الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج 6

جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 6


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وأمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء السادس قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچاني نهض بمشروعه الشيخ علي الآخوندي ناشر: دار الكتب الاسلامية

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم { الثامن المسكرات } المائعة إصالة كالخمر وغيره { وفي تنجيسها خلاف } بين الأصحاب { و } لكن { الأظهر } والمشهور نقلا وتحصيلا قديما وحديثا بيننا وبين غيرنا شهرة كادت تكون إجماعا بل هي كذلك { النجاسة } بل لم يعتد به في المبسوط، وعن الخلاف وأطعمة الايضاح بالنسبة للخمر فنفياه عن نجاسته من غير استثناء، بل ظاهر الأولين أو صريحهما بين المسلمين كصريح الناصريات وظاهر الغنية مع زيادة " إلا من لا يعتد بقوله " ونحوه فيهما وفى السرائر بعد ان نفى الخلاف عن نجاسة الخمر حكى عن بعض أصحابنا ما يقتضي الطهارة، ثم قال: " وهو مخالف لاجماع المسلمين فضلا عن الطائفة في أن الخمسر نجس " كالمحكي عن نزهة يحيى بن سعيد من أن القول بطهارة الخمر خلاف الاجماع، وفي الذكرى ان القائل بالطهارة تمسك بأحاديث لا تعارض القطعي، إلى غير ذلك من الاجماع المستفيض في كلام الأصحاب المعتضد بما تسمعه منه أيضا في الفقاع وفي كل مسكر، بل هو خارج عن قسم الآحاد وداخل في القطع أو المتواتر منه. ولقد أجاد البهائي في الحبل المتين بقوله: أطبق علماء الخاصة والعامة على نجاسة الخمر إلا شرذمة منا ومنهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم.

[ 3 ]

فمن العجيب بعد ذلك كله وغيره تشكيك الأردبيلي وتلميذه والخوانساري في النجاسة تبعا للصدوق والمحكي عن والده في الرسالة والحسن والجعفي من القول بالطهارة مع عدم ثبوت ذلك عن الثاني، بل أنكره بعض الأساطين، وعدم صراحة الأول فيه أيضا، سيما بملاحظة ما نقل عنه من إيجابه نزح البئر منه، كعدم معروفية حكاية ذلك عن الجعفي في كثير من كتب الأصحاب كالعلامة وغيره، نعم حكاه في الذكرى وتبعه بعض من تأخر عنه. وكيف كان فقد انقرض الخلاف واستقر المذهب على النجاسة فيه وفي كل مائع مسكر، ففي الغنية كل شراب مسكر نجس، والفقاع نجس بالاجماع، كما عن الخلاف وشرح الرسالة للشهيد الثاني الاجماع أيضا، لكن مع استثناء من شذ في الثاني، وفي المصابيح حكم سائر المسكرات حكم الخمر عندنا، كما عن المعتبر ان الأنبذة المسكرة عندنا في التنجيس كالخمر، وفي التحرير على ذلك عمل الأصحاب، وفي المعالم لا نعرف فيه خلافا، كما في المدارك انه قطع به الأصحاب، بل لم يعتد المرتضى (رحمه الله) فيما حكي عنه بالخلاف في المقام، فقال: " الشراب الذي يسكر كثيره كل من قال انه محرم الشرب ذهب إلى أنه نجس كالخمر، وانما يذهب إلى طهارته من ذهب إلى إباحة شربه، وقد دلت الأدلة الواضحة على تحريم كل شراب مسكر كثيره، فيجب أن يكون نجسا، لأنه لا خلاف في أن نجاسته تابعة لتحريم شربه " انتهى. إذ من المعلوم ان حرمة شرب سائر المسكرات في مذهبنا من المسلمات بل الضروريات، من غير فرق بين القليل والكثير والمطبوخ والنئ والمتخذ من العنب وغيره، كالنقيع من الزبيب، والنبيذ من التمر، والمسكر من الرطب، والفضيخ من البسر، والتبع من العسل، والجعة من الشعير، والمرز من الذرة، وغيرها من الأشربة المسكرة ولو بكثيرها، بل عن الشافعي وأحمد ومالك والثوري والليث بن سعد وجمهور

[ 4 ]

العامة موافقتنا في ذلك، نعم حكي عن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف ذلك، فأباح الأول المسكر من كل شئ عدا عصير العنب ونقيع التمر والزبيب، وأحل من العصير ما طبخ على الثلث، ومن النقيعين المطبوخ مطلقا، لكنه استثنى من المطبوخ القدر الذي يتعقبه الاسكار، فلو شرب عشرة وسكر بالعاشر اختص التحريم به، ونحوه في ذلك كله صاحباه، إلا أن الشيباني منهما قد اشترط في حل الثلاثة طبخها على الثلث، وقد خالفوا في ذلك الكتاب والسنة، بل وما هم عليه من القياس، مع كونه جليا تشهيا وطلبا للرخصة. ولعله لذا قيل: إنه قد شنع عليهم فيه علماء العامة فضلا عن الخاصة، والتشاغل في تحقيق ذلك غير مهم بعد ما عرفت، فكان المرتضى (رحمه الله) لم يعتد بخلاف الصدوق ومن تقدمه، وإلا فهم ممن يقول بالحرمة دون النجاسة، واحتمال تخصيص كلامهم في الخمر دون غيره باطل قطعا. نعم يتجه دعوى الاجماع المركب بمعنى أن كل من قال بنجاسة الخمر قال بنجاسة سائر الأشربة المسكرة، ومن قال بطهارته قال بطهارتها، فيتجه حينئذ الاستدلال عليها بكل ما دل على نجاسة الخمر من الاجماعات السابقة وغيرها كالآية (1) بناء على كون الرجس فيها بمعنى النجس، إما لغة كما في التذكرة والمنتهى، بل حكي في الثاني عن الصحاح والجمل أن الرجس بالكسر القذر، أو في خصوص المقام لنفي الشيخ في التهذيب عنه الخلاف، بل في المصابيح أنه نص عليه الفقهاء وادعى الشيخ عليه الاجماع، ولعله لا ينافيه وقوعه مع ذلك خبرا عن الأنصاب والأزلام، لامكان أن يراد به بالنسبة اليهما المستقذر عقلا من باب عموم المجاز، على انه يمكن بل هو الظاهر دعوى كونه خبرا عن الخمر خاصة، فيقدر حينئذ لهما خبرا، ولا يجب مطابقة المحذوف والموجود وإن كان دالا عليه، كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة، فيتعين حينئذ كون الرجس بمعنى النجس.


(1) سورة المائدة - الآية 92

[ 5 ]

ويؤيده مضافا إلى إطلاق الأمر بالاجتناب عنه في الآية بناء على جعل الضمير فيه للرجس أو الخمر، وإلى استعماله في السنة (1) بذلك في الكلب ونحوه خصوص خبر خيران الخادم (2) المروي في الكافي والتهذيب والاستبصار بطرق ليس فيها من يتوقف في شأنه إلا سهل بن زياد، قال: " كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيب الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا ؟ فان أصحابنا قد اختلفوا، فقال بعضهم: صل فيه فان الله انما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه، فكتب (عليه السلام) لا تصل فيه فانه رجس " وهو مع شهادته لقوة دلالة الآية دال على المقصود بنفسه، كغيره من المعتبرة المستفيضة (3) الظاهرة بل الصريحة في نجاسة المتمم دلالتها على غيره من المسكرات بعدم القول بالفصل كما عرفت إن لم نقل بكون الخمر اسم لما يخمر العقل الشامل لكل مسكر كما هو ظاهر المصنف في المعتبر وغيره. بل في الغريبين للهروي في تفسير الآية الخمر ما خامر العقل أي خالطه، وخمر العقل ستره، وهو المسكر من الشراب، كماعن القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة وقد يذكر، والعموم أصح، لانها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان مشروبهم إلا البسر والتمر، ثم ذكر وجه التسمية بالخمر. وعن المصباح المنير الخمرة يقال: هي اسم لكل ما خامر العقل وغطاه، وعن مجمع البحرين الخمر معروف، وعن ابن الأعرابي انما سمي خمرا لأنها تركت واختمرت، واختمارها تغيير رائحتها، إلى أن قال: " والخمر فيما اشتهر بينهم كل شراب مسكر، ولا يختص بعصير العنب " إلى آخره.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 -. -

[ 6 ]

بل يشهد له جملة من الأخبار كصحيح ابن الحجاج (1) عن الصادق (عليه السلام) " الخمر من خمسة أشياء: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والتبع من العسل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر " ونحوه خبر علي بن إسحاق الهاشمي (2). ويقرب منهما خبر النعمان بن بشير (3) كمرسل الحضرمي (4) وخبر ابن السمط (5) المروي أولها عن الأمالي، وثانيها عن الكافي، وثالثها عن تفسير العياشي، بل في خبر عطاء بن سيارة (6) عن الباقر (عليه السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر خمر " كقوله (عليه السلام) في خبر أبي الجارود (7) المروي عن تفسر علي بن إبراهيم، وهو طويل: (أما الخمر فكل مسكر من الشراب فهو خمر بل فيه انه لما نزل تحريمها انما كان الخمر بالمدينة فضيخ البسر والتمر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا بالأواني فكفأها، وقال: هذه كلها خمر، ولا أعلم أنه كفأ يومئذ من خمر العنب شيئا إلا إناء واحدا كان فيه زبيب وتمر جميعا، فأما عصيره فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ " إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على عموم الخمر لكل مسكر. ولا ريب في وضوحها في المدعى حتى لو قلنا بكون المستفاد منها أن الخمر حقيقة شرعية في كل مسكر كما ذهب إليه البحراني في حدائقه، بل وإن لم نقل بذلك بل كان من المراد الشرعي، بل قد يتمسك بها حتى لو أريد التشبيه منها والمنزلة، أللهم إلا أن يدعي انصرافها إلى التحريم، وفيه منع، على أن بعض الأخبار (8) قد دلت على شمول لفظ الخمر في الآية لكل مسكر، وقد ظهر لك سابقا دلالة الآية على التنجيس.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1 - 3 - 4 (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 2 - 6 (6) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 5 لكن رواه عن عطاء بن يسار (7) و (8) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 5

[ 7 ]

كل ذلك بعد الاغضاء عما يستفاد منه نجاسة مطلق المسكر والنبيذ من المعتبرة المستفيضة (1) البالغة هي مع ما ورد في نجاسة الخمر حد الاستفاضة ان لم تكن متواترة، إذ هي تقرب من عشرين خبرا، وفيها الصحيح والموثق وغيرهما الدالة بأنواع الدلالة، كالأمر بالغسل وإعادة الصلاة وغيرهما، بل في بعضها الأمر بالغسل سبعا، وفى آخر ثلاثة، بل فيها الصريح بالنجاسة، كخبر أبي الجارود وهو طويل عن النبيذ، وسؤال أم خالد (2) العبدية عن التداوي به، فقال: (ما يبل الميل منه ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا " كما أن فيها المشتمل على القسم بالله عل ذلك، كخبر عمر بن حنظلة (3) قلت للصادق (عليه السلام): " ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى يذهب عاديته وسكره ؟ فقال: لا والله ولا قطرة يقطر منه في حب إلا أهريق ذلك الماء " كسؤال الحلبي (4) له (عليه السلام) أيضا عن دواء يعجن بالخمر، فقال: " والله ما أحب أن أنظر إليه، فكيف أتداوى به، انه بمنزلة شحم الخنزير " وفي خبر هارون ابن حمزة (5) عنه (عليه السلام) أيضا " انه بمنزلة الميتة " إلى غير ذلك، مضافا إلى ما تقدم من الأخبار المعتبرة (6) في نزح البئر منه. وهي وان كان في مقابلها أخبار تدل على الطهارة في الخمر والنبيذ، بل مطلق المسكر، كصحيح الحسن بن أبي سارة (7) عن الصادق (عليه السلام) " إن أصاب


(1) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات (2) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 2 - 4 (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب 21 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 5 (6) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق (7) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات - الحديث 10 وفى الوسائل " عن الحسين بن أبى سارة " وهو وهم كما يظهر من ترجمته

[ 8 ]

ثوبي شئ من الخمر أصلي فيه قبل أن أغسله، قال: لا بأس، إن الثوب لا يسكر " وصحيح علي بن رئاب (1) عنه (عليه السلام) أيضا (عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو أصلي فيه، قال: صل فيه إلا أن تقذره، فتغسل منه موضع الأثر، إن الله تعالى انما حرم شربها " وموثق ابن بكير (2) عنه (عليه السلام) أيضا " سأله رجل وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب فقال: لا بأس " وخبر الحسين بن موسى الخياط (3) عنه (عليه السلام) أيضا " عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي فقال: لا بأس " إلى غير ذلك. لكنها أقل منها عددا وأقصر منها سندا، ومخالفة للكتاب والمجمع عليه بين الأصحاب، فلا بد من تأويلها أو طرحها والاعراض عنها، سيما بعد أمر الرجل في خبر خيران الخادم الذي هو كناية على ما قيل عن أبي جعفر الثاني أو أبي الحسن الثالث (عليهما السلام) بذلك، كصحيح علي بن مهزيار (4) المروي في الكافي وكتابي الأخبار بطرق متعددة، قال: " قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل إنهما قال: لا بأس بأن يصلي فيه، انما حرم شربها، وروي غير زرارة عن الصادق (عليه السلام) انه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله كله، وان صليت فيه فأعد صلاتك، فأعلمني ما آخذ به، فوقع (عليه السلام) وقرأته خذ بقول أبي عبد الله (عليه السلام) " إذ من الواضح إرادة قوله المنفرد عن قول


(1) و (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 14 - 11 (3) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (4) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 9 ]

أبيه، وإلا فكلا القولين قوله، والأخذ بهما جميعا ممتنع، والتخيير غير مقصود، على أنه لو كان المراد قوله مع أبيه لكان ينبغي إسناده اليهما معا أو إلى أبي جعفر (عليه السلام) كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، وهي مع اشتمالها على الاعراض عن تلك الأخبار دالة على النجاسة أكمل دلالة وأبلغها، مع علو سندها وتعدد طريقها، ومروية عن الامام اللاحق حاكمة على الأخبار المروية عمن قبله، وليس في تلك الأخبار ما يعادلها نفسها، سيما بعد اعتضادها بما عرفت. ولقد أجاد المحقق الشيخ حسن في المنتقى على ما نقل عنه حيث اقتصر عليها في أدلة النجاسة، وفيها تصديق لما رواه الشيخان في الصحيح عن يونس بن عبد الرحمان (1) - الذي هو ممن أجمعت الصحابة على تصحيح ما يصح عنه، وأقروا له بالفقه والعم عن بعض من رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه، وان لم تعرف موضعه فاغسله كله، فان صليت فيه فأعد صلاتك ". إذ الظاهر أن الرواية المأمور بأخذها هي هذه، لمطابقة متنها له واتحاد المروي عنه فيهما، ولقد قصر الكلام بعد ما عرفت عن إبداء العجب من هؤلاء المتأخرين في تشكيكهم بهذا الحكم المجمع عليه بين الأساطين، بل بين علماء المسلمين، بل كاد ان يكون ضروري مذهب أو دين، وان كان أول من جرأهم عليه المصنف في المعتبر، وكيف لا يزداد العجب ولا معارض إلا ما سمعته من تلك الأخبار الواجبة للطرح أو التأويل أو الحمل على التقية من بعض المخالفين سيما من ربيعة الرأي، إذ هو على ما قيل من فقهاء المدينة وشيوخ مالك وكان في عصر الصادق (عليه السلام)، فلا غرو أن يتقى منه، خصوصا مع ملائمته لطباع السلاطين وذي الشوكة من أمراء بني أمية وبني العباس


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات الحديث 3

[ 10 ]

المولعين بشربها المتهالكين عليه، حتى انهم ربما حاولوا دفع التحريم عنه كما يشير إليه حديث المهدي العباسي (1) مع الكاظم (عليه السلام) والتظاهر بنجاستها تقذير عليهم وتنجيس لهم بشربها ومزاولتها، بل ربما نقل عن بعضهم انه كان يؤم الناس وهو سكران فضلا عن تلوثه وثيابه بها، على ان الرمي بالنجاسة من أشد ما يكره على الطبع وأعظم ما يرد على النفس، ولا كذلك التحريم، خصوصا بالقياس إلى السلاطين الذين لا يتحاشون عن المحرمات، واشتهار الفتوى بالنجاسة بين علمائهم لا ينافي ذلك، إذ لم يكن عليهم فيه تقية، بل كانوا يتظاهرون بخلاف ما هم عليه، ويجاهدونهم بالرد والكفاح ولا يراقبونهم في ذلك، بل كان ذو الشوكة منهم يتحمله ولا يبالي به، لعلمه بأن ذلك لا يحدث فتقا في سلطانه، ولا يهدم ركنا في بنيانه، إذ لم يكن فيهم من يرشح نفسه للامامة والخلافة الكبرى والرئاسة العظمى انما كانت التقية على أئمة الحق (ع) المحسودين للخلق، وهم الذين لا يدانيهم في الفضل أحد، والذين ورد عليهم من حسد أئمة الجور ما قد ورد. فما توهمه بعض الفضلاء من أن تقية السلاطين لو اقتضت الحكم بالطهارة لكان أولى الناس بها فقهاء العامة، لشدة مخالطتهم إياهم وعكوفهم لديهم، مع أن معظمهم على النجاسة في غير محله كما عرفت. ثم انه قد يتوهم من إطلاق المتن كالقواعد والارشاد والدروس وعن المبسوط وغيره نجاسة الجامد إصالة من المسكر، لكن صريح جماعة وظاهر آخرين الطهارة، بل في المدارك القطع بها، وموضع من شرح الدروس عدم ظهور خلاف بين الأصحاب في ذلك، بل في آخر والحدائق الظاهر اتفاقهم عليها، كنسبة الذخيرة تخصيص النجاسة بالمائع إصالة إلى الأصحاب، بل عن الدلائل دعوى الاجماع صريحا على طهارة الجامد.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 13

[ 11 ]

ولعله للأصل والعموم السالمين عن المعارض، لظهور تلك الأدلة في المائع من المسكر، وانسياقه إلى الذهن منها ولو من سياقها، حتى موثق عمار (1) " لا تصل في ثوب أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل " كما يؤمي إليه عدم تقييد الاصابة فيه بالرطوبة. إلا أنه قد يشكل مضافا إلى ما يظهر من بعض الأخبار (2) من كون علة الحكم حرمة ونجاسة الاسكار، وأن كلما عاقبته الخمر فهو خمر باطلاق المنزلة المستفاد من نحو قوله الباقر (عليه السلام) في خبر عطاء (3) " كل مسكر خمر " بل وبما تقدم سابقا من معروفية إطلاق الخمر في ذلك الزمان على المسكر، ولعله لذا قال في شرح الدروس: " انه لولا ظهور اتفاق الأصحاب وعدم ظهور الخلاف لكان مظنة للاحتياط " قلت: وهو كذلك خصوصا مع ضعف سند ما تضمن تلك الكلية، بل ودلالته بدعوى الانصراف إلى الحرمة وغيرها، ولا جابر بل الموهن متحقق. نعم قد يشكل الحكم بطهارة ما ماع منه بالعارض فصار شرابا، لشمول النصوص (4) حينئذ له بل والفتوى، وأولويته من شراب مسكر يختلق في مثل هذا الزمان، وبهما ينقطع الاستصحاب، لكن صرح الشهيدان كما عن الفاضل في التذكرة بها، بل قد يظهر من الذخيرة والحدائق الاجماع عليها، ولعله للأصل والاستصحاب، وانسياق المائع إصالة من الأدلة، وهو لا يخلو من قوة خصوصا فيما كان لا مدخلية لميعانه في إسكاره، ولا كان موضوعا كذلك له. أما المائع الأصلي لو جمد عارضا ففي الذكرى وعن التذكرة والمنتهى البقاء على النجاسة، وهو كذلك، خلافا لما عساه يظهر من التقييد المائع ونحوه في بعض


(1) و (4) الوسائل - الباب 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 7 -. - (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الأشربة المحرمة (3) الوسائل - الباب 15 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 5

[ 12 ]

العبارات، للأصل مع عدم ظهور الأدلة في اشتراط استدامة نجاسته بميعانه وان اشترط في الابتداء، وعدم معروفية الجمود من المطهرات، بل وان ذهب مع جموده أو بدونه إسكاره أيضا لنفسه أي لا بممازجة مائع آخر ونحوه، لنحو ما سمعت. لكن قد يشكل بالفرق بينه وبين ما تقدم من حيث تعليق الحكم هنا نصا وفتوى على المسكر المنتفي صدقه حقيقة عليه حينئذ دون الأول، بل قد يقتضي مفهومه حينئذ خلافه، بناء على حجيته حتى فيمن زال عنه الوصف بعد التلبس كمن لم يكن متلبسا، واحتمال الحكم بالنجاسة فيه لا لصدق الوصف بل للاستصحاب يدفعه مع أنه لا وجه له بعد فرض ما قلناه من المفهوم أنه لا يجري بعد تغير الموضوع. ولعله لذلك كله كان ظاهر المحكي عن المنتهى أو صريحه الطهارة فيه، وهو قوي فيما انحصر دليل نجاسته في المعلق على الوصف المذكور، أما لو كان دليل آخر يستفاد منه نجاسته لم يعلقها على ذلك بل كانت معلقة على اسم لا يفرض انتفاؤه بانتفاء تلك الصفة كالخمر والنبيذ ونحوهما فقد يقوى حينئذ النجاسة، وفاقا لظاهر الأستاذ في كشف الغطاء، أللهم إلا أن يدعى انصرافه أيضا للمعهود المتعارف، وهو الواجد، فيبقى الأصل حينئذ لا معارض له، فتأمل جيدا. والمدار في حصول الاسكار على المزاج المعتدل لا على سريع الانفعال أو بطيئه كما في أمثاله، مع احتمال ثبوت الحكم بحصول الأول، لتحقق ما هية الاسكار، كما انه يكفي في نجاسة القليل تحقق الاسكار في الكثير منه للصدق في الصنف دون الشخص، فالمتكون في بعض حبات العنب والممزوج بغيره كالترياق الفاروق كالكثير. وفي المسكر في بلاد دون أخرى أو إقليم دون آخر وجهان عموم النجاسة وخصوصها فيما تحقق فيه الوصف، ينشآن من تحقق الصدق ومن دوران الحكم مدار الوصف، لكن يبعد الثاني عدم النظير شرعا في النجاسات.

[ 13 ]

والمرجع في معنى السكر وفي الفرق بينه وبين الاغماء ونحوه العرف، واليه يرجع ما قيل: إنه حالة تبعث على نقص العقل بالاستقلال بخلاف الاغماء، فانه يقضى به بالتبع لضعف القلب والبدن، أو انه حالة تبعث على قوة النفس وضعف العقل، والاغماء على ضعفهما، وإن كان إيكالهما إليه كغيرهما من الألفاظ أولى. { و } يستوي مع المسكرات (في حكمها) نجاسة وحرمة (العصير) العنبي كما في الوسيلة والقواعد والتحرير والمختلف والمنتهى والارشاد والألفية وظاهر الروض والمحكي من عبارة والد الصدوق، بل في المسالك والمدارك والمفاتيح وغيرها أنه المشهور بين المتأخرين، بل في الروض والرياض ومنظومة الطباطبائي وشرح الأستاذ للمفاتيح وعن غيرها حكاية الشهرة عليه من غير تقييد بذلك، كظاهر نسبته إلى أكثر علمائنا في المختلف، بل المخالف فيه ان كان هو المخالف في الخمر. قال فيه: " الخمر وكل مسكر والفقاع والعصير إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس ذهب إليه أكثر علمائنا كالمفيد والشيخ أبي جعفر والمرتضى وأبي الصلاح وسلار وابن إدريس " ثم حكى خلاف ابن أبي عقيل في الخمر والعصير، بل عن الشهيد الثاني في شرح الرسالة أن تحقيق القولين في المسألة مشكوك فيه، بمعنى أنه لا قائل إلا بالنجاسة. لكن في الذكرى بعد ذكره النجاسة عن ابن حمزة والمعتبر والتوقف عن نهاية الفاضل قال: ولم نقف لغيرهم على قوله بالنجاسة، بل فيها وفي البيان ولا نص على نجاسة غير المسكر، وهو منتف هنا إلا أن ذلك منه مع اختياره النجاسة في الرسالة غريب، وهو أول من مال إلى الطهارة بعد ابن أبي عقيل والمصنف في ظاهر النافع، بل كل من لم يذكره عند تعداد النجاسات كالجامع وغيره، سيما مع تعبيره بما يقتضي الحصر في غيره، أللهم إلا أن يكون مندرجا عندهم في الخمر أو المسكر ولو بالكثير منه،

[ 14 ]

وتبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه منهم الشهيد الثاني وولداه وشيخهما والفاضل الهندي وسيد الرياض وغيرهم، للأصل والعموم السالمين عن معارضة ما يصلح لقطعهما. قلت: قد يقطعهما ما في مجمع البحرين من انه نقل الاجماع من الامامية على حرمته ونجاسته بعد غليانه واشتداده معتضدا ومنجبرا إرساله بما سمعت من الشهرة وبالمحكي عن أطعمة التنقيح من الاتفاق أيضا على أن عصير العنب إذا غلى حكمه حكم الخمر، وبالمحكي من الرضوي (1) الذي هو عين عبارة والد الصدوق التي ستسمعها. وبقول الصادق (عليه السلام) في مرسل ابن الهيثم (2) بعد أن سئل عن العصير يطبخ في النار حتى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه: " إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " كقوله (عليه السلام) أيضا في خبر أبي بصير (3) وقد سئل عن الطلاء: " إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحدة فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير ". وبالموثق المروي ففي التهذيب (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ في الثلث وأنا أعلم انه يشربه على النصف، فقال: خمر لا تشربه " إلى آخره. والمناقشة فيه بعدم لفظ الخمر فيه في الكافي ضعيفة، لأولوية احتمال السقوط من الزيادة وان كان الكليني أضبط، كالمناقشة فيه باحتمال إرادة الحرمة من التشبيه لا النجاسة، سيما بملاحظة سياق الخبر، وتفريع حرمة الشرب خاصة عليه، إذ هي مع عدم الشاهد على التقييد المزبور، بل هو مناف لما استفيد من كثير من الأحكام من نظائره، بل منه نفسه كما تسمعه في الفقاع وسمعته


(1) فقه الرضا عليه السلام ص 38 (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 7 - 6 (4) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 4

[ 15 ]

في غيره مبنية على مجازية الخمر في العصير واستعارته له، وفيه بحث، بل المحكي عن ظاهر الكليني والصدوق (1) منا والبخاري عن غيرنا دعوى الحقيقة فيه، بل قيل عن المهذب البارع إن اسم الخمر حقيقة في عصير العنب إجماعا. ولعله ظاهر كنز العرفان أيضا، قال فيه: " الخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره، سمي به عصير العنب والتمر إذا غلى واشتد، لأنه يخمر العقل أي يستره، كما سمي سكرا لأنه يسكره أي يحجره " إلى آخره، كالمحكي في الفقيه من رسالة والده " اعلم يا بني إن أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غلى من غير أن يمسه فيصير أعلاه أسفله فهو خمر " إلى آخره. وربما يؤمي إليه أيضا قول الصادق (عليه السلام) (2) في الصحيح وغيره: " الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب " الحديث. كقوله (عليه السلام) وقد سئل عن ثمن العصير قبل أن يغلي فقال: " لا بأس به، وان غلى فلا يحل " وفي آخر (4) " إذا بعته قبل أن يكون خمرا وهو حلال فلا بأس " وما قيل من أن حده حد شارب الخمر. كما أنه يؤيده مع ذلك كله ملاحظة ما ورد (5) من الأخبار في أصل تحريم الخمر وبدوه وفي غيره، فان السارد لها مع الانصاف يحصل له الظن القوي ان لم يكن القطع بدخول عصير العنب مع الغليان في مسمى الخمر حقيقة أو بمساواته له في حكمه من الحرمة والنجاسة.


(1) هكذا في النسخة الأصلية وفي هامشه " الصدوقين " بدل " الصدوق " (2) الوسائل - الباب 1 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1 (3) و (4) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 6 - 2 من كتاب التجارة (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة

[ 16 ]

واستبعاد الأول باعتبار الاسكار في مفهوم الخمر، وهو مفقود هنا بل هو مفروض محل النزاع، إذ لا إشكال في نجاسته معه لعموم الأدلة يدفعه إمكان منع الاعتبار أولا وان كان هو وجه تسميته، بل قد تشعر بعض الأخبار (1) بأن وجهها تحقق الاختمار في ثمرتي الكرم والتمر بسبب جريان بول عدو الله إبليس في عروقهما. وثانيا منع عدم تحقق الاسكار فيه حتى بالكثير منه، نعم هو لم يكن معروفا بذلك، ولعله هو منشأ حرمته في علم الله ان لم يكن الظاهر. بل ربما يؤمي إليه ما ذكره العامة (2) في بدو أمر الطلاء، وهو المطبوخ من عصير العنب " ان عمر حين قدم إلى الشام شكى إليه أهلها وباء الأرض، وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال: اشربوا العسل، فقالوا ما يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر ؟ فقال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان فأتوا به عمر، فأدخل فيه إصبعه ثم رفع يده فتبعها مططا، فقال: هذا الطلاء مثل طلاء الابل، فأمرهم أن يشربوه، ثم كتب إلى الناس أن اطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان " إلى آخره. وكذا خبر عمربن يزيد (3) قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يهدي إليه البختج من غير أصحابنا، فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه وإن كان ممن لا يستحل شربه فاقبله أو قال: فاشربه " الحديث. والبختج العصير المطبوخ. وقال العلامة الطباطبائي في مصابيحه بعد أن فرغ من بيان حرمة المطبوخ من


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 3 (2) الغدير للأميني ج 6 ص 260 من طبعة طهران عن الموطأ للمالك ج 2 ص 180 في جامع تحريم الخمر (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 1

[ 17 ]

عصير العنب: " وهل الحكم بتحريم العصير قبل ذهاب ثلثيه تعبد محض، أو معلل بالاسكار الخفي المسبب عن الغليان، أو بعروض التغير له إذا بقي وطال مكثه ؟ احتمالات أوسطها الأوسط، وقد بان لك وجهه مما مضى، ويأتي تحقيق ذلك إن شاء الله " انتهى. قلت: ويزيده تأييدا وتأكيدا أنه قد استفاضت الروايات (1) بل كادت تكون متواترة بتعليق الحرمة في النبيذ وغيره على الاسكار، وعدمها على عدمه، مع استفاضة الروايات (2) بحرمة عصير العنب إذا غلى قبل ذهاب الثلثين وحملها على التخصيص ليس بأولى من حملها على تحقق الاسكار فيه، بل هو أولى لاصالة عدم التجوز، بل لعله متعين لعدم القرينة، بل قد يقطع به لعدم ظهور شئ من روايات الحرمة في خروج ذلك عن تلك الكلية بل ولا إشارة. ودعوى شهادة الوجدان بعدم الاسكار فيجب التخصيص ممنوعة أشد المنع، إذ من جرب ذلك فوجد خلافه ولو بالكثير منه خصوصا مع الاكتفاء به ولو بالنسبة إلى بعض الأمزجة في بعض الأمكنة والأزمنة والأهوية حتى الخفي منه، كلا أن دعوى ذلك فرية بينة. ومن ذلك كله يظهر لك إمكان منع دعوى فرض النزاع في معلوم عدم الاسكار، نعم هو ليس فيما علم تحقق الاسكار فيه. انما النزاع في العصير العنبي من غيره تقييد، إذ لعل وصف الاسكار لازم له ولو بالكثير منه، فلو فرض البحث في فاقده كان نزاعا في موضع وهمي لا يليق بالفقيه، فالانصاف انه لا علم للقائلين بالطهارة بعدم إسكاره حتى الكثير منه، كما انه لا علم للقائلين بالنجاسة باسكاره ولو بالكثير منه، لعدم تعارف شرب مثله للسكر، أللهم إلا أن يستفيدوا من نجاسته ذلك بدعوى التلازم، أو ظهور الدخول في الخمر، أو غير ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الأشربة المحرمة (2) الوسائل الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة

[ 18 ]

وكيف كان فنجاسته على القول بها انما هي (إذا غلى واشتد) كما في القواعد والارشاد والمنتهى، أو إذا غلى فقط كما في التحريم والمختلف وعن النزهة والتلخيص وأطعمة القواعد، أو إذا غلى بنفسه لا بالنار كما في الوسيلة، ويرجع الأول للثاني كالعكس بناء على إرادة الغليان من الاشتداد كما صرح به بعضهم، بل في ظاهر شرح الارشاد للفخر الاجماع عليه، حيث قال فيه: " المراد بالاشتداد عند الجمهور الشدة المطربة، وعندنا أن يصير أعلاه أسفله بالغليان، أو يقذف بالزبد " كما في حاشية المدارك للأستاذ " أن تفسير الاشتداد بحصول الثخانة غير ظاهر من الأصحاب وغير ظاهر المأخذ " إلى آخره. أو إرادة الثخانة من الاشتداد كما في المسالك وغيرها، مع دعوى التلازم بينها وبين الغليان كما في الذكرى، نعم هما غيران بناء على إرادة القوام والثخانة من الاشتداد المنفكين عن الغليان كما في الروض، بل عنه في حواشيه على القواعد القطع به، فينفك حينئذ التحريم عن النجاسة، لحصول الأول بمجرد الغليان، كما في الحدائق نفي الخلاف فيه نصا وفتوى، وتوقف الثانية على الاشتداد بالمعنى المذكور، ولعل ذلك هو ظاهر المعتبر، حيث قال فيه: وفي نجاسة العصير بغليانه تردد، أما التحريم فعليه إجماعا فقهائنا، ثم منهم من أتبع التحريم بالنجاسة، والوجه الحكم بالتحريم مع الغليان حتى يذهب ثلثاه، ولا ينجس إلا مع الاشتداد، لكن في الذكرى كأنه يرى الشدة المطربة، إذ الثخانة حاصلة بمجرد الغليان، قلت: فحينئذ لا يكون من القائلين بالنجاسة، لكن قد عرفت نسبة الفخر تفسير الشدة بذلك إلى الجمهور. وكيف كان فلم نعرف مأخذا لاعتبار الشدة بمعنى الثخانة والقوام المنفكين عن الغليان في النجاسة دون التحريم، بل قضية ما سمعته من أدلة النجاسة السابقة عدا إجماع مجمع البحرين اتحادها مع الحرمة في السبب، على أنه لا تفسير فيه للشدة بذلك، بل ظاهر كل من قال بالنجاسة عدم هذا التفصيل، وقول الصادق (ع) في المرسل السابق: " إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه " لا دلالة فيه على ذلك،

[ 19 ]

كما أنه ليس في خصوص النجاسة. فالأقوى في النظر عدم الفرق في الحرمة والنجاسة بذلك، خلافا لما يظهر من جماعة، نعم لولا بعض العبارات لأمكن أن يراد بالشدة الحالة الملازمة للعصير إذا نش من قبل نفسه، وهو الذي أشار إليه الفخر بقذف الزبد، ومثله لا يسمى غليانا عرفا أو لا ينساق إلى الذهن منه، خصوصا بعد تفسيره في كلام جماعة بصيرورة الأعلى أسفل وبالعكس، كخبر حماد بن عثمان (1) عن الصادق (ع) " سأله عن الغليان، فقال: القلب " فلعل ما في المتن ونحوه من ذكر الغليان والاشتداد يراد به حينئذ التعميم للفردين: أي ما غلى بأن صار أعلاه أسفل و بالعكس، وما اشتد حتى قذف الزبد بأن نش لا انه يراد اجتماعهما في عصير واحد، نعم كان عليه الاتيان بأو بدل الواو، كقول الصادق (ع) في خبر ذريح (2): " إذا نش العصير أو غلى حرم " إلى آخره، وهو هين. ثم ان ظاهر المصنف وغيره بل وما سمعته سابقا من أدلة النجاسة عدم القرق بين الغليان بنفسه أو بالنار، لكن قد عرفت قصر النجاسة في الوسيلة على الأول، والحرمة خاصة على الثاني، ولعل وجهه صيرورته خمرا بذلك لحصول الاختمار فيه دون الثاني. وربما يؤمي إليه بعض الأخبار كخبر الساباطي (3) قال: " وصف لي أبو عبد الله (ع) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا، فقال: تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه وتصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش، ثم تنزع الماء منه كله " الحديث. فان قوله (ع): " فإذا كان " إلى آخره ظاهر في صيرورته خمرا بنشيشه في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 3 - 4 (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 2

[ 20 ]

نفسه، وهو الذي يخشاه، بخلاف الغليان في النار، فانه يحرم حينئذ ولا ينجس، ونحوه في هذا الايماء غيره، لكن قد يقال بخروجه عن محل النزاع، إذ البحث في العصير وما تضمنه الخبر من النبيذ، أللهم إلا أن يدعى مساواته له في ذلك أو أولويته، فتأمل. وكذا ظاهر المتن وغيره عدم النجاسة في غير عصير العنب من التمر والزبيب والحصرم وغيرها، بل صرح به في جامع المقاصد والروض وغيرهما، بل عن حواشي القواعد والمقاصد العلية دعوى الاجماع على ذلك في غير الزبيب، بل في الحدائق الظاهر انه لا خلاف في طهارة الزبيب أيضا، كما عن الذخيرة أني لا أعلم بنجاسته قائلا. قلت: لكن قد يفهم من جامع المقاصد والروض تحقق الخلاف في الزبيبي، بل في كشف اللثام انه لعل من العنبي الزبيب، بل في منظومة الطباطبائي حكاية القول بنجاسته والتمري صريحا، ولعله أخذه من إطلاق العصير من بعض القائلين بالنجاسة كابن حمزة والعلامة وغيرهما، بناء على كونه للأعم من العنبي والزبيبي والتمري، أو أراد به ما يظهر من المحكي عن الأستاذ الأكبر، بل كاد يكون صريحه كالشيخ في التهذيب، حيث انه قال بعد أن روى خبر عثيمة (1) المتضمن لاهراق النضوح في البالوعة: فأما ما رواه سفيان بن مسلم عن علي الواسطي (2) قال: " دخلت جويرية على أبي عبد الله (ع) وكانت صالحة فقالت: إني أتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التي أمتشط بها الخمر، فأجعله في رأسي قال: لا بأس " فلا ينافي الخبر الأول، لأنه محمول على ما رواه الساباطي (3) عن الصادق (ع) " عن النضوح قال:


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 2 وفى الوسائل عن سعدان بن مسلم عن علي الواسطي (3) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1

[ 21 ]

يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يتمشط " إذ هو ظاهر في حرمته ونجاسته عنده قبل ذهاب الثلثين، كما اعترف به الفاضل المذكور في مصابيحه، أو انه عثر على ما لم نعثر عليه كما هو مظنة ذلك. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه في التمري بعد الأصل والعمومات، وما سمعته من الاجماعين وغير ذلك، بل ينبغي القطع بفساده بناء على حليته وعدم حرمته وان لم يذهب ثلثاه بالغليان كما هو الأظهر الأشهر بل المشهور، بل في الحدائق " انه كاد يكون إجماعا، بل هو إجماع في الحقيقة، فانا لم نقف على قائل بالحرمة ممن تقدمنا من الأصحاب رضوان الله عليهم، وانما حدث القول بذلك في هذه الأعصار المتأخرة " انتهى. كما عن رسالة مولانا أبي الحسن ورياض المسائل حكاية نفي الخلاف عن بعض الأصحاب، بل في الأول حكاية الاجماع عن بعض الفضلاء، بل ربما استظهر نفيه أي الخلاف من اللمعتين وأطعمة المسالك أيضا. ولا ينافيه تردد الفاضلين بذلك في حدود الشرائع والقواعد، ولا قولهما: " الأشبه والأقرب " إذ لعله لتعارض الامارات لا لوجود القائل، بل هو الظاهر منهما سيما الأول، كما يؤمى إليه عدم حكاية ذلك في وجه التردد عن أحد من شراح كلامهما للأصول العقلية والشرعية السالمين عن المعارض المعتضدين بالسيرة والعمل من سائر المسلمين في عصرنا هذا الكاشف عما قبله، ولتعليق الحل والحرمة على الاسكار ولو بالكثير وعدمه في الأخبار (1) المستفيضة جدا ان لم تكن متواترة، وفيها الصحيح والحسن وغيرهما المتضمنة أسئلتها عن نبيذ التمر وغيره، حتى انه في خبر ابن وهب (2) عن الصادق (ع) " قلت له: إن رجلا من بني عمي من صلحاء مواليك أمرني أن أسألك عن النبيذ فأصفه لك، فقال (ع): أنا أصفه لك، قال رسول الله


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث. - 1

[ 22 ]

صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام، فما أسكر كثيره فقليله حرام " الحديث. ودعوى عدم منافاتها لتحقق الاسكار فيه ولو خفيا بغليانه قبل ذهاب ثلثيه ولو باعتبار بعض الأمزجة أو الأمكنة أو الأزمنة أو الأهوية، ومن جرب ذلك بالكثير منه فوجد خلافه مع الغض عما فيها من الاكتفاء بذلك البعض، وإجمال الكثرة وغيرهما ممنوعة أشد المنع، لعدم الشاهد لها من عقل أو شرع أو عرف، بل لعل الأخيرين شاهدا عدل على خلافها، إذ الوجدان والعيان على عدم تحقق الاسكار بأكثر ما يستطيع شربه الانسان، وترك الشارع بيانه في وقت الحاجة والسؤال مع شدة خفائه إن فرض إسكاره أكبر شاهد على عدمه، بل كاد يكون خبر محمد بن جعفر (1) عن أبيه (ع) في القوم الذين قدموا من اليمن فأرسلوا وفدا لهم يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عصير التمر ثم لم يكتفوا بذلك حتى سألوه بأنفسهم صريحا في ذلك سؤالا وجوابا (2) مع


(1) الوسائل - الباب 24 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 6 (2) قال: " قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اليمن قوم، فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم بأجمعهم، فلما ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض: نسينا أن نسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عما هو أهم الينا. ثم نزل القوم ثم بعثوا وفدا لهم فأتى الوفد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن القوم بعثوا بنا اليك يسألونك عن النبيذ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وما النبيذ ؟ صفوه لي، فقالوا: يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلي ويوقد تحته حتى ينطبخ، فإذا انطبخ أخذوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماءا ثم يمرس ثم صفوه بثوب ثم يلقى في إناء ثم يصب عليه من عكر ما كان قبله ثم يهدر ويغلى ثم يسكن على عكره، فقال رسول الله (صلى الله عليه واله): يا هذا قد أكثرت أفيسكر ؟ قال: نعم، فقال: فكل مسكر حرام، قال: فخرج الوفد حتى انتهوا إلى أصحابهم فأخبروهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال القوم: ارجعوا بنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نسأله عنها شفاها ولا يكون بيننا وبينه سفير، فرجع القوم جميعا، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله -

[ 23 ]

وضوح دلالته على أصل المطلوب من وجوه أخر، فلاحظ. لا يقال: إنه لعل الشارع قد استغنى عن بيان إسكاره ببيان الحرمة المستفادة من قول الصادق (ع) في صحيح ابن سنان (1): " كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " وفي خبر ذريح (2) " إذا نش العصير أو غلى حرم " ونحوهما في إفادة ذلك غيرهما (3) ومن قوله (ع) أيضا في موثقة عمار (4) بعد أن سأله " عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل ؟ قال: خذ ماء التمر فأغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر " كخبره الآخر (5) " سألته عن النضوح، قال: يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، ثم يتمشطن " ومن الأخبار (6) الدالة على حرمة النبيذ الذي يوضع فيه العكر والقعوة، فيغلي ويهدر ثم يسكن، ومن غير ذلك كاشعار خبر (7) طلب إبليس من حواء في آخر عمر آدم (ع) بعد أن طرده آدم أن تطعمه من ثمرة الكرم والنخل، فأطعمته، إلى آخره، وغيره. أو يقال: إن هذه الأدلة وإن لم تفد إسكاره لكن تفيد حرمته، فيخرج بها عن تلك الأصول والعمومات، على أن العمدة منها ظواهر ما دل على إباحة غير المسكر


- إن أرضنا لأرض دوية ونحن قوم نعمل الزرع ولا نقوى على العمل إلا بالنبيذ، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): صفوه لي فوصفوه كما وصفه أصحابهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أفيسكر ؟ فقالوا: نعم، قال: كل مسكر حرام " (منه رحمه الله) (1) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1 -. - (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 4 (4) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 2 (5) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1 (6) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الأشربة المحرمة (7) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 3

[ 24 ]

ولعلها لا تنافيها لا للعلم بكونه مسكرا بل لأن احتمال ذلك فيه كاف في عدم المنافاة، ودعوى العلم - بعدم الاسكار حتى بالكثير منه ولو لبعض الأمزجة، بناء على الاكتفاء به فينا فيها حينئذ فرية بينة، إذ من اختبر ذلك فوجد خلافه. لأنا نقول: لا دلالة في الحرمة على الاسكار، لكونها أعم منه كما هو واضح، كوضوح قصور هذه الأخبار عن إفادة أصل الحرمة أيضا بحيث يخرج بها عن تلك الأصول والعمومات وغيرها المعتضدة بما عرفت، سيما بعد ابتناء دلالة الصحيح وغيره على تناول لفظ العصير لغة أو شرعا للمستخرج من نحو التمر والزبيب، وهو محل بحث. بل بالغ المحدث البحراني في حدائقه بانكاره، فقال: إن اللغة والشرع والعرف على خلافه انما يسمى التمر والزبيب نبيذا ونقيعا مستظهرا ذلك من المصباح المنير ونهاية ابن الأثير والقاموس ومجمع البحرين في مادة عصر ونقع ونبذ، ومن نحو قول الصادق (ع) في الصحيح (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والتبع من العسل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر " إلى آخره. والأخبار (2) الواردة في علة الحرمة بعد الغليان قبل ذهاب الثلثين الواردة في خصوص العنب، ومن شهادة العرف بعدم صدق العصير إلا على الأجسام التي فيها مائية لاستخراج مائها كالعنب والرمان ونحوهما، بخلاف الأجسام الصلبة التي فيها حلاوة وحموضة وأريد استخراجهما منها بنبذها في الماء ونقعها كما هو المعروف في الصدر الأول أو بغليانها في النار. وهو وإن أمكن مناقشته في جميع ذلك لكن الانصاف أنه إن لم يكن حقيقة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الأشربة المحرمة الحديث - 1 (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة

[ 25 ]

فيه إلا أنه المنساق إلى الذهن من إطلاق الأدلة، بل هو المتعارف المعهود المعبر عنه فيها تارة بالعصير، وأخرى بالطلاء، وثالثة بالبختج، والذي طفحت الأخبار (1) في حرمته قبل ذهاب الثلثين وفي بيان علة ذلك، كما هو واضح لمن لاحظها جميعها بتأمل وتدبر، خصوصا ما ورد (2) منها في السؤال عن بيعه قبل أن يصير خمرا. ويؤيده ما قيل من عدم استدلال أحد من الأصحاب كالمصنف والعلامة وغيرهما بهذه الأخبار مع كثرتها واستفاضتها، وكونها بمرآى منهم ومسمع، بل لا يبعد كونه كذلك في كلمات الأصحاب، كما عن القطيفي في الهادي القطع به، وإن أنكره العلامة الطباطبائي في مصابيحه، بل قد يظهر منه ذلك حتى بالنسبة للأخبار أيضا، كصريح المحكي عن مولانا أبي الحسن والأستاذ الأكبر. لكن التحقيق ما قلناه ولا ينافيه خصوص الصحيح (3) المسور ب‍ " كل " الظاهر في تعدد الأفراد بل تكثرها، وإن علم خروج غير المعتصر من ثمرتي الكرم والنخل بالاجماع وغيره بل الضرورة، إن لم نقل بتنزيل عموم الصحيح على المتعارف من أفراد العصير، بل لعل غيرهما لا يسمى عصيرا، لما فيه على التقدير الأول من كون الخارج أضعاف الداخل، بل انتهاء التخصيص إلى المستنكر المستقبح عرفا، مع عدم دليل من الأخبار على الاخراج في كثير من أفراده حينئذ، وعلى الثاني من منافاته للعموم اللغوي أولا، وعدم تسليم التعارف في الثلاثة ثانيا، فضلا على الوضع للقدر المشترك بينها. ومع ذا فهو ليس بأولى من حمله على إرادة العموم بالنظر إلى أفراد العنب وأقسامه والى ما ظهر إسكاره أو اتخذ له وعدمه، والى ما أخذ من كافر أو مسلم مستحل لما دون الثلثين وعدمه، والى الممزوج بغيره مع عدم الاستهلاك وعدمه، إلى غير ذلك.


(1) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث. - 1 (2) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة

[ 26 ]

وربما يؤيده تعرض النصوص لحكم العصير في بعض الأحوال المذكورة أو أكثرها، بل لعل تنزيل الصحيح على ذلك متعين بناء على ما سمعته من معروفية إطلاق العصير على خصوص العنبي، وأما خبر النضوح (1) فلعل الوجه فيهما إرادة التعليم لدفع الخمرية الحاصلة من إنباذ التمر وإنقاعه، وذلك لأن النضوح ضرب من الطيب يتخذ من ماء التمر وغيره، وقد حكي عن بعض الأفاضل في كيفيته أنه ينقعون التمر والسكر والقرنفل والتفاح والزعفران وأشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من ماء ويشد رأسها ويصبرون أياما حتى ينش ويتخمر، وهو شائع بين نساء الحرمين، وكيفية تطيب المرأة به أن تحط الأزهار بين شعر رأسها ثم ترشرش به الأزهار لتشتد رائحتها. قلت: ولذا أمر الصادق (ع) باهراقه في البالوعة في خبر عيثمة (2) قال: " دخلت عليه وعنده نساؤه، فشم رائحة النضوح، فقال: ما هذا ؟ قالوا: نضوح يجعل فيه الضياح، فأمر به فأهريق في البالوعة " الحديث. فأراد الامام (ع) بذهاب الثلثين زوال الأجزاء المائية التي هي منشأ الاختمار كما في العنب. ويؤمي إلى ذلك كله ما عرفته من أن النضوح انما يستعمل في غير المأكول، ومن اعتبر ذهاب الثلثين انما يعتبر للأكل، فيعلم حينئذ إرادة التخلص بذلك عن الخمرية المورثة نجاسة في الشعر وغيره من محال الطيب، وهو الذي سأل الراوي عن حله، أللهم إلا أن يكون القائل باعتبار الثلثين اعتبر ذلك بالنسبة للحرمة والنجاسة، كما لعله الظاهر من المحكي عن بعضهم، إلا أنك قد عرفت سابقا حكاية الاجماع على الطهارة. وكيف كان فحمل الخبرين على ما ذكرنا متجه، لا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال، نعم هما مشعران بحرمة بل ونجاسة نبيذ التمر إذا طرح فيه بعض الأجسام


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 2 والباب 37 الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 1

[ 27 ]

التي تفعل فيه الغليان والنشيش وخروج الزبد، بل هو النبيذ المسكر المتخذ منه أو الزبيب أو منهما، بل لعل الثاني يندرج في الفقاع، بناء على اتخاذه من غير الشعير الذي كان معروفا في ذلك الزمان الذي استفاضت الأخبار (1) أو تواترت بالنهي عنه، وبما يفيد نجاسته. بل الظاهر ان منه ما حصل فيه ذلك الغليان فيه بطول المكث أيضا مع كثرة التمر الملقى وقلة الماء مثلا، كما يشعر به الخبران أيضا، ويؤمي إليه جملة من الأخبار، كخبر الساباطي (2) المتقدم سابقا في الاستدلال لابن حمزة على نجاسة العصير إذا غلى لنفسه. وخبر أيوب بن راشد (3) قال: " سمعت أبا البلاد يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ، فقال: لا بأس به، فقال: إنه يوضع فيه العكر، فقال (عليه السلام): بئس الشراب، ولكن انبذوه غدوة واشربوه بالعشي، قال: فقلت: جعلت فداك هذا يفسد بطوننا،، قال: فقال أبو عبد الله (ع): أفسد لبطنك أن تشرب ما لا يحل لك ". وخبر الكلبي النسابة (4) قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن النبيذ، فقال: حلال، قلت: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك، فقال: شه شه تلك الخمرة المنتنة، قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني ؟ فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى النبي صلى الله عليه وآله تغير الماء وفساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، وكان الرجل منهم يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر فيلقيه في الشن، فمنه شربه


(1) الوسائل الباب 27 من ابواب الأشربة المحرمة (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 2 (3) الوسائل الباب 30 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث. (4) الوسائل الباب 2 من ابواب الماء المضاف الحديث 2 مع اختلاف في الألفاظ

[ 28 ]

ومنه طهوره، فقلت: وكم كان عدد التمرات التي كانت تلقى ؟ قال: ما يحمل الكف، قلت: واحدة وإثنتين، فقال: ربما كانت واحدة، وربما كانت إثنتين، فقلت: وكم يسع الشن ماء ؟ فقال: ما بين الأربعين إلى الثلاثين إلى ما فوق ذلك، فقلت: بالأرطال فقال: أرطال بمكيال العراق ". كخبر صفوان الجمال (1) " قلت لأبي عبد الله (ع): جعلت فداك أصف لك النبيذ، فقال لي: بل أنا أصفه لك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام، فقلت له: هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة ؟ فقال لي: ليس هكذا كانت السقاية، انما كانت السقاية زمزم، أفتدري من أول من غيرها ؟ قال: لا، قال: العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة، أفتدري ما الحبلة ؟ قال: الكرم، كان ينقع الزبيب غدوة ويشربونه بالعشي، وينقعه بالعشي ويشربونه من الغد، يريد أن يكسر غلظ الماء عن الناس، وان هؤلاء قد تعدوا، فلا تشربه ولا تقربه ". وخبر حنان بن سدير (2) عن الصادق (ع) إلى أن قال فيه: " ما هذا النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أي شئ هو ؟ فقال: أما أبي (ع) فانه كان يأمر الخادم، فيجئ بقدح، ويجعل فيه زبيبا ويغسله غسلا نقيا ثم يجعله في إناء ثم يصب عليه ثلاثة مثله أو أربعة ماء، ثم يجعله بالليل ويشربه بالنهار، ويجعله بالغداة ويشربه بالعشي، وكان يأمر الخادم بغسل الاناء في كل ثلاثة أيام لئلا يغتلم، فان كنتم تريدون النبيذ فهذا هو النبيذ " إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة في حرمته بمجرد غليانه بنفسه ونشيشه وخروج زبده، ولعلك تسمع بعضها إن شاء الله أيضا.


(1) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 3 مع اختلاف يسير (2) الوسائل الباب 22 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 5

[ 29 ]

ومن هنا يظهر لك انه لا وجه للاستدلال بها على ما نحن فيه من عصير التمر المغلي بالنار ونحوها، لوضوح عدم اندارجه في شئ منها، نعم هي كغيرها ظاهرة في حرمة ما قلناه من النبيذ إذا نش وغلى بنفسه وخرج زبده ولو بطول المكث، ولا ينافيه ما دل على إباحة غير المسكر، إذ لعل كثيرة كذلك إذا بلغ هذا الحد، كما هو الظاهر من الأخبار أيضا. وكان عبارات جملة من الأصحاب ظاهرة فيه ان لم تكن صريحة، منها عبارة الشيخ في النهاية " لا بأس بشرب النبيذ غير المسكر، وهو أن ينقع التمر أو الزبيب ثم يشربه، وهو حلو قبل أن يتغير وقال: ويجوز أن يعمل الانسان لغيره الأشربة من التمر والزبيب والعسل وغير ذلك، ويأخذ عليه الأجرة ويسلمها إليه قبل تغيرها " إذ قد اكتفى في تحقق البأس بمجرد التغير، ومنه ما ذكرنا قطعا. ومنها ما في الوسيلة " ان التبيذ هو أن يطرح شئ من التمر أو الزبيب في الماء، فان تغير كان في حكم الخمر، وان لم يتغير جاز شربه والتوضؤ منه ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء " كالذي في المهذب " يجوز شرب النبيذ الذي لا يسكر، مثل أن يلقى التمر أو الزبيب في الماء المر أو المالح، وينقع فيه إلى أن يحلو، فان تغير لم يجز شربه ". وفى السرائر " فأما عصير العنب فلا بأس بشربه ما لم يلحقه نشيش بنفسه، فان لحقه طبخ قبل نشيشه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه حل شرب الثلث الباقي، فان لم يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه كان حراما، وكذلك فيما ينبذ من الثمار في الماء أو اعتصر من الأجسام من الأعصار في جواز شربه ما لم يتغير، فان تغير بالنشيش لم يشرب ". وفي الدروس " ولا يحرم المعتصر من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش، فيحل طبيخ الزبيب على الأصح، لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا، أو خروجه عن مسمى العنب، وحرمه بعض مشائخنا المعاصرين " إلى آخره، بل في آخر كلامه ما هو كالصريح

[ 30 ]

في صيرورته بذلك فقاعا. نعم يظهر منه في اللمعة كحدود الكتاب والقواعد والتحرير والارشاد وغيرها انفكاك الاسكار عن الغليان بنفسه ونحوه، ولذا جعلوا مدار الحرمة على الأول دون الثاني، إلا أنك قد عرفت ظهور الأخبار في حرمته بالثاني، ولعله لتحقق الاسكار الخفي فيه ولو بالكثير، بل يقوي في النظر كما لعله الظاهر من عبارة السرائر وغيرها عدم حله بعد ذلك بذهاب الثلثين. نعم يحل بصيرورته خلا كالخمر، كما يؤمي إليه خبر الساباطي (1) المتقدم سابقا في الاستدلال لابن حمزة كخبر الهاشمي (2) بل يظهر من السرائر والمحكي من عبارة والد الصدوق أيضا ذلك بالنسبة إلى عصير العنب إذا نش بنفسه، كما هو صريح الوسيلة، فأحله بذهاب الثلثين، لكن إطلاق الأصحاب كالنصوص (3) الحل بذهابهما ينافيه، أللهم إلا أن ينزل ذلك على خصوص المغلي بالنار مثلا لا بنفسه، لدخوله تحت الخمر حينئذ، فلا يطهر به إلا أن صريح جماعة أو كالصريح عدم الفرق في الحل بذلك بين الغليان بالنار ونفسه. وكيف كان فقد ظهر لك ضعف التمسك بأخبار النبيذ على ما نحن فيه، كالتمسك بخبر سؤال إبليس من حواء إطعام التمر والكرم (4)، بل لعل تأمله بشهد للمطلوب، فلا حظ وتأمل، وكذا قد ظهر مما قدمناه سابقا ما في الدعوى الأخيرة من احتمال تحقق الاسكار في المغلي من عصير التمر قبل ذهاب الثلثين، وان الوجدان وغيره شاهدا عدل على نفيه، أللهم إلا أن يريد بالكثير ما يشرف الانسان على الموت، وهو كما ترى، فبان بحمد الله حينئذ حل عصير التمر المغلي بالنار وان لم يذهب ثلثاه، من غير


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 2 - 4 (3) و (4) الوسائل الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث. - 3

[ 31 ]

فرق بين الرطب منه والتمر، وان حكي عن غاية المرام الفرق، فجعل الأول خاصة كالعنب، لكن لم نعرف له مأخذا سوى ما سمعته من التعليل لحل عصير الزبيب بانه قد ذهب ثلثاه بالشمس، وهو كما ترى. خلافا لظاهر الشيخ في التهذيب ومحتمل السرائر أو ظاهرها وعن صريح الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني والسيد نعمة الله ومولانا أبي الحسن والأستاذ الأكبر وغيرهم، فاعتبروا في حل التمري ذهاب الثلثين كالعنب، مستظهرا له الأخير من الصدوق والكليني أيضا، بل ومن غيرهم، بل قد تعطي بعض كلماته دعوى الاتفاق عليه قبل زمن الفاضلين، لكنه ليس كذلك على الظاهر، ولعله أخذه من نصهم على حرمة النبيذ، وقد عرفت أنه ليس مما نحن فيه، أو إطلاق بعضهم حرمة العصير، وقد عرفت أن الظاهر منه العنبي، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لا تمام الكلام، وإنهاء المرام في غير المقام، وان كان قد وفق هنا لذكر المهم من النقض والابرام على غير أهبة له واستعداد عدا التوكل على رب العباد. ومنه ظهر ضعف القول بنجاسته حينئذ، كضعفه بالنسبة للزبيبي أيضا، للأصل والعمومات وترك الاشارة في شئ من الأدلة إليه، سيما مع عموم البلوى به وكثرة استعماله، بل قد يؤمي التأمل في ترك ذلك في بعضها، كالمشتمل منها على كيفية عمله إلى عدمه. ودفع ذلك كله بكونه عنبا جففته الشمس فينجس عصيره حينئذ بناء عليه، وباستصحاب حكمه حال عنبيته وان تغير الاسم بعد بقاء الحقيقة، إذلا تقييد فيما دل على حجيته بعدم تغيره، بل يشهد لعدمه حكم الحنطة والقطن والطين بعد صيرورتها دقيقا وعجينا وخبزا وغزلا وثوبا ولبنا بل وخزفا وآجرا، ولا ينافيه معروفية تبعية الأحكام للأسماء، إذ المراد انتفاء الحكم من جهة الاسم بانتفاء الاسم في مقابلة بطلان القول بالقياس، أي التعدي عن المسمى الجامع، أو القول بثبوت حكم حالة سابقة من

[ 32 ]

أحوال الماهية بثبوته في حالة أخرى لا حقة، كتحريم الحصرمي بتحريم العنبي، أو القول بثبوته مع تبدل الحقيقة والماهية كالكلب يصير ملحا، وإلا فليس المراد انتفاء الحكم بانتفاء التسمية مطلقا ولو بدليل آخر شرعي، كآية أو إجماع أو استصحاب، فان التخصيص بالذكر لا يقتضي التخصيص بالحكم إلا بمفهوم اللقب الذي ليس بحجة عندنا، فالاسم حينئذ كشف عن تعلق الحكم بالماهية والحقيقة التي لم تنتف بانتفائه هنا بشهادة عدم طهر العنب لو تنجس بالزبيبية واضح الفساد، إذ الأول قياس، بل من الباطل منه أو راجع إلى الثاني الذي (1) يدفعه أولا منع عدم كون ما نحن فيه من تبدل الحقيقة، وعدم طهارة العنب المتنجس بالزبيبية لعله لا لعدم انتفاء الحقيقة، بل لعدم كون مدار نجاسته الاسم حتى يطهر بانتفائه انما هو لكونه جسما لاقى نجاسة فينجس بها، والجسمية لم تذهب بالزبيبية قطعا، وكذا البحث في طهارة كل متنجس بالاستحالة، وثانيا ظهور تعليق الحكم على الاسم في دورانه على مسمى ذلك الاسم، لا حقيقته المعتورة عليها بسبب أحوالها أسماء مختلفة، فان تلك لم يوضع لها اللفظ، فلا يستفاد حكمها منه، والأمثلة السابقة مما علم تعلق الحكم فيها على الحقيقة التي لم تنتف بانتفاء الاسم، ولذا ثبت الحكم فيها مع انتفائه بخلاف ما هنا، فلم يثبت، وليس من حجية مفهوم اللقب في شئ، إذلا دلالة فيه على نفي الحكم عن غير المسمى، بل هو بحسب الأدلة من الأصول وغيرها، ومن هنا اشتهر عندهم تبعية الحكم للاسم، وانه لا استصحاب مع تغير الموضوع، بل كان جريان الاستحصاب في نحو ما نحن فيه ودعوى شمول أدلته من منكرات أهل هذا الفن، بل قد يندرج في قسم القياس المحرم. واحتمال القول ان الاستصحاب انما هو لنفي احتمال مدخلية بقاء مسمى الاسم


(1) ليس في النسخة الأصلية لفظة " الذى " والصحيح ما أثبتناه. الجواهر - 4

[ 33 ]

وأمثاله في الحكم، بل لا استصحاب إلا وهو لنفي الشك في اعتبار الحال الأول في العلة التامة للحكم المستصحب يدفعه وضوح الفرق بين الحال المستفاد من تعليق الحكم على الاسم ونحوه وبين غيره، لظهور دخوله في موضوع الحكم بخلافه. ومن ذلك كله يظهر لك أنه لا وجه للاستدلال بهذا الاستصحاب على حرمة عصيره في مقابلة المعروف من القول بالحل بين الفاضلين ومن تأخر عنهما، وان اعتمده العلامة الطباطبائي في مصابيحه في اختياره لها بعد أن تجشم ثبوت شهرة القول بها بين الأصحاب أو بين القدماء كشهرة الحل بين المتأخرين، حتى انه أنكر على من نسب الحل إلى المشهور على الاطلاق، وهو وإن كان قد دقق النظر وأجاد، وجاء بفرق ما هو المراد، بل بما لم يسبقه إليه أحد من الأطواد. لكن في جملة مما استنبطه من قول العلماء في تحقيق هذه الشهرة نظر وتأمل، كما عرفته من النظر في استدلاله عليها بالاستصحاب، بل واستدلال غيره أيضا عليها بأخبار العصير والنبيذ ونحوهما مما تقدم في التمري، لما مر فيه، وكذا استدلال القائلين بالحلية بصحيحة أبي بصير (1) " كان الصادق (عليه السلام) يعجبه الزبيبية " وبذهاب ثلثيه وزيادة بالشمس، لما في الأولى من إجمال الكيفية المنافي للاستدلال على ما نحن فيه من العصيرية، ولعدم الاعتداد بالثاني بعد تسليمه إذا لم يتعقب نشيشا وعليانا، ودعوى حصولهما وصدق مسماهما عرفا ولو في وسط العنب كما ترى، وقضيته حرمة (العنب) ولو وضع أياما في الشمس قبل أن يصير زبيبا. نعم يتجه الاستدلال على الثانية بالأصول والعمومات ونحوهما على حسب ما مر في التمري. كما انه يتجه على الأولى بموثقة الساباطي (2) " وصف لي الصادق (ع)


(1) الوسائل الباب 27 من ابواب الأطعمة المباحة الحديث 1 وفيه " الزبيبة " (2) الوسائل الباب 5 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 2

[ 34 ]

المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا، فقال: تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه وتصب عليه إثني عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش، ثم تنزع الماء منه كله حتى إذا أصبحت صببت عليه من الماء بقدر ما يغمره إلى أن قال: ثم تغلية بالنار، ولا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث " الحديث. كموثقته الأخرى (1) " سئل عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا، فقال: تأخذ ربعا من زبيب تطرح عليه إثني عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فإذا كان من الغد نزعت سلافته، ثم تصب عليه الماء قدر ما يغمره، ثم تغليه بالنار غلية، ثم تنزع ماءه، فتصبه على الماء الأول، ثم تطرحه في إناء واحد جميعا، ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث وتحته النار، ثم تأخذ رطلا " الحديث. بل قد يؤمي إليه مرسلا الهاشمي (2) وإسحاق بن عمار (3) عن الصادق (عليه السلام) ونزاع إبليس في الكرم (4) إلى أن جعل له الثلثان الشامل للعنب والزبيب، كخبر علي بن جعفر (5) عن أخيه (ع) " سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه، ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث، ثم يرفع ويشرب منه السنة، قال: لا بأس به ". بل هو صريح خبر زيد النرسي (6) وزيد الزراد (7) عن الصادق (ع) " في الزبيب يدق ويلقى في القدر ويصب عليه الماء، قال: حرام إلا أن يذهب ثلثاه،


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 5 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 3 - 4 - 5 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الأشربة المحرمة الحديث - 5 (5) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الأشربة المحرمة - الحديث 2 (6) و (7) المستدرك - الباب - 2 - من أبواب الأشربة المحرمة - الحديث 1

[ 35 ]

قلت: الزبيب كما هو يلقى في القدر، قال: هو كذلك سواء، إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد، كلما غلى بنفسه أو بالنار فقد حرم إلا أن يذهب ثلثاه ". لكن ومع ذلك كله فقطع الأصول والعمومات خصوصا مع ظهور أكثر الأخبار المعتبرة في دوران الحكم على الاسكار وعدمه بمثل هذه لا يخلو من نظر وتأمل، سيما مع ما في سند الأولى من الترديد بين الارسال وعدمه، وفيه وفي سند الثانية من معروفية البحث في " محمد " الواقع في أوائل سند الكافي، وما قيل في " عمار " من أنه منفرد برواية الغرائب، ومتنهما من احتمال ما سمعته في النضوح من إرادة تعليم الشرب الذي لا يتغير بالاسكار لو خلط به غيره، بل ربما يؤمي إليه ملاحظتهما، بل كاد يكون ظاهر الثالثة مع ضعف الايماء فيما إلى ما نحن فيه جدا كالمرسلين وخبر منازعة إبليس بل وخبر علي بن جعفر، سيما مع قوله: " ويشرب منه السنة " وخبر النرسي والزراد، مع انه ليس في الكتب الأربعة، بل عن الشيخ في الفهرست أن لهما أصلين لم يروهما محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، وقال في فهرسته: " لم يروهما محمد بن الحسن بن الوليد، وكان يقول: هما موضوعان، وكذلك خالد بن عبد الله بن سدير، وكان يقول وضع هذه الأصول محمد بن موسى الهمداني " انتهى. وهو وان أمكن معارضته برواية ابن أبي عمير لهما، مع أن في " جيش " للنرسي كتاب يرويه جماعة، وبما عن ابن الغضائري انه غلط أبو جعفر في هذا القول، فأني رأيت كتبهما مسموعة من محمد بن أبي عمير، لكن في الخلاصة أنه " وإن كان ما عن الصدوق ليس طعنا في الرجلين إلا أني لما لم أجد لأصحابنا تعديلا لهما ولا طعنا فيهما توقفت عن قبول روايتهما " انتهى. كل ذامع عدم تحقق الشهرة الجابرة لشئ من ذلك، بل لعل الموهنة محققة، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه بحال.

[ 36 ]

ثم انه لا فرق على الظاهر في العصير بين مزجه بغيره وعدمه، للصدق والاستصحاب بل نسبه في الحدائق إلى إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب، وهو كذلك خصوصا لو مزج بعد الغليان قبل ذهاب الثلثين، من غير فرق بين عصيري التمر والزبيب والعنبي، بل في خبر النضوح وذيل الموثقين وغيرهما إيماء اليهما أو ظهور فيه. نعم قد يقوي في النظر كما عن الأردبيلي الميل إليه عدم البأس في المستهلك منهما، بل ومن العنبي، بناء على عدم نجاسته كما فيما يحرم من غيرها، وإلا لوجب اجتناب شرب الكثير من الماء بوقوع قطرة خمر ونحوه. لكن قد ينافي ذلك المروي (1) في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال عن أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) " أن محمد بن عيسى كتب إليه عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم، وربما يجعل فيه العصير من العنب، وانما هو لحم يطبخ به، وقد روي عنهم (عليهم السلام) في العصير انه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه يبقى ثلثه، فان الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة، وقد اجتنبوا أكله إلى أن يستأذن مولانا في ذلك، فكتب بخطه لا بأس بذلك ". وربما يؤيده عدم ظهور الأدلة في الممتزج الخارج بالامتزاج إلى اسم آخر بعض أجزائه العصير، لكن في الحدائق " أن الخبر ظاهر في أن حكم العصير مطبوخا مع غيره حكمه منفردا، وكان السائل توهم اختصاص الحكم المذكور بالعصير منفردا وشك في جريان ذلك فيه إن طبخ مع غيره، لأن ظاهر قوله: " يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة " يعني يذهب ثلثاه كما روي، فأجابه بنفي البأس مع ذهاب الثلثين إشارة


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 1 وفى الوسائل " محمد ابن على بن عيسى " وهو الصحيح

[ 37 ]

إلى أن هذا الحكم ثابت له مطلقا منفردا أو مع غيره " انتهى. وهو لا يخلو من نظر. هذا كله في الامتزاج بعد تحقق العصيرية في العنب والتمر والزبيب، أما لو ألقي عنب أو زبيب أو تمر في الماء الملقى فيه غيرها، فان كان قبل تحقق الاضافة في الماء فالظاهر اتحاد حكمه مع السابق، بل لعله بعض صور الامتزاج سيما بالنسبة للعنب، وان كان بعدها ففي اللحوق بالنسبة للأخيرين إشكال، لظهور الأدلة فيما إذا خرج سلافتهما بالماء المطلق وغلى. ومنه حينئذ يظهر الاشكال في باقي المائعات، بل هي أقوى إشكالا منه، خصوصا في مثل الدهن، لما ورد (1) " أن الصادق (ع) أكل دجاجة مملوة خبيصا " وهو كما عن القاموس المعمول من التمر والسمن، وان كان ظهوره بما نحن فيه تأمل. وربما يظهر مما عن العلامة في أجوبة المهنا بن سنان عدم الالتفات إلى التفصيل، قال بعد أن سئل عن طبخ حب الرمان بالعصير من الزبيب أو العنب ما هذا لفظه: " أما ما سمي عصيرا فالوجه في غليانه اعتبار ذهاب ثلثيه، وأما الزبيب فالأقرب إباحته مع انضمامه إلى غيره، لأن الناس في جميع الأزمان والأصقاع يستعملونه من غير إنكار أحد منهم " انتهى. وتمام البحث في تنقيح هذه المسائل في كتاب الأطعمة والأشربة، نسأل الله التوفيق. ولا إشكال في طهارة وحل ما اعتصر من المياه من غير ثمرتي الكرم والنخل من الفواكه والثمار والبقول لو نشت وغلت، وكذا الربوبات والأطعمة المتخذة من غيرها، بل في مصابيح العلامة الطباطبائي إجماع العلماء على ذلك، للأصل وعمومات الكتاب والسنة، وعدم السكر بالكثير منهما، وما ورد من المعتبرة في كثير منها كخبري


(1) الوسائل الباب 35 من ابواب الأطعمة المباحة الحديث 3

[ 38 ]

ابن أحمد المكفوف (1) وغيرهما (2) المذكورة في الكتاب المزبور (3). بل وكذا لا إشكال في المعتصر من ثمرة الأول إذا لم يكن زبيبا أو عنبا ولا مسكرا كالحصرم، للأصول والعمومات، وان حكي التوقف فيه عن بعض المحدثين من البحرانيين لصدق العصير، ولما يؤمى إليه نزاع إبليس مع آدم (ع) في شجرة الكرم إلى أن جعل له الثلثين الشامل للحصرم، لكنه في غاية الضعف، كاحتمال التوقف في عصير المطبوخ من ثمرة النخل إذا لم يكن بسرا أو تمرا، والله أعلم. { التاسع الفقاع } إجماعا محصلا ومنقولا صريحا في الانتصار والمنتهى والتنقيح وجامع المقاصد وعن الخلاف والعنية والمهذب البارع وكشف الالتباس وإرشاد الجعفرية، وظاهرا في التذكرة وعن المبسوط وغيرهما، مؤيدا بالحكم بخمريته في المعتبرة المستفيضة (4) التي كادت تبلغ التواتر ولو كان على وجه المجاز، بل في بعضها (5) هو الخمر بعينها، مضافا إلى خبر أبي جميلة البصري (6) قال: " كنت مع يونس ببغداد، وأنا أمشي في السوق، ففتح صاحب الفقاع فقاعه، فقفز فأصاب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس، فقلت: يا أبا محمد ألا تصلي ؟ فقال: ليس أريد أن أصلي حتى أرجع إلى البيت فأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت له: هذا رأي رأيته أو شئ ترويه، فقال: أخبرني هشام بن الحكم أنه سأل الصادق (ع) عن الفقاع، فقال: لا تشربه فانه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله ".


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 1 و 2 (2) الوسائل الباب 29 من ابواب الأشربة المحرمة (3) أي كتاب الاطعمة (منه رحمه الله) (4) و (5) الوسائل الباب 27 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث. 8 (6) التهذيب ج 1 ص 282 من طبعة النجف

[ 39 ]

وضعف سنده بعد انجباره بما عرفت غير قادح، فما في المدرك من التأمل والتوقف فيه لذلك في غير محله، كالمحكي عن الجعفي بحل بعض الفقاع المستلزم لطهارته حينئذ، لكن يمكن تنزيله على غير ما نحن فيه، كما يؤمي إليه ما في الذكرى " انه نادر لا عبرة به، مع منع تسمية ما وصفه فقاعا " انتهى. والمرجع فيه كأمثاله العرف والعادة التي لم يعلم حدوثهما ولو بسبب العلم بحدوث خصوصية هذا الشراب، لكنه في مجمع البحرين " انه شئ يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط، وليس بمسكر " كما عن المدنيات " انه شراب معمول من الشعير " وفي الانتصار " انه كان يعمل منه ومن القمح " وعن مقداديات الشهيد " كان قديما يتخذ من الشعير غالبا، ويصنع حتى يحصل فيه النشيش والقفزان، وكأنه الآن يتخذ من الزبيب ويحصل فيه هاتان الخاصتان ". قلت: ربما يشكل حينئذ جريان حكم الفقاع عليه من حيث الفقاعية بعدم تناول الاطلاق له وعدم انصرافه إليه بعد فرض اعتياد غيره سابقا، نعم قد يحكم بنجاسته بناء على ما قدمناه سابقا في العصير، والتسمية بعد العلم بالحدوث لا تجدي. ودعوى انها كاشفة عن وضع اللفظ للقدر المشترك قديما، فلا يقدح عدم وجود هذا الفرد في ذلك الزمان لا شاهد عليها، بل قد يجري هذا الاشكال أيضا في المشكوك في وجوده في ذلك الزمان، للشك في تناول الاطلاق له حينئذ، بل إصالة تأخر الحادث تقضي بعدم وجوده فيه، والتمسك في وجوده سابقا بوجوده لا حقا راجع إلى الاستصحاب المعكوس، كالتمسك بصحة الاطلاق لا حقا فيه وفي معلوم الحدوث أيضا عليه سابقا، وإصالة الحقيقة منضمة إلى إصالة عدم الاشتراك والنقل لاصلاحية لها في إثبات ما نحن فيه، فتأمل جيدا فان المقام من المشكلات مع انه كثير الثمرات. وكذا قد يشكل ما في جامع المقاصد وكذا الروض من أن المراد بالفقاع المتخذ

[ 40 ]

من ماء الشعير كما ذكره المرتضى، لكن ما يوجد في أسواق أهل السنة يحكم بنجاسته إذا لم يعلم أصله، عملا باطلاق التسمية، انتهى. بأن إطلاق التسمية بعد فرض تحقق الفردين الطاهر والنجس لا يجدي في تنجيس مستصحب الطهارة بل ولا خصوص الفقاع، إذ هو من مشتبه الموضوع حينئذ، وإصالة الحقيقة بعد تسليم جريانها هنا لا مدخلية لها فيما نحن فيه. وكذا قد يشكل إطلاقهم نجاسة الفقاع وحرمته بصحيحة ابن أبي عمير (1) عن مرازم قال: " كان يعمل لأبي الحسن (ع) الفقاع في منزله " قال محمد ابن أحمد: قال أبو أحمد يعني ابن أبي عمير: " ولم يعمل فقاع يغلي " وخبر عثمان (2) قال: " كتب عبد الله بن محمد الرازي إلى أبي جعفر الثاني (ع) إن رأيت أن تفسر لي الفقاع فانه قد اشتبه علينا، أمكروه هو بعد غليانه أم قبله ؟ فكتب إليه لا تقرب الفقاع إلا ما لم تضري آنيته وكان جديدا، فأعاد الكتاب إليه اني كتبت أسأل عن الفقاع ما لم يغل، فأتاني أن أشربه ما كان في إناء جديد وغير ضار، ولم أعرف حد الضراوة والجديد، وسأل أن يفسر ذلك له، وهل يجوز شرب ما يعمل في الغظارة والزجاج والخشب ونحوه من الأواني ؟ فكتب يفعل الفقاع في الزجاج وفى الفخار الجديد إلى قدر ثلاث عملات، ثم لا تعد منه بعد ثلاث عملات إلا في إناء جديد، والخشب مثل ذلك " الحديث. حيث أنبأ عن حلية بعض أفراد الفقاع. قلت: لكن قد يدفع بمنع تسمية نحو ذلك فقاعا حقيقة، لاعتبار النشيش والقفزان بنفسه في مفهومه، كما انه قد يمنع صدقه على ما يستعمله الأطباء في زماننا هذا من ماء الشعير، لعدم وجود خاصيتيه فيه على الظاهر.


(1) و (2) الوسائل الباب 39 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 1 - 2 الجواهر 5

[ 41 ]

ثم انه لا يخفي عدم دوران الحكم نجاسة وحرمة على الاسكار كما صرح به بعضهم، ويعطيه ظاهر آخرين، لاطلاق الأدلة وترك الاستفصال فيها سيما بعد الاستفصال عنه بالنسبة للنبيذ، نعم لا يبعد كون ذلك منشأهما عند الشارع ولو بالكثير منه في بعض الأحوال، والله أعلم. { العاشر الكافر } إجماعا في التهذيب والانتصار والغنية والسرائر والمنتهى وغيرها وظاهر التذكرة بل في الأول من المسلمين، لكن لعله يريد النجاسة في الجملة، لنص الآية الشريفة (1) وان كانت العامة يؤلونها بالحكمية لا العينية، نعم هي كذلك عندنا من غير فرق بين اليهود والنصاري وغيرهم، كما هو صريح معقد إجماع المرتضى وظاهر غيره بل صريحه، ولا بين المشرك وغيره، ولا بين الأصلي والمرتد، ولعل ما عن غرية المفيد من الكراهة في خصوص اليهود والنصارى يريد بها الحرمة، كما يؤيده اختياره لها في أكثر كتبه على ما قيل، وعدم معروفية حكاية خلافه كنقل الاجماع من تلامذته، مع انه المؤسس للمذهب. وما عن موضع من نهاية الشيخ " ويكره أن يدعو الانسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، فان دعاه فليأمر بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء " محمول كما عن نكت المصنف على المؤاكلة باليابس أو الضرورة، وغسل اليد لزوال الاستقذار النفساني الذي يعرض من ملاقاة النجاسة، أو على ما ذكره ابن إدريس في السرائر من أنه أورد الرواية الشاذة إيرادا لا اعتقادا، ويؤيدهما مضافا إلى نفي الخلاف بيننا في نجاسة غير اليهود والنصارى من المصنف في المعتبر وغيره تصريحه قبل ذلك فيها، بل قيل في غير موضع منها بنجاسة الكفار على اختلاف مللهم.


(1) سورة التوبة الآية 28

[ 42 ]

وأما ما عن مختصر ابن الجنيد من أنه لو تجنب من أكل ما صنعه أهل الكتاب من ذبائحهم وفي آنيتهم، وكذلك ما وضع في أواني مستحل الميتة ومؤاكلتهم ما لم يتيقن طهارة أوانيهم وأيديهم كان أحوط فهو مع عدم صراحته أيضا بل ولا ظهوره عند التأمل غير قادح فيما ذكرنا بعد مرفوضية أقواله عندنا، لما قيل من عمله بالقياس، كالمحكي عن ابن أبي عقيل من عدم نجاسة سؤر اليهود والنصارى، مع أنه لعله لعدم نجاسة القليل عنده بالملاقاة، إذا السؤر عند الفقهاء على ما قيل الماء القليل الذي لاقاه فم حيوان أو جسمه، بل قد يشعر تخصيصه عدم النجاسة بالسؤر بموافقته فيها في غيره، فلا خلاف حينئذ يعتد به بيننا في الحكم المزبور، بل لعله من ضروريات مذهبنا. ولقد أجاد الأستاذ الأكبر بقوله: " إن ذلك شعار الشيعة، يعرفه منهم علماء العامة وعوامهم ونساؤهم وصبيانهم، بل وأهل الكتاب فضلا عن الخاصة ". ويدل عليه مضافا إلى ذلك قوله تعالى (1): " انما المشركون نجس " المتمم دلالتها حيث تضمنت لفظ النجس الذي لم يعلم إرادة المعنى الاصطلاحي منه، أو اختصت بالمشرك بظهور إرادة الاصطلاحي هنا ولو بالقرائن الكثيرة التي منها تفريع عدم قربهم المساجد الذي لا يتجه إلا عليه، على أن النجاسة اللغوية مع منع تحققها في المترفين منهم ليست من الوظائف الربانية، واحتمال إرادة الخبث الباطني من النجاسة كما اختاره بعض الناس ممن لا نصيب له في مذاق الفقه تبعا للعامة العمياء ضروري الفساد، مع انها ليست من المعاني المعهودة المعروفة للفظ النجاسة. وبعدم القول بالفصل بين المشرك وغيره منهم، كالمحكي في الغنية والرياض إن لم نقل بتعارف مطلق الكافر من المشرك، أو لما يشمل اليهود والنصارى، لقوله تعالى (2): " وقالت اليهود عزير إلى قوله تعالى: عما يشركون " ولما يشعر به


(1) سورة التوبة الآية 28 (2) سورة التوبة الآية 30

[ 43 ]

قوله تعالى لعيسى (ع) (1): " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ؟ " من شركهم أيضا ولقولهم (2) أيضا: " إنه ثالث ثلاثة " المشعر بكونه عند اليهود ثاني اثنين، وغير ذلك. وكذلك المجوس، لما قيل إنهم يقولون بالهية يزدان والنور والظلمة، كتتمة ما دل على نجاسة المجوس به أيضا من صحيح علي بن جعفر (3) ومحمد بن مسلم (4) وموثق سعيد الأعرج (5) وغيرها (6) وما دل على نجاسة خصوص اليهود والنصارى أيضا من المعتبرة (7) وهي وإن كان في مقابلها أخبار (8) دالة على الطهارة، وفيها الصحيح وغيره، بل هي أوضح من تلك دلالة، بل لولا معلومية الحكم بين الامامية وظهور بعضها في التقية لاتجه العمل بها، لكن لا ينبغي أن يصغى إليها في مقابلة ما تقدم، وإن أطنب بعض الأصحاب في البحث عنها وتجشم محامل لها يرجح الطرح عليها فضلا عن التقية. كما انه لا ينبغي الاصغاء للاستدلال على الطهارة أيضا بقوله تعالى (9): " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم " بعد ورود الأخبار المعتبرة (10) وفيها الصحيح والموثق وغيرهما، بارادة العدس والحبوب والبقول من الطعام، سيما مع تأييدها بما عن المصباح المنير انه " إذا اطلق أهل الحجاز الطعام عنوا به البر خاصة " وما عن


(1) و (2) سورة المائدة الآية 116 - 77 (3) و (4) الوسائل الباب 14 من ابواب النجاسات الحديث 6 - 1 (5) الوسائل الباب 14 من ابواب النجاسات الحديث 8 وليس فيه سؤال عن المجوسي (6) و (7) الوسائل الباب 14 من أبواب النجاسات (8) الوسائل الباب 53 من ابواب الأطعمة المحرمة (9) سورة المائدة الآية 7 (10) الوسائل الباب 26 من أبواب الذبائح الحديث 1 و 6 والباب 27 الحديث 46 من كتاب الصيد والذبائح

[ 44 ]

المغرب " أن الطعام اسم لما يؤكل، وقد غلب على البر " بل عن ابن الأثير عن الخليل " ان الغالب في كلام العرب أنه البر خاصة " إلى غير ذلك مما حكي عنهم مما يقتضي اختصاصه بالبر. وقد يشهد له حديث أبي سعيد (1) ". كنا نخرج الصدقة الفطرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله صاعا من طعام أو صاعا من شعير " لكن قد ينافي ذلك إضافة الطعام إلى الذين أوتوا الكتاب، فمن هنا كان حمل الطعام في الآية الكريمة على مضمون الأخبار السابقة متجها، بل لا يبعد إرادة طعامهم المنزل عليهم، كالمن والسلوى، والذي دعا الله لهم موسى بأن تنبته الأرض لهم من العدس والفوم ونحوهما، وكيف كان فتطويل البحث في المقام تضييع للأيام في غير ما أعدها له الملك العلام. ويلحق بالكافر ما تولد منه، كما في ظاهر الموجز وصريح التذكرة والذكرى وكشف الالتباس وشرح المفاتيح للأستاذ ومنظومة الطباطبائي وعن المبسوط والايضاح ونهاية الأحكام، بل لا أجد فيه خلافا، بل في شرح الأستاذ نسبته للأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه حتى لو بلغ مجنونا، وهو الحجة إن تم في قطع الأصول والعمومات، ولعله كذلك، كما يؤمي إليه تسالمهم على نحوه من أحكام التبعية فيه وفي ولد المسلم، كالأسر والاسترقاق ونحوهما، كذكر الحكم به هنا ممن تعرض له على جهة الجزم والقطع من غير تردد وإشكال، كباقي المسائل المسلمة عدا العلامة في النهاية، فقال: " الأقرب التبيعة " مما يشعر بعدم قطعية الحكم عنده، ولعله لذا وسوس فيه بعض متأخري المتأخرين، إلا أنه في غير محله، لعدم قدح ذلك في القطع بالتبعية المذكورة المستفادة مما عرفت. بل في النصوص إشارة إليه، كصحيح عبد الله بن سنان (2) " سأل الصادق


(1) تيسير الوصول ج 2 ص 130 وفيه " كنا نخرج زكاة الفطرة.. " (2) البحار ج 5 ص 295 المطبوعة بطهران عام 1376

[ 45 ]

(ع) عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث، قال: كفار، والله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم " وخبر وهب بن وهب (1) عن جعفر ابن محمد عن أبيه (عليهما السلام) " أولاد المشركين مع آبائهم في النار، وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة " كالمرسل عن الكافي (2) " فأما أطفال المؤمنين فانهم يلحقون آباءهم، وأولاد المشركين يلحقون آباءهم، وهو قول الله عزوجل (3): بايمان ألحقنا بهم ذريتهم " الآية. ولا ينافي ذلك ما ورد في غير واحد من الأخبار (4) من تأجيج النار للأطفال في يوم القيامة فيؤمرون بالدخول إليها ليعرف المطيع منهم والعاصي، لامكان حملها كما في الحدائق بعد تسليم العمل بها، لمنافاتها للطف، ولما قد يدعي القطع به من انقطاع التكليف في تلك الدار على كون الداخلين أطفال المؤمنين، والممتنعين أطفال الكافرين، وعلى تنزيل هذا الاختبار والامتحان لغير أولاد المشركين والمؤمنين، بل هو لأطفال المسلمين الذين يحاسبون آباؤهم، وأما أولئك فينساقون إلى الجنة والنار تبعا لآبائهم من غير حساب، كما مال إليه في الحدائق، وعن الوافي الجمع بينها بحمل الأولى على الالحاق في عالم البرزخ، والثانية على عالم القيامة، وعلى كل حال فلا ينافي ذلك الاستدلال بها على ما تقدم. نعم قد يناقش في دلالتها على المطلوب من جهة أخرى. والانصاف ان العمدة الاجماع السابق في إثبات الحكم المذكور، وإلا فالاستدلال عليه بذلك، أو بنجاسة أصلية، وباستصحاب نجاسته حال كونه نطفة، وبقوله تعالى (5):


(1) البحار ج 5 ص 294 المطبوعة بطهران عام 1376 (2) فروع الكافي باب الأطفال من كتاب الجنائز الحديث 3 (3) سورة الطور الآية 21 (4) البحار الباب 13 من أبواب العدل الحديث 2 و 3 و 7 من كتاب العدل والمعاد (5) سورة نوح عليه السلام الآية 28

[ 46 ]

" لا يلدوا إلا فاجرا كفارا " ونحوها كما ترى، سيما بعد قوله صلى الله عليه وآله (1): " كل مولود يولد على الفطرة ". نعم قد يمنع الاجماع المزبور في المتولد منهما بغير النكاح الصحيح في حقه، اقتصارا على المتيقن منه في قطع الأصول والعمومات، ان كان لا يخلو من إشكال، كما يمنع فيما لو كان أحد أبويه مسلما، لتبعيته للأشرف حينئذ، بل في شرح الأستاذ " انه الظاهر منهم، للأصل وغيره من الاجماع والأخبار " انتهى. * (و) * لوجن بعد بلوغه عاقلا في فسحة النظر ففي طهارته وجهان، أقواهما نعم، للأصل والعموم السالمين عن معارضة التبعية بعد معلومية انقطاعها بالبلوغ عاقلا، فلا استصحاب لحكمها، بل لعل استصحاب الطهارة حينئذ متجه، بناء على حصولها له في فسحة النظر كما هو الأقوى، للأصل وعدم صدق الكافر، إذ { ضابطة من خرج عن الاسلام } بأن وصف غيره ولو بالارتداد { أو من انتحله و } لكن { جحد ما يعلم من الدين ضرورة كالخوارج والغلاة } كما في الاشاد والدروس والذكرى والبيان والروض والروضة، بل لا أجد فيه خلافا، بل تحقق الكفر بالأول إجماعي أو ضروري بل وبالثاني أيضا، بناء على أن سببية الكفر لاستلزامه إنكار الدين، وإلا فلا دليل على تحقق الكفر به لنفسه، ومن هنا لم يحكم بالكفر بانكار جديد الاسلام وبعيد الدار ونحوهما، بل وكل من علم أن إنكاره لشبهة، بل قيل وكل من احتمل وقوع الشبهة في حقه، لعدم ثبوت الاستلزام المذكور في شئ منها الذي هو المدار في حصوله، ولذا لو تحقق ولو بانكار غير الضروري كالمقطوع به بالنظر حكم بكفر منكره أيضا مع فرض قطعه به، ولعل مرادهم بالضروري ما يشمل ذلك على إرادة اليقيني ولو بالبرهان، أو أن تخصيصهم الحكم بالضروري باعتبار الحكم الظاهري بكفره إذا كان ناشئا في بلاد


(1) أصول الكافي ج 2 ص 13 من طبعة طهران

[ 47 ]

الاسلام مما لا يحتمل الشبهة في حقه، فبمجرد ظهور الانكار منه يحكم بكفره، بخلاف النظري فلا يحكم بكفره بمجرد ذلك حتى يعلم انه أنكر حال كونه قاطعا به. وعليه ينزل إطلاق ما عن صلاة الروض من الحكم بكفر منكر المجمع عليه كالضروري، والى بعض ما ذكرنا يؤمي تقييد كشف اللثام كفر منكر الضروري بما إذا علم انه من ضرورياته، كما أن أكثره صريح ما في مجمع البرهان " المراد بالضروري الذى يكفر منكره الذي ثبت عنده يقينا انه من الدين ولو بالبرهان وان لم يكن مجمعا عليه، إذ الظاهر من دليل كفره هو إنكار الشريعة وإنكار صدق النبي صلى الله عليه وآله مثلا في ذلك الأمر مع ثبوته يقينا، وليس كل من أنكر مجمع عليه يكفر، بل المدار على حصول العلم والانكار وعدمه، إلا أنه لما كان حصوله في الضروري غالبا جعل ذلك المدار، وحكموا به " انتهى. قلت: لكن قد يقال: إن ذلك كله مناف لما عساه يظهر من الأصحاب كالمصنف وغيره خصوصا من عبر بالانكار منهم، وان كان الظاهر إرادته منه الجحود هنا من تسبيب إنكار الضروري الكفر لنفسه، حيث أناطوه به، حتى نقل عن غير واحد منهم ظهور الاجماع عليه من غير إشارة منهم إلى الاستلزام المذكور، بل ظاهر عطفهم إياه على السبب الأول للكفر عدمه، بل اقتصر بعضهم في ضابط أصل الكافر عليه، لاندراج الأول فيه عند التأمل، إلى غير ذلك مما يشهد لكون مرادهم تسبيبه الكفر نفسه. كما أنه قد يشهد له أيضا مكاتبة عبد الرحيم القصير (1) للصادق (ع) المروية في باب الايمان والكفر من الكافي قال فيها: " لا يخرجه أي المسلم إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال، ان يقول للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال، ودان


(1) أصول الكافي ج 2 ص 27 من طبعة طهران

[ 48 ]

بذلك، فعندها يكون خارجا عن الاسلام والايمان داخلا في الكفر، وكان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثا فأخرج عن الكعبة وعن الحرم، فضربت عنقه " الحديث. مضافا إلى إطلاق كثير من النصوص (1) المتفرقة في الأبواب وترك الاستفصال في جملة منها مع الحكم بكفر منكر الضروري بمجرد إنكاره من غير تربص في حاله انه لشبهة أم لا، ومع ذلك كله فلعل وجهه أن إنكار الضروري ممن لا ينبغي خفاء الضرورة عليه كالمتولد في بلاد الاسلام حتى شاب إنكار للشريعة والدين، واحتمال الشبهة في حقه بل وتحققها بحيث علمنا انه لم يكن ذلك منه لانكار النبي صلى الله عليه وآله أو الصانع غير مجد، إذ هو في الحقيقة كمن أظهر إنكار النبي بلسانه عنادا وكان معتقدا نبوته بجنانه، لأن إنكاره ذلك الضروري بمنزلة قوله: إن هذا الدين ليس بحق، فلا يجدي اعتقاده حقيته. ويؤيد ذلك حكمهم بكفر الخوارج ونحوهم ممن هو مندرج في هذا القسم، واستحقاقهم القتل وغيره من أحكام الكفار مع العلم اليقيني بأن منهم إن لم يكن جميعهم من لم يدخله شك في ربه أو نبيه فضلا عن إنكاره لهما بقلبه. فدعوى ان إنكار الضروري يثبت الكفر ان استلزم إنكار النبي مثلا، فمتى علم أن ذلك كان لشبهة وإلا فاعتقاده بالنبي صلى الله عليه وآله مثلا ثابت لم يحكم بكفره لا شاهد عليها، بل هي مخالفة لظاهر الأصحاب، وكان منشأها عدم وضوح دليل الكفر بدونها على مدعيها، وقد عرفت ان ذلك الانكار المستلزم في نفسه لانكار ذلك الدين وان لم يكن كذلك عند المنكر بدليل تسالم الأصحاب على ثبوت الكفر به.


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب مقدمة العبادات

[ 49 ]

نعم لو كان المنكر بعيدا عن بلاد الاسلام بحيث يمكن في حقه خفاء الضرورة لم يحكم بكفره بمجرد ذلك، ولعله ينزل عليه التقييد السابق في كشف اللثام، فلا ينافي ما ذكرنا، كما انه يحتمل تنزيل ما تقدم من مجمع البرهان على إرادة لزوم إنكار الضروري لانكار الشريعة في نفسه وحد ذاته وان لم يكن عند المنكر، فلا ينافيه أيضا وان كان احتمال ذلك في كلامه بعيدا بل ممتنعا، وأما لو أصر بعد الظهور والاطلاع وان كان لشبهة ألجأته إليه حكم بكفره، لعدم معذوريته، وظهور تقصيره في دفع تلك الشبهة، كمن أنكر النبي (صلى الله عليه وآله) مثلا لشبهة. فالحاصل انه متى كان الحكم المنكر في حد ذاته ضروريا من ضروريات الدين ثبت الكفر بانكاره ممن اطلع على ضروريته عند أهل الدين، سواء كان ذلك الانكار لسانا خاصة عنادا أو لسانا وجنانا. ومنه يظهر الفرق حينئذ بين الضروري وغيره من القطعي كالمجمع عليه ونحوه، فانه لا يثبت الكفر بالثاني إلا مع حصول العلم ثم الانكار، بخلافه في الضروري فيثبت وان لم يكن إنكاره كذلك. وقد يؤيد ذلك كله ما حكاه شيخنا في مفتاح الكرامة، قال: وهنا كلام في أن جحود الضروري كفر في نفسه أو لأنه يكشف عن إنكاره النبوة مثلا، ظاهرهم الأول، واحتمل الأستاذ الثاني، قال: " فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بكفره، إلا أن الخروج عن مذاق الأصحاب مما لا ينبغي " انتهى. قلت وهذا من أستاذه اعتراف بما ذكرناه من مراد الأصحاب، حتى أنه ذكر ما ينافيه بصورة الاحتمال، ثم كر عنه، ويؤيده قرائن كثيرة تشهد على إرادتهم ذلك لا يسع المقام تعدادها، خصوصا مع ملاحظة باب الحدود، ففي القواعد هناك أنه يحصل الارتداد إما بالفعل، وإما بالقول كاللفظ الدال بصريحه على جحد ما علم

[ 50 ]

ثبوته من دين الاسلام ضرورة، وعلى اعتقاد ما يحرم اعتقاده بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وآله سواء كان القول عنادا أو اعتقادا أو استهزاءا، إلا أنا قد بلينا في عصرنا هذا في بلدنا هذه بمن يعدى القطع واليقين بأن مراد الأصحاب ذلك الاحتمال بحيث لا يسمع كلاما من أحد ولا رشدا ممن أرشد، ولو أن ذلك كان منه بعد التأمل والنظر لكان حقيقا بأن يعذر، والله أعلم. وكيف كان فلا كلام في نجاسة ما في المتن من الفرقتين كما في جامع المقاصد وعن الدلائل، بل عن الأخير والروض الاجماع عليهما، وهو كذلك. أما الخوارج فكفرهم بانكارهم جملة من الضروريات كاستحلالهم قتل أمير المؤمنين (ع) ومن معه من المسلمين، وحكمهم بتكفيرهم بمجرد التحكيم فيدل عليها جميع ما دل على نجاسة الكافرين من الاجماع وغيره، ومع ذا ففي المرسل (1) عن النبي صلى الله عليه وآله في وصفهم " انهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرامي " كما عن الفضل " دخل على أبي جعفر (ع) رجل محصور عظيم البطن، فجلس معه على سريره، فحياه ورحب به، فلما قام قال: هذا من الخوارج كما هو، قال: قلت: مشرك، فقال: مشرك والله مشرك ". وأما الغلاة وهم الذين تجاوزوا الحد في الأئمة (ع) حتى ادعوا فيهم الربوبية، قيل: وقد يطلق الغلو على من قال بالهية أحد من الناس فظاهر المصنف بل صريحه كغيره من الأصحاب أن كفرهم بانكار الضروري أيضا، ولعله لعدم نفيهم أصل الإلهية والصانع، وانما ادعوا أن أمير المؤمنين (ع) مثلا هو الصانع فأنكروا ما علم بطلانه بالضرورة من الدين، وبالأدلة العقلية والبراهين مما يجب عنه تنزيه رب العالمين


(1) سفينة البحار ج 1 ص 383

[ 51 ]

مما اتصف به سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (ع)، لكن في كشف الغطاء للأستاذ المعتبر أنهم من الكافرين بالذات لا لانكارهم بعض الضروريات، كأتباع مسيلمة الكذاب، إذ هم لخصوص الصانع والنبي صلى الله عليه وآله من النفاة، وان أثبتوا في الجملة الربوبية والنبوة للغير، وهو جيد في الثاني لا يخلو من تأمل في الأول يعرف مما تقدم. إلا أنه على كل حال لا كلام في نجاستهم وكفرهم كما في جامع المقاصد وعن الدلائل، بل عن الأخير والروض الاجماع عليه، قلت: وهو كذلك، بل يدل عليه جميع ما دل على نجاسة الكافر، مضافا إلى ما عن الكشي (1) في ترجمة فارس بن حاتم الغالي عن أبي الحسن (ع) انه قال: " توقوا مساورته ". ويلحق بهم عبدة الأوثان والكواكب والدهرية ونحوهم ممن زعم ان مثل ذلك الصانع، لمساواتهم لهم من تلك الجهة، نعم لو أثبتوا مع ذلك صانعا معها كانوا من المشركين لا من قبيل الغلاة، كما أنهم لو أثبتوا مع عبادتهم إياها صانعا لها كانوا ممن كفر بانكار بعض الضروريات. وأطلق في المنتهى والدروس وظاهر القواعد وعن المبسوط والتحرير نجاسة المجسمة، وقضيته عدم الفرق بين المجسمة حقيقة وهم القائلون بكونه جسما كالأجسام وبين المجسمة بالتسمية أي القائلين بأنه جسم لا كالأجسام، بل به صرح في جامع المقاصد، كما أنه كاد يكون صريح الروض أيضا، بل في آخر عبارة الأول انه لا كلام في نجاسة المجسمة، وفي الثاني لا ريب في نجاسة القسم الأول منهم، لكن قيده في البيان والمسالك بالحقيقة، وقضيته طهارة المجسمة بالتسمية، وهو الأقوى، للأصل والعمومات واستصحاب طهارة الملاقي، وما دل على طهارة المسلمين المتحقق إسلامهم بابراز الشهادتين


(1) رواه المامقانى في تنقيح المقال في ترجمة فارس بن حاتم عن الكشى وفيه " مشاورته " بدل " مساورته "

[ 52 ]

السالمة عن معارضة ما يقتضي الكفر المنجس، ودعوى أنهم ممن أنكر ضروريا لاعتقادهم الجسمية، وكل جسم محدث واضحة المنع هنا، لعدم استلزام خصوص هذه الدعوى من الجسمية ذلك عند المدعي، بل وفي الواقع، بل قيل إنهم موافقون لأهل الحق في العقيدة، وانما تجوزوا في التسمية كاطلاق اليد. ويؤيده ما اشتهر من نسبة ذلك إلى هشام بن الحكم، وهو من أجلاء أصحابنا ومتكلميهم، وعن المرتضى في الشافي " فأما ما رمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم فالظاهر من الحكاية عنه القول بجسم لا كالأجسام، ولا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ولا ناقض لأصل ولا معترض على فرع، وانه غلط في عبارة يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة، وأكثر أصحابنا يقولون: إنه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة، فقال لهم: إذا قلتم إن القديم تعالى شأنه شئ لا كالأشياء فقولوا: إنه جسم لا كالأجسام " انتهى. قلت: بل قد يمنع كفرهم حتى لو سلم استلزام تلك الدعوى الحدوث في نفس الأمر، إلا أنهم لم يعترفوا به بزعمهم، إذ المدار في انكار الضروري التصريح به لا اللزوم الذي لم يعترف به الخصم. ومنه يعرف وجه طهارة المجسمة ولو بالحقيقة أيضا إذا لم يعترفوا بذلك اللزوم، لاتحادهما حينئذ في المقتضي وعدم المانع، ولذا كان ظاهر المعتبر والتذكرة بل كاد يكون صريح الثاني كنهاية الأحكام والذكرى بل هو صريح الأخير طهارة المجسمة من غير تقييد له بالتسمية، بل لعل ما تقدم من البيان والمسالك من التقييد بالحقيقة راجع إليه على أن يراد به نجاسة خصوص المجسمة القائلين بأنه كسائر الأجسام في الحقيقة ولوازمها من الحدوث والافتقار لا من يلزمهم ذلك وهم له منكرون، وأولئك لا كلام في كفرهم عند الجميع لا من حيث القول بالتجسيم، بل من حيث الحدوث والافتقار ونحوهما مما علم

[ 53 ]

بطلانه من الدين ضرورة، وعليه حينئذ يحمل ما ورد بكفر المشبهة، كقول الرضا (ع) (1): " من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر " بناء على أن المجسمة من المشبهة، إذ هم على ما في قواعد العقائد وشرحها الذين قالوا: إن الله تعالى في جهة الفوق، ويمكن أن يرى كما ترى الأجسام، وقد نص على نجاستهم في البيان وعن المبسوط والتحرير والمنتهى لكن مع التقييد في البيان بالحقيقة كالمجسمة، فيبقى من قال بالتجسيم أو التشبيه مجردا عن دعوى الحدوث ونحوه على مقتضى أصل الطهارة وعموماتها وما دل على طهارة المسلم، أللهم إلا أن يدعى أن القول بهما في نفسه وحد ذاته من دون نظر إلى لازمه قد علم بطلانه بالضرورة من الدين، وفيه منع، سيما بعد توهمه من ظواهر الكتاب والسنة، كقوله تعالى (2): " الرحمان على العرش استوى " ونحوه، أو يدعى ضرورية استلزام تلك الدعوى الحدوث ونحوه بحيث لا يسمع إنكاره، وفيه منع أيضا، وان كان ربما يؤيده ما سمعته من إطلاق كفر المشبهة مع عدم معروفية اعترافهم بما أورد عليهم من اقتضاء ذلك الحدوث ونحوه، بل المعلوم منهم إنكاره. نعم جوزوا إمكان الرؤية ونحوها مما لم يكن ضروري البطلان، إلا انه قد يحمل ذلك على إرادة الكفر في الآخرة لا الدنيا، تحكيما لما دل على حصول الاسلام بالشهادتين عليه، لموافقته لظاهر الأصحاب هنا من انحصار سبب كفر المسلم بانكار الضروري المفروض الانتفاء هنا، فيكون المدار حينئذ في كفر هذه الفرق من المسلمين انهم إن صرحوا ؟ ؟ بالتزام ما يرد على مذاهبهم مما علم بطلانه بالضرورة من الدين أو كانت نفس دعواهم كذلك حكم بكفرهم، وإلا فلا، من غير فرق بين المجسمة وغيرهم والظاهر


(1) الوسائل الباب 6 من أبواب حد المرتد الحديث 5 من كتاب الحدود والتعزيرات (2) سورة طه الآية 4

[ 54 ]

ان التجسيم والتشبيه من حيث هما ليسا مما علم بطلانهما كذلك. وأما المجبرة فعن المبسوط نجاستهم، وربما مال إليه في كشف اللثام، وهو لا يخلو من وجه، لقول الرضا (ع) السابق، كقوله (ع) (1): " القائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك " وقول الصادق (ع) (2): " ان الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الله تعالى أجبر الناس على المعاصي فهذا قد أظلم الله في حكمه، فهو كافر، ورجل يزعم أن الأمر مفوض إليهم،، فهذا قد أوهن الله في سلطانه، فهو كافر " الخبر. ولاستتباعه لا بطال النبوات والتكاليف رأسا، وإبطال كثير مما علم من الدين ضرورة، فكفرهم أوضح من غيرهم إلا أن يكونوا من الحمق بحيث لا يتفطنون لذلك، فهم ليسوا من الناس في شئ. ولقوله تعالى (3): " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولا حرمنا من شئ، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا " إذ ذلك مذهبهم بعينه. لكن قد يناقش في ضرورية بطلان نفس ما ذهبوا إليه بموافقته لكثير من ظواهر الكتاب والسنة، بل قيل: ورد (4) في بعض الأخبار والأدعية أنه خالق الخير والشر، وبتعارض أدلة العقل في ثبوت الاختيار للعبد وعدمه مع صعوبة إدراك ما ورد (5) عن العترة (عليهم السلام) من الأمر بين أمرين، بل قيل: إن ما ذكر


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من أبواب حد المرتد الحديث 4 - 10 من كتاب الحدود والتعزيرات (3) سورة الأنعام الآية 149 (4) أصول الكافي ج 1 ص 154 من طبعة طهران (5) أصول الكافي ج 1 ص 155 من طبعة طهران

[ 55 ]

في بيانه يرجع إلى التجبير أو التفويض. كما أنه قد يناقش في تكفيرهم لاستلزام مذهبهم إنكار الضروري وإن لم يكن هو كذلك من تنزيهه تعالى عن القبيح والنقص وغيره بما قد عرفت من أن المدار على الانكار صريحا لا لازما لم يعترف به ذلك المدعي لأمور تخيل صحتها، إلا أن يعلم منه معرفته بطلانها، وانه يذكرها عنادا، وإلا فهو معترف بتلك اللوازم باطنا. ومن هنا ضعف القول بالنجاسة في المنتهى والذكرى وجامع المقاصد وعن اللمعة، واستقرب الطهارة في ظاهر التذكرة والنهاية والقواعد أو صريحها، بل هو ظاهر المصنف في المعتبر، بل لم أجد موافقا صريحا للشيخ على ذلك. ويؤيده بعد الأصل والعمومات وما دل على طهاره المسلمين استمرار السيرة المظنون أو المعلوم أنها في زمن المعصوم على عدم اجتناب سؤر المخالفين، وأكثرهم المجبرة، بل لعل غيرهم قد انقرض في بعض الطبقات، فينزل حينئذ ما ورد بكفرهم على الأخروي، وإلا فهم على الطهارة في الدنيا، وهو الأقوى ما لم يعترفوا ببعض ما يلزمونه مما هو مخالف لضرورة الدين. ومن ذلك كله يعلم الحال في المفوضة، لكن عن الأستاذ " أن ظاهر الفقهاء طهارتهم، وان كان في الأخبار (1) تصريح بشركهم وكفرهم " انتهى. ولعلك بعد الاطلاع على ما عرفت تستغني عن إطالة الكلام في أحوال الفرق المخالفة من المسلمين، إذ الضابط في كفرهم إنكار ضروري الدين أو ما نص على كفرهم منها. نعم هو لا يندرج فيه الساب منهم للنبي صلى الله عليه وآله أو الامام (عليه السلام) أو الزهراء (عليها السلام) أو الهاتك لحرمة الاسلام بقول أو فعل، لكن لم أعرف من نص على نجاستهم هنا عدا شيخنا في كشف الغطاء، وهو جيد في الثاني


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب حد المرتد الحديث 4 و 10 و 31

[ 56 ]

لما يأتي إن شاء الله من تحقق الارتداد به، كما نص عليه هناك في القواعد، ولا يخلو من تأمل في بادئ النظر في الأول إذا فرض عدم دخوله في الناصب، خصوصا في سب غير النبي صلى الله عليه وآله لعدم الدليل الصالح لقطع الأصول والعمومات وما دل على طهارة المسلمين، واستحقاقه القتل كما نص عليه المصنف وغيره في الحدود أعم من الحكم بكفره المستلزم لنجاسته، إذ لعله لكونه حدا من الحدود، كما يقتل مرتكب الكبائر في الثالثة وغيره، بل قد يظهر من القواعد بل والكتاب ؟ ؟ هنا ان قتله له لا للارتداد، لذكرهما له ملحقا بحد القذف مع عدم ذكر أولهما له في أسباب الارتداد، لكن قد يكون مندرجا عندهم في الهاتك لحرمة الاسلام، كما هو الظاهر، بل ينبغي القطع به عند التأمل، وفى الانتصار ان سب النبي صلى الله عليه وآله وعيبه والوقيعة فيه ردة من المسلم بلا شك، وحينئذ يكون كالسابق أو في الناصب، بناء على تحقق مسمى العداوة عرفا بذلك. وربما يلحق بهم سب بقية المعصومين من الأنبياء السابقين والملائكة المقربين (ع) وأولى منه الضرب والاهانة والقتل ونحو ذلك، وكذا لا يندرج في الضابط المذكور معتقد خلاف الحق من فرق المسلمين، كجاحد النص على أمير المؤمنين (ع) وهو في محله، لأن الأقوى طهارتهم في مثل هذه الأعصار وان كان عند ظهور صاحب الأمر (ع) بأبي وأمي يعاملهم معاملة الكفار، كا أن الله تعالى شأنه يعاملهم كذلك بعد مفارقة أرواحهم أبدانهم، وفاقا للمشهور بين الأصحاب، سيما المتأخرين نقلا وتحصيلا، بل يمكن تصحيل الاجماع كما عن الأستاذ انه معلوم، بل لعله ضروري المذهب للسيرة القاطعة من ساير الفرقة المحقة في سائل الأعصار والأمصار، وللقطع بمخالطة الأئمة المرضيين (عليهم السلام) وأصحابهم لهم حتى لرؤسائهم ومؤسسي مذهبهم على وجه

[ 57 ]

يقطع بعدم كونه للتقية، مع أن الأصل عدمها فيه، وإلا لعلم كما علم ما هو أعظم منه من السب والبراءة ونحوهما. ولذا حكى الاجماع في كشف اللثام والرياض على عدم احتراز الأئمة (عليهم السلام) وأصحابهم عنهم في شئ من الأزمنة وهو الحجة بعد الأصل بل الأصول فيهم وفيما يلاقيهم والعمومات وشدة العسر والحرج على تقدير النجاسة المنفيين بالعقل والآية (1) والرواية (2) وللنصوص (3) المستفيضة بل المتواترة في حل ما يوجد في أسواق المسلمين والطهارة مع القطع بندرة الامامية في جميع الأزمنة سيما أزمنة صدور تلك النصوص فضلا عن أن يكون لهم سوق يكون موردا لتلك الأحكام المزبورة، فهو من أقوى الأدلة على طهارة هؤلاء الكفرة، وإن كانوا في المعنى أنجس من الكلاب الممطورة. ولانحصار مقتضى النجاسة في كفرهم بذلك، وقد ثبت ضده، وهو صفة الاسلام بشهادة ما دل على حصوله بابراز الشهادتين من الأخبار، كخبر سفيان بن السمط (4) المروي هو وما يأتي بعده أيضا في باب الكفر والايمان من الكافي، قال: (سأل رجل أبا عبد الله (ع) عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما ؟ فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل، فقال له أبو عبد الله (ع): كأنه قد أزف منك الرحيل، فقال: نعم، فقال: فالقني في البيت، فلقيه فسأله عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما ؟ فقال: الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وإقام الصلاة، وإيتاء


(1) سورة البقرة الآية 181 وسورة المائدة الآية 9 (2) الوسائل الباب 39 من ابواب الوضوء الحديث 5 (3) الوسائل الباب 50 من أبواب النجاسات (4) أصول الكافي ج 2 ص 24 من طبعة طهران

[ 58 ]

الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، وقال: الايمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فان أقربها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلما وكان ضالا ". وخبر سماعة (1) قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): أخبرني عن الاسلام والايمان أهما مختلفان ؟ فقال: الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والايمان الهدى، وما ثبت في القلوب من صفة الاسلام وما ظهر من العمل " إلى آخره. وخبر حمران بن أعين أو صحيحه (2) عن الباقر (ع) قال: " سمعته يقول: الايمان ما استقر في القلب، وأفضى به إلى الله تعالى عزوجل، وصدق العمل بالطاعة، والتسليم لأمره، والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عله جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج، فخرجوا بذلك من الكفر، وأضيفوا إلى الايمان إلى أن قال فيه: قلت: فهل للمؤمن على المسلم فضل في شئ من الفضائل والأحكام والحدود وغير ذلك ؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد، ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما، وما يتقربان به إلى الله عزوجل ". والحديث طويل، فيدخلون حينئذ تحت ما دل على طهارة المسلمين، مضافا إلى ما في هذه كغيرها من الأخبار أيضا من ظهور إناطة سائر الأحكام الدنيوية التي منها الطهارة على الاسلام المزبور، وكذا يندرجون حينئذ فما دل على عدم خروج المسلم عن الاسلام إلى الكفر إلا بالجحود وإنكار الضروري مثلا، كقول الصادق (ع)


(1) و (2) أصول الكافي ج 2 ص 25 - 26 من طبعة طهران

[ 59 ]

في مكاتبة عبد الرحيم القصير (1) المروية في الباب المذكور أيضا من الكافي " لا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال، أن يقول للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال، ودان بذلك فعندها يكون خارجا عن الاسلام والايمان، داخلا في الكفر، وكان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثا فأخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه، وصار إلى النار " الحديث. بل قد يندرجون أيضا تحت ما دل على طهارة المؤمنين بالمعنى المعروف سابقا للايمان، وهو التصديق الباطني بمضمون الشهادتين، كما يستفاد من التأمل والنظر في الأخبار، خصوصا ما ورد في تفسير قوله تعالى (2): " قالت الأعراب: آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وان خرجوا عن الايمان بالمعنى الحادث أي الاقرار بالولاية، فيكون الاسلام حينئذ عبارة عن إظهار الشهادتين والتلبس بشعار المسلمين وإن كان باطنه واعتقاده فاسدا، وهو المسمى بالمنافق، بل في شرح المفاتيح للأستاذ أن الأخبار بذلك متواترة، والكفر عبارة عن عدم ذلك. وعليه يبنى الاستدلال من غير واحد من الأصحاب على المرتضى ومن تبعه ممن نجس معتقد خلاف الحق بالمعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين (ع) وغيرهم ومخالطتهم ومساورتهم لفلان وفلانة وفلان وفلان وفلان من شياطين المنافقين حتى ورد أن النبي صلى الله عليه وآله كان يغتسل من فلانة باناء واحد. فتحصل حينئذ انه قد يطلق الاسلام على ما يرادف الايمان، وعلى المصدق بغير الولاية، وعلى مجرد إظهار الشهادتين، ويقابله الكفر في الثلاثة، كما انه يطلق المؤمن على الأول وعلى المصدق بالولاية.


(1) أصول الكافي ج 2 ص 27 من طبعة طهران (2) سورة الحجرات الآية 14

[ 60 ]

فلعل ما ورد في الأخبار الكثيرة من تكفير منكر علي (ع)، لأنه العلم الذي نصبه الله بينه وبين عباده (1) وانه باب من أبواب الجنة من دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا (2) وتكفير منكر مطلق الامام (3) وان من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية (4) محمول على إرادة الكفار في مقابل المؤمن بالمعنى الثاني، ونجاسته بهذا المعنى محل البحث، إذ العمدة في دليلها عموم معاقد الاجماعات السابقة، ومن المعلوم إرادة غير منها، وكيف لا والمشهور هنا شهرة كادت تكون إجماعا بل هي كذلك كما عرفت على الطهارة، على أن ما فيها من العموم اللغوي انما يراد به عموم أفراد معنى من معاني الكفر لا عموم معانيه. نعم هو بالمعنى المزبور أخبث باطنا منه بغيره، بل أشد عقابا، كما يشير إليه قول الصادق (ع) (5): " أهل الشام شر من أهل الروم، وأهل المدينة شر من أهل مكة، وأهل مكة يكفرون بالله جهرة " كقول أحدهما (عليهما السلام) (6): " إن أهل مكة يكفرون بالله تعالى جهرة، وأهل المدينة أخبث منهم سبعين ضعفا ". بل هو المعلوم من مذهب الشيعة، كما علم منه ثبوت كفرين عندهم دنيوي وأخروي، وخلاف نادر منهم لو تحقق غير قادح أو محمول على إرادة تنزيله منزلة الكافر فيما يتعلق بالأمور الأخروية من شدة العذاب والخلود فيه، كما هو ظاهر المنساق إلى الذهن من ملاحظتها، بل من أعطى النظر والتأمل فيها يقطع بارادتهم (عليهم السلام) بيان دفع وهم احتمال حصول ثواب لهم، أو مرتبة أخروية، أو امتياز عن الكفار


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من ابواب حد المرتد الحديث 48 - 49 (3) الوسائل الباب 6 من ابواب حد المرتد الحديث 18 (4) الغدير للأميني ج 10 ص 360 المطبوع بطهران عن شرح المقاصد للتفتازانى ج 2 ص 275 (5) و (6) أصول الكافي ج 2 ص 409 - 410 من طبعة طهران

[ 61 ]

بسبب ما وصفوه وأظهروه من الشهادتين مع إنكارهم الولاية، وبسبب ما يجري عليهم من أحكام الاسلام في الدنيا، فهي بالدلالة على المطلوب أحرى. فما عن المرتضى من نجاسة غير المؤمن بالمعنى الأول لهذه الأخبار ضعيف جدا، وان استدل له أيضا بقوله تعالى (1): " إن الدين عند الله الاسلام " وقوله تعالى (2): " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " فغير المؤمن غير مسلم، فهو كافر، وبقوله تعالى (3): " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ". وفيه ما عرفت من معلومية مغايرة الاسلام للايمان بالمعنيين الأخيرين كتابا وسنة كادت تكون متواترة، وأنه أخص منه، وبمنزلة فرد من أفراده، كمعلومية مرادفته له بالمعنى الأول، ولعله المراد في الآيات الثلاثة، كما يؤيده حدوث الايمان بالمعنى الثاني وتأخره عن وقت النزول، على أن الظاهر إرادة المباين للاسلام من غير الاسلام، كما أن الظاهر بل المقطوع به إرادة العذاب من الرجس هنا لا النجاسة كما هو واضح للعارف بأساليب الكلام، ولم أعرف موافقا صريحا للمرتضى في ذلك من معتبري الأصحاب، بل ولا من حكي عنه ذلك إلا ابن إدريس، مع انه استثنى المستضعف الذي لا يعرف اختلاف الآراء ولا يبغض أهل الحق من غير المؤمن، وفسر المؤمن بالمصدق بالله وبرسله وبكل ما جاؤوا به، وفيه إجمال أو إيهام. لكن ومع ذلك ففي الحدائق أن الحكم بكفر المخالفين ونصبهم ونجاستهم هو المشهور في كلام أصحابنا المتقدمين مستشهدا بما حكاه عن الشيخ ابن نوبخت، وهو من متقدمي أصحابنا في كتابه فص الياقوت، دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، ومن أصحابنا من يفسقهم، إلى آخره، ولا يخفى ما فيه.


(1) و (2) سورة آل عمران الآية 17 - 79 (3) سورة الأنعام الآية 125

[ 62 ]

ولعل مراد الشيخ الكفر بالمعنى الذي ذكرناه، أو خصوص الطبقة الأولى من دافعي النص، لانكارهم ما علم لهم من الدين، كالمحكي عن العلامة في شرحه من تعليل ذلك بأن النص معلوم بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وآله فيكون ضروريا أي معلوما من دينه، فجاحده كافر، كوجوب الصلاة، ونحوه ما عنه أيضا في المنتهى في بيان اشتراط وصف المستحق بالايمان للزكاة، إذ هو مع انه لا صراحة فيهما معا باختياره، بل ولا ظهور كما يؤيده انه استدلال اقناعي لا حقيقي كما هو واضح، وإلا فكيف يدعي دخول دافع النص من غير الطبقة الأولى ونحوهم تحت منكر الضرورة، على أنهم أنكروا قول النبي صلى الله عليه وآله به، فيلزمه عدم الامامة، لا أنهم أنكروا الامامة المعلوم ثبوتها ضرورة محتمل لما ذكرناه أيضا. كما ان ما في مقنعة المفيد وعن ابن البراج من عدم جواز تغسيل أهل الايمان مخالفا للحق والصلاة محتمل لالحاقهم لهم في هذا الحال بعالم الآخرة المحكوم بكفرهم فيه لا مطلقا، ولذا لم يوجب تغسيلهم بعض من ذهب إلى إسلامهم، وإن قال الشيخ في شرحها: الوجه فيه أن مخالف أهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل، إذ هو مع أنه لا إشعار فيه باختياره له محتمل لأن يكون ما نحن فيه من الطهارة مما خرج بالدليل عنده. وكذا ما في السرائر بعد اختياره ما في المقنعة، ويعضده القرآن، وهو قوله تعالى (1): " ولا تصل على أحد " إلى آخره. يعني الكفار، والمخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا، ومذهب المرتضى في ذلك مشهور في كتب الأصحاب محتمل لارادة نفي الخلاف عنه في الجملة لا بحيث يشمل المقام، كالمحكي عن الفاضل محمد صالح في شرح أصول الكافي، بل والشريف القاضي نور الله في إحقاق الحق من الحكم


(1) سورة التوبة الآية 58

[ 63 ]

بكفر منكري الولاية، لأنها أصل من أصول الدين، إذ لعلهما يريدان الكفر الأخروي، لكن الانصاف انه بعيد في كلامهما. وأبعد منه احتماله في المنقول عن جدي العلامة ملا أبي الحسن الشريف في شرحه على الكفاية، فانه بالغ غاية المبالغة في دعوى وضوح كفرهم حتى نسبه إلى الأخبار التي بلغت حد التواتر، واقتفى أثره صاحب الحدائق، وأطنب في المقال لكنه لم يأت بشئ يورث شكا في شئ مما ذكرناه أو إشكالا، إذ أقصى ما عنده التمسك بالأخبار التي قد عرفت حالها وما يعارضها. وبدعوى دخولهم تحت النواصب المجمع على نجاستهم بين الامامية كما عن كتاب الأنوار للسيد نعمة الله الجزائري، ولا كلام فيها كما في جامع المقاصد وعن الدلائل، والظاهر أنها غير خلافية كما في شرح الأستاذ الأكبر للمفاتيح، والمدلول عليها بالأخبار المستفيضة، كقوله الصادق (ع) في خبر ابن أبي يعفور (1): " لا يغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب، وهو شرهما، ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب، والناصب لنا أهون على الله من الكلب ". كخبره الآخر (2) المروي عن العلل في الموثق على ما قيل عن الصادق (عليه السلام) أيضا إلى أن قال: " إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه " وقوله (ع) (3) في خبر القلانسي في جواب سؤاله عن لقاء الذمي فيصافحه، فقال: " امسحها بالتراب، قلت: والنصاب، قال: اغسلها " إلى غير ذلك، لتحقق النصب بمعنى العداوة بأحد أمرين: تقديم


(1) و (2) الوسائل الباب 11 من ابواب الماء المضاف الحديث 4 - 5 (3) الوسائل الباب 14 من ابواب النجاسات - الحديث 4

[ 64 ]

الجبت والطاغوت، أو العداوة والبغض لشيعة آل محمد (صلوات الله عليهم). أما الأول فللمروي (1) في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال لمولانا أبي الحسن علي بن محمد الهادي في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى، قال: " كتبت إليه أسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت، واعتقاده بامامتهما، فرجع الجواب من كان على هذا فهو ناصب " إلى آخره. ولأنه لا عداوة أعظم ممن قدم المنحط عن مراتب الكمال، وفضل المنخرط في سلك الأغبياء الجهال على من تسنم أوج الجلال حتى شك أنه الله المتعال. وأما الثاني فلقول الصادق (ع) في خبر عبد الله بن سنان (2) المروي عن ابن بابويه: " ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت (عليهم السلام)، لأنك لا تجد أحدا يقول أنا أبغض محمدا وآل محمد (صلوات الله عليهم)، ولكن الناصب من نصب لكم، وهو يعلم انكم تتولونا وانكم من شيعتنا " ونحوه خبر المعلى بن خنيس (3) عنه أيضا المروي عن الصدوق أيضا في معاني الأخبار، بل في الحدائق انه رواه بسند معتبر. قلت: ويدفعها أنها لا تجديه نفعا إلا على المعنى الأول للناصب، وإلا فعلى الثاني خروج عن محل النزاع، إذ البحث في نجاستهم من حيث إنكار الولاية الذي قد يكون منشأه التقصير والتفتيش عن ؟ ؟ ذلك، لا من حيث بغضهم للشيعة، واحتمال التلازم مجازفة، وهو مع معلومية بطلانه بالسيرة القاطعة والعمل المستمر، ولذا نسبه في نكاح الفقيه إلى الجهلاء، فقال: " والجهلاء يتوهمون أن كل مخالف ناصب، وليس


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 3 (3) الوسائل الباب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 13.

[ 65 ]

كذلك " إلى آخره. ومع أنا لم نعرف له شاهدا أصلا عدا الخبر المتقدم المغضي عن سنده، والمحتمل لارادة تنزيله منزلته بالنسبة للعذاب وغيره من أحكام الكفار نحو ما تقدم فيما ورد بكفره مخالف للمستفاد من أهل اللغة وكلام الأصحاب، وأخبار الباب، إذ النصب كما عن الصحاح وغيره العداوة، وتحققها عرفا بمجرد تقديم فلان وفلان ولو لشبهة قصر في دفعها محل منع. بل عن القاموس " النواصب وأهل النصب المستدينون ببغض علي (ع) لأنهم نصبوا له أي عادوه " انتهى. ويؤيده ما في المعتبر والمنتهى انهم الخوارج الذين يقدحون في علي (ع) بل لعله ظاهر اقتصار الكتاب والنافع وعن غيره على الخوارج والغلاة، وربما كان ذلك أيضا ظاهر الصدوق في نكاح الفقيه. كما أنه قد يشهد له أيضا انطباق الحكم بكفره حينئذ المستفاد من النص والفتوى على الضابط المذكور للكافر عند الأصحاب، وعلى ما دل على عدم الخروج عن الاسلام إلا بالجحود أو إنكار الضروري من مكاتبة عبد الرحيم القصير المتقدمة سابقا أيضا وغيرها، ضرورة تحقق الثاني في الناصب بالمعنى المفروض بخلافه على المعنى المذكور، بل وعلى غيره من المعاني له أيضا حتى المعنى المعروف الذي قد يشهد له خبرا ابن أبي يعفور السابقان، وهو من نصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، كما عن السيد الجزائري نسبته إلى أكثر الأصحاب مع زيادة " وتظاهر ببغضهم (ع) " في تفسيره، واليه يرجع ما عن نهاية العلامة وتذكرته وحاشية الشرائع انه الذي يتظاهر بعداوة أهل البيت وحتى ما في خبري الخصم (1) والسرائر أيضا من انه من ينصب العداوة لأهل الايمان، لوضوح عدم انطباق الحكم بكفره حينئذ على الضابط المذكور، فلابد من تسبيبه ذلك الكفر بنفسه، وهو محل تأمل، لعدم دليل صالح لقطع الأصول والعمومات.


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 3

[ 66 ]

بل لعل الذي يظهر من السير والتواريخ أن كثيرا من الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وبعده وأصحاب الجمل وصفين بل وكافة أهل الشام وأكثر أهل المدينة ومكة كانوا في أشد العداوة لأمير المؤمنين وذريته (عليهم السلام)، مع أن مخالطتهم ومساورتهم لم تكن منكرة عند الشيعة أصلا ولو سرا، وكذلك الحال في بني أمية وأتباعهم وبني العباس وأتباعهم، ولعل ذلك لعدم دخولهم تحت النواصب لعدم تدينهم وان تظاهروا به، وبه افترقوا عن الخوارج. ومن هنا كان الاقتصار في تفسير الناصب على ما سمعته من القاموس متجها، لكن قد يقوى في النفس تعميم الناصب للعدو لأهل البيت (عليهم السلام) وان لم يكن متدينا به، لتحقق المعنى فيه، ولظهوره من الأخبار السابقة، بل في جامع المقاصد وظاهر مجمع البحرين تعميمه لناصب العداوة لشيعتهم، لأنهم يدينون بحبهم، بل قد سمعت من السرائر انه الناصب، ولعله للخبرين السابقين، وصدق اسم العدو لأهل البيت (عليهم السلام) بذلك، لكنه لا يخلو من تأمل، وان كان يمكن الاكتفاء بهما في إثباته، وان لم يصلح سندهما لاندراجه في الظن بالموضوع، إلا أن السيرة القاطعة في سائر الأعصار والأمصار على مساورتهم ومخالطتهم مع غلبة تحقق ذلك في أغلبهم تنافيه، كغيرها من الأدلة السابقة على طهارتهم، والاحتياط في اجتناب الجميع. وعن شرح المقداد " أن الناصب يطلق على خمسة أوجه: الخارجي القادح في علي (ع)، الثاني ما ينسب إلى أحدهم (عليهم السلام) ما يسقط العدالة، الثالث من ينكر فضيلتهم لو سمعها، الرابع من اعتقد فضيلة غير علي (ع)، الخامس من أنكر النص على علي (ع) بعد سماعه أو وصوله إليه بوجه يصدقه، أما من أنكر لاجماع أو مصلحة فليس بناصب " انتهى. قلت: ولا ريب في نجاسة الخامس والأول، وأما الثلاثة فيظهر البحث فيها مما مر

[ 67 ]

لكن ليعلم أن الظاهر عدم تعدد معنى النصاب ليكون مشتركا، بل هو على تقدير تسليم التعدد فيه حقيقة تعدد مصداق كالمتواطئ على أن يكون المراد به مثلا العدو لأهل البيت (عليهم السلام) ولو بعداوة شيعتهم، فتأمل جيدا. ومن جميع ما ذكرنا يظهر لك الحال في الفرق المخالفة من الشيعة من الزيدية والواقفية وغيرهم، إذ الطهارة فيهم أولى من المخالفين قطعا، لكن عن الكشي انه روى في كتاب الرجال بسنده إلى عمر بن يزيد (1) قال: " دخلت على الصادق (ع) فحدثني مليا في فضائل الشيعة، ثم قال: إن من الشيعة بعدنا من هم شر من الناصب، فقلت: جعلت فداك أليس هم ينتحلون مودتكم ويتبرأون من عدوكم ؟ قال: نعم، قلت: جعلت فداك بين لنا لنعرفهم، قال: إنما هم قوم يفتنون بزيد ويفتنون بموسى ". وانه روى أيضا (2) قال: " ان الزيدية والواقفة والنصاب بمنزلة واحدة " وعن كتاب الخرائج للقطب الراوندي عن أحمد بن محمد بن مطهر (3) قال: " كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمد (ع) من أهل الجبل يسأله عمن وقف على أبي الحسن موسى (ع) أتولاهم أم أتبرأ منهم ؟ فكتب أترحم على عمك لا يرحم الله بعمك، وتبرأ منه، أنا إلى الله برئ منهم، فلا تتولاهم، ولا تعد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، سواء من جحد إماما من الله تعالى أو زاد إماما ليس إمامته من الله تعالى، أو قال: ثالث ثلاثة، إن الجاحد أمر آخرنا جاحد أمر أولنا، والزائد فينا كالناقص الجاحد أمرنا " إلى غير ذلك من الأخبار المشعرة بنجاستهم.


(1) و (2) رجال الكشى ص 149 (3) الوسائل الباب 6 من ابواب حد المرتد الحديث 40 من كتاب الحدود وفي الوسائل " كان كمن قال: إن الله ثالث ثلاثة ". بدل " أو قال: ثالث ثلاثة " .

[ 68 ]

ولعله لازم ما سمعته من المرتضى وغيره، إلا أنه لا يخفى قصورها في جنب ما سمعته من الأدلة السابقة التي يمكن جريانها بل وغيرها هنا، والله أعلم. وأما المستضعف من كل فرقة فلتمام البحث فيه موضوعا وحكما مقام آخر، وإن كان الذى يقوى في النفس الآن ويعضده السيرة والعمل إجراء حكم فرقته عليه. وليس من الكافر ولد الزنا قطعا، كما هو المشهور بين الأصحاب، بل لعله إجماعي، لندرة المخالف ومعروفية نسبة كما ستعرف، بل هو لازم ما في الخلاف من الاجماع على تغسيله والصلاة عليه، خصوصا بعد ملاحظة ذيل كلامه، بل حكي عنه دعوى الاجماع على الطهارة، وهو الحجة بعد اعتضاده بالسيرة القاطعة سيما في زماننا هذا، فان أكثر أولاد جواري من يقربنا من الرساتيق من الزنا، مع عدم تجنب العلماء عنهم فضلا عن العوام، وإجراء جميع أحكام المسلمين والمؤمنين عليهم بعد بلوغهم ووصفهم ذلك، بل لا يخفى على من تتبع السيرة والتواريخ كثرة أولاد الزنا في بدء الاسلام، ولم يعهد تجنب سؤرهم أو غيره من النبي صلى الله عليه وآله والأئمة (عليهم السلام) وأصحابهم، بل المعهود خلافه، بل قيل: قد ورد انه قد صار بعض أولاد الزنا مقبولا عند الأئمة (عليهم السلام)، ومنهم من وفق للشهادة، واعتضاده قبل البلوغ باصالة الطهارة وعموماتها فيه وفي الملاقي أيضا، وبهما مع عموم أدلة الاسلام والايمان والمسلمين والمؤمنين بعد البلوغ. فما في السرائر ان ولد الزنا قد ثبت كفره بالأدلة بلا خلاف بيننا، بل قد يظهر منه انه من المسلمات، كما عن المرتضى الحكم بكفره ايضا، بل لعله الظاهر من قول الصدوق: " ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك " بل ربما قيل: إنه ظاهر الكليني أيضا، حيث روى (1) ما يدل عليه ضروري البطلان عقلا


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الأسآر الحديث 2

[ 69 ]

ونقلا إن أريد فكره في الدنيا والآخرة وان فرض تحقق الايمان منه في نفس الأمر، وفي غاية الضعف إن كان المراد أنه لا يوفق للايمان، فلا يقبل منه لو أظهره، أو المراد إجراء حكم الكفار عليه في الدنيا خاصة مع فرض إيمانه، وان كان ربما يؤمي إليه ما ورد انه شر الثلاثة (1) وانه لا يبغض عليا (ع) إلا ولد الزنا (2) وان حب علي (ع) علامة طيب المولد (3) وبغضه علامه الزنا (4). وقول الباقر (ع) في الموثق المروي (5) عن ثواب الأعمال: " لا خير في ولد الزنا، ولا في بشره ولا في شعره ولا في لحمه ولا في دمه ولا في شئ منه ". والصادق (ع) في خبر أبي بصير (6) المروي عن عقاب الأعمال ومحاسن البرقي " ان نوحا (ع) حمل في السفينة الكلب والخنزير ولم يحمل فيها ولد الزنا، والناصب شر من ولد الزنا ". وفى خبر ابن أبي يعفور (7) المروي عن الكافي " لا يغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء " كقول أبي الحسن (ع) في خبر أبي حمزة بن أحمد (8) بتفاوت يسير. ونحوهما خبر علي بن الحكم (9) " لا تغتسل، فانه يغتسل فيه من الزناء،


(1) البحار ج 5 ص 285 المطبوعة بطهران عام 1376 (2) البحار ج 9 ص 414 من طبعة الكمپانى (3) الغدير للأميني ج 4 ص 323 المطبوع بطهران وأخرجه عن النضرة للحافط محب الدين الطبري ج 2 ص 189 (4) الغدير للأميني ج 4 ص 322 المطبوع بطهران (5) و (6) البحار ج 5 ص 285 - 287 المطبوع بطهران عام 1376 (7) و (9) الوسائل الباب 11 من ابواب الماء المضاف الحديث 4 - 3 (8) الوسائل الباب 11 من ابواب الماء المضاف الحديث 1 وفى الوسائل عن حمزة بن أحمد كما في التهذيب ج 1 ص 373 من طبعة النجف

[ 70 ]

ويغتسل فيه ولد الزناء ". ومرسل الوشا (1) عن الصادق (ع) " انه كره سؤر ولد الزناء واليهودي والنصراني والمشرك " إلى آخره. بناء على إرادة الحرمة من الكراهة بقرينة المعطوف، وإلا لزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو المشترك في معنييه. والأخبار (2) الدالة على مساواة ديته لدية اليهودي ثمانمائة درهم، بل في خبر عبد الله بن سنان (3) عن الصادق (ع) " كم دية ولد الزناء ؟ قال: يعطى الذي اتفق " كالأخبار (4) الدالة على أن الجنة طاهرة لا يدخلها إلا من طابت ولادته. بل في مرفوع الديلمي (5) إلى الصادق (ع) المروي عن العلل قال: " يقول ولد الزناء يا رب فما ذنبي ؟ فما كان لي في أمري صنع، قال: فيناديه مناد يقول: أنت شر الثلاثة، أذنب والداك فتبت عليهما، وأنت رجس، ولن يدخل الجنة إلا طاهر " إلى غير ذلك. لكنها جميعها كما ترى قاصرة عن إثبات خلاف ما هو مقتضى أصول المذهب وقواعده المعول عليها هنا عند سائر أصحابنا عدا من عرفت كما حكاه في المختلف قابلة للحمل على إرادة الخبث الباطني المانع من توفيقه لاظهار الايمان غالبا، وعلى كراهة مباشرة سؤره، وأخبار الدية لم ينقل العمل بها من أحد ممن لم يقل بكفره، كما أن عدم دخول الجنة لو قلنا به لا دلالة فيه على المطلوب، إذ لعل الله أعد له ثوابا آخر.


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الأسآر الحديث 2 (2) الوسائل الباب 15 من ابواب ديات النفس من كتاب الديات (3) الوسائل الباب 8 من ابواب ميراث الملاعنة الحديث 3 من كتاب الارث (4) البحار ج 5 ص 285 و 287 المطبوع بطهران عام 1376 (5) البحار ج 5 ص 285 المطبوع بطهران عام 1376

[ 71 ]

كما لعله يؤمي إليه خبر أبي بكر (1) المروي عن المحاسن، قال: " كنا عنده ومعنا عبد الله بن عجلان، فقال عبد الله بن عجلان: معنا رجل يعرف ما نعرف، ويقال: إنه ولد زناء، فقال: ما تقول ؟ فقلت: إن ذلك ليقال، فقال: إن كان كذلك بني له بيت في النار من صدر يرد عنه وهج جهنم، ويؤتى برزقه ". وفي خبر ابن أبي يعفور (2) المروي عن الكافي قال: " قال الصادق (ع): ولد الزناء يستعمل، إن عمل خيرا جزي به، وإن عمل شرا جزي به " الحديث. والله أعمل وأرأف بنا وبه ذلك اليوم. * (وفي) * نجاسة * (عرق الجنب من الحرام) * ولو مع عدم الانزال حين الفعل أو بعده * (وعرق الابل الجلالة والمسوخ) * كالقرد والدب * (خلاف) * بين الطائفة، أما الأول فالصدوقان في الرسالة والفقيه وعن الأمالي والشيخان في المقنعة والخلاف والنهاية وظاهر التهذيب والاستبصار وابن الجنيد والقاضي على ما حكي عنهما والمحدث البحراني في الحدائق وشيخنا في كشف الغطاء والمعاصر في الرياض والنراقي في اللوامع على النجاسة، وان لم ينص جماعة منهم عليها، لكنهم نصوا على ما يقتضيها هنا من عدم جواز الصلاة ونحوه، وهو ظاهر الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح أو صريحه، بل نسبه فيه إلى الشهرة العظيمة، كما انه في الرياض نسبه إلى الأشهر بين المتقدمين تارة، وإلى الشهرة العظيمة بينهم أخرى، وفي اللوامع إلى كثير من الطبقة الثانية ومن قدمنا ذكرهم من القدماء، بل في الغنية والمراسم نسبته إلى أصحابنا، بل في الخلاف الاجماع عليه، بل عن الأمالي ان من دين الامامية الاقرار به، وهو كسابقه إجماع أو أعلى منه. فهما الحجة حينئذ بعد اعتضادهما بالشهرة المحكية، بل وبظاهره من الديلمي وابن زهرة، وان كان فتوى الأول منهما بالطهارة يؤذن بعدم إرادته الاجماع المصطلح


(1) و (2) البحار ج 5 ص 287 المطبوعة بطهران عام 1376

[ 72 ]

منه، فيحمل على الشهرة العظيمة، وبوجوده في نحو رسالة علي بن بابويه والنهاية التي هي غالبا متون أخبار. وبما في الفقه الرضوي (1) " إن عرقت في ثوبك وأنت جنب وكانت الجنابة من حلال فتجوز الصلاة فيه، وان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل ". وبما قد يشعر به قول أبي الحسن (ع) في مرسل علي بن الحكم (2): " لا تغتسل من غسالة الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا " كقوله (ع) (3) وقد قيل: إن أهل المدينة يقولون: إن فيه شفاء من العين: " كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما ثم يكون فيه شفاء من العين ". وبما في الذكرى روى محمد بن همام (4) باسناده إلى إدريس بن زياد الكفرتوتي " أنه كان يقول بالوقف فدخل سر من رأى في عهد أبي الحسن (ع) وأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب، أيصلى فيه ؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره (ع) حركه أبو الحسن (ع) بمقرعة وقال مبتدئ: إن كان من حلال فصل فيه، وإن كان من حرام فلا تصل فيه " الحديث. وبما في البحار (5) نقلا من كتاب المناقب لابن شهر اشوب من كتاب المعتمد في الأصول، قال: " قال علي بن مهزيار: وردت العسكر وأنا شاك في الامامة فرأيت السطلان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلا أنه صايف، والناس عليهم ثياب


(1) فقه الرضا عليه السلام ص 4 (2) و (3) الوسائل الباب 11 من ابواب الماء المضاف الحديث 3 - 2 (4) الوسائل الباب 27 من ابواب النجاسات الحديث 12 وفى ضبط إدريس ابن زياد الكفر توتى اختلاف فراجع تنقيح المقال للمامقاني (5) المستدرك الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 5

[ 73 ]

الصيف، وعلى أبي الحسن (ع) لبابيد، وعلى فرسه تخفاف لبود، وقد عقد ذنب فرسه، والناس يتعجبون منه ويقولون: ألا ترون إلى هذا المدني وما قد فعل بنفسه ؟ فقلت: لو كان إماما ما فعل هذا، فلما خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا إذا ارتفعت سحابة عظيمة هطلت، فلم يبق أحد إلا ابتل ثم غرق بالمطر، وعاد (ع) وهو سالم من جميعه، فقلت في نفسي: يوشك أن يكون هو الامام، ثم قلت: أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب، فقلت: إن كشف وجهه فهو الامام، فلما قرب مني كشف وجه، ثم قال: إن كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا تجوز الصلاة فيه، وإن كانت جنابته من حلال فلا بأس به، فلم يبق في نفسي بعد ذلك شك " الحديث. وبما في البحار أيضا (1) أني وجدت في كتاب عتيق من مؤلفات قدماء أصحابنا، بل فيما حضرني من نسخة البحار أظنه مجموع الدعوات لمحمد بن هارون بن موسى التلعكبري رواه عن أبي الفتح غازي بن محمد الطريفي عن علي بن عبد الله الميموني عن محمد بن علي بن معمر عن علي بن مهزيار بن موسى الأهوازي عنه (ع) مثله، وقال: " إن كان من حلال فالصلاة في الثوب حلال، وإن كان من حرام فالصلاة في الثوب حرام " إلى آخره. وبما عن موضع من المبسوط من نسبته إلى رواية بعض أصحابنا، وعن آخر منه أيضا انه: " إن عرق فيه وكانت الجنابة من حرام روي أصحابنا أنه لا يجوز الصلاة، فان كانت من حلال لم يكن به بأس ". قلت: لكن عدم حجية الرضوي عندنا وضعف الاشعار السابق وقصور دلالة الباقي لأعمية حرمة الصلاة من النجاسة، وعدم وضوح سند خبر الذكرى والمناقب،


(1) المستدرك الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 5

[ 74 ]

وظهور ضعف سند الموجود في الكتاب العتيق بعلي بن عبد الله الميموني، فانه فاسد الاعتقاد والرواية كما عن النجاشي، وغاليا ضعيفا كما عن ابن الغضائري، وخلو الكتب المعتمدة عنها، وعدم ورود خبر يعضدها من النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الماضين (ع) مع كثرة الرواة واللواط والزناة وإقامة الحدود عليهم في تلك الأوقات، وفتوى المتأخرين بخلافها وان كان لاحتمال بل ظهور عدم عثورهم عليها وغير ذلك يمنع من تحكيمها على ما دل على الطهارة من الأصل بل الأصول والعمومات، خصوصا الوارد منها في الأسآر. وترك الاستفصال في خبر عمرو بن خالد (1) عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي (عليهم السلام) قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما، فقال: إن الحيض والجناية حيث جعلهما الله عزوجل ليس في العرق، فلا يغسلان ثوبهما ". وخبر أبي بصير (2) قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص، فقال: لا بأس، وإن أحب أن يرشه بالماء فليفعل ". وإطلاق قول الصادق (ع) في خبر حمزة بن حمران (3): " لا يجنب الثوب الرجل، ولا يجنب الرجل الثوب ". وأما ما في الرياض وغيره من انجبار قصور أسانيدها بالشهرة العظيمة بين القدماء والاجماعات المحكية، ودلالتها بعدم القول بالفصل هنا، إذ ليس أحد ممن قال بالطهارة منع من الصلاة فيه، فالقول حينئذ بحرمة الصلاة خاصة دون باقي أحكام النجاسة إحداث قول في المسألة فقد يناقش فيه أولا بمنع تحقق عظمة الشهرة، لأن جملة من


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 17 من ابواب النجاسات الحديث 9 - 8 - 5

[ 75 ]

القدماء لم تنقل فتاواهم لنا في ذلك، كالمرتضى وغيره، وظاهر ابن حمزة التردد، حيث نسب النجاسة إلى أحد القولين، كما أن الحلبي في إشارة السبق قال: فيه خلاف، بل لعله ظاهر ابن زهرة أيضا، حيث نسبه إلى إلحاق الأصحاب، وصريح المراسم الطهارة بعد أن نسب النجاسة إليهم أيضا، وهو مؤذن بعدم إرادته الاجماع منه، ومقنعة المفيد مع أنه لا صراحة فيها بالنجاسة، بل لعل ظاهر ذيلها ذكر الاحتياط في الطهارة كالتهذيب قد حكى عنه في السرائر وغيرها رجوعه عن ذلك في رسالته إلى ولده، وظاهر المحكي عن المبسوط التردد، بل في صريح الذكرى وظاهر السرائر وعن الدلائل حكاية قوة الكراهة عن المسبوط بعد أن نسب عدم جواز الصلاة إلى رواية أصحابنا، ويؤيده عدم ذكره له في تعداد النجاسات في الجمل، ولذا قال في السرائر: " إن من قال بالنجاسة قد رجع عنه في كتاب آخر له، فصار ما اخترناه إجماعا " انتهى. فانحصر الخلاف حينئذ في الصدوقين والمحكي عن ابني الجنيد والبراج، وتحقق عظمة الشهرة بهؤلاء كما ترى، خصوصا مع عدم ثبوته عن الأخيرين إلا بالنقل الذي هو محل الخطاء. من هنا نسب القول بالطهارة في المختلف والذكرى وعن الكفاية إلى المشهور، بل في المحكي عن ابن الجنيد ما يشعر بارادة الاحتياط، حيث قال بعد أن ذكر وجوب غسل عرق الجنب من حرام " وكذلك عندي الاحتياط إن كان جنبا من احتلام ثم عرق في ثوبه " انتهى، لظهور تشبيهه بما ذكرنا. ويؤيد ذلك كله نسبة القول بالطهارة في المختلف والذكرى وعن الكفاية إلى المشهور من غير تقييد له بالمتأخرين، بل عن شرح الموجز ان القول بالنجاسة للشيخ، وهو متروك، كما انه بذلك كله وإعراضه عامة المتأخرين كما حكاه غير واحد يوهن إجماع الخلاف والأمالي أيضا.

[ 76 ]

وأما ثانيا فبمنع دعوى عدم القول بالفصل إن أراد القطعي منه، بل والظني أيضا مع عدم حجيته في نفسه عندنا، لأنه وإن كان لم يصرح أحد ممن قال بالطهارة بعد جواز الصلاة لكن جماعة ممن نسب إليهم النجاسة لم يصرحوا بها، بل اقتصروا على ذكر حرمة الصلاة إذا كانت الجنابة من حرام، كالصدوقين والشيخ في الخلاف، بل هو معقد إجماع الأخير كالنسبة إلى دين الامامية في الأمالي، وذلك منهم إن لم يكن ظاهرا في إرادة حرمة الصلاة خاصة، كفضلات ما لا يؤكل لحمه فلا ريب في كونه محتملا، سيما مع كونه ما تخيل مستندا لهم من الرضوي وخبري الذكرى والبحار لا تعرض فيها لحرمة غير الصلاة، بل قد يدعى ظهورها فيه، لاستبعاد التعبير بالحرمة في جميعها عن النجاسة. بل قد تشعر عبارة الصدوق في الفقيه بذلك، قال فيه: " ومتى عرق في ثوبه وهو جنب فليتنشف فيه إذا اغتسل، وان كانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة فيه، وان كانت من حرام فحرام الصلاة فيه " لظهور أن موضوع الحكمين الأخيرين في كلامه الثوب الذى أمر بالتنشف فيه. فبان لك حينئذ قوة القول بالطهارة وفاقا للمراسم والسرائر ومن تأخر عنهما، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه في سائر ما اشترط بالطهارة، خصوصا الصلاة، سيما بعد ما عرفت من قيام احتمال التعبد فيها خاصة وان كان طاهرا، بل لعله لا يخلو من وجه، للاجماعين والأخبار المتقدمة، فتأمل جيدا. ولا يلحق بالجنب من حرام المحتلم قطعا وإجماعا، فما عن ابن الجنيد من الاحتياط في عرقه ضعيف جدا لا نعرف له مأخذا يعتد به، ولقد أجاد بعض المحققين بقوله " لا نعرف له وجها ولا موافقا ".

[ 77 ]

ولا الحائض والنفساء وغيرهما لطهارة عرقهما كالمجنب من حلال إجماعا ونصوصا (1). نعم لا فرق في المجنب من حرام بين الرجل والمرأة، ولا بين القبل والدبر، ولا بين الحي والميت، ولا بين الزناء واللواط ووطء البهائم ولا بين الانزال والادخال إلى غير ذلك مما يدخل تحت المحرم ذاتا. أما المحرم عرضا كوطء الحائض والنفساء ونحوهما فوجهان، أقواهما العدم حتى المظاهر، وان استشكل فيه في المنتهى اقتصارا على المتيقن، وخصوصا فيما كان عروض التحريم لمرض أو صوم معين أن نذر ونحوهما. ولو وطأ الصبي أجنبية ففي نجاسة عرقه إشكال كما في المنتهى، ينشأ من عدم الحرمة في حقه، ومن إرادة الحرمة في حد ذاته. ومنه يظهر الحال في المكره والمكرهة إلى غير ذلك من الفروع الظاهرة المأخذ، فتأمل جيدا. وأما الثاني وهو عرق الابل الجلالة فنجاسته خيرة المقنعة والنهاية والمنتهى وكشف اللثام والحدائق واللوامع وظاهر المدارك والذخيرة وعن المبسوط والقاضي، بل ربما نسب إلى ظاهر الكليني لروايته (2) ما يدل عليها، بل حكاه في اللوامع عن الصدوقين أيضا، بل في الرياض أنه الأشهر بين القدماء، وفي الغنية والمراسم نسبته إلى أصحابنا وان اختار ثانيهما الندب، لقول الصادق (ع) في صحيح هشام بن سالم (3): " لا تأكلوا لحوم الجلالة، وإن أصابك من عرقها فاغسله " وفى حسن حفص ابن البختري كالصحيح (4) " لا تشرب من ألبان الابل الجلالة، وإن أصابك من


(1) الوسائل الباب 28 من ابواب النجاسات (2) و (3) الوسائل الباب 15 من ابواب النجاسات الحديث. ؟ ؟ - 1 (4) الوسائل الباب 15 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 78 ]

عرقها فاغسله " والمرسل (1) في الفقيه " نهى عن ركوب الجلالات وشرب ألبانها، وقال: إن أصابك من عرقها فاغسله ". وطهارته صريح المراسم والنافع وكشف الرموز والمختلف والذكرى والبيان والدروس والموجز وعن نهاية الأحكام والتحرير والمهذب والتنقيح وغيرهم من المتأخرين، وهو الأقوى، وكأنه ظاهر السرائر بل في المختلف والذكرى والبحار وعن غيرها نسبته إلى الشهرة من غير تقييد، بل في المدارك إلى الديلمي والحلي وساير المتأخرين، كالذخيرة إلى جمهورهم، بل عن كشف الالتباس أن القول بالنجاسة، للشيخ، وهو متروك للأصل بل الأصول حتى في العرق نفسه، لطهارته قبل خروجه إلى مسمى العرق، فيستصحب حينئذ، والعمومات خصوصا ما دل منها على طهاره سؤرها المتقدم في باب الأسآر، وانه تابع لطهارة الحيوان، إذ هي طاهرة العين في حال الجلل اتفاقا في جامع المقاصد وعن الدلائل، فيكون عرقها طاهرا، إما لاقتضاء مادل على طهارتها من الاجماع المحكي وغيره طهارته، لملازمته غالبا للحيوان جافا أو رطبا، بل هو من جملة توابع الحيوان المحكوم بطهارته المستفاد منها طهارته جميعه حتى رطوباته، فيكون قبل بروزه إلى مسمى العرق وبعده طاهرا قطعا، وإما لاقتضاء ما دل على طهارة سؤره طهارته، لما عرفته من ملازمته للحيوان غالبا. بل في حاشية هامش ما حضرني من نسخة الوسائل وكتب بعدها أنه منه " استدل علماؤنا على كراهة سؤر الجلال بحديث هشام بن سالم (2) المتقدم سابقا، وأحاديث مالا يؤكل لحمه (3) ودلالة الثاني واضحة، ودلالة الأول مبنية على أنهم أجمعوا على تساوي


(1) الوسائل الباب 27 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 5 (2) الوسائل الباب 15 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب الأسآر

[ 79 ]

حكم العرق والسؤر هنا، بل في جميع الأفراد، والفرق إحداث قول ثالث، وأيضا فان بدن الحيوان لا يخلو أبدا من العرق إما جافا وإما رطبا، فيتصل بالسؤر، فحكمه حكمه، وعلى كل حال فضعف الدلالة منجبر بأحاديث ما لا يؤكل لحمه " انتهى. وفيه شواهد على المقام خصوصا ما سمعته من الاجماع. هذا كله مع إمكان التأييد باستبعاد الفرق بينها حيئنذ وبين ما حرم أكله إصالة من الحيوانات وبين باقي جلال الحيوان، لعدم خلاف في طهارته من غير الابل إلا ما حكي عن النزهة، بل وبين باقي فضلاته نفسه مما لا يدخل تحت اسم نجس كالبول. وبفحوى ما دل على حل أكله بعد استبرائه المدة من غير أمر بتطهير جسده لو كان قد عرق، ودعوى حصول الطهارة له تبعا ممنوعة، إذ أقصى ما يستفاد عود الحل بتلك المدة لا طهارة بدنه من النجاسة العارضية، وليس ذا من زوال العين المطهر للحيوان، لكون المفروض وجوده جافا. وبفحوى عدم حرمة استعمالها بالركوب، وحمل الاثقال ونحوها مما هو مستلزم للعرق غالبا مع المباشرة من غير أمر بالتجنب أو التحفظ عن العرق، إلى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة، على أن الصحيح الأول ومرسل الفقيه لا اختصاص فيهما بالابل، وحمله على الأعم قد عرفت انه لا قائل به مما عدا النزهة. واحتمال التخصيص الذي لا يمنع حجية العام في الباقي يدفعه عدم جوازه إلى الواحد عندنا، خصوصا في المخصص المنفصل، وكذا احتمال إرادة العهد من الجمع أو عود الضمير إلى صنف من الجمع، وهو الابل، فلا يكون حينئذ عدم وجوب الغسل في غير عرق الابل تخصيصا حتى يلزم المحذور السابق، إذ هو تكلف وتشهي وتعسف، فلابد حينئذ من حمل الأمر فيه على غير الوجوب، وإلا كان الخبر من الشواذ، ومجاز الندب أولى من مجاز القدر المشترك على عموم المجاز قطعا، لشيوعه حتى قيل: إنه مساو

[ 80 ]

للحقيقة، فيكون قرينة على إرادة الندب منه أيضا بالنسبة للابل في الحسن، واحتمال حمله على الوجوب، وجعله قرينة على إرادة القدر المشترك من الأول ليس بأولى مما ذكرنا، بل هو أولى، لما عرفت من الأمور السابقة وغيرها نحو إعراض المشهور عن الوجوب فيها أيضا، بل حملهم الأمر في الصحيح السابق على الندب بالنسبة إلى غير جلال الابل مع عدم ظهور معارض يختص به عن ابل يشرف الفقيه على القطع باتحاد الحال فيهما. ومع ذلك كله ظهر لك ما في كلام المعاصر في الرياض، حيث قال بعد ذكره الصحيحين مستند النجاسة: " وبهما يخص أدلة الطهارة التي تمسك بها الجماعة المتأخرة البالغة حد الشهرة، لكنها بالاضافة إلى شهرة القدماء مرجوحة على فرض التساوي، فترجيحها عليها يحتاج إلى دلالة واضحة، وهي منتفية، والأصل والعمومات بالصحيحين المرجحين بشهرة القدماء مخصصة، وهما أدلة خاصة، وتلك أدلة عامة، والخاص مقدم بالضرورة، فالمرجح مع الشهرة القديمة ألبتة " انتهى. مع ما فيه أيضا من عدم تحقق ما ادعاه من الشهرة، إذ ليس هو إلا فتوى الشيخين والقاضي منهم، وإلا فغيرهم إن لم يظهر منهم الطهارة، لعدم ذكرهم له في تعداد النجاسات أو لغيره لم يظهر منهم النجاسة، بل لعل ظاهر الوسيلة والغنية عدمها، وقد سمعت ما في كشف الالتباس، ورواية الكليني للصحيح لا دلالة فيها على اختياره النجاسة وإلا لذكره عنوانا كما هي عادتهم فيما يختارونه، مع أنه لعله أراد الندب منها، كما أن رواية الصدوق للمرسل السابق كذلك، وان كان قد ذكر في أول كتابه أنه لا يذكر فيه إلا ما يعمل به، لكنه مع ما قيل من رجوعه من ذلك محتمل لأن يكون عمله فيها على جهة الندب، ولذا لم تعرف الحكاية عنه وعن والده والكليني هنا، حتى في المختلف المعد لمثل ذلك، بل ظاهره فيه عدم قولهم بالنجاسة، والله أعلم.

[ 81 ]

وأما الثالث وهو المسوخ فالمشهور نقلا وتحصيلا طهارة ما عدا الكلب والخنزير منها عينا وسؤرا ولعابا شهرة كادت تكون إجماعا، بل لعله الظاهر من المحكي عن الناصريات، حيث قال: " عندنا أن سؤر جميع البهائم من ذوات الأربع والطيور طاهر سوى الكلب والخنزير " بل هو صريح الغنية فيما عداهما وعدا الثعلب والارنب من الحيوان ذي الأربع وفى الطير والحشرات، بل لعله ضروري في بعضها كالزنبور ونحوه مما علم من طريقة المسلمين وسيرتهم طهارته، مع ما في نجاسته من العسر والحرج، وكالضروري في آخر مما لا نفس له سائلة منها، لما تقدم من الاجماعات وغيرها على طهارة ميتته المستلزمة طهارته حيا بالأولى. ويدل عليها مضافا إلى ما تقدم في الثعلب والارنب والفأرة والوزغة والعقرب منها سابقا هنا وفي باب الأسآر الأصل والعمومات، وما دل على طهارة سؤرها من صحيح البقباق (1) وغيره (2) وعلى طهارة العاج (3) وعظام الفيل (4) ونحو ذلك، فما في المراسم والوسيلة وعن الاصباح من نجاسة لعابها ضعيف لا نعرف له مأخذا يعتد به، كالمحكى عن صريح أطعمة الخلاف من نجاسة المسوخ كلها، وظاهر بيعه، وحيث علل عدم جواز بيع القرد بالاجماع على انه مسخ نجس، وانه لا يجوز بيع ما كان كذلك، كالمحكي عن بيع مبسوطه، حيث قال: " لا يجوز بيع الأعيان النجسة كالكلب والخنزير وجميع المسوخ " مع احتمال العطف فيه على المشبه لا المشبه به، واحتمال قراءة ما في الخلاف " النحاسة " بالحاء المهملة أو بالجيم على إرادة معناها من الخباثة ونحوها لا المعنى المتعارف، كما يؤيده حكمه في الخلاف أيضا بجواز التمشط بالعاج، واستعمال المداهن منه مدعيا عليه


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب الأسآر الحديث 6 (3) و (4) الوسائل الباب 72 من أبواب آداب الحمام

[ 82 ]

الاجماع، وما حكي عنه في الاقتصاد " ان غير الطير على ضربين: نجس العين ونجس الحكم، فنجس العين هو الكلب والخنزير، فانه نجس العين نجس السؤر نجس اللعاب، وما عداه على ضربين: مأكول وغير مأكول، فما ليس بمأكول كالسباع وغيرها من المسوخات مباح السؤر، وهو نجس الحكم " انتهى. فيخرج عن الخلاف حينئذ، وإلا لم نعرف له دليلا يعتد به على النجاسة بالمعنى المعروف، بل ظاهر الأدلة خلافه كما عرفت، وعدم جواز البيع بعد تسليمه أعم من النجاسة، كما هو واضح. فبان لك من ذلك حينئذ أن قول المصنف: " والأظهر الطهارة " في محله بالنسبة للجميع، أي عرق الجنب من الحرام والابل الجلالة والمسوخ وان اختلفت مراتب الظهور في المسائل الثلاثة كما عرفت. والمراد بالمسوخ حيوانات على صورة المسوخ الأصلية، وإلا فهي لم تبق أكثر من ثلاثة أيام كما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) وعددها المحصل من حسن الحلبي (2) عن الصادق (ع) وصحيح محمد بن الحسن الأشعري (3) عن الرضا (ع) وخبر الحسين بن خالد (4) وخبر سليمان الجعفري (5) عن أبي الحسن (ع) وخبري علي بن جعفر (6) وعلي بن مغيرة (7) عن الصادق والكاظم (عليهما السلام) المرويين عن العلل بعد الجمع بينها نيف وعشرون: الضب والفأرة والقرد والخنازير والفيل والذئب والارنب والوطواط والجريث والعقرب والدب والوزغ والزنبور والطاووس والخفاش والزمير والمار ماهي والوبر والورس (8) والدعموص


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 10 - 1 (3) و (4) الوسائل الباب 2 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 7 - 2 (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 2 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 6 - 14 - 12 (8) الزمير والمارماهى والوبر والورس ليست في الروايات السابقة وانما ذكرت في رواية الكلبي النسابة المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 8 وفيها " الورك " بدل " الورس " وهما وهم والصحيح " الورل "

[ 83 ]

والعنكبوت والقنفذ وسهيل والزهرة، وهما دابتان من دواب البحر، وزاد في كشف الغطاء الكلب والحية والعظاءة والبعوض والقملة والعيفيقا والخنفساء، ولعله لأخبار أخر (1) كما ان ما في الفقيه أيضا من النعامة والثعلب واليربوع والوطواط كذلك، أو لتعدد أسماء بعضها، إلا أنه قيل: لا موافق للصدوق على النعامة من الأخبار أو كلام الأصحاب، بل ربما يظهر منهم في كتاب الحج في بحث الصيد ومن كتاب الأطعمة في عد المحرمات الاتفاق على إباحتها، وعن بعض نسخه " بعامة " بالباء الموحدة، ولتمام البحث في تعدادها وسبب مسخها وباقي أحكامها مقام آخر. * (و) * أما * (ما عدا ذلك) * من جميع ما ذكرناه وذكر المصنف * (فليس بنجس) * عينا * (وانما تعرض له النجاسة) * بلا خلاف يعتد به إلا ما عن ابني الجنيد وحمزة وظاهر الصدوق من نجاسة لبن الصبية، لخبر السكوني (2) " لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لأنه يخرج من مثانة أمها " وهو مع عدم ثبوته عن الأخير وإن أورد الرواية في كتابه أيضا - ضعيف، لضعف دليله في مقابلة الأصول والعمومات والسيرة والعمل والاجماع المدعى، فيحمل على الندب أو التقية، فالأصح حينئذ تبعية اللبن لذاته، فالطاهرة طاهرة اللبن، والنجسة نجسة، لكن في كشف اللثام " سواء النجسة ذاتا أو عرضا بالجلل أو الوطء أو الموت ". قلت: قد سمعت الكلام في لبن الميتة، ولم نعرف حيوانا ينجس بالجلل أو الوطء يتبعه البن، بل ولا قائلا بذلك، وكأنه اشتباه في الحرمة، والله أعلم.


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 4 و 15 والمستدرك الباب 2 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 4 و 8 وفى كشف الغطاء " العنقاء " بدل " العيفيقا " كما في الوسائل، والصحيح هو الأول لأن العيفيقا ليس في الأخبار ولا في اللغة ولم نجد في الأخبار مسخ " العظاءة " (2) الوسائل الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 4

[ 84 ]

والدود والصراصر ونحوها المتولدة من الميتة أو العذرة طاهرة، للأصل والعمومات، وما دل (1) على طهارة ميتة ما لا نفس له، وسأل علي بن جعفر (2) أخاه (عليهما السلام) " عن الدود يقع من الكنيف على الثوب يصلى فيه، قال: بأس إلا أن ترى فيه أثرا فتغسله " فتردد المصنف في طهارته في غير محله، كتمسكه للنجاسة بالاستصحاب الواضح عدم جريانه في المقام. وأما الحديد فطاهر إجماعا محصلا ومنقولا بل ونصوصا (3) بل كاد يكون ضروريا، فما في بعض الأخبار (4) مما يشعر بنجاسته مطرح أو محمول على إرادة غير المعنى المتعارف منها، كما يؤمي إليه ما في بعضها (5) انه نجس ممسوخ، مع احتمال قراءته بالحاء المهملة. والقيح مع تجرده عن الدم لا ريب في طهارته للأصل والعمومات والسيرة وغيرها. بل وكذا الصديد وان تردد فيه الفاضلان، لما قيل في تفسيره إنه ماء الجرح بالدم قبل أن تغلظ المدة إذ هو في الحقيقة نزاع في لفظ، لتسليمهما طهارته مع عدم الدم، كما انا نسلم نجاسته معه، وعليه ينزل ما عن الشيخ من إطلاق طهارته، وإلا كان شاذا. كالقول بنجاسة القئ، إذ لا نعرف مدركا يعتد به لكل منهما، نعم في الوسيلة قيد طهارة الأخير بما إذا لم يأكل شيئا نجسا، وهو متجه في بعض الصور الخارجة عن محل البحث، لأن الكلام في نجاسته من حيث انه قئ لا لنجاسة سابقة أو عارضة فتأمل جيدا.


(1) الوسائل الباب 35 من ابواب النجاسات (2) الوسائل الباب 80 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) الوسائل الباب 83 من ابواب النجاسات (4) الوسائل الباب 14 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 4 و 5 (5) الوسائل الباب 32 من ابواب لباس المصلي الحديث 6 من كتاب الصلاة

[ 85 ]

* (و) * لا شئ من بول وروث ما يؤكل لحمه معتادا أولا بنجس عندنا، نعم * (يكره بول البغال والحمير والدواب) * وماعن ابن الجنيد من نجاستهما من الخيل والبغال والحمير ضعيف، بل كاد يكون شاذا وإن حكى عن الشيخ موافقته في النهاية، إلا أنها ليست كتابا معدا للفتوى والعمل، بل كثير منها مضامين أخبار بصورة الفتوى كما لا يخفى على الخبير الممارس، على انه قد رجع عنه في المسبوط كما قيل، للأصل بل الأصول والعمومات والعسر والحرج والسيرة المستقيمة، وقاعدة دوران النجاسة والطهارة على حرمة اللحم وحليته المستفادة من النصوص (1) المستفيضة المعتبرة منطوقا ومفهوما، والفتاوى، بل ظاهرهما انها من المسلمات الواضحات حتى عند السابقين من الرواة، كما أشرنا إلى ذلك في أول بحث النجاسات، بل في الغنية الاجماع عليها، كما في آبار السرائر، وباب تطهير الثياب منها ذلك أيضا بالنسبة إلى الطهارة، قال في الموضع الأول: " أجمع الصحابة وتواتر الأخبار على أن مأكول اللحم من سائر الحيوان ذرقه وبوله وروثه طاهر، فلا يلتفت إلى خلاف ذلك من رواية شاذة أو قول مصنف غير معروف، أو فتوى غير محصل " إلى آخره. بل حكى فيه أيضا من المبسوط ما يظهر منه الاجماع على ذلك أيضا، بل في معتبر المصنف " وأما رجيع ما يؤكل لحمه وبوله فطاهر باتفاق علمائنا " لكنه ذكر الخلاف بعد ذلك في أبوال الدواب الثلاثة، ولعله لا منافاة لاحتمال ابتناء القول بنجاستها على عدم أكل لحمها. كما أشار إليه في المنتهى، حيث نسب طهارة بول ما يؤكل لحمه إلى علمائنا أولا ثم ذكر الخلاف بعد ذلك في أبوال الثلاثة، وقال: " إن الخلاف فيها مبني على أنها هل هي مأكولة اللحم أولا ؟ " وذكر أيضا بعد ذلك أن مذهب علمائنا طهارة روث ما يؤكل لحمه، ولم ينقل خلافا فيه بيننا، بل نص بعده على أرواث البغال والحمير والدواب،


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب النجاسات الحديث 4 و 8 و 13 و 18

[ 86 ]

وأحال البحث فيها على ما سبق، وفي التذكرة " بول ما يؤكل لحمه ورجيعه طاهر عند علمائنا أجمع " إلى غير ذلك، بل قد عرفت انه يستفاد من استدلالهم بهذه الكلية عند البحث على بعض أفرادها أنها من المسلمات التي لم يعترها شئ من الشبهات. هذا كله مضافا إلى ما دل (1) على الاستنجاء بالروث، وإلى خصوص ما في المقام من الأخبار المروي بعضها عن غير الكتب الأربع التي هي بمكانة من الاعتبار ولو بملاحظة الانجبار باشتهار الحكم بين الطائفة أي اشتهار، بل عن شرح الأستاذ أن عليه إجماع الفقهاء إلا ابن الجنيد كما في المعتبر، لكن مع زيادة استثناء الشيخ أيضا، وقد عرفت فيها مضى أنه في النهاية، وإلا فهو في غيرها على الطهارة، بل عنه في المبسوط ذلك أيضا، وهو متأخر عنها، فيكون قد رجع، (منها) خبر الأعز النخاس (2) قال للصادق (ع): " إني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فتضرب إحداها بيدها فينضح على ثوبي، فقال: لا بأس به " (ومنها) خبر المعلى بن خنيس وابن أبي يعفور (3) قالا: " كنا في جنازة وقدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا، فدخلنا على أبي عبد الله (ع) فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس " ونحوها غيرها. (4) واقتصار بعضها على البول كاقتصار آخر على الروث غير قادح بعد الاجماع المحكي في المصابيح، وظاهر كشف اللثام أو صريحه كما عن غيره إن لم يكن محصلا على عدم القول بالفصل. وهي وان كان في مقابلها أخبار (5) فيها الصحيح والموثق وغيرهما تضمنت الأمر


(1) الوسائل الباب 35 من ابواب أحكام الخلوة (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 9 من ابواب النجاسات الحديث 2 - 15 - 0 - (5) الوسائل الباب 9 من ابواب النجاسات الحديث 6 و 9 و 10 و 11

[ 87 ]

بغسل الثوب من أبوال الثلاثة، بل ومطلق الدابة، بل وأرواثها، بل ربما يستفاد شدة نجاسته من أبوالها على أحد الوجهين في بعضها، لكنها لمكان القطع بعدم غفلة الأصحاب عنها إذ هي بمرأى منهم ومسمع، وقد خرجت من بين أيديهم مع فقد الدلالة في بعضها والجابر لآخر بل وجميعها بناء على عدم استلزام الأمر بالغسل النجاسة، وموافقتها لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف، واشتمال بعضها على مطلق الدواب مع البغال والحمير مما علم عدم إرادة وجوب الغسل عنه، وآخر على النضح من بول البعير والشاة المقطوع بارادة الندب منه، كخبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (1) " سأل الصادق (ع) عن الرجل يصيبه بعض أبوال البهائم أيغسل أم لا ؟ قال: يغسل بول الفرس والبغل والحمار، وينضح بول البعير والشاة، وكل شئ يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " مضافا إلى عدم ظهور السؤال فيه كغيره عن الوجوب أو الاستحباب حتى يكون الأمر في الجواب مطابقا له، وإلى ما فيه من الاجمال باعتبار الكلية في ذيله الشاملة لما ذكر الأمر بالغسل والنضح عنه، وحمله على إرادة إعطاء الضابط لغير ما تقدم، أو إرادة معتاد الأكل، مع أنهما لا يتمان في المأمور بالنضح عنه ليس بأولى من حمله على إرادة الضابط الشامل للجميع، لكن على إرادة نفي النجاسة منه التي لا ينافيها الأمر الاستحبابي بالغسل أو النضح عنه، ولما في بعضها من الفرق بين البول والروث، فيغسل من الأول دون الثاني، وقد عرفت الاجماع المركب على خلافه، كما انه في آخر بعد الأمر بالغسل من البول قال: " وأما الأرواث فهي أكبر من ذلك " (2) وهو محتمل لما ينافي الأول بارادة شدة النجاسة، ولعدمه بارادة أكثر من أن يغسل بعسر التحرز عنه، إلى غير ذلك من الامارات الكثيرة القاضية بعدم إرادة الوجوب من تلك الأوامر


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من ابواب النجاسات الحديث 10 - 9

[ 88 ]

أعرض الأصحاب عنها، ورجحوا غيرها عليها، فحملوا الأمر فيها على إرادة التخلص عن الكراهة. ويشهد له خبر زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أليس لحومها حلالا ؟ قال: بلى ولكن ليس مما جعله الله للأكل " وفيه إشعار بارادة مطلق مباح اللحم وان لم يكن متعارفا من قولهم ما يؤكل لحمه، واحتمال حمل الكراهة فيه على الحرمة، وإرادة بيان عدم اندارجه في تلك الكلية بكون المراد منها المعد للأكل كما ترى، سيما بعد استفاضة تلك الكلية المذكورة بين الرواة مع فهمهم منها ما ذكرنا، كما يرشد إليه استفهام زرارة الذى هو أحسن الرواة فهما لكلامهم (عليهم السلام). ولا ينافي الحمل على الكراهة موثقة سماعة (2) " سألته عن بول السنور والكلب والحمار والفرس، قال: كأبوال الانسان " لاحتمالها شدة الكراهة، أو إرادة التشبيه بالنسبة للثلاثة الأول، لوجود جهة الشبه، وهي عدم إباحة اللحم أو التقية ممن عرفت. فاتضح لك حينئذ من ذلك كله الكراهة المذكورة في كلام المصنف وغيره، لكن كان عليه ذكر الأرواث أيضا. كما انه اتضح لك سقوط ما في الحدائق وان بالغ في اختيار النجاسة في أبوال الثلاثة ناقلا لها عن الأردبيلي والشيخ جواد الكاظمي في شرحه على الدروس والشيخ سليمان البحراني، وربما مال إليها في المدارك وعن الدلائل والمفاتيح، بل عن بعضهم التصريح بنجاسة الأرواث أيضا ان ثبت الاجماع على عدم الفصل، وإلا فالأبوال


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب النجاسات الحديث 8 (2) الوسائل الباب 8 من ابواب النجاسات الحديث 7

[ 89 ]

خاصة، ولقد أطنب المحدث المذكور وشنع على كبراء الأصحاب الذين هم أعلم منا ومنه في السنة والكتاب، وليت ذلك التشنيع كان لأمر دقيق أو لنفيس من التحقيق، بل انما هو لجمعه جملة من الأخبار الموجودة في التهذيب والاستبصار الظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار التي لا يحتمل خفاؤها على أقصرهم باعا وأقلهم اطلاعا، والله ولي الحق، والعالم بحقائق الخلق. * (القول) * الثاني * (في أحكام النجاسات) * * (تجب) * شرعا وشرطا أو شرطا لا شرعا * (إزالة) * عين * (النجاسات) * وما يتنجس بها كالماء ونحوه بالمزيل الشرعي من غسل ونحوه، أو العقلي كالقرض والاحراق ونحوهما * (عن) * ما تنجس بها من * (الثياب) * المعتاد لبسها أولا كالتستر بلحاف ونحوه، عدا ما استنثي من القلنسوة ونحوها مما سيأتي * (و) * ظاهر * (البدن) * حتى الظفر والشعر منه * (للصلاة) * الواجبة أو المندوبة، لاشتراط صحتها بذلك بالاجماع محصلة ومنقولة في السرائر والخلاف والمعتبر وغيرها بل والنصوص (1) الدالة على إعادة الصلاة من البول والمني والخمر والنبيذ والدم وعذرة الانسان والسنور والكلب ونحوها المتممة بعدم القول بالفصل. بل ربما لاح من الأخبار (2) ثبوت الاعادة من مطلق النجاسة، وحكمها كعينها إجماعا، وقليلها ككثيرها عدا الدم على ما سيأتي، لاطلاق الأدلة المعتضدة باطلاق الفتاوى ومعاقد الاجماعات بل وبصريحها من غير الاسكافي كما حكاه في التذكرة وغيرها، فقال على ما في المختلف: " كل نجاسة وقعت على ثوب وكانت عينها مجتمعة أو متفرقة دون


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 3 و 5 و 9 والباب 38 الحديث 3 (2) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات

[ 90 ]

سعة الدرهم الذي يكون سعته كعقد الابهام الأعلى لم ينجس الثوب بذلك إلا أن يكون النجاسة دم حيض أو منيا، فان قليلهما وكثيرهما واحد " انتهى. وهو ضعيف جدا مخالف لما عرفت وتعرف، مع أنه لا مستند له إلا القياس على الدم، بناء على حجيته عنده المعلوم بطلانها بضرورة مذهب الشيعة. ومن هنا أمكن تحصيل الاجماع على المطلوب مع خلافه، لعدم قدحه فيه، خصوصا وظاهر عبارته عدم حصول النجاسة بالمقدار المذكور لا العفو، كما انه لا يقدح فيه ما في السرائر عن بعض الأصحاب من أنه لا بأس بما ترشش على الثوب أو البدن عند الاستنجاء مثل رؤوس الابر من النجاسات، ولذا حكاه أي الاجماع عليه فيها كالخلاف، ولعله أراد به ما عن مياه فارقيات السيد من العفو عن البول إذا ترشش عند الاستنجاء كرؤوس الابر، وإن أطلق النجاسات الأول، وخصها بالبول الثاني. ولا ريب في ضعفه كسابقه، لاطلاق الأدلة من غير معارض، بل وخصوص معاقد الاجماعات. ونحو صحيح عبد الرحمان بن الحجاج (1) " سأل الكاظم (ع) عن رجل يبول في الليل فيحسب أن البول أصابه ولا يستيقن، فهل يجزؤه أن يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف ؟ قال (ع): يغسل ما استبان انه قد أصابه، وينضح ما شك فيه من جسده وثيابه ويتنشف قبل أن يتوضأ ". ونحو خبر الحسن بن زياد (2) " إن الصادق (ع) سئل عن الرجل يبول فيصيب بعض فخذه قدر نكتة من بوله، ثم يذكر بعد أنه لم يغسله، قال: يغسله ويعيد صلاته ".


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 1 (2) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 6

[ 91 ]

كخبر ابن مسكان قال (1): " بعثت بمسألة إلى أبي عبد الله (ع) مع إبراهيم بن ميمون، قلت: سله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلي ويذكر بعد ذلك انه لم يغسلها، قال: يغسلها ويعيد صلاته " إلى غير ذلك من الأخبار (2) الواردة في مساواة قليل دم الحيض لكثيره، وفي إعادة الصلاة من نقط الدم إذا بلغ مقدار الدرهم مجتمعا. ثم لا فرق بين جميع أجزاء الصلاة في الشرط المذكور كغيره من شرائطها وشرائط كل مركب، لظهور انتفاء امتثال الشرط بانتفاء حصوله لبعض أجزاء الجملة، بل ولا بين أجزائها المتصلة والمنفصلة كالتشهد والسجدة المنسيين، لبقاء حكم الجزئية فيهما وان انفصلا، وكذا الركعات الاحتياطية المشروعة لتدارك النقصان لو كان، فيعتبر فيها حينئذ ما اعتبر في المتدارك. نعم لا عبرة بما خرج عنها سواء تقدمها كالأذان والاقامة والقيام للتكبير بل والنية في وجه، أو تأخرها كالتعقيبات ونحوها، بل والسلام الثالث في وجه مع الخروج بسابقه وان قلنا بوجوبه، وأما سجود السهو فقد نص شيخنا في كشف الغطاء على اشتراطه بذلك أيضا، وفيه بحث إن لم يكن منع كما سيأتي. والمراد بالثياب المعتبر طهارتها مطلق ما سمي لباسا عرفا، لا فراشا ولا وطاء ولا ظلالا ولا غطاء، للأصل السالم عن المعارض على إشكال في الأخير فيما لو كان المصلي تحته بايماء ونحوه وكان هو الساتر له، بل وإن لم يكن، لاحتمال إرادة المثال من الثوب ونحوه الموجود في الأخبار. نعم لا عبرة بالزائد على القامة من اللباس زيادة خارجة عن المعتاد يخرج بها عن


(1) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 4 (2) الوسائل الباب 21 من ابواب النجاسات الحديث 1 والباب 20 منها

[ 92 ]

اسم الملبوس أو المحمول، وفاقا للمحكي عن صريح جماعة ومستحسن المعالم وظاهر الخلاف بل صريحه، إذ لا دليل على اعتبار طهارة ذلك الزائد، ضرورة انصراف الأدلة إلى غيره، بل قد يظهر من التذكرة الاجماع عليه، قال فيها: " لو كان على رأسه عمامة وطرفها على نجاسة صحت صلاته عندنا خلافا للشافعي " إلى آخره. لكن لعل مراده نفس مباشرة النجاسة وان يحصل التنجيس، فيخرج عما نحن فيه حينئذ، إذ لا ريب في عدم اقتضاء ذلك فساد، لعدم اندراجه في الملبوس أو المحمول، كقوله فيها أيضا بصحة صلاة من صلى مماسا ثوبه لشئ نجس عندنا خلافا للشافعي، وفى المنتهى بصحة صلاة من شد وسطه بطرف حبل، والآخر شد به نجاسة من غير خلاف بين علمائنا، بل ربما ظهر من كشف غطاء الأستاذ " دوران بطلان الصلاة على تنجيس الثياب بملاقاة النجاسات لرطوبة في المصيب أو المصاب أو فيهما، دون النجاسة المتصلة باللباس مع الجفاف، فتصح الصلاة فيها حينئذ إذا لم تكن من غير مأكول اللحم، بل وإن كانت منه إذا كانت منه إذا كانت موضوعة على الانفصال عنه على إشكال " إلى آخره. وان كان الظاهر اندراج الفرض المذكور في حمل النجاسة، وفي صحة الصلاة به وبطلانها قولان يأتي البحث فيهما إن شاء الله. * (و) * كذا يأتي البحث في وجوب إزالة النجاسات على نحو ما تقدم * (للطواف) * واجبه ومندوبه في كتاب الحج، وإن كان لم أجد فيه خلافا هنا، بل عن حج الخلاف والغنية الاجماع عليه، بل في المدارك أنه حكاه جمع من الأصحاب، كما انه عن المنتهى نسبته إلى أكثر أهل العلم، مضافا إلى ما ورد (1) من أن " الطواف في البيت صلاة "


(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 459 وسنن البيهقى ج 5 ص 87 والجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 56 وكنز العمال ج 3 ص 10 الرقم 206 عن الطبراني وحلية الأولياء وسنن البيهقى والمستدرك عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الطواف باليت صلاة ولكن الله أحل فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير " والحديث عن

[ 93 ]

الدال على مساواته لها في سائر الأحكام، سيما المعروفة كالطهارة من الحدث والخبث ونحوهما. * (و) * تجب أيضا الازالة المذكورة * (لدخول المساجد) * كما في القواعد والارشاد والمنتهى وغيرها، بل في ظاهر الأخير أو صريحه أنه مذهب أكثر أهل العلم، بل في الخلاف وجنائز السرائر لا خلاف في أنه يجب أن يجنب المساجد من النجاسات، مع زيادة " بين الأمة كافة " في الأخير، كما أنه في المفاتيح أيضا نفي الخلاف عن إزالة نجاسة المساجد، وفي كشف الحق في توجيه الاستدلال بالآية (1) على المشرك " لا خلاف في وجوب تجنب المساجد كلها النجاسات بأجمعها " بل في الذخيرة عن الشهيد الظاهر أنه إجماعي، بل في لوامع النراقي حكاية صريح الاجماع عن العاملي مريدا به الشهيد على الظاهر. وهو مع نفي الخلاف السابق الصريح هنا في إرادة الاجماع منه الحجة في انقطاع الأصل سيما بعد اعتضاده بظاهر قوله تعالى (2): " وطهرا بيتي للطائفين " وقوله تعالى (3): " انما المشركون نجس، فلا يقربوا المجسد الحرام " المتمم بعدم القول بالفصل محكيا ان لم يكن محصلا بين المسجد الحرام وغيره. كما ان احتمال قصر الحكم على خصوص المشركين لغلظ نجاستهم أو غيره يدفعه ظهور التفريع في علية وصف النجاسة للحكم المتحقق في غير المشركين، كاندفاع ما قيل من عدم معروفية النجس بالمعنى المصطلح سابقا بمنعه أولا، وبظهور إرادته منه هنا


سفيان الثوري عن عطاء بن السائب وانه كان يختلط اختلاطا شديدا وقال ابن معين: " عطاء بن السائب اختلط " وقال شعبة: حدثنا عطاء بن السائب وكان نسيا وكتب عن عبيدة ثلاثين حديثا ولم يسمع من عبيدة فلا يحتج بحديثه " تهذيب التهذيب لابن حجر ج 7 ص 204 (1) و (3) سورة التوبة الآية 28 (2) سورة البقرة الآية 119

[ 94 ]

ولو مجازا للقرائن الكثيرة، واعتضاده أيضا بالخبر المشهور (1) عملا ورواية " جنبوا مساجدكم النجاسة " المؤيد بما يفهم من خبر القداح (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: " قال النبي صلى الله عليه وآله: تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم " من زيادة الاحتياط والتحفظ مع نهاية التوسعة في أمر الطهارة والنجاسة، وبمرسل العلاء بن الفضيل (3) المروي في المنتهى عن الشيخ عن أبي جعفر (ع) قال: " إذا دخلت المسجد وأنت تريد أن تجلس فلا تدخله إلا طاهرا " الحديث. وان كان محتملا لارادة الطهارة من الحديث، وبمناسبته للتعظيم، ولما ورد من جعل المطاهر على أبواب المساجد، وبانعقاد الاجماع على منع الكفار، ولا باعث له سوى النجاسة. كما انه قد يؤيده أيضا ما ورد (4) في منع المجانين والصبيان عنها، ومنع الجنب والحائض عن المكث فيها (5) بل يمكن دعوى أولوية رفع الخبث من رفع الحدث، إلى غير ذلك. فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين من التأمل والتردد في أصل الحكم المذكور لدعوى ضعف دليله سندا أو دلالة، وللنصوص (6) الكثيرة الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجدا بعد الطم والمواراة كما ستسمعها إن شاء الله في أحكام المساجد في غير محله، لما عرفت من الأدلة السابقة المعتضدة بسيرة المسلمين وطريقهم، وبملاحظتها مع فتاوى الأصحاب يمكن دعوى تحصيل الاجماع، ونصوص اتخاذ المسجد على الكنيف


(1) و (2) الوسائل الباب 24 من ابواب أحكام المساجد الحديث 2 - 1 من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب 39 من ابواب أحكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة (4) الوسائل الباب 27 من ابواب أحكام المساجد من كتاب الصلاة (5) الوسائل الباب 17 من ابواب الجنابة الحديث 2 (6) الوسائل الباب 11 من ابواب أحكام المساجد من كتاب الصلاة

[ 95 ]

يأتي البحث فيها إن شاء الله في أحكام المساجد. انما البحث في الفرق بين المتعدية وغيرها، فظاهر عطف المصنف وغيره كظاهره في جنائز المعتبر أو صريحه عدم الفرق بينهما، كما هو صريح التذكرة وعن أكثر كتبه، بل في لوامع النراقي أنه مذهب الحليين والأكثر، وعن الكفاية أنه المشهور، لاطلاق الأدلة السابقة من الآية والرواية، ودعوى صدق المجانبة بعدم التلويث كما ترى، ولظهور اتفاقهم حتى ممن اعتبر التلويث على منع المشرك وان لم يلوث، واحتمال الفرق بغلظ النجاسة وعدمها ممنوع بعد تسليم أغلظيته من نحو دم الحيض وغيره، ولظهور معقد إجماع السرائر في ذلك أيضا أو صريحة، بل لعل إجماع الخلاف والكشف أيضا كذلك، فلاحظ، سيما بعد ما حكاه في كشف اللثام عن الشيخ في الخلاف من القول بعدم جواز حصول غير الملوث من النجاسة في المسجد، ولأنه أبعد عن التلويث المعلوم حرمته، وللسيرة المستمرة على إزالة أعيان النجاسات من المساجد وان لم تكن ملوثة كالعذرة اليابسة ونحوها، واحتمال الفرق بين أرض المسجد وفضائه لا أثر له في كلام الأصحاب، كاحتمال الفرق بين عين النجاسة والمتنجس بها، إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة، كمعلومية انهتاك حرمة المسجد بوضع النجاسات فيه وان لم تلوث، ومعلومية حرمة إمساس ما ألحق بالمساجد من الضرائح المقدسة والقرآن العظيم بأعيان النجاسات ولو مع الجفاف. خلافا للشهيدين في الذكرى والدروس والمسالك وأبي العباس في موجزه، والكركي في جامعه، وغيرهم من متأخري المتأخرين، فخصوا المنع بالملوثة، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، ولجواز اجتياز الحائض والجنب وأخذهما ما فيه مع ملازمة النجاسة غالبا، ولمعلومية حضور ذوي الجراحات الدامية والقروح السائلة والمسلوس بعد وضع الخريطة ونحوهم الجماعات والجمعة في المسجد، بل يمكن دعوى العسر والحرج

[ 96 ]

في مطلق منع دخول النجاسة، ولظهور أدلة المستحاضة في دخولها المساجد بعد أفعالها، وتجويز الأصحاب كما قيل الحد الذي منه القتل والقصاص في المسجد مع فرش النطع حفظا عن التلويث. وفيه منع انحصار الدليل في المتيقن، بل يكفي الظهور المذكور كما في غيره من الأحكام، ومنع دخولهما مستصحبين للنجاسة أولا، وإطلاق دليل جواز الاجتياز مثلا يراد به كما هو الظاهر منه من حيث الحدث الحيضي مثلا، وتسليمه ثانيا مع دعوى استثنائه بخصوصه كالحدث، وكذا البحث فيما بعده، لظهور عدم التلازم بين إباحة ذلك بخصوصه للعسر والحرج ونحوهما وبين إباحة غيره، ولذا لم يقدح في الصلاة ونحوها المعلوم اشتراطها بازالة النجاسات، ولا نسلم تصريحهم هناك بجواز الحد والقصاص على وجه يتحقق به إجماع، وكيف مع أن المحكي في كشف اللثام عن الشيخ في الخلاف التصريح بعدم جواز القصاص، وأنه لا فائدة في فرش النطع، ولو سلمنا فهو استثناء لحكم خاص، وتمام البحث في ذلك عند ذكر المصنف كراهة إقامة الحدود من أحكام المساجد. فلا ريب أن الأول أحوط إن لم يكن أقوى، خصوصا فيما ظهر فيه انهتاك الحرمة ومنافاة التعظيم، كوضع العذرات الكثيرة فيها ونحوها، بل لو قيل بدوران الحرمة على التعدية وعلى هتك الحرمة عرفا لكان متجها إن لم يكن خرقا للاجماع، ولعله ليس كذلك، بل لعله مذهب الطباطبائي من منظومته. وكيف كان فقد ظهر لك انه بناء على الأول لا فرق حينئذ بين الملوثة وعدمها، بل ولا بين أرض المسجد وفراشه وفضائه كالنجاسة على بدن الداخل أو ثوبه مثلا، لظاهر الأدلة السابقة، ولا بين عين النجاسة والمتنجس بها، كما هو ظاهر أو صريح معقد إجماع جنائز السرائر الظاهر من المصنف إقراره عليه وتسليمه له، بل لعل

[ 97 ]

المراد من النجاسة في النصف والفتوى ما يشمل المتنجس، كما هو ظاهر المتن أو صريحه كغيره ممن عبر كعبارته أي يساوى بين الصلاة والمساجد، بل لا أجد أثرا لاحتمال الفرق في سائر كلمات الأصحاب، ولعله لظهور انتقال حكم النجس إلى ما تنجس به. ومن ذلك كله يعلم وجوب إزالة النجاسة عن المسجد لو كانت مما علم حرمة إدخالها من غير فرق بناء على ما ذكرنا بين أرض المسجد وفرشه وفضائه وغيرها كما سمعته في حرمة الادخال. نعم قد يتجه الفرق بين أرض المسجد مثلا وبين فرشه ونحوهما مما لا تدخل في اسمه، بناء على اعتبار التلويث للمسجد، لعدم صدقه بتلويث الفرش مثلا، بل هي حينئذ كغير فرشه مما لم تتعد نجاسته إليه من ثوب الانسان وبدنه، مع أنه قد صرح في المسالك وغيرها بعدم الفرق بينهما في حرمة التلويث، بل قد تشعر عبارة مجمع البرهان بالاجماع عليه، كما قيل ذلك أيضا في عبارة المدارك، ولعله لتبعيتها للمسجد باضافتها إليه، وتحقق تحقيره بتحقيرها كتعظيمه ما دامت فيه، ولامكان صدق تلويث المسجد بتلويثها، كامكان دعوى شمول قوله صلى الله عليه وآله (1): " جنبوا مساجدكم النجاسة " لها، وان نزلنا النجاسة على الملوثة، فتأمل جيدا. ثم ان وجوب الازالة على الفور بلا خلاف، بل لعله إجماعي كما حكاه بعضهم صريحها، وفي المدارك " انه قطع به وبالكفائية الأصحاب، وفيه توقف " إلى آخره. قلت: لا ينبغي التأمل في الفورية، لما عرفت، ولكون منشأ الوجوب هنا التعظيم الذى ينافيه التراخي، ولأن المراد بوجوب الازالة هنا انما هي حرمة الابقاء المستفادة من الأدلة السابقة الشاملة لسائر الأوقات، ولو تركه وصلى مع السعة ففي صحة صلاته وفسادها البحث المعروف في الأصول. وعلى الكفاية بلا خلاف أيضا، بل لعله إجماعي كما حكاه بعضهم، لتوجه


(1) الوسائل الباب 24 من ابواب أحكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة

[ 98 ]

الخطاب إلى الجميع مع القطع بعدم إرادة الوجوب العيني، وتعين بعض لا دليل عليه، وبعض غير معين غير جائز، فليس إلا الكفائي، فلا يتعين حينئذ وجوب الاخراج على المدخل مثلا، كما نص عليه في الروض وغيره، وان كان قد يقال بتأكده في حقه. فما في الذكرى من تعينه عليه واحتمله في المدارك لا يخلو من نظر، وإلا لسقط بموته أو فقده أو امتناعه، إذ دعوى تجدد الوجوب حينئذ لا دليل عليها. وألحق الشهيدان والمحقق الثاني وغيرهم بالمساجد الضرائح المقدسة والمصحف المعظم، فيجب إزالة النجاسة عنه، كما يحرم تلويثه أو مطلق المباشرة، وهو جيد فيهما وفي كل ما علم من الشريعة وجوب تعظيمه وحرمة إهانته وتحقيره، كالتربة الحسينية والسبحة وما أخذ من طين القبر للاستشفاء والتبرك به ككتابة الكفن به ونحوها، وإناطة الحكم بذلك أولى من البحث في خصوصيات الأفراد، إذ مستحق التعظيم ومحرم التحقير من جميع ماله تعلق في قبور الأئمة (عليهم السلام) من الأثاث كالصندوق وغيره فضلا عنها أنفسها، وفي المصاحف بل المصاحف من ورقها وغلافها إذا كان متصلا بها مما لا خفاء فيه في المذهب، كما لا خفاء في تحقق الاهانة وهتك الحرمة بتلويثه بالنجاسة، بل بمطلق مباشرته لها، ولعل ذلك مختلف باختلاف الناس والمقاصد والنيات. وليس منه على الظاهر ما يؤخذ من كربلاء وباقي المشاهد من الآجر والخزف والأباريق والمشارب ونحوها مما لم يكن متخذا للتعظيم، لعدم تحقق الاهانة والتحقير في مباشرة شئ من ذلك للنجاسة ونحوها، ودعوى وجوبه شرعا وان لم يكن فيه إهانة عرفا، إذ كثير من أفراد التعظيم التي أوجبها الشارع ليس للعرف فيها نصيب، كحرمة مكث المحدث بالأكبر في المسجد ومس المحدث بالأصغر كتابة القرآن يدفعها أنه لا دليل عليها هنا، بل لعل السيرة والطريقة شاهدة بخلافها. فما عن الأستاذ الأكبر من النهي عن إخراج أواني كربلاء إلى غيرها محل منع

[ 99 ]

إن أراد الحرمة منه، نعم قد يتأمل في بعض ما اتخذ على سبيل التعظيم للتبرك والتيمن مما لم يكن فيه نص بالخصوص، كنحو التراب الخارج عن حرم كربلاء إذا علق على الشباك المكرم تحصيلا لتشرفه وتيمنه وبركته ولما يصل إلى حد التبعية عرفا وغير ذلك مما يكون منشأه الترجيح العقلي واعتباره واستحسانه ولو بمزج التعارف معه، فان جريان حكم ما علم تعظيمه كالتربة الحسينية المعلوم بالتواتر - كما عن التنقيح " كون الشفاء فيها، وكثرة الثواب بالتسبيح بها والسجود عليها، ووجوب تعظيمها، وكونها رافعة للعذاب عن الميت، وأمنا من المخاوف، وانه يحرم الاستنجاء بها " انتهى على مثل ذلك لا يخلو من إشكال ونظر. ومن ذلك كله يظهر لك ما في المحكي عن المهذب والروضة من إثبات الاحترام لثلاثة أشياء لا غير مما يؤخذ من التربة الحسينية: أحدها ما أخذ من الضريح المقدس، وثانيها ما وضع عليه مطلقا كما عن ظاهر المهذب، أو من الحرم كما عن ظاهر الروضة أو صريحها، وثالثها ما أخذ من باقي الحرم بالدعاء والختم عليه كما عن المهذب، وبدون ذكر الختم عن الروضة، فتأمل جيدا، فان فوع المقام وبيان حكم بعض الأفراد محتاج هنا إلى مزيد إطناب. * (و) * كذا يجب إزالة النجاسة * (عن الأواني) * مقدمة * (لاستعمالها) * فيما علم اشتراطه بالطهارة من المأكول والمشروب وماء الغسل والوضوء ونحوها بالأدلة المقررة في محالها من الاجماع المحكي والأخبار (1) مع فرض التنجس بها. ويجب إزالتها أيضا عن محل السجود وان لم تكن متعدية، لاشتراط طهارته من غير خلاف أجده فيه، بل نسبه بعضهم إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، كما أن في مجمع البرهان لعل دليله الاجماع والنص، وفي الذكرى وعن الذخيرة نسبته


(1) الوسائل الباب 51 و 52 و 53 من ابواب النجاسات

[ 100 ]

للنص أيضا، لكن في الحدائق أني لم أقف على هذا النص، ولا نقله ناقل فيما أعلم، بل ربما ظهر من النصوص خلافه " إلى آخره. قلت: لعل المراد به موثقة عمار عن (1) الصادق (ع) " عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكن قد يبس الموضع القذر، قال: لا يصلي عليه، وأعلم الموضع حتى تغسله " ويأتى تمام البحث فيه إن شاء الله وفيما حكي عن المرتضى من وجوب إزالة النجاسة عن سائر مكان المصلي، وأبي الصلاح عن المساجد السبعة خاصة. ولا يجب شئ مما ذكرنا من إزالة النجاسة لنفسه عدا إزالتها عن المسجد وإن أطلق في النصوص (2) الأمر بغسل الثوب مثلا، إلا انه من المقطوع به عدم إرادته منه، وفي كشف اللثام انه لعله إجماع، وكأن الاطلاق موكول إلى ذلك، بل لم أقف على ما يدل صريحا على استحباب الازالة لنفسه، وإن أفتى به بعض مشائخنا، ولعله استفادة من الاعتبار أو من النظر من مجموع ما ورد من الأخبار، أو أنه نزل تلك الأوامر المطلقة عليه، أو من نحو قوله تعالى (3): " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " والأمر سهل. * (وعفي) * بالنسبة للصلاة قطعا والطواف بل والمساجد في وجه بناء على منع دخول النجاسة إليه مطلقا لكن بشرط عدم التعدي كما أشرنا إليه سابقا * (في الثوب والبدن عما يشق التحرز منه) * ويعسر * (من دم القروح والجروح التي لا ترقى) * أي لا ينقطع دمها ويسكن، بل يكون سائلا * (وان كثر) * بلا خلاف أجده، بل عليه الاجماع


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 4 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب النجاسات (3) سورة البقرة الآية 222

[ 101 ]

محصلا ومنقولا، لنفي الحرج وإرادة الله اليسر، وانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وللنصوص المستفيضة. كصحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي ؟ فقال: يصلي وان كان الدماء تسيل " ومثل خبر ابن عجلان (2) المروي في مستطرفات السرائر من كتاب البزنطي بتفاوت يسير جدا. وصحيح المرادي وحسنه (3) " قلت للصادق (ع): الرجل يكون به الدماميل، والقروح بجلده، وثيابه مملوة دما وقيحا، وثيابه بمنزلة جلده، قال: يصلي في ثيابه ولا شئ عليه، ولا يغسلها ". كقوله (ع) لعبد الرحمان بن أبي عبد الله في الصحيح (4): " دعه فلا يضرك أن لا تغسله " جواب سؤاله عن الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه، فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي. وقوله (ع) أيضا في مرسل ابن أبي عمير عن سماعة بن مهران (5): " إذا كان بالرجل جرح سائل وأصاب ثوبه دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم ". وقوله (ع) في موثق الساباطي (6) بعد أن سأله عن الدماميل تكون بالرجل فتنفجر وهو في الصلاة: " يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ولا يقطع الصلاة ". وخبر أبي بصير أو صحيحه (7) " دخلت على الباقر (ع) وهو يصلي، فقال لي قائدي: إن في ثوبه دما، فلما انصرف قلت به: إن قائدي أخبرني أن بثوبك دما، فقال لي: إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ ".


(1) و (2) الوسائل الباب 22 من ابواب النجاسات الحديث 4 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 22 من ابواب النجاسات الحديث 5 - 6 - 7 (6) و (7) الوسائل الباب 22 من ابواب النجاسات الحديث 8 - 1

[ 102 ]

بل ظاهر هذا الأخير كخبر سماعة ومما بعده وسابقه، بل قيل حتى الأول أيضا عدم اعتبار شئ مما اعتبره المصنف من المشقة وعدم رقي الدم في العفو عنه، بل هو معفو عنه إلى مسمى البرء عرفا، بل قيل إنه ظاهر في الاندمال، وربما احتمل حمله على الأمن من خروج الدم، والأمر سهل، إذ خروجه بعد الأمن كقبله، لعموم الأدلة، ومع عدم الخروج لا أثر للنزاع إلا في المتخلف. وكيف كان فاستمرار العفو إليه مطلقا هو الأقوى، وفاقا للثانيين ومجمع البرهان والمدارك والذخيرة والحدائق ومنظومة الطباطبائي ولوا مع النراقي وظاهر الصدوق، وخلافا لصريح بعض، بل المحكي عن ظاهر الأكثر من اعتبارهما وان اختلفت عباراتهم في تأدية ذلك في الجملة، فبين مصرح بمعنى ما في المتن كما في المراسم بالنسبة للقروح، والسرائر وعن التحرير فيها وفي الجروح، وبين مصرح باعتبار دوام السيلان خاصة من غير تعرض للمشقة كالمقنعة، لكنها لازمة له كما ترى، لبعد بل منع فرض عدمها، وبين مصرح باعتبار المشقة، لكنها أبدل عدم رقي الدم بوصف القروح باللازمة والجروح بالدامية كالقواعد، إلا أنه عنه في التذكرة التصريح بارادة لزوم الدم من اللازمة، فيرجع حينئذ إلى عدم الرقي، وبين من اقتصر على الوصفين من دون تعرض للمشقة كالوسيلة، لكنها لازمة له بناء على ما تقدم، كمن جمع القروح والجروح بوصف اللزوم كالغنية، وبين مصرح باعتبار السيلان أو الانقطاع الذي لا يسع الصلاة مع المشقة كالمعتبر وغيره، ولعله مراد من تقدم من دوام السيلان، وبين مصرح باعتبار المشقة خاصة من غير فرق بين دوام السيلان وعدمه، واختاره في ظاهر الرياض أو صريحه إلى غير ذلك من العبارات المتحدة في المعنى عند التأمل، سيما مع ملاحظة أدلتهم عليه من العسر والحرج ونحوهما. نعم لو أريد بالدامية ذات الدم في الجملة وباللازمة الجروح اللازمة وان لم يستمر

[ 103 ]

سيلان دمها كما عن المحقق الثاني تفسيرها بما يقرب من ذلك أمكن حينئذ انطباق جملة من عبارات أصحابنا كالخلاف والغنية وغيرهما على المختار، بل هو معقد إجماع الكتابين. كما أنه يمكن إرادة من اعتبر الحرج في العفو كما عن الشيخ في أكثر كتبه، والفاضل في الارشاد تحديد الرخصة بالبرء لا دوام السيلان، أو الحرج النوعي دون الشخصي، أو الاحتراز به عن الجروح الصغار التي يعد انقطاع دمها برؤها عرفا أو بمنزلته. فيوافق المختار أيضا، بل يمكن إرجاع أكثر العبارات إليه أيضا وان كان لا يخلو من تجشم في بعضها. وكيف كان فالأقوى ما عرفت، للحرج النوعي، وإطلاق بعض النصوص السابقة، وترك الاستفصال في آخر، والتحديد بالبرء المعلوم عادة انقطاع السيلان قبله في ثالث، ولا ينافيه وصف الجرح بالسائل في منطوق الشرط في خبر سماعة، مع احتمال إرادته حينا فحينا. فلا وجه حينئذ للمناقشة في دلالته ودلالة خبر أبي بصير أيضا باحتمال إرادة الانقطاع ولو لفترة من البرء لذلك، ولعطف الانقطاع عليه فيه، إذ هو مع سماجته مجاز بلا قرينة، وتصرف في الأدلة المخصصة لما دل (1) على مانعية مطلق الدم للصلاة من غير معارض، وقول ابني مسلم وعجلان في خبريهما: " فلا تزال تدمي " مع أنه ليس من كلام الامام (ع) ولا صراحة فيه بارادة دوام ظهور الدم، لاحتمال إرادة الخروج حينا فحينا أيضا، كقولهم: لا يزال فلان يتكلم أو يتردد إلى موضع كذا لا دلالة فيه على اختصاص العفو به دون غيره لو نزل الجواب على خصوص السؤال، بل أقصاه حينئذ عدم الدلالة على المدعى لا الدالة على عدمه. مع أن الانصاف قاض بظهور سؤاله وجوابه في أولوية حكم غير السائل وان لم


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات

[ 104 ]

يكن دائم الادماء من السائل، بل صرح غير واحد من الأصحاب بأن مفهوم " إن " الوصلية فيه ظاهر في المختار، وإن أمكن خدشه بأنه بعد تنزيل الجواب على السؤال كما هو قضية استتار الضمير فيه يكون مفهومها حينئذ إباحة الصلاة في غير السائل من دم القروح التي لا زالت تدمي، وهو لا ينافي إلا من اعتبر السيلان دون غيره كالمصنف ونحوه، أللهم إلا أن يقال بلزوم السيلان لعدم الانقطاع والرقي، بل قد عرفت اتحاد مراد الجميع بنحو ذلك. نعم هو على كل حال مناف لاعتبار مشقة التحرز مع ذلك، إلا أن يدعي بل هو الظاهر لزومها لدوام الادماء، بل تعذر التحرز معه بالنسبة للبدن واضح، وإن ظهر من المعاصر في الرياض إمكان انفكاك المشقة عن عدم الانقطاع، ولذا لم يستبعد قوة وجوب الازالة مع عدم الانقطاع إذا لم تكن مشقة وهو مع ما فيه مما عرفت إلا أن يريد به بالنسبة للثوب مناف لا طلاق النصوص السابقة. ودعوى ظهورها في العفو في صورة حصول المشقة خاصة لا شاهد لها إلا موثق سماعة (1) " سألته عن الرجل به القروح والجروح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه، قال: يصلي ولا يغسل ثوبه إلا كل يوم مرة، فانه لا يستطيع أن يغلس ثوبه كل ساعة " والمروي (2) في مستطرفات السرائر من نوادر البزنطي قال: " قال: إن صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم أكثر من مرة " وهما مع إضمارهما بل في كشف اللثام إسناد الثاني إلى قول البزنطي في نوادره قاصران عن معارضة ما تقدم من وجوه، سيما مع انحصار دلالتهما


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب النجاسات الحديث 2 (2) البحار ج 18 ص 20 الجواهر 13

[ 105 ]

بمفهوم التعليل والوصف، والبحث في الثاني معلوم، والأول محتمل لا رادة تعليل اتحاد الغسل المنزل على الندب كما عن جماعة التصريح به، بل لا أجد فيه خلافا وان احتمل الوجوب في الحدائق أو مال إليه، لكنه شاذ. فظهر حينئذ انه لا شاهد لاعتبار المشقة الشخصية في العفو عن هذا الدم يعارض الأدلة السابقة حتى في المنقطع منه انقطاع فترة لا انقطاع برء، من غير فرق بين سعتها للصلاة وعدمها، كما أنه لا شاهد لاعتبار دوام السيلان، أو هو مع الانقطاع فترات لا تسع الصلاة، أو هما مع مشقة الازالة في العفو عن هذا الدم. ودعوى الاقتصار على المتيقن من العفو بعد إطلاق الأدلة الثابت حجيته بالعقل والنقل لا ترجع إلى محصل معتبر، كالقياس على المستحاضة أو المسلوس لو سلم ذلك في المقيس عليه. ومن هنا كان القول بايجاب التعصيب أو التخفيف أو الابدال للثوب مع عدم المشقة كما هو ظاهر بعض وعن محتمل آخر في البعض لنحو ذلك ضعيفا منافيا لظاهر الأدلة ان لم يكن صريحها، ولظهور خصوصية هذا الدم من بين الدماء، بل من بين النجاسات، ولما عن الشيخ من الاجماع على عدم وجوب عصب الجرح وتقليل الدم، بل يصلي كيف كان وإن سال وتفاحش إلى أن يبرأ، وانه بخلاف المستحاضة والسلس ونحوهما ممن يجب عليهم الاحتياط في منع النجاسة وتقليلها. نعم يمكن القول باختصاص العفو عنه بغير ما تعدى منه عن محل الضرورة من الثوب والبدن، كما قربه في المنتهى، واستحسنه في المعالم، واحتمله في المدارك، وان تأمل فيه في الذخيرة، لاطلاق الأدلة، ولخصوص موثقة عمار السابقة، إلا أنه لا يخفى انصراف الاطلاق إلى ما ذكرنا، واحتمال خبر عمار الانفجار بالقيح والصديد دون الدم، بل احتمل فيه أيضا إرادة المسح باليد إذا علم سيلانه إن لم يمسحه إلى أعضائه

[ 106 ]

وثيابه، فيمسحه حينئذ إزالة له وتخفيفا للنجاسة عن نفسه، وان كان لا يخلو من نظر. لكن الانصاف أن القول بالعفو مع التعدي أيضا إلى ما يتعارف من تعدي غير المتحفظ عن تعديه وإن لم يكن من محال الضرورة لا يخلو من قوة، لاطلاق الأدلة وخلوها عن الأمر بالتحفظ عنه، بل ظاهرها التوسعة في أمره. نعم لا يعفى عنه إذا لم يكن كذلك، كما إذا تعمد وضعه من الرأس في القدم مثلا، بل لعل ذلك هو مراد المنتهى وان بعد، كاحتمال رجوع تفصيل الحدائق إليه، أو ما يقرب منه بالعفو عنه إذا تعدى الدم بنفسه إلى سائر أجزاء البدن أو الثوب الطاهر وعدمه إذا عداه المكلف بنفسه، وان وضع يده على دم الجرح أو طرف ثوبه الطاهر عليه، لكنه أشكل الثاني بظهور موثقة عمار في العفو عنه أيضا، ثم احتمل حملها على ما ذكرنا، وقال فالتفصيل حينئذ لا يخلو من قوة، انتهى. وكذا لا يبعد القول بالعفو عما تنجس به من الأمور التي يندر انفكاكها غالبا كالعرق ونحوه وان كانت نجسة كالدم، لخلو الأدلة عن التحرز عنها، بل ظهورها في العفو عن القيح المتنجس به، بل في الذخيرة أنه يمكن استفادته مطلقا من الروايات، ولما في الاجتناب عنها من المشقة والحرج المنافي لحكمة العفو عن هذا الدم، ولعدم زيادة الفرع على الأصل، إذ لا ريب في أن معنى نجاسة المتنجس بملاقاة النجس هو سريان حكم النجس المباشر إليه، والفرض أنه معفو عنه. ومن هنا أطلق في الذكرى قوة العفو عن مائع تنجس به، وفي المدارك أنه أظهر، ولم يفرقا بين نادر الانفكاك وغيره، وربما يؤيده اتفاق مجاورة الجروح والقروح للأمكنة التي لا تستغني عن مباشرة الماء ونحوه، فما في المنتهى من الاقتصار في العفو على خصوص الدم لأنه المتيقن لا يخلو من نظر بل منع في نادر الانفكاك. نعم لو باشر هذا الدم نجاسة أخرى ولو دما بل ولو دم قرح لكن من شخص

[ 107 ]

آخر أو متنجسا بذلك اتجه القول بعدم العفو حينئذ، لاطلاق أدلة الاجتناب من غير معارض حتى في الأخير، إذ ثبوت العفو بالنسبة إلى شخص لا يسري إلى آخر قطعا، ويرجع في مسمى القروح والجروح إلى العرف، وبعد تحققه لا فرق بين ما كان منها في الظاهر أو الباطن بعد جريان دمهما إلى الظاهر على إشكال في الأخير. كالاشكال في إلحاق دم البواسير به بناء عليه، للشك في كونها من القروح، ولعله لذا أو لعدم إلحاق البواطن بالظاهر حكم الأستاذ في كشفه بعدمه، فقال: " وما كان في خروجه من البواطن كدم البواسير والرعاف والاستحاضة ونحوها يغسل مع الانقطاع وأمن الضرر وان بقي الجرح، ويحافظ على الحفيظة مع الاستدامة كما في المسلوس والمبطون مع عدم التعذر والتعسر " انتهى. وان كان الظاهر خلافه بعد ثبوت مسمى الجرح والقرح، فتأمل جيدا. * (و) * كذا عفي * (عما دون الدرهم) * وقيده بعضهم بالوافي وآخر ب‍ * (الغلي) * ولعلهما بمعنى كما سيأتي * (سعة) * لا وزنا * (من الدم المسفوح الذي ليس أحد الدماء الثلاثة) * في الثوب إجماعا محصلا ومنقولا في الانتصار والخلاف والغنية والمعتبر والمختلف والمنتهى وغيرها، وبل والبدن أيضا، وإن أطلق في معقد إجماع الثلاثة الأخيرة، واقتصر على الثوب في الغنية كالفقيه وجمل المرتضى والمقنعة والمراسم وعن الهداية والمبسوط وكثير، بل والخلاف وإن كان الموجود فيما حضرني من نسخته ذكر البدن معه أيضا في معقد إجماعه كالانتصار، بل ومعقد النسبة إلى مذهب الامامية في كشف الحق، لكن التدبر والتأمل في كلمات الأصحاب وأدلتهم يعطي عدم الفرق عندهم هنا بين الثوب والبدن، كما اعترف به في المنتهى وعن الدلائل ناسبين له إلى ذكر الأصحاب وتصريحهم مشعرين بدعوى الاجماع عليه، بل في الحدا ئق أن ظاهر الأصحاب الاتفاق، ويقرب منه ما في الرياض واللوامع، مع ما عرفت من كونهما معقد صريح إجماع

[ 108 ]

الانتصار والخلاف، وظاهر إجماع كشف الحق. فلا يقدح بعد ذلك اختصاص ما ورد (1) من الأخبار هنا في الثوب، سيما مع كون ذلك في أسئلتها، بل قد يظهر من التأمل في أجوبتها إرادة بيان قاعدة لا تختص به، وانه من باب المثال، خصوصا حسن ابن مسلم (2) بل لعله من العام الذي لا يخصه مورده من السؤال، مضافا إلى خبر المثنى بن عبد السلام (3) قال: " قلت للصادق (ع): إني حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: إن اجتمع قدر حمصة فاغسله، وإلا فلا " لوجوب تنزيله على وزن حمصة يساوي سعة الدرهم، وإلا كان من الشواذ المتروكة حتى لو حمل الأمر فيه على الندب، إذ لم نعثر على مصرح باختصاصه فيه، على أنه لو حمل عليه كان دالا في الجملة على المطلوب، خصوصا مع ضميمة عدم القول بالفصل، بل به يتم الاستدلال أيضا على تقدير إرادة سعة الحمصة، وإن وجب حينئذ طرح منطوق الشرط الأول فيه: والأوضح ما ذكرناه أولا، وقصور سنده منجبر بما عرفت، بل ودلالته لو سلم المناقشة فيهما بزيادة وزنها عن سعته لو أشيع في البدن أو الثوب بكثير، بل في الرياض احتمال قراءتها بالخاء المعجمة، وهو سعة ما انخفض من راحة الكف، كما عن بعض الأجلة تقدير الدرهم به سعة، لكن قال: إنه يتوقف على القرينة لهذه النسخة، وهي مفقودة. قلت: بل لم نعرف من حكى هذه النسخة غيره، بل لعلها لا توافق اللغة، فالعمدة حينئذ في الحكم المذكور ما عرفت، فما عساه يظهر من الرياض تبعا للحدائق بل وكشف اللثام من الغمز عليه والدغدغة فيه في غير محله قطعا، كالتردد في أصل العفو عن المقدار المخصوص حتى في الثوب، أو الميل إلى العدم من المحكي عن الحسن، حيث قال: " إذا أصاب ثوبه دم فلم يره حتى صلى فيه ثم رآه بعد الصلاة وكان الدم على قدر


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 0 - 6 - 5

[ 109 ]

الدينار غسل ثوبه ولم يعد الصلاة، وإن كان أكثر من ذلك أعاد الصلاة، ولو رآه قبل صلاته أو علم أن في ثوبه دما ولم يغسله حتى صلى غسل ثوبه، قليلا كان الدم أو كثيرا، وقد روي أن لا إعادة عليه إلا أن يكون أكثر من مقدار الدينار " انتهى. إذ هو مخالف للاجماع بقسميه، وللنصوص المستفيضة التي فيها الصحيح الصريح وغيره، كخبر ابن أبي يعفور (1) في حديث، قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم به فينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته ؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة ". والجعفي (2) عن الباقر (ع) قال: " في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة ". كمرسل ابن دراج (3) عنه أيضا وأبي عبد الله (عليهما السلام) قال: " لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم ". وحسن ابن مسلم أو صحيحه (4) مضمرا في رواية الكليني، ومسندا للباقر (ع) في رواية الصدوق، قال: " قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك لا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 2 - 4 (4) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 6

[ 110 ]

الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه ". * (و) * هي كما ترى صريحة في المدعى، كما انه صريحة في أن * (ما زاد عن ذلك) * أي الدرهم * (تجب إزالته ان كان مجتمعا) * وهو كذلك لها، وللاجماع بقسميه عليه، ولاطلاق ما دل (1) على نجاسة الدم ووجوب التطهير منه ومن غيره من النجاسات للصلاة. بل ظاهر المتن ذلك في مقدار الدرهم أيضا، وفاقا لصريح جماعة وظاهر الفقيه والهداية والمقنعة وأول ما في الانتصار والخلاف والجامع والوسيلة والغنية وإشارة السبق وغيرها ممن اقتصر في تقدير العفو عنه على ما دون الدرهم، بل عن المسالك وكشف الالتباس نسبته إلى الشهرة، كما في اللوامع إلى الأكثر، بل في ظاهر السرائر أو صريحها وعن الخلاف الاجماع عليه، كما عن كشف الحق نسبته إلى الامامية، وان كان سنذكر ما وجدناه فيهما، لقاعدة الشغل في وجه، وإطلاق أوامر التطهير وإزالة النجاسات وخصوص الدم، ولصحيح ابن أبي يعفور السابق، ومرسل جميل، وأول مفهومي خبر الجعفي مع الاعتضاد والانجبار بما سمعت. والرضوي (2) " إن أصاب ثوبك دم فلا بأس بالصلاة فيه ما لم يكن مقدار درهم واف " إلى آخره. والمروي (3) من كتاب علي بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) قال: " وإن أصاب ثوبك قدر دينار من الدم فاغسله، ولا تصل فيه حتى تغسله " إلى آخره. والدينار كما في الوسائل بسعة الدرهم تقريبا. خلافا لسلار، بل وحكي عن الانتصار، وستعرف ما فيه، فيعفي عنه كالأقل،


(1) و (3) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 0 - 8 (2) المستدرك الباب 15 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 111 ]

للأصل ومضمر ابن مسلم، خصوصا على ما رواه الشيخ من زيادة الواو فيه قبل قوله: " ما زاد " مع حذف " وما كان أقل من ذلك " وثاني مفهومي خبر الجعفي، والأول بعد تسليمه لا يعارض الدليل فضلا عن الأدلة، كما أن الأخيرين يجب الخروج عن عموم المفهوم فيهما بما تقدم مما دل على الدرهم، خصوصا بعد أو ضحية غيرهما منهما سندا وعملا، ولعل معارضة مفهوم خبر الجعفي بمفهوم الأول، بل وخبر ابن مسلم بناء على رواية الكليني والصدوق اللذين هما أضبط من غيرهما، وعلى رجوع الاشارة إلى الدرهم كما هو الظاهر لا الزيادة. واحتمال ترجيح مفهوم الخصم بموافقة الأصل يدفعه بعد تسليم جريانه أنه لا يعارض تلك المرجحات الكثيرة، بل قد يناقش في مفهوم خبر الجعفي بأنه تصريح ببعض المفهوم الأول لا انه شرط يراد منه مفهومه كما لا يخفى على من له خبرة بمعرفة معاني الخطابات وأساليب الكلام، وباحتماله كخبر ابن مسلم أيضا إرادة الدرهم فما زاد، نحو قوله تعالى (1): " فان كن نساء فوق اثنتين " أي اثنتين فما فوق. ومعارضة ذلك باحتمال العكس في المفهوم الآخر يدفعها ما قيل من شيوع التعبير عن الأول في الأخبار، منها مرسل يونس (2) عن الصادق (ع) " سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم، قال: أيما مكار أقام في منزله أو البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام، وان كان له مقام في منزله أو البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والافطار " لظهور أن المراد عشرة فأكثر، وبأنه لم يرد منه شمول المساوي للدرهم، لوضوح ندرة اتفاقه ومعرفته بحيث لا زيادة فيه ولا نقيصة، ولعله لذا اقتصر على إناطة الحكم بالزائد والناقص دونه.


(1) سورة النساء الآية 12 (2) الوسائل الباب 12 من ابواب صلاة المسافر الحديث 1 مع اختلاف يسير

[ 112 ]

وهذا وإن خدش ما تقدم من الاستدلال أيضا بالمفهوم الدال على عدم العفو عنه، لكن قد عرفت أنا في غنية عنه بالتصريح به في المرسل والصحيح السابقين، والاطلاقات وغيرها. واحتمال إرادة استحباب الغسل والاعادة من مقدار الدرهم في الصحيح والمرسل جمعا بين الأدلة ضعيف، لعدم المقتضي الشاهد، بل هما على خلافه متحققان، مع ما فيه من اقتضاء عدم استحباب الغسل في الأدون، بل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، للقطع بقصد إرادة الدرهم مما زاد فيهما، ودعوى عموم المجاز لا شاهد لها، نعم قد يقال ان المراد بالدرهم فيهما ما زاد منه تسامحا، لغلبة عدم معرفة مقدار الدرهم إلا بالزيادة عليه، وإلا فليس المراد المساوي له حقيقة، فيبقى حينئذ ما دل على العفو عنه من غير معارض حتى الاطلاقات، لانقطاعها به. ولا ينافيه الاقتصار في النص على العفو عما دون الدرهم، لما عرفت من ندرة معرفة مقدار الدرهم بل ولا الفتاوى لذلك أيضا، فلا ظهور فيها حينئذ بعدم العفو عنه حتى نسب إلى الشهرة من جهته تارة، والى الاجماع أخرى، والى تفرد سلار خاصة أو مع المرتضى ثالثة. وقد يؤيده ملاحظة كلماتهم، فانهم وان اقتصروا في أولها على ما دون الدرهم، لكن في أثنائها يذكرون الدرهم، قال في الخلاف أولا: " فان بلغ مقدار الدرهم وجب إزالة قليله وكثيره، وان كان أقل من ذلك لم يجب ثم حكى عن بعض العامة القول بعدم العفو مطلقا، وعن آخر العفو عن المقدار المخصوص مطلقا من أي نجاسة وغير ذلك، إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، ولا يلزمنا مثل ذلك في مقدار الدرهم في الدم، لأنا أخرجنا ذلك بدليل، وأيضا فقد علمنا حصول

[ 113 ]

النجاسة ووجوب إزالتها، ومن ادعى مقدارا فعليه الدلالة، ونحن إذا ادعينا مقدار الدرهم فلا جماع الفرقة " إلى آخره. وكذا علق المرتضى (رحمه الله) العفو في أول كلامه في الانتصار على ما دون الدرهم، لكنه ذكر في الأثناء ستة مرات تقريبا ما يقتضي العفو عن الدرهم صريحا أو كالصريح، ومنها ما هو كمعقد إجماع الخلاف، تركنا التعرض لها تفصيلا خوف الاطالة. وفي كشف الحق بعد أن علق العفو على ما دون الدرهم ناسبا له إلى الامامية قال: " وقال أبو حنيفة: كل النجاسات سواء في اعتبار الدرهم، وقد خالف " إلى آخره. وظاهره أن خلافه في تعديه إلى غير الدم خاصة دون المقدار. وفي الجامع وقد عفي عن دم دون سعة الدرهم الكبير في ثوب أو بدن، فان كان متفرقا لو اجتمع لكان بسعة الدرهم فلا بأس به، وهي بأجمعها ظاهرة فيما قلنا، ويزيده تأييدا عدم معروفية عنوان الخلاف في ذلك سابقا، بل أول من ذكره المصنف في المعتبر، وتبعه من تأخر عنه. ومن هنا ظهر لك قوة القول بالعفو عنه، كما أنه ظهر لك ما وقع من بعضهم من الخلل في النقل، فتأمل جيدا. وكيف كان ففي الفقيه والهداية والمقنعة والانتصار والخلاف والغنية وغيرها تقييد الدرهم بالوافي الذي هو درهم وثلث، بل في كشف اللثام نسبته إلى الأكثر، وقد يشهد له التتبع، بل هو بعض معقد إجماع الثلاثة الأخيرة، ونص الرضوي (1) ولعله مراد بعضهم من البغلي كما يؤمي إليه جمعهما من آخر، ونسبته إلى مذهب الامامية في كشف الحق، لما عرفت أن أكثرهم على التعبير الأول، بل في المعتبر وغيره بل عن أكثر كتب المتأخرين التصريح بأنه الوافي، ويسمى البغلي، فما توهمه عبارة السرائر


(1) المستدرك الباب 15 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 114 ]

في بادئ النظر من كونه خلافه خطأ قطعا، مع أن التأمل فيها يدفعه، فلاحظ. ويؤكد ذلك ما في الذكرى " البغلي باسكان الغين منسوب إلى رأس البغل ضربه للثاني في ولايته بسكة كسروية، وزنته ثمانية دوانيق، والبغلية تسمى قبل الاسلام الكسروية، فحدث لها هذا الاسم في الاسلام، والوزن بحاله، وجرت في المعاملة مع الطبرية، وهي أربعة دوانيق، فلما كان زمن عبد الملك جمع بينهما واتخذ درهما منهما، واستقر أمر الاسلام على ستة دوانيق، وهذه التسمية ذكرها ابن دريد " انتهى. وما في مجمع البحرين عن بعضهم " انه كانت الدراهم في الجاهلية مختلفة، فكان بعضها خفافا، وهي الطبرية، وبعضها ثقالا كل درهم ثمانية دوانيق، وكانت تسمى العبدية، وقيل البغلية نسبت إلى ملك يقال له رأس البغل، فجمع الخفيف والثقيل وجعلا درهمين متساويين، فجاء كل درهم ستة دوانيق، ويقال: ان عمر هو الذي فعل ذلك، لأنه لما أراد جباية الخراج طلب الوزن الثقيل، فصعب على الرعية فجمع بين الوزنين، واستخرجوا هذا الوزن " انتهى. وهما كما ترى واضحا الانطباق على ما ذكره الأصحاب من أنه درهم وثلث، إذ الدرهم الذي استقر عليه أمر الاسلام ستة، وهو مع ثلثه ثمانية، فظهر إمكان دعوى تحصيل الاجماع فضلا عن منقوله المعتضد بالرضوي وخبر الدينار المتقدم سابقا على إرادة الوافي المسمى بالبغلي لا غيره. فما في المدارك من أن الواجب حمل الدرهم في النص على ما كان متعارفا في زمانهم (عليهم السلام)، لخلو الأخبار عن التقييد، إلى أن قال بعد أن حكى ما تقدم من الذكرى: ومقتضاه أن الدرهم كان يطلق على البغلي وغيره، وان البغلي ترك في زمن عبد الملك، وهو مقدم على زمن الصادق (ع) قطعا، فيشكل حمل النصوص عليه، والمسألة قوية الاشكال - واضح المنع بعد ما سمعت.

[ 115 ]

على أن صيرورة درهم المعاملة ستة دوانيق في زمن عبد الملك على أحد النقلين لا يقضي بذهاب تمام أفراد البغلية عن الوجود في نحو زمن الصادق (ع) فضلا عن إطلاق الاسم عليها، خصوصا مع قرب الزمانين، إذ وفاة عبد الملك كما عن المسعودي وغيره من المؤرخين سنة ست وثمانين، ومولد الصادق (ع) ثلاث وثمانين، مضافا إلى ورود بعض الأدلة عن الباقر (ع)، بل حكي عن العامة روايته عن النبي صلى الله عليه وآله، بل في اللوامع كما عن البهائي إيجاب حمل كلامهم على المتعارف في زمن النبي صلى الله عليه وآله وان لم يكن كذلك في زمانهم، لأن أحكامهم متلقاة منه، وقد استفاضت الروايات المعتبرة (1) بأنها مثبتة عندهم في صحيفة باملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي (ع). وإن كان يمكن خدش هذا الأخير بأنه لا تلازم بين ذلك وبين حمل ما به البيان على متعارف زمن النبي صلى الله عليه وآله دون الامام المبين الحاكي بالمعنى، كما في كل ناقل، ومن هنا لم يتوقف أحد في سائر أبواب الفقه في حمل ألفاظ الصادقين (عليهم السلام) على عرف زمانهم وان لم يكن عرف النبي صلى الله عليه وآله كذلك، كما لا يمنع حدوث اسم لمعنى قديم حمل اللفظ على ذلك المعنى القديم. فما في السرائر مما يوهم خلاف ذلك ليس في محله، قال فيها: البغلي نسبته إلى مدينة قديمة يقال لها بغل، قريبة من بابل، بينهما قريب من فرسخ، متصلة ببلد الجامعين، تجد فيها الحفرة والنباشون دراهم واسعة، شاهدت درهما من تلك الدراهم، وهذا الدرهم أوسع من الدينار والمضروب بمدينة السلام المعتاد، يقرب سعته من سعة أخمص الراحة، وقال بعض من عاصرته ممن له علم بأخبار الناس والأنساب: إن المدينة والدرهم منسوبة إلى ابن أبي البغل، رجل من كبار أهل الكوفة اتخذ هذا الموضع قديما


(1) أصول الكافي ج 1 ص 239 الى 242 المطبوعة بطهران عام 1374

[ 116 ]

وضرب هذا الدرهم الواسع، فنسب إليه الدرهم البغلي، وهذا غير صحيح، لأن الدراهم البغلية كانت في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وقبل الكوفة " انتهى. وفي آخر كلامه ما عرفت، إلا أن يريد قدم التسمية أيضا كما سمعته فيما سبق، لكنه قد ينافيه ما ذكره أولا، بل وغيره في وجه التسمية من النسبة إلى قرية بالجامعين أو متصلة به الذي قد يؤيده ضبط غير واحد له بفتح الغين وتشديد اللام، بل في المدارك نسبة ذلك إلى المتأخرين، كما عن المهذب أنه الذي سمع من الشيوخ مع الرد فيه على ما في الذكرى بأن اتباع المشهور بين الفقهاء أولى من اتباع ابن دريد، أللهم إلا أن يقال كما في الحدائق: إن هذه القرية يمكن أن تكون في زمن النبي صلى الله عليه وآله وقبله، لأن بابل وما قرب منها من البلدان القديمة، وبقاء تلك الدراهم إلى زمن ابن إدريس لا يدل على المعاملة بها، نعم تبقى المنافاة في سبب النسبة والتسمية بين ما ذكره وبين ما تقدم من الذكرى، وهو سهل لا يترتب عليه حكم شرعي. هذا كله لكن قد يقال: إنه وإن ثبت من جميع كما ذكرت إرادة البغلي من الدرهم في النص والفتوى أي الوافي الذي وزنه درهم إسلامي وثلث، إلا أنه لا يرفع الاجمال المقتضي للاقتصار على المتيقن معه، إذ المفيد لرفع ذلك بيان سعته لا وزنه، لكون المدار عليها لا عليه، كما صرح به في كشف اللثام وغيره، بل هو ظاهر كثير من الأصحاب حتى معاقد الاجماعات، كاجماع المرتضى والمصنف في المعتبر والعلامة في المختلف وغيرهم، بل في اللوامع نفي الخلاف عنه بالخصوص، وبذلك تتم دلالة الأخبار وان أطلق فيها العفو عن قدر الدرهم، وان كان لولاه لأمكن دعوى ظهورها في إرادة الوزن أو هو مع السعة، بل قد يؤيده تعرض كثير من الأصحاب لضبط الوزن هنا دون المساحة. لكن قد عرفت ظهور اتفاق الأصحاب على إرادة السعة خاصة، والفرض أنها

[ 117 ]

غير معلومة، إذ لا دلالة في الوزن عليها مع اختلاف الأصحاب بالنسبة إلى ذلك، ففي السرائر ما سمعته من مشاهدته، وعن الحسن بن أبي عقيل ما تقدم من اعتبار سعة الدينار، بل لا تعرض في كلامه الدرهم، كما أن ما حكي عن أبي علي من التقدير بعقد إبهام الأعلى لا تعرض فيه أيضا للبغلي وان ذكر الدرهم مقدار سعته بما سمعت. ومن هنا جعلهما في المعتبر مقابلين للقول بالدرهم البغلي، لكنه قال: والكل متقارب، والتفسير الأول أشهر مريدا به البغلي، وان كان قد يرد عليه بانه ليس في كلامهما ما ينافي إرادة تقدير سعة البغلي. وقال في الروض بعد أن حكى تفسيري البغلي وما شاهده ابن إدريس قال: " وشهادته في قدره مسموعة، وقدر أيضا بعقد الابهام العليا، وهو قريب من أخمص الكف، وقدر بعقدة الوسطى، والظاهر أنه لا تناقض بين هذه التقديرات، لجواز اختلاف أفراد الدرهم من الضارب الواحد كما هو الواقع، وإخبار كل واحد عن فرد رآه " انتهى. لكنه مع الاغضاء عما فيه لا يرفع الاجمال باعتبار اختلاف أفراد المتواطئ إلا أن يراد العفو عن أوسعها مثلا، ولا قرينة عليه، واحتمال عدم الاحتياج إليه باطلاق الدرهم الشامل لا يخلو من وجه، لكنه قد يمنع أصل الدعوى بظهور الاحالة على إطلاق قدر الدرهم في عدم الاختلاف، ومضافا إلى ما عن ولده من الاعتراض عليه أيضا بأنه " انما يتم لو لم يكن في التفسير اختلاف، وإلا فمن الجائز استناد الاختلاف في التقدير إلى الاختلاف في التفسير إلى أن قال: والعجب من جماعة من الأصحاب أنهم بعد اعترافهم بوقوع الاختلاف هنا قالوا: إن شهادة ابن إدريس في قدره مسموعة مريدين بذلك الاعتماد على التقدير الذي ذكره، وكيف يستقيم ذلك وفرض كون كلامه شهادة مقتض لتوقف الحكم بمضمونها على التعدد، كما هو شأن الشهادة، ومع التنزل فهو مبني على تفسيره ".

[ 118 ]

قلت: قد عرفت فيما سبق احتمال اتحاد تفسيري البغلي وان الاختلاف في وجه النسبة والتسمية خاصة، لكنه من المحتمل إنكار ابن دريد ومن تبعه كون ما شاهده ابن إدريس من دراهم تلك القرية من البغلي المفسر بما ذكر، إلا أن إصالة عدم التعدد بعد إمكان الجمع بين التفسيرين ينفيه، فمن هنا كان الركون إلى تقدير ابن إدريس لا يخلو من قوة. بل يمكن دعوى شهادة القرائن له، كما أنه يمكن إرادة الأصحاب بضبط الوزن بالدرهم والثلث بيان زيادة مساحته على الدرهم المعروف بقدر زيادة وزنه، فيوافق ما ذكرة الحلي حينئذ، وليس ذلك منه من الشهادة المعتبر فيها التعدد، بل هو من باب الاخبار، كما أنه لا يعارضه التقادير الأخر إما لما ذكره في الروض أو في المعتبر من التقارب، أو لأنه أقوى من غيره باعتبار العلم باستناده إلى المشاهدة دونها. على أن ما ذكره ابن أبي عقيل ليس تقديرا للدرهم حتى يعارضه، انما ذكره تقديرا للمعفو عنه من الدم مستندا لخبر علي بن جعفر (1) المتقدم القاصر عن إثباته ان لم ينزل على الدرهم، بل وكذا ابن الجنيد لم يذكر ذلك التقدير للبغلي، وأما التقدير بعقدة الوسطي فهو مع عدم معرفة المقدر ولا إرادته تقدير سعة البغلي أو الدم ضعيف جدا، بل في الرياض تشهد القرائن بفساده قطعا، والله أعلم. لكن ومع ذلك كله فالاحتياط بعدم الزيادة على المتيقن لا ينبغي تركه، خصوصا فيما نحن فيه من الصلاة اللازم فيها ذلك، تحصيلا للبراءة اليقينية، واقتصارا فيما خالف الأصل المستفاد من وجوب إزالة النجاسة أو الدم على المقطوع به، ومن هنا مال في الرياض تبعا لبعض من تقدمه إليه، وإن كان يمكن المناقشة بمنع مبنى أولهما من مانعية ما شك في مانعيته، لاستصحاب بقاء الثوب على صحة الصلاة به، ولأنه كسائر شبه


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 8

[ 119 ]

الموضوع التي لا يجب إزالتها، كما لو وجد على ساتره رطوبة لا يعلم كونها من مأكول اللحم أولا، بل هو كاشتباه الدم بين المعفو عنه من دم ذي النفس وغيره كالدماء الثلاثة المصرح في الدروس واللوامع كما عن الموجز وشرحه وغيرهما بالعفو عنه، وإطلاق أدلة الازالة بعد العلم بتقييدها المنوع لها لا وجه للتمسك بها فيما لم يعلم أنه من موضوعها، إذ الأمر آل بعد تخصيص الأدلة والجمع بينهما إلى وجوب إزالة الثلاثة مطلقا بخلاف غيرها، وإلى أزالة قدر الدرهم فما زاد دون الأقل، فمتي لم يعلم كونه من الثلاثة ولا زائدا على الدرهم لم يعلم دخوله في أحد الاطلاقين، فمرجعه حينئذ الضوابط الأخر. ودعوى أن فائدة العموم وان خص دخول المشتبه حتى يعلم أنه من الخاص فيفرق حينئذ بين المشتبه من الدرهم وبين المشتبه بأحد الثلاثة، فيحكم بالعفو في الثاني حتى يعلم أنه من الثلاثة، لاطلاق أدلة العفو، دون الأول حتى يعلم أنه درهم، لاطلاق أدلة الازلة خالية عن الشاهد، بل لعل التأمل في أمثالها من الخطابات يشهد بخلافها. نعم هو مسلم عند اشتباه أصل التخصيص لا بعد العلم به والشك في أفراد المخصص بالكسر، إذ لا ريب في ظهور التخصيص بثبوت نقيض وصف الخاص للعام، فهو خاص حينئذ ولا مدخلية للعلم في مفاهيم الألفاظ، فتأمل جيدا، والله أعلم. نعم لو علم انه دم حيض لم يعف عن قليله وكثيره بلا خلاف كما في السرائر، بل إجماعا صريحا وظاهرا في غيرها، ولعله كذلك ما يشهد له التتبع، لاطلاق الأمر بالتطهير من النجاسات والدم، بل وخصوص أمر النبي صلى الله عليه وآله والصادق (ع) الحائض بغسل ثوبها منه، ففي النبوي (1) المروي في كتب فروع الأصحاب دون أصولهم، بل في الحدائق الظاهر أنه من طريق العامة، إلى آخره. وإن كان لا يقدح فيه مثل ذلك في المقام بعد الانجبار، قال صلى الله عليه وآله لأسماء: " حتيه ثم اقرصيه


(1) كنز العمال ج 5 ص 128 الرقم 2643

[ 120 ]

ثم اغسليه بالماء " وقال الصادق (ع) في خبر سورة بن كليب في الحائض (1): " تغسل ما أصاب ثوبها من الدم " بل يستفاد من جملة أخرى شدة نجاسته وغلظها. فهذا مع ما قيل من قصور أدلة العفو عن شموله لندرته، خصوصا مع اختصاص الخطاب فيها بالذكور، واحتمال إصابة ثيابهم من دم الحائض نادر بالضرورة دليل ثان عليه. مضافا إلى قول الصادقين (عليهما السلام) في خبر أبي بصير (2) المروي في الكافي بل وموضع من التهذيب كذلك لكن بزيادة " لم " بعد " فم ": " لا تعاد الصلاة من دم تبصره غير دم الحيض، فان قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء " المؤيد بالرضوي (3) " وإن كان الدم حمصة فلا بأس بأن لا تغسله إلا أن يكون دم الحيض فاغسل ثوبك منه " وقاعدة الشغل في وجه، والمنجبر ضعفه بما عرفت، مع عدم المعارض سوى إطلاق أدلة العفو الممنوع شمولها لمثله، ولو سلم ففيها الخاص المقدم عليها حتى خبر أبي بصير، بناء على إرادة ما دون الدرهم من القليل فيه المعفو عنه من غيره، بل وإن لم يرد منه ذلك يكون التعارض بينهما وبينه من وجه، ولا ريب في رجحانه عليها من وجوه. ويلحق به دم الاستحاضة والنفاس بلا خلاف فيه عندنا كما في السرائر، بل في الخلاف والغنية الاجماع عليه، كظاهر نسبته إلى الأصحاب من غيرهما، بل قد يشعر به أيضا نسبة الخلاف إلى أحمد في التذكرة، مضافا إلى ما دل على كون دم النفاس


(1) الوسائل الباب 28 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 21 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) المستدرك الباب 16 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 121 ]

حيضا احتبس، وإلى غلظ النجاسة فيه وفى الاستحاضة باعتبار حدثيتهما. فما تفرد به المحدث البحراني في حدائقه من إلحاقهما بالمعفو عنه لا طلاق أدلة العفو ضعيف جدا، إذ لا أقل من الشك في الشمول لما سمعت، فيبقى ما دل على الازالة لا معارض له، كما هو واضح. بل قد يشك في شمولها لدم الكلب والخنزير فيلحقان حينئذ بدم الحيض كما هو خيرة الطوسي في وسيلته وعن القطب الراوندي، بل مطلق نجس العين الشامل لهما وللكافر والميتة كما في صريح قواعد الفاضل وإرشاده، بل ومختلفه ومنتهاه والدروس والبيان والمعالم والرياض وظاهر الروض والتنقيح وجامع المقاصد، فيبقى الأصل المستفاد من تلك الاطلاقات بلا معارض، مضافا إلى ظهور ملاحظة الحيثية واعتبارها المستلزم لعدم العفو عن ذلك باعتبار زيادة نجاسة الدم بملاقاته جسد نجس العين، فيكون كتنجسه بنجاسة خارجية، فالعفو عن الدم من حيث أنه دم لا يقتضيه، وإلى موثق ابن بكير (1) المجمع على تصحيح ما يصح عنه " ان الصلاة في كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وبوله وكل شئ منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل الله تعالى أكله ". بل منه ومن سائر ما دل (2) على المنع من فضلات ما لا يؤكل لحمه يستفاد عدم العفو عن مطلق دم غير المأكول من حيث أنه من فضلاته وان عفي عنه من حيث أنه دم، كما هو خيرة الأستاذ في كشفه. وربما يؤيده في الجملة مضافا إلى استبعاد العفو عن قليل دمه مع نجاسته وعدمه


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب لباس المصلي الحديث 1 من كتاب الصلاة (2) الوسائل الباب 8 من ابواب النجاسات

[ 122 ]

في القليل من فضلاته مع طهارته قوله الصادق (ع) في مرفوعة البرقي (1): " دمك أنظف من دم غيرك، إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، وإن كان دم غيرك قليلا كان أو كثيرا فاغسله " وما عن الفقه الرضوي (2) " وأروي أن دمك ليس مثل دم غيرك " وان كان لفظ الغير أعم من المأكول. بل في الحدائق اختيار العمل بمضمونها، فألحق بدم الحيض مطلق دم الغير، وحكاه عن الأمين الاسترآبادي، وهو أغرب من مختار الأستاذ، ولا ريب في ضعفه بل بطلانه، لا مكان تحصيل الاجماع على خلافه حتى منه فيما تقدم من صريح كلامه أو ظاهره، ولقصور دليله بالضعف والارسال والهجر عن مقاومة ما تقدم، خصوصا لو قلنا بكون معارضته لها بالعموم من وجه باعتبار عموم القليل فيه للدرهم وغيره. بل قد يناقش في مختار الأستاذ أيضا، فانه وإن كان بين أدلة العفو عن الدم وبين أدلة المنع عن فضلات ما لا يؤكل لحمه تعارض العموم من وجه، إلا أن التأمل في كلام الأصحاب ومعاقد إجماعاتهم خصوصا اقتصارهم على استثناء الثلاثة أو مع نجس العين، مع معروفية البحث منهم في الأخير حتى ادعى الاجماع ابن إدريس على مساواته لغيره، مع قوة دلالة أخبار العفو بالنسبة إلى ذلك وإن كان بترك الاستفصال في بعضها، وضعف أدلة الفضلة بالنسبة إليه وإن كان بالعموم اللغوي يشهد للأولى ويرجحها، وبعد فرض شمولها له يلزمها اضمحلال حيثية منع الفضلة، إذ تكون حينئذ كالنص على العفو عن دم غير المأكول اللازم له اضمحلال تلك الحيثية قطعا، وإن كان يمكن الفرق بين النص على العفو عن الدم المفروض وبين إطلاق العفو الشامل لملزوم تلك الحيثية وغيره بظهور اضمحلال الحيثية مع الأول، وإلا لكان عبثا أو كالعبث،


(1) الوسائل الباب 21 من ابواب النجاسات الحديث 2 (2) البحار ج 18 ص 21

[ 123 ]

بخلاف الثاني، لكن ملاحظة نصوص المقام وكلمات الأصحاب تشرف الفقيه على القطع بعدم اعتبار حيثية الفضلة هنا وتبعيتها في العفو للدم، فلا ينبغي الاطناب في تكثير السؤال والجواب. نعم قد يتجه اعتبار الحيثية في نحو دم نجس العين لحصول نجاسة معه غير نجاسة الدم، ومن المعلوم أن العفو انما هو عن الدم من حيث أنه دم، ومع أن المشهور كما في المنتهى عدم اعتبارها أيضا، بل لعله ظاهر جميع الأصحاب عدا من علم خلافه، بل كاد يكون صريح اقتصارهم على استثناء الثلاثة، بل في السرائر بعد أن حكى عن الراوندي ما سمعت " وهذا خطأ وزلل عظيم فاحش، لأن هذا هدم وخرق لاجماع أصحابنا ". قلت: بل لعله الأقوى في النظر، لاطلاق الأدلة بل عمومها المستلزم عرفا لاضمحلال مثل هذه الحيثية التي هي من لوازم هذا الدم، وان قلنا بملاحظتها في العارضة له، كملاقاة محل الدم من الثوب مثلا لبول ونحوه. ودعوى انصرافها إلى غيره لندرة إصابته ممنوعة، لعدم مدخلية ندرة الاصابة في صدق اسم الدم وشموله، والمعتبر هو لا هي، بل قد يدعي اضمحلال الحيثية أيضا فيما لو لاقى الدم قبل إصابته نجاسة استهلكها ثم أصاب، لعدم صدق النجاسة بغير الدم، فلا يجري على المتنجس به غير أحكامه، كعدم قابلية الدم للنجاسة بها استصحابا لحاله السابق السالم عن المعارض، ضرورة عدم تناول ما دل على نجاسة الملاقي للنجاسة لمثله. فما في المختلف مشنعا على الحلي بأنه شنع على القطب بغير الحق في غير محله، نعم قد يتوجه عليه أنه مناف لما ذكره في باب نزح الآبار من ملاحظة نحو هذا الاعتبار حيث فرق بين موت الانسان في البئر بين المسلم والكافر لهذه الحيثية، وقد أنكرنا وأنكروا عليه هناك ذلك، فالعجب من إقراره هنا وإنكاره هناك، كالعجب من إقرار غيره هناك وإنكاره هنا، فتأمل جيدا، والله أعلم.

[ 124 ]

فظهر لك من ذلك كله بحمد الله صحة اقتصار المصنف وغيره على استثناء الثلاثة خاصة، لكن قد يوهم تقييده بالمسفوح عدم العفو في قليل غيره أو عدم نجاسته، وقد عرفت عند البحث على نجاسة الدم ما يرفع الثاني، كما أنه قد عرفت هنا ما يرفع الأول، وكذا كلام ابن زهرة يوهم اختصاص العفو عن المقدار المذكور بدم القروح والجروح مع سهولة الازالة، لكن يجوز إرادته ما عدا الثلاثة منهما. ولا يلحق بالدم غيره من النجاسات وما تنجس بها، للأصل السالم عن المعارض، فيجب إزالة قليلها وكثيرها، أما ما تنجس به من المائع ففي المنتهى والبيان والحدائق وجوب إزالته وان قل، للأصل أيضا مع عدم لزوم ثبوت ما في الأصل في الفرع، ولأن الاعتبار بالمشقة المستندة إلى كثرة الوقوع المنتفية فيما نحن فيه، وربما مال إليه في الذخيرة بعد التأمل في المسألة والتردد. لكن قد يقوي إلحاقه به كما عن النهاية احتماله، بل عن المعالم اختياره، فيعفى عما دون الدرهم منه، للأولوية المستفادة من عدم زيادة الفرع على الأصل، ولأن معنى نجاسة المتنجس بالملاقاة انتقال أحكام النجس إليه لا غيرها، ولمناسبة التخفيف المقتضي لمشروعية الأصل، وللشك في تناول أدلة الازالة لمثله، مع عدم مانعية ما شك في مانعيته. ولا فرق في ذلك بين المتنجس بالدم قبل إصابة الثوب مثلا وبعده، ولا بين المتنجس بمقدار المعفو عنه من الدم والزائد، وان نص في جامع المقاصد والروض والمدارك واللوامع على العفو عما تنجس بالمعفو عنه من الدم خاصة، لكن مرادهم المثال قطعا، كما يؤمي إليه تعليلهم، ولا بين تعدي ما أصاب من الرطوبة عن محل الدم وعدمه، وإن خص في الموجز بالثاني. نعم لو زاد المتنجس به ولو عرفا عن الدرهم أو هو مع المتصل به من الدم اتجه المنع حينئذ، للأصل من غير معارض، وإن أطلق قوة العفو في الذكرى، فقال:

[ 125 ]

" وإن أصابه مائع طاهر فالعفو قوي، لأن المتنجس بشئ لا يزيد عليه، ولمس الحاجة " انتهى. وفي ثبوت العفو عن المقدار المخصوص في المحمول من الثوب ونحوه بناء على منع حمل النجاسة في الصلاة إشكال كما في المنتهى بل والنهاية، من عموم الرخصة، وانتفاء المشقة، لكن يقوي الأول للأولوية أو المساواة، أما بناء على جواز حمل النجاسة في الصلاة فلا ريب في الجواز بل ولو كان كثيرا، وإن خبط بعض متأخري المتأخرين، فاستدل بأدلة جواز الحمل على مفروض المسألة السابق. ومما ذكرنا يعرف الحال في حمل ما أصابه دم القروح لذي القروح وان كان لا يخلو من إشكال. ولو تفشى الدم من أحد جانبي الثوب إلى الآخر فدم واحد عرفا، وفاقا للثانيين من غير فرق بين الصفيق وغيره، بل والمنتهى أيضا وإن فرضه في الأول، وخلافا للذكرى والبيان، فأثنان في الثاني، والعرف شاهدنا عليهما، نعم لو كان لا بالتفشي اتجه ذلك حتى في الصفيق كما صرح به في المنتهى، والحكم باتحادهما من غير العالم بالحال لا يجدي، ويعتبر التقدير مع اتحاد الدم بأوسع الجهتين على تأمل. هذا كله في حكم الزائد عن الدرهم والناقص حال كون الدم مجتمعا، * (و) * أما * (إن كان متفرقا) * فلا إشكال بل ولا خلاف في مساواته للمجتمع في العفو عنه مع عدم الزيادة، للأولوية وإطلاق الأدلة وخصوص صحيح النقط (1) فما يوهمه ظاهر عبارة الروضة من وقوع الخلاف فيه ليس في محله. نعم هو في المتفرق الزائد عن الدرهم ف‍ * (قيل) * واختاره في المبسوط والسرائر والنافع والمدارك والحدائق والذخيرة وعن التلخيص والكفاية والأردبيلي وابن سعيد،


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 126 ]

بل في الذكرى أنه المشهور، لكن لم أتحققه، كما أني لم أجده في جامع الأخير، بل لعل الموجود فيه خلافه * (هو عفو) * وإن احتاط بالازالة في الأولين. * (وقيل: تجب إزالته) * كالمجتمع، واختاره في المراسم والوسيلة والمنتهى والمختلف والقواعد وكشف الأستاذ والبيان والذكرى والتنقيح وجامع المقاصد والروض والروضة واللوامع وعن التحرير ونهاية الأحكام والتذكرة وحاشية الشرائع وكشف الالتباس ناسبا له إلى الشهرة في الأخير، كالروض وغيره إلى أكثر المتأخرين. * (وقيل: لا يجب) * إزالته * (إلا أن يتفاحش) * واختاره الشيخ في ظاهر النهاية أو صريحها كالمصنف في المعتبر. * (و) * الثاني لا * (الأول أظهر) * لاصالة وجوب إزالة النجاسة بل والشغل في وجه، وإطلاق دليل المنع الشامل للمجتمع والمتفرق من الأخبار ومعاقد الاجماعات بعد منع انصرافه للأول، كمنع تقييدها بمفهوم قول الصادقين (عليهما السلام) في مرسل جميل (1): " لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب فيه الدم متفرقا شبه النضح، وان كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم " والصادق (ع) في صحيح ابن أبي يعفور (2) بعد أن سأله " عن الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر بعدما صلى، أيعيد صلاته ؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا، فيغسله ويعيد صلاته " لارسال الأولى، بل في سندها علي بن حديد مع عدم تحقق الجابر وإن حكيت الشهرة، بل لعل الموهن محقق، وابتناء دلالة الصحيح على أن يكون " مجتمعا " خبرا ولو بعد خبر بارادة المركب منهما نحو الرمان حلو حامض، وفيه منع، لاحتماله الحالية المحققة لا المقدرة التي هي كقولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدرا فيه الصيد، لما قيل من


(1) و (2) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 4 - 1

[ 127 ]

الاتفاق باشتراطها باختلاف زمانها مع زمان العامل المفقود هنا ضرورة اتحاد زمان كون الدم مقدار درهم والاجتماع، بخلاف ما ذكرنا، إذ المعنى عليه إلا أن يكون هذا الدم مقدار درهم في حال اجتماعه أي لو اجتمع، وهذا لا يقتضي كونها مقدرة بعد اتحاد الزمان كما عرفت. والمناقشة فيه باختصاص دلالتها حينئذ على المتفرق المقدر فيه الاجتماع دون المجتمع فعلا مدفوعة بالتزامه أولا لمناسبة السؤال والاستدلال على الآخر بغيرها، وبمنعه ثانيا، لدلالتها عليه بمفهوم الموافقة، كالمناقشة بأن إرادة المحققة تقتضي اشتراط الاجتماع المطلوب للخصم، لما سمعت من إرادة التقدير منها بالمعنى السابق بملاحظة السؤال، وكأنه لحظ هذا المعنى أو ما يقرب منه من وصفها بالمقدرة لا السابقة، أو أنه يمنع الشرط المتقدم فيها، فيراد بها حينئذ ما يشمل ما نحن فيه، على أن جعله خبرا مستلزما لانقطاع المستثنى، إذ مفروض السؤال عن النقط المتفرقة الظاهرة في الأقل من الدرهم. ومما عرفت تظهر المناقشة في دلالة المرسل أيضا، لاحتماله الحالية من الضمير المستتر الراجع إلى الدم المتفرق. فبان حينئذ قصورهما عن معارضة ما عرفت المؤيد باستبعاد الفرق في القدر المخصوص بين الاجتماع وعدمه، كاستبعاد التزام القول بصحة الصلاة بناء على القول الأول وان استغرق الدم الثوب، إذا فرض نقصان كل مجتمع عن الدرهم وفصله عن مثله بقدر جزء غير منقسم مع القول ببطلانها من إصابة درهم واحد مجتمع، والاحتراز عن ذلك بقيد التفاحش كما هو قول المصنف لم نعرف له مستندا، كما اعترف به غير واحد، سوى المرسل المحكي في البحار عن دعائم الاسلام (1) عن الباقر والصادق (عليهما السلام) " إنهما قالا في الدم يصيب الثوب: يغسل كما تغسل النجاسات،


(1) المستدرك الباب 15 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 128 ]

ورخصا في النضح اليسير منه ومن سائر النجاسات مثل دم البراغيث وأشباهه، قال: فإذا تفاحش غسل ". وهو مع ضعفه وانحصار العامل به في النهاية والمعتبر، بل في كشف اللثام انه يمكن تنزيل عبارة النهاية على معنى غير ذلك مشتمل على ما لا نقول به من سائر النجاسات، مضافا إلى إجمال المراد بالتفاحش، ففي المعتبر انه اختلف فيه قول الفقهاء يعني من العامة، فبعض قدره بالشبر، وبعض بما يفحش في القلب، وقدره أبو حنيفة بربع الثوب، والوجه المرجع فيه إلى العادة، وان كان ما استوجهه وجيها لو كان معلقا عليه الحكم في خبر معتبر. ثم انه لا فرق على المختار من اعتبار التقدير في المتفرق بين الثوب الواحد والثياب المتعددة، فيعتبر بلوغ مجموع ما فيها قدر الدرهم كما صرح به الثانيان في الجامع والمسالك وغيرهما، لظهور الأدلة في التعميم، بل قد يراد بالثوب في السؤال الجنس الشامل للمتعدد، فاحتمال اعتبار كل واحد منها منفردا ضعيف، كضعف احتمال ذلك بالنسبة للبدن، فيعتبر حينئذ ضم ما في البدن إلى الثوب كالثياب المتعددة، لا أنه يعتبر كل منها بانفراده، وان احتمله في الروض، لكنه صرح في المسالك بما ذكرنا لما عرفت. * (ويجوز الصلاة في) * كل ملبوس م‍ * (ما لا تتم الصلاة فيه) * من الرجل * (منفردا) * لعدم تحقق الستر به * (وان كان فيه نجاسة لم يعف عنها في غيره) * مما يتم الصلاة به منفردا بلا خلاف محقق أجده فيه كما أعترف به غير واحد، بل عليه الاجماع تحصيلا ونقلا في الانتصار والخلاف والسرائر صريحا، والتذكرة وغيرها ظاهرا، وهو الحجة بعد النصوص المستفيضة المنجبر ضعف بعضها بما تقدم. كقوله أحدهما (عليهما السلام) في موثق زرارة (1): " كل ما كان لا تجوز


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 129 ]

الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يكون عليه الشئ، مثل القلنسوة والتكة والجورب ". والصادق (ع) في مرسل عبد الله بن سنان (1) " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وان كان فيه قذر، مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك ". وفي مرسل حماد بن عثمان (2) الذي هو كالصحيح في وجه " في الرجل يصلي في الخف الذى قد أصابه قذر إذا كان مما لا تتم الصلاة فيه فلا بأس ". وفي مرسل ابن أبي البلاد (3) " لا بأس بالصلاة في الشئ الذي لا تجوز الصلاة فيه وحده يصيبه القذر، مثل القلنسوة والتكة والجورب ". وخبر زرارة (4) بعد أن قال له: " إن قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها ووضعتها على رأسي ثم صليت، فقال: لا بأس " المتمم دلالته على غير القلنسوة مما لا تتم الصلاة فيه بما عرفت، وبعدم القول بالفصل بينها وبينه الذي لا يقدح فيه ما عن القطب الراوندي وأبي الصلاح وسلار من الاقتصار عليها والتكة والجورب والخف والنعل مع عدم صراحته في الخلاف، بل ولا ظهوره عند التأمل، وإلا كانوا محجوجين بلفظ " كل " ومثل " وما أشبه " في النصوص ومعاقد الاجماعات وغيرها. نعم لا يلحق بها العمامة قطعا وإن عدها منها في الفقيه تبعا للفقه الرضوي (5) لكونها مما تتم بها الصلاة، فتبقى على إصالة الازالة، أللهم إلا أن تحمل على عمامة لا تتم بها الصلاة، كما يؤمي إليه تعليل الجواز فيهما بذلك، فيكون النزاع لفظيا، وإلا فاحتمال القول بالعفو عن نجاستها وان تمت بها الصلاة لاصالة البراءة مع عدم دليل على وجوب


(1) و (2) الوسائل الباب 31 من ابواب النجاسات الحديث 5 - 2 (3) و (4) الوسائل الباب 31 من ابواب النجاسات الحديث 4 - 3 (5) المستدرك الباب 24 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 130 ]

الازالة عن غير الثياب وليست منها في غاية الضعف، لكونها من الثياب قطعا، ولظهور المفهوم في الأخبار السابقة بالمنع عما تمت به الصلاة المؤيد باشعار ترك استثنائها منه مع ظهورها وكثرة الاحتياج إليها، بل هي أولى في التنبيه مما لا تتم به الصلاة، وبالاجماع ظاهرا على عدم الفرق في اشتراط طهارة الملبوس بين الثوب وغيره إذا كان مما تتم به الصلاة، كاحتمال القول ان العمامة ممالا تتم الصلاة بها باقية على هيئتها، إذ لا عبرة بامكان الستر بغير تلك الهيئة، وإلا لكانت القلنسوة ونحوها مما تتم بها الصلاة في بعض الأحوال، لأنه كما ترى مستلزم لجواز الصلاة في كل ثوب مطوي مع نجاسته، وهو سفسطة كما اعترف به المجلسي على ما حكي عنه في حاشية الفقيه، إذ من الواضح الفرق بين الامكانين: أي إمكان التستر بالقلنسوة، وإمكانه بالعمامة، على أن ترك التمثيل بها لما لا يتم والتمثيل بالقلنسوة ونحوها له مع ظهورها وكثرة الاحتياج إليها وأولويتها بالتنبيه عليها كالصريح في كونها ليست منه. ثم لا فرق في النجاسة بين القليلة والكثيرة، ولا بين دم الحيض وغيره، ولا بين كون النجاسة من نجس العين وغيره، لظاهر النصوص والفتاوي، لكن قد يتأتى البحث السابق في الدم، فلا يعفي عن مثل الأخير، بل كل نجاسة من غير المأكول لا للنجاسة بل لحصول مانع آخر، وهو فضلة غير المأكول، ولا دليل على العفو عنها، لعدم التلازم بعد اختلاف الحيثيتين، بل في التنقيح عن بعض الأصحاب المنع هنا أيضا مع غلظ النجاسة كدم الحيض وأخويه. قلت: إلا أن ظاهر الأصحاب والنصوص هنا عدم اعتبار الحيثية والغلظ المذكورين، بل هو صريح بعضهم، وهو يؤيد ما تقدم لنا سابقا. كما انه منه بمفهوم الموافقة يستفاد حينئذ العفو عن فضلة غير المأكول غير النجسة على القلنسوة ونحوها مما لا تتم الصلاة به.

[ 131 ]

وكذا لا فرق فيما لا تتم فيه الصلاة بين كونه من جنس الساتر كالقلنسوة ونحوها وعدمه كالحلي من الخاتم والخلخال والسوار والدملج والمنطقة والسيف والسكنى ونحوها بعد صدق اسم الملبوس، لعموم الأدلة وخصوص إجماع السرائر، فليس العفو عن نجاستها حينئذ مبنيا على جواز حمل النجس في الصلاة. ومن هنا صرح في السرائر والمنتهى بالعفو فيها، بل ادعى الأول عليه الاجماع، وان منع فيهما حمل النجس مع عدم صدق اسم اللبس عليه وان كان مما لا تتم فيه الصلاة. لكن يمكن المناقشة فيه بدعوى مجازية إطلاق اسم الملبوس على أكثرها ان لم يكن جميعها، خصوصا في السيف والسكين ونحوهما، فمع فرض تنزيل أدلة العفو على إرادة الملبوس دون المحمول لا تشملها حينئذ، ولا ينافيه العموم اللغوي فيها، إذ أقصاه شمول الأفراد الحقيقية وان كانت نادرة لا المجازية، أللهم إلا أن يمنع عدم صدق اللبس عليها حقيقة، أو يراد بالملبوس هنا ما يشملها بقرينة ذكر الخف والنعل والتكة والكمرة، وهي على ما قيل كيس للذكر خوف الاحتلام مما لا تتم الصلاة فيه، أو يدعى دوران الحكم على صدق الصلاة فيه أو وهو عليه، كما في مرسل ابن سنان المتقدم (1) وان كانت لا تتم به، وهما أعم من صدق اللبس، وغير مستلزم لجواز حمل المتنجس، لعدم صدق الظرفية معه. هذا كله إن لم نقل بجواز حمل المتنجس في الصلاة غير الثوب ونحوه مما تتم به الصلاة، وإلا فلا إشكال في العفو عنها، إذ هي ان لم تكن كما ذكرنا فبحكم المحمول قطعا، ولعل الأقوى فيه ذلك وفاقا للمعتبر والمدارك والمعالم والذخيرة والحدائق واللوامع وغيرها ومنظومة الطباطبائي وكشف الأستاذ، للأصل السالم عن معارضة دليل معتبر، بناء على المختار من جريانه في العبادة في نحو ذلك، وفحوى صحيح الثالول في وجه،


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب النجاسات الحديث 5

[ 132 ]

بل ينبغي القطع به فيما لا تتم به الصلاة من المبلوس، لأولويته من اللبس، ومرسل ابن سنان السابق، وإمكان اندراجه في بعض أدلة العفو أيضا، لمنع ظهورها في حال اللبس فضلا عن كونه في محالها وان توهمه بعض. بل قد يستفاد من صحيح الثالول (1) بناء على ذلك الوجه العفو عن حمل النجاسة نفسها أيضا التي هي جزء ميتة كما هو صريح كشف الأستاذ، بل وظاهر غيره. لكن قد يشكل أولا بدعوى ما نعية الميتة للصلاة لنفسها لا من حيث النجاسة، كما تعطيه بعض الأدلة والعبارات، إلا أنها قد تمنع، أو تسلم ويدعى العفو عنها في المحمول أيضا. وثانيا بمفهوم مكاتبة عبد الله بن جعفر (2) إلى أبي محمد (ع) " يجوز أن يصلي ومعه فأرة مسك، فكتب لا بأس به إذا كان ذكيا ". وصحيح علي بن جعفر (ع) (3) " سأل أخاه عن الرجل يصلي ومعه دبة من جلد حمار أو بغل، قال: لا يصلح أن يصلي وهي معه " وخبر علي بن أبي حمزة (4) " إن رجلا سأل أبا عبد الله (ع) وأنا عنده عن الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه، قال: نعم، فقال الرجل: إن فيه الكيمخت، قال: وما الكيمخت ؟ قال: جلود دواب، منه ما كان ذكيا ومنه ما كان ميتة، فقال: ما علمت انه ميتة فلا تصل فيه ". إلا أنها لمكان اختصاصها جمعا بالميتة - وعدم الجابر للمحتاج إليه منها كعدم صراحة الأولين في المنع والثانى في الميتة، فكما يمكن حمله عليها يمكن حمله على الكراهة


(1) الوسائل الباب 63 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 41 من ابواب لباس المصلي الحديث 2 (3) الوسائل الباب 60 من ابواب لباس المصلي الحديث 2 (4) الوسائل الباب 55 من ابواب لباس المصلي الحديث 2

[ 133 ]

وابتناء الأول على نجاسة الفأرة من غير المذكى، وفيه بحث قد مر، واحتمال الثالث الاندراج في الملبوس دون المحمول أعرض عنها بعض الأصحاب، فأجاز حمل كل نجاسة ميتة أو غيرها. لكنه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد التفصيل بين الميتة وغيرها، فيقتصر في المنع على الأولى، لما سمعت من الأخبار وغيرها الدالة على المنع منها حتى في شسع النعل السالمة عن المعارض، لتنزيل صحيح الثالول على الطهارة لا النجاسة والعفو كما عرفته فيما مر، وان استند إليه هنا في الذكرى وكشف الغطاء، دون الثانية للأصل. ومنه حينئذ ينقدح أولوية المنع فيما اتخذ ملبوسا منها وان كان لا تتم به الصلاة، بل لعل الخبر الأخير صريح فيه، أما إذا كان متخذا من غيرها كشعر نجس العين ففي كشف الأستاذ المنع معللا له بظهور أدلة العفو من حيث النجاسة، فلا يشمل المنع من جهة أخرى كعدم المأكولية، ويلزمه عدم العفو عما تنجس بدم غير المأكول ونحوه مما لا تتم به الصلاة، وفيه منع واضح يعرف مما تقدم، فالأولى التعليل بظهور أدلة العفو في المتنجس مما لا تتم به الصلاة لا النجس، فيبقى على أصل اشتراط الطهارة في ملبوس المصلي، أللهم إلا أن يدعى المساواة أو عدم القول بالفصل، وهما كما ترى. وأما حمل ما تمت به الصلاة كالثوب ونحوه فظاهر القائل بالعفو العفو فيه أيضا، بل هو صريح بعضهم للأصل. لكن قد يشكل بمفهوم بعض أدلة العفو، ودفعه بارادة اللبس في المنطوق، فيكون المفهوم عدمه عن لبس غير ما لا تتم الصلاة به لا حمله لا يتم في مرسل ابن سنان المتضمن للحمل، بل وغيره بناء على ظهوره في العفو عما لا تتم الصلاة به محمولا وملبوسا. نعم قد يمنع حجية المفهوم في مثلها أو دلالته على المنع، لأعمية البأس منه، فيبقى

[ 134 ]

الأصل حينئذ سالما، وهو لا يخلو من قوة، فتأمل جيدا، فان كلام الأصحاب لا يخلو من نظر بل واضطراب. لكن مما ذكرنا يعرف أن ما في السرائر من عدم العفو عن نجاسة غير الملبوس مما لا تتم الصلاة به معللا له بأنه يكون حينئذ حاملا للنجاسة كما في المنتهى والمختلف والموجز والبيان وكشف اللثام، بل في الأخير أنه ظاهر الأكثر مع زيادة التمثيل في الأول بالدراهم النجسة وغيرها، بل فيه التصريح أيضا بعدم العفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة به إذا كانت في غير محلها كالتكة على الرأس والخف في اليد، كظاهر القواعد أو صريحها والبيان والموجز وعن التذكرة والتحرير، بل في السرائر أيضا والقواعد وعن المبسوط والجواهر والاصباح والجامع التصريح بفساد الصلاة مع حمل القارورة المشتملة على النجاسة المشدود رأسها بشمع ونحوه لا يخلو من نظر بل منع. على أن الشيخ في الخلاف قال في القارورة: " إنه ليس لأصحابنا فيها نص، والذي يقتضيه المذهب عدم النقض لكن قال بعد ذلك: ولو قلنا إنه يبطل الصلاة لدليل الاحتياط كان قويا، ولأن على المسألة إجماعا، فان خلاف ابن أبي هريرة لا يعتد به " انتهى، ومراده الاجماع من العامة قطعا كما لا يخفى على من لاحظ عبارته. وفي المنتهى في القارورة أيضا بعد أن حكى عن المبسوط وابن إدريس وأكثر الجمهور البطلان قال: " ولو قيل بالصحة من حيث أن الصلاة لا تتم به منفردا كان وجها، هذا إن قلنا بتعميم جواز الدخول مع نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه منفردا، وإلا فالأقوى ما ذكره الشيخ في المسبوط، وان كان ما يقم عندي عليه دليل، وقول الجمهور انه حامل نجاسة فتبطل صلاته كما لو كانت على ثوبه ضعيف، إذ الثوب شرط الدخول به في الصلاة الطهارة " انتهى. وهو كما ترى. وفي كشف اللثام بعد أن خص العفو في الملابس مال إلى جواز حمل النجاسة

[ 135 ]

كالقارورة ونحوها إلى غير ذلك من عباراتهم. وكيف كان فالتحقيق ما عرفت من العفو عما لا تتم به الصلاة ملبوسا أو محمولا أو غيرهما، بل وما تتم به الصلاة إذا كان محمولا كما سمعت، للأصل في بعض، وظاهر الأدلة في آخر، وكان بحث الأصحاب في خصوص القارورة تبعا للعامة، حيث أنهم لما منعوا من نجاسة ما لا تتم به الصلاة وأجازوا نحو حمل الحيوان الطاهر مأكولا أو غير مأكول، لأن النبي صلى الله عليه وآله حمل امامة بنت أبي العاص (1) وركب الحسن والحسين (عليهما السلام) على ظهره صلوات الله عليهم وهو ساجد (2) ولأن النجاسة في المحمول كالحامل قال بعضهم بالجواز أيضا في نحو القارورة قياسا على ذلك، ولذا فرض شد رأسها بالرصاص ونحوه ليتم القياس. وفيه انه قياس مع الفارق، لصدق حمل النجاسة في الثاني ولو بواسطة أو وسائط دون الأول، ولذا كان المتجه فيه الصحة وان قلنا بعدم جواز حمل النجاسة في الصلاة، كما صرح بها في المعتبر والمنتهى والقواعد والذكرى وكشف اللثام، بل في الأخير أنه لا خلاف فيه، لما سمعته من حمل النبي صلى الله عليه وآله الحسنين (عليهما السلام) وأمامة، وترك الاستفصال في صحيح علي بن جعفر (3) " سأل أخاه عن رجل صلى وفى كمه طير، قال: إن خاف عليه الذهاب فلا بأس ". نعم لو ذبح الحيوان غير المأكول ففي الذكرى وجامع المقاصد كان كالقارورة، لصيرورة الظاهر والباطن المشتمل على النجاسة سواء بعد الموت، وزاد في الثاني ولأن حمل جلد غير المأكول ولحمه ممنوع منه في الصلاة، وان كان ذلك منهما لا يخلو من بحث


(1) كنز العمال ج 4 ص 233 الرقم 4924 (2) المستدرك - الباب 29 من ابواب قواطع الصلاة - الحديث 1 و 2 (3) الوسائل الباب 60 من أبواب لباس المصلي - الحديث 1

[ 136 ]

ونظر، خصوصا الأخير، لمنع شمول أدلة عدم الجواز في غير المأكول للمحمول، فتأمل. وكذا لا يندرج في المحمول بل ولا فيما وجبت إزالته للصلاة الدم النجس إذا أدخله تحت جلده فنبت عليه اللحم، والخيط النجس إذا خاط به جلده، والخمر الذي شربه، والميتة التي أكلها ونحو ذلك، للأصل وظهور أدلة الازالة في غيره، والتحاقه بالباطن وصيرورته من التوابع كنجاساته. فما في التذكرة من وجوب إزالة ذلك الدم للصلاة، كظاهر المنتهى ومحتمل الدروس وغيرها محل منع، وأشد منه منعا ما عن ظاهر البيان من جريان ذلك حتى في دم الانسان نفسه، نعم قد يتجه القول بوجوب القئ في نحو الأخيرين مع الامكان كما في المنتهى وعن غيره، لحرمة الاستدامة كالابتداء، ولخبر عبد الحميد بن سعيد (1) قال: " بعث أبو الحسن (ع) غلاما يشتري له بيضا فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بهما، فلما أتى به أكله، فقال له مولى له: إن فيه من القمار، قال: فدعا بطشت فتقيأه فقاءه ". فلو لم يفعل وصلى مع السعة وإمكان القئ بني الصحة والبطلان على البحث في الضد. لكن قد يشكل المختار: أي العفو عن نحو ما تقدم بظهور مساواة المذكورات للعظم النجس، كعظم الكلب ونحوه إذا جبر به، خصوصا إذا اكتسى اللحم وخفي، مع انه لم يعرف خلاف بين الأصحاب في وجوب إزالته مع الامكان، كما عن المبسوط نفيه عنه صريحا، بل في الذكرى والدروس الاجماع عليه كذلك كظاهر غيره، بل قد يظهر من بعضهم الاتفاق عليه بين المسلمين إلا من أبي حنيفة، فلم يوجبه مع اكتساء اللحم، بل عن بعض الشافعية القول بوجوبه وان خشي التلف فضلا عن المشقة، وان


(1) الوسائل الباب 35 من ابواب ما يكتسب به الحديث 2

[ 137 ]

كان واضح البطلان، ومن المعلوم أن وجوب الازالة للصلاة لا لنفسه، كما هو صريح بعض وظاهر آخر، ولذا لو مات سقط وجوب الازالة كما صرح به أيضا في الذكرى وكشف اللثام، ولا فرق بينه وبين ما تقدم، إذ البطلان هنا إما لصدق حمل النجاسة كما عن الشيخ التعليل به، وتبعه في جامع المقاصد، أو لعدم العفو عن مثله وان كان باطنا، اقتصارا على المتيقن من العفو عن نجاسة البواطن نفسها لا الخارج عنها، وهما معا جاريان فيما سبق، بل في الذكرى وجامع المقاصد التصريح بأن مثل العظم لو خاط جرحه بخيط نجس، كما أن في الثاني التصريح بعدم الفرق بين العظم النجس والمتنجس، وهو كذلك. نعم لو كان ظاهرا كعظم غير نجس العين من كل حيوان ولو ميتة بناء على عدم نجاسته بالموت وطهر من النجاسة العرضية لو كانت لا إشكال في جواز التجبير به، وعدم وجوب إزالته عدا عظم ميت الآدمي منه، وان كان هو لا ينجس بالموت أيضا إلا أنه يجب قلعه، لمكان وجوب دفنه، مع احتمال عدم الوجوب فيه أيضا، لاصالة البراءة عن دفن مثله، وخبر الحسن بن زرارة (1) عن أبي عبد الله (ع) " عن الرجل يسقط سنة فيأخذ من ميت مكانه، قال: لا بأس " بناء على مساواة سن الميت لغيره من أجزائه في وجوب الدفن وان لم نقل به بالنسبة للحي، ولذا جاز للانسان أن يرجع سنه إلى مكانه بعد أن قلع، وإن حكي عن التذكرة الاشكال فيه أيضا، ومثله وضع سن غيره الحي موضع سنة. لكن قد يدفع هذا الاشكال بتسليم الاجماع وقصره على مورده أولا، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، أو يراد به مع نجاسة الظاهر ونحوه مما يشترط طهارته في


(1) الوسائل الباب 33 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 11 مع اختلاف في السند واللفظ

[ 138 ]

الصلاة، وبمنع حصول الظن منه ثانيا لاحتمال أن منشأ دعواه تلك التعليلات العليلة، وبمنع إرادة حاكية ما هو حجة منه ثالثا بقرينة احتماله نفسه في الذكرى عدم وجوب الازالة بعد اكتساء اللحم، واستوجهه في المدارك والذخيرة، وهو في محله، لالتحاقه بالبواطن، ولصيرورته كنجاسته المتصلة به من الدم ونحوه بل كجزئه، ولقصور ما دل على وجوب إزالة النجاسة عن تناول مثله، خصوصا بعد انصرافها إلى المتعارف. نعم قد يقال بالفساد قبل الاكتساء لا للحمل ونحوه بل لصيرورته بالتجبير كالجزء من البدن، والفرض أنه ليس باطنا، فتأمل، والله أعلم بحقيقة الحال. * (وتعصر الثياب) * ونحوها مما يرسب فيها الماء * (من النجاسات كلها) * إذا غسلت بالقليل، للشك في زوال النجاسة المستصحبة بدونه الناشئ من فتوى المشهور نقلا وتحصيلا به، وان اقتصر بعضهم على ذكره في البول، بل في شرح المفاتيح للأستاذ أنه كذلك بين المتقدمين والمتأخرين، بل في الحدائق نفي خلاف يعرف فيه، كما عن المعتبر نسبته إلى علمائنا، خصوصا مع عدم شوب الفتوى به بشك أو تردد من أحد منهم، بل في جامع المقاصد وغيره أنه مما لا ر يب فيه، وفيهم إن لم يكن جميعهم من لا يقنع بمتحد الدليل عن متعدده، بل فيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات كابن إدريس وغيره، بل فيهم من لا يفتي إلا بمضامين الأخبار كالصدوق في الفقيه والهداية، بل حكي عن والده أيضا ذلك الذي قيل إنهم كانوا إذا أعوزتهم النصوص رجعوا إلى فتاواه. ومن احتمال اعتبار العصر في مسمى غسل الثياب ونحوها بالقليل، وأنه بدونه صب لا غسل، كما في المعتبر والمنتهى وغيرهما التصريح به، بل في البحار نسبته إلى فهم الأكثر. وربما يؤمي إليه مقابلته بالصب في نحو حسن الحلبي (1) قال: " سألت أبا عبد الله


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 139 ]

(ع) من بول الصبي، قال: تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا " الحديث. لعدم صلاحية مائز بينهما إلا العصر، بل إن لم نقل بدخوله في مسماه فهو من لوازمه العرفية التي يفهم إرادته من الأمر بالغسل عرفا، لكونه المتعارف المعهود، خصوصا مع ملاحظة كون المراد بالغسل إزالة القذر وأثره بامتزاجه معه وانفصالهما عن الثوب على حسب الأمر بغسل الثوب من الوسخ ونحوه، بل قد يدعى توقف إزالة النجاسة باعتبار رسوبها في الثوب عليه، لينفصل مع الماء الذي وضع احتيالا لاخراجها، بل ينبغي القطع بلزوم العصر بناء على نجاسة الغسالة وان لم تنفصل، لعدم ثبوت العفو عن المتخلف إلا بعد العصر، فقبله على أصل النجاسة. نعم لا يعتبر أعلى أفراد العصر قطعا، كما لا يكتفي بأدناه المخرج شيئا ما. ومن الرضوي (1) " وإن أصابك بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرة، ومن ماء راكد مرتين، ثم اعصره، وإن كان بول الغلام الرضيع فتصب عليه الماء صبا، وإن كان قد أكل الطعام فاغسله " إلى آخره. والمروي في البحار عن دعائم الاسلام (2) عن علي (ع) قال: " في المني يصيب الثوب يغسل مكانه، فان لم يعرف مكانه وعلم يقينا أنه أصاب الثوب غسله كله ثلاث مرات، يفرك في كل مرة ويغسل ويعصر " إلى آخره. بل لعل حسنة الحسين بن أبي العلاء (3) المروية في الكافي والتهذيب دالة عليه أيضا، قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن البول يصيب الجسد، قال: صب


(1) المستدرك الباب 1 و 2 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) المستدرك الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 2 (3) ذكر صدرها في الوسائل في الباب 1 من أبواب النجاسات الحديث 4 وذيلها في الباب 3 الحديث 1

[ 140 ]

عليه الماء مرتين، فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرتين، وسألته عن الصبي يبول على الثوب، قال: يصب عليه الماء قليلا ثم يعصره " إلى آخره. إن حمل الصبي فيه على الآكل، للقطع بعدم وجوب العصر في غيره، إلا أنه قد يشعر تقييده بالقليل وعدم ذكره التعدد فيه بارادة الرضيع منه، ومن هنا استوجه غير واحد حمله على الندب أو غيره، لعدم وجوبه فيه. كما انه قد يشعر تعليله الاجتزاء بالصب بأنه ماء كالمروي (1) في مستطرفات السرائر من جامع البزنطي قال: " سألته عن البول يصب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرتين " بكون مدار الفرق بين الغسل والصب احتياج الأول إلى أمر زائد على مسمى الغسل من مباشرة للمتنجس وغمزه وتهيئته لخروج عين النجاسة منه باراقة الماء عليه، فيكون كذلك الجسد ونحوه لازالة نجاسة محتاجة إليه. كما يشهد له ما في الكافي (2) بعد روايته الحسنة السابقة " وروي أنه ليس بوسخ فيحتاج أن يدلك " وما رواه الصدوق باسناد عن السكوني (3) كالشيخ باسناده عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) " كن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله أمرهن أن يصببن الماء صبا على أجسادهن ". لا أن الفرق بينهما ما سمعته سابقا في وجوه الشك من دخول العصر في مسمى الغسل دون الصب، بحيث لو نذر الغسل فلم يعصره حنث لمخالفته للعرف واللغة من غير مقتض وشاهد، كما اعترف به جماعة من متأخري المتأخرين، ومقابلته بالصب أعم


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من ابواب النجاسات الحديث 7 - 6 (3) الوسائل الباب 30 من ابواب الجنابة الحديث 2

[ 141 ]

من ذلك، كما يؤمي إليه إطلاق الصب على ما علم إرادة الغسل منه، كما في غسل البدن ونحوه وبالعكس، فدعوى دخول العصر في مفهوم الغسل مطلقا للمقابلة المذكورة في غاية الفساد. على انه قد يفرق بينه وبين الغسل بالانفصال وعدمه، قال في الخلاف: " يكفي الصب في غسل بول الصبي قبل أكله بمقدار ما يغمره، ولا يجب غسله، ومن عداه يجب غسل أبوالهم، وحده أن يصيب عليه الماء حتى ينزل عنه " إلى آخره. كنحو ما في حواشي الشهيد على القواعد وتنقيح المقداد، وهو ظاهر أو صريح في عدم اعتبار العصر في مفهومه، ويؤيده ما تعرفه من عدم اعتباره فيه لو غسل بماء كثير. واحتمال إمكان الفرق بين مسمى الغسل به والماء القليل لاختلاف كيفيته بوضعه في الماء ووضع الماء عليه بالنسبة اليهما يدفعه فرض اتحاد الكيفية، كالموضوع تحت ميزاب ونحوه، فظهر حينئذ أنه لا وجه لانقداح الشك من ذلك، كما أنه لا وجه له مما بعده، إذ ليس المفهوم عرفا من أوامر التطهير والغسل إلا إرادة إزالة عين النجاسة أو أثرها التي هي كما انها تحصل بغيره كالمباشرة باليد أولا وتهيئتها للزوال، ثم إكثار الماء عليها حتى تنفصل معه بانفصاله من غير حاجة إلى عصر، كما عن الذكرى والبيان الاعتراف به، حيث قال فيها: " إن انفصال الماء قد يكفي في الازالة من غير افتقار إلى عصر " إلى آخره. على انه قد تكون النجاسة حكمية غير محتاجة إلى شئ من ذلك، نعم قد يتوقف إخراج العينية عليه، ومعه لا كلام في وجوبه لذلك لا لتوقف صدق الغسل عليه. وأما دعوى الاحتياج إليه مقدمة لازالة ماء الغسالة فهو مع ابتنائه على نجاستها، بل نجاسة المتصل بالمغسول منها، وقد عرفت ان الأقوى طهارة المنفصل منها، فضلا عن

[ 142 ]

المتصل، بل ربما ظهر منهم هناك أن المتصل ليس من موضع محل البحث في الغسالة يدفعها إمكان القول بالعفو عن المتخلف قبل العصر، لاطلاق ما دل على الاكتفاء بالغسل في طهارة المغسول المستلزم طهارته كالمتخلف بعد العصر الممكن خروجه ولو بعصر أقوى في الثوب وعلى آلة العصر. وأما الرضوي فليس بحجة عندنا، مع احتماله الحمل على صورة التوقف كخبر الدعائم، بل لعله الظاهر منه بقرينة ذكر الدلك، بل يمكن إرادة قدماء الأصحاب ذلك، لا أنه شرط تعبدي وان حصلت الازالة بدونه. ولعله لذا حكي عن المبسوط والنهاية والجمل وظاهر الانتصار والناصريات إطلاق الغسل من غير تعرض للعصر، وان جعل مقابلا للصب في الأول كالخلاف، وهو الذي يقوى في نفس الحقير وفاقا لصريح جماعة من متأخري المتأخرين، بل في اللوامع نسبته إلى الكركي وجل الطبقة الثالثة، لاطلاق أدلة الغسل المؤيد بسهولة الملة وسماحتها، وبما تسمعه مما ورد (1) في تطهير البساط والفراش ذى الحشو. وبذلك ينقطع استصحاب النجاسة وان أيد بتلك الاعتبارات السابقة فلا يجب حينئذ بعد الازالة وتحقق مسمى الغسل شئ من العصر تغميزا أوليا أو كبسا حتى لو قلنا بنجاسة الغسالة، والله أعلم ولعل الأقوى وجوب تعدده بناء عليه في متعدد الغسل وفاقا للسرائر والمعتبر والروضة وغيرها، فيعصر بعد كل غسلة، لتوقف يقين الطهارة عليه، وخبر الدعائم (2) بل ينبغي القطع به على القول بدخوله في مسمى الغسل وانه الفارق بينه وبين الصب. لكن قضية إطلاق الأكثر وصريح ما عن المدنيات الاكتفاء بالمرة، كصريح


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب النجاسات (2) المستدرك الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 143 ]

الرضوي (1) والفقيه والهداية، إلا أن ظاهر الثلاثة كمحتمل سابقها كونه بعد الغسلتين، ولعله لكون المقصود منه إخراج ماء الغسالة، مضافا إلى الرضوي، لكن في اللمعة التصريح بأنه بينهما، وكأنه لأن المراد به إخراج نفس النجاسة أولا ثم تعقيبه بغسلة التطهير. وربما يؤمي إليه تعليل الغسلتين بأن أحدهما للازالة، وأخرى للتطهير، ولا ينافيه القول بنجاسة الغسالة، لامكان منعه في خصوص غسلة التطهير أولا، وإمكان القول بالعفو عن خصوص المتخلف ثانيا، لاطلاق أدلة حصول الطهارة بمسمى الغسل، وعلى كل حال فالأقوى ما عرفت. كما انه قد يقوى في بادئ النظر وجوبه أيضا حتى لو غسل بالكثير جاريا أو غيره، كما هو قضية إطلاق المتن وغيره، للاستصحاب مع احتمال تعبدية العصر كاحتمال دخوله في مسمى الغسل، وإطلاق الرضوي، وإيجابه في الراكد الذي هو أعم من الكر. لكن صرح جماعة من المتأخرين بل في الذخيرة نسبته إلى أكثر المتأخرين كما في غيرها نسبته إلى التذكرة ونهاية الأحكام وما تأخر عنها بسقوطه حينئذ، بل لم نعثر على مصرح بخلافه، لاطلاق الأدلة، ومنع احتمال دخوله في مسماه في المفروض، إلا مع اتحاد كيفية الغسل فيهما، كمنع احتمال التعبد، وظهور الرضوي في سقوطه مع غسله في الجاري، بل لعل المراد به مطلق ما لا ينفعل، وبالراكد القليل المنفعل، وفحوى طهارة مالا يعصر وترسب فيه النجاسة. هذا مع عدم فائدته أي العصر هنا بناء على تعليله بخروج ماء الغسالة، لكون المفروض أن المغسول به مما لا ينفعل، والقول بتحقق نجاستها في انفصال المغسول عن الماء لارادة غسله مرة ثانية إذا كان مما يغسل مرتين يدفعه بعد تسليم وجوب التعدد


(1) المستدرك الباب 1 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 144 ]

في الكثير أنه لا حاجة إلى العصر أيضا، لحصول طهارتها باشتمال كثير الماء عليه في المرة الثانية، وهو الأقوى. وينبغي أن يلحق بالعصر عند من اعتبره بل لعل مراده به ما يشمله الدق والتغميز والتثقيل والتقليب ونحوها مما يكون سببا للاخراج فيما يرسب فيه الماء ويعصر عصره لثخنه وما فيه من الحشو، بل قيل: إن ذلك معناه لغة، لاقتضاء الضرورة واتحاد فائدتها من إخراج الغسالة والنجاسة معه، وبه صرح الفاضل والشهيدان والمحقق الثاني وغيرهم، لكن علله غير واحد بالرواية أيضا، ولم نعثر فيما وصل الينا منها على شئ من ذلك، بل قد يؤمي بعضها إلى خلافه كخبر علي بن جعفر (1) المروي عن كتاب المسائل له وقرب الاسناد " سأل أخاه عن الفراش يكون كثير الصوف فيصيبه البول، كيف يغسل ؟ قال: يغسل الظاهر ثم يصب عليه الماء في المكان الذي أصابه البول حتى يخرج من جانب الفراش الآخر " بل هو ظاهر في التوسعة في تطهر المتنجسات، كظهوره في طهارة الغسالة، وأما الصحيح أو الموثق (2) " سألت أبا الحسن (ع) عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر، وعن الفرو وما فيه من الحشو، قال: اغسل ما أصاب منه ومس الجانب الآخر، فان أصبت مس شئ منه فاغسله، وإلا فانضحه بالماء " فعدم دلالته على ذلك واضح، وكان مراد السائل انه نفذ متوجها إلى الجانب الآخر وان لم يبلغه، كما أن مراده اغسل ما علم إصابة البول له ونفوذه إليه، وأما الجانب الآخر فمسه، فان وجدت عليه رطوبة البول فاغسله، أي اغسل الثوب بحيث ينفذ الماء من أحد جانبيه إلى الآخر، وان لم تجد عليه شيئا من رطوبته فانضحه بالماء. وكذا صحيح إبراهيم بن أبي محمود (3) " سأل الرضا (ع) عن


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب النجاسات الحديث 3 - 2 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 145 ]

الطنفسة والفراش يصيبهما البول، كيف يصنع بهما وهو ثخن كثير الحشو ؟ قال: يغسل ما ظهر منه في وجهه " فانه مبني على إرادة غسل ما علم وصول البول إليه من وجهه، أو على عدم نفوذه، أو الاجتزاء بغسل الظاهر، لأنه مورد الاستعمال والمباشرة، وعلى كل حال فلا دلالة فيه على شئ من ذلك. فالأولى حينئذ الاستناد إلى ما تقدم سابقا من ظهور مساواة تلك الأمور للعصر، بل قد عرفت احتمال إرادة ما يشملها منه، كما صرح به بعضهم، بل نسبه آخر إلى الظاهر من كتب اللغة، نعم لا يندرج فيه الجفاف قطعا ولا يلحق به، خصوصا إن قلنا به لدخوله في مفهوم الغسل أو للرضوي، فيبقى الثوب حينئذ مع عدمه على النجاسة كما صرح به الشهيدان والمحقق الثاني وغيرهم، لكن في التذكرة الاشكال فيه من زوال النجاسة بالجفاف، ومن مظنة انفصال أجزاء النجاسة في صحبة الماء بالعصر لا بالجفاف، ولا يخفى وضوح مصادرة أولى جهتي الاشكال، كما أنه في المعالم القطع بالاجتزاء بالجفاف بناء على تعليل اعتبار العصر باخراج ماء الغسالة، قال: وما ذكره العلامة والشهيد من الظن ليس بشئ، كيف وهذا الظن في أكثر الصور لا يأتي، والتخيل في الأحكام الشرعية لا يجدي، قلت: لا ريب في كفايته هنا لاستصحاب النجاسة، فاحتمال التفاوت بين العصر والجفاف كاف فضلا عن الظن، كما هو واضح. أما ما لا يعصر عادة فان كان ممالا يرسب فيه الماء مثلا من الأجسام الصلبة كالجسد والاناء وغيرهما فاعتبر العلامة في التحرير وعن النهاية الدلك فيها عوض العصر، كما عن ابن حمزة ذلك أيضا، لكن في غير مس الحيوان النجس استظهارا، ولموثق عمار بن موسى (1) عن أبي عبد الله (ع) " في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات، سئل يجزؤه أن يصيب فيه الماء، قال: لا يجزؤه حتى يدلكه


(1) الوسائل الباب 51 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 146 ]

بيده، ويغسله ثلاث مرات " بل في المنتهى انه قد يظهر من إطلاقه الغسل أولا دخوله في مسماه، وإلا لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة. قلت: لا ريب في اعتبار الدلك مع توقف إزالة النجاسة أو الاطمئنان بذلك عليه، لا لدخوله في مسمى الغسل بل لعدم تحقق الازالة المأمور بها بدونه، وعليه ينزل الموثق، خصوصا بالنسبة إلى مثل هذه النجاسة في النفوذ في مثل هذا المحل وشدة الاهتمام بالاحتياط عنها، وإلا فهذا الراوي بعينه روى (1) عن الصادق (ع) انه " سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل ؟ وكم مرة يغسل ؟ قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرع منه ذلك، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر ". وهو كالصريح في عدم اعتبار الدلك كالأخبار (2) الآمرة بالصب على الجسد من البول ومحل الاستنجاء منه، خصوصا المشتملة على التعليل بأنه ماء، فلا ريب في عدم وجوبه مع عدم التوقف عليه، كما صرح به جماعة، بل لا أعرف فيه خلافا ممن عدا من عرفت، بل يمكن تنزيل كلامه على ذلك. نعم يمكن القول باستحبابه للاستظهار، كما في المعتبر والمنتهى ومجمع البرهان والمدارك وعن المدنيات والتذكرة. لكن قد يشكل بناء على نجاسة الغسالة ووقوع الدلك مقارنا للغسل الحكم بطهارة ما على آلة الدلك من ماء الغسالة. وربما يدفعه بعد إمكان معلومية تبعية الطهارة في مثل الفرض ظهور أن المراد


(1) الوسائل الباب 53 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب النجاسات الحديث 4 و 7 والباب 31 من ابواب أحكام الخلوة

[ 147 ]

باعتبار الدلك هو مباشرة المتنجس لتهيئة إخراج نجاسته باراقة الماء عليه، فلابد حينئذ من سبقه على غسلة التطهير، فلا بأس بالتزام نجاسة ما على الآلة حينئذ، لكن يحتمل الاكتفاء به لو وقع بعد الصب على البدن لازالة أجزاء النجاسة لو كانت بانفصال ما بقي من الماء، كما هو قضية بدليته عن العصر، وكذا الاكتفاء به مع المقارنة، فتأمل جيدا. وان كان مما يرسب فيه الماء مثلا فان تنجس بنجاسة نفذت في أعماقه بحيث لا يمكن وصول الماء باقيا على إطلاقه إليها مع بقاء المتنجس على حاله أو العلم به كذلك لرطوبة أو فيه دسومة أو لغيرهما لم يطهر قطعا لا بالقليل ولا بالكثير، بل هو حينئذ كالمائعات غير الماء من الدهن وغيره، وإن اتفق لها جمود بعد ذلك الذهب ونحوه يحصل بسببه طهارة سطحها الظاهري، فلا يطهر شئ منه إلا بالعلم بتخلل الماء جميع أجزائه، وهو لا يحصل غالبا في مثلها إلا بالخروج عن الحقيقة التي هي عليه وانقلابها ماء. لكن في المنتهى وعن التذكرة والنهاية انه يطهر الدهن النجس بصبه في كر ماء ومازجت أجزاء الماء أجزاءه، واستظهر على ذلك بالتطويل بحيث يعلم وصول الماء إلى جميع أجزائه، وهو جيد على فرض تحققه، لكن بعيد بل ممتنع، ضرورة عدم حصول العلم بذلك مع بقاء الدهن على مسماه بحيث يمكن الانتفاع به للأكل ونحوه بعد ذلك، وإن أمكن من جهة الرقة التي حصلت له أن يتخلل الماء تلك الأجزاء، فيكون كالدسومة التى على البدن أو اللحم ونحوهما، فانها لا تمنع نفوذ الماء فيها ووصوله إلى البدن، ولذا تطهر بالقليل تبعا لهما فضلا عن الكثير، كما صرح به في جامع المقاصد وان لم تنقلب ماء بل باقية على حالها، بل هو مقطوع به من السيرة والعمل في سائر الأعصار والأمصار. وربما يؤمي إليه في الجملة ما ورد من كراهية الادهان قبل الغسل، والأمر سهل بعد أول النزاع معه (رحمه الله) إلى لفظ. وطهر الثوب المصبوغ بنجس أو متنجس ونحوه من ليقة الحبر المنجس وغيرها

[ 148 ]

كطهر غيره من المتنجس به غير المصبوغ يحصل بزوال ما عليه من عين النجس أو المتنجس مع تحقق مسمى الغسل بالماء والعصر إن قلنا به بالماء القليل أو الكثير، من غير فرق بين جفافه ورطوبته لاطلاق الأدلة. نعم يعتبر عدم خروج ما طهر به من الماء عن الاطلاق قبل تحقق الغسل به، لعدم صدق الغسل بالماء معه، واحتمال الاكتفاء باطلاقه في أول صبه وإن خرج بتخلله في أجزاء المتنجس عنه لصدق الغسل بماء وصب الماء ونحوهما الذي لا يقدح فيه إلا الخروج عن الاطلاق قبل الصب بغير المغسول به بعيد، لمنع الصدق، لا أقل من الشك، والاستصحاب محكم. نعم قد يقال بعدم اشتراط العلم بوصوله للمغسول كذلك وإن أوهمته بعض العبارات، بل يكفي استصحاب إطلاقه ما لم يعلم خروجه متغيرا بعصر ونحوه، كأن غسل في ظلمة ونحوها، ومعارضته باستصحاب بقاء الثوب على النجاسة يدفعها تحكيم مثل الاستصحاب الأول على الثاني في سائر نظائره المقطوع بها بين الأصحاب. أما لو علم خروجه متغيرا بعصر ونحوه فلا ريب في بقاء الجزء المقارن صدق غسله لانفصاله متغيرا على النجاسة، وأما ما عداه من الأجزاء التي لم يعلم سبق غسلها على التغير الحاصل بتخلل الماء أجزاء المغسول بعد صبه أو التغير على غسلها فاشكال، ينشأ من احتمال تحكيم ذلك الاستصحاب أيضا كالصورة الأولى، ومن احتمال منعه لمعارضته هنا باصالة تأخر الغسل عن التغيير، فيبقى استصحاب النجاسة سالما حتى من معارضة استحصاب الاطلاق، لكونه هو المعارض باستصحاب تأخر الغسل عن التغيير عند التأمل لا استصحاب آخر غيره حتى يكون سالما كاستصحاب النجس، فيحكم عليه، فتأمل جيدا. لا يقال إن غسل الثوب المصبوغ بمتنجس حال رطوبته لا يحصل إلا بالكثير،

[ 149 ]

ضرورة عدم حصول طهارة تلك الأجزاء الصبغية الرطبة إلا به دون القليل، لانها من الماء المضاف المتوقف طهره على ذلك، نعم لو جف وكان يابسا أمكن تطهيره بهما لذهاب تلك الأجزاء وبقاء عين الثوب المتنجس القابل للطهارة بهما. لأنا نقول: إنه لا فرق بين القليل والكثير في ذلك، لا شتراط حصول طهارة كل عين متنجسة بنجاسة بازالة عين تلك النجاسة، سواء طهر بالقليل أو الكثير، فتلك الأجزاء الصبغية إن بقيت على الثوب فهو باق على النجاسة، وإلا فلا. ودعوى حصول طهارتها بالكثير دون القليل يدفعها توقف طهر المضاف على انقلابه ماء بممازجة الكثير كما تقدم البحث فيه مشبعا، فمع فرض بقائها على الاضافة كما هو محل البحث لا وجه لطهارتها. أللهم إلا أن يفرق بين تطهير المضاف المتميز بنفسه المستقل وبين التابع لغيره من الأجسام المتخلل في أجزائها، فلا يطهر الأول إلا بانقلابه إلى الماء بخلاف الثاني، فانه يكفي تحقق مسمى الغسل لذلك الجسم مع ملاقاة الماء تلك الأجزاء من غير حاجة إلى انقلابه ماء، وإلا لم يطهر شئ من الخضراوات الظاهرة المائية كالرقي والبطيخ والخيار ونحوها ولو بالكثير، وبطلانه واضح. وفيه أولا منع تسليم هذا الفرق، والخضراوات لا تطهر إلا بزوال تلك الأجزاء المائية منها الملاقية للنجاسة، أو انقلابها إلى الماء، ولا تسري نجاستها إلى الأجزاء الأخر المتخللة في الجسم، إذ ليس ذا من المائع قطعا، فلا ينجس أسفل الخيارة مثلا بنجاسة أعلاها، كما هو واضح. وثانيا تسليمه وقصره على الأجزاء المائية الخلقية ذاتا، لا في محل البحث من المضاف العرضي كالأجزاء الصبغية، بل لا بد من زوالها في حصول الطهارة واستهلاكها بالماء المغسول به، من غير فرق بين القليل والكثير، كما في كل عين متنجسة بنجاسة

[ 150 ]

رطبة وأريد تطهيرها، بل لعله في غالب الأوقات يقطع بعدم انفصالها تماما من المغسول، إذ قد ينفصل منه ما هو أقل من تلك الرطوبة بمراتب، فلا يقدح تخلفها بعد إفاضة الماء عليها واستهلاكها به ولو كان الماء قليلا، بل هو كذلك في عين النجاسة كالبول ونحوه فضلا عن المتنجس، فانه لو فرض جسم قد تنجس ببول وأريد تطهيره حال رطوبته فأفيض الماء عليه حتى استهلكت الأجزاء البولية فيه لم يكن تأمل في حصول طهارته بذلك. وثالثا لم سلم الفرق المذكور لا وجه للفرق أيضا بين القليل والكثير، إذ كما تحصل طهارة تلك الأجزاء الصبغية بملاقاة الكثير من غير استحالة تبعا للجسم تحصل أيضا بالغسل بالقليل، ودعوى الفرق تحكم، إذ أقصى ما يسلم اعتبار الكثير في طهارة المضاف فيما أريد تطهيره مستقلا بانقلابه ماء، لا ما إذا كان من التوابع متخللا في أجزاء الجسم. ولعلك بالتأمل في جميع ما ذكرنا تنتفع في البحث عن تطهير جملة مما ذكره الأصحاب من الصابون والحبوبات والفواكه المطبوخة والخبز والجبن واللحم والقرطاس ونحوها مما يرسب فيه الرطوبة ولا يعصر، وحاصل البحث فيها أنها إما أن تكون قد تنجست بنجاسة لم تنفذ في أعماقها ولم تتجاوز ظاهرها، وإما أن تكون قد تنقعت بالنجاسة حتى نفذت في أعماقها، ولا ريب في حصول طهارة الأولى بغسلها في الكثير ووضعها فيه، وكأنه وفاقي، بل حكاه في اللوامع عليه، كما انه في الذخيرة استظهر نفي الخلاف عنه، لعموم مطهرية الماء وغيره السالم عن معارضة شئ يعتد به، فاحتمال تعبدية العصر أو ما يقوم مقامه حتى يكون ما لا يمكن عصره غير قابل للتطهير أصلا لا يصغى عليه. وأما غسلها بالقليل فصريح جماعة من المتأخرين كظاهر آخرين عدم حصول الطهارة به، بل في اللوامع نسبته لأكثر معتبري العصر، كما في المعالم إلى المعروف بين متأخري الأصحاب، لنجاسة الغسالة، وتوقف صدق مسمى الغسل بالقليل على العصر

[ 151 ]

وما يقوم مقامه أو على الانفصال الممتاز به عن الصب. وفيه بعد منع الأول عندنا، بل والثاني أيضا كما عرفت، بل والثالث إن أراد انفصال تمام ما غسل به من الماء، وإن أراد في الجملة فهو مسلم في غسل النجاسة لا في مطلق الغسل، لكنه متحقق في مفروض البحث، لحصول انفصال بعض ما مر على الظاهر قطعا انه يمكن القول بالعفو عن المتخلف في خصوص المقام لنحو العفو عنه في الطنفسة والفراش ذي الحشو وغيرهما من الخزف والآجر الجافين، بل لعل المتخلف هنا أقل من ذلك بمراتب، ولمنع تسليم وجوب العصر فيما لا يعصر وان قلنا به فيما يقبله، كما يؤمي إليه القطع بسقوطه فيه لو غسل بالماء الكثير وإن قلنا باعتباره فيه أيضا فيما يعصر، وللزوم الضرر والعسر والحرج المنافية لسهولة الملة وسماحتها في توقف التطهير على الكثير، وللظن القوي إن لم يكن علما بعدم اعتبار ذلك في الأزمان السالفة، لقلة وجود الكثير من الماء فيها، خصوصا في أرض الحجاز، وخصوصا بالنسبة إلى أولئك الأعراب وأهل البادية الذين كانوا يكتفون بنقل قربة من الماء أياما وليالي، ولعموم مطهرية الماء التي قد امتن الله بها على عباده في كتابه المحكم وعلى لسان نبيه المعظم صلى الله عليه وآله ولوضوح اكتفاء الشارع في تطهير النجاسات بتحقق مسمى الغسل الذى هو في كل شئ بحسبه الحاصل من استقراء موارد الأدلة وتتبع جزئياتها، كما في غيره من القواعد المستفادة من الشرع، ولذا لم يحتج في تطهير كل عين بالكثير أو القليل من كل نجاسة إلى دليل خاص بعينه. فلا حاجة حينئذ إلى دعوى ورود خصوص عموم أو إطلاق حتى يرد عليه أنا لم نعثر عليه، مع انه قد يجده المتتبع، ولمرسل الفقيه (1) المتقدم في باب الاستنجاء " ان أبا جعفر (ع) دخل الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها وغسلها


(1) الوسائل الباب 39 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 1

[ 152 ]

ودفعها إلى مملوك له، وقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت " بل عن عيون أخبار الرضا (ع) وصحيفة الرضا (ع) (2) روايته مسندا عن الرضا (ع) ان الحسين بن علي (ع) فعل ذلك، ولفحوى ما تسمعه من خبري اللحم المطبوخ (3) والذنوب (4). ولعله من ذلك كله مال الأردبيلي وتلميذه والكاشاني والنراقي إلى قبولها للتطهير بالقليل، وهو قوي وإن كان الأول أحوط. وعليه أي الأول فهل المراد عدم قبول القليل لطهارتها حتى السطح الظاهري الذي جرى عليه الماء أو المراد طهارة ذلك السطح وان تنجس الباطن بالغسالة ؟ وجهان، ينشآن من احتمال اشتراط الطهارة بالانفصال المتعذر هنا باعتبار كمونه في الباطن وعدمه، ولعل الأقوى الثاني، فتأمل. وأما ما رسبت فيه النجاسة ونفذت في أعماقه فلا ريب في عدم حصول طهارة ما لم يمكن وصول الماء المطلق المزيل للنجاسة إلى باطنه منه للزوجة أو رطوبة أو غيرهما بالقليل والكثير، ضرورة عدم الاكتفاء بغسل الظاهر عن الباطن، كضرورة عدم العفو عن نجاسة باطنه. لكن في كشف الأستاذ " أن المنجمد بعد الانفعال مما يرسب فيه رطوبة الماء من غير استحالة كالمشوي من المنجمد من مائع الطين ويابس العجين فالظاهر فيها طهارة البطون، كالحبوب واللحوم مطبوخة أو باقية على حالها، جافة أو رطبة من غير حاجة


(1) و (2) الوسائل الباب 39 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 2 (3) الوسائل الباب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1 (4) عمدة القارئ شرح البخاري للعيني ج 1 ص 884

[ 153 ]

إلى تجفيف أو تنظيف بماء معصوم، لأن الظاهر أن اتصال الرطوبة بمثلها مغن في التطهير، وما كان منها ما يرسب فيه الغسالة كالمتخذ من الطين الخالي عن طبخ النار فلا يطهره سوى الماء المعصوم " انتهى. وقد يوهم تعليله الاكتفاء بالاتصال من غير حاجة إلى نفوذ المطهر من الماء، بل قد يظهر من الذخيرة الميل إليه وانه المشهور، ومن الحدائق نفي الخلاف فيه بينهم، وربما يؤيده إطلاق خبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " ان عليا (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة قال: يهراق مرقها، ويغسل اللحم ويؤكل " كخبر زكريا بن آدم (2) " سألت أبا الحسن (ع) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرات في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله " حيث أطلق فيهما الأمر بالغسل من غير إشارة إلى نفوذ الماء في أعماق اللحم، مع ظهور نفوذ المرق النجس فيها، لانتفاعه به، كخبر علي بن جعفر (3) المروي عن قرب الاسناد سأله أخاه (ع) " عن أكسية المرعزي والخفاف تنقع في البول يصلى عليها، قال: إذا غسلت بالماء فلا بأس ". لكن قصور أسانيدها وعدم وضوح انصراف الاطلاق فيها إلى ذلك، كعدم الجابر لها على هذا التقدير، لعدم ثبوت موافق له في ذلك، وما سمعته من ظاهر الكتابين السابقين لم نتحققه، بل قد يظهر اتفاق من عداه من الأصحاب على خلافه من اعتبار نفوذ الماء إلى ما نفذت فيه النجاسة يمنع من الركون إليها في قطع القواعد الشرعية من عدم طهارة المتنجس إلا بالغسل بالماء ونحوه.


(1) الوسائل الباب 44 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 1 (2) الوسائل الباب 26 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 1 (3) الوسائل الباب 71 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 154 ]

نعم لو كانت في حال ينفذ فيها الماء المطهر ولو بتجفيف ونحوه طهرت بوضعها في الكثير قطعا حتى ينفذ في أعماقها، ويزيل عين النجاسة أو يهلكها إن وجدت في بواطنها، وإلا اكتفي باصابة الماء للمتنجس، لصدق مسمى غسل الباطن وما أشبهه بذلك كبعض ما تحت الأظفار وبعض باطن السرة والعينين والأذنين وما تحت الحاجب من جبائر أو عصائب أو لطوخ ونحوها، من غير حاجة إلى انفصال وجريان من محل إلى آخر، بل وبغسلها في القليل أيضا في وجه قوي جدا مع نفوذه كالكثير إلى المحل المتنجس. فما عساه يظهر من بعض ويحكى عن آخر من عدم قبولها الطهارة أصلا لا ينبغي أن يصغي إليه ان كان ذلك منه نزاعا في حكم، وإلا كان نزاعا في موضوع، إذ فرض البحث نفوذ المطلق المزيل أو المهلك إلى محل النجاسة، فلا ينبغي التوقف معه حينئذ في زوال النجاسة بغسلها به، لاطلاق الروايات المتقدمة وأكثر الأدلة السابقة، وما يشعر به خبر الحسن بن محبوب (1) عن أبي الحسن (ع) " في الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى، ان الماء والنار قد طهراه " كما عن الأستاذ الأكبر الاعتراف به. ودعوى الفرق بينهما بصدق مسمى الغسل بتلك الاصابة في الكثير دون القليل تحكم، كدعوى الفرق بقبول تطهير النافذ من الماء الكثير، لما نقد فيه باعتبار اعتصامه باتصاله بالكثير، دون القليل فانه ينجس بالملاقاة، إذ هي مع إمكان منع الاتصال باعتبار حيلولة تلك الأجزاء من الجسم بين الماء النافذ ومادته يدفعها منع نجاسة الغسالة عندنا أولا، ووضوح جريان أحكام الطاهر على الماء الذي يغسل به حال تخلله في أجزاء المغسول وقبل انفصاله من التطهير به ونحوه عند من قال بنجاسة الغسالة أيضا ثانيا. وكذا الفرق بدعوى إمكان إزالة عين النجاسة أو إهلاكها بالكثير دون القليل، إذ هو مع أنه لا يتم في النجاسة الحكمية ممنوع، على أن البحث مع فرضه، كالفرق أيضا


(1) الوسائل الباب 81 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 155 ]

بوجوب انفصال ماء الغسالة لو كان بالقليل، خصوصا ماء غسلة الازالة لا التطهير وان لم نقل بوجوب العصر، للفرق بينه وبين الصب، وبنجاسة غسالته الراسبة فيه دون الكثير، إذ هو إن سلم ففي غير غسل البواطن، على أن مثله يأتي في الغسل بماء الكثير أيضا عند التأمل، والاكتفاء بالاهلاك فيه دون القليل تحكم، وقد تقدم ما يعلم منه ما في الأخير بما لا مزيد عليه. نعم لو توقف نفوذ الماء القليل إلى الأعماق على وضع المتنجس فيه دون صبه عليه اتجه حينئذ اختصاص تطهيره بالكثير، بناء على اعتبار ورود المطهر من القليل على المتنجس لا ما إذا لم يتوقف، والقول بتحكيم استصحاب بقاء النجاسة في غير المتيقن من الوضع بالماء الكثير دون القليل الذي ظاهر أكثر الأصحاب إن لم يكن مجمعا عليه عدم حصول الطهارة بالغسل به هنا، إذ هو أولى من القسم الأول الذي قد عرفت نسبة منع حصول طهارته به إلى المعروف بين المتأخرين منهم، خصوصا مع قصور أسانيد تلك الأخبار يدفعه وضوح عدم تحقق شهرة معتد بها لدى المتصفح لكلماتهم فضلا عن الاجماع، بل ربما كان معروفية إطلاق حصول الطهارة بالغسل من غير تعرض لأفراد الغسل شاملا لما نحن فيه، بل قد يظهر من الذخيرة كونه المعروف بين الأصحاب حيث نسب روايتي اللحم إلى عملهم بهما وشهرتهما بينهم. وأوضح منه ما في الحدائق حيث قال بعد ذكرهما: " وظاهر الأصحاب من غير خلاف القول بمضمونهما " وان استشكل هو بعد ذلك في إطلاق ذلك، لكن الانصاف أن الظاهر إرادتهما من ذلك قبول التطهير في الجملة، لا خصوص حصول الغسل بالقليل. نعم عن نهاية الفاضل إطلاق طهارتهما بالغسل، كما انه في المنتهى حكى عن أبي يوسف أن الحنطة والسمسم والخشبة إذا تنجست بالماء النجس واللحم إذا كان مرقه نجسا تطهر بأن يغسل ثلاثا ويترك حتى يجف كل مرة، فيكون كالعصر، ثم قال بعده:

[ 156 ]

" وهو الأقوى عندي، لأنه قد ثبت ذلك في اللحم مع سريان أجزاء الماء النجسة، فكذا ما ذكرناه " انتهى. ولعله يريد ما في الذخيرة من احتمال إرادته من ذلك مافى النهاية من مجرد القبول للتطهير، لعدم معهودية التثليث وتنزيل التجفيف منزلة العصر من مذهبه. وكيف كان فلا إجماع قطعا بل ولا شهرة معتدا بها في الاعراض عما سمعته هنا وفي القسم الأول، بل لعل ظاهر من حكينا عنهم الخلاف في القسم الأول القول به هنا، بل هو كاد يكون صريح الأردبيلي منهم أو صريحه، فإذا الأقوى الطهارة بالقليل والكثير مع اجتماع تلك الشرائط من النفوذ وغيره، خصوصا مع قولنا بطهارة الغسالة، فتأمل جيدا، والله أعلم. ثم إن الأقوى في النظر اشتراط الطهارة في المغسول بالقليل بعدم وروده على الماء، وفاقا للمعظم نقلا وتحصيلا، إذ هو المستفاد من ناصريات السيد وسرائر الحلي ومنتهى الفاضل وقواعده، بل عن سائر كتبه ودروس الشهيد وبيانه، لكن مع التقييد في أولهما بالامكان، واستثناء الاناء في ثانيهما، وجامع الكركي والمعالم ومنظومة الطباطبائي وغيرها، بل وخلاف الشيخ ومعتبر المصنف حيث حكم فيهما بنجاسة الماء القليل إذا وقع فيه إناء الولوغ قبل تطهيره، وبعدم احتساب ذلك من غسلاته، واحتمال كون ذلك منهما لفقد التعفير لا لاعتبار الورود يدفعه بعد إطلاقهما ملاحظة كلامهما، فتأمل. بل قد يظهر من السرائر الاجماع عليه، بل لم أعرف من جزم بخلافه مطلقا، إذ أول من ناقش فيه الشهيد في الذكرى، مع أنه استظهر اعتباره فيها أولا فقال: " الظاهر اشتراط ورود الماء على النجاسة لقوته بالعمل، إذ الوارد عامل، وللنهي عن إدخال اليد في الاناء قبل الغسل، فلو عكس نجس الماء ولم يطهره، وهذا ممكن في غير

[ 157 ]

الأواني وشبهها مما لا يمكن فيه الورود، إلا أن يكتفي بأول وروده، مع أن عدم اعتباره مطلقا متوجه، لأن امتزاج الماء بالنجاسة حاصل على كل تقدير، والورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة، وفي خبر ابن محبوب عن أبي الحسن (ع) في الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى، ان الماء والنار قد طهراه " انتهى. فمن العجيب ما في شرح المفاتيح للأستاذ الأكبر تبعا لما عن شرح الارشاد من حكاية الشهرة على عدم اشتراط الورود. نعم ربما يظهر من كشف اللثام نوع ميل إليه، حيث انه قال بعد أن حكى ما في الذكرى: وأوضح منه أي خبر ابن محبوب صحيح ابن مسلم (1) " سأل الصادق (ع) عن الثوب يصيبه البول، فقال: اغسله في المركن مرتين " انتهى. وكأنه لأن المركن هو الا جانة التي تغسل فيها الثياب، والغسل فيها لا يكاد يتحقق معه الورود، كما انه في المدارك قال: والمسألة محل تردد وإن كان اعتبار الورود أولى وأحوط، مع أنه حكي عنه أنه استوجه اعتباره في موضع منها أيضا، ونفى عنه البأس في آخر، كما عن الخراساني استحسانه في الذخيرة، وتقريبه في الكفاية، وعن الدلائل تحقيقه. وكيف كان فلا ريب أن المشهور والأقوى الأول، للاستحصاب وأوامر الصب (2) ولظهور بعض أدلة القليل بل صراحتها بنجاسته مع ورود المتنجس عليه كاليد ونحوها، وهو لا يتم على المختار من طهارة الغسالة، وعدم معقولية إفادة النجس طهارة غيره شرعا، ومن هنا كان القول باعتبار الورود لازما لكل من قال بطهارة الغسالة حينئذ، أو خصوص الغسلة المطهرة، لعدم نجاسته معه عنده، لعدم الدليل أو لدليل


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب النجاسات الحديث 3 و 4 و 7

[ 158 ]

العدم، بل في كشف اللثام تعليله بالحرج والاجماع، بل لعله لازم أيضا للعلامة وتابعيه القائلين بطهارتها قبل الانفصال، أللهم إلا أن يلتزم طهارة الاناء مثلا حال وضع اليد فيه، وأنه لا ينجس إلا بعد انفصالها، وهو كما ترى مخالف لظاهر الأدلة أو صريحها. نعم قد لا ينافي ذلك من قال بنجاستها مطلقا حال الاتصال وبعده، وانه لا مانع من حصول الطهارة بها وان نجست بنفس الغسل، انما الممنوع النجاسة السابقة عليه، وكان هذا هو الذي ألجأ الشهيد وغيره إلى عدم الفرق بين الورودين، كما أشار إليه في الذكرى، لنجاستها حينئذ على كل حال، وصدق مسمى الغسل الوارد في الأدلة. مضافا إلى إشعار خبر ابن محبوب وظهور صحيح ابن مسلم المتقدمين، كظهور ما دل على تطهير الاناء بوضع الماء فيه وتحريكه ثم إفراغه الذي لا يتم فيه اعتبار الورود المذكور. لكن يدفعه على تقديره بعدما عرفت في مبحث الغسالة من قلة ملتزم ذلك من الأصحاب وضعف القول به، بل المعروف طهارتها حال الاتصال وان وقع النزاع فيها بعده انا وان قلنا به أي نجاسة الغسالة في الحالين، لكن لما كان حصول التطهير به مع ذلك منافيا للقواعد الشرعية إلا أنه ارتكب جمعا بين ما دل على نجاسة القليل والاجماع بل الضرورة على حصول الطهارة بالغسل به، مضافا إلى العسر والحرج اتجه حينئذ الاقتصار فيه على المتيقن الذى تندفع به الضرورة، وهو الوارد، لكونه مجمعا عليه في حصول الطهارة به دون غيره، فيبقى الثوب مثلا مع عدمه على استصحاب النجاسة، وعلى قاعدة عدم حصول الطهارة بالمتنجس، واحتمال انقطاعهما باطلاق الغسل يدفعه بعد قصوره عن معارضتهما باعراض المشهور عنه بالنسبة إلى ذلك، واحتمال أو ظهور انصرافه إلى المتعارف المعهود المتداول في أيدي عامة الناس من الغسل بورود الماء، بل يمكن دعوى السيرة المستمرة المأخوذة يدا عن يد على كيفية غسل النجاسات

[ 159 ]

بذلك، كما قد يؤمي إليه التأمل في عبارة الناصريات انه معارض بأوامر الصب في الأخبار الكثيرة الواردة في نجاسة الجسد والثوب والفرش ذي الحشو وغيرها من بول الصبي وغيره، وهو ظاهر، ان لم يكن صريحا في ورود المطهر، فيكون مع إتمامه بعدم القول بالفصل بين موارده وغيرها مقيدا للاطلاق. وأما خبر ابن محبوب فهو مع إجماله سؤالا وجوابا من وجوه لا صراحة فيه، بل ولا ظهور في طهارة الجص بوضعه في الماء، وكيف مع أن الشهيد نفسه (رحمه الله) لا يرى طهارة ما يرسب فيه الماء ولا يعصر بالقليل. وأما صحيح ابن مسلم (1) فهو مع احتماله لارادة معنى الباء من " في " بل لعله متعين عندهم، إذ لا يستقيم ظاهره على القول بنجاسة الغسالة، إذ لا بد من إراقة ماء الغسلة الأولى وعصر الثوب، بناء على اعتباره بعد كل غسلة، فينجس حينئذ الثوب بغسله ثانيا فيه بنجاسة الماء الجديد وإنائه. أللهم إلا أن يلتزم تطهير الاناء بعد الغسلة الأولى ثم يجعل فيه ماء ويوضع الثوب فيه، أو يلتزم تنزيل الثوب منزلة الجزء من الاناء فيصب عليه الماء بعد إراقة ماء الغسلة الأولى، فينجس الماء الثاني بعد فصل الثوب عن الاناء، أو يطهر هو والاناء باراقة الماء ثانيا، ثم يفصل الثوب عنه فيعصر، وهما كما ترى، مع عدم منافاته على التقدير الأخير لمعتبر الورود في الغسلة الأخيرة خاصة، لأنها هي المطهرة، وعدم أولويته من القول بكون الغسلتين بالصب عليه وهو في الاناء، جمعا بينه وبين الأدلة السابقة من أوامر الصب وغيرها، بل لعله المتعارف من كيفية الغسل فيه.


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 160 ]

وأما ما دل (1) على تطهير الأواني المدعى ظهوره في عدم إمكان الورود حتى احتيج إلى استثنائها من اشتراط الورود أو استفيد منه عدم الاعتبار مطلقا فقد يجاب عنه بما في جامع المقاصد من أن الحق أنه لايراد بالورود أكثر من وروده ابتداء، وإلا لم يتحقق الورود في شئ مما يحتاج فصل الغسالة عنه إلى معونة شئ آخر، أو بما في المعالم بان من أمعن النظر في دليل انفعال القليل بالملاقاة رأي أنه مختص بما إذا وردت النجاسة على الماء، فيجب حينئذ أن يكون المعتبر هنا هو عدم ورود النجاسة على الماء لا ورود الماء على النجاسة، والفرق واضح، قال: " فلم يحتج حينئذ إلى استثناء نحو الأواني ولا لتكلف حمل الورود على ما يقع أولا " انتهى. قلت: وكان مراده عدم صدق ورود المتنجس على الماء في أثناء غسل الأواني ونحوها وان كان لا يصدق أيضا ورود الماء عليه أيضا، لكن الثابت من الأدلة نجاسة الأول خاصة دون غيرها، فتبقى حينئذ على العفو عنها في حال التطهير كحالة الورود، ولهذه الدقيقة صدرنا عنوان المسألة بما عرفت، فتأمل. وعلى كل حال فقد عرفت وجوب العصر في الثياب ونحوها مما يعصر من سائر النجاسات عند المصنف وغيره ممن تقدم، لكنه استنثى من ذلك تبعا للمشهور بين الأصحاب المتنجس منها ببول الصبي، فقال: * (إلا من بول الرضيع، فانه يكفي صب الماء عليه) * من غير حاجة إلى عصر، بل لا أجد فيه مخالفا كما اعترف به في المدارك والمعالم والذخيرة والحدائق والمفاتيح، بل في الأخير نفي الخلاف نفسه لا وجدانه، كما أن في الأول نسبته إلى مذهب الأصحاب، بل في الثاني إلى اتفاق كلمة الأصحاب الذين وصل كلامهم الينا، بل في الخلاف وعن الناصريات الاجماع عليه، وهو الحجة


(1) الوسائل الباب 51 و 53 و 70 من ابواب النجاسات

[ 161 ]

بعد شهادة التتبع منا وممن عرفت له، بل قد يشعر أيضا نسبة الخلاف فيه في المعتبر والمنتهى إلى أبي حنيفة وغيره من أهل الخلاف بالاجماع عليه بيننا. مضافا إلى حسن الحلبي أو صحيحه (1) " سأل الصادق (ع) عن بول الصبي، فقال: تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله غسلا، والغلام والجارية في ذلك شرع سواء " كالرضوي (2) بل والمروي عن كشف الغمة وغيره (3) بل عن العامة روايته أيضا معتمدين عليه بحسب الظاهر عن زينب بنت جحش (4) قالت: " كان النبي صلى الله عليه وآله نائما فجاء الحسين (ع) فجعلت أعلله لئلا يوقظه ثم غفلت عنه، فدخل إلى أن قالت: فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله وهو يبول على صدره، فقال صلى الله عليه وآله: دعي ابني حتى يفرغ من بوله، وقال لا تزرموا بول ابني، ثم دعا بماء فصب عليه، ثم قال: يجزئ الصب على بول الغلام، ويغسل بول الجارية " الحديث. كالمروي عن معاني الأخبار (5) مسندا " ان رسول الله صلى الله عليه وآله أتي بالحسن بن علي (عليهما السلام) فوضع في حجره فبال، فأخده فقال: لا تزرموا ابني، ثم دعا بماء فصب عليه ". بل لعل خبر السكوني (6) المروي في الفقيه والتهذيب وعن المقنع والعلل " ان عليا (ع) قال: لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لأن


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 2 (2) المستدرك الباب 2 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) المستدرك الباب 4 من ابواب النجاسات الحديث 3 (4) كنز العمال ج 5 ص 128 الرقم 2644 (5) الوسائل الباب 8 من ابواب النجاسات الحديث 4 (6) الوسائل الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 4

[ 162 ]

لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم، لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين ". كالمروي عن لبانة بنت الحارث (1) قالت: " كان الحسن بن علي (عليهما السلام) في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله فبال عليه، فقلت: أعطني إزارك لأغسله، فقال: إنما يغسل من بول الأنثى " دال على المطلوب، بل أدل من غيره، للقطع بارادة الزائد على الصب من نفي الغسل فيهما، إذ قد علمت سابقا الاجماع على نجاسته إلا ممن لا يعتد بخلافه فيه. وبذلك كله يقيد ويخص إطلاق وعموم ما دل على وجوب الغسل الزائد على الصب من البول، لا أنه لا عموم أو إطلاق في الأخبار ليتناول ما نحن فيه، فيبقى على أصل البراءة ونحوها كما في المدارك، ضرورة وجدان كل منهما فيها خصوصا الثاني، إذ التحقيق كون المفرد المعرف للطبيعة، كما أنه به أيضا يجب طرح مضمر سماعة (2) الدال على غسل الثوب من بول الصبي أو حمل الغسل فيه على الصب أو الصبي على المتغذي، أو غير ذلك من التقية والندب أو غيرهما مما ستسمع، كحسنة ابن أبي العلاء (3) عن الصادق (ع) " في بول الصبي يصب عليه الماء ثم يعصر ". بل قد تحتمل إرادة العصر للتجفيف لا التطهير، أو ما في المدارك من احتمال كونه لاخراج عين النجاسة من الثوب، فان ذلك واجب عند من قال بنجاسة هذا البول، وإن كان لا يخلو من نظر، لامكان منع وجوب الاخراج، بل يكفي الاستهلاك بالصب، لا طلاق النصوص والفتاوى. نعم يعتبر في الصب استيعاب الماء لمحل البول وما رسب فيه، فلا يكفي مجرد


(1) تيسير الوصول ج 3 ص 57 عن لبابة (2) و (3) الوسائل الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 3 - 1

[ 163 ]

الاصابة كالرش من غير استيعاب، بل في المدارك انه مما قطع به الأصحاب، بل لعله أيضا معقد إجماع الخلاف، ولا ينافيه ما في التذكرة من حكاية قول لنا بالاكتفاء بالرش، لأنه قال بعده: فيجب فيه التعميم، فلا يكفي إصابة الرش بعض مورد النجاسة. فيعلم منه حينئذ عدم إرادة الرش بالمعنى المنافي لذلك، بل لعله بالمعنى المذكور كالصب حينئذ، أللهم إلا أن يقال بعدم اعتبار نفوذ الماء إلى المحال التي رسب فيها البول في مفهوم الرش وان عم ظواهر المحل، فينافي ما تقدم حينئذ وان كان هو ضعيفا في نفسه لا دليل يعتد به عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه، ضرورة عدم زوال حكم النجاسة من دون مباشرة المطهر، بل قد يشكل الاكتفاء بالرش وان ساوى الصب في الاستيعاب للظاهر وغيره باستصحاب حكم النجاسة مع الأمر بالصب في النص والفتوى، وعدم ظهور الحكمة في أمر التطهير، على أن في الصب من اتصال الأجزاء والغلبة والقاهرية ما لا يوجد في الرش، لكن تبادر إرادة عدم وجوب العلاج والاحتيال بالدلك والغمز والتقلب وغيرها من الأمر بالصب مقابل الغسل يدفع احتمال توقف التطهير على خصوصيته، فلا يبعد حينئذ الاكتفاء بالرش المساوي للصب في الاستيعاب للظاهر والباطن والغلبة والقاهرية ونحوها مما له مدخلية في التطهير. أللهم إلا أن يمنع تسمية مثله غسلا، فانا وإن اكتفينا بالصب في بول الصبي لكن لا بد من تحقق مسمى الغسل، فلا يكتفى بمجرد استيعاب المطهر للمطهر من دون جريان ونحوه المعتبر عرفا في مفهوم الغسل في الوضوء والأغسال ونحوهما، لاستحصاب حكم النجاسة مع الأمر بغسل النجاسات في الروايات، بل في خصوص بول الصبي نفسه، كما في موثقة سماعة (1) وغيرها (2) مما ورد في ثوب المربية وغيره، فالجمع بينهما يقتضي


(1) الوسائل الباب 3 من أبواب النجاسات الحديث 3 (2) الوسائل الباب 4 من أبواب النجاسات الحديث 1 والباب 3 منها

[ 164 ]

وجوب الغسل لكن بمجرد الصب لا الغسل المعتبر في باقي إزالة النجاسات المحتاج إلى العلاج والاحتيال في إزالة أعيانها، بل هو كغسل الوضوآت والأغسال ونحوها مما لا يراد منه إزالة شئ، بل قد يدعى لزوم ذلك للصب غالبا. ودعوى منافاة ذلك لاطلاق النصوص والفتاوى الاكتفاء بالصب مقابل الغسل الصادق بدون ذلك وبدون انفصال الماء وعدمه، بل وبدون الاستيعاب يدفعها ما سمعته سابقا من ظهور كون المراد بذلك عدم العلاج والاحتيال المعتبرين في إزالة غيره من النجاسات، لا أن المراد مجرد تحقق الصب، وإلا فقد ورد الاكتفاء بالصب أيضا في غسل الجسد من البول معللا ذلك بأنه ماء لا يحتاج إلى دلك ونحوه، مع انه من الواضح اعتبار مسمى الغسل فيه. فما في جامع المقاصد وتبعه عليه غيره من عدم اعتبار الجريان على محل البول في محل المنع، نعم لا يعتبر الانفصال فيه كما في جامع المقاصد وغيره، بل في المدارك أنه مما قطع به الأصحاب، كما أنه لعله بعض معقد إجماع الخلاف أيضا، لاطلاق الصب، ولأن مقابلته بالغسل بناء على أن حده الانفصال كما عن الخلاف ونهاية الأحكام صريحة في نفي اعتباره. لكن قد يقال بعد انصراف المقابلة المذكورة كالأمر بالصب إلى ما سمعت: باعتبار الانفصال، بناء على اعتباره في باقي النجاسات لا لتوقف مسمى الغسل عليه بل لامكان فهم اعتباره في خصوص غسل النجاسات من جهة احتمال إرادة انفصال النجاسة أو حكمها بانفصال الماء، بل لعل المراد من غسل النجاسات انما هو إزالة النجاسة بهذه الكيفية كالأوساخ، بل في الرياض تعليله أيضا بنجاسة الغسالة وعدم وجوب العصر أعم من عدم لزوم الانفصال، إذ قد يراد بغير العصر من وجوه الانفصال. قلت: لكن ظهور الأدلة من النصوص وغيرها كما لا يخفى على من لاحظها

[ 165 ]

في خفة النجاسة والتساهل في أمرها، وأنه لذلك خالفت غيرها من النجاسات، مضافا إلى ظاهر الاجماع السابق وغيره يمنع اعتبار أصل الانفصال في الجملة، فضلا عنه على الوجه الذي ذكره في الرياض، بل ينبغي القطع بعدمه، ضرورة مساواتها حينئذ لغيرها من النجاسات في وجوب إخراج غسالتها، وإن كانت بغير العصر وهي بالعصر، إلا أن ذلك من الواضح عدم صلاحيته فارقا، على أن خصوصية العصر غير مرادة في باقي النجاسات قطعا، انما المراد إخراج غسالتها به أو بغيره. فالأقوى حينئذ عدم اعتبار الانفصال مطلقا، وبه يمتاز حينئذ عن بول البالغ بناء على عدم وجوب العصر فيه، لطهارة الغسالة أو غيرها، أو يقال: إنه يمتاز بعدم اعتبار العلاج فيه والاحتيال لاخراج نفسه العين مع وجودها، بل يكفي في طهرها امتزاجها بالماء بخلافه في البالغ، وهو جيد وإن كان لا يخلو من نوع تأمل. لكن على كل حال ما في كشف الأستاذ أنه لا فرق بين بول الصبي وغيره فيما لا يرسب فيه الغسالة باعتبار وجوب الغسل مرتين في كل منهما لا يخلو من نظر، لامكان الفرق باعتبار الفصل في الثاني دون الأول، إذ قد عرفت أن الأقوى عدم اعتباره فيه، وانه بذلك امتاز عن البالغ. نعم استثنى من ذلك في المدارك والذخيرة ما إذا توقف إزالة عين النجاسة عليه مع احتمال عدمه أيضا فيهما، لاطلاق النص، وان اعترضهما في شرح المفاتيح بأن الاطلاق لا يثمر مع العلم بالنجاسة، ووجود عين النجس، وبقائه في الثوب، وعدم استهلاكه بمجرد الملاقاة للماء، فان نجس العين بمجرد إصابة الماء كيف يصير منقلبا، ومع عدم الانقلاب كيف يصير طاهرا. لكنك خبير بما في الجميع مما عرفت سابقا من ظهور الأدلة بطهر مثل هذا البول باستيعاب الماء محل البول، وغلبته عليه واستهلاكه به وان لم ينفصل، ولا استبعاد في

[ 166 ]

ذلك شرعا بوجه من الوجوه، فلا فرق حينئذ بين الاكتفاء بالصب على المتنجس به بين ما يعصر وما لا يعصر، وبين ما يرسب فيه الغسالة وما لا يرسب، أرضا كان أو غيرها. نعم قد يقال بنجاسة المنفصل من ماء غسالته ولو بعصر وإن لم نقل باشتراطه، بناء على نجاسة الغسالة، لاطلاق دليلها عندهم الشامل للمقام كما اختاره الأستاذ في كشفه، لكن الأقوى طهارتها عليه أيضا، واستثنائها من ذلك كالمتخلف بعد العصر، كما هو ظاهر النصوص والفتاوى، وفحوى عدم اشتراط الانفصال كظهور خفة حكم هذه النجاسة، واستبعاد اختلاف حكم الماء الواحد بالنسبة إلى طهارته ونجاسته، بمعنى إن خرج كان نجسا وإلا كان طاهرا، وغير ذلك. نعم لا يبعد جريان حكم بول الصبي على ما تنجس به من المائعات وغيرها كالماء ونحوه، فيجزئ الصب على المتنجس بالمتنجس به بعد إخراج العين أو استهلاكها بناء على الاكتفاء، لعدم زيادة الفرع عن أصله، وظهور انتقال حكم النجاسة إلى المتنجس لا أزيد. نعم لو أصابه نجاسة أخرى غير بول الصبي أو اختلط ببول الصبي نجاسة غيره لم يجر عليه الحكم المذكور على إشكال فيما لو اختلط معه مالا يخرج المتنجس به عن صدق نجاسته ؟ ؟ ببول الصبي، كالقليل جدا من بول البالغ مثلا، وخصوصا لو كان المباشر لبول الصبي نجسا حكما، لمنع تأثير النجس في النجس حكما مع عدم بقاء اسم المؤثر، وكذا الاشكال في جريان حكم بول الصبي على بوله إذا كان ولد كافر وإن كان الأقوى فيه ذلك أيضا كما في نظائره. نعم قد يشكل فيه وولد المسلم فيما لو كان يتغذى بلبن كافرة بفحوى تعليل خبر


(1) هكذا في النسخة الأصلية والصحيح " في الاكتفاء "

[ 167 ]

السكوني (1) وعدم انصراف الاطلاق، كالمتغذي بلبن الخنزيرة مثلا، فلعل الأقوى فيه عدم الالحاق اقتصارا على المتيقن. وكيف كان فيختص الحكم المذكور بالصبي خاصة دون الصبية، وفاقا للمشهور، بل لعله لا خلاف فيه، لاحتمال حمل عبارة الصدوقين التي ظن ذلك منها حيث كانتا كحسنة الحلبي والرضوي المتقدمين على إرادة مساواة الجارية مطلقا للصبي بعد الأكل، خصوصا إن قلنا بجريان مثل هذا التركيب مجرى القيد المتعقب بجمل متعددة يقتصر فيه على المتيقن: أي الأخيرة فقط، لا أقل من أن تكون الشهرة العظيمة على الاختصاص بل في مفتاح الكرامة عن المختلف الاجماع عليه وان لم أجده فيما حضرني من نسخته، وخبر السكوني وزينب بنت جحش ولبانة بنت الحارث المتقدمة آنفا قرينة على رجوع ذلك في الحسنة إلى الأخيرة خاصة، وعلى بقاء بول الصبية مندرجا تحت إطلاق أدلة البول واستصحاب بقاء نجاسته. فما في الحدائق من الميل إلى المساواة متعجبا من إعراض الأصحاب عن ذلك مع أنه مضمون الحسنة التي هي مستند أصل الحكم في الصبي في غير محله. والخنثى المشكل بل والممسوح كالأنثى، للاستصحاب. والمراد بالصبي من لم يأكل الطعام أكلا مستندا إلى شهوته وإرادته أي متغذيا به، كما هو المستفاد من حسنة الحلبي وخبر السكوني المتقدمين، فلا عبرة بالأكل نادرا أو دواء ونحوهما، وإلا لم يتحقق موضوع المسألة، لاستحباب تحنيك الولد بالتمر كما في المنتهى وغيره. نعم لا فرق فيما ذكرنا بين الحولين وما زاد عليهما، فمتى أكل الأكل المذكور قبلهما خرج عن الحكم المزبور، كما انه إذا لم يأكل كذلك بعدهما بقي على الحكم الأول


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 4

[ 168 ]

لاطلاق الخبرين، بل تعليل خبر السكوني. فما في السرائر من تحديد الصبي الرضيع بمن لم يبلغ سنتين لا يخلو من تأمل، بل في المعتبر أنه مجازف، ويمكن أن يريد الرضيع الذي لم يبلغهما وان كان ينافيه كلامه في باب البئر، فلا مخالفة حينئذ إلا فيمن لم يتغذ بالطعام بعدهما، ولعل وجهه مع موافقته للاحتياط تحديد مدة الرضاع بالحولين شرعا مع ندرة بقائه أزيد منهما عرفا، بل منع تسميته رضيعا، فلا عبرة بمن لم يأكل بعد الحولين، بل لعل التحديد في الخبرين منزل على ذلك. كما انه يرجع إليه ما في جامع المقاصد والروض وعن المسالك من أن المراد بالرضيع الذي لم يغتذ بغير اللبن بحيث يزيد على اللبن أو يساويه، ولم يتجاوز سن الرضاعة أي الحولين كما في صريح الثاني، وهو لا يخلو من وجه كما عرفت، لكن تقييد هما التغذي بالمساواة أو الزيادة لا يخلو من نظر بل منع، لصدق الأكل والتغذي وان نقص عنه. نعم قد يقال بعدم العبرة بأكله أصلا قبل الحولين كما هو صريح السرائر في باب البئر ومحتمله هنا، إلا أنك قد عرفت منافاته لاطلاق الخبرين، وان كان ربما يوجه بنحو ما سمعت من كون المراد فيهما مدة الرضاع، بل قد يشعر به خبر زينب بنت جحش المتقدم من حيث نسبة الدخول ونحوه إلى الحسين (ع) المشعر بتجاوز عمر الحسين (ع) الستة أشهر وزيادة، مع ظهور ما يحكى في أمر ولادته وزمان فطامه في تغذية بغير اللبن بعدها، فتأمل جيدا. * (وإذا علم) * النجاسة و * (موضع النجاسة) * من الثوب والبدن ونحوهما * (غسل) * وجوبا لما تجب الازالة له مما تقدم، أما لو ظن النجاسة أي تنجس الثوب والبدن فظاهر النهاية وعن صريح الحلبي وجوب الغسل لابتناء أكثر الأحكام على الظنون،

[ 169 ]

وامتناع ترجيح المرجوح، والاحتياط في بعض الصور. وقول الصادق (ع) في صحيح ابن سنان (1) بعد أن سأله أبوه سنان " عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل لحم الخنزير ويشرب الخمر فيرده، أيصلي فيه قبل أن يغسله ؟ قال: لا يصلي فيه حتى يغسله ". كالمروي (2) عن مستطرفات السرائر من كتاب البزنطي " سألته عن رجل يشتري ثوبا من السوق لا يدري لمن كان يصلح له الصلاة فيه، قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، وان كان اشتراه من نصراني فلا يلبسه ولا يصلي فيه حتى يغسله ". كخبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى المتضمن نحو ذلك أيضا، بل وغيرهما مما دل (4) على اجتناب الفراء المأخوذة من أهل العراق، لأنهم يستحلون الميتة. ويزعمون أن دباغها ذكاتها. وهو ضعيف جدا مع عدم الاستناد إلى سبب شرعي، بل واضح الفساد كأدلته، لمخالفته لقاعدة اليقين والأصل والأخبار الحاكمة بالطهارة إلى حصول العلم بالنجاسة. كقول الصادق (ع) في خبر حماد (5): " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه نجس " وفي موثقة عمار (6) " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر ". وقول علي (ع) في خبر حفص بن غياث (7) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): " ما أبالي أبول أصابني أم ماء إذا لم أعلم ".


(1) الوسائل الباب 74 من ابواب النجاسات الحديث 2 وفى الوسائل " الحبري " بدل " الخنزير " (2) و (3) الوسائل الباب 50 من ابواب النجاسات الحديث 1 (4) الوسائل الباب 61 من ابواب النجاسات الحديث 3 (5) الوسائل الباب 1 من ابواب الماء المطلق الحديث 5 (6) و (7) الوسائل الباب 37 من ابواب النجاسات الحديث 4 - 5

[ 170 ]

بل صحيح ابن سنان (1) كالصريح في ذلك " سأل أبوه الصادق (ع) وهو حاضر اني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فأغسله قبل أن أصلي فيه، قال: صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فانك أعرته إياه وهو طاهر، ولم تتيقن انه نجسه " الحديث. كمضمر زرارة في الصحيح (2) بل عن العلل إسناده إلى أبي جعفر (ع) قال: " قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره إلى أن قال: قلت: فان ظنت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فيه فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: ولم ذاك ؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك أبدا " إلى غير ذلك من الأخبار البالغة أعلى مراتب الاستفاضة إن لم تكن متواترة معنى، لاختلاف أنواع دلالتها على عدم حصول النجاسة بمثل الظن المزبور، بل في بعضها المدح على عدم الاعتناء به: كالتوبيخ في آخر (3) على الاعتداد به معللا ذلك بأن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، إن الدين أوسع من ذلك. لكن مع ذا لا بأس بالاحتياط خروجا عن شبهة الخلاف إن لم يكن مقطوعا بفساده، بل يمكن الحكم باستحبابه، للأخبار السابقة التي يشهد على تنزيلها على ذلك رواية علي بن بزاز (4) عن أبيه قال: " سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الثوب يعمله أهل الكتاب أصلي فيه قبل أن أغسله، قال: لا بأس، وان يغسل أحب


(1) الوسائل الباب 74 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 37 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) الوسائل الباب 50 من أبواب النجاسات الحديث 3 (4) الوسائل الباب 73 من أبواب النجاسات الحديث 5 لكن رواه في الوسائل عن أبى علي البزاز عن أبيه

[ 171 ]

إلي " وغيره مما يستفاد منه رجحان الاستظهار في الطهارة في الجملة مما دل (1) على استحباب اجتناب سؤر الحائض المتهمة بالنجاسة، بل كل من كان متهما بذلك، فاحتمال عدم مشروعية هذا الاستظهار لظهور الأدلة في توسعة أمر الطهارة كما ترى، بل ينبغي القطع بفساده إن أريد منه الحرمة إن لم يقصد به المستظهر قربة، بل أراد إراقة الماء على يده مثلا لزوال نجاستها ان كان واقعا فيها نجاسة، للأصل السالم عن المعارض، والسيرة القاطعة وغيرهما. نعم قد يكون ذلك مرجوحا بالنسبة إلى عدمه إذا احتمل ترتب الوسواس عليه، كما أنه يحرم لو كان مقدمة له أو هو منشأه. أما لو كان منشأ الظن سببا شرعيا كخبر العدل ففي المعتبر والمنتهى وموضع من التذكرة وظاهر القواعد أو صريحها وجامع المقاصد وعن المبسوط والخلاف والموجز وشرحه والايضاح وغيرها عدم القبول، كما عن ظاهر المختلف أيضا، سواء ذكر ما تنجس به الشئ أولا، كما صرح به بعضهم، وهو ظاهر آخر، لاطلاقه كاطلاقهم ذلك أيضا فيما قبل الاستعمال وبعده، للأصل وقاعدة اليقين واعتبار العلم في الأخبار السابقة، ومفهوم ما تسمعه من خبري البينة (2). لكن قد يشكل بعموم بعض ما دل على حجية خبر العدل، بل قد يستفاد من الأخبار تنزيله منزلة العلم، مثل ما دل (3) على ثبوت عزل الوكالة به مع اشتراط الأصحاب حصوله بالعلم، وما دل (4) على جواز وطء الأمة إذا كان البائع عدلا قد


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب الأسآر (2) الوسائل الباب 61 من ابواب الأطعمة المباحة الحديث 2 والباب 4 من ابواب ما يكتسب به الحديث 4 (3) الوسائل الباب 2 من كتاب الوكالة الحديث 1 (4) الوسائل الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والإماء من كتاب النكاح

[ 172 ]

أخبر بالاستبراء، وما دل (1) على دخول الوقت المشروط بالعلم بأذان العدل العارف، وغير ذلك، بل ثبوت الأحكام الشرعية به أكبر شاهد على ذلك. بل يمكن بالتأمل في الأخبار كخبر اللمعة (2) المتقدم في غسل الجنابة، وخبر النهي (3) عن إعلام المصلي بكون الدم في ثوبه المتقدم في النجاسات وغيرها استفادة تنزيل خبر العدل منزلة اليقين، والاكتفاء به على وجه الضابط والقاعدة في كل موضوع لم يثبت كونه من الشهادة المعتبر فيها التعدد، بل لعل ثبوت أصل النجاسة به دون التنجس مع انه ليس من الشهادة في شئ متنافيان، إذ هو أيضا فيه قاطع لقاعدة اليقين ولاعتبار العلم وغيرهما، ومنه يعلم حينئذ تنزيله منزلتهما في المقامين. ودعوى تسليمه في أصل النجاسة دون التنجيس تحكم من غير حاكم، فلا جهة حينئذ للقول بكون التعارض بين ما دل على اعتبار العلم في النجاسة وبين ما دل على حجية قبول خبر العدل من وجه، ولا مرجح، فيبقى على أصل الطهارة، إذ قد عرفت تحكيمه في أصل النجاسة القاضي بتنزيله منزلة العلم واليقين في التنجس أيضا، لاتحاد مدركهما، ولعله لذلك كله كان خيرة ظاهر موضع من التذكرة القبول، كما انه عنه في النهاية احتماله، ومال إليه في الحدائق، إلا أن الانصاف بقاء المسألة في حيز الاشكال، لامكان التأمل والنظر في سائر ما تقدم من المقال بمنع بعضه وعدم ثبوت المطلوب بالآخر. نعم ينبغي القطع بقبول البينة في ذلك كما صرح به في بعض الكتب السابقة، وحكي عن آخر، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عن القاضي وعن ظاهر عبارة الكاتب والشيخ، ولا ريب في ضعفه، لظهور تنزيلها منزلته في الشرع، إذ هي من باب الأسباب لا مدخلية للظن في اعتبارها، كظهور استحقاق الرد أو الفسخ والمطالبة


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الأذان والاقامة من كتاب الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب 47 من ابواب النجاسات الحديث 2 - 1

[ 173 ]

بالأرش لو ثبت بالبينة نجاسة الدهن المبيع ونحوه، واحتمال عدم التلازم بين استحقاق الرد وثبوت النجاسة وجريان أحكامها لا يصغى إليه. نعم قد يقال هنا بعدم الاكتفاء بالشاهد الواحد، لمعارضة حق الغير واستحقاق الرد ونحوه من الدعاوي التي لا تثبت به وان قلنا بالاكتفاء به حيث لا يكون كذلك، بل يمكن دعوى ثبوت النجاسة هنا بخبره دون استحقاق الرد، لكنه لا يخلو من تأمل، وللمروي (1) عن التهذيب والكافي بسنديهما عن الصادق (ع) في الجبن، قال: " كل شئ حلال لك حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة " كالآخر (2) عنهما أيضا عن الصادق (ع) " كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة إلى أن قال: والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة " ومفهومهما قاض بعدم ثبوت النجاسة بالشاهد الواحد كما أشرنا إليه سابقا. لكن قد يجاب بمنع عموم المفهوم فيه كالمنطوق، أو يلتزم ذلك في موردهما مما كان عليه ظاهر قول أو فعل مسلم مستلزم للطهارة من بيعه أو أكله، فلا يكتفى بالواحد، لأنه فيه يكون من قبيل الشهادة بخلاف ما لا يعارضه ذلك، فيفصل حينئذ في قبول شهادة الواحد، وهو ليس بذلك البعيد، وإن أطلق كل من المثبت والنافي، كما انهم أطلقوا قبول شهادة العدلين من غير تقييد لها بذكر سبب التنجيس، لاحتمال استنادها إلى سبب لا ينجس عند الشهود عنده، كاطلاقهم قبولها فيما قبل الاستعمال وبعده، لكن في التذكرة تقييد القبول بذكر السبب. وفيه نظر لجريان مثله في أغلب البينات ان لم يكن جميعها مع تعارف الأخذ بها


(1) الوسائل الباب 61 من ابواب الأطمعة المباحة الحديث 2 (2) الوسائل الباب 4 من ابواب ما يكتسب به الحديث 4 من كتاب التجارة

[ 174 ]

في سائر الموارد، وماذاك إلا لتنزيل إطلاقها على الواقع حتى يظهر الخلاف، إما لأن عدالة الشاهد تمنع من الاطلاق مع إرادة السبب المختلف فيه أو لغير ذلك. نعم لا فرق في ثبوت النجاسة بالبينة بين حصول الظن فيها وعدمه، كما في كل مقام تقبل فيه، لكونها من الأمور التعبدية قطعا. نعم قد يتجه ذلك في خبر العدل بناء على دوران حجيته على الظن. ومنه ينقدح إمكان إلحاق خبر غير العدل المتبين خبره به ولو بتبين حال الراوي من كونه محترزا عن الكذب ونحوه مما اعتبرت حجيته في الأحكام الشرعية، لكنه لا يخلو من بحث. فظهر لك من ذلك كله تمام البحث في أطراف المسألة وإن أطنب المحدث البحراني في حدائقه فيها زاعما ابتنائها على تحقيق لم يسبقه إليه غيره عدا السيد نعمة الله الجزائري في رسالة التحفة، وهو أن مدار الطهارة والنجاسة والحل والحرمة على علم المكلف بأسبابها وعدمه حقيقة أو شرعا لا الواقع، فلا معنى للمتنجس مثلا سوى ذلك لا ملاقاة أعيان النجاسة واقعا وان لم يعلم المكلف، فليس هناك نجس واقعا ونجس ظاهرا، بل انما هو أمر واحد، وهو ما علم المكلف بملاقاته للنجاسة أو جعله الشارع كالعالم. وفيه مع مخالفته للنصوص والفتاوى بل المجمع عليه بين الأصحاب ان لم يكن ضروريا من عدم مدخلية العلم في تحقق معنى النجاسة، لاطلاق الأدلة في حصول النجاسة بملاقاة أسبابها، وأن الشئ قد يكون نجسا واقعا طاهرا ظاهرا وبالعكس، ولذا قد ترتب عليه بعض أحكام كل منهما من الاعادة وغيرها بعد انكشاف الواقع وظهوره انه لا مدخلية لذلك في شئ من أحكام المسألة حيث لو قلنا بثبوت النجاسة بالظن، إذ يمكن انطباقه على التحقيق المذكور بدعوى كونه أيضا من الأسباب التعبدية كالشهادة وإخبار ذي اليد ونحوهما.

[ 175 ]

وكيف كان فلو تعارض الخبران أو البينتان على وجه يكون نافيهما كالمثبت في طهارة شئ ونجاسة ثوب أو إناء أو غيرهما ففي ترجيح الأولى بالأصل أو الثانية بالنقل، وباطلاق دليل قبولها من الخبرين السابقين وغيرهما وعدمه، فيتساقطان، ويستوي في الحكم مع الأول أو يحكمان ويكون كالمشتبه، فيستوي في الحكم من التطهر به ونحوه مع الثاني أوجه بل أقوال، لا يخلو ثالثها من قوة. وأما احتمال الترجيح لأحد الخبرين بالأوثقية ونحوها من مرجحات الرواية فلم أعرف أحدا احتمله، ولعله لعدم الدليل على اعتبارها هنا أو لفرض التساوي، أما لو تعارضا في شيئين كالانائين ونحوهما فالمتجه جريان الأقوال الأربعة السابقة، إلا أني لم أعرف من جزم بالنجاسة هنا وان كان وجهه الأخذ باثبات كل منهما نجاسة كل منهما دون النفي. بل قد يظهر من جامع المقاصد وجود قائل بذلك، لكن ضعفه باتفاقهما على طهارة واحد، كما انه ضعف القول بطهارتهما المحكي عن الخلاف والمبسوط والمختلف، لتساقطهما بالمعارضة في كل من الانائين، فيرجع إلى الأصل السابق، أو لترجيح بنية الطهارة بالأصل بانه انما تعارضا في تعيين النجس لا في حصول النجاسة المتفق عليها عندهما. وفيه ان العلم يحصل لو لم يختلفا بالمشهود به، وإلا فبعد الاختلاف كان كل واحد من الانائين كالاناء المتحد الذي تعارض فيه البينتان، وقد عرفت أن الأقوى فيه الطهارة، فالقول بها هنا حينئذ قوي كما في كشف اللثام، كما أن إلحاقهما بالمشتبه كما في القواعد والتذكرة وجامع المقاصد وعن السرائر والمعتبر والتحرير لا يخلو من وجه، لارتفاع أصل الطهارة بالشهادة على النجاسة مع تعارض البينتين في مفاديهما، فان كلا منهما يفيد نجاسة إناء وطهارة الآخر، هو يعطي الاشتباه، ولأنهما جميعا يثبتان نجاسة ما فيهما، فيجب اجتنابهما، وذلك حكم المشتبه، ولا يدفع إحداهما قبول الأخرى،

[ 176 ]

لتقدم الاثبات على النفي، إذ فيه أنه انما يتقدم عليه إذا ترجح بأنها قد تشاهد ما لم تشاهده الأخرى، بخلاف النفي هنا، فانه لا يضعف عن الاثبات، على أن شهادة كل منهما مركبة من الاثبات والنفي، فلا معنى لتصديقهما في جزء وتكذيبهما في آخر. هذا كله مع عدم إمكان الجمع، أما مع إمكانه فلا ريب في العمل به، إذ لا معنى لاسقاط ما هو حجة شرعية من دون معارض، فما عن الشيخ من القول بالطهارة حتى مع إمكان الجمع في غير محله، إلا أن يكون بناه على عدم قبول البينة في ثبوت النجاسة، فيخرج حينئذ عما نحن فيه، إذ البحث هنا على تقدير القبول. وكالبينة في القبول عندنا إخبار صاحب اليد المالك بنجاسة ما في يده وان كان فاسقا كما في المنتهى والقواعد والموجز وكشف الالتباس وظاهر كشف اللثام، بل عن الذخيرة أنه المشهور بين المتأخرين، كما في الحدائق أن ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه، بل عن الأستاذ أنه " لا ينبغي الشك في قبول خبره بذلك وبالتطهير كالاباحة والحظر ونحوهما من الأحكام المشترط فيها العلم " إلى آخره. لاصالة صدق المسلم، خصوصا فيما كان في يده، وفيما لا يعلم إلا من قبله، وفيما لا معارض له فيه، وللسيرة المستمرة القاطعة، ولاستقراء موارد قبول إخبار ذي اليد بما هو أعظم من ذلك من الحل والحرمة وغيرهما، ولفحوى قبول قوله في التطهير، بل فعله بل وقوله في التنجيس بالنسبة إلى بدنه، فان الظاهر معروفية تسليم القبول فيه، كما يؤمي إليه الاستدلال به في كشف اللثام على ما نحن فيه، فاحتمال انه من أفراد إخبار ذي اليد بما في يده من الاناء ونحوه، فيجري فيه ما يجري فيه ضعيف. قيل ولما يشعر به قول أبي الحسن (ع) في خبر إسماعيل بن عيسى (1)


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب النجاسات الحديث 7

[ 177 ]

جواب سؤاله عن جلود الفراء يشتريها الرجل من أسواق المسلمين يسأل عن ذكاته إذا كان البائع غير عارف: " عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " الحديث. من قبول قول المسؤول لو سئل، بل قد يدعى دلالتها على قبوله حتى لو كان مشركا بناء على كون المراد من الخبر سؤال المشرك، بمعنى أنه يسأل فيقبل إن أجاب أنها من ذبائح المسلمين، ولا يقبل إن لم يكن كذلك كما فهمه الخوانساري وغيره. لكنه قد يناقش فيه حينئذ بمنع قبول قول المشرك في تذكية المسلم بحيث يقطع به إصالة عدمها، وبأن قبول قوله في عدمها إن أجاب به للأصل لالكونه صاحب يد، بل قد تتجه المناقشة بالأخير حتى لو قلنا ان المسؤول في الخبر المسلم كما فهمه في الحدائق على معنى عليكم سؤال البائع المسلم إذا كان في السوق مشرك يبيعها حينئذ، لاحتمال شراء المسلم لها منه حينئذ، أما إذا رأيتموه يصلي فيها فلا تسألوه بعد الاغضاء عن سماجة ما ذكره، إذ يتجه أن يقال حينئذ إن قبول قوله لو سئل انما هو لاصالة عدم التذكية التي قطعها ظاهر يد المسلم الذي صرفنا عن التمسك به قوله، فلا يقاس عليه ما نحن فيه من إخبار صاحب اليد بالنجاسة المنافية لاصالة الطهارة وعموماتها. ومن هنا تتضح لك المناقشة في جميع ما استدل به لهذا الحكم من الأخبار (1) المتضمنة للنهي عن السؤال عند شراء الفراء والجلود وان اشتمل بعضها على التعليل بأن الدين أوسع من ذلك، وأن الخوارج ضيقوا على أنفسهم. ولعله لذا قال في الذخيرة وشرح الدروس: إني لم أقف له على دليل، كما عن نهاية الأحكام الاشكال فيه، بل هو في المنتهى والتذكرة وإن أفتى بالقبول لكنه عبر عن ذلك فيهما بالأقرب مما يشعر بعدم قطعية الحكم عنده، بل في الأخير قيد قبوله


(1) الوسائل الباب 50 من ابواب النجاسات الحديث 3 و 6

[ 178 ]

بما إذا أخبر بنجاسة الاناء مثلا قبل الطهارة لا بعدها، فانه لا يقبل حينئذ. ولعل وجهه لأنه قد خرج من يده بالاستعمال، فلا يقبل إخبار بنجاسته وإن كان خبره عنه بذلك في حال كونه بيده، فكان بالحقيقة اخبار بنجاسة الغير، فلا يلفت إليه كما لا يلتفت إلى قول البائع باستحقاق المبيع للغير، ولصحيحة العيص بن القاسم (1) " سأل الصادق (ع) " عن رجل صلى في ثوب رجل أياما، ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلى فيه، فقال لا يعيد شيئا من صلاته ". والمناقشة فيه باحتمال كون المانع غير النجاسة من الغصب ونحوه مدفوعة بترك الاستفصال ان لم يكن ظاهرا في كون المانع النجاسة. نعم قد يناقش فيه بأن عدم الاعادة لعله للجهل بالنجاسة بناء على معذورية الجاهل حتى في الوقت، بل وبالدليل السابق بعدم التفاوت بعد اعتبار قوله وحجيته شرعا بين تأخره عن الاستعمال وتقدمه كالبينة، وبأن قضيته عدم القبول حتى قبل الاستعمال بعد شرائه منه ونحوه مما يكون سببا لخروجه عن يده. إلا أنه قد يدفع ذلك كله بأن العمدة في الاستدلال له إصالة الطهارة وعموماتها المعلقة للخروج عنها بالعلم أو ما يقوم مقامه، خصوصا خبرا البينة المتقدمان، مع عدم ثبوت قيام إخبار صاحب اليد بعدم الاستعمال مقامه، كما أن ذلك وجه عدم قبوله مطلقا حتى لو كان في يده. لكن قد عرفت ضعف الأخير للأدلة السابقة من إصالة القبول وغيرها، بل قد يشعر به أيضا مضافا إلى ذلك النهي عن الاعلام في خبر عبد الله بن بكير (2) " سأل الصادق (ع) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه، قال:


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 6 (2) الوسائل الباب 47 من ابواب النجاسات الحديث 3

[ 179 ]

لا يعلمه ذلك، قلت: فان أعلمه قال: يعيد " بل أمره بالاعادة في ذيله كالصريح في ذلك، بل في خلاف ما قاله العلامة في التذكرة أيضا، لكنه مبني على وجوب إعادة الجاهل وقضائه، ومن هنا كان الاستدلال به عليه لا يخلو من نظر. نعم قد يتجه الاستدلال باشعار النهي فيه عن الاعلام بالقبول لو أعلم على قبول إخبار ذي اليد قبل الاستعمال، كما أنه قد يتجه الاستدلال بما في الحدائق من أنه ورد النهي عن السؤال في بعض الأخبار (1) الواردة في الجبن، حيث أنه أعطى الخادم درهما وأمره أن يبتاع به من مسلم جبنا، ونهاه عن السؤال، إذ لولا قبول إخبار ذي اليد المسؤول لم يكن وجه للنهي عنه. فالأقوى حينئذ القبول حال بقاء العين في يده، لا إذا خرجت من يده، اقتصارا فيما خالف الأصل على محل اليقين، كما أنه ينبغي الاقتصار على المتيقن من ذي اليد وان اختلفت عبارات من تعرض له، فمنها علقت الحكم على المالك، ومنها على ذي اليد، ومنها ما جمعت بينهما لكن بعطف ذي اليد على المالك، فقالت: يقبل خبر المالك وذي اليد، وان كان يقوى في النظر عموم القبول لكل مستول على عين شرعا لملك أو وكالة أو إجارة أو أمانة أو ولاية ونحوها، بل قد يدور في الذهن قبول الغاصب الذي هو كالمتملك عرفا، لمكان تسلطه وتصرفه على ما في يده نحو ثياب الظلمة وعمالهم وأوانيهم ودورهم وفرشهم ونحوها، وإن كان أصل استيلائهم عليها بغصب منهم أو آبائهم لها أو لأثمانها، ضرورة عدم مدخلية الملك أو التسلط الشرعي في قبول القول بالتنجيس، خصوصا إن قلنا إن منشأه إصالة صدق المسلم وصحة قوله. بل قد يؤيده جريان السيرة والطريقة في قبول قولهم بالتطهير لو تنجست الأمور المذكورة عندهم، مع انه لا مدرك له إلا كونهم أصحاب يد.


(1) الوسائل الباب 61 من ابواب الأطعمة المباحة الحديث 4

[ 180 ]

بل قد يقوى في النفس عموم اليد في النجاسة لنحو أمهات الأولاد ومربياتهم، فيقبل إخبارهن في نجاسة ثيابهم وأبدانهم ونحوهما. والحاصل ان تنقيح المراد باليد في المقام في غاية الاشكال، والعجب من الأصحاب كيف أغفلوا تحرير ذلك مع كثرة أفراده وتشتتها، وعدم وضوح مدارك لشئ منها، وشدة الابتلاء بجملة منها، خصوصا في مثل ذوي الأيدي الشركاء بالأشياء المائعة من الدهن والدبس ونحوهما إذا أخبر أحدهم شركاءه بنجاستها، كما أنهم أغفلوا تحرير الحكم أي القبول، ولم يتعبوا أقلامهم في بيان مدركه، ولعله لوضوح الأمر لديهم وإن خفي علينا. وهل يختص قبول قول ذي اليد بالمسلم وان كان فاسقا عبدا أو امرأة أو يعمه والكافر ؟ وجهان. وحكم ثبوت التطهير حكم التنجيس من العدل الواحد والبينة وغيرهما، لاتحاد المدرك، فما في كشف الأستاذ من قبول العدل في التطهير دون التنجيس لا يخلو من نظر. نعم قد يحتمل الفرق بذلك في خصوص صاحب اليد لوضوح الأدلة فيه دون التنجيس، كما يؤمي إلى ذلك قطع الفاضل في التذكرة وعن النهاية بقبوله في الطهارة، وجعله الأقرب ذلك في التنجيس في الأولى وإشكاله فيه في الثانية، كما أنه في المنتهى جعل الوجه القبول في الطهارة والقرب في النجاسة. لكن على كل حال ينبغي القطع بقبول إخبار صاحب اليد بتطهيره ما في يده من النجاسة العارضة، كما هو ظاهر الكتب المتقدمة، بل هو صريح بعضها لأكثر الأدلة السابقة مع زيادة العسر والحرج، وتظافر الأخبار (1) بطهارة ما يوجد في أسواق المسلمين من الجلود واللحم ونحوهما، بل هي ظاهرة في الاكتفاء في ذلك بظاهر أفعالهم


(1) الوسائل الباب 50 من ابواب النجاسات

[ 181 ]

المنزلة على إصالة الصحة حتى يعلم الخلاف، فضلا عن أن تقرن بأقوالهم، بل هو أولى من الحكم بطهارة بدن المسلم وثيابه بغيبته وإن لم يقل أو يفعل ما يستلزم الاخبار بذلك، فالحاصل قبول قوله في التطهير مما لا ينبغي الاشكال فيه. نعم قد يتجه الاشكال في موضوعه بنحو ما تقدم من الاشكال السابقة، ولعله لذا حكي عن الأمين الأستر ابادي والسيد نعمة الله الجزائري انهما حكيا عن جملة من علماء عصريهما أنهم كانوا إذا أرادوا إعطاء ثيابهم للقصارين لتطهيرها يهبونها إياهم أو يبيعونها ثم يستردونها منهم بنحو ذلك تخلصا من شبهة استصحاب النجاسة، لتوقف انقطاعه على العلم أو ما يقوم مقامه من البينة أو خبر العدل على إشكال فيه أو إزالة المالك نفسه مع عدم ثبوت قيام خبر مطلق الوكيل وان لم يكن عدلا مقامه، لعدم ثبوت كونه من ذوي اليد المقبولة إخباراتهم، إذ المعلوم منها المالك. وفيه مع مخالفته للسيرة المستقيمة القطعية في سائر الأعصار والأمصار المأخوذة يدا عن يد في تطهير الجواري والنساء ونحوهم ثياب ساداتهن ورجالهن بل لعل ذلك من الضروريات التي هي بمعزل عن نحو هذه التشكيكات ان تتبع الأخبار بعين الانصاف والاعتبار يورث القطع بالاكتفاء بنحو ذلك، وبأن كل ذي عمل مؤتمن على عمله، كالأخبار الواردة في القصارين (1) والجزارين (2) والجارية (3) المأمورة بتطهير ثوب سيدها، وان الحجام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة (4) ونحو ذلك، فضلا عن عموم أدلة الوكالة وتصديق الوكيل فيما وكل فيه. فحينئذ لا حاجة للحكم بالتطهير في


(1) الوافى باب التطهير من مس الحيوانات من أبواب الطهارة (2) الوسائل الباب 29 من أبواب الذبائح الحديث 1 من كتاب الصيد والذبائح (3) الوسائل الباب 18 من ابواب النجاسات الحديث 1 (4) الوسائل الباب 56 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 182 ]

الحكم المذكور إلى دعوى الدخول في ذي اليد. وكيف كان فلا حاجة للاطناب والاسهاب وتكثير السؤال والجواب، وإن أطنب فيه بعض متأخري المتأخرين، ولعله لظهور الخلاف في ذلك من المعالم، حيث كان ظاهره حصر القائم مقام العلم في عود المتنجس للطهارة بالبينة والعدل والواحد في احتمال. نعم قد يتوقف في قبول تطهير الغير بالنسبة إلى ما هو متعارف في زماننا من غسل النساء والجواري ونحوهم الثياب والأواني من غير إذن، ولعل الفحوى أو كالفحوى في المقام كافية للسيرة المستقيمة وإصالة الصحة في القول والفعل، وبل قد يدخل نحوهم في ذوي الأيدي بعد تفسيره بالمستولى باذن شرعية ولو بفحوى من المالك ونحوها، بل قد عرفت احتمال الدخول في نحو الغاصب المتقدم حاله، فتأمل جيدا، فان المقام وإن كان مجمله من الواضحات، لكن جملة من أفراده لا يخلو من بعض الاشكالات، كما أشرنا إلى بعض ذلك، وإنا وإن طال بنا الكلام في هذه المسائل مع عدم تمام ارتباطها بما في المتن من وجوب الغسل مع العلم بموضع النجاسة إلا أنها لا تخلو من تعلق ما، لاحتمال الاكتفاء في معلومية موضع النجاسة بما يثبت به أصل النجاسة من إخبار العدل بناء على قبوله أو البينة أو صاحب اليد ونحوها مما عرفت. * (و) * أما * (إن جهل) * محل النجاسة فلم يعلمه بأحد الأمور المفيدة له شرعا * (غسل كل موضع يحصل فيه الاشتباه) * ليكون على يقين من طهارته، كما في صحيحة زرارة الطويلة (1) قلت: " فاني قد علمت أنه أصابه ولم أدر أين هو فأغسله، قال: تغسل ثوبك من الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك ". وإضمار المسؤول مع عدم قدحه عندنا كما عرفته غير مرة، خصوصا من مثل زرارة المعلوم عدم أخذه أحكامه من غير الامام (ع)، وخصوصا في مثل هذا


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 183 ]

الخبر المشتمل على سؤالات متعددة المقترن بقرائن كثيرة تشهد بكونه من الامام (عليه السلام) يدفعه ما عن الصدوق (رحمه الله) انه رواه في كتاب علل الشرائع بطريق حسن مسندا إلى الباقر (ع). كالمناقشة فيه بظهوره في اعتبار التحري من حيث تعليق الحكم فيه بالرؤية التي هي أعم من العلم، لاندفاعها بارادة العلم منها بشهادة التعليل إن لم تكن ظاهرة في ذلك بنفسها. بل ينبغي القطع بذلك بملاحظة اعتضاده بصحيحتي محمد بن مسلم (1) وابن أبي يعفور (2) عن أحدهما (عليهما السلام) والصادق (ع) " في المني يصيب الثوب فان عرفت مكانه فاغسله، وان خفي عليك فاغسله كله ". كحسن الحلبي أو صحيحه (3) عن الصادق (ع) " إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه، وإن ظن أنه أصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء، وان استيقن أنه قد أصابه ولم ير مكانه فليغسل الثوب كله فانه أحسن " وإشعار تعليله بعدم الوجوب بعد إعراض الأصحاب عنه للاجماع المحكي صريحا في المنتهى والتذكرة والرياض وعن غيرها وظاهرا في المعتبر إن لم يكن محصلا على الوجوب المعتضد بنفي الخلاف عنه فيه في المعالم والذخيرة لا يصلح للحكم له على غيره فلا حاجة حينئذ للاستدلال على المطلوب بعد ذلك باستصحاب بقاء يقين المنع إلى حصول اليقين بالزوال المتوقف على غسل الجميع، حتى يناقش فيه بأن يقين النجاسة يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه يساوي قدر النجاسة وان لم يحصل القطع بغسل ذلك المحل بعينه، وبأنه عند التأمل بعد فرض غسل الجزء من استصحاب الجنس المعلوم عدم حجيته، وإن أمكن اندفاعها بان المعتبر بعد يقين الشغل يقين البراءة لا عدم يقين


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 16 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 6 - 4

[ 184 ]

الشغل، كما أشارت إلى ذلك صحيحة زرارة السابقة (1) بل هو واضح في سائر ما كان من قبيل هذه المقدمات وموارد مثله من الاستصحابات أيضا، كوضوح عدم كونه من استصحاب الجنس بحيث لا يحتاج إلى بيان. لكن قد تقدم لنا في البحث عن الانائين المشتبهين ما يصلح التأييد به للمناقشة السابقة، بل تقدم ما له من مزيد نفع في غير ذلك أيضا من الأبحاث التي تعرض لها بعضهم هنا حتى الملاقي للمشتبه، فانا قد ذكرنا هناك أن الأقوى فيه بقاؤه على استصحاب الطهارة وعدم إلحاقه بالمشتبه، كما هو ظاهر الأدلة، فلا يجب اجتنابه وان احتملنا فيه ذلك أيضا، لما تقدم في محله، فيكون كالمشتبه في وجوب اجتنابه وغسله مع الامكان، لكن قد يظهر هنا من الأستاذ الأكبر في شرحه على المفاتيح الميل إلى حرمة مباشرة المشتبه وان لم يجب عليه غسل الملاقي بعد عصيانه، ووجهه غير واضح. هذا إن لاقى المشتبه ثوب واحد مثلا، أما لو لاقاه ثوبان أو أثواب بحيث علم ملاقاة أحدها للنجس منه فلا ريب في جريان حكم المشتبه الأصلي عليه، بل هو من أفراده، نعم لو لاقاه بدنا مكلفين لم يجب على أحدهما غسل يده مثلا وان علما نجاسة أحدهما على الاجمال، لوضوح عدم جريان المقدمة هنا، بل يكونان كواجدي المني في الثوب المشترك، بل وكذا لولاقاه ثوباهما كما جزم به كسابقه الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح، لاستصحاب كل منهما طهارة ثوبه وبدنه، وعدم تعلق الخطاب بمعين منهما بالاجتناب عن ثوبه أو بدنه النجس المعين أو المردد. قلت: لكن قد يشكل الأخير بأن الخطاب بالاجتناب لا يتوقف على كون الثوب مملوكا للمكلف، بل يكفي فيه تقدير تمكنه من ذلك باعارة وإجارة ونحوهما،


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 185 ]

بل الظاهر تحققه مع تعذرهما أيضا، لظهور كون النجاسة من قبيل الخطاب بالوضع الذي لا يتوقف على تحقق ذلك، وإلا فبناء على ما ذكره يتجه صحة صلاة كل منهما ووضوئه بكل من ثوبيهما وإناءيهما مع قطعهما بوقوع النجاسة على أحدهما، وكأنه واضح البطلان، خصوصا بعد إطلاق الأدلة بالاراقة ونحوها من دون تقييد باتحاد المالك، بل قد يتجه عليه صحة ذلك مع اتحاد المالك إذا أخرج أحدهما من ملكه ببيع ونحوه، أللهم إلا أن يفرق بتحقق تكليف المعين فيه دون الأول، فلا يجدي في انقطاع الاستصحاب الانتقال العرضي، كما لا يجدي إراقة أحدهما في الأرض أو في ماء كثير في استصحاب التكليف باجتناب الباقي وان لم يكن يقين نجس، وهو لا يخلو من وجه، كما أنه لا يخلو من كلام يعرف مما ذكرناه في بحث الاناءين، فلاحظ. * (ويغسل الثوب والبدن من البول) * بالماء القليل عدا محل الاستنجاء * (مرتين) * وفاقا للمشهور بين المتأخرين، بل في المدارك والحدائق وغيرهما نسبته للشهرة من غير تقييد، بال في المعتبر نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الاجماع عليه، ولعله لازم إيجابهما في الفقيه والهداية في محل البول، كما أنه لازم ما في السرائر من إيجاب العصر مرتين، للأصل الواضح ضعف المناقشة فيه هنا بعدم جريانه في الحكم الثابت إلى غاية مجهولة للمكلف بما ذكرناه في محله من عدم الفرق بين الأمرين في مدرك حجيته عندنا. وقول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (1) والصادق (ع) في صحيح ابن أبي يعفور (2) عن البول يصيب الثوب: " اغسله مرتين " كصحيح ابن مسلم الآخر (3) أيضا عن الصادق (ع) " اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة ".


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب 2 من أبواب النجاسات الحديث 1

[ 186 ]

وحسن الحسين بن أبي العلاء (1) بل صحيحه على الأصح فيه " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله مرتين " كالمروي (2) في مستطرفات السرائر من جامع البزنطي. وخبر أبي إسحاق النحوي (3) عن الصادق (ع) " سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين ". والرضوي (4) " إن أصابك بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرة، ومن ماء راكد مرتين، ثم اعصره " فما في البيان من الاجتزاء بالمرة، كظاهر المبسوط والقواعد بل صريح الأخيرين في البول غير المرئي كالجاف ونحوه ذلك أيضا، بل ربما يوهمه أيضا إطلاق المقنعة والنهاية كما عن غيرهما ضعيف جدا، إذ هو مع مخالفته لما عرفت لا دليل عليه سوى دعوى التمسك باصالة البراءة التي هي على تقدير تسليمها منقطعة بما سمعت، وإطلاق طهورية الماء كاطلاق الأمر بالغسل في بعض الأخبار الواجب تقييدهما لو سلم إمكان الاستدلال بأولهما على ما نحن فيه من الكيفية، بل وبثانيهما أيضا، لظهور كونه مساقا لغير بيانها بما سمعته من الأدلة المعتبرة. كما أن ترك الاستفصال فيها بين الجاف وغيره شاهد على عدم اعتباره فيه. فدعواه لظهر كون أول الغسلتين للازالة والثانية للانقاء، بل ذلك عين متن خبر الحسين بن أبي العلاء في المعتبر والذكرى، فمع فرض زوال العين بالجفاف ونحوه سقطت غسلته وبقيت غسلة الانقاء لا يلتفت إليه، لمخالفته لاطلاق النصوص والفتاوى من غير شاهد، إذ العقل لا نصيب له في إدراك هذه المقامات، ولم نعثر على تلك الزيادة في الخبر


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من ابواب النجاسات الحديث 4 - 7 - 3 (4) المستدرك الباب 1 من أبواب النجاسات الحديث 1

[ 187 ]

المذكور في الأصول كما اعترف به في المعالم والذخيرة والحدائق، بل قال الأول: إني أحسبها من كلام المعتبر، فتوهمها بعضهم أنها من الخبر، وقد يؤيده عدمها في الخبر المذكور في المنتهى مع شدة حاجته إليها. ومع ذلك كله فليست صالحة للحكم على معارضها من إطلاق الأدلة المعتضد باطلاق الفتاوى، بل حملها على الحكمة ونحوها متجه، فالتفصيل بذلك لنحو ذلك في غاية الضعف. كالتفصيل بين الثوب والبدن، فيجب العدد في الأول دون الثاني، للاطلاق السالم عن معارضة دليل معتبر فيه، لقصور أخبار العدد فيه سندا بأجمعها بل ودلالة، لاحتمال إرادة القول مرتين لا الصب، إذ المناقشة الثانية في غاية الضعف، بل والأولى أيضا، لمنع القصور أولا كما لا يخفى على المتأمل في ملاحظة الأسانيد، خصوصا بعضها، وللانجبار بالشهرة العظيمة، وظاهر إجماع المعتبر ثانيا. فلا ينبغي التوقف في الفتوى حينئذ بمضمونها، ومعارضتها ببعض المعتبرة (1) الظاهرة في نفي التعدد بالنسبة للاستنجاء، بل لعل المشهور ذلك فيه يدفعها ما تقدم لنا في ذلك المبحث من الفرق الواضح بين المقامين، لاختصاص كل منهما بأدلة لا تتعدى إلى الآخر، ضرورة ظهور أخبار المقام المشتملة على السؤال عن إصابة البول الجسد في غير محل الاستنجاء، كالعكس. وما في الكافي " روي (2) انه يجزئ أن يغسل البول بمثله من الماء إذا كان على رأس الحشفة وغيره " بعد الاغضاء عن دلالته، لظهور إرادته بذلك إحدى (3) روايتي نشيط بن صالح لا يجسر على طرح هذه الأدلة المعتبرة سندا ودلالة وعملا، أو تأويلها بمثله، كما هو واضح.


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب أحكام الخلوة (2) و (3) الوسائل الباب 26 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 2 - 7

[ 188 ]

ومن هنا ذهب بعض من اجتزي بالمرة هناك إلى التعدد هنا، بل في ظاهر المعتبر هنا نقل الاجماع مع حكايته الخلاف في التعدد هناك، نعم قد يلزم القول بالتعدد فيه القول به في المقام، لأوضحية أدلته منه، فتأمل. ولا فرق في الحكم المذكور بين سائر الأبوال، للأصل وإطلاق النصوص والفتاوى، واحتمال المناقشة بعدم ظهور تناول إطلاق البول لها أو ظهور العدم، فلا يتقيد إطلاق الأمر بالغسل، كقوله (ع) (1): " اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه " ونحوه بها ضعيفة جدا. نعم هي في محلها بالنسبة إلى بول الصبي غير المتغذي بالطعام الذي قد تقدم الاكتفاء فيه بالصب، فلا يعتبر التعدد فيه كما صرح به في المعتبر والأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح، والنراقي في لوامعه، والشهيد في روضته، والفاضل المعاصر في رسالته المنسوبة إليه، بل لعله ظاهر جميع الأصحاب كالمصنف وغيره، وحيث أفردوا حكمه بالاكتفاء فيه بالصب، دون غيره فالغسل، ثم اعتبروا التعدد في الغسل مع معروفية عدم التعبير عنه بذلك في لسانهم، بل يذكرون حكم الصب مقابل الغسل، بل ظاهر المعتبر والكتابين بعده السابقين تساوي الاجتزاء بالمرة للحكم بالصب في الوضوح. قال في الأول: " بول الصبي لا يجب غسله، ويكفي صب الماء عليه مرة في الثوب وغيره، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يغسل كغيره ". وقال في الثاني: " أما إجزاء الصب في بول الصبي قبل الأكل من دون حاجة إلى التعدد ولا إلى العصر فيدل عليه مضافا إلى إصالة البراءة والاجماع المنقول عن الشيخ في الخلاف ما رواه الشيعة في كتب الامامية " إلى آخره. وقال في الثالث: " التعدد كالغسل غير معتبر في بول الرضيع، لكفاية الصب


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 189 ]

فيه بالأصل والاجماع المحقق والمحكي عن جماعة، وقول الصادق (ع) (1) إلى آخره. ولعله الأقوى، لاطلاق الأمر بالصب، سيما مع ظهور كون ذلك لخفة نجاسته، كما يؤمي إليه عدم اعتبار الانفصال فيه وغيره، بل لعل فحواه دليل آخر، ضرورة عدم الفائدة في التعدد حينئذ، خصوصا بناء على تعليله بكونه للازالة والثانية للانقاء، كما أن ظهور بعض الأدلة السابقة على الاكتفاء بالصب من فعل النبي صلى الله عليه وآله وغيره في عدم التعدد دليل ثالث أيضا، بل لعل خبر أبن أبي العلا (2) ظاهر فيه أيضا " سألت أبا عبد الله (ع) عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله مرتين، وسألته عن الصبي يبول على الثوب، قال: تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره " حيث اقتصر فيه على بيان العدد في الأولين، بل منه يظهر عدم اندراج بول الصبي في إطلاق السؤال عن إصابة البول الجسد والثوب، ولذا أجابه (ع) بما لا يشمله من ذكر الغسل والعدد ونحوهما. بل لعل التأمل في الأخبار (3) المشتملة على بيان ذلك من ذكر غسل الثوب خصوصا قوله (ع) في الاجانة كذا، وفي الجاري كذا، ونحو ذلك فيها يشرف الفقيه على القطع بكون المراد منها بول غير الصبي المعبر عن حكمه بالصب عليه، ككلام الأصحاب أيضا، فما في كشف الأستاذ من اعتبار العدد فيه لاطلاق ما دل على اعتباره، ودعوى ظهور الأدلة في اختصاص امتيازه عن بول غيره بالصب خاصة ضعيف


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب النجاسات الحديث 2 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 1 من ابواب النجاسات الحديث 4 وذيله في الباب 3 الحديث 1 (3) الوسائل الباب 1 و 2 من ابواب النجاسات

[ 190 ]

جدا كمستنده، مع أني لم أعثر على موافق له صريحا، والله أعلم. والمدار في صدق المرتين العرف كما في غيره من الألفاظ، والظاهر اعتبار الفصل في مسماهما، بل ينبغي القطع به كما هو واضح، فما في الذكرى وظاهر جامع المقاصد أو صريحه في باب الاستنجاء بل حكي عن جماعة من الاجتزاء باتصال الماء الذي يغسل به وتدافعه المقدر فيه الغسلتان ضعيف جدا إن كان المراد الدخول في المسمى، ولا يخلو من وجه إن كان المراد إلحاقه به في الحكم، لفحوى الاكتفاء بالحسي، بل ربما ادعي القطع به مع اتصاله مقدار زمان الغسلتين وزمان القطع، لأولوية الاتصال من الانفصال. لكن قد يمنع ذلك كله، لظهور قصور العقل عن إدراك مثل ذلك، وانه لا مدخلية للانفصال فيه على وجه القطع واليقين، إذ هو المثمر دون الظن والتخمين، فالاقتصار حينئذ على مضمون النصوص طريق اليقين بالبراءة عن شغل الذمة بازالة النجاسة. نعم قد يدعى القطع من إجماع أو غيره بعدم الفرق بين الثوب والبدن وغيرهما مما تنجس بالبول وأمكن تطهيره بالقليل في الحكم المذكور، وان اقتصر في المتن وغيره من عبارات الأصحاب كالنصوص عليهما، إلا أن الظاهر إرادة التمثيل، كما صرح به في الروضة والحدائق، بل هو كصريح غيرهما أيضا مما علق فيه الحكم على المنفعل بالبول، فاحتمال القول بالاتحاد في غيرهما وان قلنا بالعدد فيهما كما في المعالم والذخيرة، بل اختاره في اللوامع، لاطلاق أوامر التطهير والغسل بل خصوص إطلاق ما ورد بتطهير الفراش ذي الحشو ونحوه من البول في غاية الضعف كما لا يخفى على المتأمل في أخبار الباب وكلام الأصحاب من التعدي إلى نحو ذلك، خصوصا في النجاسات، كتعديهم في أصل ثبوت النجاسة وان كان ما ورد بها خاصا بالثوب ونحوه، لا أقل من الشك، والاستصحاب محكم. ثم انه لا يعتبر في المرتين كونهما معا للتطهير، بل الظاهر الاجتزاء بهما لو حصلت

[ 191 ]

الازالة بأحدهما كما عن المعتبر والذكرى وجامع المقاصد وشرح الموجز التصريح به، لاطلاق الأدلة، بل هو قاض بذلك أيضا فيما لو حصلت الازالة بهما أيضا، وذيل خبر ابن أبي العلاء قد عرفت عدم ثبوته، ولا ينافي ذلك اعتبار المرتين في المتنجس بالبول حكما، لكون مدار المقام على إطلاق الأدلة وتحقق امتثالها. فما عساه يقال أو قيل بل قد يوهمه كثير من العبارات في غير البول من انه لا معنى لاحتساب تلك الغسلة الأولى التي حصلت بها الازالة من الاثنتين، للزوم الازالة ولو تضاعف الغسل، ولغير ذلك ضعيف لا شاهد عليه. نعم لابد من اجتماع شرائط التطهير في الغسلتين معا من الورود والانفصال ونحوهما، وإن كنا لا نشترط في المراد به إزالة نفس العين ذلك، فلو فرض إزالتها بماء وردت عليه مثلا ثم تعقب ذلك غسلتا التطهير لم يكن بذلك بأس، فلا يتوهم من الاجتزاء بالازالة في الغسلة الأولى التي احتسبناها من الغسلتين سقوط شرائط التطهير فيها، إذ قد عرفت عدم ثبوت كون المراد منها الازالة، بل ظاهر الأدلة توقف التطهير على مسمى الغسلتين، إلا أنه لما تحقق امتثال المكلف بفعلهما لاندراجه في إطلاق الأدلة قلنا بالاجتزاء بذلك، وإن قارنهما أو أحدهما حصول الازالة أيضا، كما هو واضح. وظاهر المتن وغيره ممن اقتصر على ذكر العدد في البول خصوصا مع إطلاقه الغسل في غيره الاجتزاء بالمرة، كما هو صريح المعتبر والقواعد والموجز والبيان والروضة والمدارك والذخيرة والحدائق والرياض وغيرها، وان اشترط جماعة منهم الاكتفاء بها بعد إزالة العين، لظهور عدم مدخلية ذلك في اعتبار العدد، بل أقصاه عدم الاجتزاء بالمرة التي يقارنها الازالة بها، مع انه قد يقطع بعدم إرادته منه ذلك، بل المراد عدم اعتبار أزيد من الازالة بالغسل، إذ العدد على تقدير اعتباره لا يتفاوت فيه وجود العين وعدمها، ويعتبر فيه اجتماع شرائط التطهير من الورود والانفصال ونحوهما من

[ 192 ]

غير فرق بين الغسلة الأولى والثانية، بخلاف ما يراد منه الازالة كما عرفته مفصلا. ولعله بهذا الاعتبار يرجع ما في المنتهى والتحرير إلى المختار حيث قال فيهما بعد ذكر العدد في البول: " ان ما كان له ثخن وقوام من النجاسات كالمني أولى بالتعدد " لظهور كون مراده ذلك لازالة العين، لا أن التطهير يتوقف عليه تعبدا، ولذا اكتفى بالمرة حال عدم وجود العين من سائر النجاسات، وهو أمر خارج عما نحن فيه، إذ فرض البحث بعد إزالة العين ولو بماء مضاف ونحوه. نعم صريح اللمعة وجامع المقاصد التعدد في سائر النجاسات، للاستصحاب ولمساواتها للبول أو أولى، بل في صحيح ابن مسلم (1) عن الصادق (ع) " انه ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول " الحديث. ولتعليل غسلتي البول بكون أولهما للازالة والثانية للانقاء الجاري في غيره أيضا. وهو كما ترى، إذ الاستصحاب مقطوع باطلاق أدلة الغسل في جملة منها، بل الشديد منها كالحيض ونحوه ان لم يكن جميعها المتمم بعدم القول بالفصل، ومنع وصول العقل إلى المساواة بالنسبة للحكم المذكور على وجه القطع واليقين فضلا عن الأولوية، بل قد يؤمي عدم العفو عن قليله في الصلاة إلى أشديته من الدم، كمنع ظهور صحيح ابن مسلم في المطلوب، إذ لعل المراد أشدية وجوب إزالته وأنه آكد من البول في ذلك ردا لما عن بعض العامة من القول بطهارته لا بالنسبة إلى كيفية الغسل، أو المراد أشديته منه لاحتياجه إلى فرك ونحوه، وأما التعليل المذكور فقد عرفت أنالم نعثر عليه في الأخبار السابقة، على أنه عليل في نفسه، بل لعله إقناعي أو كالاقناعي. فالأقوى حينئذ عدم اعتبار العدد في غير البول من النجاسات في سائر المتنجسات


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 193 ]

إلا الولوغ وخصوص الأواني على ما ستعرف حكمهما إن شاء الله من غير فرق في ذلك بين ما ثبت نجاسته من أوامر الغسل ونحوها التي يتمسك باطلاقها في الاجتزاء بالمرة وبين ما ثبت نجاسته بالاجماع ونحوه، وإن تردد فيه بعض متأخري المتأخرين، للاستصحاب السالم عن معارضة إطلاق الأمر بالغسل ونحوه كما هو المفروض، إذ قد عرفت أنه مع تسليم وجود الفرض المذكور وأنه لا تكفي عمومات مطهرية الماء انما يتم بالاجماع المركب المحكي ظاهرا في الذخيرة الذي يشهد له التتبع، بل يمكن تحصيله على عدم الفرق بين النجاسات بذلك، وبه ينقطع الاستصحاب حينئذ. مع إمكان منعه في نفسه، إما بناء على عدم حجيته في نحوه مما كان معلقا على غاية غير معلومة للمكلف، فيتمسك حينئذ باصالة براءة الذمة عن استعماله بعد الغسلة الواحدة، وعن وجوب غسلة ثانية بعدها، للشك في أصل الشغل بها، كمن تنجست يده مثلا بنجاسة لا يعلمها أنها بول فيجب فيه مرتان، أو غيره فيجب مرة، فانه لا يجب عليه أزيد من مرة، وكالشك في كون الصادر منه موجبا للقضاء والكفارة، أو للقضاء وحده. واحتمال الفرق بين مشتبه الحكم والموضوع ممنوع، كاحتمال الفرق بين أسباب النجاسة وغيرها من أفراد قاعدة الشك بين الأقل والأكثر التي منها ما لو شك في شغل ذمته لزيد بعشرة دراهم أو أزيد المعلوم جريان أصل البراءة في مثله، كمعلومية منع دعوى بطلان ذلك باستصحاب الشغل إجمالا قياسا على من علم شغل ذمته بقدر خاص ثم شك في أدائه تماما أو بعضه، لوضوح الفرق بين المقامين. وإما بناء على عدم استصحاب حكم الاجماع، لا رتفاعه بعد تحققها. وإن كانا معا لا يخلوان من نظر، أما الأول فلأن صفة الطهارة وما يحصل به الطهارة أمر شرعي لا يمكن حصوله إلا بتوقيف من الشارع، وإصالة البراءة لا تستقل

[ 194 ]

باثباته قطعا، فلا يمكن الحكم بحصول وصف الطهارة شرعا لمتنجس قد اشتبه موضوع ما تنجس به أو حكمه بمجرد غسلة واحدة لاصالة براءة الذمة عن الزائد. وما عساه يقال: إنه يثبت طهارته بعموم الأدلة على طهارة كل ما لم يعلم نجاسته، فانه بالغسلة الواحدة لم يعلم كونه طاهرا شرعا أو نجسا يدفعه إمكان منع عموم أدلة على ذلك، إذ أقصى ما يستفاد منه الحكم بطهارة الذي لم يعلم عروض التنجيس له، أو الشئ لم يعلم لحوق وصف النجاسة له ابتداء كالموضوعات المجهولة الحكم، أما ما ثبت نجاسته ولو في الجملة كما في الفرض فنمنع وجود عموم يدل على طهارته بمجرد عدم العلم ببقاء وصف النجاسة له. نعم قد يقال: إنه بناء على ما ذكرت لا يكون محكوما بطهارته ولا نجاسته كالاناء المشتبه بالنجس، فلا ينجس به الطاهر، ولا يكتفي به في امتثال ما علم اشتراطه بالطهارة، دون ما كانت النجاسة مانعة منه، ولعلنا نلتزمه، أو نرتكب تخلصا آخر عن أصل البحث بأن ندعي الفرق بين ما كان من قبيل الصفات كالنجاسة والطهارة ونحوهما وإن كانت تترتب عليها تكاليف، وبين ما كان من قبيل التكليف المحض كمثال القضاء والكفارة، فيتمسك باستصحاب بقاء الوصف في الأول وان جهل حكم سببه أو موضوع سببه، بخلاف الثاني فننفيه بالأصل، لأنه تكليف محض. وأما الثاني أي عدم استصحاب حكم الاجماع فبما بيناه في الأصول، على أنه يمكن فرض المقام فيما لا يكون مدركه الاجماع، بل إطلاق دليل بالنجاسة ونحوه، فتأمل جيدا، فان المقام من مزال الأقدام وكثير الفوائد، وتمام البحث فيه في الأصول. ثم انه لا ريب في الاجتزاء بالمرة في غسل ما تنجس بالمتنجس بها بناء على الاجتزاء بها في الأصل، لعدم زيادة الفرع عليه، أما بناء على التعدد فيحتمل ذلك أيضا للاطلاق، وعدم صدق اسم الأصل، والتعدد للاستصحاب، وظهور انتقال

[ 195 ]

حكم الأصل إلى ما تنجس به، ومنه يعرف الكلام في المتنجس بالبول، كما أنه مما قدمناه في بحث الغسالة يعرف البحث في ذلك كله، إذ هي من أفراد المسألة على تقدير النجاسة، فلاحظ وتأمل. وكيف كان فظاهر المتن وغيره ممن أطلق اعتبار المرتين في غسل البول عدم الفرق بين القليل والكثير الراكد والجاري، لكن لم أعرف أحدا صرح بذلك هنا، بل ظاهر الأصحاب الاتفاق على الاجتزاء بالمرة في الأخير، ولذا نفى الريب عنه في الذكرى، وما تصيده بعضهم من الخلاف من إطلاق الشيخ عدم احتساب وقوع إناء الولوغ في الماء الجارى لو تعاقب عليه الجريات غسلات ثلاثا فيه مع احتمال كون ذلك منه لاشتراط تقدم تعفيره بالتراب انه فرق بينه وبين ما نحن فيه، كما أومأ إليه الشهيد في الذكرى، لاختصاص المقام بصحيح ابن مسلم (1) المتقدم سابقا المصرح بالاجتزاء بغسل الثوب من البول في الجاري مرة واحدة، مؤيدا بالرضوي (2) وبضعف تناول ما دل على اعتبار المرتين لمثله، بل هي ظاهرة في الغسل بالقليل، كما يؤمي إليه لفظ الصب والمركن فيها ونحوهما، بل لعله المتعارف في ذلك الزمان وتلك البلدان لقلة الجاري ونحوه فيها. نعم قد يظهر من حدائق المحدث البحراني نوع تردد في الاجتزاء بذلك بالنسبة للبدن، لاختصاص الصحيح (3) بالثوب، وهو ضعيف جدا، للقطع بالمساواة والأولوية القطعية، ولما عرفت من ضعف تناول إطلاق المرتين لمثله، خصوصا الوارد منها في البدن، لاشتمالها أو أكثرها على لفظ الصب، فيبقى حينئذ إطلاق الأمر بالغسل الظاهر في


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) المستدرك الباب 1 من أبواب النجاسات الحديث 1 (3) الوسائل الباب 2 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 196 ]

الاجتزاء بالمرة من غير معارض، ومع ذلك فلا قائل بالفصل إلا ما يظهر مما حضرني من نسخة جامع ابن سعيد من الفرق بين الثوب والبدن، فيكتفي بالمرة الواحدة في غسل الأول بالجاري دون الثاني، وظني أنها غلط، لأن المنقول عنه التفصيل بين الجاري والراكد في اعتبار المرة والمرتين من غير فرق بين الثوب والبدن، وعلى كل حال فهو في غاية الضعف، بل لا يقدح في دعوى تحصيل الاجماع على عدم الفصل. ولا يعتبر في الغسل بالجاري المكث حتى يتعاقب الجريتان ليكون كالغسلتين، لا طلاق الصحيح السابق، ولعدم صدق اسم الغسلتين عرفا بذلك، فما عساه يوهمه معتبر المصنف ومنتهى الفاضل من اعتبار ذلك في إناء الولوغ فيعتبر مثله هنا ضعيف، على أنك قد عرفت الفرق بين المقامين. وأما الغسل بالثاني أي الراكد الكثير فالأقوى فيه أيضا عدم اعتبار العدد، وفاقا للفاضل في التذكرة وعن غيرها والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل نفى الريب عنه في الذكرى، وخلافا لظاهر المتن وغيره، بل كصريح الصدوق والجامع، بل صريح الرياض، بل لعله لازم قول المصنف بعدم سقوط التعدد في غسل إناء الولوغ به، كالمحكي عن بعض نسخ المنتهى، لكن ما حضرني منها صريح في السقوط، فيلزمه المختار هنا حينئذ، لاطلاق الأمر بالغسل، وإمكان دعوى القطع بمساواته للجاري بعدما عرفت من عدم اعتبار الجريات، بل ومع اعتبارها، إذا فرض اختلاف سطوح الراكد عليه بتحريك ونحوه، بل لعل الكثير من الراكد إذا فرض جريانه في ساقية ونحوها داخل في إطلاق الجاري، إذ تخصيصه بالنابع عرف للفقهاء أو بعضهم على الظاهر، فيشمل الصحيح حينئذ هذا القسم منه، ويتم في الباقي بعدم القول بالفصل. كما انه يمكن القطع بمساواة بعض أفراد الجاري للراكد على العرف الشرعي أيضا

[ 197 ]

كالنابع غير السائل من العيون ونحوها، خصوصا في المنقطع فعلية نبعها بسبب ما خرج منها من الماء وان كانت مستعدة له، بل يمكن إرادة غير المنفعل من الجاري في الصحيح بقرينة مقابلته بالمركن. ومعارضته باحتمال إرادة مطلق الراكد من المركن وان كان كرا بقرينة مقابلته بالجاري يدفعها وضوح رجحان الأول عليه، لمعلومية مساواة الكر الجاري في سائر أحكامه أو أكثرها، ولذا ورد (1) " أن ماء الحمام كالجاري " بخلاف المركن، بل لعل التجوز بمثله عن الكثير الراكد يعد مستهجنا. بل قد يظهر من التأمل في هذا الأخير دليل آخر على المطلوب بدعوى استفادة تنزيل الكر منزلة الجاري فيما يتعلق بالطهارة والنجاسة والتطهير وغيره من الاستقراء والتتبع، بل ورد التصريح به في الحمام، سيما بناء على ما اختاره بعضهم من عدم خصوصية له في ذلك. فهذا مع ما عرفت من ظهور أدلة المرتين بالقليل من حيث اشتمالها على الصب ونحوه، بل الغسل فيها من حيث ظهوره بسبب مقابلته بالصب في العصر ونحوه الذي قد عرفت سقوطه بالكثير، مع معروفية التطهير بالقليل في ذلك الزمان والمكان لقلة الكثير فيهما، فضلا عن التطهير به. وما يمكن أن يؤيد به أيضا من الاعتبار من حيث أن الماء الكثير إذا استولى على عين النجاسة وان كانت مغلظة استيلاء شاعت أجزاؤها فيه واستهلكت سقط حكمها شرعا، فالمتنجس إذا استولى الماء على آثار النجاسة أولى بالسقوط وبصيرورة وجودها كعدمها، وإلا لكان الأثر أقوى من العين يشرف الفقيه على القطع بالاجتزاء بالمرة المزيلة للعين.


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب الماء المطلق الحديث 1

[ 198 ]

ولعله لذا قطع به في الذكرى، فقال: " لا ريب في عدم اعتبار العدد في الجاري والكثير في غير الولوغ وقول ابن بابويه باعتبار المرتين في الراكد دون الجاري كحسنة محمد بن مسلم (1) عن الصادق (ع) محمول على الناقص عن الكر أو على الندب، لتغاير المياه في الجاري، فكأنه غسل أكثر من مرة بخلاف الراكد " انتهى. وهو جيد مشتمل على فوائد كثيرة تعرف مما سبق، فالقول بوجوب العدد للاستصحاب والاطلاق ومفهوم الصحيح، بل ومنطوق الرضوي السابقين في أول البحث ضعيف جدا، لما عرفت والرضوي مع أنه ليس بحجة عندنا يمكن حمله على ما ذكره الشهيد في عبارة الصدوق التي هي عين عبارته، بل لعل ذكر العصر فيها يؤمي إليه، لسقوطه بالكثير الراكد عندنا، فتأمل جيدا. ثم المعتبر في غسل النجاسات والمتنجسات بها زوال أعيانها بحيث لم يبق منها أجزاء على المحل ولو كانت دقاقا، نعم لا عبرة بعد ذلك بالألوان والروائح ونحوهما من الأعراض التي لا تستتبع أعيانا من مؤثراتها عرفا بل ولا عقلا، لمنع اقتضاء العرض محلا من مؤثره يقوم به، بل يكفي في عدم تحقق قيامه بنفسه قيامه بالثوب ونحوه مما باشر المؤثر، على أنه لو سلم استلزامه أجزاء جوهرية من المؤثر أمكن منع وجوب إزالتها، لصدق غسل النجاسة بل الازالة المأمور بها شرعا بدون ذلك، والأصل براءة الذمة عن التكليف بغيرهما مؤيدا بالعسر والحرج والسيرة والطريقة المستمرة، سيما في مثل الأصباغ المتنجسة ولو بالعرض من مباشرة الكفار وغيرهم، حيث يكتفي سائر المسلمين بغسلها إذا أريد تطهيرها من ذلك. فاحتمال التمسك باستصحاب النجاسة أو حكمها إلى زوالها في غاية الضعف، خصوصا بعد ما في المعتبر من إجماع العلماء على عدم وجوب إزالة اللون والرائحة الذي يشهد له التتبع.


(1) الوسائل الباب 2 من أبواب النجاسات الحديث 1

[ 199 ]

وبعد قول أبي الحسن (ع) في الحسن (1) بعد أن سئل هل للاستنجاء حد ؟: " لا حتى ينقي ماثمة، فقيل له: يبقى الريح، قال: الريح لا ينظر إليها ". وخبر علي بن أبي حمزة (2) عن العبد الصالح (ع) " سألته أم ولد جعلت فداك اني أريد أن أسألك عن شئ وأنا أستحيي منه، قال: سلي ولا تستحيي، قالت: أصاب ثوبي دم الحيض فغسلته فلم يذهب أثره، قال: اصبغيه بمشق حتى يختلط ويذهب أثره ". كخبر عيسى بن أبي منصور (3) قال للصادق (ع): " امرأة أصاب ثوبها من دم الحيض فغسلته فبقي أثر الدم في ثوبها، قال: قل لها تصبغه بمشق " ونحوهما غيرهما، إذ المشق بالكسر المغرة كما عن الصحاح والقاموس، ولو كان زوال اللون شرطا في زوال النجاسة لم يكن للأمر بالصبغ وجه، إذ لا فائدة له إلا إخفاء لون النجاسة عن الحس. ومرسل الفقيه (4) " سئل الرضا (ع) عن الرجل يطأ في الحمام وفي رجله الشقاق، فيطأ البول والنورة فيدخل الشقاق أثر أسود مما وطأ من القذر وقد غسله، كيف يصنع به وبرجله التي وطأ بها أيجزيه الغسل أم يخلل أظفاره بأظفاره ؟ ويستنجي فيجد الريح من أظفاره ولا يرى شيئا، فقال: لا شئ عليه من الريح والشقاق بعد غسله " إذ هو صريح في الريح وكالصريح في اللون بناء على إرادته من الأثر الأسود، والمناقشة بالقصور سندا أو دلالة يدفعها الانجبار بما عرفت. فما في منتهى الفاضل من وجوب إزالة الأثر إلا إذا تعذر مفسرا له باللون دون الرائحة فلم يوجب إزالتها ضعيف جدا، إلا أن يريد بعض الألوان التي هي في الحقيقة أعيان تزول بالفرك والدلك ونحوهما، لا أنها ألوان محضة، لكن فرقه بين الرائحة


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 25 من ابواب النجاسات الحديث 2 - 3 - 6 (2) الكافي ج 1 من الفروع - ص 109 من طبعة طهران عام 1377

[ 200 ]

واللون قد ينافيه، أللهم إلا أن يدعي بعد الفرض المذكور فيها بخلافه فيه، فانه كثيرا ما يشتبه اللون بالعين، ولعله لذا أيضا قال في القواعد: " ويكفي أي في التطهير إزالة العين والأثر وان بقيت الرائحة واللون، لعسر الازالة كدم الحيض " حيث قيد اللون بالعسر دونها إلا أن يريد تقدير ذلك فيها أيضا، فيفهم منه حينئذ وجوب إزالتها مع عدم العسر كاللون، لكنه على كل حال قاطع فيها وفي المنتهى بعدم وجوب إزالتهما مع العسر من غير فرق بينهما، إلا أنه في المحكي من نهايته الفرق بينهما، حيث قطع بعدم وجوب الازالة فيه إذا كان عسر الزوال دونها، فقال: الأقرب ذلك، وهو مشكل، وربما علل بوجود النص فيه بخلافها، وفيه ما عرفت من وجوده فيه أيضا. بل الأولى الاعتذار عنه بأنه في هذا الكتاب لم يسلك مسلك غيره من التحقيق والتدقيق حتى يستحق التوجه إلى مراعاة هذه الدقائق فيه، بل كان قصده فيه تكثير الوجوه والاحتمالات والاشكالات كما لا يخفي على الممارس له، ومن ذلك قوله بعدما حكيناه عنه: " ولو بقي اللون والرائحة وعسر إزالتهما ففي الطهارة إكمال ينشأ من قوة دلالة بقاء العين ومن المشقة المؤثرة مع أحدهما، فيعتبر معهما " إذ هو كما ترى لا ينبغي الاشكال فيه بعد أن اختار عدم وجوب إزالة اللون والرائحة مع عسر الازالة، واحتمال مدخلية الاجتماع لا ينبغي أن يصغى إليه. وكيف كان فلم نعرف له حجة على دعواه في كتبه الثلاثة إذا لم ينزل على المختار إلا الأصل الذي قد عرفت حاله مما تقدم، كدعوى دلالة اللون أو هو والريح على العين، وما عساه يظهر من أخبار صبغ أثر دم الحيض بالمشق من وجوب الازالة مع الامكان، وان لم يتمكن من ذلك احتال بالصبغ، بل قد يدعى ظهورها في شدة الاهتمام

[ 201 ]

بذلك، كظهور أسئلتها في معروفية إزالة آثار النجاسات، وخبر أبي يزيد (1) القمي المروي في الكافي والتهذيب، بل وعن العلل مع اختلاف في بعض رجال السند عن أبي الحسن الرضا (ع) " سألته عن جلود الدراش التي يتخذ منها الخفاف، قال: لا تصل فيها فانها تدبغ بخرء الكلاب ". وفيه منع ذلك الاستظهار على مدعيه فضلا عن أن يعارض ما عرفت من الاجماع وغيره، كمنع جواز الركون إلى الخبر المذكور في معارضته ذلك أيضا بعد ضعف سنده في الكتب الثلاثة بأحمد بن محمد السياري، إذ هو كما في جش وعن الفهرست ضعيف الحديث فاسد المذهب، ذكر ذلك الحسين بن عبد الله مجفو الرواية كثير المراسيل، ودلالته بعدم موافقته لمختار الخصم من العفو عن متعذر الازالة أو عسرها فلا بأس حينئذ بحمله على الكراهة، أو إرادة قبل الغسل أو غيرهما. نعم لو كان المتغير باللون أو الرائحة الماء الذي يغسل به النجاسة المباشر للمغسول المتخلف بعضه فيه نجس الثوب حينئذ به. ثم المدار في معرفة ما أشرنا إليه سابقا من اشتباه بعض الأعيان بالألوان العرف لا عسر الأزالة وعدمها، إذ قد تكون بعض الألوان المجردة عن ممازجة شئ من الأعيان سهلة الازالة جدا، فانها لا تجب إزالتها أيضا، لما سمعته من الأدلة السابقة، فسقط نفع ما في جامع المقاصد حيث قال بعد أن ذكر العفو عن اللون العسر الازالة تبعا للفاضل: " والمراد العسر عادة، فلو كان بحيث يزول بمبالغة كثيرة لم يجب، وهل يتعين له نحو الاشنان والصابون أم يتحقق بمجرد الغسل بالماء إذا لم يزل به ؟ كل محتمل، والأصل يقتضي الثاني، والاحتياط الأول " انتهى. بناء على ما عرفته من مختارنا، فتأمل جيدا، والله أعلم.


(1) الوسائل الباب 71 من ابواب النجاسات الحديث 1 رواه في الوسائل عن أبي يزيد القسمى وهو الصحيح

[ 202 ]

* وإذا لاقي الكلب أو الخنزير أو الكافر ثوب الانسان) * وكان * (رطبا) * رطوبة تنتقل بالملاقاة أو كان أحدها كذلك * (غسل موضع الملاقاة) * من الثوب * (واجبا) * كباقي النجاسات، لانتقال حكم النجاسة الثابتة في هذه الثلاثة بالأدلة السابقة بذلك إجماعا محصلا ومنقولا ونصوصا (1) مستفيضة بل ضرورة من المذهب أو الدين، كما أن الاجماع بقسميه أيضا، والنصوص (2) والاستصحاب وغيرها على توقف زوال حكم النجاسة هنا على الغسل، فلا يكفي النضح أو الرش ونحوهما مما لا يصدق عليه مسمى الغسل من غير فرق بين سائر أفراد الكلب، فما في الفقيه من الاكتفاء بالرش للثوب من خصوص ملاقاة كلب الصيد ضعيف جدا، إذ لا نعرف له موافقا ولا دليلا، بل الأدلة من إطلاق الخبر وغيرها على خلافه، كما أن ما في الجامع من انه روي ان كلب الصيد لا يرش من ملاقاته رطبا زيادة على ما ذكره الصدوق لا ينبغي الالتفات إليه، ضرورة أنها من الشواذ إن ثبت بعدما عرفت. * (و) * أما * (إن كان) * الثوب * (يابسا) * كالملاقي له منها * (رشه بالماء استحبابا) * كما هو المشهور بين الأصحاب، بل لا خلاف يعتد به في رجحان الرش في الجملة في الأنواع الثلاثة وأفرادها، وان كان ظاهر الفقيه، نفيه بملاقاة كلب الصيد، لكن الاجماع إن لم يكن محصلا وإلا فهو محكي نصا في المعتبر، وظاهرا في غيره على ما يقتضي خلافه، كالأخبار التي سيمر عليك بعضها، مع أنا لم نعثر على مستمسك. كما أنه لا خلاف يعتد به أيضا في كون ذلك على جهة الندب، وان كان صريح الوسيلة وظاهر الجامع وعن المراسم الوجوب في الثلاثة كصريح النهاية وظاهر المقنعة في الأولين والفقيه في الأول غير كلب الصيد منه بل عن الثالث زيادة الفأرة والوزغة، كما في الأول والرابع زيادتهما مع الثعلب والارنب، لكن في ظاهر المعتبر بل صريحه


(1) و (2) الوسائل الباب 12 و 13 و 14 من ابواب النجاسات

[ 203 ]

الاجماع على استحبابه في محل البحث، ولعله كذلك للاجماع المحكي في المختلف وكشف اللثام وعن الذخيرة والدلائل. بل قد يدعى تحصيله على عدم تعدي النجاسة مع اليبوسة، كالموثقة (1) الدالة على ان " كل يابس ذكي " المعتضدة بالاستصحاب وغيره، وإمكان إرادتهم التعبد الذي لا ينافي ذلك كله لا التنجيس يأباه ملاحظة كلماتهم وذكرهم له في مقام بيان التطهير وأحكام النجاسة، واستغراب التعبدية في مثله بحيث لا مدخلية له في سائر ما يشترط بالطهارة، وإن احتمله في المعالم بل أصر عليه في الحدائق، تمسكا بظاهر مستند هذا الحكم من الأوامر. كقوله الصادق (ع) في صحيح البقباق (2): " إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن مسه جافا فأصبب عليه الماء ". وقوله (ع) في مرسل حريز (3): " إذا مس ثوبك كلب فان كان يابسا فانضحه، وإن كان رطبا فاغسله " وبمعناه خبر علي (4) عنه (ع) أيضا، كمضمره (5) " سألته عن خنزير أصاب ثوبا وهو جاف، هل تصلح الصلاة فيه قبل أن يغسله ؟ قال: نعم بالماء ثم يصلي فيه " بل عن قرب الاسناد روايته مسندا إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام). وصحيح أخيه (6) عنه (ع) أيضا " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلا أن يكون فيه أثر فيغسله.


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 5 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 26 من ابواب النجاسات الحديث 2 - 3 - 4 - 6 (6) الوسائل الباب 13 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 204 ]

وصحيح الحلبي (1) " سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في ثوب المجوسي، فقال: يرش بالماء " الحديث. إلا أنه لا يخفى عليك وجوب حملها على إرادة الندب بقرينة ما سمعت من إجماع المعتبر المعتضد بغيره، سيما حمل الأمر بالرش على الندب في غير ذلك من المواضع الوارد فيها حتى من الخصم على الظاهر، حيث لم ينقل عنه الوجوب، بل في المعالم أن ظاهر الأصحاب الاطباق على استحبابها، على أن خبرى الخنزير الأولين ينافيان ارادة التعبد، كما أنه ينافيه مقابلة النضح ونحوه فيها بالغسل المعلوم عدم إرادته منه. ودعوى ظهوره من خبر الخنزير الثالث للأمر بالمضي فيه مع الدخول ممنوعه، إذ لعله لكونه مستحبا لا يقطع له الصلاة، بل قد يؤيده الأمر به على تقدير عدم الدخول، إذ لا مدخلية له على فرض التعبد، ولعل الاستثناء فيه يراد منه وجوب الغسل على تقدير الدخول، وعدمه بمعنى أنه يقطع الصلاة ويبطلها على الأول كما هو الغالب من عدم تيسر الغسل فيها، فلا ينافي حينئذ ما دل على بطلان صلاة ناسي النجاسة الذاكر في الأثناء حتى يحتاج إلى تأويل الخبر وصرفه عن ظاهره بارادة الجاهل بوجود الأثر وان علم الملاقاة، لكونها أعم منه، فلا تمنعه من التمسك باصالة الطهارة حتى دخل ثم علم. وما يقال من أن التعبد لا بد من ارتكابه هنا في هذه الأوامر حتى على تقدير الندب أيضا لعدم تصوره بالنسبة للطهارة والنجاسة، فابقاؤها على ظاهرها من الوجوب أولى حينئذ يدفعه منع عدم تصوره على إرادة رفع الأثر الحاصل من ملاقاتها يابسة، وان كان لم يعتبر الشارع هذا الأثر في صحة المشروط بالطهارة، بل جعل رفعه مستحبا فيها فهو كأثر النجاسة في الجملة ومن قبيله، لكنه لم يصل إلى حد وجوب الازالة، فتأمل جيدا فانه دقيق.


(1) الوسائل الباب 73 من ابواب النجاسات الحديث 3

[ 205 ]

فاتضح لك من ذلك كله حمل الأمر في الأخبار السابقة على الندب، كوجه فتوى المشهور بذلك، لكن قد يشكل بأنها قد اشتملت على النضح والصب، وهما خصوصا الثاني غير الرش المأمور به في الفتوى، وبأنها لا تدل على استحباب ذلك في مطلق الكافر، إذ ليس إلا الخبر الأخير الخاص بالمجوسي. ويدفع الأول بدعوى إرادة الرش من النضح، بل ترادفه معه، كما يشهد له ما عن الصحاح والقاموس النضح الرش، واستدل الأصحاب بأخباره عليه، بل قد يراد بالصب ذلك أيضا كما يؤمي إليه التعبير بالنضح في بعض أخبار بول الصبي المعلوم ان حكمه الصب، وما عن بعض الأصحاب التعبير فيه أي بول الصبي أيضا بالرش، بل هو قريب جدا بناء على ما في حواشي القواعد من تفسير الرش بأن يستوعب جميع أجزاء المحل بالماء ولا يخرج، وانه به افترق عن الغسل، لما قد عرفت من تفسير الصب بذلك، مع احتمال الاجتزاء هنا في تحصيل الوظيفة بكل منهما، بل قد يدعي أولويته باعتبار أبلغيته في المراد، إلا أنه يبعده اتفاق عبارات الأصحاب حتى معقد الاجماع السابق على عدم التعبير به في المقام، وانه كالمطلق بالنسبة للنضح والرش، واستحسانه من جهة الأبلغية لا مدخلية له في الأحكام الشرعية التي يقصر العقل عن إدراك بعض حكمها ومصالحها. والثاني بالغاء الخصوصية بين المجوسي وغيره، خصوصا مع ملاحظة الاجماع السابق وكون الحكم مما يتسامح فيه. والمراد باليابس في المتن وغيره ما يشمل الندى الذي لا ينتقل منه رطوبة بملاقاته، لعدم حصول وصف التنجس به، كما صرح به العلامة الطباطبائي في منظومته للأصل، وصدق الجاف عليه، ومفهوم صحيح البقباق السابق، بل قد يظهر من التأمل فيه إرادة منتقل الرطوبة من الرطب في غيره من الأخبار وغير منتقلها من اليابس، فلا وجه

[ 206 ]

لاحتمال القول بحصول النجاسة في الفرض تمسكا باطلاق بعض الأدلة المرتبة ذلك على الملاقاة بعد الاقتصار على خروج المتيقن، وبمفهوم تعليق النضح ونحوه المحمول على الاستحباب المستفاد منه عدم التنجيس على اليابس الممنوع صدقه على المفروض، إذ هما كما ترى. هذا كله في الثوب الملاقي للثلاثة المذكورة * (و) * أما البحث * (في البدن) * إذا كان ملاقيا لها في‍ * (- غسل) * من ملاقاتها إن كانت رطبة أو كان هو * (رطبا) * قطعا، لعين ما مر في الثوب * (وقيل) * يجب ان * (يمسح) * بالتراب إن كان * (يابسا ولم يثبت) * ما يدل على استحبابه فضلا عن وجوبه كما اعترف به جماعة وان كان هو صريح الوسيلة وظاهر النهاية والمقنعة، بل في الأولين زيادة الثعلب والارنب والفأرة والوزغة، كما في الثالث زيادة الأخيرين، بل عن المبسوط استحباب ذلك من كل نجاسة يابسة، لكن قد تنزل عباراتهم على الاستحباب، ويكتفى في ثبوته بفتوى مثلهم به للتسامح فيه. بل قد يستدل على خصوص الكافر بخبر القلانسي (1) " قلت لأبي عبد الله (ع): ألقي الذمي فيصافحني، قال: امسحها بالتراب وبالحائط، قلت: فالناصب قال: اغسلها " بعد إلغاء خصوصية الذمي كخصوصية المصافحة، وان اقتصر عليهما مع زيادة الناصب في النهاية، وعليها في المقنعة، بل لا بأس بالتعدي منه إلى أخويه الكلب والخنزير ان لم يكن إلى سائر النجاسات، ولا ينافي الأمر بالغسل من مصافحة اليهودي والنصراني في خبر آخر (2) استحباب المسح المذكور خصوصا لو حمل على الرطوبة، نعم قد يظهر من الخبر السابق استحباب خصوص الغسل في خصوص الناصب دون المسح، والأمر سهل. لكن كان على المصنف ذكر استحباب نضح الثوب والبدن من البول المظنون


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من ابواب النجاسات الحديث 4 - 5

[ 207 ]

إصابته لهما أو المشكوك، والمني والدم كذلك بالنسبة للثوب، للنصوص (1) الواردة في ذلك، بل قد يتعدى منها إلى كل نجاسة لذلك في الثوب أو البدن. واحتمال إشكاله بأنه لا يلائم ضوابط الاحتياط، إذ لابد فيه من الاتيان بعمل النجاسة المتحققة من الغسل والعصر ونحوهما حتى انه يفيد التخلص منها لو كانت في الواقع مصيبة يدفعه إمكان القول بالتزام ارتفاعها بالنضح إذا كانت موهومة، ولا استبعاد في التزام حكمين للنجاسة تابعين للوهم والعلم، أو القول باستحبابه تعبدا لا لازالتها مع فرضها حتى يكون من الاحتياط، أو القول بكون المراد والمطلوب بالرش والنضح دفع زوال النفرة الحاصلة من ذلك الوهم الذي قد يترتب على مراعاته الوسواس المأمور بالتجنب عنه، لكن على كل حال كان على المصنف أن يذكره. كما انه كان عليه ذكر استحبابه بالنسبة للثوب أيضا من الفأرة الرطبة التي لم ير أثرها عليه، وإلا فيستحب غسله لا نضحه، ومن المذي ومن أبوال الدواب والبغال والحمير مع شك الاصابة، وإلا فيستحب غسله، ومن بول البعير والشاة ومن العرق مع الجنابة، ومما يجده ذو الجرح في المقعدة بعد الاستنجاء من الصفرة من المقعدة، وغير ذلك من الأمور المذكورة في النصوص وبعض كلمات الأصحاب المعلوم عدم وجوبها وان كانت بلفظ الأوامر، كما هو واضح لا يحتاج إلى بيان. * (وإذا أخل المصلي) * المختار * (بازالة النجاسات) * الغير المعفو عنها * (عن ثوبه أو بدنه) * ونحوهما مما تشترط طهارته في صحة الصلاة، فان كان عالما بها وبحكمها * (أعاد في الوقت وخارجه) * لما عرفته سابقا من اشتراط صحة الصلاة بذلك إجماعا محصلا


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب النجاسات الحديث 6 والباب 16 الحديث 4 والباب 37 الحديث 1

[ 208 ]

ومنقولا، ونصوصا (1) مستفيضة إن لم تكن متواترة، بل هي كذلك معنى كما لا يخفى على السارد لها بعد جمع شتاتها، بل وكذا مع الجهل بالحكم ولو لنسيانه كما صرح به بعضهم هنا، لا طلاق النصوص والفتاوى، بل لعلهما أوضح شمولا لها من صورة العلم، خصوصا النصوص، ضرورة وضوح بطلان الصلاة منه لو قلنا بتصور وقوعها من مثله، فحملها عليه حينئذ بيان للبديهيات. ولا ينافي ذلك معذورية بعض أفراده بالنسبة للمؤاخذة والعقاب كالجاهل الذي لم يتنبه لاحتمال مدخلية ذلك في الصلاة، إذ لا ملازمة بينها وبين ما نحن فيه من القضاء والاعادة المترتبين على عدم الاتيان بالصلاة المطلوبة وفواتها المتحقق كل منهما مع الجهل المذكور. ودعوى منع كون المطلوبة حال الجهل فاقدة النجاسة لقبح تكليف الغافل وما لا يطاق، كدعوى منع عدم مطلوبيتها مع النجاسة حاله بدليل عقابه لو تركها، فيقتضي الأمر بها حينئذ الاجزاء كما ترى واضحتا الفساد، ضرورة أن غفلة العبد ولو كان معذورا فيها لا تقتضي تغيير محبوبية المكلف به ومطلوبيته في نفسه وحد ذاته للسيد، كما أن عقابه ومؤاخذته للعبد على ترك غير المطلوب والمحبوب للسيد من حيث إقدامه على ترك ما تخيله مطلوبا ومحبوبا لا يقتضي صيرورته مطلوبا ومرادا للسيد في نفسه وحد ذاته حتى يجزئ عن ذلك الذي اقتضت الحكمة والمصلحة طلبه وإرادته. فما اختلج المقدس الأردبيلي من الشبهة في المقام، خصوصا بالنسبة إلى التكليف بالقضاء خارج الوقت، بل سرت منه إلى جماعة من الأعلام، بل منهم من أصر على عدم الاعادة أيضا في خصوص الجاهل غير المتنبه، كما أن منهم من أصر على عدم


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الجواهر 26

[ 209 ]

القضاء عليه، بل في المدارك وغيرها الاصرار على عدم مؤاخذة المتنبه على ترك ذلك المجهول لديه، وان كان يعاقب على تركه النظر والبحث والسؤال ليس في محله. بل التحقيق ما عرفت من وجوب القضاء والاعادة عليه مطلقا، والمؤاخذة والعقاب على نفس المكلف به مع التنبه والتفطن وتركه السؤال والبحث، لمنع قبح تكليف مثله به، وإلا لم يكن الكفار مكلفين بالفروع، نعم هو قبيح قطعا مع الجهل الساذج، لكنه لا ينفي القضاء، والاعادة كما سمعت من غير فرق في ذلك كله بين الجهل وبحكم النجاسة من الاشتراط المذكور أو الجهل بأصل النجاسة: أي بكون الدم مثلا نجسا، كما هو واضح، فتأمل. * (فان لم يعلم) * بأصل عروض النجاسة حين الفعل وقبله * (ثم علم بعد الصلاة) * بسبقها عليها * (لم يجب عليه) * القضاء لو كان ذلك بعد خروج الوقت بلا خلاف كما في السرائر والتنقيح وكشف الرموز، بل في المدارك والذخيرة والحدائق ان ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه، بل في الغنية والمفاتيح واللوامع وعن المهذب الاجماع عليه. فما عساه توهمه عبارة المنتهى وغيره من وجود خلاف فيه كظاهر الخلاف بل صريحه لم نتحققه، وان احتمله في كشف اللثام من عبارة المقنعة في بعض الأحوال، كما أنا لم نتحقق لاحتمال وجوبه وجها فضلا عن القول به بعد الاجماع المحكي على لسان من عرفت ان لم يكن محصلا المعتضد بنفي الخلاف وإصالة البراءة، وفحوى ما دل على عدم * (الاعادة) * في الوقت، بل منه ما هو شامل لما نحن فيه، بل لعل أكثرها كذلك بناء على شمول نفي الاعادة للقضاء في الأخبار، وباقتضاء الأمر بالصلاة اعتمادا على استصحاب الطهارة الاجزاء هنا، لعدم ظهور تناول أدلة اشتراط إزالة النجاسة لمثل


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات (2) الوسائل الباب 41 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 210 ]

المقام، بل ظاهرها انها شرط علمي. بل منها ما هو كالصريح في ذلك كصحيح زرارة (2) عن الباقر (ع) المعلل عدم إعادة الصلاة على من نظر ثوبه قبل الصلاة فلم ير فيه شيئا، ثم رآه بعدها بأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا، إلى آخره. ومنه كغيره يستفاد أن عدم وجوب القضاء لصحة الصلاة السابقة، كما هو معقد إجماع المفاتيح لا انه ساقط عنه وان لم يحكم بصحة تلك الصلاة، واستبعاده بناء على وجوب الاعادة لو علم في الوقت باستلزامه توقف الصحة على المراعاة شبه الفضولي في المعاملات المستبعد وقوع مثله في العبادات استبعاد لغير البعيد بعد قضاء الدليل، خصوصا مع عدم توقف نفس الصحة واقعا هنا على ذلك، وإن توقف الحكم بها، ضرورة علم خالق السماوات بعلم المكلف في الوقت وعدمه، فهي أول صدورها إما مقبولة أو مردودة في الواقع من غير توقف على شئ إذ علمه في الوقت بناء على تسبيبه الاعادة لا يورث بطلانها من حينه، بل بسببه انكشف له عدم صحتها سابقا، هذا. مع ان الأقوى عدم وجوب الاعادة عليه في الوقت أيضا لو علم بعد الفراغ، فيرتفع الاشكال حينئذ من أصله، وفاقا للمشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، لصدق الامتثال المستلزم للاجزاء، والمعتبرة المستفيضة حد الاستفاضة. منها صحيح عبد الرحمان (1) " سأل الصادق (ع) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته ؟ فقال: إن كان لم يعلم فلا يعيد ". وخبر أبي بصير (2) سألته أيضا " عن رجل يصلي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 5 (2) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 211 ]

فرغ من صلاته ثم علم، قال: مضت صلاته ولا شئ عليه ". وحسن ابن سنان أو صحيحه (1) سأله أيضا " عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم، قال: إن كان علم أنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى، وان كان لم يعلم به فليس عليه إعادة " الحديث. وقول الباقر (ع) في صحيح الجعفي (2) في الدم يكون في الثوب: " إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد صلاته " كقولهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (3): " إن رأيت المني قبل أو بعدما تدخل في الصلاة فعليك الاعادة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول " إلى غيرذلك من الأخبار المستفيضة، وفيها الصحيح الصريح أو كالصريح وغيره. * (وقيل يعيد في الوقت) * كما هو خيرة النهاية في باب المياه منها، والغنية والنافع والقواعد وظاهر جامع المقاصد والروض والمسالك وعن المبسوط والمهذب ونهاية الأحكام والمختلف، بل في ظاهر الغنية الاجماع عليه لاصالة الشغل وانتفاء المشروط بانتفاء شرطه. وللجمع بين الأخبار السابقة وبين صحيح وهب بن عبد ربه (4) عن الصادق (ع) " في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد، قال: يعيد إذا لم يكن علم ". وخبر أبي بصير (5) عنه (ع) أيضا " سأله عن رجل صلى وفي ثوبه،


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 3 (2) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 2 (3) الوسائل الباب 41 من ابواب النجاسات الحديث 2 (4) و (5) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 8 - 9

[ 212 ]

بول أو جنابة، فقال: علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم " بحملهما على الوقت، والأولى على خارجه. * (و) * لا ريب أن * (الأول أظهر) * منه، لانقطاع الأصل بما عرفت، ومنع الشرطية حال الجهل، وتوقف الجمع المذكور بعد إمكان منع قبول بعض الأخبار السابقة له إن لم يكن جميعها بدعوى الظهور في الوقت على التكافؤ أولا المعلوم عدمه هنا سندا وعددا وعملا بل ودلالة، لاحتمالها الانكار والاستحباب والنسيان حين الصلاة وان كانت معلومة قبلها، والأول غير ما نحن فيه من الجنابة في الثوب المختص التي توجب غسلا، وسقوط حرف النهي من الراوي كما يؤيده عدم وضوح معنى الشرطية بدونه، وان كانت تحتمل إرادة التصريح بالشرط تنصيصا على الحكم عنده، دفعا لتوهم الخلاف، ويعلم الحكم في خلافه بالأولى أو إرادة إذا لم يكن علم حتى أتم الصلاة، فانه إن علم فيها قطعها واستأنف ولا إعادة، بل ربما أحتمل كون الشرط من الراوي أكد به سؤاله فيما إذا لم يكن علم، كعدم وضوح معنى الشرطية في الثاني أيضا إلا على إرادة عليه الاعادة إذا علم كان علم به أو لم يعلم، أو على أن يكون قوله (ع): " علم أولم يعلم " تقسيما ثم أبتدأ فقال: عليه الاعادة إذا كان علم وعلى الشاهد ثانيا. ودعوى انه الاجماع على عدم الاعادة خارجا يدفعها عدم صلاحيته لصرف الدال بظاهره على نفيها في الوقت حتى يكون صالحا للشهادة، وإن صلح لصرف الدال بظاهره عليها مطلقا. بل وأظهر مما احتمله الشهيد في الذكرى وان لم ينقل انه إحداث قول ثالث من التفصيل بين من اجتهد قبل الصلاة في البحث عن طهارة ثوبه وغيره، فلا يعيد الأول ويعيد الثاني، بل ربما مال إليه في الدروس، كما انه قواه في الحدائق بل ادعى فيها ظهور عبارة المقنعة في ذلك، كظاهر إقرار الشيخ واستدلاله لها في التهذيب، قال فيها بعد

[ 213 ]

أن ذكر وجوب الاعادة على من ظن أنه على طهارة ثم انكشف فساد ظنه ما نصه: وكذلك من صلى في الثوب وظن أنه طاهر ثم عرف بعد ذلك أنه كان نجسا ففرط في صلاته من غير تأمل له أعادة الصلاة، بل في الفقيه روي (1) في المني انه " إن كان الرجل جنبا قام ونظر وطلب ولم يجد شيئا فلا شئ عليه، وإن كان لم ينظر فعليه أن يغسله ويعيد صلاته ". لكن ومع ذا فقد استظهر في اللوامع انه خرق للاجماع، لعدم فرق الأصحاب في جاهل النجاسة بين من نظر وتأمل وغيره، كالأدلة السابقة، فاحتمال التصرف فيها حينئذ بحمل الدال منها على عدم الاعادة على الثانية وعلى الاعادة على الأول (2) بشهادة مرسل الصدوق. ومفهوم صحيح ابن مسلم (3) عن الصادق (ع) " انه ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول " كخبري ميمون الصيقل (4) وميسر (5) عنه (عليه السلام) أيضا. قال في الأول: " قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، فقال: الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وله حد، إن كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة ".


(1) الوسائل الباب 41 من ابواب النجاسات الحديث 4 (2) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصحيح " على عدم الاعادة على الأول وعلى الاعادة على الثاني " (3) و (4) الوسائل الباب 41 من ابواب النجاسات الحديث 2 - 3 (5) الوسائل الباب 18 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 214 ]

وقال في الثاني: " آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فأصلي فيه فإذا هو يابس، قال: أعد صلاتك، أما انك لو كنت غسلته أنت لم يكن عليك شئ " يدفعه قصور الشاهد سندا في البعض، ودلالة في الآخر عن قابلية ذلك، خصوصا بعد ما عرفت من دعوى ظهور الاجماع على عدم الفرق، وبعد إمكان دعوى ظهور أخبار عدم الاعادة في غير المتفحص عن طهارة ثوبه وبدنه، لأنه المتعارف من أحوال الناس، كامكان دعوى قصور دلالة الصحيح الأول بخروج الشرط فيه مخرج الغالب القاضي بعدم اعتبار مفهومه، بل الجميع عن تمام الدعوى من تعميم الحكم لسائر النجاسات، كتعميمه لما قام معه شاهد يورث الظن أو الشك بحصول النجاسة وما لم يقم، مع أنه لا دلالة فيها على غير المني أو هو مع البول، إلا أن يتمم بظهور عدم الفرق، كما انها لا دلالة فيها على إعادة من لم يقم له شاهد بالنجاسة ففرط في النظر. لكن الانصاف كون الأحوط مع ذلك كله الاعادة، خصوصا مع قيام الشاهد ففرط في النظر والبحث، بل لعل القول به فيه لا يخلو من قوة، ولا ينافيه ظهور الأدلة في جواز تعويله على إصالة الطهارة واستصحابها. بل هو صريح صحيح زرارة (1) " فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه ؟ قال: لا، ولكنك انما تريد أن تذهب عنك الشك الذي في نفسك " الحديث. ضرورة عدم ملازمة جواز التعويل لعدم وجوب الاعادة لو تبين الخلاف بعد ذلك. وإن كان ربما يؤمي إليه التعليل في صحيح زرارة (2) " قلت: فان ظننت أنه أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت، قال: تغسله ولا تعيد، قلت: لم ذاك ؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا " الحديث. إلا أنه يمكن


(1) و (2) الوسائل الباب 37 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 215 ]

تنزيله على خصوص مورده الذي قد حصل فيه النظر والاجتهاد، فتأمل جيدا ثم أنه بناء على التفصيل المذكور هل يختص الحكم بالاعادة أو يشملها مع القضاء ؟ ظاهر الشهيد الأول، ومحتمل أو ظاهر عبارة المفيد الثاني، وهو أحوط، بل يشهد له خبر ميمون السابق (1) كما انه قد يقال أيضا بناء على المختار من عدم إعادة الجاهل مطلقا: إن المراد العفو من حيث الجهل بمانعية النجاسة دون غيرها من الموانع المتصفة بها، ككونها فضلة ما لا يؤكل لحمه، ونحوه كدم غير المأكول ومنيه وبوله وخرئه فتعاد الصلاة حينئذ من هذه الحيثية لا للنجاسة إن قلنا بمساواة الجاهل بها للعامد. لكنه لا يخلو من نظر بل منع يعرف مما تقدم لنا في نظائره، وان كان ظاهر الأستاذ في كشفه هنا ذلك، بل صحيح عبد الرحمان (2) المتقدم سابقا كالصريح في خلافه، إذ احتمال تنزيله على إرادة نفي الاعادة من حيث النجاسة وان وجبت من حيث كونه فضلة كلب كما ترى، كما أن ما ذكره في الكشف أيضا: من الاشكال في إلحاق الجهل بموضوع العفو لزعم القلة فيما يعفى عن قليله، أو زعم أنه مما يعفى عن قليله أو عن أصله أو عن محله أو عن أهله كالمربية، أو لزعم اضطراره، أو أنه من بول الطفل مع الاتيان بالصب عليه، أو أنه من غير المحصور فظهر منه، أو أنه من المشتبه الخارج بعد أحد الاستبراءين أو أن النجاسة ليست بولا فغسلها مرة واحدة فظهرت بولا بالجهل بأصل موضوع النجاسة، بل صرح بقوة الفساد في جميع ذلك لا يخلو بعضه من نظر وتأمل. نعم لا يلحق بالجاهل ناسي النجاسة فلم يذكرها إلا بعد الصلاة، فان الأقوى فيه الاعادة وقتا وخارجا كما عساه الظاهر من المتن، وفاقا للمشهور بين الأصحاب قديما


(1) الوسائل الباب 41 من أبواب النجاسات الحديث 3 (2) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 5

[ 216 ]

وحديثا نقلا وتحصيلا، بل في السرائر نفي الخلاف عنه في موضعين مستثنيا في أحدهما ما في استبصار الشيخ خاصة من بين كتبه المعد لذكر أوجه الجمع بين الأخبار، وان لم تكن على طريق الفتوى والاختيار من القول بالاعادة في الوقت دون خارجه، بل في الغنية وعن شرح الجمل للقاضي الاجماع عليه، وهو بعد اعتضاده بنفي الخلاف السابق وشهادة التتبع له الحجة، مضافا إلى إصالة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وإطلاق ما دل من الأخبار (1) الكثيرة جدا التي تقدم بعضها آنفا، وآخر في قدر الدرهم من الدم على الاعادة مع العلم بالنجاسة الشامل لصورة النسيان، بل لعلها أظهر في الاندراج من صورة العمد، وخصوص المعتبرة (2) المستفيضة جدا ان لم تكن متواترة المذكور جملة منها في نسيان الاستنجاء. ومنها صحيح ابن أبي يعفور (3) " قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر بعدما صلى أيعيد صلاته ؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة ". كمضمر زرارة في الصحيح (4) بل عن العلل إسناده إلى أبي جعفر (ع) قال: " قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم اني ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة وتغسله " الحديث.


(1) و (3) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث - 0 - 1 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب أحكام الخلوة (4) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 217 ]

وموثق سماعة (1) عن الصادق (ع) " عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي، قال: يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه ". كقوله (ع) أيضا في خبر أبي بصير (2) " إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الاعادة " كالأمر بها في غيره من خبري ابن زياد (3) وميمون (4) الواردين في الناسي قدر النكتة من البول حتى صلى، ومرسلة ابن بكير (5) وموثقة سماعة (6) وصحيحة ابن أبي نصر (7) وزرارة (8) وغيرها من الأخبار الكثيرة الواردة في نسيان غسل مخرج البول أو الاستنجاء حتى صلى، فأمر فيها بالغسل والاعادة. فما عن الشيخ في بعض أقواله من القول بعدم الاعادة مطلقا ضعيف جدا، مع أنه غير ثابت عنه، بل الثابت خلافه، وان استحسنه في المعتبر، بل جزم به في المدارك لاصالة الاجزاء التي يجب الخروج عنها ببعض ما تقدم لو سلم صحة التمسك بها هنا، ورفع الخطأ والنسيان عن الأمة المخصص بما عرفت، أو المحمول على رفع الاثم والمؤاخذة. وصحيح العلاء (9) " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصيب ثوبه الشئ فينجسه فينسى أن يغسله وصلى فيه ثم ذكر أنه لم يكن غسله أيعيد الصلاة ؟ قال:


(1) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 5 (2) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 7 (3) و (4) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 6 - 4 (5) و (7) و (8) الوسائل الباب 18 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 2 - 3 - 7 (6) الوسائل الباب 10 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 5 (9) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 3 رواه في الوسائل عن العلاء عن ابى العلاء

[ 218 ]

لا يعيد قد مضت صلاته وكتبت له " القاصر عن المقاومة من وجوه، بل في التهذيب انه شاذ لا يعارض الأخبار التي ذكرناها، فلا وجه لحمل تلك الأخبار الكثيرة المنجبرة بالعمل من الطائفة على الاستحباب من جهته. وإن أمكن تأييده باعتضاده بضعيفة ابن سالم (1) عن الصادق (ع) " في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال، فقال: يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة ". وخبر ابن أبي نصر (2) قال له أيضا: " إني صليت فذكرت أني لم أغسل ذكري بعدما صليت أفأعيد ؟ قال: لا ". وموثقة عمار (3) سمعه أيضا يقول (ع): " لو أن رجلا نسي أن يستنجئ من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة ". وخبر علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى (عليهما السلام) " سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء قال: ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك، ولا إعادة عليه " إلا أنه مع عدم صراحة بعضها، لاحتمال إرادة الاستنجاء من خصوص الغائط بخصوص الماء، ومعارضتها بمثلها المتقدم في ذلك يجب الخروج عنها بعد إعراض الأصحاب الذين هم أعرف بمعنى الخطاب الوارد في السنة والكتاب، ولذا أمرنا بالأخذ بما اشتهر بينهم عند اشتباه الآثار وتصادم الأخبار. وكذا القول بوجوب الاعادة في الوقت وعدمها في خارجه كما عن الشيخ في الاستبصار خاصة، وتبعه الفاضل في بعض كتبه، وجمعا بين الأخبار بشهادة خبر علي


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 2 - 3 - 4 (2) الوسائل الباب 18 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 6

[ 219 ]

ابن مهزيار (1) قال: " كتب إليه سليمان بن رشيد انه بال في ظلمة الليل وانه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره، وأنه مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله وتمسح بدهن، فمسح به كفيه ووجهه ورأسه، ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى، فأجابه بجواب قرأته بخطه أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ إلا ما تحقق، فان تحققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت، وإذا كان جنبا أو على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لأن الثوب خلاف الجسد، واعمل على ذلك إن شاء الله " مؤيدا بدعوى ظهور أخبار الاعادة في الوقت، بل هو المتعارف منها. وفيه مع مكاتبة شاهده وإضماره وقلة العامل به، إذ لم يحك إلا عن الشيخ في استبصاره الذي لم يعده للفتوى، وإلا فالمحكي عنه في سائر كتبه موافقة المشهور، وتبعه الفاضل في بعض كتبه، فمن العجيب ما في الحدائق من حكاية شهرته بين المتأخرين وشدة ما في متنه من الاجمال، بل الاشكال كما اعترف به غير واحد بل في الوافي أنه يشبه أن يكون قد وقع فيه غلط من النساخ، ومنع دعوى ظهور أخبار الاعادة في الوقت، لحدوث هذا الاصطلاح في لسان أهل الأصول الممنوع حمل الأخبار عليه انه لا يتم في نحو صحيح علي بن جعفر (2) عن أخيه المروي عن قرب الاسناد وكتاب المسائل له " سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع ؟ فقال: إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شئ، وإن كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله " الصريح


(1) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 10

[ 220 ]

في القضاء الشامل باطلاقه لصورة النسيان ان لم تكن هي الظاهر منه. كغيره الصريح في النيسان الظاهر في القضاء، كموثق سماعة (1) المعلل للاعادة بالعقوبة. بل حسن ابن مسلم أو صحيحه (2) كالصريح في ذلك أيضا وإن كان ظاهرا في النسيان ولو باطلاقه، قال فيه: " وإذا كنت قد رأيته أي الدم وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه " إذ الظاهر إرادة ما يزيد على صلاة الفريضة، بل الخمس المفروضة، كما هو واضح. فظهر لك انه لا مناص عن القول المشهور من الاعادة مع النسيان في الوقت والقضاء في خارجه. ومنه نسيان عين المتنجس وان بقي على العلم بالنجاسة على الأقوى وإن كان القول بلحوقه بجاهل الموضوع لا يخلو من وجه، بل في كشف الأستاذ انه وجه قوي. وكذا منه نسيان كون النجاسة مما تحتاج إلى عدد في الغسل، أو أنها مما لا يعفى عن قليلها، أولا يكتفي فيها بالصب ونحو ذلك مما قدمنا الاشارة إليه في ذيل مسألة الجاهل. بل منه أيضا أو بحكمه الذاكر للنجاسة في أثناء الصلاة كما صرح به في كشف اللثام والرياض وعن الأستاذ الأكبر، لاصالة الشغل، وانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وظهور مادل (3) على إعاد الذاكر بعد الفراغ في عدم كون النسيان عذرا في ارتفاع الشرط المزبور، فيستوي الكل والبعض حينئذ في ذلك، ضرورة تساويهما فيه، واحتمال الفرق وتصوير إمكانه لا يرفع الظهور المذكور، ولذا بني ما نحن فيه في كشف اللثام على ما تقدم من الأقوال الثلاثة في المسألة السابقة، وقد عرفت أن الأقوى فيها


(1) و (3) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 5 - 2 (2) الوسائل الباب 20 من أبواب النجاسات الحديث 6

[ 221 ]

الاعادة وقتا وخارجا، بل العليل للاعادة في بعض أخبارها كموثق سماعة (1) بالعقوبة للنسيان شامل للفرض المذكور، بل سؤاله عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي كذلك أيضا، لمنع إرادة تمام الصلاة من المضارع بعد " حتى " كغيره من الأخبار. مضافا إلى قوله الصادق (ع) في خبر ابن محبوب (2) المروي في السرائر عن كتاب المشيخة لابن محبوب: " إن كنت رأيت دما في ثوبك قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف واغسله وأعد صلاتك ". والكاظم (ع) في صحيح علي أخيه (3) بعد أن سأله عن رجل ذكر وهو في صلاته انه لم يستنج من الخلاء " ينصرف ويستنجى من الخلاء ويعيد الصلاة " الحديث. والتعليل في مضمر زرارة (4) الطويل المسند إلى أبي جعفر (ع) عن العلل قال فيه: " قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعله شئ أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك " إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة باطلاقها منطوقا ومفهوما على المطلوب كمالا يخفى على الناظر فيها مع التأمل السالمة عن معارضة غيرها (5) الظاهر في الجاهل. نعم سأل علي بن جعفر أخاه (عليهما السلام) في الصحيح (6) " عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال: إن دخل في


(1) الوسائل الباب 42 من ابواب النجاسات الحديث 5 (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 44 من ابواب النجاسات الحديث 3 - 1 - 0 - (3) الوسائل الباب 10 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 4 (6) الوسائل الباب 13 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 222 ]

صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في الصلاة فلينضح ما أصاب إلا أن يكون فيه أثر فيغسله " وهو قد يتوهم منه المنافاة لذلك، لكنه محتمل لارادة الأمر بالمضي في صلاته لاحتمال اليبوسة أو العلم بها، ولذا قال (ع): " فلينضح ما أصاب " ولا يدفعه قوله (ع): " إلا أن يكون أثر فيغسله " لاحتمال إرادة وجوب غسله حينئذ دخل في الصلاة أولا، وإلا لم يقل أحد بجواز المضي في الصلاة بعد العلم بالنجاسة من غير غسل أو إبدال أو نحوهما. ثم لا فرق فيما ذكرنا من وجوب الاستيناف بين ضيق الوقت وسعته للأدلة السابقة القاضية بكونه كالذاكر بعد الصلاة الذي يجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه. نعم قد يقال بالفرق بينهما في الجملة إن قلنا بعدم إعادة الناسي مطلقا، ضرورة أن المتجه عليه حينئذ في الفرض مع سعة الوقت طرح الثوب أو تطهيره ونحوهما بعد الذكر إن أمكن بلا فعل مناف للصلاة وإلا استأنف، أما مع الضيق فقد يقال بالقائه وإتمام الصلاة عاريا كفاقد الساتر الطاهر ابتداء لمساواة حكم البعض للكل. كما انه قد يقال ذلك أيضا إن قلنا بوجوب الاعادة على الناسي في الوقت دون خارجه، فان المتجه عليه حينئذ أيضا الاستيناف مع السعة، أما مع الضيق فيحتمل كونه كالذاكر بعد خروج الوقت، فلا قضاء كما هو الفرض ولا أداء، لعدم إمكانه إلا باتمام ذلك الفعل المحكوم بفساد بعضه بالذكر في الوقت، أللهم إلا أن يستثنى ذلك من إفساد الذكر في الوقت، أو يخص عدم وجوب القضاء بخصوص الذاكر بعد الوقت، لكن في كشف اللثام أنه يطرح الثوب إن أمكن بلا فعل المنافي، وإلا فاشكال، وفيه بحث يعرف مما سمعت. هذا كله في الذاكر للنجاسة في الأثناء * (و) * أما * (لو رأى النجاسة وهو في الصلاة) * وقد علم سبقها عليها (ف‍) - المتجه مع سعة الوقت بناء على المختار من عدم إعادة الجاهل

[ 223 ]

وقتا وخارجا أنه * (إن أمكنه إلقاء الثوب وستر العورة بغيره) * أو تطهيره ونحوهما بلا فعل ينافي الصلاة * (وجب) * عليه ذلك * (وأتم، وإن تعذر إلا بما يبطلها) * من كلام ونحوه * (استأنف) * الصلاة من رأس بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بين أجلاء القائلين بمعذورية الجاهل مطلقا إلى ما بعد الفراغ، بل في المبسوط والنهاية التصريح بنحو ذلك هنا مع قوله فيهما باعادة الجاهل في الوقت، وإن استوجه المصنف والشهيد وغيرهما الاستيناف مطلقا بناء عليه، لكن ناقشهم فيه بعض الناس بعدم التلازم بين المقامين، وهو متجه إن أريد إمكان التفرقة بدليل شرعي معتبر، أما بدونه فقد يمنع، لظهور القول باعادة الجاهل في عدم كون الجهل عذرا لاسقاط الشرط الذي هو بالنسبة للجميع والبعض على حد سواء، ضرورة تساويهما في دليل شرطيته، فيشتركان حينئذ في عدم عذريته كاشتراكهما في عذريته، بناء على المختار من معذورية الجاهل المستفاد منها تساوي الكل والبعض فيه أن لم يكن أولى، فيصح حينئذ ذلك البعض الذي وقع فيه قبل العلم به، فمع إمكان الازالة أو الابدال أو التطهير من غير فعل مبطل للصلاة من كلام ونحوه بعد العلم تسلم الصلاة من عروض مفسد شرعي لها حينئذ ولو بالتلفيق من الأمرين، ولذا لم يعرف في ذلك خلاف بين الأصحاب على هذا التقدير، بل نفى الاشكال عنه في الذكرى، ونسبه إلى الوضوح في مجمع البرهان. مع أن فيه جمعا بين إطلاق ما دل على الاتمام من موثق داود بن سرحان (1) عن الصادق (ع) " في الرجل يصلي فأبصر في ثوبه دما، قال: يتم ". وخبر ابن محبوب (2) المروي في مستطرفات السرائر من كتاب المشيخة عن ابن سنان عن الصادق (ع) قال: " إن رأيت في ثوبك دما وأنت تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله " الحديث.


(1) و (2) الوسائل الباب 44 من ابواب النجاسات الحديث 2 - 3

[ 224 ]

وبين إطلاق ما دل على الاستيناف من خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به، قال: عليه أن يبتدئ الصلاة " وصحيحة ابن مسلم (2) عنه (ع) أيضا " إن رأيت المني قبل أو بعدما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة " الحديث. وصحيح زرارة (3) الطويل قال فيه: " قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة قال: تنقض الصلاة وتعيد الصلاة إن شككت في موضع منه ثم رأيته " بحمل الأولى على إرادة المضي بعد طرح النجس مثلا مع الاستتار بغيره، أو تطهيره مع عدم فعل مناف للصلاة، والثانية على إرادة الاستيناف مع عدم إمكان شئ مما تقدم إلا بفعل المنافي كما هو الغالب. والشاهد مضافا إلى ظهور التلازم المتقدم بين القول بمعذورية الجاهل وبين ذلك هنا المؤيد بفتوى الأصحاب من غير خلاف يعرف فيه، وبكون ما نحن فيه بعدما عرفت كمن عرضت له النجاسة في الأثناء أو لم يعلم بسبقها الذي ستسمع اتفاق النصوص والفتاوى على التفصيل المتقدم فيه، بل لعل بعض أفراده مما نحن فيه، كالعالم بالعروض في الأثناء متقدما على حال الرؤية لها، كما سيتضح لك فيما يأتي حسن ابن مسلم (4) قلت له: " الدم يكون في الثوب وأنا في الصلاة، قال إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، وإن لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته أولم تره، وإذا كنت


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 2 (2) الوسائل الباب 41 من ابواب النجاسات الحديث 2 (3) الوسائل الباب 44 من ابواب النجاسات الحديث 1 (4) الوسائل الباب 20 من ابواب النجاسات الحديث 6 مع اختلاف يسير

[ 225 ]

قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه " فان الأمر بالطرح فيه المحمول على الوجوب لا يتم إلا على تفصيل الأصحاب، ولا ينافيه الشرط الثاني بعد تقييده المضي وعدم الاعادة بما لم يزد على مقدار الدرهم، بل مفهومه شاهد على الشق الثاني من تفصيل الأصحاب، وهو عدم المضي مع عدم إمكان الطرح لعدم ساتر غيره أو لغير ذلك مما يبطل الصلاة. نعم قد ينافيه بناء على رواية الشيخ له بزيادة الواو قبل قوله (ع): " وما لم يزد " وحذف " وما كان أقل من ذلك " لكن مع كون الكليني أضبط يدفعه اتفاق الأصحاب ظاهرا بل واقعا كما اعترف به في الحدائق على عدم جواز المضي في الصلاة بالنجس، فيكون مطرحا لا ينافي الاستدلال بصدره على الشق الأول. فدعوى سقوط الاستدلال به من بعض متأخري الأصحاب لما في متنه من هذا الاضطراب بمعزل عن الصواب. كما أن ما في المدارك بعد ذكره بعض الأخبار الدالة على الاستيناف ثم هذا الحسن وصحيح علي بن جعفر في الخنزير " يصيب " المتقدم آنفا في المسألة السابقة من أن مقتضي هاتين الروايتين وجوب المضي في الصلاة لكنه اعتبر في الأولى طرح الثوب النجس إذا كان عليه غيره، والجمع بين الروايات يتحقق بحمل ما تضمن الأمر الاستيناف على الاستحباب، وإن جاز المضي في الصلاة مع طرح الثوب النجس إذا كان عليه غيره، وإلا مضى مطلقا، ولا بأس بالمصير إلى ذلك وإن كان الاستيناف مطلقا أولى ينبغي القطع بفساده، إذ هو مع مخالفته لاجماع الأصحاب ظاهرا على عدم جواز الاتمام بالثوب النجس مع التمكن من غيره بقطع الصلاة، وعدم مدخلية صحيح ابن جعفر فيما نحن فيه، إذ محله الناسي تصرف في النصوص من غير شاهد على إذن المالك به.

[ 226 ]

وكذا ما في الرياض تبعا لها وللمفاتيح من الميل إلى القول بالاستيناف مطلقا وان تمكن من الطرح ونحوه، بل ظاهر أول كلامه أو صريحه الجزم به، لاطلاق الأمر به في الأخبار السابقة المنزل بمعونة فتوى الأصحاب وغيرها مما سمعت على تعذر الازالة والتطهير ونحوهما من غير فعل مناف، بل قيل إنه الغالب الذي ينصرف إليه الاطلاق، ولما قد يشعر به التعليل السابق في صحيح زرارة الذي يجب الاعراض عنه، أو تنزيله على مالا ينافي المطلوب في مقابلة ما عرفت. إذ هو مع كونه محجوجا بما سمعت كاد يكون خرقا للاجماع، إذ لم نعرف أحدا قال بمعذورية الجاهل إلى ما بعد الفراق وأوجب الاستيناف هنا. وكأن الذي ألجأه إلى ذلك اعتراف صاحب الذخيرة بالعجز عن دليل تفصيل الأصحاب هنا بذلك، وقد عرفته بما لا مزيد عليه، على أنه يكفي فيه ظهور اتفاقهم عليه مع مراعاة القواعد فضلا عن غيره. كما أنك بالتأمل فيما ذكرنا تعرف كثير خبط لبعض متأخري المتأخرين في أدلة المسألة من ذكرهم أخبار النسيان هنا وغيره، والله أعلم. وكذا يعرف منه وضوح جريان التفصيل في عروض النجاسة في الأثناء أو لم يعلم سبقها، ولذا لم أجد فيه خلافا هنا، بل الظاهر أنه إجماعي كما اعترف بهما بعضهم. نعم في المدارك والذخيرة عن المعتبر الجزم بالاستيناف مطلقا بناء على عدم معذورية الجاهل، وناقشاه فيه بما تقدم سابقا الذي قد عرفت ما فيه، مع زيادة علم صراحة ما في المعتبر بما حكياه عنه هنا. لكن بعد فرض صحة هذا النقل عنه قد يتوجه عليه هنا احتمال الفرق بين المقامين من غير الجهة التي ذكراها بعدم القطع بوقوع شئ من أفعال الصلاة حال النجاسة فيما نحن فيه، للعلم بالحدوث في الأول، وإصالة التأخر المستلزمة له في الثاني،

[ 227 ]

بخلاف ذلك المقام، فيتجه التفصيل المذكور هنا وان قال بالاعادة هنا، أللهم إلا أن يفرض في المقام العلم بسبق النجاسة على حال العلم بها وان كان في أثناء الصلاة، كما لو رآها في الركعة الثالثة وعلم بأن ابتداء عروضها له في الركعة الأولى، فيتجه حينئذ البناء المحكي عن المصنف إلا أن المحكي عن الشيخ هنا موافقة الأصحاب في التفصيل كالمسألة السابقة. وكيف كان فالحجة عليه بناء على المختار من معذورية الجاهل بعد إمكان تحصيل الاجماع عليه هنا ما عرفته سابقا من وجود مقتضي الصحة مع إمكان الازالة من غير فعل مبطل وارتفاع المانع، بل ينبغي القطع به هنا في بعض صور المسألة، كالعالم بالعروض عند حصوله قبل وقوع شئ من أجزاء الصلاة معه، ضرورة عدم كون عروض النجاسة من المبطلات القهرية كالحدث ونحوه، وإطلاق الحسنة السابقة الآمرة بالطرح، وصحيح زرارة السابقة المشتمل على التعليل بأنه " لعله شئ أوقع عليك ". والصحاح المستفيضة الواردة في الرعاف، منها صحيحة معاوية بن وهب (1) " سأل الصادق (ع) عن الرعاف أينقض الوضوء ؟ فقال: لو أن رجلا رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فمال برأسه فغسله فليبن على صلاته ولا يقطعها ". وصحيح ابن مسلم (2) " سأل الباقر (ع) عن الرجل يأخذه الرعاف أو القئ في الصلاة كيف يصنع ؟ فقال: ينفتل فيغسل أنفه ويعود في صلاته، فان تكلم فليعد صلاته، وليس عليه وضوء ". وصحيح إسماعيل بن عبد الخالق (3) " سألته عن الرجل يكون في جماعة من القوم يصلي بهم المكتوبة فيعرض له رعاف كيف يصنع ؟ قال: يخرج، فان وجد ماء


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من ابواب قواطع الصلاة الحديث 11 - 9 - 12

[ 228 ]

قبل أن يتكلم فليغسل الرعاف ثم ليعد وليبن على صلاته ". ولا يقدح ظهور الاطلاق الأخير، بل وسابقه في الغسل والبناء وان استلزم مبطلا غير الكلام من الاستدبار ونحوه بعد عدم علم قائل به من الأصحاب كما اعترف به في الذخيرة، بل في الرياض الاجماع على خلافه، لوجوب تقييده حينئذ بما لم يستلزم ذلك، أو حمله عليه، ترجيحا لما دل (1) على بطلان الصلاة بها. كما انه لا يقدح ظهور إطلاق بعض أدلة المضي في البناء من دون طرح للنجس أو إزالة للنجاسة بعد الاجماع أيضا كما عرفته سابقا وغيره على خلاف ذلك، وفى المنتهى " لا يقطع الصلاة رعاف، ولو جاء الرعاف أزاله وأتم الصلاة ما لم يفعل المنافي عند علمائنا " وفي التذكرة " لا يقطع الصلاة رعاف، ولو عرض أزالة وأتم الصلاة ما لم يحتج إلى فعل كثير أو استدبار، لأن ذلك ليس بناقض للطهارة، وهو إجماعي منا، والأصل يعطيه " إلى غير ذلك مما هو نص في المطلوب. فلا إشكال حينئذ بحمد الله في المسألة، بل هي من الواضحات، كوضوح الصحة بناء على ما سمعت أيضا لو علم بوقوع نجاسة عليه في الأثناء ثم زالت بمزيل معتبر، لكن في المعتبر وغيره استقبال الصلاة بناء على قول الشيخ بعدم معذورية الجاهل في الوقت، وفيه المناقشة السابقة من بعضهم التي قد عرفت ما فيها، نعم قد يتوجه عليه ما سمعته آنفا في بعض أفراد الفرض الذي يعرف بالتأمل فيما ذكرنا. أما لو رأى النجاسة بعد الفراغ من الصلاة واحتمل حدوثها بعدها فالصلاة صحيحة من غير خلاف نعرفه بين أهل العلم كما في المنتهى، بل هو إجماع كما في المعتبر، لاصالة الصحة والتأخر والبراءة، بل لعله من الشك بعد الفراغ المعلوم عدم الالتفات إليه. بقي الكلام فيما لو علم بها في الأثناء لكن مع ضيق الوقت من الازالة والاستيناف


(1) الوسائل الباب - 2 و 3 - من أبواب قواطع الصلاة

[ 229 ]

علم السبق مع ذلك أولا، والمتجه بناء على المختار من معذوريته فيما وقع من أبعاض الصلاة الاتمام وعدم الالتفات إلى النجاسة، كما صرح به في الذكرى والبيان وجامع المقاصد وغيرها، بل لا أجد فيه خلافا يعتد به، للقطع بسقوط شرطيتها عند الضيق، وعدم سقوط الصلاة في الوقت لذلك، تحكيما لما دل (1) على وجوبها وعدم سقوطها بحال على دليل الشرطية (2) كما في غيرها من الشرائط بل الواجبات من غير خلاف نعرفه فيه، بل لعله من الاجماعيات بل الضروريات، وقد عرفت غير مرة أن البعض كالكل في جميع ذلك، لاتحاد الدليل، بل هذا الكل في التحقيق عبارة عن الأبعاض المجتمعة. نعم لو فرض النجاسة المتعذرة الزوال بالساتر فهل يتعين عليه الاتمام به أو عاريا ؟ وجهان بل قولان، ستعرف التحقيق فيهما، وهو أمر خارج عما نحن فيه. لكن في المدارك بعد أن حكى عن البيان القطع بالاستمرار، والذكرى الميل إليه موجها له باستلزام الاستيناف القضاء المنفي قال: " ويشكل بانتفاء ما يدل على بطلان اللازم، مع إطلاق الأمر بالاستيناف المتناول لهذه الصورة، والحق بناء هذه المسألة على أن ضيق الوقت عن إزالة النجاسة هل يقتضي انتفاء شرطيتها أم لا، بمعنى أن المكلف إذا كان على ثوبه أو بدنه نجاسة وهو قادر على الازالة لكن إذا اشتغل بها خرج الوقت فهل يسقط وجوب الازالة ويتعين فعل الصلاة بالنجاسة، أو يتعين عليه الازالة والقضاء ؟ وهي مسألة مشكلة من حيث إطلاق النصوص المتضمنة لاعادة الصلاة مع النجاسة المتناول لهذه الصورة، ومن أن وجب الصلوات الخمس في الأوقات المعينة قطعي، واشتراطها بازالة النجاسة على هذا الوجه غير معلوم، فلا يترك لأجله المعلوم، وقد سبق نظير


(1) الوسائل الباب 1 و 2 و 6 و 7 و 8 و 11 من ابواب أعداد الفرائض (2) الوسائل الباب 1 من أبواب الوضوء الحديث 1

[ 230 ]

المسألة في التيمم لضيق الوقت عن المائية " انتهى. وهو من غرائب الكلام، إذ لم نعرف أحدا قال أو احتمل تقديم مراعاة إزالة النجاسة أو الساتر أو القبلة أو نحوها على وجوب أداء الصلاة في الوقت المعلوم كتابا وسنة بل ضرورة، بل الاجماع على خلافه كما اعترف به في الحدائق، بل الضرورة في غيرها، ولا تقاس على فاقد الطهورين أو من ضاق عليه الوقت من المائية، على أنك قد عرفت التحقيق في الثاني، وأما إشكاله توجيه الذكرى بالاطلاق ففيه أنه غير منصرف إلى مثله من الأفراد النادرة قطعا. نعم قد يرد على التوجيه المذكور عدم استلزامه القضاء، أو عدم البأس به بناء على القول بعدم معذورية الجاهل مطلقا أو في الوقت، ضرورة كونه حينئذ كالناسي الذاكر في الأثناء الذي تقدم البحث فيه. فالأوجه حينئذ توجيه الاستمرار وعدم الاستيناف بعدم مقتضي الفساد بناء على المختار من معذورية الجاهل في الوقت وخارجه، لا بالاستلزام المذكور، ولعله يريد به ذلك، فتأمل جيدا، والله أعلم. والمحمول بناء على اشتراط طهارته كالساتر مع الجهل قطعا على المختار من معذوريته فيه، لأولويته منه، أما على غير المختار فيشكل مساواته له في عدم العذر حينئذ باختصاص النصوص به دونه، لكن قد يدفع بأنه وإن كان ظاهر النصوص الاختصاص إلا أن عدم المعذورية مقتضى إصالة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، فيساويه حينئذ لذلك دونها. ومنه يعلم الحكم في الناسي، ولعله لذا استغنى الأصحاب عن التعرض له بذكر حكم الساتر، إلحاقا به في جميع ما تقدم من صور الجهل والنسيان، وإن كان بعضها لا يخلو من نظر.

[ 231 ]

* (والمربية للصبي إذا لم يكن لها إلا ثوب واحد غسلته) * من بوله * (في كل يوم مرة) * وصلت به وان تنجس به بعده على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا بل لا أعرف فيه خلافا كما اعترف به في الحدائق وعن الدلائل إلا ممن لا يعتد بخلافه في إمكان تحصيل الاجماع ممن عادته الخلاف لخلل في الطريقة، كصاحبي المعالم والمدارك والذخيرة بعد اعتراف الأخيرين بأنه مذهب الشيخ وعامة المتأخرين، تبعا لتوقف الأردبيلي فيه من ضعف مستنده الذي هو خبر أبي حفص (1) عن الصادق (ع) " سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع ؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرة " باشتراك أبي حفص بين الثقة وغيره، وتضعيف العلامة محمد بن يحيى المعاذي من رجال سنده، ومساواته دم القروح والجروح والسلس في عسر الازالة ومشقتها لتكرير البول، فكما وجب اتباع الرواية هناك لهما فكذا هنا باقتضاء ذلك دوران الحكم مداره، كما في سائر التكاليف من غير خصوصية لما نحن فيه، وبمنع كونهما المستند في حكم المذكورات وان ذكرا تأييدا لدليله الصالح لاثباته بخلافه هنا. وفيه انه بعد تسليم عدم إمكان دفعه ولو على الظنون الاجتهادية غير قادح بعد الانجبار بأدنى مراتب الاشتهار فضلا عن أن يكون كالشمس في رابعة النهار، وبما تسمعه من خبر الخصي (2) ومن ذلك يظهر ما في الأخير، كما أن سابقه بعد الاغضاء عما فيه في الجملة لا يتم على تقدير إرادة الحرج النوعي. نعم ينبغي الاقتصار في هذا الحكم المخالف للأصل على مورد النصوص، فلا يتعدى من المربية إلى المربي وفاقا لصريح جماعة وظاهر آخرين، بل لعله ظاهر الأكثر، وخلافا للفاضل في قواعده وعن تذكرته، والشهيد الأول في بيانه وذكراه، والثاني في


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 8

[ 232 ]

المسالك، وإن عللوه بدعوى القطع باشتراكهما في علة الحكم، وهي المشقة من غير مدخلية للأنوثة، لكنه كما ترى. ولا من الثوب إلى البدن جمودا على ظاهر النص والفتوى مع عدم القطع بالمساواة أو القطع بعدمها، فما عن بعض المتأخرين ولعله السيد حسن أحد مشائخ شيخنا الشهيد الثاني من الالحاق ليس بشئ، وكأنه لغلبة تعديه من الثوب إلى البدن، بل يشق التحرز عنه مع خلو الخبر عن الأمر بتطهيره لكل صلاة، بل قد يشعر عدم الأمر فيه بالتحفظ عن الثوب المتنجس به وغسل البدن منه خصوصا في أيام الصيف الغالب فيها العرق، بل ومطلق الأيام، ضرورة احتياجها لمزاولته برطوبة في الاستنجاء والاغتسال ونحوهما بالعفو عن ذلك كله. وفيه ان الثاني خارج عن محل النزاع، إذ البحث في إلحاق البدن بالثوب في الحكم المذكور لا العفو عن تعدي نجاسة الثوب بسبب المباشرة بعرق ونحوه، إذ هو قد يحتمل كما سمعته في نظائره كدم القروح ونحوها لما تقدم من عدم زيادة الفرع على أصله وغيره، إلا أنه قد يفرق بينهما باطلاق العفو هناك وتقييده بالغسل في كل يوم مرة هنا، فيتجه القول حينئذ بغسل البدن كل يوم مرة تبعا لأصله المتنجس بسببه، أللهم إلا أن يستفاد من عدم الأمر به عدمه، لكن على كل حال هو غير ما نحن فيه من مساواة البدن للثوب في خصوص البول. وأن الأول بعد إمكان منعه يقضي بالعفو مطلقا عن البول في البدن لا بالمساواة للثوب في الغسل كل يوم مرة، إلا أن يدعى استفادة ذلك من الذكر في الثوب، وان ترك التعرض له في الخبر، للعلم بعدم زيادته عليه، وهو ممنوع، كمنع دلالة عدم التعرض للبدن على العفو عنه، إذ لعله إيكال إلى إطلاق الأدلة وعموماتها، فتأمل.

[ 233 ]

ولا بالبول الغائط فضلا عن الدم ونحوه وإن أوهمته بعض العبارات كالمتن ونحوه، حيث لم يخص النجاسة فيها بالبول، بل في كشف اللثام لم يخصوا الحكم به بضمير الجمع الظاهر في الأكثر إن لم يكن الجميع، بل في جامع المقاصد التصريح بأنه ربما كني بالبول عن النجاسة الأخرى كما هو قاعدة لسان العرب في ارتكاب الكناية فيما يستهجن التصريح به مما يشعر باحتماله إلحاق الغائط به، بل عن ظاهر الشهيد القول به، بل عن التذكرة ونهاية الأحكام استشكاله أولا من اختصاص النص بالبول، ومن الاشتراك في المشقة، ثم استقراب الثاني ثانيا، لكن ضعف الجميع واضح، إذ دعوى الكناية مجاز لا قرينة عليه، كما ان دعوى الاشتراك المذكور لا تجدي إلا بعد القطع بالعلية والمساواة فيها، وهو واضح المنع. ولا من ذات الثوب الواحد إلى ذات الأثواب المتعددة مع عدم الحاجة إلى لبسها مجتمعة، وفاقا لصريح جماعة وظاهر أخرى، وقوفا على ظاهر النص، ولانتفاء المشقة حينئذ، بل قد يظهر من المتن وغيره عدم الفرق في ذلك بين حاجة لبسها جميعها وعدمه، فلا يجري الحكم المذكور مع التعدد حينئذ مطلقا، لكنه لا يخلو من تأمل وبحث، لصيرورة التعدد كالاتحاد في الفرض المذكور. وأشكل منه احتمال عدم جريان الحكم في ذات الثوب الواحد القادرة على شراء غيره أو استئجاره أو إعارته في الروض وكشف اللثام وغيرهما، بل عن المعالم حكاية القول به عن جماعة من المتأخرين، لانتفاء المشقة حينئذ، لكن النص كما ترى مطلق وخال عن التعليل بها حتى يعلم من انتفائها انتفاؤه. وأوضح منه إشكالا احتمال عدم جريانه في المربية للمتعدد في الروض والذخيرة والحدائق، بل ظاهر الرياض أو صريحه القول به، لقوة النجاسة وكثرتها، وظهور النص في الواحد، ضرورة زيادة المشقة به، وعدم ظهور النص في كون الوحدة شرطا وان

[ 234 ]

قلنا بكون تنوينه لها لا للتمكن، بل ظاهره عدمه، بل ينبغي القطع بشموله لذات الوالدين مع فرض تنجس ثوبها ببول أحدهما، إذ وجود الآخر لا يمنع من الصدق بل وان تنجس ببولهما، لفهم الأولوية أو المثالية من مثل هذا التركيب، أو الصدق عرفا، ولعله الذي أو مأ إليه في كشف اللثام، حيث جزم بعدم الفرق بين الواحد والمتعدد كالمسالك وعن الذكرى والدروس معللا له بعموم الخبر وان لم يعم المولود، لكنه لا يخلو من نوع تأمل، ولذا جزم به في كشف اللثام والمسالك وعن الذكرى والدروس. كما أن ظاهر المولود فيه الشمول للصبي والصبية كما صرح به الشهيدان في الذكرى والمسالك، بل في الذخيرة وعن المعالم نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل في المدارك ينبغي القطع به، خلافا لظاهر المتن وصريح غيره فالصبي خاصة، بل في كشف اللثام نسبته إلى الشيخ والأكثر، بل في جامع المقاصد نسبته إلى فهم الأصحاب، لمنع الشمول، أو الشك فيه، أو لتبادر الصبي، وللفرق بين بوليهما في شدة النجاسة وغيرها، وفيه منع الأولين وعدم قادحية الأخير، بعد فرض كون المستند ما عرفته من شمول النص لا الالحاق. ثم ان ظاهر النص والفتوى هنا تعين الغسل وان كان المربي صبيا لم يتغذ بالطعام الذي اكتفي في تطهير بوله في غير ثوب المربية بالصب كما عن العلامة التصريح به، وتبعه بعض من تأخر عنه، بل في الحدائق الاتفاق عليه، ولعله للفرق بينها وبين غيرها باكتفائها بالمرة التي لا يشق كونها غسلا معها بخلاف غيرها المحتاج إلى تكرر الازالة كلما أصابه المناسب للاكتفاء بالصب فيه. لكن لا يخفى عليك عدم صلاحيته مرجحا لأحد الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه، ضرورة تناول ما دل على الاكتفاء بالصب لبول الصبي للمربية وغيرها،

[ 235 ]

كاطلاق ما دل (1) على الغسل في المربية لما كان مولودها صبيا أو أنثى، بناء على المختار من شمول النصف لهما وللصبي المتغذي بالطعام وغيره، بل قد يقوى في النظر رجحان ذلك الاطلاق من حيث كونه مساقا لبيان حكم بول الصبي ومقصودا به ذلك. بل في بعض أدلته التعليل الظاهر في الشمول كمال الظهور، بخلاف هذا الاطلاق، فان المقصود منه بيان المرة لا كونه غسلا أو صبا، كما يؤمي إليه ترك ذكر غسلتي البول أو صبتيه. بل يمكن أن يكون التعبير هنا بالغسل لكونه القدر المشترك بين بول الصبي والصبية والمتغذي بالطعام وغيره، إذ الصب فرد من الغسل قطعا. بل قد يقال: إنه يغاير الغسل حيث يقابل به، وإلا فهو مندرج في إطلاقه، فلا تنافي حينئذ بين الاطلاقين، لكون المراد حينئذ بيان الغسل في الجملة مرة، وإلا فالتفصيل بالصب في غير المتغذي والغسل فيه والصبية وتكرار الغسل والصب ونحوهما من الأحكام الأخر موكول إلى الأدلة الأخر. ولعله لذلك كله احتمل في كشف اللثام الاكتفاء بالصب هنا في كل يوم مرة من بول الصبي غير المتغذي ترجيحا لذلك الاطلاق، وهو قوي. بل قد يؤيده أنه المناسب لما هنا من التخفيف والامتنان بالحكم المذكور. والمراد باليوم ما يشمل الليل إما لما في المنتهى من ان اسمه يطلق على النهار والليل أو للتبعية والتغليب المفهومين هنا بقرينة تسالم الأصحاب ظاهرا على الاجتزاء بالمرة في اليوم، وإن توقف بعض الناس، لكن قد يقال: إن منشأ ذلك التسالم ظهور النص في عدم وجوب الغسل عليها في شئ من الأوقات إلا كل يوم مرة من غير حاجة إلى دعوى العموم المذكور حقيقة أو مجازا المستلزم لجواز إيقاع الغسل ليلا، والاكتفاء به


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 236 ]

له وللنهار كالعكس، مع إمكان دعوى ظهور النص والفتوى في تعيينه باليوم، وإن كان لا يخلو من بحث. نعم قضية إطلاقهما تخييرها أي ساعة منه شاءت كما صرح به غير واحد، لكن في جامع المقاصد " ان الظاهر اعتبار كون الغسل في وقت الصلاة، لأن الأمر بالغسل يقتضي الوجوب، ولا وجوب في غير وقت الصلاة، ولو جعلته آخر النهار كان أولى لتصلي فيه أربع صلوات " إلى آخره. وتبعه في اللوامع، بل في التذكرة احتمال وجوب تأخيره مع تأخير الظهرين، لتمكنها حينئذ من جمع أربع صلوات في طهارة، فهو أولى من تقديمه للصبح خاصة، وان كان هذا الاحتمال ضعيفا جدا، لعدم صلاحية التعليل المذكور مقيدا لاطلاق النص والفتوى. نعم يمكن جعله وجها للأولوية والرجحان لا على جهة الوجوب كما سمعت التصريح به في جامع المقاصد، وتبعه الشهيد الثاني في روضه، والفاضل الهندي في كشفه وغيرهما، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: * (وإن جعلت تلك الغسلة في آخر النهار أمام صلاة الظهر كان حسنا) * بل لم يعض في المنتهى عليه بضرس قاطع مع التسامح في دليل الاستحباب، فقال: ولو قيل باستحباب جعل الغسل آخر النهار لتوقع الصلوات الأربع في الطهارة كان حسنا كضعف ما تقدم في جامع المقاصد من اعتبار كون الغسل في وقت صلاة للتعليل السابق، لإمكان منع ظهور مثل هذا الأمر هنا، خصوصا إذا كان بالعبارة المذكورة في إرادة الوجوب الشرعي، بل الظاهر منه إرادة حكم وضعي، وهو توقف الصحة على الغسل في كل يوم مرة، وان سلم فلا دلالة فيه على عدم اعتبار الغسل وعدم صلاحيته مقدمة ولو وقع قبل وقت الوجوب، إذ الأمر الظاهر في الوجوب لا يصلح لتخصيص مقدمية مثل هذا الغسل المستفادة من إطلاق متعلق الأمر المذكور بما بعد الوقت على معنى عدم اعتباره لو وقع قبله، ضرورة عدم استلزام اختصاص الحكم

[ 237 ]

التكليفي في وقت اختصاص الوضعي به أيضا وان استفيدا معا من عبارة واحدة، على انه قد يمنع اختصاص وجوب المقدمة هنا بما بعد الوقت وإن قلنا به في إزالة النجاسات، لاطلاق الأمر هنا السالم عن معارضة الاجماع المدعى هناك أو غيره على اختصاص الوجوب فيها بما بعده، إذ لعل هذه المقدمة لا على نحو غيرها من المقدمات، لعدم قصد الطهارة بهذا الغسل للصلاة، كما يؤمي إليه تصريح جماعة حتى هذا المدعي نفسه بعدم وجوب إيقاع الصلاة بعده بلا فاصل وان يبس الثوب وتمكنت من لبسه. بل لا أعرف فيه خلافا سوى ما في المدارك فأوجب وقوعها بعده من التمكن من لبسه، نعم توقف فيه في الحدائق، كما انه نظر فيه في الذخيرة، وهو ضعيف لا دليل عليه، بل ظاهر الدليل خلافه، فلها التأخير حينئذ زمانا تعلم في العادة عدم بقائه على الطهارة فيها، كما هو قضية إطلاق النص، ولا استبعاد حينئذ منه في توسعة وقت وجوب هذه المقدمة تمام اليوم من غير فرق بين وقوعه قبل الصلاة أو بعدها. وما عساه يقال: إنه لا يعقل وجوب شرط قبل وجوب مشروطه ولو توسعا يدفعه أولا منع عدم تسليم ذلك بعد ثبوته بدليل مستقل غير وجوب المشروط، وثانيا إمكان الفرق بينه وبين غيره من الشرائط التي يراد تقدمها على مشروطها. بل قد يقال وإن قلنا: إن هذا الشرط منها أيضا: إن المراد الفرائض الخمس من اليوم المذكور في النص على إرادة طلب الغسل مرة لكل خمس، فلا فرق حينئذ بين غسله ابتداء النهار وإيقاع الخمس به، أو قبل وقت الظهرين وإيقاعهما مع العشاءين والصبح الآتي به، أو بعده وإيقاع العشاءين به مع الصبح والظهرين الآتية، وإن كان قضية ذلك عدم الفرق بين وقوعه ليلا أو نهارا حينئذ. كما ان قضيته انتهاء الرخصة بانتهاء الخمس، فلو أوقعه مثلا قبل الظهرين ثم صلاهما والعشاءين والصبح به لم يكن له بعد ذلك صلاة ظهري اليوم اللاحق قبل وقوعه،

[ 238 ]

لكن لا بأس بالتزامهما بعد منع ظهور النص في خلافهما على تقدير سبق المعنى المذكور منه إلى الذهن. أو يقال: إن المراد طلب غسل الثوب مرة ثم تصلي بها إلى أن يدور ذلك الزمان الذي وقع الغسل فيه، فكل صلاة خوطب بها في أثناء ذلك الزمان كان لها صلاتها دون غيرها، بل لا مانع من إرادة ذلك من اليوم. كما انه لا بأس بالتزام ما يقتضيه كل من هذين الوجهين من وجوب قضاء سائر فرائض ذلك اليوم إذا أخل بالغسل، لا انه يختص في آخر الفرائض وان صرح به في المدارك والذخيرة معللين له بانها محل التضييق، لجواز تأخير الغسل إلى ذلك الوقت لكنه مع إجمال الأخيرة في كلامهما ظاهر البناء على خلاف ما ذكرناه من الوجهين، بل مرادهما والله أعلم إيجاب وقوعه في كل يوم مرة من غير مدخلية لها فيما تقدمها من الصلوات، وإن توقف صحة آخر الصلوات عليها. ولعل المراد بآخر الصلوات بناء على ذلك وعلى وجوب وقوعه في وقت صلاة من اليوم فريضة العصر حينئذ، لأنها هي التي يحصل الاخلال عندها، ويتضيق وقت الغسل قبلها، إذ بعدها لم تبق صلاة واجبة في ذلك اليوم ليتجه وجوب الغسل عندها، لكن على هذا ينبغي وجوب قضاء صلاة العشاءين حينئذ، أللهم إلا أن يدعى عدم مدخلية الغسل لهما، وهو كما ترى، بل أصل الدعوى أوضح منه فسادا، بل قد يقال بوجوب قضاء سائر صلوات ذلك اليوم وان لم نقل بالوجهين السابقين على معنى شرطية هذا الغسل وإن تأخر، فينكشف حينئذ بتركه في ذلك اليوم عدم صحة الصلاة السابقة فضلا عن اللاحقة، كبعض أغسال المستحاضة لبعض ما شرط به، فتأمل جيدا. ولا فرق في المربية بالنسبة إلى سائر ما تقدم بين أن تكون أما أو غيرها من مستأجرة أو متبرعة وحرة وأمة وان كان ظاهر النص خلاف ذلك، لكن لا يتلفت

[ 239 ]

إليه بعد القطع بعدم الفرق، بل يمكن إنكار ظهوره أيضا، بل لا يبعد في النظر جريان الأحكام المذكورة مع تعدد المربية بعد فرض الصدق على كل منهما، وخلو النص عن تعليق الحكم على وصف المربية لا يمنع من دوران الحكم بعد انسياقه إلى الذهن من قوله: " لها مولود " منجبرا بظاهر الفتوى أو صريحها. وهل يتسرى العفو المزبور مع الوفاء بالشرط المذكور إلى غير صلوات الخمس من قضاء الفرائض والصلاة باجارة ونحوها ؟ لا يبعد ذلك، لاطلاق النص والفتوى كما عن نهاية الأحكام قربه بعد الاشكال فيه، وإن نص على خصوص القضاء، لكن الظاهر عدم إرادته الاختصاص به. ولا يلحق بالمربية غيرها فيما تقدم من الأحكام المحتاج ثبوتها إلى دليل غير الحرج، للأصل من غير فرق بين الخصي المتواتر بوله وغيره، وإن ورد في الأول ما يقتضيه، كمكاتبة عبد الرحيم القصير (1) قال: " كتبت إلى أبي الحسن الأول (ع) أسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة، ويرى البلل بعد البلل، فقال: يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة " إلا أنه بعد ضعف سنده بل ودلالته مع عدم الجابر كان كالذي لم يرد فيه ذلك. لكن في الذكرى وعن الدروس " وعفي عن خصي تواتر بوله بعد غسل ثوبه مرة في النهار وإن ضعفت الرواية عن الكاظم (ع) للحرج " بل في المنتهى بعد اعترافه بضعف الخبر قال: " لكن العمل بمضمونه أولى لما فيه من الرخصة عند المشقة " بل قد يظهر من المعتبر الميل إلى ذلك أيضا وان اعترف بضعف الراوي المذكور، بل صرح بعدم العمل بروايته، لكنه قال بعد ذلك: " وربما صير إليها أي الرواية السابقة دفعا للحرج " بل عن الفقيه رواية الخبر المذكور سابقا مع ضمانه في أوله أنه


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 8

[ 240 ]

لا يورد فيه إلا ما يعمل به، بل قد يظهر من التذكرة العمل بها في الجملة فانه وإن صرح بضعفها وأوجب تكرير الغسل لكنه قال: فان تعسر عمل بمضمون الرواية دفعا للمشقة، ولعله لذلك كله نسب العفو عن ثوب الخصي بعد الغسل مرة في الذخيرة إلى جماعة من الأصحاب. إلا أنه لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاعتراف بقصور الخبر عن إثبات الحكم المذكور سندا بل ودلالة، بل في الحدائق ما حاصله " ان الأظهر طرحه والرجوع إلى الأصول وقواعد النجاسات من جهة إجمال المراد به، لاحتماله بولية البلل المذكور فيه، فيراد بالأمر بالوضوء فيه حينئذ غسل الثوب مرتين من البول الخارج منه معتدلا، وبالنضح غسله من ذلك البلل، فيكون من قبيل المربية حينئذ، فيعتبر فيه ما تقدم فيها من اتحاد الثوب ونحوه، والظاهر بعده، فانه على هذا التقدير يكون من قبيل المسلوس الذي حكمه وضع الخريطة، واحتماله البلل المشتبه الذي لم يعلم كونه بولا، فيكون الأمر بالنضح فيه دفعا للنجاسة المحتملة على نحو ما سمعته سابقا من المقامات التي يستحب ذلك له، بل يحتمل الأمر بالنضح فيه إرادة رطوبة الثوب، ليتمكن من جعل استناد البلل إليه، فيكون من الحيل الشرعية التي سبق نظيرها ". وان كان جميع ما ذكره كما ترى خصوصا بعض ما ذكره أولا، فانه واضح الفساد كوضوح فساد الاستناد إلى الحرج ممن عرفت في إثبات الحكم المذكور، ضرورة عدم صلاحيته لاثبات خصوص الحكم المزبور، إذ أقصاه رفع التكليف المستلزم للحرج لا إثبات قسم آخر خاص منه مع تعدد أفراد ما يندفع به الحرج، أللهم إلا أن يقال: إنه بعد أن يرتفع التكليف بتكرر الازالة للحرج يدور الحكم بين السقوط بالمرة والمسلوس

[ 241 ]

والمربية وغيرها من الأمور التي يندفع بها الحرج، فيخرج الخبر المذكور مرجحا للأخير حينئذ، فتأمل. * (وإذا كان مع المصلي ثوبان: أحدهما نجس لا يعلمه بعينه) * وتعذر التطهير وغيرهما ولم يتعد نجاستهما إلى البدن * (صلى الصلاة الواحدة في كل واحد منهما منفردا على الأظهر) * الأشهر، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل لا نعرف فيه خلافا إلا من ابني إدريس وسعيد، وإن حكاه في الخلاف عن قوم من أصحابنا فأوجبوا الصلاة عاريا، بل قد تشعر بعض العبارات بالاجماع أو استقراره على عدمه، ولعله كذلك، استصحابا لبقاء التكليف بثوب طاهر مع إطلاق أدلته، بل أدلة الصلاة جامعة للشرائط ولا يتم حصول امتثاله إلا بما ذكرنا، ولمكاتبة صفوان بن يحيى (1) في الحسن أو الصحيح أبا الحسن (ع) " يسأله عن الرجل كان معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال: يصلي فيهما جميعا ". مع عدم وضوح دليل للخصم سوى ما في المسبوط " روي انه يتركهما ويصلي عريانا " وهو مع قصوره عن الحجية فضلا عن معارضة الحجة المعتضدة بما عرفت لا يعلم به الخصم، لطرحه الصحاح من الأخبار الآحاد فضلا عن المراسيل. وسوى ما في السرائر من التعليل له بالاحتياط الذي لا يخفى وضوح فساد دعواه هنا، إذ لا أقل من احتمال ما ذكرناه. ومن هنا اعترض على نفسه بكون المشهور أحوط لحصول اليقين له بعد الفراغ بوقوع الصلاة في ثوب طاهر، لكنه أجاب عن ذلك بوجهين. حاصل أحدهم انه لا بد عند الشروع في الصلاة من العلم بطهارة الثوب، وهو


(1) الوسائل الباب 64 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 242 ]

هنا مفقود، فلا ثمرة للعلم بعد ذلك، بل لا بد من الجزم في نية كل عبادة يفعلها، والصلاة مشروطة بطهارة الثوب، والمصلي هنا لا يعلم في شئ من صلاتيه طهارة ثوبه، فلا يعلم أن ما يفعله صلاة. وحاصل ثانيهما أن الواجب عليه انما هي صلاة واحدة، ولا يعلم أيتهما هي واجبة فلا يمكنه نية الوجوب الذي هو الوجه في شئ منهما. وفي الأول منع واضح وإن أراد بالعلم ما يشمل الشرعي، إذ الشرط الطهارة لا العلم بها، ولئن سلم من جهة استلزام عدم معلومية حصول الشرط مع التنبه عدم العلم بحصول المشروط المستلزم لعدم إمكان نيته والجزم بحصول القرب به، فلا نسلم وجوبه في نحو المقام وان قلنا به مع الامكان، ولا ينافي ذلك القول ببقاء شرطية طهارة الثوب الواجب تحصيلها بالتكرير، لامكانها دونه فيسقط. فلعل ذا هو الذي أراده المصنف في الرد عليه بمنع كون اليقين بالطهارة شرطا، بل يكفي عدم العلم بالنجاسة وان كان ظاهر عبارته يوهم غير ذلك مما هو واضح الفساد عندنا. كما ان منه ظهر لك ما في آخر قول الخصم من دعوى عدم العلم بكون ما يفعله صلاة إذ هي ممنوعة على مدعيها، بل يعلم أن كلا منهما صلاة، كما يؤمي إليه النص والقاعدة السابقتان، واحدة بالأصالة، وأخرى بالعارض، وإن لم يعلم طهارة ثوبه في كل منهما، لكنه لا ملازمة بين ذلك وبين العلم بكون كل منهما صلاة. بل من التأمل في هذا ينقدح لك ما في ثاني جوابيه، ضرورة تمكنه حينئذ من نية الوجوب في كل من الصلاتين وان اختلفا بالاصالة والمقدمية التي لا يجب التعرض لهما في النية لو قلنا باعتبار نية الوجه، أما على المختار من عدم وجوبها فيسقط الجواب من أصله. إلا أن يقرر بطريق آخر، كأن يبدل الوجه فيه بالقربة، فيقال: إنه لا يتمكن من نية

[ 243 ]

القربة في شئ من صلاتيه، لعدم علمه بالمأمور بها منهما، لكنه يرجع حينئذ إلى ما سمعته أولا، أو إلى ما يقرب منه، وقد عرفت ما فيه. ونزيد هنا بأنه مشترك الالزام، إذ هو مع الصلاة عاريا لا يعلم أنها الصلاة المأمور بها، لاحتمال تكليفه ما ذكرنا إلا بنص قاطع ونحوه وهما مفقودان باعتراف الخصم، وبأنه لا مانع من نية التقرب بكل منهما بناء على المختار من وجوب مقدمة الواجب، بل وعلى غيره في خصوص المقام للحسنة السابقة (1) ولأدلة الاحتياط السالمة عن معارضة اقتضائه عدم الصلاة فيهما مقدمة لامتثال النهي عن الصلاة في الثوب النجس، إذ قد عرفت غير مرة سقوط الحرمة التشريعية للاحتياط، دون الذاتية كالمشتبه بالمغصوب والميتة والحرير والذهب ونحوها، لعدم تصور منشأ الحرمة الذي هو التشريع معه، وإلا لانسد باب الاحتياط في كثير من المقامات، كما انه يتعذر وقوع غالب أفراده بناء على ظاهر كلام الخصم من اعتبار الجزم بكون الواقع هو المكلف به إصالة، مع أن المنقول عنه الموافقة في تكرير الصلاة إلى أربع جهات، وهي والمقام من واد واحد. وما يقال: إن الاحتياط هنا بالصلاة بالثوبين وعاريا كي يحصل له اليقين ببراءة ذمته يدفعه حصول الظن الاجتهادي من الأدلة السابقة بفساد القول بتعين الصلاة عاريا، بل يمكن دعوى القطع به كما ادعاه بعضهم، بل قد يقال: إنه لا يتصور الاحتياط بذلك بعد فرض الصلاة بالثوبين، ضرورة حصول القطع بوقوع صلاة مشروعة بثوب طاهر مندرجة تحت الأدلة المقتضية للاجزاء والامتثال المانعة من وقوعها حينئذ عريانا بعد ذلك. ودعوى أن تلك الصلاة بذلك الثوب الطاهر وإن قلنا بمشروعيتها للاحتياط كعدمها لعدم العلم به، واحتمال كون التكليف عريانا كما ترى واضحة الفاسد، ولعله لذا لم يقل في السرائر بالاحتياط المذكور مع اعترافه بعدم دليل خاص ألجأه إلى القول


(1) الوسائل الباب 64 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 244 ]

بما عرفت، فكان عليه الأخذ بما تيقن به البراءة، فلو أن الاحتياط بتكرير الصلاة ثلاثا يمكن عنده لاتجه له القول به لاتعيين الصلاة عاريا، فتأمل جيدا، فانه دقيق وإن كان لا يخلو من بحث، إلا أن الأمر سهل بعد وضوح المطلوب. ولا فرق في المختار بين الثوب الواحد المشتبه بمثله أو المتعدد، والمتعدد المشتبه بمثله أو المتحد، كما أشار إليه المصنف بقوله: * (وفي الثياب الكثيرة كذلك) * بل لا أجد فيه خلافا بيننا، فيكرر الصلاة حتى تيقن براءة الذمة، ويحصل بتكرير فعلها قدر عدد النجس مع زيادة واحدة كما هو واضح. ومن هنا أمكن القول بوجوب ذلك حتى لو اشتبه النجس متحدا بل ومتعددا لا يشق التكرير قدره في غير المحصور من الثياب الطاهرة، لانتفاء المشقة حينئذ التي هي المدار في ارتفاع حكم المقدمة، بل في كشف اللثام اختياره، وإن كان لا يخلو من نظر بل منع، لظهور الأدلة في طهارة أفراد المشتبه بغير المحصور، بل أغلب ما في أيدي الناس منه فيكفي الصلاة حينئذ بأحدها، كما لو كان المشتبه من الثياب ما يشق التكرير معه، أو يتعذر لكثرتها، إذ المتجه فيه الاكتفاء بالصلاة في أحدها أيضا، وإن أطلق في المتن إلا أنه يجب تقييده به، لأنه من المشتبه غير المحصور. بل لعله يرجع إليه ما في الذكرى من أن التحري وجه للحرج، بل عن التذكرة الوجه التحري، دفعا للمشقة على أن يراد بالتحري فيها التخيير، كما تشهد له بعض الامارات، لكن في الذخيرة احتمال وجوب التكرير قدر المكنة، وهو ضعيف، إلا أن يمنع كونه من غير المحصور وإن قلنا بأن مداره المشقة، لكن مشقة الاجتناب لا مشقة التكرير، وهي أعم من الأولى. وفيه بعد منع اختصاص اعتبار تلك المشقة في الحصر وعدمه، إذ المعتبر مطلق المشقة الناشئة من الكثرة في تكليف المقدمة تركا أو فعلا ان مفروض المسألة في

[ 245 ]

ذي المشقة التي صار بسببها غير محصور، وإلا فلو فرض مشقة ليست كذلك ففيه ما ستعرفه فيما لوضاق الوقت عن التكرير المبرئ بيقين الذي أشار إليه المصنف باستثنائه مما سبق فقال: * (إلا أن يتضيق الوقت فيصلي عريانا) * إذ هما من واد واحد عند التأمل وفيه قولان: أحدهما ما اختاره المصنف هنا والعلامة في قواعده تبعا لما عن ابن البراج في جواهره من تعيين الصلاة عاريا، كما لو لم يجد إلا النجس، بناء على ذلك فيه، لتعذر الاحتياط الذي كان مسوغا للصلاة فيه مع عدم ثبوت طهارته شرعا، فيبقى حينئذ النهي عن الصلاة بالنجس الذي لا يتم إلا باجتناب الثوبين سالما عن المعارض، وثانيهما تكرير الصلاة فيه بقدر الممكن، حتى لو لم يمكنه إلا صلاة واحدة صلاها به، واختاره العلامة في تذكرته وعن نهايته، والشهيد الأول في ذكراه وعن بيانه، والثاني في روضه وعن مسالكه، والمحقق الثاني في جامعه، والفاضل الهندي في كشفه، والأردبيلي في مجمعه، والسيد في مداركه، والخراساني في ذخيرته، والبحراني في حدائقه، استصحابا لما قبل الضيق، ولأنه أولى من الصلاة عاريا، لاحتمال مصادفة الطاهر، وأسهلية فقدان وصف الساتر منه نفسه، بل أرجحيته لفوات كثير من الواجبات معه دونه، ولاغتفار النجاسة عند تعذر إزالتها، ولأولويته من الصلاة بالثوب النجس. وفي الجميع نظر، للقطع بسقوط المقدمة لسقوط ذيها المانع من جريان الاستصحاب هنا، واحتمال كون المستصحب وجوب غير المقدمة بل هو المستفاد من إطلاق الرواية السابقة (1) بل يمكن الاستغناء في الاستدلال بها عن الاستصحاب، ضرورة ظهورها في عدم اشتراط وجوب الصلاة في أحدهما بوجوب الثاني، بل هي كالعام بالنظر إلى أفراده خصوصا مع تأيدها بعد سقوط الميسور بالمعسور واضح الفساد، لوضوح انصراف الوجوب في الرواية المذكورة إلى إرادة المقدمي منه، بل ينبغي القطع


(1) الوسائل الباب 64 من ابوب النجاسات الحديث 1

[ 246 ]

بعدم إرادة غيره فيجري فيه حينئذ ما عرفت، فتأمل، ولعدم ثبوت تلك الأولوية شرعا، إذ احتمال مصادفة الطاهر معارض باحتمال عدمه، والأسهلية والأرجحية ونحوهما من الأمور الاعتبارية التى لم يقم على اعتبارها شئ من الأدلة الشرعية لا تصلح لاثبات حكم بحيث ينطبق على قواعد الامامية، كما يؤمي إليه عدم التزام معظم الأصحاب بمقتضاهما من تعيين الصلاة بالثوب النجس مع فقد غيره، ولابتناء الأخيرين على الصلاة بالثوب النجس عند فقد غيره، وستعرف البحث فيه. على أن مقتضى إلحاق المقام به ثبوت التخيير، كما هو المعروف هناك بين القائلين بالصلاة فيه، بل لم يعرف القول بالتعيين إلا من بعض متأخري المتأخرين الذي يمكن دعوى عدم قدح خلافه في الاجماع، واحتمال الفرق بينهما بيقين النجاسة وعدمه يدفعه عدم ثبوت اعتباره شرعا، بل لعل الثابت خلافه من حيث إلحاق المشتبه بالنجس في أكثر الأحكام. بل قد يقال: إن التخيير هو المتجه هنا وإن لم نقل به هناك، للفرق الواضح بينهما بيقين النجاسة التي يمكن دعوى مانعيتها فيه للنص أو غيره وعدمه، فله حينئذ الصلاة عاريا، لعدم تيسر الساتر المعلوم الطهارة، والصلاة فيه، لأنه غير محكوم بنجاسته شرعا حتى يكون مقتضيا للفساد. بل من هذا الأخير ينقدح وجه الصحة فيما لو صلى لابسا للثوبين المشتبه أحدهما بعد غسل واحد منهما والاستتار به، لعدم العلم بكون الآخر هو النجس، والشك في موضوع المانع غير معتبر على الأصح عندنا، بل هو في الحقيقة كالصلاة بثوب طاهر لاقى أحدهما برطوبة. واحتمال التمسك باستصحاب منع الصلاة فيهما، إذ لم يتيقن أن المغسول هو النجس منهما يدفعه عدم اعتبار مثل هذا الاستصحاب، إذ هو من استصحاب الجنس عند

[ 247 ]

التأمل، ولا ينافي ما ذكرنا عدم الخلاف بينهم في تعيين الصلاة بالطاهر ولو كان عنده مع المشتبهين، بل الاتفاق ظاهرا مع ظهور وجه بل وضوحه، إذ مرادهم بذلك عدم جواز تكرير الصلاة الذي كان سائغا عند فقد الطاهر، وعدم جواز الصلاة بالثلاثة مجتمعة، لا أن المراد الصلاة بالطاهر وأحد المشتبهين كما هو المفروض. فما في صريح المنتهى وظاهر البيان حينئذ من القول بفساد الصلاة في الفرض المذكور لا يخلو من بحث، كتمسك الأول له بالاستصحاب المزبور. نعم قد يكون وجه اعتبار طهارة مطلق لباس المصلي ولو شرعية، لا خصوص الساتر منه دون الزائد عليه، فيكتفي بعدم العلم بنجاسته، لا أنه يشترط طهارته كالساتر، وهو جيد وإن كان لا يخلو من بحث أيضا. لكن على كل حال لا ينافي ما ذكرنا من التخيير في المقام عند التأمل، إلا أني لم أعرف أحدا صرح به هنا، كما أني لم أعرف أحدا صرح فيه أيضا باحتمال وجوب الصلاة عليه عاريا وفى بعض الثياب المتمكن من تكرير الصلاة فيها قبل انقضاء الوقت، إذ هو بعض أفراد ما نحن فيه مع وضوح وجهه، بناء على عدم جواز الصلاة بالنجس، بل صرح الشهيد في الذكرى بذلك في نظيره من الفاقد لأحد المشتبهين فأوجب الصلاة عليه فيه وعاريا، وان استجود في المدارك والذخيرة الصلاة فيه خاصة، لكن ذلك بناء منهما على صحة الصلاة في متيقن النجاسة مع التعذر، وما سمعت مبني على خلافه فتأمل. ثم انه يجب على مكرر الصلاة بالثوبين لتحصيل اليقين مراعاة الترتيب بين الصلوات ان كان، ضرورة صيرورة الثوبين بمنزلة الثوب الواحد. فلو صلى الظهر حينئذ بأحدهما وصلى العصر بآخر ثم صلى الظهر به وصلى العصر بالأول لم يحكم له بصحة غير الظهر، لاحتمال كون الطاهر ما صلى به الظهر ثانيا، فيجب عليه حينئذ صلاة العصر بما صلاها فيه أولا ودعوى أن المفسد العلم بخلاف الترتيب لا احتماله واضحة

[ 248 ]

الفساد لدى من لاحظ ما دل عليه. أما لو صلى الفرضين بكل منهما معا ففي البيان والمدارك وعن النهاية صحتهما معا، لحصول الترتيب على كل حال، إذ الطاهر ان كان الأول فقد وقعا به مترتبين، وإن كان الثاني فكذلك، لكن قد يشكل بعدم تصور وقوع نية التقرب منه بالعصر مع تنبهه وعدم غفلته قبل العلم باحراز شرط صحتها الذي هو وقوعها بعد الظهر الصحيحة، فالأحوط بل الأقوى وجوب تكرير الظهر أولا ثم فعل العصر، فتأمل. * (ويجب) * على المكلف * (أن يلقي الثوب النجس ويصلي عريانا إذا لم يكن معه هناك غيره) * ولم يمكنه غسله كما في الخلاف والسرائر والارشاد وعن المبسوط والنهاية والكامل والتحرير، بل في المدارك وعن الدروس والروض والمسالك نسبته إلى الأكثر، بل في الذكرى والروضة والذخيرة والحدائق وعن غيرها أنه المشهور، بل في الرياض نسبته للشهرة العظيمة. بل في الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة. مضافا إلى إطلاق النهي (1) عن الصلاة في النجس، وخصوص قول الصادق (ع) في خبر الحلبي (2) " في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد فأصاب ثوبه مني: يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا ويصلي ويؤمي إيماء " ومضمرتي سماعة (3) المنجبرتين هما وسابقهما بما عرفت، فلا يقدح قصور السند حينئذ مع إمكان منعه في البعض. لكن قد يشكل بعدم تحقق الشهرة المدعاة أولا فضلا عن الاجماع المحكي،


(1) الوسائل الباب - 42 - من ابواب النجاسات (2) الوسائل الباب 46 من ابواب النجاسات الحديث 4 (3) الوسائل الباب 46 من ابواب النجاسات الحديث 1 و 3

[ 249 ]

مع احتمال إرادة حاكيه الاجزاء لو صلى عاريا لا الوجوب، وهو مما لا كلام فيه، بل في المنتهى أنه يجزئ قولا واحدا، بل قد يفهم ذلك من المعتبر أيضا، كما انه ستسمع دعوى الاجماع عليه من غيرهما، وبموهونيتهما بمصير الفاضلين في المعتبر والمنتهى والمختلف ومن تأخر عنهما إلى التخيير بين الصلاة فيه وعاريا ثانيا، كالمحكي عن ابن الجنيد، وبمعارضة تلك بالأقوى سندا والأكثر عددا، لا أقل من المساواة المستلزمة للجمع بالتخيير المذكور. منها صحيحة الحلبي (1) " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره، قال: يصلي فيه، وإذا وجد الماء غسله ". كخبره الآخر (2) سأله أيضا " عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله، قال: يصلي فيه ". وصحيح عبد الرحمان بن أبي عبد الله (3) سأل الصادق (ع) أيضا " عن الرجل يجنب في ثوبه ليس معه غيره ولا يقدر على غسله، قال: يصلي فيه ". وصحيح علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى (عليهما السلام) " سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم يصلي فيه أو يصلي عريانا ؟ قال: إن وجد ماء غسله، وإن لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا " إلى غير ذلك مؤيدة بأرجحية الصلاة فيه على عدمها، إذ ليس فيه إلا فوات شرط الطهارة التي لم يعلم شمول أدلتها لمثل المقام إن لم يعلم عدمه، خصوصا مع القطع بسقوطه بالنسبة للبدن في مثل هذه الضرورة، بخلاف الصلاة عريانا، فان فيه فوات الستر أولا، والركوع والسجود بل والقيام إذا لم يأمن المطلع.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 45 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 3 - 4 (4) الوسائل الباب 45 من ابواب النجاسات الحديث 5

[ 250 ]

ومن هنا مع ظهور رجحان هذه الأخبار القاضي بعدم مكافأة الأولى حتى يجمع بالتخيير ونحوه قال في المدارك تبعا لما في الروضة وعن مجمع البرهان: " إنه لولا الاجماع لوجوب القول بتعيين الصلاة في النجس " بل في كشف اللثام أنه الأقوى كما عن المعالم، وكأنه لعدم ثبوت الاجماع عندهما، بل ربما استظهر ذلك من الفقيه أيضا، حيث انه روى الأخبار الدالة على الصلاة في النجس غير معقب لها بما ينافيها من قول أو رواية. ويدفع بمنع عدم تحقق الشهرة بعد نقل أولئك الأساطين المذكورين الذين هم أعلم منا بكلمات المتقدمين، ومصير الفاضلين إلى خلافه، مع أنه في بعض كتبهما لا يوهنه، وإن تبعهما من تأخر عنهما، خصوصا مع عدم عض بعضهم كالشهيد في الذكرى عليه بضرس قاطع، على أنه يمكن دعوى عدم احتياج بعض تلك الأخبار أو الجميع إلى الأنجبار بالاشتهار بدعوى انها من الصحيح، بناء على كون العدالة من الظنون الاجتهادية، ومن الموثق، وهما معا عندنا لا يحتاجان إلى ذلك، أو بدعوى الاتفاق محصلا على العمل بمضمونها في الجملة الذي يشهد على أنها من المعتبرة عند الجميع. بل وبمنع عدم تحقق الاجماع بعد عدالة حاكيه، وكونه مظنة للاطلاع على مالا يطلع عليه غيره، والاحتمال المذكور لا ينافي الظهور المزبور، وليس هو من ظاهر الاجماع الذي ليس بحجة عندنا، بل هو من ظاهر متن الاجماع الذي هو بعض ظواهر الخطاب المعلوم حجيته. بل وبمنع ارجحية هذه الأخبار، إذ الشهرة وموافقة الاطلاقات كتابا وسنة والاجماع المحكي من مثل الشيخ لا يقاومها شئ مما عداها من المرجحات، ولذا لم يرجحها عليها أحد من معتبري الأصحاب وإلا لم يتجه لهم التخيير المذكور. وما في كشف اللثام وعن المعالم من القول بتعيين الصلاة لا يلتفت إليه بعد إمكان دعوى مخالفته المحصل من الاجماع فضلا عن محكية الذي قد عرفته.

[ 251 ]

ومنه حينئذ يعلم وجوب صرف هذه الأخبار عن ظاهرها، وإرادة غيره، وكونه التخيير بمعنى جواز الفعل والترك، أو أفضلية الصلاة في الثوب كما صرح بها بعضهم تبعا لما عن ابن الجنيد إن لم نقل إنه من التخيير بين الواجب وعدمه ليس بأولى من إرادة الصلاة فيه لضرورة البرد ونحوه مما يعسر من جهته النزع، بل هو أولى، لما فيه من تقليل التجوز، ضرورة بقاء تلك الأخبار على ظاهرها، بل وبعض هذه كالمشتمل منها على نفي الصلاة عريانا المراد بها نهي عند التأمل، مع أنه لم يقل أحد بكراهة الصلاة عريانا، بل قضية ذلك استعمال أوامر الصلاة عريانا في مجاز بعيد جدا ان لم يكن ممتنعا، وما فيه من موافقة الاحتياط المعلوم تأكده إن لم نقل بوجوبه في خصوص ما نحن فيه من العبادات، ولعدم وجود الشاهد على ذلك الجمع، بخلافه، فانه يشهد له صحيح الحلبي (1) " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه غيره، قال: يصلى فيه إذا أضطر إليه ". ودعوى عدم احتياج الجمع المذكور إلى شاهد كدعوى شهادة هذا المفهوم له الذي هو عبارة عن نفي الوجوب عند عدم الاضطرار ممنوعتان، سيما الثانية، لظهور كون المفهوم هنا وإن لم نقل به في سائر المفاهيم عدم الاذن بالصلاة فيه عند عدم الاضطرار لا عدم الوجوب، ضرورة إرادة دفع توهم السائل الحظر من الانشاء المستفاد من الخبر، ولا يرد عليه استلزام ذلك حينئذ الاباحة مع الضرر المعلوم نفيها عقلا ونقلا، كمعلومية وجوب الصلاة فيه معه كذلك، لأن المراد هنا الاذن التي لا تنافي الوجوب وإن قلنا بظهور الأمر في مقام توهم الحظر في الاباحة المنافية له، لكن لخصوص المقام خصوصية واضحة كما لا يخفى على من لا حظ نظائره مما علق الحكم فيه على ضرورة الاضطرار، فتأمل جيدا فانه لا يخلو من دقة.


(1) الوسائل الباب 45 من ابواب النجاسات الحديث 7

[ 252 ]

ومعارضة ذلك كله بدعوى أولوية الجمع بالتخيير لذلك الوجه الاعتباري الذي منه قيل بأفضلية الصلاة في الثوب، وكذا القول بتعينها فيه أيضا المنافي للاجماع المحكي على لسان جماعة إن لم يكن محصلا مدفوعة بعدم معروفية حكم الأحكام الشرعية ومصالحها. نعم هذا كله مع إمكان نزعه الثوب، * (ف‍) * أما * (إن لم يمكنه) * نزعه ولو لمشقة برد أو نحوه لا تتحمل * (صلى فيه) * قولا واحدا، لعدم سقوط الصلاة بحال، والصحيح السابق (1) وإطلاق غيره، بل قد عرفت إمكان تنزيل باقي الأخبار عليه مع نفي الحرج في الدين، * (و) * لكن عن الشيخ في جملة من كتبه، بل في المدارك والرياض نسبته إلى جمع معه أيضا وان كان لم نتحققه، بل لم نعرف أحدا غيرهما نسبه إلى غير الشيخ عدا ابن الجنيد أنه * (أعاد) * الصلاة إذا تمكن بعد ذلك من غسله، استصحابا لبقاء التكليف الأول، ولموثق الساباطي (2) عن الصادق (ع) انه سئل " عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع ؟ قال: يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة " المشار إليه في الفقيه على الظاهر بأنه في رواية " يعيد الصلاة إذا وجد ماء غسله وأعاد الصلاة ". و * (قيل لا يعيد) * بل هو المشهور المعروف، بل لم نتحقق فيه خلافا من غير الشيخ وعن ابن الجنيد وان حكاه في الكتابين السابقين عن جمع * (وهو الأشبه) * لقاعدة الاجزاء وإصالة البراءة، وظواهر الصحاح المتقدمة الواردة في مقام الحاجة، مع تضمن بعضها الأمر بغسل الثوب خاصة بعد زوال الضرورة من دون تعرض لاعادة الصلاة بالمرة، فلا بأس حينئذ بحمل الموثق المذكور على الاستحباب كما صرح به جماعة، وان كان الموثق عندنا حجة في نفسه، والمعارض كله قابل للتقييد به، لكنه لاعراض المشهور عنه قصر عن المقاومة، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بالعمل بمضمونه،


(1) و (2) الوسائل الباب 45 من ابواب النجاسات الحديث 7 - 8

[ 253 ]

خصوصا مع احتمال بل ظهور كون الاعراض لعدم القول بحجية الموثق، بل صرح به غير واحد، لا أنهم أعرضوا عنه لقوة المعارض عليه، فتأمل. * (و) * إذ فرغ المصنف من ذكر مباحث التطهير بالماء شرع في باقي المطهرات. فمنها * (الشمس) * وهي * (إذا جففت البول) * خاصة أو هو * (وغيره من النجاسات) * المشابهة له في عدم بقاء الجرمية كالماء النجس ونحوه * (على) * ما ستعرف البحث فيه، كما أنك تعرفه أيضا في اعتبار كون الازالة عن * (الأرض) * خاصة، أو هي * (والبواري والحصر) * أو غيرها مما لا ينقل * (طهر موضعه) * على حسب الطهارة بالماء فيجوز التيمم به والسجود عليه، ولا ينجس لو بوشر برطوبة، وفاقا للأكثر نقلا في المختلف، وتحصيلا بل هو المشهور كما في المفاتيح والذخيرة والحدائق وعن المهذب والكفاية والبحار والمعالم وغيرها، بل عن الأستاذ الأكبر انها شهرة كادت تبلغ الاجماع، بل في اللوامع أنه مذهب غير الراوندي وصاحب الوسيلة والمحقق في أول كلامه، بل هو معقد مذهب الامامية في كشف الحق، والاجماع في السرائر وموضعين من الخلاف. وهو الحجة بعد صحيح زرارة (1) " سأل أبا جعفر (ع) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه، فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر " وخبر أبي بكر الحضرمي (2) عنه (ع) أيضا المنجبر بما تقدم " يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر " بل في الوسائل أنه بهذا الاسناد (3) عنه (ع) أنه قال: " كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر " المؤيد بما في الفقه الرضوي (4) " ما وقعت الشمس عليه من الأماكن التي أصابها شئ من النجاسات


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 5 - 6 (4) المستدرك الباب - 22 - من ابواب النجاسات - الحديث 5

[ 254 ]

مثل البول وغيره طهرتها، وأما الثياب فلا تطهر إلا بالغسل " بل وبقول الكاظم (عليه السلام) (1): " حق على الله تعالى أن لا يعصى في دار إلا أضحاها الشمس ليطهرها ". والمناقشة بعدم إرادة المعنى الشرعي من لفظ الطهارة مدفوعة بما مر غير مرة من إمكان دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية فيها في عصر النبي صلى الله عليه وآله فضلا عن عصر الصادقين (عليهما السلام) على أنه لم سلم عدم ثبوتها فلا ريب في إرادته هنا، لكونه مجازا راجحا في نفسه، أو للشهرة والاجماع المتقدمين، كالمناقشة باحتمال إرادة العفو من الطهارة، نحو قوله (ع) (2): " كل يابس ذكي " ضرورة انه مجاز لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، وكالمناقشة بعدم دلالة بعضها على تمام المدعى من الأرض وغيرها والبول وغيره، وتناول الآخر لغيره، كخبر الحضرمي، إذ هي واضحة الاندفاع. فلا يليق بفقيه التوقف في الاستدلال بها لنحو هذه المناقشات الواهية، سيما بعد اعتضادها بصحيح زرارة وحديد بن حكم الأزدي (3) جميعا، قالا: " قلنا لأبي عبد الله (ع): السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلى في ذلك المكان، فقال: إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس إلا أن يتخذ مبالا ". وعلي بن جعفر (4) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) في حديث قال: " سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل ؟ قال: نعم لا بأس ". كصحيحه الآخر (5) عنه (ع) " سألته عن البواري يبل قصبها بماء


(1) الوسائل الباب 41 من ابواب جهاد النفس الحديث 2 من كتاب الجهاد (2) الوسائل الباب 31 من ابواب أحكام الخلوة الحديث 5 (3) و (4) الوسائل الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 2 - 3 (5) الوسائل الباب 30 من أبواب النجاسات الحديث 2

[ 255 ]

قذر أيصلي عليه ؟ قال: إذا يبست فلا بأس ". وخبر ابن أبي عمير (1) قلت لأبي عبد الله (ع) " عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها ؟ فقال: إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها ". والمناقشة في الأول باشتماله على الريح، وفيما بعده بعدم تقييد الجفاف بالشمس، وفيهما بل وصحيح زرارة الأول باحتمال إرادة ما عدا السجود من الصلاة عليه، سيما صحيحتي علي بن جعفر، لأنه نفسه (2) سأل أخاه (عليهما السلام) " عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلى فيهما إذا جفا ؟ قال: نعم " ومن المعلوم إرادة ذلك منه، وبعدم الدليل على اشتراط طهارة محل السجود مدفوعة بعدم قدح الأولين في الحجية والاجماع المحكي مستفيضا إن لم يكن متواترا أو محصلا بحيث لا يقدح فيه ما عن الراوندي من جواز السجود على ما جففته الشمس وان لم يطهر على اشتراط طهارة محل السجود، بل خبر علي بن جعفر الأخير دال عليه أيضا، كظهور الفاء فيه صحيح زرارة الأول، إذ هو كالعلة أو التفريع، وعدم قدح الثالث في الظهور الناشئ من ترك الاستفصال عن المباشرة بالرطوبة وعدمها وعن السجود عليه وعدمه، خصوصا إذا ادعي ظهوره في إرادة وقوع تمام الصلاة عليها مباشرة، أو عدم صدق اللفظ حقيقة على الفرض. بل قد يشعر أول موثقة الساباطي (3) بكون المفهوم من قوله " يصلى عليه ولا يصلى عليه " السجود، قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القدر، قال: لا يصلي عليه،


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب النجاسات الحديث 5 وهو خبر عمار الساباطى (2) الوسائل الباب 30 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) الوسائل الباب 29 من أبواب الوضوء الحديث 4

[ 256 ]

وأعلم موضعه حتى تغسله، وعن الشمس هل تطهر الأرض ؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، وإن أصابته الشمس ولم يبس الموضع القذر وكان رطبا فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس، وان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع، وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك ". ضرورة إرادته السجود عليه، وإلا فلا مانع من الصلاة عليه مع السجود على غيره وإن كان يابسا بغير الشمس، بل قوله (ع) فيه: " فالصلاة جائزة " دليل آخر على أصل المطلوب، خصوصا مع أمره في الصورة الأولى باعلام الموضع لأجل غسله دونه هنا، مع ملاحظة مطابقة الجواب للسؤال، بل عن العلامة أنه بدونه يكون من تأخير البيان من وقت الحاجة، كما يشهد له غلبتها عنده، وإن ناقشه فيه بعضهم بأنه من تأخير البيان عن وقت الخطاب، بل ناقش في أصل دلالة هذه الموثقة على الطهارة باشعار مغايرة الجواب للسؤال بعدم الطهارة، بل قوله (ع) فيه: " وإن كانت رجلك " إلى آخره كالصريح في عدم حصول الطهارة لما يبسته الشمس بحيث لا تضر مباشرته بالرطوبة، بناء على وصل قوله (ع) أخيرا: " وإن كان " بسابقه، وان الرواية " عين الشمس " بالعين المهملة والنون كما عن بعض النسخ، بل في حبل البهائي ووافي الكاشاني أنه الصحيح الموجود في النسخ الموثوق بها. لكن قد تدفع الأولى بغلبة وقت الحاجة عند السؤال، والثانية بأن الموجود فيما حضرني من نسخة الوسائل، كالمحكي عن الاستبصار وبعض كتب فروع الأصحاب وبعض نسخ التهذيب " غير " بالغين المعجمة والراء المهملة، بل في الذخيرة أنه المظنون صحته، وكشف اللثام أنه أوضح، بل فيه ان الأظهر كون الأولى سهوا من النساخ.

[ 257 ]

ويؤيده تذكير ضمير الفعل بعده، ضرورة وجوب التأنيث على الأولى، فلا ينافي حينئذ ما دل عليه أوله من الطهارة، بل قد يؤكده، فتكون الصور المبين حكمها فيه حينئذ ثلاثة. واحتمال التربيع - بجعله مفصولا على أن يكون شرطا جزاؤه " فانه " فيتعلق حينئذ قوله (ع): " وإن كان رجلك " بصورة يبوسة الموضع بالشمس لا رطوبته، لمعلوميتها من سابقها يدفعه بعد أظهرية الاتصال من الانفصال انه محتمل حينئذ للتعلق بسابقه ولا ينافيه ظهور حكمه منه، خصوصا في أخبار عمار الغالب اشتمالها على نحو ذلك، بل قد يمنع ظهور حكمه إن حمل على إرادة بيان صورة جفاف الموضع بالشمس لا على وجه اليبوسة، بل على وجه لا تصل رطوبته إلى مباشرة، بناء على عدم حصول الطهارة بذلك، فتأمل وللتعلق بالصورة السابقة في صدره، كما يؤمي إليه لفظ " ذلك " فيه على أن يراد بعدم الصلاة عليه هناك السجود، وهنا وان لم يسجد، وان كان الانصاف أنهما معا بعيدان جدا إن لم يكونا ممنوعين. لكن عليهما لا يكون فيه دلالة على خلاف المطلوب حتى على رواية الشيخ له في الزيادات باسقاط قوله (ع): " وان كان غير الشمس " إلى آخره. إلا أنه بعد أن عرفت ظهوره من الوجوه السابقة لم يقدح هذا التجشم على بعض التقادير، بل لا بأس به في مقام الجمع. بل لو قلنا بسقوط دلالته أصلا كان فيما ذكرناه من الأدلة السابقة المؤيدة والمعتضدة بما عرفت بل وبسهولة الملة وسماحتها، بل وبنفي العسر والحرج اللازمين على التقدير عدم الطهارة بالاشراق، بل وبالسيرة من الناس كافة كما في الرياض في جميع الأزمنة على عدم إزالة النجاسة عن مثل الأرض بالماء، وعلى الاكتفاء بالطهارة بالشمس،

[ 258 ]

بل وبما قيل من عموم ما دل على طهورية الأرض، ومن أن الشمس من شأنها الاسخان الملطف للأجزاء الرطبة والمصعد لها، مع إحالة الأرض للأجزاء الباقية اليسيرة، فتطهر حينئذ، خصوصا لو قلنا إن الطهارة النظافة والنزاهة الحاصلتان بمجرد زوال القذارة عن المحل، إلى غير ذلك غنية وكفاية عن غيرها. فما عن الراوندي ووسيلة الطوسي ومعتبر المصنف من القول بعدم الطهارة وان عفي عنه بالنسبة للسجود دون المباشرة بالرطوبة ونحوها ضعيف جدا، وإن تبعهم بعض متأخري المتأخرين، مع عدم ثبوت ذلك عن المعتبر، وان استجوده بعد أن نقل عدم الطهارة وجواز الصلاة عنهما، لكن في كلامه ما يقضي بالتردد، بل الميل إلى الطهارة، بل هو في مسألة تطهير الأرض بالذنوب كالصريح في المختار، بل ما حضرني من عبارة الوسيلة صريحة أو كالصريحة في خلاف ما حكي عنها من موافقة الراوندي كما اعترف به في الذخيرة وغيرها، نعم هي ظاهرة أو صريحة في عدم تأثير الشمس طهارة ولا عفوا، فيكون ذلك من منفردات الراوندي، إذ لم نعرف له موافقا صريحا من كبراء الأصحاب حتى ابن الجنيد، إذ المحكي عنه انه احتاط في تجنب الأرض المجففة بالشمس إلا أن يكون ما يلاقيها من الأعضاء يابسا، وهو في خلافه أظهر منه في وفاقه. وكيف كان فلا ريب في ضعفه، إذ هو مع ما فيه من منافاته لجميع ما دل على اشتراط الطهارة في السجود والتيمم ونحوهما، بناء على ما عن الراوندي ليس له إلا الأصل الغير الصالح لمعارضة شئ مما سمعت، بل في الرياض تبعا لغيره المناقشة في جريانه هنا بأن مقتضاه النافع لثمرة النزاع نجاسة الملاقي بالملاقاة، وهو حسن إن خلا عن المعارض بالمثل، وليس، إذ الأصل بقاء طهارة الملاقي، ولا وجه لترجيح الأول عليه، بل هو به أولى، كيف لا والأصل طهارة الأشياء حتى يعلم المسلم بين العلماء، ودلت

[ 259 ]

عليه أخبارنا (1) ولا علم هنا بعد تعارض الاستصحابين وتساقطهما، فلا مخصص للاصالة المزبورة، بل في المعالم والذخيرة المناقشة في جريانه بالنسبة إلى نفس المتنجس فضلا عن الملاقي وان كانا معا ليسا بشئ عندنا كما مر غير مرة، سيما الثانية، إذ مرجعها إلى إنكار حجية الاستصحاب في مثله المعلوم بطلانه في محله، بل هو في خصوص المقام من الواضحات، لظهور الأدلة في بقاء ما ثبتت نجاسته أو طهارته إلى حصول مزيلهما شرعا، بل لا يعقل حصول أحدهما بدونه. ودعوى تخصيص ذلك في البدن والثوب والآنية دون غيرها مما ثبت نجاسته بالاجماع المعلوم انتفاؤه على الاستمرار في محل النزاع من أغرب الدعاوي، بل لا يحتاج ردها إلى تشمير ساعد وإن أطنب فيه في الحدائق. وإلا الموثق (2) الذى قد عرفت البحث فيه، وصحيح ابن بزيع (3) " سألته عن الأرض والسطح يصيبه البول أو ما أشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال: كيف يطهر من غير ماء ؟ " الواجب طرحه أو حمله على إرادة طهارته بما بعد جفافه بغيرها، فانه حينئذ لابد من ماء ليجف بها ثانيا حتى يطهر، كما صرح به بعضهم، بل في الحدائق الظاهر انه المشهور، وهو كذلك بناء على التحقيق من عموم طهارة الشمس للبول وغيره مما لا يبقى جرمه، أو على التقية من المحكي عن جمع من العامة، لقصوره من وجوه عديدة عن مقاومة ما مر من الأدلة المذكورة الظاهرة في المختار، كظهور الموثق منها وخبري الحضرمي وابن أبي عمير وأحد صحاح على بن جعفر وأحد معقدي إجماع الخلاف المؤيد بصريح الرضوي، بل وغيره مما مر في عدم الفرق بين البول وغيره من النجاسات المشابهة له بعدم بقاء الجرمية، كما هو صريح المتن وجماعة من الأصحاب،


(1) الوسائل الباب 37 من ابواب النجاسات (2) و (3) الوسائل الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 4 - 7

[ 260 ]

بل الظاهر انه المشهور كما في الحدائق، بل لا أعرف فيه خلافا من غير المنتهى، وإن حكي عن المسبوط التصريح بعدم طهارة الخمر، وان حمله على البول قياس، لكنه بقرينة ما حكي عنه من التصريح بالتعميم السابق محتمل لكونه مما يبقى جرمه عنده، فلا يكون خلافا في الحكم، كما ان ما حكي عن المقنعة والنهاية والمراسم والاصباح وغيرها من الاقتصار على البول كذلك، لاحتمال المثالية كصحيح زرارة، فما في المنتهى حينئذ من التخصيص بالبول ضعيف جدا ان لم يكن تأويل كلامه إلى المختار. نعم لا طهارة مع بقاء الجرم كالدم، كما صرح به في الذكرى والروض والمدارك وغيرها، بل في الحدائق لا خلاف فيه على الظاهر، بل في المدارك واللوامع الاجماع على اعتبار زوال الجرم في الطهارة، واليه يرجع ما عن ابن الجنيد من التصريح بعدم طهارة المجزرة والكنيف، للأصل وظهور الأدلة في غيره، بل اعتبار الاشراق في خبر الحضرمي كالصريح في خلافه، ضرورة عدم تحققه في الفرض، لحيلولة جرم النجاسة الذي لا يطهر بجفاف الشمس قطعا بل ضرورة. فلا تثمر يبوسة ما تحته بحرارة الشمس، كما لا تثمر مع غيره من الحواجب ذوات الظل حتى السحاب، بل في كشف الأستاذ إلحاق احتراق القرص بذلك، لعدم صدق الاشراق حينئذ، واحتمال اعتبار التجفيف دونه مناف لقواعد الاطلاق والتقييد، ولذا لم يظهر خلاف بين الأصحاب في عدم حصول الطهارة لشيئين متنجسين منفصلين أحدهما غير الآخر، كحصيرين أو حجرين إذا جمعا، بل يختص التطهير بالعالي الذي أشرقت عليه الشمس دون الأسفل وان كان جفافه بحرارة الشمس. بل قد توهم عبارة المنتهى اختصاص التطهير بالظاهر الذي أشرقت عليه الشمس بالنسبة للشئ الواحد كالأرض دون ما جف من الباطن، وإن كان في غاية الضعف، للفرق الواضح بينهما بصدق الاشراق على الثاني وان اختص بالظاهر دون الأول.

[ 261 ]

بل التأمل في الأدلة السابقة من الأخبار يورث القطع بتناولها لمثله، ولذا صرح بالطهارة فيه في جامع المقاصد والروض والروضة وغيرها، لكن ينبغي تقييده بما لو كانت النجاسة متصلة وسارية من الظاهر إلى الباطن وجفا بها معا، لا ما إذا اختص الجفاف بالظاهر، فانه يطهر هو حينئذ خاصة كما صرح به في كشف الغطاء، ولا ما إذا كانت مختصة بالباطن وجففته الشمس بالاشراق على الظاهر الطاهر، فانه لا يبعد عدم حصول الطهارة له وان كان شيئا واحدا، كما عساه يلوح من الذخيرة بل وغيرها، اقتصارا على المتبادر المنساق من الأدلة، بل خبر الحضرمي ظاهر في ذلك، كما انه ظاهر خصوصا على روايته بلفظ " كل " في عموم الحكم بطهارة الشمس للأرض ونحوها. بل * (وكذا كل ما لا يمكن نقله كالنباتات والأبنية) * ونحوها كما هو الأقوى في النظر، خلافا لما عن المهذب من النص على عدم طهارة غير البواري والحصر بها الذي هو في غاية الضعف والغرابة، لمخالفته عموم الخبر المذكور، ونص صحيح زرارة السابق على طهارة السطح والمكان الذي يصلى فيه، وظهور صحيحة الآخر في السطح، وموثق عمار في الأرض، بل لا أعرف خلافا من غيره في طهارة الأرض بها، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع على خلافه فيها فضلا عن محكية من غير واحد. بل من الغريب نصه على طهارة الحصر بها إلحاقا لها بالبواري، مع خلو الأخبار عن التعرض لها، وتركه الأرض المدلول عليها بما عرفت، فلو عكس بأن ذكر الأرض والبواري وترك الحصر كما عن النزهة كان أولى، وإن كان لا خلاف يعرف أيضا في طهارتها بها مما عدا النزهة، بل هي من معقد إجماع الخلاف ونفي خلاف التنقيح، بل لعل مراده فيها بالبواري ما يشملها كالأخبار، كما يشهد له ما في كشف اللثام " اني لم أعرف في اللغة فرقا بين الحصير والبارية، وفى الصحاح والديوان والمغرب ان الحصير هو البارية " انتهى.

[ 262 ]

ولا ينافيه ما يتراءى من عرف هذا الزمان من اختصاص البارية بالمعمولة من القصب والحصير بالمعمول من غيره، على أنه إن لم نقل بشمولها له لغة أن كان إلحاقه بها إلغاء للخصوصية بمعونة فهم الأصحاب، بل في المنتهى والجامع وعن المبسوط إلحاق كل ما عمل من نبات الأرض غير القطن والكتان، وإن كان لا يخلو من نظر، لعدم دليل معتبر على التعدية المذكورة بحيث يقطع الأصل وخبر الحضرمي، مع أنه لا جابر له فيما نحن فيه محتمل لارادة مالا ينقل عادة من الأشياء التي يعتاد إشراق الشمس عليها، كالأبنية ونحوهما، ولا ينافيه العموم اللغوي فيه بعد ظهور مدخول " كل " في ذلك مع ملاحظة دخولها. ومن هنا نص في جامع المقاصد والموجز وغيرهما على عدم طهارة غير الحصير والبارية من المنقولات، بل هو ظاهر باقي الأصحاب عدا من عرفت، مع ظهور عملهم بالخبر المذكور في غير الأرض مما لا ينقل، إذ في القواعد والارشاد والتذكرة بل في الذخيرة والبحار والكفاية أنه المشهور بين المتأخرين، بل عن الدلائل انه المشهور النص على طهارة النبات والأبنية كالمختلف وعن النهاية والتلخيص، لكن مع إبدال النبات بالأشجار، وعن التبصرة الأبنية، والتحرير النباتات وشبهها، وفى المنتهى وعن كتب الشهيد ما لا ينقل، بل عن الدلائل نسبته إلى المتأخرين، وفى الموجز ما اتصل بالأرض ولو ثمرة والأبنية ومشابهها ولو خصا ووتدا، وكذا السفينة والدولاب وسهم الدالية والدياسة، وعن المهذب البارع ما جاور الأرض إذا اتصل بها كالطين الموضوع عليها تطيينا أو على السطح، وكذا الجص المثبت بأزاء الحائط حكمه حكم البناء، وكذا المطين به، وكذا القير على الحوض والحائط، بل عنه أنه يلحق بالأبنية مشابهها وما اتصل بها مما لا ينقل عادة كالأخصاص والأخشاب والمستدخلة في البناء، والأجنحة والرواش والأبواب المغلقة وأغلاقها والرفوف المستمرة والأوتاد المستدخلة في البناء،

[ 263 ]

إلى غير ذلك من كلمات الأصحاب ما يظهر منها العلم بالخبر المذكور، لبعد احتمال كون مدركهم غيره. فمن هنا اتجه حينئذ القول بعمومه لسائر ما يصلح تناوله له مما لا ينقل مما تقدم وغيره بعد انجبار سنده بما عرفت، وتأييده بالرضوي السابق، وسهولة الملة وسماحتها، وعدم ظهور الفرق بين الأرض وبينه، بل قد يظهر إرادة المثالية منها بمعونة ما سمعت وبالسيرة المستقيمة في أكثر أفراده إن لم يكن جميعها وغير ذلك. بل لعل منه الأواني المثبتة والعظيمة، كما نص عليه في كشف اللثام، والفواكه ما دامت على أشجارها، كما عن ابن فهد وجامع المقاصد والروض النص عليها، بل في الروضة وإن حان قطافها، خلافا لما عن ظاهر نهاية الفاضل أو صريحها فلا تطهر، بل قد يظهر من الذخيرة وعن المعالم الميل إليه إذا حان القطع، وإن كان الاحتياط ذلك. بل قد يظهر من المحكي عن فخر الاسلام عموم الحكم لما لا ينقل وإن عرض له النقل، كالنباتات المنفصلة من الخشب والآلات المتخذة من النباتات، وإن كان لا يخلو من نظر، لعدم اندراجه في الخبر المذكور بعد التنزيل المزبور، إذ العبرة بوصف عدم النقل حال الجفاف، أو حال التنجس في وجه ضعيف، أو حالهما في وجه قوي، أللهم إلا أن يستند في ذلك إلى الاستصحاب، وفيه بحث، ومن هنا جعله في الحدائق فولا غريبا. نعم يمكن عموم الحكم للأرض خاصة وإن نقلت كالحجر ونحوه، لصدق اسم الأرض، ولفحوى طهارة توابع الأرض من الحصى وغيره لا للخبر السابق ولعله لذا نص في المنتهى على طهارة حجر الاستنجاء، مع أنه لا يخلو من نظر أيضا، لتبادر غير ذلك من الأرض لكن يمكن عموم الحكم لسائر ما ينقل بعد صيرورته مما لا ينقل، كما يؤمي إليه التمثيل بنحو ذلك ممن عرفت، وإن كان لا يخلو أيضا من نوع تأمل.

[ 264 ]

إلا أنه على كل حال ما في معتبر المصنف من التردد في طهارة مالا ينقل ما عدا الأرض بل عن القطب الراوندي النص على المنع في غيرها منه، كما عساه الظاهر من اقتصار مقنعة المفيد ونافع المحقق وغيرهما عليه منه، بل في السرائر التصريح بذلك مع التمثيل له بالنبات، بل قال فيها: " وقد روي (1) أن ما طلعت عليه الشمس فقد طهرته، وهي رواية شاذة ضعيفة لا يلتفت إليها ولا يعرج عليها " بل مال إليه بعض متأخري المتأخرين محل للنظر بل المنع، لما عرفت. لا لما في الرياض من الاستدلال على التعميم المذكور بل والأعم منه لاندراج المنقول فيه إلا ما علم خروجه باجماع ونحوه بالأصل المزبور الذي نقلناه عنه سابقا في البحث عن عموم الحكم لكل نجاسة، إذ هو بعد تسليمه له إنما يقتضي عدم نجاسة الملاقي لما شك في تطهير الشمس له من النجاسات والأمكنة، لتعارض الاستصحابين، فيبقى عموم طهارة كل شئ حتى يعلم سالما، لا أنه يقتضي طهارة الملاقى بالفتح بحيث يجوز السجود عليه والتيمم منه ونحو ذلك، ضرورة عدم معارضة الاستصحاب فيه نفسه بشئ إذ استصحاب طهارة الملاقي بالكسر يكفي فيه عدم العلم بنجاسة الملاقى بالفتح، لا عدم نجاسته واقعا حتى يعارضه بالنسبة إليه نفسه، كما هو واضح، فلولا عموم الخبر المذكور المنجبر والمؤيد بما سمعت لاتجه البناء عليه في جميع صور الشك في النجاسات والأمكنة. ومن هنا كان المتجه البقاء عليه فيما إذا جف بغير الشمس من ريح أو غيرها، خصوصا بعد اعتضاده بما في المنتهى من أنه لو جف بغير الشمس لم يطهر عندنا قولا واحدا، وما في التحرير من الاجماع على ذلك، وما في موثق عمار السابق، بل وصحيح ابن بزيع.


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 5

[ 265 ]

فما في موضع من الخلاف من الحكم بالطهارة بهبوب الريح كالشمس ضعيف جدا، وإن كان ظاهره أو صريحه دعوى الاجماع عليه فيه، لكنه موهون بالاجماعين السابقين اللذين يشهد لهما التتبع لكلمات الأصحاب وما في السرائر من نسبة ذلك من الشيخ إلى خلاف الاجماع، وانه مذهب الشافعي، بل وبتصريحه نفسه في موضع آخر منه أيضا بعدم طهارة ما يجف بغير الشمس، بل ظاهره أو صريحه الاجماع عليه، ولذا كان من المحتمل قويا إرادته بالطهارة ما في المنتهى والمختلف زوال الأجزاء الملاقية للنجاسة بهبوب الرياح لا جفافها أو غيره، صونا لكلامه عن التنافي، وإلا كان ضعيفا. كضعف التمسك له باطلاق خبر ابن أبي عمير (1) وصحيحي علي بن جعفر (2) وخبره الآخر (3) المسؤول فيه عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلي فيهما إذا جفا ؟ فقال: نعم " كصحيح زرارة وحديد (4) المتقدم سابقا المشتمل على سؤالهما الصادق (ع) " عن السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلى في ذلك المكان، فقال: إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس إلا أن يتخذ مبالا " وباصالة الطهارة وعموماتها بناء على عدم جريان استصحاب النجاسة في مثله مما مدركها الاجماع المفقود في محل النزاع، أو على ما سمعته سابقا من الرياض. ضرورة فساد الأخير بما عرفت، كضرورة وجوب تقييد الخبر الأول والصحيحين بما سمعت لو أريد من الصلاة فيها ما يشمل السجود، على أنها قد اشتملت


(1) المتقدم في الصحيفة 255 في التعليقة (1) (2) الوسائل الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 3 والباب 30 الحديث 2 (3) الوسائل الباب 30 من ابواب النجاسات الحديث 1 (4) الوسائل الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 266 ]

على البواري، ودعوى الشيخ في الأرض، كوجوب تنزيل الثالث على إرادة ما عدا السجود من الصلاة فيه حتى من الخصم إن لم يقيد الجفاف فيه بالريح، والرابع على التقية أو الريح التي لا تنافي نسبة الجفاف إلى الشمس، لأن التحقيق عدم منافاة مثلها حينئذ للطهارة بها، كما صرح به غير واحد على حسب غيرها من الضمائم من النار ونحوها، لتناول الأدلة، وعدم الانفكاك من مثل الريح غالبا. انما الممنوع حصول نسبة الجفاف إلى غيرها منفردا أو مجتمعا معها بشرط الاجتماع أما لو كان مبدأ التجفيف إلى شئ وغايته إلى آخر فالمدار على الغاية، كما صرح به الأستاذ في كشفه، لكن مع فرض بقاء رطوبة يصدق معها الجفاف. وهل المدار في حصول الطهارة بالشمس اليبس أو الجفاف الذي لا تعلق معه رطوبة في الملاقي ؟ وجهان، ينشآن من ملاحظة الأخبار، إلا أن الاستصحاب يشهد للأول. وعليه فهل يكفي في حصول الطهارة بها عدم الجفاف قبلها وإن لم يكن فيه رطوبة تعلق بملاقيه، أو لابد من رطوبته رطوبة تعلق في الملاقي فتيبسه الشمس ؟ وجهان أيضا، لكن يشهد الاستصحاب لثانيهما، فتأمل. ومنها النار التي أشار المصنف إليها بقوله: * (وتطهر النار ما أحالته) * رمادا أو دخانا من الأعيان النجسة ذاتا على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في جامع المقاصد وظاهر التذكرة وعن السرائر فيهما، وفى الخلاف واللوامع وعن ظاهر المبسوط في الأول، وفى ظاهر المنتهى والتذكرة في الثاني، بل في أولهما وكشف اللثام وظاهر الذكرى ان الناس مجمعون على عدم التوقي عن رماد الأعيان النجسة، بل في الثاني وعن دخانها وأبخرتها، كصريح المعتبر والذكرى في الدخان، وهو الحجة بعد الأصل العقلي والشرعي السالم عن معارضة غير الاستصحاب الواضح عدم جريانه في المقام بتغير اسم الموضوع وحقيقته المعلق عليهما حكم النجاسة.

[ 267 ]

والمعتضد بما وقع من غير واحد من الأصحاب من الاستدلال عليه بصحيح ابن محبوب (1) " سأل أبا الحسن (ع) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ويجصص به المسجد، أيسجد عليه ؟ فكتب إليه بخطه أن الماء والنار قد طهراه ". بل وبما عن قرب الاسناد عن علي بن جعفر (2) عن أخيه (ع) قال: " سألته عن الجص يطبخ بالعذرة أيصلح به المسجد ؟ قال: لا بأس " وإن كان هو مبنيا على إرادة السؤال عن رماد العذرة مثلا المختلط مع الجص، لأنه يوقد بهما عليه الذي لو بقي على النجاسة نجس الجص بعد وضع الماء عليه للبناء به، وعلى إرادة الطهارة حقيقة بالنار التي أحالته رمادا في جواب الأول وإن ضم معها فيه الماء المعلوم عدم مدخليته في التطهير بالاجماع المحكي في المعتبر والمنتهى المحمول من جهتهما على إرادة الطهارة المجازية منه، فيكون كنحو ما سبق من رش الثوب والمكان ونحوهما المحتمل نجاستهما استحبابا أو رفعا للنفرة أو غير ذلك، ولا بأس بارادة الحقيقي والمجازي بعد قيام القرينة في وجه، على أنه يمكن جعله من عموم المجاز الذي لا إشكال فيه معها. بل في المدارك والذخيرة وغيرهما إمكان إرادة المجازي خاصة الذي لا ينافي استفادة الحقيقي مما علم جوازه من تجصيص المسجدبة والسجود عليه من الجواب ضمنا لامنه. بل في الثاني احتمال إرادة ماء المطر من الماء، إذ ليس في الرواية كون المسجد مسقفا، فيراد المعنى الحقيقي حينئذ فيهما، وإن كان قد يشكل بأنه لا وجه له بعد فرض تطهير النار تلك الأجزاء بل وبدونه، ضرورة عدم قابلية ماء المطر لتطهير الأجزاء النجسة عينا. نعم لو أريد تطهير الجص بماء المطر من نجاسته بايقاد العذرة وعظام الموتى عليه


(1) الوسائل الباب 81 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 65 من ابواب أحكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة

[ 268 ]

بسبب ما فيهما من الدسومة ونحوها ونفس تلك الأجزاء النجسة باحالة النار لها رمادا كان ممكنا، إذ عليه لا مانع من إرادة الطهارة الحقيقية من كل منهما. بل يمكن حينئذ بناء على ذلك فرض الماء القليل أيضا إن قلنا بقابليته لتطهير مثله مما ينفذ فيه ماء الغسالة ولا ينفصل عنه كما تقدم سابقا، بل قد عرفت الاعتراف من بعضهم بدلالة خصوص هذا الخبر على ذلك. كما أنه يمكن أن يراد بتطهير الماء والنار له على أن النار المقدمة لحصولها بالماء بسبب تجفيفها له تجفيفا ينفذ فيه الماء، إلا أنه يخرج عن الدلالة على المطلوب حينئذ. بل في المعتبر والمنتهى الاشكال في أصل دلالته عليه بعدم مدخلية الماء الذي يمازجه ويحيل به في التطهير إجماعا، وبعدم نجاسة الجص بالدخان ونحوه حتى يحتاج إلى التطهير، وبأنه لم تصيره النار رمادا حتى يطهر بها بعد فرض نجاسته. لكنه كما ترى مبني على إرجاع الضمير إلى الجص نفسه لا باعتبار ما خالطه من الأجزاء كما هو مبنى الاستدلال منا على ما عرفت البحث فيه مفصلا، بل قد عرفت أنا في غنية عن هذا الخبر مما سمعت من الأصل والاجماع وغيرهما. فما عن أطعمة الكتاب من التردد في الدخان أو هو والرماد ضعيف جدا، على أن الموجود فيه هنا " ودخان الأعيان النجسة طاهر عندنا، وكذا كل ما أحالته النار فصيرته رمادا أو دخانا أو فحما على تردد " وهو محتمل أو طاهر في الفحم خصوصا بعد ظهور الاجماع منه أولا على طهارة الدخان، وإن كان قد يحتمل إرادته به البخار، فلا خلاف فيه حينئذ فيما ذكرنا. كما انه لا خلاف فيه أيضا من المبسوط وان حكي عنه التصريح بنجاسة خصوص دخان الدهن النجس لكن علله بأنه لابد من تصاعد بعض أجزائه قبل إحالة النار لها بواسطة السخونة، وهو واضح الخروج عن محل البحث.

[ 269 ]

كالمحكي عن نهاية الفاضل بعد حكمه بطهارة الدخان مطلقا للاستحالة كالرماد، وانه لو استصحب شيئا من أجزاء النجاسة باعتبار الحرارة المقتضية للصعود فهو نجس، ولهذا نهي عن الاستصباح بالدهن النجس تحت الظلال، لعدم انفكاك ما يستحيل عن استصحاب أجزاء دهنية أكتسبت حرارة أوجبت ملاقاته الظل وإن كان هو محلا للنظر من وجوه أخر. كتعليله النهي عن الاستصباح تحت الظلال بذلك، إذ لا حرج على المالك بتنجيس ملكه، وكدعواه عدم انفكاك ما يستحيل عن استصحابها، إذ لمانع يمنعها عليه، بل قد يدعى العفو عن مثل هذه الأجزاء، للسيرة المحكية ممن عرفت إن لم تكن محصلة التي هي أقوى من الاجماع في بعض الأحوال على عدم توقي الناس دخان الأعيان النجسة، خصوصا بعد اعتضادها بصريح الاجماع وظاهره. وكالذي عساه يظهر منه من تنجس الدخان باستصحاب تلك الأجزاء وملاقاته لها، فانه وإن كان قد يؤيده قاعدة قبول الأجسام النجاسة، لكن قد يمنع بشهادة السيرة وحكمهم بطهارة الأبخرة التي تمر على الأعيان النجسة الذي لا ينافيه ما في المنتهى من أن البخار المتصاعد من ماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل وتقاطر حكم بنجاسته، إلا أن يعلم تكونه من الهواء كالقطرات الموجودة على طرف إناء في أسفله جمد نجس، فانها طاهرة، إذ لعل مراده بل هو الظاهر الأجزاء المائية التي تتصاعد مع البخار وتجتمع، ولذا حكم بالطهارة مع العلم بتكونها من الهواء، بل هو ظاهر في عدم نجاسة ذلك البخار عنده. نعم قد يناقش في تعليقه الطهارة على العلم، إذ المتجه العكس، بل قد يناقش في أصل النجاسة هذه الأجزاء بما تقدم آنفا. كما انه قد يستفاد منه ان المستحيل إلى شئ لو رجع إلى المستحال منه لا يرجع حكم النجاسة، وهو كذلك للأصل، لكنه انما يتم في المتنجس دون عين النجاسة.

[ 270 ]

وفى طهارته باحالة النار له كالنجاسة وعدمها وجهان أو قولان، ينشآن من ظهور أولويته من عين النجاسة، بل وأولوية النار من الماء لأبلغيتها منه في الازالة، وإطلاق معقد صريح إجماع جامع المقاصد وظاهر التذكرة، بل في مفتاح الكرامة عن الأستاذ أيده الله لعله الظاهر من إطلاق الفقهاء، بل يستفاد منهم الاجماع عليه. قلت: وهو كذلك وإن كان قد اقتصر بعضهم هنا على ذكر النجاسة، بل حكي عن الأكثر، لكن ملاحظة كلامهم في البحث عن طهارة الطين بالخزفية والآجرية ونحوهما تشرف الفقيه على القطع بعدم فرقهم بين النجس والمتنجس، ضرورة ظهور بحثهم في ذلك من حيث كون ذلك استحالة وعدمه، وإلا فلو فرض استحالة ذلك إلى الرماد ونحوه مما يقطع باستحالته كان من المتسالم على طهارته حينئذ، كملاحظة إطلاقهم أو أكثرهم طهارة الكلب ونحوه بالملحية مثلا الشامل لما لو تنجس الماء به ثم صار هو معه ملحا، بل في اللوامع الاستناد إلى حكمهم بطهارة الخمر والعذرة إذا صارا خلا وترابا مع نجاسة الاناء بالأول والأرض بالثاني إذا كانت رطبة، وإن كان هو كما ترى ليس مما نحن فيه من طهارة المتنجس بالاستحالة لا التبعية، كاستناده إلى استحالة ما لاقى المتنجس من عين النجاسة، إذ البحث في الطهارة من النجاسة الحكمية الحاصلة للمتنجس شرعا بملاقاة عين النجاسة كما هو واضح. ومن أن الحكم بالطهارة مع الاستحالة لانتفاء الموضوع المعلق عليه شرعا وصف النجاسة كالكلبية ونحوها، وذلك ليس إلا في النجس ذاتا دون المتنجس، لظهور عدم تعليق الحكم بنجاسته بملاقاته للنجس على كونه خشبا ونحوه، بل هو لأنه جسم لاقى نجسا ؟ ؟ الاستحالة لا ترفع ذلك، فيبقى الاستصحاب حينئذ محكما وسالما. ولا ريب أن الأقوى الأول إن قلنا بأن النار من المطهرات التعبدية، كما يؤمي إليه ذكرهم لها مستقلة للاجماع وغيره مما تقدم مما يمكن شموله للنجس والمتنجس حتى خبر

[ 271 ]

الجص على أحد الوجوه، بل وإن قلنا بكون ذلك للاستحالة، لظهور عدم جريان الاستصحاب فيه، بل لعله من المنكرات في العادات. ومنه ينقدح الشك في شمول أدلته لمثله، بل قد يدعي ظهورها في غيره، فيبقى أصل الطهارة المؤيد في بعض الأحوال بعموم ما دل على طهارة المحال إليه كالملح ونحوه، وبما سمعته في بيان منشأ الشك سالما عن المعارضة، وسيأتي نوع تحقيق لذلك. نعم يتجه البحث في المتنجس الذي تصيره النار فحما أو خزفا أو آجرا أو جصا أو نورة، للشك في الاستحالة، لا لأنها متنجسة، ففي المفاتيح وجامع المقاصد واللوامع وظاهر المعالم والحدائق والرياض كما عن ظاهر حاشية الشرائع والدلائل ظهارة الأول، بل في اللوامع نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل قد يظهر من الأول عدم الخلاف فيه، لكن ظاهره النجس لا المتنجس وان كانا من واد واحد عند التحقيق، ضرورة أنه إن كان ذلك استحالة لتغير الاسم والحقيقة بل هو رماد في الحقيقة فالمتجه فيهما الطهارة، وإلا فلا، فما في المعالم من التوقف في النجس وعدم استبعاد الطهارة في المتنجس لا يخلو من نظر أو منع. وفى ظاهر المسالك أو صريحها وظاهر شرح الصغير لسيد الرياض النجاسة، بل لعلها لازم تيمم التذكرة والذكرى وجامع المقاصد وغيرها، حيث جوزوا التيمم بالخزف لعدم خروجه عن الأرض، كما يؤمي إليه جواز السجود عليه على ما قيل، بل ظاهر تيمم المعتبر أنه من المسلمات، بل تقدم لنا في ذلك الباب ما له نفع تام، وفيه شهادة على النجاسة. وظاهر الروض كصريح الكفاية والبحار التوقف. وفي الخلاف واللوامع وظاهر شرح الأستاذ للمفاتيح والرياض أو صريحهما وعن المبسوط والنزهة والمعالم وموضع من المنتهى وظاهر التذكرة طهارة الثانيين، بل

[ 272 ]

وكذا القواعد، لكن على إشكال والبيان في وجه قوي، بل في الخلاف الاجماع عليه. وفى الروضة وعن الروض والمسالك النجاسة، وصريح بعضهم كظاهر آخر التردد والتوقف، وهو في محله بل قد يقوى في النظر النجاسة للشك إن لم يكن ظنا أو قطعا في كون ذلك استحالة، وتغير الاسم بعد تسليمه أعم منها، فيبقى استصحاب النجاسة كاستصحاب عدم الاستحالة سالما. وإجماع الشيخ بعد عدم رفعه ما نجده من الشك في الاستحالة، بل وعدم صلاحيته لذلك، إذ هي من الموضوعات التي لا مدخلية له فيها حتى لو أفاد الظن، لعدم ثبوت حجية مثله هنا كغيره من الظنون بمصداق الموضوع لا معناه، بل المعتبر القطع بالاستحالة، أو ما هو بمنزلته لا عبرة به. والقول بالحكم بالطهارة له وإن لم تثبت الاستحالة بل وإن ثبت عدمها مؤيدا باطلاق ما دل على تطهير النار كخبر الجص (1) بل وخبر الخبز (2) وكونها أولى من الشمس، وذكرهم لها مستقلة عن الاستحالة، ونحو ذلك ضعيف جدا، لوضوح قصوره من الفرض المذكور عن إثبات ذلك، بل يمكن تحصيل الاجماع على عدم الاكتفاء في تطهير النار بالتجفيف واليبوسة، كوضوح ضعف الاستدلال على أصل طهارتهما بفحوى خبري الخبز والجص، لابتنائه على العمل بهما، وعلى مساواتهما للثاني، بل وعلى إرادة تطهير النار نفسها للجص نفسه مما أصابه من دسومات العذرة وعظام الموتى المفروض كونها من نجس العين، أو مستصحبة لبعض الجلد واللحوم من هذا الخبر، ودون ظهوره فيه فضلا عن صراحته خرط القتاد كما يعرف مما سبق.


(1) الوسائل الباب 81 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 14 من ابواب الماء المطلق الحديث 18

[ 273 ]

وأضعف منه الاستدلال بما في الرياض عليه وعلى غيره مما شك باستحالته باستصحاب الطهارة في الملاقي، وقاعدتها المستفادة من نحو قوله (ع) (1): " كل شئ طاهر حتى تعلم " إذ هما معا يحكم عليهما استصحاب النجاسة في المشكوك باستحالته كما مر نظيره غير مرة، بل أولهما بعد تسليمه لا يقتضي طهارة الملاقي بالفتح حتى يعارضه، إذ أقصاه طهارة الملاقي بالكسر، وهي أعم من الحكم بذلك، وأما الأخيران فقد يعطي ذهاب الأكثر في باب التيمم إلى عدم جوازه بثانيهما، وجماعة بأولهما إلى الطهارة هنا، لاشتراكهما في المنشأ، وهو استحالة، كما انه قد يشهد لها خبر الجص وظهور تغير الاسم والحقيقة، سيما الثاني، لكني لم أجد أحدا صرح باختيارها في المقام. نعم هو ظاهر الرياض أو صريحه وكشف اللثام في الثاني، إلا أن القول بطهارتهما لعله لازم لمن قال بها في الخزف والآجر، بل وكل من يتوقف في إجراء الاستصحاب في مثل المقام مما شك فيه كالمعالم والذخيرة، كما أن القول بالنجاسة قد يلزم القائل بجواز التيمم بهما، إذ منشأه عدم تحقق الاستحالة أو تحقق عدمها المشترك في المقامين. ولعلك بملاحظة ما تقدم لنا في ذلك المقام تكون على بصيرة فيما نحن فيه من القول بالنجاسة، خصوصا بعد تأييده باستصحاب الأحكام عند الشك في بقاء الموضوع، بل واستصحاب الموضوع نفسه بناء عليه وان كانا معا لا يخلوان من بحث، والاحتياط في مثل المقام لا ينبغي تركه، والله أعلم. لكن على كل حال فالبحث هنا انما هو للشك في كون ذلك استحالة وعدمه، وإلا فلو علم الثاني أو الأول لم يكن له وجه، لظهور الاتفاق على توقف تطهير النار عليها، ومن هنا كان المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا على عدم طهر العجين ذاتا أو عرضا بالخبز شهرة كادت تكون إجماعا كما اعترف به بعضهم، بل هي كذلك، إذ لم نعرف


(1) المستدرك الباب 29 من ابواب النجاسات الحديث 4

[ 274 ]

فيه خلافا إلا من الشيخ في نهايته، فلم ير بأسا بأكل الخبز المعجون بماء نجس معللا له بأن النار قد طهرته، وعن استبصاره وظاهر الفقيه والمقنع، مع أن النهاية ليست من كتبه التي أعدها للفتوى، بل هي متون أخبار كمالا يخفي على الخبير الممارس، كما ان الاستبصار من الكتب المعدة لمجرد الجمع بين الأخبار، على انه قد احتمل فيه اختصاص ذلك بالمعجون بماء البئر المتنجس لا بالتغير، بل لعله مراد الأخيرين أيضا، إذ لم يكن فيهما إلا جواز أكل الخبز مما عجن من ماء بئر وقع فيه شئ من الدواب فماتت، بل في أولهما التصريح بأنه إذا قطر خمر أو نبيذ في عجين فقد فسد، فلا بأس ببيعه من اليهود والنصارى بعد أن يبين لهم، ونحن لا ننكره وإن كان لعدم نجاسة البئر عندنا بغير التغير، بل وعلى القول بها فيه، لاختصاصها بأحكام كثيرة انفردت بها عن غيرها، فلعل هذا منها عندهما، فلا يقدحان في ذلك الاجماع، كما لا يقدح فيه ما سمعته من النهاية بعدما عرفت، وبعد رجوعه عن ذلك في المحكي من مبسوطه وتهذيبه، بل فيها نفسها في باب الأطعمة، بل ظاهره فيه أن ما ذكره هنا رواية لا فتوى، قال: " وإذا نجس الماء بحصول شئ من النجاسات فيه ثم عجن به وخبز منه لم يجز أكل ذلك الخبز، وقد رويت رخصة في جواز أكله، وذكر أن النار قد طهرته، والأحوط ما قدمناه " وإن كان في قوله: " أحوط " إشعار باختيار الجواز. ومع ذلك كله فالمتبع الدليل، وهو على النجاسة قطعا للاستصحاب فيما لم تبق النار شيئا من أجزاء الرطوبة فضلا عما بقي فيه كما هو الغالب، وما في المعالم من عدم جريانه فيه لكنه لو قيل بطهارته دون ما بقي فيه استلزم إحداث قول ثالث جزاف من القول، وإلا لطهر الثوب ونحوه لو جفف بالنار. وصحيح ابن أبي عمير (1) عن بعض أصحابه بل قال: ما أحسبه إلا حفص


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الأسآر الحديث 1

[ 275 ]

ابن البختري عن الصادق (ع) " في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع ؟ قال يباع ممن يستحل أكل الميتة " كصحيحه الآخر (1) عن بعض أصحابه، لكن قال: " يدفن ولا يباع ". وخبر زكريا بن آدم (2) " قلت لأبي الحسن (ع): فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم، قال فقال: فسد، قلت: أبيعه من اليهود والنصارى وأبين لهم، قال: نعم، فانهم يستحلون شربه ". والمناقشة في السند بالارسال ونحوه بعد الانجبار بما عرفت من الشهرة العظيمة بل في شرح الأستاذ ووفاق الكل غير مسموعة، خصوصا وابن أبي عمير مراسيله كالمسانيد، بل هو على ما قيل ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وانه لا يروي إلا عن ثقة، مع أن المظنون عنده انه حفص بن البختري الثقة، بل في شرح المفاتيح لو كان التعديل من الظنون الاجتهادية لكان هذا الحديث صحيحا، بل فيه أيضا أن المدار في التصحيح غالبا على الظنون. كالمناقشة في المتن بعدم دلالته على ما نحن فيه، لأعمية البيع والدفن والفساد من الطهارة بالخبز، بل هو أوضح فسادا من الأولى خصوصا إن قلنا بارادة بيعه مخبوزا عليه لا عجينا كما هو المتعارف، على أن ترك ذكر علاجه بذلك والأمر بدفنه وبيعه ممن يخبزه معللا بأنه ممن يستحله كالصريح في المطلوب، كما هو واضح، بل قد يشعر ذلك بعدم قابليته للتطهير أصلا حتى بالماء ولو كثيرا كما اعترف به في الذكرى، بل عن ظاهر منتهى الفاضل اختياره، وان كان الأقوى ذلك عندنا إذا دقق ووضع في كثير بحيث ينفذ الماء في جميع أجزائه وفاقا للتذكرة وغيرها، أو جفف ووضع فيه مدة


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الأسآر الحديث 2 (2) الوسائل الباب 38 من أبواب النجاسات الحديث 8

[ 276 ]

حتى نفذ كذلك وفاقا لشرح المفاتيح للأستاذ، بل تقدم منا سابقا في طهارة اللحم ونحوه مما يرسب فيه الغسالة ما يقتضي طهارته بالقليل في بعض الأحوال، فلاحظ، ولعل ترك ذكر ذلك في الخبرين للمشقة أو لعدم معهودية مثله في التطهير أو لغيرهما، فتأمل. ومعارضة ذلك كله بصحيح ابن أبي عمير (1) عمن رواه عن الصادق (عليه السلام) " في عجين عجن وخبز ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة، قال: لا بأس أكلت النار ما فيه ". وخبر عبد الله بن الزبير (2) " سألت الصادق (ع) عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز ؟ قال: إذا أصابته النار فلا بأس " بعد إرسال أولهما، وإن كان المرسل ابن أبي عمير، وضعف ثانيهما، وعدم ظهور الميتة في ذي النفس، والماء في القلة، وأكل النار ما فيه في الطهارة، لاحتماله إزالة النفرة كما يكشف عنه الخبر الثاني، بناء على الصحيح من عدم نجاسة البئر بغير التغير مما لا ينبغي أن يصغي إليها، خصوصا بعد ما عرفت من الشهرة العظيمة أو الاجماع، فلا ينبغي الاشكال أو التوقف في ذلك، فما في الذخيرة من الميل إليه مما ينبغي أن يقضي منه العجب. نعم قد يتوقف فيما دل عليه الخبر الأول والثالث من جواز بيعه، بل في المنتهى أن الأقرب عدمه، للأمر بالدفن في خبر ابن أبي عمير السابق، وعدم قابلية التطهير، ولأنهم مكلفون بالفروع فيحرم حينئذ بيعه عليهم، لئلا يكون إعانة على الاثم بأكله، ولظهور هذه الأخبار في عدم جوازه على المسلم مع ظهور شركة الكافر له في سائر أحكامه إلا ما خرج بالدليل، على أن الذمي معصوم المال، فلا يجوز أخذ ماله ببيع فاسد بخلاف غيره، ولعله لذا احتمل في المنتهى جواز بيعه على غير أهل الذمة مصرحا


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من ابواب الماء المطلق الحديث 18 - 17

[ 277 ]

بارادة الاستنقاذ منه لا البيع الحقيقي. مع أن الأقوى في النظر جوازه مطلقا مسلما أو كافرا أخبر بنجاسته أولا لولا ما في الحدائق من ظهور الاجماع على عدم جوازه على المسلم مع عدم الاخبار، مع انه قد يمنع عليه ذلك، خصوصا إن أراد اشتراط الصحة به، لاصالة البراءة واستصحاب حاله قبل النجاسة، وإطلاق أدلة البيع، وعدم خروجه بالنجاسة عن المالية، لأنه قابل للتطهير بما عرفت، ولجواز الانتفاع به في غير الأكل من إطعام الدواب ونحوه، وللأخبار السابقة.، وحسن الحلبي أو صحيحه (1) عن الصادق (ع) " أنه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة، ثم أن الذكي والميتة قد اختلطا كيف يصنع ؟ قال: يبيعه ممن يستحل الميتة ". والأمر بالدفن في خبر ابن أبي عمير مع معارضته بما عرفت لعله إذا لم يرد بيعه أو تطهيره أو الانتفاع به، بل ينبغي القطع بذلك حتى من الخصم، إذ هو وإن منع البيع لكنه لم يمنع الانتفاع باطعام الحيوان ونحوه. كما انك قد عرفت ما في دعوى عدم قابليته للتطهير، على انه لو سلم أمكن منع عدم جواز البيع لذلك بعد الانتفاع به بوجه محلل، كالاطعام لحيوان ونحوه، كما يؤمي إليه ما في جامع المقاصد وكشف اللثام. والاعانة على الاثم مع إمكان منعها لعدم العلم بأكلهم له بل ولو علم، لاستناده إلى اختياره، وعدم كونه إثما في دينهم الذي أمرنا شرعا بمجاراتهم عليه يجب الخروج عن إطلاق دليلها بما عرفت، فهي كبيع التمر لمن يعلم أنه يعمله خمرا.


(1) الوسائل الباب 36 من ابواب الأطعمة المحرمة الحديث 2

[ 278 ]

وظهور تلك الأخبار في عدم جوازه على المسلم لعله بعد الاخبار (1) بنجاسته، بناء على عدم جوازه في هذا الحال كما صرح به بعضهم، بل قد عرفت نسبته في الحدائق إلى الأصحاب. ودعوى شركة الكافر له في ذلك ممنوعة بعد مجئ الدليل، أو لعله لعدم رغبة المسلم فيه غالبا لصعوبة تطهيره وقلة الانتفاع بدونه، فيكون حينئذ للارشاد. ومن ذلك كله ظهر لك ما في الأخير، كما ظهر لك انه لا ينبغي الاشكال في المسألة بل وظهر مما تقدم سابقا في أدلة مطهرية الناران الاستحالة التي هي عند الفقهاء كما في حواشي الشهيد على القواعد عبارة عن تغيير الأجزاء وانقلابها من حال إلى حال أيضا من المطهرات، كما عدها غير واحد من الأصحاب منها بل تطهر النار في الحقيقة بعض أفرادها، فكان اللائق إدراجها فيها، لا إفرادها بالذكر، بل هي غير محتاجة إلى التعريف بعد ظهور معناها العرفي الذى هو المدار دون التدقيق الحكمي المبني على انقلاب الطبائع بعضها إلى بعض وعدمه، مع ان التحقيق فيه ذلك، لكن لعله لاختصاصها ببعض الأدلة عنها كما يؤمي إليه اتفاقهم على طهارته ما أحالته كما عرفت دون مطلق الاستحالة كما ستعرف. والأمر سهل بعد عدم الفرق بين سائر أفراد المحيل والمستحيل من النار وغيرها كما هو التحقيق عندنا للأصل وإطلاق أدلة المحال إليه لو كانت المؤيدين باستقراء ما علم طهارته من ذلك بالاجماع بقسميه، والسيرة بل الضرورة في البعض، والنصوص كرماد الأعيان النجسة ودخانها بل وبخارها، والخمر المنقلب بنفسه خلا، وكذا العصير، والنطفة والعلقة المتكونين حيوانا، بل والعذرة ونحوها دودا، وإن أوهمت عبارات


(1) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصحيح " عند عدم الاخبار " بقرينة ما حكى قدس سره عن الحدائق آنفا

[ 279 ]

بعض الناس الخلاف فيه، والدم المستحيل قيحا أو جزء لما لا نفس له، والماء النجس بولا لحيوان مأكول اللحم، بل أو عرقا أو لعابا أو جزءا من الخضراوات والحبوب والأشجار والثمار، والغذاء النجس لبنا أو روثا لمأكول اللحم أو جزءا له أو لطاهر العين، وغير ذلك، بل وباستقراء سائر الأحكام الشرعية غير الطهارة المعلقة على موضوعات فاستحالت أو استحيل إليها، عبادة كان ذلك الحكم أو معاملة، بل وبالمعروف في ألسنة الفقهاء في سائر الأبواب من قاعدة انتفاء الحكم بانتفاء الاسم المقطوع باندراج ما نحن فيه فيها. بل قد يدعى ظهورها في الأعم من تغير الحقيقة ومن تغير الصورة التي يذهب بذهابها مسمى الاسم دون حقيقته، وان استبعده بل منعه بعض علمائنا، ضرورة تخلفه في كثير من الموارد، واقتضائه بطلان الاستصحاب المعلوم عدم اشتراط حجيته ببقاء اسم المستصحب، لاطلاق أدلته. لكن قد يمنع ذلك عليه، ويدعى ظهور تعلق الأحكام بمسميات الأسماء دون حقائها، لأنه معنى اللفظ دونها، فالأصل حينئذ يقتضي انتفاء الحكم بانتفائه، إلا أن يعلم تعليقه على طبعة مسمى الاسم دون حقيقته (1) التي يقارنها التسمية بذلك الاسم الخاص في بعض الأحوال، فيدور حينئذ مدارها، كما في النجاسات وأشباهها مما علم دوران الحكم فيه على الحقيقة والطبيعة دون الاسم، فتخلفه لذلك، كما ان اقتضاءه بطلان الاستصحاب في مثل الفرض ليس من المنكرات. ودعوى ظهور أدلته في شمول مثل ذلك ممنوعة، بل لعل ما شاع في لسانهم من عدم جريان الاستصحاب مع تغير الموضوع شاهد له، وتنزيله على تغير الحقائق واستحالتها يمكن منعه، وقد تقدم لنا بعض الكلام في ذلك في بحث العصير من النجاسات، فلاحظ.


(1) هكذا في النسخة الأصلية وفى بعض النسخ " مسمى الاسم وحقيقته "

[ 280 ]

وعلى كل حال فلا ريب في اندراج محل البحث في القاعدة المذكورة، فما في المعتبر من عدم طهارة الأعيان النجسة بالاستحالة وعدم طهارة الخنزير إذا صار ملحا كالمنتهى وعن التحرير ونهاية الأحكام بل والقواعد، وإن قال فيه: وفي استحالة العذرة ترابا نظر، بل في المنتهى نسبته إلى أكثر أهل العلم مع زيادة النص في معقد ذلك على عدم طهارة العذرة الواقعة في البئر المستحيلة حمأة، كما أن ذكر الخلاف فيه من أبي حنيفة خاصة في المعتبر يشعر بعدمه بيننا ضعيف جدا لا أعرف لهما موافقا عليه سوى ما عساه يظهر من الأردبيلي من الميل، وسوى ما عن موضع من المبسوط من النص على عدم طهارة تراب العذرة، مع ان ما حكي عنه في موضع آخر انه لا بأس بالتيمم بتراب القبر منبوشا أو غيره يعطي الطهارة. بل يمكن تنزيل كلامه على صيرورة العذرة كالتراب في تفرقة الأجزاء، لا أنها استحالت، فيرتفع التنافي، بل قد يقال بتعيينه، لعدم خلاف في الطهارة في الصورة المفروضة حتى من الفاضلين، إذ قد صرحا في المعتبر والمنتهى بطهارة التراب المستحيل من الأعيان النجسة، وإن تردد فيه أولا أولهما، كما انه نظر فيه في القواعد ثانيهما. وإن كان ينبغي أن يقضى العجب من فرقهما بين المسألتين، بل والمسائل السابقة التي قد عرفت الاتفاق عليها، خصوصا مع تعليل المنتهى للطهارة هنا بأن الحكم معلق على الاسم، فيزول بزواله، وفيه وفي المعتبر بما دل على طهورية التراب، وللنجاسة هناك فيهما (1) أي في المستحيل ملحا بأنها قائمة بالأجزاء فلا تزول بتغير أوصاف محلها، بل ينبغي تضاعف العجب من هذا التعليل الذي لا شاهد عليه، بل الشاهد على خلافه كما عرفت.


(1) أي في المعتبر والمنتهى

[ 281 ]

وما في حواشي الشهيد على القواعد من أن الاستحالة عند الأصوليين عبارة عن تغيير النوعية (1) وهي بعد لم تتغير أي في المفروض من الملح والتراب، فلا يطهر مع إجماله وإن كان الظاهر إرادته الصورة الجسمية، وإمكان منعه حتى في مصطلح الأصوليين أيضا غير مجد، إذ البحث في كون المدار في الطهارة ذلك، أو المعنى السابق الذي حكاه عن الفقهاء، ويشهد له الأدلة السابقة. كما انه لا يجدي ما عن فخر المحققين من تخريجه تارة على كون النجاسة ذاتية، وأخرى على أن الباقي مستغني عن المؤثر، خصوصا الأول، إذ المراد بذاتية النجاسة حكم الشارع على العين بذلك من غير اعتبار طرو شئ، ومن الواضح عدم مدخليته في بقاء النجاسة في المفروض، وإرادة معنى آخر من الذاتية بحيث يكون له مدخلية فيه أول البحث، بل والثاني، إذ هو مع عدم جريانه في نحو العلل الشرعية التي هي معرفات انما يتجه بعد القطع بالبقاء، والاشكال في مؤثرة لا مع الاشكال في أصل البقاء كما هو محل البحث، على أن مقتضاه توقف الحكم بالطهارة على القول باحتياج الباقي في بقائه إلى مؤثر، وهو غير واضح. كما في جامع المقاصد، قال: " لأن احتياجه في الابقاء لا يقتضي زواله باختلاف الزمان ولا بتغير محله، وإلا لكان الحكم الشرعي الثابت بدليل في كل آن يتجدد زائلا، أو بكل تغير يعرض لمحله، وهو معلوم الفساد، وقد تقرر في الأصول أن استصحاب الحال حجة، فان قيل لما كان المقتضي للنجاسة هو تعليق الشارع إياها على الاسم والصورة وجب أن يعتبر بقاؤهما في بقائه، قلنا ليس المقتضي للنجاسة هنا ذلك، بل المقتضي لها نص الشارع على نجاسة جسم العين، ولا يعتبر لبقاء الحكم إلا بقاء ذلك الجسم، ولا دخل لاحتياج الباقي واستغنائه في بقاء الحكم وزواله مع بقاء ذلك الجسم،


(1) أي الصورة النوعية

[ 282 ]

فان ذلك محل الاستصحاب " انتهى. لكنه هو غير واضح أيضا كتخريج الفخر، فالأولى في رده ما سمعته أولا. والمناقشة فيه بأنه لا وجه للاشكال في أصل البقاء بعد إمكان إثباته بالاستصحاب أوهى (1) من بيت العنكبوت، ضرورة عدم تناول ما هو العمدة في دليل الاستصحاب من أخبار عدم نقض اليقين والسيرة لمثل ذلك، بل قد يعد إجراؤه في بعض تغيرات الموضوع واستحالته من المنكرات المساوية لانكار الضروريات. وإن أطال في بيان ذلك الأستاذ في شرح المفاتيح، لكنه ذكر أمثلة لا يعقل فيها بقاء الحكم، كصيرورة الماء المطلق المأمور بالوضوء به مثلا هواء أو بخارا أو نحوهما، ومن المعلوم ان محل البحث الانتقال إلى موضوع قابل لتعلق الحكم الأول به كملحية الكلب ونحوه، بل قد عرفت في بعض الوجوه ان الخصم يوافق على عدم جريان الاستصحاب مع تغير موضوع الحكم واستحالته، إلا انه يدعي موضوعية حكم النجاسة الجسم الذي لم يتغير وإن تغيرت الكلبية، وإن كان العرف شاهد صدق على خلافه، وإلا فالموضوع الواحد للحكم لا ريب في اختلافه من حيثيتين. ألا ترى أن الماء المطلق المأمور بالوضوء منه ينعدم حكم الوضوء منه بصيرورته مضافا، ولا معنى للاستصحاب فيه بعد انعدام الموضوع الذي هو المائية، ولا يطهر مع فرض نجاسته بذلك، لأن موضوع حكم النجاسة فيه كونه جسما رطبا لاقى نجاسة، وهو باق في حال الاضافة. لكن قد يناقش في خصوص المثال بأنه لا يتم بناء على ما سبق من تطهير الاستحالة أعيان النجاسات والمتنجسات، ضرورة اقتضاء ذلك طهارة الماء في الفرض. فالمتجه إما القول بدوران طهارة المتنجسات بالاستحالة على استحالتها لموضوعات


(1) هكذا في النسخة الأصلية وفي بعض النسخ " أو هن "

[ 283 ]

ينكر فيها جريان الاستصحاب بحيث يقطع بعدم شمول أدلته لمثلها أو يظن بل أو يشك كصيرورته حيوانا ونحوه، دون غيرها مما يظن أو يقطع بشمولها كما في الفرض، فيكون المدار عرض ذلك كله على أدلة الاستصحاب كما أشرنا إلى ذلك في مطهرية النار، وإما التزام الطهارة في كل ما يستحيل إليه المتنجس بعد تحقق الاستحالة حتى في الفرض لكن مع صيرورته مضافا بنفسه لا بامتزاج شئ منه به، وإلا لم يطهر، لأنه وان استحال ذلك الماء لكن ما امتزج به من الماء المضاف المتنجس بملاقاته لا استحالة بالنسبة إليه، فيبقى على النجاسة، فينجس الماء المستحيل إليه. ومن هنا قيد بعضهم ما نحن فيه من طهارة التراب المستحيل من العذرة مثلا بما إذا كانت يابسة لا رطبة، لتنجس التراب برطوبتها ولا استحالة بالنسبة إليه. وإن كان قد يستغنى عن هذا التقييد بأن المراد طهارة خصوص التراب المستحيل من العذرة لا غيره، أقصاه حينئذ انه يمتزج الطاهر والنجس، وهو خارج عما نحن فيه، كتقييد طهارة الملح المستحيل من الكلب بما لم يصادف وقوع الكلب في المملحة ملحا رطبا ينجس بملاقاته، بل وكذا تقييد الطهارة فيه بما إذا كان الماء الواقع فيه الكلب المستحيل ملحا قدر كر لا قليلا، وإلا نجس الجميع. بل ينبغي القطع ببطلانه بناء على الصحيح من طهارة المتنجس بالاستحالة أيضا، فيطهر الكلب والماء، بل وعلى غيره، لعدم التلازم بين طهارة الملح المستحيل من الكلب ونجاسة المستحيل من غيره، أقصاه الامتزاج أو نجاسة ملح الكلب عارضا لو فرض استحالته قبل الماء القليل. بل قد يناقش في صحة التقييد السابق بامكان التزام طهارة محل العذرة والدم المستحيلين ترابا، كمحل الماء المتنجس المستحيل ملحا ونحوهما، لفحوى طهارة ظروف الخمر والعصير وشبهها، بل فحوى طهارة ما يعالجان به من الأجسام التي لا استحالة بالنسبة

[ 284 ]

إليها تقتضي أعم من ذلك، كما ان إطلاق بعضهم التيمم بتراب القبر المستحيل كذلك أيضا، لغلبة سيلان دم الميت عليه. لكن الأخير كما ترى لا يصلح دليلا إن لم نقل بتنزيله على غير ذلك، بل وسابقه أيضا، لعدم رجوعه إلى محصل غير القياس المحرم، على أن الثاني منه مبني على طهارة ما يعالج به الخمر والعصير، وفيه بحث، إذ الذي تقتضيه القواعد طهارة الخمر والعصير المستحيل بنفسه خلا، أو بعلاج غير الأجسام، أو بالأجسام المستهلكة فيه قبل التخليل، أو المنقلبة قبله خلا أو معه، بناء على طهارة المتنجس بالاستحالة الشاملة لمثل ذلك، دون ما كان بأجسام بقيت بعد خليته، لنجاسته حينئذ بتلك الأجسام الباقية على استصحاب النجاسة الذي لم يعارضه استحالة أو نحوها فيها، بل لا يجدي استحالتها خلا بعد ذلك، لسبق نجاسة الخل المستحيلة من الخمر بها. بل ظاهر جملة من الأخبار اختصاص طهارة الخمر بالمنقلب لنفسه لا بعلاج كخبر العيون (1) عن علي (ع) " كلوا الخمر ما انفسد، ولا تأكلوا ما أفسدتموه أنتم ". وخبر أبي بصير (2) عن الصادق (ع) " الخمر يجعل فيها الخل قال: لا إلا ما جاء من قبل نفسه ". وخبر آخر عنه (ع) (3) " الخمر يجعل خلا قال: لا بأس إذا لم يجعل فيها ما يقلبها " إلا أنه لاتفاق الأصحاب ظاهرا ان لم يكن واقعا نقلا وتحصيلا على عدم الفرق بين انقلابه بنفسه أو بعلاج لا يبقى عينه، وقاعدة الاستحالة يجب الخروج عنها في غير الصورة السابقة.


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام الباب 31 الحديث 127 (2) و (3) الوسائل الباب 31 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 7 - 4

[ 285 ]

ولعله لذا تأمل فيها في كشف اللثام وعن الأردبيلي والخراساني، بل عن المجمع والكفاية ربما قيل بعدم الطهارة فيها، بل في اللوامع نسبته إلى القيل، بل لعله لازم ما في السرائر والنافع والتحرير وأطعمة الكتاب من عدم طهارة وحلية ما سقط من إناء الخمر في خل وإن تخلل، بناء على ما عن الآبي وأبي العباس من فهم ذلك منها، لاتحاد مستند الجميع من نجاسة ما يعالج به وعدم مطهر له لا على ما فهمه منها في كشف اللثام من أن مرادهم مع عدم العلم بتخلل الخمر المختلطة مع الخل ردا على الشيخ في نهايته القائل بحلية ذلك وطهارته إذا انقلب ما بقي في الاناء خلا، فيكون حينئذ انقلابه علامة على انقلاب ذلك المختلط على ما فهمه منها بعضهم، وإلا فهي محتملة إرادة دوران الحل والحرمة والطهارة والنجاسة مدار الانقلاب وعدمه، كما عن نص أبي علي، بل والشيخ أيضا من غير تعرض لعلامة ذلك، فلاحظ. ولا على ما عساه يظهر من الدروس بل وغيرها من الفرق بين ما يعالج به من الأعيان الباقية بعد التخليل وبين الخمر الواقع في خل، فطهر الأول وأحله، دون الثاني وان انقلب ذلك الخمر خلا، هذا. ولكن الانصاف في تحقيق البحث أن يقال: إن إطلاق الفتاوى يقتضي عدم الفرق بين تخليل الخمر بعلاج تبقى عينه أولا، بل ظاهر كشف اللثام والمحكي عن عبارة المرتضى في السرائر الاجماع عليه، كظاهر الطباطبائي في منظومته، بل كاد يكون صريحها، قال فيها: والخمر والعصير ان تخللا * فباتفاق طهرا وحللا بنفسه أو بعلاج انقلب * إن بقي الغالب فيه أو ذهب بل والنصوص كقول الصادق (ع) في صحيح زرارة (1) وموثقة


(1) الوسائل الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 1

[ 286 ]

ولده (1): " لا بأس " جواب سؤالهما عن الخمر تجعل خلا، تاركا للاستفصال عنه. كالموثق الآخر عنه (ع) (2) أيضا " في الرجل باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا، فقال: إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس ". وصحيح جميل (3) قال له (ع) أيضا: " يكون لي على الرجل دراهم فيعطيني بها خمرا، فقال: خذها ثم أفسدها " وقال علي بن حديد: " واجعلها خلا ". خصوصا صحيح عبد العزيز بن المهتدي (4) " كتبت إلى الرضا (ع) جعلت فداك العصير يصير خمرا فيصب عليه الخل وشئ يغيره حتى يصير خلا، قال: لا بأس به ". بل والمحكي (5) عن الرضا (ع) في فقهه والسرائر من خبر أبي بصير (6) المشتملين على علاجه بالملح أو غيره. فيجب حمل النصوص السابقة على الكراهة، كما صرح بها بعضهم، بل حكيت عليه الشهرة، لقصورها عن المعارضة من وجوه، بل لا قائل بمضمونها كما في شرح الأستاذ للمفاتيح سوى ما عن الشهيد من التوقف في أصل العلاج بالأجسام، وهو مسبوق بالاجماع وملحوق به. كما انه يجب القول بعدم الفرق أيضا بين ما يبقى عينه من الأجسام أولا، ولا بين الخل وغيره، للاطلاق وخصوص الصحيح الأخير، فيخرج عن تلك القاعدة السابقة ويلتزم بتبعيتها بالطهارة له كالاناء.


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 3 (2) و (3) الوسائل الباب 31 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 5 - 6 (4) و (6) الوسائل الباب 31 من ابواب النجاسات الحديث 8 - 10 (5) المستدرك الباب 21 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 1

[ 287 ]

نعم ينبغي الاقتصار في ذلك على غير الخمر المستهلكة بالخل نحو القطرات منه الواقعة في حب ونحوه من الخل، فلا يطهر ولا يحل بمجرد الاستهلاك من دون انقلاب واستحالة قطعا، بل وإجماعا، خلافا لأبي حنيفة استصحابا لحكم الخمر ونجاسة الخل به. ودعوى تناول لفظ الجعل والتحويل والقلب في الأخبار لمثل ذلك واضحة المنع، كدعوى مساواته للاستحالة المفهومة بتغيير الاسم ونحوه، بل هي قياس محض، بل قضيتها طهارة سائر النجاسات باستهلاكها وذهاب اسمها في ممازجة شئ من المائعات المعلوم بطلانه ضرورة من المذهب أو الدين. ولا بانقلاب ما بقي من ذلك الخمر الواقع في الخل واستحالته، خلافا لنهاية الشيخ في أحد الوجهين وتهذيبه، بل عن مختلف الفاضل استقرابه، فاكتفيا في طهارته وحليته بذلك، لدلالة انقلابه على تمامية استعداده للخلية، والمزاج واحد، بل استعداد الملقى في الخل أتم، لكن لا يعلم لامتزاجه بغيره، فإذا انقلب الأصل المأخوذ منه علم انقلابه أيضا. بل قد يظهر من السرائر ان مضمون ما ذكره الشيخ رواية، لكن قال: " إن الذي يقتضيه أصول مذهبنا ترك العمل بهذه الرواية الشاذة، ولا يلتفت إليها ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة لأصول الأدلة مضادة للاجماع، لأن الخل بعد وقوع قليل الخمر في الخل صار بالاجماع الخل نجسا، ولا دلالة على طهارته بعد ذلك ولا إجماع، لأنه ليس له حال ينقلب إليها، ولا يتعدى طهارة ذلك الخمر المنفرد واستحالته وانقلابه إلى الخل الواقع فيه قليل الخمر المختلط به الذي حصل الاجماع على نجاسته، وهذه الرواية شاذة موافقة لمذهب أبي حنيفة، فان صح ورودها فتحمل على التقية " انتهى. فظهر حينئذ ضعفه إن كان المراد التعبد للرواية بما سمعته من السرائر، وإن كان المراد العلامة والدلالة على انقلاب الممزوج ففيه منع حصول العلم والقطع منها بذلك، ولا يكفي الظن، على أنه مبني على القول بطهارة هذا المستهلك مع انقلابه إلى الخلية،

[ 288 ]

وفيه بحث أو منع وإن حكي عن الشيخ وأبي علي ذلك، بل هو صريح ما سمعته من المختلف، بل ظاهره أنه مفروغ منه، بل في كشف اللثام أن الظاهر اتفاقهم عليه، وان بحثهم انما هو في معلومية ذلك بانقلاب ما بقي من الخمر وعدمها. كما انه قد يستدل له باطلاق الأخبار السابقة، وخصوص صحيح ابن المهتدي، وبتحقق الاستحالة التي هي المدار في هذا الحكم، وبمساواته لباقي الأجسام التي يعالج بها الخمر الباقي أعيانها. لكن قد يمنع ذلك كله ويدعى أن المشهور اشتراط طهارة الخمر بالتخليل غلبتها على ما عولجت به من الخل أو عدم كونها مستهلكة فيه، كما اعترف به في الكفاية واللوامع، بل هو ظاهر المفاتيح أو صريحها كشرحها للأستاذ الأعظم، بل يظهر من الأولى كون المشهور عدم الطهارة حتى لو كان الخل قليلا. قال فيها بعد أن ذكر أن المشهور طهارة الخمر لو صارت خلا بعلاج أو غيره، بقي عين ما عولج به أولا: " ولو ألقى في الخمر خلا كثيرا حتى استهلكه فالمشهور بين المتأخرين انه لا يحل ولم يطهر ولو انقلب الخمر خلا، وكذا لو ألقى في الخل القليل خمرا حتى استهلكه، نظرا إلى أن الخمر يطهر ويحل بالانقلاب لا ما ينجس بالخمر، وعن الشيخ القول بالطهارة في المسألتين إذ انقلب الخمر التي أخذ منه " انتهى. وقال في الثانية بعد أن ذكر أيضا أن المشهور طهارة الخمر بالعلاج: " تذنيب المشهور اشتراط التطهر بالعلاج بغلبة الخمر على المطروح، فلو مزجت بالخل الكثير فاستهلكت فيه لم يطهر إلى أن قال: والحق عدم الاشتراط وحصول التطهير بعد مضي وقت يعلم في مثله الانقلاب، وفاقا للشيخ والاسكافي والفاضل والعاملي وبعض الطبقة الثالثة " انتهى.

[ 289 ]

وقال في المفاتيح أيضا بعد أن ذكر أن المشهور الطهارة بعلاج وغيره، بقيت العين أولا: " ولو مزجت بالخل فاستهلكت فيه فالمشهور عدم الطهارة، لتنجس الخل بالملاقاة، ولا مطهر له، إذ ليس له حال ينقلب إليها ليطهرها كالخمر، خلافا للشيخ والاسكافي فيما إذا مضى زمان يعلم انقلاب الخمر فيه إلى الخل " انتهى. وتبعه في ذلك الأستاذ في شرحه. ومع ذلك كله يشهد له التتبع لكلمات الأصحاب مع التأمل فيها والتدبر، حتى عبارة السرائر السابقة، منها ما في النافع والكتاب والتحرير والدروس بل والارشاد لاطلاقهم عدم طهارة المستهلك، وتصريح بعضهم بخلاف الشيخ وأنه متروك ولا وجه له، خصوصا وعبارة الشيخ لا صراحة فيها بارادة انقلاب ذلك الخمر الباقي، لاحتمالها إرادة الممزوج منه، قال فيها: " إذا وقع شئ من الخمر في الخل لم يجز استعماله إلا بعد أن يصير ذلك الخمر خلا " بجعل الاشارة فيها إليه، فعده حينئذ مخالفا كالصريح فيما قلنا، واحتمال إرادة الارشاد ونحوه الرد بذلك على أبي حنيفة القائل بالطهارة والحلية بالاستهلاك يدفعه الملاحظة له ولغيره مع التأمل والتدبر. ومع ذلك كله فهو الموافق لمقتضى الأدلة، ضرورة اقتضاء الأصل عدم طهارة الخل المتنجس بالخمر، لفقد سائر المطهرات، بل ولا الخمر كما في شرح الأستاذ " لانها وان استهلكت في الخل إلا أن الخل نجس، فهي مستهلكة في الشئ النجس، فيكون نجسة البتة، لأنها صارت خلا نجسا " انتهى السالم عن معارضة ما دل على طهارة الخمر بالتخليل القاضي بطهارة ما يعالج به تبعا، حتى صحيح ابن المهتدي بعد تنزيله على المتعارف المعتاد من عدم استهلاك المعالج بالمعالج به ليكون تابعا له، بل هو المنساق من تلك الأخبار، ضرورة ظهورها حتى الصحيح السابق في بقاء الموضوع المنقلب إلى الخل لا مع هلاكه.

[ 290 ]

بل خبر أبي بصير (1) عن الصادق (ع) كالصريح في ذلك، قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الخمر يصنع فيها الشئ حتى تحمض، قال: إذا كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا بأس " بل خبره الآخر المتقدم سابقا كذلك إن قرأ " يقلبها " فيه بالغين المعجمة، بل هو بعد الاستهلاك لا يصدق عليه اسم الخمر حتى يتحقق الانقلاب والتحول والاستحالة، لصيرورته خلا وإن لم يكن باستحالة وانقلاب، إذ سلب اسم الخمرية عنه وتسميته خلا أعم منهما، والاكتفاء بالانقلاب التقديري الفرضي لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه، كظهورها في عدم الاكتفاء بالاستهلاك من غير انقلاب حتى باعتراف الخصم، ولذا اعتبر مضي زمان ينقلب فيه مثله، على أن طهارة الخمر بالخل مخالفة للضوابط، ولذلك اختص به من بين المائعات. فينبغي الاقتصار فيها على المتيقن، بل لعل التأمل الجيد يشرف الفقيه الماهر على القطع بعدم طهارة الكثير جدا من الخل بتبعيته لانقلاب قطرة خمر وقعت فيه واضمحلت في أجزائه. بل قد يقال: إنه لا يمكن حصول اليقين بصيرورته خلا طبيعة، إذ لعل هذا الاستهلاك والحموضة العارضة من الخل تمنع من ذلك، كما أن ترك الأمر به في كثير من الأخبار مع سهولته، وإمكان تطهير أكثر أفراد الخمر به لتيسر إهلاكه بالخل في غالب الأوقات أوضح شاهد على ما ذكرنا، إلى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة الظاهر بالتأمل في الأدلة مع الانصاف. فلا ريب أن الأقوى عدم الطهارة في الفرض المذكور، كما ان الأقوى عدم طهارة الخمر لو تنجست بنجاسة خارجية وان لم تبق عينها بناء على تضاعف النجاسة، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، بل الظاهر، إذ الانقلاب يطهر من النجاسة


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 2

[ 291 ]

الخمرية، فلو أحيل الخمر حينئذ بمتنجس لم يطهر، لكن في كشف الأستاذ انه إن استحال إلى المحال أولا ثم رجع هو والمحال إلى ما استحال منه طهر، وإن أحال ولم يستحل بقي على نجاسته، وهو لا يخلو من وجه. ولو تخلل بعض الخمر المجتمع لم يطهر الباقي قطعا، لكن هل ينجس ذلك به مطلقا أو يفرق بين الأعلى والأسفل بل وبين المسامت وغيره ؟ وجهان، أقواهما الأول، لعدم اندراجه فيما دل على عدم سراية النجاسة من السافل مثلا إلى العالي، فيبقى على إطلاق نجاسة ملاقي النجاسة، هذا. وقد عرفت ان العصير كالخمر في طهارته بالخلية، بناء على نجاسته بالغليان، للاجماع بقسميه وغيره، ويزداد عليه طهارته بذهاب ثلثيه، ضرورة تبعية زوال نجاسته لزوال حرمته الثابت بالذهاب المذكور إجماعا وسنة (1) مستفيضة حد الاستفاضة إن لم تكن متواترة. بل لا ريب في انه يفهم من فحواها بناء على كون ذلك مطهرا له كما أنه محلل تبعية الآلات والمزاول ونحوهما له في الطهارة، بل في اللوامع الاجماع عليه، مضافا إلى لزوم الحرج والمشقة لولاه، وطهارة أواني الخمر المنقلب خلا، وآلات النزح والنازح وجوانب البئر، لاتحاد طريق الجمع أو قياس الأولوية، بل في كشف الأستاذ أنه يطهر بذلك أيضا ظاهر ما دخل فيه وباطنه ابتداء أو بعد الغليان والاشتداد من تراب وأخشاب وفواكه وغيرها، كالمحكي عن النهاية والروض من التصريح بطهارة الأجسام المطروحة فيه، بل قيل إنه لم يوجد فيه صريح مخالف، لاطلاق ما دل على الحلية، وترك الاستفصال المستلزمة للطهارة هنا قطعا له ولها، وإلا عادت منجسة له، ولفحوى طهر الأجسام المطروحة في الخمر بناء عليه، ولعدم معقولية الفرق بينه وبين المطروح


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الأشربة المحرمة

[ 292 ]

المائع الثابت تبعيته في الطهارة له إجماعا كما في اللوامع. نعم ينبغي اعتبار التبعية في سائر ما تقدم بأن يكون معه غير غائب عنه في وقت تطهيره إلا بما لا ينافيها، فلا يطهر حينئذ غير العامل، بل ولا العامل معرضا عن العمل خاليا عن صورة التشاغل، وكذلك ثيابه وسائر الآلات اقتصارا على المتيقن، بل ينبغي الاقتصار على ما علم تبعيته دون ما شك فيها فضلا عما ظن عدمها، بل هو المدار في جميع ما تقدم. كما انه ينبغي الاقتصار في الطهارة والحل على ذهاب الثلثين بالنار وإن كان يقوى إلحاق الشمس بها، أما الهواء والتشريب وطول البقاء أو المركب منها خاصة أو من الأولين معها فلا يخلو من نظر بل منع، خصوصا الأخيرين وإلا لم ينجس بالعصير أكثر الأشياء فتأمل. ولا يلزم البحث عن كيفية الذهاب من الجوانب، نعم لو علم الذهاب من جانب دون آخر انتظر ذهابهما منه. والمعتبر صدق ذهاب الثلثين من غير فرق بين الوزن والكيل والمساحة، وإن كان الأحوط الأولين، بل قيل الأول. ولا يحل العصير بل ولا يطهر بغير الخلية وذهاب الثلثين، للأصل وإطلاق النصوص (1) والفتاوى، فما في اللوامع من طهارته بصيرورته دبسا وإن لم يذهب ثلثاه حاكيا له عن الجامع ضعيف، كمستنده من إصالة الطهارة والاباحة، وإطلاق دليل طهارة الدبس وحله، لوجوب الخروج عنه بما عرفت، وأضعف منه التمسك باندراجه حينئذ في الاستحالة، إذ هو ليس منها قطعا. كما انه ليس منها وإن كان قريبا إليها بل متحدا معها في تقرير الدليل الاسلام


(1) الوسائل الباب 2 و 31 من ابواب الأشربة المحرمة

[ 293 ]

والانتقال الذي عدهما غير واحد من الأصحاب من المطهرات، بل لا خلاف أجده فيهما، كما لا إشكال بل حكى الاجماع على الأول في المنتهى والذكرى وغيرهما، بل هو في الجملة من الضروريات، بل والثاني، إذ المراد به انتقال شئ حكم بنجاسته باعتبار إضافته إلى محل خاص إلى محل آخر حكم الشارع بطهارته باضافته إليه، كانتقال دم ذي النفس المحكوم بنجاسته إلى غير ذي النفس من القمل والبق ونحوهما، لشمول ما دل (1) على طهارة دمها مما تقدم سابقا له، كما انه لو انعكس الأمر حكم بالنجاسة لذلك، وبهما ينقطع استصحاب نجاسة الأول وطهارة الثاني بعد تسليم إمكان جريانه في نحو المقام، لتغير الموضوع، ضرورة مدخلية الاضافة في الحكم المذكور، وإن كان بينهما تعارض العموم من وجه، بل قد يدعي أخصية الاستصحاب، لكنه على كل حال معارضه أقوى منه قطعا. نعم يعتبر صدق الاضافة حقيقة، فلو شك في انتقال الاسم بعد الانتقال من الجسم كما إذا دخل شئ من النجاسات المتعلقة بذوات النفوس في بطون غير ذوات النفوس ولم يستقر فيها حتى يتبدل الاسم لم يحكم بالطهارة، كما انه لم يحكم بالنجاسة في العكس. ولا فرق بعد صدق الاضافة المذكورة بين الحيوان وغيره، وبين الدم وغيره، فلو شرب الشجر أو النبات ماء متنجسا طهر بمجرد انتقاله إلى باطنه، لصدقها حينئذ بذلك، كما هو واضح. لكن ينبغي أن يعلم أن الاسلام يطهر عن نجاسة الكفر بجميع أقسامه إلا الارتداد الفطري منه الرجل خاصة دون الامرأة بل والخنثى المشكل والممسوح، للأصل بمعنى الاستصحاب لموضوع الكفر نفسه، ولحكمه من النجاسة ونحوها، وإطلاق ما في مواريث كشف اللثام من الاجماع على عدم قبول توبته، كالمحكي في باب الحدود منه أيضا عن


(1) الوسائل الباب 23 من أبواب النجاسات

[ 294 ]

الخلاف المؤيد بالشهرة المحكية، بل بمعروفية ذلك في كلمات الأصحاب حتى يرسلوه إرسال المسلمات. وقول أبي جعفر (ع) في صحيح ابن مسلم (1): " من رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل الله على محمد (ص) بعد إسلامه فلا توبة له، وقد وجب قتله، وبانت منه امرأته، ويقسم ما ترك على ولده " المعلوم إرادة الفطري منه، كمعلومية إرادة حكم التوبة من نفيها الذي الطهارة وقبول أعماله منه قطعا. ومرسل عثمان بن عيسى (2) " من شك في الله بعد مولده من الفطرة لم يفئ إلى خير أبدا " المنجبر سنده بما عرفت كمتنه لو كان محتاجا، إذ لا ريب في كون الطهارة وقبول أعماله خيرا، ولا شعار عدم قبول توبته في سائر أحكامه الظاهرة من قتله وقسمة أمواله وبينونة زوجته وغيرها بجريانه مجرى الكافرين في سائر أحكامهم التي النجاسة منها، بل أهونها، وغير ذلك من المؤيدات الكثيرة. والمناقشة في الأصل بعدم جريانه هنا لتغير الموضوع باعتبار صيرورته مسلما باقراره بعد أن كان كافرا بانكاره، بل يشمله حينئذ كلما دل (3) على طهارة المسلمين الذي يقصر عن مقاومتها الاستصحاب من غرائب الكلام، إذ البحث في صيرورته مندرجا تحت إطلاق المسلم بذلك، بل ظني أنه لا يقول به من قال بقبول توبته باطنا خاصة، إذ هو أعم من ضرورة، وإلا لاقتضى عدم قبولها في الظاهر اندراجه في الكافر بالأولى، لا أقل من أن يكون واسطة عنده بين الكافر والمسلم على معنى


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب حد المرتد الحديث 2 من كتاب الحدود والتعزيرات (2) أصول الكافي ج 2 ص 400 المطبوعة بطهران عام 1375 (3) صحيح مسلم ج 1 ص 195 المطبوع بمصر

[ 295 ]

كونه كافرا من جهة ومسلما من أخرى، لا أنه موضوع خارج ليتمسك حينئذ في طهارته بالأصل، فما شك فيه حينئذ من الأحكام الثابتة له بارتداده وقبل توبته لا ريب في استصحابه. وأغرب من ذلك إثبات تلك الدعوى بوضوح صدق اسم المسلم عليه، بناء على ثبوت الحقيقة الدينية فيه وفي الكفر، ضرورة ان الاسلام شرعا عبارة عن الاقرار بالشهادتين، كما أن الكفر عبارة عن إنكارهما أو إحداهما، وعلى تقدير عدم الثبوت فأظهر، إذ لا يخفى ظهور ما دل (1) على كون الاسلام الاقرار بالشهادتين في غيره، وكيف لا مع اشتمال أكثرها على أنه به تحقن به الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث ونحو ذلك مما علم انتفاؤه في الفرض، كما ان اشتمالها أيضا على الفرق بينه وبين الايمان ظاهر في كون المراد من ذلك بيان الاسلام على الاهمال لا التعميم المثمر في المقام، على أن ارتداده قد يكون بغير إنكار الشهادتين، بل كان بفعل بعض ما يقتضي الاستخفاف بالدين ونحوه مما لا يتم معه الاستدلال بتلك الاطلاقات المناقش فيها بما عرفت، بل يمكن معارضتها بالاطلاقات الدالة (2) على كفر المرتد واستحقاقه جهنم، ضرورة شمولها لمن أعقب ارتداده بالتوبة، وترجيحها عليها باعتبار اعتضادها باطلاقات التوبة وعموماتها يدفعه بعد إمكان منع شمول عمومات التوبة الكفر ونحوه، خصوصا مع قوله تعالى (3): " إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك " كامكان منع رجحانها عليها مع ذلك أيضا، لأكثرية أفرادها وخروجها مخرج القواعد العامة والمقتضيات التي قطع النظر عن موانعها انها معتضدة بالاستصحاب وما سمعته من الأدلة السابقة القاضية بعدم


(1) أصول الكافي ج 2 ص 25 من طبعة طهران (2) الوسائل الباب 6 من أبواب حد المرتد من كتاب الحدود والتعزيرات (3) سورة النساء الآية 51

[ 296 ]

قبوله توبته الواجب تحكيمها عليها، لخصوصيتها حتى الاستصحاب منها، وعمومية تلك. ودعوى تنزيلها على إرادة عدم قبولها بالنسبة للأحكام الظاهرية دون الباطنية المتفرع عليها العقاب ونحوه، جمعا بين الأدلة بشهادة العقل، للقطع والاجماع على عدم سقوط التكليف عنه بالاسلام وأحكامه من الصلاة والصوم والحج وغيرها، ولا ريب في قبحه مع فرض عدم إمكان ذلك منه بعدم قبول توبته، لكونه من التكليف بما لا يطاق المنافي للعدل، فالجمع بين الأدلة حينئذ يتعين بارادة عدم القبول الظاهري دون الباطني في غاية السقوط. إذ فيها أولا أنه يمكن منع القطع بعدم سقوط التكليف عنه، لظهور الأدلة في تنزيله منزلة الميت، كما يؤمي إليه اعتداد زوجته عدة الوفاة، وقسمة أمواله بين ورثته وغير ذلك، كامكان منع كون ما نحن فيه من طهارة بدنه للغير من مقتضيات القبول الباطني، ضرورة أعمية ذلك الشاهد العقلي منها، بل جعل نجاسته من الأحكام الظاهرية التي حكي الاجماع على عدم قبول توبته بالنسبة إليها، بل لعله محصل، ولا يقدح فيه ما عن أبي علي من القبول مطلقا ظاهرا وباطنا بعد أن كان بمكانة من الضعف. والالتزام بمقتضي الدليل العقلي من قبول أعماله، فيكون بدنه طاهرا بالنسبة إليه خاصة في الأعمال التي اشترط الشارع الطهارة فيها، أو يكون الشرط بالنسبة إليها ساقطا، فتصح أعماله في حقه وإن كان نجسا لا في حق غيره، فلا يؤتم به ولا يستناب مثلا أولى قطعا، بل لعل مراد القائل بالقبول الباطني ذلك لا الطهارة للغير، وإلا كان أمرا زائدا على القبول الباطني كما اعترف به الشهيد الثاني في حدود روضته، حيث قال بعد أن قوى القبول الباطني محتجا ببعض ما سمعت، وحينئذ فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله أو تأخر قتله بوجه وتاب قبلت توبته فيما بينه وبين الله تعالى،

[ 297 ]

وصحت عباداته ومعاملاته، وطهر بدنه، ولا يعود ماله وزوجته بذلك للاستصحاب، ولكن يصح له تجديد العقد عليها بعد العدة، وفى جوازه فيها وجه كما يجوز للزوج العقد على المعتدة منه بائنا، وبالجملة فيقتصر من الأحكام بعد توبته على الأمور الثلاثة في حقه وحق غيره، وهذا أمر آخر وراء القبول باطنا. لكنك خبير بما فيه، إذ هو مجرد دعوى خالية عن الدليل، بل مخالفة له، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافها، بل ظاهر أول عبارته نفسه الاعتراف بذلك، وثانيا أنه لا قبح في التكليف بذلك بعد امتناعه عليه باختياره، لما هو مقرر في محله أن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، وله نظائر كثيرة في الشرع. والقول بأن ذلك يتم في التكليف بالاسلام نفسه وبه للصلاة لو وقع بعد الوقت أما لها مع فرض وقوعه قبل الوقت فلا، لعدم وجوب مقدمة الواجب المطلق قبله، ففي الفرض يصادف الواجب حينئذ امتناع الشرط، ولا ريب في قبح الأمر بالمشروط مع العلم بانتفاء شرطه، فيلزم فيه حينئذ سقوط التكليف المعلوم بطلانه، ويتم في الجميع بعدم القول بالفصل جزاف من القول. إذ هو مع إمكان معارضته بمثله متمما بعدم القول بالفصل أيضا، وإمكان منع عدم وجوب حفظ مقدمة الواجب المطلق قبل وقته التي لا بدل لها، ويعلم عدم حصولها في تمام وقته كاتلاف الطهورين، والنوم قبل وقت الفريضة ونحوهما بشهادة ذم العقلاء له على ذلك، بل لعل وجوبه مفهوم من نفس الخطاب التوقيتي مدفوع بأنه لا مانع من الالتزام بتكليفه في الفرض المذكور أيضا تكليفا امتحانيا، أي يراد منه العقاب خاصة، نحو التكليف بأصل الاسلام المسلم عند ذلك القائل، ضرورة الاكتفاء في صحة التكليف بالعبادة بصحة التكليف بشرطها على أن يكون التكليف بها على نحو التكليف به في الابتلائي وغيره، ولا ريب في صحة تكليفه بالاسلام بعد الوقت امتحانا وان كان كفره كغيره

[ 298 ]

قبله، فيصح التكليف بالصلاة حينئذ كذلك، واعتذار المكلف بامتناع الشرط علي يدفعه ما دفعه بالنظر إلى التكليف بالاسلام نفسه. ودعوى تسليم ذلك بالنظر إليه نفسه، وأنه لا قبح فيه، ومنعه بالنظر إلى الخطاب الشرطي، وانه قبيح لا يصغى إليها، بل لا يعقل لها وجه عند التأمل الجيد. كما انه لا يصغى بعدما عرفت إلى إثبات أصل الدعوى من القبول الباطني بالمعنى المستلزم لطهارة بدنه للغير ونحوه بالمروي (1) عن الباقر (ع) انه قال: " من كان مؤمنا فحج وعمل في إيمانه ثم أصابته في إيمانه فتنة فكفر ثم تاب وآمن قال: يحسب له كل عمل صالح عمله في إيمانه، ولا يبطل منه شئ " لعدم حجيته في نفسه أولا، ووضوح قصوره عن مقاومة ما تقدم ثانيا، واحتماله غير الفطري، بل لعل الظاهر منه ذلك، كعدم ظهوره في إرادة ما عمله في الايمان الثاني ثالثا، على انه لا يستلزم الطهارة الغيرية كما عرفت، فمن العجيب دعوى أولوية تقييد ما دل على عدم قبول توبة الفطري بهذه الرواية من العكس. فلا ريب حينئذ ان الأقوى النجاسة في المرتد، وفاقا لصريح بعضهم وظاهر المعظم أو صريحه، وخلافا لصريح الشهيدين والعلامة الطباطبائي والمحكي عن التحرير والموجز، وإن كان قد يقوى في النظر قبول توبته باطنا بالنسبة إليه نفسه لا غيره، كما انه يقوى القبول بقبول توبته ظاهرا وباطنا لو كان ارتداده بانكاره بعض الضروريات مع سبق بعض الشبهات والدخول في اسم المسلمين كطوائف الجبرية والمفوضة والصوفية، وفاقا لصريح الأستاذ في كشفه، وخلافا لظاهر السرائر أو صريحها كظاهر إطلاق الباقين، للشك في شمول أدلة الفطرية لهم، فتبقى عمومات التوبة بحالها. والمراد بتطهير الاسلام للكافر انما هو له نفسه لا ما باشره سابقا حتى ثيابه على


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب مقدمة العبادات الحديث 1

[ 299 ]

إشكال، اقتصارا على المتيقن، بل هو مقتضى الدليل، واحتمال طهارته تبعا لا شاهد له، نعم قد يقال بالتبعية بالنسبة إلى فضلاته المتصلة به من عرق أو بصاق أو نخامة أو قيح أو سوداء أو صفراء، لصدق إضافتها للمسلم، كما انه ينبغي القطع بها بالنسبة للشعر والظفر ونحوهما. هذا كله من حيث النجاسة الكفرية، أما لو كان بدنه متنجسا بنجاسة خارجية لم تبق عينها ففي طهارته بالاسلام وعدمها وجهان، أقواهما الأول، بناء على عدم تأثر النجس بالنجس، بل وعلى غيره، للسيرة وخلو السنة عن الامر بذلك مع غلبته، ويتبعه ولده في الطهارة بالاسلام، سواء كان أبا أو أما إلحاقا بأشرف الأبوين، بل أو أحد الجدين القريبين كما في كشف الأستاذ، كما أن فيه أيضا التصريح بالطهارة تبعا للسابي المسلم، لكن قيده بعدم وجود أحد الأبوين أو الأجداد معه، وللبحث فيه مقام آخر. كما انه قد تقدم البحث في كثير من الأشياء التي ذكرها فيه في عداد المطهرات، حتى أنهاها إلى عشرين من حجر الاستنجاء وخرقه، وزوال العين في الحيوان، والغيبة في بدن الانسان بل وثيابه، وخروج دم المذبح والمنحر، والاستعمال في نحو آلات العصير والبئر وبدن النازح والعاصر وثيابهما، وسبق استعمال الماء للمغتسل قبل الصلب، والشهادة لبدن الشهيد، وغيره ذلك، مع أنه لا يخفى عليك عدم كون الأخيرين من المطهرات، بل هما نافيان لأصل تحقق النجاسة، كما ان سابقهما مندرج فيما ذكرناه وذكره هو أيضا مما يطهر بالتبعية، وإن اختلفت أفرادها، فمنها ذلك، ومنها طهارة بدن مغسل الميت وآلات التغسيل وثياب الميت التي غسل فيها، وخرقته التي وضعت عليه، بل قيل وثياب المغسل نفسه، ومنها ما عرفته من رطوبات الكافر وولده، وإناءات الخمر المخللة والأجسام المطروحة فيها، ومنها طهارة فضلات الابل الجلالة الغير المنفصلة منها حتى تم الاستبراء حتى العرق نفسه، إذ هي كرطوبات الكافر الذي أسلم في تغير إضافتها،

[ 300 ]

والثالث ليس من المطهرات حقيقة، بل هو مما يحكم معه بالطهارة، فلا ينبغي عده منها حينئذ كما اعترف به غير واحد. بل والثاني أيضا بناء على ما ذكرناه في باب الأسآر من احتمال عدم تنجس الحيوان بملاقاة عين النجس حتى تكون الازالة مطهرة له، بل هو في الحقيقة كالبواطن المتفق بين الأصحاب على طهارتها بمجرد زوال عين النجاسة، بل قيل إنه يمكن أن يكون من ضروريات الدين. مضافا إلى صحيح صفوان عن إسحاق بن عمار عن عبد الحميد بن أبي الديلم (1) قال للصادق (ع): " رجل شرب الخمر فأصاب ثوبي من بصاقه، فقال: ليس بشئ ". وقول الرضا (ع) في خبر إبراهيم بن أبي محمود: " يستنجي ويغسل ما ظهر منه على الشرج، ولا يدخل فيه الأنملة ". كقول الصادق (عليه السلام) في خبر عمار (3) في حديث: " انما عليه أن يغسل ما ظهر منها يعنى المقعدة، وليس عليه أن يغسل باطنها ". وموثق عمار (4) عنه (ع) أيضا " في رجل يسيل عن أنفه الدم هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الأنف ؟ فقال: انما عليه أن يغسل ما ظهر " وغير ذلك ومرادهم على الظاهر عدم النجاسة لا الطهارة بالزوال، وان كان ربما توهمه بعض العبارات بل الموثق ظاهر فيما قلناه من عدم نجاستها بملاقاة عين النجاسة، كما هو قضية الأصل والعمومات، إذ ليس في أدلة النجاسات عموم مثلا يشمل نجاسة البواطن بها. وقد أجاد الأستاذ في شرحه على المفاتيح حيث قال: إنه لم يتحقق إجماع على


(1) الوسائل الباب 39 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 24 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 6 - 5

[ 301 ]

تنجس البواطن لو لم نقل بالاجماع على العدم، مضافا إلى الأصول والعمومات، قلت: وهي والحيوان مشتركان في سبب ذلك، ضرورة أنه إن كان عين النجاسة موجودا فالمنجس حينئذ للملاقي هو لا ما كان عليه من البواطن وبدن الحيوان، وإلا كان طاهرا، فلم يظهر أثر للحكم حينئذ بتنجيسهما بالملاقاة، فابقاؤهما على الطهارة وعدم تأثير عين النجاسة فيهما أولى من الحكم بنجاستهما وطهارتهما بالزوال، وقد تقدم في الأسآر تمام الكلام، كما أنه تقدم هناك تمامه أيضا في أصل الاكتفاء في الحيوان بزوال عين النجاسة، وأنه هو المدار لا غيبة الحيوان غيبة يحتمل معها مصادفة المطهر وان كان ظاهر الفاضل في نهايته ذلك. نعم هو كذلك بالنسبة للانسان، فيحكم بطهارة بدن المسلم منه المكلف مع الغيبة عنه وعلمه بالنجاسة وتلبسه بما يشترط فيه الطهارة بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل حكى الاجماع عليه بعض شراح منظومة الطباطبائي، بل لعله كذلك نظرا إلى السيرة القاطعة المعتضدة باطلاق ما دل (1) على طهارة سؤر المسلم، وإن كان هو غيره مساق لذلك، وبتعارف عدم السؤال عن إزالة النجاسات مع القطع بعروضها، بل قد يعد السؤال من المنكرات كالانكار على مخالفة الضروريات المرجحة للعمل بظاهر حال المسلم من عدم عصيانه وسهوه ونسيانه على الأصل. مع أنه ناقش بعض الأساطين في أصل جريانه هنا من حيث ظهور أدلته فيما يتعلق بالمكلف نفسه لا غيره، والأمر بالغسل للمكلف أعم من وجوب احتراز الغير له حتى يعلم بالغسل، كآخر بأنه معارض بالأصل في الملاقي أيضا، وان كان هما كما ترى مع أنهما لم يثبتا الطهارة نفسها، كاستدلال بعضهم بأنه لم يثبت تنجيس المتنجس هنا وإن قلنا به في غير المقام.


(1) الوسائل الباب 7 و 8 من ابواب الأسآر

[ 302 ]

فالعمدة حينئذ ما ذكرناه أولا من السيرة السابقة المعتضدة بما عرفت، ولعلها كذلك أيضا بالنسبة إلى غير بدنه من ثيابه أو فرشه وأوانيه وغيرها مع القيود السابقة، فتأمل مجمع البرهان وعن المدارك في ذلك كله في غير محله كظاهر المفاتيح، بل الظاهر الطهارة أيضا وإن لم يكن متلبسا بما يشترط فيه الطهارة، وفاقا لمن عداهم وظاهر الموجز في الثياب خاصة ممن تعرض لذلك كالشهيدين وأبي العباس في المهذب والصيمري والفاضل النراقي والعلامة الطباطبائي والأستاذ في كشف الغطاء وغيرهم، بل قد يظهر من المحكي عن تمهيد الشهيد الثاني الاجماع عليه، بل حكاه عليه بعض شراح منظومة الطباطبائي، بل هو رحمه الله في نظمه حكى السيرة القاطعة التي هي أعظم من الاجماع، فقال: واحكم على الانسان بالطهارة * مع غيبة تحتمل الطهارة وهكذا ثيابه وما معه * لسيرة ماضية متبعة وهو كذلك، فيقدم بسببها ظهور حال المسلم في التنزه عن النجاسات على الأصل، بل ظاهره رحمه الله كصريح لوامع النراقي وظاهر كشف الأستاذ، بل والموجز لكن في البدن خاصة عدم اعتبار علمه بالنجاسة أيضا، فاحتمال مصادفة الطهاره حينئذ كاف، وهو لا يخلو من قوة، إلا أن المعروف بين من تعرض لذلك اعتباره، بل عن التمهيد " انه المستفاد من تعليل الأصحاب، حيث قالوا: يحكم بالطهارة عملا بظاهر حال المسلم، لأنه مما يتنزه عن النجاسة " انتهى. والاحتياط لا ينبغي تركه. كما انه لا ينبغي تركه في غير المكلف من الانسان سيما من لا أهلية له للازالة، بل والمكلف مع عدم اعتقاد النجاسة، لتقليده مجتهدا لا يقول بها، أو لأنه من العامة الذين لا يقولون بها، بل والمعتقد إذا علم من حالة عدم الاهتمام والاكتراث بازالة النجاسات، لتسامحه في دينه، وإن أمكن تنقيح السيرة في جميع ذلك أو أكثره، بل يمكن إدراج بعض غير المكلف من الانسان كغير المميز في توابع المسلم المكلف من فرشه وأوانيه.

[ 303 ]

نعم ينبغي القطع بعدم مساواة الظلمة أو العمى أو حبس البصر للغيبة، للأصل السالم عن معارضة سيرة ونحوها، إذ ليس المدار على احتمال الطهارة. كما انه ينبغي القطع بعدم اعتبار غيبة الشخص عن ثيابه وأوانيه ونحوها ما لم تكن من توابع شخص آخر يباشرها، والأمر واضح بعد أن عرفت مستند الحكم في المسألة ومداره. * (و) * من المطهرات في الجملة إجماعا محصلا ومنقولا ونصوصا (1) مستفيضة حد الاستفاضة وعملا مستمرا * (التراب) * بل مطلق مسمى الأرض كما هو معقد أكثر الفتاوى وإجماع غير واحد من الأصحاب، بل هو مستفاد من معتبرة نصوص الباب (2) فما في النبويين العاميين (3) على الظاهر من أن طهور الخفين والنعلين التراب محمول على إرادة ما يشمل الأرض قطعا، أو لا يراد منه الحصر بالنسبة إلى ذلك كالمتن وعبارة المقنعة والتحرير ل‍ * (باطن الخف) * بلا خلاف أجده فيه إلا ما عساه توهمه عبارة الخلاف في بادئ النظر، مع إمكان دفعه ثانيه كما أطنب فيه الأستاذ في شرحه على المفاتيح ردا على تفردها في نقل عدم الطهارة عنه، فلاحظ. ويوهمه أيضا ما عن الاشارة والتلخيص من الاقتصار على النعل مع احتماله بل لعله الظاهر إرادة المثال، ولذا جعله من معقد إجماعه في جامع المقاصد، ومن المتيقن في المنتهى، وهو الحجة بعد النبوي (4) العامي " إذا وطأ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب " وصحيح فضالة وصفوان عن ابن بكير عن حفص بن أبي عيسى (5) قال


(1) و (2) الوسائل الباب 32 من ابواب النجاسات (3) كنز العمال ج 5 ص 88 الرقم 1878 و 1879 (4) كنز العمال ج 5 ص 88 الرقم 1879 (5) الوسائل الباب 32 من ابواب النجاسات الحديث 6

[ 304 ]

للصادق (ع): " اني وطأت عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا فما تقول في الصلاة فيه ؟ فقال لا بأس ". والمناقشة في سند الأولى بعد الانجبار بما عرفت بناء على صحة انجبار مثله، وفى دلالة الثاني بأن أقصاه الصلاة فيه التي هي أعم من الطهارة، ضرورة كون الخف مما يعفى عن نجاسته، لأنه مما لا يتم الصلاة به منفردا كما ترى، على انه يمكن دفع الثانية بعد الغض عن إطلاق نفي البأس بظهورها سؤالا وجوابا في نفيه من حيث زوال النجاسة بذلك المسح، لا من حيث عدم التمامية به منفردا كما هو واضح للمنصف المتأمل. خصوصا بعد اعتضادها باطلاق قول الصادق (ع) في صحيح الحلبي قال: " نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت عليه أي الصادق (عليه السلام) فقال: أين نزلتم ؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له إن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا فقال: لا بأس، الأرض يطهر بعضها بعضا ". كالمروي في مستطرفات السرائر عن كتاب البزنطي عن المفضل بن عمر عن محمد ابن علي الحلبي (2) عن الصادق (ع) قال: " قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة ؟ فقلت: نعم، فقال: لا بأس، إن الأرض يطهر بعضها بعضا ". وحسن المعلى بن خنيس (3) " سأل الصادق (ع) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا فقال: أليس وراءه شئ جاف ؟


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 32 من ابواب النجاسات الحديث 4 - 9 - 3

[ 305 ]

قلت: بلى، قال: لا بأس، لأن الأرض يطهر بعضها بعضا " إذ الظاهر أن المراد تطهير بعض الأرض البعض الآخر منها النجس الملاقي للنعل ونحوه على معنى إزالة أثره عما لاقاه بالبعض الآخر، كما يقال الماء مطهر للبول والدم، أو تطهير بعض الأرض ما لاصق بعضا نجسا آخر منها مما كان عليها من القدم ونحوه، وإلا فاحتمال إرادة تطهير بعض الأرض بعض المتنجسات كالنعل، فلا يكون في المطهر بالفتح عموم أو إطلاق يتناول المقام مما ينبغي القطع بفساده كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، بل ينبغي القطع بفساد ما ذكرناه ثانيا، لبعد هذا المجاز بل استقباحه حتى لو أريد الاضمار منه، فيتعين الأول حينئذ، لكن في المعالم أنه عليه يكون الحكم المستفاد من الحديث مختصا بالنجاسة المكتسبة من الأرض النجسة. وقد يقال: إنه يمكن أن يكون هذا إشارة إلى أنه بمحض المسح على الأرض لا يذهب الأثر الحاصل من الأرض السابقة مطلقا بل يبقى فيه بعض الأجزاء من الأرض المتنجسة، فتلك الأجزاء تطهرها الأرض الطاهرة، فلا ينافي عموم الحكم، لورود تلك العبارة في مقامات أخر، بل لعل تفسير الحديث بذلك أولى من غيره، لما فيه من السلامة من المجاز ونحوه، حتى ما قيل أيضا من أن المراد انتقال النجاسة بالوطء عليها من موضع إلى آخر حتى تستحيل، ولا يبقى منها شئ. نعم هو موقوف على عدم انعقاد إجماع على عدم طهارة الأرض بذلك، ولعله كذلك، بل نص على ما ذكرناه في البحار، بل ستعرف فيما يأتي زيادة قوة له، فتأمل. وبعد اعتضادها أيضا باطلاق قوله الصادق (ع) في صحيح الأحول (1) في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف، ثم يطأ بعده مكانا نظيفا: " لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا " بعد تنزيل الشرط فيه على إرادة التقدير لما يزال به أثر


(1) الوسائل الباب 32 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 306 ]

النجاسة عادة، لاطلاق غيره من النصوص والفتاوى عدا المحكي عن ابن الجنيد، حيث قال: " إذا وطأ الانسان رجليه أو ما هو وقاء لهما نجاسة رطبة أو كان رجلاه رطبة والنجاسة يابسة أو رطبة فوطأ بعدها نحوا من خمس عشر أرضا طاهرة يابسة طهر ما ماس النجاسة من رجله والوقاء لها، وغسلهما أحوط، ولو مسحهما حتى يذهب عين النجاسة بغير ماء أجزأ إذا كان ما مسحها به طاهرا " انتهى. مع احتماله ما سمعته في الرواية أيضا، بل هو أولى لقوله: " نحو " فتأمل. وبمساواته للنعل الثابتة طهارة أسفله بها باجماع جامع المقاصد، وبما في المنتهى أنه من المتيقن، وإطلاقات الأخبار السابقة، بل في النبوي (1) وان كان عاميا " إذا وطأ أحدكم بنعليه الأذى فطهورهما التراب " معتضدا ذلك كله بعدم خلاف أجده فيه، إذ اقتصار المصنف في نافعه على الخف والقدم لا صراحة به بل ولا ظهور، بل يمكن تحصيل الاجماع، بل هو كذلك مع ملاحظة الفتاوى وإطباق الناس قديما وحديثا على صلاة الحفاة والمتنعلين، ودخولهم المساجد من غير غسل الأقدام والنعال مع غلبة الظن على النجاسات، بل ومع القطع بها، بل لو كلفوا لكان فيه من الحرج ما لا يخفى. * (و) * لو لم يكن في المقام إلا هذا لكفى في طهارة * (أسفل القدم والنعل) * فكيف مع ما سمعته في الثاني الذي هو بجميعه عدا النبوي منه ثابت في سابقه أيضا، بل بعضها كصحيح الأحول طاهر فيه، بل صحيح الحلبي وحسن ابن خنيس والمروي في مستطرفات السرائر نص فيه. كصحيح زرارة (2) عن الباقر (ع) " في رجل وطأ على عذرة فساخت


(1) كنز العمال ج 5 ص 88 الرقم 1879 لكن فيه " بخفيه " بدل " بنعليه " كما تقدم في التعليقة (4) من الصحيفة 303 (2) الوسائل الباب 32 من أبواب النجاسات الحديث 7

[ 307 ]

رجله فيها أينقض ذلك وضوءه ؟ وهل يجب عليه غسلها ؟ فقال: لا يغسلها إلا أن يقذرها، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلي ". وصحيحه الآخر (1) " جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله، ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما " فتوقف الفاضل فيه في المنتهى في غير محله قطعا كترك التمثيل به عن المقنعة والمراسم والجامع والنزهة والاشارة والتلخيص ان كان لذلك، لكن الظاهر إرادتهم المثال لما ذكروه مقتصرين عليه، بل لعل ملاحظة جمع الثلاثة من بعض، والأولين خاصة من آخر، والآخرين كذلك من ثالث، والأول والأخير من رابع، والاقتصار على الأول من خامس، وعلى الأخير من سادس يؤمي إلى التعدية لغير الثلاثة مما يوقى به القدم من الأرض مثلا، ولعله لذا كان من معقد إجماع جامع المقاصد كل ما ينتعل به كالقبقاب، بل هو الأقوى وفاقا لجماعة منهم الاسكافي والسيدان في المنظومة والرياض، لاطلاق كثير من الأخبار السابقة خصوصا المستفيض من قوله (ع): " إن الأرض يطهر بعضها بعضا " الذي لا يقدح في شهادته لما نحن فيه ندرة بعض ما يوقى به كما توهم، ضرورة أن المطلق فيه نفس الأرض. نعم لو كان الدليل صحيح الأحول خاصة لأمكن المناقشة بذلك، بل قد يقال باستفادة طهارة خشبة الأقطع منه بعد الغض عن دعوى مساواتها للنعل أو القدم، بل وكعب عصاة الأعمى وعكاز الرمح ونحو ذلك، إلا أن الأحوط خلافه. بل يمكن إلحاق من يمشي على ركبتيه أو عليهما وعلى كفيه بذلك، بل وما توقى به هذه أيضا، بل ونعل الدابة ونحوه، بل وحواشي القدم مثلا القريبة من أسفله وإن كانت هي من الظاهر.


(1) الوسائل الباب 32 من ابواب النجاسات الحديث 10

[ 308 ]

بل قد يدعى ظهور صحيح زرارة السابق المشتمل على السؤال عن رجل ساخت رجله في ذلك، ضرورة ظهور السوخ فيه، بل في ظاهر كشف الأستاذ الحكم بطهارة الحواشي المذكورة تبعا للأسفل وان لم تمسح بالأرض، وهو جيد لولا مطلوبية التوقف والاحتياط في أمثال ذلك كلها، وكذا منه وغيره يستفاد أنه لا فرق في الطهارة المذكورة بين المشي والمسح وغيرهما كما نص عليه جماعة، ويقتضيه التدبر في الأخبار السابقة، ولا بين كيفيات المسح من جعل الحجر مثلا آلة للمسح وغيره. بل قيل: إن إطلاقه كغيره من الأخبار يقتضي عدم اعتبار طهارة الأرض في التطهير، بل مال إليه في الروضة والرياض، بل نسبه في الأول إلى إطلاق الفتاوى، إلا أن الأقوى خلافه، وفاقا للاسكافي وأول الشهيدين وثاني المحققين، للأصل السالم عن معارضة غير ذلك الاطلاق المشكوك في إرادة الأعم من الطاهر منه، لعدم سياقه له، ولقاعدة اعتبار سبق الطهارة في المطهر المتفق بين الفقهاء عليها على الظاهر، كما اعترف به الأستاذ في شرحه على المفاتيح، بل كان في بالي حكاية الاجماع من بعضهم عليها، بل تقدم منا في مبحث الغسالة ما يستفاد منه تحصيل الاجماع عليها أيضا، ولما يحصل للفقيه من تتبع محال التطهير بالماء حدثا وخبثا بل وبالأرض حدثا بل وخبثا في غير المقام كحجر الاستنجاء من قوة الظن بذلك، خصوصا مع ملاحظة تصريح الجماعة الذي لا يعارضه عدم تعرض غيرهم له. مضافا إلى ما قيل من إشعار صحيح الأحول وحسنة المعلى المتقدمتين به، وإلى ما في الحدائق من الاستدلال بقوله (ص) المروي في عدة طرق فيها الصحيح وغيره (1): " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " فان الطهور أعم من الحدث والخبث، وقد تقدم أنه الطاهر المطهر، ثم قال: " إنه لم يلم بهذا أحد من الأصحاب، بل استدلوا بأن النجس لا يفيد غيره طهارة، كما أنهم في بحث التيمم لم يستدلوا به على


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب التيمم

[ 309 ]

طهارة التراب، انما ذكروا الاجماع، نعم استدل به بعض المتأخرين وتنظر فيه، فليت شعري أين مصداقه الذي افتخر (ص) به إلى أن قال: ما هذا إلا غفلة تبع فيها المتأخر المتقدم ". قلت: لعلهم تركوا الاستدلال به هنا أولا لما عرفت في أول الكتاب من مجازية الطهارة في إزالة الخبث شرعا، وانه إن كان حقيقة فهو عند المتشرعة، فارادة المعنيين منه حينئذ هنا ممنوعة أو موقوف على القرينة، بل وكذا إن قلنا باشتراكه لفظا بين رفع الحدث والخبث، على أنه قد يدعى ظهوره في إرادة الحدث هنا بقرينة المسجد، وثانيا بعد التسليم لا دلالة فيه على الاشتراط كما هو واضح بعد التأمل، خصوصا إن قلنا إن المراد منه جعلت لي الأرض طاهرة مطهرة، فيكون مساقا لبيان أصل خلقة الأرض كذلك، فتأمل. وفي اعتبار جفاف الأرض في التطهير وعدمه وجهان بل قولان، أحوطهما أقواهما وفاقا للاسكافي والثانيين في الجامع والمسالك وغيرهم، وخلافا لنهاية الفاضل وروضة الثاني وذخيرة الخراساني ورياض المعاصر، للأصل وما يشعر به بل يدل عليه حسن المعلى بابراهيم، وصحيح الحلبي المروي في مستطرفات السرائر المتقدمان سابقا، بل وغيرهما أيضا باعتبار تعارف المسح والازالة بالجاف في الاستنجاء وغيره، فالاطلاقات حيئنذ بنفسها يمكن انصرافها إلى ذلك فضلا عن ملاحظة المعتبرين السابقين. فما في الرياض من أن الأقوى عدم اشتراط الجفاف، لقصور سند الخبرين مع عدم الجابر عن إطلاق أكثر النصوص والفتاوى لا يخلو من نظر، سيما دعواه القصور، ضرورة صحة الخبرين بناء على الظنون الاجتهادية. كما أن ما في مجمع البرهان من أنه لم يظهر وجه لاعتبار الجفاف إلا تخيل نجاسة الأرض، وهو غير ضار كرطوبة النجاسة، إذ الضار سبق النجاسة لا الحاصلة بنفس

[ 310 ]

التطهير كما قيل مثله في غسالة الماء القليل كذلك لا يخلو من نظر، لما عرفت من كون الوجه غير ذلك أولا، وللفرق بين المقامين ثانيا، إذ أقصى ما يمكن تسليمه عدم ضرر نجاسة نفس الأرض بنفس الازالة كما في الاستنجاء بالحجر، لا الرطوبة الكائنة على الأرض من ماء ونحوه القاضية بنجاسة المطهر والمطهر بسبب ملاقاتها للنجاسة، كما هو واضح، بل لعل ذلك كاف في إثبات المطلوب فضلا عما تقدم. بل يمكن تنزيل كلام من لم يعتبر الجفاف على إرادة الاكتفاء بالأرض الرطبة رطوبة غير متعدية لا المتعدية، كما قد يؤمي إليه ما عن نهاية الفاضل التي هي الأصل في هذا الخلاف من أن الأقرب عدم الطهارة لو وطأ وحلا، بل وكذا روضة الثاني، وإن كان بعيدا فيها، فتأمل. فيكون النزاع حينئذ لفظيا، إذ المراد بالجفاف عند من اعتبره عدم التعدي لا عدم النداوة أصلا، فالطهارة بالفرض المذكور متفق عليه بين الفريقين كما اعترف به في الروض، كما أن عدمها في ذي الرطوبة المتعدية كذلك، بناء على التنزيل المذكور الذي يشهد له استبعاد حصول الطهارة مع تلك الرطوبة المتعدية أللهم إلا أن يكون بذلك زوال النجاسة السابقة عن القدم وان تنجس بالرطوبة اللاحقة، فتأمل جيدا. ثم المدار في التطهير بالأرض على زوال العين قطعا، وهل يعتبر زوال الأثر أيضا كما صرح به في جامع المقاصد ومنظومة الطباطبائي أولا كما في كشف الأستاذ ؟ وجهان ينشآن من الأصل وقول أبي جعفر في صحيح زرارة (1) المتقدم: " يمسحها حتى يذهب أثرها " ومعروفية توقف تطهير النجاسات على إزالة آثارها، على أن المراد بالأثر هنا هو الأجزاء الصغار التي تبقى ملتصقة من عين النجاسة، فيدل على وجوب إزالتها حينئذ ما دل على وجوب إزالة أصل العين.


(1) الوسائل الباب 32 من ابواب النجاسات الحديث 7

[ 311 ]

ومن إطلاق باقي النصوص (1) ومناسبته لسهولة الملة وسماحتها، بل ولحكمة أصل مشروعية هذا الحكم من التخفيف ونحوه، بل في التكليف بوجوب إزالة ذلك من العسر والحرج ما لا يخفى، بل يمكن دعوى تعذره عادة، بل يمكن دعوى ظهور سائر النصوص في ذلك، بل يمكن تنزيل خبر الخصم على ذلك أيضا بأن يراد من الأثر الأجزاء التي لا يعتاد بقاؤها، ولا يصدق عرفا ذهاب تمام العين مع وجودها، لا الأثر بالمعنى السابق، كما عساه يؤمي إليه صحيح هذا الراوي (2) بعينه الآخر المتقدم آنفا المشتمل على حكم ما نحن فيه مع الاستنجاء الظاهر في مساواتهما في كيفية التطهير، وقد عرفت في ذلك الباب عدم وجوب إزالة الأثر، بل مع قطع النظر عن هذا الصحيح يمكن للفقيه الماهر بملاحظة ما تقدم هناك تحصيل الظن إن لم يكن القطع بمساواتهما في ذلك، وانه به يفرق بينه وبين التطهير بالماء، بل بدونهما يمكن القطع إذا لاحظ السيرة وتعذر إزالة تلك الأجزاء أو تعسرها، خصوصا ما يكون في الشقوق منها، كتعذر العلم بذلك أو تعسره بالحكم المذكور، سيما مع ملاحظة عدم شئ من هذه المداقة في النصوص، بل ظاهر الاكتفاء بها بالخمسة عشر ذراعا ونحوه خلافه، بل لعل التأمل فيها مع الاستقامة يشرف الفقيه على القطع بذلك، فلا ريب أن الأقوى الثاني. هذا كله إن كانت عين النجاسة موجودة فيما يراد تطهيره، أما إذا لم تكن بل كانت نجاسة حكمية خاصة كفى في الطهارة مجرد المماسة كما صرح به الطباطبائي في منظومته، والاستاذ في كشفه، بل إليه يرجع ما في المعتبر والمنتهى والذكرى والذخيرة وغيرها من التصريح بعدم اشتراط جرمية النجاسة وجفافها في الطهارة، بل ظاهر نسبة الخلاف في أكثرها إلى بعض الجمهور خاصة عدمه بيننا، بل الاجماع عليه عندنا، ولعله لاطلاق الأدلة وأولويتها من العينية، وفحوى الاكتفاء به في الاستنجاء، بل هي هي وزيادة.


(1) و (2) الوسائل الباب 32 من ابواب النجاسات الحديث 0 - 10

[ 312 ]

لكن قد يناقش فيه إن لم يكن مجمعا عليه بمنع الأولوية وظهور الأدلة في العينية التي تزال بالمسح والدلك والمشي ونحوها، وتتبعها الحكمية، لا إذا كانت هي لا غير، والأمر سهل. وظاهر المصنف كباقي الأصحاب اختصاص الأرض في التطهير لتلك الأشياء فلا يجزئ مسحها ببعض الأجسام المزيلة لذلك وان كان على وجه أبلغ من الازالة بها، للأصل وظاهر النبويين السابقين السالمين عن معارضة إطلاق بعض الأدلة بعد انصراف المسح فيها ونحوه إلى الغالب المتعارف من آليته لنحو هذه الأمور سيما بعد انجبار ذلك بتطابق الفتاوى ظاهرا عليه بحيث لم يعرف قائل بالتعدي كما اعترف به الأستاذ في شرحه للمفاتيح وغيره، فما عساه يظهر - من إطلاق عبارة الاسكافي السابقة من الاجتزاء بذلك كما عن نهاية الفاضل الاشكال فيه، بل في الذخيرة أن القول به لا يخلو من قوة للاطلاق في غير محله قطعا، بل يمكن تنزيل عبارة أولهم على ما سمعته من الغلبة، فتخلو المسألة حينئذ عن المخالف كخلوها عن الدليل المعتبر، إذ الاطلاق منزل على ما عرفت، والقياس على الاستنجاء لا نقول به، وإن أشعر صحيح زرارة بمساواتهما، فتأمل جيدا. * (و) * من المطهرات في الجملة كتابا (1) وسنة (2) إجماعا بل ضرورة * (ماء الغيث) * إذ هو كالجاري * (لا ينجس) * بغير التغيير * (في حال وقوعه) * وتقاطره على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة كما في اللوامع، بل عن الروضة نسبته إلى عامتهم عدا الشيخ، بل في المصابيح بعد نسبته إلى فتوي الأصحاب انه لم يثبت مخالف ناص إلى آخره. لكن إذا كان تقاطرا عن قوة بحيث يصدق عليه اسم المطر


(1) سورة الفرقان الآية 50 (2) الوسائل الباب 6 من ابواب الماء المطلق

[ 313 ]

والغيث لا قطرات يسيرة حتى القطرة والقطرتين، كما حكاه الشهيد الثاني عن بعض السادات المعاصرين له. * (ولا حال جريانه من ميزاب) * مع اتصاله بالنازل من السماء وعدم انقطاعه عنه بلا خلاف أجده فيه، بل هو مجمع عليه، كما أنه المتيقن من الأدلة، بل ظاهر تهذيب الشيخ ومبسوطه اشتراط كونه كالجاري بذلك، كما عن الجامع بل والوسيلة والموجز، وإن كان لم يثبت ذلك عن الأخير، بل ظاهر ما حضرني من نسخته خلافه كما أن سابقه لم يذكر الميزاب، بل قال: وحكم الماء الجاري من المشعب من ماء المطر كذلك، أي كالجاري، والمشعب كما عن القاموس الطريق، وكمنبر المثقب الطريق العظيم، لكن الظاهر منه إرادة مطلق المجرى من الميزاب. * (وشبهه) * فيتحد حينئذ مع الشيخ بناء على إرادته ذلك أيضا من الميزاب في أنه لا ينجس إذا كان كذلك * (إلا أن تغيره النجاسة) * بل قد يريدان مسمى الجريان كما في غسل البدن ونحوه أي مجرد الانتقال من مكان ونحوه، فيتحدان حينئذ مع مختار كشف اللثام في اشتراط ذلك المنفي عند البعد في المدارك والكفاية، بل قد يريدون جميعا به الأعم من القوة كما إذا كان كثيرا والفعل، فيتحد حينئذ مع ما في الحدائق وعن الأردبيلي من اعتبار ذلك حقيقة أو حكما، بل هو قريب جدا بالنسبة إلى كلام الشيخ وابن زهرة، بل يمكن القطع به، نعم هو بعيد جدا إن لم يكن ممتنعا بالنسبة إلى كلام كشف اللثام. لكن عليه وعلى ما سمعت تكون الأقوال حينئذ ثلاثة: المشهور، هو عدم اشتراط ما يزيد على ما يسمى به مطرا أو غيثا، والاكتفاء بالقطرة والقطرتين، واعتبار الكثرة والجريان ولو قوة، وبدون ذلك تكون ستة أو سبعة كما هو واضح بعد التأمل: الثلاثة السابقة، والقول باعتبار الجريان فعلا من الميزاب خاصة، أو منه ونحوه،

[ 314 ]

أو مسمى الجريان وإن لم يكن من ميزاب ونحوه، بل كان كجريان ماء أعضاء الطهارة، وإن كان الأول من هذه الثلاثة محتملا لارادة المثالية من الميزاب، بل ولارادة الحكمي من الجريان، أي يعتبر بلوغ المطر حدا يجري من الميزاب ونحوه وإن لم يجر منهما، أو حد الجريان مطلقا وإن لم يجر أصلا، بناء على جعل الميزاب مثالا لأصل الكثرة. ثم انه هل يختص الحكم بالجاري حقيقة أو حكما أو يثبت لمطلق ماء المطر بمجرد جريانه كذلك في بعض المواضع ؟ وجهان، لم أعثر على من نص على أحدهما، كما أنه بناء على اعتبار التقدير لم ينصوا على أنه هل يعتبر الأرض بأن تكون مثلا وسطا في الصلابة والرخاوة، فلا تكون صخرا ينحدر عنه الماء سريعا ولا رملا يغور فيه، وكذلك بالنسبة إلى استوائها وانحدارها، إلا أنه ظهر لك كون الأقوال ستة أو سبعة أو أزيد، بناء على عدم رجوع بعضها إلى بعض، بل لعل ما استظهر من العلامة من اعتبار الكرية هنا كما أعتبرها في غيره من أفراد الجاري يكون قولا آخرا، لكن المحكي عنه في المنتهى والتحرير ونهاية الأحكام والتذكرة أن ماء المطر كالجاري البالغ كرا وإن لم يبلغه هو، بل هو محتمل عبارته في القواعد أيضا، بل قد يؤيده استبعاد اعتبارها من مثل العلامة، لمنافاته للأدلة أولا، وسماجته ثانيا، إذ لم يعلم اعتبارها في الموجود بالسحاب أو في الواقع على الأرض أو ما بينهما، وعلى الثاني فهل المدار على اجتماع ذلك في مكان خاص، أو يكفي تقديره بالنسبة إلى تمام الواقع عليها، إلى غير ذلك من الأمور المستبعد التزامها جدا، ولعله لذا حكي عن المجمع دعوى الاجماع على عدم اشتراط الكرية هنا. وكيف كان فالمشهور هو الأقوى، للأصل والعمومات وظاهر الكتاب معتضدا بفتوى المعظم، بل عدم ثبوت المخالف الناص كما سمعت، بل في حاشية المدارك للأستاذ قيل: لا خلاف في عدم انفعاله حال تقاطره، بل قد يشهد له استبعاد القول بنجاسة المياه الكثيرة المجتمعة من الأمطار الغزيرة في الأرض المستوية، بل هو معلوم البطلان،

[ 315 ]

وإن كان هو لازما للقول باعتبار الجريان فعلا، كما أن لازم طاهر الشيخ من اعتبار الميزاب نجاسة الفرض المذكور وإن جرى في الأراضي المنحدرة، بل وإن صارت كالأنهار العظيمة، وهو معلوم البطلان. هذا كله مع موافقته لسهولة الملة وسماحتها، بل عسر الاحتزاز عن ماء المطر وطينه المباشر للنجس، والسيرة المستقيمة التي اعترف بها غير واحد من الأساطين. والنصوص المستفيضة كمرسل الكاهلي (1) عن الصادق (ع) قال: " قلت: يسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير وأرى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه والبيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا، قال: ما بذا بأس، كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر ". ومرسل محمد بن إسماعيل (2) عن أبي الحسن (ع) " في طين المطر انه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر ". ومرسل الفقيه (3) " سئل يعني الصادق (ع) عن طين المطر يصيب الثوب فيه البول والعذرة والدم، قال: طين المطر لا ينجس ". وخبر أبي بصير (4) سأل الصادق (ع) " عن الكنيف يكون خارجا، فتمطر السماء فتقطر علي القطرة، قال: ليس به بأس ". وصحيح هشام بن سالم (5) انه سأل الصادق (ع) أيضا " عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب، فقال: لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر ".


(1) و (3) الوسائل الباب 6 من ابواب الماء المطلق الحديث 5 - 7 (2) الوسائل الباب 75 من ابواب النجاسات الحديث 1 (4) و (5) الوسائل الباب 6 من ابواب الماء المطلق الحديث 8 - 1

[ 316 ]

وصحيح علي بن جعفر (1) " سأل أخاه عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله ؟ قال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس " إلى غير ذلك. والمناقشة في سند بعضها يدفعه الانجبار بما عرفت، كالمناقشة في الدلالة بعد تضمن شئ منها أنه كالجاري أولا، وبتناولها لما بعد النزول والانقطاع الذي نقل الاجماع غيره واحد منهم الفاضل الاصبهاني في كشفه، والعلامة الطباطبائي في مصابيحه على أن حكمه حينئذ حكم الواقف ثانيا، وبأنها مطلقات قابلة للحمل على غيرها ثالثا، لوضوح اندفاعها بعدم الفرق بين التصرحيح بكونه كالجاري وبين تضمنها للوازمه مع عدم تنجسه بملاقاة النجاسة وتطهيره لكل ما يراه، وترك الاستفصال عن الطين المحكوم بطهارته قبل أن يتنجس أنه هل كان من أرض نجسة مثلا أولا، بل قد عرفت التصريح في بعضها بأن فيه البول والعذرة والدم، كالتصريح في آخر بأنه يكف من السطح الذي يبال عليه، والمراد بأنه يخرق السقف ويسقط، وبأن العام المخصوص حجة عندنا، وبقصور المقيد بعد تسليم قابليتها جميعا لذلك عن التقييد كما هو واضح. بل يمكن دعوى حصول القطع للفقيه بمساواة الغيث للجاري إذا لاحظ مجموع أخبار المقام بعد استقامة الفهم، كما أنه يمكنه القطع بفساد الأقوال السابقة بمجرد تصورها من غير احتياج إقامة أدلة على ذلك، خصوصا إذا لاحظ خلوها عن الشاهد المعتبر، إذ ليس هو إلا أدلة القليل الواضح عدم شمولها للمقام، وبعد التسليم يجب الخروج عنها ترجيحا لما سمعت عليها. وصحيح علي بن جعفر (2) عن أخيه موصى (عليهما السلام) قال: " سألته عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من ابواب الماء المطلق الحديث 2

[ 317 ]

للصلاة ؟ قال: إذا جرى فلا بأس به ". كخبره الآخر (1) المروي عن كتابه سأل أخاه أيضا " عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب أيصلي فيه قبل أن يغسل ؟ قال: إذا جرى به المطر فلا بأس ". والآخر أيضا المروي (2) عن كتابه والحميري سأل أخاه أيضا " عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فكيف فيصيب الثوب أيصلي فيه قبل أن يغسل ؟ قال: إذا جرى من ماء المطر فلا بأس ". وهي مع إمكان الطعن في سند الأخيرين لعدم ثبوت تواتر كتابه، وظهور الثالثة في إرادة الاحتراز عن ماء الكنيف، بل لعلها في خلاف المطلوب أظهر منها فيه محتملة جميعا لورود الشرط فيها مورد الواقع، كما في قوله تعالى (3): " إن أردن تحصنا " ضرورة ظهور السؤال بلوغ المطر حد الجريان، وفائدة الشرط حينئذ التنصيص على مورد السؤال، كما أن أولها الذي هو العمدة في المقام محتمل أيضا لارادة بيان عدم التمكن من الأخذ غالبا بدونه، لا لنجاسة الماء إذا انتفى الجريان، ولبيان أنه بدونه مظنة التغير بنجاسة السطح، خصوصا وقول: " يبال عليه " مشعر بتكرر ذلك، بل يكون كالمعد له، ولا ريب ان للبول مع ذلك أثر باقيا محسوسا، فأذا كان المطر قليلا لا يبلغ حد الجريان لزمه التغير فينجس به دون الملاقاة، ولارادة التدافق والتكاثر منه احترازا عن القطرات اليسيرة التي لا يعتد بها، ولارادة نفي البأس حال جريانه ونزوله، والغرض المنع عن أخذه بعد الانقطاع، بناء على عدم طهارة السطح بمجرد وصول ماء المطر إليه، فانه إذا لم يطهر به وبقي فيه شئ بعد الانقطاع نجس بمحله النجس، فلم يجز استعماله في الطهارة، ولارادة النزول من السماء على أن يكون مرادا به التعليل لا الشرط


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من ابواب الماء المطلق الحديث 9 - 3 (3) سورة النور الآية 33

[ 318 ]

حتى يرد عليه أنه لا طائل تحته، على أن أقصاه ثبوت البأس الذي هو أعم من المنع، إذ لعل وجهه توقف النظافة، بل لو سلم إرادة المنع منه فهو أعم من النجاسة، إذ لعله لكونه بعد الانقطاع غسالة غير رافعة للحدث، بل ظاهر الصحيح المذكور إناطة بعض الأحكام بالجريان، وهو لا ينافي ثبوت غيره، بل ربما قيل إنه لا يراد من الشرط هنا قطعا، ضرورة أنه إذا لم يكن طاهرا لم يطهره الجريان. لكن قد يدفعه أن الخصم لا يلتزم نجاسته لو باشر نجاسة قبل أن يجري حتى يرد عليه عدم معقولية الطهارة بالجريان، بل حكي الاجماع على عدم ذلك، بل لعله يقول: إذا جرى انكشف أنه من الماء الذي لا يقبل النجاسة بالملاقاة نظير المختار بالنسبة للقطرات اليسيرة ابتداء، فانه ينكشف عدم قابليتها للنجاسة إذا تواتر بعدها المطر وقوي مثلا، لا أنها تنجس ابتداء، فيسقط حينئذ رد الصحيح من هذا الوجه، بل قد يناقش في بعض ما تقدم من الوجوه السابقة أيضا، إلا أن ذلك لا يقدح في جميع ما سمعت، إذ البعض كاف حينئذ. كما أنه يكفي في رد ما عساه يتمسك به لمن اعتبر الكثرة الموجبة للجريان تقديرا من صحيح هشام بن سالم المتقدم سابقا، فان قوله (ع) فيه: " ما أصابه من الماء أكثر " بمنزلة التعليل لنفي البأس، فيفهم منه ثبوته إذا لم يكن كذلك أن يقال: إن المراد بالأكثرية هنا القهر والغلبة دون المقدارية إذ البول الجاف لا مقدار له، على أن أكثرية الماء من البول لا تقتضي تحقق الجريان فيه، إذ ربما لم يجر وهو أكثر منه، ومحتمل لرجوع ضمير " أصابه " إلى الثوب، أي أن القطرات الواصلة للثوب أكثر من البول الذي أصابه. بل قد يقال: إن انتفاء العلة المنصوصة لا يقتضي انتفاء المعلول وإن كان اطرادها يقتضي اطراده، بناء على حجية منصوص العلة إلى غير ذلك.

[ 319 ]

وكذا ما يتمسك به للقائل بطهارة القطرة والقطرات من عموم مرسل الكاهلي يدفعه المنع من تسميته ماء مطر، كما أنه يدفع ما يقال لو نجست القطرة بالملاقاة لنجس الأكثر بذلك أيضا، إذا المطر ليس إلا قطرات متعددة أنه من الجائز تقوي القطرة باتصال التقاطر، كتقوي الجرية باتصال الجاري، وهو واضح. فظهر لك لمن ذلك كله بحمدالله ان التحقيق كونه كالجاري جرى حقيقة أو حكما أو لم يجر، فالماء النجس يكفي في تطهيره حينئذ وقوع قطرات المطر عليه، لاتصاله حينئذ بالجاري من غير حاجة إلى انتظار الامتزاج، بناء على عدم اعتباره في أمثاله، بل وعليه أيضا، لامكان دعوى الاستغناء هنا خاصة بقوله (ع): " كل شئ رآه ماء المطر " معتضدا باطلاق الآيتين (1) إن قلنا باستفادة تعميم كيفية التطهير منهما، والقول بعدم صدق رؤية ماء المطر له إلا باستيعابه تماما المتعذر ذلك بالنسبة للتقاطر، بل إن كان يتحقق فهو بغيره مما لا ينبغي أن يصغى إليه، بل يمكن أن يدعى الصدق المذكور بالقطرة الواحدة، فيطهر بها حينئذ كما حكاه الشهيد الثاني عن بعض من عاصره من السادة، بل قال هو: " إنه ليس ببعيد، لكن العمل على خلافه " انتهى. قلت: وهو كذلك، بل قد يمنع كونه على خلافه، أو يسلم ويمنع حجية مثله. كما أنه يؤيد بما تقدم تقريره هناك في باب المياه من أن القطرة الواحدة المحكوم عليها بأنها كالجاري بعد اتصالها بالماء النجس فاما أن يطهر النجس أو ينجس الطاهر أو يبقى كل على حكمه، لا سبيل للثالث، إذ ليس لنا ماء واحد بعضه طاهر وبعضه نجس، كما لا سبيل لسابقه بعد فرض كون كالجاري، فلم يبق إلا الأول، فيطهر حينئذ أول جزء ثم يطهر الباقي في زمان واحد، وهذا لا ينافي ما قدمناه سابقا من عدم الاجتزاء القطرة والقطرتين للفرق الواضح، إذ المراد بعدم الاجتزاء هناك انما هو في أصل


(1) سورة الأنفال الآية 11 وسورة الفرقان الآية 50

[ 320 ]

مسمى المطر لا بالنظر إلى ما يصيب منه بعد تحققه، لكن ربما اشتبه ذلك على بعضهم فطنهما من واد واحد، ولذا نسب إلى السيد الذي هو في عبارة الشهيد القول بالاجتزاء بالقطرة والقطرتين في أصل المطرية، وجعله قولا مستقلا من الأقوال السابقة، والأمر سهل بعد أن عرفت ضعفه على أحد التقديرين، وصوابه على الآخر. وما عن المعالم من الحكم بغلطه أيضا للفرق بين المقامين بتقوي الجزء الملاقي للنجس باتصاله بالكثير، أو ما كان بحكمه هناك، بخلافه هنا، إذ أقصاه تطهير القطرة ما تلاقيه، ثم يجري عليها حكم الانقطاع بعد ذلك، وهي بعده في حكم القليل، فليس للجزء الذي طهر بها مقوم حينئذ ليستعين به، بل هو معها حين الانقطاع ماء قليل ينجس بالملاقاة من غرائب الكلام، ضرورة أن القطرة بالنسبة إلى أول ملاقاتها بحكم الجاري قطعا، ففي آن طهارة الجزء الملاقي لها يطهر الجميع حينئذ دفعة من غير حاجة إلى ترتب زماني كما تقدم ذلك في محله، أقصاه التقدم ذاتا، وهو كاف، وجريان حكم الانقطاع عليها بعد ذلك غير ضائر، على أنه يجري مثل الاشكال المذكور أيضا فيما لو تواتر القطرات على الماء النجس، لحصول الانقطاع بالنسبة إلى كل قطرة لاقت ذلك الماء، تنجس به حينئذ، وهو واضح الفساد عند القائلين بكونه كالجاري حال تقاطره، هذا كله بعد الاغضاء عما يمكن دعواه في المقام وإن لم أجده محررا في كلام الأصحاب، بل المحرر غيره من القول بأن ماء المطر له حكم الجاري حال تقاطره قبل ملاقاته جسما من الأجسام، وبعده أيضا لكن بشرط عدم انقطاع التقاطر من السماء، وعدم صيرورته في مكان يصدق عليه اسم الانقطاع عن المطر عرفا، كما لو وضع في خابية وترك في بيت مثلا، بل كان متعرضا ومتهيئا لوقوع التقاطر عليه، فان الظاهر جريان حكم الجاري عليه بنفسه كما كان حال تقاطره قبل استقراره، لا لاتصاله بالجاري

[ 321 ]

أي القطرات الواقعة، وإلا فهو في حكم المنقطع كما صرح به الطباطبائي في مصابيحه، بل ظاهره فيها انه من المسلمات، فانه بعد أن ذكر حكم ماء المطر بعد الانقطاع من النجاسة لو كان قليلا وعدمها لو كان كرا واستدل عليه بالاجماع والأخبار قال: " والمراد بانقطاع المطر انقطاع تقاطره من السماء لا مطلقا، فلو انقطع كذلك ثم تقاطر في سقف أو جدار فبحكم الواقف، وكذا لو جرى من جبل أو أرض منحدرة بعد سكون المطر، ويحصل الانقطاع في القطرات النازلة بملاقاتها لجسم ولو قبل الاستقرار على الأرض، فلو لاقت في الجو شيئا ثم سقطت على نجس نجست بالملاقاة ما لم تتقو باتصالها بالنازل بعدها " انتهى، وهو كما ترى صريح في مخالفة ما ذكرنا. وتظهر الثمرة معه في أمور عديدة: (منها) ما نحن فيه، فانه بناء عليه لا ينقطع حكم الجريان من القطرات الواقعة على الماء النجس، بخلافه على الوجه الآخر. و (منها) ان الماء المجتمع من المطر إذا كان فيه عين نجاسة لم ينجس شئ لاقاه ما دامت السماء تكف وإن اتفق إصابته حال عدم وقوع قطرات عليه، بخلافه على الآخر، فان المتجه عليه النجاسة وإن أصابه حال وقوع التقاطر عليه فضلا عن غيره، إذا القطرات النازلة وإن كانت بحكم الجاري لكنها بعد وقوعها وملاقاتها للجسم صارت مثله بحكم الواقف، فلا يتقوى بها، والفرض وجود عين النجاسة من عذرة ونحوها فيه. و (منها) انه يتم بناء عليه ما ذكره في الذخيرة والحدائق من تقوي الماء القليل من غير المطر الطاهر بالتقاطر عليه بحيث لا ينفعل بالملاقاة، بناء على المشهور من عدم اعتبار الجريان في مساواته للجاري، بخلافه عليه إذ أقصاه عليه أنه ينجس ويطهر لا أنه لا ينجس بالملاقاة، أللهم إلا أن يقال فيه وفيما تقدم انه يكتفى في الاتصال بالجاري بنحو ذلك، فترتفع الثمرة حينئذ بيننا في جملة من المقامات، أو يقال إن ذلك كله من أحكام الملاقاة الأولى التي هي بحكم الجاري، انما البحث في الملاقاة الثانية.

[ 322 ]

و (منها) ما ذكره في كلامه من تنجس القطرة في ثاني الوقوعين بالمقلاة، بخلافه عندنا، إلى غير ذلك من الأمور التي تظهر بالتأمل. كما انه بالتأمل في أخبار المقام يظهر دليل ما ذكرنا من عدم انقطاع حكم الجاري عنه بمجرد ملاقاته لجسم من الأجسام حتى خبري الميزابين المروي أحدهما (1) في الحسن عن الصادق (ع) " في ميزابين سالا: أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضره ذلك " ويقرب منه ثانيهما (2) وإن كان الوجه تنزيلهما على الاستهلاك، بل مرسل الكاهلي وخبر أبي بصير المتقدمان آنفا كالصريحين فيه، بل وخبر هشام بن سالم كذلك، بل وغيره بل جميع ما ورد فيما نحن فيه ظاهر في مساواته لحكم الجاري بعد وقوعه وملاقاته لكونه ماء مطر، لا لاتصاله بماء المطر كما ذكره المحقق المذكور، مضافا إلى استصحاب حكم الجاري نفسه فضلا عن الطهارة. وكأنه ألجأه رحمه الله بعد الاقتصار على المتيقن من تخصيص قاعدة القليل بالمتيقن من ماء الغيث، بل قد يدعى ظهوره في النازل من السحاب نفسه انه لا وجه لجريان حكم الجاري عليه بعد ملاقاته، وإلا لزم أن لا ينجس مادامت السماء تكف وان أحيز في آنية وقطع عن التقاطر، وهو ضروري الفساد ويدفعه أنه لا تلازم، إذ لعل الضابط ما ذكرناه، فتأمل جيدا فان المسألة من مزال الأقدام، ومحتاجة بعد ذلك إلى مزيد كلام لا يسعه المقام، إذ هي ليست محررة في كلام أحد من الأعلام، بل لم يتعرض لها سوى العلامة المزبور في الكتاب المذكور، وأما غيره فألطلق، بل هو نفسه في منظومته كذلك أيضا. نعم قد يظهر ما قلناه من مجموع ما في كشف الأستاذ هنا الذي منه قوله:


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الماء المطلق الحديث 4 (2) الوسائل الباب 5 من ابواب المطلق الحديث 6

[ 323 ]

" ولو ترشح ماء مما يقع على نجاسة العين مع بقاء التقاطر فلا بأس به ثم قال: وهو عاصم لما اتصل به من الماء، مطهر لما وقع فيه، ومعصوم لا ينجس إلا بالتغير " إلى غير ذلك من عباراته، فلاحظ وتأمل، بل ربما يظهر منه الميل إلى كون المتقاطر من النافذ في السقف منه بحكم الجاري أو الشك فيه، حيث قال: " وما يشك في صدق اسم المطر عليه كالقطرة والقطرتين، وما يتكون من الأبخرة السماوية من بعض القطرات، وما حجبه عن السماء حاجب كبعض الغمام الداخل في بعض البيوت المبنية على رؤوس الجبال، وما تقاطر من السقف بعد نفوذه في أعماقه إن لم يدخل في عموم قوله (ع) (1): " له مادة " فلا يحكم عليه بحكمه " انتهى. وهو جيد وإن أمكن المناقشة في المذكور ثالثا في كلامه بمنع الشك فيه بمجرد حجبه عن السماء، لكن الأمر سهل بعد ظهور كلامه الأول فيما سمعت المتجه بناء عليه استثناء ماء الغيث من قاعدة القليل، سواء قلنا بتساوي الورودين في الانفعال وعدمه، إذ ماء الغيث عندنا أعم من النازل والمجتمع منه على الأرض مع بقاء التقاطر بخلافه على غيره، فانه لا يتجه استنثاؤه حينئذ إلا على تقدير القول بالتساوي وإلا فعلى القول بعدمه لا وجه لاستثنائه، لعدم تصور الغيث غالبا إلا واردا، لأنه عليه عبارة عن القطرات النازلة. وإن أمكن أن يناقش في الأول بأنه عليه لم يظهر فرق حينئذ بين ماء الغيث نفسه وبين غيره إذا كان يتقاطر عليه كالمجتمع من ماء المطر حينئذ، كما أنه قد يوجه الاستنثاء على الثاني أيضا بأن الطهارة الماء الوارد على القول به مخصوصة بالوارد المتميز عن المورود عليه بعد الورود، فأما غير المتميز كالوارد على الماء النجس فانه ينجس به على القولين، لاتحاد حكم الماءين المختلطين على الوجه الرافع للتمييز، فيتجه حينئذ استثناء


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب الماء المطلق الحديث 6

[ 324 ]

ماء الغيث، ضرورة عدم كونه كذلك إذا لاقى الماء النجس، ولذا وجب (عدم كونه كذلك إذا لاقى الماء النجس) (1) الحكم حينئذ بطهارته مع اتصاله به، فيستثنى حينئذ من قاعدة القليل لذلك، فتأمل جيدا. ثم أن كيفية التطهير بالغيث ككيفية التطهير بالجاري لا يحتاج إلى عصر أو تعدد أو نحوهما * (و) * لا نجاسة في غسالته وإن كان قليلا، بخلاف * (الماء) * القليل غيره * (الذي يغسل به النجاسة) * فانه * (نجس) * على الأشهر بين المتأخرين، بل المشهور * (سواء كان في الغسلة الأولى أو الثانية، وسواء كان متلونا بالنجاسة أو لم يكن، وسواء بقي على المغسول عين النجاسة أو نقي) * بل * (وكذا القول) * في غسالة * (الاناء على الأظهر) * عند المصنف لا عند الشيخ، فحكم بطهارة الغسلتين في إناء الولوغ، والثانية في غيره على ما حكي عنه، بل ولا عندنا لما تقدم سابقا أن الأظهر طهارة ماله مدخلية في نفس تطهير المتنجس من ماء الغسالة من غير فرق بين الاناء وغيره، والغسلة الأخيرة وغيرها، بناء على مدخليتهما معا في الطهارة، وإلا اختص الحكم المذكور بالأخيرة كما قواه العلامة الطباطبائي فيما حضرني من نسخة منظومته، فقال: وطهر ما يعقبه طهر المحل * عندي قوي وعلى المنع العمل وقد تقدم البحث في ذلك مفصلا بحمدالله وبركة محمد وأهل بيته (صلوات الله عليهم) فراجع وتأمل. ومنه يظهر لك وجه ما في الخلاف والسرائر واللوامع، بل هو كصريح مجمع البرهان وظاهر الذكرى بل والمدارك من تطهير الأرض النجاسة بالبول كما في الأولين أو به وبغيره كما هو ظاهر غيرهما، بل وهما إن حمل البول فيهما على المثال بالماء القليل في ذنوب ونحوه الغالب القاهر، واليه أشار المصنف بقوله: * (وقيل في الذنوب) *


(1) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصحيح حذف ما بين القوسين

[ 325 ]

بفتح الذال الذي هو في الأصل كما في مجمع البحرين الدلو العظيم، لا يقال لها ذنوب إلا وفيها ماء، وكانوا يستقون فيها لكل واحد ذنوب، فجعل الذنوب النصيب، كما عن القاموس انه الدلو فيها ماء أو الملائي أو دون الملائي * (إذا ألقى على نجاسة على الأرض يطهر الأرض مع بقائه على طهارته) * ضرورة وضوحه بناء على طهارة الغسالة مطلقا بل وعلى القول بطهارة الأخير خاصة إذا فرض نجاسة الأرض بما لا يحتاج إلى التعدد، بل وبه أيضا مع جفاف الغسالة الأولى مثلا، لأن اقصاه صيرورة الأرض نجسة بها أيضا مع النجاسة الأولى، فتطهرهما الغسلة الثانية حينئذ، بناء على عدم اعتبار التعدد في طهارة المتنجس بماء الغسالة وإن كان غسالة واجب التعدد، بل يمكن القول بامكان التطهر في الفرض وإن لم نقل بطهارة الغسالة، لطهورية الماء وتحقق صدق الغسالة الذي هو بالنسبة إلى كل شئ بحسبه، والحرج لعدم تيسر غيره في أكثر الأمكنة، وإمكان كون ماء الغسالة كالمتخلف في كثير الحشو ونحوه، وخلو الأدلة عن نفيه مع غلبة وقوعه وقلة التمكن من الماء الكثير في الأزمنة السالفة. وإشعار قول الصادق (ع) في صحيح ابن سنان (1) وخبر أبي بصير (2) بعد سؤاله عن الصلاة في البيع والكنايس وبيوت المجوس: " رش وصل " بناء على الظاهر منه من كون ذلك للتطهير لا تعبدا أو زوال النفرة أو دفع الوسواس بفعل ما ينبغي أن يزيده، كاشعار تعليل طهارة السطح بماء الغيث في صحيح هشام المتقدم سابقا بأن " ما أصابه من الماء أكثر " إن لم يجعل اللام فيه للعهد الخارجي أو بمنزلته، وتعليل طهارة ماء الاستنجاء بأنه أكثر من القذر، والنبوي المروي في الخلاف والسرائر وغيرهما، بل وصف بالمشهور في مجمع البرهان وعن الموجز والبيان والمقبول في الذكرى.


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب مكان المصلى الحديث 2 (2) الوسائل الباب 14 من ابواب مكان المصلى الحديث 3

[ 326 ]

بل يشهد له رواية ابن إدريس (1) له مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله مستدلا به على المختار، مع أنه لا يعمل بالصحيح من أخبار الآحاد فضلا عن مثله " دخل أعرابي المسجد، فقال: أللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أعجزت واسعا، قال: فما لبث أن بال في ناحية المسجد، وكأنهم عجلوا إليه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله ثم أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ثم قال: اعلموا ويسروا ولا تعسروا ". والمناقشة فيه بعدم حجيته إذ هو من طرق العامة بل رواية أبو هريرة منهم الذي قد نقل عن أبي حنيفة الاعتراف بكذبه ورد رواياته، بل عن بعضهم أنهم لا يقبلون رواياته في معالم الحلال والحرام، وانما يقبلونها في مثل أخبار الجنة والنار يدفعه إمكان دعوى الانجبار بما تقدم سابقا، بل يمكن دعوى الشهرة على مضمونه إذا لوحظ القائلون بطهارة الغسالة. كما أنه لا داعي ولا مقتضي للمناقشة في متنه وتأويله بما هو مخالف لظاهره من احتمال كرية الذنوب وإرادة الرطوبة له بعد أن جف للتطهير بالشمس، وإزالة نفس العين بالصب لذلك وحجرية الأرض وصلابتها مع انحدارها إلى خارج المسجد، إذ لا بحث في إمكان طهارتها حينئذ وإن نجس ذلك المحل الذي ينتهي إليه ماء الغسالة، انما البحث في الرخوة التي لا ينفصل تمام الغسالة منها. بل ظاهر المصنف في المعتبر إمكان تطهير هذه أيضا إذا فرض انحدارها وإمكان إغمارها بالماء بحيث ينتهي منها إلى المحل الآخر وإن تخلف منه فيها ما تخلف، فانه بعد أن رد على الشيخ دعواه وعارض مستنده برواية ابن معقل (2) عن النبي صلى الله عليه وآله


(1) عمدة القارئ في شرح البخاري للعيني ج 1 ص 884 (2) كنز العمال ج 5 ص 84 الرقم 1753

[ 327 ]

انه قال في الحكاية السابقة: " خذوا ما بال عليه من التراب وأهريقوا مكانه " المعلوم قصورها عن معارضة ذلك من وجوه قال: " فالوجه أن طهارة الأرض بجريانه الماء عليها والمطر أو تطلع الشمس عليه حتى يجف أو تغسل بما يغمرها لم يجر إلى موضع آخر فيكون ما انتهى إليه نجسا " انتهى. ودعوى إرادته الصلبة لا شاهد عليها بل ظاهر كلامه يأباها. بل ظاهر النراقي في اللوامع نسبة ذلك إلى غير المصنف من القائلين بعد طهارة الأرض بالقليل، حيث قال فيها: " من لا يطهر الأرض بالقليل فالتطهير عنده بجريان أحد الثلاثة مع الغلبة المهلكة، أو بوقوع الشمس عليه حتى يجف، أو بأخذ ما قطع بنجاسته من التراب، أو بصب ماء يغمرها ثم إجراؤه إلى موضع آخر فينجس ذلك الموضع، أو بتطيينه بطين طاهر " إلى آخره. وإن كان الثالث والأخير ليس من التطهر حقيقة، لكن على هذا ينحصر النزاع بين المصنف مثلا والشيخ بالنظر إلى قابلية التطهير في الأرض الرخوة غير المنحدرة التي لا يمكن إجراء ماء الغسالة عنها إلى محل آخر، وإلا فالنزاع معه في الأرض المنحدرة نفسها والصلبة أيضا من غير هذه الجهة، كطهارة الماء وعدمها، بل قد يقال: إن المتجه بناء على ما سمعته من المصنف القول بالطهارة في الأرض المستوية أيضا كما حكي عن أبي حنيفة باعتبار رسوب ماء الغسالة فيها إلى الباطن فيطهر حينئذ هذا الظاهر الذي انفصل عنه الماء، بل لا فرق عند التأمل بين الانفصال بالاجراء ونحوه المذكور في كلامه وبينه. وإلا أن الانصاف ان المعروف بين القائلين بنجاسة الغسالة وعدم قابلية الأرض للطهارة بالقليل عدم الفرق بين المستوية الرخوة والمنحدرة، إذ المانع عندهم عدم انفصال ماء الغسالة المحكوم بنجاسته، وإن أمكن مناقشتهم في ذلك، كما يظهر لك من المباحث السابقة عند البحث عن الطهارة ما لا يعصر ويرسب فيه ماء الغسالة الذي ما نحن فيه جزئي من جزئياته، فلاحظ وتأمل.

[ 328 ]

كما انه ينبغي لك ملاحظة ما في السرائر، فانه وإن وافقنا في الطهارة بالقليل لكن وقع فيها على الظاهر ما هو محل للنظر بل المنع، كقوله بتعدد الذنوب على عدد تعدد البائلين المحكي في الذكرى عن الشيخ أيضا، والأمر سهل، والله ورسوله والأئمة (صلوات الله عليهم) أعلم بذلك كله. * (القول في الآنية) * * (ولا يجوز الأكل والشرب من آنية من ذهب أو فضة) * إجماعا منا بل وعن كل من يحفظ عنه العلم عدا داود، فحرم الشرب خاصة، محصلا ومنقولا مستفيضا إن لم يكن مواترا كالنصوص به من الطرفين. ففي النبوي (1) من طريقهم " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فانها لهم في الدينار ولكم في الآخرة ". والمرتضوي (2) " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم ". وفي الحسن أو الصحيح (3) من طريقنا عن الصادق (ع) " لا تأكل في آنية من فضة ولا في آنية مفضضة ". كقوله (ع) في خبر داود بن سرحان (4): " لا تأكل في آنية الذهب والفضة ".


(1) كنز العمال ج 8 ص 16 الرقم 362 (2) المستدرك الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 4 لكن رواه عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) الوسائل الباب 66 من أبواب النجاسات الحديث 1 (4) الوسائل الباب 65 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 329 ]

وعن الباقر (ع) في خبر ابن مسلم (1) أو صحيحه لما قيل إن الصدوق رواه عن أبان عنه الظاهر منه انه ابن عثمان، وطريقه إليه صحيح " انه (ع) نهى عن آنية الذهب والفضة ". كخبر المناهي المروي عن النبي صلى الله عليه وآله في الفقيه (2) وعن الكاظم (ع) في خبر موسى بن بكير (3) انه قال: " آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون " إلى غير ذلك، فما عن الخلاف من إطلاق كراهة استعمالهما يراد به ما في المعتبر والمختلف والذكرى الحرمة قطعا. كصحيح ابن بزيع (4) " سألت الرضا (ع) عن آنيه الذهب والفضة فكرههما، فقلت: روي أنه كان لأبي الحسن (ع) مرآة ملبسة فضة، فقال: لا والله انما كانت لها حلقة من فضة وهي عندي، ثم قال: إن العباس حين عذر عمل له قضيب ملبس من فضة من نحو ما يعمل للصبيان يكون فضته نحوا من عشرة دراهم، فأمر به أبو الحسن (ع) فكسر ". وخبر بريد (5) عن الصادق (ع) " انه كره الشرب في الفضة والقدح المفضض، وكذلك أن يدهن في مدهن مفضض، والمشط كذلك ". وموثق ابن مهران (6) عنه (ع) أيضا " لا ينبغي الشرب في آنية الذهب والفضة ". وخبر يونس بن يعقوب (7) عن أخيه قال: " كنت مع أبي عبد الله (ع)


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 65 من ابواب النجاسات الحديث 3 - 9 - 1 (3) الوسائل الباب - 65 - من ابواب النجاسات الحديث 4 لكن رواه عن موسى بن بكر وهو الصحيح (5) الوسائل 66 من ابواب النجاسات الحديث 2 (6) و (7) الوسائل الباب 65 من ابواب النجاسات الحديث 5 - 6

[ 330 ]

فاستسقى ماء فأني بقدح فيه من صفر، فقال رجل: إن عباد بن كثير يكره الشرب في الصفر، فقال: لا بأس به، فقال (ع) للرجل: ألا سألته أذهب أم فضة ؟ " الحديث. وإن استبعد في كشف اللثام ذلك من عبارته، بل في المجمع أنه لولا الاجماع لكان القول بالكراهة حسنا، ولعله لحمل النهي على ما سمعت، وهو لا يخلو من وجه لو كان لفظ الكراهة صريحا في غير الحرمة في العرف السابق، ولم يظهر من السياق ونحوه إرادتهما منها هنا. بل * (و) * قد يستفاد من خبر ابن مسلم والمناهي بعد إرادة مطلق الاستعمال من النهي عن الآنية فيها كما هو الظاهر ولو بملاحظة الحكمة وعدم تبادر الخصوصية والقرينة عليها، بل وخبر موسى بن بكير أيضا بل وصحيح ابن بزيع أيضا أنه * (لا) * يجوز * (استعمالها في غير ذلك) * مما لا يندرج في الأكل والشرب، خصوصا بعد انجبار ذلك كأنجبار السند بالشهرة بين الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا، بل في الحدائق نفي الخلاف عنه لا وجدانه، كما أن معقد نفيه في كشف الرموز الاستعمال، بل في التحرير تعقيب حرمة الاستعمال غير الأكل والشرب بعندنا مشعر بالاجماع عليه، بل في المنتهى عند علمائنا والشافعي ومالك، بل معقد إجماع اللوامع الاستعمال، بل في التذكرة " يحرم استعمال المتخذ من الذهب والفضة في أكل وشرب وغيرهما عند علمائنا أجمع، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وعامة العلماء والشافعي في الجديد ". فاقتصار بعضهم كما عن الصدوق والمفيد وسلار والشيخ في النهاية على الأكل والشرب لا يصغى إليه إن أرادوا الحصر. كما أنه يجب طرح أو تأويل صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضة ؟ قال: نعم انما


(1) الوسائل الباب 67 من أبواب النجاسات الحديث 5

[ 331 ]

يكره ما شرب به " الحديث. بل هو ظاهر في غير ما نحن فيه نعم لا يحرم ما فيها من المأكول والمشروب قطعا، وفاقا للأكثر للأصل السالم عن المعارض، ضرورة عدم استلزام حرمة الاستعمال بل الأكل الذي هو عبارة عن الازدراد المنهي عنه في الأخبار ذلك، إذ حرمته من حيث كونه أكلا في الآنية واستعمالا لها لا ينافي حلية ذاته الثابتة بأدلتها، وقول النبي صلى الله عليه وآله: " يجرجر في بطنه " (1) مع أنه غير ثابت في طرقنا لابد من إرادة المجاز منه، لتعذر الحقيقة أي يوجب له بسبب تناوله من الآنية النار، فلا يجب حينئذ عليه استفراغه وإن تمكن منه، بل في كشف الأستاذ " ولا وضعه من فيه بل ولا إلغائه من يده بعد التوبة والندم على إشكال ". فما عن المفيد بل في الذكرى أنه يلوح من كلام أبي الصلاح من الحرمة ضعيف، أو أنه يريد ما وجهه به في الحدائق من إرادة حرمة الأكل بمعنى الازدراد، للنهي عن ذلك، فيكون المأكول حينئذ محرما كالحق الشرعي المأخوذ بحكم حاكم الجور الذي ورد فيه (2) أنه سحت، إذ قد عرفت أن ذلك لا يقتضي الحرمة الذاتية التى يراد بها كون الأكل منهيا عنه لنفسه كالميتة ولحم الخنزير ونحوهما لا من جهة أخرى، وعين المال المملوك المأخوذ بحكم حاكم الجور حرمته كحرمة الأكل في الآنية قطعا لاذاتية، فليس هو أوضح منها حتى يستفاد من حكمه حكمها. ودعوى أن الآنية والأخذ بحكم حاكم الجور من الأشياء المنقحة لموضوع الحرمة الشرعية لا أنها جهات خارجية، بل هي في الحقيقة كالموت للحيوان والسكر للخل والنجاسة للمائع ونحو ذلك واضحة المنع على مدعيها، بل يمكن تقريره في سائر المحرمات عارضا


(1) المستدرك الباب 40 من ابواب النجاسات الحديث 4 (2) أصول الكافي ج 1 ص 67 المطبوعة بطهران عام 1374

[ 332 ]

حتى وطء الزوجة في الحيض وهو معلوم الفساد. هذا كله بعد تسليم حرمة الأكل بمعنى المضغ والازدراد، أما لو قلنا إن المحرم نفس التناول خاصة حتى في مثل الأكل والشرب تنزيلا للنهي عنهما على إرادة الاستعمال، ضرورة عدم الفرق بينهما وبين غيرهما من أنواع الاستعمال فلا وجه لتصور الحرمة حينئذ في نفس المأكول والمشروب، بل هذا هو ظاهر الأصحاب كما يؤمي إليه حكمهم بصحة الطهارة من الآنية مع التمكن من ماء غيره، كالاناء المغصوب من غير خلاف يعرف فيه بينهم بل ظاهر معتبر المصنف حيث نسب الخلاف فيه لبعض الحنابلة الاجماع عليه، معللين ذلك بأن المحرم الانتزاع، وهو أمر خارج عن الطهارة، كما لو جعلت مصبا لماء الطهارة. نعم جعل في المنتهى البطلان وجها معللا له بما يقضي بارادته مالو انحصر الماء في الآنية، فيكون البطلان حينئذ لعدم تصور الأمر بالطهارة بعد توقفها على المقدمة المحرمة، فيكون فرضه حينئذ التيمم، لأن المنع الشرعي كالعقلي، وهو أمر غير ما نحن فيه، ومن هنا استجوده في المدارك وتبعه في الذخيرة، وهو لا يخلو من وجه، لكن ينبغي تقييده مع ذلك بما إذا لم يتمكن من إفراغ ذلك الماء في آنية أخرى مثلا، وإلا كان كالمتمكن من الماء الآخر، بل في كشف اللثام التردد في أصل حرمة الاغتراف منها للطهارة أو صب ما فيها على الأعضاء، لأنهما من الافراغ الذي لا دليل على حرمته وإن أمكن منعه عليه، ضرورة عدم اندراجه في الافراغ، إذ ليس هو كل نقل، كضرورة اندراجه في الاستعمال، بل لو كان قد قصد الافراغ أيضا لكن بالاستعمال الخاص لم ترتفع الحرمة، وإلا لحل كثير من وجوه الانتفاع بل جميعها لذلك، بل التحقيق أن الأكل والطهارة ونحوهما من الآنية استعمال لها بنفس أفعال الطهارة وبالمضغ والازدراد لا مجرد النقل، كما يشهد لذلك ملاحظة العرف. ومن هنا حكم العلامتان في المنظومة والكشف بفساد الطهارة، بل صرح الثاني

[ 333 ]

بعدم الفرق بين رمس العضو والاغتسال مرتمسا والتناول باليد والآلة، فما يظهر من الأصحاب حينئذ أن المحرم نفس النقل والانتزاع لا غير ليس في محله، فضلا عن ما سمعته من كشف اللثام الذي ينبغي العجب من صدوره من مثله، لما عرفت من وضوح الفرق عرفا بين التفريغ والاستعمال والنقل هنا من الثاني، إذ مبني استعماله في الوضوء ومعناه عرفا ذلك كالأكل، فان النقل باليد من الاناء إلى المضغ ليس من التفريغ قطعا. نعم قد يقال هو منه بالنسبة للشرب إذا كانت الآنية مما تستعمل بالشرب من دون نقل منها، فلو وضع حينئذ ما فيها في يده بقصد التفريغ ولو للشرب لم يكن ذلك الشرب استعمالا لها فيه، فالواجب حينئذ ملاحظة العرف في صدق استعمالها في الشئ، فانه مختلف جدا باختلاف المستعمل فيه، بل والمستعمل بالفتح من الابريق القمقمة ونحوهما، بل والقصد أيضا فتأمل. وما يقال: إنه ليس في الأدلة نهي عن الوضوء مثلا في الآنية أو عن استعمالها في الوضوء حتى يقال: إن المفهوم من الوضوء بها واستعماله فيه هو تمام ذلك من الانتزاع وغيره، بل الموجود في الأدلة النهي عن الآنية، وهو كما يحتمل إرادة الوضوء بها مثلا واستعمالها فيه يحتمل إرادة النهي عن نفس نقل ما فيها وانتزاعه للوضوء أو غيره، فيكون المنهي عنه النقل حينئذ خاصة يدفعه انه وإن لم يكن ذلك في الأدلة صريحا لكنه المفهوم المتبادر منها، خصوصا بعد اشتماله على النهي عن الأكل والشرب فيها المتفق بين الأصحاب على عدم الفرق بينهما وبين غيرهما في كيفية الحرمة، إذ قد سمعت معقد الاجماع المحكي بل الاجماعات على حرمة غير الأكل والشرب، فانه كالصريح في اتحادهما بذلك، كما هو واضح، فيكون حينئذ بمنزلة قوله: لا تأكل في الآنية ولا تشرب فيها ولا تتوضأ فيها ولا تغتسل فيها ونحو ذلك، على أنه يكفي في ثبوت المطلق نفس معقد الاجماع المذكور، وخصوصا ما تقدم من التذكرة، فيتجه

[ 334 ]

حينئذ التعليل بأن معنى استعمالها في الوضوء ذلك. ولعله من هنا يمكن الفرق بين الاناء المغصوب وبين ما نحن فيه وإن ساوى بينهما في الفساد العلامتان المذكوران، كما أن غيرهما ساوى بينهما في عدمه، فيحكم بصحة الوضوء منه دونه، لعدم النهي في شئ من الأدلة عن استعماله في الوضوء أو الانتفاع به فيه أو عن الوضوء فيه ليتم ذلك فيه، بل ليس إلا حرمة التصرف في مال الغير المعلومة عقلا ونقلا، وليس من التصرف في الاناء مثلا غسل الوجه بالماء المملوك المنتزع من الاناء المغصوب قطعا، وإن صدق استعمال الاناء في الوضوء، لكن ذلك لا يقتضي فسادا بدون نهي عنه، فهو حينئذ كسقف البيت وسور الدار المغصوبين، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه. والمرجع في الاناء والآنية والأواني إلى العرف كما صرح به غير واحد، وإن قال في المصباح المنير: " إن الاناء والآنية كالوعاء والأوعية وزنا ومعنى " إذ هو إما تفسير بالأعم كما هي عادة أهل اللغة، أو أنه يقدم العرف عليه بناء على ذلك لكن فيما تعارضا فيه مما كان ظرفا ووعاء إلا أنه يسلب عنه اسم الآنية عرفا، أما ما توافقا فيه أو استقل هو عن العرف بأن كان من الظروف والأوعية ولم يسلب عنه الاسم لكن لم يتنقح لدينا إطلاق عرف زماننا عليه، لقلة استعمال هذا اللفظ فيه، أو غير ذلك فالظاهر ثبوت الحرمة، فالقليان حينئذ ورأسها ورأس الشطب وما يجعل موضعا له وقراب السيف والخنجر والسكين وبيت السهام وظروف الغالية والكحل والعنبر والمعجون والتتن والتنباك والأفيون والمشكاة والمجامر والمحابر ونحوهما من المحرم، وفاقا لصريح الطباطبائي في منظومته في أكثر ذلك أو جميعه، بل والتذكرة والذكرى والحدائق وان اقتصروا على التصريح بظرف الغالية والمكحلة، وخلافا لصريح الأستاذ في كشفه في جميع ذلك وزيادة، بل والنراقي في لوامعه وان اقتصر على التصريح

[ 335 ]

بالمكحلة وظرف الغالية والدواة، والمعاصر في رياضه وان اقتصر على التصريح بالأولين لكن ظاهرهما بل صريحهما العموم، لصدق الاسم أو لعدم صحة السلب. ودعوى الشك في الصدق أو الارادة بل ظهور عدمها لندرتها وعدم اعتيادها، و المجاز خير من الاشتراك، والأصل الاباحة، مضافا إلى الصحيح (1) " عن التعويذ يعلق على الحائض، فقال: نعم إذا كان في جلد أو فضة أو قصبة من حديد " وإلى ما اشتهر مما ورد في حرز الجواد يدفعها منع الشك في الصدق أولا، وعدم قادحيته بعدما عرفت ثانيا، كمنع الشك في الارادة ثالثا، لمنع الندرة في الاطلاق الموجبة لذلك، وإن كان الكثير المتداول عند أغلب الناس لأواني المستعملة في المأكل والمشرب ونحوهما وصغر الحجم ونحوه لا تأثير له في ذلك، وأولوية المجاز انما هي من الاشتراك اللفظي لا المعنوي، بل لعله من أفراد إصالة الحقيقة في الاطلاق. على انه يمكن منع كون ما نحن فيه من المطلق الذي ينصرف إلى المعتاد، إذ قوله فيها لا تأكل في آنية الذهب ونحوه مما لا تفاوت في شموله بين المعتاد وغيره، لكونه من العموم اللغوي فضلا عن تعميم معاقد الاجماعات، بل لعل ملاحظة الأخبار نفسها خصوصا صحيح ابن بزيع تعطي تعميم المراد بالآنية لغير المعتاد، كما اعترف به الأستاذ الأكبر في حاشيته على المدارك. وأما صحيح التعويذ المعتضد بالمشتهر من حرز الجواد فيدفعه أولا إمكان الفرق بينه وبين غيره بصحة سلب الاسم عنه دونه كما اعترف به الأستاذ في كشفه، وثانيا تسليمه لكن لا يجوز التعدي من غير التعويذ (2) ونحوه إلى غيره مما يطلق عليه اسم الآنية، بل ولا من الفضة إلى الذهب فيه، كما هو ظاهر العلامة الطباطبائي في منظومته


(1) الوسائل الباب 67 من ابواب النجاسات الحديث 2 (2) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصحيح إسقاط لفظة " غير "

[ 336 ]

فيهما معا، وهو لا يخلو من قوة. وعليه يكون بعض ما في كشف الأستاذ من أن المعتبر في الآنية الظرفية، وأن يكون المظروف معرضا للرفع والوضع، فموضع فص الخاتم وإن عظم وعكوز الرمح وضبة السيف والمجوف من حلي الامرأة المعد لوضع شئ فيه للتلذذ بصوته ومحل العوذة وقاب الساعة وآنية جعلت لظاهر أخرى بمنزلة الثوب مع الوضع على عدم الانفصال ليس منها إلى أن قال: وأن يكون له أسفل يمسك ما يوضع فيه، وحواشي كذلك، فلو خلي كالقناديل والمشكاة والحرمات والسفرة والطبق لم يكن منها محلا للنظر والتأمل. كما انه قد يناقش في اعتبار الظرفية وعدم التشبيك ووجود الحواشي بالكفكير والمصفاة والصينية الكبيرة التي هي بمنزلة السفرة فضلا عن الطبق ونحوه، كما اعترف به الطباطبائي في منظومته بشهادة العرف بل واللغة، نعم هو جيد في مثل فص الخاتم وعكوز الرمح ونحوهما من الملصق الملازم لصوقا يصير الجميع بسببه كأنه شئ واحد لا ظرفا ومظروفا، بل يصح سلب الاسم عنه قطعا، بل هو كالأواني المفضضة التي ستعرف أن حكمها الكراهة، إذ لا ريب في أنه من أفراد التفضيض التلبيس والكسوة للقليل من الاناء بالصياغة، بل وللكثير منه في وجه، وإن تنظر فيه الطباطبائي في منظومته، بل وللجميع في آخر أيضا، لعدم صدق الاناء مع صدق المفضض، وإن جزم العلامة المذكور في منظومته بالمنع، تمسكا بأن الكاسي إناء مستقل، لكنه لا يخلو من نظر، لما عرفت من عدم صدق الاناء على مثله، وإن كان قد يشكل ذلك كله أو أكثره بصحيح ابن بزيع المشتمل على المرآة والقضيب الملبسين فضة فضلا عن الأواني الملبسة، إذ هي كالآنية في الآنية إلا أنه لما لم يكن فيه صراحة بالحرمة بل ولا ظهور حمله غير واحد من الأصحاب على الكراهة، وهو في محله.

[ 337 ]

وأما حلي المرأة المجوف من الخلخال ونحوه فان سلب عنه اسم الآنية جاز، وإلا فلا، إذ لا فرق في الحرمة بين الرجال والنساء، لاطلاق الأدلة بل عليه الاجماع في الذكرى وجامع المقاصد وعن غيرهما. وجيد أيضا في عدة القناديل من غير الأواني لشهادة العرف له، لا انها منها كما في ظاهر المنظومة، ولكنها استثنيت للسيرة المستمرة في جعلها شعارا للمشهد والمسجد من فضة وعسجد، بناء على مساواة التزيين ونحوه للاستعمال في الحرمة، أو أنه منه، إذ لا شاهد عليه، بل الشاهد على خلافه، وإلا فلو سلم أنها من الأواني لم يكن لاستثنائها وجه، لحدوث تلك السيرة، واستغناء تعظيم شعائر الله بمحللاته عن محرماته. ومن هنا تعرف انه متى كان شئ مما يزين به مشهد أو مسجد مما يسمى إناء من مبخرة ونحوها دخل في المحرم من ذلك، نعم لا بأس به إذا لم يكن منها، كما انه لا بأس بذلك أيضا في غيرها كما نص عليه الفاضلان وغيرهما، بل لا أجد فيه خلافا، بل في اللوامع الظاهر وفاقهم عليه، للأصل والعمومات وخصوص ما ورد من الطريقين في حلق درع النبي صلى الله عليه وآله ذات الفضول وحلقة قصعته وقبضة سيفه وحلية ذات الفقار وأنف عرفجه ومرآة الكاظم (ع) والسلسلة للقدح المنكسر عوض الشعب. بل قال الصادق (ع) في صحيحة معاوية (1) لما سأله عن الشرب في قدح من ماء فيه ضبة من فضة: " لا بأس إلا أن تكره الفضة فتنزعها ". وفي حسن ابن سنان (2) " ليس بتحلية السيف بالذهب والفضة بأس ". وفى خبر ابن سرحان (3) " ليس في تحلية المصاحف والسيوف بالذهب والفضة بأس ".


(1) الوسائل الباب 66 من أبواب النجاسات الحديث 4 (2) و (3) الوسائل الباب 64 من ابواب احكام الملابس الحديث 1 - 3

[ 338 ]

وعنه (ع) أيضا (1) " انه كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وقوائمه فضة، وبين ذلك حلق من فضة، ولدرعه ثلاث حلقات من فضة، حلقة قدامها، وإثنتان خلفها ". وروي (2) انه " عرض عليه (ع) أيضا قرآن معشر بالذهب، وفي آخره سورة مكتوبة بالذهب، فلم يعب سوى كتابة القرآن بالذهب، وقال: لا يعجبني أن يكتب القرآن إلا بالسواد ". وعنه (ع) أيضا (3) انه قال: " كان برة (4) ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله من فضة ". لكن في خبر الفضيل بن يسار (5) " سألت الصادق (ع) عن السرير فيه الذهب أيصلح إمساكه في البيت ؟ فقال: إن كان ذهبا فلا، وإن كان ما الذهب فلا بأس ". وفى صحيح علي بن جعفر (6) عن أخيه (عليهما السلام) " سألته عن السرج واللجام فيه الفضة أيركب به ؟ قال: إن كان مموها لا يقدر على نزعه فلا بأس، وإلا فلا يركب به ".


(1) الوسائل الباب 64 من أبواب احكام الملابس الحديث 2 (2) الوسائل الباب 32 من ابواب ما يكتسب به الحديث 2 (3) الوسائل الباب 21 من ابواب احكام الدواب في السفر وغيره الحديث 2 من كتاب الحج (4) البرة بانضم وخفة الراء: الحلقة التى توضع في أنف البعير وهى الخزامة (مجمع البحرين) ثم ذكر الحديث (5) و (6) الوسائل الباب 67 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 6

[ 339 ]

وفي صحيح ابن بزيع (1) المتقدم سابقا مما سمعته من كسر القضيب وإنكار المرآة الملبسة فضة. وفي خبر عمرو بن أبي المقدام (2) " رأيت أبا عبد الله (ع) أتي بقدح فيه ماء فيه ضبة من فضة، فرأيته ينزعها بأسنانه ". وفي خبر بريد (3) عن الصادق (ع) " انه كره الشرب في القدح المفضض، وكذلك أن يدهن في مدهن مفضض، والمشط كذلك " ما قدم يوهم المنافاة للأخبار الأول، ومن هنا جمع بينهما في الحدائق بالكراهة في الآلات وإن تفاوتت شدة وضعفا في مواردها، إلا انه يمكن مناقشته بعدم مساعدة النصوص والفتاوى له على هذا الاطلاق، فاحتمال الاقتصار على مضمونها، أو التعدي منها إلى مطلق الملبس أو ما عدا لسيف منه ولو بضبة دون غيره إذا كان يسيرا كالحلقة ونحوها، وقد يأتي في المفضض ماله نفع، والأمر سهل بعد الاتفاق طاهرا على عدم الحرمة إلا ما حكي عن العلامة من حرمة المموه بالذهب إذا انفصل منه شئ في العرض على النار، بل حكاه في اللوامع عنه في الفضة أيضا موافقا له فيهما، بل قال: وهذا التفصيل آت في المفضض والمذهب، لترادفهما له، ولا ريب في ضعفه بعدما عرفت، وإن كان قد يشهد له بعض ما تقدم، كما ان ما فيها والمدارك من تحريم زخرفة الحيطان والسقوف بهما حاكيين ذلك عن الحلي وخلافه عن الخلاف ضعيف جدا، لعدم الدليل القاطع للأصل والعمومات والسيرة في نحو المشاهد بل وغيرها. ودعوى انه تضييع للمال وصرف له في غير الأغراض الصحيحة، فيكون إسرافا في محل المنع، إذ التلذذ في الملابس والمساكن ونحوها من أعظم الأغراض التي خلق


(1) الوسائل الباب 65 من أبواب النجاسات الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب 66 من ابواب النجاسات الحديث 6 - 2

[ 340 ]

المال لها، على أنه قد تعرض مقاصد عظيمة كتعظيم شعائر الدين وإرغام أنف أعدائه نحو ذلك، فتأمل. * (ويكره) * استعمال الاناء * (المفضض) * على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، بل في الحدائق عليه عامة المتأخرين ومتأخريهم، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما حكي عن الخلاف، حيث سوى بينه وبين أواني الذهب والفضة في الكراهة التي صرح غير واحد من الأصحاب بارادته الحرمة منها هناك، مع أنه محتمل لخلاف ذلك، إذ استبعاد إرادته حقيقتها فيهما كاستبعاد إرادته الحرمة هنا، فالأولى حينئذ بعد صرف كلامه عن ظاهره إرادته القدر المشترك على كل من المقامين حسب ما تسمعه من الأخبار، وإلا فهو ضعيف، للأصل. وصحيح عبد الله بن سنان (1) " لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضض، واعزل فمك عن موضع الفضة ". وصحيحة معاوية بن وهب المتقدم سابقا، إذ ذو الضبة من المفضض كما صرح به في كشف اللثام كباقي أنواع المبلس، بل ومنه المنبت، بل في كشف الأستاذ أن منه المموه، وإن كان لا يخلو من نظر، بل وخبر بريد المتقدم آنفا أيضا على ما عن الصدوق من الزيادة فيه " فان لم يجد بدا من الشراب في القدح المفضض عدم بفمه عن موضع المفضض " وهو ظاهر أو صريح في إرادة القدر المشترك من الكراهة في أوله، بل لعل ذلك هو معناها الحقيقي في العرف السابق، فلا وجه للاستدلال به للشيخ حينئذ باعتبار معلومية إرادة الحرمة بالنسبة للمعطوف عليه، كخبر الحلبي (2) " كره - أي الصادق (ع) - آنية الذهب والفضة والآنية المفضضة ".


(1) الوسائل الباب 66 من ابواب النجاسات الحديث 5 (2) الوسائل الباب 65 من ابواب النجاسات الحديث 10

[ 341 ]

فلا حاجة حينئذ في رده إلى دعوى جواز استمال اللفظ في المعنيين اشتراكا أو حقيقة ومجازا أو إلى دعوى عموم المجاز أو الاشتراك تخلصا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو المشترك في معنييه بناء على ممنوعيته، إذ هي موقوفة على القرينة والخصم مستظهر. نعم لا بد من التزام ذلك بقرينة ما سمعت من الشهرة العظيمة بين الأصحاب في مثل صحيح الحلبي (1) عن الصادق (ع) " لا تأكل في آنية من فضة، ولا في آنية مفضضة " مع إمكان عدمه أيضا وإن كان بمجاز آخر بدعوى إرادة الكراهة من خصوص " لا " في المعطوف، ودعوى وجوب اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في مثل الحرمة والوجوب والندب وان تكرر مقتضياتها في محل المنع، على انه يمكن دعوى الاستيناف فيه، وأما نزع الصادق (ع) ضبة الفضة من الاناء بأسنانه وأمر أبي الحسن (ع) كسر القضيب الملبس فضة كنفي الرضا (ع) عن أن يكون لأبي الحسن (ع) مرآة ملبسة فضة حامدا لله بعد أن سئل عن ذلك فلا دلالة فيه على الحرمة حتى يحتاج إلى دعوى ترجيح الأدلة السابقة وصرفها بها للكراهة وإن كانت هي كذلك. * (و) * الأمر هين بعد أن عرفت ضعف الخلاف، بل عدم تحققه، نعم * (قيل) * بل لا خلاف أجده فيه بين القدماء والمتأخرين: * (يجب اجتناب موضع الفضة إلا من معتبر المصنف فاستحبه وتبعه الطباطبائي في منظومته، واستحسنه في المدارك والذخيرة لظاهر الأمر في الصحيح السابق وزيادة الصدوق في خبر بريد المتقدم معتضدا بما عرفت من عدم الخلاف وسالما عما يصلح للمعارضة ضرورة عدم صلاحية الأصل وترك الاستفصال في صحيح معاوية السابق لذلك.


(1) الوسائل الباب 66 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 342 ]

ويلحق بالاناء المفضض الاناء المذهب في جميع ما تقدم وإن خلت عنه النصوص وأكثر الفتاوى، كما اعترف به في المنتهى، لكن الأصل كاف في جواز الاتخاذ، والتسامح وحسن الاحتياط واحتمال الاستغناء بذكر المفضض عنه، بل لعله ينساق إلى الذهن عند ذكره، خصوصا بعد اقترانه بآنية الفضة كاف في الكراهة، بل يمكن أن يدعي أولويته من المفضض أو مساواته، بل هو كذلك. ومنها يستفاد حينئذ وجوب العزل حينئذ، بل في الذكرى احتمال المنع لأصل الاستعمال في ذي الضبة الذهب، لقوله (1) صلى الله عليه وآله: " هذان محرمان على ذكور أمتي " وإن كان ضعيفا، ولعل في خبر السرير (2) والقرآن (3) نوع إيماء إلى بعض ما ذكرنا، كما انه تقدم سابقا ما يمكن استفادة كراهة مطلق المفضض منه أو ما عدا السيف وان لم يكن إناء بل قد عرفت الاطلاق من صاحب الحدائق، والله أعلم. * (وفي جواز اتخاذها) * أي أواني الذهب والفضة * (لغير الاستعمال) * من الذخر ونحوه * (تردد) * من الأصل مع عدم ظهور الأدلة فيه، بل هي ظاهرة في الاستعمال، ومن تعليل النبوي (4) بأنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة، كقول الكاظم (عليه السلام) (5): " انها متاع الذين لا يوقنون " والنهي عن آنية الذهب والفضة وكراهتهما المجمول على أقرب المجازات بعد تعذر الحقيقة، ولا ريب ان مطلق الاتخاذ أقرب من الاستعمال، لأعميته منه، ولأن النهي في الحقيقة نفي، ونفي الحقيقة كراهة طبيعتها يناسبه النهي عن أصل وجودها في الخارج، على ان السارد للنصوص يظهر لديه إن لم


(1) المستدرك الباب 24 من ابواب لباس المصلي الحديث 1 (2) الوسائل الباب 67 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) الوسائل الباب 32 من ابواب ما يكتسب به الحديث 2 (4) كنز العمال ج 8 ص 16 الرقم 362 (5) الوسائل الباب 65 من ابواب النجاسات الحديث 4

[ 343 ]

يقطع أن مراد الشارع ذلك، أي النهي عن أصل وجودها في الخارج مستعدة للاستعمال بل في المنتهى أن تحريم استعمالها مطلقا يستلزم تحريم أخذها على هيئة الاستعمال كالطنبور، وقد يؤيده أنه المناسب لارادة حصول المطلوب، كما أن عدمه معرض لخلافه وانه المناسب لما قيل من حكمة التحريم من حصول الخيلاء وكسر قلوب الفقراء والاسراف وان كان كما ترى، إلى غير ذلك. * (و) * لكن * (الأظهر المنع) * وفاقا للمشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، بل لا أجد فيه خلافا إلا من مختلف الفاضل، واستحسنه بعض متأخري المتأخرين، بل قد يظهر منه نفسه في المنتهى كالمصنف في المعتبر أنه لا خلاف عندنا في المسألة، بل هو مخصوص بالشافعي أو أحد قوليه، إذ ذلك بعد جبره لما عرفت واعتضاده به كاف في انقطاع الأصل السابق، وفي بطلان دعوى عدم ظهور الأدلة في غير الاستعمال، كما هو واضح، هذا. وقد يظهر من قواعد الفاضل بل ومن غيرها من كتب الأصحاب ان مما نحن فيه اتخاذها للتزيين ونحوه، لكن قد يمنع ويدعى اندراجه في نحو الاستعمال الذي قد عرفت معلومية منعه، إذ هو أعم من استعمالها في الظرف بها، كما يشهد لذلك استثناء بعضهم أو شبهه اتخاذها للمشاهد والمساجد من حرمة الاستعمال. وعلى كل حال فحيث ظهر حرمة الأواني استعمالا وقنية وغيرها كانت حينئذ كباقي الآلات المحرمة الهيئة المملوكة المادة، فيجري فيها حينئذ بالنسبة إلى وجوب كسرها وعدم ضمان الأرش وعدم جواز بيعها أو بشرط الكسر فورا أو العلم به مع وثاقة المشتري أو مطلقا، بل سائر أنواع نقلها بل رهنا وعاريتها وغيره ذلك ما يجري في تلك، فتأمل. * (ولا يحرم استعمال غير الذهب والفضة من أنواع المعادن والجواهر ولو تضاعف

[ 344 ]

أثمانها) * بلا خلاف أجده، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، للأصل المعتضد بالسيرة الذي لا يعارضه القياس المعلوم بطلانه عندنا، مع إمكان إبداء الفرق بعدم إدراك العامة نفاستها، وبأنها لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادرا، فلا يفضي إباحتها إلى اتخاذها واستعمالها بخلاف الأثمان، فما عن أحد قولي الشافعي من تحريم المتخذ من الجواهر الثمينة كالياقوت ونحوه لأولويتها بكسر القلوب والخيلاء والسرف لا يصغى إليه. * (وأواني المشركين) * أهل كتاب كانوا أولا وغيرها مما في أيديهم عدا اللحم والجلد * (طاهرة) * بلا خلاف أجده فيه إلا ما توهمه في الحدائق من خلاف الشيخ، فحكى عنه عدم جواز استعمالها، مع أن ما حكاه من العبارة ظاهرة أو صريحة في غير ما نحن فيه من البحث مع العامة في نجاستها بمباشرتهم أو لابد من نجاسة أخرى غيرها، وإلا فلا خلاف فيما نحن فيه بيننا، بل في كشف اللثام الاجماع عليه، وهو كذلك، مضافا إلى الأصل والعمومات وخصوص المعتبرة الواردة في طهارة الثوب المعار للذمي (1) والثياب السابرية التي يعملها المجوس (2) بل وثوب المجوسي نفسه (3) وما يعمله الخياط والقصار اليهودي والنصراني (4) وهي وإن كانت مشتملة على غير مفروض العبارة، لكن عدم القائل بالفرق واشتمال بعضها على التعليل العام كاف في المطلوب، كما أن ما عرفته من عدم الخلاف عندنا في الحكم بل الاجماع عليه إن لم نكن الضرورة كاف في رفع اليد عن النهي عن استعمال أوانيهم وثيابهم والأكل منها، أو تنزيلها، بل لعله الظاهر منها على المعلوم مباشرتهم لها.


(1) الوسائل الباب 74 من ابواب النجاسات (2) و (3) الوسائل الباب 73 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 7 (4) الوافى باب التطهير من مس الحيوانات من أبواب الطهارة عن الخبث 43

[ 345 ]

ولذا قيد المصنف الطهارة ب‍ * (ما لم يعلم نجاستها) * بمباشرتهم أو غيرها، فانه إذا علم حكم بالنجاسة وان احتمل حصول الطهارة بل ولو ظن ما لم يكن معتبرا شرعا، لعدم اعتبار ذلك هنا في قطع الأصل وان كان لغيبة يحكم بالطهارة معها لغيرهم، كما أنه لا اعتبار بالظن عندنا في التنجيس أيضا ما لم يكن ناشئا عن إمارة شرعية من البينة وخبر العدل، بل وإن كان خبر عدل على ما تقدم سابقا، بل في الرياض " أنه لم ينهض دليل تطمئن به النفس على البينة أيضا " إلى آخره. وإن كان قد عرفت سابقا وضوح ضعفه، كوضوع ضعف القول بالاكتفاء بمطلق الظن، فلاحظ وتأمل. * (ولا يجوز استعمال شئ من الجلود) * في الصلاة أو غيرها إذا كانت جلود ذوي الأنفس السائلة حتى لو جعل وقود الحمام أو بوا (1) أو طعاما كلب أو وصلة لقتل بعض الحيوانات المؤذية ونحوها ذلك، على إشكال في البعض، بل في كشف الأستاذ جعلها جميعها من الانتفاع لا من الاستعمال حتى يحرم، وإن كان فيه منع، وبعد التسليم فهو يحرم مع قصده كالاستعمال * (إلا ما كان طاهرا في حال الحياة) * لا كالكلب ونحوه * (ذكيا) * تذكية شرعية، إذ هو بدون ذلك ميتة، سواء كان قابلا لها فلم تقع عليه، أو غير قابل، وهو مغن عن القيد الأول، لأن غير الطاهر لا تقع عليه، وقد تقدم سابقا في النجاسات حرمة استعمال الميتة في الرطب واليابس ونجاستها في الصلاة وغيرها من غير فرق بين الدبغ وعدمه، وبيان ضعف المحكي عن الصدوق وأبي علي، وإن مال إليه بعض متأخري المتأخرين. نعم ظاهر المصنف كصريح بعضهم بل هو المشهور كما قيل توقف الاستعمال على ثبوت التذكية ولو ببعض الامارات الشرعية، أما مع الجهل بها فلا يجوز الاستعمال، بل هو ميتة فيه وفى النجاسة وفي غيرهما، لاقتضاء الشك في الشرط الشك في المشروط، مضافا


(1) البو: جلد ولد الناقة يحشى تبنا أو غيره فيقرب من أمه فتخدع وتعطف عليه فتدر

[ 346 ]

إلى إصالة عدم تحقق الشرط الواضح ضعف المناقشة في حجيتها بما هو محرر (1) في محله من أدلة الاستصحاب، كمعارضتها باصالة عدم الموت حتف الأنف التي قد ترجح عليها باعتبار اعتضادها باصالة الطهارة، ضرورة موافقة الموت حتف الأنف بعد تحقق خروج نفس الحيوان لمقتضى الأصل، فلا ينفى به، إذ غيره هو الذي يحتاج إلى سبب زائد من تذكية أو قتل ونحوهما في تحققه بخلافه هو، وإصالة الطهارة مع معارضتها باصالة بقاء الشغل في مثل العبادة ونحوها مقطوعة باصالة عدم التذكية، إذ هي كالواردة عليها حينئذ، على أن نفيها للتذكية بالواسطة، بخلاف نفي الطهارة باصالة عدم التذكية، فتأمل. وللموثق (2) " وان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح " كالحسن (3) " يكره الصلاة في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز إلا ما علمت منه ذكاته ". والخبر (4) " عن جلود الفراء يشتريها الرجل من سوق من أسواق الجبل يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما عارفا، قال: عليكم أن تسألوا إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، فإذا رأيتهم المسلمين يصلون عليه فلا تسألوا عنه ". ومنه كغيره من الأخبار الكثيرة جدا بل كادت تكون متواترة يستفاد طهارة ما يؤخذ من يد المسلم وان علم سبقها بيد كافر من غير فرق بين المسلم المخالف وغيره مستحل ذبائح أهل الكتاب أولا مستطهر الجلد بالدبغ أولا، للسيرة المستقيمة، ومحكي الاجماع، وإطلاق الأخبار إن لم يكن ظاهرها، وسهولة الملة وسماحتها، وعدم العسر


(1) وفى النسخة الأصلية " محرز " بدل " محرر " (2) الوسائل الباب 9 من ابواب النجاسات الحديث 7 (3) الوسائل الباب 61 من ابواب لباس المصلي الحديث 1 (4) الوسائل الباب 50 من ابواب النجاسات الحديث 7 وفى الوسائل " غير عارف " بدل " عارفا "

[ 347 ]

والحرج فيها، ومساواته بل هو منه لما حكي عليه الاجماع من حل ذبائح العامة مع عدم رعاية ما يلزم عندنا في الذبح من الشروط وغير ذلك. فما عن الفاضل عن التوقف في طهارة الموجود في يد مستحل الميتة بالدبغ، بل ظاهر الذكرى الحكم بالنجاسة ضعيف جدا بل معلوم الفساد، بل يستفاد من غيره طهارة ما في يد غير المعلوم إسلامه إذا كان السوق سوقهم والبلاد بلادهم وهم أغلب من الكفار، ففي الموثق كالصحيح (1) " لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام، قلت: فان فيها غير أهل الاسلام، قال: إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس " مضافا إلى جريان أحكام الاسلام على مثله ممن وجد في أرض المسلمين من رد السلام وتغسيله ونحوه ؟ ؟ حتى يعلم انه من غيرهم. بل قد ينال بطهارة المطروح في بلادهم وأرضهم وإن لم يكن عليه يد لكن إذا كان عليه آثار الاستعمال بأي نحو كان مما لا يغتفر في جلد الميتة، وفاقا للمدارك وكشف الأستاذ واللوامع، بل في الأخير نسبته إلى ظاهر المعتبر ومعظم الطبقة الثالثة، تحكيما للظاهر على الأصل كما يؤمي إليه الخبر السابق. وخبر السكوني (2) عن الصادق (ع) " إن أمير المؤمنين (ع) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة، كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، قال أمير المؤمنين (ع): يقوم ما فيها ثم يؤكل، لأنه يفسد وليس له بقاء فأن جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي، قال: هم في سعة حتى يعلموا " لظهور انسياق بلاد الاسلام من الخبر المذكور. بل قد يرشد إليه في الجملة الصحيح عن حفص بن البختري (3) قال: " قلت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب النجاسات الحديث 5 - 11 (3) الوسائل الباب 31 من أبواب الذبح الحديث 1 من كتاب الحج

[ 348 ]

لأبي عبد الله (ع): رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به عليه، قال: ينحره ويكتب كتابا يضعه عليه ليعلم من مر به أنه صدقة " حيث ظهر منه جواز الاعتماد على القرائن غير اليد. أما ما كان مطروحا ولا أثر استعمال عليه أو كان في يد كافر لم يعلم سبق يد مسلم عليه أو أرضهم وسوقهم وبلادهم فهو ميتة لا يجوز استعماله، للأصل، وظاهر بعض المعتبرة السابقة. فما في المدارك من الحكم بطهارة الجلد المطروح حتى يعلم أنه ميتة، تمسكا بنحو الصحيح (1) " عن الخفاف التي تباع في السوق، قال: اشتر وصل حتى تعلم أنه ميتة " وبقاعدة الطهارة بعد تعارض الأدلة، إذ هو حينئذ كالدم المشتبه ضعيف جدا إن أراد بالمطروح غير ما ذكرنا كالذي في غير بلاد الاسلام، أو فيها لكن لا أثر عليه، لعدم الشاهد له بعد تنزيل الخبر المذكور ونظائره على بلاد الاسلام وسوقهم كما هو الظاهر منها، وانقطاع قاعدة الطهارة باصالة عدم التذكية. على أنه قد يقال: المتجه بعد تسليم تعارض الأدلة من الأصول وغيرها عدم الحكم بالطهارة مثلا أيضا، لعدم ثبوت شرطها، لا لثبوت العدم باستصحاب ونحوه، وهو كاف قطعا، نعم لا ينجس حينئذ ما يلاقيه، اللهم إلا أن يدعى أن قاعدة الطهارة يكفي في تحققها عدم العلم بالنجاسة مع عدم الحصر إن قلنا به أيضا، بل أكثر موارد قاعدة الطهارة من هذا القبيل، إلا أن يفرق باشتراطها هنا بالتذكية بخلافها في غيره، فان النجاسة بالحقيقة هي المشروطة لا الطهارة، فتأمل جيدا فانه لعلك به مع ملاحظة ما ذكرنا تستفيد الجمع بين الفتاوى كالنصوص، فتخرج المسأله عن الخلاف حينئذ، والله أعلم، ويأتي إن شاء الله مزيد تحقيق في باب الصلاة.


(1) الوسائل الباب 50 من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 349 ]

* (ويستحب اجتناب جلد ما لا يؤكل لحمه) * من ذي النفس الذي تقع عليه التذكية * (حتى يدبغ بعد ذكاته) * كالسباع، فانها مما تذكى للاجماع المحكي عن الفاضلين والشهيد، وموثق سماعة (1) " سألته عن جلود السباع ينتفع بها، قال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده " كموثقه الآخر (2) " سألته عن تحريم السباع وجلودها، فقال: أما اللحوم فدعها، وأما الجلود فاركبوا عليها ولا تصلوا فيها ". وبذلك ينقطع إصالة عدم التذكية بناء على أنها أمر شرعي كما يشهد له اختلاف أفرادها من ذكاة السمك والجراد وغيرهما، بل ما كان تذكيته الذبح قد اعتبر الشارع فيه من التسمية والاستقبال ونحوهما ما به خرج عن إرادة المعنى اللغوي بحيث ينتفى الاسم بانتفائها، ويندرج تحت الميتة لا المذكى النجس مثلا. نعم قد يقال بعدم الاحتياج إلى أزيد مما ثبت من اعتباره في المأكول من ذي النفس متى ثبت كون الحيوان مما يقبل التذكية حتى يدل دليل على الزيادة، فتأمل جيدا. بل وكذا إن قلنا إن التذكية لغوية لكنها من الأسباب الشرعية التي رتب الشارع عليها أحكاما عديدة، فمع الشك في سببيتها بالنسبة إلى أحد أفراد موضوعها ومحلها فالأصل عدمها أيضا، إلا أنه قد يمنع الشك حينئذ ويدعى ترتب الأحكام على مسمى التذكية، فيكون الأصل بالعكس، بل يؤيده ما عن القاموس والصحاح أنها الذبح، لكن العرف والشرع يأباه، إذ الذبح فيهما أعم من التذكية كما لا يخفى على من لاحظ الأدلة بل واللغة أيضا، وما عن القاموس والصحاح تفسير بالأعم كما هو دأب أهل اللغة، أو أن المراد الذبح الشرعي المخصوص.


(1) الوسائل الباب 49 من ابواب النجاسات الحديث 2 (2) الوسائل الباب 5 من ابواب لباس المصلي الحديث 3 من كتاب الصلاة مع اختلاف كثير

[ 350 ]

ومن الغريب احتمال أن التذكية الموت بغير حتف الأنف حتى أنه لو قد الحيوان نصفين على عكس القبلة وعدم التسمية كان مذكى، إلا أن يقوم إجماع ونحوه على عدمه كاحتمال أن الموت مانع، ومع الموت بغير حتف الأنف يشك في دخوله تحت اسمه ليتبعه الحكم، إذ هما من الخرافات. بل لعل الاحتمال السابق أي أن التذكية ليست شرعية لا يحتاج في معناها ولا محلها إلى الشرع، بل المحتاج إليه منه نفس الحكم المترتب على ذلك، فإذا قال مثلا: المذكى طاهر لم يحتج بعد إلى شئ آخر كذلك أيضا، إذ هو أيضا واضح الفساد، لأن أصل مقابلة الموت بالتذكية انما هومن الشرع، وإلا فالموت يقابله الحياة لا التذكية، على أنه قد يمنع حينئذ عليه عموم الدليل لكل مذكى بحيث يجري عليه الأحكام وإن بعد، وقوله تعالى (1): " إلا ما ذكيتم " يراد به بالنسبة إلى ما يؤكل لحمه قطعا، كما يدل عليه المستثنى منه. فالأقوى حينئذ التمسك باصالة عدم التذكية في كل حيوان شك في قابليته لها وعدمه، فالمسوخ حينئذ والحشرات باقية على مقتضاها حينئذ، لعدم الدليل فالقول بها فيها كالقول بعدمها في السباع لا يصغى إليه كما يأتي مزيد تحقيق ذلك في محله في باب الصيد والذباحة إن شاء الله. وما في الحدائق " الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب فيما أعلم ان ما عدا الكلب والخنزير والانسان من الحيوانات الطاهرة تقع عليها الذكاة " إلى آخره. لم نتحققه، بل المتحقق خلافه. وأما ما في المتن والقواعد وغيرهما من استحباب الاجتناب كالذي في المعتبر والمختلف من كراهة الاستعمال قبل الدبغ فلم أقف على ما يقتضي شيئا منهما عدا الخبر الذي ستسمعه، والتفصي من شبهة القول بوجوب الاجتناب قبل الدبغ المحكي عن الشيخ،


(1) سورة المائدة الآية 4

[ 351 ]

بل الشيخين، بل المرتضى، بل في كشف اللثام عن الأكثر، بل في الذكرى عن المشهور، بل هو اختاره في البيان، سواء كان ذلك منهم لتوقف الطهارة عليه كما يفهم من المنتهى وجامع المقاصد، أو التعبد المحض كما يفهم من غيرهما، وإن كان على أي التقديرين في غاية الضعف، إذ هو مع انه مناف للأصل وإطلاق أدلة الطهارة السابقة لم نعثر على ما يدل عليه أيضا سوى ما في كشف اللثام من أنه روي في بعض الكتب عن الرضا (ع) " دباغة الجلد طهارته " وهو مع قصوره عن إثبات المطلوب من وجوه محتمل (1) لارادة زوال الزهومات ونحوها بالدبغ من الطهارة فيه، على أنه لا ينطبق على القول بتعبدية الدبغ. وأما ما في الخلاف من أن جواز التصرف في هذه الأشياء يحتاج إلى دلالة شرعية، وانما أجزنا ما أجزنا بدلالة إجماع الفرقة على ذلك أيضا فهو لا يرجع إلى محصل، إذ الدلالة ما عرفت، كقوله بعد ذلك: إنه لا خلاف في جواز استعمالها بعد دباغها، ولا دليل قبل الدبغ، كما هو واضح. ثم أنه لا ريب في امتثال الاستحباب أو الكراهة أو الوجوب أو الحرمة على اختلاف التعبير بالدبغ بالأشياء الطاهرة من الشب والقرظ والعفص وقشور الرمان وغيرها مما يندرج في ذلك، أما الأشياء النجسة فلا يجوز الدبغ بها كما صرح به في المختلف والمعتبر والمنتهى والذكرى بل في الأول الاجماع عليه، وهو إن تم كعدم جواز مطلق استعمال النجس والانتفاع به الحجة، وإلا كان للنظر فيه مجال. لكن لو خالف فدبغ فالظاهر جواز استعماله عندنا بعد الغسل، للأصل والعمومات، وخبر أبي يزيد (2) عن أبي الحسن الرضا (ع) " سأله عن جلود


(1) في النسخة الأصلية " ومحتمل " والصحيح ما أثبتناه (2) الوسائل الباب 7 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 352 ]

الدارش، فقال: لا تصل فيها، فانها تدبغ بخرء الكلاب " لقصوره محمول على الكراهة أو إرادة قبل الغسل ونحوهما. وأما على القول بوجوب الدبغ ففي الاكتفاء به وعدمه، أو التفصيل بين التعبد وتوقف الطهارة عليه، فالاكتفاء على الأول وعدمه على الثاني وجوه لا يمكن أن يعض على أحدها بضرس قاطع حتى يعرف دليل ذلك القول وما يقتضيه، وإن أمكن تعليل الأول بصدق الدبغ، والثاني بعدم كون المحرم سببا لحكم شرعي، والثالث باشتراط الطهارة في المطهر دون التعبد، وخبر الرضا (ع) السابق، والأمر سهل، فتأمل جيدا. * (و) * يجوز أن * (يستعمل من أواني الخمر ما كان) * صلبا يمنع نفوذ الخمر ولو لأنه كان * (مقيرا أو مدهونا) * بدهن أخضر مثلا * (بعد غسله) * فانه مما يطهر بذلك إجماعا كما في المعتبر والمنتهى، وهما مع العمومات الحجة على ما نحن فيه، بل لعله مستغن عنهما بضروريته بداهته * (و) * كذا يجوز لكن * (يكره ما كان) * رخوا لا يمنع نفوذ الخمر فيه كما لو كان * (خشبا أو قرعا أو خزفا غير مدهون) * وفاقا للمشهور نقلا في كشف اللثام إن لم يكن تحصيلا، أما الجواز فلوجود المقتضي من الغسل المترتب عليه الطهارة، لازالته العين كغيره من النجاسات، وارتفاع المانع، إذ ليس هو إلا نفوذ الأجزاء الخمرية في الباطن فيتنجس بها، وفيه أنه ليس أسرع من الماء نفوذا أولا، ودعوى أسرعيته قبل حيلولة الأجزاء الخمرية، وإلا فهي مانعة له عن النفوذ بعد تسليمها خروج عن محل النزاع، على أن الأجزاء غالبا تستهلك متى دخلت في المسام خصوصا إذا جف الاناء، وليس مانع من حصول طهارة الظاهر الذي يراد استعماله ثانيا، إذ لا سراية، نعم

[ 353 ]

ينجس ما فيه حينئذ لو خرج تلك الأجزاء الخمرية إلى الخارج مضافا إلى إطلاق ما دل على حصول الطهارة بالغسل وترك الاستفصال في موثق عمار (1) " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء أو كامخ أو زيتون ؟ قال: إذا غسل فلا بأس، وعن الابريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء ؟ قال: إذا غسل فلا بأس، وقال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال: يغسله ثلاث مرات ". كموثقه الآخر (2) " في الاناء الذي يشرب فيه النبيذ وأنه يغسل سبع مرات ". بل وخبر حفص الأعور (3) " قلت للصادق (ع): إني آخذ الركوة فيقال: إنه إذا جعل فيها الخمر وغسلت كانت أطيب لها فنأخذ الركوة فنجعل فيها الخمر فنخضخضه ونصبه ونجعل فيه البختج، فقال: لا بأس ". وخبره الآخر (4) " قلت لأبي عبد الله (ع): الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل، قال: نعم " إذ المراد يجفف ويغسل. والموثق عن أبي عبد الله (ع) أيضا (5) " في الاناء يشرب فيه النبيذ فقال: تغسله سبع مرات، وكذا الكلب ". فما عن نهاية الشيخ وابني الجنيد والبراج من المنع عن استعماله لما في الخمر من الحدة والنفوذ. ولصحيح ابن مسلم (6) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن الظروف فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدباء والمزفت وزدتم أنتم الحنتم يعني الغضار


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 30 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 1 - 2 - 3 (4) و (5) الوسائل الباب 30 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 4 - 2 (6) الوسائل الباب 52 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 354 ]

والزفت يكون في الزق ويصب في الخوابي ليكون أجود للخمر، وسألته عن الجرار الخضر والرصاص قال: لا بأس ". وخبر أبي الربيع الشامي (1) عن الصادق (ع) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كل مسكر حرام، قلت: فالظروف التي تصنع بها منه فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدبا والمزفت والحنتم والنقير، فقلت: وما ذاك ؟ قال الدبا: القرع، والمزفت: الدنان، والحنتم: جرار خضر، والنقير: خشب كانوا ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها ". وخبر جراح المدائني (2) عنه (ع) أيضا " انه منع عما يسكر من الشراب ومنع النقير والنبيذ الدباء " ضعيف، إذ الأول قد عرفت ما فيه من أشدية الماء منه نفوذا، والأخبار لا تصلح لاثبات الكراهة فضلا عن المنع، إذ هي بعد الاغضاء عن سند بعضها والاجمال، بل الاشكال في متن الآخر، وقصورها عن تقييد غيرها ظاهرة في إرادة النهي عن الانتباذ فيها مخافة الاختمار باعتبار ما في الاناء من الدهنية أو النبيذ السابق المتغير، لا مطلق استعمالها، كما يشهد لذلك النهي فيها عن المزفت أي المطلي بالزفت، وهو القير، وعن الحنتم، وهي كما قيل الجرار الخضر المدهونة مما عرفت انه لا إشكال في قابليته للتطهير وجواز استعماله، فعلم إرادة بيان خصوصية للانتباذ خوفا عليه من الاختمار ولو لتشرب الاناء الذي لا يمنع من قبول التطهير، لكنه قد يؤثر الاختمار، بل قد تؤثر الرائحة ونحوها، إلا أنه مع ذلك كله لا بأس بالقول بالكراهة تخلصا من شبهة الخلاف، بل والاحتمال في الأخبار، واستظهارا في الاحتياط، ونحو ذلك مما يكتفى به فيها للتسامح، والله أعلم.


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب النجاسات الحديث 2 مع الاختلاف (2) الوسائل الباب 25 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 2

[ 355 ]

* (و) * يجب أن * (يغسل) * مسمى * (الاناء من ولوغ الكلب ثلاثا) * إجماعا مما عدا الاسكافي كما في المنتهى، بل لم يستثنه منه في الانتصار والخلاف والغنية بل والذكرى أيضا وان حكي خلافه فيها بعد ذلك، وهو الحجة بعد إمكان دعوى الأصل في نفي الزائد هنا، وصحيح البقباق (1) عن الصادق (ع) " سألته عن الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " خصوصا على ما في المعتبر والمنتهى وغيرهما من زيادة " مرتين " بعد لفظ الماء فيه، ولعلهم عثروا عليه فيما عندهم من الأصول، وخصوصا بالنسبة للمحقق، إذ هو غالبا يروي عن أصول ليس عندنا منها إلا أسماؤها، بل يؤيده أيضا وجود ذلك في لسان القدماء من الأصحاب حتى ان الشيخ الذي روى الرواية بدون ذكر المرتين حكى الاجماع على وجوبهما، بل لم يفت أحد بالاكتفاء بالمرة، بل لعل ذلك مخالف لشعار الشيعة، ولما يظهر من الأخبار من شدة نجاسة الكلب، بل هي أشد من البول الذي وجب فيه التعدد. فدغدغة سيد المدارك تبعا لأستاذه بالنسبة إلى ذلك من حيث خلو الصحيح عنه في الأصول في غير محلها قطعا، وخصوصا بعد تأييد ذلك الصحيح أيضا بما في الرضوي (2) كما عن رسالة الصدوق ومقنع ولده وفقيهه " إن ولغ الكلب في الماء أو شرب منه أهريق الماء وغسل الاناء ثلاث مرات: مرة بالتراب، ومرتين بالماء، ثم يجفف " وبالعاميين (3) عن النبي صلى الله عليه وآله " ان ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات "


(1) الوسائل الباب 70 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) المستدرك الباب 43 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) حاشية ابن مالك على صحيح مسلم المطبوعة بهامش الصحيح ج 1 ص 162 وسنن البيهقى ج 1 ص 240

[ 356 ]

مع زيادة في أحدهما " أو خمسا أو سبعا " المعلوم حملها على الندب، لعدم جواز التخيير بين الأقل والأكثر. فما عن ابن الجنيد من إيجاب السبع للأصل الذي يكفي في انقطاعه على تقدير تسليم جريانه بعض ما مر، والنبوي (1) العامي الذي لم يثبت من طرقنا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا، أولا هن بالتراب " المحمول على الندب قطعا، لقصوره عن معارضة ما عرفت من وجوه، كالموثق المتقدم (2) آنفا في المسألة السابقة ضعيف إن لم يكن مقطوعا بفساده. وظاهر المتن كغيره بل المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا شهرة كادت تبلغ الاجماع قصر الحكم على الولوغ الذي هو الشرب، كما في المصباح المنير بل والصحاح وإن زاد بطرف لسانه، بل والقاموس وإن فسره بادخال لسانه في الاناء وتحريكه، فلا يتعدى منه إلى غيره من مباشرة باقي أعضائه غير اللطع، لمساواته له أو أولويته منه، بل في مجمع البرهان ولا إلى مباشرة لسانه بما لا تسمى ولوغا حتى اللطع، للأصل في وجه، وإطلاق الأمر بالغسل من نجاسة الكلب المفهوم من النصوص (3) بعد إلقاء الخصوصية فيما تضمنته السالمين عن المعارض، إذ هو في الولوغ خاصة. لكن قد يشكل الأصل باقتضائه العكس الذي هو المطلوب، وما بعده بأعمية صحيح البقباق الذي هو مستند الحكم من الولوغ، خصوصا إن أخذنا طرف اللسان أو إدخاله وتحريكه فيه، ضرورة أن الفضل أعم منه، إذ هو يصدق عليه بقية الملطوع والمأكول ونحوهما دونه.


(1) كنز العمال ج 5 ص 89 الرقم 1888 (2) الوسائل الباب 30 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 2 (3) الوسائل الباب 12 من ابواب النجاسات

[ 357 ]

أللهم إلا أن يقال: إنه وان كان هو أعم منه في نفسه لكن المراد منه هنا باعتبار ظهوره في بقية الماء المشروب بطريق الولوغ كما هو أغلب أحوال شرب الكلب إن لم يكن جميعها الولوغ. لكن قد يمنع ظهور الصحيح في اعتبار ذلك على وجه الشرطية للحكم المذكور، بل قد يقال المراد مطلق السؤر الذي هو بمعنى المباشرة عندنا من الفضل، ولعله لذا والأصل مع التأييد بالرضوي المتقدم وغلبة اتحاد الحكم في أجزاء الحيوان، بل يمكن دعوى أولوية غير الفم منه في هذا الحكم باعتبار أن فمه أنظف منها، ولذا كانت نكهته كما قيل أطيب من غيره من الحيوانات لكثرة لهثه ساوى المفيد والنراقي كما عن الصدوقين بل قد يظهر من سيد الرياض الميل إليه بين الولوغ في ذلك وبين مباشرة باقي أعضاء الكلب، وهو لا يخلو من وجه، بل لعل التأمل الجيد في الصحيح السابق وظهور سياقه في إرادة بيان نجاسة الكلب من غير مدخلية لشئ آخر يعين ذلك، لا أقل من الشك، والأصل بقاء النجاسة. بل ينبغي القطع به في مثل اللطع والشرب كرعا لمقطوع اللسان ونحوه، بل في الروض وشرح المفاتيح وجامع المقاصد أنه أي اللطع أولى من الولوغ. كما انه ينبغي القطع بعدم الفرق بين الماء وغيره من سائر المائعات في صدق الولوغ أو الالحاق به. نعم لا ينسحب الحكم إلى مباشرة لعابه من غير ولوغ فضلا عن عرقه وسائر رطوباته، وفاقا للمشهور نقلا وتحصيلا، لعلم دليل عليه، وخلافا للفاضل في نهايته، فألحق اللعاب به، بل وباقي الفضلات أيضا، معللا الأول بأن المدار على قطع اللعاب من غير اعتبار السبب، وللثاني بأن فمه أنظف من باقي أعضائه، فهي به حينئذ أولى بالحكم المذكور، وهما معا كما ترى وإن كان هو أحوط.

[ 358 ]

بل قد يراد من الفضل الذي في الصحيح ما كان فيه من فضلة فمه مثلا شئ، سواء باشره فمه أو لا، بل لعل سبب أصل إطلاق الفضل على ما يباشره فم الحيوان مثلا غلبة تخلف شئ من فضلة فيه، فحينئذ يقوى القول بجريان الحكم المذكور في الفرض، وإن كان لا يجسر على الجزم به بمجرد ذلك. ولا يلحق بالكلب الخنزير قطعا، لعدم الدليل، وفاقا لمن عدا الخلاف، وخلافا له وعن المبسوط والمصباح ومختصره والمهذب، وان استدل عليه في الأول بدعوى تسميته كلبا لغة، لكنه في غاية الضعف لمنعها، ولو سلم ففي العرف لا ينصرف الاطلاق إليه، كالاستدلال عليه بأن سائر النجاسات يغسل منها الاناء ثلاث مرات، والخنزير نجس بلا خلاف، إذا البحث في مساواته للولوغ في الحكم بالتراب ونحوه لا العدد، وإلا فقد يقوى في النظر وجوب سبع مرات في ولوغ الخنزير ضعف عدد الكلب وزيادة، وفاقا للمختلف والارشاد والقواعد والذكرى وجامع المقاصد وغيرها من كتب متأخري المتأخرين، لصحيح علي بن جعفر عن أخيه (1) " سألته عن خنزير شرب من الاناء كيف يصنع به ؟ قال: يغسل سبع مرات " السالم عن معارض غير الاطلاق ونحوه الواجب حمله عليه، لا التجوز بارادة الندب فيه وإن ارتكبه المصنف في معتبره، ولعله لعدم عثوره على عامل به قبله، لكنك خبير ان ذلك غير شرط، نعم لو تحقق الاعراض ربما يشكل العمل حينئذ به، ودعواه هنا بالنسبة إلى سابق زمن المصنف وإن كانت ممكنة خصوصا بعدما في كشف اللثام أن ظاهر الأكثر كونه كسائر النجاسات، وعدم اشتهاره بين السلف، لكن لا يجسر عليه الآن بعدما سمعت من عمل من عرفت به. وعلى كل حال فلا وجه لالحاقه بالكلب، بل ولا غيره من الحيوان النجس


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب النجاسات الحديث 1

[ 359 ]

كأصناف الكفار حتى الناصب منهم، وان ورد (1) فيه أنه أشر من الكلب، لكنه لا ظهور فيه في إرادة ما يشمل مثل ذلك من الأحكام الظاهرية. نعم يقوى في النظر إلحاق ما تنجس بماء الولوغ من الأواني، وفاقا للمحكي عن نهاية الفاضل والمحقق الثاني، لظهور الصحيح السابق الذي هو مستند الحكم هنا في أن مدار التعفير على نجاسة الاناء بفضلة الكلب، فمع فرض إراقة ذلك الماء مثلا من الاناء الأول إلى الآخر تحقق صدق نجاسته بفضل الكلب، لكن في المعتبر والذكرى والمدارك بل وظاهر الخلاف أيضا عدم اللحوق، اقتصارا في الحكم على موضع النص، وفيه ما عرفت إلا أن يدعى تبادر الاناء الأول من فضل الكلب، وإن كانت هي أيضا بحيث تنافي ما ذكرنا ممنوعة، إذ لا فرق بين كل من الاناءين في حصول النجاسة له بفضل الكلب. أما لو أصاب ذلك الماء الجسد والثوب ونحوهما فلا تعفير، لا لعدم صدق الولوغ إذ قد عرفت أن موضوع الحكم أعم من ذلك، بل هو لظهور النص والفتوى بدوران الحكم مدار الاناء، فلو لطع الكلب ثوبا أو جسدا لم يجب التعفير، بل لو ولغ بماء في كف إنسان مثلا أو موضوع في ثوب ونحوه لا تعفير بناء على ذلك أيضا، لكن لا يخلو من نظر وتأمل من حيث ظهور الصحيح السابق في كون الاناء فيه مثلا لغيره، لا أنه يراد منه التخصيص والتعيين قطعا، وإلا لم يؤد بهذا النوع من العبارة، ويؤيده أيضا ما سمعته سابقا من إمكان دعوى القطع بعدم مدخلية الماء المطلق في هذا الحكم، بل غيره من المائعات كالماء المضاف ونحوه مثله فيه، ضرورة عدم الفرق بين الاناء والماء في الصحيح المذكور، فتأمل. وليس ماء الغسالة بناء على نجاسته كماء الولوغ قطعا، لصدق النجاسة بفضل


(1) الوسائل الباب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث 4

[ 360 ]

الكلب في الأول دون الثاني، ومن هنا لم يجر عليها حكم التعفير وإن قلنا بوقوع الغسل قبله فاتفق الاصابة حينئذ من ذلك الغسل المتقدم عليه، بل تكون حينئذ كسائر النجاسات حتى لو قلنا إن ماء الغسالة كالمحل قبلها في الحكم، إذ يمكن تخصيصه بما إذا لم يكن لخصوص النجاسة مدخلية، أما لو كان كالولوغ الواضح عدم صدقه بالنسبة إلى ماء الغسالة فلا، كما أشار إليه الشهيد في الروضة في البحث عن الغسالة، على أنه بناء على وجوب تقديم التراب لا يتصور تقديم ماء الغسالة حتى يجب التعفير حينئذ كالمحل، بل أقصاه وجوب العدد. نعم يمكن فرضه حينئذ بالمتنجس بملاقاة إناء الولوغ، إذ ليس للغسالة خصوصية في ذلك، ضرورة كون منشأ التبعية للمحل فيها انما هو استظهار انتقال حكم النجاسة إلى المتنجس بها، بل هو معنى نجاستها بملاقاته، وهو لا يتفاوت فيه بين الغسالة وغيرها، بل هو في الثاني أتم، خلافا لظاهر المحكي عن المحقق الثاني، فأوجب التعفير من ملاقاة ماء الغسالة مع فرض صحة وقوعها قبل التعفير، وكان مستنده ما عرفت من انتقال حكم النجاسة إلى ملاقيها مؤيدا بالاستصحاب ونحوه، لكن قد عرفت أن الأقوى خلافه هنا، كما أنك عرفت ما يرد عليه أيضا بالنسبة إلى تقييده بفرض صحة وقوعها قبل التعفير، إذ لو لم يفرض ذلك كان من المتنجس الذي قد سمعت أن المتجه مساواته لماء الغسالة، كما هو واضح. ثم لا فرق في الحكم المذكور بين ولوغ الكلب الواحد مرة أو مرات والكلاب المتعددة بلا خلاف ولا إشكال، لظهور الجنسية من الصحيح التي لا يتفاوت فيها القليل والكثير كباقي النجاسات بالنسبة إلى بعضها مع بعض، كعدم الخلاف والاشكال أيضا في وجوب الاستئناف لو فرض وقوع ذلك في الأثناء، لعدم تصور التداخل فيما مضى،

[ 361 ]

ولا فائدة بل لاوجه للاتمام ثم الاعادة، ومثله في ذلك كله النجاسات الأخر لو عرضت له في الأثناء أو قبل التعفير، فانه يدخل ذات العدد القليل في الكثير، ويختص الولوغ بالتعفير. وكيف كان فالغسلات الثلاثة التي ذكرنا وجوبهن لابد أن يكون * (أولاهن بالتراب على الأصح) * وفاقا للمشهور نقلا وتحصيلا للأصل والصحيح المتقدم وإجماع الغنية التي لا ينافيها إطلاق الرضوي (1) لو قلنا بحجيته كاطلاق معقد إجماع الانتصار والخلاف، لوجوب حمله عليه، فما في المقنعة من اعتبار كون الوسطى كذلك ضعيف، لم نقف له على مأخذ كما اعترف به غير واحد سوى ما في الوسيلة من نسبته إلى الرواية، لكنها كما ترى مرسلة بأضعف وجهي الارسال قاصرة عن معارضة ما تقدم من وجوه. وهل يجب مزج التراب بالماء كما في السرائر وعن الراوندي، بل قواه في المنتهى تحصيلا لحقيقة الغسل أو أقرب المجازات إليه وان حصل التجوز بالتراب، بل قد يدعى أنه المنساق إلى الذهن من الغسل بالتراب، خصوصا بعد ملاحظة العدول عن التعبير بالمسح به إلى ذلك. أم يجب العدم كما في جامع المقاصد وظاهر الخلاف، ترجيحا لابقاء التراب على حقيقته عل تلك الأقربية لو سلمت بعد منع إمكان تحصيل حقيقة الغسل بالمزج، ودعوى انه جريان مطلق المائع على الجسم واضحة الفساد، بل هو إما جريان الماء خاصة، أو هو وما أشبهه من ماء الورد ونحوه. هذا كله إن قلنا بأقربية ذلك المجاز، وإلا فلو منع وقلنا إنه على كل حال تعذر الاتيان بحقيقة الغسل، ضرورة عدم صدق اسم الغسل على جريان التراب الممزوج ولو بنفسه لم يحتج حينئذ إلى مراعات الترجيح المزبور، لوجوب إبقاء التراب حينئذ على حقيقته، لاصالة الحقيقة، ولمرجوحية المجازين بالنبسة إلى المجاز الواحد قطعا.


(1) المستدرك الباب 43 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 362 ]

أو يخير بين كل من الأمرين كما هو ظاهر الذكرى أو صريحها والبيان وعن الدروس، بل هو ظاهر الشهيد الثاني أيضا، لكنه اعتبر المزج الذي لا يخرج به التراب عن اسمه، وكان مراده المزج الذي هو كاللبس، وقواه في الذخيرة لحصول الغرض، وهو إزالة ما حصل بالاناء من اللعاب بكل منهما، بل قد يدعى ان الغسل بالتراب وإن كان مجازا مطلق بالنسبة اليهما معا فكل منهما فرد يحصل به امتثال التكليف بإيجاده. أو يجبان معا كما عساه يميل إليه الأستاذ في شرح المفاتيح، بل والسيد المعاصر في رياضه، لتوقف يقين الطهارة من تلك النجاسة اليقينية عليه ؟ أوجه بل أقوال كما عرفت، أحوطها آخرها، وأقواها ثالثها على الوجه الذي اعتبره الشهيد الثاني، بل لعله المتعارف من الغسل بالتراب كغسل اليد بالاشنان ونحوه، فيتعين حينئذ لا أنه يخير بينه وبين عدمه، إلا أني لم أعرف قائلا به، كما أني لم أعرف قائلا باحتمال جعل الباء للاستعانة مع تقدير الدلك والمسح متعلقا للظرف لا أنه متعلق بالغسل، وإلا رجع إلى أحد الوجوه السابقة، أو للمصاحبة والظرف مستقر لا لغو، فيكون المراد غسله مصاحبا للتراب، فيجتزى بمسماه، أو يتعين بحيث لا يخرج الماء عن إطلاقه كالسدر والكافور في غسل الميت، لكن كان المناسب حينئذ وصف الماء بالبحت في قوله (عليه السلام): " ثم بالماء " عدا هذا الأخير، فانه ربما يظهر من تذكرة الفاضل حيث استشكل فيها بالاجزاء بناء على المزج إذا خرج الماء عن الاطلاق وصار مضافا، كما انه استشكل في قيام غيره من ماء الورد ونحوه مقامه بناء على الاجتزاء به لو خرج عن الاطلاق. بل عنه في النهاية أن مبنى ذلك وجوب التعفير تعبدا أو استظهارا في القلع، فيتوقف فيه على الأول على ظاهر النقل، بخلاف الثاني فيجزي غير الماء المطلق من ماء الورد ونحوه فضلا عن الاجتزاء بالخارج منه عن الاطلاق بالمزج، وإن كان لا يخفى عليك أن الاشكال الأول في غير محله، ومخالف لظاهر كلمات الأصحاب، إذ لم أعرف أحدا

[ 363 ]

اعتبر بقاء الماء على إطلاقه من القائلين بالمزج، بل صريح بعضهم كما عرفت اشتراط عدم خروج التراب عن اسمه بالمزج، بل والثاني أيضا عند التأمل، إذ لا وجه لاعتبار كونه ماء مطلق سوى إطلاق قوله (ع): " اغسله بالتراب " والغسل معناه إما إجراء الماء أو أنه أظهر أفراده الذي ينصرف إليها، وفيه ان هذا لو لم يذكر متعلقه، أما إذا ذكر انه التراب فلا، كما هو واضح، فاستفادة اشتراط مزج الماء حينئذ من إطلاق الغسل وان كان قد ذكر متعلقه لأنه أقرب مجاز لا ينبغي أن يصغي إليه، إذ هو لا يرجع إلى محصل. نعم يتجه وجوب الاقتصار على التراب، فلا يجوز الاشنان ونحوه كما هو ظاهر النص والفتوى، عدا ما حكاه بعضهم عن ابن الجنيد من الاجتزاء بالتراب وما يقوم مقامه، لكن مع أنه حكى عنه المصنف وغيره ذلك حال عدم التمكن من التراب هو ضعيف جدا، وإن حكي عن موجز أبي العباس موافقته، بل لعله مبني على ما نسب إليه من القول بالقياس. بل المتجه عدم الاجتزاء بغيره مع الضرورة وعدم التمكن منه أيضا، وفاقا للمنتهى وجامع المقاصد وكشف اللثام والمدارك والذخيرة وغيرها، للأصل ومساواته حال التمكن في علة المنع، وعدم إمكان التنقيح بعد طهورية التراب دون غيره، على أنه لو جاز هنا لجاز حال عدم الاضطرار، لعدم دليل يخصه، وخلافا للقواعد والذكرى والبيان وعن المبسوط فيجزئ حينئذ، لحصول الغرض من إرادة قلع النجاسة والأجزاء اللعابية، بل ربما كان بعضه أبلغ من التراب، إذ هو كما ترى، بل مقتضاه جوازه اختيارا، وهو معلوم البطلان. فالأقوى بقاؤه على النجاسة حتى يتمكن من التراب، كما إذا تعذر ما يقوم مقام التراب أيضا، وفاقا لظاهر أو صريح أكثر من قدمنا أو جميعهم، لعين ما مر،

[ 364 ]

فهو والماء حينئذ بمنزلة واحدة كما هو ظاهر الصحيح السابق، ولا يقدح فيه لزوم التعطيل في مثله بعد فرض ندرة عدم التمكن من التراب أو الماء المعصوم، بناء على عدم التعفير فيه، كندرة مشقة الاستغناء عن خصوص الاناء، على أنه حرج شخصي لا نوعي. خلافا لقواعد الفاضل وعن مبسوط الشيخ، بل قواه في المنتهى، كما عنه أنه قربه في التحرير، فيتجزئ بالماء خاصة، بل نسبه في المدارك إلى جمع من الأصحاب، وضعفه واضح مما مر، فمن العجيب تقوية ظاهر المنتهى له هنا مع قوله بعدم إجزاء غير التراب عنه هناك، ولعله لا يريدها بالنسبة إلى ذلك، بل يريد قوة القول بالمرتين، بناء على الاجتزاء بالماء مقابل احتمال ثلاثة غسلات الذي اختاره في القواعد، واحدة منهم بدل التراب تحصيلا ليقين الطهارة، وتحقيقا للتثليث، وإقامة للماء مقام التراب لكونه أبلغ في الازالة، ولعدم سقوط الميسور بالمعسور، بناء على اعتبار المزج، ولا ريب في قوته كما ذكره فيه، وعن التحرير انه قربة لسقوط الغسل بانتفاء ما يغسل به، وانتفاء الدليل على قيام غيره مقامه مع ظهور ضعف ما سمعت للثاني. ومن التعذر خوف فساد المحل في المنتهى والقواعد وعن التحرير والتذكرة، فهو حينئذ كفقد التراب، فيجتزئ بالماء لاشتراط الجميع بالمشقة في التعطيل ودعوى ظهور الاشتراط في الاختيار، وفيه البحث السابق، ولذا حكم ببقائه على النجاسة أكثر من تقدم لعين ؟ ؟ ما مر. نعم قد يشك في أصل شمول دليل وجوب التعفير للاناء المتعذر فيه ذلك أو المتعسر لا لعارض خارجي بل كان من حيث نفسه وأصل وضعه، ومنه الاناء النفيس جدا، أو الاناء الضيق الرأس الذي يفسد بكسره إن لم نقل بامكان تعفير مثله بناء على المزج وإن خرج التراب عن مسماه، بأن يخلط الطين والتراب ويوضع فيه، بل وعلى غير المزج بناء على عدم وجوب الدلك، بل يكفي إجراء التراب كالماء، لاطلاق الدليل،

[ 365 ]

بل قد يدعى ظهور النص بل والفتوى في إرادة الأواني الممكنة التعفير لا متعذرته في نفسها، فيبقى حينئذ على حكم الأواني المتنجسة بغير الولوغ، كما اعترف به الأستاذ في كشفه واحتمله غيره. ومن ذلك بالنسبة للحكم المذكور القربة المتعذر تعفيرها بالتراب على وجه الدلك بناء على اعتباره في الغسل به إن قلنا بعموم حكم الولوغ لغير الأواني لاطلاق النص، بل لو سلم انفهام الاناء من الصب فيه مع أنه أعم منه قطعا لقلنا إنه من باب المثال كما يؤمي إليه ذكره لا بعنوان هذا المساق، بل لا يكاد ينكر ظهوره في ذلك، بل هو الأقوى في النظر إن لم ينعقد إجماع على خلافه، وعليه فلو ولغ في حوض ونحوه وجب تعفيره، وأما إن قلنا باختصاصه بالأواني كما هو ظاهر كلام الأصحاب بل هو صريح كشف الأستاذ سقط البحث فيها من أصله، إلا أن يلتزم أنها من الأواني، فيجري فيها البحث السابق حينئذ، لكنه كما ترى. وربما يتوهم من إطلاق المتن كاطلاق النص وفتوى قدماء الأصحاب عدم اشتراط طهارة التراب، بل كأنه مال إليه بعض متأخري المتأخرين حتى رياض المعاصر، سواء قلنا بمدخليته في نفس التطهير كالماء أو لم نقل بل كان من الشرائط الخارجية لتأثير الماء الطهارة، كالاستعلاء ونحوه في التطهير بالماء القليل، إذ لم يثبت قاعدة اشتراط طهارة المطهر، وإن ثبت فالاطلاق يقيدها. إلا أن الأقوى في النظر اعتبارها، وفاقا للمنتهى والبيان وجامع المقاصد والروض والحدائق وشرح المفاتيح وكشف الأستاذ وغيرها، للأصل وتبادر الطاهر من الاطلاق المذكور الذي لا عموم فيه، سيما إطلاق النص، خصوصا مع الأمر فيه بالغسل به المنصرف إلى الطاهر وإن لم يرد به حقيقته، على أنه غير مساق لذلك، لتركه ذلك الطهارة في الماء.

[ 366 ]

بل يظهر من سياقه اعتبار الطهارة فيه كالماء، لعدم سوقه لبيان ذلك، ومنع عدم مدخليته في التطهير بعد ظهور النص في مساواته للماء، وقوله (ع) في النبوي: " طهور إناء أحدكم " كمنع عدم ثبوت القاعدة المذكورة أو تقييدها بذلك الاطلاق الذي عرفت حاله، سيما مع ملاحظة نظائر المقام من أفراد التطهير بالأرض كحجر الاستنجاء وغيره. هذا كله مضافا إلى ما في الحدائق من الاستدلال عليه بما تقدم في تطهير الأرض من اعتبار الطهارة فيها بقوله صلى الله عليه وآله (2): " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " إذ الطهور عندنا الطاهر المطهر منكرا على الأصحاب عدم الاستدلال به كما هناك، وإن كان قد مضى ما فيه، على أنه قد أومأ إليه في الجملة جامع المقاصد هنا باستدلاله عليه في النبوي السابق " طهور إناء أحدكم " إلى آخره. بل لعله أولى من استدلاله، لامكان المناقشة بارادة الطهارة من الحدث من الطهور في تلك الأخبار، خصوصا ما يشمل مثل المقام، بل لعل الظاهر من الأخبار خلافه، فيكون إنكاره على الأصحاب منكرا عليه، وانه غفلة منه لا منهم، والله أعلم. ولا يسقط التعفير في الغسل بالماء الكثير جاريا أو غيره، وفاقا للمعتبر والمنتهى والذكرى وجامع المقاصد والروض والمسالك وغيرها، بل في الحدائق أنه المشهور، بل قد يظهر من الأولين كونه مفروغا منه، وأنه إن كان إشكال فهو في تقديم التراب على الغسلات مقابل الاجتزاء به لو وقع وسطا أو آخرا، للأصل وإطلاق النص ومعاقد الاجماعات، خلافا لظاهر المختلف أو محتمله ومحتمل الخلاف وصريح كشف الأستاذ وعن صريح نهاية الفاضل، اقتصارا فيما خالف الأصل، والاجتزاء بمطلق


(1) كنز العمال ج 5 ص 89 الرقم 1884 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب التيمم الحديث 3

[ 367 ]

الغسل المستفاد من إطلاق الأدلة وإصالة البراءة في وجه على المتيقن المتعارف في ذلك الزمان، وهو كما ترى ضعيف جدا. وأضعف منه ما في المختلف من أنه حال وقوع الاناء في الكر لا يمكن القول بنجاسته حينئذ، لزوال عين النجاسة، إذ التقدير ذلك، والحكم زال بملاقاة الاناء للكر، إذ هو مصادرة أو مغالطة. وكذا لا يسقط العدد أيضا في الغسل بالراكد من الكثير عند الشيخ في خلافه وعن مبسوطه والمصنف في معتبره، بل هو لازم القول بعدم سقوطه في غسل الثوب به من البول، وهو لا يخلو من قوة، للأصل وإطلاق دليل التعدد من النص على رواية المعتبر له، ومعاقد الاجماعات وغيرها السالمة عن معارضة ما سمعته في غسل الثوب والبدن من البول، فلا تلازم حينئذ هنا بين المقامين ولا قياس. خلافا للفاضل في المنتهى والقواعد والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم فتجزئ المرة فيه وفي كل الأواني بناء على اعتبار العدد فيها للأصل، وفي جريانه منع، وظهور أدلة التعدد في الغسل بالقليل، وفيه بالنظر إلى ما نحن فيه منع أيضا، وتسليمه بالنظر إلى غيره لا يجدي بعد بطلان القياس، فلا يتجه حينئذ التأييد بما تقدم لنا في البحث عن سقوطه في غسل الثوب من البول به. ومن ذلك كله يعرف البحث في الجاري إلا أنه لم أعرف أحدا صرح بعدم سقوط العدد هنا، بل بعض من صرح هناك بعدم السقوط صرح بالسقوط هنا كالمصنف في المعتبر، ولعله لأنه يزيد على سابقه باطلاق بعض أدلة الجاري كقوله (ع) (1): " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " وبأنه بتعاقب جريانه يكون كتعدد الغسل، بل


(1) الوسائل الباب 6 من أبواب الماء المطلق الحديث 5

[ 368 ]

علله به في المعتبر، وباختصاصه بالتأييد بصحيح ابن مسلم (1) السابق المتضمن سقوط العدد لو غسل الثوب به، لكن قد يمنع تحقق العرف بالثاني، كما يمنع ترجيح هذا الاطلاق على إطلاق العدد، والتأييد قد عرفت ضعفه بعد عدم الدليل على المساواة بين المقامين من إجماع وغيره إن لم يكن الدليل على خلافها، فتأمل. * (و) * كذا يجب غسل الاناء * (من الخمر و) * موت * (الجرذ) * وهو بضم الجيم وفتح الراء كعمر ورطب: الذكر من الفأر كما في المصباح المنير عن ابن الأنباري والأزهري، وفي كشف اللثام عن العين والمحيط بل والنهاية الاثيرية وإن وصف الذكر فيها بالكبير، بل لعله يرجع إليه ما فيه عن الصحاح والمغرب والمعرب من أنه ضرب من الفأر. نعم ما عن ابن سيده ضرب منها أعظم من اليربوع أكدر في ذنبه سواد، والجاحظ ان الفرق بين الجرذ والفأر كفرق ما بين الجاموس والبقر والبخاتي والعراب، وفي المصباح عن بعضهم انه الضخم من الفيران يكون في الفلوات ولا يألف البيوت قد يظهر منه خلاف ذلك، وأنه نوع آخر من الفأر فيه الذكر والانثى، لكنه لاصراحة فيه، بل يمكن أن يرجع لذاك عند التأمل، ولعله الموافق لعرفنا الآن * (ثلاثا بالماء) * كما في النافع والقواعد وكشف الرموز بل والخلاف، لايجابه غسله ثلاثا من كل نجاسة حاكيا فيه الاجماع على حصول الطهارة بها، بل وكذا كل من تبعه عليه، وعن أطعمة المهذب في الخمر، لاصالة البراءة من الزائد وعدمها في الناقص. وموثق عمار (2) " انه سئل الصادق (ع) عن قدح أو إناء يشرب


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب النجاسات الحديث 1 (2) الوسائل الباب 51 من أبواب النجاسات الحديث 1

[ 369 ]

فيه الخمر فقال: يغسله ثلاثا، وسئل أيجزيه أن يصب فيه الماء ؟ قال: لا يجزيه حتى يدلك بيده ويغسله ثلاث مرات ". كموثقه الآخر (1) الشامل لكل نجاسة التي منها الجرذ، سئل الصادق (عليه السلام) أيضا " عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل ؟ وكم مرة يغسل ؟ قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر ". لكن يشكل على نافع المصنف وقواعد الفاضل ونحوهما ممن اجتزى بالمرة في غير الخمر والجرذ استفادة حكم الثاني من هذا الموثق الخاص الشامل بظاهره وترك استفصاله له ولغيره، كما أن استفادته خاصة من الأصل مع عدم اختصاصه بما يورث شكا في تناول إطلاق الغسل له من بين باقي أنواع النجاسة في غاية الاشكال. نعم لو قال بوجوب السبع فيه كما حكي عن ظاهر المقنع، بل مال إليه في الرياض، بل وبالنسبة للخمر أيضا، بل هو خيرة الذكرى وجامع المقاصد وعن تعليق النافع فيه وفى كل مسكر كطهارة النهاية والوسيلة إلا أنه أبدل الجرذ بموت الفأر، بل في النافع والدروس والمصباح وعن المراسم والبيان والألفية وظاهر الاصباح ومختصره ذلك أيضا، إلا أنه أبدل المسكر بالخمر فيها، وزيد في الثاني الحية، كما عن ظاهر المقنعة والمبسوط الاقتصار على السبع في كل مسكر، وفى جمل الشيخ وعن اقتصاده في الخمر، لكن في الجمل كالسرائر وعن المبسوط روي (2) " في الفأرة سبع إذا ماتت في الاناء " لكان متجها يمكن الاستدلال عليه بقول الصادق (ع) في موثق عمار (3) في الاناء يشرب فيه النبيذ: " يغسله سبع مرات، وكذا الكلب " بل في اللوامع


(1) و (2) الوسائل الباب 53 من ابواب النجاسات الحديث 1 (3) الوسائل الباب 3 من ابواب الأشربة المحرمة الحديث 2

[ 370 ]

رواية موثقة أخرى له أيضا بالسبع في الخمر، إلا أني لم أجدها، وقوله (ع) في موثقة الآخر (1): " اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات " بل وترجيحه على موثقي الثلاث بالشهرة والمنطوقية، بل هو أخص من ثانيهما، بل لعل معارضته لأولهما من تعارض الاطلاق والتقييد في وجه، على انه لا معارض غير صالح للتقييد بالنسبة للجرذ. ومع الاغضاء عن ذلك كله فلا أقل من أن يورثا هذان الموثقان المعتضدان بما في الرياض من دعوى الأشهرية، بل في جامع المقاصد دعوى الشهرة عليه شكا في تناول الاطلاقات، فيبقى الأصل حينئذ سالما. لكن قد يقال إن ضرورة أشدية نجاسة كثير من النجاسات كدم الكلب والخنزير والناصب والحيض وأبوال الثلاثة وخرئهم وغير ذلك منهما، وعدم صراحة الموثق الأول بالوجوب، بل ولا ظهوره، بل لعله بقرينة قوله: " وكذا الكلب " بعده الذي قد علمت إرادة الندب منه ظاهر في خلافه، على أن التعدي عن النبيذ فيه إلى مطلق المسكر أو الخمر فضلا عن الفقاع وإن كان لم يستبعد إلحاقه بالمسكر في جامع المقاصد، وعن الجرذ في الثاني إلى الفأرة، بل قد عرفت مما تقدم من كلام أهل اللغة أنه ذكر الفأر، فالأنثى حينئذ خلافه، بل الأمر بالتطهير بالسبع منها حينئذ ليس عملا به محتاج إلى دليل آخر، وليس سوى دعوى التنقيح، والرواية المرسلة السابقة في الفأرة المعلوم عدم حجيتها في نفسها فضلا عن صلاحيتها لمعارضة غيرها ولو إطلاقا. وما في جامع المقاصد أن الظاهر مساواة، غير الجرذ من الفأر بالحكم نظرا إلى إطلاق اسم الفأر على الجميع ينبغي أن يقضى العجب منه، إذ قد عرفت أن الموجود في النص الجرذ لا الفأر، ومع ذلك كله قد يظهر لك من التأمل في كلمات الأصحاب عدم


(1) الوسائل الباب 53 من ابواب النجاسات الحديث 1

[ 371 ]

تحقق شهرة بسيطة على ذلك، بل قد يدعى تحققها خصوصا بين المتأخرين ومتأخريهم على خلافه، بل قد عرفت حكاية الاجماع من الشيخ على الاكتفاء بالثلاث في الاناء لسائر النجاسات، مضافا إلى صراحة دلالة موثقة الثلاث وإمكان حمل موثق السبع في الخمر على الندب لو عمل بذلك بخلاف العكس. ومن ذلك بل وغيره قال المصنف وتبعه عليه غيره، بل لعله الأقوى: * (والسبع أفضل) * حتى في مثل الجرذ فانه وإن سلم دليله عن معارض معتبر صريح بل وكثير من هذه المناقشات، بل هو مؤيد بالمرسلة السابق في الخمر، لكن قصوره عن مقاومة إطلاق الموثقة السابقة لما عرفت وخصوصا بعد اعتضاده باجماع الخلاف (1) بل وما ستسمعه من السرائر، إذ هما معا صريحان في نفي السبع يعين حمله على الندب. كما انه يقوى التثليث فيه وفي الخمر لما سمعته سابقا من إطلاق أحد الموثقين وخصوصا الأخير، بل لا يبعد ذلك بالنسبة إلى غيرهما من النجاسات، عدا الخنزير فسبع كما عرفت، وفاقا للخلاف، بل عن سائر كتب الشيخ عدا المبسوط، والذكرى والدروس وجامع المقاصد والحدائق وشرح المفاتيح للأستاذ، بل مال إليه المعاصر في الرياض، لاطلاق الموثق السابق المعتضد بالأصل، بل وبموثق الخمر، بل وبولوغ الكلب، بدعوى ظهور اختصاصه عن غيره بالتراب وبغير ذلك مما يعرف مما تقدم لا بما قيل من دعوى الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، فانه لم يحكه عليه فيه وان ظنه في المعتبر والذكرى. خلافا لما في معتبر المصنف ومختلف الفاضل من وجوب غسلة واحدة للاناء بعد إزالة العين منهما ومن كل نجاسة حتى البول عدا الولوغ، بل هو ظاهر الارشاد وصريح التذكرة أيضا، وإن كان ظاهر الأولين عدم الطهارة إلا بغسلة بعدم الازالة، كما صرح


(1) هكذا في النسخة الأصلية وبهامشها " الجمل "

[ 372 ]

باحتماله في جامع المقاصد بخلافهما فيجزئ للطهارة والازالة واحدة، كما هو ظاهر المتن والقواعد فيما اكتفيا بالمرة فيه للاطلاق، وقد تقدم منا سابقا غير مرة في مبحث الغسالة وغيره التعرض لذلك، وأن الأول لا يخلو من قوة فلاحظ. وكيف كان فقد تبعهما عليه السيد في مداركه، والعلامة الطباطبائي في منظومته، والأستاذ في كشفه، بل هو خيرة الحلي وعن سلار لكن في غير الخمر والمسكر من سائر النجاسات بل في السرائر أنه الصحيح من الأقوال والمذهب والذي عليه الاتفاق والاجماع. وما في اللمعة وعن الألفية من وجوب المرتين كذلك بالنسبة إلى كل نجاسة، إذ لا نعرف للأول دليلا يعتد به على ذلك فضلا عن أن تطرح له الأدلة المعتبرة في أنفسها، بناء على حجية الموثق عندنا فضلا عن اعتضادها وانجبارها، أو تحمل على غير ظاهرها من الندب ونحوه، إلا الأصل الممنوع جريانه في البراءة عن الشغل اليقيني، وإطلاق الأمر بالغسل في هذا الموثق لعمار أيضا في الدن والابريق الواجب حمله على التقييد، بل هو في هذا الموثق ظاهر في إرادة بيان قبول التطهير في الجملة للسائل عن ذلك، وانه لا يسقط جواز استعماله أصلا بمباشرة الخمر، كما يشهد له تصريحه بالتثليث بعده من غير فاصل معتد به، ودعوى ان اختلاف الأخبار بالاطلاق والسبع والثلاث شاهد على ذلك، إذ وجهه على الظاهر اختلاف الأواني نفسها وما تنجس به وغيرهما بالنسبة إلى تحقق الازالة وعدمها، وخصوصا في مثل النجاسة الخمرية من حيث شدة أغراض الشارع في كمال الاحتياط عنها، بل لعل الأمر بالدلك في موثق الخصم المعلوم عدم وجوبه إذا لم يكن للعين أثر يؤمي لذلك أو يظهر فيه، لا أقل من تعارض خبري السبع والثلاث وتساقطهما والرجوع إلى الاطلاق أو الأصل في غاية الغرابة، ضرورة اقتضاء ذلك فساد أصول المذهب وقواعده، لغلبة مثل هذا الاختلاف اليسير الراجح أحد طرفيه مع قبوله الآخر لما لا يبعد حمله عليه، كغرابة الاكتفاء في إثبات أصل

[ 373 ]

الحكم بما عن المبسوط من أنه روي " يغسل أي الاناء من سائر النجاسات مرة واحدة " إذ هي مع أنها مرسلة واضحة القصور عن إثبات ذلك، مع احتمال إرادة مرسلها ما سمعته من الاطلاق في موثق عمار نقلا بالمعنى، ضرورة حصول الامتثال بالمطلق في المرة. كما يرشد إلى ذلك ما في المدارك حيث أرسل عن عمار عن الصادق (عليه السلام) رواية الاكتفاء بالمرة، ثم رجحها على غيرها، ومن المعلوم للخبير الممارس إرداته ذلك الاطلاق. نعم قد يستند فيه إلى إجماع السرائر لولا معلومية موهونيته بتحقق الخلاف بل الشهرة على خلافه، خصوصا بالنسبة إلى بعض النجاسات. ومن ذلك كله ظهر لك ما في قول المصنف هنا والنافع، والفاضل في القواعد: * (و) * يغسل الاناء * (من غير ذلك) * أي غير ما تقدم * (مرة واحدة، والثلاث أحوط) * وإن نسبه في كشف اللثام إلى الأكثر، بل ينبغي القطع بفساده بالنسبة إلى البول، إذ الانائية إن لم تكن أولى بالزيادة على المرتين من الجسد وباقي الأجسام الصلبة فهي مثلها قطعا لا أنقص، بل لم نعرف دليلا للقائل بالمرتين بعد الأصل في نفي الزائد على المرتين وإثابت الزائد على المرة إلا ذلك، أي دعوى المساواة المذكورة بعد إلغاء خصوصية الجسد والثوب بل والبول، بشهادة ما في بعض الأخبار من تعليل الغسلتين بأن إحداهما للازالة، والأخرى للانقاء، ولذا قال: بوجوب المرتين مطلقا في النجاسة والمتنجس، لكنه كما ترى ضعيف جدا، بل يمكن دعوى الاجماع المركب على خلافه، بل لا يحتاج فساده إلى إطناب بعد الاحاطة بما تقدم آنفا وسابقا من الخطاب. كما انه لا يحتاج فساد بعض ما يحكى عن ابن حمزة إلى ذلك أيضا من إيجاب المرة من مباشرة الحيوانات النجسة بغير الولوغ، وهي الكلب والخنزير والكافر والثعلب والارنب والفأرة والوزغة، والثلاث في غيرها وغير الخمر وموت الفأرة وولوغ الكلب.

[ 374 ]

ثم إن ظاهر الموثق السابق إيجاب الافراغ في التطهر، وبه صرح في المنتهى، بل فيه أنه لم يحتسب غسلة عرفا حتى يفرغ منه رادا على ما حكاه عن بعض الجمهور، ففرق بين ما يسع قلتين وغيره، فالأول لو طرح فيه وخضخض احتسبت غسلة ثانية بخلاف الثاني، وإن كان لا يخلو من نظر، لامكان منع توقف صدق العرف على ذلك، فالأولى تعليله بالخبر، مع أن العمل به أيضا فيما لو أريد تطهير غير مقر الماء من الاناء كالظرف الأعلى منه، فيدعى توقف طهارته على الافراغ لا يخلو من إشكال أيضا، لتحقق اسم الغسل عرفا بدونه، وجريان الأمر في الموقف مجرى الغالب. بل قد يقال بامكان تطهير محل القرار منه أيضا لو أريد قبل الافراغ، بأن يمال الاناء مثلا ليستقر الماء في غير المحل المعتاد له، بناء على عدم نجاسة المغسول بماء الغسالة إن قلنا بنجاستها قبل انفصالها منه، ولذا لا ينجس ما يمر عليه منه بالافراغ، فيحصل التثليث حينئذ لجميع الاناء من غير فصل بالافراغ، ثم يفرغ من الجميع دفعة، إلا أن الأحوط الأول. نعم في الروضة " لا فرق في الافراغ بين ميل الاناء لاهراقه مثلا وبين إفراغه بآلة لا تعود إليه ثانيا إلا طاهرة، سواء في ذلك المثبت وغيره، وما يشق قلعه وغيره " انتهى. وهو على إطلاقه مبني على كون الغسالة مطلقا كالمحل قبلها، دون القول بكونها مطلقا كالمحل بعدها، بل ودون القول بكون الأخيرة منها كذلك. بل قد يناقش في اشتراط طهارة الآلة مع العود على الأول أيضا باطلاق الموثق وبعدم تنجس المغسول بماء غسالته، وإلا لكان مقتضاه النجاسة لو فرض التقاطر من تلك الآلة. ومن هنا قال سلطان في حاشيته عليها: " الظاهر إرادته العود في المرة الثانية من

[ 375 ]

الغسلتين لئلا يختلط المتنجس بالغسالة الأولى بالثانية ". لكن قد يجاب بعدم سوق الاطلاق لذلك، ومنع عدم تنجس المغسول بماء غسالته مطلقا، بل ينبغي القطع بالنجاسة مع الانفصال عنه قضاء للقواعد، ومن ذلك مسألة التقاطر، إذ هي ليس من المعلوم حكمها باجماع ونحوه حتى يصلح الاستشهاد بها، فلا فرق حينئذ في عود الآلة بين كونه للغسلتين أو الغسلة الواحدة كما حكاه في الحاشية المذكورة عن ظاهر بعض الأصحاب، بل لو فرض مباشرة الآلة حال العود للماء المستقر في جوف ذلك الاناء خاصة من غير مباشرة للاناء نفسه أمكن الاشكال في حصول الطهارة أيضا مع فرض عدم تجديد طهارتها، وقلنا بطهارة ماء الغسالة قبل الانفصال باستلزام ذلك النجاسة للماء والاناء، بل وكذا إن لم نقل بأنه أقصى ما ثبت العفو عنه نجاسة ماء الغسالة نفسها قبل أن تنفصل دون ما لو أصابتها نجاسة خارجية وان كان ما تنجس بمباشرتها، كما يؤمي إلى ذلك إشكالهم في الصحيح المتقدم الآمر بغسل الثوب في المركن. بل قد يشكل أصل التفريغ بالآلة، خصوصا مع مباشرتها للمغسول بعدم ثبوت العفو عن مثل نجاستها الحاصلة بمباشرة ماء الغسالة، ولعله لذا حكي في الحدائق عن بعضهم تقييد جواز التفريغ بالآلة بكون الاناء مثبتا يشق قلعه بعد أن حكى عن جمع من الأصحاب الاطلاق، إذ وجهه على الظاهر ما سمعته، إلا أنه يعفى عنه بالنسبة للمثبت للعسر ولزوم التعطيل ونحوهما، وإن قال فيها: إنه لا وجه له معللا بأنه لا فرق في التفريغ بين الآلة وغيرها مع الشرط المذكور. لكنك خبير بما فيه، نعم كان المتجه في الرد عليه منع ثبوت العفو حينئذ فيما يشق قعله، لمنع العسر بل والتعطيل أو جدواه، على أنهما لا يثبتان كيفية شرعية في التطهير.

[ 376 ]

ثم انه يظهر مما سمعته من كلامهم على اختلافه انه لا يشترط في التطهير عدم استقرار ماء الغسالة في الاناء، بل يكفي فيه إفراغه ولو في زمان متأخر عن التحريك ونحوه مما يتحقق به الغسل، ولعله لظاهر الموثق السابق، وفيه تأمل، إذ لعل الموثق وارد على ما هو المتعارف في أيدي الناس من كيفية التطهير التي لا يتراخى فيها، بل قد يستلزم ذلك الحكم بطهارة ما يستبعد على الفقيه التزامه. وهل يجب في التحريك والخضخضة الفورية بعد الوضع أولا ؟ قضية إطلاق الموثق الثاني أيضا، وقضية الاقتصار على المتيقن من تطهير الماء القليل الأول. كما أنه هو بل وظاهر الموثق السابق يقتضي عدم الاكتفاء في التطهير بمل ء الاناء ثم إفراغه، وإن حكاه في الحدائق عن تصريح جماعة من الأصحاب، فتأمل، وانه كما أنه هو بل وظاهر الموثق السابق يقتضي عدم الاكتفاء في التطهير بمل ء الاناء ثم إفراغه، وإن حكاه في الحدائق عن تصريح جماعة من الأصحاب، فتأمل، وانه لا يخلو من إشكال، كالاشكال في كثير من أحكام الفروع السابقة بل وغيرها المتفرعة على القول بنجاسة الغسالة الذي هو مع التأمل والتدبر من أقبح ما يلزم به القائلون بها ضرورة، إذ إيكال هذه الأحكام إليهم على كثرتها وإشكالها لا يرتكبه ذو مسكة. وهل يلحق بالأواني في جميع أحكام التطهير الحياض ونحوها مما يشابهها في الصورة والانتفاع ولا يصدق عليه اسمها أو لا ؟ وجهان، يقوى في النفس الأول، وظاهر الأصحاب الثاني، والله أعلم، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا على ما أنعم ووفق لاتمام مباحث الطهارة إلى هنا تم الجزء السادس من كتاب جواهر الكلام وبه تم كتاب الطهارة وقد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه ومقابلته بالنسخة الأصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف قدس روحه الشريف، ويتلوه الجزء السابع في الصلاة إن شاء الله، عباس القوچاني

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية