جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنه 1266 من الهجرة حققه وعلق عليه: محمود القوچانى عنى بتصحيحه: العالم الفاضل السيد ابراهيم الميانجى الجزء الحادى والثلاثون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه، وطبع بنفقة المكتبة الاسلامية طهران شارع البوذرجمهرى تليفون 521966 جميع حقوق الطبع محفوطة للناشر
المطبعة الاسلامية - ايران - طهران
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم (النظر الثاني في المهور) جمع مهر، ويسمى الصداق بفتح الصاد و كسرها، والنحلة والاجر والفريضة والعقر والصدقة بفتح الصاد مع ضم الدال و إسكانها وفتحها وبضمها والعليقة، والحباء بالمد وكسر الحاء المهملة ثم موحدة، والطول، وهو كما في المسالك مال يجب بوطء غير زنا منها ولا ملك يمين أو بعقد النكاح أو تفويت البضع قهرا على بعض الوجوه، كارضاع ورجوع شهود، وكأنه أخذه من بعض العامة، قال: " إنه في الشرع اسم لما وجب في مقابلة البضع بنكاح أو وطء أو موت أو تفويت البضع قهرا - ثم قال -: وقولنا: أو تفويت البضع قهرا يدخل فيه الرضاع ورجوع الشهود ووطء الاب زوجة ابنه وبالعكس بالشبهة فيهما، ووطء الاب جاريته، وإقرار الامرأة بعد إقرارها لزوج قبله، وغير ذلك من المواضع المعروفة في أبوبها " قلت: ذلك ونحوه سبب في الرجوع بالمهر الذي هو مقابل لتملك منفعة البضع أو استيفائها
بغير زنا منها، والامر سهل كسهولته في الاسماء المزبورة التي من المحتمل اختصاص اسم الاجر منها في مهر المتعة. بل قد يمنع تسميته بالنحلة، وإنما وقع في الاية (1) وصفه بها، كما أنه قد يمنع تسميته بالفريضة، وانما يوصف بها باعتبار كونه فرضا على الزوج ونحو ذلك مما لا طائل تحته.
(1) سورة النساء: 4 - الاية 4.
[ 3 ]
(و) على كل ف (- في) البحث عن (- ه اطراف) (الاول في المهر الصحيح) في نكاح المسلمين (وهو كلما يصح أن يملك) - ه المسلم (عينا كان أو منفعة) لعقار أو حيوان أو انسان عبد أو حر ولو الزوج نفسه، للاصل والمعتبرة المستفيضة في تحديد الصداق بما تراضيا عليه وأن المنساق منها ذلك بالنسبة إلى الكثرة والقلة، ففي صحيح الكناني (1) " سألت عن المهر ما هو ؟ فقال: ما تراضي عليه الناس " وصحيح زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام " الصداق كل شئ يتراضي عليه الناس قل أو كثر "
وصحيح فضيل (3) عنه عليه السلام أيضا " الصداق ما تراضى عليه الناس من قليل أو كثير فهو الصداق " وفي الصحيح الاخر (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن المهر، فقال: هو ما تراضي عليه الناس أو اثنتا عشرة أوقية ونش أو خمسمائة درهم " مضافا إلى الصحيح (5) عن أبي جعفر عليه السلام " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه واله، فقالت: زوجني، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: من لهذه ؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، زوجنيها، فقال: ما تعطيها ؟ فقال: ما لي شئ، فقال: لا، قال: فأعادت، فأعاد رسول الله صلى الله عليه واله الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل ثم أعادت، فقال رسول الله صلى الله عليه واله في المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئا " ؟ قال: نعم، قال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه " وفي آخر (6) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورة
(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور الحديث 1 - 6 - 3 - 4. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المهور الحديث 1. (6) الوسائل الباب - 7 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 4 ]
من كتاب الله عزوجل فقال: ما أحب أن يدخل بها حتى يعلمها السورة ويعطيها
شيئا، قلت: أيجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا ؟ فقال: لا بأس بذلك إذا رضيت به كائنا ما كان ". (و) قد بان لك من ذلك أنه لا إشكال في أنه (يصح العقد على منفعة الحر كتعليم الصنعة والسورة من القرآن) والشعر والحكم والاداب (وكل عمل محلل)، بل (وعلى إجارة الزوج نفسه مدة معينة) أو على عمل مخصوص، وفاقا " للمشهور لما عرفت (وقيل) والقائل الشيخ في النهاية وجماعة على ما حكي (بالمنع استنادا إلى رواية لا تخلو من ضعف) في السند (مع قصورها عن افادة المنع) وهى رواية البزنطي (1) عن الرضا عليه السلام " في الرجل يتزوج المرأة ويشترط لابيها إجارة شهرين فقال: موسى على نبينا وآله وعليه السلام علم أنه سيتم له شرطه فكيف لهذا بأن يعلم أنه سيبقى حتى يفي، وقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه واله تتزوج المرأة على السورة وعلى الدراهم وعلى القبضة من الحنطة " إذ هو - مع احتماله الكراهة وعدم مكافأته لما سمعت من وجوه - غير واضح الدلالة، ضرورة ظهوره في كون المانع عدم علمه بالبقاء إلى أن يفي، فلو فرض علمه بذلك صح، بل مقتضاه فساد الا صداق بنحو تعليم سورة وغيره الذى قد تضمن هو جواز جعله
مهرا فضلا عن الاجماع ودلالة المعتبرة السابقة. أللهم إلا أن يقال: إن محل النزاع الاصداق باجارة خصوص نفسه لا الاصداق بعمل في ذمته كلي غير مشروط عليه المباشرة بنفسه، فان ذلك جائز عند الجميع، وهو مضمون المعتبرة المستفيضة (2) والمحكي عليه الاجماع، ومن هنا صرح بعضهم بل لعله ظاهر المتن أيضا بكون النزاع في جعل الزوجة المهر استئجار
(1) الوسائل الباب - 22 - من أبواب المهور الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المهور الحديث 1 والباب 7 منها الحديث 2 والباب - 17 - منها الحديث 1 والباب - 22 - منها الحديث 1.
[ 5 ]
الزوج لان يعلم أو يعمل هو بنفسه لها أو لوليها مدة معينة، كشهر أو شهرين أو سنة. وربما كان وجه المنع فيه حينئذ عدم الطمأنينة للامرأة بحصول المهر لاحتمال موته قبل العمل، والفرض عدم كون الشئ في ذمته حتى يؤخذ لها من تركته، وليس هو كالاجارة على ذلك التى لا إشكال فيها مع عمله ومع عدمه يرجع
باجرته إذا انفسخت بموت ونحوه. قلت: فيه (أولا) أنه إذا جع عمله نفسه مهرا فان فعل فلا إشكال وإن مات بعد الدخول مثلا ولم يعمل كان لها قيمة ذلك العمل من تركته، إذ هو مضمون عليه حتى يوصله إليها، وليس هو كالاجارة في الانفساخ بتلف العين المستأجرة على أنه لو سلم يكون لها مهر المثل حينئذ لعدم خلو البضع عن المهر، والفرض انفساخ العقد بالنسبة إلى المسمى. و (ثانيا) أن الاصل في هذا الشيخ في النهاية وظاهر الخلاف، وليس في كلامهما تعرض للفرق بين العمل في الذمة وبين إجارة النفس، بمعنى اشتراط المباشرة أو على كونه كالاجير الخاص. قال في النهاية: " يجوز العقد على تعليم آية من القرآن أو شئ من الحكم والاداب، لان ذلك له أجر معين وقيمة مقدرة، ولا يجوز العقد على إجارة، وهو أن يعقد الرجل على امرأة على أن يعمل لها أو لوليها إياما معلومة أو سنين معينة ". وقال في محكي المبسوط: " يجوز أن تكون منافع الحر مهرا، مثل أن يخدمها شهرا، أو على خياطة ثوب، أو على أن يخيط لها شهرا وكذلك البناء
وغيره، وكذلك تعليم القرآن والشعر المباح، كل هذا يجوز أن يكون صداقا، وفيه خلاف، غير أن أصحابنا رووا أن الاجارة مدة لا يجوز أن تكون صداقا، لانه كان يختص موسى عليه السلام " وفي محكي الخلاف بعد أن ذكر أن الصداق ما تراضيا عليه مما يصلح أن
[ 6 ]
يكون ثمنا لمبيع أو أجرة قليلا كان أو كثيرا واستدل على ذلك باجماع الفرقة وأخبارهم، قال: " مسألة يجوز أن تكون منافع الحر مثل تعليم قرآن أو شعر مباح أو بناء أو خياطة أو غير ذلك مما له أجرة صداقا "، واستثنى أصحابنا من جملة ذلك الاجارة، وقالوا: لا يجوز، لانه كان يختص موسى عليه السلام، وبه قال الشافعي ولم يستثن الاجارة، بل أجازها، ثم حكى عن أبى حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز أن تكون منافع الحر صداقا بحال سواء كانت حجا أو غيره - ثم قال -: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا روى سهل الساعدي " (1) وساق الحديث السابق. وليس في شئ من كلامه في كتبه الثلاثة الاشارة إلى الفرق بما عرفت، ولا يبعد أن يكون مراده باستثناء الاجارة بقرينة ذكر قضية موسى عليه السلام جعل الصداق الاجارة
نفسها على وجه يكون البضع اجرة كما كانت الاجارة مهرا، على معنى تزويج المرأة نفسها بإجارة نفسه لها شهرا أو على عمل بحيث، يكون الصداق عقد الاجارة، أو يذكر العمل فيه على إرادة عقد الاجارة ويجعل البضع نفسه أجرة لذلك، كقول شعيب عليه السلام لموسى عليه السلام (2): " على أن تأجرني ثماني حجج " ولا ريب في عدم صحة ذلك، ضرورة عدم صلاحية البضع لان يكون أجرة ولا ثمنا لمبيع ولا عوضا في جميع المعاوضات، مضافا إلى ما تسمعه من خبر حمادة (3) وظاهر الاية مع فرض إرادته مختص بموسى عليه السلام، كما أنه اختص به جعل الاجارة التى منفعتها لشعيب عليه السلام مهرا كما أومي إليه في خبر السكوني (4) الذي رواه المشائخ الثلاثة قال: " لا يحل النكاح اليوم في الاسلام باجارة، بأن تقول: أعمل عندك كذا وكذا سنة على أن تزوجني ابنتك أو أختك، قال: هو حرام، لانه ثمن رقبتها، وهي أحق بمهرها ".
(1) المستدرك الباب - 2 - من أبواب المهور الحديث 2 وسنن البيهقى ج 7 ص 242. (2) سورة القصص: 28 - الاية 27. (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 1.
(4) الوسائل الباب - 22 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 7 ]
ومن ذلك يعلم ما في كلام بعضهم من تحرير محل النزاع جعل ذلك مهرا لها أو لوليها، حتى أنه جعل المشهور الجواز، وربما تسمع لذلك تتمة إنشاء الله، كما أن منه يعلم ما في تأويل ما في المتن ونحوه في تحرير النزاع من التعبير باجارة الزوج نفسه بأن المراد جعل العمل الذى يكون موردا للاجارة، لا أن المراد الاجارة نفسها، بل منه يعلم أيضا انه لا وجه للاستدلال للشيخ بالخبر المذكور أولا وإن كان فيه ذكر قصة موسى عليه السلام والتعليل بما عرفت الذي لا يمنع من أن يكون المنع فيه لعلة اخرى، وهي ما سمعت، بل الاولى الاستدلال بما دل على عدم جواز جعل الاجارة مهرا كخبر السكوني. وربما احتمل في كلام الشيخ أن محل نزاعه في خصوص العمل مده، لكنه كما ترى، وكذا احتمال كون نزاعه جعل العمل للغير مهرا نحو ما وقع من موسى عليه السلام، فان كلامه الذي سمعته صريح في خلاف ذلك، ولعل التدبر في كلامه في كتبه الثلاثة يقتضي ما قلناه، بل ظاهره في الخلاف أن ذلك أمر معروف عند الاصحاب
وعدم كون ذلك من خواصه، ولذا نسبه إلى استثناء الاصحاب ثم حكى عن أبى حنيفة ما سمعت المبني على عدم مالية منافع الحر، ولذا لا تضمن بالفوات، فلا تصح أن تجعل مهرا نعم لو قوبلت بمال كما في الاجارة، وهو كالاجتهاد في مقالة النص، بل هو منه، على أنه لا فرق في ماليتها في المعاوضات بين المقابلة بمال وعدمه، ولذا جازا استئجار الشخص الحر على عمل بعمل آخر من المستأجر كما هو واضح. وعلى كل حال فقد عرفت أن المدار في المهر على المالية التى تصح أن تكون عوضا من غير فرق بين العين والعروض والمنافع والاعمال ونحوها، بل الظاهر جواز جعل المهر حقا ماليا كحق التحجير ونحوه مما يصح المعاوضة عليه. أما الحقوق التي يصح المعاوضة عن إسقاطها كحق الدعوى واليمين والخيار والشفعة ونحوها ففي صحة جعلها مهرا وجهان ينشآن من عموم قوله عليه السلام (1) " ما تراضيا عليه " وأولوية المهر من غيره من المعاوضات، باعتبار كونه ليس عوضا صرفا ومن إطلاق الفتاوى اعتبار كونه مملوكا على وجه ينتقل إلى الزوجة، ويقبل التنصيف
(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور الحديث 3.
[ 8 ]
لو احتيج إليه بطلاق قبل دخول ونحوه ولو بتقويمه، واحتمال الالتزام بالتقويم في الفرض حينئذ يدفعه عدم كون مثل ذلك من المتقومات العرفية، وإنما تقع المعاوضة عليه بما بتراضيان عليه، أللهم إلا أن يدعى إمكان تقويمه ولو بملاحظة الدعوى مثلا، لكنه كما ترى، مضافا إلى خبر حمادة بنت اخت أبي عبيدة الحذاء (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة وشرط لها أن لا يتزوج عليها ورضيت أن ذلك مهرها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: هذا شرط فاسد، لا يكون النكاح إلا على درهم أو درهمين ". ثم إن المراد من قول المصنف: " كلما يصح أن يملك المسلم " الصحة المحققة على وجه ينتقل منه إلى غيره كى يتجه حينئذ جعل الزوج له مهرا منتقلا إلى الامرأة، وربما خرج بذلك العقد على مال الغير بغير إذنه، فانه لا يصح ملكه فعلا لمسلم بدون إذن مالكه، ويمكن أن يكون المصنف أراد الاحتراز عن مثله بمثل هذه العبارة، وعدم جواز جعله مهرا لحرمة التصرف في مال الغير وإن صدق عليه صحة تملك المسلم له، بل قد يمنع صحته مهرا حتى مع إذن المالك إذا لم يكن على وجه يدخل في ملك الزوج، لكون المهر كالاعواض التي لا يصح أن تكون
لمالك والمعوض لاخر، أللهم إلا أن يمنع اعتبار ذلك في المهر وإن اعتبر مثله في المعاوضات، لكن ليس هو منها، فيصح حينئذ بذل الغير له، بل يصح العقد للزوج على أن يكون المهر في ذمة غيره، وقد يشهد له في الجملة ما تسمعه إنشاء الله من كون المهر في ذمة الوالد لو زوج ولده الصغير المعسر، بل يظهر من الفاصل في القواعد وغيره المفروغية من مشروعية بذل الغير المهر عن الولد الموسر الصغير بل وغيره، فلاحظ ما ذكره في الفرع الرابع عشر وهو: لو زوج الاب أو الجد له الصغير إلى آخره، ولعله الاقوى خصوصا مع ملاحظة مخالفة معاوضة المهر لاحكام المعاوضة في كثير من المقامات، وربما يأتي لذلك تتمة إنشاء الله. (و) كيف كان ف (- لو عقد الذميان) أو غيرهما من أصناف الكفار (على
(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 9 ]
خمر أو خنزير) أو نحوهما مما لا يصح من المسلم (صح) العقد والمهر حكما إذا كان كذلك في دينهم، بمعنى إقرارهم على ما في أيديهم وعدم التعرض له، وإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم و (لانه) في دينهما (يملكانه) فيصح ذلك بالنسبة
إليهم عقدا ومهرا (و) حينئذ ف (- لو أسلما أو أسلم أحدهما) بعد القبض فلا إشكال، وإن كان ذلك (قبل القبض دفع) الزوج (القيمة) عند مستحليه (ل) - تعذر ما استحقته الزوجة بالعقد ب (- خروجه عن) صلاحية (ملك المسلم) له، والفرض ضمانه عليه حتى يوصله إلى الزوجة، فيكون حينئذ كالمثلي الذي قد تعذر مثله في الانتقال إلى القيمة، ضرورة أنه بإسلامهما يمتنع قبضه وإقباضه في دين الاسلام عليهما، وكذا إن كان المسلم الزوج الذي لا يصح له إقباضه ولا دفعه نحو الزوجة التي لا يصح لها قبضه حينئذ، فليس حينئذ إلا القيمة التي هي أقرب شئ إليه (سواء كان) الخمر والخنزير المجعولان مهرا (عينا) مشخصة (أو) كليا (مضمونا) في الذمة، مؤيدا ذلك كله بخبر عبيد بن زرارة (1) قلت لابي عبد الله عليه السلام: " النصراني يتزوج النصرانية على ثلاثين دنا خمرا وثلاثين خنزيرا ثم أسلما بعد ذلك ولم يكن دخل بها، قال: ينظر كم قيمة الخمر ؟ وكم قيمة الخنازير ؟ فيرسل بها إليها ثم يدخل عليها، وهما على نكاحهما الاول " وقد مر تحقيق في المسألة في نكاح الكفار وذكر الاقوال فيها. لكن ينبغي أن يعلم هنا أن ما يظهر من المصنف وغيره من ملكية الكافر
للخمر والخنزير ونحوهما مناف لقاعدة تكليف الكافر بالفروع، ولما دل (2) على عدم قابليتهما للملك شرعا من غير فرق بين المسلم والكافر، وعدم التعرض لما في أيديهم من أديانهم لا يقتضي ملكيتهم ذلك في ديننا، بمعنى أن المسلم فيه لا يملك بخلاف الكافر، فانه يملك ذلك، ضرورة منافاته لما عرفت، ولنسخ دينهم، فهو
(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب المهور الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 55 و 57 - من أبواب ما يكتسب به.
[ 10 ]
حرام عليهم، والثمن الذي يأخذونه في مقابلته حرام عليهم، وتصرفهم فيه حرام أيضا وإن جاز لنا تناوله منهم، ومعاملته معاملة المملوك، وإجراء حكم الصحيح عليه إلزاما لهم بما ألزموا به أنفسهم، فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع. كما أنه ينبغي أن يعلم أيضا أنه قد يقال بعدم وجوب القيمة في المقام لو كان المهر مثلا خمرا معينا وقد أسلم الزوج وقد قبضته هي من دون إذن منه أو مع عدم منعه، لعدم جواز تعرضه لها في ملكها، بل من يتلف على الذمي خمرا يضمنه له، فوجوب القيمة في ذلك محل نظر وإن لم أجد ذلك لاحد من أصحابنا،
نعم عن بعض العامة الفرق بين الدين والعين، وهو جيد في هذا الفرد، لا فيما إذا أسلمت الزوجة قبل القبض وكان مهرها خمرا معينا فانه باسلامها تعذر عليه قبضها وتلف عليها، والفرض ضمانه في يد الزوج، وليس ذلك تفريطا بعد أن كانت مأمورة به شرعا، فالاسلام يرفعها ويعزها وقد أو مأنا إلى في ذلك المقام، والله العالم بحقيقة الحال. (ولو كانا) أي الزوج والزوجة (مسلمين أو كان الزوج مسلما) وعقدا على خمر أو خنزير مثلا عالمين بعدم صحة ذلك أو جاهلين أو مختلفين (قيل) والقائل جماعة منهم الشيخان في المقنعة والنهاية والقاضي والتقي على ما حكي: (يبطل العقد) لتعليق الرضا بالباطل المقتضي لارتفاعه بارتفاعه، ولانه حيث يذكر المهر فيه عقد معاوضة، ضرورة اتحاده مع عقود المعاوضة في القصد ودخول الباء ونحو ذلك، ولذا أطلق عليه اسم الاجر في قوله تعالى (1): " فآتوهن اجورهن " فينبغي أن يعتبر فيه ما يعتبر فيها من توقف الصحة على صحة العوض كالبيع ونحوه، وصحته بلا مهر لاينا في جريان حكم المعاوضة عليه مع ذكر المهر، بل قد يؤيد ذلك ما في المعتبرة المستفيضة (2) من أن المهر ما تراضيا عليه المنعكس بعكس
النقيض إلى أن ما لا يتراضيان عليه لا يكون مهرا المقتضي عدم غير المذكور في
(1) سورة النساء: 4 - الاية 24. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور.
[ 11 ]
العقد مهرا فينافي ما دل على عدم إخلاء البضع عن المهر، فليس حينئذ إلا البطلان. (وقيل) والقائل المشهور: (يصح) العقد، بل عن بعض نفي الخلاف فيه إلا من مالك وبعض الاصحاب، للعمومات السالمة عن معارضة غير ما عرفت من التعليق المذكور الذي يمكن منعه بعدم ظهور المعاوضة في ذلك، وانما تقتضي معنى التعاوض والتبادل عرفا من غير اعتبار معنى التعليق بل ذلك فيها شبه الداعي يعني أن الزوجة مثلا رضيت بالنكاح ورضيت بكون الخمر ملكا لها، والزوج رضي بكونها زوجة وأنها مالكة للخمر عليه، لا أن المراد إنشاء معلقا على وجه يكون الرضا معلقا عليه، فيكون حاصله أن الزوجة قد أنشأت الرضا بالنكاح معلقة ذلك عن أن يكون الخمر ملكا لها، بحيث إن لم يكن ملكا لها فلا رضا لها
بالنكاح، ضرورة عدم إرادة ذلك في المعاوضة وإن انساق إلى ذهن غير المحصل ابتداء والتحقيق ما عرفت، وحينئذ فلم يحصل في العقد المفروض إلا هذا التقابل، وهو مقتض للبطلان في العقد الذي اعتبر الشارع فيه العوض، كالبيع والاجارة، أما نحو النكاح المسلم عند الخصم عدم اعتبار العوض فيه لا دليل على اقتضاء بطلانه بطلانه، بل الدليل من العمومات وغيرها يقتضي الصحة. (وبالجملة) بطلان عقود المعاوضات ببطلان العوض العرفي شرعي لا لانتفاء الرضا، فالمعاوضة حينئذ عرفية وشرعية وهي المشتملة على العوض الصحييح شرعا وشرعية لا عرفية، لوجوب مهر المثل بالدخول وقيمة الشئ بتلفه، وعرفية لا شرعية، وهي المشتملة على العوض الفاسد، وهذه إن اعتبر الشارع فيها العوض تكون باطلة لذلك، وإلا كان العقد صحيحا للعمومات والتعاوض باطلا، وما نحن فيه من ذلك، ضرروة تسليم الخصم عدم اعتبار العوض فيه فيصح بلا مهر، بل وتسليمه صحة العقد مع ظن كونه خلا فبان خمرا، أو حيوانا مملوكا فبان خنزيرا، أو ماله فظهر مستحقا للغير، ونحو ذلك مما قيل فيه إن العقد صحيح قولا واحدا، ولا وجه له إلا ما ذكرناه الذي منه يستفاد الصحة في الفرض، وكذا فحوى ما دل عليها في
[ 12 ]
النكاح المشتمل على الشروط الفاسدة التي هي كالمهر من حيث الرضا المزبور، بل ربما كانت الدعوى فيه أظهر مع حكمهم بالصحة وإن فسد الشرط، وليس ذلك إلا لما عرفت، كل ذلك مضافا إلى صحيح الوشاء (1) في المسألة الاتية المصرح فيه بصحة العقد وبطلان ما جعل فيه من المهر لابيها. وكأنه إلى بعض ما ذكرنا أشار بعض الافاضل في الاستدلال على الصحة في الفرض بالعمومات، قال: " ولا يخرج عنها سوى اشتراطه بالتراضي المفقود هنا بناء على وقوعه على الباطل المستلزم لعدمه بدونه، فلا يكون الرضا بالتزويج باقيا بعد المعرفة ببطلان المرضى به " وفيه أن الشرط حصوله وقد وجد فتثبت الصحة المشروطة به، وبطلان المتعلق غير ملازم لبطلانه أولا، وعلى تقديره فالازم منه ارتفاع الرضا من حين المعرفة بالبطلان، وعدم البقاء ليس شرطا في الصحة، بل الوجود وقد حصل، ودعوى استلزام بطلان المرضى به بطلان أصل الرضا وعدم حصوله فاسدة بالضرورة هنا وإن كان بعض ما ذكره لا يخلو من نظر. ومن ذلك بان ما في جميع أدلة الخصم حتى الاخير الواضح فساده، ضرورة
أنه بعد تسليم مقدماته الفاسدة يقتضي عدم كونه غير ما تراضيا عليه مهرا في العقد وهو لا ينا في ثبوت المثل بالدخول لا بالعقد، كما هو واضح. نعم لا ريب في اقتضاء ما ذكرناه انحصار ما أوجبه العقد في ملكية البضع خاصة من غير مهر. فدعوى - إيجابه مع ذلك مهر المثل أو قيمة الخمر أو التفصيل في المذكور بين ماله قيمة ولو عند مستحليه وغيره كالحر، فيوجب مهر المثل في الثاني والقيمة في الاول، والتفصيل بين ما علم كونه خمرا أو خنزيرا وبين غيره ظن كونه خلا وحيوانا مملوكا فبان خمرا أو خنزيرا، فيجب بالعقد مهر المثل في الاول والقيمة في الثاني أو مقدار ذلك الخمر خلا أو غير ذلك - من الاقوال والاحتمالات التي لا ينبغي أن تصدر ممن له أدنى نصيب في الفقه، ضرورة عدم إيجاب العقد ما لم يذكر
(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 13 ]
فيه، لا ريب أن مهر المثل أو القيمة أو غير ذلك أشياء لم يذكرها المتعاقدان في العقد لا لفضا ولا تقديرا، وقيمة الشئ انما تجب حكما من الشارع بعد استحقاق ذلك الشئ لا قبل أن يستحق عليه.
فما وقع من جماعة - من نحو هذا الاقوال حتى أنه أوجبوا النصف بالطلاق والجميع بالموت - واضح الفساد، بل لعل المتجه عدم جعل محل البحث من المفوضة، للعلم بعدم وقوع معنى التفويض منها، بل ما وقع منها من القصد إلى مهرية الخمر والخنزير ينافيه، فلا متعة لها لو طلقت قبل الدخول، بناء على اختصاصها بها، كما لا شئ مع الموت. (و) انما (يثبت لها مع الدخول مهر المثل) الذي لا مدخلية للعقد في وجوبه، ولذا قد يجب بالوطء شبهة بدون عقد (و) حينئذ فما (قيل) - لا: يجب مهر المثل لها (بل) الواجب لها (قيمة الخمر) أو مقداره خلا أو غير ذلك من الاقوال التي قد عرفت فسادها - لا ينبغي الالتفات إليه. (و) قد ظهر لك من ذلك أن القول (الثاني) أي القول بصحة العقد، وأن لها مهر المثل مع الدخول مع كونه أشهر (أشبه) باصول المذهب وقواعده، كما عرفته بما لا مزيد عليه، والله العالم بحقيقة الحال. (ولا تقدير في المهر) في جانب القلة (بل ما تراضي عليه الزوجان وإن قل ما لم يقصر عن التقويم كحبة من حنطة) ونحوها مما يعد نقله عوضا من
السفه والعبث، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك نصا (1) وفتوى، بل لعل الاجماع بقسميه عليه. (وكذا لا حد له في الكثرة) على المشهور بين الاصحاب، شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك، لاطلاق الادلة وعمومها كتابا (2) وسنة (3)
(1 و 3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور. (2) سورة النساء: 4 - الاية 24 و 20 وسورة البقرة: 2 الاية 237.
[ 14 ]
من آية الاجور وما فرضتم (1) وغيرها، ولانه نوع معاوضة فيتبع اختيار المتعاوضين في القدر كغيره من المعاوضات وخصوص المعتبرة (2) المحددة له بما تراضيا عليه قل أو كثر، وقوله تعالى (3): " وآتيتم إحداهن قنطارا " الذي هو المال العظيم (4) أو وزن أربيعن أوقية من ذهب أو فضة أو ألف ومأتا أوقية (5) أو سبعون ألف دينار (6) أو ثمانون ألف دينار (7) أو مأة رطل من ذهب أو فضة (8) أو مل ء مسك ثور ذهبا أو فضة (9) وقضية (10) عمر مع المرأة التي حجته بهذه الاية حين نهى عن المغالات في المهر حتى قال: " كل الناس أفقه منك يا عمر حتى
المخدرات " معروفة، وصحيح الوشاء (11) عن الرضا عليه السلام " سمعته يقول: لو ان رجلا تزوج امرأة وجعل مهرها عشرين ألفا وجعل لابيها عشرة آلاف كان المهر جائزا والذي سماه لابيها فاسدا " وصحيح الفضيل (12) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة بألف درهم فأعطاها عبدا آبقا وبردا بألف درهم التي أصدقها، قال: إذا رضيت بالعبد وكانت قد عرفته فلا بأس، إذ هي قد قبضت الثوب ورضيت بالعبد " وعن الشيخ في المبسوط أنه روى فيه عن عمر أنه لما تزوج ام كلثوم بنت
(1) في النسخة الاصلية المبيضة " ما عرضتم " والصحيح ما اثبتناه كما في النسخة الاصلية المسودة بخط المصنف طاب ثراه. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور. (3) سورة النساء: 4 - الاية 20. (4) مجمع البيان سورة النساء ذيل الاية 20. (5 و 6 و 7 و 8) سنن البيهقى ج 7 ص 233. (9) مجمع البيان سورة آل عمران ذيل آية 14. (10) سنن البيهقى ج 7 ص 233. راجع الغدير للاميني (قده) ج 6 من ص 95
إلى 98. (11) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المهور الحديث 1. (12) الوسائل الباب - 24 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 15 ]
علي عليه السلام أصدقها أربعين ألف درهم (1) وأن أنس بن مالك تزوج امرأة على عشرة آلاف (2) وأن الحسن بن علي عليهما السلام تزوج امرأة فأصدقها مأة جارية، مع كل جارية ألف درهم (3) بل ربما روى أزيد من ذلك في عهد الصحابة والتابعين من غير نكير من أحد منهم. (و) لكن مع ذلك (قيل) والقائل المرتضى بل حكي عن الاسكافي والصدوق (بالمنع من الزيادة عن مهر السنة و) هو خمسمأة درهم بل (لو زاد عليه رد إليها) بل في الانتصار دعوى إجماع الطائفة عليه، قال فيه: " ومما انفردت به الامامية أنه لا يتجاوز بالمهر خمسمأة درهم جياد، قيمتها خمسون دينارا، فما زاد على ذلك رد إلى هذه السنة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك - إلى أن قال -: والحجة بعد إجماع الطائفة أن قولنا: مهر يتبعه أحكام شرعية، وقد
أجمعنا على أن الاحكام الشرعية تتبع ما قلناه إذا وقع العقد عليه، وما زاد عليه لا إجماع على أنه يكون مهرا، ولا دليل شرعي، فيجب نفي الزيادة ". وفي محكي الفقيه " والسنة المحمدية في الصداق خمسمأة درهم، فمن زاد على السنة رد إليها " ونحوه عن هدايته ثم ذكر " أنه إذا أعطاها درهما واجدا من الخمسمأة ودخل بها فلا شئ لها بعد ذلك، وكان ذلك صداقها إلا أن تجعله دينا فتطالب به في الحياة وبعد الممات، وإذا لم تجعله دينا فالاولى أن لا تطالب به - ثم قال -: وإنما صار مهر السنة خمسمأة درهم، لان الله تعالى أوجب على نفسه ما من مؤمن كبره وسبحه وهلله وحمده وصلى على نبيه صلى الله عليه واله مأة مأة ثم قال: أللهم زوجني الحور العين إلا زوجه الله حوراء من الجنة، وجعل ذلك مهرها " (4). وأما ابن الجنيد فالمحكى عنه بعد أن ذكر أن كل ما صح الملك له والتمول
*) (1 و 3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المهور الحديث 2 - 3. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 233 وفيه " على عشرين ألفا ". (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 16 ]
من قليل أو كثير فينتفع به في دين أو دنيا من عروض أو عين أو يكون له عوض من أجرة دار أو عمل إذا وقع التراضي بين الزوجين، فالفرج حينئذ يحل به بعد العقد عليه - قال -: " وسأل المفضل (1) أبا عبد الله عليه السلام " إلى آخر الخبر المذكور دليلا للمرتضى وهو " دخلت على أبى عبد الله عليه السلام فقلت له: أخبرني عن مهر المرأة الذي لا يجوز للمؤمن أن يجوزه، فقال: السنة المحمدية صلى الله عليه واله خمسمأة درهم فمن زاد على ذلك رد إلى السنة، ولا شئ عليه أكثر من الخمسمأة درهم، فان أعطاها من الخمسمأة درهم درهما أو أكثر من ذلك ثم دخل بها فلا شئ عليه، قال: قلت: فان طلقها بعد ما دخل بها، قال: لا شئ لها، إنما كان شرطها خمسمأة درهما فلما أن دخل بها قبل أن تستوفى صداقها هدم الصداق فلا شئ لها إنما لها ما أخذت من قبل أن يدخل بها، فإذا طلبت بعد ذلك في حياته أو بعد موته فلا شئ لها ". لكن لا يخفى عليك عدم صراحة كلام الاسكافي في موافقة المرتضى، بل ولا ظهوره، بل لعل ظاهره خلافه، كما أنه قد يظهر من الصدوق إرادته الاستحباب الذي لا كلام فيه للتأسي وغيره، بل لا يبعد كراهة الزيادة خصوصا من المحكى
عنه في المقنع قال: " وإذا تزوجت فانظر أن لا يتجاوز مهرها مهر السنة، وهو خمسمأة درهم، فعلى هذا تزوج رسول الله صلى الله عليه واله نساءه، وعليه زوج بناته، وصار مهر السنة خمسمأة لان الله أوجب على نفسه " إلى آخر ما سمعته، فانحصر الخلاف حينئذ في المرتضى خاصة، ومنه يعلم ما في دعواه إجماع الطائفة على ذلك. كما يعلم مما عرفت ما في الاستدلال له بالخبر المزبور الذي هو في غاية الضعف سندا، ومشتمل على بعض الاحكام الغريبة الذي لم يقل به أحد، ولذا سمعت الصدوق ذكر مضمونه على معنى رضاها بالدرهم وإبراؤها إياه عن الباقي فلا بأس بحمله على الندب والكراهة كخبر محمد بن إسحاق (2) قال أبو جعفر عليه السلام:
(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 14. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المهور الحديث 6. (جواهر الكلام - ج 1)
[ 17 ]
" تدرى من أين صار مهور النساء أربعة آلاف درهم ؟ قلت: لا، قال: إن ام حبيبة بنت أبى سفيان كانت في الحبشة فخطبها النبي صلى الله عليه واله فساق عنه النجاشي أربعة آلاف
درهم، فمن ثم هؤلاء يأخذون به، أما الاصل فاثنتا عشرة أوقية ونش " الذي هو مع الضعف لا دلالة فيه على ذلك، بل لعله ظاهر في عكسه، والتأسى به بعد العلم بكون ذلك منه على الندب بالادلة السابقة يراد منه الاستحباب، ولعله لما سمعت قال المصنف: (وليس بمعتمد). ولكن مع ذلك كله فالاولى الاقتصار على الخمسمأة تأسيا بهم وإن أريد الزيادة نحلت على غير جهة المهر، كما فعله الجواد عليه السلام لابنة المأمون (1) قال: " وبذلت لها من الصداق ما بذله رسول الله صلى الله عليه واله لازواجه، وهو إثنتا عشرة أوقية ونش على تمام الخمسمأة، وقد نحلتها من مالى مأة ألف ". بل قد يقال: إن المرتضى أجل من أن يخفى عليه ما في الكتاب (2) والسنة (3) المواترة وفعل الصحابة والتابعين وتابعيهم وما عليه الطائفة المحقة واحتجاج الامرأة على عمر وغير ذلك، واحتمال الاعتذار عنه - بأن ذلك منه بناء على مذهبه من أنه ليس للعموم صيغة تخصه، فحينئذ قوله عليه السلام (4): " ما تراضى عليه الزوجان " لا دلالة فيه على العموم - يدفعه (أولا) عدم حصر الدليل في نحو ذلك كما عرفت و (ثانيا) أنه وإن قال: إنه ليس له لغة لكنه وافق على كونه في الشرع كذلك و (ثالثا)
أن النصوص المزبورة فيها ما يدل على إرادة العموم، كقوله عليه السلام: (5) " قل أو كثر "
(1) البحار ج 103 ص 264. (2) سورة النساء: 4 - الاية 20. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المهور. (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور الحديث 3 و 9 وفيهما " ما تراضيا عليه " وفي الحديث 1 و 4 و 5 و 10 " ما تراضى عليه الناس " وفي سنن البيهقى ج 7 ص 241 عن على عليه السلام " ما تراضى به الزوجان " (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور الحديث 6 و 9.
[ 18 ]
ونحو ذلك، كاحتمال الاعتذار عنه - بأن مراده الاستحباب وكراهة الزيادة، واستحباب العفو عنها مع فرض حصولها ونحو ذلك - مما ينافيه ظاهر كلامه أو صريحه. نعم قد يقال: إن مراده أن المهر وإن لم يكن له وضع شرعى إلا أن له مسمى كذلك، وكل حكم في الشريعة كان عنوانه لفظ مهر يراد منه الشرعي، فإذا
أمهرت الامرأة أزيد من الخمسمأة كان الجميع واجبا على الزوج قطعا، إلا أن المهر الشرعي منه الخمسمأة والزائد مهر عرفى واجب شرعى على الزوج أيضا، وإن شئت فسمه نحلة، وكأنه إليه أومأ الجواد عليه السلام فإذا قال الشارع مثلا: " للامرأة الامتناع عن الزوج حتى تتسلم المهر " ولم تكن ثم قرينة على إراة العرفي كان الواحب الشرعي، وهكذا، ولعله إلى ذلك أشار المرتضى رحمه الله بقوله: " قولنا مهر " إلى آخره. وحينئذ فالوجه في رده منع المسمى الشرعي للمهر على الوجه المزبور كمنع وضعه كذلك وإن اشتهر التلفظ بمهر السنة في النصوص وغيرها، لكن ليس المراد منه مسمى شرعى للمهر على وجه يكون عنوانا للاحكام الشرعية المعلقة على المهر الظاهر عرفا بالعوض المقابل للبضع في العقد، لا رده بالاية (1) والروايات (2) وفعل الصحابة وغير ذلك مما سمعت ما لا ينكره بناء على ما ذكرنا والله العالم بحقيقة الحال. (و) على كل حال (يكفى في المهر مشاهدته إن كان حاضرا ولو جهل وزنه وكيله) وعده وذرعه (كالصبرة من الطعام والقطعة من الذهب) والصبرة
من الدراهم والثوب والارض ونحو ذلك، بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه بعضهم إلى قطع الاصحاب لاطلاق الادلة التي منها ما سمعته من المعتبرة (3) المشتملة
(1) سورة النساء: 4 الاية 20. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المهور. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور.
[ 19 ]
على تحديد المهر بما تراضيا عليه، وأنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه واله تتزوج الامرأة على السورة وعلى القبضة من الحنطة، مضافا إلى فحوى الاكتفاء بالقبضة ونحوها في نصوص المتعة (1) التي يعتبر في صحتها المهر بخلاف المقام الذي هو ليس على حد المعاوضات المعتبر فيها العلم الذي لا يكفي فيه المشاهدة وإن ارتفع بها معظم الغرر الذى يكفي هنا فيغتفر حينئذ ما عداه. وحينئذ فان قبضته ولم يتوقف الامر على العلم بقدره أو علماء بعد ذلك فلا كلام، وإن استمر مجهولا واحتيح إلى معرفته قبل التسليم أو بعده وقد طلقها قل الدخول ليرجع بنصفه فالوجه الرجوع إلى الصلح، لانحصار الطريق فيه، واحتمال وجوب
مهر المثل حينئذ كما عن بعضهم مناف لاصول المذهب وقواعده حتى لو فرض تلفه قبل القبض، فان ضمان المهر عندنا ضمان يد لا ضمان معاوضة، ولذا وجبت قيمته لو تلف في يد الزوج، وليس هذا كما لو تزوجها ابتداء على المجهول الذى لا يجوز جعله مهرا، لعدم إمكان استعلامه في نفسه بلا خلاف أجده فيه، بل ربما ظهر من بعضهم الاجماع عليه لامتناع تقويم المجهول، ولاعتبار العلم به في المتعة التي لم يثبت الفرق بينها وبين غيرها بالنسبة إلى ذلك: بل ظاهر الادلة اتفاقهما في المهرية وإن اختلفا في اشتراط صحتها به دون غيرها إلا أن ذلك أمر خارج عما نحن فيه. فحينئذ ولذا قال في القواعد: " " إنه يشرط في صحته - أي المهر - مع ذكره التعيين إما بالمشاهدة وإن جهل كيله ووزنه، كقطعة من ذهب وقبة من طعام، أو بالوصف الرافع للجهالة مع ذكر قدره إن كان ذا قدر، فلو أبهم فسد المهر وصح العقد " بل لم أجد خلافا بينهم في ذلك، نعم ستسمع البحث فيما لو جعل المهر خادما آبقا لكن التأمل التام يورث إشكالا في المقام، ضرورة أن الهمر إن كان مع ذكره يعتبر فيه ما يعتبر في المعاوضات - كما صرح به غير واحد، بل نفي عنه الخلاف، بل ربما نسب إلى قطع الاصحاب - ينبغي أن لا يكتفى فيه بالمشاهدة التي قد عرفت
نفي الخلاف عن الاكتفاء بها أيضا كما لم يكتف فيها، وإن لم يعتبر فيه ذلك فلا
(1) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المتعة.
[ 20 ]
وجه للبطلان بالجهالة في بعض الاوصاف والقدر ونحو ذلك، ضرورة كونه حينئذ من قبيل الخطابات الشرعية في الزكاة والكفارة والعتق والنذر والوصية ونحوها مما لا يعتبر فيها المعلومية، ويكفى المطلق عنوانا لها. نعم يمكن اعتبار الوسط من الافراد كما في الزكاة، مؤيدا بخبر ابن أبى عمير عن علي بن أبى حمزة (1) قلت لابي الحسن عليه السلام: " تزوج رجل امرأة على خادم، فقال. لها وسط من الخدم قال: قلت: على بيت، قال: وسط من البيوت " ومرسله الاخر عن بعض أصحابنا (2) عنه عليه السلام " في رجل تزوج امرأة على دار، قال: لها دار وسط " وخبر على بن أبى حمزة (3) " سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل زوج ابنه أبنة أخيه وأمهرها بيتا وخادما ثم مات الرجل، قال: يؤخذ المهر من وسط المال، قلت: والبيت والخادم، قال: وسط من الخدم، قلت: ثلاثين أربعين دينارا، والبيت نحو من ذلك، فقال: هذا - يعنى البيت - سبعين ثمانين دينارا مأة " المحكي
على مضمونها الشهرة بين الاصحاب، بل في الخلاف دعوى إجماع الفرقة بعد أن نسبه إلى رواية أصحابنا، بل قال: " إنه ما اختلفت رواياتهم ولا فتاواهم " وفي المبسوط فيما إذا أصدقها عبدا مجهولا: " قد روى أصحابنا أن لها خادما وسطا وكذلك قالوا في الدار المجهولة، وهو الذي نفتي به " وفي موضع آخر منه " لها عبد وسط عندنا وعند جماعة - إلى أن قال: وكذلك إذا قال: تزوجتك على دار مطلقا، فعندنا يلزم دارا بين دارين " وقد تبعه عليه ابنا زهرة والبراج، بل لعله هو الظاهر من ابن إدريس أيضا، بل هو خيرة المصنف في النافع والفاضل في الارشاد. لكن ظاهر الجميع الاقتصار على هذه الثلاثة، بل لعله صريح المبسوط، نعم قال بعض الافاضل من متأخر المتأخرين: الظاهر ان الاقتصار على الخادم والدار والبيت إنما كان لان السؤال وقع عنها لا لخصوصيتها، وإلا فالملحفة والخمار والقميص
(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب المهور الحديث 2 - 3 - 1 والثانى مرسل موسى بن عمر الا أن الموجود في التهذيب ج 7 ص 375 - الرقم 1520 موسى بن عمر عن أبى عمير عن بعض أصحابنا.
[ 21 ]
والازار والقرط والسوار والشاة والبعير ونحو ذلك من الحلي والحلل والانعام وغيرها أولى بذلك، لانه أقل جهالة، ولاتحاد مدرك الرجوع إليه إذ هو إما انصراف المطلق إلى الفرد الغالب، وليس هو إلا الوسط بخلاف الاعلى والادنى، بل لا يكاد يتحقق الفرد الاقصى منهما، وإما لانه الجامع بين الحقين، بل ظاهر النصوص المزبورة عدم الخصوصية بما فيها، كما لا يخفى على من تأملهما. وحينئذ فما في جامع المقاصد - من طرح هذه الروايات، للطعن في سندها بل وفي دلالتها، ضرورة عدم انحصار الوسط، وشدة اختلاف أفراده بما لا يتسامح فيه، وتبعه عليه ثاني الشهيدين وغيره - واضح الضعف، إذ هي - مع أن ابن أبى عمير في سندها وإرساله مقبول عند الاصحاب - منجبرة بما عرفت من الشهرة تحصيلا ونقلا وصريح الاجماع وظاهره، واختلاف أفراد الوسط بعد أن اجتزأ الشارع بأى فرد منها كالاجتهاد في مقابلة النص، إذ الوسط كالمطلق بالنسبة إليها، نحو اجتزائه في الزكاة، وإن أبيت عن الاجتزاء به كان المتجه الاجتزاء بكل فرد يتحقق به المطلق، نحو الوصية والنذر، والتخيير بيد الزوج، كما أن التخيير فيها بيد الوارث، واختلاف الافراد - بعد أن كان المهر ليس من الاعواض التى يعتبر فيها
العلم، بقرينة الاكتفاء بالمشاهدة والقبض والشئ من الزبيب ونحوه، وما يحسن من القرآن والسورة والدار والخادم والبيت، مع إطلاق تلك النصوص (1) المعتبرة تحديده بما يتراضيان عليه، وعدم كونه ركنا في العقد، ولذا لا يبطل ببطلانه - غير قادح، وحديث الغرر (2) مع أنه من طرق العامة إنما هو النهي عن بيع الغرر أو ما كان كالبيع في اعتبار المعلومية التي لا تكفي فيها المشاهدة، كالاجرة في الاجارة وحينئذ فيصح جعل المهر " شيئأ " ونحوه، ويتعين على الزوج أقل ما يتمول، على أنه ليس في شئ من النصوص المقام اعتبار المعلومية فيه، وإنما ورد (3) ذلك في
(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور. (2) سنن البيهقى ج 5 ص 338. (3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب المتعة.
[ 22 ]
المتعة التي اكنفوا فيها بالمشاهدة أيضا يمكن الفرق بينهما بكونه ركنا في عقدها بخلاف نكاح الدوام. والحاصل أن ما ذكروه - من الاكتفاء بالمشاهدة لعدم كونه معاوضة، واعتبار
حكم ثمن البيع في غير المشاهدة، لانه مع ذكره في العقد يعتبر فيه ما يعتبر في عوض المعاوضة، حتى أنه صرح في جامع المقاصد باعتبار أوصاف السلم فيه عدا خصوص الخادم والدار والبيت بناء على العمل بتلك النصوص، أو حتى هي أيضا بناء على طرحها - لا يتم إلا أن يكون إجماعا، والله العالم بحقيقة الحال. (و) كيف كان فلا خلاف أجده كما اعترف به بعضهم في أنه (يجوز أن يتزوج امرأتين أو أكثر) بعقد واحد، بل صريح بعض وظاهر آخرين عدم الفرق في ذلك بين اتحاد الزوج وتعدده كما لو قال مثلا: " زوجت فاطمة زيدا وهندا بكرا " فقال وكيلهما: " قد قبلت " والمراد باتحاد العقد اتحاد إيجابه وقبوله أو أحدهما، فتعدده بكون بتعدد إيحابه وقبوله، وعلى ذلك يمكن اجتماع البيع والنكاح وغيرهما من العقود بعقد واحد فضلا عن اجتماع المنقطع والدائم بأن يقول: " بعتك العبد وآجرتك الدار وزوجتك فاطمة بكذا " فيقول الرجل مثلا: " قبلت كل ذلك " لا طلاق الادلة وعمومها من الامر بالوفاء بالعقود (1) وغيره، وفرعوا على ذلك جواز ذكر عوض واحد للجميع، ويكفى معلوميته في هذا العقد وإن جهل التقسيط، فيصح مهر الامرأتين أو أزيد بشئ واحد، بل يصح جعله
عوضا للنكاح والبيع والاجارة، وذلك لان المتيقن من اشتراط المعلوميته حصولها في ذلك العقد، وهو حاصل وإن جهل التقيسط، نحو ما سمعته في كتاب البيع من جواز بيع المالين لمالكين من متحد أو متعدد بثمن واحد، ويسقط حينئذ على ما يخص كل واحد بحسب قيمته. نعم لو فرض تعدد العقد بتعدد إيجابه وقبوله وجب حينئذ معلومية عوضه، ولا يكفى التقسيط حينئذ، فلا يجوز مثلا " زوجت فاطمة زيدا وزوجت هندا بكرا
(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.
[ 23 ]
بمأة " فقال كل منهما: " قبلت " ضرورة تعدد العقد حينئذ، فلا يكفى معلومية العوض بالنسبة إلى العقدين، مع احتماله أيضا اكتفاء بالمعلومية في هذه المقابلة وإن تعدد العقد، لعدم دليل على اعتبار الازيد ذلك، كما لو قال: " بعت الدار زيدا وبعت العبد عمرا بمأة " فقال كل منهما: " قبلت " فتشتغل ذمة كل منهما بما يخص المبيع من التقسيط. هذا ولكن المتجه بناء على ما عرفت فسخ العقد بوجود العيب في إحدي
الزوجتين أو أحد الزوجين، ضرورة اتحاد العقد، ولا يتصور تبعيضه في الفسخ الطارئ عليه، كما لو باع شيئين وكان أحدهما معيبا، ويلزم حينئذ رد نكاح الامرأة الصحيحة أو الرجل الصحيح من دون عيب ومع تراضي الزوجين وعدم إرادتهما الفسخ، بل يتجه حينئذ مع نظم العقود المتحدة بقبول واحد فسخ النكاح منها وغيره بخيار في البيع مثلا، لكون المفروض اتحاد العقد الذي لا يتبعض بالنسبة إلى ذلك، ولو سلم إمكان التزام تعدد العقد في هذا الفرض وفرض تعدد الزوجة فلا محيص عن الحكم باتحاده مع تعدد الزوجة واتحاد الزوج، فان الايجاب ففيه والقبول كذلك ومقتضاه انفساخ نكاح الصحيحة بفسخه في المعيبة فينا في ما دل على عدم رد المرأة بغير العيوب السابقة (1) كما أنه قد يتوقف من نظم العقود بتعدد إيجابها واتحاد قبولها وعوضها في اندراجها تحت اسم أي عقد، ومع فرض خروجه عنها - لكنه يندرج تحت " أوفوا بالعقود " (2) - يشكل جريان حكم كل عقد على متعلقه، ويشكل فسخ النكاح بفسخ البيع وبالعكس. ومن ذلك ونحوه قد يشك في أصل تعلق عقد النكاح الواحد بالمتعدد وإن لم يظهر فيه خلاف بينهم، بل قد يفرق بينه وبين البيع في ذلك فضلا عن غيره بامكان
ملاحظة جهة الوحدة في المبيع وإن تعدد على وجه يكون المجموع من حيث كونه كذلك، ولذا يثبت له خيار تبعض الصفقة بخلافه في النكاح، فان جهة الوحدة في
(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب العيوب والتدليس. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 1.
[ 24 ]
النساء على معنى يكون المجموع من حيث كونه كذلك منكوحا غير صحيح وحينئذ يكون المدار في جواز التعدد وعدمه في العقود على ذلك، لكنه مناف لكلام الاصحاب الذي يمكن ملاحظة جهة الوحدة الاعتبارية فيه أيضا، كما أنه يمكن اعتبار ملاحظتها في الصحة، للعمومات التى لا ينافى العمل بها التزام ما سمعته من الاحكام مع فرض اتحاد العقد، نعم قد يمنع الاتحاد عرفا " في بعض الصور المزبورة، بل كل صورة تعدد فيها الايجاب والقبول، ضرورة عدم أولوية إلحاقه بالمتحد باعتبار الاتحاد في أحدهما من إلحاقه بالمتعدد باعتبار التعدد فيهما، فالاولى حينئذ إلحاق حكم المتحد من جهة والتعدد من اخرى، فيجرى عليه حكم الواحد بالنسبة إلى مقابلة المهر، فلا يقدح جهالة التقسيط وحكم المتعدد بالنسبة إلى الفسخ
ونحوه، فتأمل جيدا فانى لم أجده محررا، والله العالم. وعلى كل حال ففي مفروض المسألة لو جمعهما (بمهر واحد) كقوله: " بمأة وفرس " ونحو ذلك فهل يكون باطلا وإن لم يبطل به عقد نكاح كما عن بعضهم ؟ لان المهر هنا متعدد في نفسه وإن كان مجتمعا، وحصة كل واحدة منه غير معلومة حال العقد، وعلمها بعد ذلك لا يفيد الصحة، كما لو كان مجهولا وعلم بعد ذلك. بل قد يمنع صحة البيع للمالكين غير المشتركين بثمن واحد، كما هو المحكي عن خلاف الشيخ وغيره، لذلك ولانه كالعقدين والثمن غير معلوم بالنسبه إلى كل واحد منهما، بل عنه في المبسوط أيضا إذا اختلفت القيمتان، ويكون لكل واحدة مهر المثل مع فساد المسمى، أو أن المهر صحيح كالعقد كما هو مذهب الاكثر للعمومات التي لم يعلم تخصيصها بأزيد من العلم به جملة واحدة في العقد الواحد في البيع، فضلا عن المهر الذي قد عرفت الحال فيه، وأنه يحتمل من الجهالة ما لا يحتمله غيره، لانه ليس معاوضة محضة، ويعلم حينئذ حصة كل واحد منهما بعد ذلك، بل هو الموافق لقوله عليه السلام (1) " المهر ما تراضى عليه الزوجان " الصادق
(1) راجع التعليقة (4) من ص 17.
[ 25 ]
على ذلك، على أن المسمى في مقابلة البضعين من حيث الاجتماع، ولا يلزم من التقسيط الحكمى التقسيط اللفظي، (و) ولعل هذا هو الاقوى. نعم هل (يكون المهر بينهن بالسوية) ؟ كما عن مبسوط الشيخ ومن تبعه باعتبار عدم كونه عوضا حقيقة، فيبقى حينئذ على الاصل في الاستحقاق لو قيل لفلان وفلان كذا المقتضى للتسوية إذ لا ترجيح في مقتضى التمليك (وقيل: يقسط على مهور أمثالهن) فيعطي كل واحدة ما يقتضيه التقسيط نحو البيع (وهو) مع كونه أشهر من الاول (أشبه) باصول المذهب وقواعده لظهوره إرادة معنى المعاوضة مع ذكر المهر، ولذا يقع البحث في زيادته ونقصانه تبعا لزيادة قيمة المعوض ونقصانها، وليس للبضع قيمة إلا مهر المثل، فيقسط المسمى حينئذ عليه، نحو تقسيطه في المبيعين لمالكين، بل في المسالك احتمال تقسيطه كذلك حتى على القول ببطلان المهر، قال: للفرق بينه وبين المجهول المطلق الذي لا يمكن تقويمه، فان المتجه فيه مهر المثل، بخلاف المقام الذي يمكن فيه توزيع المسمى على مهور أمثالهن، فيكون لكل واحدة منه ما يقتضيه
التوزيع، وحينئذ يتجه مع القول بالصحة وإن كان فيه ما لا يخفى، ضرورة عدم اعتبار توزيعه بعد فرض فساده، وعدم عقد ملزم به، وما ذكره بعد تسليمه يصحح جعله مهرا باعتبار عدم منع جهالته عن التقويم التي هي مدار المنع، لا توزيعه بعد فرض عدم الالتزام به لفساده، كما هو واضح. هذا ولو زوج أمتيه من رجلين على صداق واحد صح النكاح والصداق قولا واحدا كما اعترف به في المسالك، لان المستحق هنا واحد، فهو كما لو باع عبدين بثمن واحد، ثم قال في المسالك: " ولو كان له بنات ولاخر بنين فزوجهن صفقة واحدة بمهر واحد بأن قال: " زوجت بنتي فلانة من ابنك فلان وفلانة من فلان وهكذا بألف " ففي صحة الصداق كالسابقة وجهان، وأولى بالبطلان هنا لو قيل به ثم: لان تعدد العقد هنا أظهر، لتعدد من وقع العقد له من الجانبين ". قلت: قد عرفت التحقيق في ذلك، (و) أنه يمكن القول بالصحة مع فرض تعدد
[ 26 ]
العقد بتعدد إيجابه وقبوله، فضلا عما فرضه من المثال المتحد فيه الايجاب اكتفاء في العلم بالمهر بهذه المقابلة، وأنه لا دليل على اعتبار الازيد من هذ
المعلومية، خصوصا لو قلنا بالصحة في البيع لو قال: " بعت زيدا العبد وبعت عمرا الدار بمأة في ذميتهما " وقال كل واحد منهما أو وكيله " قبلت ". كما أنه عرفت تحقيق الحال فيما (لو تزوجها على خادم غير مشاهدة ولا موصوفة) وأنه (قيل) بل هو المشهور (كان لها خادم وسط، وكذا لو تزوجها على بيت مطلقا استنادا إلى رواية علي بن أبي حمزة (1) أو على دار على رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام) (2) بما لا مزيد عليه فلاحظ وتأمل، والله العالم بحقيقة الحال. (ولو تزوجها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله ولم يسم مهرا كان مهرها خمس مأة درهم) بلا خلاف أجده فيه، بل هو مجمع عليه مع قصدهما عالمين، بل ظاهر الاصحاب ذلك مطلقا، بل في الروضة وغيرها الاجماع عليه، لاطلاق الادلة وعمومها المؤيدة لما سمعته سابقا من احتمال المهر من الجهالة ما لا يحتمله غيره، مضافا إلى خبر أسامة بن حفص (3) القيم لابي الحسن موسى عليه السلام المعتبر بوجود المجمع على تصحيح ما يصح عنه في سنده، وبالانجبار بما عرفت قال: " قلت له: رجل يتزوج امرأة ولم يسم لها مهرا وكان في الكلام أتزوجك على كتاب الله وسنة
نبيه صلى الله عليه واله، فمات عنها أو أراد أن يدخل بها، فما لها من المهر ؟ قال: مهر السنة قال: قلت: يقول أهلها: مهور نسائها قال: فقال: هو مهر السنة، وكلما قلت له شيئأ قال، مهر السنة " فلا وجه للاشكال في ذلك بعد ما عرفت بأن تزويجها على الكتاب والسنة أعم من جعل المهر مهر السنة، كما لا يخفى، إذ كل نكاح مندوب إليه بل جائز فهو على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله
(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب المهور الحديث 2. (2) راجع التعليقة (2) من ص 20. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 27 ]
ثم على تقدير إرادتهما بذلك كون المهر مهر السنة ففي الاكتفاء بذلك عن ذكر القدر في العقد نظر، كما لو قال: " زوجتك على المهر الذي تزوج به فلان. " ثم الزوجان قد يعلمان أن مهر السنة هذا المقدار، وقد لا يعلمانه، وقد يعلمه أحدهما دون الاخر، والحكم بالصحة مطلقا يحتاج إلى سند صالح، وكثير من المتقدمين كابن الجنيد وابن بابويه وسلار لم يذكروا هذه المسألة، ضرورة
ظهور هذه العبارة في كون المراد على ما أباحه الله من النكاح ودعى إليه وسنه رسوله فيه من المهر وغيره وجرى عليه، ولما كان ذلك معلوما في الشريعة لم يضر خفاؤه عليهما لعدم الدليل على اعتبار المعلومية في المهر بأزيد من ذلك، بل إن لم يقم إجماع على فساد المهر لو قال: " مهر فلانة أو امها " أو غير ذلك مما هو معلوم ومضبوط كان المتجه فيه الصحة أيضا، لما عرفته في محله، نعم لو فرض كون المراد بهذه العبارة أنه نكاح غير سفاح، ولم يقصد المهر لا عموما ولا خصوصا كان الواجب مهر المثل حينئذ، لعدم ذكر المهر فيه حينئذ، لكنه خروج عن فرض المسألة الظاهر فيما سمعت، وحينئذ يكون المهر مذكورا في العقد، ثابتا به لا بالدخول، كمهر السنة الثابت للموفضة في بعض الصور، ولذا حكم بثبوته مع الموت في اللخر المزبور (1) فتأمل جيدا، والله العالم. (ولو سمي للمرأة مهرا ولابيها) أو غيره واسطة على عمل مباح أو أجنبي (شيئا معينا لزم ما سمى لها) بلا خلاف، بل عن الخلاف الاجماع عليه (وسقط ما سمى لابيها) بلا خلاف محقق أيضا، بل عن الغنية الاجماع عليه، والاصل في ذلك صحيح الوشاء (2) عن الرضا عليه السلام " لو أن رجلا تزوج امرأة
وجعل مهرها عشرين ألفا وجعل لابيها عشرة آلاف كان المهر جائزا، والذي جعله لابيها فاسدا " مضافا إلى معلومية كون المهر كالعوض الذى لا يصح أن يملكه في
(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب المهور الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 28 ]
عقد المعاوضة غير من له المعوض، وقد سمعت ما في خبر السكوني (1) من أنها " هي أحق بمهرها " والشرط في العقد إنما يلزم إذا كان لمن له العقد، وفرض ذلك على وجه يرجع إلى الزوجة - حتى أنه ربما كان السبب في رضاها بذلك المهر - يخرجه عن مفروض المسألة الذي هو جعل ذلك لابيها على نحو جعل المهر لها. ولا ريب في بطلانه بما عرفت، من غير فرق بين المجعول لابيها تبرعا محضا أو لاجل وساطة وعمل محلل، ولا بين كون المجعول مؤثرا في تقليل مهر الزوجة بسبب جعله في العقد وقصدها إلزامه به وعدمه، كما هو مقتضى الصحيح المزبور على ما اعترف به في المسالك وغيرها، بل فيها أيضا " ولم يخالف في ذلك أحد من الاصحاب إلا ابن الجنيد - قال -: ولا يلزم الزوج غير المهر من جعالة لولي أو
واسطة، ولو وفي الزوج بذلك تطوعا كان أحوط، لقول النبي صلى الله عليه واله (2): " أحق الشروط ما نكحت به الفروج " فان طلقها قبل الدخول عليها لم يكن لها إلا نصف الصداق، دون غيره فان كان قد دفع ذلك يرجع عليها بنصف الصداق، وكل الجعالة على الواسطة - نعم في آخر كلامه قال -: قد يشكل الحكم في بعض فروض المسألة كما لو شرطت لابيها شيئا وكان الشرط باعثا على تقليل المهر، وظنت لزوم الشرط، فان الشرط حينئذ يكون كالجزء من العوض الذي هنا هو المهر، فإذا لم يتم لها الشرط يشكل تعيين ما سمته من المهر خاصة، كما سبق في نظائره من المعاوضات، وذلك لا ينا في الرواية، لان ما عينته من المهر ثابت على التقديرين، وانما الكلام في شئ آخر، ولو لا الرواية الصحيحة لكان القول بفساد المهر ووجوب مهر المثل قويا، لاشتمال المهر على شرط فاسد، فيفسده كما يفسد العقد لو كان العوض من لوازمه " وتبعه غيره في هذا الاشكال. قلت: بل لا صراحة في كلام أبي على في الخلاف بعد ظهور إرادة الندب من
(1) الوسائل الباب - 22 - من أبواب المهور الحديث 2. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 248 وفيه " أحق الشروط ان يوفى بها ما استحللتم
به الفروج ".
[ 29 ]
الاحتياط في كلامه المبنى على عدم إرادة الجعالة الاصطلاحية، واحتمال وجوبه باعتبار كونه جعلا مصطلحا على عمل محلل، فيجب حيئنذ مع الفعل خروج عن مفروض المسألة الذي هو الوجوب من حيث التسمية في العقد. ومن ذلك يعلم ما عن المختلف في المسألة من أن الوجه أن نقول: " إن كان قد جعل للواسطة شيئا على فعل مباح وفعله لزمه، ولم يسقط منه شئ بالطلاق، لانه جعالة على عمل محلل مطلوب في نظر العقلاء، فكان واجبا بالعقد كغيره، وإن لم يكن على جهة الجعالة بل ذكره في العقد لم يكن عليه شئ، سواء طلق أولا " ضرورة خروج الوجوب بالجعالة أو الاجارة أو نحوهما عن مفروض المسألة الذي هو ما عرفت. كما أنه قد يدفع إشكاله أن زعمها لزوم ذلك الجعل لا يقتضي فسادا في المهر وإن كان ذلك سببا في رضاها به، ضرورة كون ذلك من الدواعي التي لا تؤثر شيئا، إذ المهر ليس من العقود، ولا يؤثر فساده في العقد شيئا، فالرضا به لزعم شئ آخر
لا يقتضي فسادا، وإن قلنا: إن الشرط الفاسد في عقد يقتضي فساد العقد، لكن ذلك إنما هو لتعليق رضا التعاوض عليه، وليس رضا معاوضة هنا كما هو واضح. بل قد يظهر مما ذكرنا الوجه أيضا في المسألة الثانية (و) هي (لو أمهرها مهرا وشرط أن يعطي أباها منه شيئا معينا) فان المشهور كما في المسالك وغيرها على البطلان أيضا، بل لم يعرف فيه خلاف إلا ما يظهر من المحكي عن أبي علي، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (قيل: يصح المهر ويلزم الشرط بخلاف الاول) نعم في المسالك عن ظاهر الشهيد في شرح الارشاد الميل وكذلك المحقق الشيخ علي لعموم قوله صلى الله عليه واله (1): " المؤمنون عند شروطهم " والنبوى (2) " أحق الشروط ما نكحت به الفروج " وفيه (أولا) أنه لا صراحة في كلام ابن الجنيد بذلك،
(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 248 وفيه " أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج ".
[ 30 ]
إذ المحكي عنه أنه قال بعد العبارة السابقة: " فان كانت المرأة اشترطت رجع
عليها بنصف صداقها ونصف ما أخذه من شرطت له ذلك لان ذلك كله بعض الصداق الذي لم ترض بالنكاح إلا به " وهو صريح في كون الشرط للمرأة، وليس ذلك الذي حكم الاصحاب بفساده، حتى عده بعضهم من الشرط المخالف للكتاب والسنة، وإنما هو جعل الشرط للاجنبي على وجه يكون حق الشرطية نفسها للاجنبي، لا أن الشرط للمرأة والمشترط له، وذلك لا ريب في بطلانه، لما عرفت من عدم صحة الشرط لغير المتعاقدين، كما لا ريب في صحة الثاني، ضرورة كونه شرطا للامرأة لها اسقاطه ولها المطالبة به، وإن كان المشترط لغيرها نحو بيع الشئ مثلا وشرط بناء دار زيد على المشترى، فان الشرط للبائع نفسه، وهو الذى ذكره ابن الجنيد، فلا يكون مخالفا للاصحاب، كما أن الظاهر عدم خلاف من عرفت في ذلك وإن حكموا بالصحة، لكن فيما حكم به ابن الجنيد، بل الظاهر أنه لم يخالف فيه أحد منهم، وإنما المحكوم ببطلانه الجعل للاب تسمية أو شرطا على الذي ذكرناه، كما هو ظاهر الصحيح المزبور والفتاوى، فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع. (و) على كل حال فبناء على اعتبار المعلومية (لابد من تعيين المهر
بما يرفع الجهالة، فلو أصدقها تعليم سورة وجب تعيينها) رفعا للجهالة، ضرورة اختلاف أفرادها إختلافا شديدا (و) حينئذ ف (- لو أبهم فسد المهر، وكان لها مع الدخول) لا بدونه (مهر المثل) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، وإن كان قد يشكل أصل الحكم بما سمعت، بل قد تقدم ما في خبر سهل الساعدي (1) من تزويج النبي صلى الله عليه واله إياه على ما يحسنه من القرآن الذي استدل به في الرياض على اغتفار مثل هذه الجهالة في المهر، كما أنه قد يشكل ما ذكره غير واحد من وجوب المتعة في الفرض لو طلق قبل الدخول، بعد صدق التفويض عليه بنا على أنه ذكر المهر في العقد، أللهم إلا أن يقال إن الفاسد بحكم العدم، وستسمع إن شاء الله
(1) المستدرك الباب 2 من أبواب المهور الحديث 2 وسنن البيهقى ج 7 ص 242
[ 31 ]
التحقيق فيه. (وهل يجب تعيين الحرف) أي القراءة من قوله عليه السلام (1): " نزل القرآن على سبعة أحرف " بناء على أن المراد منه القراءات السبع وإن كان في نصوصنا (2) نفي ذلك، وأن المراد أنواع التراكيب من الامر والنهي والقصص ونحوها ؟
(قيل) والقائل بعض الاصحاب: (نعم) يجب ذلك مع فرض عدم فرد ينصرف إليه الاطلاق، لشدة اختلافها وتفاوت الاغراض فيها. (وقيل) والقائل الاكثر كما في كشف اللثام: (لا) يجب للاصل وعدم تعيين النبي صلى الله عليه واله ذلك على سهل (3) مع أن التعدد كان موجودا في ذلك الزمان واغتفار هذه الجهالة بعد فرض جواز الجميع، وحينئذ (فيلقنها الجائز) منها، سواء كان إحدى السبع أو الملفق منها، بل في المسالك أن المتواترة لا تنحصر في السبع، بل ولا في العشر كما حقق في محله (وهو أشبه) باطلاق الادلة وعمومها السالمة عن معارضة اعتبار الازيد من ذلك، والاقتصار على المتواتر لانصراف إطلاق التعليم إليه، ثم إن التخيير إليه، ضرورة كون الواجب في ذمته أمر كلي موكول إليه كغيره من الدين الكلي. (ولو أمرته بتلقين غيرها) أي غير القراءة المعينة لو كانت أو غير القراءة التى اختارها وفاء لما وجب عليه (لم يلزمه) إجابتها (لان الشرط لم يتناولها) كي يجب عليه امتثالها، كما هو واضح. وحد التعليم أن تستقل بالتلاوة، لانه المفهوم عرفا، ولا يكفى تتبع نطقه،
ولو نسيت الاية الاولى بعد استقلالها بالتلاوة عقيب تلقين الثانية لم يجب إعادة التعليم، لان تعليم السورة لا يمكن إلا بتعليم آية آية، فإذا كان المفروض
الخصال ص 327 ط النجف. (2) الكافي ج 2 ص 630. (3) المستدرك الباب - 2 - من أبواب المهور الحديث 2 وسنن البيهقى ج 7 ص 242.
[ 32 ]
استقلالها بتلاوة الاية الاولى مثلا حصل التعليم بالنسبة إليها، ولا دليل على وجوب الاعادة، نعم لا يكفي نحو كلمة وكلمتين، لانه لا يعد في العرف تعليما، بل مذاكرة، لكن مع ذلك لا يخلو من إشكال، لان المفهوم من التعليم هو الاستقلال بالتلاوة، فتعليم السورة إنما يتحقق باستقلالها بتلاوتها بتمامها، وللعامة وجه على ما قيل بأنه لا يتحقق التعليم من ثلاث آيات، لانها مقدار أقصر سورة، وهي أقل مما يقع به الاعجاز. (ولو أصدقها تعليم صنعة لا يحسنها أو تعليم سورة) كذلك (جاز لانه
ثابت في الذمة) سواء أصدقها التعليم مطلقا بنفسه أو بغيره أو التعليم بنفسه، أما الاول فظاهر، إذ لا يتوقف تحصيل التعليم على علمه، نعم إن تعذر الغير ففي وجوب تعلمه ليعلمها إشكال، من أنه كالتكسب لوفاء الدين، أو من توقف الواجب عليه، وهو الوجه، وأما الثاني فلانه يكفي القدرة على المهر، ولا يشترط الفعلية، وعن المبسوط وجه بالعدم، وعن القاضي الاحتياط به، إذ لا يصح إصداق منفعة شئ بعينه وهو لا يقدر عليها، كاصداق منفعة عبد لا يملكه (و) الفرق ظاهر، فان منفعة الغير لا تثبت في الذمة. نعم (لو تعذر) عليه (التوصل) إلى تعليمها بنفسه وغيره، بل في القواعد أو تعلمت من غيره (كان عليه أجرة) مثل ذلك (التعليم) لانها قيمة المهر حيث تعذر عنه، بل ظاهر الاصحاب عدم الفرق في ذلك بين أن يكون قد أشترط تعليمها بنفسه فعرضت له ما يمنعه من ذلك وغيره، بل لا فرق بين أن يكون منفعة عين مخصوصة وتعذرت وغيرها، كل ذلك لادلة وجوب المهر، وكونه مضمونا على الزوج حتى يوصله إلى الزوجة بالمثل أو القيمة، وليس الامهار من قبيل عقد الاجارة الذي ينفسخ بتلف العين المستأجرة ويتعذر وقوع
العمل من الاجير المشروط عليه المباشرة، للادلة الدالة على ذلك بخلاف ما هنا، فان عقد النكاح المذكور فيه المهر لا ينفسخ بذلك قطعا، لما عرفته من عدم كون
(جواهر الكلام - ج 2)
[ 33 ]
المهر ركنا فيه، والمهر ليس هو عقدا بنفسه، وإنما هو واجب بعقد النكاح، ومضمون على الزوج ضمان يد، فمتى تعذر انتقل إلى المثل أو القيمة، وفي الفرض أجرة مثل العمل المتعذر قيمته، كما هو واضح. وحينئذ فما في جامع المقاصد وكشف اللثام من احتمال وجوب مهر المثل واضح الضعف. نعم قد يشكل وجوبها فيما لو تعلمت بنفسها مع بذل الزوج التعليم واستناد التقصير إليها بترك التعلم، وكذا لو أمهرها منفعة عين مخصوصة مدة وقد بذلها لها فلم تستوف منفعتها، والظاهر سقوط مهرها في الثاني، أما الاول فقد سمعت ما في القواعد وإطلاق غيرها، ولعل وجهه ما عرفت لكنه محتاج إلى التأمل. وعلى كل حال فهل يعتبر في تعليم غيره لها المحرمية الظاهر عدمه مع فرض عدم توقفه على ما يحرم من نظر أو لمس وفرض تجرده عن الريبة والفتنة كما
سمعته في محله، والله العالم. (ولو أصدقها ظرفا) مخصوصا (على أنه خل) مثلا (فبان خمرا) فلا خلاف في صحة العقد، بل في جامع المقاصد وغيره هو كذلك قولا واحدا إنما الكلام في المهر ف (قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه وخلافه (كان لها قيمة الخمر عند مستحليه) لانها أقرب شئ إليه عند التعذر، ولانها عقدا على شخصي باعتبار ماليته، فمع تعذره لظهور بطلان المعاوضة عليه يصار إلى القيمة. وفيه أن الخمر غير مقصود أصلا، ولا وقع عليه التراضي، فكيف ينتقل إلى قيمته، واعتبارها فرع صحة العقد على العين، بل هو غير العقد على الخمر عالمين به الذي قد عرفت البحث فيه أيضا، فانهما قد تراضيا على العين، فلا يمنع الانتقال إلى القيمة لتعذر العين. ولذا أعرض عنه المصنف وقال: (لو قيل: كان لها مثل الخل كان حسنا) بل هو المحكي عن ابني الجنيد وإدريس والفاضل في المختلف، لانهما عقدا على الخل بهذا القدر وضناه خلا، فإذا ظهر خمرا لزم مثله، إذا هو مثلى فات،
[ 34 ]
فيلزم مثله الذي هو أقرب الاشياء إليه، ولان المعقود عليه خل منحصر في هذا الشخص، فإذا لم يتم الانحصار بقيت الخلية، بل رضاهما بالجزئي المعين الذي يظنان كونه خلا رضا بالخل الكلي مهرا، إذ هو مستلزم للجزئي، فالرضا به مستلزم للرضا به، فإذا فات الجزئي لعدم صلاحية الملك بقي الكلي الذي هو أحد الامرين الذي وقع التراضي بهما. وفيه ان المفروض وقوع العقد على خصوص ما في الظرف لا على خل بهذا القدر، فالمعقود عليه حيئنذ الكلي المقترن بالمشخصات الموجودة، وهذا يمتنع بقاؤه إذا ارتفعت المشخصات، والمحكوم بوجوبه هو الكلي في ضمن شخص آخر لم يقع عليه التراضي أصلا، فايجابه حينئذ إيجاب لما لم يتراضيا عليه، وكونه أقرب إلى المعقود عليه لا يستلزم وجوبه، لان المهر الذي يجب بالعقد هو ما يتراضيا عليه، ولا يلزم من التراضي بأحد المثلين التراضي على الاخر. وما في المسالك - من " ان الجزئي الذي وقع عليه التراضي وإن لم يساوه غيره من أفراد الكلي إلا أن الامر لما دار بين وجوب مهر المثل أو قيمة الخمر أو مثل
الخل كان اعتبار المثل أقرب الثلاثة، لان العقد على الجزئي العين اقتضى ثلاثة أشياء: ذلك المعين بالمطابقة، وإرادة الخل الكلي بالالتزام، وكون المهر واجبا بالعقد بحيث لا ينفك المرأة من استحقاقه، حتى لو طلق كان لها نصفه، أو مات أحدهما فجميعه، فإذا فات أحد الثلاثة وهو الاول يجب المصير إلى إبقاء الاخيرين بحسب الامكان، إذ " لا يسقط الميسور بالمعسور " (1) وعموم " إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (2) وهما لا يوجدان في ضمن وجوب مهر المثل، لانه لا يجب إلا بالدخول عند القائل به، وإمكان وجودهما في ضمن قيمة الخمر قد عرفت فساده، فلم يبق إلا المثل، ولا شبهة في أن الرضا بالخل المعين في الظرف يستلزم إرادة
(1) رواه النراقى (قده) في عوائده ص 88 عن غولى اللئالى عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) سنن البيهقى ج 4 ص 326.
[ 35 ]
كون الخمر خلا بخلاف القيمة ونحوها " - من غرائب الكلام، فانه على طوله لا محصل له، ولا ينطبق على شئ من القواعد الشرعية، بل هي منافيه لها، فلا ريب
في أن الاحسن من ذلك وجوب مهر المثل، وفاقا للفاضل في أكثر كتبه، لعدم الرضا بالكلي إلا في ضمن الشخصي المعين المفروض بطلانه بخروجه عن المالية، فيرجع الامر إلى ذكر مهر لم يسلم لهما، فينتقل إلى مهر المثل. وإشكاله في المسالك - بأن مهر المثل ربما كان زائدا عن قيمة الخل كثيرا فلا يكون مقصودا للزوج أصلا أو ناقصا كثيرا فلا يكون مقصودا للزوجة ولا مرضيا به وقد قال عليه السلام (1): " المهر ما تراضي عليه الزوجان " ولا يرد مثله في وجوب مثل الخل، لان ذلك أقرب إلى ما تراضيا عليه، بل ربما لم يخالف ما تراضيا عليه إلا بمشخصات لا دخل لها في المقصود ولا في المالية، فيلغو عند حصول هذا العارض - واضح الفساد، ضرورة عدم القصد والرضا في وجوب مهر المثل الثابت بالشرع قهرا عليهما، والاقربية لا دخل لها في إيجاب غير المذكور في العقد، والكلية التي في ضمن الجزئي بعد فرض وقوع القصد والرضا عليه غير ملاحظة ولا منظور إليها كما هو واضح لا يحتاج إلى بيان. (وكذا) الكلام فيما (لو تزوجها على عبد فبان حرا أو مستحقا) بل الرجوع في مثله إلى مهر المثل أقوى من الاول، إذ لا مثل للحركي يدقع عوضه ولا
قيمة، ودفع قيمته بعد تنزيله عبدا " لم يقع عليها العقد. هذا وفي المسالك بعد ما سمعت " هذا كله في المثلي كالخمر أما القيمي كالعبد إذا ظهر حرا فالانتقال إلى قيمته لقيامها مقام المثل في المثلي، وليس هذا كالقول الثالث، لان ذاك يعتبر قيمة العين بالوصف الذى امتنع صحته عليه بواسطته، وهنا اعتبرت القيمة باعتبار الوصف المقصود لهما، وعلى هذا فيسقط القول الثالث في القيمي، لان الحر لا قيمة له، نعم لو ظهر مستحقا " كان اعتبار قيمته جاريا على القولين، وعلى هذا فالقول بالمثل متعذر في القيمي مطلقا، وبقيمة الواقع
(1) راجع التعليقة (4) من ص 17.
[ 36 ]
في الحر، فليس فيه إلا القول بقيمته عبدا أو مهر المثل، فاطلاقهم تشبيه الحكم في مسألة الحر بظرف الخمر لا يأتي على إطلاقه، بل يحتاج إلى تنقيح " قلت: هو متأت بناء على وجوب مهر المثل لفساد المسمى، سواء كان مثليا أو قيميا، أما على القولين الاخرين فليس إلا القيمة ولو بفرض العبد حرا، نعم قد يتأتي بناء على ما سمعته منه في توجيه القول الثاني احتمال وجوب عبد عليه بأوصاف الحر
الذي وقع عليه العقد، وإن كان هو كما تري كأصله. بقي شئ وهو أن ظاهر العلامة في القواعد الفرق بينما لو ظهر خمرا أو حرا وبينه لو خرج مستحقا، فحكم في الاولين بمهر المثل وفي الاخير بالمثل أو القيمة، واحتمل مهر المثل احتمالا، ولم يظهر لنا وجه الفرق، ضرورة اقتضاء ما سمعت مهر المثل مطلقا إذ ليس هو من قبيل ما إذا تلف المهر في يد الزوج بعد صحته في العقد كما هو واضح. وعلى كل حال فلو أمهرها عبدين مثلا فبان أحدهما حرا لم ينحصر الصداق في الاخر كما عند أبى حنيفة لانها لم ترض به، بل يجب لها بقدر حصة الحر من مجموع المسمى إذا قوما من مهر المثل بناء على المختار، إذ هو مقتضي الجمع بين الادلة وكون المذكور في العقد قائما مقام مهر المثل، يعنى أنه لولاه لوجب هو بالدخول، فان فات أجمع ثبت بتمامه، وإن فات بعضه ثبت فيه بمقدار الفائت على النسبة، هذا كله على المختار، وإلا فبناء على وجوب دفع القيمة فيجب دفع قيمة الفائت، كما هو واضح، وفي محكى التحرير " هل لها المطالبة بقيمتها ودفع الاخر ؟ إشكال " قلت: لا إشكال عندنا بناء على عدم الفساد بتبعيض الصفقة عندنا،
ولا دليل على الخيار، نعم يحكى عن الشافعية هنا أقوال بناء على الخلاف في تفريق الصفقة، فان بطل به بطل هنا، فلها مهر المثل أو قيمتهما على القولين، وإن اختارت فإما أن يلزمها الرضا بالباقي خاصة أو ليس عليها ذلك، بل لها المطالبة بقيمة الاخر أو ما يخصه من مهر المثل، وقد عرفت أن المتجه الاخير، أللهم إلا أن يثبت بها خيار في المهر بهذا التبعيض، فتفسخه حئنيئذ وترجع إلى مهر المثل، بل
[ 37 ]
لعل المتجه حينئذ ما سمعته من أبي حنيفة من الرضا خاصة أو الفسخ والرجوع إلى مهر المثل، والله العالم. (وإذا تزوجها بمهر سرا وبآخر جهرا كان لها الاول) عندنا، سواء كان هو الزائد أو الناقص، بلا خلاف ولا إشكال إذا كان قد أوقع العقد معها بمهر معين سرا ضرورة كون الثاني لغوا فلا يفيد شيئا، نعم عن بعض العامة الخلاف في ذلك، ولهم فيه تنزيلات مختلفة لا تنطبق على الاصول والضوابط الشرعية، وإن كان المراد بذلك الاتفاق على ذكر ألفين مثلا ظاهرا وعلى الاكتفاء بألف باطنا في عقد واحد بأن يتواطئا على إرادة الالف بعبارة الالفين.
ففي المسالك " فيه وجهان مبنيان على أن اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية ؟ وعلى أن الاصطلاح الخاص يؤثر في الاصطلاح العام وبغيره أم لا ؟ فعلى الاول يفسخ المهر، لان الالف غير ملفوظة، والالفين غير مقصودة، ولم تقع عبارة عنا لمباينتها لها، وينتقل إلى مهر المثل، وعلى الثاني يحتمل الصحة، ويكون المهر الالف لاصطلاحهما عليه، وكون الالفين بوقوع العقد عليه باتفاقهما، والوضع العام لا يتغير، وهذا الاحتمال يجري أيضا على الاول، وقطع في المبسوط بوقوع ما يلفظانه، ولا يلتفت إلى ما اتفقا عليه سرا، محتجا بأن العقد وقع صحيحا سرا كان أو علانيه، وفيه نظر يعلم مما قررناه - إلى أن قال - وهذه الصورة لم يتعرض لها من أصحابنا غير الشيخ، وكانت أحق بالبحث من الاولى لدقة مدركها وخفاء حكمها " قلت: عدم تعرض الاصحاب لوضوحها، ضرورة اعتبار الالفاظ بسبب دلالتها على إرداة اللافظ مدلولها، فمع فرض العلم بعدم إرادتهما المعنى من اللفظ لاجهة لالتزامهما بمعناه، ولا مدخلية لتوقيفية اللغات واصطلاحيتها في ذلك، إذ مع تسليم الاول إنما يكون ذلك على سبيل الغلط في اللغة منهما، ولا يعتبر فيما عدا صيغة
النكاح من مهر وغيره الجريان على القانون العربي. ولعله إلى ذلك أشار الباقر عليه السلام في خبر زرارة (1) في " رجل أسر صداقا وأعلن أكثر منه فقال: هو الذي أسر،
(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب المهور.
[ 38 ]
وكان عليه النكاح ". وما في كشف اللثام - من أن الصواب حمله على أن يعقد سرا وإرادة ذلك من قوله: " وكان عليه النكاح " - مناف لظاهره أو صريحه، كما أن ما فيه أيضا - من أنه لا يبعد القول بفسادهما، لخلو العقد عن الاول، وخلو لفظه عن قصد الثاني - واضح الضعف أيضا، لعدم خلو العقد بعد تواطي المتعاقدين على إرادته من اللفط وإن كان لا يفيده لغة لا حقيقة ولا مجازا. وأوضح منه فسادا ما سمعته من المبسوط الذي حكي مثله في كشف اللثام عن المهذب من كون اللازم المذكور في العلانية، لانه الذي وقع عليه العقد، ولا يعدل في الالفاظ عن موضوعاتها باصطلاح خاص بين اثنين، ضرورة أنه لا وجه لالتزامهما بما لم يريداه ولم يتراضيا عليه، وليس ذا عدولا عما كان بينهما في السر، إذ هو
خلاف المفروض، وكان عدم تعرض الاصحاب لهذه الصورة لوضوحها وإن قال في المسالك ما سمعت، لكن قد عرفت وضوح الامر فيها. نعم قد يتصور صورة أولى بالنظر منهما، وهي ما لو تواطئا في السر مثلا على شئ خاص وأظهرا في العلانية غيره مريدين ذكره في العقد قاصدين معناه، إلا أنهما قد تواطئا على عدم الالتزام به، ولم يريدا به ما تواطئا عليه في السر على وجه يكون كالاستعمال فيه، ضرورة إشكال ما تواطئا عليه سر العدم ذكره في العقد ولو استعمالا غلطا، كالاشكال في التزام ما وقع بالعلانية بعد فرض عدم قصدهما معا إلى عدم إيراد الالتزام به بالعقد وإن ذكراه فيه قاصدين معناه لكنه صوري، مع احتماله أخذا بما وقع فيه وإن لم يقصدا الالتزام به، لكون العقد ملتزما شرعيا غير متوقف على القصد، وإن كان الاقوى الاول. كما أن الاقوى كون مثل هذا العقد مما لم يذكر فيه مهر، فلا يلزم بما في السر والعلانية إلا إذا أراده فيه وبنياه عليه على وجه يضمراه فيه بقرينة بينهما، فتأمل جيدا، والله العالم. (والمهر مضمون على الزوج) حتى يسلمه إلى الزوجة عينا كان أو دينا أو
[ 39 ]
منفعة أو عملا بلا خلاف ولا إشكال، بل لعل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى اصول المذهب وقواعده في الجملة. انما الكلام في أنه هل هو ضمان معاوضة لقوله تعالى (1) " وآتوهن اجورهن " وإطلاق اسم الثمن عليه، والتعبير بلفظ المعاوضة في نحو " زوجتك بكذا " وجواز من التمكين قبل القبض، ورده بالعيب كما ستعرف، ونحو ذلك، أو ضمان يد كالعارية المضمونة، والمقبوض بالسوم ونحوهما، لتسميته نحلة، وجواز خلو العقد عنه، وعدم انفساخه بتلفه، وعدم سقوط بامتناعها من التمكين إلى الموت، ونحو ذلك ؟ المعروف عندنا الثاني، بل لم أجد الاول قولا لاحد من أصحابنا، وإنما هو لبعض العامة، إذ لو كان ضمان معاوضة لاقتضى تبعيض العقد، ضرورة عدم انفساخه بتلفه، الذي هو ليس بأولى من عدمه من أول الامر، وإنما ينفسخ بالنسبة إليه خاصة، وهو تبعيض المعقد من غير دليل شرعي، فليس هو حينئذ إلا ضمان معاوضة. ولذا قال الشيخ في المحكي من مبسوطه بعد أن حكى عن العامة الخلاف: " والذي يقتضيه مذهبنا في كل مهر معين إذا تلف فانه يجب قيمته، ولا يجب مهر المثل،
وأما المهر إذا كان فاسدا فانه يوجب مهر المثل بلا شك " وما سمعته منا ومن الفاضل من وجوب بمهر المثل فيما لو بان خمرا ونحوه إنما هو إذا بان فساده، لاما إذا كان صحيحا ثم تلف، والبحث السابق في الصحة ولو باعتبار إرادة القيمة أو المثل والفساد، وقد عرفت أن الاقوي الاخير. وحينئذ (ف) - في الفرض (لو تلف قبل تسليمه) بفعل امرأة برئ وكان الاتلاف منها كالقبض، وإن تلف بفعل أجنبي تخيرت بين الرجوع على الاجنبي أو الزوج وإن كان لو رجعت على الزوج رجع هو به على الاجنبي، وإن تلف بفعل الزوج أو بغير فعل أحد (كان ضامنا له) بمثله إن كان مثليا، و (بقيمته) إن كان قيميا، والاقوى اعتبار قيمته (وقت تلفه) وإن طالبته
(1) سورة النساء: 4 - الاية 25.
[ 40 ]
به فمنعه لا لعذر كما في نظائره (على قول مشهور لنا)، لانه وقت الانتقال إليها، وأما القول بضمان أعلى القيم من حين العقد إلى حين التلف أو من حين المطالبة به إن كانت إليه فقد عرفت فساده في نظائر المسألة في محالها، نعم لو كان
نقصان القيمة لنقصان في العين ولو السمن لا لتفاوت السوق ففي احتمال ضمان ذلك الفائت قوة كما ذكرناه في محله، ويأتي إن شاء الله في الغضب له تتمة. هذا وفي المسالك " أن القول بالقيمة يوم التلف ليس هو المشهور وإن كان هو المنصور، بل المشهور خلافه، وسيأتى في الغصب نقل المصنف عن الاكثر ضمان المغصوب بقيمته يوم الغصب لا يوم التلف، فناسبه القول هنا بضمان قيمته يوم العقد، لكن لا قائل به هنا معلوما، وكيف كان فاعتبار يوم التلف ليس هو القول المشهور ولا محل توقف عند المصنف، فان اقتصاره على نسبته إلى القول يؤذن بتوقف فيه أو تمريض، وإنما المراد ما ذكرناه سابقا من حكم ضمان القيمة أو المثل لا مهر المثل فانه محل البحث والاشكال " قلت: قد عرفت أنه ليس محل بحث ولا إشكال عندنا لما يناسب المصنف التوقف فيه، وأما القول بالضمان يوم التلف فهو إن لم يكن المشهور فهو قول مشهور لنا، وقوته ظاهرة كما حرر في محله. (ولو وجدت به عيبا) سابقا (كان لها رده بالعيب)، والرجوع إلى قيمته بناء على ضمان اليد، ولها إمساكه بالارش، لان العقد انما وقع على السليم، فإذا لم تجده كذلك أخذت عوض الفائت، وهو الارش، كذا ذكروه بلا خلاف فيه.
لكن قد يشكل (أولا) باقتضاء رده فسخ العقد بالنسبة إليه، وهو تبعيض محتاج إلى الدليل، و (ثانيا) أن مقتضى ذلك الرجوع إلى مهر المثل، ضرورة أنه بعد رده يكون العقد خاليا عن المهر، والرجوع إلى القيمة إنما هو في الواجب بالعقد التالف في يد الزوج، بل قد يشكل الارش أيضا وإن ثبت في المبيع بدليل خاص، مضافا إلى أنه جزء من الثمن مقابل الجزء الفائت من المبيع، فالمتجه ملاحظته هنا بالنسبة إلى مهر المثل، نحو ما سمعته سابقا فيما لو أمهرها بعبدين فبان حرية أحدهما (وبالجملة) إثبات هذا الحكم الذي هو الخيار بين الرد
[ 41 ]
وأخذ القيمة وبين الامساك وأخذ الارش بغير دليل مشكل، لعدم وفاء القواعد به، أللهم إلا أن يكون إجماعا، فهو الحجة حينئذ، هذا كله في العيب قبل العقد. (و) أما (لو عاب بعد العقد قيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف وموضع من المبسوط والقاضي في محكي المهذب: (كانت بالخيار) أيضا (في أخذه) من الارش، لكونه مضمونا عليه ضمان يد (أو أخذ القيمة) بعد رده، لان العقد وقع عليه سليما فإذا تعيب كان له رده، (ولو قيل: ليس لها القيمة)
لاصالة لزوم ملكها له (و) إنما (لها عينه وأرشه) لكونه مضمونا ضمان يد (كان حسنا) بل في القواعد أنه الاقرب، وهو كذلك. (و) كيف كان ف (- لها ان تمتنع) قبل الدخول بها (من تسليم نفسها حتى تقبض مهرها) اتفاقا، كما في كشف اللثام وغيره، لان النكاح مع الاصداق معاوضة بالنسبة إلى ذلك، لاتحاده معها في الكفيفة المقتضية أن لكل من المتعاوضين الامتناع من التسليم حتى يقبض العوض، ولخبر زرعة عن سماعة (1) " سأله عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم جعلته في حل من صداقها يجوز أن يدخل بها قل أن يعطيها شيئا ؟ قال: نعم إذا جعلته في حل فقد قبضته منه " وللحرج والعسر والضرر والظلم عليها إن لم يكن لها الامتناع، لان للبضع عوضا بالاجماع، كان النكاح معاوضة أولا ولاستفاضة الاخبار (2)، بأن ما يعطيها الزوج فتمكنه من الدخول به استحل فرجها. هذا ولكن في محكي الحدائق تبعا لنهاية المرام أنه ليس لها ذلك، ولاله، بل كل منهما مخاطب بأداء ما عليه عصى الاخر أو أطاع، وفيه ما لا يخفى، ضرورة اقتضاء
(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب المهور الحديث 2.
(2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب المهور والباب - 8 - منها الحديث 13 والباب - 33 - منها الحديث 1 والباب - 27 - من أبواب المتعة الحديث 3 والباب - 28 - منها الحديث 1.
[ 42 ]
المعاوضة ما عرفت. نعم قد يشكل ذلك هنا بالنسبة إلى الزوج فيما لو امتنعا جميعا من التسليم حتى يقبض، فان المذكور في المسالك وكشف اللثام " إبداع المهر من يثقان به، فإذا وطأها قبضته، لان الوطء في النكاح هو القبض، إذ البضع لا يدخل تحت اليد وإن كانت الزوجة أمة، لان ملك الرقبة لغير مالك الاستمتاع، ولهذا لا يجب عليه عوض البضع بالغصب ما لم يطأ ". قلت: هو - مع أن الوضع في يد العدل حكم على الزوج - لا دليل على وجوب امتثاله بناء على ثبوت الحق لكل منهما بمقتضى المعاوضة، وإن وجهه في المسالك بأنه طريق جمع بين الحقين، وعليه لا ينحصر الامر في ذلك، إذ الطرق متعددة قد يشكل بظهور الفتاوى كالعبارة ونحوها باستحقاق المرأة تسليم المهر أولا، خصوصا مع اعتبار ذلك في النكاح، والنصوص (1) الدالة على عدم الدخول بها حتى
يقدم لها ولو شيئا، وما سمعته سابقا في نكاح المتعة الذي لا فرق بينه وبين المقام بالنسبة إلى ذلك على الظاهر، بل هو المأثور والسنة في النكاح. ومن هنا احتمل في المسالك وكشف اللثام أنه يجبر الزوج على التسليم، لان فائت المال يستدرك دون البضع، والايقاف إلى أن يبادر أحدهما بالتسليم، فيجبر الاخر، وإن رد الاخير في المسالك بأنه قد يؤدى إلى بقاء النزاع بعدم بدأة أحدهما، ولابد من نصب طريق شرعي يحسم مادته، وهو كذلك، أما الاحتمال الاول فهو متجه نو إن لم يكن فيه جمع بين الحقين، لعدم حق للرجل في الفرض بناء على ما عرفت، ولا استبعاد في اختصاص النكاح بذلك الذي هو ليس معاوضة حقيقة، ويكفي في مشابهته لها في طرف واحد. وعلى كل حال ذلك لها (سواء كان الزوج موسرا أو معسرا) ضرورة أن إعساره وإن أسقط حق المطالبة عنه بالادلة الشرعية (2) لكنه لا يرفع حقها المستفاد
(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب المهور. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 280 والوسائل الباب - 25 - من أبواب الدين والقرض من كتاب التجارة.
[ 43 ]
من المعاوضة، فما عن ابن إدريس - من منعها من الامتناع للاعسار المانع من المطالبة - واضح الضعف، إذ امتناع المطالبة لا يوجب تسليم المعوض قبل العوض، وإنما يختلف الحال بالايسار وعدمه بالاثم واستحقاق النفقة وإن لم تسلم نفسها إذا بذلت التمكين بشرط تسليم المهر، لان المنع حينئذ بحق، فلا يقدح في التمكين، وأما مع إعساره فلا إثم عليه بالتأخير، وفي أستحقاقها النفقة حينئذ وجهان: من انتفاء التمكين، إذ هو متعلق بأمر ممتنع عادة، وهو الذي جزم به الشهيد فيما حكي من شرح الارشاد، ومن أن المنع بحق كالموسر، لاشتراكهما في بذل التمكين بشرط تسليم المهر، وامتناع التسلم عادة لا دخل في الفرق، مع جواز الاجتماع بالافتراض ونحوه، وهذا يتجه كما اعترف به في المسالك. وفيها أيضا " أنه فرق مع عدم الدخول بين كونها قد مكنت منه فلم يقع وعدمه، فلها العود إلى الامتناع بعد التمكين إلى أن تقبض المهر، ويعود الحكم إلى ما قبله، لما تقرر أن القبض لا يتحقق في النكاح بدون الوطء " قلت: قد يقال: إن ذلك منها إسقاط لحقها وليس في الادلة تعليق الحكم على الوطء.
ومن ذلك يعرف الحال فيما لو كان المهر كله مؤجلا فأنه ليس لها الامتناع قطعا، لثبوت حقه عليها حالا، فان امتنعت وحل المهر لم يكن لها الامتناع أيضا وفاقا لما عن الاكثر، لاستقرار وجوب التسليم عليها قبل الحلول، فيستصحب، ولانهما عقدا وتراضيا على أن لا يقف تسليم أحد العوضين على تسليم الاخر، فبناء المعاوضة حينئذ على سقوط حق الامتناع بالنسبة إليها. لكن ومع ذلك قد احتمل جواز الامتناع لها، بل ربما حكي عن إطلاق النهاية، لمساواته بعد الحلول للحال، ولان الاصل في المتعاوضين جواز الامتناع من التسليم قبل التسلم، وانما يتخلف لمانع من تأجيل أحدهما دون الاخر، فالزمان قبل الحلول مانع من الامتناع، فإذا حل ارتفع المانع، وفيه أن الاصل استحقاق التسلم بالتسليم، واستحقاق كل منهما على الاخر التسليم لا الامتناع، وأيضا قد عرفت اقتضاء المعاملة عدم الامتناع.
[ 44 ]
ولو كان بعض المهر حالا وبعضه مؤجلا فلكل واحد حكم نفسه، فلها أن تمتنع حتى تقبض الحال دون المؤجل وإن قل كما قرر.
(و) من ذلك أيضا يعرف الحال في أنه (هل لها ذلك) أي الامتناع (بعد الدخول ؟ قيل) والقائل المفيد فيما حكي عن مقنعته، والشيخ فيما حكي من مبسوطه: (نعم) لها ذلك، لان أحد العوضين وهو منفعة البضع تتجدد لا يمكن قبضه جملة، والمهر بازاء الجميع، فبالتسليم مرة لم يحصل الاقباض، فجاز الامتناع، ولعموم العسر والحرج والضرر والظلم. (وقيل: لا وهو) - مع كونه أشهر، بل المشهور، بل عن السرائر الاجماع عليه - (أشبه) باصول المذهب وقواعده، (لان الاستمتاع حق لزم بالعقد) خرج منه الاستمتاع قبل القبض بالاجماع، فيبقى الباقي على أصله، ولما سمعته من سقوط حقها برضاها، ولا دليل على عوده. بل في المسالك " وفي معناه ما لو سلم الولى من ليست بكاملة ولم يقبض الصداق، فهل لها الامتناع بعد الكمال حتى تقبضه ؟ وجهان، وأولى بعدم الجواز لان تسليم الولي شرعي، إلا أن يمنع من جواز تسليمه لها قبل قبض المهر كغيره من المعاوضات، فتساوي المكرهة في الحكم " وهو كما ترى. على أنه قد ذكر في المسالك في مقدماته في المسألة " أنه هل يشترط في القبض
وقوعه طوعا أم يكتفى به مطلقا ؟ وجهان: من حصول الغرض، وانتقال الضمان به كيف اتفق، ومن تحريم القبض بدون الاذن، فلا يترتب عليه الاثر الصحيح، والحق أن بعض أحكام القبض متحققة كاستقرار المهر بالوطء كرها، وبعضه غير متحقق قطعا كالنفقة، ويبقى التردد في موضع النزاع حيث يدخل بها كرها هل لها الامتناع بعده من الاقباض حتى تقبض المهر أم لا ؟ قلت: لا وجه للتردد هنا ضرورة عدم دليل على سقوط حق الامتناع بالوطء حتى أنه يصدق مع الاكراه، وإنما هو حق اقتضته المعاوضة التي لا فرق في اقتضائها بين حالي الاختيار والاكراه،
[ 45 ]
بخلاف استقرار المهر الذي كان الحق عليه فيه لا له، فان إكراهه لها أولى في إفادة الاستقرار، والله العالم. ولو لم يكن المرأة مهيأة للاستمتاع بأن كانت مريضة أو محبوسة لم يلزمه تسليم الصداق بناء على اشتراط وجوبه عليه بالتقابض من الجانبين، وقد يشكل ذلك بما لو كان قد عقدها غير مهيأة للاستمتاع، ضرورة أنه هو الذي قد أقدم على تعجيل حقها دونه، نحو ما ذكروه في الصغيرة التي لا يصلح للجماع إذا طلب الولي
المهر، فانه وإن قال في المسالك: " فيه وجهان: من تعذر التقابض من الجانبين، لعدم إمكان الاستمتاع، وهو خيرة الشيخ في المبسوط، ومن أن الصداق حق ثابت، وقد طلبه المستحق، فوجب دفعه إليه، وعدم قبض مقابله من العوض قد أقدم الزوج عليه، حيث عقد كذلك، وأوجب على نفسه المال في الحال، كالعكس لو كان المهر مؤجلا " لكن لا ريب في أن الاخير هو الاقوى، كما اعترف هو به والفاضل في القواعد، خلافا للمحكي عن المبسوط و الكافي من العدم، لتعذر التقابض. ومحل الاشكال في الصغيرة ما لو لم تصلح للاستمتاع مطلقا أما لو صلحت لغير الوطء فطلبها الزوج لذلك ففي وجوب إجابته وجهان: من تحقق الزوجية المقتضية لجواز الاستمتاع، فلا يسقط بعضه بتعذر بعض، فيجب التسليم للممكن، ومن أن القصد الذاتي من الاستمتاع الوطء والباقي التابع، فإذا تعذر المتبوع انتفى التابع، وإمساكها لغير ذلك حضانة، والزوج ليس أهلا لها، وإنما هي حق للاقارب، ولانه لا يؤمن إذا خلا بها أن يأتيها فتضرر، وعلى هذا فلو بذلت له لم يجب عليه القبول، لان حقه الاستمتاع ولم يخلق فيها، ولو وجب للزمه نفقة الحضانة والتربية، وفي المسالك " وهذا أقوى، وهو خيرة المبسوط " قلت: وهو المحكي عن التحرير
أيضا، لكن قد يحتمل وجوب التسليم إن طلبها، لامكان الاستمتاع بغير الوطء كالحائض، خصوصا في الكبيرة المريضة، نعم قد يقوى المنع إذا لم يؤمن منه المواقعة. ولو كانا صغيرين وطلب الولي المهر من الولي فالوجهان في الكبير مع
[ 46 ]
الصغيرة، بل وأولى بعدم الوجوب لو قيل به ثم، لكن قد عرفت هناك أن الاقوي الوجوب، فالمتجه حينئذ ذلك هنا أيضا، ولو انعكس فكانت كبيرة والزوج صغير فالوجهان أيضا، وعن المبسوط اختيار عدم وجوب تسليم المهر في الجميع، كما لا تجب النفقة، محتجا بأن الاستمتاع غير ممكن، وفيه أنه يتم في النفقة لا في المهر. هذا وفي القواعد " ولو منعت الزوجة مع تهيوئها للاستمتاع من التمكين لا للتسليم أي تسليم المهر إليها ففي وجوب التسليم إشكال " قلت: لا أعرف وجها للاشكال بعد البناء على اقتضاء المعاوضة التقابض المفروض انتفاءه في المقام، وتسليم المهر إنما يجب إذ امتنعت من التسليم لتتسلمه، فانه الامتناع المشروع، فإذا امتنعت
لغيره لم تبذل نفسها، فلم تستحق عليه المهر، وصدق الامتناع من التسليم، وإن لم يكن لاجل التسليم لا يوجب تسليم المهر عليه، كما هو واضح. ولو دفع الصداق فامتنعت من التمكين أجبرت عليه إن لم يكن لها عذر، لوجود المقتضي لوجوبه وانتفاء المعارض، وفي القواعد " ليس له الاسترداد " ولعله لانه حق لها، فهو كالدين المؤجل إذا تبرع المديون بتعجيل أدائه، قلت: قد يقال بناء على ما سمعته منا من وجوب تسليم المهر على الزوج أولا له الاسترداد، فانه يدفعه دفعا مراعي بسلامة العوض له، فإذا امتنعت من التمكين استرد، وفيها أيضا " أنه إذا سلم الصداق فعليه أن يمهلها مدة استعدادها بالتنظيف والاستحداد أي إزالة الشعر بالحديد أو غيره، كما عن المبسوط مجرى العادة به، ولانه ربما ينفر عنها إن لم تستعد له، وربما يفهم من النهي (1) عن طروق الاهل ليلا وقوله صلى الله عليه وآله (2): " أمهلوا كي تمشط الشعثة وتستحد المغيبة ".
(1) الوسائل الباب - 56 - من أبواب آداب السفر الحديث 2 و 3 من كتاب الحج. (2) صحيح البخاري ج 7 ص 6 (باب 10 من النكاح) وصحيح مسلم ج 6
ص 55.
[ 47 ]
وأما التحديد بيوم ويومين وثلاثة كما عن المبسوط فلعل المراد بها التمثيل وأن العبرة بزمان تستعد فيه، وعن المبسوط " أنه نص على عدم امهالها أكثر من ثلاثة أيام إذا استمهلت، لان الثلاثة تسع لاصلاح حالها " قلت: لا يخفى عليك ما في أصل الحكم حينئذ من الوجوب، ضرورة عدم صلاحية مثل ذلك دليلا، ودعوى أن بناء استحقاقه تسليمها على ذلك واضحة المنع، لمنافاتها جميع ما دل على تسلط الزوج على الزوجة كتابا (1) وسنة (2) ولعله لذا كان المحكي عن التحرير أنه استقرب عدم وجوب الامهال للاصل السالم عن المعارض. ولا ريب في عدم وجوب إمهالها لاجل تهئية الجهاز، ولا لاجل الحيض، لامكان الاستمتاع بغير القبل، كما هو واضح، والله العالم. (وستحب تقليل المهر) بلا خلاف كما في المسالك، لقوله صلى الله عليه واله (3): " أفضل نساء أمتي أصبحهن وجها، وأقلهن مهرا " (4) " وإن من شؤم المرأة كثرة مهرها " (و) (5) " إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة " بل (يكره أن
يتجاوز) مهر (السنة، وهو خمسمأة درهم) لانه صلى الله عليه واله كما حكاه الباقر عليه السلام عنه (6) " لم يتزوج ولا زوج بناته بأكثر من ذلك " و " قد أمر أن يسن ذلك لامته ففعل " (7) وحينئذ فما زاد عليه فهو شؤم المرأة الذي هو كثرة مهرها، وفي خبر حسين بن خالد (8) عن أبي الحسن عليه السلام " أيما مؤمن خطب إلى أخيه حرمة
(1) سورة النساء: 4 - الاية 34. (2) الوسائل الباب - 79 و 80 و 81 - من أبواب مقدمات النكاح. (3 و 4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المهور الحديث 9 و 8. (5) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المهور الحديث 3 و 10 وفيهما " من بركة المرأة خفة مؤونتها " وفي سنن البيهقى ج 7 ص 235 " من أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا ". (6 و 7 و 8) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المهور الحديث 4 - 2 - 2.
[ 48 ]
فبذل خمسمأة درهم فلم يزوجه فقد عقه واستحق من الله عزوجل أن لا يزوجه
حوراء ". نعم في المسالك " ظاهره أن الكراهة متعلقة بالمرأة ووليها لا بالزوج، وعبارة المصنف شاملة لهما، ويمكن تعلق الكراهة به من حيث الاعانة عليه إن أمكنه النقصان، وإلا فلا كراهة عليه، وقد تقدم إمهار الحسن عليه السلام امرأة مأة جارية (1) قلت: ظاهر الفتاوى الكراهة أيضا للزوج، بل هو مستفاد من التأمل في النصوص (2) والله العالم. (و) كذا يكره (أن يدخل بالزوجة حتى يقدم مهرها أو شيئا منه أو غيره ولو هدية) لخبر أبى بصير (3) عن الصادق عليه السلام " إذا تزوج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتى يسوق إليها شيئا، درهما فما فوقه أو هدية من سويق أو غيره " ولا يحرم للاصل وقصور الخبر عن إفادة الحرمة، وخبر عبد الحميد الطائي (4) قال له: " أتزوج المرأة وأدخل بها ولا أعطيها شيئا، فقال: نعم يكون دينا عليك ".
(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المهور الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 4 و 5 و 9 - من أبواب المهور.
(3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب المهور الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 9. (جواهر الكلام - ج 3
[ 49 ]
(الطرف الثاني في التفويض) وهو لغة إبكال الامر إلى الغير، ومنه " افوض أمري إلى الله " (1) وقد يطلق ويراد به الاهمال، ومنه " لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم " (2). (و) على كل حال ف (- هو قسمان: تفويض البضع وتفويض المهر، أما الاول فهو أن لا يذكر في العقد مهرا أصلا، مثل أن يقول) الوكيل: (زوجتك فلانة أو تقول هي: " زوجتك نفسي " فيقول) الزوج: (قبلت) وحينئذ هو من التفويض بمعنى الاهمال، ضرورة عدم ذكر المهر فيه. (وفيه مسائل:) (الاولى) قد عرفت فيما تقدم أيضا أنه لا خلاف في أن (ذكر المهر ليس شرطا في)
صحة (العقد)، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ظاهر آية لا جناح (3) والنصوص (4) المستفيضة أو المتواترة، وحينئذ (فلو تزوجها ولم يذكر مهرا) في العقد (أو شرط أن لا مهر صح العقد) قطعا مع إرادة نفي المهر المسمى في العقد، أما لو أرادت نفيه حال العقد وما بعده ولو بعد الدخول فلا خلاف ولا إشكال
(1) سورة غافر: 40 - الاية 44. (2) هذا مصراع من شعر الافوه الاودى من شعراء العصر الجاهلي وتمام البيت " لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم ولاسراء إذا جهالهم سادوا " (3) سورة النساء: 4 - الاية 24. (4) الوسائل الباب - 12 و 13 و 21 - من أبواب المهور والباب - 58 - منها الحديث 4 و 7 و 8 و 11 و 20 و 21 و 22.
[ 50 ]
في فساد الشرط، بل المعروف فساد العقد أيضا، ولعله لصحيح الحلبي (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تهب نفسها للرجل ينكحها بغير مهر، فقال: إنما كان هذا للنبي صلى الله عليه واله، فأما لغيره فلا يصلح هذا حتى يعوضها شيئا يقدم إليها قبل
أن يدخل بها، قل أو كثر ولو ثوب أو درهم، وقال: يجزئ الدرهم " وفي صحيح زرارة (2) عن أبى جعفر عليه السلام " سألته عن قول الله عزوجل: وأمرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى (3) فقال: لا تحل الهبة إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وأما غيره فلا يصلح نكاح إلا بمهر " وفي المرسل عن عبد الله بن سنان (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " في إمرأة وهبت نفسها لرجل أو وهبها له وليها، فقال: لا، إنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه واله، وليس لغيره إلا أن يعوضها شيئا، قل أو كثر " وفي مرسل ابن الغيرة (5) عنه عليه السلام أيضا " في امرأة وهبت نفسها للرجل من المسليمن، قال: إن عوضها كان ذلك مستقيما ". خلافا للمحكي عن الشيخ من الصحة، لانه بمعنى " لا مهر عليك " فانه أيضا نكرة منفية نفيد العموم، فكما خص ذلك بمجرد العقد فكذا هنا، ورد بأن العام يقبل التخصيص بخلاف التنصيص. وفيه أن مرجع كلام الشيخ إلى فساد الشرط في الفرض دون العقد، ضرورة كون محل البحث مع إرادة عدم التخصيص، فليس حينئذ إلا القول بعدم التلازم بين فساد الشرط وبين فساد العقد هنا، ولذا لم يفسد بفساد ما يذكر فيه من المهر الذى هو أعظم من
الشرط باعتبار ذكره بصورة العوض، وربما يؤيده ما تسمعه فيما يأتي من أن المعروف بين الاصحاب عدم فساد عقد النكاح بفساد الشرط فيه ولا صراحة في النصوص السابقة في فساد العقد، بل قد يظهر من بعضها الصحة وإن وجب عليه أن يدفع عوضا، ولا يخلو من قوة، وربما احتمل صحة العقد وفساد التفويض، فيثبت حينئذ مهر المثل بمجرد العقد،
(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب عقد النكاح - الحديث 1 - 4. (2) سورة الاحزاب: 33 - الاية 50. (4 و 5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب عقد النكاح - الحديث 3 - 5.
[ 51 ]
ولا ريب في ضعفه، لان غاية فساد الشرط كونه في حكم السكوت عن المهر. وعلى كل حال (فان طلقها قبل الدخول فلها المتعة حرة كانت أو مملوكة، ولا مهر) بلا خلاف أجده، بل لعل الاجماع بقسيمه عليه، مضافا إلى ظاهر الكتاب (1) والسنة المستفيضة أو المتواترة (2) فما عن مالك وجماعة من العامة من استحباب المتعة نظرا إلى قوله تعالى في آخر الاية (3): " حقا على المحسنين " واضح الضعف، ضرورة عدم اقتضاء ذلك الخروج عن ظاهر الامر في الكتاب والسنة، بل
مقتضى قوله: " حقا " وقوله: " على " الوجوب: والمراد بالمحسنين: من يحسنون بفعل الطاعة واجتناب المعصية، وخصهم بالحكم تشريفا لهم، أو أن المراد من أراد أن يحسن فهذا طريقه وهذا حقه، بأن يعطي المطلقات ما فرض الله لهن. (وإن طلقها بعد الدخول) وقبل الفرض (فلها مهر أمثالها ولا متعة) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة، منها الصحيح (4) " عن رجل تزوج امرأة فدخل بها ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها فقال: لها مثل مهور نسائها، ويمتعها " ونحوه الموثقان (5) " في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، قال: لا شئ لها من الصداق، فان كان دخل بها فلها مهر نسائها ". (فان مات أحدهما قبل الدخول وقبل الفرض فلا مهر لها ولا متعة) عندنا للاصل، وصحيح الحلبي (6) عن الصادق عليه السلام " في المتوفى عنها زوجها قبل الدخول إن كان فرض لها زوجها فلها، وإن لم يكن فرض لها مهرا فلا مهر " وما رواه بعض العامة عن النبي صلى الله عليه واله (7) من أنه " قضى في تزويج بنت واشق وقد
(1 و 3) سورة البقرة: 2 الاية 236.
(2) الوسائل الباب - 48 و 49 و 50 - من أبواب المهور. (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المهور الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المهور الحديث 2 و 3. (6) الوسائل الباب - 58 - من أبواب المهور الحديث 22. (7) سنن البيهقى ج 7 ص 244.
[ 52 ]
نكحت بغير مهر فمات زوجها بمهر نسائها والميراث " غير ثابت عند الاكثر منهم فضلا عنا وغيره (1) خلافا لبعض العامة فأوجب مهر المثل. (و) فيه أنه (لا يجب مهر المثل) عندنا (بالعقد، وإنما يجب بالدخول) المفروض انتفاؤه، خلافا لبعضهم، فأثبته فيه، ولا ريب في ضعفه، بل ظاهر الكتاب والسنة والاجماع على خلافه. المسألة (الثانية) (المعتبر في مهر المثل حال المرأة في الشرف والجمال وعادة نسائها) والسن والبكارة والعقل واليسار والعفة والادب وأضدادها (وبالجملة) ما يختلف به الغرض
والرغبة إختلافا بينا، فيكون المعتبر حينئذ المثلية بالاهل والصفات جمعيا وإن كنا لم نعثر في شئ مما وصل إلينا من النصوص على أزيد من قول: " لها صداق نسائها " (2) و " مهر نسائها " (3) و " مهر مثل مهور نسائها " (4) اللهم إلا أن يراد بنسائها من ماثلها بالصفات من نساء أهلها، ضرورة كون ذلك نوعا من التقويم الذي ينبغي فيه ملاحظة كل ماله مدخلية في ارتفاع القيمة ونقصانها حتى الزمان والمكان. ومنه يعلم الوجه فيما ذكره غير واحد من الاصحاب من اعتبار كون أقاربها في أهل بلدها، لتفاوت البلدان في المهور تفاوتا بينا، فلو لم يعتبر البلد أشكل الامر مع الاختلاف، وكما اعتبر الاختلاف في الصفات لايجابه اختلاف
(1) هكذا في النسختين الاصليتين والصحيح " وغيرهما " والضمير يرجع إلى الاصل وصحيح الحلبي، فان الموجود في النسخة المخطوطة بقلمه الشريف كان " ولا متعة عندنا للاصل وغيره " ثم أضاف في الهامش بعد قوله: " للاصل " قوله: " وصحيح الحلبي " إلى " فضلا عنا " وغفل عن تثنية الضمير في قوله: " وغيره ". (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المهور الحديث 3 - 2 - 1.
[ 53 ]
المهر لزم اعتبار الاختلاف في البلد، والضرر العظيم إن لم نعتبر البلد، ولان الظاهر منها الرضا بمهر أمثالها في البلد إذا مكنت، وحينئذ، فاحتمال عدم اعتبار البلد لاطلاق الاخبار في غير محله. بل لما ذكرنا اعتبر المشهور الاقارب مطلقا من غير فرق بين من يرجع منهم إلى الاب أو الام، ضرورة حصول الاختلاف في ذلك، خلافا للمحكي عن المهذب والجامع، فاعتبر الاقارب من قبل الاب دون الام، قالا: " فان لم يكن فغيرهم من ذوات الارحام، فان لم يكن فمثلها من نساء بلدها " لكنه كما ترى فان اختلاف المهر بالنسبة إلى الام وأقاربها شرفا ودناءة اختلاف بين، فلابد من ملاحظته، لما عرفت أن ذلك نوع من التقويم، وحينئذ فالمثل مع مراعاة ذلك كله لا يختلف كقيمة الشئ نفسه، نعم قد يختلف بالنسبة إلى تقويم المقومين، والظاهر أنه يجري فيه ما جرى في غيره مما اختلف في تقويمه، فيؤخذ النصف من الاثنين، والثلث من الثلاثة، وهكذا بعد جمع الجميع، أو نحو ذلك مما قرر في محله. بل الظاهر اعتبار مهر مثلها مع فرض عدم معرفة أقاربها من الاب أو الام،
فيلحط مهر المرأة بالصفات فيها غير معرفة الاب والام وهكذا. بل ربما ظهر من بعضهم ملاحظة حال الزوج بالنسبة إلى مهرها، لاختلاف مهر النساء باختلاف الازواج اختلافا بينا، ولا يخلو من وجه، بل جزم به العلامة في القواعد. ومن ذلك كله ظهر لك عدم الاختلاف في مهر المثل حينئذ وإن اختلف مهور نسائها باعتبار الزيادة على مهر أمثالهن والنقيصة، فان ذلك ليس اختلافا في مهر، كما هو واضح. ثم الواجب بالدخول أكثر مهر لمثلها من يوم العقد إلى الوطء أو يوم العقد ؟ وجهان عند العامة، ولعل الاقوى عندنا ثالث، وهو يوم الدخول، لانه هو يوم الثبوت في ذمته، كقيمة المال المضمون، لكن في قواعد الفاضل اعتبار يوم العقد،
[ 54 ]
وفيه ما لا يخفى. وعلى كل حال ففي المتن وغيره تقييد مهر المثل ب (- ما لم يتجاوز) مهر (السنة وهو خمسمأة درهم) وإلا رد، بل المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن
الغينة وفخر المحققين الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا إلى موثق أبى بصير (1) عن الصادق عليه السلام " سألته عن رجل تزوج امرأة فوهم أن يسمى صداقها حتى دخل بها، قال: السنة، والسنة خمسمأة درهم " وإلى ما تقدم من قوله عليه السلام أيضا في خبر المفضل ابن عمر (2) " فمن زاد على ذلك رد إلى السنة، ولا شئ عليه أكثر من الخمسمأة درهم " وإلى معلومية دون كل امرأة بالنسبة إلى بنات النبي صلى الله عليه واله اللاتى (3) لم يتزوجن إلا بذلك (4) وإلى فحوى ما ورد فيمن تزوج امرأة على حكمها من خبر رزارة (5) وغيره (6) وأنها لا تتجاوز ما سنه رسول الله صلى الله عليه واله. والمناقشة في خبر أبي بصير مع فسادها في نفسها مدفوعة بالانجبار بما عرفت، كالمناقشة في دلالتها بأنها ليست من المفوضة باعتبار نسيان ذكر الصداق، ضرورة أنك قد عرفت أن موضوع المفوضة يشملها، وكذا المناقشة في بعض ما ذكر مؤيدا للحكم المدلول عليه بما عرفت، وحينئذ فلا محيص عن القول به، فما وقع من ثاني الشهيدين وبعض من تأخر عنه - من الوسوسة في ذلك، بل جزم بعضهم بعدم التحديد بذلك، لا طلاق النصوص السابقة المؤيدة بظهور إقدامها بلا ذكر مهر في كون نظرها مهر أمثالها - واضح الفساد بعد الاحاطة بما ذكرناه، والله العالم.
(والمعتبر في المتعة) عند المشهور بل عن الغنية الاجماع عليه (حال
(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب المهور الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 14. (3) في النسخة الاصلية " التى ". (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المهور الحديث 4. (5 و 6) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 1 -..
[ 55 ]
الزوج) خاصة بالنسبة إلى السعة والاقتار، لظاهر الاية (1) وخبر الكناني (2) عنه عليه السلام " إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف مهرها فان لم يكن سمى لها مهرا فمتاع بالمعروف على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " لكن قد يقال: إن ذلك لا ينافي اعتبار حالها أيضا كما في صحيح الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام " في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا، وإن لم يكن فرض لها فليمتعها على مثل ما يمتع مثلها من النساء " وخبر أبي بصير (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها - إلى أن قال -:
فإن لم يكن فرض لها شيئا فليمتعها على مثل ما يمتع مثلها من النساء ". بل عن المبسوط أن الاعتبار بهما جميعا عندنا، وقال قوم: الاعتبار به، لقوله تعالى (5): " ومتعوهن " إلى آخره وهذا هو الاقرب: ومنهم من قال: الاعتبار بها بحسب يسارها وإعساره وكمالها (وجمالها خ ل) ولعله أشار في الاخير إلى ما عن الشافعي من اعتبار حالها خاصة، نظرا إلى أنها عوض مهرها، فيعتبر فيها ما يعتبر فيه، لكن الكتاب والسنة والاجماع بخلافة، وعلى كل حال فظاهر الاية (6) من النصوص (7) اعتبار حالين للزوج: السعة والافتار. لكن في المتن وغيره تقسيمه إلى ثلاثة: (فالغني يمتع بالدابة أو الثوب المرتفع أو عشرة دنانير، والمتوسط بخمسة دنانير أو الثوب المتوسط، والفقير بالدينار أو الخاتم وما شاكله) ولعله لعدم اقتضاء الاية (8) حصر المتعة في شيئين: عليا ودنيا، وذلك لان الناس ينقسمون باعبتار الاعسار واليسار إلى ثلاثة: أعلى ومتوسط وفقير، ولكل مراتب، فالغني يمتع بثوب نفيس أو فرس أو خادم أو
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 236. (2 و 3) الوسائل الباب - 48 - من أبواب المهور الحديث 8 - 7.
(4) أشار إليه في الوسائل في الباب - 48 - من أبواب المهور الحديث 7 وذكره في الكافي ج 6 ص 108. (5 و 6 و 8) سورة البقرة: 2 - الاية 236. (7) الوسائل الباب - 49 - من أبواب المهور.
[ 56 ]
عشرة دنانير أو نحو ذلك بحسب مراتبه في الغنى وإن كان يجزؤه كل من ذلك في أي مرتبة كان من الغنى، ويستفاد حكم الوسط حينئذ إما لظهور إرادة المثال من الموسع والمقتر وإما لان ذكر حكمها يقتضى حكمه، إذ هو موسع بالنسبة ومقتر كذلك، فله حينئذ الحالة الوسطى بين اليسار والاقتار، ولعله إلى ذلك أومأ في المحكي عن فقه الرضا عليه السلام (1) " يمتعها منه قل أو كثر على قدر يساره، فالموسع يمتع بخادم أو دابة، والوسط بثوب، والفقير بدرهم أو خاتم، كما قال الله: ومتعوهن - إلى آخره " وفي محكي الفقيه " وروى (2) أن الغني يمتع بدار أو خادم، والوسط يمتع بثوب، والفقير يمتع بدرهم أو خاتم وروى أن أدناه خمار وشبهه ".
وحينئذ فما في خبر ابن بكير المروى عن قرب الاسناد (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: ومتعوهن، ما قدر الموسع أو المقتر ؟ قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يمتع بالراحلة " وعن العياشي (4) أنه راوه في تفسيره ثم قال: " يعنى حملها الذى عليها " وخبر أبى بصير (5) قلت لابي جعفر عليه السلام: " أخبرني عن قول الله تعالى: (6) وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين، ما أدنى ذلك المتاع إذا كان معسرا لا يجد ؟ خمار وشبهه " وفي خبر الحلبي (7) " إن كان الرجل موسعا عليه أن يمتع امرأته العبد والامة، والمقتر يمتع الحنطة والزبيب والثوب والدرهم، وإن الحسين بن علي عليهما السلام متع امرأة له بأمة، ولم
(1) المستدرك الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 49 - من أبواب المهور الحديث 3 و 4. (3) الوسائل الباب - 49 - من أبواب المهور الحديث 5. (4) أشار إليه في الوسائل في الباب - 49 - من أبواب المهور الحديث 5 وذكره في المستدرك في الباب - 34 - منها الحديث 2. (5 و 7) الوسائل الباب 49 - من أبواب المهور الحديث 2 - 1.
(6) سورة البقرة: 2 - الاية 241.
[ 57 ]
يطلق امرأة إلا متعها " خارج مخرج التمثيل لا الحصر. (و) كيف كان ف (- لا تستحق المتعة إلا المطلقة التي لم يفرض لها مهر ولم يدخل بها) كما هو ظاهر معظم النصوص (1) والفتاوى، بل والاية (2) باعتبار تعقيبها المتعة وإلا لناسب تأخيره، لكن في خبر زرارة (3) عن أبى جعفر عليه السلام " متعة النساء واجبة دخل بها أو لم يدخل، وتمتع قبل أن تطلق " وصحيح الحلبي (4) " سألته عن رجل تزوج امرأة فدخل بها ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها، قال: لها مهر مثل مهور نسائها ويمتعها " وخبره الاخر (5) عنه عليه السلام في قوله الله عزوجل: وللمطلقات متاع بالمعروف - إلى آخره - قال: متاعها بعد أن تنقضي عدتها على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وكيف يمتعها وهي في عدتها ترجوه ويرجوها ويحدث الله بينهما ما شاء " ونحوه خبر سماعة (6) وما سمعته من أن الحسن عليه السلام لم يطلق امرأة إلا متعها (7) وقوله تعالى: (8) " فتعالين أمتعكن واسرحكن " إلى آخره.
مضافا إلى إطلاق صحيح حفص (9) عنه عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته أيمتعها ؟ قال: نعم، أما يجب أن يكون من المحسنين ؟ أم يجب أن يكون من المتقين ؟ " وخبر البزنطى (10) " إن متعة المطلقة فريضة " وخبر جابر (11) عن أبي
(1) الوسائل الباب - 48 و 49 و 50 - من أبواب المهور. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 236. (3 و 5) الوسائل الباب - 50 - من أبواب المهور الحديث 1 - 2. (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المهور الحديث 1. (6) أشار إليه في الباب - 50 - من أبواب المهور الحديث 2 وذكره في الكافي ج 6 ص 105. (7) الوسائل الباب - 49 - من أبواب المهور الحديث 1. (8) سورة الاحزاب: 33 - الاية 28. (9 و 10) الوسائل الباب - 48 - من أبواب المهور الحديث 5 - 2. (11) الوسائل الباب - 49 - من أبواب المهور الحديث 6 مع الاختلاف اليسير.
[ 58 ]
جعفر عليه السلام " في قوله تعالى: (1) فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا، قال: متعوهن حملوهن بما قدرتم عليه من معروف، فانهن يرجعن بكآبة وخسارة، وهم عظيم، ومهانة من أعلاقهن، فان الله كريم يستحيي، ويحب أهل الحياء، إن أكرمكم أشدكم إكراما لحلائلهم ". إلا أن المطلق منها منزل على المطلقة المفوضة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى الاية، خصوصا بعد ما قيل في نزولها (2) من أنه لما نزل " ومتعوهن " قال بعضهم: إن أحببت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعله: فنزل: (3) " وللمطلقات متاع " إلى آخره، أو أنها منسوخة بآية المتعة (4) أو أن المراد من المتاع منها النفقة كما قيل، أو غير ذلك، والناص منها على ضرب من التقية، لانه مذهب قوم من العامة: منهم سعيد بن جبير والزهري والشافعي في الجديد، أو على ضرب من الاستحباب كما عن الشيخ وجماعة، بل تأكده للتعبير بلفط الوجوب ونحوه، ولا بأس به وإن أصبن شيئا جبرا لكسرهن، ولانه نوع إحسان، وعليه ينزل قوله تعالى (5) " فتعالين امتعكن " أو أن ذلك من خواصه صلى الله عليه واله أو لفضل نسائه على غيرهن. كل ذلك للاجماع بقسميه، والنصوص (6) على اختصاص الوجوب بالمطلقة
المفوضة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها باعتبار عدم إصابتها شيئا، فناسب إكرامها بالمتعة جبرا لما أصابها من الخجل والهوان. وربما الحق بها - المفوضة المفارقة من قبل الزوج بعيب ونحوه، أو من قبله وقبلها كالخلع، أو من أجنبي كالرضاع - في وجوب المتعة، بل هو خيرة
(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 49. (2) الدر المنثور ج 1 ص 310. (3 و 4) سورة البقرة: 2 - الاية 241 - 236. (5) سورة الاحزاب: 33 - الاية 28. (6) الوسائل الباب - 48 - من أبواب المهور الحديث 7 و 8 و 10 و 12.
[ 59 ]
المحكي عن مختلف الفاضل، بل ظاهر المحكي عن المبسوط الميل إليه إلا أنه لم نجد لهما موافقا منا، وإنما هذا الكلام ونحوه مذكور في كتب العامة، ولا دليلا سوى دعوى تنقيح المناط، وما يشعر به خبر جابر من التعليل، وهما معا كما ترى، ضرورة عدم التنقيح المعتبر، خصوصا بعد الشهرة العظيمة أو الاجماع على الاختصاص
بالمطلقة، وضعف الخبر المزبور الظاهر في جريان ما فيه مجرى الحكمة لا العلة، ولعله لذا وافق الشيخ في المحكي من خلافه الاصحاب. نعم قد يقال بالاستحباب كما عن بعضهم لذلك، بل قد يقال به أيضا في مطلق المفارقة كالمطلقة للتسامح فيه، فيكفى حينئذ إشعار الخبر المزبور. هذا وفي الروضة " أنه ألحق بمفوضة البضع من فرض لها مهر فاسد، فانه في قوة التفويض، ومن فسخت في المهر لخيار به مثلا " قيل: وفيه منع، لدخولها فيها موضوعا بعد ما عرفته، فلا دليل على ثبوت حكمها لها، واحتمال كونها التي لم يذكر لها مهر صحيح لا دليل عليه، فتأمل وقال بعض الافاضل: " ظاهر الكتاب وكلام الاصحاب أن محل التمتع ما بعد الطلاق، فانه إنما يخاطب به بعده، كما جاء في عدة أخبار (1) فيمن طلقت قبل الدخول فليمتعها، بل إذا كان الدخول فمحله بعد انقضاء العدة حيث تبين، لخبر الحلبي (2) السابق ". قلت: لا دلالة في شئ منهما على عدم جواز تقديمها، بل في كثير من الاخبار أنها قبله، كخبر أبي حمزة (3) " سألته عن الرجل يريد أن يطلق امرأته قبل أن يدخل بها، قال: يمتعها قبل أن يطلقها، فان الله تعالى قال: ومتعوهن " (4)
إلى آخره، وصحيح ابن مسلم (5) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن الرجل يطلق
(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المهور الحديث 1 والباب - 48 - منها الحديث 7 و 8. (2) الوسائل الباب - 50 - من أبواب المهور الحديث 2. (3 و 5) الوسائل الباب - 48 - من أبواب المهور الحديث 4 - 1. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 236.
[ 60 ]
امرأته قال: يمتعها قبل أن يطلق: فان الله تعالى يقول: ومتعوهن " إلى آخره وخبر زرارة (1) السابق، بل هو ظاهر قوله تعالى (2): " فتعالين " إلى آخره نعم الظاهر أن ذلك من باب الاستحباب دون الاستحقاق الذى هو لا يتحقق إلا بعد تحقق الطلاق، كما هو مقتضى قوله تعالى (3): " وللمطلقات متاع " إلى آخره. بل قد عرفت خبر الحلبي (4) وإن كان هو في المتعة المستحبة، وحينئذ فإذا قد مها لا تكون متعة إلا بتعقيب الطلاق، لكن بقوى حينئذ كونه كاشفا، لما سمعته من النصوص (5) الدالة على كونها متعة قبل أن يطلق.
ثم إن المتعة لا يعتبر فيها رضا الزوجة، لظهور الاية والرواية في كون الخطاب للزوج، خلافا لبعض العامة، فجعلها كالمهر ما تراضي عليه الزوجان، فان لم يتراضيا قدرها القاضي باجتهاده ولو فوق نصف المهر، وعن آخر منهم أنها لا تزيد على النصف، وعن ثالث منهم أنها لا تزيد على مهر المثل، فليس في شئ من أخبار الباب ولا فتاوى الاصحاب تعرض لذلك، لما عرفت. كما أنها هي بعد تحقق سبب وجوبها من الدين في ذمة الزوج، فللامرأة مع عدم دفعها لها الضرب مع الغرماء بموت أو فلس، ويبرء الزوج بدفعها لها كما وجبت عليه، فان امتنعت الامرأة من قبضها قبضها الحاكم أو كان ذلك البذل بحكم القبض. وبالجملة حالها كحال غيرها من الديون، ولو أبرأت المفوضة الزوج قبل الوطء والفرض والطلاق من مهر المثل أو المتعة أو منهما لم يصح، لانه إبراء ما لم يثبت، والله العالم.
(1) الوسائل الباب - 50 - من أبواب المهور الحديث 1. (2) سورة الاحزاب: 33 - الاية 28. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 241.
(4) الوسائل الباب - 50 - من أبواب المهور الحديث 2. (5) الوسائل الباب - 48 - من أبواب المهور الحديث 1 و 4 والباب - 50 - منها الحديث 1.
[ 61 ]
المسألة (الثالثة) قد ذكر غير واحد من الخاصة والعامة أن للمفوضة المطالبة بفرض المهر، وأن لها حبس نفسها عليه وعلى تسلمه بعده، وأنهما (لو تراضيا بعد العقد بفرض المهر جاز، لان الحق لهما، سواء كان بقدر مهر المثل أو أزيد أو أقل، وسواء كانا عالمين أو جاهلين، أو كان أحدهما عالما) دون الاخر (لان فرض المهر إليهما ابتداءا فجاز انتهاء) بل ذلك بعد تراضيهما لازم لهما، فليس لاحدهما الرجوع عما وقع التراضي عليه، بل يكون حينئذ كالواقع في العقد، نعم إن اختلفا وكان مفروض الزوجة حينئذ بقدر مهر السنة فصاعدا ففي المسالك " في لزومه من طرفها وجهان من أنه لو فوض إليها التقدير لما كان لها الزيادة عليه، وكذا للحكام لما سيأتي، ومن أن البضع يقتضي مهر المثل والخروج عنه في بعض المواضع (الموارد خ ل) على خلاف
الاصل فيقتصر عليه، وكون ذلك للحاكم ممنوع " وفي القواعد وغيرها " وإن اختلفا ففي فرض الحاكم إذا ترافعا إليه نظر، أقربه أنه يفرض مهر المثل " ولعل وجه النظر أنه إثبات للمهر في ذمة الزوج، ولا يصح إلا بتراضي الزوجين، ولا مدخل فيه لغيرهما، وفيه أن الحاكم معد لقطع الخصومات وليس ذلك منه إثبات مهر في ذمة الزوج، ضرورة أنها بالعقد ملكت أن تملك، نعم لا يفرض إلا مهر المثل كما في قيم المتلفات ما لم يتجاوز السنة، فيرد إليها كما عن التحرير التصريح به، وأما لو رضيا بفرضه لزمهما ما فرضه مطلقا وافق مهر المثل أولا، وافق السنة أولا، والامر في هذا كله سهل. انما الكلام في دليل الاحكام الاول التى هي المطالبة بالفرض وحبس نفسها عليه وعلى تسليمه، وأنهما يلتزمان بما تراضيا عليه، ولعل الوجه فيها بعد ظهور ذكرهم لها ذكر المسلمات في الاجماع عليها أنها بالعقد ملكت أن تملك المهر عليه بالفرض أو الدخول، فكان لها المطالبة بذلك كي تعرف استحقاقها بالوطء
[ 62 ]
أو الموت أو الطلاق، ورضاها بالتفويض إنما هو بالنسبة إلى خلو العقد عن المهر
لا عدمه مطلقا الذي قد عرفت عدم اعتبار رضاها بالنسبة إليه. ومنه يعلم كون النكاح معاوضة في الواقع وإن خلا عقده عن ذكر العوض، فجرى عليه حينئذ حكمها من المطالبة بتعيين العوض، وحبس المعوض حتى تسلم العوض، وغير ذلك من أحكامها. وأما الالتزام بما يتراضيان عليه من الفرض بعد العقد فهو لاطلاق ما دل على وجوب الفرض كتابا (1) وسنة (2) الشامل لحالي العقد وما بعده، مؤيدا بما دل (3) على أن المهر ما تراضيا عليه الشامل لما هو في العقد وبعده، وبمادل (4) على لزوم الشرط بعد النكاح دون ما قبله، فمتى حصل التراضي منهما حينئذ كان مهرا، ودخل في ملك الزوجة فعلا عينا أو دينا حالا أو مؤجلا، ويجري عليه حيئنذ ما يجري على المذكور في العقد. ولو كان الفارض أجنبيا ففي لزوم فرضه عليها مع رضاهما به وجهان ينشآن من إطلاق أدلة الفرض وكونه كفرض الزوجة، ضرورة ظهور قوله تعالى (5): " فرضتم " في كون الفرض للزوج، ومن قاعدة الاقتصار على المتيقن، وحينئذ فلو فرضه الاجنبي ودفعه إلى الزوجة ثم طلقها قبل الدخول احتمل المتعة، فيرد
المدفوع إلى الاجنبي بناء على أن فرضه لا يوجب على الزوج شيئا، فوجوده كعدمه، واحتمل الصحة بناء على صحة فرضه، فيرجع النصف إلى الزوج بالطلاق المملك لذلك وإن لم يكن المهر من الزوج نحو ما إذا أدى الاب مهر زوجة ابنه الصغير
(1) سورة النساء: 4 - الاية 24. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب عقد النكاح. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المهور. (4) الوسائل الباب - 19 - من أبواب المتعة. (5) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
[ 63 ]
من ماله فبلغ وطلق قبل الدخول، فانه يرجع النصف إليه لا إلى الاب، فما في القواعد - من احتمال رجوعه إلى الاجنبي على ذلك أيضا، لانه دفعه ليقضى به ما وجب لها عليه، وبالطلاق سقط وجوب النصف، فيرد النصف إليه، لانه لم يسقط به حق عمن قضاه - واضح الضعف، والله العالم. المسألة (الرابعة)
(لو تزوج المملوكة ثم اشتراها) قبل الدخول بها (فسد النكاح) قطعا لما عرفته سابقا من عدم اجتماع سببيه (ولا مهر لها ولا متعة) وإن كانت مفوضة، ضرورة عدم استحقاق السيد الاول المهر مع الانتقال عن ملكه وفسخ النكاح، ولا متعة لعدم كونه طلاقا، ولانها حال استحقاقها غير مملوكة للسيد الاول، ولا يستحق المشترى على نفسه مالا، وكذا لو كان لها مهر مسمى في العقد وقد اشتراها قبل الدخول، كما هو مفروض المسأله، نعم لو كان قد اشتراها بعد الدخول كان للسيد الاول المسمى أو مهر المثل، كما هو واضح. المسألة (الخامسة) (يتحقق التفويض في البالغة الرشيدة) قطعا وإن كانت بكرا بناء على الاصح من أمرها إليها (ولا يتحقق في الصغيرة) ولا المجنونة (ولا في الكبيرة السفيهة) قطعا أيضا، لانه ليس لهن التزويج بالمهر فضلا عن التفويض. انما الكلام في جواز ذلك للولي، فعن بعضهم عدم جواز ذلك، بل لا يجوز له التزويج بدون مهر المثل (و) حينئذ ف (- لو زوجها الولي بدون مهر المثل أو لم يذكر مهرا صح العقد) بلا خلاف ولا إشكال مع المصلحة فيه أو عدم المفسدة،
[ 64 ]
وبطل التفويض والنقص من مهر المثل. (ويثبت لها مهر المثل بنفس العقد) لانه " لا نكاح إلا بمهر " (1) فمع فرض فساد التفويض والمسمى ليس إلا مهر المثل الذي هو عوض شرعي فهو حينئذ إتلاف لبضع الغير بغير عوض، فلا يجوز كما لا يجوز في المعاوضات على الاموال، ونسب هذا القول إلى مبسوط الشيخ، ولم نتحققه. (و) مع ذلك (فيه تردد منشؤه أن الولى له نظر المصلحة فيصح) منه (التفويض) معها (وثوقا بنظره، وهو أشبه) باطلاق الادلة المقتضي جواز تصرف الولي في البضع والمال وغيرها مع المصلحة أو عدم المفسدة، ولان له العفو عن المهر أصلا، كما أشار إليه في الاية الشريفة (2) " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فالمتجه حينئذ صحة ذلك معها، نعم لو لم يكن ثم مصلحة في أصل النكاح أو في خصوص المهر بالاقل أو التفويض كان العقد أو المهر فضوليا أو باطلا أو أن لها الخيار على ما تقدم الكلام فيه سابقا، بل لو سلم على عدم جواز التفويض له أو المهر بالاقل كان المتجه ثبوت مهر المثل بالدخول لا بالعقد الذي لم يذكر ذلك فيه صريحا ولا مقدار، ولا تلازم بين بطلان التفويض وثبوت مهر المثل بالعقد،
كما هو واضح. (و) كيف كان ف (- علي التقدير الاول لو طلقها قبل الدخول كان لها نصف مهر المثل) الذى فرض ثبوته بالعقد، (وعلى ما اخترناه) من صيرورتها مفوضة (لها المتعة) حينئذ كما في غيرها، هذا وفي المسالك " وأما على تقدير تزويجها بدون مهر المثل فان جوزناه بالمصلحة فلها مع الطلاق قبل الدخول نصف المسمى، وإن أوقفناه على رضاها به بعد الكمال كما هو المشهور فان طلقها قبل الكمال فلها نصف المسمى، وإن طلقها بعده روعى في الواجب رضاها به أو
(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب عقد النكاح الحديث 2 و 4 و 6 وفيها " فلا يصلح نكاح الا بمهر ". (2) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (جواهر الكلام - ج 4)
[ 65 ]
فسخه، فترجع إلى مهر المثل، وإن جعلنا الواجب حينئذ مهر المثل بالعقد إلحاقا لهذه التسمية بالفاسدة حيث وقعت بغير عوض المثل وجب بالطلاق نصف مهر
المثل " قلت: قد يقال بالمراعاة المزبورة أيضا فيما لو طلقها قبل الدخول، لاتحاد الوجه فيهما فتأمل. (و) لا إشكال كما لا خلاف في أنه (يجوز أن يزوج المولى أمته المفوضة، لاختصاصه بالمهر) بخلاف المولى عليها لصغر، وحينئذ يلحقها حكم المفوضة من الفرض والمتعة ومهر المثل بالدخول كما عرفت، فان بقيت على ملكه إلى أن دخل بها الزوج استقر ملكه على مهر المثل، وإن اتفق على فرضه هو والزوج قبل الدخول صح، لانه يملك بالعقد ما تملكه المفوضة، ولحق المفروض حينئذ حكم المسمى في العقد، كما هو واضح. المسالة (السادسة) (إذا زوجها مولاها مفوضة ثم باعها) من آخر (كان فرض المهر بين الزوج والمولى الثاني) الذي هو المالك حين الفرض (إن اختار النكاح، ويكون المهر) المفروض أو مهر المثل المتسحق بالدخول (له دون الاول) نعم إن فسخ النكاح بطل العقد وتبعه المهر (ولو أعتقها الاول قبل الدخول فرضيت بالعقد كان المهر لها خاصة) سواء كان مهر المثل الذي تستحقه بالدخول
أو المهر الذي قد تراضت مع الزوج على فرضه بعد تحريرها، وهذا بخلاف ما لو أعتقت بعد تزويجها وتعيين المهر في العقد، فانه يكون للمولى كما مر، والفرق أن المهر يملك بالعقد والمالك لمهر الامة هو السيد بخلاف المفوضة، فان ملك المهر يتوقف على الفرض أو الدخول كما مر، فقبله لا مهر، وقد حصل الانتقال عن ملكه قبل تحققه، فيكون لها لحدوثه على ملكها، وأما المشترى فانه يملك
[ 66 ]
مع الاجازة على التقديرين، وقد تقدم الكلام في ذلك في محله، فلاحظ وتأمل والله العالم. (وأما) القسم (الثاني - وهو تفويض المهر - فهو أن يذكر على الجملة ويفوض تقديره إلى أحد الزوجين) بعينه، كما عن ظاهر التحرير وغيره، وفي كشف اللثام أو مطلقا، كما ربما يظهر من الخلاف والمبسوط والسرائر، وإليهما جميعا كما فيها وفي التحرير، للاصل ولعموم كون المؤمنين عند شروطهم (1)، والاولوية من تفويض البضع مع الاتفاق في المقتضى وفي القواعد أو أجنبي على إشكال من ذلك أيضا، حتى الاولوية بناء على فرض الاجنبي في المفوضة للبضع،
وأنه كالنائب عنهما، ومن انتفاء النص، لاقتصاره على أحدهما وأنه معاوضة، فتقدير العوضين إنما يفوض إلى المتعاوضين دون الاجنبي، وفي كشف اللثام وضعفهما ظاهر بعد ما عرفت. قلت: الذي عثرنا عليه من النصوص خبر زرارة (2) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوج امرأة على حكمها، قال: لا تتجاوز بحكمها مهر نساء محمد صلى الله عليه واله إثنتي عشرة أوقية ونش، وهو وزن خمسمأة درهم من الفضة، قلت: أرأيت إن تزوجها على حكمه ورضيت بذلك ؟ فقال: ما حكم من شئ فهو جائز عليها قليلا كان أو كثيرا، قال: قلت له: فكيف لم تجز حكمها عليه وأجزت حكمه عليها ؟ قال: فقال: لانه حكمها، فلم يكن لها أن تجوز ما سن رسول الله صلى الله عليه واله وتزوج عليه نساءه، فرددتها إلى السنة، ولانها هي حكمته، وجعلت الامر إليه في المهر، ورضيت بحكمه في ذلك: فعليها أن تقبل حكمه قليلا كان أو كثيرا " وصحيح ابن مسلم (3) عنه عليه السلام أيضا " في رجل تزوج امرأة على حكمها أو على حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها، قال: لها المتعة والميراث ولامهر لها، قلت: فان طلقها وقد تزوجها على حكمها، قال: إذا طلقها وقد تزوجها على حكمها لم يتجاوز بحكمها عليه
(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4. (2 و 3) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 1 - 2.
[ 67 ]
أكثر من وزن خمسمأة درهم فضة، مهور نساء رسول الله صلى الله عليه واله " وخبر أبى جعفر (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل تزوج امرأة بحكمها ثم مات قبل أن يحكم، قال: ليس لها صداق، وهي ترث " وخبر أبي بصير (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يفوض إليه صداق امرأته فتنقص عن صداق نسائها، قال: يلحق بمهر نسائها " وهي كما ترى مشتملة على التفويض للزوج بعينه أو الزوجة كذلك. لكن قد يقال: إن مبني ذلك إطلاق الادلة وعمومها الذي لا فرق فيهما بين هذين القسمين وغيرهما، ضرورة أنها مفوضة البضع، إلا أنه اشترط في العقد تعيين الفارض للعقد، وبذلك افترقت عن موضوع مفوضة البضع الذي هو إهمال ذكر المهر أصلا في العقد حتى اشتراط فرضه، فليس حينئذ تفويض المهر قسما من المهر المجهول صح للادلة الخاصة حتى يقتصر فيه على ما تضمنته دون غيره من الاقسام، إذ لم يذكر مهرها في العقد بلفظ مشترك لفظا أو معنى مرادا منه فرد
خاص وفرض تعيينه إلى الزوجة أو الزوج حتى يكون من المهر المجهول، بل المراد أنه فوض في عقدها أصل تقدير المهر إلى الزوج أو الزوجة، فهي في الحقيقة مفوضة البضع، إلا أن الفرق بينهما بأن الفرض في مفوضة البضع لم يتعرض في العقد إليه ولا إلى من يفرضه، بخلاف مفوضة المهر، فانه قد تعرض في عقدها إلى تعيين من يفرض مهرها، فلا مهر في عقدها كى يكون مجهولا. فالمراد حينئذ من ذكر المهر في الجملة المذكور في المتن وغيره ذكره بالطريق الذي قلناه، بمعنى أنه تعرض في عقدها إلى تعيين من يفرضه بخلاف مفوضة البضع التي أهمل فية ذكر المهر أصلا حتى بذلك، بل المراد بما في النصوص " من تزوج المرأة بحكمها أو بحكمه " هذا المعنى أيضا وليس هو من المهر المجهول الذي هو بمعنى ذكر مشترك لفضا أو معنى وأريد منه فرد خاص وفوض تعيينه إلى أحدهما، فان هذا ونحوه المهر المجهول. ومن ذلك ظهر لك خطأ المخالفين في إبطال هذا القسم من التفويض وجعله
(1 و 2) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 3 - 4.
[ 68 ]
من المهر الفاسد وإجراء حكمه عليه. كما أنه ظهر لك جواز اشتراط جميع أفراد الفرض الجائزة في مفوضة البضع من دون اشتراط للاندراج تحت قوله صلى الله عليه واله (1): " المؤمنون عند شروطهم " الذي قد استدل به هنا غير واحد من الاصحاب فضلا عن الاطلاقات والعمومات والاولوية التي سمعتها من كشف اللثام. وعلى كل حال (فان كان الحاكم) الذي اشترط في العقد (هو الزوج لم يتقدر في طرف الكثرة) التي هي حكمه على نفسه (ولا القلة) إلا بما يتمول ويصح جعله مهرا التي هي حكم على الزوجة برضاها. (و) لذلك (جاز أن يحكم بما شاء) بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى ما سمعته من الصحيح (2) وغيره (3) ومن هنا وجب حمل خبر أبي بصير (4) على الندب، أو على ما عن الشيخ من أنه فوض إليه صداق امرأته على أن يجعله مثل مهور نسائها فنقصها، أو غير ذلك الذي هو أولى من الطرح. (ولو كان الحكم إليها لم يتقدر في طرف القلة) إلا بما عرفت، لانه حكم على نفسها (ويتقدر في) طرف (الكثرة) بما لا مزيد عن مهر نساء
محمد صلى الله عليه واله وبناته اللاتي (5) هن أعلى من كل امرأة (إذ لا يمضي حكمها فيما زاد عن مهر السنة، وهو خمسمأة درهم) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الصحيح السابق وغيره، ومنه يعلم وجه الفرق بين مضي حكمه عليها دون حكمها عليه، باعتبار أن لها حدا لا يجوز لها أن تتجاوزه بخلافه، فانه لاحد له كما أومأ إليه في الصحيح (6).
(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 1 - 0 - 4. (5) وفي النسخة الاصلية " التى ". (6) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 69 ]
ولو كان الحاكم الاجنبي فقيل: الظاهر الاقتصار على مهر المثل إلا أن يصرحا بالرضا بما يفرضه أيا كان، وفيه أنه لا فرق بين التصريح بذلك والظهور، ولو من حيث إطلاق الحكم نحو إطلاق الحكم للزوج الذي قد عرفت مضي حكمه على كل حال، نعم لو فرض تحكيم الاجنبي على وجه يكون نائبا عنها لا عن الزوج
أو بالعكس أو عنهما جميعا جرى على الاولين حكم المنوب عنه، وعلى الثالث يتقيد بما لا يزيد عن مهر السنة، لكن من جعل الحكم إلى الاجنبي كان حاكما أصليا لا نائبا على وجه يراعى فيه حكومة المنوب عنه، فالمتجه حئنيذ مضي حكمه على كل حال، كتحكم الزوج، ولا يتقيد بما تقيد به تحكم الزوجة المنصوص عليه بخصوصه. ولو كان الحكم إليهما فلا إشكال مع التراضي، ومع التخالف قيل: يوقف حتى يصطلحا، كما عن المبسوط والتحرير، ويحتمل الرجوع إلى الحاكم وإلى مهر المثل، قلت: قد يقال: إذا بذل الزوج لها ما يساوى مهر السنة لم يكن لها اقتراح الزائد، لظهور الخبر المزبور (1) في ذلك، سواء كان الحكم لها خاصة أو مشتركا بينها وبين غيرها، نعم لو حكم بالاقل من ذلك كان لها خلافه، فيحتاج حينئذ إلى الحاكم، فتأمل جيدا، والله العالم. (و) على كل حال ف (- لو طلقها قبل الدخول وقبل الحكم الزم من إليه الحكم أن يحكم) مقدمة لايصال الحق إلى صاحبه (وكان لها النصف) من ذلك ولا تسقط حكومته بالطلاق، للاصل وعموم " المؤمنون عند شروطهم " (2)
والصحيح (3) السابق متمما بعدم القول بالفصل، وبذلك ظهر الفرق بينها وبين مفوضة البضع الذي لا فرض لها بعد الطلاق.
(1) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 70 ]
(ولو كانت هي الحاكمة فلها النصف ما لم تزد في الحكم عن مهر السنة) فان زادت ردت إليه في ذلك الحكم على الاقوى، ويحتمل إلزامها بفرض آخر لفساد فرضها الاول بالزيادة. ولو امتنعت عن الحكم على وجه لا يمكن إجبارها احتمل قيام الحاكم مقامها، يحكم لها بما لا يزيد عن مهر السنة، ويحتمل إيقاف حقها حتى تحكم. ولو امتنع الزوج عن الحكم على وجه لا يمكن إجباره عليه احتمل قيام الحاكم مقامه، فيحكم عليه بما لا يزيد على مهر المثل أو السنة، ويحتمل الايقاف حتى يتمكن من إلزامه بالحكم.
ولو جن مثلا من إليه الحكم قام وليه مقامه في وجه، والحاكم في آخر وبطلان الحكومة وإيجاب المتعة لها لصدق كونها مطلقة قبل المس ولا فرض لها، وكذا لو طلقت قبل الدخول ومات من له الحكم، ولعله لا يخلو من قوة، وربما كان في صحيح ابن مسلم (1) المتضمن للمتعة بالموت إيماء إليه في الجملة. (و) كيف كان ف (- لو مات الحاكم قبل الحكم) وبعد الدخول فلها مهر المثل مطلقا أو ما لم يزد عن مهر السنة، خصوصا إذا كان الحكم إليها وقد مات قبله بلا خلاف (و) ولا إشكال، وإن كان (قبل الدخول قيل) والقائل المشهور نقلا أو تحصيلا: (سقط المهر، ولها المتعة) لصحيح ابن مسلم (2) السابق المؤيد بأنها ليست مفوضة بضع حتى يقال: إنها أقدمت على المجانية ولا مسمى لها في العقد، ولا مقتضي لمهر المثل إذ الفرض كونه قبل الدخول، فليس حينئذ إلا المتعة وبذلك ظهر الفرق بينها وبين مفوضة البضع التي لا شئ لها عندنا في مفروض المسألة. والمناقشة في الصحيح - بأن النشر على ترتيب اللف فيكون الحكم بالمتعة فيما إذا مات المحكوم عليه لا الحاكم، وباختصاص الجواب فيه بموت الزوج، إذ
لو ماتت لم يكن لها ميراث، ولا تتم المقايسة بايجاب المتعة لها والميراث لها - يدفعها
(1 و 2) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 71 ]
أنه لا فرق بين الموتين وأنه لا جهة لثبوت المتعة بموت المحكوم عليه مع بقاء الحاكم، فان المؤمنين عند شروطهم، وانعقد النكاح على حكمه، فإذا كان باقيا كان له الحكم، ولا أثر لموت المحكوم عليه، كيف وقد نص في الخبر بعد ما ذكر على أن له الحكم مع الطلاق القاطع لعلاقة الزوجية بخلاف الموت، فلابد من الحمل على موت الحاكم جمعا بين طرفيه وبين الاصول، كل ذلك مضافا إلى فهم المراد منه عرفا، كما هو واضح. ومنه يعلم حينئذ ما في قواعد الفاضل من وجوب مهر المثل، لانها لم تفوض بضعها، بل سمى لها في العقد مهر مبهم، فاستحقت المهر بالعقد، ولما لم يتعين وجب الرجوع إلى مهر المثل، مع أنه لم نره لاحد قبله ولا بعده، وإن حكى عن الشيخ إلا أنا لم نتحققه، بل لعل المحقق عنه خلافه، ضرورة كونه من الاجتهاد في مقابلة النص، على أن مهر المثل لم يذكراه في العقد ولا كان في قصدهما، فكيف
يتصور وجوبه به ؟ ودعوى أن كل مهر في العقد قد تعذر تعيينه يقتضي الانتقال إلى مهر المثل ممنوعة على مدعيها، بل قد يمنع أصل تسمية المهر في العقد في مفروض المسألة الذى قد عرفت أنه من مفوضة البضع إلا أنه تعرض في العقد لذكر الفارض كما أوضحناه في السابق. ومن هنا كان المتجه مع قطع النظر عن الصحيح المزبور ما عن ابن إدريس رحمه الله من عدم وجوب شئ لها لا متعة ولا غيرها، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وقيل: ليس لها أحدهما و) لكن قد عرفت أن (الاول مروي) صحيحا، وقد عمل به المعظم، فلا محيص عنه حينئذ، ووجوب المتعة حينئذ له لا على اصولنا من حجية مثله (1) لا للقياس الفاسد عن الامامية، كما هو واضح.
(1) هكذا في النسختين الاصليتين والصحيح " ووجوب المتعة حينئذ له على أصولنا من حجية مثله ".
[ 72 ]
(الطرف الثالث في الاحكام) (وفيه مسائل:) (الاولى)
(إذا دخل الزوج قبل تسليم) ما في ذمته من (المهر) الحال فضلا عن المؤجل أو بعضه (كان) جميعه أو الباقي منه (دينا عليه، ولم يسقط بالدخول، سواء طالت مدتها) عنده (أو قصرت، طالبت به أو لم تطالب) به للاصل والاجماع بقسميه، والعمومات من قوله تعالى (1) " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " وغيره، وخصوص المعتبرة المستفيضة أو المتواترة (2) الصريحة في ذلك المعتضدة بأصول المذهب وقواعده (و) لكن مع ذلك (فيه رواية اخرى) (3) متعددة، وبعضها معتبر السند، لكنها (مهجورة) بين الطائفة وإن قيل في التهذيبين عن بعض الاصحاب السقوط بالدخول. ولم نتحققه. نعم عن الصدوق والحلبي أنها إن أخذت منه شيئا قبل الدخول سقط الباقي إلا أن توافقه على بقاء الباقي عليه دينا، ولعله ليس خلافا في المسألة، ضرورة كون ذلك منهما باعتبار ظهور حال رضاها بما دفع إليها وتسليمها نفسها بذلك في العفو عنه، لا مع عدم ظهور ذلك، كما هو ظاهر القول بأن الدخول من حيث كونه دخولا مسقطا للمهر، واحتمال إرادة دلالته على الاسقاط خلاف ظاهر القول ودليله، ولو سلم فلا ريب في ضعفه، لما ستعرف من عدم كونه كذلك عرفا، إذ
(1) سورة النساء: 4 - الاية 4. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 4 و 5 و 6 و 8 و 14 و 15.
[ 73 ]
هو أعم، ولا شرعا لعدم ما يصلح له على وجه يقاوم ما يدل على غيره، ويمكن أن يكون ما عن الصدوق والحلبي في المسألة المشهورة بين الاصحاب، بل عن ابن إدريس وغيره الاجماع عليها، وهي في المفوضة التي لم يسم لها مهرا إذا قدم لها شيئا قبل الدخول ثم دخل بها ساكتة عن ذكر المهر كان ذلك مهرها وليس لها بعد المطالبة بمهر المثل، بل ولا بمهر السنة، ولعل ذلك هو المراد من صحيح الفضيل (1) عن أبى جعفر عليه السلام " في رجل تزوج امرأة ودخل بها ثم أولدها ثم مات عنها فادعت شيئا من صداقها على ورثته فجاءت تطلبه منهم وتطلب الميراث، فقال: أما الميراث فلها أن تطلبه، وأما الصداق فالذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها فهو الذى حل للزوج به فرجها قليلا كان أو كثيرا إذا قبضته منه ودخلت عليه به، ولا شئ لها بعد ذلك " بل يمكن تنزيل غيره من بعض النصوص
الاتية عليه. وعلى كل حال فالرواية التي أشار إليها المصنف هي خبر محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر عليه السلام " في الرجل يتزوج المرأة ويدخل بها ثم تدعى عليه مهرها، قال: إذا دخل بها فقد هدم العاجل " وخير عبيد بن زرارة (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل يدخل بالمرأة ثم تدعى عليه مهرها، قال: إذا دخل بها فقد هدم العاجل " وخبره الاخر (4) عنه عليه السلام أيضا " دخول الزوج على المرأة يهدم العاجل " وخبر علي بن كيسان (5) " كتبت إلى الصادق عليه السلام أسأله عن رجل يطلق امرأته وطلبت منه المهر، وروى أصحابنا إذا دخل بها لم يكن لها مهر، فكتب: لا مهر لها " وخبر عبد الرحمان (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزوج والمرأة يهلكان جميعا، فيأتى ورثة المرأة فيدعون على ورثة الرجل الصداق، فقال: وقد هلكا وقسم الميراث ؟ فقلت: نعم فقال: ليس لهم شئ، قلت: وإن كانت المرأة حية فجاءت بعد موت زوجها تدعي صداقها فقال: لا شئ لها، وقد أقامت معه مقرة حتى هلك زوجها، فقلت: فان ماتت وهو حي فجاء ورثتها يطالبون بصداقها،
(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 13 - 6 - 4 - 5.
(5 و 6) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 15 و 8.
[ 74 ]
فقال: وقد أقامت حتى ماتت لا تطلبه ؟ فقلت: نعم، قال: لا شئ لهم، قلت: فان طلقها فجائت تطلبه صداقها ؟ قال: وقد أقامت لا تطالبه حتى طلقها ؟ قال: لا شئ لها، فقلت: فمتى حد ذلك الذي إذا طلبته كان لها ؟ قال: إذا أهديت إليه ودخلت بيته ثم طلبت بعد ذلك فلا شئ لها، إنه كثير لها أن يستحلف بالله ما لها قبله من صداقها قليل ولا كثير " وخبر المفضل بن عمر (1) عن الصادق عليه السلام المتقدم سابقا في مهر السنة، قال فيه: " فان أعطاها من الخمسة مأة درهم درهما أو أكثر من ذلك ثم دخل بها فلا شئ عليه، قلت: فان طلقها بعد ما دخل بها، قال: لا شئ لها إنما كان شرطها خمسمأة درهم، فلما أن دخل بها قبل أن تستوفى صداقها هدم الصداق، فلا شئ لها إنما لها ما أخذت من قبل أن يدخل بها، فإذا طلبت بعد ذلك في حياته أو بعد موته فلا شئ لها ". لكن لقصورها عن معارضة ما عرفت من وجوده وجب طرحها أو حملها على هدم المطالبة للتمكن ثانيا، أو على أن الظاهر من التمكين إما القبض أو الابراء،
خصوصا إذا تأخرت المطالبة عن الطلاق أو الموت، فلا يقبل قولها في الاستحقاق، قال الصادق عليه السلام في خبر الحسن بن زياد (2): " إذا دخل الرجل بامرأته ثم ادعت المهر وقال الزوج: قد أعطيتك فعليها البينة وعليه اليمين " بل قوله عليه السلام في خبر عبد الرحمان (3) منها: " وكثير لها منه " إلى آخره كالصريح في خلاف ما يقوله الخصم، ضرورة أنه لا وجه لليمين مع فرض السقوط بالدخول، بل هو حينئذ دال على المختار، كخبر ابن زياد، وذلك واضح. بل قد يقال: إن القول قول الزوج في عدم استحقاقها المهر عليه مطلقا، ضرورة أن صيرورتها زوجة له أعم من استحقاقها عليه ذلك، وإن كان النكاح لا يخلو من مهر، إذ من المحتمل كون المهر شيئا له كان في ذمتها أو عينا عندها أو غير ذلك، واحتمال القول: إن ملك البضع أو الدخول به يستدعى عوضا - فيحصل حينئذ سبب استحقاقها، ويكون بذلك القول قولها، خصوصا مع أصالة عدم وصول شئ
* (1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 14 - 7 - 8 -.
[ 75 ]
منه إليها - يدفعه ظاهر النص والفتوى، وستسمع لذلك تتمة إنشاء الله في مسائل
التنازع. ومن الغريب بعد ذلك كله ما في وافي الكاشاني حيث إنه بعد ذكر جميع النصوص قال: " ويخطر بالبال أن يحمل مطلق هذه الاخبار على مقيدها، أعني يحمل سقوط مطلق الصداق على سقوط العاجل منهم: فانهم كانوا يومئذ يجعلون بعض الصداق عاجلا وبعضه آجلا، كما مر التنبيه عليه في بعض ألفاظ خطب النكاح وكان معنى العاجل ما كان دخوله به مشروطا على إعطائه إياها، فإذا دخل بها قبل الاعطاء فكأن المرأة أسقطت حقها العاجل ورضيت بتركه له، ولا سيما إذا أخذت بعضه أو شيئا آخر، كما دل عليه حديث الفضيل، وأما الاجل فلما جعلته حين العقد دينا عليه فلا يسقط إلا بالاداء، وعليه يحمل أخبار أول الباب " ضرورة معلومية قصور المقيد عن مقاومة المطلق من وجوه، على أن بعض تلك النصوص كالصريح في عدم سقوط العاجل بالدخول، وأنه يكون دينا، كما أن بعض هذه النصوص ظاهر في سقوط الاجل بالدخول، وهو خبر أبي بصير (1) عن أحدهما عليهما السلام " في رجل زوج مملوكته من رجل على أربمعأة درهم فيحل له مأتي درهم وأخر عنه مأتي درهم، فدخل بها زوجها، ثم إن سيدها باعها من رجل، لمن يكون المأتان
المؤخرتان على الزوج ؟ قال: إن لم يكن أوفاها بقية المهر إن كان الزوج دخل بها وهي معه ولم يطلب السيد منه بقية المهر حتى باعها فلا شئ له عليه ولا لغيره، وإذا باعها السيد فقد بانت من الزوج الحر إذا كان يعرف هذا الامر " وحينئذ فالتحقيق ما عرفت، والله العالم. (و) كيف كان فالمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة أن (الدخول الموجب للمهر هو الوطء قبلا أو دبرا) على وجه يتحقق عليه الغسل وإن لم ينزل دون غيره، للاصل وظاهر قوله تعالى (2): " ما لم تمسوهن " المتفق على
(1) الوسائل الباب - 87 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 236.
[ 76 ]
أنه بمعنى الوطئ، على أنه متردد بين إرادة المعنى اللغوى والشرعي، والاول باطل اتفاقا فيبقى الثاني، وهو الوطئ، واستفاضة النصوص أو تواترها على تعليق ذلك عليه، قال الصادق عليه السلام في خبر ابن البختري (1): " إذا التقى الختانان وجب المهر والعدة والغسل " وفي خبر داود بن سرحان (2) " إذا أولجه فقد وجب
الغسل والجلد والرجم ووجب المهر " وسأله عليه السلام يونس بن يعقوب (3) أيضا " عن رجل تزوج امرأة فأغلق بابا وأرخى سترا ولمس وقبل ثم طلقها، أيجب عليه الصداق ؟ قال: لا يوجب الصداق إلا الوقاع " وقال عبد الله بن سنان (4): سأله عليه السلام أيضا أبى وأنا حاضر " عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه فلم يمسها ولم يصل إليها حتى طلقها هل عليها عدة منه ؟ فقال: إنما العدة من الماء، قيل له: فان كان واقعها في الفرج ولم ينزل، قال: إذا أدخله وجب الغسل والمهر والعدة " وقال يونس بن يعقوب (5) سمعته عليه السلام أيضا يقول: " لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج " وقال ابن مسلم: (6) سألت أبا جعفر عليه السلام متى يجب المهر ؟ قال: إذا دخل بها " وقال يونس (7): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه، فأغلق الباب وأرخى الستر وقبل ولمس من غير أن يكون وصل إليها بعد ثم طلقها على تلك الحال، قال ليس عليه إلا نصف المهر " إلى غير ذلك من النصوص (8) الواردة في العنين وغيره. (و) حينئذ ف (- لا يجب بالخلوة) وإن كانت تامة بحيث لا مانع من الوطئ حتى الانزال في الفرج من دون وطئ (و) لكن مع ذلك (قيل: يجب) بالخلوة أيضا على
(1 و 2) الوسائل الباب - 54 - من أبواب المهور الحديث 4 و 5. (3) الوسائل الباب - 55 - من أبواب المهور الحديث 1. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 54 - من أبواب المهور الحديث 1 - 6 - 7. (7) الوسائل الباب - 55 - من أبواب المهور الحديث 5. (8) الوسائل الباب - 13 - من أبواب العيوب والتدليس الحديث 5 والباب 15 منها الحديث 1 والباب - 17 - منها الحديث 3.
[ 77 ]
معنى أنها سبب تام في وجوبه كالدخول: إلا أنا لم نتحقق القائل به، وإن حكي عن خلاف الشيخ أنه حكاه عن قوم من أصحابنا، نعم في النهاية " متى خلا الرجل بامرأته وأرخى الستر ثم طلقها أوجب عليه المهر على ظاهر الحال، وكان على الحاكم أن يحكم بذلك وإن لم يكن قد دخل بها، إلا أنه لا يحل للمرأة أن تأخذ أزيد من النصف " ونحوه حكي عن ابن البراج والكيدري، بل عن ابن أبى عمير " أنه اختلف الحديث في أن لها المهر كملا أو بعضه، قال بعضهم: نصف المهر، وإنما معنى ذلك أن الوالي إنما يحكم بالحكم الظاهر إذا أغلق الباب وأرخى
الستر وجب المهر، وإنما هذا عليها إذا علمت أنه لم يمسها فليس لها فيما بينها وبين الله إلا نصف المهر ". بل لعله هو مراد الصدوق في محكي المقنع " إذا تزوج الرجل المرأة وأرخى الستور وأغلق الباب ثم أنكر جميعا المجامعة فلا يصدقان، لانها ترفع عن نفسها العدة ويرفع عن نفسه المهر " مشيرا بذلك إلى ما في خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: " الرجل يتزوج المرأة فيرخى عليه وعليها الستر أو يغلق الباب ثم يطلقها فتسأل المرأة هل أتاك ؟ فتقول: ما أتاني، ويسأل هو هل أتيتها ؟ فيقول: لم آتها فقال، لا يصدقان، وذلك لانها تريد أن تدفع العدة من نفسها، ويريد أن يدفع هو المهر " وهو أحد نصوص المختار، ضرورة أنه لو كانت الخلوة نفسها موجبة لم يكن لعدم تصديقهما مدخلية في ذلك. ولعله عليه يحمل خبر زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام: " إذا تزوج الرجل المرأة ثم خلابها وأغلق بابا وأرخى سترا ثم طلقها فقد وجب الصداق، إخلاؤه بها دخول " وخبر السكوني (3) عن أبي جعفر عن أبيه عليهما السلام: " إن علينا عليه السلام كان يقول:
(1) الوسائل الباب - 56 - من أبواب المهور الحديث 1.
(2 و 3) الوسائل الباب - 55 - من أبواب المهور الحديث 3 - 4 والثانى عن اسحاق ابن عمار كما في التهذيب ج 7 ص 464 الرقم 1864 والاستبصار ج 3 ص 227 الرقم 822.
[ 78 ]
من أجاف من الرجال على أهله بابا أو أرخى سترا فقد وجب عليه الصداق " كما عن الشيخ التصريح بحملها على ذلك مستدلا عليه بخبر أبى بصير السابق، قال: " ومتى كانا صادقين أو كان هناك طريق يمكن أن يعرف به صدقهما فلا يوجب المهر إلا المواقعة " مستدلا عليه بخبر زرارة السابق، ثم حكي ما سمعته من ابن أبي عمير، وقال: " هذا وجه حسن ولا ينافي ما قدمناه، لانه، إنما أوجبناه نصف المهر مع العلم بعدم الدخول ومع التمكن من معرفة ذلك، فأما مع ارتفاع العلم وارتفاع التمكن فالقول ما قاله ابن أبي عمير ". ومن ذلك كله ظهر لك الوجه في نصوص الخلوة التي منها ما سمعت، و (منها) حسن الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يطلق المرأة وقد مسى كل شئ منها إلا أنه لم يجامعها، الها عدة ؟ فقال: ابتلى أبو جعفر
عليه السلام بذلك، فقال له أبوه علي بن الحسين عليهما السلام: إذا أغلق بابا وأرخى سترا وجب المهر والعدة ". و (منها) خبر محمد بن مسلم (2) عن أبى جعفر عليه السلام " سألته عن المهر متى يجب ؟ قال إذا أرخيت الستور وأجيف الباب، وقال: إنى تزوجت امرأة في حياة أبى على بن الحسين عليهما السلام وإن نفسي تاقت إليها فذهبت إليها فنهاني أبى، فقال: لا تفعل يا بنى، لا تأتها في هذه الساعة، وإنى أبيت إلا أن أفعل، فلما دخلت عليها قذفت إليها بكساء كان علي وكرهتها، وذهبت لاخرج، فقامت مولاة لها فأرخت الستر وأجافت الباب، فقلت: قد وجب الذي تريدبن " إلى غير ذلك من النصوص المحمولة على ما عرفت أو على التقية، لقصورها عن معارضة ما سمعت من وجوه. وأما ما يحكي عن ابن الجنيد - من وجوب المهر بالجماع في غير الفرج والتقبيل وسائر أنواع الاستمتاع إذا كان بتلذذ والانزال بالملاعبة - فلم أجد له في هذه النصوص ما يدل عليه، ويمكن أن يكون قد أخذه من النصوص (3) الدالة
(1 و 2) الوسائل الباب - 55 - من أبواب المهور الحديث 2 - 6. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
[ 79 ]
على قيام نحو ذلك مقام الوطء في حرمة مملوكة الولد على الوالد وبالعكس، باعتبار تنزيل ذلك منزلة الجماع، لكنه كما ترى. ومن ذلك كله ظهر لك أن الاقوال أربعة (و) أن (الاول) منها (أظهر)، بل هو الاصح، والله العالم. المسألة (الثانية) (قيل) والقائل الشيخان وسلار وبنو زهرة وإدريس وسعيد على ما حكى عنهم: (إذا لم يسم لها مهرا) في العقد ولا بعده (وقدم لها) قبل الدخول (شيئا ثم دخل بها كان ذلك مهرها، ولم يكن لها مطالبته بعد الدخول، إلا أن تشارطه قبل الدخول على أن المهر غيره) أو أن ما قدمه لها بعض المهر (وهو تعويل على تأويل رواية (1) واستناد إلى قول مشهور) بل لا أجد فيه خلافا، بل في محكى السرائر أن دليل هذه المسأله الاجماع مؤيدا بما عن المقنعة من دلالة التمكين على الرضا بذلك مهرا، وإن كان فيه ما فيه، وبصحيح الفضيل (2) المتقدم وإن لم يكن صريحا في ذلك، بل ربما كان المراد منه وقبلته مهرا، بل ظاهر
قول المصنف " تأويل رواية " أن ذلك ليس مدلولها، وإنما هو تأويل، بل ظاهره التردد فيه، بل ظاهر ثانى الشهيدين عدمه والرجوع إلى القواعد الشرعية، وهى إن رضيت به مهرا لم يكن لها غيره، وإلا فلها مع الدخول مهر المثل، ويحتسب ما وصل إليها منه إذا لم يكن على وجه التبرع كالهدية. لكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاجماع المزبور المعتضد بفتوى المعظم الذي به تجبر دلالة الصحيح المتقدم، فلا بأس بخروج هذه المسألة عن
(1) المستدرك الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 8 و 13 و 14. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 13.
[ 80 ]
القواعد لذلك، ولا حاجة إلى ما عن المختلف من أنه كانت العادة في الزمن الاول تقديم المهر على الدخول، والان بخلافه، ولعل المنشأ في الحكم العادة، فان كانت العادة في بعض الازمان والاصقاع كالعادة القديمة كان الحكم ذلك، وإلا فلا، فان تنزيل ما عرفت على ذلك لا يخفى ما فيه، نعم ينبغى الاقتصار فيه على المتيقن، وهو خصوص المفوضة الساكتة على ما قدم لها من شئ، وهل يعتبر فيه مع ذلك
قصد الزوج أن ذلك مهرها أولا يعتبر، بل يكفى تقديمه ساكتا أيضا ؟ وجهان، مقتضى الاقتصار على المتيقن الاول، والله العالم. المسألة (الثالثة) (إذا طلق قبل الدخول كان عليه نصف المهر) المسمى في العقد أو المفروض بعده بلا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب (1) والسنة (2) فان كان دينا عليه ولم يكن قد دفعه برأت ذمته من نصفه، وإن كان عينا كانت مشتركة بينه وبينها (ولو كان دفعه) إليها (استعاد نصفه إن كان باقيا، أو نصف مثله إن كان تالفا، ولو لم يكن له مثل فنصف قيمته) التى هي أقرب شئ إليه، وتقوم مقامه عند التعذر (ولو اختلفت قيمته في وقت العقد ووقت القيض لزمها أقل الامرين) على المشهور، لانه ملكته بتمامه بالعقد على الاصح فالزيادة حينئذ لها، وليس النقصان عليها، فانه ليس مضمونا عليها للزوج، لانه ملكها، خصوصا ولم يسلم إليها، فان زادت حين التسليم لم يستحق الزيادة، وإن نقصت حينه لم يضمن له النقصان وإن نقصت في البين ثم زادت والزيادة متجددة غير مستحقة له فهي لها (وبالجملة) إن كانت القيمة يوم العقد هي الاكثر
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (2) الوسائل الباب - 51 - من أبواب المهور. (جواهر الكلام - ج 5)
[ 81 ]
فالنقص قبل القبض مضمون عليه، فلا تضمن له ما هو ضمانة، وإن كانت القيمة يوم القبض هي الاكثر فهي زيادة في ملكها، فلا تضمن له ما هو لها، هذا خلاصة ما ذكره. وفيه أن القيم السوقية غير مضمونة بحال، والمتجه لولا ما سمعته من خبر علي ابن جعفر (1) من ضمان القيمة يوم القبض لا أقل الامرين ما بينه وبين العقد، كما سمعته من المشهور ضمانها القيمة يوم التلف باعتبار تعلق حق الاستعادة في العين مادامت موجودة، فمع تلفها يتعلق بقيمتها في ذلك اليوم الذي هو ابتداء تعلق الحق المزبور أو ضمانها القيمة يوم الطلاق الذي هو يوم تملك النصف من العين أو من قيمتها في ذلك اليوم، إلا أن ذلك كله من الاجتهاد في مقابلة النص بعد ما سمعته من خبرى على بن جعفر (2) فضلا عما سمعته من المشهور المبني على ما عرفت
مما لا يخفى ما فيه، خصوصا قولهم: " إنها لا تضمن له ما هو لها " ضرورة أن المال في يدها وإن كان لها، إلا أنه مضمون عليها، بمعنى أنه لو طلق قبل الدخول كان له عليها القيمة لو كانت العين تالفة، وهذا معنى الضمان، فتأمل جيدا، هذا كله مع بقاء العين بحالها. وأما لو زال ملكها على المهر قبل الطلاق بوجه لازم كالبيع والعتق والهبة اللازمة لزمها مثل النصف أو قيمته، ضرورة كونه حينئذ كالتالف، بل لو عاد إلى ملكها بعد أن دفعت له المثل أو القيمة لم يكن له الرجوع، نعم لو عاد قبل الدفع رجع، لزوال المانع من الرجوع قبل سقوط حقه منها بأخذ المثل أو القيمة، ولان الرجوع إليها لتعذر العين مع كونهما أقرب الاشياء إليها، ولا تعذر حينئذ،
(1) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2، الا أنه لم يتقدم لعلى ابن جعفر ما يدل على ذلك. والظاهر أنه سهو من قلمه الشريف، والصحيح " ما تسمعه ". (2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2 بسندين أحدهما عن على بن جعفر والثانى عن السكوني ولم يتقدم لعلى بن جعفر خبر يدل على ذلك، والظاهر أنه سهو من قلمه الشريف هنا أيضا، والصحيح " ما تسمعه " فانه (قده) ذكرهما بعد قليل.
[ 82 ]
مع احتمال العدم أيضا، لسقوط حقه من العين أولا، وكون العود مملكا لا من جهة الصداق، ولانه بالطلاق تعلق خطاب المثل أو القيمة، ولا دليل على ارتفاعه وإن كان قد يناقش بمنع سقوط الحق مطلقا، وعدم منافاة تملكه بالعود للتملك بالطلاق الذي هو سبب جديد لذلك، لا أنه التمليك باعتبار تسببه فسخ السبب الاول الذي ملكت به المرأة حتى يقال: إن العود مملك غير الصداق، وتعلق خطاب المثل أو القيمة على جهة التزلزل لمكان التعذر كما هو واضح. ولو تعلق به حق لازم من غير انتقال كالرهن والاجارة ففي القواعد " تعين البدل، فان صبر إلى الخلاص فله نصف العين، ولو قال: أنا أرجع فيها وأصبر حتى تنقضي الاجارة احتمل عدم وجوب الاجابة وإجباره على أخذ القيمة إذا دفعتها، لانه يكون حينئذ مضمونا عليها، ولها أن تمتنع منه، إلا أن يقول أنا أقبضه وأرده أمانة، أو يسقط عنها الضمان على إشكال فله ذلك " وفي كشف اللثام " أنه يشكل الحكم بتعيين البدل مع كون الطلاق مملكا فان التمليك إذا كان قهريا والعين باقية في ملكها لزم التعلق بها كالارث " وفيه أيضا احتمال وجوب الاجابة
عليها مطلقا، لتعلق حقه بالعين أولا، ولا ينافيه تعلق حق الغير بها من جهة أخرى، فإذا رضى بالعين مسلوبا عنها المنافع مدة الاجارة أو الارتهان لزمتها الاجابة. قلت: قد يقال: ليس له إلا البدل مطلقا، لعدم بقاء ما فرضه كما فرضه، والطلاق إنما يملك قهرا إذا كانت العين موجودة على الحال التي دفعها، ورضاه بغير ماله لا يوجب الاجابة عليها، وقد يفرق بين الارتهان والاجارة، خصوصا مع كون المدة قليلة، فتأمل. ولو انتقل عنها لاعلى جهة اللزوم كما لو باعته بخيار تخيرت بين الرجوع ودفع نصف العين وعدمه ودفع نصف القيمة. (ولو نقصت عينه أو صفته مثل عور الدابة أو نسيان الصنعة قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه ويحيى بن سعيد في المحكي عن جامعه: (كان له نصف القيمة) سليما تنزيلا للتعيب ذلك منزلة التلف، وله نصف العين أي بلا
[ 83 ]
أرش على الظاهر منهما، لان الرجوع إلى القيمة لكونها أقرب الاشياء إلى العين فالعين أولى، ولقوله تعالى (1): " فنصف ما فرضتم " وهي عين المفروض، وإن
بقيت ولما كان التعيب في ملكها لم تضمن الارش (و) حينئذ ف (- لا يجبر على أخذ نصف العين) كما لا يجبر على أخذ نصف القيمة، لما عرفته من التخيير. (و) لكن (فيه تردد) ونظر، وذلك لان العين المفروضة إن كانت بهذه الحالة قائمة فاللازم أخذها من غير انتقال إلى القيمة، وإن كانت بهذا التغيير عين مفروض كما اعترفوا به فلا وجه للرجوع بالعين، ولان التعيب - وإن كان في ملكها - لا ينافي ضمانها الارش للزوج، ضرورة كونه كتلف العين على ملكها الموجب لضمانها قيمتها له، بل ضمانها مستلزم لضمان أجزائها وصفاتها وأرش ذلك كقيمة نفس العين. فالمتجه حينئذ كما في القواعد والمسالك الرجوع بنصف العين مع الارش، لان التعيب بذلك خصوصا مثل نسيان الصنعة لا يخرج العين عن حقيقتها، وبقبضها العين تدخل في ضمانها كلا أو جزءا أو صفة. ومن ذلك يظهر لك ما في المحكي عن المهذب من " أن العيب إن كان منها أو من الله تعالى تخير بين أخذ نصفه ناقصا أو أخذ القيمة يوم القبض، وإن كان من أجنبي تعين أخذ القيمة يوم القبض فانه إن كان من أجنبي استحقت عليه الارش، فكان المهر الموجود مع
الارش فالنقصان محسوب، فيكون كالتالف، وان كان منها أو من الله تعالى لم يحسب النقصان، فكانت العين كالتامة من وجه والتالفة من آخر " وفي كشف اللثام " قد يقال: منشأ الخلاف أن معنى " ما فرضتم " هل هو الماهية وحدها أو مع صفاتها ؟ فعلى الاول يتعين الرجوع في نصف العين، وعلى الثاني يتخير أو يتعين القيمة ". قلت: قد يستفاد من خبر علي بن جعفر (2) عن أخيه عن أبيه عليهما السلام
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 84 ]
" إن عليا عليه السلام قال في الرجل: يتزوج المرأة على وصيف فيكبر عندها، ويريد أن يطلقها قبل أن يدخل بها، قال: عليها نصف قيمته يوم دفعه إليها، لا ينظر في زيادة ولا نقصان " تعين القيمة على الوجه المزبور من غير أرش بناء على أن المراد عدم النظر إلى زيادة العين ونقصها وإن لم أجده قولا لاحد، بل لعل صحيحه (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: في المرأة تتزوج على الوصيف فيكبر عندها فيزيد أو ينقص ثم يطلقها قبل أن يدخل بها " الحديث دال على ذلك
أيضا وإن كان ظاهره إرادة زيادة القيمة ونقصها بسبب الكبر، بل هو حينئذ قرينة على إرادة هذا المعنى من خبره الاول. لكنه أيضا دال على ذلك ايظا وأن كان ظاهره إراده زياده القيمه ونقصها بسبب الكير، بل هو حينئذ قرينه على إراده هذا المعنى من خبره الاول. لكنه أيظا دال على المطلوب، بقريب أن عدم النظر إلى الكبر الذي هو سبب زياده القيمة ونقصها يقتضي عدم النظر إلى كل صفة تجددت في العين اقتضت زيادتها أو نقصها، وأنها توجب الانتقال إلى القيمة على الوجه المزبور، فيكون المدار حينئذ في رد نصف العين على بقاء العين غير متغيرة بشئ يقتضي زيادة قيمتها أو نقصها، وإلا فالقيمة وقت القبض. (و) منه يعلم أن المراد ما فرضتم العين وصفاتها، كما أن منه يعلم أن الواجب رد نصف القيمة لا قيمة النصف، بل ويعلم أن الواجب قيمته يوم الدفع لا الاقل. (أما لو نقصت قيمته لتفاوت السعر كان له نصف العين قطعا، وكذا لو زادت قيمته لزيادة السوق، إذ لا نظر إلى القيمة مع بقاء العين) على حالها التي بها يتحقق
نصف ما فرضتم، لكن في القواعد بعد أن ذكر ذلك قال: " وتضمن - أي الزوجة للزوج - النقص - أي للقيمة لتفاوت السعر - مع التلف دون الزيادة، يعني إذا نقصت القيمة بعد القبض لنقصان السعر ثم تلفت العين ثم طلقها كان عليها رد نصف القيمة قبل القبض، لانه لا عبرة بالنقص بعد القبض، لتعلق حق الاستعادة به حين التسليم، ولو زادت القيمة بعد القبض لزيادة السعر ثم تلفت كان عليها رد نصف القيمة قبل
(1) أشار إليه في الوسائل في الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2 عن السكوني كما في الكافي ج 6 ص 108.
[ 85 ]
الزيادة، إذ الزيادة بعد القبض أولى بعدم الاعتبار من النقصان بعد القبض " وهو جيد موافق للخبر (1) المزبور. لكن قد يقال: إنه مناف لما سبق منه ومن غيره من ضمان الاقل من حين العقد إلى حين القبض الشامل لما كانت قيمته حال القبض أعلى منها حال العقد الذي يقتضي الخبر المزبور زمان قيمته حال القبض لا حال العقد الذي هو الاقل، فتأمل جيدا. (و) كذا (لو زاد بكبر أو سمن) ونحوهما من الزيادات المتصلة التي
لا يمكن قطعها، كتعلم الصنعة وقصارة الثوب وصبغه (كان له نصف قيمته من دون الزيادة) التي هي ملك الامرأة وليست مما فرض، وقد سمعت خبر علي بن جعفر (2). (و) حينئذ ف (- لا تجبر المرأة على دفع العين) مجانا ولا بعوض (على الاظهر) خلافا للمحكي عن المبسوط فجعل له الرجوع نصف العين مع زيادتها، للاية (3) التي قد سمعت عدم تناولها الزيادة، نعم لو دفعتها هي باختيارها جاز، لان الحق لها بل المعروف وجوب قبوله، لانها حقه مع زيادة، والمانع امتزاج الحقين، وقد انتفى برضاها، وليس ذلك من المنة التي تدفع وجوب قبوله، خصوصا بعد معاوضة التشطير، وربما كانت القيمة أرضى له، فلا منه بالعين. كما أن المعروف أيضا وجوب قبوله القيمة لو بذلتها له، لوجوب تجنبه عن حقها بغير إذنها، ولا يتم إلا بالتجنب عن العين رأسا، ولدوران حقه بين الامرين ولا اختيار له، فيلزمه قبول ما اختارته له، وليس له تأخير المطالبة حتى تفوت العين فيلزمها القيمة، أو يفوت كمالها فليزمها من العين، لتضررها بشغل الذمة، كما ليس له اختيار نصف العين مجردة عن الزيادة على وجه يشاركها بالنسبة، كما
في كشف اللثام من " أن الزيادة لا تستقل بالتقويم، ولابد حينئذ من تقويمها منفردة، فانه إذا شاركها في السمين مثلا كان لها نصف العين وكل السمن، وإذا شاركها
(1 و 2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
[ 86 ]
فيما كبر عن صغر كان لها نصف العين وكل الكبر ونحو ذلك " وإن كان هو كما ترى، خصوصا بعد ملاحظة غير المقام مما لا تمنع فيه الزيادة عن الاستقلال بالرجوع، كما إذا أفلس المشتري بالثمن وأراد البائع الرجوع في المبيع مع الزيادة المتصلة وأراد الواهب الرجوع في العين مع الزيادة، أو رد المشترى المبيع بالعيب وأراد الرجوع في العوض المشتمل على الزيادة المتصلة وغير ذلك. لكن في المسالك الفرق بأن الملك في هذه المسائل يرجع بطريق الفسخ الذي يرفع العقد من أصله أو من حينه، فعلي الاول يكون كأنه لا عقد، وتكون الزيادة على ملك المالك الاول، وعلى الثاني فالفسوخ محمولة على العقود ومشبهة بها، والزيادة تتبع الاصل في العقود وكذلك في الفسوخ، وعود الملك في تشطير
الطلاق ليس على سبيل الفسخ، بل ملك مبتدأ، ألا ترى أنه لو سلم العبد الصداق من كسبه ثم عتق وطلق قبل الدخول يكون التشطير له لا للسيد ؟ ولو كان سبيله سبيل الفسوخ لعاد إلى الذى خرج عن ملكه، وإنما هو إبتداء ملك يثبت فيما فرض صداقا للاية (1) وليست الزيادة فيما فرض، فلا يعود شئ منها إليه. وفيه أنه إذا كانت من التوابع للملك لم يكن فرق في تبعيتها بين الملك بالعقد وشبهه وبين غيرهما، وعدم كونها من المفروض لا ينافي ملكيتها بالتبعية له، على أن دعوى جريان الفسوخ مجرى العقود واضحة البطلان، كما أن دعوى عدم كون الطلاق من قبيل الفسوخ لا تخلو من نظر. نعم العمدة في وجوب القيمة هنا ما سمعته من النص (2) المعتضد بالفتاوى، إلا أن المتجه عليه تعين القيمة عليها على وجه لو أراد إجبارها عليه كان له، مؤيدا بأنه لا نظير لهذا التخيير في الشرع بمعنى عدم تعيين الواجب عليها أولا ويكون الثاني كالعوض عنه، كتخيير المكلف في الزكاة بين دفع العين وبين القيمة عنها، وتخير الوارث بين دفع التركة للديان وبين دفع القيمة عنها.
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
(2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 87 ]
أللهم إلا أن يقال هنا: أيضا إنه كان مقتضى الخبر تعين القيمة، ولكن جاز دفع العين عنها لما عرفت، مؤيدا بفتاوى الاصحاب، فانه لا خلاف بينهم على الظاهر في ذلك، فيكون كالعين المستقرضة، فانها ملك المستقرض بالقرض، ولا يجبر على دفعها لو أراد المقرض لكن لو دفعها وجب عليه قبولها، فتأمل جيدا. وأما لو زاد من جهة ونقص من اخرى، كما إذا أصدقها عبدا فتعلم صنعة مثلا ونسى اخرى، أو أصابه عور وسمن، أو كان بسبب واحد، كما لو كان عبدا صغيرا فكبر، فانه نقصان من جهة نقصان القيمة، ومن جهة أن الصغير يصلح لما لا يصلح له الكبير، وأبعد من الغوائل، وأشد تأثيرا بالتأديب والرياضة، وزيادة من جهة قوته على الشدائد والاسفار، وأحفظ لما يستحفظ، إذ لا يشترط في الزيادة زيادة القيمة بها، بل ما فيه غرض مقصود، ومن هنا كان الكبر في العبد زيادة من جهة ونقص من أخرى، ولعل حمل الامة كذلك، أما حمل البهيمة فهو زيادة محضة إلا إذا أثر في فساد اللحم، كما أن الزرع للارض ينقصها.
وعلى كل حال فالمتجه بناء على ما سمع تعيين القيمة، بل لعله المراد من قوله عليه السلام: " يزيد وينقص " في صحيح علي بن جعفر (1) لكن في المسالك " الامر موقوف هنا على تراضيهما، فان تراضيا برد النصف فذاك، وأيهما امتنع لم يجبر الاخر عليه، للزيادة على تقدير طلب الزوج والنقيصة على تقدير طلبها، وحينئذ تتخير المرأة بين دفع قيمة النصف مجردا عن الزيادة والنقيصة وبين دفع نصف العين مع أرش، أما الاول فلان فيه جمعا بينه وبينها، حيث لم يمكن وصوله إلى العين إلا بأخذ حقها في الزيادة، ولا دفعها إليه إلا بالنقيصة التي ليست العين معها نصف المفروض، وأما الثاني فلانها إذا دفعت نصف العين كانت باذلة للزيادة، فيجبر على قبولها كما مر، وهي عين ما فرض، فيجبر عليها والنقصان ينجبر بالارش، لانه قيمة الفائت كالتالف، وليس لها جبر النقص بالزيادة بدون رضاه لاختلاف الحقين " وفي القواعد " ولو زادت ونقصت باعتبارين - كتعليم صنعة ونسيان
(1) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 88 ]
اخرى - تخيرت في دفع نصف العين أو نصف القيمة، فان أوجبنا عليه أخذ العين
أجبر عليها وإلا تخير أيضا ". قلت: لعل المتجه بناء على كلامهم إجباره على قبولها لو بذلتها بدون أرش بناء على عدم وجوبه لها عليها أو معه بناء على وجوبه، نعم يتجه عدم إجباره على ما سمعته منشا من أنه ليس له إلا القيمة، بل المتجه حينئذ إجبارها عليها لو طلبها منها، هذا كله في التعيب في يدها. أما لو تعيبت في يده ففي القواعد " لم يكن له إلا نصف، فان كان قد دفع أرشا رجع بنصفه أيضا " قلت: قد يقال: إنه يجري على ما مر من تنزيل العيب منزلة التالف التخيير بين العين والقيمة أيضا، ولا يعين العين أخذ المرأة لها، فانه لا يجعلها المهر المفروض، ولذا قالوا: إذا تعيب المهر في يده تخيرت المرأة بين أخذ العين والقيمة، لتلف العين بالتعيب، فإذا رضيت بالعين فليس، لانه المفروض، بل لانه عوضه كالقيمة، فللزوج إذا طلقها أن لا يرضى إلا بالقيمة، فتأمل جيدا. (و) أما (لو حصل له نماء) منفصل (كاللبن والولد كان للزوجة خاصة) سواء كان في يده أو يدها، لانه نماء ملكها (و) انما (له نصف ما وقع
عليه العقد) وهو ليس منه. (ولو أصدقها حيوانا حاملا) على وجه يدخل الحمل في الصداق بالشرط أو بالتبعية (كان له النصف منهما) وإن كان بعد الوضع، لان دخوله إن كان بالشرط فالشروط توزع عليها القيمة وتلحق بالمالية، وإن كان بالتعبية فهو مما يفرد بالملك، كما لو أذن مولى الامة في النكاح دون مولى العبد، فانه يكون الولد لمولى الاب على القولين، وحينئذ فيكون المفروض مهرا الحيوان وحمله، ويحتمل على هذا القول كما عن بعضهم أو عيله و على الاول كما عن آخر اختصاص الام بالرجوع، لان الولد زيادة ظهرت بالانفصال على ملكها، إذ هو قبل الوضع لا يفرد بالتقويم، نعم له أرش نقصانها بالولادة إن قلنا بضمانها مثل ذلك، بل بناء
[ 89 ]
على حرمة التفريق بين الولد وامة وكان الحيوان أمه غرمت له نصف قيمتها، وأخذت الام والولد، وإلا فلا، بل عن قوم تباع هي وولدها لهما، فتختص هي بقيمة الولد، وقيمة الام بينهما نصفان. ولكن في الجميع أنه مناف لما عرفت، ولموثق عبيد بن زرارة (1) قلت
لابي عبد الله عليه السلام: " رجل تزوج امرأة على مأة شاء ثم ساق إليها الغنم ثم طلقها قبل أن يدخل بها وقد ولدت الغنم، قال: إن كانت الغنم حملت عنده رجع بنصفها ونصف أولادها، وإن لم يكن الحمل عنده رجع بنصفها، ولم يرجع من الاولاد بشئ " وموثقه الاخر (2) قال له عليه السلام أيضا: " رجل تزوج امرأة ومهرها مهرا فساق إليها غنما ورقيقا فولدت عندها، فطلقها قبل أن يدخل بها، قال: إن كان ساق إليها ما ساق وقد حملن عنده فله نصفها ونصف ولدها، وإن كن حملن عندها فلا شئ له من الاولاد " والله العالم. (ولو أصدقها تعليم صناعة ثم طلقها قبل الدخول كان لها) عليه (نصف اجرة تعليمها) لتعذر المهر حينئذ في يده إذ ليس للصنعة نصف، فيكون كالتالف في يده الذي يرجع فيه إلى القيمة التي هي هنا الاجرة (ولو كان علمها قبل الطلاق رجع بنصف الاجرة) لتعذر رجوعه بعين ما فرض، فيكون بمنزلة التالف في يدها، كما هو واضح. (ولو كان تعليم سورة قيل) والقائل الشيخ في المحكي من خلافه ومبسوطه: (يعلمها النصف) لكونه أمرا ممكنا في نفسه، ولكن لما صار الزوج أجنبيا "
ينبغي أن يعلمها ذلك (من وراء حجاب) بناء على جواز سماع صوتها مطلقا أو للضرورة، ولم يكن ثم خوف فتنة وخلوة محرمة، والاعتبار في النصف بالحروف
(1) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 1. (2) أشار إليه في الوسائل في الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 1 وذكره في التهذيب ج 7 ص 368 - الرقم 1491.
[ 90 ]
(و) لكن (فيه تردد) ينشأ من التردد في حرمة سماع صوتها وإن كان الاقوى جوازه، ومن اختلاف الالفاظ سهولة وصعوبة فلا يتعين النصف، وقد يقال: إن ذلك لا يمنع معرفة النصف عرفا، وفي كشف اللثام وغيره " إذا لم يمكن التعليم إلا بالخلوة المحرمة أو مع خوف الفتنة فالرجوع بنصف اللاجرة قطعا " قلت: قد يقال: بوجوب استئجار من يعلمها ممن لا يحصل معه جهة محرمة مع إمكانه إذا لم يكن قد اشترط عليه المباشرة. المسأله (الرابعة) (لو أبرأته من الصداق ثم طلقها قبل الدخول رجع بنصفه) وفاقا للمشهور،
لمضمر سماعة (1) " سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم جعلته في حل، قال: إذا جعلته في حل فقد قبضته، فان خلاها قبل أن يدخل بها ردت المرأة على الزوج نصف الصداق، مؤيدا بأن ذلك تصرف منها فيه تصرفا ناقلا له عن ملكها بوجه لازم وإسقاط، فليزمها عوض النصف كما لو نقلته إلى ملك غيره أو أتلفته، لكن في القواعد ومحكي المبسوط والجواهر إنه يحتمل عدم رجوعه عليها بشئ، بل عن بعض العامة القول به، لانها لم تأخذ منه مالا، ولا نقلت إليه الصداق، ولا أتلفته عليه فلا تضمن، أما الاول فظاهر، وأما الثاني فلا استحالة أن يستحق الانسان شيئا في ذمة نفسه، فلا يتحقق نقله إليه، وأما الثالث فلانه لم يصدر منها إلا إزالة استحقاقها في ذمته، وهو ليس إتلافا عليه، ومن هنا لو رجع الشاهدان بدين في ذمة زيد لعمرو بعد حكم الحاكم عليه وإبراء المشهود عليه لم يرجع عليهما، لعدم تغريمهما له بشئ، ولو كان الابراء إتلافا على من في ذمته غرما له. وفيه مع أنه كالاجتهاد في مقابلة النص صدق التصرف به قطعا على وجه اقتضى فراغ الذمة منه وإسقاطه، وذلك كاف في إيجاب نصف بدله، فلا حاجة إلى تكلف
(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب المهور الحديث 2 مع سقط في الجواهر.
[ 91 ]
الاول والثاني أو الثالث التى ليس واحد منها عنوان الحكم، كما لا حاجة إلى ما في المسالك من تجشم الفرق بين المقام وبين عدم الرجوع على الشاهدين بما ذكره فيها، ثم قال: " وفي الفرق نظر " ضرورة وضوح الفرق بينهما بأن مبنى رجوع المدعى عليه عليهما بما يغرمه قاعدة قوة السبب على المباشر، فهما أولى بالاندراج في قوله عليه السلام (1) " من أتلف " والفرض عدم إتلافهما شيئا عليه، لانه أبرأه بخلاف ما لو دفعه له ثم وهبه له، ضرورة صدق الغرامة التي لا ينافيها هبته له بذلك التي هي ملك جديد بسبب جديد، فتأمل جيدا. نعم قد يشكل الحال فيما ذكر المصنف وغيره بقوله: (وكذا لو خلعها به أجمع) الذي معناه أنه كالابراء والهبة ما لو بذلته له ليخلعها عليه فخلعها به، فانه يستحق عليها مقدار نصفه مضافا إلى ما خلعها به الذي بذلته له، فكان بمنزلة إبرائها وهبتها إياه، ضرورة وضوح الفرق بين المشبه والمشبه به الذي هو إتلاف للمهر قبل الطلاق على وجه يصادف وقوعه سبق انتقاله عنها، فيستحق عليها حينئذ مقدار نصفه لتعذره، بخلاف المشبه الذي لا يملكه من حيث الخلع إلا بتمام الطلاق المفروض
أنه مملك للنصف، لكونه قبل الدخول، فيتحد حنيئذ زمان السببين، والفرض تنافيهما، فلا يقع واحد منهما، وإلا كان ترجيحا " بلا مرجح، وليس ذلك مثل ظهور استحقاق مال الخلع كى يتجه حينئذ ضمانها ذلك، ولا أنه يتمحض بذلا للخلع، فيوجب الطلاق مقدار نصفه في ذمتها لتعذره، لان كلا منها مبني على
(1) المراد منه هو الحديث المشتهر على ألسنة الفقهاء " من أتلف مال الغير فهو له ضامن " الا أنه لم نجد نص ذلك مع التتبع في مظانها، والظاهر أنه مستفاد من عدة روايات وردت في أبواب مختلفة: منها ما رواه في الوسائل في الباب - 10 و 11 و 14 - من كتاب الشهادات والباب - 7 و 5 - من كتاب الرهن الحديث 2 منهما والباب - 29 - من كتاب الاجارة والباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 1 و 5 و 9 والباب - 22 - من أبواب حد الزنا الحديث 4 والباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم الحديث 4 من كتاب الحدود.
[ 92 ]
ترجيح أحد السببين على الاخر بلا مرجح، ودعوى ترجيح الثاني - بتقدم بعض سبب الملك وهو البذل وإن كان لا يتم إلا بتمام الطلاق وإلا فهو نفسه غير مملك -
كما ترى، أللهم إلا أن يقال إنه يبطل خلعا ويصح طلاقا كما في كل مقام يظهر فيه فساد الخلع، فيكون ذلك ليس لتقديم أحدهما على الاخر مما تواردا عليه، بل لان ازدحامها يبطل تأثيرهما، فيفسد ما كان البذل ركنا فيه وهو الخلع، بخلاف الطلاق الذي لا مدخلية له في ذلك، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (الخامسة) (إذا أعطاها عوضا عن المهر عبدا آبقا وشيئا آخر ثم طلقها قبل الدخول كان له الرجوع بنصف المسمى) الذي هو المفروض (دون العوض) بلا خلاف ولا إشكال، قال الفضيل بن يسار (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج إمرأة بألف درهم فأعطاها عبدا آبقا وبرادا حبرة بالالف التي أصدقها، فقال: إذا رضيت بالعبد وكانت قد عرفته فلا بأس، إذا هي قبضت الثوب ورضيت بالعبد، قلت: فان طلقها قبل أن يدخل بها، قال: لا مهر لها، وترد عليه خمسمأة درهم، ويكون العبد لها " ولعل ذكر الضمينة مع الابق قرينة على إرادة وقوع ذلك معها على جهة البيع أو أن الدفع للابق وفاء يعتبر فيه ما يعتبر في البيع من اعتبار الضميمة فيه.
وعلى كل حال فالثابت بالطلاق نصف المسمى دون المدفوع وفاء إلا إذا كان فردا للكلي الذي وقع عليه العقد، فانه باعتبار حلول الكلي فيه يكون هو المفروض، بل الظاهر أنه لو دفعه إليها معيبا ورضيت به وطلقها قبل الدخول كان له نصف المعيب، لكونه المفروض دون الصحيح، مع احتماله، لانه المفروض، ولذا كان لها الامتناع عن قبض المعيب وفاء، ورضاها بالعيب لا يصيره المفروض المنصرف
(1) الوسائل الباب - 24 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 93 ]
إلى الصحيح. نعم قد يقال: إن له نصف المعيب مع الارش لا نصف الصحيح، أو يفرق بين قبضها المعيب غير عالمة به وبين قبضها له عالمة راضية به وفاء عن ذلك الكلى، فيجب الارش مع الاول، لانه مستحق لها، فان لم تأخذه منه كان ذلك منها عفوا له، بخلاف الثاني الذي لم يثبت لها فيه استحقاق أرش، والفرض أنه أحد أفراد الكلي، فليس لها حينئذ إلا نصفه، بل قد يحتمل ذلك أيضا في الاول وإن أخذت الارش، فضلا عما إذا لم تأخذه مع استحقاقها له باعتبار كونه المفروض، والارش
إنما هو سبب المعيب منه لا أنه من المفروض، فتأمل جيدا. (وكذا لو أعطاها متاعا أو عقارا) أو حيوانا أو غير ذلك مما هو ليس من أفراد الكلي المسمى في العقد - سواء وقع ذلك وفاء، وقلنا أنه معاوضة برأسها أو باعها ذلك مثلا بمالها في ذمته - (ف) انه على كل حال (ليس له) لو طلق قبل الدخول (إلا نصف ما سماه) وفرضه لها كان هو واضح، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (السادسة): (إذا أمهرها مدبرة) فعن النهاية والمهذب لا يبطل التدبير بامهارها، لكونه عتقا معلقا، أو لان الملك المتجدد لا يبطله وإن قلنا: إنه وصية بالعتق، وحينئذ فلو فعل ذلك (ثم طلقها) قبل الدخول (صارت بينهما نصفين، فإذا مات تحررت) كل ذلك لخبر المعلى بن خنيس (1) " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عنده عن رجل تزوج امرأة على جارية له مدبرة قد عرفتها المرأة وتقدمت على ذلك، وطلقها قبل أن يدخل بها، قال: فقال: أرى للمرأة نصف خدمة المدبرة يكون للمرأة يوم في الخدمة، ويكون لسيدها الذي دبرها يوم في الخدمة،
(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 94 ]
قيل له: فان ماتت المدبرة قبل المرأة والسيد لمن يكون الميراث ؟ قال: يكون نصف ما تركته للمرأة، والنصف الاخر لسيدها الذي دبرها ". لكن لضعفه وعدم صراحته في بقاء التدبير (و) انه لا خلاف فيما تضمنه من غير ذلك (قيل) والقائل ابن إدريس وغيره على ما حكي: لا يصح جعلها وهي مدبرة مهرا (بل يبطل التدبير بجعلها مهرا كما لو كانت موصى بها) لزيد مثلا، فان تجدد الملك يبطل ذلك، ضرورة تعلق الوصية في ملكه، فمع فرض خروجها عن ملكه فيعدم موضوع الوصية، والتدبير نوع منها. بل قد يقال ببطلانه أيضا لو قيل بأنها تملك بالامهار النصف والاخر يبقى على ملك الزوج حتى يدخل، وإن كان المنساق على هذا التقدير بقاء التدبير في النصف، إلا أنه يمكن القول ببطلانه باعتبار إقدام المدبر على فسخه بجعله مهرا متحملا لتمام سبب انتقاله عنه بالدخول، فينعدم التدبير، فيكون ذلك منه رجوعا عن التدبير، نحو ما لو أوصى به لزيد فوهبه من عمرو ثم رجع بالهبة قبل أن يقبض
المتهب، فان ذلك منه يكون فسخا للوصية وإن لم يتم منه سبب الانتقال عنه، إلا أن الانصاف إمكان منع ذلك في المقيس والمقيس عليه، بناء على أن فسخ الوصية بالتضاد بينها وبين ما أوصى به، ولا تضاد هنا مع فرض عدم انتقاله عن ملكه، نعم لو كان هذا الفعل منه ظاهرا في الرجوع بالوصية اتجه حينئذ انفساخها بقصده لا بفعله. (و) على كل حل (هو أشبه) عند المصنف ومن تبعه، لان التدبير وصية تنفسخ بنحو ذلك، والخبر (1) المزبور لا صراحة فيه في بقاء التدبير، مع احتماله ما عن ابن إدريس من كون التدبير واجبا بنذر ونحوه مما لا يصح الرجوع معه منه، أو عن غيره من احتماله اشتراط بقاء التدبير، فانه يكون حنيئذ لازما لعموم " المؤمنون " (2) ولانه كشرط العتق في البيع ونحوه، ويظهر من قوله عليه السلام
(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب المهور الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4.
[ 95 ]
في الرواية: " قد عرفتها وتقدمت على ذلك " كونه قد شرط عليها بقاء التدبير.
وربما ردا معا ببطلان جعلها مهرا حينئذ، وفيه أنه لا دليل على اعتبار تمامية الملك في المهر على وجه يمنع جعل المدبر لذك بناء على تسليمه في البيع، ضرورة كونه مالا مملوكا قبل موت المدبر، وخروجه عن المالية بالحرية فيما بعد لا ينافي جعله مهرا الان، نعم لو دلسه عليها أمكن حينئذ وجوب القيمة عليه أو مهر المثل أو غير ذلك مع الفسخ فيها، ومن هنا قال في الرواية: إنها علمت به وقدمت عليه. وبذلك يظهر دلالة الخبر المزبور على بقاء التدبير، مضافا إلى قوله فيه: " فان ماتت المدبرة " وغير ذلك مما يؤكد هذا المعنى، فلا يبعد القول بعدم انفساخ التدبير بنقله عن الملك من بين الوصايا، ولعله لبناء العتق على التغليب، ويخرج الخبر المزبور شاهدا على ذلك، فيصح حينئذ جعله مهرا، بل لا مانع من جواز بيعه مدبرا بناء على الدليل على اعتبار تمامية الملك على وجه تمنع بيع مثل ذلك المشمول لعدم الادلة إن لم يكن إجماعا، أما المقام فلا إجماع قطعا بل ولا شهرة محققه على البطلان، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (السابعة)
(إذا شرط في العقد ما يخالف المشروع) مما لم يكن فيه خلل بمقصود النكاح على وجه يكون منافيا لمقتضى العقد (مثل) اشتراط (أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى) أو لا يقسم لضرتها أو لا يمنعها من الخروج من المنزل متى شاءت أو نحو ذلك (بطل الشرط) اتفاقا كما في كشف اللثام وغيره، لقوله (1) صلى الله عليه وآله: " من اشتراط شرطا سوى كتاب الله فلا يجوز له ولا عليه " (وصح العقد) اتفاقا لكونه ليس معاوضة محضة، ولذا لا يبطل ببطلان المهر
(1) الوسائل الباب - 38 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 96 ]
الذي هو كالركن فيه، فضلا عما يذكر شرطا فيه، بل المشهور صحة العقد (والمهر) بل قد يظهر من محكي المبسوط الاتفاق عليه لاطلاق ما دل على صحته من الكتاب والسنة وغيرهما، فلا تلازم بينه وبين الشرط الذي هو ليس من المهر قطعا وان كان له دخل في قلته وكثرته، وربما أومأ إلى ذلك خبر محمد بن قيس (1) عن الباقر عليه السلام " في رجل تزوج امرأة وشرط لها إن هو تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك أن شرط الله قبل شرطكم، فان شاء
وفي لها ما يشترط، وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها ". (وكذا) في صحة العقد والمهر وبطلان الشرط خاصة ما (لو شرط تسليم المهر في أجل، فان لم يسلمه كان العقد باطلا) عند المشهور بيننا أيضا، تصريحا من جماعة منهم بأنه متى فعل ذلك (لزم العقد والمهر وبطل الشرط) خاصة وظاهرا من آخرين، لما عرفت وصحيح محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر عليه السلام أيضا " في رجل تزوج المرأة إلى أجل مسمى فان جاء بصداقها إلى أجل مسمى فهي إمرأته وإن لم يأت بصداقها فليس له عليها سبيل، وذلك شرطهم بينهم حين أنكحوه، فقضى للرجل أن بيده بضع امرأته وأحبط شرطهم ". وربما يومئ أيضا إلى بطلان الشرطين الاولين ما رواه زرارة (3) " من أن ضريسا كان تحته بنت حمران بن أعين فجعل لها أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى أبدا في حياتها ولا بعد موتها على ان جعلت له هي أن لا تتزوج بعده أبدا، وجعلا عليهما من الهدى والحج والبدن وكل مالهما في المساكين إن لم يف كل واحد منهما لصحاحبه، ثم إنه أتى أبا عبد الله عليه السلام فذكر له ذلك، فقال: إن لابنة حمران لحق وحرمة عندي ولن يحملنا ذلك على أن لا نقول لك الحق، اذهب فتزوج وتسر، فان
(1) الوسائل الباب - 38 - من أبواب المهور الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب المهور الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 6)
[ 97 ]
ذلك ليس بشئ، وليس عليك شئ ولا عليها، وليس ذلك الذي صنعتما بشئ، فجاء وتسرى وولد له بعد ذلك أولاد " فان ذلك ليس إلا لكونه غير مشروع في نفسه، وإلا لا نعقد النذر عليه، وخبر ابن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل قال لامرأته، إن نكحت عليك أو تسريت فهي طالق، قال: ليس ذلك بشئ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن من اشتراط شرطا سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له، ولا عليه ". لكن قد يشكل ذلك بما في خبر محمد بن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يقول لعبده: أعتقك على أن أزوجك ابنتي فان تزوجت أو تسريت عليها فعليك مأة دينار، فأعتقه على ذلك وتسرى أو تزوج، قال: عليه شرط " وخبر بزرج (3) قال لابي الحسن موسى عليه السلام وأنا قائم: " جعلني الله فداك إن شريكا
لي كانت تحته امرأة فطللقها فبانت منه، فأراد مراجعتها، فقالت المرأة، لا والله لا أتزوجك أبدا حتى تجعل الله لي عليك أن لا تطلقني ولا تتزوج على، قال: وقد فعل، قلت: نعم قد فعل جعلني الله تعالى فداك، قال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه في جوف الليل أو النهار ؟ ثم قال: أما الان فقل له: فليتم للمرأة شرطها، فان رسول الله صلى الله عليه واله قال: المسلمون عند شروطهم " الحديث. وخبره الاخر (4) عن عبد صالح عليه السلام قلت: " إن رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل الله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بداله في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع ؟ قال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه في الليل والنهار ؟ قل له: فليف
(1) الوسائل الباب - 38 - من أبواب المهور الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 37 - من أبواب المهور الحديث 1. (3) الكافي ج 5 ص 404 عن منصور بن بزرج. (4) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 وهو خبر منصور بن بزرج.
[ 98 ]
للمرأة بشرطها، فان رسول الله صلى الله عليه واله قال: المؤمنون عند شروطهم " وغير ذلك مما يدل على مشروعية هذا الشرط، وعدم كونه مخالفا للمشروع، أللهم إلا أن يحمل ذلك على التقية، لموافقته العامة كما عن الاستبصار، أو يفرق بين النذر والشرط، كما عن الشيخ في التهذيبين، وإن كان هو كما ترى وعلى كل حال فالمعروف ما عرفت من فساد الشرط وصحة العقد والمهر. نعم في القواعد والمسالك وغيرهما احتمال فساد المهر، لان الشرط كالعوض المضاف إلى الصداق أو البضع، ومع فساده يتعذر الرجوع إلى القيمة، فيتجهل المهر ولو بجهالة ما يخص الشرط منه إذا كان عليها، بل في المسالك " هو متجه إلا أن يزيد المسمى عنه والشرط لها أو ينقص والشرط عليها، فيجب المسمى حينئذ لانه قد رضي ببذله مع التزام ترك حق له، فمع انتفاء اللزوم يكون الرضا به أولى، ولانها في الثاني فد رضيت به مع ترك حق لها، فبدونه أولى، ومع ذلك فينبغي احتساب المسمى من مهر المثل، وإكماله من غيره حيث يفتقر إليه، لاتفاقهما على تعيينه في العقد " وفيه أنه غير مجد مع فرض فساده، ولذا أطلق في القواعد وجوب مهر المثل
على هذا الاحتمال، والله العالم. (ولو شرط أن لا يقتضها لزم الشرط) لعموم الوفاء (1) " والمؤمنون عند شروطهم " (2) وخبر سماعه (3) عنه عليه السلام قلت: " جاء رجل إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: ازوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر والتماس وتنال مني ما ينال الرجل من أهله إلا أنك لا تدخل فرجك في فرجي فاني أخاف الفضيحة، قال: ليس له منها إلا ما اشترط " (و) غيره من النصوص. نعم (لو أذنت بعد ذلك جاز عملا باطلاق الرواية) عن إسحاق بن عمار (4)
(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4. (3 و 4) الوسائل الباب - 36 - من أبواب المهور الحديث 1 - 2.
[ 99 ]
عن الصادق عليه السلام قلت له: " رجل تزوج بجارية على أن لا يفتضها ثم أذنت له بعد ذلك قال: إذا أذنت له فلا بأس ". (و) لكن مع ذلك (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه، وابن
حمزة في المحكي من وسيلته، بل في المسالك نسبته إلى جماعة من المتقدمين والمتأخرين، منهم العلامة في المختلف وولده في الشرح: (يختص لزوم هذا الشرط بالنكاح المنقطع) الذي هو مورد النصوص التي منها خبر عمار بن مروان (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها متعة، فقالت: ازوجك نفسي " إلى آخر ما في خبر سماعة المتقدم الذي قد يظهر إرادة ذلك أيضا، خصوصا مع قولها فيه: " إني أخاف الفضيحة " ولانه هو الذي لم يطلب فيه النسل، وإنما يراد منه الاستمتاع المتحقق بغيره، ولذا لم ينافه الشرط المزبور بخلافه في الدائم المراد منه النسل والتوالد، فهو حينئذ خلاف مقتضي العقد، بل لعله أيضا من خلاف المشروع باعتبار تصريح الكتاب (2) والسنة (3) بأن له الوطء أنى شاء، فيكون شرط عدمه خلاف المشروط، وربما يومئ إليه الحكم بفساد اشتراط جعل الوطء والطلاق بيد الزوجة في غير واحد من النصوص (4) وأنه من خلاف السنة، ولا ريب في أن اشتراط عدم الوطء اصلاء أولى بذلك منه، بل لعله مناف لمقتضى العقد، أو مخالف للمشروع في الدائم و المنقطع لكن خرج عنه في الاخير للنصوص بخلاف الاول، فانه لا نص يقتضيه عدا الخبرين، وهما مع
ضعفها يمكن إرادة المؤجل منهما، لكون المتعارف اشتراط ذلك فيه، بل قد عرفت القرينه عليه في أحدهما. (وهو) كما ترى (تحكم) بلا حاكم، ضرورة عدم الفرق بين الدائم
(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب المتعة الحديث 1. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 223. (3) الوسائل الباب - 79 و 83 - من أبواب مقدمات النكاح. (4) الوسائل الباب - 29 - من أبواب المهور.
[ 100 ]
والمنقطع في ذلك، بل ربما كان الوطء في الاخير أشد فلا حظه، وخبر إسحاق بن عمار وغيره مطلق، والضعف إن كان منجبر بالشهرة، ولو أن الوطء من مقتضيات النكاح على وجه يستلزم اشتراط عدمه بطلانه لم يجز نكاح المتعذر وطئها أو وطئه، وهو معلوم الفساد، وانما الوطء غاية من الغايات، والنصوص (1) المتضمنة لبطلان اشتراط كون ولاية الجماع بيدها وولاية الطلاق كذلك إنما هو لمخالفة نحو قوله تعالى (2): " الرجال قوامون على النساء " " والطلاق بيد من أخذ بالساق " (3) ونحو ذلك، وهو غير عدم الوطء.
ومن ذلك كله يعلم ما في القول ببطلان العقد والشرط فيهما معا الذي هو كالاجتهاد في مقابلة النص، كالقول بفساد الشرط خاصة مطلقا، كما عن جماعة منهم الحلي، أو الاول خاصة وصحتهما في الثاني، كما عن ابن حمزة. وكذا الاشكال من بعضهم في جواز الوطء بالاذن على تقدير الصحة، لتوقف إباحة البضع على العقد، وعدم كفاية الاذن فيها، وقد سمعت التصريح به في النص، على أن المبيح إنما هو العقد، ولكن كان الشرط كالمانع، فمع فرض الاذن يزول المانع، فيبقى المقتضي على مقتضاه، بل لو عصى وخالف الشرط لم يكن زانيا، ويلحق به الولد، كما هو واضح. والظاهر الحاق غير الوطء من وجوه الاستمتاع به في جميع ما ذكرناه، لما عرفته من صلاحية العموم الذي لا فرق فيه بين الوطء مدركا لذلك
(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب المهور. (2) سورة النساء: 4 - الاية 34. (3) سنن البيهقى ج 7 ص 360 وفيه " انما يملك الطلاق من أخذ بالساق ".
[ 101 ]
المسألة (الثامنة) (إذا شرط أن لا يخرجها من بلدها قيل) كما عن النهاية والمهذب والوسيلة والجامع والنافع: (يلزم) الشرط للعمومات، بعد أن كان سائغا جاريا مجرى مقاصد العقلاء (وهو المروى) صحيحا (1) عن الصادق عليه السلام " في الرجل يتزوج امرأة ويشترط لها أن لا يخرجها من بلدها قال: يفي لها بذلك، أو قال: يلزمه ذلك " والصحيح لابن أبى عمير (2) قال: " قلت لجميل بن دراج: رجل تزوج امرأة وشرط لها المقام بها في أهلها أو بلد معلوم، فقال: قد روى أصحابنا عنهم عليهم السلام أن ذلك لها، وأنه لا يخرجها إذا شرط ذلك لها ". خلافا لما عن المبسوط والخلاف والغنية والسرائر من بطلان الشرط بمخالفته مقتضى العقد الذي هو استحقاق الاستمتاع بها في كل زمان ومكان، فيحمل الخبر حينئذ على الاستحباب، وفيه (أولا) أن مقتضي ذلك بطلان العقد أيضا و (ثانيا) أنا نمنع الاستحقاق المزبور حتى مع الشرط، ودعوى مخالفة الشرط استحقاقه كذلك يدفعها أن ذلك آت في كل شرط يمنع ما يقتضيه إطلاق العقد لولا الشرط، كالاجل ونحوه مما هو معلوم أنه ليس منافيا للكتاب والسنة، وحينئذ فحمل الرواية على الاستحباب بمجرد ذلك غير جائز، إذ لا معارض لها، والمعارضة العامة غير
كافية، بل لو سلم تعارض عموم " المؤمنون " (3) وعموم ما دل (4) على الاستمتاع في كل زمان ومكان من وجه كان الترجيح للاول، ولو للصحيح المزبور، مضافا إلى ظهور الثاني في ثبوت ذلك من حيث كونها زوجة، فلا ينافي عدمه من حيث الشرط، فتأمل جيدا.
(1 و 2) الوسائل الباب - 40 - من أبواب المهور الحديث 1 - 3. (3) الوسائل الباب المهور الحديث 4. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 223.
[ 102 ]
ومن ذلك يظهر لك أنه لا فرق في اللزوم بين ذلك وبين اشتراط منزل مخصوص خلافا لبعضهم، فاقتصر على خصوص البلد، بناء منه على مخالفة المسألة للقواعد، فيجب الاقتصار على المتيقن، وفيه - مع أنك قد سمعت التصريح به في خبر ابن أبى عمير - ما عرفته من جريان المسألة على العمومات التي لا فرق فيها بين الجميع، كما هو واضح، والله العالم. (و) كيف كان فبناء على صحة الشرط المزبور حكي عن الشيخ وجماعة
أنه (لو شرط لها مهرا إن أخرجها إلى بلاده وأنقص منه إن لم تخرج معه، فأخرجها إلى بلد الشرك) أي أراد إخراجها إليه (لم يجب) عليها (إجابته) لما في ذلك من الضرر في الدين، ولذا وجب الهجرة عنها (ولها الزائد) الذي قد اشترطه في العقد لها، وأنه لا يسقط إلا بامتناعها، والفرض أن ذلك كان منها بحق. (وإن أخرجها إلى بلد الاسلام كان الشرط لازما) قيل للعمومات وخصوص حسن علي بن رئاب (1) عن الكاظم عليه السلام قال: " سئل وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على مأة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فان لم تخرج معه فمهرها خمسون دينارا أرايت إن لم تخرج معه إلى بلاده ؟ قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك، ولها مأة دينار التي أصدقها إياها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الاسلام ودار الاسلام فله ما اشترط عليها، والمسلمون على شروطهم، وليس له أن يخرج بها إلى بلاده حتى يؤدى لها صداقها أو ترضى من ذلك بما رضيت به، وهو جائز له ". (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) مما عرفت ومن مخالفته للاصول،
لجهل المهر، وللحكم بأن لها الزائد إن أراد إخرجها إن أراد إلى بلاد الشرك من غير خروج إليها مع أنه خلاف الشرط، وللحكم بأنه لا يخرجها إلى بلاد الاسلام إلا
(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 103 ]
بعد أن يوفي لها مهرها الازيد، مع عدم جواز الامتناع لها مع الدخول، وعدم وجوب الوفاء بالمهر إلا بعد الدخول، أو المطالبة مع التهيؤ للتمكين، ولما عن السرائر من لزوم إطاعة الزوج والخروج مع إلى حيث شاء. ومن هنا كان المتجه بطلان الشرط، بل والمهر للجهالة، فيجب مهر المثل حينئذ، لكن في المسالك " يشكل فيما لو زاد عن المفروض على تقديريه، لقدومها على الاقل، وكذا مع زيادته على الاقل إذا لم يخرجها من بلدها، وكذا يشكل فيما لو نقص عن المقدر على تقديريه، لالتزامه بالازيد منه مع الشرط عليه، فلزوم المقدر مع عدم لزوم الشرط أولى " وفيه أن ذلك كله غير مجد فساد الشرط الملزم به، نعم قد يقال باغتفار مثل هذه الجهالة في المهر الذي قد تقدم البحث في اعتبار المعلومية فيه على وجه لا تبطله الجهالة بذلك ونحوه، خصوصا وقد عرفت الحال
في مثل ذلك في الاجارة التي هي أضيق دائرة من المهر. على أنه قد يقال: المهر هو المأة، وإنما اشترط عليها الابراء إن لم يخرجها، فتجب عليه المأة إن أراد إخراجها إلى بلاد الشرك، وإن عصته لوجوب الهجرة عنها فلابد من صرف الاخراج المشترط إلى الجائز منه، لئلا يخالف المشروع، والاطاعة إنما تجب فيما ليس معصية لله وليس نصا في وجوب إعطائها المهر قبل الاخراج مطلقا لاحتمال أنه ليس له الاخراج حتى يلزمه الاداء ولو بعده، أو حتى يوطن نفسه على الاداء، أو إذا طالبته ورضي من ذلك بما رضيت يشمل الرضا بالتأخر، ويمكن أن يكون التقديم مرادا من الشرط، بمعنى أنه اشترط على نفسه تعجيل إليها إن اراد إخرجها إلى بلاده، كما أنه يمكن بناء ذلك على وجوب تعجيل الزوج المهر إذا طلبته الزوجة، لارادة التمكين وغير ذلك. ومن ذلك يظهر لك قوة العمل بالخبر (1) المزبور المعتبر سندا المعمول به عند جميع من الاصحاب، وهو العمدة لا العمومات وهذه التكلفات، ضرورة كون مضمون الخبر من التعليق الممنوع لولا الخبر المزبور، فلا تجدي هذه التجثمات،
(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 104 ]
ولذا لم يجز نظائره لا في النكاح ولا في غيره، وما في الاجارة لو قلنا بجوازه فهو للدليل، كما هو واضح، والله العالم. المسألة (التاسعة:) لو طلقها بائنا ثم تزوجها في عدته ثم طلقها قبل الدخول كان لها نصف المهر) لخروجها عن الزوجية الاولى بالطلاق البائن الذي لا ينافيه جواز تزويجها في العدة باعتبار كونها حقا له لحرمة مائة، فلا تمنعه، وإنما تمنع غيره، فإذا تزوجها ثبت المهر حينئذ في ذمته كغيره من عقود النكاح، وبالطلاق قبل الدخول يعود إليه نصف ما فرض في العقد الجديد، خلافا لبعض العامة، فأوجب لها جميع المهر تنزيلا للعقد منزلة الرجعة، فتكون من المطلقة المدخول بها، وضعفه ظاهر. المسألة (العاشرة:) (لو وهبته نصف مهرها مشاعا ثم طلقها قبل الدخول فله الباقي، ولم يرجع عليها بشئ، سواء كان المهر دينا أو عينا) بناء على كفاية لفظ الهبة في الابراء (صرفا ل) ما وقع منهما من (الهبة إلى حقها منه) بمعنى أنه بالطلاق
قبل الدخول يتمحض النصف الباقي للزوج، لانه مصداق " نصف ما فرضتم " (1) فلا يرجع إلى المثل أو القيمة، لعدم تعذره، لكن في القواعد والمسالك احتمال الرجوع بنصف الباقي بعينه وقيمة الاخر من الموهوب، لشيوع نصفيهما في تمام العين، وشيوع النصف الموهوب أيضا، فتعلق الهبة بنصفي النصيبين، فالنصف الباقي بمزلنة ما تلف نصفه وبقي النصف، بل قيل: إنه يظهر من المبسوط احتمال الرجوع بنصف الباقي خاصة، لانه لما تعلقت الهبة بالنصف المشاع فقد تعلقت بنصفي النصيبين
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
[ 105 ]
فانما ملك من نصيبها النصف وهو الربع، واستعجل نصف نصيب نفسه، وانما بقي له النصف الاخر من نصيبه وهو الربع، وربما احتمل أيضا التخيير بين بذل تمام النصف الباقي وعين نصفه مع بذل نصفه الاخر دفعا لضرر تبعض الصفقة. إلا أن الجميع كما ترى ضرورة عدم تأتيها مع فرض بقاء النصف المشاع الذي هو مصداق " نصف ما فرضتم " نعم لو كان النصف الموهوب معينا لا مشاعا اتجه ذلك، كما هو واضح. وكذا لو خالعته على النصف فانه إن قيدته بالنصف الذي
يبقى لها بعد الطلاق فلا كلام، وإن أطلقت انصرف إلى ما تملكه بعد الاطلاق، وعلى كل حال إذا تم الخلع ملك الزوج تمام المهر، بل مما فرق بينه وبين الهبة بأنه بذل على الطلاق النصف للمهر، فهو تمليك بعد الطلاق، وللشافعية كما قيل وجه بالشيوع في نصفي النصيبين، ولا ريب في ضعفه، والله العالم. (المسألة (الحادية عشرة) (لو تزوجها بعبدين) مثلا (فمات أحدهما رجع عليها بنصف الموجود ونصف قيمة الميت) ضرورة كون ذلك كانتقال أحدهما عن ملكها، لان التالف عليهما والموجود بينهما وتزلزل ملكهما في النصف المشاع من كل منهما، إلا أنه لما كان ما يرجع إليه مضمونا عليها وجب الانتقال إلى بدل التالف عليه في يدها، وعن الشافعية احتمال الرجوع بتمام الموجود أو ما يساوى منه النصف، لصدق أنه نصف المفروض، واحتمال التخيير نحو ما سمعته في المشاع، ولا ريب في ضعفهما. المسألة (الثانية عشرة) (لو شرط الخيار في النكاح بطل) العقد فضلا عن الشرط على المشهور بين الاصحاب، بل لا أجد خلافا في بطلان الشرط، بل لعل الاجماع بقسميه عليه
[ 106 ]
لمعلومية عدم قبول عقد النكاح لذلك، لان فيه شائبة العبادة التي لا تقبل الخيار، ولحصر فسخه بغيره، ولذا لا تجري فيه الاقالة بخلاف غيره من عقود المعاوضات، فيكون حينئذ اشتراط الخيار فيه منافيا لمقتضاه المستفاد من الادلة الشرعية، بل لم يريدا بلفظ العقد معنى النكاح مع اشتراطه، ومن هنا كان هذا الشرط مبطلا للعقد وإن قلنا بأن فساد الشرط بالمخالفة للكتاب والسنة لا يبطل النكاح كما عرفت الكلام فيه سابقا، فما وقع من بعضهم - من تعليل البطلان هنا بأن التراضي لم يقع على العقد إلا مقترنا بالشرط المذكور فإذا لم يتم الشرط لا يصح العقد مجردا، لعدم القصد إليه كذلك - في غير محله، ضرورة أن ذلك يأتي في كل شرط فاسد، وقد عرفت سابقا الاجماع على عدم اقتضائه الفساد هنا (و) حينئذ فقول المصنف -: (فيه تردد منشؤه الالتفات إلى تحقق الزوجية، لوجود المقتضى وارتفاعه عن تطرق الخيار، أو الالتفات إلى عدم الرضا بالعقد، لترتبه على الشرط) - غير متجه أيضا، وكان الاولى جعل منشئه التردد في أن بطلان هذا الشرط لمخالفته مقتضى العقد أو لكونه غير مشروع، فيكون مخالفا للكتاب والسنة، فعلى الاول يتجه بطلان
العقد دون الثاني أللهم إلا أن يكون مراده ذلك. (و) على كل حال فما عن ابن إدريس - من بطلان الشرط خاصه، بل قال فيما حكي عنه: إنه لا دليل على بطلان العقد من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل الاجماع على الصحة، لانه لم يذهب إلى البطلان أحد من أصحابنا، وإنما هو من تخريج المخالفين وفروعهم، اختاره الشيخ على عادته في الكتاب - واضح الفساد بناء على ما عرفت من أن البطلان هنا للمنافاة لمقتضي العقد، لا لكونه غير مشروع في نفسه كي يختص بالبطلان في عقد النكاح كغيره من الشروط الفاسدة فيه، أللهم إلا أن يمنع ذلك، فانه لا يخلو من تأمل، هذا كله في اشتراط الخيار في عقد النكاح. أما (لو اشتراطه في المهر صح العقد والمهر والشرط)، لكون المهر كالعقد السمتقل
[ 107 ]
بنفسه، ومن ثم صح اخلاؤه عنه، فيندرج اشتراط الخيار فيه حينئذ تحت قوله صلى الله عليه واله: (1) " المؤمنون عند شروطهم " نعم يشترط ضبط مدته كغيره من العقود، ولا يقدح إطلاق الاصحاب المعلوم بناؤه على ذلك وإن كان ربما احتمل عدم اعتبار ضبطه
لذلك، ولانه يغتفر فيه من الجهالة ما لا يغتفر في غيره، لكن المذهب الاول، ولا يتقيد بثلاثة وإن حكي عن الشيخ أنه مثل بها. ثم إن استمر عليه وانقضت مدته لزم، وإن فسخه ذو الخيار يرجع إلى مهر المثل، كما لو عرى العقد عن المهر، وإنما يجب بالدخول كما مر الكلام فيه وفي هذه المسألة، والله العالم. المسألة (الثالثة عشرة) (الصداق يملك بالعقد على أشهر الروايتين) والقولين، بل المشهور منهما شهرة عظيمة، بل عن الحلي نفي الخلاف فيه، ولعله كذلك، فاني لم أجده إلا من المحكي عن الاسكافي، فملكها النصف به والاخر بالدخول أو ما يقوم مقامه مع عدم صراحته في ذلك، لاحتمال إرادته الاستقرار كما في كشف اللثام، فلا خلاف حينئذ أصلا، كما يشهد به ما سمعته من الحلي، وعليه يمكن دعوى لحوقه بالاجماع إن لم يكن سبقه. مضافا إلى ظهور قوله تعالى (2) " وآتوا النساء صدقاتهن " وغيره مما دل على وجوب دفعه إليهن المقتضى لملكهن فضلا عن ظهور الاضافة في الاختصاص، وإلى
أن ذلك شأن المعاوضات، فكما أن المشترى يملك المبيع بالعقد والبائع الثمن به فكذلك النكاح الذي لا ريب في ملك الزوج البضع به المقتضي ملك الامرأة المهر
(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4. (2) سورة النساء: 4 - الاية 4.
[ 108 ]
به الذي هو عوض عن ذلك في اللفظ والقصد، وإلى ما دل من النصوص (1) السابقة المعتضدة بالفتاوى على كون النماء المتخلل بين العقد والطلاق لها، وهو مستلزم لمكلها، وفضلا " عن ظهور الاضافة في الاختصاص الذي لا يعارضه صحيح أبي بصير (2) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل تزوج امرأة على بستان له معروف وله غلة كثيرة ثم مكث سنين لم يدخل بها ثم طلقها، قال: ينظر إلى ما صار إليه من غلة البستان من يوم تزوجها، فيعطيها نصفه ويعطيها نصف البستان، إلا أن يعفو فتقبل منه، ويصطلحان على شئ ترضى به منه، فانه أقرب للتقوى " لقصوره باعتضاد الاول مع تعدده بما عرفت، مع احتمال أن تكون الغلة من زرع يزرعه للرجل، وأن يكون الصداق وهو البستان دون أشجاره، وعلى التقديرين فليست الغلة من نماء
المهر، فيختص بالرجل، ويكون الامر حينئذ بدفع النصف محمولا على الاستحباب كما يرشد إليه قوله عليه السلام: " فانه أقرب للتقوى " أو لانه عوض أجرة الارض. وبذلك ظهر لك ضعف الاستدال به للاسكافي، مضافا إلى ظهور عدة من النصوص السابقة التي منها خبر محمد بن مسلم (3) سأل الباقر عليه السلام " متى يجب المهر ؟ قال: إذا دخل بها " وخبر يونس بن يعقوب (4) عن الصادق عليه السلام " لا يوجب المهر إلا الوقاع " المحمول فيهما الوجوب على الثبوت والاستقرار، لظهوره وغلبة استعماله في ذلك، أو للجمع أو لغير ذلك، فيكون المراد أنه لا يوجبه بتمامه إلا الوقاع في مقابلة احتمال وجوبه بالخلوة أيضا، وإلى أنها لو ملكته به لا ستقر ولم يزل إلا بناقل من بيع ونحوه، والملازمة ثم بطلان اللازم ممنوعان، ويكفى في السبب طلاقها قبل الدخول، كل ذلك مع قطع النظر عما دل على وجوبه أجمع بالموت من النصوص (5) المعمول بها كما ستعرف، وعن الحاوى وجوب النصف
(1) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور. (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب المهور الحديث 1.
(3 و 4) الوسائل الباب - 54 - من أبواب المهور الحديث 7 - 6. (5) الوسائل الباب - 58 - من أبواب المهور الحديث 20 إلى 24.
[ 109 ]
عليها فيما لو أبرأته: ووجوب دفع قيمة النصف عليها لو زاد عندها زيادة متصلة ولو كان قد دفع إليها عوضه عبدا آبقا وحبرة، وغير ذلك مما يشرف الفقيه على القطع بفساد القول المحكي. (و) حينئذ ف (- لها التصرف فيه قبل القبض على الاشبه) الاشهر، بل المشهور، بل لم أجد فيه خلافا إلا من الشيخ في محكي الخلاف، فمنع منه قبله، ويمكن دعوى لحوقه بالاجماع، بل وسبقه للاصل، وعموم تسلط الناس (1) وما دل (2) على جواز إبرائها إياه منه، وعلى العفو عنه (3) ودفع الابق والحبرة عنه (4) وغير ذلك مما لا يعارضه النهى (5) عن بيع ما لم يقبض الذي هو أخص من المدعى، بل هو وارد في بيع ما اشتراه (6) وقد عرفت حمله على الكراهة في محله، ومن الغريب استدلاله على ذلك بأن الاجماع محقق على تصرفها به بعد القبض دون ما قبله الذي يمكن منعه عليه، كما عرفت. على أن الدليل غير منحصر بالاجماع،
بل يكفى ما عرفت من الاصل والعموم وغيرهما. وعلى كل حال (فإذا طلق الزوج عاد إليه النصف، وبقي للمرأة النصف) بلا خلاف كتابا (7) وسنة (8) وإجماعا (فلو عفت عما لها كان الجميع للزوج) بلا خلاف أيضا ولا إشكال كتابا (9) وسنة (10) وإجماعا بقسميه، مصافا إلى عموم تسلط
(1) البحار ج 2 ص 272 ط الحديث. (2) الوسائل الباب - 26 و 35 و 41 - من أبواب المهور. (3) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور الحديث 5. (4) الوسائل الباب - 24 - من أبواب المهور الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 16 - من أبواب أحكام العقود الحديث 1 و 11 و 12 و 15 وغيرها من كتاب التجارة. (6) الوسائل الباب - 16 - من أبواب أحكام العقود من كتاب التجارة. (7 و 9) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (8) الوسائل الباب - 51 - من أبواب المهور. (10) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور.
[ 110 ]
الناس على أموالهم (1) فإذا كان الصداق دينا أو عينا وقد تلفت في يد الزوج صح عفوها بلفظه والاسقاط والابراء والترك، بل في القواعد والمسالك وكشف اللثام والهبة، بل في الاخيرين والتمليك، بل لم يحك أحد منهما الخلاف هنا ولعله لدلالة كل منهما على إسقاط الحق الذي لا يختص بلفظ، ولا إشكال فيه مع إرادة معنى الابراء منهما، إنما الكلام فيما لو أريد منهما معناهما لو تعلقا بالعين على أن يكون الابراء تبعا لذلك، وكان وجهه صحة تمليك ما في الذمة ممن هو عليه بالهبة، لكونه مقبوضا، فيحصل الابراء باعتبار عدم قصور ملك الانسان على نفسه، بخلاف هبة ما في ذمة الغير، فانه لا يتصور قبضه دينا، وتشخيصه بالعين يخرجه عن الدين الذي هو محل البحث. لكن قد يناقش بأنه لا معنى لملك الكلي في الذمة إلا استحقاقه على من في ذمته، ضرورة كونه معدوما لا يصلح لقيام صفة الملكية، فلا يتصور حصولها لمن في ذمته على نفسه، وحينئذ يتجه عدم الصحة إلا ما دل عليه الدليل في البيع وغيره من العقود المملكة لا المسقطة.
وقد يدفع بأن الشارع قد جعل الوجود الذمي كالوجود الخارجي، فيصح قيام صفة الملكية فيه إلا أن ذلك لما كان يتبعه الاستحقاق للمالك يتجه سقوطه في الفرض ونحوه، لعدم تصور استحقاقه على نفسه، لا يقال: إن ذلك يقتضي أيضا جواز هبة ما في ذمة الغير للغير، إذ هو حينئذ كالاعيان، لانا نقول: إنه وإن كان كذلك لكنه يمنعه اعتبار القبض في صحة الهبة، وقد عرفت عدم إمكان قبضه دينا، واحتماله بالضمان مثلا يدفعه أنه ليس قبضا، وإنما هو عقد آخر وإن أفاد كونه مقبوضا لمن صار في ذمته بعد الضمان، هذا ولتمام الكلام فيه محل آخر. وعلى كل حال لا يفتقر إلى قبول عند المشهور بأي لفظ وقع كسائر الابراءات، لاطلاق الادلة المعتضدة بفتوى المشهور، ومما يؤيده هنا إطلاق قوله
(1) البحار ج 2 ص 272 ط الحديث.
[ 111 ]
تعالى (1) " إلا أن يعفون " وما في الخبر السابق (2) من أنها " إذا جعلته في حل منه فقد قبضته " فما عن المبسوط - من الافتقار إليه مطلقا والشافعية إذا كان بلفظ الهبة والتمليك في وجه - ضعيف، وإن كان ما عن الشيخ أضعف مما عن الشافعية.
وإن كان عينا صح بلفظ الهبة والتمليك ونحوهما مما يقوم مقامهما، واعتبر فيهما القبول والقبض. وهل يصح بلفظ العفو ؟ كما عن المبسوط والتحرير للاية (3) لمجيئه بمعنى العطاء كما عن العين والمبسوط، وفي المسالك أن منه " ويسألونك ماذا ينفقون ؟ قل: العفو من المال " أي الفظل من الامول التي يسهل إعطاؤها، وقوله تعالى (4): " خذ العفو " أي خذ ما أعطاك الناس من ميسور أموالهم، ولا تشدد عليهم، وفيه أنه لا دلالة على كونه بمعنى العطاء، وإنما هو عبارة عن نفس المال الزائد، والعطاء مستفاد في الاول من الانفاق، ويحتمل العدم، لمنع مجيئه بمعنى العطاء، ولو سلم كان خلاف المعروف، ولا سيما إذا قال: " عفوت عنه " بل لعل المتعدى بعن لا يكون إلا بمعنى الابراء، والاية لا تتعين للفظ العفو، وإنما المراد إسقاط الحق من العين أو الدين مطلقا، ولعله أقوى. ومنه يعلم ما عن المبسوط من أنه إن عفت فهو هبة تقع بثلاثة ألفاظ: الهبة والعفو والتمليك، وافتقر إلى القبول والقبض إن كان في يدها، ومضي مدة القبض إن كان في يده، والاذن في القبض على قول، ولها الرجوع قبل مضي مده القبض،
وإن عفى فان كان الطلاق مخيرا فهو إسقاط لحقه - كحق الشفعة - لاهبة، فيصح بستة ألفاظ، وهي جميع ما مر ولا حاجة إلى القبول، وإن كان مملكا، وهو الصحيح عندنا فهو هبة انما يقع بالثلاثة الالفاظ، وافتقر إلى القبول، وكان له الرجوع قبل القبض أو مضي مدته، ونحوه عن التحرير، مضافا إلى ما فيه من النظر من
(1 و 3) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب المهور الحديث 2. (4) سورة الاعراف: 7 - الاية 199.
[ 112 ]
وجوه أخر أيضا. (وكذا) الكلام (لو عفى الذي بيده عقدة النكاح) المذكور في الاية (1) سواء قلنا: إنه الزوج كما عند العامة أو قلنا: (هو الولى) كما عند الخاصة، (كالاب والجد للاب) وعن النهاية زيادة الاخ (وقيل) كما عن المهذب: (أو من تولته الامرأة عقدها) كل ذلك لتظافر نصوصهم في ذلك أو تواترها كصحيح ابن سنان (2) عن الصادق عليه السلام " الذي بيده عقدة النكاح فهو
ولى أمرها " وحسن الحلبي (3) أيضا في قوله تعالى: (4) " أو يعفو " إلى أخره " هو الاب والاخ، والرجل يوصى إليه، والرجل يجوز أمره في مال الامرأة، فيبيع لها ويشترى، فإذا عفا فقد جاز " ونحوه في خبر سماعة (5) عنه عليه السلام أيضا، وفي مرسل ابن أبى عمير (6) عنه عليه السلام أيضا " يعنى الاب والذي توكله المرأة وتوليه أمرها من أخ أو قرابة أو غيرهما " وفي خبر إسحاق بن عمار (7) " أبوها إذا عفا جاز له، وأخوها إذا كان يقيم بها، وهو القائم عليها، فهو بمنزلة الاب يجوز له، وإذا كان الاخ لا يهتم ولا يقيم عليها لم يجز أمره " وفي خبر أبى بصير (8) عنه عليه السلام أيضا قال: " هو الاخ والاب، والرجل يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مال يتيمته، قال: قلت: أرأيت إن قالت: لا أجيز ما يصنع ؟ قال: ليس لها ذلك، أتجيز بيعه
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح - الحديث 2. (3 و 5) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور الحديث 1. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (6) الوسائل الباب - 7 - من كتاب الوكالة الحديث 1.
(7) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور الحديث 5. (8) أشار إليه وذكر ذيله في الوسائل في الباب - 52 - من أبواب المهور الحديث 3 وذكر تمامه في البحار - ج 103 ص 358 ط الحديث - وفيه " في مال بقيمته ". (جواهر الكلام - ج 7)
[ 113 ]
في مالها ولا تجيز هذا ؟ " وقال الباقر عليه السلام في صحيح ابن مسلم وأبى بصير (1): " هو الاب والاخ، والموصى إليه، والذي يجوز أمره في مال الامرأة من قرابتها، فيبيع لها ويشترى فأي هؤلاء عفا فعفوه جائز في المهر " وسأل رفاعة (2) الصادق عليه السلام في الصحيح " عن الذي بيده عقدة النكاح فقال: الولي الذى يأخذ بعضا ويترك بعضا وليس له أن يدع كله " إلى غير ذلك من النصوص المتفقة في الدلالة على أنه غير الزوج. مؤيدة بأنه المناسب لعطفه على الغائب، إذ لو اريد به الزوج لما عدل عن الخطاب الذي قد صدر به الايه، وبأن العفو حقيقة في الاسقاط لا التزام ما سقط
بالطلاق، إذ لا يسمى ذلك عفوا، وبأن إقامة الظاهر مقام المضمر مع الاستغناء بالمضمر خلاف الاصل، ولو اريد الازواج لقيل: أو يعفو، وبأن المسند اليهن العفو أولا الرشيدات، فيجب ذكر غير الرشيدات ليستو في القسمة، وبأن قوله تعالى (3): " إلا أن يعفون " استثناء من الاثبات، فيكون نفيا، وحمله على الولي يقتضي ذلك، ففيه طرد لقاعدة الاستثناء بخلاف ما لو حمل على الزوج، فانه يكون الاستثناء من الاثبات إثباتا وهو خلاف القاعدة، وبأن قضية العطف التشريك، وهو حاصل على تقدير إرادة الولي، ضرورة اشتراكهما حينئذ في النفي، بخلاف ما لو حمل على الزوج، فانه يكون إثباتا، فلا يحصل معه الاشتراك. وهذه الوجوه وإن كان في بعضها أو جميعها نظر كما أطنب في بيانه في المسالك لكن قد عرفت أن العمدة النصوص السابقة التي لا يعارضها ما في بعض الشواذ (4) من كون المراد به الزوج، خصوصا بعد اتفاق الامامية أو كالاتفاق على مضمونها، ولولاه لامكن إرادة الاعم من الزوج ووليه ووليها منه، على معنى ثبوت النصف
(1 و 2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح - الحديث 5 - 3. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
(4) سنن البيهقى ج 7 ص 251.
[ 114 ]
بالطلاق إلا أن يعفون أو يعفو أحد هؤلاء، فلا تنصيف حينئذ وإن اختلف مالك الكل. لكن قد عرفت اشتمال بعض النصوص على الاخ، والاجماع محقق منا على عدم ولايته، فلابد حينئذ من إدارجه فيما بعده من كونه وصيا أو ولته أمرها كما سمعته في خبر إسحاق بن عمار (1)، فيكون حينئذ تعميما بعد تخصيص ولا بأس به كما أنك قد عرفت اشتمالها على من توليه أمرها الذي سمعته من القاضي المؤيد - مضافا إلى ذلك - بعموم الاية (2) وبعدم الفرق بين الاخ وغيره في انتفاء الولاية بدون توليتها وثبوتها بتوليتها وتوكيلها، ولانها إذا وكلت رجلا وأذنت له في كل ما يراه من التصرف في أموالها مطلقا كان له جميع ما يدخل في الاذن ومنه هذا التصرف، ولعل اقتصار معظم الاصحاب على الاب والجد لعدم كونه وليا حقيقة، ضرورة أنه عن أمرها وعن توليتها وتوكيلها. ومن ذلك يظهر أنه لا وجه لما في المتن وغيره من نسبته إلى القيل مشعرا
بتمريضه فضلا عن وقوع الخلاف، لما عرفت من عدم تصوره فيه، إذ مع فرض عموم وكالته لما يشمل ذلك لا إشكال في اعتبار عفوه حينئذ، كما أنه لا إشكال في عدم اعتباره مع فرض عدم عمومها، واحتمال أن القائل يقول بذلك على هذا التقدير بعيد، بل لعل النصوص كالصريحة في خلافه. نعم قد يقال: إن المراد هنا على وجه متحقق فيه الخلاف هو أن توليتها أو توكيلها إذا كان على جهة الاطلاق في غير مقام يقيد بالمصلحة، نحو إطلاق التوكيل في البيع المنصرف إلى ثمن المثل، أما فيه فله العفو وإن كان هو نفسه لا مصلحة لها فيه عملا بظاهر النصوص المزبورة، وحينئذ يكون الوجه في الخلاف أن القاضي عمل بالنصوص المزبورة المؤيدة باطلاق الاية، فهو حينئذ كالاب والجد بالنسبة إلى ذلك.
(1) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور الحديث 5. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
[ 115 ]
وهو قوي إن لم نتحقق إعراض الاصحاب عنه على هذا التقدير، ترجيحا
لما دل على اعتبار المصلحة في التصرف في مال المولى عليه من قوله تعالى (1): " ويسألونك عن اليتامى قل: إصلاح لهم خير " وقوله تعالى (2): " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " وغير ذلك على هذه النصوص التي - ربما كان خبر إسحاق بن عمار (3) منها شاهدا على ما سمعت - توجب حينئذ صرف ظاهرها إليه أو رفع البعد عنه، نحو ما يظهر أيضا منها من مضى عفو كل من له الامر في نكاحها ومالها من وصي أو غيره مما لم نعرف قائلا به وإن كان هو غير بعيد، بل لولا اتفاق الاصحاب ظاهرا على خلاف ذلك لامكن أن يقال المراد من الاية بيان العفو منها أو من وليها على حسب عفوه عن غير ذلك من ديونها وأموالها، فلا يختص المقام حينئذ بخصوصية. بل ربما حكي عن ابن إدريس والعلامة في المختلف وحاشية الكركي اعتبار المصلحة في العفو ولو عن البعض، ومقتضاه عدم الخصوصية للمقام، لكن قد يستفاد من معقد الاتفاق في محي الخلاف والمبسوط أن للاب والجد العفو، وأنه المذهب في محكي التبيان ومجمع البيان وروض الجنان للشيخ أبي الفتوح وفقه القرآن للراوندي والاخبار أن للمقام خصوصية، وهي جواز عفوهما مطلقا مع المصلحة
وعدمها. بل ما ذكره المصنف (و) غيره - من أنه (يجوز للاب والجد للاب أن يعفو عن البعض وليس لهما العفو عن الكل) بل قيل: إنه بظهر الاتفاق عليه في المبسوط والتبيان ومجمع البيان وفقة القرآن للراوندي - أصرح في إثبات الخصوصية، ولعل دليله الاصل، وصحيح رفاعة (4) السابق ومرسل ابن أبى عمير (5)
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 220. (2) سورة الانعام: 6 - الاية 152. (3) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور الحديث 5. (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3. (5) الوسائل الباب - 7 - من كتاب الوكالة الحديث 1.
[ 116 ]
عن الصادق عليه السلام " ومتى طلقها قبل الدخول بها فلابيها أن يعفو عن بعض الصداق ويأخذ بعضا، وليس له أن يدع كله " لكن عن المختلف وفاقا للجامع أن المصلحة إن اقتضت العفو عن الكل جاز، وفي كشف اللثام وهو الموافق للاصول ويمكن
حمل الخبرين على أن الغالب انتفاء المصحلة في العفو عن الكل وفيه أن محل البحث العفو من حيث كونه عفوا مع قطع النظر عن أمر خارج عنه، ولا ريب في عدم جوازه من الولي في غير المقام، لكونه تضييع مال المولى عليه. (و) لذا قال المصنف وغيره بل ظاهرهم الاتفاق عليه إنه (لا يجوز لولي الزوج أن يعفو عن حقه إن حصل الطلاق) منه ثم صار مولى عليه بجنون أو بلغ فاسد العقل وقلنا بصحة طلاق الولي عنه حينئذ (لانه منصوب لمصلحته ولا غبطة له في العفو) نعم قل يقال -: بسبب استبعاد هذا الحكم خصوصا مع تصريح بعضهم بعدم الفرق في البعض بين القليل والكثير المقتضي لجواز العفو مع إبقاء شئ من المهر وإن قل وعدمه إلا مع المصلحة بالنسبة إلى ذلك القليل، وعدم وفاء مثل الخبرين (1) المزبورين بمثله مع فرض دلالة تلك النصوص (2) والاية (3) ولو من جهة الاطلاق على العفو مطلقا، فيقصران حينئذ عن تقيده بهما - أنه يمكن طرحهما أو حملهما على ما لا ينافي ذلك. (و) كيف كان فقد عرفت مما قدمناه أنه (إذا عفت) الزوجة (عن نصفها) مثلا (أو عفى الزوج عن نصفه لم يخرج عن ملك أحدهما بمجرد العفو
لانه) وإن قلنا: إنه (هبة) باعتبار وروده بمعنى العطاء أو لجواز عقد الهبة به مع إرادتها منه ولو مجازا (فلا ينتقل إلا بالقبض) كغيره من أفراد الهبة،
(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح - الحديث 3 والباب - 7 - من كتاب الوكالة الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح والباب - 52 - من أبواب المهور. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
[ 117 ]
إذا احتمال اختصاصه بتحقق الملك بمجرد العقد به - لتوهم دلالة إطلاق الايه (1) والرواية (2) على ذلك - واضح الفساد. (نعم لو كان) الصداق (دينا على الزوج أو تلف في يد الزوجة كفى العفو عن الضامن له) زوجا كان أو زوجة (لانه يكون) حينئذ (إبراء) كما عرفت ذلك، (و) عرفت أيضا أنه (لا يفتقر إلى القبول على الاصح) خلافا للشيخ فلاحظ وتأمل.
(أما الذي عليه المال) أو عنده (فلا ينتقل عنه بعفوه ما لم يسلمه) لانه إن كان عينا فهو حينئذ هبة يحتاج صحتها إلى القبض، وإن كان دينا فالعفو عنه مع كونه ليس في ذمة العفو عنه كالهبة أيضا لا يتحقق ملكه إلا بالقبض، بل الظاهر أنه لابد من تجديد الصيغة بعد تعيينه وتشخيصه، ولا يكفى التلفظ بالعفو السابق الذي لم يكن مورده عينا ولا دينا في ذمة العفو عنه، لانه بعد التسليم يكون كهبة ما في ذمة الغير لمن ليس عليه، وهي باطلة على ما قرر في محلها، واحتمال خصوصية للعفو هنا باعتبار إطلاق الاية (3) ضعيف، وحينئذ فظاهر المتن وغيره من كفاية العفو الذي يتعقبه التسليم لا يخلو من نظر إلا إذا قلنا بصحة هبة ما في ذمة الغير لمن ليس عليه الحق بتعقب التشيخص والقبض، فانه يتجه حينئذ ما ذكروه والله العالم.
(1 و 3) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (2) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور.
[ 118 ]
المسأله (الرابعة عشرة)
قد عرفت فيما تقدم أنه (لو كان المهر مؤجلا لم يكن لها الامتناع) عن الدخول بها، لان بضعها ملك بالمهر المتأخر برضاها (فلو) عصت و (امتنعت وحل) مهرها المؤجل (هل لها أن تمتنع ؟ قيل: نعم، وقيل: لا، لاستقرار وجوب التسليم قبل الحلول، وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده كما سمعت الكلام فيه مفصلا، والله العالم. المسالة (الخامسة عشرة) (لو أصدقها قطعة من فضة) مثلا (فصاغتها) حليا أو (آنية) محللة أو للادخار بناء على جوازه (ثم طلقها قبل الدخول كانت بالخيار في تسليم نصف العين أو نصف القيمة) التي هي هنا المثل (لانه لا يجب عليها بذل الصفة) كما تقدم البحث في نظيره من كل عين قد زادت في يدها، بل قد تقدم سابقا قوة تعيين القيمة لخبر العبد الذي كبر في يدها (1) مؤيدا بأن الطلاق من المملكات التى ينافيها خيارها بين بذل نصف العين ونصف القيمة، ضرورة قابليته تحقق صفة الملك في الكلى التخييري، ومن هنا كان المتجه - بناء على جواز بذلها نصف العين ووجوب القبول عليه ولو للاجماع، أو لكونه حينئذ أقرب إلى نصف المفروض من
القيمة إن لم نقل: إنه منه - أن الواجب أولا للزوج القيمة أو نصف العين ويدفع الاخر عنه، والامر سهل بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا. ولو أصدقها حليا فكسرته أو انكسر عندها وأعادته صنعة أخرى فهو زيادة ونقصان، وقد عرفت أن المتجه وجوب القيمة أيضا لخبر العبد (2) لكن ذكروا
(1 و 2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب المهور الحديث 2.
[ 119 ]
فيه أن لهما معا الخيار كما سمعت. إنما الكلام فيما إذا أعادت تلك الصنعة الاولى دون صنعة اخرى، فانه يحتمل الرجوع إلى نصفه وإن لم ترض الزوجة، لانه الان بالصفة التي كانت عليه عند الاصداق من غير زيادة، ويحتمل اعتبار رضاها بذلك فلا يرجع بدون رضاها لانها زيادة حصلت عندها باختيارها وإن كانت مثل الاولى، والزيادة الحاصلة عندها تمنع من الرجوع بدون رضاها وإن جوزنا إعادة المعدوم بعينه، فانه يختلف باختلاف وضع الاجزاء وإن تشابه، ومن المعلوم عادة أن الاجزاء لا تعود إلى أوضاعها السابقة، نعم يتجه إن قيل باتصال الجسم مع بقائه حال الانكسار
وإعادة الصفة بعينه ولم يقل به أحد. قيل وفرق بين ذلك وبين الجارية إذا هزلت عنده ثم سمنت، - فانه يرجع بنصف الجارية وإن لم ترض مع حدوث السمن عندها - بأن السمن بدون اختيارها والصفة باختيارها والتزامها المؤونة، ومن العامة من لم يفرق بينهما، بل عن فخر الاسلام الميل إليه، لكنه كما ترى، فان أبت فله نصف قيمته مصوغا بتلك الصفة، فانه بمنزلة التالف، وهو مركب من جزءين مادي وصوري، ولا مثل للصوري، فيتعين القيمة، ولابد من أن يكون من غير الجنس تحرزا من الربا، ويحتمل أن يكون له مثل وزنه اجرة مثل الصفة، لان الجزء المادى مثلي، والمثل أقرب إليه من القيمة، ولا ينافي اعتبار مثله اعتبار القيمة للجزء الاخر. (ولو كان الصداق ثوبا ف) - فصلته و (خاطته قميصا لم يجب على الزوج أخذه) كما لا تجبر هي على دفعه (وكان له إلزامها بنصف القيمة، لان الفضة لا تخرج بالصياغة عما كانت قابلة له، وليس كذلك الثوب) ومن هنا وجب عليه القبول في الاول بخلاف الثاني، وقد عرفت سابقا قوة احتمال عدم وجوب القبول في نظير الاول أيضا، فلاحظ وتأمل.
[ 120 ]
المسالة (السادسة عشرة) قد تقدم سابقا أنه (لو أصدقها تعليم سورة) مثلا (كان حده أن تستقل بالتلاوة) صحيحا بغير مرشد (ولا يكفى) في صدقه عرفا (تتبعها لنطقة نعم) قيل: (لو استقلت بتلاوة الايه ثم لقنها غيرها فنسيت الاولى لم يجب عليه إعادة التعليم) عرفا، مع أن تحقق المراد من اطلاق تعليم السورة بذلك عرفا محل نظر أو منع، وعن بعضهم اعتبار ثلاث آيات مراعاة لما يحصل به الاعجاز، وأقله سورة قصيرة مشتملة على ثلاث آيات كالكوثر، والاجود الرجوع إلى العرف، لعدم التقدير شرعا، ولا مدخلية للاعجاز في ذلك خصوصا مع اختلاف الايات قصرا وطولا. (و) على كل حل ف (- لو استفادت ذلك من غيره كان لها) عليه (اجرة التعليم كما لو تزوجها بشئ وتعذر عليه تسليمه) سواء كان بتقصير منها في التعلم منه مع بذله نفسه لذلك وعدمه. وكذا لو مات أحدهما قبل التعليم وقد شرط تعليمها بنفسه، أو تعذر تعليمها لبلادتها، أو أمكن بتكلف عظيم زيادة على المعتاد، وقد عرفت أن ذلك ليس كالاجارة،
كما أنه ليس ذلك كوفاء دين الانسان بغير إذنه، حيث حكم ببراءته ببذل الغير ولو من غير إذنه، لان تعليمه بنفسه لا يمكن وفاؤه عنه بتعليم غيره، لان ذلك غير التعليم المجعول مهرا، نعم لو كان الواجب عليه التعليم مطلقا فتبرع واحد عنه سقط حينئذ عنه ولم تستحق الامرأة شيئا، كما هو واضح.
[ 121 ]
المسألة (السابعة عشرة) قد عرفت فيما تقدم أنه (يجوز أن يجمع بين نكاح وبيع) وغيرهما (في عقد واحد، ويقسط العوض) حينئذ (على الثمن) الذي هو قيمة المبيع (ومهر المثل) الذي هو قيمة البضع، كما عرفته فيما تقدم (ولو كان معها دينار) مثلا (فقالت: زوجتك نفسي وبعتك هذا الدينار بدينار) فعن المبسوط ووافقه المصنف (بطل البيع، لانه ربا) باعتبار مقابلته بدينار مع زيادة النكاح أو عوضه (وفسد المهر) حينئذ (وصح النكاح) الذي قد عرفت غير مرة أن المهر ليس من أركانه. ولكن في القواعد وتبعه في المسالك أن الاقوى وجوب ما يقتضيه التقسيط من
المسمى للنكاح وبطلان البيع خاصة، إذ لو أخلينا النكاح من المسمى لزم وقوع الدينار كله بازاء الدينار، فيصح البيع حينئذ لانتقاء الربا، فلو فرض مهر مثلها دينارا كان ما يخص المهر منه نصف دينار، لاتفاقهما على جعله في مقابلة دينارين، ويبطل البيع في نصف الدينار بالدينار الذي يقابله، ولو فرض مهر مثلها عشرة دنانير قسم الدينار على أحد عشر جزء، وكان المهر عشرة أجزاء من أحد عشر جزء من الدينار، وبطل البيع في جزء من أحد عشر جزء من دينار، ولعل هذا آت في كل مختلفين جمعا في عقد واحد بعوض واحد، ولا يلزم من بطلان الربا بطلان الامرين، لوجود المقتضي للصحة وانتفاء المانع. وفيه أن عقد المعاوضة واحد إلا أن عدم بطلان النكاح من جهة عدم اعتبار العوض فيه، وإلا فلا ريب في بطلان " بعتك الفرس والدينار بدينار " بل " وبعتك الفرس ووهبتك الدينار بدينار " على جريان الربا في سائر المعاوضات، فتأمل جيدا، هذا كله مع اتحاد الجنس. (أما لو اختلف الجنس) كالدينار بالدرهم (صح الجميع) لعدم الربا
[ 122 ]
نعم يعتبر تحقق شرط الصرف وهو التقابض في المجلس وإلا بطل فيما يقابل الدرهم من الدينار، وصح فيما اقتضاه المهر من التقسيط، لعدم اعتبار التقابض فيه في المجلس وكأن المصنف ذكر هاتين المسألتين في هذا الباب - مع أنهما ليستامنه - لما يحكى عن العامة من عد ذلك من مفسدات المهر، والله العالم. (فروع:) (الاول) (لو أصدقها عبدا فأعتقته ثم طلقها قبل الدخول فعليها نصف قيمته) بلا خلاف ولا إشكال، كما عرفته في المباحث السابقة. (و) لكن الكلام فيما (لو دبرته) فانه (قيل: كانت بالخيار في الرجوع) بالتدبير و إعطائه نصف العين (و) في (الاقامة على تدبيره) وإغرامه نصف القيمة، وذلك لان التدبير طاعة مقصودة قد تعلقت بالعبد، فكانت كالزيادة المتصلة التي قد سمعت أنها لا تجبر معها على دفع العين، بل قد سمعت قوة احتمال تعين القيمة، في مثل ذلك، ولتعلق حق الحرية بالعين ولا عوض عنه، بخلاف حق الزوج، فان القيمة تقوم مقامه، فتدفع حينئذ جمعا بين الحقين، إلا أن ذلك كما ترى، ضرورة عدم إخراج التدبير
المدبر عن الملك، كضرورة كون الطلاق مملكا للنصف، فالمتجه حينئذ انتقال نصف العين إلى المطلق، لكون العين باقية على ملكها، فلا مانع حينئذ من إعمال سبب الطلاق قبل الدخول عمله، كما في غير التدبير من الوصايا المتعلقة بالصداق، واحتمال خصوصية للتدبير يدفعه منع ذلك بعد فرض جواز الرجوع كغيره من الوصايا، نعم قد يتم ذلك لو قلنا بعدم جواز الرجوع به، كما هو المشهور بين العامة على ما قيل، كمنع احتمال ترجيح استصحاب بقاء حكم الوصية أو عموم
[ 123 ]
ما دل على نفوذها ما لم يرجع صاحبها وعدم جواز تبديلها (1) على ما دل (2) على تنصيف الطلاق بناء العتق على التغليب الذي لاجله شرع التدبير، لكون التعارض بينهما من وجه خصوصا مع عدم منع التدبير رجوع الواهب بالموهوب ولا الرجوع بالعين لعيب مثلا في البيع، فانه لا فرق بينهما في المقام، وما في بعض كتب العامة من قوة الفسخ فيهما، وكونه كالعقد بخلاف الطلاق مجرد استحسان، ومن هنا كان خيرة ثاني الشهيدين بطلان التدبير في النصف، إلا أن الانصاف عدم خلو الاول من قوة أيضا.
وعلى كل حال (فان رجعت) بالتدبير (أخذ نصفه، وإن أبت لم تجبر) على الرجوع (وكان عليها قيمة النصف) بل قد يقال: بأن له قيمة النصف في الاول أيضا وإن رجعت فيه بعد الطلاق قبل الغرامة، لما عرفت من كون الطلاق مملكا من حينه، فمع فرض تمليكه القيمة عليها يكون العبد مدبرا لا دليل على عود استحقاقه إلى العين بعد الرجوع، اللهم إلا أن يقال: إن لم يعد الحق إليها فلا ريب في أنها أقرب إليه من القيمة، وفيه أنه لا دليل فيه أيضا على وجوب الاقرب بعد فرض تعلق السبب بمقتضاه. (و) من ذلك يعلم الكلام فيما (لو دفعت نصف القيمة ثم رجعت في التدبير) الذي هو أولى من الاول بالحكم السابق وإن (قيل كان له العود في العين لان القيمة أخذت لمكان الحيلولة) كالعين المغصوبة (و) لكن (فيه تردد منشؤه) ما عرفت، وما في المتن من (استقرار الملك بدفع القيمة) ولو للاصل.
(1) الوسائل الباب - 32 - من كتاب الوصايا. (2) الوسائل الباب - 51 - من أبواب المهور.
[ 124 ]
(الثاني) قد عرفت فيما مضي أن المولى عليها (إذا زوجها الولي بدون مهر المثل) لا لمصلحة كان لها عدم إجازة المهر، بل والعقد في وجه تقدم الكلام في ذلك مفصلا، ولكن في المتن هنا (قيل: يبطل المهر ولها مهر المثل، وقيل: يصح المسمى وهو أشبه) بعمومات الولاية وبما ثبت كتابا (1) وسنة (2) من أن له العفو عن المهر وهو مناف لما اختاره سابقا، أللهم إلا أن يحمل على الصحة التى لا تنافى اعترضها، فلاحظ وتأمل. وفي المسالك " أن المختار صحة العقد ولزوم المسمى مع المصلحة وثبوت الخيار لها فيه مع عدمها، فان فسخت فلها مهر المثل مع الدخول كالمفوضة - إلى أن قال: - ولو كان المولى عليه ذكرا وزوجه الولي بأكثر من مهر المثل فالاقوى وقوفه على الاجازة لعقد الفضولي بالنسبة إلى المسمى، فان أبطله ثبت مهر المثل كالسابق، ويتخير الاخر حينئذ في العقد، هذا إذا كان الصداق من مال الولد، فلو كان من مال الاب جاز، لانه لا تخيير للولد حينئذ، وإن دخل في ملك
الولد ضمنا " وظاهره الفرق في الحكم بينهما، وفيه نظر يعرف مما قدمناه سابقا فلاحظ وتأمل. (الثالث) (لو تزوجها على مال مشار إليه غير معلوم الوزن) أو غيره مما يعتبر فيه العد والكيل والذرع (فتلف قبل قبضه فأبرأته منه صح) لعموم أدلة الابراء (3)
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (2) الوسائل الباب - 52 - من أبواب المهور. (3) الوسائل الباب - 41 - من أبواب المهور.
[ 125 ]
خلافا لما عن الشيخ من المنع عند الجهل بالقدر في قول (وكذا لو تزوجها بمهر فاسد واستقر لها مهر المثل فأبرأته منه أو من بعضه صح) لذلك (ولو لم تعلم كميته، لانه إسقاط للحق، فلم يقدح فيه الجهالة) التي لا دليل يعارض العمومات (و) غيرها على ما نعيتها، نعم (لو أبرأته من مهر المثل قبل الدخول) بناء على وجوبه به (لم يصح، لعدم الاستحقاق) حينئذ، فهو إبراء مما لم يجب، مع احتمال أن يقال:
إنه مع تحقق استحقاق أن تستحق بالعقد مثلا يصح له إسقاط ذلك الاستحقاق لكنه ليس إبراء من مهر المثل، فتأمل، والله العالم. (تتمة:) (إذا زوج ولده الصغير فان كان له مال فالمهر على الولد، وإن كان فقيرا) أي لم يكن له مال (فالمهر في عهدة الوالدو) حينئذ ف (- لو مات الوالد أخرج المهر من أصل تركته) لانه من ديونه (سواء بلغ الولد وأيسر أو مات قبل ذلك) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص، ففي صحيح الفضل بن عبد الملك (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير، قال: لا بأس، قلت: يجوز طلاق الاب، قال: لا، قلت: على من الصداق ؟ قال: على الاب إن كان ضمنه لهم، وإن يكن ضمنه فهو على الغلام إلا أن لا يكون للغلام مال، فهو ضامن له وإن لم يكن ضمن " وموثق عبيد (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير قال: إن كان لابنه مال فعليه المهر، وإن لم يكن للابن مال فالاب ضامن المهر ضمن أم لم يضمن " وخبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير فدخل
الابن بامرأته على من المهر ؟ على الاب ؟ قال: المهر على الغلام، وإن لم يكن له شئ فعلي الاب ضمن ذلك عن ابنه أو لم يضمن إذا كان هو أنكحه وهو صغير "
(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 28 - من أبواب المهور الحديث 2 - 1 - 4.
[ 126 ]
وعلى ذلك ينزل إطلاق صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن رجل كان له ولد فزوج منهم اثنين وفرض الصداق ثم مات، من أين يجب الصداق من جملة المال أو من حصتهما ؟ قال: من جميع المال، إنما هو بمنزلة الدين ". فلا حاجة حينئذ بعد ذلك إلى ما عن السرائر والتذكرة - من الاستدلال عليه بأنه لما قبل النكاح لولده مع علمه باعساره وبلزوم الصداق فعقد النكاح علمنا بالعرف والعادة أنه دخل على أن يضمنه - الواضح منعه، بل يمكن دعوى أن المرأة مع علمها بالحال دخلت على أن الصبر إلى الايسار. نعم في القواعد " لو تبرأ الاب في العقد من ضمان العهدة صح إن علمت المرأة بالاعسار " ولعله لان المؤمنين عند شروطهم (2) ولدخول المرأة على ذلك، وللاقتصار في خلاف الاصل على المتيقن، بل لو لم تعلم بالاعسار، فكذلك أيضا لما عرفت، وإن
قيل: إن لها حينئذ خيار الفسخ، مع أن فيه ما فيه، كما أن ما في كشف اللثام - من احتمال عدم اعتبار التبرى حينئذ، لامكان كون رضاها بذلك لظنها الايسار وأن التبرى قد كان مما ليس عليه ضمانه، ولو أنها علمت كون الضمان عليه لم ترض بالتبرى منه - كذلك أيضا هذا. ولكن في المسالك الاشكال في أصل صحة ذلك، لاطلاق النص والفتوى بلا معارض، على أن الصبي غير محتاج إلى النكاح، فلاحظ له في التزام المهر في ذمته مع الاعسار عنه، وتزويج الولى له غير متوقف على وجود المصلحة، بل على انتفاء المفسدة، ولو قيد ذلك بما إذا كان في التزام الصبي بالمهر مصلحة - بأن كانت مناسبة له وخاف فوتها بدون ذلك ونحوه - قرب من الصواب إلا أن تخصيص النصوص الصحيحة بذلك لا يخلو من إشكال. قلت: قد عرفت ما يقتضي تخصيصها لو سلم عمومها، لامكان دعوى ظهورها
(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب المهور الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4.
[ 127 ]
في صورة الاطلاق أو عدم ظهورها فيما يشمل هذه الصورة، فما عساه يقال -: إن بين أدلة (1) المقام و " المؤمنون عند شروطهم " (2) تعارض العموم من وجه وترجيح الاول على الثاني ليس بأولى من العكس المعتضد باطلاق الفتاوى - واضح الضعف، خصوصا بعد ما سمعت من عدم ظهور النصوص في الفرض، وإنما هي ظاهرة في النكاح من حيث نفسه، وكذا الكلام في صورة عدم المسمى لفساد أو لتفويض أو لنحو ذلك، فوجب مهر المثل بالدخول بعد البلوغ، فان ضمان الاب حينئذ له وإن بقي الولد على إعساره لا يخلو من إشكال أو منع، بل قد يتوقف في ضمانه بالفرض في مفوضة البضع أيضا. ولو كان الصبي مالكا لبعض المهر دون بعض ففى المسالك " لزمته منه بنسبة ما يملكه، ولزم الاب الباقي - ثم قال فيها أيضا -: إن إطلاق النصوص والفتاوى يقتضى عدم الفرق في مال الصبي بين كونه مما يصرف في الدين على تقديره وغيره، فيشمل ما لو كان له دار سكنى ودابة ركوب ونحو ذلك، فيكون المهر حينئذ في ذمته وإن كان لا يجب عليه الوفاء منها، بل تنتظره حتى يقدر على الوفاء إن شاء جمعا بين الاصلين " قلت: إن كان المراد من النصوص بالمال للصبي الذي تتسلط
المرأة على استيفاء مهرها منه كان المتجه حينئذ عدم اعتبار المستثنيات المزبورة، وإن كان المراد صدق له مال وإن لم يكن كذلك لقلته أو لكونه مرهونا أو لغير ذلك من الموانع التي تمتنع المرأة من استيفاء مهرها إلا أنه مع ذلك يصدق عليه أن عنده مال وشئ اتجه حينئذ عدم التوزيع في الفرع الاول، بل يكون تمام المهر عليه، ولعل ذلك هو الموافق لقاعدة الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن، ولتعليق ضمان الاب على ما إذا لم يكن عنده شئ في خبر علي بن جعفر (3) ومال في غيره (4) فتأمل جيدا. وعلى كل حال ففي كل موضع لا يضمن الاب المهر لو أداه تبرعا عن
(1 و 3 و 4) الوسائل الباب - 28 - من أبواب المهور الحديث 0 - 4 - 1. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4.
[ 128 ]
الصبى أو ضمنه لا بقصد الرجوع لم يكن له رجوع للاصل، كما لو أداه عن أجنبي أو أداه أجنبي، نعم لو أداه بقصده مع الغبطة أو عدم المفسدة يتجه حينئذ رجوعه، لعموم ما دل على نفوذ تصرف الاولياء، وخصوصا الاجباري منه، وما عن التذكرة - من عدم الرجوع
بالاداء، ورجوعه بالضمان مع قصده الرجوع به في موضع منها - غير واضح الوجه، ضرورة عدم الفرق بينهما في ذلك كما عرفت. ولا يخفى أن مورد النصوص الاب وفي التعدي إلى الجد وإن علا وجهان، من كونه أبا حقيقة، بل ولايته أقوى من ولاية الاب في بعض المواضع، ومن مخالفة الحكم للاصول، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن، خصوصا والمنساق منه هنا الاب، بل في المسالك منع كونه أبا حقيقة، ولذا يصح سلبه عنه، ومطلق الاستعمال أعم من الحقيقة، وإن كان فيه ما فيه. ولا فرق في ضمان الاب المهر بين المؤجل منه والمعجل وإن زاد الاجل على زمان البلوغ، بل ولا في النكاح بين الفضولي وغيره مع إجازة الاب له، نعم لو لم يجز الاب لعدم علمه مثلا فأجاز الولد بعد بلوغه أمكن عدم الوجوب على الولي، للاصل وظهور خبر علي بن جعفر (1) في خلافه. وكذا لا فرق فيه بين أن يكون دينا في ذمة الوالد أو عينا يبذلها للمهر بها عن ولده، بل صريح بعضهم المفروغية من ذلك، ولعله للقطع بالغاء الخصوصية في مضمون النصوص، إلا أن الانصاف عدم خلوه من نوع تأمل وإن كان الاقوى ذلك،
والله العالم. وكيف كان (فلو دفع الاب المهر) الذي ضمنه في ذمته لاعسار الصبي (وبلغ الصبي فطلق قبل الدخول استعاد الولد النصف) منه (دون الوالد، لان) الطلاق مملك جديد للنصف لا فاسخ لسبب الملك ولما قيل من أن (ذلك) من الوالد (يجري مجرى الهبة) من الوالد إلى الامرأة، وعلى كل حال فمع طلاقه يرجع
(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب المهور الحديث 4. (جواهر الكلام - ج 8)
[ 129 ]
إليه نصف المال الذي دفع مهرا، بل هو كذلك لو دفعه عن الصبي الموسر تبرعا أو ضمنه عنه كذلك، بل لا فرق بين الولد والاجنبي في ذلك فضلا عن الكبير كما لا فرق بين الولد وبين الاجنبي. ومنه يعلم الوجه في قول المصنف: (فرع) (لو أدى الوالد المهر عن ولده الكبير تبرعا ثم طلق الولد رجع الولد
بنصف المهر، ولم يكن للوالد انتزاعه منه، لعين ما ذكرناه في الصغير) ولكن في المتن (وفي المسألتين تردد) وكذا في القواعد، لكن في الدفع عن الكبير ولدا كان أو أجنبيا، بل في محكى التحرير الحكم برجوع النصف للوالد كما في القواعد، ولعل ذلك كله لان دفع الوالد إنما هو للوفاء عما في ذمة الولد تحقيقا أو تقديرا، كما في الصبي المعسر الذى كان ينبغي صيرورة العوض في ذمته مقابل البضع الذي ملكه على حسب المعاوضات، كما يومئ إليه التعبير في النصوص (1) بضمان الوالد المشعر بكونه كالضمان عنه، فمع الطلاق الذي هو فسخ عقد النكاح يعود النصف إلى من دفعه وفاء، نحو الفسخ بالعيب في البيع الذى دفع فيه الثمن عن ذمة المشترى تبرعا مثلا. ومن هنا جزم في القواعد بأنه " لو طلق الولد قبل أن يدفع الاب عن الصبي المعسر سقط النصف عن ذمة الاب والابن، ولم يكن للابن مطالبة الاب بشئ " بل في كشف اللثام " أنه ظاهر، لانه بضمانه تمام المهر للامرأة لا يثبت للابن عليه شئ، وإنما ينتقل إليه المهر بدفعه عنه إليها، كما أن المديون لا يطالب الضامن عنه بشئ إذا أبرأه المضمون له، نعم لو كان المهر عينا للاب ملكتها المرأة بالاصداق
وإن لم تقبضها، فإذا طلقها رجع إليه لا إلى الاب نصفها ".
(1) الوسائل الباب 28 - من أبواب المهور - 0 -.
[ 130 ]
إلا أن الجميع كما ترى بعد ما عرفت من ظهور النص (1) والفتوى في أن الطلاق مملك لا أنه فاسخ يعود به السبب الاول للملك، بل ظاهر المحكي عن الشيخ الاجماع عليه، وحينئذ لا فرق بين دفع الاب وعدم دفعه، بل ولا بينه وبين الضمان تبرعا، ولا بين كونه عينا أو دينا، ضرورة عدم الفرق في تسبيبه الملك لنصف العين أو الدين، فيطالب به الاب. ولعله لذا اعترف في المسالك بعدم ظهور الفرق بين الدفع وعدمه في الصبي المعسر برجوع الولد بالنصف، لكن قال: إن ذلك يتم لو كان الاب متبرعا بالدفع عن الصغير، وفيه أنه لا فرق أيضا مع دفعه أو ضمانه كذلك، نعم لو لم يكن قد دفع ولا ضمن لم يكن له الرجوع بشئ على الوالد، لان ذمته المشغولة لا والده، والفرض عدم دفع عنه. ومن الغريب ما سمعته من كشف اللثام من قياس ذلك على الضمان الذي لا يتم
التشبيه فيه إلا بالضمان عنه باذنه فاتفق أن المضمون له قد أبرأ ذمة الضامن فانه تبرأ ذمة المضمون عنه أيضا، لكونه دينا واحدا، وهو غير ما نحن فيه، نعم لو قلنا في الصبي المعسر إن ذمته المشغولة والاب ملتزم بالتأدية عنه اتجه حينئذ ما ذكره ولكنه خلاف ظاهر النصوص (2) بل صريحها وصريح الفتاوى، بل ما في النصوص من التعبير بالضمان يراد منه الالتزام نحو قوله عليه السلام (3): " من أتلف مال غيره فهو له ضامن " لا الضمان المصطلح، على أنه على تقديره فهو حينئذ ضمان شرعي قهري لا ينافي تملك نصفه للولد بالطلاق. ودعوى أن المراد بالاية " فنصف ما فرضتم " (4) عود النصف للفارض، وهو
(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب نكاح العبيد والاماء والباب - 17 - من أبواب المهور والحديث - 24 و 31 و 34 و 35 - منها. (2) الوسائل الباب - 28 - من أبواب المهور. (3) راجع التعليقة في ص 91. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 237.
[ 131 ]
هنا الاب، أو أن المراد لها نصف ما فرضتم لهن، فيبقى النصف الاخر على حاله يدفعها ظهور النص والفتوى في إرادة ما يشمل فرض الولي، ولهذا لم يكن عندهم إشكال معتد به في تملك الولد النصف مع الدفع، و ظهورهما أيضا في إرادة تملك المطلق نصف المفروض الذي ملكته الامرأة بتمامه في العقد كما هو واضح، وكأن تردد المصنف باعتبار اشتهار تعليل هذا الحكم بما ذكره من التنزيل منزلة الهبة، وحينئذ فإذا دفع وطلق الولد كان له باعتبار لزوم هبة الرحم، وإن كان من الاجنبي كان هذا الدفع منه للزوجة بمنزلة قبض الموهوب وتصرفه بالهبة، فليس له الرجوع، ويتعين للولد النصف بالطلاق، أما إذا لم يدفع فلا هبة، فإذا طلق لم يكن للولد الرجوع على الوالد، وفيه أنه لا رجوع له إلا مع الضمان التبرعي، والطلاق مملك للولد النصف، فيستحق حينئذ على الضامن إذا ملكت الامرأة عليه الكل بالضمان. على أن دعوى الهبة في السابق مع عدم قصدها، وعدم ولاية الدافع عن المدفوع عنه في بعض أفرادها، وغير ذلك مما ينفي كونه هبة، وخصوصا مع ملاحظة النظائر التي يدفع فيها الدين تبرعا عن المديون وبدون إذنه، لعدم اعتبار المملوكية في المدفوع وفاء كي يحتاج إلى هذا التقدير مما لا ينبغي صدورها ممن
له أدنى ممارسة في الفقه، ولعله لذلك تردد المصنف، واستشكل غيره، والتحقيق ما عرفت. ومن ذلك كله تعرف النظر في جملة من كلمات القوم التي أطنب فيها في المسالك، كما أنك منه قد عرفت الوجه في جميع أفراد المسأله، والله العالم.
[ 132 ]
(الطرف الرابع في التنازع) (وفيه مسائل:) (الاولى) (إذا اختلفا في أصل) استحقاق (المهر) وعدمه (ف) - لا ريب في أن (القول قول الزوج مع يمينه) بلا خلاف (ولا اشكال) إذا كان ذلك (قبل الدخول) للاصل بل الاصول السالمة عن المعارض، (لاحتمال تجرد العقد عن المهر) الذي قد عرفت عدم اعتباره في صحته، بل قيل: مقتضى الاصل تجرده، ولذا كان الاصل التفويض لو وقع الاختلاف بينهما في التسمية وعدمها بلا خلاف ولا إشكال أيضا، نعم قد يظهر من بعض العامة التحالف، ومرجعه إلى حكم التفويض أيضا،
وعلى كل حال فلا إشكال في الحكم المزبور. (لكن الاشكال لو كان) الاختلاف بينهما في أصل استحقاق المهر وعدمه (بعد الدخول ف) - المشهور كما في كشف اللثام أن (القول قوله أيضا نظرا إلى البراءة الاصلية) لاحتمال أن ذلك قد كان بانكاح أبيه وهو صغير معسر، فيكون المهر على أبيه، وإنكاح سيده لانه رق سابقا فيكون المهر في ذمة السيد، بل في الرياض الحكم بذلك قطعا مع ثبوت انتفاء التفويص باتفاقهما عليه أو البينة أو ما في معناها، لجواز كون المسمى دينا في ذمة الزوجة أو عينا في يدها، فلا يكون العقد المشتمل على التسمية بمجرده مقتضيا لاشتغال ذمة الزوج بشئ من المهر وظاهرا، مع احتماله أيضا لاصالة البراءة المرجحة على أصالة عدم التسمية، مع أن فرض
[ 133 ]
التساوى لا يوجب الحكم باشتغال الذمة إلا مع رجحان الاصالة الاخيرة، وليس فليس كل ذلك. مضافا إلى ما في كشف اللثام من الاستدال عليه بالاخبار كقول الصادق عليه السلام في خبر الحسن بن زياد (1): " إذا دخل الرجل بامرأته ثم ادعت المهر وقال:
قد أعطيتك فعليها البينة وعليه اليمين " وفي صحيح عبد الرحمان بن الحجاج (2): " إذا اهديت إليه ودخلت بيته وطلبت بعد ذلك فلا شئ لها، إنه كثير لها أن يستحلف بالله مالها قبله من صداقها قليل ولا كثير ". قلت: قد يقال: الظاهر أن مبني هذه النصوص على ما إذا كانت العاده الاقباض قبل الدخول، بل قيل إن الامر كذلك كان قديما، فيكون حينئذ ذلك من ترجيح الظاهر على الاصل، وعلى كل حال موضوعها غير مفروض المسألة، ضرورة كونه في اختلافهما في وصول المهر إليها وعدمه، بخلاف ما نحن فيه الذي قد سمعت مفروضه استحقاق المهر وعدمه. بل من ذلك يظهر لك وجه النظر فيما سمعته من الرياض على التقديرين لان احتمال كون المهر دينا له في ذمتها أو عينا لا ينافي دعواها الاستحقاق، وإنما ينافي جوابه دعواها بعدم الاستحقاق، ضرورة كون ذلك على فرضه أداء منه لما استحق عليه، فكان عليه إثباته ومن هنا لم يذكر الاصحاب ذلك في وجه براءته التي هي مقتضي الاصل، وإنما ذكروا احتمال كون المهر في ذمة الوالد والسيد، فانه عليهما يكون إنكاره الاستحقاق عليه في محله، وهو الموافق حينئذ للاصل.
ومن هنا قال في المسالك: " هذا التوجيه حسن حيث يكون الزوج محتملا لكونه بأحد الوصفين، فلو علم انتفاؤهما في حقه - بأن كانت حريته معلومة ولم يتزوج المرأة المدعية إلا وهو بالغ أو مات أبوه قبل أن يتزوجها ونحو ذلك - لم يتمسك بالبرأة الاصلية، للقطع باشتغال ذمته بعوض البضع، لانحصار أمره حينئذ
(1 و 2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور الحديث 7 - 8.
[ 134 ]
في الامرين على سبيل منع الخلو، لانه إن كان لم يسم مهرا فقد استقر عليه مهر المثل، وإن كان قد سمى استقر المسمى، و الاصل عدم دفعه إليها، واللازم من ذلك أن لا يلتفت إلى إنكاره، بل إما أن يحكم عليه بمهر المثل، أو ما تدعيه المرأة إن كان أقل، نظرا إلى أصالة عدم التسمية الموجب لذلك، وإما أن يطالب بجواب آخر غير أصل الانكار، فان ادعى تسميته حكم عليه بالمسمى إلى أن يثبت براءة ذمته منها أو عدمها فيثبت عليه مقتضى التفويض " وهو صريح في أن القول قولها حينئذ مع العلم بانتفاء الاحتمالين. بل قد يقال بذلك مع عدم العلم أيضا، بدعوى أن الاصل ثبوت الاستحقاق
بالدخول حتى يعلم عدمه، لاستفاضة النصوص (1) بكون الدخول موجبا للمهر والغسل والعدة، وهو قاعدة شرعية قاطعة لاصاله البراءة، مضافا إلى أولوية البضع من المال بأصالة الاحترام والضمان، ولعله إلى ذلك أومأ في كشف اللثام حيث إنه بعد أن ذكر ما عرفت عن المشهور قال: " ويشكل بأن الاصل مع الدخول شغل ذمة الزوج خصوصا إذا علم انتفاء الامرين " بل هو ظاهر المسالك في أثناء كلام له، بل لعله إليه يرجع ما عن الارشاد في مفروض المسألة من وجوب مهر المثل بتقريب الاصل السابق وأصالة عدم التسمية، فيثبت التفويض الموجب لمهر المثل، وليس ذلك من الاصول المثبتة، لان التفويض قيده عدم (عدمي خ ل) يمكن إثباته بالاصل، فيترتب حكم التفويض، ولا حاجة إلى ما في المسالك من أنه لابد من تقييده بعدم زيادته على ما تدعيه، لان الزائد عنه منفي باقرار المدعي، فلا يجب دفعه إليه، وذلك لان مفروض المسألة الاقتصار في اختلافهما على أصل استحقاق المهر وعدمه، وما ذكره من التقييد خروج عن مفروض المسألة المتجه فيه الضمان بمهر المثل الذي هو قيمة له كالمال، فلا وجه حينئذ للقول بأن ثبوت استحقاق المهر إنما يقتضي ثبوت أقل ما يتمول الصالح لان يكون مهرا يتحقق به أصالة ثبوته
بالدخول، ضرورة أنك قد عرفت اقتضاء أصالة احترام البضع وضمانة على حسب
(1) الوسائل الباب - 54 - من أبواب المهور.
[ 135 ]
المال ضمانه بقيمته التي هي مهر المثل، حيث لا يثبت الاقل أو الاكثر بالتسمية بالعقد مثلا، وحينئذ فالزوج مدع إن ادعى الاقل، كما أنها مدعية لو ادعت الاكثر. ومن ذلك يعلم ما في قول المصنف: (ولا إشكال لو قدر المهر بأرزة واحدة) أي ربع حبة، والحبة ثلث قيراط، وهو جزء من عشرين جزء من دينار (لان الاحتمال متحقق والزيادة غير معلومة) أللهم إلا أن يريد عدم الاشكال باعتبار رفع الاختلاف بينهما، ضرورة أعمية دعواها الاستحقاق من الارزة وغيرها، فلا نزاع بينهما، لعدم إنكاره دعواها، لا أن الارزة فقط ثابتة حتى لو زادت على دعواها استحقاق المهر بانكار التسمية بذلك، فان القول حينئذ قولها بيمينها، للاصل ويثبت لها مهر المثل لما عرفت، ولو زادت مع ذلك في جوابه ببيان دعوى استحقاقها بدعوى التسمية بأزيد من ذلك كان ذلك من الاختلاف في القدر الذي ستعرف الكلام فيه.
ومن ذلك كله ظهر لك ما عن التحرير من أنه " إذا وقع الاختلاف في أصل المهر بعد الدخول يستفسر هل سمى أم لا ؟ فان ذكر تسمية كان القول قوله مع اليمين، وإن ذكر عدمها لزمه مهر المثل، وإن لم يجب بشئ حبس حتى يبين " إذ من المعلوم أن الاستفسار إنما يجب مع إفادة الكلام فائدة بدونه، وقد عرفت أن مجرد الاعتراف بالنكاح مع الدخول له حكم يترتب عليه، فلا يجب الاستفسار وإن كان جائزا، كما أن من المعلوم ان القول قولها في عدم التسمية لا قوله، نعم هو كذلك لو اتفقا عليها واختلفا فيها قلة وكثرة، كما تسمع الكلام فيه، وحبسه إذ لم يبين تعجيل عقوبة لا سبب لها، وذلك لان الدخول يقتضي حكما فينبغي ترتيبه عليه حتى يتبين خلافه. ولو عدل الزوج قبل الحكم عليه بمهر المثل إلى دعوى لا تنافي الاولى بأن قال: كنا سمينا قدرا ولكن وصل إليها أو أبرأتني منه أو نحو ذلك سمعت الدعوى ورتب عليها حكمها من قبوله في القدر وقبول قولها في عدم القبض والابراء، وهو
[ 136 ]
حسن إن تجبه بانكار التسمية، وإلا كان لها أيضا مهر المثل بيمينها على نفي
التسمية، كما هو واضح. (ولو اختلفا في قدره) بأن ادعت الامرأة تسمية الزائد والرجل الناقص (أو) اختلفا في (وصفه) بعد الاتفاق على جنسه أي نوعه على وجه ترتفع الجهالة القادحة فيه ثم ادعت المرأة زيادة وصف آخر مثلا وأنكر هو ذلك (ف) - لا ريب في أن (القول قوله أيضا) كما هو المشهور بين الاصحاب، بل هو كالمجمع عليه، بل ربما حكاه عليه بعضهم، لاصالة البراءة من الزائد ومن الوصف الذي هو بمنزلة دعوى الاشتراط، ولصحيح أبي عبيدة (1) عن الباقر عليه السلام " في رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها فادعت أن صداقها مأة دينار وذكر الزوج أن صداقها خمسون دينارا وليس لها بينة على ذلك، قال: القول قول الزوج مع يمينه ". وجعل بعضهم من الاختلاف في الوصف الاختلاف في التعجيل والتأجيل أو زيادة الاجل، لمعارضة أصالة عدم التأجيل وزيادته بأصالة عدم الزيادة في المهر، فان التأجيل نقص في المهر وعدمه زيادة فيه، والاصل عدمها، وهكذا في كل وصف يقتضي زيادة المهر مضافا إلى أصالة عدم اشتغال الذمة الان مثلا في الاختلاف في الاجل، وفيه منع واضح ومخالفة للمعلوم في غير المقام من عدم معارضة أصالة عدم ذكر الاجل
أو زيادته بأصالة عدم الزيادة باعتبار ورودها عليه. ومن الغريب ما في المسالك من تفسير عبارة المصنف بدعوى الامرأة استحقاقها عليه من جهة المهر مأة دينار سواء كان ذلك جميعه أو بعضه، ثم حكى عن مشهور الاصحاب تقديم قول الزوج وذكر الصحيح المزبور إلى أن قال: " ولا فرق بين كون مدعاه مما يبذل مهرا عادة لا مثالها وعدمه عندنا، لعموم الادلة - ثم قال -: ومقتضى إطلاق الاصحاب والرواية أنه لا يستفسر هنا بكون ذلك تسمية أم من مهر المثل، وللبحث في ذلك مجال، لانه لو كان بعد الدخول مع اتفاقهما على عدم التسمية فالواجب مهر المثل، فإذا كان الذي يعترف به أقل منه فدعواه في قوة
(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب المهور الحديث 1.
[ 137 ]
إيتاء الزائد، والتخلص منه بالابراء ونحوه، ومثل ذلك لا يقبل قوله فيه، وكذا مع اتفاقهما على التسمية واعترافه بأنها أكثر ولكن يدعى التخلص من الزائد، ضرورة أن ذلك ليس من الاختلاف في القدر المذكور في النص والفتوى بل لعلهما صريحان في خلافه - ثم قال -: والحق حمل النص والفتوى على ما لو أطلق
الدعوى أو ادعى تسمية هذا القدر وادعت هي تسمية الازيد - إلى أن قال -: ومع ذلك ففيهما معا بحث، لانه مع الاطلاق كما يحتمل كونه بطريق التسمية يحتمل كونه بطريق عوض البضع المحترم، وعوضه مطلقا مهر المثل، وإنما يتعين غيره بالتسمية، والاصل عدمها، وهذا الاصل مقدم على أصل البراءة، لوجود الناقل عنها، ومع اختلافهما في قدر التسمية يكون كل منهما منكرا لما يدعيه الاخر منهما، فلو قيل بالتحالف ووجوب مهر المثل كان حسنا، إلا أن إطلاق الرواية الصحيحة المتناول لمحل النزاع يؤنس بترجيح ما أطلقه الاصحاب على ما فيه من الحزازة، ومن ثم قال العلامة في القواعد: وليس ببعيد من الصواب تقديم من يدعى مهر المثل منهما، فان ادعى النقصان وادعت الزيادة تحالفا وردا إليه، ولو ادعيا الزيادة عليه المختلفة احتمل تقديم قوله لانه أكثر من مهر المثل ومهر المثل، ولو ادعيا النقصان عنه احتمل تقديم قولها ومهر المثل، وعلى كل حال فلا خروج عما عليه الاصحاب ويتناوله إطلاق النص الصحيح وإن كان ما قر به العلامة في محل القرب ". قلت: هذا منه أيضا كسابقه، ضرورة عدم اندراج صورة الاطلاق في النص
والفتوى وإن كان الحكم فيها ما ذكره بناء على عدم وجوب الاستسفار أو عدم التمكن منه على وجه يفيد، وإنما محل كلام الاصحاب الصورة الثانية خاصة، ولا وجه للتحالف فيها بعد تصادم الدعويين منهما، ورجوع الحال إلى الاختلاف في الدين من حيث كونه دينا زيادة ونقصا، ولا ريب في أن القول قول مدعى النقيصة بعد اتفاقهما على قدر متيقن، والاختلاف إنما هو في الزائد والقول قول منكره، لاصالة البراءة، وكلام العلامة بعد أن ذكر أنهما لو اختلفا في قدره أو وصفه أو ادعى التسمية
[ 138 ]
فأنكرت قدم قوله ولو قدره بأرزة مع اليمين قال ما سمعته، وظاهره الفتوى في الاول، على أن التحالف لم يذكره إلا فيما إذا اختلفا بدعوى الزيادة على مهر المثل منه والنقصان منهما، أما إذا كان دعوى أحدهما مهر المثل كان القول قوله، لاعتضاد أصالة عدم الزائد بظهور الحال في ذلك، وهو غير ما ذكره من التحالف مطلقا. هذا كله مضافا إلى ما في كلام العلامة من النظر الواضح، إذ لا وجه لتقديم قوله مع دعواه التسمية ولو بالارزة إنكارها ذلك، مع أن الاصل عدم التسمية،
فالمتجه حينئذ فيه مهر المثل الذي هو قيمة البضع، كما أنه لا وجه للرجوع إلى مهر المثل في دعواهما الزيادة المختلفة مع اعتراف الزوج بتسمية الازيد منه وفي دعواهما النقصان عنه مع اعتراف الزوجة بالانقص منه، فالتحقيق حينئذ ما عرفت، بل لا فرق بين الاختلاف في القدر وفي الوصف لكن الوجه الذي عرفته. أما لو كان اختلافهما في دعوى كل منهما وصفا مستقلا تختلف القيمة باختلافه فالمتجه التحالف، نحو الدعوى في اختلاف العين، فيفسخ الالتزام بالوصف خاصة مع فرض صحة العقد بدونه، وإلا فسد المهر ورجع إلى مهر المثل لانفساخ المسمى حينئذ بالتحالف. ولو فرض اختلافهما في وصف يفسد العقد بانتفائه كان القول قول مدعيه، لاصالة الصحة. ومن ذلك كله يعلم ما في إطلاق المسالك من أنه لو قيل بالتحالف على تقدير الاختلاف في الصفة كان وجها فيثبت مهر المثل إلا أن يزيد عما تدعيه المرأة وينقص عما يدعيه الزوج، كما أنه يعلم أيضا ما في دعوى إطلاق تقديم قول الزوج مع الاختلاف في الوصف وإن كان نحو الاختلاف في التأجيل والحلول أو زيادة الاجل
ونقصانه، ضرورة مخالفته للقواعد وللنظائر في غير المقام من غير دليل خاص. وكذا ما عن جماعة منهم الشيخ في المبسوط وابن إدريس والعلامة في التحرير من تقديم قول الزوج في الاختلاف في جنس المهر كالاختلاف في القدر، بل عن
[ 139 ]
ظاهر الخلاف الاجماع عليه، ضرورة كون المتجه فيه التحالف، من غير فرق بين أن يختلفا قيمة أولا، لان كلا منهما مدع منكر كما في نظائره، وأصالة براءته من غير العين التي يدعيها معارض بأصالة عدم استحقاقها غير العين التي تدعيها بالعقد. أللهم إلا أن يريدوا الاختلاف في جنس لم يتعلق غرض بعينه، وإنما المراد منه القيمة، كما لو اختلفا في كون المهر مأة دينار أو مأة درهم بعد أن كان المتفق عليهما من النقد، فانه يمكن أن يكون ذلك نحو الاختلاف في القدر باعتبار عدم تعلق الغرض بخصوص الدرهم أو الدينار، وإنما المراد المقدار، فيكون القول قول الزوج الذي هو مدعي النقيصة، وربما يومئ إلى ذلك تمثيلهم له بذلك، لا ما إذا كان الاختلاف في أنه دار مثلا أو حيوان فانه لا وجه لتقديم قول الزوج المنفي
بالاصل، كالدعوى المقابلة له، كما هو واضح، والله العالم. هذا كله في الاختلاف في أصل المهر أو قدره أو جنسه أو وصفه. (أما لو اعترف) أي الزوج (بالمهر ثم ادعى تسليمه ولابينة ف) - لاإشكال ولا خلاف معتدا به في أن (القول قول المرأة مع يمينها)، لاصالة عدم التسليم من غير فرق بين ما قبل الدخول وبعده، نعم قد سمعت سابقا جملة من النصوص (1) وفيها الصحيح وغيره دالة على أن القول قوله مع الدخول، وهي مطرحة أو منزلة على ما إذا كانت عادة بتقديم المهر على وجة يكون الظاهر مع الزوج، فتخرج حينئذ هذه الاخبار دليلا على تقديم الظاهر على الاصل، بل ربما جمع بين المحكي عن صداق الخلاف أن بتقديم قولها الاجماع والاخبار وعن نفقاته أن بتقديم قوله الاجماع والاخبار بذلك أيضا فيحمل الثاني على جريان العادة بالتقديم، والاول على خلافه إلا أنه مع ذلك لا يخلو من بحث أيضا. والله العالم.
(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المهور.
[ 140 ]
(تفريع:)
(لو دفع قدر مهرها) مثلا من دون أن يقترن دفعه بما يقتضي وفاء أو هبة من لفظ أو غيره ثم اختلفا بعد ذلك (فقالت) المرأة (دفعته هبة فقال: بل) دفعته (صداقا فالقول قوله، لانه أبصر بنيته) والوفاء إنما يعتبر فيه نية الدافع دون القابض، بل في المسالك " أنه كذلك بغير يمين، لانه لو اعترف لها بما تدعيه لم تتحقق الهبة إلا بانضمام لفظ يدل عليها، فلا يفتقر إلى يمين " وفيه إمكان الاكتفاء في الهبة بالفعل المنوي به ذلك وإن كان هو حينئذ بحكم المعاطاة وحينئذ يتوجه لها اليمين عليه، كما يتوجه أيضا لو قرنه بلفظ قابل لكل منهما، بحيث لا يتشخص المراد به إلا بالقصد أيضا، ضرورة كونه المنكر باعتبار استناده إلى أمر لا يعلم إلا من قبله. وكذلك لو ادعت عليه أنه تلفظ بما يدل على الهبة وإن كان ليس نزاعا في النية، ولكن قوله أيضا موافق لاصل العدم الذي يكفى في تحقق كونه منكرا. ولو فرض اعترافه بصدور ما يظهر منه الهبة كان القول قولها وإن ادعى هو أنه أراد خلاف الظاهر بل لا يبعد عدم ضمانها للمدفوع مع فرض تلفه حتى لو علم بعد ذلك منه إرادة خلاف الظاهر، نعم يتجه له الرجوع حينئذ به لو كانت عينه
باقية، كما هو واضح.
[ 141 ]
المسألة (الثانية) (إذا خلا) الزوج (بالزوجة) خلوة خالية عن موانع الوقاع (فادعت المواقعة فان أمكن الزوج إقامة البينة) على فساد دعواها (بأن ادعت هي أن المواقعة قبلا وكانت بكرا فلا كلام) في بطلان دعواها حينئذ من غير يمين، لبعد احتمال عودها وإن كان يسمع منها لو ادعته، لكن مع إقامتها البينة بالمواقعة أو بالزوال سابقا، نعم قد يناقش بأن الختانين يلتقيان من دون زوال البكارة كما في كشف اللثام، هذا وفي المسالك في شرح عبارة المتن " إذا ادعت بعد الخلوة التامة الخالية من موانع الوقاع الدخول وأنكر فان كانت بكرا فلا إشكال، لامكان الاطلاع على صدق أحدهما باطلاع التعاقب من النساء عليها، وذلك جائز لمكان الحاجة، كنظر الشاهد والطبيب " وفيه مضافا إلى ما عرفت أن رؤياها ثيبا لا دلالة فيه على صدق دعواها، لاحتمال زوال بكارتها بغير وقاعه، كما أن كونها بكرأ لا يوجب تمكينها من نفسها للاطلاع على معرفة حالها، خصوصا مع حرمة النظر
إلى العورة، وما فيه من المشقة، لمنافاته الحياء، فلها المطالبة حينئذ باليمين أو يكون القول قولها على اختلاف القولين، أللهم إلا أن يقال: إنه يظهر من بعض النصوص (1) السابقة في العيوب أن للحاكم تعرف نحو ذلك بنحو ذلك، فله الالزام في مقام قطع الخصومة، وتبين صحة الدعوى من فسادها. (و) على كل حال ف (- ا لا) يتمكن الزوج من إقامة البينة على وجه المزبور (كان القول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم المواقعة و) حينئذ ف (- هو منكر لما تدعيه) المرأة عليه، فيكون القول قوله بيمينه، (وقيل) كما عن الشيخ في النهاية والتهذيبين: (القول قول المرأة) مع يمينها (عملا بشاهد حال الصحيح في خلوته بالحلائل) فيكون قولها موافقا للظاهر، وهو المحكي عن
(1) الوسائل الباب - 4 و 15 - من أبواب العيوب والتدليس.
[ 142 ]
ابن أبي عمير وجماعة من القدماء، كما سمعته سابقا في البحث عن استقرار المهر بالخلوة للنصوص (1) السابقة الحاكمة باستقرار المهر بها التى يجب الجمع بينها وبين ما دل (2) على عدم استقراره إلا بالوقاع بالحكم شرعا بالوقاع معها، إلا أن يعلم
عدمه مع عدم الدعوى منها، فضلا عما إذا ادعت ذلك كما في الفرض، بل في بعضها (3) عدم سماع دعوى عدم الوقاع منهما معها وإن تصادقا عليه لاتهامهما بارادة عدم استقرار المهر وعدم العدة عليها، ولعل ذلك أولى مما سمعته من ابن الجنيد من العمل بهذه النصوص على جهة قرار المهر بالخلوة وإن لم يكن معها وقاع، لما سمعته فيما تقدم. (و) لكن مع ذلك (الاول أشبه) منه باصول المذهب وقواعده وأشهر بين الطائفة، بل لعله إجماع بين المتأخرين منهم، لقصور النصوص المزبورة عن المعارضة باعتبار ضعف سند أكثرها وموافقة لفظها المروى (4) عن عمر " من أرخى سترا وأغلق بابا فقد وجب عليه المهر " الذي قد أفتى به أبو حنيفة وكثير من العامة، فيقوى الظن بخروجها مخرج التقية، فلا تصلح لاثبات ذلك، كما لا تصلح لما سمعته من ابن الجنيد من استقرار المهر بالخلوة المجردة عن الوقاع، فيبقى الظهور المزبور بلا مستند شرعى صالح لقطع الاصول الموافقة لدعوى عدم الوقاع، والظاهر إذا لم يكن عليه دليل شرعى لا يعارض الاصل، كما هو واضح.
(1) الوسائل الباب - 55 - من أبواب المهور.
(2) الوسائل الباب - 54 - من أبواب المهور الحديث 6 والباب - 55 - منها الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 56 - من أبواب المهور الحديث 1. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 255.
[ 143 ]
المسالة (الثالثة) (لو أصدقها تعليم سورة أو صناعة فقالت: علمني غيره فالقول قولها) بلا خلاف ولا إشكال (لانها منكرة لما يدعيه) نحو إنكارها وصول المهر لو ادعى عليها تسليمه، ونحو إنكارها لو ادعى عليها تعليم السورة فقالت: علمني غيرها، وحينئذ يلزم في الفرض باجرة التعليم كما عرفته سابقا. المسالة (الرابعة) إذا أقامت المرأة بينة أنه تزوجها في وقتين بعقدين) على مهرين متفقين أو مختلفين أو أقر الرجل بذلك (فادعى الزوج تكرار العقد الواحد وزعمت المرأة أنهما عقدان فالقول قولها لان الظاهر معها) أي ظاهر الاتيان بالصيغ
إرادة ترتب آثارها عليها الذي هو مقتضى أصالة الصحة فيها، لكن في المسالك " قدم قولها عملا بالحقيقة الشرعية، لان العقد حقيقة شرعية في السبب المبيح للبضع، واستعماله في نفس الايجاب والقبول المجردين عن الاثر مجاز بحسب الصورة، كتسمية الصورة المنقوشة على الجدار فرسا، ومثله ما لو قال لغيره: يعني هذا العبد ثم ادعى أنه ملكه، فانه لا يلتفت إليه، ويجعل استدعاؤه البيع إقرارا له بالملك، ولا يعتد بقوله: إنى طلبت منه صورة البيع - إلى إن قال -: والمراد بقول المصنف: لان الظاهر معها أن الظاهر من إطلاق اللفظ حمله على حقيقته دون مجازه، وأراد بالظاهر معنى الاصل من حيث إن استعمال العقد في غير حقيقته خلاف الظاهر في الاستعمال وإن كان المجاز في نفسه كثيرا شائعا " وفي كشف اللثام " قدم قولها من غير خلاف يظهر، لان الاصل والظاهر معها، فان الاصل والظاهر التأسيس والحقيقة في لفظ العقد وفي صيغته، ولا عقد في المكرر حقيقة ولا في الصيغة المكررة بمعنى
[ 144 ]
الانشاء المعتبر في العقود ". قلت: لا حقيقة شرعية في لفظ العقد قطعا، وعلى تقديره فليس هو محط
النزاع بينهما: ضرورة كون الواقع بينهما مصداق العقد لا لفظه، ودعوى اعتبار ترتب الاثر في أصل وضعه واضحة الفساد، ضرورة تحقق معناه الحقيقي في جميع صور الفساد التي لم يترتب الاثر فيها، والانشاء متحقق فيها وإن لم يكن صحيحا يترتب عليه الاثر، ولا ريب في تحقق جميع ما يعتبر في العقد من الانشاء وغيره في العقد المكرر، ولذا لو صادف فساد الاول أثر فيه، نعم مع فرض كون الاول صحيحا لا يؤثر لانتفاء شرط تأثيره نحو غيره من العقود الفاسدة، فالصحة والفساد شئ والحقيقة والمجاز شئ آخر، كما هو واضح. نعم ما سمتعه من التعليل الاول في كشف اللثام متجه، ومرجعه إلى ما ذكرناه، إذ التأسيس هو الصحة بمعنى ترتب الاثر (و) على كل حال مع اقتصارهما على الدعوى المزبورة ولو لموت ونحوه ف (- هل يجب عليه المهران) المسميان فيهما ؟ (قيل: نعم عملا بمقتضى العقدين) المحكوم بصحتهما شرعا فيترتب على كل منهما أثره كما هي القاعدة في كل سبب، (وقيل) كما عن الشيخ في المبسوط وسديد الدين والد العلامة: (يلزمه مهر ونصف)، لمعلومية تحقق الفرقة وإلا لم يصح العقد الثاني، والوطئ غير معلوم، بل الاصل عدمه، فتستحق النصف منه، وربما قيل بلزوم مهر واحد،
لاصالة براءة الذمة بعد أن كان من أسباب الفرقة مالا يوجب مهرا ولا نصفه كردتها وفسخه بعيبها قبل الدخول، وفسخها بعيبه غير العنن قبله أيضا، بل قد ينقدح من ذلك عدم لزوم مهر أصلا بعد فرض كون النزاع بعد الفراق منهما، إلا أن الجميع كما ترى. (و) لذا كان (الاول أشبه) باصول المذهب وقواعده، ضرورة عدم ما يصلح به الخروج عن مقتضي السبب الثابتة سببيته والمستصحب مقتضاه، وأصالة عدم الدخول لا تصلح لاثبات التنصيف الذى ينفى مقتضيه بأصالة عدم حصوله، كأصالة
(جواهر الكلام - ج 6)
[ 145 ]
عدم العيب ونحوه، ومجرد احتمال كون الفرقة مما تقتضي عدم المهر أصلا أو نصفه لا يقطع أصالة بقاء الاستحقاق والملك ونحوهما التي يكفى في ثبوتها احتمال كون الفرقة بما يقتضي تمام المهر، ولا ريب في تحقق الاحتمال في الفرض، كما هو واضح. نعم لو ادعى كون الفرقة في الاول بالطلاق قبل الدخول على وجه يسمع ذلك
منه اتجه حينئذ لزوم مهر ونصف، بل لو ادعى الطلاق في الثاني أيضا قبله لزم مهر واحد مجتمع منهما، بل ربما قيل إنه لو ادعى الفسخ بأحد الاسباب الموجبة لعدم المهر مع إمكانه فيجب المهر الثاني خاصة ما لم يدع الطلاق فيه أيضا قبله، فنصفه لا غير، وفيه منع قبول دعواه الفسخ بالعيب، لاصالة عدمه، وما عن الشيهد في الشرح - من القبول محتجا بأن تجويزه ينفي القطع بالزيادة على المهر الثاني - كما ترى، وليس هو كدعوى الطلاق الذي هو فعله، ويرجع فيه إليه، وأما الدخول فالاصل عدمه، كما أن الاصل إستصحاب المهر كملا إلى أن يدعى المزيل، فلو سكت عن الدعوى ثبت المهران على الاقوى، وهذا كما يقال: إن المستودع بعد ثبوت الايداع مطالب بالوديعة ومحبوس مادام ساكتا، فان ادعى تلفا أوردا صدق بيمينه وانقطعت المطالبة، والله العالم.
[ 146 ]
(النظر الثالث) (في القسم والنشوز والشقاق) و (القول) الان (في القسم، والكلام فيه وفي لواحقه، أما الاول
فنقول:) هو بفتح القاف مصدر قسمت الشئ أقسمه، وبالكسر: الحظ والنصيب، ويقال: هو التقدير، وعرفا هو قسمة الليالي بين الزوجات، ويمكن اعتباره من كل منهما. وكيف كان ف (- لكل واحد من الزوجين حق يجب على صاحبه القيام به) ويستحب كتابا (1) وسنة متواترة (2) وإجماعا وإن كان حق الزوج على الزوجة أعظم بمراتب، فانه لاحق لها عليه مثل ماله عليها، بل ولا من كل مأة واحد، بل هو أعظم الناس حقا عليها (3) وقال رسول الله صلى الله عليه واله (4): " لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لامرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من مفرق رأسه إلى قدمه قرحة ترشح بالقيح والصديد ثم استقبلته تلمسه ما أدت حقه " وقال أمير المؤمنين عليه السلام (5): " كتب الله الجهاد على الرجال والنساء فجهاد الرجل بذل ماله ونفسه حتى يقتل في سبيل الله، وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته " وجهادها أيضا حسن التبعل (6) إلى غير
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 228. وسورة النساء: 4 - الاية 19 و 34. (2) الوسائل الباب - 79 و 81 و 87 و 88 - من أبواب مقدمات النكاح.
(3) الوسائل الباب - 79 - من أبواب المقدمات النكاح الحديث 1. (4) كنز العمال - ج 8 ص 251 - الرقم 4091. (5 و 6) الوسائل الباب - 4 - من أبواب جهاد العدو الحديث 1 و 2.
[ 147 ]
ذلك مما ورد فيه (1) ولا ينافيه قوله تعالى (2): " ولهن مثل الذي عليهن " بعد ارادة التشبيه في أصل الحقيقة لا في الكيفية، ضرورة شدة اختلافهما. ومن حقه عليها " أن تطيعه ولا تعصيه ولا تتصدق من بيته إلا باذنه ولا تصوم تطوعا إلا باذنه، ولا تمنعه نفسها، ولو كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلا باذنه " (3) ولو إلى أهلها ولو لعيادة والدها أو في عزائه (4) " وأن تطيب بأطيب طيبها، وتلبس أحسن ثيابها، وتتزين بأحسن زينتها، وتعرض نفسها غدوة وعشية " (5) بل " ليس للمرأة أمر مع زوجها في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا باذن زوجها إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها " (6) بل " أيما امرأة قالت لزوجها: ما رأيت منك خيرا قط أو من وجهك خيرا فقد حبط عملها " (7) و " أيما أمرأة باتت وزوجها عليها ساخط في حق لم تتقبل
منها صلاة حتى يرضى عنها، ولا يرفع لها عمل " (8) " وإن خرجت من غير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الارض وملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها " (9). ومن حقها عليه أن يشبعها وأن يكسوها وأن يغفر لها إذا جهلت (10) ولا
(1) الوسائل الباب - 79 و 81 - من أبواب مقدمات النكاح. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 228. (3 و 5) الوسائل الباب - 79 - من أبواب المقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (4) الوسائل الباب - 91 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (6) الوسائل الباب - 17 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 1. (7) الوسائل الباب - 80 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 7. (8) الوسائل الباب - 80 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 و 2. (9) الوسائل الباب - 79 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (10) الوسائل الباب - 88 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.
[ 148 ]
يقبح لها وجها (1) ورحم الله عبدا أحسن فيما بينه وبين زوجته، فان الله تعالى قد ملكه ناصيتها، (2) وقال رسول الله صلى الله عليه واله (3): " أوصاني جبرئيل بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلا من فاحشة مبينة " و " عيال الرجل اسراؤه، وأحب العباد إلى الله تعالى أحسنهم صنعا إلى اسرائه " (4) و " إنما المرأة لعبة من اتخذها فلا يضعها " (5) " أيضرب أحدكم المرأة ثم يظل معانقها " (6) " وخيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي " (7) إلى غير ذلك مما يدخل تحت قوله تعالى (8) " وعاشروهن بالمعروف ". (ف) حينئذ قد ظهر لك أنه (كما يجب على الزوج النفقة من الكسوة والمأكل والمشرب والاسكان) على حسب ما ستعرف (فكذا يجب على الزوجة التمكين من الاستمتاع) مع عدم المانع عقلا أو شرعا ولو كانت على ظهر قتب (و) أن (تتجنب (تجتنب خ ل) ما ينفر منه الزوج) من الثوم والبصل والاوساخ والقذارات وغير ذلك. (و) أما (القسمة بين الازواج فهي (حق على الزوج) وله، لاشتراك ثمرته، وهو الاستئناس، ولان الاخبار (9) توجب استحقاقها، وحق
الاستمتاع يوجب استحقاقه، فلكل منهما الخيار في قبول إسقاط صاحبه له وعدمه ولا يتعين عليه القبول (حرا كان أو عبدا ولو كان عنينا أو خصيا) فان القسمة للايناس والعدل والتحرز عن الايذاء، وللمعاشرة بالمعروف، فلم يفرق فيها بين الحر والعبد، ولا بين العنين والفحل، ولا بين الخصي وغيره، لاشتراك الجميع في
(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب النفقات الحديث 1 من كتاب النكاح. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 88 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5 - 4 - 9 (5 و 6) الوسائل الباب - 86 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 1 (7) الوسائل الباب - 88 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 11. (8) سورة النساء: 4 - الاية 19. (9) الوسائل الباب - 1 و 5 - من أبواب القسم والنشوز
[ 149 ]
الفائدة المطلوبة منه. بل (وكذا لو كان مجنونا و) إن كان (يقسم عنه الولي) بأن يطوف به عليهن أو يدعوهن إليه أو بالتفريق، نعم إن لم يوثق به أو لا ينتفع به في مثل ذلك فلا قسم
في حقه، وإن أمن وكان قد قسم لبعض نسائه ثم جن فعلى الولي أن يطوف به على الباقيات قضاء لحقوقهن، كما يقتضي ما عليه من الدين، وكذا إذا طلبن القسم بناء على اشتراك حق القسم بينهما، وإن قلنا باختصاصه بالزوج لم يجب على الولي الاجابة، ولو أردن التأخير إلى أن يضيق فيتم المؤانسة فلهن ذلك، وإن لم يكن عليه شئ من القسم بأن كان معرضا عنهن أجمع أو جن بعد التسوية بينهن فان رأى منه الميل إلى النساء أو قال أهل الخبرة: إن غشيانهن ينفعه فعلي الولي أن يطوف به عليهن، أو يدعوهن إلى منزله، فان جار في القسمة أثم. وهل على المجنون القضاء بعد الافاقة ؟ المشهور على ما حكي نعم، وفي المسالك " لو قيل بعدم الوجوب كان وجها، لان المجنون غير مكلف، والقضاء تابع للتكليف بالفعل أو ثابت بأمر جديد، وهو منتف هنا " وفيه أن قضاء ذلك من تأدية الحق الثابت في ذمة المجنون بحكم خطاب الوضع كالدين ونحوه، ثم قال: " ولو انتفى الميل والمصلحة لم يجب على الولي أن يقسم به، ويظهر من العبارة وجوب القسم به مطلقا، وهو يتم على القول باشتراك الحق بين الزوجين وطلبن ذلك، لكن المصنف لا يقول به، كما سيأتي، فعدم الوجوب هنا أجود ".
هذا، وفي القواعد " ولو كان يجن ويفيق لم يجز له أن يختص واحدة بنوبة الافاقة إن كان نوبتها مضبوطا، بأن يجن يوما ويفيق يوما مثلا، بل يطرح أيام الجنون وينزلها منزلة أيام الغيبة، ويقسم أوقات الافاقة، فلو أقام المجنون عند واحدة لم يقض لغيرها إذ لا اعتداد به، ويحتمل القضاء، ويحتمل أن يكون إليه القسمة أوقات الافاقة وإلى الولي القسمة أوقات الجنون، فيكون لكل منهن نوبة من كل من الحالتين، وإن لم يكن نوبة الافاقة مضبوطا فأفاق في نوبة واحدة قضى للاخرى ما جرى لها في الجنون، أي لم يعتد، لكونه عندها في الجنون وإن كان بقسمة الولي،
[ 150 ]
لقصور حقها من الاستئناس حال الجنون، ولو خاف من أذى زوجته المجنونة سقط حقها من القسمة للضرورة وإلا وجب للعموم وانتفاء العذر " (1) واستظهر بعضهم السقوط إذا لم يكن لها شعور تنتفع بالقسم وتستأنس به، إلى غير ذلك من كلماتهم المشتملة على أحكام كثيرة التي لم نقف فيها على دليل خاص، وإنما ذكرها بعض العامة، بل ربما كان بعضها منافيا للاخر، خصوصا مع عدم الدليل على الفرق بين الادواري حال جنونه وبين المطبق، كما أن المتجه بناء على وجوب القسمة عدم وجوب القبول على الولي
لو أردن التأخير إلى زمان الافاقة. وأقصى ما يقال: هو ما أشرنا إليه من أن المستفاد من النص (2) والفتوى أن القسم حق مشترك بين الزوج والزوجة، وأنه لا يسقط بالجنون من أحدهما مع إمكانه، وحينئذ يختص نقص ذلك بمن عرض في ليلتها، نحو غيره من الاعذار كالمرض ونحوه. وأما انتقال الحكم التكليفى إلى الولي في الزوج والزوجة - على وجه يجب عليه أن يطوف به وأن يأتي بالزوجة على وجه لا نقصان فيما يمكن من الاستمتاع بها وغير ذلك من الاحكام التي سمعتها - فلا دليل عليه، نعم لو كانت له مصلحة في الطواف به، كما لو فرض نفعه بذلك أو منعه من الفساد به، أو نحو ذلك من والمصالح كان على الولي حينئذ مراعاتها، فتأمل جيدا، فانه لم نجد دليلا واضحا سوى اعتبارات يشكل التمسك بها على اصولنا. وكيف كان فالمشهور على ما حكاه غير واحد وجوب القسمة ابتداء، بمعنى وجوبها بالعقد والتمكين كالنفقة، للامر بالمعاشرة بالمعروف (3) التي هي معظمها على أن الامر فيه للتكرار قطعا، وليس في كل الاوقات، فبقى أن يكون بحسب ما تقتضيه القسمة، إذ لا قائل بثالث، والتأسي بالنبي صلى الله عليه واله فانه كان يقسم
(1) ليس هذه من عبارة القواعد، وانما هي من كشف اللثام ملفقة بعبارة القواعد. (2) الوسائل الباب - 1 و 5 - من أبواب القسم والنشوز. (3) سورة النساء 4: - الاية 19.
[ 151 ]
بينهن (1) دائما حتى كان يطاف به في مرضه محمولا (2) وكان يقول " أللهم هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك " (3) يعنى من جهة الميل القلبى، وإطلاق قول الصادق عليه السلام في خبر البصري (4) " في الرجل تكون عنده المرأة فيتزوج اخرى كم يجعل للتى يدخل بها ؟ قال: ثلاثة أيام، ثم يقسم " كاطلاق المستفيضة الامرة بالقسم للحرة ثلثى ما للامة (5) وما يشعر به خبر علي بن جعفر (6) عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن رجل له امرأتان قالت إحداهما: ليلتى ويومى لك يوما أو شهرا أو ما كان أيجوز ذلك ؟ قال: إذا طابت نفسها واشترى ذلك منها لا بأس به " من كون ذلك حقا لها على وجه لها بيعه، وكذا غيره كخبر الحسن ابن زياد (7) وغيره قال: " سألته عن الرجل يكون له المرأتان وإحداهما أحب إليه من الاخرى أله أن يفضلها بشئ ؟ قال: نعم له أن يأتيها ثلاث ليال والاخرى
ليلة، لان له أن يتزوج أربع نسوة، فثلاثة يجعلها حيث شاء، قلت: فتكون عنده المرأة فيتزوج جارية بكرا، قال: فليفضلها حين يدخل بها ثلاث ليال، وللرجل أن يفضل نساءه بعضهن على بعض ما لم يكن أربعا " وصحيح ابن مسلم (8) " سألته
(1 و 3) سنن البيهقى ج 7 ص 298 (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 4. (5) هكذا في النسخة الاصلية والصحيح " مثلى ما للامة " كما هو مستفاد من الروايات المروية في الوسائل الباب - 8 - من أبواب لقسم والنشوز. (6) الوسائل الباب - 6 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2 ووسطه في الباب - 2 - منها الحديث 7 عن الحسين بن زياد، الا أن الموجود في التهذيب ج 7 ص 419 والاستبصار ج 3 ص 242 الحسن بن زياد وفي الجميع " فليلتيه يجعلهما حيث شاء ". (8) الوسائل في الباب - 1 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 3.
[ 152 ]
عن الرجل يكون عنده امرأتان إحداهما أحب إليه من الاخرى، قال: له أن
يأتيها ثلاث ليال والاخرى ليلة، فان شاء أن يتزوج أربع نسوة كان لكل امرأة ليلة، فلذلك كان له أن يفضل بعضهن على بعض ما لم يكن أربعا " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن لكل زوجة ليلة من أربع ليال (1) الشامل لصورتي الاتحاد والتعدد المؤيدة بآية النشوز (2) المشعرة باشتراط الهجر في المضاجع به دون ما لم يكن نشوزا، فانه لا سبيل له إلى ذلك. (و) لكن مع ذلك كله (قيل) والقائل الشيخ فيما حكي من مبسوطه (لا تجب القسمة حتى يبتدئ بها، وهو أشبه) فلا يجب حينئذ للواحدة مطلقا التى لا موضوع للقسمة فيها، بل ولا للمتعددات إلا مع المبيت ليلة عند إحداهما فيجب حينئذ ذلك لهن حتى يتم الدور، ثم لا يجب عليه شئ، فله الاعراض حينئذ عن القسم عنهن أجمع، للاصل وظهور قوله تعالى (3) " وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " في أن الواحدة كملك اليمين لا حق لها أصلا ويتم دلالته على عدم وجوب القسم مطلقا بالاجماع المركب، كما في المسالك من أن كل من قال بعدمه للواحدة قال بعدمه للازيد إلا مع الابتداء بواحدة، وما روى (4) عن النبي صلى الله عليه واله أنه غضب على بعض نسائه فاعتزلهن أجمع شهرا، ولو كان القسم
واجبا اختصت الناشزة بالحرمان، ولا دليل على أن ذلك من خصوصياته، بل الاصل الاشتراك، على أن حق الاستمتاع ليس للزوجات، ومن ثم لم يجب على الزوج بذله إذا طلبته إلا الجماع، فانه يجب في كل أربعة أشهر مرة. كل ذلك مضافا إلى استفاضة النصوص أو تواترها في حصر حق الزوجة على الزوج في غير ذلك، ففي خبر إسحاق بن عمار (5) قلت لابي عبد الله عليه السلام: " ما حق
(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب القسم والنشوز. (2 و 3) سورة النساء: 4 - الاية 34 - 3. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 38. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب النفقات الحديث 5 من كتاب النكاح.
[ 153 ]
المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسنا ؟ قال: يشبعها ويكسوها، وإن جهلت غفر لها " وفي خبر شهاب بن عبد ربه (1) قلت لابي عبد الله عليه السلام: " ما حق المرأة على زوجها ؟ قال: يسد جوعتها، ويستر عورتها، ولا يقبح لها وجها، فإذا فعل ذلك فقد والله أدى إليها حقها ".
وفي خبر العرزمي (2) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فسألته عن حق الزوج على المرأة فخبرها، ثم قالت: فما حقها عليه ؟ قال يكسوها من العري ويطعمها من الجوع، وإن أذنبت غفر لها، فقالت: فليس عليه شئ غير هذا ؟ قال: لا، قالت: لا والله لا تزوجت أبدا ثم ولت " الحديث، وفي خبر يونس بن عمار (3) قال: " زوجني أبو عبد الله عليه السلام جارية كانت لاسماعيل ابنه، فقال: أحسن إليها، فقلت: وما الاحسان إليها ؟ قال: أشبع بطنها، واكس جنبها، واغفر ذنبها " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على هذا المعنى. ودعوى تخصيص هذه النصوص بما سمعته من أدلة القسمة واضحة المنع، ضرورة قصورها عن ذلك، بل عدم دلالة كثير منها على المدعى، فان الامر بالمعاشرة بالعمروف لا يقتضي وجوب المبيت - ولو كانت واحدة - في كل أربع ليال ليلة واحدة، وإن سلم كونه من المعروف لكن من المعلوم عدم وجوب كل معروف معها، وإنما المسلم وجوبه ما أدى تركه إلى الظلم والجور عليها ونحو ذلك، كما هو واضح.
والتأسي بالنبي صلى الله عليه واله وسلم - بعد معلومية عدم وجوب القسم عليه، ولذا أذن له بايواء من يشاء منهن واعتزال من شاء (4) - لا محل له.
(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب النفقات الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 84 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب النفقات الحديث 8 من كتاب النكاح. (4) سورة الاحزاب: 33 - الاية 51.
[ 154 ]
وخبر البصري إنما يراد منه بيان عدم استحقاق الجديدة أكثر من ثلاث ليال يختص بها وأما غيرها فليس لها إلا على جهة القسمة، لا أن المراد بيان وجوبها ابتداء، كما هو واضح لمن تأمله. والمراد من أخبار الحرة والامة بيان كيفية العدل حيث يريد القسمة. وخبر علي بن جعفر في الامرأة التي لها ضرة واستحقت عليه ليلة يبيت ليلة عند ضرتها. وخبر الحسن بن زياد وغيره إنما يراد منه بيان تفضيل بعض النساء على
بعض، لا أن المراد به وجوب القسمة بينهن ابتداء على وجه يحرم عليه اعتزالهن أجمع والاعراض عن مضاجعتهن والاشتغال بعبادته أو مطالعته أو غير ذلك من أغراضه. على أن جميع هذه النصوص جارية مجري الغالب في حال الزوج أنه يبيت عند زوجته، فمع فرض تعددها كان عليه ملاحظة العدل في القسمة والتفضيل على الوجه المذكور في النصوص، وليس المراد وجوبها ابتداء، ولا وجوب مبيت ليلة من الاربع لو كانت واحدة، بل ينبغي الجزم بعدم الاخير كما جزم به في الرياض، لعدم دلالة شئ من تلك الادلة عليه، سوى دعوى ظهور خبر الحسن بن زياد وما شابهه في أن لكل امرأة ليلة من أربع ليال الممنوعة على مدعيها على وجه يفيد ذلك بحيث يعارض الاصل، ونصوص حصر حق الزوجة في غير ذلك. ومن هنا كان صريح ابن حمزة وظاهر المحكي عن المقنعة والنهاية والغنية والمهذب والجامع وجوب القسم مع التعدد دون الواحدة، واختاره بعض المتأخرين ومتأخريهم، ولا ينافي ذلك ما سمعته من دعوى الاجماع المركب المردودة على مدعيها بذلك الذي منه وغيره يظهر ما في دعوى الشهرة على القول الاول أيضا.
وقد تحصل من ذلك أن الاقوال في المسأله ثلاثة، ولكن القول بوجوب القسمة ابتداء ولو في المتعددات التي هي محل اجتماع القولين - مع ما عرفته فيه
[ 155 ]
من عدم الدليل الواضح فضلا عن أن يكون بحيث يعارض ما سمعت - يستلزم أحكاما عديدة يصعب التزامها، بل لعلها مخالفة للمعلوم من سيرة أهل الشرع وطريقتهم، كعدم جواز الاشتغال في العبادات والاستئجار في الليل لبعض الاعمال وغير ذلك إلا برضا صاحبة الليلة. ولا يقال: إن مثله أيضا لازم على اقول بوجوب القسمة بعد الشروع، لان له طريقا إلى التخلص باتمام الدور، على أنك قد عرفت أن مبنى ذلك عدم حق للزوجة، وإنما هو من جهة مراعاة العدل في القسمة الذى يمكن دعوى عدم منافاته إذا كان ذلك لعذر شرعى أو عرفى أو غرض من أغراض العقلاء ونحوها، فان الذي ينافيه ترجيح بعض الزوجات على بعض فيما ليس له الترجيح فيه من دون عروض إقبال، بل لو قلنا بكونه حقا للزوجة بدليل صحة شرائه منها وهبته لشريكتها وسقوطه باسقاطها ونحو ذلك إلا أنه مقدر بملاحظة صدق عدم خروجه عن العدل إلى صدق
الجور والظلم. والقول في حقوق الزوجات المتحقق بما عرفت بخلاف القول بكونه حقا لها ابتدائيا متعلقا بعين الزوج على نحو تعلق حقه بها، فان ذلك يقضى بالتزام أحكام كثيرة يصعب قيام الدليل عليها، بل ربما كان بعضها مخالفا للمعلوم من السيرة، بل وللمقطوع به من الشرع، كما لا يخفى على من أعطى النظر حقه في جميع لوازم هذا القول، وخصوصا مع ملاحظة كونه حقا لها على وجه يكون الاصل فيه القضاء مع الفوات ولو لعذر إلا ما خرج لدليل يقتضى سقوطه، بل هو مناف للنصوص (1) السابقة التي كادت تكون متواترة في حصر حق الزوجة على الزوج في غيره، بخلافه على ما ذكرناه، فانه ليس حقا لها من حيث كونها زوجة، ولذلك لا يجب لها مع الاتحاد، بل ولامع التعدد مع عدم القسمة، وإنما يجب عليه العدل في القسمة، وعدم الجور فيها إن أرادها، ولم يكن حقا لها، أو كان ولكن كان من حيث عدم العدل في القسمة، فلا ينافى تلك النصوص المراد بها حصر حقوق الزوجة من حيث الزوجية،
(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب النفقات الحديث 3 و 5 و 7.
[ 156 ]
فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع، والله العالم. وعلى كل حال (ف) - قد بان لك أن مقتضى القول الاول أن (من) كان (له زوجة واحدة ف) - ان (لها ليلة) واحدة (من أربع، وله ثلاث يضعها حيث يشاء) ولو عند مملوكاته (وللاثنتين ليلتان) وله ليلتان يضعهما حيث يشاء (وللثلاث ثلاث، والفاضل) وهو ليلة واحدة (له) يضعها حيث يشاء (و) وأما (لو كان له أربع فلكل واحدة ليلة، بحيث لا يحل له الاخلال بالمبيت) في إحداهن (إلا مع العذر) العقلي أو الشرعي المرجح على أداء حقها المسقطين لادائه أوله ولقضائه (أو السفر) منه أو منها على الوجه الذي ستعرف الحال فيه (أو إذنهن أو إذن بعضهن فيما يختص به الاذنة) إذ لا سلطان لها على غير حقها، كما أنه بان لك جميع ما يتفرع على الاقوال الثلاثة بحيث لا يحتاج إلى الايضاح والاطناب. وكيف كان فلا خلاف في عدم جواز جعل القسمة - سواء قلنا بوجوبها ابتداء أو بالشروع - أنقص من ليلة، لكونها خلاف المأثور، بل خلاف ما دل على استحقاقها ليلة (1) ولو عند القسمة، ولتعسر ضبط أجزاء الليل، ولما في قسمته من تنغص
العيش، كما لا خلاف في جوازها ليلة ليلة. (و) إنما الكلام في أنه (هل يجوز أن يجعل القسمة أزيد من ليلة لكل واحدة ؟ قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه وجماعة: (نعم) يجوز للاصل وإطلاق الامر بالقسمة (2) مع عدم العول والجور فيها، ولا شئ منهما في المفروض، بل ربما كان ذلك أصلح لهن وأتم لمطلوبهن، بل وللزوج خصوصا مع تهعغباعد أمكنتهن على وجه يشق عليه ليلة ليلة. (والوجه) عند المصنف وجماعة (اشتراط) جوازه ب (- رضاهن) فلا يجوز مع عدمه، لخبر سماعة (3) " سألته عن رجل كانت له امرأة فيتزوج
(1) الوسائل الباب - 1 و 5 و 9 - من أبواب القسم والنشوز. (2 و 3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 4 - 8.
[ 157 ]
عليها هل يحل أن يفضل واحدة على الاخرى ؟ قال: يفضل المحدثة حدثان عرسها ثلاثة أيام إذا كانت بكرا، ثم يسوى بينهما بطيبة نفس إحداهما للاخرى " بناء على أن المراد به التسوية التي يتراضيان بها، فلو جعل لكل واحدة منهن
ليلتين متواليتين ولم تطب نفس إحداهما إلا بليلة ليلة لم تفعل ذلك، ولانه الثابت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم (1) الذي يجب التأسي به، ولظهور النصوص (2) في استحقاق كل زوجة ليلة من أربع، ولانه ربما أدى ذلك إلى الضرر في صاحبة النوبة، لامكان عروض عارض له عن إتمام ما تساوي به ضرتها. وفي الجميع نظر، فان خبر سماعة لو سلم إمكان إرادة ذلك منه لا يصلح لذلك بعد عدم ظهوره، وكونه من المأول، ويمكن إرادة استحباب التسوية بينهما برضاهما فيما فضل عنده من الليالي وغير ذلك. والتأسي بالنبي صلى الله عليه واله مع عدم وجوب أصل القسمة عليه المقتضى لعدم وجوب كيفيتها عليه أيضا لا محل له. والنصوص مساقة لبيان مقدار الاستحقاق الذي هو أربع من لياليه على وجه لو أراد التفضيل بما زاد عنده من الاربع كان له، لا أن المراد منها بيان الاستحقاق المنافي لذلك، كما لا يخفى على من تأملها، بل يمكن دعوى كون المراد منها بيان أقل أفراد القسمة، واحتمال وجوب وفائها حقها مع المطالبة به يدفعه منع ثبوت الحق لها مع فرض كون القسمة على ذلك.
وعروض العارض كما هو محتمل في القسمة ليلة ليلة محتمل في القسمة بأزيد، وأما الضرر فيمكن التخلص منه بتقييد الجواز بما لا ضرر فيه، وبما لا يعد فيه هجرا وعشرة بغير المعروف، وبما لا يتعارف في كيفيته قسمة مثل ذلك والمهاياة فيه، ولعل العلامة وغيره ممن أطلق الجواز يربد ذلك أيضا.
(1) سنن البيهقى ج 7 ص 300 و 301 (2) الوسائل الباب - 1 و 5 و 9 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 158 ]
فالاقوى حينئذ خصوصا على المختار الجواز مطلقا لكن على الوجه المزبور، وكأنه أولى مما عن الشيخ من تحديده بالثلاث، كما هو عند جمهور العامة، وما عن الاسكافي من التحديد بالسبع الذى يمكن أن يكون الوجه فيه تحديد العشرة بالمعروف، وعدم الهجر بذلك عرفا أو أن ذلك أقصى المأثور ولو في التي تزوجها جديدا، ولا ريب في أولوية ما ذكرناه من ذلك، كما هو واضح، والله العالم. (ولو تزوج أربعا دفعة) مثلا (رتبهن بالقرعة) مع التشاح، سواء قلنا بوجوب القسمة ابتداء أو بالشروع تخلصا من ترجيح بلا مرجح، ومن العول
فيها، ومن لحوق شبهة الميل إلى من يبتدئ بها، ففى الخبر (1) عن النبي صلى الله على واله " من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " وفحوى القرعة من النبي صلى الله عليه واله بين نسائه إذا أراد سفرا فيصحب من أخرجتها القرعة (2) ولانها على الاول من قبيل المهاياة فيه المعلوم تعيين الاول فيها بالقرعة، بل هي كقسمة الاشياء المشتركة، ضرورة تعلق الحق بالعقد، بل وعلى الثاني الذى هو وإن لم يكن كذلك ولكنه من باب العدل في القسمة المتوقف على القرعة في المبتدأ بها. (وقيل: يبدأ بمن شاء) منهن (حتى يأتي عليهن ثم يجب التسوية على الترتيب و) عند المصنف بل قيل والاكثر (هو أشبه) باصول المذهب وقواعده، لان ولاية القسمة بيده، إذ هو المخاطب بها، وإنما يحرم عليه العول والجور فيها، ولازم ذلك التخيير في الترتيب، ووجوب التسوية بعد تمامه على نحوه، لتحقق القسمة حينئذ، وتعيين كل ليلة لصاحبتها. نعم قد يقال - بناء على مختار المصنف - بعد الالتزام بها في الدور الثاني الذى هو في الحقيقة قسمة جديدة، وخصوصا مع الاعراض عنهن مدة بعد تمام
(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب القسم والنشوز والمستدرك الباب - 12 - منها الحديث 1 وسنن البيهقى ج 7 ص 297 مع الاختلاف في الجميع. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 302.
[ 159 ]
الدور، بل في القواعد بناء أصل المسألة - أي القسم بالقرعة أو الاختيار - على الوجوب ابتداء وعدمه، ولعله لاجتماع حقوقهن عليه على الاول بخلافه على الثاني، فانه لاحق لاحد منهن عليه، فحينئذ له الابتداء بمن شاء منهن، نعم يتجه القرعة في الثاني مع تعددهن لثبوت الحق لهن بالمبيت عند إحداهن. لكن في محكي المبسوط بعد التصريح بالوجوب بالشروع قال: " فأما إن أراد أنى يبتدئ بواحدة منهن فيجب عليه القسم، لانه ليس واحدة منهن أولى بالتقديم من الاخرى، فعليه أن يقسم بينهن بالقرعة، فمن خرجت بالقرعة قدمها، هذا هو الاحوط، وقال قوم: قدم من شاء منهن، وكان وجهه ما أشرنا إليه من أنه وإن كان لا حق لهن إلا أنه مخاطب بقسمة العدل بينهن إن أراد القسمة، ولا تتحقق إلا بمعاملتها قسمة الحق بين مستحقيه، ولا ريب في الاحتياج في ترجيج الاول
من المتسحقين لمثل هذا الحق الذي لا يمكن استيفاؤه إلا بالترتيب إلى مرجح، وليس إلا القرعة، والامر بالقسمة للزوج منصرف إلى الكيفية المتعارفة في قسمة أمثال ذلك، وحينئذ فالمتجه وجوب القرعة على القولين، لكن ذكروا في كيفيتها أنه إذا كانتا اثنتين كفت القرعة مرة واحدة، لان الثانية تعينت وإن كن ثلاثا إحتيج إلى قرعتين الاولى لتعيين الاولى منهن والثانية لتعيين إحدى الباقيتين وإن كن أربعا احتيج إلى القرعة ثلاث مرات، كما هو واضح ". قلت: يمكن الاكتفاء بالقرعة الواحدة من أول بأن يكتب ليلة كل واحدة منهن في ورقة ثم يقرع فتكون ليلة كل واحدة منهن ما في ورقتها، وظاهرهم عدم الحاجة في القرعة للواحدة، وإن قلنا بوجوب القسم ابتداء لتعيين ليلتها من الاربع مع فرض التشاح مع الزوج، ولعله لوجوب تعيين الاولى منهن لها في الفرض، لكونها ذلت حق تطالب من هو متمكن منه، ودعوى أنه واحدة من الاربع لا الاولى منهن فان له أن يتزوج في تلك الليلة من بزاحمها فيها يدفعها وضوح الفرق بين وجود المزاحم وعدمه، كدعوى أنه هو المزاحم، لان الزائد له، ضرورة عدم كون المراد من كون الفاضل له أنه حق له، فانه لا يتصور استحقاقه على نفسه، بل المراد منه عدم استحقاق أحد عليه، فلا يتصور
[ 160 ]
كونه مزاحما لمن له حق عليه. هذا، وقد يظهر من المتن ومحكي التلخيص اختصاص هذا البحث بمن تزوج دفعة دون من كان تزويجه مرتبا، ولعله لان الترتيب في النكاح يقتضي الترتيب في الاستحقاق، لكن في المسالك " أن ذلك من المصنف على جهة المثال لا الحصر، لان الخلاف يجرى وإن تزوجهن على الترتيب، أما على القول بعدم وجوب الابتداء بالقسمة فظاهر إذ لو كان معرضا عمن تزوجهن أولا ثم تزوج غيرهن وأراد القسمة جاء في البدأة الخلاف، وكذا لو قسم لاثنين وأكمل الدور لنفسه ثم تزوج ثالثة، وأما على القول بوجوب القسم مطلقا فيأتي الخلاف فيمن تزوج بها على رأس كل دور، بأن بات عند ثلاث ثلاث ليال وتزوج رابعة، أو عند اثنتين ليلتين وتزوج ثالثة أو اثنتين ". قلت: قد يقال: إنه مع القسم للمتقدمات يتعين حقهن فيما قسمه لهن، كما أنه يتعين حق المتجددة فيما له من الليالي، ضرورة اقتضاء القسم السابق تعين الحق في الاولى من الدور مثلا، نعم لو ترتبن في النكاح ولم يكن قسم لنشوز أو غيره
تأتي البحث حينئذ في كيفية البدأة به، والسبق في النكاح من حيث كونه كذلك لا يقتضي تعين ليلة مخصوصة من الاربع، بل هو والنكاح المتأخر سواء في كيفية اقتصاء استحقاق ليلة من أربع، كما هو واضح وليس له نقض القسم بدون رضا صاحبة الحق إذ هو ليس في خصوص ليلة خاصة من الدور، بل متى وقع كان مقتضيا لتعلق الحق في كل أولى أو ثانية مثلا من الدور، بل قد يتوقف في مشروعيته مع التراضي بالقسم في دور خاص وإن يقوى جوازه، لانحصار الحق فيهما، أما مع عدم التصريح بذلك فالظاهر تعلقه بكلي الثانية مثلا من الدور لا الخاصة منها، فلا يجوز نقضه حينئذ من دون تراض. نعم بناء على عدم وجوب القسم ابتداء قد يقال: إن له في كل دور تجديد القرعة، خصوصا مع الاعراض عنهن مدة طويلة بعد تمام الدور الاول، وإلى ذلك
(جواهر الكلام - ج 10)
[ 161 ]
أشار في المسالك بقوله: " إذا أقرع بينهن وتمت النوبة فلا حاجة إلى إعادة القرعة، بل يراعى ما اقتضته من الترتيب الاول وجوبا أو استحبابا هذا إذا أوجبنا القسمة
مطلقا أو أراد العود إليها على الاتصال، أما لو أعرض عنهن مدة طويلة ففي وجوب البناء على الترتيب السابق نظر، لان القسمة الحاضرة حق جديد لا تعلق له بالسابق، بل يحتمل سقوط اعتباره وإن عاد على الاتصال حيث لا نوجبها مطلقا، لان كل دور على هذا التقدير له حكم برأسه ". قلت: يمكن دعوى ظهور النص والفتوي في اتحاد القسم، سواء قلنا بوجوبه ابتداء أو بعد الشروع، وعدم وجوبه على الزوج على الثاني بعد إتمام الدور لا ينافي تعينه بالكيفية التي وقعت أولا وإن لم يكن متسحقا " عليه، ضرورة كونه قسما على كل حال، ولعله لذا كان خيرة المصنف وجوب التسوية على الترتيب مع قوله بالوجوب بالشروع. بل لعل ذلك هو الوجه فيما احتمل من وجوب الترتيب أيضا فيما لو أساء وبدأ بواحدة من غير قرعة بناء على وجوبها ثم أقرع بين الباقيات، فان عصيانه لعدم مراعأة القرعة لا ينافي صدق كونه قسما وتعين الحق للباقيات في غير الليلة التي ظلم بها، فيجب عليه حينئذ ذلك الترتب لتشخص القسم بما وقع وإن ظلم في الاولى، والوجه الاخر سقوط اعتبار البدأة شرعا، فتعتبر القرعة كما لو أبتدأ بالقسم،
بل في المسالك هو أجود وإن كان لا يخفى عليك الحال بعد الاحاطة بما ذكرناه، والله العالم (و) كيف كان ف (- الواجب في القسمة المضاجعة) بأن ينام قريبا منها على النحو المعتاد معطيا لها وجهه كذلك في جملة من الليل، بحيث يعد معاشرا بالمعروف لا هاجرا وإن لم يتلاصق الجسمان (لا المواقعة) التي لا تجب عليه إلا في أربعة أشهر مرة، وليست مقدورة في كل وقت، فهي حينئذ حق له متى أراده فعله بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ظاهرهم المفروغية من ذلك، وهو كذلك بالنسبة إلى المواقعة التى دل عليه - مضافا إلى الاصل وغيره - خبر إبراهيم
[ 162 ]
الكرخي (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل له أربعة نسوة فهو يبيت عند ثلاث منهن في لياليهن ويمسهن وإذا نام عند الرابعة في ليلتها لم يمسها فهل عليه في هذا إثم ؟ قال: إنما عليه أن يكون عندها في ليلتها، ويظل عندها في صبيحتها، وليس عليه أن يجامعها إذا لم يرد ذلك ". وأما المضاجعة على الوجه المزبور فانها وإن لم نجد بها نصا بخصوصها كما
اعترف به في كشف اللثام، بل قال: " المروى الكون عندها " لكن قد يدعى أنها المتعارفة من المبيت عندها، بل هو وشبهه السبب في تعيين ليلة لها وإضافتها إليها، بل هي المرادة من المعاشرة بالمعروف، بل يمكن استفادتها من آية (2) " واهجروهن في المضاجع " إلى آخرها الظاهرة في اشتراط ذلك بالنشوز، وأنه مع الطاعة ليس للزوج عليها هذا السبيل، بل ربما كان في قوله (3) " أيضرب أحدكم المرأة ثم يظل معانقها " والله العالم. (و) على كل حال ف (- يختص الوجوب بالليل) الذي خلقه للناس سكنا من حركات التعب ونهضات النصب، وجعله لهم لباسا ليلبسوا من راحته ومنامه فيكون ذلك لهم جماحا وقوة، ولينالوا به لذة وشهوة في المضاجعة والمواقعة ونحوهما، (دون النهار) الذي خلقه لهم مبصرا ليبتغوا فيه من فضله وليتسببوا إلى رزقه ويسرحوا في أرضه طلبا لما فيه نيل العاجل من دنياهم ودرك الاجل من أخراهم (4) مضافا إلى الاصل واقتصار النصوص على الليلة (5) والسيرة المستمرة وغير ذلك، خلافا للمحكي عن المبسوط " كل امرأة قسم لها ليلا فان لها نهار تلك
(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1.
(2) سورة النساء: 4 - الاية 34. (3) الوسائل الباب - 86 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (4) ما ذكره (قده) في خواص الليل والنهار مأخوذة من الصحيفة السجادية: الدعاء 6 وذكرها في البحار أيضا - ج 56 ص 199 ط الحديث. (5) الوسائل الباب - 1 و 5 و 9 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 163 ]
الليلة " وعن ابن الجنيد " العدل بين النساء هو إذا كن حرائر مسلمات لم يفضل إحداهن على الاخرى في الواجب لهن من مبيت بالليل وقيلولة صبيحة تلك الليلة، كان ممنوعا من الوطء أولا ". ولعله إليه أشار المصنف بقوله: (وقيل: يكون عندها في ليلتها ويظل عندها في صبيحتها) كما أنه أشار بقوله: (وهو المروى) إلى خبر الحضرمي (1) السابق وقد يشهد للاول (2) نصوص " للحرة يومان وللامة يوم " (3) وتخصيص البكر والثيب بالايام (4) بناء على كون اليوم اسما لمجموع الليل والنهار، لكن النصوص المزبورة معارضة بالمعتبرة المصرحة بدل اليوم بالليلة (5) فلابد من
التجوز بأحد الطرفين، إما بأن يراد من اليوم الليلة خاصة تسمية للجزء باسم كله، أو يراد من الليلة مجموع اليوم المشتمل على النهار تسمية للكل باسم جزئه، ولا ريب في رجحان الاول لاعتصاده بما سمعت، وصحة السند، وتعارف لحوق اليوم لليل في ذلك وإن لم يكن واجبا، وخبر الحضرمي مع قصوره عن معارضة غيره سندا وغيره إنما دل على الصبيحة لا القيلولة، اللهم الا ان يريد الاسكافي من القيلولة المكث عندها في تلك الصبيحة بقرينة قوله: " صبيحة تلك الليلة " أو يحمل الخبر على إرادة اليوم من الصبيحة على معنى خصوص القيلولة منه، لانها هي التى تشبه الليل في السكون والنوم وغيرهما، بخلاف غيرها من أجزاء النهار المعتاد فيها الخروج لتدبير المعاش ولغيره، وعلى كل حال فحمله على الندب متجه.
(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1 وهو خبر ابراهيم الكرخي المتقدم في ص 162. (2) هكذا في النسختين الاصليتين والصحيح " وقد يشهد للثاني " الا أن يريد (قده) به الاول من قولى الخلاف، وهما المحكى عن المبسوط والمحكى عن ابن الجنيد. (3) الوسائل الباب - 46 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 و 3 و 4.
(4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 1 و 9 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 164 ]
بل المستحب أيضا إلحاق اليوم بالليل بل هو من الفرد الكامل من العدل والعشرة بالمعروف والمعهود من النبي صلى الله عليه واله وسلم (1) بل عن علي عليه السلام (2) " إنه كان لا يتوضأ في يوم إحداهن عند الاخرى ". وكيف كان فقد ذكر غير واحد أنه لا يراد من البيتوتة معها في الليلة القيام معها في جميعها، بل ما يعتاد منها، وهو بعد قضاء الرجل من الصلاة في المسجد ومجالسة الضيف ونحو ذلك، حملا للاطلاق على المتعارف، مع عدم منافاته للمعاشرة بالمعروف، نعم ليس له الدخول في تلك الليلة على الضرة إلا للضرورة فيما قطع به الاصحاب كما في الرياض، لمنافاته المعاشرة المزبورة، ومن الضرورة عيادتها إذا كانت مريضة، بل عن المبسوط تقييده بثقل المرض وإلا لم يجز، فان مكث في غير ذلك أثم، ووجب قضاء زمانه ما لم يقصر بحيث لا يعد إقامة عرفا، فيأثم خاصة.
قلت: إن كان استثناء الجلوس عند الاضياف ونحوه لعدم منافاته صدق المبيت ليلة عرفا، فلا تفاوت بين الجلوس عندهم وعند الضرة، ضرورة كون الواجب مصداق ذلك والفرض تحققه، بل هو غير مناف للعدل وللعشرة بالمعروف بعد أن لم يكن لهن حق فيه، نعم لو قيل بأن الواجب المبيت في جميع الليلة عندها وإنما خرج خصوص بعض الافعال المزبورة التي يكون الزمان من لوازمها لا أن زمانها مستثنى كي لا يتفاوت صرفه في الضيف أو في زيارة الصديق أو نحوهما إلا أنه محل للنظر والبحث والانصاف تحقق السيرة القطعية في عدم المداقة في ذلك، كما أن الانصاف الاكتفاء بمطلق ما يكون مثله عذرا في العادة في التخلف عنها في بعض الليلة بل قد يسامح فيه بلا عذر، والميزان ما يتحقق به مسمى العدل والعشرة بالمعروف لا الفرد الكامل منهما الذي لا يستطيعه إلا الانبياء أو الاوصياء (صلوات الله عليهم)
(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 3.
[ 165 ]
وعدم الميل إلى إحداهن على وجه تبقى الاخرى كالمعلقة.
هذا وقد قيل أيضا إن إطلاق النص والفتوى بوجوب الليلة وارد مورد الغالب وهو ما يكون معاشه نهارا فلو انعكس كالوقاد والحارس والبزار فعماد قسمته النهار خاصة بلا خلاف، جمعا بين الحقين، دفعا للضرر، والتفاتا إلى قوله تعالى (1): " وجعلنا الليل والنهار خلفة ". ولو اختلف عمله فكان يعمل تارة بالليل ويستريح بالنهار وتارة يعمل بالنهار ويستريح بالليل وجب عيله مراعاة التسوية بين زوجاته بحسب الامكان، فان شق عليه ذلك لزمه لكل واحدة ما يتفق في نوبتها من الليل أو النهار. ولو كان مسافرا معه زوجاته فعماد القسمة في حقه وقت النزول، قليلا كان أم كثيرا، ليلا أم نهارا، قلت: قد ذكر هذا الحكم بعض العامة والخاصة، وهو إن تم إجماعا كان هو الحجة، وإلا أمكنت المناقشة باحتمال سقوط القسم في حقه باعتبار تعذر محله، والاية (2) لا تفيد عموم قيام الليل والنهار مقام الاخر في كل أمر وجب في أحدهما على وجه يفيد المطلوب وأصاله بقاء الحق لا يصلح مثبتا لمشروعية أدائه في غير المحل المخصوص، إذ هو بالنسبة إلى ذلك من الاصول المثبتة، على أنهم قد ذكروا سقوط القسم للعذر والسفر على وجه لا يجب عليه
قضاؤه، ولعل ذلك ونحوه من عدم المداقة في هذا الحكم التى قلناه سابقا، والله العالم. (وإذا كانت الامة مع الحرة أو الحرائر) حيث يجوز الجمع بينهما في التزويج (فللحرة ليلتان وللامة ليلة) بلا خلاف معتد به أجد فيه، إذ المحكى عن بعض القدماء منا من عدم القسم للامة محجوج بالنصوص (3) التى كادت تكون متواترة في خلافه، مضافا إلى ما دل (4) على أن الامة على النصف من الحرة،
(1 و 2) سورة الفرقان: 25 - الاية 62. (3) الوسائل الباب - 46 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 و 3 و 4 والباب - 8 - من أبواب القسم والنشوز. (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 166 ]
وحينئذ فالمتجه كون الدور من ثمانية، خمس للزوج، وليلتان للحرة، وليلة للامة، لكن نظر فيه في المسالك " بأن تنصيف الليلة في القسمة يجوز لعوارض كما سيأتي وإن لم يجز التنصيف ابتداء فلا مانع من كونه هنا كذلك، ولما كان الاصل
في الدور أربع ليال فالعدول إلى جعله من ثمان بمجرد ذلك مشكل، خصوصا إذا قيل بجواز جمع ليلتى الحرة من الثمان، لان ذلك خلاف وضع القسمة " وفيه ما قد عرفت سابقا من أن القسم لا يقع في أقل من ليلة، لما فيه من تنغيص العيش، وتعسر ضبط أجزاء الليل، والمنافاة لظاهر التقدير بالليلة واليوم، فلا يجوز قسمة الليلة الواحدة كما اعترف به سابقا، والمقام من ذلك قطعا، وعليه جرى قوله عليه السلام (1) " وإن تزوج الحرة على الامة فللحرة يومان وللامة يوم " ونحوه آخر ان (2) وقوله عليه السلام في الموثق (3): " للحرة ليلتان وللامة ليلة " ونحوه غيره (4) إذ هو مبنى إما على بيان أقل القسمة بناء على جوازها بالازيد أو على كيفيتها على وجه لا زيادة ولا نقيصة، نحو ما ورد في الحرة (5) من أنها " لها ليلة من أربع " الذي فهموا منه عدم جواز القسم بأقل منها، بل قد سمعت البحث في الازيد، كل ذلك مضافا إلى ما عن الخلاف وغيره من الاجماع على ذلك، قلت: بل لعله من المسلمين فضلا عن المؤمنين. ثم إن إطلاق النص والفتوى جواز الجمع بين ليلتى الحرة والتفريق خلافا لما عن بعض، فأوجب الثاني إلا برضاها بالاول، لان لها حقا في كل أربع
واحدة ولا يسقطه اجتماعها مع الامة، وفيه - مع إمكان تحصيل ذلك أيضا في بعض أفراد الجمع، كما لو كانت الليلة الاولى الرابعة من الدور الاول، والاولى من
(1) الوسائل الباب - 46 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 46 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 و 4. (3 و 4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 3 - 0 -. (5) الوسائل الباب - 9 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 167 ]
الدور الثاني - أن المراد من تلك النصوص تقدير الحق بذلك لا حصر القسم به، ولذا جوزناه بالازيد، على أن المنساق منها حال اتحادها مع وجوب القسم ابتداء أو مع اجتماعها مع الحرة دون اجتماعها مع الامة الذي أطلق فيه الليلتان الصادقتان على حالى الاجتماع والتفريق فالاصح حينئذ جواز كل منهما بناء على المختار من جواز القسم بأزيد، بل لعله كذلك أيضا بناء على القول الاخر، ضرورة كون الليلتين هنا بمنزلة الليلة حال الاجتماع مع الحرة، والله العالم. (والكتابية) الحرة (كالامة) التى هي خير منها ولو أعجبتكم (1)
(في القسمة) وحينئذ (فلو كان عنده مسلمة وكتابية كان للمسلمة ليلتان وللكتابية ليلة) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الخلاف الاجماع عليه، لاطلاق (2) إنهن بمنزلة الاماء، وخصوص الخبر (3) المنجبر بذلك، بل عن جماعة عد مثله في الصحيح " للمسلمة الثلثان، وللامة والنصرانية الثلث " فتوقف ثانى الشهيدين فيه في المسالك في غير محله (و) حينئذ ف (- لو كانت) عنده (أمة مسلمة وحرة ذمية كانتا سواء في القسمة) فتستحقان ليلتين من ثمان بل المتجه على ذلك ما ذكره غير واحد من الاصحاب قاطعين به من أنه لو كان عنده أمة كتابية كان لها ربع القسمة، فتستحق ليلة من ست عشرة ليلة، لئلا تساوى الامة المسلمة التى هي خير من الحرة الكافرة، وللاصل مع عدم المخرج عنه سوى إطلاق الخبر المتقدم بالتنصيف للنصرانية، وليس فيه حجة لتخصيصه بقرينة السياق - حيث جعلت في مقابلة الامة - بما لو كانت حرة، بل ربما ظهر من ذلك دليل آخر للحكم في المسألة السابقة بناء على مخالفة وجوب القسمة لاصالة
(1) اشارة إلى الاية الكريمة 221 من سورة البقرة " ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ".
(2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1 والباب - 45 - من أبواب العدد الحديث 1 من كتاب الطلاق. (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 3.
[ 168 ]
البراءة، فيقتصر في الخروج عنها بالاضافة إلى الكتابية الحرة على ما هو المتيقن من الادلة، وليس إلا كونها كالامة، إذ مساواتها للحرة المسلمة لا دليل عليها سوى إطلاق الادلة (1) بأن للحرة من أربع ليال ليلة الذي هو غير منصرف إلى مثلها قطعا، كل ذلك مضافا إلى أصالة عدم التداخل في السببين اللذين هما الكتابية و المملوكية المقتضي كل منهما نقصا عن مقابله، وأنه على النصف، فإذا كان أحدهما مقتضيا ليلة من ثمان فإذا انضم الثاني معه اقتضى من الست عشرة واحدة، بل قوله عليه السلام (2): " الامة على النصف من الحرة " مقتض ذلك أيضا، ضرورة اقتضائه حنيئذ كون الامة الكتابية على النصف من الحرة الكتابية التى قد عرفت مساواتها للامة المسلمة، والنصف من النصف ربع، وهو المطلوب، على أن المراد من كون الامة على النصف من الحرة من حيث كونها أمة، وكذا الكتابية
من حيث كونها كتابية، لا أن المراد منه أن الامة وإن كانت كتابية على النصف من الحرة وإن كانت مسلمة، بل ليس المراد عند التأمل إلا أن الامة الكتابية على النصف من الحرة كذلك، والامة المسلمة على النصف من الحرة كذلك كما هو واضح، هذا. ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك الحكم في جميع صور اجتماع الزوجات المتفرقات في القسمة، وهي اربعون صورة: ست منها ثنائية، وأربع عشرة ثلاثية، وعشرون رباعية، تبلغ مع الصور المتفرقة إحدى وخمسون، وهي من واحدة إلى أربع أحرار مسلمات، ومثلها كتابيات، واثنتان إماء كتابيات، و هما واحدة وإثنتان فيهما. واعلم أن القسمة في المتفرقة من ثمان في عشرين صورة، ومن ست عشرة في
(1) الوسائل الباب - 1 و 9 - من أبواب القسم والنشوز. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1 وفيه " قسم للحرة مثلى ما يقسم للمملوكة ".
[ 169 ]
عشرين، وفي المتفقة من أربع في أربع، ومن ثمان في ست، ومن ست عشرة في اثنتين، والله العالم، هذا. وفي إلحاق المبعضة بالحرة أو الامة بالحرة أو التقسيط إشكال من أصالة التسوية بين الزوجات إلا من علم خروجها، وهو هنا غير معلوم، مضافا إلى تغليب الحرية، ومن أن الحرية سبب التسوية وتحققها مع التبعيض غير معلوم، بل الظاهر العدم، لظهور عدم المساواة ومن الجمع بين مقتضى النصيبين، ومن التردد في الدخول في الحرة أو الامة أو في كل باعتبار، ولعل الاخير أقوى نظرا إلى غير ذلك من الاحكام التي جرى فيها التقسيط. وكيف كان فهنا (فروع): وهي (لو بات عند الحرة ليلتين فاعتقت الامة) قبل ليلتها أو في أثنائها (ورضيت بالعقد) ساوت الحرة و (كان لها ليلتان، لانها صادفت محل الاستحقاق) والتحقت بالحرة قبل توفية حقها وللشافعية وجه بالعدم نظرا إلى الابتداء (ولو بات عند الحرة ليلتين ثم بات عند الامة ليلة ثم أعتقت لم يبت عندها اخرى لانها استوفت حقها) نعم يستأنف في الدور الثاني التسوية، وهل العتق في اليوم الثاني لليلتها كالعتق في الليلة ؟ أما على
القول بعدم الدخول في القسم أصلا فليس مثله قطعا، وعلى القول الاخر فيه وجهان، من عدم الاستيفاء، ومن كونه تابعا، هذا إن بدأ بالقسمة بالحرة. (و) أما العكس كما (لو بات عند الامة ليلة ثم أعتقت) في أثناء ليلتها ساوت الحرة، فكانت لها أيضا ليلة واحدة، وإن أعتقت بعد تمام نوبتها (قبل استيفاء الحرة) حقها ولو في أثنائها في الليلة الاولى أو الثانية لم تساوها، فيجب حينئذ للحرة ليلتان، ثم يسوى بينهما بعد ذلك في دور آخر، لانها إنما استحقت ليلة واحدة على أن يكون نصف ما للحرة. و (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط (يقضي للامة ليلة، لانها ساوت الحرة) قبل توفية حقها (وفيه تردد) لما عرفت، وعن الشافعية قول
[ 170 ]
بأنها إن عتقت قبل الليلة الاولى من ليلتي الحرة أو فيها لم يكن لها إلا ليلة وإن عتقت في الليلة الثانية خرج من عندها في الحال، وهو قريب من قول الشيخ، وإن كان الظاهر أنه لا يرى الخروج من عندها، وقد تقدم لك تمام الكلام في هذه المسائل في نكاح الكفار.
كما أنه قد ظهر لك مما ذكرنا الضابط في المسألة، وهو أن الامة متى أعتقت بعد استيفاء حقها من النوبة فلا شئ لها و أعطيت الحرة حقها كاملا، سواء كانت متقدمة أو متأخرة، ومتى أعتقت قبل تمام نوبتها أكمل لها نصيب الحرة، (وليس للموطوءة بالملك القسمة) بلا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه (واحدة كانت أو أكثر) فله مع تعد دهن تخصيص من شاء منهن بالمبيت إذا لم يكن له زوجة أو كان وفضل من الدور شئ فصرفه إلى الامة، وبالجملة فحكمهن في القسمة حكم المعدومات، فلو كان له زوجة واحدة ولم نوجب القسمة لها من كل أربع كان مبيته عند الامة دائما بمنزلة الاعراض عن الزوجة و مبيته وحده. (و) كذا لا خلاف معتد به في أن (له أن يطوف على الزوجات في بيوتهن، وأن يستدعيهن إلى منزلة، وأن يستدعى بعضا ويسعى إلى بعض) لان تعيين المسكن يرجع إليه، كما أن الطاعة واجبة عليها، ودعوى منافاة الاخير للعدل والعشرة بالمعروف واضحة المنع بعد فرض إرادة المقرر بالشرع منهما فيما جعله الشارع لهن فيه حقا، نعم لا يبعد استحباب المساواة، وأفضل منه خصوص الطواف
عليهن تأسيا بالنبي صلى الله عليه واله (1) وأتم في استجلاب المودة والعشرة بالمعروف. والله العالم. (وتختص البكر عند الدخول) في التفضيل (بسبع ليال والثيب بثلاث)
(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2 وسنن البيهقى ج 7 ص 298.
[ 171 ]
على المشهور، للنبوي (1) " للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة " ولصحيح ابن أبي عمير عن غير واحد عن محمد بن مسلم (2) قال: " قلت: الرجل يكون عنده المرأة يتزوج أخرى أله أن يفضلها ؟ قال: نعم إن كانت بكرا فسبعة أيام، وإن كانت ثيبا فثلاثة أيام " وخبره الاخر (3) قلت لابي جعفر عليه السلام: " رجل تزوج امرأة وعنده امرأة، فقال: إذا كانت بكرا فليبت عندها سبعا، وإن كانت ثيبا فثلاثا " وخبر هشام بن سالم (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل يتزوج البكر، قال: يقيم عندها سبعة أيام " وعلي ذلك ينزل إطلاق خبر البصري (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يكون عنده المرأة فيتزوج الاخرى كم يجعل للتي يدخل بها ؟ قال:
ثلاثة أيام ثم يقسم ". نعم في خبر الحسن بن زياد (6) عن أبى عبد الله عليه السلام قلت: " فيكون عنده المرأة فيتزوج عليها جارية بكرا، قال: فليفصلها حين يدخل بها ثلاث ليال " وفي موثق سماعة (7) " سألته عليه السلام عن رجل كانت له امرأة فيتزوج عليها، هل يحل له أن يفضل واحدة على الاخرى ؟ قال: يفضل المحدثة حدثان عرسها ثلاثة أيام إذا كانت بكرا، ثم يسوى بينهما بطيبة نفس إحداهما للاخرى ". بل عن الشيخ في التهذيبين الجمع بينهما وبين النصوص السابقة بحمل السبع للبكر على الجواز، والثلاث على الافضل، بل عن ابن سعيد موافقته على ذلك، بل لعله ظاهر المحكى عن السرائر أيضا " إذا عقد على بكر جاز أن يفضلها بسبع، ويعود إلى التسوية، ولا يقضى ما فضلها، فان كانت ثيبا فضلها بثلاث ليال لكن على الخلاف أن للبكر حق التخصيص بسبعة وللثيب حق التخصيص بثلاثة خاصة لها أو بسبعة يقضيها للباقيات " واستدل عليه بالاجماع والاخبار (8) وبما روى (9) عن
(1) سنن البيهقى ج 7 ص 301 وكنز العمال ج 8 ص 253 الرقم 4136 وفيهما " للبكر سبع وللثيب ثلاث ".
(2 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1 - 5 - 3 - 4. (6 و 7 و 8) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 7 - 8 - 0 -. (9) سنن البيهقى ج 7 ص 300.
[ 172 ]
النبي صلى الله عليه واله إنه قال لام سلمة حين بنى بها: " ما بك على أهلك من هو ان إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت ". وقد يظهر من المحكى عن أبى على وجه آخر للجمع، قال: " إذا دخل ببكر وعنده ثيب واحدة فله أن يقيم عند البكر أول ما يدخل بها سبعا ثم يقسم وإن كانت عنده ثلاث ثيب أقام عند البكر ثلاثا حق الدخول، فان شاء أن يسلفها من يوم إلى أربعة تتمة سبعة، ويقيم عند كل واحدة من نسائه مثل ذلك ثم يقسم لهن جاز، والثيب إذا تزوجها فله أن يقيم عندها ثلاثا حق الدخول ثم يقسم لها ولمن عنده واحدة كانت أو ثلاثا قسمة متساوية " إلا أنه كما ترى لا شاهد له، ولا ينتقل إليه من مجرد اللفظ. بل قد يناقش في الجمع الاول أيضا المقتضى لكون الحكم من أصله ندبيا،
وإن مال إليه بعض الافاضل من متأخرى المتأخرين، مؤيدا بالاصل مع انتفاء الصارف عنه من النص وكلام أكثر الاصحاب من حيث تضمنهما ما يدل على الوجوب في مقام توهم الحظر بظهور النص والفتوى أن ذلك على جهة الاستحقاق لها، والاصل فيه وجوب الوفاء ممن عليه، وبه تقوى إرادة الوجوب من الامر به هنا، مضافا إلى ما سمعته من معقد إجماعه في الخلاف، ولمعلومية رجحان نصوص السبع في البكر بالشهرة العظيمة بل عدم الخلاف كما قيل، بل الاجماع المحكى عن جماعة على وجه لا يقاومها خبرا الثالث (1) المحمولان على أنها إنما تستحقها دون التكلمة سبعا، وإنما له تقديمها ويقضيها للباقيات كما سمعته من الاسكافي في الجملة، أو على إرادة استمرار تفضيلها بالثلاثة التى له ولها من الاربع، بل لعله ظاهر الاول منهما بقرينة ما قبله وما بعده، فيراد حينئذ من حين الدخول بها وحدثان العرس الايام القريبة منه، أو غير ذلك. وأما الثيب فلا خلاف أجده في النص والفتوى في عدم زيادة تفضيلها على الثلاث
(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 7 و 8.
[ 173 ]
إلا ما يحكى عن بعض الفتاوى والاخبار من التفضيل بالسبع أيضا فعن العلل (1) " أن رسول الله صلى الله عليه واله تزوج زينب بنت جحش فأولم وأطعم الناس إلى أن قال - ولبث سبعة أيام بلياليهن عند زينب، ثم تحول إلى بيت أم سلمة، وكان ليلتها وصبيحة يومها من رسول الله صلى الله عليه وهو مع قصور سنده وشذوذه وعدم مكافاته لما مر من الاخبار محمول على الاختصاص به صلى الله عليه واله، لعدم وجوب القسم عليه، وإلا ما سمعته من الخلاف الذي هو ليس تفضيلا لها، وإنما هو تقديم وقضاء للباقيات، مع أنا لم نجده فيما وصل الينا من النصوص المعتبرة سوى ما سمعته من قول النبي صلى الله عليه واله لام سلمة (2) المفتى به عند العامة التى جعل الله الرشد في خلافها المحمول أيضا على اختصاصه صلى الله عليه وآله به، فلا محيص حينئذ عن القول المشهور نقلا (و) تحصيلا. بل الظاهر أنه (لا يقضي) لنسائه شئ من (ذلك)، لظهور النص (3) والفتوى في استحقاقهما القدر المزبور، بل لم نعرف فيه خلافا بيننا إلا ما سمعته من الاسكافي منا الذي لم نعثر على دليل معتد به له، وأبى حنيفة من غيرنا، فأوجب القضاء مطلقا، ولا ريب في ضعفه، من غير فرق بين طلب الثيب المبيت عندها سبعا
وعدمه، خلافا لما عن مشهور الشافعية من أنها إن التمست السبع قضاهن أجمع، وان بات عندها سبعا من غير التماس لم يقض إلا الاربع، لانه صلى الله عليه وآله خير ام سلمة في الخبر (4) المتقدم بين اختيار الثلاث خالصة والسبع بشرط القضاء، فدل علي أنها إن اختارت السبع لزم القضاء، لان السبع حق البكر، فإذا التمستها فقد رغبت فيما ليس مشروعا لها، فيبطل أصل حقها، وإن التمست الست فما دونها، أو التمست البكر إقامة ما زاد على السبع لم يقض إلا الزائد، لانها لم تطمع في الحق المشروع لغيرها، وقد سمعت كلام الشيخ في الخلاف، وأنه اما ان يخصها بثلاث أو بسبع ويقضيها لخبر أم سلمة الذي هو عامى، فالتحقيق ما عرفت.
(1 و 3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2 - 0 -. (2 و 4) سنن البيهقى ج 7 ص 300.
[ 174 ]
ثم إن الظاهر اعتبار الولاء فيها لانه المنساق، بل كاد يكون صريح قوله في بعضها: " ثم يقسم " ولان الغرض وهو الايناس ورفع الوحشة لا يتم إلا به، نعم يتحقق بما سمعته في القسمة، وفي المسالك " يتحقق بعدم خروجه إلى أحد
من نسائه مطلقا على حد ما يعتبر في القسمة ولا إلى غيرها لغير ضرورة أو طاعة، كصلاة جماعة ونحوها مما لا يطول زمانه وإن كان طاعة، لان المقام عندها واجب فهو أولى من المندوب " وفيه ما عرفت مضافا إلى كون المدار سبق المبيت عندها على النحو المتعارف حتى بالنسبة إلى عروض بعض العوارض من ضيف أو عبادة في ليلة مشرفة ونحو ذلك. وعلى كل حال فلو فرق الليالى أساء قطعا بل في المسالك " وفي الاحتساب به وجهان، من امتثال الامر بالعدد، مكان ذلك بمنزلة القضاء، ومن اشتمال التوالى على غاية لا تحصل بدونه، كالانس وارتفاع الحشمة والحياء " قلت: كأن مراده وجوب قضاء عدد مشتمل على التوالى في احد الوجهين، لكنه كما ترى، خصوصا مع عدم اعتبار التوالي في النصوص شرطا، ومع إرادة أيام مخصوصة متوالية متصلة بالعقد، وبذلك افترق الحال بين التوالى في الكفارة وبينه هنا، بل المتجه هنا إما سقوط القضاء من أصله أو قضائها مع الاخلال بها ولو مفرقة، ولعل الثاني لا يخلو من قوة. ثم إنه قد صرح بعضهم بأنه لا فرق هنا بين الحرة والامة المسلمة والكتابية
لاطلاق النص والفتوى، ولان المقصود من ذلك أمر متعلق بالبضع، وهو لا يختلف بالحرية والرق ولا بالاسلام والكفر، كما يشترك الجميع في مدة الفئة في الايلاء، وفيه أنه يمكن أن يكون الاصلاق هنا اتكالا على معلومية نقصان الامة عن الحرة والكافرة عن المسلمة، حتى ورد أن الامة على النصف من الحرة (1) وأن الكتابية بمنزلة الامة (2).
(1) الوسائل في الباب - 8 - من أبواب القسم والنشوز. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 3 والباب - 45 - من أبواب العدد الحديث 1 من كتاب الطلاق
[ 175 ]
ومن هنا حكى عن بعضهم التشطير على حسب القسم، وهو قوى، خصوصا بناء على أن المقام قسم من القسم أيضا. انما الكلام في كيفيته، فيحتمل تكميل المنكسر، فيثبت للبكر الامة أربع ليال، كذا الحرة الكتابية، وللثيب منهما ليلتان، وليلة للامة الكتابية، ويحتمل التزام التشقيص هنا إما لجوازه في القسم أو في خصوص المقام، لعدم كونه منه، بل
في المسالك " أنه أصح الوجهين " وهو متجه على ما سمعته منه سابقا، أما على المختار فالمتجه الاول، لكونه من القسم الذي لا يجوز فيه التشقيص، وحذف الكسر منها مرجوح بالنسبة إلى تكميلها به ترجيحا لحق الجديدة، كما عساه يومئ إليه ترجيحها بالسبع والثلاث. وكيف كان فالمعتبر في الحرية والرقية بحالة الزفاف، فلو نكحها أمة وزفت إليه حرة لحقها حكم الحرائر، بل لا يبعد ذلك لو أعتقت في أثناء أيامها، لما عرفته سابقا، ولو قضى حق الجديدة ثم طلقها ثم راجعها لم يعد حق الزفاف، لانها باقية على النكاح الاول الذي قضى حقه، نعم لو طلقها بائنا ثم جدد نكاحها في العدة فالاصح تجدد الحق، لعود الجهة بالفراق المبين، وقد يحتمل عود الاول، لكنه واضح الضعف، ومثله ما لو اعتق مستولدته أو أمته التى هي فراشه ثم نكحها. ولو كان قد أبانها قبل أن يوفيها حقها ثم جدد نكاحها ففى المسالك " لزمه التوفية، لانه ظلم بالطلاق -، قال -: وعلى هذا فلو أقام عند البكر ثلاثا " وافتضها ثم أبانها ثم نكحها وجب أن يبيت عندها ثلاثا حق زفاف الثيب ولو قلنا بعود الاول وجب أن يبيت عندها أربعا لان حق الزفاف في النكاح الثاني على هذا يبني على النكاح
الاول، وقد بقي منه هذا المقدار " قلت: قد يمنع وجوب وفاء الاول الذى قد سقط بالطلاق، بل يمكن منع كونه ظلما لاحتمال اشتراطه ببقاء كونها زوجة، لا أنه يحرم عليه طلاقها قبل توفية حقها: وكذا الكلام في صاحبة الدور، كما ستسمع الكلام فيه في المسائل إنشاء الله.
[ 176 ]
هذا وقد ظهر لك أن للجديدة حق الاختصاص بالعدد المذكور، والتقدم به على غيرها، فان زفت إليه بعد تمام الدور حصل لها الاختصاص خاصة، وكذا لو تزوجها على واحدة بناء على عدم القسم لها، ولو كان عنده امرأتان فزفت إليه جديدة بعد ما قسم لاحداهما دون الاخرى ففى المسالك " قضى حق الزفاف، وتحقق هنا الاختصاص والتقديم، ثم قسم للقديمة الاخرى وأعطى الجديدة نصف ما وفي القديمة، لاستحقاقها حينئذ ثلث القسم، فان كان قد قسم للاولى ليلة وفي الاخرى بعد حق الزفاف ليلة، وبات عند الجديدة نصف ليلة، وخرج بقية الليلة إلى مسجد و نحوه، ثم استأنف القسم بينهن على السوية، ولو قسم للاولى خمس عشرة وتزوج بكرا خصها بسبع، ثم قسم ثلاثا للقديمة وواحدة للجديدة خمسة
أدوار - وقال فيها أيضا - لو تزوج في أثناء القسم ظلم من بقى بتأخير حقها بعد حضوره، ولكن لا يؤثر في تقديم الجديدة، ويجب التخلص من مظلمة المتأخرة على الوجه الذي ذكرناه " انتهى. وقد يقال: (أولا) أنه لا ظلم، لاشتراط حقها بعدم اتفاق نكاح جديد في الاثناء وإلا كان مقدما لاطلاق النصوص السابقة و (ثانيا) أنه لو فرض نكاحه بعد وفاء الاولى ليلتها دون الثانية اختصت الجديدة بأيام زفافها، ثم كان لها ليلة من الاربع، ولا يختص قسمها بين الباقية والجديدة حتى أنه تستحق الثلث مما لها. ولكن قد يدفع الاخير بأنه لا حق للجديدة مع القديمة المستوفية حقها في القسم قبل صيرورة الجديدة زوجة، وانما تشارك الباقية، فيكون كما لو كان عنده زوجتان، إلا أن القديمة الباقية قد استحقت عند القديمة الاولى، لان القسم كان بينهما، فيكون للقديمة الباقية ثلثان وللجديدة ثلث، ويتجه حينئذ ما ذكره من أنه إذا وفي القديمة ليلتها كان للجديدة نصف ليلة. وبتقرير آخر هو أن القديمة السابقة قد استوفت حقها من الاربع قبل صيرورة الجديدة زوجة، فاستحقت الثانية ليلة منها أيضا بمقتضى القسم بينهما قبل
(جواهر الكلام - ج 11)
[ 177 ]
تجدد الجديدة، فلم يبق من الدور حينئذ إلا ليلتان للجديدة فيهما الربع، وهو نصف ليلة، وأما الليلتان منه للقديمتين فلا حق لها فيهما. وكذا الكلام في القسم للاولى بخمس عشرة فانه إذا أراد وفاء الثانية حقها مع إعطاء الجديدة حقها من الادوار المتجددة بات عندها خمسة أدوار على الوجه المزبور، وهو ثلاث عند القديمة وواحدة عند الجديدة، فيحصل حينئذ خمس عشرة ليلة للقديمة، وخمس للجديدة يكون المجموع عشرين، إذ ليس للجديدة في الادوار المزبورة إلا خمس، لان لها من كل اربع ليلة وللقديمة الباقية كذلك، مضافا إلى استحقاقها في مقابلة ما أخذته القديمة السابقة وهو عشرة، إلا أن خمس منها للزوج، فالجديدة حينئذ إنما لها ثلث من الخمس عشرة، وهو خمس هي نصف ما وفي به القديمة الباقية أي العشرة، فلا فرق بين هذا المثال وبين الليلة ونصف في المثال السابق مع قطع النظر عن الخمسة التى هي له دفعها في مقابلة الخمس السابقة التي أخذ منها القديمة السابقة.
وكذا الكلام فيما تسمعه من المصنف وغيره من أنه لو كان له أربع فنشزت واحدة ثم قسم لكل خمس عشرة فبات عند اثنتين ثم اطاعت الناشز وجب توفيه الثالثة خمس عشرة والناشز خمسا، إذ لاحق لها في الثلاثين ليلة التي باتها عند الاولتين، لانها كانت ناشزا، ولها مع الثالثة اشتراك في استحقاق الدور، فكأن له زوجتين، للناشز في كل دور ليلة، للثالثة ثلاث إلى أن يكمل الخمس عشرة ليلة، فيبيت عند الثالثة في كل دور ثلاثا وعند الناشز ليلة خمسة أدوار ثم يستأنف القسم للاربع. لكن هذا إذا قلنا بأنه إذا كان له أقل من أربع فقسم بما يستوعب الدور أو يزيد عليه سقط حقه من الاربع، وإلا كان متبرعا على كل من الاولتين بثلاث وثلاثة أرباع، فلا يكون عليه للثالة تمام الخمس عشرة، بل إحدى عشرة وربع. وظاهر الاصحاب كما قيل على الاول بناء على وجوب العدل بينهن، خرج ما إذا قسم ليلة ليلة بالنص والاجماع على أنه حينئذ له أن يضع ما له من الاربع عند من
[ 178 ]
شاء من أزواجه، فيبقى غير هذه الصورة على اصل وجوب العدل، وإن كان قد يناقش بأن العدل إنما يجب فيما لهن من الحق لا فيما يتفضل به عليهن، أو على أنه
إذا قسم لهن أزيد من ليلة كان حقه بعد تمام قسمة كل منهن مساويا لما قسمه لها في المضاعفة، فإذا قسم لاثنتين كان له بعد ليلتى الاولى أربع وكذا بعد ليلتى الثانية، ونزلت الليلتان منزلة ليلة، فلا يكون له فيهما حق، فله أن يأخذ بحقه بعد الاولى بأن يبيت بعد ليلتها عند غيرها وأن يأخذه بعد الثانية، فهنا أيضا لما وفي لكل من الاثنتين خمس عشرة كان الجميع حقهما، فله أن يبيت خمس عشرة ليلة عند غير زوجاته الثلاث ثم يبيت عند الثالثة خمس عشرة وان يؤخر حقه عن توفية الثالثة حقها، وعلى كل حال فلها الخمس عشرة كاملة، وإذا رجعت الرابعة إلى الطاعة بكل ما كان له من الحق كما لو كانت له ثلاث فتزوج رابعة في الليلة الرابعة أو يومها. وكذا لو نشزت واحدة وظلم واحدة وأقام عند الاخريين ثلاثين ليلة ثم أراد القضاء للثالثة فأطاعت الناشز، فانه يقسم للمظلومة ثلاثا وللناشز يوما خمسة أدوار، فيحصل للمظلومة خمس عشرة ليلة عشرة قضاء لانه كان لها من كل ثلاث ليال ليلة، لنشوز الرابعة، وقد بات فيها عند إحدى الاخريين، وخمس أداء فكلما بات عندها ليلتين قضاء كانت الثالثة أداء لها، بخلاف السورة الاولى، فان
تمام الخمس عشرة فيها أداء، لانتفاء الظلم، ويحصل خمس للمطيعة، كما في الصورة السابقة و. (ولو سيق إليه زوجتان أو زوجات في ليلة) أو يوم (قيل: يبتدئ بمن شاء) في وفاء ايام الاختصاص، لاطلاق خطابه بذلك مع التساوى في الاستحقاق وإن ترتبا في الزفاف، (وقيل) كما عن بعضهم: إنه (يقرع) بينهن، لما سمعته في القسم، ضرورة كون المسألتين من واد واحد، (والاول أشبه) عند المصنف بناء على ما سمعته سابقا (والثانى أفضل) خروجا من شبهة الخلاف والميل والجور، بل قد عرفت أنه الاقوى عندنا، لا ما ذكره المصنف ولا ما عن المبسوط
[ 179 ]
والتحرير من وجوب الابتداء بمن سبق زفافها، لان لها حق السبق، وفيه أنه لا يصلح مرجحا بعد الاتحاد في تعلق الحق. ثم إن الظاهر القرعة في وفاء تمام الحق المعتبر فيه التوالي كما عرفت، لا أنه يخير بين ذلك وبين أن يبيت الليلة الاولى عند من خرجت القرعة باسمها ثم عند الاخرى وهكذا، فان في ذلك فوات اللتوالي فتأمل، والله العالم.
(وتسقط القسمة بالسفر) بمعنى أن له السفر وحده من دون استصحاب أحد منهن، وليس عليه قضاء ما فاتهن في السفر، سواء قلنا بوجوب القسمة ابتداء أم لا، للاجماع الفعلي من المسلمين على المسافرة كذلك من غير نكير ولا نقل قضاء مع أصالة عدم وجوبه بعد قصور أدلة القسم لمثله. ولا شبهة في أنه لو أراد إخراجهن معه فله ذلك، وعليهن الاجابة إلا لعذر، وإن أراد إخراج بعضهن جاز اتفاقا، ولان النبي صلى الله عليه واله كان يفعل ذلك ولا قضاء عليه للمتخلفات، للاصل، ولانه صلى الله عليه واله لم ينقل عنه القضاء ولو وقع لنقل، خصوصا فيما اشتمل على ذكر سفره بمن خرج اسمها، بل في المسالك " في بعض الروايات أنه صلى الله عليه واله لم يكن يقضي صريحا، ويؤيده أن المسافرة وإن حظت بصحبة الزوج لكنها قاست مشقة السفر، ولم يحصل لها دعة الحضر، فلو قضى لهن كان خلاف العدل ". وعن بعضهم اشتراط ذلك بكون خروج المصحوبة بالقرعة، فلو صحبها بدونها قضى، وإلا كان ميلا وظلما وخروجا عن التأسي، فان عدم قضاء النبي صلى الله عليه واله للقرعة، وفي القواعد " ولو استصحب من غير قرعة ففي القضاء إشكال " مما عرفت، ومن أنه لا حق لهن في أوقات السفر وإلا لم يجز له بانفراده، وله استصحاب من شاء منهن
خصوصا إذا استحبت القرعة كما ستعرف، والاصل عدم وجوب القضاء، وأنها وإن فازت بالصحبة فقد قاست شدة السفر. نعم هل ذلك عام لكل سفر لان الاشتغال به مطلقا يمنع حق القسمة، لما فيه من المشقة والعناء المانع من حصول الصحبة والتفرد بالخلوة الذي هو غاية القسمة ؟ ظاهر المصنف وصريح غيره ذلك.
[ 180 ]
(وقيل: يقضي سفر النقلة) من مكان إلى مكان آخر (والاقامة) أي الذي تحصل اللاقامة فيه (دون سفر الغيبة) للتجارة ونحوها ولم تتخلل فيه إقامة، واختاره الفاضل في القواعد قال: " ولو سافر للنقلة وأراد نقلهن فاستصحب واحدة قضى للبواقي وإن كان بالقرعة، لان سفر النقلة والتحويل لا يختص باحداهن - أي فهو في حكم الاقامة، وعليه نقل الكل - فإذا خص واحدة قضى للبواقي " بخلاف سفر الغيبة الذي هو للتجارة وغيرها بعزم الرجوع، فانه لاحق لهن فيه، وفي محكي المبسوط " إن في سفر النقلة وجهين - ولم يرجح شيئا منهما - أحدهما قضاء مدة السفر لذلك، والاخر قضاء مدة الاقامة معها في بلد النقلة خاصة دون مدة
السفر - وقال فيها أيضا - ولو سافر بالقرعة ثم نوى المقام في بعض المواضع قضى للباقيات ما أقامه دون أيام الرجوع على إشكال، ولو عزم على الاقامة أياما في موضع ثم أنشأ منه سفرا آخر لم يكن عزم أولا لزمه قضاء أيام الاقامة دون أيام السفر، ولو كان قد عزم عليه لم يقض أيام السفر على إشكال " وفي المسالك " عن بعض التفصيل أيضا في سفر النقلة بين الخروج بالقرعة وعدمه، فيقضى في الثاني دون الاول ". والاقوى عدم الفرق بين سفر النقلة وغيره، وبين الخروج بالقرعة وغيره، وبين سفر الاقامة وغيره، للاصل السالم عن المعارضة بعد الشك في تناول أدلة القسم لذلك أو ظهورها في غيره، خصوصا بعد السيرة المستمرة. إنما الكلام في أيام الاقامة المتخللة في أثناء السفر باعتبار خروجها عن اسم السفر شرعا، فهي من الحضر، مع قوة احتمال كونها كأيام السفر، لاندراجها فيها عرفا، ولان السيرة أيضا على عدم الفرق بينها وبين غيرها، ويمكن دعوى ظهور عبارة المتن في ذلك وإشكال الفاضل في أيام الرجوع في غيره محله، ضرورة اتحاد سفر الغيبة ذهابا وإيابا، والقرعة هنا لا محل لها، وكذا إشكاله الاخير المبني على أحد
الوجهين، وإيجاب القضاء مع السفر بلا قرعة، لكن من المعلوم أنه لا مجال لها هنا، كما هو واضح، فالمتجه حينئذ ما ذكرنا.
[ 181 ]
نعم لو سافر باثنتين عدل بينهما في السفر أقرع عليهما أو لاحداهما خاصة أو لم يقرع، لعدم كونه غائبا عنهما، فان ظلم إحداهما قضى لها إما في السفر أو في الحضر من نوبة المظلوم بها، وله أن يخلف إحداهما في أثناء السفر في بعض الاماكن بالقرعة وغيرها على الاصح، لعدم الفرق بينه وبين منزله قبل إنشاء السفر، فان تزوج في السفر باخرى خصها بثلاث أو بسبع في السفر ثم عدل بينهن، إذ السفر لا يسقط حق الجديدة، لاطلاق أدلته. ولو خرج وحده ثم استجد زوجة لم يلزمه القضاء للمتخلفات من نوبة الجديدة وإن قلنا بالقضاء إن استصحب إحدى القديمات بالقرعة، نعم إن أقام في السفر أو منتهاه لزمه القضاء، مع أن فيه البحث السابق، والله العالم. (و) كيف كان فالظاهر أنه (يستحب أن يقرع بينهن إذا أراد استصحاب بعضهن) للتأسي (1) ولانه أطيب لقلوبهن وأقرب إلى العدل، ولا يجب، للاصل،
وكيفيتها معلومة، ولا تنحصر في طريق، لكن في كشف اللثام " أنها يكتب اسم كل منهن بالسفر في رقعة يجعلها في بندقة طين أو غيره فيقال لمن لم يعلم بالحال: أخرج على السفر رقعة فكل من خرجت رقعتها سافر بها، فان أراد إخراج اخرى أمره باخراج رقعة اخرى، وكذا إذا أراد السفر بثالثة، وله إن أراد السفر باثنتين أن يجعل اسم كل اثنتين في بندقة، والاول أعدل، أو يخرج السفر على الاسماء فان أراد السفر بواحدة كتب في رقعة سفر وفي ثلاث حضر، فان خرج على فلانة رقعة السفر سافر بها، وإن خرجت رقعة الحضر أخرج باسم اخرى، وإن أراد أن يسافر باثنتين كتب في رقعتين سفر وفي اخريين حضر، أو اقتصر على رقعتين إحداهما سفر وفي الاخر حضر، وإن أراد السفر بثلاث كتب في ثلاث سفر وفي واحدة حضر ". ونحوه في المسالك ولا بأس به إن أراد بذلك أحد الافراد، إذ لا دليل على تعيين ذلك في كيفيتها، والامر سهل. (وهل يجوز العدول عمن خرج اسمها إلى غيرها ؟ قيل) كما عن المبسوط
(1) سنن البيهقى ج 7 ص 302.
[ 182 ]
والوسيلة: (لا) يجوز (لانها تعينت للسفر) وإلا انتفت فائدتها، (وفيه تردد) بل الاقوى أن له ذلك، للاصل السالم عن معارضة ما يقتضي كونها من الملزمات، وفائدة القرعة استحباب اختيارها للسفر، كما هو واضح، والله العالم. (ولا تتوقف قسم الامة على إذن المالك، لانه لاحظ له فيه)، فليس له منعها عن المطالبة به وعن إسقاطه وهبته للزوج أو ضرائرها، وفي المسالك " هذا لا كلام فيه " وهو جيد إن تم إجماعا، خصوصا لو أرادت الصلح عنه بمال. وعلى كل حال فهل يتوفق القسم لها على وجوب نفقتها كالحرة ؟ وجهان، من كونه من جملة الحقوق المترتبة على التمكين، ودورانه مع النفقة في الحرة وجودا وعدما، ومن أن وجوب النفقة على الزوج يتوقف على تسليمها إليه نهارا، وهو غير واجب على السيد، فلا يكون حكمها كالناشز، بل المسافرة في واجب، وعن المبسوط " النفقة والقسم شئ واحد، فكل امرأة لها النفقة لها القسم، وكل من لا نفقة لها لا قسم لها " وهذا يقتضي عدم وجوب القسم لامة مع عدم تسليم المولى نهارا، لسقوط نفقتها حينئذ وإن كان ذلك غير واجب على المولى " وفي المسالك " لعله الوجه " قلت: قد يقال: إن مقتضي إطلاق أدلة القسم وجوبه عليه، خصوصا مع إقدامه على عدم استحقاقه
التسليم نهارا بناء عليه على مولاها، فحينئذ امتناعها عليه بحق لا يسقط حقها من القسم، والله العالم. (ويستحب التسوية بين الزوجات في الانفاق وإطلاق الوجه والجماع) وغير ذلك، لانه من كمال العدل والانصاف المرغب فيهما شرعا، مع ما في ذلك من جبر قلوبهن وحفظهن عن التحاسد والتباغض، وفي الخبر (1) عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه عليه " من كان عنده امرأتان فإذا كان يوم واحدة فلا يتوضأ عند الاخرى " بل في خبر معمر بن خلاد (2) النهي عن ذلك، فإنه سأل الرضا عليه السلام " عن
(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 3 وفيه " ان عليا عليه السلام كان له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الاخرى ". (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2.
[ 183 ]
تفضيل نسائه بعضهن على بعض فقال: لا " وإن كان من المعلوم عدم وجوبها، للاصل وخبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي (1) سأل الكاظم عليه السلام " عن الرجل يكون له امرأتان يريد أن يؤثر إحداهما بالكسوة والعطية أيصلح ذلك ؟ قال: لا بأس وأجهد
في العدل بينهما " وظاهر قوله تعالى (2): " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل " وغير ذلك، ولذا أفتى الاصحاب باستحباب التسوية في غير ما دل الدليل على وجوبه من القسم والانفاق الواجبين ونحوهما، بل لا يبعد القول بكراهة التفاضل، لما سمعته من الخبر السابق (3)، والله العالم. (و) كذا يستحب (أن يكون في صبيحة كل ليلة عند صاحبتها) للخبر (4) المتقدم سابقا الذي منه قيل بالوجوب، وقد عرفت الحال فيه، (وأن يأذن لها في حضور موت أبيها وامها) لما في منعها من ذلك من المشقة والوحشة وقطيعة الرحم (و) إن كان (له منعها) عن ذلك و (عن عيادة أبيها وامها) فضلا عن غيرهما (وعن الخروج من منزله إلا لحق واجب) لان له الاستمتاع بها في كل زمان ومكان، فليس لها فعل ما ينافيه بدون إذنه، ومنه الخروج إلى بيت أهلها ولو لعيادتهم وشهادة جنائزهم، وفي خبر عبد الله بن سنان (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن رجلا من الانصار على عهد رسول الله صلى الله عليه واله خرج في بعض حوائجه فعهد إلى امرأته أن لا تخرج من بيتها حتى يقدم، قال: وأن أباها مرض فبعثت إلى النبي صلى الله عليه واله تستأذنه في أن تعوده فقال: اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك، قالت:
فثقل فتأمرني أن أعوده فقال: اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك، قال: فمات أبوها فبعثت إليه إن أبي قد مات فتأمرني أن اصلي عليه، فقال: اجلسي في بيتك وأطيعي
(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (2) سورة النساء: 4 - الاية 129. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 91 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.
[ 184 ]
زوجك، قال: فدفن الرجل، فبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن الله تعالى غفر لك ولابيك بطاعتك لزوجك " بل منه يستفاد أن له منعها عن الخروج لغير الحق الواجب وإن لم يكن منافيا لاستمتاعه المفروض امتناعه عليه بسفر أو غيره. وقد ظهر لك من ذلك كله كيفية القسم وزمانه، لكن المنصف ترك التعرض لمكانه، وفي القواعد " أما المكان فانه يجب أن ينزل كل واحدة منزلا بانفراده، ولا يجمع بين ضرتين في منزل إلا مع اختيارهن أو مع انفصال المرافق،
ويستدعيهن على التناوب، وله المضى إلى كل واحدة ليلة، وأن يستدعى بعضا ويمضي إلى بعض، ولو لم ينفرد بمنزل بل كان كل ليلة عند واحدة كان أولى، ولو استدعى واحدة فامتنعت فهي ناشز لا نفقة لها ولا قسمة إلى أن تعود إلى الطاعة وهل له أن يساكن واحدة ويستدعى إليها ؟ فيه نظر، لما فيه من التخصيص " لكن لا يخفى عليك خلو النصوص عن إفادة جميع ما ذكره وكذلك آية المعاشرة بالمعروف (1) بعد أن كان المراد منه ما وقته الشارع من القسم الواجب والنفقة، وكذلك قوله تعالى (2): " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن " بل ربما كان دالا على خلاف بعض ما ذكره، نعم لا بأس بذلك سياسة وجلبا للقلوب، ومراعاة لكمال العدل ونحو ذلك مما يصلح للاستحباب لا الايجاب المحتاج إلى دليل مخصوص واف بالمطلوب. نعم إن ظهر منه الاضرار بها بأن لا يوفيها حقها قسمة وغيرها استعدت عليه الحاكم لرفع ذلك عنها، وفي القواعد أيضا " أنه يأمره بأن يسكنها إلى جنب ثقة ليشرف عليها، فيطالبه الحاكم بما يمنعه من حقوقها، فان أراد السفر بها لم يمنعه الحاكم، لكن يكاتب حاكم ذلك البلد بالمراعاة " وإن كان فيه أيضا نحو ما تقدم
إلا أن الامر فيه سهل، خصوصا بعد ما تسمعه في السياسة بينهما لو حصل الشقاق، والله العالم.
(1) سورة النساء: 4 - الاية 19. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 6.
[ 185 ]
(واما اللواحق) (فمسائل:) (الاولى) (القسم) بناء على وجوبه مطلقا (حق مشترك بين الزوج والزوجة لاشتراك ثمرته) التي هي الاستمتاع لكل منهما. بل وعلى المختار أيضا على معنى أنه حيث يجب ولو بالشروع يكون مشتركا بينهما، فما في المسالك - من أن ذلك إنما يوافق القول بوجوبه مطلقا خاصة، إذ الحق بناء على القول الاخر مختص بالزوج دون غيره - في غير محله، ضرورة أن المختص به الشروع به لا بعده، فانه حينئذ يكون حقا لهما إلى تمام الدور، بل الظاهر أن المراد
بالقسم هو ذلك، وحينئذ فلا حاجة إلى الاعتذار فيها عن المصنف وغيره ممن عبر بهذه العبارة مع عدم قوله بوجوب القسم مطلقا باحتمال إرادة الاعم من الواجب من الحق، ضرورة معلومية الاشتراك في ثمرته، وإنما الكلام في اشتراك حقيته أو اختصاصها بالزوج، ثم قال: " ولو أراد بالحق ما هو أعم من الواجب فلابد من استعماله في معنييه، فليدخل حق الزوج فيه، فانه واجب، ويمكن حينئذ أن يريد القدر المشترك بين الواجب وغيره، وهو الراجح مطلقا، وقد كان يمكن تفريع قوله " فلو اسقطت حقها منه " على الحكم بكونه حقا للزوج فليس لها حينئذ إسقاط نصيبها من القسم إلا برضاه، وتحصل المطابقة بين الحكمين " إذا قد عرفت أن الحكم بالاشتراك متجه على التقديرين. وعلى كل حال (فلو أسقطت حقها منه كان للزوج الخيار) بين الرضا
[ 186 ]
بذلك وعدمه، لما سمعته من الاشتراك بينهما المقتضي لعدم سقوط أحدهما باسقاط الاخر، ومنه يعلم صورة العكس، وهي لو أسقط هو حقه من ذلك كانت الزوجة بالخيار، للاشتراك المزبور، ولعل اقتصار المصنف باعتبار كون الغالب وقوع
ذلك، والظاهر أن المراد بالاسقاط هنا الاذن منها، لا أنه كاسقاط الحقوق التي تسقط بالاسقاط على وجه لم يكن لصاحب الحق العود إليه، ولا أنه من قبيل ما في الذمة، وذلك لانه استمتاع في زمان مستمر، فما دامت مستمرة هي على الاذن في ذلك كان ساقطا، فإذا رجعت عن الاذن كان الحق لها، بل لو خرجت عن قابلية الاذن باغماء أو جنون لم يستمر السقوط. (ولها أن تهب ليلتها للزوج أو بعضهن مع رضاه) لتسلطها على حقها كالمال، إلا أنه لما كان مشتركا بينها وبين الزوج اعتبر رضاه، وللمرسل عن النبي صلى الله عليه واله (1) " إن سودة بنت زمعة لما كبرت وهبت نوبتها لعائشة فكان النبي صلى الله عليه وآله يقسم لها يوم سودة ويومها " ونعم الظاهر إن إطلاق الهبة على ذلك توسع، باعتبار أنه ليس من موردها الذي هو الاعيان، نعم الظاهر اعتبار القبول من الموهوبة، فان لم تقبل لم ينتقل الحق إليها. ومن هنا يمكن أن يقال: بجريان جميع أحكام الهبة على ذلك، فيكون الخارج بما هنا من النص والفتوى تعلق الهبة بغير العين، لكن الانصاف أن ذلك ليس بأولى من القول بعدم جريان شئ من أحكام الهبة عليها وعدم اندراجها في
إطلاق دليلها وإن شاركتها في بعض الاحكام، فلا يجرى عليها حكم هبة الرحم ونحو ذلك من أحكام الهبة، وإطلاق لفظ الهبة في المرسل والعبارات كله من باب التوسع، وإلا فالمراد الاذن منها في إسقاط حقها على وجه مخصوص، وهو وضعه عند واحدة منهن، وأما هبتها للزوج فليس معناه إلا الاسقاط. ومن هنا قال المصنف: (فان وهبت للزوج وضعها حيث شاء) منهن
(1) سنن البيهقى ج 7 ص 296.
[ 187 ]
ومن غيرهن ولو بأن يترك المبيت فيها عند أحد منهن، ثم إن كانت نوبة الواهبة متصلة بنوبة الموهوبة بات عندها ليلتين على الولاء، وإن كانت منفصلة فالاصح كما في المسالك وجوب مراعاة النوبة فيهما، لان لها حقا من بين الليلتين سابقا، فلا يجوز تأخيره، ولان الواهبة على تقدير تأخر ليلتها قد ترجع بين الليلتين، والموالاة تفوت حق الرجوع، وإن وهبت حقها من الزوج فله وضعه حيث شاء، بمعنى أنه ينظر في الواهبة وليلة التى يريد تخصيصها أهما متواليان أم لا ؟ ويكون الحكم على ما سبق.
(وإن وهبتها لهن) أجمع (وجب قسمتها عليهن) على معنى المبيت عند كل واحدة منهن بعض الليلة، ولو رضين بقسمتها ليال على معنى أن يكون عند واحدة منهن في كل دور جاز أيضا، واتفاق رجوعها بعد استيفاء إحداهن دون الاخرى غير قادح، ومثله يأتي في القسمة أبعاضا، ومن هنا كانت المتجه القرعة في الابتداء مع التشاح، فينحصر الخسران حينئذ بالتي حصل رجوع الواهبة قبل استيفائها. (وإن وهبتها لبعض منهر) معينة (اختصت بالموهوبة) على حسب ما عرفت، هذا ولكن في المسالك " وإن وهبت حقها من جميعهن وجبت القسمة بين الباقيات، وصارت الواهبة كالمعدومة، ومثله ما لو أسقطت حقها مطلقا، هذا إذا لم نوجب القسمة ابتداء، وإلا لم يتم تنزيلها كالمعدومة فيما لو كن أربع، لاشتراكهن حينئذ في تمام الدور، وهو الاربع، ولو جعلناها معدومة فضل له ليلة، والواجب على هذا التقدير أن يرجع الدور على ثلاث دائما مادامت الواهبة مستحقة، بخلاف ما لو طلقها أو نشزت، فان حكم ليلتها ساقط وتصير كالمعدومة محضا وعلى التقدير الاخر يفضل له ليلة " وهو جيد.
لكن قد يناقش بعدم الفرق بين القولين في عدم تمامية التشبيه، أللهم إلا أن يكون المراد أنه لا حق لها تهبه على القول بالوجوب بالشروع، فمرجع هبتها حينئذ إلى تنزيلها منزلة العدم، وفيه نظر، ضرورة إمكان هبتها في أثناء الدور،
[ 188 ]
وإمكان عدم الحق لها وإن كان معلقا على الشروع كما نبه عليه قوله: (وكذا لو وهبت ثلاث منهن لياليهن للرابعة لزمه المبيت عندها من غير إخلال) الذي وافقه عليه في المسالك، حيث قال: " ولو فرض هبة الجميع لواحدة انحصر الحق فيها، و لزمه مبيت الاربع عندها على تقدير القول بوجوب القسمة دائما، ولا ينزل حينئذ منزلة الواحدة، بل بمنزلة الاربع، وعلى القول الاخر يجب عليه إكمال الدور لها حيث ابتدأ به، ويسقط عنه بعد ذلك إلى أن يبتدئ به فيجب عليه إكمال الاربع، وهكذا. ويجرى عليه أيضا قوله: " لزمه المبيت عندها من غير إخلال " يعنى بالدور الواجب " فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (الثانية) (إذا وهبت ورضى الزوج) الذي قد عرفت اعتبار رضاه للاشتراك في
الحق الذي علمته (صح) لما تقدم. (ولو رجعت كان لها) ذلك (ولكن) في غير ما مضى وإن كانت الموهوبة رحما لها، لعدم كونها هبة حقيقة، ولعدم القبض فيما رجعت فيه، ومن هنا كان (لا يصح) رجوعها (في الماضي بمعنى أنه لا يقضى) لكونه بمنزلة التلف المانع من الرجوع به (ويصح فيما يستقبل) الذى هو متجدد ولا قبض فيه، فلها الرجوع فيه بحيث لو رجعت في أثناء الليل وعلم به خرج من عند الموهوبة. (ولو رجعت ولم يعلم) الزوج بذلك (لم يقض ما مضى قبل علمه) للاصل بعد عدم التقصير منه، وفي المسالك " في المسألة وجه آخر، أنه يقضى كما قيل بانعزال الوكيل قبل العلم بالعزل، والحق الاول " قلت: هو لا يخلو من قوة باعتبار انكشاف استيفاء حقها مع عدم إذنها، وعدم التقصير لا مدخلية له في تدارك الحق لذيه، وليس هو كالمال المأذون في أكله الذي تأتى فيه قاعدة
[ 189 ]
الغرور، كما أنه ليس من قسم الوكالة التى ثبت بالنص (1) والفتوى عدم
انفساخها قبل العلم، بعد حرمة القياس عندنا، فيتجه حينئذ التدارك لها، خصوصا مع علم الزوجة دونه، فانها حينئذ هي ظالمة تقاص من ليلتها، لان الحرمات قصاص (2) والله العالم. المسألة (الثالثة) (لو التمست عوضا عن ليلتها فبذله الزوج هل يلزم ؟ قيل) والقائل الشيخ في المحكى عن مبسوطه: (لا) يلزم (لانه حق لا يتقوم منفردا) أي غير مالى، لعدم كونه في مقابلة عين أو منفعة، وإنما هو مأوى ومسكن (فلا تصح المعاوضة عليه) والاقوى خلافه، لاطلاق أدلة الصلح مثلا الشاملة لمثل ذلك من الحقوق كحق الخيار والشفعة من غير فرق بين الصلح على إسقاطه أو انتقاله فيما كان قابلا منه للانتقال، كما في المقام، مضافا إلى خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن رجل له امرأتان قالت إحداهما: ليلتى ويومى لك يوما أو شهرا أو ما كان، أيجوز ذلك ؟ قال: إذا طابت نفسها واشترى منها ذلك فلا بأس " ومن المعلوم أن إطلاق الشراء مجاز، لان البيع متعلق بالاعيان فهو كناية عن المعاوضة عليه بالصلح مثلا.
والظاهر عدم اختصاص ذلك بالزوج، بل يجوز للنساء بعضهن مع بعض، لكن مع إذن الزوج، للاطلاق المزبور، كما أن الظاهر جوازه لهن بتبديل ليلة بعضهن بالاخرى لذلك أيضا.
(1) الوسائل الباب - 2 - من كتاب الوكالة. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 194. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2.
[ 190 ]
هذا وفي المسالك " حيث لا تصح المعاوضة يجب عليها رد العوض إن كانت قبضته، ويجب القضاء لها إن كانت ليلتها قد فاتت، لانه لم يسلم لها العوض، هذا مع جهلهما بالفساد أو علمهما وبقاء العين، وإلا أشكل الرجوع، لتسليطه لها على إتلافه بغير عوض حيث يعلم أنه لا يسلم له، كما في البيع الفاسد مع علمهما بالفساد " وفيه أنه لا يتم مع فرض كون البذل بعنوان المعاوضة التى لم يتم له فيها المعوض وعدم الرجوع في البيع الفاسد لو سلم فلدليل خاص من إجماع ونحوه، ضرورة أن التسليط المزبور ولو اقتضى عدم الرجوع لاقتضى في المعوض أيضا كما في العوض
وقد تقدم تحقيق المسألة في محله. المسالة (الرابعة) (لا قسمة للصغيرة ولا المجنونة المطبقة ولا الناشزة ولا المسافرة بغير إذنه بمعنى أنه) يؤديه ذلك لهن فعلا " و (لا يقضي لهن عما سلف) أما في الاولى والثالثة فلا أجد فيه خلافا هنا، وذلك لان القسمة من جملة حقوق الزوجية، وهي بمنزلة النفقة التى تسقط بالصغر والنشوز، ولعله كذلك في الناشزة، أما الصغيرة القابلة للاستمتاع الملتذة به فلا دليل عليه، لاندراجها في اسم الزوجة التي قد سمعت ما يدل (1) على استحقاقها الليلة من الاربع، وسقوط النفقة المشروطة بالدخول لو قلنا به لا يقتضي سقوط حقها من القسم، اللهم إلا أن يشك في شمول أدلته لمثلها، والاصل البراءة، و لعله كذلك. وأما المجنونة المطبقة فقد علل بأنها لا عقل لها يدعوها إلى الانس بالزوج والتمتع به، وهو كما ترى أخص من المدعى، ولذلك قال في المسالك: " والاولى تقييد المطبقة بما إذا خاف أذاها أو لم يكن لها شعور بالانس به وإلا لم يسقط حقها منه " وربما يؤيد ذلك في الجملة ما سمعته سابقا في جنون الزوج،
(1) الوسائل الباب - 1 و 9 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 191 ]
نعم يمكن الشك أيضا، في تناول الادلة للمجنونة على حسب ما سمعته في الصغيرة، خصوصا مع ظهور المفروغية منه عند المصنف وغيره، وكان التقييد بالمطبقة لاخراج ذات الادوار، فانه لا يسقط حقها حال إفاقتها قطعا، أما حال أدوارها فيشكل الفرق بينها وبين المطبقة أداء وقضاء. والمسافرة بغير إذنه في غير واجب أو ضروري من الناشز التي قد عرفت الحال فيها، نعم إن كان في واجب مضيق أو باذنه في غرضه لم يسقط حقها، ووجب القضاء لها بعد الرجوع على ما صرح به بعضهم، بل ظاهره عدم الخلاف فيه، لاقتصاره في حكايته على ما إذا كان باذنه في غرضها، قال: " فيه قولان: من الاذن في تفويت حقه فيبقى حقها، ومن فوات التمكين والاستمتاع المستحق عليها لاجل مصلحتها، والاذن انما تؤثر في سقوط الاثم، وفوات التسليم المستحق وإن كان بسبب غير مأثوم فيه يوجب سقوط ما يقابله، كما إذا فات تسليم المبيع قبل القبض بسبب يعذر فيه، فانه يسقط تسليم الثمن، والاول خيرة العلامة في التحرير والثاني خيرته في القواعد "
قلت: مبني المسألة على الظاهر أمران: (أحدهما) أصالة تدارك هذا الحق وقضائه أولا (ثانيهما) أن ظاهر أدلة القسم شمولها لمثل المفروض أو أنها ظاهرة في الزوجات القابلة للتقسيم عليهن، ولعل الاقوى الاول في الاول، والثاني في الثاني، وهو كاف في سقوط الحق لها، بل منه ينقدح الشك أيضا في ثبوته في الاولين إن لم يكن إجماعا، والله العالم.
[ 192 ]
المسالة (الخامسة) (لا) يجوز أن (يزور الزوج الضرة في ليلة ضرتها) بغير إذنها، لما في ذلك من منافاة العدل والايذاء غالبا، ولانها متسحقة لجميع أجزاء الليلة فلا يجوز صرف شئ منها إلى غيرها إلا بما جرت به العادة، أو دلت قرائن الاحوال على إذنها فيه، كالدخول على بعض أصدقائه والاشتغال ببعض العبادة ونحو ذلك ولا ريب في عدم دخول زيارة الضرة فيه (و) احتمال أن المستثنى زمان أمثال ذلك فله وضعه حيث شاء، مناف لظاهر الادلة إن لم يكن المقطوع به منها. نعم (لو كانت مريضة جاز له عيادتها) لقضاء العادة، كما تجوز عيادة
الاجنبي، ولعدم التهمة في زيارتها حينئذ، لمكان المرض بخلاف الصحة، ولذا قيده بعضهم بكون المرض ثقيلا وإلا لم يصح، ثم إن خرج من عندها في الحال لم يجب قضاؤه حتى لو فرض في حال عصيانه به، لكونه قدرا يسيرا لا يقدح في المقصود ولم يفد تداركه (ف) يبقى على الاصل. و (إن استوعب الليلة عندها) في غير العيادة أو طال مكثه كذلك فلا شبهة في القضاء، وإن استوعبها فيها لاقتصاء المرض ذلك ف (- هل يقضيها ؟ قيل: نعم، لانه لم يحصل المبيت لصاحبتها) والاصل التدارك، وتممه في المسالك بأنه ليس من ضرورات الزيارة الاقامة طول الليلة، فهو ظلم، وكل ظلم للزوجة في المبيت يقضي (وقيل: لا) يقضى (كما لو زار أجنبيا، وهو أشبه) عند المصنف، لكن في المسالك " أن الأول أقوى، والفرق بين الامرين واضح، والاصل ممنوع فان زيارة الاجنبي مشروطة بعدم استيعاب الليلة ". قلت: محل البحث على الظاهر ما إذا اقتضى الحال استيعاب الليلة عندها لتمريضها، والمراد بالشبيه بزيارة الأجنبي أنه يكون معتادا كاصل الزيارة، لا
(جواهر الكلام - ج 12)
[ 193 ]
أن المراد الزيارة المستوعبة، وحينئذ لا يكون فيه ظلم للزوجة، فيبنى على أصالة التدارك مع عدم الظلم، ويمكن أن يكون بناء المصنف عدم التدارك فيما لا يكون ظلما، وهو لا يخلو من وجه وإن كان الاقوى خلافه، وعلى كل حال لا يحتسب على المريضة نعم لو طال المكث عندها بغير عيادة اقتص منها بمثله في نوبتها. أما لو طال المكث عند غير الضرة قضاه من ليلته إن بقيت له ليلة، وإلا بقيت المظلمة في ذمته إلى أن يتخلص منها بمسامحة ونحوها. (ولو دخل) على إحدى الضرات في ليلة الاخرى (فواقعها ثم عاد إلى صاحبة الليلة لم يقض المواقعة) قطعا (في حق الباقيات) للاصل و (لان المواقعة ليست من لوازم القسمة) نعم يتجه قضاء زمان المواقعة مع طوله، لما عرفت، وإن لم يطل ففي المسالك فالاثم خاصة، قلت: في الاثم ايضا نظر، وعن بعض العامة وجوب قضاء الجماع للمظلومة في ليلة المجامعة كما فعله لها، ثم يذهب إليها ليحصل العدل وإن لم يكن الجماع واجبا في نفسه، وهو كما ترى بعد عدم وجوب العدل بنحو ذلك، والله العالم.
المسألة (السادسة:) (لو جار في القسمة قضى لمن أخل بليلتها) بلا خلاف لكنه مشروط ببقاء المظلوم بهن في حباله، وبأن يفضل له من الدور يقضى، فلو كان عنده أربع فظلم بعضهن في ليلتها بأن ترك المبيت فيها عندها وعند ضراتها لم يمكنه القضاء، لاستيعاب الوقت بالحق على القول بوجوب القسمة ابتداء فيبقى في ذمته إلى أن يتمكن بطلاق واحدة أو نشوزها أو موتها أو غير ذلك مما يكون سببا لرجوع شئ من الزمان إليه يتمكن فيه من القضاء أو يسترضيهن بمال أو غيره، نعم لو كان ظلمه بالمبيت عندهن فان جعل ليلتها لواحدة معينة قضاها من دورها، وإن ساوى بينهن وأسقط المظلومة من رأس قضى لها الزمان بقدر ما فاتها ؟، بل قيل: مواليا إلى
[ 194 ]
أن يتم لها حقها ثم يرجع إلى العدل، ووجهه ما تسمعه. وكذا لا يتمكن من القضاء لو تزوج ثلاثا مثلا بعد مفارقة المظلوم بهن، فان المظلومة لا حق لها عند المتجددات، نعم لو أمكن الجمع بين حق الجديدة والقضاء اتجه حينئذ ذلك. كما لو فارق واحدة منهن وتزوج اخرى أمكن القضاء
من دور المظلوم بهما دون الجديدة، فيعطيها من كل دور ثلاثا وللجديدة ليلة إلى أن يكمل حقها ثم يرجع إلى العدل، فلو كان معه ثلاث نسوة مثلا فبات عند اثنتين منهن عشرين ليلة مثلا فاستحقت الثالثة عنده عشرا - بل قيل: وعليه أن يوفيها إياه ولاء، لانها قد اجتمعت في ذمته، وهو متمكن من وفائها، فلا يجوز أن يؤخر وإن كان لا يخلو من نظر - فنكح جديدة بعد العشرين لم يجز أن يقدم قضاء العشرة، لانه ظلم على الجديدة، بل يوفيها أولا حق الزفاف من ثلاث أو سبع ثم يقسم الدور بينها وبين المظلومة فيجعل لها ليلة وللمظلومة ليلتها وليلتي الظالمتين، وهكذا ثلاثة أدوار فيوفيها تسعا، ويبقى لها ليلة. قال في المسالك: " فان كان قد بدأ بالمظلومة بات بعد ذلك ليلة عند الجديدة، لحق القسم ثم ليلة عند المظلومة لتمام العشر، ويثبت للجديدة بهذه الليلة ثلث ليلة، لان حقها واحدة من أربع، فإذا أكمل لها ثلث ليلة خرج باقي الليل إلى مكان خال عن زوجاته ثم يستأنف القسمة للاربع بالمعدل، وإن كان قد بدأ بالجديدة فإذا تمت التسع للمظلومة بات ثلث ليلة عند الجديدة وخرج باقي الليل كما وصفناه، ثم بات ليلة عند المظلومة ثم قسم بين الكل بالسوية " وفيه
نظر كقوله فيها: " إنه قد يحتاج إلى التبعيض بغير الظلم، كما لو كان يقسم بين نسائه فخرج في نوبة واحدة لضرورة ولم يعد أو عاد بعد وقت طويل، فيقضى لها من الليلة التي بعدها مثل ما خرج، ويخرج باقي الليل إلى المسجد أو نحوه كما قررناه ويستثنى من الخروج ما إذا خاف اللص والعسس أو لم يكن في داره مكان منفرد يصلح لمنامه بقية الليلة، فيعذر في الاقامة، والاولى أن لا يستمتع فيما وراء زمان القضاء " فتأمل جيدا، والله العالم.
[ 195 ]
المسالة (السابعة:) (لو كان له أربع فنشزت واحدة) سقط حقها وفضل له حينئذ من الدور ليلة يضعها حيث يشاء لو كانت قسمته ليلة ليلة، أما إذا كانت أكثر من ليلة ففي المسالك " استوعب دور القسمة أو زاد عليه، لان أقل النسوة المتعددات أن يكونا اثنتين، فإذا جعل القسم بينهن اثنتين استوعب حقهما الدور، فيسقط حقه من الزائد، لانه أسقطه بيده حيث اختار الزيادة " ونسب ذلك إلى ظاهر مذهب الاصحاب في مسألة الكتاب ونظائرها، قال: " ويدل عليه أن ثبوت حقه معهن وتفضيل بعضهن
على بعض على خلاف الاصل، والدلائل العامة من وجوب العدل والتسوية بينهن يدل على خلافه، ويقتصر فيه على مورد النص، وهو ثبوت حقه في الزائد عن عددهم في الاربع على القسمة ليلة ليلة على ما في الرواية الدالة من ضعف السند، ولو لا ظهور اتفاق الاصحاب عليه أشكل اثباته بالنص، وعامة الفقهاء من غير الاصحاب على خلافه، وأنه متى قسم لواحدة عددا وجب ان يقسم للاخرى مثلها مطلقا مع تساويهما في الحكم ". قلت، لا ريب في ظهور النص (1) المشتمل على الاشارة إلى الاية الكريمة (2) كما تقدم سابقا أن للرجل حقا في القسم على نسبة الاربع، ضرورة عدم الخصوصية للاربع ولا ينافي ذلك وجوب العدل والتسوية وعدم التفضيل، إذ ذلك كله خارج عن محل البحث الذي هو ثبوت حق لهن فيه وعدمه، فانه لو فرض استيفاء نصيبه بغير الاستمتاع بأحد منهن لم يكن منافيا للعدل ولا مفضلا ولا تاركا للتسوية وفتوى عامة غير الاصحاب بخلافة مما يؤكد حقيقته، لا أنه يوهنه بعد أن جعل الله الرشد في خلافهم، وإطلاق المصنف وغيره في المسألة لا ينافي ذلك، لمعلومية إرادة القسم من ذلك، بل كاد يكون صريح كلامهم، خصوصا بعد عدم سوقه لمحل
(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 6. (2) سورة النساء 4: - الاية 4.
[ 196 ]
البحث، كما هو واضح. فلا ريب في أن المتجه أن له حقا على حسب نسبة الاربع، ولكن في المسالك يسهل الخطب بدعوى أن الفائدة إنما تظهر على القول بوجوب القسمة ابتداء دائما أما على المختار وهو القول بوجوبها مع الابتداء بها خاصة وجواز الاعراض بعد ذلك فالامر سهل، لانهن إذا وفي لهن العدد الذي جعله لهن جاز له الاعراض عنهن، سواء كان له حق في المدة أم لا، مع أنه أيضا لا يخلو من نظر. وعلى كل حال فإذا نشزت واحدة من الاربع (ثم قسم خمس عشرة فوفي اثنتين ثم اطاعت الرابعة وجب أن) يجمع بين حقى الباقية والتى أطاعت، ف (- يوفى الثالثة خمس عشرة والتى كانت ناشزا خمسا فيقسم) الدور بينهما خاصة، (للناشز ليلة وللثالثة ثلاثا خمسة أدوار، فتستوفي الثالثة خمس عشرة،
والناشز خمسا ثم يستأنف) وليس له أن يفي الثالثة خمس عشرة متوالية، لمزاحمة حق المطعية جديدا التى صارت بتجدد طاعتها كالمرأة الجديدة التي قد عرفت الحال فيها، وهو واضح، والله العالم. المسالة (الثامنة:) (لو طاف على ثلاث وطلق الرابعة) مثلا (بعد دخول ليلتها) أثم بذلك، كما في المسالك حاكيا له عن الشيخ وغيره، بل ظاهره المفروغية منه، إلا أنه لا يبطل به الطلاق، لكونه محرما لامر خارج هو تفويت الحق، فيكون كالبيع وقت النداء من غير فرق في المطلقة بعد حضور نوبتها بين الراغبة وغيرها، ولا في الطلاق بين كونه رجعيا وبائنا وإن تمكن في الاول من التخلص بالرجوع، لكونه بقسميه سببا في تعطيل الحق واشتغال الذمة، وفيه إمكان عدم الاثم به، لان
[ 197 ]
وجوب القسم مشروط بالبقاء على الزوجية، ولا يجب عليه تحصيل الشرط، وربما كان ما تسمعه من اختيار المصنف مبنيا على ذلك. وعلى كل حال فلو كان رجعيا ورجع في العدة وجب قضاء، وتخلص منها
بغير إشكال كما في المسالك، لان الرجعة أعادت الزوجية الاولى كما كانت. وإن تركها حتى انقضت عدتها أو كان الطلاق بائنا (ثم تزوجها قيل) والقائل الشيخ في المحكى من مبسوطه: (يجب لها قضاء تلك الليلة) لانه حق استقر في ذمته وأمكنه التخلص منه، فيجب (و) لكنه (فيه تردد) كما عن الارشاد وظاهر التلخيص (ينشأ)، من ذلك و (من سقوط حقها بخروجها عن الزوجية) وتباين الحقوق بتباين النكاحين، فلا يفيد قضاء مثل ما فات في أحدهما في الاخر، بل يجب العدل في كل منهما، فلو قضى لها في الثاني لزم الجور على الاخر. وبذلك يظهر لك وجه ما ذكرناه من الفرق بين الرجعة والتزويج الذي جعله المصنف عنوان المسألة إلا أنه مع ذلك وفي المسالك أن الاقوى وجوب القضاء لمنع الملازمة بين الخروج عن الزوجية وسقوط الحقوق المتعلقة بها، ومن ثم يبقى المهر وغيره من الحقوق المالية وإن طلق، وتخصيص بعض الحقوق بالسقوط دون بعض لا دليل عليه، ثم فرع على ذلك وجوب التزويج لو توقفت البراءة عليه، ولو فرض إمكان التخلص بوجه آخر تخير بينهما، وحينئذ فلا يمنع من تزويجه رابعة،
لكون الفرض عدم الانحصار فيه، بل وعلى تقديره لم يقدح في صحة التزويج، لما سمعته من عدم اقتضاء مثل هذا النهي الفساد. ولا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد ما عرفت من ظهور الادلة في وجوب هذه الحقوق مادامت الزوجية باقية، فهي من قبيل الواجب المشروط، وليست مثل المهر ونحوه. وكيف كان فمن المعلوم أن وجوب القضاء مع إمكانه وإلا فلا، كما إذا لم يبت في ليلتها عند واحدة من الباقيات أو أنه فارق التي باتها عندها وتزوج
[ 198 ]
بجديدة مع المظلومة، أو نحو ذلك، فانه لا يتمكن من القضاء مادام تحته أربع زوجات، لاستيعاب حقوقهن الليالي، بل وكذا إن فارق التى باتها عندها ولم يجدد نكاحها ولا نكاح غيرها مع المظلومة بناء على أنه لا عبرة بالقضاء حينئذ إلا من نوبة المظلوم بها، وإن كان فيه نظر واضح، ضرورة عدم الفرق بعد وصول حقها إليها بين أن يكون من نوبتها أو مما فضل له من دوره، والله العالم. المسألة (التاسعة:)
(لو كان له زوجتان في بلدين فأقام عند واحدة عشرا قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (كان عليه للاخرى مثلها) إذا كان ذلك منه على جهة القسمة، وما يمضي عليه في السفر بين البلدين لا يحسب من لياليه ولا من ليالي إحداهما وإن لم يكن على وجه القسمة لم يلزمه للثانية إلا خمس لانه نصف الدور فنصف العشر حقها ونصفها تبرع، ولعله لحاجة الاطلاق المزبور إلى التقييد المذكور نسبه المصنف إلى القيل أو للشك في وجوب القسم مع عدم اجتماع النساء في بلد واحد، بل كان بينهما مسافة فصاعدا، فله حينئذ الاقامة عند كل واحدة ما يشاء. هذا ولكن في المسالك بعد أن ذكر ذلك عن المبسوط قال: " وجهه ما أشرنا إليه من أن المبيت عند واحدة من الزوجات زيادة على الليلة توجب المبيت عند الاخرى مثلها مراعاة للعدل بينهن، وأن جواز المفاضلة بين الاثنتين والثلاث مشروط بجعل القسم ليلة ليلة ونقل المصنف له بصيغة القيل يؤذن باستشكاله، ووجه ما علم من أن للزوج مع الاثنتين نصف الدور فينبغي أن يكون له من العشر نصفها، ولكل واحدة منهن ربع، فلا يلزمه للثانية إلا ليلتان ونصف ". ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما قدمناه سابقا خصوصا فيما ذكره
أخيرا، بل لم أعثر على غيره قد جزم بالحكم المزبور، وفي حاشية الكركي على
[ 199 ]
الكتاب " هذا القول مشكل، لان لها نصف القسم، فكيف يجب استيعابه للاخرى " واجيب بوجوه ثلاثة (الاول) حمله على الاستحباب (الثاني) حمله على أن له زوجتين آخرتين، فان مفهوم الاسم ليس بحجة، و (الثالث) حمله على أنه استوفي حقه من القسم، ولم يذكر ما سمعته من المسالك وجها. وكيف كان فمن المعلوم أنه يتخير في وفاء الثانية بين الذهاب إليها واستدعائها إليه، فان امتنعت منه مع قدرتها سقط حقها، للنشوز حينئذ، والله العالم. المسألة (العاشرة:) (لو تزوج امرأة ولم يدخل بها فأقرع للسفر فخرج اسمها) من بين غيرها استصحبها معه، ولكن (جاز له مع العود) بل وجب عليه إن طلبته منه (توفيتها حصة التخصيص) التي هي الثلاث أو السبع (لان ذلك لا يدخل في السفر، إذ ليس السفر داخلا في القسم) خلافا للمحكي عن الشيخ من الاكتفاء في تخصيصها بما يحصل في أيام السفر، لحصول المقصود بها وهو الانس وزوال الحشمة،
وفيه - بعد منع انحصار الفائدة في ذلك، بل يمكن أن يكون أهمية الاستمتاع بالجديدة في هذه المدة، وكون هذه العلة مستنبطة - أن أيام التخصيص من ليالي القسم التي فضلت بها مثل ما فضلت الحرة على الامة، والاتفاق على أن أيام السفر لا تدخل في القسم، ولذا لم يقض للمتخلفات ما فاتهن مع المصحوبة فكذلك هنا. نعم لو كان المتزوج بهما جديدا اثنتين فاستصحب إحداهما في السفر بالقرعة قضى حق المقيمة إذا حضر من الثلاث أو السبع، إما بعد قضاء حق المصحوبة أو قبله إن ترتبا في النكاح أو بالقرعة، وذلك لاستصحاب مالها من الحق من غير ما يدل على إسقاط صحبة الاخرى في السفر له، قيل كما أنه إذا قسم للاربع لكل منهن ليلة فبات عند ثلاث ثم سافر واستصحب معه غير الرابعة، فانه يبقى عليه
[ 200 ]
حق الرابعة، فإذا عاد وفاها حقها، وللعامة وجهه بالعدم، للزوم تفضلها، لانه لم يقضها مالها من الحق، وإنما دخل حقها في السفر، فلو قضى المقيمة حقها لزم التفضيل، وهو كما ترى، والله العالم. (القول في النشوز:)
(وهو الخروج) من الزوج أو الزوجة (عن الطاعة) الواجبة على كل واحد منهما للاخر (وأصله) لغة (الارتفاع) يقال: نشز الرجل ينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما، ومنه قوله تعالى (1): " وإذا قيل انشزوا فانشزوا " أي انهضوا إلى أمر من امور الله تعالى، وسمى خروج أحدهما نشوزا لانه بمعصيته قد ارتفع عما أوجب الله تعالى عليه من ذلك للاخر، قيل: ولذلك خص النشوز بما إذا كان الخروج من أحدهما، لان الخارج ارتفع على الاخر فلم يقم بحقه، ولو كان الخروج منهما معا خص باسم الشقاق كما يأتي، لاستوائهما معا في الارتفاع، فلم يتحقق ارتفاع أحدهما عن الاخر، وقال بعضهم: يجوز إطلاق النشوز على ذلك أيضا، نظرا إلى جعل الارتفاع عما يجب عليه من الطاعة لا على صاحبه، وهو متحقق فيهما، وبعض الفقهاء أطلق على الثلاثة اسم الشقاق، وفي المسالك والكل جائز بحسب اللغة، ولكن ما جرى عليه المصنف أوفق بقوله تعالى (2): " واللاتي تخافون نشوزهن " إلى آخره وقوله تعالى (3): " وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " إلى آخره وقوله تعالى (4): " وإن خفتم شقاق بينهما ".
قلت: الظاهر تحقق اسم النشوز بخروج كل منها عن الطاعة الواجبة عليه
(1) سورة المجادلة: 58 - الاية 11. (2 و 3 و 4) سورة النساء: 4 - الاية 34 - 128 - 35.
[ 201 ]
للاخر بل لا يبعد كون ذلك بمعنى ارتفاع كل منهما عن الاخر عما وجب عليه، نعم تحقق اسم الشقاق بخروج أحدهما دون الاخر بعيد، كما أن ما عن نهاية الشيخ من تخصيص النشوز بخروج الزوج عن الحق كذلك، بل هو خلاف الاية الاولى وغيرها، (و) نحوه ما في ظاهر أحكام الراوندي في اختصاصه بالعكس، إذ لا ريب في أنه (قد يكون من الزوج، كما يكون من الزوجة) بل ربما ظهر من الصحاح والقاموس والمجمع صدق اسم النشوز لغة على المعنى العرفي، فان فيها " نشزت المرأة تنشز نشوزا استعصت على زوجها وأبغضته، ونشز عليها إذا ضربها وجفاها " وعن شمس العلوم " عصته وخالفته، ونشز عليها: ضربها وجفاها " والمصباح المنير " عصته وامتنعت عليه، ونشز عليها: تركها وجفاها " والنهاية " عصت عليه وخرجت عن طاعته، ونشز عليها: جفاها وأضر بها وكرهها
وأساء صحبتها ". أللهم إلا أن يقال: إن حاصل ذلك منهم كون النشوز منها الاستعصاء والكراهة، ومنه الضرب والهجر، وهو خلاف ما في الشرع من كونه الامتناع من خصوص الحق الواجب عليه أو عليها ولذا قيل لم يكن من النشوز البذاء وإن أثمت به واستحقت التأديب، ولا الامتناع من خدمته وقضاء حوائجه التي لا تعلق لها بالاستمتاع، لعدم وجوب شئ من ذلك عليها، ولا غير ذلك مما لا ينقص الاستمتاع بها. وعلى كل حال (ف) - قد ذكر المصنف وغيره أنه (متى ظهر من الزوجة أمارته) أي النشوز (مثل أن تتقطب في وجهه أو تبرم في حوائجه) المتعلقة بالاستمتاع (أو تغير عادتها في أدبها جاز لها هجرها في المضجع بعد عظتها، و صورة الهجر أن يحول إليها ظهره في الفراش، وقيل: أن يعتزل فراشها، والاول مروى) عن الباقر والصادق عليهما السلام (1) (ولا يجوز له ضربها والحال هذه، أما لو وقع النشوز
(1) مجمع البيان - ذيل الاية 34 من سورة النساء عن الباقر عليه السلام ومجمع البحرين مادة: " هجر " عن الصادق عليه السلام.
[ 202 ]
وهو الامتناع عن طاعته فيما يجب له جاز ضربها ولو بأول مرة و) لكن (يقتصر على ما يؤمل معه رجوعها ما لم يكن مدميا ولا مبرحا) وظاهره الفرق بين الموعظة والهجر وبين الضرب، فيجوز الاولان على ظهور أمارات النشوز بخلاف الاخير، فلا يجوز إلا مع تحقق النشوز، نعم معه يجوز من أول مرة، ولا يعتبر تقدم الوعظ أو الهجر بخلاف الاولين، فان الثاني منهما مرتب على عدم نفع الاول، وهو أحد الاقوال في المسألة، محكي عن المبسوط والفاضل في القواعد، وكان وجهه أن الاصل في هذا الحكم الاية الشريفة (1) وهي قوله تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " ولا ريب في ظهورها بترتب الامور الثلاثة بخوف النشوز إلا أن الاخير منها لما علم بالاجماع المحكي عن المبسوط والخلاف اعتبار النشوز في جوازه المؤيد بقاعدة عدم جواز العقوبة إلا على فعل المحرم وجب تقدير ذلك بالنسبة إليه في الاية، وبقيت على ظاهرها في الاولين، واطلاقها حينئذ يقتضي جواز الضرب مع تحقق النشوز من غير تقدم الوعظ والهجر، أما هما فمترتبان على
حسب ترتب النهى عن المنكر. وفيه أن الهجر تفويت لحقها الواجب عليه أيضا، فلا يجوز قبل تحقق الذنب، إذ هو عقوبة أيضا لا تجوز بدون فعل المحرم، وكونه أوسع من الضرب لا يقتضي جوازه بظهور أمارت المعصية، وإلا لجاز الضرب، ودعوى الاكتفاء بظاهر الاية في جوازه يقتضى جواز الضرب أيضا، ضرورة اتحاد الجميع بالنسبة إلى دلالتها أللهم إلا أن يقال: إن الاجماع السابق منع منه بالنسبة إلى الضرب بخلاف الاولين، أو يقال: إن ذلك أيضا محرم عليها وإن لم يكن نشوزا، فجوز عقابها بالهجر بخلاف الضرب المشروط جوازه بالنشوز للاجماع السابق، إلا أن الجميع كما ترى مجرد اقتراح وتعسف بلا شاهد معتد به. ومن هنا كان ظاهر المصنف في النافع ترتب الثلاثة على ظهور أمارات النشوز
(1) سورة النساء: 4 - الاية 34
[ 203 ]
من غير فرق بين الضرب وغيره، إلا أنها مترتبة على حسب ترتب النهي عن المنكر فجوازها حينئذ مع النشوز مستفاد من الاولوية، وفيه أنه وإن وافق ظاهر الاية
بالنسبة إلى ثبوت الثلاثة على خوف النشوز، لكنه مناف لظاهرها بالنسبة إلى التخيير بين الثلاثة والجمع، لان الواو لمطلق الجمع، أللهم إلا أن يستفاد من ترتب أفراد النهي عن المنكر، لكن الكلام في أن ذلك منها ؟ ضرورة عدم النشوز بها وعدم ثبوت حرمتها بدونه، على أنه مناف أيضا لما سمعته من الاجماع المحكي المعتضد بما عرفت من عدم جواز الضرب إلا على النشوز. ومن هنا عكس ابن الجنيد فيما حكي عنه بجعل الامور الثلاثة مترتبة على النشوز بالفعل، ولم يذكر الحكم عند ظهور أماراته، وجوز الجمع بين الثلاثة ابتداء من غير تفصيل، فقال: " وللرجل إن كان النشوز من المرأة أن يعظها ويهجرها في مضجعها، وله أن يضربها غير مبرج " ويظهر منه جواز الجمع بين الثلاثة والاجتزاء بأحدها أو باثنين منها، ولعله، لان ذلك حقه، فله فيه الخيار ولان الواو لمطلق الجمع المقتضي جوازه والتخيير، والمراد من الخوف في الاية العلم، لقوله تعالى (1): " فمن خاف من موص جنفا " فأول الخوف و استغنى عن الاضمار الذى تكلفه غيره. لكنه فيه أنه مناف لقاعدة ترتب أفراد النهي عن المنكر، بل يمكن دعوى
أن يكون المراد من الاية ذلك، ولعله لذا جعل العلامة في الارشاد الثلاثة مترتبة على النشوز بالفعل، كما سمعته من ابن الجنيد، لكن جعلها مترتبة مراتب الانكار. ولعل ذلك أولى من جميع ما تقدم، ومما عن بعض العلماء من التفصيل أيضا من جعل الامور الثلاثة مترتبة على مراتب ثلاثة من حالها، فمع ظهور أمارات النشوز يقتصر على الوعظ، ومع تحققه قبل الاصرار ينتقل إلى الهجر، فان لم ينجع وأصرت انتقل إلى
(1) سورة البقرة: 2 - الاية 182.
[ 204 ]
الضرب، فيكون معنى الاية: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، فان نشزن فاهجروهن في المضاجع، فان أصررن فاضربوهن، إذ هو أيضا كما ترى وإن حكي عن العلامة في التحرير موافقته. وانما المتجه ما سمعته من الارشاد الذي هو يرجع أيضا إلى إرادة وإن خفتم استمرار نشوزهن، بل يمكن القطع بذلك بملاحظة ما ورد من النصوص (1) في قوله تعالى (2): " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " وفي قوله
تعالى (3): " وإن خفتم شقاق بينهما " ضرورة اتحاد المساق في الجميع، كضرورة اتحاد المراد من الخوف والنشوز في الكل وإن كان للرجل مع كراهته للمرأه مفرا بطلاقها بخلافها هي. فمن الغريب تكثير القيل والقال هنا واتفاقهم ظاهرا على إرادة ذلك في آية الشقاق، بل لا يبعد إرادة الكراهة من النشوز في الاية على وجه ينقص استمتاعه بها ولو بالتقطب في وجهه وإسماعه الكلام الغليظ، ونحوه ذلك مما يذهب الرغبة في مقاربتها والاستمتاع بها، كما تسمع إنشاء الله النصوص (4) الواردة في قوله تعالى (5): " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " إلى آخره بل في خبر زرارة (6) المروى في تفسير العياشي عن أبى جعفر عليه السلام " إذا نشزت المرأة على الرجل فهي الخلعة، فليأخذ منها ما قدر عليه، وإذا نشز الرجل مع نشوز المرأة فهو الشقاق " إشارة إليه. ومن ذلك كله يظهر لك النظر في جملة من كلماتهم حتى ما في المسالك وغيرها من أن المراد بظهور أمارات النشوز تغير عادتها معه في القول أو الفعل،
(1) الوسائل الباب - 11 و 12 و 13 - من أبواب القسم والنشوز.
(2 و 3) النساء: 4 - الاية - 128 - 35. (4) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز. (5) سورة النساء: 4 - الاية 128. (6) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 5.
[ 205 ]
بأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين، أو غير مقبلة بوجهها معه بعد أن كانت تقبل، أو تظهر عبوسا أو إعراضا وتثاقلا ودمدمة بعد أن كانت تلطف به وتبادر إليه وتقبل عليه، ونحو ذلك، والتقييد بتغيير العادة احترازا عما لو كان ذلك من طبعها ابتداء، فأنه لا يعد أمارة النشوز، نعم مثل التبرم في الحوائج لا يعتبر فيه العادة، لان ذلك حقه فعليها المبادرة إليها إبتداء، ولا عبرة بالعادة بخلاف الاداب، وهذه الامور ونحوها لا تعد نشوزا، فلا تستحق عليه ضربا على الاقوى، بل يقتصر على الوعظ، فلعها تبدئ عذرا أو ترجع عما وقع من غير عذر ويظهر من مجوز الضرب بل الهجر أنها أمور محرمة وإن لم يكن نشوزا، والضرب لاجل فعل المحرم، ثم قال: " ليس من النشوز ولا من مقدماته بذائة
اللسان والشتم، ولكنها تأثم به وتستحق التأديب عليه، وهل يجوز للزوج تأديبها على ذلك ونحوه مما لا يتعلق بالاستمتاع أم يرفع أمره إلى الحاكم ؟ قولان تقدما في كتاب الامر بالمعروف، والاقوى أن الزوج فيما وراء حق المساكنة والاستمتاع كالاجنبي وإن نغص ذلك عيشه وكدر الاستمتاع - وقال أيضا - المراد بحوائجه التي يكون التبرم بها أمارة النشوز ما يجب عليها فعله من الاستمتاع ومقدماته، كالتنظيف والمعتاد وإزالة المنفر والاستحداد، بأن تمتنع وأو تتثاقل إذا طلبها على وجه يحوج زواله إلى تكلف وتعب، ولا أثر لامتناع الدلال ولا للامتناع من حوائجه التي لا تتعلق بالاستمتاع، إذ لا يجب عليها ذلك، وفي بعض الفتاوى المنسوبة إلى فخر الدين أن المراد بها نحو سقى الماء وتمهيد الفراش، وهو بعيد جدا، لان ذلك غير واجب عليها، فكيف يعد تركه نشوزا ؟ " فان الجميع كما ترى، ضرورة تحقق النشوز بالعبوس والاعراض والتثاقل وإظهار الكراهة له بالفعل والقول ونحوهما مما ينقص استمتاعه بها وتلذذه بها، بل لا ينبغي التأمل في تحققه بتبرمها بحوائجه المتعلقة بالاستمتاع أو الدالة على كراهتها له، بل لعل ما سمعته من الفخر يراد منه ذلك بل لعل إطلاق المتن مثله أيضا، كضرورة اقتضاء آية " الرجال قوامون
[ 206 ]
على النساء " (1) و " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " (2) إلى آخرها وغيرهما تولى تأديبها، خصوصا فيما يتعلق به نفسه. وعلى كل حال فالمراد بالهجر في المضجع ما صرح به غير واحد من الاصحاب توليتها ظهره في الفراش، كما عن الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام (3) بل عن المبسوط نسبته إلى رواية اصحابنا (4)، وعن مجمع البيان إلى الباقر عليه السلام (5) ولكن عن المبسوط والسرائر هو أن يعتزل فراشها، وعن المفيد التخيير بينهما، وفي الرياض أنه أقوى، لاندراجهما في الهجر عرفا. قلت: يمكن دعوى الترتيب في أفراده أيضا على حسب الترتيب في أفراد النهي عن المنكر، نعم ما عن تفسير علي بن إبراهيم (6) من سبها لا دليل عليه، وكذا الكلام في الضرب، فيقتصر على ما يؤمل معه طاعتها، فلا يجوز الزيادة عليه مع حصول الغرض به، وإلا تدرج إلى الاقوى فالاقوى ما لم يكن مدميا ولا مبرحا، وابتداؤه الضرب بالسواك. وعليه يحمل ما عن الباقر عليه السلام (7) من تفسيره به، لا أنه منتهاه، ضرورة
منافاة إطلاقه الاية (8) وما دل على النهى عن المنكر (9) وبعده عن حصول الغرض به دائما، مضافا إلى إطلاق كلمات الاصحاب. نعم ينبغي اتقاء المواضع المخوفة كالوجه والخاصرة ومراق البطن ونحوه،
(1) سورة النساء: 4 - الاية 34. (2) سورة التحريم: 66 - الاية 6. (3 و 6) البحار ج 104 ص 58 و 55 ط الحديث. (4) المبسوط ج 4 ص 338 ط الحديث. (5 و 7) مجمع البيان ذيل الاية 34 من سورة النساء. (8) سورة النساء: 4 - الاية 34. (9) سورة آل عمران: 3 - الاية 104.
[ 207 ]
وأن لا يوالي الضرب على موضع واحد، بل يفرق على المواضع الصلبة مراعيا فيه الاصلاح لا التشفي والانتقام، بل في المسالك أنه يحرم بقصده مطلقا، بل بدون القصد المأذون لاجله، ولو حصل بالضرب تلف وجب الغرم، لاطلاق أدلته الذي
لا ينافيه الرخصة فيه، مع أن المرخص فيه غير المفروض من الضرب، كما لا ينافيه عدم الضمان بضرب الولي الصبي تأديبا الذي يمكن الفرق بينهما بعد تسليم ذلك فيه بأن ضرب الزوج لمصلحته بخلافه في الولي الذي هو محسن محض، ولذا كان للاول العفو بل في بعض النصوص النهي عن الضرب (1) بخلاف الثاني، والله العالم هذا كله في نشوز الزوجة. (و) أما (إذا ظهر من الزوج النشوز بمنع حقوقها) الواجبة من قسم ونفقة ونحوهما (فلها المطالبة) بها ووعظها إياه، وإلا رفعت أمرها إلى الحاكم (و) كان (للحاكم إلزامه) بها، وليس لها هجره ولا ضربه، كما صرح به غير واحد مرسلين له إرسال المسلمات وإن رجت عوده إلى الحق بهما، لانهما متوقفان على الاذن الشرعي وليست، بل في الايتين (2) ما ينبه على تفويض ذلك إليه لا إليها، وأنه هو اللائق بمقامه ومقامها، ولا بأس به وإن نافى إطلاق أدلة الامر بالمعروف، إذ يمكن دعوى سقوط هذه المرتبة منه هنا، كما تسقط بالنسبة للولد والوالد، نعم إن عرف الحاكم ذلك باطلاع أو إقرار أو شهود مطلعين عليهما نهاه عن فعل ما يحرم، وأمره بفعل ما يجب، فان نفع وإلا عزره
بما يراه، وله أيضا الانفاق من ماله مع امتناعه من ذلك ولو ببيع عقاره إذا توقف عليه. (و) إن كان لا يمنعها شيئا من حقوقها الواجبة ولا يفعل ما يحرم عليه بها إلا أنه يكره صحبتها لكبر أو غيره فيهم بطلاقها ف (- لها ترك بعض حقوقها)
(1) المستدرك الباب - 65 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 - 5. (2) سورة النساء: 4 - الاية 34 وسورة التحريم: 66 - الاية 6.
[ 208 ]
أو جميعها (من قسمة أو نفقة استمالة له ويحل للزوج قبول ذلك) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الاصل والكتاب والسنة، إذ هو المراد من قوله تعالى (1): " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا " كما استفاضت به النصوص، ففي صحيح الحلبي أو حسنه (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن قول الله تعالى: وإن امرأة خافت - إلى آخره - فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها، فيقول لها اني اريد أن اطلقك فتقول له: لا تفعل إني أكره أن تشمت بي، ولكن انظر في ليلتي فاصنع بها
ما شئت، وما كان سوى ذلك من شئ فهو لك، ودعني على حالتي، فهو قوله: فلا جناح - إلى آخره - وهذا هو الصلح ". وخبره أبى حمزة (3) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزوجل: وإن امرأة - إلى آخره - فقال: إذا كان كذلك فهم بطلاقها فقالت له: أمسكني وأدع لك بعض ما هو عليك وأحلك من يومي وليلتي حل له ذلك: ولا جناح عليهما ". وخبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن قول الله عزوجل: وان امرأة - إلى آخره - قال: هذا تكون عنده الامرأة لا تعجبه فيريد طلاقها، فتقول له: امسكني ولا تطلقني وأدع لك ما على ظهرك، وأعطيك من مالي وأحلك من يومي وليلتي فقد طاب ذلك كله " ونحوه خبر الشحام (5) عنه عليه السلام أيضا. وفي خبر أحمد بن محمد (6) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام " في قول الله عزوجل: وإن امرأة - إلى آخره - قال: النشوز: الرجل يهم بطلاق امرأته فتقول: ادع
(1) سورة النساء: 4 الاية 128. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2 عن على بن
أبى حمزة. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 3 - 4 - 6. (جواهر الكلام - ج 13)
[ 209 ]
ما على ظهرك وأعطيك كذا وكذا وأحلك من يومي وليلتي على ما أصلحا فهو جائز " وخبر زرارة (1) " سئل أبو جعفر عليه السلام عن النهارية يشترط عليها عند عقدة النكاح أن يأتيها ما شاء نهارا أو من كل جمعة أو من كل شهر يوما وأن النفقة كذا وكذا، قال: فليس ذلك الشرط بشئ، من تزوج امرأة فلها ما للمرأة من القسمة والنفقة، ولكنه إن تزوج امرأة فخافت منه نشوزا أو خافت أن يتزوج عليها فصالحت من حقها على شئ من قسمتها أو بعضها فان ذلك جائز لا بأس به " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك. إلا أنها جميعا كما ترى متفقة على جواز قبوله ما تبذله له من حقوقها في مقابلة ما يريد فعله معها مما هو غير محرم عليه كطلاق ونحوه، لا أنه جائز له وإن كان لدفع ما يفعله مما هو محرم عليه، كما تسمعه من بعض، ويأتي تحقيق
الحال فيه إنشاء الله. (القول في الشقاق) (وهو) مصدر على وزن (فعال من الشق) بالكسر: الناحية (كأن كل واحد منهما) صار (في شق) أي ناحية غير ناحية الاخر باعتبار حصول الكراهة والارتفاع والمعصية والاختلاف من كل منهما، فان المشاقة والشقاق الخلاف والعداوة، كما في الصحاح، ولعل الاولى كونه من الشق بمعنى التفرق الذى منه شق فلان العصا، أي فارق الجماعة، وانشقت العصا أي تفرق الامر وعلى كل حال (فإذا كان النشوز منهما وخشى الشقاق) بينهما (بعث الحاكم حكما من أهل الزوج وآخر من أهل المرأة على الاولى، ولو كان من غير أهلهما أو كان أحدهما جاز أيضا) والاصل فيه قوله تعالى (2): " فان خفتم
(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 7. (2) سورة النساء: 4 - الاية 35.
[ 210 ]
شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق
الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا " وفي خبر علي بن حمزة (1) " سألت العبد الصالح عليه السلام عن قول الله عزوجل: فان خفتم شقاق - إلى آخره - فقال: يشترط الحكمان إن شاءا فرقا وإن شاءا جمعا، ففرقا أو جمعا جاز " ونحوه خبر أبى بصير (2) عن الصادق عليه السلام. وخبر سماعة (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: فابعثوا حكما - إلى آخره - أرأيت إن استأذن الحكمان فقالا للرجل والمرأة: ألستما قد جعلتما أمركما إلينا في الاصلاح والتفريق ؟ فقال الرجل والمرأة: نعم، وأشهدا بذلك شهودا عليهما أيجوز تفريقهما عليهما ؟ قال: نعم، ولكن لا يكون إلا على طهر من المرأة من غير جماع من الزوج، قيل له: أرأيت إن قال أحد الحكمين: قد فرقت وقال الاخر: لم افرق بينهما ؟ فقال: لا يكون تفريقا حتى يجتمعا جميعا على التفريق، فإذا اجتمعا جميعا على التفريق جاز تفريقهما " وفي خبر محمد بن مسلم (4) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن قول الله تعالى فابعثوا - إلى آخره - قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى تستأمرا " وفي صحيح الحلبي (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن قول الله عزوجل: فابعثوا - إلى آخر - قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا
الرجل والمرأة، ويشترطا عليهما إن شئنا جمعنا وإن شئنا فرقنا فان فرقا فجائز وإن جمعا فجائز ". والظاهر تحقق الشقاق بينهما بالنشوز من كل منهما، ومن هنا كان المحصل
(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2 عن على بن أبى حمزة كما يأتي في ص 216. (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب القسم والشوز الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1 (5) الوسائل الباب - 10 - من أبواب القسم والشوز الحديث 1.
[ 211 ]
من الاصحاب في المراد بالاية إضمار الاستمرار، بمعنى وإن خفتم استمرار الشقاق بينهما، أو كون المراد بالخوف العلم والتحقق، ومنه يعلم المراد بالاية السابقة، لكن في الرياض بعد ذكر الاول قال: " وفيه نظر، لتوقفه على كون مطلق الكراهة بينهما شقاقا وليس، لاحتمال أن يكون تمام الكراهة بينهما فيكون المراد
أنه إذا حصل كراهة كل منهما لصاحبه وخفتم حصول الشقاق فابعثوا، مع أنه المتبادر عند الاطلاق، والاولى من الاضمار على تقدير مجازيته، نعم على هذا التقدير يتردد الامر بين المجاز المزبور وبين التجوز في الخشية، بحملها على العلم والمعرفة وإبقاء الشقاق على حقيقته التي هي مطلق الكراهة " ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما سمعت من تفسير الشقاق والاتفاق على بعث الحكمين بحصوله وعدم انقطاعه لا على اتمام الكراهة، بل من ذلك يعلم ما في كشف اللثام أيضا من احتمال إضمار شدة الشقاق بينهما والتأدى إلى التساب والتهاجر والتضارب، فان ذلك ليس عنوان بعث الحكمين قطعا. وعلى كل حال فالظاهر ما عن الاكثر كما في المسالك من أن المخاطب بالبعث الحكام المنصوبين لمثل ذلك، بل في كنز العرفان أنه المروى (1) عن الباقر والصادق عليهما السلام، وفي المرسل عن تفسير علي بن إبراهيم عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه (2) " في رجل وامرأة في هذا الحال فبعث حكما من أهله وحكما من أهلها " ونحوه عن مجمع البيان خلافا لظاهر المصنف في النافع والمحكي عن الصدوقين من أنه الزوجان، فان امتنعا فالحاكم، لظاهر النصوص (3) السابقة
وصريح المحكي عن فقه الرضا عليه السلام (4) " يختار الرجل رجلا وتختار المرأة رجلا " إلى آخره.
(1) كنز العرفان ص 315 ط حجر. (2) المستدرك الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 12 و 13 - من أبواب القسم والنشوز. (4) المستدرك الباب - 8 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1.
[ 212 ]
وفيه أنه مناف لاختلاف الضميرين بالغيبة والحضور والتثنية والجمع، وليس المقام مقام التفات، على أن المأمور بالبعث الخائف من شقاقهما، وهو غيرهما، والانسان لا يبعث أحدا إلى نفسه، ولا منافاة بين كون الباعث الحاكم وبين اشتراطهما على الزوجين مما يريد ان اشتراطه. وقريب منه ما عن الاسكافي إلا أنه جعل الحاكم بأمر الزوجين بأن يبعثا من يختارانه من أهلهما، وفي المسالك " وفيه جمع بين الفائدتين والقولين، وفي موثق سماعة (1) السابق ما يرشد إليه، بل قال: ويمكن أن يستدل به على أن المرسل
الزوجان " وفيه ما لا يخفى. وأضعف منهما ما عن بعض من شذ من كون المرسل أهلوهما، وهو مع كونه شاذا مناف لظاهر الاية والنصوص وإن قيل إنه يشعر به بعض الاخبار (2). نعم لو تعذر الحاكم قال عدول المسلمين مقامه في ذلك، ولو تعذر الجميع فبعث الزوجان كان المبعوث وكيلا محضا لا حكما، فيفعل ما تقتضيه الوكالة من عموم أو خصوص. هذا ولكن في كشف اللثام بعد أن ذكر ما سمعته من النافع قال: " وهو حق: ولا يستلزم أن يكون الخطاب في الاية للزوجين ليستبعد، ولا ينافيه ظاهرها فان من المعلوم أن بعثهما الحكمين جائز وأنه أولى من الترافع إلى الحاكم، وكذا إذا بعث أولياؤهما الحكمين مع جواز الخطاب في الاية لهم عموما أو خصوصا أو البعث على منهم أو منهما فيقسم الى الواجب وغيره كما في بعث الحاكم، واقتصر في النهاية على نفي البأس عن بعث الزوجين، وبالجملة ينبغي أن لا يكون خلاف في جواز البعث من كل من هؤلاء، ووجوبه إذا توقف الاصلاح عليه، خصوصا الحاكم والزوجين ولا ينشأ الاختلاف في الاية الاختلاف في ذلك ".
(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 6 والمستدرك الباب - 11 - منها الحديث 1 وسنن البيهقى ج 7 ص 305.
[ 213 ]
قلت: قد يناقش بامكان منع بعث الزوجين حكمين والاهلين على وجه يترتب عليه امضاء حكمها عليهما بالصلح وإن لم يرضيا بناء على اختصاص الخطاب في الاية للحكام، لعدم دليل حينئذ على ذلك، وكذا الكلام في العكس، وهذا ونحوه أحد ثمرات الخلاف في المسألة. وكيف كان فالظاهر وجوب هذا البعث وفاقا لجماعة، لظاهر الامر، ولكون ذلك من الامر بالمعروف، ومن الحسب التي نصب الحاكم لامثالها، خلافا للمحكي عن التحرير من الاستحباب، للاصل وظهور الامر في الارشاد، على أنه من الامور الدنيوية التي لا يظهر إرادة الوجوب منه فيها، وفيه أن الاصل مقطوع بما عرفت والاخيرين لا ينافيان ظهوره في الوجوب المؤيد ما عرفت. نعم قد يقال بعدم تعين وجوب الكيفية المخصوصة مع إمكان إصلاح حالهما
بغيرها أما لو انحصر فيها تعين وجوبها. وكذا الكلام في كون الحكمين من الاهلين، ضرورة عدم اعتبار القرابة في الحكومة، والغرض يحصل بالاجنبي كما يحصل بها، والاية مسوقة للارشاد، فمع عدم انحصار الامر فيهم يجوز الاجانب، كما إذا لم يكن ثم قريب، نعم لو انحصر الامر فيهم اتجه الوجوب حينئذ، كما أنه لو انحصر الامر في الاجنبي تعين. هذا وفي الرياض بعد اختيار الاختصاص بالاهل قال في شرح قوله في النافع: " ويجوز أن يكونا أجنبيين " " أما مطلقا كما هو ظاهر المتن أو مقيدا بعدم الاهل كما هو الاقوى، لكن مع ذلك ليس لهما حكم المبعوث من أهلهما من إمضاء ما حكما عليهما، لمخالفته الاصل، فيقتصر فيه على مورد النص، ويكون حكمهما حينئذ الاقتصار على ما أذن به الزوجان وفيه وكلا، وليس لهما من التحكيم - الذي هو حكم الحكمين كما يأتي - شئ جدا، وفي حكم فقد الاهل توقف الاصلاح على الاجنبي ". وهو من غرائب الكلام يمكن دعوى الاجماع على خلافه، مضافا إلى ظهور النصوص (1) في الاية في عموم الحكم للزوجين ذى الاهل وغيرهم، على أن التقييد
(1) الوسائل الباب - 10 و 12 و 13 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 214 ]
الذي ذكره معناه مضي حكم الاجنبي وصيرورته كالاهل مع عدمهم، وإلا فالتوكيل لا ريب في جوازه مع وجود الاهل فضلا عن حال عدمهم (وبالجملة) لا يخفى ما في كلامه من الغبار، خصوصا مع ملاحظة كلام الاصحاب والتأمل في الاية الشريفة (1) ونصوص (2) الباب، والله المسدد للصواب. (و) كيف كان ف (- هل بعثهما على سبيل التحكيم أو التوكيل) قولان إلا أن (الاظهر) منهما والاشهر بل المشهور بل عن ظاهر السرائر وفقه القرآن الاجماع عليه، وفي محكي المبسوط أنه مقتضى المذهب (أنه تحكيم) لانه مقتضى تسميتهما حكمين في الكتاب (3) والسنة (4) والفتاوى ومقتضى خطاب غير الزوجين ببعثهما، والوكيل مأذون ليس بحكم، والمخاطب به الزوجان لا غيرهما، ولانهما إن رأيا الاصلاح فعلاه من غير استئذان، ويلزم ما يشترطانه عليهما من السائغ، ولو كان توكيلا لم يقع إلا ما دل عليه لفظهما، وكون الزوج والزوجة رشيدين، والحق لهما لا ينا في حكم الشارع عليهما كالمماطل، فانهما بالاصرار على الشقاق
صارا كالممتنعين عن قبول الحق، فجاز الحكم عليهما، كما أن عدم اعتبار الاجتهاد فيهما لا ينافي مضى حكمهما، لان محله أمر معين جزئي يجوز تفويض أمره إلى الاحاد كنظائره، وليس هو من الرئاسة العامة التي يعتبر فيها الاجتهاد، مع أن مثل ذلك لا يعارض ظاهر الكتاب والسنة، خصوصا والحاكم في الحقيقة الحاكم الذي أرسلهما، فهما بمنزلة الوكيلين. والظاهر عدم اعتبار رضا الزوجين في بعثهما بناء على المختار، ضرورة كون ذلك سياسة شرعية. نعم قد يقال باعتبار رضاهما على التوكيل مع احتمال عدمه أيضا، على معنى أنهما مع الامتناع يوكل عنهما الحاكم قهرا. ولا ريب في اشتراط البلوغ والعقل والاهتداء إلى ما هو مقصود من بعثهما،
(1 و 3) سورة النساء: 4 - الاية 35. (2 و 4) الوسائل الباب - 10 و 12 و 13 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 215 ]
قيل: والاسلام، وهو جيد فيما كان الشقاق بين المسلمين أما غيرهم فلا يخلو
من نظر. وأما العدالة والحرية ففي المسالك " إن جعلناهما حكمين اعتبرا قطعا وإن جعلناهما وكيلين ففي اعتبارهما وجهان، أجودهما العدم، لانهما ليسا شرطا في الوكيل " وفيه إمكان منع اعتبار ذلك على الاول أيضا، وما دل على اعتبارهما في الرئيس العام لا يقتضيه في مثل المقام المجبور بنظر الرئيس، كما أنه احتمل اعتبارهما على الثاني بدعوى أن الوكالة إذا تعلقت بنظر الحاكم اعتبر فيها ذلك كأمر الحاكم. وكيف كان فيجب عليهما البحث والاجتهاد في حالهما وفي السبب الداعي إلى الشقاق بينهما، ثم يسعون في أمرهما (فان اتفقا على الاصلاح فعلاه) من غير مراجعة لهما، لانه مقتضى تحكيمهما أو توكيلهما على ذلك، (وإن اتفقا على التفريق) فعلى التوكيل (لم يصح إلا ب) - فرض التوكيل الدال على (رضا الزوج في الطلاق ورضا المرءة في البذل ان كان خلعا) وأما على التحكيم فالاشهر بل المشهور عدم جوازه أيضا إلا مع مراجعتهما، ولعله الظاهر كون المراد من التحكيم فعل ما يتحقق به الاصلاح والتأليف، كما أومأ إليه بقوله تعالى (1): " إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما "
وقال الحلبي (2) في الحسن: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (3): فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، قال: ليس للحكمين بأن يفرقا حتى يستأمرا الرجل والمرأة ويشترطا عليهما إن شئنا جمعنا وإن شئنا فرقنا، فان فرقا فجائز، وإن جمعا فجائز ". وفي صحيح ابن مسلم (4) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن قول الله عزوجل:
(1 و 3) سورة النساء: 4 - الاية 35. (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1.
[ 216 ]
فابعثوا حكما - إلى آخره - قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا ". وفي خبر علي بن أبي حمزة (1) " سألت العبد الصالح عليه السلام عن قول الله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما - إلى آخره - فقال: يشترط الحكمان إن شاءا فرقا وإن شاءا جمعا ففرقا أو جمعا جاز " ونحوه خبر أبي بصير (2) عن أبى عبد الله عليه السلام، وفي خبر سماعة (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: فابعثوا - إلى آخره - أرأيت
إن استأذن الحكمان، فقالا للرجل والمرأة: أليس قد جعلتما أمركما إلينا في الاصلاح والتفريق ؟ فقال الرجل والمرأة: نعم وأشهدا بذلك شهودا عليهما، أيجوز تفريقهما عليهما ؟ قال: نعم، ولكن لا يكون إلا على طهر من المرأة من غير جماع كالزوج، قيل له: أرأيت إن قال أحد الحكمين: قد فرقت بينهما، وقال الاخر: لم افرق بينهما ؟ فقال: لا يكون تفريق حتى يجتمعا جميعا على التفريق، فإذا اجتمعا على التفريق جاز تفريقهما ". لكن لا يخفى عليك ظهور هذه النصوص في أن التفريق لهما مع اشتراطهما ذلك، ولعله لا ينافي كلام المشهور المنزل على أنه ليس لهما التفريق مع الاطلاق بل على ذلك نزل كلام ابن الجنيد، فانه قال على ما حكى عنه: " ويشترط الوالي أو المرضي بحكمه على الزوجين أن للمختارين جميعا أن يفرقا بينهما أو يجمعا إن رأيا ذلك صوابا، وعلى كل واحد من الزوجين إنفاذ ذلك والرضا به، وأنهما قد وكلاهما في ذلك، ومهما فعلاه فهو جائز عليهما ". وفي المسالك " قد روى (4) أن عليا صلوات الله عليه وسلامه عليه بعث حكمين وقال تدريان ما عليكما، عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا
(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 6 والمستدرك الباب - 11 - منها الحديث 1 وسنن البيهقى ج 7 ص 305.
[ 217 ]
فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بما في كتاب الله علي ولي فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي عليه السلام: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به " وقد احتج بهذا الخبر الفريقان، فالاول من حيث إنه اعتبر رضاهما وإقرارهما، الثاني من حيث جعل الجمع والتفريق إلى الحكمين، وقوله عليه السلام: " حتى تقر " أي ليس لك أن تمتنع، بل عليك أن تنقاد لحكم الله تعالى، كما أنقادت هي، وهذا أشبه بمذهب ابن الجنيد ". قلت: يمكن تنزيل الخبر على تلك الاخبار أيضا على معنى أنه لابد من اتفاقهما على كيفية الحكم على الاصلاح خاصة أو عليه وعلى التفريق، نعم يظهر
منه وجوب تبعية الاخر عن إرادة تعميم التحكيم. وكيف كان فعلي ما قلناه إذا رأى حكم الرجل أن يطلق بغير عوض طلق مستقلا به، لان حكم المرأة لا صنع له بالطلاق، ولا يزيد على واحدة، لكن إن راجع الزوج وداما على الشقاق زاد إلى أن يستوفي الطلفات الثلاث، وإن رأي الخلع وساعده حكم المرأة تخالعا: وإن اختلفا وقف، وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة خلوة غير محرمة ليعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما على الاخر بما علم، ليتمكنا من رأي الصواب وينقدح ما رأياه صوابا بشرطه، فان اختلف رأيهما بعث إليهما آخرين حتى يجتمعا على شئ، وينبغي للحكمين إخلاص النية في السعي وقصد الاصلاح فمن حسنت نيته فيما تحراه أصلح الله مسعاه، وكان ذلك سببا لحصول مسعاه، كما ينبه عليه قوله تعالى (1): " إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " ومفهوم الشرط يقتضي أن عدم التوفيق بين الزوجين يدل على فساد قصد الحكمين وأنهما لم يجتمعا على قصد الاصلاح، بل في نية أحدهما أو هما فساد، فلذلك لم يبلغا المراد والظاهر أنه هو السبب في الفساد في تحكيم ابن العاص وأبى موسى الاشعري في أيام
(1) سورة النساء: 4 - الاية 35.
[ 218 ]
صفين (1) فان نية كل منها فاسدة وإن كان الاول أشد من الثاني، ولذا ترتب عليه ما ترتب، والله العالم. (تفريع:) (لو بعث الحكمان فغاب الزوجان أو أحدهما) ففي المسالك نفذ حكمها قطعا بناء على التوكيل، لان تصرف الوكيل فيما وكل فيه نافذ مع حضور الموكل وغيبته ومع بقائه على الخصومة والشقاق وعدمه، وفيه إمكان منع نفوذه مع فرض ارتفاع الخصومة، ضرورة انتفاء موضوع التوكيل حينئذ على الصلح الرافع للنزاع والشقاق المفروض ارتفاعهما قبل حكم الحكمين. وأما على التحكيم ف (- قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (لم يجز الحكم، لانه حكم للغائب) لا عليه والجائز الثاني لا الاول (ولو قيل بالجواز كان حسنا ل) - ا لما ذكره المصنف من (أن حكمهما مقصور على الاصلاح، أما التفرقة فموقوفة على الاذن) ضرورة عدم انطباق ذلك على حجة
المدعى، بل لمنع عدم جواز الحكم للغائب وعليه في المقام، لاطلاق الادلة الذي لا يعارضه القياس على حكم الفقيه للغائب لو سلم المقيس عليه، ولذا لا يكون الغائب منهما على حجته في المقام بخلافه هناك، ودعوى عدم معلومية بقاء الشقاق بينهما مع الغيبة خروج عن عنوان البحث الذي هو الحكم عليهما من حيث الغيبة التى يمكن أن تجامع العلم ببقاء الشقاق بينهما، على أن الاستصحاب كاف وإن كان قد يقوى عدم نفوذ الحكم عليهما لو فرض تأخره عن ارتفاع الشقاق بينهما، وكذا الحكم فيما لو سكت أحدهما، بل لا يبعد نفوذ حكم الحكمين فيما لو خرجا أو أحدهما عن قابلية التكليف بجنون أو إغماء فضلا عن الغيبة، لاطلاق الادلة، والله العالم.
(1) الكامل لابن الاثير - ج 3 ص 318.
[ 219 ]
(مسألتان الاولى) (ما يشترطه الحكمان) عليهما أو على أحدهما (يلزم إن كان سائغا) بلا خلاف ولا إشكال، لاطلاق الادلة (وإلا كان) باطلا، بل يقوى بطلان الحكم بما أوقعاه من الاصطلاح لا أن (لهما نقضه) كما عبر به المصنف مشعرا
بأن لهما الرضا به ولهما نقضه، وهو غير متصور في الشرط لغير السائغ. لكن في المسالك " إذا اشترط الحكمان شرطا نظر فيه، فان كان مما يصلح لزومه شرعا لزم وإن لم يرض الزوجان، كما لو شرطا عليه أن يسكنها في البلد الفلاني أو في المسكن المخصوص أو لا يسكن معها في الدار أمة ولو في بيت منفردا ولا يسكن معها الضرة في دار واحدة، أو شرطا عليها أو تؤجله بالمهر الحال إلى أجل أو ترد عليه ما قبضته منه قرضا ونحو ذلك، لعموم " المؤمنون عند شروطهم " (1) بعد جعل الحكم اليهما. وإن كان غير مشروع كما لو شرط عليها ترك بعض حقوقها من القسم أو النفقة أو المهر أو عليه أن لا يتزوج أو لا يتسرى أو لا يسافر بها لم يلزم ذلك بلا خلاف. ثم إن كان الشرط مما للزوجين فيه التصرف كترك بعض الحق فلهما نقضه والتزامه تبرعا، وإن كان غير مشروع أصلا كعدم التزويج والتسرى فهو منقوض في نفسه، ويمكن أن يريد المصنف بقوله " كان لهما نقضه " مطلقا الشامل للجميع الدال بمفهومه على أن لهما أيضا التزامه التزام مقتضاه، بأن لا يتزوج ولا يتسرى تبرعا بذلك وإن لم يكن لازما له بالشرط، وإلى هذا يشير كلام الشيخ في المبسوط، حيث قال في هذا القسم: " فان اختار الزوجان المقام على ما فعله الحكمان
كان جميلا، وإن اختارا أن يطرحا فعلا فان ظاهر فعل الجميل كونه تبرعا وتفضلا بغير استحقاق " وتبعه على ذلك في كشف اللثام. ولكن لا يخفى عليك ما فيه من النظر في أصل المطلب فضلا عن بعض
(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4.
[ 220 ]
الخصوصيات، ضرورة لزوم كل شرط سائغ عليهما أو على أحدهما، لعموم الادلة القاضية بكونهما حكمين، وأنه لا يبطل منه إلا الباطل بأصل الشرع، فليس حينئذ من الشروط مالهما الالتزام به ولهما نقضه، كما هو واضح. المسألة (الثانية) (لو منعها شيئا من حقوقها) المستحبة (أو أغارها) بما لا يحرم عليه (فبذلت له بذلا ليخلعها صح، وليس ذلك إكراها) قطعا وإن قصد بذلك ذلك بل الظاهر عدم الاكراه بترك حقوقها الواجبة عصيانا لا لارادة البذل، كما جزم به في المسالك وإن كان آثما، بل فيها " وكذا لو قصد بترك حقها ذلك ولم يظهره لها وإن كان آثما أيضا - قال: - أما لو أظهر لها أن تركه لاجل البذل كان ذلك إكراها وأظهر منه ما لو أكرهها
على نفس البذل - ثم قال: - وما ذكره المصنف قول الشيخ في المبسوط (1) ووافقهما عليه العلامة في الارشاد، وفي التحرير نسب القول إلى الشيخ ساكتا عليه مؤذنا بتردده فيه أو ضعفه، وفي القواعد قيد حقوقها بالمستحب، ومفهومه أنه لو منع الواجبة كان إكراها، وهذا القول نقله الشيخ في المبسوط أولا عن بعض العامة، ثم قال، الذى يقتضيه مذهبنا أن هذا ليس إكراها، وهو المعتمد ". قلت: لا إشكال في تحقق الاكراه بالصورتين المذكورتين، وأما الصورة السابقة فهي إن لم تكن إكراها فقد يقال بحرمة البذل عليه أيضا لاندراجه في قوله تعالى (2): ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " المفسر بذلك، بل قد يقال: بحرمته
(1) في النسخة الاصلية المبيضة " وما ذكره المصنف والشيخ في المبسوط " وفي المخطوطة بخط المصنف طاب ثراه " وما ذكره المصنف الشيخ في المبسوط " والصحيح ما أثبتناه، كما أن الموجود في المسالك أيضا كذلك. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 231.
[ 221 ]
عليه في الاولى أيضا، وهى فيما لو ضارها حتى بذلت ولم يكن من قصده ذلك،
لكونه أشبه شئ بعوض المحرم، بل يمكن اندراجه في الاية أيضا. ولا ينا فيه قوله تعالى (1) " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا " وذلك لما عرفت مما ورد في تفسير هذه الاية من النصوص (2) التى فيها الصحيح وغيره أن المراد بها الامرأة التى تخشى الطلاق أو التزويج عليها أو كان الرجل يكرهها أو لا تعجبه أو نحو ذلك مما يؤدى إلى فراقها فأسقطت بعض حقوقها لارادة إمساكها وعدم طلاقها، وهذا غير المفروض الذي هو ترك حقوقها الواجبة عليه فبذلت له مالا للخلاص من يده ومن أسره، إذ هي كالمظلوم في يد الظالم، فيبذل له للتخلص من ظلمه، فان ذلك لا ريب في حرمته على الظالم وإن لم يكن قد قصد بالظلم ذلك المبذول، ولعله إلى ذلك أومأ العلامة في تقييد الحقوق بالمستحبة في القواعد. كما أنه مما ذكرنا يظهر لك أيضا ما في كشف اللثام وغيره حتى من الرياض، فانه - بعد أن اعترف بعدم دلالة الاية والنصوص المفسرة لها على عموم الحكم من جواز الصلح ببذل حقها كما لو أخل الزوج ببعض حقوقها الواجبة أو كلها لظهور سياقها في غيره - قال: " نعم جاز له القبول هنا لو بذلته بطيب نفسها لا مطلقا،
للاصل وفقد الصارف عنه، هذا هو ظاهر العبارة والاكثر، وربما منع منه من جوزه هنا لما قدمناه من اختصاص الاية والنص بالاول، ولقبح تركها الحق من دون عوض بناء على لزومه عليه من دونه، وفيما نظر إذ اختصاص الكتاب والسنة بما ذكر لا يوجب المنع عن جريان الحكم الذي فيه في غيره بعد قضاء الاصل به، والقبح ممنوع حيث يرجى حصول الحقوق الواجبة التي أخل بها بالبذل فتكون هي العوض الحاصل بالبذل، ولزومه عليه غير ملازم، للزوم صدورها عنه حتى ينتفي
(1) سورة النساء: 4 الاية 128. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القسم والنشوز.
[ 222 ]
العوض حين البذل، ثم على تقديره يصح منع القبح أيضا، كيف لا ويجوز لها إبراء ذمة زوجها عن حقوقها بعضا أو كلا ابتداء مطلقا جدا (وبالجملة) لا وجه لتعليل المنع من الجواز بنحو هذا بعد طيبة نفسها في بذلها، ومنه يظهر الجواز فيما لو بذلت بطيبة نفسها بعد إكرهها عليه وإن أطلق الاصحاب المنع حينئذ " فانه كما ترى خروج عن موضوع البحث، بل هو غير لائق لجعله عنوانا في كلام الاصحاب
كما هو واضح بأدنى تأمل، والله العالم. (النطر الرابع) (في أحكام الاولاد) (وهي قسمان) القسم (الاول) (في إلحاق الاود، والنظر في أولاد الزوجات) دواما وانقطاعا (والموطوآت بالملك والموطوآت بالشبهة (الاول) أحكام ولد الموطوءة بالعقد الدائم وهم يلحقون بالزوج بشروط ثلاثة: الدخول) بغيبوبة الحشفة أو مقدارها قبلا أو دبرا، بل في كشف اللثام وغيره أنزل أولا، لاطلاق الفتاوى ونحوه قول الباقر عليه السلام لابي مريم الانصاري (1) " إذا أتاها فقد طلب ولدها ". لكن في الروضة " والمراد بالوطئ - على ما يظهر من إطلاقهم وصرح به المصنف
(1) الوسائل الباب - 103 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.
[ 223 ]
في القواعد - غيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا وإن لم ينزل، ولا يخلو ذلك من إشكال
إن لم يكن مجمعا عليه بانتفاء التولد عادة في كثير من موارده، ولم نقف على شئ ينافى ما نقلناه يعتمد عليه " وتبعه في الرياض وقال: " ولد الزوجة الدائمة التام خلقة يلحق بالزوج الذي يمكن التولد منه عادة ولو احتمالا مع شروط ثلاثة: أحدهما الدخول منه بها دخولا يحتمل فيه ذلك ولو احتمالا بعيدا، قبلا كان أو دبرا إجماعا، وفي غيرة إشكال وإن حكى الاطلاق عن الاصحاب، واحتمل الاجماع، مع أن المحكى عن السرائر والتحرير عدم العبرة بالوطئ دبرا، واستوجهه من المتأخرين جماعة، وهو حسن إلا مع الامناء واحتمال السبق وعدم الشعور به لا مطلقا. قلت: مع فرض إمكان سبق المنى وعدم الشعور به لا سبيل حينئذ للقطع بنفى الاحتمال ولو بعيدا مع تحقق مسمى الدخول، على أنه يمكن التولد من الرجل بالدخول وإن لم ينزل، ولعله لتحرك نطفة الامرأة واكتسابها العلوق من نطفة الرجل في محلها أو غير ذلك من الحكم التى لا يحيط بها إلا رب العزة، ولذا أطلق أن " الولد للفراش " (1) المراد به الافتراش فعلا لا ما يقوله العامة من الافتراش شرعا، بمعنى أنه يحل له وطؤها، فلو ولدت وإن لم يفترشها فعلا ألحق به الولد،
إذ هو مع ما فيه من فتح باب الفساد للنساء أشبه شئ بالخرافات. وربما يومئ إلى بعض ما قلناه خبر أبى البخترى (2) المروى عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن على عليه السلام: " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت أعزل عن جارية لى فجاءت بولد، فقال: الوكاء قد ينفلت، وألحق به الولد " وفحوى التوقيع المروى عن اكمال الدين وإتمام النعمة (3) في جملة مسائل منها " استحللت بجارية وشرطت عليها أن لا اطلب ولدها ولم ألزمها منزلي، فلما أتى لذلك مدة
(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 1.
[ 224 ]
قالت: قد حبلت ثم أتت بولد لم أنكره - إلى أن قال -: فخرج جوابها عن صاحب الزمان صلوات الله عليه: وأما الرجل الذي استحل بالجارية وشرط عليها أن لا يطلب ولدها فسبحان من لا شريك له في قدرته، شرطه على الجارية شرط على الله تعالى، هذا ما لا يؤمن أن يكون، وحيث عرض له في هذا شك وليس يعرف الوقت
الذي أتاها فليس ذلك يوجب البراءة من ولده ". (و) الثاني (مضى ستة أشهر) هلالية أو عددية أو ملفقة (من حين الوطئ لانها أقل الحمل كتابا (1) وسنة (2) مستفيضة أو متواترة وإجماعا محكيا كذلك بل في المسالك نسبة ذلك إلى علماء الاسلام، بل ومحصلا، فلا يلحق به إن وضعته حيا كاملا لاقل من ذلك، وما عن المفيد بل والطوسي أيضا - من التخيير بين النفي والاقرار به - محجوج بما عرفت، بل قيل: لا يظهر له وجه إلا خبر أبان بن تغلب (3) عن الصادق عليه السلام " رجل تزوج فلم تلبث بعد أن أهديت إليه أربعة أشهر حتى ولدت جارية، فأنكرها وردها، وزعمت هي أنها حبلت منه فقال: لا يقبل ذلك منها، وإن ترافعا إلى السلطان تلاعنا، ولم تحل له أبدا " وهو مع الضعف يحتمل عدم حياة الولد أو تمامه وأن يتنازعا في المدة وفي غير الكامل مما تسقط المرأة، ففي الرياض " يرجع في إلحاقه بالزوج حيث يحتاج إليه - ليجب عليه التكفين ومؤونة التجهيز ونحو ذلك من الاحكام المترتبة على حياته - إلى المعتاد لمثله من الايام والاشهر، فان أمكن عادة منه لحقه حكمه، وإن علم عادة انتفاؤه عنه لغيبته عنه مدة تزيد عن تخلقه عادة انتفى عنه " وكان المراد إلحاقه به
مع إمكانه، وأنه لا ينفى عنه إلا مع العلم بانتفائه عنه. (و) الثالث (أن لا يتجاوز اقصى الوضع، وهو تسعة أشهر على الاشهر) بل المشهور، بل عن ظاهر الاسكافي والطوسي في المبسوط والخلاف إجماعنا عليه،
(1) سورة الاحقاف: 46 - الاية 15. (2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 0 - 10. (جواهر الكلام - ج 14)
[ 225 ]
للمعتبرة المستفيضة كمرسل عبد الرحمان بن سيابة (1) " أقصى مدة الحمل تسعة أشهر لا يزيد لحظة، ولو زاد لحظة لقتل أمة قبل أن يخرج " وظاهر خبر وهب (2) عن الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه " يعيش الولد لستة أشهر ولسبعة ولتسعة ولا يعيش لثمانية " وصحيح ابن الحجاج (3) " سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حبلا انتظر تسعة أشهر، فان ولدت وإلا اعتدت بثلاثة اشهر، ثم قد بانت منه " وخبر محمد بن الحكم (4) عن أبي الحسن عليه السلام قلت له: " المرأة الشابة التي مثلها تحيض يطلقها زوجها ويرتفع
حيضها كم عدتها ؟ قال: ثلاثة أشهر ؟ قلت فانها ادعت الحبل بعد الثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فانها ادعت الحبل بعد تسعة أشهر، قال: إنما الحبل تسعة أشهر، قلت: تتزوج، قال: تحتاط بثلاثة أشهر قلت: فانها ادعت بعد ثلاثة أشهر، قال: لا ريبة عليها تزوجت إن شاءت " وخبره الاخر (5) عن أبي عبد الله عليه السلام أو أبى الحسن عليه السلام قلت له: " رجل طلق امرأته فلما مضت ثلاثة أشهر ادعت حملا، فقال: ينتظر بها تسعة أشهر قال: قلت: فانها ادعت بعد ذلك حبلا، فقال: هيهات هيهات إنما يرتفع الطمث من ضربين، إما حمل بين وإما فساد في الطمث ولكنها تحتاط بثلاثة أشهر " مؤيدا ذلك بخبر أبان (6) عن أبى عبد الله عليه السلام " إن مريم عليها السلام حملت بعيسى عليه السلام تسع ساعات كل ساعة شهر ". والخبر المروى في باب مبدء النشوء من الكافي (7) فان فيه " وللرحم
(1 و 2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 3 - 2. (3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب العدد الحديث 1 من كتاب الطلاق. (4 و 5) الوسائل الباب - 25 - من أبواب العدد الحديث 2 و 5 من كتاب الطلاق. وهما عن محمد بن الحكيم.
(6) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 7. (7) الكافي ج 7 ص 15 كتاب العقيقة (باب بدء خلق الانسان وتقلبه في بطن أمه) الحديث 5.
[ 226 ]
ثلاثة أقفال، قفل في أعلاها مما يلي أعلى السرة من الجانب الايمن، والقفل الاخر وسطها، والقفل الاخر أسفل من الرحم، فما يوضع بعد التسعة أيام في القفل الاعلى فيمكث فيه، ثلاثة أشهر، فعند ذلك يصيب المرأة خبث النفس والتهوع، ثم ينزل إلى القفل الاوسط، فيمكث فيه ثلاثة أشهر - إلى أن قال -: ثم ينزل إلى القفل الاسفل فيمكث فيه ثلاثة أشهر، فذلك تسعة أشهر، ثم تطلق المرأة " الحديث. لكن ظاهره زيادة تسعة أيام على تسعة أشهر، ويمكن إدراجها في التسعة أشهر بضرب من التأويل بحمل قوله عليه السلام: " في القفل الاول فيمكث " إلى آخره على الثلاثة التي منها التسعة، والشاهد عليه ذيل الرواية وباقي النصوص، على أن إبقاءه على ظاهره مخالف للاجماع. (وقيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه: (عشرة أشهر، وهو
حسن) عند المصنف (يعضده الوجدان في كثير) والفاضل في أكثر كتبه على ما قيل، إلا أنا لم نقف على ما يدل عليه بالخصوص فيما وصل إلينا من النصوص، وإن حكي عن جماعة أن به رواية، بل يعارض ما ذكر من الوجدان بما في المسالك ونهاية المرام، بل وزماننا بوجدان الوضع إلى سنة، فقصره حينئذ عليه دونه ليس في محله، بل يمكن أن يكون ابتداء الحمل بالوجدان المزبور من التسعة، ويكون حبس الطمث قبله لريبة، كفساد الطمث، كما سمعته في النصوص السابقة المشتملة على أن الثلاثة للريبة، بل عن جماعة من الاصحاب منهم أبو الصلاح وابنا زهرة وشهر آشوب التصريح بذلك، بل في كشف اللثام لا يبعد حمل كلام السيد عليه، ويؤيده ما نقل عنه في الموصليات من أولوية التسعه، ثم قال: " وبالجملة فلم يظهر لي صريح قول بالسنة ". ومن ذلك يعرف ما في القول الثالث الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وقيل: سنة، وهو متروك) وإن نسب إلى المرتضى في الانتصار مدعيا عليه الاجماع، والجامع وأبى الصلاح، ومال إليه في المختلف، بل في المسالك أنه أقرب إلى الصواب،
[ 227 ]
إذ لم يرد دليل معتبر على كون أقصاه أقل من السنة، فاستصحاب حكمه وحكم الفراش أنسب وإن كان خلاف الغالب، وقد وقع في زماننا ما يدل عليه، مع أنه يمكن تنزيل تلك الاخبار على الغالب، كما يشعر به قوله عليه السلام (1): " إنما الحمل تسعة أشهر " ثم أمر بالاحتياط نظرا إلى النادر، ولكن مراعاة النادر أولى من الحكم بنفي النسب عن أهله، بل يترتب ما هو أعظم من ذلك على المرأة مع قيام الاحتمال وتبعه على ذلك سبطه وبعض أتباعه. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، ضرورة أنه لو كان قدح في سند نصوص المشهور أو دلالتها فهو مجبور بما سمعت من الشهرة، بل الاجماع الذي لا يعارضه المحكي من إجماع المرتضي المحتمل ما عرفت، وأنه على النفي عن الازيد لا أنه الاقصى ردا على العامة، كما أفصح عنه الخبر (2) السابق، والحمل على الغالب - مع ما فيه من ظهور قوله عليه السلام: " لو زاد ساعة لقتل امه " في نفيه، ضرورة عدم كون الغالب منحصرا في التسعة الحقيقة التي لا تزادا ساعة - ليس بأولى مما ذكرناه الذي منه يعلم أولوية الاستدلال بالصحيح (3) والخبر (4) على المطلوب من الاستدلال بهما على السنة، بل يمكن دعوى صراحتهما في نفى ذلك وأن الثلاثة
أشهر للعدة تعبد، أو لنفى الريبة، أو لنحو ذلك، بل يمكن إرادة العزم على طلاقها فادعت الحمل من قوله عليه السلام: " طلقها " فأخر ذلك حتى علم حالها، فطلقها حينئذ واعتدت بثلاثة أشهر تعبدا، كما في غيرها من العدد المشروعة للتعبد وللاحتياط في تعميم ذلك مراعاة للفروج وللاسرار التى لا يحيط بها إلا من شرع ذلك، فمن الغريب الاستدلال بهما على السنة. نعم في خبر سلمة بن الخطاب (5) بسنده عن علي صلوات الله وسلامه عليه
(1 و 2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 5 - 3. (3 و 4) الوسائل الباب - 25 - من أبواب العدد الحديث 1 - 2 من كتاب الطلاق. (5) الفقيه ج 3 ص 330 - الرقم 1600 وفي الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 15 " السنتين " ورواه في الوافى أيضا - ج 12 ص 217 (الباب - 228 - من كتاب النكاح).
[ 228 ]
" أدنى ما تحمل المرأة لستة أشهر وأكثر ما تحمل لسنة " لكن في الوافي وفي بعض " وأكثر ما تحمل لسنتين " بل عن الوسائل أنه لم يذكر غير هذه النسخة، وحينئذ
فلا وجه إلا الحمل على التقية. وفي المرسل (1) في قول الله تعالى (2): " يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد " قال: " الغيض كل حمل دون تسعة أشهر، وما تزداد كل شئ تزداد على تسعة أشهر، فكلما رأت المرأة الدم الخالص في حملها فانها تزداد بعدد الايام التى رأت في حملها من الدم " وفي المرفوع المروى عن نوادر المعجزات للراوندي عن سيدة النساء فاطمة عليها السلام " إنها ولدت الحسين عليه السلام عند تمام سنة من حملها به ". لكنهما قاصران عن معارضة ما عرفت من وجوه بل الاول منهما بالنصوص (3) الواردة في تفسير الاية المزبورة بخلاف ذلك، بل يمكن إرادة ما لا ينافي الريبة التى سمعتها في النصوص (4) السابقة، كما أن المرسل الثاني معارض بغيره مما ورد (5) بخلافه فلا محيص عن القول بالتسع. والوجدان المدعى بخلافه على وجه ينفى الاحتمال الذى ذكرناه ممنوع على مدعيه، خصوصا مع احتمال الوطئ من غير الزوج ولو شبهة أو مع عدم علمها بذلك، كما هو واضح.
(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 6. (2) سورة الرعد: 13 - الاية 8. (3) المستدرك الباب - 12 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 6 وتفسير البرهان - ج 2 ص 282 ذيل الاية 13 من سورة الرعد. (4) الوسائل الباب - 25 - من أبواب العدد من كتاب الطلاق. (5) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 4 و 14 والمستدرك الباب - 12 - منها الحديث 2 و 3 و 4.
[ 229 ]
وحينئذ فالرجوع إلى الاستصحاب وإطلاق قوله صلى الله عليه واله (1): " الولد للفراش " ونحو ذلك مما سمعت مما لا ينبغى الاصغاء إليه، ضرورة عدم معارضة الاول منهما للدليل المزبور، ووجوب حمل الثاني على المقيد، والله العالم. وعلى كل حال (فلو لم يدخل بها لم يحلقه) إجماعا بقسميه ونصوصا، نعم قد يقال بعدم اعتبار العلم بالدخول مع ولادتها ما يمكن تولده منه تغليبا للنسب، ولقوله صلى الله عليه واله (2): " الولد للفراش " فان المراد به الزوج أو المرأة على تقدير
مضاف: أي ذى الفراش، وعلى التقديرين يقتضى اللحوق، خرج منه ما علم عدم الدخول لما عرفت، ويبقى غيره، وحينئذ يكون الاصل بعد وقوع العقد لحوق الولد بالزوج مع الامكان، ولا ينا في ذلك ذكر الدخول في عبارة المصنف وغيره بعنوان الشرطية المقتضية للشك في المشروط بالشك بها، فان الاصل الشرعي المزبور طريق للحكم بحققها بالنسبة إلى الالحاق المذكور. ومن هنا فرع المصنف وغيره على الاشتراط المزبور العلم بعدم الدخول، لا الولادة الممكنة اللحوق مع عدم العلم بالدخول، لكن ستعرف في كتاب اللعان التحقيق في ذلك، وإن جزم بالاحتمال المزبور في المسالك في كتاب اللعان، والله العالم. وكيف كان فيتحقق الدخول الموجب لالحاق الولد وغيره من الاحكام بغيبوبة الحشفة خاصة أو قدرها من مقطوعها في القبل وإن لم ينزل، كما هو صريح بعض النصوص (3) الورادة في العزل وفي المتعة وغيرها، بل يمكن دعوى تواتر النصوص فيه معنى، ضرورة ترتيب ذلك فيها على الوطء المتحقق بما سمعت قطعا، كما لا يخفى على من لاحظها، بل عن الشيهد في قواعده أن الوطء في الدبر على هذا
(1 و 2) الوسائل الباب - 58 - من أبواب النكاح العبيد والاماء. (3) الوسائل الباب - 103 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 والباب - 33 - من أبواب المتعة والباب - 59 - من أبواب نكاح العبيد والاماء والباب 16 - و 19 من أبواب أحكام الاولاد.
[ 230 ]
الوجه يساوى القبل في هذا الحكم وغيره إلا في مواضع قليلة استثناها وفي المسالك " وما وقفت في كلام أحد على ما يخالف ذلك " قلت: لعل الوجه فيه أيضا ما عرفته من صدق مسمى الوطء المعلق عليه الحكم، والدبر أحد المأتيين (1). (وكذا لو دخل بها وجاءت به لاقل من ستة أشهر حيا كاملا) فانه لا يلحق به على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل لعل الاجماع بقسميه عليه وإن حكي عن الشيخين أنه خيراه بين نفيه وبين الاعتراف به للخبر السابق (2) الذي قد عرفت الحال فيه لكنه شاذ لا يقدح في تحصيل الاجماع، بل يمكن دعوى تواتر النصوص (3) بخلافه، وقد سمعت دعوى الاجماع من المؤمنين أو المسلمين على أن الستة أشهر أقل الحمل وغيرها من الادلة على ذلك، واحترز بالحياة
والكمال عما ولدته في هذه المدة غير حي أو ناقص الخلقة، فانه يلحق به مع إمكان تولده منه عادة، للاصل المزبور، فتجب حينئذ عليه مؤونة تجهيزه، ويستحق ديته لو جني عليه، إلى غير ذلك من الاحكام المترتبة على لحوقه به، نعم لو لم يمكن في العادة لحوقه به لم يلحق به، كما هو واضح. والظاهر أنه يجري هنا ما سمعته في السابق من الحكم بعدم اللحوق في المتولد حيا كاملا لاقل من ستة إذا كان ذلك معلوما، أما مع الجهل فالظاهر الحكم باللحوق للاصل الذي قدمناه، بل لعله هنا أولى باعتبار تحقق الدخول الذي هو أصل في الحكم باللحوق حتى يعلم فساده بالعلم بالتولد للاقل ونحوه، وستسمع لذلك تتمة إنشاء الله. (وكذا لو اتفقا على انقضاء ما زاد عن تسعة أشهر أو عشرة من زمان الوطء أو ثبت ذلك بغيبة متحققة تزيد عن أقصى الحمل، ولا يجوز له إلحاقه بنفسه
(1) الوسائل الباب - 73 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 7. (2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاود الحديث 10 - 0 -.
[ 231 ]
والحال هذه) لما عرفت من عدم اللحوق مع التجاوز عن أكثر الحمل، نعم ذلك كذلك مع العلم، أما مع الشك فالظاهر اللحوق، للاصل السابق على نحو ما سمعته سابقا وحينئذ فلا خلاف ولا إشكال في شئ من الاحكام المزبورة إلا في ثبوت ذلك بل والسابقين بالاتفاق على عدم حصول الشرط، ضرورة تعلق الحكم بغيرهما وهو الولد فلا يجدى اتفاقهما على نفيه عنه. وربما وجه بأن الحق منحصر فيهما، والفعل لا يعلم إلا منهما، وإقامة البينة على ذلك متعذرة أو متعسرة، فلو لم يكتف باتفاقهما عليه وألحقنا به الولد حتما نظرا إلى الفراش لزم الحرج والاضرار به، حيث يعلم انتفاؤه عنه في الواقع ولا يمكنه نفيه ظاهرا، ولان الشارع أوجب نفيه عنه مع العلم بانتفائه، وجعل له وسيلة مع انكار المرأة اللعان، فلابد في الحكم من نصب وسيلة إلى نفيه مع تصادقهما ليثبت الحكم اللازم له شرعا، ولا يمكن ذلك باللعان المشروط بتكاذبهما، فلم يبق لانتفائه إلا الاتفاق المزبور، وهو كما ترى. بل عن الشهيد إشكاله بأنهما لو اتفقا على الزنا لم ينتف الولد، ولحق بالفراش وكذا هنا، وإن كان فيه أن مجرد الزنا غير كاف في انتفاء الولد عن الفراش إذا كان
قد وطأ وطءا يمكن إلحاقه به، لما ثبت شرعا من أن " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (1) وهذا بخلاف ما لو اتفقا على عدم الوطء في المدة المذكورة، لان الولد لا يمكن لحوقه بالزوج من دون الوطء في مدة الحمل، ومن ثم اتفقوا على أنه لو ثبت عدم الوطء في المدة بالبينة حيث يمكن إثباتها كما لو اتفقت الغيبة انتفى عنه بغير إشكال بخلاف ما إذا ثبت زناها بالبينة، فانه لا يوجب نفيه عن الزوج ولا عن المرأة مع وجود الفراش الذي يمكن إلحاقه به، فافترق الامران، أللهم إلا أن يريد الشهيد بالاتفاق على الزنا الاتفاق على كون الولد منه لا من وطء الفراش. وعلى كل حال فالاشكال بما ذكرناه - من منع انحصار الحق في الزوجين
(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء.
[ 232 ]
حتى يقبل تصادقهما فيه، لان للولد حقا في النسب - متجه خصوصا مع حكمهم كما قيل بأنه لو ادعى مدع مولودا على فراش غيره بأن ادعى وطءه بالشبهة وصدقه الزوجان فلابد من البينة، لحق الولد، فلا يكفى تصديق الزوجين في دعوى الولد،
ومثل هذا آت هنا، لكن في المسالك " أنه وافق المصنف على هذا المدعى، إلا أنه يمكن منعه بما ذكرناه من الحرج والضرر، وكيف يجتمع الحكم بعدم جواز إلحاقه ووجوب نفقته مع الحكم بعدم انتفائه عنه بوجه من الوجوه حيث يتعذر إقامة البينة " قلت: اختلاف الاحكام ظاهرا وواقعا غير عزيز، فلا يكون ذلك دليلا على الدعوى، نعم قد يقال: إن التصادق منهما مسقط حق التداعي بينهما، أما الولد فإذا كبر كان له حق الدعوى، ويمكن حمل كلام المصنف وغيره على ذلك، والله العالم. (ولو وطأها واطئ فجورا) ولو بعده (كان الولد لصاحب الفراش) فضلا عن تهمتها به مع فرض وطئه على وجه يمكن إلحاق الولد به، فانه أظهر أفراد قوله (1): " الولد للفراش وللعاهر الحجر " المتفق على مضمونه)، فلا ينتفي عنه حينئذ إلا باللعان إذ لم يصرح باستناد النفي إليه، وإلا لم ينتف به أيضا على ما في كشف اللثام وإن كان قد يشكل باطلاق أدلة اللعان مع فرض إقدامه عليه ولو لاطمئنانه في السبب المزبور، ولعله لذا أطلق المصنف وغيره، وستسمع في كتاب اللعان التحقيق في ذلك إنشاء الله.
(و) على كل حال ف (- لا ينتفي عنه) في الفرض المزبور (إلا باللعان لان الزاني لا ولد له) وإنما له الحجر، فلا يعارض وطؤه وطء ذي الفراش سبق أو تأخر وشابهه الولد في الخلق والخلق أولا، وخبر داود بن فرقد (2) عن الصادق عليه السلام " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: يا رسول الله إني خرجت وامرأتي حائض ورجعت وهي حبلي، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: من تتهم ؟ (قال: أتهم رجلين) قال: ائت بهما،
(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (2) الوسائل الباب - 100 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 2.
[ 233 ]
فجاء بهما، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن يك ابن هذا فسيخرج قططا كذا وكذا، فخرج كما قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فجعل معقلته على قوم امه وميراثه لهم " مع الارسال يحتمل طول الغيبة أو غير ذلك، وما ورد في بعض الاخبار (1) من أن القيافة فضلة من النبوة، والعمل عليها منهم عليها السلام في بعض الاحيان (2) محمول على ما لا ينافي المقام المجمع عليه نقلا وتحصيلا. واحترز بالفجور عن الوطئ شبهة على وجه يمكن تولده منهما، فانه
يقرع بينهما، ويلحق بمن تقع عليه القرعة، لانها حينئذ فراش لهما، من غير فرق بين وقوع الوطءين في طهر وعدمه مع إمكان الالحاق بهما، نعم لو أمكن لاحدهما دون الاخر تعين له من دون قرعة، كما أنه ينتفي عنهما بعدم إمكانه منها، وهو واضح. (ولو اختلفا في الدخول) أي الوطء الموجب لالحاق الولد وعدمه فادعته المرأة لتلحق به الولد وأنكره (أو) اتفقا ولكن اختلفا (في ولادته) فنفاها وادعى أنه أتت به من خارج (فالقول قول الزوج مع يمينه) للاصل، ولان الاول من فعله، فيقبل قوله فيه، والثاني يمكنها إقامة البنية عليه، فلا يقبل قولها فيه بغيرها، وكذا إذا كبر الولد فادعى كونه ولدا له. ولو اتفقا عليهما واختلفا في المدة فادعى ولادته لدون ستة أشهر أو لازيد من أقصى الحمل ففى اللمعة حلفت، وفي الروضة " تغليبا للفراش، ولاصالة عدم زيادة المدة في الثاني - لكن قال -: أما الاول فالاصل معه، فيحتمل قبول قوله فيه عملا بالاصل، ولان مآله إلى النزاع في الدخول فانه إذا قال لم تنقص الستة أشهر من حين الوطء فمعناه أنه لم يطأ منذ ستة أشهر، وإنما وقع الوطء فيما دونها،
(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 2 من كتاب التجارة. (2) الوسائل الباب - 55 - من أبواب نكاح والعبيد والاماء الحديث 4 و 5 والكافي ج 1 ص 322 وصحيح مسلم ج 4 ص 172.
[ 234 ]
وربما فسر بعضهم النزاع في المدة بالمعنى الثاني خاصة، فيوافق الاصل، وليس ببعيد إن تحقق في ذلك خلاف، إلا أن كلام الاصحاب مطلق " وكذا في المسالك وزاد أنه " لو نظر في تقديم قولها إلى أنها مع الاجتماع والخلوة يكون الظاهر الدخول لكان ذلك مشتركا بين المسألتين " إلى آخره. قلت: في تحقيق الحال أن يقال: قاعدة الفراش حجة شرعية، فالموافق لمقتضاها منكر على نحو قاعدة يد المسلم على المال، فلو فرض كون النزاع بينهما بكون الولد له وعدمه على وجه إبراز التداعي على هذا الوجه فلا ريب في أن القول قول مدعي الالحاق بيمينه، نعم لو لم يقتصر في الدعوى، بل أسنده إلى سبب خاص على وجه يكون لحوق الولد به تبعا، كما لو ادعت الامرأة الدخول بها بحيث يلحق به الولد أو ادعت الولادة فأنكره كان القول قول المنكر، نحو ما لو أسند
المسلم ما في يده إلى سبب خاص يقتضى بطلان دعوى المدعى، كما لو قال: " اشتريته منك " كان القول قول منكره بيمينه، هذا كله فيما يتعلق بالمسألة الاولى. أما الثانية وهي الاختلاف فالظاهر أن مبناها أصالة لحوق الولد بالوطء المحترم حتى يتبين فساد ذلك، وهى قاعدة اخرى غير قاعدة " الولد للفراش " ولو لكونها أخص منها، وحينئذ فمتي تحقق الوطء حكم شرعا بلحوق الولد إلا إذا علم العدم بالوضع لاقل الحمل أو لاقصاه أو لغير ذلك، ففى الفرض الذي قد تحقق فيه الوطء واختلفا في المدة تكون المرأة منكرة على كل حال باعتبار موافقة دعواها الاصل المزبور، من غير فرق بين دعوى الزوج الازيد من أقصى الحمل أو الاقل من أدناه، إذ هو على كل حال مدع ما ينافي أصالة لحوق الولد بالواطء، ولعله لذا أطلق الحلف، بل وأولى مما في كشف اللثام من تعليله بالرجوع إليها في العلوق بالولد فانه من فعلها فيقدم قولها مطلقا وفي الرياض بعد أن حكى ما سمعته من الروضة قال: " لكن في الاكتفاء بمثله في الخروج عن الاصل إشكال إلا أن يعتضد بعموم " الولد للفراش " (1) ولا
(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء.
[ 235 ]
ينتقض بصورة وقوع النزاع في الدخول، لعدم ثبوت الفراش فيها بدون ثبوته، بخلاف المقام، لثبوته باتفاقهما عليه، هذا مع إمكان المناقشة في الاصل الذي ادعى كونه مع الزوج، كيف وهو معارض بأصالة عدم موجب للحمل لها غير دخوله، وبعد التعارض لابد من المصير إلى الترجيح، وهو معها. للعموم المتقدم، ولا ينتقض بالصورة المتقدم ذكرها، لانتفاء المرجح المزبور فيها كما مضى، فهذا أقوى ". وفيه (أولا) أن المراد بالفراش المرأة كما عن بعضهم، أو الزوج كما عن المصباح المنير، ومعناه على الاول ان الولد لذي افتراش المرأة، فيتحقق حينئذ بمطلق الدخول بالمرأة ولو الوطء الذي قد اتفقا على عدم التولد منه، فيتجه شموله للصورة الاولى، ولا مخلص منه إلا بما ذكرناه من إسناد دعواها إلى ما يقتضى الاصل نفيه من وطء زائد على ما تحقق به اسم الفراشية، كما يقتضى به فرض كلامهم في الاعم من التى تحقق فيه الفراشية وعدمه، بل هو في الثاني أظهر، إذ ذاك مبنى على عدم قبول قولها مع فرض الخلوة، ترجيحا للاصل على الظاهر مع احتمال العكس، وكلامهم أجنبي عن ذلك هنا، كما لا يخفى على من له أدنى نظر وتأمل
وأما على الثاني فالمراد به واضح، وعلى كل حال فلا يخرج منه إلا ما علم ولادته بلا وطء من الزوج. و (ثانيا) أن أصل عدم موجب آخر للحمل لا يقتضي صحة دعواه من كون الوطء لاقل الحمل، وإلا لاقتضى أصل عدم التولد من وطئه ثبوت وطء غيره نعم إن كان مراده بأصل عدم موجب للحمل الاشارة إلى ما ذكرناه من الاصل الشرعي في الحكم بلحوق الولد مع تحقق الوطء إلا أن يعلم فساده بالتولد لدون أقصى الحمل أو لازيد من أقصاه أو لغير ذلك كان متجها. ثم قال: " وحيث قدمنا قولها فالمتجه عند جماعة منهم شيخنا الشهيد في اللعمة توجه اليمين عليها، وربما لاح من كلام بعض كما حكي عدمه، ولا بأس به نظرا إلى الاصل وانتفاء المخرج، بناء على أن تقديم قولها ليس لانكارها حتى يتوجه عليها اليمين، بل لتغليب جانب الفراش المستدل عليه بالعموم المتقدم، وليس
[ 236 ]
فيه اعتبار اليمين، ولكن الاحوط اعتباره " وفيه أنها ليست إلا منكرة، ولذا تقبل البينة في مقابل قولها: وتغليب جانب الفراش لا ينافي توجه اليمين عليها، لاحتمال
نكولها واعترافها بعدم الدخول الذي يتسبب منه (فيه خ ل) الوطء. (و) كيف كان فقد ظهر لك انه (مع الدخول وانقضاء أقل الحمل) وعدم تجاوز أقصاه (لا يجوز له نفي الولد، لمكان تهمة أمه بالفجور) بل (ولا مع تيقنه) سواء ظن انتفاؤه عنه أولا (و) حينئذ ف (- لو نفاه لم ينتف إلا باللعان) إذ الفرض إمكان تولده منه، وقد سمعت قوله صلى الله عليه واله (1): " الولد للفراش " المتفق على مضمونه، ولا يستثنى من ذلك إلا وطء الشبهة على حسب ما عرفت. (ولو طلقها فاعتدت ثم جاءت بولد ما بين) الوطء الذي لحقه (الفراق إلى أقصى مدة الحمل لحق به) الولد (إذا لم توطأ بعقد ولا شبهة) وإن وطئت زنا بلا خلاف ولا إشكال، لانها فراشه، ولم يلحقها فراش أخر يشاركه في الولد، بل بناء على ما ذكرنا يلحق به أيضا لو لم يعلم الحال، لقاعدة الفراش أيضا، نعم لو كان بدون الاقل أو لازيد من الاقصى انتفى عنه قطعا. أما إذا لحقه فراش آخر بعقد أو شبهة فان لم يمكن لحوقه بالثاني فهو للاول، وإن لم يمكن لحوقه بالاول فهو للثاني، وإن لم يمكن لحوقه بواحدة منهما انتفى عنهما، وإن كان قابلا للالتحاق بكل منهما ففي ترجيح الثاني أو القرعة قولان،
قد تقدم الكلام فيهما سابقا، ويأتي أيضا، ولا ريب في أن الاقوى منهما ما هو المشهور بين الاصحاب من كونه للثاني للنصوص (2) التي فيها الصحيح وغيره (ولو زنى بامرأة فأحبلها ثم تزوج بها لم يجز إلحاقه به، وكذا لو زنى بأمة فحملت ثم ابتاعها) لما سمعت من النص (3) والاجماع على أن للزاني الحجر، وتجدد الفراش لا يقتضى إلحاق المحكوم بانتفائه إذ المراد من " الولد للفراش " المنعقد في الفراش لا المتولد مطلقا، ولذا انتفى عنه ما كان منعقدا قبل الفراش، ولم
(1 و 3) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 1 و 11 و 12 و 13.
[ 237 ]
ينتف المنعقد فيه وإن زال عنه حال التولد بطلاق مثلا، كل ذلك مضافا إلى خبر علي بن مهزيار عن محمد بن الحسن القمي (1) قال: " كتب بعض أصحابنا على يدى إلى أبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في رجل فجر بامرأة فحملت، ثم إنه تزوجها بعد الحمل فجاءت بولد، وهو أشبه خلق الله به ؟ فكتب بخطه وخاتمه: الولد لغية لا يورث ".
(و) على كل حال فقد عرفت مما قدمنا سابقا أنه (يلزم الاب الاقرار بالولد مع اعترافه بالدخول وولادة زوجته له) على وجه يوجب إلحاقه به (فلو أنكره والحال هذه لم ينتف) عنه (إلا باللعان) كما هو واضح، بل هو كالمستغنى عنه بما سبق، بل قد ظهر مما قدمنا سابقا أن المتجه الحكم باللحوق بعد تحقق الفراشية وإن لم يعلم دخوله في المسبب لانعقاد الولد، لقاعدة الفراش، خصوصا على ما سمعته من المعنى الثاني، وإنما قلنا بتقديم قوله بعد الدخول مع فرض التداعي فيه لارادة إلحاق الولد به لا مع عدم تداع فيه، ولا ينافي ذلك ذكرهم له بعنوان الشرطية المقتضية للشك في المشروط بالشك في حصولها، ضرورة أن ذلك طريق شرعي لما يستلزم الحكم شرعا بحصولها حتى يعلم العدم. (وكذا) الكلام (لو اختلفا في المدة) على الوجه الذي قد عرفت تفصيل الحال فيه، فلاحظ وتأمل. (و) كذا عرفت الحال فيما (لو طلق امرأته فاعتدت وتزوجت أو باع أمته فوطأها المشترى) أو أعتقها فاعتدت ونكحت (ثم جاءت بولد لدون ستة أشهر كاملا، فهو للاول، وإن كان لستة أشهر) فصاعدا (فهو للثاني) ففي
خبر زرارة (2) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل إذا طلق امرأته ثم نكحت وقد اعتدت ووضعت لخمسة أشهر فهو للاول، وإن كان ولد أنقص من ستة فلامه ولابيه الاول، وإن ولدت لستة أشهر فهو للاخير ".
(1) الوسائل الباب - 101 - من أبواب أحكام الاولاد. (2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 11.
[ 238 ]
ومرسل جميل (1) عن أحدهما عليها السلام " في المرأة تزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما، وتعتد عدة واحدة منهما جميعا، وإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للاخير، وإن جاءت بولد لاقل من ستة أشهر فهو للاول " وفي خبر أبي العباس (2) قال: " إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للاخير، وإن كان أقل من ستة أشهر فهو للاول " وفي صحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا كان للرجل منكم الجارية يطؤها فيعتقها فاعتدت ونكحت فان وضعت لخمسة أشهر كان من مولاها الذي أعتقها، وإن وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فانه لزوجها الاخير " ومن ذلك كله يعلم ضعف القول بالقرعة، مضافا إلى ما قيل من ظهور أدلة الفراش في الفعلي منه،
والله العالم. وأما (أحكام ولد الموطؤة بالملك) ف (- إذا وطأ الامة) به (فجاءت بولد لستة أشهر فصاعدا) إلى أقصى الحمل (لزمه الاقرار به) إن لم تظهر أمارة الخلاف، كما ستسمع الكلام فيه وإن لم نقل أنها فراش، كما هو المشهور بلا خلاف، بل في كشف اللثام اتفاقا كما يظهر منهم، بل ولا إشكال، لقاعدة لحوق الولد للوطء المحترم مع الامكان، ولصحيح سعيد بن يسار (4) سأل الكاظم عليه السلام " عن الجارية تكون للرجل يطيف بها وهي تخرج فتعلق، قال: أيتهمها الرجل أو يتهمها أهله ؟ قلت: أما ظاهرة فلا، قال: إذا لزمه الولد " وسأل الصادق عليه السلام في حديث آخر (5) " عن رجل وقع على جارية له تذهب وتجئ وقد عزل عنها، ولم يكن منها إليها، ما تقول في الولد ؟ قال، أرى أن لا يباع هذا يا سعيد " قال: " وسألت أبا الحسن عليه السلام فقال: أيتهمها ؟ فقلت: أما تهمة ظاهرة فلا، قال: فيتهمها أهلك ؟ فقلت: أما شئ ظاهر فلا، فقال: فكيف تستطيع أن لا يلزمك الولد ؟ ". (ولكن لو نفاه) انتفى و (لم) يحتج إلى أن (يلاعن امه، وحكم
(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاود الحديث 13 - 12 - 1.
(4 و 5) الوسائل الباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 - 5.
[ 239 ]
بنفيه) عنه (ظاهرا) إجماعا بقسميه اقتصارا في اللعان المخالف للاصل على موضع النص (1) وهو الازواج، وإذا انتفى اللعان فيها لزم الانتفاء بالنفي، إذ لم يبق طريق إليه غيره، (و) هو بمنزلة فعله لا يعلم إلا منه، فيقبل فيه قوله. نعم (لو اعترف به بعد ذلك الحق به) لعموم إقرار العقلاء (2) وفحوى صحيح الحلبي (3) بمثله في ولد الملاعنة، لكن الظاهر أنه أنما يترتب عليه من أحكام النسب ما عليه دون ما له أخذا باقراريه كما صرحوا به في ولد الملاعنة وفاقا للاخبار (4). (ولو وطأ الامة المولى وأجنبي) فجورا (حكم بالولد للمولى) للاصل السابق الذي لا يعارضه وطء الزاني الذي ليس له إلا الحجر، وللاخبار كخبر سعيد الاعرج (5) سأل الصادق عليه السلام " عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد من يكون الولد ؟ قال: للذي عنده الجارية، لقول رسول صلى الله عليه واله وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر " أما إذا كان الوطء شبهة فالقرعة، لما عرفته سابقا.
(ولو انتقلت) الامة (إلى موال بعد وطء كل واحد منهم لها حكم بالولد لمن هي عنده إن جاء لستة أشهر فصاعدا منذ يوم وطئها، وإلا كان للذئ قبله ان كان لوطئه ستة أشهر فصاعدا، وإلا كان للذي قبله، وهكذا الحكم في كل واحد منهم (بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال في كونه للاخير منهم، لما سمعته من النصوص (6) السابقة مضافا إلى خبر الصيقل (7) عن أبى عبد الله عليه السلام " سمعته يقول وسئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرئ
(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2. (3 و 4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 1 - 0 - من كتاب المواريث. (5 و 7) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4 - 2. (6) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 1 و 11 و 12 و 13.
[ 240 ]
رحمها، قال: بئس ما صنع، يستغفر الله ولا يعود، قلت فان باعها من آخر ولم
يستبرئ رحمها ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها ولم يستبرئ رحمها فاستبان حملها عن الثالث، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للفراش وللعاهر الحجر " وعن الشيخ روايته بسند آخر عن الصيقل (1) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام " وذكر مثله، إلا أنه قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للذي عنده الجارية " وعن الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام (2) " وإن كانوا ثلاثة واقعوا جارية على الانفراد وبعد أن اشتراها الاول وواقعها ثم اشتراها الثاني وواقعها ثم اشتراها الثالث وواقعها كل ذلك في طهر واحد فأتت بولد لكان الحق أن يلحق الولد بالذي عنده الجارية ويصبر، لقول رسول الله صلى الله عليه واله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، هذا مما لا يخرج في النظر وليس فيه إلا التسليم " نعم ليس في الجميع إلحاقه بالذي قبله مع تعذره ولعله لانه بتعذر الاخر يصير الاشكال فيما بينه وبين ما تقدمه، فهو بمنزلة ما لو وقع الاشكال فيه قبل الانتقال إلى الثالث، ولا يترتب في ترجيحه حينئذ، لما سمعته من النصوص التى يستفاد منها نسخ اللاحق للسابق مع الامكان، والمقام منه، والله العالم. (ولو وطأها المشتركون فيها في طهر واحد) أو متعدد عالمين بالحرمة
أو جاهلين، أذن كل واحد منهم الاخر أولا (فولدت) ولدا على وجه يمكن لحوقه بكل واحد منهم (وتداعوه) أو سكتوا (أقرع بينهم) إذ من المعلوم عدم لحقوقه بالجميع، لان التكون من أكثر من نطفة مندفع بالنص والاجماع (فمن خرج اسمه ألحق به) الولد (وأغرم حصص الباقين من قيمة أمه وقيمته يوم سقط حيا) ضرورة كون الجارية بالنسبة إليه أم ولد، وكون الولد ولدا له، فهو حينئذ كالجاني على حصصهم، إذ قد سمعت فيما تقدم أن الامة المشتركة إذا وطأها أحد
(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3. (2) البحار ج 104 ص 63 ط الحديث. (جواهر الكلام - ج 15)
[ 241 ]
الشركاء أثم وعزر، لكن لا يكون زانيا بل يكون عاصيا، ويلحق به الولد، وتكون الجارية أم ولد، ويغرم حصة الشريك من الام والولد، وبعد القرعة يرجع الامر إلى ذلك. ولو ادعاه واحد منهم ونفاه الباقون ألحق به وأغرم حصص الباقين من قيمة
الام والولد، لانتفائه عن غيرهم بالنفي من غير لعان، إذ حكم كل واحد بالنسبة إلى هذا الولد مثله من الامة الموطوءة المنفردة من حيث اللحوق، وتحريم النفي مع عدم العلم بنفيه، وانتفائه بالنفي من غير لعان، وإنما يزيد هنا توقف لحوقه بأحدهم مع تداعيهم أو سكوتهم على القرعة، كما لو وطأ الامة غير مالكها معه شبهة وطءا يمكن لحوقه بكل منهما. والاصل في ذلك - مضافا إلى بعض ما تقدم في وطء أحد الشريكين - حسنة أبي بصير (1) عن أبي جعفر عليه السلام قال: بعث رسول الله صلى الله عليه واله عليا صلوات الله وسلامه عليه إلى اليمن فقال له حين قدم: حدثنى بأعجب ما مر عليك، قال: يا رسول الله أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطؤوها جميعا في طهر واحد، فولدت غلاما فاصبحوا فيه يدعونه، فأسهمت بينهم وجعلته للذي خرج سهمه وضمنته نصيبهم، فقال النبي صلى الله عليه واله إنه ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله تعالى إلا خرج سهم المستحق " وصحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا وقع الحر والعبد والمشرك بامرأة في طهر واحد فادعوا الولد أقرع بينهم، فكان الولد للذي يخرج سهمه ".
وصحيح معاوية بن عمار (3) عنه عليه السلام أيضا " إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا أقرع بينهم، فمن قرع كان الولد ولده، ويرد قيمة الولد على صاحب الجارية ". وصحيح سلمان بن خالد (4) عنه عليه السلام أيضا قال: " قضى علي عليه السلام في ثلاثة
(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 57 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4 - 3 - 1 - 2 والرابع عن سليمان بن خالد.
[ 242 ]
وقعوا على امرأة في طهر واحد، وذلك في الجاهلية قبل أن يظهر الاسلام، فأقرع بينهم وجعل الولد لمن قرع، وجعل ثلثي الدية للاخرين، فضحك رسول الله صلى الله عليه واله حتى بدت نواجده، وقال: لا أعلم فيها شيئا إلا ما قضي على عليه السلام " وصحيح الحلبي (1) عنه عليه السلام أيضا " إذا وقع المسلم واليهودى والنصراني على المرأة في طهر واحد أقرع بينهم، كان الولد للذي تصيبه القرعة ". لكن في المسالك بعد أن ذكر الخبر الاول قال: " والاصحاب حكموا بمضمونها، وحملوا قوله عليه السلام: " وضمنته نصيبهم " على النصيب من الولد والام
معا، كما لو كان الواطئ واحدا منهم ابتداء، فانه يلحق به ويغرم نصيبهم منها، لكن يشكل الحكم بضمانه لهم نصيب الولد لادعاء كل واحد منهم أنه ولده، وأنه لا يلحق بغيره، ولازم ذلك أنه لا قيمة له على غيره من الشركاء، وهذا بخلاف ما لو كان الواطئ واحدا، فان الولد محكوم بلحوقه به، ولما كان من نماء الامة المشتركة جمع بين الحقين باغرامه قيمة الولد لهم وإلحاقه به بخلاف ماهنا، والرواية ليست صريحة في ذلك، لان قوله: " وضمنته نصيبهم " يجوز إرادة النصيب من الام لانه هو النصيب الواضح لهم باتفاق الجميع بخلاف الولد، ويمكن أن يكون الوجه في إغرامه نصيبهم من الولد أن ذلك ثابت بزعمه أنه ولده، ودعواهم لم تثبت شرعا، فيؤخذ المدعي باقراره بالنسبة إلى حقهم، والنصيب في الرواية يمكن شموله لهما معا من حيث إن الولد نماء أمتهم، فكل منهم له نصيب فيه، سواء ألحق به أم لا، ولهذا يغرم من ألحق به نصيب الباقين في موضع الوفاق وعلى كل حال فالعمل بما ذكره الاصحاب متعين، ولا يسمع الشك فيه مع ورود النص به ظاهرا وإن احتمل غيره ". وفيه (أولا) أن النصوص التي سمعتها غير الخبر الاول صريحة في ضمان
قيمة الولد، حتى الخبر الاخير المراد من الدية فيه القيمة بناء على أن مورد الجميع
(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 1 من كتاب المواريث.
[ 243 ]
الامة المشتركة ولو لقرائن تدل عن ذلك، كما أن قول الصادق عليه السلام لعبد الله ابن سنان (1) فيما أرسله الشيخ عن يونس " في قوم اشتركوا في جارية فائتمنوا بعضهم وجعلوا الجارية عنده فوطأها: يجلد الحد ويدرأ عنه بقدر ما له فيها، وتقوم الجارية، ويغرم ثمنها للشركاء، فان كانت القيمة في اليوم الذي وطأ فيه أكثر من ما اشتريت به ألزم أكثر الثمن، لانه قد أفسد على شركائه، وإن كانت القيمة في اليوم الذي وطأ أكثر مما اشتريت به يلزم الاكثر لاستفسادها " نعم روى مثله في موضع آخر مسندا (2) وزاد فيه " قلت: فأن أراد بعض الشركاء شراءها دون الرجل، قال: ذلك له، وليس له أن يشتريها حتى يستبرئ، وليس على غيره أن يشتريها إلا بالقيمة " وهو يدل على عدم الاجبار على التقويم وإعطاء القيمة ويمكن أن يكون ذلك في حال عدم وولادتها منه وإلا فهي أم ولد له في الظاهر.
و (ثانيا) أن ما أورده من الاشكال كما يجرى في الولد يجرى في الام أيضا، ضرورة أن مقتضي دعوى كل واحد منهم صيرورتها أم ولد فلا وجه لان يأخذ الغرامة عوضها مع وجوبها عليه، فحمله النصيب على النصيب منها لا يرفع الاشكال، أللهم إلا أن يقال: إن أخذه باعتبار الحيلولة بينه وبين ملكه. و (ثالثا) أن إلزامه باقراره لا يقضي استحقاقهم عليه، أقصاه صيرورة المال مجهول المالك، والذي يقوى في النظر حمل الدعوى في النص والفتوى من كل واحد على إرادة الجميع معرفة لحوقه بواحد منهم، لان كل واحد منهم يدعيه أنه له، فان ذلك مع الطريق له في غاية البعد، وانما المراد عدم نفي أحد منهم إياه عن نفسه، بل أرادوا معرفة ذلك بالقرعة، وحينئذ فيتجه بعدها الغرامة لهم، أو يقال: إنه بالقرعة التي هي
(1) التهذيب ج 10 ص 29 - الرقم 96 وفيه " ويغرم ثمنها للشركاء، فان كانت القيمة في اليوم الذى وطأ أقل مما اشتريت به.... ". (2) أشار إليه في الوسائل الباب - 17 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 1 من كتاب التجارة وذكرها في التهذيب ج 7 ص 72 الرقم 309.
[ 244 ]
أمارة لاستخراج الواقع يعلم كذب دعوى كل مدع منهم، فله حينئذ تناول الغرامة ممن خرجت القرعة له، وعلى كل حال فالامر كما ذكره الاصحاب من غرامة قيمة الام والولد، ولا يقدح فيه ما قيل من عدم تعرض الشيخين وابن زهرة إلا لقيمة الولد، وابن سعيد إلا لقيمة الام وللعقر، فان ذلك ليس خلافا، وعلى تقديره فهو محجوج بما عرفت. (و) كيف كان ف (- ان ادعاه واحد) منهم خاصة ونفاه عنه غيره (ألحق به) بلا قرعة (وألزم حصص الباقين من قيمة الام والولد) بلا خلاف ولا إشكال، لانتفائه عمن نفاه عنه بنفيه، إذ هو أولى من الواطئ المتحد، بل في كشف اللثام ذلك كذلك مع السكوت، لانه بمنزلة النفي، ولانه مدع بلا منازع، وللرجحان بدعواه مع سكوت الغير، فلا إشكال ليقرع، ولان القرعة لاثبات النسب إلى واحد، وقد ثبت، والاصل انتفاؤه عن الغير، ولاختصاص نصوص القرعة فيها بصورة التداعي، وإن كان قد يشكل بأعمية السكوت من النفي، فلا ينزل منزلته، وبظهوره النصوص في كون الموضوع من المشتبه في نفسه المحتاج تميزه وتعينه إلى القرعة، ونصوص القرعة إنما يراد منها عدم نفي أحد منهم، والكلام في ثبوته للمدعي
مع سكوت الباقين بدون القرعة كي يثبت النسب، خصوصا مع دعوى الساكت بعد سكوته، ورجحانه عليهم بالدعوى لا دليل عليه شرعا. ثم من المعلوم عدم جواز نفي النافي منهم أو جميعهم إلا مع العلم بانتفائه عنه، بل لو علم كون نفيه لا لذلك لم يسمع نفيه، ولا ينتفى عنه بنفيه، ولو نفوه أولا عنهم ثم أقروا بعد ذلك أنه لواحد منهم أمكن سماع هذا الاقرار فيما عليهم والاخراج بالقرعة، وأولى بالقبول ما لو رجع كل منهم إلى دعواه بعد أن نفوه، نعم قد يقال بعدم سماع الاقرار بعد النفي ودعوى المدعي به والحكم بلحوقه به، مع احتماله أيضا، كاحتمال عدم سماع الاقرار في الاول لكونه ليس إقرارا، ولم نجد للاصحاب في ذلك كلاما محررا، والله العالم. (ولا يجوز نفي الولد لمكان العزل) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل
[ 245 ]
الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى النصوص (1). (ولو وطأ) المولى (امته وطأها آخر فجورا ألحق الولد بالمولى) فضلا عما لو أتهمها إجماعا بقسميه ونصوصا (2) عموما وخصوصا إذا لم تكن أمارة
يظن منها كونه لغيره. (و) أما (لو حصل مع ولادته أمارة يغلب بها الظن أنه ليس منه) فعن جماعة على ما (قيل) بل الاكثر بل المشهور أنه (لم يجز إلحاقه به ولا نفيه، بل ينبغى أن يوصى له بشئ) من ماله (ولا يورثه ميراث الاولاد) للنصوص التى منها خبر ابن عجلان (3) " إن رجلا من الانصار أتى أبا جعفر عليه السلام فقال: قد ابتليت بأمر عظيم، إنى قد وقعت على جاريتي ثم خرجت في بعض حوائجى فانصرفت من الطريق فأصبت غلامي بين رجلى الجارية فاعتزلتها، فحملت ثم وضعت جارية لعدة تسعة أشهر فقال له أبو جعفر عليه السلام: احبس الجارية ولا تبعها، وأنفق عليها حتى تموت أو يجعل الله لها مخرجا، فان حدث بك حدث فأوص أن ينفق عليها من مالك حتى يجعل الله لها مخرجا " ونحوه خبر عبد الله (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " إن رجلا من الانصار أتى أبى " الحديث. لكن فيه مضافا إلى ذلك " فقال له أبى: لا ينبغى لك ان تقربها ولا أن تبيعها " وخبر حريز (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل كان يطأ جارية له، وأنه كان يبعثها في حوائجه، وانها حملت، وأنه بلغه عنها فساد فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا ولدت أمسك
الولد ولا تبعه ولا تجعل له نصيبا من دارك، قال: فقيل له: رجل يطأ جارية وأنه لم يكن يبعثها في حوائجه وأنه اتهمها وحبلت، فقال: إذا هي ولدت أمسك الولد ولا يبعه ويجعل له نصيبا من داره وماله، وليس هذه مثل تلك ". وخبر عبد الحميد بن إسماعيل (6) الذي رواه المشايخ الثلاثة " سألت أبا عبد الله
(1) الوسائل الباب - 33 - من أبواب المتعة الحديث 5 والباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5 والباب - 15 و 19 - من أبواب أحكام الاولاد. (2) الوسائل الباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (3 و 4) الوسائل الباب - 55 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 - 1. (5 و 6) الوسائل الباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 - 4 وفي
[ 246 ]
عليه السلام عن رجل كانت له جارية يطؤها وهى تخرج فحبلت فخشى أن لا يكون منه كيف يصنع ؟ أيبيع الجارية والولد ؟ قال: يبيع الجارية ولا يبيع الولد، ولا يورثه من ميراثه شيئا " وخبرا سعيد (1) المتقدمان في أول المبحث المتضمن ظاهرهما على اشتراط اللحوق بعدم التهمة.
وخبر محمد بن إسماعيل الخطاب (2) " كتب إليه يسأله عن ابن عم له كانت له جارية تخدمه، وكان يطؤها، فدخل يوما منزله فأصاب معها رجلا تحدثه، فاستراب بها فهدد الجارية، فأقرت أن الرجل فجر بها، ثم إنها حبلت بولد، فكتب إن كان الولد لك أو فيه مشابهة فيك فلا تبعها، فان ذلك لا يحل لك، وإن كان الابن ليس منك ولا فيه مشابهة منك فبعه وبع امه " وخبر يعقوب بن يزيد (3) " كتب إلى أبى الحسن عليه السلام: في هذا العصر رجل وقع على جارية ثم شك في ولده، فكتب إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده ". ولكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الغض عن السند في أكثرها، ضرورة عدم انطباق ما عدا الاخيرين على المدعى الذي هو عدم الحكم بلحوق الولد مع الامارة التي يغلب الظن منها ذلك، إذ هي بين معلقة ذلك على الزنا أو تهمته أو خوف أن لا يكون الولد منه، ونحو ذلك مما لا يقول به الخصم، فهى في الحقيقة مخالفة للاجماع، معارضة بغيرها من النصوص (4) العامة والخاصة المصرحة بلحوق الولد مع الزنا فضلا عن تهمته، بل خبر حريز (5) منها قد اشتمل على التفصيل
الاول " فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا ولدت أمسك الولد، فلا يبيعه ويجعل له نصيبا من
داره... ". (1) الوسائل الباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 و 5. (2) الوسائل الباب - 55 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4 عن جعفر بن محمد بن اسماعيل الخطاب كما في التهذيب ج 8 ص 180 والاستبصار ج 3 ص 367. (3) الوسائل الباب - 55 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5. (4) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (5) الوسائل الباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3.
[ 247 ]
بالبعث في حوائجه وبلوغه الفساد عنها وبين التهمة مع عدم البعث، وهو شئ لا يقول به أحد، بل ربما نوقش في الاولين باحتمال رجوع الضمير إلى الجارية الوالدة لا المولودة، وإرادة المنع من الزنا من الحبس والمقاربة من قوله عليه السلام: " ولا تقربها " لا للنهي عن الاقرار بها، وإن كان هو كما ترى مخالف لظاهر جميع النصوص. وأما الخبران الاخيران فمع مخالفتهما لما عرفت قد اشتملا على اشتراط اللحوق بالمشابهة ولم يعتبره، بل قيل: إنه مخالف للاجماع، بل وللمعتبرة
الصريحة في خلافه، ففي الخبر (1) " إن رجلا أتى بامرأته إلى عمر فقال: إن امرأتي هذه سوداء وأنا أسود، وإنها ولدت غلاما أبيض، فقال لمن بحضرته: ما ترون ؟ فقالوا: نرى أن ترجمها فانها سوداء وزوجها أسود وولدها أبيض، قال: فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه بها لترجم، فقال: ما حالكما ؟ فحدثاه، فقال للاسود: أتتهم امرأتك ؟ فقال: لا، فقال: فأتيتها وهي طامث، قال: قد قالت لي في ليلة من الليالي إني طامث فظننت أنها تتقى البرد فوقعت عليها، فقال للمرأة: وأنت طامث، قالت: نعم سله قد حرجت عليه وأبيت، قال: فانطلقا، فانه ابنكما وإنما غلب الدم النطفة فابيض، ولو قد تحرك - أي نشأ وكبر - اسود، فلما أيفع اسود " ومرسل ابن سنان (2) عن أبي جعفر عليه السلام " أتى رجل من الانصار رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هذه ابنة عمي وامرأتي لا أعلم منها إلا خيرا، وقد أتتنى بولد شديد السواد، منتشر المنخرين، جعد قطط أفطس الانف لا أعرف شبهه في أخوالي ولا في أجدادي، فقال لامرأته: ما تقولين ؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا ما أقعدت مقعده مني منذ ملكني أحدا غيره، قال: فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه مليا ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم أقبل على الرجل،
فقال: يا هذا إنه ليس من أحد إلا بينة وبين ولده تسعة وتسعون عرقا كلها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق فسل الله الشبه لها،
(1 و 2) الوسائل الباب - 105 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 2 - 1.
[ 248 ]
فهذا من تلك العروق التي لم يدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك، فقالت المرأة: فرجت عنى يا رسول الله " إلى غير ذلك من النصوص (1) التي يمكن دعوى تواترها في عدم اعتبار المشابهة في اللحوق بالاولاد شرعا ولعله لما سمعت قال المصنف: (وفيه تردد). وأما (أحكام ولد الشبهة) فنقول: (الوطء بالشبهة) التي قد تقدم الكلام مشبعا في موضوعها وفي أنه (يلحق به النسب) كالوطء الصحيح بلا خلاف فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه ومضافا إلى النصوص (2) (فلو اشتبهت عليه أجنبية فظنها زوجته أو مملوكته) على وجه يكون مشتبها (فوطأها لحق به الولد) وإن لم تكن هي مشتبهة، كما أنه يلحق بها الولد مع شبهتها وإن لم يكن هو كذلك، (وكذا لو وطأ أمة غيره لشبهة، لكن في الامة يلزمه) مضافا
إلى العقر (قيمة الولد يوم سقط حيا، لانه وقت الحيلولة) بينه وبين ماله الذي هو نماء ملكه، أما قبله فليس بمتمول، ولا يدخل تحت التقويم، كما تقدم الكلام في ذلك سابقا، وفي أن الحكم في الولد القرعة مع فرض الاشتباه في فراش آخر وصلاحيته لكل واحد منهما، أما مع زواله فللاخير، ويأتى على كلام الشيخ القرعة، لكن زوال فراش الشبهة يكون بتمام عدتها منه على الظاهر، ولو وطأها الزوج في أثنائها فهو وطء فراش وإن أثم بذلك وليس بزان، فليحق به الولد مع عدم صلاحية التولد إلا منه، ويقرع بينه وبين المشتبه مع صلاحيته لهما، والظاهر ترتب فراش المشتبهين كالفراش الصحيح، فيحكم به للاخير منهم، كما يحكم به له لو ترتب على الفراش الصحيح فضلا عن فراش الشبهة، ويقرع بينهم مع اتحاد الفراش، ويأتى في النفى والاقرار ما سمعته سابقا، وكذا في دعوى الواحد مع
(1) الوسائل الباب - 105 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 4 والمستدرك الباب - 76 - منها الحديث 1 والبحار ج 60 ص 340 و 385. (2) الوسائل الباب - 67 - من أبواب نكاح العبيد والاماء والباب - 7 - من أبواب العيوب والتدليس والباب - 7 - من ابواب عقد النكاح الحديث 2.
[ 249 ]
سكوت الباقين أو نفيهم على نحو ما تقدم سابقا، كما أنه يأتي به الحكم للاخير مع إمكانه وإلا فلسابقه، وهكذا. وبالجملة ينزل فراش المشتبه منزلة فراش الصحيح، ويلحظ الحكم به كذلك ولعل العمدة في ذلك الاجماع، ولولاه لامكن القول بترجيح فراش المالك مثلا على فراش المشتبه عملا باطلاق ما دل (1) على الحكم به لمن هي عنده، فتأمل، هذا كله في الرجل المشتبه. أما إذا كان الاشتباه بالنسبة إلى الامرأة خاصة فقد يتوهم بجريان القرعة بينها وبين زوجها في اختصاصها بالولد واشتراكهما فيه، وقول صلى الله عليه واله (2): " للعاهر الحجر " لا ينافي ذلك، بل قد يقال بجريان جميع الاحكام السابقة على تقدير اشتباه الزوج، إلا أنى لم أجد ذلك في شئ من كلمات الاصحاب، بل ربما لاح من بعضها ما ينافيه، ولعله كذلك، لانها هي أم على كل حال، والزانى لا شئ له وقوله صلى الله عليه واله وسلم (3) " الولد للفراش " يقتضي اللحوق به، وقول الامرأة ليس لك غير مسموع، ومن هنا كان الحكم معلقا في النص والفتوى على اشتباه الواطئ وزناه
دونها، فالمتجه حينئذ الحكم به لذي الوطء المحترم ما دام ممكنا حتى لو زال فراشه، ضرورة كون الوطء المفروض تعقبه له زنا بمنزلة العدم وإن كانت هي مشتبهة، والله العالم. (و) كيف كان ف (- لو تزوج امرأة لظنها خالية أو لظنها موت الزوج أو طلاقه) على وجه يكون مشتبها على ما قدمنا سابقا (فبان أنه لم يمت ولم يطلق ردت على الاول) قطعا (بعد الاعتداد من الثاني) الذي قد فرض اشتباهه (واختص الثاني بالاولاد مع) فرض حصول (الشرائط) السابقة في لحوق الاولاد (سواء استندت في ذلك إلى حكم حاكم أو شهادة شهود) عدول (أو إخبار مخبر) ولو فاسقا مع فرض تحقق موضوع الشبهة به، كما هو واضح.
(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 و 4 و 7. (2 و 3) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء.
[ 250 ]
(القسم الثاني) (في أحكام الولادة و) يقع (الكلام) فيها (في سنن الولادة واللواحق
أما سنن الولادة) وآدبها الواجبة والمندوبة (فالواجب منها استبداد النساء بالمرأة عند الولادة دون الرجال إلا مع عدم النساء) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال، ضرورة وجوب حضور من علم بحالها من النساء كفاية، لوجوب حفظ النفس المحترمة عند تحقق ما يخشى منه تلفها مع عدم الحضور، ومنه ما نحن فيه، كضرورة وجوب استبدادهن بذلك للاجماع، قيل: ولملازمة إطلاع الرجال حتى المحارم لما يحرم عليهم من النظر للعورة وغيرها ومسها وسماع الصوت ونحو ذلك، بل ربما أدى حضورهم إلى تلفها وتلف ولدها باعتبار ما يحصل معها من الحياء ونحوه، وربما يرشد إلى ذلك ما دل من نص (1) وفتوى على قبول شهادة النساء منفردات بالولادة والاستهلال ونحوهما. نعم مع فرض عدم من يقوم بحاجتها من النساء يجب على الرجال، وينبغي تقديم المحارم، بل عن بعضهم وجوبه، وهو لا يخلو من وجه، بل قد يحتمل إبجاب جعل الاجنبي محرما مع الامكان، إلا أن الاقوى خلافه، بل قد يقوى عدم اختصاص الوجوب بالمحارم لاتحاد الجميع في أقتضاء الدليل الدال على وجوب حفظ النفس المحترمة المرجح على غيره، فتباح حينئذ المحظورات عند الضرورات
التي اقتضت جواز لمس الطبيب ونظره حتى إلى العورة، بل ربما نوقش في إطلاق عدم جواز مساعدة الرجال بعدم دليل عليه مع عدم استلزامها إطلاعهم على العورة (و) إن كان قد تدفعع بما أو مأنا إليه. نعم (لا بأس بالزوج وإن وجدت النساء) لعدم حرمة شئ عليه بلا خلاف فيه،
(1) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الشهادات الحديث 2 و 38 و 41.
[ 251 ]
بل ولا إشكال، هذا ولكن في خبر جابر (1) عن أبى جعفر عليه السلام " كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا حضر ولادة المرأة قال: أخرجوا من في البيت من النساء، لا تكون المرأة أول ناظر إلى عورته " وهو حكم غريب مخالف للسيرة والفتاوى وغيره من النصوص (2). (و) أما (الندب) فقد ذكر المصنف منه (ستة) وإن كان المستفاد من النصوص أزيد من ذلك كاللف بخرقة بيضاء (3) بل كراهة الصفراء (4) وغير ذلك. الاول (غسل المولود) بضم الغين كما هو مقتضي ذكر الاصحاب له في
الاغسال، بل لعله الظاهر من الاخبار (5) لذلك، وربما احتمل الفتح، وقد تقدم الكلام فيه وفي اعتبار الترتيب فيه وغيره من أحكام الغسل على الاول، وفي أن وقته كما هو المنساق من النص (6)، والفتوى والعمل حين الولادة، وفي أن المشهور ندبه، وقيل بالوجوب تمسكا بظاهر النص (7) في الاغسال المندوبة من كتاب الطهارة مفصلا، فلاحظ وتأمل. (و) الثاني (الاذان في اذنه اليمنى)
(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 44 - من أبواب أحكام الاولاد والباب 24 من كتاب الشهادات. (3) الوسائل الباب - 36 - من أبواب أحكام الاود الحديث 4 و 10 و 13 و 15. (4) االوسائل الباب - 36 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 5 و 13 و 15. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الاغسال المسنونة الحديث 3 والباب - 27 - منها من كتاب الطهارة. (6 و 7) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الاغسال المسنونة الحديث 3.
[ 252 ]
(و) الثالث (الاقامة في اليسرى) للنبوي (1) " من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى أذان الصلاة، وليقم في أذنه اليسرى، فانه عصمة من الشيطان الرجيم " وقال الصادق عليه السلام لابي يحيى الرازي (2): " إذا ولد لكم مولود أي شئ تصنعون به ؟ قلت: لا أدري ما يصنع به، قال: خذ عدسة جاوشير فدفه بالماء ثم قطر في أنفه في المنخر الايمن قطرتين وفي الايسر قطرة، وأذن في أذنه اليمنى أذان الصلاة، وأقم في اليسرى، تفعل به ذلك قبل أن تقطع سرته، فانه لا يفزع أبدا ولا تصبيه أم الصبيان " إلى غير ذلك من النصوص (3) المعتضدة بالفتوى، لكن في خبر حفص الكناني (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " مروا القابلة أو بعض من يليه أن يقيم الصلاة في أذنه اليمنى " ويمكن حمله على الرخصة أو على استحباب ذلك أيضا مصافا إلى الاول، والامر سهل. هذا وربما ظهر من بعض اختصاص الاستحباب قبل قطع السرة، ولعله للخبر المزبور، ولكن فيه أنه مناف لاطلاق النص والفتوى، والخبر المذكور إنما ذكر فيه ذلك والدواء لاجل تينك الغايتين، فلا ينافي إطلاق الاستحباب منفردا
حتى بعد قطع السرة لامر آخر غيرهما، بل ظاهر بعض النصوص أو صريحه المتضمن لفعل النبي صلى الله عليه وآله (5) والكاظم عليه السلام (6) وقوع ذلك منهما بعد قطع السرة، بل قيل قد ورد (7) فعلهما بالسابع ولا بأس بالجميع وإن اختلفت غاياته، والله العالم. (و) الرابع (تحنيكه بماء الفرات) الذي هو النهر المعروف،