رياض المسائل تأليف الفقيه المدقق السيد علي الطباطبائي المتوفى في سنة 1231 ه ق الجزء الثاني تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة
[ 2 ]
رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل
[ 3 ]
(ج 2) حياة المحقق الحلي " رحمه الله " بقلم الشيخ محمد مهدي الاصفي
[ 4 ]
بسم الله الرحمن الرحيم ولد الامام نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلي المعروف ب " المحقق الحلي " و (المحقق الاول " سنة 602، وتوفي سنة 676 من الهجرة وولد ونشأ في مدينة الحلة على مقربة من بغداد " دار السلام " عاصمة الدولة العباسية. وهذه الفترة هي بالذات فترة ضعف وانهيار وسقوط الخلافة العباسية واحتلال المغول للعراق ولاجزاء واسعة من العالم الاسلامي. وقد عاش المحقق
الحلي هذه الفترة الصعبة من تاريخ الاسلام، وكان على مقربة من أحداث الكارثة الكبرى التي حلت بالاسلام والمسلمين على يد التتار الذين أسقطوا الخلافة العباسية وما استتبع هذه الكارثة من الكوارث والمحن، وكان هو وجمع من علماء الشيعة في مدينة الحلة يتابعون أحداث سقوط بغداد ويعملون من موقع المسؤولية على درء ما يمكن درؤه من خطر هذا الهجوم الكاسح عن العراق والحواضر الاسلامية في هذا البلد الاسلامي العريق، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث والعلم ومن مراكز العلم ومن الكتب والمكتبات الضخمة ومن شيوخ العلم والدين بعد أن احتل الهجوم المغولي الساحق قلب العالم الاسلامي في غياب من أي استعداد للمواجهة من قبل الخليفة العباسي وجهازه، وقد أثمرت هذه الجهود في درء بعض الخطر عن العراق ومراكز العلم والدين في العراق، وانتقل العلم من بغداد إلى الحلة، حيث كان
[ 5 ]
المحقق الحلي - رحمه الله - يتزعم فيها الحركة الفقهية والعلمية في هذه الفترة، وقد نهضت حاضرة الحلة بدور كبير في هذه الفترة في حفظ العلم والتراث الاسلامي وإعادة الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن حل ما حل من الخراب والتدمير ببغداد
خاصة وبالعراق وبالعالم الاسلامي عامة اثر زحف التتار على بغداد والعالم الاسلامي. ولكي نعرف موقع المحقق الحلي - رحمه الله - في هذه الحركة، وموقع الحلة والعلماء الذين عاصروا هذا الهجوم في حاضرة الحلة، والهموم والمسؤوليات التي نحملوها، والاعمال الكبيرة التي قاموا بها، لا بدلنا من أن نستعرض أولا ظروف سقوط الخلافة وسقوط مدينة بغداد عاصمة الخلافة، ثم بعد ذلك نستعرض الاعمال التي قام بها علماء الشيعة وزعماؤهم في العراق في درء ما أمكن درؤه من الخطر عن العراق وعن مراكز العلم والدين في هذا البلد، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الهجوم التتري الكاسح، والدور الذي نهضت به الحلة في هذه النهضة العلمية لاعادة بناء مراكز العلم والثقافة في العراق. إذن نبدأ هذه المقدمة عن دراسة لعصر المحقق - رحمه الله - ليتسنى لنا بعد ذلك أن ندخل عن معرفة وتفهم آفاق حياة المحقق الحلي المباركة.
[ 6 ]
عصره
(أولا) سقوط بغداد: في سنة 656 ه سقطت بغداد حاضرة العالم الاسلامي بيد التتار بقيادة " هولاكو ". وكان سقوط بغداد واحدة من أعظم النكبات التي حلت بالعالم الاسلامي منذ ظهور الاسلام إلى اليوم الحاضر وكان التخريب الحضاري والثقافي والاقتصادي والسكاني الذي حل بعاصمة العباسيين في هذا الهجوم بمقاييس ذلك التأريخ من أوسع ما حل بالحواضر البشرية، وقد قدر عدد القتلى في هذه المجزرة الرهيبة كما يقول اليافعي بألف ألف وثمانمائة وكسر (1) وإذا كان في هذا التقدير ثمة شئ من المبالغة فمما لا ريب فيه أن الخسائر البشرية كبيرة جدا " وفادحة بمقاييس الخسائر الحربية في ذلك التاريخ. وقد استمر القتل والنهب سبعة أيام " ثم رفعوا السيف وبطلوا السبي " (2) وقيل: إن القتل والنهب والسبي استمر نيفا " وثلاثين يوما " (3) وقيل: أربعين يوما ". يقول الدكتور حسن ابراهيم حسن: وقد أعمل جند المغول السيف في رقاب أهل بغداد أربعين يوما " سلبوا فيها أموالهم وأهلكوا كثيرين من رجال العلم وقتلوا أئمة المساجد وحملة القرآن وتعطلت المساجد والمدارس والربط، وأصبحت المدينة قاعا " صفصفا "، ليس
(1) مرآة الجنان لليافعي: 4 / 137 (2) تاريخ مختصر الدول لابن العبري (المتوفي سنة 685 ه): ص 272 (سلسلة منابع الثقافة الاسلامية). (3) مرآة الجنان لليافعي: 4 / 137.
[ 7 ]
فيها إلا فئة قليلة مشردة الاذهان. وكان القتلى في الطرقات كأنها التلال، ولما نودي بالامان خرج من تحت الارض من اختفوا في المطامير والمقابر ومن لجأ إلى الابار والحشائش كأنهم الموتى قد نبشت قبورهم، وقد أنكر بعضهم البعض فلم يعرف الاب ابنه ولا الاخ أخاه، ثم انتشر الوباء فحصدهم بمنجله حصدا " ذريعا " وفسد الهواء وعم الوباء (1). وأما ما حل بخزائن العلم من المكاتب والمدارس في بغداد فحدث ولا حرج، فقد كانت بغداد مركزا " من أعظم مراكز الاشعاع الفكري في العالم كله في ذلك التاريخ من دون مبالغة، وقد أحرق التتار كلما وجدوا في بغداد من علم ومن مراكز للعلم، كما قتلوا كل من عثروا عليه من العلماء أو كل من كان في بغداد من العلماء، وليس بإمكان أحد أن يقدر ضخامة الخسارة التي لحقت بالفكر والثقافة
الاسلامية والبشرية في هذه النكبة. يقول قطب الدين الحنفي: تراكمت الكتب التي ألقاها التتار في نهر دجلة حتى صارت معبرا " يعبر عليه الناس والدواب واسودت مياه دجلة بما القي فيها من الكتب (2) ولنقرأ لتقي الدين ابن أبي اليسر هذه النفثة من شعره في بغداد: لسائل الدمع عن بغداد أخبار * فما وقوفك والاحباب قد ساروا يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا * فما بذاك الحمى والدار ديار تاج الخلافة والربع الذي شرفت * به العالم قد عفاه اقفار أضحى لعصف البلى في ربعه أثر * وللدموع على الاثار آثار يا نار قلبي نار لحرب وغى * شبت عليه ووافى الربع اعصار
(1) تاريخ الاسلام للدكتور حسن ابراهيم: 4 / 160 - 161 عن الحوادث الجامعة في أعيان المائة السابعة ص 330 و 331 (2) تاريخ التمدن الاسلامي للدكتور گوستاف لوبون ترجمة السيد هاشم الحسن (ترجمة فارسية 1358):
ص 214.
[ 8 ]
علا الصليب على أعلى منابرها * وقام بالامر من يحويه زنار وكم حريم سبته الترك غاصبة * وكان من دون ذاك الستر أستار وكم بدور على البدرية انخسفت * ولم يعد لبدور منه أبدار وكم ذخائر أضحت وهي شائعة * من النهاب وقد حازته كفار وكم حدود أقيمت من سيوفهم * على الرقاب وحطت فيه أوزار ناديت والسبي مهتوك تجربهم * إلى السفاح من الاعداء دعار (1) ولسنا نستطيع أن نقدر الخسارة التي لحقت بالاسلام وبالبشرية في هذه النكبة التي حلت بمدينة السلام، كما نجزم أن الخسارة الواسعة التي حلت بعاصمة العباسيين في القرن السابع الهجري لم تعوض بالمعنى الدقيق للكلمة إلى اليوم الحاضر، ولو لم تتعرض بغداد لهذه النكبة لكان تاريخ المسلمين غير هذا التاريخ، وكان للاسلام والمسلمين شأن آخر على وجه الارض غير هذا الشأن. مؤيد الدين ابن العلقمي:
أما كيف حدث هذا الحريق الهائل في مركز العالم الاسلامي وكيف تمزقت هذه الدولة الكبرى ونقطعت أوصالا على يد المغول فهو فصل آخر من فصول مأساة المسلمين في التاريخ. أما الذين لا يريدون أن يجهدوا أنفسهم من المؤرخين في أسباب هذه النكبة الكبرى التي أحلت بالمسلمين ولا يريدون أن يدخلوا إلى عمق هذا الجرح النازف في تاريخ الاسلام... فالجواب عندهم جاهز لا يحوجهم إلى تفكير... فقد تعود هؤلاء أن يلتمسوا لكل نكبة تحل بالمسلمين سببا " في شيعة أهل البيت، ولا يطول هذه المرة وقوفهم عند هذه القضية. فهذا مؤيد الدين ابن العلقمي الذي استوزره المستعصم العباسي آخر خلفاء بني العباس معروف بالتشيع فلم لا يكون هو الذي يتحمل إثم هذه النكبة ؟ ثم لا تسأل عن الدليل، فإن المؤلفين
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 434 و 435 (دار الفكر)
[ 9 ]
يتناقلون إسناد هذه الجريمة إلى ابن العلقمي جيلا من بعد جيل دون أن يذكروا لذلك دليلا معقولا. ثم أغرب من ذلك كله أن لا يذكروا ابن العلقمي إلا بصفته المتميزة (شيعي رافضي).
ومن العجب أن التاريخ يحفل بذكر الخيانة والاجرام في صفوف السنة والشيعة، والتاريخ يذكر ذلك كله أو بعضه، فإذا كانت الخيانة والجريمة من السنة اقتصروا على ذكر اسمه وهويته الشخصية، وإذا كانت الخيانة أو الجريمة من الشيعة لم يسندوها إليه بصفته الشخصية وإنما يصرون إلى جانب ذلك على ذكر انتمائه المذهبي ومن مأسي التاريخ أن المؤرخين يتناسون كلما مروا بهذه النكبة التي حلت بالمسلمين الاسباب الحقيقية والعميقة لهذه المأساة ويشغلهم أمر إلصاق هذه التهمة بابن العلقمي والشيعة عن الاسباب الحقيقيه التي أنهكت خلافة آل عباس ونخرت في عرشهم وسلطانهم وأضعفتهم واستقدمت إليهم التتار من أقصى الشرق ليغزوهم في عقر دورهم. وأما ابن العلقمي فقد كان من أكثر الناس حرصا " على كف شر التتار وعدوانهم عن بغداد عاصمة الخلافة العثمانية. يقول ابن العبري المتوفى سنة 685 وهو ممن عاش وعاصر هذه النكبة في كتابه " تاريخ مختصر الدول ": لما فتح هولاكو تلك القلاع - قلاع الاسماعيلية - أرسل
رسولا إلى الخليفة وعاتبه على إهماله تسيير النجدة، فشاوروا الوزير - ابن العلقمي - فيما يجب أن يفعلوه، فقال: لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبار ببذل الاموال والهدايا والتحف له ولخواصه، وعند ما أخذوا في تجهيز ما يسيرونه قال الدويدار الصغير وأصحابه: إن الوزير إنما يدبر شأن نفسه مع التتار وهو يروم تسليمنا إليهم فلا تمكنه من ذلك، فبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة واقتصر على شئ نزر لا قدر له، فغضب هولاكو وقال: لابد من مجيئه هو بنفسه أو يسير أحد ثلاثة نفر: إما الوزير، وإما الدويدار، وإما سليمان شاه، فقدم الخليفة إليهم بالمضي فلم
[ 10 ]
يركنوا.. فسير غيرهم فلم يجديا عنه (1) ويقول صاحب كتاب " جامع التواريخ ": إن الخليفة عندما استشاره وزيره ابن العلقمي قال له: ينبغي أن تدفعه ببذل المال لان الخزائن والدفائن مجمع لوقاية عزة العرض وسلامة النفس، فيجب إعداد ألف حمل من النفائس وألفا " من نجائب الابل وألفا " من الجياد العربية المجهزة بالالات والمعدات، وينبغي إرسال التحف والهدايا في صحبة الرسل مع تقديم الاعتذار إلى هولاكو وجعل الخطبة والسكة
باسمه، ومال الخليفة إلى قبول هذا الرأي ولكن مجاهد الدين أيبك وكان يلقب بالدويدار الصغير الذي كان يضمر العداوة والبغضاء للوزير ابن العلقمي استمال بعض الامراء وبعثوا إلى الخليفة برسالة يقولون فيها: إن الوزير إنما رأى هذا الرأي مدفوعا " في ذلك بمصلحته الخاصة (2). الاسباب الحقيقية لسقوط دولة الخلافة العباسية: ومهما يكن من أمر فإن الاسباب الحقيقية لسقوط العباسية أعمق من كل ذلك، وحتى لا يكمن في المستعصم العباسي آخر الخلفاء العباسيين بقدر ما يكمن في الخلفاء الذين عاشوا فترة إزدهار هذه الدولة وانتعاشها السياسي والاقتصادي والعسكري ولست أعتقد أن مسؤولية المستعصم العباسي وهو آخر خلفاء بني العباس وأضعفهم تزيد على مسؤولية هارون الرشيد الذي عاش فترة ازدهار الخلافة العباسية ويعد من أقوى خلفاء بني العباس. ولسنا هنا بصدد البحث عن عوامل سقوط الخلافة العباسية، إلا أننا نشير إشارة سريعة إلى هذه العوامل قبل أن نتجاوز هذه النقطة من البحث: 1 - البذخ والتبذير في بيت مال المسلمين:
(1) تاريخ مختصر الدول لابن العبري (المتوفى 685): ص 269 و 270 (منابع الثقافة الاسلامية)، راجع سقوط بغداد تأليف بي تي رستيدو (الترجمة الفارسية): ص 80. (2) جامع التواريخ: 2 / 271 لندن 1910، وتاريخ الاسلام للدكتور حسن ابراهيم: 4 / 156.
[ 11 ]
كان أقلية من المجتمع الاسلامي في هذا العصر من القريبين إلى قصر الخلافة ومن رجال المال والاقطاعات الزراعية الواسعة يتمتعون بثراء واسع ويستخدمون المال في لهوهم ومجونهم بإسراف وبذخ كبيرين، ولئن كانت قصص ألف ليلة وليلة من نسج الخيال فإن جملة مما ورد في هذه القصص من إسراف الامراء والتبذير الذي كان يجري في داخل القصور من صلب الواقع في هذه الفترة (الذهبية !) من تاريخ الاسلام.. وكل هذا الاسراف والتبذير كان يتم على حساب الطبقة المستضعفة والمحرومة في المجتمع، وكانت هذه الطبقة الواسعة في المجتمع هي التي تؤمن - لقصور الامراء ورجال المال والاقطاع - هذا اللهو والمجون الذي كان يثقل كاهل بيت المال على
شكل ضرائب مرتفعة وثقيلة، والذي يقرأ تاريخ هذه الفترة من العصور الاسلامية يلمس - بشكل واضح - الفاصل الطبقي الكبير الذي كان يفصل هذه الطبقة عن تلك، والماسي المتراكمة من حرمان الطبقة المحرومة، ومن ظلم الحكام وجورهم، والبذخ والاسراف والمجون الذي كان يجري في قصور الطبقة المترفة. ويقرأ ماآل إليه أمر الخلافة العباسية على يد المستعصم آخر خلفاء بني العباس في عصر هارون الرشيد (العصر الذهبي للخلافة العباسية !) ومن العجب أننا نجد جذور سقوط الخلافة العباسية في العصر الذهبي لسلطان بني العباس ولكي لا نتوقف عند هذه النقطة اكثر من هذا الحد في هذه التوطئة نلتقط للقارئ صورة واحدة لما كان يجري في قصور الخلفاء والامراء من اللهو والمجون والاسراف والتبذير، ونحيل القارئ إذا أراد التوسع إلى الموسوعات التاريخية الكبيرة التي دونت أحداث هذه الفترة من تاريخ الاسلام يقول البشابشتي في كتابه المعروف " الديارات " في تعريف دير السوسي ماهذا نصه: وهذا الدير لطيف على شاطئ دجلة بقادسية سر من رأى، وبين القادسية وسر من رأى أربعة فراسخ والمطيرة بينهما، وهذه النواحي كلها متنزهات وبساتين
وكروم والناس يقصدون هذا الدير ويشربون في بساتينه، وهو من مواطن السرور
[ 12 ]
ومواضع القصف واللعب. ولابن المعتز فيه: يا ليالي بالمطيرة والكر * خ ودير السوسي بالله عودي كنت عندي انموذ جات من الجنة *، لكنها بغير خلود والقادسية من أحسن المواضع وأنزهها وهي من معادن الشراب ومناخات المتطربين، جامعة لما يطلب أهل البطالة والخسارة، وبالقادسية بنى المتوكل قصره المعروف ببركوارا، ولما فرغ من بنائه وهبه لابنه المعتز وجعل اعذاره فيه، وكان من أحسن أبنية المتوكل وأجلها، وبلغت النفقة عليه عشرين ألف ألف درهم. قال (1): ولما صح عزمه على اعذار أبي عبد الله المعتز أمر الفتح بن خاقان بالتأهب له (2)، وأن يلتمس في خزائن الفرش بساطا " للايوان في عرضه وطوله، وكان طوله مائة ذراع وعرضه خمسون ذراعا "، فلم يوجد إلا فيما قبض عن بني امية، فإنه وجد في أمتعة هشام بن عبد الملك على طول الايوان وعرضه. وكان بساطا " (3) ابريسما " غرز
مذهب مفروز مبطن، فلما رآه المتوكل اعجب به وأراد أن يعرف قيمته، فجمع عليه التجار فذكر أنه قوم عليه أوسط القيم عشرة آلاف دينار، فبسط في الايوان وبسط للخليفة في صدر الايوان سرير، ومد بين يديه أربعة آلاف مرفع (4) ذهب مرصعة بالجوهر، فيها تماثيل العنبر والند والكافور، المعمول على مثل الصور، منها ما هو مرصع بالجوهر مفردا "، ومنها ما عليه ذهب وجوهر، وجعلت بساطا " ممدودا " وتغدى
(1) الحكاية وردت بكمالها في كتاب " مطالع البدور في منازل السرور " للغزولي (1: 58 - 59) نقلا من كتاب " العجائب والطرف والهدايا والتحف " (تحقيق محمد حميد الله. الكويت 1959 ص 113 - 119) (2) وصفت هذه الحفلة في " لطائف المعارف " للثعالبي (ص 74 - 75 ليدن 1867) وثمار القلوب (ص 131). (3) وصف هذا البساط في مروج الذهب (7: 290 - 294). (4) المرفع كمنبر: ما رفع به وكمقعد: الكرسي يمانية (التاج 5: 359) ج: المرافع. وانظر رحلة ابن بطوطة (3: 378) تكملة المعجمات العربية للدوزي (1: 543).
[ 13 ]
المتوكل والناس، وجلس على السرير، وأحضر الامراء والقواد والندماء وأصحاب المراتب فأجلسوا على مراتبهم، وجعل بين صوانيهم والسماط فرجة، وجاء الفراشون بزبل (1) قد عشيت بأدم مملوءة دنانير ودراهم نصفين، فصبت في تلك الفرج حتى ارتفعت، وقام الغلمان فوقها، وامروا الناس عن الخليفة بالشرب، وأن ينتقل كل من يشرب بثلاث حفنات ما حملت يداه من ذلك المال، فكان إذا أثقل الواحد منهم ما اجمتع في كمه أخرجه إلى غلمانه فدفعه إليهم وعاد إلى مجلسه، وكلما فرغ موضع أتى الفراشون بما يملاونه به حتى يعود إلى حاله، وخلع على سائر من حضر ثلاث خلع كل واحد، وأقاموا إلى أن صليت العصر والمغرب، وحملوا عند انصرافهم على الافراس والشهاري، وأعتق المتوكل عن المعتز ألف عبد، وأمر لكل واحد منهم بمائة درهم وثلاث أثواب، وكان في صحن الدار بين يدي الايوان أربعمائة بلية (2) عليهن أنواع الثباب، وبين يديهن (3) ألف نبيجة (4) خيزران، فيها أنواع الفواكه من الاترج والنارنج على قلته كان في ذلك الوقت والتفاح الشامي والليموه (5) وخمسة آلاف باقة نرجس وعشرة آلاف باقة بنفسج.
(1) الزبل واحدها: الزبيل. وعاء ينسج من خوص النخل. والزبيل معروف إلى اليوم عند العراقيين ويسمونه (زنبيل) (2) البلية والجمع البليات: تخفيف الابلية التي تجمع على الابليات نسبة إلى مدينة " الابلة " التي كانت قريبة من البصرة (معجم البلدان 1: 97). وقال القلقشندي (صبح الاعشى 14: 363) نقلا " عن رسالة لابي إسحاق الصابي: " وأمره أن ينصب الارصاد على منازل المغنيات والمغنين ومواطن الابليات والمخنثين ". وفي كتاب " الموشى " للوشاء (ص 173 طبعه ليدن): " ورأيت جارية ابلية لبعض المخنثين وقد علقت طبلا " في عنقها بزنار ". فالبلية أو الابلية، يراد بها المرأة المغنية الراقصة في الحفلات. (3) الوجه أن يقال: أيديهن. (4) النبيجة: السفرة والطبق من الخوص أو الخيزران (5) يريد: الليمون.
[ 14 ]
وتقدم إلى الفتح (1) بأن ينثر على البليات وخدم الدار والحاشية ما كان أعده لهم
وهو عشرون ألف ألف درهم (2)، فلم يقدم أحد على التقاط شئ، فأخذ الفتح درهما "، فأكبت الجماعة على المال فنهب. وكانت قبيحة (3) قد تقدمت بأن تضرب دراهم، عليها: " بركة من الله لاعذار أبي عبد الله المعتز بالله "، فضرب لها ألف ألف درهم نثرت على المزين ومن في حيزه والغلمان والشاكرية وقهارمة الدار والخدم الخاصة من البيضان والسودان. وكان ممن حضر المجلس ذلك اليوم: محمد بن المنتصر وأبو أحمد وأبو سليمان ابنا الرشيد وأحمد والعباس ابنا المعتصم، وموسى ابن المأمون وابنا حمدون النديم وأحمد ابن أبي رؤيم والحسين بن الضحاك وعلي بن الجهم وعلي بن يحيى المنجم وأخوه أحمد. ومن المغنين: عمرو بن بانة، أحمد بن أبي العلاء، ابن الحفصي، ابن المكي، سلمك [ الزازي ]، عثعث، سليمان الطبال، المسدود أبو حشيشة، ابن القصار، صالح الدقاف، زفام الزامر، تفاح الزامر. ومن المغنيات: عريب، بدعة جاريتها، سراب، شارية وجواريها، ندمان، معنم، نجلة، تركية، فريدة، عرفان.
قال إبراهيم بن المدبر: لما طهر المعتزا جتمع مشايخ الكتاب بين يدي المتوكل، وكان فيهم يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله إذ ذاك الوزير وهو واقف موقف الخدم بقباء ومنطقة، وكان يحيى لا يشرب النبيذ، فقال المتوكل لعبيد الله: خذ قدحا " من تلك الاقداح واصبب فيه نبيذا " وصير على كتفك منديلا وامض إلى أبيك يحيى فضعه في كفه.
(1) تقدم إلى فلان بكذا: أمره به (2) في مطالع البدور: ألف ألف درهم. (3) هي ام الخليفة المعتز بالله العباسي، كانت رومية فائقة الجمال، فسميت قبيحة من أسماء الاضداد. توفيت في سامراء سنة 264 ه (877 م).
[ 15 ]
قال: ففعل، فرفع يحيى رأسه إلى ابنه فقال المتوكل: يا يحيى لا ترده. قال لا يا أمير المؤمنين، ثم شربه. وقال: قد جلت نعمتك عندنا يا أمير المؤمنين، فهنأك، الله النعمة ولا سلبنا ما أنعم به علينا منك. فقال: يا يحيى إنما أردت أن يخدمك وزير بين يدي خليفة في طهور ولي عهد !
وقال إبراهيم بن العباس: سألت أبا حرملة المزين في هذا اليوم فقلت: كم حصل لك إلى أن وضع الطعام ؟ فقال: نيف وثمانون ألف دينار، سوى الصياغات والخواتيم والجواهر والعدات قال: وأقام المتوكل ببركوارا ثلاثة أيام، ثم أصعد إلى قصره الجعفري وتقدم بإحضار إبراهيم بن العباس وأمره أن يعمل له عملا (1) بما أنفق في هذا الاعذار ويعرضه عليه، ففعل ذلك فاشتمل العمل على ستة وثمانين ألف ألف درهم، وكان الناس يستكثرون ما أنفقه الحسن بن سهل في عرس ابنته بوران حتى أرخ ذلك في الكتب وسميت دعوة الاسلام، ثم أتى من دعوة المتوكل ما أنسى ذلك. وكانت الدعوات المشهورة في الاسلام ثلاثا " لم يكن مثلها، فمنها: دعوة المعتز - هذه المذكورة - ومنها: عرس زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر، فإن المهدي زوج ابنه الرشيد بام جعفر ابنة أخيه فاستعد لها ما لم يستعد لامرأة قبلها من الالة وصناديق الجوهر والحلي والتيجان والاكاليل وقباب الفضة والذهب والطيب والكسوة، وأعطاها بدنة (2) عبدة (3) ابنة عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام، ولم ير في الاسلام مثلها ومثل
الحب الذي كان فيها، وكان في ظهرها وصدرها خطان ياقوت أحمر وباقيها من الدر الكبار الذي ليس مثله. ودخل بها الرشيد في المحرم سنة خمس وستين ومائة في قصره
(1) معنى " عملا " في هذه العبارة هو أن يكتب له مصاريف ما أنفق. (2) البدنة: وما يلبس من الثياب على البدن، والمراد بها ها هنا ضرب من القمصان تلبسه النساء (3) ذكرها ابن حزم في جمهرة انساب العرب (ص 104 القاهرة 1948). وكتاب بغداد لطيفور (6: 115) طبعة القاهرة).
[ 16 ]
المعروف بالخلد (1)، وحشر الناس من الافاق، وفرق فيهم من الاموال أمر عظيم، فكانت الدنانير تجعل في جامات (2) فضة، والدراهم في جامات ذهب، ونوافج (3) المسك وجماجم (4) العنبر والغالية في بواطي زجاج، ويفرق ذلك على الناس ويخلع عليهم خلع الوشي المنسوجة، واوقد بين يديه في تلك الليلة شمع العنبر في أتوار (5) الذهب. وأحضر نساء بني هاشم، وكان يدفع إلى كل واحدة منهن كيس فيه دنانير وكيس فيه دراهم، وصينية كبيرة فضة فيها طيب، ويخلع عليها خلعة وشئ مثقل، فلم ير في الاسلام مثلها، وبلغت النفقة في هذا العرس من بيت المال الخاصة سوى
ما أنفقه الرشيد من ماله خمسين ألف ألف درهم. واسم زبيدة أمة العزيز، وزبيدة لقب، وكان أبو جعفر يرقصها (6)، وهي صغيرة وكانت سمينة ويقول: ما أنت إلا زبيدة، ما أنت إلا زبيدة فمضى عليها هذا الاسم. ومنها: عرس (7) المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، بفم الصلح، وكانت النفقة عليه أمرا " عظيما ". وسأل المأمون زبيدة عن تقدير النفقة في العرس، فقالت: ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف، فبلغ الحسن بن سهل
(1) الخلد: قصر بناه المنصور ببغداد بعد فراغه من مدينته على شاطئ دجلة، في سنة 159 ه " معجم البلدان 2: 459 والمراصد 1: 362 " (2) الجامات: واحدها الجام، بمعنى الكأس. (3) النوافج: واحدتها النافجة، وعاء المسك. (4) الجماجم: واحدتها الجمجمة، قدح من خشب (النهاية لابن الاثير 1: 178). (5) الاتوار: واحدتها التور (بالتاء المثناة من فوقها): اناء كالاجانة يصنع من صفر أو مجارة (النهاية لابن الاثير: 1: 120). (6) الاغاني (9: 97)، وتاريخ بغداد للخطيب (14: 433)، وزهر الاداب (2: 236)، والشريشي
(2: 245). (7) اشتهر خبر هذا العرس كثيرا " في كتب الادب والتاريخ (تاريخ الطبري 3: 1081 - 1084، وثمار القلوب ص 130 - 131، ولطائف المعارف ص 73، وتاريخ بغداد للخطيب 7: 321، والوفيات 1: 130 - 132، والبداية والنهاية 11: 49 - 50، ومقدمة ابن خلدون 1: 311 طبعة باريس، والصبوح والغبوق ص 99 - 100).
[ 17 ]
فقال: كان النفقة على يد زبيدة ! أنفقنا خمسة وثلاثين ألف ألف وكان يجري في جملة الجرايات في كل يوم على نيف وثلاثين ألف ملاح. وكان دخولها في المدينة التي بناها بفم الصلح - على شاطئ دجلة - لثمان خلون من شهر رمضان سنة عشر ومائتين. قال: وأمهر المأمون بوران مائة ألف دينار وخمسة آلاف ألف درهم، وأوقد بين يديه تلك الليلة ثلاث شمعات عنبر وكثر دخانها، فقالت زبيدة: إن فيما ظهر من المروءة لكفاية، ارفعوا هذا الشمع العنبر وهاتوا الشمع. قال: ولما جليت بوران على المأمون نثر عليها حبا " كبارا " كان في كمه، فوقع على
حصير ذهب كان تحته، فقال: لله در الحسن بن هانئ ما أعظمه من شاعر فصيح حيث يقول: كأن صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء در على أرض من الذهب قال: وامتنع من كان حاضرا " أن يلتقط شيئا "، فقال المأمون: أكر منها ! فمدت زبيدة يدها فأخذت حبه فالتقط من حضر الباقي. وكان اسم بوران خديجة وكانت وفاتها في سنة إحدى وسبعين ومائتين في أيام المعتمد، ولها ثمانون سنة، ولبوران ترثي المأمون: أسعداني على البكا مقلتيا * صرت بعد الامام للهم فيا كنت اسطو على الزمان فلما * مات صار الزمان يسطو عليا ذكر ابن خردا ذبه: أن المتوكل أتفق على الابنية التي بناها وهي: بركوارا، والشاه، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والجعفري، والغريب، والبديع، والصبيح، والمليح، والسندان، والقصر، والجامع، والقلاية، والبرج، وقصر المتوكلية، والبهو، واللؤلؤة، مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف درهم. ومن العين مائة ألف ألف دينار، تكون قيمة الورق عينا " بصرف (1).
(1) الديارات للبشابشتي: ص 149 - 159.
[ 18 ]
2 - إطلاق يد المماليك في شؤون الدولة: بعد عصر هارون فقدت الخلافة السيطرة المركزية على أطراف البلاد الواسعة القريبة، والبعيدة، وأخذت ترتفع أصوات المعارضة هنا وهناك، ولم يعد. بإمكان الخليفة أن يحكم القبضة على شؤون البلاد المختلفة، ولكي لا يفقد جهاز الخلافة السيطرة على مساحة ونفوذ وسلطان الخلافة حاول الخلفاء حاول الخلفاء أن يسدوا هذه الثغرة التي انفتحت على أمن الخلافة بالاستعانة بالمرتزقة من الموالي والمماليك الذين كانوا يعدون يومذاك مواطنين من الدرجة الثانية في المجتمع الاسلامي، فلجأ قصر الخلافة العباسية إلى الاحتماء بهؤلاء المماليك والموالي واستقدموا أعدادا " كبيرة منهم إلى مركز الخلافة، وأولوهم مراكز السلطة والسيادة في الجيش والشرطة، وأطلقوا أيديهم في امور الجيش والشرطة والامن، ثم في سائر شؤون الدولة. وكثر عددهم حتى ضاق بهم الناس في بغداد أيام المعتصم العباسي، وضاق الناس بهم ذرعا "، وكثر شكوى الناس عنهم، فلم يجد الخليفة بدا " من أن ينقل مركز
حكمه وسلطانه من بغداد إلى سامراء واستشرى أمر هؤلاء المماليك، وزاد نفوذهم وبأسهم في مركز الحكم والقوة في الدولة العباسية، وزاد في نفس الوقت أذاهم للناس وشكوى الناس منهم.. ورغم ذلك لم يتمكن الخليفة أن يصنع أكثر مما صنع من نقل مركز الخلافة من بغداد إلى سامراء، ولم يستطع أن يحدد من نفوذ هؤلاء المماليك، ولا أن يمنع أذاهم عن الناس. وهل كان الخليفة العباسي يعجز حقيقة عن تحديد نفوذ هؤلاء المماليك الذي أمكنهم الخليفة من مركز حكمه وسلطانه بيده أم أنه كان بحاجة إليهم في توفير الحماية والامن للقصر فلم يشأ أن يسلب عنهم ما أولاهم من النفوذ والسلطان ؟ قد يكون هذا أو ذاك، وقد يكون هذا وذاك، ولكن الحقيقة الثابتة تأريخيا " أن الخليفة العباسي لم يسلب من هؤلاء المماليك شيئا " مما أولاهم من النفوذ والسلطان بعد أن ضاق الناس بهم ذرعا " وكثر شكوى الناس منهم، وفي القصة
[ 19 ]
التالية التي يرويها ابن الاثير في الكامل دلالة واضحة على ما نقول، يقول ابن الاثير:
اتفق أن المعتصم خرج بموكبه يوم عيد فقام إليه شيخ فقال له: يا أبا إسحاق فأراد الجنود ضربه وتنحيته، فمنعهم الخليفة وقال: يا شيخ مالك ؟ قال الشيخ: لاجزاك الله عن الجوار خيرا "، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الاتراك فأسكنتهم بيننا، فأيتمت بهم صبياننا وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا , والله لنقاتلنك بسهام السحر (1). ودب نفوذ هؤلاء المماليك والموالي في جهاز الخلافة دبيب المرض إلى أن شل قدرة الخليفة تماما "، وأصبح الخليفة لا يملك من أمره شيئا " كثيرا "، وأصبح نفوذ العسكر في قصر الخليفة وفي شؤون الحكم هو النفوذ الاول، ولم يكن بطبيعة الحال استدعاء هؤلاء المماليك والموالي إلى مراكز العسكر من منطلقات إسلامية صحيحة، وانما كان لغايات سياسية وأمنية تخص الخليفة وقصره وجهاز حكمه، ولذلك لم يتم استدعاء هوءلاء المماليك وإناطة مراكز القوة والنفوذ بهم على اساس صحيح , مما أدى في النتيجة إلى الشلل الكالم لا رادة الخليفة والى ازدياد سخط الناس وغضبهم على الخليفة وجهازه وتمرد القادة العسكريين والولاة بما في أيديهم من القوة العسكرية والمال والولايات عن مركز الخلافة.
3 - الفتن الطائفية: الفتن الطائفية التي كانت تلتهب في أرجاء الدولة العباسية بين الحين والحين، وبشكل خاص في مركز الخلافة العباسية كالتي كانت تحدث بين السنة والشيعة من الفتن، أو بين الحنابلة والشافعية، أو بين الحنابلة والاشاعرة، أو بين الشافعية والحنفية. وقد شهدت بغداد خلال هذه الفترة غارات وهجمات كبيرة وشرسة على الشيعة الذين كانوا يجتمعون في الكرخ من بغداد، وكان المهاجمون يشعلون الحرائق في المدارس والمكتبات، وقد أحرقوا في بعض هذه الهجمات مكتبة شيخ الطائفة
(1) الكامل لابن الاثير: 7 / 181.
[ 20 ]
أبي جعفر الطوسي - رحمه الله - وأحرقوا الكرسي الذي كان يدرس عليه وكان بنو العباس من وراء جملة من هذه الفتن يشجعونها ويدعمونها، وقد كان ابن الخليفة المستعصم بالتعاون مع الدويدار الصغير (دواتدار الصغير) قائد الخليفة من وراء الهجوم الشرس على شيعة الكرخ في عهد المستعصم بل في مقدمة هذا الهجوم الشرس. وفي هذا الهجوم قتل الكثير من الابرياء، واحرقت البيوت على
أصحابها، ونهبت البيوت والمحلات في الاسواق، واخرجت النساء من بيوتهن على هيئة الاسرى يطاف بهن في الشوارع سافرات حفاة وقد شددن على اشفار الخيل، وخوطب الخليفة في أمرهم فأمر بالكف عنهم وحملت النسوة والاسرى إلى دار الرقيق، ثم اعيدوا بعد ذلك إلى بيوتهم وذوبهم. وتجري هذه الفتن في مركز الخلافة العباسية وبعلم من الخليفة نفسه وعلى يد ابن الخليفة وقائده وخطر التتار يهدد بغداد مركز الخلافة ويهدد الخلافة نفسها (1) ومن الفتن الكبرى التي عصفت بالدولة العباسية فتنة خلق القران التي أضرت كثيرا " بسلامة الدولة وأمنها واستقرارها، والتي أدت إلى إراقة الكثير من الدماء واضطهاد وتعذيب الكثير من العلماء ومنهم أحمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي، وكان الخليفة نفسه متورطا " في هذه الفتنة وطرفا " فيها. وحوادث هذه الفتن كثيرة في عهد هذه الدولة، والحديث عنها يطول ولسنا نربد أن نسهب أكثر من هذا الحد في تفصيل هذه الفتن في هذه المقدمة ولقد كانت لهذه الفتن أكبر الاثر في سقوط الدولة العباسية (2)
(1) راجع في أحداث الفتن الطائفية الكامل لابن الاثير 9 / 83 و 205 و 213 وابن الفوطي 276 و
304. (2) راجع مؤيد الدين ابن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية: ص 77 نقلا عن ابن الفوطي الحوادث الجامعة: 315، وبغداد مدينة السلام: 208، ومختصر تاريخ العرب: 340. ويقول ابن الوردي المتوفى سنة 749 ه في أحداث سنة 656 ه: أمر أبو بكر ابن الخليفة المستعصم ركن الدين الدواتدر العسكر فنهبوا الكرخ (وقد كانت محلة الشيعة في بغداد) وركبوا من النساء الفواحش. (راجع تاريخ ابن الوردي: 2 / 279).
[ 21 ]
دور الحلة في الحد من هجوم التتار: كان سقوط بغداد أمرا " حتميا " لا مفرمنه وكان رجال المسلمين في العراق ينظرون إلى هذه الحقيقة المأساوية بأسى وأسف بالغين، فلم يكن للخليفة العباسي المستعصم قدرة على صد الهجوم وإحباطه، ولم يكن لديه استعداد على امتصاص ضراوة التتار ببعض الهدايا والتنازلات، كما اقترح عليه وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي، وبقيت بغداد بين ضعف الخليفة العباسي وغروره واعتداده بنفسه مهددة بالخطر الحقيقي من قبل هولاكو، وظل المسلمون ينظرون إلى
هذا الخطر المقبل على قلب العالم الاسلامي بجزع. وتمت محاصرة بغداد من قبل التتار فكان لابد من عمل سريع من قبل رجال المسلمين بعد عجز الخليفة عن درء الخطر عن نفسه وعن مركز سلطانه بغداد للحد من الخسائر وتقليلها مهما أمكن، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم وتراثهم وأفكارهم من الغزو المغولي الذي يطوق بغداد. وكانت مدينة الحلة يومذاك من أهم المراكز العلمية في العراق، وكانت هذه المدينة مركزا " معروفا " للشيعة يسكنها في أوان هذه المحنة علماء بارزون من الشيعة من أمثال المحقق الحلي والامام سديد الدين يوسف بن علي بن مطهر - والد العلامة - والامام رضي الدين ابن طاووس والسيد مجد الدين محمد بن الحسن بن طاووس والفقيه ابن أبي العز، وغيرهم من رجال الشيعة وزعمائها وأصحاب الشأن منهم.
[ 22 ]
فأدرك هؤلاء ضرورة التحرك السريع لدرء الخطر المقبل، وامتصاص ضراوة التتار ونقمتهم، والعمل على دفع هجوم التتار من سائر بقاع العراق، ولا سيما المراكز الدينية منها.
وكان الناس من بعد ما سمعوا فروا من المدينة إلى المناطق النائية ليسلموا بأنفسهم وما يمكن نقله من أموالهم فاستقر رأي علماء الشيعة وعلمائها في الحلة على أن يكتبوا إلى هولاكو كتابا " يطلبون منه الامان للحلة وما والاها من المناطق. الوفد الاول: يقول العلامة الحلي - رحمه الله - في كتابه " كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ": لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها هرب أكثر الحلة إلى الطبائح إلا القليل، فكان من جملة القليل والدي - رحمه الله - والسيد مجد الدين ابن طاووس والفقيه ابن أبي العرفاء، اجتمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الايلية، وأنفذوا به شخصا " أعجميا "، فأنفذ السلطان إليهم فرمانا " مع شخصين أحدهما يقال له: نكلة، والاخر يقال له: علاء الدين، وقال لهما: قولا لهم: إن كانت قلوبكم كما وردت به كتبكم تحضرون إلينا، فجاء الاميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه. فقال
والدي - رحمه الله -: إن جئت وحدي كفي ؟ فقالا: نعم، فاصعد معهما. فلما حضر بين يديه وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة قال له: كيف قدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا بما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم ؟ وكيف تأمنون أن يصالحني ورحلت عنه ؟ فقال والدي: انما أقدمنا على ذلك لانا روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال في خطبته: الزوراء، وما أدراك ما الزوراء، أرض ذات أثل يشيد فيها البنيان، وتكثر فيها
[ 23 ]
السكان، ويكون فيها مهادم وخزان، يتخذها ولد العباس موطنا "، ولزخرفهم مسكنا، تكون لهم دار لهو ولعب، يكون بها الجور الجائر والخوف المخيف والائمة الفجرة والامراء الفسقة والوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس والروم، لا يأمرون بمعروف إذا عرفوه، ولا يتناهون عن منكر إذا نكروه، تكتفي الرجال منهم بالرجال والنساء بالنساء، فعند ذلك الغم العميم والبكاء الطويل والويل والعويل لاهل الزوراء من سطوات الترك، وهم قوم صغار الحدق، وجوههم كالمجال المطوقة، لباسهم الحديد، جرد مرد، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم، جهوري
الصوت، قوي الصولة، عالي الهمة، لا يمر بمدينة إلا فتحها، ولا ترفع عليه راية إلا يكشفها، الويل الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر. فلما وصف لنا ذلك ووجدنا الصفات فيكم رجوناك فقصدناك، فطيب قلوبهم، وكتب لهم فرمانا " لهم باسم والدي - رحمه الله - يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها (1). الوفد الثاني: وهناك رواية اخرى بشأن الوفد الذي التقى هولاكو من مدينة الحلة، وبناء على هذه الرواية يتكون الوفد من جمع من وجهاء العلويين بصحبة السيد مجد الدين ابن طاووس الذي ألف فيما بعد كتاب " البشارة " وأهداه إلى السلطان المغولي درء لشره وأذاه عن المسلمين. وهذه الرواية يرويها المؤرخ المعروف ابن الفوطي في " الحوادث الجامعة ". ولما كانت الرواية الاولى من رواية العلامة الحلي وهو شاهد وحاضر في هذه القصة، وكان الامر يتعلق بوالده الامام سديد الدين ابن المطهر، وليس لدينا من سبب للتشكيك في إسناد كتاب " كشف اليقين " إلى العلامة الحلي والكتاب
(1) روضات الجنات: 8 / 200 و 201.
[ 24 ]
مطبوع أكثر من مرة، ويذكره العلامة في كتابه " نهج الحق " وتوجد منه نسخ مخطوطة متعددة (1) كما توجد منه طبعات متعددة، وعليه فلا سبيل للتشكيك في هذه الرواية. كمالا سبيل للتشكيك في رواية ابن الفوطي، فإن الشيخ كمال الدين عبد الرزاق ابن الفوطي عاصر هذه الكارثة (646 - 700 ه) وهو راوية ثقة وليس من سبيل للتشكيك في صحة روايته. وعليه فنحن نتصور أن الحلة أوفدت إلى هولاكو وفدين، وليس وفدا " واحدا ": الوفد الاول برئاسة الامام سديد الدين ابن المطهر والد العلامة - رحمهما الله - (أو الامام سديد الدين وحده كما يظهر من رواية العلامة). والوفد الثاني برئاسة السيد مجد الدين ابن طاووس صاحب كتاب " البشارة ". وكان الوفد الثاني وفدا " كبيرا " يتكون من جمع من وجهاء العلويين، يترأسهم السيد مجد الدين ابن طاووس، ويبدو أن هذا الوفد التقى هولاكو بعد أن اطمأنوا إلى
هولاكو، ومهما يكن من أمر فسوف نستعرض قصة الوفد الثاني برواية ابن الفوطي يروي ابن الفوطي أنه في سنة ست وخمسين وستمائة سار السلطان هولاكوخان من بلاده نحو بغداد، وكان أهالي الحلة والكوفة قد انتزحوا إلى البطائح بأولادهم وما قدروا عليهم من أموالهم، وحضر أكابر من العلويين والفقهاء مع مجد الدين ابن طاووس العلوي إلى حضرة السلطان وسألوا حقن دمائهم فأجاب سوالهم وعين لهم شحنة , فعادوا إلى بلادهم وأرسلوا إلى من في البطائح من الناس يعرفونهم لهم شحنة، فعادوا إلى بلادهم، وأرسلوا إلى من في البطائح من الناس يعرفونهم ذلك، فحضروا بأهليهم وأموالهم وجمعوا مالا عظيما " وحملوه إلى السلطان (2) ويقول النسابة الشهير السيد جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين المعروف بابن عنبة المتوفى سنة 828 في ترجمة مجد الدين ابن طاووس: خرج إلى السلطان هولاكوخان
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 18 / 69. (2) الحوادث الجامعة لابن الفوطي: ص 223.
[ 25 ]
وصنف له كتاب " البشارة " وسلم الحلة والنيل والمشهدين الشريفين من القتل
والنهب، ورد إليه حكم النقابة بالبلاد الفراتية، فحكم في ذلك قليلا " ثم مات (1) الوفد الثالث: وهناك وفد ثالث أعظم منهما ترأسه الامام الزاهد رضي الدين ابن طاووس - رحمه الله - وقد صحبه في هذا الوفد نحو ألف من الناس. ويظهر من الرواية أن السيد رضي الدين التقى هولاكو هنا المرة برغبة من هولاكو نفسه، وقد أولاه هولاكو في هذه المقابلة نقابة العلويين، ولنذكر الحديث برواية رضي الدين ابن طاووس - رحمه الله - نفسه في كتابه الكبير " الاقبال ": فصل فيما نذكره عن يوم الثامن والعشرين من محرم، وكان يوم الاثنين سنة ست وخمسين وستمائة فتح ملك الارض بغداد، وكنت مقيما " بها في داري بالمقيدية، وبتنا في ليلة هائلة من المخاوف الدنيوية، فسلمنا الله جل جلاله من تلك الاهوال، ولم نزل في حمى السلامة الالهية وتصديق ما عرفناه من الوعود النبوية... إلى أن استدعاني ملك الارض إلى دركاته في صفر وولاني على العلويين والعلماء والزهاد، وصحبت معي نحو ألف نفس ومعنا من جانبه من حمانا، إلى أن وصلت الحلة ظافرين بالامال، وقد قررت مع نفسي أنني اصلي في كل يوم من مثل اليوم المذكور ركعتي الشكر للسلامة من ذلك
المحذور (2) ومهما كان من أمر فقد نجحت خطة علماء الشيعة في الحد من غزو التتار، وإيقاف الهجوم المغولي عند سقوط بغداد، وإنقاذ ما أمكن انقاذه من دماء المسلمين وأعراضهم وتراثهم وأموالهم. ولو كان يقدر للجيش المغولي أن يعمل في الابادة
(1) عمدة الطالب: ص 190 و 191 وأشار عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين: 9 / 224 إلى كتاب " البشارة " الذي أهداه السيد مجد الدين إلى هولاكو. (2) الاقبال للسيد ابن طاووس: ص 586.
[ 26 ]
والتخريب والنهب والحرق في ساسئر مناطق العراق ما صنعه ببغداد لكانت أبعاد الكارثة أعظم مما حصل بكثير، ومما يؤسف له أن الذين أرخوا هذه الفترة لم يعرفوا قيمة الدور الذي نهض به علماء الشيعة في هذه الكارثة من درء الخطر عن وسط وجنوب العراق. ولا نعدم من المؤرخين من حاول أن يفسر تحرك علماء الشيعة في هذه الفترة بهذا الاتجاه تفسيرا " سلبيا " مغاليا " في السلبية مفرطا " في سوء الظن، وليس يعنينا من أمر
هؤلاء شئ، فإن أمثال هؤلاء كثير من الذين يحاولون أن يعكروا الماء ليصيدوا في الماء العكر. ولكن الحقيقة من وراء هذا أو ذاك أن علماء الشيعة حدوا كثيرا " من ضراوة هذا الغزو وأنقذوا الكثير مما كان لا يمكن إنقاذه لولا هذا التحرك السياسي، فقد استطاع المحقق نصير الدين الطوسي - رحمه الله - مثلا من إنقاذ الكثير من المدن العراقية من الغزو المغولي، كما استطاع أن ينقذ الكثير من علماء بغداد ومدارسها ومكتباتها، وقد سلم بفضل هذا العالم الجليل الكثير من التراث والكتب والمكتبات من سقوط بغداد. يقول محمد شاكر الكتبي في " فوات الوفيات " في ترجمة نصير الدين الطوسي: كان رأسا " في علم الاوائل ولا سيما في الارصاد والمجسطى فإنه فاق الكبار، قرأ على المعين سالم ابن بدران المعتزلي الرافضي وغيره، وكان ذا حرمة ومنزلة عالية عند هولاكو، وكان يطيعه فيما يشير به عليه، والاموال في تصريفه وابتنى بمراغة قبة، ورصدا " عظيما " شرع في تأسيسه سنة 657، وجعل في الرصد دارا " واسعة واستنبط آلات عديدة شريفة للارصاد، واتخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الارجاء وملاها من الكتب
التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد (1)
(1) تعليقة السيد محمد صادق بحر العلوم على اللؤلؤة: ص 245 و 246 نقلا عن " فوات الوفيات ".
[ 27 ]
مدرسة الحلة: كان واحدا " من أبرز نتائج الخطة التي رسمها علماء الشيعة لمواجهة الغزو المغولي أن المغول لم يتمكنوا من القضاء على العلم في بغداد. فقد كانت بغداد أعظم مراكز العلم في العالم الاسلامي على الاطلاق، ولو كان التخريب الذي أصاب سائر مرافق الحياة في بغداد كان يصيب مراكز العلم في بغداد لعظمت محنة المسلمين في هذه الكارثة أضعافا " مضاعفة. ولكن الذي حدث أن الحلة استطاعت أن تكسب أمان السلطان المغولي، واستطاع علماء الشيعة أن ينقلوا ما تبقى من مراكز العلم والكتب والعلماء في بغداد إلى الحلة، وكان للمحقق نصير الدين الطوسي - رحمه الله - الذي احتبسه السلطان
لنفسه والذي كان يخطى باحترام كبير من قبل هولاكو الدور الكبير في إنقاذ ما أمكن إنقاذه من العلماء والمكتبات في بغداد وقد أصبحت الحلة منذ هذا التاريخ مركزا " علميا " من كبريات مراكز العلم في العالم الاسلامي، وازدهرت هذه المدينة بالفقهاء والمحدثين والمفسرين والحكماء والادباء والشعراء وبالمدارس العلمية، وحفلت هذه المدارس بأعداد كبيرة من شباب الطلبة الوافدين إلى الحلة من الشام وإيران والمدن العراقية والجزيرة. وقد بنى السيد فخار بن معد الموسوي مجمعا " سكنيا " لطلبة العلوم الاسلامية وكان يحضر درس المحقق الحلي كما يقول السيد الصدر - على ما في أعلام العرب:
[ 28 ]
أربعمائة من المجتهدين الجهابذة (1) وهو أمر قلما يحصل في تاريخ المدارس والدروس، فقلما يتفق أن يجتمع أربعمائة مجتهد في منطقة واحدة فضلا من أن يجتمعوا في درس واحد. وعن هذه الفتره يقول السيد محمد صادق بحر العلوم: وقد تلمذ عليه - المحقق - جماعة كبيرة من العلماء والفقهاء المبرزين، وكانت الحركة العلمية في عصره بلغت
شأوا " عظيما " حتى صارت الحلة من المراكز العلمية في البلاد الاسلامية (2). وهذه الفترة التي نتحدث عنها الفترة هي التي تعقبت كارثة سقوط بغداد مباشرة، وكان المحقق الحلى - رحمه الله - أبرز رجال هذه الفترة في الفقاهة والزعامة والمرجعية. ويقول السيد الصدر أيضا " عن الحلة في نفس العصر عن تلامذة العلامة الحلي - رحمه الله -: وخرج عن عالي مجلس تدريسه خمسمائة مجتهد (3) ويقول الدكتور البصير عن الحلة في هذا العصر: وكانت الحلة مركز نهضة ثقافية عظيمة بزغت شمسها في أوائل القرن العاشر، حيث انتقلت الثقافة الاسلامية ال كربلاء ثم ما لبثت أن انتقلت إلى النجف الذي لم يزل مركزا " عظيما " من مراكز الثقافة العربية الاسلامية. ويقول الشيخ عبد المولى الطريحي عن نفس الفترة: وقد نبغ في الحلة فريق عظيم من العلماء والفقهاء والاطباء والفلاسفة والادباء والشعراء مالا يحصون عدا " لكثرتهم، فطبقت شهرتهم الذائعة الافاق، وخدموا العلوم الاسلامية والفنون والاداب العربية خدمات جلى تذكر فيشكرون عليها. وقد ذكر الخوانساري في
روضات الجنات نقلا " عن بعض الرواة الثقات منهم الشيخ ميرزا عبد الله الاصفهاني الافندي في كتابه " رياض العلماء " ما مضمونه: أنه عاش في الحلة
(1) أعلام العرب: 2 / 98 (2) لؤلؤة البحرين: ص 227 (في الهامش). (3) تأسيس الشيعة: ص 270.
[ 29 ]
خمسمائة مجتهد في قرن واحد فضلا عن سائر القرون. وهذا الاحصاء دليل من الادلة الواضحة الناصعة التي تثبت لنا رواج سوق العلم والادب والثقافة الاسلامية في هذه المدينة التاريخية (1) ولا نريد أن نطيل الحديث في مدرسة الحلة فإن هذه المدرسة جاءت بديلا عن مدرسة بغداد وخليفة لها وحلت محلها، واستطاعت ان تجتذب ما تناثر من بغداد من العلم والعلماء بعد كارثة سقوط بغداد. وما أسرع ما نمت هذه المدرسة وازدهرت وخف إليها العلماء وطلبة العلوم الاسلامية. وكان المحقق الحلي - رحمه الله - من أبرز رجال هذه المرحلة في مدرسة الحلة فقها "
وتدريسا " وزعامة. وقد كان درس المحقق هو الدرس الرئيسي الاول في هذه المدرسة، واكثر فقهاء الحلة يعدون من تلامذته أو من تلامذة تلامذته، وكانت دروسه يحفل بالعلماء والفقهاء والمجتهدين كما أشرنا قبل قليل، هذا إلى جانب الزعامة الدينية التي كان ينهض بها المحقق في هذه الفترة، ولم يكن بنافسه فيها أحد من معاصريه كما يظهر. لقاء المحقق نصير الدين بالمحقق الحلي في الحلة: وقد أنفذ هولاكو المحقق نصير الدين الطوسي إلى الحلة، فاجتمع بالمحقق الحلي - رحمه الله - أكثر من مرة، وأعجب به وأكبره وحضر درسه، فأراد المحقق أن يعطل الدرس احتراما " له، فطلب المحقق نصير الدين الطوسي منه أن يستمر في درسه، وسوف يمر علينا ما حدث من حوار بين هذين العالمين الجليلين في هذا المجلس عندما نتحدث عن فقاهة المحقق ولقد كان المحقق الطوسي يطلب من المحقق الحلي أن يقيم له علماء الحلة. يقول العلامة الحلي - رحمه الله - في إجازته الكبيرة لبني زهرة: وكان الشيخ الاعظم الخواجة نصير الدين محمد بن لحسن الطوسي - قدس الله روحه - وزيرا "
(1) مقدمة مثير الاحزان.
[ 30 ]
للسلطان هولاكوخان، فأنفذه إلى العراق، فحضر الحلة، فاجتمع عنده فقهاؤها، فأشار إلى الفقيه نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد فقال: من أعلم هؤلاء الجماعة ؟ فقال: كلهم فاضلون علماء، وإن كان واحد منهم مبرزا " في فن كان الاخر منهم مبرزا " في فن آخر. فقال: ومن أعلمهم بالاصولين ؟ (اصول العقائد واصول الفقه) فأشار إلى والدي سديد الدين يوسف بن المطهر والى الفقيه مفيد الدين محمد بن جهم، فقال: هذا أعلم الجماعة يعلم الكلام واصول الفقه، فتكدر الشيخ يحيى بن سعيد، وكتب إلى ابن عمه أبي القاسم، (المحقق) يعتب عليه، وأورد في مكتوبه أبياتا " وهي: لاتهن من عظيم قدر وإن كنت * مشارا " إليه بالتعظيم فالكبير اللبيب ينقص قدرا " * بالتعدي على اللبيب الكريم ولع الخمر بالعقول رمى * الخمر بتنجيسها وبالتحريم كيف ذكرت ابن المطهر وابن الجهم ولم تذكرني ؟ فكتب إليه يعتذر إليه
ويقول: لو سألك الخواجة مسألة في الاصولين ربما وقفت وحصل لنا الحياء (1) وبعد، هذه خلاصة سريعة عن عصر المحقق والاحداث الكبيرة التي حصلت في هذا العصر، والكارثة التي أحلت بالمسلمين فيه، ودور علماء الشيعة ومن أبرزهم المحقق الحلي - رحمه الله - في الحد من هذه الكارثة وإنقاذ ما كان يمكن إنقاذه من دماء المسلمين وأعراضهم وتراثهم من الغزو المغولي والان بعد هذه الدراسة التمهيدية السريعة ندخل إن شاء الله في الافاق الرحبة المباركة لحياة المحقق الحلي - رحمه الله -.
(1) أعيان الشيعة: 15 / 279 و 280.
[ 31 ]
نشأته وأسرته والثناء عليه نشأته العلمية: نشأ المحقق الحلي في الحلة، وكانت هذه المدينة من مراكز العلم الشهيرة في العراق في وقته، وفي تقديرنا أنها كانت المركز الثاني في العراق بعد بغداد، وبعد سقوط بغداد كانت المركز الاول للعلم والدين في العراق. وكانت هذه المدينة حافلة
بالعلماء ومجالس العلم والمذاكرة والمدارس، وقد نشأ المحقق - رحمه الله - في مثل هذه المدينة الحافلة بشيوخ العلم ومجالس الدرس والمذاكرة. أسرته: وكانت اسرته من الاسر العريقة في الحلة والمعروفة بالعلم والتقوى والزعامة الدينية. يقول عنه صاحب أعلام العرب بأنه أحد أفراد اسرة اشتهرت بالمنزلة العلمية والزعامة الدينية (1). والده: وكان والده الشيخ حسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلي من كبار علماء عصره في الحلة، وقد روى عنه ابنه المحقق وهو من شيوخه في الرواية. يقول عنه الحر العاملي في " أمل الامل ": كان فاضلا عظيم الشأن يروي عنه ولده (2).
(1) مقدمة الشرائع للسيد محمد تقي الحكيم: ج 1 عن كتاب أعلام العرب: 2 / 97. (2) أمل الامل (القسم الثاني): ص 80، راجع لؤلؤة البحرين طبع مؤسسة آل البيت: ص 228 الهامش = >
[ 32 ]
قال الشهيد في أربعينه: إنه يروي المحقق عن والده الحسن بن يحيى بن سعيد
عن جده عن الشيخ ابن عبد الله محمد بن إدريس عن عربي عن إلباس بن هاشم عن أبي علي المفيد ولد الشيخ الطوسي عن الشيخ أبي يعلى السلار بن عبد العزيز الديلمي عن السيد المرتضى عن المفيد (1) ويقول ميرزا عبد الله أفندي في التعقيب على النص المتقدم: أقول لعل لفظة " ابن " قد سقطت بين كلمة " جده " وكلمة " الشيخ ابن عبد الله " لان ابن إدريس ليس بجد للشيخ حسن بن يحيى هذا وإنما هو الجد الامي للشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد صاحب " الجامع " وغيره (2) وأما جده الشيخ أبو زكريا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلي فقد كان من مشاهير الفقهاء في عصره، وقد قال عنه الحر العاملي في " أمل الامل ": كان عالما " محققا " وهو جد المحقق... يروي عنه ولده وعن ولده ولده (3) وفي الرياض قال عنه: كان من أكابر الفقهاء في عصره (4) وقال الشهيد عند ذكره إياه: الشيخ الاسعد العلامة المغفور رئيس المذهب في زمانه نجيب الدين يحيى بن الحسن بن سعيد صاحب " الجامع " وغيره (5) وعقب الافندي ميرزا عبد الله في رياض العلماء على رواية الحر العاملي عن
الشهيد بقوله: أقول فيما قاله الشهيد على ما حكاه شيخنا المعاصر عنه محل تأمل، لان نجيب الدين صاحب " الجامع " هو ابن عم المحقق الذي مر ترجمته لاجده، فلا حظ. ولعل الشبهة إنما نشأت من النسبة إلى الجد اختصارا "، لان نجيب الدين هو يحيى بن
للسيد محمد صادق بحر العلوم، وتنقيح الاقوال: 1 / 314 رقم 2792 (1) رياض العلماء: 1 / 351 (2) المصدر السابق: 1 / 351 و 352 (3) أمل الامل (القسم الثاني): ص 345. (4) رياض العلماء: 5 / 342. (5) أمل الامل (القسم الثاني): ص 345.
[ 33 ]
أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد (1) ويحيى بن الحسن جد المحقق كان من كبار فقهاء عصره، وقد نقل عن الشهيد - رحمه الله في شرح الارشاد القول بالتوسعة، في قضاء الصلوات الفائتة. قال في شرح الارشاد في عد القائلين بالتوسعة من الفقهاء: ومن المتأخرين
القائلين بالتوسعة قطب الدين الراوندي ونصير الدين عبد الله بن حمزة الطوسي وسديد الدين محمود الحمصي والشيخ يحيى بن سعيد جد الشيخ نجم الدين " المحقق الحلي " (2) إذن فقد كان البيت الذي نشأ فيه المحقق الحلي بيتا " عريقا " في العلم والدين مشهورا " بذلك في أوساط الحلة والعراق، وكان لهذا البيت أثر كبير في نشأة المحقق العلمية، كما كان للوسط العلمي في مدينة الحلة نفس الاثر. آيات الثناء: كان المحقق الحلي - رحمه الله - منذ كان يعيش في الحلة إلى أن توفاه الله تعالى والى اليوم عبر العصور الطويلة موضع احترام واعتماد وإكبار العلماء الذين تعرضوا لذكره بشكل من الاشكال يحتل موضع الصدارة في الفقه والحديث والتقوى والبصر في الفقه ودقة النظر وسلامة الذوق الفقهي وقوة الدليل وشمولية المنهج ورغم أن الدراسات الفقهية والاصولية قد تقدمت أشواطا " كثيرة من بعد المحقق لم يفقد المحقق موضع الصدارة والريادة في تاريخ هذا العلم الشريف. فهو - رحمه الله - من الرواد الاول للتحقيق في الفقه دون أن ننتقص من قيمة الجهود الفقهية الكبيرة التي
سبقت المحقق الحلي. يقول السيد حسن الصدر - رحمه الله - في إجازته للعلامة الطهراني (آغا بزرگ): هو أول من نبغ منه التحقيق في الفقه، وعنه اخذ، وعليه تخرج ابن اخته العلامة
الحلي وأمثاله أرباب التحقيق والتنقيح (1). ورغم أهمية دور المحقق الرائد في تحقيق الفقه وتنقيحه كما يقول العلامة الصدر الكاظمي - رحمه الله - فليس هو كل شئ في شخصية المحقق، ولست أعلم ماذا في هذه الشخصية الفقهية المعروفة من الربانية وصبغة العبودية لله والاخلاص والصدق والتقوى وطهارة النفس والقلب يعطي لهذا الفقيه المتقدم كل هذا الجلال والاحترام والوقار في تاريخ فقهاء الامامية ! وأود أن أقدم للقارئ في هذه الصفحات باقة من آيات الثناء على هذا الفقيه الجليل من لدن النقاد من المشهورين في علم الرجال من عصور مختلفة، ولست بصدد الاستقصاء وإنما اريد أن اقدم للفارئ إضمامة واحدة فقط من آيات الثناء
على المحقق نجم الملة الحلي - رحمه الله -. يقول الحر العاملي في " أمل الامل ": حاله في الفضل والعلم والثقة والجلالة والتحقيق والتدقيق والفصاحة والشعر والادب والانشاء وجمع العلوم والفضائل والمحاسن أشهر من أن يذكر، وكان عظيم الشأن جليل القدر رفيع المنزلة لا نظير له في زمانه، وله شعر جيد وإنشاء حسن بليغ وكان مرجع أهل زمانه في الفقه وغيره. وقال العلامة في بعض إجازاته عند ذكر المحقق: كان أفضل أهل زمانه في الفقه. قال الشيخ حسن في اجازته: لو ترك التقييد بأهل زمانه كان أصوب إذ لا أرى في فقهائنا مثله (2) وقال ابن داود: شيخنا نجم الدين أبو القاسم المحقق المدقق الامام العلامة واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه وأقومهم بالحجة وأسرعهم استحضارا "، قرأت عليه ورباني صغيرا "، وكان له علي إحسان عظيم والتفات، ثم قال: وله كتب كثيرة... وله تلامذة فضلاء (3)
(1) تعليقات اللؤلؤة: ص 228 * (2) أمل الامل (القسم الثاني): ص 49 و 50. (3) نفس المصدر السابق.
[ 35 ]
وقال عنه صاحب " الرياض ": كان محقق الفقهاء ومدقق العلماء وحاله في الفضل والنبالة والعلم والثقة والفصاحة والجلالة والشعر والادب والانشاء والبلاغة أشهر من أن يذكر وأكثر من أن يسطر (1). وذكره صاحب " الروضات " ما دحا " اياه بآيات الثناء: الشيخ الاجل الافقه الافضل الافخر نجم الملة والحق والدين... الملقب بالمحقق على الاطلاق، والمسلم في كل ما بهر من العلم والفهم والفضيلة في الافاق، يغني اشتهار مقاماته العالية بين الطوائف عن الاظهار، ويكفي انتشار إفاداته المالئة درج الصحائف مؤونة التكرار. كان إماما " محققا " فائق الرأي في فنون شتى، بل لم يكد يفرض في مراتب تفضيله على سائر الافاضل موضع للفطة... لما أنه علم منطقا " في العلم قد عجز عن القيام بمثله السلف والهم مسلكا " في الفقه ليس يكاد يبلغه وسع أحد من الخلف... كيف لا وقد اتفقت كلمة من علمناه من العصابة على كون الافقه الافضل إلى الان من جملة من كان قد تأخر عن الائمة والصحابة (2). وقال عنه صاحب " اللؤلؤة ": كان محقق الفقهاء ومدقق العلماء وحاله في
الفضل والنبالة والعلم والفقه والجلالة والفصاحة والشعر والادب والانشاء أشهر من أن يذكر وأظهر من أن يسطر (3) وقال في " التنقيح " وفي " تذكرة المتبحرين " وهي تكملة " أمل الامل ": إن حاله في الفضل والعلم والثقة والجلالة والتحقيق والتدقيق والفصاحة والشعر والادب والانشاء وجميع العلوم والفضائل والمحاسن أشهر من أن يذكر، وكان عظيم الشأن جليل القدر رفيع المنزلة لا نظير له في زمانه (4). وفي المستدرك: من مشايخ آية الله العلامة، خاله الاكرم واستاذه الاعظم،
الرفيع الشأن اللامع البرهان كشاف حقائق الشريعة بطرائف من البيان لم يطمثهن إنس من قبله ولاجان، رئيس العلماء فقيه الحكماء، شمس الفضلاء بدر
العرفاء، المنوه باسمه وعلمه في قصة الجزيرة الخضراء، الوارث لعلوم الائمة المعصومين عليهم السلام وحجتهم على العالمين، الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلي، الملقب بالمحقق على الاطلاق الرافع أعلام تحقيقاته في الافاق، أفاض الله على روضته شآبيب لطفه الخفي والجلي، وأحله في الجنان المقام السني والمكان العلي، وهو أعلى وأجل من أن يصفه ويعدد مناقبه وفضائله مثلي (1). وقال عنه العلامة القمي في " الكنى والالقاب ": حاله في الفضل والعلم والثقة والجلالة والتحقيق والتدقيق والفصاحة والبلاغة والشعر والادب والانشاء وجميع الفضائل والمحاسن أشهر من أن يذكر، كان عظيم الشأن جليل القدر رفيع المنزلة لا نظير له في زمانه، له شعر جيد وإنشاء حسن (2) وقال عنه العلامة الاميني في " أعيان الشيعة ": وكفاه جلالة قدر اشتهاره بالمحقق، فلم يشتهر من علماء الامامية على كثرتهم في كل عصر بهذا اللقب غيره وغير الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، وما أخذ هذا اللقب إلا بجدارة واستحقاق، وقد رزق في مؤلفاته حظا " عظيما "، فكتابه المعروف بشرائع الاسلام وهو عنوان دروس المدرسين في الفقه الاستدلالي في جميع العصور، وكل من أراد الكتابة في الفقه
الاستدلالي يكتب شرحا " عليه (3)
ثقافته في الفقه والاصول وسائر المعارف الاسلامية فقاهته المحقق الحلي فقيه قبل كله شئ، وأبرز صفة في حياة المحقق بالتأكيد الفقاهة، وقد قدر الله تعالى لهذا الفقيه الجليل أن ينهض بدور مؤثر في بناء مدرسة الحلة ومدرسة جبل عامل الفقهيتين، وترك من بعده انطباعا وأثرا قويا في كل من هاتين المدرستين. وأهم الاعمال الفقهية التي أنجزها المحقق - رحمه الله -: 1 - شرائع الاسلام 2 - النافع في مختصر الشرائع. 3 - المعتبر في شرح المختصر. 4 - نكت النهاية، وقد
يسمى بحل مشكلات النهاية. 5 - رسالة في القبلة. وفيما يلي شرح وإيضاح موجز لكل من هذه الاعمال الفقهية إلى: 1 - " شرائع الاسلام ": هذا الكتاب هو المتن الفقهي المعروف عند الامامية والذي جعله فقهاء الامامية محورا " لدراساتهم الفقهية منذ عصر المؤلف، ولازال هذا الكتاب رغم مرور أكثر من سبعمائة وخمسين سنة على تأليفه محورا " للتدريس في الحوزات العلمية. ويجد القارئ في هذا الكتاب من الخصائص ما قلما يجتمع في متن من المتون الفقهية، فهو يجمع بين التركيز واستيعاب الفروع الفقهية الكثيرة وجزالة اللفظ والقدرة على التعبير وسلامة التعبير من التعقيدات اللفظية التي كان يولع بها القدماء
[ 38 ]
وحسن النظم والتبويب واقتباس نصوص الروايات في صياغة الاحكام الفقهية والبصر بالفقه وسلامة الذوق الفقهي والنضج والمتانة، وهذه الخصائص وغيرها جعل هذا الكتاب محورا للدراسات الفقهية إلى اليوم الحاضر. يقول العلامة الطهراني عن هذا الكتاب: وكتابه هذا من أحسن الكتب
الفقهية ترتيبا " وأجمعها للفروع، وقد ولع به الاصحاب من لدن عصر مؤلفه إلى الان، ولا يزال من الكتب الدراسية في عواصم العلم الشيعية، وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة فجعلوا أبحاثهم وتدريساتهم فيه وشروحهم عليه (1). المنهج الفقهي: وفي هذا الكتاب نلتقي في أول مرة في تاريخ الفقه الاسلامي بمنهجة فقهية جديدة وتنظيم جديد، فالكتاب ينقسم إلى أربعة أقسام: 1 - العبادات. 2 - المعاملات. 3 - الايقاعات. 4 - الاحكام، وكل قسم يحتوي على مجموعة من الكتب الفقهية. وأساس هذا التقسيم أن الاحكام الشرعية إما أن تتقوم بنية القربة أولا، وما يتقوم بالنية هو العبادات كالصلاة والصوم والحج والاعتكاف والخمس والزكاة والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما لا يتقوم بالنية فإما أن يحتاج إلى اللفط أولا، وما يحتاج إلى اللفظ إما أن يتقوم باللفظ من الطرفين فهو العقود (المعاملات) كالبيع والشركة والمضاربة
والاجارة والنكاح، وإما أن يتقوم باللفظ من طرف واحد فقط وهو الايقاعات كالطلاق والعتق، وإما مالا يحتاج إلى اللفظ مطلقا " فهو الاحكام كالارث والحدود والقصاص.
(1) الذريعة: 13 / 47.
[ 39 ]
فهذه أربعة أقسام نظم كل أبواب الفقه في حصر عقلي: (العبادات) و (العقود) و (الايقاعات) و (الاحكام) ولا زالت هذه المنهجة هي الاساس في الدراسات الفقهية الامامية حتى اليوم، وعلى هذا الاساس ينظم أصحاب الموسوعات الفقهية أبواب الفقه، ولئن كان المنهج الفقهي الذي جاء به المحقق الحلي في الشرائع جديدا " في ذلك التاريخ فليس من شك أن الاستمرار عليه إلى اليوم في الموسوعات والمتون الفقهية المعاصرة (الرسائل الفقهية العملية) لا يخلو عن مؤاخذة، فإن للمنهج تأثير مباشر على المحتوى، وإثراء المنهج وتجديده يؤدي بصورة مباشرة إلى إثراء محتوى عملية الاستنباط وتجديدها.
والمنهجة التي يطرحها المحقق في كتاب " الشرائع " منهج جيد من دون شك إذا كانت الغاية من المنهج هو توزيع أبواب الفقه حول عدد من المحاور... فإن هذا المنهج يوزع كل الكتب الفقهية حول هذه المحاور الاربعة ولا يشذ منها كتاب، وحصر المحاور في الاربعة حصر عقلي لا يقبل الزيادة والنقصان. وأما إذا كانت الغاية من المنهج إبراز دور الفقه في حياة الانسان وقدرته على تنظيم حياة الانسان واستيعابه لمختلف جوانب حياة الانسان في علاقته بالله تعالى وباسرته وبالمجتمع وبالدولة وغير ذلك فلا شك أن هذا المنهج لا يفي بهذه المهمة وعلى الفقهاء المعاصرين أن يهتموا بوضع منهج جديد للفقه يبرز الكفاءات والقدرات والثروات التي ينطوي عليها هذا الفقه لاستيعاب كل شؤون وحاجات الانسان. وفيما تحريت من المناهج التي وضعها الفقهاء المحدثون لم أجد عملا كاملا يخلو من المؤخذات العلمية والضعف، ومن أفضل هذه المناهج المنهج الذي يطرحه الاستاذ مصطفى أحمد الزرقاء حيث يقسم الفقه إلى: 1 - الاحكام المتعلقة بعبادة الله تعالى (العبادات). 2 - الاحكام المتعلقة بالاسرة من نكاح وطلاق (الاحوال
الشخصية). 3 - الاحكام المتعلقة بأفعال الناس وتعاملهم بعضهم مع بعض في
[ 40 ]
الاموال والحقوق (المعاملات). 4 - الاحكام المتعلقة بسلطان الحاكم على الرعية والحقوق المتقابلة (السياسة الشرعية أو الاحكام السلطانية). 5 - الاحكام المتعلقة بعقاب المجرمين وضبط النظام الداخلي (العقوبات). 6 - الاحكام المتعلقة بتنظيم علاقة الدولة بالدولة الاخرى (الحقوق الدولية). 7 - الاحكام المتعلقة بالاخلاق والحشمة (الاداب) (1). وهو تنظيم جيد، إلا أن هذا التصنيف في الاساس مقتبس من مناهج الفقه. الوضعي، وقد أضاف إليه الاستاذ الشيخ الزرقاء العلاقة بالله وهي (العبادات) وجعل منه منهجا " للفقه الاسلامي. على أن هذا التصنيف لا يبرز العلاقه العضوية بين أبواب الفقه كالذي لاحظناه في تنظيم المحقق للفقه. ومن المناهج الجيدة الحديثة لفقهائنا المحدثين التنظيم الذي يذكره الشهيد المحقق الصدر - رحمه الله - في مقدمة كتابه " الفتاوى الواضحة " يقول - قدس سره -: وأحكام الشريعة على الرغم من ترابطها واتصالها بعضها ببعض يمكن تقسيمها إلى
أربعة أقسام كما يلي: 1 - العبادات: وهي الطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والكفارات. 2 - الاموال: وهي على نوعين: (أ) الاموال العامة، ونريد بها كل مال مخصص لمصلحة عامة، ويدخل ضمنها الزكاة والخمس، فإنهما على الرغم من كونهما عبادتين يعتبر الجانب المالي فيهما أبرز، وكذلك يدخل ضمنها الخراج والانفال وغير ذلك، والحديث في هذا القسم يدور حول أنواع الاموال العامة، وأحكام كل نوع وطريقة إنفاقه. (ب) الاموال الخاصة، ونريد منها ما كان مالا للافراد واستعراض أحكامها في با بين:
(1) راجع الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد للشيخ مصطفى الزرقاء: 1 / 60 و 61
[ 41 ]
الباب الاول: في الاسباب الشرعية للتملك أو كسب الحق الخاص، سواء كان المال عينا - أي مالا خارجيا - أو مالا في الذمة، وهي الاموال التي تشغل
بها ذمة شخص لاخر كما حالات الضمان والغرامة. ويدخل في نطاق هذا الباب أحكام الاحياء والحيازء والصيد والتبعية والميراث والضمانات والغرامات بما في ذلك عقود الضمان والحوالة والقرض والتأمين وغير ذلك. الباب الثاني: في أحكام التصرف في المال، ويدخل في نطاق ذلك البيع والصلح والشركة والوقف والوصية وغير ذلك من المعاملات والتصرفات. 3 - السلوك الخاص: ونريد به كل سلوك شخصي للفرد لا يتعلق مباشرة بالمال ولا يدخل في عبادة الانسان لربه، وأحكام السلوك الخاص نوعان: الاول: ما يرتبط بتنظيم علاقات الرجل مع المرأة، ويدخل فيه النكاح والطلاق والخلع والمباراة والظهار والايلاء وغير ذلك. الثاني: ما يرتبط بتنظيم السلوك الخاص في غير ذلك المجال، ويدخل فيه أحكام الاطعمة والاشربة والملابس والمساكن وآداب المعاشرة وأحكام النذر واليمين والعهد والصيد والذباحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الاحكام والمحرمات والواجبات. 4 - السلوك العام: ونريد به سلوك ولي الامر في مجالات الحكم والقضاء
والحرب ومختلف العلاقات الدولية، ويدخل في ذلك أحكام الولاية العامة والقضاء والشهادات والحدود والجهاد وغير ذلك (1) وهو تنظيم جيد يخلو من تقطتي الضعف اللتين ذكرنا هما لتنظيم الشيخ مصطفى الزرقاء، فليس فيه اقتباس واضح من منهجة الفقه الوضعي، والعلاقة العضوية (الاشتقاقية) بين الابواب أو ما يعبر عنه ب " الحصر العقلي " موجود إلى حدما، إلا أنه مع ذلك لم يخضع لدراسة نقدية توضح نقاط الضعف فيه، ولسنا الان بصدد
(1) الفتاوى الواضحة: ص 46 و 47.
[ 42 ]
ذلك وانما نشير فقط إلى أن موضع (الخمس والزكاة) في الاموال العامة ليس وضعا " دقيقا "، فان قدماء فقهائنا يضعونهما في العبادات لاشتراط النية فيهما، والمحدثون من الفقهاء يضعونهما وسائر الاموال العامة كالانفال والخراج في شؤون الدولة أو ما يطلق عليه بالامور السلطانية أو الولاية العامة. وهذا الباب هو أنسب الابواب الثلاثة للخمس والزكاة. والارث وان كان يدخل بموجب هذا التنظيم في الاموال الخاصة في قسم
الاسباب الشرعية للتملك إلا أنه أكثر انسجاما بالاحوال الشخصية - أي القسم الاول من السلوك الخاص -. ومهما يكن من أمر فإن هذا النهج لو توفر له نقد علمي دقيق وجرى عليه تعديل في ضوء هذا النقد يصلح أن يكون أساسا " جيدا " لتنظيم أبواب الفقه. وقد سمعنا مناهج اخرى: من قبيل تنظيم الفقه على أساس: 1 - علاقة الانسان بالله. 2 - علاقته بعائلته. 3 - علاقته بالمال والاشياء. 4 - علاقته بنفسه. 5 - علاقته بالمجتمع... إلخ ومن قبيل تنظيم الفقه على أساس: ارتباطه بحياة الانسان من الولادة إلى الوفاة. وأعتقد أنهما يواجهان صعوبات علمية لدى التطبيق، ومهما يكن من أمر فقد طغى القلم وخرج عن الصدد في هذا البحث من دون أن نريد ذلك، ومعذرة إلى المحقق الحلي وإلي القارئ، ونعود مرة اخرى إلى البحث عن كتاب " الشرائع ". الجانب البياني والفقهي في كتاب الشرائع: وما دمنا بصدد الحديث عن الشرائع ينبغي أن لا نترك الجانب البياني من هذا الكتاب الشريف. فقد كتب المحقق الحلي هذا الكتاب بنية أن يكون متنا فقهيا،
والعادة تقتضي أن يكون المتن خاليا من الحشو والزوائد في حدود الامكان، وقد كان يتحدى أصحاب المتون القراء أن يعثروا في كتبهم على كلمة واحدة يمكن الاستغناء عنها من دون أن يضر بالمعنى.
[ 43 ]
وكانت هذه الحالة في تجريد المتون العلمية من الاضافات والزوائد تؤدي في الغالب إلى الاخلال بالجانب البياني. و " الشرائع " واحد من أهم المتون الفقهية، لكن المحقق الحلي - رحمه الله - أعطى للجانب البياني اهتماما خاصا في تدوين هذا الكتاب وأول ما يأخذ الانسان في هذا الكتاب جزالة الالفاظ مع الوجازة والاختصار وقوة التعبير ومتانة واستقامة اللغة وسلامتها، وكان القارئ يسرح النظر في متن من المتون الادبية المعروفة، وليس في متن فقهي لا تنقاد له اللغة إلا بمشقة وجهد، فاقرأ ما شئت من هذا الكتاب وأينما وقع نظرك عليه تجد الجانب البياني يملا العين والذوق، ولا احب أن أقتطع من الكتاب شاهدا على ذلك لان الكتاب كله شاهد على ما أقول على أن الكتاب كثير التفريعات ولعل هذا الكتاب بعد كتاب " المبسوط "
للشيخ الطوسي أكثر الكتب الفقهية فروعا على أن " المبسوط " لا يعد متنا فقهيا ولكن " الشرائع " من المتون. وجانب آخر لا ينبغي أن نهمله في دراسة هذا الكتاب هو بصر المؤلف بالفقه، فالمحقق الحلي يملك حسا مرهفا " في فهم النص. وله اطلاع واسع بأقوال الفقهاء، وبين هذا وذاك هو فقيه دقيق ثاقب النظر سليم الذوق سليم الاختيار، وليس كتابه فقط خاليا من حشو الالفاظ وزوائده، وإنما يخلو كتابه أيضا من حشو المعاني وزوائده ومن الاختيارات الضعيفة. ولعل هذه الميزات مجتمعة جعلت هذا الكتاب متنا فقهيا يولع فيه الاصحاب منذ أن ألفه المحقق إلى اليوم كما يقول العلامة الطهراني (1) شروح الفقهاء على " شرائع الاسلام ": أصبح هذا الكتاب - كما قلنا - محورا للافادة والاستفادة والتحقيق والشرح
(1) راجع الذريعة: 13 / 47.
[ 44 ]
والتعليق منذ أن ألفه المحقق إلى اليوم الحاضر. وكان الكتاب خلال هذه الفترة
المتن الفقهي الذي تحوم حوله الدراسات الفقهية، وقد ألف فقهاء الشيعة الامامية خلال هذه الفترة مجموعة كبيرة من الموسوعات الفقهية الضخمة حول هذا الكتاب مثل: جواهر الكلام ومدراك الاحكام ومسالك الافهام ومصباح الفقيه ومعارج الاحكام ومناهج الاحكام وهداية الانام وغيرها. وإنما اختار الفقهاء هذا الكتاب متنا " للدراسات الفقهية لما يتميز به من التركيز والاختصار والاستيعاب وجزالة اللفظ والمنهجة والتنظيم الصحيحين وبصر المؤلف بالفقه وغير ذلك من ميزات هذا الكتاب الكثيرة. وقد ذكر العلامة الطهراني - رحمه الله - في الذريعة مجموعة من الشروح والتعليقات والحواشي (1). وفيما يلي نذكر بعض الموسوعات الفقهية التي كتبها الفقهاء قديما وحديثا في شرح هذا الكتاب: 1 - جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام، للشيخ محمد حسن النجفي، المتوفى سنة 1266 ه. وقد طبع أخيرا " في أكثر من أربعين مجلدا " 2 - دلائل الاحكام في شرح شرائع الاسلام، للسيد إبراهيم بن محمد باقر
الموسوي القزويني المتوفى سنة 1262 ه. 3 - مطالع الانوار، للسيد محمد باقر الاصفهاني الشهير بحجة الاسلام الشفتي، المتوفى سنة 1260 ه. 4 - المباني الجعفرية، للشيخ جعفر ابن الشيخ عبد الحسن آل الشيخ راضي النجفي. 5 - البرهان الساطع للانام في شرح شرائع الاسلام، للشيخ محمد جواد بن حسن بن حيدر بن عبد الله الحارثي الهمداني العاملي النجفي.
6 - جامع الجوامع، للسيد حسن ابن السيد محسن الاعرجي الكاظمي. 7 - معارج الاحكام في شرح مسالك الافهام وشرائع الاسلام، للسيد محمد حسين ابن المير إبراهيم ابن المير معصوم القزويني استاذ السيد مهدي بحر العلوم. 8 - غاية المرام في شرح شرائع الاسلام، للعلامة السيد حسين ابن السيد حسن
مير المتوفى سنة 1162 ه. 9 - نتائج البدائع أو (نتيجة البديعة)، للشيخ محمد حسين بن علي الطالقاني. 10 - هداية الانام، للعلامة الشيخ محمد حسين بن هاشم الكاظمي، المتوفى سنة 1308 ه. 11 - كشف الاسرار، للمولى حسين علي التوي سركاني، المتوفي سنة 1286 ه. 12 - مصباح الفقيه، للفقيه الشيخ آغا رضا الهمداني، المتوفى سنة 1322 ه 13 - مسالك الافهام، للشيخ السعيد الشهيد الثاني زين الدين ابن على العاملي، المستشهد سنة 966 ه. 14 - موارد الانام، للشيخ عباس بن علي كاشف الغطاء، المتوفى سنة 1315 ه. 15 - مناهج الاحكام، للشيخ عبد علي الرشتي الجيلاني. 16 - تقرير المرام، للمولى محمد علي بن المولى حسين التستري 17 - كشف الابهام، للمولى محمد علي بن مقصود علي المازندراني، الغروي، المتوفى سنة 1264 ه , في عشرين جزء.
18 - كنز الاحكام , للشيخ قاسم النجفي , المتوفى سنة 1290 ه , خرج منه تسع مجلدات. 19 - بدائع الاحكام، للميرزا محمد بن سليمان التنكابني، المتوفى سنة 1302 ه 20 - شوارع الاعلام، للسيد محمد الهندي النجفي، المتوفى سنة 1323 ه. * * *
[ 46 ]
ترجماته: ترجم كتاب الشرائع إلى الفارسية ذكره العلامة الطهراني في الذريعة قال: ترجمة شرائع الاسلام إلى الفارسية للشيخ محمد تقي بن المولى عباس النهاوندي، المتوفى 1353، وهو مجلد كبير مبسوط (1) وذكر مؤلفو دائرة المعارف الاسلامية أنه ترجم إلى الروسية والفرنسية، ففي دائرة المعارف: كتاب الشرائع، وهو عمدة كتب الشيعة في الفقه، ترجمه إلى الروسية قاسم بك، والى الفرنسية كورى (2) وقد تكون له ترجمات اخرى من قبيل الانكليزية والتركية (3)
2 - المختصر النافع في مختصر الشرائع (أو النافع في مختصر الشرائع): وهو متن فقهي جليل اختصره المحقق - رحمه الله - من كتاب الشهير " شرائع الاسلام "، ثم شرحه بعد ذلك شرحا " جيدا " في كتابه المعروف " المعتبر " الذي سوف يأتي ذكره بعد قليل إن شاء الله. وقد حظى هذا المتن الفقهي باهتمام الفقهاء، فشرحه الشيخ فخر الدين ابن محمد علي بن أحمد الطريحي النجفي المتوفى بها سنة 1085. وشرحه الامير السيد على ابن السيد محمد على الطباطبائي في كتابه الفقهي القيم الجليل " رياض المسائل في تحقيق الاحكام بالدلائل ". وهو هذا الكتاب. وكتاب المختصر النافع طبع مرات عديدة في الهند وإيران وبيروت، كما طبع في القاهرة سنة 1376 بأمر وزير الاوقاف المصري في وقته الشيخ أحمد حسن الباقوري وأقر تدريسه في جامع الازهر.
(1) الذريعة: 4 / 108 الطبعة الثانية. (2) دائرة المعارف الاسلامية: 8 / 57 و 58 (3) راجع مقدمة السيد محمد تقي الحكيم على الشرائع: ص (ف)، وأعيان الشيعة: 6 / 374.
[ 47 ]
3 - المعتبر: كتب المحقق هذا الكتاب كشرح على " المختصر النافع "، وهو كتاب فقهي استدلالي مقارن، شرح فيه المحقق أبواب العبادات إلى مواقيت الحج من كتاب " المختصر النافع ". وليس هذا الشرح شرحا مزجيا على الطريقة المألوفة من الشروح المزجية التي تمزج فيها المتن بالشرح، ولا هو على الطريقة التعليقية التي يأخذ الشارح قطعة من المتن ويعلق عليها، وإنما يحوم المحقق حول المتن " المختصر " ويستعرض في كل باب مجموعة من المسائل والفروع ذات العلاقة بذلك الباب ويتناول كل مسألة بصورة استدلالية موجزة. وفي كثير من هذه المسائل يذكر آراء المذاهب الفقهية السنية المعروفة ويناقشها أو يوافقها، ما يذكر آراء فقهاء الامامية بنفس الطريقة وهذا الشرح على اختصاره يعد من الشروح الفقهية الجيدة، يقول المحقق - رحمه الله - في مقدمة كتاب " المعتبر ": أحببت أن أكتب دستورا يجمع اصول المسائل وأوائل الدلائل، أذكر فيه
خلاف الاعيان من فقهائنا ومعتمد الفضائل من علمائنا والحق بكل مسألة من الفروع ما يمكن إثباته بالحجة وسياقه إلى المحجة، فقطعت الحوادث عن ذلك القصد، ومنعت الكوارب ورود ذلك الورد، حتى اتفق لنا اختصار كتاب الشرائع بالمختصر النافع، فدق كثير من معانيه لشدة اختصاره واشتبهت مقاصده لبعد اغواره، فحركني ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله وتقرير دلائله، هذا والموانع حاجزة والاسباب عاجزة حتى ورد أمر الصاحب الاعظم... محمد بن محمد الجويني - أعز الله نصرهما - أن أمضي على ذلك شارحا مسائله موضحا مشكله كاشفا وجوهه وعلله فقويت العزيمة بعد فتور وشابت الهمة بعد نفورها... وجعلته مشتملا على اصول المسائل وفروعها محتويا على تقسيمها وتنويعها، وخدمت بها الخزانة المعظمة (خزانة الكتب) البهائية، عمر الله معاهد الاسلام بعمارة معاهدها
[ 48 ]
ومهد قواعده بتمهيد قواعدهها (1) 4 - نكت النهاية: وهو تعليقات على كتاب " النهاية " للشيخ الطوسي، وقد يسمى ب " حل
مشكلات النهاية " وهو كتاب جليل في حال مشكلات وغوامض النهاية وشرحها وتفسيرها والاستدلال لها. وكتاب " النهاية " من مجرد الفقه والفتاوى واحد من أفضل ما كتبه شيخ الطائفة الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله - في الفقه. ويروي العلامة النوري في مستدرك الوسائل (2) قصة طريقة في قيمة هذا الكتاب عند أهل البيت عليهم السلام، وقد طبع كتاب النكت سنة 1276 ضمن الجوامع الفقهية، وهو الكتاب التاسع منها في 98 صفحة، وقد قامت مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم المقدسة أخيرا بطبع هذا الكتاب بتحقيق واخراج جيدين منضما إلى أصل كتاب " النهاية " وهو جهد مشكور في إحياء فقه أهل البيت عليهم السلام. 5 - رسالة في التياسر من قبلة أهل العراق: قال المحقق الشيخ يوسف البحراني في " لؤلؤة البحرين ": نقل غير واحد من أصحابنا أن المحقق الطوسي خواجة نصير الملة والدين حضر ذات يوم حلقة درس المحقق بالحلة حين ورود الخواجة بها، فقطع المحقق الدرس تعظيما " له وإجلالا
لمنزلته، فالتمس منه إتمام الدرس، فجرى البحث في مسألة استحباب تياسر المصلي العراقي، فأورد المحقق الخواجة بأنه لا وجه لهذا الاستحباب لان التياسر إن كان من القبلة إلى غير القبلة فهو حرام، وإن كان من غير ها إليها فهو واجب. فأجاب المحقق
(1) مقدمة كتاب المعتبر ص 3 طبع 1317 * (2) مستدرك الوسائل 3 / 506.
[ 49 ]
في الحال: من القبلة إلى القبلة. فسكت المحقق الطوسي ثم إن المحقق الحلي - رحمه الله - ألف رسالة لطيفة في المسألة وأرسلها إلى المحقق، فاستحسنها. وقد أوردها الشيخ أحمد بن فهد في " المهذب البارع في شرح مختصر النافع " بتمامها ونحن ذكرنا في كتابنا " الحدائق الناضرة " نقلا عن بعض مشايخنا وجها وجيها في استحباب التياسر في المسألة المذكورة (1). وهذه الرسالة رسالة وجيزه ولطيفة في توجيه استحباب التياسر لاهل العراق. ويبدأ المحقق في هذه الرسالة في توجيه اعتراض المحقق نصير الدين الطوسي - رحمه الله - على مسألة التياسر أولا، فيقول في أدب جم: أجرى في أثناء فوائد المولى
أفضل علماء الاسلام وأكمل فضلاء الانام نصير الدنيا والدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، ايد الله بهمته العالية قواعد الدين ووطد أركانه... إشكال على التياسر، وحكايته: الامر بالتياسر لاهل العراق لا يتحقق معناه لان التياسر أمر إضافي لا يتحقق إلا بالاضافة إلى صاحب يسار متوجه إلى الجهة، وحينئذ إما أن تكون الجهة محصلة وإما أن لا تكون، ويلزم من الاول التياسر عما وجب التوجه إليه وهو خلاف مدلول الاية، ومن الثاني عدم إمكان التياسر، إذ تحققه موقوف على تحقق الجهة التي يتياسر عنها. وتوضيح ذلك: أن التياسر أمر إضافي، فلا بد من تعيين الجهة أولا ليتحقق التياسر عنها، والجهة التي يستحب التياسر عنها إما أن تكون محصلة للقبلة، فيكون التياسر عن القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها لقوله تعالى " فول وجهك شطر المسجد الحرام " (2). وإما أن تكون الجهة غير محصلة للقبلة، فالتياسر غير ممكن لان التياسر فرع تحقق الجهة، والمفروض عدم تحصيل الجهة.
(1) لؤلؤة البحرين: ص 330 طبع مؤسسة آل البيت - قم. وقد أورد صاحب الاعيان الرسالة بتمامها في ج 15 / 280. كما وردت هذه الرسالة في مقدمة المعارج: ص 9 طبع مؤسسة آل البيت - قم.
(2) البقرة: 144.
[ 50 ]
وخلاصة جواب المحقق الحلي - رحمه الله - لشبهة المحقق الطوسي: " أن مساحة الحرم بتمامها هي قبلة الافاق دون عين الكعبة، بل يذهب إلى تعذر استقبال عين الكعبة بالنسبة إلى الافاق البعيدة فيقول: حتى أن استقبال الكعبة في الصف المتطاول متعذر، لان عنده جهة كل واحد من المصلين غير جهة الاخر، إذ لو خرج من وجه كل واحد منهم خط مواز للخط الخارج من وجه الاخر لخرج بعض تلك الخطوط عن ملاقاة الكعبة، فحينئذ يسقط اعتبار الكعبة بانفرادها في الاستقبال ويعود الاستقبال مختصا باستقبال ما اتفق من الحرم. وحينئذ يرد السؤال لماذا التياسر وليس التيامن أو استقبال الجهة بالدقة ؟ والجواب: أنه قد ورد في بعض الاخبار أن الحرم من طرف يسار الكعبة يكون ثمانية أميال ومن طرف يمينها أربعة أميال، وعليه فإن في استقبال عين الكعبة أو التيامن عنها احتمال للانحراف لضيق امتداد القبلة من جهة اليمين، أما من جهة الشمال فيضعف هذا الاحتمال لطول امتداد الحرم من جهة الشمال ضعف
الامتداد من جهة اليمين. 6 - مختصر المراسم في الفقه: وكتاب " المراسم في الفقه " لسلار واسمه " الاحكام النبوية والمراسم العلوية " للشيخ المتقدم الفقيه أبي يعلى حمزة الملقب بسلار أو (سالار) بن عبد العزيز الديلمي، وقد طبع ضمن الجوامع الفقهية سنة 1276 (1) وتوجد نسخة من كتاب مختصر المراسم للمحقق الحلي ضمن مخطوطات مكتبة الشيخ محمد السماوي (2)
7 - أجوبة المسائل البغدادية: وهي 72 مسألة فقهية سألها تلميذه الشيخ جمال الدين ابن يوسف بن حاتم الشامي المشغري العاملي، توجد نسخة منها في الخزانة الرضوية بمشهد الرضا عليه السلام
" في علم الاصول " للمحقق كتابان في الاصول على ما هو المشهور: الكتاب الاول: معارج الاصول، وهو أشهر كتابي المحقق في الاصول، وقد طبع هذا الكتاب في طهران عام 1310 ه على الحجر، كما طبع عام 1403 بتحقيق السيد محمد حسين الرضوي، للكتاب نسخ خطية كثيرة في مكتبات النجف وقم وغيرهما، وهو كتاب معروف يتداوله العلماء كثيرا ". والكتاب الثاني: نهج الوصول إلى معرفة الاصول، يقول العلامة الطهراني في الذريعة: إن لهذا الكتاب شرحا " بعنوان " نظام الفصول في شرح نهج الوصول في علم الاصول " للشيخ فتح الله بن علوان الكعبي. ويوجد بهذا العنوان عند السيد شهاب الدين بقم وهو مرتب على عشرة أبواب أوله: أحمد الله على سابغ نعمته وسائغ عطيته... وقد جاء اسم هذا الكتاب في إجازة شمس الدين محمد بن أحمد بن صالح القسيني لطومان بن أحمد العاملي، فذكر أنه قرأه على المصنف وحفظه عنه في أيام قراءته على شيخه نجيب الدين محمد بن نما الذي أجازه في 637، فكان يتردد أواخر
النهار ويقرأه عليه (1). ويستظهر العلامة الطهراني في الذريعة أن يكون هذا الكتاب هو كتاب
(1) الذريعة: 24 / 426 و 427.
[ 52 ]
المعارج نفسه، ومما يؤكد هذا الاستظهار هو التوافق بين عدد أبواب المعارج وبدايته وأبواب هذا الكتاب وبدايته. ومهما يكن من أمر فإن في كتاب المعارج كفاية للوقوف على التراث الاصولي للمحقق الحلي - رحمه الله - وقيمة هذا التراث ودوره في تنمية علم الاصول وتطويره وتكامله. ورغم أن عمر الفكر الاصولي للشيعة الامامية لم يكن في ذلك الحين عمرا " طويلا فإن قراءة سريعة لكتاب المعارج تكشف عن تطور ملحوظ للثقافة الاصولية عند الشيعة الامامية، كما تكشف عن نضج الفكر الاصولي لدى المحقق الحلي ولابد أن ننظر نظرة سريعة في الاشواط التي قطعها علم اصول الفقه عند الشيعة الامامية قبل المحقق الحلي لنستطيع أن نقيم بصورة صحيحة الجهد العلمي الذي
بذله المحقق في هذا الاثر القيم (المعارج) فقد كان علم اصول الفقه في الوقت الذي صنف فيه المحقق الحلي كتاب المعارج يقطع أشواطه الاولى من الناحية التاريخية، ومع ذلك فنحن نجد في هذا الكتاب وفيما بلغه الجهد الفكري في الاصول عند الامامية مرحلة متقدمه ومتطورة نسبيا " في ذلك الوقت. فالمعروف تاريخيا " أن الفكر الاصولي عند الشيعة الامامية ظهر بعد الغيبه الكبرى عام 329 ه، وذلك لقرب الفقهاء من مصادر تعليمات أهل البيت عليهم السلام وإمكانية الاتصال المباشر بأئمة أهل البيت عليهم السلام أو بوكلائهم القريبين منهم واستعلام فتاواهم بصورة دقيقة، ولذلك فقلما كانت تحصل الحاجة إلى القواعد الاصولية لا ستنباط الحكم الشرعي. وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام قد بينوا للفقهاء بعض القواعد والاصول العامة للاستنباط التي تمكن الفقيه من فهم الحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعية والعقلية عند فقدان النص، وذلك كأدلة البراءة الشرعية وأدلة الاستصحاب والروايات العلاجية الواردة في علاج النصوص المتعارضة وما أشبه ذلك، ولم تكن
[ 53 ]
هناك حاجة حقيقية إلى شئ أكثر من ذلك في ذلك الوقت. ذلك كله لم يكن يعتبر منهجا " متكاملا لعلم الاصول أما علم الاصول عند السنة فقد بدأه في وقت مبكر محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 من الهجرة. يقول الفخر الرازي من مناقب الشافعي: كانوا قبل الامام الشافعي يتكلمون في مسائل اصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم اصول الفقه، ووضع للخلق قانونا " كليا " يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع كنسبة ارسطاطا ليس إلى علم العقل (1) أما الشيعة الامامية فقد بدأوا بتدوين علم اصول الفقه بصورة منهجية ومنظمة بعد عصر الغيبة عام 329 لانتفاء الحاجة إلى هذا العلم قبل هذا الوقت بأكثر من القواعد والنصوص الواردة في روايات أهل البيت عليهم السلام، وفي أغلب الظن أن أول من كتب في هذا العلم من فقهاء الامامية هما القديمان الشيخ جليل حسن
ابن علي بن أبي عقيل من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه، والشيخ محمد بن أحمد ابن الجنيد أبو علي الكاتب الاسكافي المتوفى بري سنة 381 استاذ الشيخ المفيد (2) ثم كتب من بعد هما تلميذ هما الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 رسالة موجزة في الاصول ذكره الشيخ الطهراني في الذريعة (3) نقلا عن النجاشي وقال: إن الكراجكي أدرجها باختصار في كتابه كنز الفوائد وهو مشتمل على تمام مباحث الاصول. ثم جاء دور تلميذ المفيد وهو علم الهدى السيد المرتضى المتوفى سنة 436 ه فألف " الذريعة إلى أصول الشيعة " وهو أول كتاب منهجي في الاصول للشيعة.
(1) مقدمة كتاب الرسالة للشافعي: ص 4 الطبعة الاولى. (2) الكنى والالقاب: 2 / 22 و 23. (3) الذريعة: 2 / 209 الطبعة الثانية - طهران.
[ 54 ]
الامامية، ولم يصلنا قبل هذا الكتاب دراسة منهجية ومنظمة في علم اصول الفقه للشيعة الامامية، وعليه فإن بإمكاننا أن نعتبر كتاب الذريعة هذا أول عمل علمي في
اصول الفقه للشيعة الامامية. ورغم أن هذا الكتاب يعتبر بداية لخط التصنيف العلمي في الاصول فإنه بداية جيدة وقوية ومنهجية. والكتاب ينقل كثيرا " آراء فقهاء السنة في الاصول كأبي بكر الفارسي وأبي قاسم البلخي وأبي حنيفة والشافعي وأبي هاشم الجبائي وأبو الحسن البصري والنظام وأبي علي الجبائي وغيرهم، ويناقشهم وينقد آراءهم ويقبل منها الصحيح ويرد منها ما لا يصح عنده، كل ذلك ضمن مدرسة اصولية ذات أصالة واستقلال. وليس على الكتاب من أثر التقليد والتبعية شئ وهو أمر ملفت للنظر في أول جهد فكري منهجي للامامية في الاصول. ومن التجديد الذي يلفت النظر في هذا الكتاب فصل مسائل اصول الفقه عن مسائل اصول الدين (الكلام). وقد كان المؤلفون السابقون على السيد المرتضى يخلطون بين مسائل اصول الدين واصول الفقه كثيرا " كالقاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المعروف " المغني ". ويتحدث المرتضى في مقدمة الذريعة (1) عن الجهد الذي بذله في فصل مسائل اصول الدين (الكلام) عن اصول الفقه. ثم يأتي بعده دور الشيخ الطوسي تلميذ المفيد والمرتضى - رحمهم الله - في تطوير
علم الاصول، وقد كان للشيخ أبي جعفر الطوسي - رحمه الله - المتوفى سنة 460 ه دور رائد في بلورة مفاهيم الاصول وتنضيج الفكر الاصولي في كتابه القيم " عدة الاصول " وقد قال في شأن هذا الكتاب السيد بحر العلوم: هو أحسن كتاب صنف في الاصول وقد صنف الشيخ الطوسي كتاب العدة في حياة استاذه المرتضى، ويبدو من كلامه أن تأليفه للعدة كان قبل تأليف المرتضى للذريعة، فهو يقول في مقدمة
(1) المصدر: ص 2 و 3 من طبع طهران تحقيق الدكتور أبو القاسم.
[ 55 ]
العدة: وإن سيدنا الاجل المرتضى - أدام الله علوه - وإن أكثر في أماليه وما يقرأ عليه شرح ذلك فلم يصنف في هذا المعنى شيئا " يرجع إليه ويجعل ظهرا " يستند إليه. ومن المستبعد أن يكون الشيخ غير مطلع على وجود كتاب لاستاذه المرتضى - رحمه الله - في هذا العلم ومهما يكن من أمر فإن كتاب " العدة " يحدد بشكل دقيق مهمة علم الاصول وغايته ويفرق بين المسألة الاصولية والمسألة الفقهية بالتعميم والتخصيص، حيث
تتميز المسألة الاصولية بإمكانية الاستفادة منها في كل أبواب الفقه، بينما الدليل الفقهي لكل مسألة تخص نفس المسألة والموارد المشابهة لها. تقييم كتاب " معارج الاصول ": وبعد العدة يأتي دور كتاب " معارج الاصول " للمحقق الحلي وقد كتب فقهاء الامامية خلال هذه الفترة ما بين " عدة الاصول " و " معارج الاصول " كتبا " عديدة في الاصول، إلا أن المعارج يبقى هو الكتاب الثالث للامامية في اصول الفقه بعد الذريعة والعدة. وفي هذا الكتاب نلتقي تحديدا " علميا " لاصول الفقه، وهذا التحديد وإن كان لا يخلو عن بعض المؤاخذات العلمية إلا أنه على قدر كبير من الدقة. يقول المحقق في تحديد اصول الفقه: هي طرق الفقه على الاجمال (1) ويقصد بطرق الفقه الامور التي يستخدمها الفقيه للوصول إلى الاحكام الشرعية في الفقه، وتدخل في ذلك الوظيفة الشرعية، وهذه الامور على طائفتين تفصيلية واجمالية. أما التفصيلية: فهي التي تخص مسألة معينة في الفقه والموارد المشابهة لها، أو تخص طائفة محدودة من المسائل الفقهية نحو أكثر القواعد الفقهية، فإنها تختص
بأبواب معينة من الفقه دون غيرها.
(1) المعارج: ص 47 طبع مؤسسة آل البيت.
[ 56 ]
وأما الاجمالية فهي التي تعم كل أبواب الفقه من قبيل البحث عن مدلول الامر والنهي، فهو بحث يمكن أن يدخل مادة أساسية للاستدلال في عامة أبواب الفقه. والطائفة الاولى من البحوث يمكن أن يتم بحثها ضمن البحث في الباب أو المسألة التي تختص به. أما الطائفة الثانية فلا يمكن بحثها ضمن كل مسألة مسألة يرد فيها ذكر لها لانها تتكرر في عموم أبواب الفقه وفي أكثر المسائل، ولذلك فقد اقتضى الامر فصل هذه الطائفة من المسائل وبحثها بصورة مستقلة في علم مستقل باسم " علم الاصول ". وهذا هو ما يقصده المحقق من (طرق الفقه على نحو الاجمال). ورغم بعض الملاحظات الفنية الواردة على هذا التحديد فهو تحديد دقيق. والمعارج كتاب اصولي مقارن إلى حد ما، فهو ليس فقط مجموعة اختيارات
المحقق الحلي في علم الاصول وإنما يذكر فيه أيضا آراء فقهاء أهل السنة في المسائل الاصولية كأبي حنيفة والشافعي والجبائيين وأبي بكر الدقاق وأبي الحسن البصري وغيرهم، وفي أغلب الاحوال يخضع أقوال هؤلاء العلماء لمناقشات ومؤاخذات علمية دقيقة فيها الكثير من النضج والدقة والعمق، وتقوم هذه المناقشات على مبادئ علمية صلبة أصبحت فيما بعد اسسا " لعلم الاصول نحو قاعدة (الاستناد إلى الحجة) التي يعتمدها المحقق في مناقشة القياس (1). ويقول: إن الدليل الذي يعتمده الفقيه لابد أن يكون يقينيا " أو ينتهي إلى اليقين، وبالتالي لابد في الاجتهاد من الاستناد إلى الحجة، ومن دون أن يستند الفقيه إلى الحجة اليقينية لا يكون اجتهادا صحيحا " مبرئا للذمة، وهذا أصل أصيل في المدرسة الاصولية للشيعة الامامية في كل مراحلها التاريخية. وعلى هذا الاصل يقوم كل الجهد الفقهي والاصولي في هذه المدرسة، ومن دون أن يقوم الاجتهاد على هذا
(1) راجع ص 88 من كتاب المعارج طبع مؤسسة آل البيت.
[ 57 ]
الاساس العلمي الصلب (الحجة) لا يكتسب الاجتهاد قيمة علمية، والشك في
حجية الحجة يساوق انتفاء الحجة رأسا. وعلى هذا الاساس يكون كل ما يؤدي إليه اجتهاد المجتهد من أحكام شرعية أو وظائف شرعية أو عقلية حكما أو وظيفة يقينية لابد أن ينتهي ويؤول أمره إلى أساس يقيني وهو ما يسمى ب (الحجة) في المصطلح الاصولي. كتاب المعارج يتميز بمنهجية جيدة سواء في مجمل أبحاث الكتاب أو في كل بحث، ففي بحث الاوامر مثلا يبحث أولا عما يتعلق بصيغة الامر (1) ثم يتحدث بعد ذلك عن المأمورية (2) وهو تقسيم جيد يوزع البحث في الاوامر إلى شطرين مختلفين. والمحقق يصب بحوث الاصول في هذا الكتاب ضمن عشرة أبواب يبدأ فيها بالبحوث اللغوية من قبيل الحقيقة والمجاز، ثم يدخل بعد هذا التمهيد في مباحث الاوامر والنواهي، ثم يبحث عن العام والخاص والمجمل والمبين، ويكاد يكون هذا المنهج هو المنهج الشائع اليوم في كتب الاصول في قسم مباحث الالفاظ أما في القسم الثاني من الكتاب فيبحث عن: الحجة، السيرة، الاجماع، الخبر الواحد، ثم يبحث عن تعارض الحجة ونسخ الحجة (الدليل) ثم يختم الكتاب يبحث عن الاجتهاد والتقليد.
وهذا التصنيف كما يلاحظ القارئ تصنيف جيد للبحث الاصولي بمقاييس تلك المرحلة. ونقطة الفراغ والخلاء في هذا المنهج هو مباحث الاصول العملية التي تشغل اليوم مساحة واسعة من البحث الاصولي، بينما لا نجد في المعارج شيئا " بارزا " في هذا المجال، وهو أمر طبيعي في تلك المرحلة من عمر المدرسة الاصولية عند الشيعة الامامية. ومهما يكن من أمر فإن كتاب المعارج للمحقق الحلي من خير ما كتبه قدماء
(1) المعارج: ص 61. * (2) المعارج: ص 72.
[ 58 ]
فقهاء الشيعة في اصول الفقه، ومن أبرز الاعمال العلمية في تلك المرحلة من عمر هذا العلم عند فقهاء المسلمين جميعا ". " شعره وأدبه " المحقق الحلي شاعر مرهف الحس، ذواق للادب والشعر، وكاتب أديب ينتقي الكلمة انتقاء بصير خبير بمفردات اللغة واستخدامها، ويصوغ الجملة كما يصوغ
الفنان قطعة فنية وهذا الحس الجمالى و الذوق الادبي المرهف والقدرة على استخدام المفردات وصياغة الجمل يظهرمن كتابات المحقق الفقهية والاصولية بشكل واضح. وفي ضوء ذلك نقدر أن المحقق كان أديبا من المستوى الرفيع ذا مقدرة أدبية عالية. يقول الحر العاملي في " أمل الامل ": وله شعر جيد وإنشاء حسن بليغ (1). ومن شعره: يا راقدا والمنايا غير راقدة * وغافلا وسهام الليل ترميه بم اغترارك والايام مرصدة * والدهر قد ملا الاسماع داعيه أما رأتك الليالي قبح دخلتها * وغدرها بالذي كانت تصافيه رفقا بنفسك يا مغرور أن لها * يوما تشيب النواصي من دواهيه وكتب الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد إلى المحقق الحلي أبياتا " من جملتها: أغيب عنك وأشواقي تجاذبني * إلى لقائك جذب المغرم العاني إلى لقاء حبيب مثل بدر دجى * وقد رماه بإعراض وهجران
ومنها قوله: قلبي وشخصك مقرونان في قرن * عند انتباهي وبعد النوم يغشاني
(1) أمل الامل (القسم الثاني): ص 49 مكتبة الاندلس.
[ 59 ]
يا جعفر بن سعيد يا إمام الهدى * يا أوحد الدهر يا من ماله ثان إني يحبك مغرى دون مكترث * بمن يلوم وفي حبيك يلحاني فأنت سيد أهل الفضل كلهم * لم يختلف أبدا " في فضلك اثنان في قلبك العلم مخزون بأجمعه * تهدي به من ضلال كل حيران وفوك فيه لسان حشوه حكم * يروي به من زلال كل ضمان وفخرك الشامخ الراسي وزنت به * رضوى فزاد على رضوى وثهلان إلى آخر ما كتبه فأجابه المحقق بهذه الابيات: لقد وافت قصائدك العوالي * تهز معاطف اللفظ الرشيق فضضت ختامهن فخلت أني * فضضت بهن عن مسك فتيق وجال الطرف منها في رياض * كسين بناظر الزهر الانيق
فكم أبصرت من لفظ بديع * يدل به على المعنى الدقيق وكم شاهدت من علم خفي * يقرب مطلب الفضل السحيق شربت بها كؤوسا من معاني * غنيت بشر بهن عن الرحيق ولكني حملت بها حقوقا * أخاف لثقلهن من العقوق فسريا بالفصائل بي رويدا " * فلست أطيق كفران الحقوق وحمل ما أطيق به نهوضا * فإن الرفق أنسب بالصديق (1) وللمحقق مع الشعر قصة يرويها هو في رسالته التي ينقلها الشهيد الثاني في مجموعته والتي سوف ننقلها بعد قليل، وخلاصة هذه القصة أن المحقق كان يتعاطى الشعر في بداية شبابه بين الحين والاخر، فعرض نموذجا من شعره على والده - رحمه الله - فمنعه عن تعاطي الشعر وأراد منه أن يفرغ نفسه للفقه فحبس المحقق منذ ذلك الحين نفسه عن تعاطي الشعر والقوافي إلا ما كان يظهر على لسانه بين الحين والاخر من عفو الخاطر، وفي ذلك يقول المحقق رحمه الله:
(1) روضات الجنات: 2 / 184 و 185.
[ 60 ]
هجرت صوغ قوافي الشعر من زمن * هيهات يرضى وقد أغضبته زمنا وعدت اوقظ أفكاري وقد هجعت * عنفا " وأزعجت عزمي بعد ما سكنا إن الخواطر كالابار ان نزحت * طابت وان يبق فيها ماؤها أجنا فافصح شكرت أياديك التي سلفت * ما كنت أظهر عيبي بعد ما كمنا (1) وأما الرسالة التي تحدثنا عنها فهي رسالة يكتبها المحقق إلى أحد مشايخه وينقلها الشهيد في مجموعته، وهي بخط الشيخ محمد بن علي العاملي الجباعي جد الشيخ البهائي ينقلها العلامة السيد محسن الامين - رحمه الله - في أعيان الشيعة (2) ونحن ننقل هذه الرسالة بالنص من الاعيان فهي نموذج من نمازج النثر الغني عند المحقق , وفي نفس الوقت يعكس لنا قصة المحقق - رحمه الله - مع الشعر، وإليك الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، لما وقفت على ما أمر به الصاحب الصدر الكبير العالم الكامل العارف المحقق بهاء الدنيا والدين غياث الاسلام والمسلمين - أدام الله أيامه في عز مؤيد وفخر ممهد ومجد مجدد، ونعمة قارة العيون باسقة الغصون، دارة الحلب حميدة المنقلب، محروسة الجوانب مرصونة من الشوائب - وتأملت ما برز عنه من الالفاظ التي هي أعذب من الماء الزلال وأطيب من الغنى بعد الاقلال، فهي التي
يعجز الطامع ببديعها ويعجب السامع حسن جمعها وترصيعها، فكأن الشاعر عناه بقوله: ولا ذنب للافكار أنت تركتها * إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها تنوء بايراد المعاني وألفت * خواطرك الالفاظ بعد شرادها فان نحن حاولنا اختراع بديعة * حصلنا على مسروقها أو معادها وليس بمستغرب تفرده ببديع النثر والنظم مع ما وهبه الله سبحانه من جودة القريحة وقوة الفهم، نسأل الله أن يديم لفضلاء الاداب ورؤساء الكتاب ما كنفهم
من ظله وشملهم من فضله، وأباحهم من مراتعه وسوغهم من شرايعه، ليستمر نفاق سوقهم ويشمروا للاجتهاد فيه عن سوقهم، دلت ألفاظه الكريمة على استدعاء ما يكون تذكرة لاهل الوداد وعهدا " يجدد به ما اختلقته يد العباد، فعند ذلك أحببت أن أدخل فيمن سارع إلى امتثال أوامره لاكون في جملة من شرفه بذكره وتخطره
بخواطره، فأقول: إن الشعر من أفضل مشاعر الادب وأجمل مفاخر العرب، به تستماح المكارم وتستعطف الطباع الغواشم، وتشحذ الاذهان وتستل الاضغان، ويستصلح الرأي الفاسد وتستشأر الهمم الجوامد، لكنه عسر المطلب خطر المركب، لافتقاره إلى امور غريزية واخرى كسبية، وهي شديدة الامتناع بعيدة الاجتماع، فالمعتذر عن التعرض له معذور والمتعرف بالقصور عنه مشكور، وقد كنت زمن الحداثة أتعرض لشئ منه ليس بالمرضي فكتبت أبياتا " إلى والدي - رحمه الله - أثني فيها على نفسي بجهل الصبوة، وهي: ليهنك أني كل يوم إلى العلى * اقدم رجلا لا تزل بها النعل وغير بعيد أن تراني مقدما " * على الناس طراليس في الناس لي مثل تطاوعني بكر المعاني وعونها * وتنقاد لي حتى كأني لها بعل ويشهد لي بالفضل كل مبرز * ولا فاضل إلا ولي فوقه فضل فكتب - رحمه الله - فوق هذه الابيات ما صورته: لئن احسنت في شعرك لقد أسأت في حق نفسك، أما علمت أن الشعر
صناعة من خلع العفة وليس الحرفة، والشاعر ملعون وإن أصاب، ومنقوص وإن أتى بالشئ العجاب، وكأني بك قد أوهمك الشيطان فضيلة الشعر، فجعلت تنفق ما تلفق بين جماعة لم يعرفوا لك فضيلة غيره فسموك به، وكان ذلك وصمة عليك أخر الدهر، ألم تسمع: ولست أرضى أن يقال شاعر * تبا لها من عدد الفضائل فوقف خاطري عند ذلك حتى كأني لم أقرع له بابا ولم أرفع له حجابا "، واكد
[ 62 ]
ذلك عندي ما رويته باسناد متصل أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل المسجد وبه رجل قد أطاف به جماعة فقال: ما هذا ؟ قالوا: علامة، فقال: ما العلامة ؟ قالوا: عالم بوقائع العرب وأنسابها وأشعارها، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه. ومن البين أن الاجادة فيه تفتقر إلى تمرين الطبع وصرف الهمة إلى الفكر في تناسب معناه ورشاقة ألفاظه وجودة سبكه وحسن حشوه تمرينا " متكررا " حتى يصير خلقا "، وكما أن ذلك سبب الاستكمال فيه فالاهمال سبب القصور عنه، والى هذا
المعنى أشرت من جملة أبيات: هجرت صوغ قوافي الشعر مذ زمن * هيهات يرضى وقد أغضبته زمنا وعدت اوقظ أفكاري وقد هجعت * عنفا " وازعج غربي بعد ما سكنا إن الخواطر كالابار إن نزحت * طابت وإن يبق فيها ماؤها أجنا فاصفح شكرت أياديك التي سلفت * ما كنت أظهر عيبي بعد ما كمنا ولمكان إضرابي عن نظمه واعراضي حتى ذكر اسمه لم يبق إلا ما هو حقيق أن يرفض ولا يعرض ويضمر ولا يظهر، لكني مع ذلك اورد ما ادخل به في حيز الامتثال وإن كان ستره أنسب بالحال فمنه: وما الاسراف من خلقي واني * لاجزأ بالقليل عن الكثير ولا اعطي المطامع لي قيادا " * ولو خودعت بالمال الخطير واغمض عن عيوب الناس حتى * اخال بأن يناجيني ضميري وأحتمل الاذى في كل حال * على مضض وأعفو عن كثير ومن كان الاله له حسيبا " * أراه النجح في كل الامور ومنه:
يا راقدا " والمنايا غير راقدة * وغافلا وسهام الدهر ترميه بم اغترارك والايام مرصدة * والدهر قد ملا الاسماع داعيه أما أرتك الليالي دخلتها * وغدرها بالذي كانت تصافيه
[ 63 ]
رفقا " بنفسك يا مغرور أن لها * يوما " تشيب النواصي من دواهيه وحسب تحصيل الغرض بهذا القدر فنحن نقتصر عليه ونستغفر الله سبحانه وتعالى من فرطات الزلل وورطات الخلل، ونستكفيه زوال النعم وحلول النقم، ونستعتبه محل العثار وسوء المرجع في القرار، ومن أفضل ما يفتتح به النظام ويختتم به، الكلام ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله: من سلك طريقا " إلى العلم سلك الله به طريقا " إلى الجنة. وقال صلى الله عليه وآله: لا خير في الحياة إلا العالم مطاع أو مستمع واع. وقال صلى الله عليه وآله: تلاقوا وتذاكروا وتحدثوا فإن الحديث جلاء القلوب، إن القلوب ترين كما ترين السيف. وقال صلى الله عليه وآله: لا يزيد في العمر مثل الصدقة، ولا يرد البلاء مثل الدعاء، ولا ينور العبد مثل الخلق الحسن، ولا يذهب الذنوب إلا الاستغفار، والصدقة ستر من النار وجواز على الصراط وأمان
من العذاب. وقال صلى الله عليه وآله: صلوا الارحام يغفر لكم، وتعاهدوا المساكين يبارك لكم في أموالكم ويزاد في حسناتكم، وقال صلى الله عليه وآله: اطلبوا الحوائج عند ذوي الرحمة من عبادي فإن رحمتي لهم، ولا تطلبوها عند القاسية قلوبهم فإن غضبي فيهم. وقال صلى الله عليه وآله: صنايع المعروف تقي مصارع السوء. وقال صلى الله عليه وآله: من اقتصر من الدنيا على ما أحل له سلم، ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا، ومن أراد به الدنيا فهو حظه (1). " سائر مؤلفات المترجم له " ذكرنا جملة من مؤلفات المحقق الحلي - رحمه الله - في الفقه والاصول وهما أهم ما نبغ فيه من حقول العلم والمعرفة، الا أنه خلف من بعده مجموعة من الكتب، وصل بعضه إلينا وضاع جملة اخرى منه فيما ضاع من تراثنا نتيجة الاهمال، وفيما بقي
(1) أعيان الشيعة: 15 / 286 - 289.
[ 64 ]
لدينا من مؤلفات المحقق ما يكفي للدلالة على نبوغ هذا الفقيه وقدرته العلمية وسلامة ذوقه وتفقهه في كتاب الله ودينه.
في اصول الدين وعلم الكلام: 1 - المسلك في اصول الدين: هذا الكتاب مرتب على ثلاثة مطالب، يقول صاحب الذريعة نسخة منه عند شهاب الدين التبريزي قم (1). 2 - رسالة في الكلام، يقول صاحب الذريعة: توجد منه نسخة في مكتبة راجة فيض آباد كما في فهرس المكتبة (2) في علم المنطق: كنز المنطق، ذكره صاحب الذريعة تحت رقم 1228 من المجلد 18 (3) عن كشف الحجب ورجال ابن داود مع اختلاف في الاسم والاتفاق على وجود السمي في الاجوبة على المسائل: 1 - جوابات المسائل المصرية، يقول صاحب الذريعة: رأيت منه نسخة ناقصة من أولها وهي بخط الشيخ علي بن محمد المعاني، فرغ من الكتابة 671 ه قبل موت المؤلف بخمس سنين، والظاهر أن الكاتب كان من تلاميذه، ونسخة تامة في كتب الشيخ عبد الحسين الطهراني بكربلاء، ونسخة في الخزانة الرضوية منظمة إلى المسائل البغدادية بخط الشيخ أحمد بن يحيى بن داود (4). 2 - المسائل العزية، وهي عشرة مسائل كتبها المحقق الحلي لعز الدين عبد العزيز، توجد منه نسخة عند السيد جعفر بن باقر بحر العلوم صاحب
" البرهان "، ونسخة في كتب الطهراني بكربلاء، ونسخة منه بخط الشيخ سليمان ابن علي البحراني (5). في الفهارس: 1 - فهرست المصنفين، ذكره صاحب الذريعة وقال: ينسب إلى المحقق الحلي، ولم يزد على ذلك (6).
(1) الذريعة: 21 / 31 رقم 3753. (2) الذريعة: 18 / 106 رقم 899. (3) الذريعة: 18 / 168. (4) الذريعة: 5 / 234 تحت رقم 1123 (5) الذريعة: 15 / 262 تحت رقم 1702 (6) الذريعة: 16 / 395 تحت رقم 1851.
[ 65 ]
شيوخه وتلاميذه شيوخ المحقق: حضر المحقق الحلي - رحمه الله - على جمع من شيوخ العلم في الحلة وروى عنهم،
وكان لهؤلاء المشايخ أثر كبير في شخصية المحقق ونشأته العلمية، ويذكرهم المحقق في كتبه بإجلال وإكبار. وقد ذكرنا نحن - من قبل - والد المحقق الشيخ حسن بن يحيى - رحمه الله - عند الحديث عن نشأته العلمية، وتعرفنا على شخصيته العلمية وموقعه العلمي والاجتماعي، والان نتعرض لذكر بقية شيوخ وأساتذة المحقق: 1 - محمد بن عبد الله بن زهرة الحسيني بن زهرة وهو السيد محي الدين أبو حامد محمد بن عبد الله بن علي بن زهرة الحلي الاسحاقي، قال عنه الحر العاملي في تذكرة المتبحرين: فاضل، عالم جليل، يروي عنه المحقق، ويروي هو عن أبيه وعن ابن شهر اشوب (1). ومحمد بن عبد الله بن زهرة هو صاحب كتاب " الاربعين " في حقوق الاخوان، ومنه نقل الشهيد الثاني في رسالة " كشف الريبة " رسالة الصادق عليه السلام إلى النجاشي والي الاهواز، وكانت امه بنت الشيوخ الفقيه محمد بن إدريس (2) ويقول عنه الحر العاملي في أمل الامل: فاضل عالم جليل، يروي عنه المحقق (3).
ومحمد بن عبد الله بن زهرة هذا هو ابن أخ أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي، العالم الجليل الفقيه المعروف صاحب كتاب " غنية النزوع إلى علمي الاصول والفروع " و " قبس الانوار في نصرة العترة الاطهار " وغيره من المؤلفات القيمة الجليلة. ومحمد بن عبد الله بن زهرة هذا يروي عن جماعة من شيوخ العلم والحديث (منهم) عمه، أبو المكارم حمزة بن علي. يقول العلامة القمي في الكنى والالقاب في ذكر من يروي عن أبي المكارم حمزة ابن زهرة: ويروي عنه ابن أخيه السيد النحرير العالم المنظم محي الملة والدين أبو حامد نجم الاسلام محمد بن أبي القاسم عبد الله بن علي بن زهرة صاحب كتاب " الاربعين " في حقوق الاخوان، الذي نقل منه الشهيد الثاني في " كشف الريبة " رسالة مولانا الصادق عليه السلام إلى النجاشي والى الاهواز (1). (منهم) رشيد الدين
ابن شهر اشوب المازندراني. (ومنهم) والده أبو القاسم عبد الله بن علي، وقد ذكره العلامة النوري في المستدرك بالصورة التالية: " والده أبو القاسم علي صاحب المؤلفات الكثيرة " (2) وأعتقد أنه من سهو القلم، والصحيح ما ذكرناه يقول الحر العاملي في أمل الامل: السيد عبد الله بن زهرة الحسيني الحلبي... يروي عنه ولده السيد محي الدين محمد وجماعة (3) (ومنهم) الفقيه ابن إدريس صاحب السرائر، قال صاحب المعالم في إجازته الكبيرة: حكى الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد في الاجازة عن السيد محي الدين بن زهرة (المترجم له) أنه قال: أخبرني بكتاب الرسالة المقنعة للشيخ المفيد إجازة الفقيه أبو عبد الله محمد بن إدريس الحلي العجلي، وهو جدي لامي (4).
(ومنهم) شاذان بن جبرئيل القمي (1). وآل زهرة الذين ينتسب إليهم المترجم اسرة معروفة من شيعة حلب، فيها عدد جم من الفقهاء والمحدثين منهم أبو المكارم حمزة بن زهرة الحسيني الحلبي وأبو وجده وأخوه وابن أخيه (المترجم له) وقد حفظت لنا هذه الاسرة الشريفة الكثير من تراث أهل البيت عليهم السلام. 2 - ابن نما الحلي: نجيب الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الحلي، من أبرز مشايخ المحقق الحلي وأجلهم. قال المحقق الكركي في وصف المحقق الحلي: وأعلم مشايخه بفقه أهل البيت الشيخ الفقيه السعيد الاوحد محمد بن نما الحلي (2) ويقول الحر العاملي في أمل الامل في ترجمته: عالم محقق فقيه جليل من مشايخ المحقق (3). وقد كان " ابن نما " محمد بن جعفر بن أبي البقاء مرجعا وزعيما للطائفة في الحلة في وقته، وقد أسكن جماعة من الفقهاء في الحلة وتولى امورهم (4) وآل نما الربعي اسرة شيعية عريقة من اسر الحلة، عرفت بالزعامة الدينية والعلم
والفقاهة ورواية الحديث، وقد تخرج عليهم جمع من العلماء والمحققين وخلفوا من بعدهم علما " كثيرا "... و " نما " جدهم كان في عصر الشيخ أبي علي ابن الشيخ الطوسي وهو ابن علي بن حمدون الربعي الاسدي (5). والمترجم له محمد بن جعفر هو أبرز أفراد هذه الاسرة، وإذا اطلق " ابن نما " اريد منه محمد بن جعفر بن أبي البقاء.
(1) رياض العلماء: 5 / 114 (2) الكنى والالقاب للشيخ عباس القمي: 1 / 434 طبع النجف (3) أمل الامل (القسم الثاني): ص 253 رقم 746. (4) راجع تعليقة السيد محمد صادق بحر العلوم على اللؤلؤ ة: ص 272 (5) المصدر السابق.
[ 68 ]
وكان " ابن نما " فقيها جليلا وشيخ فقهاء عصره في الحلة. يقول العلامة النوري في مستدرك الوسائل عنه: شيخ الفقهاء في عصره أبو إبراهيم محمد بن جعفر بن أبي البقاء (1).
ويقول العلامة القمي - تلميذ الشيخ النوري - عنه في " الكنى ": أبو إبراهيم محمد بن جعفر بن نما شيخ الفقهاء في عصره، أحد مشايخ المحقق الحلي (2) يقول عنه الشهيد الاول في اجازته: الشيخ الامام العلامة قدوة المذهب نجيب الدين أبي إبراهيم محمد بن جعفر بن محمد بن نما الحلي (3) ويقول عنه الشهيد الثاني: الشيخ العلامة قدوة المذهب نجيب الدين... (4) وقد تلقى الشيخ ابن نما الرواية والعلم من مجموعة من المشايخ (منهم) برهان الدين محمد بن محمد القزويني ومنهم والده جعفر بن نما (ومنهم) الفقيه ابن إدريس الحلي (ومنهم) الشيخ الجليل السعيد المتبحر أبو عبد الله محمد بن جعفر المشهدي الحائري المعروف بمحمد ابن المشهدي، وابن المشهدي مؤلف " المزار " المشهور (5) توفي بعد رجوعه من زيارة الغدير في ذي الحجة 645 ه وهو يناهز الثمانين من عمره، وحمل من يومه إلى مشهد الحسين عليه السلام، وكان يوما " عظيما "، ورثاه مؤيد الدين ابن العلقمي (6). 3 - شمس الدين فخار بن سعد الموسوي: بعد السيد شمس الدين فخار بن معد الموسوي من البارزين من علماء الامامية وفقهائهم، وله معرفة واسعة بالانساب
والرجال والادب، وقد أثنى عليه علماؤنا.
(1) مستدرك الوسائل: 3 / 477 الطبعة الحجرية. (2) الكنى والالقاب: 1 / 434. (3) اللؤلؤة: 273. (4) نفس المصدر السابق. (5) مستدرك الوسائل: 3 / 477. (6) تعليقات السيد محمد صادق بحر العلوم على اللؤلؤة: ص 272 و 273.
[ 69 ]
يقول عنه الحر في " الامل ": كان عالما " فاضلا " أديبا محدثا " وله كتب كثيرة (1). وقال عنه الشهيد الثاني - رحمه الله - في إجازته: ومصنفات ومرويات السيد السعيد العلامة المرتضى إمام الادباء والنساب والفقهاء شمس الدين أبي علي فخار ابن معد الموسوي (2). ويقول عنه العلامة النوري: وهو من أكابر مشايخنا العظام وفقهائنا الكرام الموصوف في التراجم والاجازات بكل جميل (3)
وقد روى عنه المحقق الحلي - رحمه الله - (4) ومن تآليفه كتاب " الرد على الذاهب إلى تكفير أبي طالب " وقد طبع في النجف سنة 1351، ثم طبع مرة اخرى في 1385، وهو كتاب جيد ومحكم، أثنى عليه جمع من العلماء مثل صاحب " الحدائق " في اللؤلؤة والعلامة النوري في المستدرك (5) ولما عرض هذا الكتاب على العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد كتب على ظهره أبياتا " سبعة في مدح أبي طالب منها: ولولا أبو طالب وابنه * لما مثل للدين شخصا " فقاما فذاك بمكة آوى وحامى * وهذا بيثرب جس الحماما (6) ويروي السيد فخار الموسوي عن جمع من الاعلام، منهم: والده الجليل معد بن فخار، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن إدريس الحلي صاحب " السرائر "، والشيخ أبو الفضل بن الحسين الحلي الاحدب، والشيخ الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرائيل
(1) أمل الامل (القسم الثاني): ص 214. (2) لؤلؤة البحرين: ص 282. (3) مستدرك الوسائل: 3 / 479.
(4) راجع اللؤلؤة: ص 280، المستدرك: 3 / 479، وأمل الامل (القسم الثاني): ص 214، وغيرها من المصادر (5) مستدرك الوسائل. 3 / 179 (6) تعليقة السيد محمد صادق بحر العلوم على اللؤلؤة: ص 280.
[ 70 ]
ابن إسماعيل القمي، والسيد الامام أبو علي عبد الحميد بن عبد الله التقي العلوي الحسيني النسابة، والسيد صالح النقيب أبو منصور الحسن بن معية العلوي الحسني، والشيخ أبو الفتوح نصر بن علي بن منصور الخازن النحوي الحائري، والسيد النقيب أبو جعفر يحيى بن محمد بن محمد بن أبي زيد العلوي الحسني البصري، وأبو العز محمد بن علي ابن الفويقي، وعميد الرؤساء أبو منصور هبة الله بن حامد بن أحمد ابن أيوب الكاتب اللغوي، والشيخ أبو الفرج عبد الرحمان بن محمد الجوزي الواعظ البغدادي. وأما مشايخه الذين روى عنهم في غير هذا الكتاب، فهم: السيد العلامة محي الدين أبو حامد محمد بن أبي القاسم عبد الله بن علي بن زهرة الحسيني الصادقي
الحلبي، والشيخ أبو الحسين يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن البطريق الاسدي الحلي صاحب كتاب " العمدة " وصديق بن أبي الحديد المعتزلي - كما صرح به في شرح النهج -، والقاضي أبو الفتح محمد بن أحمد ابن المندني الواسطي والشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن السكون الحلي المعروف بابن السكون، والسيد أبو محمد قريش بن السبيع بن مهنا بن السبيع العلوي الحسيني المدني المعروف بقريش بن مهنا، والشيخ عربي بن مسافر، ومحمد ابن علي بن شهر اشوب المازندراني صاحب كتاب " المناقب " وكتاب " معالم العلماء " المطبوعين. ويروي عن فخار بن معد جمع من الاعلام والاساطين، منهم: ولده الجليل السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار، والمحقق الحلي صاحب " الشرايع " والسيد جمال الدين أحمد بن طاووس، وأخوه رضي الدين علي بن طاووس، ووالدهما السيد الزاهد سعد الدين أبو إبراهيم موسى بن جعفر بن طاووس، والشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي - والد العلامة الحلي -، والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن صالح السيبي القسيني، والشيخ الجليل مفيد الدين محمد بن
علي بن محمد بن جهم الاسدي الحلي، ونجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن
[ 71 ]
الحسن بن سعيد الحلي ابن عم المحقق الحلي -، والسيد الجليل صفي الدين محمد ابن الحسن بن أبي الرضا العلوي البغدادي، والناصر لدين الله أحمد بن المستضئ ابن المستنجد المتوفى سنة 622 ه (1) ولهذا السيد الجليل قصة يرويها الشهيد الثاني - رحمه الله - في " شرح الدراية " تدل على الاهتمام البليغ عند قدماء الاصحاب - رحمهم الله - بحفظ أسانيد الروايات واتصال طبقات الرواة والمشايخ لحفظ تراث أهل البيت عليهم السلام من الضياع والانقطاع. يقول الشهيد في شرح الدراية: وذكر الشيخ جمال الدين أحمد بن صالح السيبي - قدس سره - أن السيد فخار الموسوي اجتاز والده مسافرا " إلى الحج. قال: فأوقفني والدي بين يدي السيد فحفظت منه أنه قال لي: يا ولدي أجزت لك ما يجوز لي روايته. ثم قال: وستعلم فيما بعد ما خصصتك به. وعلى هذا جرى السلف والخلف وكأنهم رأوا الطفل أهلا لتحمل هذا النوع من أنواع حمل الحديث النبوي ليؤدي به
بعد حصول أهليته حرصا " على توسع السبيل إلى بقاء الاسناد الذي اختصت به هذه الامة (2). وللسيد فخار الموسوي شعر جيد وقد نقل العلامة المجلسي في البحار عن بعضهم هذه القطعة الشعرية للسيد فخار الموسوي: سأغسل أشعاري الحسان وأهجر * القوافي واقلي ما حييت القوافيا وألوي عن الاداب عنقي وأعتذر * لها بعد حتى ما أرى القوم ماليا فإني أرى الاداب يا ام مالك * تزيد الفتى مما يروم تنائيا توفي المترجم له في السابع عشر من شهر رمضان 630 ه كما في خط حفيده علم الدين المرتضى علي بن جلال الدين عبد الحميد بن فخار (3)
(1) تعليقة السيد محمد صادق على اللؤلؤة: ص 281 (2) روضات الجنات: 5 / 348 (3) روضات الجنات: 5 / 349.
[ 72 ]
4 - مجد الدين العريضي: السيد مجد الدين علي بن الحسن بن ابراهيم بن علي
ابن جعفر بن محمد بن علي بن حسن بن عيسى بن علي العريضي ابن الامام جعفر الصادق عليه السلام وأخ الامام الكاظم عليه السلام وقد قال عنه الحر العاملي في أمل الامل والعلامة النوري في مستدرك الوسائل: " فاضل جليل من مشايخ المحقق " (1) ويقول عنه الافندي في رياض العلماء: كان من سادة العلماء وقادة الفقهاء، يروي عن الحسين بن رطبة عن أبي علي - ولد الشيخ الطوسي - ويروي عنه المحقق (2) وجده علي بن العريضي - رحمه الله - كان راوية للحديث سديد الطريق شديد الورع كثير الفضل، لزم أخاه الامام موسى بن جعفر عليه السلام وروى عنه شيئا " كثيرا "، ذكره العلامة وقال علي بن جعفر أخو موسى الكاظم عليه السلام من أصحاب الرضا عليه السلام ثقة. وروى الكشي عنه ما يشهد بصحة عقيدته وتأدبه مع أبي جعفر الثاني عليه السلام، سكن العريض - من نواحي المدينة - فنسب ولده إليها (3) 5 - الشيخ سديد الدين سالم بن محفوظ: هو الشيخ سديد الدين سالم بن محفوظ
ابن العزيزة بن وشاح السوراوي الحلي، من مشايخ المحقق. وقال عنه في " الروضات ": عالم فقيه، له مصنفات يرويها العلامة عن أبيه عنه، منها كتاب المنهاج في الكلام وغير ذلك (4) وقال عنه الحر العاملي في " أمل الامل: عالم فقيه فاضل (5).
وقد قرأ المحقق الحلي - رحمه الله - على هذا الشيخ الجليل علم الكلام وأنهى عليه كتاب " منهاج الاصول " وشيئا " من علم الاوائل (1) وهو من مشايخ رضي الدين علي بن طاووس - رحمه الله - (2) وأعتقد أن الشيخ محفوظ بن وشاح الذي سبق وأن ذكرنا مساجلاته الشعرية
مع المحقق - رحمه الله - والذي يرثي المحقق بعد موته ليس والد الشيخ سديد بن محفوظ ابن العزيزة بن وشاح رغم التشابة في الاسم، فإن الشيخ سالم بن محفوظ بن العزيزة ابن الوشاح في رتبة مشايخ المحقق، بينما نجد أن الشيخ محفوظ بن وشاح في مرتبة تلاميذ المحقق أو زملائه ومعاصريه. 6 - الشيخ تاج الدين الحسن بن علي الدربي، قال عنه الحر العاملي في " الامل ": عالم جليل يروي عنه المحقق (3). وفي الرياض: من أجلة العلماء وقدوة الفقهاء ومن مشايخ المحقق والسيد رضي الدين (4). ويروي هو عن جماعة منهم الشيخ عربي بن مسافر، وابن شهريار الخازن، والشيخ محمد بن عبد الله البحراني الشيباني، والشيخ محمد بن علي بن شهر اشوب المازندراني الفقيه والمحدث المعروف (5). تلامذة المحقق والرواة عنه: المحقق والرواة عنه: المحقق الحلي مدرسة في الفقه بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، له امتداد وفروع
وأغصان وتلامذة، جروا على طريقته ورأيه وتأثروا به، والذي يتابع حركة تطور
الفقه من بعد المحقق - رحمه الله - لا يكاد أن يخفى عليه أثر المحقق وطابعه الخاص المتميز. ومدرسة الحلي وإن كان لها وجود سابق على دور المحقق وتلاميذه ومدرسته الفقهية ولكن المحقق في الحقيقة هو الذي أعطى للحلة صفة المدرسة وجعل منها مدرسة فقهية متميزة من بين مدارس الفقه الاسلامي في التاريخ. يقول السيد محمد صادق بحر العلوم في تعليقته على " لؤلؤة البحرين " في ترجمة المحقق: وقد تلمذ عليه جماعة كبيرة من العلماء والفقهاء المبرزين، وكانت الحركة العلمية في عصره بلغت شأوا " عظيما " حتى صارت الحلة من المراكز العلمية في البلاد
الاسلامية (1). ويقول السيد صدر الدين كما في " أعلام العرب ": وبرزمن عالي مجلس تدريسه أكثر من أربعمائة مجتهد جهابذة، وهذا لم يتفق لاحد قبله (2) وهذه الصورة التي يرويها السيد صدر الدين تعكس لناسعة مدرسة الحلة وقوتها وازدهارها في عهد المحقق. ولا نشك أن للمحقق الحلي - رحمه الله - الدور الرائد في تشييد هذه المدرسة وترسيخها. ونحن عند ما نستعرض تلاميذ المحقق والذين رووا عنه الحديث وتخرجوا عليه في هذه المدرسة نريد أن نتعرف على الدور الكبير الذي نهض به شيخنا المحقق في تكوين مدرسة الحلي وترسيخها بعد فتنة التتار التي علمت العالم الاسلامي وأضرت به عامة وبالعراق وبما فيه من المراكز العلمية خاصة. في هذه الفترة الصعبة بالذات نهض المحقق الحلي في مدينة الحلة بإعداد وتربية نخبة من الفقهاء المحققين الذين استطاعوا أن يواصلوا تطوير علمية الاجتهاد في الفقه وتطوير الشؤون المختلفة للثقافة الاسلامية مثل الاصولين (اصول الدين واصول الفقه) والحديث والتفسير وغير ذلك. وفيما يلي نستعرض طائفة من تلاميذ المحقق
(1) لؤلؤة البحرين: ص 227 (في الهامش). (2) مقدمة العلامة السيد محمد تقي الحكيم على الشرائع: 1 / ص ي نقلا عن أعلام العرب: / 2 / 98.
[ 75 ]
والذين رووا عنه وتخرجوا عليه: 1 - العلامة الحلي: لا نشك أن العلامة الحلي جمال الدين حسن بن يوسف بن علي المطهر (648 - 726 ه) من أبرز تلاميذ المحقق ومن أبرز فقهاء مدرسة الحلة، وقد آتاه الله تعالى علما وفضلا وفقها وبصيرة في شريعة سيد المرسلين، وقدم خدمات جليلة كبرى لمختلف حقول الثقافة الاسلامية من الفقه والاصول والكلام والدراية والرجال والحكمة والحديث. وقد قال في مقدمة كتابه " المنتهى " أنه فرغ من تصانيفه الفلسفية والكلامية وأخذ في التأليف في الفقه قبل أن يكمل السادسة والعشرين من عمره. كان يكتب وهو راكب كما يقول الصفدي في " الوافي ". وقد حضر العلامة - رحمه الله - عند عدد من فقهاء وعلماء عصره أبرزهم (خاله) المحقق الحلي - رحمه الله - وقد قال عنه العلامة: وهذا الشيخ كان أفضل أهل عصره
في الفقه (1) (ووالده) سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر، وقد كان عالما فاضلا فقيها متبحرا كما يقول الحر العاملي في أمل الامل (2). هذا في الفقه، وحضر في الحكمة والفلسفة والرياضيات والفلك والنجوم على المحقق نصير الدين الطوسي - رحمه الله - وعنه يقول العلامة في إجازته الكبيرة لبني زهرة: وكان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية، وكان أشرف من شاهدناه في الاخلاق (3) وقد كان جل دراساته الفقهية على خاله المحقق الحلي، وجل دراساته الفلسفية والكلامية على المحقق الطوسي، وتكاملت شخصية العلامة العلمية على يد هذين العلمين الجليلين في الفقه والفلسفة. وحضر العلامة على عدد آخر غيرهم من علماء عصره في مختلف شؤون وحقول الثقافة الاسلامية والعلم من الشيعة والسنة، وفيما يلي استعراض سريع لاسماء
الاعلام الذين حضر عندهم العلامة للتفقه والتعلم أو للرواية: 1 - الشيخ ميثم بن علي البحراني، الحكيم المتأله المعروف الشهير بابن ميثم البحراني صاحب الشرح المعروف على نهج البلاغة (1). 2 - الشيخ الجليل مفيد الدين محمد بن علي بن جهيم الاسدي (2). 3 - الشيخ الجليل الحسن ابن الشيخ كمال الدين علي بن سليمان البحراني (3) 4 - الشيخ نجيب الدين أبو أحمد يحيى بن أحمد بن سعيد الحلي، الفقيه الاديب النحوي المعروف بالشيخ نجيب الدين ابن عم المحقق الحلي وصاحب كتاب " الجامع " و " نزهة الناظر " (4) 5 - السيد جمال الدين أحمد بن سعد الدين موسى بن جعفر بن طاووس مؤلف كتاب " بشرى المحققين " و " الملاذ في الفقه " و " عين العبرة في غبن العترة " (5) 6 - السيد الجليل رضي الدين علي بن موسى بن طاووس صاحب كتاب " الاقبال " و " الطرائف " (6). 7 - الشيخ جمال الدين حسين بن أبان، النحوي المدرس في المستنصرية
ببغداد (7) 8 - الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الكيشي، المدرس في النظامية ببغداد، من علماء الشافعية (8). يقول عنه العلامة: كان من أفضل علماء الشافعية وكان من أنصف الناس في البحث (9). 9 - الشيخ نجم الدين علي بن عمر الكاتب القزويني، وعن هذا الشيخ يقول العلامة الحلي: كان من أفضل علماء الشافعية، عارفا " بالحكمة (10).
(1) مستدرك وسائل الشيعة: 3 / 461 الطبعة الحجرية. (2) المصدر السابق. (3) بحار الانوار: 107 / 65. (4) المستدرك: 3 / 462. (5) المستدرك: 3 / 466. (6) المصدر السابق. (7) بحار الانوار: 107 / 65. (8) و (9) و (10) بحار الانوار: 107 / 66.
[ 77 ]
10 - الشيخ برهان الدين عمر بن محمد النسفي، يقول عنه العلامة: كان عظيم الشأن زاهدا مصنفا في الجدل (1). 11 - الشيخ الحسن بن إبراهيم الفاروقي الواسطي، يقول عنه العلامة: هذا الشيخ كان صالحا من فقهاء السنة وعلمائهم (2). 12 - الشيخ تقي الدين عبد الله بن جعفر بن علي الصباغ الكوفي، من فقهاء الحنفية بالكوفة (3) 13 - الشيخ الفقيه نجم الدين جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحلي، صاحب كتاب " مثير الاحزان " (4) 14 - الشيخ جمال الدين محمد البلخي من علماء العامة (5). 15 - الشيخ بهاء الدين علي بن عيسى الاربلي صاحب كتاب " كشف الغمة " (6). 16 - السيد غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاووس (7). 17 - السيد شمس الدين عبد الله البخاري، من علماء العامة (8).
وقد حرص العلامة - رحمه الله - على تربية وإعداد جيل من الفقهاء والعلماء لا يمكننا أن نستعرض أسماءهم ونحصيهم في هذه الدراسة. يقول السيد حسن الصدر في كتابه " تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام ": وخرج من عالي مجلس تدريسه خمسمائة مجتهد (9).
(1) بحار الانوار: 107 / 66. (2) و (3) بحار الانوار: 107 / 67. (4) الكنى والالقاب: 1 / 434. (5) مقدمة إحقاق الحق: 1 / مط. (6) عن مقدمة كتاب الالفين للسيد محمد مهدي الخرسان: ص 21 نقلا عن إجازة للحر العاملي. (7) نفس المصدر عن الاجازة الكبيرة العلامة في البحار. (8) عن مقدمة كتاب احقاق الحق: 1 / مط. (9) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام: ص 70.
[ 78 ]
وقال ميرزا عبد الله الافندي في " رياض العلماء ": وأفاد وأجاد على جمع كثير
من فضلاء دهره من الخاصة بل من العامة أيضا " كما يظهر من إجازات علماء الفريقين (1) وكان - رحمه الله - حريصا لا تشغله صحبة السلطان أو لجايتو عن تربية وإعداد الطلبة، ولذلك فقد اقترح على السلطان أن يعد له مدرسة سيارة تتحرك في ركب السلطان وتحل حيث السلطان، فقد كان من عادة ملوك المغول الاقامة صيفا " في (مراغة والسلطانية) في آذربيجان وشتاء في بغداد. وكان الملك راغبا " في مصاحبة العلامة - رحمه الله -، ولذلك فقد اقترح عليه العلامة تشييد هذه المدرسة المتحركة، واستجاب السلطان لطلب العلامة، وقد وصف جمع من المؤرخين وأرباب التراجم هذه المدرسة السيارة. قال صاحب " الروضات ": وكان - رحمه الله - (العلامة) في القرب والمنزلة عند السلطان المذكور بحيث كان لا يرضى بعد ذلك أن يفارقه في حضر ولا سفر، بل تقل أنه أمر لجنابه المقدس وطلاب مجلسه بترتيب مدرسة سيارة ذات حجرات ومدارس من الخيام الكرباسية، وكانت تحمل من الموكب الميمون أينما يصير وتضرب بأمره في كل منزل ومسير (2).
وقد تخرج على العلامة عدد غفير من العلماء والفقهاء في الحلة وفي المدرسة السيارة التي كانت ترافق الملك، يطول بنا الحديث إذا أردنا أن نستقصي أسماء من وصل الينا اسمه في الاجازات وكتب الرجال من تلاميذ العلامة والرواة عنه وقد حرص العلامة - رحمه الله - على التأليف في الفقه والاصول وسائر حقول الثقافة الاسلامية، وكان من حرصه - رحمه الله - أنه كان يواصل عمل التأليف في السفر في مصاحبة الملك، وقد فرغ من جملة من تآليفه وهو في السفر.
يقول صاحب " الروضات ": ونقل أنه وجد في أواخر بعض الكتب وقوع الفراغ منه في المدرسة السيارة السلطانية في كرمانشاهان (1). وقد كتب - رحمه الله - في آخر كتاب " الالفين ": كتبه حسن بن مطهر ببلدة جرجان في صحبة السلطان الاعظم غياث الدين محمد أو لجايتو خلد الله ملكه (2) ويبلغ مجموع ما وصل إلينا من كتبه أو ما وصل إلينا من ذكره في الفهارس
والاجازات عددا " يزيد على المائة. فله في الفقه وحده عشرون كتابا "، وفي هذه الكتب موسوعات فقهية صخمة " التذكرة " و " المختلف " و " التحرير " و " المنتهى ". وله في اصول الفقه سبعة كتب. وله في التفسير كتابان، وفي الحديث خمسة كتب. وفي الرجال ثلاثة كتب، وفي الحكمة والفلسفة ست وعشرون كتابا "، وفي الادعية كتابان، وفي الفضائل والمناقب كتابان. ومجموعة من الرسائل في الاجابة على الاسئلة المختلفة (3) ولا نريد أن نقف أكثر من هذا في الحديث عن العلامة الحلي، ودوره العظيم في خلافة المحقق - رحمه الله - على الفقه وتأسيس وتكريس مدرسة الحلة في الفقه، وتعميق المنهج العلمي للحبث الفقهي والاصولي والرجالي، وكذلك الكلامي عند الشيعة. 2 - غياث الدين السيد عبد الكريم بن طاووس: وهو النقيب الشريف غياث الدين عبد الكريم ابن جلال الدين أحمد ابن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ابن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله محمد المعروف ب (طاووس). واسرة آل طاووس من الاسر الحسنية المعروفة، وينسبون إلى جدهم أبي عبد الله
محمد المعروف ب (طاووس) لحسنه وجماله وصباحته، وهي اسرة شيعية عريقة من الحلة، وقد نشأ في هذه الاسرة عدد من العلماء منهم:
(1) روضات الجنات: 2 / 282 (2) الالفين: 437 طبع النجف 1388. (3) راجع مقدمة السيد محمد مهدي الخرسان على الالفين: ص 37.
[ 80 ]
عمه السيد رضي الدين ابن طاووس صاحب كتاب " الاقبال " و " جمال الاسبوع " وغيرهما. والسيد عبد الكريم بن طاووس كان من أجلاء هذه الاسرة وعلمائها الافذاذ وهو مؤلف كتاب " فرحة الغري " المطبوع في النجف و " الشمل المنظوم في مصنفي العلوم ". يقول عنه المحقق النوري في المستدرك: نادرة الزمان واعجوبة الدهر الخوان صاحب المقامات والكرامات كما أشار إليه الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة (1) وقال عنه تقي الدين الحسن بن داود في رجاله: سيدنا الامام المعظم غياث
الدين الفقيه النسابة النحوي العروضي الزاهد العابد أبو المظفر - قدس الله روحه - انتهت رياسة السادات وذوي النواميس إليه، وكان أوحد زمانه، ولد في شعبان سنة 648 ه وتوفي في شوال سنة 693، وكان عمره خمسا " وأربعين سنة وأياما "، كنت قرينه طفلين إلى أن توفي، ما رأيت قبله ولا بعده بخلقه وجميل قاعدته وحلو معاشرته ثانيا، ولا لذكائه وقوة حافظته مما ثلا "، ما دخل ذهنه شيئا قط فكاد ينساه، حفظ القرآن في مدة يسيرة وله إحدى عشر سنة. اشتغل بالكتابة واستغنى عن المعلم في أربعين يوما " وعمره آنذاك أربع سنين، ولا تحصى مناقبه وفضائله (2) وقال عنه ابن الفوطي: كان جليل القدر نبيل الذكر حافظا " لكتاب الله المجيد، ولم أر في مشايخي أحفظ منه للسير والاثار والاحاديث والاخبار والحكايات والاشعار. جمع وصنف وشجر وألف وكان يشارك الناس في علومهم، وكانت داره مجمع الامة والاشراف، وكان الاكابر والولاة والكتاب يستضيئون بأنواره ورأيه وكتبت له لخزانته كتاب " الدر النظيم في ذكر من تسمى بعبد الكريم " وسألته عن مولده فذكر أنه ولد في شعبان سنة 648 ه وتوفي في يوم السبت 16 شوال سنة 693 (3)
(1) مستدرك الوسائل: 3 / 441. (2) المصدر السابق. (3) تلخيص مجمع الاداب: 4 / 194.
[ 81 ]
ومن مشايخه وأساتيذه من الامامية: والده، وعمه رضي الدين علي والمحقق الحلي، وابن عمه يحيى بن سعيد، ومفيد الدين ابن الجهم الحلي، والخواجة نصير الدين الطوسي، والسيد عبد الحميد بن فخار الموسوي الحائري ومن مشايخه من العامة: الشيخ حسين بن أياس (1). 3 - الحسن بن داود: تقي الدين الشيخ حسن بن علي بن داود الحلي المعروف بابن داود المتولد 647 صاحب الكتاب المعروف في الرجال. يقول عنه الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة: الشيخ الفقيه الاديب النحوي العروضي ملك العلماء والادباء والشعراء تقي الدين الحسن بن علي صاحب التصانيف الغزيرة والتحقيقات الكثيرة التي من جملتها كتاب " الرجال " سلك فيه مسلكا " لم يسبقه أحد من الاصحاب ومن وقف عليه علم جلية الحال فيما أشرنا إليه. وله من التصانيف في الفقه نظما ونثرا مختصرا ومطولا، وفي المنطق والعربية
والعروض نحوا من ثلاثين مصنفا كلها في غاية الجودة (2) وقال عنه الحر العاملي في " أمل الامل ": كان فاضلا جليلا صالحا محققا متبحرا من تلامذة المحقق نجم الدين الحلي، يروي عنه الشهيد بواسطة ابن معية (3). ويقول ابن داود عن نفسه في كتاب الرجال: الحسن بن علي داود مصنف هذا الكتاب، مولده خامس جمادى الاخر سنة 647، وله كتب منها في الفقه: كتاب تحصيل النافع، وكتاب التحفة السعدية، وكتاب المقتصر من المختصر، وكتاب الكافي، وكتاب النكت، وكتاب الرائع، وكتاب الخلاف في المذاهب الخمسة، وكتاب تكملة المعتبر - لم يتم -، وكتاب الجوهرة في نظم التبصرة، وكتاب اللمعة في فقه الصلاة - نظما، وكتاب عقد الجواهر في الاشباه والنظائر - نظما -،
وكتاب عدة المناسك في قضاء المناسك - نظما -، وكتاب الرجال - وهو هذا الكتاب -
وله في الفقه غير ذلك. ومنها في اصول الدين وغيره: كتاب الدر الثمين في اصول الدين - نظما -، وكتاب الخريدة العذراء في العقيدة الغراء - نظما -، وكتاب الدرج، وكتاب أحكام القضية - في المنطق -، وكتاب حل الاشكال في عقد الاشكال - في المنطق -، وكتاب قرة عين الخليل في شرح النظم الجليل - لابن الحاجب في العروض - وكتاب شرح قصيدة صدر الدين الساوي - في العروض أيضا " -، وكتاب مختصر الايضاح - في النحو -، وكتاب حروف المعجم - في النحو، وكتاب مختصر أسرار العربية - في النحو - (1). 4 - الشيخ صفي الدين عبد العزيز بن السرايا الحلي: الشاعر المشهور. قال عنه صاحب " الامل ". كان عالما فاضلا شاعرا أديبا منشئا " من تلامذة المحقق الحلي، له القصيدة البديعة مائة وخمسة وأربعون بيتا "، تشتمل على مائة وخمسين نوعا من أنواع البديع، وله قصائد محبوكة الطرفين جيدة (2). وقال عنه صاحب " الرياض ": هو الشاعر المشهور وصاحب القصيدة البديعية - إلى أن قال -: تسمى الكافية البديعية، وهي في مدح النبي صلى الله عليه وآله، وقد أدرج فيها جميع الصنائع البديعية (3)
وفي " الكنى والالقاب ": "... كان شاعر عصره على الاطلاق، أجاد القصائد المطولة والمقاطيع تطربك ألفاظة المصقولة ومعانيه المعسولة ومقاصده التي كأنها سهام راشقة وسيوف مسلوكة، دخل مصر سنة 736 واجتمع بالقاضي علاء الدين ابن الاثير وابن سيد الناس وأبي حيان وفضلاء ذلك العصر، فاعترفوا بفضله ثم عاد إلى ماردين (4)
(1) رجال ابن داود: 111 - 113. (2) أمل الامل (القسم الثاني): ص 149. (3) الرياض: 3 / 137 - 139. (4) الكنى: ج 2 / 282.
[ 83 ]
وقال عنه صاحب " الروضات ": كان - رحمه الله - من كبار شعراء الشيعة، ومسلما " بين الفريقين فضله ونبالته وأخلاقه (1). تتلمذ - رحمه الله - على المحقق الحلي بشهادة كل من ترجم له من العلماء أما مؤلفاته فقد ذكر في " الامل " أن له ديوان شعر كبير وديوان شعر صغير
وشرحا " للقصيدة البديعية (2) 5 - الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح الحلي: قال عنه في " الامل ": كان عالما فاضلا أديبا شاعرا جليلا من أعيان العلماء في عصره، ولما توفي رثاه الحسن بن علي بن داود بقصيدة، وجرى بينه وبين المحقق نجم الدين جعفر بن سعيد، مكاتبات ومراسلات من النظم والنثر، ذكر جملة منها الشيخ حسن في إجازته فقال عند ذكره: وكان هذا الشيخ من أعيان علمائنا في عصره (3)، وذكره صاحب " الروضات ": من أجلاء تلامذة مولانا المحقق المرحوم (4) وقال عنه في ترجمة المحقق: الشيخ شمس الملة والدين محفوظ بن وشاح بن محمد، الراثي له بفاخر قصيدته والمرثي عليه بقصيدة الحسن بن داود من بعد موته (5) ومدح المحقق بقصيدة فأجابه المحقق بقصيدة نذكر منها: فسريا با الفضائل بي رويدا " * فلست اطيق كفران الحقوق وحمل ما اطيق به نهوضا " * فإن الرفق أنسب بالصديق فقد صيرتني لعلاك رقا * ببرك بل أرق من الرقيق (6)
وابنه أيضا " من أجلاء العلماء. قال عنه في " الروضات ": تاج الدين محمد بن محفوظ، هو أيضا من الفضلاء الصلحاء والادباء المشهورين (1). يروي عنه كما عن " الروضات " ابنه القاضي تاج الدين محمد بن محفوظ، ويروي عنه أيضا كمال الدين ابن حماد الواسطي 6 - الشيخ رضي الدين علي ابن الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهر الحلي: أخو العلامة الحلي وابن اخت المحقق الحلي وابن الشيخ سديد الدين وخال السادة الاجلاء عميد الدين عبد المطلب الاعرجي وأخوه.
قال عنه في " الامل ": عالم فاضل (2). ووصفه في الرياض ب: العالم العلم الفاضل الجليل (3) وفي اللؤلؤة: كان الشيخ رضي الدين علي فاضلا جليلا (4). يروي عن أبيه وعن المحقق كما في الامل (5). وفي الرياض عن أحمد بن مسعود الاسدي (6). ويروي عنه فخر المحققين ابن العلامة وأيضا " ابن اخته السيد عميد الدين عبد المطلب الاعرجي (7). وللشيخ رضي الدين كتاب " العدد القوية لدفع المخاوف اليومية " من مصادر بحار الانوار. - 7 الشيخ نجم الدين طومان بن أحمد العاملي: قال عنه في (الامل ": كان
فاضلا عالما محققا. وقال الشيخ حسن في حواشي اجازته: وفي كلام الشيخ محمد ابن صالح دلالة على جلالة قدر الشيخ طومان (1). وفي " الروضات " ممدوح محقق (2) وفي الرياض: كان فاضلا عالما محققا (3) وذكر في " المستدرك " عن إجازة الشيخ محمد بن صالح للشيخ طومان ما نصه: قرأ علي الشيخ الاجل العالم الفاضل الفقيه المجتهد نجم الدين طومان بن أحمد الشامي العاملي كتاب النهاية في الفقه (4) حضر - رحمه الله - على جمع من العلماء وروى عنهم، منهم: 1 - الشيخ شمس الدين محمد بن صالح السيبي القسيني (5). 2 - المحقق الحلي (6). تلمذ عليه جمع من العلماء منهم: 1 - جمال الدين أبو محمد مكي العاملي والد
الشهيد الاول (7). 2 - السيد علاء الدين علي بن محمد بن زهرة (8) الحسن الحلي، وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة 728. 8 - الوزير شرف الدين أبو القاسم علي ابن الوزير مؤيد الدين محمد ابن العلقمي: وصفه في " الامل ": عالم جليل القدر شاعر أديب من تلامذة المحقق (9). ومدحه صاحب " الرياض " واصفا " إياه: الوزير الكبير من أجلاء علماء الامامية، كان والده - بل هو أيضا " - وزيرا " للخليفة المستعصم (10).
(1) أمل الامل (القسم الاول): ص 104. (2) الروضات: 4 / 147. (3) الرياض: / 3 / 22. (4) المستدرك: 3 / 443 (5) أمل الامل (القسم الثاني): ص 103. (6) مقدمة الشرائع للسيد محمد تقي الحكيم نقلا عن إجازة الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني. (7) أمل الامل (القسم الاول): ص 103. (8) المصدر السابق: 1 / 104.
(9) أمل الامل (القسم الثاني): ص 201. * (10) رياض العلماء: 4 / 216.
[ 86 ]
والثابت تلمذته على المحقق الحلي ولم تذكر المصادر شيخا آخر له. 9 - الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي العاملي: قال عنه في " الامل ": كان فاضلا فقيها عابدا (1). وفي " الرياض ": كان من أجلة فقهاء تلامذة المحقق والسيد ابن طاووس أيضا (2). وذكره صاحب " الروضات " قال: كان فاضلا فقيها عابدا في رجال المحدث النيسابوري أنه كان فقيها محدثا (3) تتلمذ على يد كل من: 1 - المحقق الحلي. 2 - السيد العابد علي بن طاووس وله من الكتب: 1 - الاربعين في فضائل أمير المؤمنين. 2 - كتاب الدر النظيم في مناقب اللهاميم (4). 10 - الشيخ زين الدين أبو محمد الحسن ابن ربيب الدين أبي طالب بن أبي مجد البوسطي الاوي الابي الملقب بالفاضل الابي: وفي الاعيان نقلا عن رجال
بحر العلوم: من تلامذة المحقق أبي القاسم نجم الدين وشارح كتابه النافع بالشرح المسمى " كشف الرموز " وهو أول من شرح هذا الكتاب عالم فقيه محقق قوي الفقاهة، حكى الاصحاب كالشهيدين والسيوري وغيرهم أقواله ومذاهبه (5). وفي التنقيح نقلا عن رجال الطباطبائي: شهرة هذا الرجل دون فضله وعلمه (6) له