الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستند الشيعة - المحقق النراقي ج 1

مستند الشيعة

المحقق النراقي ج 1


[ 1 ]

مستند الشيعة في احكام الشريعة تأليف العلامة الفقيه المولي أحمد بن محمد مهدي النراقي المتوفى سنة 1245 ه‍ الجزء الاول تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 3 ]

Bp النراقي، احمد بن محمد مهدى، 1185 - 1245 ه‍. 2 / 183 مستند الشيعة في أحكام الشريعة / تأليف أحمد بن محمد مهدي 4 ن النراقي تحقيق مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث. - مشهد 5 م المقدسة: مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث، 1415 ه‍. 1415 ه‍ ج. نموذج. المصادر بالهامش. 1. الفقه الجعفري - القرن الثالث عشر. أ. مؤسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث. ب. العنوان. ردمك (شابك) 2 - 75 - 5503 - 964 احتمالا: 18 جزء.. 18 ISBN 469 - 3055 - 57 - 2 - VOIS ردمك (شابك). - 76 - 5503 - 964 / ج 1 ISBN 469 - 3055 - 67 - 0 / VO / L الكتاب: مستند الشيعة في أحكام الشريعة / ج 1 المؤلف: العلامة الفقيه أحمد بن محمد مهدي النراقي تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث - مشهد المقدسمة الفلم والالواح الحساسة (الزنك): الطبعة: الأولى - ربيع الأول 1415 ه‍. المطبعة: ستارة - قم الكمية: 3000 نسخة السعر: 2500 ريال ساعدت وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي على طبعه

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث قم - دور شهر (خيابان شهيد فاطمي) كوچه 9 - پلاك 5 ص. ب. 37185 / 996 - هاتف 4 - 370001

[ 5 ]

المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم بعد حمد الله على عظيم منه وإفضاله والصلاة والسلام على مفخر قطان أرضه وسمائه محمد وآله خير البرية أجمعين. لاريب أن لكل أمة - تريد المجد وتنشد الرقي - أن ترسم لنفسها دستورا للعمل ومنهجا في الحياة، والامم الالهية - بما فيها الامة الاسلامية - أخذت دستور عملها ومنهاجها من تعاليم السماء، وهي أجدر وأسمى من القوانين الوضية التي رسمتها كثير من الامم لغرض إيصال الانسان إلى مجده ورقيه. وهذا الهدف الذي يجسد السعادة بذاتها لا يمكن تحققه إلا عبر الجمع بين مفردات الفكر وواقع الممارسة، فالعالم الذي لا يعمل بعلمه لا أته لن يصل إلى غايته ومطلوبه فحسب، بل يكون العلم وبالا عليه، وقد جعل الله سبحانه وتعالى ابليس المثال البارز للعالم غير العامل. إذن، فالعمل هو الخطوة الثانية بعد المعرفة والعلم، وذلك طبق المفاهيم المستوحاة من القرآن الكريم.. ونعني بالعمل: إتيان ما أمر الله أن يؤتى به والانتهاء عما نهى عنه.

[ 6 ]

هذا، والمعروف من التعاليم السماوية أنها تعطي للجانب العملي أهمية خاصة مع الحفاظ على تقوية الجانب الروحي في آن واحد، وبهما يرتفع الانسان من حضيض النفس البهيمتة إلى ذروة المجد والمراتب الكمالية، حتى يعد بمنزلة الملائكة، بل بمنزلته تبارك وتعالى، كما ورد في قوله عز من قال: (عبدي أطعني تكن مثلي، أو مثلي). ولقد تألق علماؤنا وفقهاؤنا في عكس الصورة الواضحة والسليمة عن أسس ومبادئ الدين الاسلامي الحنيف الذي يمثل مرحلة الكمال في التعاليم السماوية، فهو الناسخ لكل الاديان والرسالات التي انتشرت قبله، ثم إنه لا شريعة بعده مطلقا. وإننا والحال هذه نجد أنفسنا أمام كنز غني من الفكر والثقافة يدعو أهل الفن والخبرة إلى السعي لاظهاره بالشكل المطلوب، بل إن التضلع باحيائه يعد محورا مهما من محاور تحقق المجد والسعادة. وللمناسبة فإن إطلاق لفظة (الاحياء) كان من باب الكناية والمجاز، وإلا فإن التراث حي حاضر لا غبار عليه، سيما وأنه مستنبط من شريعة خاتم المرسلين والائمة الميامين صلوات الله عليهم أجمعين، التي تكاملت بحذافيرها - على المشهور من مذهب الاصوليين - في زمنه صلى الله عليه وآله، أو أن خطوطها العريضة وكلياتها قد بينها بنفسه صلى الله عليه وآله وأوكل التفصيل والتوسعة فيها إلى الائمة عليهم السلام، كما هو رأي البعض. ويشهد للقول المشهور، قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (1).


(1) المائدة: 3.

[ 7 ]

والنص المروي عن مولانا الباقر عليه اللام، قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع، فقال: يا أيها الناس، ما من شئ يقربكم من الجنة ويباعد كم عن النار إلا وقد أمرتكم به، وما من شئ يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه " الخبر (2). أضف إلى ذلك، فإن الامة في الظرف الراهن على الخصوص محفوفة بالمخاطر والدسائس من كل جانب، بل عاد النضوج المعنوي والحس الروحي منحصرا، وغدا التعقل والتدبر والاشتغال بالعلم مرتبطا بفئة قليلة جدا، وصار السواد الاعظم يهوى التطور الكاذب، ويلهث وراء الدنيا ومظاهرها، تاركا القيم السامية والمبادئ الرفيعة وراء ظهره. ومن هنا فقد برزت بوضوح ضرورة تجاوز هذه الاخفاقات الغريبة عن الفكر الاسلامي وعقيدته المتكاملة من خلال التصدي لجملة من المناهج التربوية، واهمهما الاغتراف من المعين الصافي للتراث الاسلامي، والمتمثل بمدرسة أهل البيت عليهم السلام. ثم إن التعامل مع التراث يحتاج إلى منهجية عمل متكاملة ذات أسس وقواعد متينة تضمن قطف اينع الثمار، ولضيق المجال، فإننا نكتفي بالاشارة إلى أهم محاورها، فنقول: لا بد أولا من تشخيص ماهية التراث وتثبيت موضوعه، فما وصل بأيدينا منه مختلف ألوانه، والذي نقصده هو ما يعكس هوية الامة الحقيقية، ويوضح قيمها وتعاليمها، ويحفظها من كيد أعدائها، ويصون أصالتها الالهية، وبالتالي هو ما يشكل القناة الرئيسية التي توصل الانسان إلى الرقي المعنوي والغنى الدنيوي والاخروي.


(2) المائدة: 3.

[ 8 ]

فالمطلوب إذن مراعاة أعلى مراحل الدقة في الانتخاب، حيث فيه خدمة عظيمة للامة، وإلا فإن التهاون فيه سيترك أسوأ الاثر وتكون له عواقب وخيمة لا تحمد عقباها. وأما ثانيا: فهو تهيئة الكادر المتخصص الذي يلقى على عاتقه تنفيذ هذه المهمة الحساسة، وهذا ما يستدعي توفر عذة مواصفات ومميزات، كالعشق والغيرة والدقة والذكاء والتواضع والصبر والامانة والذوق الرشيق والالتزام الديني والاستعانة بأهل الخبرة، وغير ذلك. ونجد لزاما أن نقول. إننا بالقدر الذي ندعو فيه إلى إحياء التراث، ندعو إلى السعي الحثيث لتدعيم جانب التصنيف والتاليف، فالعصر الحاضر - بمستحدثاته ومستجداته، وبما يحمل من تساؤلات وشبهات مصدرها التآمر الفكري الثقافي الذي يتسع يوما بعد آخر ضد الدين الاسلامي وفيمه الرفيعة، وغير ذلك من العوامل والاسباب - يبرز الحاجة الملحة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين التراث، ونؤيد دعوانا هذه بأن التغاير المكاني والزماني لهما أقوى الاثر في توسيع الثغرة بينهما.. لذا لا بد من مسايرة احدهما للآخر من أجل عكس الصورة الكاملة والمتينة عن الثقافة الاسلامية، وهو مما يشكل بطبيعته الخطوة الاساس على سبيل تحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف الاصعدة، ستما الصعيد الفكري منها. ولكون إحياء التراث هو مدار البحث، ارتأينا عطف الضوء على بعض زواياه تاركين الخوض في باب التصنيف لفرص أخرى. ولنا الجرأة بأن ندعي بالدليل القاطع: أن الامة الاسلامية تمتلك تراثا هلائلا من الآثار النفيسة التي حررت في مختلف ألوان العلم والمعرفة، كالفقه والاصول والادب والكلام والطب والهندسة والفلك والرياضيات، حتى عاد المخزون الثقافي لها من أهم ما اعتمدته النهضات المختلفة في برامج

[ 9 ]

عملها، بل إن الامة الاسلامية بذاتها لما كانت رائدة العلم والتطور، كان الفضل الاول والاخير في ذلك يعود إلى اعتمادها الاسلام كفكر وممارسة، ولخصوصية تكيفه مع مختلف الاعصار والاماكن فإنه يجدر بنا أن نستلهم ونستنبط من كنوزه نظاما أرقي وواقعا أعز وأرفع. وفي نفس الوقت الذي نشد فيه على الايدي التي طرقت هذا الجانب - أي عملية إحياء التراث - من مؤسسات ومجامع ومعاهد علمية وأفراد، وسعت لنشره بعد إجراء سلسلة من مراحل التصحيح والتحقيق والطبع وتسهيل مهمة إيصاله بين أيدي القراء بالوفرة المطلوبة بعد ما كان مغمورا مخطوطا لا تتجاوز نسخه عدد الاصابع. نؤكد على ممارسة أعلى مراحل الدقة والامانة المقترنين بالالتزام الديني، لما لهذه المميزات من أثر بارز في عرض تراث سليم يترجم الطموحات المرجوة على أحسن الوجوه وأكملها. ولسنا في مقام التعريض أو المساس بهذا النتاج أو ذاك، بل غاية مقصودنا هو الدعوة إلى الاهتمام التا بالكيفية والنوعية، وأن لا تكون الوفرة والتسابق على حسابهما، فلا ضرورة - مثلا - في البدء بمشروع الآخرون منه شوطا طويلا، فإنه لدينا من التراث المخزون ما يحتاج معه إلى سنين طوال لانجازه، فاللازم ان تنسق كافة الجهات أعمالها بالنحو الذي يرتفع معه التكرار وإضاعة الوقت، وأن يتم تبادل الآراء وتلاقح الافكار، كي لا تكون بضاعة مزجاة وتجارة قد تبور.. وإلا فكم من المصنفات قد نالتها يد التحقيق والتصحيح ويا ليتها لم تنلها، وكم من غيرها ينتظر فرصة الظهور بشوق لا يوصف، لكنه شوق مشوب بالخوف من عاقبة ما آل إليها نظيره. وبحكم التخصص، فلا نرى بدا من الميل بالبحث إلى علم الفقه من حيث الاهمية والمكانة.. فهو أشرف العلوم وأفضلها، وقد وردت به

[ 10 ]

الروايات المستفيضة الدالة بوضوح على علو مرتبته وعظم منزلته، كيف لا ؟ ! وهو برنامج الحياة المتكامل والموجه لكل الافعال والممارسات على النحو الصحيح. والقوانين التشريعية التي صاغها الفقه الاسلامي تعد من أرقي القوانين التي تضمن سعادة الانسان المطلقة وتوفر له كامل حقوته وتبين وظائفه من الواجبات والمنهيات والمباحات، بل والوضعيات من الاحكام، بشكل يعطي لنظام الحياة رونقا خاصا. ولذا قد ورد عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: " لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقوا " (1). وقال عليه السلام أيضا: " تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله يقول في كتابه: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (2) " (3). وكذا قال عليه السلام: " عليكم بالتففه في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا " (5). وعنه أيضا: " إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين " (5). وعن أبيه الباقر عليه السلام أنه قال: " الكمال كل الكمال التفقه في الدين " الخبر (6).


(1) الكافي 1: 31 / 8. (2) التوبة: 122. (3) الكافي 1: 31 / 6. (4) الكافي 1: 31 / 7. (5) الكافي 1: 32 / 3. (6) الكافي 1: 32 / 4.

[ 11 ]

وقد روت العامة عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: " من يرد الله به خيرا فقهه في الدين " (7). وغير ذلك من النصوص الدالة على شرف الفقه ورفيع مكانته ومقدار أهميته. والفقه الامامي يمثل الوجه الناصع والانعكاس الحقيقي لما ورد في القرآن والسنة من مفاهيم وأحكام، فقد جاء عن الامام الباقر عليه السلابم قوله: " يا جابر، لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نفتيهم بآثار من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأصول علم عند نا نتوارثها كابرا عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم " (8). والتصانيف الفقهية التي ألفها علماء الشيعة الامامية - بمختلف الطرق والاساليب - تعد النموذج الارقى للفقه الاسلامي، والبرهان الساطع على علو كعب هذه الطائفة، سواء كان ذلك من حيث الكم أو الكيف، ولقد جدت الخطى وتآزرت الجهود وبذلت أقصى الامكانيات لاظهار ما جادت به أقلام عباقرة العلم والمعرفة والفكر والفضيلة بلباس جديد مسبوقا بالتصحيح والتحقيق، مراعا فيه الذوق الرشيق والفن المبتكر والجاذبية العالية. ولا يخفى على أهل الفن والخبرة من المتخصصين والباحثين والمحققين ما لمؤسسة آل البيت عليهم السلام من دور فعال ونشاط ملموس وإكبار لمسؤولية إحياء تراث ونتاجات فقهاء مدرسة آل البيت عليهم السلام. وقد شهد لها القريب والداني من كل حدب وصوب أن عنوانها لم يكن


(1) صحيح البخاري 1: 27، صحيح مسلم 3: 1524 / 175، سنن ابن ماجة 1: 80 ب 13، موطأ مالك 2: 900 / 8، سنن الترمذي 4: 137 / 2783، مسند أحمد 1: 306. (2) بصائر اللدرجات 320 / 4 ب 14، الاختصاص: 280 بتفاوت يسير، وعنهما في البحار 2 172 / 3.

[ 12 ]

مجرد رؤية أو شعار، بل أثبت على مستوى التطبيق والانجاز أنها تتحسس الضرورة وتؤمن إيمانا عميقا بالاهداف التي شيدت لاجلها، فكان أنه جاءت نتاجاتها رفيعة المستوى، متينة العرض، فريدة الاسلوب، حسنة الذوق، يهفو إليها الجميع. وهذا ما يعكس الهوية الحقيقية لها. ويشغل الجانب الفقهي حتزا واسعا ومهتا من برنامج عملها، يلمس ذلك بوضوح مقا صدر عنها من نتاج، وما هو في طور الصدور أو قيد التحقيق.. وهذا ما يؤكد حجم اهتمامها بلزوم رفع المستوى الفقهي عموما وعلى صعيد الحوزات العلمية خصوصا، وكذا إحساسها بعلو مرتبة الفقه وشرفه ومنزلته. ولعل السبب الاساس في نجاحها يعود وبفضل الله تبارك وتعالى إلى سلامة المنهجية التحقيقية التي سلكتها في إنجاز أعمالها وهو ما نقصد به أسلوب العمل الجماعي. وإن كانت المؤسسة قد استطاعت أن ترفد المكتبة الاسلامية بما تفتقره من آثار نفيسة - بعد ما علا عليها غبار الدهر وبنى - وبحلة قشيبة، محققة، مصححة، تختزل عناء البحث ولو ازمه، فإنها ولله الحمد تكون قد ترجمت أهدافها إلى واقع ملموس، مع أن الطموح يرقى يوما بعد آخر. وأقل ما يقال. إن المؤسسة قد أحكمت القدم على طريق إحيا، تراث آل البيت عليهم السلام. نحن والكتاب: صنف فقهاؤنا العظام الكثير في الفقه الاستدلالي، ولكل واحد من هذه الكتب سماته وممتزاته، من متانة الاستدلال والجامعية وكثرة التفريعات ونقل الاقوال والايجاز وغيرها.

[ 13 ]

ويمتاز كتاب مستند الشيعة بالاضافة إلى ذلك بالدقة البليغة والاسلوب العميق، مع فرز جهات المسألة وجوانبها المختلفة وبيان تعارض الآراء وأسانيدها بالنقض أو الابرام، كل ذلك ببضع أسطر أو صفحات. وقد قال بعض الاعلام في مقدمة الطبعة الحجرية من الكتاب ما نصه. لا يعادله كتاب في الجامعية والتمامية، لاشتماله على الاقوال، مع الاحاطة بأوجز مقال، من غير قيل وقال، وارتجاله في الاستدلال، وما به الاناطة بأخصر بيان ومثال، من دون خلل وإخلال، فلقد اجمل في الايجاز والاعجاز، وفصل في الاجمال حق الامتياز، فهو بإجماله فصيل، وفي تفصيله جميل، سيما في كتاب القضاء، فقد اشتهر بين الفضلاء أنه لم يكتب مثله. ثم إنه لا يدع برهانا أو دليلا إلا واستقرأه واستقصاه إثباتا لمختاره ومدعاه، غير غافل عن التعرض لما تمسك به للاقوال الاخرى من الوجوه والاسانيد، خائضا فيها خوض البحر المتلاطم ناقضا عليها بألوان الوجوه - والحجج. ولعل ما يكسب الكتاب قيمة ومكانة تفرسه - رحمه الله - في سائر العلوم، كالفلك والرياضيات، وترى آثار هذه المقدرة الفذة بارزة في بحث القبلة وكتاب الفرائض والمواريث وغيرها من المباحث التي يشتمل عليها الكتاب. والمشهور والمعروف عن مستند الشيعة أنه اختص وامتاز بكثرة تفريعاته إلى غاية ما يمكن، وذلك بعد تحقق أصل المسألة عنده وإثبات مشروعيتها، وعلى سبيل المثال لا الحصر تراه في مبحث: أن نصف الخمس لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أهله عليه السلام دون غيرهم،

[ 14 ]

يذكر أولا اعتبار السيادة أو عدمها، ثم يعرف السادة ويبين أدلة استحقاقهم الخمس، ثم يتناول كيفية النسبة إلى بني هاشم.. هذا، مع أنه يذكر لكل فقرة من فقرات البحث الاقوال المختلفة فيها مع ذكر أدلتها ثم الاشكال والرد على المخالف منها وتدعيم وتوجيه المختار. وحكي عن الفقيه المتتبع آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي صاحب الاثر الجليل كتاب العروة الوثقى أنه كان يراجع كتاب المستند في تفريعاته الفقهية، ويأمر تلامذته بالاستخراج منها. هذا ويسفاد من مطاوي الكتاب عدة مبان للمؤلف، فإنا نشير إليها لا بنحو الاستقصاء، بل هي شوارد جالت للبصر وفي فترة كتابتنا للمقدمة. منها: انقلاب النسبة فيما كان التعارض بين أكثر من دليلين. منها: أن الشهرة الفتوائتة جابرة وكاسرة لسند الرواية. منها: أن قاعدة التسامح تفيد الاستحباب وتجري حتى لفتوى الفقيه. منها: أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده الخاص. منها: أن الجملة الخبرية لا تفيد الوجوب والتحريم. منها: ذهابه إلى عدم اجتماع الامر والنهي. منها: أن مقتضى القاعدة في تعارض الخبرين بعد فقدان المرجح هو التخيير لا التساقط. منها: عدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلي. ترجمة المؤلف: هو المولى أحمد بن المولى مهدي بن أبي ذر النراقي الكاشاني. ولد في قرية نراق من قرى كاشان، في 14 من جمادى الآخرة سنة 1185 ه‍. ق، الموافق لسنة 1150 ه‍. ش، وقيل سنة 1186 ه‍. ق.

[ 15 ]

أخذ مقدمات دروسه من النحو والصرف وغيرهما في بلده، ثم درس المنطق والرياضيات والفلك على اساتذة الفن حتى برع فيها وبلغ درجة عالية غبطه عليها زملاؤه. ثم قرأ الفقه والاصول والحكمة والكلام والفلسفة عند والده المولى مهدي النراقي كثيرا. وقد امتاز من أوائل عمره الشريف بحدة الذهن النقاد والذكاء الوقاد، وهذا ما أعانه في تسلمه مراحل الفضل والعلم بالسرعة المذهلة. ألقى دروسه في (المعالم " و " المطول "، مرات عديدة، وكان يجمع بغيرته الكاملة مستعدي الطلاب، وفي ضمن التدريس لهم يلتقط من ملتقطاتهم ما رام، ويأخذ من أفواههم ما لم يقصدوا فيه الافهام إلى أن بلغ من العلم ما أراد وفاق كل أستاذ ماهر. رحل إلى العراق سنة 1205 ه‍ لغرض الزيارة ومواصلة الدراسة والتلمذ على فقهاء الطائفة وزعماء الامة، فحضر في النجف مجلس درس السيد محمد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والفتوني كما قيل، وكان حضوره حضوره المجد المثابر، حتى ارتوى من نمير منهلهم العذب بقدر ما اراد. ثم قصد كربلاء لغرض الاستفادة، والاستزادة من نور العلم أكثر فأكثر، فحضر دروس السيد على الطباطبائي صاحب الرياض والسيد ميرزا محمد مهدي الشهرستاني، وحكى في " نجوم " السماء " عن " الروضة البهية " قوله. سمعت أن ملا أحمد كان يحضر درس استاذ الكل الوحيد البهبهاني برفقة والده. عاد إلى كاشان: فانتهت إليه الرئاسة بعد وفاة والده سنة 1209 ه‍، وحصلت له المرجعية، وكثر إقبال الناس عليه وصار من أجلة العلماء

[ 16 ]

ومشاهير الفقهاء. وأقوى دليل وأسطع برهان على مكانته العلمية وشهرته الطائلة أن الشيخ الاعظم مرتضى الانصاري رحل إليه للحضور عليه والافادة منه. غادر بلده مرة أخرى قاصدا العراق، وذلك في سنة 1211 ه‍ لغرض الزيارة والاتصال بالشخصيات العلمية هناك. هذا، ومن جملة صفاته أنه كان - قدس سره - وقورا غيورا صاحب شفقة على الرعية والضعفاء وهمة عالية في كفاية مؤوناتهم وتحمل أعبائهم وزحماتهم. وكان له من البنين ثلاثة، أشهرهم وأعظمهم ملا محمد، فقد كا ن عالما جليلا فاضلا نبيلا، صاحب تصنيف، توفي بكاشان سنة والآخر ميرزا نصير الدين، له مصنفات، منها شرحه على الكافي. والثالث ملا محمد جواد، وهو عالم فاضل تقي نقي، فقيه فطين، وكان لا يتوانى عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مواظبا على إقامة صلاة الجماعة، يطمئن الناس في الائتمام به، توفي سنة 1278 ه‍ عن عمر يناهز السادسة والخمسين. ومن البنات واحدة، هي حليلة ملا أحمد النطنزي، ومن أبنائها الميرزا أبو تراب. تلامذته: وقد تلمذ عليه الكثير من طلبة العلم والمعرفة، اعظمهم وأجتهم وأشهرهم حجة الحق شيخ الطائفة الاعظم الشيخ الانصاري أعلى

[ 17 ]

الله مقامه الذي يروي عنه أيضا. ومن تلامذته ابنه ملا محمد. وميرزا حبيب الله المعروف ب‍: ميرزا بابا، جد ملا حبيب الله لامه، صاحب " لباب الالقاب ". السيد محمد تقي البشت المشهدي. وأخوه ميرزا أبو القاسم النراقي. وملا محمد حسن الجاسبي. وفاته. توفي رحمه الله تعالى في نراق احدى قرى كاشان اثر الوباء الذي اجتاح تلك البلاد آنذاك، غير انه لم يحصل القطع في تاريخها، إلا ان الاقوى كونها في ليلة الاحد 23 ربيع الآخر عام 1245 ه‍ (1)، ويعضدها ما ذهب إليه تلميذه الملا محمد حسين الجاسبي في قصيدته التي ارخ فيها عام وفاته، والتي يقول فيها: أضحى فؤادي رهين الكرب والالم * تلك الضحى أورثت ما قد فجعت به * لو حملت كربات قد أصبت به * ما ذاك إلا لرزء قد نعيت به * علامة في فنون الفقه والادب * مبدى المناهج هادي الخلق مستند * أضحى فؤ ادي أسير الداء والسقم يا ليتها لم اصادفها ولم أدم مطية الفلك الدوار لم تقم للعالم العلم ابن العالم العلم مجموعة الفضل والاخلاق والشيم الانام في جمل الاحكام للامم


(1) وقيل إنه توفي عام 1244 ه‍، وقيل غيرذلك.

[ 18 ]

جزاه خيرا عن الاسلام شارعه * جزاء رب وفي العهد بالذمم إلى أن قال: قضى على الحق أعلى الله منزله * من النراق سرى صبح الفراق إلى * بل عتم أهل الولا هذا المصاب فما * لم يبق للخلق جيب لم يشق ولا * لا بل على ما روينا الدين ينثلم * لي سلوة أن شمس العلم إن أفلت * إن شئت تدري متى هذا المصاب جرى * عام مضى قبل عام الحزن يظهرمن * وأيتم الناس من عرب ومن عجم كل العراق صباحا غير منكتم لواحد منهم شمل بمنتظم عمامة لحدوث الحادث العمم لمثل ذاك فيا للدين من ثلم بدت كواكب منها في دجى الظلم وقد تحقق. هذا الحادث الصمم قولي (له غرف) تخلو من الالم فقد أرخ الشاعر العام السابق لعام الحزن (عام الوفاة)، بقوله (عام مضى) وأن هذا (العام) يظهر من قوله (له غرف - تخلو من - الالم) حيث يكون الحساب الاولي للحروف لعبارة (له غرف) 1315، وبطرح 71 لعبارة (الالم) يكون الباقي 1244، فيلحقه العام التالي (عام الحزن) وهو سنة وفاته، فيكون عام 1245 ه‍، وهو ما ذهبنا إليه آنفا. وحمل رحمه الله تعالى إلى النجف الاشرف حيث دفن في الصحن العلوي بجانب والده في الايوان جهة باب الطوسي من أبواب الحضرة الشريفة.

[ 19 ]

مؤ لفاته: قد صنف المحقق ملا أحمد النراقي الكثير من الكتب الفقهية والاصولية والاخلاقية، طبع منها البعض وبقي الآخر ليرى النور، فإنا نسجل قائمة بأسمائها وفق ما جاء في كتاب الذريعة وغيره: 1: مناهج الاحكام في اصول الفقه (1): في مجلدين، وقد طبع بطهران سنة 1269 بعنوان (مناهج الاصول). 2: مفتاح الاحكام في اصول الفقه (2). 3: أساس الاحكام في تنقيح عمدة مسائل الاصول بالاحكام (3). 4: وسيلة النجاة (4): رسالتان كبيرة وصغيرة، وهما فتوائيتان عمليتان فارسيتان، الكبيرة في مجلدين، وأورد فيها الضروريات في الاعمال.


(1) منه مخطوطة في مكتبة مدرسة المروي في طهران رقم 280 كتبت سنة 1229 وصححت سنة 1232 واخرى في مكتبة سبهسا لار رقم 894 كتبت سنة 1241 وثالثة في مكتبة شاه جراغ في شيراز رقم 331 كتت سنة 1246 ومخطوطة ني مكتبة المرغي رقم 6132 كتبت سنة 1242 واخرى فيها رقم 7050 كتبت سنة 1251 مصححة وعليها تعليقات للمؤلف منقولة من خطه، وفيها اخرى رقم 8096 كنت سنة 1256، واخرى في جامعة طهران برقم 7640 و 7667 / 2 و 77204 / 2 و 8709. ومنها نسخ في مكتبات اخرى. (2) منه مخطوطة في مكبة شاه جراغ في شيراز رقم 349 ربما هي بخط المؤلف، واخرى في مكتبة مدرسة نمازي في خوي رقم 316 تاريخها سنة 1228 وفي مكبة المرعشي رقم 7147 م كتبت سنة 1228 ورقم 6322 م كبت سنة 1249 ورقم 1593 كتبت سنة 1257، واخرى في مكتبة جامعة طهران برقم 2926 و 973 كما في فهرستها ج 5: 17240. (3) منه مخطوطة في مكتبة كلية الالهيات في مشهد رقم 965 وفي مكتبة الامام الرضا عليه السلام في مشهد، رقم 9623 كبت سنة 1217 ومنه مخطوطتان في المرعشية 4805 و 6428. (4) منه مخطوطة في جامعة طهران برقم 9114.

[ 20 ]

5: سيف الامة وبرهان الملة (1): فارسي، كتبه بآسم السلطان فتح علي شاه القاجاري، مرتبا على ثلاثة أبواب، وطبع بإيران سنة 1267 وسنة 1300 وسنة 1330. وهو في الرد على البادري النصراني الذي أورد الشبهات على دين الاسلام. وكان من أفضل ثلاثة كتب صنفت في هذا المورد. 6: عين الاصول، في اصول الفقه (2). 7. مشكلات العلوم، وقد جاء في الروضات بعنوان: (كتاب في مشكلات العلوم)، وهو غير مشكلات العلوم الذي لوالده، وغير الخزائن. 8: الخزائن (3)، فارس بمنزلة التتميم والذيل لمشكلات العلوم تأليف والده، وكلاهما مطبوعان، والخزائن طبع مكررا منها سنة 1290، 1295، 1307، 130 8، 1310، 1380 ه‍. 9: شرح تجريد الاصول: شرح كبير في 7 مجلدات، مشتمل على جميع ما يتعنق بعلم الاصول، فرغ منه سنة 1222 ه‍. 10: عوائد الاتام في مهمات أدلة الاحكام (4)، وقد طبع بإيران في سنة 1245 و 1266 ه‍، وعليه بعض الحواشي للشيخ الانصاري سنة 1321


(1) منه مخطوطة في مكتبة البرلمان الايراني السابق رقم 2071 قوبلت وصححت باشراف المؤلف وفيها اخرى برقم 4982 م كتبت سنة 1243 في حياة المؤلف، وفي جامعة طهران برقم 2720 و. 930 كما هو مذكور في فهرستها ج 3:، 584. (2) فرغ منه المؤلف 25 جمادى الآخرة سنة 1208 منه مخطوطة في مكتبة البرلمان السابق رقم 5538 من مخطوطات القرن 13. (3) منه مخطوطة في جامعة طهران برقم 837 كما جاء في فهرسها 3: 258. (4) منه مخطوطة في مكتبة جامعة طهران رقم 9337 كتبت سنة 1260 ذكرت في فهرسها 17 / 350، ومخطوطة برقم 8688 ورقم 8 / 1053 وفي مكتبة المرعشي 7148 كتبت في عهد المؤلف ومصححة.

[ 21 ]

وطبع بالتصوير عليها ايضا. 11: هداية الشيعة (1): في الفقه مختصرا، ذكره نقلا عن خطه في لباب الالباب، فرغ المؤلف من كتاب الصلاة 13 شهر رمضان 1234 ه‍. 12: معراج السعادة: فارسي (2) في الاخلاق، مأخوذ من كعاب والده: (جامع السعادات)، ومرتب على ترتيبه، وطبع بإيران مكررا، وتوجد منه نسخ متعددة بإيران والعراق، وأقدم نسخة في النجف في مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام العامة: كتابتها سنة 1238 ه‍، واخرى: كتابتها 1265 ه‍، في كلية الالهيات بمشهد خراسان. 13: حجية المظنة: ذكر في فهرس تصانيفه. 14: أسرار الحج: فارسي في أسراره وحكمه الباطنية وآدابه وأعماله الظاهرية من الادعية وبعض الزيارات، طبع سنة 2321 ه‍. 15: رسالة في اجتماع الامر والنهي. 16: طاقديس: مثنوي فارسي، لطيف في الحكم والمواعظ، وقد طبع في طهران وغير ها اكثر من عشر مرات من سنة 1271 إلى سنة 1374. 17: خلاصة المسائل: رسالة عملية فارسية في الطهارة والصلاة أحال في أواخره إلى (تذكرة الاحباب) له. 18: الرسائل والمسائل: نارمعث في أجوبة المسائل ينقل فيه عن


(1) منه مخطومطة في مكتبة المرعشي رقم 125 كتبت سنة 1235 وعيها حواشي منه مد ظله وفي مكبة سبهسالار رقم 2224، وفي جامعة طهران برقم 3 / 44 07. (2) منه مخطوطة في مكتبة جامعة طهران رقم 6321 كتبت سنة 1264 ذكرت في فهرسها 16 / 241 واخرى في مكتبة سبهسالار رقم 5854 كتبت سنة 1275. وقد طبع في طهران وتبريز وبمبي اكثر من ثلاثين مرة أقدمها طبعة سنة 1265 وآخرها واحسنها طبعة دار الهجرة في قم سنة 1413.

[ 22 ]

كتب والده وعن (كشف الغطاء) لاستاذه، وهو في مجلدين. أولهما: في الفروع التي سالها السلطان فتح علي شاه القاجار وغيره. وثانيهما: في بعض المسائل الاصولية وحل المشكلات، صرح بآسم الكتاب في أول المجلد الثاني، نسخة كتابتها سنة 1230 ه‍، في مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام في النجف. 19: ديوان شعره الكبير بالفارسية. وكان يتلقب في شعره (صفائي) وذكر في الذر يعة 9 / 612 بآسم دن صفائي نراقي وقال: ترجمه في ض (رياض العارفين وهو معجم الشعراء الفر س) ص - 463 وفي مع (مجمع الفصحاء وهو أيضا معجم الشعراء) 2 / 33 وذكر انه رأى ديوانه ونقل عنه قرب مائة بيت. 20: شرحه على كتاب لابيه في الحساب. 21: تذكرة الاحباب. 22: حتاب في التفسير. 23: لسان الغيب، وهو منظومة فارسية مطبوعة. 24: منظومة فارسية اخرى اسمها جهار صفر. المستند وعملنا فيه. نسخ الكتاب: اعتمدنا في تحقيقنا للكتاب على المخطوطات التالية: - الاولى: نسخة مكتبة (ملك) برقم 1317، وهي من أول الطهارة إلى أواخر صلاة المسافر، كتبها مهدي بن محمد حسين بن أبي طافي الاراني، فرغ منها في صفر 1253 ه‍ وعليها تعليقات وتصحيحات لابن المصنف الشيخ محمد.

[ 23 ]

الثانية: نسخة مكتبة (ملك) برقم 2240، من مطلق الكسب إلى اخر المواريث، نسخ بعضها مهدي بن محمد حسين بن أي طالب الاراني، فرغ منه في العشر الاواخر من شهر ربيع الآخر سنة 1258 ه‍، وبعضها أبو القاسم بن حاج ملا عبد الرحيم الكاشاني الاراني، فرغ منه في سنة 1258 ه‍. الثالثة: نسخة مكتبة (ملك) برقم 1437، وهي من أول كتاب الزكاة إلى آخر كتاب الحج، نسخها أبو القاسم بن حاج ملا عبد الرحيم الكاشاني الاراني، فرغ منها في سنة 1248 ه‍. وقد رمزنا لهذه النسخ بحرف " ق ". الرابعة: نسخة مدرسة سبهسالار (مطهري) برقم 2231، وهي مشتملة على كتاب الصلاة بأكمله، نسخها رمضان علي بن دوست محمد الكاشاني على نسخة الاصل في عهد المؤلف، فرغ منها في 26 شعبان سنة 1235 ه‍. الخامسة: نسخة مدرسة سبهسالار (مطهري) برقم 2331، وهي من أول كتاب الزكاة إلى أواخر كتاب الحج، لم نشاهد عليها اسم الناسخ أو تاريخ النسح. السادسة: نسخة مدرسة سبهسالار (مطهري) برقم 2330، وتشتمل على كتاب الفرائض وقسم من كتاب المطاعم والمشارب، بدون اسم الناسخ وتاريخ النسخ.. وعليها بعض القرائن ما يفيد بأنها كتبت في حياة المؤلف، كما هو المشاهد في التعليقات. منه دام مجده، دامت توفيقاته، مد ظله. وقد رمزنا لهذه النسخ بحرف " س ". السابعة: نسخة مكتبة غرب في (همدان) من أول الطهارة إلى آخر

[ 24 ]

الصلاة، كتبها مهدي بن محمد حسين الاراني، فرغ منها في يوم السبت 5 ربيع الآخر سنة 1264 ه‍، نسخت عن الاصل الذي بخط المصنف. وقد رمزنا لهذه النسخة بحرف " ه‍ ". الثامنة: نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي (قده)، برقم 5947، وهي من أول كتاب المطاعم والمشارب إلى آخر كتاب النكاح، كتبها المؤلف (قده)، بخطه الشريف، وقد فرغ منها في سنة 1242 ه‍. وأشرنا إليها بنسخة الاصل. هذا، وقد استفدنا من النسختين الحجريتين المطبوعتين في سنة 1273 ه‍ وسنة 1335 ه‍، حيث طبعت الاولى على نسخة المصنف أما الثانية فقد صححها ثلة ين الاعلام، منهم: سماحة آية الله السيد محمد الصفائي الخوانساري (قدس سره)، وجعلناها نسخة تاسعة، ورمبدلها ؟ ؟ ؟ بحرف " ح ". قال العلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة (21: 15): إن نسخة المصنف توجد عند السيد محمد المحيط الطباطبائي بطهران. وإنا على أثر اتصالاتنا المتكررة بالاستاذ المذكور علمنا أن النسخة الموجودة عنده هي ليست المستند، بل جزء من كتاب شرائع الاسلام بخط النراقي، ولا يمكن إثبات ذلك للمولى النراقي، حيث يحتمل أن يكون ذلك نراقيأ آخر. وعندما تعسر الحصول على نسخة المصنف في أغلب أبواب الكتاب انتهجنا أسلوب التلفيق بين النسخ لتحقيق نصه. 2 - منهجية التحقيق: سلكت المؤسسة في تحقيقها لهذا السفر الشريف أسلوب العمل

[ 25 ]

الجماعي، فكان أن انبثقت عدة لجان لانجازه، وهي كالتالي: 1 - لجنة المقابلة: ومهمتها مقابلة النسخ الخطية وضبط الاختلافات الواردة بينها، كي يتسنى للجنة تقويم النص الوقوف عليها وتثبيت الراجح منها والاشارة إلى المرجوج مع الحاجة. وقد تألفت من الاخوة الاماجد: محمد الانصاري، السيد محمد جواد الحسيني البغدادي، كما انيطت به مهمة صياغة الهامش أيضا. 2 - لجنة التخريج: ومهمتها تخريج الآيات القرانية والاحاديث الشريفة والاقوال الفقهية عند الفريقين، والمفردات التي تحتاج إلى بيان لغوي، وسائر التخريجات المهمة. وكان منهجنا في تخريج الروايات كالتالي: 1 - خرجنا جميع روايات الكتاب، سواء المصرح فيها باسم الراوي والمروي عنه، أم جاءت مجملة، كقوله (للموثقة) أو (للصحيحة)، أو (للرواية) أو... وذلك على أوثق عدد ممكن من المصادر. 2 - خرجنا الروايات العامية من الصحاح والسنن، وذلك بحسب الاهمية. 3 - الروايات المنسوبة إلى مصدر معين كما في (رواه في الكافي) أو (ما رواه الشيخ) خرجناها من ذلك المصدر فقط، مع الاشارة إلى الوسائل أو المستدرك. 4 - ضبطنا روايات المتن مع المصدر، وأشرنا إلى الاختلاف الموجود بينهما إن كان ضروريا. 5 - أشرنا إلى جملة (والروايات فيه مستفيضة) أو (عليه الاخبار) وما شابههما إلى الباب منه في الوسائل. وأما الاقوال فكان منهجنا فيها كالتالي:

[ 26 ]

1 - خرجنا الاقوال المنسوبة إلى بعض فقهائنا القدماء الذين فقدت مصنفاتهم، كالعماني والبصروي والاسكافي و... عن أول مصدر نقل عنهم، وغالبا ما يكون المختلف أو الذكرى أو المعتبر. 2 - الاقوال المحكية عن الفقهاء أو الكتب، استخرجت من كتب المحكي عنه إن وجد، وإلا فمن كتب الحاكي. 3 - خرجنا الاجماعات والشهرات المنقولة. 4 - خرجنا غالبا كل (قيل) و (اجيب) و (استدل) و (رد) و (قول) و (مر) و (ويأتي) و (بعض) و (بعض المحققين) و (بعض الاجلة) و (وبعض مشايخنا الاخباريين) و (بعض الاساطين) و (بعض مشايخنا المعاصرين) و (بعض المعاصرين) و (بعض سادة من مشايخنا) و... 5 - إذا ذكر اسم أحد العلماء بنحو الاطلاق مثل (قال العلامة) أو (الشيخ) أو... فخرجناه من ثلاثة كتب من كتبه إن وجدت. 6 - خرجنا صيغة (قال به أكثر من واحد) من مصدرين أو أكثر. 7 - خرجنا للصيغ التالية (عامة المتأخرين) و (أكثر المتقدمين) و (جمع من المتأخرين) من ثلاثة كتب لثلاثة علماء من تلك الطبقة، أما (جماعة) و (جمع غفير) و... فمن ثلاثة علماء من أعصار متفاوتة. 8 - الاقوال المنسوبة إلى العامة استخرجت من كتب أئمتهم، وإلا فمن كتب علماء ذلك المذهب وإلا فمن بقية العامة. 9 - الاقوال المحكية عن بعض فقهاء العامة خرجناها من كتابه، وإن لم يوجد فمن كتب أهل مذهبه، وإلا فمن كتب بقية العامة الناقلين عنه.، (- أعطينا بعض الكلمات التي تحتاج إلى تفسير لغوي معنى مناسبا لها، وأشرنا إلى المصدر اللغوي. 11 - لم نشر إلى المصادر التي لم نحصل عليها، ولم نصرح باسماء

[ 27 ]

الكتب إلا في بعض الحالات. 12 - أهملنا بعض التخريجات، ولم نترجم لاعلام الكتاب، وذلك لقلة الفائدة. هذا، وقد واجهنا أثناء التخريج وجود حوالي عشرين رمزا مشتركا استفاد منها المصنف (ره) في اختصار أسماء الكتب التي يتعرض إليها خلال البحث، واستطعنا حتها بواسطة القرائن والشواهد وغيرهما. ومن تلك المشتركات. 1 - رمز (عد) لقواعد الشهيد والعلامة. 2 - رمز (يه) للفقيه ونهاية الشيخ ونهاية العلامة. 3 - رمز (في) لكافي الكليني ولكافي الحلبي والوافي. كل ذلك مع ما يختص به المؤلف من اصطلاحات لم تعرف عند الآخرين، فإنه يطلق على متأخري المتأخرين من الفقهاء اسم الثالثة حيث قسيم طبقات الفقهاء إلى ثلاثة، وسمى القدماء بالاولى والمتأخرين بالثانية ومتأخرين المتأخرين بالثالثة، وهذا غالبا ما يختلط بالمسائل فيحتاج إلى دقة في التمييز بين كونه للمسائل أو للطبقة. وكذا يصطلح الاولين والثانيين، ويريد بالاولين: الشهيد الاول والمحقق الاول، والثانيين: الشهيد الثاني والمحقق الثاني، ويشذ في حين آخر عن الاصطلاح العام للفقهاء، فإنه مثلا: يريد بالحلبيين علاء الدين وابن زهرة، وهذا خلاف ما هو معروف عند الفقهاء حيث يطلق على أبي الصلاح وابن زهرة، أو يسمي كتاب فقه القرآن للراوندي بالاحكام، في حين أن الاحكام قد اختلف في كونه فقه القرآن أم أنه كتاب آخر له. وغيرها الكثير من الاصطلاحات. وقد عمل في هذه اللجنة أصحاب السماحة حجج الاسلام:

[ 28 ]

الشيخ محمد علي زينلي، اللشيخ مجتبى فرحنا كي، الشيخ محمد حسين أميني، الشيخ محمد صبحي، الشيخ علي مقني، الشيخ رمضان على ضيائي. والاخوة الافاضل: عبد الرضا مجيد الروازق، السيد عبد العزيز كريمي، عبد الحسين الحسون، السيد طالب الموسوي، السيد محمد النيشابوري، عبود أحمد النجفي. 3 - لجنة تقويم النص: وهي من أهم مراحل تحقيق المخطوطات، حيث يتم بها تجريد النص من الاخطاء العلمية والنحوية والاملائية، وتقديم نص مضبوط سالم من الاغلاق والابهام، مع التعليق على الموارد الغامضة وبيانها، وغير ذلك. وقد قام بمهمتها أصحاب الفضيلة الاعلام حجج الاسلام: الشيخ علي مرواريد، الشيخ محمد بهره مند، الشيخ محسن قديري، الشيخ عباس تبريزيان، والاخ كريم الانصاري. 4 - الملاحظة النهائية: وهي لتفادي ما قد يكون حدث من سهو أو نسيان في المراحل السابقة، أو لزوم إضافة بعض الاستدراكات أو التعديلات على الكتاب متنا وهامشا. وقد قام بهذه المهمة سماحة حجة الاسلام والمسلمين العلامة الشيخ مهدي مرواريد. ولا يفوتنا إلا ان نتقدم بالشكر والثناء الكبيرين لاصحاب السماحة آيات الله: الشيخ محمد صادق السعيدي الكاشمري، الشيخ مصطفى الاشرفي

[ 30 ]

الشاهرودي، الشيخ محمد اسماعيل فقيه المحقق، لما بذلوه من جهد جهيد في مراجعة الكتاب وتدقيقه. كما ونخص بالشكر سماحة حجة الاسلام الشيخ علي السياح لمشاركته في متابعة عمل اللجان والتنسيق بينها وإدارتها. سائلين المولى القدير دوام اللطف والعناية لاجل مواصلة الدرب وتقديم المزيد، إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الطيبين المعصومين. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 31 ]

مصادر ترجمة المؤلف: وله - أعلى الله مقامه - ذكر وترجمة في: 1: الاسناد المصفى: 7. 2: أعلام الزركلي 1: 260 ووقع فيه خطا في نسبته، فذكر الزاقي - بالزاي - بدل النراقي، وتبعه في هذا الخطأ كحالة في معجم المؤلفين. 3: أعيان الشيعة 3: 183. 4: ايضاح المكنون 1: 331 و 2: 20، 130، 478، 523، 563. 5: تاريخ أدبيات ايران (تأليف دكتر رضا زاده شفق): 201. 6: تاريخ أدبيات ايران: 4: 286. 7. تاريخ اجتماعي كاشان: 161 و 245 و 248 و 283 و 289. 8: تاريخ سياسي وديبلماسي ايران، انتشارات دانشكاه ج 1 و 2: 200 و 206 و 211 ومقدمة ج 2. 9: الذريعة 1: 145 و 267 و 371، 2: 4 و 43، 4: 364، 5. 58، 6: 151 و 376، 7: 152، 9: 612، 11: 12 و 13 و 212، 12: 181، 286، 13: 138 و 172 و 195 و 286، 14: 55 و 253، 15: 134 و 208 و 354، 16: 203، 17: 140، 18: 309، 19: 155 و 238 و 275، 21: 13 و 14 و 66 و 151 و 229 و 315 و 317 و 385 و 392، 22: 340 و 350، 23: 16 و 152، 25: 85 و 177 و 287، 26: 86 و 109 و 266 و 290 و 315. 10: روضات الجنات 1: 95 - 99 رقم 23. 11: الروضة البهية: 16.

[ 32 ]

12: رياض العارفين: 463 - 465. 13: ريحانة الادب 4: 162 - 186. 14: زندكاني وشخصيت شيخ انصاري: 162 - 165. 15: سيرفرهنك در ايران ومغرب زمين ص 567 و 572. 16: طرائف المقال 1: 57. 17: الفهرس الالفبائي لمكتبة الامام الرضا عليه السلام في مشهد: 41 و 90 و 314 و 315 و 392 و 413 و 555 و 603 و 674. 18: الفوائد الرضوية: 41. 19: قصص العلماء: 103. 20: الكرام البررة 1: 116 - 117. 21: لباب الالقاب: 94 - 97. 22: لغت نامة - حرف الالف - 1372 و 1467 ج 20 و 419. 23: مآثر سلطانية: 146. 24: مجمع الفصحاء 2: 330. 25: مرآة الاحوال 1: 235. 26: مرآة قاسان - تاريخ كاشان: 27: مستدرك الوسائل 3: 383. 28: مصفى المقال: 72 - 73. 29: معجم مؤلفي الشجعة. 415 - 416. 30: معجم المؤلفين 2: 185 ولكنه ضبطه صحيحا في ص 162 منه. 31: مقتبس الاثر 3: 270. 32: راجع: مقدمة جامع السعادات.

[ 33 ]

33: الخزائن مقدمة طبعة علي اكبر غفاري. 34: مقدمة كتاب طاقديس لحسن نراقي. 35: مقدمة كتاب قرة العيون. 36. مكارم الآثار: 1235 - 1242. 37: وحيد بهبهاني: 209، 227. 38: هدية الاحباب: 180. 39: نجوم السماء: 343. 40: نخبة المقال: 233 - 234. 41: نقش روحانيت بيشرو درجنبش مشروطيت ص 144 - 148. 42: مقدمة معراج السعادة، طبعة قم سنة 1413 ه‍ للشيخ محمد نقدي. 43: مجلة ارمغان الطهرانية، العدد السابع ص 62.

[ 35 ]

الصفحة الاولى من نسخة الاصل بخط المؤلف.

[ 36 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة الاصل بخط المؤلف.

[ 37 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ق " الاولى.

[ 38 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " ق " الاولى.

[ 39 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ق " الثانية.

[ 40 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " ق " الثانية.

[ 41 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ق " الثالثة.

[ 42 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " ق " الثالثة.

[ 43 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ه‍ ".

[ 44 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " ه‍ ".

[ 45 ]

الصفحة الاولى من نسخة " س " الاولى.

[ 46 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " س " الاولى.

[ 47 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " س " الثانية.

[ 48 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " س " الثانية.

[ 49 ]

الصفحة الاولى من نسخة " س " الثالثة.

[ 50 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " س " الثالثة.

[ 51 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ح " الحجرية.

[ 52 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " ح " الحجرية.

[ 1 ]

مستند الشيعة في احكام الشريعة تأليف العلامة الفقيه المولي احمد بن محمد مهدي النراقي المتوفي سنة 1245 ه‍ الجزء الاول تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على كثير نواله، والشكر له عل إنعامه وإفضاله، والصلاة على سيدنا محمد مبين حرامه وحلاله، وعلى المعصومن من عترته وآله. وبعد، يتول المحتاج إلى عفور به الباقي، أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر النراقي: هذا كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة، جعلته تذكزة لنفسي، وذخيرة ليوم فاقتي وفقري، مقتصرا فيه من المسائل على أهمها، ومن الدلائل على أتمها، وما اقتفيت فيه أثر أكثر من تقدم علي من بيان المسائل الغير المهمة، وإيراد الفروع الشاذة النادرة. واحترزت عن الاشتغال بوجوه النقض والابرام، والإكثار فيما لا اعتناء بشأنه ولا اهتمام. وتركت فيه ذكر المؤيدات الباردة، ورد القياسات الضعيفة الفاسدة، بل أوردت فيه أمهات المسائل الشرعية، وأودعت فيه مهمات الاحكام الفرعية. وذكرت عند كل مسألة من المسائل، ما ثبت عندي حجيته من الدلائل، ولم أتجشم في المسائل الوفاتية غالبا لعد النصوص والاخبار، وطلبت في كل حال ما هو أقرب إلى الايجاز والاختصار. وطويت عن ذكر المروي عنه في

[ 4 ]

الاخبار، لعدم حاجة إليه ولا افتقار. ورمزت إلى فقهائنا الاطياب، بما هو أقرب إلى الادب وأبعد من الاطناب، وإلى كتبهم المشهورة بطائفة من أوائل حروفها منضمة معها لام التعريف، أو أواخرها بدونها، وربما عبرت عن بعضها بتمام اسمه حسب ما يقتضيه المقام. ومن الله استمد في الاتمام، فإنه جدير ببذل هذا الانعام، وإليه أبتهل للتوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل. ورتبته عل كتب ذوات مقاصد، وأبواب، ومطالب، وفصول، وأبحاث، ومسائل، وفروع.

[ 5 ]

كتاب الطهارة ولانقسامها إلى الطهارة من الخبث والحدث، وتوقفهما غالبا على المياه التى لها أقسام، ولكل قسم أحكام، جعلته مرتبا على ثلاثة مقاصد:

[ 7 ]

المقصد الاول: في المياه وينقسم إلى المطلق والمضاف فهاهنا بابان:

[ 9 ]

الباب الاول: في المطلق وينقسم باختلاف الاحكام، إلى الجاري، والمطر، وماء الحمام، والواقف، والبئر، والمستعمل، والمشتبه، والسؤر، نذكرها مع نبذة من متفرقات (1) مسائل المياه في عشرة فصول:


(1) في " ه‍ " و " ح ": متفرعات.

[ 11 ]

الفصل الاول: الماء المطلق ما يصح إطلاق الاسم عليه عرفا، وبعبارة اخرى: كل ما (1) لا يلزم تقييده في العرف، وبثالثة: ما لا يخطئ أهل الاستعمال من أطلق الاسم عليه من دون قيد. وله أحكام نذكرها في مسائل: المسألة الاولى: (الماء) (2) كله طاهر في أصل الخلقة بالاصل والاجماع والكتاب والسنة، ومطهر من الحدث والخبث بالثلاثة الاخرة. وتنجسه مطلقا، بتغير ريحه أو طعمه أو لونه بالنجاسة، إجماعي، وحكاية الاجماع عليه متكررة (3) والاخبار فيه مستفيضة. فتدل عل النجاسة بالاول. صحيحة ابن سنان: عن غدير أتوه وفيه جيفة، فقال: " إذا كان الماء قاهرا ولا يوجد فيه الريح فتوضأ " (4). وبالثانيين: صحيحة القماط: في الماء يمر به الرجل وهو نقيع (5) فيه الميتة الحيفة، فقال: " إن كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه " (6). وصحيحة حريز: " كلما غلب الماء ريح الجيفة فتوضأ منه واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلاتتوضأ منه ولا تشرب " (7).


(1) في " ه‍ " و " ح ": ماء. (2) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة العبارة. (3) انظر المعتبر 1: 40، المنتهى 1: 5، الرياض 1: 2. (4) الكافي 3: 4 الطهارة ب 3 ح 4، الوسائل 1: 141 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 11. (5) النقيع: الماء الراكد الذي طال مكثه - العين 1: 171. (6) التهذيب 1: 40 / 112، الاستبصار 1: 9 / 10، الوسائل 1: 138 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 4. (7) التهذيب 1: 216 / 625 وفيه: أو تغير، الاستبصار 1: 12 / 19، الوسائل 1: 137 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1، ورواها في الكافي 3: 4 الطهارة ب 3 ح 3 عن حريز عمن أخبره.

[ 12 ]

وبالثالث: رواية ابن الفضيل: عن الحياض يبال فيها، قال: " لا بأس إدا غلب لون الماء لون البول " (1). وبالطرفين: الصحيح المروي في البصائر: " جئت لتسأل عن الماء الراكد في البئر قال: فإذا لم يكن فيه تغيير أو ريح غالبة - قلت: فما التغيير ؟ قال: الصفرة - فتوضأ منه، وكلما غلب عليه كثرة الماء فهو طاهر " (2). واختصاص السؤال بالراكد من البئر بعد عموم الجواب غير ضائر. والثلاثة رواية أبي بصير: " عن الماء النقيع تبول فيه الدواب، فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه، وإن تغيره أبوالها فتوضأ منه، وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه " (3). والنبوى المتواتر بتصريح العماني (4)، المتفق على روايته بشهادة الحلي (6): " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير طعمه أولونه أو ريحه " (1). والمرتضوي المروي في الدعائم: " وليس ينجسه شئ ما لم يتغير أوصافه، طعمه ولونه وريحه " (7). وفيه أيضا: " فإن كان قد تغير لذلك طعمه أو ريحه أو لونه فلا تشرب منه ولا تتوضأ ولا تتطهر منه " (8).


(1) التهذيب 1: 415 / 1311، الاستبصار 1: 22 / 53، الوسائل 1: 139 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 7. (2) بصائر الدرجات: 238 / 13، الوسائل 1: 161 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 11 وفيه بتفاوت. (3) التهذيب 1: 40 / 111، الاستبصار 1: 9 / 9، الوسائل 1: 138 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 3. (4) نقل عنه في المختلف: 2. (5) السرائر 1: 64 (6) بدائع الصنائع 1: 71، وورد مؤداه في: سنن ابن ماجة 1: 174، سنن الدار قطني 1: 28، كنز العمال 9: 395. (7) الدعائم 1: 112، البحار 77: 20 / 13، المستدرك 1: 188 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1 (بتفاوت يسير). (8) الدعائم 1: 112، المستدرك 1: 188 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 3.

[ 13 ]

والرضوي: " وكل غدير فيه من الماء أكثر من كر بلا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات، إلا أن يكون فيه الجيف فتغير لونه وطعمه وريحه " (1). وتعارض بعضها مع بعض مفهوما أو منطوقا غير ضائر، لكونه على سبيل العموم والخصوص مطلقا، فيخصص العام. وبما مر ظهر ضعف ما قيل من أن الاخبار الخاصية أو المعتبرة منها خالية عن ذكر اللون (2)، مع أن غيرها أيضا بكفي في المحل، لانجباره بالعمل. نعم لا عبرة بالتغير في غير الثلاثة إجماعا، للاصل والعمومات واختصاص غير رواية أبي بصير من أدلة التنجيس بالثلاثة، وهي وإن عمت ولكنها بالبواقي مخصوصة. فروع: الاول: المعتبر في التغير بالثلاثة هل هو حصول كيفية النجاسة، أو يكفي التغير بسببها وإن كان بحصول كيفية ثالثة ؟ مقتضى الاطلاقات المتقدمة هو الثاني، فعليه الفتوى. الثاني: إذا تغير بأحد أوصاف المتنجس، فإن غيره بوصف النجاسة ينجس إجماعا، وإلا فلا على الاظهر الاشهر، للاصل والاستصحاب، خلافا للمحكي عن ظواهر المبسوط والمعتبر والسرائر (3)، لاستصحاب نجاسة المتنجس، واتحاده مع النجاسة (4)، في التنجيس، وعموم النبوي، وأحد المرتضويين، وسيحيحة القماط، ورواية أبي بصير. ويضعف الاول: بمعارضته باستصحاب طهارة الماء. وقيل بتغير الموضوع أيضا، لفرض إطلاق الماء. وفيه نظر.


(1) فقه الرضا: 91، المستدرك 1: 189 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 7. (2) المدارك 1: 57، الذخير: 116، مشارق الشموس: 203. (3) المبسوط 1: 5، المعتبر 1: 40، السرائر 1: 64. (4) في " ه‍ " 10 النجس.

[ 14 ]

والثاني: بمنعه إن اريد الكلية، وعدم الفائدة إن اريد في الجملة. والثالثان: بمنع إفادتهما العموم، لكون لفظة " ما " الموصولة في منطوق أحدهما، والشئ في مفهوم الآخر، نكرة في سياق الاثبات. والاخيران: بظهورهما في الميتة والبول، مع أن قوله: " لا تشرب ولا تتوضأ " فيهما للنفي محتمل، فيكون قاصرا عن إفادة النجاسة، لعدم ثبوت كون الاخبار في مقام الانشاء مفيدا للحرمة. الثالث: المعتبر في التغير: الحسي، وفاقا للمعظم، للاصل والاستصحاب والعمومات المتقدمة الحاصرة للتنجيس بالتغر الذي هو حقيقة في الحسي، للتبادر وصحة السلب بدونه. وخلافا للفاضل (1)، وولده (2)، والكركي (3)، والمحكي عن الموجز (4)، واستقر به بعض المتأخرين (5)، فاكتفوا بالتقديري، لكون التغيير حقيقه النفس الامري، وهو في التقديري موجود. وكون سبب التنجس غلبة النجاسة، والاناطة بالتغير لدلا لته عليها، وهي هنا متحققة. وإفضاء عدم الاكتفاء به إلى جواز الاستعمال مع زيادة النجاسة أضعافا. ويجاب عن الاول: بمنع وجود التغيير النفس الامري، فإنه ما تبدل الوصف في الخارج. وعن الثاني: بمنع سببية مطلق الغلبة، ولذا ينجس بما كانت رائحته مثلا أشد بأقل مما كانت أخف.


(1) المنتهى 1: 8، القواعد 1: 4 وحكاه في المدارك 1: 29 ومفتاح الكرامة 1: 67 عن المختلف ولم نجده فيه وذكر في المقابس: 57 أن النسبة سهو. (2) الايضاح 1: 16. (3) جامع المقاصد 1: 118. (4) حكاه عنه في الحدائق 1: 183. (5) الحبل المتين: 106، وحكاه في مفتاح الكرامة 1: 67 عن مجمع الفوائد.

[ 15 ]

وعن الثالث: بمنع الافضاء إن اريد زيادتها بحيث يستهلكه، وتسليم الجواز إن اريد غيره. ثم الظاهر عدم الفرق في عدم اعتبار التقديري (1) بين ما إذا كانت النجاسة مسلوبة الاوصاف، أو عرض للماء مانع عن ظهور التغير مخالف للنجاسة في الوصف، أو موافق لها. والأكثر في الثاني على النجاسة، محتجا بتحقق التغير وإن كان مستورا عن الحس. وفيه: أنه إن اريد تغير الماء المعروض لهذا المانع فتحققه ممنوع، وإن اريد تغيره لولاه فهو تقديري غير معتبر. وعدم صلاحية المانع لدفع النجاسة أو سببها محض استبعاد. قيل: لو سلب المانع، لكان الماء متغيرا، ولولا تحققه أولا لما كان كذلك قلنا: لو سلب لتغير الماء لا أن يظهر كونه متغيرا. (نعم يشترط في الطهارة على جميع الصور بقاء الاطلاق) (2) وعدم (حصول) (3) الاستهلاك، وإلا فينجس قولا واحدا. ولو فقد الاطلاق خاصة فهل تزول الطهارة ؟ الظاهر نعم، لزوال استصحاب الطهارة باستصحاب النجاسة، فإن ما يستصحب طهارته لخروجه عن الاطلاق لا يصلح للتطهير، بخلاف ما تستصحب نجاسته، فإنه يوجب التنجيس. المسألة الثانية: تطهر الماء النجس مطلقا غير البئر بالكثير والجاري وماء المطر، بعد زوال التغير إن كان متغيرا وإلا فمطلقا، إجماعي، ونقل الاجماع عليه متكرر،


(1) في " ق " و " ه‍ ": التقدير. (2) في " ه‍ " و " ق " و " ح ": نعم يشترط الطهارة في جميع الصور على بقاء الاطلاق. وهي غير مستقيمة وصححناها عل النحو المذكور. (3) لا توجد في " ه‍ ".

[ 16 ]

وهو دليل عليه، مع قوله عليه السلام في مرسلة الكاهلي: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (1). واختصاصه بالمطر بعد ضم الاجماع المركب لا يضر. وقوله عليه السلام: " ماء النهر يطهر بعضه بعضا " (2). وكذا البئر على الاصح (للروايتين) (3). وفي اشتراط الممازجة وعدمه قولان: الاول - وهو الاقوى - للتذكرة (4) والاولين (5)، والثاني للنهاية والتحرير (6) والثانيين (7). لنا: أصالة عدم المطهرية، واستصحاب النجاسة. وكون مجرد الاتصال رافعا غير ثابت، والمرسلة لاثباته قاصرة، إذ غير ما مزج معه لم يره، وطهارة بعض من ماء دون بعض ممكنة، فطهارة السطح الفوقاني لتطهير ما سواه غير مستلزمة. وتطهير ماء النهر بعضه بعضا لا يفيد العموم، فان تطهير ماء النهر بعضه بعضا لا يفيد أزيد من أنه يطهره، أما أن تطهير إياه هل بالملاقاة أو الممازجة أو بهما ؟ فلا دلالة عليه. للمخالف: كفاية الاتصال في الدفع فيكفي للرفع. وامتناع الممازجة الحقيقية فتكفي العرفية - أي ملاقاة بعض الاجزاء للبعض - فالبعض الآخر يطهر بالاتصال فيكون مطهرا مطلقا. واستحالة المداخلة فلا يوجد (8) سوى الاتصال.


(1) الكافي 3: 13 الطهارة ب 9 ح 3، الوسائل 1: 146 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5. (2) الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 1، الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 7. بتفاوت يسير. (3) لا توجد في " ق ". (4) التذكرة 1: 4. (5) يعنى المحقق الاول في المعتبر 1: 50، والشهيد الاول في الدرس 1: 121، والذكرى: 9. (6) نهاية الاحكام 1: 232، التحرير 1: 4. (7) يعنى المحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 131 والشهيد الثاني في الروضة 1: 32. (8) في " ح ": فلا يوجب.

[ 17 ]

وطهارة المتصل بالملاقاة لطهورية الماء، فيطهر ما يتصل به أيضا. واستلزام الاتصال للامتزاج في الجملة، فيطهر بعض النجس، وهو لامتزاجه بما يليه يطهره، وهكذا... وعدم اختلاف حكم المتصلين من أجزاء الكر والنجس لامتزاجهما لا محالة، فإما تنجس أجزاء الطاهر أو تطهر أجزاء النجس، والاول باطل، فتعين الثاني، فننقل الكلام إلى ما يلي الاجزاء المطهرة، وهكذا... ويجاب عن الاول: بكونه قياسا مع تغاير حكمي الاصل والفرع. وعن الثاني: بأنه لا يلزم من ترتب حكم علي الاتصال مع الامتزاج العرفي ترتبه عليه بدونه، لجواز مدخلية ملاقاة أكثر الاجزاء. ومنه يظهر الجواب عن الثالث. وعن الرابع. بمنع عموم طهورية الماء. وعن الخامس: بمنع امتزاج الاجزاء المتصلة، ومغايرته - مع التسليم - للامتزاج الذي وقع الاجماع عليه. وعن السادس: بالمعارضة بالزائد على، الكر المتغير بعضه الزاثد بالنجاسة. ومنع امتزاج المتصلين هنا اعتراف بانفكاكه عن الاتصال، فيحتمل في محل النزاع. مضافا إلى منع عدم جواز اختلاف حكم الممتزجين. ثم بما ذكرنا يظهر اشتراط الدفعة العرفية في إلقاء الكر، كما هو مذهب المحقق في الشرائع (1)، والفاضل في جملة من كتبه (2)، وهو المشهور بين المتأخرين. ولا يكفي إلقاء الكر تدريجا مع اتصال أجزائه، كالذكرى (3) ووالدي في اللوامع. وصدق الوحدة لا يفيد، لان الثابت عليتها للدفع دون الرفع.


(1) الشرائع 1: 12. (2) قواعد الاحكام 1: 5، التذكرة 1: 3، المختلف 1: 3، التحربر 1: 4. (3) 1 الذكرى: 9.

[ 18 ]

والتفصيل باعتبار الدفعة على القول باشتراط مساواة السطوح في تقوي بعض أجزاء الماء بالبعض، وعدمه على القول بعدمه - كما في المعالم (1) - ضعيف من وجوه. وهذا الشرط إنما هو في الكر دون أخويه، للاجماع، ولانه لا يتصور الدفعة فيهما. والمراد بالجاري هنا هو النابع، لانه مورد الاجماع، ولانه الظاهر من ماء النهر. ولا يبعد اشتراط مساواة السطوح أو علو المطهر، عند التطهير بالجاري، اقتصارا على موضع الوفاق. المسألة الثالثة: الحق عدم تنجس الماء مطلقا، قليلا كان أم كثيرا، جاريا أم راكدا، بالورد على النجاسة، كما يأتي بيانه في بحث القليل (2). * * *


(1) المعالم: 29. (2) في ص: 35.

[ 19 ]

الفصل الثاني: في الجاري وهو - لغة -: ماء يجري على الارض مطلقا، سواء كان نابعا أم لا. بل وكذلك في العرف العام والشرعي، لصدقه عل ما لا نبع فيه من الشطوط المذابة من الثلوج، والسيول، والمياه المجتمعة في موضع الجارية بعده. وفي العرف الخاص للفقهاء: النابع غير البئر، إما بشرط الجريان على الارض كبعضهم (1)، أو بدونه كآخر (2). وهنا ثلاث مسائل: المسألة الاولى: الجاري النابع لا ينجس بالملاقاة إجماعا، إن كان كرا، للاصل والاستصحاب والاخبار الخالية عن المعارض (3). وإلا فعل الاشهر الاظهر، وعليه الاجماع في الغنية والمعتبر وشرح القواعد (4)، بل عن ظاهر الخلاف (5) أيضا، وفي الذكرى: لم نقف على مخالف في ذلك ممن سلف (6)، لما مر من الاصلين المؤيدين بالمحكي من الاجماع. مضافا إلى عمومات طهارة كل ماء لم يعلم نجاسته، كالاخبار الثلاثة للحمادين (7) واللؤلؤي (8).


(1) كشف اللثام 1: 26. (2) الذخيرة: 116. (3) راجع الوسائل 1: 143 أبواب الماء المطلق ب 5. (4) الغنية (الجوامع الفقهية): 551، المعتبر 1: 41، جامع المقاصد 1: 111. (5) الخلاف 1: 195. (6) الذكرى: 8. (7) الكافي 3: 1 الطهارة ب 1 ح 3، التهذيب 1: 215، 216 / 620، 621، الوسائل 1: 134 أبواب الماء المطلق ب 1 ح 5. (8) الكافي 3: الطهارة ب 1 ح 2، الوسائل 1: 134 أبواب الماء المطلق ب 1 ملحق بحديث 5.

[ 20 ]

أو غير متغير، أو غالب على النجاسة كما تقدم (1). أو ملاق لها، كخبر ابن مسكان أو صحيحته: عن الوضؤ مما ولغ فيه الكلب والسنور، أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، يتوضأ منه أو يغتسل ؟ قال: " نعم " (2). وخبر سماعة: عن الرجل يمر بإلميتة في الماء، قال: " يتوضأ من الناحية التى ليس فيها الميتة " (2). والمروي في الدعائم: عن الماء ترد ه السباع والكلاب والبهائم، فقال: " لها ما أخذت بأفواهها ولكم ما بقي " (4). أوكل ماء جار مطلقا أو ملاق للنجاسة، كالمروين في نوادر الراوندي: أحدهما: " الماء الجارى لا ينجسه شئ " (5). والآخر: " الماء يمر بالجيف والعذرة والدم، يتوضأ منه ويشرب وليس ينجسه شئ " (6). والرضوي: " كل ماء جار لا ينجسه شئ " (7). أو مع عدم التغير، كالمروي في الدعائم: " الماء الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم، يتوضأ منه ويشرب، وليس ينجسه شئ ما لم يتغير أوصافه: طعمه ولونه وريحه " (8). أوكل ماء قليل، كخبر ابن ميسر: عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل


(1) في ص 11 - 12. (2) التهذيب 1: 226 / 649، الوسائل 1: 228 أبواب الاسآر ب 2 ح 6. (3) التهذيب 1: 408 / 1285، الاستبصار 1: 21 / 51، الوسائل 1: 144 أبواب الماء المطلق ب 5 ح 5. (4) الدعائم 1: 113 المستدرك 1: 197 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 4. (5 و 6) نوادر الراوندي: 39، المستدرك 1:، 197 أبواب الماء المطلق ب 5 ح 4. (7) فقه الرضا: 91، المستدرك 1: 192 أبواب الماء المطلن ب 5 ح 6. (8) الدعائم 1: 111، المستدرك 1: 188، أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1 وفيه بتفناوت

[ 21 ]

في الطريق، ويريد أن يغتسل منه، وليس معه إناء يغترف به، ويداه قذرتان، قال: " يضع يده ويتوضأ ويغتسل " (1). وعدم ثبوت الحقيقة الشرعية في القليل لا يضر الشمول. ويؤيده: الاخبار المصرحة بأن ماء الحمام كماء النهر أو الجاري (2)، أو بمنزلته (3)، أو سبيله سبيله (4). ولا يضر ضعف سند بعض هذه الروايات، لانجارها بالعمل واعتضادها بحكايات الاجماع. والاستدلال بصحيحتي ابن بزيع: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير (5)، وزيد في إحداهما: " ريحه أو طعمه فينزح حتي يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة " (1) حيث إن العلة موجودة في المورد أيضا، وصحيحة الفضيل: " لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجارى، وكره أن يبول في الراكد " (7) مردود. أما الاول: فلجواز أن يكون التعليل لما يفهم من الامر بالنزح من التطهر


(1) الكافي 3: 4 الطهارة ب 3 ح 2، التهذيب 1: 149 / 425، الاستبصار 1: 128 / 436، الوسائل 1: 152 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 5. وفي الاستبصار يرويها عن (محمد بن عيسى) بدل (محمد بن ميسر) والظاهر أنه مصحف عليه في معجم الرجال 17: 290 ويظهر من جامع الاحايث 2: 26 اختلاف - نسخ الاستبصار، فراجع. (2) الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 7. (3) الوسائل 1: 148 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1. (4) المستدرك 1: 194 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 2. (5) الكافي 3: 5 الطهارة ب 4 ح 2، الوسائل 1: 140 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 10. (6) الاستبصار 1: 36 / 87 الوسائل 1: 172 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 6. (7) التهذيب 1: 31 / 81، الاستبصار 1: 13 / 23، الوسائل 1: 143 أبواب الماء المطلق ب 5 ح 1. استدل بالصحيحة الاولى في المدارك والمعالم وبالصحيحة الثانية في المدارك وتنظر فيه. راجع: المدارك 1: 31 - 32، المعالم: 111.

[ 22 ]

بزوال التغير، حيث إنه باطلاقه لا يوجب التطهر، لا لعدم الافساد، أو الحكمين. والتمسك بالاولوية - حيث إن المادة لو صلحت للرفع فصلوحها للدفع والمنع أولى - ضعيف، لمنع الاولوية. مع أنه يمكن أن يكون تعليلا لذهاب الريح وطيب الطعم بالنزح، حيث إن مجرد النزح لا يستلزم ذلك، وليس ذلك معلوما، إذ ما ليس له مادة ربما لم يزل تغيره بالنزح إلى أن لا يبقى منه شئ، فترتبه على النزح كليا إنما هو مع وجود المادة. وأما الثاني: فلان عدم البأس في البول لا يستلزم عدم التنجس. خلافا للمحكي عن جمل السيد (1)، والفاضل في أكثر كتبه، ومنها. المنتهى (2)، ونفيه (3) عنه اشتباه، وأسنده في الروضة (4) إلى جماعة ومال إليه، وفي الروض (5) إلى جملة من المتأخرين، وتردد فيه بعض من تأخر (6). لما دل عل تنجس كل ماء بالملاقاة، كموثقتى الساباطي، إحداهما: " كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا


(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضي 3): 22، وحكاه في كشف اللثام 1: 25، مفتاح الكرامة 1: 62 عن ظاهر جمل السيد، ومنشأ الاستظهار أنه قسم الماء إلى قليل وكثير وحكم بنجاسة القليل بمخالطة النجس وإطلاق كلامه شامل للجاري فلاحظ. (2) التحرير 1: 4، القواعد 1: 4، التذكرة 1: 3، المنتهى 1: 6. (3) قال صاحب المعالم: 110 نسخ المنتهى مختلفة في هذه المباحث كثيرا فربما زيد في بعضها ما نقص في الآخر وربما عكس وهاهنا يوجد زيادة... وعليه يمكن أن يكون مشأ النفي المشار إلبه في المتن اختلاف النسح. (4) الروضة 1: 31. (5) روض الجنان: 135. (6) راجع كشف اللثام 1: 26.

[ 23 ]

تشرب " (1) وقريبة منها الاخرى (2) وصحيحة ابن عمار: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (3). ورواية علي: عن الحمامة والدجاجة وأشباههن تطأ العذرة ثم ندخل في الماء، يتوضأ منه للصلاة ؟ قال: " لا، إلا أن يكون الماء كثيرا " (4)، وغير ذلك من المستفيضة الاتية. ومنع عموم الماء في الصحيحه، إما لمنع إفادة المفرد المعرف له، أو لان عمومه في المفهوم غير معلوم، لكفاية نجاسة بعض أفراد غير الكر في صدقه كمنع عموم المنجس، حيث إن لفظ سئ في المفهوم مثبت فلا يعم، فيحمل عل المغير، ضعيف: أما الاول فلثبوت عموم المفرد المعرف في موضعه، ولولاه لم يتم التمسك بكثير من أخبار الطهارة أيضا. ووجوب تنزيل الماء في المفهوم على المراد منه في المنطوق، ضرورة اتحادهما في الموضوع والمحمول. وأما الثاني فلان الشئ في المنطوق مخصوص بغير المغيرة للاجماع على تنجس الكر بالتعير. فكذا في المفهوم، لما مر. وعدم عمومه حينئذ غير ضائر، لعدم القول بالفصل. والجواب: أن بعد ملاحظة اختصاص غير أخبار الجاري من روايات


(1) الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 5، التهذيب 1: 228 / 660، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآر ب 4 ح 2. (2) الفقيه 1: 10 / 18، التهذيب 1: 284 / 832، الاستبصار 1: 25 / 64، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآر ب 4 ح 4. (3) التهذيب 1: 40 / 109، الاستبصار 1: 6 / 2، الوسائل 158 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 2. (4) التهذيب 1: 419 / 1326، الاستبصار 1: 21 / 94، الوسائل 1: 159 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 4.

[ 24 ]

الطهارة بغير القليل الراكد (1)، واختصاصها بغير المتغير، واختصاص الموثقتين (2) من أخبار النجاسة بغير الكر، كل ذلك بقرينة الاجماع والاخبار، وكون غير، الموثقتين مخصوصا بالقليل يتعارض الفريقان بالعموم من وجه. فإن رجحنا الاولى بالاصل، والاستصحاب، والشهرة والأكثرية، والاجماعات المنقولة، وإلا فيكون المرجع إلى الاصل، وهو أيضا مع الطهارة. المسألة الثانية: ظاهر الأكثر بل صريحهم الحاق الجارى لا عن نبع بالواقف، وعليه الاجماع في شرح القواعد (3) وغيره (4). وألحقه بعض المتأخرين من المحد ثين (5) بالنابع، فلا ينجس إلا بالتغير، ونقله في الحدائق (6) عن المعالم، وجعل هو المسألة محل إشكال، والاصل يعاضده، وعمومات الطهارة المتقدمة (7) بأسرها تشمله. وتخصيص أخبار الخاري منها (8) بالنابع لا شاهد له، وتبادره منه - لو سلم - عرف طار، فالاصل تأخره. وخروجه عنها بعمومات النجاسة غير ثابت، لتعارضها مع الاولى بالعموم من وجه، فيرجع إلى أصل الطهارة. مضافا إلى ترجح عمومات الطهارة بأخبار اخر، كصحيحة حنان: إني أدخل الحمام في السحر، وفيه الجنب وغير ذلك، وأقوم فأغتسل فينضح علي بعد ما أفرغ من مائهم، قال: " أليس هو جار ؟ " قلت: بلى، قال: " لا بأس " (9).


(1) انظر الوسائل 1: 158 أبواب الماء المطلق ب 9. (2) موثقتا الساباطي تقدمتا ص 23 رقم 1 - 2. (3) جامع المقاصد 1: 110. (4) المدارك 1: 28. (5) الظاهر أنه المحدث الامين الاسترابادي في حاشية المدارك على ما حكى عنه في الحدائق 1: 332. (6) الحدائق 1: 332. (7 و 8) المتقدمة ص 19 - 20. (9) الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 3، التهذيب 1: 378 / 1169، الوسائل 1: 213 أبواب الماء =

[ 25 ]

وصحيحة محمد: " لو أن ميزابين سالا، أحدهما ميزاب بول والآخر ميزاب ماء، فاختلطا، ثم أصابك، ما كان به بأس " (1). والتخصيص بماء المطر لا دليل عليه، مع أنه أيضا أعم من حال التقاطر، فيدل عليه أيضا صحيحة ابن الحكم: " في ميزابين سالا، أحدهما بول والآخر ماء المطر، فاصاب ثوب رجل، لم يضره ذلك " (2). وعلى هذا فالرجيح للطهارة، إلا أن يثبت الاجماع على خلافها، والاحتياط في كل حال طريق النجاة. المسألة الثالثة: لو تغير بعض الجاري فنجاسة المتغير منه إجماعي. كطهارة ما يتصل منه بالمنبع، وعموم أدلة الحكمين يدل عليه. وما تحته مع الكثرة أو عدم قطع النجاسة لعمود الماء كالثاني ومع القلة وقطع العمود كالاول عند الأكثر، لكونه قليلا لاقى النجاسة، فتشمله أدلة نجاسته. ويخدشه: أنه إن اريد أنه قليل راكد فممنوع، وإن اريد غيره فلا دليل على نجاسته بخصوصه. والعام - لو سلم - لم يفد، لتعارضه مع بعض ما مر من عمومات الطهارة بالعموم من وجه، فيرجع إلى أصل الطهارة، فالحق طهارته أيضا، وفاقا لبعض من تأخر (3) * * *


= المضاف ب 9 ح 8: وفي التهذيب أسقط حنان. (1) الكافي 3: 12 الطهارة ب 9 ح 2، التهذيب 1: 411 / 1296، الوسائل 1: 144 أبواب الماء المطلق ب 5 ح 6. (2) الكافي 3: 12 الطهارة ب 9 ح 1، التهذيب 1: 411 / 1295، الوسائل 1: 145 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 6. (3) مشارق الشموس: 207.

[ 26 ]

الفصل الثالث: في ماء الغيث وفيه مسائل: المسألة الاولى: لا خلاف في أنه حال التقاطر مع الجريان كالجاري، فلا ينجس بملاقاة النجاسة وإن وردت عليه. ويدل عليه - مع الاجماع والعمومات - صحيحة ابن الحكم المتقدمة (1). وصحيحة علي: عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة ؟ فقال: " إذا جرى لا بأس " (2). والمروي في المسائل: عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب، أيصلى فيه قبل أن يغسل ؟ قال: " إذا جرى به المطر لا بأس " (3). وفيه وفي قرب الاسناد: عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف (4) فيصيب الثياب أيصلى فيها قبل أن يغسل ؟ قال: " إذا جرى من ماء المطر لا بأس " (5). وصحيحة اخرى لعلي: عن رجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله ؟ فقال: " لا يغسل ثوبه ولارجليه ويصلي فيه ولا بأس " (6). وصحيحة ابن سالم: عن السطح يبال عليه فيصيبه السماء فيكف فيصيب


(1) ص 25. (2) الفقيه 1: 7 / 6، التهذيب 1: 411 / 1297، الوسائل 1: 145 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 2. (3) مسائل علي بن جعفر: 130 / 115، الوسائل 1: 148 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 9. (4) يكف: يقطر. (5) قرب الاسناد: 192 / 724، الوسائل 1: 145 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 3. (6) الفقيه 1: 7 / 7، التهذيب 1: 418 / 1321، الوسائل 1: 145 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 2.

[ 27 ]

الثوب، قال: " لا بأس، ما أصابه من الماء الأكثر منه " (1). وكذا بدون الجريان على الحق المشهور، للصحيحتين الآخيرتين من جهة الاطلاق فيهما، ومع التعليل في الثانية، مضافا إلى العمومات. خلافا للمحكي عن التهذيب والمبسوط وابنى حمزة وسعيد (2)، فاشترطوا الجريان من الميزاب - ولعله من باب التمثيل، لاستدلالهم بما هو أعم منه - لما تقدم على الأخيرتين. والجواب: أن الاولى وإن اختصت بالجاري ولكنها لا تثبت الاشراط. والثانية لم تثبت إلا البأس في التوضؤ، وهو أعم من النجاسة، كيف وقد اذعى في المعتبر والمنتهى (3) الاجماع على أن ما يزال به الخبث لا يرفع الحدث. وهو الحق أيضا، كما يأتي. فإن قيل: ذلك ينافي منطوقه، حيث جوز التوضؤ بما جرى منه. قلنا: ما جرى عيرما ازيل به النجاسة، إذ المطر يطهر بمجرد الاتصال كما يأتي، فما ينزل بعده - وهو الذي يجري - لم يرفع خبثا. مع أن إرادة الجريان من السماء المعبر عنه بالتقاطر ممكنة. وبه يجاب عن روايتي المسائل، مضافا إلى ضعفهما الخالي عن الجابر في المقام وإن انجبر منطوقهما بالعمل. وقد يفرق بين ما ترد النجاسة عليه وما يرد عليها، فيحكم بنجاسة الاول مع عدم الجريان، التفاتا إلى اختصاص أكثر الروايات بوروده، فيرجع في عكسه إلى القواعد (4). وصحيحة علي - الاخيرة - صريحة في رده.


(1) الفقيه 1: 7 / 4، الوسائل 1: 144 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 1. (2) التهذيب 1: 411، المبسوط 1: 6، الوسيلة: 73، الجامع للشرائع: 20. (3) المعتبر 1: 90، المنتهى 1: 23. (4) كما في الذخيرة: 121.

[ 28 ]

مع أن الرجوع إلى القواعد أيضا يقتضي الطهارة. لا لاختصاص ما دل على انفعال القليل بغير موضع النزاع كما قيل (1)، لمنع الاختصاص كليا. بل لما مرمن التعارض بين بعض العمومات المتقدمة وأخبار انفعال القليل بالعموم من وجه، على ما مر في الجاري. المسألة الثانية: يطهر بماء الغيث ما جرى عليه حال التقاطر، بلا خلاف ظاهر. وكذا بدون الجريان إذا زالت به العين واستوعب المحل النجس، لآيتي التطهير (2). ومرسلة الكاهلي المتقدمة في المطلق (3). والاطلاق في نفي البأس وفي مفهوم الاستثناء في مرسلة محمد بن إسماعيل: في طين المطر، أنه، " لا بأس به أن يصيب الثوب، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر " (4) ومرسلة الفقيه: عن طين المطر يصيب الثوب، فيه البول والعذرة والدم، قال: " طين المطر لا ينجس " (5). وهل يشترط في التطهر (6) به أكثرية الماء من النجاسة إذا كانت ذات عين ؟ الظاهر: نعم لصحيحة ابن سالم (7). وجعل التخصيص، لاجل أنه الغالب، أو حمل الأكثر على الاقوى خلاف الاصل، مضافا إلى أن الاقل إما يستهلك بالنجاسة أو يتغير. هذا في غير الماء، وأما الماء فيشترط تطهره بالامتزاج به، كما مر. ومنه يظهر ضعف ما نقله الشهيد عن بعض معاصريه من كفاية وصول


(1) مشارق الشموس: 211 (2) الانفال: 11، الفرقان: 48. (3) المقدمة ص 16. (4) الكافي 3: 13 الطهارة ب 9 ح 4، التهذيب 1: 267 / 783، الوسائل 1: 147 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 6. وفي الجمبع: " أنه لا بأس به أن بصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم.. ". (5) الفقيه 1: 7 / 5، الوسائل 1: 147 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 7. (6) في " ح " التطهير. (7) المقدمة ص 26.

[ 29 ]

مثل القطرة في تطهير الماء النجس (1)، مضافا إلى عدم تبادر مثل ذلك من المطر. المسألة الثالثة: لا شك في تقوي القليل المجتمع من المطر به حين النزول، للعمومك. وأما المجتمع من غيره فهل يتقوى به ؟ فيه وجهان، الاظهر: العدم، لاستصحاب الحكم الثابت له قبل الاتصال بالاطلاقات، من تنجسه بالملاقاة، ولعمومات تنجس القليل بورود النجاسة عليه (2)، الشامل أكثرها بل جميعها لمثل ذلك بالاطلاق أو العموم. ومنع الشمول ضعيف، فالقول بالتقوي لاجله (3) سقيم. ومعارضة تلك العمومات مع بعض عمومات طهارة الماء (4) - على ما مر - غير مفيدة، لان هذه أخص مطلقا مما مر، فتخصيصه بها لازم. وتوهم العموم من وجه - لاختصاص ما مر بالقليل الغير المتصل بالمطر قطعا - باطل، لان اختصاصه به لاجل أدلة تنجس القليل الشامل للمتصل أيضا، وعدم تحقق ما هو أخص منه، وذلك بخلاف ما مر في الجاري، فإن ما يختص بغيره كثير. وقد يتمسك للتقوي: بأن حال النزول فيه شئ من ماء المطر، فهو مطر مع شئ زائد، فيصير بذلك أقوى. وهو فاسد، لان مقتضاه عدم تنجس ماء المطر إن تميز، دون القليل أو الممتزج، لمنع القوة فيهما. وأفسد منه: اعتبار النجاسة حينئذ بمقدار ماء المطر، حتى لو فرض التغير


(1) روض الجنان: 139، وأراد ببعض معامريه السيد حسن بن السبد جعفر على ما ذكره في حاشية الحدائق 1: 221. (2) يأتي ذكرها في بحث الماء القليل ص 35 - 51 وقد تقدم بعضها في بحث الماء الجاري ص 23. (3) كما في مشارق الشموس: 214. (4) المتقدمة ص 11 - 12.

[ 30 ]

لو انحصر فيه لصار نجسا، فإنه مبني على اعتبار التقدير في التغير، وقد عرفت فساده. المسألة الرابعة: إذا انقطع تقاطره، فإن لم يبق جريانه على الارض، فكالواقف إجماعا. وإن كان جاريا بعد، فظاهر العمومات المتقدمة والاستصحاب: عدم تنجسه وإن قلنا بتنجس القليل الجاري لا عن مادة، مع أنه أيضا لا ينجس، فيشمله ما دل عليه أيضا. وهو الظاهر من المنتهى، حيث شرط في إلحاقه بالواقف مع الانقطاع الاستقرار على الارض، قال: أما إذا استقر على الارض وانقطع التقاطر ثم لاقته نجاسة اعتبر فيه ما يعتبر في الواقف، لانتفاء العلة التي هي الجريان. انتهى (1). وهو جيد جدا. * * *


(1) المنتهى 1: 6.

[ 31 ]

الفصل الرابع: في ماء الحمام والمراد به هنا ما في حياضه الصغار الذي لم يبلغ كرا، فإن أمر ما بلغه وفيه مسألتان: المسألة الاولى: ماء (1) الحياض إما يكون مع المادة، أو بدونها. والثاني في الانفعال بالملاقاة كالراكد إجماعا، لاختصاص أدلة عدم انفعاله بذي المادة بحكم التعارف. والاول إن بلغت مادته وحدها كرا، فلا ينفعل على المشهور، بل بلا خلاف يحضرني الآن، والاخبار الآتية تدل عليه، وإلا فكذلك أيضا، سواء بلغ مجموع المادة والحوض كرا أولا، وسواء تساوى سطحاهما الظاهران أو اختلفا بالانحدار أو غيره، على الاقوى، وفاقا لظاهر الشيخ في النهاية، والحلي، والمعتبر، والنافع، والشرائع (2)، ومال إليه طائفة من المتأخرين (3)، ونسبه بعضهم إلى الاكثر (4)، للاصل، والاستصحاب، وعمومات طهارة الماء (5). ورواية ابن الفضيل (6) المتقدمة في الجاري.


(1) في " ح " و " ق ": ما في. (2) النهاية: 5، السرائر 1: 90، المعتبر 1: 42، النافع 1: 2، الشرائع 1: 12. (3) منهم الشيخ البهائي في الحبل المتين: 115، والمحدث الكاشاني في الوافي 4: 9، والمحقق السبزواري في الذخيرة: 120. (4) لم نجد هذه النسبة. والموجود في كلام المالك 1: 3 والحبل المتين نسبة الاشتراط إلى الاكئر فلاحظ. (5) الوسائل 1: 133 أبواب الماء المطلق ب 1. (6) كذا في النسخ وهو غير صحيح فإنه بم تتقدم في الماء الجاري رواية بهذا العنوان نعم تقدمت رواية الفضيل. وقد ناقش المصنف في دلالتها مضافا إلى كونها اجنبية عن ماء الحمام والتي يناسب الاستدلال بها هي رواية حنان المتقدمة في ذاك البحث فراجع ص 24.

[ 32 ]

وخصوص المستفيضة كصحيحة ابن سرحان: ما تقول في ماء الحمام ؟ قال: " هو بمنزلة (الماء، الجاري " (1). ورواية بكر بن حبيب: " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة " (2). والمروي في قرب الاسناد: " ماء الحمام لا ينجسه شئ " (3). والرضوي: " ماء الحمام سبيله سبيل (الماء) (4) الجاري إذا كانت له مادة " (5). وحمل هذه الاخبار على ما كانت مادته كثيرة، لانه الغالب المتعارف (6)، مردود: بمنع ثبوت الغلبة في عهدهم. ولو سلمت، فإنما هي حين كونها مملوة، وبعد جريانها إلى الحوض يقل آنا فآنا حتي يصير أقل من الكر، فلا تكون الكثرة غالبة في جميع الاوقات خلافا للمحكي عن الأكثر (7)، فقالوا بالانفعال في الصورتين كأكثرهم، أو الثانية خاصة كطائفة (8) منهم: والدي العلامة رحمه الله. لصحيحة محمد: عن ماء الحمام، قال: " ادخله بإزار ولا تغتسل من ماء آخر، إلا أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله، فلا يدري فيه جنب أم لا " (9).


(1) التهذيب 1: 378 / 170، الوسائل 1: 148 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1، وما بين المعقوفين من المصدر. (2) الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 2، التهذيب 1: 378 / 1168، الوسائل 1: 149 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 4. (3) قرب الاسناد: 309 / 1205، الوسائل 1: 150، أبواب الماء المطلق ب 7 ح 8. (4) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر. (5) فقه الرضا: 86، المستدرك 1: 149 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 2. (6) المدارك 1: 34، مشارق الشموس: 209. (7) حكاه في المسالك 1: 3 عن الأكثر، وفي الذخيرة: 121 عن المشهور، وفي المدارك 1: 34 عن أكثر المتأخرين. (8) منهم صاحب الروض: 137، ب المدارك 1: 35 فإنه رجح أخيرا الاكتفاء بكون المجموع كرا وإن اختار في صدر كلامه اعتبار الكرية في المادة. (9) التهذيب 1: 379 / 1175، الوسائل 1: 149 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 5.

[ 33 ]

ورواية علي: عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام، قال: " إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا أن يغتسل وحده عل الحوض فيغسله ثم يغتسل " (1). ولعموم أدنة ننخس التليل (2) الصاحق مل الحوض، لعدم ائحارر مع المالة عرفا. ولان المادة الناقصة عن الكر كالعلم، خرج من مجموع ذلك ما كان مادته كرا عند الأكثر بالروايات المتقدمة من جهة ظهورها في ذلك كما مر، وما كان المجموع كرا عند الآخرين، بروايات الكر (3) الشاملة لذلك، إما لعدم اعتبار الوحدة أو لصدقها. و يضعف الاول: بعدم الدلالة على النجاسة، لعلم صراحته في نجاسة بدن الجنب، وعدم العلم باستناد النهي إلى تنجسه بها لو كانت، مع أن آخر الرواية لا يلائم حمل النهى على الحرمة، بل لا قطع بكونه نهيا، لاحتمال النفي، وهو لا يفيد أزيد من الاستحباب. وبه يضعف الثاني. مضافا إلى معارضتهما مع ما هو أخص منهما مما يشتمل على ذكر المادة مما تقدم من أخبار الحمام، فيخصصان به. بل معارضتهما مع ما لا يشتمل عليه أيضا تكفي في الرجوع إلى الاصل وترجيح الطهاره بل مع بعض عمومات طهارة الماء المتقدمة (4) بالتقريب المتقدم. ومنه يظهر ضعف الثالث أيضا. مضافا إلى صراحة الأكثر أخبار انفعال القليل بغير ماء الحمام، وإلى منع عدم


(1) التهذيب 1: 223 / 640، الوسائل 3: 421، ابواب النجاسات ب 14 ح 9. (2) راجع ص 36 - 40. (3) الوسائل 1: 158 أبواب الماء المطلق ب 9. (4) عمومات طهارة ماء المطر وعمومات طهارة مطلق الماء (منه رحمه الله تعالى).

[ 34 ]

الاتحاد مع كرية المجموع. والرابع: بالمنع. ثم إن منهم من اعتبر مع كرية المادة أو المجموع تساوي السطحين (1)، ومنهم من اعتبره أو كون اختلافهما بالانحدار. وهو مبني على ما يأتي من الاختلاف في اعتبار تساوي سطوح الكر وعدمه، وستعرف عدم اعتباره. المسألة الثانية: لو تنجس الحوض بالتغير أو بعد انقطاعه عن المادة، فلا خلاف في طهره بما يطهر به غيره، ولا فيه بوصله إلى المادة، وزوال تغيره إن كان. وتدل عليه رواية ابن أبي يعفور: ماء الحمام يغتسل منه الجنب واليهودي والنصراني ؟ فقال: " إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (2). ويؤيده (3): جعله بمنزلة الحاري في جملة الاخبار (2). وإنما الخلاف في اشتراط الممازجة وكرية المادة. والحق في الاول: الاشتراط، لما مر، وفي الثاني: العدم، لاطلاق الرواية، إلا أن يثبت على اشراطها الاجماع، كما ادعاه والدي العلامة في اللوامع، ونفى بعضهم الخلاف فيه (5). ومنهم من شرط زيادتها على الكر بمقدار ما يحصل به الممازجة، أو بمقدار الماء المنحدر (6). وإطلاق الرواية يدفعه.


(1) اعتبره في الروض: 137، وجامع المقاصد 1: 112. (2) الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 1، الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 7. (3) وجعله مؤيدا بناء على منع عموم المنزلة فيحتمل أن يكون في عدم قبول النجاسة (منه رحمه الله تعالى). (4) راجع الوسائل 1: 148 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1. (5) الرياض 1: 4. (6) جامع المقاصد 1: 113، راجع الحدائق 1: 211.

[ 35 ]

الفصل الخامس: في الواقف وهو إما قليل أو كر، فهاهنا بحثان: البحث الاول: في القليل وفيه ثلاث مسائل: المسألة الاولى: في نجاسته وعدمها بالملاقاة أقوال: النجاسة مطلقا إلا ما استثنى، ذهب إليه جماعة (1). وعدمها كذلك، قال به العماني (2) وتبعه بعض المتأخرين (3). والتفصيل بالاول في غير ما لا يدركه الطرف من النجاسات، والثاني فيه مطلقا عن المبسوط (4)، ومن الدم خاصة عن الاستبصار (5)، ويشعر به: كلام النافع في بحث الاسآر (6). وبالاول فيما وردت عليه النجاسة، والثاني في عكسه، اختاره في الناصريات والحلي (7) مدعيا عليه الاجماع ظاهرا، وصاحب المعالم (8)، واستوجهه في المدارك (9)، واستحسنه في الذخيرة في هذه المسألة، وجعله الاقرب في مسألة الغسالة (10)، ونسبه في بحث ماء المطر من الحدائق إلى جملة من الاصحاب،


(1) ذهب إليه في الخلاف 1: 194، المعتبر 1: 48، التذكرة 1: 3. (2) حكاه عنه في المختلف: 2. (3) المحدث الكاشاني في الوافي 6: 19، المفاتح 1: 81. (4) المبسوط 1: 7. (5) الاستبصار 1، 23. (6) النافع: 4. (7) الناصريات (الجوامع الفقهية): 179، السرائر 1: 181. (8) المعالم: 123. (9) المدارك 1: 40. (10) الذخيرة: 125، 143.

[ 36 ]

وجعله الظاهر من الاخبار وإن تردد في بحث القليل (1)، ومال إليه بعض معاصرينا. وهو الحق. لنا على النجاسة فيما وردت عليه - بعد الاجماع المحقق والمنقول في الناصريات (2) والانتصار (3) والخلاف (4) واللوامع والمعتمد وغيرها (5) صريحا، والامالي (6) ظاهرا -: المستفيضة من الصحاح وغيرها، (بل) (7) المتواترة معنى الواردة في موارد مختلفة. منها: روايات الكر، كصحاح محمد (8)، وابن عمار (9)، وزرارة (10)، وحسنته (11)، ومرسلة ابن المغيرة (12)، المصرحة بأنه إذا كان الماء قدر كر - كالاوليين - أو أكثر من راوية - كالثانيتين - أو قدر قلتين (13) - كالخامسة - لم


(1) الحدائق 1: 220، 329. (2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 178. (3) الانتصار: 9. (4) الخلاف 1: 194. (5) المختلف: 2، المدارك 1: 38. (6) الامالي للصدوق: 514. المجلس: 93 فإن الصدوق عد من دين الامامية أن الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ. (7) لا توجد في " ق ". (8) الكافي 3: 2 الطهارة ب 2 ح 2، الفقيه 1: 8 / 12، التهذيب 1: 39 / 107، الاستبصار 1: 6 / 1، الوسائل 1: 158 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1. (9) التهذيب 1: 40 / 108، الاستبصار 1: 6 / 2، الوسائل 1: 158 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 2. (10) الكافي 3: 2 الطهارة ب 2 ح 3، التهذيب 1: 42 / 117، الاستبصار 1: 6 / 4، الوسائل 1: 140 أبواب الماء المطلق ب 3 ملحق ح 9. (11) التهذيب 1: 412 / 1298، الوسائل 1: 140 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 9. (12) الفقيه 1: 6 / 3، التهذيب 1: 415 / 1309، الوسائل 1: 166 أبواب الماء المطلق ب 10 ح 8. (13) القلة: إناء للعرب كالجرة الكبيرة شبه الحب والجمع قلال. قال أبو عبيد: القلة: حب كبير. المصباح المنير: 514.

[ 37 ]

ينجسه شئ. ومنع حجية المفهوم ضعيف، وكون الشئ في المفهوم مثبتا لا يضر، لاختصاصه بغير المغير، كما مر، ويتم المطلوب بالاجماع المركب. ومنع ثبوت الحقيقة الشرعية في النجاسة يدفعه. الحدس والوجدان، مضافا إلى فهم الاصحاب، مع عدم ملائمة المعنى اللغوى - وهو الحالة الموجبة لتنفر الطباع - للارادة هنا، لحصوله للكر أيضا كثيرا مع عدم التغير، وعدم اختلافه بمجرد نقصان قطرة أو ازديادها، وعدم كون بيان ذلك من وظيفة الشارع. ومنها: روايات سؤر نجس العين، أو ما في منقار قذر أو دم. فمن الاولى: صحيحة البقباق: عن فضل الهرة والشاة - إلى أن قال - حق انتهيت إلى الكلب فقال: " رجس نجس، لا تتوضأ بفضله واصبب فذ لك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (1). ورواية أبي بصير: " ولا تشرب من سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا " (2). وصحيحة محمد: عن الكلب يشرب من الاناء، قال: " اغسل الاناء " (3). وتقرب منهما معني روايتا حريز (4) وابن شريح (5).


(1) التهذيب 1: 225 / 646، الاستبصار 1: 19 / 40، الوسائل 1: 226 أبواب الاسآر ب 1 ح 4. (2) التهذيب 1: 226 / 650، الاستبصار 1: 20 / 44، الوسائل 1: 226 أبواب الاسآر ب 1 ح 7. (3) التهذيب 1: 225 / 644، الاستبصار 1: 1 8 / 39، الوسائل 1: 225 أبواب الاسآرب 1 ح 3. (4) التهذيب 1: 225 / 564 الوسائل 1: 226 أبواب الاسآرب 1 ح 5. (5) التهذيب 1: 225 / 647، الاستبصار 1: 19 / 41، الوسائل 1: 226 أبواب الاسآر ب 1 ح 6.

[ 38 ]

وصحيحة علي: عن خنزير شرب من الاناء، كيف يصنع به ؟ قال: " يغسل ثلاث مرات، (6). ورواية الاعرج: عن سؤر اليهودي والنصراني، قال: " لا " (2). وإطلاق الكل يدفع ما أورد (3) من الاحتمالات. ومن الثانية: موثقتا الساباطي، إحداهما: عن ماء شربت منه الدجاجة، قال: " إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب " (4) وقريب منها الاخرى (5). وحملهما على المتغير غير ممكن، لعدم صلاحية ما في المنقار له. ومنها: الواردة في اليد القذرة تدخل في الاناء، كصحيحة البزنطي: عن الرجل يدخل يده في الاناء (وهي قذرة) قال: " يكفى الاناء " (6). وموثقتي سماعة، إحداهما: " وإن كان أصابته جنابة، فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شئ من المني، وإن كان أصاب يده فادخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله " (7). والاخرى: " إذا أصابت الرجل جنابة، فأدخل يده في الاناء، فلا بأس إن


(1) التهذيب 1: 261 / 760، الوسائل 1: 225 أبواب الاسآرب 1 ح 2: الا أن فيهما " سبع مرات). (2) الكافي 3: 11 أبواب الطهارة ب 7 ح 5، التهذيب 1: 223 / 638، الوسائل 1: 229 أبواب الاسآرب 3 ح 1. (3) في " ق " ورد. (4) الفقيه 1: 10 / 18، التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآرب 4 ح 3. (5) والاخرى عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب - إلى أن قال -: وإذا رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب (منه ره)، الكافي 3: 9 أبواب الطهارة ب 6 ح 5، التهذيب 1: 228 / 660، الوسائل 1: 230 أبواب الاسآرب 4 ح 2. (6) التهذيب 1: 39 / 105، الوسائل 1: 153 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 7 وما بين المعقوفين من المصدر. (7) التهذيب 1: 38 / 102، الوسائل 1: 154 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 10.

[ 39 ]

لم يكن أصاب يده شئ من المنى " (1). دلت بالمفهوم على وجود البأس - الذي هو العذاب أو الشدة - إن أصاب يده المنى. وروايتي أبي بصير، إحداهما: عن الجنب يحمل الركوة أو التور (2) فيدخل إصبعه فيه، فقال: " إن كانت يده قذرة فأهرقه " (3). والاخرى: " إن أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فإذا أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فأهرق ذلك " (4). وحسنة ابن عبد ربه. في الجنب يغمس يده في الاناء قبل أن يغسلها، أنه: " لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شئ " (5). أو في ماء وقع فيه دم أو قذر كصحيحة علي: عن رجل رعف وهو يتوضأ فقطر قطرة في إناه، هل يصلح الوضؤ منه ؟ قال: " لا " (6). وموثقتي الساباطي (7) وسماعة (8): عن رجل معه إناءان وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيرهما، قال: " يهريقهما جميعا ويتيمم ".


(1) التهذيب 1: 37 / 99، الاستبصار 1: 20 / 47، الوسائل 1: 153 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 9. (2) الركوة: دلو صغيرة. المصباح المنير: 238. التور: إناء صغير من صفر أو حجارة كالاجانة، تشرب العرب فيه وقد تتوضأ منه. لسان العرب 4: 96. (3) التهذيب 1: 37 / 100 و 229 / 661، الوسائل 1: 154 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 11. (4) الكافي 3: 11 الطهارة ب 8 ح 1، الوسائل 1: 152 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 4. (5) الكافي 3: 11 الطهارة ب 8 ح 3، الوسائل 1: 152 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 3. (6) الكافي 3: 74 الطهارة ب 46 ح 16، الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1. (7) التهذيب 1: 248 / 712، الوسائل 1: 155 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 14. (8) الكافي 3: 10 الطهارة ب 6 ح 6، التهذيب 1: 249 / 713، الوسائل 1: 151 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 2.

[ 40 ]

ورواية الاعرج: عن الجرة (1) تسع مائة رطل يقع فيها أوقية من دم، أشرب منه وأتوضأ ؟ قال: " لا " (2). ورواية علي المروية في المسائل: عن حب ماء فيه ألف رطل وقع فيه أوقية لا (3) بول، هل يصلح شربه أو الوضؤ منه ؟ قال: " لا يصلح " (5). أو في ماء، دخلت فيه الدجاجة الواطئة للعذرة، كرواية علي المتقدمة في الجارى (5). أو لاقى النبيذ، أو المسكر، كرراية أبي بصير: في النبيذ " ما يبل الميل، ينجس حبا من ماء " (6). ورواية ابن حنظلة: في المسكرء " ولا قطرت قطرة في حب إلا اهريق ذلك الماء " (7). أو في القليل الذي ماتت فيه فأرة كموثقة الساباطي: عن الرجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا، أو غسل منه واغتسل منه، وقد كانت الفارة متسلخة، فقال: " إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، يغسل كل ما أصابه ذلك الماء، ويعيد الوضؤ والصلاة " (8).


(1) الجرة: إناء من خزف والجمع جر وجرار. لسان العرب 4: 131. (2) التهذيب 3: 418 / 1320، الاستبصار 1: 23 / 56، الوسائل 1: 153 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 8. بتفاوت. (3) الاوقية: ما يعادل أربعين درهما. المصباح المنير: 669. وفي الصحاح 6: 2528: وكذلك كان فيما مضي فأما اليوم فيما يتعارفها الناس... فالاوقية عندهم وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع الدرهم. (4) مسائل على بن جعفر: 197 / 420، الوسائل 1: 156 أبواب الماء المطلق ب 168. (5) ص 23. (6) الكافي 6: 413، الاشربة ب 23 ح 1 الوسائل 3: 47، أبواب النجاسات ب 38 ح 6. (7) الكافي 6: 410، الاشربة ب 21 ح 15، التهذيب 9: 112 / 485، الوسائل 25: 341 أبواب الاشربة المحرمة ب 18 ح 1 مع اختلات يسير في الالفاظ. (8) الفقيه 1: 14 / 26، التهذيب 1: 418 / 1322، الوسائل 1: 142 أبواب الماء المطلق ب 4 =

[ 41 ]

ورواية ابن حديد، وفيها: فاستقى غلام أبي عبد الله عليه السلام دلوا. فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " أرقه " فاستقى آخر، فخرجت فيه فأرة فقال عليه السلام: " أرقه " (1). إلى غير ذلك من الموارد التى بقف عليها المتتبع. وقد جمع منها بعض الاصحاب مائتي حديث (2)، ودلالة كل منها على الانفعال بجميع النجاسات، مطلقا، أو بضيمة عدم الفصل، كدلالة المجموع عليه، ودلالة كثيرة منها على الانفعال بكل قذر من القذر بالاطلاق ظاهرة. والايراد على الكل: بإمكان الحمل على المتغير، أو على الكراهة، وعلى ما فيه لفظ القذر: بإمكان الحمل على اللغوي، مردود. فالاول: بالاطلاق، مضافا إلى عدم إمكانه إلا في قليل، فإن التغير بشرب الحيوان، أو بما في المنقار، أو اليد، أو الاصبع، سيما البول، أو المني، أو بقطرة من المسكر، أو بما يبله الميل منه، غير معقول، كاشتباه ما تغير بغيره، أو عدم حصول العلم بوقوع الفأرة لو تغير. والثاني: بكونه مجازا مخالفا للاصل في الاكثر، مع كونه إحداث ثالث، كما صرح به والدي - رحمه الله - في اللوامع. مضافا إلى امتناعه في بعضها، كموثقتى الساباطي الاخيرتين (3). والثالث: بمنافاته للنهي عن الاستعمال، سيما مع الامر بالتيتم. لنا على الطهارة في الوارد على النجاسة - بعد الاصل، والاستصحاب


= ح 1. (1) التهذيب 1: 239 / 693، الاستبصار 1: 40 / 112، الوسائل 1: 174 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 14. (2) هكذا نقل في الرياض 1: 5 من بعض الاصحاب ولم نعثر علبه. (3) تقدمتا ص 38.

[ 42 ]

المؤيدين بالاجماع المنقول عن الحلي (1)، السالمين عن المعارض -: عمومات طهارة الماء (2) بأنواعها المتقدمة وإطلاقاتها، الخالية عن المخصص والمقيد، لاختصاص أدلة انفعال القليل - كما مر - بورود النجاسة. ويؤيدها: أخبار طهارة ماء الاستنجاء (3). ورواية غسل (4) الثوب النجس في المركن (5)، وموارد التطهير (6) والغسالات. استدل القائلون بالنجاسة مطلقا أما فيما وردت النجاسة فيما تقدم، وهو كذلك. وأما في عكسه: فبمفهوم روايات الكر (7). وإطلاق " ما يبل الميل ينجس حبا " (8). وحديث استقاء غلام أبي عبد الله عليه السلام المتقدم (9). وما ورد بعد السؤال عن ذن (10) يكون فيه خمر أو إبريق كذلك، هل يصلح أن يكون فيه الخل أو الماء أو غيره ؟: " أنه إذا غسل لا بأس " (11). وما تقدم في ماء الغيث (2)، من المفاهيم المشبتة للبأس فيه، إذا لم يجر على


(1) السرائر 1: 181. (2) راجع ص 11 - 12. (3) الوسائل 3: 551 أبواب النجاسات ب 60. (4) التهذيب 1: 250 / 717، الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 2 ح 1. (5) المركن: الإجانة التي يغسل فيها الثياب. (6) في " ه‍ " و " ح ": التطهر. (7) الوسائل 1: 158 أبواب الماء المطلق ب 9. (8) الوسائل 3: 47 أبواب النجاسات ب 38 ح 6. (9) ص 41. (10) الدن: كهيئة الحب أنه أطول منه وأوسع رأسا والجمع دنان. المصباح المنير: 201. (11) الكافي 6: 427 الاشربة ب 33 ح 1، التهذيب 1: 283 / 830، الوسائل 3: 494، أبواب النجاسات ب 51 ح 1. (12) ص 26.

[ 43 ]

القذر مع كونه واردا. وتمام المطلوب يثبت بالاولوية، أو عدم الفصل. ورواية ابن سنان: " الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ به وأشباهه " (1). ورواية العيص المروية في طائفة من كتب الاصحاب مثل الخلاف والمعتبر والمنتهى: عن رجل أصابته قطرة من طست فيه وضوء، فقال: " إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه " (2). والروايات الآتية (3) الناهية عن الغسل بغسالة الحمام، معللة: بأنه يغتسل فيه الجنب وولد الزنا والناصب ومن الزنا. وفي بعضها المروي في العلل: " اليهودي وأخواه " (5). وبأن السبب في الانفعال ملاقاة النجاسة، وقابلية القليل من حيث القلة، ولا مدخلية للورود وعدمه. وبأن (5) أخبار النجاسة وإن كانت خاصة إلا أنه لخصوصية السؤال وهي لا تخصص. وبكونه مشهورا عند الاصحاب. والجواب عن الاولى: أن المفهوم لا يدل الا على التنجس ببعض ما من شأنه التنجيس، فيمكن أن يكون النجاسة الواردة، ولا يمكن التتميم بعدم الفصل، لوجوده. وأيضا. المراد بتنجيسه له ليس فعليته، بل معناه أن من شأنه التنجيس،


(1) التهذيب 1: 221 / 630، الاستبصار 1: 27 / 71، الوسائل 1: 215 أبواب الماء المضاف ب 9 ح 13. (2) الخلاف 1: 179، المعتبر 1: 90، المنتهى 1: 24. (3) في ص 108، وانظر الوسائل 1: 218 أبواب الماء المضاف ب 11. (4) علل الشرائع: 292 / 1، الوسائل 1: 220 أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5. (5) هذا الاستدلال يظهر من الحدائق (منه ره).

[ 44 ]

بوقوع ارتباط بينهما وقرب خاص، ولا دلالة لذلك على التنجيس بمطلق الملاقاة فيكتفى بالمتيقن. هذا، مع أن بعد تسليم الدلالة يعارض مع بعض عمومات الطهارة (1) بالعموم من وجه، لتخصيصها بالقليل الوارد عليه النجاسة بما مر قطعا، فيرجع إلى الاصل. ومن هذا وسابقه يظهر الجواب عن الثاني أيضا. وعن الثالث: منع شموله لورود الماء، بل الظاهر دخول الفأر في الدلو بعد شئ من الماء، أو ينفصلان من البئر معا، فتختص الرواية بما انتفى الورود من الطرفين، ويأتي حكمه. ولو سلم الشمول فيحصل التعارض المذكور، ويجاب بما مر. وعن الرابع: أن إثبات نوع من البأس - كما هو مقتضي المفهوم - لا يثبت النجاسة، لجواز أن يكون هو عدم الصلاحية لرفع الحدث، فإن ما يغسل الخبث لا يرفعه، كما يأتي. وهو الجواب عن الخامس، مع عدم عمل الأكثر المخالفين به، كما مر، ومعارضته مع ما مر، وعدم صلاحيته لاثبات النجاسة، كما تقدم في بحث ماء الغيث (2). ومما مر من عدم ارتفاع الحدث برافع الخبث، يظهر الجواب عن السادس أيضا، زيادة على أنه لا إشعار فيه بملاقاة الماء للنجاسة، إلا أن يضم معه الاجماع على جواز الوضوء مما يغسل به الطاهر. وعن السابع: بأنه لا يثبت أزيد من رجحان الغسل، مع أن الوضوء أعم من الوارد، فقاعدة التعارض المذكور جارية.


(1) المتقدمة ص 11 - 12. (2) ص 27.

[ 45 ]

وعن الثامن: مع معارضته لاخبار اخر منافية له، كما يأتي (1) في بحث غسالة الحمام، أن النهي عن الاغتسال بل عن مطلق الاستعمال - كما قيل (2) - أعم من النجاسة، ولو ثبت يمكن أن يكون تعبديا أيضا، لا لاجل الملاقاة للنجس، ولذا حكم أكثر القائلين (3) بنجاسة غسالة الحمام بها، ما لم يعلم خلوها عن النجاسة الشامل لعدم العلم بالملاقاة أيضا. هذا، مضافا إلي خلو أكثر هذه الاخبار عن ملاقاة الماء للنجس، وهذا أيضا يؤكد التعبد به لوثبتت (4) النجاسة. وعن التاسع: بالمنع، يؤكده استثناء ماء الاستنجاء. - وعن العاشر: بمنع عموم الجواب، مع خلو البعض عن تقديم السؤال. وعن الاخير: بمنع الشهرة إن لم ندعها على الخلاف، كيف والماء الوارد هو الغسالة غالبا ! والمشهور بين الطبقتين: الاولى والثالثة، طهارتها مطلقا، مع أن الشهرة للحجية غير صالحة. للعماني - بعد الاصل والاستصحاب والعمومات - خبر ابن ميسر المتقدم (5)، وصحيحة علي: عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال: " لا، إلا أن يضطر إليه " (6). والنهي يقيده بالقليل وموثقة عمار: عن الرجل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنه


(1) في ص 106. (2) الحدائق 1: 497. (3) منهم الشيخ في النهاية: 5، والمحقق في النافع 5 والعلامة في التذكرة 1: 5. (4) في " ق ": ولو تثبت. (5) ص 20. (6) التهذيب 1: 223 / 640، البحار 10: 278، الوسائل 3: 421، أبواب النجاسات ب 14 ح 9.

[ 46 ]

يهودي، فقال: " نعم " فقلت: من ذلك الماء الذي شرب منه ؟ قال: " نعم " (1). وصحيحة زرارة: عن الحبل يكون من شعر الخنزير، يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء ؟ قال: " لا بأس " (2). وروايته: عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقي به الماء، قال: " لا بأس " (3) ورواية بكار: الرجل يضع الكوز الذي يغرف به من الحب في مكان قذر ثم يدخله الحب، قال: " يصب من الماء ثلاث أكف ثم يدلك الكوز " (4). ورواية عمر بن يزيد: أغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ماء ينزو من الارض، فقال: " لا بأس به " (5). ومرسلة الوشاء: " أنه كره سؤر اليهودي والنصراني " (1) وغير ذلك. وأنه لو انفعل القليل، لاستحال إزالة الخبث به، والانفعال بعد الانفصال غير معقول، لاستلزامه تأثير العلة بعد عدمها، مع عدمه حين وجودها. والجواب: أما عن الثلاثة الاولى: فظاهر. وكذا عن الرابع، لالتحاقه بالعمومات لشموله للجاري، بل لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية في القليل أيضا. وأما عن بواقي الروايات: فبجواز أن يراد من الاضطرار ما توجبه التقية في الصحيحة الاولى، بل هو معنى الاضطرار إلى التوضؤ منه، وأما حال انحصار


(1) التهذيب 1: 223 / 641، الاستبصار 1: 18 / 38، الوسائل 1: 229 أبواب الاسآرب 3 ح 3. (2) الكافي 3: 6 الطهارة ب 4 ح 10، التهذيب 1: 409 / 1289، الوسائل 1: 170 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 2. (3) التهذيب 1: 413 / 1301، الفقيه 9 / 14 مرسلا، الوسائل 1: 175 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 16. (4) الكافي 3: 12 الطهارة ب 8 ح 6، الوسائل 1: 164 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 17. (5) الكافي 3: 14 الطهارة ب 9 ح 8، الوسائل 1: 159 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 7. (6) الكافي 3: 11 الطهارة ب 7 ح 6، التهذيب 1: 223 / 639، الاستبصار 1: 18 / 37، الوسائل 1: 229 أبواب الاسآر ب 3 ح 2.

[ 47 ]

الماء فهو ليس اضطرارا إلى الوضوء أو الماء، لامكان التيمم، مضافا إلى احتمال التقية. وهو الجواب عن الموثقة، مع إمكان إرادة ما إذا ظن أنه يهودي ولا يعلم، بل هو الظاهر من قوله. " على أنه " إلى آخره. وباحتمال رجوع الاشارة إلى ماء البئر لون المستقى في صحيحة زرارة، مع عدم دلالتها على ملاقاة الحبل لماء الدلو، أو المتقاطر منه عليه. وكون الاستقاء للزرع وشبهه في روايته. وبعدم دلالة رواية بكار على رطوبة أسفل الكوز، مع أن أمره بصب الماء عليه يمكن ان يكون لتطهيره. وعدم دلالة رواية عمر على نزو الماء من المكان النجس مع أنه وارد. وباحتمال إرادة الحرمة من الكراهة في المرسلة، لعدم - ثبوت الحقيقة الشرعية فيها، ويؤيدها ذكر ولد الزنا في الحديث أيضا. ثم مع تسليم دلالة الجميع ومعارضته لاخبار النجاسة، فالترجيح لها، لعدم حجيته، لمخالفته لشهرة القدماء (1)، ولمذهب رواته، بل للاجماع، مع كونه بين عام، وضعيف، وموافق لمذهب العامة (2). ومنه يظهر الجواب عن سائر الاخبار المناسبة للطهارة أيضا. وأما عن الاخير: فبأن التطهير بإيراد الماء وهو لا ينجس، مع أن الازالة بالمتنجس ممكنة، كحجر الاستنجاء. وقد ينتصر المخالف: بوجوه هينة سخافتها بينة. للشيخ على القولين (3): صحيحة علي: عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك


(1) راجع مفتاح الكرامة 1: 72. (2) كموثقة عمار وصحيحة زرارة بملاحظة تجويز التوضؤ أو الشرب من سؤر اليهودي، وجمهور العامة قائلون بطهارة أهل الكتاب راجع نيل الاوطار 1: 88، المغني 1: 98. (3) المتقدمين ص: 35 رقم 4، 5.

[ 48 ]

الدم قطعا صغارا فاصاب إناه، هل يصلح الوضوء منه ؟ قال: " إن لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وإن كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه " (1) بضميمة تنقيح المناط للأول. وعدم إمكان التحرز منه. وكون تعميم أخبار انفعال القليل بالاجماع المركب المنفي هنا. ويضعف الاول - مع مخالفته للشهرتين - باحتمال كون " يستبين " خبرا لا صفة، ويؤيده زيادة لفظة " في الماء " فيكون نفي البأس للبناء على يقين الطهارة. وتأييد كونه صفة بقوله: " شيئا بينا " معارض - مع ما مر - بظهور كون " إن لم يكن " ناقصة بقرينة " إن كان ". على أنها أيضا لا تفيد، لجواز استناد نفي البأس إلى أصالة عدم الوصول، حيث إن المعلوم عادة عدم حصول العلم بوقوع ما لا يستبين غالبا. والثاني: بالمنع. والثالث: بعموم كثير مما تقدم. فروع. أ: ورود الماء وعكسه أعم من أن يكون من الفوق، أو التحت، أو أحد الجانبين، للاصل في الاول، وإطلاق طائفة من الاخبار (2) في الناني. ب: لو تواردا، فالظاهر النجاسة، لوجود المقتضي وهو ورود النجاسة (3) ج: ظاهر كلام الحلي، والسيد (1)، ومقتضى الادلة عموم الحكم بالطهارة


(1) الكافي 3: 74 الطهارة ب 46 ح 16، التهذيب 1: 412 / 1299، الاستبصار 1: 23 / 57، الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1. (2) أي الاخبار الدالة على انفعال القليل بورود النجاسة عليه. (3) فرع: لوررد الماء على مائع نجس فامتزجا فالظاهر النجاسة لعدم قول بطهارة النجس حينئذ، ولا باختلاف حكم الممتزجين. مع أن مثل ذلك لا ينفك عن ورود النجاسة على الماء ولو عن الاسفل على بعضه (منه رحمه الله). (4) السرائر 1: 181، الناصريات (الجوامع الفقهية): 179.

[ 49 ]

في كل ماء وارد، سواء كان غاسلا لمتنجس، أو راجعا ومترشحا من نجس، أو مستدخلا فيما فيه نجاسة، أو واردا على ما لا يقبل التطهير. وهو كذلك، إلا أن الاول (1) صرح بنجاسة الثاني، وهو للاحتياط موافق. د: لو تلاقيا من غير ورود لاحدهما، كما إذا وصل بين ماءين أحدهما نجس بانبوية، وأزيل ما بينهما من مائع الملاقاة، أو وقع ذو نفس في ماء فمات، أو اخذ من كثير قليل مع ما فيه من النجاسة دفعة، أوصار الكثير الذي فيه عين نجاسة غير مغيرة أقل من الكر، فظاهر الأكثر التنجس وهو كذلك، لرواية ابن حديد (2)، لظهور أن انفصال ماء الدلو والفأرة عن ماء البئر، لا يكون إلا معا، وهي وإن اختصت ببعض الصور، إلا أن التعميم بعدم الفصل. وأما الموثقة المتقدمة عليها (3)، فهي وإن عمت المورد من جهة ترك الاستفصال: إلا أن العموم هنا غير مفيد، لما مر غير مرة. المسألة الثانية: لا خلاف في سراية النجاسة من الاعلى، وكل تسري إليه ؟ صرح في المدارك (4)، واللوامع بالعدم مدعيين عليه الاجماع، وهو ظاهر بعض آخر أيضا، ولم أعثر على مصرح ممن تقدم على الاول. والقول الفصل: أن علو بعض الماء إما أن يكون في العلو بالهواء، كالمتسنم (5) من الميزاب. أو في الارض، كالمنحدر في المنحدرة منها. أو في لإنا، إما بكونه في إناءين مختلفين سطحا اتصل أحدهما بالآخر من أسفله، أو في إناء فيكون جزء أعلى وجز أسفل.


(1) السرائر 1: 181 صرح بنجاسة الغسلة الاولى من الولوغ. (2) المتقدمة ص 41. (3) ص 40. (4) المدارك 1: 45. (5) سنم الشئ: رفعه. وسنم. الاناء. إذا ملأه حتى صار فوقه كالسنام. وسنم الشئ وتسنمه: علاه. وكل شئ علا شيئا فقد تسنمه. لسان العرب 12: 307.

[ 50 ]

فما كان من أحد الاولين - ولا يكون إلا مع الجريان - فلا سراية، للاجماع القطعي، بل الضرورة في الجملة، المعلومة من الطريقة المستمرة في التطهير (1)، ولان العالي فيهما جار ووارد، وقد عرفت عدم تنجسهما. وما كان من الأخير فالظاهر فيه السراية، مع عدم ورود الماء، لاطلاقات كثير من أخبار النجاسة (2)، وظهور حكايات الاجماع في الاولين. نعم للقائل بانصراف المطلق إلى الشائع الوجودي مطلقا، النظر في تلك الاطلاقات، ولكنه خلاف التحقيق. المسألة الثالثة: لا يطهر القليل النجس بإتمامه كرا ولو بالطاهر، وفاقا للاسكافي (3)، والشيخ (4)، والفاضلين (6)، والشهيدين (6)، وأكثر المتأخرين (7)، للاصل، والاستصحاب. خلافا للسيد، والحلبي (8)، وابن سعيد، والقاضي (9)، والديلمي، والكركي (10) مطلقا، ولابن حمزة (11) إن تم بالطاهر، للنبوي (12) المجمع على


(1) في " ه‍ " و " ق ": التطهر. (2) المتقدمة ص 36 إلى 41. (3) نقله عنه في المختلف: 3. (4) الخلاف 1: 194، المبسوط 1: 7. (5) المحقق في المعتبر 1: 51، والشرائع 1: 12، والعلامة في التذكرة 1: 4، والتحرير 1: 4، والمنتهى 1: 11. (6) الاول في الدروس 1: 118، والثاني في الروضة 1: 35. (7) منهم صاحبا المدارك 1: 41، والذخير ة: 125. (8) رسائل السيد المرتضى (المجموعة الاولى): 361، السرائر 1: 63. (9) الجامع للشرائع: 18، المهذب 1: 21. (10) المراسم: 21، جامع المقاصد 1: 134. (11) الوسيلة: 73. (12) عوالي اللآلي 1: 76 و 2: 16، المستدرك 1: 198 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 6.

[ 51 ]

صحتها عند الفريقين بشهادة الفرقين (1): " " إذا بلغ الماء كرالم يحمل خبثا ". ودعوى الاجماع من الحلي (2). والاول مندفع: بعدم الدلالة. والثانى: بعدم الحجية. وقد ينتصر لذلك: بوجوه اخر ضعفها ظاهر. * * *


(1 و 2) السرائر 1: 63.

[ 52 ]

البحث الثاني: في الكر وفيه مسائل: المسألة الاولى: لا ينفعل الكر بمجرد الملاقاة، وفاقا للمعظم، للاصل، والعمومات (1)، وخصوص ما تقدم من المستفيضة (2)، ومنها ما يمرح بعدم تنجس الحياض (3). خلافا للمفيد، والديلمي (4)، فخصاه بما عدا الحياض والاواني، ولظاهر النهاية (5)، فبغير الثاني، لعموم النهي عن استعمال مائه مع الملاقاة. وهو - مع كونه أخص من مدعى الاولين - مخصوص بالقليل بشاهد الحال. ولو سلم فمعارض بعموم ما دل في الكر على عدم الانفعال، فلو رجحناه بالكثرة وموافقة الشهرة، وظهور الدلالة، وإلا فالمرجع أصل الطهارة. مع أن ورود كلام المخالف مورد الغالب محتمل، كما فهمه الشيخ (6) من كلام أستاذه، وهو أعرف بمذهبه. ومما ذكر يظهر الجواب عن موثقة أبي بصير: عن كر ماء مررت به وأنا في سفرقد بال فيه حمار، أو بغل، أو إنسان، قال: " لا تتوضأ منه ولا تشرب " (7). مضافا إلى عدم صراحتها في النهي، ومعارضتها مع ما دل على طهارة بول الاولين.


(1) عمومات طهارة الماء المتقدمة في ص 11 (2) راجع ص 36. (3) التهذيب 1: 417 / 1317، الوسائل 1: 162 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 12. (4) المقنعة: 46، المراسم: 36. (5) النهاية: 5. (6) التهذيب 1: 218، لتوضيح الحال فيه راجع الحدائق 1: 226. (7) التهذيب 1: 40 / 110، الاستبصار 1: 8 / 8، الوسائل 1: 139 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 5.

[ 53 ]

وهل يشترط في عدم انفعاله تساوي سطوحه الظاهرة ؟ أم يكفي الاتصال مطلقا ؟ أو مع الانحدار خاصة دون التسنم ؟ أو في تقوي الاسفل بالاعلى دون العكس ؟ الاظهر الثاني، وهو صريح الروض (1) وظاهر الأكثر، كما فيه وفى اللوامع، للاصل، وعمومات طهارة الكر، السالمين عما يصلح للمعارضة، لعدم عموم في أكثر أدلة انفعال القليل، لاختصاصه بصور مخصوصة ليس المورد منها، وظهور ما لم يكن كذلك في غير ذلك. وجعل عمومات الكر مختصة بما لم يحتمل العهد، لعدم كون عمومها وضعيا، من حيث ورودها بلفظ المفرد المحلي، وتقدم السؤال عن الماء المجتمع عهد (2). مدفوع: بمنع عدم كون عموم المفرد وضعيا أولا، ومنع تقدم السؤال في الجميع ثانيا، ومنع كون المسؤول عنه متساوي السطوح ثالثا، وجريان مثله في طرف النجاسة فيختص بغير متصل بالكر وينفى في المتصل بالاصل رابعا. للاول - وهو لبعض المتأخرين (3) -: ظهور اعتبار الاجتماع في الماء، وصدق الوحدة والكثرة عليه من أكثر الاخبار المتضمنة لحكم الكر (4) اشتراطا أو كمية، وتطرق النظر إلى ذلك مع عدم المساواة. والجواب أولا: أن هذا الظهور ليس ظهورا بعنوان الاشتراط، وإنما هو ناش من كون المورد كذلك، وهو لا ينافي العموم. وثانيا. أن اللازم منه اعتبار صدق الاجتماع العرفي دون المساواة، فإنه ليس دائرا مدارها، بل قد يتحقق مع الاختلاف، كما قد ينتفي مع المساواة كالغديرين المتصلين بانبوبة ضيقة ممتدة.


(1) الروض: 135. (2) كما في المعالم: 12. (3) المعالم: 12. (4) الوسائل 1: 158، 164 أبواب الماء المطلق ب 9، 10.

[ 54 ]

ولأكثرية صور الانتفاء في الاول لا توجب اشتراط عدمه مع أنها ممنوعة. بيانه: أن الاختلاف إما لاجل وصل الغديرين المختلفين، أو التسنم، أو الانحدار. والمؤثر في الانتفاء - لو سلم - ليس إلا امتداد الثقبة الواصلة، أو ضيقها في الاول، وامتداد سطح الماء وبعد أوله عن آخره في الثانيين، لظهور أن أصل التسنم والانحدار لا يوجب نفي الوحدة، وكل من الامرين يجتمع مع التساوي أيضا، مع أن الجريان في الثانيين أيضا يمنع عن الانفعال. وقد يجاب (1) أيضا: بأن أخبار الكر كما دقت على اعتبار الوحدة منطوقا، فاعتبرت لاجله المساواة، كذلك دلت على اعتبارها مفهوما فيما نقص عنه، فيختص الانفعال بصورة الوحدة والاجتماع، فيكون المفروض خارجا عن عموم المنجسات، يبقى الاصل سليما عن المعارض. وفيه: أن مدلول المفهوم حينئذ أن الماء الواحد المجتمع الناقص ينفعل، ولا يضر فيه اتصاله بما يصير معه كرا لو لم يوجب كريته، وكانت الوحدة منفية معه. وللثالث: صدق الوحد ة والاجتماع مع الانحدار لون التسنم (2). وجوابه ظهر مما مر. وللرابع - وهو للتذكرة والذكرى والدورس والبيان وشرح القواعد (3) -: عدم تنجس الاعلى بنجاسة الاسفل فلا يطهر بطهره، إما لعدم معقولية التأثير فيه دونها، أو لدلالته عل عدم اتحاد هما في الحكم وعدم وحدتهما، أو لاستلزامه عدم اندراج مثل ذلك إذا كان قليلا في مفهوم روايات الكر، فلا يشمله منطوقها أيضا إذا كان كثيرا.


(1) كما في الرياض 1: 3. (2) كما في المدارك 1: 44 (3) التذكرة 1: 4، الذكرى: 9، الدروس 1: 121، البيان: 99، جامع المقاصد 1: 115.

[ 55 ]

والجواب: أن عدم المعقولية ممنوع. ودلالته على عدم الاتحاد في جميع الاحكام غير مسلمة، لامكان عدمه في البعض خاصة، وعدم السراية مع الوحدة لدليل آخر. وعدم تنجس الاعلى كلما (1) ثبت فإنما هو للتخصيص في المفاهيم، دون عدم الاندراج، على أنه يوجب عدم نجاسة الاسفل أيضا وعدم تقويه. والوجوه التى ذكروها للفرق ضعيفة جدا. وإذ عرفت كفاية الاتصال، فهل يشترط معه أن لا يكون باختلاف فاحش، كالصب من الجبل ولا بمثل أنبوبة ضتقة ممتدة، أم لا ؟ الظاهر الثاني، لعموم " إذا بلغ " وصدق الوحدة، ومنع ظهور اشتراط الاجتماع العرفي. وتردد في اللوامع، لما ذكر، ولوجوب الحمل على المتعارف. وفيه: منع التعارف، سيما بحيث يصلح لتخصيص العام وتقييد المطلق. المسألة الثانية: قد مر أنه يطهر - إذا تنجس - بالجاري مع زوال التغير به أو قبله، وبإلقاء كر عليه فكر حتى يزول إن كان باقيا، وإلا فكز مع اشتراط الامتزاج فيهما والمساواة، أو العلو في الاول والدفعة في الثاني. ويشترط فيه أيضا عدم تغير بعض الملقى ابتداء في الكر الاخير. ولا يطهر بزوال التغير من قبل نفسه أو الرياح، للاستصحاب لا لعموم أدلة نجاسة المتغير، لمنع التغير. ولا لدلالة النهي عن الوضوء والشرب على الدوام، لتقييده بما دام كونه متنجسا قطعا. خلافا لصاحب الجامع، واحتمله في النهاية (2)، للاصل، وانتفاء المعلول بانتفاء علته.


(9) في " ق ": كما. (2) الجامع للشرائع: 18، نهاية الاحكام 1: 258.

[ 56 ]

والاصل بما ذكر ساقط، وعلية التغير ممنوعة، وإنما هو أمارة. سلمناها ولكنه علة للحدوث، والبقاء معلول للاستصحاب. المسألة الثالثة: للاصحاب في معرفة الكر طريقان. أحدهما: الوزن، وهو ألف ومائتا رطل، للاجماع المحقق، والمنقول مستفيضا، وعذد الصدوق في أماليه من دين الامامية (1)، ومرسلة ابن أبي عمير: " الكر من الماء، الذي لا ينجسه شئ، ألف ومائتا رطل " (2). وإرسالها على أصلنا غير قادح، وكذا على غيره، للاجماع على تصحيح ما يصح عن مرسلها (3)، وشهادة جماعة بأنه لا يرسل إلا عن ثقة (4). مضافا إلى انجبارها بالعمل، بل في المعتبر: لا أعرف من الاصحاب وادا لها (5). ولا تنافيها صحيحة محمد (6)، ومرفوعة ابن المغيرة: " الكر ستمائة رطل " (7) (كما يأتي) (8). ولا الاخبار المقدرة له بحب مخصوص، أو قلتين أو أكثر من راوية،


(1) أمالى الصدوق: 514، (المجلس 93). (2) الكافي 3: 3 الطهارة ب 2 ح 6، التهذيب 1: 41 / 113، الاستبصار 1: 10 / 15، الوسائل 1: 167 أبواب الماء المطلق ب 11 ح 1. (3) كما ادعا. الكشي في رجاله 2: 830 راجع لتحقيق أصحاب الاجماع خاتمة المستدرك 3: 757 ومقدمة معجم الرجال: 59. (4) عده الاصول 1: 386، الذكرى: 4، النهاية للعلامة على ما حكى عنه في خاتمة المستدرك 3: 649. (5) المعتبر 1: 47. (6) التهذيب 1: 414 / 1308، الاستبصار 1: 11 / 17، الوسائل 1: 168 أبواب الماء المطلق ب 11 ح 3. (7) التهذيب 1: 43 / 119، الاستبصار 1: 11 / 16، الوسائل 1: 168 أبواب الماء المطلق ب 11 ح 2. (8) لا توجد في " ق ".

[ 57 ]

وما يشبهها (1))، لان منها ما يسعها، كما تشهد به رواية المسائل المتقدمة في القليل (2)، وقلال هجر (3)، بضميمة تفسير اللغويين كلا منها بما يقرب الآخر، فهي إما مطلقة، أو مجملة، فتحمل على المقيد أو المبين، مع أن الحمل على التقية ممكن. والارطال على الحق المشهور: عراقية، دون المدنية التي تزيد عليها بنصها، كما عن الفقيه، والسيد في المصباح، والانتصار، والناصريات (4). لا للاصل، والاستصحاب، وعمومات الطهارة (5)، وخصوص كل ماء طاهر (6)، وتعين الاخذ بالاقل عند الشك في الاكثر عند تعلق حكم بالكر، كوجوبه في بعض المنزوجات، والاحتياط في وجه، والاقربية إلى الاشبار، سيما على قول القميين (7)، وإلى الحب ومثله، والموافقة لعرف السائل (8). لان الاربعة الاولى مردودة: بأن غاية ما ثبت منها طهارة ما بلغ هذه الارطال بالعراقية لو لاقت نجاسة، لا كونه كرا، لانتفاء الملازمة، فيترتب عليه ما يتبع الطهارة كجواز الاستعمال، دون الكرية، كتطهير الكر أو القليل به. وحينئذ فيعارضها أصالة عدم المطهرية، واستصحاب نجاسة ما يراد تطهيره. وضم الاجماع المركب مع الطهارة لاثبات الكرية معارض بضمه مع عدم


(1) الوسائل 1: 137 أبواب الماء المطلق ب 3 وص 164 ب 10 وراجع ص 36 من الكتاب. (2) مسائل على بن جعفر: 197 / 420، الوسائل 1: 156 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 16 وتقدمت ص 40 رقم 4. (3) القلة، قال أبو عبيده: " القلة: حب كبير " هجر بفتحتين بلد بقرب المدينة... وهجر أيضا... من بلاد نجد، وفي تحديد قلال هجر اختلاف، راجع المصباح المنير: 541، 634. (4) الفقيه 1: 6، الانتصار: 8، الناصريات (الجوامع الفقهية) 178. (5) الوسائل 3: 466 أبواب النجاسات ب 37. (6) الوسائل 1: 133 أبواب الماء المطلن ب 1. (7) وهو أن الكر ما بلغ تكسيره بالاشيار سبعة وعشرين وسيأتي التعرض له في ص 60. (8) هذه وجوه استدل بها في الرياض 1: 5.

[ 58 ]

المطهرية لنفيها. على أنها إنما تفيد لو لم يشمل أدلة النجاسة مثل ذلك الماء، وشمول كثير من غير المفاهيم له لا شك فيه، فيسقط الاستدلال بها رأسا. والخامس: بمعارضته بأصالة بقاء البئر على الحالة السابقة على النزح. والسادس: بالمعارضة بالمثل مع عدم كونه دليلا. والسابع: بأن ما يفيد، هو القرب دون الاقربية، إذ الاختلاف بعدما كثر لا يختلف بالكثرة والقلة فيما يفيد هنا، مع أن أقربيته إلى ما هو المشهور بالمحسوس ممنوع، وكذا إلى الحب والقلتين فإنه قد حكي (1) أن من قلال هجرما يسع تسع قرب. والثامن: بمنع الحمل على عرف السائل إذا علم المخالفة وعلم المتكلم علمه - كما هو الظاهر في المورد - سيما إذا خالف عرف بلد السؤال، مع أن السائل هنا غير معلوم. بل للصحيحة والمرفوعة المتقدمتين (2)، لعدم إمكان حملهما على غير المكية الموافقة لضعفها من العراقية قطعا، لمخالفته الاجماع، فيتعين. وتجويز العاملي (3) حملهما على المدنية لقربهما من قول القميين في الاشبار مدفوع: بأن المراد مخالفة الاجماع في الارطال، مع أن القرب بدون الموافقة غير مفيد. ولان اجتماعهما مع المرسلة قرينة على إرادة المكية منهما كالعراقية منها. ويؤيده: الاشتهار، لا الشيوع في الاخبار كما قيل (4). ورواية الشن (5)


(1) لم نعثر عليه، نعم حكى في المعتبر 1: 45 عن ابن دريد أنه يسع خمس قرب. راجع الحدائق 1: 252، المصباح المنير: 514. (2) ص 56. (3) الروض: 140. (4) الرياض 1: 5. (5) الكافي 6: 416 الاشربه ب 24 ح 3، التهذيب 1: 220 / 629 /، الاستبصار 1: 16 / 29، =

[ 59 ]

معارضة بأكثر منها وأصح من أخبار (1) المد والصاع (2). ثم للمخالف: الاحتياط، وموافقة عرف البلد، واشتراط عدم الانفعال بالكرية، فما لم يعلم يحكم به، وأصالة عدم الكرية، والتكليف بالاجتناب عن النجس واستعمال الطاهر، واليقين بالبراءة لا يحصل إلا بالاجتناب عما نقص من الارطال المدنية الملاقي للنجاسة واستعمال ما بلغها. ويرد الاولان: بما مر. والبواقي: بسقوط الاصل، وحصول العلم بالكرية والقطع بالبراءة بما ذكرنا من الدليل. مضافا إلى ما في الثالث من التعارض بالمثل، مع أنه غير مفيد، لان المفروض انتفاء العلم بالشرط دون نفسه، فينتفي العلم بعدم المشروط، فيرجع إلى الاصل. وفي الرابع: بالمعارضة بما إذا كان زائدا عن الكر فنقص تدريجا. وقد يرد ذلك أيضا: بمنع صحة أصالة عدمها. وفي صحته (3) كليا نظر ظاهر. ثم العراقي مائة وثلاثون درهما كما عليه الاكثر، لان المدني الذي مثله ونصفه - للاجماع وروايتي علي بن بلال (4) وجعفر الهمداني (5) - مائة وخمسة وتسعون


= الوسائل 1: 203 أبواب الماء المضاف ب 2 ح 2. (1) الوسائل 9: 340 أبواب زكاة الفطرة ب 7، والوسائل 1: 481 أبواب الوضوء ب 50. (2) كصحيحة زرارة في قدر ماء الوضوء والمد رطل ونصف الصاع ستة أرطال فان الرطل فيها مدني قطعا (منه ره). (3) في " ه‍ ": صحتها. (4) الكافي 4: 172 الصوم ب 75 ح 8، التهذيب 4: 83 / 242، الاستبصار 2: 49 / 162، الوسائل 9: 341 أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 2. (5) الكافي 4: 172 الصوم ب 75 ح 9، الفقيه 2: 115 / 493، التهذيب 4: 83 / 243، الاستبصار 2: 49 / 163، الوسائل 9: 340 أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 1.

[ 60 ]

درهما، لتصريح الاصحاب (1) وروايتي جعفر (2) وإبراهيم الهمدانيين (3) خلافا لبعض (4) فقال: مائة وثمانية وعشرون (5). ولم أعثر على دليله. وفي رواية المروزى: " المد مائتان وثمانون درهما " (6). ويستفاد منها، بضميمة ما يصرح من الاخبار بكونه ربع الصاع وكون الصاع تسعة أرطال عراقية (7): أن كل رطل مائة وأربعة وعشرون درهما وأربعة أتساعه، ولم أقف على قائل به. ثم لكون كل درهم سبعة أعشار المثقال الشرعي وكونه ثلاثة أرباع الصيرفى، بكون العراقي ثمانية وستين مثقالا بالصيرفي. ولكون المن الشاهي المتعارف اليوم في بلدنا وما قاربه ألفا ومائتين وثمانين صيرفية، يكون الكر أربعة وستين منا إلا عشرين صيرفيا. وثانيهما: المساحة، وهي على المشهور: ما بلغ تكسيره بالاشبار اثنين وأربعين وسبعة أثمان. وعند الصدوق والقميين ما بلغ سبعة وعشرين (8)، واختاره ي المختلف (9)، والمحقق الثاني في حواشيه عليه، وثاني الشهيدين في الروضة والروض (10)، وظاهر


(1) يراجع الحدائق 1: 245. (2) المتقدمة في ص: 59 رقم 5. (3) التهذيب،: 79 / 226، الاستبصار 2: 44 / 140، الوسائل 9: 342 أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 4. (4) في " ق ": لبعضهم. (5) التحرير 1: 62. (6) التهذيب 1: 135 / 374، الاستبصار 1: 121 / 410، الوسائل 1: 481 أبواب الوضوء ب 50 ح 3. (7) الوسائل 9: 332 ب 6 و 340 ب 7 من أبواب زكاة الفطرة. (8) المقنع: 10، المختلف: 3. (9) المختلف: 4. (10) الروضة 1: 34، الروض: 140.

[ 61 ]

الاردبيلي (1)، ووالدي العلامة طاب ثراه. والاسكافي: أنه ما بلغ نحو مائة شبر (2). والراوندي: أنه ما بلغ أبعاده عشرة ونصفا (3). والشلمغاني أنه ما لا يتحرك جنباه بطرح حجر في وسطه (4). وابن طاووس اكتفى بكل ما روي (5). وي المعتبر مال إلى ما بلغ تكسيره ستة وثلاثين (6)، واستوجهه في المدارك (7). للاول: موثقة أبي بصير: " إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الارض، فذلك الكر من الماء " (8). ورواية الثوري (9): " إذا كان الماء في الركي (10) كرا لم ينجسه شئ " قلت: وكم الكر ؟ قال: " ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها " (11). وفي الاستبصار بزيادة: " ثلاثة أشبار ونصف طولها " (12). وتضعيف سند الاولى: بجهالة أحمد بن محمد بن يحيى، واشتراك أبي


(1) مجمع الفائدة 1: 260. (2) نقله عنه في المختلف: 3. (3 - 5) نقل عنهم في الذكرى: 9. (6) المعتبر 1: 45. (7) المدارك 1: 51. (8) الكافي 3: 3 الطهارة ب 2 ح 5، التهذيب 1: 42 / 116، الاستبصار 1: 10 / 14، الوسائل 1: 166 أبواب الماء المطلق ب 10 ح 6. الموجود في الكافي والاستبصار: (ونصف) وفي التهذيب كما في المتن. (9) الحسن بن صالح الثوري (منه رمه الله). (10) الركية: البئر وجمعها ركي وركايا (الصحاح 6: 2361). (11) الكافي 3: 2 الطهارة ب 2 ح 4، التهذيب 1: 408 / 1282، الوسائل 1: 160 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 8. (12) الاستبصار 1: 33 / 88 ولا يخفى أن الزيادة إنما هي في بعض نسخ الاستبصار.

[ 62 ]

بصير، وسند الثانية بالثوري (1) ضعيف، لان أحمد هذا وإن لم يعدل ولكنه من المشايخ، وهو كاف في تعديله، مع أن في الكافي: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، وهو ابن محمد بن عيسى بقرينة طرفيه (2)، وأبا بصير هو البختري (3) لذلك (4). والثانية مشتملة على السراد، الذى أجمعوا على صحة ما صح عنه. مع أن الشهرة للضعف جابرة لو كان. واعترض عليهما: بعدم الدلالة، لعدم تحديد أحد الابعاد فيهما (5). ورد: بمنعه لشيوع الاكتفاء بمثل ذلك في تحديد الابعاد الثلائة، لدلالة سوق الكلام عليه، وجريان مثله في محاوراتهم (6)، ولفهم الاصحاب (7)، مع إمكان إرجاع الضمير في " عمقه " إلى المقدار المدلول عليه بثلاثة أشبار ونصف، فتشمل الاولى على بيان الثلاتة، وكذا الثانية، لاستلزام تحديد العرض بهذا المقدار تحديد الطول به أيضا، وإلا لما كان طولا، ووجب بيانه لو زاد، مع أن في الاستبصار صرح به وهو كاف. والجميع منظور فيه:


(1) المدارك 1: 49. (2) طرفه الاول محمد بن يحيى العطار والثاني عثمان بن عيسى (منه رحمه الله). (3) هو ليث المرادي البختري (منه رحمه الله). (4) طرفه الاول ابن مسكان والثاني الصادق (ع) (منه رحمه الله). (5) الروض: 140. (6) الحبل المتين: 108، الذخيرة: 122 (وعدوا منه قول جرير: كانت خثيمة أثلاثا فثلثهم * من العبيد وثلث من مواليها وقوله عليه السلايم: " حبب إلى من دنيا كم ثلاث. الطيب والنساء وقرة عينى في الصلاة " وقو له سبحانه: " فيه آيات بينات مقام إبراهيم ") (منه رحمه الله). (7) كما ادعاه في الحدائق 1: 266.

[ 63 ]

فالاول: لمنع الشيوع (1). والثاني: لمنع الحجية ما لم يصل حد الوفاق. والثالث: بعدم إفادته المطلوب، لعدم وجوب مساواة عمق المقدار له إلا بجعل الاضافة بيانية، أو " في الارض " حالا من المدلول، وكلاهما خلاف الظاهر، مع أن الجميع احتمال لا يكفي في الاستدلال. ومنه يظهر أيضا عدم إمكان الاستناد إلى ما في بعض نسخ الكافي من جر لفظ " نصف " في الموضعين بجعله جر الجوار، أو بحذف المضاف إليه وإعطاء إعرابه المضاف، وجعل " ثلاثة اشبار ونصف " الثاني خبرا بعد خبر ل‍ " كان " (2)، فإنه أيضا محض احتمال. والرابع. بإمكان إرادة القطر من العرض، بل هو الظاهر، لاستدارة الركي، فيبلغ تكسيره ثلاثة وثلاثين ونصفا تقريبا. وكذا يظهر وجه آخر لرد الاولى، لان الشيوع لو سلم، إنما يفيد لو كان المحدود غير المستدير، وهو غير معلوم، بل يمكن جعل الاكتفاء بالحدين - مضافا إلى شيوع المستدير في زمان المعصوم وبلده - قرينة على إرادته. وكذا يظهر أيضا عدم دلالة الثانية على ما في الاستبصار، وذكر الابعاد لا يفيد، لتحققها في المستدير أيضا، غاية الامر أنها متساوية، وفيما نحن فيه أيضا كذلك. وقد يستدل أيضا: بأن الفريقين مجمعون على اعتبار ألف ومائتي رطل، ولا ريب أن الثاني أقل من ذلك، فيسقط، بخلاف الاول، فإنه يزيد عليه بشئ يحمل على الاستحباب، فلا مناص عن العمل بالمشهور، ويكون التحديد به توسعة فيه بأخذ جانب الاحتياط غالبا (3).


(1) مع أن الامثلة التى ذكروها للشيوع لا يتحد غير المذكور فيها مع المذكور (منه رحمه الله). (2) غنائم الايام: 85. (3) غنائم الايام: 85.

[ 64 ]

وفيه: - مع كونه اعترافا بكون الكر غيرذلك - أنه لم لا يجعل الثاني كرا وتحمل الزيادة في الوزن على الاستحباب ؟ وجعل الوزن أصلا، لاجل كونه أضبط مما لا يصلح معولا عليه في الاحكام، إلا أن يجعل الاجماع معينا للوزن، وعدم كونه أقل من ذلك. للثاني: صحيحة ابن جابر: قلت: وما الكر ؟ قال. " ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار " (1). ورد: بالضعف في السند. وهو ليس في موقعه (2). وفي الدلالة، لما مر.. وأجيب: بالشيوع المتقدم. وفيه: ما سبق من أنه يثمر لو اختص المحدود بغير المستدير، وإلا فيبلغ التكسير واحدا وعشرين وسبعا ونصف، ولا شاهد على الاختصاص. وهو بعينه الجواب عن رواية المجالس: " الكر، هو ما يكون ثلاثة أشبار طولا في ثلاثة أشبار عرضا في ثلاثة أشبار عمقا " (3). وذكر الابعاد غير مفيد كما مر


(1) الكافي 3: 3 الطهارة ب 2 ح 7، التهذيب 1: 41 / 115 و 37 / 101، الاستبصار 1: 10 / 13، الوسائل 1: 159 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 7. (2) بيانه: أنه رواها في التهذيب عن أحمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد عن عبد الله بن سنان عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (ع) وفي موضع آخر: عن محمد بن سنان مكان عبد الله، قال: في المنتقى: إن اختلاف محمد وعبد الله في الطبقة يدل على خطأ أحدهما، والممارسة تحكم بأن الخطأ في عبد الله، فالرواية ضعيفة، فإن محمد بن خالد البرقي، ومحمد في طبقة واحدة فإنهما من أصحاب الرضا (ع)، وأما عبد الله فليس من طبقة البرقي لانه من أصحاب الصادق (ع)، وأيضا الواسطة بين الصادق (ع) وبينه تدل على أنه محممد لانه متأخر عن زمانه (ع) بخلاف عبد الله. ولا يخفى ما فيه، فإن شيخنا البهائي صرح بأن البرفي قد أدرك كثيرا من أصحاب الصادن (ع) ونقل عنهم، كما روى عن داود بن أبي يزيد حديث من قتل أسدا في الحرم، وعن ثعلبة حديث الاستمناء، وعن زرعة حديث صلاة الاسير، مع أن الشيخ عد البرقي من أصحاب الكاظم (ع). وأما الواسطة بينه وبين الصادق (ع) فكثير كتوسط عمر بن يزيد في دعاء آخر سجدة من نافلة المغرب. وتوسط حفص الاعور في تكبيرات الافتتاح (منه رحمه الله). (3) مجالس الصدوق: 514 (المجلس 93)، الوسائل 1: 165 أبواب الماء المطلق ب. 1 ح 2.

[ 65 ]

هذا، مع عدم حجيتها، سيما مع المعارضة مع الاقوى. وقد يؤيد بصحيحة اخرى لابن جابر: قلت له: الماء الذي لا ينجسه شئ ؟ قال: " ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " (1) بحمل السعة على القطر. وفيه: - مضافا إلى أنه احتمال - أن التكسير يبلغ حينئذ ثمانية وعشرين وسبعين. للثالث: رواية المقنع: " الكر ذراعان وشبر في ذرا عين وشبر " (2) بحمله على المستدير، كما يقتضيه الإكتفاء، فتكسيره يكون ثمانية وتسعين وسبع ونصف. وفيه: مع عدم حجيته وإجماله لما مر، المعارضة مع الاقوى. للرابع: ما للاول لو أراد الجمع عند تساوي الابعاد، أو مطلقا، مع عدم (دلالة) لفظ " في " على الضرب. وفيه: ما مر، مع ما في الثاني من شدة الاختلاف، فقد يكون تكسيره موافقا للمشهور، وقد يكون خمسة أثمان شبر، بل أقل. ولا مستند له ظاهرا لو أراد التكسير، كالخامس، مع ما فيه من عدم الانضباط. للسادس: الجمع بين الروايات بحمل الزائد على الفضيلة، أو الكر على القدر المشترك، لعدم نفي شئ منها إطلاقه علي غير ما فيه. وفيه: - مع أن الاول جمع بلا شاهد - أنه مخالف للاجماع إن اريد بكل ما روي ما يشمل رواية القربة (4) وأمثالها. والجهل بما روي، إن اريد ما يختص بالرطل والشبر، أو الاخير، لما مر من الجهل بالمحدود. (على) (5) أن من الروايات


(1) التهذب 1: 41 / 114، الاستبصار 1: 10 / 12، الوسائل 1: 164 أبواب الماء المطلق ب 10 ح 1. وفيها: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام... ". (2) المقنع: 10، الوسائل 1: 165 أبواب الماء المطلق ب 10 ح 3. (3) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة المعنى. (4) التهذيب 1: 412 / 1298، الاستبصار 1: 7 / 7، الوسائل 1: 139 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 8. (5) في جميع النسخ " عن " وما أثبتناه هو الانسب.

[ 66 ]

ما لا يصلح للحجية. للسابع: صحيحة ابن جابر الاخيرة، باستفادة تحديد الطول منها بأحد الوجوه المتقدمة، أو حمل السعة على البعدين. وفيه: أنه إنما يتم لو لم يكن المحدود المستدير. ومما ذكرنا ظهر ضعف الجميع. وقد يرجح الاقل بالاصل وفيه ما سبق. والوجه عندي التوقف في المساحة والاكتفاء في الكر بالوزن. فائدة: نقل بعض المتأخرين (1) أنه قدر ظرفا كان شبرا في شبر، فوسع ألفين وثلاثمائة وثلاثة وأربعين صيرفيا، وعلى هذا فيكون - أقرب المساحات إلى الوزن المتقدم ما مالى إليه المعتبر، فإنه يكون ستة وستين منا بالمتقدم، ومائة واثني وثلاثين صيرفيا، وعلى المشهور أربعا وثمانين منا تقريبا، وعلى قول القميين واحدا وأربعين كذلك. * * *


(1) الظاهر أنه السيد الداماد (منه رحمه الله) ووجدنا التقدير المذكور بعينه في " الاربعين " للعلامة المجلسي ص 490.

[ 67 ]

الفصل السادس: في البئر وهي معروفة وفيه مسائل: المسألة الاولى: اختلفوا - بعد اتفاقهم على نجاسة مائها بالتغير، تمسكا به، وبعمومات نجاسة المتغير (1)، وخصوصاتها - في تنجسه بالملاقاة. فالمشهور بين القدماء: التنجس، وفي الانتصار (2) والغنية (3) الاجماع عليه، وفي السرائر (4)، وعن المصريات عدم الخلاف فيه (5)، بل في التهذيب أيضا (6)، ولكنه في ملاقاة البعير والحمير، وفي النكت والروضة كاد إن يكون إجماعا (7)، وتبعهم جمع من الطبقة الثانية (8). وبين المتأخرين: عدمه، تبعا للعماني (9)، وابن النضائري (10)، وهو مذهب الفاضل في أكثر كتبه (11)، وولده (12)، وشيخه ابن الجهم (13)، وشرح القواعد (14)، وجعل أحد قولي الشيخ (15) ولعله ظاهر بعض كلماته في كتايى


(1) راجع المسألة الاولى من الفصل الاول ص 12. (2) الانتصار: 11. (3) الغنية (الجوامع الفقهية): 551. (4) السرائر 1: 96. (5) المصريات للمحقق نقل عنه في مفتاح الكرامة 1: 78. (6) التهذيب 1: 240. (7) الروضة 1: 35. (8) المعتبر 1: 54، اللمعة (الروضة) 1: 35، الروض: 147. (9) نقل عنه في المختلف: 4. (10) حكى عنه الشهيد في غاية المراد بواسطة أبي يعلى الجعفري على ما في مفتاح الكرامة 1: 79. (11) المختلف: 1، التذكرة 1: 4، التحرير 1: 4، القواعد 1: 5. (12) الايضاح 1: 17. (13) راجع مفتاح الكرامة 1: 79. (14) جامع المقاصد 11: 121. (15) كما في المختلف: 4.

[ 68 ]

الحديث (1)، ولكن صريح بعض آخر منها ينادي بالنجاسة (2)، فحمله على ما لا ينافيها متعين. وفصل البصروي: بالكرية وعدمها (3)، والجعفي: ببلوغ الذراعين في كل من الابعاد وعدمه (4). والمختار هو الثاني، للاصل، والاستصحاب، وعمومات طهارة الماء مطلقا، أو مع عدم التغير، أو الكرية (5). وخصوص المستفيضة، كصحيحتي ابن بزيع المتقدمتين (6) في الجاري، نفى فيهما مطلق الافساد الذي هو التنجيس، أو ما (7) يستلزم نفيه نفيه (8)، بقرينة الكلام وشهادة المقام (9)، أو ما يشمله. وحمله على ما يمنع الانتفاع إلا بعد نزح الجميع (10)، أو على التعطيل (11) تخصيص بلا دليل موجب لتخصيصات اخر. وتخصيص الشئ بغير ما ورد، أو الافساد على غير النجاسة، فرع وجود ما يصلح له، وستعرت انتفاءه. وجهالة المجيب - مع كونها ممنوعة لشهادة الحال - إنما هي في إحداهما على


(1) التهذيب 1: 232، ولم نعثر على كلام له في الاستبصار ظاهر في الطهارة. (2) التهذب 1: 240، 234، 408...، الاستبصار 1: 32، 36. (3) نقله في غاية المواد على ما حكى عنه في مفتاح الكرامة 1: 79. (4) نقل عنه في الذكرى: 9. (5) راجع ص 11، 12، 23 من الكتاب. (6) ص 21. (7) أي عدم جواز الاستعمال (منه رحمه الله). (8) في " ح " خ ل: بعينه. (9) المراد بقرينة الكلام قوله " الا أن يتغير " وقوله " فينزح حتى يذهب ريحه " فإنه أعم من أن ينزح مقدار النجاسة أولا، وبشهادة المقام أن غير ما ذكر ليس من وظيفة الشارع (منه رحمه الله). (10) كما في التهذيب 1: 409، الاستبصار 1: 33. (11) كما في المعتبر 1: 56.

[ 69 ]

بعض طرق التهذيب (1)، وأما البعضى الآخر كطريق الاستبصار (2) لا جهالة وصحيحة البصائر المتقدمة (3) في المطلق. وصحيحة علي: عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة، أو زنبيل من سرقين، أيصلج الوضوء منها ؟ قال: " لا بأس " (4). والعذرة إما مختصة بالنجس أو شاملة له بلاطلاق. والحمل على نفي البأس بعد التطهر خلاف الاصل، لا تأخير عن وقت الحاجة كما قيل (5)، لجواز كون السؤال فرضيا بل يعينه الترديدان. وصحيحة ابن عمار: " لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر " (6) والتقييد بغير النابع لا شاهد له، والامر بالنزح لا بلائمه. ورواية محمد بن أبي القاسم: في البئر بكون بينها وبين الكنيف خمسة أذرع أو أقل أو أكثر، يتوضأ منها ؟ قال: " ليس يكره من قرب ولا بعد، يتوضأ منها ولغتسل ما لم يتغير الماء " (7). وموثقة الشحام وابن عثيم: " إذا وقع في البئر الطير، والدجاجة، والفأرة،


(1) التهذيب 1: 234 / 676 (2) الاستبصار 1: 33 / 87. (3) ص 12. (4) التهذيب 1: 246 / 709، الاستبصار 1: 42 / 118، قرب الاسناد 180 / 664، الوسائل 1: 172 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 8. (5) المدارك 1: 58. (6) التهذيب 1: 232 / 670، الاستبصار 1: 30 / 80، الوسائل 1: 173 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 10. (7) الكافي 3: 8 الطهارة ب 5 ح 4، الفقيه 1: 13 / 23، التهذيب 1: 411 / 1294، الاستبصار 1: 46 / 129، الوسائل 1: 171 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 4.

[ 70 ]

فانزح منها سبع دلاء " قلنا: فما تقول في صلاتنا، ووضوئنا، وما أصاب ثيابنا ؟ فقال: " لا بأس " (1). والحمل على غير الميتة يمنعه الامر بالنزح. وعلى عدم العلم: الاطلاق، ونفي البأس عما أصاب الثوب بل عن الوضوء والصلاة. ومن هذا تظهر صحة الاستدلال بموثقة أبي بصير: قلت لابي عبد الله عليه السلام: بئر يستقى منها، وينوضأ به، ويغسل منه الثياب، ويعجن منه، ثم يعلم أنه كان فيها ميت، فقال: لا بأس، ولا يغسل منه الثوب، ولا تعاد منه الصلاة " (2) إلى غير ذلك من الاخبار. وتؤيد المطلوب روايات اخر أيضا، كرواية ابن حديد المتقدمة (3)، ومرسلة الفقيه في البئر التي يتوضأ منها النبي (4)، وروايتي حسين بن زرارة (5) وأبيه (6). وما يدل على عدم إعادة الصلاة بالتوضوء من البئر التي وقعت فيها الفأرة، كصحيحة ابن عمار (7)، وموثقة أبان (8)، ورواية أبي عيينة (9).


(1) التهذيب 1: 233 / 674، الاستبصار 1: 31 / 84، الوسائل 1: 173 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 12. (2) الكافي 3: 7 الطهارة ب 4 ح 12، الفقيه 1: 11 / 20، التهذيب 1: 234 / 677، الاستبصار 1: 85 / 32، الوسائل 1: 171 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 5. (3) ص 41. (4) الفقيه 1: 15 / 33، الوسائل 1: 176 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 20. (5) الكافي 6: 258 الاشربة ب 9 ح 3، الوسائل 1: 171 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 3. (6) الكافي 3: 6 الطهارة ب 10 ح 10، التهذيب 1: 409 / 1289، الوسائل 1: 170 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 2. (7) التهذيب 1: 233 / 671، الاستبصار 1: 31 / 81، الوسائل 1: 173 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 9. (8) التهذيب 1: 233 / 672، الاستبصار 1: 31 / 82 /، الوسائل 1: 173 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 11. (9) التهذيب 1: 223 / 673، الاستبصار 1: 31 / 83، الوسائل 1: 174 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 13.

[ 71 ]

وجعلها مؤيدة لكون بعضها قضية في واقعة، فكون البئر جارية ممكن، واحتمال بعضها كون الواقع فيها غير ميتة. وقد يتأيد باعتبارات اخر لا بعد في التأيد ببعضها. للاول: عمومات انفعال القليل (1). والامر بالنزح في وقوع كثير من النجاسات فيها (2)، مع دلالة بعض الروايات على عدم جواز الوضوء والشرب قبله (3)، والتفرقة في بعض آخر بين ماله دم وما ليس له (4). وصحيحة ابن بزيع: عن البئر يكون في المنزل للوضوء بتقطر فيها قطرات من بول، أو دم، ويسقط فيها شئ من عذرة، كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة ؟ فوقع بخطه عليه السلام في كتابي " ينزح منها دلاء " (5). وصحيحة ابن يقطين: عن البئر تقع فيها الدجاجة، والحمامة، والفأرة والكلب، والهرة، فقال: " يجزيك أن تنزح منها دلاء، فإن ذلك يطهرها إن شاء الله " (6). فإن تعليق التطهر على النزح صريحا في الثانية، وضمنا في الاولى مع تقرير السائل فيها أيضا، يفيد نجاستها قبله. وصحيحة ابن أبي يعفور: " إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا


(1) المتقدمة في بحت الماء القليل ص 38 - 41. (2) الوسائل 1: أبواب الماء المطلق ب 15، 22. (3) الوسائل 1: 183، 184 أبواب الماء المطلق ب 17 ح 5، 6. (4) الوسائل 3: 463 أبواب النجاسات ب 35. (5) الكافي 3: 5 الطهارة ب 4 ح 1، التهذيب 1: 244 / 705، الاستبصار 1: 44 / 124، الوسائل 1: 176 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 21. (6) التهذيب 1: 237 / 686، الاستبصار 1: 37 / 101، الوسائل 1: 182 أبواب الماء المطلق ب 17 ح 2 بتفاوت.

[ 72 ]

تغرف به فتيمم بالصعيد، فإن رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر، ولا تفسد على القوم ماءهم، (1). فإن الافساد كناية عن النجاسة، كما اعترف به الخصم في أخبار الطهارة، ولا يسوغ التيمم إلا مع فقد الماء الطاهر. وحسنة الفضلاء الثلا قة: قلنا: بئر يتوضأ منها، يجري البول قريبا منها، أينجسها ؟ فقال: " إن كانت البئر في أعلى الوادي، والوادي يجري فيه البول من تحتها، وكان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجس ذلك، وإن كان أقل من ذلك ينجسها " (2) الحديث. ويجاب عن الاول - مع كونه أخص من المطلوب -: بأن تعارضه مع أخبار طهارة البئر بالعموم من وجه، فالمرجع في المجتمع الاصل، لولا ترجيحها بموافقتها الكتاب والسنة، ومخالفتها - كما قيل (3) - الأكثر العامة (4)، وكونها بالمنطوق دالة. وعن الثاني: بمنع الدلالة، لأنها فرع كون تلك الاوامر للوجوب، وثبوت التلازم بينه وبين النجاسة، وهو ممنوع، ولذا ورد فيما ليس بنجس إجماعا. ومنع عدم تجويز الوضوء والشرب قبل النزح، فإن الوارد في بعض الروايات (5) لامربهما بعده، وهو هنا للاباحة، فيكون المعنى إباحتهما بعده، فقبله لا يكون مباحا، وهو


(1) الكافي 3: 65 الطهارة ب 41 ح 9، التهذيب 1: 1 85 / 535 الاستبصار 1: 127 / 435، (بتفاوت يسير)، الوسائل 1: 177 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 22. (2) الكافي 3: 7 الطهارة ب 5 ح 2، التهذيب 1: 410 / 1293، الاستبصار 1: 46 / 128، الوسائل 1: 197 أبواب الماء المطلق ب 24 ح 1. (3) الحدائق 1: 352. (4) يظهر بمراجعة كتبهم أن معظم القائلين بنجاسة البئر مطلقا هم الحنفية راجع: أحكام القرآن للجصاص 3: 430، المغني لابن قدامة 1: 54، 66، قيل الاوطار للشوكاني 1: 34، بداية المجتهد 1: 24، بدائع الصنائع 1: 74، 76. (1) الوسائل 1: 183 أبواب الما، المطلق ب 17 ح 5.

[ 73 ]

أعم من الحرمة. وكذا عن الثالثين، لان دلالتهما فرع ثبوت الحقيقة الشرعية للطهارة، مع كون دلالة الرابع بالتقرير الذي حجيته موقوفة على عدم احتمال مانع من الرد، وهوفي المقام ثابت، لاحتمال كون الوجه فيه التقية، لما مر، ويشهد له كونه مكاتبة. وعن الخامس: بأن الفساد أعم من النجاسة، لجواز إرادة التغير أو تنفر الطبع منه. وحمله عليها أو على ما يعمها في أخبار الطهارة، لوجود القرينة، أو الوقوع موقع النفي. ولا تلازم بين صحة التيمم والنجاسة، لجواز أن تكون مشقة الوقوع في البئر أو خوف الهلاك من أحد الاعذار، بل يمكن أن يكون لاجل عدم العلم بالاذن من القوم في الوقوع، حيث يفسد ماءهم. وعن السادس. بأنه غير باق على ظاهره وفاقا، لعدم تنجس باحتمال وصول النجاسة بل بظنه أيضا، فلا بد من تقدير أو تجوز، وتقدير العلم ليس بأولى من تقدير التغير أو على النجاسة على الاستقذار. مع أنه على فرض دلالة تلك الاخبار يتعين حملها على التجوز بقرينة أخبار الطهارة. رمع الاغماض عنه فالترجيح للثانية لما مر. وموافقة الاولى للشهرة الاجتهادية والاجماعات المحكية غير ناهضة للترجيح. لاول المفصلين: عموم انفعال القليل، ورواية الثوري المتقدمة (1). وموثقة عمار: من البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة، فقال: " لا بأس إذا كان فيها ماء كثير " (2). والرضوى: " كل بئر عمقها ثلاثة أشبار ونصف في مثلها فسبيلها سبيل


(1) ص 61. (2) التهذيب 1: 416 / 1312، الاستبصار 1: 42 / 117، الوسائل 1: 174 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 15.

[ 74 ]

الجاري، إلا أن يتغير لونها ورائحتها وطعمها " (1). والاول بما مر من أخبار الطهارة - لموافقتها الاصل - مخصوص. وغيره بعدم الحجية - لمخالفته لمذهب القدماء أجمع بل المتأخرين - مردود، مع أن راوي الاولى بتري (2)، صرح الشيخ بترك ما يختص بروايته (3)، ودلالة الثانيتين ممنوعة، فأولاهما، لفقد الحقيقة الشرعية في الكثير، فيمكن أن يكون إثبات البأس في غيره لتغيره بالزنبيل غالبا، وثانيتهما، لضعف مفهومها. ولم أعثر لثانيهما على دليل. المسألة الثانية: وإذ عرفت عدم نجاستها، فهل يجب نزح ما قدر أم يستحب ؟ الاكثر على الثاني. وهو الحق. لا للاختلاف في المقدرات، لعدم دلالته على الاستحباب. بل لعدم تعقل الوجوب مع الطهارة، إذ الشرعي منه منتف بالاجماع، والشرطي بالاخبار المتقدمة، الدالة على جواز الوضوء والاستعمال قبل النزح من غير معارض. وما يتوهم معارضته معها قد عرفت دفعه (4). ولا يتصور معنى آخر له. مع أن أكثر أخبار النزح إنما ورد بلفظ الاخبار. وإفادته للوجوب حيث يستعمل في الانثاء سيما في عرف الشارع ممنوع. وما ورد بلفظ الامر على الندب محمول، لما مر، مع أن بعضه معارض (بما


(1) فقه الرضا (ع): 91 وفيه: " أو طعمها أو رائحتها " وفي نسخة كما في المتن وهو المطابق لما في المستدرك 1: 1: 2 أبواب الماء المطلق ب 13 ح 3، والبحار 77: 25. (2) البترية: (بضم الباء وقيل بكسرها) جماعة من الزيدية قالوا بخلافة الشيخين قبل علي عليه السلام فيمكن اعتبارهم من العامة راجع مقباس الهداية 2: 349، رجال الكشي 2: 449. (3) التهذيب 1: 408. (4) في جواب أدلة القائلين بنجاسة البئر (منه رحمه الله).

[ 75 ]

ينفيه) (1)، بل الجميع معارض لمفهوم صحيحة ابن عمار المتقدمة (2). خلافا للمنتهى فأوجبه، لكون الامر حقيقة في الوجوب (3). وجوابه قد ظهر، مع أن الثابت كونه حقيقة في الوجوب الشرعي، المنتفي ضرورة، والشرطي مجاز أيضا كالاستحباب. المسألة الثالثة: اختلفت الاخبار كأقوال علمائنا الاخيار، في أكثر مقدرات النزح من الآبار. ولتحقيق المقام نقول أولا: إن الاخبار في أكثرها كأقوال الاصحاب وإن كانت في غاية الاختلاف، ولكن الاشكال في الجمع، والتصحيح، والنقد، والتزييف، والترجيح، والتضيف، إنما هو على القول بالوجوب. وأما على الاستحباب - فبعد ملاحظة التسامح الواقع في أدلة الندب، والتفاوت المتحقق في مراتب الفضل، وعدم استلزام إثبات مرتبة منه لنفي اخرى دونها أو فوقها، وعدم تحقق إجماع، بل ولا شهرة على نفي مرتبة مما روي أو قيل وإن تحقق على ثبوت بعض المراتب - فلا إشكال أصلا. فيحمل أقل ما روي في مقدر على أقل مراتب الرجحان، وأكثره على أكثرها، وما بينهما على ما بينهما. ولا ينفي عدم ظهور قول من الاصحاب على بعضها رجحانه، ولا إجماعهم على استحباب مرتبة استحباب غيرها. وعلى هذا فلك أن تعمل فيها بكل ما روي أو بأقله أو بأكثره. ولو عملت بأكثرها لافضليته، أو بأشهرها، أو بما أجمعوا عليه لكونه مظنة


(1) في " ح "، بما يعنيه، وفي " ق ": بما يعينه، وفي " ه‍ ": بمانعيته. والانسب ما أثبتناه. وذكر المصنف في الهامش: كالامر بنزح عشرة دلاء للعقرب وسبع لسام أبرص المنتفخ المعارض لما يصرح بأن ما ليس له دم كالعقرب والخنافس لا بأس به (منه رحمه الله). (2) ص 69. (3) المنتهى 1: 12.

[ 76 ]

أو ضحية مأخذه وأوثقية مدركه، لكان حسنا. وكذا لو قدمت الخاص أو المقيد على العام أو المطلق لمظنة أكثرية الاهتمام به. وإذ عرفت ذلك أقول معرضا عن الاطناب، وعن أكثر ما ذكره الاصحاب، لكون المقام مقام الاستحباب، مقتصرا على ما هو أهم، والاحتياج إليه أعم: إنه يستحب نزح الكل لموت البعير، الذى هو من الابل بمنزلة الانسان يشمل الذكر والانثى، والصغير والكبير. وغير القطرة من الخمر، بالاجماع والمستفيضة (1). ولها أيضا على الاشهر، للاطلاق. خلافا فيها للمقنع وظاهر المعتبر فعشرون (2)، لرواية زرارة (3). وهو حسن، لكونها خاصة، مع منع الاطلاق، حيث ورد بلفظ الصب، وإطلاقه على القطرة غير ثابت. ولموت الثور على الاشهر (4)، لصحيحة ابن سنان (5). خلافا للحلي فقال بالكر (6). وللا دليل له. والبقرة، وفاقا للمعتبر (7) والمعتمد، لكونها نحو الثور المذكور في الصحيحة. وخلافا للاكثر فقالوا بالكر (8). ولامستند له ظاهرا.


(1) الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15. (2) المقعنع: 11، المعتبر 1: 58. (3) التهذيب 1: 241 / 695، الاستبصار 1: 35 / 96، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 3. (4) كما اختاره في المختصر النافع: 2، والمنتهى 1: 12، واللمعة (الروضة 1): 36. (5) التهذيب 1: 541 / 692، الاستبصار 1: 34 / 96، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 1. (6) السرائر: 1: 72. (7) لم نعثر عليه بل فيه 1: 62 ان الاوجه أن يجعل الفرس والبقرة في قسم ما لا يتناوله نص على الخصوص. فراجع. (8) منهم الشيخ في النهاية: 6، والعلامة في القواعد 1: 6، والشهبد في اللمعة: (الروضة 1): 36.

[ 77 ]

وللمني ودم الحدث على الاشهر، لنقل الاجماع في السرائر والغنية (1). وكونه على الوجوب غير ضائر لتضمنه نقل الثواب الموجب للتسامح في المقام. وفى صحيحة ابن بزيع المتقدمة (2) دلاء لمطلق قطرات الشامل للثاني أيضا، ولم أعثر على قائل وكر للحمار على الاشهر (3)، بل بلا خلاف كما قيل (4)، لرواية ابن هلال (5) والرضوى (6). واحتمل (7) الجميع، لكونه نحو الثور، والدلاء، لكونه من الدابة الواردة لها الدلاء في الاخبار (8). وتقديم الخاص يرجح العمل بالاول. وللبغل، لزيادة في الرواية المتقدمة في بعض نسخ التهذيب وفي المعتبر (9)، فإن هذا القدر سيما مع الاشتهار بل نقل الاجماع - كما عن الغنية (10) - كاف لما نحن بصدده، ولكونه خاصا يترجح على روايتي الدابة ونحو الثور (11). وللفرس على الاشهر (12)، لنقل الاجماع عن الغنية (13). خلافا للمعتبر (14)


(1) السرائر 1: 70، الغنية (الجوامع الفقهية): 552. (2) ص 71. (3) اختاره في المقنعة: 66: والغنية (الجوابط الفقهية): 552، والقواعد 1: 6، والدروس 1: 119 (4) الرياض 1: 7. (5) التهذيب 1: 235 / 679، الوسائل 1: 180 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 5. (6) فقه الرضا (ع): 94، المستدرك 1: 202 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 1. (7) كما في الذخيرة: 130. (8) الوسائل 1: 184 أبواب الماء المطلق ب 17 ح 6. (9) المعتبر 1: 60. (10) الغنية (الجوامع الفقهية): 552. (11) التهذيب 1: 541 / 692، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 1. (12) كما اختاره المذكورون في رقم 3. (13) الغنية (الجوامع الفقهية): 552. (14) المعتبر 1: 61.

[ 78 ]

والمعتمد، فدلاء، لكونه دابة قطعا. وهو وإن كان كذلك، وبه يثبت مرتبة الفضل (1) للدلاء أيضا، إلا أن العمل بنقل الاجماع الخاص في مقام الاستحباب أحسن. وسبعين دلوا لموت المسلم مطلقا، ذكرا أو انثى، صغيرا أو كبيرا، إذا كان نجسا، بلا خلاف، للمستفض من نقل الاجماع (2)، وغير واحد من الاخبار (3). وأما الكافر فالمشهور أنه كذلك أيضا (4)، للاطلاق. وفي شموله له نظر، ولو سلم فقيد الحيثية معتبر، كما في جميع موجبات النزح، فإن أثبتنا الاستحباب بالاشتهار فهو، وإلا فيلحق بما لا نص فيه، ولذا اختار الحلي فيه نزح الجميع (5). والثانيان، كالمشهور في وقوعه ميتا، وكالحلي في موته فيه، على فرض نزح الكل لما لا نص فيه، وبدونه فالسبعون على التداخل، ومع الاربعين أو الثلاثين على عدمه (6). والروايات في الفأرة والشاة وما أشبههما (7)، وما بينهما عموما وخصوصا مختلفة جدا، حتى أن أقل مما روي لبعضها دلوان، والاكثر الكل. فأقل ما روي في الاول مطلقا ثلاث دلاء، ومع التفسخ سبع، وهو المشهور (8)، بل على الثاني نفي الخلاف في كلام بعضهم، وفي الغنية الاجماع (9)


(1) في " ق " و " ه‍ ": للفضل. (2) الغنية (الجوامع الفقهية): 552، المعتبر 1: 62، المدارك 1: 75. (3) الوسائل 1: 193 أبواب الماء المطلق ب 21. (4) كما اختاره في المعتبر 1: 63، التذكرة 1: 4، الروضة 1: 38. (5) السرائر 1: 77. (6) جامع المقاصد 1: 140، الروضة 1: 37. (7) الوسائل 1: 186 باب 18، 187 باب 19. (8) فمن القائلين به الشيخ في النهاية: 7، والمحقق في المختصر النافع: 3، والعلامة في القواعد 1: 6. (9) الغنية (الجوامع الفقهية): 552.

[ 79 ]

على السبع مع الانتفاخ. وفي الثاني السبع، وبه أفتى في المقنع (1)، والاكثر جعلوه كموت الكلب (2)، والفقيه قدر له تسعا إلى عشر (3)، وهو أيضا مروي (4). وفي ما أشبه الاول سبع، والثاني تسع أو عشر، والمشهور في الثاني أنه كموت الكلب. وفيما بينهما عموما سبع. ولكن الأكثر - كالشيخين، والمراسم، والوسيلة، والمهذب، والاصباح - جعلوا الخنزير، والغزال، والثعلب، والارنب، وشبهه في قدر جسمه (5)، كالمشهور في موت الكلب. وزاد في السرائر (6) النص على ابن آوى وابن عرس (7). وفي خصوص السنور مع عدم التفسخ خمس، ومعه عشرون، بحمل أخبار مطلق الدلاء (8) على هذا المقيد. والمشهور فيه أربعون مطلقا (9). وفي (حي) (10) الكلب ومطلق الطير خمس مع الحمل المذكور، وهو قول المحقق في الثاني في غير النافع (11).


(1) المقنع: 10. (2) ذهب إليه في النهاية: 1، والغنية (الجوامع الفقهية): 552، والتذكرة 1: 4، والدروس 1: 120. (3) الفقيه 1: 15. (4) التهذيب 1: 237 / 683، الاستبصار 1: 38 / 105، الوسائل 1: 186 أبواب الماء المطلق ب 18 ح 3. (5) المقنعة: 66، النهاية: 6، المراسم: 35، الوسيلة: 75، المهذب 1: 22. (6) السرائر 1: 76. (7) ابن عرس: بالكسر دويبة تشبه الفأر والجمع بنات عرس (المصباح المنير: 402). (8) الوسائل 1: 182 أبواب الماء المطلق ب 17. (9) ذهب إليه الجماعة المتقدم ذكرهم في رقم 2 في نفس المصادر. (10) لا توجد في " ق ". (11) المعتبر 1: 70، وفي " ق " " الشرائع " بدل " النافع ".

[ 80 ]

والمشهور سبع فيه وفي الحي من الاول، وفي ميته أربعون (1) وفي الدجاجة ومثلها دلوان. والمشهور، فيهما: السبع. ويستحب نزح ثلاث للحية، لظاهر الوفاق والرضوي (2). وللوزغة (3)، لصحيحة ابن عمار (4). وللعقرب على المشهور (5). والمروي في موته عشر دلاء (1). وللعصفور: واحد بلا خلاف (ظاهر) (7) لموثقة الساباطي (8)، ولشبهه في المشهور. والمروي للدابة الصغيرة: سبع دلاء (9). وخمسون أو أربعون للعذرة الذائبة، أي المتقطعة أو المائعة، وفاقا للصدوق والمحقق (10)، لان تعين الاول في المشهور (11) بلا مستند ظاهر إلا نقل الاجماع عن


(1) ذهب إليه في النهاية: 7، والشرائع 1: 93. (2) فقه الرضا (ع): 94، المستدرك 1: 205 أبواب الماء المطلق ب 18 ح 2 وفيهما: " وإن وقعت فيها حبة.. فاستق للحية أدل " واستفادة الثلاثة انما نكون بملاحظة أقل الجمع. (3) الوزغة: سام أبرص. (4) التهذيب 1: 338 / 688، الاستبصار 1: 39 / 106، الوسائل 1: 187 أبواب الماء المطلق ب 19 ح 2. (5) اختاره في النهاية: 7، اللمعة (الروضة 1): 43، القواعد 1: 6. (6) التهذيب 1: 231 / 667، الوسائل 1: 196 أبواب الماء المطلق ب 22 ح 7. (7) لا توجد في " ق " و " ح ". (8) التهذيب 1: 231 / 678 /، الوسائل 1: 196 أبواب الماء المطلق ب 21 ح 2. (9) التهذيب 1: 241 / 695، الاستبصار 1:، 34 / 93، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 1. (10) المقنع: 10، المعتبر 1: 64، النافع: 3. (11) اختاره في النهاية: 7، والغنية (الجوامع الفقهية): 552، الشرائع 1: 13، القواعد 1: 3، اللمعة (الروضة 1): 38 ولا يخفى أن الموضوع في كلام غير واحد منهم هو العذرة الرطبة ولم يذكروا قيد الذوبان.

[ 81 ]

الغنية (1). وعشرة لغيرها، لروايتي ابن أبي حمزة (2) وأبي بصير (3)، بل الاجماع، كما في السرائر والغنية (4) في الثاني. وإلحاق الرطبة بالاولى - كما عن النهاية (5)، (والمبسوط) (6) والمراسم، والوسيلة (7)، والاصباح - لا وجه له إلا أن يقال باستلزام الرطوبة للذوبان غالبا. ولكثير الدم غير الثلاثة: ثلاثون إلى أربعين. ولقليله: دلاء يسيرة، وفاقا للصدوق، والمعتبر، والذكرى (8)، لصحيحة علي (9)، وموثقة الساباطي (10)، وصحيحة ابن بزيع المتقدمة (11). والافضل منه خمسون للكثير وعشرة للقليل، لنقل الاجماع عليه في الغنية، بل السرائر (12)، ثم عشرون في القطرة، ثم ثلاثون، لروايتي زرارة (13)، وكردويه (14).


(1) لغنية (الجوامع الفقهية): 552. (2) الكافي 3: 7 الطهارة ب 4 ح 11، الوسائل 1: 191 أبواب الماء المطلق ب 20 ح 2. (3) التهذيب 1: 244 / 702، الاستبصار 1: 41 / 116، الوسائل 1: 191 أبواب الماء المطلق ب 20 ح 1. (4) السرائر 1: 79، الغنية (الجوامع الفقهية): 552. (5) النهاية: 7. (6) المبسوط 1: 12، وما بين القوسين ليس في " ق ". (7) المراسم: 35، الوسيلة: 75. (8) الفقيه 1: 13، المعتبر 1: 65، الذكرى: 11. (9) الكافي 3: 6 الطهارة ب 4 ح 8، الفقيه 1: 15 / 29، التهذيب 1: 409 / 1288، الاستبصار 1: 44 / 123، الوسائل 1: 193 أبواب الماء المطلق ب 21 ح 1. (10) التهذيب 1: 234 / 678، الوسائل 1: 193 أبواب الماء المطلق ب 21 ح 2. (11) المتقدمة ص 71. (12) الغنية (الجوامع الفقهية): 552، السرائر 1: 79. (13) التهذيب 1: 241 / 697، الاستبصار 1: 35 / 96، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 3. (14) التهذيب 1: 241 / 698، الاستبصار 1: 45 / 125، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق

[ 82 ]

ولبول الرجل والمرأة: أربعون، للمستفيضة (1) في الاول مضافة إلى الاشتهار، بل الاجماع، كما في الغنية، وشهاده الحلي بتواتر الاخبار به (2) لبول مطلق الانسان الشامل للثاني، ودعوى بعضهم (3) الاجماع على إلحاقه بالاول. ولبول الصبي المغتذي: ثلاث، والرضيع: واحد، على الاشهر، كما في البحار (4)، للرضوي (5). وقال جماعة بالسبع للاول (6). ونسب إلى أكثر (7)، بل في الغنية، الاجماع عليه (8)، كما على الثلاث في الثاني وقيل بالسبع فيهما (9)، وعليه رواية (10). فمرتبة من الرجحان فرق الاولى لهما ثابتة، كما أن الافضل من الكل نزح الكل في غير القطرة، كما في المدادرك (11). ويشهد له بعض الاخبار (12). وثلاثون: لماء المطر المخالط للبول والعذرة وخرء الكلاب، على المشهور،


= ب 15 ح 2. (1) الوسائل 1: 181 أبواب الماء المطلق ب 16. (2) الغنية (الجوامع الفقية): 552، السرائر 1: 78. (3) لم نعثر عليه. نعم ادعى في الغنية الاجماع على الاربعين في بول الانسان الشامل باطلاقه للمرأة. (4) البحار 77: 27 وفيه: وفي الرضيع، المشهور الدلو الواحد.... (5) فقه الرضا (ع): 95، المستدرك 1: 203 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 2. (6) صاحب المقنعة: 67، والنهاية: 9، والقواعد 1: 6. (7) كشف اللثام 1: 37. (8) الغنية (الجوامع الفقهية): 552. (9) لعل المراد قول من أثبت للصبي - بنحو الاطلاق - السبع ولم يذكر مقابلا له بناء على شمول الصبي للرضيع كما في المراسم: 36، واللمعة (الروضة 1): 41. (10) التهذيب 1: 243 / 701، الاستبصار 1: 33 / 89، الوسائل 1: 1 81 أبواب الماء المطلق ب 16 ح 1 ودلالتها مبنية على ما ذكرنا. آنفا - فلاحظ. (11) المدارك 1: 82. (12) الرسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 4.

[ 83 ]

كما في المعتمد، لرواية كردويه (1). والظاهر اختصاص الحكم بالمورد، فينتفى بالتبدل أو النقص (أو الزيادة) (2). والتعدية إلى سائر المياه محتملة. ولا نزح لغير المنصوص عندنا، ووجهه ظاهر. وللقائلين بالنجاسة، فيه أقوال غير واضحة الدلالة، سوى نزح الجميع فإنه مقتضى الاستصحاب. وصغير كل حيوان ككبيره، إن عمه الاسم، وإلا فيدخل فيما لا نص فيه، أو عموم لو وجد، وجزؤه فيما (3) لا نص فيه وإن تعدد. وفي تضاعف النزح بتضاعف النجس أقوال: أظهرها. التضاعف، لاصالة عدم تداخل الاسباب. ولو تعذر نزح الكل في مورده، تراوح عليه قوم في يوم، بأن يتراوح كل اثنين البواقي، للموثق (4)، والرضوي (5). ولابد فيه من عدد، وإجزاء الاربعة مجمع عليه، لاطلاق الاول كصريح الثاني المنجبر ضعفه بالعمل يرشد إليه. والاصح الاشهر: إجزاء الأكثر، للاطلاق. وتخصيص الثاني بالاربعة لا يقيده، لضعفه الغير المنجبر في المورد، مع أن كونه لبيان الاقل ممكن. ولا يكفي الاقل وإن نهض بالعمل، اقتصارا على مورد النص. ولا النساء


(1) الفقيه 1: 16 / 35 وفيه " ماء الطريق "، التهذيب 1: 413 3 / 1300، الاستبصار 1: 43 / 120، الوسائل 1: 133 أبواب الماء المطلق ب 16 ح 3. (2) لا توجد في " ق ". (3) في " ه‍ " و " ق " مما. (4) التهذيب 1: 242 / 6 99، الوسائل 1: 196 أبواب الماء المطلق ب 23 ح 1. (5) فقه الرضا (ع): 94، المستدرك 1: 207 أبواب الماء المطلق ب 22 ح 4.

[ 84 ]

والصبيان على الاشهر، للثاني بل الاول بناء على المشهور من عدم صدق القوم عليهم. واليوم يوم الصوم، على الاظهر الاشهر، اتباعا للغة وعرف الشرع. دون الاجير من حيث إنه المتبادر، لاصالة تأخره. لادخال جزء من الطرفين من باب المقدمة واجب، أو مستحب. ولا يجزي مقداره من الليل، أو الملفق، لخروجه عن النص. ولا تجوز لهم الصلاة جميعا، ولا الاكل كذلك، لعدم صدق نزح اليوم. ودلو النزح هوالمعد، أو المعتاد، ورجهه ظاهر. واستيفاء العدد لازم في تحقق الامتثال. ولا يكفي الوزن. خلافا للفاضل، والذكرى (1)، لحصول الغرض. ويرده إمكان حكمة في العدد. المسألة الرابعة. إذا تغيرت البئر بالنجاسة فتطهر بالنزح حق يذهب التغير، للمستفيضة، كصحيحة ابن بزيع المتقدمة (2) المعللة. وصحيحة الشحام، وفيها: " وإن تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح " (3). وموثقة سماعة: " وإن أنتن حتى يوجد الريح النتن في الماء، نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء " (1). ررواية زرارة: " فإن غلبت الريح نزحت حتى تطيب " (5).


(1) التذكرة 1: 4، القواعد 1: 6، الذكرى: 10. (2) ص 21. (3) الكافي 3: 5 الطهارة ب 4 ح 3، التهذيب 1: 237 / 684، الاستبصار 1: 37 / 102، الوسائل 1: 148 أبواب الماء المطلق ب 17 ح 7. (4) التهذيب 1: 236 / 681، الاستبصار 1: 36 / 98، الوسائل 1: 183 أبواب الماء المطلق ب 17 ح 4. (5) التهذيب 1: 421 / 697، الاستبصار 1: 35 / 96، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 3.

[ 85 ]

ولا تنافيها صحيحة ابن عمار المتقدمة (1) في المسألة الاولى، لان نزح البئر يجوز في نزح مائها كلا أو بعضا، والاخبار المذكورة معينة للثاني. وأما رواية منهال: " وإن كانت جيفة قد اجتفت فاستق منها مائة دلو، فإن غلب عليه الريح بعد مائة دلو فانزحها كلها " (2). ورواية أبي خديجة. " في الفأرة فإن. انتفخت وأنتنت نزح الماء كله " (3). وقريب منهما الرضوي (4). فلاطلاقهما بالنسبة إلى عدم ذهاب التغير قبل نزح الكل مقيدتان به، للاخبار المتقدمة، وفي أولهما إشعار بذلك أيضا، مضافا إلى عدم دلالة الثانية على الوجوب. وللمنجسين بالملاقاة هنا أقوال متكثرة، لا طائل في ذكرها. ولا يعتبر دلو ولا عدد هنا، وكذا في نزح الكر والجمبع، والوجه ظاهر. وإن زاد المقدر عن مزيل التغير فالظاهر استحباب الزائد، لاطلاق أدلته مع عدم المقيد، حيث إن وجوب نزح المزيل لا ينافي استحباب غيره. ولو زال التغير بنفسه، فهل يطهر به أم لا ؟ فيه وجهان، أوجههما: الثاني، للاصل. وعليه ففي وجوب نزح الجميع حينئذ، أو الاكتفاء بما يعلم معه زوال التغير لو كان، والجميع لو لم يعلم، قولان. أولهما للفاضل (5) وابنه (6)، وقواه في الذكرى (7)، للاصل، وتعذر ضابط تطهيره.


(1) ص 69. (2) التهذيب 1: 231 / 667، الاستبصار 1: 27 / 70، الوسائل 1: 196 أبواب الماء المطلق ب 22 ح 7. (3) التهذيب 1: 239 / 692، الاستبصار 1: 40 / 111، الوسائل 1: 188 أبواب الماء المطلق ب 19 ح 4. (4) فقه الرضا (ع): 92، البحار 77: 25 / 3. (5) القواعد 1: 6، التذكرة 1: 4. (6) ايضاح الفوائد 1: 22. (7) الذكرى: 10.

[ 86 ]

وثانيهما - وهو الاقوى - للبيان، وثاني الشهيدين والمعالم (1) وجماعة اخرى (2)، لفحوى ما دل على الاكتفاء به مع وجوده، فمع عدمه بطريق أولى. وفي تطهر البئر بعد التنجس، بغير النزح من مطفرات الماء المتقدمة، خلاف. ولا يبعد التطهر، لدلالة مرسلة الكاهلي المتقدمة (3) على التطهر بهاء المطر، وعدم الفصل يتمم المطلوب. المسألة الخامسة: لا تنجس البئر بالبالوعة التي ترمى فيها المياه النجسة وإن تقاربتا ما / تتغير بها أو تتصل، بالاجماع، وهو الحجة، مضافا إلى الاصل، وخبر محمد بن أبي القاسم المتقدم (4) المنجبر. وكذا مع الثاني على الاظهر، لما مر من الاصل والخبر، مضافا إلى غيرهما مما سبق. وبهما تقيد حسنة الفضلاء المتقدمة (5)، أو يرجع بعد تعارضهما إلى الاصل. نعم يستحب تباعدهما بخمسة أذرع مع صلابة الارض أو فوقية البئر قرارا، والسبعة بدونهما، لرواية ابن رباط: عن البالوعة تكون فوق البئر، قال: " إذا كانت فوق البئر فسبعة أذرع، وإذا كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع من كل ناحية " (6).


(1) البيان: 1: 1، الروض: 143، المعالم: 92. (2) الرياض 1: 9، مشارق الشموس: 242. (3) ص 16. (4) ص 69. (5) الكافي 3: 7 الطهارة ب 5 ح 2، التهذيب 1: 410 / 1293، الاستبصار 1: 46 / 128، الوسائل 1: 197 أبواب الماء المطلق ب 24 ح 1. (6) الكافي 3: 7 الطهارة ب 5 ح 1، التهذيب 1: 410 / 1290، الاستبصار 45 / 126، الوسائل 1: 199 أبواب الماء المطلق ب 24 ح 3.

[ 87 ]

ومرسلة قدامة: كم أدنى ما يكون بين البئر الماء - والبالوعة ؟ فقال: " إن كان سهلا فسبعة أذرع وإن كان صلبا فخمسة أذرع " (1). بالرجوع إلى الاصل، والاخذ بالمتيقن في مورد تعارضهما، وخلوهما عن مقتضى الوجوب أوجب حملهما على الاستحباب، مضافا إلى عدم قائل بالوجوب من الاصحاب. وورد في بعض الروايات الفصل باثنى عشر ذراعا مع كون البالوعة في جهة شمال البئر. وبسبعة مع كونهما مستويين في مهب الشمال (2). والاكثر أعرضوا عنه لمعارضته مع ما مر. وحمله على مرتبة من الافضلية ممكن، ويمكن ذلك في مورد تعارض الاولين أيضا. * * *


(1) الكافي 3: 8 الطهارة ب 5 ح 3، التهذيب 1: 410 / 1291، الاستبصار 1: 45 / 127، الوسائل 1:، 198 أبواب الماء المطلق ب 24 ح 2. وفيها: " جبلا " بدل " صلبا ". (2) التهذيب 1: 410 / 1292، الوسائل 1: 200 أبواب الماء المطلق ب 24 ح 6.

[ 88 ]

الفصل السابع: في المستعمل وفيه مسائل: المسألة الاولى: الماء المستعمل في إزالة النجاسة غير الاستنجاء، إذا لم يتغير، طاهر مطلقا، إن قلنا بعدم تنجس القليل بالملاقاة مطلقا، أو بعدم تنجسه إلا مع ورود النجاسة، وقلنا باشتراط التطهر بإيراد الماء على المحل، كالسيد، والحلي (1)، ومن تبعهما (2) (2). ونسبة التفصيل في المستعمل إليهما وتحصيص قولهما بطهارة الغسالة بصورة ورود الماء غلط، لان غيرها ليس غسالة عندهما، لشرطهما الورود في الازالة. وأما لو قلنا بتنجسه بها مطلقا، أو بورود النجاسة خاصة، مع حصول التطهير بإيراد المحل على الماء أيضا، ففي نجاسة الغسالة وطهارتها مطلقا على الاول، ومع ورود المحل على الثاني، أقوال: الاول: الطهارة مطلقا، وهو مذهب الشيخ في المبسوط (3)، والمنقول عن ابن حمزة (4) والبصروي (5)، والمحقق الثاني في بعض فوائده، والقاضي (6)، وعزاه في المعالم (7) إلى جماعة من متقدمي الاصحاب، وفي شرح القواعد: أنه الاشهر بين المتقدمين (8)، ويشعر به كلام الصدوق (9)، ويميل إليه ظاهر الذكرى،


(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 179، السرائر 1: 181، (2) كفاية الاحكام: 11. (3) المبسوط 1: 92. (4) الوسيلة: 74. راجع مفتاح الكرامة 1: 90 لبيان دلالة كلامه. (5) حكى عنه في حاشية الدروس على ما في مفتاح الكرامة 1: 95. (6) لم نعثر على كلامه في كتبه الموجودة. (7) المعالم: 123. (8) جامع المقاصد 11: 128. (9) الفقيه 1: 10، راجع الحدائق 1: 483 لبيان النسبة.

[ 89 ]

والمدارك (1)، واختاره بعض المتأخرين من المحدثين (2) أيضا. نعم جعل في المبسوط الاحوط في الثياب النجاسة مطلقا، وفي الاواني في الغسلة الاولى (3). والقاضي قال بالاحتياط في غسالة الولوغ (4). الثاني: النجاسة كذلك، اختاره الفاضلان (5)، والمحقق الثاني في شرح القواعد (6)، وهو المنقول عن الاصباح، وظاهر المقنع، والشهيد (7)، ومال إليه المحقق الاردبيلي (8)، ونسب إلى أكثر المتأخرين (9)، بل ظاهر المنتهى الاجماع عليه، حيث ادعاه على نجاسة غسالة بدن الجنب والحائض إذا كان نجسا (10)، ولا قائل بالفصل. الثالث: الطهارة مطلقا فيما غسل الأواني، والنجاسة في غير الاخيرة في الثياب، نقل عن الخلاف (11). الرابع: النجاسة مطلقا في غير الاخيرة، وهو اختيار والدي العلامة رحمه الله.


(1) الذكرى: 9، المدارك 1: 122. (2) الظاهر أن المراد به المحدث الاسترابادي على ما حكى عنه في الحدائق: 480، 487. (3) المبسوط 1: 92، 36. (4) المهذب 1: 29. (5) المحقق في المختصر النافع: 4، والشرائع 1: 16، والعلامة في المنتهى 1: 24، والمختلف: 13، والتحرير 1: 5، والقواعد 1: 5. (6) جامع المقاصد 1: 129. (7) المقنع: 6، الدروس 1: 122. (8) مجمع الفائدة 1: 287. (9) نسبه المحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 129، إلى المشهور بين المتأخرين. (10) المنتهى 1: 23. (11) الخلاف 1: 181.

[ 90 ]

الخامس: النجاسة بعد انفصال الماء عن المحل، نقل عن المختلف (1). ونقل أقوال اخر ترتقي مع ما ذكر إلى اثني عشر، ولكن لا يعرف قائل لاكثرها. والحق هو الثاني. أما في صورة ورود المحل على الماء: فلطائفة من الاخبار المتقدمة في بحث انفعال القليل، كصحيحة البزنطي، وموثقتي سماعة وروايق أبى بصير (2) الواردة في إهراق الماء القليل إذا أدخل فيه الاصبع أو اليد إذا كان قذرا. والقول بأن الظاهر منها أنه لاخذ الماء دون الغسل، ويمكن تفاوت الحكم من أجل صدق الاسم وعدمه، واه جدا، لعدم توقف صدق الغسل على قصده. عرفا قطعا وإجماعا، ولذا يحكم بالطهارة مع زوال العين، أو إذا لم تكن ثمة عين، بمجرد ذلك الادخال في الكر والجاري، ولو لم يقصد الغسل. وجعل الامر بالاهراق كناية عن عدم الطهورية لا وجه له، فإن الامر حقيقة في الوجوب، وهو إنما يتمشى إذا قلنا بنجاسة ذلك الماء، إذ لولاها لم يجب إهراقه إجماعا، وأما معها فيمكن القول بوجوبه، بل هو الاظهر، من جهة حرمة حفظ الماء النجس، كما يأتي في بحث المكاسب. وكون الظاهر من بعض هذه الاخبار أنه يريد التوضؤ به - لو سلم - لا يفيد. وأما في صورة ورود الماء: فلان أدلة انفعاله حينئذ وإن لم تكن تامة، ولكنها لو تمت لكانت نسبتها إلى الغسالة وغيرها متساوية، فإما يجب ردها والقول بعدم الانفعال حينئذ مطلقا، كما هو الحق، أو قبولها في الغسالة وغيرها. وقد يستدل: بالاجماع المنقول في المنتهى (3)، وبروايتي ابن سنان والعيص


(1) المختلف: 13. (2) المتقدمة ص 39. (3) تقدم ص 89.

[ 91 ]

المتقدمتين في القليل (1)، ولوجوب تعدد الغسل وإهراق الغسلة الغير الاخيرة من الاواني، ولوجوب العصر فيما يجب فيه، وبعدم تطهر ما لا يخرج منه الماء إلا بالكثير أو الجاري (2). ويضعف الاول. بعدم الحجية. والثانيان: بما مر في البحث المذكور، والبواقي: بعدم دلالتها على النجاسة، لجواز التعبد بها، ولذا يقول بها بعض من يقول بالطهارة أيضا. احتج القائل بالطهارة مطلقا: بالاصل، وعمومات طهارة الماء (3). وخصوص صحيحة محمد في الغسل في المركن (4). وعدم دلالة أخبار نجاسة القليل (5) على نجاسة الغسالة. وبالتعليل المستفاد من قوله: " ما أصابه من الماء أكثر " و " أن الماء أكثر من القذر " في تعليل نفي البأس عن إصابة ماء المطر الذي أصاب البول الثوب، أو وقوع الثوب في ماء الاستنجاء، في صحيحة هشام (1)، ورواية العلل (7). وبالاخبار الدالة على الامر بالرش والنضح فيما يظن فيه النجاسة (8)، حيث إنه لو تنجس الماء، لكان ذلك زيادة في المحذور. وباطلاق الاخبار الواردة في تطهير البدن من البول (9)، والنافية للبأس عما


(1) ص 43. (2) وبهذه. الوجوه استدل في مجمع الفائدة 1: 286. (3) المتقدمة ص 19 وراجع الوسائل 1: 133 أبواب الماء المطلق ب 1. (4) التهذيب 1: 250 / 717، الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 2 ح 1. (5) المتقدمة ص 36 إلى 41. (6) المتقدمة ص 27. (7) علل الشرائع: 287 / 1، الوسائل 1: 222، أبواب الماء المضاف ب 13 ح 2. (8) أوردها في الوسائل في أبواب مختلفة من كتابي الطهارة والصلاه فراجع ج 3 ص 400، أبواب النجاسات ب 5 ح 2 وص 519 ب 73 ح 3 وإن شئت العثور عليها مجتمعة فراجع جامع الاحاديث 2: 132 باب 22. (9) الوسائل 3: 395 أبواب النجاسات ب 1.

[ 92 ]

ينزو من الارض النجسة في إناء المغتسل (1)، يدل بمفهوم الموافقة على نفيه عما يترشح من الغسالة. والاولان مدفوعان: بما مر. والثالث: بعدم دلالته إلا على طهر المحل، وأما على طهارة الماء، فلا. والرابع: بأنه وإن صح في أدلة نجاسة الماء الوارد على النجاسة، ولكن المنقي حينئذ عدم دلالتها على النجاسة مطلقا، لا على اختصاصها بغير الغسالة، فاللازم إما القول بعدم تنجس الماء الوارد مطلقا، أو تنجسه كذلك. وأما في أدلة نجاسة الماء الواردة عليه النجاسة فلا يصح كما مر. والقول بأن الامر وإن كان كذلك، لكن الغسالة بدليل لزوم العسر والحرج عنها مستثناة، مردود: بمنع اللزوم، ولذا قال جماعة بنجاستها، ولم يقعوا في عسر ولا حرج. والخامس: بأنه يدل على أن كل ماء أكثر من القذر لا ينجس به. وأدلة انفعال القليل أخص منه، فيخصص بها، مع أنه لو تم لم يختص بالغسالة، فلازمه عدم انفعاله بالملاقاة إذا كان أكثر من القذر. والسادس: بأن ما ينضح أو يرش ليس مزيلا للنجاسة، بل، لمحل مظنتها، فهو أمر تعبد به. والسابع. بعدم الدلالة، لان محطها إن كان لزوم تنجس البدن، ففيه ما يأتي من أن دليل تنجس الملاقي للمتنجس مطلقا هو الاجماع المركب، وانتفاؤه في المورد ظاهر، وإن كان لزوم نجاسة الماء فتلتزم، فهو كالنجاسة المحمولة - وترتفع بالجفاف. والثامن: بأن العمل بالمفهوم إنما هو إذا لم يترك المنطوق، وهو عدم تنجس الماء الوارد مطلقا، وحينئذ فيخرج عن محل النزاع، لانه إنما هو على القول بنجاسة


(1) الوسائل 1: 211. أبواب الماء المضاف ب 9.

[ 93 ]

الوارد. ونقلوا عن الخلاف (1) الاحتجاج للثالث: بما ظاهره الاختلال والتناقض، وإن أمكن نوجيهه بعناية وتكلف، ومعه فدفعه ظاهر أيضا.. وقد يستدل له: بما يأتي للرابع، ولكنه يأبى. عن الفرق بين الاواني وغيرها. واستدل للرابع: أما على النجاسة في غير الاخيرة: فبأدلة انفعال القليل. وأما على الطهارة فيها: فبطهر الماء المتخلف (في المحل) (2) بعده إجماعا، لطهارة المحل، فيكون المنفصل أيضا كذلك، إذ اختلاف أجزاء ماء واحد غير معقول. هذا في الثياب، وأما في الاواني فلا منفصل، بل يكون الجميع طاهرا، لكونه في المحل مع طهارته. وفيه: منع اختلاف أجزاء الماء الواحد، بل منع الوحدة. ويمكن منع طهارة المتختف أيضا وإن لم ينجس به المحل، فإذا جف يصير المحل خاليا عن النجاسة مطلقا. واحتج للخامس: بأن دليل نجاسة القليل يقتضي نجاسة الغسالة مطلقا، بل عدم صحة التطهر به، ولكن لما قام الدليل على صحة التطهر به، وتوقف طهارة المحل على عدم نجاسة الماء، اقتصر فيه على موضع الضرورة، وهو ما قبل الانفصال. وفيه: منع توقف طهارة المحل على عدم نجاسة الماء، مع أنه لو سلم ذلك، ولزوم طهارة الماء لاجل التطهر به، فاللازم طهارته بعد الانفصال أيضا، لانتفاء تأثير الملاقاة التى هي العلة لاجل الضرورة وعدم تحقق موثر بعده. ثم إنه قد ظهر بما ذكرنا: أن الحق - على ما اخترناه من التفصيل في الماء القليل، لو قلنا بحصول التطهر بكل من الورودين - هو التفصيل في الغسالة،


(1) الخلاف 1: 181. (2) لا توجد في " ه‍ ".

[ 94 ]

وكونها طاهرة مع ورود الماء، نجسة مع العكس. والظاهر أن النجس حينئذ هو القدر الزائد من الماء المرسوب في المحل، على النحو الآتي في بحث تطهير النجاسات بالماء، إذ لم يثبت من أدلة انفعال القليل انفعال ذلك أيضا. وقد يقال: أن الماء إذا دخل في الثوب، ليس واردا على النجاسة، وحينئذ وإن لم ينجس بالاتصال، ولكن ينجس بعد الدخول، إذ ما فوقه من أجزاء الثوب وارد عليه، فينجس الماء الداخل فيه. وأما المنفصل، فنجاسته إما لما مر من عدم الاختلاف، أو لانه أيضا انفصل بعد الدخول، وما لم يدخل منه فامتزج بالخارج بعد الدخول، وهذا لا يجرى في الاخيرة، لطهارة أجزاء الثوب حينئذ. وفيه: مضافا إلى أنه لا يجري في غير مثل الثياب، منع كون أجزاء الثوب واردة على الماء، فإن ما ثبت من الادلة من تأثير النجاسة في الماء إنما هو إذا دخلت أو وقعت فيه، ومثل ذلك لا يسمي دخولا ولا وقوعا عرفا، ولا ورودا. مع أن الثابت من الاخبار النجاسة ببعض أفراد الورود، وإنما يتعدى بعدم الفصل، وهو هنا غير متحقق. فرعان: أ: على القول بنجاسة الغسالة، ففي الاكتفاء في تطهير ما يلاقيها بالمرة مطلقا، للاصل، وإطلاق الغسل في رواية العيص المتقدمة (1)، أو وجوب المرتين كذلك، لوجوبهما في جميع النجاسات، أو كونها كالمحل قبل. الغسل، لاستصحاب نجاسة ما لاقاها إلى أن يعلم الطهارة، ولتخفيف نجاستها بخفة نجاسة المحل، أو بعده، لما مردليلا على طهارة الغسالة الاخيرة، في القول الرابع: وقياس ما قبلها عليها، أقوال أقواها: أولها، لما ذكر.


(1) ص 43.

[ 95 ]

ووجوب المرتين للجميع ممنوع. والاستصحاب بما ذكر مدفوع، مع عدم انطباقه كلية على المطلوب. وعدم إيجاب خفة نجاستها - لو سلمت - للمدعى. ودليل طهارة الاخيرة بما سبق مردود، مع أن القياس حجة باطلة. ب: عل القول بطهارتها، كلا أو بعضا، فهل يكون مطهرا أم لا ؟ لاريب في طهوريته من الخبث، للاستصحاب، وعمومات طهورية الماء، وصدق الغسل المأمور به إذا غسل به نجس. وبهما يضعف معارضة استصحاب الخبث لاستصحاب المطهرية، مع أن الاول يزول بالثاني لولا المعاضد له أيضا، كما بينا وجهه في الاصول. وأما الحدث: فالظاهر العدم، وفاقا لجماعة (1)، وفي المعتبر والمنتهى (2) الاجماع عليه، لرواية ابن سنان المتقدمة (3)، المعتضدة بالمحكي من الاجماع، وبها يندفع الاستصحاب وتخصص العمومات. ثم لو مزجت بغيرها من الماء المطلق، فإن استهلك أحدهما فالحكم للآخر، وإلا ففي رفع الحدث به إشكال. والاظهر الارتفاع، لانه غير ما علم خروجه من عمومات طهورية الماء، ولم يعلم خروجه. وهل يختص المنع بالقليل، أو يشمل الكر والجاري أيضا ؟ والتحقيق: أن عموم قوله في الرواية: " الماء الذي يغسل به الثوب " وإن عم الجميع، ولكنه يمنع عن التطهر عما غسل به، لا ما غسل فيه. وعلى هذا، فلو غسل ثوب أو غيره في كر، لا يغسل إلا بجزء منه، وهو عند الباقي مستهلك، فلا يمنع.


(1) الذخيرة: 143، مشارق الشموس: 253، غنائم الايام: 74. (2) المعتبر 1: 90، المنتهى 1: 24. (3) ص 43.

[ 96 ]

نعم لو فرض تكثر المغسول، بحيث تحقق الغسل بكل جزء من الكر، أو عدا ما يستهلك، يمنع من الجميع، وكذا الجاري. وتحقق الاجماع على خروجهما - لو سلم - ففي مثل ذلك الفرض ممنوع. المسألة الثانية: غسالة الاستنجاء الغير المتغيرة طاهر، بمعني عدم وجوب الاحتراز عنه في مشروط الطهارة إجماعا، ونقله عليه متكرر (1)، والاخبار به معتبرة مستفيضة. كصحيحة الهاشمي: عن الرجل، يقع ثوبه على الماء الذى استنجى به، أينخس ذلك ثوبه ؟ قال: " لا " (2). وصحيحة الاحول: قلت له: أستنجي ثم يقع فيه ثوبي وأنا جنب، قال: " لا بأس به " (3). وحسنته: أخرج من الخلاء فأستنجي في الماء، فيقع ثور في ذلك الماء الذي استنجيت به، قال: " لا بأس " (4). وهي وإن كانت مختصة بالثوب، إلا أن المطلوب يتم بعدم الفصل. مع أن الحكم موافق للاصل السالم عن المعارض. أما مع ورود الماء: فلعدم تحقق ما يوجب عنه الاحتراز، حيث إن الماء طاهر حينئذ. وأما مع ورودها وقلنا بحصول التطهر به: فلانه ليس في أخبار نجاسة القليل ما يشمل بإطلاقه أو عمومه لكل نجاسة، أو لماء الاستنجاء أيضا، بل


(1) السرائر 1: 98، الروض: 160، الرياض 1: 11، وفي المدارك 1: 123 نسبه إلى الاصحاب. (2) التهذيب 1: 86 / 228، الوسائل: 223 أبواب الماء المضاف ب 13 ح 5. (3) التهذيب 1: 86 / 227، الوسائل 1: 222 أبواب الماء المضاف ب 13 ح 4. (4) الكافي 3: 13 الطهارة ب 9 ح 5، الفقيه 1: 41 / 162، التهذيب 1: 85 / 223، الوسائل 1: 221 أبواب الماء المضاف ب 13 ح 1.

[ 97 ]

كانت إما مخصوصة بموارد أو غير عامة، وعديت بعدم القول بالفصل، وهو هنا موجود. وأما إطلاق رواية العيص (1)، فمع قصورها عن إفادة الوجوب - كما مر - فبالاخبار المذكورة مقيد. وهل هذا الماء نجس معفو عنه في المباشر كالمنتهى (2)، والذكرى (3) أو طاهر، كالأكثر ؟ الثابت من الاخبار الثلاثة، وسائر ما ورد بخصوص المقام، ليس أزيد من الاول. وتصريح صحيحة الهاشمي بعدم تنجس الثوب ليس تصريحا بعدم نجاسته، لجواز كونه نجسا غير منجس. ولكن ما ذكرنا من الاصل يثبت الثاني، وربما يشعر به التعليل المروي في العلل: " أن الماء أكثر من القذر " (4). وهل هو مطهر من الخبث والحدث ؟ الظاهر نعم، وفاقا للاردبيلي (5)، والحدائق (6)، لصدق الماء الطاهر عليه وعدم المخرج. ومنهم من لم يجعله مطهرا مطلقا (7)، وهو مبني على القول بالعفو، وقد عرفت ضعفه. ومنهم من يرفع به الخبث، دون الحدث، وهو مذهب والدي - رحمه الله -، ولم يظهر له دليل، سوى نقل الاجماع من الفاضلين على عدم جواز رفع الحدث بما


(1) المتقدمة ص 43. (2) المنتهى 1: 24. (3) الذكرى: 9. (4) علل الشرائع: 287 / 1، الوسائل 1: 222 أبواب الماء المضاف ب 13 ح 2. (5) مجمع الفائدة 1: 289. (6) الحدائق 1: 477. (7) كما في الذكرى: 9، المدارك 1: 124.

[ 98 ]

تزال به النجاسة مطلقا (1). وهو ليس بحجة عندنا. فروع: أ: يشترط في طهارته - مضافا إلى ما مر من عدم التغير - عدم ورود نجاسة خارجة، أو منفصلة متميزة عن المحل عليه، ولا وروده عليها، على القول بانفعال القليل مطلقا. ولا عدم مصاحبة الخارج عن المحل لنجاسة اخرى. والوجه في الكل واضح. وإطلاق أخبار الاستنجاء - لو سلم - فإنما هو من حيث إنه ماء استنجاء، لا مطلقا. ب: لوسبقت اليد فتنجست، فإن كان لاجل الاستنجاء، بحيث تعد عرفا آلة له، لا تنجس الماء، وإلا تنجسه، والوجه ظاهر. واشتراط عدم سبقها مطلقا - لاجل تنجسها وعدم كون غسلها استنجاء - باطل، لتنجسها مع التأخر أيضا. ج: لا فرق بين المخرجين، للاصل، وصدق الاستنجاء. ولا بين الغسلة الاولى والثانية في البول على التعدد، لذلك. خلافا للمحكي عن الخلاف (2) في الاولى منه. ولا بين المتعدي وغيره، لما مر أيضا، إلا مع التفاحش الرافع لصدق الاسم. قالوا: ولا بين الطبيعي وغيره. ولا بأس به، مع انسداد الطبيعي لا مطلقا. د: لا عبرة بالشك في حصول بعض ما تقدم، لاصلي الطهارة والعدم. وجعل الاصل تنجس القليل إلا ما قطع بخروجه ضعيف، لما مر.


(1) تقدم ص 59. (2) حكاه في مفتاح الكرامة 1: 93 عن الخلاف ولا يخفى أنه لم يعنون في الخلاف مسألة بعنوان ماء الاستنجاء. نعم فصل في مسألة غسالة الثوب النجس بين الغسلة الاولى فحكم فيها بالنجاسة وبين الغسلة الثانية، واستدل على الطهارة في الثانية بروايات ماء الاستنجاء فقد يستفاد من كلامه أنه يرى اختصاص روايات ماء الاستنجاء بالغسلة الثانية، فلاحظ.

[ 99 ]

المسألة الثالثة: المستعمل في الحدث الاصغر طاهر مطهر، بالاصول، والاجماعين (1)، والعمومات (2)، وخصوص المستفيضة (3). وربما نسب إلى المفيد (4) استحباب التنزه عنه، بل عن المستعمل في الغسل المستحب أيضا، لرواية محمد بن علي بن جعفر (5)، الغير الدالة من وجوه. كما ينسب إلى بعضهم استحباب التوضؤ منه، لتهجم الناس على التوضؤ من مستعمل وضوء النبي، كما ورد في بعض الاخبار (6). وهو غير قابل للتعميم. المسألة الرابعة: المستعمل في الاكبر طاهر، بالثلاثة الاولى (7)، وخصوص المعتبرة. منها: صحيحة الفضيل: عن الجنب يغتسل، فينضح من الارض في الاناء ؟ فقال: " لا بأس " (8). ولا يعارضها خبر حنان، وفيها - بعد السؤال عما ينتضح على البدن من غسالة الجنب -: " أليس هو بجار ؟ " قلت: بلى، قال: " لا بأس " (9) فإن الظاهر


(1) المحصل والمنقول وممن نقله: المنتهى 1: 22، الروض: 156، والرياض 1: 10. (2) عمومات طهارة كل شئ وطهارة الماء. راجع ص: 19. (3) راجع الوسائل 1: 209 أبواب الماء المضاف ب 8. (4) المقنعة: 64. (5) ما رواه عن الرضا (ع) " قال: من اغتسل من الماء الذي اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه. قال: فقلت له: إن أهل المدينة يقولون إنه شفاء من العين، فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب والزاني والناصب الذي هو شرهما ". وهي مخصوصة بماء الغسل وبالاغتسال فيه، وغيرها يدل على أنه لاجل الامور المذكورة (منه رحمه الله). راجع الكافي 6: 503 الزي والتجمل ب 43 ح 38، الوسائل 1: 219 أبواب الماء المضاف ب 11 ح 2. (6) الوسائل 1: 209 أبواب الماء المضاف ب 8 ح 1. (7) يعني بها: الاصول، والاجماعين، والعمومات. (8) التهذيب 1: 86 / 225، الوسائل 1: 211 أبواب الماء المضاف ب 9 ح 1. (9) الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 3، التهذيب 1: 378 / 1169 (وحذف منه: عن حنان)، الوسائل 1: 213 أبواب الماء المضاف ب 9 ح 8.

[ 100 ]

أنه استفهام إنكار، والمراد أن ماءهم جار على أبدانهم البتة، فلا بأس فيها. ومطهر من الخبث بلا خلاف، كما في ظاهر السرائر، والمعتبر والتذكرة، والمختلف، والنهاية (1)، بل بالاجماع، كما في المنتهى، والايضاح (2)، واللوامع، والمعتمد. والخلاف المنقول في الذكرى (3) لا يقدح فيه، مع أن الظاهر أنه من العامة (4)، كما قيل (5). فهو الحجة في المقام، مضافا إلى ما مرمن الاصل والعموم. وأما الحدث، ففي ارتفاعه به وعدمه قولان: الاول: للسيد والحلبيين (6) وهو المشهور بين المتأخرين (7)، لاستصحاب المطهرية، وإطلاقات استعمال الماء، والناهية عن التيمم مع التمكن منه. وصحيحة الفضيل المتقدمة، وما يؤدي مؤداها من المستفيضة النافية للبأس عمايقطر، أو ينضح، من ماء الغسل في الاناء (8). وصحيحة محمد: الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، أغتسل من مائه ؟ قال: " نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه، ثم جئت فغسلت رجلي، وما غسلتها إلا لما لزق بها من التراب " (9) فإن ترك الاستفصال عن الماء


(1) السرائر 1: 61، المعتبر 1: 90، التذكرة 1: 5، المختلف: 13، نهاية الاحكام 1: 241. (2) المنتهى 1: 23، الايضاح 1: 19. (3) الذكرى: 12. (4) راجع المغني 1: 43، نيل الاوطار 1: 33، بداية المجتهد 1: 27. (5) المعالم: 135. (6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 179، الكافي في الفقه: 130، الغنية (الجوامع الفقهية): (7) كما اختاره في: القواعد 1: 5، الايضاح 1: 19، الروض: 158 (8) الوسائل 1: 212، 213 أبواب الماء المضاف ب 9 ح 6، 8. (9) التهذيب 1: 378 / 1172، الوسائل 1: 211 أبواب الماء المضاف ب 9 ح 3.

[ 101 ]

المسؤول عنه، يفيد العموم. وصحيحة علي: عن الرجل يصيب الماء في ساقية، أو مستنقع، أيغتسل منه للجنابة، أو يتوضأ منه للصلاة، إذا كان لا يجد غيره، والماء لا يبلغ صاعا للجنابة، ولا مدا للوضوء، وهو متفرق، إلى أن أجاب بقوله: " فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات، ثم مسح جلده بيده، فإن ذلك يجزيه " إلى أن قال: " وإن كان الماء متفرقا فقدر أن يجمعه، وإلا اغتسل من هذا وهذا، فإن كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه، فإن ذلك يجزيه " (1). وموضع الاستدلال قوله: " فلا عليه " إلى آخره. ومرسلة ابن مسكان: عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، يريد أن يغتسل، وليس معه إناء والماء في وهدة، فإن هو اغتسل يرجع غسله في الماء، كيف يصنع ؟ قال: " ينضح بكف بين يديه، وكفا من خلفه، وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله، ثتم يغتسل " (2). وصحيحة ابن بزيع: عن الغدير، يجتمع فيه ماء السماء، ويسقى فيه من بئر، فيستنجي فيه إنسان من البول، أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز ؟ فكتب: " لا تتوضأ من مثل هذا إلا عن (3) ضرورة إليه " (4) فإن تجويزه التوضؤ حال الضرورة دليل على أن النهي للتنزه.


(1) التهذب 1: 416 / 1315، الاستبصار 1: 28 / 73، الوسائل 1: 216 أبواب الماء المضاف ب 10 ح 1. (2) التهذيب 1: 417 / 1318، الاستبصار 1: 28 / 72، الوسائل 1: 217 أبواب الماء المضاف ب 10 ح 2. (3) في " ق ": من. (4) التهذيب 1: 150 / 427، الاستبصار 1: 9 / 11، الوسائل 1: 163 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 15.

[ 102 ]

والثاني للصدوقين (1)، والشيخين (2)، بل أكثر الاصحاب، كما في الخلاف (3)، واختاره والدي العلامة - رحمه الله - ونسبه في اللوامع إلى أعيان القدماء، وفي المعتمد إلى معظمهم، وجعله المحقق في المعتبر أولى، وفي الشرائع أحوط (4)، وإن كان ظاهره فيهما وفي النافع التوقف (5). لاستصحاب الحدث. ورواية ابن سنان المتقدمة (6). ورواية حمزة بن أحمد: عن الحمام قال: " ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التى يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب " (7) الحديث، المعتضدتين بالشهرة المتقدمة، وبتكرر السؤال في الاخبار عن الماء الذي يرجع فيه غسالة الجنب، وأنه كيف يصنع به حينئذ (8) ؟ واقترانها بما ولغت فيه الكلاب (9)، وغير ذلك بحيث يتحدس (10) فيه وضوح عدم جواز التوضؤ والاغتسال منها، عند الاصحاب الاطياب. واحتمال النفي في الاخيرة فلا يفيد عدم الجواز خلاف الظاهر، بقرينة المعطوف عليه. وتجويز كون النهي لغلبة احتمال وجود النجاسة في المغتسل من الجنابة - كما


(1) الفقيه 1: 10، ونقل عنهما في المختلف: 12. (2) المفيد في المقنعة: 64، والطوسي في المبسوط 1: 11، والنهاية: 4. (3) الخلاف 1: 172. (4) المعتبر 1: 88، الشرائع 1: 16. (5) المختصر النافع: 4. (6) ص 43. (7) التهذيب 1: 374 / 1143، الوسائل 1: 218 أبواب الماء المطلق ب 11 ح 1. (8) الوسائل 1: 216 أبواب الماء المضاف ب 10. (9) الوسائل 1: 158 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1، 5، 12. (10) في " ق ": يحدس.

[ 103 ]

يستفاد من الاخبار المتضمنة لكيفية غسل الجنابة، الآمرة بغسل الفرج (1) - خلاف الاطلاق بل الصريح، لان ما يغتسل به الجنب غير ما يغسل به فرجه قطعا. وتدل أيضا عليه صحيحة محمد: عن ماء الحمام، فقال: " ادخله بإزار، ولا تغتسل من ماء آخر إلا أن يكون فيه جنب، أو يكثر أهله، فلا يدرى فيه جنب أم لا " (2). والتقريب ما تقدم في صحيحته المذكورة (3) للقول الاول. وعدم وجوب التنزه عن المستعمل في إحدى صورتي المستثني إجماعا - كما قيل - مع كونه كالاجماع المدعى ممنوعا - كما يأتي - لا يضر، إذ الخروج عن ظاهر بعض أجزاء الرواية بدليل، لا يقتضيه في غيره. ونفي دلالتها على وجوب التنزه - لكون الاستثناء عن النهي عن الاغتسال بماء آخر في صورتي المستثنى، أعم من الامر بالاغتسال به فيهما، للاكتفاء في رفع النهي بالاباحة - واه جدا، لان النهي في المستثنى منه ليس للحرمة، ولا الكراهة قطعا، بل المراد نفي وجوب الاغتسال عن ماء آخر لعدم صلاحيته لمعنى غيره، فرفعه يكون بالوجوب، وبه يثبت المطلوب. ثم إن هؤلاء بهذه الادلة يعارضون الاولين بأدلتهم، فيدفعون استصحابهم باستصحابهم وبأخبارهم، وإطلاقاتهم بقسميها بمقيداتهم، بعد نفيهم دلالة سائر أخبارهم (4). فالصحيحة الاولى: بأن ما ينزو، أو ينضح، أو يقطر، يستهلك في الاناء، فلا منع فيه. مع أنه لا إشعار بنفي البأس عن الغسل، لجواز أن يكون السؤال عن نجاسة الاناء، وكان النزو بعد تمام الغسل.


(1) الوسائل 2: 229 أبواب الجنابة ب 26. (2) التهذيب 1: 379 / 1175، الوسائل 1: 149 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 5. (3) ص 100 - 101. (4) المتقدمة ص 99.

[ 104 ]

والثانية: بأن الظاهر كون السؤال عن الماء الجاري في الحياض، دون الغسالة. مع أنها معارضة بغيرها، مما مر ويأتي، ومع ذلك فهي عامة يجب تخصيصها بما مر. والثالثة: بجواز كون " أن " في قوله: " لا عليه أن يغتسل " مصدرية، وكون المصدر اسما للفظة " لا "، والمشار إليه في قوله: " فإن ذلك يجزيه) ما ذكره أولا من غسل الرأس ومسح الجلد. بل يتعين أن يكون المراد ذلك، لان السؤال قد تضمن أمرين: عدم كفاية الماء، وتفرقته. وقد أجاب عن الاول بغسل الرأس ومسح الجلد، وعن الثاني بالجمع مع القدرة، والاغتسال من هذا وهذا بدونها، والمحكوم عليه في قوله. " فإن كان " وقوله: " فإن خشي " واحد، فيلزم التحاد الحكم لئلا يلزم التناقض. مع أنه على الاحتمال الآخر يحتاج إلى إضمار اسم لا، وهو خلاف الاصل. والمرسلة: باحتمال أن يكون السؤال عن فساد الماء، برجوع ماء الغسل بعد تمامه فيه، لا عن الغسل بالماء الراجع. بل احتمال أن يكون الامر بنضح الأكف لئلا يحصل العلم بالرجوع، ولا يمكن منه الغسل، كما صرح به كثير من الاصحاب. مضافا إلى ضعف سندها، وإرسالها، ومخالفتها لعمل راويها، ولشهرة القدماء، وهما مخرجان للرواية عن الحجية. والاخيرة: بجواز رجوع المجرور في فوله: " إليه " إلى التوضؤ، أي: لا - تتوضأ إلا مع الضرورة إلى التوضؤ، من تقية، أو نحوها. وعلى هذا فتكون تلك كسابقتيها دليلا للقول الثاني أيضا. فهو الاقوى، وبالعمل عليه أليق وأحرى. فروع: أ: هل الحكم مختص بالمستعمل في غسل الجنابة، أم يعم سائر الاغسال الواجبة أيضا ؟

[ 105 ]

المصرح به في كلام الأكثر - ومنهم الشيخ (1) - التعميم. ولكن الاخبار وبعض كلمات الاصحاب - ومنهم الصدوق في الفقيه (2) - مخصوص. ومنه يظهر انتفاء الاجماع على الاشتراك، فالاختصاص أظهر. وتنزيل الاخبار على التمثيل يحتاج إلى الدليل. واشتراك الحائض ومن في حكمها مع الجنب في كثير من الاحكام، لا يثبت الاشتراك في الجميع. ب: من وجب عليه الغسل من حدث مشكوك - كواجد المني في ثوبه المختص، والمتيقن للحدث والغسل والشاك في المتأخر - كالمتيقن، لانه جنب شرعي. واستشكل فيه الفاضل في النهاية، والمنتهى (3). وهو غير جيد. ج. يشترط في رفع الطهورية الانفصال عن البدن، لانه القدر الثابت من الاخبار، دون غيره. ولا يبعد كفاية الانفصال عن العضو المرتب في الترتيبي، وأما في الارتماسي، فلا يتحقق الاستعمال في رفع الحدث إلا بعد تمام الغسل ؟ والوجه فيه ظاهر. د: الكر المجتمع من القليل المستعمل كالقليل ؟ للاستصحاب. وخلاف المبسوط والمنتهى (1) ضعيف. د: على الكلام فيما اغتسل به، فلا حرج فيما يبقى بعده في الاناء. ولا يضر إدخال الجنب يده فيه بقصد الاخذ، للاصل، والاخبار المتضمة لغسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عائشة في إناء واحد (5). ولا انتضاح شئ من الغسالة في الاثناء فيه، للروايات النافية للبأس


(1) المبسوط 1: 11، النهاية: 4. (2) الفقيه 1: 10. (3) نهاية الاحكام 1: 24 3، المنتهى 1: 24. (4) المبسوط 1: 11، المنتهى 1: 23. (5) الوسائل 1: 20 8 أبواب الماء المضاف ب 7 ح 1 وج 2: 242 أبواب الجنابة ب 32.

[ 106 ]

عنه (1)، وتد تقدم بعضها. و: هل الحكم مختص بالقليل، أو يشمل الكثير أيضا ؟ المصرح به في كلام جماعة الاول (2)، وربما يستفاد من جمع عدم الخلاف فيه (3)، بل ادعى جماعة، منهم: الوالد العلامة - رحمه الله - الاجماع عليه، ويؤيد الاجماع عمل الناس في الاعصار والامصار من غير إنكار. وتدل عليه صحيحة الجمال: عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة، تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب، أيتوضأ منها ؟ قال: " وكم قدر الماء ؟ " قلت: إلى نصف الساق، وإلى الركبة، وأقل، قال: " توضأ " (4). وذكر ولوغ الكلب (فيها) (5) قرينة على الكرية، بل هي المتبادرة من الاستفصال. ويمكن تنزيل صحيحة ابن بزيع المتقدمة (6) عليه أيضا. هذا، مع أن الظاهر استهلاك المستعمل في الكر غالبا. المسألة الخامسة: المشهور بين الاصحاب: عدم جواز رفع الحدث من غسالة الحمام، وهم بين مصرح بالنجاسة مطلقا، كما عن بعضهم. وبعدم جواز استعمالها كذلك، كالشيخ في النهاية، والحلي (7)، مدعيا عليه الاجماع. وظاهر المنتهى، كصريح بعض آخر: اتحاد هذا القول مع الاول (8). ولكن


(1) الوسائل 1: 211 أبواب الماء المضاف ب 9. (2) كما في المنتهى 1: 23، الروض: 158، غنائم الايام: 28. (3) كما في المدارك 1: 126، الروض: 158، مشارق الشموس: 250. (4) الكافي 3: 4 الطهارة ب 3 ح 7، التهذيب 1: 417 / 1317، الاستبصار 1: 22 / 54، الوسائل 1: 214 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 12. ولا توجد في غير الكافي لفظة " وأقل ". (5) لا توجد في " ق ". (6) ص 101. (7) النهاية: 5، السرائر 1: 91. (8) المنتهي 1: 25.

[ 107 ]

في شرح القواعد جعله مغايرا له (1). وبعدم جواز الاستعمال في التطهر كذلك، كالصدوقين (2). وبالاول مقيدا بما لم يعلم خلوها عن النجاسة، كالفاضل في الارشاد (3). وبالثاني كذلك، كالقواعد، والتحرير، وا لتذكرة، والبيان (4)، وبالثالث كذ لك، كالمعتبر (5). وصرح في المنتهى (6) بالطهارة، وظاهر استدلاله يعطي جواز التطهير منها (7) أيضا. وجعلها في شرح القواعد كما كان قبل الاستعمال (8)، ومفاد الطهارة والطهورية، ومال إليه في المعالم، والمدارك، ونسبه المجلسي في شرحه الفارسي على الفقية، إلى أكثر المتأخرين (10) (مع الكراهة) (11) وفي روض الجنان أنه الظاهر (12)، إن لم يثبت الاجماع على خلافه. وكيف كان، فالكلام إما في الطهورية، أو الطهارة. والحق في الاول: النفي، لاستفاضة النصوص، كرواية حمزة بن أحمد


(1) جامع المقاصد 1: 132. (2) الصدوق في الفقيه 1: 10، ووالده في الرسالة على ما حكاه في الحدائق 1: 497. (3) مجمع الفائدة 1: 289. (4) القواعد 1: 5، التحرير 1: 6، التذكرة 1: 5، البيان: 103. (5) المعتبر 1: 92. (6) المنتهى 1: 25. (7) في " ق ": بها. (8) جامع المقاصد 1: 132. (9) المعالم: 147، ولم نعثر عليه في المدارك. (10) اللوامع القدسية 1: 57. (11) لا توجد في " ه‍ ". (12) الروض: 161.

[ 108 ]

المتقدمة (1). ورواية ابن أبي يعفور: " لا تغتسل من البئر التى تجتمع فيها غسالة الحمام، فإن فيها غسالة ولد الزنا، وهولا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب " (2). وموثقته المروية في العلل: " إياك وأن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي، والنصراني، و المجوسي، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وان الناصب لنا أهل البيت لانجس منه " (3). وفي الثاني: الاثبات، للاصل السالم عن المعارض، بل المعاضد بالموافق، وهى مرسلة الواسطي: " عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس بصيب الثوب، قال: " لا بأس به " (4). وموثقة زرارة: رأيت أبا جعفر يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتي يصلي (5). والصحيحة الاولى لمحمد، المتقدمة (6) في المسألة السابقة. والمناقشة في الاخيرتين. بأن محل النزاع ماء البئر التى تجتمع فيها الغسالة، وموردهما المياه المنحدرة في سطح الحمام واهية، لان المجتمع هو المنحدر، مع أن علة النهي المذكورة في الاخبار من أن فيها غسالة المذكورين، مشتركة. للمخالف في الاول: الاصل السالم عما يصلح للمعارضة، لضعف ما مر


(1) ص 102. (2) الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 1، الوسائل 1: 219 أبواب الماه المضاف ب 11 ح 4. (3) علل الشرائع: 292 / 1، الوسائل 1: 220، أبواب الماه المضاف ب 11 ح 5. (4) الكافي 3: 15 الطهارة ب 10 ح 4، الفقيه 1: 10 / 17، التهذيب 1: 379 / 1176، الوسائل 1: 213 أبواب الماء المضاف ب 9 ح 9. (5) التهذيب 1: 379 / 1174، الوسائل 1: 211 أبواب الماه المضاف ب 9 ح 2. (6) ص 100.

[ 109 ]

من الاخبار، وصحيحة محمد، المذكورة. والاول مندفع: بما مر من المعارض، المنجبر ضعفه سندا بالعمل لو كان ضائرا، مع أن فيها الموثق. والثاني: بأن الظاهر من مائه ماء الحياض، وهو غير محل النزاع، ولو منع ظهوره، فغايته العموم، فليخص بما مر. وفي الثاني: النهي عن الاغتسال، وهو مثبت للنجاسة، كما تثبت بالامر بغسل الملاقي ونحوه. وتعليل النهي بوجود النجس فيه من الغسالات المذكورة. ويرد على الاول: منع الملازمة، وقياسه مع الفارق، وهو الاجماع المركب في الثاني دون الاول. وعلى الثاني: مع إيجاب التعليل للنجاسة. فلعله لكونه غسالة للنجاسة، مع أن فيها غسالة الجنب، وولد الزنا، وهما طاهران. ثم النفي في الاول هل هو مطلق، أو مقيد بعدم العلم بالخلو عن النجاسة، أو عن الغسالات المذكورة كلا أو بعضا، أو بالعلم بعدم الخلو ؟ لا ينبغي الريب في سقوط الاول، لمكان التعليل. فإن كان المراد منه أنه معرض لمثل هذه الامور، ومحتمل له، فيتجه الثاني. وإن اريد أنه معرضر لها خاصة فالثالث. وإن كان المراد انها تتحقق قطعا فالرابع، والاصل مع إراده الاخير، كما أنه مع الرابع أيضا، فهو الاقوى. ثم المصرح به في أكثر الاخبار، ماء البئر التى تجتمع فيها الغسالة، فهل يختص الحكم بها، أو يعمها قبل دخولها فيها أيضا ؟ مقتضى التعليل: الثاني، بل يدل عليه عموم الموثقة (1) أيضا، فهو المتجه. ولا يختص بما يصب على البدن، بل يشمل ما ارتمس فيه أيضا بشرط أن يكون قليلا، ليصدق عليه الغسالة.


(1) المتقدمة ص 108.

[ 110 ]

الفصل الثامن: في السؤر وهو لغة: البقية من كل شئ، أو من الطعام والشراب، أو من الشراب أو الماء مطلقا، أو مع القلة بعد الشرب أو مطلقا. وعرفا: قيل: إنه ما لاقاه (جسم) (1) حيوان. ومنهم من بدل الموصول بالمائع (2). ومنهم من بدله بالماء، وهو بين من أطلقه، ومن خصه بالقليل (3)، وعلى التقادير، قد يبدل الجسم بالفم (4). وقد أطلق على بعض هذه الاقسام في الاخبار، ولكنه لا يثبت الحقيقة، وتعيينها لغة أو عرفا مشكل، إلا أن الظاهر من التبادر وأصالة عدم النقل: اعتبار القلة. وعلى هذا، فما ورد من الاسآر في الاخبار إن علم المراد منه بقرينة فهو، وإلا فالمرجع الاصل، فلا يثبت الحكم إلا لما قطع بكونه سؤرا، وهو الماء القليل الملاقي للفم. ثم الكلام فيه إما لاجل الخلاف في نجاسة ذي السؤر، أو انفعال القليل، أو لاجل كونه سؤرا، والمقصود هنا الثالث، والتكلم فيه في مسائل: المسألة الاولى: السؤر من نجس العين نجس بالاجماع، ومن الطاهر طاهر، يجوز استعماله، والتطهر به مطلقا على الاقوى، وفاقا للمصباح، والخلاف (5)، بل معظم الاصحاب، وفي الغنية (6) الاجماع عليه.


(1) لا توجد في " ه‍ ". (2) كما في السرائر 1: 85. (3) كما في المسالك 1: 3، الرياض 1: 12. (4) كما في الذخيرة: 141. (5) الخلاف 1: 187. (6) الغنية (الجوامع الفقهية): 551.

[ 111 ]

وخلافا للمنقول عن الاستبصار، والتهذيب، والمبسوط، والسرائر (1)، فمنعوا من سؤر ما لا يؤكل. إلا أن الاول استثنى الفأرة، والبازي، والصقر. والثاني: السنور، والطير. والاخيرين: ما لا يمكن التحرز عنه، والوحش، وزاد الأخير: الطير أيضا. والاسكافي (2)، فمنع من سؤر الجلال والمسوخ. والسيد، والقاضي (3)، فالاول فقط. والنهاية (4) فعن سؤر آكل الجيف من الطير. وقد ينقل أقوال اخر، وقد يختلف الانتساب فيما ذكر أيضا. ثم منع هؤلاء يمكن أن يكون للنجاسة، أو التعبد. لنا - بعد الاصول -: المستفيضة من المعتبرة، وهي بين ما يدل على طهارة الجميع، كصحيحة البقباق: عن فضل الهرة، والشاة، والبقرة، والابل، والحمار، والخيل، والبغال، والوحش، والسباغ، فلم أترك شيثا إلا سألته عنه، فقال: " لا بأس به " (5) الحديث. وسؤر كل الطيور، كموثقة عمار: سئل عن ماء تشرب منه الحمامة، فقال: " كل ما اكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب " وعن ماء شرب منه باز، أو صقر، أو عقاب، فقال: " كل شئ من الطيور، يتوضأ مما يشرب منه " (6) الحديث. ورواية أبي بصير: " فضل الحمامة والدجاجة لا بأس به والطير " (7).


(1) الاستبصار 1: 26، التهذيب 1: 224، المبسوط 1: 10، السرائر 1: 85. (2) نقله عنه في المختلف: 12. (3) المهذب 1: 25، ولم نعثر على كلام اليد في كتبه. (4) النهاية: 5. (5) التهذيب 1: 225 / 646، الاستبصار 1: 19 / 40، الوسائل 1: 226 أبواب الأسباب 1 ح 4. (6) الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 5، الوسائل 1:، 23 أبواب الاسآر ب 4 ح 2. (7) الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 2، التهذيب 1: 228 / 659، الوسائل 1: 230 أبواب الاسآر ب 4 ح 1.

[ 112 ]

والسباع، كصحيحة محمد: عن السنور، قال: " لا بأس أن يتوضأ من فضلها، إنما هي من السباع " (1). ورواية معاوبة بن شريح: عن سؤر السنور (والشاة) والبقرة، والبعير، والفرس، والحمار، والبغل، والسباع، يشرب منه أو يتوضأ ؟ قال. " نعم اشرب منه، ويتوضأ " (2). والهرة، وقد مر، ويأتي. وجميع الدواب، كصحيحة جميل: عن سؤر الدواب، والبقر، والغنم، أيتوضأ منه ويشرب ؟ قال: " لا بأس " (3). والفأرة، كخبر عمار: " لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الاناء، أن يشرب ويتوضأ منه " (4) إلى غير ذلك. حجة المخالفين: مرسلة الوشاء: " إنه كان يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه " (5). وصحيحة ابن سنان: " لا بأس بأن يتوضأ مما يشرب منه ما يؤكل لحمه " (6). وموثقتا عمار، إحداهما: " كل ما يؤكل فليتوضأ منه وليشربه) (7). وقريبة منها


(1) التهذيب 1: 225 / 644، الاستبصار 1: 18 / 39، الوسائل 1: 227 أبواب الاسآر ب 2 ح 3. (2) التهذيب 1: 225 / 647، الاستبصار 1: 19 / 41، الوسائل 1: 226 أبواب الاسآر ب 1 ح 6، وما بين المعقوفين من المصدر. (3) التهذيب 1: 227 / 657، الوسائل 1: 332 أبواب الاسآر ب 5 ح 4. (4) الفقيه 1: 14 / 28، التهذيب 1: 419 / 1323، الاستبصار 1: 26 / 65 الوسائل 1: 239 أبواب الاسآر ب 9 ح 2، وفي جميع المصادر: اسحاق بن عمار. (5) الكافي 3: 10 الطهارة ب 6 ح 7، الوسائل 1: 232 أبواب الاسآر ب 5 ح 2. يظهر من الوسائل أن الشيخ أيضا نقلها لكنها غير موجودة في النسخ التي بأيدينا من التهذيبين، كما نبه عليه أيضا في جامع الاحاديث 2: 62. (6) الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 1، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآر ب 5 ح 1. (7) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآر ب 4 ح 4.

[ 113 ]

الاخرى (1). والاول (2) استثني الفأرة وأخويها بموثقة عمار (3)، وخبره. والثاني: السنور، والطير، بالموثقة، وصحيحة محمد (4). والاخيران: الوحش، بصحيحة البقباق (5)، وما لا يمكن التحرز عنه، بنفي الحرج. والاخبر: الطير، بما مر، كما أن الخامس والسادس: غير الجلال والمسوخ، أو غير الاول فقط، به. ويضعف المرسلة: بكون الكراهة في اللغة أعم من الحرمة. ولو سلم الاختصاص، فالحمل على التجوز - لما مر - متعين. وبه يضعف الصحيحة والموثقتان أيضا، مضافا إلى عدم حجية مفهوم الوصف. المسألة الثانية. يكره من سؤر الطاهر: سؤر الخيل، والبغال، والحمير، إجماعا، كما في المعتمد ؟ للتفصيل القاطع للشركة في مضمرة سماعة: هل يشرب سؤر شئ من الدواب، ويتوضأ منه ؟ قال: " أما البقر، والابل، والغنم، فلا بأس " (6). والبأس المثبت للباقي، ليس حرمة إجماعا، فيكون مكروها. ولخبر ابن مسكان: عن التوضؤ أو الاغتسال مما ولغ فيه الكلب، والسنور أو شرب جمل، أو دابة، أو غيرذلك، قال: " نعم، إلا أن تجد غيره فتنزه عنه " (7). وهو وإن كان ظاهرا في الكثير، لمكان ولوغ الكلب، إلا أن المطلوب يثبت


(1) الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 5، الوسائل 1: 230 أبواب الاسآر ب 4 ح 2. (2) أراد به الاستبصار، وبالثاني التهذيب... وبالاخيرين المبسوط والسرائر. (3) المقتدمة ص 111، وتقدم خبر (اسحاق بن عمار) في الصفحة السابقة رقم 4. (4) المتقدمة ص 112. (5) المتقدمة ص 111. (6) الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 3، التهذيب 1: 227 / 656، الوسائل 1: 232 أبواب الاسآر ب 5 ح 3. (7) التهذيب 1: 226 / 649، الوسائل 1: 228 أبواب الاسآر ب 2 ح 6.

[ 114 ]

بالاولوية، وعدم الفصل. والدجاج، لفتوى الشيخ والفاضل والمعتبر (1)، وإن قيده الاخير بالمهملة. وكل ما لا يؤكل، ومنه: الجلال وآكل الجيف والمسوخ ؟ للمرسلة. ولا ينافي الكراهة في بعض ما ذكر نفي البأس عنه أو تجويز استعماله في بعض الاخبار، لاجتماعهما معا. وينبغي استثناء السنور مما لا يؤكل، كما فعله جماعة (2)، لصحيحة زرارة: " إن الهر سبع، ولا بأس بسؤره، وإني لاستحيي أن أدع طعاما لان هرا أكل منه " (3) ورواية الكناني: " لا تدع فضل السنور أن تتوضأ منه، إنما هي سبع " (4). ويؤيدهما: المروي ي نوادر الراوندي، قال علي عليه السلام: " بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ إذ لاذ به هر البيت، وعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه عطشان، فأصغى (5) إليه الاناء حتى شرب منه، وتوضأ بفضله، " (6). وبهذه يخصص عموم المرسلة (7). ولا يعارضها خبر ابن مسكان (8)، لعطف السنور فيها على الكلب بحرف الجمع. مع أن منطوقه ي السنور متروك قطعا، لان الكثير لا يكره بذلك، فلا


(1) المبسوط 1: 10، المنتهى 1: 25، التذكرة 1: 6، التحرير 1: 5، المعتبر 1: 99. (2) كما في التهذيب 1: 226، المبسوط 1: 10، التذكرة 1: 6، المعتبر 1: 99. (3) الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 4، التهذيب 1: 227 / 655، الوسائل 1: 227 أبواب الاسآر ب 2 ح 2. (4) التهذيب 1: 227 / 653، الوسائل 1: 228 أبواب الاسآر ب 2 ح 4. (5) أصغاه: أماله وحرفه على جنبه ليجتمع ما فيه. (6) نوادر الراوندي: 39، المستدرك 1: 220 أبواب الاسآرب 2 ح 2. (7) المتقدمة ص 112. (8) المتقدم ص 113.

[ 115 ]

يبقى المفهوم، لتقومه به. والمستفاد من رواية الكناني: استثناء مطلق السباع، ولا بأس به. المسألة الثالثة: يكره ما وقع فيه الحية، والعقرب، والوزغة، وإن خرجت حيا، لروايات دالة عليه (1)، والكراهة في الاخير أشد. واستظهر في المدارك عدمها في الاول (2)، لصحيحة علي: عن العظاية (3)، والحية، والوزغ، يقع في الماء، فلا يموت يتوضأ منه للصلاة ؟ فقال: " لا بأس فيه " (4). وفيه: ما مر من عدم منافاة نفي البأس للكراهة مع الدليل، وهو رواية أبي بصير: عن حية دخلت حبا فيه ماء وخرجت منه، قال. " إن وجد ماء غيره فليهرقه " (5). المسألة الرابعة: الاقوى: المنع من سؤر الحائض الغير المأمونة، كما في التهذيب والاستبصار (6)، وكراهة سؤر المأمونة والمجهولة. أما الاول. فلموثقة ابن يقطين. في الرجل يتوضأ بسؤر الحائض، قال: " إذا كانت مأمونة فلا بأس ص " (7). دلت بمفهومها على ثبوت البأس - الذي هو العذاب والشدة - في سؤر غير المأمونة.


(1) الوسائل 1: 238 أبواب الاسآر ب 9. (2) المدارك 1: 137. (3) العظاية: وهي دويبة أكبر من الوزغة. الصحاح 6: مادة - عظا -. (4) التهذيب 1: 419 / 1326، الوسائل 1: 238 أبواب الاسآر ب 9 ح 1. (5) الكافي 3: 73 الطهارة ب 46 ح 15، التهذيب 1: 413 / 1302، الاستبصار 1: 25 / 63، الوسائل 1: 239 أبواب الاسآر ب 9 ح 3. (6) التهذيب 1: 222، الاستبصار 1: 17. (7) التهذيب 1: 221 / 632، الاستبصار 1: 16 / 30، الوسائل 1: 237 أبواب الاسآر ب 8 ح 5. وفيها: " بفضل " بدل: " بسؤر ".

[ 116 ]

وبمفهومها يخص مادل على الجواز مطلقا، كموثقة العيص: عن سؤر الحائض ؟ قال. " توضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة، (1) حيث إن الاصل اختصاص الشرط بالاخيرة. أو على الكراهة كذلك، كرواية أبي هلال - التي هي دليلنا على الجزء الثاني -: " المرأة الطامث اشرب من فضل شرابها ولا أحب أن تتوضأ منه " (2). كما أن بمنطوقها بخص عموم مادل على المنع، كرواية عنبسة: " اشرب من سؤر الحائض، ولا تتوضأ منه " (3). وصحيحة الحسين بن أبي، العلاء: عن الحائض يشرب من سؤرها ؟ قال. " نعم، ولا يتوضأ منه " (4). وصحيحة العيص: عن سؤر الحائض، فقال: " لاتوضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة " (5). ورواية ابن أبي يعفور: " ولا تتوضأ من سؤر الحائض " (6). وموثقة أبي بصير: هل يتوضأ من فضل الحائض ؟ قال: " لا " (7). مع أن دلالة الجميع على المنع فرع كون الافعال فيها نهيا، مع أن النفي القاصر عن إفادة الزائد عن المرجوحية في كثير منها محتمل، فلا يعارض شيئا مما يدل على المنع أو الجواز لجمعها معهما. بل يكون دليلا آخر لنا على الجزء الثاني،


(1) التهذيب 1: 222 / 633، الاستبصار 1: 17 / 31، الوسائل 1: 234 أبواب الاسآر ب 7 ح 1. (2) التهذيب 1: 222 / 637، الاستبصار 1: 17 / 35، الوسائل 1: 238 أبواب الاسآر ب 8 ح 8. في الاستبصار والوسائل: " ولا احب أن أتوضأ منه ". (3) الكافي 3: 10 الطهارة ب 7 ح 1، الوسائل 1: 236 أبواب الاسآر ب 8 ح 1. (4) الكافي 3: 10 الطهارة ب 7 ح 3، الوسائل 1: 236 أبواب الاسآر ب 8 ح 2. (5) الكافي 3: 10 الطهارة ب 7 ح 2، الوسائل 1: 234 أبواب الاسآر ب 7 ح 1. (6) الكافي 3: 11 الطهارة ب 7 ح 4، الوسائل 1: 236 أبواب الاسآر ب 8 ح 3. (7) التهذيب 1: 222 / 636، الاستبصار 1: 17 / 34 الوسائل 1: 237 أبواب الاسآر ب 8 ح 7.

[ 117 ]

بل لولا تقدم التخصيص على التجوز، لامكن الاستناد فيه إلى تلك العمومات على تضمنها النهي أيضا، بحملها على الكراهة، بمقتضي الجمع بينها وبين موثقة العيص، سيما مع شهادة رواية أبي هلال بذلك الجمع. وكيف كان، يظهر ضعف الاستناد إليها في المنع من التوضؤ، والشرب، عن سؤر الحائض مطلقا، كما عن المقنع (1). كما يظهر ضعف القول بكراهة سؤرها كذلك، كما عن الاسكافي (2)، والمبسوط (3)، والمصباح (4)، والفقيه (5)، بل الأكثر، كما في المدارك (6). أو مقيدا بالمتهمة، كما عن الشيخ في النهاية، والديلمي، والحلي (7)، والفاضلين (8)، والوسيلة، وشرح القواعد (9)، بل أكثر المتأخرين. أو بغير المأمونة، كما عن المقنعة، والمراسم، والجامع، والمهذب (10)، وجماعة من المتأخرين (11). أو بنجاسته مع التهمة، كما تشعر عبارة الغرر (12) بوجود القول بها، بل نجاسة سؤر كل متهم.


(1) المقنع: 10. (2) نقل عنه في كشف اللثام 1: 30. (3) المبسوط 1: 10. (4) نقل عنه في المختلف: 12. (5) الفقيه 1: 9. (6) المدارك 1: 135 (7) النهاية: 4، السرائر 1: 62، ولم نعثر عليه في المراسم. (8) المحقق في المعتبر 1: 99، والعلامة في المنتهى 1: 37، والتحرير 1: 5، والتذكرة 1: 6. (9) الوسيلة: 76، جامع المقامد 1: 124. (10) المقنعة: 584، المراسم: 37، الجامع للشرائع: 20، المهذب 2: 430. (11) منهم المحقق في الشرائع 1: 16، الشهيد في الذكرى: 12. (12) لعل المراد به غرر المجامع في شرح المختصر النافع للسيد نور الدين علي أخي ماحب المدارك " مخطوط ".

[ 118 ]

ثم الحكم في الاخبار مختص بالوضوء بلا يتعدى إلى غيره في المنع قطعا. وقد يتعدى في الكراهة، للاحتياط، وهو ضعيف. نعم يمكن التعدي فيها في غير المأمونة، بإطلاق فتوى كثير من الاصحاب (1)، بل دعوى بعضهم (2) أن الظاهر الاتفاق عليه، باعتبار التسامح في أدلة السنن. وبه يخص عموم رواية أبي هلال، في نفي الكراهة عن الشرب، باعتبار التفصيل القاطع للشركة. فرع: ألحق بعضهم بالحائض المتهمة كل متهم، وهو المحكي عن الشيخين، والحلي، والبيان (3)، وأطعمة المختصر النافع (4). ولا دليل عليه، إلا أن يكتفى بفتوى هؤلاء الاعلام في إثبات الكراهة، ولا بأس به في المقام. نعم يدل بعض ما مر على المنع من التوضؤ من سؤر غير المأمونة من الجنب. وبعد نفي التحريم فيه بظاهر الاجماع لا مناص عن القول بالكراهة فيه. المسألة الخامسة: لا يكره سؤر المؤمن، لما روي من أن فيه الشفاء (5). وهو وإن كان ظاهرا في الشرب، إلا أنه لا قائل بالفصل ظاهرا. وتدل على بعض المطلوب: صحيحة العيص وموثقته (6)، سيما مع ضم الاولوية بالنسبة إلى غير الجنب، وغير المرأة.


(1) كما في المقنع: 6. (2) نقله صاحب مفتاح الكرامة 1: 84 عن استاذ. (3) المفيد في المقنعة: 584، والطوسي في النهاية: 89، السرائر 3: 123، البيان 101 (4) لم يوجد فيه ما يناسب المقام، نعم في أطعمة الشرائع (3: 228): - وكذا يكره أكل ما يعالجه من لا يتوفى النجاسات. (5) الوسائل 25: 263 أبواب الاشربة المباحة ب 18. (6) المتقدمتان ص 116.

[ 119 ]

الفصل التاسع: في الماء المشتبه وفيه مسائل: المسألة الاولى: لا خلاف في وجوب الاجتناب عن الاناءين المشتبهين اللذين أحدهما طاهر والآخر نجس، وعليه الاجماع في (1) الخلاف، والسرائر، والغنية، والمعتبر، والتذكرة ونهاية الاحكام، والمختلف (2)، وهو الحجة عليه، مضافا إلى موثقتي سماعة والساباطي، المتقدمتين في بحث القليل (3). والطعن في حجيتهما ضعيف من وجوه. والاحتجاج للمطلوب، بأن يقين الطهارة في كل منهما معارض بيقين النجاسة، فلا دليل على الطهارة المجوزة للاستعمال. وبأن اجتناب النجس واجب، وهر لا يتم إلا باجتنابهما معا. وبأن اشتغال الذمة بالصلاة يستدعي البراءة اليقينية، وهى لا تحصل إلا بالطهارة بغير هذا الماء. وبأن النجس القطعي موجود، فالحكم بطهارة الجميع حكم بطهارة النجس، وبطهارة واحد، ترجيح بلا مرخح.. ضعيف جدا. أما الاول: فبأن مورد يقين النجاسة أحدهما لا بعينه، ومورد الطهارة كل منهما معينا بدلا، فاختلف المحل، فلا يتحقق التعارض. مع أن أصالة الطهارة الشرعية عن المعارض خالية. وأما الثاني: فبمنع وجوب اجتناب النجس مطلقا، بل اللازم الثابت وجوب الاجتناب عن العلم باستعمال النجس، وهو يحصل باجتنابهما معا، وإن لم


(1) في " ه‍ ": عن. (2) الخلاف 1: 197، السرائر 1: 85، الغنية (الجوامع الفقهية): 552، المعتبر 1: 103، التذكرة 1: 10، نهاية الاحكام 1: 248، المختلف: 15. (3) ص 38.

[ 120 ]

يجتنب عن كل منهما بدلا. وأما الثالث: فبأن اللازم تحصيل البراءة الشرعية، وهي تحصل - بملاحظة الاصل لولا الاجماع والاخبار - مع الطهارة بذلك الماء. وأما الرابع: فبأن المحكوم به طهارة كل منهما على البدلية، فلا ترجيح بلا مرجح. ثم الحكم هل يختص بالاناءين أو ينسحب إلى الاكثر أيضا ؟ وكلماتهم بين مطلق في المشتبه، كها في الشرائع، والدروس (1). ومقيد بالاناءين، مثل النافع، والارشاد (2). ومصرح بالانسحاب، نحو التحرير، وغرر المجامع بل المعتبر (3). وناص على نفيه، كجماعة من المتأخرين (4)، منهم. والدي العلامة في كتابيه. والقائل بالانسحاب يخصص بالمحصور، لتصريح الجماعة بخروج غيره عن هذا الحكم. ففي المسألة قولان: عدم الانسحاب مطلقا، بمعنى جواز استعمال غير المساوي للنجس، للاصل الخالي عن المعارض، وهو الحق. والايراد: بأن التمسك بالاصل في كل فرد ينتج الحكم بطهارة الجميع، ضعيف، لانه إنما هو إذا لم يكن في كل فرد مما يساوي النجس على سبيل البدلية. والانسحاب في الزائد المحصورة للادلة الاربعة الاخرة المردودة، وللاجماع المنقول في التحرير، الغير القابل للاخراج عن الاصل، لعدم حجيته، ولتنقيح المناط المردود بعدم قطعية العلة. هذا، مع أن ما ذكروه في الفرق بين المحصور وغيره غير ناهض، كما بينا


(1) الشرائع 1: 15، الدروس 1: 123. (2) المختصر النافع: 4، مجمع الفائدة 1: 281. (3) التحرير 1: 6، المعتبر 1: 104. (4) منهم صاحب المشارق: 282.

[ 121 ]

في موضعه. ومن المتأخرين من استند في الانسحاب والفرق إلى الاستقراء، وعد مواضع قليلة في المحصور وغيره، لاثباته (1). ولا إشعار في شئ منها بالتغاير بين المحصور وغيره، مضافا إلى أن بمثلها لا يثبت الاستقراء، ولو ثبت لا يكون إلا ظنيا، ولا حجية فيه. فروع: أ: لا فرق فيما ذكر بين ما لو كان الاشتباه حاصلا أولا، وبين ما لو حصل بعد التعين.. واحتمل في المدارك الفرق: بتحقق المنع من استعمال المتعين، فيستصحب (2). وضعفه ظاهر جدا، لان المتعين غير متحقق حتى يستصحب منعه، وغيره غير متحقق المنع فيه. ب: لو كان الاشتباه للشك في وقوع النجاسة، أو في نجاسة الواقع، لا يجب الاجتناب بالاجماع والاصل. ج: في اختصاص الحكم بالاناءين، كما عن جملة من المتأخرين (3)، وبه صرح والدي رحمه الله، أو انسحابة إلى مثل الغديرين أيضا، كالشيخين، والفاضلين، بل كثير من الاصحاب (4) قولان: الاول، وهو الاظهر، للاصل. والثاني، لانه مقتضى بعض الادلة المقتضية


(1) الحدائق 1: 503. (2) المدارك 1: 108. (3) منهم صاحب المشارق: 282. (4) لم نعثر على قول الشيخين والفاضلين بالانسحاب إلى غير الاناء، بل نسبه في المعالم إلى بعضهم. نعم، المنسوب إليهم وإلى كثير من الاصحاب هو الانسحاب إلى الاكثر من الاناءين كما مر حكمه في ص 120. راجع المعالم: 162، والحدائق 1: 515.

[ 122 ]

للحكم في الاناءين. وقد عرفت ضعفها. د: 1 المشتبه بالمشتبه بالنجس كالطاهر، للاصل، واختصاص الدليل بغيره. وكون المشتبه بالنجس في حكمه كليا، ممنوع. د: لو لاقى أحد المشتبهين طاهرا لا ينخسه، وفاقا للثانيين (1)، والمعالم، والمدارك (2)، وجملة من المتأخرين (3)، للاصل. وخلافا للمنتهى (4)، والسرائر (5)، والحدائق (6)، لان المشتبه بالنجس في حكمه. وقد مر دفعه. ولان الطاهر بملاقاته المشتبه صار مشتبها، فيجب اجتنابه. وفيه: منع وجوب الاجتناب عن مثل ذلك المشتبه. و: لو لم يتمكن من غير الاناءين يجب التيمم، لون الصلاة مع كل منهما بعد غسل موضع الملاقاة مع الاول إن أمكن، كما إذا وجد ماء مغصوب، بلا خلاف ظاهر فيه، كما في الحدائق (7)، للموثقين. ز. ظاهر الموثقين: اختصاص المنع في الاناءين بالطهارة. ولكن الظاهر عدم الفصل بينها وبين غيرها، من رفع الخبث والشرب. المسألة الثانية: صرح جماعة من الاصحاب (8): بأن المشتبه بالمغصوب كالمشتبه بالنجس، فلا يجوز الاستعمال إذا كانا اثنين أو مع الحصر.


(1) ربما يستناد من جامع المقاصد 1: 151، والروص: 224. (2) المعالم: 284، المدارك 1: 108 (3) منهم صاحب الذخيرة: 138. (4) المنتهى 1: 30. (5) لم نعثر عليه، وليس في " ه‍ ". (6) الحدائق 1: 514. (7) الحدائق 1: 518. (8) منهم صاحبا المنتهى 1: 31، والايضاح 1: 23.

[ 123 ]

واستشكل في الذخيرة (1) والمعتمد، وهو في محله، للاصل، وقوله: " كل شئ فيه حلال وحرام، فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام بعينه " (2). للمحرم: ما مر من الادئة الاربعة التي مر ردها. والاشتباه هنا للشك في الغصبية غير معتبر قطعا، لاصالة عدمها. المسألة الثالثة: إذا اشتبه إناء مطلق أو أكثر بمضاف أو أكثر يتطهر بكل من الكل وجوبا مع الانحصار، على المصرح به في كلام القوم، بل في المعتمد: الاجماع عليه، لتوقف العلم بالطهارة بالمطلق الواجب عليه. وجوازا مع عدمه، لصدق الامتثال وعدم المانع. خلافا لظاهر المعتبر والروض (3) في الثاني، فلا جوز، لتمكنه من الجزم في النية. وفيه: منع وجوبه. ولو انقلب أحدهما تيمم، وفاقا لوالدي - رحمه الله - في اللوامع والمعتمد، لعدم وجدان ما يعلم إطلاقه، وهو المأمور بالطهارة به، دون المطلق في نفس الامر، لتقييد التكليف بالعلم. وقيل (4) بالطهارة به - لاستصحاب وجوبها - والتيمم، لما مر. ولتوقف العلم برفع الحدث الواجب بالجمع. وبأنه يحتمل أن يكون مطلقا فتجب الطهارة، ومضافا فالتيمم ولا مرجح، فيجب الجمع. ويضعف الاستصحاب: بعدم حجيته هنا: لجواز أن يكون الواجب هو الطهارة به بشرط الاجتماع مع الآخر، بل هو القدر الثابت.


(1) الذخيرة: 138. (2) الفقيه 3: 216 / 1002، التهذيب 9: 79 / 337، الوسائل 17: 87 أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1. (3) المعتبر 1: 104، الروض: 156. (4) جامع المقاصد 1: 125.

[ 124 ]

والباقيان: بمنع توقف العلم برفع الحدث بالجمع، لارتفاعه بالتيمم مع عدم وجدان ما علم إطلاقه قطعا. وبمنع وجوب الطهارة مع احتمال المطلق، مع أنه لوتم لاوجب التخيير، دون الجمع. والاشتباه هنا يحصل بالتباسهما مع القطع بإطلاق أحدما. وأما الشك فيه أولا فكالقطع بعدم الاطلاق، لاصالة عدم الطهورية، واستصحاب الحدث والخبث. وفي حكم المشتبه بالمضاف المشتبه بالمستعمل في رفع الحدث، إلا في الشك أولا، فإنه هنا كالقطع بعدم الاستعمال، لاصالة عدمه. * * *

[ 125 ]

الفصل العاشر: في متفرقات من أحكام المياه وفيه مسائل: المسألة الاولى: الماء النجس لا يرفع الحدث مطلقا، ولا الخبث إن كان نجسا ابتداء (1). ولا يجوز استعماله في الشرب، وإدخاله في المكول والمشروب اختيارا. ولو انحصر، تيمم في الطهارة وشربه في الشرب، لعدم المندوحة عنه. المسألة الثانية: الماء المغصوب يرفع الخبث، لصدق الماء المطلق، وإن حرم استعماله. دون الحدث، للنهي المفسد للعبادة، إلا مع الجهل أو النسيان، كما يأتي في محله. المسألة الثالثة: لا كراهة في استعمال ماء العيون الحمئة، للاصل. خلافا للاسكافي (2)، ولا حجة له. نعم يكره التداوي به، للنهي المعلل بأنه من فوح جهنم (3). المسألة الرابعة: يكره الطهارة بالماء المشمس بالاجماع المحقق، والمحكي في الخلاف (4)، واللوامع، والمعتمد، وهو الحجة، مع الروايات. كرواية السكوني: " الماء الذي يسخنه الشمس لا توضؤوا به ولا تغتسلوا به ولا تعجنوا به، فإنه يورث البرص " (5).


(1) في " ق ": زيادة: (وأما النجس برفع الخبث فيرفعه كما يأتي). (2) نقله عنه في الذكرى: 8. (3) الكافي 6: 389 الاشربة ب 10 ح 1، الوسائل 1: 221 أبواب الماء المضاف ب 12 ح 3. الفيح: سطوع الحر وفورانه، ويقال بالواو. لسان العرب 2: 550. (4) الخلاف 1: 54. (5) الكافي 3: 15 الطهارة ب 10 ح 5، التهذيب 1: 379 / 1117، العلل: 281، الوسائل 1: 207 أبواب الماء المضاف ب 6 ح 2.

[ 126 ]

والمروي في العلل: " خمس تورث البرص " وعد منها: " التوضؤ والاغتسال بالماء الذي يسخنه الشمس " (1). وموثقة إبراهيم بن عبد الحميد: " دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عائشة وقد وضعت قمقمتها في الشمس، قال: يا حميراء ما هذا ؟ قالت. أغسل رأسي وجسدي، قال: لا تعودي فإنه يورث البرص " (2). وضعف الاخبار - لو سلم - لا يضر، للتسامح، والانجبار. والاجماع على عدم الحرمة - في عن الخلاف (3) أيضا - مع مرسلة ابن سنان المنجبر ضعفها لو كان: " لا بأس بأن يتوضأ في الماء الذي يوضع في الشمس " (4). والنهي عن العود في الموثقة، دون التطهير في الحال، أوجب حمل النهي على الكراهة. ويلحق بالطهارة التعجين، لرواية السكوني. وفي الاختصاص بهما، كجماعة منهم. الصدوق (5)، والدروس (6)، وقوفا على ظاهر النص، أو التعدي إلى مطلق الاستعمال، كالنهاية، والمهذب (7)،


(1) لم نعثر عليها في العلل، وهي مروية في الخصال: 270 / 9، الوسائل 7: 367 أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب 38 ح 6. (2) التهذيب 1: 336 / 1114، الاستبصار 1: 30 / 79، الوسائل 1: 207 أبواب الماء المضاف ب 6 ح 1. (3) الخلاف 1: 54. (4) التهذيب 1: 366 / 1114، الوسائل 1: 208 أبواب الماء المضاف ب 6 ح 3. (5) الفقيه 1: 6. (6) لم نعثر عليه فيه، بل وجدناه في الذكرى: 8. (7) نسبه إلى النهاية والمهذب... في كشف اللثام 1: 32. والموجود فيهما خلافه كما نبه عليه في مفتاح الكرامة 1: 96.

[ 127 ]

والجامع (1)، والمعتمد، واللوامع، استنادا إلى التعليل المذكور في الاخبار لظهور عدم مدخلية الاستعمال الخاص فيه، قولان: أظهرهما: الثاني إن أرادوا استعماله في البدن، كما هو ظاهر استنادهم إلى التعليل، لا لاجله - لمنع اقتضائه للتعميم، لجواز اختصاصه بها نهي عنه - بل لترك الاستفصال في الموثقة، بل ظهور قولها: " رأسي وجسدي " في غير الاغتسال. والاول مع انضمام غسل البدن، إن أرادوا الاعم. ولا فرق في الكراهة على الاشهر الاظهر بين التسخين والتسخن، لاطلاق الروايتين. خلافا للمحكي عن الخلاف، والسرائر، والجامع (2)، وهو الظاهر من المختصر النافع (3)، فخصوا بالاول. ولا وجه له. ولا بين الاواني المنطبعة، والخزفية، والبلاد الحارة، والباردة، والماء الكثير، والقليل، وما يسخن بالاشراق، أو القرب، لما مر. وربما يخص ببعض ما ذكر، لاعتبارات غير مسموعة في مقابلة الاطلاق. بل ظاهره عدم الفرق بين الآنية، والحوض، والنهر، والساقية، كما يظهر الميل إليه من بعض المتأخرين (4)، إلا أن الفاضل في نهاية الاحكام والتذكرة (5)، ادعى الاجماع على الاختصاص بالاول، وكذا في الغرر. ولا تزول الكراهة بزوال السخونة، على الاظهر المصرح به في كلام جماعة من المتأخرين (6)، واستظهره في المنتهى، واحتمله في التذكرة، وقطع به في الذكرى (7)، للاستصحاب، وإطلاق الروايتين. والبناء على اشتراط بقاء المبدأ في


(1) الجامع للشرائع: 20. (2) الخلاف 1: 54، السرائر 1: 95، الجامع للشرائع: 20. (3) المختصر النافع: 4. (4) مجمع الفائدة 1: 292. (5) نهاية الاحكام 1: 226، التذكرة 1: 3. (6) منهم صاحب الروض: 161، والرياض 1: 12. (7) المنتهى 1: 5، التذكرة 1: 3، الذكرى: 8.

[ 128 ]

صدق المشتق وعدمه فاسد، لان هذا النزاع في المشتقات الخالية عن الزمان. ولا بانحصار الماء فيه، لما ذكر. والأكثر على الزوال حينئذ، لوجوب استعماله فلا يجتمع مع الكراهة. ويضعف: بأن الكراهة في أمثال ذلك بمعنى المرجوحية الاضافية، دون المعنى المصطلح. ولو اريد ذلك، امتنع مع عدم الانحصار أيضا، لامتناع اجتماعه مع الوجوب التخييري أيضا. المسألة الخامسة: لا يكره استعمال الماء المسخن في النار، في غير غسل الميت، بالاجماع، كما في اللوامع، والمعتمد، للاصل. ويكره فيه كذلك، كما عن الخلاف، والمنتهى (1)، لصحيحة زرارة: " لا يسخن الماء للميت " (2). ومراسيل ابن المغيرة، ويعقوب بن يزيد، والفقيه: الاولى: " لا يقرب الميت ماء حميما " (3). والاخرى: " لا يسخن للميت الماء، لا تعجل له بالنار " (4). والثالثة: " لا يسخن الماء للميت الا أن يكون شتاء باردا " (5). والرضوي: " ولا يسخن له ماء إلا أن يكون باردا جدا، فتوقي الميت مما توقي منه نفسك، ولا يكون الماء حارا شديدا، وليكن فاترا " (6).


(1) الخلاف 1: 692، المنتهى 1: 430. (2) التهذيب 1: 322 / 938، الوسائل 1: 208 أبواب الماء المضاف ب 7 ح 1. (3) التهذيب 1: 322 / 939، الوسائل 2: 499 أبواب غسل الميت ب 10 ح 2. (4) الكافي 3: 147 الجنائز ب 21 ح 2، التهذيب 1: 322 / 937، الوسائل 2: 499 أبواب غسل الميت ب 10 ح 3. (5) الفقيه 1: 86 / 397 / و 398، الوسائل 2: 499 أبواب غسل الميت ب 10 ح 4 و 5. (6) فقه الرضا (ع): 167، المستدرك 2: 174 أبواب غسل الميت ب 10 ح 1.

[ 129 ]

وتزول الكراهة - كما هو مقتضى الاخيرين - مع البرد الشديد المتعذر أو المعتسر معه التغسيل أو الاسباغ. وينبغي الاقتصار في السخونة على ما يندفع به الضرورة، كما ذكره المفيد، وبعض القدماء (1)، اتباعا للاخير. وربما يلحق بالبرد: تليين أعضائه وأصابعه، بل قيل بتجويزه لذلك من دون ضرورة، لخروجه. عن الغسل (2). وهو مردود: بإطلاق النصوص من لون تعليق على التغسيل. * * *


(1) قال في المقنعة: 82 فإن كان الشتاء شديد البرد فليسخن له قليلا. قال علي بن بابويه في الرسالة على ما في كشف اللثام 1: 32 وليكن فاترا واستفاد منهما كاشف اللثام القول المذكور. (2) كما في المهذب 1: 57.

[ 130 ]

الباب الثاني: في المضاف وهوما يلزم تقييده، أو لا يتناوله إطلاق الاسم، أو يصح سلبه عنه. وفيه مسائل: المسألة الاولى: لا يرفع شئ منه الحدث ولو اضطرارا، للاجماع المحقق، والمحكي في المبسوط، والاستبصار، والتهذيب، والسرائر، والشرائع، والتذكرة، ونهاية الاحكام، والغنية، والتحرير (1). والاستصحاب. وأصالة عدم الطهورية. والآية (2). والمستفيضة من النصوص (3). وخلاف الصدوق في ماء الورد مطلقا (4)، والعماني (5) في المضاف بما سقط في الماء عند الضرورة - مع إمكان إرجاع الثاني إلى ما لا يخالف - شاذ. وصحيحة ابن المغيرة (6)، ورواية يونس (7)، لا حجية فيهما ولا دلالة. ودعوى صدق الماء المطلق على ماء الورد، كما صدرت عن بعض المتأخرين (8)، يكذبها العرف.


(1) المبسوط 1: 5، الاستبصار 1: 14، التهذيب 1: 219، السرائر 1: 59، الشرائع 1: 15، التذكرة 1: 5، نهاية الاحكام 1: 236، الغنية (الجوامع الفقية): 552، التحرير 1: 5. (2) الفرقان: 50. (3) الوسائل 1: 201 أبواب الماء المضاف ب 1. (4) الهداية: 13، الامالي: 514، ويظهر أيضا من الفقيه 1: 6 بناء: على نسخة الاصل حسب ما ذكره المولى التقي المجلسي في روضة المتقين 1: 41. (5) نقل عنه في المختلف: 10. (6) التهذيب 1: 219 / 628، الاستبصار 1: 15 / 28، الوسائل 1: 201 أبواب الماء المضاف ب 1 ح 2. (7) الكافي 3: 73 الطهارة ب 46 ح 12، التهذيب 1: 218 / 627، الاستبصار 1: 14 / 27، الوسائل 1: 204 أبواب الماء المضاف ب 3 ح 1. (8) ماحب المفاتيح (منه رحمه الله) 1: 47.

[ 131 ]

ولا الخبث، للثلاثة الاول، ورود الامر بالغسل، وهو حقيقة فيما يكون بالماء، للتبادر، وصحة السلب. ولو منع، فلتقييد مطلقات الغسل بمقيداته - منضما مع الاجماع المركب - كقوله عليه السلام: " لا يجزي في البول غير الماء " (1) و " كيف يطهر من غير ماء " (2) وفي الصحيح: عن رجل أجنب في ثوب وليس معه غيره، قال: " يصلي فيه إلى حين وجدان الماء " (3). خلافا للمنقول عن المفيد، والسيد (4) مطلقا، وللعماني (5) في حال الضرورة، لادلة ضعفها في مقابلة ما ذكر، ظاهر. المسألة الثانية: ينجس المضاف بالملاقاة مع النجاسة مطلقا، قليلا كان أو كثيرا، مع تساوي السطوح أو علو المنجس، بالاجماع، كما في المعتبر، والمنتهى، والتذكرة (6)، وعن الشهيدين (7)، وهو الحجة فيه. مضافا إلى رواية السكوني: عن قدر طبخت، فإذا في القدر فأرة، قال: " يهراق مرقها، ويغسل اللحم ويؤكل " (8). ورواية زكريا بن آدم: عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر، قطرت في قدر فيه لحم


(1) التهديب 1: 50 / 147، الاستبصار 1: 57 / 166، الوسائل 1: 316 أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 6 بتفاوت يسير. (2) التهذيب 1: 273 / 805، الاستبصار 1: 193 / 678، الوسائل 3: 453 أبواب النجاسات ب 29 ح 7. (3) الفقيه 1: 40 / 155، والتهذيب 1: 271 / 799، والاستبصار 1: 187 / 655، الوسائل 3: 484 أبواب النجاسات ب 45 ح 1 (بتفاوت يسير). (4) نقل عن المفيد في المدارك 1: 112، الناصريات (الجوامع الفقهية): 183. (5) نقل عنه في المختلف: 10. (6) المعتبر 1: 84، المنتهى 1: 22، التذكرة 1: 5. (7) الاول في الذكرى: 7، والثاني في الروض: 133، والروضة 1، 45. (8) الكافي 6: 261 الاطعمة ب 14 ح 3، التهذيب 9: 86 / 365، الوسائل 1: 206 أبواب الماء المضاف ب 5 ح 3. (وفي الجميع بتفاوت يسير).

[ 132 ]

كثير، ومرق كثير. قال: " يهراق المرق، أو يطعم أهل الذمة، أو الكلب، واللحم اغسله وكله " (1). والاختصاص ببعض المضافات، أو النجاسات، غير ضائر، لعدم القول بالفصل، بل هو متحقق (2) بين المضاف (3) وسائر المائعات أيضا. وعلى هذا فتدل على المطلوب الصحاح. الواردة في السمن الذائب، أو الزيت إذا ماتت فيه فأرة (4). وأكثرها يعم الكثير والقليل، فلا وجه لما قيل (5) من أن الاول خال عن الدليل. وأما مع اختلاف السطوح ودنو المنجس، ففي المدارك (6) واللوامع: التصريح بعدم تنجس الاعلى. وفي المعتمد: التردد. وفصل بعض سادة مشايخنا (7) بين ما كان بالجريان وعدمه، فقال بالعدم في الاول، وبالتنجس في الثاني. وهو الحق.


(1) التهذيب 1: 279 / 820، الوسائل 3: 470 أبواب النجاسات ب 38 ح 8. (2) في " ق ": يتحقق. (3) في " ق ": المضافات. (4) الوسائل 24: 194 أبواب الاطعمة المحرمة ب 43. (5) الرياض 1: 10 قال: لا دليل عليه سوى الاجماع. (6) المدارك 1: 114. (7) هو بحر العلوم (منه رحمه الله). قال في الدرة على ما في الجواهر 1: 323 وينجس القليل والكثير * منه ولا يشترط التغير إن نجسا لاقى عدا جار علا * على الملاقي باتفاق من خلا فيستفاد منه التفصيل المذكور في المتن، ولكن البيت الاخير يغاير ما في (المطبوع) ص: 6 ففيها: إن نجسا لاقى عدا ما قد علا... فلا يفيد التفصيل المذكور.

[ 133 ]

أما الاول: فللاصل السالم عن المعارض، لاختصاص الادلة بغيره، وتنجس كل ما لاقى نجسا مع الرطوبة كيف كان غير ثابت. وأما الثاني: فلعموم الرواية الاولى، الحاصل من ترك الاستفصال، مع احتمال غمس الفأرة وموته بعده، وعلو المرق عليه كلا أو بعضا، بل وكذلك روايات السمن، والزيت. للقائل بعدم تنجس الاعلى مطلقا: الاجماع على عدم سراية النجاسة إلى الاعلى. وفيه: أنه بإطلاقه غير محقق، ومنقوله غير حجة، مع أنه مذكور في بحث المطلق، فيمكن اختصاصه به. المسألة الثالثة: لا يطهر بعد التنجس إلا بصيرورته مطلقا، كما يأتي في بحثه. المسألة الرابعة: لو مزج المضاف بالمطلق، فمع المخالفة في الصفات يعتبر إطلاق الاسم إجماعا، وكذا مع الموافقة على الاظهر، لدوران الاحكام مع الاسم. والمناط إطلاق المطلع على الحال، كما هو كذلك في سائر الاطلاقات، فالمقام خال عن الاشكال. والشيخ أناط الحكم بالاكثرية، ومع التساوي أثبت له أحكام المطلق، لاصالة الاباحة (1). ويضعفه. فقد الدليل على الاناطة، واستصحاب الحدث والخبث، ومنع الاصل مع عدم صدق الاسم. وفي المختلف اعتبر التقدير (2). وهو خال عن الدليل.


(1) المبسوط 1: 8. (2) المختلف: 14.

[ 134 ]

وجعل طائفة من المتأخرين المناط الاستهلاك (1). وفيه: مع أنه لا يعلم منه حكم التساوي، أنه قد يرتفع الاطلاق مع عدم الاستهلاك. والقاضي جوز استعماله في غير رفع الحدث والخبث مطلقا (2). وهو راجع إلى جعله مضافا. المسألة الخامسة: لو أمكن تتميم ما لا يكفي من المطلق للتطهر بالمزج مع المضاف بشرط بقاء الاطلاق، جاز وفاقا. وفي وجوبه - كالمشهور - لصلهق الوجدان، ومنع شمول موجبات التيمم مع فقد الماء لمثل المقام، أو عدمه - كما عن الشيخ (3) - لعدم الوجود، وكونه اكتسابا كتحصيل الاستطاعة والنصاب، قولان، أحوطهما: الاول. * * *


(1) منهم صاحبا الحدائق 1: 410، والمشارق: 261. (2) المهذب 1: 24. (3) المسوط 1: 9، 10.

[ 135 ]

المقصد الثاني: في الطهارة من الخبث ولتوقفها على معرفة اقسام النجاسات، ولوازمها الشرعية، وأقسام المطهرات، رتبته عل ثلاثة أبواب:

[ 136 ]

الباب الاول: في أقسام النجاسات وهي عشرة: البول، والغائط، والمني، والميتة، والدم، والكلب، والخنزير، والكافر، والخمر، والفقاع. ونذكرها مع بعض ما يناسبها في فصولى:

[ 137 ]

الفصل الاول: في البول والغائط وفيه مسائل. المسألة الاولى: لا خلاف في نجاستهما من كل ذي نفس سائلة غير مكول اللحم، سوى الطير، والرضيع، فإن فيهما خلافا يأتي، وعلى ذلك الاجماع محققا ومنقولا في كلام جمع من المحققين (1)، بل في البعض (2): بالضرورة من الدين. وهو الحجة. مضافا إلى المستفيضة الدالة على الحكم في مطلق البول، كالمروي عن النبي المنجر بالعمل: " تنزهوا عن البول (3)، والروايات الآمرة بغسل الثوب والجسد من البول إذا أصابه مرة أو مرتين (4). أو في بول كل ما لا يؤكل لحمه، كحسنة ابن سثان: " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (5). المؤيدة في الجملة بحسنة زرارة: " لا تغسل ثوبك من بول شئ مما يؤكل لحمه " (6) والمروي في قرب الاسناد: " لا بأس ببول ما أكل لحمه " (7). أو في بعض الابوال، الدال على المطلوب بضيمة الاجماع المركب،


(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 550، المعتبر 1: 410، المنتهى 1: 159 و 160. (2) قال في غنائم الايام: 59 بل ضروري في بول الانسان. (3) سنن الدار قطني 1: 127 / 2: وفيه " تنزهوا من البول... ". (4) الوسائل 3: 395 أبواب النجاسات ب 1. (5) الكافي 3: 57 الطهارة ب 37 ح 3، التهذيب 1: 264 / 770، الوسائل 3: 405 أبواب النجاسات ب 8 ح 2. (6) الكافي 3: 57 الطهارة ب 37 ح 3، التهذيب 1: 246 / 770، الوسائل 3: 407 أبواب النجاسات ب 9 ح 4. (7) قرب الاسناد: 156 / 573، الوسائل 3: 410 أبواب النجاسات ب 9 ح 17.

[ 138 ]

كالواردة في بول الانسان، كالاخبار الآمرة بغسل مخرجه (1)، ويغسل بول الصبي الذي أكل (2)، وصب بول الرضيع (3)، وبإعادة الصلاة بعد غسله إذا نسيه وصلى، كرواية الحسن بن زياد: عن الرجل يبول فيصيب بعض فخذه نكتة من بوله، فيصلى ثم يذكر بعد أنه لم يغسله قال: " يغسله ويعيد صلاته " (4). أو بول السنور، كرواية سماعه " إن أصاب الثوب شيئ من بول السنور فلا يصلح للصلاة فيه حتى يغسله " (5). والدالة عليه في خرء كل ما لا يؤكل، كالمروي في المختلف عن كتاب عمار، المنجبر بالعمل: " خرء الخطاف لا بأس به، ذذذذذذذهو مما يؤكل لحمه " (6) دل بالتعليل على انتفاء المعلول بانتفائه. أو في عذرة الانسان كرواية علي - المتقدمة - في الجاري (7). وصحيحة علي بن محمد: عن الفأرة، والدجاجة، والحمامة، وأشباهها، تطأ العذرة ثم تطأ الثوب، أيغسل ؟ قال: " إن كان استبان من أثره شئ فاغسله " (8). والاستدلال على عذرة كل ما لا يؤكل بهما غير جيد، لعدم ثبوت إطلاق العذرة على غير غائط الانسان، فإن كلام جمع من اللغويين - كابن الاثير (9)،


(1) الوسائل 1: 294 أبواب نواقض الرضوء ب 18 و 315 أبواب أحكام الخلوة ب 9. (2 و 3) الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 3. (4) الكافي 3: 17 الطهارة ب 12 ح 10، التهذيب 1: 268 / 789، الاستبصار 1: 181 / 632، الوسائل 3: 428 أبواب النجاسات ب 19 ح 2. (5) الكافي 3: 58 الطهارة ب 37 ح 8، التهذيب 1: 420 / 1329، الوسائل 3: 404، أبواب النجاسات ب 8 ح 1. (6) المختلف: 679، الوسائل 3: 411 أبواب النجاسات ب 9 ح 20. (7) ص 23. (8) التهذيب 1: 424 / 1347، قرب الاسناد: 193 / 729، الوسائل 3: 467 أبواب النجاسات ب 37 ح 3. (9) النهاية 3: 199.

[ 139 ]

والهروي، وغيرهما - صريح في الاختصاص، رلا تصريح لاحد منهم بالعموم. نعم فسر في الصحاح، والقاموس (1)، الخرء بالعذرة. وهو يفيد التعميم لو كان الخزء عاما حقيقة. وفيه تأمل، إذ فسره في المصباح والمجمع (2). بالغائط الذي هو بفضلة الانسان مخصوص، على ما صرحوا به ويستفاد من وجه تسميته. مع (أن) (3) تصريح البعض بالعموم - لو كان - لم يكن حجة، للتعارض. والاستعمال في بعض الروايات (4) في غير فضلة الانسان لا يثبت الحقيقة. وعلى هذا فإثبات المطلوب من مثلهما، بل مما ورد في عذرة الانسان، والسنور، والكلب، كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله: عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان، أو سنور، أو كلب، أيعيد صلاته ؟ قال: " إن كان لم يعلم فلا يعيد " (5) بضميمة عدم القول بالفصل، كما أن بعد ثبوت الحكم في بول ما لا يؤكل يثبت في روثه (به) (6) أيضا. ثم تخصيص الدليل على المطلوب بالاجماع، والحكم بالطهارة في موضع وقع فيه النزاع، ورد دلالة الاخبار بعدم الملازمة بين ما ورد فيها وبين النجاسة، لاحتمال كونها من جهة استصحاب المصلي فضلات ما لا يؤكل، مضافا إلى أخصيتها من المدعى، إذ غايتها الاطلاق في البول، أو العذرة، المنصرف إلى المتبادر منهما وهو بول الانسان، كما فعله بعض معاصرينا (7).


(1) الصحاح 1: 46، القاموس المحيط 1: 14. (2) المصباح المنير: 167، مجمع البحرين 1: 167. (3) أضفناه لاستقامة المعنى. (4) كصحيحة عبد الرحمن الآتية. (5) الكافي 3: 406 الصلاة ب 66 ح 11، التهذيب 2: 359 / 1487، الاستبصار 1: 180 / 630، الوسائل 3: 475 أبواب النجاسات ب 40 ح 5. (6) لا توجد في " ه‍ ". (7) الرياض 1: 82.

[ 140 ]

فاسد، لثبوت الملازمة بين الغسل والنجاسة بالاجماع المركب، وعدم صلاحية حرمة استصحاب المصلى لفضلة ما لا يؤكل جهة له، لانها غير موجبة للغسل إجماعا، بل غاية ما يلزمها إزالة العين كيف ما كان، سيما مع الفرق بين بول الرضيع وغيره: بالصب والغسل، والامر (1) بالغسل وعدم جواز الصلاة قبله في بول كل أحد نفسه، مع أن الفضلة الطاهرة من كل أحد في صلاته معفوة قطعا. مضافا إلى أن النهي في رواية علي (2) إنما هو عن التوضؤ بماء دخله مثل الدجاجة الواطئة للعذرة، والجهة المذكورة فيه غير جارية. وأما الاخصية فهي بإطلاقها ممنوعة، كيف والبول حقيقة في المطلق ؟ ! وأكثرية كون ما في الثوب، أو الجسد بول الانسان - لو سلم - لا يوجب انصراف السؤالات الفرضية إليه، سيما مع التصريح بكون غيره فيه أيضا في الاخبار المستفيضة، كحسنتي ابن سنان وزرارة، وموثقة سماعة (3)، وصحيحة عبد الرحمن (4)، هذا. ثم الاستدلال على المطلوب، بروايات النزح (5)، وبما دل على وجوب إخراج خرء الفأر عن الدقيق، كالمروي في الدعائم (6)، والمسائل (7)، غير جيد، لضعف الاول: بعدم الملازمة بين استحباب النزح، بل وجوبه، وبين النجاسة، والثاني: بجواز كونه للحرمة.


(1) في " ق " و " ه‍ ": الآمر. (2) المتقدمة ص 23. (3) المتقدمة ص 138. (4) المتقدمة ص 139. (5) الوسائل 1: أبواب الماء المطلق من ب 15 - 22. (6) الدعائم 1: 122، المستدرك 16: 195 أبواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 4. (7) البحار 10: 276، ورواه في الوسائل 24: 236 أبواب الاطعمة المحرمة ب 64 ح 3 عن قرب الاسناد: 275 / 1093.

[ 141 ]

المسألة الثانية: الحق طهارة بول الطير وذرقه مطلقا، وفاقا فيهما للصدوق (1)، والعماني، والجعفي (2)، والمعالم (5) من المتأخرين، والحدائق (4) من متأخريهم، وفي الثاني للمدارك، والذخيرة، وكفاية الاحكام، والبحار (5)، مع نفي البعد عن طهارة الاول في الاول، والتردد في الثانيين، والاستشكال في الرابع، وللمبسوط (6)، في غير الخشاف. للاصل. وحسنة أبي بصير: " كل شئ يطير فلا بأس بخرئه وبوله " (7). وكونها مخصوصة (8) بالخشاف (إجماعا) (9) فيختص بما شاركه في العلة، وهو: عدم كونه مأكولا، مردود: بمنع الاجماع المدعى أولا، وعدم تعليله بما ذكر - لو سلم - ثانيا. وموثقة غياث: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (10) المثبتة لتمام المطلوب بالاجماع المركب. المؤيدتين بالمرويين في البحار، أحدهما عن جامع البزنطي: " خرء كل شئ يطيرو بوله لا بأس به " (11) والآخر عن نوادر الراوندي: عن الصلاة في الثوب الذي


(1) الفقيه 1: 41، المقنع: 5. (2) نقله عنهما في الذكرى: 13. (3) المعالم: 198. (4) الحدائق 5: 11. (5) المدارك 2: 262، الذخيرة: 145، الكفاية: 11، البحار 77: 111. (6) المبسوط: 39. (7) الكافي 3: 58 الطهارة ب 37 ح 9، التهذيب 1: 266 / 779، الوسائل 3: 412 أبواب النجاسات ب 10 ح 1. (8) كما عن المختلف: 56. (9) أضفناه لاستقامة المعنى. (1 0) التهذيب 1: 266 / 778، الاستبصار 1: 188 / 659، الوسائل 3: 413 أبواب النجاسات ب 10 ح 5. (11) البحار 77: 110، المستدرك 2: 560 أبواب النجاسات ب 6 ح 2.

[ 142 ]

فيه أبوال الخفافيش ؟ فقال: " لا بأس " (1). والاستدلال بترك الاستفصال في صحيحة علي: عن رجل في ثوبه خرء الطير أو غيره، هل يحكه وهو في صلاته ؟ قال. " لا بأس به " (2) ضعيف، لانه إنما يتم لو كان السؤال عن خرء الطير، وكان المعنى لا بأس بخرئه. والظاهر أن السؤال عن الحك في الصلاة، وذكر ما ذكر من باب التمثيل. والمعنى لا بأس بالحك. ويؤيده: عدم الاستفصال في الغير، وقوله بعد ذلك: " ولا بأس أن يرفع الرجل طرفه إلى السماء وهو يصلي " وإيراد الاصحاب لها في مسألة ما لا يجوز للمصلي فعله. خلافا للشيخ في المبسوط (3)، في الخشاف، لرواية الرقي: عن بول الخشاشيف يصيب ثور فأطلبه ولا أجده، قال: " اغسل ثوبك " (4) فإنه يخصص بها عموم ما مر، المخصص للعمومات السابقة عليه. ويضعف: بالمعارضة مع موثقة غياث (5) المؤيدة بمامر. والاولى وإن رجحت بالشهرة فتوى، ولكن الثانية ترجح بالعلو سندا، والاوثقية رجالا، والاظهرية دلالة، وللاصل موافقة فلولا ترجيح الثانية لتساويا، ويكون المرجع: الاصل وعمومات الطير. وجعل الموثقة شاذة، أو حملها على التقية - كما في التهذيب (6) - لا وجه له،


(1) البحار 77: 110 / 13، لم نجده في النوادر المطبوع. (2) الفقيه 1: 164 / 775، الوسائل 7: 284 أبواب قواطع الصلاة ب 27 ح 1. (3) المبسوط 1: 39. (4) اللهذيب 1: 265 / 777، الاستبصار 1: 188 / 658، الوسائل 3: 412، أبواب النجاسات ب 10 ح 4. (5) المتقدمة ص 141. (6) التهذيب 1: 266.

[ 143 ]

لعمل جماعة من القدماء (1) بها، وعدم قرينة على التقية فيها. نعم المظنون كون الموثقة لشهرة القدماء مخالفة، وحينئذ فالاحتياط عن بول الخشاف أولى. وللمشهور - كما في الخلاف (2)، والمعتبر (3) - في غير المكول من الطير مطلقا، لنقل الاجماع من الفاضلين (4)، وتوقف حصول البراءة اليقينية عليه، وعمومات البول، والعذرة المتقدمة (5). وحسنة ابن سنان (6)، بضميمة الاجماع الموحب في الخرء. ورواية المختلف (7). ويرد على الاول: - مضافا إلي منع حجية الاجماع المنقول - أن ذكرهما الخلاف في الطير بعد اذعائهما الاجماع في مطلق ما لا يؤكل بقولهما. أجمع علماء الاسلام، قرينة على إرادتهما غير الطير، فإنه كيف يصح هذا القول منهما مع مخالفة جماعة من عظماء الامامية ؟ ومما يوضح ذلك: أن المحقق بعد ما قال: البول والغائط مما لا يؤكل نجس وهو إجماع علماء الاسلام، قال: وفي رجيع الطير للشيخ قولان - إلى أن قال - والآخر أن كل ما اكل فذرقه طاهر، وما لا يؤكل فذرقه نجس، وبه قال أكثر الاصحاب، ومحمد بن الحسن الشيباني (8). فإن قوله: وبه قال أكثر الاصحاب،


(1) وهم الصدوق والعماني والجعفي المتقدم ذكرهم ص 141 رقم 1، 2. (2) الخلاف 1: 485 ادعى الاجماع على نجاسة بول وروث وذرق كل ما لا يؤكل لحمه. (3) المعتبر 1: 411. (4) اراد به الاجماع على نجاسة البول والغائط من كل حيوان غير مأكول اللحم كما تقدم ص 137، رقم 1. (5) ص 138. (6) المتقدمة ص 137. (7) المتقدمة ص 138. (8) المعتبر 1: 410، 411.

[ 144 ]

قرينة واضحة على أن مراده من قوله: وهو إجماع علماء الاسلام، في غير الطير. وعلى الثاني: بحصول البراءة اليقينية شرعا بعد الدليل الشرعي على الطهارة. وعلى الثالث: - مضافا إلى عدم ثبوت إطلاق العذرة على غير الغائط من الانسان - أنه إما عام مطلق بالنسبة إلى أخبار الطير، فيجب تخصيصه بها، أو أعم من وجه، لخروج بول ما يؤكل منه إجماعا، فيجب الرجوع إلى الاصل. وترجيح العمومات بعمل الأكثر معارض بمامر من موافقة أخبار الطير للاصل، وعمومات الطهارة، وأظهرية الدلالة، مع أن إيجاب مثل هذه المرجحات للترجيح عندنا غير ثابت، والاشهرية المنصوص عليها هي ما في الرواية، دون الفتوى. وكذا يرد الاخيران أيضا. مضافا إلى ما في أولهما من منع الاجماع المركب بالنسبة إلى بول الطير وخرئه، كما عرفت من قطع جماعة في حكم خرئه، والتردد في بوله. ومن أن الطير إما فاقد للبول، كما هو الظاهر في أكثر الطيور، حيث لم يطلع أحد على بول له ويستبعد وجوده، وعدم الاطلاع عليه سيما في المأنوسة. وأما ذكره في الاخبار فلا يدل على وجوبه لكل طير، بل غايته وجوده لنوع، هو الخشاف المذكور بوله فيها، والمحكي مشاهدته منه، واختلاف الطيور في ذلك ممكن، كما في الولودية. فيسقط الاستدلال به رأسا، أما على نجاسة البول. فظاهر، وأما الرجيع: فلان عدم الفصل إنما يكون لو كان له بول. والقول: بأنه لو فرض له بول يكون نجسا، وكل ما كان كذلك فرجيعه نجس بالاجماع المركب، باطل، لمنع أنه لو فرض له بول يكون نجسا، لان الاحكام لا ترد على الموضوعات الفرضية المحضة. سلمنا، ولكن نمنع تحقق الاجماع المركب في مثله وإنما (1) هو (في


(1) في " ه‍ ": إنما.

[ 145 ]

المتحقق) (1) والحكم بنجاسته. أو بوله (2) مشكوك فيه، فالكلام فيه أيضا كالفاقد. ومن هذا يظهر جواب آخر عن عمومات البول. وما في ثانيهما (3) من أن دلالته على نجاسة الخرء مما لا يؤكل، بالعلية الموجبة لانتفاء المعلول بانتفاء العلة، وهو إنما يكون لو لم تقم علة اخرى مقامها. ونفي قيام الاخرى لا يكون إلا بالاصل الزائل بعمومات الطهارة في الطير. مع أن مفهومه ليس إلا ثبوت نوع بأس في خرء ما لا يؤكل، فلعله لمنع استصحابه في الصلاة، دون النجاسة. المسألة الثالثة: بول الرضيع نجس على الاشهر الاظهر، للاجماع المحقق والمحكي (4) مستفيضا، والمروي عن النبي المتقدم (5) المنجبر بالعمل. والاستدلال بجعل مطلق البول كالمني، في إعادة الصلاة منه، كما في صحيحة محمد (6)، أو بموجبات الصب أو غسل مطلق البول - ضعيف، لجواز كون الاعادة من جهة كونه فضلة غير المأكول، وعدم الملازمة بين وجوب الصب والنجاسة، بل الظاهر إيجاب المخالف له أيضا، ولذا جعل بعضهم نزاعه لفظيا، وإن لم يكن كذلك. وعدم وجوب الغسل هنا إجماعا. ودعوى صدقه على الصب: بمخالفة العرف، وصحة السلب، وتبادر الغير، وتقابلهما في الاخبار - مردودة، مع أن غالب موجبات الغسل بين موجب


(1) في جميع النسخ تحقق وما أثبتناه لاستقامة المعنى. (2) عطف على قوله: إما فاقد... (3) عطف على قوله. ما في أولهما. (4) التذكرة 1: 6، ولعله يستفاد من الناصريات (الجوامع الفقهية): 181. وحكى غير واحد دعوى الاجماع من السيد المرتضى. (5) ص 137 الهامش (3). (6) الفقيه 1: 161 / 758، التهذيب 1: 252 / 730، الوسائل 3: 424 أبواب النجاسات ب 16 ح 2.

[ 146 ]

للمرتين المنفيين هنا إجماعا، وبين مصرح ببول الرجل. ومن ذلك يظهر عدم صحة الاستدلال بموثقة سماعة الآمرة بغسل الثوب عن بول الصبي (1). وأضعف منها: الاحتجاج بالمروي عن كتاب الملهوف عن ام الفضل: أنها جاءت بالحسين عليه السلام إلى رسول صلى الله عليه وآله وسلم، فبال على ثوبه، فقرضته، فبكى، فقال: " مهلا يا ام الفضل، فهذا ثوبي يغسل، وقد أوجعت ابني " (2) فإنه مع عدم دلالته على وجوب الغسل، غير دال أنه كان قبل أن يعلم. خلافا للاسكافي (2)، لرواية السكوني والرضوي: " لبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله " (4). والمروي في نوادر الراوندي: " بال الحسن والحسين على ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يطعما، فلم يغسل بولهما من ثوبه " (5). ويضعفان - بعد عدم صلاحيتهما للحجية -: بمنع الملازمة بين انتفاء الغسل والطهارة. والجمع بين البول واللبن لا يدل على أزيد من اتحادهما في عدم الغسل. المسألة الرابعة: بول كل مأكول اللحم وروثه طاهر، بالاجماع، حتى الدجاج على الاشهر، للاصل، والاستصحاب، وللمستفيضة، كحسنة زرارة،


(1) التهذيب 1: 251 / 723، الاستبصار 1: 174 / 604، الوسائل 3: 398 أبواب النجاسات ب 3 ح 3. (2) الملهوف: 6، الوسائل 3: 405 أبواب النجاسات: ب 8 ح 5. (3) نقل عنه في المختلف: 56. (4) التهذيب 1: 250 / - 718، الاستبصار 1: 173 / 601، الوسائل 3: 398 أبواب النجاسات ب 3 ح 4، فقه الرضا (ع): 95، المستدرك 2: 554 أبواب النجاسات ب 2 ح 4. (5) نوادر الراوندي: 39، المستدرك 2: 554 أبواب النجاسات ب 2 ح 4.

[ 147 ]

وروايتي قرب الاسناد، والمختلف المتقدمة (1)، وصحيحة البصري، وروايته الآتيتين في المسألة الخامسة (2). والموثقتين، إحداهما للساباطي: " كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (3). والاخرى لابن بكير: " وإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره، وبوله، وشعره، وروثه، وألبانه، وكل شئ منه، جائزة " (4). ورواية وهب بن وهب: " لا بأس بخرء الحمام والدجاج يصيب الثوب " (5). خلافا للمنقول عن الصدوقين (6)، والشيخين (7)، في فرق الدجاج، لرواية فارس: كتب إليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج تجوز الصلاة فيه ؟ فكتب: " لا " (8). وهي لمخالفتها لشهرة القدماء، ومعارضتها لرواية وهب، غير صالحة لتخصيص العمومات ودفع الاصل. والحمل على الجلال ممكن، فإن المصرح به في كلامهم نجاسة ذرقه، بل في المختلف، واللوامع: الاجماع عليها (9)، وفي التذكرة، والتنقيح: نفي الخلاف


(1) ص 137 - 138. (2) سيأتي ذكرهما في 151. (3) التهذيب 1: 226 / 781، الوسائل 3: 409 أبواب النجاسات ب 9 ح 12. (4) الكافي 3: 397 الصلاة ب 65 ح 1، التهذيب 2: 209 / 818، الاستبصار 1: 383 / 1454، الوسائل 4: 345 أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1. (5) التهذيب 1: 283 / 831، الاستبصار 1: 177 / 618، الوسائل 3: 412، أبواب النجاسات ب 1 ح 2. (6) المقنغ: 5. (7) المقنعة: 71، التهذيب 1: 266، المبسوط 1: 36. (8) التهذيب 1: 266 / 782، الاستبصار 1: 178 / 619، الوسائل 3: 412 أبواب النجاسات ب 10 ح 3. (9) المختلف: 55.

[ 148 ]

عنها (1). إلا أن أخبار طهارة بول الطير وخرئه. من غير معارض من الاخبار - لما عرفت من عدم ثبوت بول له، وعدم دلالة ما فيه ذكر الخرء - تنفيها (2)، فان ثبت الاجماع عليها، وإلا فالاصل يقتضي الطهارة. المسألة الخامسة: ومن المأكول اللحم: الدواب الثلاث، فأبوالها وأرواثها طاهرة، وفاقا للمعظم، ومنهم: الشيخ في المبسوط والتهذيب، بل في غير النهاية (3)، كما في الذخيرة (4)، وفيه: أن عليها اتفاق من عدا الاسكافي، وفي المعتبر: أن عليها عامة الاصحاب (5). بل عليها الاجماع المحقق لندور (6) المخالف. وهو الحجة عليها، مضافا إلى ما مر من الاصل، والاستصحاب، وعمومات طهر ما يؤكل. واحتمال إرادة ما يعتاد أكله، أو جعله الله للاكل، حيث إن المراد منه معناه المجازي قطعا، وهو كما يمكن أن يكون ما من شأنه، أو يجوز أن يؤكل شرعا، يمكن أن يكون أحد المعنيين، بل الاخير هو المستفاد من بعض الاخبار (7)، المؤكد بأخبار اخر (8)، عاطفة لما يؤكل على هذه الدواب - مدفوع: برواية المختلف المتقدمة (9)، وعدم دلالة ما أشار إليه من الاخبار على أن مراد الامام مما يؤكل


(1) التذكرة 1: 6، التنقيح 1: 146. (2) في " ح " و " ق ": بنفسها وفي " ه‍ ": بنفيها، والظاهر انهما تصحيف لما أثبتناه، والضمير راجع إلى النجاسة، والجملة خبر لقوله: ان أخبار طهارة... (3) المبسوط 1: 36، التهذيب 1: 265، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 171. (4) الذخيرة: 145. (5) المعتبر 1: 413. (6) في " ق ": لندرة. (7) كرواية زرارة المروية في تفسير العياشي 2: 255 / 6 وراجع الحدائق 5: 27. (8) كصحيحة البصري الآتية في ص 151. (9) ص 138.

[ 149 ]

(الذي حكم بطهارة بوله وروثه) (1) ما جعله الله للاكل. وإرادته منه في بعض الاخبار بقرينة العطف، لا تدل على إرادته في غيره أيضا. وقد يدفع احتمال الاعتياد: بأنه لو كان المراد، لشمل مثل الخنزير، والارنب، واليربوع. وفيه: أن الاعتياد المأخوذ في معاني الالفاظ هو ما في عرف المتكلم، أو المخاطب، أو هما، أو البلد. ومنه يضعف تتميم الدليل على احتمالي الاعتياد: باعتياد أكل الفرص، بضم الاجماع المركب في أخويه. ويدل على المطلوب أيضا: خصوص رواية المعلى وابن أبي يعفور: كنا في جنازة وفربنا حمار، فبال، فجاءت الريح ببوله حى صكت وجوهنا وثيابنا، فدخلنا على أبي عبد الله فأخبرناه، فقال: " ليس عليكم شئ " (2). واختصاصها بالحمار - لعدم الفصل - غير ضائر. ررواية أبي الاغر: إني اعالج الدواب ربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فتضرب إحداها برجلها أو يدها، فينضح على ثيابي، فأصبح فأرى أثره فيه، فقال: " ليس عليك شئ " (3). والصحيحتان المرويتان في قرب الاسناد: إحداهما لابن رئاب، المصرحة بجواز الصلاة في ثوب أصابه الروث الرطب (4). والاخرى لعلي: عن الثوب يوضع في مربط الدابة على أبوالها وأرواثها،


(1) مابين القوسين ليس في " ه‍ ". (2) التهذيب 1: 425 / 1351، الاستبصار 1: 180 / 627، الوسائل 3: 410، أبواب النجاسات ب 9 ح 14. (3) الكافي 3: 58 الطهارة ب 37 ح 10، الفقيه 1: 41 / 164، الوسائل 3: 407 أبواب النجاسات ب 9 ح 2. (4) قرب الاسناد: 163 / 597، الوسائل 3: 410 أبواب النجاسات ب 9 ح 16.

[ 150 ]

قال: " إن علق به شئ فله غسله (1)، وإن أصابه شئ من الروث أو الصفرة التي معه فلا يغسله من صفرة " (2). وفي جامع البزنطي عن الصادق عليه السلام: " أنا والله ربما وطئت على الروث ثم اصلي ولا أغسله " (3). وموثقة الحلبي: في السرقين الرطب أطأ عليه ؟ فقال: " لا يضرك مثله " (4). وضعف بعضها سندا، كاختصاص البعض بالروث، غير ضائر، لانجبار الاولى بالعمل، والثاني بالاجماع المركب، كما هو المحقق، والمصرح به في المختلف، والذخيرة (5)، واللوامع، وفي الناصريات: إنه لم يقل أحد من الامة أن الروث طاهر، والبول نجس (6). ومخالفة بعض المتأخرين - كما يأتي - لا يوجب قدحا فيه. ومنه يتجه الاستدلال بالمستفيضة الآتية (7)، الآمرة بغسل الثوب عن بولها، دون روثها. ولا يمكن المعارضة فيها بالعكس، لامكان توجيه الاخبار على الاول، بحمل الامر على الاستحباب بقرينة طهارة الروث، بل يتعين ذلك، لان الحمل على الحقيقة إنما هو مع خلو الكلام عما يصلح قرينة للتجوز، ولا يمكن ذلك في العكس. ومما يثبت المطلوب: لزوم العسر والحرج المنفيين لولاه، كما علل به الامام


(1) في المصدر: فليغسله. (2) قرب الاسناد: 282 / 1119، الوسائل 3: 411 أبواب النجاسات ب 9 ح 19. (3) رواها في مستطرفات السرائر عن نوادر البزنطي: 27 / 28. (4) الكافي 3: 38 الطهارة ب 24 ح 3، الوسائل 3: 407 أبواب النجاسات ب 9 ح 3. (5) المختلف: 56، الذخيرة: 146. (6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 180. (7) في ص 154.

[ 151 ]

طهارة الارواث في بعض الاخبار، وأبوالها أيضا كذلك، بل أشد، لترشحها في الاغلب - سيما في الاسفار - على الراكب والاحمال وما قاربها. خلافا للاسكافي، والشيخ في النهاية (1)، فقالا بالنجاسة في أبوالها وأرواثها - وهو مذهب أيى حنيفة، والشافعي، كما في الناصريات والانتصار، والمعتبر (2)، وأبي يوسف أيضا، كما في الاولين - لعمومات نجاسة البول والعذرة مطلقا، ونجاستهما مما لا يؤكل (3)، بالتقريب المذكور في المراد مما يؤكل. وخصوص صحيحة البصري، وروايته، الاولى: عن الرجل يمس بعض أبوال البهائم أيغسله أم لا ؟ قال: " يغسل بول الفرس، والبغل، والحمير، وأما الشاة، وكل ما يؤكل لحمه، فلا بأس ببوله " (4). وقريبة منها الثانية (5). وروايتي أبي بصير، إحداهما: عن الماء النقيع تبول فيه الدواب، فقال: " إن تغير الماء فلا يتوضأ منه " (6). والاخرى: عن كر من ماء مررت فيه وأنا في سفر، قد بال فيه حمار، أو بغل، أو - إنسان، قال: " لا تتوضأ منه " (7). وصحيحة محمد: عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب، قال: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (8).


(1) نقل عن الاسكافي في المختلف: 56، النهاية: 51. (2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 180، الانتصار: 201، المعتبر 1: 411. (3) المتقدمة ص 137 - 138. (4) التهذيب 1: 247 / 711، الاستبصار 1: 179 / 624، الوسائل 3: 409 أبواب النجاسات ب 9 ح 9: وفي المصادر: يمسه. (5) التهذيب 1: 422 / 1337، الوسائل 3: 409 أبواب النجاسات ب 9 ح 10. (6) التهذيب 1: 40 / 111، الاستبصار 1: 9 / 9، الوسائل 1: 138 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 3. (7) التهذيب 1: 40 / 11 0، الاستبصار 1: 8 / 8، الوسائل 1: 139 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 5. (8) الكافي 3: 2 الطهارة ب 2 ح 2، التهذيب 1: 39 / 107، الاستبصار 1: 6 / 1، الوسائل 1: 158 أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1.

[ 152 ]

وصحيحتي علي، المرويتين في قرب الاسناد، إحداهما: عن الدابة تبول فيصيب بولها المسجد، أو حائطه، أيصلى فيه قبل أن يغسل ؟ قال: " إذا جف لا بأس " (1) والاخرى: ما تقدم (2). ورواية علي المروية في كتابه: عن الثوب يقع في مربط الدابة على بولها، وروثها، كيف يصنع ؟ قال: " إن علق به شئ فليغسله، وإن كان جافا فلا بأس " (3). وحسنة محمد: عن أبوال الدواب، والبغال، والحمير، فقال: " اغسله، فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله، وإن شككت فانضحه " (4). وصحيحة الحلبي: عن أبوال. الخيل، والبغال، قال: " اغسل ما أصابك منه " (5). وموثقة سماعة: عن بول السنور، والكلب، والحمار، والفرس، قال: " كأبوال الانسان " (6). وبضميمة عدم الفصل يتم الاستدلال بما يختص منها بالبول. والجواب: أما عن عموم الاول: فمع منع صدق العذرة على المورد، بتخصيصه بما مر. وأما عن الثاني: فيه، وبما مر من فساد التقريب المذكور.


(1) قرب الاسناد 205 / 794، الوسائل 3: 411 أبواب النجاسات ب 9 ح 18. (2) ص 126. (3) الوسائل 3: 411، أبواب النجاسا ب 9 ح 21. (4) الكافي 3: 57 الطهارة ب 37 ح 2، التهذيب 1: 264 / 771، الاستبصار 1: 178 / 620، الوسائل 3: 403 أبواب النجاسات ب 7 ح 6. (5) التهذيب 1: 265 / 774، الاستبصار 1: 178 / 622، الوسائل 3: 409 أبواب النجاسات ب 9 ح 11. (6) التهذيب 1: 422 / 1336، الاستبصار 1: 179 / 627، الوسائل 3: 406 أبواب النجاسات ب 8 ح 7.

[ 153 ]

وأما عن الخصوصات: فبمنع دلالة غير الاخيرتين (منها) (1). أما الاوليان: فلخلوهما عما يفيد وجوب الغسل المفيد للنجاسة. وكذا الثانيتان، لاحتمالهما النفي الغير المفيد إلا للمرجوحية الشاملة للكراهة، بل يتعين حملهما عليها، لتصريح الثانية بكرية الماء، وظهور الاولى فيها أيضا، كما هي المستفادة من النقيع، ومن كونه معرضا لهذه الامور. مضافا: إلى أن لشمول الدواب لغير الثلاثة أيضا - مما لا خلاف في طهارة فضلته، كالبعير والبقرة - تكون دلالته موقوفة على تخصيص الدابة، وأولويته من حمل النهي على الكراهة غير ثابتة. ومنه يظهر عدم دلالة البواقي أيضا، مضافا إلى ما في اولاها من ظهور تحقق الامور الثلاثة من بول الدواب، وولوغ الكلب، وغسل الجنب. وفي ثانيتها، من عدم دلالة البأس مع عدم الجفاف على النجاسة بوجه. وفي ثالثتها من ظهور قوله: " فله غسله " (2). في عدم الوجوب. وأما الاخرتان وإن دلتا بظاهريهما ولكن حملهما على مطلق رجحان الغسل متعين، لما ذكرنا من الادلة، لا لاجل أن أحد المتعارضين يحمل على الاستحباب، كما توهم وطعن به على المجتهدين بأنه من أين علم أن الحمل على الاستحباب من وجوه الجمع (3) ؟ بل لان مثل ما ذكر قرينة عرفا على إرادة مطلق الرجحان، كما في العام والخاص المطلقين. ولو اغمض عن ذلك، وبني على التعارض، فالترجيح لما ذكرنا أيضا، لمخالفة معارضه لشهرة القدماء وعمل صاحب الاصل، بل للاجماع، الموجبة لخروجه عن الحجية، ومع ذلك موافق لمذهب العامة، ومناف لقاعدة نفي الحرج، فتعين تركه.


(1) لا توجد في " ق ". (2) كذا في جميع النسخ، ولكن المذكور في رواية علي: " فليغسله ". (3) الحدائق 5: 24.

[ 154 ]

مع أنه لولا الترجيح أيضا، لكان المرجع إلى الاصل، وهو معنا. ومنه يظهر الجواب عن غير الاخيرتين، على فرض دلالته أيضا. ولطائفة من متأخري المتأخرين، منهم: الشيخ جواد الكاظمي، وصاحب الحدائق (1) ناقلا إياه عن بعض مشايخه، في أبوالها خاصة، واستشكل فيه الاردبيلي، وتوقف في المدارك (2). لما مر من أخبار نجاسة أبوالها (3)، مع الاصل في الروث، ومنع الاجماع المركب. ولصحيحة الحلبي: " لا بأس بروث الحمير واغسل أبوالها " (4). وروايتي أبي مريم، وعبد الاعلى، الاولى: في أبوال الدواب وأرواثها، قال: " أما أبوالها فاغسل ما أصابك، وأما أرواثها فهي أكثر من ذلك " (5). والثانية: عن أبوال الحمير، والبغال، قال: " اغسل ثوبك " قال، قلت: فأرواثها ؟ قال: " هو أكثر من ذلك " (6). وقد مر جواب الاول. ومنه يظهر الجواب عن الاخبار المفصلة، مضافا إلى ما سبق في طي الاستدلال على المختار. المسألة السادسة: المقطوع به في كلام الأكثر: طهارة رجيع ما لا نفس له


(1) الحدائق 5: 21. (2) مجمع الفائدة 1: 301، المدارك 2: 303. (3) في ص 151. (4) الكافي 3: 57 الطهارة ب 37 ح 6، التهذيب 1: 265 / 773، الاستبصار 1: 178 / 621، الوسائل 3: 406 أبواب النجاسات ب 9 ح 1. (5) الكافي 3: 57 الطهارة ب 37 ح 5، التهذيب 1: 265 / 775، الاستبصار 1: 178 / 623، الوسائل 3: 408 أبواب النجاسات ب 9 ح 8. (6) التهذيب 1: 265 / 776، الاستبصار 1: 179 / 625، الوسائل 3: 409 أبواب النجاسات ب 9 ح 13.

[ 155 ]

وبوله، وعليه الاجماع في اللوامع، وعدم الخلاف في الحدائق (1)، ونسب الخلاف في التذكرة (3) إلى بعض العامة، وهو بعدمه عندنا مشعر، وتردد في الشرائع (2). وفي الدروس (3) وإن لم يقيد البول والغائط النجس بماله نفس - ولذا توهم منه التعميم - إلا أن الظاهر أنه اكتفى في التخصيص بما يذكره في الدم والمنى. وكيف كان فلا ريب فيها في رجيعه، للاصل السالم عن المعارض. وأما رواية المختلف (5) ففيها - مع ما مر - أن حجيتها لضعفها مخصوصة بموضع الانجبار. ويدل عليه أيضا في كثير نفي الحرج، ويتعدى إلى الجميع بعدم الفصل. ومنه يظهر الوجه في طهارة بوله (أيضا) (6). وبه يعارض حسنة ابن سنان (7) ويرجع إلى الاصل، مع أن شمولها له - مع ندوره الموجب لتردد جماعة في ثبوت بول له - مشكل، ومع ذلك كله فالامر فيه - لعدم ثبوته - سهل. فروع: أ: لو اشتبه بول، أو رجيع، أنه هل من الحيوان النجس بوله أو رجيعه، أو من الطاهر ؟ فهو طاهر ؟ للاصل. ولو اشتبه حيوان غير مأكول، بأنه مما له نفس أولا ؟ فالظاهر طهارة رجيعه، لذلك أيضا. ويحتمل نجاسة بوله، لعموم الحسنة. وطهارته، للاجماع المركب.


(1) الحدائق 5: 13. (2) التذكرة 1: 6. (3) الشرائع 1: 51. (4) الدروس 1: 123. (5) المتقدمة ص 138. (6) لا توجد في " ق " و " ه‍ ". (7) المتقدمة ص 137.

[ 156 ]

ب: لو خرج البول أو الغائط - مما ينجسان منه - عن غير الموضعين المعتادين، فينجسان، لصدق الاسم. ويلزم من يخصهما بالشائع المعتاد، القول بالطهارة. ج: ما يخرج مع الغائط من الدود والحب ليس نجسا ما لم يكن غائطا عرفا، للاصل. وقد يحكم بالطهارة إن كان صلبا ينبت لو زرع، والنجاسة إن لم يكن كذلك. ولا دليل عليه، إذ ربما تزول الصلبية ويفسد بحيث لا ينبت، ولا يصدق عليه الغائط. * * *

[ 157 ]

الفصل الثاني: في المني ولا خلاف في نجاسته من الانسان، والاخبار فيها مستفيضة (1). وما ينافيها مطلقا، أو مع الجفاف ظاهرا مؤول، أو متروك. وكذا من غيره مما له نفس، على المعروف من مذهب الاصحاب، بل عليه الاجماع في كلام جماعة (2)، وهو الحجة فيه. مضافا إلى المطلقات، الآمرة بغسل الثوب إذا أصابه المنى، والمصرحة بكونه أشد من البول (3). والخدش فيه (4): بعدم استلزام لزوم الغسل للنجاسة، أو انصرافها إلى منى الانسان، بما مر في البول مدفوع. لاثبات النجاسة بما جعله أسد من البول، مع تسليم انصرافه إلى منى الانسان - كما في المعالم (5) - في غاية الضعف. وأما ما لا نفس له، فالمقطوع به في كلام جملة من القوم طهارته (6). ويظهر من بعضهم وقوع الخلاف فيه، حيث نسبها إلى جماعة (7). ومن آخر حيث جعلها الاصح أو الاقرب (8). وتردد فيها في المعتبر، والمنتهى (9)، لما مر وإن


(1) راجع الوسائل 3: 423 أبواب النجاسات ب 16. (2) التذكرة 1: 6، المدارك 2: 265، الرياض 1: 83. (3) الوسائل 3: 423 أبواب النجاسات ب 16. (4) الريا ض 1: 83. (5) المعالم: 208. (6) منهم العلامة في التذكرة 1: 6، والشهيد في البيان: 90. (7) المعالم: 208. (8) المنتهى 1: 162. (9) المعتبر 1: 415، قال في المتنهى 1: 162 ما لا نفس له سائلة الاقرب طهارته فتأمل.

[ 158 ]

رجحاها ثانيا. والاستدلال عليها بنفي الحرج - كما في اللوامع - ضعيف، إذ قلما يمكن حصول العلم بإصابة مي غير ذي النفس. فرعان: أ: المذي - وهو ماء لزج رقيق، يخرج بلادفع عقيب الشهوة. وقيل: بعد التقبيل والملاعبة (1). وقال الصدوق: قبل المنى (2). والظاهر: أنهما تفسيران (3) بالاخص - طاهر، ونقل الاجماع عليه مستفيض (4)، والاصل والنصوص المعتبرة (5) معه يدلان عليه. خلافا للمنقول عن الاسكافي (6)، لروايتي ابن أس العلاء (7). وحملهما على الاستحباب - بعد تصريح طائفة من الصحاح وغيرها المعتضدة - بعمل الاصحاب - متعين، مع عدم حجيتهما لشذوذهما. ومع ذلك، فإحداهما غير صريحة في وجوب الغسل الذي هو مستند النجاسة. وأما الودي - بالمهملة - وهو ما يخرج بعد البول - وبالمعجمة - وهو على ما ذكره الصدوق: ما يخرج بعد المني (8)، وفي مرسلة ابن رباط: " أنه ما يخرج من الادواء " (9) - فهما طاهران بلا خلاف، للاصل.


(1) المدارك 2: 266. (2) الفقيه 1: 39. (3) في " ق ": يفسران. (4) كما في الخلاف 1: 118، والمختلف: 57. (5) الوسائل 1: 276 أبواب نواقض الوضوء ب 12. (6) نقل عنه في المختلف: 57. (7) التهذيب 1: 253 / 731 و 732، الاستبصار 1: 174 / 606 و 607، الوسائل 3: 426، 427 أبواب النجاسات ب 17 ح 3 و 4. (8) الفقيه 1: 39. (9) التهذيب 1: 20 / 48، الاستبصار 1: 93 / 301، الوسائل 1: 278 أبواب نواقض الوضوء =

[ 159 ]

ب: كل رطوبة خارجة من المخرجين - سوى ما ذكر والدم - طاهر، بالاجماع، والاصل، وتدل عليه صحيحة إبراهيم بن أبي محمود (1) أيضا. * * * =


ب 12 ح 6. (1) التهذيب 1: 16 / 34، الاستبصار 1: 16 / 34، الوسائل 1: 262 أبواب نواقض الوضوء ب 6 ح 6.

[ 160 ]

الفصل الثالث: في الميتة وهي نجسة من كل ذي نفس، بالاجماع المحقق، والمحكي في الخلاف (1)، والانتصار، وا لغنية، والمنتهى، والتذكرة (2)، والشهيدين (3)، واللوامع، والمعتمد، وغيرها (4)، وهو الحجة. مضافا في الجميع إلى روايتي محمد بن يحى، وحفص. اولاهما: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس " (5). وكذا الثانية مع زيادة " سائلة " (6). والحمل على إفساده بنحو بوله خلاف الظاهر، إلا أن في عموم لفظة " ما " فيها نظرا، لاحتمال الوصفية. وفي الآدمي إلى رواية إبراهيم بن ميمون: عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميت، فقال: " إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثويك منه، وإن كان لم يغسل الميت فاغسل ما أصاب ثوبك منه " (7) وزاد في نسخ الكافي: " يعني إذا برد الميت " (8). دلت على غسل ما أصا الثوب وتعدى من الميت إليه، ولو لم يكن


(1) الخلاف 1: 60، وفي " ح " و " ق ": (المختلف): 60. (2) الانتصار: 12، الغنية (الجوامع الفقهية): 551، المنتهى 1: 164، التذكرة 1: 7. (3) الذكرى: 13، الروض: 162. (4) كالمعتبر 1: 420، والذخيرة: 147. (5) الكافي 3: 5 الطهارة ب 4 ح 4، الوسائل 3: 464 أبواب النجاسات ب 35 ح 5. (6) التهذيب 1: 231 / 669، الاستبصار 1: 276 / 811، الوسائل 3: 464 أبواب النجاسات ب 35 ح 2. (7) الكافي 3: 161 الجنائز ب 31 ح 7، التهذيب 1: 276 / 811، الوسائل 3: 461 أبواب النجاسات ب 34 ح 1. (8) الكافي 3: 61 الطهارة ب 39 ح 5.

[ 161 ]

نجسا بالذات، كالريم (1) ولعاب الفم وسائر الرطوبات، فيكون هو نجسا، ونجاسته ليست إلا لملاقاة الميت إجماعا، فيكون هو أيضا نجسا. والحمل على الرطوبات النجسة ذاتا - مثل الديم والبول - خلاف ظاهر العموم، ويمنعه تعليق غسله على عدم الغسل، فإن مثلها يغسل ولو بعد الغسل. وتؤيد المطلوب: حسنة الحلبي: عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت، فقال: " يغسل ما أصاب ثوبه " (2). ورواية زرارة: بئر قطرت فيها قطرة دم أو خمر، فقال: " الدم، والخمر، والميت، ولحم الخنزير في ذلك واحد، ينزح منها عشرون دلوا، فإن غلب الريح نزحت حتى تطيب " (3). ومطلقات نجاسة الميتة والجيفة الآتية. والتوقيعان الآتيان (1) الآمران بغسل اليد بعد مس الميت بحرارته. والمروي في العلل: " إنما امر بغسل الميت لانه إذا مات كان الغالب عليه النجاسة والاذى، فاحب أن يكون طاهرا " (5). وإنما جعلناها مؤيدة، لامكان المناقشة في الاولين: بعدم دلالتهما على الوجوب، لخلوهما عما يدل عليه. وفي الثالث: بعدم ثبوت شمول الميتة والجيفة لغة. وعموم المشتق منه في


(1) أي الفضل والزيادة. (2) الكافي 3: 161 الجنائز ب 31 ح 4، التهذيب 1: 276 / 812، الاستبصار 1: 192 / 671، الوسائل 3: 462 أبواب النجاسات ب 34 ح 2. (3) التهذيب 1: 241 / 697، الاستبصار 1: 35 / 96، الوسائل 1: 179 أبواب الماء المطلق ب 15 ح 3. (4) سيأتي ذكرهما ص 166. (5) علل الشرائع: 267.

[ 162 ]

الاول - بعد حصول التغير في الهيئة والمعنى - لا يفيد، لعدم تعين معنى الهيئة، بل المستفاد من الاخبار - سيما صحيحتي الحلبي (1)، ومحمد (2) - عدم استعمال الميتة في الانسان. وفي الرابع: بعدم الملازمة هنا بين وجوب غسل اليد بالمس، وبين النجاسة العينية، كما يظهر مما سيأتي. ودعوى الاجماع المركب هنا مشكلة. مع أن المستفاد منهما وجوب غسل اليد بالمس ولو مع اليبوسة. وكونه من لوازم النجاسة العينية ممنوع. وفي الخامس: بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية للنجاسة في العينية، بل المستفاد من جعلها علة للغسل: أنها غير العينية، إذ هي لا توجب الغسل، بل الغسل. وفي غير الآدمي إلى المستفيضة الدالة بعضها صريحا، كالمروي في الدعائم المنجبر ضعفه بعمل الكل: " الميتة نجسة ولو دبغت " (3). وبعضها بانضمام الاجماع المركب، كموثقتي الساباطي: إحداهما في القليل الذي ماتت فيه فأرة، وقد تقدمت في بحث القليل (4)، والاخرى: " اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرد ميتا سبعا " (5). ورواية السكوني: عن قدر طبخت، وإذا في القدر فأرة، قال: " يهراق مرقها، ويغسل اللحم، (6).


(1) التهذيب 1: 431 / 1375، الوسائل 3: 299 أبواب غسل المس ب 6 ح 2. (2) التهذيب 1: 430 / 832، الوسائل 3: 299 أبواب غسل المس ب 6 ح 1. (3) الدعائم 1: 126، المستدرك 3: 195 أبواب لباس المصلي ب 1 ح 1. (4) ص 40. (5) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 3: 496 أبواب النجاسات ب 53 ح 1. (6) الكافي 6: 261 الاطعمة ب 14 ح 3، التهذيب 9: 86 / 365، الوسائل 24: 196 أبواب الاطعمة المحرمة ب 44 ح 1. وفي الجميع بتفاوت يسير.

[ 163 ]

والرضوي المنجبر: " وإن مسست ميتة فاغسل يديك " (1). والاخبار الناهية عن الشرب، والوضوء في كثير غلبه ريح الجيفة، كصحاح ابن سنان، والقماط، وحريز (2)، وموثقة سماعة (3)، وروايتي أبي خالد، وعبد الله بن سنان، وغيرها، المتقدم شطر منها في بحث الجاري. أو الموجبة لنزح جميع البئر لو غلبها ريح الجيفة، كرواية منهال " (4). أو للنزح، أو حتى تطيب لو تغيرت بموت الفأرة وأشباهها، كصحيحة أبي بصير (5). أو حتى يذهب الريح إذا تغير الطعم بموت الفأرة، والسنور، والدجاجة، والطير، كصحيحة الشحام (6). أو الآمرة بإلقاء ما يلي الفأرة، أو الدابة إذا ماتت في الاشياء الرطبة الجامدة، وعدم أكلها مطلقا إذا ماتت في المائعة، كصحاح زرارة (7)، والحلبي (8)،


(1) فقه الرضا (ع):، 174، المستدرك 2: 579 أبواب النجاسات ب 27 ح 7. (2) المتقدمة ص 11 (3) التهذيب 1: 216 / 24، الاستبصار 1: 12 / 18، الوسائل 1: 139 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 6. (4) المتقدمة ص 85. (5) الكافي 3: 6 الطهارة ب 4 ح 6، الوسائل 1: 185 أبواب الماء المطلق ب 17 ح 11. لا يخفى أنه قد وقع في سند الرواية ابن سنان الذي يروي عن ابن مسكان، ويروي عنه الحسين بن سعيد، والذى يظهر بملاحظة الطبقات أنه محمد بن سنان ولهذا يشكل الحكم بصحته، ولم نعثر على صحيحة لابي بصير مشتملة على المضمون المذكور غيرها. (6) المتقدمة ص 84. (7) الكافي 6: 261 الاطعمة ب 14 ح 1، التهذيب 9: 85 / 360، الوسائل 24: 194 أبواب الاطعمة المحرمة ب 43 ح 2. (8) التهذيب 9: 86 / 361، الوسائل 24: 195، أبواب الاطعمة المحرمة ب 43 ح 3.

[ 164 ]

والاعرج (1)، وروايات معاوية بن وهب (2)، وسماعة (3)، وجابر (4). أو الناهية عن الأكل في آنية أهل الذمة إذا كانوا يكلون فيه الميتة، كصحيحة محمد (5). إلى غيرذلك من المستفيضة، بل المتواترة، في مواضع متفرقة. والعجب عن صاحب المدارك حيث جعل المسألة قوية الاشكال، وظن عدم الدليل على النجاسة (6)، مع أنه في نجاسة البول احتج بالامر بغسل الملاقي، وقال: لا نعنى بالنجس إلا ما وجب غسل الملاقي له. وهو هنا متحقق مع غيره. وفرع عدم مجال التوقف في نجاسة مني ذي النفس على كونه مقطوعا به في كلام الاصحاب مدعى عليه الاجماع. مع أن الامر هنا أيضا كذلك. وصرح في بحث الاسآر بأن نجاسة الميتة من ذي النفس، ونجاسة الماء القليل بها موضع وفاق (7). وأما مما لا نفس له فطاهرة، بالاجماع كما في الخلاف، والمعتبر، والمنتهى (8). ويدل عليه - مضافا إلى الاصل، ونفي الحرج، وروايتي ابن يحيي وحفص، المتقدمتين (9) - العامي المروي في الناصريات، المنجبر بالعمل: " كل طعام أو


(1) التهذيب 9: 86 / 362، الوسائل 24: 195، أبواب الاطعمة المحرمة ب 43 ح 4. (2) الكافي: 261 الاطعمة ب 14 ح 2، التهذيب 9: 85 / 359، الوسائل، 2: 194 أبواب الاطعمة المحرمة ب 43 ح 1. (3) التهذيب 9: 85 / 358، الوسال 24: 195 أبواب الاطعمة المحرمة ب 43 ح 5. (4) التهذيب 1: 420 / 1327، الاستبصار 1: 24 / 60، الوسائل 1: 206 أبواب الماء المضاف ب 5 ح 2. (5) الفقيه 3: 219 / 1017، التهذيب 9: 88 / 371، الوسائل 24: 211 أبواب الاطعمة المحرمة ب 54 ح 6. (6) المدارك 2: 269. (7) المدارك 1: 138. (8) اللاف 1: 188، المعتبر 1: 101، المنتهى 1: 164. (9) ص 160.

[ 165 ]

ضراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فهو الحلال أكله وشربه، والوضوء منه " (1). وموثقة عمار: عن الخنفساء، والذباب، والجراد، والنملة، وما أشبه ذلك، يموت في البئر، والزيت، والسمن وشبهه، قال: " كل ما ليس له دم فلا بأس " (2). والمروي في قرب الاسناد للحميري: عن العقرب، والخنفساء، وأشباه ذلك يموت في الجرة والدن، يتوضأ منه للصلاة ؟ قال: " لا بأس " (3). وظاهر الشيخ في النهاية: نجاسة ميتة الوزغ والعقرب (4)، وهو المحكي عن ابن حمزة، وعن القاضي: أنه إذا أصاب شيئا وزغ، أو عقرب، فهو نجس (5). وما ذكروه في الوزغ مبني على حكمهم بنجاسته مطلقا، كما يأتي. وأما العقرب: فيحتمل أن يكون لذلك، لعده من المسوخ والحكم بنجاسته، أو لبعض الروايات الآمرة بإراقة الماء الذي وقع فيه العقرب (6)، المحمولة على الكراهة جمعا، بل القاصرة عن إفادة النجاسة، لجواز أن يكون للسمية. وهاهنا مسائل: المسألة الاولى: هل تختص نجاسة الميت الآدمي بما بعد البرد الذي هو محل الاجماع، أو ينجس قبله أيضا. المنسوب إلى الأكثر - كما في الحدائق (7)، ومنهم: الفاضل في بعض كتبه،


(1) الناصريات (الجوامع الفقية): 182، راجع سنن الدارقطني 1: 37. (2) التهذيب 1: 230 / 665، الاستبصار 1: 26 / 66، الوسائل 3: 463 أبواب النجاسات ب 35 ح 1. (3) قرب الاسناد: 178 / 657، الوسائل 3: 464 أبواب النجاسات ب 35 ح 6. (4) النهاية: 6. (5) الوسيلة: 80، شرح جمل العلم والعمل: 56، المهذب 1: 26. (6) الوسائل 1: 24 0 أبواب الاسآر ب 9 ح 5. (7) الحدائق 5: 67.

[ 166 ]

والذكرى، والدروس (1) وجماعة من المتأخرين (2) - الاول، وعن الشيخ الاجماع عليه (3)، للاصل، وانتفاء الاجماع الذي هو العمدة في أدلة نجاسته في المقام، والتفسير المتقدم في آخر رواية ابن ميمون (4). ونفي البأس في طائفة من الاخبار عن مسه بحرارته. وتغسيل الصادق ابنه إسماعيل، مجيبا عن السؤال من أنه: أليس ينبغي أن يمس الميت بعد ما يموت، ومن مس فعليه الغسل ؟: " إنه إذا برد، وأما بحرارته فلا بأس " (5). ويضعف الاول: بالمزيل، وهو إطلاق رواية ابن ميمون، وخصوص التوقيعين المرويين في الاحتجاج. وأحدما: كتبت إليه: روي عن العالم، سئل عن إمام صلى بقوم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه ؟ فقال: " يؤخر، ويتقدم بعضهم، ويتم صلاتهم، ويغتسل من مسه " التوقيع: " ليس على من مسه إلا غسل اليد " (6). والآخر: وكتب إليه: روي عن العالم، أن من مس ميتا بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد برد، فعليه الغسل، وهذا الميت في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارته فالعمل في ذلك على ما هو ؟ التوقيع: " إذا مسه في هذه الحالة بم يكن عليه إلا غسل يده " (7).


(1) نهاية الاحكام 1: 172، الذكرى: 79، الدروس 1: 117. (2) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 458، والمحقق الاردبيلي في مجمع الفائدة 1: 209. (3) الخلاف 1: 701. (4) المتقدمة ص 160. (5) التهذيب 1: 429 / 1366، الوسائل 3: 290 أبواب غسل المس ب 1 ح 2. (6) الاحتجاج: 482، الوسائل 3: 296 أبواب غسل المس ب 3 ح 4 (بتفاوت يسير). (7) الاحتجاج: 482، الوسائل 3: 296 أبواب غسل المس ب 3 ح 5.

[ 167 ]

ويضعف الثاني أيضا، لان بعد وجود ما ذكر، انتفاء الاجماع غير مضر. والثالث: باحتمال كون التفسير من الراوي، فلا حجية فيه. والرابع: بعدم الدلالة، إذ لا يدل انتفاء البأس في المس قبل الحرارة على عدم التنجس، لامكان جواز مسق النجس، ولذا لا يحرم بعد البرد أيضا إجماعا. ومما ذكرنا ظهر دليل القول الثاني، وهو المحكي عن العماني، والمبسوط، والتذكرة، والروض، وكفاية الاحكام (1)، واختاره والدي العلامة، بل عليه إجماع الطائفة عن الخلاف، والمعتبر، والمنتهى، والتذكرة (2). وهو الحق، لما ذكر. ورذ دلالة رواية ابن ميمون: بمنع القطع بالموت قبل البرد، مناف لما صرح به في جملة من الاخبار (3)، من تحققه مع الحرارة. وتسليمه ومنع قطع تعلق الروح بالكلية غير مفيد، لان الموجب هو الموت، دون قطع التعلق بالكلية. المسألة الثانية: نجاسة الميتة عينية، متعدية مع الرطوبة ولو بوسائط، بلا خلاف يعرف، بل بالاجماع، وهو - مع أكثر ما ذكرنا لاثبات نجاستها، سيما موثقة الساباطي المتقدمة (4) في القليل - عليه دليل، فنفي البعد عن عدم التعدي - كبعض المتأخرين (5) - سقيم عليل. واستدلاله بمرسلة الفقيه: عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن، والسمن، والماء، ما ترى فيه ؟ فقال: " لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء، أو لبن، أو سمن، وتتوضأ، وتشرب، ولكن لا تصل فيها " (6) - لمخالفتها لعمل الاصحاب،


(1) المبسوط 1: 179، التذكرة 1: 59، الروض: 113، الكفاية: 11. (2) الحلاف 1: 700، المعتبر 1: 420، المنتهى 1: 164، التذكرة 1: 7. ولا يخفى أن مقعد الاجماع في كلامهم هو نجاسة الميت وهو بإطلاقه يشمل قبل البرد وبعده - فتأمل -. (3) منها رواية الاحتجاج المتقدمة. (4) ص 40. (5) المحدث الكاشاني في المفاتيح 1: 67، وفي " ه‍ " و " ق ": متأخري المتأخرين. (6) الفقيه 1: 9 / 15، الوسائل 3: 463، أبواب النجاسات ب 34 ح 5.

[ 168 ]

ومعارضتها للمستفيضة - ضعيف. دون اليبوسة، وفاقا للمعظم، للاصل، وعموم موثقة ابن بكير: " كل (شئ) يابس ذكي " (1). لا لصحيحتى علي، إحداهما: عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل تصلح الصلاة فيه قبل أن يغسله ؟ قال: " ليس عليه غسله وليصل فيه " (2). والاخرى: عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت، فقال: " ينضحه ويصلي فيه ولا بأس " (3). لان الظاهر أن الملاقي للثوب، الشعر الذي هو غير مورد النزاع، دون الميتة. خلافا للفاضل في النهاية، والمنتهى (4)، فأوجب غسل اليد بمس الميتة ولو مع اليبوسة، لمرسلة يونس: هل يجوز أن يمس الثعلب، والارنب، أو شيئا من السباع، حيا أو ميتا ؟ قال: " لا يضره، ولكن يغسل يده " (5). والرضوي، والموثقة الاخرى للساباطي المتقدمتين (6). والاولى مع عدم دلالتها على الوجوب، لا يمكن حملها عليه ؟ للاجماع على عدمه حال الحياة، وعدم استعمال اللفظ في معنييه. مضافة إلى أنها أعم من المس


(1) التهذيب 1: 49 / 141، الاستبصار 1: 57 / 167 (وفيه زكي)، الوسائل 1: 351 أبواب أحكام الخلو ب 31 ح 5، وما بين المعقوفين من المصدر. (2) التهذيب 1: 276 / 813، الاستبصار 1: 192 / 672، الوسائل 3: 442 أبواب النجاسات ب 26 ح 5. (3) الفقيه 1: 43 / 169، التهذيب 1: 277 / 815، الاستبصار 1: 192 / 674، الوسائل 3: 442 أبواب النجاسات ب 26 ح 7. (4) نهاية الاحكام 1: 173، المنتهى 1: 128. (5) الكافي 3: 60 الطهارة ب 39 ح 4، التهذيب 1: 262 / 763، الوسائل 3: 462 أبواب النجاسات 34 ح 3. (6) ص 162.

[ 169 ]

رطبا ويابسا، فتعارض موثقة ابن بكير، بالعموم من وجه، ويرجع إلى الاصل. وهو الجواب عن الاخيرين. مضافا إلى ضعف الثاني، وخلوه عن الجابر في المقام، ووجوب حمل الثالث على الاستحباب، أو وجود مائع في الاناء، وإلا لزم وجوب الغسل بملاقاة الشعر، وهو منفي إجماعا. مع أن اختصاص خلاف الفاضل بغسل اليد، دون ملاقيها أيضا ولو مع الرطوبة ودون غيرها ممكن، كما يظهر من المنتهى (1)، حيث استقرب كون النجاسة حينئذ حكمية، ولذا قيل: إن المنتهى موافق للمشهور وإن أوجب غسل اليد تعبدا، فتكون الموثقة حينئذ خارجة عن موضوع نزاعه. وكذا الميت، فتتعدى نجاسته مع الرطربة، لاطلاق التوقيعين، وعموم خبر إبراهيم بن ميمون، حيث دل على وجوب غسل الثوب مما أصاب من الميت، وإن كان غير الرطوبات النجسة ذاتا، فيكون نجسا بملاقه الميت، وتتعدى إلى غيره بعدم الفصل في ذلك، وإن كان في غسل اليد القول بالفصل محققا. بل وجوب غسله من الثوب يدل على نجاسة الثوب به أيضا، وإلا لم يكن وجه لغسله. وكونه فضلة ما لا يؤكل لا يوجب الغسل كما مر. وكذلك كونه نجسا دون الثوب، إذ لا منع في تحمل النجس الغير المسري في الصلاة. دون اليبوسة، للاصل، والموثقة (2). وفاقا في الحكمن (3) للكركي، وصاحب الحدائق (1)، ووالدي العلامة، وإن لم يكن بعد في وجوب غسل اليد خاصة تعبدا مع المس باليبوسة أيضا، لاطلاق التوقيعين، ولا تعارضهما الموثقة، إذ وجوب الغسل تعبدا لا ينافي كونها ذكية.


(1) المنتهى 1: 128. (2) موثقة ابن بكير اكمتقدمة ص 168. (3) يعنى تعدى النجاسة مع الرطوبة وعدم تعديها مع اليبوسة، في الميت. (4) جامع المقاصد 1: 461، الحدائق 5: 67.

[ 170 ]

خلافا في الثاني خاصة للمنتهى، وظاهر الروض، والمعالم (1)، ونسب إلى التذكرة، والذكرى، والمعتبر (2)، بل المشهور، فتععدى مع. اليبوسة أيضا، إلا أن الاول (3)، جعل نجاسة الماس يابسا حكمية، أي غي متعدية إلى غيره ولو مع الرطوبة، والبواقي جعلوها أيضا عينية متعدية مع الرطوبة، لاطلاق رواية إبراهيم وما في معناها، والتوقيعين. ويضعف الاول: بأن الرواية لا تدل إلا على غسل ما أصاب الثوب من الميت، وظاهر أنه لا يصيبه منه إلا الرطوبات. والثاني: بأنه لا يدل إلا على وجوب غسل اليد خاصه، ولا نمنعه، وهو غير النجاسة، وغير وجوب غسل كل ما مس له. ثم حكم المنتهى (4) بعدم التعدي من الماس اليابس، للاصل. وحكم البواقي بالتعدي، لانه شأن النجس، أو لاطلاق الرواية، مع خروج الماس مع الماس يابسا بالاجماع. وأصل المنتهى قوي، لو كان لاصل حكمه أصل. وخلافا فيهما للسيد، كما نسبه إليه جماعة، منهم فخر المحققين، والكركي، والعاملي (5)، ووالدي العلامة، فقال: تكون نجاسته حكمية، فلا تتعدى مطلقا، لامع الرطوبة، ولامع اليبوسة، بل يجب غسله نفسه خاصة. وهو مذهب القواعد (6)، على ما فهمه صاحب الايضاح (7) من كلام والده،


(1) المنتهى 1: 128، الروض: 116، المعالم: 278. (2) التذكرة 1: 59، الذكرى: 16، المعتبر 1: 350. (3) يعنى المنتهى. (4) المنتهي 1: 127. (5) الايضاح 1: 66، جامع المقاصد 1: 461، ولم نعثر عليه في كتب الشهيد الثاني. (6) القواعد 1: 22، قال فيه: والظاهر أن النجاسة هاهنا حكمية، فلو مسه بغير رطولة ثم مس رطبا لم ينجس. (7) الايضاح 1: 65.

[ 171 ]

وجعله مع مذهب السيد واحدا. ولكنه خلاف ظاهره، ولذا رده المحقق الثاني في شرحه (1). واختاره أيضا بعض متأخري المتأخرين (2). بل هو مذهب الحلبي (3)، كما تدل عليه كلماته في السرائر، والاردبيلي (4)، إلا أنهما أوجبا غسل الملاقي له تعبدا، لا لكونه نجسا، كما هو صريح الثاني، وظاهر الاول، حيث ادعى الاجماع وعدم الخلاف بين الامامية في جواز دخول من غسل ميتا المساجد، بعد دعواه عدم الخلاف بين الامة على وجوب تنزهها عن النجاسات مطلقا. واستدل أيضا: بوجوب غسل الملاقي للميت دون ملاقيه، بكون الاول ملاقيا لجسد الميت دون الثاني، وإنا، متعبدون بغسل ما لاقى جسد الميت. ثم إن دليلهم ورده يظهر مما تلونا عليك. المسألة الثالثة: أجزاء الميتة مما تحله الحياة نجسة بالاجماع، وإطلاق كثير من الاخبار، من غير فرق بين اتصالها بها، وقطعها منها. ويدل على نجاسة الاجزاء المقطوعة منها - مع الاستصحاب - في الانسان: إطلاق مرفوعة أيوب: " إذا قطع من الرجل قطعة قي ميتة " (5). فإن المستفاد منها ثبوت جميع أحكام الميتة - التي منها النجاسة - للقطعة، لانه مقتضى الحمل الحقيقي فيما لم يعلم المعنى الغير الصالح للحمل للمحمول وإن لم نقل بذلك في الشركة المبهمة بالاطلاق. مع أنه لما لم يكن حكم ثابت للميتة - سواء قلنا باختصاصها بغير الآدمي


(9) جامع المقاصد 1: 262. (2) المفاتيح 1: 67. (3) السرائر 1: 163. (4) مجمع الفائدة 1: 209. (5) الكافي 3: 212 الجنائز ب 76 ح 4، التهذيب 1: 429 / 1369، الاستبصار 1: 100 / 325، الوسائل 3: 214 أبواب غسل المس ب 2 ح 1.

[ 172 ]

أو بعمومها - صالح لاثباته للقطعة المبانة من الرجل سوى النجاسة، فاستفادتها من المرفوعة مطلقا مما لاريب فيه. والحمل على وجوب الغسل - مع عدم كونه حكم الميتة، بل حكم بعض أفرادها على احتمال عمومها - تمنعه تتمة الحديث، من نفي وجوب الغسل إن لم تكن هذه القطعة ذات عظم. وهو الدليل في غير الانسان أيضا، بضميمة علم الفصل، مضافا إلى ما تقدم من النهى عن الأكل في آنية أهل الذمة إذا كانوا يأكلون فيها الميتة (1). ومن جملة أجزائها النجسة: جلدها بالاجماع، كما في المنتهى (2). ويدل على نجاسته أيضا مما تقدم: صريح رواية الدعائم المنجبرة (3)، وظاهر الموثقة الثانية للساباطي (4)، والرضوي (5)، والاخبار الآمرة بإلقاء ما يلي الفأرة إذا كانت جامدة، وما وقعت فيه إذا كانت مائعة (6). ومن غيره: رواية القاسم الصيقل: إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فتصب ثيابي، أفاصلي فيها ؟ فكتب إلي: " اتخذ ثوبا لصلاتك " (7). وروابة أبي القاسم الصيقل وولده: إنا قوم نعمل أغماد السيوف - إلى أن قال -: وإنما علاجنا من جلود الميتة من البغال، والحمير الاهلية، لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها، وشراؤها، وبيعها، ومسها بأيدينا، وثيابنا، ونحن نصلي في ثيابنا ؟ - إلى أن قال -: فكتب عليه السلام: " اجعلوا ثوبا للصلاة " (8).


(1) ص 164. (2) المنتهي 1: 164. (3 و 4 و 5) راجع ص 162 - 163. (6) راجع ص 163 - 164. (7) الكافي 3: 407 الصلاة ب 66 ح 16، التهذيب 2: 358 - 4183، الوسائل 3: 462 أبواب النجاسات ب 34 ح 4. (8) التهذيب 6: 376 / 1100، الوسائل 17: 173 أبواب ما يكسب به ب 38 ح 4.

[ 173 ]

ورواية عبد الرحمن بن الحجاج: إني أدخل سوق المسلمين، أعنى هذا الخلق الذي يوعون الاسلام، فأشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: أليس هي ذكية ؟ فيقول: بلي، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية ؟ فقال: " لا، ولكن لا بأس أنت تبيعها وتقول: قد شرط الذي اشريتها منه أنها ذكية، قلت: وما أفسد ذلك ؟ قال: " استحلال أهل العراق الميتة، وزعموا أن دباغ الميتة ذكاتها ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " (1). ويقرب منها غيرها أيضا. دلت على عدم كون جلد الميتة ذكيا، وأنه لا يذكي بالدباغ. وأما تجويز شرائه وبيعه فيها: فلان بناء الذبائح على الاخذ بالظاهر. وأما التقرير على معاملته في خبري الصيقل فلا حجية فيه، لان حجيته إنما هو مع عدم المانع والتقية، سيما في المكاتبات من أقوى الموانع، ويشعر بها ترك الجواب عن المعاملة، والعدول إلى بيان حكم الصلاة. وأما مرسلة الفقيه المتقدمة (2) في المسألة السابقة فهي - لضعف سندها، ومخالفتها لعمل جميع الاصحاب - عن معارضة ما مر قاصرة، ولموافقتها لمذهب العامة، ولو بعد الدباغة - كما هو في الحديث مصرح به - مطروحة، وعلى التقية محمولة، وكذا بعض الروايات الاخر المذكور في المسألة الآتية، فالاستشكال في نجاسته - كما في المدارك، وقوله بعدم وقوفه على نص يعتد به فيها (3) - غير جيد. ويظهر من كلامه كغيره (4): نسبة الطهارة إلى الصدوق (5)، حيث ذكر


(1) الكافي 3: 398 الصلاة ب 65 ح 5، التهذيب 2: 204 / 798، الوسائل 3: 503 أبواب النجاسات ب 61 ح 4. (2) ص 167. (3) المدارك 2: 268. (4) كما في الذخيرة: 147. (5) الفقيه 1: 9.

[ 174 ]

المرسلة، وهو لا يذكر إلا ما يفتي بصحته. وقد يحمل قوله على ما بعد البدبغ، فيرجع إلى القول بطهارة جلد الميتة بالدبغ، ويأتي الكلام فيها. هذا في أجزاء الميتة، وأما ما قطع مما تحله الحياة، في حال الحياة من الحيوان الذي ينجس بالموت، فهو أيضا نجس، مات الجزء أو لم يمت بعد. أما من الانسان: فلاطلاق المرفوعة (1). وأما في غيره: فله بانضمام عدم القول بنجاسة القطعة المبانة من الانسان دون غيره. مضافا إلى المستفيضة المصرحة بأن " ما أخذت الحبالة وقطعت منه، فهو ميتة، وما أدركته من سائر جسده حيا، فذكه، وكل منه " (2). وبأن أليات الغنم المقطوعة لثقلها ميتة (3)، بالتقريب المتقدم في المرفوعة. وإلى أن القطعة إذا كانت كبيرة، بحيث يطلق عليها الميتة أو الجيفة عرفا، تدخل في عمومات نجاسة الماء إذا غلبت عليه الميتة أو الجيفة، ريحا أو طعما. ولو مات الجزء من غير قطع، فالظاهر طهارته، لعدم القطع، وعدم صدق الميت والميتة قطعا، وخروج مثله عن الروايات الدالة على نجاستهما. والاستدلال على نجاسته برواية عبد الله بن سليمان: " ما أخذت الحبالة وانقطع منه شئ، أو مات فهو ميتة " (4) غير جيد، لجواز كون المستتر في قوله: " مات " راجعا إلى الصيد، دون الشئ، والحكم بكونه ميتة، لدفع توهم كون الاخذ بالحبالة في حكم التذكية. ولو قطع هذا العضو الميت فهل ينجس ؟ الظاهر نعم، لما مر من إطلاقات القطع.


(1) المتقدمة ص 171. (2) الوسائل 23: 376 أبواب الصيد ب 24. (3) الوسائل 24: 91 أبواب الذبائح ب 40. (4) الكافي 6: 214 الصيد ب 7 ح 4، الوسائل 23: 377 أبواب الصيد ب 24 ح 3.

[ 175 ]

ولو قطع بعض القطع ومات، ولكن لم ينفصل بعد عن الحي بالكلية، ففيه إشكال. والطهارة أظهر، لصحة سلب القطع. هذا في غير الاجزاء الصغيرة المنفصلة عن بدن الانسان، مثل البثور (1)، والثؤلول (2)، ونحوهما، وأما هي، فطاهرة، بل قيل: لا خلاف في طهارتها (3)، للاصل، لعدم صدق القطعة عرفا، ولا يفيد عموم المبدأ، كما سبق. وصحيحة علي: عن الرجل يكون به الثؤلول والجرح، هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه ؟ قال: " إن لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، وإن تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله " (4). وترك الاستفصال عن كونه باليد أو غيرها، وعن كون المس بالرطوبة أو اليبوسة، يفيد العموم. وتضعيف دلالتها بمثل ما مر في صحيحته الاخرى المتقدمة (5) في ذرق الطير، ضعيف، لظهور الفرق بينهما، ولذا استفصل هنا عن خوف سيلان الدم. وهل يختص ذلك بالانسان، أو يتعدى إلى غيره أيضا ؟ الظاهر الثاني، لعدم دليل على النجاسة فيه. المسألة الرابعة: ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة - وحصروه في الصوف، والشعر، والوبر، والبيض، والانفحة، واللبن، والعظم، والسن، والقرن، والحافر، والريش، والظلف (6)، والظفر، والناب، والمخلب - طاهر، بلا خلاف


(1) البثور: خراج صغار وخص بعضهم به الوجه - لسان العرب 4: 39. (2) الثؤلول: الحبة التى تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها - النهاية 1: 205. (3) الحدائق 5: 77. (4) التهذيب 2: 378 / 1576، الاستبصار 1: 404 / 1542، الوسائل 7: 284 أبواب قواطع الصلاة ب 27 ح 1. (5) ص 142. (6) الظلف: ظفر كل ما اجتر، والجمع أظلاف. لسان العرب 9: 229.

[ 176 ]

يعرف، بل عليه حكاية الاجماع في كلام غير واحد من الاصحاب (1). وتدل عليه - بعد ظاهر الاجماع، والاصل السالم عن المعارض في بعضها، لانتفاء عموم أو إطلاق يشمل الجميع - المستفيضة الدالة على طهر جميعها، إما مستقلا، أو بضميمة الاجماع المركب. كرواية الثمالي، وفيها - بعد السؤال من الجبن، وأنه ربما جعلت فيه إنفحة الميتة -: " ليس بها بأس، إن الانفحة ليس لها عروق، ولا فيها دم، ولا لها عظم " (2) مقتضى التعليل: طهارة ما ليس له شئ من الثلاثة، والجميع كذلك. وحسنة حريز: " اللبن، واللباء، والبيضة، والشعر، والصوت، والناب، والحافر، وكل شئ يفصل من الشاة والدابة، فهو ذكي، لان أخذته بعد أن يموت فاغسله وصل فيه، (3). وصحيحة الحلبي: " لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، إن الصوف ليس فيه روح " (4) فإن تعليلها صريح في طهر كل ما ليس فيه روح. والاستدلال على طهارة الجميع بهما مستقلين غير جيد، لان معنى " كل شئ يفصل " في الاولى: ما يعتاد انفصاله، مع كون المحل حيا، ولا شك أن العظم، والانفحة ليسا كذلك. بل في عمومها لجميع غيرهما أيضا نظر، إذ اختصاص ضمير " اغسله وصل فيه " بما يمكن غسله والصلاة فيه يمنع الاخذ بعموم المرجع. ومقتضى التعليل في الثانية اختصاص الحكم بما يمكن الصلاة والمروي في المحاسن: " وما يحل من الميتة: الشعر، والصوف، والوبر،


(1) المنتهى 1: 164، المدارك 2: 272، الحدائق 5: 99. (2) للكافي 6: 256 الاطعمة ب 9 ح 1، الوسائل، 2: 179 أبواب الاطعمة المحرمة ب 3 ح 1. (3) الكافي 6: 208 الاطعمة ب 9 ح 4، التهذيب 9: 75 / 321، الوسائل 24: 180 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 3. (4) التهذيب 2: 368 / 1530، الوسائل 3: 1530 أبواب النجاسات ب 68 ح 1.

[ 177 ]

والناب، والقرن، والضرس، والظلف، والبيض، والإنفحة، والظفر، والمخلب، والريش " (1). ومرسلة الفقيه: " عشرة أشياء من الميتة ذكية: القرن، والحافر، والعظم، والسن، والانفحة، واللبن، والشعر، والصوف، والريش، والبيض " (2). ومثلها رواية الخصال (3)، إلا في الترتيب. والمروي في العلل: " واطلق في الميتة عشرة أشياء: الصوف، والشعر، والريش، والبيضة، والناب، والقرن، والظلف، والإنفحة، والاهاب (4)، واللبن (وذلك) إذا كان قائما في الضرع " (5). وحسنتي حسين بن زرارة: إحداهما: عن السن من الميتة، واللبن، والبيض من الميتة، وإنفحة الميتة. قال: " كل هذا ذكي " (6). والاخرى: عن الانفحة تكون في بطن العناق، أو الجدي، وهو ميت، فقال: " لا بأس به " وعن الرجل يسقط سنه، فيأخذ من أسنان ميت فيجعله مكانه، فقال: " لا بأس - إلى أن قال - العظم، والشعر، والصوف، والريش، وكل نابت، لا يكون ميتا " وعن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة، فقال: " لا بأس بأكلها " (7).


(1) المحاسن: 471 / 464، الوسائل 24: 177 أبواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 20. (2) الفقيه 3: 219 / 1011، الوسائل 24: 182 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 9. (3) الخصال: 434 / 19، راجع الوسائل 24: 182. (4) الاهاب: الجلد قبل أن يدبغ وبعضهم يقول: الجلد. المصباح المنير: 28. (5) العلل: 562 / 1، الوسائل 24: 175 أبواب للاطعمة المحرمة ب 31 ح 11 وما بين المعقوفين من المصدر. (6) الكافي 6: 258 الاطعمة ب 9 ح 3، التهذيب 9: 75 / 320، الوسائل 24: 180 أبواب الاطعمة المحرمة ب 3 ح 4، في الكافي والتهذيب: " اللبن " بدل " السن "، وفي الوسائل كما في المتن بدون زيادة: اللبن. (7) التهذيب 9: 78 / 332، الوسائل 24: 183 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 12.

[ 178 ]

ورواية يونس: " خمسة أشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الانفحة، والبيض، والصوف، والشعر، والوبر " (1). وصحيحة زرارة: عن الانفحة تخرج من (2) الجدي الميت، قال: " لا بأس به " قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة بعدما ماتت، قال: " لا بأس به " قلت: والصوف، والشعر، وعظام الفيل، والجلد، والبيض يخرج من الدجاجة ؟ قال: " كل هذا لا بأس به " (3). فروع: أ: جمهور الاصحاب على اشتراط طهارة البيضة على اكتسائها القشر الاعلى، لمفهوم رواية غياث بن إبراهيم: في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة، قال: " إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ، فلا بأس بها " (4). ويخدشه: عدم العموم في البأس الثابت بالمفهوم، ولعله الحرمة، فإطلاقات طهارتها - مع أصالتها - عن المعارض خالية. ونجاستها بملاقاة الميتة لميعانها، بممانعة الجلد الرقيق غب اكتسائه مدفوعة، مع أنه لا دليل على تنجس كل ملاق للنجاسة، سوى أحد الاجماعين المنتفي في المورد، أو بعض ما لا يشمله، فإطلاق القول بالطهارة - كما عن المقنع (5)، وظاهر المدارك، والمعالم (6) - متجه.


(1) الكافي 6: 207 الاطعمة ب 9 ح 2، التهذيب 9: 75 / 319، الوسائل 24: 179 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 2. (2) في " ه‍ " و " ق ": عن. (3) الفقيه 3: 216 / 1006، التهذيب 9: 76 / 324، الاستبصار 4: 89 / 339، الوسائل 24: 182 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 10. (4) الكافي 6: 258 الاطعمة ب 9 ح 5، التهذيب 9: 76 / 322، الوسائل 24: 181 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 6. (5) لم نعثر عليه بل وجدناه في الهداية: 79. (6) المدارك 2: 272، المعالم: 299.

[ 179 ]

ومما ذكر ظهر الوجه فيما هو ظاهر الأكثر (1) من طهارة ظاهر البيضة مطلقا. خلافا لصريح الفاضل في نهاية الاحكام، والمنتهى (2)، وظاهر طائفة من متأخري المتأخرين (3)، فقالوا بنجاسته بالملاقاة، استنادا إلى أن سياق الاطلاقات لبيان الطهارة الذاتية، فلا يلزم التعرض للعرضية. ويدفعه: أن أصل الطهارة كاف لاثباتها، مع أن عدم لزوم التعرض للعرضية، إنما هو إذا لم يكن لازما للمعروض، وإلا فلازم. ب: لا فرق في طهارة الصوف، والشعر، والريش، والوبر، بين قطعها بالجز، أو القلع. وعن الشيخ في النهاية: اختصاصها بالاول (4)، لرواية فتح بن يزيد (5). وهي مجملة لا تفيد معنى صالحا للحكم. ثم مقتضى حسنة حريز (6): وجوب غسلها مطلقا، سواء قلعت، أو جزت. وخصه الاكثر بالاول، لظهور عدم الاحتياج إليه في الثاني. ولا وجه له بعد إطلاق الامر. ج: الانفحة - بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء والحاء المهملة، المخففة، أو المشددة - قيل: كرش الحمل والجدي ما لم يأكل العلف (7).


(1) منهم ماحب الذخيرة: 147، والمدارك 2: 272، والمعالم: 228، والمفاتح 1: 67. (2) نهاية الاحكام 1: 270، المنتهى 1: 166. (3) تجد التصريح به في كلام المشارق: 320، والحدائق 5: 91. (4) النهاية: 585. (5) الكافي 6: 258 الاطعمة ب 9 ح 6، التهذيب 9: 76 / 323، الاستبصار 4: 89 / 341، الوسائل 24: 181 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 7 - (6) المتقدمة ص 176. (7) الصحاح 1: 413 نقله عن أبي زيد، وقال به من الفقهاء ابن ادرس في السرائر 3: 112، وغيره.

[ 180 ]

والكرش - بكسر الكاف وسكون الراء، أو فخ الاول وكسر الثاني - من كل مجتر: بمنزلة المعدة للانسان. وقال أكثر الفقهاء (1) واللغويين (2): إنها شئ أصفر يستخرج من بطن الحمل والجدي قبل العلف، يعصر في صوفه، تبله في اللبن فيغلظ كالجبن، ومحله الكرش. ويعاضد ذلك: ما في رواية الثمالي: " انه ربما جعلت فيه - أي في الجبن - إنفحة الميتة وإنها إنما تخرج من بين فرث ودم " (3). فلعلم الاظهر. والكلام في تنجسه بملاقاة الكرش، كتنجس الكرش لو كان هو الانفحة بملاقاة الميتة، كما مر، ويكون الكرش على الاول نجسا، وما في جوفه على الثاني - لكونه غير ذي روح - طاهرا. د: لا ينجس اللبن بملاقاة الضرع، وفاقا للاكثر، منهم. الصدوق في المقنع (4)، والشيخ في أكثر كتبه (5)، والذكرى، والمدارك، والمعالم (6)، وجمع من متأخري المتأخرين (7)، بل في الخلاف، والغنية (8): الاجماع عليه، للاصل، وأكثر الاخبار المتقدمة. وكونها في مقام بيان الطهارة الذاتية مدفوع: بما مر. خلافا للحلي (9)، فنجسه مدعيا عدم الخلاف فيه بين المحصلين، وتبعه


(1) لم تثبت الاكثرية، فلاحظ مفتاح الكرامة 1: 155. (2) القاموس 1: 262، المغرب 2: 220. (3) المتقدمة ص 176. (4) لم نعثر عليه بل وجدناه في الهداية: 79. (5) النهاية: 575، الخلاف 1: 519، التهذيب 9: 77، الاستبصار 4: 89. (6) الذكرى: 14، المدارك 2: 274، المعالم: 231. (7) منهم صاحب المشارق: 321، والذخيرة: 148. (8) الحلاف 1: 520، الغنية (الجوامع الفقهية): 619. (9) السرائر 3: 112.

[ 181 ]

على ذلك جماعة، منهم: الفاضلان (1)، وفي المنتهى: أنه المشهور عند علمائنا (2). لانه مائع ملاق للميتة، وكل ما كان كذلك فهو نجس. ولرواية وهب بن وهب: عن شاة ماتت فحلب منها لبن، فقال عليه السلام: " هذا الحرام محضا " (3). والاول مصادرة. والثانية - مع كونها موافقة لمذهب العامة، كما في التهذيب (4)، وغير مثبتة للنجاسة، لعدم الملازمة بينها وبين الحرمة - معارضة مع ما هو أكثر منها وأصح، وبما مر أرجح، مع أنه لولاه فأصل الطهارة هو المرجع. * * *


(1) الشرائع 3: 223، المختصر النافع: 253، التحرير 1: 161، التذكرة 1: 7. (2) المنتهى 1: 165. (3) التهذيب 9: 76 / 325، الاستبصار 4: 89 / 340، الوسائل 24: 183 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 11. (4) التهذيب 9: 77.

[ 182 ]

الفصل الرابع: في الدم وهو نجس من كل ذي نفس، عدا ما يستثني. وعليه الاجماع في المعتبر، والمنتهى، والتذكرة (1) وغيرها (2). وتدل عليه - مضافا إلى الاجماع - النصوص المستفيضة: كصحيحة علي: عن رجل رعف وهو يتوضأ، فقطرت قطرة في إنائه، هل يصلح الوضوء منه ؟ قال: " لا " (3). وموثقة عمار: " كل شئ من الطير يتوضأ عما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما، فلا تتوضأ منه ولا تشرب " (4). وصحيحة زرارة: أصاب ثوبي دم رعاف، أو غيره، أو شئ من منى، فعلمت أثره إلى أن اصيب الماء، فأصبت، وحضرت الصلاة، فنسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال: " تعيد الصلاة وتغسله " (5). والظاهر عطف " غيره " على " رعاف " لكونه أقرب، ولئلا يلزم التخصيص (6) بالنجاسات في " غيره " ولا عطف الخاص على العام، فيثبت بها الحكم في جميع الدماء، بل يثبت ذلك على عطفه على دم أيضا، لشموله له أيضا.


(1) المعتبر 1: 420، المنتهى 1: 163، التذكرة 1: 7. (2) الغنية (الجوامع الفقهية): 550. (3) الكافي 3: 74 الطهارة ب 46 ح 16، الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1. (4) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآرب 4 ح 4. (5) التهذيب 1: 421 / 1335، الاستبصار 1: 183 / 641، الوسائل 3: 402، أبواب النجاسات ب 7 ح 2. (6) يعنى إذا قلنا بان كلمة " غير " عطف على دم الرعاف، فبما انها تشمل الاشياء الطاهر يلزم تخصيصها بالنجاسات ويلزم أيضا عطف الخاص وهو (أو شئ من منى) على العام وكلاهما خلاف الاصل.

[ 183 ]

وحسنة محمد: الدم يكون في الثوب في وأنا في الصلاة، قال: " إن رأيت وعليك ثوب غيره، فاطرحه وصل " (1) الحديث. وصحيحة ابن أبي يعفور الواردة في نقط الدم: " يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا، فيغسله ويعيد الصلاة " (2). إلى غير ذلك من المستفيضة الدالة على المنع من الصلاة في ثوب لاقاه، أو على إعادتها إن صلى مع العلم به، أو غسل الثوب من الدم مطلقا، أو دم الرعاف كذلك، أو في الصلاة، أو بعض دماء آخر (3). وأما بعض الاخبار (4) المفهم لطهارته في بادئ النظر، فليس بعد التأمل كذلك، مع أنه لو كان، فلشذوذه المخرج له عن الحجية لا يضر. ثم مقتضى إطلاق الروايتين الاوليين، بل خصوص الثانية: نجاسته ولو كان أقل من الدرهم أو الحمصة، كما عليها المعظم، وتشملها الاجماعات المنقولة. خلافا للمنقول عن الاسكافي (5) في الاول، والصدوق (6) في الثاني، للاخبار المجوزة للصلاة في نحو من ذلك، أو النافية لوجوب غسله. وما غير مستلزمتين للطهارة في المورد، لتحقق القول بالفصل وإن حكمنا بها لمثلهما في غيره لعدم تحققه، كما هو متحقق فيما عدا العفو في الصلاة، وعدم وجوب الغسل من لوازم النجاسة أو الطهارة في المورد أيضا.


(1) الكافي 3: 59 الطهارة ب 38 ح 3، الفقيه 1: 161 / 758، التهذيب 1: 454 / 736، الاستبصار 1: 175 / 609، الوسائل 3: 431 أبواب النجاسك ب 20 ح 6. (2) التهذيب 1: 255 / 740، الاستبصار 1: 176 / 611، الوسائل 3: 429، أبواب النجاسات ب 20 ح 1. (3) راجع الوسائل 3: أبواب النجاسات ب 42، 43، 44. (4) الوسائل 1: 265 أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 4 و 11 وج 3: 499 أبواب النجاسات ب 56 ح 1 وغيرها. (5) نقل عنه في المعتبر 1: 420. (6) الفقيه 1: 42.

[ 184 ]

وقد يستدل على ردهما: بمطلقات غسل الدم، أو إعادة الصلاة عنه. وليس في محله، لعدم وجوب غسل ما دون المقدارين، وكون الامر بالاعادة قرينة على إرادة ما زاد عليهما. ثم إن المستفاد من الاطلاقات وإن كان نجاسة مطلق الدم من ذي النفس، إلا أنه خص منه عند أصحابنا الدم المتخلف في الذبيحة المأكول اللحم، بعد القذف المعتاد، فهو طاهر، وعليه الاجماع محققا ومحكيا في كلام جمع، منهم: الناصريات، والسرائر، والمختلف، والحدائق (1)، واللوامع، وغيره (2). وبضرورة حلية اللحم الغير المنفك عنه ولو غسل مرات - كما يظهر عند الغسل والطبخ - وعدم وجوب غسل ما يلاقي هذا اللحم، وعمل المسلمين في الاعصار والامصار، تقيد الاطلاقات، لا بقوله سبحانه: (قل لا أجد فيما اوحي إلي) (3) لان مفهومها مفهوم وصف غير معتبر، ومنطوقها عام غير مقاوم، مع أنه لا يفيد أزيد من عدم كون غير الثلاثة مما أوحي تحريمه حين نزول الآية، فيمكن الوحي بتحريم غيرها بعده، أو تحريمه بغير الوحي، كما وقع التصريح به في الاخبار، من أن من المحرمات ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يصلح إلا لتأسيس الاصل، فلا يحرم ما لا دليل على حرمته. وهو الوجه فيما ورد عنهم من التمسك بها في حلتة بعض الاشياء. وظهر مما ذكر: لزوم الاتقصار في التخصيص بما ثبت فيه الاجماع، فينجس ما جذبته الذبيحة بالنفس، أو بقي في جوفه لارتفاع موضع رأسه، أو استقر في العضو المحرم كالطحال، أو تخلف في الذبيحة الغير المأكول، وغيرها من غير المسفوحات، كدم الشوكة والعثرة ونحو ما، من غير خلاف يعرف في شئ منها.


(1) الناصريات (الجولع الفقية): 181، السرائر 1: 174، المختلف: 59، الحدائق 5: 45. (2) المفاتيح 1: 66، المسالك 2: 245. (3) الانعام: 145.

[ 185 ]

وكما قيدت إطلاقات النجاسة (1) بما مر، كذلك أخرج منها دم غير ذي النفس بالمستفيضة المعتبرة (2) ولو بضميمة الاجماع المركب، فهو أيضا طاهر، وعليه الاجماع في الخلاف، والغنية، والسرائر، والمعتبر، والمنتهى، والتذكرة، والذكرى (3). نعم يظهر من تقسيم الشيخ في الخلاف، والجمل، والمبسوط (4)، والديلمي، وابن حمزة (5) النجاسة إلى الدم وغيره، ثم تقسيمه إلى ما تجب إزالته وما لا تجب، وهو دم البق، والبراغيث، والسمك: اعتقادهم النجاسة. ومنع ظهوره - لجواز تقسيم الشئ إلى قسمين، كل منهما أعم من وجه من آخر، ثم تقسيم أحدما إلى أقسام، بعضها خارج عن المقسم - مكابرة، إلا أن ادعاء الاجماع في الخلاف على طهارة مثل دم البق قبل التقسيم بسطر (6)، يوهنه. وكيف كان فهم بما مر محجوجون. فرع: المصرح به في كلام جماعة (7): نجاسة العلقة، وعليها الاجماع في الخلاف (8)، ويدل عليها صدق الدم، ومنعه ضعيف، ولذلك ينجس دم البيض أيضا. وكونه من الفرد النادر بعد الصدق، غير ضائر، لأن الندور الوجودي إنما يفيد للخروج عن المطلق في الاحكام على الوقائع الواقعة. وعدم كونه دما بعد


(1) في " ح " النجاسات. (2) راجع الوسائل 3: 435 أبواب النجاسات ب 23. (3) الخلاف 1: 476، الغنية (الجوامع الفقهية): 550، السرائر 1: 174، المعتبر 1: 430، المنتهى 1: 163، التذكرة 1: 7، الذكرى: 13. (4) الخلاف 1: 476، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 170، المبسوط 1: 35. (5) المراسم: 55، الوسيلة: 76. (6) الخلاف 1: 476. (7) منهم المحقق في المعتبر 1: 422. (8) الخلاف 1: 490.

[ 186 ]

الصدق العرفي، غير مسموع. وفي تنجس البيضة به، لميعانها، وعدمه، للاصل، وعدم ثبوت تنجس مثل ذلك بالملاقاة، إشكال. والاجتناب أحوط. * * *

[ 187 ]

الفصل الخامس: في الكلب والحنزير وهما نجسان عينا ولعابا، بل بجميع أجزائهما حتي ما لا تحله الحياة، بالاجماع المحقق والمنقول (1)، والمستفيضة من الصحاح وغيرها. ومنها: الآمرة بغسل الثوب والجسد بمس الكلب، أو أصابته برطوية، الصادقتين على مسه وإصابته (2) بشعره (3). وبغسل اليد بعد ملاقاتها لشعر الخنزير، كالروايات الثلاث للاسكافين (4)، ررواية زرارة (5). وأما صحيحته: عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، أيتوضأ من ذلك الماء ؟ قال: " لا بأس " (6). وموثقة ابنه: فشعر الخنزير يعمل حبلا، يستقى به من البئر الض يشرب منها، ويتوضأ منها ؟ قال: " لا بأس " (7) فلا تنافيها، لاحتمال أن يكون المنفي عنه البأس ماء البئر، بل هو الظاهر من الثانية، أو يكون نفيه لعدم استلزام الاستقاء للملاقاة.


(1) لعل المراد نقل الاجماع على نجاستهما بقول مطلق فقد تكرر نقله في كتب الاصحاب. وأما دعوى الاجماع على نجاستهما بجميع أجزائهما حتي ما لا تحله الحياة فلم نعثر عليها في كلماتهم صريحا. (2) في " ح ": أو اصابته. (3) الوسائل 3: 414 أبواب النجاسات ب 12. (4) أ - التهذيب 9: 85 / 307، الوسائل 3: 418 أبواب النجسات ب 13 ح 3. ب - التهذيب 6: 382 / 1130، الوسائل 17: 228 أبواب ما يكتسب به ب 58 ح 2. ج - الفقيه 3: 220 / 1019، التهذيب 9: 85 / 356، الوسائل 17: 228 أبواب ما يكتسب به ب 58 ح 4. (5) التهذيب 6: 382 / 1129، الوسائل 17: 227 أبواب ما يكتسب به ب 58 ح 1. (6) الكافي 3: 6 الطهارة ب 4 ح 10، التهذيب 1: 409 / 1289، الوسائل 1: 170 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 2. (7) الكافي 6: 258 الاطعمة ب 9 ح 3، الوسائل 1: 171 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 3.

[ 188 ]

خلافا للناصريات (1)، والبحار (2) في الاخر (3) للاخيرتين. وعمومات طهارته من الميتة الشاملة لما كان من نجس العين أيضا. ولان ما لا تحله الحياة من أجزائه ليس من جملته وإن كان متصلا به. والاول لا دلالة فيه، كما مر، ومع ذلك موافق - لحكاية السيد (4) - لمذهب أبي حنيفة، المشتهر في زمان صدوره معارض مع الاربعة المذكورة المعتضدة بالشهرة الظاهر في الدلالة. والثاني - لكونه أعم مطلقا - مخصوص بما ذكرنا البتة. والثالث مردود - بعد عدم التفرقة في ذلك بين ما تحله الحياة وما لا تحله - بعدم الملازمة بينه وبين الطهارة لامكان إثبات النجاسة بغير ما يدل على نجاسة الجملة. ثم المتولد منهما أو من أحدما يتبع الاسم، ومع عدم صدق اسم عليه طاهر، للاصل، ككلب الماء وخنزيره، على الاظهر الاشهر، لعدم ثبوت كونه حقيقة إلا في البري، كما في الذخيرة (5)، بل صرح الفاضل في النهاية، والتحرير، والتذكرة (6) بكونه مجازا في غيره، بل هو الظاهر من الأكثر حيث خمص التبادر (7) بالبري.


(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 182. (2) الموجود في البحار 77: 120، و 63: 55 خلافه. قال في مفتاح الكرامة 1: 139: يظهر من كثير أن المخالف إنما هو السيد فقط. (3) أي في الاجزاء التي لاتحلها الحياة. (4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 182. (5) الذخيرة: 150. (6) النهاية الاحكام 1: 272 والموجود فيها: كلب الماء طاهر لانصراف الاطلاق إلى المتعارف، التحرير 1: 24، التذكرة 1: 8. (7) في " ه‍ ": المتبادر.

[ 189 ]

ويظهر من المنتهى: الاشتراك اللفضي (1). والحكم معه الطهارة أيضا، لعدم جواز استعمال المشترك في معنييه، وعدم الحمل بدون القرينة - على القول بجوازه - عليه. ومع ذلك في بعض الروايات عليها دلالة، كصحيحة البجلي: عن جلود الخز، فقال: " ليس بها بأس " فقال الرجل: جعلت فداك إنما هي في بلادي، وإنما هي كلاب تخرج من الماء، فقال: أبو عبد الله عليه السلام: " إذا خرجت من الماء تعيش خارجه ؟ " فقال الرجل: لا، فقال: " لا بأس " (2). ورراية ابن أبي يعفور عن أكل لحم الخز، قال: " كلب الماء إن كان له ناب، فلا تقربه، وإلا فاقربه " (3). فخلاف الحلي، وحكمه بنجاسة البحري تبعا للاسم (4)، ضعيف. * * *


(1) المنتهي 1: 166. (2) الكافي 6: 451 الزي والتحمل ب 9 ح 3، الوسائل 4: 362 أبواب لباس المصلي ب 10 ح 1. (3) التهذيب 9: 49 / 205، الوسائل 24: 191 أبواب الاطعمة المحرمة ب 39 ح 3. (4) السرائر 2: 220.

[ 190 ]

الفصل السادس: في الخمر والفقاع أما الثاني، وهو ما سمي عرفا، أو (ما) (1) يؤخذ من ماء الشعير فقط، أو مع غيره، نجس بالاجماع المحقق، والمحكي عن المبسوط، والخلاف، والانتصار، والغنية (2)، والمنتهى (3)، والتذكرة والنهاية للفاضل (4)، وغيرها (5)، سواء أسكر، أم لا. وتدل عليه روايتا أبي جميلة (6)، والقلانسي (7)، المنجبرتان بالعمل. وأما الاول: فهو أيضا نجس عند السواد الاعظم من الفريقين، وعليها الاجماع عن الخلاف، والمبسوط، والنزهة، والسيد، والحلي، وابن زهرة، والفاضل، وولده (8)، وغيرهم (9)، بل الخامس نسب إلى المخالف خلاف إجماع المسلمين. وهو الحجة فيه. مضافا إلى قوله سبحانه: (فاجتنبوه) (10) فإن الاجتناب الامتناع عما


(1) لا توجد في " ق ". (2) المبسوط 1: 36، الخلاف 2: 484، الانتصار: 197، الغنية (الجوامع الفقهية): 550. (3) المنتهى 1: 167. قال فيه أجمع علماؤنا على أن حكم الفقاع حكم الخمر تأمل. (4) التذكرة 1: 167، نهاية الاحكام 1: 272. (5) التنقيح 1: 145. (6) الكافي 6: 423 الاشربة ب 30 ح 7، التهذيب 9: 125 / 543، الاستبصار 4: 96 / 372، الوسائل 25: 361 أبواب الاشربة المحرمة ب 27 ح 8. (7) الكافي 6: 422 الاشربة ب 30 ح 3، التهذيب 9: 125 / 543، الاستبصار 4: 96 / 372، الوسائل 25: 361 أبواب الاشربة المحرمة ب 27 ح 6. (8) الخلاف 2: 484، المبسوط 1: 36، نزهة الناظر: 18، الناصريات (الجوامع الفقهية): 181، السرائر: 1: 178، الغنية (الجوامع الفقهية): 550، التذكرة 1: 7، الايضاح 4: 155. (9) المسالك 1: 17. (10) المائدة: 92.

[ 191 ]

يوجب القرب منه مطلقا، ولا معنى للنجس إلا ذلك. وحمل الاجتناب المطلق على بعض أفراده تحكم. وعدم وجوب الاجتناب عن النجس في جميع الاحوال، أو عن ملاقاة الانصاب والازلام بدليل لا يوجب خروج باقي الافراد. وإخراج ملاقاة النجس عن الافراد المتعارفة، مكابرة. والاخبار المستفيضة بل المتواترة معني، الواردة في موارد متعددة المتضمنة للامر بغسل الثوب منها، أو إعادة الصلاة مع الثوب الذي أصابته، أو غسل إنائها ثلاثا، أو سبعا، أو إهراق حب أو قدر فيه لحم ومرق كثر قطرت فيه قطرة منها مع كونها مستهلكة فيه. وللنهي عن أكل في آنية أهل الذمة التى يشربون فيها الخمر، وعن الصلاة في ثوب أصابته، معللا بأنها رجس. ولان ما يبل الميل منها ينجس حبا من ماء (1)، إلى غيرذلك. خلافا للمحكي عن الصدوق (2)، والعماني (3)، والجعفي (4)، فقالوا: بطهارتها، ويظهر من جماعة من المتأخرين كالاردبيلي (5)، وصاحبي المدارك والذخيرة، والمحقق الخوانساري (6): الميل إليها، لاخبار متكثرة أيضا، أصرحها دلالة: ما يدل على جواز الصلاة في الثوب الذي أصابته قبل غسله، وفي بعضها: " إن الحرم شربها، دون لبسها والصلا - فيها " (7) بترجيح هذه الاخبار بموافقة


(1) الوسائل 3: 468 أبواب النجاسات ب 38، 494 ب 15 و 517 ب 72 ح 2. (2) الفقيه 1: 43. (3) نقل عنه في المعتبر 1: 422. (4) نقل عنه في الذكرى: 13. (5) مجمع الفائدة 1: 312. (6) المدارك 2: 292، الذخيرة: 153، المشارق: 333. (7) الوسائل 3: أبواب النجاسات ب 38 ح 13.

[ 192 ]

الاصل والاستصحاب، وكونها قرينة لحمل الاخبار المتقدمة على التقية، أو الاستحباب. وفيه - مع عدم صلاحية كثير منها للتقية، حيث يتضمن حرمة الجري، أو النبيذ، أو نجاسة أهل الكتاب، ولا للحمل على الاستحباب، للامر بإعادة الصلاة المنفي استحبابها بعد صحتها بالاجماع -: أن الحمل على أحدهما، أو الرجوج إلى الاصل، إنما يكون فيما لم يكن هناك دليل على علاج آخر، وأما معه فكيف يمكن طرحه ؟ ! والعجب من هؤلاء المائلين إلى طهارتها، أن رجوعهم إلى أحد هذه الامور في مقام التعارض لا يكون إلا بعد اليأس عن العلاجات الوارئة في الاخبار العلاجية العامة. مع أن الخبر العلاجي في خصوص اختلاف الاخبار في المقام وارد، وهي: صحيحة علي بن مهزيار: قال: قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، في الخمر يصيب ثوب الرجل: أنهما قالا: " لا بأس أن يصلي فيها، إنما حرم شربها ". وروى غير زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إذا أصاب ثوك خمر، أو نبيذ، - يعني المسكر - فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صليت فيه فأعد صلاتك " فأعلمني ما آخذ به، فوقع بخطه عليه السلام: " خذ بقول أبي عبد الله عليه السلام " (1). وظاهر أن المراد قوله منفردا. وخبر خيران الخادم من أصحاب أبي الحسن الثالث صلوات الله عليه: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر، ولحم الحنزير،


(1) الكافي 3: 407 الصلاة ب 66 ح 14، التهذيب 1: 281 / 826، الاستبصار 1: 190 / 669، الوسائل 3: 468، أبواب النجاسات ب 38 ح 2.

[ 193 ]

أيصلى فيه أم لا ؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه، فإن الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه، فكتب عليه السلام: " لا تصل فيه فإنه رجس " (1). هذا، مع أنه لو قطع النظر عن ذلك، وانحصر الامر بالمرتجحات العامة، لكان الترجيح مع أخبار النجاسة أيضا، لموافقة الكتاب، التى هي أقوى المرتجحات المنصوصة، والمخالفة لمذهب أكثر العامة - كما هي عن الاستبصار محكية (2) وإن كان الظاهر من كلام جماعة (3) خلافه - ولما هو أميل إليه حكام أهل الجور، وذوو الشوكة منهم، من طهارة الخمر، حيث إن ولوعهم بشربها، وتلوثهم غالبا (بها) (4) مع نجاستها يورث مهانة لهم في أنظار العوام، والحكم ببطلان صلاتهم، وصلاة من كان يقتدي بهم، والازراء والاستخفاف بهم، فالحكم بالنجاسة مخالف للتقية، بخلاف الحرمة حيث كانت ضرورية من الدين، منسوبا مخالفه إلى الالحاد، فلم تكن بهذه المثابة. واعتضادها بالشهرة القويه التى كادت أن تبلغ حد الاجماع، مع أن من المرتجحات المنصوصة التي عمل بها جماعة من الاصحاب: الاخذ بالاخير، ولا ريب أن صحيحة ابن مهزيار، وخبر خيران، قد تضمنا ذلك. فالمسألة بحمد الله واضحة غاية الوضوح. وفي حكم الخمر سائر المسكرات المانعة بالاصالة، على المعروف من الاصحاب، وفي الخلاف والمعتبر: الاجماع على نجاسته (5)، وفي المعالم: لا نعرف


(1) الكافي 3: 405 الصلاة ب 66 ح 5، التهذيب 2: 358 / 1485، الاستبصار 1: 189 / 662 (بتفاوت يسير)، الوسائل 3: 469، أبواب النجاسات ب 38 ح 4. (2) الاستبصار 1: 190، قال فيه لأنها موافقة لمذاهب كثيرة من العامة قال في بداية المجتهد 1: 76 وأكثرهم على نجاسة الخمر وفي ذلك خلاف عن بعض المحدثين. (3) منهم صاحبا الحدائق 5: 106، والمشارق: 333. (4) لا توجد في " ق ". (5) الخلاف 2: 484، المعتبر 1: 424.

[ 194 ]

في ذلك خلافا بين الاصحاب (1)، والظاهر أن مراده من قال بنجاسة الخمر. إلا أنه قال في الناصريات، في الشراب المسكر: إن كل من قال بأنه محرم الشرب ذهب إلى أنه نجس كالخمر، إلى أن قال: لا خلاف في أن نجاسته تابعة لتحريم قربه (2). وتدل عليه - بعد الاجماع المركب - الاخبار، كصحيحة علي بن مهزيار المتقدمة، ومرسلة يونس الواردة في النبيذ المسكر (3). والنبيذ: كل ما يعمل من الاشربة، كما صرح به الجوهري، والطريحي (4). ولو قيل باختصاصه بنوع خاص منه - كما استعمل في بعض الاخبار - يتم المطلوب بعدم الفصل. مع أن الآية تعم الجميع، بضميمة ما ورد في تفسيره - المنجبر بالعمل بل باجماع المفسرين - كالمروي في تفسير القمي في بيان قوله تعالى: (إنما الخمر...) إلى آخره: " أما الخمر، فكل مسكر من الشراب إذا خمر فهو خمر " (5). ويدل عليه أيضا تصريح الاخبار: " بأن كل مسكر خمر " (6) بالتقريب المتقدم في الميتة (7)، لا كونه خمرا لوجود علة التسمية، أو للاستعمال فيه مطلقا، أو بدون القرينة، لضعف الجميع. وأما نفي البأس في بعض الاخبار عن إصابة المسكر والنبيذ الثوب، فغير


(1) المعالم: 239. (2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 181. (3) الكافي 3: 405 الصلاة ب 66 ح 4، التهذيب 1: 287 / 818، الوسائل 3: 469 أبواب النجاسات ب 38 ح 3. (4) مجمع البحرين 3: 189، ولم نعثر عليه في الصحاح. (5) تفسير القمي 1: 180 - بتفاوت يسير -، الوسائل 25: 280 أبواب الاشربة المحرمة ب 15 ح 5. (6) الوسائل 25: 326 أبواب الاشربة المحرمة ب 15 ح 5. (7) ص 169 - 170.

[ 195 ]

دال على الطهارة. وتجويز الصلاة في ثوب أصابه مطلق النبيذ، أو الشرب من حب قطرت فيه قطرة منه، محمول على النبيذ الحلال. نعم، في قرب الاسناد للحميري: عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله، أو اصلي فيه ؟ قال: " صل فيه إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الاثر " (1). وهو مع ضعفه، وموافقته لمذهب أبي حنيفة (2) في المايعات المسكرة، الذي هو المتداول في زمانهم، بل لكل العامة في خصوص النبيذ، معارض لما تقدم مرجوح منه بما ذكر. وإنما خصصنا بالمائعة بالاصالة، لطهارة غيرها من المائعة عرضا، أو غير المائعة، بالاصل السالم عن المعارض، لان ما يدل من الاخبار على النجاسة مخصوص بالنبيذ، الصريح في المائع بالاصالة، وما ليس بمخصوص غير صالح لاثبات النجاسة، لخلوه، عن دال على وجوب الغسل. نعم، نقل شيخنا البهائي - وتبعه جمع ممن تأخر عنه - عن التهذيب موثقة الساباطي: " لا تصل في ثوب أصابه خمر، أو مسكر، واغسله إن عرفت موضه، فإن لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كله، فإن صليت فيه فأعد صلاتك " (3). ولكني لم أعثر عليها لا في التهذيب، ولا في غيره من كت الاخبار. وأما الجامد بالعرض فهو نجس، للاستصحاب. * * *


(1) قرب الاسناد 163 / 595، الوسائل 3: 472 أبواب النجاسات ب 38 ح 14. (2) راجع بداية المجتهد 1: 33، 471. (3) الحبل المتين: 100.

[ 196 ]

الفصل السابع: في الكافر وله أقسام. القسم الاول: غير الكتابي الذي لم ينتحل الاسلام. ونجاسته عند الامامية إجماعية، وحكاية الاجماع على نجاسته بخصوصه من المحقق (1)، وجماعة (2)، وعلى نجاسة مطلق الكافر الشامل له من طائفة، منهم: الشيخ، والناصريات، والانتصار، والسرائر، والغنية، والمنتهى، والتذكرة، والنهاية (3) مستفيضة. وهو الحجة عليها، مع فحوى ما يأتي من المستفيضة الدالة على نجاسة الكتابي، بل منطوقه بضميمة الاحماع المركب. والاستدلال (4) عليها بقوله عز شأنه: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام " (5) بالتعدي إلى غير المشرك، بعدم القول بالتخصيص غير تام، لعدم ثبوت إرادة المعنى الاصطلاحي من لفظ " نجس " في زمن الخطاب. ودعوى تبادره منه فيه غير مسموعة. وإثباتها، بقرينة تعليل المنع عن دخول المسجد الحرام لعدم صلاحية الاعم - الذي هو المعنى اللغوي - للعلية بالاجماع، ومخالفة جعل العلة مطلق قذارة المشرك للظاهر، كما صرحوا به في حجية منصوص العلة، كمخالفة جعل المعلول النهي التنزيهي الصالح لمعلولية الاعم، للاجماع على حرمة دخول المشركين المسجد


(1) المعتبر 1: 95. (2) منهم المجلسي في البحار 77: 44. (3) الخلات 1: 70، التهذيب 1: 223، الناصريات (الجوامع الفقهية): 180، الانتصار: 10، السرائر 1: 10، الغنية (الجوامع الفقهية): 551، المنتهى 1: 168، التذكرة 1: 8، نهاية الاحكام 1: 273. (4) كما استدل عليها في الانتصار والخلاف والمنتهى والروض: 163 وغيرها. (5) التوبة: 28.

[ 197 ]

الحرام، مستدلين بهذه الآية: ضعيف جدا، لان عدم صلاحية الاعم للعلية يوجب المصير إلى التجوز، ولكنه لا يعين المطلوب، لجواز أن يكون هو حدا معينا من الخباثة الباطنية، كما أن المطلوب حد سين من الظاهرية. وعدم كونها من المعاني المعهودة للفظ النجاسة، حتي ينصرف إليها مع القرينة الصارفة عن اللغوية (1)، مردود. بعدم ثبوت كون المعنى المصطلح أيضا في زمن الخطاب معروفا منه، فيتساويان. هذا، مع أن تقدير كلمة " ذو " في صحة التوصيف - لكون النجس مصدرا لازما - فاستناد الحكم إلى نجاستهم العرضية الحاصلة من عدم التطهر، والاغتسال، وشرب الخمره ممكن. وكون التقدير خلاف الاصل، وشيوع الاخبار عن الذات بالمصادر للمبالغة، لا يفيده لانه خلاف الاصل أيضا. وغلبته على الحذف غير ثابتة وإن رجحه ظاهر الحصر في الجملة. مع أن المبالغة في النجاسة العرضية أيضا ممكنة. إلا أن يقال بأن المطلوب مع تفسيره بذي النجاسة أيضا ثابت، لعدم إمكان استناد الحكم إلى العرضية إلا بارتكاب خلاف أصل (2)، لامكان دخولهم الماء قبل دخول المسجد، فإرادة كونهم ذوي النجاسة العرضية دائما خلاف الواقع، فلابد من تقدير: " غالبا " أو " اغلبهم " إلا أنه بعد ما ذكرنا من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في زمان الخطاب لا يفيد. القسم الثاني: الكتابيون. ونجاستهم عندنا مشهورة، والاجماع عليها في عبارات جملة من الاجلة


(1) كما في الرياض 1: 85. (2) في " ح ": الاصل.

[ 198 ]

مذكورة، وهو مذهب الصدوقين (1)، والشيخين (2)، والسيدين (3) والحلبيين (4)، والفاضلين (5)، والشهيدين (6)، والحلي، والديلمي، والكركي (7)، وكافة المتأخرين (8). وأما قول الشيخ في النهاية: يكره أن يدعو الانسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، لان دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه (9)، فمحمول على حال الضرورة، أو ما لا يتعدى. وغسل اليد للتعبد، لوروده في الاخبار، أو زوال الاستقذار الحاصل من النجاسات الخارجية، لتصريحه قبل ذلك بأسطر: بعدم جواز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم، ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها، وأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم. وقد ينسب الخلاف إلى العماني (10) والمفيد (11) في الرسالة العزية أيضا، وهو غير ثابت. أما الاول: فلان من نسب الخلاف إليه استناده من تصريحه بطهارة سؤره،


(1) الفقيه 1: 8، 10، المعتبر 1: 96 - نقله عن ابني بابويه -. (2) المقنعة: 65، المبسوط 1: 14، التهذيب 1: 223. (3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 180، الانتصار: 10، الغنية (الجوامع الفقهية): 551. (4) الحلبيان في مصطلحهم ما أبو الصلاح وابن زهرة، ولا يناسب إرادته في المقام، للزوم التكرار، حيث أنه نقله أيضا عن السيدين وهما (المرتضى وابن زهرة) فيمكن أن يريد بالحلبيين في المقام أبا الصلاح وعلاء الدين الحلبي فان القول موجود في الكافي في الفقه: 131، وفي اشارة السبق: 79. (5) المعتبر 1: 96، الشرائع 1: 53، التحرير 1: 24، المنتهى 1: 168، التذكرة 1: 8. (6) الذكرى: 13، الدروس 1: 124، البيان 31، الروض: 163، الروضة 1: 49. (7) السرائر 1: 73، المراسم: 209، جامع المقاصد 1: 162. (8) الحدائق 5: 172، الرياض 1: 85، كشف اللثام 1: 46. (9) النهاية: 589. (10) نقل عنه في البحار 77: 44. (11) نقل عنه في المعتبر 1: 96.

[ 199 ]

ولعله - بعد تخصيص السؤر بالماء، كما عليه جملة من الاصحاب (1) - مبني على أصله من عدم انفعال القليل. وأما الثاني: فلانه إنما حكم بالكراهة، وإرادة المعنى اللغوي منها في عرف القدماء شائعة، وهي الملائمة لدعوى الاجماع على النجاسة من تلاميذه (2) مع كونه رئيس الفرقة. ومن ذلك - مع عدم قدح مخالفة الاسكافي (3) لكونه نادرا - يظهر الاجماع على النجاسة هنا أيضا، فهو الدليل عليها، مضافا إلى المستفيضة، كموثقة ابن أبي يعفور المروية في العلل المتقدمة (4) في غسالة الحمام، ورواية علي المتقدمة في بحث القليل (5) في دليل العماني. ورواية ابن أبي يعفور: اخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب واليهودي والنصراني والمجوسي، فقال: " إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (6). ولولا نجاسة القليل بملاقاة المذكورين، للغا التعليل، وليست هي لاغتسال الجنب والصبي لاصالة كونهما طاهرين، فتكون للبواقي. وموثقة الاعرج: عن سؤر اليهودي والنصراني أيؤكل أو يشرب ؟ قال: " لا " (7). وتؤيد المطلوب: صحيحتا علي ومحمد:


(1) كما تقدم في بحث الاسآر ص 75. (2) كما تقدم نقل الاجماع من السيد والشيخ ص 196 رقم 3. (3) نقل عنه في كشف اللثام 1: 46. (5) ص 108. (5) ص 45. (6) الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 1، الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 7 ح 7. وتقدمت في ص 34. (7) الفقيه 3: 219 / 1014، الوسائل 24: 210 أبواب الاطعمة المحرمة ب 54 ح 1.

[ 200 ]

الاولى: عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام ؟ فقال: " إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل " (1). والثانية: عن رجل صافح مجوسيا، قال: " يغسل يده ولا يتوضأ " (2). والمستفيضة الناهية عن الأكل من آنيتهم مطلقا، أو قبل الغسل، وعن طعامهم مطلقا، أو الذي يطبخ، وعن مصافحتهم، ومسهم، والرقود معه على فراش واحد، وإقعاده على الفراش، وعن الصلاة في الثوب الذى اشتراه من نصراني حتى يغسل (2)، والمخصصة لما يحل من طعام أهل الكتاب بالحبوب (4)، والدالة على نجاسة النواصب، فإن أهل الكتاب في غاية العداوة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وعترته، وربما قالوا في حقهم ما يجب التحرز عن حكايته. وإنما جعلناها مؤيدة لا أدلة كما فعله الأكثر (5)، لامكان المناقشة في الجميع. أما في الاخيرة: فلان المراد بالناصبي ليس معناه الحقيقي، ومجازه يمكن أن يكون طائفة من المسلمين مظهرة لعداوة أهل البيت، ويعاضده جعله في كثير من الاخبار (6) قسيما لليهودي والنصراني. وأما في ما قبلها: فلعدم دلالة التخصيص على نجاسة غير الحبوب، مع أنه لو دل عليها، للزم التخصيص بما علم ملاقاتهم معه بالرطوبة، وهو تجوز لا


(1) التهذيب 1: 223 / 640، الوسائل 3: 421 أبواب النجاسات ب 14 ح 9. (2) الكافي 2: 650 العشرة ب 11 ح 12، التهذيب 1: 263 / 765، الوسائل 3: 419 أبواب النجاسات ب 14 ح 3. (3) راجع الوسائل 3: 419 أبواب النجاسات ب 14 و 517 ب 72 وج 24: 206 أبواب الاطعمة المحرمة ب 52. (4) راجع الوسائل 24: 203 أبواب الاطعمة المحرمة ب 51. (5) منهم صاحب المدارك 1: 298، والذخيرة: 152، والحدائق 5: 166. (6) راجع الوسائل 1: 220 أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5 وص 229 أبواب الاسآر ب 3 ح 2 وج 3: 420 أبواب النجاسات ب 14 ح 4.

[ 201 ]

ترجيح له على غير مما يمكن في المقام. ومنه يعلم وجه المناقشة في البواقي غير الاولى أيضا، فإنها لا تثبت المطلوب إلا بحمل الآنية، والطعام، والفراش، والثوب على ما علم ملاقاتهم بالرطوبة معه، والمصافحة على صورة رطوبة اليد، ولا ترجيح لشئ من ذلك على حمل النهي على الكراهة، سيما مع معارضتها مع مفهوم صحيحة محمد: عن آنية أهل الكتاب، فقال: " لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة، والدم، ولحم الخنزير " (1). ورواية زكريا بن إبراهيم: إني رجل من أهل الكتاب، وإني أسلمت، وبقي أهلي كلهم على النصرانية، وأنا معهم في بيت واحد لم افارقهم بعد، فآكل من طعامهم ؟ فقال لي: " يأكلون لحم الخنزير ؟ " قلت: لا ولكنهم يشربون الخمر، فقال (لي) (2): " كل معهم واشرب " (3) إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في تجويز استعمال أوانيهم، واستعمال ثيابهم، الآتي بعضها. مضافا إلى التصريح بالكراهة في صحيحة إسماعيل بن جابر: ما تقول في طعام أهل الكتاب ؟ فقال: " لا تأكله " ثم سكت هنيئة، ثم قال: " لا تأكله " ثم سكت هنيئة، ثم قال: " لا تأكله، ولا تتركه تقول: إنه حرام، ولكن تتركه تنزها عنه، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " (4). هذا، مع أن الثانية بل كثير من غيرها لا يفيد بنفسه أزيد من الكراهة، للخلو عن صريح النهي.


(1) الفقيه 3: 219 / 1017، التهذيب 9: 88 / 371، الوسائل 24: 211 أبواب الاطعمة المحرمة ب 54 ح 6. (2) لا توجد في " ه‍ ". (3) التهذيب 9: 87 / 369، الوسائل 24: 211 أبواب الاطعمة المحرمة ب 54 ح 5. (4) الكافي 6: 264 الاطعمة ب 16 ح 9، التهذيب 9: 87 / 368، الوسائل 24: 205 أبواب الاطعمة المحرمة ب 54 ح 4.

[ 202 ]

دليل القائل بالطهارة: الاصل، وقوله عزوجل: (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) (1) فإنه شامل لما باشروه بالرطوبة، والاخبار المتكثرة. والاصل بما ذكرنا مندفع. " وطعامهم " (2) - مع أن عمومه لكل طعام غير معلوم، بل قال بعض أهل اللغة: إنه البر خاصة، كما نقله في المجمل (3)، وشمس العلوم، والصحاح (4)، والقاموس (5)، وفي المغرب: أنه غلب على البئر خاصة (6)، وفي النهاية الاثيرية عن الخليل: أن الغالب في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة (7)، وفي المصباح المنير: وإذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام عنوا به الير خاصة (8)، ويؤيده: حديث أبي سعيد المروي في طريق العامة: " كنا نخرج صدقة الفطرة صاعا من طعام، أو صاعا من شعير " (9) الحديث -. بالحبوب - لو سلم عمومه لغة - بالمستفيضة مخصوص: ففي مرسلة الفقيه عن قول الله عزوجل: (وطعلم الذين اوتوا الكتاب حل لكم) قال: " يعب الحبوب " (10). وفي رواية أبي الجارود: عن قول الله تعالى: (وطعام الذين) الآية، فقال: " الحبوب " (11). (1) المائدة: 5. (2) مبتدأ يأتي خبره بعد أسطر، وهو: بالحبوب... مخصوص. (3) المجمل 3: 323. (4) الصحاح 5: 1974. (5) القاموس 4: 145. (6) المغرب 2: 14. (7) النهاية 3: 127. (8) المصباح المنير: 33. (9) صحيح مسلم 2: 678 / 17: وفيه: كنا نخرج زكاة الفطر... (10) الفقيه 3: 219 / 1012، الوسائل 24: 205 أبواب الاطعمة المحرمة ب 51 ح 6. (11) الكافي 6: 264 الاطعمة ب 16 ح 6، الوسائل 24: 204 أبواب الاطعمة المحرمة ب 51 ح 3.

[ 203 ]

وصحيحة قتيبة (وطعام الذين اوتوا الكتاب) إلى آخره فقال: " كان أبي يقول: إنما هي الحبوب وأشباهها " (1). وقريبة منها موثقتا سماعة (2)، وصحيحة هشام (3). وعلى هذا، فذكر طعامهم بعد الطيبات لدفع ما يتوهم من لزوم الاجتناب عنه، لاحتمال ملاقاتهم بما يوجب التنجيس عند التصفية وغيرها، أو من لزوم قطع الوصلة بين الفريقين للمباينة الدينية. والتخصيص بأهل الكتاب، لعله لكون أهل المدينة منهم، مع أن حلية طعامهم من حيث إنه طعامهم لا تنافي نجاسته من حيث مباشرتهم. وأما الاخبار، فإن أمكن المناقشة في دلالة كثير منها، وقرب التأويل في طائفة اخرى، كأن يقال: إن السؤال عن طعامهم أو مؤاكلتهم أو إخدامهم أو عملهم إنما هومن حيث هي هي، والحكم بطهارة بعض ما يخرج من أيدهيم لعدم العلم بمباشرتهم مع الرطوبة، أو بكونه كافرا، أو نحو ذلك. ولكن الانصاف ظهور دلالة بعض منها إلا أنها بمعزل عن الحجية، لترك ناقليها العمل بها، ومخالفتها للشهرة العظيمة بين من تقدم وتأخر، بل للمحقق من الاجماع، كيف لا ونجاستهم بين عوام العامة والخاصة وخواصهم معدودة من خواص الخاصة، وهما من أقوى الاسباب المخرجة للخبر عن الحجية، كما بيناه في موضعه. ومع ذلك كله فهي لمذهب العامة موافقة باعتراف جميع الخاصة، حتى أن السيد جعل القول بالنجاسة من منفردات الامامية (4)، وكانوا بذلك عند المخالفين


(1) الكافط 6: 240 الذبائح ب 15 ح 10، التهذيب 9: 64 / 270، الاستبصار 4: 83 / 303، الوسائل 24: 205 أبواب الاطعمة المحرمة ب 51 ح 4. (2) الكافي 6: 263 الاطعمة ب 16 ح 1، 2، التهذيب 9: 88 / 375، الوسائل 24: 203، 204 أبواب الاطعمة المحرمة 51 ح 1، 2. (3) التهذيب 9: 88 / 374، الوسائل 24: 205 أبواب الاطعمة المحرمة ب 51 ح 5. (4) الانتصار: 10.

[ 204 ]

معروفين مطعونين، وكثرة اختلاط العامة لاهل الكتاب في جميع الاعصار، وشدة عداوتهم لمن يجتنب عنهم بينة واضحة، فترجيح أخبار النجاسة بالمخالفة للعامة متعين، وحمل ما يدل على الطهارة على التقية لازم، وبعضه به مشعر: ففي حسنة الكاهلي - بعد سؤاله عن دعوة المجوسي إلى المؤاكلة -. " أما أنا فلا أدعوه ولا اواكله، ولاني لأكره أن احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم " (1) فإن المعى قطعا: ما تضطرون إلى صنعه. القسم الثالث: المنتحلون للاسلام. ولاريب في نجاسة الناصب منهم، وهو: من أظهر بغض أحد من أهل البيت، للاجماع، وموثقة العلل المتقدمة (2). والائمة كلهم داخلون في أهل البيت، لقول الصادق عليه السلام في الموثقة: " لنا أهل البيت ". ومن النواصب: الخوارج، بل هم شر أقسامهم. وكذا لا ينبغي الريب في نجاسة الغلاة، وهم القائلون بالوهية على أو أحد من الناس، للاجماع. والمستفاد من كثير من العبارات بل المصرح به في كلام جماعة (3) نجاسة المنكر لما يعلم ثبوته أو نفيه من الدين ضرورة. وهو مشكل، لانا وإن قلنا بكفر ذلك، ولكن لا دليل على نجاسة الكافر مطلقا بحيث يشمل المقام. وشمول الاجماعات المنقولة لمثله غير معلوم، فإن ظاهر بعض كلماتهم أن


(1) الكافي 6: 263 الاطعمة ب 16 ح 4، التهذيب 9: 88 / 370، الوسائل 3: 419 أبواب النجاسات ب 14 ح 2 وج 24: 208 أبواب الاطعمة المحرمة ب 53 ح 2. (2) ص 108. (3) منهم العلامة في التحرير 1: 24، والناضل الهندي في كشف اللثام 1: 47، ونقله - في مفتاح الكرامة 1: 143. عن عدة من الفقهاء.

[ 205 ]

مرادهم من الكفار بالاطلاق غير فرق الاسلام، ألا ترى الفاضل قال في المنتهى - بعد دعوى الاجماع على نجاسة الكفار -: حكم الناصب حكم الكفار، لانه ينكر ما يعلم من الدين ضروره (1)، وكذا تشعر بذلك عبارة المعتبر (2) وغير (3) أيضا. ومع ذلك يعاضده عدم التبادر، وتبادر الغير. ويؤكد ذلك أن منهم من حكم بكفر المخالفين لانكاره الضروري، ومع ذلك قال بطهارتهم، كالفاضل، فإنه صرح في زكاة المنتهى (4) وشرح فص الياقوت بأن المخالفين لانكارهم ضروري الدين كفرة، ومع ذلك هم طاهرون عنده. ولذا قيل في رد استدلال من يقول بنجاسة المخالفين بكفرهم. إنه على تقدير إطلاق الكفر عليهم حقيقة فلا دليل على النجاسة كلية، وإن هو إلا مصادرة محضة (5). فالطهارة هنا قوية، للاصل. والقياس على غير المنتحل مردود. والآية على فرض تماميتها غير نافعة، لعدم تحقق الشرك مطلقا، وعدم ثبوت الاجماع المركب. وأما المخالفون لنا في الامامة، فالحق المشهور: طهارتهم. وعن السيد (6) القول بالنجاسة مطلقا. وعن الحلي في غير المستضعفين منهم (7)، واختاره بعض مشايخ والدي (8)


(1) المنتهى 1: 168. (2) المعتبر 1: 98. (3) مجمع الفائدة 1: 283. (4) المنتهى 1: 522. (5) الرياض 1: 85. (6) الانتصار: 82. (7) السرائر 1: 84. (8) الحدائق 5: 177، 181.

[ 206 ]

- طاب ثراهما - وأصر عليه. لنا: الاصل السالم عن المعارض، مضافا إلى شدة مخالطة الائمة صلوات الله عليهم وأصحابهم طرا معهم، ومباشرتهم وملاقاتهم إياهم مع الرطوبة، والمؤاكلة معهم في ظرف واحد من المائعات، ونكاح نسائهم، وغير ذلك مما لا يمكن حمل جميعها على التقية، مع أن الحمل عليها بلا دلالة باطل. دليل القائل بالنجاسة: أنهم كفرة ونصاب، وكل أولئك أنجاس. أما الاول: فلانكارهم ما علم من الدين ضرورة، ولتواتر الاخبار معنى به، ولذا صرح جماعة بكفرهم، كابن نوبخت مسندا له إلى جمهور أصحابنا، والشيخ في التهذيب، والسيد، والحلي (1)، والفاضل في بعض كتبه (2)، وهو الظاهر من المفيد والقاضي (3). وأما الثاني: فلرواية عبد الله بن سنان: " ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لانك لا تجد أحدا يقول أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب لكم، وهو يعلم أنكم تتولونا، وأنكم من شيعتنا " (4). وقريب منها خبر المعلى المروي في معاني الاخبار (5). ومكاتبة محمد بن علي بن عيسى إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام، المروية في مستطرفات السرائر: كتبت إليه أسأله عن الناصب، هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بإمامتهما ؟ فرجع الجواب: " من كان على هذا فهو ناصب " (6).


(1) التهذيب 1: 335، الانتصار: 82، السرائر 1: 356. (2) المنتهى 1: 522. (3) المقنعة: 85، المهذب 1: 54، 56. (4) ثواب الاعمال: 248. (5) معاني الاخبار: 365. (6) مستطرفات السرائر: 68 / 13.

[ 207 ]

ويرد الاول أولا: بمنع كفرهم، لانكار الضروري إنما يوجبه لو وصل عند المنكر حد الضرورة، وأنكره إنكارا لصاحب الدين، أو عنادا أو استخفافا أو تشهيا، وكون جميع المخالفين كذلك ممنوع، والاخبار بمثلها معارضة. ففي رواية سفيان بن السمط: " الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان. فهذا الاسلام. وقال: الايمان معرفة هذا الامر مع هذا، فإن أقر بها ولم يعرف هذا الامر كان مسلما وكان ضالا " (1). وأصرح من الجميع: ما رواه في الكافي في باب ارتداد الصحابة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام وفيها: " فأما من لم يصنع ذلك دخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لامير المؤمنين عليه السلام، فإن ذلك لا يكفره، ولا يخرجه عن الاسلام " (2) الحديث. وثانيا: بعدم دليل على نجاسة مطلق الكافر سوى الاجماع المنتفي هنا قطعا. والثاني: بأن مناط نجاسة الناصب الاجماع الظاهر انتفاؤه في المقام، والاخبار المقيدة بقوله: " لنا أهل البيت " ولم يعلم ذلك من جميع المخالفين، وكونهم نصابا بمعنى آخر غير مقيد. ومما ذكرنا ظهر أن الحق طهارة المجبرة والمجسمة أيضا، وفاقا للاكثر (3)، وخلافا للمحكي عن الشيخ في الاول (4)، وعنه وعن جماعة منهم المنتهى،


(1) الكافي 2: 24 الايمان والكفر ب 14 ح 4. (2) الكافي 8: 295 / 454. (3) المعتبر 1: 97، 98، التذكرة 1: 8. (4) المبسوط 1: 14.

[ 208 ]

والتحرير، والقواعد، والدروس، والبيان (1) في المجسمة الحقيقية، وعن الثانيين (2) في الثاني: وقد يستدل لهم بما ضعفه ظاهر. فروع: أ: لو ألجأت ضرورة التقية إلى ملاقاة أهل النجاسة بالرطوبة، وفعل المشروط بانتفائها جاز، كما أوجبته شريعة التقية، وبعد زوالها يجب التطهير (3) لمشروطه ما لم يلزمه الحرج، للامر المطلق بالغسل الموجب له مطلقا. وعدم وجوبه حال التقية لا يرفعه بعد رفعها، فإن الثابت عدم وجوب الغسل حال التقية، لا عدم وجوب غسل ما لاقى حال التقية. وعدم ورود مثل الامر في جميع النجاسات بعد عدم الفصل بينها، غير ضائر. واستصحاب العفو غير نافع، لان الثابت هو العفو المقيد بحال العذر. ب: ما لا تحله الحياة من الكافر نجس على المشهور. ونسب الخلاف فيه إلى السيد، وكلامه في الناصريات (4) بالكلبين مخصوص. وفي البحار صرح بطهارته من كل نجس العين (5)، ويظهر من المعالم الميل إلى طهارته من الكافر (6)، واستحسنه في المدارك (7). وهو في موقعه، لعدم الدليل على النجاسة. والحكم بنجاسة المشرك أو اليهودي أو النصراني لا يدل على نجاسة كل جزء منه. ج: ظاهر الأكثر تبعية ولد الكافر لهما (8)، لانه متفرع من نجسين فله


(1) المنتهى 1: 168، التحرير 1: 24، القواعد 1: 7، الدروس 1: 124، البيان: 91. (2) الشهيد الثاني في الروض: 163، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 164. (3) في " ه‍ ": التطهر. (4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 182. (5) الموجود في البحار 77: 120، و 63: 55 خلافه، كما مر في ص 188 رقم (2). (6) المعالم: 261. (7) المدارك: 2: 276. (8) كما في التذكرة 1: 8، الذكرى: 14، الحدائق 5: 200.

[ 209 ]

حكمهما، كالمتولد من الكلب والخنزير، ولتبعيته لهما في الكفر كما يظهر من الاخبار. ويظهر من نهاية الاحكام وجود الخلاف فيه (1). وظاهر المدارك والمعالم التوقف (2)، للاصل، ومنع تبعية المتفرع من الحيوان عليه مطلقا، وإنما هومن جهة صدق الاسم المنتفي هنا قطعا قبل البلوغ، ومع تسليم الصدق فلانحصار دليل نجاسة الكافر على الاجماع الغير المتحقق في المقام لا يفيد. ومنه يظهر ضعف دليل التبعية أيضا. أقول: لو سلم عدم صدق الكافر، فلا ينبغي الريب في أن الظاهر من العرف إطلاق اليهودي والنصراني والناصبي على أطفالهم، سيما إذا كانوا مميزين مظهرين لملة آبائهم تابعين لهم، سيما الاخير إذا علم منه النصب والعداوة، فتعبت نجاستهم - سيما الممتزين - بإطلاتات نجاسة الثلاثة مسراة بعدم الفصل إلى غير المميزين وإلى أطفال سائر الكفار. نعم يشكل الحكم فيما لو كانوا مميزين، وأظهروا عن دين آبائهم التبري، وتلقوا الاسلام وولاء أهل البيت. والظاهر حينئذ طهارتهم، لانتفاء الصدق عرفا، وعدم ثبوت الاجماع المركب. ثم لوسبى النجس من أطفالهم مسلم، فهل يطهر بالتبعية ؟ المحكي عن الاكثر: نعم (3)، لان نجاسته إما للاجماع عليها، أو على نجاسة مطلق الكافر الذي هذا منه، وكلا الاجماعين في المورد منتفيان، واستصحاب النجاسة ضعيف، إذ لم يثبت أمر زائد على النجاسة المقيدة بقبل السبي. أقول: مع التميز والتبري عن ملة آبائهم لا إشكال ظاهرا في الطهارة، كما


(1) نهاية الاحكام 1: 274. (2) المدارك 2: 298، المعالم: 259، 260. (3) قال الوحيد البهبهاني في شرح المفاتح - مخطوط - ان ظاهر الاصحاب لحوق الطفل المسبي مننردا بالسابي.

[ 210 ]

لا إشكال في النجاسة كذلك مع إظهار ملتهم، والاشكال إنما هومع انتفاء احد الامرين. * * *

[ 211 ]

الفصل الثامن: في نبذ مما اختلفوا في نجاسته وهي امور: منها: المذي، وقد مر. ومنها: الارنب، والثعلب، والفأرة، والوزغة. والحق المشهور: طهارة الجميع، للاصل. وصحيحة البقباق: عن فضل الهرة، والشاة، والبقرة، والابل، والحمار، والبغال، والوحش، والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: " لا بأس " حتى انتهيت إلى الكلب فقال: " رجس نجس " (1). مضافا في الثاني إلى المستفيضة الدالة على قبوله التذكية، وطهر جلده بها (2). وفي الثالث إلى صحيحتي الاعرج (3) وإسحاق بن عمار (4)، ورواية الغنوي (5) وغيرها. وفي الرابع إلى صحيحة علي: عن العظاية، والحية، والوزغ يقع في الماء فلا يموت يتوضأ منه للصلاة ؟ قال: " لا بأس " وعن فأرة وقعت في حب دهن


(1) التهذيب 1: 225 / 646، الاستبصار 1: 19 / 40 الوسائل 1: 226 أبواب الاسآر ب 1 ح 4. (2) الوسائل 4: 355 أبواب لباس المصلي ب 7. (3) الكافي 6: 261 الاطعمة ب 14 ح 4، التهذيب 9: 82 / 362. - (4) الفقيه 1: 14 / 28، التهذيب 1: 419 / 1323، الاستبصار 1: 26 / 65، الوسائل 1: 239 أبواب الاسآر ب 9 ح 2. (5) اللهذيب 1: 238 / 690، الاستبصار 1: 41 / 113، الوسائل 1: 188 أبواب الماء المطلق ب 19 ح 5.

[ 212 ]

فاخرجت منه قبل أن تموت، أيبيعه من مسلم ؟ قال: " نعم ويدهن منه " (1). خلافا للمحكي عن الشيخ في موضع من المبسوط (2)، وموضع من النهاية (3) في الجميع، وعن الحلبيين (5) مدعيا أحدهما الاجماع في الاولين، وعن الصدوق (5)، والمفيد، والديلمي (6) في الاخرين، وعن والد الصدوق (7) في الاخير، وعن القاضي (8) في غيره. كل ذلك لبعض الاخبار (9) القاصر عن إفادة النجاسة، إما لكون الحكم فيه بلفظ الاخبار الغير المثبت للزائد عن الرجحان، أو لعدم ثبوت الملازمة بين ما حكم به وبين النجاسة. نعم، في صحيح علي: عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثوب أيصل فيه ؟ قال: " اغسل ما رأيت من أثرها " (10). وحملها على الاستحباب بقرينة المذكورات متعين. ومنها: العصير العنبي كما في كلام جماعة (11)، أو بدون القيد كما في كلام


(1) التهذيب 1: 419 / 1326، الاستبصار 1: 24 / 16، الوسائل 1: 238 أبواب الاسآر ب 9 ح 1. (2) المبسوط 1: 37. (3) النهاية: 52. (4) الكافي في الفقه: 131، الغنية (الجوامع الفقهية): 551. (5) الفقيه 1: 8، المقنع: 5. (6) المقنعة: 70، المراسم 56. (7) نقله عنه في المختلف: 57. (8) يستفاد من المهذب 1: 51، 53 خلافه وهو القول بنجاسة الثعلب والارنب والوزغ وطهارة الفأرة. (9) راجع الوسائل 1: 187 أبواب الماء المطلق ب 19 وج 3: الباب 34 - 36 من أبواب النجاسات. (10) التهذيب 1: 261 / 761، الوسائل 3: 460 أبواب النجاسات ب 33 ح 2. (11) كما في الروض: 164، والرياض 1: 86، والحدائق 5: 121.

[ 213 ]

الأكثر (1)، واختلفوا في نجاسته وطهارته. والاول: مختار الفاضلين (2) في أكثر كتبهما، وعن الشهيد في الرسالة (3) وابن حمزة (4) إن كان الغليان بنفسه، وعليه دعوى شهرة المتأخرين خاصة في المدارك (5) وأشربة المسالك (6)، ومطلقا في طهارته (7)، وعن المختلف (8). وإرادة المقيد من الاول بقرينة ما ذكره في الاشربة متعينة، ودلالة كلام الثاني على الشهرة في العصير محل نظر. وعن الكنز (9) دعوى الاجماع عليها، ونسب إلى ظاهر الكليني والصدوقين (10) أيضا، وليس كذلك.


(1) منهم المحقق في المعتبر 1: 424، والشرائع 1: 52، والعلامة في التذكرة 1: 7، والمختلف. 58، والقواعد 1: 7. (2) راجع رقم 1. (3) حكى عنه في المدارك 2: 293. (4) الوسيلة: 365: (الجوامع الفقهية): 733. (5) المدارك 2: 292. (6) المسالك 2: 244. (7) يعني: ادعى في طهارة المسالك الشهرة المطلقة. ولكن الموجود في المسالك 1: 17 دعوى شهرة المتأخرين أيضا كما في الاشربة منه. (8) المختلف: 58. (9) كنز العرفان 1: 53. (10) نسبه إليهم المحقق البهبهاني (ره)، في حاشية المدارك (مخطوط): 84 في التعين على قوله " ولا نعلم مأخذه، قال (ره): ولعل المأخذ هو الاخبار التى رواها في الكافي في باب أصل تحريم الخمر وبدوه ورواه. الصدوق في العلل أيضا، إذ يظهر من تلك الاخبار ان العصير بمجرد الغليان يدخل في حد الخمر، والصدوق في الفقيه في باب حد الخمر قال: قال أبي في رسالته إلى: اعلم أن أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غل من ضغر أن تمسه فيصير أعلاه أسفله فهو خمر فلا يحل شربه إلا أن يذهب ثلثاه. ثم أتى بعبارات اخر صريحة بأن مراد الخمر المعهود الحقيقي ثم قال: ولها خمسة أسامي: العصير من الكرم... الخ - والظاهر من الصدوق أيضا ذلك في الفقيه والعلل معا وهو الظاهر أيضا من الكليني فلاحظ الكافي وتأمل. وهو الظاهر من البخاري من العامة في صحيحه فلاحظ...

[ 214 ]

والثاني: مذهب العماني (1) وأكثر الثالثة كالشهيد الثاني في حواشي القواعد، والاردبيلي (2)، وصاحبي المدارك والمعالم (3)، وكفاية الاحكام، والذخيرة (4) وعن النافع، والدروس، والتبصرة (5)، بل صرح في الذكرى (6) بعدم الوقوف على قول بالنجاسة لغير الفاضلين وابن حمزة. وعن الفاضل في النهاية (7) التوقف في الحكم، وهو ظاهر الذكرى، والبيان، والمسالك، والكركي (8). والذي يظهر لي: أن المشهور بين الطبقة الثالثة: الطهارة، وبين الثانية: النجاسة، وأما الاولى فالمصرح منهم بالنجاسة إما قليل أو معدوم. نعم ذكر الحلي في بحث المياه في رفع استبعاد تطهر الماءين النجسين المتفرقين بعد جمعهما إذا بلغا كرا: ألا ترى أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال طاهر، فإذا حدثت الشدة حرمت العين ونجست، والعين التى هي جواهر على ما كانت عليه، وإنما حدث معنى لم يكن كذلك، وكذلك إذا انقلب خلا زالت الشدة عن العين وطهرت وهي على ما كانت عليه (9). وأما في بحث النجاسات فمع ذكره الخمر (10)، وإلحاقه الفقاع بها لم يذكر


(1) نقله عنه في المختلف: 58. (2) مجمع الفائدة 1: 312. (3) المدارك 2: 293، المعالم: 242. (4) الكفاية: 12، الذخيرة: 155. (5) المختصر النافع: 18، الدروس 1: 124، التبصرة: 17 لا يخفى أن وجه نسبة القول بالطهارة إلى هؤلاء المذكورين إنهم لم يذكروا العصير في النجاسات. (6) الذكرى: 13. (7) نسب في الذكرى إلى نهاية العلامة التوقف في الحكم ولكن الموجود فيه 1: 272، القول بنجاسته صريحا. (8) الذكرى: 13، البيان: 91 المسالك 1: 17، جامع المقاصد 1: 162. (9) السرائر 1: 66. (10) السرائر 1: 179 - 178.

[ 215 ]

العصير أصلا. والذي أراه أن مراده بشدته ليس غلظته وثخانته، بل المراد هو القوة الحاصلة للمسكر، فيكون المراد منه الخمر، ولذا لم يذكر الغليان، ولا قبل ذهاب الثلثين، ورتب زوال الشدة على الانقلاب خلا. ويؤيده: أنه في مقام ذكر الامثلة التى يتغير حكم الطهارة والنجاسة فيها بالتغير المعنوي، فمثل بالايمان والكفر، والموت والحياة، ولو اربد بالشدة الثخانة لم تكن الجواهر على ما كانت عليه، مع أنه لم يفسر الشدة من اللغوين أحد بالثخانة، وفسروها بالقوة، والحملة، والصلابة، وغيرها. ويؤيده أيضا، رواية عمر بن حنظلة: " ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتي تذهب عاديته ويذهب سكره " (1) وفسرت العادية بالشدة. ولولا أن غيره من المتأخرين الذين ذكروا العصير ذكروه بعد الخمر أو فسروا الاشتداد بالثخانة (2)، لقلت: إن مراد جميعهم ما ذكرنا، يختلج ببالي أن يكون جماعة من القدماء عبروا عن الخمر بمثل ذلك، ولاجله وقع في العصير الخلاف. وكيف كان، فالحق هو الطهارة، للاصول السالمة جدا عن المعارض، المعتضدة بأن العصير المتكرر ذكره في النصوص (3)، واستفاضتها على حرمته، وعموم الحاجة إليه - حيث ليس بلد ولا قرية إلا ويعملونه ويباشرونه ويحتاجون إليه - لو كان نجسا، لكان في الاخبار من نجاسته عي أو أثر، مع تكرر سؤال أصحابهم عن أحكامهم، وعدم محذور ولا تقية فيه. وأما إطلاق الخمر عليه، فلا يدل بعد تسليمه على نجاسته، ولو جاز


(1) الكافي 6: 410 الاشربة ب 21 ح 15، التهذيب 9: 112 / 485، الوسائل 25: 341 أبواب الاشربة المحرمة ب 18 ح 1. (2) كما في المسالك 2: 244، جامع المقاصد 1: 162، المدارك 2: 292. (3) راجع الوسائل 25: 282 أبواب الاشربة المحرمة ب 2.

[ 216 ]

الاكتفاء في بيان أحكامه بذلك، لكان في الحرمة أولى، لان حرمة الخمر من أحكامها الضرورية بخلاف نجاستها. احتج القائل بالنجاسة: بالاجماع المنقول عن الكنز (1). وبكونه خمرا، لحملها عليه في الاخبار. كما في موثقة ابن عمار: الرجل من أهل المعرفة يأتي بالبختج (2) ويقول: قد طبخ على الثلث، وأنا أعرفه أنه يشربه على النصف، فقال: " خمر لا تشربه " (3). وفى حسنة عبد الرحمن: " الخمر من خمسة: العصير من الكرم... " (4). وفى الرضوي: " أصل الخمر من الكرم، إذا أصابته النار أو غلى من غير أن تصيبه النار فهو خمر " (5). وبالنهي عن بيعه، كما في رواية أبي كهمس: لي كرم وأنا أعصره كل سنة وأجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي، قال: " لا بأس، لان غلى فلا يحل بيعه " (1). وبنفي الخير مطلقا - ومنه الطهارة - عنه كما في روايتي محمد بن الهيثم وأبي بصير: الاولي: عن العصير يطبخ في النار حتي يغلي من ساعته فيشربه صاحبه،


(1) كنز العرفان 1: 53. (2) البختج: العصير المطبوخ - النهاية الاثيرية 1: 101. (3) الكافي 6: 421 الاشربة ب 28 ح 7، التهذيب 9: 122 / 526، الوسائل 25: 293 أبواب الاشربة المحرمة ب 7 ح 4. (4) الكافي 6: 392 الاشربة ب 12 ح 1، التهذيب 9: 101 / 442، الوسائل 25: 279 أبواب الاشربة المحرمة ب 1 ح 1. (5) فقه الرضا (ع): 280، المستدرك 17: 39 أبواب الاشربة المحرمة ب 2 ح 5. (6) الكافي 5: 232 المعيشة ب 107 ح 12، الوسائل 17: 230 أبواب ما يكتسب به ب 59 ح 6.

[ 217 ]

قال: " إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتي يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (1). والثانية: " إن طبخ حتي يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير " (2). وجوابنا عن الاول: بمنع حجية الاجماع المنقول، سيما مع معارضته بما مر من الذكرى (3). وعن الثاني: أن حمل الخمر يدل على كونه خمرا لو لم يثبت لها معني آخر، حيث إن مقتضى أصالة الحقيقة في الحمل والمحمول حينئذ: كونه خمرا حقيقيا. ولكن إذ ثبت له معنى آخر فتعارض تلك الاصالة أصالة عدم النقل وعدم وضع آخر، فلا يعلم كونه خمرا. وقد ثبت بحكم التبادر كونها حقيقة في المسكر من مطلق العصير أو العنبي، واتفقت عليه كلمات الفقهاء الذين ذكروا العصير بعد الخمر، وقالوا: ويلحق بها العصير. وقد صرح به أهل اللغة أيضا (4)، بل هو المسفاد من المستفيضة الصرحة بأنه " لم يحرم الخمر لاسمها ولكن لعاقبتها، فما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر " أو " ما فعل فعل الخمر فهو خمر " (5) وبأن " الخمر سميت خمرا لاختمارها العقل " (6). وعلى هذا فالمعنى: أن حكمه حكم الخمر، أو هو خمر مجازي، أو مجازا، ولا يثبت بذلك جميع أحكامها له، لشيوع الحرمة فيها جدا فينصرف إلبها. ولو


(1) الكافي 6: 419، الاشربة ب 27 ح 2، التهذيب 9: 120 / 517، الوسائل 25: 285 أبواب الاشربة المحرمة ب 2 ح 7. (2) الكافي 6: 420 الاشربة ب 28 ح 1، الوسائل 25: 285 أبواب الاشربة المحرمة ب 2 ح 6. (3) الذكرى: 13. (4) القاموس 2: 23. (5) راجع الوسائل 25: 342 أبواب الاشربة المحرمة ب 19. (6) ظاهر العبارة يعطي أن الجملة المذكورة وردت في حديث ولكن لم نعثر عليه، نعم هي موجودة في كلمات اللغويين. راجع الصحاح 2: 649.

[ 218 ]

قطع النظر عن الشيوع أيضا فانصراف الشركة المبهمة إلى جميع الاحكام عندنا غير ثابت. هذا، مضافا إلى ما في الرواية الاولى من العلة، حيث إنها مذكورة بهذا السند والمتن في الكافي والتهذيب، والاول خال عن لفظ " خمر " ولذا لم يذكره صاحبا الوافي والوسائل. وفي الثانية - من عدم الدلالة، لجواز أن يكون العصير بدلا من خمسة، ويكون الخمر من العصير الحاصل من الكرم، والنقيع الحاصل من الزبيب إلى آخره، ولو كان بدلا من الخمر أيضا، لدل على أن العصير يطلق على الخمر التى من الكرم، لا أن الخمر يطلق على العصير. وفي الثانية من الضعف الخالي عن الجابر. وعن الثالث - بعد منع ثبوت النجاسة بعدم حلية البيع، ولذا لا يحل بيع أشياء كثيرة طاهرة -: أنه بأقوى منه معارض، كصحيحة رفاعة: عن بيع العصير ممن يخمره، فقال: " حلال " (1). ورواية البزنطي: عن بيع العصير فيصير خمرا، إلى أن قال: " وأما إذا كان عصيرا فلا يباع إلا بالنقد " (2). وهاتان الروايتان وإن كانتا أعمين من جهة الغليان، ولكن رواية أبي كهمس أيضا عامة من جهة السكر، ولولا ترجيحهما بالصحة، فالمرجع أصل الحلية. وعن الرابع - مضافا إلى الاختصاص بما غلى بالنار -: بمنع كون الطهارة أيضا من أفراد الخير، مع أن المتبادر من نفيه فيها نفي الحلية، كما يشعر به قوله.


(1) التهذيب 7: 136 / 603، الاستبصار 3: 105 / 370، الوسائل 17: 231 أبواب ما يكتسب به ب 59 ح 8. (2) الكافي 5: 230 المعيشة ب 107 ح 1، التهذيب 7: 138 / 611، الوسائل 17: 229 أبواب ما يكتسب به ب 59 ح 1.

[ 219 ]

" فيشربه " وقوله: " فهو حلال ". ومنها: ولد الزنا. والاظهر الاشهر: طهارته، للاصل. وعن الصدوق (1) والسيد (2) والحلي (3) نجاسته. وفي المعتبر عن بعض الاصحاب الاجماع عليها (4)، لروايتي حمزة بن أحمد وابن أبي يعفور المتقدمتين (5) في غسالة الحمام، والمرويات في عقاب الاعمال وثواب الاعمال، والمحاسن، والعلل. (الاوليان) (6): " إان نوحا حمل في السفينة الكلب والخنزير، ولم يحمل فيها ولد الزنا " (7). والثالثة: " لاخير في ولد الزنا، ولافي بشره ولا في شعره، ولافي لحمه، ولافي دمه، ولا في شئ منه " (8). والرابعة وفيها مخاطبا له يوم القيامة: " وأنت رجس، ولن يدخل الجنة إلا طاهر " (9).


(1) الفقيه 1: 8، الهداية: 14. (2) الانتصار: 273. (3) السرائر 1: 357، قال: ولد الزنا قد ثبت كفره. وهو بضميمة حكمه بنجاسة الكافر يصحح النسبة. (4) المعتبر 1: 98. (5) ص 108. (6) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة ليحصل الانسجام مع قوله: " والثالثة والرابعة " وقوله بعد سطور في مقام الجواب: " وعن الروايات الاربع، مشيرا إلى هذه الروايات. ولكن لا يخفى أنه يظهر من هذه العبارة أن الرواية: " أن نوحا... " مروية في كتابين هما ثواب الاعمال وعقاب الاعمال، وعليه تكون الثالثة إشارة إلى رواية المحاسن - كما هي موجودة فيها - وهذا خلاف الواقع فإن الرواية الاولى مروية في عقاب الاعمال فقط، فعليه ينبغي تبديل الاوليين بالاولى والثالثة بالثانية والرابعة بالثالثة. (7) عقاب الاعمال: 252. (8) المحاسن: 108. (9) العلل: 564.

[ 220 ]

ومرسلة الوشاء: " كره سؤر ولد الزنا، واليهودي، والنصراني، وكل ما خالف الاسلام " (1). فإن المراد بالكراهة فيها الحرمة، بقرينة البواقي لئلا يلزم استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز. مع أن سياقها يدل على مخالفته الاسلام، فيكون كافرا، كما تدل عليه أيضا استفاضة الاخبار " بأنه لا يدخل الجنة إلا من طابت ولادته " (2) و " بأن ديته كدية اليهودي والنصارى " (3) وهذا وجه آخر لنجاسته. ويجاب عن الروايتين: بأنهما تنفيان الطهورية دون الطهارة ولا تلازم بينهما كما مر. والطهارة المنفية في ثانيتهما غير ما يوجب انتفاؤه النجاسة قطعا، لنفيها عن سبعة آبائه. وعن الروايات الاربع (4): بعدم الدلالة، لان حمل الكلبين دونه لمطلوبية بقاء نوعهما دون نوعه، لا لكونه أنجس منهما. ونفي الخير لا يثبت النجاسة. وثبوت الرجسية أو نفي الطهارة عنه يوم القيامة لا يدل عليه في الدنيا، مع أن كون الرجس والطهارة بالمعنى المفيد هنا لغة غير ثابت. وعن المرسلة: بأن الكراهة غير الحرمة، وذكر البواقي لا يثبت إرادتها، لجواز إرادة القدر المشترك الذي هو معناها اللغوي. ودلالة سياقها على كفره ممنوعة. وعدم دخوله الجنة - لو سلم وخلا ما يدل عليه عن المعارض - لا يستلزم


(1) الكافي 3: 11 الطهارة ب 7 ح 6، التهذيب 1: 223 / 639، الاستبصار 1: 18 / 37، الوسائل 1: 229 أبواب الاسآر ب 3 ح 2. (2) راجع البحار 5: 285 - 287. (3) راجع الوسائل 29: 222 أبواب ديات النفس ب 15. (4) يظهر بملاحظة ما ذكرناه في التعليقة رقم 6 ص 219 أنه ينبغي تبديل الاربع بالثلاث.

[ 221 ]

الكفر، إذ غايته عدم الايمان، وقد أثبت بعضهم له الواسطة. كما لا يستلزمه كون ديته كدية الكافر لو سلم، مع أن نجاسة كل كافر ممنوعة كما مر. ومنها: عرق الجنب من الحرام. فالمفيد في رسالته إلى ولده صريحا كما نقل عنه في السرائر (1)، وفي المقنعة (2) ظاهرا، والشيخ في المبسوط (3) كما في الذكرى، والديلمي، والحلي (4)، والفاضلان (5)، والشهيدان (6)، وعامة المتأخرين (7) إلى طهارته، وعليه الاجماع في السرائر (8)، وفي المختلف والذكرى وكفاية الاحكام (9) أنه المشهور. وهو الحق، للاصل، وعموم حسنة أبي أسامة (10) ورراية أبى بصير (11)


(1) السرائر 1: 181، الموجود فيه هكذا: وشيخنا المفيد رجع عما ذكره في مقنعته وفي رسالته إلى ولده... والظاهر أن الواو في قوله: وفي رسالته من زيادة النساخ ويشهد عليه التأمل في مجموع كلامه الذي سيتعرض له المصنف ص 224. (2) المقنعة: 71 وفيها: ولا بأس بعرق الحائض والجنب ولا يجب غسل الثوب منه إلا أن تكون الجنابة من حرام فيغسل ما أصاب من عرق صاحبها من جسد وثوب ويعمل الطهارة بالاحتياط. فتأمل، ولاحظ ما يشير إليه المصنف ص 224. (3) المبسوط 1: 91. (4) الذكرى: 14، المراسم: 56، السرائر 1: 181. (5) المحقق في المختصر النافع: 18، والشرائع 1: 53، والعلامة في المختلف: 57، والمنتهى 1: 170. (6) الذكرى: 14، البيان: 91 والشهيد الثاني وإن لم يصرح بطهارته فيما عثرنا عليه من كتبه، الا أنه يمكن استظهار ذلك من شروحه على الشرائع والارشاد واللمعة بملاحظة عدم الاشارة فيها إلى نجاسته تبعا للمتون. (7) كما في الايضاح 1: 29، والتنقيح 1: 146، وكشف اللثام 1: 50. (8) السرائر 1: 181. (9) المختلف: 57، الذكرى: 14، الكفاية: 12. (10) الكافي 3: 52 الطهارة ب 34 ح 1، التهذيب 1: 268 / 786، الاستبصار 1: 184 / 644، الوسائل 3: 444 أبواب النجاسات ب 27 ح 1. (11) التهذيب 1: 269 / 791، الاستبصار 1: 185 / 647، الوسائل 3: 446 أبواب النجاسات ب 27 ح 8.

[ 222 ]

وغيرها. وعن الصدوقين (1)، والشيخ في غير المبسوط (2)، والاسكافي (3)، والقاضي (4): نجاسته. بل عدها أحد الاولين في أماليه من دين الامامية (5)، وادعى عليها في الخلاف إجماع الفرقة (6). وأسندها الديلمي وابن زهرة (7) إلى أصحابنا مع فتوى الاول بالطهارة، وتردد الثاني ظاهرا في المسألة. واختارها من متأخري المتأخرين والدي العلامة، وبعض مشايخنا رحمهم الله (8). واشتهر نسبتها إلى المقنعة، وهي غير جيدة، لتصريحه بأن غسله بالاحتياط. واستدل عليها بالاجماع المنقول عن الخلاف (9) صريحا، وعن ابن زهرة والديلمي (10) ظاهرا. وفيه - مضافا إلى عدم حجيته - أنه معارض بمثله عن الحلي (11)، وبدعوى الشهرة على خلافه من الفاضل والشهيد (12)، مع أن فتوى الديلمي عقيب كلامه


(1) الفقيه 1: 40، وفي المقنع: 14 نقله عن والده. (2) النهاية: 53، التهذيب 1: 271. (3) نقل عنه في المعالم: 270. (4) شرح جمل العلم والعمل: 56، المهذب 1: 51. (5) أمالي الصدوق: 516. (6) الخلاف 1: 483. (7) المراسم: 56، الغنية (الجوامع الفقهية): 551. (8) كما في الرياض 1: 86. (9) الخلاف 1: 483. (10) الغنية (الجوامع الفقهية): 551، المراسم: 56. (11) السرائر 1: 181. (12) المختلف: 57، الذكرى: 14.

[ 223 ]

بالطهارة صريحة في أنه لم يرد الاجماع من قوله، وهو يوهن إرادته في كلام ابن زهرة أيضا، لاتحاد مؤداهما مضافا إلى تردده أيضا. وبصحيحة محمد الحلبي (1) ورواية أبي بصير (2). وعدم دلالتهما في غاية الظهور. وبروايتي علي بن الحكم ومحمد بن علي بن جعفر: الاولى: " لا يغتسل من غسالة الحمام، فإنه يغتسل فيه من الزنا " (3). والثانية: إن أهل المدينة يقولون إن فيه - أي في ماء الحمام - شفاء العين، فقال: " كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام " (4) الحديث. وفيهما - مع خلوهما عن ذكر العرق - عدم الملازمة بين عدم جواز الاغتسال وانتفاء الشفاء والنجاسة، مضافا إلى أن اولاهما خالية عما تحقق كونه نهيا. وبالرضوي: " إن عرقت في ثوبك وأنت جنب، وكانت الجنابة من حلال فتجوز الصلاة فيه، وإن كانت حراما لا تجوز الصلاة فيه حتى يغتسل (5) " (6). والمروي في الذكرى، عن الكفرثوثي، عن أبي الحسن: عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلى فيه ؟ فقال: " إن كان من حلال فصل فيه، وإن كان من حرام فلا تصل فيه " (7).


(1) الفقية 1: 40 / 155، التهذيب 1: 271 / 799، الاستبصار 1: 187 / 655، الوسائل 3: 447 أبواب النجاسات ب 27 ح 11. (2) التهذيب 1: 421 / 1331، الاستبصار 1: 188 / 656، الوسائل 3: 447 أبواب النجاسات ب 27 ح 10. (3) الكافي 6: 498 الزي والتجمل ب 43 ح 10، الوسائل 3: 448 أبواب النجاسات ب 27 ح 13. (4) الكافي 6: 503 الزى والتجمل ب 43 ح 38، الوسائل 1: 219 أبواب الماء المضاف ب 11 ح 2. (5) في " ه‍ ": يغسل. (6) فقه الرضا (ع): 84، البحار 77: 117. (7) الذكرى: 14، الوسائل 3: 447 أبواب النجاسات ب 27 ح 12.

[ 224 ]

وفي البحار عن مناقب ابن شهر آشوب عنه أيضا: " إن كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا تجوز الصلاة فيه، وإن كانت جنابته من حلال فلا بأس " (1). ونقله في البحار (2) عن كتاب عتيق من قدماء أصحابنا مسندا فيه عن علي ابن مهزيار، بأدنى تغيير. وفيها: أنها أخبار ضعيفة غير ثابت المأخذ، ولم يثبت كونها في كتاب معتبر، أو أصل معتمد. ودعوى انجبارها بالشهرة سيما العظيمة من القدماء فاسدة، إذ لم ينقل النجاسة من القدماء إلا من قليل. والشيخ له القولان، وكذا المفيد إن قلنا بأنه يقول بالنجاسة في المقنعة. وكلام الحلي في السرائر يعطي عدم قول من القدماء بالنجاممة إلا ما نسب إلى المقنعة وأحد قولي الشيخ، حيث ذكر أولا أن كلام الشيخ في المبسوط محمول على التغليظ في الكراهة، وصرح برجوع المفيد. ثم قال: والغرض من هذا التنبيه بأن من قال: إذا كانت الجنابة من حرام، وجب غسل ما عرق فيه، رجع عن قوله في كتاب آخر، فقد صار ما اخترنا. إجماعا (3). وأما إثبات الشهرة بنقل طائفة الاجماع، فضعفه - بعد معارضتها بنقل الاجماع والشهرة على خلافه - واضح جدا، مع أن انجبار الخبر الضعيف بالشهرة، إنما هو إذا لم تعارضها شهرة اخرى. وشهرة الطهارة ببن الطبقتين: الثانية والثالثة معارضة، مع رجحانها من جهة كونها قطعية، بخلاف شهرة النجاسة بين القدماء فليست - لو سلمت - إلا


(1) البحار 77: 117 / 5. (2) البحار 77: 118 / 6. والسند فيه، عن علي بن يقطين بن موسى الاهوازي. (3) السرائر 1: 181.

[ 225 ]

ظنية. ولا ينبغي الريب في استحباب التنزه والاجتناب عنه، بل هو الاحوط. ومنها: عرق الابل الجلالة، نجسه الصدوقان (1)، والشيخان (2)، والقاضي (3)، والمنتهى (4). وهو الاقوى، لحسنة حفص بن البختري، بل صحيحته: " لا تشرب من ألبان الابل الجلالة، لان أصابك من عرقها شئ فاغسله " (5). وصحيحة هشام بن سالم: " لا تأكلوا اللحم الجلالة، وإن أصابك عرقها فاغسله " (6). ودلالتها على ما لم يعمل به من نجاسة عرق كل جلال لا تخرجه عن الحجية، إذ خروج بعض أفراد العام لمعارض لا يمنع حجيته في الباقي. مع أن عدم عمل أحد بعمومها ممنوع، بل صرح بعض الاصحاب بالعموم، وحكي عن النزهة (7) أيضا. خلافا للفاضل في إكثر كتبه (8)، بل ادعى في المختلف أنه المشهور، وعزاه إلى الديلمي والحلي (9)، للاصل، وبعض العمومات. وجوابهما ظاهر.


(1) الفقيه 3: 214، نسبه في اللوامع إلى الصدوقين على ما في الجواهر 6: 77. (2) المفيد في المقنعة: 71، والطوسي في النهاية: 53، والمبسوط 1: 38، والتهذيب 1: 263. (3) شرح جمل العلم والعمل: 56. (4) المنتهى 1: 170. (5) الكافي 6: 251 الاطممة ب 6 ح 2، التهذيب 1: 263 / 767، الوسائل 3: 423 أبواب النجاسات ب 15 ح 2. (6) الكافي 6: 250 الاطعمة ب 6 ح 1، التهذيب 1: 263 / 768، الوسائل 3: 423 أبواب النجاسات ب 15 ح 1 ا. (7) نزهة الناظر: 19. (8) كالقواعد 1: 7، التحرير 1: 24. (9) المختلف: 57.

[ 226 ]

ومنها: المسوخ. فالمشهور المنصور طهارته، للاصل، وعموم صحيحة البقباق المتقدمة (1)، وخصوص النصوص الواردة في بعضها كالعقرب والفأرة والوزغة (2) والعاج (3) ونحوها (4). مضافا إلى الضرورة في بعض أفرادها كالزنبور ونحوه، مما يوجب القول بوجوب التحرز عنه مخالفة الطريقة المستمرة بين المسلمين في الاعصار والامصار، مع استلزامه العسر والحرج المنفيين. خلافا للمحكي عن الاسكافي (5)، والخلاف، والمبسوط، والمراسم، والوسيلة (6)، والاصباح، استنادا إلى حرمة بيعها، وليست إلا لنجاستها. وهما ممنوعان. وإلى الاجماع المنقول في المبسوط (7)، وليس بحجة، - مع أن إرادته الخباثة من النجاسة ممكنة، والقرائن في كلامه عليها قائمة. * * *


(1) ص 211 (2) المتقدمة ص 212 - 211. (3) العاج: عظم أنياب الفيل. (4) راجع الوسائل 2: 122 أبواب آداب الحمام ب 72. (5) نقل عنه في المعالم: 149. (6) الخلاف 2: 538، المبسوط 2: 166، المراسم: 55، الوسيلة: 78. (7) المبسوط 2: 166.

[ 227 ]

الفصل التاسع: ها هنا أمور ليست نجسة، ولكن وردت الاخبار بالنضح منها، وجملة منها قد وقع الخلاف فيها في كونه على الوجوب أو الاستحباب. فمنها: الثوب الملاقي للكلب أو الخنزير الحيين أو الميتين جافا، سواء كان كلب صيد أو غيره. فالمشور على ما في الحدائق (1) واللوامع، بل ظاهر المعتبر: إجماع علمائنا على استحباب الرش فيه (2). وذهب الشيخان في النهاية والمقنعة (3)، والصدوق في الفقيه (4) - إلا أنه خصه بغير كلب الصيد - وابن حمزة والديلمي (5) إلى الوجوب، واختاره والدي العلامة - رحمه الله - في اللوامع صريحا وفي المعمد ظاهرا، وقواه في الحدائق (6). وهو الحق، بمعنى - وجوبه تعبدا وإن لم ينجس الملاقي، للنصوص المستفيضة: كصحيحة الفضل: " إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن مسه جافا فاصبب عليه الماء " (7). ومرسلة حريز: " إذا مس ثوبك كلب فإن كان يابسا فانضحه " (8) وقريبة منها


(1) الحدائق 5: 391. (2) المعتبر 1: 439. (3) النهاية: 52، المقنعة: 70. (4) الفقيه 1: 43. (5) الوسيلة: 78، المراسم: 56. (6) الحدائق 5: 391. (7) التهذيب 1: 261 / 759، الوسائل 3: 414 أبواب النجاسات ب 12 ح 1. (8) الكافي 3: 60 الطهارة ب 39 ح 1، التهذيب 1: 260 / 756، الوسائل 3: 441 أبواب النجاسات ب 26 ح 3.

[ 228 ]

رواية علي (1). وصحيحه: عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال: " إن كان دخل في صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب ثوبه " (2). وأما ما في المختلف (3) من ترجيح الاستحباب، بأن النجاسة لا تتعدى مع اليبوسة إجماعا، وإلا لوجب غسل المحل، فتعين حمل الامر على الاستحباب، ففيه - مضافا إلى منع إيجاب تعدي النجاسة للغسل كليا كما في بول الرضيع -: أن الحمل على الوجوب لا ينحصر وجهه في النجاسة، لجواز التعبد. وقد يستدل للاستحباب: بسياق الاخبار، وفهم الاصحاب، والامر بالرش في مواضع أجمعوا فيها على حمله عليه، وهو قرينة عليه في جمع الموارد. ودلالة السياق جدا ممنوعة. وفهم طائفة وعملهم مع مخالفة جمع آخر - سيما الذين هم أساطين المذهب - غير حجة. والحمل في بعض المواضع على خلاف الاصل لمعارض لا يوجبه فيما لا معارض له. ثم ظاهر القوم: اختصاص الوجوب أو الاستحباب بالثوب. وهو كذلك اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع النص. ومنها: الثوب الملاقي لبدن الكافر كذلك، ذكر استحباب الرش فيه جماعة (4)، وظاهر المعتبر (5) الاجماع عليه، وفي اللوامع أنه المشهور. ولا بأس به بعد شهرته أو فتوى جماعة به، بل فتوى فقيه، للتسامح في


(1) التهذيب 1: 260 / 757، الوسائل 3: 442 أبواب النجاسات ب 26 ح 4. (2) الكافي 3: 61 الطهارة ب 39 ح 6، التهذيب 1: 261 / 670، الوسائل 3: 17، أبواب النجاسات ب 13 ح 1. (3) المختلف: 63. (4) منهم العلامة في القواعد 1: 8، وسلار في المراسم: 56. (5) المعتبر 1: 439.

[ 229 ]

السنن. ومنه يظهر عدم البأس في القول باستحبابه في ملاقاة الثوب للنجاسة الجافة مطلقا، كما ندبه الشيخ في المبسوط (1)، وبعض سادة مشايخنا قدس الله سره العزيز في منظومته (2). وفي ملاقاته للفأرة والوزغة كذلك، ذكره الشيخ في النهاية (3) والمفيد والديلمي (4) موجبين له. ومنها: الثوب أو البدن الذي شك في نجاسته أو ظن بظن غير ثابت الحجية، فالمشهور استحباب رشه، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج في البول: " وينضح ما يشك فيه من حسده وثيابه " (5). وحسنتي الحلبي وابن سنان في المنى: الاولى: " فان ظن أنه أصابه ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء " (6). والثانية: " وإن كان يرى أنه أصابه شئ فنظر فلم ير شيئا أجزأه أن ينضحه بالماء " (7). ورواية إبراهيم بن عبد الحميد: عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر، وعن الفرو وما فيه من الحشو، قال: " اغسل ما أصاب منه (ومس)


(1) المبسوط 1: 38. (2) الدرة النجفية: 58. (3) النهاية: 52. (4) المقنعة: 70، المراسم: 56. (5) التهذيب 1: 421 / 1334، الوسائل 3: 466 أبواب النجاسات ب 37 ح 2. (6) الكافي 3: 54 الطهارة ب 35 ح 4، التهذيب 1: 252 / 728، الوسائل 3: 424 أبواب النجاسات ب 16 ح 4. (7) الكافي 3: 406 الصلاة ب 66 ح 9، التهذيب 2: 359 / 1488، الوسائل 3: 75، أبوا ب النجاسات ب 40 ح 3.

[ 230 ]

الجانب الآخر، فإن أصبت مس شئ منه فاغسله وإلا فانضحه بالماء " (1). واختصاصها ببعض النجاسات كظهور بعضها في الوجوب غير مضر في الحكم بالعموم والاستحباب، للاجماع المركب في الاول، مع إمكان التعميم بالحسنة الاخيرة، والبسيط في الثاني. وخلاف الحلبي والديلمي (2)، وإيجاب الاول للرش مع الظن، والثاني للغنسل في الاجماع غير قادح، فيه يخرج الامر عن حقيقته لا بما قيل من المعارضة مع أصالة الطهارة أو عمومات النهي عن العمل بغير علم، لكون ذلك خاصا، مع أن النضح غير مستلزم للنجاسة. ومنها: الثوب إذا كان للمجوسي (3)، أو مشت عليه الفأرة الرطبة ولا يرى فيه أثرها (4)، أو أصابه المذي (5)، أو عرق الجنب (6)، أو بول البعير، أو الشاة (7)، أو دم غير ذي - النفس (8)، أو شك في إصابة بول الدواب الثلاث إليه (9)، كل ذلك للروايات. وكذا يستحب الرش لذي الجرح في مقعدته، يجد الصفرة بعد الاستنجاء والتوضؤ، إذا أراد الصلاة فيها (10)، ولثوب الخصي الذي يبول ويرى البلل بعد


(1) الكافي 3: 55 الطهارة ب 36 ح 3، الوسائل 3: 400 أبواب النجاسات ب 5 ح 2 - وفي جميع النسخ: " من " بدل " مس ". (2) الكافي في الفقه: 140، المراسم: 56. (3) الوسائل 3: 519 أبواب النجاسات ب 73 ح 3 (4) الوسائل 3: 460 أبواب النجاسات ب 33 ح 2. (5) الوسائل 3: 423 أبواب النجاسات ب 16 ح 1. (6) الوسائل 3: 445 أبواب النجاسات ب 27 ح 4 و 8 و 10. (7) الوسائل 3: 409 أبواب النحاسات ب 9 ح 10. (8) الوسائل 3: 436 أبواب النجاسات ب 23 ح 3. (9) الوسائل 3: 403 أبواب النجاسات ب 7 ح 6. (10) الوسائل 1: 292 أبواب نواقض الوضوء ب 16 ح 3.

[ 231 ]

البلل، فإنه يتوضأ وينضح في النهار مرة (1). فرعان: الاول: أوجب الشيخ في النهاية مسح اليد بالتراب من مس الكلبين، والثعلبين، والفأرتين، والكافرين (2)، وعن ابن حمزة في الطرفين (3). وذكر المفيد في غير الثاني (4). وكلامه لكل من الوجوب والاستحباب محتمل. وعن المبسوط استحبابه في مس كل نجاسة يابسة (5). وذكر جمع أنهم لم يعرفوا لشئ من ذلك وجها. وهو كذلك، إلا أن إثبات الاستحباب بفتوى هؤلاء ممكن، ولذا نفي عنه البعد في اللوامع. الثاني: الظاهر أن وجوب النضح أو استحبابه في تلك المواضع ليس بنفسي، بل هو غيري للصلاة أو كل مشروط الطهارة. وهل يجتزئ، عنه بالغسل ؟ فيه إشكال. وهل يحصل الامتثال برش الغير أو ارتشاش المطر ؟ فيه تأمل. * * *


(1) الوسائل 1: 280 أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 8. (2) النهاية: 52. (3) الوسيلة: 77. (4) المقنعة: 71. (5) المبسوط 1: 38.

[ 232 ]

الباب الثاني: في اللوازم الشرعية للنجاسات وأحكامها وهي امور نذكرها في مسائل: المسألة الاولى: يحرم أكلها، وشربها، وبيعها، وشراؤها في الجملة، على التفصيل الآتي في محله. ويبطل الصلاة والطواف معها وإن كانا مندوبين، كما نذكر في محله مع تفصيله. المسألة الثانية: تجب إزالتها عن الثوب والبدن للصلاة والطواف الواجبين، إلا ما عفي عنه على التفصيل الآتي في مواضعه. وعن المأكول والمشروب وأوانيهما مع ملاقاتهما له برطوبة. وعن مسجد الجبهة على الاشهر. وعن مكان المصلي بأسره عند السيد (1)، والمساجد السبعة عند الحلبي (2)، كما يأتي. وعن المساجد بالاجماع المحقق والمحكي في كلام جمع من الاصحاب (3)، وهو الحجة فيه. مضافا إلى مرسلة الفقيه: عن بيت كان حشا (4) زمانا، هل يصلح أن يجعل مسجدا ؟ فقال: " إذا نظف واصلح، فلا بأس " (5) دلت بالمفهوم على ثبوت البأس مع عدم التنظيف.


(1) كما نسبه إليه في الذكرى: 150. (2) الكافي في الفقه: 140. (3) يمكن استفادته من الخلاف 1: 518، والسرائر 1: 163 والذكرى: 157. (4) الحش - بالفتح -: الكنيف وموضع قضاء الحاجة. راجع النهاية لابن الاثير: 1: 390. (5) الفقيه 1: 153 / 712، الوسائل 5: 210 أبواب أحكام المساجد ب 11 ح 2.

[ 233 ]

ورواية محمد الحلبي المروية في آخر السرائر: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه وليس علي حذاه فيلصق برجلي من نداوته، قال: " أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة ؟ " قلت: بلى، قال: " فلا بأس، إن الارض يطهر بعضها بعضا " (1). دلت بالتنبيه على انتفاء البأس - الذي هو حقيقة في العذاب - مع المشي في الارض اليابسة، فبدونه يكون فيه الموجب للحرمة. وقد يستدل أيضا: بقوله سبحانه: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام، (2) دل على كون النجاسة علة لنهيهم عن قرب المسجد الحرام، فيتحقق في كل نجس. وخصوصية المحل منفية بالتبادر، كما صرحوا به في حجية كل منصوص العلة. مع أنه لا قائل بالفصل بين نجاسة المشرك وغيره، كما أنه لا قائل به بين المسجد الحرام وغير فلا يضر الاختصاص به. وكذا لا يضر عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في زمن الحطاب للنجاسة في المصطلح، لشمول اللغوى له أيضا، بل هو أشد أفراده، فالعلة هي الاعم وهو صادق على ذلك أيضا، وهو للمطلوب أثبت. ولقوله عليه السلام: " جنبوا مساجدكم النجاسة " (3). وضعفه غير ضائر، لموافقته للعمل، وتمسك الأكثر بها في المحل. ولا عدم ثبوت الحقيقة الشرعية للنجاسة، لما مر. وبمرسلة العلاء: " إذا دخلت المسجد وأنت تريد أن تجلس، فلا تدخله إلا طاهرا، وإذا دخلته فاستقبل القبلة، ثم ادع الله، واسأله، وسم حين


(1) مسطرفات السرائر: 27 / 8، الوسائل 3: 459 أبواب النجاسات ب 32 ح 9. (2) التوبة: 28. (3) أرسله الملامة في للمنتهي 1: 388، والتذكرة 1: 90 قال الشهيد في الذكرى: 157 ولم أقف على إسناد هذا الحديث النبوي.

[ 234 ]

تدخله " (1). وموثقة الحلبي: نزلنا في مكان بينا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقال: " أين نزلتم ؟ " فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: " إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا " أو قلنا - له: إن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا، فقال: " إن الارض يطهر بعضها بعضا " (2). والكل ضعيف. أما الاول: فلان حرمة إدخال كل نجس بالمعنى الاعم في المسجد خلاف الاجماع. فإن أمكن حمل النهي على التنزيه، لم يتم الدليل، وأولوية التخصيص عنه عندي غير ثابتة. وإن لم يمكن بل كان للحرمة - كما هو الظاهر منهم - فالنجس لا يكون باقيا على حقيقته اللغوية، ومجازه لا ينحصر في النجاسة المصطلحة كما مر سابقا. وأما الثاني: فلعدم ثبوت الحقيقة الشرعية حال الخطاب في المسجد، فإرادة مواضع السجدة محتملة، والإضافة إلى ضمير المخاطب بها ألصق. مع أن بعد حمل النجاسة على الاعم، يتردد بين التخصيص فيها أو التجوز في الامر، ولا ترجيح. وأما الاخيران: فلاحتمال النفي القاصر عن إفادة الحرمة في أولهما وإن رجح سياق الاوامر المتعقبة له النهي. مضافا إلى تعارض مفهومه مع منطوقه، واحتمال كون قوله: - " إن الارض " إلى آخره - في الثاني - لبيان ارتفاع الكراهة. وأضعف من هذه الوجوه في الدلالة: قوله عز شأنه: (وطهر بيتي) (3)


(1) التهذيب 3: 263 / 743، الوسائل 5: 245 أبواب أحكام المساجد ب 39 ح 2. (2) الكافي 3: 38 الطهارة ب 24 ح 3، الوسائل 3: 458 أبواب النجاسات ب 32 ح 4. (3) الحج: 26.

[ 235 ]

و (ثيابك فطهر) (1) والامر بتعظيم شعائر الله، وبتعاهد النعل عند دخول المساجد، وجعل المطاهر على أبوابها، ومنع المجانين والصبيان عنها، والاجماع على منع الكفار من دخولها. نعم بعضها يصلح للتأييد. ثم المنع عن إدخال النجاسة المساجد هل يختص بالمتعدية الملوثة للمسجد ؟ كما عن الشهيدين (2) وجمع ممن تأخر (3)، أو يعم غيرها أيضا ؟ كما صرح به الحلي (4) والفاضلان (5)، وفي كفاية الاحكام واللوامع أنه مذهب الأكثر (6)، بل ظاهر الخلاف وصريح السرائر عدم الخلاف فيه (7). الظاهر هو الاول، لا لتجويز الاجتياز فيه للحائض والجنب مع عدم انفكاكهما عن النجاسة غالبا. ولا لموثقة عمار: عن الدمل يكرن بالرجل فينفجر وهو في الصلاة. قال: " يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض، ولا يقطع الصلاة " (8) حيث يشمل إطلاقها ما لو كانت في المسجد. ولا لصحيحة معاوية بن عمار: " في المستحاضة إن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ود خلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء واحد " (9).


(1) المدثر: 4. (2) الاول: في الذكرى: 157، والبيان: 136، والثاني: في المسالك 1: 47، والروض: 238. (3) كما في جع المقاصد 2: 154، والكفاية: 12 (4) السرائر 1: 163. (5) المحقق في الشرائع 1: 53، والعلامة في المنتهى 1: 171، والتحرير 1: 24، والقواعد 1: 7. (6) الكفاية: 12. (7) الخلاف 1: 518، السرائر 1: 163. (8) التهذيب 1: 349 / 1028، الوسائل 3: 435 أبواب النجاسات ب 22 ح 8. (9) الكافي 3: 88 الحيض ب 9 ح 2، التهذيب 1: 170 / 484، الوسائل 2: 371 أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1.

[ 236 ]

لضعف الاول: بأن مجوزاته إنما هي في بيان حكم كل من الحائض والجنب من حيث هو، فلا تدل على الامور الخارجة، كما صرحوا به في أمثال ذلك. والثاني: بأن انفجار الدماميل، لا يستلزم وجود الدم، بل الغالب العدم، مع أنه لو سلم، لدل على جواز التلويث، وهو للاجماع مخالف. والثالث: بأن الدم إذا لم يثقب الكرسف يكون عن الباطن غير خارج، ومثله عن محل النزا ع خارج. مضافا إلى أنه يعارض بما في هذه الصحيحة أيضا مقدما على ما ذكر من قوله: " فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت " إلى أن قال: " وتحتشي وتستثفر وتحشي (1) وتضم فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج ". مع أن حمل المسجد على المصلى ممكن، بل هو الظاهر بقرينة ما ذكرنا من جزئها المقدم، حيث حملوه على المصلى، وجعلوا الامر بخروج سائر الجسد، للاحترام له. ومع ذلك كله، فثبوت الحكم في المستحاضة لا يثبته في غيرها، وعدم الفصل غير ثابت، بل خلافه ثابت، فإن الاكثر (2) مع منعهم عن إدخال النجاسة الغير المتعدية، صرحوا بأن المستحاضة إذا فعلت ما يجب عليها، يجوز لها دخول المساجد، وصرح والدي - رحمه الله - في اللوامع بعدم الخلاف فيه، واختاره مع منعه عن إدخال الغير المتعدية أيضا. بل (3) للاقتصار في موضع الخلاف المخالف للاصل على المتيقن، حيث قد عرفت انحصار الدليل في الاجماع وروايتي الفقيه والحلبي (4). واختصاص الاولين بالملوثة ظاهر.


(1) في نسخ المصادر: " لا تحنى " " لا تحيي " " تحتبي " راجع هامش الكافي 3: 89. (2) كما في السرائر 1: 153، والمعتبر 1: 428، والمنتهى 1: 121. (3) راجع إلى قوله في الصفحة المتقدمة: لا لتجويز... (4) المتقدمتين ص 232 وص 233.

[ 237 ]

وأما الثالث: فلانه لا يدل إلا على علية المشي في الارض اليابسة لانتفاء البأس مطلقا، ولازمها عدم انتفائه كذلك مع عدم المشي، وهو يتحقق مع ثبوته في الجملة، كما في صورة بقاء رطوبة الرجل الملوثة للمسجد. وتدل عليه أيضا: عمومات حضور المساجد في الجمعة والجماعات، الشاملة لصاحب السلس والجروح والشقاق الدامية، فتعارض مع عمومات حرمة إدخال النجاسة لو وجدت بالعموم من وجه، فيرجع في محل التعارض إلى الاصل، ويسري إلى غيره من النجاسات الغير المتعدية بعدم الفصل. دليل القائل بالتعميم: النهي والامر في الآية والرواية عن تقريب النجاسة (1) وتجنيبها المسجد، والاول صادق عرفا على إدخالها كيف كان، والثاني لا يتحقق كذلك إلا بإخراجها عنه، ولا يقال لمن أدخلها ولو بمصاحبتها: إنه جنبها، واستناد المنع في الآية إلى معرضية الكفار للتلويث مكابرة. ومرسلة العلاء (2). وقد عرفت عدم دلالة شئ منها، فلا حظر في إدخال غير المتعدية من غير فرق بين المماسة وغيرها. وممن عاصرناه من فصل بينهما (3)، فحرم إدخال الاولى - وإن لم تتعد - دون الثانية. ونظره إلى صدق القرب وعدم صدق التجنب مع المماسة. وهو ضعيف جدا، لان المناط في صدق الالفاظ: العرف، وهو لا يفرق هاهنا بين المماسة وغيرها، فلو تم ما ينهى عن القرب وما يأمر بالتجنب، لدل على حرمة الاعم من المماسة. ثم ما تجب إزالته هل يختص وجوبها بأرض المسجد ؟ أو يسري إلى جداره


(1) في " ح " و " ق ": النجاسات. (2) المتقدمة ص 234. (3) هو المحقق القمي في غنائم الايام: 69.

[ 238 ]

وسقفه أيضا ؟ مقتضى الآية والرواية النبوية (1): السريان إليهما أيضا بسطحهما الداخل والخارج، وكذا إلى سائر أجزاء المسجد وفرشه وآلاته الداخلة فيه. ولكن قد عرفت عدم تمامية دلالتهما. وأما ما تمت دلالته من الاجماع والروايتين، فلا يتقضي السراية إلى شئ مما ذكر، والاصل دليل قوي متقتض للعدم، بل الثابت من الثلاثة ليس إلا وجوب إزالة: الملوثة. وأما غيرها ولو كان واقعا على أرض المسجد مماسا لها كالعذرة اليابسة، ففيه إشكال. والاحتياط لا يترك مهما أمكن، سيما في مظان الاجماع، كتلويث السطح الداخل. فروع: أ: لو تلوث المسجد أو ادخلت النجاسة فيه ووجب إزالتها، فتجب كفاية لا عينا، للاصل والاجماع. والظاهر اتفاقهم على أن وجوبها فوري أيضا، ولكن القدر الثابت من الاجماع هو الفورية العرفية. ولا يبطل واجب موسع أو مضيق لو فعله قبل الازالة ولو قلنا باقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده. بل لم يثبت الاجماع على الوجوب الفوري حين دخول وقت واجب موسع أو مستحب كذلك، فلا يحكم ببطلانه إذا فعله على القول بالاقتضاء المذكور أيضا. ولا يختص ذلك بما إذا كان دليل وجوب الازالة الاجماع، بل كذا ولو كان دليله الآية والاخبار، لاستناد الفورية معهما إلى الاجماع، لعدم دلالة الامر بنفسه على الفور، بل وكذا لو قلنا بدلالته على الفور أيضا، لحصول التعارض بين دليل


(1) المتقدمتين ص 233.

[ 239 ]

وجوب الازالة المستلزم للنهي عن غيرها، وبين دليل تلك العبادة بالعموم من وجه، ولو فقد المرتجح يحكم بالتخيير المستلزم للصحة. نعم لو ثبت الاجماع على الفورية مطلقا، لبطلت العبادة على القول بالاقتضاء المتقدم، ولكن من أين يثبت ذلك ؟ ! نعم لو ارتكب مباحا، يكون عليه حراما. وظهر مما ذكرنا ما في كلام جماعة من أصحابنا المتأخرين، حيث اختلفوا - بعد حكمهم بوجوب الازالة - في بطلان العبادة الموسعة المزاحمة للازالة وصحتها. ويظهر من الأكثر (1) الاول ولو وقعت العبادة خارج المسجد. وصرح جماعة (2) بالثاني، وبنوا ذلك على أن الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا ؟ فمن اختار الاول قال بالبطلان، ومن قال بالثاني قال بالصحة. ب: هل يلحق بالمسجد قبور الحجج أم - لا ؟ ظاهر جماعة (3) الاول، بل ألحقوا به ضرائحهم، بل داخل قبابهم المقدسة (4)، وقد يتعدى إلى قبور أولادهم الاطهار، بل العلماء الابرار، بل الكمل من الاخيار. ولا دليل عليه سوى مظنة الاجماع، وتعظيم شعائر الله. وشئ منهما لا يتم، لعدم ثبوت الاجماع، وعدم وجوب جميع أفراد تعظيمها. ج: لا فرق في وجوب الازالة عما تجب عنه الازالة بين قليل النجاسات


(1) لم يثبت بل يظهر من المدارك 2: 307 عكسه فإنه نسب إلى الأكثر القول بعدم اقتضاء الامر بشئ. للنهي عن ضده الخاص. نعم قال بالبطلان جمع منهم المحقق الاردبلي في مجمع الفائدة 1: 325، والمحقق السبزواري في الذخيرة: 157. (2) منهم الشهيدان في الذكرى: 157، والروض: 165. (3) المسالك: 1: 17، الحدائق 5: 292، كشف اللثام 1: 50، كشف الغطاء: 174. (4) كما في كشف الغطاء: 174.

[ 240 ]

وكثيرها، سوى الدم في الصلاة - كما ياتي - إجماعا، إلا من الاسكافي (1): فما دون الدرهم من غير دم الحيض والمني على المعروف منه وإن كان ظاهر كلامه يعطي عدم نجاسته. ويدفعه: إطلاق الادلة، كما يدفع ما حكاه في السرائر عن بعض الاصحاب، من نفي البأس عما يترشح على الثوب والبدن من النجاسات مطلقا مثل رؤوس الابر، أو مقيدا بالبول خاصة عند الاستنجاء (2)، كما عن الميافارقيات (2). المسألة الثالثة: كل ما لاقى نجاسة عينية فلا ينجس إن كانا يابسين، للاصل، والموثقة: " كل (شئ) يابس زكي " (4). والمروي في قرب الاسناد: عن الرجل يمشي في العذرة وهي يابسة، فيصيب ثوبه ورجليه، هل يصلح له أن يدخل المسجد فيصلي ولا يغسل ما أصابه ؟ قال: " إذا كان يابسا فلا بأس " (5). وفي كتاب المسائل. عن الرجل يمر بالمكان فيه العدرة فتهب الريح، فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه، أيصلي قبل أن يغسل ؟ قال: " نعم ينفضه ويصلي، فلا بأس " (6) وغير ذلك. بل عليه الاجماع في غير الميتة. وإن كان أحدهما رطبا بالرطوبة المتعدية إلى الملاقي - ولو باعتبار شدة


(1) نقل عنه في المختلف: 59. (2) السرائر 1: 180. (3) رسائل الشريف المرتضى (المجمومة الاول): 288. (4) التهذيب 1: 49 / 141، الاستبصار 1: 57 / 167، الوسائل 1: 351 أبواب أحكام الخلوة ب 31 ح 5. (5) قرب الاسناد: 204 / 790، الوسائل 3: 442 أبواب النجاسات ب 26 ح 8. (6) مسائل علي بن جعفر: 155 / 214، الوسائل 3: 443 أبواب النجاسات ب 26 ح 12.

[ 241 ]

التلاقي ودوامه - فينجس الملاقي إن كان من الظواهر، بالاجماع بل الضرورة، وتشهد له الاخبار الواردة في موارد متفرقة. وأما مع الرطوبة الغير المتعدية لقلتها جدا، ومرور الملاقي عليها خفيفا، فلا ينجس، كما صرح به جمع من الاصحاب (1)، للاصل، وعدم ثبوت تأثير مثل ذلك من الاجماع والاخبار. والاستدلال (2) لعدم التأثير مع قلة الرطوبة: بأخبار موت الفأرة في الدهن الجامد ونحوه الآمرة بطرح ما حولها خاصة (3)، وطهارة الباقي مع ملاقاته لما حولها بشئ من الرطوبة.. غبر جيد، إذ لوتم التقريب، لجرى فيما حولها أيضا. بل طهارة الباقي هنا لبطلان السراية في المتنجس إلى مجاوره قبل التنجس كما يأتي، ونجاسة ما حولها، لشدة التلاقي بينه وبينها الموجبة لتعدي الرطوبة منه إليها. وأما البواطن فلا تنجس أصلا، للاصل، واختصاص ما دل على التنجس بالظواهر. وكذا ما يدخل في البواطن من الظواهر، ويأتي بيانه في آخر بحث المطهرات. والمتنجس كالنجس منجس لما يلاقيه مع الرطوبة المذكورة بالاجماع، وخلافي بعض الطبقة الثالثة (4) فيه غير قادح. وهو الدليل عليه بل الضرورة على ما قيل (5). مضافا إلى المستفيضة من الاخبار بل المتواترة المتفرقة في تضاعيف أبواب الطهارات، كالدالة على تنجس القليل بإدخال يد أو إصبع قذرة فيه، الشاملة


(1) منهم الشهيد الثاني في الروض: 168، وصاحبا الذخيرة: 166، والحدائق 5: 240. (2) كما في الحدائق 5: 240. (3) راجع الوسائل 24: 194 أبواب الاطعمة المحرمة ب 43. (4) مفاتيح الشرائع 1: 75، 6: 149. (5) قال الوجد البهبهاني: الظاهر اتفاق الاصحاب، بل إجماعهم على وجوب غسله - أي الملاقو لملاقي النجس - بل هو ضروري الدين. شرح المفاتيح (مخطوط).

[ 242 ]

لصورة بقاء العين فيها وعدمه، والواردة في غسل مطلق الأواني بولوغ الكلب والخنزير والميتة والخمر (1)، وغير ذلك، فتشمل ما فيه المائع وغيره، بل منها ما يصرح فيه بصب الماء وغسل الاناء، كصحيحة البقباق (2). والدالة على وجوب غسل اللحم إذا وقعت فأرة، أو قطرة مسكر في القدر (3). وعلى غسل الثوب من استعمال البئر المنتن، كصحيحة ابن عمار (4)، أو غسل كل ما أصاب الماء الذي ماتت فيه فأرة كموثقة الساباطي (5) " أو على أنه إذا خرج خنزير من ماء فسال منه الماء في الطريق، ووضعت الرجل عليه ترتفع نجاستها بالمشي في الارض، كرواية المعلى (6). أو على غسل الفخذين إذا عرق الذكر بعد تمسحه من البول، كصحيحة العيص: رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه، قال: " يغسل ذكره وفخذيه " وعمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصاب ثوبه، يغسل ثوبه ؟ قال: " لا " (7). ونفي الغسل في الجزء الأخير غير ضائر، لان السؤال عن مسح الذكر، ونجاسته لم تذكر. أو على إعادة الصلاة إذا مسح كفه من البول ومسها بدهن، فمسح بها


(1) راجع الوسائل 1: 150 أبواب الماء المطلق ب 8 وص 225 أبواب الآسار ب 1 وج 3: 494 أبواب النجاسات ب 51. (2) التهذيب 1: 225 / 646، الاستبصار 1: 19 / 40، الوسائل 3: 415 أبواب النجاسات ب 12 ح 2. (3) راجع الوسائل 1: 206 أبواب الماء المضاف ب 5 ح 3 وج 3: 470 أبواب النجاسات ب 38 ح 8. (4) المتقدمة ص 69 رقم 6. (5) المتقدمة ص 40 رقم 8. (6) الكافي 3: 39 الطهارة ب 24 ح 5، الوسائل 3: 58 أبواب النجاسات ب 32 ح 3. (7) التهذيب 1: 421 / 1333، الوسائل 3: 441 أبواب النجاسات ب 26 ح 1.

[ 243 ]

بعض الاعضاء ثم توضأ وصلى. كصحيحة ابن مهزيار: إنه بال في ظلمة الليل، وإنه أصاب كفه رد نقطة من البول لم يشك أنه اصابه ولم يره وأنه مسحه بخرقة، ثم نسي أن يغسله، وتمسح بدهن، فمسح به كفيه ووجهه ورأسه، ثم توضأ وضوء الصلاة. فأجابه بجواب قرأته بخطه: " أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ إلا ما تحققت، فإن حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات التى كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كن منها في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها، من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت، وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلاة التي فاتته " (1) الحديث. وجه الدلالة: أنه لا يمكن أن يكون الامر بالاعادة من جهة نجاسة الكف من البول، وإلا لبطل الوضوء ولزمت الاعادة في غير الوقت أيضا، فالمراد نجاسة ما لم يبلغه ماء الوضوء أي الرأس. أو على عدم تنجس الثوب الواقع في ماء الاستنجاء معللا له: " بأن الماء أكثر من ذلك " (2) إلى غير ذلك من الاخبار. ثم تلك الاخبار وإن وردت في موارد كثيرة، ولكن في تعدي الحكم إلى جميع الموارد يرجع إلى الاجماع المركب. وعلى هذا، ففي كل مورد لم تشمله الاخبار، وتحقق فيه بخصوصه. الخلاف، أو لم يتحقق فيه الاجماع، لا يمكن الحكم بالتنجيس. ومنه الملاقي لغسالته على القول بنجاستها. ومنه أحد المتجاورين الملاقيين اللذين ينجس أحدهما فلا ينجس الآخر وإن كانا رطبين ما لم يكونا أو أحدهما مائعا، ولا يصدق على الرطوبة المائع أو الماء


(1) التهذيب 1: 426 / 1355، الاستبصار 184 / 643، الوسائل 3: 479 أبواب النجاسات ب 42 ح 1 - (2) راجع الوسائل 1: 222 أبواب الماء المضاف ب 13 ح 2.

[ 244 ]

القليل حتي تشملها أدلة نجاستها بالملاقاة. وتدل عليه الاخبار الواردة في السمن أو العسل أو الزيت الجامد إذا ماتت فيه فأرة هل ما سبق. مع أن النجس هنا لو كان، لكان بالسراية المنفية عند أصحابنا طرا. ويظهر من المنتهى والخلاف (1) أنه لا خلاف فيه. ولا يتوهم أن منه أيضا: المتنجس المستصحب نجاسته، حيث إنه قد يناقش في تنجيس النجس أو المتنجس الاستصحابي، فيكون موردا للخلاف، لان دليل تنجيسه هو دليل تنجيس أصله مع ضم الاستصحاب، فلا يحتاج إلى إجماع مركب، هذا. ثم إن الاخبار التى استدل بها المخالف، فإن لم تتم دلالتها - كما هو في أكثرها - فلا نفع فيها. وإن تمت، فلا تصلح للاستناد إليها، لمخالفتها لعمل الاصحاب ورواتها، ومتروكيتها عندهم، وهو من أقوى أسباب خروج الاخبار عن الحجية. المسألة الرابعة: النجاسة - كالتنجس - للاصل مخالفة، بالاجماع، والمستفيضة المقبولة المعتضدة بالاصول العقلية. كموثقة عمار: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذرا فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك، (2). وصحيحة ابن سنان: إنى أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، فيرده علي، فأغسله قبل أن اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: " صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم


(1) المنتهى 1: 22 وفي الظهور اشكال، الخلاف 1: 185. (2) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 3: 467 أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

[ 245 ]

تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (1). ررواية حفص بن غياث: " ما أبالي أبول أصابني أم ماء إذا لم أعلم " (2). وصحيحة زرارة: " فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم صليت فيه فرأيت فيه، قال: " تغسله ولا تعيد الصلاة " قلت: لم ذلك ؟ قال: " لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا " (3). وما ورد في الخبر من قوله عليه السلام: " ما علمت أنه ميتة فلا تأكله، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل " إلى أن قال: " والله إني لاعترض السوق فأشتري بها اللحم والسمن والجبن، والله ما أظن كلهم يسمون هذه البرر وهذه السودان " (4) إلى غير ذلك مما سيأتي بعضها أيضا. وعلى هذا، فالاصل في جميع الاشياء ما لم تثبت نجاسته الطها ولازمه عدم اعتبار الشك في النجاسة. ومنه: المشتبه بالنجس، فيجوز استعماله ما لم يقطع باستعمال النجس، فاللازم منه اجتناب ما يساوي المقطوع بنجاسته أو غسله خاصة، إلا فيما ثبت الاجتناب عن الجمبع بنص أو إجماع أو أصل (5). وتفرقة الأكثر هنا بين المحصور وغير باطلة، وحجتهم (6). عليها موهونة،


(1) التهذيب 2: 361 / 1495، الاستبصار 1: 392 / 1497، الوسائل 3: 521 أبواب النجاسات ب 74 ح 1. (2) التهذيب 1: 253 / 735، الاستبصار 1: 180 / 629، الفقيه 1: 42 / 166 مرسلا، الوسائل 3: 467، أبواب النجاسات ب 37 ح 5. (3) التهذيب 1: 421 / 1335، الاستبصار 1: 183 / 641، الوسائل 3: 466 أبواب النجاسات ب 37 ح 1. (4) المحاسن: 495 / 597، الوسائل 20: 119 أبواب الاطعمة المباحة ب 61 ح 5. (5) ذلك كما في قطعة اللحم المشتبه بغير المذكى (منه رحمه الله). (6) في " ق ": وحججهم.

[ 246 ]

وقد مرت في بحث الماء المشتبه (1). وما ثبت فيه الاجتناب عن الجميع كالنجس في وجوب الاجتناب خاصة لا مطلقا، فلا ينجس ما يلاقيه، للاصل والاستصحاب. وكذا (2) الظن الغير المنتهي إلى العلم، الذي هو أيضا علم حقيقة، أي الثابت حجيته عموما (3) أو في خصوص المقام، للاصل، - والعمومات المتقدمه، وخصوص المستفيضة: ومنها: صحيحة زرارة السابقة (4). ومنها: صحيحته الاخرى: " إذا احتلم - الرجل فأصاب ثوبه منى فليغسل الذي أصابه، وإن ظن أنه أصابه مني ولم يستيقن، ولم ير مكانه، فلينضحه بالماء " (5). وموثقة عمار: " الرجل يجد في إنائه فأرة وكانت متفسخة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل وغسل ثيابه، قال: " ليس عليه شئ، لانه لا يعلم متى سقطت " ثم قال: " لعله إنما سقطت فيه تلك الساعة التى رآها " (1) حيث إن


(1) في ص 119. (2) عطف على قوله قبل سطور:... " الشك في النجاسة " يعني لا يعتبر الشك في النجاسة ولا الظن الغير المنتهى إلي العلم. (3) المراد بالمشهور عموما أن يعلم شموله لذلك، فلو حصل التعارض ولم يكن مرجع لا يعلم العموم. كما إذا علم ترجيح المعارض يعلم عدم العموم. وإذا علم ترجيح الدليل يعلم العموم وذلك كما في الاخبار والواردة في النجاسات فإنها مع كونها ظنا راجعة على تلك العمومات بالاجماع البسيط والمركب (منه ره). (4) في ص 245. (5) لم نعثر على صحيحة لزرارة بهذا المتن في كتب الحديث. والموجود حسنة الحلبي، الكافي 3: 54 الطهارة ب 35 ح 4 وفيه: " شئ " بدل: " مني "، التهذيب 1: 252 / 728، الوسائل 3: 424 أبواب النجاسات ب 16 ح 4. الفقيه 1: 14 / 26، التهذيب 1: 418 / 1322، الاستبصار 1: 36 / 86 عن اسحاق بن عمار، الوسائل 1: 142 أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.

[ 247 ]

المظنون سبق موت الفأرة، لمكان التفسخ، واحتمال السفوط متفسخا بعيد. وصحيحة الحلبي: عن الصلاة في ثوب المجوسي، قال: " يرش بالماء " (1) فإن المظنون في ثوب كل شخص ملاقاته معه بالرطوبة، سيما مع طول مدة المباشرة. وعلى هذا، فلا اعتبار في الحكم بالنجاسة بمطلق الظن، ولا إذا كان مستندا إلى شهادة عدلين، ولا إذا استند إلى شهادة عدل واحد، لعدم ثبوت حجية شئ منها في خصوص المقام، أو عموما بحيث يشمله. وفاقا للقاضي (2) في الثلاثة، بل المفيد (3)، واختارة بعض المتأخرين (4) وغير واحد من مشايخنا المعاصرين (5). وخلافا للمحكي، عن الحلبي في الاول (6). لان الشرعيات ظنية كلها. وأن العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل. وأن الصلاة مشروطة بالثوب الطاهر مثلا، والالفاظ للمعاني النفس الامرية، فلا أقل من تحصيل الظن بالطهارة، فكيف مع الظن بالنجاسة، ولو منع دليل اشتراط الطاهر، فلا أقل من اشراط عدم ملاقاة القذر للثوب، فحصول ذلك في نفس الامر مضر أيضا، ولا أقل من كفاية الظن. ولبعض الاخبار الناهية عن الصلاة قبل الغسل في الثوب الذي أعاره لمن


(1) التهذيب 2: 362 / 1498، الوسائل 3: 519 أبواب النجاسات ب 73 ح 3. (2) جواهر الفقه: 9. (3) المقنعة: 71 يستفاد في إطلاق كلامه قال: وإذا ظن الانسان أنه قد أصاب ثوبه نجاسة ولم يتيقن ذلك، رشه بالماء فإن تيقن حصول النجاسة فيه وعرف موضعها غسله بالماء. (4) مفاتيح الشرائع 1: 78. (5) منهم الوحيد البهبهاني في حاشية المدارك (مخطوط) 26، وصاحب الرياض 1: 97. (6) الكافي في الفقه: 140.

[ 248 ]

يأكل الجرى ويشرب الخمر، كصحيحة ابن سنان (1)، أو اشتراه من نصراني كمصحيحة علي (2)، والمروى في مستطرفات السرائر (3)، أو اشتراه ممن يستحل جلد الميتة، يزعم أن دباغه ذكاته، كرواية أبي بصير (4)، ونحو ذلك، فإن الظاهر منها البناء على الظن. ويضعف الاول: بأنه إن اريد أن الشرعيات مستندة إلى ظنون غير منتهية إلى القطع بحجيتها، خالية عن الدليل عليها، فهو ممنوع، بل بطلانه واضح. وإن اريد أنها مستندة إلى ظنون ثبتت حجيتها واعتبارها قطعا، فهو كذلك، ولكن المنتهى إلى القطع ولو بوسائط قطع، فلا تلزم منه ظنية شئ من الشرعيات، فضلا عن كلها، مع أن اعتبار ظنون في موقع بدليل لا يوجب اعتبارها في غيرها، أو اعتبار غيرها ولو بلا دليل. والثاني: بأن الراجح هنا ليس إلا ملاقاة الثوب للقذر مثلا، ورجحانها إنما كان مفيدا لو كان الشرط عدم الملاقاة واقعا، أو المانع الملاقاة كذلك، ولم يعلم شئ من ذلك، بل الثابت من الاخبار: اشتراط عدم العلم بالملاقاة، ومانعية العلم بها. وكون بعض الاخبار عن التقييد بالعلم خاليا غير مفيد، ضرورة تقييد التكاليف به مطلقا. سلمنا عدم ثبوت التقييد المطلق، ولكنه في المقام لا مفرعنه، للمستفيضة المتقدمة.


(1) التهديب 2: 361 / 1494، الاستبصار 1: 393 / 1498، الوسائل 3: 521 أبواب النجاسات ب 74 ح 2. (2) التهذيب 1: 263 / 766، الوسائل 3: 411 أبواب النجاسات ب 14 ح 10. (3) مستطرفات السرائر 53 / 3، الوسائل 3: 490 أبواب النجاسات ب 50 ذيل حديث 1. (4) الكافي 3: 397 الصلاة ب 65 ح 2، التهذيب 2: 203 / 796، الوسائل 4: 462 أبواب لباس المصلي ب 61 ح 2.

[ 249 ]

وبذلك يضعف الثالث أيضا. والرابع: بخلو تلك الاخبار عما يفيد التحريم، فإنها واردة بلفظ الاخبار الغير المفيد له. ولو سلم فالحمل على الاستحباب متعين، لمعارضتها بأكثر منها وأقوى للاعتضاد بالعمل. كصحيحة معاوية بن عمار (1)، ورواية أبي جميلة (2) في الثياب السابرية، ورواية قرب الاسناد (3) ومعلي (4) في الثياب التى يعملها اليهود والمجوس والنصارى، وصحيحة ضريس (5) عن السمن والجبن نجده في أرض المشركين... إلى غير ذلك، مع التصريح بالاستحباب في رواية أبي علي البزاز عن أبيه: عن الثوب يعمله أهل الكتاب اصلي فيه قبل أن أغسله ؟ قال: " لا بأس، وإن يغسل أحب إلي " (6). وللحلي (7)، والفاضلين (8)، والمجامع (9)، وجل المتأخرين في الثاني. لاعتبار العدلين في شريعتنا عموما. وفي نجاسة الماء المبيع بعد ادعاء


(1) التهذيب 2: 362 / 197، الوسائل 3: 518 أبواب النجاسات ب 73 ح 1. (2) الفقيه 1: 168 / 794، الوسائل 3: 520 أبواب النجاسات ب 73 ح 7. (3) قرب الاسناد: 86 / 283 الوسائل 3: 521 أبواب النجاسات ب 74 ح 3. (4) التهذيب 2: 361 / 1496، الوسائل 3: 519 أبواب النجاسات ب 73 ح 2. (5) التهذيب 9: 79 / 336، الوسائل 24: 235 أبواب الاطعمة المعرمة ب 64 ح 1. (6) التهذيب 2: 219 / 862، الوسائل 3: 519 أبواب النجاسات ب 73 ح 5. (7) يعني وخلافا للحلي... السرائر 1: 86. (8) المحقق في المعتبر 1: 54، والعلامة في المنتهى 1: 9، والتذكرة 1: 4. (9) كذا في جميع النسخ - والقول موجود في جامع المقاصد 1: 154. فيمكن أن تكون الكلمة مصحفة عنه. وإن كان في الغالب يعبر عنه ب‍ (شرح القواعد). واحتمال كونها مصحفة عن الجامع لابن سعيد. بعيد. حيث لم نعثر عليه فيه. بقي احتمال ثالث وهو أن تكون إشارة إلى غرر المجامع للسيد نور الدين أخي ماحب المدارك كما نقل عنه فيما سبق وهو ليس عندنا.

[ 250 ]

نجاسته ليرد بالعيب خصوصا بعموم: " البينة على المدعي " (1). وللزوم كل أقوال المسلمين على الصدق. وموثقة مسعدة: " كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعيته " إلى أن قال: " والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة " (2). والمروي في الكافي والتهذيب بسند يهما عن الصادق عليه السلام: في الجبن، قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة " (3). وصحيحة الحلبي: الخفاف عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها ؟ فقال: " صل فيها حتى يقال لك إنها ميتة بعينها " (4). والاول مردود: بمنع العموم. والثاني: بعدم ما يدل على ثبوت النجاسة في المبيع بشهادتهما خصوصا. وأما العموم فلو سلم وجوده، فمع ما مر معارض، والمرجع أصل الطهارة، ولا يعلم شمول العموم للمورد. مضافا إلى أن مع وجوده فللنجاسة غير مثبت، بل غايته ترتب الحكم بالرد على شهادتهما، وأما الحكم بالنجاسة الواقعية حتى يترتب عليه سائر لوازمها فلا. وعدم الفصل غير ثابت. وباعث الحكم بالرد يكون هو الشهادة بالعيب دون نفس العيب. وبالاول منهما يجاب عن الثالث. كما أن بهما ترد الاخبار، لعموم الاول في الاشياء كلها، والثانيين في الميتة النجسة وغيرها، ولان الثابت منها ليس إلا


(1) راجع الوسائل 27: 233 أبواب كيفية الحكم... ب 3. (2) الكافي 5: 313 المعيشة ب 159 ح 40، التهذيب 7: 226 / 989، الوسائل 17: 89 أبواب ما يكسب به ب 4 ح 4. (3) الكافي 6: 339 الاطعمة ب 89 ح 2، الوسائل 25: 118 أبواب الاطعمة المباحة ب 61 ح 2. (4) الكافي 3: 403 الصلاة ب 65 ح 28، التهذيب 2:، 23 / 920، الوسائل 3: 490 أبواب النجاسات ب 50 ح 2.

[ 251 ]

الحرمة، أو كونها ميتة مانعة من أكل أو الصلاة (بها) (1)، وأما النجاسة فلا. ولا عجب فيه، لان الاحكام مختلفة جدا في الثبوت وعدمه باعتبار الشهود، فمنها ما يثبت بواحد، ومنها ما لا يثبت إلا بأربعة. بل كون الخف مما لا يتم الصلاة فيه يعنى أن الاستثناء في الثالثة ليس للنجاسة. وللمنقول (2) عن موضع من التذكرة ومحتمل النهاية (3) في الثالث، واستقواه بعض من تأخر من المتأخرين (4)، لآية النبأ (5)، والقياس على الرواية وبعض الاخبار الواردة في قبوله الواحد في غير ذلك الموضع، كرواية إسحاق بن عمار في الوصية (6)، وصحيحة هشام بن سالم في الوكالة (7). وضعف الجميع ظاهر. ومن تقييد الظن الغير المعتبر في المقام بغير الثابت حجيته خرج (الظن) (8) المستند إلى قول المالك بالنجاسة، بل قوله مطلقا وإن لم يفد الظن ما لم يعلم كذبه، فيقبل فيها وإن لم يكن عدلا. وفاقا للمنتهى (9)، والمجامع (10)، ووالدي العلامة رحمه الله، للدليل على قبوله في المقام.


(1) لا توجد في " ه‍ ". (2) أي وخلافا للمنقول... (3) التذكرة 1: 10، نهاية الاحكام 1: 252. (4) الحدائق 5: 251. (5) الحجرات: 6. (6) الكافي 7: 64 الوصايا ب 37 ح 27، التهذيب 9: 237 / 923، الوسائل 19: 433 أبواب الوصايا ب 97 ح 1. (7) الفقيه 3: 49 / 170، التهذيب 6: 213 / 503، الوسائل 19: 162 أبواب الوكالة ب 2 ح 1. (8) لا توجد في " ح " و " ه‍ ". (9) المنتهى 1: 10. (10) لاحظ ص 249 رقم 9 والقول موجود في جامع المقاصد 1: 154.

[ 252 ]

وليس هو حمل أقوال المسلمين على الصدق. ولا المستفيضة الواردة في عدم الحاجة إلى المسألة في شراء الفراء، والخف، والجبن من سوق المسلمين (1). ولا الواردة في شرب البختج إذا أخبر من لا يعلم أنه يشربه على الثلث، ولا يستحله على النصف، أنه طبخه على الثلث، أو إذا كان الآتى به مسلما عارفا، أو مسلما ورعا مأمونا (2). ولا المروي في قرب الاسناد للحميري: عن رجل أعار رجلا ثوبا يصلى فيه وهو لا يصلى فيه، قال: " لا يعلمه " قلت: فإن أعلمه ؟ قال: " يعيد " (1). لضعف الاول: بما مر. والثاني: بعدم الدلالة، فإن عدم الحاجة إلى السؤال إنما يدل على الحمل على التذكية والطهارة بدون إخباره بهما، بل مع إخبار أيضا، فلعله مبنى على أصل الطهارة، والاخذ بظاهر الحال في الذبائح، كما صرح به في مرسلة يونس (4)، وأين هذا من قبول قوله في النجاسة وعدم التذكية ؟ ! والثالث: بأن قبول قوله في مورد - سيما - فيما كان موافقا لاصالة الحلية والطهارة - لا يدل على قبوله في غيره، سيما فيما كان مخالفا لاصالة الطهارة. مع أن اشراط الورع والمأمونية، بل الاسلام والمعرفة لعموم المطلب منافية. والرابع: بعدم دلالته على وجوب الاعادة، وعدم صراحته في أن عدم الصلاة للنجاسة.


(1) راجع الوسائل 3: 490 أبواب النجاسات ب 50. (2) راجع الوسائل 25: 292 أبواب الاشربة المحرمة ب 7. (3) قرب الاسناد: 169 / 620، الوسائل 3: 488 أبواب النجاسات ب 47 ح 3. (4) مرسلة يونس: " خمسة أشياء يحب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحال، الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات " منه ره. الكافي 7: 431 القضاء والاحكام ب 19 ح 15، التهذيب 6: 288 / 798، الوسائل 27: 289 أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 22 ح 1.

[ 253 ]

مع أنه مع أقوى منه معارض، وهي صحيحة العيص: عن رجل صلى في ثوب رجل أياما ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه، قال: " لا يعيد شيئا من صلاته " (1). بل الدليل صحيحة أبي بصير وموثقة معاوية بن وهب، المنضمتان مع عدم الفصل. الاولى: عن الفأرة يقع في السمن أو في الزيت، فيموت فيه، قال: " إن كان جامدا فتطرحها وما حولها، ويؤكل ما بقي، وإن كان ذائبا فأسرج به وأعلمهم إذا بعته " (2). والثانية: في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك الزيت ؟ قال: " بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (3). ويؤيدهما: النهي عن السؤال في بعض الاخبار عند شراء الجبن والفراء، ونحوهما (4،). والمتبادر من الاعلام والبيان المطلوبين من شخص مجرد قوله، فتوقم إرادة جعله مقطوعا به فاسد، وعدم وجوب القبول مع وجوب الاعلام غير معقول، بل الظاهر تبادر وجوبه من وجوبه، فهو من اللوازم الوضعية كالمفهوم، مع أن ترتب الاستصباح في الموثقة بالبيان عين القبول. فرعان: الاول: لو أخبر المالك بالنجاسة وقد استعملت العين وتلفت، فقد صرح


(1) الكافي 3: 404 الصلاة ب 66 ح 1، التهذيب 2: 360 / 1490، الاستبصار 1: 180 / 631، الوسائل 3: 475 أبواب النجاسات ب 40 ح 6. (2) التهذيب 7: 129 / 562، الوسائل 17: 98 أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 3. (3) التهذيب 7: 129 / 563، الوسائل 17: 98 أبواب ما يكسب به ب 6 ح 4. (4) راجع ص 252 رقم 1.

[ 254 ]

والدي - رحمه الله - في الكتاببن تبعا للتذكرة (1): بأنه لا يعتبر قوله. وهو كذلك، للاقتصار فيما خالف الاصل. ولو أخبر بها بعد استعمالها وهي باقية، فيعتبر قوله فيما بعد قطعا، وأما فيما مضى فلا يعتبر فيما يعتبر فيه عدم العلم بالنجاسة، ويعتبر في غيره، فلا يعيد الصلاة الواقعة في الثوب الكذائي قبل الاخبار، ويغسل ملاقيه رطبا كذلك. والوجه في الجميع ظاهر، وبعض الاخبار المتقدمة على الحكم الثاني أيضا شاهد. الثاني: ومما بترتب على أصالة الطهارة: عدم وجوب إعلام الغير لو وجد في ثوبه الذي يصلى فيه نجاسة، كما صرح به في المعالم (2) وبعده في الحدائق (3). بل الاخير كره الاعلام، لصحيحة محمد: عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلى، قال: " لا يؤذنه حتى ينصرف " (4) ورواية قرب الاسناد المتقدمة (5). وعن الفاضل - في جواب مسائل السيد مهنا - الحكم بوجوب الاعلام، لكونه من باب الامر بالمعروف (6). وهو بعد دلالة النص الخاص ضعيف، مع أن عدم توجه الخطاب إلى الجاهل بالموضوع ينفي المنكر والمعروف بالنسبة إليه. المسألة الخامسة: الاصل نجاسة كل ما ثبتت نجاسته حتى تثبت طهارته،


(1) نقل عنه في المعالم: 163، ومفتاح الكرامة 1: 131، والذى عثرنا عليه في التذكرة 1:، لا يخلو من إجمال. (2) المعالم: 283. (3) الحدائق 5: 261. (4) الكافي 3: 406 الصلاة ب 66 ح 8، التهذيب 2: 361 / 1493، الوسائل 3: 474 أبواب النجاسات ب 40 ح 1. (5) ص 252. (6) أجوبة المسائل المهنائية: 48.

[ 255 ]

بالاجماع والاستصحاب. ولازمه عدم اعتبار الشك في التطهر (1) ولا الظن إلا ما ثبت اعتباره (بثبت) (2) كإخبار المالك الثابت اعتباره هنا باعتباره في النجاسة، منضما إلى عدم القول بالفصل، بل الاولوية، مؤيدا بل مدللا - مضافا إلى ظاهر الاجماع - بإطلاقات تجويز الصلاة في الثياب المبتاعة من المسلم وغيره، الشاملة بإطلاقها للمقام من غير مقيد لها، سوى عمومات عدم نقض اليقين (3) التي لولا مرجوحيتها بالنسبة إلى الاولى، لوجب الرجوع إلى أصل الطهارة. وقد يستدل: بأخبار البختج المتقدمة (4)، وهو مع أخصيته من المطلوب كما مر، نجس على القول بنجاسة العصير قبل ذهاب الثلثين. ولا يثبت بإخبار العدلين على الاقوى، لعدم دليل عليه. وقيل بالثبوت (5)، لبعض ما مر في النجاسة مع ما فيه. بل في الثبوت بإخبار العدل الواحد أيضا قول، اختاره والدي العلامة رحمه الله، لعموم آية التثبت (6). وفي دلالتها نظر. ولقولهم: " المؤمن وحده حجة " (7). وهو لضعفه غير معتبر، وبالشهرة غير منجبر. ولو سلم ففي المراد من المؤمن هنا وفي معنى الحجة كلمات كثيرة، ومع ذلك مع أخبار اخر معارضة.


(1) في " ق ": التطهير. (2) لا توجد في " ق ". (3) راجع الوسائل 1: 245، أبواب نواقض الوضوء ب 1 وج 3: 482 أبواب النجاسات ب 44. (4) ص 252 رقم 9. (5) نسبه صاحب الحدائق 5: 285 إلى المعالم ولم نعثر عليه فيه. (6) الحجرات: 6. (7) الفقيه 1: 246 / 1096 الوسائل 8: 297 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 5.

[ 256 ]

ولحمل أقوال المسلمين على الصدق. وعمومه عندنا غير ثابت، فعدم الثبوت به كما هو متقضى الاستصحاب أقوى. والاولى بعدم الثبوت منه: إخبار من لا يعرف عدالته، كأكثر المباشرين لغسل الثياب من القصارين، والجوارى، والنسوان، سيما إذا لم يكونوا مواضع الاطمئنان. والاثبات به (1)، بكون كل ذي عمل مؤتمن في عمله، ولدعوى عمل العلماء والفقهاء في الاعصار والامصار، بل أصحاب الائمة الأخيار، ضعيف. أما الاول: فلعدم ثبوت تلك القاعدة كلية، وإنما هو كلام جار على أقلام بعض الفقهاء، وثبوت ائتمان بعضهم كالقصاب والحجام لا يثبت الكلية. مضافا إلى أن المتبادر من ذي العمل هو صاحب الصناعة والشغل، لا من يفعل على سبيل الاتفاق، كأكثر من ذكر. وأما الثاني: فلعدم ثبوت ذلك منهم في الثياب النجسة، بحيث بعلم الاجماع على قبول مثل ذلك ولو بدون ضم قرينة موجبة للعلم، فإن ثبوته يتوقف على العلم بتنجس ثوب جميع العلماء أو غير نادر منهم، ثم باالإكتفاء في التطهر بقبول قول واحد ممن ذكر، ثم خلو المتقم عن القرينة الموجبة للعلم، وشئ منها لم يثبت بعد. بل الظاهر من رواية ميسر: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المنى، فلا تبالغ في غسله، فاصلي فيه فإذا هو يابس، فقال: " أعد صلاتك، أما إنك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شئ " (2): أن أنفسهم أيضا كانوا يغسلون.


(1) كما في الحدائق 5: 286. (2) الكافي 3: 53 الطهارة ب 35 ح 2، التهذيب 1: 252 / 726، الوسائل 3: 28، أبواب النجاسات ب 18 ح 1.

[ 257 ]

بل هذه الرواية دالة على عدم القبول، بتقريب أن الامر بالاعادة لا يخلو إما يكون لاجل كون حكم الجاهل بالنجاسة الاعادة، أو لاجل عدم الاعتداد بغسل الجاربة، وكونه في حكم العامد. ولكن الاول باطل كما يأتي في كتاب الصلاة، ويدل عليه نفي الاعادة لو كان نفسه هو الغاسل، فتعين الثاني. وبتقرير آخر: لو كان يقبل قول، الجارية لكان الثوب له في حكم الطاهر، وهو كالجاهل بالنجاسة، فلا تلزم عليه أعادة، كما إذا غسله نفسه. وحمله (1) على أن نفسه إذا كان هو للغاسل لبالغ وأزال النجاسة، تأويل بلا دليل. وهل يفيد الهبة لهم أو البيع معهم حتى يصيروا ملاكا ويقبل قولهم، كما يحكى عن بعض الاخباريين (2) ؟ الظاهر نعم، للاطلاقات المذكورة لقبول قول المالك. وتوهم عدم تحقق المالكية لعدم القصد إلى الانتقال ضعيف، لتحقق القصد قطعا، غايته أنه لمصلحة نفسه، كما قالوا في بيع ما تتعلق به الزكاة قبل حولان الحول. * * *


(1) كما في الحدائق 5: 288. (2) حكاه الامين الاسترابادي والسيد نعمة الله الجزائري عن جملة من علماء عصر كما كما في الحدائق 5: 285.

[ 258 ]

الباب الثالث: في أقسام المطرات وما يتطهر بكل منها، وكيفية التطهير به وهي أمور نذكر ما مع ما يتعلق بها في فصول:

[ 259 ]

الفصل الاول: في الماء وفيه مسائل: المسألة الاولى: لا اشكال في تطهر الثوب والبدن بالماء مطلقا، كثيره وقليله، راكده وجاريه، وعليه الاجماع بل الضرورة والاخبار المصرحة به الواردة في موارد غير محصورة، معنى مواترة. ولا في تطهر الارض بالكثير، أو الجاري، أو المطر، ولا خلاف فيه كما قيل (1). وتدل عليه: مرسلة الكاهل " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (2). وهي لان اختصت بالمطر، إلا أنه يتعدى منه إلى الكثير والجاري باتحاد حكمهما معه إجماعا. وموثقة عمار: عن الموضع القذر يكون في البيت وغيره فلا تصبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر، قال: " لا يصلي عليه، وأعلم موضعه حتى تغسله " (3) دلت بمفهوم الغاية على حصول التطهر بمجرد الغسل المحقق بكل من الثلاة. ومنها، ومن الرواية العامية (4) الواردة في الذنوب (5) - المنجبرة ضعفها


(1) الحدائق 5: 378. (2) الكافي 3: 13 الطارة ب 9 ح 3، الوسائل 1: 146 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5. (3) التهذيب 2: 372 / 1548، الوسائل 3: 452، أبواب النجاسات ب 29 ح 4. (4) صحيح البخاري 1: 65، ورواها الشيخ في الخلاف 1: 494 وعبر عنها الشهيد في الذكرى: 15 بالحديث المقبول. (5) الذنوب: الدلو العظيمة وقيل لا تسمي ذنوبا إلا إذا كان فيها ماء " النهاية الاثيرية 2: 171 ".

[ 260 ]

بالشهرة - يظهر تطهرها بالقليل أيضا، كما صرح به جماعة (1). بل ظاهر بعضهم (2) عدم الاشكال فيه على القول بطهارة الغسالة، كما هو الحق في المورد، لورود الماء لا محالة. بل هو ظاهر كثير من القائلين بنجاستها أيضا، كالخلاف، والمعتبر، والذكرى (3)، بل نفى عنه الخلاف في الحدائق مع غلبة الماء وقهره للنجاسة (4). وقد يستدل (له) (5) أيضا بروايات الرش في الكنائس (6). والتعليل المستفاد من قوله: " ما أصابه من الماء أكثر " و " أن الماء أكثر من القذر " في تعليل نفي البأس عن إصابة ماء المطر - الذي أصاب البول - الثوب، أو وقع الثوب في ماء الاستنجاء في صحيحة هشام (7) ورواية العلل (8). وفي الاول: أن نجاسة المحل غير معلوم، فالرش إما تعبد أو لزوال النفرة. وفي الثاني: أن المستفاد من التعليل طهارة الماء لا طهارة المحل. ثم لا فرق فيما ذكر بين الرخوة من الارض والصلبة. نعم مع الرخاوة ونفوذ النجاسة في الاعماق، ففي تطهر الباطن مطلقا بنفوذ الماء، سيما القليل نظر، يظهر وجهه فيما سيأتي. ولا يضر ذلك في تطهر الظاهر المتصل به قطعا، لبطلان السراية، كما مر. وكذا لا إشكال في تطهر المتنجسات التي يعلم وصول الماء - مع بقائه على صدق الماء عليه - إلى جميع مواضعها النجسة. وتطهرما وصل إليه في غير المائعات


(1) في جميع النسخ: الجماعة، ومنهم صاحبا المعالم: 331، والحدائق 5: 378 واستجوده في المدارك 2: 378 على القول بعلم نجاسة الغسالة. (2) الحدائق 5: 378. (3) الخلاف 1: 494، المعتبر 1: 448، الذكرى: 15. (4) الحدائق 5: 382. (5) لا توجد في " ه‍ ". (6) راجع الوسائل 5: 138 أبواب مكان المصلي ب 13. (7) الفقيه 1: 7 / 4 الوسائل 1: 144 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 1. (8) علل الشرائع: 287، الوسائل 1: 222 أبوب الماء المضاف ب 13 ح 2.

[ 261 ]

- إن لم يعلم الوصول إلى جميع مواضعه - بماء المطر وأخويه بعد العلم بوصول الماء للمرسلة المتقدمة بالتقريب المتقدم، والظاهر عدم الخلاف فيه أيضا. وإنما الاشكال في تطهر بالقليل (1). والاصل - بملاحظة خلو المقام عن نص خاص بكل موضع أو عام - وإن اقتضي العدم، ولكن روايتي السكوني وزكريا بن آدم المتقدمين (2) - في بحث المضاف، تدلان على تطهر اللحم المطبوخ بالغسل المتحقق في القليل أيضا، والظاهر عدم الفصل بين اللحم وما يشابهه مما يرسب فيه نفس - الماء من غير اختلاطه بأجزائه، فالقول بتطهر مثله مطلقا بالقليل قوي، ويقوى لأجله التطهر به فيما لا يرسب النجاسة فيه أيضا بالاجماع المركب، نعم، في الاخبار الواردة في السمن والزيت والعسل إذا ماتت فيه الفأرة (3): أنها إذا كانت جامدة تلقى الفأرة وما حولها. واللازم منها ولو بضميمة الاجماع المركب: عدم قبول ما حولها للتطهر ولو بالمطر وأخويه، وهو وإن كان مستبعدا بالمقايسة إلى اللحم، ولكن بعد دلالة النص عليه، وعدم تحقق إجماع بسيط أو مركب على خلافه، لا محيص عن العمل بمقتضاه. - وفي تعدي الحكم إلي غير الثلانة مما يشبهها احتمال، والاوجه العدم. فرع: الثوب المصبوغ بالمتنجس المائع كغير من الاثواب المتنجسة بالمائعات، فيطهر بغسله المزيل للعين إن كان للصبغ عين، وإلا فمطلقا. ولا عبرة باللون كما يأتي.


(1) خصوصية القليل إذ لا، دليل على التطهر به هنا سوى حديث الغسل، وصدق غسل الباطن بمجرد نفوذ الماء غير معلوم، واما غير القليل فيمكن الاستدلال بالتطهربه بمرسلة الكاهل وإن كان فيه أيضا نظريه يأتي. (منه ره). (2) ص 131 - 132. (3) راجع الوسائل 24: 194 أبواب الاطعمة المحرمة ب 43:

[ 262 ]

ولا فرق فيه بين حالتي الرطوبة والجفاف، ولا في غسله بالقليل وغيره. وقيل: إذا اريد تطهيره قبل جفافه، فالظاهر أنه لا يمكن إلا في الكثير على وجه يضمحل ماء الصبغ فيه، وأما في القليل فتحصل الاضافة فيما يصل إلى باطن الثوب بملاقاة ماء الصبغ، فلا يفيد الثوب تطهيرا. وأما بعد الجفاف فيذهب الماء النجس من الثوب، ولم يبق إلا نجاسة الثوب خاصة. فإن كان ما فيه من الصبغ لا ينفصل، في الماء على، وجه يسلبه الاطلاق، فلا إشكال في الطهارة وإلا ففيها إشكال، فإنه بأول الملاقاة يتغير، ولا يداخل الثوب إلا متغيرا فلا يحصل التطهير به (1). أقوال: حصول الاضافة في قليل من الماء الواصل إلى باطن الثوب أولا لا يوجب انتفاء تطهره (2) بالقليل مطلقا، فإنه وإن تغير بعض ذلك الماء ولكنه يطهر بغيره. مع أن لنا منع مانعية للاضة الحاصلة للتطهر مع الاطلاق الابتدائي بعد صدق الغسل. مضافا إلى أن بعد الجفاف أيضا قد تبقى في الثوب أجزاء جافة من الصبغ، فقد لا تنفصل هذه الاجزاء، ولا يعلم وصول الماء إلى جميعها، وإن وصل تحصل الاضافة المتقدمة، فلا يتفاوت حاله في الحالين. المسألة الثانية: الحق عدم قبول غير الماء من المائعات للتطهر، سواء في ذلك الدهن وغيره، وفاقا لجمامة (4)، للاصل، والاستصحاب، وانتفاء الدليل


(1) قد في الحدائق 5: 383. (2) في " ه‍ " و " ق ": تطهيره. (3) في " ه‍ " و " ق ": للتطهير. (4) منهم صاحب المدارك 2: 332، والذخيرة: 164.

[ 263 ]

على قبوله التطهر (1) سوى ما دل على تطهر ما رآه الماء، وهو هنا غير ممكن. أما غير الدهن: فلانه إنما يعقل حصول الطهارة له مع إصابة الماء جميع أجزائه، وعدم خروج الماء عن إطلاقه، وذلك إنما يتحقق بشيوع في الماء واستهلاكه فيه، بحيث لا يبقى شئ من أجزائه ممتازا، إذ مع الامتياز عدم نفوذ الماء في ذلك الجزء معلوم، وإذا حصل الامتزاج الكذائي يخرح المائع عن حقيقته. فإن قيبل: خروج الماء من إطلاقه بعد تطهر المائع بملاقاته - كما مر - غير ضائر، فلا يحتاج إلى الاستهلاك. قلنا: نعم إذا علم مسبوقية الخروج عن الملاقاة لكل جزء، هو غير معلوم، بل علمه قطعا معلوم، فيستصحب نجاسة جزء مثلا، وبه ينجس الجميع، لعدم كونه ماء مطلقا. وأما الدهن: فلان العلم بوصول الماء إلى جميع أجزائه غير ممكن، لشدة اتصال أجزائه بعضها ببعض. بل يعلم خلافه، لان الدهن يبقى في الماء مودعا فيه غير مختلط به، وإنما يصيب سطحه الظاهر. بل قيل (2) باستحالة مداخلة الماء لجميع أجزائه، وإنه مع الاختلاط لا يحصل له إلا ملاقاة سطوح الاجزاء المنقطعة. وتؤيده بل تدل أيضا على عدم قبوله الطهارة: الاخبار الواردة في السمن والزيت الذائبين، وفي العسل في الصيف إذا، ماتت فيها فأرة، الناهية عن أكلها، الآمرة بالاسراج وبأهراق المرق النجس. والظاهر أن القائل (4) بقبولها التطهير لا ينكر توقفه على العلم بوصول الماء


(1) في " ق ": التطهير. (2) المعالم: 380. (3) راجع الوسائل 17: 97 أبواب ما يكسب به ب 6 وج 24: 194، 196 أبواب الاطعمة المحرمة ب 43 و 44. (4) العلامة في التذكرة 1: 8، والمنتهي 1: 180.

[ 264 ]

إلى جميع الاجزاء، ولا عدم حصول ذلك في غير الدهن إلا بخروجه عن حقيقته، فيرجع النزاع لفظيا. ومثل المائعات في عدم - قبول التطهير، الكاغذ المعمول من الماء النجس، إذلا دليل على تطهره بالقليل مطلقا. وأما الكثير وأخواه فإن دلت على التطهر بها مرسلة الكاهلي (1)، ولكن دلالتها عليه تتوقف على العلم بوصول نفس - الماء دون رطوبته - إلى جميع أجزائه الموجب لتشتتها المخرج إياه عن حقيقته. ومثله الطين المعمول من الماء النجس، والعجين المعجن به وما شابههما. نعم بعد إلقاء أمثال ذلك في الجاري ونحوه، وتفرق أجزائها بحيث علم وصوله إلى جميعها لو جمعت تكون طاهرة. وأما مثل الصابون، والخبز، والحبوبات المستنقعة في الماء النجس، فلا خفاء في عدم تطهيره قبل الجفاف مطلقا لا في القليل ولا في غيره، لعدم العلم بوصول الما إلى جميع أجزائه، لمزاحمة ما فيه من الماء النجس للطاهر. وأما بعد: الجفاف: فظاهر جماعة (2) تطهره باستنقاعه في الماء الطاهر حتى ينفذ في أجزائه. وفيه إشكال، إذ لا دليل على تطهره بالماء، سوى المرسلة وعموم قولهم: الماء يطهر، على ما قيل، والتطهر به موقوف على العلم بوصول الماء إلى جميع أجزائه، وهو لا يحصل البتة، لان غاية ما يعلم هو وصول الرطوبة إلى جوفه، وأما وصول الماء بحيث يصدق عرفا أنه رآه الماء فممنوع. والحاصل: أن بالاستنقاع وإن نفذت الرطوبة في جوفه، ولكن لا على وجه يعلم صدق الماء على كل جزء من الماء النافذ، فإنه إنما يختلط مع أجزائه ويسري


(1) المتقدمة ص 259. (2) منهم الشهيد في الذكرى: 15، والبيان: 95.

[ 265 ]

في جوفه، وصدق الماء على ذلك المختلط ممنوع. والاستدلال (1): بأخبار (2) اللحم المشار إليها هنا غير ممكن، لظهور الفرق، فإن الماء ينفذ في اللحم ويخرج منه حال كونه ماء مطلقا ولا يختلط مع الاجزاء اللحمية، بخلاف الحبوبات، والقول بالفصل بين اللحم والحبوبات متحقق. مع أن الغسل المذكور في أحاديث اللحم لا يتحقق في أعماق الحبوبات لتحققه (بالجريان) (3) المنتفي هناك. وقد يستدل للخبز بمرسلة الفقيه: دخل أبو جعفر الباقر عليه السلام الخلاء، فوجد لقمة خبز في القذر أخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك كان معه فقال له: " يا غلام أذكرني هذه اللقمة إذا خرجت " (4) الحديث. وفيه نظر، إذ لم يعلم رطوبة القذر الواقع فيه الخبز بحيث تسري النجاسة إلى جوفه، فلعله لم يكن كذلك. ولو تنجس ما ينعقد بعد ذوبانه - كالفلزات - حال الذوبان والميعان ثم انعقد، فالظاهر عدم الاشكال في طهر ظاهره بالغسل، لما مر. وأما بجميع أجزائه، فالظاهر تعذره، لتوقفه على العلم بوصول الماء إلى جميعها، وهو غير ممكن ولو مع الذوبان ثانيا. هذا، وبما ذكرنا تحصل لك الاحاطة بجزئيات ما يتطهر بالماء وما لا يتطهر به، وتقدر على إجراء الحكم فيها. وقد يقال: إن التحقيق أن الطهارة بالغسل لا خصوصية له ببعض الجزئيات التى وردت به النصوص حتى يحتاج فيها إلى طلب الدليل، بل تلك


(1) كما في المنتهى 1: 180. (2) راجع ص 261 رقم 2. (3) في جميع النسخ: على الجريان، وما أثبتناه أنسب. (4) الفقيه 1: 18 / 49، بتفاوت يسير، الوسائل 1: 361 أبواب أحكام الخلوة ب 39 ح 1.

[ 266 ]

الجزئيات الواردة خرجت مخرج التمثيل، وحينئذ، فيصير الحكم كليا (1). وفيه: أن التعدي من جزئي إلى غيره، وجعله من باب التمثيل يحتاج إلى الدليل، وتحققه في المقام بحيث يثبت الحكم في جميع الجزئيات وفي جميع المياه أول الكلام. المسألة الثالثة: المشهور - كما في اللوامع والمعتمد، وفي الثاني: عليه الشهرة القوية، بل المعروف بين الاصحاب كما في كلام جماعة (2)، بل من غير خلاف يعرف كما في الحدائق (3)، بل بإجماعنا كما هو ظاهر المنتهي (4)، حيث نسب الخلاف فيه إلى ابن سيرين، بل بلا ريب كما في شرح القواعد (5) -: توقف طهارة الثياب وغيرها مما يرسب فيه الماء على العصر. وتردد فيه جماعة من المتأخرين (6)، بل حكم والدى - رحمه الله - في اللوامع والمعتمد بالعدم فيما لم تتوقف إزالة عين النجاسة عليه. واستشكل في التذكرة فيما لو جف الثوب بعد الغسل من غير عصر (7). وظاهر البيان: وجود الخلاف أيضا (8). والحق هو الاول، للرضوي المنجبر ضعفه بالشهرة القوية: " وإن أصابك بول في ثويك فاغسله من ماء جار مرة، ومن ماء راكد مرتين، ثم اعصره " (9). واختصاصه بالبول والثوب - لعدم الفصل - غير ضائر.


(1) قاله في الحدائق 5: 373. (2) منهم صاحبا المعالم: 323، والذخيرة: 162. (3) الحدائق 5: 365. (4) المنتهى 1: 176. (5) جامع المقاصد 1: 173. (6) مجمع الفائدة: 1: 335، المدارك 2: 327، الذخيرة: 162. (7) التذكرة 1: 8. (8) حيث قال: لو أخل بالعصر في موضعه فالاقرب عدم الطهارة (منه ره) البيان: 94. (9) فقه الرضا (ع): 95، المستدرك 2: 553 أبواب النجاسات ب 1 ح 1.

[ 267 ]

والاستدلال: بأن النجاسة ترسخ فلا تزول إلا بالعصر. وبأن الغسالة نجسة فيجب إخراجها. وبأن الغسل إنما يتحقق في الثوب ونحوه بالعصر، لانه داخل في مفهومه، وبدونه صب، كما يدل عليه التفصيل بينهما في بعض الروايات، كصحيحة البقباق (1)، ورواية ابن أبي العلاء (2)، مع أن في الاخيرة تمريحا بالعصر أيضا، فإن فيها: عن الصبي يبول في الثوب قال. يصب عليه الماء قليلا ثم يعمره ". وباستصحاب النجاسة.. ضعيف. أما الاول: فلاختصاصه بالنجاسة الراسخة، ومنها بما كانت لها عين، وأما ما لا عين لها كالبول، فيمنع وجوب إخراجها، بل يطهر بوصول الماء حيث بلغت النجاسة. وأما الثاني: فلمنع نجاسة الغسالة مطلقا. سلمنا، لكن طريق إزالتها بالعصر غير منحصر، فلعلها تحصل بالجفاف، ويعفى عن ملاقاة المحل لها، كما يعفى عنها مع العصر. على أن العصر لا يشترط فيه إخراج جميع الرطوبة، وقد اعترفوا بطهارة المتخلف بعد العصر وإن أمكن إخراجه بعصر أشد. لا يقال: بعد تسليم النجاسة يجب الاقتصار في العفو على محل الوفاق، وهو ما إذا اخرجت الغسالة بالعصر. إذ لنا أن نقول: الاصل عدم تنجس المحل وإن خالطته الغسالة، والثابت من أدلة نجاسة الملاقي للنجس لا يعم المقام، فالغسالة النجسة تخرج بالجفاف، والمحل يكون طاهرا. وأما الثالث: فلمنع الدخول لغة أو عرفا، ولذا يصح أن يقال: غسلته وما


(1) التهذيب 1: 261 / 759، الوسائل 3: 441 أبواب النجاسات ب 26 ح 2. (2) الكافي 3: 55 الطهارة ب 36 ح 1، التهذيب 1: 249 / 714، الاستبصار 1: 174 / 603، الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 3 ح 1.

[ 268 ]

عصرته، ولذا يصدق على الوضوء والغسل وتطهير البدن عن الخبث من غير الدلك الذي هو في البدن بمنزلة العصر في الثوب، ويحصل في الماء الجاري بدون العصر، وكذا في الجلود والثقيل من الخبايا مع عدم العصر، وعسره لا يوجب تحقق غسله، بل اللازم منه إيجابه مهما أمكن، أو الحكم (1) بالعفو. والتفصيل في الروايات لا يدل على اعتبار العصر في الغسل، بل غايته مغايرته للصب، فلعلها بأمر غيره، كأن يشترط في الغسل الاستيلاء والجريان والانفصال في الجملة دون المصب. وأما ما قيل: من أن انفصال الماء وإجراءه داخل في مفهوم الغسل لغة وعرفا، وتحقق المعنيين قد لا يحتاج إلى أمر خارج من الصب - كما في البدن والاجسام الصلبة، فيتحقق الغسل في مثله من غير عصر، وقد يحتاج إليه فيتوقف على العصر والتغميز لاجراء الماء على جميع أجزاء ذلك الجسم وفصله عنه، فيكون العصر شرطا لذلك، لا داخلا في مفهوم الغسل (2). ففيه: أنا لو سلمنا اشتراط المعنيين في تحقق الغسل، فنمنع توقفهما على العصر في نحو الثياب مطلقا، فإن الصفيقة من الثياب، سيما إذا كانت حريرا، إذا اخذت معلقة، أولفت على جسم صلب، إذا صب عليها الماء، يجري عليها وينفصل سريعا، فيتحقق المعنيان، فيطهر من غير عصر لو لم ترسخ فيها النجاسة. وأيضا: الثياب الرقاق كالكتان ونحوه إذا بسطت وصب عليها الماء، يجري عليها وينفصل عنها دفعة. مع أن الاجراء والانفصال في الجملة مع غلبة الماء يحصل في كل ثوب وإن لم يعصر لا محالة، وانفصال جميع أجزائه غير واجب، ولذا لا يجب العصر الاشد


(1) في " ه‍ ": والحكم. (2) قاله في غنائم الايام: 75.

[ 269 ]

بعد حصول الادون. وأيضا: إذا صب الماء المستولي على الثوب، ينفصل عنه أكثر أجزاء الماء لا محالة وإن كان حصوله بالعصر أسرع، واشتراط الانفصال سريعا لا دليل عليه، على أنه يوجب عدم تحقق الغسل في الجاري والكثير بدون العصر، مع أنهم لا يقولون به. والتفرقة بأنه إذا دخل الجسم في الماء متدرجا، فكل جزء يدخل في الماء فيمر الماء عليه وينفصل منه، ثم يمر على الجزء الآخر، وهكذا.. واهية جدا، لانه إذا صب الماء على جزء أيضا، يمر عليه الماء وينفصل منه ويمر على آخر، سيما إذا صب مع الغلبة والاستيلاء، فإن المعتبر من الانفصال هو العرفي، وهو حينئذ متحقق، بل تحقق الانفصال العرفي في الجاري والكثير غير معلوم. هذا، مع أن صريح الرضوي المتقدم (1): خروج العصر عن الغسل. وأما التصريح بالعصر في الرواية فهو لا يثبت الوجوب، مع أنه لو قلنا بكون الاخبار في مقام الانشاء دالا على الوجوب، لوجب تخصيص الصبي فيها بالمغتذي، وهو ليس بأولى من حمل العصر على الاستحباب. وأما الرابع: فلزوال الاستصحاب بالغسل المزيل شرعا. هذا، ثم العصر الواجب هل يختص بالقليل من الراكد، أو يجب في غير أيضا ؟ الظاهر عدم الخلاف في عدم اعتباره في الجاري. ووجهه على ما ذكرناه من استناد العصر إلى الرضوي ظاهر، لعدم ثبوت تعلق جملة " ثم اعصره " بالجملتين، فتختص بالاخيرة المتيقنة. مع أنه على فرض التعلق بهما لا يثبت به الحكم في الجاري، لانتفاء الشهرة الجابرة فيه. ومنه يظهر اتجاه عدم اعتباره في الكثير من الراكد أيضا، وفاقا للاكثر،


(1) ص 266.

[ 270 ]

وخلافا لظاهر الصدرقين (1)، والشرائع، والارشاد (2)، إما لاطلاق الراكد في الخبز، ويدفع: بما مر من الضعف الذى في المقام غير منجبر. أو لاحد الاعتبارات التي لاعتبار العصر ذكروها، وقد عرفت ضعفه. ولا يمكن الاستدلال للتعدد في الكثير: بصحيحة ابن مسلم الآتية (3) الآمرة بغسل الثوب في المركن مرتين، بتقريب: أن المركن شامل بحسب المعنى اللغوي لكل على ماء راكد وإن كان كثيرا، ولا يضر تفسيره بالاجانة، لانه إن سلمنا ثبوته فهو معنى طار يقتضي الاصل تأخره. لانا لو سلمنا عموم معناه اللغوي، فليس المراد منه في الصحيحة حقيقته الشاملة لمركن الماء وغيره، بل هو مجاز، وإذا فتح باب التجوز فهو غير منحصر بالمعنى العام، فلعله الاخانة. فروع: أ: الواجب فيما يجب غسله مرتين: عصران، بعد كل غسل عصر عند المحقق (4)، وعصر بين الغسلتين عند اللمعة (5)، وبعدهما عند الصدوقين (6) وطائفة من الطبقة الثالثة (7). ولعل الاول ناظر إلى اعتبار العصر في الغسل، والثاني أنه لاخراج النجاسة الراسخة، والثالث إلى كون العصر لنجاسة الغسالة مطلقا، فلا فائدة في العصر الاول، أو إلى دلالة الرضوي (8) عليه، ولكنها إنما تفيد عند من يقول بحجيته في


(1) الفقيه 1: 40، ونقله في الهداية: 14 عن رسالة والده. (2) الشرائع 1: 54، مجمع الفائدة: 333. (3) في ص 274. (4) المعتبر 1: 435. (5) اللمعة (الروضة 1): 61. (6) تقدم ذكرهما في نفس الصفحة رقم 1. (7) المدارك 2: 328، الحدائق 5: 368. (8) تقدم ص 266.

[ 271 ]

نفسه، وأما على ما ذكرنا من أنها لانجباره بالشهرة، فيقتصر في الاستناد إليه بما اشتهر وهو أصل العصر، وأما تأخره فلا. وعلى هذا مع ملاحظة ضعف سائر المباني وأصالة عدم وجوب الزائد على عصره، بالمتجه كفاية عصرة واحدة مخيرا بين توسيطها بينهما، وتأخيرها عنهما (1). ب: لا يجب الدلك في الجسد ونحوه من الاجسام الصلبة إذا لم تتوقف عليه إزالة العين، وفاقا للمعتبر والمنتهي (2) وأكثر الثالثة (3)، للاصل، لاطلاقات التطهير والغسل. ودعوى دخوله فيهما ضعيفة. وخلافا للفاضل في نهاية الاحكام والتحرير (1)، للاستظهار، وموثقة عمار: عن القدح الذي يشرب فيه الخمر: " لا يجزيه حتي يدلكه بيده، ويغسله ثلاث مرات " (5). والاول لا يصلح لاثبات الوجوب، والثاني - لاختصاصه بالخمر وعدم ثبوت الاجماع المركب - أخص من المطلوب، ولعله لعدم العلم بزوال العين في الخمر، لما لها من شدة اللصوق بمحلها (6). ج: لا عصر فيما يعسر عصره من البسط، والفراش، والوسائد، ونحوها، للاصل، واختصاص الخبر المذكور بالثوب، بل إن تنجس (7) ظاهر من غير نفوذ


(1) ويرد على مبنى القول الثاني أيضا أنه لا دليل على وجوب إخراج النجاسة قبل الغسلة الثانية (منه ره). (6) المعتبر 1: 5 435 المنتهى 1: 176. (3) منهم صاحبا المدارك 2: 329 والحدائق 5: 369. (4) نهاية الاحكام 1: 278، التحرير 1: 24. (5) الكافي 6: 27، الاشربة ب 33 ح 1، التهذيب 1: 283 / 830، الوسائل 3: 494 أبواب النجاسات ب 51 ح 1. (6) وقد يرد الموثقة أيضا بأنها معارضة مع ما رواه هذا الراوي أيضا من الأكتفاء في غسل الاناء من الخمر بالمرة الخالية عن الدلك (منه ره). (7) في " ح ": يتنجس.

[ 272 ]

فيه يغسل الظاهر بإجراء الماء عليه، من غير حاجة إلى مسح أو دق أو تغميز، إلا مع توقف العلم بإزالة عين النجاسة عليه، ولا إلى إنفاذ الماء إلى باطنه، لتحقق غسل الموضع النجس. ولرواية إبراهيم بن أبي محمود: الطنفسة والفراش بصيبهما البول كيف يصنع بهما وهوثخين كثير الحشو ؟ قال: " يغسل ما ظهر منه في وجهه " (1). وإن نفذت النجاسة في باطنه، فإن لم تسر إلى الجانب الآخر واريد تطهير الظاهر والباطن، يجري الماء على الموضع النجس من الظاهر والباطن حتى يخرج من الجانب الآخر فيطهران، لتحقق الغسل. والمروي في قرب الاسناد للحميري وكتاب على: عن الفراش يكون كثير الصوف فيصيبه البول كيف يغسل ؟ قال: " يغسل الظاهر ثم يصب عليه الماء في المكان الذي أصابه البول حتى يخرج من جانب الفراش الآخر " (2). وإن أريد تطهير الظاهر خاصة - ولا بأس به - فيجري الماء على الظاهر فقط فيطهره لتحقق الغسل، ورواية إبراهيم. ولا تضر مجاورته للباطن النجس، لبطلان السراية كما مر. المسألة الرابعة: لا شك في حصول التطهر (3) بالقليل بإيراده على المحل النجس أو عكسه على القول بعدم تنجسه بالملاقاة. وكذا لا خلاف فيه بإيراد الماء على القول بتنجسه مطلقا أو مع ورود النجاسة. وأما في حصوله على القولين الاخرين لو عكس، بأن يورد المحل على الماء،


(1) الكافي 3: 55 الطهارة ب 36 ح 2، الفقيه 1: 41 / 159، التهذيب،: 251 / 724، الوسائل 3: 400 أبواب النجاسات ب 5 ح 1. (2) قرب الإسناد: 281 / 1114، مسائل علي بن جعفر: 192 / 397، الوسائل 3: 400، أبواب النجاسات ب 5 ح 3. (3) في " ه‍ ": التطهير.

[ 273 ]

وعدمه قولان: الثاني - وهو الحق - للسيد (1) وجماعة (2). لا لادلة تنجس القليل بالملاقاة مطلقا أو مع ورود النجاسة، والنجس لا يطهر، ولذا يجب كون الماء المغسول به طاهرا. ولا لاستلزام نجاسته تنجس المحل فلا يفيد طهارته. لضعف الاول: بعدم ثبوت التنافي بين النجاسة وتطهير (3) المحل كما في حجر الاستنجاء. ووجوب طهارة الماء المغسول به مطلقا ممنوع، ولا دليل عليه سوى الاجماع، والثابت منه هو اشتراط الطهارة ابتداء أي قبل ملاقاة النجس. والحاصل: أن الممنوع من التطهير به ما كان نجسا قبل التطهير، لا ما ينجس به، وقد صرح بهذه المقالة جمع من المتأخرين كالمحقق الاردبيلي، وشارح الدروس، وصاحبي الذخيرة والحدائق (4)، ولذا ترى كثيرا من القائلين (5) بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا يحكمون بنجاسة الغسالة ويقولون بتطهر المحل. والثاني: بمنع تنجس المحل به، فإن تنجس مثل هذا الملاقي لمثل هذا النجس غير ظاهر، ودليل التنجيس عن إفادته قاصر، واستبعاده مدفوع: بوجود النظائر، كاللبن في ضرع الميتة، والانفحة منها، والصيد المجروح لو وجد في ماء قليل على ما قيل، والغسالة الواردة على القول بنجاستها. بل لاصالة عدم الطهورية واستصحاب النجاسة، والمستفيضة الآمرة بالصب على الجسد من البول (6)، المقيدة بالنسبة إلى مطلقات الغسل، الواجب


(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 179. (2) منهم الحلي في السرائر 1: 181، والعلامة في المنتهى 1: 176. (3) في " ه‍ ": وتطهر. (4) مجمع الفائدة 1: 287، مشارق الشموس: 255، الذخيرة: 163، الحدائق 1: 305 وج 5: (5) كالمحقق في الشرائع 1: 55، والعلامة في القواعد 1: 5. (6) راجع الوسائل 3: 395 أبواب النجاسات ب 1.

[ 274 ]

حملها عليها، المتعدية حكمها من البول والجسد إلى غير ما بعدم الفصل. خلافا لطائفة من الطبقة الثالثة (1)، فاختاروا الاول، واستوجهه في الذكرى (2)، لتحقق الغسل عرفا، وترتب الطهارة عليه بالاخبار الغير العديدة، كالناهية عن الصلاة في الثوب النجس حتى يغسل (3)، فإنها تدل بالمفهوم على جواز الصلاة المستلزم للطهارة هنا إجماعا مع الغسل، والآمرة بغسل الثوب والبدن (4)، المقتضية للاجزاء في تحقق فائدته التى هي الطهارة بتحقق الغسل. ولخصوص صحيحة ابن مسلم: عن الثوب يصيبه البول قال: " اغسله في المركن مرتين (5) والمركن هي الاجانة التي تغسل فيها الثياب، وبضميمة الاجماع المركب يثبت الحكم في غير الثوب أيضا. ولرواية السراد في مطهرية النار (6)، وموثقة عمار في غسل الاواني (7). ويجاب عن الاول: بما مر من وجوب حمل المطلق على المقيد. وهو الجواب عن الثاني، إذ لو سلمنا دلالته فإنما هو من جهة إطلاق الغسل في المركن، وأما الخصوصية فلا، إذ الغسل في المركن كما يكون بإدخال الماء فيه ثم وضع الثياب عليه، يكون بالعكس أيضا، فيصب عليها فيه الماء وتعصر. ولا يضر اجتماع الماء فيه وملاقاته للثوب قبل تمام غسله، الموجبة لتنجسه الموجب لتنجس الثوب، لمنع إيجابها تنجس الماء أولا، لعدم تحقق ورود النجاسة عليه، ومنع تنجس الثوب به ثانيا، على ما مر، واعترف به المخالف في خصوص


(1) منهم صاحب الحدائق 5: 400. (2) الذكرى: 15. (3) راجع الوسائل 3: 428 أبواب النجاسات ب 19. (4) راجع الوسائل 3: 395 أبواب النجاسات ب 1. (5) التهذيب 1: 250 / 717، الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 2 ح 1. (6) الكافي 3: 330 الصلاة 27 ح 3، الفقيه 1: 175 / 829، التهذيب 2: 235 / 928، الوسائل 3: 527 أبواب النجاسات ب 81 ح 1. (7) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 3: 96، أبواب النجاسات ب 53 ح 1.

[ 275 ]

المورد. مع أنه - كما مر (1) - محتمل عموم المركن للكثير أيضا، فيخص بأخبار الصب، لاختصاصها بالقليل قطعا كما يأتي. ولا يضر ذلك فيما ذكرنا من عدم اعتبار التعدد في الكثير، لأن ذلك مجرد الاحتمال لدفع الاستدلال. وأما الثالث والرابع: فعدم دلالتهما ظاهر واضح. ثم بما ذكرنا ظهر وجه التفرقة بين الورودين على القول بتنجس القليل مطلقا، واندفع ما استشكل من أن وجه التفرقة بينهما على التفرقة في الانفعال ظاهر، إذ يمكن أن يكون بناء المانع من التطهر على ورود المحل تنجس الماء، وعدم صلاحية المتنجس للتطهير عنده. وأما على القول بالانفعال المطلق فلا وجه لها. ويمكن أيضا أن يكون الوجه: أن الماء وإن تنجس في الصورتين، والمتنجس عنده غير قابل للطهير، إلا أن الاجماع والضرورة دلا على التطهر بالقليل أيضا، فهو مخالف للقاعدة، ثابت بالضرورة، فيجب الإكتفاء فيه بمحلها وهي (2) ورود الماء. المسألة الخامسة: مذهب الاصحاب لا نعلم فيه مخالفا كما في المعتبر (3) وغيره (1)، بل في الناصريات والخلاف (5): الاجماع عليه، وادعاه والدي في المعتمد واللوامع أيضا: أنه يكفي صب الماء مرة في بول الصبي الذي لم يأكل. والحجة فيه - بعد الاجماع - المستفيضة التى منها الحسن بل الصحيح: عن بول الصبي، قال: " يصب عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله غسلا، والغلام


(1) ص 269. (2) في " ه‍ " و " ق ": مع ورود الماء. (3) المعتبر 1: 436. (4) المفاتيح 1: 74، الذخيرة: 164، الحدائق 5: 384. (5) الناصريات (الجوامع الفقهية): 181، الخلاف 1: 484.

[ 276 ]

والجارية شرع سواء " (1). والرضوي: " وإن كان بول الغلام الرضيع فتصب عليه الماء صبا، وإن كان قد أكل فاغسله، والغلام والجارية سواء " (2). ورواية السكوني: " لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لان لبنها يخرج من مثانة امها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام من العضدين " (3). والعاميان المرويان عن النبي في الناصريات وغيره: أحدهما: " يغتسل من بول الجارية، وينضح على بول الصبي ما لم يكل الطعام " (4). وثانيهما: أن النبي أخذ الحسن بن علي (5) فأجلسه في حجره، فبال عليه، قال: فقلت له: لو أخذت ثوبا فأعطيتني إزارك فأغسله، فقال: " إنما يغسل من بول الانثى، وينضح من بول الذكر " (6) وإن كان في الاستدلال بهما نظر تأتي الاشارة إليه. وبهذه الاخبار المنجبر ضعف بعضها بالعمل تخصص عمومات غسل


(1) الكافي 3: 56 الطهارة ب 36 ح 6، التهذيب 1: 249 / 715، الاستبصار 1: 173 / 602، الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 3 ح 2. (2) فقه الرضا (ع): 95، المستدرك 2: 554 أبواب النجاسات ب 2 ح 1. (3) التهذيب 1: 250 / 718، الاستبصار 1: 173 / 601، الوسائل 3: 398 أبواب النجاسات ب 3 ح 4. (4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 181، وراجع سنن أبي داود 1: 103، سنن ابن ماجة 1: 174 / 525 - بتفاوت يسير - سنن البيهقي 2: 415. (5) كذا في النسخ، وفي المصادر: الحسين بن علي. (6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 181، وراجع سنن أبي داود 1: 102 / 375، سنن ابن ماجة 1 174 / 522، سنن البيهقي 2: 494.

[ 277 ]

البول، أو بول ما لا يؤكل لحمه (1)، أو بول الصبي كموثقة سماعة (2)، بل حسنة ابن أبي العلاء أيضا وهي: عن الصبي يبول على الثوب، قال: " يصب عليه الماء قليلا ثم يعصره (3) على القول بكون الفارق بين الغسل والضب هو العصر، وإلا فلا دلالة لها على الغسل. ويجاب عن دلالتها على العصر: بعدم كونها مفيدة لوجوبه، وغاية ما تفيد. استحبابه وهو كذلك، لذلك. وقيل بوجوبه، بل وجوب الاجراء أو الانفصال أيضا، مع توقف إزالة عين البول عليه (4). وهو خروج عن مقتضى النص، فإنه يقتضي الإكتفاء بالصب مطلقا، ولا دليل على وجوب الزائد من إخراج الماء المصبوب، أو البول المختلط معه. ثم الحق الموافق للظاهر كلام الأكثر - كما صرح به جماعة (5) - اختصاص الحكم بالصبي، فلا يجري في بول الصبية ويجب غسله، لانه مقتضى الروايات الاخيرة المنجبرة بالشهرة فيعارض بها قوله: " والغلام والجارية سواء " في الاوليين إن كان حجة ودل على خلاف المطلوب، ويرجع إلى الاصل الثابت بعمومات غسل البول، مع أنهما في معرض المنع. أما الاول: فلان الاولى وإن كانت في نفسها حجة، ولكن جزأه الاخير


(1) راجع الوسائل 3: 395 أبواب النجاسات ب 1، وص، 404 ب 8. (2) موثقة سماعة: " عن بول الصبي يصيب الثوب، فقال: اغسله، قلت: فان لم أجد مكانه ؟ قال: اغسل الثوب كله " (منه ره)، التهذيب 1: 251 / 723، الاستبصار 1: 174 / 604، الوسائل 3: 402 أبواب النجاسات ب 7 ح 3. (3) الكافي 3: 55 الطهارة ب 36 ح 1، التهذيب 1: 249 / 714، الاستبصار 1: 174 / 603 الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 3 ح 1. (4) نسب في مفتاح الكرامة 1: 177 لزوم الانفصال إلي بعض الحواشي (يعني الحواشي على القواعد). (5) منهم العلامة في المنتهى 1: 176، وصاحبا الذخيرة: 165 والحدائق 5: 385.

[ 278 ]

لمخالفته الشهرة العظيمة عن الحجية خارجة. رالثانية في نفسها ضعيفة، والشهرة الجابرة لها في المورد مفقودة. وأما الثاني: فلان المساواة الكلية من التسوية المطلقة غير ثابتة، وإرادة التسوية في الحكم الاخيرة الذى هو وجوب الغسل مع الأكل ممكنة، يعنى إذا أكل. وبهذا وسابقه مع الاصل المذكور يتم الحكم بالاختصاص لو نوقش في دلالة الروايات الاخيرة على وجوب الغسل في بول الانثى. ونسب إلى ظاهر الصدوقين (1): التسوية، ولكنهما عبرا في الرسالة (2) والهداية (3) والفقيه (4) بمثل ما عبر به في الرضوي (5)، فما ذكرنا من الاحتمال فيه يجري في كلامهما أيضا - بل هو في كلام الصدوق ظاهر، لانه قال - بعد حكمه بالصب في بول الغلام قبل الأكل، والغسل بعد الأكل -: والغلام والجارية في هذا سواء. فروع: أ: صرح الفاضلان بتعليق الحكم على الأكل والطعام وعدمهما (6). ومنهم (7) من علقه على الاغتذاء بغير اللبن، مساويا له أو زائدا عليه وعدمه، والحلي (8) على تجاوز الحولين وعدمه. ونظر الاولين إلى ظاهر الروايات.


(1) مفتاح الكرامة 1: 177. (2) نقله في المعتبر 1: 437. (3) الهداية: 15. (4) الفقيه 1: 40. (5) تقدم ص 276. (6) المحقق في المعتبر 1: 436، والعلامة في المنتهى 1: 176. (7) لم نعثر عليه، نعم في كثير منهم علقوا عليه وعلى الحولين كما في جامع المقاصد 1: 173، والمسالك 1: 18، والروض: 167. (8) السرائر 1: 187.

[ 279 ]

أما الثانيان، فلعل نظر أولهما إلى التعليل المذكور في رواية السكوني (1)، فإنه يمكن أن يستفاد منه أن أخفية بول الغلام لاجل نظافة أصله الذي هو لبن أمه، فيثبت ذلك ما لم يعلم حصول بوله من غير اللبن، وذلك إنما يكون ما لم يساو غير اللبن له. ونظر ثانيهما إلى أن المراد بأكل والطعام ترك اللبن والفطام عنه، وهو في الشرع مقدر بالحولين. والاوجه هو الاول، لما مر. وضعف ما للثاني بأن مقتضاه انتفاء الحكم إذا انتفى العلم بحصوله من اللبن، وهو ينتفي بالاغتذاه بغيره ولو كان أقل. وما للثالث بمنع كون المراد من الأكل ما ذكر. ثم لا شك في أن المعتبر في الأكل ما يكون مستفدا إلى شهوته وإرادته، كما صرح به في المنتهى (2)، لانه المفهوم من نسبة الأكل والطعام إليه، ولولاه، لتعلق الغسل (3) بساعة الولادة، لاستحباب التحنيك بالتمر، فلا عبرة بما يعلق دواء من غير ميل إليه. ولا يلزم أن يكون إطعامه إياه لاجل كونه غذاء له، فلو اطعم بشئ دواء وأكله الصبي بالشهوة والارادة، يجب الغسل، لصدق الأكل ولو كان نادرا، كما هو ظاهر المنتهى (1). وصرح في المعتبر بعدم اعتبار النادر ولو بالشهوة (5). والاظهر الاول. ب: لو أرضع الغلام بلبن الجارية أو بالعكس، فمقتضى تعليل رواية السكوني: تعلق حكم من له اللبن بالمرتضع، سيما إزا غلب إرضاعه من لبنه عليه من لبن نفسه.


(1) المتقدمة ص 276. (2) المنتهى 1: 176. (3) في هامش " ح ": الحكم خ ل. (4) المنتهى 1: 176. (5) المعتبر 1: 436.

[ 280 ]

ولا يبعد المصير إليه في الجارية المرتضعة من لبن الغلام، إذ لا دليل على وجوب الغسل في بول الجارية، سوى عمومات غسل البول، الواجب تخصيصها بذلك، الدال على كفاية الصب، وأما الروايات الاخيرة فهي عن إفادة الوجوب قاصرة. وأما الغلام المرتضع بلبن الجارية، فلا لم يثبت من الرواية سوى إيجاب التعليل لرجحان الغسل من لبن الجارية، فلا يثبت وجوب الغسل فيه، فالحكم فيه باق على أصله. ج: الصب اللازم هنا هو إراقة الماء وسكبه، وهو أعم من وجه من الغسل. وأما من النضح والرش المرادفين بنص أهل اللغة (5) الموافق للعرف، فإما أعم منهما مطلقا، بأن يصدق الصب مع استيعاب الماء كل جزء من الموضع المصبوب عليه وبدونه، ومع إراقة الماء مجتمعة الاجزاء وبدونها، واشتراط عدم الثاني (2) أو عدمهما (3) فيهما (4)، أو أخص كذلك باشتراط الاستيعاب فيه دونهما، أو مغاير لهما باشتراطه (5) - أو مع الاراقة المجتمعة - فيه (6)، وعدمه فيهما. والكل محتمل، واستصحاب نجاسة الموضع يقتضي الاتيان بالمقطوع به وهوما صب مجتمع الاجزاء عرفا، مع استيعاب كل جزء من المحل. وجعل الصب مرادفا لهما لغة أو شرعا - كبعضهم (7) - ضعيف، كجعل الرش أخص من النضح.


(1) كصاحب الصحاح والقاموس والنهاية والمجمع (منه ره)، الصحاح 1: 411، القاموس 1: 262، النهاية الاثيرة 5: 69، مجمع البحرين 2: 419. (2) وهو إراقة الماء مجتمعة الاجزاء. (3) أي مدم الاستيعاب وعدم إراقة الماء مجتمعة الاجزاء. (4) أي في النضح والرش. (5) أي اشتراط الاستيعاب. (6) أي في الصب. (7) الحدائق 5: 388.

[ 281 ]

ومما ذكرنا ظهر أن الاستدلال بالعاميين (1) على الصب ليس في موقعه، ولضعفهما وعدم جابر لهما لاثبات النضح والتعارض مع أخبار الصب غير صالح. د: الثابت من أدلة الصب هنا كفايته لا تعيينه، لان غير الرضوي لا يشتمل على ما يفيد وجوبه، وهو وإن تضمن الامر، ولكن الشهرة على وجوبه غير وعلى هذا فيكفي الغسل الغير المتضمن للصب (2) إذا كان في غير القليل، لعموم: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (3). وأما في القليل فإشكال، حيث إن الأنجار الدالة على الطهارة بالغسل به خصوصا أو عموما من البول وقع بلفظ الامر الدال على تعين الغسل المنتفي هنا قطعا، وأما في غير البول وإن كان ما يمكن إثبات كفاية الغسل به مطلقا، ولكن الاستدلال به يحتاج إلى ضميمة عدم الفصل، وتحققه هنا غير معلوم. د: الحكم يعم الثياب وغيرها، لاطلاق كثير من الادلة. المسألة السادسة: لو علم موضع النجاسة في ثوب أو غيره فتظهره بغسله خاصة. وإن اشتبه فتتوقف طهارة جمع ما وقع فيه الاشتباه على غسله، فلا يطهر الجميع بغسل موضع منه أو فرد، لاستصحاب النجاسة، وتدل عليه المستفيضة من الاخبار (4). ولا فرق في ذلك بين الثوب وغيره الواحد والمتعدد، والمحصور وغيره. وأما كل جزء أو فرد منه فيحكم بطهارته مع غسله بخصوصه قطعا، وبدونه أيضا، لاصالة الطهارة.


(1) المتقدمين ص 276. (2) كالحاصل بوضع الثوب في الماء (منه ره). (3) الكافي 3: 13 الطهارة ب 9 ح 3، الوسائل 1: 146 أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5. (4) راجع الوسائل 3: 402 أبواب النجاسات ب 7.

[ 282 ]

وقولهم بتوقف الطهارة على غسل كل جزء، فمرادهم طهارة الجمبع، كما يدل عليه تصريحهم بعدم التطهر بغسل جزء منه، مع أن هذا الجزء يطهر بغسله قطعا. ثم المراد بنجاسة الجميع، هو ما يقال في سائر النجاسات، فينجس ملاقيه، أي ملاقي الجميع، لا كل جزء ولا يجوز استعمال الجميع في مشروط الطهارة (1)، لان النجاسة كانت في ضمن الجميع متحققة، وزوالها - وغسل جزء - غير معلوم، فيجب استصحابها الموجب لترتب جميع أحكامها عليها، إلا عند من يقول بعدم ترتب أحكام النجاسات على النجاسة الاستصحابية، وهو ضعيف جدا. نعم، لوثبت بعض أحكام النجاسات لكل جزء منه أيضا، كما في الثوبين (2)، والاناءين (3)، فهو لا يوجب ثبوت سائر الاحكام له أيضا. والتوضيح: أن الكلام في المشتبه يقع في مواضع أربعة: أولها: في طهارة كل جزء على البدلية. وثانيها: في تطهير الجميع وزوال النجاسة المتحققة. وثالثها: في حكم كل جزء بالنسبة إلى مشروط الطهارة أو في تنجس ملاقيه ونحوه. ورابعها: في حكم الجميع بالنسبة إلى ذلك. أما الاول: فلا كلام فيه، لطهارة كل جزء بالاصل، وتطهره قطعا بالغسل. وما في كلامهم (4) من أنه يجب غسل كل جزى فهو لتحصيل العلم بطهارة


(1) كالثوب في الصلاة والارض في السجود والتيمم والماء في الطهارة (منه ره). (2) حيث إنه لا يجوز مع واحد منهما (منه ره). (3) حيث لا تتم الطهارة بكل واحد منهما (منه ره). (4) كما في المعتبر 1: 437، والشرائع 1: 54.

[ 283 ]

الجميع. وأما الثاني: فهو الذي يذكرونه في بحث إزالة النجاسات، ويذكرون أنه لا يطهر بغسل جزء منه، بل يتوقف على غسل الجميع، والحكم في هذا وسابقه باق على ما يقتضيه الاصل والقاعدة. وأما الثالث: فهو الذي يذكرونه في طي أحكام ثوب المصلي والاواني المشتبهة، ويفرق طائفة (1) فيه بين المحصور وغيره. ومقتضى الاصل فيه: كون كل جزء في الحكم كالطاهر، إلا أنه تخلف في الثويين والاناءين عند الجميع، وفي المحصور مطلقا عند جماعة، لاجل الدليل الخارجي. والواجب الإكتفاء في التخلف بما يقتضيه دليله، وإبقاء الزائد على مقتضى الاصل. وأما الرابع: فمقتضى الاصل فيه كون حكمه حكم النجس ما لم يغسل الجميع، ولم يثبت التخلف فيه. وقد اختلط الامر في هذه المقامات على بعض المتأخرين، فخلط ولم يفرق بين المقامين: الثاني والثالث، وذكر بعض ما يتعلق بأحد المقامين في الآخر. المسألة السابعة: يجب غسل الثوب والبدن من بول غير الرضيع مرتين، ولا يكفي المرة وفاقا للمعظم، بل في المعتبر الاجماع عليه (2)، للاستصحاب، والصحاح المستفيضة وغيرها. كصحيحة ابن أبي يعفور: عن البول يصيب الثوب، قال: " اغسله مرتين " (3). وصحيحتي ابن مسلم:


(1) منهم المحقق في الشرائع 1: 73، والشهيد الثاني في المسالك 1: 18، وصاحب الحدائق 5. 276. (2) المعتبر 1: 435. (3) التهذيب 1: 251 / 722، الوسائل 3: 395 أبواب النجاسات ب 1 ح 2.

[ 284 ]

الاولي: عن الثوب يصيبه البول، قال: " اغسله في المركن مرتين، فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (1). والاخرى: عن البول يصيب الثوب، قال: " اغسله مرتين " (2). وحسنة ابن أبي العلاء: عن البول يصيب الجسد، قال: " صب عليه الماء مرتين، فإنما هو ماء " وسألته عن الثوب يصيبه البول، قال: " اغسله مرتين " (3). وقربب منها المروي في السرائر عن البزنطى (4). والرضوى: " وإن أصابك بول في ثوبك، فاغسله من ماء جار مرة ومن ماء راكد مرتين " (5). وصحيحة أبي إسحاق: عن البول يصيب الجسد، قال: " صب عليه الماء مرتين " (6). وجعل المرتين في الثوب غسلا وفي البدن صبا، إما لمجرد تغيير العبارة أو لاشتراط زيادة الاستيلاء في الاول لتحقق الجريان والانفصال المشترطين (7) في الغسل، أو لرسوخ النجاسة فيه (أيضا) (8) بخلاف الثاني. خلافا فيهما للمنتهى، والقواعد، والدروس، والبيان، وعن المبسوط (9)،


(1) التهذيب 1: 250 / 717، الوسائل 3: 397 أبواب النجاسات ب 2 ح 1. (2) التهذيب 1: 251 / 721، الوسائل 3: 390 أبواب النجاسات ب 1 ح 1. (3) الكافي 3: 55 الطهارة ب 36 ح 1، التهذيب 1: 249 / 714، الوسائل 3: 390 أبواب النجاسات ب 1 ح 4. (4) مستطرفات السرائر: 30 / 21، الوسائل 3: 396 أبواب النجاسات ب 1 ح 7. (5) فقه الرضا (ع): 95، المستدرك 2: 553 أبواب النجاسات ب 1 ح 1. (6) التهذيب 1: 249 / 716، الوسائل 3: 395 أبواب النجاسات ب 1 ح 3. (7) في " ح ": الشرطين. (8) لا توجد في " ه‍ " و " ق ". (9) المنتهى 1: 175، القواعد 1: 8، الدررس: 1: 125، البيان: 95، المبسوط 1: 37.

[ 285 ]

وفي البدن خاصة لظاهر التحرير، بل الفقيه والهداية (1)، وبعض آخر (2)، فتكفي المرة إلا أن في الدروس قيدها بما بعد زوال العين، للاصل. وحصول الغرض، أعنى الازالة. وضعف ما دل على التعدد سيما في البدن. لاطلاقات الغسل من النجاسات، أو البول مطلقا، أو من أحدما المتناول للمرة. والاول مدفوع بما مر. والثاني: بمنع كون الغرض الازالة، بل هو الطهارة. والثالث: بمنع الضعف، وعدم كونه ضائرا لو كان، وانجباره بالعمل لو أضر. والرابع: بقاعدة حمل المطلق على المقيد، أو الرجوع إلى الاستصحاب بعد نعارضهما وتساقطهما. نعم لو لم يكن هناك مقيد، لصح ما ذكروه، كما في غسل البول من غير البدن والثوب، وغسل غيره من النجاسات عنهما وعن غيرهما، فإن الامر بمطلق الغسل فيهما متحقق. أما في الثاني فظاهر. وأما في الاول صحيحة إبراهيم بن أبي محمود: " في الطنفسة والفراش يصيبهما البول " وموثقة عمار: " في موضع من البيت يصيبه القذر " المتقدمتان (3). ورواية نشيط: " يجزي من البول أن يغسل بمثله " (1). وحسنة الحلبي أو صحيحته في بول الصبي الآكل المتقدمة (5).


(1) التحرير 1: 524 الفقيه 1: 43، الهداية 14. (2) كما في المدارك 2: 339. (3) ص 272 وص 259. (4) التهذيب 1: 35 / 94، الاستبصار 1: 49 / 140، الوسائل 1: 344 أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 7. (5) ص 276.

[ 286 ]

واختصاص الاولى بالطنفسة والفراش، والثانية بموضع من البيت، والثالثة بما يتحقق فيه الغسل من مثل البول - بعد إطلاق الرابعة - غير ضائر مع تمامية بعدم المطلوب بعدم القول بالفصل. فالقول بكفاية المرة في غسل البول من غير الثوب والبدن، وفي غسل سائر النجاسات مطلقا هو الاصح المتعين، وفاقا فيهما للاكثر. وخلافا في الاول للمحكي في الذخيرة عن جمع من الاصحاب (1)، فطردوا الحكم بالمرتين في البول إلى ما يشبه الثوب والبدن، للاستصحاب، وللمشابهة، أو الاولوية. والاول بما مر مندفع. والثاني قياس. والثالث ممنوع. فإن قيل: لا يثبت من الاطلاق عدم لزوم الزائد إلا بضميمة الاصل، وهو لا يدفع الاستصحاب، بل الاستصحاب يدفعه، كما بين في موضعه. قلنا: نعم في الواجبات والمستحبات ونحوهما مما لا يوجب تعلق الحكم بالماهية إلا ثبوته لها في الجملة، وأما في السببية والمانعية والحرمة ونحوها، فمقتضى نفس ثبوت الحكم للمطلق ثبوته له أينما وجد، أي بجميع أفراده، فلزوم الزائد ينافي مقتضى نفس الاطلاق. ألا ترى أن قوله: يجب الغسل، لا ينافي: لا يجب الغسل مرتين، بخلاف: الغسل سبب للطهارة، فإنه ينافي: الغسل مرة أو مرتين ليس سببا لها. وقوله في رواية نشيط: " يجزي من البول أن يغسل " من قبيل الثاني، بل جميع أوامر الغسل، فإنها بمنزلة قوله: غسله سبب لتطهيره إجماعا، ولان الامر به ليس إلا للتطهير قطعا، ليس تعبديا محضا، فالغسل من الاسباب، ولذا ترى العلماء كافة يحكمون بالتطهر بما ورد الامر به في باب الطهارات والنجاسات. وللروضة، فحكم بالمرتين فيه مطلقا (2)، للاستصحاب، واحتمال خروج


(1) الذخيرة: 162. (2) الروضة 1: 61.

[ 287 ]

الثوب والبدن في الاخبار مخرج التمثيل، بناء على أنهما الغالبان في ملاقاة النجاسة، ولان خصوص السؤال عنهما لا يخصص. وفيه: أن الاستصحاب - بما مر زال، ومحض الاحتمال غير صالح للاستدلال، وعدم التخصيص بالسؤال إنما هو إذا كان عموم في الجواب، وهو منتف في المقام. ولمن يحكم (1) بالمرتين في جميع النجاسات في مطلق المحال، كما يأتي، لما يأتي مع دفعه. وخلافا في الثاني لظاهر المعتبر حيث قال: يكفي المرة بعد إزالة العين (2) فإنه يفيد عدم كفاية المرة المزيلة ؟ لقوله صل الله عليه وآله وسلم في دم الحيض: " حتيه ثم اغسليه " (3). وفيه: أن الرواية - لضعفها - عن إفادة الوجوب قاصرة. وللتحرير وظاهر المنتهى (4) فاوجبا التعدد فيما له قوام وثخن (5)، للاستصحاب. وقوله: " إنما هو ماء " في حسنة ابن أبى العلاء المتقدمة (6)، فإن مفهومه اشتراط الازيد في غيره. وصحيحة ابن مسلم: ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول (7). وما في المعتبر بعد إيراد الحسنة عقيب قوله: مرتين: الاول للازالة والثاني


(1) عطف على المتقدم. أي وخلافا لمن يحكم... (2) المعنبر 1: 435. (3) سنن أبي داود 1: 99 / 362. وفيه: " حتيه ثم أقرضيه ". (4) التحرير 1: 24، المنتهى 1: 175. (5) قال في المنتهى: النجاسات التى لها قوام وثخن كالمني وشبهه أولى بالتعدد في الغسلات (منه ره). (6) ص 267. (7) التهذيب 1: 252 / 730، الوسائل 3: 424 أبواب النجاسات ب 16 ح 2.

[ 288 ]

للإنقاء (1). والاول بما مر مدفوع. ودلالة الثانيتين ممنوعة، إذ غاية ما يفهم منهما توقف الازالة في بعض ما هو غير البول على أمر زائد، ولا يلزم منه اعتبار التعدد، فلعله ما يحتاج إليه إزالة العين من ذلك، أو عصر، أو اهتمام في الازالة، أو أمثال ذلك، مع أن التشديد في الثاني في المنى تأكيد في إزالته ردا على جمع من العامة. والرابع - مع عدم تماميته فيما ازيل عينه بغير الماء - ضعيف، لعدم وروده (2) في المعتمدة من كتب الاخبار، وإنما أورده المحقق في المعتبر، بل قيل (3): إن الظاهر أنه من كلامه توهم نسبته إلى الرواية غفلة، ويؤيد ذلك عدم ورود في كتب الاخبار. وللشهيد في اللمعة والرسالة (4) فأوجبه في النجاسات في غير الاواني مطلقا، كما في الحدائق (5)، أو في الثوب خاصة كما في اللوامع. وعبارة اللمعة غير مطابقة لشئ، منهما، فإنها مطلقة بالنسبة إلى النجاسات، مختصة بالثوب والبدن. وهو مختار المحقق الثاني في الجعفرية، بل في شرح القواعد، حيث قال - بعد الحكم بالمرتين في غسل البول عن الثوب والبدن -: وتعدية هذا الحكم إلى غيره من النجاسات - إما بطريق مفهوم الموافقة، أو بما أشير إليه في بعض الاخبار من أن غسلة تزيل واخرى تطهر - هو الظاهر (6).


(1) المعتبر 1: 435. (2) في " ح ": ورود، و " ق ": الورود. (3) الذخيرة: 161. (4) اللمعة (الروضة 1): 61 الرسالة (الالفية): 38. (5) الحداثق 5: 363. (6) جامع المقاصد 1: 173.

[ 289 ]

ومن هذا يظهر دليل هذا القول أيضا. ويضعف المفهوم: بأن تحققه فرع ثبوث الاولوية، وهي ممنوعة. والخبر: بعلم ثبوته كما مر. المسألة الثامنة: المشهور: أن أواني الخمر قابلة للتطهير جائز استعمالها بعده (مطلقا) (1)، لعموم مرسلة الكاهلي: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر، (2). وموثقة عمار: عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل وكم مرة يغسل ؟ قال: " يغسل ثلاث مرات " (3). وخصوص الموثقين الاخرين له: أحدهما: من الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء أو كامخ (4) أو زبتون ؟ قال: " إذا غسل فلا بأس " وعن الابريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء ؟ قال: " إذا غسل فلا بأس " وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر ؟ قال: " يغسله ثلاث مرات " (5). والآخر: في الاناء الذي يشرب فيه النبيذ، قال: " يغسله سبع مرات " (6). ورواية الاعور: إني آخذ الركوة، فيقال: إنه إذا جعل فيها الخمر وغسلت كانت أطيب لها، فيأخذ الركوة فيجعل فيها الخمر فيخضخضه ثم يصبه ويجعل فيها البختج، فقال: " لا بأس " (7). أقول: إن أرادوا طهارة الظاهر، فهو كذلك، وإن أرادوا مطلقا، ففي دلالة


(1) لا توجد في " ق ". (2) المتقدمة ص 259. (3) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 3: 496 أبواب النجاسات ب 53 ح 1. (4) الكامخ: الذى يؤتدم به، معرب " الصحاح 1: 430 ". (5) الكافي 6: 27، الاشربة ب 33 ح 1، الوسائل 3: 494 أبواب النجاسات ب 51 ح 1. (6) التهذيب 9: 116 / 502 وزاد في آخره: وكذلك الكلب، الوسائل 25: 368 أبواب الاشربة المحرمة ب 30 ح 2. (7) الكافي 6: 430 الاشربة ب 35 ح 5، الوسائل 25: 368 أبواب الاشربة المحرمة ب 30 ح 3 - بتفاوت يسير -.

[ 290 ]

الاخبار نظر، لمنع حصول العلم بوصول الماء إلى جميع الاجزاء الباطنية، سيما مع مزاحمة ما فيها سن الاجزاء الخمرية، وعدم قوة ما ينفذ فيها من الماء. مع أن كون النافذ ماء عرفا غير معلوم، بل هي الرطوبة، فلا تتم دلالة المرسلة. ويمكن أن يكون الغسل لحصول طهارة الظاهر الكافية في جواز الاستعمال، لبطلان السراية، فلا تفيد الموثقة الاولى في المطلوب. ومنه يظهر عدم انتهاض البواقي لاثباته أيضا. خلافا للمحكي في الاسكافي (1) فقال بعدم طهارة غير الصلب منها، لنفوذ النجاسة في الاعماق، فلا يقبل التطهر، ومجرد نفوذ الماء أيضا من غير علم بزوال عين النجاسة غير كاف في التطهير مع أنه لا يحصل بالنفوذ الغسل العرفي حتى تشمله أحاديث الغسل. بل في صدق ملاقاة الماء أيضا نظر، لمنع صد الماء على تلك الرطوبة النافذة. وللروايات. إحداها: صحيحة ابن مسلم، فقال: " نهي رسول الله صل الله عليه وآله وسلم عن الدباء والمزفت، وزدتم أنتم الحنتم (2) - يعني الغضار (3) - والمزفت، يعني الزفت الذي يكون في الزق ويصب في الخوابي ليكون أجود للخمر، قال: وسألته عن الجوار الخضر والرصاص فقال: " لا بأس بها " (4). والاخرى: رواية أيى الربيع: " نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن


(1) حكاه عنه في المعتبر 1: 417. (2) الحنتم: جرار مدهونة خضر كانت تحمل الخمر فيها إلي المدينة ثم اتسع فيها، فقيل للخزف كله حنتم " النهاية الاثيرية 1: 448 ". (3) الغضارة: الطين اللازب الاخضر الحر كالغضار (القاموس 2: 106) والمراد هنا الاناء الذي يعمل منه. (4) الكافي 6: 418 الاشربة ب 25 ح 1، التهذيب 9: 115 / 500، الوسائل 25: 357 أبواب الاشربة المحرمة في 25 ح 1.

[ 291 ]

كل مسكر فكل مسكر حرام " فقلت له: فالظروف التى يصنع فيها منه، فقال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الدبا (1)، والمزفت، والحنتم، والنقير " قلت: وما ذاك ؟ قال: " الدبا: القرع، - والمزفت: الدنان، والحنتم: جرار خضر، والنقير: خشب كانت الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها " (2). والثالثة: رواية الجراح: " منع النقير ونبيذ الدبا " (3). أقول: إن أراد عدم طهارة الباطن، فله وجه، وإن أراد مطلقا، فضعفه ظاهر، مستنده غير ناهض. أما الاول: فلانه لا يفيد إلا نجاسة الاعماق، وسريان النجاسة من الباطن إلى الظاهر باطل، وتنجس ما يجعل في الاناء من المائعات بملاقاتها لما في الباطن من النجاسة غير عدم تطهر الظاهر أولا، مع أنه ممنوع جدا، إذ ليس إلا بالسراية، فإنه يتصل المانع بالنجس بواسطة رطوبته النافذة، ولا نسلم التنجس بذلك. وأما الروايات: فلعدم انحصار وجه النهي في نجاسة الظاهر، بل ولا الباطن، إذ من الجائز أن يكون لاحتمال بقاء شئ من أجزاء الخمر فيتصل بما فيه، فنهى عن ذلك تعبدا. وأن يكون النهي متوجها إلى الانتباد فيها، لاحتمال تحقق الاسكار به، لا لسراية النجاسة في أعماقها، كيف لا ؟ ! ومن جملتها المزفت المفسر بالمقير والحنتم المفسر بالمدهن، ولا تجري فيهما السراية، وإن هما إلا كالاجسام الصلبة، الغير القابلة لنفوذ شئ، فيها، المتفق على قبولها التطهير مطلقا، فليس الخبران من فرض


(1) قال الجوهري: الدباء، بضم الدال المهملة ثم الباء للشددة الممدوة: القرع (منه ره). (2) الكافي 6: 418 الاشربة ب 25 ح 3، التهذيب 9: 115 / 499، الوسائل 3: 496 أبواب النجاسات ب 52 ح 2. (3) الكافي 6: 18، الاشربة ب 25 ح 2، الوسائل 25: 357 أبواب الاشربة المحرمة ب 25 ح 2.

[ 292 ]

المسألة قطعا. خلافا للمحكي عن القاضي (1) وللشيخ في مشارب النهاية (2) أيضا، فقالا بعدم جواز استعمال غير الصلب منها وإن غسل، للروايات المذكورة. وهي لمخالفتها للشهرة القديمة والجديدة عن الحجية خارجة، فلمعارضة ما مر غير صالحة، سيما مع اشتمال الاولين على الصلب الذي هو غير على النزاع (أيضا) (3). وظهر مما ذكرنا أن الحق طهارة الظاهر دون الباطن، وجواز الاستعمال ولو في المائع: ويمكن حمل كل من المشهور ومذهب الاسكافي على ذلك، فنعم الوفاق إن كان كذلك. ثم لا يخفى أنه لا يختص ما ذكرنا بإناء الخمر، بل الحكم كذلك في كل إناء رخو لنجاستن مائعة. المسألة التاسعة: غسل إناء الخمر المطهر لظاهره مع الرخاوة ومطلقا مع الصلابة ثلاث مبرات - وفاقا للشيخ في الخلاف والتهذيب (4) على ما حكي، وفي موضعين من مشارب النهاية (5)، وللنافع، والشرائع، والمنتهى (6)، واللوامع - لموثقة عمار في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: " يغسل ثلاث مرات " وسئل: يجزيه أن يصب فيه الماء ؟ قال: " لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " (7). دلت على عدم الاجزاء لو انعدم أحد الامرين، فيكونان لازمين. وجعل


(1) المهذب 2: 434. (2) النهاية: 592. (3) لا توجد في " ه‍ ". (4) الخلاف 1: 182، التهذيب 9: 117. (5) النهاية: 592، 589. (6) المختصر النافع: 20، الشرائع 1: 56، المنتهى 1: 189. (7) الكافي 6: 427 الاشربة المحرمة ب 33 ح 1، التهذيب 1: 283 / 830، الوسائل 3: 494 أبواب النجاسات ب 51 ح 1.

[ 293 ]

الواو في قوله: " ويغسله، مستأنفة خلاف الحقيقة والظاهر. خلافا للمعتبر، والمختلف، والتذكرة، والبيان، والروض، والمدارك، والمعالم، وكفاية الاحكام (1)، فكتفوا بالمرة إما بعد الازالة كالاولين، أو بالمرة المزيلة كالبواقي، لاطلاق موثقة عمار الثانية (2). ويجاب عنه: بوجوب تقييد المطلق بالمقيد. وللمفيد (3)، والشيخ في المبسوط والجمل وطهارة النهاية (4)، والمحقق الشيخ علي (5)، والدروس (1)، وجمع من المتأخرين (7)، بل قيل: الظاهر أنه المشهور (8)، فأوجبوا السبع، لموثقته الاخرى: في الاناء يشرب فيه النبيذ. قال: " يغسله سبع مرات وكذلك الكلب " (9). ويجاب عنها: بعدم دلالتها على الوجوب، لمكان لفظ الاخبار. وللمعة (10) فأوجب المرتين، قياسا على الثوب والبدن. وضعفه ظاهر. والحق اختصاص الحكم بالخمر، فلا يتعدى إلى كل مسكرة للاصل. المسألة العاشرة: يجب غسل الاناء من ولوغ الكلب (ثلاث مرات) (11) على الحق المشهور، بل عليه الاجماع محققا ومنقولا في الانتصار، والمنتهى،


(1) المعتبر 1: 462، المختلف: 64، التذكرة 1: 9، البيان: 93، الروض: 172، المدارك 2: 396، المعالم: 352، الكفاية: 14. (2) المتقدمة 289 رقم 5. والمراد الاستدلال بغير الجملة الاخيرة منها. (3) المقنعة: 73. (4) المبسوط 1: 15، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 171، النهاية: 53. (5) جامع المقاصد 1: 191. (6) الدروس 1: 125. (7) على ما في الحدائق 5: 493. (8) يستفاد دعوى الشهرة من جامع المقاصد 1: 191. (9) التهذيب 9: 116 / 502، الوسائل 25: 368 أبواب الاشربة المحرمة ب 30 ح 2. (10) اللمعة (الروضة 1): 61. (11) ما بين المعقوفين أضفناه، والوجه فيه واضح بالتأمل.

[ 294 ]

والذكرى (1)، وعن الغنية (2)، إلا أن الثاني الإستثني الاسكافي، وهو الحجة فيه. مضافا إلى العاميين والخاصيين المنجبر ضعفها بالشهرة العظيمة، بل الاجماع. أحد الاولين: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات " (3). وكذا الآخر إلا أن فيه: " فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا، (4)، وظاهره أن الزائد مستحب، إذ التخيير خلاف الاجماع، كما صرح به في المنتهى (5). وأحد الثانيين: الرضوي: " إن وقع الكلب في الماء أو شرب منه، اهريق الماء غسل الاناء ثلاث مرات، مرة بالتراب ومرتين بالماء " (6). (والاخمار) (7) رواية البقباق المروية في المعتبر، والمنتهى، وموضع من الخلاف - على النسخة التي رأيتها - وغيرها من كتب الجماعة: عن الكلب، فقال: " رجس نجس لا يتوضأ بفضله، واغسله بالزاهب أول مرة ثم بالماء مرتين، (8). واختلاف الحديث مع ما في كتب الحديث المشهورة (9) في اشتماله على ذكر المرتين دونه غير ضائر، إذ لعله أخذه من الاصول الموجودة عنده. ولا يعارضه الحذف في كتب الحديث، لاحتمال التعدد، بل هو الظاهر، للاختلاف في الامر بالصب أيضا، فإن ما في كتب الحديث متضتن له أيضا، مع


(1) الانتصار: 9، المنتهى 1: 187، الذكرى: 15. (2) الغنية (الجوامع الفقهية): 551. (3) سنن الدارقطني 1: 66. (4) سنن الدارقطني 1: 65. (5) المنتهى 1: 188. (6) فقه الرضا (ع): 93، وزاد في آخره: ثم يجفف، المستدرك 2: 602 أبواب النجاسات ب 45 ح 1. (7) ما بين المعترفين أضفناه لانسجام العبارة. (8) المعتبر 1: 458، المنتهى 1: 188، الخلاف 1: 174، الروض: 172، جامع المقاصد 2: 190. (9) انظر الوسائل 1: 226 أبواب الاسآر ب 1 ح 4.

[ 295 ]

أن احتمال الحذف أظهر، سيما مع أن الشيخ في التهذيب استدل به على المرتين (1). وخلافا للمحكي عن الاسكافي فأوجب السبع (2)، للعامي: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا، أولهن بالتراب " (3) وموثقة عمار المتقدمة (4). وهما بمخالفتهما للعمل عن حيز الحجية خارجان، مع ضعف الاول بنفسه سندا وعدم الجابر، والثاني دلالة، لكونه خبرا. ويجب أن يكون اولى الثلاث بالتراب، وفاقا للشيخ، والديلمي، والقاضي (5)، وبنى حمزة وإدريس وزهرة (6)، والفاضلين (7)، وجل المتأخرين، بل أكثر الاصحاب، كما صرح به غير واحد (8)، بل عن (الغنية الاجماع عليه (9) لصحيحة البقباق على جميع النسخ. ولا يعارضها إطلاق الرضوي، لوجوب تقييده، سيما مع ما فيه من التقديم الذكري المحتمل لارادة الترتيب، كما في كلام الصدوقين (10)، بل يمكن إرادة ذلك من كلام من أطلق من غير تقديم في الذكر أيضا، كالانتصاره والجمل، والخلاف (11).


(1) التهذيب 1: 225. (2) نقله عنه في المعتبر 1: 458. (3) سن البيهقي 1: 241. (4) ص 292. (5) النهاية: 53، المراسم: 36، المهذب 1: 28. (6) الوسيلة: 80، السرائر 1: 91، الغنية (الجوامع الفقهية): 551. (7) المحقق في المعتبر 1: 458، والشرائع 1: 56، والمختصر النافع: 20، والعلامة في المنتهى 1: 187، والتذكرة 1: 390، والقواعد 1: 9. (8) المعتبر 1: 458، التنقيح 1: 157، المدارك 2: 390. (9) الغنية (الجوامع الفقهية): 551. (10) المقنع: 12، الفقيه 1: 8، ونقله في المنتهى 1: 188 عن والد الصدوق. (11) الانتصار: 9، جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضي 3): 23.، الخلاف 1: 175.

[ 296 ]

نعم، عن المقنعة أنه أوجب توسيط التراب (1). ولاربب في ضعفه. وجعله في الوسيلة رواية (2) لا يفيد، إذ غايته أنه رواية مرسلة شاذة غير صالحة لمنازعة الصحيحة الموئدة بعمل السواد الاعظم. فروع: أ: في وجوب مزج التراب بالماء، أو وجوب عدمه إلا مع عدم إيجابه لخروج التراب عن الاسم، أو عدم وجوب شئ منهما أقوال. الاول: عن الراوندي (3) والحلي (4)، وجعله في المنتهى قويا (5)، تحصيلا لحقيقة الغسل، كما صرح به الحلي (6)، حيث جعلها جريان المائع على المحل، أو لاقرب المجازات (إليها) (7)، كما قيل (8)، حيث إن الغسل بالماء المطلق أو مثله من المائعات. والثاني: للعاملي (9)، تحصيلا لحقيقة التراب. والثالث: عن المختلف، والذكرى، ودروس، والبيان (10)، لاطلاق النص، وإيجاب تحصيل إحدى الحقيقتين لترك الاخرى، فلا ترجيح. ونحن نضعف الاول: بأن تحصيل حقيقة الغسل غير ممكن، لعدم صدقه


(1) المقنعة 68. (2) الوسيلة: 80. (3) نقله عنه في الذكرى: 95. (4) السرائر 1: 91. (5) المنهي 1: 188. (6) السرائر: 91. (7) لا توجد في " ق ". (8) الروض: 172 - ذكره في مقام الاستدلال على قول ابن إدرس. وكذلك في المدارك 2: 392، والحدائق 5: 479. (9) الروض: 173. (10) المختلف: 63، الذكرى: 15، الدروس 1: 125، البيان: 93.

[ 297 ]

مع الامتزاج كيف ما كان، إلا مع استهلاك التراب بحيث لا يصح التجوز عنه أيضا. وتحصيل الاقرب مع إيجابه التجوز في التراب لا يصلح للاستناد، إذ لا دليل على وجوبه. وكون مجازين قريبين خيرا من حقيقة ومجاز بعيد - بعد صحته - ممنوع. ومنع التجوز في التراب لامكان حمل الباء على الملابسة والمصاحبة غير مفيد، لايجابه مجاز الحذف في متعلق الظرف، بل لا ينفك عن التجوز في التراب أيضا، إذ لا تتحقق مصاحبته وملابسته حال الغسل بمعناه الحقيقي، وعلى هذا فحقيقة الغسل متروكة قطعا. ومنه يعلم ضعف الثالث أيضا، لان تحصيل حقيقة الغسل غير ممكن، بخلاف حقيقة التراب، فلا وجه لتركها. وإطلاق النص ممنوع، لتعليقه على التراب الواجب حمله على الحقيقة، فخير الاقوال وأقواها: أوسطها. ب: حكم في المنتهى باشتراط طهارة التراب (1)، وتبعه جملة من الاصحاب (2)، منهم والدي العلامة - رحمه الله - معللا بأن المطلوب منه التطهر، وهو غير مناسب بالنجس. وبلزوم الاقتصار فيما خالف الاصل على الفرد المتبادر وهو الطاهر لانه الغالب. ويضعفان: بمنع عدم المناسبة والتبادر. وأضعف منهما: التمسك بقوله: " جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا " (3). ولذا احتمل في النهاية إجزاء النجس (4)، ويظهر من المدارك والمعالم الميل إليه (5). وهو قوي.


(1) المنتهى 1: 189. (2) منهم الشهيدان في الدروس 1: 1250، والروض: 172 (3) راجع الوسائل 3: 349 أبواب التيمم ب 7، وجامع الاحاديث 3: 53. (4) نهاية الاحكام 1: 293. (5) المدارك 2: 392، المعالم: 340.

[ 298 ]

ج: الحق عدم جواز العدول إلى غير التراب مما يشبهه، لا اختيارا كما جوزه الاسكافي على ما حكاه عنه في المختلف (1)، ولا اضطرارا كما جوزه في المبسوط، والدروس، والبيان (2)، استصحابا للنجاسة، واقتصارا على النص، وتضعيفا للعلة المستنبطة. والاضطرار لا يوجب طهارة النجس بغير المطهر الشرعي، ولا يلزم تكليف بما لا يطاق، إذ لا تكليف باستعمال الاناء، وغاية ما يثبت من نفي الضرر - لوتم هنا - العفو دون الطهارة. ومنه يظهر عدم بدلية الماء كما في القواعد (3) وعدم جواز الإكتفاء بالمرتين في التطهر مع تعذر التراب أو خوف فساد المحل به كالتذكرة والمنتهى والتحرير (4)، أو مع الاخير خاصة كالاول، كما يظهر عدم التطهر لو فقد الماء رأسا. د: لا يلحق بالولوغ اللطع، كطائفة (5) منهم: والدي العلامة رحمه الله. ولا وقوع لعاب فمه، أو عرقه، أو سائر رطوباته، كالفاضل في النهاية (6). ولا مباشرته بفمه من غير ولوغ، أو بباقي أعضائه، كالصدوقين (7) والمقنعة (8). ولا وقوع غسالة الولوغ، كالكركي (9)، لعدم الدليل، فحكمه حكم سائر النجاسات الغير المنصوصة بخصوصها كما يأتي. والاولوية المدعاة في بعضها ممنوعة. واستصحاب النجاسة إنما يفيد الالحاق


(1) المختلف: 64. (2) المبسوط 1: 14، الدروس 1: 125، البيان: 93. (3) القواعد 1: 9. (4) التذكرة 1: 9، المنتهى 1: 188، التحرير 1 ا: 26. (5) جامع المقاصد 1: 190، المعالم: 336، المدارك 2: 393، الحدائق 75: 475. (6) نهاية الاحكام 1: 294. (7) المقنع: 12، الفقيه 1: 8، ونقله في المنتهى 1: 188 والمعالم: 336 عن والد الصدوق. (8) المقنعة 68. (9) جامع المقاصد 1: 190.

[ 299 ]

لولا القول بما يباين حكم الولوغ في غير المنصوصة من النجاسات، وهو متحقق، فإن منهم من يقول بوجوب ثلاث مرات بالماء فيه، فله أن يستصحب النجاسة بعد الغسل مرتين بالماء ومرة بالتراب. وتصريح الرضوي بإلحاق الوقوع - لضعفه الخالي عن الجابر في المقام - غير مفيد. وصدق الفضل المذكور في صحيحة البقباق على بعض ما ذكر لمرادفته للسؤر ممنوع، بل معني السؤر ما يفضل من ثوبه المستلزم للولوغ. نعم، صدقه على ماء الولوغ مما لاريب فيه، فوقوعه في إناء كالولوغ فيه، كما ذهب إليه الفاضل في نهاية الاحكام (1)، ووالدي رحمه الله. ويؤيده عدم تعقل الفرق بين تأخر الولوغ عن كون الماء في الاناء وتقدمه عليه. د: لا يسقط التعفير في الجاري والكثير، وفاقا لظاهر الأكثر، وصريح المنتهى والمعتبر (2)، استصحابا للنجاسة، وعملا بالاطلاق. خلافا لظاهر المحكي عن الخلاف، والمبسوط، والمختلف (3)، وإن أمكن حمل كلامهم على المشهور أيضا، وهم محجوجون بما مر. وعموم: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (5) مخصوص بروايت الولوغ. وبقاء حكم النجاسة مع ملاقاة الكثير وإن لم تبق العين غير مستبعد، ونظيره في الشرع يوجد. وفي سقوط التعدد وعدمه أقوال يأتي ذكرها. و: إن وقعت في الاناء نجاسة قبل تمام غسله تداخلت مع الولوغ فيما


(1) نهاية الاحكام 1: 295. (2) المنتهى 1: 189، المعتبر 1: 460. (3) الخلاف 1: 178، المبسوط 1: 14، المختلف: 64. (4) المتقدم ص 259.

[ 300 ]

يتساويان فيه، ويزاد الزائد للزائد، بالاجماع. وفي المدارك: وبه قطع الاصحاب، ولا أعلم في ذلك مخالفا (1) وفي الذخيرة: لا أعلم مصرحا بخلافهم (2)، وفي اللوامع: والظاهر وفاقهم عليه. وهو الحجة، مضافا إلى إطلاق ما يدل على زوال إحدى النجاستين، وحصول التطهر منها بما له من العدد، فإن قوله: اغسله كذا، في معني أن الغسل الكذائي يطهره، وهو اعم من أن تزول به نجاسة اخرى أيضا، ومع التطهر وزوال النجاسة لا يحتاج إلى غسل إجماعا، وذلك تزول أصالة عدم تداخل الاسباب. وقد يقال: إن التداخل هنا لا ينافي أصالة عدم تداخلها، لان الظاهر أن الوجوب هنا توصلي والعلة ظاهرة (3). وهذا إشارة إلى ما ذكروه من اختصاص ذلك الاصل بما إذا لم يكن المقصود حصول أصل الفعل كيف اتفق، والواجب التوصلي كذلك. ولكن يرد عليه: أن هذا إنما يتم لو علم حصول المقصود المتوصل إليه، وللمانع منعه هنا، إذ له أن يقول: إن المقصود التطهر، وحصوله مع التداخل غير معلوم، ولذا قيل: إن التداخل في أبواب الطهارة إنما يتم فيما علم فيه أن المقصود تحصيل مهية الغسل لغرض الازالة، فإنه مع التداخل حاصل، لا ما علمت فيه خصوصية اخرى أيضا. ومن ثم اختار في المعالم عدم التداخل فيما يثبت فيه التعدد بالنص (4). وقال والدي العلامة - رحمه الله - في اللوامع. وهو متجه لولا وفاقهم عليه. ومثل النجاسة الواقعة ولوغ آخر، لما مر، ولان كلا من الولوغ والكلب


(1) المدارك 2: 395. (2) الذخيرة: 178. (3) غنائم الايام: 72. (4) المعالم: 347.

[ 301 ]

جنس يقع على القليل والكثير، فإن كان قبل التعفير يعفر ويغسل مرتين لهما، وإن كان بعده يعفر للاخير ويغسل لهما، وإن كان بعد غسله مرة يعفر، ويغسل مرتين، واحدة لهما، والاخرى للأخير. ز: هل الحكم يعم جميع المائعات أو يختص بالماء ؟ ظاهر إطلاقات أكثر الفتاوي الاول، ولكن الروايتين المتضمنتين للتعفير مختصتان بالماء. والعاميان وإن كانا مطلقين، لتحقق الولوغ في كل مائع يشربه الكلب بلسانه، ولكنهما خاليان عن ذكر التعفير. وكون إحدى الثلاث في الماء تعفيرا لا يفيد، لدوران الامر بين التخصيص يغير الماء وإبقاء الغسل على حقيقته، أو التجوز في الغسل، ولا مرجح. وعلى هذا فإن ثبت الاجماع على التعميم، وإلا فيكون حكم غير الماء حكم النجاسات الغير المنصوصة، والاحتياط جمع الحكمين متداخلين. ح: لا يجب الدلك في التعفير، للاصل. فيكفي صب التراب في الاناء وتحريكه حتي يعلم، وصوله إلى جميع مواضعه. ولا التجفيف بعد الغسل، لما ذكر. خلافا للمقنعة في الاخير (1)، للرضوي (2). ولا حجية فيه بدون الانجبار. ط: ولوغ الخنزير كسائر النجاسات الغير المنصوصة عليها بخصوصها - وفاقا للمحقق (3) والحلي (4)، بل أكثر من تقدم عليهما (5)، لعدم تعرضهم له بخصوصه - للاصل، وعدم دليل على وجوب عدد فيه بخصوصه.


(1) المقنعة: 68. (2) المتقدم ص 294 رقم 6. (3) المعتبر 1: 459. (4) السرائر 1: 92. (5) كالمفيد في المقنعة: 68، وسلار في المراسم: 36، وابن زهرة في الغنية (الجومع الفقهية): 182.

[ 302 ]

وخلافا للفاضل (1) وأكثر من تأخر عنه (2) فأوجبوا السبع، لصحيحة علي: عن خنزير يشرب من الاناء كيف يصنع به ؟ قال: " يغسل سبع مرات " (3). ويضعف: بعدم دلالتها على الوجوب. وللمحكي عن الخلاف، فجعله كالكلب، حملا له عليه (4). وضعفه ظاهر. المسألة الحادية عشرة: يغسل لموت الجرذ - وهو كبير الفأر - سبع مرات، لموثقة عمار: " اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ سبعا " (5). وقيل: بالثلاث (6). وقيل: مرتان (7). وقيل: مرة مزيلة (8). وقيل: بعد الازالة (9). ولا مستند تام لشئ منها. ولا يلحق به غيره من أنواع الفأر، للاصل. المسألة الثانية عشرة: يغسل الاناء من النجاسات الغير المنصوصة عليها بخصوصها - سوى الخنزير وما الحق بولوغ الكلب من وقوع رطوباته أو مباشرته - ثلاثا، وفاقا للصدوق (10)، والاسكافي (11)، والمبسوط، والخلاف (12)، والكركي،


(1) المنتهى 1: 189، التذكرة 1: 9، المختلف: 64. (2) كالشهيد الاول في الذكرى: 15، والثاني في روض: 172، والكركي في جامع المقاصد 1: 191. (3) التهذيب 1: 261 / 760، الوسائل 1: 225 أبواب الأسآرب 1 ح 2. (4) الخلاف 1: 186. (5) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 3: 496 أبواب النجاسات ب 53 ح 1 - بتفاوت يسير -. (6) القواعد 1: 9. (7) الروضة 1: 63. (8) الكفاية: 14. (9) المختلف: 64، المدارك 2: 396. (10) لم نعثر عليه في كتبه ولا على من نسبه إليه قبل المصنف. (11) نقله عنه في المعتبر 1: 461. (12) المبسوط 1: 15، الخلاف 1: 182.

[ 303 ]

والدروس، والذكرى (1)، ووالدي - رحمه الله - في اللوامع والمعتمد، للاستصحاب المؤيد بالموثق: عن الكوز والاناء يكون قذرا، كيف يغسل وكم مرة يغسل ؟ قال: " ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصيب فيه ماء آخر ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر ثم يفرغ منه وقد طهر " (2). لا مرتان، كاللمعة ورسالة الشهيد (3)، قياسا على البول في الثوب والجسد. ولا المرة المزيلة، كالعاملي (4) وولديه (5)، والفاضلين في أكثر كتبهما (1)، بل نسب إلى الاشهر (7)، لمطلقات الامر بالغسل، وأصالة البراءة، واستصحاب طهارة الملاقي له بعدها. ولا بعد الازالة كالمعتبر والمختلف والبيان (8)، لذلك مع عدم التأثير للماء مع وجود المنجس، فالغسل بعد إزالته لازم. لضعف الاول: ببطلان القياس. والثاني: بمنع وجود مطلق يشمل الاناء. واندفاع الاصل بالاستصحاب. ومعارضة استصحاب طهارة الملاقي لاستصحاب نجاسة الاناء، وغلبة الثاني على الاول، لكونه مزيلا له. والثالث: بذلك أيضا، مع ما فيه من منع عدم التأثر لو لم يمنع المنجس


(1) جامع المقاصد 1: 192، الدروس 1: 125، الذكرى: 15. (2) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 3: 496، أبواب النجاسات ب 53 ح 1. (3) اللمعة (الروضة 1): 62، الالفية: 38. (4) الروض: 172. (5) المعالم: 356، المدارك 2: 396 (اطلق عليه الولد باعتبار كونه سبطا للشهيد الثاني). (6) الشرائع 1: 56، والمختصر النافع: 20 لم يصرح فيهما بالمزيلة ولكنه يستفاد من إطلاق الكلام. المنتهى 1: 190، التذكرة 1: 9، التحرير 1: 26. (7) نسبه في الرياض 1: 99. (8) المعتبر 1: 462، المختلف: 64، البيان: 93.

[ 304 ]

من ملاقاة الماء للاناء، وإلا فعن الكلام خارج. وأما الخنزير فيغسل لولوغه - بل لوقوع رطوباته ومباشرته - سبعا، للاستصحاب، حيث إن بالسبع يحصل اليقين بالطهارة، لعدم قول بالزائد دون ما دونها. وهذا وإن وافق قول الفاضل ومن تأخر عنه عددا، ولكنه يخالفه سندا (1). وأما فيما الحق بالكلب: فيشكل الحكم فيه، لمباينة الثلاث الترابية للثلاث المائية، فلا يحصل اليقين بالطهارة بإحداهما. ومقتضى النظر: التخيير بينهما، والاحتياط الجمع بين ثلاث مرات مائية وواحدة ترابية، والاحوط: ضم واحدة ترابية مع السبع المائية في الخنزير أيضا، لوجود قول بإلحاقه بالكلب (2) وإن شذ جدا. فرع: لو كان الاناء مثبتا يشق قلعه، يملأ ماء في كل مرة ويفرغ، أو يصب فيه ماء ويحرك بمعونة اليد ونحوها حتي يعلم وصوله إلى كل موضع منه، أو يؤخذ نحو إبريق ويغسل كل جزء منه، مبتدئا من الاعلى أو الاسفل إلى أن يغسل جميعه، فيفرغ ماءه ثم يغسله ثانيا كذلك. هذا على القول بطهارة الغسالة كما هو الحق، وإلا فينبغي أن يبدأ من الاسفل ويختم بالاعلى في كل مرة، أو يملأ ماء دفعة عرفية. المسألة الثالثة عشرة: التعدد في البدن والثوب هل يختص بالقليل ؟ أو به وبالكثير ؟ أو يجب فيهما وفي الجاري ؟ الاول: للتذكرة، والذكرى (3) نافيا عنه الريب، واللمعة، والشهيد الثاني،


(1) راجع ص 302. (2) الخلاف 1: 186. (3) التذكرة 1: 9، الذكرى: 15.

[ 305 ]

والمدارك، والحدائق (1)، واللوامع حاكيا له عن المشهور، ونسب إلى المحقق الثاني، وما رأينا من كلامه في شرح القواعد (2) والرسالة خال عن التخصيص. والثاني: للفقيه، والهداية (3)، وعن الجامع للشيخ نجيب الدين (4). والثالث: ظاهر المعتبر، والشرائع، والمنتهى، والتحرير (5)، وعن الشيخ (6). ونقل في اللوامع عن بعضهم ما يظهر منه الميل إلى التفصيل باختيار الثاني في الثوب والثالث في غيره. والذى يقتضيه الدليل هو الاول في البدن والثاني في الثوب. أما الاول: فلمطلقات الامر بغسل البدن من البول، المقتضية لاجزاء الماهية فيه، كحسنة الحلبي المتقدمة (7). وصحيحة البجلي: عن رجل يبول بالليل فيحسب أن البول أصابه، فلا يستيقن، فهل يجزيه أن يصب على ذكره إذا بال ولا ينشف ؟ قال: " يغسل ما استبان أنه أصابه،، ينضح ما يشك فيه من جسده أوثبابه " (8). إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في من نسي غسل ذكره وصلي (9)، وغيرها. وأما أخبار المرتين للمتقدمة (10) في الجسد، فهي، لمكان الامر بالصب صريحة


(1) اللمعة (الروضة 1): 62، الروضة: 1: 62، المدارك 2: 339، الحدائق 5: 362. (2) جامع المقاصد 1: 173. نسبه إليه في المدارك 2: 339. (3) الفقيه 1: 40، الهداية: 14. (4) الجامع الشرائع: 22، قال فيه: يغسل البدن من البول مرتين، والثوب مرة في الجارى، ومرتين في الراكد. (5) المعتبر 1: 435، الشرائع 1: 54، المنتهى 1: 175، التحرير 1: 24. (6) المبسوط 1: 14. (7) المتقدمة ص 276. (8) التهذيب 1: 421 / 1334، الوسائل 3: 466 أبواب النجاسات ب 3 ح 2. (9) راجع الوسائل 1: 294 أبواب نواقض الوضوء ب 18. (10) ص 283 - 284.

[ 306 ]

في القليل، إذ لا صب في غيره إلا بعد إفراز القليل منه. وأما الثاني: فللامر بغسل الثوب من البول مرتين في المستفيضة المعتقدمة، الشاملة بإطلاقها للغسل في كل من الثلاثة، خرج الجاري بصحيحة ابن مسلم والرضوي المتقدمين (1) وبقي الباقي. ودعوى ظهور المستفيضة في القليل ممنوعة. وهذا هو المعتمد عندي، وعدم الفصل في ذلك بين الثوب والبدن غير ثابت. احتج الاولون: بالاصل، وإطلاقات الغسل. والاول - مع معارضة الاستصحاب - مدفوع: بما مر، كما أن الثاني مقيد وقد يستدل أيضا ببعض اعتبارات ضعفها ظاهر. وأما الثاني (فليس) (2) حكمه بالتعدد في الكثير مطلقا، لعدم قوله بالتعدد في غير الثوب كما هو ظاهر الفقيه والهداية (3)، وإلا فلا وجه له إلا بجعل حكم البدن والثوب واحدا بالاجماع المركب، أو مفهوم الموافقة، وضعفهما ظاهر ولا وجه ظاهر للثالث إلا استصحاب النجاسة، المندفع بما مر. وأما الرابع: فنظره في الثوب إلى الصحيحة، وهو صحيح، وفي البدن إلى ظاهر أخبار التعدد فيه، وهو لما ذكرنا ضعيف. هذا في الثوب والبدن، وأما الاناء فكالبدن في ولوغ الكلب، فيسقط التعدد في غير القليل، لضعف روايات التعدد فيه، وعدم الجابر في المورد، فيبقى


(1) تقدم ذكرهما ص 284 رقم 1، 5. (2) في جميع النسخ: فلعل، بدلناه لاستقامة المعنى. (3) الفقيه 1: 40، الهداية: 14.

[ 307 ]

إطلاق مرسلة الكاهلي وصحيحة البقباق (1) على ما في كتب الحديث خاليا عن المعارض. وكالثوب في البواقي، فيسقط في الجاري، للمرسلة بضميمة عدم الفصل بين الجاري والمطر. وتعارضها في الخمر مع إحدى الموثقتين (2) بالعموم من وجه غير ضائر، لايجابه الرجوع إلى إطلاق الاخرى، دون الكير، لاستصحاب النجاسة، وإطلاق دليل التعدد. وعدم الفصل بينه وبين ماء المطر في هذا المقام غير ثابت. المسألة الرابعة عشرة: المعتبر فيما يعتبر فيه التعدد الحسي، بأن يغسل ويقطع فيغسل ثانيا، للاقتصار على موضع اليقين، ولان المتبادر من المرتين ما حصل بينهما فصل وانقطاع، فلا يصدقان بدونهما، وفاقا لظاهر الأكثر، وفي المدارك: أنه ظاهر عبارات الاصحاب (3)، وعن جماعة منهم: الشهيد الثاني: التصريح به (4). خلافا للذكرى، فاكتفى بالتقديري كالماء المتصل (5)، ونسبه في المعالم إلى جماعة (6)، للزيادة المتقدمة في خبر ابن أبي العلاء (7). وقد عرفت ما فيها. وللمدارك: فقال بإمكان استفاء بالتقديري لو كان الاتصال بقدر زمان الغسلتين والقطع فيما لا يعتبر تعدد العصر فيه، لدلالة فحوى كفاية الحمي عليه، إذ وجود الماء لا يكون أضعف حكما من عدمه (8).


(1) المتقدمتين ص 259، 294. (2) المتقدمتين ص 289. (3) المدارك 2: 339. (4) حكى عنهم وعن الشهيد الثاني في الحدائق 5: 361. (5) الذكرى: 15. (6) المعالم: 322. (7) ص 267. (8) المدارك 2: 339.

[ 308 ]

ويضعف: بأنها موقوفة على العلم بعلة الحكم وكونها في النوع أقوى، وهي في المورد غير معلومة، وربما كان لخصوص القطع مدخلية. ثم لا يكفي في الكثير على اعتبار التعدد فيه وضع المحل فيه وخضخضته وتحريكه، بحيث يمر عليه أجزاء من الماء غير التى كانت ملاقية له، ولا في الجارى مرور جريات من الماء عليه، كما قال به في المنتهى في أحكام الاواني (1)، لعدم صدق المرتين بمجرد ذلك عرفا. المسألة الخامسة عشرة: توقف زوال حكم النجاسة على زوال عينها ظاهر، مقطوع به في كلام الاصحاب،، مدلول عليه بالاخبار. والحق المشهور - كما في المعتمد واللوامع - عدم العبرة ببقاء اللون والريح بعد القطع بزوال العين، وعليه إجماع العلماء في، المعتبر (2). خلافا للمنتهى والتذكرة ونهاية الاخكام (3)، فقيدوهما بعسر الازالة. لنا: مضافا إلى صدق الغسل بزوال العين وإن بقيا، حسنة ابن المغيرة، في الاستنجاء: قلت: فإنه - ينقى ماثمة ويبقى الريح، قال: " الريح لا ينظر إليها " (4). والمستفيضة الدالة على جواز إخفاء لون دم الحيض الذي لا يزول بالغسل بصبغ الثوب بمشق لاجل إزالة صورته (5)، ولو نجس الاثر لغا الصبغ. واختصاصها بلون دم الحيض غير ضائر، لعدم الفصل. والعامي المذكور في المعتبر والمنتهى، المروي عن خويلة بنت يسار عن


(1) المتنهى 1: 189. (2) المعتبر 1: 436. (3) المنتهى 1: 171، التذكرة 1: 9، نهاية الاحكام 1: 279. (4) الكافي 3: 17 الطهارة ب 12 ح 9، التهذيب 1: 28 / 75، الوسائل 1: 322 أبواب أحكام الخلوة ب 13 ح 1. (5) راجع الوسائل 3: 439 أبواب النجاسات ب 25.

[ 309 ]

رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: " أرأيت لو بقي أثره ؟ فقال: " الماء (1) يكفيك ولا يضر أثره (2) وضعفه بالشهرة منجبر. (إن) (3) قيل: انتقال العرض محال لا يجوز، فبقاؤه كاشف عن بقاء العين. قلنا: ممنوع، لجواز حصوله بإيجاد الله سبحانه بعد استعداد المحل بالمجاورة مع أن الاحكام الشرعية تابعة للاسماء، واللون والريح لا يسميان عذرة مثلا كيفما كانا. واستصحاب حكم النجاسة بما مر مندفع. والتقييد بعسر الازالة يمكن أن يكون لاجل أن ما يسهل إزالته لا ينفك عن العين. وفيه منع ظاهر. نعم، الظاهر بقاء العين مع كون اللون بحيث ينشر من المحل، ويتعدى إلى غيره بالمجاورة، وأما الريح فليس كذلك، ولذا يتعدى إلى الغير من غير تعدي العين، كما يتعدى من الورد إلى مجاوره، ويشعر به ما نفى البأس عن بقاء الريح في على الاستنجاء، فإن الظاهر أن بقاءه إنما يعلم من تعديه إلى يد ونحوها. وأما الطعم، والزوجة، والملاسة، والدسومة، فالظاهر وجوب إزالتها كما صرح به الشيخ في الاول في النهاية والخلاف (4)، للزوم تحصيل اليقين بزوال العين، والظاهر عدم حصوله مع بقاء واحد منها، فيستصحب بقاء العين المستلزم للنجاسة. مع أن الادلة غير شاملة لها. وعموم الاثر في العامي غير مفيد، لعدم انجباره في غير الوصفين. هذا إذا كان أحد هذه الاعراض من أوصاف ما تنجس به المحل، أما لو لم يكن منه فلا تجب إزالة الوصف. مثلا: إذا تنجس محل بالشئ الدسم، تجب إزالة الدسومة، لا ما إذا تنجس المحل الدسم بغيره، أو دسم محل نجس، فإنه


(1) كلمة " الماء " لا توجد في " ق ". (2) المعتبر 1: 436، المنتهي 1: 175، وسنن البيهقي 2: 408. (3) أضفناها لاقتضاء السياق. () لم نعثر عليه فيهما.

[ 310 ]

لا يضر حينئذ بقاء الدسومة إلا مع ميعان الشئ الدسم، بحيث - ينجس جميع أجزاء الدهن الواقعة فيه. * * *

[ 311 ]

الفصل الثاني: في الشمس وهي وإن كانت من المطهرات عند جمهور أصحابنا، إلا أنهم اختلفوا فيها في ثلاثة مواضع. الاول: في الطهارة الحاصلة منها، هل هي حقيقية أو حكمية ؟ الثاني: فيما يطهر منها. الثالث: فيما تطهره. ونذكرها في مسائل: المسألة الاولى: اختلفوا في أن ما جففته الشمس هل هو طاهر حقيقة، أو في حكمه في جواز الاستعمال والسجود عليها مع اليبوسة ؟ فالحق الموافق لمذهب الشيخين (1)، والحلي (2)، والمحقق في الشرائع (3)، والفاضل في جملة من كتبه (4)، ومعظم المتأخرين (5)، بل هو الاشهر كما نص عليه جماعة (6)، بل عليه الاجماع في ظاهر السرائر (7) كالمحكي عن الخلاف (8): الاول. وعن الراوندي (9) وابن حمزة (10): الثاني. ويظهر من الاسكافي (11) كبعض


(1) المفيد في المقنعة: 71، والطوسي في المبسوط 1: 38، والخلاف 1: 218. (2) السرائر 1: 182. (3) الشرائع 1: 55. (4) كالمختلف: 61، والمنتهى 1: 177، والتذكرة 1: 8. (5) كما في التنقيح 1: 155، وجامع المقاصد 1: 178، والبحار 77: 151. (6) منهم صاحب المفاتيح 1: 79، والحدائق 5: 36،، والرياض 1: 94. (7) السرائر: 1: 182. (8) الخلاف 1: 218 - 495. (9) نقله عنه في المعتبر 1: 446. (10) الوسيلة: 79. (11) نقله عنه في المعتبر 1: 446.

[ 312 ]

المتأخرين (1) الميل إليه، واستجوده في المعتبر (2)، وهو ظاهر المختصر النافع (3)، وتوقف في المدارك (4). لنا: صحيحة زرارة: عن البول يكون على السطح، أو في المكان الذي أصلي فيه، فقال: " إذا جففته الشمس فصل عليه، فهو طاهر " (5). ورواية الحضرمي: " ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر " (6). والرضوى: " ما وقعت عليه الشمس من الاماكن التى أصابها شئ من النجاسات مثل البول وغيره طهرتها، وأما الثياب فلا تطهر إلا بالغسل " (7). والخدشة في الثانية - بعموم الموصول الشامل لما لا يقول به أحد، من التطهر بمطلق الاشراق، الشامل لما قبل التجفيف - بشيوع التقيد (8) مع الدليل مندفعة. وفيها وفي الثالثة - بالضعف لو سلم - بالشهرة منجبرة. وفيهما وفي الاولى - بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية للطهارة - بظهور ثبوتها في زمن الصادقين عليهما السلام مردودة. مضافا إلى أن إرادة المعنى اللغوي - الذي هو عدم القذارة - في نفي النجاسة الشرعية كافية، لكونها أعظم الاقذار وأشدها. ومع ذلك، فالقرينة على إرادة المعنى المعهود في الثالثة - وهي أنه الذي لا


(1) المفاتيح 1: 80. (2) المعتبر 1: 446. (3) المختصر النافع: 19. (4) المدارك 2: 366. (5) الفقيه 1: 157 / 732، الوسائل 3: 451 أبواب النجاسات ب 29 ح 1. (6) التهذيب 1: 273 / 804، الاستبصار 1: 193 / 677، الوسائل 3: 452 أبواب النجاسات ب 29 ح 5. (7) فقه الرضا (ع): 303، المستدرك: 2: 574 أبواب النجاسات ب 22 ح 5. (8) في " ح ": المقيد.

[ 313 ]

يحصل للثياب إلا بالغسل - قائمة، بل وكذا في الاولى أيضا، لانه الذي يصلح علة لجواز الصلاة عليه، وهو المعتبر في أحكامها مكانا ولباسا، دون غيره، سيما مع تعلق السوءال بالنجاسة، هذا. على أن إطلاق الامر بالصلاة عليه مع التجفيف في الاولي الظاهرة في السجدة عليه، أو الشامل لها البتة، وإلا انتفي التأثير عن الشمس رأسا، ولغا ما طابقت النصوص عليها من التقيد بها، يدل على المطلوب أيضا ولو رفعت اليد عن قوله: " فهو طاهر " لشمو له لكونه بعد التجفيف رطبا ويابسا، وكذا لباس المصلي وأعضاؤه. ومن هذا تظهر صحة الاستدلال على المطلوب: بإطلاق الحكم بجواز الصلاة على ما جف مطلقا من المواضع النجسة، من دون اشتراط عدم رطوبة العضو، كما اشترطه القائلون بالعفو. كصحيحتي علي: إحداهما: عن البوارى يصيبها البول، هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل ؟ قال: " نعم لا بأس " (1). والاخرى: عن البوارى يبل قصبها بماء قذر أيصلى عليه ؟ قال: " إذا يبست لا بأس " (2). أو على ما جف بالشمس كذلك، كموثقة الساباطي: عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس الموضع القذر. قال: " لا تصل عليه، وأعلم موضعه حتي تغسله " وعن الشمس هل تطهر الارض ؟ قال: " إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس، ثم يبس الموضع، فالصلاة على الموضع جائزة وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر، وكان رطبا، فلا تجوز الصلاة فيه حتى ييبس، وإن كانت رجلك رطبة،


(1) التهذيب 1: 273 / 802، الاستبصار 1: 193 / 676، الوسائل 3: 451 أبواب النجاسات ب 29 ح 3. (2) التهذيب 2: 373 / 1553، الوسائل 3: 453 أبواب النجاسات ب 30 ح 2.

[ 314 ]

أو جبهتك رطبة، أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر، فلا تصل على ذلك الموضع، وإن كان عين الشمس أصابه حتى يبس، فإئه لا يجوز ذلك " (1). ويندفع بما ذكرنا ما أورد على الاستدلال بالموثقة من عدم كونها صريحة في الطهارة، إذ غايته الحكم بجواز الصلاة عليه الاعم منها ومن العفو عنه في الصلاة خاصة، كما قال به جماعة (2). ولا حاجة في دفعه إلى التمسك بالتلازم بين الطهارة وجواز الصلاة هنا، لاجل كون السؤال عن الطهارة، ولزوم التطابق بين السؤال والجواب، ولاجل أنه لولاه، لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولاجل أمره بإعلام الموضع ليغسله عند جفافه بغير الشمس، وعدم أمره به في صورة يبسه بها، مع أولوية الامر هنا، لتوهم الطهارة من حيث تجويز الصلاة فيه، ولاجل اشتراط طهارة موضع السجود بالاخبار والاجماعات المحكية. لضعف الاول: بعدم لزوم التطابق مطلقا، لاقتضاء المصلحة العدول أحيانا، بل العدول هنا إلى جواز الصلاة ربما كان مشعرا بعدم الطهارة. والثاني: بمنع الاحتياخ في الوقت. وأصالة اتحاد وقت الخطاب والحاجة - كما قد يقال - ممنوعة. والثالث: بمنع أولوية الامر بالغسل، بل التساوي هنا، فإن الموضع إذا جازت فيه الصلاة لا حاجة كثيرا إلى غسله. والرابع: بجواز تخصيص المجفف بالشمس عن مواضع السجود. وربما يستدل (3) للمطلوب أيضا: بعدم القطع ببقاء النجاسة بعد زوال عينها بالشمس بالمرة، فإنه يحتاج إلى دلالة، وهي هنا مفقودة، إذ لا آية ولا رواية


(1) التهذيب 1: 272 / 802، الاستبصار 1: 193 / 675، الوسائل 3: 452 أبواب النجاسات ب 29 ح 4. وفيها " غير الشمس " بدل " عن الشمس " كما سيشير إلبه المصنف في ص 317. (2) المدارك 2: 364، والمفاتيح 1: 80، والحدائق 5: 446. (3) كما في الرياض 1: 95.

[ 315 ]

ولا إجماع فيه. والاستصحاب على تقدير تسليم اقتضائه بقاء النجاسة هناك، فمقتضاه النافع نجاسة الملاقي. وهو حسن إن خلا عن المعارض بالمثل، وليس كذلك، لان الاصل أيضا بقاء طهارة الملاقي، ولا وجه لترجيح الاول بل هو به أولى، فيتعارض الاتصحابان ويتساقطان وتبقى أصالة الطهارة العقلية باقية. ولا يخفى أنه مبنى على عدم ترجيح استصحاب النجاسة على استصحاب طهارة الملاقي، وعدم زوال الثاني بالاول، وهو كما بيناه في موضعه خلاف التحقيق جدا. مع أنه يوجب الحكم بالطهارة في كل موضع وقع الخلاف في بقاء نجاسته، إذ لا دليل غالبا سوى الاستصحاب، ولا أظن أن هذا المستدل يسلم ذلك على الإطلاق. ثم إن ذلك إنما هو إذا كان بناؤه على تعارض الاستصحابين وتساقطهما، ولو كان منظوره إعمال الاستصحابين، فهو أظهر فسادا، إذ حينئذ تكون نجاسة الموضع التي هي. المتنازع فيها مستصحبة وإن لم يحكم بنجاسة ملاقيه، ولا تنحصر الثمرة في تنجيس الملاقي، بل هي تظهر في موارد كثيرة (1) أخرى أيضا. دليل المخالف: الاستصحاب، والنهي عن الصلاة في الموضع مع رطوبة العضو في آخر الموثقة وإن يبس بإصابة عين الشمس. وفي صحيحة ابن بزيع: عن الارض والسطح يصيبه البول أوما أشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال: " كيف يطهر من غير ماء ؟ " (2). وصحيحة زرارة والازدي: السطح يصيبه البول أو يبال عليه أيصلى في ذلك الموضع ؟ فقال: " إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس " (3) دلت


(1) كالسجود مع الرطوبة وبناء المسجد على ذلك الموضع (منه ره). (2) التهذيب 1: 273 / 805، الاستبصار 1: 193 / 678، الوسائل 3: 4 53، أبواب النجاسات ب 29 ح 7. (3) الكافي 3: 392 الصلاة ب 63 ح 23، التهذيب 2: 376 / 1567، الوسائل 3: 451 أبواب =

[ 316 ]

بالمفهوم على أنه إن لم يكن جافا، لا تجوز الصلاة فيه ولو جف أولا بالشمس. والجواب: أما عن الاستصحاب: فبأنه بما مر مندفع. وأما الجواب عنه: بأن دليل ثبوت الحكم في الحالة الاولي: الاجماع، فلا يتم استصحابه بعدها، إما لاشتراطه بجريان الدليل فيما بعد أيضا، والاجماع لا يجرى في محل الخلاف، أو لان الثابت من الاجماع نجاسته حال بقاء العين، وتقييدها بها ممكن، بل هو الاصل في كل حكم ثبت في حال وصف بواسطة الاجماع، كما بين في محله، ومع التقييد لا يمكن الاستصحاب. فمردود: بمنع اشتراط الاستصحاب بجريان دليله فيما بعد زمان الشك أيضا. وأن التتبع والاستقراء، بل المعلوم من طريقة العلماء في باب الطهارات والنجاسات بل من إجماعهم يعطي أن النجاسة إذا ثبتت في موضع لا ترتفع إلا بما ثبت كونه مزيلا لها، فيحتاج رفعها إلى ثبوت المزيلية لها لشئ وثبوت وجوده، ولا يكون (1) ثبوتها مغيي بغاية ومقيدا بوصف أو حالة. وتحقيق المقام وتوضيحه: أن الامور الشرعية على قسمين: أحدهما: ما يمكن أن يكون المقتضي لثبوته مقتضيا له في الجملة، أو إلى وقت كالوجوب والحرمة ونحوها، فإنه يمكن إيجاب شئ أو تحريمه ساعة، أو يوما، أو إلى زمان، أو مع وصف. وثانيهما: ما ليس كذلك، بل المقتضى يقتضي وجوده في الخارج، فإذا وجد فيه لا يرتفع إلا بمزيل. وبتقرير أخر: أحدهما ما يكون وجوده أولا مغيى ومقيدا، وثانيهما ما لا يوجد في الخارج إلا بلا قيد، فيكون باقيا حتى يزيله مزيل، وذلك كالملكية، فإن =


النجاسات ب 29 ح 2. (1) في " ح ": خ ل - يمكن.

[ 317 ]

البيع مثلا سبب للملكية المطلقة، فلا تزول إلا بمزيل، ولا يمكن أن يكون سببا للملكية في ساعة، بمعنى أنه ليس كذلك شرعا وإن أمكن عقلا. ومثال الاول في غير الشرعيات: الاذن، فإنه يمكن أن يتحقق أولا الاذن في ساعة، أو يوم، أو شهر، أو في حالة لشخص من آخر. ومثال الثاني: السواد، فإنه لا يمكن أن يوجد أولا السواد في ساعة، بل يصير موجودا ثم يرتفع بمزيل، وشأن النجاسة في الشرعيات من هذا القبيل، بمعى أنه يثبت بالاستفراء بل إجماع العلماء أنه كذلك وإن كان غير ذلك ممكنا عقلا. وعلى هذا، فبعد ثبوت النجاسة في الموضع يحتاج رفعها إلى مزيل، وما لم يعلم المزيل تستصحب، ولا يمكن أن يقال: إن الثابت أولا هو وجودها حال بقاء العين. هذا، مضافا إلى أن الاجماع والاخبار ينفيان تقييدها بوجود العين، لدلالتهما على نجاسة المحل بعد زوال العين إن لم تجففه الشمس. ومن هذا يندفع ما يشعر به كلام بعضهم (1) في دفع الاستصحاب، من أنا لا نسلم نجاسة الموضع حتي تستصحب، بل يتعلق به أحكام النجس ما دامت العين فيه، لانها فيه لا لتأثرها في المحل. وأما عن الموثقة: فبأن المذكور في الاستبصار (2) وفي بعض نسخ التهذيب (3) والموافق المذكور في كثير من كتب العلماء، كالمنتهى، والمدارك (4)، وغيرهما (5): " غير الشمس " بالغين المعجمة والراء، دون " عن الشمس " بالعين المهملة والنون،


(1) المختلف: 61. (2) الاستبصار 1: 193 / 675. (3) التهذيب 1: 272 / 802. (4) المنتهى 1: 177، المدارك 2: 364 (5) مجمع الفائدة 1: 353.

[ 318 ]

وحينئذ لا تبقى حجية لبعض آخر من النسخ. ولا دلالة للبعض الاول على عدم الطهارة، لانه يكون المعنى أن مع رطوبة الرجل أو الجبهة لا تصل في الموضع وإن يبس بغير الشمس، ويكون فرده الاجل عدم اليبس، ولا يمكن أن يكون هو اليبس بالشمس، لانه ليس بالاجلى قطعا، فيختل الكلام، فهذا مثل قول القائل: أكرم زيدا ولو أهانك بغير القذف، فإن الفرد الاجلى حينئذ هو عدم الاهانة لا الاهانة بالقذف، بل هذا بدل بمفهوم الوصف على عدم الإكرام مع القذف، وقد بينا في الاصول أن مفهوم الوصف المستفاد من لفظ الغير الوصفي حجة وإن لم نقل بحجية مطلق مفهوم الوصف، وعلى هذا فيكون هذا الجزء أيضا دليلا على الطهارة. واحتمال فصل جملة قوله: " وإن كان " إلى آخره عن سابقها، وكونه شرطا جزاؤه قوله: " فإنه لا يجوز ذلك " وحينئذ يقتضي سابقها عدم الطهارة إما لعمومه أو لارتباطه بصورة يبوسة الموضع بالشمس لا صورة رطوبته.. مندفع: بأن محض الاحتمال غير كاف في الاستدلال، سيما مع أظهرية - الوصل هنا. مع أنه على الفصل يعارض عمومه عموم جملة: " إذا كان الموضع قذرا " إلي آخره، وارتباطه بما ذكر معارض باحتمال ارتباطه بصورة الرطوبة. وأما عن صحيحة ابن بزيع: فبأن غايته أن معنى قوله: " كيف يطهر بغير ماء ؟ " أنه لا يطهر بغير ماء، وهو عام شامل لما إذا كان رطبا أو يابسا بغير الشمس، وقوله في صحيحة زرارة: " إذا جففته الشمس " إلى آخره أخص منه فيخصصه وكذا الموثقة، ويكون المعنى: أنه إذا كان يابسا لا يطهر بغير ماء، بل يجب إما غسله بالماء، أو بل الموضع ثانيا حتى تجففه الشمس. وأما عن الصحيحة الاخيرة: فبأن عموم المفهوم فيها يعارض عموم المنطوق، فإنه يدل على جواز الصلاة إذا كان الموضع جافا سواء كان العضو جافا أيضا أو رطبا. مضافا إلى أن مقتضى المفهوم عدم جواز الصلاة ولو جف بالريح

[ 319 ]

والشمس، ويمكن أن يكون ذلك لعدم العلم باستناد الجفاف إلى الشمس خاصة. فإن قيل: فعلي هذا ينبغي عدم جواز الصلاة مع الجفاف أيضا، وهو خلاف المنطوق. قلنا: نعم كذلك إن ابقي المنطوق على عمومه، ولاكن يجب تخصيصه بما إذا كان العضو يابسا، أو يكون الموضع غير محل السجود. واحتمال تخصيصه بما إذا علم الجفاف بالشمس خاصة غير كاف في تمامية الاستدلال. المسألة الثانية: ما تطهره الشمس من النجاسات - حقيقة أو حكما - هل هو البول خاصة ؟ كما عن المقنعة (1)، وموضع من المبسوط (2)، والديلمي (3)، والراوندي (4)، وابن حمزة (5)، واستجوده في المنتهى (6). أو هو وشبهه ؟ كما في الخلاف، والتذكرة والقواعد، والارشاد، والذكرى (7)، بل نسب إلى المشهور بين المتأخرين (8). أو كل نجاسة مائعة ؟ كما عن موضع آخر من المبسوط (9) و (10) في


(1) المقنعة: 71. (2) المبسوط 1: 38. (3) المراسم: 56. (4) نقله عنه في المختلف: 61. (5) لم يصرح بالبول فيما عثرنا عليه من كلامه في الوسيلة: 79 وذكر النجاسة المائعة وهو القول الثالث. (6) المتهى 1: 178. (7) الخلاف 1: 218، التذكرة 1: 8، القواعد 1: 8، مجمع الفائدة 1: 351، الذكرى: 15. (8) نسبه إليهم في الذخيرة: 170. (9) المبسوط 1: 90. (10) المظنون ان " الواو " من زيادة النساخ والمراد أن المنتهى حكى هذا القول عن موضع من المبسوط كما هو الموجود في المنتهى 1: 178.

[ 320 ]

المنتهى، وصريح السرائر (1)، واختاره والدي في اللوامع والمعتمد. أو يعم النجاسات كلها إذا ازيلت العين وبقيت الرطوبة وإن لم تكن مائعة ؟ كما في الشرائع (2)، والنافع (3)، والبيان (4)، بل نسب (5) أيضا إلى الشهرة المتأخرة (6). الحق هو الاخير، للموثقة، ورواية الحضرمي، المؤيدتين بالرضوي (7). ورد الاولي: بضعف الدلالة، لاختصاصها بجواز الصلاة، مردود بما مر. مضافا إلى أن تجويز الصلاة فيها في البول وغيره إما للطهارة في الجميع، أو العفو فيه، أو الطهارة في البعض والعفو في آخر. والثاني مدفوع: بصحيحة زرارة (8). والثالث: بعدم القائل، فتعين الاول. المسألة الثالثة: ما تطهره الشمس من المواضع هو الارض، والحصر، والبواري، وكل ما لا ينقل عادة من الابنية، والابواب، والاوتاد المثبتة، والنباتات القائمة، وفاقا لصريح الشرائع، والتذكرة والتحرير، والقواعد، والمنتهى (9)، والارشاد، وشرح القواعد، والدروس، والذكرى، والبيان (10)، وفي اللوامع أنه المشهور مطلقا، وفي الحدائق بين المتأخرين (11)، لعموم رواية الحضرمي، خرج منه المنقول بالفعل عادة بالاجماع والرضوي المنجبر بالعمل الدال على عدم تطهر شئ


(1) السرائر 1: 182. (2) الشرائع 1: 55. (3) المختصر النافع: 19، وفي النسخ: " اللوامع " والظاهر أنه تصحيف " النافع ". (4) الببا ن: 92. (5) كما نسبه في الحدائق 5: 437. (6) وظاهر المعتبر والتحرير التردد (منه ره)، راجع المعتبر 1: 446، التحرير 1: 25. (7) المتقدمة في ص 314 وص 312. (8) المتقدمة ص 312. (9) الشرائع 1: 55، التذكرة 1: 8، التحرير 1: 25، القواعد 1: 8، المنتهى 1: 178. (10) مجمع الفائدة 1: 351، جامع المقاصد 1: 178، الدروس 1: 125، الذكرى: 15، البيان: 92. (11) الحدائق 5: 437.

[ 321 ]

من المنقولات بضيمة عدم الفصل، فيبقى الباقي. ويدل على المطلوب في أكثر ما ذكر: إطلاق الموضع في الموثقة، وقد يستدل أيضا بوجوه اخر ضعيفة. وخلافا لنهاية الاحكام، فأخرج الثمرة على الشجرة مما يطهر (1). وللسرائر، والمختصر النافع، وعن المقنعة، والمبسوط، والحلاف (2)، والراوندي (3)، وابن حمزة (4) والديلمي (5)، فخص بالثلاثة الاولي، وللمعتبر فتردد في غيرها (6)، استنادا في الثلاثة إلى ما تقدم من صحاح زرارة وعلي والموثقة (7)، وفي التخصيص إلى ضعف الرواية (8) سندا. وهو عندنا غير ضائر، مع أن الاشتهار المدعى لضعفه - لو كان - جابر، مضافا إلى أن الموثقة لغير الثلاقة قطعا شاملة، ومعه فيتعدى إلى سائر ما لا يشمله بعدم الفاصل. المسألة الرابعة: لا يطهر شئ من النجاسات بالجفاف بغير الشمس، وعليه إجماعنا كما في المنتهي (9). وتدل عليه صحيحة زرارة مفهوما، والموثقة منطوقا، وصحيحة ابن بزيع (10) عموما.


(1) نهاية الاحكام 1: 290. (2) السرائر 1: 182، للمختصر النافع: 19، المقنعة: 71، المبسوط 1: 38، الخلاف 1: 495. (3) نقله عنه في المختلف: 61. (4) الوسيلة: 79. (5) المراسم: 56. (6) المعتبر 1: 447. (7) المتقدمة ص 312 و 313 - 314. (8) يعني رواية الحضرمي المتقدمة ص 312. (9) المنتهى 1: 177. (10) المتقدمة في ص 315.

[ 322 ]

وبها يخصص بعض المطلقات المجوزة للصلاة في كل موضع في، أو يحمل على غير السجدة عليه مع جفاف الاعضاء. وعن الخلاف القول بالطهارة بزوال العين بهبوب الرياح مدعيا عليه إجماع الفرقة (1). ورجوعه عنه في غير ذلك الكتاب (2)، بل في موضع آخرمنه (3) يقدح في إجماعه، بل يوجب - عدم قدح خلافه في الاجماع. فروع: أ: لو جف بالشمس وغيرها معا كالهواء، فإن تأخر التجفيف بأحدهما، بأن يكون ارتفاع الرطوبة رأسا من أحدهما وإن نقصت أولا بالآخر، فالحكم للمتأخر، لصدق الجفيف - بالشمس مع تأخره، وعدمه لا معه. وصدق الاشراق كما في الرواية (4)، وإصابة الشمس ثم الجفاف كما في الموثقة وإن أوجبا التطهر في الصورة الثانية أيضا، ولكن يعارضهما مفهوم الصحيحة بالعموم من وجه، فيرجع إلى استصحاب النجاسة، ومع الشك يستند الجفات إلى المتأخر لاستصحاب، الرطوبة. وإن شاركا في التجفيف في زمان، فظاهر القواعد والتذكرة عدم الطهارة (5). وصرح في المدارك (6) واللوامع بالطهارة. وهو كذلك، لصدق التجفيف بالشمس وإشراقها إلا إذا علم أن التأثير من غير الشمس.


(1) الخلاف 1: 218. (2) المبسوط 1: 38. (3) الخلاف 1: 495. (4) المراد بها رواية الحضرمي المتقدمة ص 312. (5) القواعد 1: 8، التذكرة 1: 8. (6) المدارك 2: 367.

[ 323 ]

ب: زوال العين في تطهير الشمس معتبر إجماعا، ولان مع بقائها لا تصدق إصابة الشمس ولا إشراقها على الموضع غالبا، بل قد يشك في صدق التجفيف بالشمس أيضا. والكلام في زوال اللون والطعم والريح كما مر. ج: لو جف بحرارة الشمس من غير إشراقها لم يطهر، لصدر الموثقة، ولعدم صدق الاشراق ولا الجفاف بالشمس، ألا ترى أنه إذا جف شئ بمقابلته مع النار يقال: جففته النار، ولو كان بينهما حائل لا يقال ذلك وإن جففته حرارتها. د: لو جف بغير الشمس وبل بوجه غير مطهر يطهر بالجفاف بالشمس، والوجه ظاهر. ه‍: لو اتصلت النجاسة من الظاهر إلى الباطن في شئ واحد، فصرح جماعة (1) بأنه يطهر بإشراق الشمس على الظاهر وتأثيرها في الباطن، لانه مع الوحدة يصدق على المجموع أنه ما شرقت الشمس عليه وأصابته، بل جففته. وهو كذلك إن علم أن آخر جفاف الرطوبة الباطنية حصل بالشمس. وإلا فإن علم أن آخره حصل بغير الشمس، فالظاهر اختصاص الطهارة بالظاهر، لمفهوم الصحيحة المعارض لما مر بالعموم من وجه، فيرجع إلى استصحاب النجاسة. وإن لم يعلم شئ منهما، فالحكم لاستصحاب الرطوبة الباطنية، فإن انقطع الاستصحاب في زمان الجفاف بالشمس، يكون طاهرا، وإن انقطع في غيره، يكون نجسا. وتقييد منطوق الصحيحة بالعلم، فجميع صور الشك يدخل في المفهوم غلط، لان الالفاظ للمعاني النفس الامرية، ولا يقيد بالعلم إلا في مقام الاوامر


(1) منهم الشهيد الثاني في الروض: 170، والمحقق السبزواري في الذخيرة: 171، وصاحب الحدائق 5: 455.

[ 324 ]

والنواهي، وليس المقام منها. مع أن بعد ملاحظة ما ذكرنا من استصحاب الرطوبة لا يبقى محل شك. والحكم باختصاص الطهارة مطلقا بالظاهر - كما هو ظاهر المنتهى (1) - غير جيد. وأما لو كان شيئان نجسان وضع أحدهما فوق الاخر وجف التحتاني بحرارة الشمس، فلا يطهر مطلقا. و: تطهر اللبنية النجسة بالشمس، وإن كانت منقولة، إما لصدق الارض عليها، أو لعدم العلم بخروجها عن العموم. وكذا التراب، والمدر، والحجر، والحصى، والرمل، ونحوها. والكلام في بواطنها إذا كانت نجسة كما سبق. * * *


(1) المنتهى 1: 177.

[ 325 ]

الفصل الثالث: في الاستحالة والمراد منها تبدل الحقيقة عرفا لم، والمناط في تبدلها تبدل الاسم، بحيث يصح سلب الاسم الاول عنه، كما أشار إليه الامام في موثقة عبيد بن زرارة الآتية (1)، فكلما تبدل اسمه كذلك ينكشف تبدل حقيقته ويختلف حكمه. وأما القول بعلم كفاية تبدل الاسم، لاجل، أنه لا يتفاوت الحكم الثابت للحنطة بعد صيرورتها دقيقا، ولا للدقيق بعد صيرورته عجينا، ولا للعجين بعد صيرورته خبزا، وكذا في القطن والغزل والثوب، وجعل المناط تبدل الحقيقة، والكاشف عنه تبدل الآثار والخواص (2).. فمردود بأنه لو كان كذلك، لزم تطهر اللبن النجس بصيرورته جبنا أو إقطا، ضرورة تبدل الخواص فيهما، ولا يلزم ذلك على ما ذكرنا. وأما مثال الحنطة والقطن فنمنع ثبوت الحكم وعدم اختلافه لوثبت، فإنه لو قال الشارع: لا تسكن البيت ما دام فيه الحنطة، فلا يحرم السكون بعد تبدلها دقيقا. وكذا لو نذر أحد أن يصوم مادام عنده القطن، لا يجب عليه الصيام بعد تبدله غزلا أو ثوبا. وكذا لو قال: اغسل ثوبك من ملاقاة الحنطة أو القطن، فيحكم لاجله بنجاستهما ما داما حنطة وقطنا. وأما ما ترى من استصحاب نجاسة الحنطة المتنجسة بعد صيرورتها دقيقا وكذا في القطن واللبن، فإنما هو لعدم كون النجاسة معلقة على هذا الاسم شرعا، فإن الشارع لم يقل: إن الحنطة نجسة، ولا: إن الحنطة الملاقية للنجاسة نجسة، إنما هي جزئي من جزئيات المحكوم عليه، لا لكونه حنطة، بل لانه جسم ملاق للنجاسة، فمناط الجزئية أيضا هذا الملاقي، ولو كان الشارع يقول: الحنطة


(1) سيأتي ذكرها ص 332. (2) قاله في غنائم الأيام: 81.

[ 326 ]

نجسة، لكنا نحكم بطهارتها بعد صيرورتها دقيقا أو خبزا. وقد ظهر مما ذكرنا أن المراد بالاستحالة هنا استجالة موضوع الحكم شرعا، وتبدل حقيقة ما جعله الشارع مناطا للحكم وموضوعاله، والمناط في تبدل الحقيقة هو تبدل الاسم عرفا. ثم إن للاستحالة أنواعا كلها مشتركة في إيجابها لتطهر الاعيان النجسة ذاتا، للاصل، وعمومات طهارة ما استحيل إليه، وعدم دليل على نجاسته سوى الاستصحاب الذي لا يمكن التمسك به في المقام، لتبدل الموضوع. والشك في التبدل كاللاتبدل، للاصل والاستصحاب. دون المتنجسات على الاقوى، للاستصحاب، وعدم تغير الموضوع كما أشرنا إليه، وبينا تفصيله في موضعه من الاصول. ومن لم يفرق بين الموضعين فقد بعد عن التحقيق، وأبعد منه من أجرى الحكم في الثاني بمفهوم الموافقة. فمن أنواعها: الاستحالة بالنار، وهي تطهر الاعيان النجسة ذاتا بإحالتها إلى الدخان والرماد والفحم على الاقوى والاشهر مطلقا في الاولين، وعند المتأخرين خاصة في الاخير، بل على الاول الاجماع في المنتهى والتذكرة (1)، وعلى الثاني عن الخلاف (2)، وعليهما عن السرائر (3). ونسبة دعوى الاجماع إلى المعتبر خطأ (4)، لانه ذكره في دواخن السراجين النجسة، والمراد الابخرة المتصاعدة عنها، لانه قال: لا يتوقى الناس عنها (5)، وما أجمعوا على عدم التوقي عنها هي الابخرة، مع أنه قال في باب ح الاطعمة في


(1) المنتهى 1: 185، التذكرة 1: 8. (2) الخلاف 1: 499. (3) السرائر 3: 121. (4) كما نسبه في مفتاح الكرامة 1: 186. (5) المعتبر 1: 452.

[ 327 ]

الشرائع. ودواخن الاعيان النجسة طاهر عندنا، وكذا ما أحالته النار وصيرته رمادا أو دخانا على تردد (1). ويدل على الحكم في الجميع - بعد الاجماع في الجملة - الاصل السالم عن المعارض، سوى الاستصحاب الغير المفيد هنا كما مر. وقد يستدل أيضا: بصحيحة السراد: عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ويجصص به المسجد، أيسجد عليه ؟ فكتب إليه بخطه: " إن الماء والنار قد طهراه " (2). والمروى في قرب الاسناد: عن الجص يطبخ بالعذرة أيصلح به المسجد ؟ قال: " لا بأس " (3). وليس المراد من الاولى تطهر الجص المتنجس بالنار والماء حتي يرد أن النار لم تجعله رمادا، والماء أحيل إليه بمجرد ملاقاته له فلا يصلح للتطهير. بل المراد أن النار أحالت العذرة المختلطة معه إلى الرماد فطهرته، والماء طهر ظاهر الجص الملاقي لعذرة المحتملة لرطوبة بعض أجزائها، فلا يلزم حمل التطهر على الحقيقي والمجازي أو عموم المجاز. وإحالة الماء إليه غير ضائر، لانه احيل بعد التطهر، والمانع هو ما إذا كان قبله. مع أنها تدل جمل المطلوب من باب الاشارة أيضا، حيث لم يمنع من تجصيص المسجد به، وحينئذ يمكن حمل التطهير فيها على المعى المجازي أعنى التنظيف. ولا يخفى أن الاستدلال بهما إنما يتم على ما هو متعارف بعض بلاد العرب، من وضع الوقود على الجص وإحراقه عليه، وأما على ما هو متعارف كثير بلاد


(1) الشرائع 3: 226. (2) الكافي 3: 330 الصلاة ب 27 ح 3، الفقيه 1: 175 / 829، التهذيب 2: 235 / 928، الوسائل 3: 527 أبواب النجاسات ب 81 ح 1. (3) قرب الاسناد: 290 / 1147، الوسائل 5: 291 أبواب أحكام المساجد ب 65 ح 2.

[ 328 ]

العجم من إيقاء تحته من غير امتزاج فلا، بل يكون المراد بالتطهر في الاولى رفع التنفر والقذارة، وعلى هذا فيشكل التعويل على الروايتين. خلافا للمحكي عن المبسوط في دخان الدهن النجس، فحكم بنجاسته لوجه اعتباري لا يتم (1)، والمنع عن الاسراج به تحت الظلال، وهو أيضا على مطلوبه غير دال. وللمعتبر وباب الاطعمة والاشربة من الشرائع في الثلاثة، فحكم في الاول بعدم التطهر (2) وفي الثاني تردد (3). وللعاملي (4) في الثالث. ولا وجه لشئ منها. وأما استحالة المتنجسات، فألحقها جماعة (5)، باستحالة النجس في حصول التطهر بها. ونفي بعضهم (6)، الالحاق، وهو كذلك في غير الدخان، لما ذكرنا. وأما الدخان فالظاهر طهارته، لخروج الجسم به عن قابلية النجاسة، فلا يجري فيه الاستصحاب، فإنه ليس جسما عرفا، ولذا لا ينجس الدخان الطاهر حيث يمر على النجاسات الرطبة. وبما ذكرنا يظهر عدم تطهر الطين النجس بصيرورته آجرا أو خزفا وإن خرج عن مسمى التراب، وفاقا لجماعة (7). وخلافا لآخرين (8)، لما ذكر من التبدل، وقد عرفت ضعفه. ولنقل الاجماع من الخلاف (9)، وهو ليس بحجة. ولاطلاق


(1) حكاه في الرياض 1: 95، ولكن الموجود في المبسوط 6: 286 التصريح بعدم نجاسته. (2) المعتبر 1: 451. (3) الشرائع 3: 226. (4) الروض: 170. (5) منهم صاحب المعالم: 403، وكشف اللثام 1: 56، وكشف لغطاء: 181. (6) الحدائق 5: 462. (7) منهم الشهيد الثاني في الروض: 170، والروضة 1: 67. (8) منهم الشيخ في الخلاف 1: 499، والشعهيد في البيان: 92. (9) الخلاف 1: 500.

[ 329 ]

صحيحة السراد، وهي على مطلوبهم غير دالة. ولاصالة الطهارة، وهي بالاستصحاب مندفعة. ورد الاستصحاب هنا بمثل ما مر في التطهر بالشمس يعرف جوابه مما ذكر هناك. وكذا يظهر عدم تطهر خبز العجين النجس، كما هو المشهور، لما ذكر، وللامر بدفنه أو بيعه ممن يستحل الميتة في صحيحتي ابن أبي عمير (1). وخلافا للمحكي عن الشيخ في الاستبصار (2) وموضع من النهاية - مع حكمه بالعدم في موضع آخر (3) - لصحيحة ابن أبي عمير: في عجين عجن وخبز ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة قال: " لا بأس، أكلت النارما فيه " (4). ورواية ابن الزبير: عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها، أيؤكل ذلك الخبز ؟ قال: " إذا أصابته النار لا بأس " (5). والاولى لشمولها لميتة غير ذات النفس أعم مطلقا مما مر، فتختص لا محالة والثانية مبنية على نجاسة البئر بالملاقاة، وقد عرفت ضعفها. وأما التعليل بكل النار في الاولى، والتقييد بإصابتها في الثانية: فلرفع استقذار الطبع. ومنها: الاستحالة إلى الدود أو التراب، على المشهور بين الاصحاب


(1) التهذيب 1: 414 / 1305، الاستبصار 1: 29 / 76 و 77، الوسائل 1: 242، 243 أبواب الاسآر ب 11 ح 1 و 2. (2) الاستبصار 1: 29. (3) النهاية: 8، 590. (4) التهذيب 1: 414 / 1304، الاسبصار 1: 29 / 75، الوسائل 1: 175 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 18. (5) التهذيب 1: 413 / 1303، الاسبصار 1: 29 / 74، الوسائل 1: 170 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 17.

[ 330 ]

(للاصل) (1). وتوقف الفاضلان (2) في الثاني: وعن الشيخ (3) الحكم بنجاسته. ولعل نظرهم إلى الاستصحاب، وقد عرفت ما فيه. وهذا أيضا كالاستحالة بالنار يختص بالاعيان النجسة دون المتنجسة، لما مر، إلا أن يكون هناك عموم أو إطلاق دال على طهارة كل حيوان أو تراب، بحيث يشمل المورد أيضا، كما هو المظنون في التراب، فحينئذ، ترفع اليد عن الاستصحاب. ولا تطهر الارض الملاقية للعذرة الرطبة بعد استحالتها، للاستصحاب، وعدم الموجب. وقيل: تطهر، لاطلاق الفتاوى بالنسبة إلى العذرة المستحالة، ولو لم يطهر محلها، لخصت باليابسة. قلنا: الاطلاق إنما هو بالنسبة إلى ارتفاع النجاسة الثابتة، فلا ينافيه عروض نجاسة من الخارج، مع أنه لا إطلاق هناك لدليل يمكن كالتشبث به. ومثل الاستحالة إلى التراب والدود الاستحالة إلى غيرهما من الاجسام. ومنها: استحالة الكلب والخنزير الواقعين في المملحة ملحا، والعذرة الواقعة في الماء حمأة. والاقرب فيها أيضا الطهارة، وفاقا للفخري (4)، والكركي (5)، والشهيدين (6)، ومعظم الثالثة (7)، للدليل المطرد في كل استحالة، وأدلة طهر


(1) لا توجد في " ق ". (2) المحقق في المعتبر 1: 452، والعلامة في التذكرة 1: 8. (3) المبسوط 1: 93. (4) الايضاح 1: 31. (5) جامع المقاصد 1: 181. (6) الاول في الدروس 1: 129، والثاني في حواشيه على ما نسبه إليه في مفتاح الكرامة 1: 191. (7) كما قال به في المفتاح 1: 80، وكشف اللثام 1: 58، والذخيرة: 172.

[ 331 ]

الملح. وخلافا للمعتبر والمنتهي، ناسبا له إلى أكثر أهل العلم (1)، وتردد في التذكرة (2)، لتخريج ضعيف، واستصحاب مردود. ومنها: استحالة النطفة حيوانا طاهرا، والبول النجس بولا، أو لبنا، أو عرفا، أو لعابا لحيوان يطهر منه تلك الامور، والغذاء النجس جزءا له. والظاهر عدم الخلاف في شئ من ذلك، فإن ثبت فهو، وإلا ففي طهارة المتنجس بذلك فيما لم يكن فيه معارض للاستصحاب نظر يظهر وجهه مما ذكر، إلا أن يحكم بطهارة الجميع بضم عدم الفصل بين المذكورات إلى عمومات طهارة بول مأكول اللحم أو لحمه. ومنها: انتقال الدم النجس العين - كدم الانسان - إلى بدن ما لا نفس له، واستحالته إلى دمه عرفا، والظاهر عدم الخلاف في طهارته. وتدل عليه - بعد الاصل ولزوم العسر والحرج - عمومات طهارة دمه. واستصحاب النجاسة قد عرفت ما فيه، والحكم في ذلك أيضا كنظائره المتقدمة، للاستحالة، أي تغير الاسم عرفا، فإن موضوع النجاسة دم الانسان مثلا، فبعد عدم صدق ذلك عليه لا يمكن الاستصحاب. وأما ما قيل: من أن الظاهر أنه لاجل عدم صدق الاسم فقط فهو في العرف دم البق مثلا، لا دم الانسان، ودم ما لا نفس له طاهر، فالطهارة إنما هي لتغير الحكم بالشرع بسبب تغير الاسم، يعنى أن الشارع نص على تفاوت الحكم بتفاوت الاسمين، وهذا غير تغير الحكم بمجرد الاستحالة (3)، فلا وجه له. والظاهر أن نظره في الاستحالة إلى تغير الحقيقة، وأنه غير متحقق بمجرد تغير الاسم. وهو غير صحيح كما أشرنا إليه.


(1) المعتبر 1: 451، المنتهي 1: 179. (2) التذكرة 1: 8. (3) غنائم الايام: 81.

[ 332 ]

ومنها: انقلاب الخمر خلا، وهو أيضا مطهر بالاجماع مع الانقلاب بنفسه، كما في التنقيح (1) واللوامع، ومعه بالعلاج على المشهور، بل عليه وعلى الاول الاجماع في الانتصار والمنتهى (2)، للعلة المطردة، والنصوص المستفيضة: كموثقتى عبيد بن زرارة: عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا، قال: " لا بأس " (3). والاخرى: في الرجل باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا، فقال: " إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس به " (4). وصحيحة عبد العزيز بن المهتدي: العصير يصير خمرا فيصب عليه الخل وشئ يغيره حتى يصير خلا، قال: " لا بأس به " (5). وحسنة زرارة: عن الخمر العتيقة تجعل خلا، قال: " لا بأس " (6). والرضوي المنجبر ضعفه بالعمل: " فإن تغير بعد ذلك وصار خمرا فلا بأس أن يطرح فيه ملحا أو غيره حتى يتحول خلا " (7). والمروى في السرائر: عن الخمر يعالج بالملح وغيره ليتحول خلا، قال: " لا بأس بمعالجتها " (8) الحديث. والثالثة كالاخيرين صريحة في العلاج، والبواقي ظاهرة فيه فإن ؟ ؟ ؟ ؟ جعل


(1) التنقيح 4: 61. (2) الانتصار: 200، المنتهى 1: 167. (3 و 4) الكافي 6: 428 الاشربة ب 34 ح 3، التهذيب 9: 117 / 505 و 507، الاستبصار 4: 93 / 356 و 357، الوسائل 25: 370، 371 أبواب الاشربة المحرمة ب 31 ح 3 و 5. (5) التهذيب 9: 118 / 509، الاستبصار 4: 93 / 309، الوسائل 25: 372 أبواب الاشربة المحرمة ب 31 ح 8. (6) الكافي 6: 28، الاشربة ب 34 ح 2، التهذيب 9: 117 / 504، الاستبصار 4: 93 / 355، الوسائل 25: 370 أبواب الاشربة المحرمة ب 31 ح 1. (7) فقه الرضا (ع): 280، المستدرك 17: 73 أبواب الاشربة المحرمة ب 21 ح 1. (8) مستطرفات السرائر: 60 / 31، الوسائل 25: 372 أبواب الاشربة المحرمة ب 31 ح 11.

[ 333 ]

الخمر خلا ظاهر في العلاج. فتوقف العاملي في الصورة الثانية، وتعليله: بأنه ليس في الاخبار المعتبرة ما يدل على علاجها بالاجسام وتحقق الطهر بها، وإنما هو عموم أو مفهوم مع قطع النظر عن الاسناد (1).. لا وجه له، لما عرفت من وجود خصوص النصوص التى منها الصحيح والموثق، مع أن العموم أو المفهوم حجة. وأما حديث الاسناد فالاخبار معتبرة بنفسها، ومع ذلك فالجميع بالشهرة المتحققة والمحكية في كلامه بنفسه (2) وكلام غيره (3) معتضدة. وأما صحيحة أبي بصير: عن الخمر على فيها الخل، فقال: " لا إلا ما جاء من قبل نفسه " (4)، فهي عن إفادة الحرمة قاصرة، وعلى فرض الدلالة، فلشذوذها عن إثبات الحرمة عاج ولاثبات محض كراهته للتسامح في أدلتها صالحة. ومع قطع النظر عما ذكر يجب الحمل عليها ؟ للمعارضة مع ما مر. وكذا المروي في العيون: " كلوا خل الخمر ما انفسد، ولا تأكلوا ما أفسدتموه أنتم " (5). مع أن حمل الصحيحة على أن مجرد جعل الخل في الخمر لا يكفي في الاستحالة - ردا على أبي حنيفة القائل به (6) - ممكن. ولا فرق بين ما كان المعالج به مانعا أو جامدا، باقيا أو هالكا، لاطلاق الادلة المتقدمة.


(1) المسالك 2: 248. (2) المسالك 2: 248. (3) المفاتيح 1: 80. (4) التهذيب 9: 118 / 510، الاستبصار 4: 93 / 360، الوسائل 25: 371 أبواب الاشربة المحرمة ب 31 ح 7. (5) العيون 2: 39 / 127، الوسائل 25: 25 أبواب الاطعمة المباحة ب 10 ح 24. (6) بدائع الصنائع 5: 114.

[ 334 ]

قالوا: يطهر ظرفها بطهرها (1)، لعدم انفكاك الخمر عن الظرف ضرورة، فلو لم يطهر، لزم عدم طهر الخمر أيضا، فما يدل على تطهرها يدل على تطهره بدلالة الاشارة. فإن ثبت الاجماع، وإلا ففيه نظر، إذ يمكن أن يكون ذلك لعدم تنجسها بملاقاة الظرف، كما في اللبن في ضرع الميتة، بل هذا أوفق بالقواعد، إذ تنجس الخمر بعد الخلية بملاقاة الظرف عن الديل خال، لان تنجس كل ملاق للنجس ليس إلا بواسطة الاجماع المركب، وهو هنا غير معلوم، بخلاف نجاسة الظرف، فإنها مقتضى الاستصحاب. واحتمال تقييد نجاسته بحال ملاقاته للخمر يدفعه: ما ذكرنا في مسألة التطهر بالشمس. * * *


(1) كما في جامع المقاصد 1: 180، وكشف اللثام 1: 75.

[ 335 ]

الفصل الرابع: في الارض وهي تطهر باطن النعل، والخف، والقدم، بلا خلاف ظاهر في الاول وإن اقتصر بذكر الاخيرين في النافع (1)، وعلى الاشهر الاظهر فيهما، - بل في المدارك (2). أن الحكم في الثلاثة مقطوع به بين الاصحاب وأن ظاهرهم الاتفاق عليه، وفي شرح القواعد الاجماع عليها (3). للمرويين عن النبي: أحدهما: " إذا وطئ أحدكم بنعليه الاذى، فإن التراب له طهور " (4). والآخر: " إذ وطئ أحدكم الاذى بخفيه فطهورهما التراب " (5). وصحيحتي زرارة والاحول، الاولى: " جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله، ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما " (6). والاخرى: في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف، ثم يطأ بعده مكانا نظيفا، قال: " لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك " (7). ورواية المعلى: عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا ؟ فقال: " أليس وراءه شئ جاف ؟ " قلت: بلى، قال: " لا بإس إن الارض يطهر بعضها بعضا " (8) أي: يطهر ما يمشى عليه بعضا آخر من الرجل، كقوله: الماء يطهر البول.


(1) المختصر النافع: 20. (2) المدارك 2: 372. (3) جامع المقاصد 1: 179. (4 و 5) سنن أبي داود 1: 105 / 385 / 386. (6) التهذيب 1: 46 / 129، الوسائل 1: 348 أبواب أحكام الخلوة ب 30 ح 3. (7) الكافي 3: 38 الطهارة ب 24 ح 1، الوسائل 3: 457 أبواب النجاسات ب 32 ح 1 (8) الكافي 3: 39 الطهارة ب 24 ح 5، الوسائل 3: 458 أبواب النجاسات ب 32 ح 3.

[ 336 ]

وموثقة الحلبي والمررى في السرائر عن محمد الحلبي المتقدمتين (1) في مسألة إزالة النجاسة عن المسجد. وأما الاستدلال بالعامي: " إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فإن (2) رأى في نعله أثرا أو أذى فليمسحها، وليصل فيها " (3). ورواية حفص. إني وطئت عذرة بخفي ومسحته حتي لم أر فيه شيئا، ما تقول في الصلاة فيه ؟ فقال: " لا بأس " (4). وصحيحة زرارة: " رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها، أينقض ذلك وضوءه ؟ وهل يجب عليه غسلها ؟ فقال: " لا يغسلها إلا أن يقذرها، ولكنه يمسحها حتي يذهب أثرها ويصلى " (5). فغير جيد، لجواز كون الحكم في الاولين لكون الخف مما لا تتم الصلاة فيه دون الطهارة، والامر بالمسح في الاولى لعله للاجتناب عن السراية إلى المسجد، وكون العذرة في الثالثة أعم من الرطبة واليابسة، بل النجسة أيضا على قول، فيمكن أن يكون معني قوله: " لا يغسلها إلا أن يقذرها " أي: ينجسها بأن تكون رطبة نجسة، والا فيمسحها حتى يذهب ما لصق بها من الاجزاء اليابسة، وقوله: " ساخت " (6) لا يدل على الرطوبة لانه بمعنى غابت وخسفت. ثم ما ذكرنا من الاخبار - المنجبر ضعف ما هو ضعيف منها بالشهرة - كما ترى ببن نص في النعل كالاولى، وفي الخف كالثانية، وفى القدم كرواية المعلى والاخيرة، أو ظاهر فيه كالثالثة، أو مطلق في الثلاثة كالباقيتين.


(1) ص 233 - 234. (2) في " ق ": فإذا. (3) سنن أبي داود 1: 175 / 650. (4) التهذيب 1: 274 / 808، الوسائل 3: 458 أبواب النجاسات ب 32 ح 6. (5) التهذيب 1: 275 / 809، الوسائل 3: 458 أبواب النجاسات ب 32 ح 7. (6) كما يقال ساخت قوائمه في الارض (منه ره).

[ 337 ]

فالخلاف في الثاني، كما عن ظاهر الخلاف (1)، وهو ظاهر الدروس (2)، والبيان، والقواعد، واللمعة (1) لتخصيصهما الطرفين بالذكر، إلا أن يقال بدخول الوسط في الاول كما هو ظاهر الروضة (4). أو في الثالث، كما عن ظاهر المفيد والديلمي (5)، أو التوقف فيه كما في المنتهى (6) بعد حكمه بالطهارة قبله، أو الاستشكال فيه كما في التحرير (7) وإن حكم بالطهارة بعده.. لا وجه له. بل ظاهر صحيحة الاحول: التعدي من الثلاثة إلى كل ما يوطأ معه من حذاء الخشب والخرقة، وفاقا للاسكافي (8) والروض، والروضة (9)، بل الجورب والجلد إن لم نقل بصدق النعل على جميع أفراد الاخير. وفي التعدي إلى مثل خشبة الاقطع والكف والركبتين لمن يمشي بها نظر. والعدم أظهر، للشك في صدق الوطأة، فإنها موضع القدم كما في كتب اللغة (10). خلافا لجماعة، فتعدوا إليها (11)، إما لصدق الوطأة. وقد عرفت عدم ثبوته، ولو ثبت فلما اشتهر من انصراف المطلق إلى الشائع مطلقا غير ملائم. أو لاطلاق الموثقة. وهو لا يفيد، لاختصاصها بأشخاص خاصة. أو للتعليل المستفاد من قوله: " إن الارض يطهر بعضها بعضا ".


(1) الخلاف 1: 217. (2) الدروس 1: 125. (3) البيان: 92، القواعد 1: 8، اللمعة (الروضة 1): 65. (4) قال في الروضة: المراد بالنعل ما يجعل أسفل الرجل للمشي وقاية من الارض (منه ره) الروضة 1. 66. (5) المقنعة: 72، المراسم: 56. (6) المنتهى 1: 179. (7) التحرير 1: 25. (8) نقله عنه في المنتهى 1: 179. (9) الروض: 170، الروضة 1: 66. (10) النهاية الاثيرية 5: 200، لسان العرب 1: 196. (11) كما في الروضة 1: 66، والذخيرة 173، والرياض 1: 96.

[ 338 ]

بل قد يتعدى لذلك إلى غير ذلك أيضا من كعب العصاء والرمح، بل - كما عن الموجز - إلى الحافر، والخف، " والظلت. والحق أن في معناه إجمالا لا يمكن الاستناد إليه في إثبات حكم. وهل يلزم في تطهر ما ذكر المشي به، أو يطهر ولو بمسحها على الارض ولو بالدلك باليد ؟ الحق هو الثاني، وفاقا لجماعة منهم الاسكافي (9)، والمفيد، والديلمي (2)، لاطلاق صحيحة زرارة. وقد ينسب الاول إلى الاول، بل مع التقييد بما في صحيحة الاحول من كونه نحوا من خمسة عشر ذراعا. وصدر كلامه وإن وافق ذلك، ولكن قوله أخيرا: ولو مسحها حتي تذهب عين النجاسة وأثرها بغير ماء أجزأه (3)، يدل على أن مراد مقدار المشي الذي تزول به النجاسة غالبا. وعليه تحمل الصحيحة أيضا، وفي قوله: " أو نحو ذلك " إيماء إليه. وفي إجزاء أخذ مثل التراب ودلكه بالموضع احتمال قريب، لصدق المسح. وأقرب منه الاجتزاء بالمشي في غير الارض كالاجر، والحصير، والنبات، والخشب، لما ذكر، ولقوله في صحيحة الاحول: " ثم يطأ مكانا نظيفا " ومع ذلك فعدم الاجتزاء أحوط. وفي اشتراط كل من طهارة الممسوح به وجفافه، وعدمه وجهان. الحق في الاول: الثاني، وفاقا لجماعة (4)، بل الأكثر، لاطلاق ما مر.


(1) نقله منه في المنتهى 1: 178، والمعالم: 389. (2) المقنعة: 72، المراسم: 56. (3) نقله عنه في المعالم: 389. (4) كما قال به في كشف اللثام 1: 57، والكفاية: 14، والرياض 1: 96.

[ 339 ]

وخلافا للاسكافي (1)، والذكرى (2)، وبعض آخر (3)، لصحيحة الاحول. ولا دلالة فيها أصلا، ولا لقوله صلي الله عليه وآله: " جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا " (4) وإن قلنا: إن الطهور هو الطاهر المطهر. وقبل: لان النجس لا يطهر (5). وفيه منع ظاهر، وإثباته بالغلبة والاستقراء ضعيف. نعم، لو كان الممسوح مع نجاسة الممسوح به رطبا، ينجس بنجاسة الممسوح به وإن تطهر من النجاسة الحاصلة لنفسه. وانصراف الاطلاق إلى انتفاء مثل هذه النجاسة أيضا ممنوع. وفي الثاني: الاول، وفاقا فلاسكافي (6) بل جماعه (7)، لروايتي المعلى، والسرائر (8)، الموجودتين في الاصول المعتبر الجابر ذلك لضعف سنديهما. وحمل الاولى على الجفاف من الماء المتقاطر من الخنزير، والثانية على اليبوسة من البول تقييد بلا دليل. فبهما تقيد الاطلاقات، حيث إن المستفاد منهما عدم التطهر بالريب، وإلا لزم كون التقييد لغوا محضا، لعدم الواسطة بين الرطب والجاف. ولا يرد مثل ذلك في التقييد بالارض في رواية السرائر، لانه لا يصير لغوا، لجواز أن يكون المطهر الارض وشيئا آخر غيرها، وذكر البعض لا يدل على نفي الآخر إلا إذا غيره فيه


(1) نقله عنه في المنتهى 1: 178. (2) الذكرى: 15. (3) جامع المقاصد 1: 179. (4) الفقيه 1: 155 / 724 ولم يذكر فيه " ترابها " وفي جامع الاحاديث 3: 53 عن نسخة من الفقيه كما في المتن. وانظر الوسائل 3: 349 أبواب التيمم ب 7. (5) الروض: 170. (6) نقله عنه في المنتهى 1: 178. (7) كما قال به في جامع المقاصد 1: 179، والحدائق 5: 458، والرياض 1: 96. (8) المتقدمتين ص 335 وص 233.

[ 340 ]

الحصر (6). وهل يشترط جناف الممسوح قبل الوطء ؟ الظاهر لا، للاطلاق. وكذلك لذلك لا يشرط حصول التجيف له بعد المسح، وإزالة العين لو كان رطبا، ولا وجود العين والاثر المحسوص للنجاسة، فلو كانت الرجل مثلا نجسة بالبول، يبست منه، تطهر بالمسح. فرع: المصرح به في عباراتهم أسفل النعل وأخويه، ولا شك في تطهره ولا في عدم تطهر ظهرها، للاجماع، وبه يخصص إطلاق صحيحة زرارة (2). وأما أطرافها المجاورة للاسفل فلا يبعد تطهرها، لعدم ثبوت إجماع فيها، فلا مخرج لها عن لاطلاق، ولوصولها إلى الارض عند الوطء غالبا، والاحتياط لا ينبغي أن يترك. * * *


(1) مثال الاول: كما إذ سئل عن الماء الذى يغير بالنجاسة فهل ينجس ؟ فقال: أليس بقليل ؟ قال: نعم، فقال: ينجس، فإنه يدل على انحصار المتنجس بالقليل. ومثال الثاني: إذا سئل عن الماء لاقى النجاسة فهل ينجس ؟ فقال أليس يغير به ؟ قال: نعم، قال: ينجس، فإنه لا بدل على الانحصار إذ ينجس القليل أيضا (منه ره). (2) المتقدمة ص 335.

[ 341 ]

الفصل الخامس: في سائر المطهرات وهي امور: منها: الاسلام، وهو مطهر لنجاسة الكافر ضرورة. ومنها: الغسل، وبه بطهر ميت الآدمي عن نجاسته، ويأتي كيفيته. ومنها: التبعية، قالوا: يطهر ولد الكافر الذي سباه مسلم بتبعيته السابي، وظرف الخمر التى انقلبت خلا بتبعبتها، وقد مر تحقيقهما (1)، وظرف العصير وما تنجس به قبل ذهاب الثلثين على القول بنجاسته، بتبعيته بعد ذهابهما، ولا دليل عليه يصلح لمعارضة الاستصحاب، وكذا في غير ذلك مما قيل بطهارته بالتبعية. ومنها: النقص، وبه يطهر العصير إذا غل، بعد نقص ثلثيه، على القول بنجاسته. ومنها: زوال العين، فعن الشيخ (2)، والفاضلين (3)، وغيرهم (4). طهارة فم الهرة بزوال عين النجاسة، غابت أم لا، لمطلقات طهارة سؤرها، مع أن فاها لا ينفك عن النجاسة غالبا، وأصالة طهارة ما لاقاه فوها، وإصالة عدم التعبد بغسل فيها، فليس إلا الحكم بالطهارة بزوال العين. بل ألحق جملة المتأخرين (5) بها كل حيوان غير الآمي، للاخيربن. مضافا إلى الموثقتين: أحدهما: عما يشرب منه باز، أو صقر، أو عقاب، قال: " كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما فلا


(1) في ص 209 وص 334. 203. (2) المبسوط 1: 10، الخلاف 1: 253. (3) المحقق في المعتبر 1: 99، والعلامة في المنتهى 1: 27. (4) كما في الذخيرة: 141، والحدائق 1: 433. (5) كصاحب المدارك 1: 133، والذخيرة: 141، والحدائق 1: 434.

[ 342 ]

تتوضأ ولا تشرب " (1). والآخر: عن ماء شربت منه الدجاجة، قال: " إن كان في منقارها قذر لم تتوضأ منه ولم تشرب،، وإن لم تعلم أن في منقارها قذرا توضأ منه واشرب " (2). وإلى لزوم العسر والحرج الشديدين لولاه، وعمل الاصحاب، والاجماع المنقول في الخلاف (3)، حيث إنه بعدما قال: إن الهرة لو أكلت ميتا ثم شربت من الماء القليل لم ينجس، استدل بإجماع الفرقة على طهارة سؤر الهر وعدم فصلهم. ويضعف الاول: بأن الاطلاقات إنما هي من جهة السؤرية لها، فلا تنافي النجاسة لامر آخر، مع أنها مخصصة بما إذا لم يكن فمها نجسا بالاجماع، ولذا يحكمون بالنجاسة قبل زوال العين، فاللازم تحقق نجاسة الفم وطهارته أولا. والحاصل أن نجاسة الفم إما لا تستلزم نجاسة السؤر، أو تستلزمها، فعلى الاول لا تثبت من طهارة السؤر طهارة الفم، وعلى الثاني تكون الاطلاقات مخصصة بما إذا لم يكن الفم نجسا، فلا تفيد الاطلاقات هنا، لوجود دليل النجاسة كما يأتي. والثاني: بمعارضته بأصالة نجاسة الفم، المقدمة على أصالة طهارة ما لاقاه، لكون الاكل مزيلة للثانية. والثالث: بأنا لا نقول بالتعبد بالغسل إذ لم يؤمر به إلا في (مثل) (4) الثوب والبدن. وأما التفريج الذي ذكره فلا وجه له، لمنع الحصر، لجواز الحكم بالنجاسة مع علم وجوب غسله. والرابع: بدلالة الروايتين على خلاف المطلوب، لدلالتهما على المنع من


(1) التهذيب 1: 284 / 832، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآرب 4 ح 4. (2) الاستبصار 1: 25 / 64، الوسائل 1: 231 أبواب الاسآر ب 4 ح 3. (3) الخلاف 1: 203. (4) لا توجد في " ه‍ ".

[ 343 ]

الشرب والتوضؤ إن ترى الدم أو القذر، أو كان، سواء كان باقيا حال الشرب أو لا. والخامس: بمنع لزوم الحرج، فإن العلم بنجاسة أعضاء الحيوانات ثم بملاقاتها بعد ذلك قبل حصول الطهارة لها، سيما على القول بتطهر الوارد على القليل أيضا، لا يبلغ حدا يلزم منه حرج. والسادس: بمنع عمل الاصحاب. والسابع: بمنع حجية الاجماع المنقول، مع أنه ليس على المطلق، بل على طهارة السؤر، ولا كلام فيه. وبضعف تلك الوجوه، يظهر ضعف القول في الاصل وفيما الحق به، مع اندفاع الاخير بإطلاق صحيحة علي المتقدمة (1) في بحث الجاري أيضا. كما يضعف القول بالطهارة أيضا فيما ذكر مع الغيبة خاصة - كما ذهب إليه الفاضل في نهاية الاحكام (2) - بعدم دليل على ذللك التفصيل. ومقتضى الاستصحاب النجاسة مطلقا، كما هو مختار ابن فهد في موجزه، وغيره (3)، فهو الحق. هذا في غير الآدمي، وأما فيه، فالمشهور: أنه إذا نجس عضو منه يحكم بنجاسته حتى يعلم الازالة. وقيل بالطهارة مع الغيبة المحتملة للازالة (1)، واختاره والدى - رحمه الله - في المعتمد. وقيل: مع التلبس بمشروط الطهارة مطلقا (5).


(1) ص 23. (2) نهاية الاحكام 1: 239. (3) كما قال به في مجمع الفائدة 1: 297. (4) الحدائق 1: 435. (5) المدارك 1: 134.

[ 344 ]

وقيل بالثاني بشرط علمه بالنجاسة وأهليته للازالة (1). وقيل بالثالث كذلك. والاستصحاب يوافق الاول، ولكن الاجماع القطعي، بل الضرورة الدينية تحققت على جواز الاقتداء والمباشرة والمصافحة مع الناس، واشتراء ما تلاقيه أيديهم بالرطوبة، مع العلم بنجاستهم كل يوم بالبول والغائظ. فالطهارة مع الغيبة مجمع عليها، ولكن المعلوم منه هو مع علمه بالنجاسة وأهليته للازالة. فالحق هو الرابع. والحكم مختص بالبدن دون غيره من الثياب وأمثالها، لعدم العلم بالاجماع، يطهر بزوال العين البواطن كالفم، والانف، على المشهور بين الاصحاب، قال في البحار: لا نعلم في ذلك خلافا (2). واستدل عليه: بموثقة الساباطي: عن رجل يسيل من أنفه الدم، هل عليه أن يغسل باطنه ؟ يعنى: جوف الانف، قال: " إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه " (3). وفي دلالتها على الطهر بزوال العين نظر، بل يدل على عدم وجوب الغسل ولو بقيت العين أيضا. فإن دل عدم وجوب الغسل على الطهارة، لدلت الموثقة على عدم تنجس البواطن مطلقا، وهو الاقوى، فلا يحكم بنجاسة البواطن بملاقاتها النجاسة الداخلية أو الخارجية، للاصل وعدم الدليل، فإن ثبوت نجاسة المتنجسات إنما هو بالامر بالغسل في الاكثر، وهو ليس في المورد، لعدم وجوب غسله إجماعا، بل


(1) نسبه في مفتاح الكرامة 1: 191 إلى المقاصد العلية. (2) البحار 77: 131. (3) الكافي 3: 59 الطهارة ب 38 ح 5، التهذيب 1: 420 / 1330، الوسائل 3: 438 أبواب النجاسات ب 24 ح 5.

[ 345 ]

نحن لا نعلم من النجس إلا ما تترتب عليه الاحكام المعهودة الشرعية، ولا دليل على ترتب شئ منها على البواطن، فلا يحتاج الطهر بزوال العين فيها إلى دليل. ولا يمكن استصحاب نجاستها، إذ كل ما يدل على ثبوت اللوازم للنجاسات فجريانه في البواطن غير معلوم. بل الظاهر عدم تنجس ما يدخل البواطن من الخارج - كالخبز يوضع في الفم - بملاقاته النجس، لما ذكر. وتظهر الفائدة في ما لو خرج بعد زوال العين فيكون طاهرا. نعم، لو خرج ملوثا بالعين ينجس بعد الخروج إجماعا، وتدل عليه الاطلاقات أيضا. فلا تنجس الحشفة بالانزال في الفرج، ولا الذكر بالتلوث بالمني فيه، إلا إذا اخرج ملوثا بعينه.

[ 346 ]

ختام في ما لتعلق بالجلود وفيه مسائل: المسألة الاولى: عدم جواز استعمال جلود نجس العين، وجلود الميتة - على القول بنجاستها - في مشروط الطهارة واضح. وأما في غيره كالاستقاء فيها للزرع، أو استعمالها في اليابسات فكذا على المشهور، المدعى على الاول الاجماع في التذكرة (1). بل بلا خلاف أجده إلا من الاستبصار (2)، في الاول، حيث نقل فيه الموثق الثالث الآتي (3)، ووجه نفي البأس فيها إلى نفس الاستعمال، لا إلى الطهارة. ويمكن أن يعمم خلافه في الثاني أيضا، لعدم ورود التذكية على نجس العين.


(1) التذكرة 1: 68. (2) لم نعثر عليه في الاستبصار. نعم ذكره في التهذيب 1: 413 / 1301 في ذيل رواية زرارة الاية ص 348 رقم 4. (3) ص 348 رقم 3.

[ 347 ]

ومن المحكي عن الصدوق (1) في الثاني، باعتبار نقله المرسلة الآتية (2). وهو غير جيده لانه لودل على كونه منذهبا له، لدل على قوله بالطهارة. وكيف كان، فالعمل على المشمهور، لظاهر الاجماع، وروايات عامية (3) منجبر ضعفها بالعمل. ورواية الجرجاني: " لا ينفع من الميتة بإهاب ولا عصب " (4). وصحيحة علي بن أبي المغيرة كما في الكافي، وإن رواها في التهذيب عن علي ابن المغيرة، مع أنه أيضا في حكم الصحيحة، لصحتها عن السراد المجمع على تصحيح ما يصح عنه: الميتة ينتفع منها بشئ ؟ فقال: " لا " (5). وموثقتي سماعة: الاولي: عن جلود السباع ينتفع بها ؟ قال: " إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا " (6). والثانية: عن أكل الجبن أو تقليد السيف وفيه الكيمخت والغراء، قال: " لا بأس بما لم يعلم أنه ميتة " (7). والمروي في تحف العقول، ورسالة المحكم والمتشابه للسيد، والفصول المهمة، المنجبر ضعفه بالعمل: " كل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه، من جهة أكله وشربه، أو كسبه، أو نكاحه، أو ملكه، أو هبته، أو عاريته، أو


(1) الفقيه 1: 9. (2) ص 348. (3) سنن البيهقي 1: 14. (4) الكافي 6: 258 الاطعمة ب 9 ح 6، التهذيب 9: 76 / 323، الاستبصار 4: 89 / 341، الوسائل 24: 181 أبواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 7. (5) الكافي 6: 259 الاطعمة ب 9 ح 7، التهذيب 2: 204 / 799، الوسائل 24: 184 أبواب الاطعمة المحرمة ب 34 ح 1. (6) التهذيب 9: 79 / 339، الوسائل 24: 185 أبواب الاطعمة المحرمة ب 34 ح 4. (7) التهذيب 9: 78 / 331، الاستبصار 4: 90 / 342، الوسائل 24: 185 أبواب الاطعمة المحرمة ب 34 ح 5، الكيمخت بالفتح فالسكون: جلد الميتة المملوح، الغراء: شئ يتخذ من أطراف الجلود يلصق به.

[ 348 ]

إمساكه، أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا، والبيع. للميتة، والدم، ولحم الخنزير، أو لحوم السباع من جميع صنوف سباع الوحش، أو الطير، أو جلودها، أو الخمر. أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرم، لان ذلك كله منهي عن أكله، وشربه، ولبسه، وملكه، وإمساكه، والتقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام " (1) الحديث. والاخيرتان صريحتان في التحريم، وبهما ينجبر (2) ضعف دلالة الثلاثة الاولى عليه، لمكان لفظ الاخبار. وأما الموثقة: عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به عن البئر التي يشرب منها أو يتوضأ ؟ قال: " لا بأس " (3). ورواية زرارة: عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء، قال: " لا بأس " (4). والمرسلة: عن جلود الميتة يجعل فيها الماء والسمن ما ترى فيه ؟ قال: " لا بأس أن تجعل فيها ما شئت من ماء، أو سمن وتتوضأ منه، وتشرب، ولكن لا تصل فيها " (5). وما مر في بحث الميتة من روايتي الصيقل (6). فعن مقاومة ما مر قاصرة، لمخالفتها للشهرة، بل لما عليه كافة العلماء


(1) تحف العقول: 3، ونقله في الوسائل 17: 83 أبواب ما يكسب به ب 2 ح 1، عن تحف العقول ورسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضي، ولكنا لم نجده في النسخة التى بأيدينا من الرسالة. (2) في " ه‍ " و " ق ": يجبر. (3) الكافي 6: 258 الاطعمة ب 9 ح 3، الوسائل 1: 171، أبواب الماء المطلق ب 14 ح 3 وفيهما: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا ويستقى به... إلى آخر. (4) التهذبب 1: 413 / 1301، الوسائل 1: 175، أبواب الماء المطلق ب 14 ح 16. (5) الفقيه 1: 9 / 15، الوسائل 3: 463، أبواب النجاسات ب 34 ح 5. (6) المتقدمتين ص 172.

[ 349 ]

واتفقوا عليه في جميع الاعصار - كما في الحدائق (1) - الموجبة لخروجها عن الحجية سيما مع موافقتها لمذهب العامة (2). مع أن الظاهر أن السؤال في الاولي عن حال البئر والماء الذى فيها، دون الاستقاء. ويمكن حمل الثانية عليه أيضا، فلا تدلان على جواز الانتفاع، كما لا تدل روايتا الصيقل أيضا، كما بينا وجهه في باب المكاسب. والثالثة لدلالتها على الطهارة تعارض أخبار اخر مرت في بحث الميتة أيضا، فهي عن الحجية أبعد. المسألة الثانية: لا يطهر جلد الميتة بالدباغ بالاجماع، لعدم مخالفة من شذ فيه على التحقيق. فهو الحجة، مع استصحاب النجاسة، وعدم جواز الانتفاع به، والمستفيضة المتقدمة المانعة عن الانتفاع بجلود الميتة مطلقا. وروايتي الصيقل المنجسة لها على الاطلاق. وخصوص رواية الدعائم: " الميتة نجسة ولو دبغت " (3). وروايتي البصري، وأبي بصير. وفي الاولى بعد سؤاله عن سبب فساد الجلود: قال: " استحلال أهل العراق الميتة وزعموا أن دباغ الميتة ذكاته ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله " (1). وفي الثانية بعد السؤال عن إلقاء الفراء والقميص الذي يليه: " ان أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون أن ذكاته دباغه " (5).


(1) الحدائق 5: 522. (2) لعل المراد جماعة منهم فإنهم مختلفون في المسألة على أقوال. شتي راجع بداية المجتهد 1: 87، ونبل الاوطار 1: 74. (3) الدعائم 1: 126، المستدرك 2: 592 أبواب النجاسات ب 39 ح 6. (4) الكافي 3: 398 الصلاة ب 65 ح 5، التهذيب 2: 204 / 798، الوسائل 3: 503 أبواب النجاسات ب 61 ح 3: وفي الجميع عبد الرحمن بن الحجاج المعروف بالبجلي وفي نسخة من التهذيب على ما في جامع الاحاديث 1: 161 عبد الله بن الحجاج وأما البصري فهو عبد الرحمن بن أبي عبد الله ولم نجد له رواية في المقام. (5) الكافي 3: 397 الصلاة ب 65 ح 2، الوسائل 4: 462 أبواب لباس المصلي ب 61 ح 2.

[ 350 ]

وضعف بعض ما ذكر سندا لا يضر بعد انجباره بالاجماع المحقق والمحكي عن الخلاف (1)، وفي الناصريات، والانتصار، والذكرى (2) مطلقا، وعن المختلف (3)، وفي المنتهى والتذكرة (4) عمن عدا الاسكافي (5). خلافا له، وللشلمغاني (6) من قدماء أصحابنا، وإن كان قوله خارجا من عداد علمائنا، لما ظهر له من المقالات المنكرة. وقد ينسب إلى الصدوق أيضا، لما مر (7)، ويظهر من المدارك، والمعالم (8)، الميل إليه. للمرسلة المتقدمة (9). ورواية الحسين بن زرارة: جلد شاة ميتة يدبغ، فيصب فيه اللبن والماء، فأشرب منه وأتوضأ ؟ قال: " نعم " وقال: " يدبغ وينتفع به ولا يصلي فيه " (10). والرضوي: " وكذلك الجلد، فإن دباغته طهارته وذكاة الجلود الميتة دباغتها " (11). وشئ منها لا يصلح للاستناد، لشذوذها الموجب لخروجها عن الحجية، سيما مع المعارضة مع ما يرجح عليها مما تقدم بمخالفته للعامة، وموافقتها لهم بتصريح الروايات كما مر، وبصحة السند، بل بالاصل الذي هو استصحاب النجاسة، وعلى هذا فكذلك الحكم لولا الترجيح أيضا.


(1) الخلاف 1: 60. (2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 182، الانتصار 12، الذكرى: 16. (2) المختلف: 64. (4) المنتهى 1: 191، التذكرة 1: 68. (5) نقله عنه في المختلف: 64. (6) نسبه إليه في الذكرى: 16. (7) في ص 347. (8) المدارك 2: 386، المعالم: 411. (9) ص 348. (10) التهذيب 9: 78 / 332، الإستبصار 4: 90 / 343، الوسائل 24: 186 أبواب الاطعمة المحرمة ب 34 ح 7. (11) فقه الرضا (ع): 302، 303، البحار 77: 226 / 15.

[ 351 ]

المسألة الثالثة: إن علمت حال الجلد من حيث التذكية وعدمها فحكمه ظاهر، وإلا فالاصل فيه عدم التذكية - سواء في ذلك أن تكون عليه يد مسلم، أو كافر، أو مجهول، في سوق المسلمين، أو الكفار، من بلد غالب أهله المسلمون، أو الكفار، أو تساويا، أو جهل حال البلد، أو في غير السوق من بلد كذلك، أو في غير البلد، وسواء أخبر ذو اليد بالتذكية، أو بعدمها، أو لم يخبر بشئ، أو لا نكون عليه يد، بل كان مطروحا في سوق، أو بلد، أو بر، من أراضي المسلمين، أو الكفار، سواء كانت عليه علامة جريان اليد عليه، أم لا - لتوقف التذكية مطلقا على امور بالعدم مسبوقة. ولا يعارض ذلك الاصل، أصالة الطهارة، لانها به زائلة مندفعة. ويدل عليه أيضا مفهوم حسنة ابن بكير: " وإن كان مما يؤكل لحمه، فالصلاة في وبره وبوله، وشعره وروثه، وألبانه، وكل شئ منه، جائزة إذا علمت أنه مذكي قد ذكاه الذبح " (1) يدل بالمفهوم على عدم جواز الصلاة في كل شئ منه ما لم يعلم أنه مذكى. ولا يضر اختصاصها بالصلاة، ولا تحقق السلب الكلى بعدم الجواز في بعض شئ منه، لعدم الفصل بين الصلاة وغيرها ولا بين شئ منه في عدم الجواز وبين الجلد. وكذا تدل عليه رواية علي بن أبي حمزة: عن لباس الفراء والصلاة فيها ؟ فقال: " لا تصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا " (2) الحديث. ومكاتبة عبد الله بن جعفر: هل يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك ؟


(1) الكافي 3: 397 الصلاة ب 65 ح 1، التهذيب 2: 209 / 818، الاستبصار 1: 383 / 1454، الوسائل 4: 355 أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1. (2) الكافي 3: 397 الصلاة ب 65 ح 3، التهذيب 2: 302 / 797، الوسائل 4: 348 أبواب لباس المصلي ب 3 ح 3.

[ 352 ]

فكتب: " لا بأس به إذا كان ذكيا " (1). وظاهر أنه فرق بين ما كان ذكيا وبين ما جاز كونه ذكيا. ولا تفيد في دفع الاصل، المستفيضة الدالة على جواز الصلاة في الجلد واشترائه ما لم يعلم أنه ميتة، كموثقة سماعة المتقدمة (2)، ومكاتبة يونس: عن الفرو والخف ألبسه واصلي فيه ولا أعلم أنه ذكي، فكتب: " لا بأس به " (3) وغير ذلك مما يأتي بعضها، لمعارضتها مع الحسنة، فتتساقطان. ولا تفيد خصوصية المستفيضة في ما جرت عليه اليد، وما لم تكن عليه يد كافر لخروجه بالاجماع، لاختصاص الحسنة أيضا بما لم تكن عليه يد مسلم بالاجماع، كما يأتي، فيتعارضان بالمموم من وجه. ولا تفيد أكثرية المستفيضة وأصحيتها، لانهما لو سلمتا لا تفيدان في مقام الترجيح عندنا، مع أن الحسنة أبعد عن مذهب العامة. ثم إنه يجب الحكم بخروج ما في يد مسلم من تحت الاصل ما لم يخبر عن عدم التذكية، بالاجماع القطعي المعلوم من طريقة المسلمين في الاعصار والامصار. وكذا ما اخذ في سوق المسلمين ولو من يد مجهول الحال، لصحيحتي الحلبي: إحداهما: الخفاف عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها ؟ فقال: " صل فيها حتى يقال لك إنها ميتة بعينها " (4). والاخرى: عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: " اشترو صل فيها حتي تعلم أنه ميت بعينه " (5).


(1) التهذيب 2: 362 / 1500، الوسائل 4: 433 أبواب لباس المصلي ب 41 ح 2. (2) ص 347 رقم 7. (3) الفقيه 1: 167 / 789، الوسائل،: 456 أبواب لباس المصلي ب 55 ح 4. (4) الكافي 3: 403 الصلاة ب 65 ح 28. (5) التهذيب 2: 234 / 920، الوسائل 4: 427 أبواب لباس المصلي ب 38 ح 2.

[ 353 ]

ورواية ابن الجهم: أعرض السوق فأشتري خفا لا أدرى أذكي هو أم لا ؟ قال: " صل فيه " قلت: فالنعل ؟ قال: " مثل ذلك " قلت: إني أضيق من هذا، قال: " أترغب عما كان أبو الحسن عليه السلام يفعله " (1). وصحيصة البزنطي: عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا بدري أذكية هي أم غير ذكية أيصلي فيها ؟ قال: " نعم ليس عليكم المسألة " (2) الحديث، وقريبة منها صحيحته الاخرى (3)، وصحيحة الجعفري (4). لاطلاقها وإن شمل سوق الكفار، ومجهول الحال أيضا، إلا أنهما خرجا بمفهوم حسنة الفضلاء الثلاثة: عن شراء اللحم من الاسواق ما يدري ما يصنع القصابون، قال عليه السلام: " كل إذا كان في سوق المسلمين ولا تسأل عنه " (5). وكون المسؤل عنه اللحم غير ضائر، لعدم الفصل. بل قد يقال: إن الظاهر من السوق في الروايات أيضا سوق المسلمين، لانه المتداول عندهم وإن كان ذلك محلا للمنع. كما أنه خرج ما اخذ عن يد الكافر في سوق المسلمين عن تحت تلك الاطلاقات، بالاجماع. وكذا خرج ما إذا كان سوق المسلمين في بلد غالب أهله الكفار - لو قلنا إن سوق المسلمين ما كان أهله، أو غالبهم المسلمين، وإن كان في بلد الكفر، أو بلد غالب أهله الكفر - بصحيحة إسعاق بن عمار: " لا بأس بالصلاة في الفراء


(1) الكافي 3: 404 الصلاة ب 60 ح 31، التهذيب 2: 234 / 921، الوسائل 3: 493 أبوا ب النجاسات ب 50 ح 9. (2) التهذيب 2: 368 / 1529، الوسائل 3: 491 أبواب النجاسات ب 50 ح 3. (3) التهذيب 2: 371 / 1545، الوسائل 3: 492 أبواب النجاسات ب 50 ح 6. (4) الفقيه 1: 167 / 787، الوسائل 23: 491 أبواب النجاسات ب 50 ذلل حديث 3. (5) الكافي 6: 237 الذبائح ب 13 ح 2، الفقيه 3: 211 / 976، التهذيب 9: 72 / 307، الوسائل 24: 70 أبواب الذبائح ب 29 ح 1.

[ 354 ]

اليماني وفي ما صنع في أرض لاسلام " قلت: فإن كان فيها غير أهل الاسلام ؟ قال: " إذا كان الغالب عليها المسلمون لا بأس " (1) دلت على ثبوت البأس في ما لم يكن غالب أهله الاسلام وإن كان في سوق المسلمين. ولتعارضها مع ما مر بالعموم من وجه، يرجع إلى أصالة عدم التذكية. كما إذا اخذ في سوق الكفار، أو مجهول الحال، في بلد غالب أهله المسلمون، فإنه يرجع فيه بعد تعارض الصحيحة وحسنة الفضلاء إلى ذلك الاصل إلا أن يعمم السوق في إطلاقاته ويرجع إليه، ولا بأس به. وكذا خرج بمنطوق الصحيحة ما اخذ في أرض المسلمين، أو أرض كان الغالب عليها المسلمون، وإن لم يكن في السوق. ولا يعارضه مفهوم الحسنة، إذ المحكوم عليه فيها ما يشترى من الاسواق. وكذا خرج ما يؤخذ من يد مجهول الحال مطلقا إذا أخبر بالتذكية، برواية الاشعري: ما تقول في الفرو يشترى من السوق ؟ قال: " إذا كان مضمونا فلا بأس " (2). ولا ضير في تعارضها مع الحسنة، لايجابه الرجوع إلى عمومات جواز الاخذ من السوق. مع أن الظاهر من قوله في الحسنة: " ولا تسأل عنه " أنه إذا اخذ من غير سوق المسلمين مع السؤال والاخبار بالتذكية، لم يكن فيه بأس. بل لولا الاجماع على عدم جواز الاخذ مر الكافر، لقلنا بجواز الاخذ منه مع ضمانه، لتلك الرواية. ولا تضر معارضة تلك الروايات المخرجة لما ذكر عن تحت الاصل، مع الاخبار المتقدمة اولا، الموافقة لذلك الاصل، لانها لمعارضتها مع المستفيضة المذكورة المخالفة له، معزولة عن التأثير.


(1) التهذيب 2: 368 / 1532، الوسائل 4: 456 أبواب لباس المصلي ب 55 ح 3. (2) الكافي 3: 398 الصلاة ب 65 ح 7، الوسائل 4: 463 أبواب لباس المصلي ب 61 ح 3.

[ 355 ]

ثم إنه لم يخرج غير ما ذكر من الاقسام المذكورة عن تحت الاصل المذكور، على الحق المشهور. خلافا لشرذمة من المتأخرين، فحكموا بالطهارة ما لم يعلم أنه ميتة مطلقا (1)، للاصل، والاخبار، المتقدم جوابهما. وأما رواية السكوني: عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة، كثير لحمها، وخبزها، وجبنها، وبيضها. وفيها سكين. قال أمير المؤمنين عليه السلام: " يقوم ما فيها ثم يؤكل، لانه يفسد وليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن " قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم، أو سفرة مجوسي، قال: " هم في سعه حتى يعلموا " (2). فبعد ملاحظة ظهورها في أن المدلول عليه فيها في حكم ما عليه يد، ومعارضتها مع صحيحة ابن عمار، لا يثبت منها أزيد من خروج ما اخذ من يد مجهول في أرض المسلمين. وأما رواية إسماعيل بن عيسى: عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف ؟ قال: " عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " (3). فمعناها: أنه عليكم السؤال عن المسلم البائع إذا كان المشركون أيضا يبيعون الجلد، لا أن المشرك كان بائعه، فلا يدل على خروج ما أخبر المشرك البائع بذكاته. وهل يجب السؤال عن المسلم حينئذ، فلا يجوز الاخذ بدونه ؟ الظاهر نعم،


(1) كما قال به في المفاتيح 1: 108، والمدارك 2: 387، والحدائق 5: 526 (2) الكافي 6: 297 الاطعمة ب 48 ح 2، الوسائل 3: 493 أبواب النجاسات ب 50 ح 11. (3) الفقيه 1: 167 / 788، التهذيب 2: 371 / 1544، الوسائل 3: 492 أبواب النجاسات ب 50 ح 7.

[ 356 ]

عملا بالنص، بشرط أن يكون المسلم غير عارف، أي غير المؤمن، كما هو مورد الرواية، ولا يجب السؤال في غير ذلك. و (أما) (1) مفهوم رواية الاشعري، فيخصص بمنطوق حسنة الفضلاء، والصحاح الثلاث المتقدمة عليها الناهية عن السؤال. ولا فرق في جواز الاخذ من غير سؤال في غير مورد الرواية مما يجوز الاخذ منه بين كون المأخوذ منه ممن يستحل الميتة بالدبغ، أو لا، وفاقا لصريح جماعة مستندين إلى إطلاق المستفيضة المتقدمة، بل العموم الناشئ عن ترك الاستفصال في جملة منها. خلافا للمنتهى والتذكرة والتحرير، فمنع عما يؤخذ من يد مستحل الميتة بالدبغ وإن اخبر بالتذكية (2). وللدروس إن لم يخبر بها (3). وللذكرى إن أخبر بعدم التذكية، ويقبل إن أخبر بالتذكية، وتردد في صورة السكوت (4)، لاصالة عدم التذكية. وهي بما مر مندفعة. وأما الخبران (5): أحدهما في إلقاء علي بن الحسين الفراء عند الصلاة، والثاني في عدم جواز البيع بشرط أنها ذكية، فغير مفيدين لهم. أما الاول: فلان غاية ما يستفاد منه أنه كان ينزع فرو العراق حال الصلاة، فيجوز أن يكون على (وجه) (6) الافضلية. وأما الثاني: فلان النهي فيه عن بيع ما اخبر بذكاته إنما هو بشرط أنه


(1) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة. (2) المنتهى 1: 226، التذكرة 1: 94، التحرير 1: 30. (3) الدروس 1: 150. (4) الذكرى: 143. (5) المتقدمان ص 349 رقم 4، 5. (6) - لا توجد في " ه‍ " " ق ".

[ 357 ]

مذكى، وهو غير دال على مطلوبهم، بل لبسها في غير حال الصلاة - كما في الاول - ونفي البأس عن بيعه أخيرا - كما في الثاني - يشعر بل يدل علي عدم كونه ميتة. المسألة الرابعة: يكره استعمال الجلد إذا كان مما لا يؤكل مما تقع عليه الذكاة في غير الصلاة قبل الدبغ، حذرا عن خلاف من يأتي. ولا يحرم على الاظهر الاشهر بين المتأخرين، لاطلاق النصوص بجواز الاستعمال من دون تقييد بالدبغ. ففي الموثق: عن لحوم السباع وجلودها، فقال: " أما اللحوم فدعها، وأما الجلود فاركبوا عليها " (1). وفيه: عن جلود السباع ينتفع بها ؟ فقال: " إذا رميت وسميت فانتفع بجلوده " (2). والصحيح: عن لباس الفراء، والسمور، والسنجاب، والحواصل، وما أشبهها، والمناطيق (3)، والكيمخت، والحشو بالفراء، والخفاف من أصناف الجلود. فقال: " لا بأس بهذا كله إلا بالثعالب " (4). ويستفاد منه البأس في الثعالب، وهو للكراهة، للتصريح بالجواز في كثير من الروايات الآتية في كتاب الصلاة. خلافا للشيخ في النهاية، والمبسوط، والخلاف (5)، والسيد في المصباح، بل عن المفيد، والحلي، والقاضي، وابن سعيد (6). فمنعوا عن قبل الدبغ، إما


(1) الفقيه 1: 169 / 801، التهذيب 2: 205 / 802، الوسائل 4: 303 أبواب لباس المصلي ب 5 ح 3، 4 بتفاوت يسير. (2) التهذيب 9: 79 / 339، الوسائل 3: 489 أبواب النجاسات ب 49 ح 2. (3) في " ق ": والمناطق. (4) التهذيب 2: 369 / 1533، الوسائل 4: 352 أبواب لباس المصلي ب 5 ح 2. (5) النهاية: 586، المبسوط 1: 15، الخلاف 1: 64. (6) السرائر 3: 114، المهذب 1: 31، الجامع للشرائع: 66.

[ 358 ]

للنجاسة، كما يحكى عنهم تارة (1)، أو للمنع تعبدا، كما يحكى اخرى. ومستندهم غير واضح، إلا ما يحكى عن الاول من الاجماع على الجواز بعده. وليس هو ولا غيره قبله (2). وفيه: أن النجاسة إلى الدليل محتاجة، ولم تثبت نجاسة الجلد، لعدم صدق الميتة بعد ورود التذكية. نعم، في الرضوي: " دباغة الجلد طهارته " (3) وهو - مع عدم الحجية واحتمال التقية - غير دال على الحكاية الثانية. فرعان: أ: بجوز أخذ الجلد من المسلم ولو علم أخذه من الكافر، على الاظهر، إذا كان في سوق المسلمين في بلد غالب أهله الاسلام، للعمومات المتقدمة، وعدم ثبوت الاجماع على خروج مثل ذلك أيضا، سيما على القول بحمل فعل المسلم على الصحة، فلعله علم بالتذكية. وكذا يجوز الاخذ من الكافر إذا علم أنه أخذه من المسلم إذا كان في السوق المذكور، لما ذكر. ب: الجلد الذي لم يعلم أنه مما ترد عليه التذكية أم لا إذا أخذ من يد المسلم، فالظاهر كونه في حكم المذكى. وما لم يعلم أنه مما يؤكل لحمه أم لا، يأتي حكمه في بحث لباس المصلي إن شاء الله سبحانه. * * *


(1) حكى عنهم في كشف اللثام 2: 258. (2) حكاه في المدارك 2: 388. (3) فقه الرضا (ع): 302.

[ 359 ]

المقصد الثالث: في الطهارة من الحدث وفيه مقدمة وأبواب. المقدمة في أحكام الخلوة وآدابها، وفيها ثلاثة فصول:

[ 360 ]

الفصل الاول: في واجباتها فمنها: ستر العورة من الناظر المحترم الذي يحرم رطؤبة، لا لكون الكشف إعانة على النظر المحرم قطعا، كما قيل (1)، لمنع كونه إعانة مطلقا، لاعتبار القصد فيها، بل للاجماع المحقق والمنقول (2)، والمستفيضة من النصوص: كمرسلة الفقيه - بعد السؤال من قول الله عزوجل: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم يحفظوا فروجهم) (3) -: " كل ما كان في كتاب الله عز وجل من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا، إلا في هذا الموضع، فإنه الحفظ من أن ينظر إليه " (4). والاخرى: " إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الارض، فليحاذر على عورته " (5). والثالثة: " لعن رسول الله صلي الله عليه وآله الناظر والمنظور إليه في الحمام بلا مئزر " (6). ورواية أبي بصير: يغتسل الرجل بارزا ؟ قال: " إذا لم يره أحد لا بأس " (7). والتقيد بالحمام والتخصيص بالاغتسال غير ضائر، لعدم مدخليتهما، بالاجماع. والمروي في الدعائم: روينا من أهل البيت أنهم أمروا بستر العورة، وغض البصر عن عورات المسلمين، ونهوا المؤمن أن يكشف العورة، وإن كان بحيث لا


(1) الذخيرة: 15. (2) كما نقله العلامة في التحرير 1: 31، والشييد في الذكرى: 15. (3) النور: 30. (4) الففيه 1: 63 / 235، الوسائل 1: 300 أبواب أحكام الخلوة ب 1 ح 3. (5) الفقيه 4: 2 / 1، الوسائل 1: 299 أبواب أحكام الخلوة ب 1 ح 2. (6) الكافي 6: 503 الزى والتجمل ب 43 ح 36، الوسائل 2: 56 أبواب آداب الحمام ب 21 ح 1. (7) التهذيب 1: 374 / 1148، الوسائل 2: 43 أبواب آداب الحمام ب 11 ح 2.

[ 361 ]

يراه أحد (1). وتؤيده أيضا، بل تدل عليه المستفيضة الناهية عن دخول الحمام بلا مئزر (2). والمروي في الاحتجاج: أين يضع الغريب في بلدتكم هذه ؟ قال: " يتوارى خلف الجدار، ويتوقى أعين الجار، وشطوط الانهار، ومسقط الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " (3) الحديث. وضعف بعضها بالعمل مجبور، فتجويز استحباب الستر مطلقا، كما عن بعض المتأخرين، لضعف سند الاخبار، ضعيف. والتصريح بالكراهة في بعض الروايات (4) لا يفيد، لكونها أعم من الحرمة في العرف السابق. ثم (5) القدر الثابت من الاجماع وإن لم يكن إلا وجوب الستر مع العلم بالناظر عمدا، إلا أن إطلاق الاخبار المتقدمة يثبت الوجوب ولو مع النظر سهوا. كما أن إطلاق المرسلتين الاوليين، ورواية الدعائم، يثبته مع الظن بالنظر أيضا، بل الشك، لان الحفظ عن النظر والحذر عنه لا يكون عرفا إلا مع الستر ولو مع الشك بوجود النظر، كما في قولك: إحفظ المتاع عن السارق. فهو الحق كما رجحه والدي - رمه الله - مع الظن، واحتمله مع الشك. وأما مع الوهم به، أو العلم بعدمه فلا، للاصل، والاجماع، ورواية أبي بصير.


(1) الدعائم 1: 103، المستدرك 1: 245 أبواب أحكام الخلوة ب 1 ح 2. (2) راجع الوسائل 2: 38، 41 أبواب آداب الحمام ب 9، 10. (3) الاحتجاج: 388، الوسائل 1: 326 أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 7. (4) راجع الوسائل 2: أبواب آداب الحمام ب 3 ح 3 وب 9 ح 8 وب 10 ح 4. (5) في " ق ": ثم إن.

[ 362 ]

ويالاخيرتين (1) تخصص روايته الاخرى: " إذا تعرى أحدكم نظر إليه الشيطان فيطمع فيه فاستتروا " (2) مع أن مخالفة إطلاقها لعمل المعظم، مخرجة لها عن الحجية. وبها يجاب عن رواية الدعائم المتقدمة، مع أنها في نفسها أيضا ضعيفة، فقول الاسكافي بوجوبه مطلقا، كما عنه في التنقيح (3)، ضعيف. نعم، الظاهر استحبابه حين عدم الناظر، لرواية الدعائم. ومنها: ترك استقبال القبلة، واستدبارها، عند التخلي مطلقا، وفاقا للشيخ (4)، والحلي (5)، والفاضلين (6)، والقاضي (7)، والشهيدين (8)، والكركي (9). وكلام المفيد (10) غير آب عن الحمل عليه، كما حمل عليه (شارح الدروس) (11). واختاره والدي العلامة - رحمه الله - في اللوامع، والمعتمد، بل هو المشهور، كما صرح به غير واحد (12). وعن الخلاف والغنية (13): الاجماع عليه.


(1) في " ه‍ " و " ق ": الأخير بن. (2) التهذيب 1: 373 / 1144، الوسائل 2: 38 أبواب آدام الحمام ب 9 ح 2. (3) التنقيح 1: 69. (4) المبسوط 1: 16، الخلاف 1: 151، النهاية: 9. (5) السرائر: 1: 95. (6) المحقق في الشرائع 1: 18، والمعتبر 1: 122، والعلامة في المختلف: 1 9، والتحرير 1: 7. (7) المهذب 1: 41. (8) الاول في الدروس: 1: 88، والبيان: 41، والثاني في الروضة 1: 83، والروض: 22. (9) جامع المقاصد 1: 99. (10) المقنعة: 39. (11) هو المحقق الخوانساري في مشارق الشموس: 17، وما بين القوسين ليس في: " ه‍ " و " ق ". (12) كما صرح به في الذكرى: 20، والذخيرة: 16. (13) الخلاف 1: 102، الغنية (الجوامع الفقهية): 549.

[ 363 ]

للمستفيضة المصرحة بالنهي، كرواية الحسين بن يزيد: " إذا دخلتم الغائط فتجنبوا القبلة " (1) ونحوها المروي في مجالس الصدوق (2). ومرسلة الفقيه: نص النبي عن استقبال القبلة ببول أو غائط (3). والمروي في نوادر الراوندي: نهي أن يبول الرجل وفرجه باد للقبلة (4). وفي الدعائم: نهى عن استقبال القبلة واستدبارها. في حال الحدث والبول (5). وفي العلل: " وإذا أراد البول أو الغائط، فلا يجوز له أن يستقبل القبلة بقبل ولا دبر " (6). ورواية الهاشمي: " إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة، ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا " (7). ومرفوعات محمد وعبد الحميد وعلي: اولياها: ما حد الغائط ؟ قال: " لا تستقبل القبلة، ولا تستدبرها، ولا تستقبل الريح، ولا تستدبرها " (8). والثالثة: أين يضع الغريب ببلد كم ؟ فقال: " اجتنب أفنية المساجد، وشطوط الانهار، ومساقط الثمار، ومنازل النزال، ولا تستقبل القبلة بغائط ولا


(1) الفقيه 4: 2 / 1، الوسائل 1: 302 أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 3. (2) مجالس الصدوق: 345. (3) الفقيه 1: 180 / 851، الوسائل 1: 302 أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 4. (4) نوادر الراوندي: 54، المستدرك 1: 247 أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 4. (5) الدعائم: 1: 104، المستدرك 1: 246 أبواب أحكام الحلوة ب 2 ح 1. (6) نقلها في البحار 77: 194 / 53 عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم (7) التهذيب 1: 25 / 64، الاستبصار 1: 47 / 130، الوسائل 1: 302 أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 5. (8) الكافي 3: 15 الطهارة ب 11 ح 3، التهذيب 1: 26 / 65، الاستبصار 1: 47 / 131، الوسائل 1: 301، 302 أبواب أحكام الخلوة ب 2 حديث 2 و 6.

[ 364 ]

بول " (1). وضعف تلك الاخبار كلا أو بعضا، بعد الانجبار بالشهرة المحققة والمحكية والاجماع المنقول، كاحتمال بعضها للنهي الغير الصريح في التحريم، بعد اشتمال جملة على النهي الصريح، واقتران النهي في بعضها بما هو مكروه، بعد عدم إيجابه لخروج النهي عن حقيقته، غير ضائر. فالقول بالكراهة مطلقا، لبعض ما ذكر أو كله، مضافا إلى دعوى إشعار بعض الاخبار بالكراهة - المردودة بالمنع، مع احتماله التقية كما يستفاد من الاخبار العامية (2) - كجماعة من المتأخرين (3)، ويحتمله كلام المفيد (4) أيضا، كما عليه حمله السلطان في حواشي المختلف. أو التردد كبعضهم (5)، ضعيف. ومقتضى الاطلاقات: عدم الفرق في ذلك بين الصحاري والبنيان. ووجود كنيف مستقبل القبلة في منزل الرضا (ع) - كما في حسنة محمد بن إسماعيل (6) - لا يدل على كونه من فعله، أو جلوسه عليه، مع احتمال كون بابه إليها. فالتفرقة بالتحريم في الاول، والكراهة في الثاني، كالديلمي (7)، ولذلك حمل المحقق (8)، والشهيد (9) كلام المفيد عليه، أو الكراهة في الاول، والاباحة في


(1) الكافي 3: 16 الطهارة ب 11 ح 5، التهذيب 1: 30 / 79، الوسائل 1: 301 أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 1. (2) سنن أبي داود 1: 4. (3) كما في مجمع الفائدة 1: 89، 1: 158، المفاتيح 1: 43. (4) المقنعة: 39. (5) الذخيرة: 16. (6) التهذيب 1: 352 / 1043، الاستبصار 1: 47 / 132، الوسائل 1: 303 أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 7. (7) المراسم: 32. (8) المعتبر 1: 123. (9) الذكرى: 20.

[ 365 ]

الثاني، كالاسكافي (1) له أيضا، وحمل قول المفيد في المختلف عليه (2)، باطلة. ومقتضى روايتي الدعائم، والعلل - المنجبرتين بما مر - بل ظاهر رواية الهاشمي: وجوب ترك كل من الاستقبال والاستدبار في كل من حالتي البول والغائط وإن اختص سائر الروايات المتضمنة للاستدبار بالغائط، فتوهم اختصاصه به فاسد. والظاهر المتبادر من الاستقبال والاستدبار ما كان بجملة البدن، لا بالعورة خاصة، فتجويز زوال المنع بتحريفها عن القبلة، كبعضهم (3) غير صحيح. وهل يحرم تحريفها إليها ؟ قال والدي رحمه الله: نعم، لظاهر قوله في المرسلة: " ببول ولا غائط " وفي المروي عن النوادر: " وفرجه باد للقبلة ". ويضعف الاول: بجواز كون الباء للمصاحبة، أو الملابسة، أو بمعنى " في " والثاني: بضعفه الغير المنجبر في المورد، فالعدم كما هو مقتضى الاصل أقوى. والواجب هو: ترك الاستقبال والاستدبار خاصة، دون التشريق والتغريب، للاصل. وقوله في رواية الهاشمي: " شرقوا أو غربوا " (4) لا يثبته، لان إرادة المواجهة منه غير معلومة، وإرادة الميل - كما في التيامن والتياسر - ممكنة، وكون حقيقته الاول - كما قيل - ممنوعة. ورواية: " ما بين المشرق والمغرب قبلة " (5) على ظاهرها - بالاجماع والنص - غير باقية، فالقول بوجوبهما ضعيف، بل لا دليل على استحبابهما أيضا.


(1) نقله عنه في المختلف: 19. (2) المختلف: 19. (3) التنقيح 1: 69. (4) المتقدمة ص 362، (5) الفقيه 1: 180 / 855، الوسائل 4: 300 أبواب القبلة ب 2 ح 9.

[ 366 ]

والوجوب مختص بحال الحدث، للاصل. دون الاستنجاء. وموثقة الساباطي: الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد ؟ قال: " كما يقعد للغائط " (1) لا تفيد الوجوب. فإيجابه - كبعضهم (2) - غير جيد. نعم، الظاهر استحبابه، لذلك. ولو اشتبهت القبلة يجب الفحص عنها مع الامكان. لا لتوقف تجنب القبلة أو العلم به عليه، لمنع توقف الاول ووجوب الثاني. ولا لاستدعاء الشغل بالتجنب للبراءة اليقينية، لمنع الشغل حال الاشتباه. بل لشهادة العرف بإرادة الفحص مع الامكان عما امر باجتنابه أو ارتكابه. وقيل: لا (3). واختاره والدي رحمه الله، لان الظاهر من الاخبار أن الواجب عدم العلم بالمواجهة. وفيه: منع الظهور. وإذا تعارض كل من الاستقبال والاستدبار مع الآخر، يتخير، كما إذا تعارضا أو أحدهما مع محرم آخر. ويسقط التحريم عن المضطر. ووجه الكل بالتأمل يظهر. ومنها: غسل مخرج البول بالماء، فلا يطهره غيره، بالاجماعين (1)، والنصوص المستفيضة، بل المتواترة معنى. منها: الصحيح: " لا يجزي من البول إلا الماء " (5).


(1) الكافي 3: 18 الطهارة ب 12 ح 11، التهذيب 1: 355 / 1061، الوسائل 1: 360 أبواب أحكام الخلوة ب 37 ح 2. (2) الحدائق 2: 41. (3) المدارك: 1: 160. (4) ادعى الاجماع عليه في الانتصار: 16، والخلاف 1: 103، والتذكرة 1: 13 وغيرها. (5) التهذيب 1: 50 / 147، الاستبصار 1: 57 / 166، الوسائل 1: 316 أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 6.

[ 367 ]

والآخر: " وأما البول فلا بد من غسله " (1). ومنها: المستفيضة الآمرة بغسل الذكرة (2). وبعض الاخبار المنافي لذلك ظاهرا (3) لا ينافيه في نظر التحقيق. ولو سلم فشاذ متروك، وعلى التقية محمول، لان القول بمفاده عند العامة مشهور (4)، ولذلك لا يقاوم ما مر لو عارضه. والواجب منه مثلا ما على الحشفة من البلل (5)، فلا يجزي الاقل، وفاقا للصدوقين (6)، والمقنعة، والنهاية والمبسوط والديلمي (7)، والمحقق، والقواعد والتذكرة (8)، والشهيدين (9)، ونسبه في شرح القواعد، والذخيرة، إلى المشمهور (10)، لخبر نشيط: كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول ؟ فقال: " مثل ما على الحشفة من البلل " (11). والمتبادر من إجزاء شئ لشئ - بعد السؤال عن كمية ما يجزي - أنه أقل ما يلزم فيه، مع أن معنى إجزاء شئ حصول الامتثال به، وهو حقيقة في حصوله بالمجموع، لا بجزئه، فالايراد بعدم صراحتها ساقط، والخبر معتبر الاسناد،


(1) التهذيب 1: 49 / 144، الاستبصار 1: 55 / 160، الوسائل 1: 315 أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1. (2) راجع الوسائل 1: 294 أبواب نواقض الوضوء ب 18. (3) راجع الوسائل 9: 283، 284 أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 7 - 4. (4) انظر بداية المجتهد 1: 83. (5) في " ه‍ ": البول. (6) الفقيه 1: 21، وفي نسخة من المختلف: 20 نسبته إلى الصدوقين. (7) المقنعة: 42، النهاية: 11، المبسوط 1: 17، المراسم: 33. (8) الشرائع 1: 18، القواعد 1: 3، التذكرة 1: 13. (9) الاول في البيان: 41، والثاني في المسالك 1: 5. (10) جامع المقاصد 1: 93، الذخيرة: 16. (11) التهذيب 1: 35 / 93، الاستبصار 1: 49 / 139، الوسائل 1: 344 أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 5.

[ 368 ]

فالقول بضعفها ضعيف، مع أنه بالشهرة مجبور. ولا ينافيه خبره الآخر: " يجزي من البول أن يغسل بمثله " (1) لكونه أعم من الاستنجاء بل البدن، فتخصيصه بغيرهما متعين. مع أن إرادة الاجزاء في الغسلة الواحدة من الغسلتين اللازمتين هنا - كما يأتي - ممكنة، إذ يجوز أن يكون معنى قوله: " يجزي من البول " يجزي من غسله، أي في تحقق غسله، لا من الاستنجاء منه، والغسل يصدق على كل مرة أيضا، فيكون بيانا لاقل ما يجزي في صدق الغسل في البول، لا في الاستنجاء منه، فلا يتعين إرادة الاجزاء من الغسلتين. وبه يجاب عن مرسلة الكافي: يجزي أن يغسل بمثله إذا كان على رأس الحشفة وغيره " (2) مع احتمال كون التعميم من كلام الكليني، فتكون عامة كسابقها. هذا، مع أنهما لو تعارضا وتساقطا أيضا، لكان المرجع إلى الغسل مرتين، وهو لا يتحقق بالاقل من المثلين. وكذا لا تنافيه إطلاقات الغسل في الاستنجاء من البول، لوجوب حمل المطلق على المقيد. ولا حسنة ابن المغيرة: للاستنجاء حد ؟ قال: " لا، حتى ينقى ما ثمة " قلت: فإنه ينقى ما ثمة ويبقى الريح، قال: " الريح لا ينظر إليه، (3) لكونها ظاهر في الاستنجاء من الغائط من وجوه. ويجب أن يغسل المخرج مرتين، كما هو صريح الصدوق، والكركي (4)،


(1) التهذيب 1: 35 / 94، الاستبصار 1: 49 / 140، الوسائل 1: 344 أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 7. (2) الكافي 3: 20 الطهارة ب 14 ملحق ح 7، الوسائل 1: 343 أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 2. (3) الكافي 3: 17 الطهارة ب 12 ح 9، الوسائل 1: 322 أبواب أحكام الخلوة ب 13 ح 1. (4) الفقيه 1: 21، جامع المقاصد 1: 93.

[ 369 ]

والشهيدين (1)، بل ظاهر المعتبر الاجماع عليه (2)، العمومات وجوب المرتين إذا أصاب البول الجسد، المتقدمة (3). ودعوى: ظهورها في العروض من الخارج - بعد الصدق لغة، بل عرفا - ممنوعة. وتخصيصها بغير المخرج - لرواية نشيط الاخيرة وحسنة ابن المغيرة - فاسد، لما مر. نعم تعارضها إطلاقات غسل المخرج، فيجب إما تخصيص العمومات، أو تقييد الاطلاقات، وإذ لا مرجح، ولا تخيير إجماعا، فتتساقطان ويرجع إلى استصحاب النجاسة. وأما أصل البراءة عن الزائد فمع الاستصحاب غير مؤثر. وإجزاء المثلين لا ينافي وجوب المرتين - كما قد يقال (4) - بناء على اشتراط الغلبة في المطهر، فتجعل المرتان كناية عن الغسلة الواحدة، لمنع اشتراط الغلبة، وتحقق الغسل في كل مرة مع المماثلة. ودعوى: لزوم الأكثرية ممنوعة، إذ لا يلزم في تحققه عرفا إلا الجريان، وهو في المثل متحقق، ولذا يجزي نحوه في غسل الاعضاء في الطهارة، فإن المراد بمثل ما على الحشفة مثل القطرة المتخلفة فيها غالبا، ولا شك في جريانه. دون رطوبة الحشفة، لانها عرض لا يمكن تقدير مثله و (5) مثليه في الماء الذي هو جوهر، ولو كان جسما أيضا لا يمكن تقديره، ولو أمكن فتحقق الغسل به عرفا ممنوع، فالمراد مثل القطرة، وتحقق الغسل به في كل مرة ظاهر. ولو اشترط فيه أمر لا يتحقق بالقطرة، لم يتحقق بالقطرتين أيضا إلا الغلبة والأكثرية، وقد عرفت منع


(1) الاول في الذكرى: 21. والثاني في المسالك 1: 5. (2) المعتبر 1: 126. (3) ص 284. (4) المدارك 1: 163، الحدائق 2: 19. (5) في " ق ": أو.

[ 370 ]

اشتراطهما، والتعليل الوارد في بعض الاخبار (1) يدل على أن الاكثر من القذر له مطهر، لا أن غيره لا يطهر. ومن ذلك ظهر ضعف القول بالاكتفاء فيه بالمرة، كما هو مذهب جماعة (2)، بل هو لازم قول كل من نفى وجوب المثلين واكتفى بمسمى الغسل، كالحلي والحلبي والقاضي، والمنتهى والمختلف (3)، وأكثر الثالثة (4). والظاهر اختصاص التعدد بالغسل في القليل، فلا يجب في الجاري والكثير، كما ذكرنا وجهه في بحث كيفية التطهير، و (5) وجه اعتبار التعدد الحسي في ما يعتبر فيه التعدد وعدم كفاية التقديري. فرع: الاغلف المرتتق يكشف الحشفة ويغسلها، لكونها من الظواهر عرفا. ومنها: الاستنجاء من الغائط. ويجوز بالماء وبالاحجار، والاول أفضل، والجمع أكمل، ومع التعدي يتعين الاول. أما الاولان (6): فبالاجماع القطعي والنصوص المستفيضة. فمما (7) يدل على الاول إطلاقا: حسنة ابن المغيرة المتقدمة (8). وموثقة يونس: عن الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط


(1) العلل: 287، الوسائل 1: 222 أبواب الماء المضاف ب 13 ح 2. (2) منهم صاحبا المدارك 1: 164، والذخيرة: 17. (3) السرائر 1: 97، الكافي في الفقه: 127، شرح جمل العلم والعمل: 59، المنتهى 1: 44، المختلف: 20. (4) أي الطبقة الثالثة وهم متأخرو المتأخرين منهم صاحبا المدارك والذخيرة كما مر. (5) في " ق ": مع. (6) المراد بهما جواز الاستنجاء بالماء والاحجار. (7) في " ق " و " ح ": فما. (8) ص 367.

[ 371 ]

أو بال، قال: " يغسل ويذهب بالغائط ثم يتوضأ " (1). وخصوصا: رواية مسعدة: " مري نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء ويبالغن فإنها مطهرة للحواشي " (2). وصحيحة هشام: " يا معشر الانصار إن الله قد أحسن عليكم الثناء فماذا تصنعون ؟ " قالوا: نستنجي بالماء (3). ومرسلة الفقيه - بعد قول رجل: فاستنجيت بالماء -: " أبشر فإن الله تبارك وتعالى قد أنزل فيك: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (4). والمتبادر من الاستنجاء كونه المطهر لا جزءه. وغير ذلك. ومما يدل على الثاني - (بعد الاطلاقين المتقدمين) (5) - صحيحة زرارة: " يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الصلى الله عليه وآله " (6). والاخرى: " جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله " (7). ورراية العجلي: " يجزي من الغائط المسح بالاحجار " (8) وغير ذلك مما يذكر


(1) التهذيب 1: 47 / 134، الاستبصار 1: 52 / 151، الوسائل 1: 316 أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 5. (2) الكافي 3: 18 الطهارة ب 12 ح 12، الفقيه 1: 21 / 62، التهذيب 1: 44 / 125، الاستبصار 1: 51 / 147، الوسائل 1: 316 أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 3. (3) التهذيب 1: 354 / 1152، الوسائل 1: 354 أبواب أحكام الخلوة ب 34 ح 1. (4) الفقيه 1: 20 / 59، الوسائل 1: 354 أبواب أحكام الخلوة ب 34 ح 3 والآية في البقرة: 222. (5) لا توجد في " ق ". (6) التهذيب 1: 49 /) 144، الاستبصار 1: 55 / 160، الوسائل 1: 315 أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1. (7) التهذيب 1: 46 / 129، الوسائل 1: 348 أبواب أحكام الخلوة ب 30 ح 3. (8) التهذيب 1: 50 / 147، الاستبصار 1: 57 / 166، الوسائل 1: 348 أبواب أحكام الخلوة ب 30 ح 2.

[ 372 ]

بعضه أيضا. ومثل الاحجار في الاجزاء كل جسم طاهر - سوى ما يستثنى - على الاظهر الاشهر، المستفيضة عليه دعوى الشهرة (1)، بل عن الخلاف، والسرائر، والغنية، والمنتهى: الاجماع عليه (2)، لعموم الحسنة والموثقة السابقتين (3)، والنبويين المنجبرين بما مر. أحدهما: " إذا جلس أحدكم لحاجة فليمسح ثلاث مسحات " (4). والآخر: " واستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب " (5). والمروي في الدعائم: " لا بأس بالاستنجاء بالحجارة، والخرق، والقطن، وأشباه ذلك " (6). وخصوص المستفيضة في الكرسف، والمدر، والخرق، والخزف (7). خلافا للاسكافي (8) في الآجر والخزف إلا أن يلابسه طين أو تراب يابس، والديلمي (9) فيما ليس من الارض، للاصل. وما تقدم له دافع.


(1) راجع مفتاح الكرامة 1: 44. (2) الخلاف 1: 106، السرائر 1: 96: لم نعثر على دعوى الاجماع فيه، الغنية (الجوامع الفقهية): 487، المنتهى 1: 45. (3) ص 367، وص 370. (4) لم نعثر عليه، نعم، نقله العلامة في التذكرة 1: 13 وورد مضمونه في مجمع الزوائد للهيثمي 1: 211. (5) سنن الببهفي 1: 111. (6) الدعائم 1: 105، المستدرك 1: 279 أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 1. (7) الوسائل 1: 357 أبواب أحكام الخلوة ب 35. (8) نقله عنه في الذكرى: 21. (9) المراسم: 32.

[ 373 ]

وأما الثالث (1): فلفتوى المعظم، ورواية مسعدة وتالييها (2)، وصحيحة جميل: " كان الناس يستنجون بالكرسف والاحجار، ثم احدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الصلي الله عليه وآله وصنعه، وأنزله الله في كتابه بقوله: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (3) وغير ذلك من المستفيضة (4). ولا تنافيه صحيحة زرارة: " كان علي بن الحسين عليهما السلام يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل " (5)، لامكان ترك الافضل منهم. ولا الاخرى المتقدمة المتضمنة لقوله: " ولا يغسله "، إذ معناها الاخبار عن جريان الطريقة على المسح الخالي عن الغسل، وهو غير مناف لفضيلة الغسل، فإنا أيضا نسلم جريان الطريقة بذلك. وأما الرابع (6): فلمرفوعة أحمد: " جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، ويتبع بالماء " (7) ومقتضاها استحباب تأخير الماء. وهو كذلك. وأما الخامس (8): فبالاجماع المحقق، والمحكي في المعتبر، والتذكرة، والذكرى، والحدائق (9)، واللوامع، والمعتمد. وهي الحجة، مضافا إلى الاستصحاب، إذ لا يثبت من الاخبار إجزاء مثل الاحجار إلا من الاستنجاه، ولم يعلم صدقه على موضع التعدي.


(1) يعني به أفضلية الماء من الاحجار. (2) المتقدمة ص 370. (3) الكافي 3: 18 الطهارة ب 12 ح 13، الوسائل 1: 355 أبواب أحكام الخلوة ب 34 ح 4، البقرة: (4) راجع الوسائل 1: 354 أبواب أحكام الخلوة ب 34. (5) التهذب 1: 354 / 1055، الوسائل 1: 358 أبواب أحكام الخلوة ب 35 ح 3. (6) يعنى أكملية الجمع ببن الماء والاحجار. (7) التهذيب 1: 46 / 130، الوسائل 1: 349 أبواب أحكام الخلوة ب 30 ح 4. (8) يعنى تعين الماء مع التعدي. (9) المعتبر 1: 128، التذكرة 1: 13، الذكرى: 21، الحدائق 1: 26.

[ 374 ]

ولقوله صلي الله عليه وآله: " يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة " (1). وقوله: " كنتم تبعرون بعرا، وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فأتبعوا الماء ا لاحجار " (2). وضعفهما منجبر بالعمل. والمراد بالمتعدي: المتجاوز عن المحل المعتاد، كما صرح به في الرواية، فيكون بحيث لا يصدق على إزالته اسم الاستنجاء، فلا يتعين الماء مع التجاوز القليل عن المخرج، لمطلقات كفاية غيره. فالقول بعدم إجزائه مع ذلك أيضا، استنادا إلى عموم وجوب غسل الموضع النجس ولم يخرج غير نفس المخرج، ضعيف. وإلى رواية مسعدة (3) اضعف، إذ ليس إلا استنادا بمفهوم اللقب، مع أن إرادة حواشي محل الاستنجاء دون الدبر ممكنة. وظن الاجماع على عدم الاجزاء مع مطلق التعدي - كما في اللوامع - بعيد. ومثل التعدي في تعين الماء استصحاب الخارج نجاسة خارجة، لعدم صدق الاستنجاء. والظاهر في صورة التعدي وجوب غسل الجميع دون مجرد المتعدي، وفي صورة الاستصحاب وجوب غسل الخارجة خاصة لو تميزت عن الخارج، وإلا فالجميع، ووجه الكل ظاهر. فروع: أ: الواجب غسل الظاهر دون الباطن، بالاجماع والنصوص (4)، وإزالة


(1) لم نعثر عليه، والموجود في كتب العامة لم ترد فيه: " إذا لم يتجاوز... " راجع سنن البيهقي 1: 102، 103، ونقله في المعتبر 1: 128 نحو ما في المتن. (2) سنن البيهقي 1: 106، رواه عن علي عليه السلام، الثلط: الرقيق من الرجيع. (3) المتقدمة ص 370. (4) راجع الوسائل 1: 347 أبواب أحكام الخلوة ب 29.

[ 375 ]

العين دون الاثر، (للاصل) (1) وفاقا - على ما في اللوامع - عند الاستنجاء بمثل الحجر. وكذلك مع الغسل على الاظهر، إذ ليس (في الاخبار من الاثر أثر) (2). ومع ذلك وقع الخلاف في المراد منه، فيفسر تارة: باللون، واخرى: بالاجزاء الصغار اللطيفة اللزجة العالقة بالمحل، التى لا تزول إلا بالماء، واخرى بمعنى آخر. ولا دليل على اعتبار شئ منها يعتبر إلا عدم العلم بزوال العين معه، وهو - إن سلم - يرجع إلى الاول، مع أنه محل منع ونظر. " وأما الرائحة: فالظاهر عدم الخلاف في عدم العبرة بها، وفي بعض الاخبار (3) تصريح به. ب: لا خلاف في عدم وجوب التعدد في الغسل، ولا في وجوبه في المسح مع عدم حصول النقاء بدونه. وأما مع حصوله: فالحق وجوبه (أيضا) (4)، ثلاثا في المسح بالحجر، فلا يجزي الاقل، وفاقا للحلي (5)، والمحقق (6)، والمنتهى والارشاد (7) والذكرى والتنقيح (8) واللوامع والمعتمد، بل نسبه جماعة (9) إلى المشهور، وظاهر السرائر الاجماع عليه (10)، لاستصحاب النجاسة.


(1) لا توجد في " ه‍ " و " ق ". (2) في " ق ": من الاثر في الاخبار أثر. (3) راجع الوسائل 1: 322 أبواب أحكام الخلوة ب 13. (4) لا توجد في " ق ". (5) السرائر: 1: 96. (6) المعتبر 1: 33، الشرائع 1: 19، المختصر النافع: 5. (7) المنتهى 1: 45، مجمع الفائدة 1: 89. (8) الذكرى: 21، التنقيح 1: 71. (9) منهم صاحبا المدارك 1: 168، والذخيرة: 18. (10) السرائر 1: 96.

[ 376 ]

وصحيحة زرارة ورراية العجلي المتقدمتين (1)، بملاحظة ما مر من معنى الاجزاء، وكون الثلاقة أقل الجمع. والنبويين السابقين (2) بضميمة جبر ضعفهما بالشهرة والاجماع المحكيين، كانجبار آخرين عاميين أيضا بهما: أحدهما: " لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار " (3). والآخر: " لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار " (4). وخبر سلمان: نهانا النبي أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (5). والاستدلال بالاقتصار في استصحاب الاجزاء الباقية بعد الاستجمار في الصلاة على القدر المجمع عليه (6) ضعيف جدا، لان اللازم الاقتصار في منع الاستصحاب على المتيقن، ولا يقين في الاجزاء المذكورة. خلافا للمنقول عن المفيد (7)، والقاضي، والمختلف (8)، وجماعة من المتأخرين (9)، فاكتفوا بالواحد مع النقاء، للاصل المندفع بما ذكر، والحسن والموثق السابقين (10) المعارضين لما مر بالعموم المطلق، لاعميتهما عن الغسل والمسح،


(9) ص 370، (2) ص 371. " (3) لم نعثر على هذا المتن في جوامعهم الحديثة التي بأيدينا، نعم، في المغني 1: 173 عن ابن المنذر: ثبت أن رسول الله قال " لا يكفى أحدكم... ". (4) صحيح مسلم 1: 224. (5) صحيح مسلم 1: 223. (6) كما استدل به في الرياض 1: 15. (7) نسبه في السرائر 1: 96 إلى المفيد، وقال في مفتاح الكرامة 1: 45 ولم أجد له في المقنعة نصا ولعله ذكره في غيرها. (8) المهذب 1: 40، المختلف: 19. (9) منهم المحقق الاردبيلي في مجمع الفائدة 1: 90، والمحدث الكاشاني في المفتاح 1: 42، وصاحبا المدارك 1: 169، والذخيرة: 19. (10) ص 367، و 370.

[ 377 ]

فيجب تخصيصهما به، والمرجوحين بالنسبة إليه - لو تساويا - باعتبار الموافقة للعامة، كما صرح به في السرائر (1)، المخالفين للاستصحاب الذي هو المرجع مع فرض عدم الترجيح أيضا. نعم، يحسن الاستدلال بالحسن والموثق لعدم وجوب التعدد ورفع استصحاب النجاسة في المسح بغير الحجر من الاجسام، حيث إنه لا دليل على التعدد فيه يعارض إطلاقهما. وما في النبويين (2) من ثلاث مسحات وثلاثة أعواد وحثيات غير مفيد، لضعفهما الموجب للاقتصار في الاستدلال بهما على موضع الانجبار الغير المعلوم في هذا المضمار، كيف والأكثر اقتصروا على ذكر التعدد في الاحجار ! والوررد بلفظ: " الخرق " في بعض الاخبار (3) الموجب لاقل الجمع معارض لورود لفظ: " الكرسف والقطن " في بعض آخر، الموجب لكفاية المطلق، مع أنه ليس في الخرق والمدر ونحوهما في الاخبار إلا أن الامام كان يفعل كذلك، وهو غير دال على أنه كان يستعمل الجميع في وقت واحد، فيمكن أن تكون الجمعية باختبار الاوقات. فالحق إلحاق المسح بغير الحجر بالغسل، وعدم لزوم التعدد فيه. ودعوى عدم القول بالفصل بين الحجر وغيره - كما تظهر من اللوامع - ممنوعة. ولا يجب في الحجر استيعاب الكل للكل، بل يكفي توزيع الثلاثة على


(1) السرائر 1: 96. (2) المتقدمين ص 372. (3) راجع الوسائل 1: 357 أبواب أحكام الخلوة ب 35.

[ 378 ]

المحل، وفاقا لغير المحقق (1)، بل عن المعالم الوفاق عليه (2)، لاطلاق الحسنة والموثقة، وحصول التعدد اللازم، لارادة الاستيعاب منه غير معلومة. وهل يكفي ذو الجهات الثلاث منه أم لا ؟ الحق العدم - وفاقا للمحقق (3)، ووالدي وجماعة (4) - للاستصحاب، وتبادر التغاير من ثلاثة أحجار. وخلافا للمفيد (5)، والقاضي (6) والشهيد (7)، وبعض آخر (8)، فذهبوا إلى كفايته. لان المتبادر من ثلاثة أحجار ثلاث مسحات، كما في: اضربه عشرة أسواط. ولعدم تعقل الفرق بين اتصال الاحجار وانفصالها. وكون المقصود إزالة النجاسة وقد حصلت. وإجزائه عن واحد لو استجمر به ثلاثة فهو في حكم الثلاثة. وقوله صلى الله عليه وآله: " ثلاث مسحات ". لاطلاق الحسنة والموثقة. ويضعف الاول: بمنع التبادر، وتحققه في المثال - لو سلم - للقرينة، ولذا لا يتبادر ذلك في: اضرب عشرة أشخاص. ولو سلمنا فهو مخالف للمعنى اللغوي، فالاصل تأخره. والثاني: بأن عدم تعقل الفرق لا يثبت العدم، مع أن الدليل فارق.


(1) الشرائع 1: 19. فإنه قد يستظهر من كلامه الاستيعاب - كما اسفاده في المدارك 1: 170 - وأما في المعتبر 1: 130 فقد صرح بعدم لزوم الاستيعاب. (2) المعالم: 451. (3) المعتبر 1: 131، الشرائع 1: 19. (4) منهم الشيخ في المبسوط 1: 17، والشهيد في الروضة 1: 84، وصاحب المدارك 1: 171. (5) راجع ص 375. (6) المهذب 1: 40. (7) الذكرى: 9، الدروس 1: 89، البيان: 43. (8) انظر التذكرة 1: 14، والمنتهى 1: 45.

[ 379 ]

والثالث: بأنه مصادرة. والرابع: بمنع الملازمة. والخامس: بما مر، مع أنه إطلاق لا يقاوم التقييد. وبه يضعف السادس، مع أنه لا دلالة له بعد ثبوت التثليث. ومما ذكر (1) يظهر عدم كفاية الاستجمار بالواحد في وقت واحد بعد غسله مرة بعد اخرى. وفي كفايته بعد كسره احتمال قوي. وهل يجوز استعمال الواحد في وقتين لشخص أو شخصين بعد غسله، أو كسره أو استعمال موضع آخر منه طاهر ؟ قال والدي العلامة: نعم. وهو الحق، للاصل. وقيل: لا، لمرفوعة أحمد المتقدمة (2). وهي غير دالة على الوجوب، نعم يثبت الرجحان وهو مسلم. ج: لا يجزي التمسح بالنجس إجماعا على ما في المنتهى، والمدارك (3)، واللوامع، والمعتمد. ولو استجمر به يتعين الماء بعده، لاختصاص الاستجمار بنجاسة المحل فلا يتعدى إلى غيره. ويجزي الرطب على الاصح، للاطلاق. خلافا للفاضل (4)، ووالدي، لتنجسه بالملاقاة، فيكون استعمالا للنجس. وفيه: أن الممنوع استعمال النجس قبل الاستجمار لا به. وكذا الصيقل مع قلعه النجس، لما ذكر. خلافا للمحكي عن الاكثر. د: يحرم الاستنجاء بالعظم، والروث، والمطعوم، والمحترم. وعلى الاولين


(1) في " ق ": ذكرنا. (2) ص 372. (3) المنتهى 1: 46، المدارك 1: 172. (4) المنتهى 1: 46، التذكرة 1: 13.

[ 380 ]

الاجماع عن المعتبر، والمنتهى، وظاهر الغنية (1)، وفي اللوامع، والمعتمد. وعلى الثالث عن الثاني (2). أما الاولان: فللمستفيضة المنجبر ضعفها بالاجماعات المحكية، والشهرة المحققة. منها: الخبران: أحدهما: " من استنجى برجيع أو عظم فهو برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله " (3). والآخر: " لا تستنجوا بالروث والعظام " (4). والمروي في الدعائم: نهوا عن الاستنجاء بالعظام، والبعر، وكل طعام (5). وفي مجالس الصدوق: نهي النبي صلي الله عليه وآله أن يستنجي الرجل بالروث والرمة أي العظم البالي (6). وخبر ليث: عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر - إلى أن قال -: وقال: " لا يصلح بشئ من ذلك " (7) ولكن نفي الصلاحية يحتمل نفي الجواز ونفي التطهر، فالاستدلال به على أحدهما مشكل. وأما الثالث: فلخبر الدعائم المجبور بما ذكر، والاخبار الواردة في حكاية أهل الثرثار في استنجائهم بالخبر والعجين (8)، الظاهر كثير منها في الحرمة.


(1) المعتبر 1: 132، المنتهى 1: 4 6، الغنية (الجوامع الفقهية): 549. (2) المنتهى 1: 46. (3) سنن أبي داود 1: 10 (بتفاوت يسير. (4) سنن الترمذي 1: 15. (5) الدعائم 1: 105، المستدرك 1: 279 أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 1 (6) مجالس الصدوق: 345 (المجلس 66): كلمة (والرمة) ساقطة من المجالس المطبوعة، وهي موجودة في البحار 77: 210 / 24 نقلا عن المجالس، وفي جامع الاحاديث 2: 208 نقلا عن المجالس أيضا، وكذا في الفقيه 4: 2 في حديث مناهي النبي " ص ". (7) التهذيب 1: 534 / 1053، الوسائل 1: 357 أبواب أحكام الخلوة ب 35 ح 1. (8) الكافي 6: 301 الاطعمة ب 50 ح 1، المحاسن: 586، الوسائل 1: 362 أبواب أحكام الحلوة ب 40 ح 1.

[ 381 ]

وفحوى الخبر: عن صاحب له فلاخ يكون على سطحه الحنطة والشعير ويعملون عليه، فغضب عليه السلام وقال: " لولا أرى أنه من أصحابنا للعنته " (1). وأما الرابع: فلايجابه هتك الشريعة والاستخفاف بها، مضافا إلى فحوى المستفيضة الناهية عن الاستنجاء أو دخول الكنيف وفي اليد خاتم عليه اسم الله (2)، وفحوى ما دل على منع مس المحدث بالجنابة لبعض أقسامه (3). وفي الاجزاء والتطهر باستعمال شئ من الاربعة وعدمه قولان: الاول: للفاضل (4) وبعض الثالثة (5)، لاطلاق الموثق والحسن. والثاني: عن السيد والشيخ والحلي وابن زهرة (6)، مدعيا عليه الاجماع، والمحقق (7)، واختاره والدي العلامة - رحمه الله - في الكتابين مدعيا عليه الشهرة في أحدهما، للاستصحاب، ونقل الاجماع. وقوله: " لا يصلح " في خبر ليث. والمروي عن النبي صلي الله عليه وآله " لا تستنجوا بعظم ولا روث فإنهما لا يطهران " (8)، ودلالة النهي على الفساد. ويضعف الاول: بإندفاعه بالاطلاق، والثاني: بمنع الحجية، والثالث: بما مر من الاجمال، والرابع: بالاختصاص بالاولين مع الضعف، والخامس:


(1) المحاسن: 588، الوسائل 24: أبواب آداب المائدة ب 79 ح 3، وفيهما: " يطؤونه ويصلون عليه " بدل: " يعملون عليه ". (2) راجع الوسائل 1: 330 أبواب أحكام الخلوة ب 17. (3) راجع الوسائل 2:، 21 أبواب الجنابة ب 18. (4) نهاية الاحكام 1: 89، المنتهى 1: 46، التذكرة 1: 13. (5) كصاحب المدارك 1: 173. (6) المبسوط 1: 17، السرائر 1: 96، الغنية (الجوامع الفقهية): 549، وأما السيد فلم نعثر على كلامه. (7) المعتبر 1: 133، الشرائع 1: 19. (8) سنن الدارقطني 1: 56.

[ 382 ]

بالمنع في أمثال المقام. نعم، لانجبار ضعف الرابع بحكاية الشهرة والاجماع يثبت الحكم في مورده، ويمكن التعدي بعدم الفصل إن ثبت، وهو غير معلوم. د: الاستنجاء المرخص فيه الاستجمار والمحكوم بطهارة (غسالته) (1) عند القائلين بنجاسة الغسالة هو الوارد على المخرج الطبيعي، فلا يجري حكمه في غيره ولو مع انسداد الطبيعي، للاستصحاب، وعدم معلومية صدق الاستنجاء. * * *


(1) في جميع النسخ: غسله، وما أثبتناه لاسقامة المعنى.

[ 383 ]

الفصل الثاني: في مستحباتها زيادة على ما علم مما سبق فمنها: الاستتار عن الناس في الغائط خاصة بحيث لا يراه أحد، بأن يبعد أو يدخل بيتا أو يلج حفيرة، لاشتهاره بين العلماء، والتأسي بالنبي، فإنه لم ير على غائط قط، والمروي في الاحتجاج المتقدم ذكره (1). وفي شرح النفلية للشهيد، قال عليه السلام: " من أتى الغائط فليستر " (2). والمروي في الدعائم: " من فقه الرجل ارتياد مكان الغائط والبول والنخامة " يعنون عليهم السلام أن لا يكون ذلك بحيث يراه الناس - إلى أن قال -: " ينبغي أن يكون المخرج في أستر موضع في الدار " (3). ويستفاد منه استحباب استتار الغائط والبول أيضا، فهو مستحب آخر. ومنها: تغطية الرأس، لفتوى الاصحاب، ونقل الوفاق عن المعتبر (4) والذكرى (5). والمروي في الدعائم: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل الخلاء تقنع وغظى رأسه " (6). ويستفاد منه استحباب التقنع أيضا. ويدل عليه: المروي في المجالس، والمكارم، " يا أبا ذر استحي من الله، فإني والذي نفسي بيده لاظل حين أذهب إلى الخلاء مقنعا بثوبي " (7).


(1) في ص 360. (2) ووى عنه في الوسائل 1: 306 أبواب أحكام الخلوة ب 4 ح 4. (3) الدعائم 1: 104، المستدرك 1: 249 أبواب أحكام الخلوة ب 4 ح 4. (4) المعتبر 1: 13. (5) الذكرى: 20. (6) الدعائم 1: 104، المستدرك 1: 247 أبواب أحكام الخلوة ب 3 ح 1 (7) مجالس الطوسي: 545، مكارم الاخلاق 2: 372، الوسائل 1: 304 أبواب أحكام الخلوة ب 3 ح 3.

[ 384 ]

ولا تكفي التغطية عنه. وهل يكفي عنها ؟ ظاهر العطف في رواية الدعائم: العدم. ومنها: الدعاء بالمأثور عند التقنع سرا في نفسه، وعند إرادة الدخول واقفا ملتفتا يمينا وشمالا إلى ملكيه تارة، ومطلقا اخرى، وعند الدخول، والكشف، والجلوس، والحدث، والنظر، وا لاستنجاه، والفراغ، والخروج مطلقا تارة، بعد مسح البطن اخرى، لورود جميع ذلك في الاخبار (1). وفي ما اختلفت فيه الروايات من الدعوات يتخير. ويستحب خصوص التسمية عند كشف العورة لبول أو غيره، للخبرين: " إذا انكشف أحدكم لبول أو غير ذلك فليقل بسم الله، فإن الشيطان يغض بصره " (2). ومنها: تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج في البنيان، لاشتهاره بين الاصحاب (3). ولا يبعد إجراء الحكم في موضع الجلوس في غير البنيان، لفتوى بعضهم (4). ومنها: الاعتماد على اليسرى حال الجلوص، لشهادة غير واحد (5) بكونه مرويا. ومنها: اختيار موضع مرتفع أو كثير التراب للبول، لمرسلة الفقيه: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله: أشد الناس توقيا عن البول، حتى أنه كان إذا أراد


(1) راجع الوسائل 1: 306 أبواب أحكام الحلوة ب 5. (2) الفقيه 1: 18 / 43، التهذيب 1: 353 / 1047، الوسائل 1: 307، 308 أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 9، 4. (3) منهم الشيخ في المبسوط 1: 18، والمحقق في المعتبر 1: 134، والعلامة في التذكرة 1: 13. (4) العلامة في نهاية الاحكام 1: 81، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 20. (5) العلامة في نهاية الاحكام 1: 81، والشهيد في الذكرى: 20.

[ 385 ]

البول عمد إلى مكان مرتفع من الارض، أو مكان يكون فيه التراب الكثير، كراهة أن ينضح عليه البول " (1) وغيرها من الاخبار. ومنها: تأخير كشف العورة حتى يدنو من الارض، للتأسي، كما قيل (2). وتقديم الدبر على الذكر في الاستنجاء، لموثقة الساباطي: عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بايما يبدأ بالمقعدة أو بالاحليل ؟ فقال:، بالمقعدة ثم بالاحليل " (3). والاولى مع خوف سراية نجاسة الاحليل إلى اليد أو الكم غسله أولا، ثم غسل الدبر، ثم الاستبراء من البول، ثم غسل الاحليل ثانيا. ومنها: الاستبراء للرجل. ورجحانه ثابت بالاجماع، وفتاوى الاصحاب، والمعتبرة من النصوص. ففي صحيحة البختري: في الرجل يبول قال: " ينتره ثلاثا، ثم إن سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي " (4). وحسنة ابن مسلم: رجل بال ولم يكن معه ماء، فقال: " يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شئ فليس من البول، ولكنه من الحبائل " (5). والمروي في نوادر الراوندي: " من بال فليضع إصبعه الوسطى في أصل العجان ثم ليسلها ثلاثا " (6).


(1) الفقيه 1: 16 / 36. (2) التذكرة 1: 13. (3) الكافي 3: 17 الطهارة ب 12 ح 4، التهذيب 1: 29 / 76، الوسائل 1: 323 أبواب أحكام الخلوة ب 14 ح 1. (4) التهذيب 1: 27 / 70، الاستبصار 1: 48 / 136، الوسائل 1: 283 أبواب أحكام الخلوة ب 13 ح 3. (5) الكافي 3: 19 الطهارة ب 13 ح 1، التهذيب 1: 28 / 71، الاستبصار 1: 49 / 137، الوسائل 1: 320 أبواب أحكام الخلوة ب 11 ح 2. (6) نوادر الراوندي: 39، المستدرك 1: 260 أبواب أحكام الخلوة ب 10 ح 3.

[ 386 ]

وآخر: " كان النبي صلى الله عليه وآله إذا بال نتر ذكره ثلاث مرات " (1). والعامي: " إن أحدكم يعذب في قبره فيقال: إنه لم يكن يسترئ عند بوله " (2). ويؤيده: إيجابه التوقي عن النجس ونقض الطهارتين، كما صرح به فيما مر من الروايتين، وفي حسنة عبد الملك: في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا. قال: " إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى، فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي " (3). واختلفوا في استحبابه ووجوبه. فالحق المشهور هو الاول، لظاهر الاجماع، حيث لا يقدح مخالفة الشاذ فيه، والاصل، لعدم دلالة غير روايتي النوادر والعامي على الوجوب من جهة خلوه عن الدال عليه. بل في دلالته على الاستحباب أيضا تأمل، لاحتماله الارشاد لاجل التوقي. وأما هما فلضعفهما الخالي عن الجابر لا يصلحان لاثبات ما عدا الاستحباب. فالقول بالوجوب - كما عن الاستبصار والغنية مدعيا عليه الاجماع (4) - ضعيف غايته، وإرادتهما الوجوب الشرطي - كما قيل (5) - ممكنة. وأما كيفيته فقيل: إنه أن يعصر من أصل المقعدة إلى الانثيين أي أصل الذكر ثلاثا، ومنه إلى طرفه أي رأسه كذلك، ثم ينتر رأسه (6) - وهو عصره بجذبه


(1) نوادر الراوندي: 54، البحار 77: 210. (2) روى بمضونه أحاديث متعددة في كنز العمال 9: 344 - 345. (3) التهذيب 1: 20 / 50، الاستبصار 1: 94 / 303، الوسائل 1: 282 أبواب أحكام الخلوة ب 13 ح 2. (4) الاستبصار 1: 48، الغنية (الجوامع الفقهية): 549. (5) الرياض 1: 31. (6) الشرائع 1: 28.

[ 387 ]

بقوة، كما صرح به في البحار (1) - كذلك، وهذه تسع مسحات. وقيل: ست، بإسقاط الثلاث الاخيرة (2). ونسب كل من هذين القولين إلى الشهرة (3)، ويمكن إرجاعهما إلى واحد. وعن والد الصدوق: أنه الثلاث الاولي (4). وعن السيد (5) والمهذب (6): أنه الثلاث الوسطى. واختاره والدي العلامة - رحمه الله - في اللوامع والمعتمد، وحمل الزائد على الافضلية. وعن المفيد: أنه أربعة. بإسقاط الثلاتة الاخيرة ومرة من كل من الاوليين (7)، وقد ينسب إليه أنه اثنان. بإسقاط مرتين من الاوليين مع تمام الاخيرة (8). والاصل في الجميع: الاخبار السابقة، فالاولون يستدلون للستة الاولى: بحسنة عبد الملك، بإرجاع ضمير التثنيه إلى الانثيين مع إرادة الذكر منه، والمراد ما بين طرفيه. مضافا إلى الاستدلال للثلاثة الاولى: بالمروي عن النوادر أولا. وللوسطى: بصحيحة البختري، بإرجاع الضمير إلى الذكر، وبها يقيد إطلاق الغمز في الاولى، وبحسنة ابن مسلم، بإرادة رأس الذكر من طرفه الاول، وبالمروي في النوادر أخيرا. وللثلاثة الاخيرة: بقوله في الحسنة: " وينتر طرفه " بإرادة رأسه منه.


(1) البحار 77: 206. (2) المراسم: 32. (3) في الذكرى: 35، والمدارك: 301، والذخيرة: نسب القول الاول إلى الشهرة، وفي الرياض 1: 31 نسب الاول إلى الاشهرية. (4) نقله عنه في مفتاح الكرامة 1: 51. (5) نقله عنه في المعتبر 1: 134. (6) المهذب 1: 41. (7) المقنعة: 40. (8) نسبه في الذخيرة: 20.

[ 388 ]

ومنهم من استخرج التسعة من هذه الحسنة بإرادة العرق الواصل بين الدبر والانثيين من أصل الذكر ورأس الذكر من طرفه. ومنهم من استنبط الثلاثة الوسطى من حسنة عبد الملك خاصة، بإرجاع ضمير التثنية إلى المقعدة والانثيين، وذكر الغمز لبيان لزوم العصر، حيث إن الخرط مجرد مد اليد. والقائلون بالثاني استنبطوا الست بأحد الوجوه المتقدمة، وجعلوا قوله: " ينتر طرفه " بيانا لما اهمل في قوله: " إلى طرفه " من جهة احتمال خروج المغيي. ومنهم (1) من فسر الطرف بالذكر كما في قولهم: لا يدري أي طرفيه أطول لسانه أو ذكره ؟ والثالث: استند إلى صحيحة البختري، مع تضعيف سائر الروايات سندا، أو إليها وإلى حسنة ابن مسلم بجعل نتر طرفه - بيانا، كما ذكر، ورد الحسنة الاخيرة: بمعارضتها مع مفهوم الحسنة الاولى، وترجيح الاولى بمعاضدة الصحيحة. والرابع: تمسك بالحسنتين بجعل أصل الذكر في الاولى العرق المذكور، وجعل طرفه أصل الذكر، ونتر الطرف بيانا، كما ذكر، ورد الصحيحة بإجمال المرجع فيها، فيمكن رجوعه إلى الذكر، ورأسه، والبول، وما بين المقعدة. والخامس: حمل التعدد على الافضلية، ولا أعرف مستند المرتين إن صحت النسبة. ومقتضى القواعد: رفع اليد عن الصحيحة، لاجمالها كما ذكر، وقطع النظر عن التأويلات البعيدة التي أولوا الحسنتين بها وقصرهما على ما هو الظاهر منهما، وهو إرادة منتهى الذكر في جانب الانثيين من أصله، ورأسه من طرفه في الحسنة الاولى، فيكون بيانا للثلاثة الوسطى من العصرات، ويكون نتر الطرف عصر


(1) ذكره في كشف اللثام 1: 21 على وجه الاحتمال.

[ 389 ]

الذكر الحاصل من العصرات المذكورة أيضا وإرجاع ضمير التثنية في الثانية إلى المقعدة والانثيين، وجعل الغمز بيانا للزوم العصر في الخرط، فيكون بيانا للثلاثة الاولي. فتكون الحسنة الاولى دليلا للثلاثة الثانية، والثانيه للاولى. ولكن لتضمنهما الشرط يحصل التعارض في حصول نقض الطهارة وعدمه بين منطوق كل منهما ومفهوم الآخر، وإذ لا مرجح لاحدهما في على التعارض وهو ما إذا أتى بإحدى الثلاثتين دون الاخرى، ولا قول بالتخيير بين الحكم بكفاية إحداهما في النقض وعدمها، فيجب الحكم بالتساقط والرجوع إلى الاصل، وهو مع كفاية كل ثلاثة من الثلاثتين الاولى والوسطى، لاصالة عدم تنجس الثوب والبدن، وعدم انتقاض الطهارة بعد تحقق إحدى الثلاثتين، كما ذكروا (1) في الانثي فإنه لا استبراء عليها، ولا تنقض طهارتها بالخارج المشتبه - فهو الحق، أي حصول الاستبراء بكل ثلاثة من الثلاثتين. ولا يلزم خرق إجماع مركب معلوم سيما في حق من تعارضت عنده الادلة، مع أن التخيير المجوز في المدارك (2) هو بعينه ذلك. والاحوط: الجمع بين الثلاثتين. بل هو الافضل، للمرويين في النوادر المتقدمين (3). وغاية الاحتياط الاتيان بالتسعة. وينبغي الابتداء بالثلاثة الاولى حتى يخرج ما بين المقعدة والانثيين إلى الذكر، ثم بالوسطى حتى يخرج ما في الذكر أيضا، ثم بالثلاثة الاخيرة. ويتخير بين إتمام الثلاثة الاولى ثم تعقيبها بالوسطى ثم بالاخيرة، وبين تعقيب كل مرة من الاولى بمثلها من الوسطى منفصلة أو متصلة، وكذا في الاخيرة.


(1) كما في القواعد 1: 4، والروض: 25، وكشف اللثام 1: 21. (2) المدارك 1: 301. (3) في ص 384 - 385.

[ 390 ]

فروع: أ: يستحب أن يكون الاستبراء باليسار، لمرسلة الفقيه: " إذا بال الرجل لم يمس ذكره بيمينه " (1). وعنه صلي الله عليه وآله: " أنه كانت يمناه لطهوره وطعامه، ويسراه لخلائه وما كان من أذى " (2). ويستحب أن يجعل اليمين لما علا من الامور واليسار لما دنى. ب: لو خرج شئ بعد الاستبراء ليس ينجس (3) ولا ينقض الطهارة، للاصل ومنطوق الحسنتين (4). وقبله ينجس وينقض، لمفهومهما. ج: الحكم كما اشير إليه يختص بالذكر، فلا استبراء على الانثى. والمشتبه الخارج منها لا ينجس ولا ينقض، للاصل. * * *


(1) الفقيه 1: 19 / 55، الوسائل 1: 322 أبواب أحكام الحلوة ب 12 ح 6. (2) سنن أبي داود 1: 9. (3) في " ه‍ " و " ح ": بنجس. (4) المتقدمتين ص 384 - 385.

[ 391 ]

الفصل الثالث: في مكروهاتها وهي أيضا امور: منها: التخلي مطلقا - بالغائط كان أو البول - في الطرق النافذة. وأما المرفوعة فهي ملك لاربابها، يحرم التخلي فيها بدون إذنهم ويباح معه. والمشارع - وهي موارد المياه من شطوط الانهار ورؤوس الآبار - وأفنية المساجد، وعلى القبور، وبينها، وأبواب الدور، ومنازل النزال، وتحت المثمرة من الاشجار. كل ذلك للاشتهار، مضافا إلى المستفيضة من الاخبار المتضمنة جميعها لجميعها، كمرفوعة علي ورواية الاحتجاج المتقدمتين (1). وصحيحة عاصم: أين يتوضأ الغرباء ؟ فقال: " يتقي شطوط الانهار والطرق النافذة وتحت الاشجار المثمرة ومواضع اللعن " فقيل له: وأين مواضع اللعن ؟ فقال: " أبواب الدور " (2). ورواية الكرخي: " (ثلاث خصال ملعون من فعلهن): المتغوظ في ظل النزال،... " (3). وخبر السكوني: " نهي رسول الله - صلي الله عليه وآله - أن يتغوط عل شفير بئر ماء يستعذب منها، أو نهر يستعذب، أو تحت شجرة فيها ثمرتها " (1). والمروي في الخصال: " يا علي، ثلاث يتخوف منهن الجنون: التغوط بين


(1) في ص 363 و 360. (2) الكافي 3: 15 الطهارة ب 11 ح 2، التهذيب 1: 30 / 78، الوسائل 1: 324 أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 1. (3) الكافي 3: 16 الطهارة ب 11 ح 6، التهذيب 1: 30 / 80، الوسائل 1: 325 أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 4، بدل ما بين المعقوفين في النسخ: " ثلاثة ملعون ملعون من فعلهن " وما أثبتناه موافق للكافي. (4) التهذيب 1: 353 / 1048، الوسائل 1: 325 أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 3.

[ 392 ]

القبور،... " (1). وفيه وفي المجالس: " إن الله كره لكم أربعا وعشرين خصلة ونهاكم عنها إلى أن قال: " كره البول على شط نهر جار، وكره أن يحدث الرجل تحت شجرة قد أينعت يعنى أثمرت " (2). وفي الاخير أيضا: " أنه نهي أن يبول رجل تحت شجرة مثمرة أو على قارعة الطريق " (3). وفي الدعائم: " البول في الماء القائم من الجفاء، ونهي عنه وعن الغائط فيه وفي النهر، وعلى شفير البئر يستعذب من مائها، وتحت الشجرة المثمرة، وبين القبور، وعلى الطرق والافنية " (4). وفي جامع البزنطي عن االباقر عليه السلام: " ولا تبل في الماء، ولا تخل على قبر " (5). وصحيحة ابن مسلم: " من تخل على قبر أو بال قائما أو بال في ماء قائم... فأصابه شئ من الشيطان لم يدعه إلا أن يشاء الله " (6) إلى غير ذلك. ورواية الخصال والمجالس وسائر ما يتعقبها يتضمن البول أيضا صريحا أو إطلاقا، فاختصاص بعض ما تقدم عليها بالغائط لاجمال بعض آخر غير ضائر، والقول بالتخصيص بالتغوط - كبعضهم - ساقط. والاجماع على انتفاء التحريم في هذه المواضع - إذ لا يقدح مخالفة النادر - يوجب حمل الامر بالاجتناب والنهي في جملة من تلك الاخبار على الاستحباب


(1) الخصال: 125، الوسائل 1: 329 أبواب أحكام الخلوة ب 16 ح 2. (2 و 3) الخصال: 520، مجالس الصدوق: 248، 344، الوسائل 1: 327، 328 أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 10 و 11. (4) الدعائم 1: 104، المستدرك 1: 270 أبواب أحكام الخلوة ب 19 ح 1 وص 261 ب 12 ح 2. (5) نقلها عنه في البحار 77: 191. (6) الكافي 6: 533 الزى والتجمل ب 69 ح 2، الوسال 1: 329 أبواب أحكام الخلوة ب 16 ح 1.

[ 393 ]

والكراهة، فنفي الجواز فيها كما عن المفيد (1)، أو في الاخرين كما عن الصدوق في الهداية والفقيه (2) ضعيف. ولو لم يثبت الاجماع على خلافه، فلا أقل من الشهرة العظيمة المخرجة للاخبار المحرمة عن الحجية، فلا تصلح إلا لاثبات الكراهة، مع أن إرادتهما المعنى الاخص من الجواز ممكنة. والمثمر ومسقط الثمر - كما في الثلاثة الاولي - يصدقان على المنقضي عنه المبدأ أيضا حقيقة، بل على ما من شأنه ذلك وإن لم يتلبس (به بعد) (3)، كما بينا في موضعه، فالكراهة تعم الاشجار المثمرة مطلقا. واختصاص بعض آخر بما فيه الثمر لا يثمر، لعدم حجية مفهوم الوصف على الاظهر، فالتخصيص استنادا إلى ذك أو إلى اختصاص المشتق بالمتلبس لا يصح. والاستشهاد بمرسلة الفقيه المعللة للكراهة: بمكان الملائكة حين وجود الثمر (4) لا يتم، لان وجود علة في مورد لا ينافي وجود اخرى في آخر. ودعوى: أصالة عدمها - بعد دلالة الاطلاق - لا تسمع. مع أن ذلك التعليل لا يفيد الاختصاص، لجواز أن يكون كونهم هناك في وقت موجبا للنهي عن التخلي فيه مطلقا تعظيما لهم واستنظافا لمكانهم قبل ذلك وبعده. ومنها: البول في الارض الصلبة، للتصريح بكراهة نضح البول في مرسلة الفقيه (5)، وملزوم المكروه ولو في الاغلب مكروه، ولانه تحقير وتهاون في البول


(1) المقنعة: (2) الهداية: 15، الفقيه 1: 21. (3) في " ه‍ " و " ق ": بعد به. (4) الفقيه 1: 22 / 64، الوسائل 1: 327 أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 8. (5) الفقيه 1: 16 / 36، الوسائل 1: 38 أبواب أحكام الخلوة ب 22 ح 2.

[ 394 ]

ونهي عنهما في المستفيضة " (1)، ولاستحباب ارتياد الموضع المناسب، والصلب غير مناسب، وضد المستحب المكروه. وفي ثقوب الحشرات، لورود النهي عنه في بعض الاخبار، كما صرح به جماعة (2). وفي الحمام، للمروي في الخصال: " البول في الحمام يورث الفقر " (3). والمراد منه ما يدخل فيه عرفا، لا نفس المغسل كماقد يتوقهم. وحالة القيام، لصحيحة ابن مسلم المتقدمة (4) وغيرها. ومطمحا به أي راميا به إلى الهواء، كأن يبول من سطح في الهواء، لرواية السكوني: " نهى النبي أن يطمح الرجل ببوله من السطح أو من الشئ المرتفع في الهواء " (5). والمروي في الخصال: " لا يبولن الرجل من سطح في الهواء " (6). ومنه البول في البلاليع العميقة. ولا يتحقق التطميح بالبول في مكان ثم جريانه بميزاب ونحوه في الهواء. ولا ينافي ذلك ما تقدم من استحباب ارتياد مكان البول كمرتفع، إذ الارتفاع المعتبر هناك هو بقدر ما يؤمن معه من الترشح. والنهي عن التطميح من


(1) راجع الوسائل 1: 338 أبواب أحكام الخلوة ب 22. (2) أي صرحوا بورود النهي، منهم الشهيد في الذكرى: 20، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 23 ولم نعثر عليه من طرقنا، وهو موجود في كتب الجمهور، انظر سنن أبي داود 1: 8. نعم روى في مستدرك الوسائل 1: 286 أبواب أحكام الخلوة ب 29 ح 10 نقلا عن أعلام الدين للديلمي 302: " وقال الباقر عليه السلام لبعض أصحابه وقد أراد سفرا... ولا تبولن في نفق... " فتأمل. (3) الخصال: 504، الوسائل 15: 347 أبواب جهاد النفس ب 49 ح 21. (4) في ص 391. (5) الكافي 3: 15 الطهارة ب 11 ح 4، الوسائل 1: 351 أبواب أحكام الخلوة ب 33 ح 1. (6) الخصال: 613، الوسائل 1: 352 أبواب أحكام الخلوة ب 33 ح 6.

[ 395 ]

السطح أو مكان مرتفع يدل على أن المراد منه ما ذكرنا. ويظهر من بعض كتب اللغة أنه الرمي إلى فوق (1). ومن علل الحكم بخوف الرد حمله عليه. ومنها: استقبال الشمس أو القمر في البول، للنهي عنها في المستفيضة المحمولة على الكراهة، لما (2) سبق. كرواية السكوني: " نهي أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول " (3). ورواية الكاهلي: " لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به " (4). وفي المجالس: " ونهي أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس والقمر " (5). وفي الغائط، لما في الكافي - بعد مرفوعة محمد السابقة في القبلة (6) -: وروي أيضا في حديث (آخر) (7): " لا تستقبل الشمس ولا القمر " (8) فإنه يظهر منه أنه أيضا حكم الغائط. وفي العلل: " فإذا أراد البول والغائط - إلى أن قال -: ولا تستقبل الشمس أو القمر " (9). وكذا استدبار القمر حال الغائط، لما في الفقيه - بعد مرفوعة علي


(1) الصحاح 1: 389، مجمع البحرين 2: 393. (2) في " ه‍ ": كما. (3) التهذيب 1: 34 / 91، الوسائل 1: 342 أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 1. (4) التهذيب 1: 34 / 92، الوسائل 1: 342 أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 2. (5) مجالس الصدوق: 345 " المجلس 66 ". (6) في ص 362. (7) لا توجد في " ق ". (8) الكافي 3: 15 الطهارة ب 11 ملحق ح 3، الوسائل 1: 343 أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 5. (9) نقلها في البحار 77: 194 / 53 عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم.

[ 396 ]

السابقة (1) -: وفي خبر آخر: " لا تستقبل الهلال ولا تستدبره " (2) لما ذكر. بل الشمس أيضا حينئذ، كما هو الظاهر مما في العلل في حكم بيان حدود من أراد البول أو الغائط: " وعلة اخرى أن فيهما - أي في الشمس والقمر - نورا مركبا، فلا يجوز أن يستقبل بالعورتين وفيهما نور من نور الله " (3) الحديث. والاستقبال بالدبر - الذي هو إحدى العورتين - هو الاستدبار. وأما استدبارهما في البول: فلم يرد كراهته في الاخبار، والاصل عدمها، فهو الاظهر. والتعدي بالاولوية باطل جدا. وظاهر النافع، والنهاية، والمدارك (4): اختصاص الكراهة بالاستقبال خاصة، كما أن ظاهر الاقتصاد، والجمل، والمصباح (5) ومختصره، والديلمي (6)، وابن سعيد (7) ومحتمل الارشاد، والبيان، والنقلية (8): التخصيص بالبول، وظاهر القواعد (9): الاختصاص بالاستقبال في البول والاستدبار في الغائط. والصحيح ما ذكرنا. ثم المكروه في الاستقبال حال البول على الاظهر الاشهر: الاستقبال بالفرج، لانه الثابت من الروايات، دون البدن كما في القبلة. وأما حال الغائط وفي الاستدبار بالقمر فالظاهر أن المكروه هو الاستقبال والاستدبار بالبدن، لانه مقتضى أخبارهما، فتأمل.


(1) في ص 363. (2) الفقيه 9: 18 / 48، الوسائل 1: 342 أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 3. (3) راجع ص 394. (4) المختصر النافع: 5، النهاية: 10، المدارك 1: 178. (5) الاقتصاد: 241، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 157، مصباح المتهجد: 6. (6) المراسم: 33. (7) الجامع للشرائع: 26. (8) مجمع الفائدة 1: 94، البيان: 41، النفلية: 5. (9) القواعد 1: 4.

[ 397 ]

ومنها: استقبال الريح واستدبارها في الغائط، للمرفوعتين المتقدمتين (1). واستقباله في البول، لاخبار النهي عن احتقاره والتهاون به (2)، والامر بالتحفظ والتوقي عنه. ولما في العلل: " ولا تستقبل الريح لعلتين: إحداهما أن الريح يرد البول فيصيب الثوب ولم يعلم ذلك، أو لم يجد ما يغسله، والعلة الثانية: أن مع الريح ملكا فلا يستقبل بالعورة " (3). ويظهر من العلة الثانية: كراهة الاستدبار في الغائط أيضا مع سرها. وأما الاستدبار في البول فلم أجد فيه نصا. والشيخ (4) والفاضلان (5) خصا الكراهة بالاستقبال والبول. ومنها: البول في الماء، للمروي عن جامع البزنطي المتقدمة (6)، وإطلاقه يشمل الراكد والجاري. مضافا في الاول إلى صحيحة ابن مسلم المتقدمة (7)، والمروي في العلل: " ولا تبل في ماء نقيع " (8). - ومرسلة الفقيه: " البول في الماء الراكد يورث النسيان " (9). رفي جنة الامان:


(1) في ص 362. (2) راجع الوسائل 1: 339 أبواب أحكام الخلوة ب 23. (3) نقله في البحار 77: 149 / 53 عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إراهيم بن هاشم. (4) مصباح المتهجد 6، النهاية: 10، الاقتصاد: 241. (5) المحقق في الشرائع 1: 19، والمختصر النافع: 5، والعلامة في التحرير 1: 7، والقواعد 1: 4. (6) في ص 391. (7) في ص 391. (8) علل الشرائع: 283، الوسائل 1: 341 أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 6. (9) الفقيه 1: 16 / بعد ح 35، الوسائل 1: 341 أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 4.

[ 398 ]

" أنه ميراث الهموم " (1). وفي غيره: " أنه من الجفاء " (2). " وأنه يورث الفقر " (3). وفي الثاني إلى رواية مسمع: " نهي أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة " (4). والمروي في الخصال: " ولا تبولن في ماء جار " إلى أن قال: " فإن للماء أهلا " (5). وروي: " أنه يورث السلس " (6). خلافا للمحكي عن ظاهر الصدوقين (7) والمفيد (8)، فحرموه في الاول، لظاهر النهي، وجعله بعضهم أحوط (9). وهو كذلك. وللاولين، فخصا الكراهة أو الحرمة بالاول، لموثقة ابن بكير: " لا بأس في البول في الماء الجارى، (10). وفي معناها موثقة سماعة (11). وصحيحة الفضيل: قال: " لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري، وكره


(1) نقله في البحار 77: 195 / 55. (2) الدعائم 1: 104، المستدرك 1: 270 أبواب أحكام الخلوة ب 19 ح 1. (3) غوالي اللآلي 2: 187، المستدرك 1: 271 أبواب أحكام الخلوة ب 19 ح 6. وفيهما: " يورث الحصر ". (4) التهذيب 1: 34 / 90، الاستبصار 1: 13 / 25، الوسائل 1: 341 أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 3. (5) الخصال: 613. (6) غوالي اللآلي 2: 187. (7) الفقيه 1: 16، الهداية: 15، وفي كشف اللثام 1: 22 نقله عن والد الصدوق. (8) المقنعة: 41. (9) الرياض 1: 17. (10) التهذيب 1: 43 / 122، الاستبصار 1: 13 / 24، الوسائل 1: 143، أبواب الماء المطلق ب 5 ح 3. (11) التهذيب 1: 34 / 89، الاستبصار 1: 13 / 21، الوسائل 1: 143 أبواب الماء المطلق ب 5 ح 4.

[ 399 ]

أن يبول في الماء الراكد " (1) فصل عليه السلام، والتفصيل قاطع للشركة. ورواية عنبسة: عن الرجل يبول في الماء الجاري، قال: " لا بأس به إذا كان الماء جاريا " (2) فإن البأس الثابت بالمفهوم لغير الجاري هو الكراهة، فيكون هو المنفي في المنطوق. والجواب عنها على القول بالحرمة في الراكد ظاهر. وعلى الكراهة، أما عن الموثقتين: فبأن نفي البأس - الذي هو العذاب - لا ينافي الكراهة. وأما عن الصحيحة: فبجواز عطف " كره " على " قال " فلا يكون في كلامه تفصيل، فلعله - عليه السلام - قال بالكراهة في الراكد في وقت، ونفى البأس عن الجاري في آخر، فجمعهما الراوي. وأما عن الرواية: فبأنه يمكن أن يكون المراد بالبأس المجازي المثبت في المفهوم مرتبة من الكراهة مشابهة - لشدة مرجوحيته - للحرمة، وبالمنفي في المنطوق، الاعم منها ومن العذاب، ولهذا خصص نفي البأس في كثير من الاخبار بالجاري، وعلى هذا فيكون الكراهة فيه أخف، وهو كذلك. كما أنه يشتد فيهما بالليل، لما ينقل من أن الماء بالليل للجن، فلا يبال فيه ولا يغتسل حذرا من إصابة آفة من جهتهم (3). ثم إن النصوص مخصوصة بالبول ككلام جماعة (4). وتعدى الاكثر - ومنهم الشيخان (5) - إلى الغائط أيضا فكرهوه فيه. ولا بأس


(1) التهذيب 1: 31 / 81، الاستبصار 1: 13 / 23، الوسائل 1: 143 ابواب الماء المطلق ب 5 ح 1. (2) التهذيب 1: 43 / 120، الاستبصار 1: 13 / 22، الوسائل 1: 143 أبواب الماء المطلق ب 5 ح 2. (3) رواه في غوالي اللآلي 2: 187. (4) كما في الفقيه 1: 16، والشرائع 1: 19، والقواعد 1: 4. (5) المفيد في المقنعة: 42، والطوسي في النهاية: 10.

[ 400 ]

به، لفتوى هؤلاء الاعاظم، والتعليل المذكور في رواية الخصال. وقد يتمسك في التعدي: بالاولوية أو تنقيح المناط، وهو كما ترى. ويستثني حال الضرورة، للضرورة، ورواية مسمع (1). واستثناء المياه المعدة لذلك مدفوع بإطلاق النصوص. ومنها: استصحاب الخاتم في اليد عند الخلوة وفيه اسم الله تعالى أو شئ من القرآن، لرواية الخزاز: أدخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسم من أسماء الله ؟ قال: " لا " (2). ورواية أبي القاسم: الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى، فقال: " ما احب ذلك " قال: فيكون اسم محمد، قال: " لا بأس " (3). وموثقة الساباطي: " لا يمس الجنب درهما ولا دينارا فيه اسم الله، ولا يستنج وعليه خاتم فيه اسم الله، ولا يجامع وهو عليه، ولا يدخل المخرج وهو عليه " (4) والمستتر في " يستنجي " ونظائره إلى الرجل المدلول عليه في ضمن الجنب لا الجنب. والمروي في قرب الاسناد: عن الرجل يجامع، يدخل الكنيف وعليه الخاتم فيه ذكر الله، أو شئ من القرآن، يصلح ذلك ؟ قال: " لا " (5). وهذه الروايات كما ترى مختصة بالخاتم في اليد صريحا كالاول، وظاهرا كالبواقي، فلا يفيد تعميم الكراهة بالنسبة إلى مطلق الاستصحاب كما قد يذكر.


(1) التهذيب 1: 34 / 90، الاستبصار 1: 13 / 25، الوسائل 1: 341 أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 3. (2) الكافي 3: 56 الطهارة ب 36 ح 8، الوسائل 1: 330 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 1. (3) التهذيب 1: 32 / 84، الاستبصار 1: 48 / 135، الوسائل 1: 332 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 6. (4) التهذيب 1: 31 / 82، الاستبصار 1: 48 / 133، الوسائل 1: 331 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 5. (5) قرب الاسناد: 293 / 1157، الوسائل 1: 333 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 10.

[ 401 ]

والتعدي بتنقيح المناط موقوف على القطع بالعلة. والتمسك بمنافاته التعظيم لا يثبت إلا استحباب عدم الاستصحاب بقصد التعظيم، ولا كلام فيه " ولكل امرئ ما نوى " (1) وفتوى البعض (2) أيضا لا يثبت أزيد من ذلك، فالحكم بالكراهة مطلقا لذلك لا وجه له. والمستفاد من الاخبار أن الكراهة إنما هي عند دخول الخلاء سواء كان للتغوط أو البول، فلا كراهة عند البول في غيره، بل ولا عند التغوط في مثل الصحراء، لعدم صدق الخلاء والكنيف، بل ولا المخرج، لان الظاهر منه أيضا البيت المعد له. ويشتد الكراهة إذا كان الخاتم في اليسار حال الاستنجاء، للموثقة. ورواية أبى بصير: " من نقش على خاتمه اسم الله فليحوله عن اليد التي يستنجي بها " (3). ورواية الحسين بن خالد: قلت له: إنا روينا في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يستنجي وخاتمه في إصبعه، وكذلك كان يفعل أمير المؤمنين عليه السلام، وكان نقش خاتم رسول الله صلي الله عليه وآله: محمد رسول الله. قال: " صدقوا " قلت: وينبغي لنا أن نفعل ذلك ؟ فقال: " إن اولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى وأنتم تتختمون في اليد اليسرى " (4). وقريب منها المروي في العيون (5). وأما خبر وهب: " كان نقش خاتم أبي: العزة لجميعا، وكان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم أمير المؤمنين عليه السلام: الملك لله، وكان في يده


(1) راجع الوسائل 1: 46 أبواب مقدمة العبادات ب 5. (2) كالصدوق في الفقيه 1: 20. (3) الكافي 6: 474 الزي والتجمل ب 27 ح 9، الوسائل 1: 331 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 4. (4) الكافي 6: 474 الزي والتجمل ب 27 ح 8، الوسائل 1: 331 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 3. (5) العيون 2: 55 / 206، الوسائل 1: 333 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 9.

[ 402 ]

اليسرى يستنجي بها " (1). فمحمول على التقية، مع أنه لا ضير في صدور المكروه عنهم أحيانا، فليحمل الخبر عليه. وله يندفع المنافاة بينه وبين ما دل على أنهم كانوا يتختمون باليمنى. ولا كراهة في اسم الحجج، للاصل. ولو تجنب عنه تعظيما لشعائر الله كان حسنا. هذا كله بشرط عدم التلويث حال الاستنجاء، وإلا فيحرم قطعا. ومنها: التكلم في حال الحدث مطلقا بغير ما يتعبد الله سبحانه، وبه أيضا إلا آية الكرسي، والتحميد، وحكاية الاذان، وما يجب كرد السلام والادعية المأثورة للخلوة. وتدل على الاول: رواية صفوان: " نهي رسول الله صلي الله عليه وآله أن يجيب الرجل آخر وهو على الغائط أو يكلمه حتى يفرغ " (2). ومرسلة الفقيه: " لا يتكلم على الخلاء " (3). والمروي في المحاسن: " ترك الكلام في الخلاء يزيد في الرزق " (4). وفي الدعائم عن أهل البيت عليهم السلام: أنهم نهوا عن الكلام في حال الحدث والبول، وأن يرد سلام من سلم عليه وهو في تلك الحالة (5). وبه يثبت التعميم الذي ذكرناه وإن خص غيره بالغائط أو الخلاء. وعموم غير الاولى حجة الثاني، مضافا إلى المروي في الخصال: " سبعة لا يقرؤون القرآن " وعد منهم: من في الكنيف (6).


(1) التهذيب 1: 31 / 83، الاستبصار 1: 48 / 134، الوسائل 1: 332 أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 8. (2) التهذيب 1: 27 / 69، الوسائل 1: 309 أبواب أحكام الخلوة ب 6 ح 1. (3) الفقيه 1: 21 / ملحق ح 60، الوسائل 1: 310 أبواب أحكام الخلوة ب 6 ح 2. (1) نقله في مشكاة الانوار: 129 عن المحاسن، المستدرك 1: 257 أبواب أحكام الخلوة ب 6 ح 3. (5) الدعائم 1: 104، المستدرك 1: 256 أبواب أحكام الخلوة ب 6 ح 1. (6) الخصال: 357، الوسائل 6: 246 أبواب قراءة القرآن ب 47 ح 1.

[ 403 ]

وصحيحة عمربن يزيد: عن التسبيح في المخرج وقراءة القرآن، فقال: " لم يرخص في الكنيف أكثر من آية الكرسي وتحميد الله، أو آية: الحمد لله رب العالمين " (1). والاجماع على الجواز في الكل، وشذوذ الرواية (لو) (2) ابقيت على ظاهرها الموجب لضعفها أوجب حمل ما ظاهره الحرمة على الكراهة. ثم الاخيرة هي الحجة في استثناء الاولين، وظاهرها عدم استثناء غير ما زكر. واستبعاد استثنائها خاصة مع فضيلتها على كثير من الآيات مجرد وهم. نعم، لم يذكر في التهذيب قوله: " الحمد لله رب العالمين " وختم بقوله: " آية " ومقتضاه: استثناء كل آية، ولا بأس به وإن ضعفه وجوده في الفقيه (3). وصحيحة الحلبي: أتقرأ النفساء والحائض والرجل يتغوط، القرآن ؟ قال: " يقرؤون ما شاؤوا " (4) لا تثبت إلا الجواز الغير المنافي للكراهة. ويستثنى الثالث برواية (5) سليمان بن مقابل المروية في العلل: لاي علة يستحب للانسان إذا سمع الاذان أن يقول كما يقول المؤذن وإن كان على البول أو الغائط ؟ قال: " إن ذلك يزيد في الرزق " (6). وبصحيحة محمد: " لا تد عن ذكر الله على كل حال، ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وأنت على الخلاء فاذكر الله عزوجل وقل كما يقول " (7).


(1) الفقيه 1: 19 / 57، التهذيب 1: 352 / 1042 حذف منه " الحمد رب العالمين "، الوسائل 1: 312 أبواب أحكام الخلوة ب 7 ح 7. (2) مابين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى. (3) الفقيه 1: 19. (4) التهذيب 1: 128 / 348، الاستبصار 1: 114 / 381، الوسائل 1: 313 أبواب أحكام الخلوة ب 7 ح 8. (5) في " ه‍ " و " ق ": لرواية. (6) علل الشرائع: 284، الوسائل 1: 314 أبواب أحكام الخلوة ب 8 ح 3. (7) الفقيه 1: 187 / 892، الوسائل 1: 314 أبواب أحكام الخلوة ب 8 ح 1.

[ 404 ]

وخبر أبي بصير: " إن سمعت الاذان وأنت على الخلاء فقل مثل ما يقول المؤذن، واذكر الله في تلك الحال، فإن ذكر الله حسن على كل حال " (1). وهو مع سابقته حجة من استثني التكلم بمطلق ذكر الله، مضافا إلى المروي في عدة الداعي: " لا بأس بذكر الله وأنت تبول، فإن ذكر الله حسن على كل حال " (2). وما ورد من وحيه سبحانه إلى موسى (من) (3) حسن الذكر في كل حال بعد سؤاله عن عروض حالات يجله تعالى عن الذكر فيها (4). وفيه: أن الذكر حقيقة في التذكر القلبي، واستعماله في الآيات والاخبار فيه أيضا شائع، فلا يثبت من تجويزه تجويز الكلام الذكري الذي هو مجاز قطعا. وعطف الذكر في خبر أبي بصير على قول مثل ما يقول المؤذن، وعكسه في الصحيحة، لا يدل على اتحادهما، بل حقيقة العطف التغاير، مع أن الاتحاد أيضا لا يفيد التعميم. ويستثنى الرابع بالاجماع، وبمعارضة أدلة وجوبه مع العمومات المتقدمة - لعدم اجتماع الوجوب والكراهة - بالعموم من وجه، الموجبة للرجوع إلى أصالة الجواز، المستلزمة لضم فصل الوجوب بالاجماع المركب، فإنه لا قول بجواز رد السلام من غير وجوب. وأما رواية الدعائم المتقدمة (5) فلضعفها غير ناهضة لرفع الواجب. ووجه استثناء الخامس واضح كاستثناء مطلق الكلام حال الضرورة. نم إنه لاشك في أن الكراهة هنا في غير ما يتعبد به الله بالمعني المصطلح.


(1) علل الشرائع: 284، الوسائل 1: 314 أبواب أحكام الخلوة ب 8 ح 2. (2) عدة الداعي: 239. (3) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة. (4) الكافي 2: 497 الدعاء ب 21 ح 8، الوسائل 1: 310 أبواب أحكام الخلوة ب 7 ح 1. (5) في ص 401.

[ 405 ]

وهل فيه أيضا بهذا المعنى أم لا ؟ بل بمعنى المرجوحية الاضافية حتي يكون فيه ثواب أيضا ؟ الظاهر الثاني، إذ ليس دلالة شئ من الاخبار المتقدمة على الكراهة - سوى رواية المحاسن (1) - مقتضى الحقيقة، فمجازه كما يمكن أن يكون الكراهة المصطلحة يمكن أن يكون المرجوحية. وأما هي فلا تدل على نوع ثواب على ترك مطلق الكلام، وهو لا ينافي ترتب ثواب آخر على فعل نوع منه. ومنها: الاستنجاء باليمين، للنهي عنه في المستفيضة (2). والظاهر أنه إن لم يمس المحل باليد واكتفى بمجرد الصب، فاليد التي يصب بها الماء يحصل بها الاستنجاء. وكذا إن مس بها بمجرد الاخذ كما في أخذ القضيب بيد وصب الماء باخرى، فالاستنجاء يحصل بالاخرى. ولو غسل بها النجاسة، فالاستنجاء يحصل باليد الغاسلة دون ما يصب بها الماء. ومنها: طول الجلوس في الغائط، لايجابه الباسور وفجع الكبد، كما ورد في الاخبار (3). والسواك عند الغائط أو مطلقا، لايراثه البخر (4) كما في المرسل (5). والأكل والشرب كذلك، للشهرة بل الاجماع، وتضمتنهما المهانة. والاستناد إلى المرسلة الواردة في لقمة وجدها أبو جعفر عليه السلام في الخلاء (6) غير جيد. والتعجيل في القيام عن الغائط قبل تمام الفراغ، للمروي في الخصال: " لا


(1) المتقدمة ص 401. (2) راجع الوسائل 1: 321 أبواب أحكام الخلوة ب 12. (3) الوسائل 1: 336 أبواب أحكام الخلوة ب 20. (4) البخر: نتن رائحة الفم. (5) الفقيه 1: 32 / 110، الوسائل 1: 337 أبواب أحكام الخلوة ب 21 ح 1. (6) الفقيه 1: 18 / 49، الوسائل 1: 361 أبواب أحكام الخلوة ب 39 ح 1. والأكل والشرب كذلك، للشهرة بل الاجماع، وتضمتنهما المهانة. والاستناد إلى المرسلة الواردة في لقمة وجدها أبو جعفر عليه السلام في الخلاء (6) غير جيد. والتعجيل في القيام عن الغائط قبل تمام الفراغ، للمروي في الخصال: " لا

[ 406 ]

يعجل الرجل عند طعامه حتي يفرغ، ولا عند غائطه حتى يأتي على حاجته " (1). * * *


(1) الخصال: 625. والأكل والشرب كذلك، للشهرة بل الاجماع، وتضمتنهما المهانة. والاستناد إلى المرسلة الواردة في لقمة وجدها أبو جعفر عليه السلام في الخلاء (6) غير جيد. والتعجيل في القيام عن الغائط قبل تمام الفراغ، للمروي في الخصال: " لا

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية