الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رياض المسائل (ط.ج) - السيد علي الطباطبائي ج 8

رياض المسائل (ط.ج)

السيد علي الطباطبائي ج 8


[ 1 ]

رياض المسائل تأليف الفقيه المدقق السيد علي الطباطبائي المتوفى سنة 1231 ه‍. ق. تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 2 ]

رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل (ج 8) المؤلف: الفقيه المدقق السيد علي الطباطبائي الموضوع: الفقه تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة: الأولى المطبوع: 1000 نسخة التاريخ: 1419 ه‍. ق. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

متن المختصر النافع (1)


(1) خدمة للقارئ الكريم ننقل متن كتاب (المختصر النافع) للمحقق الحلي قدس سره - وهي النسخة المطبوعة المتداولة - بقدر ما جاء في هذا الجزة من (رياض المسائل) لآية الله السيد علي الطباطبائي رحمه الله، ولا يخفى أن بين النسخة المذكورة والنسخ المتعددة من الرياض اختلافات لم نذكر مواردها بل تركناها للقارئ العزيز

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب التجارة وفيه فصول: الفصل الأول: فيما يكتسب به والمحرم منه أنواع: (الأول) الأعيان النجسة، كالخمر والأنبذة والفقا والميتة والدم والأرواث والأبوال مما لا يؤكل لحمه. وقيل: بالمنع من الأبوال مما لا يؤكل لحمه. وقيل: بالمنع من الأبوال إلا أبوال الإبل. والخنزير والكلاب عدا كلب الصيد. وفي كلب الماشية والحائط والزرع قولان. والمائعات النجسة عدا الدهن لفائدة الاستصباح، ولا يباع ولا يستصبح بما يذاب من شحوم الميتة وألبانها. (الثاني) الآلات المحرمة كالعود والطبل والزمر، وهياكل العبادة المبتدعة كالصنم والصليب، وآلات القمار كالنرد والشطرنج.

[ 6 ]

(الثالث) ما يقصد به المساعدة على المحرم كبيع السلاح لأعداء الدين في حال الحرب. وقيل: مطلقا، وإجارة المساكن والحمولات للمحرمات، وبيع العنب ليعمل خمرا، والخشب ليعمل صنما، ويكره بيعه ممن يعمله. (الرابع) ما لا ينتفع به كالمسوخ، برية كانت كالدب والقرد، أو بحرية كالجري والسلاحف، وكذا الضفادع والطافي. ولا بأس بسباع الطير والهر والفهد. وفي بقية السباع قولان، أشبههما الجواز. (الخامس) الأعمال المحرمة، كعمل الصور المجسمة، والغناء، عدا المغنية لزف العرائس، إذا لم تغن بالباطل، ولم يدخل عليها الرجال. والنوح بالباطل، أما بالحق فجائز، وهجاء المؤمنين، وحفظ كتب الضلال ونسخها لغير النقض، وتعلم السحر والكهانة والقيافة والشعبذة، والقمار، والغش بما يخفى، وتدليس الماشطة، ولا بأس بكسبها مع عدمه، وتزيين الرجل بما يحرم عليه، وزخرفة المساجد والمصاحف، ومعونة الظالم، واجرة الزانية. (السادس) الاجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات وتكفينهم وحملهم ودفنهم، والرشا في الحكم، والاجرة على الصلاة بالناس، والقضاء، ولا بأس بالرزق من بيت المال. وكذا على الأذان، ولا بأس بالاجرة على عقد النكاح. والمكروه: (إما) لإفضائه إلى المحرم غالبا كالصرف، وبيع الأكفان، والطعام، والرقيق، والصباغة، والذباحة، وبيع ما يكن من السلاح لأهل

[ 7 ]

الكفر، كالخفين والدرع. و (إما) لضيعته كالحياكة والحجامة إذا شرط الاجرة، وضراب الفحل، ولا بأس بالختانة وخفض الجواري. (وإما) لتطرق الشبهة، ككسب الصبيان، ومن لا يجتنب المحارم. ومن المكروه: الاجرة على تعليم القرآن ونسخه، وكسب القابلة مع الشرط، ولا بأس به لو تجرد، ولا بأس باجرة تعليم الحكم والآداب. وقد يكره الاكتساب بأشياء اخر تأتي إن شاء الله تعالى. مسائل ست الاولى: لا يؤخذ ما ينثر في الأعراس إلا ما يعلم معه الإباحة. الثانية: لا بأس ببيع عظام الفيل واتخاذ الأمشاط منها. الثالثة: يجوز أن يشترى من السلطان ما يأخذه باسم المقاسمة واسم الزكاة من ثمرة وحبوب ونعم وإن لم يكن مستحقا له. الرابعة: لو دفع إليه مالا ليصرفه في المحاويج وكان منهم فلا يأخذ منه إلا بإذنه على الأصح، ولو أعطى عياله جاز إذا كانوا بالصفة، ولو عين له لم يتجاوز. الخامسة: جوائز الظالم محرمة إن علمت بعينها، وإلا فهي حلال. السادسة: الولاية من العادل جائزة، وربما وجبت، وعن الجائر محرمة إلا مع الخوف. نعم لو تيقن التخلص من المآثم والتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحبت، ولو اكره لا مع ذلك أجاب دفعا للضرر، وينفذ أمره ولو كان محرما، إلا في قتل المسلم.

[ 8 ]

الفصل الثاني: في البيع وآدابه (أما البيع) فهو الإيجاب والقبول اللذان تنتقل بهما العين المملوكة من مالك إلى غيره بعوض مقدر. وله شروط: (الأول) يشترط في المتعاقدين كمال العقل والاختيار، وأن يكون البائع مالكا أو وليا كالأب والجد للأب والحاكم وأمينه والوصي أو وكيلا. ولو باع الفضولي فقولان: أشبههما وقوفه على الإجازة. ولو باع ما لا يملكه مالك كالحر وفضلات الإنسان والخنافس والديدان لم ينعقد. ولو جمع بين ما يملك وما لا يملك في عقد واحد كعبده وعبد غيره صح في عبده ووقف الآخر على الإجازة. أما لو باع العبد والحر أو الشاة والخنزير صح فيما يملك وبطل في الآخر، ويقومان ثم يقوم أحدهما ويسقط من الثمن ما قابل الفاسد. (الثاني) الكيل أو الوزن أو العدد، فلو بيع ما يكال أو يوزن أو يعد لا كذلك بطل، ولو تعسر الوزن أو العدد اعتبر مكيال واحد بحسابه، ولا يكفي مشاهدة الصبرة ولا المكيال المجهول، ويجوز ابتياع جزء مشاع بالنسبة من معلوم وإن اختلفت أجزاؤه. (الثالث) لا تباع العين الحاضرة إلا مع المشاهدة أو الوصف، ولو كان المراد طعمها أو ريحها فلابد من اختبارها إذا لم يفسد به. ولو بيع ولما يختبر فقولان، أشبههما الجواز.

[ 9 ]

وله الخيار لو خرج معيبا، ويتعين الأرش بعد الإحداث فيه، ولو أدى اختباره إلى إفساده كالجوز والبطيخ جاز شراؤه، ويثبت الأرش لو خرج معيبا لا الرد، ويرجع بالثمن إن لم يكن لمكسوره قيمة. وكذا يجوز بيع المسك في فأره وإن لم يفتق. ولا يجوز بيع سمك الآجام لجهالته ولو ضم إليه القصب على الأصح. وكذا اللبن في الضرع ولو ضم إليه ما يحتلب منه، وكذا أصواف الغنم مع ما في بطونها. وكذا كل واحد منها منفردا. وكذا ما يلقح للفحل. وكذا ما يضرب الصياد بشبكته. (الرابع) تقدير الثمن وجنسه. فلو اشتراه بحكم أحدهما فالبيع باطل، ويضمن المشتري تلف المبيع مع قبضه ونقصانه. وكذا في كل ابتياع فاسد، ويرد عليه ما زاد بفعله كتعليم الصنعة والصبغ على الأشبه. وإذا أطلق النقد انصرف إلى نقد البلد، وإن عين نقدا لزم. ولو اختلفا في قدر الثمن فالقول قول البائع مع يمينه إن كان المبيع قائما، وقول المشتري مع يمينه إن كان تالفا. ويوضع لظروف السمن والتمر ما هو معتاد لا ما يزيد. (الخامس) القدرة على تسليمه.

[ 10 ]

فلو باع الآبق منفردا لم يصح، ويصح لو ضم إليه شيئا. (وأما الآداب) فالمستحب: التفقه فيه، والتسوية بين المبتاعين، والإقالة لمن استقال، والشهادتان، والتكبير عند الابتياع، وأن يأخذ لنفسه ناقصا ويعطي راجحا. والمكروه: مدح البائع، وذم المشتري، والحلف، والبيع في موضع يستر فيه العيب، والربح على المؤمن إلا مع الضرورة، وعلى من بعده بالإحسان، والسوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ودخول السوق أولا، ومبايعة الأدنين، وذوي العاهات...، والتعرض للكيل أو الوزن إذا لم يحسن، والاستحطاط بعد الصفقة، والزيادة وقت النداء. ودخوله في سوم أخيه. وأن يتوكل الحاضر للبادي. وقيل: يحرم، وتلقي الركبان، وحده أربعة فراسخ فما دون، ويثبت الخيار إن ثبت الغبن. والزيادة في السلعة مواطاة للبائع، وهو النجش. والاحتكار - وهو حبس الأقوات -. وقيل: يحرم. وإنما يكون في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن. وقيل: وفي الملح. وتتحقق الكراهية إذا استبقاه لزيادة الثمن، ولم يوجد بائع غيره. وقيل: أن تستبقيه في الرخص أربعين يوما، وفي الغلاء ثلاثة.

[ 11 ]

ويجبر المحتكر على البيع، وهل يسعر عليه ؟ الأصح: لا. الفصل الثالث: في الخيار والنظر في أقسامه وأحكامه. وأقسامه ستة: (الأول) خيار المجلس، وهو ثابت للمتبايعين في كل مبيع لم يشترط فيه سقوطه ما لم يفترقا. (الثاني) خيار الحيوان، وهو ثلاثة أيام للمشتري خاصة، على الأصح، ويسقط لو شرط سقوطه، أو أسقطه المشتري بعد العقد، أو تصرف فيه المشتري، سواء كان تصرفا لازما كالبيع أو غير لازم كالوصية والهبة قبل القبض. (الثالث) خيار الشرط، وهو بحسب ما يشترط، ولابد أن تكون مدته مضبوطة، ولو كانت محتملة لم تجز كقدوم الغزاة وإدراك الثمرات. ويجوز اشتراط مدة يرد فيها البائع الثمن ويرتجع المبيع، فلو انقضت ولما يرد لزم البيع، ولو تلف في المدة تلف من المشتري، وكذا لو حصل له نماء كان له. (الرابع) خيار الغبن، ومع ثبوته وقت العقد بما لا يتغابن فيه غالبا وجهالة المغبون يثبت له الخيار في الفسخ والإمضاء. (الخامس) من باع ولم يقبض الثمن ولا قبض المبيع ولا اشترط التأخير فالبيع لازم ثلاثة أيام، ومع انقضائها يثبت الخيار للبائع. فإن تلف، قال المفيد: يتلف في الثلاثة من المشتري، وبعدها من

[ 12 ]

البائع، والوجه تلفه من البائع في الحالين، لأن التقدير أنه لم يقبض. ولو اشترى ما يفسد من يومه ففي رواية: يلزم البيع إلى الليل، فإن لم يأت بالثمن فلا بيع له. (السادس) خيار الرؤية، وهو يثبت في بيع الأعيان الحاضرة من غير مشاهدة، ولا يصح حتى يذكر الجنس والوصف، فإن كان موافقا لزم، وإلا كان للمشتري الرد. وكذا لو لم يره البائع واشترى بالوصف كان الخيار للبائع لو كان بخلاف الصفة، وسيأتي خيار العيب إن شاء الله تعالى. وأما الأحكام فمسائل: الاولى: خيار المجلس يختص البيع دون غيره. الثانية: التصرف يسقط خيار الشرط. الثالثة: الخيار يورث، مشروطا كان أو لازما بالأصل. الرابعة: المبيع يملك بالعقد، وقيل: به وبانقضاء الخيار. وإذا كان الخيار للمشتري، جاز له التصرف وإن لم يوجب البيع على نفسه. الخامسة: إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال البائع. وكذا بعد قبضه وقبل انقضاء خيار المشتري ما لم يفرط، ولو تلف بعد ذلك كان من المشتري. السادسة: لو اشترى ضيعة رأى بعضها ووصف له سائرها كان له الخيار فيها أجمع إن لم يكن على الوصف.

[ 13 ]

الفصل الرابع: في لواحق البيع وهي خمسة: (الأول) النقد والنسيئة: من ابتاع مطلقا فالثمن حال، كما لو شرط تعجيله، ولو شرط التأجيل مع تعيين المدة صح، ولو لم يعين بطل. وكذا لو عين أجلا محتملا كقدوم الغزاة. وكذا لو قال: بكذا نقدا، وبكذا نسيئة. وفي رواية، له أقل الثمنين نسيئة، ولو كان إلى أجلين بطل. ويصح أن يبتاع ما باعه نسيئة قبل الأجل، بزيادة ونقصان، بجنس الثمن وغيره، حالا ومؤجلا إذا لم يشترط ذلك. ولو حل فابتاعه من المشتري بغير جنس الثمن أو بجنسه من غير زيادة ولا نقصان صح، ولو زاد عن الثمن أو نقص ففيه روايتان، أشبههما الجواز. ولا يجب دفع الثمن قبل حلوله وإن طلب، ولو تبرع بالدفع لم يجب القبض، ولو حل فدفع وجب القبض، ولو امتنع البائع فهلك من غير تفريط من الباذل تلف من البائع. وكذا في طرف البائع لو باع سلما. ومن ابتاع بأجل وباع مرابحة فليخبر المشتري بالأجل، ولو لم يخبره، كان للمشتري الرد أو الإمساك بالثمن حالا. وفي رواية: للمشتري من الأجل مثله.

[ 14 ]

مسألتان الاولى: إذا باع مرابحة فلينسب الربح إلى السلعة، ولو نسبه إلى المال فقولان، أصحهما الكراهية. الثانية: من اشترى أمتعة صفقة لم يجز بيع بعضها مرابحة، سواء قومها أو بسط الثمن عليها وباع خيارها، ولو أخبر بذلك جاز، لكن يخرج عن وضع المرابحة، ولو قوم على الدلال متاعا ولم يواجبه البيع وجعل له الزائد أو شاركه فيه أو جعل لنفسه منه قسطا وللدلال الزائد لم يجز بيع ذلك مرابحة، ويجوز لو أخبر بالصورة كما قلناه في الأول. ويكون للدلال الاجرة، والفائدة للتاجر، سواء كان التاجر دعاه أو الدلال ابتدأه. ومن الأصحاب من فرق. (الثاني) فيما يدخل في المبيع: من باع أرضا لم يدخل نخلها ولا شجرها إلا أن يشترط. وفي رواية: إذا ابتاع الأرض بحدودها وما اغلق عليه بابها فله جميع ما فيها. ولو ابتاع دارا دخل الأعلى والأسفل، إلا أن تشهد العادة للأعلى بالانفراد. ولو باع نخلا مؤبرا فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط، وكذا لو باع شجرة مثمرة أو دابة حاملا على الأظهر. ولو لم تؤبر النخلة فالطلع للمشتري.

[ 15 ]

(الثالث) في القبض: إطلاق العقد يقتضي تسليم المبيع والثمن. والقبض هو التخلية فيما لا ينقل كالعقار. وكذا فيما ينقل. وقيل: في القماش هو الإمساك باليد، وفي الحيوان هو نقله. ويجب تسليم المبيع مفرغا، فلو كان فيه متاع فعلى البائع إزالته. ولا بأس ببيع ما لم يقبض، ويكره فيما يكال أو يوزن، وتتأكد الكراهية في الطعام. وقيل: يحرم. وفي رواية: لا تبعه حتى تقبضه، إلا أن توليه. ولو قبض المكيل وادعى نقصانه. فإن حضر الاعتبار فالقول قول البائع مع يمينه، وإن لم يحضره فالقول قوله مع يمينه. وكذا القول في الموزون والمعدود والمذروع. (الرابع) في الشروط: ويصح منها ما كان سائغا داخلا تحت القدرة كقصارة الثوب، ولا يجوز اشتراط غير المقدور، كبيع الزرع على أن يصيره سنبلا، ولا بأس باشتراط تبقيته، ومع إطلاق الابتياع يلزم البائع إبقاؤه إلى إدراكه. وكذا الثمرة ما لم يشترط الإزالة. ويصح اشتراط العتق، والتدبير، والكتابة. ولو اشترط أن لا يعتق أو لا يطأ الأمة.

[ 16 ]

قيل: يبطل الشرط دون البيع. ولو شرط في الأمة أن لا تباع ولا توهب فالمروي: الجواز. ولو باع أرضا جربانا معينة فنقصت فللمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء بالثمن. وفي رواية: له أن يفسخ أو يمضي البيع بحصتها من الثمن. وفي الرواية: إن كان للبائع أرض بجنب تلك الأرض لزم البائع أن يوفيه منها، ويجوز أن يبيع مختلفين صفقة، وأن يجمع بين سلف وبيع. (الخامس) في العيوب: وضابطها ما كان زائدا عن الخلقة الأصلية أو ناقصا، وإطلاق العقد يقتضي السلامة، فلو ظهر عيب سابق تخير المشتري بين الرد والأرش، ولا خيرة للبائع. ويسقط الرد بالبراءة من العيب ولو إجمالا، وبالعلم به قبل العقد، وبالرضا بعده، وبحدوث عيب عنده، وبإحداثه في المبيع حدثا كركوب الدابة، والتصرف الناقل ولو كان قبل العلم بالعيب. أما الأرش فيسقط بالثلاثة الاول دون الأخيرين. ويجوز بيع المعيب وإن لم يذكر عيبه، وذكره مفصلا أفضل، ولو ابتاع شيئين فصاعدا صفقة فظهر العيب في البعض فليس له رد المعيب منفردا، وله رد الجميع أو الأرش. ولو اشترى اثنان شيئا صفقة فلهما الرد بالعيب أو الأرش، وليس لأحدهما الانفراد بالرد على الأظهر. والوطء يمنع رد الأمة إلا من عيب الحبل، ويرد معها نصف عشر قيمتها.

[ 17 ]

وهنا مسائل الاولى: التصرية تدليس يثبت بها خيار الرد. ويرد معها مثل لبنها أو قيمته، مع التعذر، وقيل: صاع من بر. الثانية: الثيوبة ليست عيبا، نعم لو اشترط البكارة فثبت سبق الثيوبة كان له الرد، ولو لم يثبت التقدم فلا رد، لأن ذلك قد يذهب بالنزوة. الثالثة: لا يرد العبد بالإباق الحادث عند المشتري، ويرد بالسابق. الرابعة: لو اشترى أمة لا تحيض في ستة أشهر فصاعدا ومثلها تحيض فله الرد، لأن ذلك لا يكون إلا لعارض. الخامسة: لا يرد البزر والزيت بما يوجد فيه من التفل المعتاد، نعم لو خرج عن العادة جاز رده إذا لم يعلم. السادسة: لو تنازعا في التبري من العيب ولا بينة فالقول قول منكره مع يمينه. السابعة: لو ادعى المشتري تقدم العيب ولا بينة فالقول قول البائع مع يمينه ما لم يكن هنا قرينة حال تشهد لأحدهما. الثامنة: يقوم المبيع صحيحا ومعيبا، ويرجع المشتري على البائع بنسبة ذلك من الثمن، ولو اختلف أهل الخبرة رجع إلى القيمة الوسطى. التاسعة: لو حدث العيب بعد العقد وقبل القبض كان للمشتري الرد، وفي الأرش قولان، أشبههما الثبوت. وكذا لو قبض المشتري بعضا وحدث في الباقي كان الحكم ثابتا فيما لم يقبض.

[ 18 ]

الفصل الخامس: في الربا وتحريمه معلوم من الشرع، حتى أن الدرهم منه أعظم من سبعين زنية. ويثبت في كل مكيل أو موزون مع الجنسية، وضابط الجنس ما يتناوله اسم خاص كالحنطة بالحنطة، والارز بالارز. ويشترط في بيع المثلين التساوي في القدر، فلو بيع بزيادة حرم نقدا ونسيئة. ويجب إعادة الربا مع العلم بالتحريم، فإن جهل صاحبه وعرف الربا تصدق به، وإن عرفه وجهل الربا صالح عليه، وإن مزجه بالحلال وجهل المالك والقدر تصدق بخمسه. ولو جهل التحريم كفاه الانتهاء. وإن اختلفت أجناس العروض، جاز التفاضل نقدا، وفي النسيئة قولان، أشبههما الكراهية. والحنطة والشعير جنس واحد في الربا. وكذا ما يكون منهما كالسويق والدقيق والخبز. وثمرة النخل وما يعمل منها جنس واحد. وكذا ثمرة الكرم وما يكون منه، واللحوم تابعة للحيوان في الاختلاف. وما يستخرج من اللبن جنس واحد. وكذا الأدهان تتبع ما يستخرج منه. وما لا كيل ولا وزن فيه فليس بربوي كالثوب بالثوبين والعبد بالعبدين، وفي النسيئة خلاف، والأشبه: الكراهية.

[ 19 ]

وفي ثبوت الربا في المعدود تردد، أشبهه الانتفاء. ولو بيع شئ كيلا أو وزنا في بلد وفي بلد آخر جزافا فلكل بلد حكمه. وقيل: يغلب تحريم التفاضل. وفي بيع الرطب بالتمر روايتان، أشهرهما المنع، وهل تسري العلة في غيره كالزبيب بالعنب، والبسر بالرطب ؟ الأشبه: لا. ولا يثبت الربا بين الوالد والولد، ولا بين الزوج والزوجة، ولا بين المملوك والمالك، ولا بين المسلم والحربي. وهل يثبت بينه وبين الذمي ؟ فيه روايتان، أشهرهما أنه يثبت. ويباع الثوب بالغزل ولو تفاضلا. ويكره بيع الحيوان باللحم ولو تماثلا. وقد يتخلص من الربا بأن يجعل مع الناقص متاع من غير جنسه مثل درهم ومد من تمر بمدين، أو ببيع أحدهما سلعته لصاحبه ويشتري الاخرى بذلك الثمن. ومن هذا الباب الكلام في الصرف وهو بيع الأثمان بالأثمان، ويشترط فيه التقابض في المجلس. ويبطل لو افترقا قبله على الأشهر، ولو قبض البعض صح فيما قبض، ولو فارقا المجلس مصطحبين لم يبطل، ولو وكل أحدهما في القبض فافترقا قبله بطل، ولو اشترى منه دراهم ثم اشترى بها دنانير قبل القبض لم يصح الثاني. ولو كان له عليه دنانير فأمره أن يحولها إلى الدراهم وساعره فقبل:

[ 20 ]

صح وإن لم يقبض، لأن النقدين من واحد. ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منهما، ويجوز في المختلف. ويستوي في اعتبار التماثل الصحيح والمكسور والمصوغ، وإذا كان في أحدهما غش لم يبع بجنسه إلا أن يعلم مقدار ما فيه، فيزاد الثمن عن قدر الجوهر بما يقابل الغش. ولا يباع تراب الذهب بالذهب، ولا تراب الفضة بالفضة، ويباع بغيره، ولو جمعا جاز بيعه بهما، ويباع جوهر الرصاص والنحاس بالذهب أو الفضة وإن كان فيه يسير من ذلك، ويجوز إخراج الدراهم المغشوشة إذا كانت معلومة الصرف، ولو لم تكن كذلك لم يجز إلا بعد بيانها. مسائل الاولى: إذا دفع زيادة عما للبائع صح، وتكون الزيادة أمانة. وكذا لو بان فيه زيادة لا يكون إلا غلطا أو تعمدا، ولو كانت الزيادة مما يتفاوت به الموازين لم تجب إعادته. الثانية: يجوز أن يبدل له درهما بدرهم، ويشترط صياغة خاتم ولا يتعدى الحكم، ويجوز أن يقرضه الدراهم ويشترط أن ينقدها بأرض اخرى. الثالثة: الأواني المصوغة من الذهب والفضة إن أمكن تخليصها لم تبع بأحدهما، وإن تعذر وكان الغالب أحدهما بيعت بالأقل، وإن تساويا بيعت بهما. الرابعة: المراكب والسيوف المحلاة إن علم مقدار الحلية بيعت بالجنس

[ 21 ]

مع زيادة تقابل المراكب أو النصل نقدا، ولو بيعت نسيئة نقد من الثمن ما قابل الحلية، وإن جهل بيعت بغير الجنس. وقيل: إن أراد بيعها بالجنس ضم إليها شيئا. الخامسة: لا يجوز بيع شئ بدينار غير درهم، لأنه مجهول. السادسة: ما يجتمع من تراب الصياغة يباع بالذهب والفضة، أو بجنس غيرهما ويتصدق به، لأن أربابه لا يتميزون. الفصل السادس: في بيع الثمار لا يصح بيع ثمرة النخل قبل ظهورها، ولا بعد ظهورها - ما لم يبد صلاحها - وهو أن يحمر أو يصفر على الأشهر، نعم لو ضم إليها شئ أو بيعت أزيد من سنة أو بشرط القطع جاز، ويجوز بيعها مع اصولها وإن لم يبد صلاحها. وكذا لا يجوز بيع ثمرة الشجر حتى تظهر ويبدو صلاحها، وهو أن ينعقد الحب. وإذا أدرك ثمرة بعض البستان جاز بيع ثمرته أجمع، وإن أدرك ثمرة بستان ففي جواز بيع بستان آخر لم يدرك منضما إليه تردد، والجواز أشبه. ويصح بيع ثمرة الشجر ولو كان في أكمامه منضما إلى اصوله ومنفردا. وكذا يجوز بيع الزرع قائما وحصيدا. ويجوز بيع الخضر بعد انعقادها لقطة ولقطات. وكذا يجوز كالرطبة جزة وجزات. وكذا ما يخرط كالحناء والتوت خرطة وخرطات.

[ 22 ]

ولو باع الاصول من النخل بعد التأبير فالثمرة للبائع. وكذا الشجر بعد انعقاد الثمرة ما لم يشترطها المشتري، وعليه تبقيتها إلى أوان بلوغها. ويجوز أن يستثني البائع ثمرة شجرات بعينها، أو حصة مشاعة، أو أرطالا معلومة، ولو خاست الثمرة سقط من الثنيا بحسابه. ولا يجوز بيع ثمرة النخل بثمر منها - وهي المزابنة - وهل يجوز بثمر من غيرها ؟ فيه قولان، أظهرهما المنع. وكذا لا يجوز بيع السنبل بحب منه، وهي المحاقلة. وفي بيعه بحب من غيره قولان، أظهرهما التحريم. ويجوز بيع العرية بخرصها، وهي النخلة تكون في دار آخر فيشتريها صاحب المنزل بخرصها تمرا. ويجوز بيع الزرع قصيلا، وعلى المشتري قطعه، ولو امتنع فللبائع إزالته، ولو تركه كان له أن يطالبه باجرة أرضه. ويجوز أن يبيع ما ابتاعه من الثمرة بزيادة عن الثمن قبل قبضها على كراهية. ولو كان بين اثنين نخل فتقبل أحدهما بحصة صاحبه من الثمرة بوزن معلوم صح. وإذا مر الإنسان بثمرة النخل جاز له أن يأكل ما لم يضر أو يقصد، ولا يجوز أن يأخذ معه شيئا. وفي جواز ذلك في غير النخل من الزرع والخضر تردد.

[ 23 ]

الفصل السابع: في بيع الحيوان إذا تلف الحيوان في مدة الخيار فهو من مال البائع ولو كان بعد القبض، إذا لم يكن بسببه ولا عن تفريط منه، ولا يمنع العيب الحادث من الرد بالخيار. وإذا بيعت الحامل فالولد للبائع على الأظهر ما لم يشترطه المشتري، ويجوز ابتياع بعض الحيوان مشاعا. ولو باع واستثنى الرأس أو الجلد ففي رواية السكوني يكون شريكا بنسبة قيمة ثنياه. ولو اشترك جماعة في شراء حيوان واشترط أحدهم الرأس والجلد بماله كان له منه بنسبة ما نقد لا ما شرط. ولو قال: اشتر حيوانا بشركتي صح، وعلى كل واحد نصف الثمن. ولو قال: الربح لنا ولا خسران عليك لم يلزم الشرط. وفي رواية: إذا شارك في جارية وشرط الشريك الربح دون الخسارة جاز. ويجوز النظر إلى وجه المملوكة ومحاسنها إذا أراد شراءها. ويستحب لمن اشترى رأسا أن يغير اسمه، ويطعمه شيئا حلوا، ويتصدق عنه بأربعة دراهم، ويكره أن يريه ثمنه في الميزان. ويلحق بهذا الباب مسائل الاولى: المملوك يملك فاضل الضريبة. وقيل: لا يملك شيئا.

[ 24 ]

الثانية: من اشترى عبدا له مال، كان ماله للبائع، إلا مع الشرط. الثالثة: يجب على البائع استبراء الأمة قبل بيعها بحيضة إن كانت ممن تحيض، وبخمسة وأربعين يوما إن لم تحض وكانت في سن من تحيض. وكذا يجب الاستبراء على المشتري إذا لم يستبرئها البائع، ويسقط الاستبراء على الصغيرة واليائسة والمستبرأة وأمة المرأة، ويقبل قول العدل إذا أخبر بالاستبراء. ولا توطأ الحامل قبلا حتى تمضي لحملها أربعة أشهر، ولو وطأها عزل، ولو لم يعزل كره له بيع ولدها، واستحب أن يعزل له من ميراثه قسطا. الرابعة: يكره التفرقة بين الأطفال وامهاتهم حتى يستغنوا، وحده سبع سنين. وقيل: أن يستغني عن الرضاع، ومنهم من حرم. الخامسة: إذا وطأ المشتري الأمة ثم بان استحقاقها انتزعها المستحق، وله عقرها نصف العشر إن كانت ثيبا، والعشر إن كانت بكرا. وقيل: يلزمه مهر أمثالها، وعليه قيمة الولد يوم سقط حيا، ويرجع بالثمن وقيمة الولد على البائع، وفي رجوعه بالعقر قولان، أشبهها الرجوع. السادسة: يجوز ابتياع ما يسبيه الظالم وإن كان للإمام بعضه أو كله. ولو اشترى أمة سرقت من أرض الصلح ردها على البائع واستعاد ثمنها، فإن مات ولا عقب له سعت الأمة في قيمتها على رواية مسكين السمان. وقيل: يحفظها كاللقطة، ولو قيل: يدفع إلى الحاكم ولا تكلف السعي،

[ 25 ]

كان حسنا. السابعة: إذا دفع إلى مأذون مالا ليشتري نسمة ويعتقها ويحج ببقية المال فاشترى أباه وتحاق مولاه ومولى الأب وورثة الأمر بعد العتق والحج وكل يقول: اشترى بمالي. ففي رواية ابن أشيم مضت الحجة ويرد المعتق على مواليه رقا، ثم أي الفريقين أقام البينة كان له رقا، وفي السند ضعف وفي الفتوى اضطراب، ويناسب الأصل الحكم بإمضاء ما فعله المأذون ما لم يقم بينة تنافيه. الثامنة: إذا اشترى عبدا فدفع البائع إليه عبدين ليختار أحدهما فأبق واحد. قيل: يرتجع نصف الثمن، ثم إن وجده تخير، وإلا كان الآخر بينهما نصفين. وفي الرواية ضعف، ويناسب الأصل أن يضمن الآبق ويطالب بما ابتاعه. ولو ابتاع عبدا من عبدين لم يصح، وحكى الشيخ في الخلاف الجواز. التاسعة: إذا وطأ أحد الشريكين الأمة سقط عنه من الحد ما قابل نصيبه وحد بالباقي مع انتفاء الشبهة. ثم إن حملت قومت عليه حصص الشركاء. وقيل: تقوم بمجرد الوطئ وينعقد الولد حرا، وعلى الواطئ قيمة حصص الشركاء منه عند الولادة. العاشرة: المملوكان المأذون لهما في التجارة إذا ابتاع كل منهما صاحبه

[ 26 ]

حكم للسابق، ولو اشتبه مسحت الطريق وحكم للأقرب، فإن اتفقا بطل العقدان. وفي رواية: يقرع بينهما. الفصل الثامن: في السلف وهو ابتياع مضمون إلى أجل بمال حاضر أو في حكمه. والنظر في شروطه وأحكامه ولواحقه. الأول الشروط: وهي خمسة: (الأول) ذكر الجنس والوصف، فلا يصح فيما لا يضبطه الوصف كاللحم والخبز والجلود، ويجوز في الأمتعة والحيوان والحبوب وكل ما يمكن ضبطه. (الثاني) قبض رأس المال قبل التفرق، فلو قبض بعض الثمن ثم افترقا صح في المقبوض. ولو كان الثمن دينا على البائع صح على الأشبه، لكنه يكره. (الثالث) تقدير المبيع بالكيل أو الوزن، ولا يكفي العدد ولو كان مما يعد، ولا يصح في القصب أطنانا، ولا في الحطب حزما، ولا في الماء قربا. وكذا يشترط التقدير في الثمن. وقيل: يكفي المشاهدة. (الرابع) تعيين الأجل بما يرفع احتمال الزيادة والنقصان. (الخامس) أن يكون وجوده غالبا وقت حلوله ولو كان معدوما وقت العقد.

[ 27 ]

الثاني في أحكامه: وهي خمسة مسائل: الاولى: لا يجوز بيع السلم قبل حلوله، ويجوز بعده وإن لم يقبضه على كراهية في الطعام على من هو عليه وعلى غيره. وكذا يجوز بيع بعضه وتولية بعضه. وكذا بيع الدين، فإن باعه بما هو حاضر صح. وكذا إن باعه بمضمون حال. ولو شرط تأجيل الثمن. قيل: يحرم، لأنه بيع دين بدين. وقيل: يكره، وهو الأشبه. أما لو باع دينا في ذمة زيد بدين المشتري في ذمة عمرو فلا يجوز، لأنه بيع دين بدين. الثانية: إذا دفع دون الصفة وبرضا المسلم صح. ولو دفع بالصفة وجب القبول. وكذا لو دفع فوق الصفة، ولا كذا لو دفع أكثر. الثالثة: إذا تعذر عند الحلول أو انقطع فطالب الصفة، ولا كذا لو دفع أكثر. الثالثة: إذا تعذر عند الحلول أو انقطع فطالب كان مخيرا بين الفسخ والصبر. الرابعة: إذا دفع من غير الجنس ورضى الغريم ولم يساعره احتسب بقيمة يوم الإقباض. الخامسة: عقد السلف قابل لاشتراط ما هو معلوم، فلا يبطل باشتراط بيع أو هبة أو عمل محلل أو صنعة.

[ 28 ]

ولو أسلف في غنم وشرط أصواف نعجات بعينها. قيل: يصح، والأشبه المنع، للجهالة. ولو شرط ثوبا من غزل امرأة معينة أو غلة من قراح بعينه لم يضمن. النظر الثالث في لواحقه: وهي قسمان: (الأول) في دين المملوك، وليس له ذلك إلا مع الإذن، فلو بادر لزم ذمته يتبع به إذا اعتق، ولا يلزم المولى، ولو أذن له المولى لزمه دون المملوك إن استبقاه أو باعه، ولو أعتقه فروايتان (إحداهما) يسعى في الدين (والاخرى) لا يسقط عن ذمة المولى، وهو الأشهر، ولو مات المولى كان الدين في تركته، ولو كان له غرماء كان غريم المملوك كأحدهم، ولو كان مأذونا في التجارة فاستدان لم يلزم المولى، وهل يسعى العبد فيه ؟ قيل: نعم. وقيل: يتبع به إذا أعتق، وهو أشبه. (القسم الثاني) في القرض، وفيه أجر عظيم ينشأ من معونة المحتاج تطوعا، ويجب الاقتصار على العوض، ولو شرط النفع ولو بزيادة في الصفة حرم، نعم لو تبرع المقترض بالزيادة في العين أو الصفة لم يحرم. ويقترض الذهب والفضة وزنا، والحبوب كالحنطة والشعير كيلا ووزنا، والخبز وزنا وعددا. ويملك الشئ المقترض (المستقرض خ) بالقبض، ولا يلزم اشتراط الأجل فيه، ولا يتأجل الدين الحال مهرا كان أو غيره. ولو غاب صاحب الدين غيبة منقطعة نوى المستدين قضاءه وعزله

[ 29 ]

عند وفاته موصيا به، ولو لم يعرفه اجتهد في طلبه. ومع اليأس، قيل: يتصدق به عنه. ولا يصح المضاربة بالدين حتى يقبض. ولو باع الذمي ما لا يملكه المسلم وقبض ثمنه جاز أن يقبضه المسلم عن حقه. ولو أسلم الذمي قبل بيعه، قيل: يتولاه غيره، وهو ضعيف. ولو كان لاثنين ديون فاقتسماها فما حصل لهما وما توى منهما. ولو بيع الدين بأقل منه لم يلزم الغريم أن يدفع إليه أكثر مما دفع، على تردد. خاتمة اجرة الكيال ووزان المتاع على البائع. وكذا اجرة بائع الأمتعة واجرة الناقد ووزان الثمن على المشتري. وكذا اجرة مشتري الأمتعة، ولو تبرع الواسطة لم يستحق اجرة. وإذا جمع بين الابتياع والبيع فاجرة كل عمل على الآمر به، ولا يجمع بينهما لواحد. ولا يضمن الدلال ما يتلف في يده ما لم يفرط، ولو اختلفا في التفريط ولا بينة فالقول قول الدلال مع يمينه. وكذا لو اختلفا في القيمة.

[ 30 ]

كتاب الرهن وأركانه أربعة: الأول: في الرهن وهو وثيقة لدين المرتهن، ولابد فيه من الإيجاب والقبول. وهل يشترط الإقباض ؟ الأظهر نعم. ومن شرطه أن يكون عينا مملوكا يمكن قبضه، ويصح بيعه، منفردا كان أو مشاعا، ولو رهن ما لا يملك وقف على إجازة المالك، ولو كان يملك بعضه مضى في ملكه، وهو لازم من جهة الراهن. ولو شرطه مبيعا عند الأجل لم يصح. ولا يدخل حمل الدابة ولا ثمرة النخل والشجر في الرهن، نعم لو تجدد بعد الارتهان دخل. وفائدة الرهن للراهن. ولو رهن رهنين بدينين ثم أدى عن أحدهما لم يجز إمساكه بالآخر. ولو كان دينان وكان بأحدهما رهن لم يجز إمساكه بهما.

[ 31 ]

ولم يدخل زرع الأرض في الرهن سابقا كان أو متجددا. الثاني: في الحق ويشترط ثبوته في الذمة مالا كان أو منفعة، ولو رهن على مال ثم استدان آخر فجعله عليهما صح. الثالث: في الراهن ويشترط فيه كمال العقل وجواز التصرف، وللولي أن يرهن لمصلحة المولى عليه. وليس للراهن التصرف في الرهن بإجارة ولا سكنى ولا وطء، لأنه تعريض للإبطال. وفيه رواية بالجواز مهجورة، ولو باعه الراهن وقف على إجازة المرتهن. وفي وقوف العتق على إجازة المرتهن تردد، أشبهه الجواز. الرابع: في المرتهن ويشترط فيه كمال العقل وجواز التصرف، ويجوز اشتراط الوكالة في الرهن، ولو عزل له لم ينعزل، وتبطل الوكالة بموت الموكل دون الرهانة. ويجوز للمرتهن ابتياع الرهن، والمرتهن أحق من غيره باستيفاء دينه من الرهن، سواء كان الراهن حيا أو ميتا. وفي الميت رواية اخرى. ولو قصر الرهن عن الدين، ضرب مع الغرماء بالفاضل. والرهن أمانة في يد المرتهن، ولا يسقط بتلفه شئ من ماله ما لم

[ 32 ]

يتلف بتعد أو تفريط، وليس له التصرف فيه، ولو تصرف من غير إذن ضمن العين والاجرة. ولو كان الرهن دابة قام بمؤونتها وتقاصا. وفي رواية: الظهر يركب والدر يشرب، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة. وللمرتهن استيفاء دينه من الرهن إن خاف جحود الوارث، ولو اعترف بالرهن وادعى الدين ولا بينة فالقول قول الوارث، وله إحلافه إن ادعى عليه العلم. ولو باع الرهن وقف على الإجازة، ولو كان وكيلا فباع بعد الحلول صح، ولو أذن الراهن في البيع قبل الحلول لم يستوف دينه حتى يحل. ويلحق به مسائل النزاع وهي أربع: الاولى: يضمن المرتهن قيمة الرهن يوم تلفه. وقيل: أعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف، ولو اختلفا فالقول قول الراهن. وقيل: القول قول المرتهن، وهو أشبه. الثانية: لو اختلفا فيما عليه الرهن فالقول قول الراهن. وفي رواية: القول قول المرتهن ما لم يدع زيادة عن قيمة الرهن. الثالثة: لو قال القابض: هو رهن، وقال المالك: هو وديعة، فالقول قول المالك مع يمينه. وفيه رواية اخرى متروكة. الرابعة: لو اختلفا في التفريط فالقول قول المرتهن مع يمينه.

[ 33 ]

كتاب الحجر المحجور: هو الممنوع من التصرف في ماله، وأسبابه ستة، الصغر، والجنون، والرق، والمرض، والفلس، والسفه. ولا يزول حجر الصغير إلا بوصفين: (الأول) البلوغ: وهو يعلم بإنبات الشعر الخشن على العانة، أو خروج المني الذي منه الولد من الموضع المعتاد، ويشترك في هذين الذكور والإناث. أو السني، وهو بلوغ خمس عشرة سنة. وفي رواية: من ثلاث عشرة إلى أربع عشرة. وفي رواية اخرى: بلوغ عشر، وفي الانثى بلوغ تسع. (الثاني) الرشد: وهو أن يكون مصلحا لماله. وفي اعتبار العدالة تردد. ومع عدم الوصفين أو أحدهما يستمر الحجر ولو طعن في السن، ويعلم رشد الصبي باختباره بما يلائمه من التصرفات، ويثبت بشهادة رجلين في الرجال، وبشهادة الرجال أو النساء في النساء.

[ 34 ]

والسفيه هو الذي يصرف أمواله في غير الأغراض الصحيحة، فلو باع والحال هذه لم يمض بيعه. وكذا لو وهب أو أقر بمال، ويصح طلاقه وظهاره وإقراره بما لا يوجب مالا. والمملوك ممنوع من التصرفات إلا بإذن المولى. والمريض ممنوع من الوصية بما زاد على الثلث. وكذا في التبرعات المنجزة على الخلاف. والأب والجد للأب وليان على الصغير والمجنون، فإن فقدا فالوصي، فإن فقد فالحاكم.

[ 35 ]

كتاب الضمان وهو عقد شرع للتعهد بنفس أو مال. وأقسامه ثلاثة: الأول: ضمان المال ويشترط في الضامن التكليف، وجواز التصرف. ولابد من رضا المضمون له ولا عبرة بالمضمون عنه، ولو علم فأنكر لم يبطل الضمان على الأصح. وينقل المال من ذمة المضمون عنه إلى الضامن وتبرأ ذمة المضمون عنه. ويشترط فيه الملاءة أو علم المضمون له بإعساره، ولو بان إعساره كان المضمون له مخيرا، والضمان المؤجل جائز. وفي المعجل قولان، أصحهما الجواز. ويرجع الضامن على المضمون عنه إن ضمن بسؤاله، ولا يؤدي أكثر مما دفع، ولو وهبه المضمون له أو أبرأه لم يرجع على المضمون عنه بشئ ولو كان بإذنه، وإذا تبرع الضامن بالضمان فلا رجوع. ولو ضمن ما عليه صح وإن لم يعلم كميته على الأظهر، ويثبت عليه

[ 36 ]

ما تقوم به البينة، لا ما يثبت في دفتر وحساب، ولا ما يقر به المضمون عنه. القسم الثاني: الحوالة وهي مشروعة لتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله، ويشترط رضاء الثلاثة. وربما اقتصر بعض على رضا المحيل والمحتال، ولا يجب قبول الحوالة ولو كان على ملئ، نعم لو قبل لزمت، ولا يرجع المحتال على المحيل ولو افتقر المحال عليه. ويشترط ملاءته وقت الحوالة أو علم المحتال بإعساره، ولو بان فقره رجع ويبرأ المحيل وإن لم يبرئه المحتال. وفي رواية: إن لم يبرئه فله الرجوع. القسم الثالث: الكفالة وهي التعهد بالنفس، ويعتبر رضا الكافل والمكفول له دون المكفول عنه. وفي اشتراط الأجل قولان، وإن اشترط أجلا فلابد من كونه معلوما، وإذا دفع الكافل الغريم فقد برئ، وإن امتنع كان للمكفول له حبسه حتى يحضر الغريم أو ما عليه. ولو قال: إن لم احضره إلى كذا، كان علي كذا، كان كفيلا أبدا ولم يلزمه المال، ولو قال: علي كذا إلى كذا إن لم احضره كان ضامنا للمال إن لم يحضره في الأجل. ومن خلى غريما من يد غريمه قهرا لزمه إعادته أو أداء ما عليه، ولو كان قاتلا أعاده أو يدفع الدية، وتبطل الكفالة بموت المكفول عنه.

[ 37 ]

رياض المسائل كتاب التجارة

[ 39 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. * (كتاب التجارة) * وهي في اللغة: الكسب. وفي الشرع على تعريف المصنف وجماعة: عقد المعاوضة بقصد الاكتساب عند التملك (1). والمراد بها هنا الأعم منه ومن الخالي عن القصد المزبور، كالمعاوضة للقوت والادخار، إما إطلاقا لها عليه مجازا، أو إلحاقا للزائد عن مدلولها به استطرادا. * (وفيه فصول) * * (الأول) * * (فيما يكتسب به) * ببيع كان أو غيره وينقسم إلى محرم ومكروه ومباح، لأنه إما أن يتعلق بها نهي أم لا، والثاني المباح، والأول إما أن يكون النهي عنه مانعا عن النقيض أم لا،


(1) لا يوجد في " م ": عند التملك.

[ 40 ]

والأول الأول، والثاني الثاني. وربما قسم إلى خمسة بزيادة الوجوب والاستحباب، ولعل تركهما أولى، لأنهما من عوارض التجارة. * (والمحرم منه أنواع) *: * (الأول: الأعيان النجسة) * * (كالخمر) * المتخذ من العنب * (والأنبذة) * جمع نبيذ، وهو الشراب المتخذ من التمر. ويلحق بهما (1) غيرهما من الأنبذة، كالبتع، والمزر، والجعة، والفضيخ. وضابطها: المسكر وإن لم يكن مائعا، كالحشيشة مطلقا إن لم يفرض لها نفع آخر محلل، وقصد ببيعها المنفعة المحللة، كما قيل (2). وفيه نظر، لعموم أدلة المنع. * (والفقاع) * وإن لم يكن مسكرا، لأنه خمر استصغرها الناس * (والميتة) * مطلقا * (والدم) * كذلك * (والأرواث، والأبوال مما لا يؤكل لحمه) * شرعا ولو اكل عادة. فيحرم التكسب بجميع ذلك بلا خلاف في شئ منه، بل عن المنتهى إجماع أهل العلم في الأول والرابع والخنزير (3)، وفي السرائر والغنية إجماعنا على الثالث (4) [ بل في الأخير الإجماع على سحت ثمن الجميع ] (5) وفي المسالك وعن التذكرة على الأخيرين (6). والنصوص مع ذلك بالأول مستفيضة.


(1) في " مش ": به. (2) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 207. (3) المنتهى 2: 1008 س 26. (4) السرائر 2: 219، والغنية: 213. (5) مابين المعقوفتين ليس في المخطوطات. (6) المسالك 3: 121، والتذكرة 1: 464، السطر الأخير.

[ 41 ]

منها: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الخمر وعاصرها - إلى أن قال -: وبائعها ومشتريها (1)، الخبر. ومنها: السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر (2). ومنها: السحت أنواع، وعد منها ثمنها (3). وبها يستدل على حكم تالييها، نظرا إلى إطلاق الخمر عليهما في المعتبرة المستلزم لكونهما إما منها حقيقة، أو مشاركين لها في الأحكام التي ما نحن فيه. منها مضافا إلى الصحيح (4) في الأول: السحت أنواع كثيرة، وعد منها ثمن الخمر والنبيذ المسكر (5). ومن الخبر الثاني وغيره يظهر الحكم في الرابع. ويستدل له وللخامس والبواقي بالخبرين. أحدهما: الرضوي، وفيه: أن كل مأمور به على العباد وقوام لهم في امورهم من وجوه الصلاح، الذي لا يقيمهم غيره، مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته، وكل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وإمساكه لوجه الفساد مثل الدم والميتة ولحم الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما أشبه ذلك فحرام ضار للجسم (6) انتهى.


(1) الوسائل 12: 165، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (2) الوسائل 12: 62، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5. (3) الوسائل 12: 62، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2، والوسائل 12: 63، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6. (4) في المطبوع " الخبر " بدل: الصحيح. (5) الوسائل 12: 64، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث 12. (6) فقه الرضا: 250.

[ 42 ]

ونحوه الثاني المروي عن تحف العقول (1) ورسالة المحكم والمتشابه للمرتضى بزيادة " أو شئ من وجوه النجس " بعد الخمر، والتعليل بأن ذلك منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وأمساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام، الحديث (2). وهو طويل متضمن لوجوه المكاسب. وقصور سنده - كباقي الروايات - مع اعتبار سند بعضها غير ضائر بعد العمل بها، وخلوها عن المعارض سوى الأصل والعمومات المخصصين بها. وبعض الروايات في الميتة الدال بظاهره على جواز بيع ما يتخذ من جلودها للسيوف وشرائها شاذ قاصر السند ضعيف الدلالة والتكافؤ، لما مر من وجوه عديدة. فالاستشكال في المسألة غفلة واضحة. ونحوه الاستشكال في المنع عن بيع عذرة غير الإنسان مطلقا ولو كان غير مأكول اللحم، بل عذرته أيضا لو انتفع بها، لنفي البأس عن بيع جميعها في بعض الأخبار (3)، لاندفاعه كالأصل والعمومات بما مر، وزيادة معارضته بصريح الخبر: ثمن العذرة من السحت (4). والمرجحات معه أرجحها (5) عدم الخلاف فيه، بل الوفاق عليه كما مر.


(1) تحف العقول: 333. (2) ما أورده السيد (قدس سره) في الرسالة من ذكر معاش الخلق وأسبابها يغاير متنا مع ما ورد في الفقه الرضوي وتحف العقول، بحيث لا يصلح للاستدلال به على المسألة، والزيادة المشار إليها - وهي قوله (عليه السلام): " أو شئ من وجوه النجس " والتعليل المذكور - موجودة في تحف العقول فقط، انظر رسالة المحكم والمتشابه: 46. (3) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (4) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (5) في المطبوع: أوجهها.

[ 43 ]

ولا ينافيه حمل الاستبصار الأول على ما عدا عذرة الإنسان الشامل لعذرة ما لا يؤكل لحمه من البهائم (1)، لأن مثل ذلك لا يعد فتوى له، وإلا لما انحصر فتاويه في عد مع احتمال أن يريد به عذرة مأكول اللحم خاصة، فإنه يجوز الاكتساب بها، كما هو ظاهر العبارة. وفاقا للمرتضى (2) والحلي (3) وأحد قولي الطوسي (4) وأكثر المتأخرين، بل لعله عليه عامتهم، لطهارتها وجواز الانتفاع بها، فيشملها الأصل والعمومات، مضافا إلى الإجماع المحكي عن المرتضى (5)، والموثق المجوز لبيعها ثانيا بعد المنع عنه أولا، بحمل الثاني على النجس، والأول على الطاهر جمعا (6). والشاهد ما مر من الإجماع وغيره. خلافا للمفيد والديلمي، فمنعا عنه وعن الأبوال (7) إلا ما تضمنه الاستثناء الآتي، للاستخباث وعدم الانتفاع. ولا دليل على ملازمة الأول للمنع بعد إمكان الانتفاع به وجدانا. وبه يظهر وجه المنع عن الثاني. * (وقيل) * كما عن النهاية، وفي النسبة مناقشة، لتشويش العبارة * (بالمنع من الأبوال) * مطلقا خاصة (8) * (إلا بول الإبل) * للاستشفاء مع الضرورة إليه (9). للمنع ما مر. وللجواز في المستثنى الاجماع في الظاهر، وصريح النصوص. منها الموثق: عن بول البقر يشربه الرجل، قال: إن كان محتاجا إليه


(1) الاستبصار 3: 56، ذيل الحديث 182. (2) الانتصار: 201. (3) السرائر 2: 219. (4) المبسوط 2: 167. (5) الانتصار: 201. (6) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (7) المقنعة: 587، والمراسم: 170. (8) كذا في النسخ. (9) النهاية 2: 98.

[ 44 ]

يتداوى بشربه، وكذلك بول الإبل والغنم (1). والخبر: عن شرب الرجل أبوال الإبل والبقر والغنم ينعت له من الوجع هل يجوز له أن يشرب ؟ قال: نعم، لا بأس به (2). * (و) * يحرم التكسب ب‍ * (الخنزير والكلب) * إجماعا، كما حكاه جماعة (3). وهو الحجة، مضافا إلى صريح الرضوي وتاليه في الأول، وعموم الثاني من حيث تضمنه المنع عن التقلب بمطلق النجس في الثاني، مضافا إلى النصوص المستفيضة فيه. منها: ما مر. ومنها: الموثق بأبان المجمع على تصحيح رواياته وروايات فضالة الراوي عنه هنا، وفيه: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت (4). والخبر: وثمن الكلب سحت، والسحت في النار (5). وليس في سنده سوى سهل الثقة عند جمع وسهل عند آخرين. ونحوه آخر: عن ثمن الكلب الذي لا يصيد، فقال: سحت، وأما الصيود فلا بأس (6). ويستفاد منه صريحا ومن الموثق تقييد اختصاص المنع بما * (عدا كلب الصيد) * المعلم، وهو اجماع أيضا، كما في الغنية (7) والمنتهى (8)


(1) الوسائل 17: 87، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 1. (2) الوسائل 17: 88، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 7. (3) المبسوط 2: 165 و 166، والمنتهى 2: 1008 س 26 و 1009 س 13. (4) الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (5) الوسائل 12: 84، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به الحديث 8، والخبر المنقول عن سهل ابن زياد ليس فيه " والسحت في النار " راجع: الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (6) الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (7) الغنية: 213. (8) المنتهى 2: 1009 س 13.

[ 45 ]

والمسالك (1). وبذلك يقيد ما اطلق فيه المنع عن ثمن مطلق الكلب، مع اختصاصه بحكم التبادر والغلبة بما عداه. وليس في النص والفتوى - كما ترى - التقييد بالسلوقي، كما في النهاية (2)، مع أن الأصل يدفعه، ولا وجه له أصلا ولذا رجع عنه في المبسوط (3) فأطلق. * (وفي كلب الماشية والحائط) * أي البستان ونحوه الدار * (والزرع قولان) *. للمنع - كما في الشرائع (4) والغنية (5) وعن الخلاف (6) والنهاية (7) والمفيد (8) والقاضي (9) واختاره من المتأخرين جماعة - ظواهر إطلاق المستفيضة المتقدمة، بل المتضمنة منها لاستثناء كلب الصيد خاصة، وهي الموثقة وغيرها، كالصريحة في العموم، مضافا إلى عموم المنع في رواية التحف عن كل نجس (10)، وعموم النبوي إذا حرم الله تعالى شيئا حرم ثمنه (11)، وعن الخلاف الاجماع عليه أيضا (12). وللجواز - كما عن الإسكافي والحلي (13) واختاره كثير ممن تأخر - الأصل والعمومات، ويخصصان بما مر، وفيه المعتبر السند، كما ظهر. والاشتراك مع كلب الصيد في الانتفاع المسوغ لبيعه قياس.


(1) المسالك 3: 135. (2) النهاية 2: 98. (3) المبسوط 2: 166. (4) الشرائع 2: 12. (5) الغنية: 213. (6) الخلاف 3: 181، المسألة 302. (7) النهاية 2: 98. (8) المقنعة: 589. (9) لم نعثر عليه، لكن حكاه عنه في المختلف 5: 12. (10) تحف العقول: 333. (11) عوالي اللئالى 2: 328، الحديث 33. (12) الخلاف 2: 81، المسألة 302. (13) كما في المختلف 5: 12، والسرائر 2: 220.

[ 46 ]

وما في المبسوط من الرواية على مماثلة الأولين إن لم نقف عليها فهي مرسلة (1)، ومع ذلك عن إفادة تمام المدعى قاصرة. نعم في الصحيح: لا خير في الكلاب إلا كلب صيد أو ماشية (2). وسياقه يعطي الاتحاد مع الأول في الأحكام، ولا قائل بالفرق في المقام، لكن في الدلالة نوع كلام. وكيف كان، فلا ريب أن الأول أحوط. * (و) * يحرم التكسب ب‍ * (المائعات النجسة) * بالذات، أو بالعرض، مع عدم قبولها التطهير مطلقا ولو حصل لها نفع وأعلم بالنجاسة اجماعا، كما في الغنية (3) والمنتهى (4) والمسالك (5) وغيرها. وهو الحجة، مضافا إلى العمومات المتقدمة المانعة عن بيع النجس، والمعربة عن تحريم ثمن ما حرم أصله * (عدا الدهن) * بجميع أصنافه فيجوز بيعه مع الإعلام * (لفائدة الاستصباح) * للاجماع، كما في الغنية (6) وغيرها، والصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة. ففي الصحيح: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فإن كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي، وإن كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك (7). وفيه: جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل، فقال: أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، وأما الزيت فيستصبح به (8).


(1) المبسوط 2: 166. (2) الوسائل 8: 387، الباب 43 من أبواب أحكام الدواب الحديث 2. (3) الغنية: 213. (4) المنتهى 2: 1010 س 16. (5) المسالك 3: 119. (6) الغنية: 213. (7) الوسائل 12: 66، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2، وليس فيها " وكل ما بقي ". (8) الوسائل 12: 66، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

[ 47 ]

وقال في بيع ذلك الزيت: تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به (1). وليس فيها مع كثرتها التقييد بالاستصباح تحت السماء، كما عن الأكثر، بل في الروضة والمسالك أنه المشهور (2)، وعن الحلي الإجماع عليه (3)، ومستنده غير واضح سواه، فإن تم كان هو الحجة عليه، والا فالإطلاق - كما عليه كثير من المتأخرين - لا يخلو عن قوة، للأصل، وخلو النصوص عن القيد، مع ورودها في بيان الحاجة، وكون أظهر أفرادها بالغلبة خلافه، لغلبة الاسراج في الشتاء. لكن الأحوط بل الاولى الأول، لاعتضاد الإجماع بالشهرة وما ادعاه في المبسوط (4) من رواية الأصحاب الصريحة في التقييد وإن اختار فيه خلافه مع موافقة الأصحاب (5) - كما حكى - في سائر كتبه (6) وفي هذا الكتاب في المكاسب. وأما ما علل به من تصاعد شئ من أجزائه مع الدخان قبل إحالة النار له بسبب السخونة إلى أن تلقى الظلال فتتأثر بنجاسته، فضعيف. فإن فيه - بعد تسليمه - أولا: عدم جريانه في الأظلة العالية، بل والقصيرة، مع حصول الشك في الملاقاة لأصالة الطهارة. وثانيا: عدم صلاحيته لإثبات المنع إلا بعد ثبوت نجاسة الدخان، والمنع عن تنجيس المالك ملكه. ولا دليل عليه (7)، مع مخالفته الأصل، واجماعنا المحكي هنا في


(1) الوسائل 12: 66، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (2) الروضة 3: 207، والمسالك 3: 120. (3) السرائر 2: 222. (4) المبسوط 6: 283. (5) صححت العبارة في " ش " هكذا: مع رجوعه عنه في سائر كتبه. (6) الخلاف 3: 269، المسألة 19، والنهاية 3: 105، والمبسوط 2: 167. (7) في المطبوع و " ه‍ ": عليهما.

[ 48 ]

الروضة وغيرها على عدم نجاسة دخان الأعيان النجسة (1). ثم ظاهر العبارة - كالجماعة وظواهر النصوص المتقدمة الواردة في بيان الحاجة - الاقتصار في الاستثناء على الإستصباح خاصة. خلافا لمن شذ فألحق به البيع ليعمل صابونا أو ليدهن به الأجرب (2)، استنادا إلى الأصل، وصريح الخبر المروي عن نوادر الراوندي (3)، وحملا للنصوص على النفع الغالب. والأحوط الأول، لاندفاع الأول: بعموم ما دل على المنع عن التكسب به، خرج المجمع عليه وهو البيع والشراء للاستصباح، ويبقى الباقي. والثاني: بقصور السند. والثالث: بالضعف بالخلو عما عداه مع الكثرة واعتضاده بفهم فقهاء الطائفة. وأما ما يقال: في تعيين الاستصباح بالأمر به المستلزم للمنع عما عداه ولو من باب المقدمة، فغير مفهوم، بعد الإجماع على عدم كون هذا الأمر للوجوب، مع وروده مورد توهم الحظر، وليس مفاده حينئذ إلا الإباحة، كما قرر في محله. * (و) * اعلم أن مقتضى الأصل المستفاد من العمومات المتقدمة واختصاص النصوص المستثنية للاستصباح بالدهن النجس بالمتنجس منه أنه * (لا) * يجوز أن * (يباع ولا يستصبح بما يذاب من شحوم الميتة وإلياتها) * (4) مضافا إلى إطلاق المعتبرة المستفيضة المانعة عن الإنتفاع بالميتة. ففي الصحيح: الميتة ينتفع منها بشئ، فقال: لا (5). وفي الخبر: أن ما قطع منها ميت لا ينتفع به (6).


(1) الروضة 3: 208. (2) فوائد الشرائع: 168 س 17 (مخطوط). (3) نوادر الراوندي: 50. (4) في المتن المطبوع: وألبانها. (5) الوسائل 2: 1080، الباب 61 من أبواب النجاسات الحديث 2. (6) الوسائل 16: 295، الباب 30 من أبواب الذبائح الحديث 1.

[ 49 ]

وفي آخر: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب (1). فتأمل. مع أن ظاهرهم الاتفاق عليه، كما قيل (2). خلافا للمحكي عن العلامة، فجوز الاستصباح به (3)، وتبعه من متأخري المتأخرين جملة، للأصل المخصص بما مر، والروايات القاصرة الأسانيد الضعيفة هي كالأول عن المقاومة له. * (الثاني: الآلات المحرمة) * * (كالعود والطبل والزمر، وهياكل العبادة المبتدعة، كالصنم والصليب، وآلات القمار، كالنرد والشطرنج) * وغيرهما، بإجماعنا المستفيض النقل في كلام جماعة من أصحابنا (4). وهو الحجة، مضافا إلى عموم الرضوي وتالييه، المانعين عن التكسب بكل ما فيه وجه من وجوه الفساد (5)، مع استلزام التكسب بها المعاونة على الإثم، المحرمة كتابا وسنة وإجماعا. إلا أن مقتضى ذلك اختصاص التحريم بصورتها، فلو فرض لها منفعة محللة وقصدت ببيعها وشرائها بحيث لا يعد في العادة سفاهة أمكن الجواز فيه، للأصل، وعدم دليل على المنع يشمل محل الفرض، لندوره. فلا يشمله العموم المتقدم، كاطلاق الأكثر، والمروي في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن أبي بصير عن مولانا الصادق (عليه السلام)، قال: بيع الشطرنج حرام، وأكل ثمنه سحت، واتخاذها كفر، واللعب بها شرك، والسلام على الملاهي معصية وكبيرة موبقة، والخائض فيها يده كالخائض يده في لحم الخنزير، الخبر (6). ونحوه - فيما دل عليه من كون الشطرنج بمنزلة لحم


(1) عوالي اللئالئ 1: 42، الحديث 47، ودعائم الاسلام 1: 126. (2) القائل هو صاحب الحدائق 18: 42، الحديث 47، ودعائم الاسلام 1: 126. (2) القائل هو صاحب الحدائق 18: 84. (3) كما حكاه في مجمع الفائدة 8: 35. (4) المنتهى 2: 1011 س 34، ومجمع الفائدة 8: 41، والحدائق 18: 200. (5) فقه الرضا: 250، والوسائل 12: 54 و 57، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 وذيله. (6) السرائر 3: 577، في ما استطرفه من جامع البزنطي.

[ 50 ]

الخنزير يثبت له أحكامه، التي منها حرمة التكسب به، كما مضى - المروي في الكافي المقلب لها كالمقلب لحم الخنزير (1). لعدم انصراف إطلاقهما - ككلام الأكثر - إلى محل الفرض، وإن كان الإطلاق أحوط. وفيما لو كان لمكسورها قيمة بيعت ممن يوثق به للكسر لو أمكن، وإلا فيكسر كسرا لا يحتمل التصحيح ثم يباع. ومما ذكرنا يظهر انسحاب الحكم في التكسب بأواني الذهب والفضة منعا وجوازا. * (الثالث: ما يقصد به المساعدة على المحرم) * * (كبيع السلاح) * مثل: السيف والرمح * (لأعداء الدين) * مسلمين كانوا أم مشركين، إذا كان * (في حال الحرب) * مع أهله اجماعا. وهو الحجة، مضافا إلى عموم المتقدم، واستلزامه الإعانة على الإثم المحرمة بالكتاب والسنة، وخصوص المستفيضة. منها الحسن، بل الصحيح: ما ترى فيما يحمل إلى الشام من السروج وأداتها، فقال: لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنكم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح والسروج (2). والخبر: عن حمل السلاح إلى أهل الشام، فقال: أحمل إليهم فإن الله عزوجل يدفع بهم عدونا وعدوكم - يعني الروم - فإذا كان الحرب بيننا فلا تحملوا، ومن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك (3). والمرسل المنجبر ضعفه - كما تقدم - بالعمل، ووجود ابن محبوب


(1) الكافي 6: 437، الحديث 15. (2) الوسائل 12: 69، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1، (مع اختلاف يسير). (3) الوسائل 12: 69، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

[ 51 ]

المجمع على تصحيح ما يصح عنه في سندهما: قلت: إني أبيع السلاح، قال: لا تبعه في فتنة (1). ومقتضى هذه النصوص - كالعبارة - وأصالة الإباحة الجواز فيما إذا لم يكن بيننا وبينهم حرب ولا مباينة، وبه صرح الحلي (2) وجماعة. * (وقيل) * كما عن الشيخين (3) والديلمي (4) والحلبي (5): يحرم * (مطلقا) * تبعا لإطلاق بعض النصوص، كالصحيح المروي عن كتاب علي ابن جعفر، وقرب الإسناد: عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس (6)، والمروي في الفقيه في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): كفر بالله العظيم من هذه الامة عشرة أصناف وعد منهم: بائع السلاح لأهل الحرب (7). وفيهما مع قصور سند الثاني ودلالة الأول - لأعمية البأس المفهوم منه من الحرمة - أنهما مطلقان، يجب تقييدهما بما مر، مع معارضتهما لإطلاق الجواز في ظاهر الخبر: إني رجل صيقل أشتري السيوف وأبيعها من السلطان أجائز لي بيعها ؟ فكتب (عليه السلام): لا بأس به (8). فإذا الأول أظهر، وأن كان الإطلاق أحوط. ثم ظاهر الاصول المتقدمة وفحوى الصحيح الأول وظاهر تاليه تحريم بيع ما يعد جنة لهم أيضا، كالدرع والبيضة ولباس الفرس المسمى بالتحفاف.


(1) الوسائل 12: 70، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (2) السرائر 2: 216. (3) المقنعة: 588، والنهاية 2: 99. (4) المراسم: 170. (5) الكافي في الفقه: 282. (6) مسائل علي بن جعفر: 176، وقرب الاسناد: 113. (7) الفقيه 4: 356، الحديث 5762. (8) الوسائل 12: 70، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5.

[ 52 ]

وربما قيل بعدمه (1)، للصحيح: عن الفئتين يلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح، فقال: بعهما ما يكنهما الدرع والخفين ونحو هذا (2). وهو كما ترى، فإنه ليس من محل البحث جدا، مع قصوره عن المقاومة لما مر، سيما الاصول قطعا فهو ضعيف، كالمستفاد من العبارة ونحوها من اختصاص التحريم بقصد الإعانة وعدمه مع عدمه ولو كان رايات الحرب قائمة أو له متهيئات (3)، لإطلاق النصوص المتقدمة بالحرمة في هذه الصورة. نعم لو صحب عدم القصد الجهل بالحال والجدال انتفت الحرمة بلا إشكال. وألحق جماعة بأعداء الدين قطاع طريق المسلمين (4)، للاصول المتقدمة، وخصوص عموم الرواية الأخيرة، لتعميمها المنع عن بيع السلاح في كل فتنة. وهو حسن. * (وإجارة المساكن والحمولات) * بفتح الحاء، وهي الحيوان الذي يصلح للحمل، كالإبل والبغال والحمير، والسفن داخلة فيها * (للمحرمات) * كالخمر وركوب الظلمة وإسكانهم لأجله ونحوه. وفي معنى الإجارة بيعها * (وبيع العنب) * والتمر وغيرهما مما يعمل منه المسكر * (ليعمل خمرا) * ومسكرا * (والخشب ليعمل صنما) * سواء شرطه في العقد، أم حصل الاتفاق عليه اجماعا ظاهرا، وحكي عن المنتهى صريحا (5). وهو الحجة فيه بعد ما مر من الاصول، وسيما الدال منها على حرمة


(1) القائل هو صاحب المسالك 3: 123. (2) الوسائل 12: 70، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (3) في " م، ق، ش ": مهياة. (4) التنقيح 2: 9، وجامع المقاصد 4: 17. (5) المنتهى 2: 1011 س 29.

[ 53 ]

الإعانة على الإثم المؤيد بالعقول. مضافا إلى الخبر في الأول: عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام أجره. ولا ينافيه الصحيح: " عن الرجل يؤاجر سفينته أو دابته ممن يحمل عليها أو فيها الخمر والخنازير، قال: لا بأس " (1) لاحتمال اختصاصه بصورة عدم الشرط والاتفاق، بل عدم العلم والظن (2) أيضا، لانتفاء التحريم معه اجماعا، مع قصوره عن المقاومة لما مر وإن قصر بحسب السند، لانجباره بالاجماع، والاصول الثابتة من جهة النقل والعقل. هذا، مع أن حمل الخمر [ والخنزير ] (3) فيه غير منحصر الوجه في التحريم، فيحتمل ارتكابه للتخليل. ولا ينافيه حمل الخنازير، لأعمية وجهه كالأول من الحرام، فيحتمل الحمل لوجه محلل، كحصول جبر فيه ونحوه. وخصوص الصحيح في الأخير: عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا، قال: لا (4)، ونحوه الخبر المعتبر بالعمل، ووجود ابن محبوب وأبان المجمع على تصحيح رواياتهما في سنده (5)، فلا يضر جهالة راويه، مع خلوهما عن المعارض، واعتضادهما بما مر من الاصول، والاجماع المحقق أو المنقول (6). وظاهرهما - كالخبر الأول - انسحاب حكم التحريم إلى صورة العلم بالشراء لذلك وإن لم يشترط أو يتفق عليه، وبه أفتى في المختلف والمسالك (7) وغيرهما.


(1) الوسائل 12: 126، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (2) في المطبوع: أو الظن. (3) لم يرد في " م، ق، ش ". (4) الوسائل 12: 127، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به ذيل الحديث 1. (5) الوسائل 12: 127، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (6) في " م ": والمنقول. (7) المختلف 5: 22، والمسالك 3: 124.

[ 54 ]

وهو مقتضى الاصول المتقدمة أيضا، مع أصل آخر، وهو لزوم النهي عن المنكر، فإذا علمنا بعمله وجب علينا نقضه وزجره عنه، فكيف يجوز لنا إعانته عليه ؟ ! ما هذا إلا أمر عجيب * (و) * إن خالف فيه الأكثر، فقالوا: * (يكره بيعه ممن يعمله) * مع عدم الشرط والاتفاق مطلقا، علم بعمله أو ظن. ولا بعد في الثاني، وإن كان الأحوط فيه أيضا العدم. إلا أن الأول - مع ما عرفت من الأدلة - على خلافه غير ظاهر الوجه. إلا ما يستفاد من الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة، الواردة في الثاني، المبيحة لبيعه ممن يخمره على الإطلاق، خرج منها المجمع على تحريمه من البيع في صورتي الاشتراط والاتفاق، ويبقى الباقي تحت الإطلاق. منها الصحيح: عن بيع عصير العنب ممن يجعله حراما، فقال: لا بأس به، تبيعه حلالا فيجعله حراما فأبعده الله تعالى واستخفه (1). والصحيح: عن بيع العصير ممن يخمره، فقال: حلال، ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا (2). والصحيح: لو باع تمرته ممن يعلم أنه يجعله خمرا حراما لم يكن بذلك بأس، الخبر (3). والصحيح: عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا، فقال: بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب إلي، ولا أرى بالأول بأسا (4).


(1) الوسائل 12: 169، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (2) الوسائل 12: 170، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 8. (3) الوسائل 12: 169، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (4) الوسائل 12: 170، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

[ 55 ]

ومنه يستفاد الكراهة، مع كونها مقتضى الجمع بين ما مر من الأدلة وهذه النصوص، وهي وإن اختصت بالثاني، إلا أن عدم القول بالفصل كراهة وتحريما بينه وبين البواقي يوجب التعدية إليها، مع ما في بعضها من التعليل المشعر بها. فيخص بذلك مع الاجماع المتقدم النصوص المتقدمة - كالاصول - بصورتي الاشتراط والاتفاق، لكن في مقاومة هذه النصوص - وإن كثرت واشتهرت وظهرت دلالتها، بل وربما كان في المطلب صريحا بعضها، لما مر من الاصول والنصوص المعتضدة بالعقول - إشكال. والمسألة لذلك محل إعضال، فالإحتياط فيها لا يترك على حال. * (الرابع: ما لا ينتفع به) * أصلا، أو ينتفع لكن نادرا يعد بذل الثمن لأجله سفاهة عرفا اجماعا. وهو الحجة، مضافا إلى عموم أدلة منع المعاملة مع السفيه، وحرمة تصرفاته، لسفهه المستلزم للأعانة على الإثم لو عومل معه. وهو * (كالمسوخ) * مطلقا * (برية كانت كالدب والقرد، أو بحرية كالجري والسلاحف، وكذا الضفادع والطافي) *. وقد أطلق المنع عن جميع ذلك أكثر المتقدمين. ووجهه غير واضح فيما ينتفع به نفعا بينا، كالفيل ونحوه، للانتفاع بعظمه، والحمل عليه، فيشمله الأصل والعمومات. مضافا إلى الخبر في الأول: عن عظام الفيل يحل بيعه أو شراؤه للذي يجعل منه الأمشاط، فقال: لا بأس قد كان لأبي منه مشط أو أمشاط (1). والخبرين في العاج في أحدهما: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يتمشط بمشط


(1) الوسائل 12: 123، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

[ 56 ]

عاج واشتريته له (1). وفي الثاني: عن العاج، فقال: لا بأس به وإن لي منه لمشطا (2). مضافا إلى دعوى الخلاف الإجماع على جواز التمشط به وجواز استعماله (3)، والحلي ذلك في الأول (4). فمع ذلك لا وجه لإطلاق المنع من المسوخ، بل ينبغي تقييده بما عداهما، بل بما لا نفع له يعتد به عند العقلاء. إلا أن يقال: بنجاسة المسوخ. وما هنا يدفعه، مضافا إلى ما تقدم في كتاب الطهارة. فالقول بجواز التكسب بها مع الانتفاع المعتد به قوي جدا، وفاقا لأكثر متأخري أصحابنا. والخبر الوارد بالمنع عن البيع والشراء بالقرد مطلقا (5) ضعيف جدا، لا بأس بتقييده بعدم الانتفاع المعتد به أو المحرم، كالاطافة به للعب، كما هو الغالب في نفعه، أو حمله على الكراهة، جمعا بينه وبين ما مر، الذي هو أقوى منه بمراتب شتى. * (ولا بأس بسباع الطير) * كالصقر * (والهرة (6) والفهد) * وفاقا لأكثر المتأخرين، تبعا للحلي والقاضي في الثلاثة (7) والمفيد فيما عدا الهرة (8)، وللنهاية فيها وفي الفهد خاصة (9)، لطهارتها، والانتفاع بها نفعا معتدا به. فيشمله الاصول المتقدمة، مضافا إلى الصحيحين (10) فيما عدا الثاني:


(1) الوسائل 12: 123، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (2) الوسائل 1: 427، الباب 72 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (3) الخلاف 1: 67 و 68، المسألة 14. (4) السرائر 2: 220. (5) الوسائل 12: 123، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (6) في المتن المطبوع: " والهر ". (7) السرائر 2: 221، كما في المختلف 5: 10. (8) المقنعة: 589. (9) النهاية 2: 98. (10) في " م ": الصحيح.

[ 57 ]

عن الفهود وسباع الطير هل يلتمس التجارة فيها ؟ قال: نعم (1)، والصحيح فيه: لا بأس بثمن الهر (2). ولا معارض لهذه النصوص، مع صحتها واعتضادها بالاصول والشهرة العظيمة، بل الاتفاق، كما يشعر به العبارة، وحكى عن ظاهر التذكرة في الهرة (3). * (وفي بقية السباع) * كالأسد والذئب والنمر ونحوها * (قولان، أشبههما) * وأشهرهما بين المتأخرين وفاقا للقاضي والحلي * (الجواز) * (4) تمسكا بما مر، مضافا إلى النصوص. منها: عن بيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي، قلت: نعم، قال: ليس به بأس (5). ومنها الخبر المروي عن قرب الإسناد: عن جلود السباع وبيعها وركوبها أيصلح ذلك ؟ قال: لا بأس ما لم يسجد عليها (6). وقريب منهما النصوص الدالة على جواز اتخاذ جلودها وركوبها (7)، لدلالتها على كونها قابلة للتذكية، لافادتها جواز الانتفاع بجلودها لطهارتها، فيجوز بيعها وشراؤها. خلافا لمن تقدم فخصوا الجواز بما مر وإن اختلفوا في المختص به، فبين من جعله الفهد خاصة وهو الخلاف والنهاية لكن بزيادة الهرة (8)، ومن


(1) الوسائل 12: 123، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 وذيله. (2) الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (3) التذكرة 1: 464 س 20. (4) كما في المختلف 5: 10، والسرائر 2: 221. (5) الوسائل 12: 124، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (6) قرب الاسناد: 112. (7) انظر الوسائل 12: 123، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به، والوسائل 3: 255، الباب 5 من أبواب لباس المصلي. (8) النهاية 2: 98، ولم نعثر عليه في الخلاف.

[ 58 ]

ألحق به سباع الطير وهو المفيد (1). وهنا قولان آخران: أحدهما: المنع على السباع مطلقا، كما عن العماني والديلمي (2). والآخر إباحة الجميع إلا ما لا ينتفع به كالسبع والذئب، كما عن المبسوط (3). ومستند كل ذلك غير واضح، وعلى تقديره فلما مر غير مكافئ. ودعوى عدم الانتفاع بنحو السبع والذئب مطلقا ممنوعة. * (الخامس: الأعمال المحرمة) * في نفسها * (كعمل الصور المجسمة) * ذوات الأرواح، إجماعا في الظاهر، وصرح به بعض الأجلة (4). وهو الحجة، مضافا إلى مفهوم الرضوي والمروي عن تحف العقول ورسالة المحكم والمتشابه للمرتضى. وفيهما: وأما تفسير الصناعات فكل ما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم من أصناف الصناعات مثل الكتابة والحساب - إلى أن قال: - وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن فيه مثال الروحاني فحلال تعلمه وتعليمه (5). والمرسل كالصحيح على الصحيح: من مثل مثالا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح (6). والحسن كالموثق بأبان المجمع على تصحيح ما يصح عنه: ثلاثة يعذبون يوم القيامة وعد منهم: رجلا صور تماثيل يكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ (7). ونحوهما المروي في الفقيه في حديث المناهي (8) والمروي عن


(1) المقنعة: 589. (2) كما في المختلف 5: 10، والمراسم: 170. (3) المبسوط 2: 166 وفيه: مثل الأسد والذئب. (4) مجمع الفائدة 8: 57. (5) راجع الصفحة 42 الهامش 2. (6) الوسائل 3: 560، الباب 3 من أبواب أحكام المساكن الحديث 2. (7) الوسائل 3: 561، الباب 3 من أبواب أحكام المساكن الحديث 5. (8) الفقيه 4: 5، الحديث 4968.

[ 59 ]

ابن عباس (1)، والخصال لكن اضيفت الصورة إلى الحيوان (2). وظاهرها (3) سيما الأخير والأولين اختصاص التحريم بصورة ذوات الأرواح، كما قيدنا به العبارة، وفاقا لجماعة كالشيخين والمتأخرين كافة، كما حكاه بعض الأجلة (4)، ولعله فهم القيد من العبارة ونحوها من الخارج، وإلا فلا إشعار فيها به، بل ظاهرها التعميم له ولغيره، كصورة النخلة والشجرة. ولكن لا تساعده الأدلة، بل الروايات مفهوما وسياقا - كما عرفت - على خلافه واضحة المقالة، مضافا إلى أصالة الإباحة، وصريح الصحيحين المرويين عن المحاسن. في أحدهما: لا بأس بتماثيل الشجر (5). وفي الثاني: عن تماثيل الشجر والشمس والقمر، فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان (6). وقريب منهما المرويان في الكافي. أحدهما الموثق كالصحيح - بل الصحيح كما قيل (7) -: في قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل " الآية، قال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنها تماثيل الشجر وشبهه (8). ونحوه الثاني (9). وليس في سنده سوى سهل الثقة عند جمع، وسهل عند آخرين. واحترز بالمجسمة عن الصور المنقوشة على نحو الورق والوسادة، فلا تحرم، وفاقا للأكثر، بل كافة من تأخر، كما في التنقيح (10)، للأصل، وظاهر الرخصة في الجلوس عليها في الأخبار فعلا في أحدها: كانت لعلي بن


(1) الخصال 1: 109، الحديث 77. (2) الخصال 1: 108، الحديث 76. (3) في المطبوع و " م ": وظاهرهما. (4) التنقيح 2: 11. (5) المحاسن 2: 619، الحديث 55. (6) المحاسن 2: 619، الحديث 54. (7) القائل هو صاحب الحدائق 18: 99. (8) الكافي 6: 527، الحديث 7. (9) الكافي 6: 476، الحديث 3. (10) التنقيح 2: 11.

[ 60 ]

الحسين (عليه السلام) وسائد وأنماط فيها تماثيل يجلس عليها (1). وفي الباقي قولا. ففي الموثق: عن الوسادة والبساط يكون فيه التماثيل، قال: لا بأس به يكون في البيت، قلت: التماثيل، قال: كل شئ يوطأ فلا بأس به (2). ونحوه الخبر (3). وقريب منهما الصحيح: لا بأس أن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤوسها ترك ما سوى ذلك (4). والأصل يندفع بما مر من الإطلاقات، والخبر الثاني بقصور السند، مضافا إلى ضعف الدلالة فيه وفي سابقه، لعدم ظهور التماثيل فيهما في تماثيل الحيوانات، فيحتمل نحو الشجر، مضافا إلى عدم الملازمة بين رخصة الجلوس وجواز الفعل إلا بالاجماع عليها، وهو غير ثابت. مع أنها معارضة بالموثق كالصحيح: يجلس الرجل على بساط فيه تماثيل، فقال: الأعاجم تعظمه وإنا لنمقته (5). ونحوه الأخبار الآتية الناهية عن التماثيل على الإطلاق. فالأصح تحريمه مطلقا، وفاقا للقاضي (6) والحلي (7) وشيخنا الشهيد الثاني (8). ويمكن حمل العبارة وما ضاهاها عليه، بحمل الصفة على الممثل دون المثال.


(1) الوسائل 3: 564، الباب 4 من أبواب أحكام المساكن الحديث 4. (2) الوسائل 3: 564، الباب 4 من أبواب أحكام المساكن الحديث 2. (3) الوسائل 12: 220، الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (4) الوسائل 3: 564، الباب 4 من أبواب أحكام المساكن الحديث 3. (5) الوسائل 3: 563، الباب 4 من أبواب أحكام المساكن الحديث 1. (6) المهذب 1: 344. (7) السرائر 2: 215. (8) الروضة 3: 212.

[ 61 ]

إلا أن يجاب عن معارض الأصل من إطلاق النصوص بقصور سند الظاهر منها، وعدم ظهور المنع من صحيحها، فإن غايته ثبوت البأس في مفهومه، وهو أعم من الحرمة. إلا أن كثرة الأخبار الظاهرة واعتبار سند بعضها كالرضوي والمعتبرين بعده يمكن أن يدفع بها الأصل، وإن كان في تعينه نوع نظر، لاعتضاد الأصل بعمل الأكثر، بل كافة من تأخر، كما مر. ولا ريب أن الاجتناب عن مطلق ذي الروح أحوط، بل أولى. وأظهر وأحوط منه الاجتناب عن مطلق المثال، كما عن الحلبي (1) و [ القاضي ] (2)، لإطلاق الخبرين: في أحدهما: ينهى عن تزويق البيوت، قلت: وما تزويق البيوت ؟ فقال: تصاوير التماثيل (3). وفي الثاني: خطابا لأمير المؤمنين (عليه السلام) حين وجه إلى المدينة لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرا إلا سويته ولا كلبا إلا قتلته (4). وضعفهما بالجوهري وصاحبه في الأول والنوفلي، والسكوني في الثاني يمنع من العمل بهما، وإن تأيدت بالمستفيضة المعربة عن عدم نزول الملائكة بيتا تكون فيه التماثيل والصورة، كالخبر أن جبرئيل (عليه السلام) قال: إنا لا ندخل بيتا فيه صورة - يعني صورة انسان - ولا بيتا فيه تماثيل (5)، لظهورها - كسياق الثاني - في الكراهة. ومع ذلك هما غير صريحي الدلالة، فيحتملان التقييد بمفاهيم ما قدمناه من المعتبرة، أو إبقاؤهما على ظاهرهما، مع الحمل على الكراهة.


(1) الكافي في الفقه: 281. (2) لم يرد في " م، ق، ش ". (3) الوسائل 3: 560، الباب 3 من أبواب أحكام المساكن الحديث 1. (4) الوسائل 3: 562، الباب 3 من أبواب أحكام المساكن الحديث 8. (5) الوسائل 3: 465، الباب 33 من أبواب مكان المصلي الحديث 2.

[ 62 ]

* (والغناء) * وهو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو ما يسمى في العرف غناء وإن لم يطرب، سواء كان في شعر أو قرآن، أو غيرهما على الأصح الأقوى، بل عليه اجماع العلماء، كما حكاه بعض الأجلاء (1). وهو الحجة، مضافا إلى الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة، المروية جملة منها في الكافي في باب الغناء في كتاب الأشربة، وجملة اخرى منها في كتاب كسب المغنية من كتاب المعيشة. فمن الأول الصحاح المستفيضة اثنان منها: في قوله تعالى: " والذين لا يشهدون الزور " قال: هو الغناء (2). ومنها: بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة (3). ومن الثانية النصوص المستفيضة. منها: المغنية ملعونة ملعون من أكل كسبها (4). ومنها: عن بيع الجواري المغنيات، فقال: شراؤهن وبيعهن حرام، وتعليمهن كفر، واستماعهن نفاق (5). وبالجملة: النصوص في ذلك كادت تبلغ التواتر، وهي مع ذلك مطلقة. ولا ريب فيه * (عدا) * ما استثني، كغناء * (المغنية لزف العرائس) * خاصة * (إذا لم تتغن بالباطل ولم يدخل عليها الرجال) * ولم تلعب بالملاهي، وفاقا للنهاية (6) وجماعة، للصحيح: أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، ليست بالتي يدخل عليها الرجال (7)، ونحوه الخبر: المغنية التي تزف العرائس


(1) انظر مجمع الفائدة 8: 57. (2) الوسائل 12: 226، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3 و 5. (3) الوسائل 12: 225، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (4) الكافي 5: 120، الحديث 6. (5) الكافي 5: 120، الحديث 5. (6) النهاية 2: 103. (7) الوسائل 12: 85، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

[ 63 ]

لا بأس بكسبها (1). خلافا لظاهر المفيد (2) والحلبي (3) والديلمي (4) وصريح التذكرة (5) والحلي (6) فالحرمة مطلقا، ولعله لقصور الخبرين عن المقاومة لما مر سندا وعددا ودلالة، إذ غايتهما نفي البأس عن الاجرة، وهو غير ملازم لنفي الحرمة، إلا أن يثبت الملازمة بعدم القول بالفرق في المسألة، والاستقراء الحاصل من تتبع الأخبار الدالة على الملازمة بينهما في كثير من الامور المحرمة. والأحوط الترك البتة. وينبغي القطع بعدم استثناء شئ آخر، كالحداء وهو سوق الإبل بالغناء، والغناء في مراثي الحسين (عليه السلام)، وقراءة القرآن، وغير ذلك وإن اشتهر استثناء الأول، وحكي الثاني عن قائل مجهول (7)، واستثنى الثالث بعض فضلاء متأخري المتأخرين (8)، لإطلاق أدلة المنع، مع عدم ما يخرج به عنها (9)، سوى النصوص في الثالث، وهي مع عدم مكافأتها للإطلاقات المجمع عليها هنا في الظاهر المصرح به في كلام بعض المشائخ قاصرة الأسانيد ضعيفات الدلالة. فإنها ما بين آمرة بقراءة القرآن بالحزن، كالمرسل كالصحيح: إن القرآن نزل بالحزن فاقرؤه بالحزن (10). وآمرة بقراءته بالصوت الحسن، كالخبر: لكل شئ حلية وحلية القرآن


(1) الوسائل 12: 84، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (2) المقنعة: 588. (3) الكافي في الفقه: 281. (4) المراسم: 170. (5) التذكرة 1: 582 س 18. (6) السرائر 2: 215. (7) حكاه في جامع المقاصد 4: 23. (8) الوافي 17: 218 (الطبعة الجديدة). (9) في المخطوطات: منها. (10) الوسائل 4: 857، الباب 22 من أبواب قراءة القرآن الحديث 1.

[ 64 ]

الصوت الحسن (1). ولا ريب أن الأمرين غير الغناء، سيما على المختار في تعريفه من كونه ما يسمى به عرفا ولا يسميان به فيه مطلقا، ولذا ورد أن الصوت الحسن من شعار الأنبياء وأئمة الهدى وشيعتهم. ففي الخبر: ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت (2). وفي آخر: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن، وكان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يسمعون قراءته (3). ونحوه غيره (4). وفي ثالث: لم تعط امتي أقل من ثلاث: الجمال، والصوت الحسن، والحفظ (5). نعم في العامي المروي في مجمع البيان: فإذا قرأتموه - أي القرآن - فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا (6)، فهو مع ضعف سنده واحتمال التقية - كما ذكره بعض الأجلة (7) - معارض برواية خاصة. وفيها: اقرؤوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسوق وأهل الكبائر، فإنه سيجئ من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة، وقلوب من يعجبه شأنهم (8). مضافا إلى الاجماع على عدم إبقائه على ظاهره، فقد ذكر الطبرسي بعد


(1) الوسائل 4: 859، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن الحديث 3. (2) الكافي 2: 616، الحديث 10. (3) الوسائل 4: 859، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن الحديث 4. (4) الوسائل 4: 859، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن الحديث 2. (5) الكافي 2: 615، الحديث 7. (6) مجمع البيان 1: 16. (7) لم نعثر عليه. (8) الوسائل 4: 858، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 1.

[ 65 ]

نقله: إنه تأوله بعضهم بمعنى استغنوا به، وأكثر العلماء على أنه تزيين الصوت وتحزينه (1). * (والنوح بالباطل) * بأن تصفه بما ليس فيه إجماعا ظاهرا، وحكي عن المنتهى صريحا (2). وهو الحجة فيه، مع ما دل على حرمة الباطل. وربما يحمل عليه إطلاق المستفيضة المانعة، كحديث المناهي المروي في الفقيه نهى عن النياحة والاستماع إليها (3)، ونحوه المروي عن معاني الأخبار في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة سلام الله عليها: إذا أنا مت فلا تقيمن علي نياحة (4)، وعن الخصال: أن النائحة إذا لم تتب إذا أنا مت فلا تقيمن علي نياحة (4)، وعن الخصال: أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب (5). وبظاهرها أخذ المبسوط وابن حمزة (6)، مدعيا الأول الاجماع عليه. و * (أما) * الأكثر فقالوا إذا كان * (بالحق فجائز) * وعن المنتهى الاجماع عليه (7). وهو الحجة بعد الأصل، والمعتبرة المستفيضة. منها الصحيح: لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت (8). وأظهر منه الصحيح المشهور في تجويز النبي (صلى الله عليه وآله) وتقريره نياحة ام سلمة على ابن عمها بحضرته (9). وقريب منها: الموثق المتضمن لوصية مولانا الباقر (عليه السلام) إلى الصادق (عليه السلام) بوقف مال مخصوص لنوادب تندبه عشر سنين بمنى أيام منى (10).


(1) مجمع البيان 1: 16. (2) المنتهى 1: 466 س 35. (3) الفقيه 4: 5، الحديث 4968. (4) معاني الاخبار: 390، الحديث 33. (5) الخصال 1: 226، الحديث 60. (6) المبسوط 1: 189، والوسيلة: 69. (7) المنتهى 1: 466 س 35. (8) الوسائل 12: 90، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به الحديث 7. (9) الوسائل 12: 89، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (10) الوسائل 12: 88، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

[ 66 ]

ونحوه الموثق الآخر، إلا أن فيه النهي عن اشتراط الاجرة (1). وحمل معه على الكراهة. والمرسل: عن أجر النائحة، فقال: لا بأس به قد ينح على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2). إلى غير ذلك من الأخبار المعتضدة بالأصل والشهرة العظيمة، وحكاية الاجماع المتقدمة، والمخالفة للعامة، كما قاله بعض الأجلة، حاملا للأخبار السابقة على التقية (3). وهو حسن. مضافا إلى قصور أسانيدها. واحتمالها الحمل على ما مر، بقرينة المرسل في الفقيه، ولعله الرضوي: لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا (4). أو الحمل على الكراهة، كما يشعر بها الموثق: عن كسب المغنية والنائحة فكرهه (5)، والمروي عن علي بن جعفر في كتاب مسائله عن أخيه: عن النوح على الميت أيصلح ؟ قال: يكره (6). أو على عدم الرضا بقضائه سبحانه وترك الصبر لأجله. ففي الخبر: من أقام النياحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقة (7)، الحديث. فتأمل. واجماع الشيخ مع معارضته بأقوى منه وتطرق الوهن إليه بمصير الأكثر إلى خلافه مردود كأخباره، مع ما هي عليه من القصور سندا واحتمال


(1) الوسائل 12: 89، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (2) الوسائل 12: 91، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به الحديث 10. (3) القائل هو صاحب الحدائق 4: 168. (4) الفقيه 1: 183، الحديث 552، وفقه الرضا: 252. (5) الوسائل 12: 90، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به الحديث 8. (6) مسائل علي بن جعفر: 156. (7) الوسائل 2: 915، الباب 83 من أبواب الدفن الحديث 1.

[ 67 ]

الورود تقية الى القول الأول. نعم الكراهة على الإطلاق غير بعيدة، وفاقا للتهذيب (1)، مسامحة في أدلة الكراهة. ولا ينافيها وصية الباقر (عليه السلام) (2)، لاحتمال الفرق بينهم وبين سائر الامة، مع أنه قائم بالضرورة لاستحبابه لهم دونهم. * (وهجاء المؤمنين) * بكسر الهاء، قيل: هو ذكر معائبهم بالشعر (3)، والأصل فيه بعد الاجماع المحكي عن المنتهى (4) عموم أدلة حرمة الغيبة من الكتاب والسنة، قال الله سبحانه: " ولا يغتب بعضكم بعضا " (5). وفي الحسن: الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله تعالى عليه (6)، الخبر. ونحوه الخبر عن الغيبة قال: هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل، وتبث أمرا قد سترة الله تعالى عليه لم يقم عليه فيه حد (7). وفي المرسل كالصحيح: من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عزوجل: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " (8). وظاهر العبارة ونحوها وصريح جماعة اختصاص التحريم بالمؤمن والأخ المؤمن في الدين، فيجوز غيبة المخالف. ولا ريب فيه، للأصل، وظاهر النصوص المزبورة الظاهرة في الجواز، إما من حيث المفهوم


(1) التهذيب 6: 359، ذيل الحديث 1028. (2) الوسائل 12: 88 الباب 17 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (3) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 213. (4) المنتهى 2: 1013 س 21 و 22. (5) الحجرات: 12. (6) الوسائل 8: 602، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة الحديث 22. (7) الوسائل 8: 604، الباب 154 من أبواب أحكام العشرة الحديث 1. (8) الوسائل 8: 598، الباب 151 من أبواب أحكام العشرة الحديث 6.

[ 68 ]

كالأخير، أو التعريف الظاهر في حصر الغيبة المحرمة بالكتاب والسنة فيما دلت عليه العبارة كما في البواقي. ودعوى الإيمان والاخوة للمخالف مما يقطع بفساده، والنصوص المستفيضة بل المتواترة ظاهرة في رده، مضافا إلى النصوص المتواترة الواردة عنهم (عليهم السلام) بطعنهم ولعنهم، وأنهم أشر من اليهود والنصارى، وأنجس من الكلاب (1)، لدلالتها على الجواز صريحا، أو فحوى كالنصوص المطلقة للكفر عليهم، مع زيادة لها في الدلالة بوجه آخر، وهو استلزام الإطلاق اما كفرهم حقيقة، أو اشتراكهم مع الكفار في أحكامهم التي منها ما نحن فيه اجماعا، وحكاه بعض الأصحاب صريحا (2). فتأمل بعض من ندر ممن تأخر ضعيف كمتمسكه: من إطلاق الكتاب والسنة (3)، لورود الأول بلفظ الخطاب بصيغة الجمع، المتوجه إما إلى جميع المكلفين أو خصوص المسلمين، والثاني بلفظ الناس أو المسلم، الشامل جميع ذلك للمخالف. فإن التعليل في الذيل بما تضمن الاخوة في الأول وبعض الثاني يقتضي اختصاص الحكم بمن ثبت له الصفة، وليس في باقي السنة مما خلا عن ذلك ما ينافي ذلك، بعد عدم عموم فيه لغة، فإن غايتها الإطلاق المنصرف إلى الفرد الكامل. هذا، مع أن في التمسك بإطلاق الآية مناقشة اخرى، بناء على المختار الذي عليه علماؤنا الأبرار من اختصاص مثل الخطاب بالمشافهين، وأن التعدية منهم إلى الغائبين يحتاج إلى دليل متين، وهو في الأغلب الاجماع، ولا اجماع إلا على الشركة مع اتحاد الوصف ولا ريب في تغايره، فلا شركة


(1) الوسائل 1: 159، الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل الحديث 5. (2) لم نجد الحاكي. (3) مجمع الفائدة 8: 76.

[ 69 ]

لهم معهم. وفيه نظر. هذا، مع أن الأصحاب في الباب مابين مصرح بعدم الاشتراك، ومفت بعبارة ظاهرة في الاختصاص لتضمنها المؤمن، الظاهر في اصطلاحهم في هذه الفرقة الناجية، ويستفاد ذلك أيضا من كثير من المعتبرة المستفيضة، ولا دلالة على التعدية. وعلى تقديرها فليست الآية بنفسها حجة مستقلة. فالاستدلال بها غفلة واضحة عن اصول الإمامية. * (وحفظ كتب الضلال) * عن الإندراس أو عن ظهر القلب * (ونسخها) * وتعليمها وتعلمها * (لغير النقض) * لها، والحجة على أربابها بما اشتملت عليه مما يصلح دليلا لإثبات الحق أو نقض الباطل لمن كان من أهلهما. ويلحق به الحفظ للتقية أو لغرض الاطلاع على المذاهب والآراء، ليكون على بصيرة وتمييز الصحيح من الفاسد، أو لغرض الاعانة على التحقيق أو تحصيل ملكة للبحث، والاطلاع على الطرق الفاسدة ليتحرز عنها (1)، أو غير ذلك من الأغراض الصحيحة، كما ذكره جماعة (2). وينبغي تقييده بشرط الأمن على نفسه من الميل إلى الباطل بسببها، وأما بدونه فمشكل مطلقا، لاحتمال الضرر الواجب الدفع عن النفس ولو من باب المقدمة اجماعا. ومن هنا يظهر الأصل في المسألة في الجملة، ويتم ذلك بعدم القول بالفرق بين الطائفة، مضافا إلى عدم الخلاف فيها مطلقا، بل وعليه الاجماع عن ظاهر المنتهى (3)، مع أن فيه نوع إعانة على الإثم ووجوه الفساد الواجب دفعهما من باب النهي عن المنكر.


(1) في " ش، ه‍ ": عنهما. (2) جامع المقاصد 4: 26، والمسالك 3: 127. (3) المنتهى 2: 1013 س 33.

[ 70 ]

* (وتعلم السحر) * وعرف تارة: بكلام أو كتابة يحدث بسببه ضرر على من عمل له في بدنه أو عقله، ومنه عقد الرجل عن حليلته وإلقاء البغضاء بينهما (1)، فقد قال الله تعالى: " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " (2). وفي المروي عن الاحتجاج: ومن أكبر السحر النميمة يفرق بها بين المتحابين ويجلب العداوة بين المتصادقين، الحديث (3). وقيل: ومنه استخدام الملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب واستحضارهم وتلبسهم ببدن صبي أو امرأة وكشف الغائبات على ذلك (4). واخرى: بأنه عمل يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة وأسباب خفية (5). واخرى: بوجه يدخل فيه علم الطلسمات والنيرنجات وغير ذلك، وذلك أن يقال هو استحداث الخوارق، إما بمجرد التأثيرات النفسانية وهو السحر، أو بالإستعانة بالفلكيات فقط وهو دعوة الكواكب، أو على تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية وهو الطلسمات، أو على سبيل الإستعانة بالأرواح الساذجة وهو العزائم (6). قيل: والكل حرام في شريعة الإسلام (7). وظاهره اجماع المسلمين عليه، وهو الحجة، كالنصوص المستفيضة، منها ما ورد في حد الساحر.


(1) الروضة 3: 214. (2) البقرة: 102. (3) الاحتجاج 2: 340. (4) القائل هو صاحب المسالك 3: 128. (5) كما حكاه في التنقيح 2: 12. (6) التنقيح 2: 12. (7) القائل هو صاحب التنقيح 2: 12.

[ 71 ]

ففي الخبر: ساحر المسلمين يقتل (1). وفي آخر: يضرب الساحر بالسيف ضربة واحدة على أم رأسه (2). وفي ثالث: حل دمه (3). وفي رابع: من تعلم من السحر شيئا كان آخر عهده بربه وحده القتل (4). وظاهرها التحريم مطلقا، وقد استثني منه السحر للتوقي ودفع المتنبئ. ولا بأس به، بل ربما وجب كفاية، كما في الدروس (5) والروضة (6) وتبعهما جماعة، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، بناء على ضعف النصوص المثبتة للتحريم على الإطلاق، ولا جابر لها من اجماع أو غيره، مع معارضتها بكثير من النصوص المتضمنة لجواز تعلمه للتوقي والحل به. منها: حل ولا تعقد (7). ومنها المروي في العلل: توبة الساحر أن يحل ولا يعقد (8). ومنها المروي عن العيون: في قوله تعالى: " وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " قال: كان بعد نوح (عليه السلام) قد كثرت السحرة والمموهون، فبعث الله تعالى ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ويرد به كيدهم، فتلقاه النبي من الملكين وأداه إلى عباد الله بأمر الله تعالى أن يقفوا به على السحر وأن يبطلوه، ونهاهم أن يسحروا به الناس، الحديث (9).


(1) الوسائل 18: 576، الباب 1 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات الحديث 1. (2) الوسائل 18: 576، الباب 1 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات الحديث 3. (3) الوسائل 18: 577، الباب 3 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات الحديث 1. (4) الوسائل 18: 577، الباب 3 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات الحديث 2. (5) الدروس 3: 264، الدرس 231. (6) الروضة 3: 215. (7) الوسائل 12: 106، الباب 25 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (8) علل الشرائع 2: 546. (9) عيون أخبار الرضا 1: 208.

[ 72 ]

وربما خصت روايات الحل بغير السحر، كالقرآن والذكر والتعويذ ونحوها، جمعا، وهو أحوط. * (والكهانة) * بكسر الكاف، قالوا: هي عمل يوجب طاعة بعض الجان له فيما يأمره به، وهو قريب من السحر أو أخص منه. والأصل في تحريمه بعد الاجماع المصرح به في كلام جماعة من الأصحاب (1) النصوص المستفيضة: منها الخبران في تعداد السحت، وعد من أنواعه أجر الكاهن (2). وفي الثالث المروي عن مستطرفات السرائر نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله تعالى من كتاب (3). وفي الرابع المروي عن الخصال: من تكهن أو تكهن له فقد برئ من دين محمد (صلى الله عليه وآله) (4) * (والقيافة) * قالوا: هي الإستناد إلى علامات وأمارات يترتب عليها إلحاق نسب ونحوه، بلا خلاف، بل عن المنتهى وفي التنقيح الاجماع عليه (5)، وفي الثاني أضافه إلينا حاكيا عن بعض من خالفنا الخلاف فيه لبعض رواياتهم. ومنه ينقدح الوجه في إمكان حمل ما ورد برخصة مولانا الرضا (عليه السلام) في الرجوع إلى القيافة على التقية (6)، مع قصور سند الرواية ومعارضتها


(1) لم نعثر على الاجماع الصريح كما نبه عليه في مفتاح الكرامة 4: 74، لكن في مجمع الفائدة 8: 79: لا خلاف، وكذا كفاية الأحكام: 87 س 30. (2) الوسائل 12: 62 و 63، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5 و 9. (3) السرائر 3: 593، في ما استطرفه من كتاب المشيخة. (4) الخصال 1: 19، الحديث 68. (5) المنتهى 2: 1014 س 32، وليس فيه الاجماع، والتنقيح 2: 13، وفيه عندنا. (6) الكافي 1: 322، الحديث 14.

[ 73 ]

بالمروي في الخصال: عن القيافة، قال: ما احب أن تأتيهم (1). وفيه نظر. وقيل: إنما يحرم إذا رتب عليها محرما أو جزم بها (2). ولا بأس به، وإن كان الأحوط تركه مطلقا. * (والشعبذة) * قيل: هي الأفعال العجيبة المترتبة على سرعة اليد بالحركة فتلبس على الحس (3). ولا خلاف في تحريمه، كما عن المنتهى (4). * (والقمار) * بالآلات المعدة له، كالنرد والشطرنج والأربعة عشر واللعب بالخاتم والجوز والبيض، بلا خلاف في شئ من ذلك، بل عن المنتهى وفي غيره الاجماع عليه (5). وهو الحجة بعد الكتاب والسنة المستفيضة، قال الله سبحانه: " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (6). وفسر الميسر به في المستفيضة: منها: ما الميسر ؟ قال: كلما تقومر به حتى الكعاب والجوز (7). ومنها: الميسر هو القمار (8). ومنها: الشطرنج ميسر والنرد ميسر (9) ونحوه آخر (10). وفي الصحيح: عن قول الله عزوجل: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " فقال: كانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله تعالى


(1) الخصال 1: 19، الحديث 68. (2) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 215. (3) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 215. (4) المنتهى 2: 1014 س 32. (5) المنتهى 2: 1012 س 34، ومجمع الفائدة 8: 41. (6) المائدة: 90. (7) الوسائل 12: 119، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (8) الوسائل 12: 119، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (9) الوسائل 12: 240، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به الحديث 14. (10) الوسائل 12: 240، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به الحديث 15.

[ 74 ]

عن ذلك (1). ولا يملك ما يترتب عليه من الكسب، بل هو سحت، وإن وقع من غير المكلف، فيجب رده على مالكه. ففي الخبر: كان ينهى عن الجوز يجئ به الصبيان من القمار أن يؤكل، وقال: هو سحت (2). وفي آخر: الصبيان يلعبون بالجوز والبيض ويقامرون، فقال: لا تأكل منه فإنه حرام (3). بل يستفاد من بعض الأخبار الاجتناب بعد الأكل بالتقيؤ (4). ومن آخر منها حرمة الحضور في المجالس التي يلعب فيها بها والنظر إليها (5)، وهو مستفيض. منها: من جلس على اللعب بها فقد تبوأ مقعده من النار (6). ومنها: المطلع في الشطرنج كالمطلع في النار (7). وفي آخر: المقلب لها كالمقلب لحم الخنزير (8). وفي ثالث: مالك ولمجلس لا ينظر الله تعالى إلى أهله (9). إلا أن في إثبات التحريم بذلك إشكالا، إلا أن يكون إجماعا.


(1) الوسائل 12: 119، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (2) الوسائل 12: 120، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6. (3) الوسائل 12: 120، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به الحديث 7. (4) الوسائل 12: 119، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (5) الوسائل 12: 240، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (6) الوسائل 12: 241، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (7) الوسائل 12: 241، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (8) الوسائل 12: 241، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (9) الوسائل 12: 240، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

[ 75 ]

* (والغش) * بكسر الغين * (بما يخفى) * كشوب اللبن بالماء، بلا خلاف في الظاهر، وعن المنتهى صريحا (1)، للصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة. ففي الصحيح: ليس من المسلمين من غشهم (2). وفي آخر: ليس منا من غشنا (3). وفي الثالث: أن البيع في الظلال غش، وأن الغش لا يحل (4). وفي الخبر: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يشاب اللبن بالماء (5). واحترز بالقيد عن مقابله، كمزج الحنطة بالتراب والتبن، وجيدها برديئها، فتجوز على كراهة في ظاهر الأصحاب. ولعله للأصل، واختصاص ما مر من النص بحكم التبادر بمحل القيد، ولظهور العيب في غيره، فيعلم بالنظر، فكأنه يبيع غير الجيد بثمنه مع علم المشتري وهو يشتري، فلا حرج (6) فيه. ولعل الكراهة لاحتمال شمول النص، وإمكان غفلة المشتري عنه. وفي الصحيح: عن الطعام يخلط بعضه ببعض وبعضه أجود من بعض، قال: إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردئ (7). وفي آخر: في الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد وسعرهما شتى (8) وأحدهما خير من الآخر فيخلطهما جميعا ثم يبيعهما بسعر واحد،


(1) المنتهى 2: 1012 س 37. (2) الوسائل 12: 208، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (3) الوسائل 12: 208، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (4) الوسائل 12: 208، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (5) الوسائل 12: 208، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (6) في " م ": فلا مزج. (7) الوسائل 12: 420، الباب 9 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1. (8) في " م، ق ": شئ، كما في الكافي، وفي الوسائل: بشئ، وما أثبتناه هو الصحيح، كما في الفقيه والتهذيب.

[ 76 ]

قال: لا يصلح له أن يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبينه (1). فتأمل. ثم لو غش لكن لا بقصده بل بقصد اصلاح المال لم يحرم، للأصل، واختصاص ما مر من النص بحكم التبادر بصورة القصد، وللصحيح: عن الرجل يشتري طعاما فيكون أحسن له واتفق له أن يبله من غير أن يلتمس منه زيادة، فقال: إن كان بيعا لا يصلحه إلا ذلك ولا ينفعه غيره من غير أن يلتمس فيه زيادة فلا بأس، وإن كان إنما يغش به المسلمين فلا يصلح (2). * (وتدليس الماشطة) * بإظهارها في المرأة محاسن ليست فيها من تحمير وجهها ووصل شعرها ونحو ذلك إرادة منها ترويج كسادها بلا خلاف، بل عليه الاجماع في بعض العبارات (3). وهو الحجة، مضافا إلى عموم المعتبرة المتقدمة الناهية عن كل غش. ومنه يظهر انسحاب الحكم في فعل المرأة ذلك بنفسها. ولو انتفى التدليس، كما لو كانت مزوجة فلا حرمة، للأصل، والخبر: لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها (4)، وفي آخر: عن المرأة تحف الشعر عن وجهها، قال: لا بأس (5)، بل يستحب للزوج، كما يستفاد من كثير من المعتبرة. * (و) * اعلم أنه * (لا بأس بكسبها مع عدمه) * للأصل، وإطلاق المستفيضة. منها: لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطى ولا تصل شعر امرأة بشعر امرأة غيرها، وأما شعر المعز فلا بأس بأن يوصل


(1) الوسائل 12: 420، الباب 9 من أبواب أحكام العيوب الحديث 2. (2) الوسائل 12: 421، الباب 9 من أبواب أحكام العيوب الحديث 3. (3) الظاهر هو مجمع الفائدة 8: 84. (4) الوسائل 14: 135، الباب 101 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه الحديث 2. (5) الوسائل 12: 95، الباب 19 من أبواب ما يكتسب به الحديث 8.

[ 77 ]

بشعر المرأة (1). ويستفاد منه البأس مع الأمرين، وليحمل على الكراهة، للأصل، وقصور الرواية، وأعمية البأس من الحرمة، مع احتمالها في الثاني إذا كان فيه تعريض للشعر إلى غير ذات محرم، وعليه يحمل النهي عنه في عدة من النصوص، أو على الكراهة، لما مر. * (وتزيين الرجل بما يحرم عليه) * كتزيينه بالذهب وإن قل، والحرير، إلا ما استثني، ولبسه السوار والخلخال والثياب المختصة بالنسوة في العادة، ويختلف باختلاف الأصقاع والأزمان، اجماعا في الأولين نصا وفتوى، وعلى الأظهر الأشهر المحتمل فيه الاجماع في الباقي، لأنه من لباس الشهرة المنهي عنه في المستفيضة. منها الصحيح: إن الله تعالى يبغض شهرة اللباس (2). وفي المرسل كالموثق: الشهرة خيرها وشرها في النار (3). والخبر: من لبس ثوبا يشهره كساه الله تعالى يوم القيامة ثوبا من النار (4). وفي آخر: كفى بالمرء خزيا أن يلبس ثوبا يشهره (5). مضافا إلى النصوص المانعة عن تشبه كل من الرجال والنساء بالآخر. ففي الخبر: لعن الله تعالى المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، مروي عن الكافي (6) وعلل الصدوق (7). وفي رواية اخرى فيه: أخرجوهم من بيوتكم فإنه أقذر شئ (8).


(1) الوسائل 12: 95، الباب 19 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6. (2) الوسائل 3: 354، الباب 12 من أبواب أحكام الملابس الحديث 1. (3) الوسائل 3: 354، الباب 12 من أبواب أحكام الملابس الحديث 3. (4) الوسائل 3: 354، الباب 12 من أبواب أحكام الملابس الحديث 4. (5) الوسائل 3: 354، الباب 12 من أبواب أحكام الملابس الحديث 2. (6) الكافي 8: 71، الحديث 27. (7) علل الشرائع: 602، الحديث 63. (8) علل الشرائع: 602، الحديث 64.

[ 78 ]

وقصور الأسانيد بالشهرة والاعتبار منجبر، مع التأييد بما فيه من إذلال المؤمن نفسه، المنهي عنه اتفاقا نصا وفتوى واعتبارا. ومنه يظهر انسحاب الحكم في تزيين المرأة بلباس الرجل مع عدم القائل بالفرق. فتأمل بعض من تأخر في حرمة ذلك لهما (1) ليس في محله. * (وزخرفة المساجد) * أي نقشها بالذهب * (و) * تعشير * (المصاحف) * به. وعلل الأول بالبدعة، إذ لم يكن في زمن صاحب الشريعة عليه آلاف صلاة وتحية، ولم يرد به الرخصة، وبالرواية عن الصلاة في المساجد المصورة، فقال: أكره ذلك، ولكن لا يضركم اليوم (2). والثاني بالموثق: عن رجل يعشر المصاحف بالذهب، فقال: لا يصلح (3). وفيهما نظر، لمنع البدعة مع عدم قصد التشريع، فإنها إدخال ما ليس من الدين فيه عمدا، وضعف الرواية سندا ودلالة كالموثق، لظهورهما في الكراهة، والرخصة بأصالة الإباحة حاصلة. وأظهر من الأخير فيها الخبر: عرضت على أبي عبد الله (عليه السلام) كتابا فيه قرآن معشر بالذهب وكتب في آخره سورة بالذهب، فأريته إياه فلم يعب منه شيئا إلا كتابة القرآن بالذهب، فإنه قال: لا يعجبني أن يكتب القرآن إلا بالسواد، كما كتب أول مرة (4). مع أن المستفاد عن بعض النصوص نفي البأس على الإطلاق، كالخبر: ليس بتحلية المصاحف والسيوف بالذهب والفضة بأس (5). فالأصح فيهما الجواز، للأصل، مع الكراهة للشبهة، وفاقا لجماعة.


(1) انظر الحدائق 18: 198. (2) الوسائل 3: 494، الباب 15 من أبواب أحكام المساجد الحديث 1. (3) الوسائل 12: 117، الباب 32 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (4) الوسائل 12: 117، الباب 32 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (5) الوسائل 3: 413، الباب 64 من أبواب أحكام الملابس الحديث 3.

[ 79 ]

* (والمعونة على الظالم) * (1) بالكتاب والسنة المستفيضة، بل المتواترة، والاجماع، قال الله سبحانه: " ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (2) الآية، وقال: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " (3). وعنهم (عليهم السلام) - كما في المجمع - أن الركون إليهم هو المودة والنصيحة والطاعة لهم (4). وفي الخبر في تفسيره: هو الذي يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه (5). ويستفاد منه ومن كثير من النصوص حرمة إعانة الظالم ولو في المباحات والطاعات. ففي الصحيح: عن أعمالهم، قال: لا ولا مدة بقلم إن أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينه (6). وأظهر منه الموثق: لا تعنهم على بناء مسجد (7). وقريب منهما القريب من الصحة. وفيه: أنه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك ؟ فقال (عليه السلام): ما احب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وأن لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار حتى يحكم الله تعالى بين العباد (8).


(1) في المتن المطبوع والشرح الصغير: ومعونة الظالم. (2) المائدة: 2. (3) هود: 113. (4) مجمع البيان 5: 200. (5) الوسائل 12: 133، الباب 44 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (6) الوسائل 12: 129، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5. (7) الوسائل 12: 129، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به الحديث 8. (8) الوسائل 12: 129، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

[ 80 ]

ونحوها أخبار اخر هي كالأولة مؤيدة بإطلاق كثير من النصوص المانعة عن إعانتهم (1). فالأحوط تركها مطلقا، إلا لتقية، أو ضرورة، وإن كان ظاهر الأصحاب - بغير خلاف يعرف - اختصاص التحريم بالإعانة في المحرم. ولعله لقصور الأخبار المطلقة سندا والظاهرة دلالة، لاحتمال المباحات والطاعات فيها ما عرضها التحريم بغصب ونحوه، كما هو الأغلب في أحوالهم (2)، وهو وإن نافاه النهي عن حب البقاء المجامع للإعانة على المباحات والطاعات، إلا أن المشتمل عليه قاصر السند، فلا يخرج بمثله عن الأصل المقطوع به، المعتضد بعمل الأصحاب كافة من غير خلاف يعرف بينهم. فلابد من حمله على الكراهة، كما يشعر بها الرواية الأخيرة، المعتبرة عن المنع بلفظة " لا احب " الظاهرة فيها ألبتة بها الرواية الأخيرة، المعتبرة عن المنع بلفظة " لا احب " الظاهرة فيها ألبتة، وإن اقتضى التعليل المذيلة به الحرمة، لاحتمال أن يكون المراد من ذكره بيان خوف الاندراج في أفراد مصداقه. ولكن الإنصاف أن الجواز لا يخلو عن شئ [ ولولا اتفاق الأصحاب عليه في الظاهر لأمكن المصير إلى المنع عنه ] (3). ويدخل في إعانتهم المحرمة اختيارا التولية عنهم بلا خلاف، للمستفيضة. منها: لئن اسقط من حالق فانقطع قطعة قطعة أحب إلي من أن أتولى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم، إلا لتفريج كربة عن مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه، إن أهون ما يصنع الله تعالى بمن تولى لهم عملا أن يضرب عليهم سرادق من نار إلى أن يفرغ الله تعالى من حساب الخلائق، فإن وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة، الحديث (4).


(1) انظر الوسائل 12: 127، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به. (2) (خ ل) في المطبوع و " ه‍ ": أموالهم. (3) لم يرد في المطبوع. (4) الوسائل 12: 140، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

[ 81 ]

ولا خلاف فيما تضمنه من الاستثناء وشرطه فتوى ونصا، وهو مستفيض، وإن اختلف في الإباحة والرجحان والإثابة: فبين ما دل على الأول وهو هذا الخبر، ونحوه المروي مرسلا في الفقيه: كفارة خدمة السلطان قضاء حوائج الإخوان (1). والخبران في أحدهما: إن كنت تعلم أنك إن وليت عملت في عملك بما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم تصير أعوانك وكتابك أهل ملتك، فإذا صار إليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين حتى تكون واحدا منهم كان ذابذا، وإلا فلا (2). وفي الثاني: ما من جبار إلا ومعه مؤمن يدفع الله تعالى به عن المؤمنين، وهو أقلهم حظا في الآخرة، يعني أقل المؤمنين حظا بصحبة الجبار (3). وما دل على الثاني، وهو مستفيض، أجودها دلالة المروي عن الكشي في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن مولانا الرضا (عليه السلام): إن لله تعالى بأبواب الظلمة من نور الله تعالى به البرهان ومكن له في البلاد ليدفع عن أوليائه ويصلح الله تعالى به امور المسلمين، لأنهم صلحاء المؤمنين - إلى أن قال: - اولئك المؤمنون حقا اولئك امناء الله تعالى في أرضه، اولئك نور الله تعالى في رعيتهم يوم القيامة، ويزهر نورهم لأهل السماوات، كما تزهر الكواكب الزهوية لأهل الأرض، اولئك من نورهم نور يوم القيامة يضئ منهم القيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله، قال: قلت: بماذا جعلني الله فداك ؟ قال: تكون معهم فتسرنا بإدخال السرور على المؤمن من شيعتنا، فكن منهم يا محمد (4).


(1) الفقيه 3: 176، الحديث 3666. (2) الوسائل 12: 145، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (3) الوسائل 12: 134، الباب 44 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (4) لم نعثر عليه في الكشي في ترجمة ابن بزيع.

[ 82 ]

ولقد جمع بينهما بعض الأصحاب بحمل الأولة: على الداخل معهم بحب الدنيا والرئاسة، مازجا ذلك بفعل الطاعات وقضاء حوائج المؤمنين وفعل الخيرات، والثانية: على الداخلة لا لذلك بل لمجرد ما ذكر من الطاعات. وهو جمع حسن، وإن أبى عنه بعض ما مر من الروايات. ثم لو قلنا باختصاص تحريم الإعانة بالامور المحرمة، فلا ريب في انسحاب الحكم في معونة مطلق العصاة الظلمة، حتى الظالم لنفسه بعصيانه مع حرمانه عن الرئاسة وخذلانه. وإن قلنا بالعموم ولو في نحو المباحات فالظاهر من النصوص - سياقا - اختصاص الحكم بمعونة الظلمة من أهل السنة، فلا يحرم إعانة سلاطين الشيعة في الامور المباحة، ويجوز حب بقائهم، لإيمانهم، ودفع شرور أعدائهم، إلا أن عبارات الأصحاب مطلقة، ولعله لتخصيص التحريم فيها بالإعانة في الامور المحرمة، وذلك مما لا يدانيه شبهة. نعم النهي عن الركون إلى الظلمة في الآية - مع ما في تفسيره بما تقدم في الرواية - مطلق. فالاحتياط الترك على الإطلاق وإن أمكن المناقشة في دليله بعدم تبادر مثله من الآية، وضعف الرواية المفسرة. * (واجرة الزانية) * فإنها سحت، كما في النصوص وفيها الصحيح وغيره (1). * (السادس: أخذ الاجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات وتكفينهم وحملهم ودفنهم) * ونحوها الواجبات الاخر، التي تجب على الأجير عينا، أو كفاية وجوبا


(1) انظر الوسائل 12: 61، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به.

[ 83 ]

ذاتيا، بلا خلاف، بل عليه الاجماع في كلام جماعة (1). وهو الحجة، مع منافاته الإخلاص المأمور به كتابا وسنة. وأخرج بالذاتي التوصلي، كأكثر الصناعات الواجبة كفاية، توصلا إلى ما هو المقصود من الأمر بها، وهو انتظام أمر المعاش والمعاد، فإنه كما يوجب الأمر بها كذا يوجب جواز أخذ الاجرة عليها، لظهور عدم انتظام المقصود بدونه، مع أنه عليه الاجماع نصا وفتوى. وبذلك يندفع ما يورد من الإشكال بهذه الواجبات في هذا المجال (2). ويستفاد من العبارة جواز أخذ الاجرة على الامور المندوبة، كالتغسيل ثلاثا والتكفين بالقطع المستحبة ونحو ذلك. ولا ريب فيه، وفاقا للأكثر، للأصل، وانتفاء المانع من الاجماع وغيره، وهو منافاة الأخذ للاخلاص فإن غايتها هنا عدم ترتب الثواب لا حرمته، مع إمكان ترتبه حينئذ أيضا بعد إيقاع عقد الإجارة، فإنها بعده تصير واجبة، وتصير من قبيل ما لو وجبت بنذر وشبهه، ولا ريب في استحقاق الثواب حينئذ. ووجهه أن أخذ الاجرة حينئذ صار سببا لوجوبها عليه، ومعه يتحقق الإخلاص في العمل، لكونه حينئذ لمجرد الإطاعة والإمتثال لله سبحانه، وإن صارت الاجرة منشأ لتوجه الأمر الإيجابي إليه، وهو واضح. وبه يتضح جواز أخذ الاجرة على الصلاة عن الأموات بعد إيقاع عقد الإجارة، بل لعل له قبل إيقاعه أيضا وجها. فالقول بعدم جواز أخذ الاجرة على الامور المندوبة أيضا ضعيف، كالمحكي عن المرتضى من جواز أخذها على الامور الواجبة التي تعلقت


(1) لم نعثر عليه، كما نبه عليه في جواهر الكلام 22: 117. (2) مجمع الفائدة 8: 89.

[ 84 ]

الأوامر بها إلى الولي للأجير إذا لم يكن هو الولي (1). * (و) * أخذ * (الرشى) * بضم أوله وكسره مقصورا، جمع رشوة بهما * (في الحكم) * بالاجماع، كما في كلام جماعة (2). والنصوص المستفيضة في بعضها أنها سحت (3)، وفي عدة منها أنها الكفر بالله العظيم (4)، وفيها الصحيح والموثق وغيرهما. وإطلاقها كالعبارة وصريح جماعة يقتضي عدم الفرق بين أن يكون الحكم للراشي أو عليه، ويأثم الدافع لها أيضا، لأنه إعانة على الإثم والعدوان، إلا إذا لم يمكن الوصول الى الحق بدونها فيجوز الدفع حينئذ، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وفي الصحيح: عن الرجل يرشو الرجل على أن يتحول من منزله فيسكنه، قال: لا بأس (5). نعم يحرم على المدفوع إليه مطلقا. وقيل: إذا كان يحكم بالحق وان لم يرتش جاز الدفع، وإلا فلا (6). ويدفعه إطلاق النص والفتوى. وقيل: وكذا يحرم على الحاكم قبول الهدية إذا كان للمهدي خصومة في المال، لأ نه يدعوا الى الميل وانكسار قلب الخصم، وكذا إذا كان ممن لم يعهد منه الهدية له قبل تولي القضاء، لأن سببها العمل ظاهرا (7). وفي


(1) المسالك 3: 130. (2) جامع المقاصد 4: 35، والروضة 3: 75. (3) الوسائل 18: 163، الباب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث 7. (4) الوسائل 18: 162 و 163، الباب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث 3 و 8. (5) الوسائل 12: 207، الباب 85 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (6) لم نعثر على قائله. (7) هذا خلاصة ما نقله الشهيد في مسالكه عن الشيخ في المبسوط، راجع المبسوط 8: 151، والمسالك 2: 364 س 29.

[ 85 ]

الحديث هدايا العمال غلول (1) وفي رواية سحت (2)، انتهى. وهو أحوط، وإن كان في تعينه ولا سيما الأول نظر، للأصل، وقصور سند الروايتين، وضعف الوجوه الاعتبارية، مع عدم تسمية مثله رشوة. * (والاجرة على الصلاة بالناس) * جماعة، وفاقا لجماعة، للخبر، بل الصحيح المروي في الفقيه في كتاب الشهادات عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: لا تصل خلف من يبتغي على الأذان والصلاة بين الناس أجرا، ولا تقبل شهادته (3). وهو نص في التحريم. * (و) * على * (القضاء) * والحكم بين الناس، لأنها من المتحاكمين رشوة محرمة، كما مضت إليه الإشارة، وكذا من غيرهما مطلقا. وفاقا للحلبي (4) والحلي (5) وجماعة (6)، للصحيح: عن قاض بين فريقين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت (7). بحمل الرزق فيه على الأجر، للاجماع على حله، ولأنه لما كان جائزا لجملة المسلمين المحتاجين من بيت المال، فلا وجه للفرق بين القاضي وغيره. خلافا للمفيد (8) والنهاية (9) والقاضي (10) فيجوز مع الكراهة، للأصل السالم عما يصلح للمعارضة، لعدم دلالة الصحيح على الاجرة. وصرف الرزق فيه إليها بمعونة الأمرين المتقدمين ليس بأولى من صرف السحت فيه بهما إلى الكراهة، بل هو أولى، لموافقة الأصل.


(1) الوسائل 18: 163، الباب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث 6، وفيه: هدية الامراء. (2) الوسائل 18: 163، الباب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث 7. (3) الفقيه 3: 43، الحديث 3290. (4) الكافي في الفقه: 283. (5) السرائر 2: 217. (6) جامع المقاصد 4: 36، والمسالك 3: 132. (7) الوسائل 18: 162، الباب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث 1. (8) المقنعة: 588. (9) النهاية 2: 102. (10) المهذب 1: 346.

[ 86 ]

ويمكن ترجيح الأول بأن المجاز اللازم على تقديره التقييد دون الثاني، فإن اللازم منه المجاز المطلق المرجوح بالإضافة إليه، مع تأيده في الجملة بفحوى الصحيحة المتقدمة وغيرها، المانعة عن أخذ الاجرة على نحو الأذان المستحب. فالمنع فيما نحن فيه من حيث وجوبه ولو كفاية أولى، مع أن اللازم على الثاني كراهة الارتزاق، ولعلهم لم يقولوا به، بل يخصونه بالاجرة، فيلزم على تقديره مجازان دون الأول. وللماتن في الشرائع (1) والفاضل في المختلف (2) فالتفصيل بين تعينه عليه بتعيين الامام له ونحوه فالأول، وإلا فالثاني، إما مطلقا كما في المختلف (3) أو بشرط الحاجة، وإلا فكالأول، كما عن الماتن في الكتاب. والأول أحوط وأولى، وأما القول الثاني فضعيف جدا. * (ولا بأس) * في صور المنع عن أخذ الاجرة * (بالرزق من بيت المال) * بلا خلاف، للأصل، والضرورة، واختصاص أدلة المنع بغير هذه الصورة، سوى الصحيحة المتقدمة، لأنها ظاهرة المنع فيها، إلا أنها - كما مر - محمولة على الاجرة أو الكراهة. والفرق بينه وبين الاجرة ما قيل: من توقف العمل عليها دونه، أو أنها تفتقر إلى تقدير العمل والعوض وضبط المدة والصيغة الخاصة بخلافه، لإناطته بنظر الحاكم وعدم تقدره بقدر، ومحله بيت المال وما اعد للمصالح من خراج الأرض ومقاسمتها (4). وفي هذا الفرق نظر، بل الأول أولى وأظهر، والأمر سهل لمن تدبر. * (وكذا) * يحرم أخذ الاجرة * (على الأذان) * ولا بأس فيه بالرزق من


(1) الشرائع 4: 69. (2) المختلف 5: 17. (3) المصدر السابق. (4) المسالك 3: 131.

[ 87 ]

بيت المال، لما مر. وأما الأول (1) - وعليه الأكثر بل عن بعض الأصحاب نفي الخلاف عنه (2) وفي الخلاف عليه الاجماع (3) - فللخبر المتقدم في الصلاة بالناس الصريح في التحريم، المنجبر قصور سنده - لو كان - بالشهرة بين الأعيان، المؤيد بروايات اخر. منها: أتى رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إني والله لاحبك لله، فقال: ولكني أبغضك لله، قال: ولم ؟ قال: لأنك تبغي على الأذان كسبا وتأخذ على تعليم القرآن أجرا (4). ومنها المرسل في الفقيه: ولا تتخذن مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا (5). وعد في المروي من دعائم الإسلام سحتا (6). خلافا للمرتضى فكالارتزاق (7)، للأصل، وضعف النصوص أو عدم حجيتها، لكونها من الآحاد. وهو حسن على أصله، غير مستحسن على غيره، لانجبار الضعف بما مر. * (ولا بأس ب‍) * أخذ * (الاجرة على عقد النكاح) * وغيره من العقود، بأن يكون العاقد وكيلا عن أحد المتعاقدين، أما تعليم الصيغة وإلقائها على الوجه اللازم فلا يجوز أخذ الاجرة عليه، للوجوب. نعم يجوز أخذها على الخطبة والخطبة في الأملاك.


(1) كذا، ولم يذكر المصنف الشق الثاني. (2) الظاهر هو حاشية الارشاد كما ذكره مفتاح الكرامة 4: 95. (3) الخلاف 1: 291، المسألة 36. (4) الوسائل 12: 113، الباب 30 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (5) الفقيه 1: 283، الحديث 870. (6) دعائم الاسلام 1: 147. (7) قاله في المصباح، كما نقله عنه المحقق في المعتبر 2: 134.

[ 88 ]

* (والمكروه) * * (إما لإفضائه إلى المحرم) * أو المكروه * (غالبا) *: اتخاذ * (الصرف) * حرفة، فإن فاعله لا يسلم من الربا. * (وبيع الأكفان) * فانه يتمنى الوباء. * (و) * بيع * (الطعام) * فإنه يتمنى الغلاء، ولا يسلم من الإحتكار غالبا. * (و) * بيع * (الرقيق) * والعبيد، فإنه يكون أقل الناس خيرا، فإن شر الناس من باع الناس. * (والصياغة) * (1) لأنه يذكر الدنيا وينسى الآخرة. * (والذباحة) * فإنه يسلب من قلبه الرحمة. * (وبيع ما يكن لأهل الحرب (2) كالخفين والدرع) * فإن فيه نوع ركون إليهم ومودة. ولا خلاف في كراهة شئ من ذلك، للنصوص المستفيضة. ففي الخبر: لا تسلمه صيرفيا فإن الصيرفي لا يسلم من الربا، ولا تسلمه بياع أكفان فإن صاحب الأكفان يسره الوباء إذا كان، ولا تسلمه بياع طعام فإنه لا يسلم من الاحتكار، ولا تسلمه جزارا فإن الجزار يسلب الرحمة منه، ولا تسلمه نخاسا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: شر الناس من باع الناس (3). ونحوه آخر مبدلا " الصيرفي " " بالصائغ " معللا: بأنه يعالج زين امتي (4). وظاهرهما كغيرهما اختصاص الكراهة باتخاذ ذلك حرفة دون أن يصدر ذلك منه مرة، بل ظاهر بعض المعتبرة عدم الكراهة مطلقا إذا اتقى الله سبحانه. ففي الموثق كالصحيح: كل شئ مما يباع إذا اتقى الله عزوجل فيه العبد


(1) في المتن المطبوع: والصباغة. (2) في المتن المطبوع: ما يكن من السلاح لأهل الكفر. (3) الوسائل 12: 97، الباب 21 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (4) الوسائل 12: 98، الباب 21 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4، وفيه اختلاف يسير.

[ 89 ]

فلا بأس به (1). وفي الخبر المعتبر الوارد في الصرف: خذ سواء وأعط سواء، فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك وانهض إلى الصلاة، أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة (2). ولولا الشهرة بين الأصحاب وجواز المسامحة في أدلة الكراهة والاستحباب لكان القول بالإباحة المطلقة - من دون كراهة - غير بعيد، للأصل، وما مر من المعتبرة، وقصور سند الروايات المانعة، واحتمال ورودها مورد الغلبة. ثم إن النصوص والعبارة وغيرها وإن أطلقت المنع عن الامور المزبورة والآتية، إلا أنه ينبغي التقييد بعدم احتياج الناس إليها، وإلا فيجب عينا أو كفاية اتفاقا. ولا ينافيه الإطلاق المتقدم، لوروده مورد الغالب، الذي ليس محل الفرض منه جدا. * (وإما لضعته) * (3) ورذالته * (كالحياكة) * والنساجة. ففي الخبر: ولد الحائك لا ينجب إلى سبعة بطون (4). * (والحجامة إذا شرط الاجرة) * لا بدونها، للمعتبرين. أحدهما الموثق كالصحيح: عن كسب الحجام، فقال: مكروه له أن يشارط، ولا بأس عليك أن تشارطه وتماكسه وإنما يكره له، ولا بأس عليك (5).


(1) الوسائل 12: 96، الباب 02 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5. (2) الوسائل 12: 99، الباب 22 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (3) في المتن المطبوع: وإما لضيعته. (4) لم نقف على مصدره، نقله في مجمع الفائدة 8: 16. (5) الوسائل 12: 73، الباب 9 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

[ 90 ]

والثاني: لا بأس به إذا لم يشارط (1). وبه يجمع بين إطلاق الأخبار المختلفة في المنع والإباحة وفيها الصحيح وغيره في الجانبين. ويحتمل الجمع بحمل الأول على الكراهة مطلقا، والثاني على الجواز، إلا أن الأول أرجح، لوضوح الشاهد عليه من الخبرين وفتوى الأكثر وإن كان الكراهة مطلقا - كما في اللمعة (2) - غير بعيدة. * (وضراب الفحل) * بأن يؤاجره لذلك، للمرسل: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عسيب الفحل، وهو اجرة الضراب (3). ويستفاد من المعتبرين عدم الكراهة. أحدهما الصحيح: عن أجر التيوس، قال: إن كانت العرب لتعاير به ولا بأس (4). وفي الثاني: إن لي تيسا أكريه فما تقول في كسبه ؟ قال: كل كسبه فإنه لك حلال، والناس يكرهونه، لتعيير الناس بعضهم بعضا (5). * (ولا بأس بالختانة وخفض الجواري) * بلا خلاف، للأصل، والصحيح وغيره في الثاني (6)، مع أنهما من السنن المرغب إليهما في المعتبرة، ولا ريب في منافاة ذلك للكراهة. * (وأما لتطرق الشبهة) * المندوب إلى تركها في النصوص المستفيضة. * (ككسب الصبيان) * المجهول أصله، لحصول الشبهة فيه من اجتراء


(1) الوسائل 12: 71، الباب 9 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (2) اللمعة: 61. (3) الوسائل 12: 77، الباب 12 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (4) الوسائل 12: 77، الباب 12 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (5) الوسائل 12: 77، الباب 12 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (6) الوسائل 12: 92، الباب 18 من أبواب ما يكتسب به.

[ 91 ]

الصبي على ما لا يحل له، لجهله، أو علمه بارتفاع القلم عنه. ولو علم اكتسابه من محلل فلا كراهة وإن أطلق الاكثر، كما أنه لو علم تحصيله أو بعضه من محرم وجب اجتنابه أو اجتناب ما علم منه أو اشتبه به، وكان محصورا. وفي الخبر: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة بيده، فإنه إذا لم يجد سرق (1). ومحل الكراهة تكسب الولي به، أو أخذه منه، أو الصبي بعد رفع الحجر عنه. * (و) * نحوه كسب * (من لا يجتنب المحارم) * المتعلقة بالمال لا مطلقا، فلا يكره كسب المجتنب عنها فيه والغير المجتنب عنها في غيره. * (ومن المكروه) * أخذ * (الاجرة على تعليم القرآن ونسخه وكسب القابلة مع الشرط، ولا بأس به لو تجرد) * عنه، وفاقا للأكثر، بل لعله عليه عامة من تأخر، وعن الحلي اجماعنا على جواز الأولين (2). استنادا في الجواز (3) إلى الأصل، ومفهوم النصوص الآتية، وضعف النصوص المانعة وإن كانت مستفيضة، مع معارضتها لصريح بعض المعتبرة، المنجبر قصور سنده بالشهرة العظيمة، المصرح بالإباحة المطلقة. ففيه: إن هؤلاء يقولون: أن كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا أعداء الله تعالى إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن، ولو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلم مباحا (4). وفي آخر: ما ترى إن أعطى على كتابته أجرا ؟ قال: لا بأس، الحديث (5).


(1) الوسائل 12: 188، الباب 33 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (2) السرائر 2: 223. (3) في " م، ق، ه‍ ": بدل " في الجواز ": في الثاني. (4) الوسائل 12: 112، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (5) الوسائل 12: 116، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

[ 92 ]

وفي الكراهة في الأولين (1) إلى الشبهة الناشئة من الأخبار المزبورة وفتوى جماعة بالحرمة، إما مطلقا كما عن الحلبي (2)، أو مع الشرط خاصة كما عزي إلى الطوسي في الإستبصار (3). وفيه مناقشة، استنادا من الأول إلى إطلاق المنع فيها، ومن الثاني إلى الجمع بينها وبين ما دل على الجواز مطلقا، لظواهر عدة من النصوص. منها: المعلم لا يعلم بالأجر ويقبل الهدية إذا اهدي إليه (4). وأظهر منه الخبران الناهيان عن أجر القارئ، الذي لا يقرأ إلا باجرة مشروطة (5). وفي الخبر: أن ام عبد الله بنت الحسن أرادت أن تكتب مصحفا فاشترت ورقا من عندها ودعت رجلا فكتب لها على غير شرط، وأعطته حين فرغ خمسين دينارا، وأنه لم تبع المصاحف إلا حديثا (6). لكنها ليست بصريحة في التقييد، مع اختصاص الخبرين بالقارئ دون المعلم. فارتكابه في المطلقات من الجانبين مشكل، مع معارضة الخبرين بصريح بعض المعتبرة، الظاهرة في عموم المنع لصورة عدم الشرط أيضا. وفيه: إني أقرأ القرآن فيهدى إلي الهدية فأقبلها، قال: لا، قلت: إن لم اشارطه ؟ قال: أرأيت لو لم تقرأ كان يهدي لك ؟ قلت: لا، قال: فلا تقبله (7).


(1) في " م " بدل " وفي الكراهة في الأولين ": وفي الأول. (2) الكافي في الفقه: 283. (3) الاستبصار 3: 65، الحديث 3. (4) الوسائل 12: 113، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5. (5) الوسائل 12: 113، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6 و 7. (6) الوسائل 12: 116، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به الحديث 10، وفيه: ام عبد الله بن الحارث. (7) الوسائل 12: 112، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4، وفيه اختلاف يسير.

[ 93 ]

فالأصح القول إما بالكراهة مطلقا - كما عليه جماعة، لإطلاق النهي عنه في المستفيضة، السالمة عن معارضة ما يصلح لتقييدها بصورة الاشتراط - أو انتفائها كذلك، بناء على احتمال ورود المنع تقية، كما هو صريح الرواية الاولى المجوزة. فلولا الشهرة وجواز المسامحة في أدلة الكراهة لكان هذا القول في غاية القوة. وأما القول بالحرمة مطلقا أو في الجملة فضعيف ألبتة، لضعف النصوص المانعة، ومعارضتها بالأصل، والروايات المنجبر قصور أسانيدها بالشهرة في الجملة. هذا، وأما الكراهة في القابلة مع الشرط فلم أقف فيها على دلالة، بل أصالة الإباحة المطلقة والضرورة في ردها أوضح قرينة، إلا أن يكون اجماعا. والمناقشة فيه واضحة، مع أن المحكي عن المنتهى (1) الإباحة من دون تقييد بالكراهة، إلا أنها لا بأس بها، لما عرفت من جواز المسامحة في نحو المسألة. ثم إن الواجب تقييد الجواز على القول به مطلقا أو في الجملة بصورة ما إذا لم يكن أحد الأمرين واجبا ولو كفاية، وإلا فينتفي رأسا ويثبت (2) التحريم اجماعا، فتوى ودليلا. فاتخاذ بعض شراح الكتاب هذا التفصيل قولا آخر في المسألة (3) ضعيف جدا، وإن كان ما ذكره حقا. * (ولا بأس باجرة تعليم الحكم والآداب) * كالكتابة والحساب بلا


(1) المنتهى 2: 1021 س 33. (2) في " م ": ولم يثبت. (3) التنقيح 2: 17.

[ 94 ]

خلاف، للأصل السالم عن المعارض. وفي الخبر: لا تأخذ على التعليم أجرا، قلت: الشعر والرسائل وما أشبه ذلك أشارط عليه ؟ قال: نعم بعد أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم (1). وفي آخر: أن لنا جارا يكتب وسألني أن أسألك عن عمله ؟ فقال: مره إذا دفع إليه الغلام أن يقول لأهله إنما اعلمه الكتاب والحساب وأتجر عليه بتعليم القرآن، حتى يطيب له كسبه (2). وما في هذه الرواية من وجه الفرار عما يترتب على أخذ الاجرة على تعليم القرآن من الكراهة حيلة حسنة، يحسن اتخاذ المعلمين لها وسيلة للخروج عن الشبهة، الناشئة من القول بالحرمة إن كان الأطفال من أهل القابلية لمعرفة الكتاب والحساب، وإلا فيبدلونهما بالحفظ والتأديب فيجعل الأجر لهما لا للتعليم. ويستفاد من الأول (3) وجوب التسوية بينهم في التعليم، ولا ريب فيه، مع الإطلاق ومساواة الاجرة، وإلا ففيه نظر، للأصل، وضعف الخبر، بل ربما يحسن التفضيل، بل يجب بالقابلية أو عوارض اخر. فالقول بوجوب التسوية مطلقا - إلا إذا آجر نفسه من كل لتعليم شئ مخصوص يزيد على الآخر خاصة - كما عن النهاية (4) محل مناقشة، لما مر إليه الإشارة. * (وقد يكره الاكتساب بأشياء اخر يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى) * في تضاعيف المباحث الآتية. * (مسائل ست) * * (الاولى: لا يؤخذ ما ينثر في) * الأملاك و * (الأعراس) * وغيرهما،


(1) الوسائل 12: 112، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (2) الوسائل 12: 112، الباب 29 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (3) في " ش، ه‍ ": من الأدلة. (4) النهاية 2: 102.

[ 95 ]

للخبر: الأملاك يكون والعرس فينثر على القوم، فقال: حرام، ولكن كل ما أعطوك منه فخذ (1). ولحرمة التصرف في ملك الغير * (إلا ما يعرف معه (2) الإباحة) * منه له، وبه يجبر ضعف سند الخبر، مع عدم خلاف (3) فيه يظهر. وفي الصحيح: عن النثار من السكر واللوز وأشباهه أيحل أكله ؟ قال: يكره أكل ما انتهب (4). والمراد بالكراهة فيه، إما الحرمة، أو المعنى المصطلح، لكن يخص على الأول بعدم الإذن، وعلى الثاني به. ووجه الكراهة فيه حينئذ تضمنه لمهانة النفس، ومخالفة المروة المرغوب عنها. * (الثانية: لا بأس ببيع عظام الفيل واتخاذ الأمشاط) * وغيرها * (منها) * لما مضى مفصلا. * (الثالثة: يجوز أن يشتري من السلطان) * الجائر المخالف لا مطلقا على الأصح * (ما يأخذه بإسم المقاسمة) * والخراج * (واسم الزكاة من ثمرة وحبوب ونعم وإن لم يكن) * السلطان * (مستحقا له) *. بشرط أن لا يزيد في الأخذ على ما لو كان الإمام العادل ظاهرا لأخذه، وهو في الثالث مقدر مضبوط، وقدر في الأولين حيث لا تقدير فيهما في الشريعة بما يتراضى عليه السلطان وملاك الأرضين في ذلك الزمان. فلو أخذ الجائر زيادة على ذلك كله حرم الزائد بعينه إن تميز، وإلا الكل من باب المقدمة.


(1) الوسائل 12: 122، الباب 36 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (2) في المتن المطبوع: ما يعلم منه. (3) في " م، ش، ه‍ ": عدم الخلاف. (4) الوسائل 12: 121، الباب 36 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

[ 96 ]

والأصل في المسألة - بعد عدم الخلاف في الطائفة والإجماع المستفيض حكايته في كلام جماعة (1) - المعتبرة المستفيضة. منها الصحيح: عن الرجل منا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنمها وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل والغنم إلا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه. والغنم إلا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه. قيل له: فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا، فنقول: بعناها فيبيعناها فما ترى في شرائها منه ؟ قال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس. قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه ؟ فقال: إن كان ما أقبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل (2). والمناقشة في الدلالة أولا: بمنعها على إباحة الخراج والمقاسمة، فإن غايتها الدلالة على حكم الزكاة خاصة. وثانيا: بانتفائها على إباحتها أيضا، للإجمال في الجواب عن إباحتها بقوله: " لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه " المحتمل لأن يراد منه الكناية عن عدم إباحتها، بناء على معلومية حرمتها اجماعا، ويكون المنشأ في الإجمال هو التقية. وثالثا: باحتمال كون المصدق من قبل العدل. ورابعا: باحتمال الشراء فيه الاستنقاذ لا المعاملة الحقيقية، بناء على كون متعلقها فيه صدقات المشترين (3) خاصة.


(1) التنقيح 2: 19، وجامع المقاصد 4: 45. (2) الوسائل 12: 161، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5. (3) في " م، ه‍، ش ": المشتري.

[ 97 ]

مدفوعة، فالأول: بظهور لفظ القاسم في كون المأخوذ مال المقاسمة، سيما في مقابلة لفظ المصدق. مع مضي السؤال عن حكم المسؤول عن حكمه هنا في الصدر المشعر، بل الظاهر في أنه غير الأول، ويتم الباقي بعدم القول بالفصل. والثاني: بانتفاء الإجمال بعد تعلق السؤال بخصوص إبل الصدقة ووجوب مطابقة الجواب له وإرجاع ضميره إليه. ولا ينافيه تعليق الإباحة وتحديدها بعدم معلومية الحرمة، بعد تضمن السؤال إياها فيما زاد على الصدقة المفروضة. فيكون حاصل الجواب: حل شراء الصدقة إذا لم تعلم فيها الزيادة المحرمة، التي تضمنها السؤال إياها، وسياق الرواية يأبى عن حمل الإجمال فيها لو كان على التقية. والثالث والرابع: ببعدهما غاية، سيما الأول بملاحظة أحوال (1) الأئمة (عليهم السلام) حال صدور الرواية من تقيتهم عن العامة غاية التقية. ويدفع الثاني - مضافا إلى البعد الماضي - بأن صدرها كالصريح في كون المبيع من غير المشتري. ومنها الحسن: ما يمنع ابن أبي سمال (2) أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطي الناس. ثم قال للراوي: لم تركت عطاءك ؟ قال: مخافة على ديني، قال: ما منع ابن أبي سمال أن يبعث إليك بعطائك، أما علم أن لك في بيت المال نصيبا (3) ؟ وهو مع حسنه واحتمال صحته واضح الدلالة، من حيث تجويزه (عليه السلام)


(1) في المخطوطات: حال. (2) في المطبوع: السماك كما في نسخة من الوسائل، وما اثبتناه هو الصحيح كما في المخطوطات. (3) الوسائل 12: 157، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

[ 98 ]

أولا: لشباب الشيعة أخذ ما يعطي الحاكم الناس المعينين له ومن جملة ما يعطون وجوه الخراج والمقاسمة، وثانيا: للراوي أخذ العطاء من بيت المال الغالب فيه اجتماع وجوههما فيه، لندرة الزكوات، فإن لها أربابا مخصوصة يعطون من دون إحراز لها فيه، فاحتمالها فيه ضعيف. وأضعف منه احتمال الوجوه الموصى بها أو المنذورة للشيعة. فالمناقشة في الدلالة بما مر ضعيفة. ومنها الموثق: عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم، فقال: يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحدا (1). وترك الاستفصال عما يشتري منه يفيد العموم لجميع أفراد السؤال التي منها مفروض البحث. ولا ينافيه القيد، لاشتراطه فيه اجماعا. وليس المراد من الظلم مطلقه، كيف لا والعامل لا ينفك عنه مطلقا ؟ فالمراد منه الظلم الزائد على المتعارف عرفا، وهو المستند في الشرط الذي قدمناه، تبعا لأصحابنا. وبالوجه في دلالته يعلم الوجه في دلالة إطلاق النصوص المعتبرة بجواز الشراء من الظلمة، من دون استفصال وتقييد بما يخرج عن مفروض المسألة. منها الصحيح: أشتري من العامل الشئ وأنا أعلم أنه يظلم، فقال: اشتر منه (2). والمرسل كالصحيح: أشتري الطعام فيجيئني من يتظلم يقول ظلموني، فقال: اشتره (3). وينبغي تقييد الظلم فيهما بعدم العلم بوقوعه على المبيع أو بعدم زيادته


(1) الوسائل 12: 163، الباب 53 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (2) الوسائل 12: 161، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (3) الوسائل 12: 161، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

[ 99 ]

عن متعارفه لو وقع عليه، ويكون نسبته الى الحاكم - حينئذ - من حيث عدم استحقاقه لمثله. وعلى هذا فهما ظاهران فيما ذكره الأصحاب من جواز الأخذ من المالك ولو تظلم أو أظهر عدم الرضا. هذا، مع التأيد بما سيأتي من الصحاح المستفيضة، المبيحة على الإطلاق أو العموم جوائز الظلمة، ونحوها المعتبرة المستفيضة، الدالة على جواز قبالة الخراج والجزية. كالصحيح: عن رجل يتقبل بخراج الرجال وجزية رؤوسهم وخراج النخل والشجر والآجام والمصائد والسمك والطير وهو لا يدري لعل هذا لا يكون أبدا أو يكون أيشتريه ؟ وفي أي زمان يشتريه ويتقبل به ؟ فقال: إذا علمت أن من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره وتقبل به (1). ونحوه الموثق والصحيح: لا بأس بأن يتقبل الرجل الأرض وأهلها من السلطان، وعن مزارعة أهل الخراج بالربع والنصف والثلث، قال: نعم، قال: لا بأس به (2) الخبر. وهو كالصريح في أن حكم تصرف الجائر في هذه الأراضي حكم تصرف الامام العادل في الجملة. ويستفاد مما مر من النصوص صريحا في بعض وإطلاقا أو عموما في آخر ما ذكره الأصحاب - من غير خلاف يظهر - من عدم الفرق في الحكم المتقدم بين الشراء وغيره من سائر المعاوضات والمعاملات، وقدر الجائر أو وكيله لها وعدمه.


(1) الوسائل 12: 264، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه ذيل الحديث 4. (2) الوسائل 13: 214، الباب 18 من أبواب أحكام المزارعة والمساقاة ذكر صدره في الحديث 3 وذيله في الباب 8 من تلك الأبواب ص 200 الحديث 8.

[ 100 ]

فلو وهبها وأحاله بها وقبل الثلاثة أو وكله في قبضها أو باعها وهي في يد المالك أوفي ذمته جاز التناول، لأن دليل الإباحة شامل لهذه الصور المفروضة. وعلى ذلك يحمل الشراء والأخذ في العبارة وغيرها من كلام جماعة، ويؤيد العموم ما اتخذ دليلا في أصل المسألة من استلزام عدم الإباحة العسر والحرج على الشيعة، المنفيين آية ورواية. ثم إن في سقوط الزكاة بأخذ الحاكم لها قولين: للأول: ظواهر الصحاح المستفيضة: منها: ما أخذه منكم بنو امية فاحتسبوا به ولا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فإن المال لا يبقى على هذا ان يزكيه مرتين (1). ومنها: عن صدقة المال يأخذه السلطان، فقال: لا آمرك أن تعيد (2). بل يستفاد من كثير من [ النصوص ] (3) المعتبرة وفيها الصحيح وغيره جواز احتساب ما يأخذه باسم الخراج مكان الزكاة، إلا أن ظاهر الأصحاب الإطباق على ردها، بل عليه اجماعنا عن المنتهى (4)، فتكون شاذة، ومع ذلك محتملة للتقية، فقد حكى القول بمضمونها عن أبي حنيفة. وللثاني: الأصل، والعمومات، وخصوص الصحيح: ان هؤلاء المصدقين يأتون فيأخذون منا الصدقة فنعطيهم إياها أتجزئ عنا ؟ فقال: لا إنما هؤلاء قوم غصبوكم أو ظلموكم وإنما الصدقة لأهلها (5). ويخص الأولان: بما مر. ويحمل الثالث: لقصوره عن مقاومته على الاستحباب تارة، كما عن


(1) الوسائل 6: 174، الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 3. (2) الوسائل 6: 174، الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 5. (3) لم يرد في المخطوطات. (4) المنتهى 1: 514 س 26، وليس فيه الاجماع. (5) الوسائل 6: 174، الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 6.

[ 101 ]

الشيخ (1)، وعلى الإعطاء اختيارا اخرى، كما ذكره جماعة من أصحابنا (2). وفيهما بعد، سيما الثاني جدا، لمكان التعليل بالظلم. فالعمل به أحوط. * (الرابعة: لو دفع إليه مالا ليصرفه في المحاويج وكان منهم) * وبصفتهم * (فلا يأخذ منه إلا بإذنه) * مطلقا وجدت القرائن على المنع، أم لا، اجماعا في الأول، كما على الجواز في مقابله و * (على الأصح) * في الثاني، وفاقا من الماتن هنا للمبسوط (3) وأحد قولي الحلي (4)، لاستصحاب المنع، وللصحيح المضمر في الأشهر: عن رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في محاويج أو مساكين وهو محتاج أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه ؟ قال: لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه (5). خلافا له في الشرائع (6) والفاضل في جملة من كتبه (7). وهو أظهر، وفاقا لهم ولظاهر الكليني (8) وصريح النهاية (9). والقول الثاني للحلي (10) والمسالك (11) وجماعة (12)، بل ادعى في الدروس عليه الشهرة (13)، للمعتبر. منها الصحيحان في أحدهما: عن الرجل يعطى الدراهم يقسمها ويضعها في مواضعها وهو ممن يحل له الصدقة، قال: لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره، قال: ولا يجوز له أن يأخذ أذا أمره أن يضعها في مواضع مسماة


(1) التهذيب 4: 40، الحديث 13. (2) الحدائق 18: 260. (3) المبسوط 2: 403. (4) السرائر 1: 463. (5) الوسائل 12: 206، الباب 84 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (6) الشرائع 2: 12. (7) التحرير 1: 162 س 22، والمنتهى 2: 1021 س 19. (8) الكافي 3: 555. (9) النهاية 1: 439. (10) السرائر 2: 223. (11) المسالك 3: 137. (12) المهذب 1: 171، وكفاية الأحكام: 88 س 15. (13) الدروس 3: 171، الدرس 233، وفيه وعليها الأكثر.

[ 102 ]

إلا بإذنه (1). ونحوه الثاني (2). والموثق كالصحيح بأبان المجمع على تصحيح رواياته، بل قال جماعة: بوثاقته، ولكن ليس فيه اشتراط عدم الأخذ زائدا على ما يعطى الغير، بل مطلق (3). ولكن الأولان مقيدان به، فيجب حمله عليهما، سيما مع دعوى الاجماع من كل من جوز الأخذ عليه في كلام جماعة من أصحابنا (4). وهذه النصوص مع صحة أكثرها بل جميعها ظاهرة الدلالة، بل صريحة، معتضدة بالشهرة الظاهرة والمحكية، فلا يقاومها شئ مما مر من الأدلة، فأولها يخصص بها، ويطرح الصحيح في مقابلها، لقصوره سندا ومقاومة لها جدا، أو يؤول بالكراهة، أو يحمل على صورة وجود القرائن المانعة عن الأخذ، كما ذكره جماعة (5). ولا بأس بهما، سيما الثاني، لما صرحت به اولى الروايات بالمنع عن الأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسماة إلا بإذنه، بعد تصريحها أولا بالجواز على الإطلاق، وراويها بعينه هو راوي تلك الصحيحة، وذلك قرينة واضحة على اختصاص المنع فيها بما قيدت المنع به هذه الرواية. وهنا قولان آخران مفصلان: تارة: بالفرق بين قول الدافع: هو للفقراء مطلقا، أو اعطه لهم مع عدم علم المالك بفقره (6) فالثاني بشرط أن لا يتخصص بزيادة في الكمية أو الوصف.


(1) الوسائل 6: 200، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 3. (2) الوسائل 6: 200، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2. (3) الوسائل 6: 200، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1. (4) الحاكي هو صاحب المسالك 3: 138، ومجمع الفائدة 8: 115. (5) الاستبصار 3: 54، والمسالك 3: 138. (6) لم نعثر عليه لكن حكاه عن بعض الفضلاء صاحب التنقيح 2: 21.

[ 103 ]

وقوله: أو اعطه لهم مع علمه به فالأول، لأن المالك لو أراد لخصصه بالذكر. وفيه نظر، فقد يمنع التخصيص ترفع المدفوع إليه عن مقابلته بالتصريح له بأخذه. واخرى: بالفرق بين قوله: اصرفه وما في معناه " في الفقراء " فالثاني، و " إليهم " فالأول (1). وفيهما مع عدم وضوح مستندهما نظر، سيما في مقابلة إطلاق ما مر من النص المعتبر. * (ولو أعطى عياله) * وأقاربه * (جاز) * بلا خلاف * (إذا كانوا بالصفة) * للأصل. والصحيح: في رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في المساكين وله عيال محتاجون أيعطيهم من غير أن يستأمر صاحبه ؟ قال: نعم (2). وليس فيه التقييد بعدم التفاضل، ولا ريب فيه في نحو الزكاة الجائز فيها ذلك، ومحتمل في غيره، عملا بالإطلاق، إلا أن يكون العدم هو المتبادر فيتعين. ونحوه الكلام في الأخذ لنفسه إن جوزناه، لولا الاجماع المتقدم المحكي، والخبران المقيدان. مع إمكان التأمل في الاجماع بعدم صراحة كلام الحاكين له فيه، ومخالفة جماعة، حيث جوزوا المفاضلة على الإطلاق. وفي الخبرين بعدم الصراحة. واحتمال أن يراد بهما المماثلة في جواز الإعطاء لا المعطي، مع احتمال اختصاصهما بغير الزكاة، الغير اللازم فيها


(1) لم نعثر عليه، لكن حكاه عن بعض الفضلاء صاحب التنقيح 2: 21. (2) الوسائل 12: 206، الباب 84 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

[ 104 ]

المساواة بالاجماع، ويشهد له خلو الموثق المتقدم عن اشتراطه، مع اختصاص مورده بالزكاة. ولكن الأحوط اشتراطه مطلقا، سيما في غير الزكاة، وسيما للمحصورين. وأحوط منه الكف عن الأخذ مطلقا. * (و) * أما * (لو عين له) * المصارف دونه، أو عين له شيئا مخصوصا * (لم) * يجز له أن * (يتجاوز) * عما عينه اجماعا، للصحيح المتقدم في الأول، وشهادة الحال في الثاني. * (الخامسة: جوائز) * السلطان، بل مطلق * (الظالم محرمة إن علمت) * حرمتها * (بعينها) * فإن قبضها حينئذ أعادها إلى المالك إن عرفه وأمكنه، ولا يجوز إلى غيره معه، إلا أن يأخذه الظالم قهرا. وهل يضمن حينئذ قيل: نعم (1)، لعموم " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (2). وربما فصل بين القبض بعد العلم بكونها مضمونة فالضمان، وبينه قبله فالعدم إن لم يقصر في الإيصال الى من يجوز الإيصال إليه ومن في حكمه، لأن اليد على الأول عادية وفي الثانية أمانة، وإن جهل المالك أو تعذر الإيصال إليه ومن في حكمه لم يجز رده الى الظالم، بل يتصدق بها عن المالك مع الضمان إن لم يقبله. * (وإلا) * يعلم حرمتها بعينها * (فهي حلال) * مطلقا وإن علم أن في ماله مظالم، بلا خلاف فيه وفي جواز المعاملة معه حينئذ، للأصل، والصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة، وقد تقدم ما يتعلق منها بجواز المعاملة، ونحوه أخبار اخر معتبرة.


(1) قاله في جامع المقاصد 4: 44. (2) عوالي اللئالئ 1: 224، الحديث 106.

[ 105 ]

كالصحيح: مالك لا تدخل مع علي في شراء الطعام إني أظنك ضيقا، قال: قلت: نعم، فإن شئت وسعت علي، قال: فاشتره (1). وفي الصحاح: وهو جوائز العمال من الدراهم ونحوها آخذها، قال: نعم (2). وفي بعضها: وأحج بها (3). وفي آخر: كل منه وخذ فلك المهنا، وعليه الوزر (4). وفي غيرهما: لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه (5). والأفضل التورع عنها، بلا خلاف إن لم يجز المجيز بالإباحة، للشبهة الموجبة للكراهة، وظاهر الخبرين المرويين عن العيون وغيره. المتضمن أحدهما: لعدم قبول أبي الحسن موسى (عليه السلام) جوائز الرشيد أولا بعد أن اهتديت إليه (6). وثانيهما: تعليل قبوله منه بقوله: " لو لا أني أرى من ازوجه بها من عزاب آل أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها " (7). وربما نافاهما ما دل على قبول الحسنين (عليهما السلام) جوائز معاوية، كما في الصحيح (8) وغيره (9).


(1) الوسائل 12: 161، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (2) الوسائل 12: 156، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (3) الوسائل 12: 156، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (4) الوسائل 12: 156، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (5) الوسائل 12: 161، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5. (6) عيون أخبار الرضا 1: 62، الحديث 4، والوسائل 12: 158، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 10. (7) عيون أخبار الرضا 1: 63، الحديث 5، والوسائل 12: 159، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 11. (8) الوسائل 12: 157، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (9) الوسائل 12: 159، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به الحديث 13.

[ 106 ]

ويمكن الجمع بحمل القبول، إما على الوجه الذي علل به في أحدهما، أو على أن المراد منه الإرشاد إلى الإباحة ورفع توهم الحرمة، أو على كونه بعد العلم بخلوصها عن الحرام. ولا ريب في انتفاء الكراهة حينئذ، ولا خلاف فيه، ولا في انتفائها بأخبار المجيز بذلك أو إخراج الخمس، لكونه مطهرا للمال المختلط بالحرام علما (1). فلأن يظهر المختلط به ظنا أو احتمالا أولى ثم أولى. وفي الموثق: عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا، إلا أن لا يقدر فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه الى أهل البيت (عليهم السلام) (2). ثم إن ظاهر إطلاق النص والفتوى يقتضي الحلية مع عدم العلم بالحرمة مطلقا، علم بأن للمجيز مالا حلالا، أم لا، بل اشتبه الحال، إلا أن المستفاد من بعض الأخبار الاشتراط بالأول، كالمروي عن الاحتجاج للطبرسي، وكتاب الغيبة للطوسي. وفيهما - بعد أن سئل مولانا الصاحب (عليه السلام) عن أكل مال من لا يتورع المحارم -: إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل بره، وإلا فلا (3). وفيه قصور عن المقاومة لما مر بوجوه (4)، فليطرح، أو يؤول الى ما يؤول الى الأول. * (السادسة: الولاية) * للقضاء والحكم بين الناس وغيره * (عن) * السلطان * (العادل جائزة) * بلا خلاف، للأصل، وفقد المانع * (وربما وجبت) * في بعض الصور كأمره (عليه السلام) له بذلك * (وعن الجائر محرمة) * بلا خلاف، كما


(1) في " ه‍، ق، ش ": قطعا خ ل. (2) الوسائل 12: 146، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3، وفيه اختلاف. (3) الاحتجاج 2: 485، والغيبة: 235. (4) في " ق ": لوجوه.

[ 107 ]

مر إليه وإلى أدلته من المعتبرة الإشارة في المعونة على الظالم * (إلا مع الخوف) * والتقية على النفس أو المال أو العرض، عليه أو على المؤمنين، كلا أو بعضا، على وجه لا ينبغي تحمله عادة بحسب حال المكره في الرفعة والضعة، بالنسبة إلى الإهانة، فيجوز حينئذ، بل ربما وجب بلا خلاف، للأصل، والصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة، التي كادت تبلغ التواتر، بل هي متواترة في إباحة التقية، بل وجوبها. ففي الصحيحين: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله تعالى له، كما في أحدهما (1). وفي الثاني: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به (2). مضافا إلى خصوص الصحيح: عن القيام للولاة، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له (3). وبالجملة: لا خلاف ولا إشكال في الجواز مع التقية وفي الحرمة مع عدمها، لما مضى. * (نعم لو تيقن) * أو ظن * (التخلص من المأثم والتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) * جازت ولو اختيارا اجماعا، بل قال جماعة: * (استحبت) * (4) لما فيه من الاعانة على البر والتقوى. بل قيل: وجبت لو تمكن من الأمرين، لوجوبهما (5). ورد بتوقف ذلك على كون وجوبهما مطلقا غير مشروط بالقدرة، فيجب


(1) الوسائل 11: 468، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما الحديث 2. (2) الوسائل 11: 468، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما الحديث 1. (3) الوسائل 11: 460، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما الحديث 3. (4) النهاية 2: 90، ونهاية الإحكام 2: 525. (5) نقله عن السرائر في مفتاح الكرامة 4: 114 س 14.

[ 108 ]

عليه تحصيلها من باب المقدمة، وليس بثابت (1). وفيه نظر، إذ يكفي في الثبوت إطلاق، والقدرة الذاتية المشروطة بها التكاليف حاصلة، وإن كانت للتأثير غير صالحة للتقية، وبعد ارتفاعها فالقدرة باقية وموانعها منتفية، مضافا إلى صدق القدرة عليهما لمن انتفت في حقه التقية. وبالجملة: القدرة التي هي شرط التكليف بهما، بل مطلق التكاليف هي القدرة الذاتية، وهي هنا حاصلة، وإنما غاية التقية كونها من الموانع التي ليست التكاليف مشروطة بانتفائها، بل هي بالنظر إليها مطلقة يجب مهما أمكن التوصل إلى الواجب بدفعها. وغاية الأمر مع عدم إمكان الدفع عدم المؤاخذة، وهو غير ملازم لاشتراط التكاليف بانتفائها، ألا ترى إلى من اشتغلت ذمته بحقوق الناس، الغير المتمكن للموانع من دفعها إليهم هل يوجب ذلك سقوطها عن ذمته أو يجب عليه دفعها وإيصال الحقوق إلى أربابها ؟ ولا ريب ولا خلاف في بطلان الأول، فتعين الثاني، وما نحن فيه من قبيله. فتأمل. * (ولو اكره) * على الولاية وتنفيذ الأحكام والأوامر و * (لا) * يكون للمكره * (مع ذلك) * التيقن بالتخلص والتمكن * (أجاب) * إلى الإطاعة وجوبا * (دفعا للضرر) * ويجب عليه أن * (ينفذ أمره) * ونهيه وجميع ما يحكم به * (ولو كان محرما) * اجماعا فتوى ونصا، متحريا الأسهل فالأسهل، ومتدرجا من الأدنى الى الأعلى، فلو أمكن تنفيذ الأمر وجب عليه الاكتفاء به، وهكذا كمراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اقتصارا في فعل


(1) كفاية الاحكام: 88 س 28.

[ 109 ]

المحرم على أقل ما تندفع به الضرورة الموجبة لفعله. ولو انحصر في الأعلى جاز (1) * (إلا في قتل المسلم) * المحقون الدم فلا يجوز إذا بلغه، اجماعا، وللصحيح: إنما جعلت التقية لتحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقية (2). ونحوه الموثق (3). وظاهر الإطلاق يشمل الجرح أيضا، كما عن الشيخ (4)، إلا أن لزوم الإقتصار في الخروج عن العمومات المجوزة لفعل المحرمات بالتقية على المتيقن المتبادر من الإطلاق وهو القتل - فإنه الفرد الأكمل - يقتضي المصير إلى جواز الجرح الذي لم يبلغ حده. ولذا اقتصر في الاستثناء عليه جماعة، كما في العبارة، ولعله الأشهر، وينبغي القطع بالجواز إذا كان الخوف على النفس بتركه، ويحتاط بتركه في غيره. وهل المسلم يشمل المخالف أم يخص المؤمن ؟ إشكال، والاحتياط يقتضي المصير إلى الأول إذا كان الخوف بترك القتل على نحو المال، ولا سيما القليل منه خاصة. وأما إذا كان على النفس المؤمنة فإشكال. ولا يبعد المصير حينئذ إلى الثاني، فليس شئ يوازي دم المؤمن، كما يستفاد من النصوص المعتبرة.


(1) وجب، خ ل. (2) الوسائل 11: 483، الباب 31 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما الحديث 1. (3) الوسائل 11: 483، الباب 31 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما الحديث 2. (4) التمهيد: 308.

[ 110 ]

* (الفصل الثاني) * * (في البيع وآدابه) * * (أما البيع فهو الإيجاب والقبول، اللذان تنتقل بهما العين المملوكة من مالك إلى غيره بعوض مقدر) * تعريف البيع بالإيجابين كما هنا، أو اللفظ المطلق، كما في الشرائع (1) وغيره (2) هو الأظهر (3). قيل: لأنه المتبادر (4). وفيه نظر. خلافا للشيخ (5) والحلي (6) فعرفاه بمسببهما، الذي هو الانتقال. وهما جنس يشمل العقود، وباقي القيود خاصة مركبة، يخرج بها من العقود ما لا نقل فيه، كالوديعة والمضاربة والوكالة وما تضمن نقل الملك بغير عوض كالهبة والوصية بالمال أو المنفعة خاصة كالإجارة. وقوله: " من مالك " متعلق ب‍ " ينتقل "، فيعم ما كان ملكا للعاقد وغيره، فيدخل فيه بيع الوكيل والولي. وبه يندفع الاعتراض عن التعريف بعدم العموم فيه للثاني، مع دخوله


(1) الشرائع 2: 13. (2) فوائد الشرائع: 169 س 20 (مخطوط). (3) في " م، ق، ش ": الأشهر. (4) المختلف 5: 51. (5) المبسوط 2: 76. (6) السرائر 2: 240.

[ 111 ]

فيه بالاجماع. وخرج بالعوض المقدر الهبة المشروطة فيها مطلق الثواب. وحيث لم يعتبر التراضي وأطلق الإيجابين دخل فيه بيع المكره، حيث يقع صحيحا، وبيع الأخرس وشرائه بالإشارة فإنه يصدق بالإيجاب والقبول. وبقي فيه دخول الهبة المشروطة فيها عوض معين، والصلح المشتمل على نقل الملك بعوض معلوم، فإنه ليس بيعا عند المصنف وسائر المتأخرين. فاختل التعريف منه، كاختلاله منه في غير الكتاب ومن غيره، والأمر فيه سهل بعد وضوح المطلب. وحيث كان البيع عبارة عن الإيجاب والقبول المذكورين، فلا يكفي في اللزوم المعاطاة، وهي إعطاء كل واحد من المتبايعين من المال عوضا عما يأخذه من الآخر باتفاقهما على ذلك بغير العقد المخصوص، سواء في ذلك الجليل والحقير على المشهور [ بين الأصحاب ] (1) بل كاد أن يكون اجماعا، كما في الروضة (2) والمسالك (3) في موضعين، بل ظاهر الأخير تحققه وانعقاده، وادعاه صريحا في الغنية (4). وهو الحجة بعد الاصول القطعية من عدم الانتقال وترتب أحكام البيع من اللزوم وغيره، مضافا إلى ما استدل به في الغنية، قال: ولما ذكرناه نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع الملامسة والمنابذة، وعن بيع الحصاة على التأويل الآخر، ومعنى ذلك أن يجعل اللمس للشئ أو النبذ له أو القاء الحصاة بيعا موجبا، انتهى (5). فتأمل. ولم نقف لهم على مخالف لا من الأصحاب، عدا ما ربما يتوهم من كلام


(1) لم يرد في المخطوطات. (2) الروضة 3: 222. (3) المسالك 3: 147 و 152. (4) الغنية: 214. (5) الغنية: 214.

[ 112 ]

المفيد من الاكتفاء بمجرد التراضي والتقابض ولو خلا عن اللفظ طرا كما ذكره في المختلف (1)، وصرح فيه بأنه ليس بصريح فيه، ولا ظاهر، بل يتوهم فكيف يتخذ مثله مخالفا صريحا أو ظاهرا ! ولا من اطلاق الكتاب والسنة فإن ما دل منهما على الانتقال واللزوم مختص بالعقود، وليس مجرد التراضي مع التقابض منها قطعا لغة وعرفا، مع أنه يكفي الشك في الدخول فيها جزما، وكذلك ما دل منهما على حل البيع، لاحتمال منع تسمية مثل ذلك بيعا حقيقة كما في الغنية مدعيا عليه الاجماع (2)، وهو ظاهر جماعة، وغاية العرف استعماله فيه، وهو أعم منها جدا. وعلى تقديرها كما حكاه المحقق الشيخ علي رحمه الله في شرح القواعد (3) عن كافة الأصحاب، حيث ادعى أن المعاطاة عندهم بيع حقيقة مفيد للملكية، وإنما غايتهم أنها ليست بملازمة، فغاية الدليل حينئذ ثبوت الحلية، وهو غير اللزوم الذي هو مفروض المسألة. وأما الوجوه الاخر ثبوت الحلية، وهو غير اللزوم الذي هو مفروض المسألة. وأما الوجوه الاخر التي ذكرها بعض الأجلة، انتصارا لمتوهم كلام المفيد رحمه الله (4) فلم أفهم منها دلالة، بل ولا إشارة، وإنما غايتها - كباقي الأدلة - ثبوت الإباحة في التصرف، ولا كلام فيها، كما هو المشهور بين الطائفة، بل كافتهم، لرجوع القائل بعدمها وحرمة التصرف في المعاطاة عنه إلى الإباحة، كما حكاه جماعة (5). وهي غير مفروض المسألة، بل يستفاد من كثير من المعتبرة عدم


(1) المختلف 5: 51. (2) الغنية: 214. (3) جامع المقاصد 4: 58. (4) مجمع الفائدة 8: 139، ومفاتيح الشرائع 3: 48. (5) جامع المقاصد 4: 58، ومجمع الفائدة 8: 140.

[ 113 ]

الإكتفاء بمجرد القصد والإشارة، وأنه لابد من لفظ البتة، كما ذهب إليه بعض من لا يعتد به من الأجلة (1). ففي الصحيح وغيره من المعتبرة: أنه إنما يحرم ويحلل الكلام (2). وهي وإن اقتضت حرمة التصرف، إلا أنها محمولة على اللزوم وعلى ما بعد الرجوع، جمعا بينه وبين ما دل على الإباحة بالتراضي من الاجماع في الغنية (3) وشرح القواعد (4)، مع عدم الخلاف فيه بين الطائفة، لما عرفت من رجوع القائل بالحرمة، كما حكاه جماعة. نعم هي ليست دالة على اشتراط كونه الألفاظ المخصوصة المشهورة بكيفياتها المعهودة المشترطة، إلا أنه ليس فيها الدلالة على الاكتفاء بذلك من دونها أيضا، وإنما غايتها في الاكتفاء به وعدمه أنها مجملة، ولا يمكن الاستناد إليها نفيا ولا إثباتا في الكيفيات المزبورة. ومما حققناه من الأصل وغيره يظهر وجوب الاتيان بكل ما اختلف في اعتباره [ هنا، بل العقود مطلقا ] (5) كالعربية والماضوية، وتقديم الإيجاب على القبول وغير ذلك، وفاقا لجماعة (6)، خلافا لآخرين فاكتفوا بمجرد الإيجابين، إما مطلقا، أو مع اعتبار بعض ما مر لا كلا (7)، إلتفاتا إلى أنه عقد، فيشمله عموم ما دل على لزوم الوفاء به، كقوله سبحانه وتعالى: " أوفوا بالعقود ". وفيه نظر، إذ بعد تسليم كون مثل ذلك عقدا يحصل الشك في دخوله في الآية جدا وإن كانت للعموم لغة، بناء على عدم إمكان حملها عليه، من حيث


(1) الحدائق 18: 355. (2) الوسائل 12: 376، الباب 8 من أبواب أحكام العقود الحديث 4. (3) الغنية: 214. (4) جامع المقاصد 4: 58. (5) لم يرد في " م ". (6) منهم جامع المقاصد 4: 59. (7) منهم مجمع الفائدة 8: 145.

[ 114 ]

خروج أكثر العقود منها على هذا التقدير اجماعا، فليس مثله حجة، فيكون الإجماع حينئذ قرينة على كون المراد بالعقود المأمور بالوفاء بها كل ما تداول في زمان الخطاب لا مطلقا. ودخول المفروض فيه غير معلوم جدا، إذ لم يصل الينا ما يدل عليه أصلا، فالواجب حينئذ الرجوع إلى ما قدمناه من الأصل قطعا. هذا، وقد حكي الاجماع عن التذكرة على عدم الوقوع بالمضارع والاستفهام (1)، وعن الخلاف على اعتبار الترتيب (2)، إلا أن في منع العموم نظرا. ووجهه سيظهر. فإذا الجواز فيما عدا ما مر من محل الإجماع أظهر. وأما فيه فالاشتراط أقرب لحجية الإجماع المحكي، سيما مع اعتضاده بعمل الأكثر، وتأيد الأول منه بعدم صدق العقد حقيقة إلا بعد صراحة اللفظ الدال عليه، وهو منحصر في الماضي، لتداول العادة باجراء العقد به، المستلزم لصراحته فيه، وليس كذلك غيره. فتدبر. * (وله) * أي البيع وانعقاده * (شروط) *: * (الأول: يشترط في المتعاقدين كمال العقل) * والبلوغ، والرشد * (والاختيار) * والقصد، فلا يجوز بيع المجنون ولو ادواريا إذا كان حال جنونه، ولا المغمى عليه، ولا السكران، ولا الصبي ولا السفيه، ولا المكره بغير حق، ولا الغافل، ولا النائم، ولا الهازل، بلا خلاف أجده، إلا في الصبي خاصة، فعن الشيخ الجواز فيه إذا بلغ عشرا (3). ولم أقف على مستنده، سوى القياس بجواز وصيته وعتقه وطلاقه. وفيه منع القياس أولا، ثم المقيس عليه ثانيا إلا ما قام الدليل المعتد به


(1) التذكرة 1: 462 س 11. (2) الخلاف 3: 39، المسألة 56. (3) المبسوط 2: 163، لكن فيه نسبة الجواز الى رواية.

[ 115 ]

عليه، وبكونه مع الفارق ثالثا لتضمن الفرض تكاليف ليس محلها، دون الامور المزبورة، مع معارضته بالاصول السليمة عما يصلح للمعارضة، حتى العمومات الآمرة بالوفاء بالعقود من الكتاب والسنة، فإنه ليس محلها إن اريد توجهها إليه. وإن اريد توجهها إلى المعاملين معه إذا كان مع الشرائط فكذلك. إما لما عرفت من عدم بقائها على عمومها واختصاصها بالعقود المتداولة زمان النزول، ودخول مثله فيها غير معلوم، فيندفع بالأصل. أو لاستلزام الدخول - حيث يعقد الصبي على ماله في أوائل المدة المرخصة لبيعه عنده من دون الولي - اما جواز التصرف في مال اليتيم المتفق على المنع عنه نصا وفتوى (فتأمل) أو الضرر الكثير إن امر بالصبر إلى أوان بلوغه وإجازته، مع أنه قد لا يجيز. هذا، مع أن الشيخ لا يقول بالأمر بالصبر بل يحكم باللزوم حين صدور العقد. وفيه ما مر. وإذا ثبت المنع في هذه الصورة ثبت المنع بعدم القائل بالفرق في باقي الصور وإن زعم الجواز فيها بل مطلقا بعض من شذ ممن تأخر (1). هذا، مضافا إلى استفاضة النصوص الصريحة بالمنع عن بيعه وشرائه، وأمره إلى أوان بلوغه. ففي الخبر: أن الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في البيع والشراء، واقيمت عليها الحدود التامة واخذ لها بها، والغلام لا يجوز أمره في البيع والشراء، ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، الخبر (2).


(1) مجمع الفائدة 8: 152. (2) الوسائل 1: 30، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 2.

[ 116 ]

وأخصيتها من المدعى مدفوعة بعدم القائل بالفرق بين أصحابنا. هذا، إن تم دعوى اختصاصها بماله بناء على المتبادر، وإلا فهي عامة أو مطلقة. نعم الأظهر جوازه في ما كان فيه بمنزلة الآلة لمن له الأهلية، لتداوله في الأعصار والأمصار السابقة واللاحقة من غير نكير، بحيث يعد مثله إجماعا من المسلمين كافة، لكن ينبغي تخصيصه بما هو المعتاد في أمثال هذه الأزمنة، فإنه الذي يمكن فيه دعوى اتفاق الامة. ومقتضى الاصول اطراد الحكم وإطلاقه فيه وفي الباقي دون السفيه في جميع الصور، كان العقد لهم أو لغيرهم، أذن لهم الولي أم لم يأذن، أجازوا بعد الاكمال أم لا، لمخالفة الفضولي للأصل، واختصاص الفتوى والنص الدال على جوازه إن قلنا به بغير محل الفرض. إلا أن ظاهرهم الاتفاق في المكره خاصة على الصحة بعد الإجازة، معللين بأنه بالغ رشيد قاصد إلى اللفظ دون مدلوله، وإنما منع عدم الرضا، فإذا زال أثر العقد، كعقد الفضولي حيث انتفى القصد إليه من مالكه مع تحقق القصد إلى اللفظ في الجملة، فلما لحقته إجازة المالك أثرت. ولا يعتبر مقارنته للعقد، للأصل، بخلاف العقد المسلوب بالأصل، كعبارة الصبي، فلا يجبره إجازة الولي ولا رضاه بعد بلوغه. وفي الأصل مع الفرق نظر، يظهر وجهه في الأول مما مر، وفي الثاني من اشتراك العقدين في المانع والمقتضي، فإن المانع - وهو عدم اعتبار العقد بنفسه - وإن اختلف وجهه مشترك، كالمقتضي من عموم لزوم الوفاء بالعقد بعد الرضا، فإنه إن عمم بحيث يشمل العقد الغير المعتبر يشمل عقد الصبي أيضا، وإن خص بالمعتبر منه في نظر الشارع لم يشمل عقد المكره أيضا. ودعوى تأثير إجازته بعد زوال المانع مع معارضته بالمثل غير معقولة.

[ 117 ]

وأدلة الفضولي إن سلمناها لمثله غير شاملة، كما مرت إليه الإشارة. وأصالة عدم اعتبار مقارنة القصد والنية للعقد ممنوعة، معارضة بأصالة بقاء عدم الصحة قبل الإجازة، مضافا إلى الاصول المتقدمة. وبالجملة: لا اظن استقامة ذلك في التفرقة، فإن كان عليها إجماع، وإلا فالمسألة محل مناقشة. هذا، مع أن الهازل والعابث قد اتفقوا على المنع فيهما دونه، مع جريان وجه الفرق المتقدم بين المكره والصبي هنا إن تم بالضرورة. ويمكن الجواب عن الوجهين: فالأول - وهو الأصل -: باندفاعه بعموم الأمر بالوفاء بالعقد، والقدح فيه بخروج الأكثر بالإجماع، فيقيد لأجله بالمتداول زمان الخطاب، كما مر، مع عدم معلومية كون ما نحن فيه منه محل نظر، لاستلزامه إجماله، وعدم إمكان التمسك به في شئ مما عدا محل الوفاق وهو مخالف لسيرة العلماء وطريقتهم المسلوكة بينهم، بلا خلاف يظهر بينهم في ذلك أصلا، من جهة استنادهم إليه في محل النزاع والوفاق. فالتحقيق: أن الجمع بين الإجماعين يقتضي المصير إلى جعل الألف واللام في العقود للعهد، والإشارة إلى جنس (1) العقود المتداولة في ذلك الزمان المعهودة والمضبوطة الآن في كتب فقهائنا، كالبيع والإجارة ونحو ذلك، لا خصوص أشخاص كل عقد عقد متداول فيه مع كيفياتها المخصوصة والمتداولة فيه، لما عرفت من المحذور. وحينئذ نقول: لا ريب في دخول هذا العقد في جنس تلك العقود، وكونه فردا من أفراده، وإن جهل اشتراكه معها في الخصوصيات، وذلك - كما


(1) في نسخة " م ": بعض.

[ 118 ]

عرفت - لا يوجب القدح في دخوله في العموم، بل هو شامل له، فيجب الوفاء به بمقتضاه، لكن لما كان الإكراه مانعا لم يحكم به، فإذا زال وجب الحكم للعموم. والثاني: بالإجماع على أن المراد بالعقود المأمور بالوفاء بها هو العبائر المعتبرة شرعا، الصادرة عمن يكون لها أهلا خاصة دون غيرها جدا، وأن عقود الصبي وعبائره غير معتبرة، بل وجودها كعدمها، فالمانع عن دخول عقده فيه - وهو سلب العبرة عنه - لازم لذاته، غير منفك عنه مطلقا، فلا يتصور فيه زوال المانع أبدا، بخلاف المكره فإن المانع عن دخول عقده فيه أمر خارج عن ذات العقد وحقيقته، ممكن الزوال، فإذا زال دخل في العموم. وغاية ما يتصور للمنع - حينئذ - عدم مقارنة القصد للعقد، وهو مدفوع بأصالة عدم اشتراطه. والمعارضة بأصالة عدم الصحة حسن، لولا العموم المقتضي لها، فإنه لا اختصاص له بصورة دون صورة وبحالة دون اخرى، بل شامل لجميع الصور، حتى زمان الإكراه، إلا أنه لما اجمع على كونه مانعا حصل المنع به، فإذا زال أثر العموم في حكمه. * (و) * يشترط أن * (يكون) * كل من * (البائع) * والمشتري * (مالكا) * للعوضين، إجماعا، للنصوص المستفيضة وفيها الصحاح والموثقات وغيرها من المعتبرة، التي كادت تكون هي مع سابقتها متواترة. وسيأتي إلى ذكر بعض منها الإشارة في تضاعيف المباحث الآتية. * (أو وليا) * لهما مع صغرهما أو جنونهما الأصلي أو الطارئ قبل البلوغ * (كالأب والجد له) * وإن علا دون الام وأبيها على الأشهر الأقوى * (والحاكم) * الشرعي * (وأمينه) * المنصوب من قبله لذلك أو مطلقا. ولكن ولايتهما بعد فقد الأبوين * (والوصي) * لهما، كما أن ولاية الوصي لأحدهما

[ 119 ]

بعد فقد الآخر قطعا. * (أو وكيلا) * عن المالك، أو من له الولاية حيث يجوز له التوكيل، ولا خلاف في ثبوت الولاية لهؤلاء، بل الظاهر الإجماع عليه. وهو الحجة، كالمعتبرة التي يأتي إلى ذكرها في كتاب الحجر الإشارة. فلا إشكال فيه، ولا في ثبوتها للعدول من المؤمنين مع فقدهم حسبة على الأظهر الأشهر بين الطائفة، فإنه إحسان محض، وما على المحسنين من سبيل، مع دعاء الضرورة إليها في بعض الأحيان. وفي الخبر: عن رجل مات وله بنون صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقار كيف يصنعون الورثة بقسمة ذلك الميراث ؟ قال: إن قام رجل ثقة فقسمه وقاسمهم ذلك كله فلا بأس (1). وقريب منه كثير من النصوص المعتبرة. فخلاف الحلي - كما حكي (2) - شاذ، لا يلتفت إليه. واعلم أن الشرائط المتقدمة - عدا الملكية وعدم الكراهة - شرط الصحة، بلا خلاف فيه وفي كون الملكية شرط اللزوم، بل في المختلف (3) وكلام جماعة الإجماع عليه. * (ولو باع الفضولي) * أي ملك الغير من دون إذنه مطلقا لم يلزم إجماعا، بل لم يصح إذا كان البيع لنفسه [ لا للمالك فيمشي إلى المالك فيشتريها منه ] (4) كما صرح به جماعة، كالفاضلين: العلامة في جملة من كتبه كالمختلف والتذكرة مدعيا فيها عدم الخلاف فيه بين الطائفة (5)، والمقداد في شرح الكتاب (6) وغيرهما، منزلين الأخبار المانعة عن بيع ما لا يملك والناهية عن


(1) الوسائل 13: 474، الباب 88 من أبواب احكام الوصايا الحديث 2. (2) حكاه عنه صاحب الحدائق 18: 408. (3) المختلف 5: 53. (4) لم يرد في " ش، ه‍ ". (5) المختلف 5: 55، والتذكرة 1: 463 س 6. (6) التنقيح 2: 26.

[ 120 ]

شراء المغصوب والسرقة، كما في المعتبرة المستفيضة على ذلك. فلا ينبغي الإستشكال فيه، وإن شمله عموم بعض أدلة صحة الفضولي وفتاوية. وإذا لم يكن البيع كذلك ففي صحته حينئذ * (قولان: أشبهما) * وأشهرهما بين المتأخرين - بل مطلقا، كما في الروضة (1) وكلام جماعة (2)، بل قيل: كاد أن يكون إجماعا (3) - الصحة و * (وقوفه على الإجازة) * من المالك، فإن حصلت، وإلا انفسخت المعاملة، لأنه عقد صدر من أهله، من حيث استجماعه لشرائط صحته، عدا الملكية، وكان في محله، لكون المبيع مما يجوز بيعه في حد ذاته، فيكون صحيحا، وبالإجازة يصير لازما، لعموم الأمر بالوفاء بالعقد، لما تقدم تحقيقه في صحة عقد المكره ولزومه بعد الإجازة قريبا. واشتراط المباشرة للعقد هنا من المالك مدفوع بما دفعنا به اشتراط مقارنة القصد للعقد ثمة، مع ثبوت عدم الإشتراط هنا في الجملة. كيف لا ! وصحة المعاملة غير منحصرة في صدورها عن المالك خاصة، لما عرفت من ثبوت الولاية للأشخاص الستة، بل السبعة. وما أشبه بالمسألة ثبوت الولاية بالوكالة، فإن المأمور بالوفاء بالمعاملة فيها إنما هو الموكل خاصة دون الوكيل بالضرورة، وليس ذلك إلا من حيث رضاه بها، ووقوع العقد في ملكه، ولا فرق في ذلك بين تقدمه عليها أو تأخره عنها بالبديهة. فيكون المراد من الآية حينئذ وجوب الوفاء بالمعاملة على من وقعت على ملكه مع رضاه بها مطلقا، سواء كان هو مباشرا للعقد، أم لا، والقرينة


(1) الروضة 3: 229. (2) التذكرة 1: 463 س 3، والدروس 3: 192. (3) القائل هو صاحب الحدائق 18: 377.

[ 121 ]

عليه الإجماع الذي مضى، فتكون عامة شاملة لمفروض المسألة. ودعوى اشتراط المباشرة في خصوصها تقييد لها من غير دلالة، فلم تكن مسموعة. هذا، مضافا إلى فحوى ثبوت الفضولي في النكاح مطلقا، بالاجماعات المحكية، والمعتبرة المستفيضة، بل المتواترة، فإن ثبوته فيه مع بناء الأمر فيه على الاحتياط التام، كما يستفاد من النصوص وإجماع العلماء الأعلام مستلزم لثبوته هنا بطريق أولى، لأضعفيته عنه جدا. ولعمري أنها من أقوى الأدلة هنا، ولولاه لأشكل المصير الى هذا القول، لحكاية الإجماعين الآتية. وبمثل هذه الفحوى استدل جماعة من أصحابنا في مقامات عديدة، منها: عدم اشتراط تقديم الإيجاب على القبول في الصيغة، بناء على ثبوته ثمة، المستلزم لثبوته هنا بالأولوية المتقدمة، وارتضاه المشترطون للتقديم أيضا، إلا أنهم أجابوا بإبداء الفرق المختص به من احتمال منع حياء المرأة غالبا عن اشتراطه فيه، ولا مانع عنه هنا بالمرة. وهو اعتراف منهم بثبوت الأولوية لولا الفارق المتقدم إليه الإشارة، مضافا إلى خبر البارقي، العامي المشهور (1)، المجبور ضعفه كقصور دلالته - لو كان - بالشهرة العظيمة، والاصول المسلمة، الدافعة للإحتمالات التي يناقش بها في الدلالة. هذا، وفي الموثق كالصحيح على الصحيح - بل روي بطريق آخر صحيح -: قضى علي (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاما ثم قدم سيدها الأول فخاصم سيدها الأخير فقال:


(1) مسند أحمد بن حنبل 4: 376.

[ 122 ]

هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك وابنها فناشده المشتري، فقال: خذ إبنه - يعني إبنه الذي باعك الوليدة - حتى ينفذ لك ما عليك، فلما أخذ البيع، قال: أبوه: أرسل ابني، قال: لا والله لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه (1). وهو ظاهر الدلالة على المراد، خال عن وصمة الشبهة والإيراد، إلا ما يتراءى في بادئ النظر من الإشكال فيه، من حيث ظهوره في رد الأب بيع الابن أولا، والقائل بالفضولي يقول بصحته مع عدمه. ويمكن دفعه بعدم ظهور ما يوجب الظهور فيه، وإنما غايته الظهور في عدم الرضا بالإقباض واسترداد الجارية وابنها، وهو غير صريح، بل ولا ظاهر فيه، لاحتمال كونه للتردد الغير الملازم له. فتأمل. والقول الثاني - وهو فساد الفضولي - للشيخ (2) رحمه الله في الخلاف والمبسوط (3) والحلي (4) وابن زهرة (5)، مدعيا هو كالأول الإجماع عليه، مستندين به ثم بالأصل، وأخبار عامية، هي مابين ناهية عن بيع ما ليس عنده (6)، ونافية للبيع عما لا يملك (7)، وزاد الأول بأنه تصرف في ملك الغير. وفي الجميع نظر، لاندفاع الأصل بما مر، كاندفاع الإجماع به، لكونه أكثر وأقوى وأظهر، مع تطرق الوهن العظيم إليه بعدم وجود قائل به عداهما والحلي، مع تصريح الأول بكون الصحة مذهب قوم من أصحابنا، وحكي


(1) الوسائل 14: 591، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء الحديث 1. (2) في المخطوطات: للطوسي. (3) الخلاف 3: 168، المسألة 275، والمبسوط 2: 158. (4) السرائر 2: 274. (5) الغنية: 207. (6) سنن البيهقي 5: 267. (7) سنن الدار قطني 4: 14، الحديث 41 و 42.

[ 123 ]

عن عظماء القدماء، كالمفيد (1) وابن الجنيد (2) وابن حمزة (3)، وهو اختياره في النهاية (4). وبالجملة: كيف يقبل دعوى الإجماع في محل لم يظهر القائل بمضمونه، عدا مدعيه [ وبعض ما تأخر عنه ] (5) فينبغي طرحه، أو تأويله إن أمكن. والأخبار مع ضعفها ومعارضتها بأقوى منها سندا ودلالة غير واضحة الدلالة. أما الثاني: فباحتمال أن يراد بما لا يملك ما لا يصح تملكه، كالحر ونحوه، لعدم جواز بيعه، كما يأتي، أو رجوع النفي إلى اللزوم، فيكون المراد: لا بيع لازم إلا فيما يملك، ومع الاحتمالين لا يتم الاستدلال به في البين. وأما الأول: فلاحتمال المنع عن بيع غير المقدور على تسليمه، كبيع الطير في الهواء ونحوه، ولعله الظاهر، وليس المقام منه، لإمكان القدرة على تسليمه بإجازة صاحبه، مع احتماله - كالثاني - ما قدمناه عن الفاضلين، مع معارضته بكثير من النصوص المعتبرة، المجوزة لبيع ما ليس عنده، المعربة عن كون المنع عنه مذهب العامة. ففي الصحيح: عمن باع ما ليس عنده، قال: لا بأس، قلت: إن من عندنا يفسده، قال: ولم ؟ قلت: باع ما ليس عنده، قال: ما يقول في السلف قد باع صاحبه ما ليس عنده، الخبر (6). نعم في الصحيح: في امرأة باعت أرضا ليست لها أتعطي المال، أم تمنع ؟ قال: ليمنعها أشد المنع، فإنها باعت ما لا تملكه (7). ونحوه آخر يأتي.


(1) المقنعة: 606. (2) كما في المختلف 5: 53. (3) الوسيلة: 249. (4) النهاية 12: 135. (5) مابين المعقوفتين لا توجد في " ق، م، ش ". (6) الوسائل 12: 374، الباب 7 من أبواب أحكام العقود ضمن الحديث 3. (7) الوسائل 12: 249، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 2.

[ 124 ]

ولهما ظهور في حرمة التصرف فضولا، إلا أنه لعلها لكون البيع لأنفسهما من غير أن يقصدا مالكها، ولا كلام فيها حينئذ، كما مضى، وصرح بها جماعة من أصحابنا. ونحوه الجواب عن المعتبرة المستفيضة الناهية عن شراء الخيانة والسرقة، لظهور سياقها في ذلك. نعم إنما يكون لها دلالة لو منعت عن الصحة بعد الإجازة [ من المالك ] (1) وليس فيها إليه إشارة، فضلا عن دلالة، بل ظاهرها عدمها، لعدم خبرة صاحبها بها، وعدم اعلام المشتري له بذلك قطعا، مع أن غاية شمول النهي فيها للمسألة إثبات الحرمة، وهي غير ملازم لعدم الصحة، لعدم اقتضائه إياه في المعاملة على الأظهر الأشهر بين الطائفة. ودعوى كون البيع بمجرده تصرفا مع كون المال عند صاحبه مثلا ممنوعة. وبالجملة: لا ريب في ضعف هذه الأدلة، سيما في مقابلة تلك. فإذا المصير إلى الأول أقوى، وإن كان الثاني [ في الجملة ] (2) أحوط وأولى. ثم على المختار هل الإجازة كاشفة عن صحة العقد من حين وقوعه، أم ناقلة له من حينها ؟ قولان، الأظهر الأول، وفاقا للأشهر، عملا بمقتضى الإجازة، إذ ليس معناها إلا الرضا بمضمون العقد، وليس إلا إنشاء نقل العوضين من حينه. ووجه الثاني توقف التأثير عليه فكان كجزء السبب. وفيه نظر، يظهر وجهه مما مر. وتظهر الفائدة في النماء المتخلل بين العقد والإجازة الحاصلة من


(1) لم يرد في المخطوطات. (2) لم يرد في " ش ".

[ 125 ]

المبيع، فهو للمشتري على الأول، كما أن نماء الثمن المعين للبائع، وللمالك المجيز على الثاني. ولو لم يجز المالك رجع في عين ماله ونمائه مطلقا، وعوض منافعها المستوفاة وغيرها. وقيمة التالف من ذلك أو مثله على المشتري، للمعتبر بوجود صفوان، المجمع على تصحيح رواياته في سنده، فلا يضر جهالة راويه وإرساله. وفيه: عن رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولادا ثم أتاها من يزعم أنها له وأقام على ذلك البينة، قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية، ويعوضه في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها (1). ثم يرجع بذلك كله على البائع إذا لم يحصل له نفع في مقابله، لنفي الضرر، وللموثق: في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية، فقال: يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي اخذت منه (2). ومع حصول النفع فيه إشكال. كل ذا إذا لم يكن عالما بأنه لغير البائع أو ادعى البائع الإذن، وإلا لم يرجع بما اغترم، لأنه غاصب. ولا ينافيه إطلاق الخبرين المتقدمين، فإن ظاهرهما - بحكم التبادر للغلبة - الجاهل. وهل يرجع بالثمن ؟ المشهور لا مطلقا، لأنه دفعه إليه وسلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه له، فيكون بمنزلة الإباحة، وقيده الشهيد الثاني بما إذا تلف، أما مع بقائه فله الرجوع، لأنه ماله وهو مسلط عليه بمقتضى النص،


(1) الوسائل 14: 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 4. (2) الوسائل 14: 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 5. (*

[ 126 ]

ولم يحصل منه ما يوجب النقل عن ملكه، لأنه إنما دفعه عوضا عن شئ لا يسلم له، لا مجانا. قال: بل يحتمل الرجوع مطلقا، وفاقا للمحقق في بعض فتاويه، لتحريم تصرف البائع فيه، لأنه أكل مال بالباطل، فيكون مضمونا عليه، ولولا ادعاء العلامة في التذكرة الإجماع على عدم الرجوع مع التلف لكان في غاية القوة (1). وهو حسن (2). * (ولو باع ما لا يملكه مالك) * في العرف والعادة * (كالحر وفضلات الإنسان) * من شعره ووسخه * (والخنافس) * والبق والبرغوث والقمل * (والديدان) * المتعارفة * (لم ينعقد) * إجماعا، لكونه سفها ولو لوحظ بعض المنافع الموصوفة لها (3) في مواضعها، لندرتها الموجبة لإلحاقها بالعدم. ونحو ذلك ما لو باع نحو حبة حنطة أو شعير أو غيرهما مما لا يعد إيقاع العقد عليه بيعا، بل يعد معاملته سفاهة، لعدم صدق المال على مثله عرفا وإن كان مثله من الحقوق التي لا يجوز لأحد التصرف فيها إلا بإذن صاحبه، كحق السبق ونحوه مما هو حق، ولا يسمى ملكا، فإن معاملة مثل ذلك كله سفه ولو فرض نفع نادر له، لأنه كالعدم، كما تقدم. * (ولو باع (4) ما يملك وما لا يملك كعبده وعبد غيره) * صفقة في عقد واحد * (صح) * البيع ولزم * (في عبده) * خاصة * (ووقف) * في * (الآخر على الإجازة) * على المختار في الثاني، ولا خلاف في الأول، بل ظاهرهم


(1) المسالك 3: 160 و 161. (2) في " ق، ش، ه‍ " زيادة كلمة: فتأمل، وتوجد زيادة في حاشية المطبوع برمز " خ " وهي هكذا: ويشهد له الموثق المتقدمة، وإطلاقه يشمل الثمن التالف أيضا، بل لعل أغلب أفراده. (3) في أكثر النسخ: الموضعة له. (4) في المتن المطبوع: ولو جمع بين....

[ 127 ]

الإجماع عليه، وصرح به في الغنية (1)، للصحيح: في رجل باع قطاع أرضين وعرف حدود القرية الأربعة وإنما له في هذه القرية قطاع أرضين فهل يصلح للمشتري ذلك وإنما له بعض هذه القرية وقد أقر له بكلها ؟ فوقع (عليه السلام): لا يجوز بيع ما لا يملك وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك (2). مضافا إلى أن البائع مأمور بالوفاء بالعقد في ماله، وعدم إجازة المالك بعد ذلك لا يرفع الأمر المستقر في ذمته قبل ظهوره. فاحتمال بعض من تأخر البطلان رأسا ليس في محله (3). وأما توهم إيجاب تبعض الصفقة الخيار له، فمع أنه لا يوجب البطلان ليس في محله، لإقدامه على ضرره. نعم إن جهل أمكن ثبوت الخيار له. ثم إنه إن أجاز صح البيع ولا خيار، وإن رده تخير المشتري - مع جهله بكون بعض المبيع غير مملوك للبائع - بين الفسخ وإمضائه، لتبعيض الصفقة أو الشركة، الموجبين للضرر، المنفي آية (4) ورواية (5). وليس في النص ما يخالفه، كما توهم، وإن تضمن لفظ الوجوب، لإضافته إلى البائع. ولا كلام فيه، كما مر. ولكنه غير الوجوب من المشتري، فقد يجامع ثبوت الخيار له الوجوب من البائع، كما في كثير من المواضع، وإن فسخ رجع كل مال إلى مالكه، وإن رضى صح البيع في المملوك للبائع بحصته من الثمن. ويعلم مقدارها بتقويمهما جميعا ثم تقويم أحدهما منفردا ثم نسبة قيمته


(1) الغنية: 209. (2) الوسائل 12: 252، الباب 2 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (3) مجمع الفائدة 8: 162. (4) الحج: 78. (5) عوالي اللئالئ 3: 210، الحديث 54.

[ 128 ]

إلى قيمة المجموع، فيخصه من الثمن مثل تلك النسبة، فإذا قوما جميعا بعشرين وأحدهما بعشرة صح في المملوك بنصف الثمن، كائنا ما كان، زائدا أم ناقصا. فلو كان الثمن في المثال ستة اخذ لأحدهما منها نصفها ثلاثة. هذا في جهة النقيصة. ويعلم المثال في جهة الزيادة، بزيادة الثمن على العشرين ولو بواحدة، وإنما اخذ بنسبة القيمة، ولم يخصه من الثمن قدر ما قوم، لاحتمال زيادتها عنه ونقصانها. فربما جمع في بعض الصور بين الثمن والمثمن على ذلك التقدير، كما لو كان قد اشترى المجموع بعض الصور بين الثمن والمثمن على ذلك التقدير، كما لو كان قد اشترى المجموع في المثال بعشرة. ثم إنه إنما يعتبر قيمتهما مجتمعين إذا لم يكن لاجتماعهما مدخل في زيادة قيمة كل واحد، كفرض العبارة. أما لو استلزم ذلك - كمصراعي باب - لم يقوما مجتمعين، إذ لا يستحق مالك كل واحد ما له إلا منفردا. وحينئذ، فيقوم كل منهما منفردا، وينسب قيمة أحدهما إلى مجموع القيمتين، ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة، دون أن ينسب إلى قيمتهما مجتمعين. فلو كان قيمتهما كذلك اثنى عشر ومنفردين تسعة والثمن ستة وقيمة أحدهما ثلاثة، يؤخذ لكل منهما من الثمن بقدر نسبة قيمتهما إلى التسعة، وهو الثلث إثنان، ولا يؤخذ بقدر نسبة قيمتهما إلى الإثني عشر، وهو الربع واحد ونصف، كذا قيل. وربما يستشكل مع جهل المشتري بالحال وبذله الثمن في مقابلة المجموع من حيث المجموع، فالأخذ بالنسبة إلى مجموع قيمتهما منفردين ظلم على المشتري، وحيف عليه.

[ 129 ]

وهو حسن، إلا أنه منقوض بالظلم على البائع لو أخذ بالنسبة إلى مجموع قيمتهما مجتمعين، مع عدم تقصيره وإتلافه شيئا على المشتري، وإنما أراد له شيئا لم يسلم له. فإلحاقه بالغاصب - حينئذ - في ضمان الصفة ليس في محله، مع براءة ذمته عنه. والمسألة لا تخلو عن ريبة، وإن كان الأول لا يخلو عن قوة. * (أما لو باع العبد والحر أو الشاة والخنزير) * أو الخل والخمر * (صح) * البيع * (فيما يملك) * وثبت للمشتري الخيار مع الجهل، لما مر * (وبطل في الآخر) * لعدم جواز تملكه والنهي عن بيعه، كما مر. بل ربما احتمل البطلان مع العلم في الأول لوجه آخر، وهو افضائه الى الجهل بثمن المبيع حال البيع (1)، لأنه في قوة أن يقول: بعتك العبد بما يخصه من الألف إذا وزعت عليه وعلى شئ آخر لا يعلم مقداره الآن. * (و) * على تقدير الصحة * (يقومان) * جميعا * (ثم يقوم أحدهما) * منفردا ثم ينسب قيمته إلى قيمة المجموع * (ويسقط من الثمن) * بقدر * (ما قابل الفاسد) * بتلك النسبة، كما مر في المسألة السابقة. وطريق التقويم في المملوك ظاهر. وفي الحر: بأن يقوم لو كان عبدا على ما هو عليه من الأوصاف والكيفيات، والخمر والخنزير: بأن يقوما بقيمتهما عند مستحليهما، إما بإخبار جماعة منهم كثيرة يؤمن اجتماعهم على الكذب ويحصل بقولهم العلم أو الظن المتاخم له، أو بإخبار عدلين من المسلمين يطلعان على حاله عندهم، لا منهم مطلقا، لاشتراط عدالة المقوم، كما قالوه. * (الثاني) *: يشترط فيهما المعلومية كلا أو بعضا، على ما يأتي، فلا يصح


(1) في " م " زيادة: وهذا الوجه سار في الصور الثلاثة.

[ 130 ]

بيع المجهول والمبهم، حذرا من الغرر المنهي عنه إجماعا، وقطعا للنزاع. ولكن المعلومية لكل شئ بحسبه في العادة فما بيع ب‍ * (الكيل أو الوزن أو العدد) * يكون تعيينه بها، على الأظهر الأشهر بين أصحابنا. * (فلو بيع ما يكال أو يوزن أو يعد لا كذلك) * بل جزافا * (بطل) * لما تقدم، وللصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة، التي كادت تكون هي مع الاولى متواترة. ففي الصحاح: ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح مجازفة (1). وقرينة السؤال في أحدها مع نفي الصلاح الدال على الفساد وفهم الأصحاب قرينة على الدلالة. وفي الخبرين أحدهما الصحيح: لا يصلح للرجل أن يبيع بصاع غير صاع المصر (2). ونحوه الثاني (3)، مع قوة في الدلالة، لتبديل " لا يصلح " ب‍ " لا يحل " مع المنع فيه عن البيع بصاع البيت، الذي يكون أصغر من صاع السوق. وفيهما الدلالة على اعتبار صاع البلد ومكياله، المشهور، كما هو عن الأصحاب منقول، فلا يجوز البيع بالكيل النادر. وعليه ينزل إطلاق ما مر، حملا له على الأغلب والمتعارف. وفي الموثق - كالصحيح -: عن شراء الطعام وما يكال ويوزن هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن ؟ فأجاب (عليه السلام): بنفي البأس إذا كاله البائع وأخبر به المشتري (4).


(1) الوسائل 12: 254 و 255، الباب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1 و 2 و 3. (2) الوسائل 12: 280، الباب 26 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (3) الوسائل 12: 280، الباب 26 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 2. (4) الوسائل 12: 257، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 7.

[ 131 ]

وظاهر " البأس " في مفهومه بحكم السياق وفهم الأصحاب التحريم. وفي المرسل - كالصحيح على الصحيح -: عن رجل يشتري الجص فيكيل بعضه ويأخذ البقية بغير كيل، فقال: إما أن يأخذ كله بتصديقه، وإما أن يكيله كله (1). وفي الخبر - خطابا بالقوم شكوا إليه (صلى الله عليه وآله) سرعة نفاد طعامهم، لأنهم لا يكيلون -: كيلوا، فإنه أعظم للبركة (2). ويستفاد من سابقيه جواز الاعتماد في الكيل والوزن على إخبار البائع، ولا خلاف فيه في الظاهر، والنصوص به معهما مستفيضة. منها الموثق: يقول الرجل أعطنيه بكيلك، قال: إذا ائتمنك فلا بأس (3). ومنها الخبر المعتبر بوجود جملة ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم (4) في سنده، فلا يضر اشتراك راويه، مع قرب احتمال كونه الثقة، وفيه: اشترينا طعاما فزعم صاحبه أنه كاله فصدقناه وأخذناه بكيله، فقال: لا بأس، فقلت: يجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل، قال: لا، أما أنت فلا تبعه حتى تكيله (5). ونحوهما غيرهما. ويستفاد من هذه الأخبار تقريرا وذيل الأخير - كبعض ما مر - صريحا اشتراط الكيل في المكيل كما في أكثرها، والوزن في الموزون كما في بعضها أيضا. ويلحق بهما الأخير، لعدم القائل بالفرق أصلا، مضافا إلى ثبوته، كالمتقدمين من القاعدة المتقدمة أيضا.


(1) الوسائل 12: 256، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 3. (2) الوسائل 12: 323، الباب 24 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (3) الوسائل 12: 257، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 6. (4) في المخطوطات: عنه. (5) الوسائل 12: 256، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 4.

[ 132 ]

مع إمكان الاستدلال عليه بمعونة التقدير المستدل لأجله ببعض الأخبار المتقدمة على الأول بالصحيح: عن الجوز لا نستطيع أن نعد فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد، فقال: لا بأس به (1). * (و) * يستفاد منه بمعونة عدم القائل بالفرق بين الجوز وغيره من المعدود وغيره - كما في المسالك (2) وغيره - أنه * (لو تعذر (3) الوزن أو العد) * أو الكيل * (اعتبر مكيال واحد) * أو ميزان كذلك، وأخذه بعد ذلك * (بحسابه) * الباقي. ولا خلاف في الجواز، وإن اختلفوا في اشتراطه بالتعذر، كما في المتن (4) وغيره، بل في الروضة (5) التعبير به عن كثير من الأصحاب، وقوفا مع ظاهر النص، أو التعسر كما قيل (6)، حملا له عليه، جمعا بينه وبين عموم ما يدل على نفيه، أو عدم الاشتراط مطلقا، كما عليه الشهيد الثاني (7) وغيره، لزوال الغرر، وحصول العلم، واغتفار التفاوت هنا، كما في غيره، وعدم المنافاة له في الصحيح فإن القيد في كلام الراوي. ولم يظهر من الجواب اعتباره، مع إطلاق الخبرين في غير المعدود، وفيهما: عن الرجل يشتري بيعا فيه كيل أو وزن بغيره (8) ثم يأخذه على نحو ما فيه، قال: لا بأس (9). ونحوهما آخر: فيمن اشترى مائة راوية من زيت فاعترض راوية أو اثنتين ووزنهما ثم أخذ سائره على قدر ذلك،


(1) الوسائل 12: 258، الباب 7 من أبواب عقد البيع الحديث 1. (2) المسالك 3: 177. (3) في المتن المطبوع ونسخة " ه‍ ": لو تعسر. (4) في نسخة " ه‍ ": كما في بعض نسخ المتن. (5) الروضة 3: 266. (6) القائل هو صاحب الدروس 3: 198، الدرس 338. (7) المسالك 3: 177. (8) يعيره، خ ل. (9) الوسائل 12: 255، الباب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 4 وذيله. (*

[ 133 ]

قال: لا بأس (1). وفي زوال الغرر وحصول العلم إشكال (2)، واغتفار التفاوت هنا (3) غير معلوم، والقياس على غيره حرام، والاستقرار لو تمسك به لتصحيحه غير معلوم، ومنافاة الصحيح له لأجل التقرير الذي هو العمدة في إثبات اعتبار العد في المعدود به ثابتة. والأخبار بحسب الأسانيد قاصرة، مع احتمال قصورها في الدلالة، من حيث أنها مطلقة منصرفة إلى الصور المتعارفة، التي ليس فيها العدول عن الثلاثة الى الاعتبار بالمكيال الواحد، كما في العبارة، إلا مع التعذر أو التعسر. مضافا إلى تشويش في متن الأولين بحسب النسخة، الموجب لخروجهما عن مفروض المسألة، مع معارضتها بإطلاق النصوص المتقدمة، المعتبرة للكيل والوزن، سيما المرسل المتقدم، الوارد في الجص (4)، ونحوه الصحيح: في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم، ثم إن صاحبه قال للمشتري: ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت، قال: لا يصلح، إلا أن يكيل، الخبر (5). وهما كالباقي وإن شملا صورتي التعذر والتعسر أيضا، إلا أن مقتضى الجمع بينهما وبين ما مر التخصيص بغيرهما، مضافا إلى فتوى الأصحاب [ فإن الأجود ما في العبارة من اشتراط التعذر في العدول من العد، ويحتمل قويا إلحاق التعسر ] (6). ثم إن المحكي عن الأصحاب اعتبار الكيل والوزن فيما بيع بهما في


(1) الوسائل 12: 255، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (2) هذه الكلمة لا توجد في " م ". (3) هذه الكلمة أثبتناها من المخطوطات. (4) الوسائل 12: 256، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 3. (5) الوسائل 12: 254، الباب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 2. (6) لم يرد في المخطوطات.

[ 134 ]

زمان الشارع ولو لم يبع الآن كذلك، وإثباته من النص مشكل، إلا أن الأمر فيه هين، بناء على عدم معلومية مثله في زمانه لنا الآن، إلا في نحو الطعام والزيت والجص وأمثالها الآن تباع كذلك، وإن غير الكيل بالوزن في بعضها أو العكس في آخر. ولا بأس بالأول في المشهور، لأضبطية الوزن من الكيل، ويحتاط في الثاني، وإن ألحقه بالأول جماعة (1)، للخبر: لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن (2). وفيه ضعف سندا وقصور دلالة، مضافا إلى ما في السرائر من نفي الخلاف من عدم جوازه (3). والأحوط المنع مطلقا. فتأمل جدا. * (و) * يتفرع على اشتراط المعلومية بأحد الامور الثلاثة فيما يباع بها أنه * (لا يكفي مشاهدة الصبرة) * المجهولة في صحة المعاملة * (ولا المكيال المجهول) * كقصعة حاضرة وإن تراضيا به، ولا الوزن المجهول، كالاعتماد على صخرة معينة، وإن عرفا قدرها تخمينا أو كالاه أو وزناه بعد ذلك، ولا العد المجهول، بأن عولا على ملئ اليد أو آلة يجهل ما يشتمل عليه ثم اعتبر العد به. خلافا للإسكافي في الصبرة (4). ويدفعه - مضافا الى ما مر - دعوى الإجماع على خلافه في المختلف (5). * (ويجوز ابتياع جزء مشاع) * معلوم * (بالنسبة) * كالنصف والثلث * (من


(1) منهم الشهيد الأول في الدروس 3: 253، الدرس 253، والشهيد الثاني في الروضة 3: 266. (2) الوسائل 12: 63، الباب 7 من أبواب السلف الحديث 1. (3) السرائر 2: 321. (4) المختلف 5: 245. (5) المختلف 5: 245.

[ 135 ]

معلوم) * بالكيل أو الوزن أو المساحة مطلقا * (وإن اختلفت أجزاؤه) * قيمة، كالجواهر والحيوان إجماعا، للأصل، وفقد المانع من الغرر وغيره جدا. فيصح بيع نصف الصبرة المعلومة المقدار والوصف ونصف الشاة المعلومة بالمشاهدة أو الوصف. واعلم أن أقسام بيع الصبرة عشرة، ذكر الماتن بعضها منطوقا وبعضها مفهوما، وجملتها أنها: إما أن تكون معلومة المقدار، أو مجهولته، فإن كانت معلومة صح بيعها أجمع، وبيع جزء منها معلوم مشاع، وبيع مقدار معين علم اشتمالها عليه كقفيز [ بشرط العلم باشتمالها عليه ] (1) وبيعها كل قفيز بكذا، لا بيع كل قفيز منها بكذا. والمجهول يبطل بيعها في الأقسام الخمسة، إلا في الثالث، بشرط العلم باشتمالها على المقدار، كما عن الأكثر، أو مطلقا على قول، يجبر نقص المبيع فيه إذا تحقق بالخيار، بين الأخذ للموجود منها بحصة من الثمن، وبين الفسخ، لتبعض الصفقة. ولا خلاف فيما عداه، إلا ما يحكى عن الطوسي من الحكم بالصحة في القسم الرابع مطلقا (2) ولو كان الصبرة مجهولة. وهو مشكل، يدفعه عدم تعين العوضين في هذه الصورة. واحتمل العلامة في المختلف فيها الصحة في القفيز الواحد لا الجميع، كما حكاه عن أبي حنيفة (3). والمناقشة فيه واضحة، بل البطلان مطلقا في غاية القوة. وهل ينزل القدر المعلوم في الصورتين على الإشاعة أو يكون المبيع ذلك المقدار في الجملة ؟ وجهان، أجودهما الثاني عند جماعة.


(1) مابين المعقوفتين لا توجد في " م، ق، ه‍ ". (2) الخلاف 3: 162، المسألة 259. (3) المختلف 5: 246.

[ 136 ]

وتظهر الفائدة: فيما لو تلف بعضها فعلى الإشاعة يتلف من المبيع بالنسبة، وعلى الثاني يبقى المبيع ما بقي قدره. وفي الصحيح: رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة، والأنبار فيه ثلاثون ألف طن، فقال: البائع قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن، فقال المشتري: قد قبلت واشتريت ورضيت فأعطاه من ثمنه ألف درهم، ووكل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع في القصب نار فاحترقت منه عشرون ألف طن وبقي عشرة آلاف طن، فقال: العشرة آلاف التي بقيت هي للمشتري، والعشرون التي احترقت من مال البائع (1). وهو ظاهر في الثاني، إلا أن في صحة البيع الذي تضمنه إشكالا، من حيث جهالة عين المبيع فيه، الموجبة للغرر المنفي، الموجب لفساد المعاملة، وصرح به الأصحاب فيما لو باع شاة غير معلومة من قطيع فقالوا: بطل وإن علم عدد ما اشتمل عليه من الشياة وتساوت أثمانها. * (الثالث: لاتباع العين الحاضرة، إلا مع) * أحد الامور المعينة لها الدافعة عن المعاملة بها ما يعد في العرف والعادة مجازفة من الكيل أو الوزن أو العد فيما يباع بها، وكانت هي المطلوبة من بيعه عرفا و * (المشاهدة أو الوصف) * الرافع للجهالة من المتبائعين أو أحدهما فيما عداه، ويكون الوصف في كل شئ بحسب ما يطلب في المعاملة به عادة، بحيث يكون المعاملة بدونه فيها غررا ومجازفة. ففي الفرس بنحو الصغر والكبر دون مقدار اللحم، وفي نحو الغنم المطلوب من شرائه مقداره به، وفي نحو الفيل المطلوب به طوله وعرضه، كما عند أهل الهند فيما حكي بمساحته.


(1) الوسائل 12: 272، الباب 19 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1.

[ 137 ]

وفي الثوب المطلوب به أوصافه التي يتفاوت بتفاوتها القيمة دون نحو الذرع بها دونه، وبه إن كان هو المطلوب بالمعاملة في العادة. ونحوه الأرض، فيجوز بيعهما مشاهدة في الصورة الاولى، كنحوهما مما يقصد بمعاملته في العادة الأوصاف المندفعة بمشاهدتها الغرر والجهالة، لامساحة في تلك الصورة وإن بيعا بها نادرا، لعدم صدق الغرر والمجازفة فيها مع المشاهدة (1) عرفا وعادة. وعلى هذه الصورة تنزل كلمة الأصحاب، المصرحة بجواز بيعهما مشاهدة من دون مساحة على الإطلاق، بلا خلاف يظهر منهم صريحا، بل عن التذكرة عليه الإجماع (2). وهو حسن. ولا يبعد حمل إيجاب (3) [ الخلاف ] (4) المساحة في بيعهما على الصورة الثانية، جمعا بين الفتاوى والأدلة، وإلا فيشكل الأول في هذه الصورة، لتحقق الغرر به والمجازفة، كالثاني بانتفائهما في الصورة المقابلة عرفا وعادة. * (و) * من هذا التحقيق يتحقق أنه * (لو كان المراد) * بيعها عادة * (طعمها) * كالدبس * (أو ريحها) * كالمسك * (فلابد من اختبارها) * بهما * (إذا لم يفسد به) * أي بالإختبار، أو وصفها، بلا خلاف، حتى في جواز البيع بالوصف وإن أهملته العبارة، بل عليه الإجماع في الغنية (5). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل. واندفاع الغرر به، كاندفاعه برؤية ما يدل بعضه على باقيه غالبا، كظاهر الصبرة وانموذج المتماثل، وينجبر النقص بعد التحقق بالخيار، مع التأيد بظواهر ما مر من النصوص، من جواز الاكتفاء عن الكيل والوزن بإخبار البائع.


(1) في " ق، ش، ه‍ ": مع البيع مشاهدة. (2) التذكرة 1: 470 س 22. (3) في " م، ه‍ ": اطلاق. (4) لم يرد في المطبوع. (5) الغنية: 211.

[ 138 ]

* (ولو بيع) * مثلها * (ولما يختبر) * بالأمرين ولم يوصف بهما، أو وصف وصفا لم تزل معه الجهالة، بناء على أصالة الصحة من العيب والآفة فيما هي الأصل فيه * (فقولان، أشبههما الجواز) * مع العلم به من غير هذه الجهة، كالقوام واللون وغيرهما مما يختلف قيمته باختلافه، وعليه الأكثر، بل لعله عليه عامة من تأخر، وهو الأظهر، إحالة على مقتضى الطبع، فإنه أمر مضبوط عرفا، لا يتغير غالبا إلا بعيب. فيجوز في دفعه (1) الاعتماد على الأصل، لانتفاء الغرر حينئذ، كانتفائه برؤية ما يدل بعضه على باقيه غالبا، كما تقدم. * (و) * ينجبر النقص بأن * (له الخيار لو خرج معيبا) * بين الرد والأرش إن لم يحدث فيه حدثا زائدا على اختباره * (ويتعين الأرش بعد الإحداث فيه) * الزائد عنه، كما في غيره من أنواع البيوع وإن كان المشتري المتصرف أعمى، لتناول الأدلة له. خلافا لمن شذ، فخيره بين الأمرين وإن تصرف (2). والقول الثاني بالعدم إلا بالاختبار أو الوصف محكي عن الحلبي (3) والقاضي (4) والديلمي (5)، وربما نسب إلى الشيخين (6) وابن حمزة (7)، للغرر. وفيه ما مر. قيل: وللخبر: عن رجل يشتري ما يذاق ايذوقه قبل أن يشتريه ؟ قال: نعم فليذقه، ولا يذوق ما لا يشتري (8)، بناء على أن الأمر بالذوق يقتضي البطلان مع عدمه.


(1) في " م ": رفعه. (2) المراسم: 180. (3) الكافي في الفقه: 354، وفي نسخة " م، ه‍ ": الحلي. (4) كما في المختلف 5: 260. (5) المراسم: 180. (6) المقنعة: 609، والنهاية 2: 184. (7) الوسيلة: 246. (8) الوسائل 12: 279، الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1.

[ 139 ]

وفيه نظر، لضعف السند، وقصور الأمر هنا عن إفادة الوجوب، لوروده في محل توهم الحظر، كما يشعر به سياقه، فلم يفد سوى الإباحة على الأظهر، وبه قال من علماء الاصول جماعة. * (ولو أدى اختباره إلى إفساده كالجوز والبطيخ) * وشبهه * (جاز شراؤه) * مطلقا بعد تعيينه بوجه آخر، لما مضى، بل الجواز هنا بطريق أولى، لاستلزام المنع عنه العسر والحرج جدا. مع عدم نقل خلاف هنا، بل ظاهرهم الاتفاق على الجواز، وإن اختلفوا في إطلاقه أو تقييده بشرط الصحة فقط، كما عن بعض (1)، أو البراءة كذلك من العيب والآفة، كما عن آخر (2)، أو بشرط أحدهما، كما عن جماعة (3). والأول أشهر وأقوى، لعموم الأدلة، بل في المختلف أن مراد الجماعة جواز البيع بالشرطين لا اشتراطهما في صحته (4)، فارتفع الخلاف، إلا من القاضي، حيث لم يجوزه إلا بهما (5). * (ويثبت) * مع الصحة * (الأرش لو خرج معيبا لا الرد) * للتصرف فيه * (ويرجع بالثمن) * كله * (إن لم يكن لمكسوره قيمة) * تبذل له عادة، كالبيض الفاسد والجوز الفارغ مطلقا ولو اشترط البائع البراءة (6) من العيب على الأقوى. خلافا لجماعة مع الشرط فنفوا الرجوع حينئذ (7). وفيه نظر، لبطلان البيع، حيث لا يقابل الثمن مال، فيكون أكل مال بالباطل، ويكون الشرط منافيا لمتقتضى العقد حينئذ، ودفعه بالتراضي،


(1) المقنعة: 610، والمراسم: 180. (2) الوسيلة: 247. (3) الكافي في الفقه: 354، والنهاية 2: 185. (4) المختلف 5: 263. (5) كما في المختلف 5: 263. (6) في " ق ": عدم البراءة. (7) النهاية 2: 185، والوسيلة: 247.

[ 140 ]

فيكون كدفع مال من غير عوض مندفع بمنعه مع هذا الشرط، المشعر ببقاء ماليته في المبيع، فإن العيب فرع بقائها فيه. ولا يجوز إطلاقه مع انتفائها رأسا، مع عدم تماميته للمنع عن الرجوع على تقدير تسليمه فيما لو بقي الثمن وكان البائع ممن لم يلزم الهبة منه، فإن الدفع حينئذ كهبة مال بغير عوض، فيجوز الرجوع فيه حينئذ. فتأمل. وهل يكون العقد مفسوخا من أصله - نظرا إلى عدم المالية من حين العقد فيقع باطلا ابتداء - أو يطرأ عليه الفسخ بعد الكسر فيكون هو المفسد نظرا إلى الصحة قبل ظهور الفساد والأصل بقاؤها ؟ وجهان، بل قولان. ورجحان الأول أظهر، بل وأصح (1)، لأن ظهور الفساد كشف عن عدم المالية حين البيع في نفس الأمر، لا أنه أحدث عدمها حينه، والصحة مبنية (2) على الظاهر، وتنتفي بانكشاف الفساد، فيكون كابتياع الخمر على أنه خل ثم انكشف خمريتها. ومنه يظهر فساد ما في جزم الشهيد بالثاني (3)، مضافا إلى جعله الأول ظاهر الجماعة، المشعر باتفاق الطائفة. وتظهر الفائدة في قول: في مؤونة النقل عن الموضع، فإنها على البائع على القول الأول، وعلى المشتري على الثاني. وفي آخر: فيما لو تبرأ البائع عن عيبه، فيتجه كون تلفه على المشتري على الثاني دون الأول، وفيما لو رضي به المشتري بعد الكسر. وفي ثالث: الحنث بمثله على الثاني، دون الأول لو حلف أن لا يبتاع (4) بيعا صحيحا. وفي الجميع نظر، يظهر وجه الثاني مما مر.


(1) في بعض النسخ: بل واضح. (2) في " ق، ش ": مثبته، في " م ": تثبيته. (3) الدروس 3: 198، الدرس 238. (4) في " م، ه‍ ": لا يباع.

[ 141 ]

* (وكذا يجوز بيع المسك في فأره) * ونافجته، وهي الجلدة المشتملة عليه * (وإن لم يفتق) * فيختبر بشرط العلم بمقداره، ونحوه مما يعتبر معرفته في معاملته. ويتفاوت قيمته بتفاوته، بلا خلاف، بل في بعض العبارات الإجماع عليه (1). وهو الحجة، مضافا إلى ما مر، من جواز البناء على أصل السلامة، لاندفاع الغرر به والجهالة، فإن خرج معيبا تخير، دفعا للضرر. ولكن فتقه - بأن يدخل فيه خيط بابرة ثم يخرج ويشم - أحوط، ليرتفع الجهالة رأسا. * (ولا يجوز بيع سمك) * في * (الآجام) * من دون ضميمة إذا لم يكن محصورا مشاهدا * (لجهالته) * أي المبيع ولو بعضا، بلا خلاف فيه، بل في الروضة الإجماع عليه (2). قيل: ولا خلاف في الجواز مع الحصر والمشاهدة (3)، لانتفاء الجهالة حينئذ وهو كذلك. وإطلاق العبارة وغيرها يحمل على عدمهما، كما هو الغالب. * (و) * كذلك لم يجز * (إن ضم إليه القصب) * ونحوه. * (على الأصح) * الأشهر. * (وكذلك اللبن في الضرع) * بفتح الضاد، وهو الثدي لكل ذي خف أو ظلف، فلا يجوز بيعه * (ولو ضم إليه) * شئ أو * (ما يحتلب منه) * لأن ضميمة المجهول إلى المعلوم يصير المجموع مجهولا. خلافا للنهاية وجماعة، فالجواز فيهما (4)، بل عليه في الأول الإجماع


(1) لم نعثر عليه، كما نبه عليه في مفتاح الكرامة 4: 237، فراجع. (2) الروضة 3: 282. (3) القائل هو صاحب الحدائق 18: 486. (4) النهاية 2: 169 و 176، حكاه العلامة عن ابن البراج في المختلف 5: 247 و 254. (

[ 142 ]

في الغنية (1)، لأخبار هي بحسب السند غير نقية. منها: لا بأس بأن يشترى الأجمة إذا كان فيها قصب (2). ومنها: في شرائها وليس فيها قصب إنما هي ماء، قال: يصيد كفا من سمك فيقول: أشتري منك هذا السمك وما في هذه الأجمة بكذا وكذا (3). ومنها الموثق: عن اللبن يشترى وهو في الضرع، قال: لا، إلا أن يحلب إلى سكرجة فيقول: أشتري منك هذا اللبن الذي في السكرجة وما في ضرعها بثمن مسمى، فإن لم يكن في الضرع شئ كان ما في السكرجة (4). وفي الإجماع وهن، لمصير الأكثر إلى الخلاف، مع عدم معارضته - كبعض الصحاح مع عدم وضوح دلالته والأخبار المزبورة - لما دل على اشتراط تعيين المبيع، المعتضد أصله بالإجماع، وفرعه هنا بالشهرة العظيمة المتأخرة، التي كادت تكون إجماعا، مع إرسال الخبرين الأولين، وإضمار الثالث، وإن كان من الموثق وعدم ارتباط الخبرين لموضوع المسألة المتأخرة، لورودهما في بيع الأجمة لا سمكها، فتأمل جدا. مع احتمال الجمع بينها وبين ما دل على المنع بما فصل به جماعة من الحكم بالصحة، مع كون المقصود بالذات المعلوم والمجهول تابعا والبطلان مع العكس، أو تساويهما في القصد الذاتي. ولا ريب في حسنه، لانتفاء الغرر العرفي حينئذ، وهو الذي عليه المدار في الصحة والفساد دون الجهالة، فإنها بمجردها غير موجبة لفساد المعاملة بها. ولذا صحت في نحو البناء والسكنى مع تحقق الجهالة في حيطانها


(1) الغنية: 212. (2) الوسائل 12: 264، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 5. (3) الوسائل 12: 264، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 6. (4) الوسائل 12: 259، الباب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 2.

[ 143 ]

وأساسها، فتأمل جدا. * (وكذا) * القول في كل مجهول ضم إلى معلوم ك‍ * (أصواف الغنم) * على ظهرها * (مع ما في بطونها) * خاصة دونها إن قلنا بمعلوميتها، وإلا فعدم الجواز فيها مطلقا - ولو كانت الضميمة بالأصالة مقصودة - أقوى، لمجهوليتها مع المنضم إليه على هذا التقدير جزما. خلافا للشيخ (1) والحلبي (2) والقاضي (3)، فجوزوا بيعها مع الضميمة، استنادا إلى رواية ضعيفة: في رجل اشترى من رجل أصواف مائة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهما، فقال: لا بأس إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف (4). ويأتي فيها ما في سابقتها من وجوه الوهن، واحتمالها الجمع المتقدم على التقدير الأول. وتكفي الوجوه المزبورة في ردها على التقدير الثاني، مع استغراب في مدلولها حينئذ، من حيث أن ضم المجهول الى المجهول لا يصير المجموع معلوما، بل لا يزيد به إلا جهالة وغرورا. ومن هنا يفضي العجب من هؤلاء المشائخ المجوزين لبيعهما منضما، مع منعهم عنه منفردا، للجهالة، والرواية بالجواز لا تجعل الأصواف مع الضميمة معلومة، ولا دلت على معلوميتها معها. فكيف يقال بالجواز هنا والمنع عنه منفردا ؟ ! * (وكذا) * لا يجوز بيع * (كل واحد منهما) * أي كل من الأصواف والأجنة، ويحتمل (5) إرجاعه إلى الضميمتين في المسائل الثلاث، لكنه بعيد


(1) في المخطوطات: للطوسي. النهاية 2: 172. (2) كما في المختلف 5: 249. (3) كما في المختلف 5: 249. (4) الوسائل 12: 261، الباب 10 من أبواب 3) كما في المختلف 5: 249. (4) الوسائل 12: 261، الباب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (5) في المطبوع: زيادة: على بعد.

[ 144 ]

* (منفردا) * للجهالة. وهو حسن إن لم تزل بما يوجب المعلومية، كالمشاهدة في نحو القصب والأصواف والأوبار والشعر، فإنها تؤثر المعلومية فيها على الأشهر الأقوى، وإن كان كل من الأصواف وتالياتها موزونا في الجملة، لاختصاص الوزن فيها بما بعد الجز عرفا، دون ما إذا كانت على الظهر جدا، فإنها - حينئذ - كالثمرة على الشجرة ليست بموزونة، فيصح بيعها مع المشاهدة، وفاقا للمفيد (1) والحلي (2) وأكثر المتأخرين، للأصل، وفقد المانع. خلافا لظاهر إطلاق العبارة، تبعا للمشائخ الثلاثة. والمناقشة فيه بعد ما عرفت واضحة. وقيد الشهيد الجواز بشرط الجز، أو كونها مستجزة بالغة أوانه (3). قيل: ولا وجه لاعتباره، لأن ذلك لا مدخل له في الصحة، بل غايته مع تأخيره الامتزاج بمال البائع، وهو لا يقتضي بطلان البيع، كما لو امتزجت لقطة الخضر بغيرها فيرجع الى الصلح (4). وهو حسن. ولو شرط تأخيرها عن وقت البيع مدة معلومة وتبعية المتجدد لها في البيع بنى على القاعدة السابقة، فإن كان المقصود بالذات هو الموجود صح، وإلا فلا. * (وكذا) * لا يجوز بيع * (ما يلقح الفحل) * وهو ما تحمله الناقة منفردا إجماعا، للجهالة، وللرواية المروية عن معاني الأخبار، المتضمنة لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الملاقيح والمضامين (5) وتفسير الأول بما في البطون وهي الأجنة، والثاني بما في أصلاب الفحول.


(1) المقنعة: 609. (2) السرائر 2: 322. (3) الدروس 3: 196، الدرس 238. (4) الروضة 3: 283. (5) معاني الأخبار: 278.

[ 145 ]

وفي الصحيح: لا تبع راحلة عاجله بعشر ملاقيح من أولاد حمل في قابل (1). * (وكذا ما يضرب الصياد بشبكته) * منفردا، لما مر، وللخبر: نهى أن يشتري شبكة الصياد بقول: إضرب بشبكتك فما خرج فهو من مالي بكذا (2). وكذا منضما فيهما، إلا أن يكون الضميمة مقصودة أصالة فيجوز حينئذ، لما مضى. * (الرابع:) * من الشرائط في صحة البيع * (تقدير الثمن) * وتعيينه * (و) * تعيين * (جنسه) * ووصفه * (فلو اشتراه بحكم أحدهما) * أو أجنبي * (فالبيع باطل) * إجماعا، كما في المختلف (3) والتذكرة (4) والروضة (5)، للغرر والجهالة، المنهي عنهما بالإجماع، والرواية المتفق عليها بين العلماء كافة. فلا يقاومها شئ من النصوص، وإن كانت صحيحة، سيما مع اعتضادها في المسألة بعدم الخلاف فيها بين الطائفة والإجماعات المنقولة. وبه يظهر الجواب عما دل عليه بعض المعتبرة - بعد تسليم كونه صحيحا - من جواز تحكيم المشتري ولزوم الحكم عليه بالقيمة السوقية فما زاد، مع أنه غير صريح في صحة المعاملة، محتمل لوجوه غير بعيدة في مقام الجمع بين الأدلة. ونحوه الكلام فيما لو اشتراه بثمن مجهول القدر وإن شوهد، لبقاء الجهالة وثبوت الغرر المنفي معها. خلافا للشيخ في الموزون مطلقا (6)، وللمرتضى في مال السلم خاصة (7)،


(1) الوسائل 12: 262، الباب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 3. (2) الوسائل 12: 263، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (3) المختلف 5: 244. (4) التذكرة 1: 467 س 4. (5) الروضة 3: 264. (6) المبسوط 3: 223. (7) الناصريات: (الجوامع الفقهية): 253، المسألة 175.

[ 146 ]

وللإسكافي في المجهول مطلقا إذا كان المبيع صبرة مشاهدة مع اختلافهما جنسا، لزوال الغرر بالمشاهدة والربا بالاختلاف (1). وهو كسابقيه شاذ. أو الصفة كمائة درهم وإن كانت مشاهدة لا يعلم وصفها مع تعدد النقد الموجود. أو الجنس وإن علم قدره. لتحقق الجهالة في الجميع، فيكون الشراء فاسدا وإن اتصل به القبض، وليس كالمعاطاة، لأن شرطها اجتماع شرائط البيع سوى العقد الخاص بلا خلاف. * (و) * حيث بطل البيع * (يضمن المشتري تلف المبيع مع قبضه ونقصانه) * بفتح النون، عطف على التلف، أي يضمن نقصانه إن تلف البعض عينا أو منفعة بالمثل إن كان مثليا، وإلا فبالقيمة يوم التلف على الأشهر الأقرب، لأن الإنتقال الى القيمة إنما هو عند تعذر دفع العين. وقيل: يوم القبض (2)، وقيل: الأعلى منه إليه (3). وهو حسن إن كان التفاوت بسبب نقص في العين أو زيادة، اما باختلاف السوق، فالأول لازم، فالإطلاق بعيد. وأبعد منه القول الثاني، لعدم الدليل عليه، بعد ما عرفت من أنه قبل التلف كان مخاطبا بأداء العين خاصة دون القيمة، وإنما الإنتقال إليها بعد تعذر الوصول إلى المأمور به أولا. نعم في الصحيح الوارد في المكتري بغلة إلى حد تجاوز بها عنه بغير إذن الصاحب، بعد سؤاله عن عطبها وما يترتب عليه من ضمانها بقوله: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني ؟ قال: نعم قيمة البغل يوم خالفته (4).


(1) المختلف 5: 247. (2) القائل هو صاحب الشرائع 2: 17. (3) القائل هو صاحب السرائر 2: 285. (4) الوسائل 12: 256، الباب 17 من أبواب أحكام الاجارة الحديث 1.

[ 147 ]

وهو كما ترى ظاهر في نصرة هذا القول، إلا أن احتمال رجوع الظرف إلى لزوم القيمة لا إليها قائم، لكنه بعيد، إلا أن البعد لا يوجب المصير إليه، بعد معارضته بأقوى منه بالإعتبار والإشتهار، وأصالة البراءة عن الزائد لو كان في القيمة يوم القبض على القيمة يوم التلف، مع ظهور ذيله في خلافه، وإن كان في النقص بالعيب كالكسر والدبر والغمز ففيه - بعد السؤال عن ضمانه - " عليك قيمته ما بين الصحة والعيب يوم ترده ". فتأمل. ثم الدليل على الضمان هنا * (وكذا في كل ابتياع فاسد) * ومأخوذ بالسوم، الخبر المشهور: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (1). والقاعدة المشهورة " كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " (2). ومعناها أنه كما يضمن المشتري - مثلا - بصحيحه لو فات في يده - بمعنى أنه يذهب من ماله، ويلزم عليه إيصال الثمن الى البائع - كذلك يضمن بفاسده، ويلزم عليه رد المبيع وايصاله إلى البائع مع نمائه. ولا ريب في صحتها مع علمه بالفساد وعدم جواز التصرف، ووجوب الحفظ والرد على المالك، لأنه - حينئذ - غاصب أو كالغاصب. وكذا مع الجهل به، أو العلم مع عدم العلم بوجوب الرد في الحل، بناء على أن القبض تصرف في ملك الغير بغير إذنه، من حيث اختصاصه في محل الفرض بزعم صحة المعاملة، فإذا انتفت انتفى الإذن المترتب على زعمها. فيكون التصرف في العين حينئذ وأكلها أكل مال بالباطل، لانحصار وجه الحل في كون المعاملة بيعا أو تجارة عن تراض أو هبة أو غيرها من وجوه التراضي بأكل المال من غير عوض، وليس الأولين بمقتضى الفرض، وكذا البواقي، للقطع من جهة الزعم المتقدم بعدم الرضا بالتصرف، مع عدم بذل شئ في المقابل.


(1) عوالي اللئالئ 1: 389، الحديث 22. (2) في المطبوع زيادة كلمة: " وبالعكس ".

[ 148 ]

فالرضا المتقدم كالعدم، وذلك واضح. واحتمال الإلحاق بالمعاطاة في عدم لزوم قيمة الفائت والاكتفاء عنها بالعوض المبذول بالرضا في المقابل - كما في عبارة بعض الأصحاب (1) - غير جيد، بناء على عدم الدليل على الإكتفاء بالعوض ولزومه بمجرد الرضا السابق، بل يترتب على العقود الناقلة بشرائط الصحة، وهي هنا مفقودة. فإن تراضيا بالبدلين بعد العلم بالفساد، واستمر رضاهما فلا كلام فيما ذكره، وإن انتفى فالاكتفاء بالرضا السابق في لزومه يحتاج الى التأمل، سيما مع العلم بأن المنشأ زعم صحة المعاملة. فبعد كشف الفساد وعدم الرضا بعده لم يكن هناك رضا في الحقيقة، فلكل منهما الرجوع الى المال أو بدله مع التلف، فإن الناس مسلطون على أموالهم. ولا فرق في الأموال بين الموجودة والتالفة، بمقتضى إطلاق النص، وصريح الجماعة. فالقاعدة على إطلاقها مع اشتهار العمل بها كذلك لا يكاد يختلجها ريبة ولا يدانيها شبهة. فالمناقشة فيها مطلقا أو في الجملة فاسدة. ولولا الإجماع في مسألة المعاطاة على عدم الرجوع في العين التالفة لكان اللازم فيها الرجوع إلى هذه القاعدة، ولكن الإجماع مانع وفارق بينها وبين المسألة، فقياسها بها مع بطلانه قياس مع الفارق. * (و) * يجب على البائع أن * (يرد عليه) * أي على المشتري * (ما زاد) * في المبيع * (بفعله) * مطلقا، منفعة كانت الزيادة * (كتعليم الصنعة) *


(1) راجع المسالك 3: 154.

[ 149 ]

أو عينا * (و) * هي المشار إليها ب‍ * (الصبغ على الأشبه) * الأشهر، وفاقا للنهاية (1) والمقنعة (2)، لأنها أثر فعله غير متبرع به فيكون له، مع استلزام عدم وجوب الرد الضرر والحيف عليه وإضاعة عمله، مع احترامه في الشريعة، حيث لم يوجد ما يوجب إبطاله. خلافا للمبسوط (3)، فلا يرد مطلقا، بل هو للبائع، لأنه نماء ملكه. وللحلي (4) فالتفصيل بين الزيادتين، فيجب الرد في الثانية إن أمكن الفصل، وإلا كان شريكا بالنسبة من القيمة، لا في الاولى، بل تكون تابعة للعين. ثم على المختار ينبغي تقييده بجهل القابض بالفساد، وإلا فتفصيل الحلي عند جماعة في المسألة مستحسن (5)، ولا بأس، فإنه - حينئذ - كالغاصب الذي ليس له الرجوع إلى المنفعة بالإجماع، كما في المهذب (6). * (وإذا أطلق النقد انصرف إلى نقد البلد) * لأنه في حكم التعيين، إذ ليس معه غرر ولا جهالة عرفا وعادة، وذلك واضح مع الوحدة، وكذا مع التعدد. وأغلبية البعض المنصرف إليه الإطلاق كالأول، بالضرورة، وكذا معه والتساوي في القدر. والقيمة والمالية وإن اختلفت الأفراد بحسب الرغبة - على قول - لا يخلو عن قوة إن لم يؤد التفاوت فيها إلى الغرر والجهالة، أو النزاع والمشاجرة، وإلا فهو محل مناقشة.


(1) النهاية 2: 146. (2) المقنعة: 593. (3) المبسوط 2: 126. (4) السرائر 2: 286. (5) منهم الشهيد الثاني في المسالك 3: 175. (6) الظاهر هو المهذب البارع 2: 361، فراجع.

[ 150 ]

فالأجود بطلان البيع فيه، وإن كان من الفروض النادرة، وكذا في التعدد، وعدم التساوي في الامور الثلاثة، وفاقا لإطلاق جماعة. * (وإن عين نقدا لزم) * مطلقا بلا إشكال، لكونه جزء من العقد المأمور بالوفاء به. * (ولو اختلفا في قدر الثمن) * فادعى البائع الأكثر والمشتري الأقل * (فالقول قول البائع مع يمينه إن كان المبيع قائما) * بعينه * (وقول المشتري مع يمينه إن كان تالفا) * على الأظهر الأشهر، بل عليه في الخلاف الاجماع (1)، وهو ظاهر الغنية (2)، حيث نسبه إلى الأصحاب مشعرا به، ونسب خلافه في الدروس إلى الندور (3)، وفيه نوع إشعار به أيضا. وهو الحجة، مضافا إلى المرسل - كالموثق بابن أبي نصر، الثقة، المجمع على تصحيح ما يصح عنه، مع أنه لم يرو إلا عن الثقة، كما في العدة (4) -: في الرجل يبيع الشئ فيقول المشتري: هو بكذا وكذا بأقل مما قال البائع، قال: القول قول البائع مع يمينه إذا كان الشئ قائما بعينه (5). ويستدل بمفهومه على الحكم الثاني - مع موافقته للأصل، المجمع عليه نصا وفتوى - من أن على المنكر اليمين، بناء على كون المشتري خاصة منكرا وإن توهم كونه مطلقا أو في الجملة، مدعيا لاندفاع التوهم برجوع النزاع إلى الزائد عن الثمن، لا إلى أصل الانتقال، لكونه بينهما مسلما. وهذا الأصل وإن عم منطوق الخبر - ولذا قيل به فيه أيضا، كما عن التذكرة (6) - إلا أن اعتبار السند بما مر، مضافا إلى روايته في الكتب


(1) الخلاف 3: 148، المسألة 236. (2) الغنية: 231. (3) راجع الدروس 3: 241 و 242، الدرس 251. (4) عدة الاصول 1: 387. (5) الوسائل 12: 383، الباب 11 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (6) التذكرة 1: 575 س 17.

[ 151 ]

الثلاثة (1)، واعتضاده بالشهرة العظيمة، وحكاية الإجماع المتقدمة مع أخصيته بالإضافة إلى الأصل. والقاعدة أوجب تخصيصها به، سيما مع تأيده بإطلاق الصحيح: إن اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا (2). وظاهر التتارك بقاء السلعة. وفي المسألة أقوال اخر نادرة، كادت تكون شاذة، مع عدم قيام دليل صالح على أكثرها، عدا القول المتقدم، وهو تقديم قول المشتري مطلقا. وفيه - زيادة على ما مضى - التأمل في الإطلاق جدا، لرجوع الأمر في بعض الصور الى التحالف كأن يدعي البائع البيع بألف درهم والمشتري البيع بغنم. فتأمل. وعلى المختار لو كانت العين قائمة لكنها قد انتقلت عن المشتري انتقالا لازما كالبيع والعتق ففي تنزيله منزلة التلف قولان، قيل أجودهما: العدم، لصدق القيام عليها، وهو البقاء، ومنع مساواته للتلف في العله الموجبة للحكم (3). ويحتمل قويا الثاني، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتبادر أو المتيقن من النص، وليس إلا إذا لم ينتقل العين عنه كذلك. ولو تلف بعضه ففي تنزيله منزلة تلف الجميع أو بقاء الجميع أو إلحاق كل جزء بأصله أوجه، أوجهها الأول، لصدق عدم قيامها بعينه، الذي هو مناط تقديم قول البائع، مضافا إلى الوجه المتقدم في تقوية القول الثاني. ومنه يظهر الوجه في تقديم قول المشتري لو امتزج العين بغيره إمتزاجا


(1) الكافي 5: 174، الحديث 1، والفقيه 3: 269، الحديث 3975، والتهذيب 7: 229، الحديث 21. (2) الوسائل 12: 383، الباب 11 من أبواب أحكام العقود الحديث 2. (3) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 537.

[ 152 ]

لا يمكن تخليصه، لعدم صدق القيام عرفا، فإن ظاهره أخص من الوجود، فتأمل جدا. * (و) * يجوز أن * (يوضع لظروف السمن والزيت) * ونحوهما * (ما كان) * وضعه لها * (معتادا لا زائدا) * (1) عليه، قال بعض الأفاضل: المراد أنه يجوز بيع الموزون، بأن يوزن مع ظرفه ثم يسقط من المجموع مقدار الظرف تخمينا، بحيث يحتمل كونه مقدار الظروف لا أنقص ولا أزيد، بل وإن تفاوت لا يكون إلا بشئ يتساهل بمثله عادة، ثم يدفع ثمن الباقي مع الظرف إلى البائع (2). ويظهر من بعض العبارات عدم احتياج الإندار المحتمل للأمرين إلى المراضاة، وإنما المحتاج إليها الثاني. وهما ظاهر الأصحاب، كالمتن وغيره. فيكون الإندار في الأول قهريا، ولعله للموثق: إنا نشتري الزيت في ازقاقه ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الأزقاق، فقال (عليه السلام): إن كان يزيد وينقص - يعني يحتملهما كما فهمه الأصحاب - فلا بأس، وإن كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه (3). بناء على أن المراد نفي البأس على الإطلاق، حصل المراضاة أم لا، من حيث اختصاص النهي عن الإندار للزائد بالصورة الثانية، لكون الجواز في الاولى مقطوعا به بين الأصحاب، فإن الناس مسلطون على أموالهم. فظهر أن نفي البأس عن الإندار في الشق الأول إنما هو في الصورة الثانية، التي وقع النهي فيها عنه في الشق الثاني خاصة أو مطلقا، إلا أن في بعض النصوص القاصرة الأسانيد اشتراط التراضي في الشق الأول أيضا.


(1) في المتن المطبوع: ويوضع لظروف السمن والتمر ما هو معتاد، لا ما يزيد. (2) مجمع الفائدة 8: 190. (3) الوسائل 12: 273، الباب 20 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 4.

[ 153 ]

ففي رواية: أنه يطرح لظروف السمن والزيت لكل ظرف كذا وكذا رطلا فربما زاد وربما نقص، قال: إذا كان ذلك عن تراض منكم فلا بأس (1). ونحوه في اخرى مروية عن قرب الإسناد (2). ومراعاتهما أحوط وإن كان في التعيين نظر. ويستفاد من الخبر الأول - كالعبارة ونحوها - جواز الإندار للناقص، من دون توقف على التراضي، ولعله لما يستفاد من كلمة الأصحاب وغيرها كون الإندار حقا للمشتري وبيده، فله إسقاط ما يضر به. وليس للبائع التسلط عليه في منعه عن ذلك، وهو واضح. فما ذكره بعض الأصحاب من إلحاق ذلك بإندار الزائد في التوقف على المراضاة (3) مشكل على إطلاقه، وإنما يصح فيما لو كان الإندار بيد البائع أو مشتركا بينهما. وأما لو كان بيد المشتري - كما هو ظاهرهم حتى الملحق - فلا، لما مضى. * (الخامس:) * من الشرائط في كل من الثمن والمثمن * (القدرة على تسليمه) * بلا خلاف، بل عليه الإجماع في الغنية (4) وعن التذكرة (5)، وهو الحجة، مضافا إلى استلزام البيع مع عدمها الغرر والسفاهة. * (فلو باع) * الحمام الطائر أو غيره من الطيور المملوكة لم يصح، إلا أن يقتضي العادة بعوده فيصح عند جماعة (6). ولا يخلو عن قوة، لعموم الأدلة، وانتفاء الموانع من الإجماع للخلاف، مع شهرة الجواز والغرر، لانتفائه عرفا، لتنزيل اعتياد العود فيه منزلة التحقق، فهو كالعبد المنفذ في الحوائج والدابة المرسلة.


(1) الوسائل 12: 272، الباب 20 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (2) قرب الاسناد: 113. (3) راجع مجمع الفائدة 8: 190. (4) الغنية: 211. (5) التذكرة 1: 466 س 22. (6) الشرائع 2: 17، والحدائق 18: 434.

[ 154 ]

خلافا للفاضل في النهاية فاحتمل بطلانه (1). ولو باع المملوك * (الآبق) * المتعذر تسليمه * (منفردا لم يصح) * إجماعا نصا وفتوى، إلا إذا قدر المشتري على تحصيله دون البائع فجائز حينئذ عند جماعة (2)، بل ربما ظهر من الإنتصار (3) أنه مما انفردت به الإمامية. وهو كذلك، لعموم الأدلة، وانتفاء الموانع من الإجماع، للخلاف (4) والغرر، لاندفاعه بالفرض. خلافا للشيخ (5) ومن تبعه فكما لا يقدر، لإطلاق ما سيأتي من النص. وفي شموله لمحل الفرض نظر. وعلى المختار لو بيع مع الضميمة لم يلحقها أحكامها الآتية، فيوزع الثمن عليهما لو لم يقدر على تحصيله أو تلف قبل القبض. ولا يتخير المشتري لو لم يعلم بإباقه، ولا يشترط في الضميمة صحة أفرادها بالبيع، لأنه حينئذ بمنزلة المقبوض، وغير ذلك من الأحكام. * (ويصح) * بيع الآبق الذي لم يقدر عليه كل منهما * (لو ضم إليه شئ (6)) * يصح بيعه منفردا إجماعا، كما في الإنتصار (7) والغنية (8) والتنقيح (9) وهو الحجة المخصصة للقاعدة. مضافا إلى المعتبرة كالصحيح: أيصلح لي أن أشتري من القوم الجارية الآبقة وأعطيهم الثمن فأطلبها أنا ؟ قال: لا يصلح شراؤها، إلا أن تشتري منهم معها ثوبا أو متاعا، فتقول لهم: أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا


(1) النهاية 2: 481. (2) المختلف 5: 216، واللمعة 3: 250. (3) الانتصار: 209. (4) في " ش، ه‍ ": زيادة: والسفاهة. (5) النهاية 2: 192. (6) في المتن المطبوع: شيئا. (7) الانتصار: 209. (8) الغنية: 212. (9) التنقيح 2: 35.

[ 155 ]

المتاع بكذا وكذا، فإن ذلك جائز (1). والموثق: في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله، قال: لا يصلح، إلا أن يشتري معه شيئا آخر ويقول: أشتري منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا، فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه (2). ويستفاد منه ما ذكره الأصحاب من غير خلاف يعرف من أنه إن وجده المشتري وقدر على إثبات يده عليه، وإلا كان الثمن بازاء الضميمة [ كان عدم القدرة للتلف أو غيره ] (3)، مضافا إلى إقدامه إلى كون الثمن بازاء الجملة وإيقاعه العقد عليه، فيجب عليه الوفاء به، ونزل الآبق - حينئذ - بالنسبة إلى الثمن منزلة المعدوم، ولكن لا يخرج بالتعذر عن ملك المشتري، فيصح عتقه عن الكفارة وبيعه لغيره مع الضميمة. وأنه لا خيار للمشتري بعدم القدرة على تسلمه مع العلم بإباقه، مضافا إلى قدومه على النقص، فلا تسلط له على البائع حينئذ. وأما لو جهل جاز الفسخ إن كان البيع صحيحا، دفعا للضرر. ولا ينافيه الخبر، لكونه في العلم بالإباق ظاهرا، بل صريحا. ثم إنه يشترط في بيعه ما يشترط في غيره، من كونه معلوما موجودا عند العقد وغير ذلك، سوى القدرة على تسليمه، لعموم الأدلة، فلو ظهر تلفه حين البيع أو استحقاقه لغير البائع أو مخالفا للوصف بطل البيع فيما يقابله من الثمن في الأولين وتخير المشتري في الثالث على الظاهر. ولا يلحق بالآبق وغيره مما في معناه، كالبعير الشارد والفرس الغائر على الأشهر الأقوى، بل المملوك المتعذر تسليمه بغير الإباق أيضا، اقتصارا


(1) الوسائل 12: 262، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (2) الوسائل 12: 263، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 2. (3) مابين المعقوفتين لا يوجد في نسخة " م " والمطبوع.

[ 156 ]

فيما خالف الأصل المتقدم على المنصوص، فلا يجوز بيعه منفردا ولا منضما، إلا أن يكون الضميمة بالذات مقصودة، كما مضى. وأما الضال والمجحود من غير إباق، فقيل: يصح بيعهما، ويراعى بإمكان التسليم، فإن أمكن في وقت قريب لا يفوت به شئ من المنافع يعتد به، أو رضي المشتري بالصبر إلى أن يسلم لزم، وإن تعذر فسخ المشتري إن شاء، وإن شاء التزم وبقي على ملكه ينتفع به بالعتق ونحوه (1). ويحتمل قويا - وفاقا للروضة (2) - بطلان البيع، لفقد شرط الصحة، وهو إمكان التسليم، المستلزم للغرر والسفاهة عرفا وعادة، اللذين هما المعيار في إثبات هذا الشرط من أصله. نعم لو حصل العلم أو الظن المتاخم له بإمكان التسليم أمكن المصير إلى الأول. * (وأما الآداب) * * (فالمستحب: التفقه فيه) * ولو بالتقليد للعارف الفقيه فيما يتولاه بنفسه من التكسب، ليعرف صحيح العقد من فاسده، ويسلم من الربا. * (والتسوية بين المبتاعين) * بتقديم الباء المنقطة تحتها نقطة على التاء بالنقطتين الفوقانيتين، جمع مبتاع في الإنصاف، وحسن المعاملة، فلا يفرق بين المماكس وغيره، ولا بين الشريف والوضيع. نعم لو فاوت بينهم بسبب فضيلة وديانة فلا بأس، كما ذكره جماعة (3). قيل: ولكن يكره للآخذ قبول ذلك، ولقد كان السلف يوكلون في الشراء ممن لايعرف، هربا من ذلك (4).


(1) القائل هما الشهيدان في اللمعة والروضة 3: 251. (2) الروضة 3: 251. (3) منهم الشهيد الثاني في الروضة 3: 286. (4) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 286.

[ 157 ]

* (والإقالة) * وفسخ المعاملة * (لمن استقاله) * وطلبه إذا كان مؤمنا مشتريا كان أو بائعا. * (والشهادتان) * بالتوحيد والرسالة * (والتكبير عند الابتياع) * أي بعده قائلا بعدهما: اللهم إني اشتريته التمس فيه من فضلك فاجعل لي فيه فضلا، اللهم إني اشتريته التمس فيه من رزقك فاجعل لي فيه رزقا، كما في الصحيحين. وفيهما: ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات (1). وظاهر الدعاء اختصاص استحبابه للشراء للتجارة، لا مطلقا، ومع ذلك ظاهرهما استحباب التكبير خاصة بهذه الكيفية، لا مطلقا. فإلحاق الشهادتين به والحكم باستحبابهما من دون (2) الكيفية - كما في العبارة وغيرها - لم أقف لهما من الأثر على دلالة. ولعلهما للميمنة والبركة، ولا بأس بهما، للمسامحة في أدلة السنن والكراهة، مع أنه ورد الأمر بالشهادتين في خبرين، لكن مع دعائين بعدهما، مختلفي الكيفية. إحداهما: فيمن دخل سوقا أو مسجد جماعة، كما في أحدهما (3). وثانيتهما: فيما إذا جلس التاجر مجلسه، كما في الآخر (4). * (وأن يأخذ ناقصا ويعطي راجحا) * نقصانا ورجحانا لا يؤدي إلى الجهالة، بأن يزيد كثيرا، بحيث يجهل مقداره تقريبا. ولو تنازعا في تحصيل الفضيلة، قيل: قدم من بيده الميزان والمكيال،


(1) الوسائل 12: 304، الباب 19 من أبواب آداب التجارة الحديث 1 و 2. (2) في " م، ق ": من دونها، وفي " ش، ه‍ ": من دونهما. (3) الوسائل 12: 301، الباب 18 من أبواب آداب التجارة الحديث 3. (4) الوسائل 12: 300، الباب 18 من أبواب آداب التجارة الحديث 1.

[ 158 ]

لأنه الفاعل المأمور بذلك، زيادة على كونه معطيا وآخذا (1). ولا خلاف في شئ من ذلك، والنصوص بالجميع - سوى ما تقدمت إليه الإشارة - مستفيضة. منها: الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الامة دبيب أخفى من دبيب النملة على الصفا (2). ومنها في المفاوت بين المماكس وغيره بإعطاء الزائد وعدمه: لو كان يزيد الرجلين والثلاثة لم يكن بذلك بأس، فأما أن يفعله لمن أبى عليه وكايسه ويمنعه ممن لم يفعل فلا يعجبني، إلا أن يبيعه بيعا واحدا (3). ومنها: أيما عبد مسلم أقال مسلما في بيع أقاله الله تعالى عثرته يوم القيامة (4). وليس فيه - كعبارة - تقييد الإقالة بصورة الندامة. خلافا لجماعة، فقيدوها بها (5)، حملا للإطلاق عليه، لأنه الغالب في أفراده، والتفاتا إلى ورود القيد في الخبر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يأذن لحكيم ابن حزام في تجارته حتى ضمن له إقالة النادم، الحديث (6). وفي الموثق المروي عن الخصال: أربعة ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة وعد منهم: من أقال نادما (7). والتحقيق: أنه ليس فيهما - كعبارة هؤلاء الجماعة - نفي الإستحباب


(1) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 291. (2) الوسائل 12: 282، الباب 1 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (3) الوسائل 12: 295، الباب 11 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (4) الوسائل 12: 286، الباب 3 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (5) اللمعة والروضة 3: 286. (6) الوسائل 12: 286، الباب 3 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (7) الخصال 1: 224، الحديث 55.

[ 159 ]

عما عدا محل القيد، فالإطلاق أولى، مع ما فيه من قضاء الحاجة، وادخال المسرة في قلب الأخ المؤمن، المندوب إليهما مطلقا في الشريعة. ومنها: لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان (1). والأخبار بمعناه كثيرة، إلا أن غاية ما يستفاد منها استحباب إعطاء الراجح. ولم أقف على ما يدل على الحكم المقابل صريحا، بل ولا ظاهرا، وإن كان في آية المطففين وبعض النصوص نوع إشعار به. ففي الخبر: من أخذ الميزان بيده فنوى أن يأخذ لنفسه وافيا لم يأخذ إلا راجحا، ومن أعطى فنوى أن يعطي سواء لم يعط إلا ناقصا (2)، فتأمل جدا. * (والمكروه) * امور: * (مدح البائع) * سلعته * (وذم المشتري) * لها * (والحلف) * على البيع والشراء، للمستفيضة. منها: من باع واشترى فليحفظ خمس خصال، وإلا فلا يشترين ولا يبيعن: الربا، والحلف، وكتمان العيب، والمدح إذا باع والذم إذا اشترى (3). ومنها: ثلاثة لا ينظر الله تعالى إليهم، أحدهم: رجل اتخذ الله تعالى بضاعة لا يشتري إلا بيمين ولا يبيع إلا بيمين (4). ومنها: ويل للتاجر من لا بضاعة لا يشتري إلا بيمين ولا يبيع إلا بيمين (4). ومنها: ويل للتاجر من لا والله وبلى والله (5). وموضع الأدب الحلف صادقا، وأما الكاذب فعليه لعنة الله تعالى. * (والبيع في موضع يستر فيه العيب) * من غير قصد إليه، والا فيحرم،


(1) الوسائل 12: 291، الباب 7 من أبواب آداب التجارة الحديث 3. (2) الوسائل 12: 291، الباب 7 من أبواب آداب التجارة الحديث 5. (3) الوسائل 12: 284، الباب 2 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (4) الوسائل 12: 309، الباب 25 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (5) الوسائل 12: 310، الباب 25 من أبواب آداب التجارة الحديث 5، مع اختلاف يسير.

[ 160 ]

للصحيح: أن البيع في الضلال غش، والغش لا يحل (1). * (و) * التماس * (الربح على المؤمن) *. ففي الخبر: ربح المؤمن على المؤمن حرام، إلا أن يشتري بأكثر من مائة درهم فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم وارفقوا بهم (2). وظاهره الحرمة، إلا أن الأصل مع ضعف السند وعموم أدلة جواز المرابحة وخصوص الخبر: إن وليت أخاك - أي بعته بالتولية ورأس المال - فحسن وإلا فبع بيع البصير المداق (3)، أوجب الحمل على الكراهة، مع احتمال الابقاء على الظاهر، والتخصيص من وجه آخر، وهو الحمل على زمان قيام مولانا القائم (عليه السلام)، كما فسر في الخبر، حيث سئل فيه عن تفسيره (4). قيل: ويستفاد من آخر وروده مورد التقية (5). وفيه نظر. وكيف كان، فلا ريب في الكراهة مسامحة في أدلتها، سيما مع فتوى الأصحاب بها كافة. * (إلا مع الضرورة) * فيأخذ منهم نفقة يوم له ولعياله موزعة على المعاملين في ذلك اليوم مع انضباطهم، وإلا ترك الربح على المعامل بعد تحصيل قوت يومه، كل ذلك مع شرائهم للقوت، اما للتجارة فلا كراهة مع الرفق، كما دلت عليه الرواية. * (و) * التماسه أيضا * (على من يعده بالاحسان) * بأن يقول له: هلم احسن إليك (6) فيجعل إحسانه الموعود به ترك الربح عليه.


(1) الوسائل 12: 208، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (2) الوسائل 12: 293، الباب 10 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (3) الوسائل 12: 293، الباب 10 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (4) الوسائل 12: 294، الباب 10 من أبواب آداب التجارة الحديث 4. (5) القائل هو صاحب الحدائق 18: 26. (6) في المطبوع: احسن بيعك.

[ 161 ]

ففي الخبر: إذا قال الرجل للرجل: هلم أحسن بيعك يحرم عليه الربح (1). والجواب عن الحرمة بعين ما مر في الرواية السابقة. * (والسوم) * وهو الاشتغال بالتجارة * (ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) * لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عنه، كما في الخبرين (2)، مع أنه وقت دعاء ومسألة من الله سبحانه لا وقت تجارة، وفي الخبر: أن الدعاء فيه أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد (3). * (ودخول السوق أولا) * والخروج آخرا، بل يبادر الى قضاء حاجته ويخرج منه سريعا، لأنه مأوى الشياطين، كما أن المسجد مأوى الملائكة فيكون على العكس. ففي مرسل الفقيه: شر بقاع الأرض الأسواق، وهي ميدان إبليس يغدو برايته ويضع كرسية ويبث ذريته، فبين مطفف في قفيز، أو طائش في ميزان، أو سارق في ذرع، أو كاذب في سلعة، فيقول عليكم برجل مات أبوه وأبوكم حي، فلا يزال مع ذلك أول داخل وآخر خارج. [ ثم قال ] (4): وخير البقاع المساجد، وأحب أهلهم إلى الله تعالى أولهم دخولا وآخرهم خروجا منها (5). ونحوه المروي في المجالس بزيادة " وأبغض أهل الأسواق أولهم دخولا إليها وآخرهم خروجا منها " (6). ولا فرق في ذلك بين التاجر وغيره، ولا بين أهل السوق عادة وغيرهم. * (ومبايعة الأدنين) * قيل: وهم الذين يحاسبون على الشئ الدون، أو من لا يسره الإحسان ولا يسوءه الإساءة، أو من لا يبالي بما قال ولا


(1) الوسائل 12: 292، الباب 9 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (2) الوسائل 12: 295، الباب 12 من أبواب آداب التجارة الحديث 2 وذيله. (3) الوسائل 4: 1117، الباب 25 من أبواب الدعاء الحديث 1. (4) أثبتناه من الفقيه. (5) الفقيه 3: 199، الحديث 3751. (6) أمالي الطوسي 1: 144.

[ 162 ]

ما قيل له (1)، وفي الفقيه نسب التفاسير الثلاثة إلى الأخبار، لكن في تفسير السفلة (2). * (وذوي العاهات) * والنقص في أبدانهم، كالجنون والجذام والبرص والعمى والعرج. * (والأكراد) * وهم معروفون. ولا خلاف في الكراهة في شئ من الثلاثة، والنصوص بها مستفيضة. ففي عدة منها: لا تخالطوا ولا تعاملوا إلا من نشأ في الخير (3). وفي رواية: إياكم ومخالطة السفلة فإن السفلة لا تؤول إلى خير (4). وفي عدة منها أيضا: لا تعامل ذا عاهة فإنهم أظلم شئ (5). وفي الخبر: ان عندنا قوما من الأكراد لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم ونبايعهم، فقال: لا تخالطوهم، فإن الأكراد حي من أحياء الجن كشف الله تعالى عنهم الغطاء فلا تخالطوهم (6). * (والتعرض ل‍) * مباشرة * (الكيل أو الوزن إذا لم يحسن) * شيئا منهما، حذرا من الزيادة والنقصان المؤديين إلى المحرم. وفي الروضة: وقيل: يحرم حينئذ للنهي عنه في الأخبار المقتضي للتحريم، وحمل على الكراهة (7)، إنتهى. ولم أقف على هذا النهي.


(1) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 293. (2) الفقيه 3: 165، ذيل الحديث 3605. (3) الوسائل 12: 306، الباب 21 من أبواب آداب التجارة. (4) الوسائل 12: 308، الباب 24 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (5) الوسائل 12: 307، الباب 22 من أبواب آداب التجارة. (6) الوسائل 12: 307، الباب 23 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (7) الروضة 3: 294.

[ 163 ]

نعم في المرسل: قلت له: رجل من نيته الوفاء وهو إذا كان لم يحسن الكيل، قال: فما يقول الذين حوله ؟ قلت: يقولون لا يوفي، قال: هذا لا ينبغي له أن يكيل (1). وهو مع إرساله واختصاصه بالكيل غير ظاهر في التحريم، بل مشعر بالكراهة، كما ذكره جماعة. * (والاستحطاط) * أي طلب الوضيعة من الثمن * (بعد الصفقة) * للخبرين. في أحدهما: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الإستحطاط بعد الصفقة (2). وفي بعض النسخ بدل " الصفقة " " الضمنة " بالنون، أي لزوم البيع وضمان كل منهما به ما صار إليه. وفي الثاني: الوضيعة بعد الصفقة حرام (3). وظاهرهما التحريم، إلا أن قصور السند مع الأصل وشهرة الكراهة بل الإجماع عليها أوجب الحمل على الكراهة، سيما مع ورود الرخصة به في المستفيضة. منها: الرجل يشتري من رجل البيع فيستوهبه بعد الشراء من غير أن يحمله على الكره، قال: لا بأس (4). ومنها: الرجل يشتري المتاع ثم يستوضع، قال: لا بأس (5). ونحوهما خبران آخران (6). لكن الخبرين الأولين معتبرا السند لوجود ابن أبي عمير في سند الأول،


(1) الوسائل 12: 292، الباب 8 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (2) الوسائل 12: 333، الباب 44 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (3) الوسائل 12: 334، الباب 44 من أبواب آداب التجارة الحديث 6. (4) الوسائل 12: 334، الباب 44 من أبواب آداب التجارة الحديث 7. (5) الوسائل 12: 333، الباب 44 من أبواب آداب التجارة الحديث 3. (6) الوسائل 12: 334، الباب 44 من أبواب آداب التجارة الحديث 4 و 5.

[ 164 ]

الجابر جهالة الراوي بعده، ووثاقة الرواة في الثاني في التهذيب (1)، وإن ضعف في الكافي (2). إلا أن معارضتهما للمستفيضة المنجبرة بالأصل والشهرة غير واضحة، سيما مع اعتبار سند بعضها بوجود صفوان، الذي أجمعت على تصحيح ما يصح عنه العصابة، فمثله يوازي الرواية الأولة. وأما الثانية وإن كانت صحيحة، إلا أن ظاهر سياقها الذي تركناه الحرمة في الوضيعة، مطلقا ولو بدون الاستحطاط، ولم أقف على من قال به حرمة، ولا كراهة، فتشذ الرواية. * (والزيادة) * في السلعة * (وقت النداء) * عليها من الدلال، بل يصبر حتى يسكت ثم يزيد، للدلالة على الحرص على الدنيا المرغوب عنه، وللخبر: إذا نادى المنادي فليس لك أن تزيد، وإنما يحرم الزيادة النداء ويحلها السكوت (3). * (ودخوله في سوم أخيه) * المؤمن بيعا أو شراءا، بأن يطلب ابتياع الذي يريد أن يشتريه ويبذل زيادة عنه ليقدمه البائع، أو يبذل للمشتري متاعا غير ما اتفق عليه هو والبائع، للنهي عنه في خبر المناهي المروي في الفقيه (4). وهو وإن اقتضى التحريم، إلا أن الأصل مع ضعف السند وشهرة الكراهة أوجب الحمل عليها، سيما مع تضمنه كثيرا من النواهي التي هي لها بإجماع الطائفة. فالفتوى بالحرمة - كما عن الطوسي (5) وجماعة - ضعيفة، وإن ايدت بأن فيه كسر قلب الأخ المؤمن، وبأحاديث الحقوق المشهورة للشك في إفادة الأول الحرمة في نحو المسألة، والأحاديث محمولة على الكراهة، ولهذا لم


(1) التهذيب 7: 80، الحديث 346. (2) الكافي 5: 286، الحديث 2. (3) الوسائل 12: 337، الباب 49 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (4) الفقيه 4: 5، الحديث 4968. (5) المبسوط 2: 160.

[ 165 ]

يقولوا بوجوب المساواة في الأموال والشبع والجوع. وما يقال: من أن العمل بالأحاديث يلزم إلا ما خرج بالإجماع، مدفوع باستلزامه خروج الأكثر عن العام، المقتضي لخروجه عن الحجية، على الأظهر الأشهر بين الطائفة، فلم يبقى إلا حملها على الكراهة. وإنما يكره أو يحرم بعد التراضي أو قرينة خاصة، فلو ظهر له ما يدل على عدمه فلا كراهة ولا تحريم، للأصل، وعدم صدق الدخول في السوم حينئذ عادة، وادعى عليه الإتفاق في المسالك (1) ولو كان السوم بين اثنين، سواء دخل أحدهما على النهي، أم لا بأن ابتدءا فيه معا قبل محل النهي، لم يجعل نفسه بدلا عن أحدهما، لصدق الدخول في السوم جدا. ولا كراهة فيما يكون في الدلالة، لأنها عرفا موضوعة لطلب الزيادة مادام الدلال يطلبها، فإذا حصل الإتفاق بين الدلال وبين الغريم تعلقت الكراهة، لأنه لا يكون حينئذ في الدلالة وإن كان بيد الدلال. ولا كراهة في طلب المشتري من بعض الطالبين الترك، إقتصارا فيما خالف الأصل على المتبادر، أو المتيقن من النص، وهو الدخول في السوم بغير هذا النحو، إلا أن يستلزم لجبر الوجه فيكره، لعدم الرضا في نفس الأمر، مع احتمال العدم، للأصل المتقدم. وكيف كان، لا كراهة في ترك الملتمس منه قطعا، بل ربما يستحب، لأن فيه قضاء حاجة لأخيه المؤمن. قيل: ويحتمل الكراهة لو قلنا بكراهة طلبه لاعانته له على فعل المكروه (2). وفيه نظر، إذ لا دليل على الكلية بعد تسليم موضوعها، وإنما هو لو تم


(1) المسالك 3: 187. (2) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 296.

[ 166 ]

في الأمر المحرم خاصة، مع أن المكروه إنما هو طلب الترك وقد حصل من من الطالب، من دون توقف على إعانة الملتمس، فليس في إجابته له إعانة على الكراهة. فتأمل. * (وأن يتوكل) * في بيع المال * (حاضر لباد (1)) * وهو الغريب الجالب للبلد وإن كان قرويا، للنصوص. منها: لا يبيع حاضر لباد، والمسلمون يرزق الله تعالى بعضهم من بعض. وفي بعض النسخ: ذروا المسلمين يرزق الله تعالى (2). ونحوه المروي عن مجالس الشيخ (3). وسئل عن تفسيره في بعضها ؟ فقال: إن الفواكه وجميع أصناف الغلات إذا حملت من القرى فلا يجوز أن يبيع لهم أهل السوق لهم من الناس ينبغي أن يبيعه حاملوه من القرى والسواد (4). وظاهره الاختصاص بالنوعين لا كل ما يجلب، كما هو ظاهر الأصحاب، ولذا اقتصر عليهما بعض المتأخرين (5). والعموم أولى تبعا لهم، إلتفاتا إلى عموم التعليل، وحملا للمفسر على الغالب. ومنه - مضافا إلى التعليل - يظهر الوجه في تعميم البادي للقروي. وظاهر النهي التحريم * (و) * لذا * (قيل: يحرم) * كما عن الخلاف (6) والمبسوط (7) والسرائر (8) والوسيلة (9) إلا أن الأصل مع ضعف الأسانيد


(1) في المتن المطبوع: الحاضر للبادي. (2) الوسائل 12: 327، الباب 37 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (3) أمالي الطوسي 2: 11. (4) الوسائل 12: 327، الباب 37 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (5) راجع الحدائق 18: 53. (6) الخلاف 3: 172، المسألة 281. (7) المبسوط 2: 160. (8) السرائر 2: 238. (9) الوسيلة: 260.

[ 167 ]

أوجب المصير إلى الأول، وفاقا للأكثر. وفي الصحيح: قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالأجر له فيقولون له: أقرضنا دنانير - إلى أن قال: - لا بأس به (1)، الحديث. وفيه نوع تأييد للجواز، مع إمكانه بعموم الأخبار المرخصة للسمسار في الوكالة لبيع أموال الناس. وذكر للحكم كراهة أو تحريما (2) شروط خمسة، لا دليل على شئ منها، سوى علم الحضري بالنهي، لإناطة التكليف على الإطلاق به وجهل الغريب بسعر البلد، فلو علم به لم يكره، لإشعار التعليل باشتراطه. ولو باع مع النهي انعقد وإن قلنا باقتضائه الفساد على الإطلاق، لتعلقه هنا بالخارج. قيل: ولا بأس بشراء البلدي له، للأصل، واختصاص النصوص بالبيع (3). ويضعفان بعموم التعليل " ذروا الناس (4) يرزق الله تعالى بعضهم من بعض " إلا إني لم أقف على قائل به. فالتخصيص بالبيع أولى وإن كانت الكراهة محتملة لما مضى، للتسامح، والإكتفاء فيها بمثله جدا. ثم إن المحرمين اختلفوا في إطلاق التحريم، تبعا لإطلاق النص كما في الأول، أو تقييده بما يضطر إليه كما في الثاني، أو بما إذا حكم عليه الحاضر فباع بدون رأيه أو أكرهه على البيع بغلبة الرأي كما في الثالث، أو بيع الحاضر للبادي في البلد ولا في الحضر كما في الرابع. ولا دليل على شئ من ذلك.


(1) الوسائل 13: 105، الباب 19 من أبواب الدين والقرض الحديث 10. (2) في " م ": بالكراهة أو التحريم. (3) القائل هو صاحب المسالك 3: 188. (4) تقدم بلفظ " ذروا المسلمين ".

[ 168 ]

* (وتلقي الركبان) * القاصدين إلى بلد البيع والخروج إليهم للبيع عليهم والشراء منهم، للمعتبرة. ففي الخبر: لا تلق ولا تشتر ما تلقى ولا تأكل منه (1). وفي آخر: لا تلق، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن التلقي، قلت: وما حد التلقي ؟ قال: ما دون غدوة أو روحة، قلت: وكم الغدوة والروحة ؟ قال: أربع فراسخ (2). وظاهر النهي التحريم، وبه قال الطوسي في المبسوط (3) والخلاف (4) والقاضي (5) والحلي في السرائر (6) والعلامة في المنتهى (7) والمحقق الشيخ علي (8)، وهو ظاهر الدروس (9) وغيره، لاعتبار سند الخبرين بوجود ابن محبوب في الأول وابن أبي عمير في الثاني، مع صحة السند إليهما، وهما ممن أجمعت (10) العصابة على تصحيح ما يصح عنهما. خلافا لأكثر من تأخر (11) فالكراهة، للأصل، وضعف السند. ويضعفان بمامر. فإذا القول بالتحريم أظهر، سيما مع اعتضاد الخبرين بوجه آخر، وهو عمل الحلي بهما، مع اقتصاره في العمل بأخبار الآحاد على ما احتف منها بالقرائن القطعية جدا، مع دعوى الشيخ عليه الإجماع في الخلاف (12).


(1) الوسائل 12: 326، الباب 36 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (2) الوسائل 12: 326، الباب 36 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (3) المبسوط 2: 160. (4) الخلاف 3: 172، المسألة 282. (5) لم نعثر عليه، حكاه عنه في المختلف 5: 42. (6) السرائر 2: 237. (7) المنتهى 2: 1005 س 35. (8) جامع المقاصد 4: 52. (9) الدروس 3: 179، الدرس 235. (10) في خ ل من المطبوع و " ق، ه‍ ": اجتمعت. (11) في " م " زيادة: لخبرين. (12) الخلاف 3: 173، المسألة 282.

[ 169 ]

* (وحده) * عند الأصحاب بلا خلاف، كما عن الخلاف (1) والمنتهى (2) * (أربعة فراسخ فما دون) * ولكن النص المتقدم لا يساعده، لظهوره في التحديد بما دونها، كما عن ابن حمزة (3). ولعل التحديد إليها في كلامهم - بناء على عدم إنضباط الدون في الرواية مع معارضة هذا النص بنص آخر مصرح بالتحديد - بالروحة، المفسرة في النص المتقدم بالأربعة فراسخ، وليس في سنده سوى منهال القصاب، المنجبر جهالته بوجود ابن محبوب المتقدم في سنده. وهذا أرجح وإن ماثله الأول في السند، لفتوى الأصحاب به دونه. وكيف كان فلا يكره ما زاد، لأنه سفر للتجارة. ثم إن مقتضى الأصل واختصاص النص بحكم التبادر بصورتي القصد إلى الخروج وجهل الركب القادم بسعر المتاع في البلد تخصيص الحكم تحريما أو كراهة بهما، فلو اتفق مصادفته الركب في خروجه لغرض لم يكن به بأس. وكذا لو خرج قاصدا مع الندامة والرجوع عنه بعد الخروج على احتمال قوي. وكذا لو علم الركب بالسعر لم يكره، لما مر، مضافا إلى إشعار التعليل به في الخبر: لا يتلقى أحدكم تجارة خارجا عن المصر... والمسلمون يرزق الله تعالى بعضهم من بعض (4). ومنه يستفاد انتفاء الحكم في الشراء أو البيع منه بعد وصوله إلى حدود


(1) الخلاف 3: 173، المسألة 282، وفي المطبوع بدل " الخلاف ": النهاية. (2) المنتهى 2: 1006 س 19. (3) الوسيلة: 260. (4) الوسائل 12: 326، الباب 36 من أبواب آداب التجارة الحديث 5، وذيله في الباب 8 من تلك الأبواب ص 327 الحديث 1.

[ 170 ]

البلد، لعدم صدق الخروج عن المصر حينئذ، إلا أن عموم التعليل فيه ربما يدل على المنع فيه أيضا. وعلى القولين يصح البيع، لتعلق النهي بالخارج، إلا أن النهي عن أكل ما تلقي وشرائه في الخبر الأول ربما أشعر بالفساد، كما عن الإسكافي (1). * (و) * على الصحة * (يثبت الخيار) * للركب * (إن ثبت الغبن) * الفاحش على الأشهر الأظهر، إذ لا ضرر ولا ضرار في الشرع. وهل هو على التراخي، أم الفور ؟ قولان، والاستصحاب يقتضي المصير إلى الأول، كما عن التحرير، وفاقا للطوسي، إلا أنه قيده بثلاثة أيام، كما عن التحرير أيضا (2). خلافا للأكثر فالثاني، اقتصارا (3) فيما خالف الأصل، الدال على لزوم البيع على أقل ما يندفع به الضرر، الموجب لهذا الخيار من أصله. * (والزيادة في السلعة مواطاة للبائع) * يعني لا يقدم على شئ لا يريده بما فوق ثمنه ترغيبا للمشتري، للمروي عن معاني الأخبار: قال: لا تناجشوا ولا تدابروا، قال: ومعناه أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيد بزيادته، والناجش خائن، والتدابر الهجران (4). والأصح التحريم، وفاقا للأكثر، كما حكي، بل نفى عنه في المهذب (5) الخلاف، وعن المنتهى (6) والمحقق الثاني الإجماع عليه (7). وهو الحجة، مضافا إلى أنه غش * (وهو) * المسمى ب‍ * (النجش) *. ولا يبطل به البيع وإن تخير المشتري مع الغبن، لنفي الضرر، وفاقا للأكثر


(1) كما في المختلف 5: 44. (2) لم نعثر عليهما في التحرير ولا في كتب الشيخ، كما صرح به صاحب مفتاح الكرامة 4: 105. (3) في " م ": وقوفا. (4) معاني الأخبار: 284. (5) الظاهر أنه المهذب البارع 2: 366، كما في مفتاح الكرامة، فراجع. (6) المنتهى 2: 1004 س 19. (7) جامع المقاصد 4: 39.

[ 171 ]

في الأول، بل نفى عنه الخلاف في الخلاف (1) والفاضل (2) وغيره في الثاني. خلافا للإسكافي في الأول فأبطله إن كان من فعل البائع (3). وللخلاف في الثاني فنفى الخيار على الإطلاق، للأصل، وانحصار العيب الموجب له فيما كان في المبيع خاصة (4). ويضعفان بما مر. وللقاضي فأثبت الخيار مطلقا، للتدليس (5). وليس بشئ. * (والاحتكار) * وهو افتعال من الحكرة بالضم * (وهو حبس) * الطعام، كما عن الجوهري (6)، أو مطلق * (الأقوات) * يتربص به الغلاء، للنهي عنه في المستفيضة. منها الصحيح: إياك أن تحتكر (7). والمعتبر بوجود فضالة - المجمع على تصحيح رواياته - في سنده، فلا يضر اشتراك راويه بين الثقة والضعيف، وعلى تقدير تعينه فقد ادعى الطوسي الإجماع على قبول روايته (8)، ولذا عد موثقا، وربما قيل بوثاقته، وفيه: لا يحتكر الطعام إلا خاطئ (9). * (و) * لذا * (قيل: يحرم) * كما عن المقنع (10) والقاضي (11) والحلي (12) وأحد قولي الحلبي (13) والمنتهى (14)، وبه قال في المسالك (15) والروضة (16).


(1) الخلاف 3: 171، المسألة 280. (2) المختلف 5: 44. (3) كما في المختلف 5: 44 و 45. (4) الخلاف 3: 172، المسألة 280. (5) كما في المختلف 5: 45. (6) الصحاح 2: 635. (7) الوسائل 12: 316، الباب 28 من أبواب آداب التجارة الحديث 3. (8) لم نعثر عليه في كتبه المتوفرة لدينا. (9) الوسائل 12: 315، الباب 27 من أبواب آداب التجارة الحديث 12. (10) المقنع: 125. (11) المهذب 1: 346. (12) السرائر 2: 238. (13) الكافي في الفقه: 360. (14) المنتهى 2: 1006 س 25. (15) المسالك 3: 191. (16) الروضة 3: 298.

[ 172 ]

ولا يخلو عن قوة، سيما بملاحظة عمل الحلي، والأخبار الاخر الصريحة في الحرمة. منها: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون (1). ونحوه في لعنه غيره (2). ومنها الخبران المروي أحدهما عن المجالس: أيما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا يريد به غلاء المسلمين ثم باعه فتصدق بثمنه لم يكن كفارة لما صنع (3). وثانيهما عن قرب الإسناد: أن عليا (عليه السلام) كان ينهى عن الحكرة في الأمصار، وقال: ليس الحكرة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن (4). ونحوهما في المنع خاصة المروي عن نهج البلاغة عنه (عليه السلام) (5) وعن كتاب ورام بن أبي فراس: عن النبي (صلى الله عليه وآله)، عن جبرائيل (عليه السلام)، قال: اطلعت في النار فرأيت واديا في جهنم يغلي فقلت: يا مالك لمن هذا ؟ قال: لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين للخمر، والقوادين (6). مضافا إلى التأيد باستلزامه الضرر على المسلمين المنفي، وبإجبار المحتكر على البيع بالإجماع، كما يأتي. خلافا للشيخين فيكره (7)، وتبعهما المصنف والفاضل في قوله الآخر (8)، للأصل، وعموم السلطنة على المال، وقصور الروايات الأخيرة


(1) الوسائل 12: 313، الباب 27 من أبواب آداب التجارة الحديث 3. (2) الوسائل 12: 312، الباب 27 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (3) أمالي الشيخ الطوسي 2: 289. (4) قرب الاسناد: 63. (5) نهج البلاغة: 438، كتاب 53. (6) لم نعثر عليه في تنبيه الخواطر، نقله عنه في الوسائل 12: 314، الباب 27 من أبواب آداب التجارة الحديث 11. (7) المنقعة: 616، والمبسوط 2: 195. (8) الإرشاد 1: 356.

[ 173 ]

سندا والأولة دلالة. أما الصحيح فلإحتمال اختصاص المنع بالمخاطب. وأما تاليه فلعدم معلومية استلزام الخطأ التحريم، مضافا إلى إشعار بعض الصحاح بالجواز على كراهية. وفيه: عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به هل يجوز ذلك ؟ فقال: إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس، وإن كان قليلا لا يسع الناس فإنه يكره أن يحتكر ويترك الناس ليس لهم طعام (1). ووجه الإشعار واضح إن قلنا بثبوت كون الكراهة حقيقة في المعنى المصطلح في ذلك الزمان، وكذا إن قلنا بالعدم وكونها فيه منه ومن التحريم أعم، بناء على وجود القرينة بإرادة الأول، من حيث العدول عن " لا يجوز " الذي سأل عنه الراوي إلى " يكره ". والمسألة محل تردد. * (وإنما يكون) * الإحتكار الممنوع منه * (في) * خمسة: * (الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن) * على الأشهر، للموثق (2)، ونحوه الخبر الذي عن قرب الإسناد (3) مر. خلافا للصدوق في المقنع (4) والخصال فزاد الزيت، لما رواه في الأخير: عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: الحكرة في ستة أشياء (5)، وعد الخمسة المتقدمة معه. ولا يخلو عن قوة لا للرواية، لقصور السند، بل للموثقة المتقدمة فإنها - كالرواية - في الفقيه (6) مروية، مضافا إلى مفهوم الصحيح: عن الزيت، فقال: إن كان عند غيرك فلا بأس بإمساكه (7).


(1) الوسائل 12: 313 الباب 27 من أبواب آداب التجارة الحديث 2. (2) الوسائل 12: 313، الباب 27 من أبواب آداب التجارة الحديث 4. (3) قرب الاسناد: 63. (4) لم نعثر عليه، حكاه عنه في المختلف 5: 40. (5) الخصال: 329. (6) الفقيه 3: 265، الحديث 3954. (7) الوسائل 12: 315، الباب 28 من أبواب آداب التجارة الحديث 2.

[ 174 ]

* (وقيل) * كما عن المبسوط (1) وابن حمزة (2): أنه يكون * (في الملح) * (3) أيضا، وقواه في المسالك (4)، وأفتى به صريحا في الروضة (5)، تبعا للمعة (6) والقواعد (7)، ولعله لفحوى الأخبار المتقدمة، لأن احتياج الناس إليه أشد مع توقف أغلب المآكل عليه. وفيه مناقشة، مع استلزامه الزيادة على السبعة، فإن الأشياء المحتاج إليها الناس فيها غير منحصرة، ولكن لا بأس به على القول بالكراهة. * (و) * إنما * (تتحقق الكراهة إذا) * اشتراه و * (استبقاه لزيادة الثمن) * مع فقده في البلد واحتياج الناس إليه * (ولم يوجد بائع) * ولا باذل مطلقا * (غيره) *. فلو لم يشتره، بل كان من غلته لم يكره، كما عن العلامة (8)، للصحيح: الحكرة أن يشتري طعاما ليس في المصر غيره (9). ونحوه الخبر المتقدم عن المجالس (10). لكنه ضعيف السند، ومع ذلك الشرط فيه - كالأول - يحتمل الورود مورد الغالب. فالتعميم أجود، وفاقا للمسالك (11)، عملا بالإطلاق، والتفاتا إلى مفهوم التعليل في الصحيح المتقدم: يكره أن يحتكر ويترك الناس ليس لهم طعام. ومنه ومن الصحيح هنا يظهر وجه التقييد بالفقد وعدم وجود الباذل. وأما اشتراط استبقائه لزيادة الثمن فواضح إن اريد نفي الحكرة إن استبقاه للقوت، ومحل إشكال إن اريد الظاهر والإطلاق ولو لغير القوت، بل المنع


(1) المبسوط 2: 195. (2) الوسيلة: 260. (3) في المتن المطبوع: وفي الملح. (4) المسالك 3: 192. (5) الروضة 3: 299. (6) اللمعة: 66. (7) المسالك 3: 192. (5) الروضة 3: 299. (6) اللمعة: 66. (7) القواعد 1: 122 س 1. (8) التذكرة 1: 585 س 20. (9) الوسائل 12: 315، الباب 28 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (10) أمالي الشيخ الطوسي 2: 289. (11) المسالك 3: 192.

[ 175 ]

فيه مع عدم احتياجه إليه محتمل، للإطلاقات، وإشعار التعليل المتقدم به. ثم إنه ليس له حد وغاية غير ما قدمناه، من احتياج الناس إليه، وعدم باذل لهم. وحيثما حصل ثبت الحكرة من دون اشتراط زمان آخر ومدة، كما في الصحيحين (1)، وفاقا للمفيد (2) والفاضلين (3) وجماعة، بل ادعى عليه الشهرة. * (وقيل) * كما عن الطوسي (4) والقاضي (5) خاصة: ويشترط زيادة على ما مر من الشرائط * (أن يستبقيه في) * زمان * (الرخص أربعين يوما وفي الغلاء ثلاثة) * أيام، فلا حكرة قبل الزمانين في الموضعين، لرواية ضعيفة (6) عن المقاومة، لما مر، وتقييده قاصرة. * (ويجبر) * الحاكم (7) * (المحتكر على البيع) * مع الحاجة إجماعا، كما في المهذب (8) والتنقيح (9) وكلام جماعة. وهو الحجة، مضافا إلى الخبرين. في أحدهما: أنه (صلى الله عليه وآله) مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم إلى أن يخرج في بطون الأسواق، وحيث ينطلق الناس إليها (10). * (وهل يسعر) * الحاكم السعر * (عليه) * حينئذ * (الأصح) * الأشهر * (لا) * مطلقا، وفاقا للطوسي (11) والقاضي (12) والحلي (13) والشهيد الثاني (14)،


(1) الوسائل 12: 313 و 315، الباب 27 و 28 من أبواب آداب التجارة الحديث 2 و 1. (2) المقنعة: 616. (3) الشرائع 2: 21، والمختلف 5: 41. (4) النهاية 2: 115 و 116. (5) كما في المختلف 5: 40. (6) الوسائل 12: 312، الباب 27 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (7) هذه الكلمة لا توجد في المخطوطات. (8) المهذب البارع 2: 370. (9) التنقيح 2: 42. (10) الوسائل 12: 317، الباب 30 من أبواب آداب التجارة الحديث 1، والآخر الوسائل 12: 316، الباب 29 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (11) النهاية 2: 114 و 115. (12) كما في المختلف 5: 41. (13) السرائر 2: 239. (14) المسالك 3: 193.

[ 176 ]

للأصل، وعموم السلطنة في المال، وخصوص الخبر: لوقومت عليهم فغضب (صلى الله عليه وآله) حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: أنا اقوم عليه إنما السعر إلى الله تعالى يرفعه إذا شاء ويضعه إذا شاء (1). خلافا للمفيد (2) والديلمي (3)، فيسعر عليه بما يراه الحاكم من المصلحة، لانتفاء فائدة الإجبار لا معه، لجواز الإجحاف في القيمة. وفيه منع انحصار الفائدة فيما ذكراه، مع اندفاع الإجحاف بما يأتي. ولابن حمزة (4) والفاضل (5) واللمعة (6)، فالتفصيل بين إجحاف المالك فالثاني وعدمه فالأول، تحصيلا لفائدة الإجبار، ودفعا لضرر الإجحاف. وفيهما نظر، فقد يحصلان بالأمر بالنزول عن المجحف، وهو وإن كان في معنى التسعير، إلا أنه لا ينحصر في قدر خاص.


(1) الوسائل 12: 317، الباب 30 من أبواب آداب التجارة الحديث 1. (2) المقنعة: 616. (3) المراسم: 182. (4) الوسيلة: 260. (5) المختلف 5: 42. (6) اللمعة: 66.

[ 177 ]

* (الفصل الثالث) * * (في الخيار) * هو والخيرة بمعنى المشيئة في ترجيح أحد الطرفين الجائزين. وشرعا عبارة عن ملك إقرار العقد وإزالته بعد وقوعه مدة معلومة * (والنظر في أقسامه وأحكامه) *. * (وأقسامه) * على ما في الكتاب * (سبعة) * (1) وفي بعض العبارات خمسة، وفي آخر ثمانية، وأنهاها في اللمعة إلى أربعة عشر (2). * (الأول: خيار المجلس) * اضافة الى الموضع، مع كونه غير معتبر في ثبوته بالإجماع، وإنما المعتبر عدم التفرق بالأبدان، إما تجوزا في إطلاق بعض أفراد الحقيقة، أو حقيقة عرفية. * (وهو ثابت) * بعد العقد * (للمتبائعين) * أي طرفيه مطلقا، كان العقد لهما، أو لغيرهما، أو على التفريق على بعض الوجوه في الأخيرين، بالإجماع القطعي والمستفيض الحكاية في كلام جماعة، لقوله: صلى الله عليه وآله: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " المستفيض النقل في الصحاح


(1) في المتن المطبوع: ستة. (2) انظر الروضة البهية 3: 447.

[ 178 ]

وغيرها من المعتبرة الخاصية والعامية (1). وما في شواذ أخبارنا مما دل على اللزوم على الإطلاق بعد الصفقة وإن كان معتبر السند بالموثقية، فمطروح أو محمول على التقية على رأي أبي حنيفة (2)، فإنه القائل بمضمونه، والراد بقوله هذا القول سيد البرية باعترافه وفتواه المنحوسة، وهو أحد مطاعنه المشهورة. وبما ذكر من الأدلة يخصص عمومات الكتاب والسنة في لزوم المعاملة بإجراء الصيغة بشرائطها المعتبرة. فلا شبهة في المسألة، فلهما الخيار * (في كل مبيع) * ما * (لم يشترطا فيه) * أي في العقد * (سقوطه) * فلو اشترطاه أو أحدهما سقط بحسب الشرط، بلا خلاف يعرف، كما في كلام جماعة، بل عليه الإجماع في الغنية (3). وهو الحجة المقيدة لإطلاق ما مر من المستفيضة، مع أن شمولها لمحل الفرض محل مناقشة، بل ظاهرها بحكم التبادر الإختصاص بغيره. وما ربما يتوهم من مخالفة هذا الشرط لمقتضى العقد بناء على اقتضائه ثبوت الخيار على الإطلاق فيفسد (4) مدفوع. أولا: بعدم تسليم الإقتضاء في المقام. وثانيا: باستلزامه عدم صحة شئ من الشروط في العقود، لأن مقتضاها لزوم الوفاء بها مطلقا، فتخصيصها بالشروط مخالفة لمقتضاها. فالتحقيق: أن ثبوت الخيار مقتضى العقد المطلق لا المشروط بإسقاطه، فإن مقتضاه حينئذ السقوط فيلزم، لأن الشرط على هذا جزء من العقد. ثم ظاهر العبارة وغيرها اختصاص الشرط المسقط بالمذكور في متن


(1) الوسائل 12: 345، الباب 1 من أبواب الخيار، وسنن ابن ماجة 2: 735. (2) المغني لابن قدامة 4: 6. (3) الغنية: 217. (4) في " م، ه‍ ": فتقيد.

[ 179 ]

العقد، فلو اشترط قبله لم يلزم، ولعله لإطلاق النص المثبت للخيار، والنصوص المستفيضة، الواردة في النكاح، الدالة على هدمه الشروط قبله، الشاملة للمقام عموما أو فحوى (1). ولا يخلو عن قوة، إلا إذا أوقعا العقد على الشرط المتقدم، فإنه حينئذ كالجزء. خلافا للشيخ (2)، فأسقط به الخيار على الإطلاق. وهو غير بعيد، لو لا نصوص النكاح، لعموم الأمر بالوفاء بالعقد، وإختصاص النص المثبت للخيار بحكم التبادر بغير محل الفرض. ونحو الإشتراط في إسقاط الخيار عند الأصحاب أمران: أحدهما: إسقاطهما أو أحدهما إياه بعد العقد بقولهما أسقطنا الخيار وأوجبنا البيع أو اخترناه أو ما أدى ذلك إجماعا، كما في الغنية (3) وعن التذكرة (4). وهو الحجة المقيدة لإطلاق ما مر من المستفيضة المثبتة للخيار في المسألة، مضافا إلى مفهوم بعض المعتبرة الواردة في خيار الحيوان، وفيه: فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة فذلك رضى منه فلا شرط له (5). ومنه يظهر الوجه فيما ذكروه من المسقط الثاني، وهو التصرف، ولا ريب فيه ان تحقق من كل من المتبائعين في مال الآخر، كما يستفاد من مفهوم الخبر، بل منطوقه. وأما السقوط بتصرف كل في ماله - كما ذكروه - فوجهه بعد لم يظهر،


(1) الوسائل 14: 488، الباب 33 من أبواب المتعة، والوسائل 15: 29، الباب 20 من أبواب المهور. (2) الخلاف 3: 21، المسألة 28. (3) الغنية: 217. (4) التذكرة 1: 515 س 32. (5) الوسائل 12: 350، الباب 4 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 180 ]

سوى ما قيل من دلالته على الفسخ. ولا ريب فيه ان تمت الدلالة ولو بمعونة قرينة، وإلا فهو محل مناقشة، لمنع الدلالة، مع أعمية التصرف من الفسخ وغيره، فيحتمل السهو والغفلة، فإن تم إجماع على الإطلاق، وإلا فالمسألة محل ريبة، لأصالة بقاء صحة المعاملة ولزومها والخيار فيها بالضرورة. وجملة ما ذكر من المسقطات ثلاثة، ومع عدم شئ منها يثبت الخيار * (ما لم يفترقا) * بأبدانهما، فلو افترقا أو أحدهما عن صاحبه ولو بخطوة لزم البيع، بلا خلاف، كما يستفاد من المعتبرة. منها الصحيح: قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: بايعت رجلا فلما بعته قمت فمشيت خطا ثم رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا (1). ونحوه غيره (2). ولولاها لأشكل إثبات اللزوم وسقوط الخيار بالافتراق بنحو من الخطوة، بإطلاق مفهوم الأخبار المتقدمة، لاختصاصها بحكم التبادر بالإفتراق المعتد به، الغير الصادق على الإفتراق بنحو الخطوة عرفا وعادة. ثم إن ظاهر العبارة - كالجماعة ونصوص المسألة - اعتبار المباشرة وارتفاع الكراهة في الفرقة، وعدم اختيار الفسخ، فلو أكرها أو أحدهما عليها لم يسقط مع منعهما من التخاير، فإذا زال الإكراه فلهما الخيار في مجلس الزوال، ولو لم يمنعا عن التخاير لزم العقد. واعلم أنه لو التزم بالعقد أحدهما بموجب الإلتزام كائنا ما كان من الثلاثة سقط خياره خاصة، إذ لا ارتباط لحق أحدهما بالآخر. ولو فسخ أحدهما وأجاز الآخر قدم الفاسخ، وإن كان فسخه عن الإجازة تأخر، لأن


(1) الوسائل 12: 348، الباب 2 من أبواب الخيار الحديث 3. (2) الوسائل 12: 347، الباب 2 من أبواب الخيار الحديث 2.

[ 181 ]

إثبات الخيار إنما قصد به التمكن من الفسخ دون الإجازة، لأنها ثابتة بالأصالة، فإن العقد اقتضى الوقوع، والأصل بقاؤه إلى تحقق الرافع، فالحاصل في العقد عين ما تضمنه الإجازة. ومنه يظهر الوجه في تعميم ذلك في كل خيار مشترك. ولو خيره فسكت بقي خيار الساكت إجماعا، إذ لم يحصل منه ما يدل على إسقاطه. وكذا المخير على الأصح الأشهر، للأصل، والإطلاق، وانتفاء المانع، لأعمية التخيير من الإسقاط. خلافا للشيخ فأسقطه (1)، للخبر: البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقل أحدهما لصاحبه اختر (2). وظاهر الجماعة كونه من طريق العامة، فليس حجة، سيما في مقابلة ما مر من الأدلة. * (الثاني: خيار الحيوان) * * (وهو ثلاثة أيام) * مطلقا - رقيقا كان أو غيره - مبدأها من حين العقد * (للمشتري خاصة) * دون البائع * (على الأصح) * الأشهر، بل في الغنية الإجماع عليه (3)، وعليه عامة من تأخر، وفاقا للإسكافي (4) والصدوق (5) والشيخين (6) والديلمي (7) والقاضي (8) والحلي (9)، اقتصارا فيما خالف الأصل وعمومات الكتاب والسنة، الدالة على لزوم المعاملة بإجراء الصيغة


(1) نسبه إليه المحقق والشهيد الثانيان في جامع المقاصد 4: 285، والمسالك 3: 197، والموجود في الخلاف 3 / 21 خلافه. وراجع المبسوط 2: 78. (2) المستدرك 13: 299، الباب 2 من أبواب الخيار الحديث 3. (3) الغنية: 221. (4) المختلف 5: 64. (5) المقنع: 123. (6) المقنعة: 592، والنهاية 2: 140. (7) المراسم: 173. (8) المهذب 1: 353. (9) السرائر 2: 244.

[ 182 ]

بشرائطها، المعتبرة على المجمع عليه بين الطائفة، وهو في المشتري خاصة، كما حكاه جماعة (1)، والتفاتا إلى الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة، وهي ما بين ظاهرة في النفي عن البائع، وصريحة. فمن الأول: الصحاح وغيرها: الشرط في الحيوان كله ثلاثة أيام للمشتري (2)، لظهور اللام في الاختصاص، مع كون مثل هذا المفهوم للقيد. ألا ترى إلى الصحيح: قلت له ما الشرط في الحيوان ؟ فقال: ثلاثة أيام للمشتري، قلت: وما الشرط في غير الحيوان ؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا (3)، فإنه كالنص في الاختصاص، وإلا لاتجه للراوي سؤال الفرق بين الشرطين، المخصص كل منهما فيه بكل من الشقين. وأخبارهم (عليهم السلام) يكشف بعضها عن بعض، ونحو هذه النصوص في الظهور الصحيحان: البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام (4). وهما بحسب السياق ظاهران في حصر خيار الحيوان في أحدهما، وهو مخالف للاجماع إن اريد به البائع، لعدم الانحصار فيه. فتعين من هو الصاحب الآن، أي بعد العقد، وهو المشتري، مضافا الى تقييده به في الموثق كالصحيح: صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيام (5). وقريب منها في ذلك كثير من النصوص: منها الصحيح: على من ضمان الحدث في الحيوان ؟ قال: على البائع، حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري (6).


(1) السرائر 2: 244، التحرير 1: 166 س 10. (2) انظر الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار. (3) الوسائل 12: 349 و 346، الباب 1 و 3 من أبواب الخيار الحديث 5 و 3. (4) الوسائل 12: 345 و 349، الباب 1 و 3 من أبواب الخيار الحديث 1 و 6. (5) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 2. (6) الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار الحديث 2.

[ 183 ]

والمرسل كالصحيح: إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع (1). بناء على أن التلف إنما هو ممن لا خيار له. فتأمل. ومن الثاني: الصحيح المروي في قرب الإسناد: عن رجل اشترى جارية لمن الخيار للمشتري أو للبائع أولهما كلاهما ؟ فقال: الخيار لمن اشترى نظرة ثلاثة أيام، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء (2). خلافا للمرتضى (3) خاصة، فأثبته للبائع أيضا، للصحيح: المتبائعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يتفرقا (4). وهو لقصوره عددا واشتهارا لا يقاوم ما مر جدا، لصحتها واستفاضتها ووضوح دلالتها، ظهورا في بعض، وصراحة في آخر، مع اشتهار العمل بها بين أصحابنا، بحيث كاد أن يكون العمل به الآن مجمعا عليه بيننا، كما صرح به جماعة من أصحابنا. والعجب منه (رضي الله عنه) الركون الى العمل به، مع أنه من الآحاد الغير المعمول بها عنده، بل وعندنا أيضا، لما مضى. فيحتمل ككلامه الحمل على أن الخيار للمشتري وعلى البائع فهو بالنسبة اليهما مدة ثلاثة أيام، أو على أن الخيار للمجموع من حيث المجموع فلا يدل على ثبوته في الأفراد، أو على ما لو باع حيوانا بحيوان. وهذه الوجوه وإن بعدت إلا أنها للجمع بين النصوص والفتاوى قد حسنت، فظاهر الوجه الأخير الموافقة للمرتضى فيما إذا كان كل من العوضين حيوانا، وبه صرح جماعة، جمعا بين النصوص المختلفة، والتفاتا


(1) الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار الحديث 5. (2) قرب الاسناد: 78. (3) الانتصار: 207. (4) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 3.

[ 184 ]

إلى اتحاد وجه الحكمة في ثبوت هذا الخيار للمشتري خاصة، وهو خفاء حال الحيوان المحتاج إلى ضرب هذا الخيار. وفيه إشكال، فإن الجمع على تقدير تكافؤ المتعارضين المفقود في البين لا حجة فيه بمجرده إن لم يقم شاهد منهما أو من الخارج على صحته، كما فيما نحن فيه، والحكمة مستنبطة، فيشكل التعلق بها وإن حصل الظن القوي غاية القوة بصحتها، لإطلاق المنع عن العمل بها في شريعتنا. نعم إذا كانت منصوصة أو معلومة علما قطعيا لا يختلجه شائبة شك وريبة كانت حجة، وليست في المقام احداهما بالضرورة. نعم يمكن الإستدلال عليه بإطلاق الصحيحين المثبتين للخيار ثلاثة أيام لصاحب الحيوان، بناء على أن المراد به من انتقل إليه، لا صاحبه الأصلي، فيشمل المقام. وعكس الأول، كما إذا باع الدراهم مثلا بالحيوان، وهو غير بعيد، إلا أن تقييده بالمشتري في الموثق المتقدم - كإطلاق النصوص باختصاص الخيار بالمشتري له - يوهن الإطلاق. والذب عنه باحتمال ورود القيد والإطلاق مورد الغالب، مشترك الورود، فإن الغالب في صاحب الحيوان هو المشتري له خاصة، إلا أن عمومه اللغوي من حيث الإضافة مع عدم سبق معهود مع اعتضاده بالحكمة العامة المشار إليها ينافي الحمل على الغالب. فلا يخلو القول بذلك عن قوة وإن كان بعد في قالب الشبهة، من حيث إمكان دعوى سبق المعهود الخارجي، وهو الغالب، فلا يفيد الإضافة العموم اللغوي، مع اختصاصه بإضافة المصدر لا مطلق المضاف. والحكمة يرد على التمسك بها الإيراد الماضي.

[ 185 ]

وللحلبي (1) وابن زهرة العلوي (2) في المدة، فجعلاها في الأمة مدة استبرائها دون الثلاثة مدعيا الثاني عليه إجماع الطائفة. وهو مع عدم وضوح مستنده - عدا الإجماع المزبور الموهون بمصير الأكثر إلى خلافه - يدفعه إطلاق النصوص، بل عموم بعضها المتضمن للفظ الكل، وخصوص الصحيح المتقدم عن قرب الإسناد (3)، وقريب منه الصحيح الآخر: عهدة البيع في الرقيق ثلاثة أيام إن كان بها حبل أو برص أو نحو هذه (4) الحديث. ونحوهما الصحيح الآتي. فتدبر. وللطوسي في مبدئها، فجعله من حين التفرق (5)، بناء على حصول الملك به عنده. وظواهر النصوص بحكم التبادر والسياق في بعض يدفعه. * (ويسقط) * هذا الخيار * (لو شرط) * البائع في العقد * (سقوطه أو أسقطه المشتري بعد العقد) * لما مضى * (أو تصرف فيه المشتري) * بعده * (سواء كان تصرفا) * ناقلا مطلقا * (لازما) * كان * (كالبيع) * ونحوه * (أو غير لازم، كالوصية والهبة قبل القبض) * أو غير ناقل مما يسمى تصرفا وحدثا عرفا، والأصل في السقوط به وإن خالف الأصل الإجماع في الظاهر، والمحكي عن التذكرة (6)، والصحاح: منها: فان أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة أيام فذلك رضى منه ولا شرط له، قيل له: وما الحدث ؟ قال: إن لامس أو نظر منها إلى ما كان محرما عليه قبل الشراء (7). ونحوه الصحيح المروي


(1) في " ق، ش ": وللحلي. (2) الكافي في الفقه: 253، الغنية: 219. (3) قرب الاسناد: 78. (4) الوسائل 12: 350، الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 7. (5) المبسوط 2: 79. (6) التذكرة 1: 519 س 8. (7) الوسائل 12: 350، الباب 4 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 186 ]

عن قرب الإسناد (1). ولا إجمال في الحدث بعد وضوح معناه بالرجوع إلى العرف، وهو عام لما مثل به فيهما من اللمس والنظر وغيرهما. والظاهر كونهما بعنوان المثل لا إرادة الحصر، لعدم تقييد اللفظ بخصوصية المحل، فيشمل الحدثين وغيرهما في الجارية وغيرها، مع استفادة العموم في كل من الأمرين من الصحيح الثالث: في الرجل اشترى من رجل دابة فأحدث فيها حدثا من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ له أن يردها في الثلاثة أيام، التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها، أو الركوب الذي ركبها فراسخ، فوقع (عليه السلام): إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء إن شاء الله تعالى (2). وبما ذكرنا اندفع أوهام بعض الأعلام في المقام. نعم الظاهر من الصحيح الأول - المفرع على الحكم بسقوط الخيار بالحدث قوله: " فذلك رضى منه " الذي هو بمكان التعليل للحكم المفرع عليه - كون المناط في السقوط بالحدث حصول الرضا [ بسببه ] (3) بلزوم العقد. فلو علم انتفائه وإن قصده [ بالحدث ] (4) في المبيع اختباره أو غيره بقي خياره. ولعله إلى هذا نظر بعض المحققين (5) في تقييد التصرف المسقط بما إذا لم يكن للاختبار ونحوه. ويؤيده الأصل، والإطلاقات، وبعض النصوص، كالخبرين:


(1) قرب الاسناد: 78. (2) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار الحديث 2. (3 و 2) لم يردا في " م ". (5) جامع المقاصد 4: 291، والدروس 3: 272، الدرس 256.

[ 187 ]

أحدهما الصحيح: عن رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثم ردها، قال: إن كان تلك الثلاثة أيام شرب لبنها رد معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شئ (1). فتأمل. * (الثالث: خيار الشرط) * الثابت به * (وهو بحسب ما يشترط) * لأحدهما أو لكل منهما أو لأجنبي عنهما، أو عن أحدهما أو له مع أحدهما عنه وعن الآخر أو له معهما بلا خلاف، كما في كلام جماعة، بل عليه الإجماع في الخلاف (2) والغنية (3)، وعن التذكرة (4). وهو الحجة بعد عموم الأدلة بلزوم الوفاء بالعقود، بسيطة كانت أو مركبة، وكذا الشروط. واشتراط الأجنبي تحكيم لا توكيل عمن جعل عنه، فلا خيار له معه. وكما يجوز اشتراط الخيار له كذا يجوز اشتراط مؤامرته والرجوع إلى أمره. ويلزم العقد من جهة المتبائعين في المقامين، ويتوقف على خياره في الأول، وأمره في الثاني، فإن أمر بالفسخ جاز للمشروط له استئماره الفسخ. ولا يتعين عليه، لأن الشرط مجرد استمئاره لا التزام قوله، وليس كذلك لو أمر بالإلتزام، فإنه ليس له الفسخ حينئذ وإن كان الفسخ أصلح، عملا بالشرط، ولأنه لم يجعل لنفسه خيارا. فالحاصل أن الفسخ يتوقف على أمره، لأنه خلاف مقتضى العقد، فيرجع الى الشرط، وأما الإلتزام بالعقد فلا يتوقف على الأمر لأنه مقتضى العقد. والفرق بين مؤامرة الأجنبي وجعل الخيار له ظاهر، لأن الغرض من المؤامرة الإنتهاء إلى أمره لا جعل الخيار له، بخلاف من جعل له الخيار.


(1) الوسائل 12: 360، الباب 13 من أبواب الخيار الحديث 1، والاخر ذيله. (2) الخلاف 3: 32، المسألة 42. (3) الغنية: 218. (4) التذكرة 1: 519 س 22.

[ 188 ]

* (ولابد أن تكون مدته) * أي الخيار وكذا الإستئمار * (مضبوطة) * غير محتملة للزيادة والنقيصة، متصلة بالعقد كانت، أم منفصلة، ويصير العقد على الثاني جائزا، بعد لزومه مع تأخره عن المجلس. فلو شرطا خيارا وأطلقا من دون بيان المدة بطل الشرط، على الأشهر بين من تأخر، وفاقا للمرتضى (1) والمبسوط (2)، للجهالة، والغرر، المنهي عنهما في الشرع، الموجبين لجهالة الثمن أو المثمن، فإن (3) للشرط قسطا من العوض. خلافا للمفيد فيصح وكان الخيار إلى ثلاثة أيام (4)، وتبعه جماعة كالخلاف (5) والانتصار (6) والقاضي (7) والحلبي (8) وابن زهرة العلوي (9)، مدعيا هو في الظاهر كالأولين صريحا عليه الإجماع. وحجيته مع اعتضاده بالكثرة والشهرة القديمة يقتضي المصير إليه، وتخصيص ما مضى به من الأدلة. وعلله السيدان بأن الثلاثة هي المدة المعهودة في الشريعة لضرب الخيار، والكلام إذا اطلق حمل على المعهود. وفيه مناقشة. كل ذا إذا شرطاه ولم يذكرا المدة. * (و) * أما * (لو) * ذكراها مبهمة بحيث * (كانت) * الزيادة والنقيصة * (محتملة لم تجز) * قولا واحدا، وهي * (كقدوم الغزاة وإدراك الثمرات) * ونحو ذلك. وفي فساد العقد بفساد الشرط قولان، الأشهر الأظهر ذلك.


(1) نقله عنه في المختلف 5: 66. (2) المبسوط 2: 83. (3) في " م، ش ": بدل " فإن ": بناء على أن. (4) المقنعة: 592. (5) الخلاف 3: 20، المسألة 25. (6) الانتصار: 210. (7) جواهر الفقه: 54، المسألة 194. (8) الكافي في الفقه: 353. (9) الغنية: 219.

[ 189 ]

* (ويجوز اشتراط مدة) * معينة * (يرد فيها البائع الثمن ويرتجع المبيع) * لما مر. وإنما أفرده بالذكر، لامتيازه عن السابق باشتراط الفسخ فيه برد الثمن دونه، ولورود النصوص (1) فيه بالخصوص، وهي مستفيضة. منها الموثق: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فمشى إلى أخيه، فقال له: أبيعك داري هذه على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي، قال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه، قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة ؟ فقال: الغلة للمشتري ألا ترى أنها لو احترقت لكانت من ماله (2). وقريب منه الصحيح وغيره (3). ومنه مضافا إلى لزوم العمل بالشرط يظهر المستند في قوله: * (فلو انقضت) * المدة * (ولما يرد الثمن لزم البيع ولو تلف في المدة كان (4) من المشتري، وكذا لو حصل له نماء كان له) *. وظاهر النصوص والعبارة انفساخ المعاملة برد الثمن خاصة من دون إيماء إلى اشتراط فسخها قبله. خلافا لظاهر الأصحاب - كما ذكره بعض الأجلة (5) - فاشترطوا الفسخ قبله، ولعله لأصالة بقاء الصحة، مع عدم دلالة رد الثمن بمجرده على الفساد من دون ضم قرينة من عرف أو عادة. والنص كالعبارة وارد مورد الغلبة، فإن العادة قاضية بكون مثل هذا الرد فسخا للمعاملة، فتكون دلالته بقرينة، وهي غير منافية لما ذكره الأصحاب


(1) في " م، ه‍ ": النص. (2) الوسائل 12: 355، الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 1، وفيه اختلاف يسير. (3) الوسائل 12: 355، الباب 8 من أبواب الخيار ذيل الحديث 1 و 3. (4) في المتن المطبوع: بدل " كان " " تلف ". (5) لم نعثر عليه.

[ 190 ]

البتة. ومن المقطوع عدم دخول رد الثمن لأجل الأمانة في مورد النص والعبارة، وعدم إيجابه لفساد المعاملة بالضرورة. اللهم إلا أن يريدوا به التصريح بلفظ الفسخ فالمنافاة ثابتة، لكن لا دليل على اعتباره. ويسقط هذا الخيار بالاسقاط في المدة إجماعا، كما في الغنية (1)، وللرواية الآتية في سقوطه بالتصرف. * (الرابع: خيار الغبن) * بسكون الباء. وأصله الخديعة. والمراد به هنا البيع والشراء بغير القيمة. * (ومع ثبوته وقت العقد) * باعتراف الغابن أو البينة * (بما لا يتغابن) * ولا يتسامح * (فيه غالبا) *. والمرجع فيه إلى العادة، لعدم تقديره في الشريعة. * (و) * ثبوت * (جهالة المغبون) * بالغبن ويكون بأحد الأمرين بلا خلاف فيه، وفي عدم الثبوت بقوله ولو مع يمينه بعدم إمكانها في حقه. وفي ثبوتها بذلك مع الإمكان قولان، من أصالة عدم العلم وكونه كالجهل من الامور التي تخفى غالبا فلا يطلع عليه إلا من قبل من هي به، ومن أصالة لزوم العقد ووجوب الوفاء به فيستصحب إلى ثبوت المزيل. وكيف كان إذا ثبت الأمران * (يثبت له) * أي المغبون (2) كائنا من كان * (الخيار في الفسخ والإمضاء) * في المشهور بين الأصحاب، بل عليه الإجماع في الغنية (3) والتذكرة (4). وهو الحجة، مضافا إلى نفي الضرر والضرار في الشريعة، والنهي عن أكل مال الغير إلا أن يكون تجارة عن تراض في الكتاب (5) والسنة.


(1) الغنية: 219 و 220. (2) في " م ": للمغبون. (3) الغنية: 224. (4) التذكرة 1: 523 س 11. (5) النساء: 29.

[ 191 ]

وفي النصوص: غبن المسترسل حرام، كما في أحدهما (1)، أو المؤمن، كما في ثانيها (2)، وفي ثالثها: لا يغبن المسترسل، فإن غبنه لا يحل (3). وفي مجمع البحرين: الإسترسال الإستئناس والطمأنينة إلى الإنسان والثقة فيما يحدثه (4)، انتهى. وبالجملة: لا شبهة في المسألة، وإن نقل عن فيما يحدثه (4)، انتهى. وبالجملة: لا شبهة في المسألة، وإن نقل عن الماتن في درسه إنكار هذا الخيار. وظاهر العبارة - كصريح الجماعة - أنه لا ارش مع الإمضاء، بل عليه الإجماع في التذكرة (5). وهو الحجة، مضافا إلى أصالة البراءة، واندفاع الضرر بالخيار بالضرورة فلا موجب له بالمرة. وفي سقوط الخيار ببذل الغابن التفاوت قولان. للأول: الاقتصار فيما خالف الأصل، الدال على لزوم العقد على المتيقن، المجمع عليه، والمتحقق به الضرر، وليس منهما محل الفرض، أما الأول: فللخلاف، وأما الثاني: فلإندفاع الضرر بالبذل. وللثاني: وهو الأشهر الاستصحاب لما ثبت، وهو الأظهر إن كان الاجماع في إثبات أصل هذا الخيار هو المستند. ولا ينافيه وقوع الخلاف في محل الفرض، لأنه غير محل الإجماع. وثبوت الحكم فيه به يقتضي انسحابه في محل الخلاف بالاستصحاب، ولا كذلك لو كان المستند للإثبات أدلة نفي الضرر خاصة، لدوران الحكم معه حيث دار، فيندفع بالبذل (6) وحيث ان الإعتماد فيه على الأول أيضا كان


(1) الوسائل 12: 363، الباب 17 من أبواب الخيار الحديث 1، وفيه سحت. (2) الوسائل 12: 364، الباب 17 من أبواب الخيار الحديث 2. (3) الوسائل 12: 285، الباب 2 من أبواب آداب التجارة ضمن الحديث 7. (4) مجمع البحرين 5: 383. (5) التذكرة 1: 523 س 11. (6) في " ش " زيادة: فتأمل.

[ 192 ]

القول الثاني متجها. والمشهور أنه لا يسقط بالتصرف مطلقا، سواء كان المتصرف الغابن، أو المغبون، وسواء خرج به عن الملك كالبيع، أو منع مانع من الرد كالإستيلاد، أم لا، للأصل، إلا أن يكون المغبون هو المشتري وقد أخرجه عن ملكه، أو عرض له مانع عن رده وإن لم يخرج عن ملكه، فيسقط خياره، إذ لا يمكنه رد العين المنتقلة إليه ليأخذ الثمن. خلافا لجماعة، فتنظروا في إطلاق الإستثناء، للضرر على المشتري، مع تصرفه فيه على وجه يمنع من رده لو قلنا بسقوط خياره به مع الجهل بالغبن أو الخيار، لبقاء الضرر المثبت للخيار. وحينئذ، فيمكن الفسخ مع تصرفه كذلك، وإلزامه بالقيمة إن كان قيميا، أو المثل إن كان مثليا، جمعا بين الحقين. وكذا لو تلف العين أو استولد الأمة، كما يثبت ذلك لو كان المتصرف المشتري والمغبون البائع، فإنه إذا فسخ فلم يجد العين يرجع إلى المثل أو القيمة. * (الخامس: خيار التأخير) * أي تأخير إقباض الثمن والمثمن عن ثلاثة أيام ف‍ * (من باع ولم يقبض الثمن ولا قبض) * بتشديد الباء * (المبيع ولا اشترط التأخير) * فيهما احترز به عن النسيئة والسلف * (فالبيع لازم) * عن المتبائعين إلى * (ثلاثة أيام، ومع انقضائها يثبت الخيار) * بين الفسخ والإمضاء * (للبائع) * خاصة بالإجماع، المستفيض النقل في كلام جماعة، كالإنتصار (1) والغنية (2) والتنقيح (3) والتذكرة (4) وغيرها من كتب الجماعة، والنصوص به مع ذلك مستفيضة.


(1) الانتصار: 210. (2) الغنية: 220. (3) التنقيح 2: 48. (4) التذكرة 1: 523 س 15.

[ 193 ]

ففي الصحيح: عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن، قال: الأجل بينهما ثلاثة أيام، فإن قبضه بيعه، وإلا فلا بيع بينهما (1). وفي آخر: الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده فيقول حتى آتيك بثمنه، قال: إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له (2). وفي الموثق: من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام ولم يجئ فلا بيع له (3). وليس فيها كغيرها اشتراط عدم إقباض المبيع، بل إطلاقها يشمل صورتي إقباضه وعدمه، بل ربما كان ظاهرا في الصورة الاولى إن قلنا بأن القبض في نحو المتاع هو الأخذ باليد، لغلبة تحققه بعد عقد البيع. نعم لو قلنا بأن القبض فيه هو النقل لم يكن للإطلاق ظهور في ذلك، بل ظاهر السياق عدم تحققه. فتدبر. ولعل استناد الأصحاب إلى هذه الأخبار مع اشتراطهم عدم إقباض المبيع مبني على كون القبض عندهم في نحو المتاع هو النقل، لا مجرد القبض باليد. وسيأتي الكلام فيه [ إن شاء الله تعالى ] (4). إلا أن ظاهر الأصحاب الإتفاق على الاشتراط، بل عبارات نقلة الإجماع مصرحة به. وربما كان في الصحيح الأول إشعار به ظاهرا، بل دلالة عليه، فلا مندوحة عنه، مع لزوم الاقتصار في الخيار، المخالف فيه للأصل على القدر المتيقن من الإطلاق، مع أن في الغنية نسب ذلك إلى رواية الأصحاب (5). نعم عن الشيخ القول بجواز الفسخ مع تعذر قبض الثمن (6) [ وقواه في


(1) الوسائل 12: 357، الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 3. (2) الوسائل 12: 356، الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 1. (3) الوسائل 12: 357، الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 4. (4) أثبتناه من نسخة " م ". (5) الغنية: 219. (6) المبسوط 2: 148.

[ 194 ]

الدروس (1)، لخبر نفي الضرر (2)، لا لما مر من النص، لعدم التقييد فيه بقيد تعذر قبض الثمن ] (3). والرجوع فيه إلى أدلة لزوم العقد أولى، لاندفاع الضرر (4) بأخذ العين مقاصة إن أمكنت، وإلا فليس للفسخ فائدة. وظاهر النصوص - كما ترى - بطلان البيع بعد الإنقضاء، لا ثبوت الخيار، كما عن الإسكافي (5) وأحد قولي الشيخ (6)، إلا أن الشهرة العظيمة والإجماعات المحكية البالغة حدا الاستفاضة، مع أصالة بقاء الصحة أوجبت المصير إلى حمل البيع المنفي، بعد تعذر الحمل على الحقيقة على البيع اللازم خاصة، وإن كان أقرب المجازات نفي الصحة. مع إمكان المناقشة في ظهور الدلالة بورود النفي هنا مورد توهم لزوم المعاملة، فلا يفيد سوى نفيه، وهو يجامع بقاء الصحة، المستفاد من الأدلة المتقدمة، مضافا إلى إشعار ما عدا الخبر الأول بذلك، من حيث تخصيص النفي فيه بالمشتري، فقال: لا بيع له، وهو ظاهر في الثبوت للبائع. ولا ينافيه نفيه فيما بينهما في الخبر الأول، لكون المتعلق المركب الصادق نفيه بإنتفاء البيع عن أحدهما، فلا إشكال بحمدالله تعالى. ثم إنه لا فرق في المبيع بالإضافة إلى مدة الخيار بين الجارية وغيرها في إطلاق أكثر النصوص والفتاوى. خلافا للمقنع (7) ومحتمل الاستبصار (8)، فجعلا مدة الخيار فيها إلى شهر،


(1) الدروس 3: 274. (2) عوالي اللئالئ 1: 220، الحديث 93. (3) لا يوجد في " م ". (4) في " م ": بما مر. (5) كما في المختلف 5: 70. (6) المبسوط 2: 87. (7) لم نعثر عليه في مظانه، نقله عنه في المختلف 5: 70. (8) الاستبصار 3: 78، ذيل الحديث 4.

[ 195 ]

للصحيح (1). وهو أحوط، وإن كان الأول أجود، لتعاضد أدلته بالكثرة والشهرة العظيمة - التي كادت تكون إجماعا، بل إجماع في الحقيقة - والإجماعات المحكية. واعلم أن قبض البعض كلا قبض، لصدق عدم قبض الثمن وإقباض المثمن مجتمعا ومنفردا، ولظاهر بعض النصوص (2) المثبتة للخيار لمن باع محملا (3) وقبض بعض الثمن. فتأمل. وشرط القبض المانع كونه بإذن المالك، فلا أثر لما يقع بدونه، كما لو ظهر الثمن مستحقا أو بعضه. ولا يسقط هذا الخيار بمطالبة البائع بالثمن بعد الثلاثة وإن كان قرينة الرضا بالعقد - عملا بالإستصحاب على إشكال - مع القرينة، لمفهوم بعض ما مر من الأخبار في خيار الحيوان. ولو بذل المشتري الثمن بعدها قبل الفسخ ففي سقوط الخيار وجهان، منشؤهما زوال الضرر والإستصحاب، والثاني أظهر، لكون دليل الأول مناطا مستنبطا. وحيث ثبت الخيار بشرائطه * (فإن تلف) * المبيع بعد ثبوته بانقضاء الثلاثة كان من البائع إجماعا تواتر نقله جدا، وإن تلف فيها ف‍ * (قال المفيد (4) * وكثير ممن تبعه، بل ادعى عليه الإجماع في الانتصار (5) والغنية (6): * (يتلف في الثلاثة من المشتري وبعدها من البائع) * لأن العقد يثبت بينهما عن تراض منهما، بخلاف ما بعد الثلاثة، لأن البائع أحق به.


(1) الوسائل 12: 357، الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 6. (2) الوسائل 12: 356، الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 2. (3) في " م، ق، ه‍ ": مجملا. (4) المقنعة: 592. (5) الانتصار: 210. (6) الغنية: 220.

[ 196 ]

وفي نكت الإرشاد للشهيد (رحمه الله): الظاهر أن مراده أنه لما ثبت العقد الناقل للملك ولا خيرة للبائع فيه بل هو ممنوع منه لحق المشتري صار كالمودع عنده، بخلاف ما بعدها فإن امساكه لنفسه، لثبوت الخيار له حينئذ عند جماعة، أو لبطلان البيع كظاهر كلام ابن الجنيد والشيخ (1) انتهى. وهو بملاحظة رده الرواية الآتية بعدم الصراحة في المتنازع وعدم عموم لها يشمله مشعر، بل ظاهر في الميل إلى هذا القول. وهو غير بعيد، للإجماعين المحكيين اللذين هما في حكم خبرين صحيحين، مع كون النماء له فيكون التلف عليه، لتلازم الأمرين، كما يستفاد من بعض أخبار خيار الشرط (2). والنقض بالتلف بما بعد الثلاثة - كما في السرائر (3) - مدفوع بالإجماع ثمة، دون المسألة، مضافا إلى الحجة المتقدمة. * (و) * لكن استقر رأي المتأخرين كافة - بحيث كاد أن يكون ذلك منهم إجماعا - على أن * (الوجه تلفه من البائع في الحالين، لأن التقدير أنه لم يقبض) * وقد قال (صلى الله عليه وآله): كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه (4). وفي الخبر: في رجل اشترى متاعا من رجل وأوجب له غير أنه ترك المتاع ولم يقبضه، وقال: آتيك غدا إن شاء الله تعالى، فسرق المتاع، من مال من يكون ؟ قال: من صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله (5).


(1) لا يوجد لدينا كتابه. (2) الوسائل 12: 355، الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 1 و 3. (3) السرائر 2: 278. (4) عوالي اللئالئ 3: 212، الحديث 59. (5) الوسائل 12: 358، الباب 10 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 197 ]

والمسألة محل تردد، وإن كان ما صار إليه المتأخرون لا يخلو عن قوة، سيما مع دعوى الخلاف عليه الإجماع (1). وأما التفصيل بين التلف بعد عرض السلعة على المشتري فلم يقبله فالأول وقبله فالثاني - كما عن ابن حمزة (2) والحلبي (3) - فلا مستند له، فهو ضعيف غايته، وإن مال إليه في المختلف (4). ولو اشترى ما يفسد من يومه ولو بنقص الوصف وفوات الرغبة، كما في الخضراوات واللحم والعنب وكثير من الفواكه * (ففي رواية) * مرسلة (5) - عمل بها الأصحاب كافة، كما في المهذب (6)، بل عليه الإجماع في الغنية (7) -: أنه * (يلزم البيع إلى الليل، فإن لم يأت) * المشتري * (بالثمن فلا بيع له) *. وفي نسبة الحكم إلى الرواية نوع إشعار بالتردد في المسألة وليس لقصور السند، للإنجبار بالعمل، ونحوه حجة عند الماتن. ولا لقصور الدلالة من حيث ظهورها في بطلان المعاملة، لا ثبوت الخيار كما ذكره الجماعة، لما مرت إليه الإشارة، بل لأن الظاهر أن هذا الخيار شرع لدفع الضرر. وإذا توقف ثبوته على دخول الليل مع كون الفساد يحصل من يومه - كما فرض في الخبر - لا يندفع الضرر، وإنما يندفع بالفسخ قبل الفساد، ولذا فرضه شيخنا في الدروس خيار ما يفسده المبيت (8). وهو حسن، وإن كان فيه خروج عن ظاهر النص، لتلافيه بخبر الضرار، مع أن حمله عليه بإرادة الليلة أيضا من اليوم ممكن. والأقرب تعديته إلى كل ما يتسارع إليه الفساد عند خوفه، ولا يتقيد


(1) الخلاف 3: 20، المسألة 24. (2) الوسيلة: 239. (3) الكافي في الفقه: 353. (4) المختلف 5: 69. (5) الوسائل 12: 358، الباب 11 من أبواب الخيار الحديث 1. (6) المهذب البارع 2: 383. (7) الغنية: 220. (8) الدروس 3: 274، الدرس 257.

[ 198 ]

بالليل، وفاقا للدروس والروضة (1). فعلى هذا لو كان مما يفسد في يومين تأخر الخيار عن الليل إلى حين خوفه، ولا يضر خروجه عن مورد النص، فإن خبر الضرار يفيده في الجميع. وفي إلحاق فوات السوق بخوف الفساد وجهان، ولكن الأصل مع تيقن الضرر يقتضي المصير إلى الثاني، مع كونه في الجملة أحوط. وظاهر الماتن وغيره وصريح جماعة - كالغنية، مدعيا الإجماع عليه (2) - كون هذا الخيار من جملة أفراد خيار التأخير، فيشترط فيه ما يشترط فيه من الامور الثلاثة. * (السادس: خيار الرؤية) * * (وهو إنما يثبت في بيع الأعيان الحاضرة) * أي المشخصة الموجودة في الخارج إذا كان بالوصف * (من غير مشاهدة) * مع عدم المطابقة. وكذا لو بيعت برؤية قديمة لو ظهرت، بخلاف ما رآه. إلا أنه ليس من أفراد هذا القسم، بقرينة قوله: * (ولا يصح) * البيع في مثلها * (حتى يذكر الجنس والوصف) * الرافعين للجهالة ويشير إلى معين. وذلك لأن ما ذكر من الشرط مقصور على ما لم ير أصلا، إذ لا يشترط وصف ما سبقت رؤيته. ويتفرع على الشرط أنه لو انتفى بطل، ولو انتفت الإشارة كان البيع كليا، لا يوجب الخيار لو لم يطابق المدفوع، بل عليه الابدال. وحيث وقع البيع على المشار إليه الموصوف * (فإن كان موافقا) * للوصف من دون زيادة ونقيصة * (لزم) * البيع * (وإلا) * توافق، بأن نقص عنه * (كان للمشتري الرد) * إذا كان هو الموصوف له دون البائع بلا خلاف.


(1) الدروس 3: 274، الدرس 275، والروضة 3: 460. (2) الغنية: 220.

[ 199 ]

للصحيح: عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها، فلما أن نقد المال صار إلى الضيعة فقلبها ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله، فقال (عليه السلام): لو أنه قلب منها أو نظر إلى تسعة وتسعين قطعة ثم بقي قطعة ولم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية (1)، مضافا إلى حديث نفي الضرار (2). ومنه يظهر المستند في قوله: * (وكذا لو لم يره البائع) * وباعه * (واشترى) * المشتري منه * (بالوصف) * متعلق بالبائع، أي باعه من دون أن يراه، بل بالوصف، سواء كان من المشتري، أو ثالث * (كان الخيار للبائع) * خاصة * (لو كان بخلاف الصفة) * إذا كان الوصف من المشتري، وله أيضا إذا كان من ثالث وزاد ونقص باعتبارين، ويقدم الفاسخ منهما، كما مضى. ولو رأى البعض ووصف الباقي تخير في الجميع مع عدم المطابقة. وليس له الإقتصار على فسخ ما لم يره، لدخول الضرر بتبعض الصفقة. ويمكن الإستناد له إلى الصحيحة السابقة إن جعل المشار إليه بذلك تمام الضيعة، لا خصوص القطعة الغير المرئية. ولا ينافيه لو عكس الإشارة، فإن غايتها إثبات الخيار له في تلك القطعة، وهو لم يدل على جواز الاقتصار بفسخها خاصة. وهل هذا الخيار على الفور، أو التراخي ؟ وجهان. أشهرهما الأول، اقتصارا فيما خالف الأصل، الدال على لزوم العقد على أقل ما يندفع به الضرر، المثبت لأصل هذا الخيار. وأجودهما الثاني: لإطلاق النص والإستصحاب، إلا إذا استلزم الضرر فيلزم بالإختيار. * (وسيأتي خيار العيب إن شاء الله تعالى) * وهو السابع، ولم يذكره هنا،


(1) الوسائل 12: 361، الباب 15 من أبواب الخيار الحديث 1. (2) عوالي اللئالئ 1: 220، الحديث 93.

[ 200 ]

لكثرة مباحثه وتشعب مسائله، فحسن جعله فصلا برأسه. * (وأما الأحكام) * المتعلقة بالخيار * (فمسائل:) * * (الاولى: خيار المجلس يختص بالبيع) * ويجري في جميع أنواعه، لعموم الأدلة، وعليه الإجماع في الغنية (1) * (دون غيره) * من عقود المعاوضات، لازمة كانت، أم جائزة، إجماعا كما في الخلاف (2) والمسالك (3) والغنية (4)، اقتصارا فيما خالف الأصل على موارد الأدلة، وليست إلا البيع خاصة. * (الثانية: التصرف) * ممن له الخيار في العوض المنتقل إليه بالعقد * (يسقط خيار الشرط) * بالنسبة إليه، كما أن التصرف في ماله المنتقل إلى صاحبه يفسخ العقد إذا كان بشرائط الصحة، كأن يكون بعد رد الثمن أو المبيع إذا اشترط استرجاعهما، لأنه منه في الأول إجازة للزوم العقد والتزام به، وفي الثاني فسخ له وأمارة الرضا بعدمه على الأشهر بلا خلاف، كما في الغنية (5). ويدل على الأول في الجملة بعض المعتبرة: في رجل اشترى ثوبا بشرط إلى نصف النهار فعرض له ربح فأراد بيعه، قال: ليشهد أنه رضيه فاستوجبه، ثم ليبعه إن شاء، وإن أقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه (6). وليس في سنده سوى السكوني، المجمع على قبول رواياته، كما عن الشيخ (7)، مضافا إلى ما مر من النص (8) في بيع الحيوان، الدال بظاهره على أن تصرف المشتري فيه أمارة الإلتزام بالعقد والرضا به، المشعر بأنه المعيار


(1) الغنية: 220. (2) الخلاف 3: 13 و 14، المسألة 12. (3) المسالك 3: 211. (4) الغنية: 220. (5) الغنية: 220. (6) الوسائل 12: 359، الباب 12 من أبواب الخيار الحديث 1. (7) عدة الاصول 1: 380. (8) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار الحديث 1 و 2.

[ 201 ]

في سقوط الخيار على الإطلاق ولو في نحو المضمار. إلا أن ظاهرهما الاختصاص بالتصرف المقصود به التملك، وهو ظاهر الغنية، حيث علل سقوط الخيار بالتصرف بأنه من المشتري إجازة (1). ولا ريب في السقوط بمثله. أما السقوط بمطلق التصرف حتى الظاهر في عدم قصد التملك والإلتزام بالعقد - اما لوقوعه بعنوان الغفلة والسهو، أو مراعاة للمبيع بالضبط والحفظ - فمحل نظر، للزوم الإقتصار فيما خالف ما دل على ثبوت الخيار على القدر المتيقن من النص. ومنه يظهر الوجه في قوة احتمال عدم السقوط بالتصرف، الذي ليس مورد النص، كتصرف المتبائعين في الثمن أو البائع في المبيع، مع ثبوت الخيار للمتصرف، إلا إذا دل على إسقاط الخيار أو فسخ البيع، فيلزمان حينئذ [ لما مر في الخبر ] (2). وأما إذا لم يدل عليه، بل دل على الخلاف، فالظاهر عدم سقوط الخيار، ولا انفساخ البيع، للأصل، وظاهر ما مر من النص المثبت لهذا الخيار، لدلالته في الظاهر على تصرف البائع ذي الخيار في الثمن، ومع ذلك حكم بثبوت خياره، وليس إلا لعدم دلالة التصرف في مثل هذا الخيار على الإسقاط، وأن ليس المبطل سوى انقضاء المدة أو رد الثمن إذا كان الخيار للبائع، أو المبيع إذا كان بالعكس. وبالجملة: المدار في إسقاط التصرف للخيار وإيجابه البيع هو ما دل منه عليهما (3)، لا مطلقا، كما في العبارة وغيرها من كلمات أصحابنا.


(1) الغنية: 221. (2) مابين المعقوفتين لا يوجد في " م، ش، ه‍ ". (3) في " م، ق ": عليه.

[ 202 ]

ويمكن أن يكون مرادهم من الإطلاق كون الأصل في التصرف الدلالة على الرضا بأحد الأمرين، إلا أن يظهر من الخارج ما يخالفها، كأن ينضم إليه ما يدل على عدم القصد إلى أحد الأمرين. وهو وإن خالف الأصل، إلا أن استفادته من النص في خيار الحيوان ممكن، حيث جعل التصرف فيه بمجرده أمارة الرضا. لكن ليس فيه دلالة على لزوم أحد الأمرين بمطلق التصرف، حتى ما اقترن منه بما يدل على عدم الرضا بأحدهما من عادة أو غيرها، فيجب في مثله الرجوع إلى الأصل، وهو بقاء الخيار ولزوم البيع. وبذلك يجمع بين إطلاق الفتاوى بلزوم أحدهما بالتصرف، والنص المثبت لهذا الخيار الظاهر في عدم سقوطه بتصرف البائع في الثمن، بحمل الأول على ما لم يعلم فيه عدم رضا المتصرف بأحد الأمرين، والثاني على ما علم فيه ذلك، وغالب ما يقع من التصرفات [ من ذي الخيار ] (1) في بيع الشرط في أمثال الزمان من هذا القبيل، فلا توجب السقوط ولا الفسخ. فتدبر. ثم إن ظاهر العبارة اختصاص السقوط بالتصرف بهذا الخيار، وقد مر ثبوت السقوط به في غيره، كخيار المجلس. فلا وجه للتخصيص به. * (الثالثة: الخيار) * بأنواعه * (يورث، مشروطا كان، أو لازما بالأصل) * أي بأصل الشرع بلا خلاف، بل ظاهرهم الاجماع عليه، وحكي صريحا، للنبوي العام - المنجبر بعمل العلماء الأعلام -: ما ترك الميت من حق فهو لوارثه (2)، والمؤيد بعمومات آيات الإرث كتابا وسنة.


(1) لم يرد في المطبوع. (2) لم نعثر على هذه الرواية في كتب الأحاديث من العامة والخاصة بعد الفحص عنها في مظانها وان استدل بها في مفتاح الكرامة 4: 590.

[ 203 ]

فلا شبهة ولا خلاف في المسألة، إلا في خيار المجلس فوجهان، بل قولان، فظاهر السرائر دعوى الإجماع على أنه يورث (1)، كما هو أيضا مقتضى الأصل. وكيف كان [ من ظهور أدلته في اختصاصه بالمتبائعين، بناء على غاية مدته بافتراقهما بالأبدان، وهو حاصل بافتراقهما بالأرواح، لأولويته على الأول، ومن عدم صدق التفرق بالأبدان، الذي هو المعيار بانقضاء الخيار، والأصل يقتضي بقاء الخيار، فلو كان الوارث حاضرا في مجلس انتقل إليه، للعموم، ولا ينافيه اختصاص الخيار بالمتبائعين، لأن ثبوته ابتداء وبالذات مختص بهما، وهو لا ينافي الانتقال إلى الوارث ثانيا وبالعرض ] (2). فإن كان الخيار خيار الشرط مثلا يثبت للوارث بقية المدة المضروبة، فلو كان غائبا أو حاضرا ولم يبلغه الخبر حتى انقضت المدة سقط خياره بانقضائها، كالمورث. ولو تعدد الورثة واختلفوا في الفسخ والإجازة، قيل: قدم الفسخ (3). وفيه نظر. وعلى تقديره ففي انفساخ الجميع، أو في حصته ثم يتخير الآخر لتبعض الصفقة وجهان. ولو جن قام وليه مقامه. * (الرابعة: المبيع يملك بالعقد) * على الأشهر الأظهر، بل عليه عامة من تأخر، بل ظاهر [ المحكي ] (4) عن السرائر الإجماع عليه (5). قيل: لتعليق إباحة التصرف بالتجارة في الكتاب والسنة على المراضاة والمبايعة، فلو


(1) السرائر 2: 249. (2) أثبتناه من نسخة " م، ش " ولا يخفى: أن المناسب ذكر هذه الفقرة بعد قوله: " فوجهان بل قولان ". (3) التذكرة 1: 518 س 12، والمسالك 3: 214. (4) لم يرد في المخطوطات. (5) السرائر 2: 248.

[ 204 ]

لم تكن مفيدة للملك لما جاز التعليق عليه (1). وأن الصحة في المعاملة عبارة عن ترتب الأثر، فحال وقوع العقد إن وصف بها يثبت المطلوب، وإلا فلا خيار، لترتبه على العقد الصحيح، والفرض عدمه. وأن المقتضي للملك - وهو العقد - موجود، لأنه السبب الشرعي لنقل العين هنا، ولذا عرفوه بأنه انتقال عين أو تمليك عين. والمانع مفقود، إذ ليس إلا ثبوت الخيار. وهو غير مناف للملك، كخيار العيب، فيكون الملك حاصلا، وأنه لو لم ينتقل بالعقد الى المشتري لكان موقوفا، وحينئذ لم يكن فرق بين بيع المالك والفضولي واستحالة اللازم ظاهرة. والأجود الإستدلال عليه أولا: بإطلاق كثير من النصوص الدالة على جواز بيع المتاع قبل القبض مطلقا، كما في بعض (2)، ومن البائع، كما في آخر (3)، وأن مال العبد للمشتري مطلقا أو مع علم البائع، كما في ثالث (4)، ومفهوم النصوص الدالة على أن كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه (5)، من دون تقييد بمضي زمان الخيار. وثانيا: بخصوص ما مر من المعتبرة في خيار الشرط، الصريحة في أن كلا من النماء والتلف في مدة الخيار من مال المشتري (6). وهي وإن اختصت بنوع من الخيار، إلا أنه يتعدى عنه إلى باقي الأقسام، بمعونة عدم


(1) القائل هو صاحب التنقيح 2: 50، وفيه اختلاف يسير. (2) الوسائل 12: 387، الباب 16 من أبواب أحكام العقود. (3) الوسائل 12: 392، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 23. (4) انظر الوسائل 13: 32، الباب 7 من أبواب بيع الحيوان. (5) عوالي اللئالئ 3: 212، الحديث 59. (6) انظر الوسائل: 355، الباب 8 من أبواب الخيار.

[ 205 ]

القائل بالفرق. * (وقيل) * كما عن الإسكافي (1) والطوسي (2): يملك * (به وبإنقضاء الخيار) * مع عدم الفسخ، اما مطلقا، كما عن الأول، أو بشرط كون الخيار للبائع أولهما فكالأول كما عن الثاني في نقل، أو يخرج عن ملك البائع خاصة وإن لم يدخل في ملك المشتري، كما في آخر. ولا مستند للثاني، سيما على النقل الأخير، مع اندفاعه بالنص الماضي والآتي. وللإسكافي الأصل، والنصوص المستفيضة في خيار الحيوان الظاهرة في كون التلف من البائع قبل انقضاء مدته واستمراره إلى أن يصير المبيع بانقضاء الخيار للمشتري، ومر بعضها في بحثه. ويذب عن الإيراد بالأخصية بما يذب به عنه في الأخبار السابقة. وحينئذ فيحصل التدافع بين هذه وتلك، ومقتضى وجوه التراجيح العدول عن هذه إليها، لأرجحيتها بالشهرة العظيمة، التي كادت تكون إجماعا، بل إجماع في الحقيقة، وتأيدها بمامر من الأدلة السابقة، مضافا إلى صراحة الدلالة والمخالفة لما عليه العامة كافة، كما حكاه بعض الأجلة. بخلاف هذه، لمرجوحيتها، بالإضافة إليها في كل من الامور الأربعة، لشذوذها، وعدم معاضد لها سوى الأصل المعارض بأصالة براءة الذمة من المنافع المتلفة عند المشتري مثلا، وعدم صراحتها، وإحتمالها الحمل على محامل أجودها التقية. هذا، مع أن العمل بها مجمع عليه بين الأصحاب كافة، من حيث كون التلف فيها ممن لا خيار له، فتكون هذه مستثناة من القاعدة بالنص والإجماع، كما أن التلف قبل القبض من مالكه الأول مطلقا، كان الخيار


(1) كما في الدروس 3: 370، الدرس 256. (2) الخلاف 3: 22، المسألة 29.

[ 206 ]

لغيره، أم لا، مستثنى منها بهما أيضا. ومنه يظهر فساد ما مر من الذب من الأخصية في هذه المستفيضة. فتدبر. ويكون المراد بنفيها صيرورة المبيع قبل انقضاء الخيار للمشتري نفيها بعنوان اللزوم والإستقرار. وعلى القول الثاني هل الإنقضاء مع عدم الفسخ ناقل كما عن الأول، أو كاشف كما عن الثاني ؟ أظهرهما الثاني. ويظهر ثمرة الخلاف في صور. منها: في النماء المنفصل، كاللبن والحمل والثمرة المتجددة في زمن الخيار فللمشتري على الأشهر، وكذا على الكشف إن لم يفسخ، وللبائع على القول الآخر. ومنها: في الأخذ بالشفعة في زمن الخيار، وفي جريانه في حول الزكاة لو كان كل منهما (1) زكويا. * (و) * غير ذلك من الصور التي منها: ما * (إذا كان الخيار للمشتري) * أو البائع ف‍ * (جاز له التصرف) * في المبيع وللبائع في الثمن * (وإن لم يوجب) * كل منهما * (البيع على نفسه) * قبل التصرف على القول الأول، فإن الناس مسلطون على أموالهم (2)، وتوقف على الإيجاب أو انقضاء مدة الخيار على الثاني، لعدم حصول الملك الموجب للتسلط حينئذ. ولا فرق في التصرفات بين أنواعها إذا كان الخيار للمتصرف خاصة. وأما إذا كان للآخر دونه أولهما فلا يجوز إذا كانت ناقلة، كالبيع والوقف وأما إذا كان للآخر دونه أولهما فلا يجوز إذا كانت ناقلة، كالبيع والوقف والهبة إلا بإذن الآخر، لمنافاتها خياره. نعم له الإستخدام والمنافع والوطء على إشكال فيه، فإن حبلت


(1) جملة " كل منهما " لا توجد في " م، ق، ش ". (2) عوالي اللئالئ 1: 222، الحديث 99.

[ 207 ]

فالأقرب الإنتقال إلى القيمة [ قيمة الأمة ] (1) مع فسخ البائع. خلافا للفاضل (2) والحلي (3). وخلافا للشيخ (4) والقاضي (5)، فيرجع بقيمة الولد والعقر على المشتري، بناء على عدم الإنتقال الموجب لعدم الإستيلاد. * (الخامسة: إذا تلف المبيع) * الشخصي * (قبل قبضه) * بآفة من الله سبحانه لا بجناية جان * (فهو من مال بائعه) * إجماعا، كما في الغنية (6) والروضة (7)، وهو ظاهر جماعة. وهو الحجة، مضافا إلى المعتبرين. أحدهما النبوي: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه (8). ونحوه الثاني (9)، المتقدم هو كالأول في تلف المبيع في خيار التأخير. وقصورهما سندا منجبر بعمل الكل جدا، فهما بعد الإجماع مخرجان للحكم هنا عن مقتضى القاعدة المتقدمة، القائلة بحصول الملكية بمجرد العقد المستلزم لكون التلف من المشتري. لكن ظاهرهما بحكم التبادر وفتوى الجماعة اختصاص الحكم بالتلف بآفة منه سبحانه، كما قيدنا به العبارة، فلو تلف بغيرها لزم فيه الرجوع إلى مقتضى القاعدة. وقيل: يتخير المشتري بين الرجوع بالثمن، وبين مطالبة التالف بالمثل أو القيمة لو كان التلف من أجنبي أو من البائع، ولو كان منه ولو بتفريطه فهو بمنزلة القبض، لأنه ملكه قد أتلفه بنفسه (10). وفيه نظر. وهل النماء بعد العقد قبل التلف بالآفة للمشتري، أو البائع ؟ وجهان


(1) لا يوجد في " م، ه‍ ". (2) المختلف 5: 75. (3) السرائر 2: 248. (4) المبسوط 2: 83، والخلاف 3: 24، المسألة 32. (5) المهذب 1: 358. (6) الغنية: 220. (7) الروضة 3: 459. (8) عوالي اللئالئ 3: 212، الحديث 59. (9) الوسائل 12: 358، الباب 10 من أبواب الخيار الحديث 1. (10) القائل هو الشهيد الثاني في المسالك 3: 216.

[ 208 ]

مبنيان على أن التلف هل هو أمارة الفسخ للعقد من حينه، أو من أصله ؟ ظاهر المسالك (1) وغيره الأول، مشعرا بدعوى الوفاق عليه، وهو مقتضى القاعدة، واستصحاب الحالة السابقة، لكن ينافيه ظاهر النص والعبارة، كعبارات الجماعة، فيحتاج إلى تقدير دخوله في ملك البائع آنا ما ويكون التلف كاشفا عنه، مثل دخول الدية في ملك الميت، والعبد المأمور بعتقه في ملك المعتق عنه. وحكى الثاني في التذكرة (2) وجها. ثم إن مقتضى الأصل واختصاص ظاهر الفتاوى والنص بالمبيع كون الحكم في تلف الثمن تلفه من مال البائع، لأنه صار بالعقد ماله، فيجب أن يكون التلف منه، إلا أن ظاهر بعض الأصحاب إلحاقه بالأول، مشعرا بدعوى الوفاق عليه، وعلى إرادته من المبيع وإرادة المشتري من البائع، إلتفاتا إلى صدقهما عليهما لغة. فإن تما، وإلا فالمسألة محل إشكال، لكن ظاهر الخبر الثاني (3) العموم، فلا بأس به، فيكون التلف قبل القبض من المشتري، كما أن تلف المبيع من البائع قبل القبض. * (وكذا) * لو تلف المبيع أو الثمن بالآفة الإلهية * (بعد قبضه وقبل انقضاء خيار المشتري) * (4) أو البائع، فإن التلف في مدة الخيار ممن لا خيار له بلا خلاف أجده لما مر في كل من خياري الشرط والحيوان من المعتبرة المستفيضة. وأخصيتها من المدعى مندفعة بعدم القائل بالفرق بين الطائفة. مع أن هذا الحكم غير محتاج إلى دلالة من كتاب أو إجماع أو سنة


(1) المسالك 3: 216. (2) التذكرة 1: 534 س 17. (3) الوسائل 12: 358، الباب 10 من أبواب الخيار الحديث 1. (4) في المتن المطبوع زيادة: ما لم يفرط.

[ 209 ]

على حده في بعض صور المسألة، وهو على المشهور ما إذا تلف المبيع بعد القبض والخيار للبائع وبالعكس، لكون المتلف مال من لا خيار له المنتقل إليه بمجرد العقد، فيكون الحكم في الصورتين موافقا للقاعدة، مع تأيد أولهما بأخبار خيار الشرط. وإنما المحتاج إلى الدلالة ما إذا تلف المبيع بعده والخيار للمشتري وبالعكس، لمخالفة الحكم فيهما للقاعدة المتقدمة جدا. ولا إشكال فيه أصلا بعد قيام النص والفتوى بإثباته فيهما، فيكون كل منهما بهما عن القاعدة مستثنى. كما أن الحكم في الصورتين الأخيرتين موافق لمقتضى القاعدة على القول بعدم الملكية بمجرد الصيغة، مع تأيد أولهما بأخبار خيار الحيوان. فلا تحتاج إلى دلالة، وإنما المحتاج إليها عليه (1) الحكم في الصورتين السابقتين، ولعلها عند القائل بالإجماع، وأخبار خيار الشرط، دون النصوص الواردة في خيار الحيوان، لاختصاصها مع الضميمة بالصورتين الأخيرتين، اللتين لا يحتاج إلى هذا القول فيهما إلى دلالة. ثم كل ذا مع التلف في صورة اختصاص الخيار بأحدهما. وأما التلف في الخيار المشترك فهو من المشتري إن كان التالف المبيع، ومن البائع إن كان الثمن على الأشهر، وبه صرح جمع، من دون خلاف يعرف، وبه صرح بعض (2). وهو كذلك، بناء على الأشهر الأظهر من حصول التملك بمجرد العقد. ويشكل على القول الآخر، فإن اللازم عليه كونه بعكس الأول، عملا بقاعدته، مضافا إلى ورود النص به، كما قيل (3). * (ولو تلف) * كل من المبيع أو الثمن * (بعد ذلك) * أي انقضاء الخيار كان


(1) كذا في أكثر النسخ، وفي ظاهر " ش ": العلية. (2) انظر كفاية الأحكام: 93 س 16. (3) انظر الحدائق 19: 78.

[ 210 ]

لهما أو لأحدهما * (كان) * التلف * (من المشتري) * في الأول ومن البائع في الثاني إجماعا فتوى ودليلا. * (السادسة: لو اشترى ضيعة رأى بعضها ووصف له سائرها كان له الخيار فيها أجمع إذا لم يكن على الوصف) * الذي وقع عليه العقد، ولا يجوز له الفسخ في البعض بلا خلاف، بل ربما احتمل الإجماع. وهو الحجة، مضافا إلى ما قدمناه في خيار الرؤية من الأدلة. فلا وجه لمناقشة بعض الأجلة (1) في ثبوت أصل الخيار في المسألة. وكذا له الخيار لو اشتراها على أنها جربان معينة فظهرت ناقصة بلا خلاف، إلا إذا كان للبائع بجنبها ما يتمها، فلا خيار حينئذ عند الشيخ (2)، للخبر: في رجل باع أرضا على أنها عشر أجربة فاشترى المشتري منه بحدوده ونقد الثمن ووقع صفقة البيع فافترقا فلما مسح الأرض إذا هي خسمة أجربة، قال: إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الأرض، وإن شاء رد البيع وأخذ ماله كله إلا أن يكون له إلى جنب تلك الأرض أيضا أرضون فليؤخذ، ويكون البيع لازما، وعليه الوفاء بتمام البيع (3)، الحديث. خلافا للأكثر، فأطلقوا الخيار، للأصل، وقصور سند الخبر. ومقتضاه ثبوت الخيار بين الرد وأخذ تمام الثمن، أو الإمضاء والإسترداد منه بقدر الفائت، وهو أشهر. خلافا للمبسوط، فنفى الاسترداد، وأثبت الخيار بين الرد والإمضاء بتمام الثمن (4)، وهو طرح للخبر المعتبر عنده. ولاريب أن ما ذكره في المقامين أحوط للمشتري، فلا يتركه مهما أمكن.


(1) لم نعثر عليه. (2) النهاية 2: 221. (3) الوسائل 12: 361، الباب 14 من أبواب الخيار الحديث 1. (4) المبسوط 2: 154.

[ 211 ]

* (الفصل الرابع) * * (في لواحق البيع) * * (وهي خمسة:) * * (الأول: النقد والنسيئة) * أي البيع الحالي والمؤجل، يسمى الأول نقدا باعتبار كون ثمنه منقودا ولو بالقوة، والثاني مأخوذ من النسئ وهو تأخير الشئ، تقول: أنسأت الشئ إنساء إذا أخرته، والنسيئة اسم وضع موضع المصدر. واعلم أن البيع بالنسبة إلى تعجيل الثمن والمثمن وتأخيرهما والتفريق بتعجيل الأول وتأخير الثاني وبالعكس أربعة أقسام: فالأول النقد، والثاني بيع الكالئ بالكالئ - بالهمزة إسم فاعل أو مفعول، بمعنى المراقبة، لمراقبة كل واحد منهما صاحبه لأجل دينه - والثالث السلف، والرابع النسيئة، وكلها صحيحة، عدا الثاني، فقد ورد النهي وانعقد الإجماع على فساده، كما في الغنية (1) والروضة (2) وغيرهما. إذا تقرر ذلك فاعلم أن * (من ابتاع) * شيئا * (مطلقا) * من دون اشتراط تأجيل في أحد العوضين * (فالثمن) * وكذا المبيع * (حال، كما لو شرط) *


(1) لم نعثر عليه. (2) الروضة 3: 513.

[ 212 ]

فيهما (1) * (تعجيله) * فيجب التسليم في الحال بلا خلاف، لانصراف الإطلاق إليه. قيل (2): وللموثق: في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمى ثم افترقا، قال: وجب البيع والثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد (3). ثم اشتراط التعجيل إن كان من دون تعيين زمان أفاد التأكيد خاصة في المشهور، وإن كان معه بأن شرط تعجيله في هذا اليوم - مثلا - تخير المشروط له لو لم يحصل الشرط في الوقت المعين بين الفسخ والإمضاء، وفاقا للشهيدين (4)، بل استحسن ثانيهما ثبوت الخيار، مع الإطلاق أيضا لو أخل به عن أول وقته، للإخلال بالشرط. * (ولو شرط التأجيل) * في الثمن * (مع تعيين المدة) * والأجل (5) * (صح) * إجماعا في الظاهر، وحكي عن التذكرة (6) صريحا، وأخبار الباب به - كما سيأتيك إن شاء الله تعالى - مستفيضة جدا. ولا فرق فيها بين القصيرة والطويلة، حتى مثل ألف سنة مما يعلم المتعاقدان عدم بقائهما إليه عادة، بلا خلاف يعلم منا في ذلك. إلا ما حكي عن الإسكافي من منعه التأجيل زيادة على ثلاثة سنين (7). والأصل والعمومات وخصوص إطلاقات أخبار الباب يدفعه، مع عدم وضوح مستنده. نعم في الخبرين المروي أحدهما في الكافي والثاني عن قرب الإسناد: انا إذا بعناهم بنسيئة كان أكثر للربح، قال: بعهم بتأخير سنة، فقلت: فتأخير سنتين، قال: نعم، قلت: بثلاث قال: لا (8).


(1) في هامش المطبوع زيادة: في أحدهما خ ل. (2) القائل هو صاحب الحدائق 19: 119. (3) الوسائل 12: 366، الباب 1 من أبواب أحكام العقود الحديث 2. (4) اللمعة والروضة 3: 513. (5) في " م، ش ": في الأجل. (6) التذكرة 1: 546 س 19. (7) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 136. (8) الكافي 5: 207، الحديث 1، وقرب الاسناد: 164.

[ 213 ]

وقصور سندهما مع عدم تكافؤهما لما مضى يمنع من العمل بهما، مع احتمال ورودهما مورد التقية عن رأي بعض العامة، كما يفهم من عبارة بعض الأجلة (1)، مضافا إلى عدم انطباقهما على مذهبه بالضرورة. * (و) * ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف وبه صرح بعض (2) أنه * (لو لم يعين) * المدة * (بطل) * المعاملة، للغرر، والجهالة فيها المستلزم ذلك جريانهما في الثمن جدا، بناء على أن للأجل قسطا من الثمن عادة وعرفا. * (وكذا) * تبطل * (لو عين أجلا محتملا) * للزيادة والنقيصة * (كقدوم الغزاة) * وإدراك الثمرات، أو مشتركا بينهما وإن كان في الجملة معينا، كنفرهم من منى وشهر ربيع أو يوم جمعة أو خميس مثلا، لعين ما مر سابقا. وقيل في الأخير: يصح، ويحمل على الأول، لتعليقه الأجل على اسم معين، وهو يتحقق بالأول، لكن يعتبر علمهما بذلك قبل العقد، ليتوجه قصدهما إلى أجل معين، فلا يكفي ثبوت ذلك شرعا مع جهلهما أو أحدهما به، ومع القصد لا إشكال في الصحة وإن لم يكن الإطلاق محمولا عليه (3). قيل: ويحتمل الاكتفاء في الصحة بما يقتضيه الشرع في ذلك قصداه أم لا، نظرا إلى كون الأجل الذي عيناه مضبوطا في نفسه شرعا، وإطلاق اللفظ منزل على الحقيقة الشرعية. وهو كما ترى، لمنع تنزيل الإطلاق عليها مطلقا، بل إنما ذلك هو بالإضافة الى إطلاق متصدعها خاصة، لعدم دليل عام يدل على التعدي أصلا. وثبوته في بعض المواضع لا يوجبه كليا، إلا بالقياس المحرم عندنا، أو الإستقراء الغير الثابت ظاهرا، فتأمل جدا.


(1) الظاهر أنه صاحب مجمع الفائدة 8: 327. (2) الظاهر صاحب مفاتيح الشرائع 3: 59، مفتاح 907. (3) ذكرهما الشهيد الثاني في الروضة 3: 514.

[ 214 ]

* (وكذا) * تبطل * (لو قال) * بعتك هذه السلعة * (بكذا) * وكذا * (نقدا وبكذا) * وكذا * (نسيئة) * على الأظهر الأشهر، بل عليه عامة من تأخر، وفاقا للإسكافي (1) والمفيد (2) والسيد (3) وابن حمزة (4) والمبسوط (5) والديلمي (6) والحلبي (7) والقاضي (8) وابن زهرة العلوي (9) والحلي (10)، لعين ما مر، مضافا إلى النهي عن بيعين في صفقة واحدة، المروي من طرق الخاصة والعامة (11)، المفسر بذلك في كلام جماعة، كالإسكافي وابن زهرة والعلامة (12). ففي الخبرين، أحدهما الموثق: فنهى عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن (13). وفي الثاني: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع واحد، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (14). وهما مع اعتبار سندهما بالشهرة - وحجية الأول بالموثقية - واضحا الدلالة، إما لما مر من ظهورهما في ذلك، كما فهم الجماعة، أو لإطلاقهما الشامل له، ولما قيل في معناهما أيضا، من أن يقول: بعتك هذا بألف بأن تبيعني دارك هذه بألف مثلا (15)، مع تأييدهما بالقاعدة المتقدمة وقاعدة


(1) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 122. (2) المقنعة: 595. (3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 252 س 19، وفيه: المكروه أن يبيع الشئ بثمنين بقليل إن كان الثمن نقلا وبأكثر منه نسيئة. (4) الوسيلة: 241. (5) المبسوط 2: 159. (6) المراسم: 174. (7) الكافي في الفقه: 357. (8) لم نعثر عليه في كتبه الموجودة عندنا، نقله عنه العلامة في المختلف 5: 123. (9) الغنية: 230. (10) السرائر 2: 287. (11) سنن الترمذي 3: 533، الحديث 1231. (12) المختلف 5: 123. (13) الوسائل 12: 382، الباب 10 من أبواب أحكام العقود الحديث 6. (14) الوسائل 12: 368، الباب 2 من أبواب أحكام العقود الحديث 4. (15) القائل هو الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 259.

[ 215 ]

اخرى، وهي أن مقتضى العقد الإنتقال من حينه، كما مضى، ولا يقبله الثمن المتردد جدا. مع أنه ليس لهما التخيير بين الثمنين بما يناسبه من الأجلين إجماعا، بل لابد إما من البطلان، أو لزوم أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين. والثاني: غير منطبق على القواعد القطعية، المستفادة من الكتاب، والسنة، وإجماع الامة، من حرمة أكل مال الغير إلا برضائه، بنحو من الهبة والمراضاة والتجارة. وليس شئ من ذلك هنا بالبديهة، لوقوع المراضاة على أحد الثمنين بما يناسبه من الأجلين، لا بما يضاده، كما في البين. * (و) * بهذا يبطل ما * (في رواية) * النوفلي عن السكوني: من أن * (له أقل الثمنين) * إلى أبعد الأجلين (1)، يعني * (نسيئة) * مضافا إلى قصور سندها، وعدم مكافئتها لما مضى، وشذوذ القائل بها، وندرته، وهو الشيخ في نهايته (2)، مع رجوعه عنه في مبسوطه (3). ثم على المختار هل لهذا البيع حكم البيع الفاسد فيرجع مع تلف المبيع إلى المثل، أو القيمة، أم لا، بل يرجع البائع معه إلى ما في هذه الرواية من أقل الثمنين إلى أبعد المدة ؟ قولان، أشهرهما بين المتأخرين الأول، عملا بالأصل في البيع الفاسد، وبين المتقدمين المتقدم ذكر جمع منهم، كالمفيد والإسكافي والقاضي وابن حمزة وابن زهرة في الغنية، مدعيا الإجماع عليه الثاني، ولعله للصحيح: من باع سلعة، فقال: إن ثمنها كذا وكذا يدا بيد وكذا وكذا نظرة، فخذ بأي ثمن شئت وجعل صفقتهما واحدة، فليس له إلا أقلهما وإن كان نظرة (4). ولا بأس به، لاعتضاده مع صحة سنده ومصير كثير من القدماء إلى


(1) الوسائل 12: 367، الباب 2 من أبواب أحكام العقود الحديث 2. (2) النهاية 2: 148. (3) المبسوط 2: 159. (4) الوسائل 12: 367، الباب 2 من أبواب أحكام العقود الحديث 1.

[ 216 ]

العمل به [ بالإجماع المحكي ] (1). وأما الإستدلال بهذه الرواية للقول بما في الرواية السابقة فمحل مناقشة، لعدم ظهورها في وقوع البيع والصفقة بتلك المعاملة، بل غايتها الدلالة على وقوع الإيجاب بها خاصة، ولعله يكون الحكم المذكور مترتبا على فساد المعاملة، كما فهمه الجماعة. مع ما في ذيلها من تتمة مروية في الكافي والتهذيب تنافي الإستدلال المتقدم بالضرورة، وهي هذه: " من ساوم بثمنين أحدهما عاجل والآخر نظرة فليبين أحدهما قبل الصفقة " (2) بناء على أن الظاهر منه ما ذكره جماعة - وهو المتبادر بالبديهة -: أنه لا يجوز هذا الترديد، بل لابد من تعيين أحدهما قبل العقد وأن يوقعه عليه، لا تعيين مقدار الثمنين أو الثمن والأجل. واعلم أن ظاهر الأصحاب عدم الفرق في الحكم صحة وبطلانا بين ما تقدم * (و) * بين ما * (لو كان) * المبيع المتردد ثمنه * (إلى أجلين) * كشهر بدينار وشهرين بدينارين، فإن كان إجماع، والا كما يقتضيه قوله: * (بطل) * من دون إشارة إلى خلاف من فتوى أو رواية، كان المختار هنا أقوى منه فيما مضى، لفقد المعارض فيه، لاختصاص النص مطلقا بالصورة السابقة، وعدم ثبوت الإجماع، كما هو الفرض. * (ويصح أن يبتاع) * البائع * (ما باعه) * من المشتري * (نسيئة قبل الأجل بزيادة) * من الثمن الذي باعه به * (ونقصان بجنس الثمن وغيره حالا ومؤجلا) * بلا خلاف فتوى ونصا، عموما وخصوصا. ففي الصحيح: عن الرجل يبيع المتاع نسيئة فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه، قال: نعم لا بأس به، الحديث (3).


(1) مابين المعقوفتين لا يوجد في " م، ق، ش ". (2) الكافي 5: 206، الحديث 1، والتهذيب 7: 47، الحديث 201. (3) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود الحديث 3.

[ 217 ]

وفي آخر: رجل كان له على رجل دراهم من ثمن غنم اشتراها منه فأتى الطالب المطلوب يتقاضاه فقال له المطلوب: أبيعك هذه الغنم بدراهمك التي عندي فرضي، قال: لا بأس بذلك (1). ونحوه غيره مما سيأتي. ويستفاد من بعض الصحاح المنع عن إبتياعه نسيئة، وفيه: عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك فأتى الطالب المطلوب ليبتاع منه شيئا، فقال: لا يبيعه نسيئا، وأما نقدا فليبعه بما شاء (2). إلا أن فيه إجمالا، مع احتمال الحمل على الكراهة جدا، جمعا بينه وبين ما تقدم، لعدم مكافأته له قطعا. وكيف كان، فالجواز عند الأصحاب مطلقا مشروط بما * (إذا لم يشترط) * البائع في البيع الأول * (ذلك) * أي بيعه منه ثانيا، ولا خلاف فيه. ويدل عليه ظاهر المروي عن قرب الإسناد، وعن كتاب علي بن جعفر عنه عن أخيه (عليه السلام): عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم ثم اشتراه بخمسة دراهم أيحل ؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس (3). وربما علل تارة باستلزامه الدور، لأن بيعه له يتوقف على ملكيته له المتوقفة على بيعه. واخرى بعدم حصول القصد إلى نقله عن البائع. وضعف الأول: بأن المتوقف على حصول الشرط هو لزوم البيع، لا إنتقاله إليه، غايته أن تملك البائع موقوف على تملك المشتري، وأما أن تملك المشتري موقوف على تملك البائع فلا، ولأنه وارد في باقي الشروط، كشرط العتق، وخصوصا شرط بيعه للغير، مع صحته إجماعا. وأوضح لملك


(1) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (2) الوسائل 12: 373، الباب 6 من أبواب أحكام العقود الحديث 8. (3) قرب الاسناد: 114، ومسائل علي بن جعفر: 127، الحديث 100.

[ 218 ]

المشتري ما لو جعل الشرط بيعه من البائع بعد الأجل، لتخلل ملك المشتري فيه. والثاني: بأن الفرض حصول القصد إلى ملك المشتري، وإنما رتب عليه نقله ثانيا بل شرط النقل ثانيا يستلزم القصد إلى النقل الأول لتوقفه عليه، ولاتفاقهم على أنهما لو لم يشترطا ذلك في العقد صح، وإن كان من قصدهما رده، مع أن العقد يتبع القصد. والمصحح له ما ذكرناه من أن قصد رده بعد ملك المشتري له غير مناف لقصد البيع بوجه، وإنما المانع عدم القصد إلى نقل الملك إلى المشتري أصلا بحيث لا يترتب عليه حكم الملك (1). وهو حسن. * (ولو حل) * الأجل * (فابتاعه من المشتري بغير جنس الثمن، أو بجنسه من غير زيادة ولا نقصان صح) * بلا خلاف يظهر لبعض ما مر. * (ولو زاد عن الثمن) * الذي باع به أولا * (أو نقص عنه ففيه) * قولان و * (روايتان، أشبههما) * وأشهرهما * (الجواز) *. وهي الصحاح المستفيضة، المعتضدة بالأصل والعمومات. منها: ما مر. وفي آخر: عن رجل باع طعاما بمائة درهم إلى أجل فلما بلغ ذلك الأجل تقاضاه فقال: ليس لي دراهم خذ مني طعاما، فقال: لا بأس به، فإنما له دراهمه يأخذ بها ما شاء (2). ونحوه في رابع (3) وغيره (4). والثانية الخبر: عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى أجل مسمى فلما جاء


(1) انظر الروضة 3: 516. (2) الوسائل 13: 71، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 10، مع تفاوت يسير. (3) الوسائل 13: 71، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 11. (4) الوسائل 13: 71، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 12.

[ 219 ]

الأجل أخذته بدراهمي فقال: ليس عندي دراهم ولكن عندي طعام اشتره مني، فقال: لا تشتره منه، فإنه لا خير فيه (1). وعمل بها الشيخ في النهاية (2) وكتابي الحديث (3)، مستدلا بها فيهما على ما ذكره من البطلان في الصورة المذكورة في العبارة خاصة. ولا دلالة لها عليه بالمرة، كما لا دلالة لما استدل به في الإستبصار بيانا لما اختاره من رواية اخرى في المسألة [ وهي في الفقيه حسنة ] (4). وفيها: أبيع الطعام من الرجل إلى أجل فأجئ وقد تغير الطعام من سعره فيقول: ليس لك عندي دراهم، قال: خذ منه بسعر يومه، الحديث (5). هذا، مع ضعف سندهما وقصورهما عن المكافأة، لما مضى جدا، فليحملا على الكراهة. وربما قيل: بهما مخصصين بموردهما من الطعام (6). ولا وجه له، مع أنه لا شاهد عليه. * (ولا يجب) * على المشتري * (دفع الثمن قبل حلوله وإن طلب) * البائع إجماعا، تمسكا بالأصل، والتفاتا إلى لزوم العمل بمقتضى الشرط. * (و) * منها يظهر الوجه في أنه * (لو تبرع) * المشتري * (بالدفع) * حينئذ * (لم يجب) * على البائع * (القبض) * منه، مضافا إلى الإجماع عليه كالأول. وتخيل الوجوب هنا بناء على أن فائدة التأجيل الرخصة للمشتري بالتأخير لا عدم وجوب الأخذ على البائع قبله بعد الدفع إليه، ضعيف. أولا: بمنع استلزام انحصار فائدته في ذلك بعد تسليم وجوب الأخذ


(1) الوسائل 13: 74، الباب 12 من أبواب السلف الحديث 3. (2) النهاية 2: 149. (3) التهذيب 7: 33، والاستبصار 3: 77. (4) مابين المعقوفتين لا يوجد في " م، ق، ش ". (5) الفقيه 3: 207، الحديث 3777، والاستبصار 3: 77 الحديث 257. (6) الظاهر أن القائل هو صاحب الحدائق 19: 129.

[ 220 ]

على البائع، مع مخالفته الأصل الخالي عن المعارض من النص والإجماع، لاختصاصه بغير صورة الفرض. وثانيا: بمنع الإنحصار، لجواز تعلق غرض البائع بتأخير القبض إلى الأجل، فإن الأغراض لا تنضبط. * (و) * أما * (لو حل) * الأجل، أو كان الثمن غير مؤجل مطلقا، في الذمة كان، أو معينا * (فدفع وجب) * على البائع * (القبض) * إجماعا. * (ولو امتنع البائع) * منه في المقامين * (فهلك من غير تفريط من الباذل) * فيه * (تلف من البائع) * مطلقا، وفاقا للنهاية (1) والمفيد (2) والديلمي (3) والقاضي (4) وابن حمزة (5). خلافا للمبسوط (6) والحلي (7) وجماعة، فخصوه بصورة عدم التمكن من الحاكم ليدفع إليه، اقتصارا فيما خالف الأصل الدال على عدم تعيين الثمن للبائع حيث كان كليا إلا بقبضه أو قبض من بحكمه على محل الوفاق. التفاتا الى اندفاع الضرر عن المشتري بالدفع إلى الحاكم، فلو قصر كان كالمفرط في المال من حيث تمكنه من دفعه إلى مستحقه أو نائبه، فيكون من ماله. ولا يخلو عن قوة، بل ادعى عليه الشهرة بعض الأجلة (8)، لكنه غير ملازم لوجوب الدفع إلى الحاكم بعد امتناع البائع أول مرة، لعدم الدليل عليه من إجماع أو رواية، لاختصاصه بصورة الدفع إلى المالك خاصة. وحينئذ، فله التصرف فيه والتأخير بدفعه حيث يكون الثمن كليا إلى أن


(1) النهاية 2: 150. (2) المقنعة: 595. (3) المراسم: 174. (4) لم نعثر عليه في كتبه، نقله عنه العلامة في المختلف: 362 س 27. (5) الوسيلة: 239. (6) المبسوط 2: 190. (7) السرائر 2: 288. (8) الحدائق 19: 132.

[ 221 ]

يطالبه المالك أو من يقوم مقامه به. إلا أن الإيصال إليه مهما أمكن أحوط، مسارعة إلى براءة (1) الذمة، وتفصيا عن فتوى جماعة. * (وكذا) * الكلام فيما مر من الأحكام * (في طرف البائع لو باع سلما) * فلا يجب عليه الدفع قبل الأجل ويجب بعده، وعلى المشتري قبوله، ومع عدمه فالتلف منه مطلقا، أو على التفصيل المتقدم. وكذا الحكم في كل حق واجب امتنع مستحقه عن قبضه. واعلم أن البيع بالنسبة إلى الإخبار بالثمن وعدمه أربعة أقسام: لأنه إما أن يخبر به، أو لا، والثاني المساومة، والأول إما أن يبيع معه برأس المال، أو بزيادة عليه، أو بنقصان عنه، والأول التولية، والثاني المرابحة، والثالث المواضعة. والدليل على جواز الجميع بعد الإجماع عليه - كما حكاه بعض الأجلة (2) - عمومات الكتاب، والسنة، وخصوص المعتبرة (3). ويستفاد منها أن الأول أفضلها، ويساعده الإعتبار جدا. ويجب فيما عداه ذكر رأس المال من غير زيادة ولا نقيصة، وإلا كان خيانة وخديعة منهيا عنهما في الشريعة. والأجل وإن لم يكن جزء من الثمن، لكنه كالجزء، لاختلاف الأغراض باختلافه في زيادة الثمن ونقصه * (فلو ابتاع بأجل وباع مرابحة) * أو مواضعة أو تولية * (فليخبر المشتري بالأجل) *. * (ولو لم يخبر به) * صح البيع بلا خلاف ظاهرا، وحكي في الخلاف (4) والغنية (5) صريحا، لعموم الكتاب والسنة، وخصوص ما يأتي من المعتبرة،


(1) في " ق، ش ": إبراء. (2) مجمع الفائدة 8: 368. (3) انظر الوسائل 12: 383، الباب 12 من أبواب أحكام العقود، ومابعده من الأبواب. (4) الخلاف 3: 135، المسألة 224. (5) الغنية: 229.

[ 222 ]

ولكن * (كان للمشتري) * الخيار بين * (الرد والإمساك بالثمن حالا) * ولم يكن له من الأجل المذكور شئ أصلا، وفاقا للمبسوط (1) والخلاف (2) والسرائر يكن له من الأجل المذكور شئ أصلا، وفاقا للمبسوط (1) والخلاف (2) والسرائر (3) والغنية (4)، وهو الأشهر بين الطائفة، سيما متأخريهم، بل ظاهرهم الإتفاق عليه كافة، إلا من تأتي إليه الإشارة. وكذا الحكم فيما لو ظهر كذبه في الإخبار بقدر الثمن أو جنسه أو وصفه أو غلط فيه ببينة أو إقرار، لغروره الموجب لخياره. * (و) * لكن * (في رواية) * بل روايات معتبرة الأسانيد عمل بها النهاية (5) والقاضي (6) وابن حمزة (7): أن * (للمشتري من الأجل مثله) *. ففي الصحيح: في الرجل يشتري المتاع الى أجل، فقال: ليس له أن يبيع مرابحة، إلا إلى الأجل الذي اشتراه إليه، وإن باعه مرابحة ولم يجزه كان للذي اشتراه من الأجل مثل ذلك (8). ونحوه خبران آخران في سندهما جهالة، إلا أن في أحدهما صفوان (9)، وفي ثانيهما الحسن بن محبوب (10)، الذين قد أجمع على تصحيح ما يصح عنهما العصابة. فالقول بهما مع صحة أولهما لا يخلو عن قوة، إلا أن في مقاومتها للقاعدة التي استند إليها الأولون من أنه عقد على مبيع بثمن معلوم حال مقرون ذلك برضاهما، فيكون صحيحا، فيملك البائع جملة الثمن بذلك.


(1) المبسوط 2: 142. (2) الخلاف 3: 135، المسألة 224. (3) السرائر 2: 291. (4) الغنية: 229. (5) النهاية 2: 151. (6) لم نعثر عليه في كتبه، نقله عنه العلامة في المختلف 5: 159. (7) الوسيلة: 243. (8) الوسائل 12: 400، الباب 25 من أبواب أحكام العقود الحديث 2. (9) الوسائل 12: 400، الباب 25 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (10) الوسائل 12: 401، الباب 25 من أبواب أحكام العقود الحديث 3.

[ 223 ]

وإخفاء الأجل لا يوجب أن يكون للمشتري مثله، غاية ما في الباب إيجابه الخيار كالعيب إذا لم يعلم به نوع مناقشة، سيما مع اعتضاد القاعدة بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا من متأخري الطائفة، مع رجوع الشيخ عن العمل بهذه المعتبرة في كتابيه المتقدم إلى ذكرهما الإشارة. ولعله لهذا توقف شيخنا الشهيد (رحمه الله) في النكت. وهو في محله. وربما فصل بين البيع بشرط النقد والحلول فالأول، وعدمه بل يبيع بمثل ما ابتاعه فالثاني. وعليه حمل اطلاق الأخبار. ولا شاهد عليه، مع منافاته القاعدة المقررة من اقتضاء العقد بمجرده النقد والحلول، الموجب عند القائل المصير إلى الأول. ولعله لذا استشكله المفصل بعد ذكره، وهو في محله. وهنا * (مسألتان) *: * (الاولى: إذا باع مرابحة فلينسب الربح إلى السلعة) * وهو - كما ذكره الأصحاب - كأن يقول بعتك هذه بكذا وربح كذا، لخلوه عن شبهة الحرمة والكراهة فتوى ورواية. * (و) * لا كذلك * (لو نسبه الى المال) * وهو كما قالوه - كأن يقول بعتك بمائة وربح المائة عشرة * (ف‍) * إنه فيه * (قولان، أصحهما) * وأشهرهما بين المتأخرين، بل لعله عليه عامتهم الجواز مع * (الكراهة) * (1) وفاقا للمبسوط (2) والخلاف (3) والسرائر (4)، استنادا في الثاني الى الشبهة الناشئة عن اختلاف الفتوى والرواية، وفي الأول الأصل والعمومات المبيحة، مضافا إلى خصوص المعتبرة. منها الصحيح: الرجل يريد أن يبيع البيع فيقول: أبيعك بده دوازده أو ده


(1) في المتن المطبوع: الكراهية. (2) المبسوط 2: 141. (3) الخلاف 3: 134، المسألة 223. (4) السرائر 2: 292.

[ 224 ]

يازده، فقال: لا بأس به إنما هذه المراوضة، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة (1). وفي الإستدلال به - كما فعله الأكثر - نظر، لذيله الآمر بجعل البيع جملة واحدة، الظاهر في أن المراد أن يقول: بعتك هذه السلعة بده دوازده (2) أو يازده، بعين ما فعله مولانا الباقر (عليه السلام)، كما في الصحيح الآتي، المستدل به في كلامهم للقول الثاني. وليس في صدره ما ينافيه، لاحتمال توجه نفي البأس إليه بشرط العمل بما في الذيل، أو إذا كان ذلك قبل البيع. نعم في الصحيح أو الموثق [ كالصحيح ] (3): إني أكره بيع عشرة أحد عشر وعشرة اثني عشر ونحو ذلك من البيع، ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة (4). ونحوه الخبر: أكره بيع ده يازده وده دوازده، ولكن أبيعك بكذا وكذا (5). وليسا نصا في الجواز، لأعمية الكراهة في زمان الصدور منها بالمعنى المصطلح ومن الحرمة. فلم يبق إلا الأصل والعمومات، وفيهما مناقشة، بعد ما مر في الصحيحة الاولى من الأمر بنسبة الربح إلى السلعة، الجمع بين الربح والثمن جملة. ولعله لهذا ذهب من القدماء إلى القول الثاني جماعة، كالنهاية (6) والمفيد (7) والقاضي (8) والتقي (9) والديلمي (10).


(1) الوسائل 12: 386، الباب 14 من أبواب أحكام العقود الحديث 5. (2) في المخطوطات: بدوازده. (3) أثبتناه من " ق، ش، ه‍ ". (4) الوسائل 12: 386، الباب 14 من أبواب أحكام العقود الحديث 4. (5) الوسائل 12: 385، الباب 14 من أبواب أحكام العقود الحديث 2. (6) النهاية 2: 152. (7) المقنعة: 605. (8) لم نعثر عليه في كتبه، نقله عنه العلامة في المختلف 5: 156. (9) الكافي في الفقه: 359. (10) المراسم: 175.

[ 225 ]

ويؤيده الصحيح عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: قدم متاع لأبي من مصر فصنع طعاما ودعا له التجار فقالوا: نأخذه منك بده دوازده، فقال (عليه السلام): وكم يكون ذلك ؟ فقالوا: في كل عشرة آلاف ألفين، فقال: إني أبيعكم هذا المتاع باثني عشر ألفا (1). وهو وإن لم يكن ظاهرا ظهورا تاما، إلا أن في عدوله (عليه السلام) عن إجراء الصيغة بنحو ما ذكروه إلى ما ذكره نوع إيماء واشارة إلى بأس فيما ذكروه. وهو - كالكراهة في الخبرين المتقدمين - وإن كان أعم من الحرمة، إلا أن الأمر بما فعله (عليه السلام) هنا في الصحيحة السابقة قرينة واضحة على الحرمة. وأخبارهم (عليهم السلام) بعضها يكشف عن بعض، كما في الرواية، إلا أن في تعين المصير إليها نوع مناقشة، بعد اعتضاد الأصل والعمومات كتابا وسنة بالشهرة العظيمة المتأخرة، التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها إجماع في الحقيقة. مع رجوع الشيخ القائل بالحرمة في النهاية إلى الكراهة في الكتابين المتقدم إلى ذكرهما الإشارة، مع دعواه الإجماع في الخلاف على الكراهة، مضافا إلى التأيد بالخبرين المتضمنين للكراهة، المشعرين بها بالمعنى المصطلح، من حيث بعد المسامحة في التعبير عن الحرمة بلفظ " الكراهة ". مضافا إلى إشعار الصحيحة منهما بها من وجه آخر مستفاد من تتمة لها هي هذه: وقال لي: أتاني متاع من مصر فكرهت أن أبيعه كذلك وعظم علي فبعته مساومة (2). ولا ريب أن المنع أحوط. هذا، وقد ذكر بعض الأجلة أن الظاهر من المعتبرة هنا كراهة المرابحة


(1) الوسائل 12: 385، الباب 14 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (2) الوسائل 12: 386، الباب 14 من أبواب أحكام العقود الحديث 4.

[ 226 ]

وأولوية المساومة، لا الكراهة في موضع المسألة (1). وهو كذلك لولا المخالفة لفهم الطائفة، ولذا بعد الحكم بالكراهة في الصحيحة المتقدمة، قال: ولكن أبيعك كذا وكذا مساومة. فتأمل. * (الثانية: من اشترى أمتعة صفقة) * أي في عقد واحد، وسمي بذلك اعتبارا بما كانوا يضعونه من وضع أحدهما يده في يد صاحبه حال البيع، أو أنه يصفق أحدهما على يد الآخر عند انتهاء العقد * (لم يجز بيع بعضها مرابحة، سواء قومها، أو بسط الثمن عليها وباع خيارها) * بلا خلاف فيما إذا كانت متفاضلة، وكذا إذا كانت متساوية على الأشهر الأقوى، بل عليه المتأخرون كافة. لأن المبيع المقابل بالثمن هو المجموع، لا الأفراد وإن تقسط الثمن عليها في بعض الموارد، كما لو تلف بعضها أو ظهر مستحقا. ولإطلاق الصحيحين: في الرجل يشتري المتاع جميعا ثم يقوم كل ثوب بما يسوى حتى يقع على رأس ماله يبيعه مرابحة ثوبا ثوبا، قال: لا، حتى يبين أنه إنما قومه (2). خلافا للإسكافي (3)، فجوزه حينئذ. وهو ضعيف. * (ولو أخبر بذلك) * أي بيعه الأول وتقويمه المبيع بما يقابله من الثمن * (جاز) * مطلقا بلا خلاف، و * (لكن يخرج) * بذلك * (عن وضع المرابحة) * لأنها لابد فيها من الإخبار برأس المال، وهو هنا غير حاصل، لأنه لم يشتر تلك السلعة وحدها بشئ حتى يخبر به، إلا أن ظاهر الخبرين كونه مرابحة، ولعلها مجرد تسمية.


(1) مجمع الفائدة 8: 374. (2) الوسائل 12: 396 و 397، الباب 21 من أبواب أحكام العقود الحديث 1 و 5. (3) كما في المختلف 5: 158.

[ 227 ]

ومما ذكرنا ظهر الوجه في قوله: * (ولو قوم) * التاجر * (على الدلال متاعا) * بقيمة معينة * (ولم يواجبه البيع) * بإجراء الصيغة * (وجعل له الزائد) * عنها * (أو شاركه فيه، أو جعل لنفسه منه قسطا) * وشيئا معينا * (وللدلال الزائد) * عليه * (لم يجز) * للدلال * (بيع ذلك) * المتاع * (مرابحة) * بلا خلاف، لأنه كاذب في إخباره، إذ مجرد التقويم لا يوجبه، وللخبر: عن الرجل يحمل المتاع لأهل السوق وقد قوموا عليه قيمة ويقولون بع فما ازددت فلك، فقال: لا بأس بذلك، ولكن لا يبيعه مرابحة (1). * (ويجوز لو أخبر بالصورة) * إلا أنه خارج عن وضع المرابحة * (كما قلناه في الأول) *. * (و) * لو باع زائدا * (يكون للدلال الاجرة) * اجرة المثل، لأنه عمل عملا له اجرة عادة، فإذا فات المشروط له شرعا - كما سيأتي - رجع إليها * (و) * يكون * (الفائدة) * والزيادة المشترطة له * (للتاجر) * مطلقا على الأشهر، سيما بين من تأخر، لأنه نماء ملكه فيتبعه، مع عدم ما يوجبه للدلال سوى الشرط السابق، وليس بموجب * (سواء كان التاجر دعاه) * أو لا، كأن قال له: بع هذا بكذا ولك ما زاد * (أو) * كان * (ابتدأه الدلال) * فقال له: خبرني بثمن هذا المتاع واربح علي فيه شيئا لأبيعه ففعل ذلك التاجر. * (ومن الأصحاب) * كالشيخين (2) والقاضي (3) والمختلف (4) * (من فرق) * بين الصورتين، فوافق الأكثر في الثانية، وخالفهم في الاولى، استنادا إلى المعتبرة المستفيضة. منها - زيادة على ما مر من الخبر - الصحيح: في رجل قال لرجل: بع


(1) الوسائل 12: 381، الباب 10 من أبواب أحكام العقود الحديث 3. (2) النهاية 2: 152، والمقنعة: 605. (3) كما في المختلف 5: 161. (4) المختلف 5: 163.

[ 228 ]

ثوبي هذا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك، فقال: ليس به بأس (1). ونحوه الآخر، والموثق (2). وقد حملها جملة من الأصحاب - جمعا بينها وبين القاعدة - على صورة الجعالة، وردوا ما يترتب عليها من الجهالة بأن المنع عنها فيها إنما هو لأدائها إلى المنازعة، وهي هنا منتفية، إذ الواسطة ان زاد في الثمن مهما زاد كانت له الزيادة، وإلا فلا شئ له بالمرة، لأنهما تراضيا على ذلك، بخلاف الجعالة المجهولة المؤدية الى المنازعة. وفيه مناقشة، لمنع انحصار العلة في المنع عنها في الجعالة فيما مر، فقد يكون شيئا آخر، كالغرر الممكن هنا، لجواز توهم الدلال قدرا يزيد على ذلك ولم يحصل له، فيقع في الغرر المنهي عنه. والمسألة محل إشكال، فإن إطراح الأخبار الصحيحة من دون معارض صريح مشكل، ومخالفة القاعدة المعتضدة بالشهرة العظيمة أشكل. إلا أن في دلالتها نوع مناقشة، فإن غايتها نفي البأس مع المراضاة، ولعله لا كلام فيه، وإنما الكلام في عدمها برجوع رب المال عما قال، ولا دلالة فيها على لزوم ما قال بحال. * (الثاني: فيما يدخل في المبيع) * عند إطلاق لفظه ذكر جماعة من الأصحاب - كالفاضلين (3) والشهيدين (4) وغيرهم - من غير خلاف يعرف أن الضابط: أنه يراعى فيه اللغة والعرف العام أو الخاص. وزاد شيخنا الشهيد الثاني فقال: وكذا يراعى الشرع بطريق أولى، بل هو


(1) الوسائل 12: 381، الباب 10 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (2) الوسائل 12: 381، الباب 10 من أبواب أحكام العقود الحديث 2 و 3. (3) التحرير 1: 173 س 32، والشرائع 2: 27. (4) الدروس 3: 205، الدرس 241، والروضة 3: 530.

[ 229 ]

مقدم عليهما، وقال: ثم إن اتفقت، وإلا قدم الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي (1). واعترضه وحيد عصره وزمانه وفريد دهره وأوانه خالي العلامة أدام الله تعالى بقاءه بأن البائع ما باع إلا ما هو مقصوده، والمشتري ما اشترى إلا كذلك، ومقصودهما من المطلق ليس إلا ما هو باصطلاحهما، بل لو صرف إلى اصطلاح الشارع يلزم بطلان العقد من جهة اخرى وهو مجهولية المبيع حال العقد، نعم إذا عرفا اصطلاح الشارع وأوقعا العقد عليه يكون هو المرجع، لكن لا من جهة تقديمه على اصطلاحهما، بل من جهة تعينهما، كما إذا أوقعاه على اصطلاح طائفة اخرى، انتهى. وهو وإن اختص بالاعتراض عليه في تقديمه الحقيقة الشرعية على العرف واللغة، إلا أنه ينسحب في تقديمهما على عرف المتبائعين، ولعله لهذا عدل بعض متأخري الأصحاب عن تلك الضابطة إلى اخرى، وهي الرجوع إلى العرف العام، وأنه لو اختص أهل بلد أو قرية بعرف خاص ظاهر شائع بينهم حمل كلامهم في بلادهم على ذلك، وهذا الأمر يختلف بحسب البلاد المختلفة في الأزمان المختلفة (2). وهي في غاية الجودة، إلا أن الذي يخطر بالفهم العليل والفكر الكليل عدم الخلاف في ذلك من الجماعة، وأن الظاهر أن مرادهم من تلك الضابطة إنما هو حيث لا يعرف للمتبائعين حقيقة عرفية واختلفوا في المبيع أو لم يمكن الرجوع إليهما في معرفتهما بموت ونحوه. فالضابط حينئذ ما ذكروه، وإلا فمع معلومية عرفهما لا يمكن الرجوع إلى غيره، وعدم إرادتهم انسحاب تلك الضابطة إلى هذه الصورة مما يقطع بتعينه. ووجه الضابطة في غيرها ظاهر، إلا في تقديم الحقيقة الشرعية حيث


(1) الروضة 3: 530. (2) كفاية الأحكام: 95 س 11.

[ 230 ]

علمت (1) على العرفية واللغوية إن اختلفت، فإن الظاهر، بل المقطوع به عدم إرادة المتبائعين غالبا إياها، بل إنما أرادا أحد الأمرين ألبتة، ولعله لهذا لم يذكرها عدا الشهيد الثاني في المسالك والروضة (2). وأما ما ربما يستأنس له بما ورد في المعتبرة في النذر والوقف والوصية من الرجوع في الألفاظ إلى المعاني الشرعية المستعملة فيها تلك الألفاظ في الكتاب والسنة، فمع أنها مختصة بموارد مخصوصة ومع ذلك ليس بأجمعها متفقا عليها بين الطائقة والتعدية من دون دلالة حرام ألبتة، محل مناقشة، فإنها وردت في الألفاظ الخاصة التي لا يعلم لها معان معينة في العرف واللغة، بل تكون مجملة أو مبهمة. فالتعدية إلى نحو المسألة مما تعرف فيه تلك المعاني فيهما مشخصة غير واضحة. ومما ذكرنا تحقق أن الضابطة الرجوع إلى عرف المتبائعين إن علم، وإلا فإلى العرف العام إن كان، وإلا فإلى اللغة. فتأمل. إذا عرفت ذلك، فاعلم أن * (من باع أرضا) * مقتصرا على لفظها * (لم يدخل فيها نخلها ولا شجرها) * بلا خلاف، كما في التنقيح (3). وهو الحجة بعد الأصل، وعدم المخرج عنه من اللفظ الدال بإحدى الدلالات الثلاث في اللغة والعرف * (إلا أن يشترط) * الدخول فيدخل إجماعا، عملا بمقتضى الشرط، أو يقول: بحقوقها، فكذلك عند الشيخ (4) والقاضي (5) وابن حمزة (6) وابن زهرة (7) والحلي (8).


(1) في المطبوع: قدمت. (2) المسالك 3: 227، الروضة 3: 530. (3) التنقيح 2: 62. (4) المبسوط 2: 105. (5) المهذب 1: 376. (6) الوسيلة: 240. (7) الغنية: 231. (8) السرائر 2: 379 و 380.

[ 231 ]

بناء على توهم شمول الحقوق لهما. وفيه منع (1). * (و) * إلتفاتا إلى ما * (في رواية) * صحيحة من قوله (عليه السلام): في رجل اشترى أرضا بحدودها الأربعة وفيها زرع ونخل وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه أنه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة والخارجة منها أيدخل النخل والأشجار والزرع في حقوق الأرض، أم لا ؟ فوقع (عليه السلام): * (إذا ابتاع الأرض بحدودها وما أغلق عليه بابها فله جميع ما فيها) * إن شاء الله تعالى (2). وهي مع أنها مكاتبة غير صالحة للخروج عما اقتضته الحجة المتقدمة المعتضدة بالشهرة العظيمة المتأخرة، غير واضحة الدلالة، بل هي على خلافه واضحة المقالة، من حيث تعليق الدخول فيها على ذكر ما أغلق عليه بابه، الدال بمفهومه على عدمه مع عدم ذكره والمنطوق لا خلاف فيه، كما في التنقيح (3). وهو الحجة، مضافا إلى شهادة العرف بالدخول مع ذكره. ومنها بمعونة ما ذكرنا يظهر الوجه في عدم دخول الزرع في بيع الأرض مطلقا، كان مجزوزا، أم لا، وهو أشهر وأقوى. خلافا للمبسوط في الثاني إذا كان ظاهرا فالجزة الاولى للبائع، والباقي للمشتري (4). * (ولو ابتاع دارا دخل) * في مفهومها العرصة والحيطان (5) والأبواب والأغلاق المنصوبة والأخشاب المستدخلة، والسلم المثبتة (6) والمفتاح على قول، والبيت * (الأعلى والأسفل) * لاقتضاء العرف ذلك كله * (إلا أن) * يتغير


(1) في " م ": وفيه نظر لما مر. (2) الوسائل 12: 405، الباب 29 من أبواب أحكام العقود الحديث 1، وفيه اختلاف. (3) التنقيح 2: 62. (4) المبسوط 2: 109. (5) في " م ": " والميدان " بدل: والحيطان. (6) في المخطوطات: المثبت.

[ 232 ]

و * (تشهد العادة للأعلى بالإنفراد) * كما في بعض البلاد فتخرج حينئذ. وعليه يحمل ظاهر إطلاق المكاتبة الصحيحة: في رجل اشترى من رجل بيتا في دار له بجميع حقوقه وفوقه بيت آخر هل يدخل البيت الأعلى في حقوق البيت الأسفل، أم لا ؟ فوقع (عليه السلام): ليس له إلا ما اشتراه باسمه وموضعه إن شاء الله تعالى، الحديث (1). وذيله قريب من صدره، مع أنها في البيت، لا في الدار. * (ولو باع نخلا مؤبرا) * بتشقيق طلع الاناث وذر طلع الذكور فيه ليجئ ثمرة أصلح * (فالثمرة للبائع) * على الأظهر الأشهر بين الطائفة، للنصوص المعتبرة. في اثنين منها: من باع نخلا قد لقح، كما في أحدهما، أو أبر كما في الثاني، فالثمرة للبائع * (إلا أن يشترط) * المبتاع (2). وفي الثالث: أن ثمرة النخل للذي أبرها، إلا أن يشترط المبتاع (3). خلافا لابن حمزة فجعلها للمبتاع مع عدم بدو الصلاح (4). وهو شاذ، ومستنده مع ذلك غير واضح، والإجماعات المستفيضة على خلافه محكية، فهو ضعيف غايته، إلا أن يشترط كونها للمبتاع فيدخل كما قاله، بل مطلقا ولو بدء الصلاح بلا خلاف، عملا بصريح تلك المعتبرة، والتفاتا إلى مقتضى الشرطية. ومقتضى الأصل واختصاص الإنتقال إلى المبتاع مع عدم التأبير في الحجج السابقة بصورة البيع خاصة - صريحا في بعض وظهورا في آخر -


(1) الوسائل 12: 406، الباب 31 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (2) الوسائل 12: 407، الباب 32 من أبواب أحكام العقود الحديث 2 و 3. (3) الوسائل 12: 407، الباب 32 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (4) الوسيلة: 250.

[ 233 ]

عدمه فيما عداها من صور وجوه الإنتقالات، كالإرث والوقف والهبة وغيرها من الامور الناقلة، إلا أن يقتضي عرف الناقل الدخول فيدخل البتة. وبما ذكرناه صرح جماعة مدعيا بعضهم الإجماع عليه (1). خلافا للمبسوط (2) والقاضي (3)، فعمماه الى الصور المزبورة. ولا دليل لهما سوى القياس بالبيع، كما صرح به في السرائر (4). وهو كما ترى. * (وكذا لو باع شجرة مثمرة) * فيها ثمرتها لم تدخل في مفهومها مطلقا بلا خلاف هنا، كما يفهم من بعض أصحابنا (5). إلا أن المحكي عن الشيخين (6) المتقدمين المخالفة في نحو القطن بعد خروج جوزقه وقبل التشقق، وفي الورد قبل تفتحه، فحكما بالدخول حينئذ. ويمنعهما الأصل الذي قدمناه، لعدم دخول الثمرتين في مفهوم الأصل مطلقا. ومنه يظهر الوجه في قوله: * (أو) * باع * (دابة حاملا) * لم يدخل فيها حملها * (على الأظهر) * الأقوى، وعليه أكثر أصحابنا، وفاقا للنهاية (7) و [ المقنعة ] (8) والقاضي (9) والحلبي (10) والديلمي (11) وابن زهرة (12) والحلي (13) مدعيا الإجماع عليه.


(1) مجمع الفائدة 8: 500، والتذكرة 1: 574 س 32، والسرائر 2: 364. (2) المبسوط 2: 100. (3) المهذب 1: 373. (4) السرائر 2: 364. (5) التنقيح 2: 64. (6) المبسوط 2: 102، والمهذب 2: 374. (7) النهاية 2: 192. (8) لم يرد في " م "، المقنعة: 600. (9) لم نعثر عليه في كتبه، نقله عنه العلامة في المختلف 5: 214. (10) الكافي في الفقه: 356. (11) المراسم: 176. (12) الغنية: 231. (13) السرائر 2: 343.

[ 234 ]

خلافا للمبسوط (1) والقاضي في المهذب (2) والجواهر (3)، فيدخل. ومستندهما غير واضح، عدا دعواهما كونه كالجزء، وفيه منع، ولذا يصح الوصية له وبه، وكذلك الإقرار دون الجزء، إذ لا يصح شئ من ذلك فيه. فالخروج عن مقتضى الأصل القطعي المعتضد بالشهرة العظيمة به مجازفة. نعم ربما يستأنس له ببعض المعتبرة في عتق الأمة عن رجل أعتق أمته وهي حبلى فاستثنى ما في بطنها، قال: الأمة حرة وما في بطنها، لأن ما في بطنها منها (4). لكنه قاصر السند، غير معمول عليه عند الأكثر، معارض بأجود منه من المعتبرة المعتضدة بالشهرة في محلها وفي المسألة، كالموثق: عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة فلم تدر المرأة حال المولود هي مدبرة، أو غير مدبرة ؟ فقال لي: متى كان الحمل بالمدبرة أقبل ما دبرت أم بعد ؟ فقلت: لست أدري، ولكن أجبني فيهما جميعا، فقال: إن كانت المرأة دبرت وبها حبل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والولد رق، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر في تدبير امه، لأن الحمل إنما حدث بعد التدبير (5). وفي الحسن: عن رجل دبر جارية وهي حبلى، فقال: إن كان علم بحبل الجارية فما في بطنها بمنزلتها، وإن كان لا يعلم فما في بطنها رق (6). وعلى الدخول فهل يجوز الإستثناء للبائع ؟ قولان، للعدم - كما عمن


(1) المبسوط 2: 156. (2) المهذب 2: 386، وفيه: وإذا كاتبها وهي حامل الخ. (3) جواهر الفقه: 60، المسألة 221. (4) الوسائل 16: 67، الباب 69 من أبواب العتق الحديث 1. (5) الوسائل 16: 75، الباب 5 من أبواب العتق الحديث 2. (6) الوسائل 16: 76، الباب 5 من أبواب العتق الحديث 3.

[ 235 ]

تقدم - أنه كالجزء فكما لا يجوز استثناؤه فكذلك شبهه، وللجواز - كما عن الإسكافي (1) وابن حمزة (2) - الأصل، ومنع المشابهة. ولا يخلو عن قوة. وعلى المختار جاز اشتراط الدخول بلا خلاف، كما قيل (3)، للأصل، واندفاع الجهالة بالضميمة. ولا فرق في الإشتراط بين أن يقول: بعتك الجارية وحملها، أو شرطت لك حملها، أو بعتك هذه الأمة بكذا وحملها، بلا خلاف فيما عدا الصورة الاولى، وعلى قول جماعة فيها أيضا، لقاعدة الضميمة. خلافا للتذكرة (4)، فبطل، للجهالة. * (ولو لم يؤبر النخلة فالطلع للمشتري) * بلا خلاف، بل عليه الإجماع في كلام جماعة، كشيخنا في الخلاف (5) والعلامة في المختلف (6) والتذكرة (7)، وظاهر الماتن في الشرائع (8) والفاضلين المقداد (9) والصيمري (10) في شرحيهما على الكتاب والكتاب المتقدم. وهو الحجة، مضافا إلى مفهوم القيد الذي هو حجة في أكثر المعتبرة المتقدمة. وبهما يخص الأصل الدال على استصحاب كونه للبائع، بناء على عدم دخوله في مفهوم النخل لغة، بل وعرفا، لكن مع تأمل فيه على إطلاقه. * (الثالث: في القبض) * وأحكامه واعلم أن * (إطلاق العقد) * وتجريده عن شرط تأخير أحد العوضين أو تأخيرهما إذا كانا عينين، أو أحدهما * (يقتضي) * وجوب * (تسليم المبيع


(1) كما في المختلف 5: 214. (2) الوسيلة: 248. (3) الظاهر أن قائله الحلي في السرائر 2: 344. (4) التذكرة 1: 493 س 27. (5) الخلاف 3: 79، المسألة 129. (6) المختلف 5: 201. (7) التذكرة 1: 507 س 15، وليس فيه اجماع. (8) الشرائع 2: 27. (9) التنقيح 2: 108. (10) غاية المرام: 63 س 14 (مخطوط).

[ 236 ]

والثمن) * على المتبائعين فورا، فيتقابضان معا لو تمانعا من التقدم، سواء كان الثمن عينا، أو دينا. وانما لم يكن أحدهما أولى بالتقدم، لتساوي الحقين في وجوب تسليم كل واحد منهما إلى مالكه، وعليه الأكثر، بل لعله عليه عامة من تأخر، وفاقا للاسكافي (1). خلافا للمبسوط (2) والخلاف (3) والقاضي (4) والحلي (5) وابن زهرة العلوي (6)، فحكموا بإجبار الحاكم البائع على الاقباض أولا بعد التمانع، لأن الثمن تابع للمبيع. ويضعف باستواء العقد في إفادة الملك لهما، فإن امتنعا أجبرهما الحاكم معا مع إمكانه، كما يجبر الممتنع من قبض ماله. ويجوز اشتراط تأخير إقباض أحد العوضين مدة معينة والانتفاع به منفعة معينة، لأنه شرط سائغ، فيدخل تحت العموم. ولا يجب على المشروط له فورية الإقباض، بل له التأخير إلى الأجل، ولا كذلك غيره، فإنه يجب الإقباض عليه فورا، للأصل، واختصاص المخرج عنه بمن له الشرط. * (و) * حيث إن * (القبض) * من الامور المعتبرة شرعا لما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الوصية والرهن والهبة، فإن للقبض فيها مدخلا باعتبار شرطيته للصحة أو اللزوم. وكذا بالنسبة إلى البيع، إذ من أحكامه فيه انتقال ضمان المبيع - مثلا - إلى المشتري بعده مع عدم الخيار له، وكونه على البائع قبله، وجواز بيع ما اشتراه بعده مطلقا، وتحريمه أو كراهته قبله


(1) كما في المختلف 5: 292. (2) المبسوط 2: 148. (3) الخلاف 3: 151، المسألة 239. (4) جواهر الفقه: 58، المسألة 210. (5) السرائر 2: 306. (6) الغنية: 229.

[ 237 ]

على بعض الوجوه، وجواز فسخ البائع مع تأخير الثمن وعدم قبض المبيع بعد ثلاثة أيام، وغير ذلك احتيج إلى تعريفه. وحيث لم يرد فيه نص كلي يتضمنه وجب الرجوع فيه إلى العرف، وقد اختلف فيه الأصحاب - بعد اتفاقهم على أنه * (هو التخلية) * بينه وبينه بعد رفع اليد عنه * (فيما لا ينقل) * خاصة * (كالعقار) * ونحوه - على أقوال: أحدها: ما اختاره الماتن في الشرائع (1)، وإليه أشار هنا بقوله: * (وكذا) * هو التخلية * (فيما ينقل) *. محتجا بأنه استعمل في التخلية إجماعا فيما لا ينقل ولا يحول، فيجب ينقل) *. محتجا بأنه استعمل في التخلية إجماعا فيما لا ينقل ولا يحول، فيجب أن يكون كذلك في غيره، ويكون حقيقة في المعنى المشترك، إذ لو استعمل في المنقول بمعنى آخر لكان إما حقيقة فيهما فيلزم الإشتراك، أو مجازا في الآخر فيلزم المجاز، وكلاهما على خلاف الأصل. وفيه نظر، لوجوب المصير إلى أحدهما بعد قيام الدليل عليه، كما يأتي، مع أن استعمال القبض في التخلية في المنقول خلاف المفهوم، والمتبادر منه في العرف واللغة، بل المتبادر منه عرفا عند الإطلاق هو القبض باليد، وبه صرح جماعة من أهل اللغة. فاللازم الاقتصار عليه، إلا ما قام الإجماع على إرادة التخلية منه، وهو إنما يكون في غير المنقول خاصة. وكذا لا يجب اعتبار شئ زائد عليه من النقل، إلا ما قام الدليل على اعتباره، فيعتبر إن تم. فتأمل جدا. ومع ذلك يرده المعتبرة الآتية ظاهرا، فلا وجه لهذا القول أصلا. * (وقيل:) * إنه * (في القماش) * ونحوه مما يتناول باليد، كالدراهم والدنانير والجواهر * (هو الإمساك باليد، وفي الحيوان) * كالعبد والبهيمة * (هو


(1) الشرائع 2: 29.

[ 238 ]

نقله) * وإن اختلف فيهما. ففي الأول: بأن يقيمه المشتري إلى مكان آخر. وفي الثاني: بأن يمشي به إلى مكان آخر. وفي المكيل والموزون الكيل والوزن تحقيقا أو تقديرا، كأن يخبر بهما مع تصديق المشتري له بهما مثلا، مع رفع اليد عنه، على قول صرح بهذا القول شيخنا في المبسوط (1)، وتبعه ابن البراج (2) وابنا حمزة (3) وزهرة مدعيا عليه الإجماع (4)، إلا أنه جعله في المنقول مطلقا هو النقل خاصة. وهو الحجة في الجملة، مع اعتضاده كذلك بالشهرة المحكية في كلام جماعة، كالمهذب (5) وابن المفلح (6)، وبفتوى كثير من متأخري الطائفة، كالشهيدين في اللمعتين (7) وشراح الكتاب (8) وغيرهم، ويعضده العرف أيضا في الجملة، كما صرح به جماعة. ويشهد له في الجملة بعض المعتبرة كالصحيح: عن الرجل يبيع المبيع قبل أن يقبضه، فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه، إلا أن توليه الذي قام عليه (9). والخبر - الذي قصور سنده من جميع الوجوه بالشهرة منجبر -: في رجل اشترى متاعا من آخر وأوجبه غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه وقال: آتيك إن شاء الله تعالى فسرق المتاع من مال من يكون ؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه (10).


(1) المسبوط 2: 120. (2) المهذب 1: 385. (3) الوسيلة: 252. (4) الغنية: 229. (5) المهذب البارع 2: 398. (6) غاية المرام: 63 س 27 (مخطوط). (7) اللمعة والروضة 3: 522. (8) التنقيح 2: 65. (9) الوسائل 12: 389، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 11. (10) الوسائل 12: 358، الباب 10 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 239 ]

والمناقشة فيهما بضعف الدلالة، من حيث إن ظاهر الاولى: أن البيع قبل القبض لا يجوز حتى يكيل أو يوزن، وذلك لا يدل على كون القبض ذلك، ولا يدل على ذلك بضم السؤال، إذ يصح جواب السائل هل يجوز قبل القبض، بأنه لا يجوز قبله بدون أحد الأمرين. والثانية: أنه يعتبر في انتقال الضمان من البائع إلى المشتري نقل المتاع وإخراجه من بيته، وليس فيه تفسير القبض بكونه عبارة عما ذا، مع أن ظاهرها أنه يعتبر في انتقال الضمان الإخراج من بيت البائع، ولا قائل به. مدفوعة بظهور الاولى في ارتفاع المنع تحريما أو كراهة بأحد الأمرين فليكونا قبضا، للإجماع على عدم ارتفاعه إلا به، فالإجماع شاهد عليه، ولعله مراد شيخنا في المختلف من قوله: بعد نقلها، فجعل (عليه السلام) الكيل والوزن هو القبض، للإجماع على تسويغ بيع الطعام بعد قبضه (1). وبنحوه يجاب عن الثانية، وبه صرح في المهذب فقال في تقريب جعل النقل فيها هو القبض: لتعليله زوال الضمان به، ولا خلاف في أنه معلل بالقبض (2). وبه يندفع ما أورد عليها من الإعتراض الآخر. وهنا أقوال اخر: منها: ما اختاره شيخنا في الدروس من أنه في الحيوان نقله، وفيما يعتبر باعتبار مخصوص لدفع الجهالة كيله أو وزنه أو عده أو نقله، وفي الثوب وضعه في اليد (3). استنادا في الكيل والوزن الى الصحيح المتقدم، وفي النقل الى ما مر من الخبر. وهو حسن، لما ظهر، إلا أن إلحاق المعدود بالمكيل والموزون قياس.


(1) المختلف 5: 280. (2) المهذب البارع 2: 399. (3) الدروس 3: 213.

[ 240 ]

والفرق بين الحيوان وغيره ضعيف. ومنها: الإكتفاء بالتخلية مطلقا بالنسبة إلى نقل الضمان، لا زوال التحريم والكراهة عن البيع قبل القبض، والعرف يأباه، والأخبار تدفعه. ومنها: ما في المختلف من أن المبيع إن كان منقولا فالقبض فيه هو النقل أو الأخذ باليد، وإن كان مكيلا أو موزونا فقبضه هو ذلك أو الكيل والوزن (1). والفرق بينه وبين المشهور من وجهين: الاكتفاء عليه في المنقول بقبض اليد من دون إحتياج إلى النقل، وفي المكيل والموزون بهما من دون إحتياج إلى الكيل والوزن. ولا يكتفي في المقامين بشئ من ذلك على المشهور، بل لابد من النقل في الأول وأحد الأمرين في الثاني، فلو قبض باليد فيهما لم يحصل القبض مطلقا. والعرف - كما ترى - يأباه، ويوجب المصير إلى هذا القول جدا، لموافقته له ظاهرا. فالقول به لا يخلو عن قوة، لولا ما قدمناه من الأدلة. لكنها للتنزيل على هذا القول قابلة، ولذا أيده القائل به بما قدمناه من المعتبرة. فهذا القول أقرب، وإن كان المصير إلى المشهور في بعض الأحيان أحوط. وحيث اعتبرنا الكيل والوزن في القبض، ففي الإفتقار إلى اعتباره ثانيا لأجله، أو الإكتفاء بالإعتبار السابق وجهان. من إطلاق توقف الحكم على الكيل أو الوزن وقد حصلا، وقوله (عليه السلام): " لا تبعه حتى تكيله أو تزنه " لا يدل على أزيد من حصولهما الشامل لما كان قبل البيع.


(1) المختلف 5: 279، وفيه: أو الوزن.

[ 241 ]

ومن كون الظاهر أن ذلك لأجل القبض لا لأجل صحة البيع، فلابد من اعتبار جديد بعد العقد، وبه صرح العلامة (1) والشهيدان (2) وجماعة. ولا يخلو عن قوة، لقوله (عليه السلام) في الصحيح المتقدم: " إلا أن توليه " فإن الكيل السابق شرط لصحة البيع أو ما قام مقامه، فلابد منه في التولية وغيرها. ومقتضى قوله (عليه السلام) المشار إليه أنه معها لا يتوقف على كيل أو وزن، فدل ذلك على أنهما لأجل القبض لا لأجل صحة البيع. ومن هنا يظهر الوجه في الإكتفاء عنهما تحقيقا بالاخبار فنعم على الأول، ولا على الثاني. ونحوه الكلام في العد إن اعتبرناه. * (ويجب) * عند الاقباض * (تسليم المبيع مفرغا) * من أمتعة البائع وغيرها مما لم يدخل في المبيع * (فلو كان فيه متاع فعلى البائع إزالته) * فورا، ولو كان مشغولا بزرع لم يبلغ وجب الصبر إلى أوانه أن اختاره البائع. ثم إن كان المشتري عالما بالحال، وإلا تخير بين الفسخ والصبر إن احتاج إلى مضي زمان يفوت فيه شئ من النفع المعتد به، دفعا للضرر، ولو كان فيه ما لا يخرج إلا بهدم وجب أرشه على البائع. ثم إن التفريغ وإن كان واجبا إلا أن الظاهر عدم توقف القبض عليه، بل لو رضي المشتري بتسلمه مشغولا تم ووجب التفريغ بعده. * (ولا بأس ببيع المشتري ما لم يقبض) * إذا لم يكن مكيلا ولا موزونا، بلا خلاف، بل عليه الإجماع في بعض العبارات (3). وهو الحجة، مضافا إلى أدلة الجواز في المسألة الآتية، عموما في بعض، وفحوى في الباقي،


(1) القواعد 1: 150 س 16. (2) الدروس 3: 213، الدرس 242، والمسالك 3: 241. (3) التحرير 1: 176 س 25.

[ 242 ]

وصريح الصحيحين. في أحدهما: فإن لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه (1). وفي الثاني: عن قوم اشتروا بزا فاشتركوا فيه جميعا ولم يقسموه أيصلح لأحد منهم أن يبيع بزه قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه ؟ قال: لا بأس به، لأن هذا ليس بمنزلة الطعام، لأن الطعام يكال (2). ومفهوم الآخر: عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه، فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا يبيعه حتى يكيله أو يزنه، إلا أن يوليه (3). ونحوه غيره (4) مما يأتي. * (ويكره فيما يكال أو يوزن، وتتأكد الكراهة في الطعام) * وفاقا للمفيد (5) والنهاية (6) والقاضي في الكامل (7)، واختاره من المتأخرين جماعة، كالشهيد في الدروس (8) واللمعة (9) والمختلف (10) والفاضل المقداد (11) والصيمري (12) والماتن هنا وفي الشرائع (13) وغيرهم (14)، بل ادعى عليه بعض الأجلة الشهرة المتأخرة (15) ولا يخلو عن قوة. جمعا بين ما دل على الجواز من الأصل، والعمومات، وظاهر عموم التعليل في الصحيحين.


(1) الوسائل 12: 387، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (2) الوسائل 12: 389، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 10. (3) الوسائل 12: 389، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 11. (4) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 12. (5) المقنعة: 596. (6) النهاية 2: 168. (7) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 281. (8) الدروس 3: 211، الدرس 242. (9) اللمعة: 75. (10) المختلف 5: 282. (11) التنقيح 5: 68. (12) غاية المرام: 64 س 16 (مخطوط). (13) الشرائع 2: 31. (14) كفاية الاحكام: 96 س 29. (15) الحدائق 19: 168.

[ 243 ]

في أحدهما: في رجل أمر رجلا يشتري له متاعا فيشتريه منه، قال: لا بأس بذلك إنما البيع بعد ما يشتريه (1). ونحوه الثاني: لا بأس انما يشتري من بعد ما تملك (2). وظاهر عموم الصحيحين الناشئ عن ترك الاستفصال. في أحدهما: عن الرجل يشتري الثمرة ثم يبيعها قبل أن يأخذها، قال: لا بأس به إن وجد ربحا فليبع (3). ولا ريب أن الثمرة مكيل في الجملة، بل طعام في بعض الإطلاقات. وخصوص الخبر - الذي قصور سنده بالشهرة المحكية وما قدمناه من أدلة الإباحة منجبر -: في الرجل يشتري الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه، قال: لا بأس (4). وبين ما دل على النهي عنه، ونفي الصلاحية، وثبوت البأس به من الصحاح المستفيضة. منها - مضافا إلى ما مضى -: إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، إلا أن توليه (5). ومنها: من احتكر طعاما وأراد أن يبيعه فلا يبيعه حتى يقبضه ويكتاله (6). ومنها: في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكتاله، قال:


(1) الوسائل 12: 376، الباب 8 من أبواب أحكام العقود الحديث 6. (2) الوسائل 12: 377، الباب 8 من أبواب أحكام العقود الحديث 8. (3) الوسائل 13: 13، الباب 7 من أبواب بيع الثمار الحديث 2، والآخر: 13، باب 7 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (4) الوسائل 12: 388، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 6. (5) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 12. (6) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 17، وفيه اختلاف يسير.

[ 244 ]

لا يصلح له ذلك (1). ونحوه آخر (2). ونحوها غيرها من المعتبرة، كالموثقين كالصحيح. في أحدهما: عن رجل اشترى بيعا ليس فيه كيل ولا وزن أله أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه ؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يكن فيه كيل ولا وزن، الخبر (3). وفي الثاني: اشترينا طعاما فزعم صاحبه أنه كاله فصدقناه وأخذناه بكيله، فقال: لا بأس، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل ؟ قال: لا، أما أنت فلا تبعه حتى تكيله (4). والموثق: عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها، قال: لا، حتى يقبضها (5). وهذه النصوص وإن ترجحت على أدلة الإباحة بالكثرة والصحة - * (و) * لعله لذا * (قيل: يحرم) * إما مطلقا طعاما أو غيره بتولية أو غيرها كما عن العماني (6)، أو طعاما خاصة مطلقا كما عن الصدوق (7) والقاضي في المهذب (8) [ والخلاف ] (9) والمبسوط (10) والغنية (11) مدعيين فيهما الإجماع - إلا أنها مابين: قاصرة بحسب الدلالة، وهي ما تضمن ثبوت البأس، أو نفي الصلاحية،


(1) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 13. (2) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 14. (3) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 18. (4) الوسائل 12: 256، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه الحديث 4. (5) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 15. (6) كما في المختلف 5: 281. (7) المقنع: 123. (8) المهذب 1: 385. (9) لم يرد في " م، ش، ه‍ ". (10) الخلاف 3: 97، المسألة 158، والمبسوط 2: 119. (11) الغنية: 209.

[ 245 ]

لأعمية الأول من الحرمة، وظهور الثاني في الكراهة، سيما بملاحظة الخبر: عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله، قال: لا يعجبني أن يبيع كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه، إلا أن يوليه كما اشتراه (1). وشاذة، وهي ما استثنت من المنع صورة التولية، فإنه لا قائل بهذا التفصيل من القائلين بالحرمة المتقدم إلى ذكرهم الإشارة. نعم قد يوجد القول بها من بعض متأخري الطائفة، كما سيأتي في ذيل الرواية الى ذكره الإشارة، وبعدم مصير أحد إلى هذا القول صرح بعض الأجلة. ومع ذلك فالقائل بهذه النصوص ليس إلا العماني، حيث أطلق فيها المبيع، ولم يخص بالطعام، وكان التخصيص إنما هو في كلام الرواة، ومع ذلك فليس قابلا لتقييد الإطلاق. وحينئذ، فتكون متروكة عند القائلين بالإباحة كافة وأكثر القائلين بالحرمة، وهذا من أكبر الشواهد على تعيين حملها على الكراهة. نعم يبقى الكلام فيما دل منها على المنع عن خصوص الطعام، لاعتضادها بفتوى جماعة بالاجماعات المحكية، إلا أنها ما بين: ضعيفة الدلالة بالتضمن لنفي الصلاحية أو ثبوت البأس المتقدم الى ما في دلالتهما على الحرمة من المناقشة. ومتضمنة لما لا يقول به هؤلاء الجماعة من اعتبار الحكرة واستثناء التولية. والإجماعات المحكية هنا موهونة، إذا لم يوجد القائل بها، إلا هؤلاء الجماعة القليلة بالإضافة إلى القائلين بالحرمة على الإطلاق أو الكراهة كذلك.


(1) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 16.

[ 246 ]

ولكن شبهة القول بالحرمة هنا قوية أقوى منها في المسألة السابقة، ولذا حكم في العبارة بتأكد الكراهة هنا. وتخف لو باع تولية، لما تقدم من المعتبرة * (و) * نحوها ما * (في الرواية) * اخرى صحيحة حاصله قوله: * (لا تبعه حتى تقبضه، إلا أن توليه (1) *. وسياق العبارة تشعر بعدم القائل بها، وهو كذلك قبل زمانه (رحمه الله)، كما مضى، وأما بعده فقد اختاره الفاضل في التحرير (2) والإرشاد (3) والشهيد الثاني في المسالك (4) والروضة (5)، وبها جمعا بين الأخبار المختلفة. والمناقشة فيه بعد ما عرفت واضحة. وعليه فهل يخص الحكم بالتولية، أم يعم الوضيعة ؟ وجهان، من لزوم الاختصار فيما خالف إطلاقات المنع على ما تضمنه الرواية، ومن مفهوم الصحيحة إذا ربح لم يصلح حتى يقبض. واحتمال ورود الإطلاقات واستثناء التولية خاصة مورد الغلبة، لكون المعاملة بالوضيعة نادرة، إلا أنه وارد في مفهوم الصحيحة، ومع ذلك يؤيد الأول الخبر: لا بأس أن يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع (6). * (ولو قبض) * المشتري * (المكيل فادعى نقصانه، فإن حضر الاعتبار) * وشهده * (فالقول قول البائع مع يمينه) * بلا خلاف أجده. وهو الحجة. دون ما علل به جماعة من العمل بالظاهر من أن صاحب الحق إذا حضر اعتباره يحتاط لنفسه ويأخذ مقدار حقه، مع إمكان موافقة الأصل للظاهر باعتبار آخر وهو أن المشتري لما قبض حقه كان في قوة المعترف بوصول


(1) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 12. (2) التحرير 1: 176 س 24. (3) الارشاد 1: 382. (4) المسالك 3: 249. (5) الروضة 3: 528. (6) الوسائل 12: 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود الحديث 16.

[ 247 ]

حقه إليه كملا، فإذا ادعى بعد ذلك نقصانه كان مدعيا لما يخالف الأصل. فإن فيه مناقشة. لمنع الظهور أولا: باحتمال اعتماده على البائع، أو الغفلة أو السهو، أو حضور الاعتبار للغير. فتأمل. ومنع معارضته للأصل ورجحانه عليه بعد تسليمه لولا الإجماع ثانيا. وكذا دعوى الموافقة للأصل، فإن اقامة أخذ الحق مع حضور الاعتبار مقام الاعتراف ممنوعة، وإن هو إلا قياس فاسد في الشريعة. فإذا العمدة فتوى الجماعة. هذا إذا ادعى الغلط. وأما إذا ادعى عدم وصول الحق فالحكم فيه كما في الصورة الثانية المشار إليها بقوله: * (وإن لم يحضره فالقول قوله) * أي المشتري * (مع يمينه) * قولا واحدا، تمسكا بالأصل السليم عن المعارض جدا. * (وكذا القول) * بالتفصيل بين صورتي الحضور فالأول، وعدمه فالثاني * (في الموزون والمعدود والمذروع) * وإن خالف الأصل في الصورة الاولى، لعين ما مر في المسألة السابقة. * (الرابع: في الشرائط) * (1) المرسومة في متن العقد التي لم يعلق عليها العقد، كأن يقول: بعتك هذا المتاع وشرطت عليك صباغة هذا الثوب دون المذكورة في طرفيه، والمعلق عليها كأن يقول: بعتك هذا المتاع إن جاء زيد، إذ لا أثر (2) للأولة في صحة


(1) في المتن المطبوع: الشروط. (2) في " م " زيادة ما يلي: إذ لا أثر للمذكورة في طرفيه ويصح العقد ويلزم من دونها لفحوى ما دل على ذلك في عقد المتعة من النص والفتوى بأن الشروط قبله وبعده لا يلزم أصلا ولا تؤثر في العقد فسادا وتزلزلا والعقد في المعلق عليها من أصله لمنافاة التعليق القصد إلى ايقاع مضمون البيع الذي هو الانتقال من حين العقد مع أنه شرط في صحته إجماعا ووجه المنافاة واضح إذ التعليق العقد على الشرط ليس عبارة إلا عن عدمه إلا بعد حصوله وهو بعد لم يحصل كما هو مقتضى التعليق العقد على أمر حاصل شئ ليس له حاصل وليس كذلك الشروط المرسومة في متن العقد لا على جهة التعليق ولو بلفظ أبيعك بشرط كذا مع قيام القرينة على عدم قصدهما التعليق كما هو الغالب وذلك لحصول القصد إلى النقل من الحين من دون توقف له على الشرط فإنما فائدته انتفاء اللزوم بانتفائه ونحن نقول به وإنما جعل غايته ذلك دون عدم صحته العقد وفساده لأن ذلك من فوائد التعليق وقد فرض عدمه مع أن العقد مطلقا فلا يتقيد بالشرط المذكور متنه وتحصيل فائدة الشرط لتصحيح معناه يمكن بارجاعها إلى نفس العقد والحكم بانتفائه بل وزيادة في التجوز لا داعي لها بل الأصل يردها فتأمل جدا ثم إن الفارق بين الشرط التعليقي وغيره مما يرسم في العقد ومتنه مع اشتراكهما في التعبير عنهما بما يؤدي الشرطية وقوع الأول بلفظ بعتك بشرط كذا وما ادى مؤداه مع عدم قرينة تدل على عدم قصد التعليق ووقوع الثاني بلفظ بعتك وشرطت عليك كذا أو بشرط كذا مع القرينة على عدم قصد التعليق أصلا كما يكون غالبا. وقد وردت هذه الزيادة في هامش " ش " وكتب أعلاها: حاشية منه مد ظله العالي. (

[ 248 ]

العقد ولزومه أصلا، والثانية لا يصح معها العقد جدا. * (ويصح منها ما كان سائغا) * لم يمنع عنه كتاب ولا سنة، ويدخل فيه اشتراط أن لا تؤدي إلى الجهالة، لاستلزامها حينئذ الغرر المنهي عنه في الشريعة، و * (داخلا تحت القدرة) * للمشروط عليه * (كقصارة الثوب) * ونحوها، وغير مناف لمقتضى العقد [ مما أجمع على فساده، كاشتراط عدم انتقال أحد العوضين إلى المتبائعين ] (1). والأصل في الصحة - بعد الإجماع - الكتاب والسنة المستفيضة. منها الصحيح: المسلمون عند شروطهم، إلا كل شرط خالف كتاب الله تعالى فلا يجوز (2). والصحيح: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله تعالى فلا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما يوافق كتاب الله عزوجل (3). ونحوهما في الجملة الصحيحة الآتية وغيرها من المعتبرة.


(1) لم يرد في " م ". (2) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2. (3) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 249 ]

والمتبادر منها ومن ظاهر الأمر بالوفاء بالعقود، الشاملة لما الشرائط جزؤها وجوب الوفاء بها مطلقا، سيما بملاحظة الخبر: من شرط لإمرأته شرطا فليف به، فإن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما (1). وهو أقوى، وفاقا لجماعة من أصحابنا، وفي الغنية (2) والسرائر (3) الإجماع عليه. وقيل: لا يجب، وإنما فائدته جعل البيع عرضة للزوال بالفسخ عند عدم سلامة الشرط، ولزومه عند الإتيان به (4). تمسكا بالأصل، وضعف النصوص عن إفادة الوجوب. ويضعفان بما مر، مضافا إلى عموم الأمر في الكتاب، كما ظهر. وقيل: بالتفصيل، وهو أن الشرط الواقع في العقد اللازم إن كان العقد كافيا في تحققه ولا يحتاج بعده إلى صيغة فهو لازم لا يجوز الإخلال به كشرط الوكالة في العقد، وإن احتاج بعده الى أمر آخر وراء ذكره في العقد كشرط العتق فليس بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا. وجعل السر فيه أن اشتراط ما العقد كاف في تحققه كجزء من الإيجاب والقبول، فهو تابع لهما في الجواز واللزوم، واشتراط ما سيوجد أمر منفصل عن العقد، وقد علق عليه العقد، والمعلق على الممكن ممكن، وهو معنى قلب اللازم جائزا (5)، وهو كسابقه في الضعف، وإن كان أجود منه. وكيف كان يستفاد من النصوص - مضافا إلى الإجماع - أنه لا يجوز اشتراط غير السائغ مما منعت عنه الكتاب والسنة، كأن يحرم حلالا أو


(1) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 5. (2) الغنية: 215. (3) السرائر 2: 326. (4) القائل هو الشهيد الأول في اللمعة: 74، وفيه اختلاف يسير. (5) القائل هو الشهيد الأول، كما نقله عنه الشهيد الثاني في الروضة 3: 507.

[ 250 ]

بالعكس، كما أفصحت عنه الرواية الأخيرة. ولكن فيه إجمال، فلا يدري هل المراد بالحلال والحرام ما هو كذلك بأصل الشرع من دون توسط العقد، أو ما يعم ذلك ؟ ولكن الذي يقتضيه النظر من تتبع الفتاوى والنص هو الأول، لاتفاقهم على صحة شرائط خاصة تكون منافيات لمقتضى العقد، كاشتراط عدم الإنتفاع مدة معينة، وسقوط خيار المجلس والحيوان وما شاكله. ولا ريب أن قبل الشرط بمقتضى العقد يحل الإنتفاع مطلقا، والرد في زمان الخيار، ويحرم بعده جدا، فقد حرمت الشروط ما كان حلالا بتوسط العقد، وللنصوص الآتية في بيع الأمة بشرط عدم البيع والهبة المجوزة لذلك، المستلزم لحرمتهما بعد الشرط، مع أنهما حلال بواسطة العقد قبله. وفي استثناء اشتراط نفي الميراث من الجواز فيها إشعار بما ذكرنا. وحينئذ فالضابط في الشروط التي لم تحرم الحلال بأصل الشرع وبالعكس هو الجواز، إلا أن يمنع عنه مانع من نص أو اجماع. * (و) * يتفرع على اشتراط الدخول تحت القدرة أنه * (لا يجوز اشتراط غير المقدور، كبيع الزرع على أن يصيره سنبلا) * والدابة على أن تصير حاملا، ونحو ذلك، سواء شرط أن يبلغ ذلك بفعله، أم بفعل الله تعالى، لاشتراكهما في عدم المقدورية. * (ولا بأس باشتراط تبقيته) * أي الزرع في الأرض إذا بيع أحدهما دون الآخر إلى أوان السنبل، لأن ذلك مقدور له. ولا يعتبر تعيين مدة البقاء، بل يحمل على المتعارف من البلوغ، لأنه منضبط. * (و) * يلزم البائع حينئذ التبقية إلى الغاية، كما أن * (مع إطلاق الابتياع) * من دون اشتراط التبقية * (يلزم البائع إبقائه إلى إدراكه) *.

[ 251 ]

* (وكذا) * لو اشترى * (الثمرة) * عن مفردة الاصول مطلقا أو بشرط التبقية، عملا في صورة الشرط بمقتضاه، وفي غيرها بمقتضى العادة، فإنه إن قطع الزرع والثمرة قبل أوانهما لم يكن لهما قيمة في الأغلب، خصوصا ثمرة النخل. فالعادة تقتضي إبقائهما للمشتري في مفروض المسألة، وللبائع فيما إذا باع أصل الشجرة وكانت الثمرة مؤبرة، مضافا إلى ظواهر النصوص المعتبرة الواردة في بيع الزرع. منها الصحيح: لا بأس بأن تشتري زرعا أخضر ثم تتركه حتى تحصده إن شئت، أو تعلفه من قبل أن يسنبل وهو حشيش (1). ونحوه غيره من الصحيح (2) وغيره (3). فلا إشكال في الحكم * (ما لم يشترط الإزالة) * كما لا إشكال فيه مع اشتراطها، عملا بوجوب الوفاء بالشروط، كما تقدمت إليه الإشارة. * (ويصح) * بيع الرقيق مع * (اشتراط العتق) * مطلقا، أو عن المشتري بلا خلاف، بل عليه الإجماع في المسالك (4)، أو عن البائع أيضا، كما عن التذكرة (5)، وعزاه إلينا، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه. خلافا للشهيدين (6) فيه، فأبطلاه استنادا إلى أنه لا عتق إلا في ملك (7). ولقائل أن يقول: بوقوعه في الملك في محل الفرض، لكون المعتق - وهو المشتري - مالكا له.


(1) الوسائل 13: 20، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (2) الوسائل 13: 20، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (3) الوسائل 13: 21، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 6. (4) المسالك 3: 212. (5) التذكرة 1: 492 س 16. (6) الدروس 3: 216، الدرس 243، والمسالك 3: 212. (7) الوسائل 16: 8، الباب 5 من أبواب العتق الحديث 6، مع اختلاف يسير.

[ 252 ]

نعم المعتق عنه - وهو البائع - غير مالك، ولا دليل على اشتراط ملكية المعتق عنه في صحته. فتأمل. وكيف كان، فالأصل في صحة هذا الشرط، مضافا إلى الإجماعات المحكية في الكتابين والمهذب (1) عموم ما قدمناه من المستفيضة بلزوم الوفاء بالشروط، التي لم يمنع عنها كتابا أو سنة. وما ربما يستشكل في الصحة بمنافاته لمقتضى العقد فترده القاعدة الكلية المشهورة من فساد الشروط المنافية له، مردود. أولا: بعدم ثبوتها كلية، إذ لا دليل عليها من كتاب أو إجماع أو سنة، لاختصاصها - كما عرفت - بشرائط خاصة ليس محل الفرض منها بالضرورة. كيف لا ! ولا مانع عنه من الأمرين، بل هو أمر مرغب إليه في الشريعة. ودعوى الإجماع على الكلية ممنوعة، لاتفاقهم على صحة شروط ينافي مقتضاه، كما تقدم إليه الإشارة. وثانيا: على تقدير تسليم الإجماع عليها فهي هنا بعدم الخلاف ودعوى الإجماع مخصصة. * (و) * مما ذكرنا يظهر صحة شرط * (التدبير والكتابة) * فإن وفى بالشروط، وإلا تخير البائع بين فسخ البيع وإمضائه، فإن فسخ استرده وإن انتقل بالشروط، وإلا تخير البائع بين فسخ البيع وإمضائه، فإن فسخ استرده وإن انتقل قبله عن ملك المشتري. وكذا يتخير لو مات قبل العتق فإن فسخ رجع بقيمة يوم التلف على الأصح، لأنه وقت الإنتقال إليها، وكذا لو انعتق قهرا. ولو اختار الإمضاء فهل يرجع على المشتري بما يقتضيه شرط العتق من القيمة فإنه يقتضي نقصانا من الثمن، أم يلزم ما عين منه خاصة ؟ قولان.


(1) المهذب البارع 2: 401.

[ 253 ]

للأول - كما عن العلامة (1) وجماعة -: اقتضاء الشرط نقصانا من الثمن ولم يحصل. وللثاني - كما في الدروس -: أن الشروط لا يوزع عليها الأثمان (2). ورد بأن الثمن لا يوزع على الشرط بحيث يجعل بعضه مقابلا له، وإنما الشرط محسوب من الثمن، وقد حصل باعتباره نقص في القيمة. فطريق تداركه ما ذكر. وطريق معرفة (3) الشرط أن يقوم العبد بدونه ويقوم معه، وينظر التفاوت بين القيمتين وينسب إلى القيمة التي هي مع الشرط وتؤخذ من المشتري، مضافا إلى الثمن بمقدار تلك النسبة منه، وكذا كل شرط لم يسلم لمشترطه فإنه يفيد تخيره بين فسخ العقد المشروط فيه وإمضائه. * (ولو اشترط أن لا يعتق أو لا يطأ الأمة) * بطل الشرط في المشهور، بناء منهم على منافاته لمقتضى العقد فيبطل. وفيه ما مر. وربما علل بمنافاته للكتاب والسنة، لمنعه ما أباحاه. وهو كما ترى. فإن كان إجماع، وإلا فالأظهر الصحة، كما عن بعض الأصحاب (4)، تمسكا بعموم المعتبرة المتقدمة، وليس هو محرما لما أباحه الكتاب والسنة من دون توسط المعاملة، وإن حرم ما أباحاه بتوسطها فإنه لا حجر فيه، كما تقدمت إليه الإشارة. وعلى المشهور * (قيل: يبطل الشرط) * خاصة * (دون البيع) * كما عن الإسكافي (5) والطوسي (6) والقاضي (7) والحلي (8) وابن زهرة العلوي مدعيا


(1) التذكرة 1: 492 س 35. (2) الدروس 3: 216، الدرس 243. (3) في " ه‍ " زيادة: ما يقتضيه. (4) كما نقله عن بعض في التذكرة 1: 490 س 1. (5) كما في المختلف 5: 298. (6) المبسوط 2: 149. (7) لم نعثر عليه في كتبه، نقله عنه العلامة في المختلف 5: 298. (8) السرائر 2: 328.

[ 254 ]

عليه الإجماع (1)، لأصالة الصحة. ولا دليل عليها، بل أصالة عدم الانتقال يقتضي المصير إلى خلافها، وعلى تقديرها فيمنع بالأدلة الآتية المقتضية خلافها. ولعموم أحل الله البيع. وليس بشامل للمقام. أما أولا: فلتقييده بالقصد المنفي فيه، بناء على تعلقه بمقارن الشرط، لوقوع التراضي عليه دون غيره، فإذا انتفى انتفى، مع أنه شرط في الصحة اتفاقا. وثانيا: بحصول المانع عن الصحة بالجهالة، لما ذكره جماعة من أن الشرط له قسط من الثمن، فإنه قد يزيد باعتباره وينقص، فإذا بطل بطل ما بازائه من الثمن، وهو غير معلوم، فتطرق الجهالة إلى الثمن، فيبطل البيع. ولأن لزوم الشرط فرع على صحة البيع، فلو كانت موقوفة (2) على صحته لزم الدور. وهو كما ترى. ولأن عائشة اشترت بريرة بشرط أن تعتقها ويكون ولاؤها لمولاها فأجاز النبي (صلى الله عليه وآله) البيع وأبطل الشرط (3). وضعف سنده يمنع العمل به. فإذا الأقوى فساد البيع أيضا، وفاقا لأكثر أصحابنا، كالفاضلين (4) والشهيدين (5) وشارحي الكتاب (6) وغيرهم. ولكنه بعد محل نظر، بل لعل الصحة أظهر. * (ولو اشترط في الأمة) * المبتاعة * (أن لا تباع ولا توهب، فالمروي) * في المستفيضة: * (الجواز) *. ففي الصحيحين: عن الشرط في الإماء أن لا تباع ولا تورث ولا توهب،


(1) الغنية: 216. (2) في " م، ش ": موقوفا. (3) سنن ابن ماجة 2: 842، الحديث 2521. (4) الموجود في الشرائع مثل ما هنا، انظر الشرائع 2: 34، والمختلف 5: 298. (5) الدروس 3: 214، الدرس 243، والمسالك 3: 273. (6) المهذب البارع 2: 406، والتنقيح 2: 73.

[ 255 ]

قال: يجوز ذلك غير الميراث فإنها تورث، وكل شرط خالف كتاب الله تعالى فهو مردود، كما في أحدهما (1)، أو باطل، كما في الثاني (2). ونحوهما خبران آخران (3)، إلا أن في سندهما ضعفا. لكنهما كالأولين معتضدان بالأصل، والمعتبرة المتقدمة الناصة على صحة الشروط التي لم تمنع عنها الكتاب والسنة، ومنها الشرط في محل الفرض، كما مضت إليه الإشارة. فتردد الماتن - كما يشعر به العبارة، كفتوى جماعة بفساد الشرط والبيع، أو الأول خاصة، كما عن المبسوط - لا وجه له، سوى ما مر، وضعفه قد ظهر. * (ولو باع أرضا) * مشاهدة أو موصوفة على كونها * (جربانا معينة فنقصت، فللمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء) * * (ب‍) * تمام * (الثمن) * وفاقا للمبسوط (4) والقاضي (5) والقواعد (6) وولده (7)، لأن العقد وقع على جميع الثمن فلا يتبعض عليه، بل يكون له الخيار بين الأمرين. * (و) * هو قوي لو لا ما * (في رواية) * معتبرة الإسناد في الجملة، عمل بها النهاية (8) والحلي (9) والمختلف (10) وجماعة، بل ادعى عليه جماعة الشهرة (11): من أن * (له أن يفسخ أو يمضي البيع بحصتها من الثمن) * فهي الحجة في هذا القول. لا ما يقال من التعليل: من أنه وجده ناقصا فكان له أخذه


(1) الوسائل 13: 43، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (2) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 3. (3) الوسائل 13: 44، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان الحديث 2 وذيله. (4) المبسوط 2: 154. (5) كما في المختلف 5: 267. (6) القواعد 1: 153 س 15. (7) الايضاح 1: 515. (8) النهاية 2: 221. (9) السرائر 2: 375. (10) المختلف 5: 268. (11) غاية المرام: 65 س 10 (مخطوط).

[ 256 ]

بقسطه من الثمن، كما لو اشترى الصبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة، وكذا المعيب له إمساكه وأخذ ارشه، فإنه لا يخلو عن مناقشة. فكيف كان، فالأول أحوط. * (وفي) * هذه * (الرواية) *: أنه * (إن كان للبائع أرض بجنب تلك الأرض لزم البائع أن يوفيه منها) * وبه أفتى في النهاية (1). خلافا للأكثر، لقصور السند، ومخالفة الأصل، لعدم تناول العقد لذلك، وقد مضت الإشارة إلى الرواية مع المسألة في أحكام الخيار. * (ويجوز أن يبيع مختلفين) * كثوب وحيوان وصبرة مكيلة أو موزونة في * (صفقة واحدة، وأن يجمع بين سلف وبيع) * ونكاح وإجارة، كأن يقول: بعتك هذا الثوب وطغارا من حنطة إلى سنة، وآجرتك هذه الدار إلى شهر وزوجتك ابنتي بمائة فقال: قبلت، صح عندنا، كما في المسالك (2) وغيره (3)، للأصل، والعمومات السليمة عن المعارض. عدا ما يتوهم من الجهالة، وهي مدفوعة: بأن الجميع بمنزلة عقد واحد، والعوض فيه معلوم، بالإضافة إلى الجملة، وهو كاف في انتفاء الغرر والجهالة. وإن كان عوض كل منهما بخصوصه غير معلوم حال العقد وكون كل واحد بخصوصه بيعا في المعنى، أو بعضه إجارة أو غيرها الموجب لعوض معلوم، لا يقدح، لأن لهذا العقد جهتين، فبحسب الصورة هو عقد واحد فيكفي العلم بالنسبة إليه. ثم إن احتيج إلى التقسيط قسط الثمن على قيمة المبيع واجرة المثل وثمن المثل.


(1) النهاية 2: 221. (2) المسالك 3: 280. (3) الارشاد 1: 383.

[ 257 ]

* (الخامس: في العيوب) * المجوزة للرد * (وضابطها: ما كان زائدا على الخلقة الأصلية) * وهي خلقة أكثر النوع الذي يعتبر فيه ذلك ذاتا وصفة * (أو ناقصا) * عنها عينا كان الزائد والناقص كالإصبع زائدة على الخمس، أو ناقصة عنها، أو صفة كالحمى ولو يوما بأن يشتريه فيجده محموما أو يحم قبل القبض وإن برئ ليومه، كما قيل (1). والأصل في هذا الضابط بعد الإتفاق عليه في الظاهر حكم العرف بذلك، مضافا إلى الخبر: كلما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب (2). فهل يعتبر مع ذلك كون الزيادة والنقصان موجبين لنقص المالية، أم لا ؟ قولان. من إطلاق النص والاتفاق على أن الخصاء عيب مع إيجابه زيادة المالية وكذا عدم الشعر على الركب والعانة، كما يدل عليه بعض المعتبرة، المنجبر قصور سندها بعمل الطائفة. ومن وجوب الإقتصار فيما خالف الأصل على المتيقن، مع الشك في تسمية مثل ذلك عيبا عرفا، فلا يدخل في إطلاق النصوص. وعلى تقدير الدخول بها، فالدليل فيها على العدم موجود، وهو الحكم فيها بالرجوع إلى الإرش، الملازم لنقص القيمة في الأغلب، والإتفاق على ما مر مع ما ظهر من ظاهر الخبر لم ينقدح به ضرر. * (وإطلاق العقد يقتضي السلامة) * من العيوب في العوضين * (فلو ظهر عيب) * في المبيع * (سابق) * على العقد * (تخير المشتري بين الرد و) * استرداد الثمن والإمضاء مع أخذ * (الأرش) *. وهذا هو السابع من أقسام الخيار، المطوي ذكره مفصلا سابقا.


(1) قاله الشهيد الثاني في الروضة 3: 474. (2) الوسائل 12: 410، الباب 1 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1.

[ 258 ]

والأصل فيه - بعد خبر نفي الضرر والإجماع القطعي والمحكي في الغنية (1) - النصوص المعتبرة الآتي إلى جملة منها الإشارة. ففي المرسل كالصحيح بجميل: في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا، قال: إن كان الثوب قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان قد قطع أو خيط أو صبغ رجع بنقصان العيب (2). وليس فيه كالباقي ذكر الإمضاء مع الارش، بل ظاهرها الرد خاصة، ولكن الإجماع ولو في الجملة كاف في التعدية. مضافا إلى الرضوي: إن خرج في السلعة عيب وعلم المشتري فالخيار إليه إن شاء رد، وإن شاء أخذه أو رد عليه بالقيمة ارش العيب (3). والظاهر كون همزة " أو " زائدة، كما صرح به بعض الأجلة (4). * (ولا خيرة للبائع) * في هذه الصورة وإن كان له الخيار لو انعكست، كما لو خرج الثمن معيبا. استنادا في الأول: إلى الأصل واختصاص العيب الموجب للخيار بغيره. وفي الثاني: ببعض ما مر من خبر نفي الضرر. * (ويسقط الرد) * بامور خمسة: * (بالبراءة من العيب) * مطلقا * (ولو إجمالا) * كأن يقول: بعتك هذا بكل عيب، على الأشهر الأقوى، بل عليه في الغنية إجماعنا (5)، لأن التبري الإجمالي يتناول كل عيب، فيدخل تحته الجزئيات. ولتبائعهما على شرط التبري من كل عيب، فيثبت لهما ما شرطاه، لعموم


(1) الغنية: 221. (2) الوسائل 12: 363، الباب 16 من أبواب الخيار الحديث 3. (3) فقه الرضا: 253. (4) الحدائق 19: 64. (5) الغنية: 221.

[ 259 ]

قوله (عليه السلام): المؤمنون عند شروطهم (1)، ولإطلاق المعتبرين: في أحدهما: أيما رجل اشترى شيئا فيه عيب أو عوار ولم يتبرأ إليه منه ولم يبين له فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا وعلم بذلك العيب وبذلك العوار أنه يمضى عليه البيع، ويرد عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به (2). وضعف سنده بموسى بن بكر - على الأشهر - مجبور بعمل الأكثر، وبرواية فضالة، المجمع على تصحيح ما يصح عنه. وفي الثاني: المتاع يباع فيمن يزيد فينادي عليه المنادي، فإذا نادى عليه تبرأ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق إلا نقده الثمن فربما زهد، فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا أنه لا يعلم بها فيقول له المنادي: قد برئت منها فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها أيصدق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق فيجب عليه الثمن ؟ فكتب: عليه الثمن (3). فتأمل. خلافا للمحكي عن الإسكافي (4) والقاضي (5)، فلا يكفي التبري إجمالا، للجهالة. والمناقشة فيها بعد ما عرفت واضحة. وإطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين علم البائع والمشتري بالعيوب وجهلهما والتفريق، ولا بين الحيوان وغيره، ولا بين العيوب الباطنة والحادثة، وعليه الاجماع في صريح الخلاف (6) والغنية (7) وظاهر


(1) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور الحديث 4. (2) الوسائل 12: 362، الباب 16 من أبواب الخيار الحديث 2. (3) الوسائل 12: 420، الباب 8 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1، مع اختلاف. (4) كما في المختلف 5: 170. (5) المهذب 1: 392. (6) الخلاف 3: 127، المسألة 213. (7) الغنية: 221.

[ 260 ]

المسالك (1)، ولا بين الموجودة حالة العقد والمتجددة بعده حيث تكون على البائع مضمونة، وعليه الإجماع في التذكرة (2). وهو الحجة أيضا، مضافا إلى العمومات، وأن الخيار بها ثابت بأصل العقد، وإن كان السبب حينئذ غير مضمون، فلا يرد كون البراءة مما لا يجب، مع أنه لا دليل على المنع عنها كلية ولو في نحو المسألة. فتأمل. * (وبالعلم به) * ممن لولاه لثبت الخيار له * (قبل العقد وبالرضا) * منه به * (بعده) * وأولى منه التصريح بإسقاطه بلا خلاف فيهما، وفي السقوط بتأخير الرد مع العلم بالعيب، كما في الغنية (3). وهو الحجة، مضافا في الأولين إلى الأصل، وإختصاص المثبت لهذا الخيار من النص والإجماع بغير محل الفرض، ومفهوم أول المعتبرين في الأول، إلا أن ظاهر أصحابنا المتأخرين كافة الخلاف في الثالث، فنفوا الفورية عن هذا الخيار من غير خلاف يعرف، كما صرح به جماعة، بل ربما احتمله بعضهم إجماعا (4). وهو أقرب، للإستصحاب، وإطلاق النصوص، وخصوص بعضها، كما قيل (5). وحكاية الإجماع في الغنية بمصير كافة المتأخرين إلى خلافه، موهونة. * (وبحدوث عيب عنده) * مضمون عليه، سواء كان حدوثه من جهته، أم لا. واحترزنا بالقيد عما لو كان حيوانا وحدث العيب فيه في الثلاثة من غير جهة المشتري، فإنه حينئذ لا يمنع من الرد ولا الارش لأنه مضمون على البائع. ولو رضي البائع برده مجبورا بالأرش أو غير مجبور جاز.


(1) المسالك 3: 282. (2) التذكرة 1: 525 س 34. (3) الغنية: 222. (4) الحدائق 19: 117، والمسالك 3: 302. (5) كفاية الأحكام: 94 س 13.

[ 261 ]

وفي حكمه ما لو اشترى صفقة متعددا فظهر فيه عيب فتلف أحدهما، أو اشترى اثنان صفقة فامتنع أحدهما من الرد فان الآخر يمنع منه، وله الارش وإن أسقطه الآخر سواء اتحدت العين أم تعددت، اقتسماها أم لا، لما مر من الأصل، واختصاص المثبت لهذا الخيار من الإجماع والنص بغير محل الفرض، مضافا إلى حديث نفي الضرر، مع أنه لا خلاف في ذلك سوى الأخير، كما يأتي. * (وبإحداثه في المبيع حدثا) * يعد في العرف تصرفا * (كركوب الدابة) * ولو في طريق الرد، ونعلها، وحلب ما يحلب، ولبس الثوب وقصارته، وسكنى الدار، ونحو ذلك مما يعد تصرفا. وينبغي تقييده بعدم قصد الاستخبار ونحوه مما دل على عدم الرضا بالعقد وإمضائه، كما مضى في بحث الخيار. والأصل فيه بعد ما مر ثمة وعدم الخلاف فيه أول المعتبرين المتقدمين (1) والمرسل كالصحيح المتقدم، لكنه في الجملة كالصحاح المستفيضة الآتية في وطء الأمة. * (و) * إطلاقها يشمل * (للتصرف الناقل) * كالبيع ونحوه وغيره، وللمغير للعين وغيره، عاد إليه بعد خروجه عن ملكه، أم لا. * (و) * لا فرق فيه ما * (لو كان قبل العلم بالعيب) * أو بعده. خلافا للمحكي عن الطوسي في التصرف قبل العلم فلم يسقط به الخيار (2)، للأصل. ويندفع بما مر، وللخبر الأول، حيث جعل فيه العلم بالعيب قبل الحدث شرطا، لمضي البيع عليه به.


(1) في " ق ": اولى المعتبرتين المتقدمتين، ولم يرد في " م ": اولى. (2) المبسوط 2: 138.

[ 262 ]

وفيه نظر، لتوقفه على اشتراط سبقه على الحدث في سقوط الخيار به، وليس بمعلوم. فيحتمل أن المراد أنه لو أحدث فيه شيئا ثم علم به لم يكن له الخيار، لأن الحدث إذا كان بعد العلم ينفي الخيار، فيستدل بمفهومه على أن الحدث قبله لا ينفيه. فتدبر. ثم كل ذا في سقوط الرد خاصة بالخمسة. * (وأما الأرش فيسقط بالثلاثة الاول) * خاصة بلا خلاف * (دون الأخيرين) * على الأظهر الأشهر بل عليه الإجماع في الغنية (1) استنادا إلى ما مر في الأول، وإلى استصحاب بقاء الأرش مع عدم المانع عنه من الرضا بالعيب وغيره في الثاني. خلافا لابن حمزة في الثاني من الثاني، وهو التصرف إذا كان بعد العلم بالعيب فأسقط به الأرش أيضا (2)، تمسكا بدلالته على الرضا بالعيب. وهو كما ترى، مع أن ما مضى من الأصل حجة عليه قطعا، مضافا إلى عموم النصوص بأخذ الأرش بالتصرف، من دون تقييد له بالواقع قبل العلم بالعيب. * (ويجوز بيع المعيب وإن لم يذكر عيبه) * مع عدم الغش، بلا خلاف في الظاهر، للأصل، وفقد المانع، لاندفاع الضرر بالخيار والأرش. * (و) * لكن * (ذكره مفصلا أفضل) * تبعيدا عن احتمال الغش المنهي عنه، واحتمال الضرر بغفلة المشتري عن العيب حال البيع أو بعده. * (ولو ابتاع شيئين فصاعدا صفقة) * واحدة * (فظهر العيب في البعض، فليس له رد المعيب منفردا، و) * لكن * (له رد الجميع، أو) * أخذ * (الأرش) * خاصة بلا خلاف [ يظهر ] (3)، بل عليه الإجماع في الخلاف (4) والغنية (5)،


(1) الغنية: 221. (2) الوسيلة: 257. (3) لم يرد في " م، ق ". (4) الخلاف 3: 115، المسألة 193. (5) الغنية: 223.

[ 263 ]

لما مر، ومنه حصول الضرر بتبعيض الصفقة الذي يعد ضررا عرفا وعادة. * (و) * كذا * (لو اشترى اثنان) * مثلا * (شيئا) * مطلقا من بائع كذلك * (في) * عقد واحد و * (صفقة) * واحدة * (فلهما الرد) * معا * (بالعيب، أو) * أخذ * (الأرش، وليس لأحدهما الانفراد بالرد) * دون الأرش * (على الأظهر) * الأشهر، وفاقا للشيخين (1) والحلبي (2) والقاضي (3) والديلمي (4) وابن حمزة (5)، لما مر إليه الإشارة من الأصل، واختصاص المثبت لهذا الخيار من الإجماع والنص بحكم (6) الخلاف، والتبادر بغير محل الفرض، والضرر بتبعيض الصفقة، مضافا إلى الضرر بالشركة فيما لو حدث عيب بالبعض بعد الصفقة فإنه يمنع من الرد بالإضافة إليه، فانفراد الآخر بالرد يوجب الشركة بين البائع والمشتري الآخر. خلافا للإسكافي (7). والقول الثاني للطوسي (8) والقاضي (9) والحلي (10)، فجوزوا التفريق هنا، للعموم، ولجريانه مجرى عقدين بسبب تعدد المشتري، فإن التعدد في البيع يتحقق تارة بتعدد البائع، واخرى بتعدد المشتري، وثالثا بتعدد العقد، ولأن عيب التبعض جاء من قبله حيث باع من إثنين، وهذا إنما يتم مع علمه بالتعدد. وللتحرير (11) وغيره فالتفصيل بين العلم به فالثاني، وعدمه فالأول، جمعا. وفيهما نظر يظهر وجهه مما مر. * (والوطء يمنع رد الأمة) * المعيبة بالإجماع والصحاح المستفيضة الآتية


(1) المبسوط 2: 127، والمقنعة: 600. (2) الكافي في الفقه: 358. (3) المهذب 1: 393. (4) المراسم: 176. (5) الوسيلة: 256. (6) في " م ": عدم الخلاف. (7) كما في المختلف 5: 187. (8) المبسوط 2: 351. (9) لم نعثر عليه في كتبه، نقله عنه العلامة في المختلف 5: 187. (10) السرائر 2: 345. (11) التحرير 1: 183 س 25.

[ 264 ]

وغيرها من المعتبرة، مضافا إلى بعض ما مر من الأدلة * (إلا من عيب الحبل) * فله ردها، إما مطلقا، كما عليه أكثر أصحابنا، بل في الانتصار (1) والغنية عليه إجماعنا (2)، أو بشرط كونه من المولى، كما عن الإسكافي (3) والنهاية (4) ومحتمل ابن حمزة (5)، وبه صرح في المختلف (6). ولا يخلو عن قوة. استنادا في جواز الرد - بل وجوبه في الصورة المزبورة - إلى الإجماع، والصحاح المستفيضة في عدة. منها: لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، وله أرش العيب، وترد الحبلى * (ويرد معها نصف عشر قيمتها) * (7). مضافا إلى أنها حينئذ ام ولد لمولاها، فاسد بيعها. وفي العدم في غيرها إلى أصالة لزوم العقد، والدليل المتقدم الدال على عدم جواز الرد مع التصرف، وإطلاق الصحاح [ المستفيضة ] (8) المتقدمة بإسقاط الوطء رد الأمة المعيبة، واختصاص النصوص المتقدمة بحكم التبادر والغلبة بصورة كون الحبل من المولى خاصة. ولا ينافي ذلك اشتراط [ عدم ] (9) الرد فيها بالوطء خاصة، لوروده - كالحلبل - مورد الغلبة، فإن أظهر تصرفات المشتري وأغلبها في الأمة الوطء بالضرورة، فسقط بذلك حجج الأكثر، مع منافاة مذهبهم وجوب الرد، كما هو ظاهر النصوص المزبورة. وإلزام نصف العشر، كما في أكثرها (10)،


(1) الانتصار: 211. (2) الغنية: 222. (3) كما في المختلف 5: 178. (4) النهاية 2: 157. (5) الوسيلة: 256. (6) المختلف 5: 179. (7) الوسائل 12: 416، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب الحديث 3. (8) لم يرد في " م، ق، ه‍ ". (9) لم يرد في " م، ق ". (10) الوسائل 12: 415، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب.

[ 265 ]

أو العشر، كما في بعضها (1)، لمنافاتهما القاعدة، سيما الثاني فإن المنافع قبل الفسخ للمشتري. وليس كذلك على المختار، فإنها للبائع، لفساد البيع، فيلزمان المشتري، لمكان التصرف مع عدم المسقط، وعليه يجب الرد، كما مر. ولا فرق في التصرف بين الوطء وغيره، كما صرح به في النهاية (2) وفي مختلف شيخنا العلامة (3). وتلتئم القواعد مع الأخبار المختلفة في التقديرين منها بعضها مع بعض، بحمل ما دل منها على [ التقدير ] (4) الأول على الأغلب وهو الثيبوبة، والثاني على البكارة. وعليهما يحمل بعض النصوص المجملة في التقدير بشئ، كما في الخبر، أو بكسوتها، كما في الصحيح بإرادة نصف العشر أو العشر منهما، فيما يناسبهما من الصورتين، فتلاءمت القواعد مع النصوص ظاهرا، ولا كذلك على المشهور جدا. * (وهنا مسائل) * * (الاولى: التصرية) * وهي جمع لبن الشاة وما في حكمها في ضرعها بتركها بغير حلب ولا رضاع، فيظن الجاهل بحالها كثرة ما يحلبه فيرغب في شرائها بزيادة * (تدليس) * محرم وغش، منهي عنه بالإجماع، والنص المستفيض النقل. و * (يثبت بها خيار) * المشتري بين * (الرد) * والإمضاء بدون أرش. استنادا في الأول إلى الإجماعات المحكية في كلام جماعة البالغة


(1) الوسائل 12: 415، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب. (2) النهاية 2: 157. (3) المختلف 5: 180. (4) لم يرد في المطبوع.

[ 266 ]

حد الاستفاضة، والنصوص العامية (1) المنجبرة به وبحديث نفي الضرر (2). وفي الثاني إلى الأصل، واندفاع الضرر بخيار الرد، وليس عيبا، كما في القواعد (3). فلا يثبت به أرش، ويثبت إن لم يعترف بها البائع، ولم تقم بها بينة باختبارها ثلاثة أيام، فإن اتفقت فيها الحلبات عادة أو زادت اللاحقة فلا تصرية، وإن اختلفت في الثلاثة وكان بعضها ناقصا عن الحلبة الاولى نقصانا خارجا عن العادة وإن زاد بعدها في الثالثة ثبت الخيار بعد الثلاثة بلا فصل، من غير تأخير، أو مطلقا على اختلاف الوجهين، بل القولين. ولو ثبت بالإعتراف أو البينة جاز الفسخ من حين الثبوت مدة الثلاثة، ما لم يتصرف بغير الإختبار بشرط النقصان. فلو تساوت أو زادت هبة من الله سبحانه، فالأقوى زواله. خلافا للخلاف، فأثبت الخيار بالتصرية وإن لم ينقص اللبن (4)، لظاهر النص. والفرق بين مدة التصرية وخيار الحيوان على الأول ظاهر، فإن الخيار في ثلاثة الحيوان فيها وفي الثلاثة التصرية بعدها، وكذا على الثاني إن قلنا بفورية هذا الخيار فيسقط بالإخلال بها دون خيار الحيوان، وكذا إن لم نقل بها لجواز تعدد الأسباب. وتظهر الفائدة فيما لو أسقط أحدهما. * (و) * كيف كان * (يرد معها) * إن اختار ردها لبنها الذي حلبه منها مع وجوده حين العقد أو بدله قولا واحدا، لأنه جزء من المبيع.


(1) سنن أبي داود 3: 270، الحديث 3443. (2) الوسائل 12: 364، الباب 17 من أبواب الخيار الحديث 3. (3) القواعد 1: 147 س 5. (4) الخلاف 3: 107، المسألة 173.

[ 267 ]

وكذا المتجدد بعده على قول، لإطلاق النص بالرد الشامل له. ويشكل بأنه نماء المبيع الذي هو ملكه، والعقد إنما ينفسخ من حينه، فالأقوى عدم لزوم رده، لما ذكر، مع ضعف النص، وعدم جابر له في محل الفرض، مع عدم الصراحة، فيحتمل الفرض الأول. هذا إن عملنا به في الجملة ولو بمعونة العمل، وإلا بأن اقتصرنا في هذا الخيار المخالف للأصل بمورد الإجماع، اتضح الجواب عنه من أصله، وتعين المصير إلى ما ذكر. ولو لم يتلف اللبن الواجب الرد لكن تغير في ذاته أو صفته بأن عمل جبنا أو مخيضا أو نحوهما، ففي رده بالأرش إن نقص، أو مجانا، أو الإنتقال إلى البدل، أوجه، أجودها وأشهرها الأول. وإن تعذر رده انتقل الضمان إلى * (مثل لبنها) * مع الإمكان * (أو قيمته مع التعذر) * على الأشهر الأظهر، وفاقا للمفيد (1) والقاضي (2) والحلي (3)، وكثير من المتأخرين، عملا بقاعدة الضمان. * (وقيل) * كما عن أحد قولي الطوسي: * (صاع من بر) * مطلقا (4)، وقوله الآخر: التمر كذلك (5) بدل البر، وأفتى بهما في الغنية على التخيير مدعيا عليه الإجماع (6)، جمعا بين النبويين: من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر، كما في أحدهما (7)، أو بر، كما في الثاني (8). وحملهما الأصحاب - للضعف وعدم الجابر في المحل والمخالفة


(1) المقنعة: 598. (2) المهذب 1: 392. (3) السرائر 2: 300. (4) المبسوط 2: 125. (5) المبسوط 2: 125. (6) الغنية: 223. (7) سنن الترمذي 3: 553، الحديث 1251. (8) سنن الترمذي 3: 553، الحديث 1252.

[ 268 ]

للقاعدة - على صورة ما إذا تعذر وكان ذلك هو القيمة السوقية. ولا بأس به، جمعا بين الأدلة. ثم مقتضى الأصل واختصاص النص المشهور والإجماع بالشاة عدم ثبوت التصرية في نحو الناقة والبقرة والأمة. خلافا للأشهر، بل المجمع عليه، كما عن الشيخ (1) في الأولين، فثبت تصرية. وهو أظهر، للإجماع المحكي، المعتضد بفتوى الأكثر، والعامي المروي عن الزمخشري في الفائق: لا تصر الإبل والبقر والغنم، ومن اشترى مصراة فهو بآخر النظرين إن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر، وروي: صاعا من طعام (2)، ونحوه المروي عن معاني الأخبار (3)، وفيه زيادة على الحكم التعليل: بأنه ونحوه المروي عن معاني الأخبار (3)، وفيه زيادة على الحكم التعليل: بأنه خداع. وهو مضافا إلى إطلاق المصراة كالنص في الشمول للبقرة، مع عدم القائل بالفرق بين الطائفة، مضافا إلى حديث نفي الضرر (4)، بناء على أن المقصود الأعظم فيهما هو اللبن في الأغلب، فتصريتهما يوجب التدليس، الموجب للخيار. ولا كذلك الأمة، إذ ليس المقصود الأعظم منها ذلك، فلا ضرر في الأغلب، فلا خيار بتصريتها عند الأكثر، لعدم الموجب له. خلافا للإسكافي (5) والدروس (6) وغيرهما (7). والأول هو الأظهر.


(1) الخلاف 3: 105، المسألة 170. (2) الفائق للزمخشري 2: 292. (3) معاني الاخبار: 282. (4) الوسائل 17: 319، الباب 5 من أبواب الشفعة الحديث 1. (5) كما في المختلف 5: 177. (6) الدروس 3: 277، الدرس 258. (7) مفاتيح الشرائع 3: 70، المفتاح 917.

[ 269 ]

* (الثانية: الثيبوبة) * (1) في الإماء * (ليست عيبا) * مطلقا في المشهور بين الأصحاب، لأنها فيهن بمنزلة الخلقة الأصلية وإن كانت عارضة، بناء على غلبتها فيهن. خلافا لظاهر القاضي (2) ومستوجه الشهيد الثاني (3)، لأن البكارة مقتضى الطبيعة، وفواتها نقص يحدث على الأمة، ويؤثر في نقصان القيمة تأثيرا بينا، فيتخير بين الرد والأرش، خصوصا في الصغيرة التي ليست محل الوطء، فإن أصل الخلقة والغالب متطابقان في مثلها على البكارة، فيكون فواتها عيبا. وهو في الصغيرة لا يخلو عن قوة، ونفى عنه البأس في التذكرة بعد أن حكاه عن بعض الشافعية (4). إلا أن في الخروج عن مقتضى لزوم العقد - الثابت بالأدلة القاطعة فتوى وآية ورواية، مع اعتضاده في المسألة بالشهرة العظيمة، مع الشك في تسمية مثل ذلك عيبا عرفا وعادة، وقصور سند ما دل على أن العيب هو كلما نقص عن الخلقة، مع عدم جابر له في المسألة، وعدم وضوح الدلالة - نوع مناقشة. * (نعم لو شرط البكارة) * في متن العقد * (فثبت سبق الثيبوبة (5)) * بالبينة أو إقرار البائع أو قرب زمان الإختبار لزمان البيع بحيث لا يمكن فيه تجدد الثيبوبة بحسب العادة * (كان له الرد) * على الأظهر الأشهر بين الطائفة، لا لكونه عيبا، بل لقاعدة الشرطية. ومنه ينقدح الوجه في القول بعدم الأرش مع الإمضاء، لاختصاصه بالعيب، والواقع ليس كذلك، بل فوات أمر زائد، ويأتي على القول السابق


(1) في المتن المطبوع: الثيوبة. (2) المهذب 1: 395. (3) المسالك 3: 295. (4) التذكرة 1: 539، س 38. (5) في المتن المطبوع: الثيوبة.

[ 270 ]

ثبوته، وربما أشعر به الموثق الآتي. خلافا للقاضي في الكامل، فنفى الأمرين (1). وربما يستدل له بالموثق: عن رجل باع جارية على أنها بكر فلم يجدها على ذلك، قال: لا ترد عليه، ولا يجب عليه شئ، أنه يكون يذهب في حال مرض أو أمر يصيبها (2). وهو مع الإضمار غير واضح الدلالة على ثبوت الحكم، مع سبق الثيبوبة، كما هو مفروض المسألة، بل ربما كان فيها على الخلاف، وموافقة العبارة - نظرا إلى التعليل - نوع إشارة. مع معارضته بالخبر: في رجل اشترى جارية على أنها عذراء فلم يجدها عذراء، قال: يرد عليه فضل القيمة إذا علم أنه صادق (3). لكنه مقطوع، وفي سنده جهالة، وإطلاقه غير معمول به بين الطائفة، من حيث إطلاق الحكم فيه بثبوت الأرش الشامل لصورة الجهل بسبق الثيبوبة، مع أنه على تقدير العلم به لا أرش أيضا، كما تقدمت إليه الإشارة، وبه قال جماعة (4)، للأصل المتقدم، مع ضعف هذه الرواية بالوجوه المزبورة، إلا أن في الدروس نسب الأرش إلى الشهرة (5)، وربما أشعرت به الموثقة المتقدمة، ولعله لذا توقف فيه بعض الأجلة (6). * (ولو لم يثبت التقدم فلا رد) * بلا خلاف، للأصل، ولأنه قد تذهب بالعلة والنزوة، كما في الموثقة المتقدمة، وهي حجة اخرى في المسألة. بل ربما حكي عن بعض الأصحاب انسحاب الحكم في الصورة


(1) كما في المختلف 5: 173. (2) الوسائل 12: 418، الباب 6 من أبواب أحكام العيوب الحديث 2. (3) الوسائل 12: 418، الباب 6 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1. (4) منهم الشهيد الثاني في الروضة 3: 500. (5) الدروس 3: 276، الدرس 258. (6) منهم الشهيد الثاني في المسالك 3: 296.

[ 271 ]

السابقة (1). ولا مستند له سوى الأصل المندفع بالقاعدة المتقدمة إليها الإشارة، وظاهر إطلاق صدر الموثقة، المقيد بما في ذيلها من العلة، المشعرة باختصاص الحكم بصورة الجهل بسبق الثيبوبة لا مطلقا. * (الثالثة: لا يرد العبد) * ولا الأمة * (بالإباق الحادث عند المشتري) * بلا خلاف، للأصل، والمعتبرين: أحدهما الصحيح: ليس في إباق العبد عهدة (2). ونحوه الثاني الموثق، لكن بزيادة: إلا أن يشترط المبتاع (3). بحملهما عليه، جمعا بينهما (4) وبين الصحيح الصريح: في أنه يرد بالإباق عند البائع، وفيه بعد الحكم برد المملوك من احداث السنة، قال له محمد بن علي: فالإباق ؟ قال: ليس الإباق من هذا، إلا أن يقيم بينة أنه كان آبقا عنده (5). وهو المستند في قوله: * (ويرد ب‍) * الإباق * (السابق) * مضافا إلى الإجماع عليه في الجملة، وإطلاقه - كالعبارة وغيرها، وصريح جماعة (6) - الإكتفاء بالإباق السابق ولو مرة. خلافا لبعضهم، فقيده بالمعتاد ولو بمرة ثانية (7). ومستنده غير واضح، عدا الأصل، والشك في تسمية الإباق مرة


(1) السرائر 2: 204. (2) الوسائل 12: 422، الباب 10 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1. (3) الوسائل 12: 422، الباب 10 من أبواب أحكام العيوب الحديث 2. (4) في المخطوطات: بينه. (5) الوسائل 12: 411، الباب 2 من أبواب أحكام العيوب الحديث 2. (6) التذكرة 1: 538 س 40، وجامع المقاصد 4: 325. (7) الروضة 3: 499.

[ 272 ]

عيبا عادة. ويندفع الأول: بما مر. والثاني: بأن الرد لعل المستند فيه هو اطلاق النص، لا ثبوت كونه مرة من العيب. فإذا الإطلاق أظهر، وفاقا للأكثر. * (الرابعة: لو اشترى أمة لا تحيض في ستة أشهر فصاعدا ومثلها تحيض، فله الرد) * وفاقا للنهاية (1) والقاضي (2) وابن حمزة (3) والمتأخرين كافة، للصحيح: عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر وليس بها حبل، قال: إن كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد منه (4). و * (لأن ذلك لا يكون إلا لعارض) * غير طبيعي فيكون عيبا. خلافا للحلي، فلا ترد (5). وهو شاذ. والدليلان سيما الثاني عليه حجة، ومقتضاه - بل الأول أيضا، كما قيل (6)، ولعله غير بعيد - أنه لا يعتبر في ثبوت عيب الحيض مضي ستة أشهر، كما في العبارة وعبارة جماعة، بل يثبت بمضي مدة تحيض فيها ذوات أسنانها في تلك البلاد (7). ومنه ينقدح الوجه فيما ذكره بعض الأصحاب (8)، من أن عدم تحيض الحديثة البلوغ في المدة المزبورة ليس عيبا يوجب الرد بالبديهة، فإن أمثالها


(1) النهاية 2: 161. (2) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 175. (3) الوسيلة: 256. (4) الوسائل 12: 413، الباب 3 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1. (5) السرائر 2: 305. (6) قاله صاحب الحدائق 19: 103. (7) القائل الشهيد الثاني في الروضة 3: 499. (8) مجمع الفائدة 8: 445.

[ 273 ]

لم يحضن فيها غالبا في العادة. ويمكن أن ينزل على ذلك عبارة المتن والجماعة. * (الخامسة: لا يرد البزر) * بفتح الباء وكسر ها، حب يؤخذ منه دهن، يقال له: دهن الكتان، كأنه بتقدير مضاف، أي دهن البزر، ويطلق على الدهن، كما عن الصحاح (1). * (والزيت بما يوجد فيه من الثفل (2) المعتاد) * بضم المثلثة، هو والثافل ما استقر من كدرة تحت المائع، والأصل في الحكم - بعد الإجماع على الظاهر - الأصل، والعمومات السليمة عن المعارض. أما بناء على أن مثله ليس عيبا، أو لاقتضاء طبيعة الدهن كون ذلك فيه غالبا، فيجري مجرى علم المشتري بالعيب المسقط للرد، كما مضى، ويأتي. * (نعم لو خرج) * بالكثرة * (عن) * القدر الذي جرت به * (العادة جاز رده) * لكونه حينئذ عيبا بالضرورة عرفا وعادة. لكن الرد مشروط بما * (إذا لم يعلم) * وأما معه فلا رد، بلا خلاف فيه وفيما مضى، استنادا فيهما إلى قواعد العيب المتقدمة نفيا وإثباتا. ولا يشكل صحة البيع مع زيادته عن المعتاد بجهالة قدر المبيع المقصود بالذات فيجهل مقدار ثمنه، لأن مثل ذلك غير قادح مع معرفة مقدار الجملة، كما في معرفة مقدار السمن بظروفه جملة، من دون العلم بالتفصيل. وعلى التفصيل في العبارة يحمل بعض المعتبرة، كالحسن كالصحيح، بل الصحيح على الصحيح: إن كان المشتري يعلم أن الدردي يكون في الزيت فليس عليه رده، وإن لم يكن يعلم فله رده (3). * (السادسة: لو تنازعا في) * شئ من مسقطات الخيار، ك‍ * (التبري من


(1) الصحاح 2: 589. (2) في المتن المطبوع: التفل. (3) الوسائل 12: 418، الباب 7 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1.

[ 274 ]

العيب) * ونحوه، فقال: بعتك بالتبري مثلا فقال: لا * (فالقول قول منكره مع يمينه) * بلا خلاف يعرف، للأصل المجمع عليه فتوى ورواية: البينة على المدعي واليمين على من أنكر (1). والخبر الوارد بخلافه هنا (2)، مع ضعفه بالمكاتبة، وعدم وضوح الدلالة، وقرب احتمال اجتماعه - نظرا إلى السياق - مع القاعدة شاذ، لا يلتفت إليه البتة. * (السابعة: لو ادعى المشتري تقدم العيب) * المتحقق وأنكره البائع * (ولا بينة) * للمشتري * (فالقول قول البائع مع يمينه) * على القطع بعدم العيب عنده، مع اختباره المبيع قبل البيع، واطلاعه على خفايا أمره قولا واحدا، وعلى نفي العلم به مع العدم، وفاقا للتذكرة (3)، عملا بأصالة التقدم، فعلى المشتري الإثبات بالبينة. وقيل: على القطع بالعدم كالأول (4)، عملا بأصالة العدم، واعتمادا على ظاهر السلامة. والأصل فيه الأصل المتقدم * (ما لم يكن هناك (5) قرينة حال) * قطعية * (تشهد لأحدهما) * كزيادة الإصبع واندمال الجرح مع قصر زمان البيع، بحيث لا يحتمل التأخر في العادة، فيحكم للمشتري، أو طراوة الجرح مع تطاول زمان البيع، فيحكم للبائع من دون يمينه. * (الثامنة) * في كيفية أخذ الأرش، وهو أن * (يقوم المبيع صحيحا ومعيبا ويرجع المشتري على البائع بنسبة ذلك) * التفاوت * (من الثمن) * لانفس تفاوت المعيب والصحيح، لأنه قد يحيط بالثمن أو تزيد عليه فيلزم أخذ


(1) الوسائل 18: 215، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم الحديث 3. (2) الوسائل 12: 420، الباب 8 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1. (3) التذكرة 1: 541 س 9. (4) المبسوط 2: 133. (5) في المتن المطبوع: ما لم يكن هنا.

[ 275 ]

العوض والمعوض، كما إذا اشتراه بخمسين وقوم معيبا بها وصحيحا بمائة أو أزيد، وعلى اعتبار النسبة يرجع في المثال بخمسة وعشرين، وعلى هذا القياس. * (ولو) * تعدد القيم بأن * (اختلف أهل الخبرة) * أو اختلفت قيمة أفراد ذلك النوع المتساوية للمبيع، فإن ذلك قد يتفق على الندرة، والأكثر - ومنهم المصنف (1) - عبروا [ عن ذلك ] (2) باختلاف أهل الخبرة * (رجع إلى القيمة الوسطى) * المتساوية النسبة إلى الجميع المنتزعة منه نسبتها إليه بالسوية، فمن القيمتين يؤخذ نصفها ومن الثلث ثلثها ومن الأربع ربعها وهكذا. وضابطه: أخذ قيمة منتزعة من المجموع نسبتها إليه كنسبة الواحد إلى تلك القيم، وذلك لانتفاء الترجيح. وطريقه أن يجمع القيم الصحيحة على حدة، والمعيبة كذلك، وتنسب إحداهما إلى الاخرى، ويؤخذ بتلك النسبة. ولا فرق بين اختلاف المقومين في قيمته صحيحا ومعيبا وفي إحداهما. وقيل: ينسب معيب كل قيمة إلى صحيحها ويجمع قدر النسبة ويؤخذ من المجتمع بنسبتها، وفي الأكثر يتحد الطريقان، وقد تختلفان في يسير (3). * (التاسعة: لو حدث العيب بعد العقد وقبل القبض كان للمشتري الرد) * بلا خلاف فيه. * (وفي) * جواز الأخذ * (الأرش) * بعد الإمضاء مع التراضي، استنادا في الأول إلى حديث نفي الضرر (4)، وفي الثاني إلى كونه أكل مال بالتراضي. وفي ثبوت أخذ الأرش مع العدم، كما في العيب السابق * (قولان، أشبههما) *


(1) الشرائع 2: 38. (2) لم يرد في المخطوطات. (3) الظاهر أن القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 478. (4) الوسائل 17: 376، الباب 1 من أبواب موانع الارث الحديث 10.

[ 276 ]

وأشهرهما بين المتأخرين، وفاقا للنهاية (1) والتقي (2) والقاضي (3) * (الثبوت) *. لفحوى ما دل على كون تلف المبيع قبل القبض من البائع، فكون تلف الجزء أو الوصف قبله منه بطريق أولى. ولإطلاق الصحيح، بل عمومه: في رجل اشترى من رجل عبدا أو دابة وشرط يوما أو يومين فمات العبد أو نفقت الدابة وحدث فيه حدث على من الضمان ؟ قال: لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع له (4). فإن إطلاق الحدث فيه، بل عمومه الناشئ عن ترك الإستفصال يشمل النقص في المبيع بجزء منه أو صفة، وقد نفى ضمانه عن المبتاع، وهو يستلزم الضمان على البائع، إذ لا واسطة. خلافا للمبسوط (5) والخلاف (6) مدعيا عليه الوفاق وتبعه الحلي (7)، فنفيا الثبوت واقتصرا على الرد والإمساك، للأصل النافي للارش، مع عدم الموجب له سوى الضرر المندفع بخيار الرد. ويندفع الإجماع بالوهن، كيف ! ولم يوجد بما ادعاه قائل سواه، والأخيران بما مر من الدليلين. ولكن قد يمنعان. فالأول: بمنعه، بناء على وجود الفارق بين المقيس والمقيس عليه من انتفاء الضرر على البائع في المقيس عليه، لأن التلف فيه موجب لبطلان البيع، الموجب للتسلط على استرداد الثمن خاصة، وثبوته في الثاني، لعدم رضى البائع ببذل العين إلا في مقابلة تمام الثمن.


(1) النهاية 2: 162. (2) الكافي في الفقه: 358. (3) المهذب 1: 396. (4) راجع الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار الحديث 2 وذيله، والفقيه 3: 202، الحديث 3763. (5) المبسوط 2: 127. (6) الخلاف 3: 109، المسألة 178. (7) السرائر 2: 305.

[ 277 ]

فأخذ المبيع منه ببعضه من غير رضى منه تجارة عن غير تراض، محرم بالكتاب والسنة. ولا ينتقض بأخذ الأرش في العيب السابق على العقد، مع ورود دليل المنع فيه أيضا، لمنع الورود على الإطلاق، لعدم تسليمه فيما إذا علم البائع بالعيب، فقد يكون الوجه في أخذ الارش منه المقابلة له بمقتضى التقرير (1) وإقدامه على الضرر، ولا كذلك محل الفرض، ويسلم في صورة الجهل. ولكن يدفع النقض فيها بالإجماع، وهو كاف في رد دليل المنع، مضافا إلى النصوص إن تمت (2) في الدلالة على جواز أخذ الأرش. فتأمل. والثاني: أولا: بمتروكية الظاهر عند المستدل، من حيث الدلالة على عدم انتقال الملك بمجرد العقد والتوقف على انقضاء الشرط، وهو متحاش عنه باليقين. وثانيا: بضعف الدلالة. أولا: بشهادة السياق بكون المراد من الحدث ما هو من قبيل الموت المترتب عليه تلف الجملة. وثانيا: - وهو العمدة - بعدم الدلالة على مشروطية تعلق الضمان على البائع بكون الحدث قبل القبض، بل غايته الدلالة على تعلقه عليه قبل انقضاء زمان الخيار، وهو أعم من الأول، فقد ينقضي الخيار قبله، بل مفهومه حينئذ كون الضمان على المبتاع في هذه الصورة، وهو ضد المطلب في الجملة، وإن دل عليه المنطوق كذلك. وإتمامه بالإجماع المركب ليس بأولى من العكس في المفهوم. فهذا القول لعله لا يخلو عن قوة، سيما مع اعتضاده بالإجماع المتقدم وإن لم يكن بنفسه - لما مر - حجة مستقلة. ولكن مع ذلك لا تخلو المسألة


(1) في بعض المخطوطات: التغرير. (2) في المطبوع بدل " إن تمت ": السالمة.

[ 278 ]

عن شبهة. فالإحتياط فيها لا يترك ألبتة. * (وكذا لو قبض المشتري بعضا) * من المبيع * (وحدث) * عيب * (في البواقي كان الحكم) * المتقدم * (ثابتا فيما لم يقبض) * منه، فله الخيار بين الرد والإمضاء مع أخذ الأرش، بلا إشكال في الثاني، للدليل المتقدم بعد فرض التمامية. وكذا في الأول إن أراد بالمردود مجموع المبيع للدليل المتقدم، وعلى إشكال فيه إن أراد به خصوص المعيب، كما هو ظاهر سياق العبارة لاستلزام رده خاصة تبعض الصفقة، الموجب للضرر على البائع المنفي في الشريعة فتوى ورواية. فإذا الأقوى عدم جواز رده خاصة، بل إما الجميع، أو امساكه بتمام الثمن، أو مع الارش على اختلاف القولين.

[ 279 ]

* (الفصل الخامس) * * (في الربا) * وقد يقلب واوه ألفا في اللغة، وهو الزيادة، قال الله سبحانه: " فلا يربوا عند الله " (1). وشرعا بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع (عليه السلام) أو في العادة بالآخر، مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكما، أو إقراض أحدهما معها مطلقا، وإن لم يكونا مقدرين بالأمرين إذا لم يكن باذل الزيادة حربيا، ولم يكن المتعاقدان والدا مع ولده، ولا زوجا مع زوجته. وربما يبدل البيع بمطلق المعاوضة، ولا يخلو عن قوة، وفاقا للطوسي (2) والقاضي (3) وفخر الدين (4) والشهيدين (5) والمحقق الشيخ علي (6) وغيرهم، لإطلاق الكتاب والسنة. فمنها - زيادة على ما يأتي إليه الإشارة -: الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة.


(1) الروم: 39. (2) المبسوط 2: 308. (3) لم نعثر عليه. (4) الايضاح 2: 104. (5) الدروس 3: 328، والروضة 4: 180. (6) جامع المقاصد 4: 266.

[ 280 ]

ففي الصحيح: الحنطة والشعير رأسا برأس، لا يزداد واحد منهما على الآخر (1). وفيه: الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به (2). ونحوه آخر (3). وفيه: كان علي (عليه السلام) يكره أن يستبدل وسقين من تمر المدينة بوسق من تمر خيبر (4). وفيه: عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها مشقق، فقال: هذا مكروه، فقال أبو بصير: لم يكره ؟ فقال: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، ولم يكن (عليه السلام) يكره الحلال (5). إلى غيرذلك من النصوص، المؤيد إطلاقها بعموم بعضها الناشئ من ترك الإستفصال، كالأخير، والموثق كالصحيح على الصحيح، بل ربما عد من الصحيح: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير ؟ قال: لا يجوز إلا مثلا بمثل (6). وبصريح الصحيح: عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام فيقاطعه على أن يعطي صاحبه لكل عشرة اثني عشرة دقيقا، فقال: لا، فقلت: فالرجل يدفع السمسم الى العصار ويضمن له لكل صاع أرطالا مسماة، قال: لا (7).


(1) الوسائل 12: 438، الباب 8 من أبواب الربا الحديث 3. (2) الوسائل 12: 440، الباب 9 من أبواب الربا الحديث 4. (3) الوسائل 12: 440، الباب 9 من أبواب الربا الحديث 5. (4) الوسائل 12: 447، الباب 15 من أبواب الربا الحديث 3. (5) الوسائل 12: 447، الباب 15 من أبواب الربا الحديث 1. (6) الوسائل 12: 438، الباب 8 من أبواب الربا الحديث 2. (7) الوسائل 12: 440، الباب 9 من أبواب الربا الحديث 3.

[ 281 ]

خلافا للحلي (1) والماتن في الشرائع (2) في هذا الكتاب والفاضل في الإرشاد (3) والقواعد (4) فيه، فخصوه بالبيع، اقتصارا فيما خالف الأصل على المجمع عليه، وحملا للإطلاق على الفرد المتبادر، وليس إلا البيع. وضعف الجميع بما ذكرناه ظاهر، مع رجوع الفاضلين عنه إلى المختار في كتاب الصلح (5). ومع ذلك هو أحوط باليقين. * (وتحريمه معلوم من الشرع) * المبين قال الله سبحانه: " أحل الله البيع وحرم الربا " (6)، وقال: " يمحق الله الربوا ويربي الصدقات " (7)، وقال: " الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " (8). والنصوص به - زيادة على ما مر - مستفيضة. وهو من أعظم الكبائر * (حتى أن الدرهم منه أعظم من سبعين زنية) * بذات المحرم، كما في الصحيح (9). وفيه: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه فيه سواء (10). ونحوه الخبر الآخر اللاعن لهؤلاء، وزيادة المشتري والبائع (11). وفي الموثق كالصحيح: في آكل الربا، لأن أمكنني الله عزوجل لأضربن عنقه (12).


(1) السرائر 2: 254. (2) الشرائع 2: 43. (3) الارشاد 1: 377. (4) القواعد 1: 140 س 14. (5) الشرائع 2: 121، والقواعد 1: 184 س 19. (6) البقرة: 275. (7) البقرة: 276. (8) البقرة: 275. (9) الوسائل 12: 422، الباب 1 من أبواب الربا الحديث 1. (10) الوسائل 12: 429، الباب 4 من أبواب الربا الحديث 1. (11) الوسائل 12: 430، الباب 4 من أبواب الربا الحديث 2. (12) الوسائل 12: 428، الباب 2 من أبواب الربا الحديث 1.

[ 282 ]

وفي الخبر: أخبث المكاسب كسب الربا (1). * (ويثبت في كل مكيل أو موزون) * في زمان صاحب الشريعة ان عرفا فيه مطلقا وإن لم يقدر بهما عندنا بلا خلاف، كما في المبسوط (2). وإن لم يعرفا فيه فالمتجه دوران الحكم معهما حيث دارا نفيا وإثباتا مطلقا، وفاقا للمبسوط (3) والقاضي (4) والمختلف (5) بل كافة المتأخرين، التفاتا إلى الأصل في الجملة، وأن كل بلد لهم عرف خاص، فينصرف إطلاق الخطاب إليه ألبتة. خلافا للنهاية (6) والديلمي (7)، فأدارا الحكم معهما إثباتا خاصة، بحيث لو كان في بلد كان المقدر بهما فيه ربويا مطلقا، حتى في البلدان التي لم يقدر بهما. وللمفيد (8) والحلي (9)، فالتفصيل بين تساوي البلدان المقدرة بهما وغيرها في الغلبة فالثاني، وتفاوتها بها فالأغلب. ومستندهما غير واضح، سوى الإطلاق في الأول. ويضعف بما مر، مع معارضته بالإطلاق الثاني للربا فيما لم يقدر بهما. والترجيح لابد له من دليل قطعا، وإلا فاللازم الرجوع إلى حكم الأصل جدا. والاحتياط لا يصلح دليلا في نحو المقام أصلا. وكيف كان، فثبوت الحكم في كل مقدر بهما تقديرا يشترط في بيعه * (مع) * اتحاد * (الجنسية) * مجمع عليه بين أصحابنا، كما في الغنية (10)


(1) الوسائل 12: 423، الباب 1 من أبواب الربا الحديث 2. (2 و 3) المبسوط 2: 90. (4) المهذب 1: 363. (5) المختلف 5: 98. (6) النهاية 2: 122. (7) المراسم: 179. (8) المقنعة: 604. (9) السرائر 2: 263. (10) الغنية: 224.

[ 283 ]

والسرائر (1) والقواعد (2) وغيرها من كتب الأصحاب، مضافا إلى إطلاق الكتاب والسنة، وخصوص المعتبرة المستفيضة الآتية في الباب، وهي مابين مثبتة للربا في ذلك من دون تعرض لنفيه عما دونه، ونافية له عنه أيضا. كالموثق كالصحيح: لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن (3). والموثق: كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به بأس اثنين بواحد (4). ويستفاد منه اشتراط اتحاد الجنسية، مضافا إلى الإجماع عليه في الجملة. وسيأتي تمام الكلام فيه في بيع العروض المختلفة فيها نسيئة. والمراد بالجنسية هنا الحقيقة النوعية باصطلاح أهل المنطق، فإنه يسمى جنسا بحسب اللغة. * (وضابط الجنس) * المستفاد من العرف واللغة والشرع بالإجماع * (ما يتناوله اسم خاص، كالحنطة بالحنطة والارز بالارز) *. ويستثنى منه الشعير، بناء على اقتضاء الضابط عدم مجانسته مع الحنطة، لعدم تناول اسم أحدهما للآخر، فيعد هنا جنسا واحدا على الأشهر الأظهر، كما يأتي إليه وإلى الخلاف فيه الإشارة. فمقتضى الضابط عدم دخول السلت والعلس في الحنطة والشعير، لمغايرة الإسم، إلا إذا ثبت الإتحاد بنحو من اللغة والعرف أو الشرع، فيدخل كالشعير. * (و) * مما مر يظهر أنه * (يشترط في) * جواز * (بيع المثلين) * المتجانسين المقدرين بأحد التقديرين * (التساوي في القدر) * والحلول.


(1) السرائر 2: 253. (2) القواعد 1: 140 س 12. (3) الوسائل 12: 434، الباب 6 من أبواب الربا الحديث 3. (4) الوسائل 12: 448، الباب 16 من أبواب الربا الحديث 3.

[ 284 ]

* (فلو بيع بزيادة حرم نقدا ونسيئة) * إجماعا فيه * (و) * في أنه * (يصح متساويا يدا بيد، و) * أنه * (يحرم نسيئة) * (1) لأن للأجل قسطا من الثمن عرفا وشرعا إجماعا. وفي الصحيح: لا تبع الحنطة بالشعير إلا يدا بيد (2). وفي الخبر: إنما الربا في النسيئة (3). نعم في المختلف حكى الخلاف عن الخلاف في الأخير فقال: بالكراهة، إلا أنه حملها على الحرمة، معتذرا بغلبة إطلاقها عليها في كلامه، ومع ذلك نفى الخلاف في عنوان البحث عن الحرمة، عازيا لقول الخلاف إلى الشذوذ (4). وهو مشعر بالإجماع عليها، كما ترى. ولا يضر في الزيادة العينية نحو عقد التبن والزوان اليسير، الذي جرت به العادة في أحد العوضين دون الآخر أو زيادة عنه، لأن ذلك لا يقدح في إطلاق المثلية والمساواة قدرا عرفا وعادة، ولو خرج عن المعتاد ضر بالضرورة. * (ويجب إعادة الربا) * على المالك * (مع العلم بالتحريم) * حين المعاوضة، بلا خلاف في الظاهر، وقد حكي. وهو الحجة، مضافا إلى نص الآية: " فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " (5)، وغيرها من الآيات الاخر الناصة هي كالروايات بحرمة الربا، التي هي الزيادة لغة، الموجبة لعدم الملكية، فيلزم الرد مع معرفتها قدرا ومعرفة الصاحب بالضرورة، والنصوص الآتية


(1) عبارة " ويصح متساويا يدا بيد ويحرم نسيئة " جعلت في النسخ من المتن، ولا توجد في المتن المطبوع. (2) الوسائل 12: 439، الباب 8 من أبواب الربا الحديث 8. (3) سنن ابن ماجة 2: 758، الحديث 2257. (4) المختلف 5: 86. (5) البقرة: 279.

[ 285 ]

مصرحة بذلك أيضا تنفع المقام نصا أو فحوى. فتأمل جدا. * (فإن جهل صاحبه) * جهلا أوجب اليأس عنه * (وعرف) * مقدار * (الربا) * مفصلا كالربع والثلث كان له حكم المال المجهول المالك المشار إليه بقوله: * (تصدق به) * عنه. ولو علم قدره جملة لا تفصيلا، قيل: فإن إليه بقوله: * (تصدق به) * عنه. ولو علم قدره جملة لا تفصيلا، قيل: فإن علم أنه يزيد عن الخمس خمسه وتصدق بالزائد ولو ظنا، ويحتمل قويا كون الجميع صدقة، ولو علم نقصانه عنه اقتصر على ما تيقن به البراءة صدقة على الظاهر، وخمسا في وجه، وهو أحوط (1). * (وإن) * انعكس ف‍ * (عرفه) * ولو في جملة قوم منحصرين * (وجهل) * مقدار * (الربا) * أصلا * (صالح) * الصاحب * (عليه) * ولا خمس هنا. فإن أبى عن الصلح فعن التذكرة دفع إليه خمسه إن لم يعلم زيادته أو ما يغلب على ظنه إن علم زيادته أو نقصه، لأن هذا القدر جعله الله مطهرا للمال (2). وفيه نظر. والأحوط وجوب دفع ما يحصل به يقين البراءة. قيل: ويحتمل الإكتفاء بدفع ما يتيقن انتفاؤه عنه (3). وهو ضعيف. * (وإن مزجه بالحلال وجهل المالك والقدر تصدق بخمسه) * على السادة، على الأظهر الأشهر بين الطائفة، للنصوص المتقدمة هي والبحث في المسألة في كتاب الخمس فليطلب التحقيق ثمة، إلا أن النصوص الآتية الواردة في بيان الحاجة خالية عن ذكر الخمس بالمرة، بل ظاهرة في حل الجميع بالكلية من دون ريبة، ولكن لم يعمل بها إلا نادر من الطائفة، ومع ذلك


(1) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 2: 67. (2) التذكرة 1: 253 س 17. (3) القائل هو السبزواري في الذخيرة: 484 س 29.

[ 286 ]

فظاهر سياقها صورة الجهل بالحرمة خاصة. فالعمل بالنصوص المتقدمة في بحث الخمس العامة لنحو المسألة أقوى البتة. * (ولو جهل التحريم) * حين المعاوضة ثم علم به وتاب واستغفر ربه * (كفاه الانتهاء) * عنه والتوبة. فلا يجب عليه شئ من الامور المزبورة في الصورة المذكورة، وفاقا لجماعة كالمقنع (1) والنهاية (2)، للأصل، واختصاص أدلة حرمة الربا والزيادة من الكتاب والسنة بحكم التبادر وقاعدة التكليف، والنصوص الآتية بالصورة السابقة، مضافا إلى انسحاب الحكم بعدم الوجوب في حالة الجهل إلى حال الانكشاف والمعرفة، عملا باستصحاب الحالة السابقة. وظاهر قوله سبحانه: " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف (3) " المفسر به في ظاهر كلام الطبرسي (4) بقوله: معناه ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي ولا يلزمه رده (5). فتأمل. وظاهر النصوص كالصحيح: فيمن أراد الخروج عن الربا: مخرجك من كتاب الله تعالى " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله "، والموعظة التوبة (6). وأظهر منه الصحيح المروي عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى ونحوه الرضوي: أن رجلا أربى دهرا من الدهر فخرج قاصدا إلى أبي جعفر (عليه السلام) - يعني الجواد (عليه السلام) - فقال: له مخرج من كتاب الله تعالى، يقول الله: " فمن


(1) لم نعثر عليه في المقنع، بل الموجود فيه العكس، لكن نقله عنه العلامة في المختلف 5: 78. (2) النهاية 2: 117. (3) البقرة: 275. (4) في " م ": الطوسي. (5) مجمع البيان 2: 390. (6) الوسائل 12: 432، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 7.

[ 287 ]

جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف "، والموعظة هي التوبة لجهله بتحريمه ثم معرفته به فما مضى فحلال وما بقي فليستحفظ (1). خلافا للحلي (2) وكثير من المتأخرين (3)، فأوجبوا الرد. عملا بآية " فلكم رؤوس أموالكم " (4)، وسياقها ظاهر في صورة العلم بالحرمة. وحملا للآية السابقة، والخبرين - في أحدهما: قد وضع ما مضى من الربا أو حرم ما بقي، فمن جهله وسعه جهله حتى يعرفه (5)، وقريب منه الثاني - على العود إلى الذنب بمعنى سقوطه بالتوبة (6)، أو ما كان من الربا في زمن الجاهلية (7). وهو ضعيف، بعد ما مر من الأدلة، وما سيأتي إليه الإشارة من المعتبرة. وللاسكافي، فإن كان معروفا رده على صاحبه وتاب إلى الله تعالى، وإن اختلط بماله حتى لا يعرفه أو ورث مالا يعلم أن صاحبه كان يربي ولا يعلم الربا بعينه فيعزله جاز له أكله والتصرف إذا لم يعلم الربا (8). ولا يخلو عن قوة، للمعتبرة: منها الصحيح في الذي قال: إني ورثت مالا وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، وقد اعترف أن فيه ربا واستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، فقد سألت الفقهاء من أهل العراق والحجاز فقالوا:


(1) الوسائل 12: 433، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 10، ولم نعثر عليه في فقه الرضا، ولكن نقله عنه البحار 103: 117. (2) السرائر 2: 251. (3) جامع المقاصد 4: 281، والحدائق 19: 217. (4) البقرة: 279. (5) الوسائل 12: 431، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 3. (6) الوسائل 12: 431، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 2. (7) الوسائل 12: 433، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 8. (8) المختلف 5: 78.

[ 288 ]

لا يحل أكله من أجل ما فيه. فقال له أبو جعفر (عليه السلام): إن كنت تعلم أن فيه مالا معروفا ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك، وإن كان مختلطا فكله هنيئا، فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه، ووجب عليه فيه العقوبة إذا ارتكبه، كما يجب على من أكل الربا (1). ونحوه الصحيح الآخر، وفيه زيادة على ما مر: وأيما رجل أفاد مالا كثيرا فيه الربا فجهل ذلك ثم عرفه فأراد أن ينزعه، فما مضى فله ويدعه فيما يستأنف (2). ونحوهما غيرهما (3). إلا أن سياقها - كما ترى - بالدلالة على المختار أولى، من حيث تعليل حل أكل الربا المختلط بوضع الرسول ما مضى منه، وهو كالصريح في أن المراد بما مضى نفس الربا في حالة الجهل (4). ومنه يظهر صحة تفسير الآية بما قدمناه، كما هو أيضا ظاهرها. وبالجملة: الدلالة على الحل في غاية الوضوح جدا. فحمل الأمر بالرد مع التميز والعزل [ مطلقا ] (5) لذلك على الاستحباب غير بعيد. والجمع بحمل الأمر على ظاهره وتقييد الأدلة المتقدمة الدالة على إطلاق الإباحة بصورة الخلط وإن أمكن، إلا أن عدم التكافؤ بكثرتها


(1) الوسائل 12: 431، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 3، وفيه اختلاف يسير. (2) الوسائل 12: 431، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 2. (3) الوسائل 12: 432، الباب 5 من أبواب الربا الحديث 4 و 5. (4) في " م " زيادة: به لذلك، وفي " ق، ش ": مطلقا. (5) لم يرد في بعض المخطوطات.

[ 289 ]

واعتضادها بفتوى جماعة وظهور سياق المعتبرة المتضمنة للأمر المزبور في عموم الإباحة حتى لصورة التميز والمعرفة أوجب أولوية صرف الأمر عن ظاهره إلى الإستحباب، وإن كان العمل بظاهره أحوط، وأحوط منه القول الثاني. * (وإذا اختلفت أجناس العروض) * الربوية، أي المكيلة والموزونة فبيعت إحداهما بمخالفها منها في الجنسية * (جاز التفاضل) * إذا بيعت * (نقدا) * إجماعا، كما في المختلف (1) والروضة (2) وغيرهما من كتب الجماعة، للأصل، والأدلة الآتية. * (وفي النسيئة قولان، أشبههما) * وأشهرهما بين المتأخرين (3)، بل مطلقا - كما في المسالك (4)، بل لعله عليه عامتهم - الجواز مع * (الكراهة) * وفاقا للمبسوط (5) والحلي (6) والنهاية (7) وابن حمزة (8) وابن زهرة مدعيا على الكراهة إجماع الطائفة (9). استنادا في الأول إلى الأصل، والعمومات، والنبوي المشهور [ بل المجمع عليه كما في السرائر (10) ] (11): إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم (12)، المعتضد بعد الشهرة بعموم كثير من المعتبرة، الدالة عليه منطوقا، كما في بعض، كالمعتبرين. أحدهما الصحيح: يكره قفيز لوز بقفيزين، وقفيز تمر بقفيزين، ولكن


(1) المختلف 5: 86. (2) الروضة 3: 445. (3) الروضة 3: 446، وكفاية الأحكام: 98 س 8. (4) المسالك 3: 322. (5) المبسوط 2: 89. (6) السرائر 2: 256. (7) النهاية 2: 120. (8) الوسيلة: 253 و 254. (9) الغنية: 225. (10) السرائر 2: 256. (11) مابين المعقوفتين اثبتناه من نسخة " ق، ش ". (12) صحيح مسلم 3: 1211، الحديث 81.

[ 290 ]

صاع من حنطة بصاعين من تمر، وصاع من تمر بصاعين من زبيب (1). وثانيهما الموثق: عن الطعام والتمر والزبيب، فقال: لا يصلح شئ منها اثنان بواحد، إلا أن تصرفه إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس به اثنين بواحد وأكثر من ذلك (2). ومفهوما في آخر الموثق كالصحيح: كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد (3). خلافا للإسكافي (4) والعماني (5) والمفيد (6) والديلمي (7) والقاضي (8)، فمنعوا عنها، للحديث المشهور: إنما الربا في النسيئة (9). والصحيح: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الأشياء فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فإنه لا يصلح (10). ونحوه خبران آخران (11) في سندهما كالأول ضعف من وجوه، وكذا في دلالتهما - كالصحيح - قصور بعدم صراحة، بل ولا ظهور في المطلوب لو لم تكن بخلافه، والدلالة على الكراهة ساطعة النور، كما هو المشهور. وتزيد الحجة على الحديث الأول - زيادة على ما مر - بمتروكية المتن من حيث الدلالة على حصر الربا في النسيئة، ولا قائل به من الطائفة. وعلى تقديره، فليس الربا فيه مطلق الزيادة، بل بشرائطها المعتبرة، ومن


(1) الوسائل 12: 443، الباب 13 من أبواب الربا الحديث 3. (2) الوسائل 12: 443، الباب 13 من أبواب الربا الحديث 5. (3) الوسائل 12: 448، الباب 16 من أبواب الربا الحديث 3. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 86. (5) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 86. (6) المقنعة: 603. (7) المراسم: 179. (8) المهذب 1: 364. (9) سنن ابن ماجة 2: 758، الحديث 2257. (10) الوسائل 12: 442، الباب 13 من أبواب الربا الحديث 2. (11) الوسائل 12: 451 و 453، الباب 17 من أبواب الربا الحديث 9 و 14.

[ 291 ]

جملتها عند علمائنا - كما في المختلف - اتحاد الجنس (1)، وبه صرحت الصحيحة المتقدمة. هذا، مع احتمال وروده - كالروايات الثلاث الأخيرة - مورد التقية لكون المنع مذهب العامة، كما يلوح من الغنية (2)، ويؤيده مصير الإسكافي إليه (3). وفي الثاني: إلى الشبهة الناشئة من أدلة المنع المزبورة، سيما مع صحة بعضها، وقوة احتمال دلالة نفي الصلاحية على الحرمة، إما من حيث الصيغة، كما ادعاه بعض المشائخ الأجلة (4)، أو من حيث غلبة التعبير به وبلفظ " الكراهة " عن " الحرمة " في أحاديث الربا بلا شبهة، وقد مضى إلى بعضها الإشارة. مع التأيد بفتوى من تقدم من عظماء الطائفة، إلا أن المستفاد منها ليس سوى المنع عن خصوص الزيادة العينية، لا الحاصلة بمجرد النسيئة، ونحوها من الزيادات الحكمية. فالفتوى بانسحاب المنع فيها لا وجه له مطلقا، حرمة كان، أو كراهة، إلا أن المصير إلى الأخير، بناء على المسامحة في مثله غير بعيد. ثم كل ذا إذا كانت الأجناس المختلفة الربوية عروضا. فلو كانت أثمانا، أو ملفقا منهما اختلف الحكم فيهما بالمنع عن النسيئة في الأول مطلقا، كما يأتي، وبجوازها في الثاني كذلك إجماعا، كما في الغنية (5) والمختلف (6) والإيضاح (7) والروضة (8) والمهذب (9) وغيرها من


(1) المختلف 5: 87. (2) الغنية: 225. (3) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 86. (4) لم نعثر عليه في مضانه. (5) الغنية: 225. (6) المختلف 5: 86. (7) الايضاح 1: 474. (8) لم نعثر عليه في مظانه وإن نقله عنه صاحب مفتاح الكرامة 4: 505 و 506. (9) الظاهر انه المهذب البارع 2: 421، وليس فيه اجماع وان نقل عنه الاجماع صاحب مفتاح الكرامة 4: 505 و 506.

[ 292 ]

كتب الجماعة، لأنه إما سلف، أو نسيئة قد قام بجوازهما مطلقا - مضافا إلى ما مر - الأدلة القاطعة. * (والحنطة والشعير جنس واحد في الربا) * وإن اختلفا في غيره، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، نسيئة كانت، أو عينا، على الأشهر الأقوى، وفاقا للصدوق (1) والشيخين (2) والديلمي (3) والحلبي (4) وابن حمزة (5) والقاضي (6) وابن زهرة (7) مدعيا هو - كالطوسي - الإجماع عليه. وهو الحجة، مضافا إلى الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة، المعتضدة - بعد الخلو عما يصلح للمعارضة - بالشهرة العظيمة، القديمة والمتأخرة، التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها الآن إجماع في الحقيقة. وهي مابين صريحة في الحكم واتحاد الحقيقة، كالصحاح. منها: عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد إلا شعيرا أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد ؟ قال: لا، إنما أصلهما واحد (8). ومنها: لا يصلح، لأن أصل الشعير من الحنطة (9). ومنها: لا يجوز، إلا مثلا بمثل إن الشعير من الحنطة (10). ونحوها غيرها (11). وفي المرتضوي: إن الله أمر آدم (عليه السلام) أن ازرع مما اخترت لنفسك، وجاءه جبرئيل بقبضة من الحنطة، فقبض آدم على قبضة وحواء على


(1) الفقيه 3: 281، الحديث 4013. (2) المقنعة: 604، والنهاية 2: 120. (3) المراسم: 179. (4) الكافي في الفقه: 357. (5) الوسيلة: 253. (6) المهذب 1: 362. (7) الغنية: 224. (8) الوسائل 12: 438، الباب 8 من أبواب الربا الحديث 4. (9) الوسائل 12: 438، الباب 8 من أبواب الربا الحديث 1. (10) الوسائل 12: 438، الباب 8 من أبواب الربا الحديث 2. (11) الوسائل 12: 438، الباب 8 من أبواب الربا ذيل الحديث 2.

[ 293 ]

اخرى، فقال آدم (عليه السلام) لحواء: لا تزرعي أنت، فلم تقبل أمر آدم، فكلما زرع آدم جاء حنطة، وكلما زرعت حواء جاء شعيرا (1). وظاهرة في الحكم خاصة، ولكن تدل على الإتحاد في الحقيقة بضميمة القاعدة، المتفق عليها فتوى ورواية: أنه لا ربا إلا مع اتحاد الجنسية، مضافا إلى الروايات السابقة، وهي مستفيضة. منها الصحيح: الحنطة والشعير رأسا برأس، لا يزداد واحد منهما على الآخر (2). خلافا للإسكافي (3) والعماني (4) والحلي (5)، فجنسان، التفاتا إلى العرف واللغة والروايات (6) العامية: بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب، والبر بالشعير والشعير بالبر، كيف شئتم، يدا بيد (7). وفي السند ضعف، وفي الدلالة قصور. والأول حسن لولا الأدلة المتقدمة، ولذا يعدان جنسين في غير المقام، كالزكاة، فلا يجعلان نصابا، مع نقص كل منهما عنه إجماعا. ولا ينافيه الإتحاد حقيقة، كما يستفاد من الأخبار المتقدمة، فإن الأحكام الشرعية تابعة للأسامي اللغوية والعرفية، دون الحقائق النفس الأمرية. وإنما خرج المقام عن هذه القاعدة، تبعا للآثار الصحيحة المعصومية الحاكمة بحصول الربا فيه في الشريعة، مراعاة للحقيقة النفس الأمرية. ولا يجوز التعدي إلى غيره بالضرورة.


(1) علل الشرائع 2: 574، الحديث 2. (2) الوسائل 12: 438، الباب 8 من أبواب الربا الحديث 3. (3) كما في المختلف 5: 89. (4) كما في المختلف 5: 89. (5) السرائر 2: 254. (6) في " م، ه‍، ش ": والرواية. (7) صحيح مسلم 3: 1211، الحديث 81، نقلا بالمضمون.

[ 294 ]

* (وكذا ما يكون منهما، كالسويق، والدقيق، والخبز) * والهريسة، ونحوها جنس واحد إجماعا، كما عن التذكرة (1). وهو الحجة المؤيدة بعدم الخلاف بين الطائفة فيه * (و) * في أن * (ثمرة النخل) * بأنواعه * (وما يعمل منها) * كالدبس ونحوه * (جنس واحد) * في الربا، فلا يباع أحدهما بالآخر متفاضلا، لا نقدا، ولا نسيئة. * (وكذا ثمرة الكرم وما يكون منه) * كالدبس والعصير والبختج ونحوها جنس واحد، لا يجوز فيه ما ذكر، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة. منها الصحاح: في الحنطة بالدقيق، كما في إحداها (2) والموثق، والسويق بالدقيق، كما في الثاني بزيادة ما في الأول (3) أيضا، والبر بالسويق، كما في الثالث، مثلا بمثل لا بأس به (4). وفي الخبر - المنجبر قصور سنده بالشهرة ووجود ابن محبوب، الذي أجمعت على تصحيح ما يصح عنه العصابة -: ما ترى في التمر والبسر الأحمر مثلا بمثل ؟ قال: لا بأس به، قلت: فالبختج والعصير مثلا بمثل، قال: لا بأس به (5). وهي وإن اختصت بموارد مخصوصة، إلا أن أخبار اتحاد الحنطة مع الشعير المتقدمة ظاهرة في التعدية، وتأسيس ما عليه الأصحاب من القاعدة الكلية، وهي اتحاد كل فرع مع أصله، نظرا إلى تعليلها - مع صحتها واستفاضتها، كما مضى - المنع عن المفاضلة بينهما، بأن أصل الشعير من الحنطة، الدال على أن كل فرع له حكم أصله من حرمة المفاضلة.


(1) التذكرة 1: 479 س 27 و 28. (2) الوسائل 12: 440، الباب 9 من أبواب الربا. (3) الوسائل 12: 440، الباب 9 من أبواب الربا الحديث 4. (4) الوسائل 12: 440، الباب 9 من أبواب الربا الحديث 1. (5) الوسائل 12: 446، الباب 14 من أبواب الربا الحديث 5، وفيه " والعنب " بدل: والعصير.

[ 295 ]

فإن العلة المنصوصة يتعدى بها إلى ما عدا موردها وإن اختصت به الإضافة، على الأشهر الأظهر بين الطائفة، كما حقق مستقصى في الكتب الاصولية، مضافا الى التصريح بالكلية في بعض المعتبرة، المنجبر قصوره بالقطع والإرسال بالشهرة، وما مر من الأدلة. وفيه: ما كيل أو وزن مما أصله واحد فليس لبعضه فضل على بعض كيلا بكيل أو وزنا بوزن، فإذا اختلف أصل ما يكال فلا بأس به إثنان بواحد، ويكره نسيئة - إلى أن قال: - وما كان أصله واحدا وكان يكال أو يوزن فخرج منه شئ لا يكال ولا يوزن فلا بأس به يدا بيد، ويكره نسيئة، وذلك كالقطن والكتان فأصله يوزن وغزله يوزن وثيابه لا توزن، فليس للقطن فضل على الغزل، وأصله واحد، فلا يصلح إلا مثلا بمثل، فإذا صنع منه الثياب صلح يدا بيد والثياب لا بأس الثوبان بالثوب (1)، الحديث. وبما حققناه في المقام ينقدح وجه القدح في المناقشة التي أوردها بعض الأجلة على الأصحاب فيما ذكروه من القاعدة الكلية، من حيث عدم انضباطها على القوانين، من حيث إنه لا يصدق على كل اسم خاص، وأن له حقيقة واحدة، ولهذا لو حلف أن لا يأكل أحدهما لا يحنث بأكل الآخر، فيحتمل أن يكونا جنسين وجواز بيع أحدهما بالآخر ويكون كذلك، ويكون الشرط للكراهة مع عدمه، كما مر في سائر المختلفات. ويمكن أن يقال: إن الضابط أحد الأمرين: إما الاتفاق في الحقيقة، أو الاتحاد في الاسم، وهنا الأول [ تحقق ] (2)، ولم يتحقق الثاني، وفيه تأمل (3). وذلك فإن مرجع المناقشة إلى الشك في المراد من الجنس المشترط


(1) الوسائل 12: 452، الباب 17 من أبواب الربا الحديث 12. (2) لم يرد في المخطوطات. (3) هو المقدس الاردبيلي في مجمع الفائدة 8: 468.

[ 296 ]

اتحاده في الربا بين الربويين هل هو الحقيقة الأصلية خاصة وإن اختلفت أسماء أفرادها، أو أنه لابد من اتحاد في الاسم ؟ بناء على دوران الأحكام مدارها في جملة من المواضع بالضرورة. ولا وجه له بعد إمعان النظر فيما قدمناه من الأدلة الدالة على إرادة المعنى الأول بلا شبهة، وتكون هي المستثنية للمسألة من قاعدة دوران الأحكام مدار الاسمية، كما سلمه هو في المسألة السابقة بتلك النصوص الجارية هنا بمقتضى العلة المنصوصة. ولذا أن الحلي - المصر على إرادة المعنى الثاني في المسألة السابقة - وافق الأصحاب في المسألة، مدعيا في جملة من مواردها إجماع الطائفة. فلا وجه للمناقشة من هذه الحيثية، وكذا من الحيثية الاخرى التي ذكرها أيضا من قوله: أنه لا شك أن الحنطة إذا جعلت دقيقا تزيد، وهو ظاهر، ودلت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، وانطباق الوجه المذكور فيها على قواعدهم يحتاج إلى التأمل، فلا ينبغي صحة بيع أحدهما بالآخر متساويا أيضا، للزيادة كما في اليابس من جنس بآخر رطبا، مثل الرطب بالتمر والعنب بالزبيب، فلا ينبغي النظر إلى مثل هذه الزيادة في وقت آخر بتبديل وتغيير، مع أنه معتبر عندهم في الرطب والتمر (1). وذلك لاغتفار هذه الزيادة اتفاقا فتوى ورواية. ولعل الوجه فيه ما اشير إليه وإلى الإشكال الذي ذكره في الصحيحة المشار إليها في كلامه، فإن فيه ما تقول: في البر بالسويق ؟ فقال: مثلا بمثل لا بأس به، قلت: إنه يكون له ربع فيه فضل، فقال: أليس له مؤنة ؟ قلت: بلى، قال: هذا بهذا (2).


(1) مجمع الفائدة 8: 468. (2) الوسائل 12: 440، الباب 9 من أبواب الربا الحديث 1.

[ 297 ]

وحاصله أن اغتفار الزيادة إنما هو لأجل مؤنة الطحن، وليس بيع الرطب بالتمر اليابس على تقدير المنع عنه مثله بالبديهة، إذ لا مؤنة في يبس التمر. وهو فرق واضح بينهما، لا يشوبه شوب المناقشة أصلا. وبالجملة: لا وقع لأمثال هذه المناقشات فيما أسسته النصوص المعتبرة، واتفقت عليه كلمة الطائفة، وتعددت فيه الإجماعات المحكية. * (واللحوم) * كالألبان * (تابعة للحيوان في الإختلاف) * فلحم الضأن والمعز وكذا لبنهما جنس لشمول الغنم لهما، والبقر والجاموس ولبنهما جنس، وكذا العراب والبخاتي ولبنهما جنس [ واحد ] (1)، وهكذا بلا خلاف، بل في الغنية (2) وعن التذكرة (3) الإجماع عليه. وهو الحجة، مضافا إلى العرف واللغة فيما عدا الثاني. ولولاه هنا وفي بحث الزكاة لأمكن المناقشة فيه بالضرورة، لتغاير جنسهما عرفا وإن تجانسا لغة، كما حكي. ومنه يظهر الوجه في عدم تغاير الوحشي للأهلي، إلا أن ظاهر الأصحاب ذلك، وفي الغنية (4) والتذكرة (5) وغيرهما الإجماع عليه. * (و) * مما قدمناه من القاعدة الكلية يظهر الوجه فيما ذكروه من أن * (ما يستخرج من اللبن جنس واحد) * كالحليب والكشك والكامخ والزبد والسمن والجبن، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر بالتفاضل مع اتحاد جنس الحيوان، وعليه بالخصوص الإجماع في الغنية (6) والتذكرة (7). * (وكذا الأدهان تتبع ما تستخرج منه) * فدهن الغنم مخالف لدهن البقر،


(1) لم يرد في " م، ق، ه‍ ". (2 و 4 و 6) الغنية: 225. (3) التذكرة 1: 479 س 28. (5) التذكرة 1: 478 س 18. (7) التذكرة 1: 479 س 28.

[ 298 ]

فيجوز بيع أحدهما بالآخر مع التفاضل بالنقد والنسيئة، لكن في الأخير مع الكراهة، كما مرت إليه الإشارة. وكذا الخل تتبع اصولها فخل التمر مخالف لخل العنب، والطيور عندهم أجناس، فالحمام كله جنس على قول. وقيل: ما يختص من أنواعه بإسم فهو جنس مغاير (1). * (وما لا كيل ولا وزن) * ولا عد * (فيه، فليس بربوي، كالثوب بالثوبين والعبد بالعبدين) * فلا يمنع من التفاضل فيه نقدا إجماعا، كما في المختلف (2) وغيره من كتب الجماعة. وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، والعمومات السليمة عن المعارض، سوى إطلاقات الكتاب والسنة بحرمة الربا، وهي ليست باقية على ظواهرها من حرمة مطلق الزيادة، بل هي مقيدة ولو في الجملة بإجماع الطائفة، وبالمقدر بالتقديرين خاصة بالمعتبرة الآتية، المتفق عليها في الصورة المفروضة. * (وفي النسيئة خلاف) * وشبهة (3) * (والأشبه) * فيها عند المتأخرين كافة الجواز مع * (الكراهة) * وفاقا للصدوقين (4) والمبسوط (5) والحلي (6) وظاهر الغنية (7)، بل عن التذكرة الإجماع عليه (8). استنادا في الأول إلى ما مر، وإطلاق تلك المعتبرة، وهي مستفيضة. فمنها - مضافا إلى ما مضى في صدر الفصل من الموثقين، النافي ثانيهما للبأس [ قبل المتن منه المتقدم ] (9) عن البيضة بالبيضتين والثوب بالثوبين


(1) لم نعثر عليه، ونقل القيل صاحب كفاية الاحكام: 98 س 21. (2) المختلف 5: 87. (3) لم ترد في " م، ش، ه‍ ". (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 87، والمقنع: 125. (5) المبسوط 2: 89. (6) السرائر 2: 256. (7) الغنية: 226. (8) التذكرة 1: 477 س 15. (9) مابين المعقوفتين لم نتحقق معناه، ولعله حاشية خلطت بالمتن.

[ 299 ]

والفرس بالفرسين (1) - المعتبرة الاخر (2) المستفيضة: منها الموثق: لا بأس بالثوب بالثوبين (3). والخبران: أحدهما الموثق: عن الشاة والشاتين والبيضة والبيضتين، قال: لا بأس ما لم يكن كيلا أو وزنا (4). ونحوهما الرضوي، وزيد في آخره: لو أن رجلا باع ثوبا بثوبين أو حيوانا بحيوانين من أي جنس يكون لا يكون ذلك من الربا (5). وهي - مع اعتبار أسانيدها واستفاضتها واعتضادها بالشهرة العظيمة المتأخرة التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها إجماع في الحقيقة، مضافا إلى إجماع التذكرة - ما بين ظاهرة بحسب الإطلاق، كصريحة (6) بحسب حصر الربوي في المقدر بالتقديرين، ومع ذلك مخالفة لما عليه أكثر العامة، بل عامتهم، كما سيأتي إليه الإشارة، ومؤيدة بفحوى الأدلة المتقدمة، الدالة على جواز بيع أحد الربويين بالآخر مطلقا - ولو نسيئة - مع الإختلاف في الجنسية. وعليها يحمل استدلال الفاضل في المختلف (7) هنا بحديث: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم (8). وإلا فلا ربط (9) له ولا مدخلية إلا على تقدير تعميم المنع فيها لبيع نحو العبد بالثوبين.


(1) الوسائل 12: 448، الباب 16 من أبواب الربا الحديث 3. (2) في المطبوع: الأخيرة. (3) الوسائل 12: 448، الباب 16 من أبواب الربا الحديث 4. (4) الوسائل 12: 448، الباب 16 من أبواب الربا الحديث 1، والآخر: 450، الباب 17 من أبواب الربا الحديث 2. (5) فقه الرضا: 258، مع تفاوت يسير. (6) في المطبوع: صريحة. (7) المختلف 5: 88. (8) صحيح مسلم 3: 1211، الحديث 81، روي في مصادر حديثية كثيرة بالفاظ مختلفة. (9) في المطبوع: فلا وجه.

[ 300 ]

ولا تساعده الفتوى [ بالمنع ] (1) والرواية، لاختصاصهما بالمتجانسين خاصة، بل صرح بعض الصحاح الآتية بنفي البأس، مع الإختلاف في الجنسية. وكيف كان، فالأقوى الكراهة. خلافا لجماعة، كالإسكافي (2) والعماني (3) والمفيد (4) والخلاف (5) والنهاية (6)، لأخبار هي مع موافقتها للعامة - كما ذكره جماعة وأشعر به بعضها، كما سيأتي إليه الإشارة - ليست صريحة في المنع، بل ولا ظاهرة. لأنها ما بين مشعرة بالبأس مفهوما، كالصحيحين. في أحدهما: العبد بالعبدين والعبد بالعبد والدراهم، قال: لا بأس بالحيوان كله يدا بيد (7). وفي الثاني: بالعبد والدراهم، قال: لا بأس بالحيوان كله يدا بيد (7). وفي الثاني: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد لا بأس به (8). ومصرحة بلفظ الكراهة، كالصحيح: عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين، فقال: كره ذلك علي (عليه السلام) فنحن نكرهه، إلا أن يختلف الصنفان (9). وكل من البأس والكراهة أعم من الحرمة. ومع ذلك السكوت عن النسيئة في الأولين لعله للتقية، وبه يشعر بعض المعتبرة، كالصحيح: عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسيئة لا بأس به، ثم قال: خط على النسيئة (10).


(1) لم يرد في " م، ق، ش ". (2) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 88. (3) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 88. (4) المقنعة: 604. (5) الخلاف 3: 48، المسألة 67. (6) النهاية 2: 120. (7) الوسائل 12: 450، الباب 17 من أبواب الربا الحديث 6. (8) الوسائل 12: 450، الباب 17 من أبواب الربا الحديث 4. (9) الوسائل 12: 449، الباب 16 من أبواب الربا الحديث 7. (10) الوسائل 12: 451، الباب 17 من أبواب الربا الحديث 7، مع تفاوت.

[ 301 ]

وفي الفقيه بعد نقله زاد: لأن الناس يقولون: لا، وإنما فعل ذلك للتقية (1). وهذه الزيادة نص في ورود المنع على تقديره مورد التقية، كالسكوت والضرب على النسيئة. ولا يقدح احتمال كونها من الصدوق، لكونه من أهل الإطلاع والخبرة بمذاهب العامة، مسموعا حكايته لمثله بالبديهة، سيما بعد أن وافقه فيها من المتأخرين جماعة. والثالث: للإطلاق الشامل لصورة البيع نقدا متروك الظاهر جدا. وفي الثاني: إلى الشبهة الناشئة من الخلاف في المسألة سيما من هؤلاء الجماعة الذين هم عظماء الطائفة. واحتمال الذب عن ضعف الدلالة أولا: بثبوت المسامحة في أخبار الربا بالتعبير عن " الحرمة " بلفظ " البأس " و " الكراهة " و " نفي الصلاحية "، كما مضت إليه الإشارة. وثانيا: بصراحة الكراهة في الصحيحة الثالثة، من حيث نسبتها إلى علي (عليه السلام) في الحرمة، بعد ملاحظة كثير من المعتبرة الدالة: على أنه ما كان يكره إلا الحرام. والأصل والعمومات وإطلاق المعتبرة لا تبلغ قوة المعارضة لمثل هذه الصحيحة الصريحة، ولو بالضميمة المعتضدة بسابقتها من الصحيحتين، الظاهر في الدلالة بمعونة ما مر إليه الإشارة، مع احتمال كون المنع فيها عن النسيئة لأجلها من حيث هي هي، كما في الصرف، لا من حيث الربا. فلا معارضة بينها وبين ما دل من تلك المعتبرة على حصر الربا في المكيل والموزون، فتأمل.


(1) الفقيه 3: 280، الحديث 4010.

[ 302 ]

فلولا الشهرة العظيمة المتأخرة - المؤيدة بإجماع التذكرة (1)، ومخالفة العامة، والفحوى المتقدمة - لكان المصير إلى هذا القول لا يخلو عن قوة. ولعله لما ذكرناه احتاط به في الغنية (2)، وهو في غاية الجودة. * (وفي ثبوت الربا في المعدود) * فيحرم التفاضل فيه مع التجانس مطلقا نقدا ونسيئة * (تردد) *. ينشأ من إطلاق الكتاب والسنة بحرمة الربا، وهي في اللغة مطلق الزيادة، والنصوص المتقدمة المانعة عن بيع العبد بالعبدين والثوب بالثوبين. ومما مر من الجواب عنهما والمعارضة لهما بما هو أقوى منهما، من الأصل، والعمومات، والإجماعات المحكية الآتية، والمستفيضة. منها - زيادة على ما مر - الصحيح: لا بأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلا أو وزنا (3). والرضوي: الربا الذي لا يؤكل هو ما يكال أو يوزن (4). وصريح الخبر، المنجبر إرساله وقطعه بالعمل والموافقة لما مر، وفيه: وما عد عدا ولم يكل ولم يوزن فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد، ويكره نسيئة (5). ولا مكافأة لشئ من أدلة المنع لهذه بالضرورة، سيما أخبارها، لخروجها عما نحن فيه ظاهرا، فإن مواردها مما لا يقال له في العرف أنه يباع عدا. ولذا فرضها الأصحاب مسألة اخرى غير المسألة، وإن ظهر من جماعة - كبعض شراح الكتاب - اتحادهما، وليس كذلك (6) قطعا، مع أن جملة منها - بل أكثرها - مصرحة بجواز التفاضل يدا بيد، ولا يقول به المانعون.


(1) التذكرة 1: 477 س 15. (2) الغنية: 226. (3) الوسائل 12: 443، الباب 13 من أبواب الربا الحديث 3. (4) فقه الرضا: 258، مع تفاوت يسير. (5) الوسائل 12: 448، الباب 16 من أبواب الربا الحديث 2. (6) في المطبوع: كالماتن.

[ 303 ]

وكيف كان * (أشبهه) * أي الخلاف هنا وأشهره، بل عن الخلاف (1) والسرائر (2) ومجمع البيان (3) الإجماع عليه * (الإنتفاء) * رأسا، فيجوز بيع أحد المعدودين بالآخر مع التجانس والإختلاف مطلقا، وفاقا للعماني (4) والصدوقين (5) والشيخ (6) والقاضي (7) وكافة المتأخرين. خلافا للمفيد (8) والإسكافي (9) والديلمي (10). * (ولو بيع شئ في بلد كيلا أو وزنا (11) وفي بلد جزافا فلكل بلد) * دون أهله * (حكم نفسه (12)) * من الربا إن بيع بأحدهما، وعدمه إن بيع بغيرهما مطلقا على الأشهر الأقوى. * (وقيل: يغلب تحريم التفاضل) * إما مطلقا، كما عن النهاية (13) والديلمي (14)، أو إذا كان البيع بهما غالبا أو مساويا دون ما إذا كان نادرا، كما عن المفيد (15) والحلي (16). والكلام في المقام قد مضى في أول الفصل مفصلا. * (وفي بيع الرطب بالتمر) * مع التساوي * (روايتان أشهرهما) * المستفيض النقل من طرق الخاصة والعامة * (المنع) * بل عليه الإجماع في الخلاف (17) والغنية (18).


(1) الخلاف 3: 50، المسألة 72. (2) السرائر 2: 263. (3) مجمع البيان 2: 390. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 83. (5) نقله عنهما العلامة في المختلف 5: 83. (6) النهاية 2: 125. (7) المهذب 1: 362. (8) المقنعة: 604. (9) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 84. (10) المراسم: 179. (11) في المتن المطبوع زيادة: في بلد. (12) في المتن المطبوع: حكمه. (13) النهاية 2: 123. (14) المراسم: 179. (15) المقنعة: 604. (16) السرائر 2: 263. (17) الخلاف 3: 64، المسألة 105. (18) الغنية: 226.

[ 304 ]

ففي النبوي: بعد أن سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص إذا جف ؟ فقيل له: نعم، فقال: لا إذا (1). وفي الصحيح وغيره، لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من أجل أن التمر يابس والرطب رطب، فإذا يبس نقص (2). خلافا للاستبصار (3) وموضع من المبسوط (4) والحلي (5)، تمسكا بالأصل، والعمومات السليمة عما يصلح للمعارضة، لاختصاص أدلة حرمة الربا والزيادة بالحاصلة وقت المبايعة، وهي هنا مفقودة، ولذا لم يتعد كثير من المانعين هنا إلى الغير في المسألة الآتية، وقدحا في النصوص المتقدمة. أولا: بركاكة النبوي متنا، والصحيح وما بعده دلالة، لأعمية عدم الصلاحية من الحرمة جدا، كما اعترف بها المتأخرون مكررا، مع احتمال حملها على المنع نسيئة، كما يستفاد من الصحيح مقيدا (6): أن أمير المؤمنين (عليه السلام): كره أن يباع التمر بالرطب عاجلا بمثل كيله إلى أجل من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله (7). ولا كلام فيه أصلا. وثانيا: بالمعارضة بالموثق المجوز لذلك ظاهرا: عن العنب بالزبيب، قال: لا يصلح، إلا مثلا بمثل، قلت: والرطب والتمر، قال: مثلا بمثل (8). وحمل المماثلة على الوصف - أي في الرطوبة واليبوسة، فيكون كناية عن المنع، وحصر الجواز في العنب بالعنب أو الزبيب بالزبيب، وهكذا في الأخيرين - بعيد جدا، سيما بعد تتبع موارد استعمالها في أخبار الربا،


(1) سنن النسائي 7: 268. (2) الوسائل 12: 445 و 446، الباب 14 من أبواب الربا الحديث 1 و 6. (3) الاستبصار 3: 93. (4) المبسوط 2: 93. (5) السرائر 2: 259. (6) في " م، ش، ه‍ ": تقييدا. (7) الوسائل 12: 445، الباب 14 من أبواب الربا الحديث 2. (8) الوسائل 12: 445، الباب 14 من أبواب الربا الحديث 3.

[ 305 ]

الكاشف عن أن المراد بها المماثلة في المقدار فعلا قطعا، مضافا إلى تأيده - كباقي أدلة الجواز - بمفهوم الصحيح المتقدم. ولا يخلو عن قوة، لولا الشهرة العظيمة، وحكاية الإجماع المتقدمة، وقوة احتمال صحة دلالة نفي الصلاحية على الحرمة بمعونة ما تقدم إليه الإشارة غير مرة، وضعف احتمال تقييد أخبار المنع بصورة النسيئة بمفهوم الصحيحة، بناء على قصور دلالتها عليه، إذ غايتها الدلالة على منعها خاصة. وهو غير ملازم للجواز في الصورة المقابلة، فإن إثبات الشئ لا ينفي ما عداه، كما اشتهر في الألسنة، وقامت عليه الأدلة، مع أن مفهوم التعليل فيها صريح في العموم بصورتي النقد والنسيئة. ولو كان المنع مختصا بها لكان اللازم التعليل بها، دون ما فيها من العلة. وركاكة متن النبوي بمثل ما فيه غير معلومة، سيما وأن يخرجه عن الحجية، ودلالته ظاهرة. والمناقشة فيه وفيما عدا الصحيحة لضعف السند مدفوعة، بانجباره بالشهرة العظيمة، والإجماع، الذي هو حجة اخرى مستقلة. فبجميع ما مر يتقوى أدلة المنع بالضرورة، فلا تقاومها أدلة الجواز المتقدمة، حتى الموثقة، لقصور السند، وعدم الصراحة باحتمالها، لما تقدم إليه الإشارة، ولو كان بعيدا غايته. * (وهل تسري العلة) * المنصوصة في تلك المعتبرة للحرمة في بيع الرطب بالتمر * (في غيره، كالزبيب بالعنب والبسر بالرطب) * بناء على نقص العنب بالجفاف والبسر بالرطب * (الأشبه) * عند الماتن * (لا) * وفاقا لجماعة من أصحابنا، كالنهاية (1) والخلاف (2) وموضع من المبسوط (3) والغنية (4).


(1) النهاية 2: 124. (2) الخلاف 3: 64، المسألة 105، وفيه جوازه. (3) المبسوط 2: 93. (4) الغنية: 226.

[ 306 ]

وخلافا لآخرين، كالقديمين (1) وابن حمزة (2)، ومال إليه من المتأخرين جماعة. ومبنى الخلاف الاختلاف في التعدية بالعلة المنصوصة إلى غير موردها بعد وجودها فيه. وحيث أن الأشهر الأقوى ذلك مطلقا - كما حقق في الاصول مستقصى - كان القول بالسراية هنا قويا جدا. * (ولا يثبت الربا بين الوالد والولد، ولا بين الزوج والزوجة، ولا بين المملوك) * المختص، لا مطلقا كما في الخبر (3) * (والمالك، ولا بين المسلم والحربي) * بلا خلاف. إلا من الإسكافي، حيث خص أخذ الزيادة بالوالد دون الولد، واشترط أن لا يكون للولد وارث ولا عليه دين (4). وهو شاذ، والإجماع على خلافه - على الظاهر - منعقد، بل في الإنتصار (5) والغنية (6) وغيرهما مطلقا، وفي السرائر (7) وغيره في الأخير خاصة مصرح. وهو الحجة في جميع ذلك، مضافا إلى النصوص، المنجبر قصور أسانيد أكثرها بعمل الطائفة، والمخالفة لما عليه العامة. ففي الصحيح: عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدي العبد كل شهر عشرة دراهم أيحل ذلك ؟ قال: لا بأس به (8).


(1) نقله عنهما العلامة في المختلف 5: 95. (2) الوسيلة: 253. (3) الوسائل 12: 436، الباب 7 من أبواب الربا. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 79. (5) الانتصار: 212. (6) الغنية: 226. (7) السرائر 2: 253. (8) الوسائل 12: 437، الباب 7 من أبواب الربا الحديث 6.

[ 307 ]

وفي الخبرين: ليس بين الرجل وولده ولا بينه وبين مملوكه ولا بينه وبين أهله ربا (1). وفي آخر: ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا نأخذ منهم ألف درهم بدرهم نأخذ منهم ولا نعطيهم (2). ومقتضاه اختصاص النفي بصورة أخذ المسلم الزيادة، دون العكس. وهو الأظهر، وفاقا للأكثر، بل في ظاهر السرائر (3) وصريح الخلاف الإجماع عليه (4)، لذلك، وللإقتصار فيما خالف الأصل، الدال على تحريم الربا على القدر المتيقن. خلافا للنهاية (5) وجماعة، فأطلقوا الجواز، وهو ضعيف. وفي شمول الأولين لمن علا ومن سفل والزوجة المنقطعة والمملوك للمكاتب بقسميه نظر، ينشأ من الإطلاق أو العموم، ومن لزوم الإقتصار فيما خالف الأصل المتقدم على الفرد المتيقن، بناء على الشك في دخول ما عداه في الأمرين، لعدم التبادر. وهو أحوط، بل لعله أولى وأظهر. خلافا للأكثر في الثالث، فعمموا الزوجة للمنقطع. وفيه - مضافا إلى ما سبق - منع صدق الزوجة عليها حقيقة. * (وهل يثبت بينه) * أي المسلم * (وبين الذمي) * إذا كان بشرائط الذمة * (فيه روايتان، أشهرهما) * بين المتأخرين كافة، وفاقا للإسكافي (6) والقاضي (7) وابن حمزة (8) والحلي (9) * (أنه يثبت) *.


(1) الوسائل 12: 436، الباب 7 من أبواب الربا الحديث 3 و 4. (2) الوسائل 12: 436، الباب 7 من أبواب الربا الحديث 2. (3) السرائر 2: 253. (4) الخلاف 3: 77 و 78، المسألة 128. (5) النهاية 2: 118. (6) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 81. (7) نفس المصدر السابق. (8) الوسيلة: 254. (9) السرائر 2: 252.

[ 308 ]

ولم أقف عليه بالخصوص. نعم يشمله إطلاق بعض النصوص، قلت: فالمشركون بيني وبينهم ربا، قال: نعم (1). والعام المخصص حجة في الباقي جدا، وضعف السند منجبر بما تقدم، وبعموم الكتاب والسنة بتحريم الربا. خلافا للصدوقين (2) والمفيد (3) والمرتضى (4)، فلا يثبت، بل ادعى الأخير عليه الإجماع، للمرسل: ليس بين المسلم والذمي ربا (5). وهو قاصر السند، ضعيف التكافؤ، وهو (6) كالإجماع المحكي لما مر من الدليل القاطع، المعتضد في خصوص المقام بالشهرة. فإذا القول الأول - مع كونه أحوط في الجملة - لا يخلو عن قوة. وحمل الأصحاب المرسلة على خروج الذمي عن شرائط الذمة، ولا بأس به، جمعا بين الأدلة. * (و) * يجوز أن * (يباع الثوب بالغزل) * مطلقا * (ولو تفاضلا) * للصحيح: عن بيع الغزل بالثياب المنسوجة والغزل أكثر وزنا من الثياب، قال: لا بأس (7). ونحوه الخبر: وما كان أصله واحدا وكان يكال أو يوزن فخرج منه شئ لا يكال ولا يوزن فلا بأس يدا بيد، ويكره نسيئة، وذلك كالقطن والكتان فأصله يوزن وغزله يوزن وثيابه لا توزن، فليس للقطن فضل على الغزل، وأصله واحد، فلا يصلح إلا مثلا بمثل، فإذا صنع منه الثياب صلح يدا


(1) الوسائل 12: 436، الباب 7 من أبواب الربا الحديث 3. (2) نقله عنهما العلامة في المختلف 5: 81. (3) قال في مفتاح الكرامة 4: 532 س 17: على ما نقل عنه، ولم أجد له ذكرا في المقنعة. (4) الانتصار: 212 و 213. (5) الوسائل 12: 437، الباب 7 من أبواب الربا الحديث 5. (6) في المخطوطات: " هو " بدون الواو. (7) الوسائل 12: 454، الباب 19 من أبواب الربا الحديث 1.

[ 309 ]

بيد، والثياب لا بأس الثوبان بالثوب (1). ويستفاد منه - مضافا إلى الأدلة فتوى ورواية باشتراط الكيل والوزن في تحقق الربا بعد الاتحاد في الجنسية المتبادر منهما تحققهما بالفعل في المتعاوضين (2) - تعدية الحكم عن مفروض العبارة إلى كل فرع لم يوافق الأصل في التقديرين، وهو واضح بحمد الله سبحانه. * (ويكره بيع الحيوان باللحم) * المجانس له كالشاة بلحمه مثلا مطلقا * (ولو تماثلا) * في المقدار نقدا أو نسيئة، حيا كان المبيع، أو مذبوحا، على ما يقتضيه إطلاق العبارة جدا. ويحتمل أن يريد بالتماثل التجانس. وإنما كان أخفى، بناء على اختصاص أكثر فتاوى المنع والإجماع المحكي به جدا، وكون توهم الربا فيه أقوى. ووجه الكراهة في غيره إطلاق النص، وبعض الفتاوى. واختيار الماتن الجواز مطلقا ضعيف جدا وإن اختاره [ الحلي و ] (3) الفاضل في الإرشاد (4) والتحرير (5) وشيخنا الشهيد الثاني (6) والمحقق الشيخ علي (7)، إلا أنهما خصا المسألة بالمجانس والجواز بالحي، واختاروا الحرمة في غيره، جمعا بين الأدلة، بحمل ما دل منها على الجواز من الأصل والعمومات كتابا وسنة على الصورة الاولى خاصة، وما دل منها على حرمة الربا على الثانية بجامع فقد شرطه من التقدير بالكيل أو الوزن في الاولى دون الثانية.


(1) الوسائل 12: 452، الباب 17 من أبواب الربا الحديث 12. (2) في المطبوع: في المتعارضين، ولا يوجد في " ه‍ ". (3) لم يرد في " م، ق، ش "، السرائر 2: 258. (4) الارشاد 1: 379، وفيه الجواز على رأي. (5) التحرير 1: 170 س 6. (6) المسالك 3: 329. (7) جامع المقاصد 4: 279.

[ 310 ]

واعتمادا في الكراهة إلى الشبهة الناشئة من إطلاق القول والرواية بالحرمة. خلافا للأكثر ومنهم الشيخان (1) والديلمي (2) والقاضي (3) والإسكافي (4) وابنا حمزة (5) وزهرة (6)، فأطلقوا الحرمة وإن اختلفت عبائرهم في اختصاصها بالمجانس، أو العموم له وللغير. ولا يبعد إرادتهم الإختصاص، كما يستفاد من الأخير، والمحكي عن الخلاف الإجماع عليه، وعلى أصل المنع فيه (7)، وبه يشعر عبارة المختلف (8) والدروس (9)، حيث نسبا القول الأول إلى الشذوذ والندرة. وينبغي القطع بها في المجانس في الصورة الثانية. وأما في الاولى فلعلها أيضا لا يخلو فيها عن قوة، لإطلاق الإجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة، والموثقة: أن أمير المؤمنين (عليه السلام): كره اللحم بالحيوان (10). وبهما يقيد إطلاق أدلة حصر الربا في المقدر بأحد التقديرين، لكونهما أقوى منها بمراتب شتى. والمناقشة في الرواية بقصور السند والدلالة مدفوعة. أولا: بانجبارهما بالشهرة. وثانيا: بكون الموثقة في نفسها حجة، وأن القرينة على إرادة الحرمة من لفظ " الكراهة " فيها ظاهرة، بمعونة ما تقدم إليه الإشارة غير مرة، من دلالة


(1) المقنعة: 604، والنهاية 2: 121. (2) المراسم: 179. (3) المهذب 1: 373. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 93. (5) الوسيلة: 254. (6) الغنية: 225. (7) الخلاف 3: 75، المسألة 126. (8) المختلف 5: 93، وليس فيه النسبة الى الشذوذ أو الندرة. (9) الدروس 3: 295. (10) الوسائل 12: 441، الباب 11 من ابواب الربا الحديث 1.

[ 311 ]

المعتبرة: بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يكره الحلال كما في بعض (1)، أو إلا الحرام كما في آخر (2). ومقتضى الرواية المنع عن مطلق المعاوضة، ولا كذلك عبائر الجماعة المحكية، فإنها في البيع خاصة. وإرجاع كل منهما إلى الآخر ممكن. بحمل الأولة على المعاملة الغالبة، وهي المبايعة خاصة، دون نحو الصلح، لندرته بالإضافة بالضرورة. والثانية على إرادة التمثيل منها، لا الحصر. إلا أن مقتضى الأصل ولزوم الاقتصار في المخالف له على القدر المتيقن منعه من الفتوى والنص هو الاختصاص بصورة البيع. ولكن هذا إذا كان الحيوان حيا، وإلا فالتعميم مطلقا - لعموم أدلة حرمة الربا، بناء على تحققه في المذبوح بوجود شرطه جدا - أقوى. * (وقد يتخلص من الربا) * إن اريد بيع أحد الربويين بالآخر متفاضلا بالضميمة * (بأن يجعل مع الناقص) * منهما أو معهما إن اشتبه ناقصهما * (متاع من غير جنسه) * أي الناقص، فتكون الضميمة في مقابلة الزيادة * (مثل) * بيع * (درهم ومد من تمر) * مثلا * (بمدين) * منه، أو درهمين وأمداد ودراهم، بلا خلاف بين الطائفة، بل عليه الإجماع في الخلاف (3) والغنية (4) والمسالك (5) والتذكرة (6) وغيرها (7) من كتب الجماعة. وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، والعمومات، واختصاص أدلة الحرمة بحكم التبادر والسياق بغير مفروض المسألة، ومع ذلك المعتبرة - وفيها


(1) الوسائل 12: 447، الباب 15 من أبواب الربا الحديث 1. (2) لم نعثر عليه في المصادر، نقله صاحب الجواهر 23: 385. (3) الخلاف 3: 61، المسألة 98. (4) الغنية: 225. (5) المسالك 3: 330. (6) التذكرة 1: 481 س 29. (7) في المطبوع و " ه‍ ": وغيرهما.

[ 312 ]

الصحيح وغيرها - به مستفيضة، بل كادت تكون متواترة. منها - زيادة على ما يأتي إليه الإشارة في بحث الصرف في بيع السيوف المحلاة بالذهب والفضة - المعتبرة المستفيضة، منها الصحيحان. في أحدهما: قلت له أشتري ألف درهم ودينار بألفي درهم، فقال: لا بأس بذلك إن أبي كان أجرى على أهل المدينة مني، وكان يقول هذا، فيقولون: إنما هذا الفرار لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال (1). وفي الثاني: لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين إذا دخل فيهما ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به (2). والخبر: عن الدراهم بالدراهم وعن فضل ما بينهما، فقال: إذا كان بينهما نحاس أو ذهب فلا بأس به (3). وإطلاقها - ككلام أكثر الأصحاب - يقتضي إطلاق الجواز ولو مع عدم قصد صرف كل إلى ما يخالفه، وبه صرح في الدروس، وأنه لا يشترط في الضميمة أن يكون ذات وقع (4)، في مقابل الزيادة وحصول التفاوت عند المقابلة. وتوزيع الثمن عليهما باعتبار القيمة على بعض الوجوه غير قادح، لحصوله بالتقسيط، لا بالمعاوضة الجديدة، فإنه إنما وقع على المجموع بالمجموع. فالتقسيط غير معتبر، ولا مفتقر إليه.


(1) الوسائل 12: 466، الباب 6 من أبواب الصرف الحديث 1. (2) الوسائل 12: 468، الباب 6 من أبواب الصرف الحديث 4. (3) الوسائل 12: 468، الباب 6 من أبواب الصرف الحديث 7. (4) الدروس 3: 298، الدرس 261.

[ 313 ]

نعم لو عرض سبب يوجبه كما لو تلف الدرهم المعين قبل القبض أو ظهر مستحقا وكان في مقابله ما يوجب الزيادة المفضية إلى الربا - كما لو باع درهما معينا ومدا بمدين ودرهمين وتلف الدرهم - ففي بطلان البيع من أصله بناء على لزوم التفاوت في الجنس الواحد أو بالاضافة إلى مخالف التالف خاصة بناء على أن كلا من الجنسين قد قوبل بمخالفه فإذا بطل بطل ما قوبل به خاصة أو الصحة والتقسيط على وجه لا يلزم منه الربا بناء على أن أجزاء المبيع لما قوبلت بأجزاء الثمن على طريق الشيوع لم يجب أن يقع التقسيط على وجه يلزم معه المحذور، صيانة للعقد عن الفساد مهما أمكن، احتمالات. أجودها (1) الأخير، بناء على استصحاب الصحة، وعدم وضوح ما استشكل فيها من أن مقتضى التقسيط مقابلة كل من الجنسين بما قابله على النسبة، إلا على تقدير وجود دليل على لزوم صرف كل جنس إلى ما خالفه. وهو غير واضح، لما عرفت من إطلاق النصوص وأكثر الفتاوى وصريح بعضها في الصحة، من دون إيماء فيها إلى التقييد بالقصد إلى ذلك، أو أنه المنشأ في الصحة ولا إشارة. * (أو) * يتخلص منه بأن * (يبيع أحدهما سلعته لصاحبه) * بجنس غيرها * (ويشتري الاخرى بذلك الثمن) * فيسقط اعتبار المساواة. وكذا لو وهبه سلعته ثم وهبه الآخر أو أقرضه وتباريا أو تبايعا ووهبه الزيادة، ولكن من غير شرط في الكل، لأن الشرط حينئذ زيادة في العوض المصاحب له. ولا يقدح في ذلك كون هذه الامور غير مقصودة بالذات، والعقود تابعة للقصود، لأن القصد إلى عقد صحيح وغاية صحيحة كافية في الصحة.


(1) في " م " والمطبوع: احتمالان أجودهما.

[ 314 ]

ولا يشترط فيه قصد جميع الغايات المترتبة عليه، فإن من أراد شراء دار مثلا ليؤاجرها ويتكسب بها فإن ذلك كاف في الصحة، وإن كان له غايات اخرى أقوى من هذه وأظهر في نظر العقلاء، كالسكنى وغيره. وقد ورد في النصوص ما يدل على جواز الحيلة على نحو ذلك. منها - زيادة على ما مر - الصحيح: عن رجل يريد أن اعينه المال أو يكون لي عليه مال قبل ذلك فيطلب مني مالا أزيده على مالي الذي عليه، أيستقيم أن أزيده مالا وأبيعه لؤلوة تساوي مائة درهم بألف درهم فأقول له: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخرك بثمنها وبمالي عليك كذا وكذا شهرا ؟ قال: لا بأس (1). وفي الموثق: يكون لي على الرجل دراهم فيقول: أخرني بها وأنا اربحك فأبيعه جبة (2) تقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم أو قال: بعشرين ألفا وأؤخره بالمال، قال: لا بأس (3). * (ومن هذا الباب الكلام في الصرف) * * (وهو) * لغة: الصوت. وشرعا: * (بيع الأثمان) * وهي: الذهب والفضة مطلقا، مسكوكين كانا، أم لا، تبعا لإطلاق النص والفتوى * (بالأثمان) *. وإنما سمي بالصرف، لما يشتمل عليه من الصوت عند تقليبها في البيع والشراء. وسمي الجنسان بالأثمان، لوقوعهما عوضا عن الأشياء، ومقارنتهما بباء العوض غالبا، بل عن الراوندي (4) عن شيخه العلامة الحلي أنهما ثمن مطلقا


(1) الوسائل 12: 380، الباب 9 من أبواب أحكام العقود الحديث 5. (2) في " م " ونسخة بدل الوسائل: حبة. (3) الوسائل 12: 380، الباب 9 من أبواب أحكام العقود الحديث 4. (4) كذا في النسخ، والصحيح قطب الدين الرازي، كما نقله الشهيد الثاني في المسالك 3: 333.

[ 315 ]

وإن اقترنت الباء بغيرهما، حتى لو باعه دينارا بحيوان ثبت الخيار للبائع، مدعيا على ذلك الإتفاق. * (ويشترط فيه) * صحة زيادة على ما يشترط في مطلق البيع والربا * (التقابض في المجلس) * المراد به الأعم من مجلس العقد، كما يأتي، ولذا عبر بالتقابض قبل التفرق. * (ويبطل لو افترقا قبله على) * الأظهر * (الأشهر) * بل لعله عليه عامة من تقدم وتأخر، عدا من شذ وندر، وفي الغنية (1) والسرائر (2) والمسالك (3) وغيره (4) الإجماع عليه نصا في الأولين، وظاهرا في الباقي. وهو الحجة، مضافا إلى الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة. ففي الصحيح: إذا اشتريت ذهبا بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه، وإن نزى حائطا فانز معه (5). وفيه: لا يبتاع رجل فضة بذهب إلا يدا بيد، ولا يبتاع ذهبا بفضة إلا يدا بيد (6). وفيه: عن الرجل يشتري من الرجل الدراهم فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو دينارا، ثم يقول: أرسل غلامك معي حتى أعطيه الدنانير، فقال: ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير، فقلت: إنما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض وهذا يشق عليهم، فقال: إذا فرغ من وزنها وانتقادها فليأمر الغلام الذي يرسله أن يكون هو الذي يبايعه ويدفع إليه الورق ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق (7).


(1) الغنية: 219. (2) السرائر 2: 265. (3) المسالك 3: 333. (4) كشف الرموز 1: 497. (5) الوسائل 12: 459، المسالك 3: 333. (4) كشف الرموز 1: 497. (5) الوسائل 12: 459، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 8. (6) الوسائل 12: 458، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 3. (7) الوسائل 12: 458، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 1.

[ 316 ]

وفي الخبر: عن الرجل يبتاع الذهب بالفضة مثلا بمثلين، قال: لا بأس به يدا بيد (1). والمناقشة بقصور سنده كغيره، ودلالتهما - كالصحاح - بعدم الدلالة على البطلان، بل غايتهما ثبوت البأس مع عدم التقابض، وهو ك‍ " لا أحب " أعم من البطلان، وغاية الصحاح الأمر بالتقابض والنهي عن التفرق قبله، اللذين مقتضاهما وجوبه شرعا، ولم يقولوا به، إلا من شذ منهم، كالفاضل في التذكرة (2) والشهيد في الدروس (3)، حيث أطلقا الوجوب عليه، مع احتمال كلامهما الشرطي دون الشرعي، ومع ذلك فالوجوب غايته الإثم بالمخالفة، لا بطلان المعاملة، بناء على الأظهر الأشهر بين الطائفة، من اختصاص اقتضاء النهي للفساد بالعبادة. مدفوعة: بانجبار الجميع بعمل الطائفة، والإجماعات المحكية، وهما أقوى قرينة وأمارة على صحة السند، وبيان الدلالة. مع أن حمل الأمر والنهي على حقيقتهما غير ممكن، بناء على تبادر الإرشاد منهما دون الوجوب والحرمة، في أمثال موارد الأخبار المزبورة. ولعله لذا قال بالوجوب الشرطي دون الشرعي معظم الطائفة، بل عامتهم، كما احتمله جماعة. ولا وجه للإرشاد في الظاهر، سيما بمعونة ضم فهم الطائفة، سوى بطلان المعاملة مع عدم التقابض قبل المفارقة، مع أن كل من أوجب التقابض ومنع من دونه قال بالفساد مع عدم حصوله، وكل من قال بالصحة من دونه لم يوجب التقابض لا شرعا ولا شرطا. وكيف كان، فلا ريب في المسألة خلافا للمحكي عن الصدوق (4)


(1) الوسائل 12: 459، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 7. (2) التذكرة 1: 510 س 40. (3) الدروس 3: 299، الدرس 262. (4) الحاكي هو صاحب الحدائق 19: 278.

[ 317 ]

خاصة، فلم يشترط الشرط المتقدم إليه الإشارة، للمستفيضة. منها الموثق: عن الرجل يحل له أن يسلف دنانير كذا بكذا درهما إلى أجل، قال: نعم لا بأس به. وعن الرجل يحل له أن يشتري دنانير بالنسيئة، قال: نعم، إنما الذهب وغيره في الشراء والبيع سواء (1). وهي مع ضعف أكثرها وقصور سند باقيها ضعيفة التكافؤ، لما مضى من وجوه شتى. فطرحها أو تأويلها بما ذكره الشيخ في الكتابين (2) وغيره من أصحابنا (3) متعين جدا وإن خالفت التقية، على ما ذكره بعض الأجلة (4)، لعدم بلوغ هذا المرجح المرجحات المتقدمة النصية والاعتبارية. ثم مقتضى الأصل، والعمومات واختصاص المثبت للشرط من النص والفتوى بالبيع خاصة عدمه فيما عداه من مطلق المعاوضة، وليس كالربا في ظاهر الجماعة. * (و) * ذكر الفاضلان (5) والشهيدان (6): أنه * (لو قبض البعض) * خاصة قبل التفرق * (صح فيما قبض) * وبطل في الباقي، وتخيرا معا في إجازة ما يصح فيه وفسخه، إذا لم يكن من أحدهما تفريط في تأخير القبض. ولو كان تأخيره بتفريطهما فلا خيار لهما. ولو اختص به أحدهما سقط خياره خاصة. وهو كذلك. استنادا في الأول: إلى الأصل، والعمومات، ووجود الشرط المصحح


(1) الوسائل 12: 460، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 14. (2) الاستبصار 3: 95، ذيل الحديث 325، والتهذيب 7: 101 ذيل الحديث 435. (3) مجمع الفائدة 8: 303. (4) الحدائق 19: 282. (5) الشرائع 2: 48، والقواعد 1: 132 س 9. (6) الدروس 3: 299، الدرس 262، والمسالك 3: 334.

[ 318 ]

لبيع الصرف فيه. وفي الثاني: إلى فقده فيه، الموجب لفساده. وفي الثالث: إلى تبعض الصفقة الذي هو عيب وموجب للخيار عند الجماعة، وساعدته قضية نفي الضرر، المتفق عليها فتوى ورواية. وفي الرابع بقسميه: إلى استناد الضرر الموجب للخيار إلى المفرط، فيكون بالتفريط قادما عليه، فلا موجب لخياره، مع اقتضاء الأصل والعمومات عدمه. وأما ما ربما يستشكل به في الأول: مما في الصحيح: في رجل يبتاع من رجل بدينار هل يصلح له أن يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذه منه ورقا أو بيعا ؟ قال: ما أحب أن أترك شيئا حتى آخذه جميعا فلا تفعله (1)، فليس بصحيح. لمنع الدلالة على المنع أولا، واحتمال انصرافه على تقديره إلى صحة المجموع من حيث المجموع ولا كلام فيه ثانيا. * (ولو فارقا المجلس مصطحبين لم يبطل) * العقد، بلا خلاف في الظاهر، للأصل، والعمومات، وعدم استفادة شئ من أخبار الشرط، عدا التقابض قبل التفرق بالأبدان، كما في خيار المجلس لا المجلس. ففي بعض الصحاح المتقدمة: لا تفارقه حتى تأخذ منه، وإن نزى حائطا فانز معه (2). * (ولو وكل أحدهما) * صاحبه أو أجنبيا * (في القبض فافترقا قبله بطل) * العقد، لعدم الشرط، وهو التقابض قبل تفارق المتعاقدين، وبه وقع التصريح في بعض الصحاح المتقدمة. هذا إذا وكله في القبض دون الصرف.


(1) الوسائل 12: 459، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 9. (2) الوسائل 12: 459، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 8.

[ 319 ]

ولو وكله فيه خاصة أو مع القبض، فالمعتبر مفارقة الوكيل لمن وقع معه العقد، دون المالك. والضابط: أن المعتبر التقابض قبل تفرق المتعاقدين سواء كانا مالكين، أو وكيلين. * (ولو اشترى منه دراهم) * بدنانير أو بالعكس * (ثم اشترى بها) * أي بتلك النقود المبتاعة * (قبل القبض) * لها من البائع * (دنانير) * أو دراهم * (لم يصح) * البيع * (الثاني) * مطلقا، وكذا الأول إن تفرقا قبل التقابض أيضا، على الأشهر بين أصحابنا. استنادا في الأول: إلى أنه باع ما لا يملك، بناء على توقف ملك العوض في الصرف على التقابض قبل التفرق، الغير الحاصلة فيه بحكم الفرض. وفي الثاني: إلى عدم التقابض، الذي هو شرط في صحة بيع الصرف. خلافا لثاني المحققين (1) والشهيدين (2) [ في الأول ] (3) فصححاه مع التقابض قبل التفرق، وألحقاه بالفضولي حينئذ. وللحلي، فالتفصيل بين ما إذا كان النقد المبتاع معينا وحصل التقابض في المجلس فالصحة، وإلا بأن كان النقد المبتاع في الذمة أو لم يحصل التقابض فيه فضدها (4)، لوجود موجبه في الثاني، ولزوم بيع الدين بالدين في الأول. ومنع عن الوجه الأخير المحققان المتقدمان، تبعا للفاضل في المختلف (5) وغيره، بناء منهم على منع كون مثل ذلك من منع الدين بالدين المنهي عنه. ولعله كذلك.


(1) جامع المقاصد 4: 182. (2) المسالك 3: 335. (3) لم يرد في المطبوع. (4) السرائر 2: 267 و 268. (5) المختلف 5: 109.

[ 320 ]

ومختارهما لا يخلو عن قوة، لعموم دليل الفضولي، بل فحواه. * (ولو كان له) * أي لزيد مثلا * (عليه) * أي على عمرو * (دنانير) * أو دراهم * (فأمره أن يحولها إلى الدراهم) * أو الدنانير في ذمته * (وساعره) * على ذلك، بأن عين كلا من العوضين بازاء الآخر * (فقبل) * عمرو * (صح) * البيع * (وإن لم يقبض) * النقود المبتاعة، للموثقين، بل ربما عدا صحيحين. في أحدهما: عن الرجل يكون لي عنده دراهم فآتيه فأقول: حولها دنانير من غير أن أقبض شيئا، قال: لا بأس به، قلت: ويكون لي عنده دنانير فآتيه فأقول: حولها لي دراهم وأثبتها عندك ولم أقبض منه شيئا، قال: لا بأس به (1). ونحوه الثاني بزيادة التعليل بما يرجع حاصله إلى قوله: * (لأن النقدين من) * شخص * (واحد) * (2). وعمل بهما الإسكافي (3) والطوسي (4)، وتبعهما أكثر المتأخرين (5)، بل لعله عليه عامتهم وإن اختلفوا في التعبير بظاهرهما، كما عن الأولين وهنا، أو بما يوجب ارجاعهما إلى القاعدة، كما عليه جماعة، بجعل الأمر بالتحويل فيهما كناية عن التوكيل في طرفي العقد، وبنائه على صحته وصحة القبض إذا توقف البيع عليه بمجرد التوكيل في البيع، نظرا إلى أن التوكيل في شئ إذن في لوازمه التي يتوقف عليها. ولا ريب فيه على هذا التعبير، وإن احتاج إلى عناية تطبيق ظاهر الخبرين عليه، لموافقته للقاعدة، لكن بشرط قبض عين العوضين بعد العقد. مع احتمال العدم، إما لما سيأتي من كون ما في الذمة مقبوضا،


(1) الوسائل 12: 464، الباب 4 من أبواب الصرف الحديث 2. (2) الوسائل 12: 463، الباب 4 من أبواب الصرف الحديث 1. (3) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 107. (4) النهاية 2: 125. (5) المهذب 2: 431، وجامع المقاصد 4: 182.

[ 321 ]

أو للخبرين الظاهرين فيه، مع اعتضادهما بفتوى الأكثر جدا، فيقيد بهما ما دل على اشتراط التقابض في النقدين من النص والفتوى. ولا بعد فيه على الأول أيضا، بعد ورود النص المعتبر فيه، إذ لا استبعاد في مخالفة هذا النوع من الصرف لغيره، باعتبار اتحاد من عليه الحق، فكان كالقابض، كما ذكره الفاضل في المختلف (1). فخلاف الحلي (2) - ومصيره إلى البطلان مطلقا، مع ندرته، كما في الدروس (3) - ضعيف، وإن كان الأحوط العمل عليه والخروج عن شبهته بالتوكيل في البيع والقبض، الراجع إلى التعبير الأخير، لكن مع شرط المتقدم، بل يكفي التوكيل في القبض خاصة [ ظاهرا ] (4) إن جرت بينهما صيغة المبايعة، بناء على أن ما في ذمة المديون من النقود المبتاعة بمنزلة المقبوض بيده، فإذا جعله وكيلا في القبض صار كأنه قابض لما في ذمته. فصدق التقابض قبل التفرق على إشكال فيه، لمخالفته لظاهر الخبرين، مع الشك في مقبوضية ما في الذمة، وعدم مصحح آخر له في البين. * (ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منهما) * بشئ منهما أو غيرهما إجماعا، فإنه ربا محض، إستفاض بحرمته الكتاب والسنة، المتقدم إليهما الاشارة، مضافا إلى خصوص المعتبرة المستفيضة. منها الصحيح: الفضة بالفضة مثلا بمثل، ليس فيه زيادة ولا نقصان، الزائد والمستزيد في النار (5). * (ويجوز) * التفاضل * (في المختلف) * منهما جنسا كذهب بفضة وبالعكس، بشرط التقابض قبل التفرق، بلا إشكال فيهما، لما مضى، مضافا


(1) المختلف 5: 107. (2) السرائر 2: 265. (3) الدروس 3: 301، الدرس 262. (4) لم يرد في " م، ش، ه‍ ". (5) الوسائل 12: 456، الباب 1 من أبواب الصرف الحديث 1.

[ 322 ]

إلى خصوص النصوص. منها الصحيحان: عن الرجل يبتاع الذهب بالفضة مثلا بمثلين، قال: لا بأس به يدا بيد (1). * (ويستوي في اعتبار التماثل) * المشترط في صحة بيع الربويات مطلقا * (الصحيح والمكسور والمصوغ) * وغيره بلا خلاف، فإن جيد كل جنس ورديئه واحد، فلا ربا مع التماثل في المقدار، مضافا إلى خصوص النصوص في المضمار. منها الصحيح: عن الرجل يستبدل الكوفية بالشامية وزنا بوزن، فيقول: الصيرفي لا ابدل لك حتى تبدل لي يوسفية بغلة وزنا بوزن، فقال: لا بأس، فقلت: إن الصيرفي إنما طلب فضل اليوسفية على الغلة، قال: لا بأس به (2). * (وإذا كان في أحدهما غش لم يبع بجنسه) * الخالص بلا خلاف، بل عليه الإجماع في بعض العبارات. وهو الحجة، مضافا إلى لزوم الربا فيه، باحتمال مساواة الجنس الصافي للمغشوش في المقدار، فيلزم زيادة الغش فيه على الصافي، وهو الربا المحرم. فلا يباع بالجنس * (إلا أن يعلم) * زيادة الصافي ولو على فرض الندرة، أو * (مقدار ما فيه) * أي في المغشوش من الجوهر الخالص * (فيزاد الثمن عن قدر) * ذلك * (الجوهر) * ولو يسيرا لم يكن بقيمة الغش، بعد أن يكون متمولا في العرف والعادة، فيكون قد زيد حينئذ * (بما يقابل الغش) *. وتقييد منع البيع بالجنس يقتضي الجواز بغيره على الإطلاق ولو حالة الجهل بمقدار المغشوش. وهو كذلك، للأصل، وفقد المانع من احتمال الربا، بناء على اختلاف


(1) الوسائل 12: 459، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 6 و 7. (2) الوسائل 12: 469، الباب 7 من أبواب الصرف الحديث 1.

[ 323 ]

الجنس، وللصحيح: عن شراء الفضة فيها الرصاص بالورق، وإذا خلصت نقصت من كل عشرة درهمان أو ثلاثة، قال: لا يصلح، إلا بالذهب. وعن شراء الذهب فيه الفضة والزئبق والتراب بالدنانير والورق، فقال: لا تصارفه، إلا بالورق (1). وما فيه من حصر بيع المغشوش بالمخالف مبني على الغالب من نقص الخالص عن المغشوش بحسب المقدار، فإن بناء البيع والشراء على المماكسة والمغالبة. فالمشتري لا يبذل فضة خالصة أو ذهبا كذلك في مقابلة الغش، وتعسر معرفة مقدار المغشوش. وإلا فلو تحقق خلاف الغالب من زيادة الخالص على الغش، أو حصول معرفة المقدار جاز بلا إشكال، ولا خلاف، كما مضى. ويجوز بيع أحد المغشوشين المتجانسين بالآخر مطلقا ولو كان مقدار الخالص منهما مجهولا، بل (2) ولو علم زيادة الخالص في أحدهما على الخالص الذي في الآخر، بناء على ما مضى من الحيلة في دفع الربا بضم الضميمة إلى أحدهما أو إليهما. ولا ريب أن الغش ضميمة تصلح للربا وعدمه جدا، كما عرفت مما ذكره أصحابنا، وبه صرح في الدروس شيخنا (3). * (ولا يباع تراب) * معدن * (الذهب بالذهب ولا تراب) * معدن * (الفضة بالفضة) * أي ترابهما الخليط بهما بخالصهما مع جهالتهما أو أحدهما، لاحتمال زيادة أحد العوضين عن الآخر، فيدخل فيه الربا. ولو علم زيادة الثمن عما في التراب من جنسه لم يصح هنا وإن صح في


(1) الوسائل 12: 475، الباب 11 من أبواب الصرف الحديث 1. (2) لم يرد " بل " في بعض النسخ. (3) الدروس 3: 302، الدرس 262.

[ 324 ]

المغشوش جدا، بناء على أن التراب لا قيمة له لتصلح في مقابل الزائد أصلا. ومنه يعلم جواز بيع التراب بالخالص مع مساواة مقدار جوهريهما، لعدم الزيادة أصلا، والتراب لعدم قيمة له وجوده كعدمه. * (ويباع) * أحد الترابين * (بغيره) * أي بغير جنسه، نقدا كان، أم لا مطلقا. * (ولو جمعا) * أي الترابان بأن خلطا ومزجا اريد بيعهما في صفقة واحدة معا * (جاز بيعه) * أي المجموع * (بهما) * أي بخالصهما معا، لكونه من الضميمة المصححة لذلك قطعا وإن جهل مساواة مقدار الثمن والمثمن منهما للآخر، وللمعتبرة. منها الخبر (1): عن الجوهر الذي يخرج عن المعدن وفيه ذهب وفضة وصفر جميعا كيف نشتريه ؟ فقال: تشتريه بالذهب والفضة (2). ويجوز بيعهما معا أيضا بأحدهما، مع العلم بالزيادة الثمن على مجانسه بما يصلح عوضا عن الآخر، وأولى منهما بيعهما بغيرهما. * (ويباع جوهر الرصاص) * بفتح الراء * (والنحاس) * بضم النون * (بالذهب والفضة (3) وإن كان فيه يسير من ذلك) * مطلقا، وإن لم يعلم زيادة الثمن عن ذلك اليسير، ولم يقبض قبل التفرق ما يساويه، بلا خلاف في الظاهر، لأنه لقلته مضمحل، وتابع غير مقصود بالبيع، وللنصوص. منها الصحيح وغيره: في الأسرب يشترى بالفضة، فقال: إن كان الغالب عليه الأسرب فلا بأس (4). ومثله المنقوش منهما على الجدران والسقوف بحيث لا يحصل منهما


(1) في المطبوع: الصحيح. (2) الوسائل 12: 475، الباب 11 من أبواب الصرف الحديث 5. (3) في المتن المطبوع: أو الفضة. (4) الوسائل 12: 485، الباب 17 من أبواب الصرف الحديث 1 و 2، وفيه اختلاف يسير.

[ 325 ]

شئ يعتد به على تقدير نزعه منهما. * (ويجوز إخراج الدراهم) * والدنانير * (المغشوشة) * بنحو من الصفر والرصاص ونحوها (1) والمعاملة بها * (إذا كانت معلومة الصرف) * والرواج بين الناس، بأن يعامل بها مطلقا وإن جهل مقدار الخالص منهما، بجنسهما كان أو غيرهما، لكن بشرط في الأول قد مضى. * (ولو لم تكن كذلك) * بأن لا يتعامل بها في العادة وكانت مهجورة في المعاملة * (لم يجز) * إنفاقها * (إلا بعد بيانها) * وإظهار غشها، إذا كان مما لا يتساهل به عادة، بلا خلاف في المقامين، بل في المختلف الإجماع عليهما (2). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل والعمومات في الأول، ولزوم الغش - المحرم بالنص والإجماع - في الثاني. وبهما يجمع بين الأخبار المختلفة المجوزة لإنفاقها مطلقا، كالصحاح: في أحدها: عن الدراهم المحمول عليها، فقال: لا بأس بإنفاقها (3). ونحوه الآخران، لكن بزيادة شرط فيهما، وهو زيادة الفضة عن الثلثين، كما في أحدهما (4)، أو كونها الغالب عليها، كما في الثاني (5) ولعله وارد بتبع العادة في ذلك الزمان من عدم المعاملة بها، إلا إذا كان كذلك. والمانعة له كذلك، كالخبر - المنجبر ضعف سنده بوجود ابن أبي عمير، المجمع على تصحيح رواياته فيه - قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فألقي بين يديه دراهم فالقى إلي درهما منها، فقال: إيش هذا ؟ فقلت: ستوق، فقال: وما الستوق ؟ فقلت: طبقتين من فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال:


(1) في " م ": نحوهما. (2) المختلف 5: 111. (3) الوسائل 12: 472، الباب 10 من أبواب الصرف الحديث 1. (4) الوسائل 12: 472، الباب 10 من أبواب الصرف الحديث 3. (5) الوسائل 12: 473، الباب 10 من أبواب الصرف الحديث 4.

[ 326 ]

اكسر هذا، فإنه لا يحل بيع هذا، ولا إنفاقه (1). بحمل الأولة على الصورة الاولى، والثانية على الثانية، بشهادة ما مر من الأدلة، وخصوص الصحيحين: في أحدهما: عندنا دراهم يقال لها: الشامية يحمل على الدراهم دانقين، فقال: لا بأس به إذا كان يجوز بين الناس (2). وفي الثاني المروي في الكافي: الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس، أو غيره ثم يبيعها، قال: إذا كان يجوز بين الناس فلا بأس (3). لكن رواه في التهذيب باسقاط " الناس " وتبديله بلفظ " ذلك " وقراءة ال‍ " بين " بتشديد الياء فعلا ماضيا لا ظرفا (4). وظاهره - حينئذ - المنع عن الإنفاق إلا بعد البيان، فيكون من روايات المنع، لكن مقيدا بعدم البيان مصرحا بالجواز بعده، وبه مضافا إلى الإتفاق يقيد إطلاق الرواية المتقدمة بالمنع، بحملها على صورة عدم البيان إن صحت النسخة. وهنا * (مسائل) * ست: * (الاولى: إذا) * ابتاع دينارا بدينار مثلا و * (دفع زيادة عما) * يجب عليه * (للبائع) * أو بالعكس * (صح) * المعاملة إذا وقعت على العوضين في الذمة، ولا كذلك لو كانا معينين، من حيث اشتمال أحد العوضين على زيادة عينية، وكذلك لو كان الزائد معينا والمطلق مخصوصا بقدر ينقص عن المعين بحسب نوعه. * (و) * حيث صحت المعاملة * (تكون الزيادة أمانة) * في يد من وقعت


(1) الوسائل 12: 473، الباب 10 من أبواب الصرف الحديث 5. (2) الوسائل 12: 473، الباب 10 من أبواب الصرف الحديث 6. (3) الكافي 5: 253، الحديث 2. (4) التهذيب 7: 109، الحديث 467.

[ 327 ]

في يده بلا خلاف إذا كان الدفع بطريق العمد والإستيمان، بل في المسالك الإتفاق عليه (1). * (وكذا لو) * جهل الحال بأن * (بان فيه زيادة) * خارجة عن العادة * (لا تكون إلا غلطا أو تعمدا) * لا مسامحة، فشك في كونها على سبيل العمد، أو عرف كونها على نحو السهو على قول الأكثر، لأصالة البراءة من الضمان، الخالية عن المعارض من نحو القبض بسبب مضمون، كالسوم، والغصب، والبيع الفاسد، فإنه إنما قبضها هنا بإذن المالك، فيكون كالودعي. والقول الآخر أنها تكون مضمونة، لأنه قبضه على أنه أحد العوضين، اللذين جرى عليهما عقد المعاوضة، فيكون مضمونا، نظرا إلى مقتضى العقد، ولأنه أقرب إلى الضمان من المقبوض بالسوم، وللعموم " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (2). وضعف: بأن القبض على نية العوض غير قادح مع ظهور العدم، والعقد لا يقتضي ضمان غير العوض. وكونه أقرب من المقبوض بالسوم إنما يجري لو سلم كون المقبوض بالسوم كذلك، وهو محل النزاع. وعموم الخبر - بحيث يشمل محل النزاع - في حيز المنع، فإن الثابت على الأخذ بمقتضى الخبر غير مبين، فجاز كون الواجب على اليد الحفظ أو نحوه إلى الأداء. ويرشد إليه الأمانات المقبوضة باليد، مع عدم الحكم بضمانها، وإنما القدر المتفق عليه وجوب الحفظ خاصة (3). وفي الأخيرين نظر. فالأول: بابتناء الفحوى على ثبوت الحكم في المقيس عليه، فإنها (4) على تقديره.


(1) المسالك 3: 344. (2) سنن البيهقي 6: 95. (3) المسالك 3: 343. (4) في المخطوطات: وانها.

[ 328 ]

والثاني: أولا: باستلزامه القدح في الإستناد إلى الخبر، لإثبات ضمان المأخوذ باليد على الآخذ، وعدم جوازه في شئ من مواضع الخلاف، بناء على ما زعمه من الإجمال، وهو خلاف الوفاق. وثانيا: بأقربية الضمان من الحفظ إلى سياق الخبر بعد العرض على العرف، سيما بعد ملاحظة فهم الأصحاب، مع أن إرادة الأمرين منه أظهر، بالإضافة إلى الإطلاق، وتقييده بأحدهما - سيما " الثاني "، لمرجوحيته، كما ظهر - لابد له من داع، وليس. فاللازم العمل على الإطلاق، وهو كاف في الإثبات في الباب وغيره من الأبواب. فالقول الثاني أقرب إلى الصواب، وفاقا للمحقق الثاني (1) وغيره من الأصحاب (2)، مع أنه أحوط بلا ارتياب. ثم الأمانة - حيث قلنا بها - هل هي شرعية يجب ردها على الفور، وإعلام المالك بها، أم مالكية لا يجب ردها فورا، إلا مع طلب المالك لها وإن وجب عليه حفظها ؟ قولان، أحوطهما الأول. * (ولو كانت الزيادة) * معتادة و * (مما يتفاوت به الموازين) * ويتسامح بها عادة * (لم يجب إعادته) * إجماعا ظاهرا، والمعتبرة به - مع ذلك - مستفيضة جدا، منها الصحيحان. في أحدهما وهو طويل فيه: قلت: فأقول له: اعزل منه خمسين كرا أو أقل أو أكثر بكيله فيزيد وينقص وأكثر ذلك ما يزيد لمن هي ؟ قال: هي لك، الحديث (3).


(1) جامع المقاصد 4: 198. (2) الايضاح 1: 453. (3) الوسائل 12: 403، الباب 27 من أبواب أحكام العقود الحديث 1.

[ 329 ]

وفي الثاني: عن فضول الكيل والموازين، فقال: إذا لم يكن تعديا فلا بأس (1). ولكن يستحب الرد، لما مر من استحباب أخذ الناقص وإن استحب دفع الزائد للبائع. بل وربما يتعين لو علم من عادته عدم الزيادة بمثلها إلا سهوا وان كانت معتادة من غيره جدا، فيرجع إلى حكم المسألة المذكورة سابقا. * (الثانية: يجوز أن يبدل له درهما بدرهم ويشترط عليه صياغة خاتم) * وفاقا للنهاية (2) وجماعة، لرواية قاصرة السند بالجهالة، والمتن عن (3) الدلالة، إذ فيها: عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم وأبدلك درهما طازجيا بدرهم غلة، قال: لا بأس (4). وهو كما ترى، لا دلالة فيه على المطلوب أصلا. فأولا: بتضمنها جعل ابدال الدرهم بالدرهم شرطا في الصياغة، لا بيعهما بشرطها، وأحدهما غير الآخر جدا. وثانيا: بتضمنها إبدال درهم طازج بدرهم غلة، مع شرط الصياغة من جانب الغلة، فقد ذكر جماعة من أهل اللغة أن الطازج هو الخالص، والغلة غيره، وهو المغشوش. وحينئذ، فالزيادة الحكمية - وهي الصياغة - في مقابلة الغش، وهذا لامانع عنه مطلقا لافي هذه المسألة ولافي غيرها ولافي الحكمية ولا غيرها. وعلى هذا يصح الحكم ويتعدى، لكن لا في مطلق الدرهم، كما ذكروه، بل ما شابه موردها. هذا، مع مخالفتها الأصل المطرد من عدم جواز الزيادة من أحد الجانبين


(1) الوسائل 12: 403، الباب 27 من أبواب أحكام العقود الحديث 3. (2) النهاية 2: 127. (3) في " خ ل " من المطبوع و " ق، ه‍ ": على. (4) الوسائل 12: 480، الباب 13 من أبواب الصرف الحديث 1.

[ 330 ]

مطلقا، حكمية كانت، أو عينية. فلا يجوز الإستناد فيما خالفه إلى مثلها مع ما هي عليه مما قدمنا، فلو بيع الدرهمان - بل مطلق الربويات - كذلك بطل، وفاقا لجماعة كالشهيدين (1) والفاضل في المختلف (2) والمحقق الثاني في شرح القواعد (3) والصيمري في شرح الشرائع (4). * (و) * على العمل بها، كما فهموه * (لا يتعدى الحكم) * إلى غير موردها، اقتصارا فيما خالف الأصل المتقدم على المتيقن من النص والفتوى. خلافا للمحكي عن جماعة، فجوزوا التعدية مطلقا في الطرفين، من الشرط، والنقدين (5). وهو ضعيف جدا. * (ويجوز أن يقرضه الدراهم) * والدنانير (6) * (ويشترط أن ينقدها بأرض اخرى) * للأصل، والعمومات، مع فقد المانع من نص أو إجماع، لاختصاصهما بالمنع عن القرض بشرط النفع، وليس الإنقاد في بلد آخر منه جدا. مضافا إلى خصوص الصحيح: في الرجل يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إياه في أرض اخرى ويشترط عليه ذلك، قال: لا بأس (7). ولعل المراد من الإسلاف فيه القرض، لكثرة استعماله فيه (8). ولم أقف على من تعرض لهذا الحكم هنا، ولا في بحث القرض بنفي


(1) الدروس 3: 304، الدرس 262، والمسالك 3: 345، والروضة 3: 381. (2) المختلف 5: 108. (3) جامع المقاصد 4: 202. (4) غاية المرام: 68 س 2 (مخطوط). (5) المسالك 3: 345. (6) في " م، ق، ش ": أو الدنانير. (7) الوسائل 12: 480، الباب 14 من أبواب الصرف الحديث 1. (8) في نسخة بدل المطبوع ما يلي: وفي الصحيح: يدفع إلى الرجل الدراهم فاشترط أن يدفعها بارض اخرى سواء يوزنها واشترط ذلك عليه، قال: لا بأس.

[ 331 ]

ولا إثبات، عدا شيخنا في الدروس في القرض (1) والفاضل في الإرشاد هنا (2)، فصرحا بما هنا، وكان ذكره ثمة - كما فعله الأول - أنسب وأولى. إلا أن يكون المراد بذكره هنا بيان أن القرض ليس يجري فيه حكم الصرف، فيشترط فيه التقابض قبل التفرق. وهو حسن، تقدم وجهه. ويدل عليه الصحيح المتقدم، والخبر: عن الرجل يسلف الرجل الدراهم وينقدها إياه بأرض اخرى والدراهم عددا، قال: لا بأس به (3). فتأمل. * (الثالثة) *: الضابط في جواز بيع * (الأواني المصوغة من الذهب والفضة) * بأحدهما أن يكون في الثمن زيادة على ما في المصوغ من جنسه يقابل الجنس الآخر وان قلت، بعد أن تكون متمولة مطلقا، سواء علم مقدار كل واحد منهما، أم لا، وسواء أمكن تخليصهما، أم لا، كان الثمن من جنس النقد الأقل في المصوغ، أم من جنس الأكثر. وفاقا لأكثر من تأخر، كالروضتين (4) والمحقق الثاني (5) والفاضل في المختلف (6)، عملا فيه بالقواعد المتقدمة، الدالة عليه وعلى جواز بيعهما معا بهما كذلك مطلقا، علم مقدارهما، أو، الدالة عليه وعلى جواز بيعهما معا بهما كذلك مطلقا، علم مقدارهما، أو أحدهما، أم لا، أمكن تخليصهما، أم لا، وبغيرهما كذلك. خلافا للنهاية (7) وجماعة (8)، فقالوا: إن كان كل واحد منهما معلوما جاز بيعه بجنسه من غير زيادة وبغير الجنس و * (إن) * زاد. وإن لم يعلم، و * (أمكن تخليصهما لم يبع بأحدهما) * وبيعت بهما أو بغيرهما.


(1) الدروس 3: 320، الدرس 264. (2) الإرشاد 1: 369. (3) الوسائل 12: 481، الباب 14 من أبواب الصرف الحديث 7. (4) اللمعة والروضة 3: 383. (5) جامع المقاصد 4: 188. (6) المختلف 5: 113. (7) النهاية 2: 130. (8) السرائر 2: 271، والحدائق 19: 308.

[ 332 ]

* (وإن تعذر) * التخليص * (وكان الأغلب (1) أحدهما بيعت بالأقل) * منهما خاصة * (وإن تساويا) * مقدارا * (بيعت بهما) * أو بغيرهما. وهذا التفصيل - مع عدم وضوح مستنده - يتوجه النظر إليه من وجوه مذكورة في كلام بعض هؤلاء الجماعة المتقدم ذكرهم، يسهل على المتدبر المتأمل استخراجها من القواعد المتقدمة، وبطريق إيرادها على كلام هؤلاء الجماعة. وربما كان مستندهم في عدم البيع بأحدهما مع إمكان التخليص بعض النصوص: في جام فيه ذهب وفضة اشتراها بذهب أو فضة، فقال: إن كان تقدر على تخليصه فلا، وإن لم تقدر على تخليصه فلا بأس (2). وفيه قصور سندا، بجهالة جماعة من رواته جدا، ومنافاة إطلاقه - ذيلا في الجواز مع عدم إمكان التخليص، وصدرا في العدم مع الإمكان - لما فصلوه قطعا، ومع ذلك غير مقاوم للقاعدة المسلمة، المتفق عليها نصا وفتوى. ويمكن تطبيقه - ككلام الجماعة - بحذافيره عليها، كما فعله بعض أصحابنا. وكيف كان، فالأمر سهل، بعد وضوح المطلب والمأخذ. وهل يكفي غلبة الظن في زيادة الثمن على مجانسه من الجوهر - كما في اللمعة (3)، لعسر العلم اليقيني بقدره غالبا، ومشقة التخليص الموجب له - أم يعتبر القطع بها ؟ قولان، أجودهما الثاني، وفاقا للدروس (4) والشهيد الثاني (5)، لأنه الأصل.


(1) في المتن المطبوع: وكان الغالب. (2) الوسائل 12: 483، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 5. (3) اللمعة 3: 70. (4) الدروس 3: 301، الدرس 262. (5) الروضة 3: 384.

[ 333 ]

وتعسره لا يوجب جواز الإنتقال إلى غلبة الظن، إلا حيث لا يمكن التخلص من ضرر عدم العلم إلا به، وهنا ليس كذلك جدا، بل يتعين في مثله العدول إلى البيع بغير الجنس قطعا. نعم لو لم يمكن واحتيج إلى البيع به أمكن ذلك، دفعا لضروري الحاجة، ومشقة التخليص، المنفيين إجماعا، نصا وفتوى. * (الرابعة: المراكب والسيوف) * ونحوهما * (المحلاة) * بأحد النقدين * (إن علم) * ما فيها من * (مقدار الحلية) * أو ظن، على اختلاف القولين * (بيعت بالجنس) * المحلاة به، لكن * (مع زيادة تقابل المراكب أو النصل) * وهو حديدة السيف، بلا خلاف يظهر، بل في الخلاف الإجماع عليه (1)، لما مر في المسألة السابقة، مضافا إلى المعتبرين. أحدهما: بالموثقية (2). والثاني: بها أيضا - مع إنجبار الجهالة بعدها بالشهرة، ووجود صفوان المجمع على تصحيح ما يصح عنه في سنده -: عن السيف المفضض يباع بالدراهم، قال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وإن كان أكثر فلا يصلح (3). ونحوهما الموثق: عن السيف المحلى والسيف الحديد المموه بالفضة نبيعه بالدراهم، فقال: نعم (كما في الكافي (4) أوبع بالذهب (كما في التهذيب (5) وقال: يكره أن تبيعه نسيئة، وقال: إذا كان الثمن أكثر من الفضة فلا بأس.


(1) الخلاف 3: 71، المسألة 117، ولكن ذكر الإجماع في المسألة 118. (2) الوسائل 12: 483، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 8. (3) الوسائل 12: 483، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 7. (4) الكافي 5: 250، الحديث 25. (5) التهذيب 7: 114، الحديث 492.

[ 334 ]

والخبر - المنجبر قصور سنده بالإضمار والجهالة ببعض ما مر إليه الإشارة، مع أنه في الكافي صحيح -: عن السيوف المحلاة فيها الفضة يباع بالذهب إلى أجل مسمى، فقال: إن الناس لم يختلفوا في النساء إنه الربا، إنما اختلفوا في اليد باليد، فقلت له: تبيعه بالدراهم بنقد، فقال: كان أبي يقول: يكون معه عرض أحب إلي، فقلت: إنه إذا كانت الدراهم التي تعطي أكثر من الفضة التي فيه فقال: وكيف لهم بالإحتياط بذلك ؟ فقلت: يزعمون أنهم يعرفون ذلك، فقال: إن كانوا يعرفون ذلك فلا بأس، وإلا فإنهم يجعلون معه العرض أحب إلي (1). ويستفاد منه اشتراط المعرفة في بيع المحلى بجنس الحلية، وعدم الإكتفاء فيه بالمظنة، كما تقدم إليه الإشارة، وحكاه عن الأكثر هنا في الروضة (2)، وكفاية الزيادة الحكمية في تحقق الربا، كما عليه الأصحاب كافة، إلا ما مر عن الطوسي (3)، وحكي عن الحلي (4)، من اشتراط العينية. وترده - مضافا إلى الرواية - عمومات الأدلة من الكتاب والسنة بتحريم الربا والزيادة، التي هي أعم منها ومن الحكمية. وقريب من هذه المعتبرة المستفيضة روايات اخر معتبرة. منها الصحيح: عن بيع السيف المحلى بالنقد، فقال: لا بأس (5). بحملها على البيع به بشرط الزيادة، كما دلت عليه تلك المعتبرة. وينبغي أن يكون بيعها بالجنس * (نقدا) *. * (ولو بيعت نسيئة نقد من الثمن ما قابل الحلية) * بلا خلاف في الظاهر، لعموم الأدلة بعدم جواز بيع النقدين أحدهما بالآخر نسيئة، الشامل لنحو


(1) الكافي 5: 251، الحديث 29. (2) الروضة 3: 384. (3) الخلاف 3: 71، المسألة 117. (4) الحاكي هو صاحب الحدائق 19: 302. (5) الوسائل 12: 482، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 3.

[ 335 ]

المسألة، مضافا إلى خصوص المعتبرة. منها - زيادة على ما مر من الرواية الرابعة، المصرحة بحرمة النسيئة في المسألة - الصحيحان: في أحدهما: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بنساء (1) إذا نقد ثمن فضته، وإلا فاجعل ثمنه طعاما، ولينسئه إن شاء (2). ونحوه الثاني (3). وقريب منهما الموثق المتقدم بحمل الكراهة فيه على الحرمة، لغلبة استعمالها فيها في أحاديث الربا ونحوها، كما مر إليه مرارا الإشارة. وأما الخبر: عن السيف المحلى بالفضة يباع نسيئة، قال: ليس به بأس، لأن فيه الحديد والسير (4). فهو - مع قصور السند بالجهالة - قابل للانطباق على الأخبار المتقدمة، بحمله على النسيئة فيما عدا الحلية، كما فعله شيخ الطائفة (5). والظاهر انسحاب الحكم فيما شابه المسألة من الأواني المصوغة من الذهب والفضة. وضابطه: المنع عن بيع أحد النقدين بالآخر نسيئة مطلقا، ضم إليهما من غير جنسهما، أم لا. * (وإن جهل) * مقدار الحلية * (بيعت بغير الجنس) * مطلقا، اتفاقا فتوى ونصا، وبه أيضا حالا إذا علم زيادته عن الحلية، وإن جهل قدرها مفصلا فقد يتفق ذلك أحيانا. والأصل فيه الأصل، والعمومات، مع فقد المانع من احتمال الربا


(1) في نسخة بدل المصدر، و " م، ه‍ ": نسيئا. (2) الوسائل 12: 483، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 6. (3) الوسائل 12: 482، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 3. (4) الوسائل 12: 484، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 10. (5) الاستبصار 3: 99، ذيل الحديث 342.

[ 336 ]

والزيادة بما فيه الحلية، لاندفاعه بزيادة الثمن عنها، فتقابل هذه بتلك، فلا شبهة في المسألة. * (وقيل) * كما عن النهاية (1): إنه * (إن أراد بيعها) * أي المراكب المحلاة * (بالجنس) * المحلاة به * (ضم إليها شيئا) * آخر، وحيث إن ظاهره ضمه إلى ما فيه الحلية أو إليها نسبه الأصحاب - كالعبارة - إلى ال‍ " قيل "، المشعر بالتمريض، وذلك من حيث زيادة المحذور فيه، فإن المحتاج إلى الضميمة إنما هو الثمن خاصة، لتقابل ما زاد عن الحلية. ومع ذلك، لم نقف له على شاهد، ولا رواية، عدا ما في المسالك من وجودها (2)، كعبارة النهاية. ولم نقف عليها في شئ من أخبار المسألة في الكتب الأربعة. وربما كان نظره إلى ما تقدم من الرواية الرابعة، وقوله (عليه السلام) فيها: كان أبي يقول: يكون معه عرض أحب إلي (3)، بتوهم رجوع الضمير إلى السيوف المحلاة. وهو - مع منافاة المرجع بحسب القاعدة وإن كان يستأنس لدفعها بعبارة الراوي المتقدمة عليه، المذكرة للضمير كما فيه - يأبى عنه ذيل الرواية. وكيف كان، فهذا القول ضعيف غايته، كالمعتذر له [ كما ] (4) في الدروس بالضرورة (5). * (الخامسة: لا يجوز بيع شئ) * مطلقا، نقدا كان أو ثيابا * (بدينار) * مثلا * (غير درهم) * فيقول: بعتك هذا بدينار إلا درهما، إذا لم يعرف نسبة الدرهم إلى الدينار، نقدا كان أم نسيئة، بلا خلاف * (لأنه) * أي الثمن حينئذ


(1) النهاية 2: 134. (2) المسالك 3: 348 و 349. (3) الوسائل 12: 482، الباب 15 من أبواب الصرف الحديث 1. (4) أثبتناه من المطبوع. (5) الدروس 3: 301 و 302، الدرس 262.

[ 337 ]

* (مجهول) * وللمستفيضة: منها: يكره أن يشتري السلعة بدينار غير درهم، لأنه لا يدري كم الدرهم من الدينار (1). ونحوه خبر آخر (2). وفي ثالث: كره أن يشتري الرجل بدينار إلا درهما، وإلا درهمين نسيئة، ولكن يجعل ذلك بدينار إلا ثلثا وإلا ربعا وإلا سدسا، أو شيئا يكون جزء من الدينار (3). وقصور الأسانيد منجبر بالفتاوي، كضعف دلالة الكراهة على الحرمة، مع انجباره - زيادة على ذلك - بالتعليل في أكثرها، الصريح في الحرمة، بملاحظة ما دل على حرمة بيع الغرر والمجازفة من الفتاوى والسنة، مضافا إلى رواية اخرى في الفساد صريحة: في الرجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلى أجل، قال: فاسد، فلعل الدينار يصير بدرهم (4). ولا يقدح اختصاصها - كبعض ما مر - بالمنع نسيئة، لإشعار التعليل فيها وفي غيرها بالعموم ألبتة. * (السادسة: ما يجمع من تراب الصياغة) * من الذهب والفضة حكمه حكم تراب المعدن في جواز أن * (يباع) * مع اجتماعهما فيه * (بالذهب والفضة (5) * معا وبأحدهما، بشرط العلم بزيادة الثمن عن مجانسه، ومع الإنفراد بغير جنسه. وإطلاق الخبرين الآتيين بالبيع بالطعام لعله لمجرد التسهيل ودفع كلفة مشقة تحصيل العلم بمقدار الجوهرين، ليزاد على أحدهما لو جعل


(1) الوسائل 12: 398، الباب 23 من أبواب أحكام العقود الحديث 1. (2) الوسائل 12: 399، الباب 23 من أبواب أحكام العقود الحديث 4. (3) الوسائل 12: 399، الباب 23 من أبواب أحكام العقود الحديث 4. (4) الوسائل 12: 399، الباب 23 من أبواب أحكام العقود الحديث 2. (5) في المتن المطبوع زيادة: أو بجنس غيرهما.

[ 338 ]

هو الثمن خاصة. * (و) * يجب على الصائغ أن * (يتصدق به) * عن مالكه مع الضمان. بلا خلاف في الأول * (لأن أربابه لا يتميزون) * في الغالب - ولو بنحو من العلم بهم - في محصورين، فلا يمكن التخلص عن حقهم إلا بذلك فوجب. وللنصوص الواردة بذلك في المال المجهول المالك. وللخبرين في خصوص المقام. في أحدهما: عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به ؟ قال: تصدق به، فإما لك، وإما لأهله، قال: قلت: فإن فيه ذهبا وفضة وحديدا، فبأي شئ أبيعه ؟ قال: بعه بطعام، قلت: إن لي قرابة محتاجا اعطيه منه، قال: نعم (1). وفي الثاني: عن تراب الصائغين وإنا نبيعه، قال: أما تستطيع أن تحله من صاحبه ؟ قال: قلت: لا، إذا أخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت: بأي شئ أبيعه ؟ قال: بطعام، قلت: فأي شئ نصنع به ؟ قال: تصدق به، إما لك، وإما لأهله، قلت: إن كان لي قرابة محتاج فأصله ؟ قال: نعم (2). وقصور السند منجبر بالعمل. ويستفاد من الأخير توقف التصدق على عدم إمكان الاستحلال من الصاحب، وبه صرح الأصحاب، حتى ذكروا: أنه لو علمه في محصورين وجب التخلص منه ولو بالصلح، مع الجهل بمقدار الحق. ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان متعددا، أو متحدا. لكن ظاهر الخبر (3) جواز التصدق مع العلم بالمالك بمجرد خوف التهمة. وهو مشكل، سيما مع إمكان إيصال الحق المتصدق به إليه،


(1) الوسائل 12: 484، الباب 16 من أبواب الصرف الحديث 1. (2) الوسائل 12: 485، الباب 16 من أبواب الصرف الحديث 2. (3) في " م ": الخبرين.

[ 339 ]

أو الاستحلال منه بوجه لا يوجب التهمة. وعلى قول قوي في الثاني لو ظهر المالك ولم يرض به، لعموم الأدلة الدالة على ضمان ما أخذت اليد، خرج منه ما إذا رضي الصاحب أو استمر الإشتباه بالإجماع، فيبقى الباقي. والقول الثاني: العدم، لإذن الشارع له في الصدقة، فلا يتعقب الضمان. وفي التلازم نظر، مع إشعار الخبرين بقول: " إما لك وإما لأهله " بتعقب الضمان إذا لم يرض المالك، بناء على أن معناه - على الظاهر المصرح به في كلام جماعة - أن التصدق لك إن لم يرض الصاحب، وله إن رضي. ولا ريب أن الضمان أحوط. ومصرف هذه الصدقة الفقراء والمساكين، كما ذكره الأصحاب، ولعله لانصراف الإطلاق إليه بحكم الإستقراء. ويجوز الدفع إلى ذي قرابته، إذا كانوا بصفتهم، بنص الخبرين، وعدم خلاف بين الأصحاب فيه، وفي جواز الإعطاء للعيال إذا كانوا بصفة الإستحقاق. ولعله لفحوى الجواز في الزكاة. ويستفاد منه جواز أخذه لنفسه مع الشرط المذكور، إن قلنا بذلك ثمة لو دفعت إليه للصرف في الفقراء، وأهل المسكنة، وهو بصفتهم. فتأمل. ويلحق بالصياغة ما شابهها من الصنائع الموجبة لتخلف أثر المال، كالحدادة، والطحن، والخياطة، والخبازة. كل ذا إذا لم يعلم إعراض المالك عنه. وإلا قالوا: جاز بالتملك له، والتصرف من دون تصدق عن الصاحب. فإن كان إجماع، وإلا فللنظر فيه مجال، حيث لم ينهض حجة على انتقال الملك، وجواز التصرف بمجرد نية الإعراض، مضافا إلى إطلاق الخبرين بالتصدق. فتأمل.

[ 340 ]

* (الفصل السادس) * * (في بيع الثمار) * اعلم أنه * (لا يجوز (1) بيع ثمرة النخل) * بل مطلقا، كما يأتي * (قبل ظهورها) * - المفسر ب‍ " البروز الى الوجود وإن كانت بعد في الطلع أو الكمام " في كلام جماعة، ويشهد له بعض المعتبرة الآتية - عاما واحدا، بمعنى ثمرة ذلك العام وإن وجدت في شهر أو أقل للغرر، والإجماع المستفيض النقل في كلام جماعة، كالغنية (2) والسرائر (3) والمختلف (4) والتذكرة (5) والتنقيح (6) والدروس (7) ونكت الإرشاد (8) والمسالك (9) والروضة (10) والمفلح الصيمري في شرح الشرائع (11). وهو وما قبله الحجة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة الناهية عنه، فحوى في بعض، ونصا في الباقي. فمن الأول: النصوص الآتية، المانعة عن بيعها قبل بدو الصلاح.


(1) في المتن المطبوع: لا يصح. (2) الغنية: 212. (3) السرائر 2: 359. (4) المختلف 5: 197. (5) التذكرة 1: 502 س 12. (6) التنقيح 2: 104. (7) الدروس 3: 234، الدرس 249. (8) نكت الإرشاد: 45 س 15 (مخطوط). (9) المسالك 3: 353. (10) الروضة 3: 354. (11) غاية المرام: 68 س 18 (مخطوط).

[ 341 ]

ونحوها المعتبران، أحدهما: الصحيح، والثاني: الموثق كالصحيح على الصحيح: لا تشتر النخل حولا واحدا حتى يطعم، وإن شئت أن تبتاعه سنتين فافعل (1). والخبر: إذا بيع الحائط فيه النخل والشجرة سنة واحدة فلا يباعن حتى يبلغ ثمرته (2). ومن الثاني: الموثق كالصحيح: عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها ؟ قال: لا، إلا أن يشتري معها غيرها رطبة أو بقلا، فيقول: أشتري منك هذه الرطبة - إلى أن قال -: فإن لم يخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل (3). وهو وإن دل على الجواز مع الضميمة مطلقا، إلا أن اللازم - وفاقا للتذكرة (4) - حملها على المقصودة بالأصالة، وكون الثمرة تابعة غير مقصودة، جمعا بين الأدلة، والتفاتا إلى الإشعار به في ذيل الرواية من العلة بأنه " إن لم يخرج الثمرة كان رأس ماله في الرطبة "، بناء على الغالب من عدم دفع الثمن في مثل هذه الصورة، إلا بعد أن تكون الضميمة بالذات مقصودة دون الثمرة. وبه يقيد إطلاق المعتبرة المتقدمة، ككلام الجماعة، وإن كان الأحوط الترك مطلقا ولو مع الضميمة، فرارا من الشبهة الناشئة من الإطلاقات المزبورة. هذا، ويستفاد من الصحاح الجواز من دون ضميمة أيضا، لكن


(1) الوسائل 13: 5، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 9 و 10. (2) الوسائل 13: 4، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 7. (3) الوسائل 13: 9، الباب 3 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (4) التذكرة 1: 502 س 15.

[ 342 ]

مع الكراهة. منها: عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين، قال: لا بأس به، يقول: إن لم يخرج في هذه السنة اخرج من قابل، وإن اشتريته سنة فلا تشتره حتى يبلغ، وإن اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس. وعن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فتهلك تلك الأرض كلها، فقال: اختصموا في ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع، حتى تبلغ الثمرة، ولم يحرمه، ولكن إنما فعل ذلك من أجل خصومتهم (1). وفيه دلالة على كون النهي للإرشاد، ودفع المنازعة. ومن غيره كونه للكراهة، كالصحيح: إنما يكره شراؤها سنة واحدة قبل أن يطلع، مخافة الآفة حتى تستبين (2). ونحوهما في عدم كون النهي للحرمة الخبر: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسمع ضوضاء، فقال: ما هذا ؟ فقيل: تبايع الناس بالنخل، فقعد النخل العام، فقال (صلى الله عليه وآله): أما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل العام حتى يطلع فيه شئ، ولم يحرمه (3). ولذلك جمع الشيخ بينها وبين المتقدمة عليها في الكتابين بالكراهة (4). لكن فتواه بها بمجرد ذلك غير معلومة، فلعلها لمجرد الجمع بين الأخبار المختلفة، مع احتماله الحرمة والإستحباب معا في ذيل الباب، المذكور فيه الأخبار المذكورة، المشعر - بل الظاهر - في تردده في الكراهة، مع احتمال


(1) الوسائل 13: 3، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (2) الوسائل 13: 4، الباب 1 من أبواب بيع الثمار ذيل الحديث 8. (3) الوسائل 13: 2، الباب 1 من أبواب بيع الثمار ذيل الحديث 1. (4) التهذيب 7: 88، ذيل الحديث 375، والاستبصار 3: 88، ذيل الحديث 301.

[ 343 ]

ارادته الكراهة في البيع بعد ظهورها قبل بدو الصلاح، كما يشعر به عبارته، سيما بعد ضم سياق بعضها إلى بعض، ولذا نسب جماعة القول بالكراهة إليه في المسألة الآتية، دون هذه المسألة. وكيف كان، ففتواه هنا بالكراهة - لو كانت، مع أنها غير معلومة - شاذة. كما (1) دل عليه من النصوص وإن كانت بحسب الأسانيد معتبرة لا تقاوم شيئا مما قدمناه من الأدلة، سيما الإجماعات المحكية المستفيضة، التي كل واحد منها في حكم رواية صحيحة، معتضدة بالشهرة العظيمة، مضافا إلى ضعف دلالة الصحاح بالضرورة. فالأول: بقرب احتمال إرادة بدو الصلاح من البلوغ المنهي عن بيع الثمرة قبله، بل لعله الظاهر، كما لا يخفى على المتأمل، المتدبر. والثاني: أولا: بأعمية الكراهة من المعنى المصطلح في هذه الأزمان المتأخرة، فيحتمل الحرمة، بل يتعين بشهادة الأخبار الظاهرة فيها، لمكان النهي بالضرورة. وثانيا: باحتمال أن يراد من طلوع الثمرة بلوغها وبدو صلاحها، ولا بأس به وإن بعد، جمعا بين الأدلة. وبنحوه يجاب عن الثالث. فتأمل. مضافا إلى قصور سنده بالجهالة، ووجه آخر لضعف الدلالة. فاحتمال بعض متأخري متأخري الطائفة (2) المصير إلى الجواز مع الكراهة ضعيف غايته، ولا أزيد من عام واحد على الأظهر الأشهر، بل عن الحلي عليه الإجماع (3). وهو الحجة.


(1) كذا في النسخ، والظاهر: فما. (2) الظاهر أنه صاحب مفاتيح الشرائع 3: 55، مفتاح: 903. (3) السرائر 2: 359.

[ 344 ]

والمناقشة فيه بخروج من سيأتي - كما في المختلف (1) - مردودة، بناء على ما عليه أصحابنا من عدم القدح فيه بمثل ذلك بالبديهة. هذا، مضافا إلى أكثر ما مر من الأدلة، من لزوم الغرر والجهالة، وفحاوي الأخبار الآتية " فتأمل "، وإطلاق الموثقة الثانية، بل عمومها الناشئ من ترك الإستفصال. مضافا إلى مفهوم بعض المعتبرة بالشهرة، وما قدمناه من الأدلة: عن النخل والثمر يبتاعهما الرجل عاما واحدا - إلى أن قال -: فإذا أثمرت فابتعها أربعة أعوام إن شئت مع ذلك العام، أو أكثر من ذلك، أو أقل (2). خلافا للمقنع (3) والتذكرة (4)، فجوزاه، كما حكاه جماعة، إستنادا إلى الأصل، والعمومات والصحيح: عن شراء النخل، فقال: كان أبي يكره شراء النخل قبل أن يطلع ثمرة السنة، ولكن السنتين والثلاث، كأن يقول: إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الاخرى. وعن: الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن يطلع فيشتري سنتين أو ثلاثا أو أربعا، فقال: لا بأس، الحديث (5). وربما يستدل له بإطلاق المعتبرين، والصحيح الأول من الصحاح، المتوهم معارضتها لهما، من حيث تخصيص المنع في الأولين قبل أن يطعم بالحول الواحد، المشعر بالجواز فيما زاد، مع التصريح به فيه أخيرا. وإطلاق جواز البيع ثلاث سنين قبل البلوغ في الأخير، وهو - كالأول - أعم من ظهور الثمرة قبل بدو الصلاح وعدمه إن كان الأمران مرادا بهما " بدو


(1) المختلف 5: 197. (2) الوسائل 13: 5، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 12. (3) المقنع: 123. (4) التذكرة 1: 502 س 20. (5) الوسائل 13: 4، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 8.

[ 345 ]

الصلاح "، وإن اريد بهما " مجرد ظهور الثمرة " - وإن بعد - كان الخبران نصين في الجواز قبله. وفي الجميع نظر، لاندفاع الأولين بما مر، سيما أدلة نفي الغرر وتاليهما، باحتمال " الطلوع " فيه " بدو الصلاح "، كما مر. ويكون المراد بقوله: " ان لم يحمل... إلى آخره " إن خاست. وارتكاب هذا الحمل فيه - وإن بعد - أولى من ارتكاب الحمل فيما مر، لكونه بوجوه كثيرة أعظمها الشهرة وأدلة نفي الغرر - المتفق عليها فتوى ورواية - بالترجيح أولى وأظهر. وربما يستأنس لحمل " الطلوع " فيه على " البلوغ " بملاحظة الصحيح الثاني، حيث اشترط في نفي بأس الشراء ثلاث سنين وقوعه قبل " البلوغ " الذي مر أن الظاهر منه " بدو الصلاح "، وجعله المعيار له، دون غيره، مع تضمنه قوله في الصدر تعليلا للجواز: " إن لم يخرج في هذه السنة اخرج من قابل ". ولو كان المعيار هو " الظهور " لكان التبديل به عن " البلوغ " أولى، كما لا يخفى. ومنه يظهر الجواب عن الإستناد إليه وإلى المعتبرين، من حيث جعلهما المعيار في الجواز مع تعدد السنين والمنع مع الإتحاد هو " قبل الإطعام " الظاهر في بدو الصلاح، مع حكاية التصريح به عن الصحاح: قال: أطعمت النخلة إذا أدرك ثمرها، وأطعمت البسرة، أي صار لها طعم (1). ثم لو سلم الإطلاق المتوهم، لاجيب عنه بالتقييد بما تقدم، لما تقدم. فالقول بالمنع متعين. * (و) * كذا * (لا) * يجوز بيعها سنة واحدة * (بعد ظهورها) * مطلقا بشرط التبقية أو مطلقا * (ما لم يبد صلاحها، وهو أن يحمر أو يصفر على) * الأظهر


(1) الصحاح 5: 1975.

[ 346 ]

* (الأشهر) * وفاقا للإسكافي (1) والصدوق (2) والطوسي (3) والحلبي (4) وابن حمزة (5) وابن زهرة العلوي (6)، مدعيا هو - كالمبسوط (7) والخلاف (8) - عليه الإجماع. وهو الحجة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة. منها - زيادة على أكثر النصوص المتقدمة، كالمعتبرة الثلاث الاول، والاولى من الصحاح المقابلة لها -: المعتبرة بالشهرة، مع كون أسانيد بعضها معتبرة، وهي مستفيضة. منها الصحيح: لاتباع الثمرة حتى يبدو صلاحها (9). والموثق: عن الفاكهة متى يحل بيعها ؟ قال: إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فأطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها، فإذا كان نوعا واحدا فلا يحل بيعه حتى يطعم، فإن كان أنواعا متفرقة فلا يباع منها شئ حتى يطعم كل نوع منها وحده، ثم تباع تلك الأنواع (10). والمرسل كالموثق: عن بيع الثمرة قبل أن تدرك، فقال: إذا كان في ملك بيع له غلة قد أدركت فبيع ذلك حلال (11). وقريب منه الصحيح: إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعا (12). وهما دالان على المنع في غير محل المنطوق، الذي منه المفروض صريحا في الأول، وظاهرا في الثاني، بملاحظة الأول والخبران:


(1) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 195. (2) المقنع: 123. (3) النهاية 2: 207. (4) الكافي في الفقه: 256. (5) الوسيلة: 250. (6) الغنية: 212. (7) المبسوط 2: 113. (8) الخلاف 3: 85، المسألة 140. (9) الوسائل 13: 3، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 4. (10) الوسائل 13: 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 5. (11) الوسائل 13: 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (12) الوسائل 13: 7، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 1.

[ 347 ]

في أحدهما: عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر أخضر، فقال: لا، حتى تزهو، قلت: وما الزهو ؟ قال: حتى يتلون (1). وفي الثاني: لا تشتره حتى يتبين صلاحه (2). والمروي عن كتاب علي بن جعفر: عن شراء النخل سنة واحدة، قال: لا تشتر حتى يبلغ (3). ونحوه المروي في حديث المناهي المروي في آخر الفقيه: نهى أن يباع الثمار حتى تزهو (4). وهي مع استفاضتها واعتضادها بالأخبار الأولة واضحة الدلالة، للتصريح فيها منطوقا في بعض، ومفهوما في آخر بالمنع قبل بدو الصلاح، كما في جملة منها، والصحيح: هل يجوز بيع النخل إذا حمل ؟ فقال: لا يجوز بيعه حتى يزهو، قلت: وما الزهو جعلت فداك ؟ قال: يحمر ويصفر وشبه ذلك (5)، أو قبل البلوغ كما في بعض (6)، أو الإطعام كما في آخر (7)، أو الإدراك كما في ثالث (8). وظاهر هذه الألفاظ المتبادر منها عند الإطلاق هو بدو الصلاح، وقد مر عن الصحاح ما يدل عليه في الثاني، منها عند الإطلاق هو بدو الصلاح، وقد مر عن الصحاح ما يدل عليه في الثاني، وأخبارهم (عليهم السلام) يكشف بعضها عن بعض.


(1) الوسائل 13: 4، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 5. (2) الوسائل 13: 6، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 13. (3) مسائل علي بن جعفر: 169، الحديث 284. (4) الفقيه 4: 7، الحديث 4968. (5) الوسائل 13: 3، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (6) الوسائل 13: 7، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 22. (7) الوسائل 13: 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (8) الوسائل 13: 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 2.

[ 348 ]

خلافا للمفيد (1) والديلمي (2) والحلي (3) والتذكرة (4) والروضتين (5)، فالجواز مع الكراهة. عملا في الأول: بالأصل، والعمومات، والصحيحة المتقدمة سندا للمقنع في المسألة السابقة (6)، لتصريحها بالكراهة قبل أن تطلع ثمرة السنة. والمراد بها الكراهة الاصطلاحية، بقرينة ما مر في بعض المعتبرة السابقة، من أنه (عليه السلام): نهاهم عن ذلك، ولم يحرمه، فتصرف الأخبار الناهية إليها. مع احتمالها الحمل على التقية، كما يستفاد من بعض المعتبرة، كالصحيح: عن بيع النخل سنتين، فقال: لا بأس، قلت: جعلت فداك إن ذا عندنا عظيم، قال: أما إنك إن قلت ذلك: لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحل ذلك فتظلموا، فقال (عليه السلام): لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها (7). وفي الثاني: إلى الصحيحة المتضمنة للكراهة، وإلى الشبهة الناشئة من الخلاف في المسألة فتوى ورواية. والمناقشة في الجميع واضحة، لاندفاع الأولين بما مر من الأدلة كاندفاع الثالث بها، وبمتروكية الظاهر إن اريد من الطلوع فيه مجرد الظهور، وبأعمية الكراهة من المصطلح عليه بين متأخري الطائفة إن اريد به البلوغ، كما عليه بناء الحجة، ومرت إلى صحته الإشارة، فيحتمل الحرمة، فلتصرف إليها، جمعا بين الأدلة، سيما بعد ملاحظة الصحيحة المضاهية له في السياق، والعبارة المصرحة بالنهي، الظاهر في الحرمة. ودلالة القرينة المزبورة على الكراهة الاصطلاحية غير معلومة، إلا بعد


(1) المقنعة: 602. (2) المراسم: 177. (3) السرائر 2: 359. (4) التذكرة 1: 502. (5) اللمعة والروضة 3: 355. (6) المقنع: 123. (7) الوسائل 13: 3، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 4.

[ 349 ]

معلومية تعلق نهيه (صلى الله عليه وآله) - الذي ليس للحرمة - ببيع الثمرة سنة واحدة. وليس في المعتبرة المتضمنة لهذه القرينة ذكر لذلك، بل ولا إيماء إليه، ولا إشارة، فيحتمل تعلقه إلى بيعها سنتين قبل بدو صلاحها، لا مطلقا. ولعله يشير إليه الصحيحة المستشهد بها للحمل على التقية، حيث إن الظاهر منه وقوع التظلم في مورد السؤال فيها، وهو البيع سنتين، الذي يأبى عنه العامة، كما يشير إليه سياق الرواية، ويستشعر أيضا من عبارة الغنية (1)، بل حكي التصريح به عن السرائر (2) والتذكرة (3). والظاهر أن قضية التظلم الذي تعقبها النهي الذي ليس للحرمة بمقتضى المعتبرة المتقدمة مع هذه القضية واحدة. ومن هنا انقدح وجه الجواب عن الإستشهاد بهذه الصحيحة، لحمل أخبار المنع على التقية، فإن ما منعت عنه العامة بمقتضى الرواية وعبارة الغنية (4) هو البيع قبل بدو صلاح الثمرة سنتين، لا خصوص السنة الواحدة، كما هي مورد الروايات السابقة. وللمحكي عن ظاهر الديلمي (5)، فالتفصيل بين السلامة من الآفة إلى أوان بلوغ الثمرة فالصحة - لكن لم يذكر عنه الكراهة - وعدمها فالأول، بمعنى تبين فساد المعاملة، جمعا بين الأدلة. وهو مع الندرة وعدم وضوح الشاهد عليه والحجة يتوجه عليه المناقشات السابقة، فهو أضعف من سابقه بالضرورة. * (نعم لو ضم إليها شئ) * يجوز بيعه منفردا * (أو بيعت أزيد من سنة أو بشرط القطع) * في الحال وإن لم يقطع بعد ذلك مع تراضيهما عليه * (جاز) *


(1) الغنية: 212. (2) السرائر 2: 359 و 360. (3) التذكرة 1: 502 س 33. (4) الغنية: 212. (5) الحاكي هو العلامة في المختلف 5: 195.

[ 350 ]

إجماعا في الظاهر، وصرح به في الأخيرين في الغنية (1) والخلاف (2) والمبسوط (3) والتذكرة (4) وفي الجميع في السرائر (5) والتنقيح (6) وشرح الشرائع للصيمري (7). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، والعمومات، السليمة عما يصلح للمعارض، عدا ما ربما يتوهم منه من إطلاق الأخبار المانعة. والمناقشة فيه واضحة، لاختصاصها بحكم التبادر بغير صورة البيع بأحد الامور المزبورة، مع التصريح في بعضها بعد المنع بجوازه بالضميمة في صورة بيع الثمرة قبل طلوعها (8)، المستلزم لجوازها هنا بطريق أولى إن حمل " الطلوع " فيه على " الظهور "، وإلا فهو نص في المقام جدا. وفي آخر منها مستفيض: بجواز البيع سنتين فصاعدا قبل البلوغ كما في بعضها (9)، أو الطلوع كما في الآخر (10). وطريق الاستدلال به ظاهر مما قدمناه. وفي ثالث بالجواز مع القطع (11)، كما قيل (12). وينبغي تقييده - ككلام الأصحاب، وبه صرح بعضهم - بكون المشروط تقطعها مما ينتفع به عند العقلاء (13) فإن المعاملة بدونه يعد سفها عرفا، كما مر مرارا قد مضى. وألحق الفاضل بالثلاثة بيعها على مالك الأصل، وبيع الاصول مع استثناء الثمرة (14).


(1) الغنية: 212. (2) الخلاف 3: 85، المسألة 140. (3) المبسوط 2: 113. (4) التذكرة 1: 502 س 33. (5) السرائر 2: 358. (6) التنقيح 2: 104. (7) غاية المرام: 68 س 24 (مخطوط). (8) الوسائل 13: 9، الباب 3 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (9) الوسائل 13: 3، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (10) الوسائل 13: 4، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 8. (11) الوسائل 13: 17، الباب 9 من أبواب بيع الثمار الحديث 1 و 2. (12) انظر مفاتيح الشرائع 3: 56، مفتاح 903. (13) الحدائق 19: 334. (14) القواعد 1: 130 س 17.

[ 351 ]

وفيهما نظر، لخروج الثاني عن محل الفرض، فانه لا بيع هنا ولا نقل ثمرة، وعدم وضوح دليل على الأول عدا التبعية، ولا تكون إلا إذا بيعت مع الأصل، ولذا قال: بالبطلان في التحرير (1)، وحكي عن الخلاف (2) والمبسوط (3). [ نعم ادعى الإجماع عليه في القواعد (4). وهو حسن ] (5). * (ويجوز بيعها مع اصولها) * مطلقا * (وإن لم يبد صلاحها) * وكان (6) عاريا من الشرائط الثلاثة إجماعا، فإنها في معنى الضميمة جدا. ثم إن تفسير البدو بالإحمرار والإصفرار خاصة في العبارة هو الأظهر الأشهر بين الطائفة، كما عن الإسكافي والطوسي (7) والقاضي (8) والصهرشتي (9) والحلي (10)، وهو مختار الشهيدين (11) والفاضل في أكثر كتبه (12)، وعليه دلت أكثر النصوص المتقدمة وإن اختلفت في الظهور والصراحة. فمن الأول: المعتبرة المستفيضة، المعبرة عنه بالإطعام، كما في بعض (13)، والبلوغ، كما في آخر (14)، والإدراك، كما في ثالث (15). ومن الثاني المعتبران المعبران عنه ب‍ " الزهو " المفسر فيهما وفي كلام


(1) التحرير 1: 188 س 24. (2) الخلاف 3: 87، المسألة 141. (3) المبسوط 2: 113. (4) القواعد 1: 130 س 18. (5) لا يوجد في المخطوطات. (6) في المطبوع: وإن كان. (7) المبسوط 2: 114. (8) المهذب 1: 380. (9) إصباح الشيعة: 217. (10) السرائر 2: 361. (11) اللمعة والروضة 3: 355. (12) التحرير 1: 188 س 30، والقواعد 1: 130 س 16. (13) الوسائل 13: 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (14) الوسائل 13: 7، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 22. (15) الوسائل 13: 7 و 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 1 و 2.

[ 352 ]

أهل اللغة - كما حكاه جماعة - بالتلون، كما في أحدهما (1)، والإحمرار والإصفرار، كما في الثاني (2). وقصور سندهما منجبر بالشهرة العظيمة، ويرجع إليهما الأخبار الأولة، بحمل الألفاظ الثلاثة فيها على ما فيهما، لصدقها مع الإحمرار والإصفرار جدا. ونحوهما في الصراحة أخبار عامية، منجبرة بالشهرة. منها: نهى عن بيع الثمرة حتى تشقح، قيل: وما التشقيح ؟ قال: تحمر وتصفر ويؤكل منها (3). ومنها: عن قوله حتى تزهو، قال: تحمر وتصفر (4). خلافا للماتن في الشرائع (5) والفاضل في الإرشاد (6)، فزادا " أو بلوغ غاية يؤمن عليها الفساد " ولعله للجمع بين ما مر وبين الخبر الذي مر. وفيه: لا، حتى يثمر ويؤمن ثمرتها من الآفة (7). ونحوه خبران عاميان (8). وضعف الجميع سندا، بل ودلالة، باحتمال أن يراد بزمان أمن الثمرة من الآفة زمان إحمرارها وإصفرارها - كما صرح به بعض الأجلة (9) - مع عدم المقاومة لما مر جدا يضعف الإستناد إليه قطعا. مع احتمال إرادة الفاضلين من الترديد التنبيه على تعدد القولين. ولم نقف على القائل بالثاني خاصة. ولا ريب في ضعفه وإن وجد القائل به.


(1) الوسائل 13: 4، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 5. (2) الوسائل 13: 3، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (3) صحيح البخاري 3: 101. (4) صحيح البخاري 3: 101. (5) الشرائع 2: 52. (6) الإرشاد 1: 363. (7) الوسائل 13: 5، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 12. (8) انظر صحيح مسلم 3: 1166، الحديث 51 و 52. (9) مفتاح الكرامة 4: 373.

[ 353 ]

وعليه، فالمرجع فيه إلى العادة. وربما حد في النبوية العامية: بطلوع الثريا (1). وردها بالضعف سندا جماعة، وزاد بعضهم القصور من حيث الدلالة (2). * (وكذا لا يجوز بيع ثمرة الشجرة) * سنة * (حتى تظهر ويبدو صلاحها) * لعين ما مر وإن اختص بعضها بالنخل، مضافا إلى الموثق: عن الكرم متى يحل بيعه ؟ فقال: إذا عقد وصار عقودا، والعقود إسم الحصرم بالنبطية (3). * (وهو) * أي بدو الصلاح هنا * (أن ينعقد الحب) * وإن كان في كمام، بكسر الكاف جمع أكمة بفتح الهمزة وكسر الكاف وفتح الميم مشددة، وهي غطاء الثمرة والنور، كالرمان، وكذا لو كان في كمامين، كالجوز واللوز. وعلى هذا التفسير - كما هنا وفي أكثر كتب الفاضل (4) - لم يختلف الظهور وبدو الصلاح، وإنما يختلفان في النخل خاصة. ويظهر الاختلاف هنا أيضا على غيره من جعل البدو تناثر الزهر بعد الإنعقاد، كما عن النهاية (5) والكامل (6) والسرائر (7) والتحرير (8) والدروس (9)، بل ادعى عليه الشهرة المطلقة أو المتأخرة خاصة جماعة، أو تلون الثمرة أو صفاء لونها أو الحلاوة وطيب الأكل في مثل التفاح أو النضج في مثل البطيخ أو تناهي عظم بعضه في مثل القثاء، كما عن المبسوط (10) والمهذب (11).


(1) سنن البيهقي 5: 300. (2) الخلاف 3: 88، المسألة 143، ومجمع الفائدة 8: 206. (3) الوسائل 13: 4، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 6. (4) الإرشاد 1: 363، والقواعد 1: 130 س 18. (5) النهاية 2: 207. (6) لا يوجد كتابه لدينا. (7) السرائر 2: 361. (8) التحرير 1: 188 س 30. (9) الدروس 3: 235، الدرس 249. (10) المبسوط 2: 114. (11) المهذب 1: 381.

[ 354 ]

ومنشأ الإختلاف في التفاسير اختلاف النصوص في التعبير. فبين ما عبر فيه بالإنعقاد والصيرورة حصرما، كما مر في الموثق، وبه استدل للأول. وفيه نظر. وما عبر به بزيادة سقوط الورد، كما في القول الثاني. وفيه: ثمرة الشجرة لا بأس بشرائها إذا صلحت ثمرته، فقيل له: وما صلاح ثمرته ؟ فقال: إذا عقد بعد سقوط ورده (1). وما عبر بالطعم أو البلوغ أو الإدراك الراجع بحكم التبادر إلى القول الثالث، وهو المعتبرة المستفيضة المتقدم إليها الإشارة. وخيرها أوسطها، لانجبار ضعف ما دل عليه سندا بالشهرة المحكية جدا، وقصور الأخبار الأخيرة عن المقاومة له دلالة، لاحتمال إرجاع ما فيها من الألفاظ الثلاثة إليه جدا، كما فعل (2) فيما تقدم. ولا ريب أن الأخير أحوط، فلا يترك مهما أمكن. * (وإذا أدرك بعض ثمرة البستان جاز بيع ثمرته أجمع) * بلا خلاف، بل عليه الإجماع في كلام جماعة، كالمختلف (3) والمسالك (4) وشرح الشرائع للصيمري (5) وغيرهم (6). وهو الحجة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المتقدم إليها الإشارة. وفيها الصحيح والمرسل كالموثق: إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعه جميعا، كما في الأول (7). وفي الثاني: عن بيع الثمرة قبل أن تدرك، فقال: إذا كان في ملك بيع له


(1) الوسائل 13: 6، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 13. (2) في المطبوع خ ل و " ش ": فصل. (3) المختلف 5: 198، وفيه: بلا خلاف. (4) المسالك 3: 356. (5) غاية المرام: 68 س 3 (مخطوط). (6) السرائر 2: 361، والدروس 3: 235، الدرس 249. (7) الوسائل 13: 7، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 1.

[ 355 ]

غلة قد أدركت فبيع كله حلال (1). وإطلاق النص وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في الضميمة، بين أن تكون متبوعه، أو تابعه. ولا ريب في الاولى، للقاعدة المطردة من صحة المعاملة مع الضميمة، التي تكون بالذات مقصودة، مخرجة لها عن الغرر والمجازفة، وقد تقدم إلى ذكرها مرارا الإشارة. وكذا في الثانية بعد ما عرفت من إطلاق النص والفتوى، المخرجين لها عما دل على فساد المعاملة ولو انضم (2) ضميمة ليست بالذات مقصودة إذا اشتملت على الغرر والجهالة. ومن هنا انقدح وجه القدح في استدلال جماعة بقاعدة الضميمة المزبورة، لصحة هذه المعاملة مطلقا ولو في الصورة الثانية، فإنها لم تنهض بإثباتها، إلا في الصورة الاولى خاصة. ولعل الوجه فيه أن الضميمة هنا ليست لدفع الغرر والجهالة حتى يأتي فيها التفصيل المتقدم إليها الإشارة، لاختصاص مثلها (3) بما يتصور فيه الأمران لو خلي عنها. وليس منه مفروض المسألة، بناء على أن المنع عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إنما هو تعبد محض، نهض بإثباته الأخبار المانعة، لولاها لتعين المصير إلى الجواز، نظرا إلى الأصل، والعمومات السليمة عن معارضة الغرر والمجازفة، لاندفاعهما بالمشاهدة، ولذا صار إليه جماعة، بعد حملهم تلك الأخبار على الكراهة، بشهادة بعضها، كما زعموه. بل ضمها هنا ليس إلا للذب والفرار عن الدخول تحت إطلاق تلك الأخبار، بناء على اختصاصها بحكم التبادر بغير المضمار.


(1) الوسائل 13: 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (2) في " م ": على فسادها ولو بضم. (3) في " ش ": مثله.

[ 356 ]

* (ولو أدرك ثمرة بستان ففي جواز بيع بستان آخر لم يدرك منضما إليه تردد) * ينشأ من إطلاق تلك الأخبار المانعة عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، واختصاص ما تقدم من الإجماع والمعتبرة بالمسألة الاولى خاصة، وليس مثلها المسألة، فإن لكل بستان حكمه. مضافا إلى ظاهر بعض المعتبرة، كالموثق: عن الفاكهة متى يحل بيعها ؟ قال: إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فاطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها، فإذا كان نوعا واحدا فلا يحل بيعه حتى يطعم، وإن كان أنواعا متفرقة فلا يباع منها شئ حتى يطعم كل نوع منها وحده، ثم تباع تلك الأنواع (1). ومما عرفت من انصراف إطلاق تلك الأخبار بحكم التبادر إلى غير صورة الضميمة فيتجه الحكم بالصحة معها، بناء على ما عرفت من عموم أدلتها السليمة مع الضميمة عن معارضة الأخبار المانعة، وأنه لا غرر هنا، وكون المنع على تقديره إنما هو تعبد محض، لا للمجازفة، ومعارضة الموثقة بأقوى منها من المعتبرة سندا ودلالة، وهو الرواية الثانية المتقدمة في المسألة السابقة لشمولها للمسألة. مضافا إلى ضعف دلالة الموثقة، بقرب احتمال خروجها عن مفروض المسألة، باشتراطها في صحة بيع الثمرة مع الضميمة اتحاد النوع. ولم يقل به أحد من الطائفة، فتكون حينئذ شاذة، وصرح بذلك بعض الأجلة (2). * (و) * منه يظهر أن * (الجواز أشبه) * ومع ذلك هو بين المتأخرين أشهر. خلافا للمبسوط (3) والخلاف (4). وهو ضعيف. * (ويصح بيع ثمرة الشجرة) * بعد انعقاد الحب مطلقا * (ولو كان في الأكمام


(1) الوسائل 13: 8، الباب 2 من أبواب بيع الثمار الحديث 5. (2) الحدائق 19: 337. (3) المبسوط 2: 114. (4) الخلاف 3: 88، المسألة 144.

[ 357 ]

منضما إلى اصوله) * كان * (أو منفردا) * بلا خلاف أجده، للأصل، والعمومات السليمة عما يصلح للمعارضة، عدا توهم لزوم الغرر والجهالة باستتار الثمرة، ويندفع بجواز البيع، بناء على أصالة الصحة، كما مر في بحث بيع المسك في فأره ونحوه إلى ذكره الإشارة. * (وكذا يجوز بيع الزرع قائما) * على اصوله مطلقا، قصد قصله، أم لا * (وحصيدا) * أي محصودا وإن لم يعلم ما فيه. استنادا في الأول: إلى أنه قابل للعلم مملوك، فتناوله الأدلة من عمومات الكتاب والسنة. وفي الثاني: إلى أنه حينئذ غير مكيل ولا موزون، بل يكفي في معرفته المشاهدة، فتتناوله تلك الأدلة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة فيهما. منها الصحاح في أحدها: أيحل شراء الزرع الأخضر ؟ قال: نعم لا بأس به (1). وفي الثاني: لا بأس بأن تشتري زرعا أخضر ثم تتركه حتى تحصده إن شئت، أو تعلفه قبل أن يسنبل وهو حشيش (2). وقريب منه الثالث (3) وغيره: لا بأس أن تشتري زرعا أخضر، فإن شئت تركته حتى تحصده، وإن شئت بعته حشيشا (4). ومنها الموثق: عن شراء القصيل يشتريه الرجل فلا يقصله ويبدو له في تركه حتى يخرج سنبله شعيرا أو حنطة وقد اشتراه من أصله على أنه ما يلقاه من أخرج فهو على العلج، فقال: إن كان اشترط عليه الإبقاء حين


(1) الوسائل 13: 20، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (2) الوسائل 13: 20، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (3) الوسائل 13: 20، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (4) الوسائل 13: 21، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 6.

[ 358 ]

اشتراه إن شاء قطعه قصيلا، وإن شاء تركه كما هو حتى يكون سنبلا، وإلا فلاينبغي له أن يتركه حتى يسنبل (1). ومنها الخبر: عن بيع حصائد الحنطة والشعير وسائر الحصائد، قال: حلال بيعه، فليبعه بما شاء (2). ولا خلاف في شئ من ذلك، إلا ما يحكى عن المقنع (3) في الأول، حيث شرط كونه سنبلا أو القصيل (4)، وله الخبر: عن الحنطة والشعير أشتري زرعه قبل أن يسنبل وهو حشيش، قال: لا إلا أن يشتريه لقصيل يعلفه الدواب، ثم يتركه إن شاء حتى يسنبل (5). وفيه مضافا إلى الضعف سندا بالبطائني قصور عن المقاومة - لما مر جدا - من وجوه شتى. وأما الموثق: لا تشتر الزرع ما لم يسنبل، فإذا كنت تشتري أصله فلا بأس بذلك، الحديث (6). فليس له فيه حجة، لظهور السياق في أن المراد بالزرع هو الحاصل، وقد مر أنه لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه، الذي هو انعقاد حبه، والشاهد عليه قوله (عليه السلام): " فإذا كنت تشتري أصله... إلى آخره ". فتأمل. ثم إن ظاهر النصوص والفتاوى استحقاق المشتري الصبر إلى أوان البلوغ، فيجب على البائع الصبر إليه جدا، إلا أن الموثقة الاولى ظاهرة في خلافها (7)، حيث دلت على أنه لا ينبغي الترك حتى يسنبل مع عدم شرط الإبقاء.


(1) الوسائل 13: 21، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 7. (2) الوسائل 17: 336، الباب 9 من أبواب إحياء الموات الحديث 2. (3) المقنع: 132. (4) في " م، ق، ش ": أو القصل. (5) الوسائل 13: 22، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 10. (6) الوسائل 13: 21، الباب 11 من أبواب بيع الثمار الحديث 5. (7) في المطبوع: خلافهما.

[ 359 ]

ولكن ليس نصا في التحريم، بل ولا ظاهرا، بل ربما أشعرت اللفظة بالكراهة جدا. فلا بأس بحملها عليها لذلك، أو جمعا. وأما حملها على صورة البيع قصيلا - كما يشعر به صدرا - فلا وجه له أصلا. أولا: بضعف إشعار الصدر، فإن شراء القصيل أعم من شرائه قصيلا. وثانيا: بأن شراءه كذلك ينافي التفصيل في الجواب بقوله: " إن كان اشترط عليه الإبقاء " ظاهرا، لمنافاة اشتراط الإبقاء الشراء قصيلا، إذ معناه الشراء بشرط القطع جدا، وصرح به الحامل أيضا. * (ويجوز بيع الخضر) * كالقثاء والباذنجان والبطيخ والخيار * (بعد انعقادها) * وظهورها وإن لم يتناه عظمها على المشهور. خلافا للمبسوط، فاشترطه (1)، كما مر. * (لقطة ولقطات) * معينة معلومة العدد، كما يجوز شراء الثمرة الظاهرة وما يتجدد في تلك السنة وفي غيرها، مع ضبط السنين، لأن الظاهر منها بمنزلة الضميمة إلى المعدوم، سواء كانت المتجددة من جنس الخارجة، أم غيره. والمرجع في اللقطة العرف، فما دل على صلاحيته للقطع يقطع، وما دل على عدمه لصغره أو شك فيه لا يدخل. أما الأول: فواضح. وأما المشكوك فيه: فلأصالة بقائه على ملك مالكه، وعدم دخوله فيما اخرج باللقط. * (وكذا يجوز) * بيع ما يجز * (كالرطبة) * بفتح الراء وسكون الطاء، نبت خاص، قيل: له أوراق صغار ذو بسط في الجملة، يقال له بالفارسية:


(1) المبسوط 2: 114.

[ 360 ]

اسبست (1) كما عن الصحاح والمغرب * (جزة وجزات) *. * (وكذا ما يخرط) * أصل الخرط أن يقبض باليد على أعلى القضيب ثم يمرها عليه إلى أسفله ليأخذ منه الورق، ومنه المثل السائر: دونه خرط القتاد. والمراد هنا: ما يقصد من ثمرته ورقه * (كالحنا والتوت) * بالتائين من فوق * (خرطة وخرطات) *. ودليل الجواز في الكل - بعد الوفاق في الظاهر - الأصل، والعمومات السليمة عن المعارض، مضافا إلى المعتبرين في الأخيرين. أحدهما الموثق: عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات، أو أربع خرطات ؟ فقال: إذا رأيت الورق في شجره فاشتر منه ما شئت من خرطة (2). وهو في غاية الظهور فيما عليه المشهور، من اشتراط الصحة بالظهور. خلافا للمحكي عن ظاهر ابن حمزة (3) في نحو الجزة الثانية والثالثة، فجوز بيعها منفردة قبل الظهور. وهو بأدلة الغرر والجهالة محجوج بها، وبالموثقة يقيد إطلاق الرواية الثانية: عن الرطبة يبيعها هذه الجزة وكذا جزة بعدها، قال: لا بأس به، وقال: كان أبي (عليه السلام) يبيع الحنا كذا وكذا خرطة (4). مع ظهور صدرها فيما دلت عليه الموثقة. * (ولو باع الاصول من النخل بعد التأبير فالثمرة للبائع) * بلا خلاف، إلا


(1) في الصحاح: إشفست، راجع ج 3 ص 1049. (2) الوسائل 13: 10، الباب 4 من أبواب بيع الثمار الحديث 2، والاخر نفس المصدر الحديث 3. (3) الوسيلة: 252. (4) الوسائل 13: 10، الباب 4 من أبواب بيع الثمار الحديث 3.

[ 361 ]

من ابن حمزة، فحكم بأنها قبل البدو للمبتاع مطلقا (1)، والمعتبرة وغيرها من الأدلة عليه حجة. * (وكذا) * لو باع * (الشجرة (2) بعد انعقاد الثمرة) * كانت للبائع مطلقا، مستورة كانت، أو بارزة * (ما لم يشترطها المشتري) * فيدخل هنا وسابقا على الأشهر الأقوى. خلافا للمبسوط (3) والقاضي (4) في المستورة كالورد الذي لم ينفتح، فحكما بالدخول مطلقا، اشترط، أم لا. والكلام في المقامين وما يتعلق بهما قد مضى في بحث ما يدخل في المبيع مفصلا. * (و) * حيث ما كانت الثمرة للبائع وجب * (عليه) * أي المشتري * (تبقيتها إلى أوان بلوغها) * وأخذها عرفا بحسب تلك الشجرة من بسر أو رطب أو تمر أو عنب أو زبيب، وإن اضطرب العرف فالأغلب. ومع التساوي ففي الحمل على الأقل اقتصارا فيما خالف الأصل الدال على حرمة التصرف في مال المشتري على المتيقن، أو الأكثر بناء على ثبوت أصل الحق فيستصحب إلى أن يثبت المزيل، أو اعتبار التعيين وبدونه يبطل للإختلاف المؤدي إلى الجهالة، أوجه. ولا خلاف في أصل الحكم. ومستندهم فيه - مع مخالفته للأصل المتقدم - للعبد غير واضح. واستناد البعض إلى استلزام كون الثمرة للبائع ذلك غير بين. وحديث نفي الضرر بالمثل معارض، فإن كان إجماع أو قضاء عادة بذلك، وإلا فالأمر على الفقير (5) ملتبس.


(1) الوسيلة: 250. (2) في المتن المطبوع: الشجر. (3) المبسوط 2: 102 و 103. (4) المهذب 1: 375. (5) في المطبوع: الفقيه.

[ 362 ]

نعم ربما يستأنس له بنصوص الزرع المتقدمة، الدالة عليه [ فيه ] (1) بأوضح دلالة. ولعله مع عدم الخلاف كاف للحجة في المسألة. * (ويجوز أن يستثني البائع ثمرة) * شجرة معينة * (أو شجرات بعينها أو حصة مشاعة) * كالنصف والثلث * (أو أرطالا معلومة) * بحيث يزيد عنها بقدر ما يقابل الثمن بلا خلاف، إلا من الحلبي في الأخير، فمنعه (2)، للجهالة، وفي المسالك الأصحاب على خلافه (3)، لمنع الجهالة بعد تعين مقدار الثمرة المبيعة بالمشاهدة، وبه مع ذلك رواية صريحة صحيحة عند جماعة. وفيها: أن لي نخلا بالبصرة فأبيعه واسمي الثمن وأستثني الكر من التمر أو أكثر أو العدد من النخل، قال: لا بأس (4). ونحوها اخرى لراويها عن الكافي مروية: في الرجل يبيع الثمرة ثم يستثني كيلا وتمرا، قال: لا بأس به، قال: وكان مولى له عنده جالسا، فقال المولى: إنه ليبيع ويستثني - يعني أبا عبد الله (عليه السلام) - قال: فنظر إليه ولم ينكر ذلك من قوله (5). * (ولو خاست الثمرة) * بأمر منه سبحانه * (سقط من الثنيا) * وهو المستثنى * (بحسابه) * ونسبته إلى الأصل في الصورتين الأخيرتين خاصة، بخلاف الاولى (6) فإن استثناءها كبيع الباقي منفردا، فلا يسقط منها بتلف شئ من المبيع، لامتياز حق كل واحد عن صاحبه، بخلاف الأخيرتين، لأ نه فيهما شائع في الجميع، فيوزع الناقص عليهما إذا كان التلف بغير تفريط.


(1) أثبتناها من المخطوطات. (2) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 200، وقد وجدنا خلافه في الكافي في الفقه: 356. (3) المسالك 3: 360. (4) الوسائل 13: 3، الباب 1 من أبواب بيع الثمار الحديث 4. (5) الوسائل 13: 26، الباب 15 من أبواب بيع الثمار الحديث 1 رواه عن الفقيه. (6) في " م ": بلا خلاف في الاولى. *)

[ 363 ]

وطريق توزيع النقص على الحصة المشاعة جعل الذاهب عليهما والباقي لهما. وأما في الأرطال المعلومة فيعتبر الجملة بالتخمين وينسب إليها المستثنى، ثم ينظر الذاهب فيسقط منه بتلك النسبة. * (ولا يجوز بيع ثمرة النخل بتمر منها) * إجماعا، كما في المبسوط (1) والمختلف (2) والمسالك (3) والروضة (4) وشرح الشرائع للمفلح الصيمري (5) والمهذب (6) وغيرها من كتب الجماعة. وهو الحجة، مضافا إلى النصوص المستفيضة: منها الصحيح: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المحاقلة والمزابنة (7). ونحوه الموثق والنبوي: أنه نهى عن بيع المحاقلة والمزابنة، والمحاقلة: بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، والمزابنة: بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر (8). * (و) * يستفاد منه ما في العبارة وكلام الجماعة كافة من أن هذه المعاملة * (هي المزابنة) * وأن المعاملة الآتية هي المحاقلة، مع أن ذلك محكي عن جملة من أهل اللغة. إلا (9) أن المستفاد من ذيل الخبرين الأولين سيما الثاني عكس التفسيرين، إذ فيه: المحاقلة بيع النخل بالتمر، والمزابنة: بيع السنبل بالحنطة. وحمل على وهم الراوي، ولا بأس به، جمعا، فإن ما عليه الأصحاب أقوى، لإجماعهم عليه ظاهرا، مع اعتضاده بالنبوي المتقدم، المنجبر ضعفه بعملهم جدا. مع أنه لا ثمرة للاختلاف يتعلق بالباب، للإجماع على تحريمهما


(1) المبسوط 2: 117. (2) المختلف 5: 204. (3) المسالك 3: 363. (4) الروضة 3: 361. (5) غاية المرام: 68 س 15 (مخطوط). (6) المهذب البارع 2: 439. (7) الوسائل 13: 23، الباب 13 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (8) الوسائل 13: 24، الباب 13 من أبواب بيع الثمار الحديث 2 و 5. (9) في " م ": " مع " بدل " إلا ".

[ 364 ]

مطلقا، سميت إحداهما بإسم الاخرى، أم لا. نعم ربما تظهر في الكفارة بالحنث في نحو ما لو نذر ترك المزابنة مثلا - وقلنا بصحته - فباع ثمرة النخل بتمرها لزمت على الأول دون الثاني. * (وهل يجوز) * بيعها * (بتمر (1) من غيرها ؟ فيه قولان، أظهرهما) * وأشهرهما، سيما بين المتأخرين * (المنع) * (2) وفاقا لأحد قولي الطوسي (3) والقاضي (4) والمفيد (5) وابن زهرة (6) وابن حمزة (7) والتقي (8) والديلمي (9) والحلي (10)، بل ظاهر الغنية الإجماع عليه (11). وهو الحجة، مضافا إلى إطلاق النصوص المتقدمة، ونصوص اخر، كالوارد في العرية: وفيه: هي النخلة تكون للرجل في دار رجل آخر فيجوز له أن يبيعها بخرصها تمرا، ولا يجوز ذلك في غيره (12). ودلالته - كما ترى - ظاهرة إن جوزنا بيع ثمرة العرية بتمر من نفسها، وإلا فهي صريحة، لاختصاص الرخصة حينئذ ببيعها بتمر من غيرها. ومقتضاه رجوع الإشارة في لفظة " ذلك " إليه، وهو صريح في المنع هنا، كما لا يخفى. وبه يضعف احتمال العهدية في اللام في النصوص، ورجوعها إلى ثمرة نفس النخلة المذكورة سابقا، فإن أخبارهم (عليهم السلام) يكشف بعضها عن بعض، مع بعده في الخبرين الأولين منها جدا، إذ لم يتقدم لتمرها ذكر فيهما سابقا.


(1) في المتن المطبوع: بثمر. (2) في المتن المطبوع: التحريم. (3) المبسوط 2: 118. (4) المهذب 1: 383. (5) المقنعة: 603. (6) الغنية: 226. (7) الوسيلة: 250. (8) الكافي في الفقه: 356. (9) المراسم: 178. (10) السرائر 2: 367. (11) الغنية: 226. (12) الوسائل 13: 25، الباب 14 من أبواب بيع الثمار الحديث 1.

[ 365 ]

والحمل - كما في أحدهما - والنخل - كما في ثانيهما - أعم من التمر جدا، فكيف يمكن جعل اللام للعهد والإشارة إليهما (1) ! فتأمل جدا. والقول الثاني - وهو الجواز - للنهاية (2) وجماعة (3)، للأصل، والعمومات المخصصين بما مر من الأدلة، والمعتبرين. أحدهما الصحيح: في رجل قال للآخر: بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر أو أقل أو أكثر يسمي ما شاء فباعه، فقال: لا بأس به، وقال: التمر والبسر من نخلة واحدة لا بأس به، الحديث (4). وثانيهما الموثق: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رجلا كان له على رجل خمسة عشر وسقا من تمر وكان له نخل، فقال له: خذ ما في نخلي بتمرك فأبى أن يقبل، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن لفلان علي خمسة عشر وسقا من تمر فكلمه يأخذ ما في نخلي بتمره، فبعث النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك، فقال: يا رسول الله لا يفي، وأبى أن يفعل، الحديث. وفي آخره: أن ربيعة الرأي لما بلغه هذا عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: هذا ربا، قلت: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين، قال: صدقت (5). وفيهما - مضافا إلى قصور الثاني سندا لمقاومة ما مر جدا - مخالفة الأول منهما وإن صح سنده المجمع عليه. أولا: بإطلاق جواز البيع بالتمر في صدره، بل عمومه الشامل لما إذا كان من النخلة جدا.


(1) في " م، ه‍ ": إليها. (2) النهاية 2: 211. (3) التذكرة 1: 508 س 37. (4) الوسائل 13: 11، الباب 6 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (5) الوسائل 13: 12، الباب 6 من أبواب بيع الثمار الحديث 3.

[ 366 ]

وثانيا: بوقوع التصريح به في قوله: " التمر والبسر من نخلة واحدة لا بأس "، ولذا حمله الشيخ على العرية (1). والذب عن ذلك بتقييد الإطلاق في الأول، ودعوى عدم القدح في الحجية بخروج البعض للندرة في الثاني لا يفيد، فان أمثال ذلك وإن لم يقدح فيها ابتداء (2)، إلا أنه قادح في مقام التعارض جدا. وعدم ظهور الثاني في البيع - الذي هو خاصة بمقتضى النصوص والفتاوى - محل المنع، فيحتمل الصلح. وقد حمله الشيخ (3) والمختلف (4) عليه. وهو متعين، جمعا. * (وكذا لا يجوز بيع السنبل) * كما في أكثر النصوص والفتاوى، بل في المبسوط (5) والمسالك (6) الإتفاق عليه، فيرجع إليه التعبير عنه (7) في بعضها ببيع الزرع * (بحب منه) * إجماعا نصا وفتوى. * (و) * الجميع مع الإشارة إلى المستند في أن هذه المعاملة * (هي المحاقلة) * قد تقدم. * (وفي) * جواز * (بيعه بحب من غيره قولان، أظهرهما) * وفاقا لمن مضى * (التحريم) * لعين ما مضى، مضافا إلى خصوص الموثق هنا الآمر بشراء الزرع بالورق، المعلل بأن أصله طعام (8)، المشعر، بل الظاهر في المنع عن بيعه بالطعام مطلقا. والقول الثاني لمن تقدم، استنادا منهم إلى العمومين المخصصين بما مر،


(1) الاستبصار 3: 91، ذيل الحديث 310. (2) في " م ": أولا. (3) الاستبصار 3: 92، ذيل الحديث 312. (4) المختلف 5: 208. (5) المبسوط 2: 117. (6) المسالك 3: 364 و 365. (7) لا توجد في المخطوطات. (8) الوسائل 13: 23، الباب 12 من أبواب بيع الثمار الحديث 3.

[ 367 ]

والصحيح: لا بأس بأن يشتري زرعا قد تسنبل وبلغ بحنطة (1). وفيه أنه مع مخالفة إطلاقه الشامل لما إذا بيع بحنطة منه الإجماع واحتمال اختصاصه بصورة عدم التجانس بينها وبين السنبل - كأن كان ارزا بيع بها، ولا كلام في الجواز حينئذ في ظاهر الأصحاب - قاصر عن المقاومة لما مر جدا. فالإستدلال به ضعيف. وأضعف منه الاستدلال بالمعتبرين. أحدهما الموثق: عن بيع حصائد الحنطة والشعير وسائر الحصائد، قال: حلال، فليبعه بما شاء (2). وثانيهما الحسن: عن رجل اشترى من رجل أرضا جربانا معلومة بمائة كر على أن يعطيه من الأرض، قال: حرام، فقلت: جعلت فداك فإني أشتري منه الأرض بكيل معلوم وحنطة من غيرها، قال: لا بأس بذلك (3). لقصور سندهما عن المقاومة لما مر أولا، وخروجهما عن محل البحث ثانيا. لظهور الأول في الحصائد، وليس الكلام فيها، بل فيما لم يحصد ويكون على أصله قائما، وأحدهما غير الآخر كما ترى. وعلى تقدير التجوز في الحصائد بأن يراد منها الزروع الآئلة إليها يأتي في عمومه ما مضى في إطلاق الصحيح المتقدم جدا. مع أن الموجود في التهذيب المروي فيه بدل " بما شاء " " إن شاء " (4)، فلا دلالة فيه أصلا. والثاني في بيع الأرض بحاصلها وغيره، لا بيع الزرع بهما، وتأويله


(1) الوسائل 13: 22، الباب 12 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (2) الوسائل 17: 336، الباب 9 من أبواب إحياء الموات الحديث 2. (3) الوسائل 13: 23، الباب 12 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (4) التهذيب 7: 141، الحديث 622.

[ 368 ]

إليه بإضمار أو تجوز مع عدم إمكان الإستدلال به حينئذ لا داعي يلجئ إليه أصلا. واعلم أن مقتضى الأصل واختصاص النصوص وكثير من الفتاوى بالمنع عن بيع ثمرة النخل بالتمر والسنبل، المتبادر منه نحو الحنطة [ به ] (1) حل بيع باقي الثمار على اصولها ولو بمجانسها مطلقا، منها (2) أو من غيرها، وبه صرح جماعة من أصحابنا. خلافا لآخرين، فعدوا المنع إليها، وألحقوها بالمزابنة إذا كانت في الأشجار، وبالمحاقلة إذا كانت في الزروع، نظرا منهم إلى أن أحد أدلة المنع فيهما احتمال تحقق الربا، بناء على أنهما بيع ثمرتين ربويتين مكيلتين أو موزونتين والغالب التفاوت، فحصل شرط الربا، ولأن بيع أحد الربويين بالآخر مشروط بالعلم بمساواتهما قدرا، كما مضى. ومعلوم أنها غير ظاهرة هنا. وهو كما ترى، فإن الأثمار على الاصول والأشجار ليست مقدرة بأحد التقديرين جدا، بل تباع مشاهدة عرفا وعادة وشرعا. والمعتبر من المكيل والموزون في الربا ما قدر بهما فعلا لا تقديرا، كما تقدم نصا وفتوى، مضافا إلى وقوع التصريح بنفي الربا في بعض ما مضى من النص (3). فلا وجه للإستناد إليه أصلا. وأما الاستناد (4) في الثمار إلى العلة المنصوصة في المنع عن بيع الرطب بالتمر من النقصان عند الجفاف - على تقدير القول بالتعدية بالعلة المنصوصة - فغير مجد. أولا: بأخصيتها من المدعى، لعدم شمولها ما لو بيع أثمار الأشجار


(1) لا توجد في " م، ق ". (2) في المطبوع: منه. (3) في " م ": النصوص. (4) في " ق ": الاستدلال.

[ 369 ]

بمجانسها مع التوافق في الرطوبة واليبوسة. وثانيا: باختصاصها بالعوضين المقدرين بأحد التقديرين فعلا، وليس المقام منه قطعا. واحتمال التعدية إليه بعيد جدا، بناء على قوة احتمال مدخلية الخصوصية في العلة هنا، فتأمل جدا. نعم ربما يستأنس لهم في الجملة بالموثق المتقدم الآمر بشراء الزرع بالورق. ولا ريب أن ما ذكروه أحوط، سيما في بيع الرطب باليابس. * (ويجوز بيع العرية بخرصها) * إجماعا، كما في الغنية (1) والخلاف (2) والمسالك (3) والمهذب (4) وشرح الشرائع للصيمري (5) وغيرها من كتب الجماعة. وهو الحجة المقيدة لإطلاق النصوص المتقدمة. مضافا إلى بعض المعتبرة: رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العرايا بأن تشتريها بخرصها تمرا. ثم قال: والعرايا جمع عرية * (وهي النخلة) * التي * (تكون) * للرجل * (في دار) * رجل * (آخر) * فيجوز له أن يبيعها بخرصها (6). واكتفى عنه الماتن بقوله: * (فيشتريها صاحب المنزل بخرصها تمرا) *. وظاهر النص والعبارة - كما ترى - أن العرية ما تكون في الدار خاصة، وحكى عن القاضي في الكامل (7) خلافا للأكثر، فألحقوا البستان [ بالدار ] (8)


(1) الغنية: 226. (2) الخلاف 3: 95، المسألة 154. (3) المسالك 3: 365. (4) المهذب البارع 2: 440. (5) غاية المرام: 68 س 25 (مخطوط). (6) الوسائل 13: 25، الباب 14 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (7) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 208. (8) لم يرد في المخطوطات.

[ 370 ]

وفي الغنية (1) والمسالك (2) الإجماع عليه. وهو الحجة، مضافا إلى التصريح به عن أهل اللغة، وإطلاق المروي عن معاني الأخبار عنه (صلى الله عليه وآله): أنه رخص - إلى أن قال -: واحدتها عرية، وهي النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا، والإعراء أن يبتاع تلك النخلة من المعرى بتمر لموضع حاجته (3). وظاهر الإطلاق مضافا إلى التعليل كما ترى ينادي بالعموم للبستان، بل وغيره أيضا، كالخان ونحوه. والسند وإن قصر، إلا أنه بالشهرة منجبر. ومنه يظهر وجه التعدية إلى مستعير الدار ومستأجرها، كما في كلام جماعة. وليس في الرواية الاولى - كالعبارة، من حيث التقييد فيهما بصاحب الدار - منافاة لذلك، لصدق الإضافة بأدنى ملابسة. نعم يستفاد منه الإختصاص بالبيع من صاحب الدار دون غيره، ولا كلام فيه، وفاقا لظاهر الأصحاب. ومقتضى الأصل واختصاص النصوص بحكم التبادر والصراحة في الجملة بالنخلة الواحدة بتمر من غيرها عدم التعدية إلى ما لم يكمل فيه القيود الثلاثة. فلا عرية فيما عدا النخل مطلقا، قلنا بالمزابنة فيه، أم لا. وفائدة انتفائها على الأول حرمتها، وعلى الثاني جوازها من دون قيودها، وفي المسالك ادعى الوفاق على أصل الإنتفاء هنا (4). ولا في المتعددة منها، إلا مع تعدد الموضع أو المالك، لا العقد. ولا بتمر منها مطلقا، وفاقا لأكثر أصحابنا، مؤيدا باستلزام جوازه اتحاد الثمن والمثمن، الممنوع منه اتفاقا. وقيل: بالجواز فيه، لإطلاق النص. وفيه ما مر.


(1) الغنية: 226. (2) المسالك 3: 365. (3) معاني الأخبار: 277. (4) المسالك 3: 367.

[ 371 ]

وفصل بعض بين صورتي اشتراط كون التمر منها فالأول، وإلا فالثاني إن صبر عليه حتى يصير تمرا، وإلا فالعقد يجب كونه حالا، للزوم بيع الكالئ بالكالئ بدونه جدا. والمراد بخرصها البيع بمقدارها، فلو اشتراها بزائد أو ناقص لم يجز اتفاقا، نصا وفتوى. وهل يعتبر (1) فيه المماثلة بين ثمرة النخل عند صيرورتها تمرا وبين التمر الذي هو الثمن، أو المماثلة بين ما عليها رطبا وبين التمر ؟ قولان. للأول: المحكي عن الأكثر، بل ظاهر الكل استلزام الثاني بيع الرطب بالتمر متساويا الممنوع منه، كما مضى. وللثاني: - كما عن التذكرة - أنه مستثنى (2). وظاهر إطلاق النص والفتاوى وصريح جملة منها أنه لا يعتبر مطابقة تمرتها جافة لثمنها في الواقع، بل يكفي المطابقة في ظن الخارص عند العقد، فلو زادت عند الجفاف عنه أو نقصت لم يقدح في الصحة. خلافا لمن شذ، فاعتبر فيها المطابقة. ويأتي عليها المنع عن التصرف في ثمرة النخلة بالأكل ونحوه إلى استعلام المطابقة وعدمها بالجفاف. وفي اشتراط التقابض في المجلس قولان، أظهرهما - وعليه الأكثر - لا (3)، لإطلاق النص والفتوى. وعن المبسوط نعم (4). وهو ضعيف جدا، بل في بعض العبائر الإجماع على خلافه (5). * (ويجوز بيع الزرع قصيلا) * أي مقطوعا بالقوة، بأن شرط قطعه قبل


(1) في المخطوطات: المعتبر. (2) التذكرة 1: 509 س 36. (3) في " م ": أظهرهما العدم وعليه الأكثر. (4) المبسوط 2: 118. (5) التذكرة 1: 509 س 37.

[ 372 ]

حصاده * (وعلى المشتري قطعه) * عملا بمقتضى الشرط. * (ولو امتنع) * عنه * (فللبائع إزالته) * وتفريغ أرضه منه، إما مطلقا كما عليه جماعة (1)، أو بشرط الإذن من الحاكم، أو تعذره، كما عليه شيخنا الشهيد الثاني (2). وهو أقوى، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن. والمستند في الجواز حينئذ - بعد الوفاق على الظاهر - حديث نفي الضرر، المتفق عليه فتوى ورواية. ومنه - بعد الوفاق على الظاهر - ينقدح الوجه في أن له المطالبة باجرة أرضه عن المدة التي بقي فيها، بعد إمكان قصله مع الإطلاق، وبعد المدة التي شرطا قصله فيها مع التعيين. ولو كان شراؤه قبل أوان قصله وجب على البائع الصبر إلى أوان بلوغه مع الإطلاق، كما لو باع الثمرة والزرع للحصاد. * (ولو تركه) * أي البائع القصل * (كان له) * ذلك، و * (أن يطالبه) * أي المشتري * (باجرة أرضه) * عن زمن العدوان وأرش النقص في الأرض إن حصل [ فيها ] (3) بسببه إذا كان التأخير بغير رضاه. * (ويجوز أن يبيع ما ابتاعه من الثمرة) * على اصولها * (بزيادة عن الثمن) * أو نقص * (قبل قبضها) * بلا خلاف هنا وإن قيل بالمنع فيما عداه، بل في المسالك الإجماع عليه (4). وهو الحجة بعد الأصل والعمومات السليمة عما يصلح للمعارضة، لاختصاص النصوص المانعة بالمكيل والموزون خاصة، وليس الثمرة على الشجرة مكيلة ولا موزونة بالضرورة، مضافا إلى صريح الصحيحين. أحدهما: في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها، قال:


(1) انظر مجمع الفائدة والبرهان 8: 212. (2) الروضة 3: 367. (3) لا توجد في " م، ق، ه‍ ". (4) المسالك 3: 369.

[ 373 ]

لا بأس (1)، ونحوه الثاني، بزيادة قوله: " إن وجد ربحا فليبع " (2). ونفي البأس فيهما يقتضي نفي الكراهة أيضا، فلا وجه لقوله: * (على كراهية) * ولعلها لإطلاق بعض الأخبار والفتاوى بالمنع، لكنه سابقا لم يجعله سببا للكراهة مطلقا، بل خصها بالمقدر بأحد التقديرين خاصة، كما اشترطه أكثر النصوص وفتاوى الجماعة. * (ولو كان بين اثنين) * أو جماعة * (نخل) * أو زرع أو شجرة * (فتقبل أحدهما بحصة صاحبها) * أي الثمرة، المدلول عليها بالنخلة، مع أن في بعض النسخ " صاحبه " بتذكير الضمير، وهو الأظهر بحسب السياق * (من) * نفس * (الثمرة) * خاصة، كما يستفاد من جماعة أو من ثمرة مطلقا ولو من غيرها، كما يستفاد من آخرين * (بوزن معلوم صح) * للصحاح. منها: عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه اختر: إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، وإما أن آخذه بذلك، قال: لا بأس (3). ومنها: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث عبد الله بن رواحة (4) فقوم عليهم قيمة، وقال: إما أن تأخذوه وتعطوني نصف الثمر (5)، وإما أن أعطيكم نصف الثمر وآخذه، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (6). ونحوه الثالث بزيادة ظهور في كون الثمن من التمر (7)، لعدم اختلاف نسخته، بتبديل أحد اللفظين مكان


(1) الوسائل 13: 13، الباب 7 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (2) الوسائل 13: 13، الباب 7 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (3) الوسائل 13: 18، الباب 10 من أبواب بيع الثمار الحديث 1. (4) في " م ": عبد الملك بن راوية. (5) في نسخة بدل الوسائل و " م " بدل " الثمر ": الثمن. (6) الوسائل 13: 18، الباب 10 من أبواب بيع الثمار الحديث 2. (7) الوسائل 13: 19، الباب 10 من أبواب بيع الثمار الحديث 3.

[ 374 ]

الآخر، كما في الثاني. وبهذه النصوص تقيد إطلاق المنع في النصوص الواردة في المزابنة والمحاقلة إن قلنا بكونه بيعا. ومع ذلك لا خلاف فيه بين الطائفة، عدا الحلي فنفاه رأسا (1)، نظرا منه إلى عدم كونه بيعا، وإلا لجاء فيه المزابنة، ولا صلحا، وإلا لجاء فيه الغرر والجهالة إن كان العوض مشروطا من نفس الثمرة، وإن كان في الذمة لزم ووجب أداء الثمن مطلقا، كانت الثمرة باقية أو تالفة، مع أن جماعة اشترطوا في الصحة السلامة من الآفة. وهو على أصله حسن، غير مستحسن على غيره، لاحتمال كونه معاملة اخرى غير الأمرين، أو هما وتكون من قاعدتهما مستثناة، قد نهضت بإثباتها أو الاستثناء النصوص المزبورة، المعتضدة بعد الصحة والكثرة بالشهرة العظيمة، التي كادت تكون لنا الآن إجماع الطائفة. وظاهرها تأديه بما دل على ما اتفقا عليه بأي عبارة. خلافا لظاهر الجماعة المحكي عنهم في الروضة، فاشترطوا في صيغتها الوقوع بلفظ " القبالة " (2). وحجتهم غير واضحة. وظاهر الصحيح الأول وغيره أن المتقبل يملك الزائد وعليه الناقص. وأما الحكم بأن قراره مشروط بسلامة الثمرة من الآفة الإلهية، بحيث لو حصلت فسدت المعاملة رأسا، أو في الجملة ورجع الأمر إلى ما كانا عليه من الشركة، فوجهه غير واضح وإن ذكره جماعة، والنصوص كما ترى عن بيانه خالية. وتوجيهه: بأن المتقبل لما رضي بحصة معينة في العين صار بمنزلة الشريك غير نافع، لأن كون العوض منها غير لازم وإن جاز، فالرضا إنما وقع


(1) السرائر 2: 372. (2) الروضة 3: 369.

[ 375 ]

بالقدر لا به مشتركا، إلا أن ينزل على الإشاعة. فالمتجه - وفاقا لظاهر الروضة (1) وجماعة - عدم اشتراطها في الصحة إن لم يشترط كون الثمن من نفس الثمرة، أو اشترط ولم ينزل على الإشاعة. ولو كان النقص لا بآفة، بل بخلل في الخرص لم ينقص شئ، للأصل، وظاهر النص. وكذا لا ينقص لو كان بتفريط المتقبل بلا إشكال. ثم إن ظاهر العبارة هنا وفي الشرائع (2) عدم لزوم هذه المعاملة، وأن غايتها الجواز والصحة، ولعله نظر إلى قصور النصوص المزبورة عن إفادة اللزوم بالبديهة. وفيه مناقشة، لدلالتها في الظاهر على كونها عقدا، مع الإتفاق عليه ظاهرا. والأصل فيه اللزوم، نظرا إلى العمومات الآمرة بالوفاء به من الكتاب والسنة. * (وإذا مر الإنسان بثمرة النخل) * والفواكه * (جاز له أن يأكل ما لم يضر) * به ويفسده، بأن يأكل منه كثيرا بحيث يؤثر فيها أثرا بينا، ويصدق معه مسماه عرفا، ويختلف ذلك بكثرة الثمرة والمارة وقلتهما جدا. وليس من هذا الشرط الإفساد بكسر الغصن ونحوه وإن كان في حد ذاته حراما. * (أو يقصد) * المرور إليه للأكل، بل يكون المرور اتفاقيا، بأن يكون الطريق قريبة منها، بحيث يصدق عليه المرور عرفا، لا أن يكون طريقه على نفس الشجرة. على (3) الأشهر الأظهر بين الأصحاب، بل لم نقف على مخالف فيه من قدمائهم، إلا ما يحكى عن المرتضى (رحمه الله) في بعض كتبه (4)، بل ادعى عليه في الخلاف (5) والسرائر (6) الوفاق. وهو الحجة، مضافا إلى النصوص


(1) الروضة 3: 370. (2) الشرائع 2: 55. (3) الجار متعلق بقوله: جاز له أن يأكل. (4) وهي المسائل الصيداوية، كما حكاه الشهيد في المسالك 3: 372. (5) الخلاف 6: 98، المسألة 28. (6) السرائر 3: 126.

[ 376 ]

المستفيضة، المعتضدة بعضها والمنجبر قصور باقيها بالشهرة العظيمة، التي كادت تكون من القدماء إجماعا، وبعمل نحو الحلي الذي لا يرى العمل بالأخبار، إلا ما تواتر منها، أو تعاضد بالإجماع جدا، مع أنه قد ادعاهما صريحا هنا. منها المرسل كالصحيح - على الأشهر الصحيح -: عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمرة، أفيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها في ضرورة، أو من غير ضرورة ؟ قال: لا بأس (1). ومنها: عن الرجل يمر بالبستان وقد حيط عليه أو لم يحط هل يجوز له أن يأكل من ثمره وليس يحمله على الأكل من ثمره إلا الشهوة وله ما يغنيه عن الأكل من ثمره ؟ وهل له أن يأكل من جوع ؟ قال: لا بأس أن يأكل، ولا يحمله ولا يفسده (2). ومنها: أمر بالثمرة فآكل منها، قال: كل، ولا تحمل (3). ومنها: لا بأس أن يمر على الثمرة ويأكل منها، ولا يفسد (4). إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة. * (و) * من الأخبار الأخيرة منها يظهر أنه * (لا يجوز أن يأخذ معه شيئا) * وهو إجماع، كما يأتي، بل ظاهر الأصحاب أنه شرط. * (وفي جواز ذلك) * أي الأكل مع الشروط * (في غير النخل من الزرع والخضر تردد) * ينشأ: من قبح التصرف في مال الغير، المعتضد بنص الكتاب، الدال على النهي


(1) الوسائل 13: 14، الباب 8 من أبواب بيع الثمار الحديث 3. (2) الوسائل 13: 15، الباب 8 من أبواب بيع الثمار الحديث 5. (3) الوسائل 13: 14، الباب 8 من أبواب بيع الثمار الحديث 4. (4) الوسائل 13: 17، الباب 8 من أبواب بيع الثمار الحديث 12.

[ 377 ]

عن أكل أموال الناس بالباطل بغير تراض (1)، والخبرين: أحدهما الصحيح: عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر، أيحل له أن يتناول منه شيئا ويأكل بغير إذن صاحبه ؟ وكيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة، أو أمره القيم وليس له، وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه ؟ قال: لا يحل له أن يأخذ منه شيئا (2). والثاني المرسل: قلت له: الرجل يمر على قراح الزرع يأخذ من السنبل، قال: لا، قلت: أي شئ السنبلة ؟ قال: لو كان كل من يمر أخذ سنبلة كان لا يبقى شئ (3). وسنده وإن قصر، إلا أنه بالتعليل فيه المؤيد بالإعتبار منجبر. ومن الخبر الذي مر، المرجح على ما هنا بصراحة الدلالة وعمل الأكثر، فليحمل الخبران هنا على الكراهة، أو عدم الإذن، كما ربما يستشعر من أولهما، أو الحمل كما هو ظاهر الثاني، بل الأول أيضا. ولا ريب أن الترك هنا - بل وسابقا أيضا - أحوط وأولى، بل ربما كان متعينا. ولا وجه لتخصيص التردد بالحكم هنا مع جريانه فيما سبق جدا، إلا وجود القائل بالمنع هنا زائدا على المرتضى، وعدم حكاية إجماع هنا، مع اختصاص كثير من الفتاوى المجوزة المحكية في المختلف (4) بالحكم سابقا. ثم إن اشتراط الشرطين في العبارة في الإباحة مقطوع به وبثالث - هو ما حكم به فيها من عدم جواز الحمل - بين الطائفة (5)، بل لعله إجماع.


(1) النساء: 29. (2) الوسائل 13: 15، الباب 8 من أبواب بيع الثمار الحديث 7. (3) الوسائل 13: 15، الباب 8 من أبواب بيع الثمار الحديث 6. (4) المختلف 5: 25. (5) كذا في النسخ، والعبارة مضطربة، كما لا يخفى.

[ 378 ]

وهو الحجة، مضافا إلى الأصل. واختصاص النصوص المبيحة بصورة المرور خاصة، ونفي البأس عنه في الرواية الأخيرة - مع قصور السند وعدم الجابر فيه - لعله مصروف إلى الأكل المعطوف عليه، فكأنه قال: لا بأس بالأكل بعد المرور اتفاقا، فيثبت الشرط الثاني. وإثبات الأخيرين من الأصل والنصوص مشكل، لاندفاع الأول بإطلاق الرخصة، وعدم نهوض الثاني إلا بالنهي عنهما، وغايته الحرمة، وهي أعم من الشرطية. فإثباتها بذلك - كما في كلام جماعة - لا يخلو عن مناقشة. نعم الظاهر التلازم بينهما في النهي عن الإفساد إذا فسر بما مر - وهو عدم الأكل زائدا... إلى آخر ما تقدم - لا (1) إن فسر بالمعنى الآخر. وزيد على الثلاثة شروط اخر هي: عدم العلم بالكراهة، وعدم ظنها، وكون الثمرة على الشجرة ولا بأس بها، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، المتبادر من أخبار الرخصة. وما ربما يظهر منه المنافاة للشرط الأول قاصر السند، غير معلوم الجابر في المحل.


(1) في أكثر النسخ: معلوم الجابر في المحل.

(1) في أكثر النسخ: ولا.

[ 379 ]

* (الفصل السابع) * * (في بيع الحيوان) * * (إذا تلف الحيوان) * المبيع * (في) * الثلاثة الأيام التي هي * (مدة الخيار) * فيه * (فهو من مال البائع) * مطلقا * (ولو كان بعد) * حصول * (القبض) * من المشتري * (إذا لم يكن) * التلف * (بسببه، ولا عن تفريط منه) * لما مر مفصلا في المسألة الخامسة من أحكام الخيار، من أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له، فلا نعيده. * (ولا يمنع العيب الحادث) * في الحيوان من غير جهة المشتري في زمن الخيار * (من الرد ب‍) * أصل * (الخيار) * مطلقا، بلا خلاف في الظاهر، لأنه مضمون على البائع بالوفاق على الظاهر، والمعتبرة المتقدمة في خيار الحيوان. منها الصحيح: على من ضمان الحدث في الحيوان ؟ قال: على البائع، حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام (1). وحينئذ لا يكون مؤثرا في رفع الخيار. وفي جواز الرد بالعيب أيضا وعدمه قولان، للأول - كما هو ظاهر


(1) الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار الحديث 2.

[ 380 ]

الأكثر، ولعله الأظهر - أنه مضمون على البائع. وتظهر الثمرة فيما لو أسقط الخيار الأصلي والمشترط، فله الرد بالعيب على الأول، ولا على الثاني. وفي ثبوت الخيار بعد انقضاء الثلاثة وعدمه، فعلى الثاني يسقط الخيار، ويبقى على الأول، إذ لا يتقيد خيار العيب بالثلاثة وإن اشترط حصوله فيها فما (1) قبلها، وغايته ثبوته فيها بسببين، وهو غير قادح، فإنها معرفات يمكن اجتماع كثير منها في وقت واحد، كما في خيار المجلس والشرط والغبن إذا اجتمعت في بيع واحد قبل التفرق. ولو كان حدوث العيب بعد الثلاثة منع الرد بالعيب السابق، لكونه غير مضمون على البائع مع تغير المبيع، فإن رده مشروط ببقائه على ما كان، فيثبت في السابق الأرش خاصة. * (وإذا بيعت الحامل فالولد للبائع على الأظهر) * الأشهر * (ما لم يشترطه المشتري) * وقد مر البحث فيه وفي أنه للمشتري مع الشرط مفصلا في بحث ما يدخل في المبيع، فلا نعيده ثانيا. * (ويجوز ابتياع بعض الحيوان مشاعا) * مع التعيين - كالنصف [ والثلث ] (2) والربع - إجماعا في الظاهر، ومحكي (3) في شرح القواعد للشيخ علي (4) (رحمه الله) وكلام غيره صريحا (5). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، والعمومات السليمة عما يوجب فساد المعاملة من نحو الجهالة بالضرورة، وفحوى النصوص الآتية إن قلنا بها. ولا يجوز مفروضا ولو كان رأسا أو جلدا، ولا غير معين كشئ، أو جزء إجماعا منهم في المقامين على الظاهر، مضافا إلى الإيماء إليه


(1) في " ق ": أو فيما. (2) لم يرد في المخطوطات. (3) في المطبوع: المحكي. (4) جامع المقاصد 4: 135. (5) الحدائق 19: 372.

[ 381 ]

في بعض عبارات الجماعة. وهو الحجة، مضافا إلى الأدلة الآتية للمنع في الأول، والجهالة بلا شبهة في الثاني. * (و) * أما * (لو باع) * الشاة مثلا * (واستثنى الرأس أو الجلد) * منها * (ففي رواية السكوني) * ونحوها المروي عن العيون: أن البائع * (يكون شريكا بنسبة قيمة ثنياه) * (1) ومستثناه، فلو قوم الشاة بجميعها بعشرة وبدون المستثنى تسعة كان البائع شريكا بالعشر، وبه أفتى في النهاية (2) (3) والخلاف (4) والمبسوط (5) وتبعه القاضي (6). ولا ريب في ضعفه، لقصور سند الرواية أولا، وعدم مقاومتها للقواعد الآتية في كلام الجماعة ثانيا، ومخالفتها للإعتبار ثالثا، فإن الشركة بالنسبة التزام بغير ما وقع عليه التراضي جدا. ومتى حكمنا ببطلان الإستثناء لم يبق في اللفظ ما يدل على جزء مشاع أصلا، فكان طرحها متعينا، فقد ورد عنهم (عليهم السلام) " خذوا ما شابه أحكامنا، واتركوا ما خالفها " (7). ولعله لذا اختار الأكثر خلافها وإن اختلفوا في المسألة بعد ذلك على أقوال أربعة: فبين مصحح للبيع والشرط مطلقا، فله عين المستثنى، كما في الإنتصار (8) وعن المفيد (9) والإسكافي (10) والتقي (11)


(1) الوسائل 13: 49، الباب 22 من أبواب بيع الحيوان الحديث 2، وعيون أخبار الرضا 2: 42، الحديث 153. (2) النهاية 2: 203. (3) في المطبوع و " ش " زيادة: مدعيا عليه الإجماع. (4) الخلاف 3: 92، المسألة 149. (5) المبسوط 2: 116 (6) المهذب 1: 382. (7) الوسائل 18: 86، الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 35. (8) الانتصار: 212. (9) المقنعة: 608. (10) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 237. (11) الكافي في الفقه: 354.

[ 382 ]

والحلي (1)، عملا بمقتضى الأصل والعمومات بلزوم العقود والشروط، مع تعين (2) المستثنى. وفيه منع على إطلاقه. ومبطل لهما كذلك، استنادا إلى إفضائه إلى الضرر والتنازع، لأن المشتري قد يختار تبقية هذا الحيوان، وهو يؤدي إلى عدم انتفاع البائع بحقه، وإن اختار البائع ذبحه ليتوصل إلى حقه كان فيه منع المشتري من التصرف بماله بما يختار من التصرفات. وربما كانت التبقية أنفع له من الذبح، فيؤدي إلى التنازع. وفيه ما في سابقه من المنع على إطلاقه. ومفصل تارة بين حي الحيوان فالثاني، ومذبوحه فالأول، كما في القواعد (3). وهو الأقوى، جمعا بين دليلي القولين، مع سلامتهما عن الإيرادين المتقدمين في البين. واخرى كذلك، لكن بزيادة إلحاق ما يراد ذبحه بالمذبوح، كما في المختلف (4) وكلام جماعة، لعدم ورود دليل المنع المتقدم فيه أيضا. وفيه نظر، فإن إرادة الذبح قد لا يجامعه فقد يحصل البداء، فيؤدي إلى المحذور من الضرر والتنازع، مضافا إلى عدم انحصار دليل المنع في ذلك، بل منه الجهالة، لتفاوت لحم الرأس قلة وكثرة بتفاوت المذبح والجلد دقة وضخامة. إلا أن يقال: بعدم عد مثل ذلك في العرف جهالة وشراؤه سفاهة. ولعله كذلك في الرأس ظاهرا، إلا أن الدليل الأول قائم جدا. * (ولو اشترك جماعة في شراء الحيوان واشترط أحدهم الرأس والجلد بماله) * من الثمن * (كان له منه) * أي المبيع * (بنسبة ما نقد لا ما شرط) * للحسن، بل ربما عد من الصحيح: في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع


(1) السرائر 2: 355. (2) المطبوع: تعيين. (3) القواعد 1: 136 س 5. (4) المختلف 5: 238.

[ 383 ]

فاشتراه رجل بعشرة دراهم وأشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد فقضى أن البعير برئ فبلغ ثمانية دنانير، فقال: لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال اريد الرأس والجلد ليس له ذلك هذا الضرار وقد أعطى حقه إذا أعطى الخمس (1). ويأتي ما مر فيه مع ظهوره - كما سبق - فيما يقصد ذبحه لا مطلقا. فلا وجه للتعميم على تقدير العمل بهما بعد وجود القول بالفصل بين مورده فالجواز، وغيره فالمنع، كما مضى. إلا إني لم أقف على مخالف هنا، عدا شيخنا الشهيد الثاني (2) ومن تبعه من بعض أصحابنا، حيث جعلوا الحكم فيه وفيما سبق واحدا. وهو كذلك إن لم يكن انعقد الإجماع على خلافه. وربما احتمله في شرح القواعد للمحقق الثاني (3). ولعله وجه الفرق بينهما في العبارة وغيرها من التردد في الأول، والجزم بالحكم هنا. وهو حسن إن تم، وإلا فمجرد صحة السند على تقديرها غير كاف في الخروج عن مقتضى القواعد المتقدمة جدا، مع إمكان تأويل الرواية إلى ما يلائمها. * (ولو قال اشتر حيوانا بشركتي) * أو بيننا * (صح) * البيع لهما، فإن الأمر بالشراء كذلك توكيل، ولا خلاف فيه * (و) * لا في أن * (على كل واحد) * منهما * (نصف الثمن) * لا غير، فإن الظاهر من الشركة المطلقة هو التساوي في الحصة، مضافا إلى عدم إمكان الترجيح، إلا مع قيام قرينة عليه فتتبع. وإن أدى أحدهما الجميع بإذن الآخر - صريحا، أو فحوى ولو بمقتضى العادة المعلومة لهما في الإنقاد عنه - لزمه (4) الغرم له، وإلا فلا.


(1) الوسائل 13: 49، الباب 22 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (2) المسالك 3: 380. (3) جامع المقاصد 4: 138. (4) في المطبوع: لزم.

[ 384 ]

ولو تلف المبيع بعد قبضه باذن الآخر ولو فحوى فهو منهما، فإن ذلك مقتضى الشركة جدا، ويرجع على الآخر بما نقد عنه إذا كان بإذنه لا مطلقا. * (ولو) * زاد الأمر على ذلك و * (قال) * اشتره على أن يكون * (الربح لنا) * أي بيننا * (ولا خسران عليك) * إن حصل * (لم يلزم الشرط) * وفاقا للحلي (1) وجماعة من المتأخرين (2). قال: لأنه مخالف لاصول المذهب، لأن الخسران على رؤوس الأموال بغير خلاف، فإذا شرط على واحد من الشريكين كان هذا الشرط مخالفا للكتاب والسنة، لأن السنة جعلت الخسران على رؤوس الأموال. ويضعف بإمكان التعويل في ذلك الى الكتاب والسنة من حيث أمرهما بالوفاء بالعقود والشروط، وتصريحهما بجواز أكل مال الغير مع التراض، وقد حصل هنا، كما هو المفروض، قال سبحانه: " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " (3). * (وفي رواية) * صحيحة: * (إذا شارك) * رجل * (في جارية) * له * (وشرط للشريك الربح دون الخسارة جاز) * إذا طابت نفس صاحب الجارية (4). وقريب منه اخرى: في رجل شارك رجلا في جارية فقال له: إن ربحت فلك وإن وضعت فليس عليك شئ، فقال: لا بأس بذلك إذا كانت الجارية للقائل (5). فتأمل. فدعوى مخالفة الشرط لهما (6) لا وجه لها.


(1) السرائر 2: 349. (2) منهم جامع المقاصد 4: 138، والمسالك 3: 381. (3) النساء: 29. (4) الوسائل 13: 42، الباب 14 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1، نقلا بالمضمون. (5) الوسائل 13: 42، الباب 14 من أبواب بيع الحيوان الحديث 2. (6) في " م، ق ": مخالفتهما الشرط.

[ 385 ]

واقتضاء الشركة عموم الخسارة على اطلاقه محل مناقشة، فقد يخص ذلك بصورة عدم اشتراطها على أحدهما. وأ نى له بدفعه. فالمصير إلى الجواز لا يخلو عن قوة، وفاقا للطوسي (1) والقاضي (2) والمختلف (3) والدروس (4)، كما حكي. وظاهر العبارة والقواعد فساد الشرط خاصة (5). ووجهه ليس بواضح. ومقتضى الشرطية فساد الشركة من أصلها بفساد شرطها. فتأمل. * (ويجوز النظر إلى وجه المملوكة ومحاسنها إذا أراد شراءها) * إجماعا حكاه جماعة، والمعتبرة به مع ذلك مستفيضة، منجبر قصور أسانيدها بالأصل، السالم عما يصلح للمعارضة إذا لم يكن بتلذذ ولا ريبة، مضافا إلى الاعتضاد بعمل الطائفة. وجوز في التذكرة النظر إلى ما عدا العورة مطلقا (6). ولا يخلو عن قوة. وسيأتي التحقيق في المسألة في كتاب النكاح إن شاء الله سبحانه. * (ويستحب لمن اشترى رأسا) * أي رقيقا مطلقا، ذكرا كان، أو انثى، تبعا لإطلاق النص والفتوى * (أن يغير اسمه) * عند شرائه، بل قيل: مطلقا (7) ولو بالانتقال بنحو من الهبة والصلح. * (و) * أن * (يطعمه شيئا حلوا، ويتصدق عنه بأربعة دراهم) * شرعية. * (ويكره أن يريه ثمنه في الميزان) * كل ذلك للروايات. منها: إذا اشتريت رأسا فلا ترين ثمنه في كفة الميزان، فما من رأس يرى ثمنه في كفة الميزان فأفلح، فإذا اشتريت رأسا فغير اسمه، وأطعمه شيئا


(1) النهاية 2: 196. (2) نقل عنه العلامة في المختلف 5: 227. (3) المختلف 5: 228. (4) الدروس 3: 223، الدرس 245. (5) القواعد 1: 129 س 6. (6) التذكرة 1: 501 س 22. (7) الدروس 3: 224، الدرس 245.

[ 386 ]

حلوا إذا ملكته، وتصدق عنه بأربعة دراهم (1). وظاهره - كغيره - ترتب الكراهة على رؤية الثمن في الميزان، ولذا عبر به في العبارة وكلام جماعة. وربما قيل بها: مطلقا (2) ولو لم يكن في الميزان، بل خارجا حملا للنص على المتعارف من وضع الثمن في كفة الميزان عند الشراء. وهو حسن لو قام دليل على الكراهة مطلقا، وهو غير واضح جدا. * (ويلحق بهذا الباب مسائل) * * (الاولى: المملوك يملك فاضل الضريبة) * فعيلة، بمعنى المفعول (3). والمراد بها ما يؤدي العبد إلى سيده من الخراج المقدر عليه. والمستند في الحكم الصحيح: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه، فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك - إلى أن قال -: قلت له: فللمملوك أن يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده، قال: نعم وأجر ذلك له (4)، قلت: فإن اعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء العتق ؟ قال: فقال: يذهب فيتوالى إلى من أحب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه ويرثه، الحديث (5). قيل: وأفتى به الشيخ في النهاية وتبعه القاضي (6). وفيه نظر، فإن المحكي من عبارته في المختلف هو تملك التصرف


(1) الوسائل 13: 31، الباب 6 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (2) انظر الحدائق 19: 417. (3) في " ق، ش ": المفعولة. (4) في مصححة المطبوع: واجيز ذلك، والكلمة في المخطوطات مختلفة غير واضحة، وما أثبتناه موافق لما في الكافي والفقيه والمقنع والوسائل. (5) الوسائل 13: 34، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (6) لم نقف عليه في كتبهما، نسبه الفاضل الآبي إلى الشيخ - في النهاية - وأتباعه، كشف الرموز 1: 512.

[ 387 ]

خاصة (1)، ولعله لذا نسبه دون التملك إليهما في المهذب (2). نعم القول بذلك محكي فيه عن الصدوق والإسكافي، حيث قالا: يملك العين لكن لا مستقرا (3). * (و) * كيف كان: فالأقوى ما * (قيل) *: من أنه * (لا يملك شيئا) * مطلقا، إلا أن يأذن له المولى في التصرف فيحصل له إباحة خاصة. وهذا القول هو الأشهر بين أصحابنا، كما حكاه جماعة (4) منا. وهو الظاهر من تتبع كلماتهم جدا، حيث لم أقف على مخالف لهم في ذلك، إلا نادرا، بل ادعى الشيخ في الخلاف في كتاب الزكاة (5) والفاضل في نهج الحق عليه إجماعنا صريحا (6)، ودل عليه كلام الحلي المحكي في المختلف في كتاب العتق ظاهرا، حيث قال: أنه لا يملك عندنا (7)، ونحوه عبارة المبسوط، المحكية عنه في كتاب الكفارات (8). وربما كان في عبارة الإنتصار (9) اشعار به، بل ظهور جدا، مع فتواه فيه صريحا. وهو الحجة، المؤيدة بأصالة عدم الملكية، السالمة - كالإجماعات المحكية - عما يصلح للمعارضة، سوى الرواية السابقة. وهي مع اختصاصها بفاضل الضريبة، بل ودلالتها على العدم فيما عداه بمفهوم الشرطية، تأولها الأصحاب بإرادة جواز التصرف والإباحة دون الملكية. وهو وإن كان ينافيه ظاهر سياقها، إلا أنه لا بأس به، جمعا بين الأدلة، مع منافاة إطلاقها لما أجمع عليه الطائفة من ثبوت الحجر عليه في تصرفاته


(1) المختلف: 624 س 2. (2) المهذب البارع 2: 450 و 451. (3) المقنع: 161، وعن الاسكافي في المختلف: 624 س 12. (4) التذكرة 2: 8 س 20، والسرائر 3: 6. (5) الخلاف 2: 43، المسألة 45. (6) نهج الحق: 484، المسألة 16. (7) المختلف: 624 س 14. (8) المبسوط 6: 217. (9) الانتصار: 170.

[ 388 ]

بالكلية، حيث دلت على جواز عتقه وشبهه. وهو مضافا إلى انعقاد الإجماع على خلافه قد منعت عنه الكتاب والسنة، عموما في بعض، وصريحا في آخر، قال الله سبحانه: " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (1). ولا ريب في شمول " الشئ " المنفي قدرته عليه للتصرف لغة وإجماعا لو لم نقل بشموله لنحو التملك أيضا، فإنه شئ جدا. ومقتضى العموم الناشئ من وقوع " الشئ " النكرة في سياق النفي المشمول له قطعا، فهو حجة اخرى لنفي الملك مطلقا. ولعله لذا استدل به لذلك أصحابنا، وقريب منه في ذلك الآية الاخرى الآتية. وفي الصحيح: في المملوك ما دام عبدا فإنه وماله لأهله، لا يجوز له تحرير، ولا كثير عطاء، ولا وصية، إلا أن يشاء سيده (2). وهو كما ترى ظاهر، بل لعله صريح في عدم جواز التصرفات التي أباحته الرواية الاولى (3) مطلقا، وأنه لا يملك أصلا. وما ربما يتوهم فيه من المناقشة في الأول: بتقييد إطلاقه بغير فاضل الضريبة، فإن هذه الرواية مطلقة وتلك مقيدة. وفي الثاني: بأن اللام في " لأهله " وإن كان ظاهرا في الملكية، إلا أن إضافة المال إلى العبد ظاهرة في ثبوتها له أيضا بالبديهة، وحيث لم يجتمعا وجب المصير إلى التأويل في أحدهما، بإرجاعه إلى الآخر بنحو من التوجيه، وهو إرادة جواز التصرف خاصة، بناء على كفاية أدنى ملابسة في صحة الإضافة جدا، وحيث لا مرجح وجب التوقف، وبه تخرج الرواية عن الحجية.


(1) النحل: 75. (2) الوسائل 13: 466، الباب 78 من كتاب الوصايا الحديث 1. (3) الوسائل 13: 34، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1.

[ 389 ]

مدفوع، فالأول: باشتراط التكافؤ في حمل المطلق على المقيد المفقود في المقام، لاعتضاد الأول بالأصل، والإجماعات المحكية، والشهرة العظيمة المتحققة، فلا يمكن المصير إلى الحمل المذكور في المسألة، كما لا يمكن الجمع بينهما، بحمل التصرف في الصحيحة على الواقع بإذن المالك، جمعا بينها وبين الثانية ونحوها من الأدلة من حمل المطلق على المقيد، فإنه فرع العمل بها، مع أنك قد عرفت المنع عنه مطلقا، لعدم التكافؤ أصلا. والثاني: بمنع فقد المرجح، فإن القرينة على صرف التوجيه المتقدم إلى إضافة المال إلى العبد قائمة، فإن اللام في الرواية (1) مفيدة للملكية بالبديهة، نظرا إلى سياق الرواية، حيث تضمنت العبد وضمته إلى ماله أولا، وصرفت الحكم المستفاد من اللام إليهما. ولا ريب أنه بالإضافة الى العبد معناها الحقيقي، وهو الملكية أو الإختصاص. فلو حمل على المعنى المجازي أو حقيقي آخر غيرهما - لو كان - لزم استعمال اللفظ الواحد في الاستعمال الواحد في معنييه الحقيقين أو المتخالفين بالوصفين. وهما مرغوب عنهما، سيما الثاني عند المحققين. فتعين المصير إلى صرف التوجيه إلى الطرف المقابل، حيث لا قرينة مثل ذلك وغيره فيه يوجب العكس بالبديهة. فتأمل. ومن هنا انقدح الوجه في صحة ما أجاب به الجماعة عن النصوص المستفيضة الآتية في المسألة الآتية، وفي بحث العتق إن شاء الله سبحانه، المضيفة للمال الى العبد، الظاهرة لذلك في الملكية من صحة الإضافة بأدنى ملابسة. وهو وإن كان في حد ذاته بعيدا، إلا أن المصير إليه بملاحظة ما سلف


(1) الوسائل 13: 466، الباب 78 من كتاب الوصايا الحديث 1.

[ 390 ]

كان متعينا جدا، مضافا إلى الصوارف الاخر التي تقدمت من الأدلة على عدم الملكية. وقريب من الصحيحة المزبورة ما في صحيحة اخرى طويلة، متضمنة للقضية المشهورة بين ابن أبي ليلى وابن شبرمة. وفيها من كلام مولانا الصادق (عليه السلام) - بعد قول الراوي له: قلت: أليس قد أوصى للعبد بثلث ماله ؟ -: أن العبد لا وصية له إن ماله لمواليه (1). ونحو هذه الأدلة في عدم الملكية نصوص اخر واردة في مباحث الوصية وإن اختلفت في الدلالة. فبين ظاهرة في ذلك - ولو بالمعونة - كالصحيح: في مكاتب كانت تحته امرأة حرة فأوصت له عند موتها بوصية، فقال أهل الميراث: لا نجيز وصيتها لأنه مكاتب لم يعتق ولا يرث، فقضى: أنه يرث بحساب ما أعتق منه، ويجوز له الوصية بحساب ما أعتق منه، وقضى في مكاتب أوصى له بوصية وقد قضى نصف ما عليه فأجاز نصف الوصية، الحديث (2). ووجوه الدلالة فيه واضحة، أقواها تعليل الورثة عدم الإجازة بأنه بعد مملوك لم يعتق، وهو ظاهر في إشتهار عدم تملكه للوصية بالعبودية في تلك الازمنة. ويومئ إليه ما ذكره الأصحاب في المنع عن الوصية لمملوك الغير من التعليل بعدم المالكية. ومشعرة به، وهي كثيرة وإن اختلفت في الإشعار ضعفا وقوة. فمنها: النصوص المتواترة، المجمع عليها، الدالة على نفي الموارثة بالرقية، وقد جعله الفاضل في المختلف حجة اخرى مستقلة، فقال: ولأنه لو ملك لدخل المال في ملكه بالأسباب الموجبة للدخول من غير إختيار، كالميراث وشبهه، والتالي باطل إجماعا، فكذا المقدم (3).


(1) الوسائل 13: 423، الباب 39 من كتاب الوصايا الحديث 5، قطعة من الحديث. (2) الوسائل 13: 468، الباب 80 من كتاب الوصايا الحديث 1. (3) المختلف: 624 س 21.

[ 391 ]

ولا يخلو عن مناقشة، لإمكان الملازمة، حيث لم يقم عليه حجة ظاهرة، فيحتمل كون نفي التوارث تعبدا، كما اتفق مثله في منع الوارث عن الميراث إذا كان قاتلا، مع كونه يملك للمال إجماعا وإن كان وجه الحكمة فيه ظاهرا. ونحوه في الضعف استدلاله الآخر بقوله: ولأنه لو ملك لما جاز له أخذه منه قهرا، والتالي باطل إجماعا. ولما رواه محمد بن إسماعيل في الصحيح: عن مولانا الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن رجل يأخذ من ام ولده شيئا وهبه لها بغير طيب نفسها من خدم أو متاع أيجوز ذلك ؟ قال: نعم إذا كانت ام ولده (1). بمنع الملازمة، لعدم الدليل عليها من كتاب أو سنة أو إجماع حتى في المسألة، إلا أن يدعي الاستقراء. وهو حسن، مع أن في الإستناد لإبطال التالي بالصحيح ما ترى، فلعل تجويز الإسترداد منها بناء على كون الموهوب لها هبة لغير ذي رحم، ويجوز ذلك فيها إجماعا، فتوى ونصا. وربما كان في الشرطية في ذيله إشعار بذلك أيضا، فتأمل جدا. ومنها: النصوص الواردة في وصية المولى لمملوكه بثلث ماله، وأنه يعتق بحسابه (2)، وهو ظاهر في عدم اعطائه ثلثه. ولا وجه له في الظاهر، إلا عدم تملكه له. فتأمل. وبالجملة تتبع النصوص الواردة في العتق والوصية للمملوك يكشف عن عدم الملكية له من دون ريبة، فلا يقاومها - سيما بعد اعتضادها بما قدمناه من الأدلة - شئ من الرواية السابقة وغيرها، كالمستدل به للقول باستثناء أرش الجناية خاصة، كما حكى قولا في الروضة (3)، وقال به


(1) الوسائل 13: 342، الباب 10 من كتاب الهبات الحديث 2، والمختلف: 624 س 22. (2) الوسائل 13: 466، الباب 79 من كتاب الوصايا الحديث 1. (3) الروضة 3: 312.

[ 392 ]

القاضي (1) والنهاية (2)، لكن مع إلحاق ما يملكه مولاه وفاضل الضريبة. وهو الموثق: ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، فيقول: حللني من ضربي إياك ومن كل ما كان مني إليك مما أخفتك وأرهبتك، فيحلله ويجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم إن المولى بعد أصاب الدراهم التي اعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد وأخذها المولى، أحلال له هي ؟ فقال: لا يحل له، لأنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة، قال: فقلت: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليها الحول، قال: إلا أن يعمل له بها، الحديث (3). وفيه - مضافا إلى ما مر - قصور السند، وتضمنه عدم جواز أخذ المولى ذلك منه، وهو مخالف للإجماع، كما في عبارة المختلف المتقدمة، ونحوها ما صرح به أيضا بعدها بأدنى فاصلة، فقال: لو فرضنا أن العبد يملك فإنه لا يملك ملكا تاما، إذ لمولاه انتزاعه منه إجماعا (4) مضافا إلى احتمال حمله على التقية، لأن الملكية مذهب جماعة من العامة (5)، كما يستفاد من عبارة هؤلاء النقلة للإجماعات المتقدمة، مع ظهور ذيله في ذلك، من حيث تضمنه استحباب الزكاة في مال التجارة، وهو مذهب العامة (6) وإن اشتهر أيضا بين الطائفة. وبه يمكن الجواب عن الأخبار المتوهم منها الدلالة على الملكية مطلقا، أظهرها دلالة الخبر: عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدأ


(1) نقل عنه العلامة في المختلف: 624 س 9. (2) النهاية 3: 13. (3) الوسائل 13: 35، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان الحديث 3، وذيله الوسائل 6: 61، الباب 4 من ابواب من تجب عليه الزكاة الحديث 6. (4) المختلف: 624 س 25. (5) المجموع 14: 397، والموطأ 2: 611. (6) الام 2: 48، والمجموع 6: 53.

[ 393 ]

بالحرية قبل المال يقول: لي مالك وأنت حر برضا المملوك (1). وفيه - مع ذلك - قصور السند للجهالة وإن عده من الحسن بل الصحيح جماعة، وأنه معارض بكثير من المعتبرة، الدالة على كون مال المعتق للمالك إذا كان جاهلا بماله مطلقا ولو لم يستثن. وأما الخبر: أن عليا (عليه السلام) أعتق عبدا، فقال له: إن ملكك لي ولك وقد تركته لك (2)، فمع قصور السند غير واضح الظهور في المنافاة لمذهب المشهور وغيره، لإجماله إن ارتكب المجاز في إحدى اللامين، ومخالفته الإجماع إن حملناه على الحقيقة، لإفادتهما التشريك بالبديهة. ولا قائل به من الطائفة، مع منافاته صريح الآية " ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء " الآية (3)، لتصريحها بأن ليس للعبد في أموال الموالي شركة. فاستدلال بعض الأجلة بهذه الرواية - لقوله بإطلاق ثبوت الملكية له، تبعا للماتن في الشرائع - ضعيف غايته، كضعف استدلاله بما أشرنا إليه من الأخبار المتقدمة. ويتحصل مما طولنا به الكلام في المسألة القطع بعدم الملكية فيما عدا فاضل الضريبة وأرش الجناية، وكذلك فيهما على الظاهر المشهور بين الطائفة. * (الثانية: من اشترى عبدا) * مثلا وكان * (له مال كان ماله للبائع) * إلا مع الشرط، فيكون للمشتري على الأظهر الأشهر بين الطائفة، كما حكاه جماعة، للمعتبرة.


(1) الوسائل 16: 29، الباب 24 من أبواب العتق الحديث 5. (2) الوسائل 16: 29، الباب 24 من أبواب العتق الحديث 7. (3) الروم: 28.

[ 394 ]

منها الصحيح: عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا، فقال: المال للبائع إنما باع نفسه، إلا أن يكون شرط عليه أن ما كان له من مال أو متاع فهو له (1). ونحوه خبران آخران، مروي أحدهما: في الفقيه (2)، وثانيهما: عن أمالي ولد الشيخ (3). وهذان الحكمان على المختار واضحان، لعدم دخول المال في لفظ المبيع لغة وعرفا، فيكون للبائع جدا، إلا مع الشرط، أو ما في حكمه من جريان العادة بدخوله، كثياب البدن ونحوها إن حصلت فيدخل. ويشكل الحكمان على غيره، إذ لا وجه لهما حينئذ، إذ لا (4) موجب لكونه للبائع في الأول وللمشتري في الثاني، بل يتبع المال مالكه. فهما أقوى دليل على المختار، وأولى بالدلالة عليه من دلالة اضافة المال إلى العبد في النصوص على خلافه، ولكفاية أدنى ملابسة في الإضافة، كما مضت إليه والى ما يدل على تعيين ارادته الإشارة. وقيل: بأنه للبائع مع جهله به وللمشتري مع علمه، تعيين ارادته الإشارة. وقيل: بأنه للبائع مع جهله به وللمشتري مع علمه، للصحيح: الرجل يشتري المملوك وله مال لمن ماله ؟ فقال: إن كان علم البائع أن له مالا فهو للمشتري، وإن لم يكن له علم فهو للبائع (5). وهو ضعيف، لقصور الخبر عن المقاومة لما مر، وإن صح السند، لكثرة العدد، والإعتضاد بالأصل، وبعمل الأكثر، فليطرح، أو يأول إلى الأول، بالحمل على صورة الشرط - كما في المختلف (6) - أو ما في معناه من قضاء العادة بدخوله، كما مر، ولعله أظهر.


(1) الوسائل 13: 32، الباب 7 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (2) الفقية 3: 220، الحديث 3815. (3) امالي الطوسي 1: 397، الحديث 95. (4) في " ق، ش ": ولا موجب. (5) الوسائل 13: 32، الباب 7 من أبواب بيع العتق الحديث 2. (6) المختلف: 624 س 25.

[ 395 ]

وبه يظهر اتحاده مع المعتبرة في الدلالة على عدم الملكية وعدم انطباقها على القول بها، إذ لا وجه لتأثير العلم وعدمه في دخول ملك العبد من دون عقد في ملك البائع والمشتري. وانطباقها على الأول واضح، لأن كون المال للبائع على تقدير الجهل مقتضى الأصل، فإنه ملكه، فيتبعه، وللمشتري على تقدير العلم مقتضى العادة الجارية مجرى الشرط، فيتبع، كما حملنا عليه الرواية. ثم مع الدخول بأحد الأمرين ينبغي أن يراعى فيه شروط البيع من كونه معلوما لهما أو ما في حكمه، وسلامته من الربا بأن يكون الثمن مخالفا لجنسه الربوي أو زائدا عليه، وقبض مقابل الربوي في المجلس إن كان صرفا وغيرها. وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق الصحيح: قلت له: الرجل يشتري المملوك وماله، قال: لا بأس به، قلت: فيكون مال المملوك أكثر مما اشتراه، قال: لا بأس به (1). وهو - كالنصوص السابقة - ظاهر الإنطباق على المختار دون غيره. فالعجب من نحو الماتن كيف حكم بهذا الحكم هنا على الإطلاق ؟ مع حكمه بالملك الغير المجامع له سابقا. اللهم إلا أن يريد بمال العبد هنا مال مولاه، وإنما اضيف إليه لتسليطه المولى وإباحته له، فيحصل أدنى الملابسة، الكافي في صدق الإضافة. وبهذا الوجه تخرج النصوص عن مورد المسألة السابقة من ثبوت الملكية أو عدمها بالبديهة. * (الثالثة: يجب على البائع) * ومن في حكمه إن قلنا بالحاقه به * (استبراء الأمة) * الموطوءة له حال بلوغها في قبل أو دبر عزل أم لا في ظاهر إطلاق


(1) الوسائل 13: 34، الباب 8 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1.

[ 396 ]

النصوص والفتاوى * (قبل بيعها) * بل مطلق الإنتقال على الأشهر الأقوى. بل ربما يستفاد من الخلاف (1) والغنية (2) الإجماع عليه بترك وطئها مطلقا ولو دبرا، دون سائر الإستمتاعات في زمان يأتي عليها. * (بحيضة) * واحدة إن لم تبع في أثنائها، وإلا فيكفي تمامها على الأشهر الأقوى * (إن كانت ممن تحيض) * وحدها البالغة تسع سنين بلا خلاف يوجد، إلا نادرا. * (وبخمسة وأربعين يوما) * من حين الوطء * (إن لم تحض) * بعد، أو انقطع عنها حيضها * (وكانت في سن من تحيض) *. * (وكذا يجب الإستبراء) * بما ذكر كيفية (3) وقدرا * (على المشتري إذا لم يستبرئها البائع) * مطلقا، علم بوطئه لها، أو جهل. ولا يجب إذا علم العدم اتفاقا نصا وفتوى، ولا خلاف في شئ من ذلك. إلا من الحلي في إلحاق مطلق الإنتقال بالبيع (4)، التفاتا إلى الأصل، واختصاص الموجب به خاصة. فالإلحاق لابد له من حجة، وليست سوى دعوى الإشتراك في الحكمة الموجبة في الملحق به، وليست بمنصوصة. والمناقشة فيه واضحة، بعد ملاحظة خصوص الرواية الآتية في المسبية، المندفع أخصيتها من المدعى بعدم القول بالفرق بين الطائفة، مضافا إلى ظواهر كثير من المعتبرة الظاهرة في الحكمة، كالصحيح: في رجل ابتاع جارية لم تطمث، قال: إن كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحمل فليس عليها عدة فليطأها إن شاء، وإن كانت قد بلغت ولم تطمث فإن عليها العدة (5).


(1) الخلاف 5: 82 و 83، المسألة 41. (2) الغنية: 360. (3) في " م، ش ": كيفا. (4) السرائر 2: 634. (5) الوسائل 14: 498، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 397 ]

وقريب منه الخبر - الذي ضعف سنده بالشهرة العظيمة منجبر -: عن الجارية التي لا يخاف عليها الحبل، قال: ليس عليها عدة (1). لظهوره في فهم الراوي دوران وجوب العدة مدار خوف الحبل، وإن إشكاله في الحكم مع عدم الخوف، وقد قرره (عليه السلام) على ذلك. فتدبر. ويشهد له سقوط الإستبراء فيمن لا يخاف عليها الحبل أصلا، كالصغيرة ونحوها، وفي المشتراة من المرأة، فتأمل جدا [ ولعله لذا رجع عنه في باب السراري وملك الايمان ] (2). ومنه أيضا في الإكتفاء بتمام الحيضة إن بيعت في الأثناء، فلم يكتف به (3). ويرده الإجماع المحكي في الخلاف (4)، والمعتبرة كالصحيحين: في أحدهما: عن رجل اشترى جارية وهي حائض، قال: إذا طهرت فليمسها إن شاء (5). والموثق: عن رجل اشترى جارية وهي طامث أستبرئ رحمها بحيضة اخرى، أم تكفيه هذه الحيضة ؟ قال: لا، بل تكفيه هذه الحيضة، فإن استبرأها باخرى فلا بأس، هي بمنزلة فضل (6). ومن المبسوط فألحق بالوطء سائر وجوه الاستمتاعات (7)، للموثق: عن الرجل يشتري الجارية وهي حبلى أيطأها ؟ قال: لا، قلت: فدون الفرج، قال: لا يقربها (8).


(1) الوسائل 14: 498، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2. (2) مابين المعقوفتين لا يوجد في " م ". (3) السرائر 2: 635. (4) الخلاف 3: 133 و 134، المسألة 222. (5) الوسائل 14: 498، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1، والآخر الوسائل 14: 498، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء ذيل الحديث 1. (6) الوسائل 14: 508، الباب 10 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2. (7) المبسوط 2: 140. (8) الوسائل 14: 502، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5.

[ 398 ]

ويرده - مضافا إلى الأصل وانتفاء وجه الحكمة - الإجماع الذي حكاه في الخلاف (1)، وخصوص المعتبرة كالصحيح: قلت: يحل للمشتري ملامستها، قال: نعم، ولا يقرب فرجها (2). والموثق: أفيحل له أن يأتيها فيما دون فرجها ؟ قال: نعم (3). ونحوه خبران آخران: في أحدهما: ولكن يجوز ذلك فيما دون الفرج (4). وفي الثاني: لا بأس بالتفخيذ لها حتى تستبرئها، وإن صبرت فهو خير لك (5). فلتحمل الموثقة على الاستحباب، كما يستفاد من هذه الرواية. ومن المفيد في مبلغ العدة الثانية فجعله أشهرا ثلاثة (6). ولا مستند له سوى القياس على الحرة المطلقة. والمناقشة فيه واضحة، سيما بعد اتحاد عدة الأمة المطلقة لمقدار عدتها في المسألة بالإجماع وأكثر النصوص المعتبرة، ومع ذلك النصوص برده هنا مستفيضة زيادة على الإجماع في الخلاف. منها: عن الجارية التي لم تبلغ المحيض ويخاف عليها الحبل، قال: يستبرئ رحمها الذي يبيعها بخمسة وأربعين ليلة، والذي يشتريها بخمسة وأربعين ليلة (7).


(1) الخلاف 5: 84، المسألة 45. (2) الوسائل 14: 504، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5. (3) الوسائل 14: 516 الباب 18 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5. (4) الوسائل 13: 39 الباب 11 من أبواب بيع الحيوان الحديث 5. (5) الوسائل 14: 501، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (6) المقنعة: 600. (7) الوسائل 14: 499، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 7.

[ 399 ]

ومنها: في الرجل يشتري الجارية ولم تحض أو قعدت عن المحيض كم عدتها ؟ قال: خمس وأربعون يوما (1). ونحوه آخر (2). وفي الصحيح والموثق: في كم يستبين له حبل ؟ قال: في خمس وأربعين ليلة (3). هذا، وكلامه في المقنعة في باب لحوق الأولاد (4) يوافق ما في العبارة. ومن الصحيحين: في مقدار العدة الاولى فجعلاه حيضتين، مؤذنين بكون الواحدة مذهب العامة (5). وهما شاذان مردودان بفحوى المعتبرة المتقدمة، المكتفية بتمام الحيضة، وصريح أخبار اخر معتبرة. منها: استبرؤا سباياكم بحيضة (6). وقصور السند بالفتاوى منجبر. وحملها على الإستحباب - كما فعله الشيخ (7) - غير بعيد، كما دل عليه صريح الموثق المتقدم. ولعل العامة في المدينة أنكرت استحباب الحيضتين. ومن بعض المحققين في تعميم الوطء للدبر فخصه بالقبل، وهو الظاهر من الحلي، حيث أوجب الإستبراء بتركه خاصة للمشتري (8). ولعله للأصل، واختصاص الموجب من النص بحكم التبادر بمحل الفرض، فلا يجوز التعدي إلى الغير. ولا يخلو عن قرب إن لم يحصل بوطء الدبر خوف سبق


(1) الوسائل 14: 499، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 6، وفيه اختلاف. (2) الوسائل 14: 499، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5. (3) الوسائل 13: 36، الباب 10 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1 وذيله. (4) المقنعة: 538. (5) الوسائل 14: 504 و 508، الباب 6 و 10 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5 و 1. (6) الوسائل 14: 515، الباب 17 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (7) الاستبصار 3: 359، الحديث 1287. (8) السرائر 2: 634.

[ 400 ]

الماء في القبل، الموجب لخشية الحبل، بل حصل القطع بعدمه بالعزل ونحوه. ومنه يظهر الوجه في الإشكال في تعميم الوطء له مع العزل، الموجب للقطع بعدم الحبل من هذا الوطء، ولا فرق فيه بين القبل والدبر. إلا أن التعميم مطلقا - كما ذكرنا، وفاقا لظاهر أكثر الأصحاب (1) - طريق الإحتياط. * (ويسقط الإستبراء عن (2) الصغيرة) * الغير البالغة * (واليائسة) * عن الحيض بالبلوغ إلى سن اليأس * (والمستبرئة) * بلا خلاف في الثلاثة. وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، واختصاص النصوص بحكم التبادر في بعض، وبه وبوجه الحكمة في الباقي بغير الثلاثة (3). فالتعدية لمخالفتها الأصل لابد لها من حجة ودلالة، هي في المقام مفقودة، مع تظافر المعتبرة بعدمها بالضرورة. منها - مضافا إلى ما مر إليه الإشارة - الموثق كالصحيح - بل ربما عد من الصحيح -: عن الرجل يشتري الجارية التي لم تبلغ المحيض، وإذا قعدت من المحيض ما عدتها، وما يحل للرجل من الأمة قبل أن تحيض ؟ قال: إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلا عدة لها، الحديث (4). * (و) * من النصوص في الثالثة الأخبار الدالة على السقوط عن * (أمة المرأة و) * أنه * (يقبل قول) * البائع * (العدل إذا أخبر بالإستبراء) * أو عدم الوطء أصلا، وهي مستفيضة. فمما يتعلق بالأول: المعتبرة. منها الصحيح: عن الأمة تكون لامرأة فتبيعها، قال: لا بأس أن يطأها


(1) في " م، ش، ه‍ " توجد زيادة: هنا. (2) في المتن المطبوع: على. (3) الوسائل 14: 498 و 803، الباب 3 و 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء. (4) الوسائل 14: 499، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4.

[ 401 ]

من غير أن يستبرئها (1). ونحوه الموثق كالصحيح، بل قيل: صحيح (2). وفي مضاهيه في الوصفين - على القولين -: اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبرتني أنه لم يطأها أحد فوقعت عليها ولم أستبرئها فسألت ذلك أبا جعفر (عليه السلام)، فقال: هو ذا أنا قد فعلت ذلك وما اريد أن أعود (3). وربما يستشعر منه اشتراط الحكم هنا بعدم معلومية وطء في ملك المرأة بتحليل ونحوه، بل مطلقا، ومقتضاه وجوب الإستبراء عند عدم الشرط. ولعله كذلك، ويعضده انسحاب وجه الحكمة هنا أيضا، إلا أن مقتضاه الإكتفاء باحتمال الوطء، لا اشتراط العلم به. ولا ريب أنه أحوط إذا لم تخبر بعدم الوطء، بل مطلقا، كما عن الحلي (4) وفخر المحققين (5) وإن كان في تعينه نظر، لإطلاق الصحيحين الأولين، المعتضدين بالأصلين، وبإطلاق الفتاوى في البين، فيقيد بهما الحكمة إن عمت. مع أن عمومها محل نظر، لاحتمال الخوف، الذي هو الأصل فيها، الغالب، كما في الشراء من الرجل لا مطلقة. وينبغي القطع باشتراط عدم المعلومية، التفاتا إلى الحكمة، وعليه ينزل الإطلاقات. ويفرق حينئذ بين الشراء منها ومن الرجل بوجوب الإستبراء في الثاني مطلقا إلا مع العلم أو ما في حكمه بعدم الوطء أصلا، وعدمه في الأول


(1) الوسائل 14: 504، الباب 7 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (2) الوسائل 14: 504، الباب 7 من أبواب نكاح العبيد والاماء ذيل الحديث 1. (3) الوسائل 14: 505، الباب 7 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2. (4) السرائر 2: 634. (5) الإيضاح 3: 165.

[ 402 ]

كذلك، إلا مع العلم بالدخول المحترم أو المطلق على الأقوى. ومما يتعلق بالثاني: المستفيضة. وهي مابين مطلقة في المخبر، كالخبر: إذا اشتريت جارية فضمن لك مولاها أنها على طهر فلا بأس أن تقع عليها (1). ومقيدة له بالوثاقة والأمانة. منها: في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول: إني لم أطأها، فقال: إن وثق به فلا بأس بأن يأتيها (2). ومنها: الرجل يشتري الجارية وهي طاهر ويزعم صاحبها أنه لم يمسها منذ حاضت، فقال: إن ائتمنته فمسها (3). وقصور الاولى بالجهالة، والثانية بالإشتراك، بل احتمال الضعف بالقرينة منجبر بالشهرة. مع أنهما معدودان في الحسن والصحيح في كلام جماعة، مضافا إلى كون الاولى في الكافي صحيحة أو حسنة كالصحيحة (4)، ووجود من أجمعت على تصحيح ما يصح عنه العصابة في سند الثانية، مع اعتضادهما بالأصل، واختصاص النصوص المثبتة للحكم بحكم التبادر بغير مفروض المسألة. ودعوى عموم الحكمة لنحوها غير ظاهرة، يظهر وجهه مما تقدم إليه الإشارة. فإذا الأظهر ما عليه الأكثر، بل ربما يظهر من الغنية (5) الإجماع عليه. خلافا للفاضلين المتقدم ذكرهما، فأوجبا الإستبراء هنا أيضا، لروايات،


(1) الوسائل 14: 503، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3. (2) الوسائل 14: 503، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (3) الوسائل 14: 504، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4. (4) الكافي 5: 472، الحديث 4. (5) الغنية: 360.

[ 403 ]

هي مابين قاصرة السند، أو ضعيفة الدلالة، أو مخالفة في الظاهر للمجمع عليه بين الطائفة. فأولها: أشتري الجارية من الرجل المأمون فيخبرني أنه لم يمسها منذ طمثت عنده وطهرت، قال: ليس بجائز أن تأتيها حتى تستبرئها بحيضة، الحديث (1). وثانيها الصحيح: عن جارية تشترى من رجل مسلم يزعم أنه قد استبرأها أيجزئ ذلك، أم لابد من استبرائها ؟ قال: استبرئها بحيضتين (2). وثالثها الصحيح: في رجل اشترى جارية ولم يكن صاحبها يطأها أيستبرء رحمها ؟ قال: نعم (3). فلتطرح، أو تؤول بما يؤول إلى الأول، بالحمل على عدم أمانة المخبر. والأول الظاهر فيها بحسب السند قاصر. أو على الإستحباب، كما يشعر به الصحيح الأول، من حيث تضمنه الأمر بالإستبراء حيضتين، الذي هو الإستحباب بلا خلاف في الظاهر. ويفصح عنه الخبر - بل الحسن، كما قيل (4) -: أفرأيت إن ابتاعها وهي طاهرة وزعم صاحبها أنه لم يطأها منذ طهرت، فقال (عليه السلام): إن كان عندك أمينا فمسها، وقال (عليه السلام): إن ذا الأمر شديد، فإن كنت لابد فاعلا فتحفظ لا تنزل عليها (5). فما عليه الأكثر أقوى، وإن كان الإحتياط الأكيد فيما ذكراه جدا، كاعتبار العدالة بعده، وفاقا لظاهر العبارة وجماعة، وإن كان الإكتفاء بمن


(1) الوسائل 13: 39، الباب 11 من أبواب بيع الحيوان الحديث 5. (2) الوسائل 14: 504، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5. (3) الوسائل 13: 36، الباب 10 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (4) القائل هو المجلسي في ملاذ الأخيار 13: 334، الحديث 25. (5) الوسائل 13: 39، الباب 11 من أبواب بيع الحيوان الحديث 3.

[ 404 ]

تسكن النفس إليه لا يخلو عن قوة، لظاهر المعتبرة المتقدمة، لخلوها عن اعتبارها بالمعنى المصطلح بين المتشرعة، وإنما غايتها اشتراط الأمانة والوثاقة، وهما أعم منها لغة وعادة. * (ولا) * يجوز أن * (توطأ) * الأمة * (الحامل قبلا حتى يمضي لحملها أربعة أشهر) * كما عن المفيد (1) والحلبي (2) وفي الغنية، مدعيا في الظاهر عليه إجماع الطائفة (3). وهو الحجة. لا الرواية الآتية، لزيادة فيها ليست في كلام هؤلاء الجماعة، بل حكيت عن النهاية (4) خاصة، وتبعه من المتأخرين جماعة، كالماتن في الشرائع (5) والفاضل في الإرشاد (6) والقواعد (7) وشيخنا في الروضة (8) والمسالك (9). ولاريب في الحرمة قبل انقضاء هذه المدة، للمعتبرة المستفيضة، التي كادت تكون متواترة، وهي مع ذلك معتضدة بالشهرة العظيمة، كما في الدروس (10)، وإجماع الغنية، وأصالة بقاء الحرمة السليمة عما يصلح للمعارضة، عدا قوله سبحانه: " أو ما ملكت أيمانكم " (11)، وهو معارض بالآية الاخرى " واولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (12)، وبعد التساقط بموجب التعارض تبقى الأصالة المزبورة عن معارضة الآية الاولى سليمة. وإلى التعارض مع ترجيح الثانية - على ما ذكره بعض الأجلة (13) - تشير


(1) المقنعة: 544. (2) الكافي في الفقه: 300. (3) الغنية: 360. (4) النهاية 2: 390. (5) الشرائع 2: 59. (6) الإرشاد 1: 366. (7) القواعد 1: 130 س 5. (8) الروضة 3: 316. (9) المسالك 3: 388. (10) الدروس 3: 228، الدرس 247. (11) النساء: 3. (12) الطلاق: 4. (13) الحدائق 19: 448.

[ 405 ]

بعض المعتبرة، كالصحيح في الأمة الحبلى يشتريها الرجل، قال: سئل أبي عن ذلك، فقال: أحلتها آية وحرمتها آية، فأنا ناه عنها نفسي وولدي (1). والنهي حقيقة في الحرمة، وتخصيصه إياه بنفسه وولده غير مشعر بالكراهة، فلعله للتقية، كما صرح به جماعة. فإذا الرواية من أدلة الحرمة، كالمستفيضة. منها الصحيح: الرجل يشتري الجارية وهي حامل، ما يحل منها ؟ قال: ما دون الفرج (2). والموثقات الثلاث فيما عدا الثالث، منها: عن الجارية يشتريها الرجل وهي حبلى أيطؤها ؟ قال: لا (3). ونحوهما المرويان عن قرب الإسناد (4). وفيه: عن الجارية الحبلى يشتريها الرجل فيصيب منها دون الفرج، فقال: لا بأس، قلت: فيصيب منها في ذلك، قال: تريد تغره (5). والخبران: في أحدهما: عشر لا يحل نكاحهن ولا غشيانهن، وعد منها: أمتك وهي حبلى من غيرك (6). وفي الموثق: عن رجل اشترى جارية حاملا وقد استبان حملها فوطأها، قال: بئس ما صنع (7). إلى غير ذلك من النصوص الآتية، التي بملاحظتها وسابقتها ربما يحصل القطع بأنها متواترة، وهي مابين ظاهرة، وصريحة في الحرمة.


(1) الوسائل 14: 505، الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2. (2) الوسائل 14: 502، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3. (3) الوسائل 14: 502 و 506، الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5 و 6. (4) قرب الاسناد: 128. (5) الوسائل 14: 502، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4. (6) الوسائل 14: 506، الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5، والآخر الوسائل 14: 300، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 4. (7) الوسائل 14: 507، الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 406 ]

فالقول بالكراهة - كما عن الخلاف (1) والحلي (2) - ضعيف وإن ادعى الأول عليه الإجماع، لوهنه بمصير الأكثر إلى خلافه، مع معارضته بالإجماع المتقدم، فلا يقاوم ما مر من الأدلة ونحوه باقي أدلة الجواز، لضعف الآية المتقدمة بما مر إليه الإشارة، والرواية: ما احب للرجل المسلم أن يأتي الجارية حبلى قد حبلت من غيره حتى يأتيه فيخبره (3)، بقصور السند بالجهالة، والمتن عن وضوح الدلالة، لأعمية ما احب من الكراهة. فإذا الأقوى ما عليه الجماعة من الحرمة قبل المدة. وفيما بعدها أقوال مختلفة باختلاف الأنظار في الجمع بين أخبار المسألة، أشهرها - كما في الدروس (4)، ولعله الظاهر من كلام الجماعة - الجواز مع الكراهة. استنادا في الثاني: إلى الشبهة الناشئة من إطلاق النهي في النصوص المتقدمة، وكلام جماعة. وفي الأول: إلى الأصل، والعمومات، والصحيح: قلت: وإن كانت حبلى فمالي منها إن أردت ؟ قال: لك ما دون الفرج إلى أن تبلغ في حبلها أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا بأس بنكاحها في الفرج (5)، الحديث. وبه يقيد الإطلاق المتقدم. وفيه إشكال. أولا: بقصوره عن المقاومة لما تقدم عددا، مع بعد التقييد فيها جدا، فإن أظهر أفراد الحبلى المنهي عن وطئها فيه هو من استبان حملها، وليس إلا بعد انقضاء المدة المزبورة غالبا، وبذلك صرح بعض أصحابنا (6). وثانيا: بمعارضته بكثير من المعتبرة المصرحة بالمنع إلى حين الوضع،


(1) الخلاف 5: 85، المسألة 46. (2) السرائر 2: 635. (3) الوسائل 14: 501، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد ذيل الحديث 1. (4) الدروس 3: 229، الدرس 247. (5) الوسائل 14: 505، الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3. (6) لم نقف على مصرح بذلك عدا السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 362 س 17. (*

[ 407 ]

كالصحيح: في الوليدة يشتريها الرجل وهي حبلى، قال: لا يقربها حتى تضع ولدها (1). ونحوه النبوي المروي عن العيون: نهى عن وطء الحبالى حتى يضعن (2). وحملهما على الكراهة فرع التكافؤ (3) ورجحان الاولى وليس، لاعتضاد هذين بالأصل وإطلاق النصوص المتقدمين، وتأيدهما بظاهر الصحيح الأول من حيث دلالته على انحصار الأمر بين الإباحة المطلقة كما دلت عليه الآية الاولى، والحرمة كذلك كما صرحت به الثانية. وحيث ظهر لنا الحرمة في الجملة بالأدلة السابقة تعين ترجيح الآية الثانية، وهي في الحرمة إلى الوضع صريحة. ولا آية هنا تدل على التفصيل بين المدتين بالبديهة. وثالثا: بتطرق الوهن إليه بخلوه في الكافي من التحديد إلى الغاية (4)، بل الرواية فيه مطلقة، وبالغاية غير مقيدة، وليست الشهرة بمجردها هنا توجب الرجحان والتقوية، بحيث يتقوى ويترجح على تلك الأدلة، مع أن عبائر المقيدين للحرمة بهذه المدة مختلفة، فبين من عبر بنفس ما في الرواية، ومن عبر بالأربعة أشهر وأسقط الزيادة. فإذا القول بالحرمة قوي غاية القوة، وفاقا للمفيد في المقنعة في باب لحوق الأولاد (5)، والفاضل في المختلف (6) والمحقق الثاني (7) والشهيد في الدروس (8) واللمعة (9)، مع أنه طريق الإحتياط في المسألة.


(1) الوسائل 14: 55، الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (2) عيون اخبار الرضا 2: 63، الحديث 271. (3) في المخطوطات: المكافأة. (4) الكافي 5: 475، الحديث 2. (5) لم نعثر عليه في باب لحوق الأولاد. (6) المختلف: 572 س 15. (7) جامع المقاصد 4: 154. (8) الدروس 3: 228، الدرس 247. (9) اللمعة: 67.

[ 408 ]

وهنا أقوال اخر مداركها غير معلومة وإن كان يجمع بها النصوص المختلفة، لخلوها عن شاهد وقرينة. ثم إن تخصيص العبارة الوطء بالقبل ظاهر الأكثر، وادعى عليه في الدروس الشهرة (1). ولعله للأصل، واختصاص النصوص بحكم التبادر والغلبة به دون الدبر. وقيل: بإلحاقه به للإطلاق (2). وفيه ما مر. ولورود النهي عن القرب الشامل لقربه في بعض الأخبار. وفيه - مضافا إلى قصور السند وضعف الدلالة باحتمال إرادة الغالب - مخالفة للإجماع، والنصوص إن أبقى على عمومه، وإلا فاللازم ترجيح ما يوافق الأصل من بين أفراده. فتأمل. ولا ريب أنه أحوط. * (و) * اعلم أنه * (لو وطأها) * أي الحامل المستبين حملها * (عزل) * استحبابا، كما عن التحرير (3) والقواعد (4). ولعله لإشعار بعض النصوص الآتية به، مع عدم دليل على وجوبه من أمر أو غيره، عدا ما ربما يتوهم من الأخبار الناهية عن وطئها، وهو أعم من الأمر بالعزل جدا. * (ولو لم يعزل كره له بيع ولدها) * بل حرم، وفاقا لجماعة من قدمائنا، كالمفيد (5) والشيخ في النهاية (6) وابن حمزة في الوسيلة (7) والديلمي (8) والحلبي (9) وابن زهرة العلوي، مدعيا عليه الإجماع (10). وهو الحجة، مضافا إلى ظواهر النصوص الآتية.


(1) الدروس 3: 228، الدرس 247. (2) قاله في جامع المقاصد 4: 155. (3) التحرير 1: 191 س 30. (4) القواعد 1: 130 س 6. (5) المقنعة: 544. (6) النهاية 2: 415. (7) الوسيلة: 308. (8) المراسم: 156. (9) الكافي في الفقه: 301. (10) الغنية: 360.

[ 409 ]

* (واستحب أن يعزل له من ميراثه قسطا) * يعيش به. ففي الموثق المتقدم صدره إلى قوله: " بئس ما صنع، قلت: فما تقول فيه ؟ قال: اعزل عنها أم لا ؟ فقلت: أجبني في الوجهين، قال: إن كان عزل منها فليتق الله سبحانه ولا يعود، وإن كان لم يعزل عنها فلا يبيع ذلك الولد، ولا يورثه، ولكن يعتقه ويجعل له شيئا من ماله يعيش به، فإنه غذاه بنطفته (1). ونحوه في الأمر بالعتق خبران آخران (2)، ظاهرهما - كالأول - وجوب العتق من حيث الأمر به، بل في أحدهما أن عليه ذلك، وهو كالصريح في الوجوب، إلا أن ظاهر متأخري الأصحاب كافة وجمع من القدماء الإستحباب. ولعله لقصور الأسانيد مع أصالة البراءة. وفيها مناقشة، فإن كان الإجماع، وإلا فالوجوب لا يخلو عن قوة، لاعتبار سند الروايات، سيما الاولى، واعتضاد بعضها ببعض. لكن مخالفة الأصحاب مشكلة. ولا ريب أن الوجوب أحوط. * (الرابعة: يكره التفرقة بين الأطفال وامهاتهم حتى يستغنوا) * عنهن بلا خلاف، بل سيأتي عن جماعة التصريح بالحرمة. وهو الحجة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة العامية والخاصية. ففي النبوي: من فرق بين والدة وولدها فرق الله تعالى بينه وبين أحبته (3). وفي الصحيح: أنه اشتريت لمولانا الصادق (عليه السلام) جارية من الكوفة فذهبت تقوم في بعض الحاجة، فقالت: يا اماه، فقال (عليه السلام) لها: ألك ام ؟ قالت:


(1) الوسائل 14: 507، الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (2) الوسائل 14: 507، الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (2) الوسائل 14: 507، الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 و 3. (3) مسند أحمد بن حنبل 5: 414، وعوالي اللئالئ 2: 249، الحديث 20، مع تفاوت يسير.

[ 410 ]

نعم، فأمر بها فردت، وقال: ما أمنت لو حسبتها أن أرى في ولدي ما أكره (1). وفي الخبر: الجارية الصغيرة يشتريها الرجل، فقال: إن كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس (2). * (و) * اختلف الأصحاب في * (حده) * أي الإستغناء، فقيل: * (سبع سنين) * مطلقا * (وقيل: أن يستغني عن الرضاع) * كذلك، وقيل: بالتفصيل بين الانثى فالأول، والذكر فالثاني (3)، وقيل: فيه أقوال اخر مختلفة، مبنية عند جماعة على الاختلاف في مدة الحضانة (4). وسيأتي إن شاء الله تعالى ترجيح الثالث ثمة، إلا أنه لا إشعار في شئ من نصوص المسألة بشئ من الأقوال المزبورة، بل هي بخلاف بعضها - كالثاني - ظاهرة الدلالة. ولا يترك الإحتياط في المسألة، سيما على القول بالحرمة، وقد أشار إليه (5) بقوله: * (ومنهم من حرم) * التفرقة، كالإسكافي (6) والمفيد (7) والقاضي (8) والديلمي (9) وأحد قولي الطوسي (10) والشهيدين (11) والمحقق الثاني (12)، وعن التذكرة عليه الشهرة (13). ولا يخلو عن قوة، لظواهر كثير من المعتبرة، بل صريح بعضها. ففي الصحيح: في الرجل يشتري الغلام والجارية وله أخ أو اخت أو أب أو ام بمصر من الأمصار، قال: لا يخرجه إلى مصر آخر، ولا تشتره، وإن كان


(1) الوسائل 13: 41، الباب 13 من أبواب بيع الحيوان الحديث 3. (2) الوسائل 13: 42، الباب 13 من أبواب بيع الحيوان الحديث 5. (3) جامع المقاصد 4: 158. (4) انظر المهذب البارع 2: 458. (5) في المطبوع: إليها. (6) كما في المختلف 5: 224. (7) المقنعة: 601. (8) المهذب 1: 318. (9) المراسم: 177. (10) النهاية 2: 194. (11) اللمعة والروضة 3: 318. (12) جامع المقاصد 4: 157. (13) التذكرة 1: 501 س 10.

[ 411 ]

له ام فطابت نفسها ونفسه فاشتره إن شئت (1). وفيه: بيعوهما جميعا أو امسكوهما جميعا (2). وفي الموثق كالصحيح: عن أخوين مملوكين هل يفرق بينها وبين المرأة وولدها ؟ فقال: لا، هو حرام، إلا أن يريدوا ذلك (3). وهذه النصوص مع وضوح أسانيدها وقوة دلالتها - ظهورا في الأولين من حيث النهي والأمر، وصراحة في الثالث من حيث التصريح بلفظ التحريم الناص على المنع - معتضدة بفتوى عظماء الطائفة، والشهرة المحكية، بل المتحققة، مع سلامتها عما يصلح للمعارضة، عدا الأصل والعمومات، المثبتين للمالك السلطنة، ويخصصان بما مر من الأدلة. وليس في النبوي وتالييه - مع قصور سند الأول - ما ينافيه أيضا نصا، بل ولا ظهورا، بل ربما كان فيهما - سيما الأول - إشعار بالتحريم جدا. فالقول بالكراهة - كما هنا وفي الشرائع (4) والقواعد (5) والإرشاد (6) والمختلف (7) والسرائر (8) - ضعيف. كتخصيص الحكم كراهة أو تحريما في العبارة وغيرها بالام وولدها، وتعميمه لصورتي المراضاة بالفرقة وعدمها. بل الأصح التعدية إلى غير الام من الأرحام المشاركة لها في الإستئناس والشفقة، كالأب والأخ والاخت والعمة والخالة، وفاقا للإسكافي (9) وجماعة، لتصريح الصحيح الأول والموثق بمن عدا الأخيرين، وظهور الحكم فيهما بعدم القائل بالفرق، مع قوة احتمال قطعية المناط في المنع هنا،


(1) الوسائل 13: 41، الباب 13 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (2) الوسائل 13: 41، الباب 13 من أبواب بيع الحيوان ذيل الحديث 2. (3) الوسائل 13: 42، الباب 13 من أبواب بيع الحيوان الحديث 4. (4) الشرائع 2: 59. (5) القواعد 1: 130 س 8. (6) الإرشاد 1: 366. (7) المختلف 5: 224. (8) السرائر 2: 347. (9) كما في المختلف 5: 226.

[ 412 ]

وتخصيص المنع بصورة عدم المراضاة، لتصريح الخبرين بالجواز فيما عداها، مضافا إلى الأصل، واختصاص النصوص المانعة غيرهما بحكم التبادر وغيره بالصورة الاولى. ومنه يظهر الوجه في عدم تعدية الحكم إلى البهيمة، بل يجوز التفرقة بينهما، بعد الاستغناء عن اللبن مطلقا، وقبله إن كان مما يقع عليه الزكاة، أو كان له ما يمونه من غير لبن امه. قيل: وموضع الخلاف بعد سقي الام اللباء، أما قبله فلا يجوز مطلقا، لما فيه من التسبيب الى هلاك الولد (1). فإنه لا يعيش بدونه على ما صرح به جماعة. * (الخامسة: إذا وطأ المشتري الأمة) * المبتاعة جهلا منه بالغصبية * (ثم بان استحقاقها) * لغير البائع بالبينة ونحوها * (انتزعها) * المالك * (المستحق) * لها اتفاقا، فتوى ونصا مستفيضا. منها الصحيح: في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها - إلى أن قال: - الحكم أن يأخذ وليدته وابنها (2). ونحوه الموثق وغيره مما سيأتي. * (وله) * أي للمالك على المشتري * (عقدها) * أي * (نصف العشر) * من ثمنها * (إن كانت ثيبا، والعشر) * منه * (إن كانت) * حين الوطء * (بكرا) * على الأشهر الأقوى، بل عليه الإجماع في الخلاف (3). عملا بالمعتبرة الواردة في التحليل، كالصحيح: أرأيت إن أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها ؟ قال: لا ينبغي له ذلك، قلت: فإن فعل أيكون زانيا ؟ قال: لا، ولكن يكون خائنا، ويغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت


(1) قاله في جامع المقاصد 4: 158. (2) الوسائل 14: 591، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (3) الخلاف 3: 158 - 159، المسألة 251.

[ 413 ]

بكرا، وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها (1). وفي تزويج الأمة المدلسة نفسها بالحرة، كالصحيح: في رجل تزوج بامرأة فوجدها أمة دلست نفسها، قال: إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: كيف يصنع بالمهر ؟ - إلى أن قال: - وإن زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذته منه، ولمواليها عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها، قلت: فإن جاءت منه بولد، قال: أولادها منه أحرار، الحديث (2). ومغايرة المورد للمقام مدفوعة باتحاد طريق المسألتين، وبإشعار الثاني بالعموم، وانسحاب الحكم في البين لوجهين، أجودهما (3) تعقيبه (4) بما هو كالتعليل له من استحلال الفرج المتحقق هنا، وثانيهما الفحوى، كما استدل به لذلك بعض أصحابنا. * (وقيل) * كما عن الطوسي (5) والحلي (6): أنه * (يلزمه مهر أمثالها) * لأنه القاعدة الكلية في عوض البضع، وأنه (7) بمنزلة قيمة المثل في غيره. وهو حسن لولا ما مر من الدليل المعتضد بعمل الأكثر. ولا فرق في ثبوت العقد أو المهر بالوطء بين علم الأمة بعدم صحة البيع وجهلها على أصح القولين. وهو الذي يقتضيه إطلاق العبارة وغيرها، لأن ذلك حق للولي (8)، " ولا تزر وازرة وزر اخرى " (9). وفي الدروس: لا يرجع عليه بالمهر، إلا مع الإكراه (10)، استنادا إلى أنه


(1) الوسائل 14: 537، الباب 35 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (2) الوسائل 14: 577، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (3) في " م ": أحدهما. (4) في " ق ": تعقبه. (5) المبسوط 3: 66. (6) السرائر 2: 597. (7) في المطبوع و " ق، ه‍ ": هو أنه. (8) في المخطوطات: للمولى. (9) الأنعام: 164. (10) الدروس 3: 230، الدرس 247.

[ 414 ]

" لامهر لبغي ". ويضعف بما مر، وأن المهر المنفي مهر الحرة بظاهر الاستحقاق، المستفاد من اللام في " لبغي "، ونسبة المهر، ومن ثم يطلق عليها المهيرة. * (وعليه) * اجرة المنافع المستوفاة له منها * (وقيمة الولد) * إن كان قد أولدها * (يوم سقط حيا) * لأنه نماء ملكه فيتبعه. وانما عدل إلى القيمة، مع اقتضاء الأصل الرقية، لما دل على أن الولد يتبع الأشرف من المعتبرة المستفيضة. مضافا إلى خصوص الموثق: في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية، فقال: يأخذ الجارية المستحق، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد الذي اخذت منه (1). والمرسل - كالصحيح على الصحيح -: في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت الجارية مسروقة، قال: يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرجل ولده بقيمته (2). ونحوهما الخبر (3)، الذي قصور سنده بالجهالة منجبر بفتوى الأكثر، بل عليه الإجماع في الخلاف (4). خلافا للمفيد، فحكم برقية الولد (5)، وله الصحيح المتقدم. وحمله الشيخ على أن المراد بالولد قيمته (6)، إقامة للمضاف إليه مقام المضاف، جمعا بينه وبين ما مر وغيره، كالخبر: رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولادا، ثم اتاها من يزعم


(1) الوسائل 14: 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5. (2) الوسائل 14: 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3. (3) الوسائل 14: 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4. (4) الخلاف 3: 403، المسألة 13. (5) المقنعة: 601. (6) الاستبصار 3: 85، ذيل الحديث 289.

[ 415 ]

أنها له وأقام على ذلك البينة، قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية، ويعوضه من قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها (1). فإن المراد بقبض الولد قبضه بالقيمة. * (و) * يستفاد من الموثق الوجه في أنه يجوز للمشتري أن * (يرجع بالثمن وقيمة الولد) * اللذين غرمهما للمالك * (على البائع) * الغار له مع جهله، ولو كان عالما باستحقاقها حال الإنتفاع لم يرجع بشئ. ولو علم مع ذلك بالتحريم كان زانيا والولد رق، لأنه نماء ملكه فيتبعه، وللصحيح: في رجل أقر على نفسه أنه غصب جارية فولدت الجارية من الغاصب، قال: ترد الجارية والولد على المغصوب إذا أقر بذلك الغاصب أو كانت عليه بينة (2). وعليه الحد بموجب الزنا والمهر، اتفاقا، لفحوى ما مضى. ولو اختلفت حاله بأن كان جاهلا عند البيع ثم تجدد له العلم رجع بما غرمه حال الجهل وسقط الباقي. * (وفي رجوعه بالعقد) * مع الجهل * (قولان) *. من أن المغرور يرجع على من غره بما لا يحصل في مقابلته نفع، كالعمارة والنفقة ونحوهما، أما ما حصل له في مقابلته نفع - كالثمرة والسكنى وعوض البضع - فلا. ومن أنه دخل على إباحة هذه الأشياء بغير عوض، فإذا غرم عوضها رجع به المغرور على من غره. و * (أشبههما) * (3) عند الماتن هنا وغيره * (الرجوع) * إما لما مر، أو الفحوى


(1) الوسائل 14: 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4. (2) راجع الوسائل 14: 571، الباب 61 من أبواب نكاح العبيد والإماء. (3) في المتن المطبوع: أشبهها.

[ 416 ]

الرجوع بقيمة الولد، المستلزم ثبوته فيه، مع كونه نفعا عظيما في مقابلة الثمن، المدفوع جدا إياه هنا بطريق أولى [ فتأمل جدا ] (1). * (السادسة: يجوز ابتياع ما يسبيه الظالم) * مطلقا، مسلما كان، أم كافرا * (وإن كان للإمام بعضه) * فيما لو أخذ غيلة ونحوها مما لا قتال فيه، فإنه لآخذه، وعليه الخمس * (أو كله) * فيما لو أخذ بالقتال بغير إذن منه (عليه السلام)، فإنه حينئذ بأجمعه له (عليه السلام) على الأظهر الأشهر، بل عن الخلاف (2) والحلي (3) الإجماع عليه. خلافا للماتن، فجعله كالأول. ومن هنا ينقدح وجه احتمال كون الترديد بسبب الخلاف في أن المغنوم بغير إذن الإمام هل هو له - كما هو المشهور ووردت به الرواية (4) - أم لآخذه وعليه الخمس ؟ نظرا إلى قطع الرواية. وكيف ما كان، لا خلاف في إباحة التملك له حال الغيبة للشيعة، وأنه لا يجب (5) إخراج حصة الموجودين من الهاشميين، لإباحة الأئمة (عليهم السلام) ذلك، لتطيب مواليدهم، كما في النصوص المستفيضة (6)، المتفق عليها بين الطائفة، كما حكاه جماعة. وتمام الكلام في المسألة يطلب من كتاب الخمس، فإنه محله. ولا ريب في ثبوت الرخصة لنا، وأما غيرنا فعن الأصحاب، وبه صرح جماعة " أنه تقر يده عليه ويحكم له بظاهر الملك "، للشبهة الناشئة عن اعتقادهم الملكية، كتملك الخراج والمقاسمة، فلا يأخذ منه من دون رضاه


(1) مابين المعقوفتين أثبتناه من " م، ش، ه‍ ". (2) الخلاف 4: 190، المسألة 16. (3) السرائر 2: 348. (4) الوسائل 6: 369، الباب 1 من أبواب الانفال وما يختص بالامام الحديث 16. (5) في المطبوع و " ه‍ ": وأنه يجب. (6) الوسائل 6: 378، الباب 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالامام.

[ 417 ]

مطلقا، لا سرا ولا علانية. فإن كان إجماع، والا فما ذكروه محل ريبة ومناقشة، فإن ظاهر الأخبار وكلام الأصحاب اختصاص الإباحة له بالشيعة، وحصول التملك لهم بمجرد الإستيلاء عليه ولو من دون بذل عوض. إلا أن يقال: إن هذه يد ظاهرا، ولابد من بذل عوض في مقابلها، فيكون استنقاذا لا بيعا حقيقة. ولكنه كما ترى، والإحتياط لا يخفى. * (ولو اشترى أمة سرقت من أرض الصلح ردها على البائع واستعاد ثمنها) * منه إن كان حيا * (فإن مات البائع ولا عقب) * ولا وارث * (له سعت الأمة في ثمن رقبتها (1) على رواية مسكين السمان) * الصحيحة إليه (2)، القاصرة بجهالته. ولكن عمل بها النهاية (3) وتبعه القاضي (4) والشهيد الأول (5). وفيها - مضافا إلى القصور بالجهالة مع عدم جابر لها في المسألة - مخالفتها للقواعد المقررة. أحدها: وجوب الرد على البائع أو وارثه مع فقده، فإنه غير مالك، ولا ذو يد شرعية، فكيف يجوز تسليم المال المعصوم إليه ؟ بل لا يجوز بالضرورة. وثانيها: أن استسعاءها في الثمن المدفوع إلى البائع - كما فيها - يقتضي أخذه من غير آخذه، لأن ما بيدها لمالكها. وما ربما يعتذر به عن الأول: بأن البائع لم يثبت كونه سارقا، ويده أقدم، ومخاطبته بالرد ألزم، خصوصا مع بعد دار الكفر، وعن الثاني: بأن مال


(1) في المتن المطبوع: قيمتها. (2) الوسائل 13: 50، الباب 23 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (3) النهاية 2: 205 - 206. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 240. (5) الدروس 3: 232، الدرس 248.

[ 418 ]

الحربي فئ في الحقيقة وبالصلح صار محترما احتراما عرضيا، فلا يعارض ذهاب مال محترم احتراما حقيقيا. مضعف. فالأول: بأن يده إن كانت شرعية فالبيع صحيح ماض ولا رد، وإن كانت يد عدوان لم يجز التسليم إليه. ومخاطبته بالرد لا يقتضي جواز تسليم من هي في يده وإن وجب عليه السعي في ذلك، فإن له طريقا إليه، إما بمراجعة المالك، أو الحاكم. والثاني: بأن الإحترام يقتضي عصمة المال، ولا تفاوت في ذلك بين كون الإحترام حقيقيا، أو عرضيا، والمتلف للمال المحترم ليس هو مولى الجارية حقيقة، بل الذي غره، والمغرور يرجع على الغار، لا من لم يغره لا مباشرة ولا تسبيبا، وحقيقة الحال إن كلا منهما مظلوم بضياع ماله، ولا يرجع أحد المظلومين على الآخر، بل على ظالمه. * (و) * لما ذكرنا * (قيل:) * كما عن الحلي (1) * (يحفظها كاللقطة. ولو قيل: تدفع الى الحاكم، ولا تكلف الأمة السعي) * لأداء الثمن * (كان حسنا) * لكن لا مطلقا، بل يجب التسليم إلى المالك أو وكيله، فإن تعذر الوصول إليهما، فإلى الحاكم. ويمكن تنزيل الإطلاق عليه بحمله على تعذر الوصول إلى المالك ومن في حكمه، ولعله الغالب، لبعد دار الكفر. وصار إلى هذا القول كثير من المتأخرين. ووجهه واضح مما قررناه. وظاهره - كسابقه - أن الدفع إلى الحاكم إنما هو لكونه وليا عن الغائب، وأنه يجب إيصاله إليه. خلافا لتوهم (2) بعض من تأخر، فحسب أن ذلك من حيث كونه نائبا


(1) السرائر 2: 356. (2) في " م، ق، ش ": لمتوهم.

[ 419 ]

عن الإمام (عليه السلام)، وأن الجارية له (عليه السلام) يجب عليه إيصاله إلى مصارفه (1). وليس في كلام الجماعة ما يوجب التوهم، بل عبائر جملة منهم بخلافه مصرحة. ومتعلق الموت في الرواية ليس هو المالك بالضرورة، بل انما هو البائع خاصة. * (السابعة: إذا دفع) * رجل * (إلى) * عبد لغيره * (مأذون) * منه للتجارة * (مالا ليشتري نسمة ويعتقها) * عنه * (ويحج) * عنه * (ببقية المال، فاشترى) * المأذون * (أباه، وتحاق) * أي تخالف في الحق كل من * (مولاه ومولى الأب) * المعتق * (وورثة الآمر بعد العتق والحج، وكل يقول اشترى) * العبد * (بمالي) *. * (ففي رواية ابن أشيم) * بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الياء المنقطة تحتها نقطتين: عن أبي جعفر (عليه السلام) - الواردة في القضية -: أنه * (مضت الحجة ويرد المعتق على مولاه (2) رقا، ثم أي الفريقين أقام البينة كان له رقا) * (3). * (وفي السند ضعف) * بجهالة الراوي أو غلوه، كما حكم به الشهيد الثاني (4)، وفاقا للمحقق الثاني (5). وفي المتن مخالفة لاصول المذهب، من حيث اشتماله على الأمر برد العبد إلى مولاه، مع اعترافه ببيعه ودعواه فساده، ومدعى الصحة مقدم، وعلى مضي الحجة، مع أن ظاهر الأمر حجة بنفسه ولم يفعل، وعلى مجامعة صحة الحج لعوده رقا، وقد حج بغير إذن السيد.


(1) مجمع الفائدة 8: 291. (2) في المتن المطبوع: مواليه. (3) الوسائل 12: 53، الباب 25 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (4) المسالك 3: 394. (5) جامع المقاصد 4: 144.

[ 420 ]

وما يعتذر به عن الأول: بأن المأذون بيده مال لمولى الأب وغيره، وبتصادم الدعاوي المتكافئة يرجع إلى أصالة بقاء الملك على مالكه، وأنه لا يعارضه فتواهم بتقديم دعوى الصحة على الفساد، لأنها مشتركة بين متقابلين متكافئين هما مولى المأذون وورثة الآمر فتساقطا. مضعف، بمنع تكافئها مع كون من عدا مولاه خارجا والداخل متقدم فسقطا دونه، ولم يتم الأصل، وهو بقاء الملك. ومنه يظهر عدم تكافؤ الدعويين الاخريين، لخروج الآمر وورثته عما في يد المأذون، التي هي بمنزلة يد سيده. والخارجة لا تكافئ الداخلة، فتقدم. وإقرار المأذون بما في يده لغير المولى غير مسموع. فالاعتذار ضعيف، كالإعتذار بحمل الرواية على إنكار مولى الأب البيع لإفساده، هربا من تقديم مدعي الفساد، والتجاء إلى تقديم منكر بيع عبده، لمنافاته لمنطوق الرواية، ومفروض عبائر الجماعة، الدالين على دعوى كونه اشترى بماله. * (و) * لما ذكرنا حصل * (في الفتوى اضطراب) * واختلاف. فبين من عكف على ظاهر الرواية، كالقاضي (1) والنهاية (2). والمناقشة فيه - بعد ما عرفت - واضحة. وبين من حكم لمولى المأذون بعد حلفه باسترقاق العبد المعتق، لأن يده على ما بيد المأذون، فيكون قوله مقدما على من خرج عند عدم البينة، ذهب إليه الماتن في الشرائع (3) والفاضل في المختلف (4) والقواعد (5) والشهيدان في


(1) لم نعثر عليه في كتبه، ولكن ذكره العلامة في المختلف 5: 241. (2) النهاية 2: 206. (3) الشرائع 2: 60. (4) المختلف 5: 242. (5) القواعد 1: 129 س 20.

[ 421 ]

الروضتين (1) والمسالك (2) والمحقق الثاني في شرح القواعد (3) تبعا للحلي (4). وعليه لا فرق بين كون العبد الذي أعتقه المأذون أبا له، أولا وإن كانت الرواية تضمنت الأول، لاشتراكهما في المعنى، المقتضي لترجيح قول ذي اليد. ولا بين دعوى مولى الأب شراءه من ماله بأن يكون قد دفع للمأذون مالا ليتجر به فاشترى أباه من سيده بماله، وعدمه، لأنه على التقدير الأول يدعي فساد البيع ومدعي صحته مقدم، وعلى الثاني خارج، لمعارضة يده القديمة يد المأذون الحادثة، فيقدم، والرواية تضمنت الأول. ولا بين استئجاره على حج، وعدمه، لعدم مدخلية لذلك في الترجيح وإن كانت الرواية تضمنت الأول. * (و) * ذكر الماتن هنا وتبعه ابن فهد في الشرح (5): أنه * (يناسب الأصل) * في نحو المسألة * (الحكم بإمضاء ما فعله المأذون ما لم يقم بينة تنافيه) *. وكأنه يريد بالأصل أصالة صحة ما فعل من شراء وعتق وحج وغيرها. قال في الدروس: وهو قوي إذا أقر بذلك، لأنه في معنى التوكيل، إلا أن فيه طرحا للرواية المشهورة (6). ويضعف أولا: بأن إقرار الوكيل إنما يعتبر إذا لم يكن إقرارا على الغير، ومعلوم أن إقرار العبد على ما في يده إقرار على سيده فلا يسمع. وثانيا: بأن دعواه اشتهار الرواية غير واضحة إن أراد بحسب الفتوى والعمل، إذا لم يعمل به إلا من مر إليه الإشارة، وهو بالإضافة إلى باقي


(1) اللمعة والروضة 3: 329. (2) المسالك 3: 395. (3) جامع المقاصد 4: 143. (4) السرائر 2: 357. (5) المهذب البارع 2: 464. (6) الدروس 3: 233، الدرس 248.

[ 422 ]

الجماعة نادر بالبديهة، وجيدة إن أراد الشهرة بحسب الرواية، إلا أنها بمجردها غير كافية في الإستناد إليها بالضرورة. هذا كله مع عدم البينة، ومعها تقدم إن كانت لواحد، ولو كانت لاثنين أو للجميع بنى على تقديم بينة الداخل والخارج عند التعارض، فعلى الأول الحكم لمولى المأذون، كما تقدم، لكن من دون يمين، وعلى الثاني يتعارض الخارجان. والأقوى - وفاقا لجماعة - تقديم بينة الدافع، عملا بمقتضى صحة البيع، مع احتمال تقديم بينة مولى الأب، لإدعائه ما ينافي الأصل، وهو الفساد. وتوضيحه: أن مولى الأب بالإضافة إلى ورثة الدافع مدع خارج فتقدم بينته، لأنه مدع بأحد تفاسير المدعى، لأنه يدعي ما ينافي الأصل. ويضعف: بأنه مدع وخارج بالاضافة إلى مولى المأذون، كما أن الآخر أيضا مدع وخارج بالإضافة إليه. ولا يلزم من كون دعوى أحدهما توافق الأصل، ودعوى الآخر مخالفة أن يكون أحدهما بالإضافة إلى آخر مدعيا وخارجا. فترجيح بينته وتقديم بينة مدعي الفساد إنما يكون حيث لا يقطع بكون الآخر مدعيا. فأما إذا قطع به وأقاما بينتين فلابد من الترجيح، وهو ثابت في جانب مدعي الصحة. * (الثامنة: إذا اشترى) * رجل من غيره * (عبدا) * في الذمة * (فدفع البائع إليه عبدين ليختار أحدهما فأبق واحد) * منهما من يده من دون تفريط * (قيل) * كما عن الطوسي (1) والقاضي (2) * (: يرتجع) * المشتري * (نصف الثمن) * من البائع، ويأخذ في الفحص عن الآبق. * (ثم إن وجده) * رد الثمن المرتجع، و * (تخير) * بينهما، واختار أيهما


(1) النهاية 2: 197. (2) نقله عنه في المختلف 5: 229.

[ 423 ]

شاء * (وإلا) * يجده * (كان) * العبد * (الآخر) * الموجود * (بينهما نصفين) * لرواية النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1). * (وفي الرواية) * كما ترى * (ضعف) * من حيث السند بالراويين، والمتن بمخالفته لاصول المذهب، من حيث أن التالف مضمون على المشتري لقبضه بالسوم، وله المطالبة بالمبيع، لأنه موصوف في الذمة. ولا وجه لكون العبد الباقي بينهما، فإن المبيع ليس نصف كل واحد منهما. * (و) * حينئذ، فالمعتمد الرجوع إلى ما * (يناسب الأصل) *. وهو * (أن يضمن) * المشتري * (له) * أي للبائع * (الآبق ويطالبه بما ابتاعه) * منه في الذمة. ولا ريب في الثاني، ويبنى الأول على ضمان المقبوض بالسوم، وهو الذي قبضه ليشتريه فتلف في يده بغير تفريط. وحيث إن ذلك هو الأظهر الأشهر صح الحكم هنا، لأن القبض هنا في معنى القبض بالسوم، إذ الخصوصية ليست لقبض السوم، بل لعموم ما دل على ضمان اليد المشترك بينهما. ويأتي على القول بعدم الضمان ثمة عدمه هنا، لاتحاد دليل العدم، وهو القبض بإذن المالك، مع عدم تفريط، فيكون كالودعي. بل قيل: يمكن عدم الضمان هنا وإن قلنا به ثمة، لأن المقبوض بالسوم مبيع بالقوة، أو مجازا بما يؤول إليه، وصحيح المبيع وفاسده مضمون، بخلاف صورة الفرض، لأن المقبوض فيه ليس كذلك، لوقوع البيع سابقا، وإنما هو محض استيفاء حق، لكن يندفع ذلك، بأن المبيع لما كان أمرا كليا وكان كل واحد من المدفوع صالحا لكونه فردا له كان في قوة المبيع، بل دفعهما للتخيير حصر له فيهما، فيكون بمنزلة المبيع حيث أنه منحصر


(1) الوسائل 13: 45، الباب 16 من أبواب بيع الحيوان ذيل الحديث 1.

[ 424 ]

فيهما، فالحكم بالضمان هاهنا أولى منه (1) انتهى. ومبناه على أن لخصوصية القبض بالسوم بالمعنى المعروف مدخلا في الضمان، وقد عرفت فساده، مع اعتراف القائل به قبيل الكلام. وكيف كان، فالأجود - وفاقا لأكثر من تأخر - الضمان مع تاليه من المطالبة بما ابتاعه، وهو خيرة الفاضلين (2) والشهيدين (3) وثاني المحققين (4) والمفلح الصيمري (5) وغيرهم، تبعا للحلي (6)، التفاتا إلى الاصول، وتضعيفا للرواية بما مر. ولما قيل في تنزيلها من البناء على أن العبدين متساويان في القيمة ومطابقان في الوصف، وأن حق المشتري منحصر فيهما - كما في الدروس (7) - أو البناء على تساوي العبدين من كل وجه، ليلحق بمتساوي الأجزاء، فيجوز بيع عبد منهما، كما يجوز بيع قفيز من صبرة، وينزل على الإشاعة، فيكون التالف منهما والباقي لهما - كما في المختلف (8) - بأن إنحصار الحق فيهما إنما يكون لورود البيع على عينهما، وهو خلاف المفروض. ومجرد دفعه الاثنين ليس تشخيصا وإن حصر الأمر فيهما، لأصالة بقاء الحق في الذمة إلى أن يثبت المزيل شرعا. وعدم تضمين التالف مخالف لما عليه الأكثر، كما مر. وتوجيهه بما تقدم ضعفه قد ظهر، فاندفع التنزيل الأول. ويندفع الثاني بأنه لو صح لنا في ارتجاع نصف الثمن، كما صرحت به الرواية.


(1) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 3: 348. (2) الشرائع 2: 60، والمختلف 5: 230. (3) الدروس 3: 230، الدرس 247، والروضة 3: 347 - 348. (4) جامع المقاصد 4: 149. (5) غاية المرام: 70 س 24 (مخطوط). (6) السرائر 2: 350. (7) الدروس 3: 230، الدرس 247. (8) المختلف 5: 231.

[ 425 ]

هذا، مع أن في عد العبدين من متساوي الأجزاء وتنزيل بيع أحدهما منزلة بيع قفيز من الصبرة وتنزيله على الإشاعة مناقشة واضحة. * (ولو ابتاع عبدا من عبدين) * أي أحدهما كليا * (لم يصح) * على الأصح الأشهر، كما في المهذب (1) وغيره، ولعله عليه عامة من تأخر، وفاقا للحلي، مدعيا الإجماع عليه، من حيث الإتفاق على أن المبيع إذا كان مجهولا كان البيع باطلا (2). وعليه لا فرق الإتفاق على أن المبيع إذا كان مجهولا كان البيع باطلا (2). وعليه لا فرق بين أن يكونا متساويين في القيمة والصفات، أم مختلفين فيهما، للاشتراك في العلة المقتضية للبطلان. * (وحكى الشيخ في الخلاف) * في باب البيوع عن رواية الأصحاب * (الجواز) * على الإطلاق، مدعيا الإجماع عليه (3) وظاهره الميل إليه، إلا أنه رجع عنه في باب السلم (4). فلا عبرة بقوله الأول، كدعواه الإجماع عليه، واستناده به، وبالرواية، وبعموم قوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم ". لضعف الأول بمخالفة نفسه، مع شهرة خلافه، الظاهرة في وهنه. والثاني: بعدم الدلالة على وقوع البيع كذلك، بل الظاهر وقوعه في الذمة، مع ما يظهر من كلامه أن هذه الرواية هي الرواية السابقة. وقد عرفت ما فيها (5) من قصور السند، والمخالفة لاصول المذهب. والثالث: بالمعارضة بما دل على المنع عن بيع الغرر، ومنه محل الفرض. ويأتي على التنزيل الثاني للمختلف القول بالصحة مع تساويهما من كل وجه، كما يصح بيع قفيز من صبرة متساوية الأجزاء (6). ويضعف بمنع


(1) المهذب البارع 2: 466. (2) السرائر 2: 350. (3) الخلاف 3: 38، المسألة 54. (4) الخلاف 3: 217، المسألة 38. (5) في " ش ": فيهما. (6) المختلف 5: 231.

[ 426 ]

تساوي العبدين على وجه يلحق المثلي، مضافا إلى ما مر. * (التاسعة: إذا وطأ أحد الشريكين) * أو الشركاء في * (الأمة) * إياها فعل حراما، و * (سقط عنه من الحد ما قابل نصيبه) * ونصيب شريكه إذا كان بحكمه كولده، فإنه لا حد على الأب في نصيب ابنه، كما لا حد عليه لو كانت بأجمعها له * (وحد للباقي (1) مع انتفاء الشبهة) * بما قابله، وهو النصف في المثال، وقس عليه الغير. وطريقه مع عدم الاحتياج إلى تبعيض الجلدة الواحدة واضح. وأما معه فقيل: يحتمل اعتبار مقدار السوط وكيفية الضرب (2). والأظهر الأخذ بنصف السوط أو ربعه وهكذا، للصحيح: قال: في نصف الجلدة وثلثها يؤخذ بنصف السوط وثلثي السوط (3). ومع شبهة بنحو من توهم حل الوطء من حيث الشركة يدرأ الحد عنه بالكلية، اتفاقا فتوى ونصا، فقال (عليه السلام): " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (4). وبهما يقيد إطلاق المستفيضة، الواردة في المسألة، كالصحيح: سمعت عباد البصري يقول: كان جعفر (عليه السلام) يقول: يدرأ عنه من الحد بقدر حصته منها ويضرب ما سوى ذلك، يعني في الرجل إذا وقع على جارية له فيها حصة (5). والخبرين: أحدهما: الحسن: في رجلين اشتريا جارية فنكحها أحدهما دون صاحبه، قال: يضرب نصف الحد ويغرم نصف القيمة إذا أحبل (6).


(1) في المتن المطبوع: بالباقي. (2) القائل هو صاحب مجمع الفائدة 8: 293. (3) الوسائل 18: 311، الباب 3 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 1. (4) الوسائل 18: 336، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 4، والمستدرك 18: 26، الباب 21 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 3 و 4. (5) الوسائل 18: 390، الباب 22 من أبواب حد الزنا الحديث 3. (6) الوسائل 18: 392، الباب 22 من أبواب حد الزنا الحديث 8.

[ 427 ]

وفي الثاني: في جارية بين رجلين وطأها أحدهما دون الآخر فأحبلها، قال: يضرب نصف الحد، ويغرم نصف القيمة (1). إلى غير ذلك من النصوص الآتية، المروية هي - كالمتقدمة - في الكافي في كتاب الحدود في باب الرجل يأتي الجارية ولغيره فيها شركة (2). * (ثم إن حملت) * منه * (قومت عليه حصص الشركاء) * واخذت خاصة دون ما قابل نصيبه، للخبرين المتقدمين، وآخرين: في أحدهما: قوم اشتركوا في شراء جارية فائتمنوا بعضهم وجعلوا الجارية عنده فوطأها، قال: يجلد الحد ويدرأ عنه من الحد بقدر ماله فيها وتقوم الجارية ويغرم ثمنها للشركاء، فإن كانت القيمة في اليوم الذي وطأ أقل مما اشتريت به فإنه يلزم أكثر الثمن، لأنه قد أفسد على شركائه، وإن كان القيمة في اليوم الذي وطأ أكثر مما اشتريت به يلزم الأكثر (3). ومقتضاه الأخذ مع اختلاف القيم بأعلاها من قيمة الشراء وقيمتها يوم الوطء، وهو المحكي عن القائل الآتي. وفيه أقوال اخر مختلفة، بين مثبت لقيمة يوم الإحبال، ومبدل لها بقيمة يوم التقويم، وملزم لأعلاهما. ودوران الإلزام بالقيمة مدار إفساد الأمة، وليس إلا الإحبال، فإنه الذي يتحقق به الإفساد، الموجب لعدم إمكان التصرف فيها، وخروجها عن الملكية في الجملة. وأظهر منه في الدلالة عليه بعد الأصل مفهوم قوله (عليه السلام) فيما مر من


(1) الوسائل 18: 391، الباب 22 من أبواب حد الزنا الحديث 7. (2) الكافي 7: 195، الحديث 6 و 7. (3) الوسائل 18: 390، الباب 22 من ابواب حد الزنا الحديث 4، والآخر الوسائل 18: 391، الباب 22 من أبواب حد الزنا، ذيل الحديث 4.

[ 428 ]

الخبر: " ويغرم نصف القيمة إذا أحبل "، وبه أفتى الحلي (1)، وتبعه الأكثر، بل لعله عليه عامة من تأخر. وقصور السند بفتاويهم منجبر، مضافا إلى الأصل، وقصور الأخبار الآتية عن المقاومة له، من حيث السند والعمل، واعتضاده بالخبرين المتقدمين. * (وقيل) * كما عن النهاية: أنها * (تقوم بمجرد الوطء) * (2) للخبر: عن رجال اشتركوا في أمة فائتمنوا بعضهم على أن تكون الأمة عنده فوطأها، قال: يدرأ عنه من الحد بقدر ماله فيها من النقد ويضرب بقدر ما ليس له فيها وتقوم الأمة عليه بقيمته ويلزمها، فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به الجارية الزم ثمنها الأول، وإن كانت قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن، وهو صاغر، لأنه استفرشها (3). ورد بقصور السند بالجهالة والمتن بالدلالة، لاحتماله - ككلام القائل - الحمل على صورة الحمل خاصة. وهو حسن لولا ما في ذيله من قوله: " قلت: فإن أراد بعض الشركاء شرائها دون الرجل، قال: ذلك له، وليس له أن يشتريها حتى يستبرئها، وليس على غيره أن يشتريها إلا بالقيمة ". وهو كما ترى كالنص في جواز شراء بعض الشركاء لها المنافي للحمل المزبور جدا، فإنه لاتباع المستولدة قطعا، مضافا إلى قوله: " حتى يستبرئها " الصريح في عدم حبلها. وتقييد الذيل بصورة عدم الحبل ملازم للتفكيك بينه وبين الصدر، ولا يرتفع إلا بتكلف جدا. وهو وإن كان في مقام الجمع حسنا، إلا أنه ليس بأولى من حمل الإحبال في الخبر المتقدم على الوطء مجازا، تسمية للسبب باسم المسبب،


(1) السرائر 2: 352. (2) النهاية 2: 198. (3) الوسائل 13: 45، الباب 17 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1.

[ 429 ]

ويكون تأكيدا لمفروض الصدر جدا. ويحتمله التعليل بالإفساد في الخبر الآخر بإرادة الإستفراش، المصرح به في هذا الخبر. وحاصله حينئذ لزوم القيمة عليه، لمكان الإفساد باحتمال الحبل لا نفسه، وهو - كالأول - وإن بعد، إلا أنه ليس بأبعد من الحمل الأول في هذا الخبر، مع تأيد هذا الحمل بصريح الخبر: عن رجل أصاب جارية من الفئ فوطأها قبل أن تقسم، قال: تقوم الجارية وتدفع إليه بالقيمة، ويحط منها ما يصيبه منها من الفئ ويجلد الحد، ويدرأ عنه من الحد بقدر ما كان له فيها، فقلت: وكيف صارت الجارية تدفع إليه هو بالقيمة دون غيره ؟ قال: لأنه وطأها ولا يؤمن أن يكون ثم حبل (1). إلا أن المستفاد منه كون الحبل سببا للتقويم عليه، وهو غير صالح لوجوبه باحتماله، بل مقتضاه الصبر إلى تحقق الحبل، فإن تحقق وجب، وإلا بقيت الشركة بحالها. وليس التقويم فورا بواجب قطعا. فإذا المصير إلى ما عليه الأكثر أظهر، سيما مع قصور الخبرين الأخيرين، وعدم جابر لهما في البين، مع منافاتهما الاصول المعتضدة بالشهرة العظيمة، التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها الآن إجماع في الحقيقة، والمؤيدة (2) بظاهر الخبرين، المتقدم إلى ذكرهما الإشارة. وصرفهما عن ظاهرهما بالنصوص المقابلة فرع المكافأة، وهي - لما عرفت - في المقام مفقودة. ولكن الإحتياط بالتقويم عليه بالوطء مع استرضاء الطرفين لا يترك في المسألة. * (و) * على التقديرين * (ينعقد الولد حرا) * مطلقا ولو كان الوطء عن


(1) الوسائل 18: 391، الباب 22 من أبواب حد الزنا الحديث 6. (2) في " م، ش ": والمؤيد.

[ 430 ]

زنا في ظاهر إطلاق العبارة وصريح جماعة، وهو ظاهر النصوص المتقدمة الآمرة بالتقويم، لمكان الحمل، الصريحة في كونه عن زنا، لمكان الحكم بالحد، المنحصر في صورته بالنص والإجماع. ولولا أنه حر لما حصل بحمله استيلاد، وإفساده موجب للتقويم. ولعل الحكمة أنه ليس زنا محضا بسبب ملكه لبعضها، الموجب لحصول الفراش، كما صرح به بعض النصوص المتقدمة. ومن هنا حكم جماعة بأن الواجب هنامن الحد الجلد خاصة (1) وإن كان محصنا، لأنه الذي يقبل التبعيض. وهو حسن، لإطلاق النصوص المتقدمة. إلا أنه ربما ينافيه بعض المعتبرة: عن رجل وقع على مكاتبة، قال: إن كانت أدت الربع جلد، وإن كان محصنا رجم، وإن لم يكن أدت شيئا فليس عليه شئ (2). لكن ربما يعارضه إطلاق الخبرين. أحدهما: الصحيح: عن جارية بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه منها فلما رأى ذلك شريكه وثب على الجارية فوقع عليها، قال: فقال: يجلد الذي وقع عليها خمسين جلدة ويطرح عنه خمسون جلدة، ويكون نصفها حرا، ويطرح عنها من النصف الباقي الذي لم يعتق إن كانت بكرا عشر قيمتها، وإن كانت غير بكر نصف عشر قيمتها وتستسعى هي في الباقي (3). ونحوه الثاني (4). فتأمل. * (و) * كيف كان يجب * (على الواطئ قيمة حصص الشركاء منه) * أي


(1) الحدائق 19: 475، ومجمع الفائدة 8: 293. (2) الوسائل 18: 391، الباب 22 من أبواب حد الزنا الحديث 5. (3) الوسائل 18: 389، الباب 22 من أبواب حد الزنا الحديث 1. (4) الوسائل 18: 390، الباب 22 من أبواب حد الزنا الحديث 2.

[ 431 ]

من الولد * (عند الولادة) * والسقوط حيا إن قومت حائلا (1)، وإلا دخلت قيمة الولد معها، كما ذكره جماعة من أصحابنا. والظرف متعلق بالقيمة، أي القيمة عند الولادة بلا خلاف، توفية لحق الشركاء من النماء، والتفاتا إلى فحوى المعتبرة الواردة في وطء الشركاء الأمة المشتركة مع تداعيهم الولد. منها الصحيح: إذا وطئ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا، أقرع الوالي بينهم، فمن خرج كان الولد ولده ويرد قيمة الولد على صاحب الجارية (2). ونحوه صحيحان آخران (3). وذكر جماعة أنه يجب على الأب، مضافا إلى ذلك أرش العقر بسبب الوطء، سواء كانت بكرا، أم ثيبا، وهو العشر، أو نصفه، مستثنى منهما قدر نصيبه (4). ولعله يومئ إليه الخبران المتقدمان، الملزمان لهما على أحد الشريكين لها، مضافا إلى النصوص المتقدمة، الملزمة لهما على الواطئ للأمة، المحلل له منها ما دون المواقعة، وللأمة المدلسة نفسها بالحرة، ويحصل بملاحظتها - وإن غايرت مورد المسألة - المظنة القوية بلزوم أحد الأمرين في وطء كل مملوكة منفردة كانت لأحد بالملكية، أو مشتركة مطلقا، حتى لو كانت هي الشريكة وليس فيها - كغيرها - إضافة أرش البكارة، بل ظاهرها التداخل، وأنه هو الزائد على عقر الثيبة. ففتوى المسالك بلزومه (5) أيضا ضعيفة، كفتوى الحلي بعدم لزوم عقر


(1) في " م، ش، ه‍ ": حاملا. (2) الوسائل 14: 566، الباب 57 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (3) الوسائل 14: 566 و 567، الباب 57 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 و 4. (4) منهم العلامة في التذكرة 1: 496 س 3، والشهيد الثاني في المسالك 3: 399، وظاهر الشهيد الاول في الدروس 3: 230، الدرس 247. (5) المسالك 3: 392.

[ 432 ]

الثيبة (1) وإن انتصر له بعض، لخلو النصوص المتقدمة - الواردة بتقويم الأمة في المسألة - عنه مع ورودها في مقام بيان الحاجة، للزوم تقييدها بما قدمناه من الحجة، كتقييدها بما دل على لزوم قيمة الولد، مع خلوها عنها أيضا بالضرورة. ثم إنه ذكر جماعة من غير خلاف يعرف أنها لا تدخل في ملك الواطئ بمجرد الحمل، بل بالتقويم ودفع القيمة أو الضمان مع رضا الشريك فكسبها قبل ذلك للجميع، وكذا حق الإستخدام، ولو سقط الولد قبل التقويم استقر ملك الشركاء (2). وهو كذلك، للأصل، واستصحاب بقاء الملك، وهو لا ينافي قهرية التقويم، المستفادة من النصوص المتقدمة. واعتبار الرضا في عبائر الجماعة ليس لصحة التقويم، كما توهم (3)، بل لضمان القيمة الثابتة بعده. * (العاشرة: المملوكان المأذونان لهما في التجارة إذا ابتاع كل منهما) * لمولاه * (صاحبه) * من مولاه * (حكم للسابق) * عقدا ولو بتقدم قبوله على قبول الآخر من غير توقف على اجازة، وللآخر أيضا إذا كان معينا (4)، وإلا بطل، لبطلان الإذن بزوال الملك، إلا أن يكون بطريق الوكالة، فيصح مطلقا. والفرق بين الإذن والوكالة: أن الإذن ما جعلت الإستنابة فيه تابعة للملك، تزول عرفا بزواله بالبيع ونحوه. والوكالة: ما أباحت التصرف المأذون فيه مطلقا. والفارق بينهما مع اشتراكهما في الإذن المطلق، إما تصريح المولى بالخصوصيتين، أو دلالة القرائن عليه ومع عدمهما فالظاهر حمله على


(1) السرائر 2: 347. (2) المهذب البارع 2: 467، والمسالك 3: 399. (3) انظر الحدائق 9: 476. (4) في " ق ": والمطبوع: معها.

[ 433 ]

الإذن، لدلالة العرف عليه. وعلى ما ذكرنا يحمل إطلاق العبارات ببطلان اللاحق بحمله على عدم اللزوم المطلق، المتردد بين البطلان بالمعنى الأخص، والأعم. * (ولو اشتبه) * السابق أو السبق * (مسحت الطريق) * التي سلكها كل واحد منهما إلى مولى الآخر * (وحكم) * بالسبق * (للأقرب) * [ منهما ] (1) طريقا، مع تساويهما في المشي قوة وضعفا، وفاقا للطوسي (2). للخبر: في رجلين مملوكين مفوض إليهما يشتريان ويبيعان بأموالهما، فكان بينهما كلام، فخرج هذا يعدو إلى مولى هذا وهذا إلى مولى هذا، وهما في القوة سواء، فاشترى هذا من مولى هذا العبد وذهب هذا فاشترى من مولى هذا العبد الآخر، وانصرفا إلى مكانهما، فتشبث كل واحد منهما بصاحبه وقال: أنت عبدي قد اشتريتك من سيدك، قال: يحكم بينهما من حيث افترقا بذرع الطريق، فأيهما كان أقرب فهو الذي سبق الذي هو أبعد، وإن كانا سواء فهما ردا على مولاهما جاءا سواء وافترقا سواء، إلا أن يكون أحدهما سبق صاحبه، فالسابق هو له إن شاء باع، وإن شاء أمسك، وليس له أن يضربه (3). وضعف سنده يمنع من العمل به، ولذا أعرض عنه الحلي (4) وأكثر المتأخرين، وأوجبوا الرجوع إلى الأصل وإن اختلفوا في مقتضاه، فبين من حكم بالقرعة مطلقا، كالفاضل (5) وشيخنا في الروضة (6) وغيرهما، فإنها لكل


(1) من المطبوع. (2) لم نقف على فتواه بذلك، بل في الاستبصار (3: 83) بعد نقل الخبر الآتي ذكر رواية اخرى مضمونها الحكم بالقرعة ثم قال: وهذا عندي أحوط. (3) الوسائل 13: 46، الباب 18 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1. (4) السرائر 2: 352. (5) المختلف 5: 234. (6) الروضة 3: 341.

[ 434 ]

أمر مشكل، ومن فرق بين صورتي الإشتباه في السابق فكذلك، والإشتباه في السبق فالبطلان، كصورة الإقتران، وهو خيرة المهذب (1). استنادا في الأول إلى ما مر. وفي الثاني إلى جواز الإقتران مع عدم معلومية السبق المصحح للبيع، فلا يجوز الحكم بالمسبب مع الجهل بالسبب. وفيه نظر. والأول أظهر. وعليه يستخرج في الصورة الاولى برقعتين مكتوب في أحدهما السابق وفي الاخرى المسبوق، وفي الثانية بثلاث رقع يكتب في الثالثة الإقتران، ليحكم بالوقوف معه، أو البطلان على اختلاف القولين إن كان. * (فإن اتفقا) * طريقا * (بطل العقدان) * معا، كصورة الإقتران، لتدافعهما، وفاقا للحلي (2) والفاضل (3) وكثير من المتأخرين وإن اختلفوا في إطلاق البطلان، كما عن الأول، أو تقييده بصورة عدم الإجازة أو الوكالة، كما عليه الباقون. ويمكن تنزيل الأول عليه، كما مرت الإشارة إليه. * (وفي رواية) * مرسلة (4) عمل بها النهاية (5) وبعض من تبعه (6): أنه * (يقرع بينهما) *. وفيها ما في الرواية السابقة، مضافا إلى عدم وجه للقرعة في صورة الإقتران، لأنها لإظهار المشتبه، ولا اشتباه هنا. وما أجاب به الماتن عن الأخير من جواز ترجيح أحدهما في نظر الشرع فيقرع مضعف بأن التكليف منوط بأسبابه الظاهرة، وإلا لزم


(1) المهذب البارع 2: 471. (2) السرائر 2: 452. (3) المختلف 5: 234. (4) الوسائل 13: 46، الباب 18 من أبواب بيع الحيوان الحديث 2. (5) النهاية 2: 199. (6) هو ابن البراج كما ذكره العلامة في المختلف 5: 233.

[ 435 ]

التكليف بالمحال. والأجود أن يضعف بعدم كفاية الجواز في القرعة، لمعارضته بجواز عدم الترجيح في نظر الشرع، الموجب للفساد، فالرجوع (1) إلى القرعة موجب لخروج الفاسد لا محالة. فتأمل. نعم يصح فيما لو ثبت صحة أحدهما في الجملة في الشريعة، وليس بثابت بالضرورة. هذا، ويظهر من المحقق الثاني في شرح القواعد (2) الميل الى الحكم بصحة العقدين معا، التفاتا إلى أصالة بقاء الإذن، وعدم وضوح بطلانه بمجرد الشروع في البيع، إذ المبطل إن كان الخروج عن الملك فانما يتحقق بتمام العقد، وإن كان الشروع فيه بناء على تضمنه القصد إلى إخراجه عن ملكه الملازم للقصد إلى منعه عن التصرف ففيه منع، لعدم التلازم بين القصدين، لفقد ما يدل عليه بشئ من الدلالات في البين. ثم إن هذا كله إذا كان شراؤهما لمولاهما، كما قلناه. أما لو كان لأنفسهما - كما يظهر من الرواية السابقة - فإن أحلنا ملك العبد بطلا، وإن أجزناه صح السابق وبطل المقارن واللاحق حتما، إذ لا يتصور ملك العبد لسيده جدا.


(1) في المطبوع: والرجوع، وفي " م ": بالرجوع. (2) جامع المقاصد 4: 146.

[ 436 ]

* (الفصل الثامن) * * (في السلف) * هو والسلم عبارتان عن معنى واحد * (وهو ابتياع) * مال موصوف * (مضمون) * في الذمة * (إلى أجل) * معلوم * (بمال) * كذلك * (حاضر) * مقبوض في المجلس * (أو في حكمه) * مما لم يكن حاضرا في المجلس ثم احضر وقبض فيه قبل التفرق، وكذا ما كان حاضرا فيه موصوفا غير معين إذا عين فيه، لأنه بالتعيين فيه مع القبض يصير في حكم الحاضر، وما كان دينا على البائع - على قول (1) - فإنه في حكم الحاضر، بل المقبوض. و " الابتياع " جنس، و " مضمون " فصل، يخرج به ابتياع الأعيان الحاضرة. و " إلى أجل " فصل يخرج به البيع بالوصف حالا. وقوله: " معلوم " إشارة إلى شرط من شرائط السلف. والأصل فيه - بعد الإجماع في الغنية (2) والمختلف (3) وعن التذكرة (4) - عمومات الكتاب، والسنة، وخصوص الصحيح وغيره من المعتبرة: عن


(1) لم ترد " على قول " في " ق ". (2) الغنية: 227. (3) المختلف 5: 134. (4) التذكرة 1: 547 س 20.

[ 437 ]

رجل باع بيعا ليس عنده إلى أجل وضمن البيع، قال: لا بأس به (1)، مضافا إلى ما يأتي في المباحث الآتية. وينعقد بقول المسلم وهو المشتري: أسلمت إليك، أو أسلفتك، أو سلفتك بالتضعيف - وفي سلمتك وجه متروك بين الفقهاء - كذا في كذا. ويقبل المسلم إليه - وهو البائع - بقوله: قبلت وشبهه. ولو جعل الإيجاب منه جاز بلفظ البيع والتمليك على قول (2) وأسلمت منك وأسلفت وتسلف ونحوه، والقبول من المسلم هنا قبلت وشبهه كذا قالوه. * (والنظر) * فيه * (في) * امور ثلاثة: * (شروطه، وأحكامه، ولواحقه) *. * (الأول:) * في * (الشروط) * المصححة * (وهي خمسة:) * * (الأول: ذكر الجنس) * والمراد به هنا الحقيقة النوعية، كالشعير والحنطة * (والوصف) * الرافع للجهالة، الفارق بين أصناف ذلك النوع بعبارات معلومة عند المتعاقدين، ظاهرة الدلالة في العرف واللغة. وليس المراد مطلق الوصف، بل الذي يختلف لأجله الثمن اختلافا ظاهرا لا يتسامح بمثله في السلم عادة، فلا يقدح الإختلاف اليسير المتسامح به فيه غير المؤدي إليه. والمرجع في الأوصاف إلى العرف، وربما كان العامي أعرف بها من الفقيه، وحظه منها الإجمال. والمعتبر من الوصف ما يتناوله الاسم المزيل، لاختلاف أثمان الأفراد (3) الداخلة في المعين، ولا يبلغ فيه الغاية، فإن بلغها وأفضى إلى عزة الوجود بطل بلا خلاف يظهر. قيل: لأن عقد السلف مبني على الغرر، لأنه بيع ما ليس بمرئي، فإذا


(1) الوسائل 13: 60، الباب 5 من أبواب السلف الحديث 1 و 2. (2) المسالك 3: 404 - 405. (3) في " م ": الأثمان باختلاف الافراد.

[ 438 ]

كان عزيز الوجود كان مع الغرر مؤديا إلى التنازع والفسخ، فكان منافيا للمطلوب من السلف (1). والأصل في هذا الشرط - بعد الإجماع - أدلة نفي الغرر، والنصوص الآتية في تضاعيف الفصل. * (فلا يصح) * السلم * (فيما لا يضبطه الوصف كاللحم) * نيه ومشويه * (والخبز) * بأنواعه * (والجلود) * بلا خلاف في الأولين، بل عليه الإجماع في الغنية (2)، لما مر، مع التصريح بالمنع عن الأول في الخبر: عن السلف في اللحم، قال: لا تقربنه فإنه يعطيك مرة السمين ومرة التاوي ومرة المهزول، واشتر معاينة يدا بيد. وعن السلف في روايا الماء، فقال: لا تقربها، فإنه يعطيك مرة ناقصة ومرة كاملة، ولكن اشتره معاينة، وهو أسلم لك وله (3). وقصور السند منجبر بالعمل، إلا أن ظاهره التعليل بغير ما في العبارة وفتوى الجماعة. ولكن يدفعه عدم الدلالة على حصر العلة، المجامع للتعليل أيضا بما في العبارة. وعلى المشهور في الأخير، وفاقا للحلي (4)، لتعذر الضبط بالوصف وعدم إفادة الوزن الوصف المعتبر، لأن أهم أوصافها المختلف باختلافه (5) أثمانها السمك والغلظ، ولا يحصل به. خلافا للطوسي (6) والقاضي (7)، فيصح، لإمكان الضبط بالمشاهدة، وللخبرين:


(1) القائل هو المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 210، مع اختلاف يسير. (2) الغنية: 227. (3) الوسائل 13: 57، الباب 2 من أبواب السلف الحديث 1. (4) السرائر 2: 312. (5) في " م ": باختلافها. (6) النهاية 2: 166. (7) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 144.

[ 439 ]

في أحدهما: قلت: إني رجل قصاب أبيع المسوك قبل أن أذبح الغنم، فقال: ليس به بأس، ولكن أنسبها غنم أرض كذا وكذا (1). وفي الثاني: رجل اشترى الجلود من القصاب فيعطيه كل يوم شيئا معلوما، فقال: لا بأس (2). وفيهما ضعف سندا، وفي الأخير دلالة أيضا، لعدم الإشعار فيه ببيع السلف، ولا بالبيع قبل الذبح، فيحتمل أن يبيعها مشاهدة ويدفع إليه كل يوم قدرا معلوما. فالاستناد إليهما - سيما الثاني - ضعيف جدا، كالإستناد إلى الأول، للخروج عن السلم، بناء على أن المبيع فيه أمر في الذمة مؤجل الى مدة، وهو معين بالمشاهدة على ما ذكره. قيل (3): ويمكن الجمع بمشاهدة جملة يدخل المسلم فيه في ضمنها من غير تعيين، وهو غير مخرج عن وضعه، كاشتراطه من غلة قرية معينة لا تخيس عادة، وحينئذ فتكفي مشاهدة الحيوان عن الإمعان في الوصف (4). وهو حسن، ولكن المشهور المنع مطلقا. ونحو المذكورات الجواهر مطلقا واللآلئ الكبار، لتعذر ضبطها (5) على وجه يرفع بسببه اختلاف الثمن، وتفاوت الثمن فيها (6) تفاوتا باعتبارات لو ذكرت لأدت إلى عسر وجودها، الموجب للبطلان، كما مضى، وبدونها لا يحصل العلم بوصفها. أما اللآلئ الصغار التي لا تشتمل على أوصاف كثيرة تختلف


(1) الوسائل 13: 61، الباب 5 من أبواب السلف الحديث 4. (2) الوسائل 13: 59، الباب 3 من أبواب السلف الحديث 7. (3) لم يرد " قيل " في " م، ق ". (4) الظاهر أن القائل هو الشهيد في المسالك 3: 409. (5 و 3) في المطبوع: ضبطهما... فيهما.

[ 440 ]

باختلافها القيمة، فيجوز مع ضبط ما يعتبر فيها من الوزن والعدد مع بعض الصفات. وضابطها: كل ما يباع بالوزن ولا يلاحظ فيه الأوصاف الكثيرة عرفا، وتحديد بعض اياه بما يطلب للتداوي دون التزين (1)، أو ما يكون وزنه سدس دينار رجوع إلى مالا دليل عليه. وكذا القول في بعض الجواهر التي لا يتفاوت الثمن باعتبارها تفاوتا بينا، كبعض العقيق على ما في الدروس (2) وغيره. * (ويجوز في الأمتعة والحيوان) * كله، صامتا كان، أو ناطقا * (والحبوب) * والفواكه والطيب ونحو ذلك. * (و) * بالجملة: * (كل ما يمكن ضبطه) * بالوصف الموصوف [ سابقا ] (3) بلا خلاف يعرف، بل على الثاني الإجماع في الغنية (4) للأصل، والعمومات، والصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة. ففي الصحيح وغيره: لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول والعرض (5). ونحوهما الموثق كالصحيح: عن السلم وهو السلف في الحرير والمتاع الذي يصنع في البلد الذي أنت به، قال: نعم إذا كان إلى أجل معلوم (6). وفي الصحيح والموثق كالصحيح: لا بأس بالسلم في الحيوان إذا وصفت أسنانها (7). وفي الصحيح: أن أبا جعفر (عليه السلام) لم يكن يرى بأسا بالسلم في الحيوان


(1) في " ق " التزيين. (2) الدروس 3: 248. (3) لم يرد في المخطوطات. (4) الغنية: 227. (5) الوسائل 13: 54 و 56، الباب 1 من أبواب السلف الحديث 1 و 10. (6) الوسائل 13: 58، الباب 3 من أبواب السلف الحديث 4. (7) الوسائل 13: 55، الباب 1 من أبواب السلف الحديث 3.

[ 441 ]

بشئ معلوم إلى أجل معلوم (1). وفيه: عن السلف في الطعام بكيل معلوم إلى أجل معلوم، قال: لا بأس به (2). والنصوص بذلك كثيرة تمر بك في المباحث الآتية. * (الثاني: قبض رأس المال) * أي الثمن * (قبل التفرق) * بالبدن، والأصل في شرطيته في صحة السلم الإجماع في الظاهر المحكي في الغنية (3)، وعن التذكرة صريحا (4). خلافا للإسكافي، فجوز التأخير إلى ثلاثة أيام (5). وهو شاذ، وفي المهذب (6) والدروس (7) والمسالك (8) أنه متروك. فلو باع سلما ولم يقبض من الثمن والدروس (7) والمسالك (8) أنه متروك. فلو باع سلما ولم يقبض من الثمن قبل التفرق شيئا بطل رأسا * (ولو قبض بعض الثمن ثم افترقا) * بطل فيما لم يقبض و * (صح في المقبوض) * ولكن يتخير البائع في الفسخ، لتبعض الصفقة، إلا إذا كان عدم الإقباض بتفريطه فلا خيار له. * (ولو كان الثمن دينا على البائع) * فبيع المسلم فيه به * (صح على الأشبه) * وفاقا للنهاية (9)، وعليه الماتن هنا وفي الشرائع (10) والفاضل في التحرير (11) (12) إما لأن ما في الذمة بمنزلة المقبوض، أو للأصل، والعمومات، وانحصار دليل هذا الشرط في الإجماع. وليس بمتيقن، بل ولا ظاهر في


(1) الوسائل 13: 58، الباب 3 من أبواب السلف الحديث 2. (2) الوسائل 13: 62، الباب 6 من أبواب السلف الحديث 1. (3) الغنية: 227. (4) التذكرة 1: 556 س 37. (5) كما في المختلف 5: 149. (6) المهذب البارع 2: 473. (7) الدروس 3: 256، الدرس 254. (8) المسالك 3: 412. (9) النهاية 2: 185. (10) الشرائع 2: 63. (11) التحرير 1: 195 س 11. (12) في " ه‍ " زيادة: والشهيد الثاني في المسالك.

[ 442 ]

محل النزاع، لمكان الإختلاف. مضافا إلى التأيد بالخبر: في رجل كان له على رجل دراهم فعرض عليه الرجل أن يبيعه بها طعاما إلى أجل مسمى، فقال: لا بأس بذلك، الخبر (1). ولا ينافيه النهي عنه في الذيل، لإشعار السياق بورود ذلك للتقية. وأولى بالجواز ما لو حوسب به عن الثمن الكلي، دون أن يقع البيع به، وعليه الأكثر، لما يأتي. خلافا للأشهر في الأول دون الثاني، فيبطل، لأنه بيع دين بدين منهي عنه، أما كون المسلم فيه دينا فواضح. وأما الثمن الذي في الذمة فلأنه دين في ذمة المسلم إليه، فإذا جعل عوضا للمسلم فيه صدق بيع الدين بالدين، لأن نفس الدين قد قرن بالباء فصار ثمنا، ولا كذلك المحاسبة عليه قبل التفرق إذا لم يشترطه ثمنا، لأنه استيفاء دين قبل التفرق مع عدم ورود العقد عليه، فلا يقصر عما لو أطلقا الثمن ثم احضره قبل التفرق، وإنما يفتقر إلى المحاسبة مع تخالفهما جنسا أو وصفا، أما لو اتفق ما في الذمة فيهما وقع التهاتر والتساقط قهريا، ولزم العقد. وللدروس (2) في الثاني، فاستشكل فيه، استنادا إلى أنه يلزم منه كون مورد العقد دينا بدين. ومبنى القولين على أحد تفسيري بيع الدين بالدين، وهو شموله لما صار دينا بالعقد وإن لم يكن دينا قبله، وعليه الأكثر. وفيه نظر يستوضح وجهه بالتدبر فيما ذكره شيخنا في الروضة في كتاب الدين: من أن الدين الممنوع منه ما كان عوضا حال كونه دينا بمقتضى تعلق الباء به، والمضمون عند العقد ليس بدين وإنما يصير دينا بعده، فلم يتحقق بيع الدين بالدين (3).


(1) الوسائل 13: 64، الباب 8 من أبواب السلف الحديث 1. (2) الدروس 3: 256، الدرس 254. (3) الروضة 4: 20.

[ 443 ]

وهو في غاية الجودة وإن ناقض نفسه في المسألة في الكتاب المتقدم إلى ذكره الإشارة. فضعف القولان بالضرورة. وتزيد على الثاني الحجة بما أورده عليه شيخنا في المسالك والروضة في المسألة: من أن بيع الدين بالدين لا يتحقق، إلا إذا جعلا في نفس العقد متقابلين في المعاوضة قضية للباء، وهي هنا منتفية، لأن الثمن فيه أمر كلي، وتعيينه بعد العقد في شخص لا يقتضي كونه هو الثمن الذي جرى عليه العقد، ومثل هذا التقاص والتحاسب استيفاء لا معاوضة، ولو أثر مثل ذلك لأثر مع إطلاقه ثم دفعه في المجلس، لصدق بيع الدين بالدين عليه ابتداء (1). فإذا القول بما في المتن أظهر * (لكنه يكره) * لشبهة الخلاف. فالإحتياط عنه أجود، بل لعله المتعين، للصحيح: عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك فأتى المطلوب الطالب ليبتاع منه شيئا، قال: لا يبيعه نسيا، فأما نقدا فليبعه بما شاء (2). فتأمل. * (الثالث: تقدير المبيع) * المسلم فيه * (بالكيل أو الوزن) * المعلومين فيما يكال أو يوزن، وفيما لا يضبط بيعه سلفا إلا به وإن جاز بيعه جزافا، كالحطب والحجارة، بلا خلاف. استنادا في الأول: إلى ما دل عليه في مطلق البيع من حديث النهي عن بيع الغرر والمجازفة، مع التأيد بخصوص المعتبرة، كالصحيح: عن السلم في الطعام بكيل معلوم إلى أجل معلوم، قال: لا بأس (3) به، والموثق: لا بأس بالسلم كيلا معلوما إلى أجل معلوم لا يسلم إلى دياس ولا إلى حصاد (4)،


(1) المسالك 3: 412، والروضة 3: 410. (2) الوسائل 12: 373، الباب 6 من أبواب احكام العقود الحديث 8. (3) الوسائل 13: 62، الباب 6 من أبواب السلف الحديث 1. (4) الوسائل 13: 58، الباب 3 من أبواب السلف الحديث 5.

[ 444 ]

مضافا إلى صريح النبوي العامي: من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم (1). وقصور السند بالعمل مجبور. وفي الثاني: إلى الدليل الأول، من لزوم الغرر مع عدم اندفاعه هنا إلا بأحد الأمرين وإن اندفع بالمشاهدة في غير السلف، لعدم إمكانه فيه بالضرورة، إلا على احتمال - تقدم إلى ذكره الإشارة - من الإكتفاء بمشاهدة جملة يدخل المسلم فيه في ضمنها من غير تعيين، إلا أنه لم يعتبره هنا أحد من الطائفة، حتى من احتمل اعتباره في المسألة السابقة. * (ولا يكفي) * التقدير ب‍ * (العدد) * إجماعا في المعتبر بأحد التقديرين. * (و) * كذا * (لو كان مما يعد) * ويباع به في مطلق البيع مطلقا، وفاقا للطوسي (2) والتذكرة (3)، للتفاوت المفضي إلى الغرر والجهالة. خلافا للإسكافي (4)، فيجوز كذلك، للأصل. ويندفع بما مر. ولجماعة من المتأخرين كالشهيدين (5) وغيرهما، فالتفصيل بين ما يكثر فيه التفاوت - كالرمان والبطيخ والباذنجان - فالأول، وما يقل فيه - كالصنف الخاص من الجوز واللوز - فالثاني، للتسامح عادة في مثله، فيندفع معه الغرر. وهو حسن إن كان التفاوت اليسير كذلك، وإلا فالأول أظهر. ولعل هذا مراد المفصل. وبالجملة: الضابط للصحة الإنضباط الدافع لاختلاف الثمن، فحيث حصل بالعدد جاز السلم، وإلا فالأقرب المنع. وعليه يتعين الضبط بالوزن أو الكيل في المقدر بهما، وبالأول في غيره مطلقا، وبالثاني فيما لا يتجافى في المكيال - كالجوز واللوز - دون ما


(1) سنن النسائي 7: 290. (2) المبسوط 2: 189. (3) التذكرة 1: 556 س 3. (4) كما في المختلف 5: 152. (5) الدروس 3: 253، الدرس 253، والروضة 3: 411.

[ 445 ]

يتجافى - كالبطيخ والباذنجان والرمان - فيتعين فيه الأول. ويعتبر في مثل الثوب ضبطه بالذرع وإن جاز بيعه بدونه مع المشاهدة، كما مر إليه الإشارة. وكان عليه أن يذكره أيضا، لخروجه عن الاعتبارات المذكورة. * (و) * حيث قد عرفت اعتبار الضبط بالوزن أو الكيل فيما لا يضبط إلا به - وإن جاز بيعه بالجزاف - ظهر لك الوجه في أنه * (لا يصح) * السلم * (في) * نحو * (القصب أطنانا، ولا في الحطب حزما، ولا في الماء قربا) * مع ورود النهي عن الأخير في بعض النصوص، وقد تقدم. * (و) * كما يشترط تقدير المسلم فيه بأحد ما تقدم * (كذا يشترط التقدير في الثمن) * لكن بما تقدر في مطلق البيع. فيعتبر المقدر بأحد الإعتبارات الثلاثة به، وما عداه بما يعتبر به من الذرع ونحوه، فلو كان مما يباع جزافا جاز الإقتصار على مشاهدته، كما لو بيع. * (وقيل: يكفي) * هنا التقدير ب‍ * (المشاهدة) * مطلقا، كما عن المرتضى (1). وقد تقدم الكلام فيه فيما مضى، وأن العمل على الأول أشهر وأقوى. * (الرابع: تعيين الأجل) * المشترط * (بما يرفع احتمال الزيادة) * فيه * (والنقصان) * عند المتعاقدين بلا خلاف، بل عليه الإجماع في نهج الحق (2) والغنية (3) [ وعن الخلاف (4) والتذكرة (5) ] (6). وهو الحجة، مضافا إلى النبوي العام (7)، والصحاح المستفيضة، وغيرها من المعتبرة، المتقدمة (8) إلى جملة منها الإشارة.


(1) الناصريات: (الجوامع الفقهية): 253، المسألة 175. (2) نهج الحق: 487، المسألة 23. (3) الغنية: 227. (4) الخلاف 3: 196 - 197، المسألة 3. (5) التذكرة 1: 548 س 13. (6) مابين المعقوفتين لا يوجد في " م، ق، ش ". (7) سنن ابن ماجه 2: 765. (8) الوسائل 13: 57، الباب 3 من أبواب السلف.

[ 446 ]

وأخصية موارد الأخيرة بعدم القائل بالفرق مدفوعة. * (الخامس: أن يكون وجوده) * أي المسلم فيه * (غالبا حين حلوله) * بحلول أجله، المشترط فيه في البلد الذي شرط تسليمه فيه، أو بلد العقد - حيث يطلق على أحد الأقوال الظاهر من الماتن هنا، حيث لم يذكر اشتراط ذكر محل التسليم، وهو ظاهر في الصحة بدونه، وإلا لاشترطه - أو فيما قارب البلدين، بحيث ينقل إليه عادة. ولا يكفي وجوده فيما لا يعتاد نقله منه إليه إلا نادرا، كما لا يشترط وجوده حال العقد حيث يكون مؤجلا، ولا فيما بينهما. واعتبار غلبة الوجود فيه عند الحلول هو المشهور بين الأصحاب، بل لا يكاد يعرف لهم مخالف في ذلك، إلا ما ربما يتوهم من عبارتي القواعد والدروس، حيث بدل الغلبة بالإمكان في الأول (1)، وبالقدرة على التسليم في الثاني (2). وهما وإن أورثا التوهم في بادئ النظر، إلا أن التدبر في كلامهما يقتضي المصير إلى التأويل فيهما، بحملهما - على ما ذكره بعض الأصحاب - من أن المراد بإمكان وجوده والقدرة على تسليمه كونه بحيث يوجد كثيرا عادة، بحيث لا يندر تحصيله، فالمراد إمكان وجوده عادة، فإن الممكن عادة هو الذي لا يعز وجوده (3). فقد صرحا أولا: باشتراط عدم الإستقصاء في الأوصاف، الموجبة لعزة الوجود والبطلان معه. وثانيا: بما يفصح عن إرادتهما الحمل من الإمكان وما في معناه صريحا. فقال الأول: ولو طرأ الإنقطاع بعد انعقاد السلم، كما لو أسلم فيما يعم


(1) القواعد 1: 137 س 9. (2) الدروس 3: 256، الدرس 254. (3) هو المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 236.

[ 447 ]

وجوده وانقطع لحاجة أو وجد وقت الحلول عاما ثم أخر التسليم لعارض ثم طالب بعد انقطاعه تخير المشتري، إلى آخر كلامه (1). وهو كما ترى كالصريح، بل صريح في جعل المعيار في انعقاد السلم هو عموم الوجود. ونحوه كلام آخر له، يقرب من هذا في الدلالة عليه. وقال الثاني: ولو أسلم فيما يعسر وجوده عند الأجل مع إمكانه - كالكثير من الفواكه في البواكير - فإن كان وجوده نادرا بطل، وإن أمكن تحصيله لكن بعد مشقة فالوجه الجواز، لإلزامه به مع إمكانه، ويحتمل المنع، لأنه غرر (2). وهو كالصريح في عدم جعل المعيار مجرد الإمكان بالمعنى المتوهم، بل جعله إياه بالمعنى المتقدم. فنسبة الخلاف إليهما في المسألة ليست بجيدة. ومن عبارة الدروس يظهر نوع إيماء إلى وجه اشتراط هذا الشرط، ويفصح عنه صريحا ما مر في توجيه البطلان مع الإستقصاء في الأوصاف المنجر إلى عزة الوجود. وهو وإن احتاج الإستناد إليه لذلك إلى نوع تأمل، إلا أنه صالح لاعتضاد عدم الخلاف، الذي هو الحجة في المقام. وليس في شئ من النصوص ما يخالف ذلك، كما يظهر بالتأمل فيها. والتدبر. ثم إن الوجود عند الأجل بأي معنى اعتبر أعم من التجدد فيه بعد عدمه في زمن العقد، وإليه أشار بقوله: * (ولو كان معدوما وقت العقد) * وما بينهما أو وجوده فيه إلى الأجل. * (الثاني في أحكامه) * * (وهي خمسة مسائل:) * * (الاولى: لا يجوز بيع السلم قبل حلوله) * بحلول الأجل مطلقا، على من هو عليه كان أو غيره، حالا، أو مؤجلا، بلا خلاف يظهر، إلا من بعض من


(1) القواعد 1: 137 س 12. (2) الدروس 3: 256، الدرس 254.

[ 448 ]

ندر ممن تأخر (1) فجوزه مطلقا، التفاتا إلى أنه حق مالي، فيجوز بيعه. ولا ينافيه عدم استحقاق المشتري الأول له، لتعلق عدم الإستحقاق بالمطالبة دون الملكية، فإنها حاصلة وإن لم يجز له قبل الأجل المطالبة. والقدرة على التسليم المشترطة في صحة المعاملة إنما هي في الجملة، لا حين إجراء عقد المعاملة، وإلا لما صح ابتياع الأعيان الغائبة إلا بعد حضورها، وإمكان القدرة على تسليمها حين المعاملة، وهو فاسد بالإجماع والضرورة. وربما يضعف بابتنائه على حصول الملكية. والمناقشة فيه واضحة، إذ هي فرع الإنتقال، وهو مشروط بانقضاء المدة، وليس كما هو مفروض المسألة. ومنه يظهر أن صرف الإستحقاق المنفي إلى المطالبة خاصة دون الملكية فاسد بالبديهة، بعد ما ظهر من اشتراطها بانقضاء المدة المشترطة في الإنتقال حين المعاملة، فما لم يتحقق - كما هو المفروض - لم تحصل الملكية. وفيه نظر، إلا أن ظاهر الغنية (2) والتنقيح (3) والمحقق الثاني في شرح الإرشاد (4) كالفاضل الأردبيلي في شرح الإرشاد (5) انعقاد الإجماع على الحكم على الإطلاق، المستفاد من العبارة وغيرها من عبائر الجماعة. فلا ريب في المسألة بحمد الله سبحانه. * (ويجوز) * بيعه * (بعده) * وبعد القبض بالضرورة * (و) * كذا * (إن لم يقبضه) * مطلقا ولو بمجانس الثمن، ربويين كانا، أو غيره، على الأظهر


(1) في مفتاح الكرامة (4: 473) بعد نقل كلام المؤلف ما لفظه: " قد تطعي عبارة الوسيلة خلافا في المقام، قال... " راجع الوسيلة: 242. (2) الغنية: 228. (3) التنقيح 2: 145. (4) في " ق ": شرح القواعد. (5) مجمع الفائدة 8: 360.

[ 449 ]

الأشهر بين الطائفة إذا لم يكن بين الثمنين الربويين مع التجانس تفاوت بزيادة ولا نقيصة، للأصل، والعمومات، والصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة (1)، ومواردها وإن اختصت بالبيع على من هو عليه، إلا أنه لا قائل بالفرق بين الطائفة. خلافا للتهذيب، فمنع من البيع بالدراهم إذا كان الثمن الأول كذلك، للخبر: عن الرجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم ؟ قال: إذا قومه دراهم فسد لأن الأصل الذي اشترى به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم (2). وضعف سنده يمنع من العمل به، مع احتماله - ككلام التهذيب - الحمل على صورة التفاوت بالزيادة والنقيصة، كما فهمه منه الجماعة. ولذا لم ينسبوا إليه القول الأول بالمرة، بل نسبوه إلى هذا القول. وله فيه موافق كثير من الطائفة، كالإسكافي (3) والعماني (4) والقاضي (5) وابن حمزة (6) والحلبي (7) (8) وابن زهرة (9)، وادعى في الدروس أنه مذهب الأكثر (10)، وعن الحلبي دعوى الإجماع عليه (11)، وهو ظاهر الغنية، واختاره جمع ممن تأخر، لكثير من تلك الصحاح، وهي مستفيضة. منها: في من أعطى رجلا ورقا بوصيف إلى أجل مسمى، فقال له صاحبه بعد: لا أجد وصيفا خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقا، قال: لا يأخذ


(1) الوسائل 13: 68، الباب 11 من أبواب السلف. (2) التهذيب 7: 30 ذيل الحديث 129، وأورده في الوسائل 13: 71، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 12. (3 و 4) نقله عنهما العلامة في المختلف 5: 139. (5) المهذب 1: 391. (6) الوسيلة: 242. (7) الكافي في الفقه: 358. (8) في " م ": والحلي. (9) الغنية: 228. (10) الدروس 3: 258، الدرس 254. (11) لم نقف على دعوى الإجماع في كتابه، انظر الكافي في الفقه: 358.

[ 450 ]

إلا وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أول مرة لا يزداد عليه شيئا (1). ومنها: من اشترى طعاما أو علفا، فإن لم يجد شرطه وأخذ ورقا لا محالة قبل أن يأخذ شرطه، فلا يأخذ إلا رأس ماله، لا تظلمون ولا تظلمون (2). ومنها: عن الرجل يسلف في الحنطة والتمر بمائة درهم فيأتي صاحبه حين يحل الذي له فيقول: والله ما عندي إلا نصف الذي لك فخذ مني إن شئت بنصف الذي لك حنطة وبنصف ورقا، فقال: لا بأس إذا أخذ منه الورق كما أعطاه (3). ومنها: عن الرجل يسلف في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك إلى أجل مسمى، قال: لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها، ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم، ويأخذون دون شروطهم، ولا يأخذون فوق شروطهم - وقال -: والأكسية أيضا مثل الحنطة والشعير والزعفران والغنم (4). خلافا للمفيد (5) والحليين (6) وكثير من المتأخرين، حتى ادعى جماعة منهم عليه الشهرة، للأصل، والعمومات، السليمة عما يصلح للمعارضة، سوى الصحاح المتقدمة، وهي غير صريحة الدلالة على وقوع المعاملة الثانية. فيحتمل ورودها في الفسخ خاصة. ولا ريب في المنع عن الزيادة - حينئذ - مع التجانس والكيل والوزن،


(1) الوسائل 13: 70، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 9. (2) الوسائل 13: 72، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 15. (3) الوسائل 13: 72، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 16. (4) الوسائل 13: 68، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 1. (5) المقنعة: 596. (6) السرائر 2: 310، والشرائع 2: 65، والمختلف 5: 139.

[ 451 ]

كما هو مفروض المسألة، لأنها ربا محض منعت عنه الشريعة، وذلك فإن بالفسخ يستحق المسلم ثمنه خاصة، فلا يجوز له - حينئذ - أخذ الزيادة. ولا كذلك مع عدم الفسخ وإبقاء المعاملة فإن ما يستحقه في هذه الصورة هو المسلم فيه دون الثمن الأول، فله أن يبيعه بأضعاف الثمن الذي دفعه، ولا موجب للربا فيها بالمرة. هذا، مضافا إلى إطلاق كثيرة من المعتبرة. منها المرسل كالموثق: في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل فيحل الطعام فيقول: ليس عندي طعام ولكن انظر ما قيمته فخذ مني ثمنه، قال: لا بأس بذلك (1). والخبر: الرجل يسلفني في الطعام فيجئ الوقت وليس عندي طعام اعطيه بقيمته دراهم ؟ قال: نعم (2). والمسألة محل تردد وإن كان الأول لا يخلو عن قوة، للإجماعات المحكية، ولظهور (3) الصحاح - سيما الأول منها - في المعاملة الثانية. ولو سلم عدمه فإطلاقها - بل عمومها - يشملها أيضا بالضرورة، سيما مع التعليل في بعضها بقوله: " لا تظلمون ولا تظلمون " الذي هو كالنص في العموم، وهي بالنظر إلى الأصل والعمومات خاصة، فلتقدم. والنصوص المعارضة قاصرة السند، ضعيفة الدلالة، لاحتمالها الحمل على صورة عدم الزيادة، أو عدم المجانسة، ولا ريب في الجواز فيها فتوى ورواية. ففي الصحيح: عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة حتى إذا حضر


(1) الوسائل 13: 69، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 5. (2) الوسائل 13: 70، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 8. (3) في " م، ش ": وظواهر، في " ق، ه‍ ": وظهور.

[ 452 ]

الأجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دواب ورقيقا ومتاعا يحل له أن يأخذ من عروضه ذلك بطعامه ؟ قال: نعم يسمي كذا وكذا بكذا وكذا صاعا (1). وصريحه - كالصحاح المتقدمة وغيرها - جواز بيع الطعام على من هو عليه قبل القبض من دون كراهة. خلافا لظاهر الماتن، فخص الحكم بالجواز من دونها بما عداه بقوله: * (على كراهية في الطعام على من هو عليه) * وهو المسلم إليه * (وعلى غيره) * وهو ظاهر الغنية، مدعيا عليه إجماع الطائفة، إلا أنه أبدل " الكراهة " " بالحرمة " (2). ولعلها نظرا إلى ما تقدم في بيعه قبل قبضه، من إطلاق النصوص المانعة. ويدفعه أن هذه النصوص خاصة مقدمة على تلك، لكن في مواردها، وهو البيع ممن هو عليه خاصة. ولكن الكراهة على الإطلاق غير بعيدة، بناء على المسامحة في أدلتها. فيكتفى فيها بشبهة الخلاف، والإجماع المدعى، والإطلاق الذي مضى. * (و) * كما يجوز بيعه مطلقا ولو مرابحة وكان كل من الثمنين ربويا * (كذا يجوز بيع بعضه) * كذلك. وصرح بجوازه في الجملة بعض الصحاح المتقدمة * (و) * هي متفقة الدلالة على جواز تولية كله و * (تولية بعضه) * بمعنى بيعها برأس المال. ولا فائدة لذكرهما، إلا التنبيه على عموم الجواز في بيع الجميع والبعض، المذكور سابقا لصورتي المرابحة والمواضعة مطلقا، دفعا للقولين المتقدمين من المنع عن البيع بمجانس الثمن الأول مع ربويتهما، إما مطلقا


(1) الوسائل 13: 69، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 6. (2) الغنية: 228.

[ 453 ]

كما في أحدهما، أو في صورة تفاوتهما بالزيادة والنقيصة كما في الثاني. * (وكذا) * حكم * (بيع الدين) * فلا يجوز قبل الأجل مطلقا، ويجوز بعده كذلك، بلا خلاف في الأخير، إلا في البيع على غير من هو عليه، فمنعه الحلي مدعيا الإجماع عليه (1). والأظهر الأشهر خلافه، للأصل، والعمومات السليمة عن المعارض، سوى الإجماع المحكي. وهو بعد اشتهار خلافه عن التخصيص قاصر. وأما الأول ففيه خلاف، فبين مصرح بالمنع - كالشهيد في الدروس (2)، وهو ظاهر الإرشاد (3) والمتن - لظاهر التشبيه، ومصرح بالجواز، كما في الروضة (4) وعن التذكرة (5)، وهو ظاهر المختلف (6) واللمعة (7) وجماعة. ومستند القولين قد مر. وضعف الثاني منهما قد ظهر. لكن في جريان وجه الضعف هنا مطلقا نظر، ينشأ من ابتنائه ثمة إما على الإجماع [ الظاهر ] (8) المحكي وهو مفقود هنا، أو على عدم انتقال السلم حين العقد، المستلزم لعدم الملكية للبائع. ومنه ينقدح فساد المعاملة قبل حلول الأجل، ولا كذلك مطلق الدين، لحصول الملكية بمجرد السبب في بعض أفراده، وغاية الأمر توقف المطالبة على انقضاء الأجل، كما في مهر الزوجة والقرض، المشترط فيهما الأجل اللازم. ولعله لذا أفتى الأصحاب - من غير خلاف يعرف - بالمنع في السلف، واختلفوا في المسألة، وصار إلى الجواز فيها الجماعة المزبورة، التي يمكن أن يطلق عليهم - بالإضافة إلى المخالف - الشهرة.


(1) السرائر 2: 55. (2) الدروس 3: 313. (3) الإرشاد 1: 391. (4) الروضة 4: 19. (5) التذكرة 2: 3 س 37. (6) المختلف 5: 371 و 379. (7) اللمعة: 76. (8) لم يرد في " م ".

[ 454 ]

ويحتمل ارجاع التشبيه في العبارة إلى ما يوافق هؤلاء الجماعة، بأن يراد منه التشبيه للسلف في أصل جواز البيع، لا مطلقا. وحيث جاز * (فإن باعه بما هو حاضر) * مشخص بنحو الإشارة * (صح) * بلا خلاف ولاريبة، للأصل، والعمومات، التي هي عن المعارض سليمة. * (وكذا) * صح * (إن باعه بمضمون حال.) *. إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق فيه بين ما لو كان مؤجلا ثم حل الأجل، أو كان غير مؤجل في الأصل، كما إذا بيع بدينار كلي غير مستقر في ذمته قبل البيع، ولا إشكال فيه مما مر، مع عدم صدق الدين عليه حقيقة، كما يأتي. ويشكل في الأول إن لم يكن إجماع، كما هو ظاهر الروضة، حيث جعل الجواز أقوى (1)، وهو مشعر، بل ظاهر في وقوع الخلاف. ووجهه قوة احتمال صدق الدين عليه، بناء على تضمنه الأجل ولو في الزمان السابق على العقد، فيلزم حينئذ بيع الدين بالدين. ووجه الجواز، إما الشك في الصدق، أو لزوم الاقتصار في المنع عن بيع الدين بالدين، المخالف للأصل على محل الوفاق، وليس منه محل الفرض، لوقوع الخلاف. والخبر المانع عنه وإن كان عاما، إلا أنه قاصر سندا، يشكل الإعتماد عليه فيما عدا الإجماع. وربما يوجه باختصاص الدين بالمؤجل، كما في كلام الأصحاب وجماعة من أهل اللغة، ومحل الفرض بعد انقضاء أجله ليس كذلك. وفيه نظر، إذ لا يبعد أن يكون المراد من اعتبار الأجل فيه اعتباره حين ثبوته، بمعنى أن الدين ما يضرب فيه الأجل أول مرة.


(1) الروضة 4: 20.

[ 455 ]

ولا ينافيه خلوه عنه في ثاني الحال، ولذا أن الأصحاب يطلقون على الدين بعد حلول أجله لفظه إطلاقا حقيقيا، وهو المتداول عرفا. ولا يصلح السلب عنه فيه حينئذ جدا. وكيف كان، فالمنع أقوى. ويحتمل أن يراد بالمضمون الحال في العبارة وغيرها هو المعنى الثاني. ولعله الظاهر، فلا خلاف فيه. * (ولو شرط تأجيل الثمن، قيل: يحرم) * كما عن الحلي (1) وتبعه كثير * (لأنه بيع دين بدين) * المنهي عنه بالنص والإجماع. وفيه نظر، لان الدين الممنوع عن بيعه بمثله ما كان عوضا حال كونه دينا بمقتضى تعلق الباء به، والمضمون عند العقد ليس بدين، وإنما يصير دينا بعده، فلم يتحقق بيع الدين به. ولأنه يلزم مثله في بيعه بحال، ولم يلتزموه. والفرق غير واضح. ودعوى إطلاق اسم الدين عليه إن أرادوا به قبل العقد فممنوع، أو بعده فمشترك بين الحال والمؤجل، فيلزم أن لا يصح بحال، كما مر. وإطلاقهم له عليه عرفا إذا بيع به، فيقولون: باع فلان ماله بالدين مجاز، يقصد به أن الثمن بقي في ذمته دينا بعد البيع. ولو اعتبر مثل هذا الإطلاق جاء مثله في الحال إذا لم يقبضه، خصوصا إذا أمهله به من غير تأجيل. فتأمل. * (و) * لذا * (قيل: يكره) * كما عن النهاية (2) * (وهو الأشبه) * بالأصل السليم عن المعارض، كما ظهر، وهو خيرة الشهيد الثاني (3). هذا إذا كان الثمن دينا بالعقد، كما هو فرض المتن والأصحاب.


(1) السرائر 2: 314. (2) النهاية 2: 168. (3) المسالك 3: 434.

[ 456 ]

و * (أما لو باع دينا) * في ذمة زيد بدين آخر له في ذمته أو في ذمة ثالث أو دينا * (في ذمة زيد بدين للمشتري في ذمة عمرو لم يجز) * (1) قولا واحدا، كما في المهذب (2) وغيره * (لأنه بيع دين بدين) * بلا إشكال. والأصل فيه - بعد الإجماع - النبوي العامي المانع عن بيع الكالئ بالكالئ (3)، والخاصي: لا يباع الدين بالدين (4)، قال في القاموس: الدين ماله أجل، وما لا أجل له فقرض. والكالئ والكلاءة - بالضم - النسيئة. ونحوه في الأول المحكي عن النهاية الأثيرية والغريبين، وهو ظاهر الأصحاب أيضا. وربما يحكى عن بعض أهل اللغة أنه القرض. وهو ضعيف. * (الثانية: إذا دفع) * المسلم إليه المسلم فيه * (دون الصفة) * أو المقدار المشترطين فيه لا يجب على المسلم قبوله وإن كان أجود من وجه آخر، لأنه ليس نفس حقه مع تضرره به. * (و) * لو * (رضي (5) المسلم) * بذلك * (صح) * ولو كان ذلك لأجل التعجيل، بلا خلاف، بل في الغنية الإجماع عليه (6) لأنه أسقط حقه من الزائد برضاه، والنصوص به مع ذلك مستفيضة. منها الصحاح، في أحدها: عن الرجل يسلم في وصفاء بأسنان معلومة ولون معلوم ثم يعطي دون شرطه أو فوقه، فقال: إذا كان من طيبة نفس منك ومنه فلا بأس (7).


(1) في المتن المطبوع: فلا يجوز. (2) المهذب البارع 2: 476. (3) سنن البيهقي 5: 290. (4) الوسائل 13: 64، الباب 8 من أبواب السلف الحديث 2. (5) في المتن: وبرضى. (6) الغنية: 228. (7) الوسائل 13: 2 65. (5) في المتن: وبرضى. (6) الغنية: 228. (7) الوسائل 13: 65، الباب 9 من أبواب السلف الحديث 1.

[ 457 ]

وفي الثاني والثالث: ويأخذون دون شرطهم ولا يأخذون فوق شروطهم (1). ومنها: أرأيت ان أسلم في أسنان معلومة أو شئ معلوم من الرقيق فأعطاه دون شرطه أو فوقه بطيبة النفس منهم ؟ قال: لا بأس (2). ونحوه ما لو رضي بغير الجنس (3). * (ولو دفع) * المسلم فيه * (بالصفة وجب القبول) * أو ابراء المسلم إليه بعد حلول الأجل، ولو امتنع قبضه الحاكم مع الإمكان، وإلا فيخلي بينه وبينه، ويبرئ بمجرده على الظاهر. * (وكذا) * يجب القبول أو الإبراء بعد الحلول * (لو دفع) * إليه * (فوق الصفة) * في المشهور بين الأصحاب. قيل: لأنه خير وإحسان، فالإمتناع منه عناد، ولأن الجودة صفة لا يمكن فصلها، فهي تابعة (4). * (ولا كذلك (5) لو دفع أكثر) * قدرا يمكن فصله ولو في ثوب. وفيهما نظر. فالأول: بعدم دليل على وجوب قبول الإحسان، ولا يلزم أن يكون الإمتناع منه عنادا، بل هو مطالبة لحقه المشترط، والمؤمنون عند شروطهم، مضافا إلى اختلاف الأغراض، فقد يتعلق بخصوص المشترط دون الزائد، كما يتفق في كثير من الأحيان. هذا، مضافا إلى التأيد بمفهوم الصحيح: عن رجل يسلف في وصف اسنان معلومة ولون معلوم ثم يعطي فوق شرطه، فقال: إذا كان على طيبة


(1) التهذيب: 7: 32، الحديث 132، الوسائل 13: 68، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 1. (2) الوسائل 13: 65، الباب 9 من أبواب السلف الحديث 2. (3) الوسائل 13: 66، الباب 9 من أبواب السلف الحديث 5. (4) القائل الشهيد الثاني في الروضة 3: 422. (5) في المتن المطبوع: ولا كذا.

[ 458 ]

نفس منك ومنه فلا بأس (1). والثاني: بأن عدم إمكان الفصل وتابعية الوصف لا يوجب على المسلم قبول ذلك المدفوع، مع إمكان العدول عنه إلى الغير. ولعله لذا حكي عن الإسكافي القول بعدم وجوب القبول (2)، كما قالوا به - بلا خلاف - في دفع الأكثر بحسب المقدار. وهو كما ترى في غاية القوة وإن كان الأحوط للمسلم القبول. * (الثالثة: إذا تعذر) * المسلم فيه * (عند الحلول، أو انقطع) * حيث يكون مؤجلا ممكن الحصول بعد الأجل عادة، فاتفق عدمه ابتداء، أو بعد وجوده * (فطالب) * المسلم البائع إياه * (كان مخيرا بين الفسخ) * واسترداد الثمن أو مثله * (و) * بين * (الصبر) * إلى وجوده، ولم ينفسخ العقد، بلا خلاف في الأخير، لأن تناول الدفع لهذه السنة لقضية الأجل، ومورد العقد إنما هو الذمة، وعلى الأظهر الأشهر في الأول، بل عليه عامة من تأخر. وربما أشعر عبارة المختلف (3) والدروس (4) بالإجماع عليه، بل ربما كانت الاولى ظاهرة في انعقاده. وهو الحجة. مضافا إلى النصوص المستفيضة. التي هي بين صريحة في ذلك، كالموثق: عن رجل أسلفه في شئ يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها ولم يستوف سلفه، قال: فليأخذ رأس ماله، أو لينظره (5). وظاهرة فيه، كالصحاح المتقدمة في بيع السلف بعد حلول الأجل، كذا قيل (6).


(1) الوسائل 13: 67، الباب 9 من أبواب السلف الحديث 8. (2) كما في المختلف 5: 153. (3) المختلف 5: 148. (4) الدروس 3: 257، الدرس 254. (5) الوسائل 13: 72، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 14. (6) القائل الشهيد الثاني في المسالك 3: 431.

[ 459 ]

وفيه نظر، يظهر وجهه مما ثم قد مر، ولعلها صالحة للتأييد وإن كان بعضها ظاهرا في البيع. ومنه - زيادة على ما مر - يظهر أن له أن لا يفسخ ولا يصبر، بل يأخذ قيمته حينئذ. وخلاف الحلي بعدم الخيار (1) شاذ، لا يلتفت إليه في المضمار. وليس هذا الخيار فوريا، للأصل السالم عن المعارض، فله الرجوع بعد المصير الى أحد الأمرين، المخير بينهما، ما لم يصرح بإسقاط الخيار، ويسقط معه، كما في الدروس والروضة (2)، ولو كان أحد موجبي الخيار من التعذر والإنقطاع بعد بذله له ورضاه بالتأخير سقط خياره، لمجئ التقصير من قبله. ولا ينافيه إطلاق النص المتقدم، لعدم شموله في الظاهر لمحل الفرض. ولا كذلك لو كان بعدم المطالبة، أو بمنع البائع، مع إمكانه. وفي حكم انقطاعه عند الحلول موت المسلم إليه قبل الأجل وقبل وجوده، نظرا إلى أنه دين، فيشمله عموم ما دل على حلول ما على الميت من الدين بالموت. ولا كذلك العلم قبل الأجل بعدم المسلم فيه بعده، بل يتوقف الخيار على الحلول، اقتصارا فيما خالف الأصل، الدال على لزوم العقد على مورد النص والإجماع، والتفاتا إلى عدم وجود المقتضي له الآن إذا لم يستحق حينئذ شيئا. ولو قبض البعض وتأخر الباقي تخير أيضا بين الصبر والفسخ في الجميع والفسخ في الباقي، التفاتا في الأول: إلى ضرر تبعض الصفقة، وفي


(1) السرائر 2: 317. (2) الدروس 3: 257، الدرس 254، الروضة 3: 423.

[ 460 ]

الثاني: إلى المعتبرة. منها: الصحيحان، في أحدهما: أرأيت إن أوفاني بعضا وعجز عن بعض أيجوز أن آخذ بالباقي رأس مالي ؟ قال: نعم، ما أحسن ذلك (1). وفي الثاني: لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه أن يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها، ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم (2). وفي تخير المسلم إليه مع الفسخ في البعض وجه قوي، لتبعض الصفقة عليه، إلا أن يكون التأخير عن تقصير فلا خيار له. * (الرابعة: إذا دفع) * [ المسلم ] (3) المديون إلى المدين * (من غير الجنس) * الذي استدانه منه على أنه قضاء منه * (ورضي الغريم) * به * (ولم يساعره) * وقت الدفع * (احتسب بقيمة يوم الإقباض) * مطلقا، سلفا كان الدين، أم لا، كان المدفوع عروضا، أم غيرها، بلا خلاف، بل عليه الوفاق في المسالك (4) والكفاية (5) وغيرهما. وهو الحجة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة. منها الصحيحان المكاتبان، المروية إحداهما في التهذيب: في رجل كان له على رجل مال فلما حل عليه المال أعطاه به طعاما أو قطنا أو زعفرانا ولم يقاطعه على السعر، فلما كان بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الطعام والزعفران والقطن أو نقص بأي السعرين يحسبه ؟ هل لصاحب الدين سعر يومه الذي أعطاه وحل ماله عليه، أو السعر الثاني بعد شهرين، أو ثلاثة يوم حاسبه ؟ فوقع (عليه السلام): ليس له إلا على حسب سعر وقت ما دفع الطعام


(1) الوسائل 13: 68، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 2. (2) الوسائل 13: 68، الباب 11 من أبواب السلف الحديث 1. (3) لم يرد في " م، ق، ش ". (4) المسالك 3: 432. (5) كفاية الاحكام: 104 س 26.

[ 461 ]

إن شاء الله تعالى، الخبر (1). ونحوها الثانية، المروية عن الكافي (2). ومنها الموثقان، في أحدهما: عن الرجل يكون لي عليه المال فيعطني بعضا دنانير وبعضا دراهم، فإذا جاء يحاسبني ليوفيني يكون قد تغير سعر الدنانير أي السعر أحسب له الذي يوم أعطاني الدنانير، أو سعر يومي الذي احاسبه ؟ فقال: سعر يوم أعطاك الدنانير، لأنك حبست عنه منفعتها (3). ونحوه الآخران (4). والخبران في أحدهما: في الرجل يكون له على الرجل دراهم فيعطيه دنانير ولا يصارفه، فتغير الدنانير بزيادة أو نقصان، قال: له سعر يوم أعطاه (5). وعلل مع ذلك بأن جعل المدفوع قضاء يقتضي كونه من جنس الدين، فلمالم يكن عند الدفع، الذي هو وقت القضاء من جنسه، فلابد من احتسابه على وجه يصير من الجنس، وذلك باعتبار قيمته يومئذ سواء كان مثليا، أو قيميا. * (الخامسة: عقد السلف قابل لاشتراط ما هو معلوم) * غير موجب للجهالة * (فلا يبطل باشتراط بيع) * فيه * (أو هبة) * شئ * (أو عمل محلل، أو صنعة) *. كأن يقول: أسلمت إليك هذه العشرة الدراهم في خمسين منا من تمر إلى مدة كذا بشرط أن تبيع مني أو توهب لي هذا الكتاب مثلا أو تعلمني الصنعة الفلانية، ونحو ذلك مما يصح اشتراطه، للأصل، والعمومات السليمة عن المعارض، عدا رواية قاصرة السند، مجملة الدلالة من حيث تضمنها


(1) التهذيب 6: 196، الحديث 432. (2) الكافي 5: 181، الحديث 3. (3) الوسائل 12: 471، الباب 9 من أبواب الصرف الحديث 2 و 3. (4) الوسائل 12: 470 و 471، الباب 9 من أبواب الصرف الحديث 1 و 4. (5) الوسائل 12: 472، الباب 9 من أبواب الصرف الحديث 5، والآخر الوسائل 12: 471، الباب 9 من أبواب الصرف الحديث 3.

[ 462 ]

النهي عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع واحد (1). فلعل المراد به ما قيل في تفسيره: من أن المراد أن يقول: بعتك منا من طعام حالا بعشرة وسلفا بخمسة. ووجه المنع عنه - حينئذ - ظاهر على الأصح الأشهر. وقد مر الكلام فيه في بيع شيئين بثمنين مختلفين إلى أجلين. وقد مر الكلام في نظير المسألة في بحث جواز الجمع بين امور مختلفة في صيغة واحدة. * (و) * هنا مسألتان. الاولى: * (لو أسلف في غنم وشرط أصواف نعجات بعينها) * كأن يقول: أسلمت إليك هذه المائة في عشرين شاة مؤجلا إلى كذا بشرط أن تعطيني أصواف هذه النعجات بعينها. * (قيل) * كما عن الشيخ (2) والفاضل (3): * (يصح) * للأصل، وما سيأتي من ضعف دليل المانع. * (والأشبه) * عند الماتن، وفاقا للحلي * (المنع) * عن الصحة (4)، لأن السلم في المشاهد لا يجوز، لأنه بيع مضمون، ومن شرط صحته الأجل، وأن بيع الصوف على ظهر الغنم لا يجوز * (للجهالة) *. ويضعف الأول: بأنه يجوز السلم حالا إذا كان من قصدهما الحلول يقول: أسلمت إليك مثلا، فيكون قد تجوز باستعمال لفظ " أسلمت " مكان " بعت "، ولأن السلم قسم من أقسام البيع، وكما يجوز استعمال " بعت " في " السلم " فليجز استعمال " أسلمت " في البيع، لعدم الفارق. وفيه نظر. والأولى الجواب عنه: بأن اشتراطها ليس سلما فيها، بل شرط فيه


(1) الوسائل 12: 374، الباب 7 من أبواب أحكام العقود الحديث 2. (2) النهاية 2: 169. (3) المختلف 5: 146. (4) السرائر 2: 316.

[ 463 ]

خارج عنه، وهو جائز، كباقي الشروط الجائزة بحكم ما تقدم في صدر المسألة. ولعله لذا اقتصر الماتن في التعليل على الثاني خاصة. والثاني: بمنع المنع عن بيع الصوف على الظهر، بل هو جائز، وفي المهذب: أن موضوع المسألة أن يكون شرط الأصواف أن يجز حالا، فلو عينها وشرط تأجيل الجز إلى أمد السلف، أو شرط أصواف نعجات في الذمة غير مشاهدة، لم يصح قولا واحدا (1). والثانية: لا يجوز استناد السلف إلى معين، لأنه ابتياع مضمون كلي في الذمة غير مشخص، إلا بقبض المشتري. * (و) * يتفرع عليه أنه * (لو شرط ثوبا من غزل امرأة معينة، أو غلة من قراح) * أي مزرعة * (بعينه لم يضمن) * ولا يصح، لأن تشخيص المسلم فيه بأحد الامور المزبورة خروج عن حقيقة السلف، كما مرت إليه الإشارة. نعم لو استند إلى معين قابل للاشاعة ولا يفضي التعسر فيه إلى عسر التسليم عادة جاز، كما لو أسلف على مائة رطل من تمر البصرة، فإن ذلك يجري مجرى الصفات المشترطة في السلف في الحدارة والصرابة. وعليه يحمل الخبران: أحدهما الصحيح: عن رجل اشترى طعام قرية بعينها، فقال: لا بأس إن خرج فهو له، وإن لم يخرج كان دينا عليه (2). وثانيهما: في الرجل يشتري طعام قرية بعينها، وإن لم يسم له قرية بعينها أعطاه من حيث شاء (3).


(1) المهذب البارع 2: 478 - 479. (2) الوسائل 13: 75، الباب 13 من أبواب السلف الحديث 1. (3) الوسائل 13: 76، الباب 13 من أبواب السلف الحديث 3.

[ 464 ]

* (النظر الثالث: في لواحقه) * * (وهي قسمان) *: * (الأول: في دين المملوك) *. * (و) * اعلم أنه لا خلاف حتى ممن قال بمالكيته أنه * (ليس له ذلك) * أي أخذ الدين مطلقا ولو لمولاه، لمحجوريته بالنص، والإجماع، المانعين عن مطلق تصرفاته * (إلا مع الإذن) *. * (فلو بادر) * إلى الإستدانة من دون إذن من المولى بالمرة * (لزم) * في * (ذمته، ويتبع به إذا اعتق، ولا يلزم المولى) * شئ بلا خلاف فيه، للأصل والصحيح: إن لم يكن أذن له أن يستدين فلا شئ على المولى، ويستسعى العبد في الدين (1). وقريب منه ظاهر الموثق: عن مملوك يشتري ويبيع قد علم بذلك مولاه حتى صار عليه مثل ثمنه، قال: يستسعى فيما عليه (2). وظاهرهما أنه يتبع به في حال الرق بالاستسعاء، وبه أفتى - ظاهرا - بعض الأصحاب، تبعا للفاضل في المختلف (3). ويشكل: برجوعه إلى ضمان المولى في الجملة، فان كسبه له بالضرورة. ويمكن دفعه: بجواز التزامه في صورة علم المولى باستدانته مع عدم منعه عنها، الراجع إلى الإذن بالفحوى، كما هو ظاهر الموثقة والصحيحة وإن كانت بالإضافة إلى إذن الفحوى مطلقة أو عامة، إلا أنها محتملة للتقييد بالصورة المزبورة، جمعا بين الأدلة. ويفرق حينئذ بين الإذن الصريح والفحوى، باستلزام الأول الضمان على السيد مطلقا حتى مع عجز المملوك عن السعي أصلا، واختصاص الضمان


(1) الوسائل 13: 118، الباب 31 من أبواب الدين والقرض الحديث 1. (2) الوسائل 13: 120، الباب 31 من أبواب الدين والقرض الحديث 6. (3) المختلف 5: 389.

[ 465 ]

عليه بصورة قدرة العبد على السعي، وعدمه مطلقا مع العجز على الثاني. وفي الصحيح: في الرجل يستأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا، فقال: ليس على مولاه شئ، وليس لهم أن يبيعوه، ولكن يستسعى، وإن عجز عنه فليس على مولاه شئ، ولا على العبد شئ (1). ونحوه الخبر، لكن بتبديل " عجز عنه " ب‍ " حجر عليه مولاه " (2). وعليه يمكن حمل الخبرين الآمرين بالسعي على صورة رضى السيد، وإلا فيتبع به بعد العتق. وهو غير بعيد لو لم يكن في السند قصور، وفي المتن تصحيف. هذا، وربما يحمل الإستسعاء على ما بعد العتق، فيندفع الإشكال، ولكن يلزم آخر، وهو عدم استسعاء الحر فيما عليه، إلا أن يكون هذا مستثنى. لكنه فرع ظهور الخبرين في الحمل. وهو محل نظر، بل لعلهما في الإحتمال الأول ظاهران، كما لا يخفى. * (ولو أذن له المولى) * في الإستدانة * (لزمه) * الدين * (دون المملوك) * بلا خلاف فيما لو كانت للمولى مطلقا أو للعبد، وكانت مما (3) يتعلق بنفقته اللازمة على مولاه، وقد حكى في المختلف (4) والمهذب (5) والروضة (6) وغيرها. وكذا * (إن استبقاه أو باعه) * يلزم المولى مطلقا ولو كانت للعبد في غير ما يتعلق بنفقته بلا خلاف، كما قيل، بل عليه الإجماع في المهذب (7)، للخبرين.


(1) الوسائل 13: 252، الباب 11 من أبواب أحكام الإجارة الحديث 3. (2) الوسائل 13: 119، الباب 31 من أبواب الدين والقرض الحديث 4. (3) في " ش، ق ": لما. (4) المختلف 5: 387. (5) المهذب البارع 2: 479. (6) الروضة 4: 45. (7) المهذب البارع 2: 479، وفيه: قولا واحدا.

[ 466 ]

في أحدهما: عن غلام كنت أذنت له في الشراء والبيع فوقع عليه مال للناس وقد أعطيت به مالا كثيرا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن بعته لزمك ما عليه، وإن اعتقته فالمال على الغلام، وهو مولاك. ونحوه الثاني (1). وقصور السند فيهما بالجهالة منجبر في المسألة بعدم الخلاف فيها بين الطائفة، ووجود عثمان بن عيسى الذي اجتمعت على تصحيح ما يصح عنه العصابة. وهما وإن اختصا بصورة البيع خاصة، إلا أن ثبوت الحكم فيها يستلزم الثبوت في الاولى بطريق أولى. لكن يرد عليهما ما سيأتي الإشارة إليه قريبا إن شاء الله تعالى. فإذا العمدة في الحجة هو عدم الخلاف، والإجماع المدعى. * (و) * أما * (لو أعتقه) * وكانت الإستدانة للعبد فيما لا يتعلق بنفقته، بل كانت لغيرها من مصالحه * (فروايتان) *: * (إحداهما:) * أنه * (يسعى في الدين) * ويؤخذ به رواها عجلان عن مولانا الصادق (عليه السلام): في رجل أعتق عبدا له وعليه دين، قال: دينه عليه لم يزده العتق إلا خيرا (2). وقد عمل بها النهاية (3)، وتبعه القاضي (4) وجماعة. وفيها قصور سندا بالضعف والجهالة، مضافا إلى القصور في الدلالة. لاحتمالها أولا: الحمل على إرادة المولى من الضمير المجرور ب‍ " على " الثانية، وليست نصا في دفعه الذيل والتتمة. وثانيا: الحمل على ما إذا لم يقع بإذن المولى الاستدانة. وبه يجاب عن المعتبرين السابقين لو تمسك بهما في البين، فإن الإذن في التجارة فيهما غير ملازم للإذن في الإستدانة جدا.


(1) الوسائل 13: 118، الباب 31 من أبواب الدين والقرض الحديث 2 و 3. (2) الوسائل 16: 57، الباب 54، من أبواب العتق الحديث 1. (3) النهاية 2: 32. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 386.

[ 467 ]

ولعل الوجه في تضمين المولى للدين في صورة البيع فيهما هو حيلولته بين أصحاب الدين وبين العبد بالبيع، لا من حيث أن المال (1) لازم بأصل الإذن في التجارة، والحال أن الإذن لم يحصل في الإستدانة. وعلى الوجه يحمل إطلاق النص: في عبد بيع وعليه دين، قال: دينه على من أذن له في التجارة وأكل ثمنه (2). مع احتماله الحمل على صورة الإذن في الإستدانة. وليس فيه ما ينافيه بالمرة. * (و) * في * (الاخرى: أنه لا يسقط عن ذمة المولى، وهي (3)) * مع كونها * (أشهر) * كما هنا وفي الشرائع (4) وغيرهما أصح سندا ظاهرا. وفيها: قلت له: رجل يأذن لمملوكه في التجارة فيصير عليه دين، قال: إن كان أذن له أن يستدين فالدين على مولاه، فإن لم يكن أذن... إلى آخره (5). وقد مضى. وعمومه الناشئ عن ترك الإستفصال يشمل صورة العتق والبيع والإستبقاء، وهو وإن احتمل التخصيص بالأخيرتين - جمعا بينه وبين المعتبرين المتقدمين وغيرهما، بحمله عليهما، لوقوع تقييد الحكم بهما بالبيع فيهما، مع التصريح فيهما بلزوم الدين على العبد في صورة العتق دون المولى - إلا أنهما ليس بأولى من الجمع بينهما، بحمل الخبرين على صورة عدم الإذن في الإستدانة جدا. بل هذا من حيث الاعتضاد بالشهرة المحكية في كلام جماعة - بل ربما كانت متحققة، مضافا إلى مخالفة الأول للقاعدة الشرعية، فإن العبد بمنزلة


(1) في المطبوع: البيع. (2) الوسائل 16: 57، الباب 55 من أبواب العتق الحديث 2. (3) في المتن المطبوع: هو. (4) الشرائع 2: 70. (5) الوسائل 13: 118، الباب 31 من أبواب الدين والقرض الحديث 1.

[ 468 ]

الوكيل، وانفاقه على نفسه وتجارته بإذن المولى إنفاق لمال المولى، كما لو لم يعتق - أولى ثم أولى. فالعمل بهذه الرواية أقوى، وفاقا للإستبصار (1) والحلي (2) وجماعة من المتأخرين، سيما مع اعتضاده باستصحاب الحكم بالضمان على المولى، الثابت في حال عدم العتق للاستبقاء، وجريانه إلى صورته جدا. * (ولو مات المولى كان الدين) * أي دين العبد الذي لزم ذمته * (في تركته، ولو كان له غرماء كان غريم المملوك كأحدهم) * لا يقدم أحدهم على الآخر، بلا خلاف يظهر. للموثق: عن رجل مات وترك عليه دينا وترك عبدا له مال في التجارة وولدا وفي يد العبد مال ومتاع وعليه دين استدانه العبد في حياة سيده في تجارة، وان الورثة وغرماء الميت اختصموا فيما في يد العبد من المال والمتاع وفي رقبة العبد، فقال: أرى أن ليس للورثة سبيل على رقبة العبد، ولا على ما في يديه من المتاع والمال، إلا أن يضمنوا دين الغرماء جميعا، فيكون العبد وما في يديه للورثة، فإن أبوا كان العبد وما في يده للغرماء، يقوم العبد وما في يديه من المال ثم يقسم ذلك بينهم بالحصص، فإن عجز قيمة العبد وما في يديه عن أموال الغرماء رجعوا على الورثة فيما بقي لهم إن كان الميت ترك شيئا، الحديث (3). وفي القاصر سندا - بالضعف وعدة من المجاهيل جدا -: الرجل يموت وعليه دين وقد أذن لعبده في التجارة وعلى العبد دين، فقال: يبدأ بدين السيد (4).


(1) الاستبصار 3: 11، ذيل الحديث 30. (2) السرائر 2: 58. (3) الوسائل 13: 119، الباب 31 من أبواب الدين والقرض الحديث 5. (4) الوسائل 16: 57، الباب 55 من أبواب العتق الحديث 1.

[ 469 ]

وهو كما ترى مناف لما مضى، فليطرح، أو يؤول بما يؤول إلى الأول، بتعميم دين السيد لدين عبده، ويجعل صدق الإبتداء بالإضافة إلى الإرث والوصايا. ويحتمل الحمل على صورة الإذن في التجارة دون الإستدانة، ويخص - حينئذ - دين السيد بدين نفسه دون عبده، ويجعل الأمر بأداء دين العبد المفهوم من الأمر بالإبتداء بدين السيد للإستحباب، فلا منافاة. * (ولو كان مأذونا في التجارة) * خاصة دون الإستدانة * (فاستدان لم يلزم المولى) * دينه مطلقا إجماعا في الظاهر، للأصل. * (وهل يسعى العبد فيه) * أي في الدين ؟ * (قيل: نعم) * مطلقا، كما عن النهاية (1)، للصحيحة المتقدمة. * (وقيل) * كما عن الحلي (2) وجماعة: * (يتبع به إذا اعتق) * كذلك * (وهو أشبه) * (3) وأشهر، وفي الخلاف الإجماع (4). وهو مع ذلك أوفق بالأصل. ويجاب عن الصحيحة بما مر من الحمل على علم المولى باستدانته، مع عدم منعه عنها، الظاهر في حصول الإذن منه له بالفحوى. ولا كلام فيه جدا. أو على الإستسعاء برضى المولى، كما أفصح عنه الخبر الذي مضى. أو على تقييد الإستسعاء بما بعد العتق. واختار جماعة التفصيل وإن اختلفوا فيه. فبين من أورده على صورتي علم المدين بعدم الإذن في الاستدانة فالثاني، وإلا فالأول، كما عن ابن حمزة (5). وبين من أورده على صورتي الدين لمتعلق التجارة فالأول، ولغيره


(1) النهاية 2: 32. (2) السرائر 2: 58. (3) في المتن و " ش ": الأشبه. (4) الخلاف 3: 179 - 180، المسألة 297. (5) الوسيلة: 274.

[ 470 ]

فالثاني، كما عليه الفاضل (1) والمحقق الثاني (2) وجماعة. ولا يخلو عن قوة إن حصل الإذن بالفحوى في الإستدانة في الصورة الاولى بمجرد التعلق بالتجارة، وإلا فما في المتن أقوى. * (القسم الثاني: في القرض) *. * (وفيه أجر) * عظيم وثواب جسيم * (ينشأ من معونة المحتاج تطوعا) * وتقربا إليه سبحانه. ففي النبوي: من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله تعالى عنه كربة من كرب يوم القيامة (3). والنصوص بفضله وذم منعه من المحتاج إليه مستفيضة. وهو أفضل من الصدقة، كما رواه الشيخ وجملة ممن تأخر عنه في الكتب الفقهية: من أن القرض أفضل من الصدقة بمثله من الثواب (4). ومعناه - كما فهمه جماعة - أن ثواب القرض ضعف ثواب الصدقة. وربما أشكل الجمع بينه وبين غيره من المعتبرة المروية في الكافي (5) وعن هداية الصدوق ونوادر الراوندي: من أن الصدقة الواحدة بعشرة والقرض بثمانية عشر (6) حيث أن ظاهر الخبر أن درهم الصدقة بعشرة، ودرهم القرض بعشرين. وربما يدفع: بأن المفاضلة والمضاعفة إنما هي في الثواب، ولا ريب أنه إذا تصدق بدرهم فإنه إنما يصير عشرة باعتبار ضم الدرهم المتصدق به حيث أنه لا يرجع، والحاصل من الثواب الذي اكتسبه بالصدقة في الحقيقة


(1) المختلف 5: 389. (2) جامع المقاصد 5: 205. (3) مسند أحمد بن حنبل 2: 91. (4) النهاية 2: 32، ومنهم العلامة في التذكرة 2: 4 س 21. (5) الكافي 4: 33، الحديث 1. (6) الهداية: 44، نوادر الراوندي: 6.

[ 471 ]

- مع قطع النظر عن ذلك الدرهم - إنما هو تسعة. وعلى هذا فثواب القرض - وهو ثمانية عشر - ضعف التسعة، لأن المفاضلة إنما هو في الثواب المكتسب خاصة. قيل: والسر في المضاعفة أن الصدقة تقع في يد المحتاج وغيره، والقرض لا يقع إلا في يد المحتاج غالبا، وأن درهم القرض يعود فيقرض، ودرهم الصدقة لا يعود (1). إلى الأول اشير في الخبر المروي عن الهداية: وانما صار القرض أفضل من الصدقة، لأن المستقرض لا يستقرض إلا من حاجة (2). ثم إن ترتب الثواب عليه فضلا عن زيادته على ثواب الصدقة فرع التقرب به إلى الله تعالى، فلو خلي عنه لم يترتب عليه الثواب، فضلا عن فرعه، وهو الزيادة. ووجهه واضح، مضافا إلى الخبرين، المروي أحدهما في الكافي، والثاني عن تفسير علي بن إبراهيم. ففيهما: الرباء رباءان أحدهما حلال والآخر حرام، فأما الحلال فهو أن يقرض الرجل أخاه قرضا طمعا أن يزيده ويعوضه أكثر مما يأخذه من غير شرط بينهما، فهو مباح له، وليس له عند الله تعالى ثواب فيما أقرضه، وهو قوله تعالى: " فلا يربو عند الله "، وأما الحرام فالرجل يقرض قرضا بشرط أن يرد أكثر مما أخذه، فهذا هو الحرام (3). وحيث أنه لا خلاف نصا وفتوى في إفادته انتقال الملك بمجرد الدال عليه، أو مع ضميمة التصرف على الخلاف الآتي، ولا جرم وجب الاقتصار فيه، لمخالفته الأصل على ما يتحقق به الإنتقال بالإجماع والضرورة، وهو ما


(1) الشهيد الثاني في الروضة 4: 11. (2) الهداية: 44. (3) الكافي 5: 145، الحديث 6، تفسير القمي 2: 159.

[ 472 ]

إذا كان بعقد يتضمن الإيجاب والقبول، فلا يكفي المعاطاة فيه وإن اكتفى بها في حصول إباحة التصرف، مع أنه لا خلاف في الأمرين، بل ظاهرهم الإجماع عليه، وعلى كونه من العقود الجائزة. والصيغة: أقرضتك أو انتفع به أو تصرف فيه أو ملكتك أو خذ هذا أو اصرفه وعليك عوضه، وما أدى هذا المعنى، لأنه - كما عرفت - من العقود الجائزة، وهي لا تنحصر في لفظ، بل تتأدى بما أفاد معناها. وإنما يحتاج إلى ضميمة " وعليك عوضه " ما عدا الصيغة الاولى فإنها صريحة في معناه، لا يفتقر إلى ضميمة. فيقول المقترض قبلت أو شبهه مما دل على الرضا بالإيجاب، واستقرب في الدروس الإكتفاء بالقبض، لأن مرجعه إلى الإذن في التصرف (1). وهو حسن إن اريد إفادته إباحة التصرف، وفيه نظر إن اريد إفادته الملك المترتب على صحة القرض، إذ لا دليل عليه. وما استدل به لا يؤدي إليه، فإن الإذن في التصرف لا يؤدي إلا إباحته. * (ويجب الإقتصار على) * أخذ * (العوض) * مثلا أو قيمة من دون زيادة، عينا كانت أو صفة، ربوية كانت العين المستقرضة أم غيرها إجماعا، كما في المختلف (2) والمسالك (3) وغيرهما، بل حكى في الغنية بعض الأجلة إجماع المسلمين كافة (4). وهو الحجة، مضافا إلى عموم أدلة تحريم الربا والزيادة من الكتاب والسنة. وهي كإطلاق العبارة وإن عمت صورتي اشتراطها وعدمها، إلا أنها مخصصة بالصورة الاولى خاصة بلا خلاف، وإن عمت صورتي اشتراطها وعدمها، إلا أنها مخصصة بالصورة الاولى خاصة بلا خلاف، كما في المسالك (5) وغيره. وهو


(1) الدروس 3: 318، الدرس 264. (2) المختلف 5: 391. (3) المسالك 3: 443. (4) الظاهر حصول الخلط في العبارة، والموجود في الغنية: 239 هو إجماع الطائفة. (5) المسالك 3: 443.

[ 473 ]

الحجة المخصصة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة الآتية. * (و) * حينئذ * (لو شرط النفع ولو بزيادة الوصف) * كالصحاح عوض المكسرة * (حرم) * بلا خلاف فيما عدا المثال، إلا نادرا، لعموم ما مر، مضافا إلى عموم النهي عن قرض يجر نفعا في النبوي العامي (1)، وخصوص المعتبرة. منها الصحيح: من أقرض رجلا ورقا فلا يشترط إلا مثلها، فإن جوزي بأفضل منها فليقبل، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة، أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقة (2). والصحيح: عن رجل كانت لي عليه مائة درهم عددا فقضاها مائة وزنا، قال: لا بأس ما لم يشترط، قال: وقال: جاء الربا من قبل الشروط، إنما يفسده الشروط (3). وأصرح منهما الصحيح المروي عن قرب الإسناد: عن رجل أعطى رجلا مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر، قال: هذا الربا المحض (4). وعلى التحريم المستفاد من هذه الأدلة يحمل عموم البأس في الزيادة مطلقا، أو مع الشرط خاصة المستفاد من مفاهيم الأخبار الآتية، فإن أخبارهم (عليهم السلام) بعضها (5) يكشف عن بعض، وكذا في المثال على الأظهر الأشهر، سيما بين من تأخر، لعموم النبوي المتقدم، المنجبر بفتاويهم. ولا ينافيه التخصيص بصورة الإشتراط. فإن العام المخصص حجة في


(1) سنن البيهقي 5: 350. (2) الوسائل 13: 106، الباب 19 من أبواب الدين والقرض الحديث 11. (3) الوسائل 12: 12، الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 1. (4) قرب الإسناد: 114. (5) في " ق ": بعضا.

[ 474 ]

الباقي، مضافا إلى إطلاق المعتبرة المتقدمة، بل عمومها الشامل لمفروض المسألة. مضافا إلى خصوص الصحيح: إذا أقرضت الدراهم ثم جاءك بخير منها فلا بأس إن لم يكن بينكما شرط (1). والبأس وإن كان أعم من الحرمة، إلا أنه محمول عليها بما تقدم إليه الإشارة من الضميمة. خلافا للحلبي (2) والنهاية (3) وجماعة، فجوزوا الزيادة فيه مطلقا ولو مع الشرط، وزاد الأول ما شابه المثال، فجوز زيادة مطلق الأوصاف مطلقا استنادا إلى الصحيح: عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلة ويأخذ منه الدراهم الطازجية طيبة بها نفسه، قال: لا بأس (4). وليس فيه دلالة، فإن ظاهره إعطاء الزائد الصحيح بدون الشرط، ولا خلاف فيه، كما في الروضة (5)، بل عليه الإجماع في المختلف (6) والغنية (7) وبه أفتى الأصحاب كافة، وتبعهم الماتن. فقال: * (نعم لو تبرع المقترض بزيادة في العين أو الصفة لم يحرم) * إجماعا، كما في الكتب الثلاثة، والصحاح وغيرها بذلك مستفيضة. منها - زيادة على الصحيحين المتقدم إلى ذكرهما الإشارة - الصحيح: عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عددا ثم يعطي وزنا، وقد عرف أنها أثقل مما أخذه وتطيب نفسه به أن يجعل له فضلها، فقال: لا بأس به إذا


(1) الوسائل 13: 108، الباب 20 من أبواب الدين والقرض الحديث 1. (2) الكافي في الفقه: 331. (3) النهاية 2: 34. (4) الوسائل 12: 477، الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 5. (5) الروضة 4: 14. (6) المختلف 5: 391. (7) الغنية: 239.

[ 475 ]

لم يكن فيه شرط، ولو وهبها له كلها كان أصلح (1). والصحيح: عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا ويعطيه الرهن إما خادما وإما آنية وإما ثيابا، فيحتاج إلى شئ من منفعته فيستأذنه فيه، فيأذن له، قال: إذا طابت نفسه فلا بأس، فقلت: إن من عندنا يرون (2) أن كل قرض تجر منفعة فهي فاسدة، قال: أو ليس خير القرض ما جر منفعة ! (3). ونحوه في الحكم بأن خير القرض ما جر منفعة خبران معتبرا السند، في أحدهما صفوان وابن بكير، وفي الثاني ابن أبي عمير (4)، وهؤلاء حكي على تصحيح ما يصح عنهم إجماع العصابة. ويستفاد منها - كنفي البأس فيها وفي غيرها مما مضى وغيره - أنه لا يكره أيضا، مضافا إلى ما روي في العامي: من أن النبي (صلى الله عليه وآله) اقترض بكرا فرد باذلا رباعيا، وقال: إن خير الناس أحسنهم قضاء (5). ونحوه في الخاصي أيضا، وهو الموثق كالصحيح: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يكون عليه الثني فيعطي الرباع (6). وفي الصحيح: عن الرجل يستقرض من الرجل الدراهم فيرد عليه المثقال، أو يستقرض المثقال فيرد عليه الدرهم، فقال: إذا لم يكن شرط فلا بأس، وذلك هو الفضل، إن أبي رحمه الله كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الحلال (7)، فيقول: يا بني ردها على الذي استقرضتها


(1) الوسائل 12: 476، الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 2. (2) كذا في النسخ، ولكن في جميع المصادر والكتب الحديثيه: يروون. (3) الوسائل 13: 104، الباب 19 من أبواب الدين والقرض الحديث 4. (4) الوسائل 13: 104 - 105، الباب 19 من أبواب الدين والقرض الحديث 5 و 6. (5) سنن البيهقي 5: 353. (6) الوسائل 12: 477، الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 6. (7) في الكافي: " الجلال " وفي التهذيب والوسائل: الجياد.

[ 476 ]

منه، فأقول: يا أبه إن دراهمه كانت فسولة وهذه خير منها، فيقول: يا بني إن هذا هو الفضل فاعطه إياها (1). نعم ربما ينافيه الأخبار المانعة عن الزيادة مطلقا، كالصحيح: عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين دينارا ويقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينارا، قال: لا يصلح إذا كان قرضا يجر شيئا، الخبر (2). وطريق الجمع بينه وبين ما مر حمل هذا وما ضاهاه على صورة الشرط، أو التقية، كما يستفاد من بعض ما مر، أو كراهة الأخذ خاصة، وهذا أجود. وليس عليه منافاة، فإن موارد ما دل على الفضل في الزيادة هو صورة الإعطاء خاصة، ولا كذلك ما دل على المنع، فإن مواردها صورة الأخذ خاصة. ولا فرق في الجواز مع عدم الشرط بين أن يكون من نيتهما ذلك، أم لا، لإطلاق النصوص الماضية، مضافا إلى خصوص بعض المعتبرة: عن رجل أقرض رجلا دراهم فرد عليه أجود منها بطيبة نفسه، وقد علم المستقرض والقارض أنه إنما أقرضه ليعطيه أجود منها، قال: لا بأس إذا طابت نفس المستقرض (3). وقصور السند بالجهالة منجبر وجود الحسن بن محبوب فيه، وقد أجمعت على تصحيح ما يصح عنه العصابة. نعم يكره - وفاقا للدروس (4) - مسامحة في أدلتها، كما مر غير مرة. ثم إن ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف - بل في المسالك (5) وعن


(1) الوسائل 12: 477، الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 7. (2) الوسائل 13: 105، الباب 19 من أبواب الدين والقرض الحديث 9. (3) الوسائل 12: 477، الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 4. (4) الدروس 3: 319، الدرس 264. (5) المسالك 3: 443.

[ 477 ]

السرائر (1) الإجماع عليه - فساد القرض مع شرط النفع، فلا يجوز التصرف فيه ولو بالقبض، ومعه ومع العلم يكون مضمونا عليه، كالبيع الفاسد، للقاعدة المشهورة: " كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ". خلافا لابن حمزة، فجعله أمانة (2). والأصل في حرمة التصرف - بعد الإجماع - ظواهر النصوص المتقدمة، المصرحة بفساد الزيادة مع اشتراطها، المستلزم لفساد المشروط بها، لابتناء العقد والمراضاة فيه عليها، وانتفائها يستلزم انتفاء المشروط بها، المتوقف عليها قطعا. فمناقشة بعض الأصحاب في ذلك - بعد تسليمه دلالة النصوص على فساد الشرط وحرمة الزيادة - (3) غفلة واضحة. وحيث حلت الزيادة بالتبرع بها، فلا يخلو إما أن تكون حكمية، كما لو دفع الجيد بدل الردئ، أو الكبير بدل الصغير، فالظاهر أنه يملكه المقرض ملكا مستقرا بقبضه، كما قيل (4). وإن كان عينية، ففي كون المجموع وفاء أو يكون الزائد بمنزلة الهبة فيلزمه أحكامها نظر، ولعل الثاني أظهر، لأصالة بقاء الملك على أصله، مضافا إلى إطلاق الهبة عليه في بعض الصحاح المتقدمة، لكنه في الزيادة الحكمية. * (و) * اعلم أن ما يصح إقراضه هو كل ما صح إحصاء قدره ووصفه، فيجوز أن * (يقترض الذهب والفضة وزنا، والحبوب كالحنطة والشعير) * والتمر والزبيب * (كيلا ووزنا، والخبز وزنا) * بلا خلاف، كما في المسالك (5) وغيره * (وعددا) * على الأظهر الأشهر، بل عليه الإجماع في المختلف (6)


(1) السرائر 2: 62. (2) الوسيلة: 273. (3) هو صاحب الحدائق 20: 117. (4) القائل هو الشهيد في المسالك 3: 444. (5) المسالك 3: 446، وفيه: لاشبهة. (6) المختلف 5: 392، وليس فيه: عددا.

[ 478 ]

والتذكرة (1) والمسالك (2) وعن السرائر (3) والمبسوط (4). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، والعمومات، والنصوص المنجبر قصور أسانيدها بالشهرة العظيمة. منها: لا بأس باستقراض الخبز (5). ومنها: إنا نستقرض الخبز من الجيران فنرد أصغر منه أو أكبر، فقال (عليه السلام): إنا نستقرض الجوز الستين والسبعين عددا فيه الصغير والكبير فلا بأس (6). ونحوه غيره (7). وهما صريحان في جواز الاستقراض (8)، والرد مع التفاوت. خلافا للدروس، فاشترط فيه عدم العلم به (9). ولعل المراد التفاوت الذي لا يتسامح به عادة. وكل ما يتساوى أجزاؤه قيمة ومنفعة ويتقارب صفاته - ويعبر عنه بالمثلي - يثبت في الذمة مثله - كالحبوب - بلا خلاف، كما في المسالك (10) وغيره، بل عليه الإجماع في الغنية (11) وشرح الشرائع للمفلح الصيمري (12). وربما ألحق به العين المستقرضة جماعة، فيجب قبولها بالأولوية. وإذا تعذر ينتقل إلى قيمته وقت المطالبة والتسليم، لأن الثابت في الذمة إنما هو المثل إلى أن يطالب به، وبه أفتى شيخنا في المسالك (13) وتبعه جماعة.


(1) التذكرة 2: 5 س 42، وليس فيه: عددا. (2) المسالك 3: 446، وفيه: عندنا. (3) السرائر 2: 60، وليس فيه: عددا. (4) المبسوط 2: 161. (5) الوسائل 13: 109، الباب 21 من أبواب الدين والقرض الحديث 3. (6) الوسائل 13: 109، الباب 21 من أبواب الدين والقرض الحديث 1. (7) الوسائل 13: 109، الباب 21 من أبواب الدين والقرض الحديث 2. (8) في المخطوطات: الاقتراض. (9) الدروس 3: 321، الدرس 265. (10) المسالك 3: 447. (11) الغنية: 239. (12) غاية المرام: 72 س 21 (مخطوط). (13) المسالك 3: 447.

[ 479 ]

وقيل: وقت القرض لسبق علم الله بتعذر المثل وقت الاداء (1). ويضعف: بأنه لا منافاة بين وجوب المثل وقت القرض طردا للقاعدة الاجماعية. والانتقال إلى القيمة عند المطالبة، لتعذره. وقيل: وقت التعذر، لأنه وقت الانتقال الى البدل، الذي هو القيمة (2). ويضعف: بأن تعذره بمجرده لا يوجب الانتقال الى القيمة، لعدم وجوب الدفع حينئذ، فيستصحب الواجب الى أن يجب دفعه بالمطالبة، فحيث لم يوجد الآن ينتقل الى القيمة. ولا ريب أن العمل بأعلى القيم أحوط. وما ليس كذلك - ويعبر عنه بالقيمي - يثبت في الذمة قيمته، وفاقا للمشهور، كما في المسالك (3)، وغيره، لاختلاف الصفات، فالقيمة أعدل. وقيل: بل يثبت مثله أيضا، لأنه أقرب إلى الحقيقة (4)، ولخبرين عاميين واردين في مطلق الضمان (5). وعورضا بآخر (6)، مع أنه لا قائل به، عدا الماتن في الشرائع (7)، ونسب إلى ظاهر الخلاف (8). وقيل: بضمان المثل الصوري فيما يضبطه الوصف، وهو ما يصح السلم فيه، وضمان ما ليس كذلك بالقيمة كالجوهر (9). وهو مختار التذكرة (10)، لخبرين عاميين (11) في الأول ظاهرهما الوقوع مع التراضي، ولا شبهة في جواز دفع المثل معه مطلقا. وعلى اعتبار القيمة - مطلقا أو على بعض الوجوه - فهل المعتبر قيمته


(1) قاله الشهيد في المسالك 3: 447. (2) قاله الشهيد في المسالك 3: 447. (3) المسالك 3: 447. (4) قاله الشهيد في المسالك 3: 448. (5) سنن البيهقي 6: 96. (6) سنن البيهقي 10: 274. (7) الشرائع 2: 68. (8) راجع الخلاف 3: 175، المسألة 287. (9) نقله الشهيد في المسالك 3: 448. (10) التذكرة 2: 5 س 5. (11) سنن البيهقي 5: 353، و 6: 21.

[ 480 ]

وقت التسليم، أو وقت القرض، أو وقت التصرف ؟ فيه أقوال. قيل: ولا اعتبار لقيمة يوم المطالبة هنا قولا واحدا، إلا على القول بضمانه بالمثل فيتعذر، فيعتبر يوم المطالبة - كالمثل - على أصح الأقوال (1). * (ويملك الشئ) * المستقرض * (المقترض) * أي يملكه المقترض * (بالقبض) * لا بالتصرف، على الأظهر الأشهر، بل عليه عامة من تأخر، وفي ظاهر السرائر (2) والتذكرة (3) دعوى إجماعنا عليه، لأن التصرف فرع الملك، فيمتنع كونه شرطا فيه، وإلا دار. قيل: وفيه نظر، لمنع تبعيته للملك مطلقا، إذ يكفي فيه إذن المالك، وهو هنا حاصل بالعقد، بل بالإيجاب (4). ويضعف أولا: بأن الإذن إنما حصل من المالك بأن يكون المقترض مالكا ويكون عليه العوض لا مطلقا، كما في سائر المعاوضات، فإنها على تقدير بطلانها لا يجوز التصرف بإذن الحاصل بتوهم الصحة. وثانيا: بعدم كفاية الإذن في كثير من التصرفات المجمع عليها هنا، المتوقفة على الملك، كالوطء المتوقف عليه، أو على التحليل المتيقن فقده في المقام، فانحصر الوجه في إباحته في الأول، وكالبيع ونحوه فإنه لا يجوز لغير مالكه، إلا بالوكالة أو فضولا، ومعلوم انتفاؤهما. ومن هنا ظهر ضعف القول بعدم حصول الملك، إلا بالتصرف، كما عن ظاهر الخلاف (5)، مع احتمال مخالفته الآن للإجماع، كما يستفاد من بعض الأصحاب، ومع ذلك المعتبرة برده صريحة. منها الصحيح: رجل دفع إلى رجل مالا قرضا على من زكاته على


(1) قاله صاحب الحدائق 20: 140. (2) السرائر 2: 60. (3) التذكرة 2: 6 س 20. (4) قاله الشهيد الثاني في المسالك 3: 451. (5) الخلاف 3: 177، المسألة 291.

[ 481 ]

المقرض أو المقترض ؟ قال: لا، بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض، قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها، قال: لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، وليس على الدافع شئ، لأنه ليس في يده شئ إنما المال في يد الآخذ، فمن كان المال في يده زكاه، قال: قلت: أفيزكي مال غيره من ماله ؟ قال: إنه ماله مادام في يده، وليس ذلك المال لأحد غيره. ثم قال: يا زرارة أرأيت وضيعة ذلك المال أو ربحه لمن هو، وعلى من هو ؟ قلت: للمقترض، قال: فله الفضل وعليه النقصان، وله أن ينكح ويلبس منه ويأكل، الحديث (1). وقريب منه الموثق: عن رجل استودع رجلا ألف درهم فضاعت، فقال الرجل: كانت عندي وديعة، وقال الآخر: إنما كانت عليك قرضا، قال: المال لازم له، إلا أن يقيم البينة إنها كانت وديعة (2). فتأمل. وقالوا: وتظهر ثمرة الخلاف في جواز رجوع المقرض في العين مادامت باقية، ووجوب قبولها لو دفعها المقترض، وفي النماء قبل التصرف إن قلنا بكون التصرف ناقلا للملك حقيقة أو ضمنا، يعني قبل التصرف بلحظة يسيرة، كما في العبد المأمور بعتقه عن الآمر غير المالك، فإنه للمقترض على المختار، وللمقرض على القول الآخر. ولو قيل فيه: بالكشف ففيه احتمالان. ثم ليس في كلامهم تصريح ببيان المراد بالتصرف الموجب للملك على ما ذكر في المسالك (3)، ويشعر بعض العبارات بأن المراد التصرف المتلف للعين أو الناقل، وعن ظاهر الشهيد في بعض التحقيقات أن المراد مطلق التصرف، كما هو الظاهر.


(1) الوسائل 6: 67، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 1. (2) الوسائل 13: 232، الباب 7 من أبواب أحكام الوديعة الحديث 1. (3) المسالك 3: 451.

[ 482 ]

وعليه، فيعود الخلاف مع المشهور لفظيا، فإن القبض نوع من التصرف. فتأمل. وعلى المختار ليس للمقرض الرجوع في العين، وفاقا للأكثر، بل عليه عامة من تأخر، بل وربما يستشعر من كثير من العبارات الإجماع عليه، لأن فائدة الملك أن لا يتسلط عليه غيره إلا برضاه. والثابت بالعقد والقبض للمقرض إنما هو البدل (1)، فيستصحب الحكم، إلا أن يثبت المزيل، وليس بثابت، سوى دعوى الإجماع على جواز العقد، وهي مع فتوى الأكثر بما ينافيه من عدم جواز الرجوع في العين يتطرق إليها الوهن. وعلى تقدير صحتها يحتمل أن يكون المراد بالجواز عدم وجوب إمهال المقترض إلى قضاء الوطر من العين وإن كانت قضية العرف ذلك، كما صرح به في الدروس (2). وهذا الجمع أجود مما ذكره في المسالك من أن المراد بالجواز تسلط المقرض على أخذ البدل إذا طالب به متى شاء، فإنه إذا أرادوا بالجواز هذا المعنى فلا مشاحة في الإصطلاح وإن كان مغايرا لغيره من العقود الجائزة من هذا الوجه (3). وذلك فإن مظهر الجواز واللزوم إنما هو بالنسبة الى مال القرض، فإن قلنا بجواز العقد ترتب عليه صحة الرجوع في العين، كما هو مقتضى العقود الجائزة، وإن قلنا بلزومه فليس له إلا العوض المستقر في الذمة وإن كانت العين موجودة، كما هو مقتضى العقود اللازمة. ومجرد تسميته جائزا مع ترتب ثمرة اللزوم عليه من عدم جواز الرجوع في العين غير مجد، فإن ثمرة الجواز بالمعنى الذي ذكره ثابت بأصل العقد،


(1) في المطبوع: المبدل. (2) الدروس 3: 324، الدرس 265. (3) المسالك 3: 455.

[ 483 ]

سواء سمي جائزا، أو لازما. وليس كذلك لو اريد بالجواز ما ذكرناه، فإنه مخالف لمقتضى العقد بحسب العرف، فإن مقتضاه بحسبه إنما هو الرضا بالإمهال إلى حين قضاء الوطر من العين. وقريب منه في الضعف الوجه الذي ذكره بعض الأفاضل: من أنه ليس ببعيد أن يكون النزاع فيما قبل الفسخ، يعني إذا تحقق العقد مع الشرط وحصل الملك الناقل، فمع عدم طريان الفسخ عليه بالتقايل من الجانبين أو من جانب واحد هل يجوز الرجوع في العين مع كراهة المقترض، أم لا (1). وذلك فإن النزاع - حينئذ - يصير قليل الفائدة، إذ للمقرض أن يفسخه ويأخذ ماله، وللمقترض أيضا الفسخ وإعطاء العين، فليس للمقرض عدم القبول. هذا، مع احتمال حصول الفسخ بمجرد مطالبة العين، أو ردها من دون احتياج إلى عبارة اخرى. * (ولا يلزم اشتراط الأجل فيه) * بلا خلاف يعرف، إلا ممن ندر من بعض من تأخر (2)، وربما أشعر عبارة الماتن في الشرائع (3)، وكذا غيره بالإجماع عليه. وهو الحجة، مضافا إلى الإجماع المدعى في كلام جماعة على جواز أصله، المستلزم لجواز شرطه بالبديهة. إلا أن في الإستناد إليه نوع خفاء ومناقشة بعد ما مر إليه الإشارة من وهنه بمصير أكثر الأصحاب إلى عدم جواز الرجوع في العين الذي ينافيه، وأن المراد بالجواز في كلامهم غير المعنى المعروف بينهم، وهو عدم لزوم الأجل، الذي هو مقتضى العقد بحسب العرف. والإجماع على عدم لزومه ثابت، إلا أنه لا يدل إلا على عدم لزومه


(1) هو صاحب مجمع الفائدة 9: 78. (2) الظاهر أنه صاحب الحدائق 20: 134. (3) الشرائع 2: 68.

[ 484 ]

بمجرد العقد، وهو لا ينافي لزومه مع الشرط. إلا أن يجاب بما يأتي. وبالإجماعين يخصص ما دل على لزوم الوفاء بالعقود والشروط كتابا وسنة. وربما يزاد عليهما بدلالة الكتاب والسنة، المتواترة على استحباب القرض والمداينة ولا يتعلق بخصوص إجراء الصيغة، بل بمدلولها، وهو تأخير المطالبة للعين المستقرضة إلى مدة قضاء الوطر منها - كما مرت إليه الإشارة - واستحباب التأخير، وهو عين معنى الجواز. وفيه نظر. أولا: بمنع تعلق الإستحباب بخصوص المدلول، بل بسببه، الذي هو إجراء الصيغة وإن كان الوجه في تعلقه به هو رجحان العمل بمسببه. فيرجع حاصل الأدلة إلى استحباب الإقدام إلى القرض، وايجاد سببه. ولا ينافيه وجوب المسبب بعده وإن هو إلا كالتجارة، فقد تظافرت الأدلة باستحبابها مع وجوب العمل بمقتضيات أسبابها، كصيغ البيوع ونحوها، وككثير من العبادات المستحبة الواجبة بالشروع فيها. وبالجملة: استحباب الشئ ابتداء غير وجوبه استدامة، فاستحباب الإقراض ابتداء لا ينافي وجوب العمل بمقتضى العقد بعد إيجاده. وثانيا: بأن ذلك بعد تسليمه إنما يتوجه بالنظر إلى نفس العقد، وأنه بمجرده لا يقتضي وجوب التأخير، بل غايته الاستحباب، كما يستفاد من أدلة استحبابه. ولا كلام فيه، لما مر من الإجماع على جواز العقد، المستلزم لعدم وجوب التأخير. ولكنه لا ينافي لزومه بسبب آخر غير نفس العقد المجرد، وهو العقد المركب من الشرط، لعموم ما دل على لزوم الوفاء بالعقود (1)، مضافا إلى ما


(1) المائدة: 1.

[ 485 ]

دل على لزوم الوفاء بالشروط (1). وذلك كما لو أوقع عقد البيع حالا، فإنه لا يقتضي وجوب التأخير في أحد العوضين إلى أجل، ولا كذلك لو أوقع مؤجلا، فقد يكون عقد القرض بنفسه لا يفيد لزوم أجل، ومع شرطه يفيد لزومه. وبالجملة: لا منافاة بين جواز أجل القرض، نظرا إلى نفس العقد، ولزومه باشتراطه فيه، لتغاير السببين، كما لو اشترط أجله في عقد لازم آخر، كما عليه الأكثر وإن خالف فيه بعض من شذ وندر. فالاستدلال بذلك على المطلوب غير مفهوم. إلا أن يقال: بالفرق بين القرض والبيع، بعدم دلالة عقده على أجل، بخلاف القرض لدلالته عليه بحسب العرف، كما مر، فإذا لم يجب الوفاء به مع دلالة العقد، الذي هو الأصل في لزوم الوفاء به وبالشرط المذكور في ضمنه عليه، فعدم وجوب الوفاء به إذا دل عليه الشرط أولى. فتأمل. وقريب منه استدلال بعض الأفاضل على ضده، وهو لزوم الأجل بعد اشتراطه بما مر من العمومين، وخصوص قوله سبحانه: " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " (2)، والخبرين: المروي أحدهما عن ثواب الأعمال: من أقرض قرضا وضرب له أجلا ولم يؤت به عند ذلك الأجل، كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الأجل مثل صدقة دينار واحد كل يوم (3). ونحوه الثاني، المروي عن الفقه الرضوي (4). وذلك فإن غاية الأدلة صحة التأجيل، ولا كلام فيها، وثمرتها إنما هو جواز تأخير الدفع إلى الأجل ووجوبه بعده، وهو غير لزومه، الذي هو عبارة


(1) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2. (2) البقرة: 282. (3) ثواب الاعمال: 167، الحديث 4. (4) فقه الرضا: 257.

[ 486 ]

عن وجوب التأخير إليه، وانما الكلام فيه. هذا، مضافا إلى قصور سند الخبرين، مع عدم معاضد لهما في البين، وضعف دلالة الكتاب من وجه آخر، وهو اختصاصه بالدين، وهو غير القرض بنص أهل اللغة، فقد صرح في القاموس وغيره بأنه لا أجل فيه، بخلاف الدين، فإنه الذي فيه الأجل (1). فالإستدلال به على لزومه في القرض - على تقدير تماميته بفساد الوجه الأول - غير تام من هذا الوجه. نعم في المضمر: عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى ثم مات المستقرض أيحل مال القارض بعد موت المستقرض منه، أم لورثته من الأجل ما للمستقرض في حياته ؟ فقال: إذا مات فقد حل مال القارض (2). وهو مشعر بلزوم التأجيل في القرض كالدين من حيث التقرير والمفهوم، إلا أن قصور السند بالإضمار والمتن للإجماع أوجب هجره في المضمار. وأما القدح فيه بالدلالة بمنع الظهور بالكلية - بنحو ما اجيب به عن الخبرين المتقدم إلى ذكرهما الإشارة، من أن غايته الدلالة على صحة الأجل، لا اللزوم الذي هو مفروض المسألة - لعله محل مناقشة، يستخرج وجهها من النظر إلى لفظة " حل " الظاهرة في عدم استحقاق المطالبة قبل انقضاء المدة المضروبة حال حياة المستقرض بالضرورة. فتأمل. * (و) * كذا * (لا يتأجل الدين الحال) * بتأجيله، بأن يعبر عنه صاحب الدين بعبارة تدل عليه من غير ذكره في عقد، بأن يقول: أجلتك في هذا الدين مدة كذا، إذ ليس ذلك بعقد يجب الوفاء به، بل هو وعد يستحب الوفاء به.


(1) القاموس المحيط 4: 225. (2) الوسائل 13: 97، الباب 12 من أبواب الدين والقرض الحديث 2.

[ 487 ]

وأشار بقوله: * (مهرا كان) * الدين * (أو غيره) * إلى خلاف بعض العامة، حيث ذهب إلى ثبوت التأجيل في ثمن المبيع والاجرة والصداق وعوض الخلع دون القرض وبدل المتلف، وإلى خلاف آخرين منهم في ثبوته في الجميع (1). * (ولو غاب صاحب الدين غيبة منقطعة نوى المستدين قضاءه) * وجوبا إجماعا، كما قيل (2). وكذا الحكم في كل من عليه حق، سواء كان ذو الحق غائبا، أم حاضرا، وإنما ذكر الوجوب مع الغيبة المنقطعة تأكيدا. ووجه الوجوب بأنه من أحكام الإيمان، كما قالوا في العزم على الواجب الموسع، لا لكونه بدلا عن التعجيل. وفيه نظر، إلا أن يكون إجماعا. والأجود الاستدلال عليه في محل الفرض بالنصوص المروية في باب الدين في الكتب الثلاثة، الدالة على أن من استدان دينا فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق (3)، وبه صرح في الرضوي (4) أيضا. وقصور الأسانيد منجبر بالإعتبار، وفتوى الأصحاب، ومؤيد بالصحيح: عن الرجل يكون عليه الدين لا يقدر على صاحبه ولا على ولي له ولا يدري بأي أرض هو، قال: لا جناح بعد أن يعلم الله تعالى منه أن نيته الأداء (5). وفي الخبر: من كان عليه دين ينوي قضاءه كان معه من الله عزوجل حافظان يعينانه على الأداء من أمانته، فإن قصرت نيته عن الأداء قصر عنه المعونة بقدر ما قصر من نيته (6).


(1) انظر المغني لابن قدامة 4: 354. (2) جامع المقاصد: 5: 9. (3) الفقيه 3: 183، الحديث 3689، والتهذيب 6: 191، الحديث 411، والكافي 5: 99، الحديث 1 و 2. (4) فقه الرضا: 268. (5) الوسائل 13: 109، الباب 22 من أبواب الدين والقرض الحديث 1. (6) الوسائل 13: 86، الباب 5 من أبواب الدين والقرض الحديث 3.

[ 488 ]

وفي آخر: احب للرجل يكون عليه دين ينوي قضاءه (1). * (و) * يجب عليه * (عزله عند وفاته) * وفاقا للنهاية (2)، بل ربما احتمل في المسالك عدم الخلاف فيه (3)، مشعرا بدعوى الإجماع عليه، كما في شرح القواعد للمحقق الثاني (4). ولا دليل عليه، عدا ما قيل: من، كما في شرح القواعد للمحقق الثاني (4). ولا دليل عليه، عدا ما قيل: من أنه مناسب لتميز الحق، وأبعد عن تصرف الورثة فيه (5). وهو كما ترى، مع أن في السرائر ادعى إجماع المسلمين على العدم (6). وهو أقوى، للأصل وإن كان الأول أحوط وأولى. وأحوط منه العزل مطلقا، فقد حكى في المسالك قولا (7)، ولكن لا يلزم منه انتقال الضمان بالعزل، بل عليه الضمان مع التلف على الإطلاق، لعدم الدليل على الإنتقال. وعلى كل حال يجب أن يكون * (موصيا به) * عند الوفاة بلا خلاف، كما في شرح الشرائع للمفلح الصيمري (8)، لأنه مع ترك الوصية ربما أدى إلى فوات المال، وبقاء اشتغال الذمة به، فتجب من باب المقدمة. ويدل عليه أيضا بعض النصوص الآتية، بل عن ظاهر جملة من الأصحاب وجوب التوصية بماله، وعليه تدل جملة من الأخبار الآتية في كتاب الوصية إن شاء الله سبحانه. * (ولو لم يعرفه اجتهد في طلبه) * ببذل الوسع في السؤال عنه في الأمكنة، التي يمكن كونه أو خبره بها، ويستمر كذلك على وجه لو كان لظهر، بلا خلاف أجده، وبه يشعر الصحيح المتقدم.


(1) الوسائل 13: 80، الباب 2 من أبواب الدين والقرض الحديث 4. (2) النهاية 2: 26. (3) المسالك 3: 457. (4) جامع المقاصد 5: 15. (5) القائل هو الشهيد في المسالك 3: 457. (6) السرائر 2: 37. (7) المسالك 3: 457. (8) غاية المرام: 73 س 11 (مخطوط).

[ 489 ]

مضافا إلى صريح الصحيح: في رجل كان له على رجل حق ففقده، ولا يدري أين يطلبه، ولا يدري أحي هو أم ميت، ولا يعرف له وارثا ولا نسبا ولا ولدا، قال: اطلب، قال: إن ذلك قد طال فأتصدق به، قال: اطلب (1). ونحوه خبران آخران، مرويان هما - كالأول والأخبار الآتية - في الكتب الثلاثة في باب ميراث مفقود الخبر. في أحدهما: أنه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجر ففقدناه وبقي له من أجره شئ، ولا نعرف له وارثا، قال: فاطلبه، قال: قد طلبناه، ولم نجده، فقال: مساكين، وحرك يديه، قال: فأعاد عليه، قال: اطلب واجهد، فإن قدرت عليه، وإلا فكسبيل مالك حتى يجئ له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص به إن جاء له طالب أن يدفع إليه (2). * (ومع اليأس) * عنه بحيث لا يحتمل الوقوف عليه عادة * (قيل:) * يجب أن * (يتصدق به عنه) * كما عن الطوسي (3) والقاضي (4) وجماعة، لئلا يتعطل المال ويخرج عن الإنتفاع، ولاحتياج من هو عليه إلى تفريغ ذمته، ولا سبيل غير الصدقة. وهو كما ترى. نعم في الفقيه - بعد الصحيح المتقدم - وقد روي في هذا خبر آخر: إن لم تجد وارثا وعلم الله تعالى منك الجهد فتصدق به (5) قيل: ونحوهما الخبران: في أحدهما: قد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم فمات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في اعلامي حالها، وما أصنع بها، فقد ضقت بها ذرعا ؟ فكتب: اعمل فيها واخرجها صدقة قليلا قليلا حتى يخرج (6).


(1) الوسائل 13: 110، الباب 22 من أبواب الدين والقرض الحديث 2. (2) الفقيه 4: 330 و 331، الحديث 5708 و 5710، والتهذيب 9: 389، الحديث 1387 و 1388، والكافي 7: 153، الحديث 1. (3) النهاية 2: 26. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 374. (5) الفقيه 4: 331، الحديث 5711. (6) الوسائل 17: 583، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه الحديث 3. (*

[ 490 ]

وفي الثاني: كان لأبي جيران كان يقوم في رحا وله عندنا دراهم وليس له وارث، فقال (عليه السلام): تدفع إلى المساكين، ثم قال: رأيك فيها، ثم عاد عليه المسألة، فقال له: مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال (عليه السلام): تطلب وارثا، فإن وجدت له وارثا، وإلا فهو كسبيل مالك، ثم قال: ما عسى أن تصنع بها، ثم قال: توصي بها، فإن جاء طالبها، وإلا فكسبيل مالك (1). وأسانيدها بالإرسال والجهالة قاصرة، وعن المقاومة للصحيحين المتقدمين - سيما الثانية وتاليها - ضعيفة. وبقاعدة أصالة بقاء شغل الذمة معارضة، ولذا أنكر الحلي هذا القول، وأوجب الدفع إلى الحاكم (2). وهو (3) أجود وإن كان القول بجواز الصدقة عن المالك مع الضمان له إذا لم يرض بها لا يخلو عن قوة، وفاقا لشيخنا الشهيد الثاني (4) وجماعة، لأنه إحسان محض، فإنه إن ظهر المالك ضمن له العوض مع عدم الرضا بها، وإلا فالصدقة أنفع من بقائها المعرض لتلفها. فتأمل. وأما الوجوب فقد عرفت ما فيه. وما يستفاد من بعض الأخبار المتقدمة " من أنه كسبيل ماله " فشاذ. وسند الدال عليه ضعيف. نعم ورد مثله في القريب من الصحيح في الفقيه (5). * (ولا يصح المضاربة بالدين حتى يقبض) * مطلقا ولو كان من هو عليه عاملا، إجماعا، كما عن التذكرة (6) وهو الحجة، مضافا إلى بعض المعتبرة - المنجبر قصور سنده بالشهرة -: في رجل له على رجل مال فتقاضاه


(1) الوسائل 13: 110، الباب 22 من أبواب الدين والقرض الحديث 3. (2) السرائر 2: 37. (3) في " ق ": وهذا. (4) المسالك 3: 458. (5) الفقيه 4: 331، الحديث 7510. (6) التذكرة 2: 3 س 34، ولم يصرح بالإجماع.

[ 491 ]

ولا يكون عنده ما يقضيه فيقول: هو عندك مضاربة، قال: لا يصح حتى يقبضه (1). * (ولو باع الذمي ما لا يملكه المسلم) * كالخمر والخنزير * (وقبض ثمنه جاز أن يقبضه المسلم عن حقه) * بلا خلاف، بل عليه الإجماع في بعض العبارات. وهو الحجة، مضافا إلى صريح الموثقة: لي على رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر والخنازير وأنا حاضر فهل لي أن آخذها ؟ فقال: إنما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك (2)، مضافا إلى إطلاق المعتبرة المستفيضة، منها الصحاح. في اثنين منها: في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمرا أو خنزيرا وهو ينظر إليه فقضاه، فقال: لا بأس، أما للمقتضي فحلال، وأما للبائع فحرام (3). ونحوهما الثالث والرابع (4). وإطلاقها وإن شمل البائع المسلم، إلا أن الظاهر منه بحكم التبادر والغالب هو الذمي، لا المسلم، لعدم اعتبار بيعه لمثل الخمر والخنزير في بلاد الإسلام، التي هي مورد الروايات. ثم على تقدير عمومها له يجب التخصيص بغيره، التفاتا إلى عموم الأدلة بعدم تملكه ثمنهما، وفساد بيعه لهما، فكيف يجوز اقتضاء ما لا يملكه ويكون باقيا على ملك المشتري يجب رده عليه أو التصدق به عنه مع الجهل، كما في المعتبرين، بحملهما عليه. أحدهما الصحيح: في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو


(1) الوسائل 13: 187، الباب 5 من أبواب المضاربة الحديث 1. (2) الوسائل 12: 171، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (3) الوسائل 12: 171، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2 والاخر الوسائل 12: 171، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3. (4) الوسائل 12: 171 - 172، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4 و 5. (*

[ 492 ]

عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه، قال: لا يصلح ثمنه - إلى أن قال -: إن أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمنها (1). واستنادا إلى فحوى بعض المعتبرة، كمرسلة ابن أبي نجران - الصحيحة إليه عن مولانا الرضا (عليه السلام): عن نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين هل يبيع خمره وخنازيره ويقضي دينه ؟ قال: لا (2). فإن تحريم قضاء الدين من أثمانها على الذمي بعد إسلامه يستلزم تحريم الإقتضاء على المسلم من أصله بطريق أولى. فتأمل جدا. وظاهر العبارة وصريح جماعة اختصاص الذمي بالحكم دون الحربي (3)، وهو كذلك، لما مر من وجوب الإقتصار فيما خالف الأصل، الدال على تحريم ثمن الامور المزبورة على المسلم مطلقا على المتيقن، وليس إلا الذمي، لعدم إجماع على غيره لو لم نقل بالإجماع على عدمه، واختصاص النصوص المتقدمة به صريحا في بعض وظاهرا بحكم الغلبة والتبادر في الباقي، لندرة وجود الحربي في بلاد الإسلام، التي هي ظاهر مواردها. ومنه يظهر الوجه فيما قيد به الحكم في الذمي بعض الأصحاب أيضا، من اشتراط أن يكون في بيعه مستترا (4)، وذلك فإنه مع عدم الإستتار يصير في حكم الحربي عند الأصحاب، مضافا إلى جريان وجه المتقدم في إخراجه عن الحكم في الذمي المتجاهر بالفسق، لعدم انصراف الإطلاق إليه بالضرورة. * (ولو أسلم الذمي قبل بيعه) * ما لا يملكه حال إسلامه * (قيل) * كما


(1) الوسائل 12: 164، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1، والآخر الوسائل 12: 164، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (2) الوسائل 12: 167، الباب 57 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (3) منهم الشهيد الثاني في الروضة 4: 23، والعلامة في المختلف 5: 381. (4) منهم الشهيد في المسالك 3: 460.

[ 493 ]

عن النهاية: * (يتولاه غيره) * ممن يجوز له بيعه (1)، للخبر: وإن أسلم رجل وله خمر وخنازير ثم مات وهي في ملكه وعليه دين، قال: يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خنازيره وخمر فتقضى دينه، وليس له أن يبيعه وهو حي، ولا يمسكه (2). * (وهو ضعيف) * وفاقا للقاضي (3) والحلي (4) والفاضلين (5)، لأن المسلم لا يملك ذلك، ولا يجوز بيعه مباشرة، فلا يجوز (6) تسبيبا، والرواية مقطوعة، ومع ذلك في سندها جهالة. ومن الجائز حملها على أن يكون له ورثة كفار يبيعون الخمر ويقضون ديونه. * (ولو كان لاثنين) * فصاعدا * (ديون) * مشتركة بينهما في ذمة ثالث فصاعدا * (فاقتسماها فما حصل) * كان * (لهما، وما توى) * - بالمثناة من فوق، بمعنى هلك - كان * (منهما) * على الأشهر الأقوى، وفاقا للإسكافي (7) والطوسي (8) والقاضي (9) والحلبي (10) وابن حمزة (11) وابن زهرة (12)، مدعيا الإجماع عليه كالثاني. وهو الحجة، مضافا إلى النصوص المستفيضة، المروية في التهذيب في بابي الدين والشركة. منها الموثق: عن رجلين بينهما مال منه دين ومنه عين فاقتسما العين


(1) النهاية 2: 182. (2) الوسائل 12: 167، الباب 57 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (3) نقله عنه صاحب المهذب البارع 2: 483. (4) السرائر 2: 329. (5) لاحظ المختلف 5: 257. (6) في المطبوع: ولا يجوز. (7) نقله عنه العلامة في المختلف 6: 235. (8) الخلاف 3: 336، المسألة 15. (9) جواهر الفقه: 73. (10) الكافي في الفقه: 344. (11) الوسيلة: 263. (12) الغنية: 265.

[ 494 ]

والدين، فتوى الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه وخرج الذي للآخر أيرد على صاحبه ؟ قال: نعم ما يذهب بماله (1). ونحوه الباقي (2). والصحيح المروي في التهذيب (3) والفقيه في كتاب الصلح (4). وقصور الأسانيد فيما عداه منجبر بالشهرة العظيمة، والإجماعات المحكية، وبعض الوجوه الإعتبارية، المذكورة في المختلف: من أن المال مشترك، فإن التقدير ذلك، فإذا دفع إلى أحدهما فإنما دفع عما في ذمته، والدفع إنما هو للمال المشترك، فلا يختص به القابض (5). ولا دليل على لزوم القسمة في نحو المسألة، مع أن الأصل عدمه بالضرورة. خلافا للحلي، فحكم به قياسا على ثبوته فيما لو أوهبه أحدهما أو أبرأ ذمته من عليه الحق، الذي صار من نصيبه بلا خلاف (6)، كما حكاه، فكذا فيما نحن فيه. وهو كما ترى وإن مال إليه في المختلف أخيرا (7)، وتبعه بعض المتأخرين، لضعف القياس أولا، وعدم معارضته - على تقدير حجيته - لما قدمناه من الإجماعات المحكية والمعتبرة المستفيضة ثانيا. فالقول بمقالته ضعيف جدا. قيل: وقد يحتال للقسمة، بأن يحيل كل منهما صاحبه بحصته التي يريد اعطاءها صاحبه ويقبل الآخر، بناء على صحة الحوالة من البرئ، أو فرض سبق دين عليه (8). ولو اصطلحا على ما في الذمم بعضا ببعض جاز، وفاقا للشهيدين (9).


(1) التهذيب 7: 186، الحديث 821. (2) التهذيب 6: 195، الحديث 430. (3) التهذيب 6: 207، الحديث 477. (4) الفقيه 3: 35، الحديث 3275. (5) المختلف 6: 234. (6) السرائر 2: 402. (7) المختلف 6: 235. (8) القائل الشهيد في المسالك 3: 460. (9) الدروس 3: 314، والروضة 4: 19.

[ 495 ]

وعلى أحد الامور المذكورة يحمل اطلاق الصحيح، المروي عن كتاب علي بن جعفر (1) وقرب الإسناد: عن رجلين اشتركا في السلم أيصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا ؟ قال: لا بأس (2). أو على الصحة دون اللزوم وعلى عدمه خاصة يحمل الأخبار السابقة. ولا بأس به، جمعا بين الأدلة وإن كان اعتبار المراضاة مرة ثانية بعد الأخذ أحوط ألبتة. * (ولو باع (3) الدين بأقل منه) * عينا أو قيمة، على وجه لا يحصل فيه الربا، ولا الإخلال بشروط الصرف لو كان العوضان من الأثمان * (لم يلزم الغريم أن يدفع إليه) * أي إلى المشتري * (أكثر مما دفع) * إلى البائع، وفاقا للطوسي (4) والقاضي (5) * (على تردد) * فيه ينشأ من الخبرين. في أحدهما: رجل اشترى دينا على رجل ثم ذهب إلى صاحب الدين فقال له: ادفع إلي ما لفلان عليك فقد اشتريته منه، قال: يدفع إليه ما دفع إلى صاحب الدين وبرئ الذي عليه المال عن جميع ما بقي عليه (6). وقريب منه الثاني (7). ومن قصور سندهما بالجهالة، وعدم جابر لهما في المسألة، مع مخالفتهما للقواعد الثابتة من الكتاب والسنة، فإن ما وقع عليه العقد الذي يجب الوفاء به ليس إلا جميع الدين دون بعضه، فلا وجه في الإقتصار عليه. ومع ذلك، فلا وجه لبراءة ذمة المديون، كما صرحت به الرواية الاولى. ومع ذلك، فالثانية غير صريحة في المطلوب، بل ولا ظاهرة، ولذا لم


(1) مسائل علي بن جعفر: 122، الحديث 77. (2) قرب الاسناد: 113. (3) في المتن المطبوع: ولو بيع. (4) النهاية 2: 31. (5) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 371. (6) الوسائل 13: 100، الباب 15 من أبواب الدين والقرض الحديث 3. (7) الوسائل 13: 99، الباب 15 من أبواب الدين والقرض الحديث 2.

[ 496 ]

يذكرها حجة في المسألة جماعة. وهذا هو الأظهر الأشهر بين الطائفة. وبما ذكرنا لا يبقى وجه للتردد في المسألة، كما في صريح العبارة وظاهر اللمعة (1). فلتطرح الروايتان، للجهالة، والمخالفة للقواعد المقررة، المعتضدة بالإجماع من أصلها، وبالشهرة في خصوص المسألة. أو تحملا على ما تلتئمان معها من إرادة الضمان من البيع مجازا، لشبهه به في المعاوضة، أو فساد البيع للربا وغيره. فيكون الدفع مأذونا فيه من البائع في مقابلة ما دفع، ويبقى الباقي لمالكه. ويكون المراد ببراءة المديون في الرواية الاولى البراءة من حق المشتري، لا مطلقا. * (خاتمة) * قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بأن * (اجرة الكيال ووزان المتاع على البائع) * الآمر له بهما، لأنهما من مصلحته، فتتعلق الاجرة به. * (وكذا اجرة بائع الأمتعة) * تتعلق به إذا كان بائعها دلالا ناصبا نفسه لذلك، فإنه يستحقها وإن لم يتشارطا عليه، لأن هذا العمل مما يستحق عليه اجرة في العادة، ونصب الدلال نفسه لذلك قرينة على عدم التبرع بالضرورة، كما حقق في بحث الإجارة. * (و) * مما ذكرنا يظهر الوجه فيما ذكروه من أن * (اجرة الناقد ووزان الثمن على المشتري) * الآمر له بذلك * (وكذا اجرة المشتري الأمتعة) * عليه إذا كان دلالا ناصبا نفسه لذلك مأمورا به من جهته. * (ولو تبرع الواسطة) * بكل من الامور المزبورة، من دون أمر من البائع أو المشتري له بذلك، ولا ما يقوم مقامه من الدلالة * (لم يستحق اجرة) * على


(1) اللمعة: 77.

[ 497 ]

من تلزمه الاجرة مع أمره، أو ما في حكمه ولو أجاز البيع والشراء وغيرهما، لأنه بالفعل لم يستحق، لمكان التبرع، وبعد الإجازة لم يعمل عملا، والأصل براءة الذمة من استحقاق شئ. * (وإذا جمع) * الواسطة * (بين الإبتياع والبيع) * ونصب نفسه لذلك - ويعبر عنه بالسمسار - فباع أمتعة لشخص واشترى غيرها للآخر * (فاجرة كل عمل على الآمر به) * لعدم المنافاة. * (ولا يجمع بينهما) * أي بين العملين * (لواحد) * أي لشئ واحد، بأن يبيعه لأحد ويشتريه لآخر. قيل: لأن البيع مبني على المكايسة والمغالبة، ولا يكون الشخص الواحد غالبا ومغلوبا، والعمل بالحالة الوسطى خارج عن مطلوبهما غالبا، فيتوقف على رضاهما بذلك، وحينئذ فمن كايس له استحق عليه الاجرة خاصة (1). وهو حسن، لكن يشكل إطلاقه بما لو كان السعر مضبوطا عادة، بحيث لا يحتاج إلى المماكسة، أو كانا قد اتفقا على قدر معلوم، وأرادا تولية طرفي العقد. وحينئذ يكون عليهما اجرة واحدة بالسوية، سواء اقترنا في الأمر، أم تلاحقا، مع احتمال كون الاجرة على السابق. ولا يجب اجرتان وفاقا للحلي (2) والمسالك (3) والروضة (4)، للأصل، مع عدم المخرج عنه سوى العمل، وهو لوحدته لا يوجب إلا اجرة واحدة عادة. وتعدد الطرفين غير موجب لتعددها، إذ لا دليل عليه شرعا ولا عرفا، وهي مع الإقتران في الأمر عليهما موزعة، لعدم المرجح جدا. وكذا مع التلاحق، لاستواء الموجب، وهو العمل بالإضافة إليهما.


(1) قاله الشهيد الثاني في المسالك 3: 469. (2) السرائر 2: 338. (3) المسالك 3: 469. (4) الروضة 3: 544.

[ 498 ]

ووجه احتمال تقديم السابق أصالة براءة ذمة المسبوق، ووجود المرجح من سبق الآمر، الذي له مدخل في الإيجاب قطعا، ولكن الأول أولى. وظاهر النهاية (1): وصريح الفاضل في المختلف (2) والمحقق الثاني (3) - على ما حكي - تعدد الاجرة. ولعلهما نظرا إلى أن أمر الآمر بالعمل إقدام منه على التزام تمام الاجرة بحصول المأمور به ورضاه عنه بذلك، ولا مدخل لاتحاد العمل. ولعله غير بعيد، سيما مع كون متعلق الأمرين طرفي الإيجاب والقبول وجهل أحدهما بالأمر الآخر. فتأمل. هذا إذا جوزنا للواحد تولي طرفي العقد، وإلا فعدم استحقاق الواحد لهما واضح. ويحتمل - على بعد - أن يكون الضمير المجرور عائدا الى الإيجاب والقبول، المدلول عليهما بالمقام تضمنا، أو بالبيع والإبتياع، فيكون ذهابا إلى المنع. أو بعود الضمير إلى الاجرتين، بناء على المنع من تولي طرفي العقد أو غيره. * (ولا يضمن الدلال) * وكذا السمسار * (ما يتلف في يده ما لم يفرط) * أو يتعدى، لأنه أمين بلا خلاف أجده. * (ولو اختلفا في التفريط) * أو التعدي * (ولا بينة، فالقول قول الدلال مع يمينه) * لأنه منكر، وليس عليه إلا اليمين، بلا خلاف، للنبوي (4). * (وكذا لو اختلفا في القيمة) * أي قيمة التالف، لأن الأصل براءة الذمة من الزيادة. والله العالم بحقائق أحكامه سبحانه


(1) النهاية 2: 188. (2) المختلف 5: 313. (3) جامع المقاصد 4: 396. (4) سنن البيهقي 10: 252.

[ 499 ]

كتاب الرهن

[ 501 ]

* (كتاب الرهن) * * (وأركانه أربعة) *: * (الأول) * * (في) * بيان * (الرهن) * وشرائطه * (وهو) * لغة: الثبات والدوام، ومنه النعمة الراهنة، أي الثابتة والدائمة. ويطلق على الحبس بأي سبب كان، ومنه قوله سبحانه: " كل نفس بما كسبت رهينة " (1) أي بما كسبت من خير أو شر محبوسة. وشرعا: * (وثيقة لدين المرتهن) * إذا تعذر استيفاؤه ممن هو عليه استوفى منه، أو من ثمنه والوثيقة فعيلة، بمعنى المفعول، أي موثوق به لأجل الدين، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، كتاء الحقيقة، لا للتأنيث. فلا يرد عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث، مع أن الضمير الواقع مبتدأ لخبر مؤنث إذا كان مرجعه مذكرا يجوز فيه الأمران، نظرا إلى الإعتبارين. وليس في إضافة الدين إلى المرتهن دور، من حيث أخذ الرهن في تعريف المرتهن إن عرفناه في التعريف بصاحب الدين، أو من له الوثيقة من


(1) المدثر: 38.

[ 502 ]

غير أن يؤخذ الرهن في تعريفه. والتخصيص بالدين مبني إما على عدم جواز الرهن على غيره وإن كان مضمونا كالغصب، أو على أن الرهن عليه إنما هو لاستيفاء الدين على ظهور تقدير الخلل بالإستحقاق، أو تعذر العين. وفيه تكلف، مع أنه قد يبقى بحاله فلا يكون دينا. وكيف كان، هو ثابت بإجماع المسلمين كافة، كما في المهذب (1)، وظاهر الغنية (2)، وبه نصت الآية الشريفة: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة " (3)، والسنة الخاصية والعامية به مستفيضة، بل متواترة، يأتي إلى ذكرها الإشارة في تضاعيف الأبحاث الآتية. وشرط السفر في الآية مبني على الأغلب، وليس شرط في الصحة، بإجماعنا المحكي في كلام جماعة (4)، والنصوص المعتبرة، التي منها رواية الدرع المشهورة (5). * (و) * ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف: أنه عقد * (لابد فيه من الإيجاب والقبول) * الدالين عليه، وذكر جماعة منهم أن الإيجاب رهنتك، أو وثقتك بالتضعيف، أو أرهنتك بالهمزة، أو هذا رهن عندك، أو على مالك، أو وثيقة عندك، أو خذه على مالك، أو بمالك، أو امسكه حتى اعطيك مالك، بقصد الرهن وشبهه مما أدى المعنى (6). قيل: وإنما لم ينحصر هذا العقد في لفظ كالعقود اللازمة ولا في الماضي، لأ نه جائز من طرف المرتهن، الذي هو المقصود الذاتي منه، فغلب فيه جانب


(1) المهذب البارع 2: 492. (2) الغنية: 242 و 243. (3) البقرة: 283. (4) الخلاف 3: 221، المسألة 1، وكنز العرفان 2: 59. (5) المستدرك 13: 417 و 418، الباب 1 و 2 من أبواب كتاب الرهن. (6) اللمعة: 79، والمسالك 4: 8، وكفاية الاحكام: 107 س 9.

[ 503 ]

الجائز مطلقا (1). وفيه نظر، فإن اعتبار ما لم يعتبر هنا في العقود اللازمة إنما هو للإقتصار فيما خالف الأصل، الدال على عدم اللزوم على المتيقن، وهو جار في المقام، لتضمنه اللزوم ولو من طرف الراهن. وعدم اللزوم من جانب المرتهن غير قادح، بعد كون المنشأ للإعتبار هو نفس اللزوم، المخالف للأصل من حيث هو، من دون اعتباره من الطرفين. فتدبر (2). والأجود الإستدلال عليه بعموم ما دل على لزوم الوفاء بالعقد (3)، وهو صادق بإحدى العبارات المزبورة فاشتراط زائد عليها يحتاج إلى دلالة الأدلة، وهي في المقام مفقودة. وهذا وإن جرى في العقود اللازمة، إلا أن الدلالة على اشتراطه فيها في الجملة حاصلة، لولاها لكان حكمها حكم المسألة، فتكون متبعة. وقياس المقام عليها فاسد بالضرورة. وتكفي الإشارة في الأخرس وإن كان عارضا، أو الكتابة معها بما يدل على قصد الرهن، لا بمجرد الكتابة، لإمكان العبث، أو إرادة أمر آخر. والقبول قبلت وشبهه من الألفاظ الدالة على الرضا بالإيجاب. * (وهل يشترط الإقباض) * فيه ؟ * (الأظهر) * الأشهر * (نعم) * وفاقا للإسكافي (4) والمفيد (5) والنهاية (6) والقاضي (7) والحلبي (8) والديلمي (9) وابن زهرة العلوي (10) والطبرسي (11)، مدعيا هو - كسابقه - الإجماع عليه، وهو


(1) قاله الشهيد الثاني في الروضة 4: 54. (2) هذه الكلمة لا توجد في " ه‍ ". (3) المائدة: 1. (4) كما في المختلف 5: 399. (5) المقنعة: 622. (6) النهاية 2: 244. (7) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 399. (8) الكافي في الفقه: 334. (9) المراسم: 192. (10) الغنية: 243. (11) مجمع البيان 2: 400.

[ 504 ]

خيرة الماتن هنا وفي الشرائع (1) والشهيد في كتبه الثلاثة (2). والأصل فيه - بعد الإجماعات المحكية، التي كل واحد منها حجة مستقلة - الآية الشريفة المتقدمة، المقيدة للرهان بالمقبوضة، ومفهوم مثله حجة عرفا وعادة، كاشتراط التراضي في التجارة، والعدالة في الشهادة. والموثقة لارهان إلا مقبوضا (3). ونحوه المروي عن تفسير العياشي (4). ونفي الصحة أقرب من نفي الكمال إلى نفي الحقيقة المتعذرة، مع احتمال أن يكون إرادة نفي الحقيقة ممكنة، بناء على كون القبض جزء من مفهوم الرهانة، كما سيأتي إليه الإشارة من دلالة الأخبار عليه، وكلام بعض أهل اللغة. وعلى هذا، فتكون " مقبوضة " في الآية صفة موضحة، لا مخصصة. وبهذه الأدلة تخصص عمومات الكتاب والسنة بلزوم الوفاء بالعقود بالضرورة. وبنحوه يجاب عن إطلاقات الأخبار الواردة في الرهن المعلقة لأحكامه على مطلقه (5)، مضافا إلى عدم إنصرافها بحكم عدم التبادر وندرة الرهان، الغير المقبوضة إليها بالبديهة. مع أن انصراف الإطلاقات إلى العموم مشروط بعدم ورودها لبيان حكم آخر غير ما يتعلق بنفسها، وليست الإطلاقات هنا كذلك جدا. فلا عموم فيها أصلا، مضافا إلى أنه بعد ملاحظة الأخبار المتضمنة لها يحصل الظن القوي - المتاخم بالعلم - بتلازم الرهن والقبض، بحيث كادت تدل على أنه جزء


(1) الشرائع 2: 75. (2) اللمعة: 79، والدروس 3: 383، نقله عن نكت الارشاد صاحب الحدائق 20: 224. (3) الوسائل 13: 123، الباب 3 من أبواب الرهن الحديث 1. (4) تفسير العياشي 1: 156، الحديث 525. (5) الوسائل 13: 121، الباب 1 من أبواب أحكام الرهن.

[ 505 ]

من مفهومه، كما حكي أيضا عن بعض أهل اللغة، وبذلك ينادي سياقها وإن اختلفت في الدلالة عليه ظهورا وخفاء. وبما ذكرنا سقط حجج القول بالعدم، كما عن الخلاف (1)، وهو خيرة الفاضل (2) وولده (3) والمسالك (4) والروضة (5)، وتبعهم على ذلك جماعة (6). ثم ظاهر الآية والرواية - بناء على أن المتبادر منهما نفي الصحة أو الماهية مع عدم المقبوضية - اشتراط القبض في الصحة، وبه نص الطبرسي في حكايته الإجماع (7)، وبه صرح جماعة (8)، وهو ظاهر العبارة وغيرها مما اطلق فيه اشتراطه، لإنصرافه إلى الإشتراط في الصحة. خلافا لآخرين، فجعلوه شرطا في اللزوم، منزلين الخلاف عليه، وهو الظاهر من عبارة الغنية (9) في دعواه الإجماع عليه. ويضعفه ما مر، مضافا إلى الأصل، وعدم دليل على الصحة، لانحصار الأدلة عليها في نحو المسألة في الإجماع، وليس بمتحقق بالضرورة. وأدلة لزوم الوفاء بالعقود - وهي بعد الإجماع على عدم اللزوم الذي هو مفادها - غير تامة، وليس عليها دلالة اخرى غير ما تقدم إليه الإشارة بالضرورة. ويتفرع على القولين فروع كثيرة، تعرض لذكرها الجماعة في كتبهم الإستدلالية.


(1) الخلاف 3: 223، المسألة 5. (2) القواعد 1: 161 س 17. (3) الإيضاح 2: 25. (4، المسألة 5. (2) القواعد 1: 161 س 17. (3) الإيضاح 2: 25. (4) المسالك 4: 10 - 11. (5) الروضة 4: 57. (6) جامع المقاصد 5: 94، ومجمع الفائدة 9: 136 - 137. (7) مجمع البيان 2: 400. (8) المقنعة: 622، والوسيلة: 225، والكافي في الفقه: 334. (9) الغنية: 243.

[ 506 ]

ثم إن محل الخلاف في اشتراط القبض إنما هو أول مرة، لا استدامة، فلو أقبضها الراهن وارتجعها صح الرهن ولزم بلا خلاف، بل عليه الإجماع في عبائر جماعة، كالغنية (1) وكشف الحق (2) والتذكرة (3) وغيرها من كتب الجماعة. وهو الحجة، مضافا إلى عموم الأدلة، واستصحاب الحالة السابقة من اللزوم والصحة. * (ومن شرطه) * أيضا * (أن يكون عينا) *. فلا يصح رهن المنافع اتفاقا، كما في المسالك (4) وغيره، لكن صريح المختلف (5) وقوع الخلاف فيه، وهو على المختار واضح، لعدم صحة إقباضها إلا باتلافها، وكذا على غيره، لأنها تستوفي شيئا فشيئا، وكل ما حصل منها شئ عدم ما قبله، والمطلوب من الرهن أنه متى تعذر استيفاء الدين استوفى من الرهن. قيل: وفيه نظر، فإن استيفاء الدين من غير الرهن ليس بشرط، بل منه، أو من بدله ولو ببيعه قبل الإستيفاء، كما لو رهن ما يتسارع إليه الفساد قبله، والمنفعة يمكن فيها جواز ذلك، بأن يؤجر العين ويجعل الاجرة رهنا، وقريب منه القول في القبض، لإمكانه بتسليم العين ليستوفي منها المنفعة ويكون عوضها رهنا. وفيه: أنه خروج عن المتنازع، إذ لا كلام في جواز رهن الاجرة، إنما الكلام في المنفعة نفسها (6). ولا الدين، بناء على المختار، من اشتراط القبض، لأنه أمر كلي لا وجود له في الخارج يمكن قبضه، وما يقبض بتعيين المديون ليس نفسه وإن وجد في ضمنه.


(1) الغنية: 243. (2) نهج الحق: 489. (3) التذكرة 2: 26 س 11. (4) المسالك 4: 21. (5) المختلف 5: 430. (6) راجع الروضة البهية 4: 65 وهامشها، بالرقم 7.

[ 507 ]

واحتمال جوازه على هذا القول والإكتفاء في القبض بما يعينه المديون - بناء على صدق قبض الدين عليه عرفا، كهبة ما في الذمة - فرع عموم في الأدلة يشمل مفروض المسألة، وليس، فإن المتبادر منها قبض المرهون نفسه، لا ما هو فرد من افراده، وصدق القبض عرفا لا يستلزم تحقق القبض المتبادر من الأدلة جدا. وربما يضعف الإحتمال أيضا، بأن أخذ الرهن ليس إلا من حيث عدم الوثوق باستيفاء ما في الذمة، فكيف يستوثق في استيفائه بمثله ! وفيه نظر، لاختلاف الديون ومن عليه الحق في سهولة القضاء وعسره، فكم من ديون متيقنة الأداء يصلح الإستيثاق بها على غيرها مما ربما يئس عنه أربابها ؟ مضافا إلى عدم جريانه فيما لو كان الدين المرهون على المرتهن نفسه، فيحصل منه الإستيثاق، وأي استيثاق. والقول بالجواز في مثله غير بعيد، بناء على مقبوضية ما في الذمة، إلا أن الإكتفاء بمثل هذا القبض - سيما مع الشك في صحة البناء، مع عدم انصراف الأدلة الدالة على اشتراطه إليه - نوع نظر، مع عدم القول بالفرق. ومن الوجه الأول ينقدح الوجه في ضعف التمسك للجواز على الإطلاق - ولو كان الدين المرهون على غير المرتهن، واشترط القبض - بالإطلاقات، وعلى القول بعدم اشتراط القبض لا مانع من صحة رهنه، وقد صرح في التذكرة ببناء الحكم على القول باشتراط القبض وعدمه. فقال: لا يصح رهن الدين إن شرطنا في الرهن القبض، لأنه لا يمكن قبضه (1)، لكنه في القواعد جمع بين الحكم بعدم اشتراط القبض وعدم جواز رهن الدين (2). فتعجب عنه الشهيدان (3) وهو في محله.


(1) التذكرة 2: 16 س 41. (2) القواعد 1: 158 س 21 و 161 س 17. (3) الدروس 3: 387، الدرس 276، والروضة 4: 66.

[ 508 ]

والإعتذار له عن ذلك بعدم المنافاة بين عدم اشتراطه واعتبار كونه مما يقبض مثله مع تصريحه بالبناء المذكور غير مسموع. إلا أن يقال باختلاف نظره في البناء في الكتابين، فكم مثل ذلك قد صدر عن مثله وغيره ! والتحقيق: صحة ما في الثاني من عدم صحة البناء، وإمكان الجمع بين القولين، لعدم المنافاة، مضافا إلى عدم البعد في المصير إليه، بناء على الوقوف على ظاهر الاصول، وعدم الإكتفاء في الخروج عنها بمجرد الإطلاقات، الغير المنصرفة إلى المفروض، لعدم تبادره منها. ويذب عن عمومات لزوم الوفاء بالعقود بصرفها إلى ما يتبادر من إطلاقات النصوص في الرهون، فإنه بملاحظتها والنظر فيما ورد في بعضها - مما هو كالتعليل لشرعية الرهن بأنه للوثوق الغير الحاصل في أغلب أفراد المفروض - يحصل الظن القوي بل المتاخم بالعلم بأن عقد الرهن لا يصح، إلا فيما يمكن قبضه. وإن لم يشترط إقباضه فمضمون العقد الذي يجب الوفاء به هو الصحيح الشرعي، الذي يكون المرهون فيه بنفسه، مما يمكن قبضه لا غيره، كما سيأتي في نظائره من عدم لزوم الوفاء فيما لا يمكن قبضه وبيعه، كالحر وشبهه، المشار إلى حكمه بقوله: * (مملوكا) *. فلا يصح رهن الحر إجماعا مطلقا، من مسلم، أو كافر، عند مسلم، أو كافر، إذ لا شبهة في عدم ملكه. ولا الخمر والخنزير بلا خلاف إذا كان الراهن مسلما، وكذا إذا كان المرتهن كذلك ولم يضعهما عند ذمي، ومع الوضع عنده فكذلك عند الأكثر. خلافا للشيخ، فأجازه حينئذ إذا كان الراهن ذميا محتجا بأن حق الوفاء

[ 509 ]

الى الذمي، فيصح، كما لو باعهما وأوفاه ثمنهما (1). ويضعف: بوضوح الفرق، فإن فائدة الرهن تسليط المرتهن على المرهون بالبيع ونحوه، مما يتضمن الإستيفاء، وهو هنا ممتنع. والوضع عند الذمي غير مجد، بعد ظهور أن يد الودعي يد المستودع. ولا يأتي هذا المحذور فيما فرضه، لعدم تسليط له عليهما بما يوجب الإستيفاء، بل هو المتسلط عليه والمتكفل للإيفاء بنحو من البيع جدا. ومن هنا ينقدح الوجه في المنع عن رهن العبد المسلم والمصحف عند كافر. ولو وضع عند مسلم، فإن رهنهما عنده نوع تسليط له عليهما، منفي آية واتفاقا. وقيل: بالجواز فيهما بعد الوضع في يد المسلم، لانتفاء السبيل بذلك وإن لم يشترط بيعه للمسلم، لأنه حينئذ لا يستحق الإستيفاء من قيمته إلا ببيع المالك، أو من يأمره، أو الحاكم مع تعذره، ومثله لا يعد سبيلا لتحققه وإن لم يكن هناك رهن (2). وفيه نظر، مع غموض الفرق بينه وبين الخمر، التي قد منع عن رهنها القائل المزبور. فتدبر. وأن يكون مما * (يمكن قبضه، ويصح بيعه) * فلا يصح رهن الطير في الهواء، لعدم إمكان قبضه. قيل: ولو لم نشترطه أمكن الجواز، لإمكان الإستيفاء منه ولو بالصلح عليه (3). وفيه نظر، فإن مجرد الإمكان مع الندرة غايتها غير محصل للمقصود الذاتي بالرهن، وهو الإستيثاق، ومعه لا يحصل عموم يدل على لزوم الوفاء


(1) الخلاف 3: 248، المسألة 52. (2) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 4: 70. (3) القائل هو الشهيد الثاني في الروضة 4: 70.

[ 510 ]

بمثله، لما مر. ولعله لذا اشترط الشرطين من لم يشترط القبض أيضا. وبما هنا وما يأتي وما مضى يتأيد ما أيدنا به الفاضل في القواعد (1) فيما تقدم. ولا السمك في الماء. إلا إذا اعتيد عود الأول، وشوهد الثاني، وانحصر في محل بحيث لا يتعذر قبضهما عادة، فيصح رهنهما حينئذ مع الإقباض على القول باشتراطه، ومطلقا على غيره. وحيث اجتمع الشرائط المزبورة جاز الرهن مطلقا * (منفردا كان) * المرهون بملك الراهن * (أو مشاعا) * بينه وبين غيره إجماعا، كما في الخلاف (2) والغنية (3) و (4) التذكرة (5). ويتوقف الإقباض في الثاني على إذن الشريك، إما مطلقا، كما قيل (6)، أو إذا كان مما لا يكتفى في قبضه بتخليته على الأصح، لحرمة التصرف في ملك الغير فيما يستلزمه، وهو المشروط خاصة، دون ما يكتفى في قبضه بالتخلية، فإنها لا تستدعي تصرفا، بل رفع يد الراهن عنه خاصة وتمكينه منه. وعلى تقدير اعتباره، فلو قبضه بدون إذن الشريك وفعل المحرم تم القبض على الأصح، فإن النهي الذي توهم منه القول بعدم التمامية إنما هو لحق الشريك خاصة، للإذن من قبل الراهن، الذي هو المعتبر شرعا. * (ولو رهن ما لا يملكه) * (7) فإن كان بإذن المالك صح إجماعا، كما حكاه بعض الأصحاب (8)، وإلا * (وقف على إجازة المالك) * في المشهور بين الأصحاب، وهو ظاهر على القول بالفضولي، كما هو أصح القولين.


(1) القواعد 1: 158 س 21 و 161 س 17. (2) الخلاف 3: 224، المسألة 7. (3) الغنية: 244. (4) في " ق ": وظاهر التذكرة. (5) التذكرة 2: 17 س 3. (6) القائل الشهيد الثاني في الروضة 4: 64. (7) في المتن المطبوع: ما لا يملك. (8) مفاتيح الشرائع 3: 142، مفتاح 1025.

[ 511 ]

* (ولو كان يملك بعضه مضى) * الرهن وصح * (في ملكه) * خاصة، وتوقف الباقي على الإجازة. ويشكل الصحة فيما يملك مع جهل المرتهن بالحال وعدم إجازة المالك. أما على القول باشتراط تعيين المرهون وعدم صحة ما فيه جهالة - كما هو ظاهر الدروس، حاكيا له عن صريح الشيخ، مع دعواه الإجماع (1) - فظاهر. وأما على القول بعدم الإشتراط والإكتفاء بالتميز في الجملة - كما عن الفاضل (2) - فكذلك، لعدم التميز في مفروض المسألة. ويمكن أن يقيد ما في العبارة بصورة علم المرتهن بالحال. وفي هذا الإشكال نظر واضح، بل لعله فاسد. وحيث جاز، قيل: يضمن الراهن وإن تلف بغير تفريط، لأنه عرضه للإتلاف بالرهن (3). وفيه نظر، إلا أن يكون إجماعا، كما هو ظاهر المسالك. وللمالك إجباره على افتكاكه مع قدرته منه والحلول، لأنه عارية، والعارية غير لازمة، أما قبل الحلول فليس له ذلك إذا أذن فيه، كما قالوه. وللمرتهن مع الحلول وإعسار الراهن أن يبيعه ويستوفي دينه منه إن كان وكيلا في البيع، وإلا باعه الحاكم إذا ثبت عنده الرهن، سواء رضي المالك بذلك، أو لا، لأن الإذن في الرهن إذن في توابعه، التي من جملتها بيعه عند الإعسار. * (وهو لازم من جهة الراهن) * وإلا لانتفت فائدته، مضافا إلى عموم لزوم الوفاء بالعقود. وجائز من طرف المرتهن بلا خلاف، بل عليه وعلى الأول الإجماع في


(1) الدروس 3: 388، الدرس 276. (2) المختلف 5: 430. (3) مفاتيح الشرائع 3: 142، مفتاح 1025.

[ 512 ]

ظاهر الغنية (1) وعن صريح التذكرة (2). وهو الحجة، مضافا إلى أنه لمصلحته، فله اسقاطه. والفرق بينهما أن الأول يسقط حق غيره، والثاني يسقط حق نفسه، ولا يشبهه شئ من العقود، إلا عقد الكتابة على قول. ويمكن تمشيته في سائرها على القول بالفضولي، مع كونه في أحد جانبيها خاصة. ويستعقب اللزوم عدم جواز الإنتزاع إلا بإسقاط المرتهن الحق من الإرتهان بفسخ عقد الرهانة، أو حصول براءة ذمة الراهن من جميع ما عليه من حق المرتهن بأحد موجباتها. وفي إلحاق حصول البراءة من بعض الحق بها من الجميع في جواز انتزاع مجموع الرهن، قولان: الأول - كما عن القواعد (3) - وقوع الرهن في مقابلة مجموع الدين من حيث هو مجموع، وقد ارتفع بعضه، فيرتفع المجموع، ضرورة ارتفاعه بارتفاع بعض أجزائه. والثاني - كما عن الدروس (4) والمبسوط (5) مدعيا الإجماع عليه - النظر إلى الغالب من تعلق الأغراض باستيفاء الدين عن آخره من الرهن، ويعضده الأصل والاستصحاب. ولاريب فيه لو شرط كونه رهنا على كل جزء، كما لا ريب في الأول لو شرط كونه رهنا على المجموع، لا على كل جزء منه. وهنا مع عدم الشرطين احتمال ثالث - قواه في المسالك - وهو مقابلة


(1) الغنية: 242 و 243. (2) التذكرة 2: 12 س 3. (3) القواعد 1: 165 السطر الاخير. (4) الدروس 3: 402، الدرس 280. (5) المبسوط 2: 201 - 202.

[ 513 ]

أجزاء الرهن بأجزاء الدين وتقسيطه عليها، كما هو مقتضى كل معاوضة. فإذا ابرئ من بعض الدين ينفك من الرهن بحسابه، فمن النصف النصف، ومن الثلث الثلث، وهكذا (1). ويستشكل فيه بما لو تلف جزء من المرهون، فإنه يقتضي أن لا يبقى الباقي رهنا على مجموع الدين، بل على جزء يقتضيه الحساب. ودفعه بما ذكر في توجيه الإحتمال الثاني من تعلق الغرض باستيفاء الدين كله من الرهن حسن لو لم يأب هذا الإحتمال العرف، الذي هو الأصل في التوجيه المزبور. ولا بد من التأمل. * (ولو) * رهنه الراهن على الدين المؤجل و * (شرطه) * أن يكون * (مبيعا) * للمرتهن بذلك الدين، أو بقدر مخصوص إن لم يؤده. * (عند) * حلول * (الأجل لم يصح) * كل من البيع والرهن بلا خلاف، كما يظهر من المسالك (2)، وفي السرائر الإجماع عليه (3). وهو الحجة، مضافا إلى انتفاء موجب الصحة من الصيغة، وعدم جواز التعليق في الأول. ويستعقبه فساد الثاني لفساد المشروط بفساد الشرط، مضافا إلى أنه لا يوقت إلا بالوفاء. وفي تعليل فساد المشروط بفساد شرطه نظر، يظهر وجهه مما في بحث الشروط من كتاب البيع قد مر. فالعمدة في فساده هو الإجماع المنقول. ولو قبضه كذلك ضمنه بعد الأجل لا قبله، بناء على القاعدة المشهورة، المبرهن عليها، المنفي عنها الخلاف في المسالك في خصوص المسألة (4)، من أن كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، وحيث أن البيع يضمن بصحيحه حكم بالضمان بعد


(1) المسالك 4: 54. (2) المسالك 4: 55. (3) السرائر 2: 427. (4) المسالك 4: 55 - 56.

[ 514 ]

الأجل، لفساده في المقام، وأن الرهن لا يضمن بصحيحه حكم بعدمه قبله. والسر فيهما أنهما تراضيا في لوازم العقد، فحيث كان مضمونا فقد دخل القابض على الضمان ودفع المالك عليه، مضافا إلى عموم " على اليد ما اخذت حتى تؤدي (1) ". وحيث يكون غير مضمون يكون التسليم واقعا على اعتقاد صحة العقد، فلم يقصد المسلم ضمانا، بل سلم على قصد العدم، ولم يلتزم للتسليم ضمانا أيضا، فينتفي المقتضي له. ويعضده الأصل، وانتفاء المخرج عنه من العموم المتقدم، لعدم انصرافه إلى نحو الغرض مما قصد فيه المسلم نفي الضمان. ولكن هذا إنما يتم لو كانا جاهلين بالفساد أو عالمين به، فإن الدفع والقبض يكون بمنزلة الأمانة. وكذا لو كان الدافع عالما دون الآخر. ويشكل في العكس، من حيث أن القابض لعلمه بالحال أخذ بغير حق، والدافع توهم الصحة، وإلا لما رضي بدفع ماله، فينبغي أن يكون مضمونا، للعموم السابق، إلا أن يدفع بما مر، من الأصل، وعدم انصراف العموم إلى محل الفرض. وهذا هو العمدة في توجيه الحكم في الصور السابقة، إذ لولاه لأمكن انسحاب هذا الإشكال في الصورة الاولى منها، من حيث إن رضى المسلم بدفع العين إنما هو لتوهم صحة العقد، بحيث لولاه لما رضي بالدفع. * (ولا يدخل حمل الدابة ولا ثمرة النخل والشجر) * ونحوها من النماء الموجودة حالة العقد * (في الرهن) * إلا بالإشتراط، أو الإتصال الغير القابل للإنفصال عند الأكثر، بل في الإنتصار الإجماع (2)، لكن على الحمل خاصة. خلافا للإسكافي، حيث قال: بالدخول على الإطلاق (3)، تبعا للأصل.


(1) سنن البيهقي 6: 95. (2) الانتصار: 230. (3) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 406.

[ 515 ]

ولا ريب في ضعفه، وعدم إمكان المصير إليه، لمخالفته الإجماع، والأصل الدال على عدم الدخول، مع عدم المخرج عنه، بعد ظهور أنه لا يتناوله لفظ المرهون. وقيل: بدخول نحو الصوف والوبر مما هو بحكم الجزء (1). وهو حسن إن حكم العرف بالدخول، وإلا فالأظهر ما هو المشهور، ولعله المفروض. * (نعم لو تجدد) * النماء * (بعد الإرتهان دخل) * إن كان متصلا لا يقبل الإنفصال - كالسمن والطول - بالإجماع المستفيض النقل في كلام غير واحد من الأصحاب. وكذا إن كان منفصلا كأمثلة العبارة، أو ما يقبله - كالشعر والصوف - على المشهور، كما عن الإسكافي (2) وأحد قولي الطوسي (3) والمفيد (4) والقاضي (5) والحلبي (6) والحلي (7) والمرتضى (8) وابني حمزة (9) وزهرة (10)، وتبعهم من المتأخرين جماعة، كالماتن هنا وفي الشرائع (11) والشهيد في كتبه الثلاثة (12). ولا يخلو عن قوة، لا لتبعية الأصل - كما قيل (13) - لمنعها في مطلق الحكم، بل إنما هي في الملك، ولا كلام فيها، ولا لتبعية ولد المدبرة لها في التدبير، لخروجها بالدليل، مع حرمة القياس، ووجود الفارق، وهو تغليب


(1) جامع المقاصد 5: 134. (2) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 407. (3) النهاية 2: 251. (4) المقنعة: 623. (5) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 407. (6) الكافي في الفقه: 334. (7) السرائر 2: 424. (8) الانتصار: 230. (9) الوسيلة: 265. (10) الغنية: 244. (11) الشرائع 2: 83. (12) اللمعة: 81، والدروس 3: 393، الدرس 278، وغاية المراد: 58 " مخطوط ". (13) القائل الشهيد الثاني في الروضة 4: 89.

[ 516 ]

جانب العتق، بل للإجماع المنقول في صريح الإنتصار (1) والسرائر (2) وظاهر الغنية (3). وهو حجة، سيما مع اعتضاده بالتعدد والشهرة. ولولاه لكان المصير إلى القول بعدم الدخول - كما عن الخلاف (4) والمبسوط (5)، وتبعه من المتأخرين جماعة (6) - لا يخلو عن قوة، لا للمعتبرة الآتية - القاضية بأن النماء المتجدد للراهن، لأن غايته الدلالة على التبعية في الملك، ولا ينافيها الدخول في المرهون، كما هو فرض المسألة - بل لأصالتي عدم الدخول، وجواز تصرف المالك في ماله ونمائه كيف يشاء، خرج منهما الاصل بوقوع الرهن عليه فبقى الباقي. ولو اشترط المرتهن الدخول أو الراهن الخروج ارتفع الإشكال، وحكى عليه الإجماع في الدروس (7)، ويعضده عموم ما دل على لزوم الوفاء بالشروط، مضافا إلى ما دل على لزوم الوفاء بالعقود. ولا ينافي اشتراط الدخول عدم جواز رهن المعدوم. لمنعه على العموم، بل يخص بما ليس تابعا لموجود، وأما فيه فيجوز، كما هو المفروض. * (وفائدة الرهن) * مطلقا * (للراهن) * عندنا، وعليه الإجماع في كشف الحق (8) وغيره، والإجماعات السابقة جارية هنا. وهو الحجة، مضافا إلى كثير من المعتبرة، التي هي مع تعددها موثقات كالصحيحة، فإن في سندها جملة ممن أجمعت على تصحيح ما يصح عنهم العصابة. في اثنين منها: أن غلة الرهن تحتسب لصاحب الرهن مما عليه (9).


(1) الانتصار: 230. (2) السرائر 2: 424. (3) الغنية: 244. (4) الخلاف 3: 251، المسألة 58. (5) المبسوط 2: 237. (6) المختلف 5: 407، والتنقيح 2: 168، وكفاية الأحكام: 110 س 2. (7) الدروس 3: 394، الدرس 278. (8) نهج الحق: 490. (9) الوسائل 13: 132، الباب 10 من أبواب احكام الرهن الحديث 1 و 4.

[ 517 ]

وفي الثالث: إن رهن دارا لها غلة لمن الغلة ؟ قال: لصاحب الدار (1). هذا، مضافا الى المعتبرة الآتية (2)، الدالة على أن هلاك الرهن منه، فكذا نماؤه له، للتلازم بينهما، الثابت ببعضها، وبعض المعتبرة الواردة في بحث بيع خيار الشرط. وفيه - بعد الحكم بأن النماء للمشتري -: أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت ؟ تكون الدار دار المشتري (3). ولم يخالف في المقام عدا العامة، ويحتج عليهم بما رووه من النبوي: لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه (4). ويستفاد منه التلازم المتقدم، مضافا إلى موافقته للحكمة الربانية. * (ولو رهن رهنين بدينين ثم ادى عن أحدهما) * وفك ما بإزائه من الرهن * (لم يجز امساكه ب‍) * الدين * (الآخر) * للأصل، وعدم ارتباط أحد الدينين بالآخر، فلا يجوز أخذ رهن أحدهما بالآخر. * (و) * منه يظهر الوجه في أنه * (لو كان له دينان و) * أخذ * (بأحدهما رهن) * دون الآخر * (لم يجز إمساكه بهما) * ولا بدين ثالث. * (ولا (5) يدخل زرع الأرض) * المرهونة * (في الرهن) * مطلقا * (سابقا كان) * على الرهانة * (أو متجددا) * بعدها، بلا خلاف أجده، للأصل، وعدم المخرج عنه في المقام. * (الثاني) * * (في) * بيان * (الحق) * المرهون به * (ويشترط ثبوته في الذمة) * بمعنى استحقاقه فيها مطلقا وإن لم يكن


(1) الوسائل 13: 132، الباب 10 من أبواب احكام الرهن الحديث 3. (2) الوسائل 13: 126، الباب 5 من أبواب احكام الرهن الحديث 6. (3) الوسائل 12: 355 - 356، الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 3. (4) سنن الدارقطني 3: 32، الحديث 125. (5) في المتن المطبوع: ولم.

[ 518 ]

مستقرا، كالقرض وثمن المبيع ولو في زمن الخيار * (مالا كان) * كالأمثلة * (أو منفعة) * كالعمل ونحوه من المنافع المستأجرة. فلا يصح الرهن على ما لم يثبت، كمال يستدينه بعد أو يستأجره. ولا على ما حصل سببه ولم يثبت، كالدية قبل استقرار الجناية وإن حصل الجرح. ولا على مال الجعالة قبل الرد وإن شرع في العمل (1). وأما العين فلا يصح الرهن عليها إن كانت أمانة بالإتفاق، كما عن التذكرة (2) وفي المسالك (3) وغيره. وهو الحجة، مضافا إلى الأدلة الآتية في المنع عن الرهن على العين المضمونة. لا ما قيل: من امتناع استيفائها بعينها من شئ آخر، كما هو مقتضى الرهن (4). فإنه يرد أولا: بإمكان التوثيق بأخذ العوض عند التلف. وثانيا: بعدم جريانه في الدين، المجمع على جواز الرهن عليه، فإن ما يستوفي من الرهن أو ثمنه ليس عين الدين الكلي الذي اشتغل به الذمة. ولا ريب في تغايره لجزئياته ولو في الجملة، سيما على القول بأن وجوده في الخارج في ضمن الفرد لا عينه. وكذا إذا كانت مضمونة [ كالغصب ] (5) عند الأكثر. وهو الأظهر، للأصل، وعدم دليل على الصحة، لعدم الإجماع، بعد استقرار فتوى الأكثر على الخلاف، واختصاص الآية (6) وجملة من


(1) في " ق، ش ": " وإن حصل البدل " بدل: وإن شرع في العمل. (2) التذكرة 2: 23 س 18، ومنه يفهم عدم الخلاف، كما فهم من عبارته صاحب مجمع الفائدة 9: 148، فراجع. (3) المسالك 4: 28. (4) قاله المحدث الكاشاني في مفاتيح الشرائع 3: 137، مفتاح 1017. (5) لم يرد في " ق، ش ". (6) البقرة: 283.

[ 519 ]

النصوص (1) بالدين، وعدم انصراف إطلاق باقيها بحكم ما سبق غير مرة إلى محل الفرض. نعم بقي العمومات الدالة على لزوم الوفاء بالعقود. إلا أنه يمكن الذب عنها، باختصاصها بحكم الإجماع بالعقود المتداولة في زمان الشرع. وفي كون محل الفرض منها نوع شك وغموض، ينشأ من الشك في تداول مثله فيه وإن حصل القطع بتداول جنس الرهن فيه. لكن كون المقام من أفراده محل غموض. وتسميته رهنا حقيقة في اللغة والعرف غير معلوم. فلابد حينئذ من الرجوع الى حكم الأصل، وهو فساد الرهن، فتأمل جدا. وبما ذكر تسقط حجج القول بالجواز، كما اختاره الشهيدان (2)، وحكي عن التذكرة (3)، مع ورود مثلها في الأمانة، حيث يحتمل سبب الضمان. وما يذب به عن الإيراد من كون العين في محل البحث مضمونة عند الرهن، ولا كذلك الأمانة غير مفهوم، فإن مضمونية محل البحث مشروط بالتلف، وليس بالفعل على اليقين. والضمان بالشرط جار في نحو العارية، فإنها وإن لم تكن مضمونة عند العقد بمجرد التلف فيما بعد، إلا أنها مضمونة به مع التفريط، فكل من المقامين مضمون عند العقد في الجملة وإن كان الضمان في الأول بمجرد التلف، وفي الثاني به مع التفريط.


(1) انظر الوسائل 13: 121، الباب 1 من أبواب أحكام الرهن. (2) الدروس 3: 401، الدرس 280، والمسالك 4: 28. (3) التذكرة 2: 23 س 20.

[ 520 ]

ومجرد الإفتراق بذلك غير مجد، للفرق، بعد دعوى عموم دليل (1) الجواز والإشتراك في الضمان في الجملة، الذي هو المعيار في دعواهم صحة الرهن به. نعم يمكن الذب والتفريق بالإجماع. وأما استدلال بعض متأخري الأصحاب للجواز بالمعتبرة المستفيضة، الدالة على جواز الرهانة على خصوص المضمون (2)، منها: عن السلم في الحيوان والطعام ويؤخذ الرهن، فقال: نعم، استوثق من مالك ما استطعت (3). فإن كان من حيث دلالتها على الجواز في المضمون - كما هو ظاهر العبارة - فقريب، إذ لم تدل إلا على الجواز في السلف والنسيئة، وهما من أقسام الدين الجائز فيه أخذ الرهن بالإجماع. ومجرد تسميته مضمونا مع عدم كونه من محل البحث لعدم كونه عينا، غير مجد في الإستدلال جدا. وإن كان من حيث إشعار التعليل بالإستيثاق بالعموم، ففيه - بعد عدم وروده إلا في بعضها، فلا وجه للإستدلال بجميعها، مضافا إلى المنافاة لظاهر العبارة (4) - أن حصول الإستيثاق بهذا الرهن أول الكلام، فإنه (5) لا إستيثاق بهذا الرهن إلا بعد صحته، وعدم جواز رجوع الراهن فيه، وهي أول البحث، مع أن عمومها يخرج منه كثير من الرهون الفاسدة، التي الصحيحة منها بالإضافة إليها قليلة. ومثل هذا العام خارج عن الحجية، كما برهن عليه في المسائل الاصولية. ثم إن في إشتراط ثبوت الدين واستقراره في الذمة قبل الرهن، أم


(1) في المطبوع: أدلة. (2) مفاتيح الشرائع 3: 138، مفتاح 1017. (3) الوسائل 13: 121، الباب 1 من أبواب أحكام الرهن الحديث 5. (4) في " ه‍ " توجد زيادة كلمة: مع. (5) في " ق، ش ": وأنه.

[ 521 ]

الإكتفاء بالمقارنة، كأن يقول: بعتك هذا العبد بألف وارتهنت هذا الثوب به، فقال المشتري: اشتريت ورهنت، قولان. وحكي الأول عن الأكثر، والثاني عن التذكرة (1)، واختيار الأول لا يخلو عن قوة. * (ولو رهن) * رهنا * (على مال ثم استدان آخر فجعله عليهما صح) * لعدم المانع، ووجود المقتضي من التوثيق والإرتفاق، سيما مع زيادة قيمته على الأول. ولا يشترط الفسخ ثم التجديد، بل يضم بعقد جديد. وكذا لو رهن على المال الواحد رهنا آخر فصاعدا وإن كانت قيمة الأول تفي بالدين، لجواز عروض ما يمنع من استيفائه منه، ولزيادة الإرتفاق والتوثيق. * (الثالث) * * (في) * بيان * (الراهن) * * (ويشترط فيه كمال العقل) * بالبلوغ والرشد * (وجواز التصرف) * برفع الحجر عنه في التصرفات المالية، كما في سائر العقود. * (وللولي أن يرهن لمصلحة المولى عليه) * ماله، كما إذا افتقر إلى الإستدانة لنفقته أو إصلاح ماله ولم يكن بيع شئ من ماله أعود أو لم يمكن وتوقفت على الرهن. ويجب كونه على يد ثقة يجوز إيداعه منه. ولا خلاف في أصل الحكم، بل عليه الوفاق في كونه على يد ثقة يجوز إيداعه منه. ولا خلاف في أصل الحكم، بل عليه الوفاق في المسالك، وإنما الخلاف لبعض الشافعية، كما فيه (2). وكذا يجوز - بل ربما قيل: يجب - أخذ الرهن له، كما إذا أسلف ماله مع ظهور الغبطة، أو خيف على ماله من غرق أو حرق أو نهب. ويعتبر كون الرهن مساويا للحق أو أزيد، ليمكن الاستيفاء منه، وكونه


(1) التذكرة 2: 23 س 37. (2) المسالك 4: 33.

[ 522 ]

بيد الولي أو بيد عدل، ليتم التوثيق والإشهاد على الحق لمن يثبت به عند الحاجة إليه عادة. فلو أخل ببعض هذه ضمن مع الإمكان، كما قالوه. ولا ريب أن فيه إحتياطا لمال اليتيم، المبني جواز التصرف فيه عندهم على المصلحة والغبطة، فضلا عن عدم دخول نقص عليه. * (وليس للراهن التصرف في الرهن) * ببيع أو وقف أو نحوهما مما يوجب إزالة الملك، ولا * (بإجارة، ولا سكنى) * ولا غيرهما مما يوجب نقصه، بلا خلاف فيهما، لما في الأول: من فوات الرهن، وفي الثاني: من دخول الضرر على المرتهن. وأما غيرهما مما لا يوجب الأمرين فكذلك، على الأشهر الأقوى، لإطلاق المروي في المختلف وغيره عنه (عليه السلام): الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن (1)، وللإجماع المحكي عن الطوسي في استخدام العبد وركوب الدابة وزراعة الأرض وسكنى الدار (2)، وعن الحلي مطلقا (3). خلافا للمحكي عن محتمل التذكرة (4)، وتبعه من متأخري المتأخرين جماعة (5)، مستندين إلى الأصل وعموم الخبر بإثبات التسلط لأرباب الأموال عليها مطلقا، وخصوص الصحيحين الواردين في تجويز وطء الأمة المرهونة. في أحدهما: رجل رهن جارية عند قوم أيحل له أن يطأها ؟ قال: إن الذين ارتهنوها يحولون بينه وبينها، قلت: أرأيت إن قدر عليها خاليا ؟ قال: نعم، لا أرى عليه هذا حراما (6). ونحوه الثاني (7).


(1) المختلف 5: 421. (2) المبسوط 2: 206. (3) السرائر 2: 417. (4) التذكرة 2: 29 س 28. (5) مجمع الفائدة 9: 164، وكفاية الاحكام: 109 س 16. (6) الوسائل 13: 133، الباب 11 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2. (7) الوسائل 13: 133، الباب 11 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1.

[ 523 ]

ولا يخلو عن قوة، لولا الرواية المتقدمة، والإجماعات المحكية، المتقدمة بعضها، والآتي باقيها، المعتضدة بالشهرة العظيمة، التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها إجماع في الحقيقة، لعدم معلومية الخلاف، حتى عن التذكرة، كما اعترف به بعض هؤلاء الجماعة، بل ظاهر عبارته المحكية عدم الخلاف في المنع بين الإمامية، حيث نسبه إلى الشافعية خاصة، ولم ينسبه إلى أحد منا. نعم أيد مذهبهم، لكن بعبارات ليست في الفتوى بالجواز صريحة، بل ولا ظاهرة (1). وأما هؤلاء الجماعة فلا ينافي مخالفتهم الإجماع، سيما وأن دأبهم المناقشة في كثير من الموارد الإجماعية، ولا يبالون بالإجماعات المحكية معتضدة بالشهرة - بل وعدم الخلاف - كانت، أم غير معتضدة، فيخصص بالإجماع الدليلان الأولان. * (و) * يذب عن الخبرين به وبالاجماع المحكي عن صريح المبسوط (2) والخلاف (3) على أنه * (لا) * يجوز * (وطء) * الأمة المرهونة، المعتضدين ببعض الوجوه الإعتبارية، المشار إليه بقوله: * (لأنه تعريض للإبطال) * في الرهن بالإستيلاد، المانع عن البيع، بل ربما حصل معه الموت بسبب الوضع في بعض الأحيان، مضافا إلى الإجماع الظاهر من قول الماتن: * (وفيه رواية بالجواز (4) مهجورة) * ونحوه قول الشهيد في الدروس (5)، فاستفاض الإجماع على المنع عن وطئها، عموما في بعض، وخصوصا


(1) التذكرة 2: 29 س 24. (2) المبسوط 2: 206. (3) الخلاف 3: 231، المسألة 20. (4) الوسائل 13: 133، الباب 11 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1 و 2. (5) الدروس 3: 397، الدرس 279.

[ 524 ]

في آخر. فلا يقاومه الخبران وإن صح سندهما، بل وإن اعتضدا بأحاديث اخر غيرهما. فقد ورد عنهم (عليهم السلام) الأمر بطرح الخبر الشاذ، الذي لم يوجد له عامل، والأمر بالأخذ بالمشتهر بين الأصحاب (1)، معللا بعلة اعتبارية قاطعة عامة، تجري في الفتوى والرواية. وبها يذب عن المناقشة فيه بالإختصاص بالأخيرة، لكونها مورد ما دلت عليه الرواية الآمرة. هذا، مع احتمالها الحمل على التقية، كما يستشعر عن التذكرة (2)، وعبارة الشيخ المحكية (3)، حيث عزيا القول بالجواز إلى الشافعية، كما في الاولى، أو مطلقا كما في الثانية. ولعل وجه الحكمة في المنع عن مطلق التصرفات - وإن لم تكن ناقلة ولا منقصة - ما ذكره بعض الأصحاب (4)، من القصد إلى تحريك الراهن إلى الأداء، إذ لو جاز له الإنتفاع ولو في الجملة لانتفت الفائدة في الرهانة والوثيقة، فقد يكتفى ببعض المنافع، ويقتصر به عن الباقي، ومثله وإن لم يصلح دليلا، إلا أنه قابل للتأييد القوي جدا. وبما ذكر يظهر الجواب عن مختار المسالك (5) والمهذب (6) والصيمري (7)، من جواز التصرف بما يعود به النفع إلى المرتهن، كمداواة المريض، ورعي الحيوان، وتأبير النخل، وختن العبد، وخفض الجارية إذا لم يؤد إلى النقص. إلا أن يقال: بحصول الإذن بذلك بالفحوى، ولكنه - حينئذ - خروج عن


(1) الوسائل 18: 75، الباب 9 من أبواب صفات القاضي. (2) التذكرة 2: 29 س 24. (3) المبسوط 2: 206. (4) المسالك 4: 47. (5) المسالك 4: 47. (6) المهذب البارع 2: 497. (7) غاية المرام: 75 س 30 (مخطوط).

[ 525 ]

المفروض جدا، لأنه التصرف الذي لم يتحقق فيه إذن أصلا. * (و) * حيث ثبت المنع لو خالف وتصرف بدون الإذن، فإن كان بعقد، كما * (لو باعه الراهن) * مثلا بدونه صح وإن أثم، ولكن * (وقف على إجازة المرتهن) * فإن حصلت، وإلا بطلت، استنادا فيه إلى ما مر، وفي الصحة إلى عموم أدلة الفضولي أو فحواه إن اختصت بإجازة المالك. وإن كان بانتفاع منه أو ممن سلطه عليه ولو بعقد لم يصح، وفعل محرما، لما مضى. * (وفي وقوف العتق على إجازة المرتهن) * أم بطلانه من رأس * (تردد) * للمنع - كما عن المبسوط (1) -: كون العتق إيقاعا فلا يتوقف لاعتبار التنجيز فيه. وللجواز: عموم أدلة العتق السليمة عن المعارض، بناء على أن المانع هنا حق المرتهن وقد زال بالإجازة بمقتضى الفرض. * (أشبهه الجواز) * والصحة مع الإجازة، وفاقا للنهاية (2) والتحرير (3)، وبه أفتى الماتن في الشرائع (4) والصيمري في الشرح (5) وتبعهم الشهيدان (6)، لمنع منافاة التوقف المذكور للتنجيز، كغيره من العقود التي يشترط ذلك فيها أيضا، فإن التوقف الممنوع منه هو توقف المقتضي على شرط، لا على زوال مانع. وعلى هذا لو لم يطلبه المرتهن إلى أن افتك (7) الرهن لزم. وهو حسن، مع حصول نية التقرب. وهو مع النهي عنه واشتراطه بالقربة لا يخلو عن التأمل، مضافا إلى الأصل، وعدم عموم في أدلة لزوم العتق يشمل محل النزاع، وإن كان الأحوط ذلك، بمعنى عدم تملكه مثل هذا العبد


(1) المبسوط 2: 200. (2) النهاية 2: 251. (3) التحرير 1: 207 س 34. (4) الشرائع 2: 82. (5) غاية المرام: 75 س 28 (مخطوط). (6) اللمعة والروضة 4: 83. (7) في المطبوع زيادة: ربه.

[ 526 ]

وعتقه في ثاني الحال. إلا أنه يمكن الذب عن الأول: بأن متعلق النهي هو التصرف، وليس بمعلوم عد مثل إجراء صيغة العتق بمجرده منه. ولعله لذا أن الشيخ مع دعواه الإجماع المتقدم جوز تزويج العبد المرهون في الخلاف (1) والمبسوط (2)، مشترطا فيه عدم التسليم إلا بعد الفك، ومال إليه الفاضل، في المختلف (3) والقواعد (4) بعد أن رده، وفاقا لموضع آخر من المبسوط (5) قد منع فيه عن التزويج على الإطلاق، مستندا إلى إطلاق ما مر من الخبر (6). فما ذكره الأكثر من الجواز هو الوجه، مع تحقق العموم، كما هو ظاهر الفريقين، حيث لم يتعرضوا لمنعه، بل ظاهرهم الإطباق على وجوده، وإنما علل المانع المنع بما مر لا بمنعه، وهو ظاهر في إجماعهم على وجوده. * (الرابع) * * (في) * بيان * (المرتهن) * * (ويشترط فيه) * ما اشترط في الراهن والمتعاقدين في سائر العقود من * (كمال العقل) * بما مر * (وجواز التصرف) * لاتحاد الدليل. واعلم أن إطلاق الرهن لا يقتضي كون المرتهن وكيلا في البيع * (و) * لكن * (يجوز اشتراط الوكالة في) * بيع * (الرهن) * عند حلول الدين له ولوارثه وغيره في عقد الرهن وغيره من العقود اللازمة، بلا خلاف يعرف، بل عليه الإجماع في الغنية (7). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، وعمومات الأدلة


(1) الخلاف 3: 253، المسألة 60. (2) المبسوط 2: 238. (3) المختلف 5: 420. (4) القواعد 1: 162 س 7. (5) المبسوط 2: 200. (6) المستدرك 13: 426، الباب 17 من أبواب كتاب الرهن الحديث 6. (7) الغنية: 244.

[ 527 ]

بلزوم الوفاء بالعقود والشروط السائغة، الغير المخالفة للكتاب والسنة، وما نحن فيه منها بالبديهة. * (ولو عزل) * الراهن المشروط * (له) * الوكالة مرتهنا كان، أو غيره * (لم ينعزل) * عنها على الأظهر، وفاقا للفاضلين (1) والشهيد الثاني (2) والمفلح الصيمري (3) وجماعة، للزوم الرهن من جهة، وهو الذي شرطها على نفسه، فيلزم من جهته. خلافا لنادر، فقال: ينعزل، إما لأن الوكالة من العقود الجائزة التي من شأنها تسلط كل منهما على الفسخ، أو لعدم وجوب الوفاء بالشروط مطلقا وإن كان في عقد لازم، بل شأنه تسلط المشروط له على فسخ العقد المشروط فيه، أو لأن لزوم الشرط إنما يكون مع ذكره في عقد لازم، كالبيع، وليس كذلك الرهن، فإن ترجيح أحد طرفيه على الآخر ترجيح من غير مرجح. ويضعف الأول: بأن جواز الوكالة بحسب الأصل لا ينافي لزومها بسبب العارض، كالإشتراط في العقد اللازم، وهو هنا كذلك. والثاني: بمنع عدم وجوب الوفاء بالشرط في العقد اللازم، بل الظاهر الوجوب، وفاقا للأكثر، وقد تقدم البحث في ذلك. والثالث: بأن عقد الرهن لما كان لازما من طرف الراهن كان ما يلزمه الراهن على نفسه بعقده لازما من قبله، عملا بمقتضى اللزوم، والشرط وقع من الراهن على نفسه فيلزم. ولما كان جائزا من طرف المرتهن كان ما يلزمه كذلك، فيجوز له فسخ الوكالة، وهو واضح، لأنه حقه، فله تركه.


(1) الشرائع 2: 79، والتحرير 1: 206 س 4. (2) المسالك 4: 36. (3) غاية المرام: 75 س 4 (مخطوط).

[ 528 ]

وأما فسخ العقد المشروط فيه فغير متوجه في المقام، بناء على تعقبه الضرر على المرتهن. نعم لو كان مشروطا في عقد لازم آخر توجه الفسخ حينئذ، إلا أن المقصود هنا شرطها في عقد الرهن خاصة (1). * (و) * أما ما ربما يستدل بهذا القول باتفاق الأصحاب في الظاهر على أنه * (تبطل الوكالة) * المشروطة * (فيه) * (2) أي في عقد الرهن * (بموت الموكل دون الرهانة) * بناء على أن لزومها يستدعي عدم بطلانها، كما هو شأن العقود اللازمة، فالبطلان به مناف للزوم. فمضعف: بأن تغير حكم الوكالة بالشرط لا يوجب تغير حقيقتها، التي هي استنابة الوكيل بإيقاع الفعل عن الموكل، وهي بموت الموكل منتفية، لعدم جواز إيقاع الفعل هنا عن الميت، لانتقال متعلق الوكالة إلى الغير. ومع انتفاء الحقيقة ينتفي الحكم، لأن الجواز واللزوم من أحكام الوكالة، ولا بقاء للحكم مع انتفاء الحقيقة. وكما تبطل بموت الموكل تبطل بموت الوكيل، لا من حيث كون الوكالة من العقود الجائزة التي من شأنها البطلان بالموت، بل من حيث إن الغرض من الوكالة الإذن في التصرف، فيقتصر فيها على من أذن له خاصة، فإذا مات بطل من هذه الجهة، كالإجارة المشروط فيها العمل بنفسه، فإنها تبطل بموته. وأما الرهانة فلا تبطل بموت أحدهما، للزومها من جهة الراهن، وكونها حقا للمرتهن، لكن إذا مات أحدهما كان للآخر الإمتناع من تسليمه إلى وارثه، وكذا للوارث الإمتناع من تسليمه إليه، لأن وضعه عند أحد مشروط


(1) حكاه الشهيد في المسالك 4: 36. (2) لم ترد " فيه " في المتن المطبوع.

[ 529 ]

باتفاقهما عليه. وإن تشاحا فللحاكم تسلمه وتسليمه إلى عدل، ليقبضه لهما، كذا قالوه. * (ويجوز للمرتهن ابتياع الرهن) * لنفسه برضى المالك مطلقا، كان وكيلا في بيعه، أم لا، إجماعا على الظاهر، للأصل، والعمومات مع فقد المانع، مضافا إلى الصحيح: عن الرجل يكون له الدين على الرجل ومعه الرهن أيشتري الرهن منه ؟ قال: نعم (1). وفي جوازه بمجرد وكالته في بيعه مع عدم معلومية رضى المالك به، وبعدمه، قولان، مبنيان على جواز بيع الوكيل من نفسه وعدمه، وليس هنا محل ذكره. ولا ريب أن الترك والإستئذان أحوط. والمشهور جواز ابتياعه لولده وشريكه، ومن يجري مجراهما. خلافا للإسكافي، فمنع عنه أيضا (2). ولا شاهد له سوى القياس جدا، فإن الأخبار المانعة عن بيع الوكيل من نفسه غير ظاهرة الشمول للمفروض أصلا. وما ربما يتوهم منه الشمول له من حيث التعليل - للمنع فيه بالتهمة الجارية فيه - ظاهر في كراهة المنع، لا تحريمه، فلا وجه للاستناد إليه لإثباته. * (والمرتهن أحق من غيره باستيفاء دينه من الرهن) * مطلقا * (سواء كان الراهن حيا، أو ميتا) * بلا خلاف في الأول فتوى، ورواية، بل عليه الإجماع في ظاهر كلام المقدس الأردبيلي (3) وغيره. وهو الحجة، مضافا إلى أن فائدة الرهن شرعا وعرفا ولغة اختصاص المرتهن بالإستيفاء، ومقتضاها تقديمه


(1) الوسائل 13: 134، الباب 13 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2. (2) كما في المختلف 5: 428. (3) مجمع الفائدة 9: 161.

[ 530 ]

على غيره من الغرماء. ومنها يظهر الوجه في انسحاب الحكم في الثاني - مع اشتهاره بين الأصحاب، من غير خلاف يعرف بينهم - في ذلك وإن أشعر كثير من العبارات بوقوعه، ولكن لم يصرح أحد منهم بقائله. إلا أن بعض متأخري المتأخرين (1) عزاه إلى الصدوق في الفقيه بناء على ذكره فيه الرواية المخالفة، المشار إليها في العبارة بقوله: * (وفي الميت رواية اخرى) * مع ذكره في أوله ما يستدل به على فتواه. وفيه نظر. والمراد بالرواية هنا الجنس، لتعددها في بعضها: عن رجل أفلس وعليه دين لقوم وعند بعضهم رهون وليس عند بعضهم فمات ولا يحيط ماله بما عليه من الدين، قال: يقسم جميع ما خلف من الرهون وغيرها على أرباب الدين بالحصص (2). ونحوه آخر: جميع الديان في ذلك سواء، ويوزعونه بينهم بالحصص (3)، الخبر. وهما قاصرا الأسانيد، بل الاولى ضعيفة، والثانية مع الجهالة مكاتبة، ومع ذلك شاذتان، مخالفتان لما مر من الفائدة، المتفق عليها فتوى ورواية، مضافا إلى سبق حق المرتهن بالرهانة، وأصالة بقائه، وثبوت سلطنته المتقدمة. ولا يخرج عن هاتين القاعدتين المعتضدتين بعمل الأصحاب في البين بنحو هذين الخبرين، اللذين امرنا بطرح أمثالهما من شواذ الأخبار. وربما يؤولان بتأويلات بعيدة، لكن لا بأس بها، جمعا بين الأدلة.


(1) هو الفاضل الآغا السيد عبد الله بن المقدس السيد نور الدين بن العلامة السيد نعمة الله الجزائري (هامش الحدائق 20: 260). (2) الوسائل 13: 139، الباب 19 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1. (3) الوسائل 13: 139، الباب 19 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2.

[ 531 ]

هذا، مع أن في الدروس: الرواية مهجورة (1). وهذه العبارة في دعوى الإجماع على خلافها ظاهرة، بل عبارة السرائر في دعواه صريحة (2). وفي المسالك أن تحقق التعارض في الحي إنما هو إذا كان مفلسا محجورا عليه، إذ بدونه يتخير في الوفاء (3). وهو كذلك. * (ولو قصر الرهن عن الدين) * المرهون به * (ضرب) * المرتهن * (مع الغرماء في الفاضل) * من الدين، لعدم انحصار الحق في الرهن بعقده، فيتناوله عموم الأدلة بضرب صاحب الدين مع الغرماء في مال المفلس والميت، وكذلك لو زاد عنه صرفه إلى الغرماء أو الورثة. * (والرهن أمانة في يد المرتهن، ولا يسقط بتلفه شئ من ماله ما لم يتلف بتعد أو تفريط) * بلا خلاف بين الأصحاب على الظاهر، بل عليه الإجماع عن الشيخ (4) وفي التذكرة (5) ونهج الحق للفاضل (6) والسرائر (7) والغنية (8). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، والمعتبرة المستفيضة، منها الصحاح. في أحدها: رجل رهن عند رجل رهنا وضاع الرهن، قال: هو من مال الراهن، ويرتجع المرتهن عليه بماله (9). وفي الثاني: الرجل يرهن عند الرجل رهنا فيصيبه شئ أو يضيع، قال: يرجع عليه بماله (10). وفي الثالث: الرجل يرهن الغلام أو الدار فيصيبه الآفة على من يكون ؟ قال: على مولاه. ثم قال لي: أرأيت لو قتل قتيلا على من يكون ؟ قلت: هو


(1) الدروس 3: 405، الدرس 281. (2) السرائر 2: 424. (3) المسالك 4: 39. (4) المبسوط 2: 246. (5) التذكرة 2: 32 س 18. (6) نهج الحق: 489. (7) السرائر 2: 419. (8) الغنية: 245. (9) الوسائل 13: 125، الباب 5 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1. (10) الوسائل 13: 126، الباب 5 من أبواب أحكام الرهن الحديث 5.

[ 532 ]

في عنق العبد، قال: ألا ترى لم يذهب من مال هذا ! ثم قال: أرأيت لو كان ثمنه مائة دينار فزاد وبلغ مائتي دينار لمن كان يكون ؟ قلت: لمولاه، قال: وكذا يكون عليه ما يكون له (1). ومنه ومما في معناه - مما دل على التلازم بين النقصان والمنفعة - يظهر وجه إمكان الإستناد في المقام إلى المعتبرة المتقدمة، الدالة على أن نماء الرهن للراهن. ولكن بأزائها أخبارا ظاهرة المخالفة بحسب الإطلاق في الحكم. منها الصحيح: عن قول علي (عليه السلام) في الرهن يترادان الفضل، قال: كان (عليه السلام) يقول ذلك، قلت: كيف يترادان الفضل ؟ فقال: إن كان الرهن أفضل مما رهن به ثم عطب رد المرتهن الفضل على صاحبه، وإن كان لا يسوي رد الراهن ما ينقص من حق المرتهن، قال: وكان ذلك قول علي (عليه السلام) في الحيوان وغير ذلك (2). ونحوه الموثق كالصحيح (3). وحملا على تفريط المرتهن، للمرسل: في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع في حقه على الراهن فيأخذه، فإن استهلكه تراد الفضل بينهما (4). وبه أيضا يشعر ظاهر الصحيح: عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم وهو يساوي ثلاثمائة درهم فهلك، أعلى الرجل ان يرد على صاحبه مائتي درهم ؟ قال: نعم، لأنه أخذ رهنا فيه فضل فضيعه، قلت: فهلك نصف الرهن،


(1) الوسائل 13: 126، الباب 5 من أبواب أحكام الرهن الحديث 6. (2) الوسائل 13: 129، الباب 7 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1. (3) الوسائل 13: 129، الباب 7 من أبواب أحكام الرهن الحديث 3. (4) الوسائل 13: 126، الباب 5 من أبواب أحكام الرهن الحديث 7.

[ 533 ]

قال: على حساب ذلك (1). ونحوه الخبر: إذا رهنت عبدا أو دابة فماتا فلا شئ عليك، وإن هلكت الدابة أو أبق الغلام فأنت ضامن (2). لحمل الهلاكة فيه على الإهلاك، ليرتفع المنافاة بين حكميه بالنفي والإثبات، وهو وجه الإشعار فيه، كالتعليل بالتضييع في الأول. ويمكن أيضا حملهما على التقية، لكون الضمان مذهب العامة، كما يظهر من عبائر نقلة الإجماع في المسألة، وحكاه الفاضل صريحا عن أبي حنيفة (3)، واحتج عليه - كابن زهرة في الغنية (4) - بالنبويين المشهورين بين الخاصة والعامة. في أحدهما: لا يغلق الراهن الرهن من صاحبه، له غنمه وعليه غرمه (5). وفي الثاني: الخراج بالضمان (6). وخراجه للراهن إجماعا. وربما يشعر بالورود عليها نسبة الحكم في الأول إلى علي (عليه السلام) خاصة من دون أن ينسبه إلى نفسه بالمرة، وهو ظاهر في الورود تقية، سيما مع تكرار ذكر النسبة. مضافا إلى صريح بعض المعتبرة، كالموثق: قلت له: الرجل يرتهن العبد فيصيبه عور أو ينقص من جسده شئ على من يكون نقصان ذلك ؟ قال: على مولاه، قلت: إن الناس يقولون إن رهنت العبد فمرض أو انفقأت عينه فأصابه نقصان في جسده ينقص من مال الرجل بقدر ما ينقص من العبد، قال: أرأيت لو أن العبد قتل قتيلا على من يكون جنايته ؟ قال:


(1) الوسائل 13: 129، الباب 7 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2. (2) الوسائل 13: 127، الباب 5 من أبواب أحكام الرهن الحديث 8. (3) كما في نهج الحق: 489. (4) الغنية: 245. (5) المستدرك 13: 422، الباب 10 من أبواب الرهن الحديث 3، وسنن الدارقطني 3: 32، الحديث 125. (6) سنن ابن ماجة 2: 754، الحديث 2243.

[ 534 ]

جنايته في عنقه (1). ثم إن مفهوم العبارة هنا وفي الشرائع (2) سقوط الحق بتلف الرهن مع الضمان، وهو صريح المعتبرة المتقدمة. ويشكل الإستناد إلى إطلاقها مع مخالفة ظاهر أكثرها، المجمع عليه بين الطائفة، واحتماله الحمل على التقية، كما مرت إليه الإشارة، وضعف الرواية السليمة عن القدحين، وعدم جابر لها في البين، مضافا إلى مخالفتها القاعدة فيما إذا لم يكن الدين من جنس ما يضمن به التالف، فلا يسقط من الحق شئ وإن كان التالف مضمونا، لاختلاف الحقين. ويمكن حملها على التراضي أو التقاص، وإلا فيشكل الإستناد إليها، لما مضى. * (وليس له) * أي المرتهن * (التصرف فيه) * أي الرهن، لما مضى في منع الراهن عنه، الجاري هنا عموما (3) وفحوى، مضافا إلى المعتبرة. منها الموثق كالصحيح: عن رجل رهن رهنا ثم انطلق فلا يقدر عليه أيباع الرهن ؟ قال: لا، حتى يجئ (4). ونحوه آخر مثله في القرب من الصحة، يتضمن سنده - كالأول - من اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (5). * (ولو تصرف) * فيه * (من غير إذن) * مطلقا خرج عن الأمانة، و * (ضمن العين) * مع التلف بالمثل إن كان مثليا، وبالقيمة يوم التلف إن كان قيميا. * (و) * ضمن * (الاجرة) * أيضا إن تصرف في المنفعة بدون الإذن، أو معه على وجه العوض.


(1) الوسائل 13: 126، الباب 5 من أبواب أحكام الرهن الحديث 4. (2) الشرائع 2: 80. (3) الوسائل 13: 124، الباب 4 من أبواب أحكام الرهن. (4) الوسائل 13: 125، الباب 4 من أبواب أحكام الرهن الحديث 3. (5) الوسائل 13: 124، الباب 4 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1.

[ 535 ]

وفي الصحيح: في الأرض البور يرتهنها الرجل ليس فيها ثمرة فيزرعها وينفق عليها من ماله أنه يحسب له نفقته وعمله خالصا ثم ينظر نصيب الأرض فيحسبه من ماله الذي ارتهن به الأرض حتى يستوفي ماله، فإذا استوفى ماله فليدفع الأرض الى صاحبها (1). * (ولو كان الرهن دابة قام) * المرتهن * (بمؤنتها) * حيث لم يقم الراهن بها وجوبا، لوجوب الحفظ عليه، ولا يتم إلا بالإنفاق عليه، فيكون واجبا. * (و) * إذا أنفق * (تقاصا) * ورجع كل ذي فضل بفضله مع الإنفاق بنية الرجوع، لا مطلقا إجماعا، بل يرجع معها خاصة، إما مطلقا كما هنا وفي الشرائع (2) وعن الحلي (3) والفاضل (4)، أو بشرط إذن المالك أو الحاكم أو الاشهاد بعد تعذرهما، كما قيده الشهيدان (5) وغيرهما. ويأتي في التقاص على إطلاقه ما مضى، ولذا أن الحلي ذكر الرجوع إلى ما أنفق من دون ذكره، وهو الأوفق بالأصل، حيث يمكن الرجوع إليه. إلا أنه ربما يستفاد من النصوص الآتية - بعد الحمل على ما يأتي إليه الإشارة - جوازه كذلك، وربما أيدته الروايات السابقة. ولا ريب فيه مع المراضاة. وأما مع عدمها فالمصير إلى الأول أحوط وأولى. وكيف كان هذه الأقوال متفقة على عدم جواز تصرف المرتهن في الرهن بدون إذن الراهن، ورجوع كل منهما معه إلى الآخر فيما يستحقه بعد إنفاق


(1) الوسائل 13: 132، الباب 10 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2، وفيه اختلاف يسير. (2) الشرائع 2: 80. (3) السرائر 2: 425. (4) الإرشاد 1: 393. (5) الدروس 3: 394، الدرس 278، والروضة 4: 81.

[ 536 ]

المرتهن، فهو إلى نفقته، والراهن إلى منفعة ماله على الإطلاق. خلافا للطوسي (1) والحلبي (2) في الدابة، فجوزا الركوب والحلب بعد الإنفاق، وحكما بأن المنفعة بإزاء النفقة على الإطلاق ولو مع عدم المراضاة وتفاوت الحقين بالزيادة والنقصان. * (و) * استندا في ذلك إلى ما * (في رواية) * من أن * (الظهر يركب والدر يشرب، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) * رواها السكوني (3). وقريب منه الصحيح: عن الرجل يأخذ الدابة أو البعير أله أن يركبه ؟ قال: فقال: إن كان يعلفه فله أن يركبه، وإن كان الذي رهنه عنده يعلفه فليس له أن يركبه (4). والأول قاصر السند وإن روى الراوي في الموثق، إلا أنه - كالثاني - مخالف للأدلة المتقدمة، القاطعة على عدم جواز تصرف كل من الراهن والمرتهن في الرهن بدون إذن الآخر، مع مخالفتهما القاعدة المقررة في الضمان، فإن مقتضاها - ما تقدم إليه الإشارة - من رجوع الراهن بحق المنفعة، والمرتهن بحق النفقة. وتخصيص كل من هاتين القاعدتين المعتضدتين بالإجماع في الأصل والشهرة العظيمة في خصوص المسألة جرأة عظيمة، فإنه لا يقاوم شيئا منهما الروايتان بالضرورة. مع احتمالهما الحمل على ما حملهما عليه الأصحاب: من حصول الإذن ومساواة الحقين. وهو وإن كان بعيدا غايته، إلا أنه لا بأس به جمعا بين الأدلة.


(1) النهاية 2: 254. (2) في المطبوع و " ه‍ ": الحلي، راجع الكافي في الفقه: 334. (3) الوسائل 13: 134، الباب 12 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2. (4) الوسائل 13: 134، الباب 12 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1.

[ 537 ]

* (و) * قد صرح الأصحاب - من غير خلاف يعرف، بل في شرح الإرشاد الإجماع عليه (1) -: بأن * (للمرتهن استيفاء دينه من الرهن) * وإن لم يكن وكيلا في البيع، أو انفسخت الوكالة بموت الراهن * (إن خاف جحود) * الراهن أو * (الوارث) * للحق، ولم يتمكن من إثباته عند الحاكم، لعدم البينة، أو غيره من العوارض، لعدم الحرج والضرر في الشرع، وللخبر - وربما عد من الحسن، بل الصحيح: رجل مات وله ورثة فجاء رجل فادعى عليه مالا وأن عنده رهنا، فكتب (عليه السلام): إن كان له على الميت مال ولا بينة له عليه فليأخذ ماله مما في يده، وليرد الباقي على ورثته، ومتى أقر بما عنده عليه فليأخذ ماله مما في يده، وليرد الباقي على ورثته، ومتى أقر بما عنده اخذ به وطولب بالبينة على دعواه، وأوفى حقه بعد اليمين، ومتى لم تقم البينة والورثة ينكرون فله عليهم يمين علم يحلفون بالله تعالى ما يعلمون على ميتهم حقا (2). والمرجع في الخوف إلى القرائن، الموجبة للظن الغالب لجحوده. وربما احتمل كفاية مطلق الإحتمال. * (و) * يستفاد من الخبر المستند في الحكم: أنه * (لو اعترف) * المرتهن * (بالرهن وادعى الدين) * على الراهن * (ولا بينة) * له * (فالقول قول الوارث، وله إحلافه إن ادعى عليه العلم) * بثبوت الحق، مضافا إلى موافقته الأصل العام، مع عدم خلاف فيه في المقام. * (ولو باع) * المرتهن * (الرهن) * بدون إذن الراهن * (وقف على الإجازة) * وصح بعدها على الأشهر الأقوى من جواز الفضولي، وبطل الرهن، كما لو أذن ابتداء، أو باع هو بإذن المرتهن مطلقا، لزوال متعلقه. ولا يجب جعل الثمن رهنا، إلا مع اشتراطه.


(1) مجمع الفائدة 9: 161. (2) الوسائل 13: 140، الباب 20 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1.

[ 538 ]

قيل: أما إذا أتلفه متلف اتلافا يقتضي العوض كان العوض رهنا، لإمكان الاستيثاق به، وعدم خروجه عن الفرض، لكنه يبطل وكالة المرتهن في الحفظ والبيع إن كانت، لاختلاف الأغراض في ذلك باختلاف الأموال (1)، انتهى. وفي الفرق وتعليل قيام العوض مقام المتلف رهنا نظر، يظهر وجهه لمن تدبر. * (ولو كان) * المرتهن * (وكيلا) * في بيع الرهن * (فباع بعد الحلول صح) * البيع بلا ريب، وجاز له استيفاء دينه من الثمن، إما مطلقا كما ربما يظهر من إطلاق مفهوم سياق العبارة وبه صرح في الشرائع (2) وعن جماعة (3)، أو بشرط توافق الدين مع الثمن في الجنس والوصف كما عن آخرين (4). والوجه - إن لم يكن إجماع على خلافه - عدم الجواز مطلقا، للأصل، وعدم دليل على الجواز، سوى الإذن في البيع، وهو لا يستلزم الاذن في الإستيفاء. والشرط في القول الثاني غير مخصص له، لعدم قيام دليل صالح عليه وإن قيل مثله فيما إذا كان ما في ذمة المديون مثل الدين في الوصفين، فإنه يجوز له الأخذ مقاصة حينئذ، من دون توقف على المراضاة. ويمكن الاستناد للأول: أولا: بظواهر النصوص المتقدمة بجواز المقاصة، الجارية في المسألة بحكم المظنة، الحاصلة من التتبع لها والإستقراء. وثانيا: بقيام القرينة الحالية في الإذن بالبيع بعد الحلول على الرخصة في


(1) قاله في مفاتيح الشرائع 3: 139، مفتاح 1020. (2) الشرائع 2: 82. (3) مفاتيح الشرائع 3: 140، مفتاح 1022، وكفاية الاحكام: 109 س 30. (4) منهم صاحب الحدائق 20: 275.

[ 539 ]

الإستيفاء في الأغلب، وينزل عليه إطلاقات الجواز في نحو عبارة الشرائع. * (ولو أذن الراهن في البيع قبل الحلول) * جاز البيع، ولكن * (لم يستوف دينه) * من الثمن * (حتى يحل) * الأجل، لعدم الاستحقاق قبله. والإذن في البيع لا يقتضي تعجيل الإستيفاء، بل ولا مطلقه إلا مع قيام القرينة، كما مضى. واعلم أنه إذا حل الدين، فإن كان المرتهن وكيلا في البيع والإستيفاء جاز له، وعليه يحمل إطلاق الموثق - بل ربما عد من الصحيح -: عن الرجل يكون عنده الرهن فلا يدري لمن هو من الناس ؟ فقال: لا احب أن يبيعه حتى يجئ صاحبه. ثم قال: إن كان فيه نقصان فهو أهون يبيعه فيوجر فيما نقص من ماله، وإن كان فيه فضل فهو أشدهما عليه يبيعه ويمسك فضله حتى يجئ صاحبه (1). وإلا لم يجز له توليهما، وعليه يحمل إطلاق الموثقين اللذين في بحث حجر المرتهن عن التصرف قد مضيا، بل طلبهما منه أو الإذن فيهما، فإن فعل، وإلا رفع أمره إلى الحاكم ليلزمه بهما، فإن أبى كان له حبسه، لأنه ولي الممتنع، وللخبر: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بالحصص، فإن أبى باعه فقسمه فيهم (2) يعني ماله. ولو لم يمكن الوصول إلى الحاكم - لعدمه أو بعده - قيل: احتمل جواز استقلاله بالبيع بنفسه واستيفاء حقه، كما لو ظفر بغير جنس حقه من مال المديون الجاحد مع عدم البينة، وفاقا لجماعة (3). ولا بأس به دفعا للضرر والحرج المنفيين آية ورواية، مضافا إلى إطلاق


(1) الوسائل 13: 124، الباب 4 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2. (2) الوسائل 18: 180، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى الحديث 1. (3) قاله الشهيد في المسالك 4: 52.

[ 540 ]

الموثق المتقدم، ولا يعارضه في المقام الموثقان، لعدم انصرافهما إليه. * (ويلحق به مسائل النزاع، وهي أربع) * * (الاولى: يضمن المرتهن قيمة الرهن) * إذا أتلفه بتعد أو تفريط، ويثبت بإقراره أو البينة * (يوم تلفه) * وفاقا للأكثر، كما في الدروس (1) والمسالك (2)، وبه أفتيا فيهما وفي الروضتين (3)، وفاقا للشيخين (4) والفاضلين (5)، واختاره كثير من المتأخرين، لأنه وقت الإنتقال إلى القيمة، والحق قبله كان منحصرا في العين وإن كانت مضمونة. ولقائل أن يقول: لا منافاة بين انحصار الحق في العين قبل التلف، وانتقال قيمتها قبله إلى الذمة بعده، ولابد من التأمل. وقيل: يوم قبضه، وبه أفتى في الشرائع (6)، وحكاه - كالفاضل في القواعد (7) - قولا في المسألة واعترف جماعة بأنه مجهول القائل. وربما أشعر بجهالته أيضا العبارة، حيث لم ينظمه في سلك الأقوال المنقولة، ومع ذلك لا دليل عليه يعتد به. ويضعف أيضا: بأنه قبل التفريط غير مضمون، فكيف يعتبر قيمته فيه ؟ ! وهو كما ترى، لما مضى. * (وقيل: أعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف) *. ويظهر من المهذب (8) أنه كالثاني في جهالة القائل. وليس كذلك، فقد حكي عن المبسوط في كثير من العبارات، كشرح


(1) الدروس 3: 405، الدرس 281. (2) المسالك 4: 73. (3) اللمعة والروضة 4: 91. (4) المقنعة: 623، والنهاية 2: 244. (5) لم نعثر عليه في غير المختصر النافع، والإرشاد 1: 393. (6) الشرائع 2: 85. (7) القواعد 1: 164 س 20. (8) المهذب البارع 2: 502.

[ 541 ]

الشرائع للصيمري (1) والمسالك (2) وغيرهما، بل ذكر الأول أنه قول مشهور، نقله فخر الدين واختاره، ونقله المقداد أيضا، وهو مشهور في المصنفات، ولعله أحوط، بل وأجود، إما لكونه كالغاصب فيؤخذ بأشق الأحوال، أو لاقتضاء شغل الذمة اليقيني البراءة كذلك، ولا تحصل إلا بذلك. وقيل: بالأعلى من يوم التلف إلى يوم حكم الحاكم عليه بالقيمة، كما عن الإسكافي (3). ويضعف: بأن المطالبة لا دخل لها في ضمان القيمي. وقيل: بالأعلى من يوم التفريط إلى يوم التلف، اختاره الفاضل في المختلف (4) والصيمري في شرح الشرائع (5) وابن فهد في المهذب (6)، لأنه من حين التفريط كالغاصب، ويتوقف على الثبوت. ولا ريب أن ما قدمناه أحوط وإن كان الأول لا يخلو عن قرب. ثم إن هذا كله إذا كان قيميا، ولو كان مثليا ضمنه بمثله إن وجد، وإلا فقيمة المثل عند الأداء، وفاقا لجماعة، كالمختلف (7) والمسالك (8) والروضة (9)، لأن الواجب عنده إنما كان المثل وإن كان متعذرا. وانتقاله إلى القيمة بالمطالبة، بخلاف القيمي، لاستقرارها في الذمة من حين التلف على الإطلاق. * (ولو اختلف) * في القيمة * (فالقول قول الراهن) * وفاقا للشيخين (10) والقاضي (11) والديلمي (12) والتقي (13) وابن حمزة (14) وابن زهرة في الغنية (15)،


(1) غايه المرام: 77 س 8 (مخطوط). (2) المسالك 4: 73. (3) كما في المختلف 5: 402. (4) المختلف 5: 402. (5) غاية المرام: 77 س 10 (مخطوط). (6) المهذب البارع 2: 502. (7) المختلف 5: 402. (8) المسالك 4: 74. (9) الروضة 4: 91. (10) المقنعة: 623، والنهاية 2: 245. (11) جواهر الفقه: 68، المسألة 257. (12) المراسم: 193. (13) الكافي في الفقه: 335. (14) الوسيلة: 266. (15) الغنية: 246.

[ 542 ]

مدعيا فيه الإجماع عليه، وفي الدروس (1) والمسالك (2) عزياه إلى الأكثر، نظرا إلى كون المرتهن خائنا بتفريطه، فلا يقبل قوله. ويضعف بأن قبول قوله من جهة إنكاره، لا من حيث كونه أمينا أو خائنا. * (وقيل: القول قول المرتهن) * مع يمينه، كما عن الحلي (3) وتبعه الشهيدان (4) وكثير من المتأخرين * (وهو أشبه) * لأنه منكر، والأصل براءة الذمة من الزائد، وللنبوي العام: البينة على المدعي واليمين على من أنكر (5). ولكنه يشكل بحكاية الإجماع المتقدمة، المعتضدة بالشهرة القديمة. فالمسألة محل إشكال وريبة وإن كان مختار المتأخرين لا يخلو عن قوة. * (الثانية: لو اختلفا فيما عليه الرهن) * من الدين فادعى المرتهن زيادته والراهن نقصه * (فالقول قول الراهن) * وفاقا للأكثر، كالصدوق (6) والشيخ الطوسي (7) والقاضي (8) والتقي (9) وابن حمزة (10) والحلي (11) وابن زهرة (12)، مدعيين عليه الإجماع. وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، والنبوي المتقدمين، والمعتبرة المستفيضة. منها الصحيح: في رجل يرهن عند صاحبه رهنا ولا بينة بينهما فيه، ادعى الذي عنده الرهن أنه بألف درهم وقال صاحب الرهن: أنه بمائة،


(1) الدروس 3: 406، الدرس 281. (2) المسالك 4: 74. (3) السرائر 2: 421. (4) اللمعة والروضة 4: 92. (5) عوالي اللئالئ 1: 244، الحديث 172. (6) المقنع: 129. (7) المبسوط 2: 236. (8) جواهر الفقه: 67، المسألة 253. (9) الكافي في الفقه: 335. (10) الوسيلة: 266. (11) السرائر 2: 421. (12) الغنية: 246.

[ 543 ]

قال: البينة على الذي عنده الرهن أنه بألف درهم، فإن لم يكن له بينة فعلى الراهن اليمين (1)، ونحوه الباقي، الموثقة جميعها (2)، بل ربما قيل بصحة بعضها. * (وفي رواية) * قاصرة السند ضعيفة التكافؤ عن المقاومة، لما مر من الأدلة من وجوه عديدة: أن * (القول قول المرتهن ما لم يدع زيادة عن قيمة الرهن) * (3). وهو في غاية الضعف وإن حكي عن الإسكافي (4). وربما يحتمل الحمل على التقية، لفتواه بها، مع الإعتضاد بكون الرواية عن السكوني، الذي هو من قضاة العامة. * (الثالثة: لو) * اختلفا في الرهانة ف‍ * (قال القابض) * المرتهن: * (هو رهن، وقال المالك) * الراهن: * (هو وديعة، فالقول قول المالك مع يمينه) * مطلقا، وفاقا للأكثر، كما في المسالك (5)، بل المشهور، كما في الدروس (6). وربما أشعر عبارة الماتن هنا بالإجماع عليه، لأصالة عدم الرهن، الذي يترتب عليه عدم جواز التصرف، المخالف لها بالضرورة، ولكونه منكرا، فيشمله النبوي (7) المتقدم، وللصحيحين. في أحدهما المروي في التهذيب: في رجل رهن عند صاحبه رهنا فقال الذي عنده الرهن: أرهنته عندي بكذا وكذا وقال الآخر: إنما هو عندك وديعة، فقال: البينة على الذي عنده الرهن أنه بكذا وكذا، فإن لم يكن له بينة


(1) الوسائل 13: 137، الباب 17 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1. (2) الوسائل 13: 137، الباب 17 من أبواب أحكام الرهن. (3) الوسائل 13: 138، الباب 17 من أبواب أحكام الرهن الحديث 4. (4) كما في المختلف 5: 403. (5) المسالك 4: 76. (6) الدروس 3: 406، الدرس 281. (7) عوالي اللئالئ 1: 244، الحديث 172.

[ 544 ]

فعلى الذي له الرهن اليمين (1). وفي الثاني المروي في الكافي: رجل قال لرجل: لي عليك ألف درهم فقال الرجل: لا، ولكنها وديعة، فقال (عليه السلام): القول قول صاحب المال مع يمينه (2). وفيه رواية اخرى، بل روايات بالعكس. منها: عن متاع في يد رجلين أحدهما يقول: استودعتكه والآخر يقول: هو رهن، قال: فقال: القول قول الذي يقول أنه رهن عندي، إلا أن يأتي الذي ادعى أنه أودعه بشهود (3). ومنها: يسأل صاحب الوديعة البينة، فإن لم يكن له بينة حلف صاحب الرهن (4). ونحوها رواية اخرى (5) هي كسابقتها معتبرة الأسانيد بالموثقية في بعض، والقرب منها في آخر، ومن الصحة في ثالث، إلا أنها متروكة وإن عمل بها جماعة كالصدوق في المقنع (6) والطوسي في الاستبصار (7)، لضعفها عن المقاومة لما مر من الأدلة المعتضدة بالشهرة العظيمة، سيما بين متأخري الطائفة. وهنا قولان آخران مفصلان بين صورتي اعتراف المالك بالدين فالثاني، وإنكاره له فالأول، كما في أحدهما ونسب إلى ابن حمزة (8). وفي الثاني: المحكي عن الإسكافي التفصيل بين صورتي اعتراف القابض للمالك بكونه


(1) التهذيب 7: 174، الحديث 769. (2) الكافي 5: 238، الحديث 3. (3) الكافي 5: 238، الحديث 4. (4) الوسائل 13: 136، الباب 16 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2. (5) الوسائل 13: 136، الباب 16 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1. (6) المقنع: 129. (7) الاستبصار 3: 123، الحديث 437. (8) الوسيلة: 266.

[ 545 ]

في يده على سبيل الأمانة ثم صار رهنا فالأول، وادعاؤه إياه ابتداء فالثاني (1). ولا حجة عليهما واضحة، سوى ما يذكر لهما من الجمع بين الأخبار والأدلة، وهو فرع المقاومة، التي هي في المقام مفقودة، مع عدم وضوح شاهد عليهما، وتعارض أحدهما بالآخر بالضرورة. نعم الأول في الصورة الاولى ظاهر الحال، ولكنه غير صالح لمعارضة الأصل وما مر من النصوص في هذا المجال. * (الرابعة: إن اختلفا في التفريط، فالقول قول المرتهن مع يمينه) * بلا خلاف يظهر، بل عليه الإجماع في الغنية (2). وهو الحجة، مضافا إلى الاصول المتقدمة، السليمة هنا عن المعارض.


(1) حكاه عنه العلامة في المختلف 5: 404. (2) الغنية: 246.

[ 547 ]

كتاب الحجر

[ 549 ]

* (كتاب الحجر) * هو لغة: المنع والحظر والتضييق. وشرعا ما أشار إليه الماتن في تعريف * (المحجور) * من: أنه * (هو الممنوع من التصرف في ماله) * شرعا. وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال سبحانه: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما " (1)، وقال جل شأنه: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (2). وهو قسمان: حجر على الإنسان بحق غيره، كالمفلس لحق الغرماء، والمريض لحق الورثة، والمكاتب لحق السيد، والراهن لدين المرتهن. وحجر عليه لحق نفسه، وهو ثلاثة: الصغر والجنون والسفه. وقد يورد على التعريف مناقشات سهلة، ليس للتعرض لذكرها والجواب عنها مزيد فائدة. * (وأسباب الحجر) * بحسب ما جرت عادة الأصحاب بذكره في الباب * (ستة) * وإلا فهي أزيد، وهي: * (الصغر، والجنون، والرق، والمرض، والفلس، والسفه) *.


(1) النساء: 5. (2) النساء: 6.

[ 550 ]

قيل: وجه الحصر أن الحجر إما عام للأموال والذمم، أو خاص بالأول، والأول إما أن يكون ذا غاية يعلم زوال سببها، أم لا، والأول ذو السبب الأول، والثاني ذو السبب الثاني، والثاني إما أن يكون الحجر فيه مقصورا على مصلحة المحجور عليه، أو لغيره، والأول ذو السادس، والثاني إما أن يكون مالكا للمحجور عليه، أو لا، والأول ذو الثالث، والثاني إما أن يكون موقوفا على حكم الحاكم، أو لا، والأول ذو الخامس، والثاني ذو الرابع (1). وثبوت الحجر بالستة مجمع عليه، كما عن التذكرة (2)، وبه صرح جماعة. وهو الحجة المخصصة للأصل وعموم الأدلة بإثبات السلطنة، مضافا إلى الأدلة الآتية، فيما عدا الأولين، والآية الثانية، والسنة المستفيضة الآتي إلى ذكر بعضها الإشارة في الأول، وفحواهما في الثاني، مع تأيد الحكم فيه مطلقا، وفي غير المميز عن الأول بالإعتبار جدا. * (ولا يزول حجر الصغير إلا بوصفين) *: * (الأول: البلوغ، وهو يعلم بإنبات الشعر الخشن على العانة) * بلا خلاف، بل عليه الإجماع في الغنية (3) ونهج الحق (4) والتذكرة (5) وغيرها من كتب الجماعة. وهو الحجة المخصصة، مضافا إلى النصوص العامية والخاصية، المعتبرة بالشهرة وتضمن سندها من أجمعت على تصحيح ما يصح عنه العصابة، وسيأتي إلى ذكرها الإشارة. وظاهرها بحكم التبادر وصريح العبارة وجماعة اعتبار الخشونة، وعدم الإكتفاء بمطلق الشعر.


(1) المهذب البارع 2: 512، وفيه اختلاف يسير. (2) التذكرة 2: 73 س 25 و 75 س 14 وس 33، وفي كتاب الفلس: 51 س 15، ولم نعثر فيها على ادعاء الاجماع على الحجر في المريض والرق، فراجع. (3) الغنية: 252. (4) نهج الحق: 491، المسألة 8. (5) التذكرة 2: 73 س 38.

[ 551 ]

ولا ريب فيه، لعدم خلو المولود عنه في جميع الأحيان، حتى حين الولادة، مضافا إلى الأصل. وفي التقييد بالعانة إخراج لغيره من الشعور النابتة في نحو الوجه من المواضع المعهودة، وهو أحد القولين في المسألة، بل ظاهر المسالك أن عليه إجماع الإمامية (1). مع أنه في الروضة حكم بأن قول الآخر لا يخلو عن قوة (2). وهو كذلك، وفاقا للتحرير (3)، وجماعة، لإطلاق بعض المعتبرة، كعبارة الغنية في حكاية الإجماع المتقدم، مضافا إلى وقوع التصريح بإلحاق شعر الوجه بالعانة في بعض تلك المعتبرة. وفي كونه أمارة البلوغ أو سبقه قولان، ظاهر الاصول وأكثر أدلة اعتباره الأول وإن حكى الثاني في المسالك عن الأكثر (4). * (أو خروج المني) * وهو الماء * (الذي) * يتكون * (منه الولد من الموضع المعتاد) * بالإجماع، المستفيض النقل في كتب جملة من الأصحاب، كالغنية (5) والتذكرة (6) وغيرهما من كتب الجماعة. ومع ذلك تظافرت به الآيات الشريفة " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم " (7) " والذين لم يبلغوا الحلم منكم " (8) " حتى إذا بلغوا النكاح " (9). والإحتلام هو خروج المني، كما عن التذكرة (10). وظاهره عدم الفرق بين أن يكون الخروج في نوم، أو يقظة.


(1) المسالك 4: 141. (2) الروضة 2: 145. (3) التحرير 1: 218 س 17. (4) المسالك 4: 141. (5) الغنية: 251. (6) التذكرة 2: 74 س 7. (7) النور: 59. (8) النور: 58. (9) النساء: 6. (10) التذكرة 2: 74 س 7.

[ 552 ]

خلافا للمحكي عن بعض أهل اللغة (1)، فجعله الأول خاصة، لكن الظاهر أن النوم غير معتبر في البلوغ اتفاقا، كما في الكفاية (2). ونحو الآيات: المعتبرة المستفيضة، التي علق فيها التكاليف اللازمة على الحلم، وسيأتي إلى بعض منها الإشارة، مضافا إلى الصحيحين. في أحدهما: لا تغطي المرأة شعرها عنه حتى يحتلم (3). وفي الثاني: انقطاع يتم اليتيم بالإحتلام، وهو أشده، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله (4). ونحوه المروي عن الخصال: متى يجوز أمر اليتيم ؟ قال: حتى يبلغ أشده، قال: وما أشده ؟ قال: احتلامه (5). والخبر: عن الغلام متى يجب عليه الصوم والصلاة ؟ قال: إذا راهق الحلم وعرف الصلاة والصوم (6). * (ويشترك في هذين) * الدليلين * (الذكور والاناث) * لإطلاق أدلتهما، مضافا إلى الإجماع عليه قطعا. * (أو السن، وهو) * في الذكر * (بلوغ خمس عشرة) * سنة، على الأظهر الأشهر بين الطائفة، كما حكاه جماعة، كالمهذب (7) والمسالك (8) وشرح الشرائع للصيمري (9) والمفاتيح (10) والكفاية (11)، بل في الثاني كاد أن يكون


(1) القاموس 4: 99. (2) كفاية الاحكام: 112 س 10. (3) الوسائل 14: 169، الباب 126 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه الحديث 3. (4) الوسائل 13: 141، الباب 1 من أبواب أحكام الحجر الحديث 1. (5) الخصال 2: 495. (6) الوسائل 3: 12، الباب 3 من أبواب اعداد الفرائض ونوافها الحديث 3. (7) المهذب البارع 2: 513. (8) المسالك 4: 144. (9) غاية المرام: 33 س 23 (مخطوط). (10) مفاتيح الشرائع 1: 14، مفتاح 2. (11) كفاية الاحكام: 112 س 12.

[ 553 ]

إجماعا (1)، وبه يشعر ظاهر الشرائع (2) واللمعة، حيث لم ينقل الخلاف فيه، مع نقله في الانثى خاصة (3)، مضافا إلى وقوع التصريح به في الخلاف (4) والغنية (5)، وعن ظاهر الطبرسي (6) وغيره، حيث نسباه إلى أصحابنا بصيغة الجمع المضاف، المفيدة للعموم لغة، وعن كنز العرفان (7) أيضا، وذكر فيه أنه من شعار الشيعة والشافعية. وهو الحجة، مضافا إلى الاصول الكثيرة، القطعية، والمعتبرة المستفيضة العامية والخاصية. فمن الأول: النبويان، المرويان في الغنية. في إحداهما: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه، وأخذت منه الحدود (8). ومن الثاني المعتبرتان. في إحداهما: الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في البيع والشراء - إلى أن قال -: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج عنه اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك (9). وفي الثانية: الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم وتزوجت، ودفع إليها مالها، واقيمت الحدود التامة عليها ولها، فقلت: الغلام يجري في ذلك مجرى الجارية، فقال: الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة، أو يشعر في وجهه، أو ينبت في عانته قبل


(1) المسالك 4: 144. (2) الشرائع 2: 100. (3) اللمعة: 29. (4) الخلاف 3: 282، المسألة 2. (5) الغنية: 251. (6) مجمع البيان 3: 9. (7) كنز العرفان 2: 102. (8) الغنية: 251. (9) الوسائل 13: 142، الباب 2 من أبواب أحكام الحجر الحديث 1.

[ 554 ]

ذلك، الحديث (1). وفي ذيله [ المذكورة في الإستبصار في كتاب النكاح في باب أولياء العقد (2) ] (3) كصدر الأول الغير المذكورين في هذا المحل دلالة أيضا على المطلب. وهما مع اعتبار سنديهما بالقرب من الصحة - بتضمنهما لابن محبوب الذي قد حكي على تصحيح رواياته إجماع العصابة (4) - منجبرتان كالنبويين، بل معتضدتان بالشهرة العظيمة - القديمة والمتأخرة، التي كادت تكون إجماعا، بل إجماع في الحقيقة - وبالإجماعات المحكية، والاصول القطعية، والمخالفة للعامة، كما يستفاد من عبائر نقله الإجماعات في المسألة، ويؤيد بمخالفة الإسكافي (5)، حيث حكم بالبلوغ بالأربع عشرة (6). فلا إشكال في المسألة بحمد الله سبحانه.. ولم نقف للمخالف على حجة، سوى ما يستدل له من الصحيح: في كم يؤخذ الصبي بالصيام ؟ قال: ما بينه وبين خمس عشرة سنة أو أربع عشرة سنة، الحديث (7). والمناقشة فيه واضحة، بل ربما يستدل به على قول الأكثر، لظهوره في عدم إلزامه بالصوم قبل الخمس عشرة، لمكان التخيير المنافي للوجوب العيني. وحيث لا قول بالوجوب التخييري - حتى من الإسكافي - تعين حمل


(1) انظر الوسائل 18: 314، الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود صدر الحديث 1، والوسائل 14: 209، الباب 6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد الحديث 9. (2) الاستبصار 3: 237، الحديث 855. (3) لا يوجد في " ق، ه‍ ". (4) حكاه الكشي: 556، الرقم 1050. (5) كما في المختلف 5: 431. (6) في " ق، ش ": بالأربعة عشر. (7) الوسائل 7: 167، الباب 29 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

[ 555 ]

الأخذ فيه على الأخذ الإستحبابي، مضافا إلى شهادة صدره به، حيث سئل فيه في كم يؤخذ الصبي بالصلاة ؟ فقال: فيما بين سبع وست سنين، فقال: في كم يؤخذ بالصيام ؟ إلى آخر ما مر (1). والأخذ الأول للإستحباب بالإجماع، فكذلك الثاني، لظاهر السياق. وتحديده إلى الحد المذكور ظاهر - بل لعله صريح - في ارتفاعه بالبلوغ إليه، وهو ملازم للوجوب بعده، إذ لا قائل بالإباحة، مع منافاتها الإعتبار بالضرورة. * (وفي رواية:) * أنه * (من ثلاث عشرة إلى أربع عشرة (2)) * في سندها عبد الله بن جبلة وعدة من الجهلاء، ومع ذلك هي شاذة، لم يؤخذ قائل بها، وغير مكافئة لشئ من الأدلة المتقدمة. وبهذين يجاب عن المعتبرة الاخر الواردة في المسألة كالموثقين: في أحدهما: إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات، وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا، فقال: وما السفيه ؟ فقال: الذي يشتري الدراهم بأضعافه، قال: وما الضعيف ؟ قال: الأبله (3). وفي الثاني: إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة، وكتبت عليه السيئة وعوقب، فإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنها تحيض لتسع سنين (4). والحسن - بالوشاء -: إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم، أو لم يحتلم، كتبت عليه


(1) الوسائل 3: 11، الباب 3 من أبواب اعداد الفرائض و... الحديث 1. (2) الوسائل 13: 432، الباب 45 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 3. (3) الوسائل 13: 430، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 8. (4) الوسائل 13: 431، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 12.

[ 556 ]

السيئات، وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شئ، إلا أن يكون سفيها، أو ضعيفا (1). ومع ذلك يحتمل التقية. فالعجب كل العجب من الكفاية، حيث استوجه العمل بها، مع عدم تصريح منه بقائل بها بالمرة (2). * (و) * بنحو ذلك يجاب عما * (في رواية اخرى) * من حصول الإدراك ب‍ * (بلوغ عشرة) * وهي كثيرة، واردة في الطلاق والوصية، لكنها غير صريحة في تحقق البلوغ به، بل ولا ظاهرة، لاحتمال إرادة رفع الحجر عنه في الامور المذكورة، كما ذهب إليه جماعة (3). وهو غير ملازم لحصول البلوغ به بالكلية، ومع ذلك قاصرة السند، يأتي عليها ما مر إليه الإشارة. ومع ذلك معارضة بأقوى منها في بحث الطلاق، كما يأتي ثمة. * (و) * يستفاد من مجموع الروايات المتقدمة أن الإدراك * (في الانثى) * ب‍ * (بلوغ تسع) * سنين، وعليه الإجماع في الغنية (4) والسرائر (5) والخلاف (6) والتذكرة (7) [ والروضة ] (8). وهو حجة اخرى. خلافا للمحكي عن المبسوط (9) وابن حمزة (10)، فنفيا البلوغ به، وأثبتاه بالعشرة. ولا المبسوط (9) وابن حمزة (10)، فنفيا البلوغ به، وأثبتاه بالعشرة. ولا حجة لهما واضحة من فتوى ولا رواية، عدا ما في الكفاية (11) وغيره، فأسندا مذهبهما إلى رواية، ولم أقف عليها، فهي مرسلة، مع ظهور عبارته في أنها بحسب السند قاصرة، فمثلها غير صالحة للحجية، مع عدم


(1) الوسائل 13: 431، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 11. (2) كفاية الاحكام: 112 س 18. (3) المسالك 4: 144، والمهذب البارع 2: 514. (4) الغنية: 251. (5) السرائر 1: 367. (6) الخلاف 3: 282، المسألة 2. (7) التذكرة 2: 75 س 1. (8) لم يرد في " ق "، راجع الروضة 2: 144. (9) المبسوط 1: 266. (10) الوسيلة: 137. (11) كفاية الأحكام: 122 س 20.

[ 557 ]

معارضتها للأدلة المتقدمة فتوى ورواية. والاصول بما مر مخصصة. وفي الموثق: عن الغلام متى يجب عليه الصلاة ؟ فقال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجب عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم (1). وهو كما ترى شاذ، مضافا إلى قصور السند، وعدم المكافأة لشئ مما مر. ثم إن مقتضى الاصول المتقدمة وظاهر النصوص والعبارات الحاكمة - بالبلوغ بالتسع والخمس عشرة سنة بحكم التبادر والصدق عرفا وعادة - إنما هو السنتان كاملة، فلا يكفي الطعن فيهما بالبديهة، وبه صرح جماعة، كالمسالك (2) وغيره. وظاهره - كغيره - أن ذلك مذهب الأصحاب كافة، وقد وقع التصريح باشتراطه في بعض النصوص المتقدمة، كالنبوي في الذكر، واولى المعتبرتين التاليتين له في الجارية. فمناقشة بعض الأجلة في ذلك واحتماله الاكتفاء بالطعن عن الكمال (3) واهية. وللإسكافي، فصار إلى عدم ارتفاع الحجر عنها بالتسع إلا بالتزويج والحمل (4). وهو شاذ، ومستنده غير واضح، بل الدليل على خلافه لائح. * (الثاني: الرشد، وهو) * كما ذكره الأصحاب من غير خلاف يعرف


(1) الوسائل 1: 32، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 12. (2) المسالك 4: 144. (3) مجمع الفائدة 9: 191. (4) كما في المختلف 5: 432.

[ 558 ]

وساعده العادة والعرف * (أن يكون مصلحا لماله) * بحيث يكون له ملكة نفسانية تقتضي إصلاحه، وتمنع إفساده وصرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء، لا مطلق الإصلاح، لاجتماعه مع السفه المقابل للرشد جدا، مع عدم صدق الرشد بمجرده عرفا وعادة. * (وفي اعتبار العدالة) * في الرشد * (تردد) *. ينشأ: من عموم أدلة ثبوت السلطنة لأرباب الأموال، وإطلاق الأدلة كتابا وسنة بدفع أموال اليتامى بإيناس الرشد، من غير اعتبار أمر آخر. والمفهوم من الرشد في العرف - كما عرفت - هو مجرد اصلاح المال على الوجه المتقدم وإن كان فاسقا، وليس لعدمه مدخلية في مفهومه عرفا. كيف لا ! وهو أمر شرعي مغاير له، من حيث هو هو قطعا، فكيف يعتبر ما لامدخلية لهم في فهمه فيما هو متداول بينهم ومتعارف عندهم تعارفا شائعا !. ومن النهي عن إيتاء السفهاء المال، مع ما روي: أن شارب الخمر سفيه (1)، ولا قائل بالفرق. وعن ابن عباس: أن الرشد هو الوقار والحلم والعقل (2). والأول أظهر، وفاقا للأكثر، بل عليه عامة من تأخر، لما مر، وضعف الدليل الآخر، فإن اطلاق السفيه على الشارب في الرواية بعد الإغماض عن سندهما أعم من كونه على الحقيقة، التي عليها المدار في جميع الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة والمحاورات اللغوية والعرفية، فيحتمل المجاز، بل ويتعين، لعدم التبادر، وصحة السلب عنه في العادة، بعد استجماعه


(1) عوالي اللئالئ 3: 240، الحديث 7، وراجع الوسائل 13: 435، الباب 46 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 2، وفيه (السفيه الشارب الخمر). (2) المجموع 13: 368.

[ 559 ]

شرائط الرشد ما عدا العدالة. والرواية عن ابن عباس غير ثابتة. وعلى تقديرها فهي مقطوعة للحجية، غير صالحة. إلا أن يقال: بكونه من أهل اللغة والخبرة، فيعتبر كلامه من هذه الجهة. ولكن المناقشة فيه - بعد معلومية مخالفته للعرف واختيارنا لزوم تقديمه على اللغة عند المعارضة - واضحة. فالقول باعتبارها - كما عن الخلاف (1) والمبسوط (2) وفي الغنية (3) - ضعيف غايته - وإن ادعى في الأخير عليه إجماع الإمامية - لوهنه في المسألة بمصير الأكثر إلى خلافه، مع عدم ظهور مخالف لهم، سوى الطوسي في الكتابين خاصة. ومع ذلك فعبارته بالإعتبار المحكية غير صريحة فيه، بل ولا ظاهرة من حيث التعبير عنه بالإحتياط، الظاهر في الإستحباب. فلم يبق قائل به صريحا، بل ولا ظاهرا، إلا مدعي الإجماع، فكيف يصلح مثله دليلا ! والاستصحاب لو تمسك به مندفع بالإطلاقات. وربما أيد المختار جماعة: بأن مع اعتبار العدالة لم يقم للمسلمين سوق بالمرة، ولم ينتظم للعالم حالة، لأن الناس - إلا النادر منهم - إما فاسق أو محتمله، والجهل بالشرط يقتضي الجهل بالمشروط بالضرورة، وأنه ما نقل في الروايات وأقوال العلماء المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) - مع عموم البلوى بالأيتام وأموالهم - المنع عن معاملتهم ومناكحتهم وغير ذلك بدون العدالة. وقد ورد في النصوص الأمر بالمعاملة والمناكحة، من غير تقييد بالعدالة. وفي كثير من المعتبرة دلالة على جواز معاملة الفساق وأهل السرقة وأخذ


(1) الخلاف 3: 283، المسألة 3. (2) المبسوط 2: 284. (3) الغنية: 252.

[ 560 ]

جوائز العمال والظلمة، وعلى جواز بيع الخشب لمن يعمل صنما والعنب لمن يعمل خمرا. وفيه مناقشة، لعدم تماميته إلا على تقدير اشتراطها على الإطلاق، وليست كذلك بمشترطة، فقد صرح الأصحاب بأن اعتبارها على القول به إنما هو في الإبتداء لا في الإستدامة، وعليه حكى الإجماع في التذكرة (1)، وبذلك صرح القائلان في الكتب المزبورة وإن احتاطوا باعتبارها أيضا في الإستدامة. فعلى هذا يمكن أن يمنع ما ذكر من المؤيدات في المسألة، لاحتمال ابتنائها على وجه الصحة، وهو حصول العدالة ابتداء وإن طرأ بعدها وصف الضد. ومرجعه إلى حمل أفعال المسلمين على الصحة، وهو شئ متفق عليه بين العلماء كافة، مستفاد من النصوص المعتبرة، وسيرة المسلمين في جميع الأمصار والأزمنة. ولا يضر معه الجهل بالشرط في المسألة، كما لا يضر معه الجهل بكثير من الشروط المعتبرة في الأموال المبتاعة في أسواق المسلمين، كالجلود المشترطة فيه التذكية، ومطلق الأموال المشترطة في المعاملة بها وابتياعها الملكية وعدم كونها سرقة، وغير ذلك مما لا يعد كثرة، ومنه مفروض المسألة، بالإضافة إلى شرط أصل الرشد، الذي هو اصلاح المال. فلو صح التمسك بالمؤيدات المزبورة لنفي اعتبار العدالة لصح التمسك بها لنفي اعتبار أصل الرشد، لتساوي نسبتها إليهما بالضرورة، فكما لا يضر الجهل بالشروط فيما عدا المسألة - بناء على حمل أفعال المسلمين على الصحة - فكذلك فيها بالبديهة، لتساوي النسبة.


(1) التذكرة 2: 75 س 35.

[ 561 ]

* (ومع عدم الوصفين) * البلوغ والرشد * (أو أحدهما استمر الحجر) * عليه * (ولو طعن في السن) * وبلغ خمسا وعشرين سنة، اتفاقا منا، كما في نهج الحق (1) والمسالك (2) وغيرهما. خلافا للحنفية (3)، فمنعوا عن حجره بعد بلوغه إلى المدة المذكورة، وعموم الأدلة عليه حجة. ويعود الحجر بعد عود السبب، إلا الفسق فلا يعود بعوده إجماعا، كما مر عن التذكرة، وبه صرح القائلان باشتراط العدالة، كما تقدم إليه الإشارة. * (ويعلم رشد الصبي باختباره بما يلائمه من التصرفات) * والأعمال، ليظهر اتصافه بالملكة وعدمه. فمن كان من أولاد التجار فوض إليه البيع والشراء، بمعنى مما كسته فيهما على وجههما، ويراعى إلى أن يتم مساومته، ثم يتولاه الولي إن شاء، فإذا تكرر ذلك منه وسلم من الغبن والتضييع في غير وجهه فهو رشيد. وإن كان من أولاد من يصان عن ذلك اختبر بما يناسب حال أهله، أما بأن يسلم إليه نفقة مدة لينفقها في مصالحه أو مواضعها التي عينت له، أو بأن يستوفي الحساب على معاليهم أو نحو ذلك، فإن وفى بالأفعال الملائمة فهو رشيد. ومن تضييعه إنفاقه في المحرمات إجماعا، كما في التذكرة (4) أو في الأطعمة التي لا تليق بحاله بحسب وقته وبلده وشرفه وصنعته، والأمتعة واللباس كذلك. فإن كان (5) انثى اختبرت بما يناسبها من الأعمال - كالغزل والخياطة


(1) نهج الحق: 492، المسألة 9. (2) المسالك 4: 150. (3) بداية المجتهد 2: 303. (4) التذكرة 2: 75 س 33. (5) في " ه‍ ": وإن كانت.

[ 562 ]

وشراء آلاتهما المعتادة لأمثالها - بغير غبن، وحفظ ما يحصل في يدها من ذلك، والمحافظة على اجرة مثلها إن عملت للغير، وحفظ ما تليه من أسباب البيت ووضعه على وجهه، وصون الأطعمة التي تحت يدها عن مثل الهرة والفأرة ونحو ذلك، فإذا تكرر ذلك منها على وجه الملكية ثبت رشدها، وإلا فلا. ولا يقدح فيها وقوع ما ينافيها نادرا من الغلط والإنخداع في بعض الأحيان، لوقوعه من الكاملين كثيرا. قيل: ووقت الإختبار قبل البلوغ، عملا بظاهر الآية (1). وهو كذلك إن اريد به جوازه قبله، لا إنحصار وقته فيه، بل يمكن أن يراد وجوبه، حذرا من منع رب المال من التصرف فيه بعد بلوغه. * (ويثبت) * الرشد * (بشهادة رجلين) * به * (في الرجال) * بلا إشكال فيه ولا في ثبوت غيره من أمارات البلوغ بهما أيضا وإن كان الفرض مع عدالة الشهود نادرا إجماعا، وقد حكاه صريحا بعض أصحابنا (2). وهو الحجة، مضافا إلى عموم الأدلة بقبول شهادتهما، والإستقراء. * (وبشهادة الرجال) * منفردين * (أو النساء) * كذلك، أو ملفقات منهن ومنهم كرجل أو امرأتين * (في النساء) * بلا خلاف في الظاهر، بل عليه الإجماع في كثير من العبارات. وهو الحجة، مضافا إلى ما مر في الأول، والنصوص المستفيضة، الدالة على الإكتفاء بشهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا في الثاني، بناء على كونه منه بلا إشكال. وبفحواها يستدل على الثالث، مضافا إلى لزوم الحرج بالإقتصار على الأول. ويعتبر في الثبوت بالشهادة ما يذكر من الشرائط في بحثها، من العدالة،


(1) قاله الشهيد الثاني في الروضة 4: 104. (2) مجمع الفائدة 9: 200.

[ 563 ]

وقيامها عند الحاكم، وحكمه به. خلافا لبعض الأجلة فاكتفى بالعدالة عن الأخيرين، نظرا منه إلى الشك في اشتراطهما هنا، بل ومطلق المواضع. وسيأتي الكلام معه في بحثها بعون الله سبحانه. * (و) * اعلم أن بتعريف الرشد المتقدم يعرف * (السفيه) * المتصف بضده، و * (هو الذي يصرف أمواله في غير الأغراض الصحيحة) * ويفسدها، ولا يصلحها. ومما تقدم من الإجماع وغيره يظهر وجه منعه عن التصرفات المالية وإن حدث سفهه بعد رشده، مضافا إلى النصوص المستفيضة. منها: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة وولده سفيه مفسد، لا ينبغي له أن يسلط واحدا منهم على ماله، الذي جعله الله تعالى قياما، الحديث (1). ومقتضاه - كالأصل وعموم آية المنع عن تمكين السفيه عن المال (2)، ومفهوم " فإن آنستم منهم رشدا " (3)، ومنطوق " فإن كان الذي عليه الحق سفيها " (4)، الدالين على الحجر بمجرد السفه - عدم توقفه على حكم الحاكم، وكذا زواله، لظاهر الآية الاولى، وهو أحد القولين المشهورين في المسألة، وأصحهما، وفاقا لجماعة. خلافا لآخرين، فاعتبروا حكمه في ثبوته وزواله، نظرا منهم إلى مخالفة كل منهما للأصل، فيقتصر فيهما على المتيقن، وهو ما كان بحكم الحاكم، كالمفلس. ووجه النظر فيه ظاهر لكل متدبر - فيما مر - وناظر.


(1) المستدرك 13: 427، الباب 1 من أبواب الحجر الحديث 2. (2) النساء: 5. (3) النساء: 6. (4) البقرة: 282.

[ 564 ]

وهنا قولان آخران مفصلان، بين الثبوت فالأول والزوال فالثاني كما في أحدهما، وبينهما بالعكس كما في الثاني، والأول مختار اللمعة (1)، والثاني مجهول القائل، كما صرح به جماعة (2). وكيف كان * (فلو باع والحال هذه) * أي بعد ثبوت حجره بمجرد ثبوت سفهه أو بشرط حكم الحاكم به على الإختلاف * (لم يمض بيعه) * وإن ناسب أفعال العقلاء، إلا مع إجازة الولي فيمضي على القول بالفضولي، وجواز بيع السفيه بإذن الولي، كما هو مذهب الفاضل (3) وغيره. خلافا للطوسي (4) وابن حمزة (5)، فمنعا عنه. وحجتهما عليه غير واضحة، مع اقتضاء الأصل والعمومات - السليمة عن المعارض في المقام - جوازه. * (وكذا لو وهب أو أقر بمال) * لم يمضيا مطلقا، كسائر تصرفاته المالية، لمكان حجره عنها. ومقتضى الأصل وعمومات أدلة جواز التصرفات - مع اختصاص أدلة حجر هذا الفرد كتابا وسنة * (و) * إجماعا بالمال - أنه * (يصح) * تصرفاته الغير المالية من نحو * (طلاقه، وظهاره، وإقراره بما لا يوجب مالا) * كالإقرار بالجناية الموجبة للقصاص وإن كان نفسا، وكالنسب وإن أوجب النفقة على الأصح، لتضمنه أمرين غير معلومي التلازم، فيقبل في أحدهما دون الآخر، كالإقرار بالسرقة على وجه يؤخذ بالمال دون القطع. وعليه، ففي الإنفاق على المقر له من مال المقر، أو بيت المال، قولان، ولا خلاف في أصل الحكم على الظاهر، مضافا إلى الإجماع المحكي


(1) اللمعة: 82. (2) منهم الشهيد الثاني في المسالك 4: 159. (3) المختلف 5: 434. (4) المبسوط 2: 286. (5) لم نعثر عليه في الوسيلة.

[ 565 ]

في بعض العبائر. * (والمملوك) * والمراد به ما يشمل المملوكة، لعموم الأدلة * (ممنوع من) * جميع * (التصرفات) * المالية وغيرها * (إلا) * الطلاق، أو إذا كانت * (بإذن المولى) * إجماعا في أصل المنع، كما قدمناه في بحث عدم مالكيته عن المختلف، وحكاه أيضا غيره في غيره، وفي الإستثناء الأخير أيضا. وهو الحجة، مضافا إلى الآية الكريمة " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (1) في الأول، والنصوص المستفيضة، بل المتواترة في المقامين، مضى بعضها في البحث المتقدم وغيره، ويأتي بعض منها في النكاح وغيره. وعلى الأشهر الأظهر في الإستثناء الأول إذا كانت الزوجة غير أمة المولى، كما يأتي في بحثه. خلافا للأخيرين، فنفوا خياره فيه أيضا، إلتفاتا إلى صحاح كثيرة يأتي الكلام عليها ثمة، وعن التذكرة استثناء الضمان أيضا، لأ نه تصرف في الذمة لا بالعين. ويرده عموم الآية، مع عدم وضوح شاهد على التخصيص بالبديهة. * (والمريض ممنوع من الوصية بما زاد عن الثلث) * على الأظهر الأشهر، بل عليه عامة من تقدم وتأخر، وادعى في الغنية عدم الخلاف فيه (2)، بل في الشرائع (3) وغيره (4) الإجماع عليه. وهو الحجة، مضافا إلى النصوص المستفيضة، بل المتواترة. قيل: خلافا لوالد الصدوق (5)، وبعض النصوص القاصرة سندا ودلالة ومقاومة لما مر من وجوه عديدة جدا. وسيأتي الكلام في المقام في بحث الوصية إن شاء الله تعالى مستقصى.


(1) النحل: 75. (2) الغنية: 251. (3) الشرائع 2: 102. (4) الحدائق 20: 353. (5) قاله الشهيد في المسالك 4: 155.

[ 566 ]

* (وكذا) * الكلام * (في) * منعه عن * (التبرعات المنجزة) * الغير معلقة على الوفاة، كالهبة والوقف والتصدق والمحاباة في البيع أو الإجارة أو نحو ذلك إذا كانت زيادة على الثلث، فيمنع عنها، كالوصية على الخلاف الآتي ذكره في بحثها - إن شاء الله تعالى - مستقصى. وحيث تصرف في محل المنع توقف على إجازة الورثة، ولا تقع من أصلها فاسدة بلا خلاف، للمعتبرة الآتية ثمة. * (والأب والجد للأب) * وإن علا * (يليان على الصغير والمجنون) * بلا خلاف، كما في المسالك (1)، بل إجماعا، كما عن التذكرة (2) وفي غيرها. وهو الحجة، كالنصوص المستفيضة، بل المتواترة، الواردة في التزويج، الصريحة في ثبوت ولايتهما عليهما فيه، المستدل بها بالفحوى والأولوية في المسألة، مضافا إلى خصوص النصوص المستفيضة، الواردة في بحثي أموال الأيتام والوصية، وغيرهما من المباحث الكثيرة. فلا ريب ولا خلاف في المسألة، ولا في نفوذ تصرفات أحدهما مع فقد الآخر، أو الموافقة وعدم المعارضة، أو سبق تصرف المتصرف منهما. وأما مع التقارن ففي تقديم الأب، أو الجد، أو البطلان، احتمالات، بل وأقوال، أوسطها الوسط، لفحوى ما دل على ثبوته في التزويج من الإجماعات المحكية، والنصوص المستفيضة. * (فإن فقدا فالوصي) * لأحدهما * (فإن فقد) * الوصي * (فالحاكم) * بلا خلاف فيهما، وفي الترتيب بين الأولياء، وكون المراد بالحاكم حيث يطلق من يعم الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، بل على الأخير الإجماع في المسالك (3). وهو الحجة فيه، كالنصوص المستفيضة الواردة في الوصية في


(1) المسالك 4: 161. (2) التذكرة 2: 80 س 29. (3) المسالك 4: 162.

[ 567 ]

ثبوت ولاية الوصي. ويستفاد من بعضها ثبوت الولاية للحاكم مع فقد الوصي، وللمؤمنين مع فقده، وهو كثير، بل لعله مستفيض، ذكر بعضها - مع الخلاف في الأخير - في كتاب التجارة، وباقي الأخبار تعرف من كتاب الوصية. ثم الولاية في مال السفيه الذي لم يسبق له رشد كذلك للأب والجد إلى آخر ما ذكر، وفاقا للشهيدين (1) وغيرهما، عملا بالإستصحاب، وفحوى ما دل على ثبوتها في النكاح من الإجماع المحكي في عبائر كثير من الأصحاب. خلافا للأكثر، كما في المسالك (2) وغيره، فأثبتوها هنا للحاكم على الإطلاق. ولا دليل عليه يعتد به، إلا ما قيل: من ظهور توقف الحجر عليه، ورفعه على حكمه في كون النظر إليه (3). وفيه نظر، لمنع التوقف أولا، كما مضى، ثم منع الظهور ثانيا، لعدم التلازم جدا، إذ لا منافاة بين توقف الأمرين على حكمه، وكون النظر والولاية إلى الأبوين بعده أصلا. وإن سبق رشده وارتفع عنه الحجر بالبلوغ معه ثم لحقه السفه فللحاكم الولاية دونهم. قيل: لارتفاع الولاية عنه بالرشد، فلا تعود إليهم إلا بدليل، وهو منتف، والحاكم ولي عام لا يحتاج توليته إلى دليل وإن تخلف في بعض الموارد (4). وظاهر المسالك (5) والروضة (6) وغيرهما عدم الخلاف فيه، فإن تم


(1) اللمعة والروضة 4: 106. (2) المسالك 4: 162. (3) قاله الشهيد الثاني في الروضة 4: 106. (4) قاله الشهيد الثاني في الروضة 4: 106. (5) المسالك 4: 162. (6) الروضة 4: 106.

[ 568 ]

إجماعا كان هو الحجة، وإلا فالقول بالولاية للأبوين هنا أيضا لا يخلو عن قوة، التفاتا إلى ثبوته في بحث التزويج على الأقوى بالأولوية، مضافا إلى ظهور الإجماع من التذكرة، المشار إليها ثمة، المستلزمة لثبوت الحكم هنا بأولوية اخرى زيادة على الأولوية الأولة. وسيأتي ثمة بيان ضعف التعليل المتقدم لإثبات ولاية الحاكم في المسألة. وهذا القول هو الظاهر من العبارة وما ضاهاها، حيث أطلق فيها المجنون، بحيث يشمل من اتصل جنونه بصغره ومن تجدد له ذلك بعد رشده. والسفيه بالإضافة إلى المال بمعنى المجنون، ولعله لذا لم يذكر ولي السفيه اكتفاء منه ببيان ولي المجنون. والله العالم.

[ 569 ]

كتاب الضمان

[ 571 ]

* (كتاب الضمان) * * (وهو) * يطلق على معنيين: أحدهما أخص من الآخر، والأعم عبارة عن * (عقد شرع، للتعهد بنفس، أو مال) * والأول الكفالة، والثاني الحوالة إن كان ممن في ذمته مال، وإلا فالضمان بالمعنى الأخص. * (و) * لذا صار * (أقسامه ثلاثة) *: * (الأول) * * (ضمان المال) * وهو المراد منه حيث يطلق بلا قيد، بخلاف القسمين، فلا يطلق عليهما إلا بأحد القيدين. وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال سبحانه: " أوفوا بالعقود " (1) وقال عز شأنه: " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " (2). وأما السنة فمن طريق الخاصة والعامة مستفيضة، سيأتي إلى جملة من الاولى الإشارة. ومن الثانية: النبوية المشهورة في قضية ضمان علي (عليه السلام) عن الميت،


(1) المائدة: 1. (2) يوسف: 72.

[ 572 ]

وكذا أبي قتادة (1). وفيها: أقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام) فقال: جزاك الله تعالى عن الإسلام خيرا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك (2). وفي اخرى نبوية: العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم (3). وأما الإجماع فمن المسلمين كافة، كما في المهذب (4) وغيره. * (ويشترط في الضامن التكليف) * بالبلوغ والعقل، فلا يصح من الصبي والمجنون بلا خلاف، بل عليه الإجماع في المسالك (5)، لأدلة الحجر عليهما، وحديث رفع القلم (6). ويصح عنهما بلا خلاف أجده، إلا من الطبرسي (7)، فلا يصح كالأول. ويدفعه الأصل، والعمومات، وفحوى ما دل على الصحة من الميت، وبه صرح الفاضل في المختلف (8). * (و) * يشترط فيه أيضا * (جواز التصرف) * برفع الحجر عنه، ولقد كان فيه غنى عن ذكر الشرط السابق، لاندراجه تحت هذا الشرط. وكيف كان، فلا يصح من السفيه ولا المملوك بدون إذن السيد، بلا خلاف أجده في الأول، وبالمنع فيه صرح في التذكرة (9)، وفاقا للأكثر في الثاني، لعموم أدلة الحجر، ومنها: قوله سبحانه: " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (10).


(1) سنن الدارقطني 3: 78 و 79، الحديث 291 و 293. (2) الوسائل 13: 151، الباب 3 من أبواب أحكام الضمان الحديث 2. (3) مسند احمد بن حنبل 5: 267. (4) المهذب البارع 2: 522. (5) المسالك 4: 174. (6) مسند احمد بن حنبل 6: 100. (7) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 468. (8) المختلف 5: 468. (9) التذكرة 2: 87 س 18. (10) النحل: 75.

[ 573 ]

خلافا للفاضل في المختلف (1) والتذكرة (2) فقال بالصحة، ويتبع به بعد العتق، ولعله للأصل، والعموم، واختصاص الآية بحكم السياق بالحجر في المال. وفي الجميع نظر، إذ لاأصل للأصل بعد قطع النظر عن العموم، بل مقتضاه الفساد، ولا للعموم بعد فقد اللفظ الدال عليه في اللغة والعرف، والإطلاق لا ينصرف إلا إلى الفرد المتبادر الغالب، وليس منه محل الفرض، وتخصيص الشئ بالمال مخالف للعموم المستفاد من ذكر النكرة في سياق النفي. وظهوره من السياق صريحا - بل وظاهرا - غير معلوم، سيما مع استنادهم (عليهم السلام) بالآية، لمنعه عن نحو الطلاق الذي ليس بمال في كثير من النصوص. وأما الإستناد بعموم " أوفوا بالعقود " فغير مفيد، بعد اختصاصه بحكم الوضع عندنا بالحاضرين، وانحصار وجه التعدية إلى من عداه بالإجماع المفقود في المفروض، لمصير الأكثر الى عدم الصحة. فتأمل. ويصح مع الإذن بلا خلاف، بل عليه الإجماع في المختلف (3) وغيره. وفي تعلق المال حينئذ بذمة العبد فيتبع به بعد العتق، كما في الشرائع (4) واللمعة (5)، بناء على أن الإذن إنما هو في الإلتزام دون الأداء، الذي هو أخص، ولا دلالة للعام على الخاص. أو بكسبه، بناء على أن الإطلاق يحمل على ما يستعقب الأداء فإنه المعهود، وليس إلا ذاك، إذ الفرض أن الضامن هو العبد دون السيد. أو بمال المولى مطلقا، كما عن الإسكافي (6) والمسالك (7) والروضة (8)،


(1) المختلف 5: 468. (2) التذكرة 2: 87 س 26. (3) المختلف 5: 468. (4) الشرائع 2: 107. (5) اللمعة: 83. (6) كما في المختلف 5: 468. (7) المسالك 4: 176. (8) الروضة 4: 114.

[ 574 ]

قياسا له بالإستدانة. أقوال واشكال. إلا أن يكون هناك معهود فيتبع بلا إشكال فيه، وفي لزوم كل من الإحتمالات مع الإشتراط، مضافا إلى عدم الخلاف فيه، كما صرح به بعض الأصحاب (1). * (ولابد) * في اللزوم * (من رضى المضمون له) * وفاقا للأكثر، بل لعله عليه عامة من تأخر، وفي الغنية الإجماع عليه (2). وهو الحجة. مضافا إلى الأصل، وأن حقه ينتقل من ذمة إلى اخرى، والناس مختلفون في حسن المعاملة وسهولة القضاء، فلو لم يعتبر رضاه لزم الضرر، والغرر. ومفهوم الصحيح: الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت (3). والرضوي: وإن كان لك على رجل مال وضمنه رجل عند موته وقبلت ضمانه فالميت قد برئ، وقد لزم الضامن رده عليك (4). مضافا إلى التأيد بالخبر: احتضر عبد الله بن حسن فاجتمع عليه غرماؤه فطالبوه بدين، فقال: ما عندي ما اعطيكم، ولكن ارضوا بمن شئتم من بني عمي علي بن الحسين (عليه السلام) أو عبد الله بن جعفر، فقال الغرماء، أما عبد الله بن جعفر فملي مطول، وعلي بن الحسين (عليه السلام) رجل لا مال له صدوق، وهو أحبهما إلينا، فارسل إليه فأخبره الخبر، فقال: أنا أضمن لكم المال إلى غلة ولم يكن له غلة كملا، فقال القوم: قد رضينا، وضمنه، فلما أتت الغلة أتاح الله تعالى بالمال فأداه (5).


(1) هو صاحب مفاتيح الشرائع 3: 144، مفتاح 1027. (2) الغنية: 260. (3) الوسائل 13: 98، الباب 14 من أبواب الدين والقرض الحديث 1. (4) فقه الرضا: 268. (5) الوسائل 13: 152، الباب 5 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1.

[ 575 ]

وقصور سنده - كالثاني لو كان - منجبر بعمل الأعيان. ولكن في الإستدلال به - كما في المختلف (1) - كلام. خلافا لأحد قولي الطوسي (2)، فلم يعتبر رضاه، للنبوي المتقدم المتضمن لضمان علي (عليه السلام) وأبي قتادة عن الميت، وحكمه (عليه السلام) عليهما باللزوم بقوله المتقدم بمجرد ضمانهما، مع عدم سبق سؤاله عن رضا المضمون له. وهو مع قصور سنده - مع عدم جابر له في محل الفرض - قاصر الدلالة. أولا: بأنه لا عموم فيه، لكونه قضية في واقعة. وثانيا: باحتمال وجود القرينة الدالة على رضاه، لعدم وجود ما يوفى به دينه من التركة على الظاهر، مع كون الضامن مثل علي (عليه السلام) في غاية مرتبة من الوثوق عليه في الوفاء، وهو موجب لحصول العلم برضا المضمون له ولو بالفحوى، ولعله كاف في الصحة، بل واللزوم وإن توقف على القبول اللفظي بعده على الإختلاف. وثالثا: باحتمال حصول رضى المضمون له في الواقعة، وعدم النقل لا يدل على العدم بالضرورة. ودفعه بأصالة العدم مشروط بعدم النص على الإشتراط، وقد مر. فما هذا شأنه لا يعترض به الأدلة المتقدمة. وربما الإشتراط، وقد مر. فما هذا شأنه لا يعترض به الأدلة المتقدمة. وربما يستدل له بالموثق: في الرجل يكون عليه دين فحضره الموت فيقول وليه: علي دينك، قال: يبرأه ذلك وإن لم يوفه وليه من بعده، وقال: أرجو أن لا يأثم، وإنما إثمه على الذي يحبسه (3). وفيه - بعد قصور السند عن المقاومة لما مر - قصور الدلالة، لإطلاقه بالإضافة إلى حصول رضى المضمون له وعدمه.


(1) المختلف 5: 458. (2) الخلاف 3: 313، المسألة 2. (3) الوسائل 13: 99، الباب 14 من أبواب الدين والقرض الحديث 2.

[ 576 ]

فليقيد بالأول، جمعا بين الأدلة، للإتفاق على تقديم النص على الظاهر، سيما مع اعتضاده بالأصل، وأدلة نفي الضرر، وعمل الأكثر. فالإستدلال به في مقابلة الأول ضعيف. وأضعف منه الإستدلال بالموثق الآخر: عن رجل مات وله علي دين وخلف ولدا رجالا ونساء وصبيانا فجاء رجل منهم فقال: أنت في حل مما لاخوتي واخواتي وأنا ضامن لرضاهم عنك، قال: تكون في سعة من ذلك وحل، قلت: وإن لم يعطهم، قال: كان ذلك في عنقه، قلت: فإن رجع الورثة علي فقالوا: اعطنا حقنا، فقال: لهم ذلك في الحكم الظاهر، فأما بينك وبين الله تعالى فأنت في حل منها إذا كان الرجل الذي أحل لك يضمن رضاهم، الحديث (1). لاشتراكه مع سابقه في قصور السند، مع زيادة قصور فيه، لخروجه (2) عن محل النزاع، لتضمنه إبراء ذمة المديون عن مال الغريم مجانا بدون نقله إلى ذمته. وهذا، مع كونه في الظاهر مخالفا للإجماع، لحرمة التصرف في مال الغير بدون الإذن - ولعله لهذا أطلق (عليه السلام) وقال: " إن للورثة المطالبة في الحكم الظاهر "، وهو أعم من وجود البينة على الضمان وعدمه - ليس من محل النزاع، لأنه ما تضمن إبراء ذمة المديون عن مال الغريم بنقله إلى ذمة الضامن، لا إبرائه مجانا. والضمان في الخبر ليس إلا على تحصيل رضى الغريم، وهو ليس من الضمان الذي هو محل الفرض. نعم الخبر صريح في حصول البراءة بما فيه من الضمان، لكنه مخالف


(1) الوسائل 13: 152، الباب 4 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1. (2) في " ق، ش ": بخروجه.

[ 577 ]

للقواعد، بل والإجماع. وعلى تقدير العدم فهو - كما عرفت - خارج عن محل النزاع. فالإستدلال على المطلب فيه عين الغفلة، كالإستدلال بالصحيح: الرجل يكون عنده المال وديعة يأخذ منه بغير إذن صاحبه، قال: لا يأخذ إلا أن يكون له وفاء، قلت: أرأيت إن وجد من يضمنه ولم يكن له وفاء وأشهد على نفسه الذي يضمنه يأخذ منه ؟ قال: نعم (1). لخروجه - كسابقه - عن محل النزاع، مع مخالفته للقواعد، بل الإجماع. ثم على المختار هل المعتبر مجرد الرضا كيف اتفق، أم لابد من كونه بصيغة القبول ؟ قولان. أجودهما الثاني، للأصل، والإقتصار فيما خالفه من اللزوم والانتقال على المتيقن من الإجماع والنص، وليس فيه تصريح بكفاية مطلق الرضى. وإطلاقه لا عبرة به، لعدم وروده في بيان حكمه، بل لبيان حكم آخر، مضافا إلى تضمن بعض ما مر من الأخبار القبول بصيغته وشرائطه من المضي، والتواصل المعهود بينه وبين الإيجاب. * (ولا عبرة بالمضمون عنه) * أي برضاه بلا خلاف أجده، حتى من القائلين بعدم الصحة مع الإنكار، فإن قولهم بذلك غير مبني على اعتبار رضاه ابتداء، بل على جعلهم الإنكار مانعا، ولذا صرحوا بالصحة مع عدم معلومية كل من الرضى والإنكار، وربما يشعر بعدم الخلاف العبارة وغيرها، بل في المسالك [ وفي شرح القواعد للمحقق الثاني ] (2) الإجماع عليه (3). وهو الحجة بعد العمومات وظواهر ما مر من المعتبرة، المكتفية في شرائط الصحة والحكم باللزوم بمجرد رضا المشروط له، والنبوي المتقدم


(1) الوسائل 13: 232، الباب 8 من أبواب أحكام الوديعة الحديث 1. (2) أثبتناه من " ق، ش ". (3) المسالك 4: 181، وجامع المقاصد 5: 317.

[ 578 ]

بالضمان عن الميت بعد موته نص في ذلك. * (ولو علم) * المضمون عنه بالضمان * (فأنكر) * ولم يرض به * (لم يبطل الضمان على الأصح) * الأشهر، بل لعله عليه عامة من تأخر، وفاقا للحلي (1)، لبعض ما مر، مضافا إلى ما ظاهرهم الإتفاق عليه من جواز أداء الدين عنه بغير رضاه، بل مع كراهته، فالتزامه في الذمة أولى. خلافا للنهاية (2) والمقنعة (3) والقاضي (4) وابن حمزة (5)، فنفوا الصحة بالإنكار. وحجتهم عليه غير واضحة، عدا الأصل، الغير المعارض لما مر من الأدلة، مضافا إلى استصحاب الصحة السابقة. فما قالوه ضعيف غايته. وفي اعتبار العلم بالمضمون عنه والمضمون له بالوصف والنسب كما عن المبسوط (6)، أو بما يتميزان به عن الغير خاصة كما في اللمعة (7)، أو العدم مطلقا كما عن الخلاف (8) وفي الغنية (9) وهو ظاهر العبارة وصريح الشرائع (10) والفاضل فيما عدا المختلف (11) والمسالك والروضة، أو يعتبر معرفة الأول بما يتميز خاصة دون الثاني كما في المختلف (12)، أقوال أربعة. أجودها ثالثها، لعموم الأمر بالوفاء بالعقد، المتأيد بإطلاقات أخبار الباب، والنبوي المتقدم، الظاهر في جهالة الشخصين. ومجرد حضور الجنازة مع عدم المعرفة بمحمولها مطلقا - ولو بقدر


(1) السرائر 2: 69. (2) النهاية 2: 37. (3) المقنعة: 814. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 458. (5) الوسيلة: 280. (6) المبسوط 2: 323. (7) اللمعة: 83. (8) الخلاف 3: 313، المسألة 1. (9) الغنية: 261. (10) الشرائع 2: 108. (11) التذكرة 2: 88 س 33، والتحرير 1: 222 س 25، والإرشاد 1: 401. (12) المختلف 5: 455.

[ 579 ]

ما يحصل به التميز في الجملة - ليس معرفة بالمضمون عنه بالضرورة. والغرر المتوهم منه اشتراط المعرفة مطلقا، أو في الجملة سيأتي إلى جوابه الإشارة، مع أن الإستناد إليه يوجب اشتراط المعرفة بسهولة القضاء في المضمون له وحسن المعاملة، وهو منفي بالإجماع، كما في المختلف (1). * (وهو) * أي الضمان * (ينقل المال) * المضمون * (من ذمة المضمون عنه إلى) * ذمة * (الضامن، وتبرأ ذمة المضمون عنه) * بإجماعنا المستفيض الحكاية في كلام جماعة، كالسرائر (2) والغنية (3) ونهج الحق (4) والمهذب (5) والمسالك (6) والتذكرة (7) وغيرها من كتب الجماعة. وهو الحجة المخصصة للأصل، مضافا إلى النصوص المستفيضة، الخاصية والعامية المتقدمة، التي هي ظاهرة في ذلك، بل صريحة. خلافا للعامة (8)، فجعلوا فائدته ضم ذمة إلى اخرى، وخيروا لذلك المضمون له بين مطالبة المضمون عنه والضامن. وتظهر ثمرة الخلاف في مواضع، منها: جواز الدور فيه، كالتسلسل. فالأول: كأن يضمن إثنان كل ما على صاحبه، أو يضمن الأصيل ضامنه بما يضمنه عنه بعينه، أو ضامن ضامنه وهكذا. والثاني: كأن يضمن أجنبي عن الضامن وهكذا، لتحقق الشرط، وهو ثبوت المال في الذمة، وعدم المانع. فيرجع كل ضامن مع الإذن بما أداه على مضمونه، لا على الأصيل في الثاني، وفي الأول يسقط الضمان ويرجع الحق كما كان.


(1) المختلف 5: 456. (2) السرائر 2: 70. (3) الغنية: 261. (4) نهج الحق: 494، المسألة 15. (5) المهذب البارع 2: 522. (6) المسالك 4: 182. (7) التذكرة 2: 93 س 14. (8) منهم ابن قدامة في المغني 5: 70.

[ 580 ]

نعم يترتب عليه أحكامه، كظهور اعسار الأصيل الذي صار ضامنا، الموجب لخيار المضمون له في فسخ ضمانه، والرجوع إلى المضمون عنه الذي صار ضامنه، كما يأتي. ولا خلاف بيننا في شئ من ذلك، إلا من المبسوط (1) في الأول، فمنعه، لاستلزامه صيرورة الفرع أصلا والأصل فرعا، ولعدم (2) الفائدة. ورد الأول: بأن ذلك لا يصلح للمانعية. والثاني: بأن الفائدة موجودة، وهو ما مر إليه الإشارة، من ظهور إعسار الأصيل وما بعده. وكذلك يصح وحدة الضامن وتعدد المضمون عنه، وبالعكس مع الإقتران، أما بدونه في مال واحد، فيصح الأول خاصة. وهذا كله ظاهر بحمدالله سبحانه. * (ويشترط فيه) * أي الضامن * (الملاءة) * بأن يكون مالكا لما يوفى به الحق المضمون، فاضلا عن المستثنيات في وفاء الدين. * (أو علم المضمون له بإعساره) * حين الضمان بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في ظاهر الغنية (3). وهو الحجة، مضافا إلى الأصل، وعدم انصراف إطلاق النصوص إليه، بناء على أن المتبادر المقصود من الضمان استيفاء الدين من الضامن. وبه يشعر ظاهر اشتراط رضى المضمون له في بعضها، وإنما يكون ذلك إذا أمكن الأداء بيساره، مضافا إلى لزوم الضرر بعدم اعتباره. وبه يجاب عن عموم الأمر بالوفاء بالعقود لو تمسك به. ومنه يظهر الوجه في عدم الإشتراط مع العلم بالإعسار، للزوم الوفاء بالعقد، السالم حينئذ عن الضرر المعارض، لاندفاعه بالإقدام عليه بالعلم،


(1) المبسوط 2: 329. (2) في " ق ": لعدم. (3) الغنية: 260.

[ 581 ]

مضافا إلى النص المتقدم في ضمان علي بن الحسين (عليه السلام)، مع اعتراف من ضمن لهم فيه بأنه لا مال له، ولذا لم يكن شرطا في الصحة، بل في اللزوم خاصة، كما صرح به جماعة. * (و) * على هذا * (لو) * لم يعلم بإعساره حتى ضمن ثم * (بان إعساره كان المضمون له مخيرا) * بين الفسخ والرجوع إلى المضمون عنه، وبين إلزام العقد ومطالبة الضامن. وفي فورية هذا الخيار، أم كونه على التراخي، وجهان، أجودهما الثاني، وفاقا للشهيد الثاني (1)، للأصل. وإنما اعتبر الملاءة في الإبتداء دون الإستدامة، فلو تجدد إعساره بعد الضمان لم يكن له الفسخ، لتحقق الشرط حالته، والأصل بقاء الصحة. وكما لا يقدح تجدد إعساره، فكذا تعذر الاستيفاء منه بوجه آخر. * (والضمان المؤجل) * للدين الحال * (جائز) * مطلقا، تبرعا كان، أو غيره، إجماعا، كما عن التذكرة (2) وفي الشرائع (3) والمسالك (4)، للأصل، والعمومات السليمة عن المعارض. عدا ما ربما يتوهم من كونه ضمانا معلقا، وهو غير جائز عندنا. وليس كما يتوهم، بل هو تأجيل للدين الحال في عقد لازم، فيلزم. * (وفي) * جواز العكس وهو الضمان * (المعجل) * للدين المؤجل * (قولان، أصحهما الجواز) * مطلقا، وفاقا للمبسوط (5) والقاضي في المهذب (6) والحلي (7) والفاضلين (8) والشهيدين (9) والمفلح الصيمري (10)، بل


(1) المسالك 4: 184. (2) التذكرة 2: 86 س 15. (3) الشرائع 2: 108. (4) المسالك 4: 184. (5) المبسوط 2: 323. (6) المهذب 2: 71. (7) السرائر 2: 70. (8) الشرائع 2: 108، والمختلف 5: 459. (9) اللمعة والروضة 4: 122. (10) غاية المرام: 80 س 12 (مخطوط).

[ 582 ]

لعله عليه عامة المتأخرين، للأصل، وعموم دلائل مشروعية الضمان مع فقد المعارض، لفساد ما يأتي، وأصالة عدم غيره. خلافا للمقنعة (1) والنهاية (2) والقاضي في الكامل (3) وابني حمزة (4) وزهرة (5)، فمنعوا عنه كذلك، لبناء الضمان على الإرفاق، فيشترط فيه الأجل، لمنافاة الحال للإرفاق، لأن الضمان الحال يسوغ تعجيل المطالبة بالحق المضمون، فيتسلط الضامن على مطالبة المضمون عنه، فينتفي فائدة الضمان عنه، وأن ثبوت المال في ذمة الضامن فرع ثبوته في ذمة المضمون عنه، والفرع لا يكون أقوى من الأصل. ووافقهم فخر الإسلام (6) والمحقق الثاني (7)، كما حكي، لا لما ذكر، بل لأن من شرط صحة الضمان وجوب الحق على المضمون عنه، والأجل حق من حقوق الدين، وتعجيله غير واجب، فيكون ضمانه كذلك ضمان ما لم يجب، وليس بصحيح. وفي الجميع نظر. فالأول: أولا: بعدم جريانه في الضمان تبرعا. وثانيا: بمنع بناء الضمان على الإرفاق وانحصار فائدته فيه، إذ لا دليل عليه من نص أو إجماع، ويحتمل كون الفائدة فيه هو تفاوت الغرماء بحسن القضاء والتقاضي. وثالثا: بمنع اقتضاء الإخلال تسويغ المطالبة مطلقا، بل يشترط حلوله على المضمون عنه، أو تصريحه بالرجوع عليه حالا.


(1) المقنعة: 815. (2) النهاية 2: 38. (3) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 459. (4) الوسيلة: 280. (5) الغنية: 260. (6) الإيضاح 2: 81. (7) جامع المقاصد 5: 310.

[ 583 ]

وبهذا يظهر وجه النظر في الثاني، مع أن الضمان كالقضاء على اعترافهم، فكما أنه يجوز للمضمون عنه دفع المال معجلا فكذا يجوز الضمان حالا. وأ ما الثالث: فلأن المضمون إنما هو المال، وأ ما الأجل فلا يتعلق به الضمان وإن كان من توابع الحق وأوصافه، إلا أن دخوله حيث يدخل ليس بالذات، بل بالتبع، وهو حق للمديون، فإذا رضي الضامن بإسقاطه وتعجيل الإيفاء فقد ضمن ما يجب، وهو المال، ورضي بإسقاط الوصف. ولا يرد أنه غير واجب الأداء بسبب الأجل، لأنه واجب في الجملة، غايته أنه موسع، سيما مع رضا المضمون عنه. وبما ذكرنا يظهر وجه الجواز في باقي الصور الغير المفروضة في العبارة، وهي ثمان: الضمان المؤجل للدين المؤجل مع تساوي الأجلين، أو الإختلاف بالزيادة، والنقصان، بسؤال المضمون عنه كان، أو تبرعا، فهذه ستة، والضمان المعجل للدين المعجل بالسؤال، أو التبرع، فهذه ثمان. ويمكن إدراجها في العبارة، بحذف ما ذكرناه في صورتيها من الصلة، إلا أن الظاهر من ذكر القولين فيها في الصورة الثانية يقتضي ذكر ما ذكرناه من الصلة، لاختصاص نص القول بالمنع فيها بها معها خاصة، وذكرت الصلة في الاولى بالتبعية وإن كان ظاهر العبارة كالشرائع (1) في هذه الصورة وظاهر اختصاص فتوى المانعين بالصورة الثانية عدم الخلاف فيه في الاولى بشقوقها. ولكن مقتضى تعليلات المنع انسحابه في كثير من شقوقها، وبعض شقوق الصورة الثانية وإن اختلف في تعيينها. * (ويرجع الضامن على المضمون عنه) * بما أداه * (إن ضمن بسؤاله) * وإن


(1) الشرائع 2: 108.

[ 584 ]

لم يؤد بإذنه بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في الغنية (1) والسرائر (2) والمسالك (3) وعن التذكرة (4). وهو الحجة المخصصة للأصل، مضافا إلى المعتبرة، المنجبرة قصور أسانيدها بعمل الطائفة والإجماعات المحكية. منها الخبر المروي في الكتب الثلاثة: ليس على الضامن غرم الغرم على من أكل المال (5). فتأمل. ومنها الموثق - المروي في الكافي في باب الصلح، وفي التهذيب في هذا الباب بسنده إلى عمر بن يزيد -: عن رجل ضمن ضمانا ثم صالح عليه، قال: ليس له إلا الذي صالح عليه (6). ونحوه الخبر المروي في الأخير بسند فيه بنان (7)، المعد في الحسن عند بعض. وهما ظاهرا الدلالة من حيث إطلاقهما، الشامل لصورتي الإذن في الأداء وعدمه. * (و) * يستفاد منهما أنه * (لا) * يجب على المضمون عنه أن * (يؤدي) * إلى الضامن * (أكثر مما دفعه) * إلى المضمون له، مع أنه أيضا لا خلاف فيه في الجملة. ويعضده الأصل، وعدم دليل على الزائد، لاختصاص الفتاوى والإجماعات - التي هي العمدة في الحجة - بما أداه خاصة. وخلاف الإسكافي في بعض الصور (8) شاذ، لا يلتفت إليه، والنصوص - كما ترى - حجة عليه. * (و) * من هنا يظهر الوجه في أنه * (لو وهبه) * أي الضامن * (المضمون له أو أبرأه) * عن المضمون * (لم يرجع) * الضامن * (على المضمون عنه بشئ


(1) الغنية: 261. (2) السرائر 2: 71. (3) المسالك 4: 189. (4) التذكرة 2: 94 س 38. (5) التهذيب 6: 209، الحديث 485، والفقيه 3: 96، الحديث 3402، والكافي 5: 104، الحديث 5. (6) الكافي 5: 259، الحديث 7، والتهذيب 6: 210، الحديث 490. (7) التهذيب 6: 210، الحديث 489. (8) كما في المختلف 5: 469.

[ 585 ]

ولو كان) * الضمان * (بإذنه) * وكذا لم يرجع المضمون له عليه به عندنا، بناء على انتقال الحق من ذمة إلى اخرى. خلافا للعامة، فأثبتوا له الرجوع به عليه، بناء على أصلهم الذي مضى. * (وإذا تبرع الضامن بالضمان فلا رجوع) * له على المضمون عنه بما أداه مطلقا وإن كان الأداء بإذنه بلا خلاف، بل عليه الإجماع في الكتب المتقدمة ونهج الحق للفاضل (1). وهو الحجة، مضافا إلى أصالة براءة الذمة، حتى في صورة الإذن في الأداء، لانتقال الحق إلى ذمته. ولا دليل مع عدم الإذن في الضمان على اشتغال ذمة المضمون عنه بما أداه بمجرد إذنه في الأداء، كما أن الآمر في غير صورة الضمان كذلك ليس له الرجوع بمجرد الإذن في الأداء، إلا أن يقول قبل الضمان: أد عني أو دلت عليه قرينة فيرجع حينئذ بما أدى بلا شبهة، لظهوره في الإلتزام بالعوض، كما لو صرح به بقوله: وعلي عوضه. ودليل الرجوع - حينئذ - لزوم الضرر على الدافع، الناشئ من أمر الآمر، وهو منفي اتفاقا فتوى ورواية. فمناقشة بعض الأصحاب في الرجوع في هذه الصورة - لعدم الدليل بزعمه (2) - غير واضحة. واطلاق الخبرين المتقدمين بالرجوع محمول على صورة الإذن في الضمان، كما هو الغالب، دون التبرع. * (ولو ضمن ما عليه صح وإن لم يعلم كميته) * ومقداره حال الضمان * (على الأظهر) * الأشهر، بل عليه عامة من تأخر، وفاقا للمقنعة (3) والنهاية (4)


(1) نهج الحق: 494، المسألة 16. (2) الظاهر الأردبيلي في مجمع الفائدة 9: 291. (3) المقنعة: 815. (4) النهاية 2: 38.

[ 586 ]

والإسكافي (1) والديلمي (2) والتقي (3) والقاضي (4) وابن زهرة العلوي مدعيا عليه الإجماع (5). وهو الحجة، مضافا إلى أدلة لزوم الوفاء بالعقود من الكتاب (6) والسنة (7)، السليمة هنا عما يصلح للمعارضة، كما يأتي إليه الإشارة. واستدلوا - زيادة على ذلك - بقوله سبحانه: " وأنا به زعيم " (8)، مشيرا إلى الحمل المختلف أفراده في الكمية. والمناقشة باحتمال المعلومية بالتعارف (9) حال الضمان والمعهودية بأصالة العدم مدفوعة. وإطلاق قوله (عليه السلام): " والزعيم غارم " (10). والخبر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول في خطبته: من ترك ضياعا فعلي ضياعه، ومن ترك دينا فعلي دينه، ومن ترك مالا فأكله، وكفالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ميتا ككفالته حيا، وكفالته حيا ككفالته ميتا (11). ولو لم يكن ضمان المجهول صحيحا لم يكن لهذا الضمان حكم ولا اعتبار، إذ الباطل لا اعتبار به، فامتنع من الإمام (عليه السلام) الحكم بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كافل. وفيه نظر، كالإستدلال بأخبار اخر تضمنت كفالة علي بن الحسين (عليه السلام) جميع ما على المريض (12)، لظهور جهالته، وأصالة عدم معلوميته، وبعضه قد مر.


(1) كما في المختلف 5: 460. (2) المراسم: 200. (3) الكافي في الفقه: 340. (4) نقله عنه العلامة في المختلف 5: 460. (5) الغنية: 260. (6) المائدة: 1. (7) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور ذيل الحديث 4. (8) يوسف: 72. (9) في " ق ": بالمتعارف. (10) مسند احمد بن حنبل 5: 267. (11) الوسائل 13: 92، الباب 9 من أبواب الدين والقرض الحديث 5. (12) الوسائل 13: 151، الباب 3 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1، و 152، الباب 5 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1.

[ 587 ]

نعم يصلح الجميع للتأييد القوي. خلافا للمبسوط (1) والخلاف (2) والقاضي في المهذب (3) والحلي (4)، فقالوا بالمنع، استنادا إلى تضمنه الغرر، المنهي عنه، مع عدم دليل على الصحة. ويندفع الثاني: بما مر من الأدلة. والأول: بمنع الغرر، إذ ليس إلا في المعاوضات المفضية إلى التنازع، دون مثل الإقرار والمقام وشبههما، لتعين الحكم فيهما وهو الرجوع إلى المقر في الأول، وإلى البينة في الثاني. وما ربما يدفع به هذا - من عدم تسليم زوال الغرر بالرجوع الى ما ثبت بالبينة، لاحتمال قيامها بما يعجز عنه الضامن فيحصل الضرر المستند إلى الغرر - مدفوع، بأن هذا الضرر هو شئ أدخله على نفسه، فهو مستند إلى فعله وضمانه للمجهول مع علمه بهذا الإحتمال، وقد أقدم على ذلك، فيكون كما لو ضمن المعلوم مع عجزه عنه، وذلك واضح. هذا إذا أمكن العلم به بعد ذلك كالمثال، فلو لم يمكن - كضمنت لك شيئا مما في ذمته - لم يصح قولا واحدا، كما في المسالك (5). * (و) * على تقدير الصحة * (يثبت عليه ما تقوم به البينة) * أنه كان لازما للمضمون عنه وقت الضمان * (لا ما يتجدد) * أو يوجد * (في دفتر أو حساب، ولا ما يقر به المضمون عنه) * أو يحلف عليه المضمون له برد اليمين من المضمون عنه، لعدم دخول الأول في الضمان، وعدم ثبوت الثاني في الذمة، وإنما يلزم الثابت فيها خاصة، وعدم نفوذ الإقرار في الثالث على الغير، وكون


(1) المبسوط 2: 335. (2) الخلاف 3: 319، المسألة 13. (3) المهذب 2: 71. (4) السرائر 2: 72. (5) المسالك 4: 197.

[ 588 ]

الخصومة حينئذ مع الضامن والمضمون عنه، فلا يلزمه ما يثبت بمنازعة غيره، كما لا يثبت ما يقر به في الرابع. نعم لو كان الحلف برد الضامن يثبت ما حلف عليه، ولا خلاف في شئ من ذلك. إلا من الحلبي (1) في الثالث، فأثبته عليه وتبعه في الغنية، مدعيا عليه إجماع الطائفة (2). وفيه وهن، لعدم وجود قائل به إلا هو والحلبي، فكيف يمكن معه دعوى الإجماع. ولكنه أعرف. ومن المفيد (3) والطوسي (4) في الرابع، فأثبتاه عليه وإن اختلفا في الإطلاق كما عن الأول، أو التقييد بكون الحلف برضا الضامن كما عن الثاني. ويمكن رد هذا القول مع القيد إلى الأول، بحمل الرضا على الرد وإن كان أعم منه. وربما بنى ذلك على أن يمين المدعي هل هو كالبينة، أو كإقرار المنكر ؟ فيثبت على الضامن ما حلف عليه على الأول دون الثاني. * (القسم الثاني) * في * (الحوالة) * * (وهي مشروعة) * بالنص والإجماع * (لتحويل المال من ذمة إلى ذمة) * اخرى * (مشغولة بمثله) * جنسا ووصفا. هذا هو القدر المتفق عليه منها، وإلا فالأظهر الأشهر جوازها على البرئ، بل عليه الإجماع عن السرائر (5). وهو الحجة، مضافا إلى عموم الأمر بالوفاء بالعقود (6)، وإطلاق بعض النصوص الآتية.


(1) الكافي في الفقه: 340. (2) الغنية: 260. (3) المقنعة: 815. (4) النهاية 2: 39. (5) السرائر 2: 79. (6) المائدة: 1.

[ 589 ]

خلافا لأحد قولي المبسوط (1)، فمنعها، وهو ظاهر العبارة. وحجتهما عليه غير واضحة، عدا الأصل الغير المعارض لما مر من الأدلة المعتضدة بالشهرة العظيمة، ولكنه حينئذ يكون أشبه بالضمان، لاقتضائه نقل المال من ذمة مشغولة إلى ذمة بريئة، فكان المحال عليه بقبوله لها ضامنا لدين المحتال على المحيل. ولكنها لا تخرج بهذا الشبه عن أصل الحوالة، فتلحقها أحكامها. وفي اشتراط تماثل المالين في الأمرين قولان: للأول - كما عن الشيخ (2) وجماعة، وجعله مشهورا بين الفقهاء في التذكرة (3) -: التفصي من التسلط على المحال عليه بما ليس في ذمته. وللثاني - كما عليه المفلح الصيمري (4) وغيره -: أصالة الجواز الناشئة عما مر من العموم والإطلاق، وفحوى ما دل على جوازها على البرئ، فعلى من عليه بالمخالف أولى. وضرر التسلط مدفوع باعتبارنا رضا المحال عليه مطلقا، أو هنا قطعا، فإذا رضي أن يدفع من غير الجنس الذي عليه فلا مانع، كما لو تراضيا بقبض غير الجنس. * (ويشترط) * في الصحة كون المال معلوما عند المحيل، لدفع الغرر بالجهالة. وهو حسن إن كان الحوالة اعتياضا. وأما لو كان استيفاء احتمل الصحة، كما عن التذكرة (5)، لعين ما تقدم في الضمان. وثابتا في ذمته وإن لم يستقر بلا خلاف، بل عليه الإجماع


(1) المبسوط 2: 321. (2) المبسوط 2: 313. (3) التذكرة 2: 108 س 7. (4) غاية المرام: 82 س 31 (مخطوط). (5) التذكرة 2: 107 س 40.

[ 590 ]

عن التذكرة (1). فلا يجوز الحوالة من البرئ، بل هي وكالة إما في اقتراض إن كانت على مثله، أو في استيفاء إن كانت على ضده. ولا فرق فيه بين أن يكون مثليا أو قيميا، وفاقا لجماعة. وخلافا لآخرين في الأخير، فمنعوا من الحوالة به، لجهالته. ويضعف بانضباطه بالوصف انضباط قيمته تبعا له، وهي الواجب فيه، فالمانع مفقود، وعموم الأدلة يشمله. و * (رضا الثلاثة) * المحيل والمحتال والمحال عليه. بلا خلاف في الأولين، بل عليه الإجماع في كلام جماعة، كالغنية (2) والتذكرة (3) والمسالك (4) وغيرها من كتب الجماعة. وهو الحجة، مضافا إلى أن من عليه الحق مخير في جهات القضاء، فلا يتعين عليه بعض الجهات قهرا. والمحتال حقه ثابت في ذمة المحيل، فلا يلزمه نقله إلى ذمة اخرى إلا برضاه. قيل: ويستثنى من اعتبار رضا الأول ما لو تبرع المحال عليه بالوفاء، فلا يعتبر رضا المحيل قطعا، لأنه وفاء دينه بغير إذنه، والعبارة عنه حينئذ أن يقول المحال عليه للمحتال: أحلتك بالدين الذي لك على فلان على نفسي فيقبل، فيقومان بركن العقد (5)، انتهى. ولعله ناظر إلى جواز الوفاء عنه بدون إذنه بالإتفاق، كما قدمناه. وهو حسن، إلا أن في صلوحه لإدراج مثل هذا في الحوالة التي هي من


(1) التذكرة 2: 107 س 41. (2) الغنية: 257. (3) التذكرة 2: 106 س 19 وس 23. (4) المسالك 4: 213. (5) قاله الشهيد الثاني في الروضة 4: 137.

[ 591 ]

العقود اللازمة مناقشة، لاختصاص إطلاقات نصوصها بغيره، وعدم عموم في العقود التي امرنا بالوفاء بها، إلا بالنظر إلى أنواع العقود المتعارفة زمان الصدور، كما قدمناه، ومنها الحوالة، ولابد من الإقتصار فيها على ما يسمى بها حقيقة لا مطلقا، وكون ما ذكر منها محل إشكال. فللتوقف فيه مجال. وعلى المشهور في الثالث، بل عليه الإجماع عن الشيخ (1) والتذكرة في مقامين (2) منها. وهو الحجة، مضافا إلى ما قيل: من أنه أحد أركان الحوالة مع اختلاف الناس في الإقتضاء سهولة وصعوبة (3). ويضعف الأول: بأن الموجود في كلام الشيخ المحكي في المختلف ليس إلا دعوى الإجماع على صحة الحوالة مع رضا الثلاثة، وعدم دعواه مع عدمه (4)، وهو أعم من الإجماع المحكي هنا. ولم يحكه عنه هو ولا غيره سوى المسالك (5)، ولعله اشتباه. ويبعد غاية البعد وقوفه على كلام آخر له يدل عليه، مع أن كتابه الخلاف مما ديدنه ذكر الإجماع فيه، ولم يحكه فيه هنا، ونحوه ابن زهرة في الغنية والحلي في السرائر. فمع أن يحكه فيه هنا، ونحوه ابن زهرة في الغنية والحلي في السرائر. فمع أن ديدنهما نقل الإجماعات في المسائل لم ينقلاه هنا أصلا، بل اقتصرا على الموجود في المختلف من كلام الشيخ. مع أن في الغنية (6) حكى الإجماع على اشتراط رضا الأولين، ولم يحكه في الثالث، ولو كان إجماعا لنقله قطعا، كما لا يخفى على الممارس لكتابه هذا جدا. وأما التذكرة، فالمحكي فيها ليس صريحا في الإجماع، إذ غاية ما ذكر


(1) المبسوط 2: 312، والخلاف 3: 306، المسألة 2. (2) التذكرة 2: 106 س 26 و 34. (3) الروضة 4: 136. (4) المختلف 6: 3، بل فيه الإجماع على صحة الحوالة مع رضا المحال عليه. (5) المسالك 4: 213. (6) الغنية: 257.

[ 592 ]

في عبارته في المقام الأول هو أنه قال أصحابنا إلى آخره، وفي الثاني يشترط رضاه عندنا (1). وهما ليسا نصين في حكاية الإجماع، بل ولا ظاهرا (2) بعد ملاحظة ذكره نحو العبارتين في المختلف مما يتضمن نسبة الحكم إلى الأصحاب، مع أنه في صدر المسألة ذكر أنه مشهور بين الأصحاب (3). وهو ظاهر في وقوع الخلاف وعدم الإجماع، مع أن ذكره أصل الحكم فيه يدل على عدم الإجماع عليه، مضافا إلى نقله الخلاف فيه عن ظاهر المفيد والنهاية، وحكايته فيه عبارة ابن حمزة المشعرة - بل الظاهرة - في وقوع الخلاف بيننا في المسألة في زمانه، ونحوها عبارة السرائر (4) والغنية (5)، بل هما صريحان في عدم الإجماع ووقوع الخلاف. هذا، مضافا إلى مصيره في المختلف إلى تقوية ما حكاه عن الشيخين (6)، وهو بعد معلومية تأخر المختلف عن التذكرة نص في عدم الإعتداد بما قاله في التذكرة، مما ظاهره حكاية الإجماع، إما من حيث سلب ظهورها في دعوى الإجماع، أو ظهور تبين خلافه، وإلا لما صار إلى خلافه. والثاني: بأن المحيل قد أقام المحتال مقام نفسه في القبض بالحوالة، فلا وجه للإفتقار إلى رضا من عليه الحق، كما لو وكله في القبض منه. واختلاف الناس في الإقتضاء لا يمنع من مطالبة المستحق ومن نصبه، خصوصا مع اتفاق الحقين جنسا ووصفا. وما ربما يقال: من أنه قياس للحوالة على الوكالة - مع كونها من العقود الجائزة دون الاولى، فإنها من العقود اللازمة، المترتب عليها كثير من


(1) التذكرة 2: 106 س 34 و 26. (2) كذا، والمناسب: ولا ظاهرين. (3) المختلف 6: 3. (4) السرائر 2: 80. (5) الغنية: 257. (6) المختلف 6: 3.

[ 593 ]

الأحكام المخالفة للاصول القطعية - غير مفهوم. فإن المراد من تشبيهها بالوكالة ليس إلا لأجل دفع دليل الإشتراط من اختلاف الناس في سهولة القضاء وصعوبته، بناء على أنه لو صلح للإشتراط وإثبات المانعية عن الحوالة بدون رضاه لصلح لإثبات المانعية عن الوكالة، مع عدم رضاه بالبديهة، لجريان دليل المنع على الحوالة فيها حينئذ بالضرورة. ومثله لا يسمى قياسا، بل تنظيرا، وهو جائز إجماعا، حيث يحصل دليل آخر للحكم في المقيس غير نفس القياس، كما فيما نحن فيه، لأن الدليل فيه هو عموم الأمر بالوفاء بالعقود (1) وإطلاق كثير مما سيأتي من النصوص. وأجود منه التنظير ببيع ما على المحال عليه من المحتال، لجوازه وإن لم يرض به المحال عليه إجماعا، إلا من الحلي، مع أن دليل المنع جار فيه أيضا. * (و) * لعله لذا * (ربما اقتصر بعض) * الأصحاب * (على رضا المحيل والمحتال) *. وأشار به في المهذب إلى الحلي (2). وليس كذلك، فإنه ممن يشترط رضا الثلاثة، كما يستفاد من عبارته المحكية في شرح الشرائع للصيمري (3). وفي التنقيح نسبه إلى التقي (4)، وقد مر عن المختلف حكايته عن الشيخين (5)، ومال إليه هو (6) وشيخنا الشهيد الثاني في كتابيه (7)، كالفاضل المقداد في التنقيح (8).


(1) المائدة: 1. (2) المهذب البارع 2: 529. (3) غاية المرام: 82 س 12 (مخطوط). (4) التنقيح 2: 192. (5) المختلف 6: 3 - 4. (6) المختلف 6: 4. (7) الروضة 4: 136، والمسالك 4: 213. (8) التنقيح 2: 193.

[ 594 ]

ولا يخلو عن قوة، لما مر إليه الإشارة من الأدلة، مع سلامتها عما يصلح للمعارضة. نعم لو كان المالان مختلفين وكان الغرض استيفاء مثل حق المحتال توجه اعتبار رضا المحال عليه، لأن ذلك بمنزلة المعاوضة الجديدة، فلابد من رضا المتعاقدين. ولو رضي المحتال بأخذ جنس ما على المحال عليه زال المحذور. قيل: وعلى تقدير اعتبار رضاه ليس هو على حد رضاهما، لأن الحوالة عقد لازم لا يتم إلا بالإيجاب والقبول، فالإيجاب من المحيل، والقبول من المحتال، ويعتبر فيهما ما يعتبر في غيرهما من اللفظ العربي والمطابقة وغيرهما، وأما رضا المحال عليه، فيكفي كيف اتفق، متقدما، ومتأخرا، ومقارنا. ولو جوزنا الحوالة على البرئ اعتبر رضاه قطعا (1). * (ولا يجب قبول الحوالة ولو كان على ملي) * بلا خلاف بيننا، للأصل، وفقد المانع، لأن الواجب قبوله أداء الدين وليست أداء، وإنما هي نقل الدين من ذمة إلى اخرى، فلا يجب قبولها. خلافا لبعض العامة (2)، فأوجب القبول إذا كانت على ملي، للنبوي: إذا احيل أحدكم بحق على ملي فليحتل (3). وقصور السند يمنع العمل به. فليحمل على الإستحباب. * (نعم لو قبل) * الحوالة * (لزمت، ولا يرجع) * حينئذ * (المحتال على المحيل) * بالمال المحال به مطلقا * (ولو افتقر المحال عليه) * بعد يساره حين الحوالة، لأنها توجب البراءة منه إجماعا، كما في الغنية (4)، وعن السرائر (5)


(1) قاله الشهيد الثاني في الروضة 4: 136. (2) المغني لابن قدامة 5: 60. (3) المجموع 13: 424. (4) الغنية: 258. (5) السرائر 2: 79.

[ 595 ]

والتذكرة (1) فلا يعود إلا بسبب. وللخبر: عن الرجل يحيل الرجل بمال على الصيرفي ثم يتغير حال الصيرفي أيرجع على صاحبه إذا احتال ورضي ؟ قال: لا (2). ولا فرق فيه عند الأكثر بين أخذ المحتال شيئا من المال وعدمه، لما مر، مضافا إلى اصالتي لزوم العقد، وعدم اشتراط الأخذ، وإطلاق النصوص التي ستذكر. خلافا للمحكي عن الديلمي (3)، ففصل بين الصورتين ووافق في الاولى وخالف في الثانية. وهو شاذ، وحجته غير واضحة. * (ويشترط ملاءته وقت الحوالة، أو علم المحتال بإعساره) * بلا خلاف بين أصحابنا، كما في الغنية (4)، وعليه الإجماع صريحا عن التذكرة (5). وهو الحجة، مضافا الى المعتبرين. أحدهما الصحيح (6)، وثانيهما الموثق: عن الرجل يحيل على الرجل بدراهم أيرجع عليه ؟ قال: لا يرجع عليه أبدا، إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك (7). وهو وإن عم صورتي العلم بإفلاسه وعدمه، إلا أنه محمول على الثانية، لكون الحوالة في هذه الصورة من الفروض الغالبة، دون الصورة الاولى، فإنها من الفروض النادرة، فلا يحمل عليها إطلاق الرواية. ووجه الصحة فيها عموم الأدلة، وأن المحتال صاحب الحق، فله إسقاطه


(1) التذكرة 2: 105 س 26. (2) الوسائل 13: 159، الباب 11 من أبواب أحكام الضمان الحديث 4. (3) المراسم: 201. (4) الغنية: 257. (5) التذكرة 2: 105 س 23. (6) الوسائل 13: 158، الباب 11 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1. (7) الوسائل 13: 158، الباب 11 من أبواب أحكام الضمان الحديث 3.

[ 596 ]

جدا، فلأن يرضى بانتقاله إلى ذمة المعسر أولى. * (ولو) * احيل ورضى لظنه ملاءته ثم * (بان فقره) * عند الحوالة * (رجع) * إن شاء، عملا بالشرطية، وبه صرحت الرواية السابقة. والعبرة بيساره وإعساره وقت الحوالة، فلو كان مليا فيه ثم تجدد الإعسار فلا رجوع. ولو انعكس فتجدد له اليسار بعد الإعسار قبل أن يرجع المحتال ففي جواز الرجوع حينئذ وجهان، من زوال الضرر، ومن ثبوت الرجوع قبله فيستصحب. وهذا أظهر، وفاقا لإطلاق العبارة وجماعة، لأن الموجب للرجوع ليس هو الإعسار على الإطلاق ليزول بزواله بل الإعسار وقت العقد، وهو متحقق، فيثبت حكمه. * (و) * لو استجمعت الحوالة شرائطها المتقدمة * (يبرئ المحيل) * من المال الذي أحال به مطلقا * (وإن لم يبرأه المحتال) * على الأظهر الأشهر، كما في المسالك (1) وغيره، للإجماعات المتقدمة (2)، المحكية على انتقال الحق بمجرد الحوالة، مضافا إلى إطلاق النصوص المتقدمة، وعموم الأدلة بلزوم الوفاء بالعقود. كتابا وسنة، بناء على أن معنى الحوالة الإنتقال من حينها. نظرا إلى مبدأ اشتقاقها الذي هو التحويل، فإذا تحققت وجب تحقق المبدأ، مع أن الإبراء إما أن يكون قبل الإنتقال من ذمة المحيل، أو بعده. والأول: يستلزم بطلان الحوالة، إذ ليس له في ذمة المحيل حينئذ شئ يحيل به. والثاني يستلزم تحصيل الحاصل، لأن ذمته برئت بالحوالة، فلا حاجة إلى إبراء آخر. * (وفي رواية) * بل روايتين إحداهما صحيحة (3) والثانية ضعيفة (4): أنه


(1) المسالك 4: 215. (2) في " ق " بدل " المتقدمة ": المستفيضة. (3) الوسائل 13: 158، الباب 11 من أبواب أحكام الضمان الحديث 2. (4) الوسائل 13: 158، الباب 11 من أبواب أحكام الضمان ديل الحديث 2.

[ 597 ]

* (إن لم يبرأه) * أي المحيل المحتال * (فله الرجوع) * عليه بالمال، وقد عمل به الشيخان (1) وجماعة من القدماء الأعيان. وهما لقصورهما عن المقاومة لما قدمناه من الأدلة سندا في بعض، ودلالة في الجميع ينبغي طرحهما، أو تأويلهما بما ذكره جماعة من حمل الإبراء فيهما على الرضا بالحوالة، وأنه اريد بعدم الإبراء الكناية عن عدم الرضا بالحوالة. وربما يتوجه حملهما على التقية عن مذهب بعض العامة من عدم حصول البراءة بالحوالة، وأن مقتضاها إنما هو ضم ذمة إلى اخرى، كما قالوه في الضمان (2). وبالجملة: الإعراض عنهما أجدر، والمصير إلى ما قابلها بما قدمناه من الأدلة أليق. * (القسم الثالث) * * (في الكفالة) * * (وهي التعهد بالنفس) * أي التزام إحضار المكفول متى طلبه المكفول له. وهي ثابتة بالسنة، والإجماع، بل والكتاب. قال سبحانه حكاية عن إخوة يوسف: " خذ أحدنا مكانه " (3) فتأمل. ولكنها مكروهة، كما يستفاد من النصوص المستفيضة. ففي عدة منها: الكفالة خسارة غرامة ندامة (4). وفي آخر: مالك والكفالات، أما علمت أنها أهلكت القرون الاولى ؟ ! (5).


(1) المقنعة: 814 - 815، والنهاية 2: 40. (2) المغني لابن قدامة 5: 70. (3) يوسف: 78. (4) الوسائل 13: 154، الباب 7 من أبواب أحكام الضمان الحديث 2. (5) الوسائل 13: 154، الباب 7 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1.

[ 598 ]

* (ويعتبر) * فيها * (رضى الكافل) * وهو المعبر عنه بالكفيل * (والمكفول له) * بلا خلاف، بل عن التذكرة عليه الإجماع (1). وهو الحجة، مضافا إلى أن الإنسان لا يصح أن يلزمه الحق إلا برضاه، وكذا صاحب الحق لا يجوز الزامه شيئا بغير رضاه. وبهما يتم العقد * (دون) * من عليه الحق، وهو المعبر عنه ب‍ * (المكفول عنه) * فلا يعتبر رضاه على الأظهر الأشهر، بل لعله عليه عامة من تأخر، وعليه الإجماع في التذكرة (2). وهو الحجة، مضافا إلى عموم الأمر بالوفاء بالعقود (3)، الشاملة لمفروض المسألة، لكونها منها، كما مرت إليه الإشارة، مضافا إلى وجوب الحضور عليه متى طلبه صاحب الحق ولو بالدعوى بنفسه، أو وكيله إجماعا، كما في المسالك (4) وغيره. والكفيل بمنزلة الوكيل حيث يأمره بإحضاره. وغاية الكفالة هي حضور المكفول حيث يطلب. خلافا للمبسوط (5) والقاضي (6) وابن حمزة (7)، وقواه الفاضل في التحرير (8)، وحكي عن الحلي (9)، التفاتا إلى أنه إذا لم يأذن فيها أو لم يرض به لم يلزمه الحضور مع الكفيل، ولم يتمكن من إحضاره، فلا يصح كفالته، لأنها كفالة بغير المقدور عليه. وهذا بخلاف الضمان، لإمكانه وفاء دينه من مال غيره بغير إذنه، ولا يمكن أن ينوب عنه في الحضور. ورد بالمنع من عدم لزوم الحضور معه (10). قيل: وعلى تقدير اعتبار رضاه ليس على حد رضا الآخرين من وجوب


(1) التذكرة 2: 100 س 9. (2) التذكرة 2: 100 س 11. (3) المائدة: 1. (4) المسالك 4: 235. (5) المبسوط 2: 337. (6) نقله عنه العلامة في المختلف 6: 12. (7) الوسيلة: 281. (8) التحرير 1: 224 س 33. (9) السرائر 2: 77. (10) المسالك 3: 235.

[ 599 ]

المقارنة، بل يكفي كيف اتفق، كما مر نظيره في الضمان (1). * (وفي اشتراط الأجل) * فيها فلا يصح حالا، أم لا فيصح * (قولان) * والثاني أظهر، وهو أشهر، بل عليه عامة من تأخر، لأصالتي الجواز، وعدم الإشتراط. خلافا للمحكي عن المفيد (2) والنهاية (3) وظاهر الديلمي (4) والقاضي (5) في أحد قوليه وابن حمزة (6)، فالأول. وحجتهم عليه غير واضحة، ولا مذكورة في كتب الجماعة، عدا القياس بالضمان، وضعفه أوضح من أن يحتاج إلى بيان. * (فإن (7) اشترط أجلا فلابد من كونه معلوما) * بلا خلاف بيننا، بل عليه الوفاق في المسالك (8) وغيره. وهو الحجة، مضافا إلى استلزام الجهل به الغرر المنهي عنه في الشريعة، إذ ليس له وقت يستحق فيه المطالبة كغيره من الآجال. فتأمل. خلافا لبعض العامة (9)، فاكتفى بالأجل المجهول، لاشتمالها على التبرع، فيتسامح فيها كالعارية. وهو قياس مع الفارق. * (وإذا دفع الكافل الغريم) * وهو المكفول إلى المكفول له وسلمه إليه تسليما تاما، بأن لا يكون هناك مانع من تسلمه، كتغلب وحبس ظالم وكونه في مكان لا يتمكن من وضع يده عليه، لقوة المكفول وضعف المكفول له، وفي المكان المعين إن بيناه في العقد، وفي بلد العقد إن أطلقاه، وبعد الأجل إن كانت مؤجلة، أو في الحلول متى شاء إن كانت حالة ونحو ذلك * (فقد


(1) القائل صاحب مفاتيح الشرائع 3: 151، مفتاح 1036. (2) المقنعة: 815. (3) النهاية 2: 38. (4) المراسم: 200. (5) نقله عنه العلامة في المختلف 6: 12. (6) الوسيلة: 281. (7) في المتن المطبوع: وإن. (8) المسالك 4: 235. (9) المجموع 14: 47.

[ 600 ]

برئ) * من عهدته اتفاقا ولو امتنع من تسلمه على الأظهر. وقيل: سلمه حينئذ إلى الحاكم وبرئ أيضا (1). وفيه نظر، بل الظاهر حصول البراءة حينئذ، من دون احتياج إلى التسليم إليه، وفاقا لبعض من تأخر (2) وإن كان التسليم إليه أحوط. وكذا الإشهاد عليه وعلى الإمتناع من قبضه. ولا دليل على وجوبه مطلقا، حتى في صورة عدم إمكان الحاكم. ولعل اعتباره في كلام شيخنا الشهيد الثاني (3) للإرشاد للإثبات، لا لتوقف البراءة عليه. * (وإن امتنع) * الكفيل من تسليمه ألزمه الحاكم به، فإن أبى * (كان للمكفول له) * طلب * (حبسه) * منه * (حتى يحضر الغريم أو) * يؤدي * (ما عليه) * إن أمكن أداؤه عنه كالدين. فلو لم يمكن - كالقصاص والزوجية والدعوى لعقوبة توجب حدا أو تعزيرا - الزم باحضاره حتما مع الإمكان، وله عقوبته عليه، كما في كل ممتنع من أداء الحق مع قدرته، فإن لم يمكنه الإحضار وكان له بدل - كالدية في القتل وإن كان عمدا ومهر مثل الزوجة - وجب عليه البدل (4)، ولا خلاف في شئ من ذلك في الظاهر، حتى في جواز الإكتفاء عن الإحضار بأداء ما عليه إذا رضى به المكفول له. وأما مع عدم رضاه به ومطالبته الإحضار ففي الإكتفاء بذلك عنه هنا أيضا، أم لا، فيجوز للمكفول له إلزامه بالإحضار مطلقا، قولان. للأول - كما هو ظاهر العبارة وجماعة تبعا للطوسي (5) -: حصول


(1) القائل الشهيد الثاني في الروضة 4: 152. (2) منهم العلامة في التذكرة 2: 101 س 24، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 5: 390، والشهيد في المسالك 4: 236. (3) الروضة 4: 152. (4) في المطبوع: الإحضار. (5) النهاية 2: 38.

[ 601 ]

الغرض من الكفالة. وللثاني - كما عن التذكرة (1)، وبه صرح في المسالك (2) والروضة (3)، واختاره من متأخري المتأخرين جماعة -: عدم انحصار الأغراض في أداء الحق أو كيف اتفق، خصوصا فيما له بدل اضطراري (4). وهو الأقوى لذلك، مضافا إلى العمومات، الدالة على لزوم الوفاء بالعقود، وظواهر المعتبرة المستفيضة، التي هي الأصل في المسألة. منها الموثق: أتى أمير المؤمنين برجل تكفل بنفس رجل فحبسه، وقال: اطلب صاحبك (5). ونحوه خبران آخران (6). والرضوي: إذا كفل الرجل بالرجل حبس إلى أن يأتي بصاحبه (7). وليس فيها مع كثرتها واعتبار سند بعضها وانجبار ضعف باقيها - كقصور الأول بعمل العلماء - تخيير للكفيل بين الاحضار أو أداء المال، بل أمر بالأول خاصة. وربما يمكن أن يقال: باحتمال ورود الأمر والالزام بالاحضار مورد الغالب، من عدم بذل الكفيل للمال. فلا دلالة في هذه الأخبار على لزوم الاحضار على الإطلاق. ثم على تقدير كون الحق مالا، وأداء الكفيل برضى المكفول له أو مطلقا، فإن كان قد أدى بإذن المكفول عنه رجع عليه كمن أدى المال بإذن من عليه، وكذا إن أدى بغير إذنه مع كفالته بإذنه وتعذر احضاره والمراجعة إليه، لأن ذلك من لوازم الكفالة. فالإذن فيها إذن في لوازمها، ولا رجوع له في


(1) التذكرة 2: 102 س 23. (2) المسالك 4: 237. (3) الروضة 4: 153. (4) مفاتيح الشرائع 3: 153، مفتاح 1037. (5) الوسائل 13: 156، الباب 9 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1. (6) الوسائل 13: 156، الباب 9 من أبواب أحكام الضمان الحديث 2 و 4. (7) فقه الرضا: 256.

[ 602 ]

غير الصورتين. والفرق بين الكفالة والضمان - في رجوع من أدى بالإذن هنا وإن كفل بغير الإذن، بخلاف الضمان - عدم تعلق الكفالة بالمال بالذات وأن حكم الكفيل بالنسبة إليه حكم الأجنبي، فإذا أداه بإذن المديون فله الرجوع، بخلاف الضمان، لانتقال المال به إلى ذمته، فلا ينفعه الإذن في الأداء بعده، لأنه كإذن البرئ للمديون في أداء دينه. * (ولو) * تكفل رجل برجل و * (قال: إن لم أحضره إلى كذا كان علي كذا كان كفيلا أبدا ولم يلزمه المال) * عند الأجل، بل لابد من الإحضار. * (ولو قال: علي كذا إلى كذا إن لم أحضره كان ضامنا للمال إن لم يحضره في الأجل) * في المشهور بين الأصحاب، بل عليه الإجماع في صريح المهذب (1) وشرح الشرائع للصيمري (2) وعن المحقق الشيخ علي (3)، وهو ظاهر التنقيح (4). ولعله كذلك. ولم يقدح فيه مخالفة الإسكافي (5)، لشذوذه، ومعلومية نسبه، مع موافقته لهم في الجملة. ونحوه الجواب عن تنظر الفاضل في المختلف وجعله رأيه أنسب (6). وأما الإختلاف في الشق الثاني من حيث تقييد الحكم فيه بضمان المال بشرط عدم الإحضار كما هنا وفي كلام الشيخ (7) ومتابعيه (8) والفاضل في التحرير (9) والتذكرة (10) وعدمه كما في الشرائع (11) والإرشاد (12)


(1) المهذب البارع 2: 532. (2) غاية المرام: 83 س 19 (مخطوط). (3) جامع المقاصد 5: 393. (4) التنقيح 2: 196. (5) نقله عنه العلامة في المختلف 6: 17. (6) المختلف 6: 17. (7) النهاية 2: 38. (8) الوسيلة: 281. (9) التحرير 1: 225 س 15. (10) التذكرة 2: 102 س 38. (11) الشرائع 2: 115. (12) الإرشاد 1: 403.

[ 603 ]

والقواعد (1) فغير قادح فيه على اليقين، للموافقة في الحكم في كلتا الصورتين. غاية الأمر الاختلاف في الإطلاق والتقييد، وهو لا يوجب الخروج والمخالفة في أصل الحكم. والإجماعات المحكية إنما هي على أصله في الجملة، لا على وصفيه من أحد الأمرين، مع احتمال عدم المخالفة في التقييد، والاتفاق على اعتباره وإن سومح بذكره في تلك الكتب، ولعله للاعتماد على الشرطية المذكورة فيها قبل الحكم، كالعبارة. ويعضده استنادهم إلى ما هو الأصل في هذا الحكم من الموثقين المذكور فيهما القيد، كالعبارة. في أحدهما: عن الرجل يكفل بنفس الرجل، فإن لم يأت به فعليه كذا وكذا درهما، قال: إن جاء به إلى أجل فليس عليه مال، وهو كفيل بنفسه أبدا إلى أن يبدأ بالدراهم، فإن بدأ بالدراهم فهو له ضامن إن لم يأت به إلى الأجل الذي أجله (2). وفي الثاني: رجل كفل الرجل بنفس رجل فقال: إن جئت به وإلا فعلي خمسمائة درهم، قال: عليه نفسه، ولا شئ عليه من الدراهم، فإن قال: علي خمسمائة درهم إن لم أدفعه، فقال: تلزمه الدراهم إن لم يدفعه إليه (3). وليس في سندهما عدا داود بن الحصين في الأول، وهو موثق، مع احتمال وثاقته، لتوثيق النجاشي له على الإطلاق (4) من دون إشارة إلى وقفه، وهو ظاهر في حسن عقيدته وإن صرح به الشيخ في رجاله (5)، لتقديمه عليه


(1) القواعد 1: 183 س 12. (2) الوسائل 13: 157، الباب 10 من أبواب أحكام الضمان الحديث 2. (3) الوسائل 13: 157، الباب 10 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1. (4) رجال النجاشي: 159، رقم 421. (5) رجال الشيخ الطوسى: 349.

[ 604 ]

عند التعارض. وحسن بن محمد بن سماعة وأبان بن عثمان في الثاني، وكلاهما موثقان، مع أن الثاني منهما ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، فهما في غاية من الاعتبار، ومع ذلك مشتهران بين الأصحاب غاية الإشتهار. ولو كانا ضعيفين لحصل لهما به الانجبار. فلا يلتفت إلا ما يرد عليهما من المخالفة للقواعد الشرعية والعربية، من حيث تضمنهما الفرق بين المسألتين بمجرد تقديم الجزاء على الشرط وتأخيره عنه، مع أن ذلك لا مدخل له في اختلاف الحكم، لأن الشرط وإن تأخر فهو في حكم المتقدم. فكم من نصوص مخالفة للقواعد يخرج بها عنها، مع قصورها عن مرتبة الموثقين الواردين هنا. فالخروج بهما عنها مع ما هما عليه من المرجحات القوية - التي عمدتها فتوى الطائفة والإجماعات المحكية - بطريق أولى. ولا احتياج إلى التكلفات الصادرة عن جماعة في تطبيقهما مع القاعدة، مع تضمن بعضها اطراحهما، والخروج عن ظاهرهما بالكلية. * (ومن خلى غريما) * وأخلصه * (من يد غريمه قهرا لزمه إعادته، أو أداء ما عليه) * إن أمكن، كما في الدين، دون القصاص ونحوه مطلقا، أو بعد تعذر الإحضار على المختار في الكفيل والمخلص بحكمه. لكن هنا حيث يؤخذ منه المال لا رجوع له على الغريم إذا لم يأمره بدفعه، إذ لم يحصل من الإطلاق والتخليص ما يقتضي الرجوع. * (ولو كان) * الغريم * (قاتلا) * عمدا كان أو شبهه * (أعاده، أو دفع الدية) * ولا خلاف في المقامين على الظاهر، بل عليهما الإجماع في شرح الشرائع

[ 605 ]

للصيمري (1). وعللوه: بأنه غصب لليد المستولية المستحقة من صاحبها، فكان عليه إعادتها، أو أداء الحق الذي بسببه يثبت اليد عليه (2). ويعضده حديث نفي الضرر (3)، مضافا إلى الصحيح في الثاني: عن رجل قتل رجلا عمدا فرفع إلى الوالي فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فوثب عليهم قوم فخلصوا القاتل من أيدي الأولياء، قال: أرى أن يحبس الذي خلص القاتل من أيدي الأولياء حتى يأتوا بالقاتل وهم في السجن، قال: فإن مات فعليهم الدية يؤدونها جميعا إلى أولياء المقتول (4). قالوا: ولا يقتص منه في العمد، لأنه لا يجب على غير المباشر (5). ثم إن استمر القاتل هاربا ذهب المال على المخلص، وإن تمكن ولي المقتول منه في العمد وجب عليه رد الدية على الغارم وإن لم يقبض (6) من القاتل، لأن الدية وجبت لمكان الحيلولة وقد زالت، وعدم القتل الآن مستند إلى اختيار المستحق، لا إلى تقصير المخلص. ولو كان تخليصه الغريم من يد كفيله وتعذر استيفاء الحق من قصاص أو مال وأخذ الحق من الكفيل كان له الرجوع على الذي خلصه، كتخليصه من يد المستحق. * (وتبطل الكفالة بموت المكفول) * قبل احضاره بلا خلاف، بل في


(1) غاية المرام: 83 س 23 (مخطوط). (2) منهم صاحب جامع المقاصد 5: 394، والشهيد في المسالك 4: 245، وصاحب مفاتيح الشرائع 3: 153، مفتاح 1038. (3) سنن ابن ماجة 2: 784، الحديث 2340 و 2341. (4) الوسائل 13: 160، الباب 15 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1. (5) منهم الصيمري في غاية المرام: 83 س 25 (مخطوط)، وصاحب جامع المقاصد 5: 394، والشهيد في المسالك 4: 245. (6) في " ق، ش ": يقتص.

[ 606 ]

الغنية (1) والتذكرة (2) عليه الإجماع. وهو الحجة، مضافا إلى فوات متعلقها، وهو النفس وفوات الغرض لو اريد البدن. قيل: إلا في الشهادة على عينه ليحكم عليه باتلافه أو المعاملة له إذا كان قد شهد عليه من لا يعرف نسبه، بل شهد على صورته، فيجب إحضاره ميتا حيث يمكن الشهادة عليه، بأن لا يكون قد تغير بحيث لا يعرف. ولا فرق حينئذ بين كونه قد دفن وعدمه، لأن ذلك مستثنى من تحريم نبشه (3). وهو حسن مع اشتراطه أو قيام القرينة على إرادته، ومشكل مع عدمهما، لعدم إنصراف إطلاق الكفالة إلا إلى احضار المكفول حال الحياة. ولكن الأحوط ذلك. الى هنا انتهى الجزء الثامن - حسب تجزئتنا - ويتلوه الجزء التاسع إن شاء الله تعالى وأوله: كتاب الصلح


(1) الغنية: 262. (2) التذكرة 2: 102 س 4. (3) قاله الشهيد الثاني في الروضة 4: 169. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية