الوديعة وما يكون حكم الودعي، فهل يجب عليه دفع المجموع للمودع عند مطالبته لذلك أو يجب عليه حفظ المقدار الذي يستحقه صاحب المال المضمون له ليدفعه إليه، وأما المودع فيدفع إليه ما يستحقه من مجموع المال فقط ولا يجوز له دفع الكل إليه. أما الكلام من الناحية الأولى، فهو إن مزج الغاصب أو من هو بمنزلته مال الغير بماله: تارة يكون بحيث تذهب به صورة مال الغير -

[ 377 ]

والذي يمكن أن يكون وجها " لهم في ذلك: أما دعوى التلف الحكمى بالمزج أو منع كون المورد من موارد القسمة التي يتولى أمرها غير الشريكين وتنقيح ذلك موقوف على ذكر مقدمة تتكفل لبيان أمرين: الاول بيان معنى الشركة المزجية وسببية المزج لها، والثاني في بيان القسمة للشركة الحاصلة بالمزج.


- النوعية حقيقة أو عرفا "، كما لو مزجه بغير جنسه واستهلك فيه، كمزج مقدار من الحليب باضعافه من الماء بنحو موجب لذهاب صورة الحليب حقيقة، وكخلط مقدار من دقيق الحنطة - بطحين الشعير - مثلا - بنحو تذهب صورة الحنطة بالمزج وتنقلب إلى صورة الشعير عرفا "، واخرى - لم يستهلك مال المغصوب منه في مال الغاصب ولم تذهب صورته النوعية، كما لو امتزج بجنسه أو بغير جنسه مع بقاء صورته النوعية كمزج حقة من الحليب بمقداره من الماء. وبالجملة، فرض الاستهلاك إنما يتحقق بالامتزاج بغير الجنس مع ذهاب الصورة فلو مزجه الغاصب بجنسه، فان كان مال الغاصب مساويا " لمال المغصوب منه، من حيث الجودة والرداءة اشتركا في العين شركة حقيقية وأما لو كان مال المالك المغصوب منه أجود من مال الغاصب اشتركا في المالية، فيباع المجموع ويعطي المغصوب منه مقدار قيمة ماله، ولا يصح الاشتراك في العين في الصورة المذكورة، إذ لو أعطى المالك مقدارا " من العين زائدا " على مقدار ماله بدلا عن وصف الجودة استلزم ذلك الربا بناء على جريانه في غير المعاوضات من الضمانات كما هو الأقوى. وبما أن صفة ماله محترمة فتباع العين ويعطى من القيمة مقدار ماله موصوفا " ولو كان مال الغاصب اجود، فلا مانع من الاشتراك الحقيقي في العين إذ لا احترام لوصف الجودة حينئذ فيستحق المالك من العين مقدار نسبة ماله إلى المجموع

[ 378 ]

فنقول مزج المالين لا يخلو من صور لانه: إما أن يكون المزج بحيث يتولد منه شئ ثالث ينتفي عنه اسم كل منهما ولا يصدق عليه إلا اسم المركب منهما كالدهن بالدبس واللبن بالعسل - مثلا - مزجا " تاما بحيث لا يكاد يدرك جزء منه الا وهو مركب منهما أولا يخرج به عما كان يصدق عليه قبله وكان مع ذلك لا يتحقق جزء إلا وهو مركب منهما كمزج المتساويين جنسا " ووصفا " نحو الدهن بالدهن والدبس بالدبس، أو يكون المزج بمثله بما يرتفع التميز بين اجزائه إلا أنه لا تركيب في الاجزاء منهما بل يكون كل جزء


- ووصف الجودة فيما يستحقه موهبة من الله تعالى. ولو كان المزج بغير جنسه ففي صورة الاستهلاك وعدم إيجابه زيادة مالية في المزيد عليه لم يضمن الغاصب إلا بدل العين التالفة بالاستهلاك، ولو اوجب الزيادة في المالية اشتركا من نفس العين مقدار مالية مالهما لعدم لزوم الربا في غير الجنس وبالجملة امتزاج المالين موجب للشركة في العين ما لم يكن محذور في البين وفي غير صورة الاستهلاك حكمه الاشتراك في العين بمقدار مالهما ووصف الجودة لمال المالك مضمون على الغاصب لانه محترم فيحسب له أرشه بخلاف وصف الجودة لمال للغاصب فانه لعدم احترامه لا يحسب له ارشه فالزيادة الحكمية للمالك محترمة بخلاف الزيادة الحكمية للغاصب فليس لها احترام. هذا واما الكلام في المقام الثاني وفيما يجب على الودعى، فالذي ينبغي أن يقال فيه: إنه في صورة مزج الغاصب مال الغير بماله بنحو تذهب صورته النوعية حقيقة أو عرفا كما إذا كان المزج بغير جنسه بنحو ما مر سابقا " بحيث عد مال الغير تالفا بسبب استهلاكه في مال الغاصب ولم يوجب زيادة مالية في ماله، فيتجه حينئذ ما نسب إلى الاصحاب من الفتوى بوجوب رد الجميع إلى الغاصب عند مطالبته للودعي إذ لم يبق للمالك حق في المال الذي أودعه الغاصب بعد أخذ بدله من الغاصب، بل بلزوم بدله عليه

[ 379 ]

من المال مختصا " بأحدهما في الواقع كمزج الحنطة بمثلها، أو يكون الخلط بين الافراد المتشابهة على وجه لا يتمايز بعضها عن بعض كالدراهم بالدراهم والد نانير بمثلها والثياب بعضها ببعض من المثليات والقيميات المتشابهة. إذا عرفت ذلك، فاعلم أن الذي يقتضيه تحقيق المسألة هو أن يقال ان المزج في الصورة الاولى موجب للتلف حكما " وهو واضح بعد أن كان


- لكونه تالفا "، فتشتغل ذمة الغاصب ببدله ويخلص المال للغاصب ويلزم الودعي رده عند المطالبة. وأما في غير الصورة المذكورة فوجوب رد الودعي جميع ما استودعه الغاصب عليه كما نسب إلى الفتوى من الاصحاب بل جوازه مشكل غاية الاشكال: (وما) قد يدعى من الاستدلال على ذلك بما دل على وجوب رد الامانات (ممنوع) كما يقول سيدنا قدس سره فان تلك الادلة انما دلت على وجوب الرد إلى أهلها فلا تشمل ما كان مشتملا على غيرها مما هو أمانة شرعية يجب حفطه لمالكه حيث كان المال مشتركا " بين الغاصب والمغصوب منه بالعين أو بالمالية وكيف يجب أو يجوز تسليمه لمن لا يجوز له أخذه والتصرف فيه بدون إذن شريكه وإبقاء المال عند الودعي وعدم تسليمه للمالكين منع لهما عن ملكهما بلا حق ومخالف للزوم رد الامانة لمالكها عند المطالبة والامكان، فلا مناص عن قسمة المال وتسليم حصته المودع منه إليه وإبقاء حصة المالك ودفعها إليه عند الامكان. وقد يشكل بان القسمة ربما تتوقف على المعاوضة كما في صورة الحكم باشتراكهما في مالية العين على ما مر من أنه يباع المجموع ويعطى حصة كل منهما من القيمة فالقسمة تتوقف على التراضي من الطرفين ولا شبهة في عدم رضا الغاصب، فانه يطالب بالمال كله فكيف يرضى ببيعه وإعطائه حصته من القيمة. والحكم بنفوذ البيع عليه - وان لم يتحقق الرضا منه - حكم ضرري مرفوع. -

[ 380 ]

الدفع من الممتزج دفعا " لغير ماله جنسا " ووصفا " والزامه بقبوله حكم ضرري منفي عقلا ونقلا، فيدفع له المثل دون مقدار ماله من الممزوج، والمدفوع


- ويمكن دفع الاشكال بأن مورد الاشتراك في المالية صورة واحدة من الصور التي ذكرناها فيما تقدم، وهي صورة ما إذا كان مزج مال المالك بجنسه من مال الغاصب وكان مال المالك أجود من مال الغاصب، فيقال إذا كان إبقاء المال عند الودعي مع مطالبة مالكه غير جائز. وكذا رده باجمعه للمودع فانه بالنسبة إلى مقدار مال المالك منه دفع له إلى غير مالكه بدون رضاه وإبقاء مقدار حصة المالك منه من نفس العين لايصالها إليه بلا تدارك وصف الجودة للمالك ودفع الباقي الغاصب مع كون الوصف مضمونا " له عليه ليس لبقاء لما يستحقه المالك فانه انما يستحق الموصوف بالجودة من المال وتدارك وصف الجودة بمقدار من العين زائد على مقدار ماله ودفعه له مستلزم للربا على ما هو الاقوى، فلم يبق وجه يمكن المصير إليه الا الحكم بالاشتراك في المالية وبيع المال وإعطاء المالك من القيمة مقدار ماله موصوفا " بالجودة وإعطاء الباقي للغاصب فلا بد من المصير إليه. وأما ما ذكر - من أن الحكم بنفوذ البيع مع عدم رضا الغاصب به في حين أن المبيع مشترك بينه وبين المالك حكم ضرري مرفوع - فيمكن أن يقال - مضافا " إلى انه لا بد منه ان الضرر لم ينشأ من ناحية حكم الشارع بل السبب فيه غصب الغاصب المال ومزجه بماله ولو لم يكن غاصبا " كما لو كان معتقدا " بان ما مزجه بماله هو له أيضا " فالضرر أيضا لم يكن من ناحية الحكم الشرعي بل منشأه جهله واشتباهه ثم ان القسمة حيث صحت لكونها ضرورية لا مناص منها يرجع بها إلى الحاكم الشرعي على الأحوط، بل الاقوى، فانه ولي حصة المالك الغائب. ثم ان هذا يختلف عما ذكره سيدنا - قدس سره - بعض الاختلاف. والله تعالى هو العالم بحقائق احكامه.

[ 381 ]

هنا بدل العين لا بدل الحيلولة وان كان مقيدا " بما دام ممزوجا "، وفي الثانية يحتمل قويا " تنزيله منزلة التلف أيضا " لتفرق أجزائه المستحيل عادة اجتماعها الموجب لانتفاء مالية كل من المالين وحدوث مالية أخرى قائمة بالموجود المركب ضرورة أن المالية انما تعرض على الاجسام بوصف اجتماعها لا مطلقا " فلا مالية لكل جزء جزء بالانفراد، ومن حيث هو وحينئذ فعلى المازج غرامة المثل إلا انه لما كان المثل من الممزوج المركب مشتملا على أجزاء هي من عين ماله وجب الدفع منه بالخصوص لكونه اقرب إلى دفع عين ماله من غيره من الامثال، بل هو من دفع العين بقدر الامكان، فكما ان دفع المثل مقدم في المرتبة على دفع القيمة لكونه أقرب إلى دفع العين منها، ضرورة ان دفع القيمة ليس فيه إلا رعاية مالية المال فقط وفي دفع المثل رعاية للمالية ولمادة المال في الجملة لقربه منه بالمشابهة، فكان أولى بالتقدم، فكذا نسبة هذا المثل الشخصي المركب من المالين بالنسبة إلى سائر الأمثال لكونه مشتملا على جملة من نفس أعيان ماله، فهي مضمونة على المازج بالمزج وفي عهدته بمثل خاص لا بمطلق المثل، وهو الوجه في الشركة لكونه مضمونا " بقدره من الممزوج المركب لا بمطلق المثل الذي لا يتعين بدليته بخصوصه إلا بعد الدفع وغير مضمونة على الودعى ولا داخلة في عهدته بعد أن كان معناها رد العين مع وجودها ورد مثلها بعد التلف غير الممكن في المقام لعدم إمكان رد العين لتفرق أجزائها ولا رد مثلها لأنها مضمونة بالمثل الخاص الذي هو ملك المازج، لا كلي المثل حتى يدفع الودعى له مصداقا " من ماله. وأما مال الغاصب المأخوذ امانة فيجب رده ولو برد الجميع مقدمة بعد أن لم يكن مال المغصوب منه في ضمانه وعهدته. هذا بناء على تنزيل تفرق الاجزاء منزلة التلف وأما بناء على عدم صدق التلف عليه لا موضوعا ولا حكما، فاما أن نقول بحصول الشركة

[ 382 ]

الحقيقية بنحو الاشاعة بدعوى ما عرفت من انتفاء المالية من كل المالين بالمزج وحدوث مالية أخرى قائمة بالموجود المركب مملوكة لكل منهما لانه أما أن لا يكون مملوكا " أو يكون مملوكا لاحدهما " دون الاخر والاول باطل لأنها مسببة عن مواد المالين المملوكين، والثاني ترجيح بلا مرجح، فتعين الثالث أو نقول بالشركة الحكمية دون الحقيقية لبقاء ذوات أجزاء كل من المالين على ملك مالكه لعدم الدليل على انتفاء الملكية بانتفاء المالية والاصل بقاؤها: فعلى الاول يتعين القسمة ولا مناص عنها. وعلى الثاني فقسمتها مشتملة على المعاوضة جزما " كالقسمة الردية المستلزم تعديلها إلى ضميمة خارجية ولعلها خارجة عن ظاهر كلامهم في تعريفها بانها تعيين حق وافراز حصص واختصاص التعريف بما كانت الشركة بنحو الاشاعة. وعليه فالقسمة موقوفة على التراضي لاشتمالها على المعاوضة وخارجة عن قسمة الاجبار إلا مع امتناع أحد الشريكين عنها ومطالبة الاخر لها مع عدم الضرر وإذا لم يكن مورد القسمة دار الامر بين التسليم إلى الغاصب أو المغصوب منه ووجوب رد الملك إلى مالكه في كل منهما معارض بمثله في الاخر فلا بد من ترجيح احدهما ولو بأدنى مرجح بعد ان كان الابقاء عنده منعا " للمالكين عن ملكهما ومخالفا للدليل في كليهما. ولعل الترجيح حينئذ في التسليم إلى الغاصب بما دل على رد الامانات بعد تعارض دليل رد الملك من الجانبين وتساقطهما من البين. هذا اقصى ما يتصور في توجيه قول المشهور وفيه مضافا " إلى منع شمول ما دل على رد الامانة لما كان مشتملا على غيرها، مع كونه لو سلم معارض بمثله في جانب الآخر لكونه أمينا " له ايضا بالامانة الشرعية كيف يجب تسليمه لمن لا يجوز له الأخذ والتصرف فيه بدون إذن شريكه بعد أن كان المال مشتركا بينهما موضوعا " أو حكما " وما ورد مثله في وجوب دفع الخراج لغير أهله وان حرم عليه الاخذ

[ 383 ]

فلدليل قوي دل عليه مفقود مثله في المقام. وأما منع كونه مورد القسمة فمكابرة وان تضمنت المعاوضة لوجوب حفظ المال على من هو في يده ولو بتلف بعضه لو توقف عليه، فإذا وجب حفظه ولو بتلف بعضه فبالتعويض واخذ بدل التالف يجب بالاولوية، فالقسمة هنا ضرورية فإذا كان من مواردها تعينت القسمة. وهل له توليتها لانه أمين وهو المخاطب بالحفظ بحسب الامكان أو يرجع بها إلى الحاكم؟ ولعل الأخير هو الاقوى والاحوط والله العالم بحقائق أحكامه إلى هنا ينتهي الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث. وأوله: رسالة في أخذ الاجرة على الواجبات ايضا بالامانة الشرعية كيف يجب تسليمه لمن لا يجوز له الأخذ والتصرف فيه بدون إذن شريكه بعد أن كان المال مشتركا بينهما موضوعا " أو حكما " وما ورد مثله في وجوب دفع الخراج لغير أهله وان حرم عليه الاخذ

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية