الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الحدائق الناضرة - المحقق البحراني ج 25

الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 25


[ 1 ]

الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفي سنة 1186 هجرية الجزء الخامس والعشرون مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الكتاب: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة (ج 25) المؤلف: العلم البارع والفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني (قده) عدد الاجزاء: 25 جزء الموضوع: فقه اللغة: عربي الطبعة: الاولى - محرم الحرام 1409 الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة الطبع: مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي المطبوع: 2000 نسخة.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. المقصد الرابع في أحكام الاولاد: والبحث فيه يقع بالنسبة إلى الاولاد وسنن الولادة والحضانة، فهنا مقامات: الاول: ما يتعلق بالاولاد وبمن يلحقون، وهم إما أن يكونوا أولاد زوجة موطوءة بالعقد الدائم أو أولاد موطوءة بالملك، أو أولاد موطوءة بالشبهة، فهنا مسائل: الاولى: في أولاد الموطوءة بالعقد الدائم، لا خلاف بين الاصحاب كما ادعاه جملة منهم في أن ولد الزوجة الدائمة يلحق بالزوج بشروط ثلاثة: (أحدها) الدخول بالزوجة، والدخول الموجب للحوق الولد يتحقق عندهم بغيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها في القبل وإن لم ينزل، وألحقوا به الوطئ في الدبر أيضا. قال في المسالك: وذكر الشهيد في قواعده أن الوطئ في الدبر على هذا الوجه يساوي القبل في هذا الحكم وغيره إلا في مواضع قليلة استثناها - ثم قال: - وما وقفت على كلام أحد يخالف ذلك، إنتهى. وأنت خبير بما فيه على إطلاقه من الاشكال، فإنه مع العلم بعد الانزال

[ 4 ]

وإن كان الجماع في القبل، وكذا مع الجماع في الدبر كيف يحكم بالالحاق والحال هذه ولم أر من تنبه لذلك إلا السيد السند في شرح النافع حيث قال: وقد يقع الاشكال مع العلم بعدم نزول الماء، وذكر المصنف في الشرايع وغيره أن الوطئ في الدبر على هذا الوجه يساوي الوطئ في القبل في هذا الحكم وهو أشد إشكالا، وربما ظهر من كلام ابن إدريس والعلامة في التحرير أنه لا عبرة بالوطئ في الدبر، وهو متجه. إنتهى كلامه، وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه. نعم لو كان قد أنزل لكنه عزل عن الزوجة فإن الالحاق في هذه الصورة كما قطعوا به جيد، لامكان أن يسبقه شئ من الماء يتحقق به الحمل من غير أن يشعر به، أما في الصورتين المذكورتين فلا وجه لذلك يمكن الاستناد إليه والبناء في الحكم عليه. ومما يدل على ما ذكرناه في صورة العزل ما رواه في كتاب قرب الاسناد (1) عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عليه السلام عن علي عليه السلام " قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: كنت أعزل عن جارية لي فجاءت بولد، فقال صلى الله عليه وآله: قد ينفلت، فألحق به الولد ". ونحوه في بعض التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة (2). ثم إنه ينبغي أن يعلم أنه لابد أن يكون الزوج ممن يمكن التولد منه من جهة السن، فلو كان صغيرا لا يمكن حصول ذلك منه لم يلحق به الولد، ونقل عن العلامة في الارشاد أنه اكتفى ببلوغ العشر، وهو مشكل، إلا أن يعلم بالعادة وقوع ذلك منه. و (ثانيها) مضي أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر من حين الوطئ، قال في شرح النافع: وهو موضع وفاق، وفي المسالك نسب الاجماع على ذلك إلى علماء الاسلام.


(1) قرب الاسناد ص 65، الوسائل ج 15 ص 113 ب 15 ح 1 وفيه " ان الوكاء قد ينفلت ". (2) التوقيع المشار إليه هنا مكتوب في حاشية آخر المسألة الثانية (منه - قدس سره -).

[ 5 ]

ويدل عليه قوله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (1) مع قوله تعالى " وفصاله في عامين " (2) فإنه يتركب من الآيتين أن حمله يكون ستة أشهر، لانها هي الباقية من الثلاثين شهرا بعد عامي الفصال، وليست هذه المدة هي أقصى مدة الحمل للاجماع والوجدان، فتعين أن يكون أقل مدته. ويدل على ذلك الاخبار أيضا ومنها ما رواه في الفقيه (3) عن سلمة بن الخطاب بسنده عن علي عليه السلام " قال: أدنى ما تحمل المرأة لستة أشهر، وأكثر ما تحمل لسنة ". وما رواه في الكافي (4) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا كان للرجل منكم الجارية يطؤها فيعتقها فاعتدت ونكحت فإن وضعته لخمسة أشهر فإنه من مولاها الذي أعتقها، وإن وضعت بعدما تزوجت لستة أشهر فانه لزوجها الاخير ". وما رواه في الكافي والتهذيب (5) عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام " في المرأة تزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما، وإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للآخر، وإن جاءت بولد لاقل من ستة أشهر فهو للاول ". ورواه في الفقيه (6) في الصحيح " قال: وفي رواية جميل في المرأة - الحديث ".


(1) سورة الاحقاف - آية 15. (2) سورة لقمان - آية 14. (3) الفقيه ج 3 ص 330 ح 8، الوسائل ج 15 ص 118 ح 15. (4) الكافي ج 5 ص 491 ح 1، الوسائل ج 15 ص 115 ح 1 (5) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 7 ص 309 ح 41، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13. (6) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24، الوسائل ج 15 ص 117 ذيل ح 13.

[ 6 ]

وما رواه في الكافي (1) عن محمد بن يحيى يرفعه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تلد المرأة لاقل من ستة أشهر " إلى غير ذلك من الاخبار المتفرقة في جملة من الاحكام الآتي بعضها إن شاء الله. و (ثالثها) أن لا يتجاوز أقصى مدة الحمل، وهو مما لا خلاف فيه، إنما الخلاف في تقدير المدة المذكورة، هل هي سنة أو تسعة أشهر أو عشرة أشهر ؟ مع الاتفاق على أنه لا يزيد على السنة. وإلى (الاول) ذهب المرتضى في الانتصار مدعيا عليه الاجماع، ونفى عنه البأس في المختلف وهو مذهب أبى الصلاح، واختاره شيخنا في المسالك وسبطه السيد السند في شرح النافع، وجعله المحقق في الشرايع متروكا، وإلى هذا القول مال صاحب الكفاية. وإلى (الثاني) أكثر الاصحاب فإنه المشهور بينهم. وإلى (الثالث) الشيخ في موضع من المبسوط، قال في الشرايع بعد نقل القول بذلك: وهو حسن يعضده الوجدان. والواجب بمقتضى عادتنا في الكتاب نقل الاخبار التي وصلت إلينا في المسألة المذكورة، ثم الكلام فيها بما وفق الله سبحانه لفهمه منها ببركة أهل الذكر عليهم السلام. ومنها ما تقدم في رواية سلمة بن الخطاب (2) من قوله " وأكثر ما تحمل لسنة " وهذه الرواية صريحة في السنة، إلا أنه قال في الوافى: وفي بعض النسخ " وأكثر ما تحمل لسنتين " فإن صح فلعله ورد على التقية. أقول: وبلفظ السنتين نقل الخبر في كتاب الوسائل، ولم يذكر غيرها، وعلى هذا النسخة لادلالة في الرواية على شئ من الاقوال المذكورة.


(1) الكافي ج 5 ص 563 ح 32، التهذيب ج 7 ص 486 ح 163، الوسائل ج 15 ص 116 ح 8. (2) الفقيه ج 3 ص 330 ح 8، الوسائل ج 15 ص 118 ح 15.

[ 7 ]

وما رواه في الكافي والتهذيب (1) عن معاوية بن حكيم عن أبي إبراهيم عليه السلام أو أبيه عليه السلام " أنه قال في المطلقة يطلقها تزوجها فتقول: أنا حبلى فتمكث سنة، قال: إن جاءت به لاكثر من سنة لم تصدق ولو ساعة واحدة في دعواها ". وما رواه في الكافي (2) عن عبد الرحمن بن سيابة عمن حدثه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألت عن غاية الحمل بالولد في بطن امه كم هو ؟ فإن الناس يقولون: ربما بقي في بطنها سنتين، فقال: كذبوا أقصى مدة الحمل تسعة أشهر لا يزيد لحظة، ولو زاد ساعة لقتل امه قبل أن يخرج " وهذه الرواية كما ترى صريحة في التسعة. وما رواه في روضة الكافي (3) عن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن مريم حملت بعيسى تسع ساعات، كل ساعة شهر " وهي ظاهرة في التسعة. واستند السيد السند في شرح النافع في الاستدلال على ما اختاره من السنة، وكذا من تبعه في ذلك إلى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4) " قال: سمعت أبا إبراهيم يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حبلى انتطر تسعة أشهر، فأن ولدت وإلا اعتدت بثلاثة أشهر ثم قد بانت منه ". ورواية محمد بن حكيم (5) عن أبي الحسن عليه السلام " قال: قلت له: المرأة الشابة


(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 3، التهذيب ج 8 ص 129 ح 45، الوسائل ج 15 ص 442 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 52 ح 3، التهذيب ج 8 ص 115 ح 45، الوسائل ج 15 ص 115 ح 3. (3) روضة الكافي ج 8 ص 273 ح 516 وفيه " أبان عن رجل عن "، الوسائل ج 15 ص 116 ح 7. (4) الكافي ج 6 ص 101 ح 1، الفقيه ج 3 ص 330 ح 7، التهذيب ج 8 ص 129 ح 43، الوسائل ج 15 ص 441 ب 25 ح 1. (5) الكافي ج 6 ص 101 ح 2، التهذيب ج 8 ص 129 ح 44، الوسائل ج 15 ص 442 ح 2.

[ 8 ]

التي تحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع حيضها كم عدتها ؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فإنها ادعت الحبل بعد ثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فإنها ادعت الحبل بعد تسعة أشهر ؟ قال: إنما الحبل تسعة أشهر، قلت: تزوج ؟ قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فإنها ادعت بعد ثلاثة أشهر، قال: لاريبة عليها تزوجت إن شاءت " قال: والظاهر أن المراد بقوله " الحبل تسعة أشهر " أن الغالب فيه ذلك، ثم أمرها بالاحتياط ثلاثة أشهر، وذلك مجموع السنة، وفى رواية اخرى لابن حكيم - ثم نقل الرواية المتقدمة الظاهرة في السنة، ثم قال: - وذكر جدي أنه وقع في زمانه في بعض النساء تأخر حملهن سنة، وحكي لنا في هذا الزمان أنه وقع ذلك أيضا في بعض نساء بلدنا، ولاريب أن اعتبار ذلك عادة وإن كان نادرا أولى من الحكم بنفي النسب عن أهله إنتهي. أقول: مرجع استدلاله بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، والرواية الاولى من روايتي محمد بن حكيم مع أن ظاهرهما أنما هو الدلالة على القول بالتسعة إلا أنه عليه السلام لم يرخص لها في التزويج إلا بعد مضي التسعة والثلاثة الاشهر التي بعدها الذي مجموعه سنة، فهو يدل على أن أقصى مدة الحمل سنة، إذ لو كان ذلك تسعة أشهر لجوز لها النكاح بعد التسعة، أو حمل ما دل بظاهره على التسعة على أنه الاغلب. وفيه: (أولا) أن المستفاد من أخبار هذه المسألة - أعني مسألة المسترابة كما سيأتي إن شاء الله تحقيقه في محله - هو أن هذه الاشهر الاخيرة هي العدة الشرعية ومضي التسعة الاشهر وإن حصل به براءة الرحم وحصل اليقين بعدم الحبل لمضي المدة التي هي أكثر الحمل، لكنه لا ينافي وجوب الاعتداد، فإن ما علل به وجوب الاعتداد من تحصيل براءة الرحم ليس كليا يجب إطراده، لتخلفه في مواضع لا تحصى، كمن مات عنها زوجها بعد عشر سنين من مفارقتها، وكذا في الطلاق مع أنه لاريب في وجوب العدة.

[ 9 ]

و (ثانيا) أن ارتكاب التأويل في الاخبار فرع وجود المعارض، وهم لم يذكروا على ما اختاروه من القول بالسنة دليلا يوجب إخراج هذه الاخبار عن ظاهرها، فحمله مادل على التسعة - كهذه الروايات على أن ذلك الغالب - خروج عن الظاهر، يتوقف على وجود المعارض الراجح الدال على القول بالسنة، وليس إلا ما أورده من ظاهر رواية محمد بن حكيم الثانية (1) التي هي مع الاغماض عن المناقشة في دلالتها معارضة بما هو أظهر دلالة منها كرواية عبد الرحمن بن سيابة (2) والرواية التي بعدها، على أنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم أن من القواعد المقررة في كلامهم (3) أن إطلاق الاخبار إنما تحمل على الافراد الغالبة المتكررة المتكثرة دون الفروض النادرة التي ربما لا تقع ولا تعلم إلا بمثل هذه الحكايات التي نقلها. و (ثالثا) أن اعتماده في الاستدلال على القول بالسنة بهاتين الروايتين بالتقريب الذي ذكره من ضم الثلاثة أشهر الاخيرة إلى التسعة، وأن المجموع يصير سنة منقوض بما دلت عليه موثقة عمار الظاهرة في أن أقصى الحمل سنة، حيث إنه عليه السلام أوجب الاعتداد فيها بالثلاثة بعد مضي السنة، وهي ما رواه (4) عن ابي عبد الله


(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 2، التهذيب ج 8 ص 129 ح 44، الوسائل ج 15 ص 442 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 52 ح 3، التهذيب ج 8 ص 115 ح 45، الوسائل ج 15 ص 115 ح 3. (3) ومرجع ذلك إلى أنه مع معلومية الحال بكونه تسعة أو سنة فلا اشكال، وانما الاشكال فيما إذا جهل ذلك كما في صورة الارتياب، فمقتضى ما قلنا من القاعدة هو الحمل على التسعة لانه هو الفرد المتكرر الغالب، فمتى حصلت التسعة حكم بخروجها من العدة. (منه - قدس سره -) (4) الكافي ج 6 ص 98 ح 1، التهذيب ج 8 ص 119 ح 9، الوسائل ج 15 ص 422 ب 13 ح 1.

[ 10 ]

عليه السلام " أنه سئل عن رجل عنده امرأة شابة، وهي تحيض كل شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة، كيف يطلقها زوجها ؟ فقال: أمرها شديد تطلق طلاق السنة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود، ثم نترك حتى تحيض ثلاث حيض متى حاضت، فإذا حاضت ثلاثا فقد انقضت عدتها، قيل له: وإن مضت ستة ولم تحض فيها ثلاث حيض ؟ قال: إذا مضت سنة ولم تحض ثلاث حيض يتربص بها بعد السنة ثلاثة أشهر، ثم قد انقضت عدتها " الحديث، وهذا الخبر من الاخبار الدالة على السنة، وهو كما ترى ظاهر فيما قدمنا ذكره، من أن هذه الثلاثة الاشهر الاخيرة هي العدة الشرعية، وإن علم براءة الرحم بمضي أقصى الحمل بالتسعة كما في الاخبار المتقدمة، أو السنة كما في هذه الرواية، لا أن هذه الثلاثة تضم إلى المدة الاولى ليحصل بالمجموع أقصى الحمل، وإلا للزم أن أقصى للحمل بناء على هذه الرواية خمسة عشر شهرا وهو باطل يقينا. وبالجملة فإن ما تكلفه - رحمه الله - وقبله جده في المسالك من الاستدلال على ما ذهبا إليه بهذه الرواية فهو لا يخلو من تكلف وتعسف، وسيظهر لك - إن شاء الله تعالى - ذلك في المسألة المذكورة وفق الله سبحانه للوصول إليها. والعلامة في المختلف قد اقتصر على نقل أقوال المسألة، وهي الثلاثة المذكورة ولم يتعرض لذكر أدلة شئ منها، وقد عرفت أن روايات المسأله وهي التي وقفنا عليها منحصرة في القول بالتسعة والقول بالسنة، وأما القول بالعشرة فلم نقف له على خبر، إلا أن ظاهر بعضهم أنه مروي أيضا، قال ابن حمزه - على ما نقله عنه في المختلف -: أكثر مدة الحمل فيه روايات ثلاثة: تسعة أشهر، وعشرة وسنة. ثم لا يخفى أن ما دل عليه خبر محمد بن حكيم الاول قد روى نحوه في أخبار اخر له أيضا منها ما رواه (1) عن أبى عبد الله عليه السلام أو أبي الحسن عليه السلام " قال: قلت له: رجل طلق امرأته، فلما مضت ثلاثة أشهر ادعت حبلى، قال: ينتظر بها تسعه


(1) الكافي ج 6 ص 102 ح 5، الوسائل ج 15 ص 443 ح 5.

[ 11 ]

أشهر، قال: قلت: فإنها ادعت بعد ذلك حبلى، قال: هيهات هيهات، إنما يرتفع الطمث من ضربين، إما حبل بين وإما فساد من الطمث، ولكنها تحتاط بثلاثة أشهر بعد ". وأنت خبير بما في هذا الخبر من الدلالة الظاهرة على ما قررناه، والوضوح فيما اخترناه، والتقريب فيه أنه لما ادعت الحبل بعد الثلاثة الاشهر فأمره عليه السلام بالانتظار لتسعة أشهر التي هي أقصى مدة الحمل، فإن ظهر فيها حمل فذاك، وإلا فإنه قد تبين بانقضاء المدة المذكورة عدم الحمل، ولهذا لما قال له الراوي أنها بعد التسعة ادعت الحبل، قال: هيهات هيهات، يعني هذا لا يكون أبدا بأن تمضي مدة تسعة أشهر لم يتبين فيها الحمل ثم يتبين بعدها، وما ذاك إلا من حيث إنها أقصى مدة الحمل، ولو كان مدة الحمل سنة كما يقوله اولئك لم يكن لهذا الكلام معنى بالكلية، بل كان ينبغي أن يرتب على مضي السنة، لا التسعة الاشهر، ثم إنه أمره بالثلاثة الاشهر بعد التسعة التي تبين بها عدم الحمل وبراءة الرحم منه احتياطا، وهي العدة الشرعية المأمور بها بعد الطلاق، وإنما نسبها إلى الاحتياط لتبين براءة الرحم قبلها، وإنما هي مؤكدة لذلك والوجه ما قد عرفته من أن التعليل ببراءة الرحم إنما هو للتقريب إلى الافهام، لا أنه علة حقيقة، يدور المعلول معها وجودا وعدما. نعم يبقى الكلام في الجمع بين أخبار السنة والتسعة، ولا يحضرني الآن وجه شاف يعول عليه. ومن فروع المسألة ما لو وضعت الولد بعد سنة من وقت الجماع فإنه على القول يكون أقصى مدة الحمل تسعة لا يلحق بالزوج، وإنما يلحق به على تقدير القول بالسنة، وهذا معظم الشبهة عند شيخنا الشهيد الثاني وسبطه، وإليه أشار السيد السند فيما قدمنا نقله عنه بقوله في آخر كلامه " ولا ريب أن اعتبار ذلك عادة وإن كان نادرا أولى من الحكم بنفي النسب عن أهله، ومرجعه إلى التمسك

[ 12 ]

بأن الولد للفراش " كما ذكره جده بقوله: واستصحاب حكمه، وحكم الفراش أنسب وإن كان خلاف الغالب. وفيه أنه متى قام الدليل بأن أقصاه تسعة كما عرفته من الاخبار التي قدمناها، وهي مابين نص وصريح في ذلك وظاهر، فإنه يجب تخصيص حديث الفراش بها، وقد عرفت أن جل أخبار محمد بن حكيم وهي متعددة زيادة على ما نقلناه ظاهرة في التسعة، وما ارتكبوه من تأويلها قد عرفت ما فيه بما أظهرناه من ضعف باطنه وخافيه، على أنك قد عرفت أن مقتضى قواعدهم إنما هو الحمل على الافراد الغالبة المتكررة، لا الفروض الشاذه النادرة. وتحقيق الكلام في المقام يتم برسم فوائد: الاولى: إختلف الاصحاب فيما لو دخل بزوجته وجاءت بولد لاقل " من ستة أشهر وهو حي كامل، فقال الشيخ المفيد: إن ولدت زوجته على فراشه حيا تاما لاقل " من ستة أشهر من يوم لامسها فليس بولد في حكم العادة، وهو بالخيار إن شاء أقربه، وإن نفاه عنه. وقال الشيخ في النهاية: فإن جاءت به لاقل من ستة أشهر حيا سليما جاز له نفيه عن نفسه. وقال ابن إدريس: يجب عليه نفيه. وإلى هذا القول ذهب إليه من تأخر عنه وهو المشهور بين المتأخرين. قال في المختلف وهو المعتمد لنا: أنه ليس ولدا له. فسكوته عن نفيه يوجب لحاقه به واعترافه بنسبه، وهو حرام إجماعا. وعلى هذا المنهاج كلام غيره، وهو الظاهر الذي لا إشكال فيه. والعجب من مثل الشيخين في خلافهما لذلك. روى الصدوق في الفقيه، والشيخ في التهذيب (1) عن أبان بن تغلب " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة


(1) الفقيه ج 3 ص 301 ح 27، التهذيب ج 8 ص 167 ح 4، الوسائل ج 15 ص 117 ح 3.

[ 13 ]

فلم تلبث بعدما اهديت إليه إلا أربعة أشهر حتى ولدت جارية، فأنكر ولدها وزعمت هي أنها حملت منه، قال: فقال: لا يقبل منها ذلك، وإن ترافعا إلى السلطان تلاعنا وفرق بينهما ولم تحل له أبدا ". وكذا يجب أن يكون الحكم كذلك فيما إذا ولدت الزوجة بعد أقصى زمان الحمل من حين الوطئ فإنه يجب على الزوج نفيه لانتفائه عنه في نفس الامر، فهو في معلومية نفيه عنه كما لو ولدت به قبل الدخول، أو ولدت به لاقل من ستة أشهر كما تقدم، وقد ذكر جملة من الاصحاب هنا أن ذلك يعلم بأحد أمرين، إما اتفاق الزوجين على عدم الوطئ في المدة المذكورة، أو ثبوت ذلك بغيبة أحدهما عن الآخر في جميع هذه المدة. ومما ورد بالنسبة إلى الغيبة ما رواه في الكافي (1) عن يونس " في المراة يغيب عنها زوجها فتجئ بولد، أنه لا يلحق الولد بالرجل إذا كانت غيبة معروفة، ولا تصدق إنه قدم فأحبلها " وقوله " إذا كانت غيبته معروفة " فيه إشارة إلى محل المسألة. الثانية: لا خلاف ولا إشكال في أنه لوزنت المرأة على فراش زوجها كان الولد ملحقا بالزوج لا ينتفى منه إلا باللعان، للخبر المستفيض (2) عنه صلى الله عليه وآله " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وروى الكليني (3) عن سعيد الاعرج في الموثق عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، لمن يكون الولد ؟ قال: للذي


(1) الكافي ج 5 ص 490 ح 1، التهذيب ج 8 ص 167 ح 3، الوسائل ج 15 ص 213 ب 100 ح 1. (2) الكافي ج 7 ص 163 ح 1، التهذيب ج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 566 ح 1. (3) الكافي ج 5 ص 491 ح 3، التهذيب ج 8 ص 169 ح 13، الوسائل ج 14 ص 568 ح 4.

[ 14 ]

عنده، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وما رواه في التهذيب (1) عن سعيد الاعرج في الموثق عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: الرجل يتزوج المرأة وليست بمأمونة تدعي الحمل، قال: ليصبر لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر ". إلى غير ذلك من الاخبار الواردة بهذا المضمون، ولافرق في ذلك بين كون الولد مشبها للزاني في الخلق والخلق أم لا، عملا بالاطلاق. تنبيه قوله " الولد للفراش " قيل: أي لمالك الفراش، وهو الزوج أو المولى. أقول: قال في كتاب المصباح المنير (2): قوله " الولد للفراش " أي الزوج، فإن كل واحد من الزوجين يسمى فراشا للآخر، كما سمي كل واحد منهما لباسا للآخر، إنتهى. وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف كما في الاول. وقوله " وللعاهر - أي الزاني - الحجر " يحتمل معنيين: أحدهما أن الحجر كناية عن الخيبة والحرمان بمعنى لا شئ له، كما يقال: له التراب. وثانيهما أنه كناية عن الرجم بالاحجار، ورد بأن ليس كل زان يجب رجمه. قال السيد الرضي صاحب كتاب نهج البلاغة في كتاب المجازات النبوية بعد ذكر الخبر: هذا مجاز على أحد التأويلين وهو أن يكون المراد أن العاهر لا شئ له في الولد، فعبر عن ذلك بالحجر، أي له من ذلك ما لاحظ فيه ولا انتفاع به، كما لا ينتفع بالحجر في أكبد الاحوال - إلى أن قال: - وأما التأويل الآخر الذي يخرج به الكلام عن حيز المجاز إلى الحقيقة فهو أن يكون المراد أنه ليس


(1) التهذيب ج 8 ص 183 ح 64، الوسائل ج 15 ص 565 ح 1. (2) المصباح المنير ص 640.

[ 15 ]

للعاهر إلا إقامة الحد عليه وهو الرجم بالاحجار فيكون الحجر هنا إسما للجنس لا المعهود، وهذا إذا كان العاهر محصنا، فإن كان غير محصن فالمراد بالحجر هنا على قول بعضهم الاعناف به والغلظ عليه بتوفية الحد الذي يستحقه من الجلد، وفي هذا القول تعسف، والاستكراه - وإن كان داخلا في باب المجاز - إلا أن الغلظ على من يقام عليه الحد إذا كان الحد جلدا لا رجما يعبر عنه بالحجر لان ذلك بعيد عن سنن الفصاحة، والاولى الاعتماد على التأويل الاول. الثالثه: إذا اختلف الزوجان في الدخول وعدمه فادعته المرأة ليلحق به الولد وأنكره الزوج فلا ريب في أن القول قوله بيمينه لان الاصل عدمه ولان الدخول من فعله فيقبل قوله فيه، ولو اتفقا على الدخول لكن أنكر الزوج الولادة وادعى أنها أتت به من خارج فالقول قوله بيمينه أيضا لان الاصل عدم الولادة ولو اعترف بالدخول والولادة وحصلت الولادة بعد مضي أقل مدة الحمل وقبل مضي أقصاه فإن الولد يلحق به شرعا ويلزمه الاقرار به، ولو أنكره والحال هذه لم ينتف عنه إلا باللعان هو موضع وفاق. أما لو ادعى الاب ولادته لدون ستة أشهر أو لازيد من أقصى الحمل وادعت الزوجة ولادته بعد مضي أقل مدته أو قبل مضي أقصاه، فظاهر إطلاق بعض العبارات أن القول قول المرأة، وأن الحكم كما في سابق هذا الموضع والانسب بقواعدهم والاربط بضوابطهم أن القول قول المرأة فيما إذا ادعى الزوج ولادته بعد مضي أقصى الحمل، لان الاصل عدم مضي تلك المدة، والاصل عدم تقدم الوطئ على الوقت الذي تعترف به المرأة. وأما في صورة ما إذا ادعى ولادته قبل مضي أقل مدة الحمل وادعت المرأة مضي تلك المدة، فيشكل القول بتقديم قولها (1) في ذلك، لان الاصل عدم مضي


(1) لان مثال هذه الدعوى - أي دعوى عدم مضى تلك المدة - إلى دعوى الدخول، فانه إذا قال: لم تمض ستة أشهر من حين الوطئ فمعناه أنه لم يطأ قبل هذه المدة وانما =

[ 16 ]

تلك المدة المتنازع فيها، وعدم تقدم الوطئ عن الوقت الذي يعترف به الزوج، فالاظهر هنا تقديم قول الزوج في ذلك، ومن هنا حمل بعضهم إطلاق تقديم قول المرأة في الاختلاف في المدة على المعنى الاول (1) ليتجه الحكم بتقديم قول المرأة. قال في شرح النافع: ومتى قلنا بتقديم قول المرأة فالظاهر أن عليها اليمين كما صرح به الشهيد وجماعه، وربما ظهر من كلام بعض الاصحاب عدم يمينها وهو بعيد. إنتهى وهو جيد. الرابعة: لو زنى بامرأة فأحبلها ثم تزوجها، وكذا لو زنى بأمة غيره ثم اشتراها لم يجز له إلحاق الولد بنفسه، لان الولد إنما حصل بالزنا، والنسب لا يثبت بالزنا، ومجرد الفراش لا يقتضي إلحاق ما علم انتفاؤه. ويدل على ذلك من الاخبار صريحا ما رواه الشيخ (2) في الصحيح عن علي ابن مهزيار عن محمد بن الحسن القمي " قال: كتب بعض اصحابنا على يدي أبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في رجل فجر بامرأة فحبلت ثم إنه تزوجها بعد الحمل فجاءت بولد وهو أشبه خلق الله به، فكتب عليه السلام بخطه وخاتمه: الولد لغية لا يورث ". وفي الصحيح عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: أيما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادعى ولدها فإنه لا يورث منه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله


= وطأ في انتهائها، فكما أن قوله يقدم في عدم الدخول لاصالة عدمه، فكذا هنا لاصالة عدم تقدمه، لاشتراكهما في تعليل الاصل. كذا أفاده شيخنا في المسالك. (منه - قدس سره -) (1) وهو مالو أتت به بعد مضى ستة أشهر. (منه - قدس سره -). (2) الكافي ج 7 ص 164 ح 4، التهذيب ج 8 ص 182 ح 61، الوسائل ج 15 ص 214 ب 101 ح 1. (3) الكافي ج 7 ص 163 ح 1 مع زيادة فيه، التهذيب ج 8 ص 207 ح 40، وج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 566 ح 1 وج 14 ص 583 ب 74 ح 1.

[ 17 ]

قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر ". الخامسة: إذا طلق الرجل زوجته فاعتدت وتزوجت ثم أتت بولد فإن كان لدون ستة أشهر فهو للاول ولو كان لستة أشهر فصاعدا فهو للاخير، وكذا لو أعتق أمة فتزوجت بعد العدة ثم ولدت فإن الحكم في الولد كما ذكر من التفصيل. والوجه في الاول ظاهر لانتفاء الولد في هذه الحال عن الثاني بعدم مضي أقل مدة الحمل من وطيه، مؤيدا ذلك بالاخبار الآتية في المقام، ونحوه في الحكم بكونه للاول أيضا ما لو أتت به قبل تجاوز أقصى مدة الحمل من وطئ الاول ولم تتزوج لانها فراشه حينئذ ولم يشاركه فراش آخر ليشاركه في الولد. وأما الثاني وهو ما لو أتت به لستة أشهر فصاعدا فالحكم به للثاني ظاهر فيما لو كان الاتيان به بعد مضي أقصى مدة الحمل من وطئ الاول فإنه لا يمكن إلحاقه بالاول حينئذ، وإنما الكلام فيما لو أتت به قبل مضي الاقصى، فإنه يمكن أن يكون من الاول لعدم تجاوز أقصى مدة الحمل من وطئه، وأن يكون من الثاني لمضي أقل مدة الحمل من وطئه، والمشهور - وبه قطع الشيخ في النهاية والمحقق وجماعة - أنه للثاني، وقال الشيخ في المبسوط: تعتبر القرعة لامكان أن يكون من الاول ومن الثاني لان الام فراش لكل منهما حال وطئه، ولا ترجيح إلا بالقرعة. ويدل على المشهور جملة من الاخبار، منها ما رواه الكليني (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا كان للرجل منكم الجارية يطؤها فيعتقها فاعتدت ونكحت فإن وضعت لخمسة أشهر فإنه من مولاها الذي أعتقها، وأن وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فإنه لزوجها الاخير ".


(1) الكافي ج 5 ص 491 ح 1، التهذيب ج 8 ص 168 ح 10 وفيه " فانه لمولاها " الوسائل ج 15 ص 115 ح 1.

[ 18 ]

وما رواه في التهذيب (1) عن زرارة " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل إذا طلق امرأته ثم نكحت وقد اعتدت ووضعت لخمسة أشهر فهو للاول، وإن كان ولدا ينقص من ستة أشهر فلامه ولابيه الاول، وإن ولدت لستة أشهر فهو للاخير ". وما رواه الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن جميل بن دراج " في المرأة تتزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما، فإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للاخير، وإن جاءت بولد في أقل من ستة أشهر فهو للاول " ورواه الكليني والشيخ (3) عن جميل بن دراج عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام " في المرأة تزوج " الحديث. وما رواه الشيخ (4) عن أبي العباس البقباق " قال: إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للاخير، وأن كان أقل من ستة أشهر فهو للاول ". وقد اشتركت هذه الروايات في الدلالة على أنه مع تعدد صاحب الفراش فإنه يحكم للاول إن نقص عن الستة، وإن كان ستة فصاعدا فهو للثاني، ومنه يظهر بطلان القول بالقرعة، وكذا الحكم في الامة لو باعها سيدها بعد الوطئ فإنه متى ولدت عند المشتري لاقل من ستة تبين أنه من البايع، ويزيد هنا أنه يبطل البيع لظهور كونها ام ولد، وأما لو ولدت لستة فصاعدا فهو من المشتري والبيع صحيح.


(1) التهذيب ج 8 ص 167 ح 5، الوسائل ج 15 ص 117 ح 11. (2) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24، التهذيب ج 7 ص 309 ح 41 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13. (3) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 8 ص 168 ح 8، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13. (4) التهذيب ج 8 ص 167 ح 7، الوسائل ج 15 ص 117 ح 12.

[ 19 ]

وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (1) عدم الوقوف على شئ من الروايات التي ذكرناها دليلا للقول باللحوق بالثاني منهما متى كان لستة فصاعدا، لانه بعد نقل القولين المذكورين إنما علل كلا منهما بالعلل الاعتبارية المتعارفة في كلامهم ثم قال: واختار المصنف إلحاقه بالثاني ولعله أقوى. المسألة الثانية: في أولاد الموطوءة بالملك وما يترتب عليها من الاحكام، وذلك يقع في مواضع: منها أنه متى وطأ الامة فجاءت بولد لستة أشهر فصاعدا لزم الاقرار به لانه لو نفاه لم يلاعن امه بل يحكم بنفيه ظاهرا، ولو اعترف به بعد ذلك الحق به، وتفصيل الوجه في هذا الاجمال أن يقال: أما لزوم الاقرار به إذا لم يعلم انتفاؤه عنه فيدل عليه بعد اتفاق الاصحاب على الحكم المذكور ما رواه الكليني (2) في الصحيح عن سعيد بن يسار " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجارية تكون للرجل يطيف بها وهي تخرج فتعلق، قال: يتهمها الرجل أو يتهمها أهله ؟ قلت: أما ظاهرة فلا، قال: إذا لزمه الولد ".


(1) فانه - قدس سره - قال: وان أمكن الحاقه بهما بأن ولدته فيما بين أقصى الحمل وأدناه من وطئهما أمكن كونه منهما، ولا خلاف في عدم الترجيح للاول لان فراش الثاني اما أقوى - من حيث زوال الاول وحصول الثاني بالفعل - أو مساوله، وفى ترجيح الثاني واعتبار القرعة قولان: منشأهما من كونها حال الوطئ فراشا لكل منهما، والزمان صالح لالحاقه بهما فلا ترجيح الا بالقرعة، ومن أن فراش الثاني ثابت بالفعل حقيقة. بخلاف الزائل فانه مجاز عند جمع من الاصوليين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله " الولد للفراش " والقولان للشيخ في المبسوط والنهاية والعلامة في المختلف وغيره، واختار المصمنف الحاقه بالثاني ولعله أقوى، انتهى. وفيه مالا يخفى كما عرفت في غير موضع مما تقدم، والنصوص بحمد الله سبحانه واضحة جلية، ولكنهم لمزيد الاستعجال يغفلون عن مراجعتهم. (منه - قدس سره -). (2) الكافي ج 5 ص 489 ح 1، التهذيب ج 8 ص 181 ح 57، الوسائل ج 14 ص 565 ح 2.

[ 20 ]

وعن سعيد بن يسار (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع على جارية له تذهب تجئ وقد عزل عنها ولم يكن منه إليها شئ، ما تقول في الولد ؟ قال، أرى أن لا يباع هذا يا سعيد، قال: وسألت أبا الحسن عليه السلام فقال: أيتهمها ؟ فقلت: أما تهمة ظاهرة فلا، قال: فيتهمها أهلك ؟ فقلت: أما شئ ظاهر فلا، قال: فكيف تستطيع أن لا يلزمك الولد ". وما رواه الشيخ (2) في الصحيح عن عمر بن يزيد " قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: في هذا العصر رجل وقع على جاريته ثم شك في ولده، فكتب عليه السلام: إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده ". وظاهر هذه الاخبار عدم لحوقه به مع التهمة وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وأما أنه لو علم انتفاؤه عنه فإنه يجوز له نفيه، وينبغي ظاهرا من غير أن يتوقف على لعان، فهو مجمع عليه بينهم، وقد نقل الاجماع على ذلك فخر المحققين في شرح القواعد وشيخنا الشهيد الثاني في الروضة والمسالك. وأما سقوط اللعان هنا فلان مورده - كما دلت عليه الآية - الزوجان كما سيجئ بيانه إن شاء الله تعالى في محله. قال سبحانه: " والذين يرمون أزواجهم " الآية. وأما انتفاؤه ظاهرا بمجرد النفي، فاستدل " عليه زيادة على الاجماع المدعى بأن ذلك لايعرف إلا من قبله، فلو لم ينتف بنفيه - والحال أنه لا ينتفي باللعان - لزم كون ولد الامة أقوى من ولد الحرة لان ولد الحرة ينتفي باللعان، وهذا لا يمكن نفيه أصلا على هذا التقدير، وذلك معلوم البطلان. إنتهى، وفيه ما لا يخفى. وبالجملة فإني لا أعرف لهم دليلا ظاهرا إلا الاجماع المدعى.


(1) الكافي ج 5 ص 489 ح 4، التهذيب ج 8 ص 181 ح 58، الوسائل ج 14 ص 566 ح 5. (2) التهذيب ج 8 ص 181 ح 56 وفيه " عن يعقوب بن يزيد "، الوسائل ج 14 ص 564 ح 5.

[ 21 ]

وأما أنه أذا اعترف به بعد الانكار الحق به، فاستدل عليه بخبر (1) " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " ولان الملاعن الذي ينتفى عنه الولد باللعان إذا أكذب نفسه الحق به الولد - كما سيجئ إن شاء الله تعالى في باب اللعان - وإلحاقه به فيما إذا اعترف به بعد النفي بطريق أولى. تذنيبات الاول: لا يخفى أن ما ذكروه من هذه الاحكام في ولد الامة يجئ مثله - كما صرح به الاصحاب - في ولد المتعة من لزوم الاعتراف به إذا لم يعلم انتفاؤه، وأنه أذا نفاه ينتفي ظاهرا من غير لعان، وإذا اعترف به بعد النفي الحق به. قال السيد السند في شرح النافع: ونقل جدي - رحمة الله عليه - في باب المتعة من الروضة والمسالك الاتفاق على أن ولد المتعة ينتفي بغير لعان، مع أنه قال في هذا الباب من الروضة: أن انتفاء ولد المتعة بمجرد النفي هو المشهور، وحكي عن المرتضى - رحمة الله عليه - قولا بإلحاقها بالدائمة في توقف انتفاء ولدها على اللعان. أقول: وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في الفصل الثالث في المتعة، وبينا ما في المسأله من الاشكال، وإن لم يتنبه إليه أحد من علمائنا الابدال، وأن الروايات التي استندوا إليها في ذلك لا تخلو من الاجمال، فليرجع إليه من أحب تحقيق الحال. الثاني: لا خلاف بين الاصحاب في أنه متى أقر بالولد فإنه لا يقبل منه إنكاره بعد ذلك، وقد ادعى الاجماع على ذلك جملة منهم وعليه تدل الاخبار أيضا. ومنها ما رواه الشيخ (2) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال: وأيما رجل أقر بولد ثم انتفى منه فليس له ذلك ولاكرامة، يلحق به ولده


(1) الوسائل ج 16 ص 111 ح 2. (2) الكافي ج 7 ص 163 ح 1، التهذيب ج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 564 ح 1.

[ 22 ]

إذا كان من امرأته أو وليدته ". وما رواه في الكافي والفقيه (1) عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من أقر بولد ثم نفاه جلد الحد والزم الولد ". وما رواه في التهذيب (2) عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام " قال: إذا أقر الرجل بالولد ساعة لم ينتف منه أبدا ". وما رواه في الكافي (3) عن سعد بن سعد في الصحيح " قال: سألته - يعني أبا الحسن الرضا عليه السلام - عن رجل كان له ابن يدعيه فنفاه وأخرجه من الميراث وأنا وصيه فكيف أصنع ؟ فقال - يعني الرضا عليه السلام -: لزمه الولد بإقراره بالمشهد لا يدفعه الوصي عن شئ قد علمه ". وما رواه في التهذيب (4) عن أبى بصير " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ادعى ولد امرأة لايعرف له أب ثم انتفى من ذلك، قال: ليس له ذلك ". وما رواه في التهذيب (5) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا أقر الرجل بولد ثم نفاه لزمه ". الثالث: أذا كان للجارية موال عديدة ووطأها كل منهم وولدت، فإما أن يكون وطئ الموالي متفرقا بأن وطأها الاول ثم باعها من الثاني فوطأها ثم باعها من الثالث فوطأها وهكذا، وإن كان في طهر واحد، أو يكون وطئ الموالي


(1) الكافي ج 7 ص 261 ح 8، الفقيه ج 4 ص 36 ح 12 وفيه " أن عليا عليه السلام قال: "، التهذيب ج 10 ص 87 ح 103، الوسائل ج 18 ص 457 ح 1. (2) التهذيب ج 8 ص 183 ح 63، الوسائل ج 17 ص 565 ح 4. (3) الكافي ج 7 ص 64 ح 26، الفقيه ج 4 ص 163 ح 2، التهذيب ج 9 ص 235 ح 11، الوسائل ج 13 ص 476 ح 1. (4) التهذيب ج 8 ص 167 ح 6، الوسائل ج 17 ص 564 ح 3. (5) التهذيب ج 9 ص 346 ح 28، الوسائل ج 17 ص 564 ح 2.

[ 23 ]

مجتمعا بحيث يكونون مشتركين في الجارية فوطأها كل منهم من حيث الملك فهنا قسمان: (أحدهما) أن يكون الموالي متفرقة على الوجه الذي ذكرناه، والذي ذكره الاصحاب أنه يحكم بالولد للاخير الذي عنده الجارية إن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعدا من يوم وطئها، وإلا كان للذي قبله بالشرط المذكور، وهكذا في كل واحد منهم، وهي وإن كانت فراشا للجميع أو كالفراش إلا أن الولد عندهم يلحق بالمالك بالفعل دون الزائد وإن أمكن لحوقه به، هذا إن حصل شرط الالحاق وهو التولد على الوجه المذكور، وإلا فالسابق، لانه ناسخ لحكم الذي قبله مع إمكان اللحوق أيضا، وهكذا. والذي يدل على ما ذكروه من تقديم الحاضر دون من سبق وإن أمكن اللحوق ما رواه المشايخ الثلاثه (1) - رحمة الله عليهم - عن الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سمعته يقول: وسئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرء رحمها، قال: بئس ما صنع، يستغفر الله ولا يعود، قلت: فإنه باعها من آخر ولم يستبرء رحمها ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها ولم يستبرء رحمها فاستبان حملها عند الثالث، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للفراش وللعاهر الحجر ". ورواه الشيخ في التهذيب (2) بسند آخر عن الصيقل " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وذكر مثله، إلا أنه قال " قال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للذي عنده الجارية، وليصبر لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وقال عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (3) " وإن كانوا ثلاثة واقعوا جارية على


(1) الكافي ج 5 ص 491 ح 2، الفقيه ج 3 ص 285 ح 2، التهذيب ج 8 ص 168 ح 11، الوسائل ج 14 ص 568 ح 2. (2) التهذيب ج 8 ص 168 ح 12، الوسائل ج 14 ص 568 ح 3. (3) فقه الرضا ص 262 مع اختلاف يسير.

[ 24 ]

الانفراد بعد أن اشتراها الاول وواقعها ثم اشتراها الثاني وواقعها ثم اشترى الثالث وواقعها، كل ذلك في طهر واحد، فأتت بولدها لكان الحق أن يلحق الولد بالذي عنده الجارية ويصبر لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر "، هذا مما لا يخرج في النظر وليس فيه إلا التسليم، وفي الخبرين دلالة على كون الامة فراشا، والاصحاب قد استدلوا في ذلك بهذين الخبرين لضعف قول من منع كونها فراشا. و (ثانيهما) أن يطأها الموالي المشتركون فيها في طهر واحد، ولاريب أنهم قد فعلوا محرما فإنه لا يجوز لاحد الشركاء الوطئ بدون إذن الشركاء الاخر، لكنه لا يكون بذلك زانيا بل عاصيا يستحق التعزير ويلحق به الولد، ويقوم عليه الامة والولد يوم سقط حيا، وقد تقدم تحقيق الكلام في المسألة في كتاب البيع (1) والكلام هنا فيما إذا اجتمعوا على الوطئ فإنهم وإن فعلوا محرما إلا أن الولد لاحق بهم لا بمعنى أنه يكون مشتركا بين الجميع بل يختص بواحد منهم، يجب الرجوع إلى القرعة في تعيينه كما دلت عليه الاخبار، فكل من خرج اسمه الحق به الولد واغرم حصص الباقين من قيمته وقيمة امه، لانها قد صارت ام ولد بالنسبة إلى من ألحق به، وها أنا أسوق ما وقفت عليه من أخبار المسألة. ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب (2) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا وقع الحر والعبد والمشرك بامرأة في طهر واحد فادعوا الولد اقرع بينهم فكان الولد للذي يخرج سهمه ". وما رواه في الكافي والفقيه (3) عن عاصم بن حميد عن أبي بصير في الصحيح أو


(1) ج 19 ص 478. (2) الكافي ج 5 ص 490 ح 1، التهذيب ج 6 ص 240 ح 26 مع اختلاف في السند والمتن، الوسائل ج 14 ص 567 ح 3 وج 18 ص 187 ح 1 مع اختلاف يسير. (3) الكافي ج 5 ص 491 ح 2، الفقيه ج 3 ص 54 ح 11، التهذيب ج 8 ص 170 ح 16، الوسائل ج 14 ص 567 ح 4 وج 18 ص 188 ح 6.

[ 25 ]

الحسن عن أبي جعفر عليه السلام " قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما ورد عليك، قال: يا رسول الله أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطؤها جميعا في طهر واحد فولدت غلاما واحتجوا فيه كلهم يدعيه فأسهمت بينهم وجعلته للذي خرج سهمه، وضمنته نصيبهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله عزوجل إلا خرج سهم المحق ". ورواه الشيخ (1) عن عاصم بن حميد عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر عليه السلام مثله. وما رواه في التهذيب عن معاوية بن عمار في الصحيح والصدوق (2) عنه في الضعيف عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا أقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان الولد ولده، ويرد قيمة الولد على صاحب الجارية " الحديث. وما رواه في التهذيب (3) عن سليمان بن خالد في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قضى علي عليه السلام في ثلاثة وقعوا على إمرأة في طهر واحد، وذلك في الجاهلية قبل أن يظهر الاسلام فأقرع بينهم وجعل الولد لمن قرع وجعل عليه ثلثي الدية للآخرين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجده قال: وما أعلم فيها شيئا إلا ما قضى علي عليه السلام ". ونحو ذلك صحيحة الحلبي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا وقع المسلم واليهودي والنصراني على المرأة في طهر واحد أقرع بينهم، وكان الولد للذي تصيبه القرعة ".


(1) التهذيب ج 6 ص 238 ج 16، الوسائل ج 18 ص 188 ح 5. (2) الفقيه ج 3 ص 52 ح 4، التهذيب ج 8 ص 169 ح 14، الوسائل ج 14 ص 566 ح 1 وج 18 ص 190 ح 14. (3) التهذيب ج 8 ص 169 ح 15، الوسائل ج 14 ص 566 ح 2. (4) التهذيب ج 9 ص 348 ح 33، الوسائل ج 17 ص 571 ب 10 ح 1.

[ 26 ]

قال في المسالك - بعد أن ذكر صحيحة أبي بصير (1) المشتملة على بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن ولم ينقل سواها - ما صورته: والاصحاب حكموا بمضمونها وحملوا قوله " وضمنته نصيبهم " على النصيب من الولد والام معا كما لو كان الواطئ واحدا منهم ابتداء، فإنه يلحق به ويغرم نصيبهم منهما كذلك، لكن يشكل الحكم بضمانه لهم نصيب الولد لادعاء كل منهم أنه ولده وأنه لا يلحق بغيره، ولازم ذلك أنه لا قيمة له على غيره من الشركاء، وهذا بخلاف ما لو كان الواطئ واحدا، فإن الولد محكوم بلحوقه به، ولما كان من نماء الامة المشتركة جمع بين الحقين بإغرامه قيمة الولد لهم وإلحاقه به، بخلاف ما هنا، والرواية ليست صريحة في ذلك، لان قوله " وضمنته نصيبهم " يجوز إرادة النصيب من الام، لانه هو النصيب الواضح لهم باتفاق الجميع بخلاف الولد، ويمكن أن يكون الوجه في إغرامه نصيبهم من الولد، أن ذلك ثابت عليه بزعمه أنه ولده، ودعواهم لم يثبت شرعا، فيؤاخذ المدعي بإقراره بالنسبة إلى حقهم، والنصيب في الرواية يمكن شموله لهما معا من حيث إن الولد نماء أمتهم، فلكل منهم فيه نصيب سواء الحق به أم لا، ولهذا يغرم من لحق به نصيب الباقين في موضع الوفاق، وعلى كل حال فالعمل بما ذكره الاصحاب متعين ولا يسمع الشك فيه مع ورود النص به ظاهرا وإن احتمل غيره، إنتهى. أقول: لا يخفى أن الرواية المذكورة وإن أو همت ما ذكره من حيث عدم الصراحة في كون ما يغرمه نصيبهم من الولد، إلا أن صحيحة معاوية بن عمار صريحة في ذلك لقوله " فمن قرع كان الولد ولده، وترد قيمة الولد على صاحب الجارية ". وحاصله: أن من غلب بالقرعة وخرج اسمه يجب عليه إعطاء شريكه في الجارية حصته من قيمة الولد، فقوله " قيمة الولد " أي حصته من قيمة الولد،


(1) التهذيب ج 8 ص 170 ح 16، الوسائل ج 18 ص 188 ح 6.

[ 27 ]

وهو أيضا ظاهر صحيحة سليمان بن خالد وإن عبر عن القيمة بالدية، فإنه بعد أن حكم بأن الولد لمن قرع أوجب عليه ثلثي القيمة أي قيمة الولد، لان الشركاء ثلاثة كما هو مذكور في صدر الخبر. وبالجملة فإن ظاهر هذه الروايات المشتملة على القيمة إنما أريد بها قيمة الولد، لان سياقها إنما هو في حكم الاولاد لا قيمة الجارية، وإن كان ذلك أيضا واجبا عليه إلا أنه لم يتعرض له في هذه الاخبار، وإنما يستفاد من أخبار كما تقدم في كتاب البيع، وعلى هذا فيمكن أن يقال - في دفع ما ذكره من الاستشكال - أنه لما دلت الاخبار بعد إلحاق الولد به بالقرعة وصيرورته هو الاب الحقيقي بذلك صار في حكم ما لو كان الواطئ لها واحدا من الشركاء خاصة، ويترتب عليه هنا ما ذكر في تلك المسألة، ودعوى كل من الشركاء - أنه ولده بزعمه بعد خروج القرعة لواحد معين - في حكم العدم، فإن القرعة قد عينت الاب الحقيقي. وقال في كتاب الفقه الرضوي: (1) ولو أن رجلين اشتريا جارية وواقعاها جميعا فأتت بولد لكان الحكم فيه أن يقرع بينهما، فمن أصابت القرعة ألحق به الولد، ويغرم نصف قيمة الجارية لصاحبه، وعلى كل واحد منهما نصف الحد. إنتهى، وهذا الخبر قد تضمن قيمة الجارية خاصة. الرابع: أنه لو وطأها المولى ووطأها أجنبي بالزنا فولدت فإنه لا خلاف في إلحاقه بالمولى، لاخبار الفراش المتظافرة وصحيحة سعيد الاعرج (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، لمن تكون الولد ؟ قال: للذي تكون عنده لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وموثقة


(1) فقه الرضا ص 262، مستدرك الوسائل ج 3 ص 200 ب 11 ح 4. (2) الكافي ج 5 ص 491 ح 3، التهذيب ج 8 ص 169 ح 13 وفيه " عنده الجارية "، الوسائل ج 14 ص 568 ح 4.

[ 28 ]

سماعة (1) " قال: سألته عن رجل له جارية فوثب عليها إبن له ففجر بها، قال: قد كان رجل عنده جارية وله زوجة فأمرت ولدها أن يثب على جارية أبيه ففجر بها، فسأل أبو عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: لا يحرم ذلك على أبيه، إلا أنه لا ينبغي له أن يأتيها حتى يستبرئها للولد، فإن وقع فيما بينهما ولد فالولد للاب إذا كانا جامعاها في يوم واحد وشهر واحد ". وإنما الاشكال والخلاف فيما لو حصل في الولد أمارة تغلب على الظن أن الولد ليس من المولى، قال الشيخ في النهاية: إذا حصل في الولد أمارة يغلب معها الظن أنه ليس من المولى لم يجز له إلحاقه به ولا نفيه عنه، وينبغي أن يوصي له بشئ ولا يورثه ميراث الاولاد، وتبعه على ذلك جملة من الاصحاب منهم المحقق في النافع، وفي الشرائع نسبه إلى قيل، وتردد فيه، والظاهر أنه المشهور. ويدل عليه من الاخبار ما رواه في الكافي (2) عن محمد بن عجلان " قال: إن رجلا من الانصار أتى أبا جعفر عليه السلام فقال له: إني قد إبتليت بأمر عظيم، إني وقعت على جاريتي ثم خرجت في بعض حوائجي فانصرفت من الطريق، فأصبت غلامي بين رجلي الجارية فاعتز لتها فحبلت ثم وضعت جارية لعدة تسعة أشهر، فقال له أبو جعفر عليه السلام: إحبس الجارية لاتبعها وأنفق عليها حتى تموت أو يجعل الله لها مخرجا، فإن حدث بك حدث فأوص بأن ينفق عليها من مالك حتى يجعل الله لها مخرجا " الحديث. ورواه الكليني والشيخ في التهذيب (3) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن


(1) التهذيب ج 8 ص 179 ح 51، الوسائل ج 14 ص 564 ح 3. (2) الكافي ج 5 ص 488 ح 2، التهذيب ج 8 ص 180 ح 53، الوسائل ج 14 ص 563 ح 2. (3) الكافي ج 5 ص 488 ح 1، الفقيه ج 4 ص 230 ح 1، التهذيب ج 8 ص 179 ح 52، الوسائل ج 14 ص 563 ح 1.

[ 29 ]

أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن رجلا من الانصار أتى أبي - الحديث كما تقدم إلى قوله - حتى يجعل الله لها مخرجا " ش وفيه أيضا " فقال له أبي عليه السلام: لا ينبغي لك أن تقربها ولا تنفيها " عوض قوله " فقال له أبو جعفر عليه السلام " الخ. وما رواه في الفقيه والتهذيب (1) عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل كان يطأ جارية له وأنه كان يبعثها في حوائجه وأنها حبلت وأنه بلغه عنها فساد، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا ولدت أمسك الولد ولا يبيعه ويجعل له نصيبا في داره، قال: فقيل له: رجل يطأ جارية له وأنه لم يكن يبعثها في حوائجه وأنه اتهمها وحبلت، فقال: إذا هي ولدت أمسك الولد ولا يبيعه ويجعل له نصيبا من داره وماله، وليس هذه مثل تلك ". وما رواه المشايخ الثلاثة (2) عن عبد الحميد بن إسماعيل " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له جارية يطؤها وهي تخرج في حوائجه فحبلت فخشي أن لا يكون منه، كيف يصنع ؟ أيبيع الجارية والولد ؟ قال: يبيع الجارية ولا يبيع الولد ولا يورثه من ميراثه شيئا ". وأنت خبير بأنه ليس في شئ من هذه الاخبار على تعددها دلالة على ما ذكره الشيخ من اشتراط حصول أمارة يغلب معها الظن بأنه ليس من المولى في ترتب ما ذكره من الاحكام التي جعلها حالة وسطى بين الولد والاجنبي، وغاية ما تدل عليه الاخبار المذكورة هو حصول الزنا منها مع وطئ المولى لها أو التهمة لها بالزنا، وأن هذه الاحكام مترتبة على ذلك، وفيه ما لا يخفى من الاشكال لما عرفت من الاخبار المتقدمة وأخبار القاعدة المشهورة من أن " الولد للفراش


(1) الكافي ج 5 ص 489 ح 2، الفقيه ج 4 ص 231 ح 3، التهذيب ج 8 ص 182 ح 59، الوسائل ج 14 ص 565 ح 3. (2) الكافي ج 5 ص 489 ح 3، الفقيه ج 3 ص 230 ح 2 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 8 ص 180 ح 54، الوسائل ج 14 ص 565 ح 4.

[ 30 ]

وللعاهر الحجر " (1) ومحل البحث أحد أفراد القاعدة ومقتضى جميع ذلك حرية الولد وإلحاقه بالاب. قال في المسالك: القول المذكور للشيخ وأتباعه وأكثر الاصحاب إستنادا إلى روايات كثيرة دالة بظاهرها على ذلك لكنها مختلفة الدلالة والاسناد، والواضح السند منها ليس بصريح في المطلوب، والدال عليه الآخر ضعيف السند، ولكثرتها أعرضنا عن نقلها مضافا إلى مخالفتها للقواعد الشرعية، والاخبار الصحيحة المتفق عليها (2) من أن " الولد للفراش وللعاهر الحجر " وأنه لا عبرة في الولد بمشابهة الاب أو غيره، ولان الولد المذكور إن كان لاحقا به فهو حر وارث، وإلا فهو رق، فجعله طبقة ثالثا وقسما آخر ليس بجيد، ومقتضى النصوص أن الولد يملك الوصية ولا يملكه المولى ولا الوارث، وهي من خواص الحر، لكن عدم إلحاقه به ينافي ذلك، فالاقوى الاعراض عن مثل هذه الروايات والاخذ بالمجمع عليه من أن الولد للفراش حيث تجتمع شرائط إلحاقه به، إنتهى. أقول: ومن أخبار المسألة ما رواه في التهذيب (3) عن جعفر بن محمد بن إسماعيل ابن الخطاب " أنه كتب إليه يسأله عن ابن عم له كانت له جارية تخدمه وكان يطؤها، فدخل يوما إلى منزله فأصاب معها رجلا تحدثه فاستراب بها فهدد الجارية فأقرت أن الرجل فجر بها ثم إنها حبلت فأتت بولد، فكتب عليه السلام: إن كان الولد لك أو فيه مشابهة منك فلا تبعهما فإن ذلك لا يحل لك، وإن كان الابن ليس منك ولا فيه مشابهة منك فبعه وبع أمه ".


(1) الكافي ج 5 ص 491 ح 3، التهذيب ج 8 ص 169 ح 13، الوسائل ج 14 ص 568 ح 4. (2) التهذيب ج 8 ص 169 ح 12 و 13، الوسائل ج 14 ص 568 ب 58 ح 3 و 4 (3) التهذيب ج 8 ص 180 ح 55، الوسائل ج 14 ص 564 ح 4.

[ 31 ]

وعن يعقوب بن يزيد (1) في الصحيح " قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في هذا العصر رجل وقع على جاريته، ثم شك في ولده، فكتب عليه السلام: إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده ". وأنت خبير بما عليه أخبار هذه المسألة من الاختلاف والاضطراب بما لا يقبل الاصلاح ويزيل الارتياب، فجملة منها وهو أكثرها على الالحاق بصاحب الفراش مع العلم بالزنا فضلا عن التهمة به، أعم من أن يظهر في الولد مشابهته له أم المشابهة للزاني أم لا، وجملة وافرة ظاهرة في أنه مع التهمة فضلا عن وقوع الزنا بالفعل يجعل للولد تلك الحالة الوسطى كما هو صريح أكثر هذه الاخبار الاخيرة، ونحوها مفهوم الاخبار المتقدمة في صدر المسألة كما أشرنا إليه ثمة، وهذان الخبران قد تضمنا أنه مع تحقق الزنا يرجع إلى مشابهة الولد لمولى الجارية وعدمها. مع أن هنا جملة من الاخبار دالة بصريحها على أنه قد يخرج الولد على غاية من البعد عن الاب في اللون ونحوه من الامور التي جعلوها منشأ للالحاق به، وأنه ابنه حقيقة، وإن كنا لا نهتدي لاسباب عدم المشابهة والاختلاف التام بينهما في الخلق والخلق مثل ما رواه في الكافي (2) عن عبد الله بن سنان عن بعض أصحابه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: أتى رجل من الانصار رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هذه ابنة عمي وامرأتي لا أعلم إلا خيرا وقد أتتنى بولد شديد السواد منتشر المنخرين جعد قطط، أفطس الانف، لا أعرف شبهه في أخوالي ولا في أجدادي، فقال لامرأته: ما تقولين ؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا ما أقعدت مقعده مني منذ ملكني أحدا غيره، قال: فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله برأسه مليا ثم رفع بصره إلى السماء ثم أقبل على الرجل فقال: يا هذا إنه ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعون عرقا كلها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق


(1) التهذيب ج 8 ص 181 ح 56، الوسائل ج 14 ص 564 ح 4. (2) الكافي ج 5 ص 561 ح 23، الوسائل ج 15 ص 218 ح 1.

[ 32 ]

تسأل الله لشبه لها، فهذا من تلك العروق التي لم يدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك، فقالت المرأة: فرجت عني يا رسول الله ". وما رواه في الكافي (1) عن ابن مسكان عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن رجلا أتى بامرأته إلى عمر فقال: إن امرأتي هذه سوداء وأنا أسود، وإنها ولدت غلاما أبيض، فقال لمن بحضرته: ما ترون ؟ فقالوا: نرى أن ترجمها، فإنها سوداء وزوجها أسود وولدها أبيض، قال: فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه بها لترجم فقال: ما حالكما ؟ فحدثاه، فقال للاسود: أتتهم امرأتك ؟ فقال: لا، قال: فأتيتها وهي طامث ؟ قال: قد قالت لي في ليلة من الليالي: إني طامث، فظننت أنها تتقي البرد فوقعت عليها، فقال للمرأة: هل أتاك وأنت طامث ؟ قالت: نعم سله قد حرجت عليه وأبيت، قال: فانطلقا فإنه ابنكما وإنما غلب الدم النطفة فابيض، ولو قد تحرك اسود فلما أيفع اسود " (2). وروى الصدوق في الفقيه (3) مرسلا قال: " قال النبي صلى الله عليه وآله: من نعم الله عزوجل على الرجل أن يشبهه ولده ". قال: " وقال الصادق عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كل صورة بينه وبين آدم، ثم خلقه على صورة إحداهن، فلا يقولن أحد لولده هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئا من آبائي ". أقول: ويمكن تفسير خبر العروق بهذا الخبر، ومقتضى ذينك الخبرين أنه لو كان الحاكم غير المعصومين عليه السلام هو نفي الولد في هاتين الصورتين عن أبيه عملا بما دلا عليه، وهذان الخبران كما ترى على خلافهما، فكيف يصح أن يجعل ما اشتمل عليه قاعدة شرعية، والحال كما عرفت.


(1) الكافي ج 5 ص 566 ح 46، الوسائل ج 15 ص 219 ح 2. (2) أيفع الغلام فهو يافع: إذا شارف الاحتلام ولم يحتلم. (3) الفقيه ج 3 ص 312 ح 22 و 23، الوسائل ج 15 ص 219 ح 3 و 4.

[ 33 ]

ويمكن الجمع بين الاخبار بحمل خبر جعفر بن محمد بن إسماعيل وصحيحة يعقوب بن يزيد على مورديهما، وأنها قضية في واقعة فلاتتعدى إلى غيرها. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال وإن كان الاقرب هو اللحوق بمن عنده الجارية، وظاهر السيد السند في شرح النافع الميل إلى القول المشهور لصحة بعض أخباره حيث قال: وعذر المصنف في العمل بهذه الروايات واضح لصحة بعضها واعتضادها بالبعض الآخر وعمل الاصحاب بها، ومع ذلك فالمسألة بمحل تردد، إنتهى. وفيه أن هذه الروايات (1) سيما ما اشتمل عليه أكثرها من التهمة لا يبلغ قوة المعارضة لما دلت عليه تلك الاخبار لكثرتها وصراحتها في اللحوق بصاحب الفراش، ولا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة، فينبغي أن يراجع. المسألة الثالثة: في وطئ الشبهة، قال في المسالك: لا خلاف في أن وطئ


(1) أقول: ومما يؤيد ما ذكرناه من عدم البناء على التهمة ما رواه الصدوق في كتاب اكمال الدين واتمام النعمة عن الحسين بن اسماعيل الكيدرى عن أبى طاهر البلالى " قال: كتب جعفر بن حمدان فخرجت إليه هذه المسائل: استحللت بجارية وشرطت عليها أن لا أطلب ولدها ولم ألزمها منزلي، فلما أتى لذلك مدة قالت قد حبلت ثم أتت بولد ثم أنكرته - إلى أن قال: - فخرج جوابها - يعنى عن صاحب الزمان صلوات الله عليه -: وأما الرجل الذى استحل بالجارية وشرط عليها أن لا يطلب ولدها: فسبحان الله من لا شريك له في قدرته، شرطه على الجارية شرط على الله، هذا مالا يؤمن أن يكون، وحيث عرض له في هذا شك، وليس يعرف الوقت الذى أتاها، فليس ذلك يوجب البراءة من ولده ". أقول: مرجع كلام السائل إلى أنه شرط العزل عن الجارية، ومع هذا لم يلتزمها العزل فأتت بولد والحال هذه وهو ظاهر في تهمتها وقد حكم عليه السلام بأن الولد له، وأن شكه وتهمته لها ليس بشئ، وأن اشتراط العزل كما قدمناه غير موجب لنفى الولد عنه. (منه - قدس سره -) اكمال الدين واتمام النعمة ص 500 توقيع 25، الوسائل ج 15 ص 119 ب 19 ح 1.

[ 34 ]

الشبهة كالصحيح في لحوق أحكام النسب، إنتهى. أقول: وقد تقدم الكلام في تعريفه وبيان الخلاف في نشر حرمة المصاهرة به في الفصل الثاني في أسباب التحريم، وأما لحوق ولد الشبهة بالواطئ كما في النكاح الصحيح فيدل عليه مضافا إلى الاجماع المذكور جملة من الاخبار. ومنها صحيحة جميل بن دراج (1) " في المرأة تزوج في عدتها: قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما، فإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للاخير، وإن جاءت بولد في أقل من ستة أشهر فهو للاول " هكذا في الفقيه ورواه الكليني والشيخ (2) في الضعيف عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام في المرأة.. إلخ. وما رواه في الكافي (3) عن زرارة في الموثق " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام - إلى أن قال: - قلت: فإن تزوج امرأة ثم تزوج امها وهو لا يعلم أنها امها ؟ قال: قد وضع الله عنه بجهالة لذلك، ثم قال: إذا علم أنها امها فلا يقربها، ولا يقرب البنت حتى تنقضي عدة الام منه، فإذا انقضت عدة الام حل له نكاح البنت، قلت: فإن جاءت الام بولد ؟ قال: هو ولده وأخو امرأته ". وقد تقدم الكلام (4) في أنه لو وطأ أمة الغير بشبهة فولدت الحق الولد بالحر وعليه فكه بالقيمة لمولى الجارية على خلاف في ذلك. ومن أفراد نكاح الشبهة ما لو تزوج امرأة بظن أنها لازوج لها بموت أو


(1) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24 مع اختلاف يسير. (2) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 7 ص 309 ح 41، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13. (3) الكافي ج 5 ص 431 ح 4، الوسائل ج 14 ص 368 ب 26 ح 1 وفيه اختلاف يسير. (4) تقدم ذلك في المسألة الرابعة من المطلب الاول من الفصل الرابع في أحكام الاماء. (منه - قدس سره -)

[ 35 ]

طلاق، فظهر أنه لم يمت أو لم يطلق فإنها ترد على الاول بعد الاعتداد من الثاني، وما أتت من الاولاد بعد تزويج الثاني يلحق بالثاني بالشرائط المتقدمة، هذا إذا كان التزويج بحكم الحاكم أو شهادة الشاهدين، لان وطئ الثاني يكون شبهة مسوغة للوطئ وموجبة لالحاق الولد، وثبوت الاعتداد بعد ظهور الفساد، وأما لو كان التزويج وقع بالعمل بخبر من لا يثبت به الحكم شرعا كالواحد فإن كان لظن جواز التعويل عليه شرعا جهلا منهما بالحكم الشرعي فإنه شبهة أيضا، وإلا كان ذلك زنا فلا مهر ولا يلحق الولد بالواطئ ولا عدة عليها منه إلا على القول بوجوبها في الزنا مطلقا، والظاهر أنه لا خلاف في هذه الاحكام، وعليها يدل أيضا جملة من الاخبار. ومنها ما رواه المشايخ الثلاثه (1) عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا نعي الرجل إلى أهله أو خبروها أنه طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الاول بعد فإن الاول أحق بها من هذا الآخر دخل بها الاول أولم يدخل، ولها من الاخير المهر بما استحل من فرجها ". وزاد في الكافي والتهذيب " وليس للآخر أن يتزوجها أبدا " وروي هذا المضمون بعدة طرق في كتب الاخبار المشهورة، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مستوفى في الفصل الثاني. المقام الثاني: في سنن الولادة وما يستحب فعله بالمولود. قالوا: والواجب استبداد النساء بالمرأة عند الولادة دون الرجال إلا مع عدم النساء، وأما الزوج فلا بأس به وإن وجد النساء، وعلل وجوب استبداد النساء بها بأن مثل ذلك يوجب سماع صوتها غالبا والاطلاع على ما يحرم عليهم. وفيه ما تقدم في غير موضع من عدم ثبوت تحريم سماع صوت الاجنبية


(1) الكافي ج 6 ص 149 ح 1، الفقيه ج 3 ص 355 ح 3، التهذيب ج 7 ص 488 ح 169، الوسائل ج 14 ص 342 ب 16 ح 6 وج 15 ص 466 ب 37 ح 1.

[ 36 ]

بل قيام الدليل على جوازه، نعم التعليل الثاني لا بأس به إن لزم ذلك، والظاهر جواز ذلك للرجال المحارم إلا أن يستلزم المباشرة لما لا يجوز لهم المباشرة ونظر مالا يجوز نظره، ومع الضرورة لتعذر النساء بالكلية يسقط البحث لان الضرورات تبيح المحظورات كما يستفاد من جملة من الروايات، وكما صرحوا به من إباحة ذلك للطبيب في وقت الحاجة ولو إلى العورة، وهذا الوجوب في جميع المراتب كفائي يجب على كل من بلغه حالها من النساء إلى أن يحصل من يقوم به فيسقط عن الباقين، وهكذا في الرجال حيث تلجئ الضرورة إليهم. وأما السنن التي أشرنا إليها (فمنها) إخراج من في البيت من النساء وقت الولادة، وهو حكم غريب لم أقف في كلام الاصحاب وقد رواه في الكافي والفقيه (1) عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام " قال: كان علي بن الحسين عليه السلام إذا حضرت ولادة المرأة قال: أخرجوا من في البيت من النساء لا يكون أول ناظر إلى عورة ". قال في الوافي (2): يعني لا يكون أول من ينظر إليه امرأة ويقع نظرها إلى عورته منه، فإنهن ينظرن أولا إلى عورته ليعلم أنه ذكر أو أنثى، بل ينبغي أن يقع عليه أولا نظر رجل وأن ينظر منه إلى غير عورة. (ومنها) الاذان في اذن المولود اليمنى والاقامة في اليسرى، روى في الكافي (3) عن أبي يحيى الرازي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا ولد لكم المولود أي شئ تصنعون به ؟ قلت: لا أدرى ما نصنع به، قال: فخذ عدسة من جاوشير فديفه بماء ثم قطر في أنفه في المنخر الايمن قطرتين وفي الايسر قطرة واحدة، وأذن في اذنه


(1) الكافي ج 6 ص 17 ح 1، الفقيه ج 3 ص 365 ح 28 وفيه " لا تكون المرأة أول ناظر إلى عورته "، التهذيب ج 7 ص 436 ح 1، الوسائل ج 15 ص 119 ب 18 ح 1. (2) الوافى ج 3 ص 200 ب 211 من ابواب النكاح. (3) الكافي ج 6 ص 23 ح 1، التهذيب ج 7 ص 436 ح 2 وفيهما " فدفه "، الوسائل ج 15 ص 137 ب 35 ح 2.

[ 37 ]

اليمنى وأقم في اليسرى تفعل به ذلك قبل قطع سرته، فإنه لا يصرع أبدا ولا تصيبه ام الصبيان " قوله " فخذ عدسة " أي مقدار عدسة. وعن حفص الكناسي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: مروا القابلة أو بعض من يليه أن تقيم الصلاة في اذنه اليمنى ". وعن السكوني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ولد له مولود فليؤذن في اذنه اليمنى بأذان الصلاة وليقم في اليسري فإنه عصمة من الشيطان الرجيم ". وروى في الفقيه (3) مرسلا قال: " قال الصادق عليه السلام: المولود إذا ولد يؤذن في اذنه اليمنى ويقام في اليسرى " والظاهر حمل رواية حفص على الرخصة. (ومنها) تحنيكه بماء الفرات وتربة الحسين عليه السلام قالوا: فإن لم يوجد ماء الفرات فبماء قراح، ولو لم يوجد إلا ماء ملح جعل فيه شئ من التمر أو العسل. والذي وقفت عليه من الاخبار هنا ما رواه في الكافي (4) عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: يحنك المولود بماء الفرات ويقام في اذنه ". قال: وفي رواية اخرى (5) " حنكوا أولادكم بماء الفرات وتربة الحسين عليه السلام وإن لم يكن فبماء السماء ".


(1) الكافي ج 6 ص 23 ح 2، الوسائل ج 15 ص 137 ب 35 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 24 ح 6، التهذيب ج 7 ص 437 ح 6، الوسائل ج 15 ص 136 ب 35 ح 1. (3) الفقيه ج 1 ص 195 ح 49، الوسائل ج 4 ص 672 ح 2. (4) الكافي ج 6 ص 24 ح 3، التهذيب ج 7 ص 436 ح 3، الوسائل ج 15 ص 138 ح 2. (5) الكافي ج 6 ص 24 ح 4، التهذيب ج 7 ص 436 ح 4، الوسائل ج 15 ص 138 ح 3.

[ 38 ]

وعن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: حنكوا أولادكم بالتمر، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وآله بالحسن والحسين عليهما السلام ". وروى في كتاب عيون أخبار الرضا (2) بسنده فيه عن ام الرضا عليه السلام " تقول في حديث: لما وضعت ابني عليا دخل علي أبوه موسى بن جعفر عليه السلام فناولته إياه في خرقة بيضاء فأذن في اذنه اليمنى وأقام في اليسرى ودعا بماء الفرات فحنكه به ثم رده إلي فقال: خذيه فإنه بقية الله في أرضه ". وفي كتاب الفقه الرضوي (3) كما سيأتي نقل كلامه التحنيك بالعسل وهو مستند الاصحاب فيما قدمنا نقله عنهم، لكن الظاهر أنهم أخذوا ذلك من كلام الصدوقين اللذين من عادتهما الافتاء بعبارات هذا الكتاب كما عرفته. وروى في الفقيه (4) عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن علي بن الحسين عليه السلام عن أسماء بنت عميس عن فاطمة عليها السلام " قالت: لما حملت بالحسين عليه السلام وولدته جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا أسماء هلمي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها النبي صلى الله عليه وآله وأذن في اذنه اليمنى وأقام في اذنه اليسرى ". أقول: التحنيك إدخال ذلك إلى حنكه وهو أعلى داخل الفم، وأنت خبير بأن أكثر الاخبار اشتمل على استحباب الاذان في الاذن اليمنى والاقامة في الاذن اليسرى وبعضها اشتمل على الاقامة في الاذن اليمنى خاصة، والظاهر أنه محمول على الرخصة، وإن كان الافضل الاول. ثم إن المستفاد من هذه الاخبار هو استحباب التحنيك بماء الفرات، وهو


(1) الكافي ج 6 ص 24 ح 5، التهذيب ج 7 ص 436 ح 5 وفيه " أبى بصير قال: قال أمير المؤمنين "، الوسائل ج 15 ص 137 ح 1. (2) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 16 ح 2 ط النجف الاشرف، الوسائل ج 15 ص 138 ح 4. (3) فقه الرضا ص 239. (4) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 24 ح 5 ط النجف الاشرف، الوسائل ج 15 ص 138 ح 5.

[ 39 ]

النهر المشهور، ومع عدمه فبماء المطر، والاصحاب ذكروا أنه مع عدمه فبماء عذب، ومع تعذره بأن كان مالحا يوضع فيه التمر أو العسل، ولم أقف فيه على نص، والذي يقتضيه الجمع بين هذه الاخبار أنه يحنك بماء الفرات وإلا فبماء المطر يوضع فيه شئ من التربة وشئ من حلاوة التمر أو العسل فيحصل العمل بالجميع. (ومنها) غسل المولود، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة (1). (ومنها) أن يسميه بأحد الاسماء المستحسنة وأفضلها ما يتضمن العبودية لله ويليها في الفضل أسماء الانبياء والائمة، كذا ذكره جملة من الاصحاب، منهم المحقق والعلامة. أقول: ما ذكره من الافضل ما تضمن العبودية لله ويليها في الفضل أسماء الانبياء والائمة عليهم السلام لم نقف عليه فيما وصل إلينا من نصوص المسألة. ومنها ما رواه في الكافي (2) عن ثعلبة بن ميمون عن رجل قد سماه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: أصدق الاسماء ما سمي بالعبودية وأفضلها أسماء الانبياء ". وعن موسى بن بكر (3) عن أبي الحسن الاول عليه السلام " قال: أول ما يبر الرجل ولده أن يسميه باسم حسن، فليحسن أحدكم اسم ولده ". وعن عبد الله بن الحسين (4) بن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: استحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة، قم يا فلان بن فلان إلى نورك، قم يا فلان بن فلان لا نور لك ".


(1) ج 4 ص 189. (2) الكافي ج 6 ص 18 ح 1، التهذيب ج 7 ص 438 ح 11 مع زيادة، الوسائل ج 15 ص 124 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 18 ح 3، التهذيب ج 7 ص 437 ح 9، الوسائل ج 15 ص 122 ب 22 ح 1. (4) الكافي ج 6 ص 19 ح 10، الوسائل ج 15 ص 122 ب 22 ح 2.

[ 40 ]

وعن أحمد (1) عن بعض أصحابنا عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يولد لنا ولد إلا سميناه محمدا، فإذا مضى سبعة أيام فإن شئنا غيرنا وإن شئنا تركنا ". وعن فلان بن حميد (2) " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام وشاوره في إسم ولده، فقال: سمه بأسماء من العبودية، فقال: أي الاسماء هو ؟ فقال: عبد الرحمن ". وعن عاصم الكوزي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من ولد له أربعة أولاد لم يسم أحدهم باسمي فقد جفاني ". وعن سليمان بن جعفر الجعفري (4) " قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لايدخل الفقر بيتا فيه إسم محمد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمه من النساء ". ويستفاد من بعض الاخبار إستحباب التسمية قبل الولادة وإلا فبعد الولادة حتى السقط، فروى في الكافي (5) عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن جده عليهم السلام " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: سموا أولادكم قبل أن يولدوا، فإن لم تدروا أذكر أم اثنى فسموهم بالاسماء التي تكون للذكر والانثى، فإن أسقاطكم إذا لقوكم في القيامة ولم تسموهم يقول السقط لابيه ألا سميتني وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله محسنا قبل أن يولد ". وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد (6) عن السندي بن محمد عن أبي البختري


(1) الكافي ج 6 ص 18 ح 4، التهذيب ج 7 ص 437 ح 10، الوسائل ج 15 ص 125 ب 24 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 18 ح 5، الوسائل ج 15 ص 125 ب 23 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 19 ح 6، الوسائل ج 15 ص 126 ح 2. (4) الكافي ج 6 ص 19 ح 8، التهذيب ج 7 ص 438 ح 12، الوسائل ج 15 ص 128 ب 26 ح 1. (5) الكافي ج 6 ص 18 ح 2، الوسائل ج 15 ص 121 ح 1. (6) قرب الاسناد ص 74، الوسائل ج 15 ص 122 ب 21 ح 2.

[ 41 ]

عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سموا أسقاطكم فإن الناس إذا دعوا يوم القيامة بأسمائهم تعلق الاسقاط بآبائهم فيقولون لم لم تسمونا ؟ فقالوا: يا رسول الله هذا من عرفنا أنه ذكر سميناه باسم الذكور ومن عرفناه أنها انثى سميناها بإسم الاناث، أرأيت من لم يستبن خلقه كيف نسميه ؟ قال: بالاسماء المشتركة مثل زائدة وطلحة وعنبسة وحمزة ". أقول: الظاهر أن المراد منه ما اقترن بتاء التأنيث من أسماء الرجال فإنه صالح لكل منهما، والمستفاد من أكثر الاخبار كما سيأتي إن شاء الله تعالى في أخبار سنن اليوم السابع اختصاص استحباب التسمية باليوم السابع، وأكثر ما ذكرنا من الاخبار هنا مطلق لا منافاة فيه. وإنما الاشكال في الخبرين الاخيرين، والظاهر عندي في الجمع بين هذه الاخبار هو حمل استحباب التسمية قبل الولادة على التسمية بمحمد وأنه يستمر على هذه التسمية إلى اليوم السابع، فإن شاء استمر وإن شاء غير كما دل عليه الخبر المرسل المتقدم. وأما السقط فإنه بعد ولادته سقطا يسميه بعد الولادة للعلة المذكورة في الخبر، ويكون هذا مستثنى من أخبار المسألة، ثم في اليوم السابع يستحب له التسمية بما شاء كما دلت عليه تلك الاخبار إن أراد التغيير عن إسم محمد الذي قلنا أنه يستحب تسميته به قبل الولادة. (ومنها) تكنيته، إلا أن منها ما يستحب ومنها ما يكره، والكنية - بضم الكاف - من الاعلام ما صدر بأب أو ام، ومن الاخبار الدالة على ذلك ما رواه في الكافي (1) عن معمر بن خثيم عن أبى جعفر عليه السلام في حديث قال فيه: " قال: إنا لنكني أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم ".


(1) الكافي ج 6 ص 19 ح 11، التهذيب ج 7 ص 438 ح 14، الوسائل ج 15 ص 129 ب 27 ح 1.

[ 42 ]

أقول: فيه إشارة إلى قوله تعالى " ولا تنابزوا بالالقاب " (1) والمراد بالنبز اللقب السوء. وروي في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: من السنة والبر أن يكنى الرجل باسم ابنه ". وعن السكوني (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن أربع كنى عن أبي عيسى وعن أبي الحكم وعن أبى مالك عن أبي القاسم إذا كان الاسم محمدا ". وعن زرارة (4) " قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن رجلا كان يعشي علي ابن الحسين عليه السلام كان يكنى أبا مرة، وكان إذا استأذن عليه يقول: أبو مرة بالباب، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: يا هذا إذا جئت بابنا فلا تقولن أبو مرة. (ومنها) أن لا يسمى ببعض الاسماء كما رواه في الكافي (5) عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا بصحيفة حين حضره الموت يريد أن ينهي عن أسماء يسمى بها فقبض ولم يسمها، منها: الحكم وحكيم وخالد ومالك وذكر أنها ستة أو سبعة مما لا يجوز أن يسمى بها ". وعن محمد بن مسلم (6) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إن أبغض الاسماء إلى الله حارث ومالك وخالد ".


(1) سورة الحجرات - آية 11. (2) الكافي ج 2 ص 162 ح 16، الوسائل ج 15 ص 129 ب 27 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 21 ح 15، التهذيب ج 7 ص 439 ح 16، الوسائل ج 15 ص 131 ب 29 ح 2. (4) الكافي ج 6 ص 21 ح 17، الوسائل ج 15 ص 131 ب 29 ح 1. (5) الكافي ج 6 ص 20 ح 14، التهذيب ج 7 ص 439 ح 15 وفيه " حماد عن الحلبي " الوسائل ج 15 ص 130 ح 1. (6) الكافي ج 6 ص 21 ح 16، التهذيب ج 7 ص 439 ح 17، الوسائل ج 15 ص 130 ح 2.

[ 43 ]

وعن صفوان (1) رفعه عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام " قال: هذا محمد قد أذن لهم في التسمية به، فمن أذن لهم في " ياسين " يعني التسمية به، وهو إسم النبي صلى الله عليه وآله وروى الصدوق في الخصال (2) عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا إن خير الاسماء عبد الله وعبد الرحمن وحارثة وهمام، وشر الاسماء ضرار ومرة وحرب وظالم " قال في المسالك (3) - بعد أن ذكر المصنف أن من جملة الاسماء المنهي عن التسمية به ضرارا - ما صورته: وليس في الاخبار تصريح بالنهي عن ضرار بخصوصه، لكنه من الاسماء المنكرة، وهو غفلة منه عن الاطلاع على هذا الخبر حيث إنه ليس في الكتب الاربعة. وروى الكشي في كتاب الرجال (4) عن علي بن عنبسة " قال: قال أبو عبد الله لعبدالله بن أعين: كيف سميت ابنك ضريسا ؟ قال: كيف سماك أبوك جعفرا ؟ قال: إن جعفرا نهر في الجنة، وضريس إسم شيطان ". (ومنها) سنن اليوم السابع من ولادته، وهي ما رواه في الكافي (5) عن أبى بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " في المولود قال: يسمى في اليوم السابع ويعق عنه ويحلق رأسه ويتصدق بوزن شعره فضة، ويبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك ويطعم منه ويتصدق ". وعن أبى بصير (6) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: إذا ولد لك غلام أو جارية فعق


(1) الكافي ج 6 ص 20 ح 13، الوسائل ج 15 ص 130 ح 3. (2) الخصال ص 250 ح 118، الوسائل ج 15 ص 131 ح 5. (3) مسالك الافهام ج 1 ص 578. (4) الكشى ص 117، الوسائل ج 15 ص 131 ح 6. (5) الكافي ج 6 ص 29 ح 10، الوسائل ج 15 ص 149 ح 1. (6) الكافي ج 6 ص 28 ح 7، الوسائل ج 15 ص 151 ح 7.

[ 44 ]

عنه يوم السابع شاة أو جزورا وكل منهما وأطعم وسم واحلق رأسه يوم السابع وتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة واعط القابلة طائقا من ذلك، فأي ذلك فعلت فقد أجزأك ". أقول: الظاهر أن المراد بقوله " أي ذلك " بالنسبة إلى ما خير فيه من من الشاة أو الجزور والفضة أو الذهب. وعن أبى الصباح الكناني (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصبي المولود متى يذبح عنه ويحلق رأسه ويتصدق بوزن شعره ويسمى ؟ قال: كل ذلك في يوم السابع ". وعن عمار بن موسى (2) في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن العقيقة عن المولود وكيف هي ؟ قال: إذا أتى للمولود سبعة أيام سمي بالاسم الذي سماه الله، ثم يحلق رأسه ويتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة، ويذبح عنه كبش، وإن لم يوجد كبش أجزأه ما يجزي في الاضحية، وإلا فحمل أعظم ما يكون من حملان السنة، ويعطي القابلة ربعها، وإن لم تكن قابلة فلامه، تعطيها من شاءت وتطعم منه عشرة من المسلمين، فإن زادوا فهو أفضل وتأكل منه، والعقيقة لازمة إن كان غنيا أو فقيرا إذا أيسر فعل، وإن لم يعق عنه حتى ضحي عنه فقد أجزأته الاضحية، وقال: إن كانت القابلة يهودية لا تأكل من ذبيحة المسلمين اعطيت قيمة ربع الكبش "، وفي الفقيه " فإن زاد فهو أفضل " وليس فيه " وتأكل منه " وفي نسخ التهذيب " ولا تأكل منه ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (3) " فإذا ولد فأذن في اذنه الايمن وأقم


(1) الكافي ج 6 ص 28 ح 8، الوسائل ج 15 ص 150 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 28 ح 9، التهذيب ج 7 ص 443 ح 35، الوسائل ج 15 ص 150 ح 4. (3) فقه الرضا ص 239 مع اختلاف يسير.

[ 45 ]

في اذنه الايسر وحنكه بماء الفرات إن قدرت عليه أو بالعسل ساعة يولد، وسمه بأحسن الاسم، وكنه بأحسن الكنى، ولا يكنى بأبي عيسى ولا بأبي الحكم ولا بأبي الحارث ولا بأبي القاسم إذا كان الاسم محمدا، وسمه اليوم السابع، واختنه، واثقب اذنه واحلق رأسه، وزن شعره بعد ما تحلقه بفضة أو بالذهب وتصدق بها وعق عنه كل ذلك يوم السابع " ثم ذكر أحكام العقيقة كما سننقله كملا في موضعه إن شاء الله تعالى. وظاهر بعض الاخبار أنه لو لم يحلق في اليوم السابع سقط الاستحباب، رواه الكليني (1) في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن مولود يحلق رأسه بعد يوم السابع، فقال: إذا مضى سبعة أيام فليس عليه حلق ". (ومنها) حلق الرأس كملا فلا يترك له قنازع فإنه مكروه كما تكاثرت به الاخبار، فروى في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تحلقوا الصبيان القزع، والقزع أن يحلق موضعا ويدع موضعا ". قال في الوافي (3): وفي بعض النسخ " لا تخلفوا الصبيان " - بالخاء المعجمة والفاء - والنسخة الاولى تكون على حذف مضاف، أي لا تحلقوا الصبيان حلق القزع، والقزع - بالتحريك - قطع من السحاب واحدها قزعة سمي حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه في مواضع متعددة القزع تشبيها بقطع السحاب المتفرقة، ويقال: القنازع أيضا كما في بعض الاخبار الآتية إن شاء الله، وواحدتها قنزعة بضم القاف والزاي وفتحهما وكسرهما.


(1) الكافي ج 6 ص 38 ح 1، التهذيب ج 7 ص 446 ح 50 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 169 ب 60 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 40 ح 1، التهذيب ج 7 ص 447 ح 54، الوسائل ج 15 ص 173 ب 66 ح 1 مع اختلاف يسير. (3) الوافى ج 3 ص 206 ب 218.

[ 46 ]

وروى في الكافي (1) عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: اتي النبي صلى الله عليه وآله بصبي يدعو له وله قنازع فأبى أن يدعو له، وأمر أن يحلق رأسه ". وربما نافى ما ورد في الكراهة في هذين الخبرين ماروي من ثبوت القنازع للحسن والحسين عليهما السلام كما رواه في الكافي (2) عن الحسين بن خالد " قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن التهنئة بالولد متى ؟ قال: إنه لما ولد الحسن بن علي عليه السلام هبط جبرئيل بالتهنئه على النبي صلى الله عليه وآله في اليوم السابع وأمره أن يسميه ويكنيه ويحلق رأسه ويعق عنه ويثقب اذنه، وكذلك كان حين ولد الحسين عليه السلام أتاه في اليوم السابع فأمره بمثل ذلك، قال: وكان لهما ذؤابتان في القرن الايسر وكان الثقب في الاذن اليمنى في شحمة الاذن، وفي اليسرى في أعلى الاذن، فالقرط في اليمنى والشنف في اليسرى " - قال في الكافي (3): - " وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله ترك لهما ذؤابتين في وسط الرأس وهو أصح من القرن ". وقد ذكر بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين للجمع بين هذا الخبر وما قبله وجوها لا تخلو من التكلف والبعد، والاقرب أن يقال في ذلك إن الاخبار الدالة على الكراهة مخصوصة بما إذا كان ما يترك بغير حلق في مواضع متفرقة، لا في موضع واحد، ويؤيده أن ظاهر كلام أهل اللغة تخصيص إسم القنازع بما إذا كان كذلك، وما ذكر في خبر الحسن والحسين عليهما السلام إنما هو في موضع واحد. قال في النهاية الاثيرية: (4) في الحديث أنه نهى عن القنازع وهو أن


(1) الكافي ج 6 ص 40 ح 3، التهذيب ج 7 ص 447 ح 55، الوسائل ج 15 ص 174 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 33 ح 6، الوسائل ج 15 ص 159 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 34 ذيل ح 6، الوسائل ج 15 ص 174 ح 5. (4) النهاية لابن الاثير ج 4 ص 112.

[ 47 ]

يوخذ بعض العشر ويترك منه مواضع متفرقة لا يؤخذ كالقزع. وقال في القاموس (1): وأما نهي النبي صلى الله عليه وآله عن القنازع فهو أن يؤخذ الشعر ويترك منه مواضع. إلا أنه ربما أشكل ذلك بما رواه في الكافي (2) عن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه كان يكره القزع في رؤوس الصبيان، وذكر أنه القزع أن يحلق الرأس إلا قليلا ويترك وسط الرأس يسمى القزعة " وفى بعض النسخ حذف قوله " ويترك " وبذلك يظهر بقاء المسألة في زاوية الاشكال إلا أن يقال باختصاص ذلك بهما عليهما السلام. (ومنها) ثقب الاذن، واستحبابه متفق عليه بين الاصحاب ويدل عليه جملة من الاخبار منها ما تقدم في حديث الحسن والحسين عليهما السلام (3) وما تقدم من كلامه عليه السلام في كتاب الفقه (4) وما رواه في الكافي (5) عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن ثقب اذن الغلام من السنة، وختانه لسبعة أيام من السنة " وعن عبد الله بن سنان (6) في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن ثقب اذن الغلام من السنة وختان الغلام من السنة ". وما رواه الصدوق (7) عن السكوني " قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا فاطمة اثقبي اذني الحسن والحسين عليهما السلام خلافا لليهود " ونقل عن بعض العامة تحريمه لما


(1) القاموس المحيط ج 3 ص 75. (2) الكافي ج 6 ص 40 ح 2، الوسائل ج 15 ص 174 ح 3. (3) الكافي ج 6 ص 33 ح 6، الوسائل ج 15 ص 159 ح 2. (4) فقه الرضا ص 239. (5) الكافي ج 6 ص 35 ذيل ج 1، الوسائل ج 15 ص 159 ح 1. (6) الكافي ج 6 ص 36 ح 5، الوسائل ج 15 ص 160 ح 3 وليس فيهما " ان ". (7) الفقيه ج 3 ص 316 ح 22، الوسائل ج 15 ص 160 ح 4.

[ 48 ]

فيه من تأليم الولد وإنه أذى لم يؤذن فيه. وفيه أن الاذن قد ظهر من هذه الاخبار، واستمرت عليه سيرة الناس في سائر الاعصار والامصار، قال في المسالك (1) - بعد الاستدلال برواية الحسين ابن خالد ونقل كلام هذا البعض من العامة - ما لفظه: فإن صح حديثنا أو جبرته الشهرة فهو الاذن، وإلا فما قال موجه. وفيه أن صحيحة عبد الله بن سنان قد صرحت به، ولكنه لم يقف عليها، وإلا لذكرها ولم يتعرض لهذا الكلام. بقي الكلام في أن ظاهر إطلاق كلام الاصحاب حصول السنة بثقب اذن واحدة، وهو ظاهر إطلاق رواية مسعدة بن صدقة وصحيحة عبد الله بن سنان وصريح روايتي الحسين بن خالد والسكوني الواردتين في الحسنين عليهما السلام حصول ذلك في الاذنين، والظاهر حمل إطلاق ما عداهما عليهما فيكون السنة في ثقب الاذنين، ولم أقف على من تعرض لذلك من الاصحاب. (ومنها) الختان، وعده الاصحاب من مستحبات اليوم السابع أيضا، وقد تقدم ما يدل عليه. ويدل عليه أيضا ما رواه في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: اختنوا أولادكم لسبعة أيام فإنه أطهر وأسرع لنبات اللحم وإن الارض لتكره بول الاغلف " ونحوه ما تقدم في حديث مسعدة بن صدقة. وعن السكوني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طهروا


(1) مسالك الافهام ج 1 ص 578. (2) الكافي ج 6 ص 34 ح 1، التهذيب ج 7 ص 444 ح 41، الوسائل ج 15 ص 161 ج 5 وما في المصادر " عن مسعدة بن صدقة " وهناك رواية عن السكوني قريبة منها بالمعنى نقلها: الكافي ج 6 ص 35 ح 2، التهذيب ج 7 ص 445 ح 42، الوسائل ج 15 ص 161 ح 4. (3) الكافي ج 6 ص 35 ح 2، الوسائل ج 15 ص 361 ح 4.

[ 49 ]

أولادكم يوم السابع فإنه أطيب وأطهر وأسرع لنبات اللحم، وإن الارض تنجس من بول الاغلف أربعين صباحا ". وعن عبد الله بن جعفر (1) في الصحيح " أنه كتب إلى أبي محمد علي بن الحسن عليه السلام أنه روى عن الصادقين أن اختنوا أولادكم يوم السابع يطهروا، وأن الارض تضج إلى الله من بول الاغلف، وليس جعلت فداك لحجامي بلدنا حذق بذلك، ولا يختنونه يوم السابع وعندنا حجام اليهود، فهل يجوز لليهود أن يختنوا أولاد المسلمين أم لا ؟ فوقع عليه السلام: السنة يوم السابع فلا تخالفوا السنن إن شاء الله ". وعن علي بن يقطين (2) في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن ختان الصبي لسبعة أيام من السنة هو أو يؤخر، وأيهما أفضل ؟ قال: لسبعة أيام من السنة وإن اخر فلا بأس ". وعن المغيرة (3) عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المولود يعق عنه ويختن لسبعة أيام ". إذا تقرر ذلك فاعلم أن تمام تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع: الاول: لا خلاف بين علماء الاسلام، كما ادعاه جملة من الاعلام في أنه يجب الاختتان بعد البلوغ، وإنما الخلاف فيما قبله، فذهب الاكثر إلى أنه كغيره من التكاليف التي لا تجب إلا بالبلوغ، والاصل براءة ذمة الولي من هذا التكليف، ونقل عن العلامة في التحرير أنه قال: ولا يجوز تأخيره إلى البلوغ. قال السيد السند في شرح النافع: وربما كان مستنده الروايات المتضمنة لامر الولي بذلك، وهو ضعيف للتصريح في صحيحة علي بن يقطين بأنه لا بأس


(1) الكافي ج 6 ص 35 ح 3، الوسائل ج 15 ص 160 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 36 ح 7، التهذيب ج 7 ص 445 ح 44، الوسائل ج 15 ص 165 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 36 ح 9، الوسائل ج 15 ص 165 ح 2.

[ 50 ]

بالتأخير، إنتهى. وفيه أن الظاهر من الصحيحة المذكورة إنما هو أنه لا بأس بالتأخير عن السابع، بمعنى أنه لا يتحتم له فعله وجوبا أو استحبابا في اليوم السابع بل يجوز التأخير عنه، والقائل بالوجوب إنما أراد به الوجوب الموسع إلى ما قبل البلوغ فيتضيق حينئذ، وعلى هذا فلا تكون الرواية منافية لتلك الاخبار التي استند إليها ذلك القائل بالوجوب، وليس المراد أنه لا بأس بالتأخير إلى البلوغ ليتم ما ذكره. نعم يمكن الاستدلال على الاستحباب بالاخبار الدالة على أنه من السنن. مثل ما رواه في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: ختان الغلام من السنة وخفض الجواري ليس من السنة " وما تقدم في رواية مسعدة بن صدقة (2) من قوله عليه السلام " ثقب اذن الغلام من السنة، وختانه لسبعة أيام من السنة " فجعله في قرن ثقب الاذن ظاهر في كونه مثله في الاستحباب، إلا أن باب المناقشة غير مسدود، وظاهر المحقق في الشرايع (3) الميل إلى هذا القول أيضا حيث قال: وأما الختان فمستحب يوم السابع، ولو اخر جاز، ولو بلغ ولم يختن وجب أن يختن نفسه، والختان واجب وخفض الجواري مستحب. قال في المسالك (4) - بعد أن ذكر أنه هل أول وقت وجوبه قبل التكليف بحيث إذا بلغ الصبي يكون قد اختتن قبله ولو بقليل، أم لا يجب إلا بعد البلوغ كغيره من التكليفات المتعلقة بالمكلف - ما صورته: يظهر من عبارة المصنف الاول، لاطلاق حكمه عليه بالوجوب ولا ينافيه حكمه باستحبابه يوم السابع، لان الوجوب على هذا القول موسع من حين الولادة إلى أن يقرب التكليف، وعلى


(1) الكافي ج 6 ص 37 ح 2، الوسائل ج 15 ص 167 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 35 ح 1، الوسائل ج 15 ص 159 ح 1. (3) شرايع الاسلام ص 175. (4) مسالك الافهام ج 1 ص 578.

[ 51 ]

هذا فيكون فعله يوم السابع أفضل أفراد الواجب، ولاجل ذلك اطلق عليه الاستحباب كما يقال: يستحب صلاة الفريضة في أول وقتها، وعلى هذا فيكون الوجوب متعلقا بالولي فإن لم يفعل إلى أن بلغ الصبي أثم، وتعلق الوجوب حينئذ بالصبي، وبهذا القول صرح في التحرير، إنتهى. أقول: ما ذكره جيد، إلا أنه لا يتحتم حمل العبارة المذكورة عليه بحيث لا يمكن احتمال غيره، إذ من الجائز أن يكون قوله " والختان واجب " وهو الذي أشار إليه بقوله " لاطلاق حكمه عليه بالوجوب " إنما هو بالنسبة إلى ما بعد البلوغ، فإنه لما ذكر أولا أن الختان مستحب يوم السابع ولو اخر جاز، وعلم منه استحباب الختان بعد الولادة وأن الفضل في اليوم السابع ذكر حكم الختان بعد البلوغ بقوله " ولو بلغ ولم يختن وجب عليه أن يختن نفسه " وقوله " والختان واجب " يعني بعد البلوغ. وبالجملة فإن هذه الجملة متعلقة بما قبلها مما يدل على وجوبه بعد البلوغ ولا ارتباط لها بصدر العبارة الدالة على استحبابه بعد الولادة. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور، فإن التمسك بالاصل أقوى متمسك حتى يقوم دليل واضح على الخروج عنه، والامر في الروايات المتقدمة غير ظاهر في الوجوب سيما بالنظر إلى تلك التعليلات التي اشتملت عليها تلك الاخبار، فإنها بالحمل على الاستحباب أنسب كما وقع نحوه في غير هذه المسألة. قال في المسالك (1) - في تعليل قول المشهور -: ووجه الثاني أن الختان شرط في صحة الصلاة ونحوها من العبادات، فلا يجب إلا مع وجوب المشروط، ولو سلم أنه واجب لنفسه فمتعلقه المكلف والاصل براءة ذمة الولي من فعله، والامر قبل البلوغ محمول على الاستحباب، إنتهى. أقول: أما ما ذكره من أن الختان شرط في صحة الصلاة فلا يحضرني دليل يدل عليه ولانص يوجب المصير إليه، واستدل بعضهم على ذلك بنجاسة الجلدة


(1) مسالك الافهام ج 1 ص 578.

[ 52 ]

الساترة فإنها لوجوب قطعها في حكم الميتة، وضعفه أظهر من أن يخفى. نعم ما ذكره بعد ذلك جيد كما أشرنا إليه. الثاني: لا خلاف بين الاصحاب في استحباب ذلك في النساء، وليس بواجب إجماعا، ويعبر عنه بالخفض بالنسبة إلى النساء والختان بالنسبة إلى الرجال. فروى في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الصحيح " قال: ختان الغلام من السنة وخفض الجواري ليس من السنة ". وعن السكوني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: خفض النساء مكرمة، ليست من السنة ولا شيئا واجبا، وأي شئ أفضل من المكرمة " قال بعض مشايخنا: مكرمة أي موجبة لحسنها وكرامتها عند زوجها، والمعنى ليست من السنن بل من التطوعات. أقول: ويؤيده ما يأتي إن شاء الله تعالى في حديث ام حبيب. وعن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: الختان سنة في الرجال ومكرمة في النساء ". وعن أبي بصير (4) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجارية تسبى من أرض الشرك فتسلم فتطلب لها من يخفضها، فلا تقدر على امرأة ؟ فقال: إنما السنة في الختان على الرجال، وليس على النساء ". وروى الفقيه (5) عن غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام " قال:


(1) الكافي ج 6 ص 37 ح 2، الوسائل ج 15 ص 167 ح 2 وفيه " وخفض الجارية ". (2) الكافي ج 6 ص 37 ح 3، التهذيب ج 7 ص 445 ح 46 وفيه " خفض الجوارى "، الوسائل ج 15 ص 167 ح 3 وما في المصادر " عن مسعدة بن صدقة ". (3) الكافي ج 6 ص 37 ح 4، التهذيب ج 7 ص 445 ح 47، الوسائل ج 15 ص 168 ح 1. (4) الكافي ج 6 ص 37 ح 1، التهذيب ج 7 ص 446 ح 48 وفيه " وليست "، الوسائل ج 15 ص 166 ب 56 ح 1. (5) الفقيه ج 3 ص 314 ح 16، الوسائل ج 15 ص 163 ح 8.

[ 53 ]

قال علي عليه السلام: لا بأس أن لا تختن المرأة، فأما الرجل فلا بد منه ". وروى الشيخ في التهذيب (1) عن وهب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: لا تخفض الجارية حتى تبلغ سبع سنين " وفي هذا الخبر دلالة على أن وقت الخفض في النساء بلوغ السبع وفي الذكور اليوم السابع. وروى محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: لما هاجرت النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله هاجرت فيهن امرأة يقال لها ام حبيب، وكانت خافضة تخفض الجواري، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله قال لها: يا ام حبيب العمل الذي كان في يدك هو في يدك اليوم ؟ قالت: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن يكون حراما فتنهاني عنه، فقال: لا، بل حلال فادني مني حتى أعلمك، قالت: فدنوت منه فقال: يا ام حبيب إذا أنت فعلت فلا تهتكي - أي لا تستأصلي - فإنه أشرق للوجه وأحظى عند الزوج " الحديث. وبالجملة فالحكم للذكر والانثى معلوم كما عرفت، وإنما يبقى الكلام في الخنثى، قال في المسالك (3): وأما الخنثى فإن الحق بأحدهما لحقه حكمه، وإن اشكل أمره ففي وجوبه في حقه وتوقف صحة صلاته عليه وجهان: من الشك في ذكوريته التي هي مناط الوجوب، معتضدا بأصالة البراءة، ولاشتماله على تأليم من لا يعلم وجوبه عليه، ومن انحصار أمره فيهما، فلا يحصل اليقين بصحة العبادة بدونه، ولانه مأخوذ بمراعاة الجانبين حيث يمكن، ولدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وآله " الختان من الفطرة الحنفية " وقولهم عليهم السلام (4) " اختنوا أولادكم


(1) التهذيب ج 6 ص 360 ح 154، الوسائل ج 12 ص 93 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 38 ح 6، التهذيب ج 7 ص 446 ح 49، الوسائل ج 6 ص 360 ح 156 وج 12 ص 92 ح 1 وفيه اختلاف يسير. (3) مسالك الافهام ج 1 ص 579. (4) الكافي ج 6 ص 35 ح 3، الفقيه ج 3 ص 314 ح 17، الوسائل ج 15 ص 160 ح 1.

[ 54 ]

يوم السابع يطهروا " لان لفظ الاولاد يشمل الجميع خرج منه الاناث بدليل من خارج فيبقى الباقي، ولا ريب أن هذا أولى، إنتهى. أقول: أما التعليل بتوقف صحة الصلاة عليه فعليل، لما عرفت من عدم قيام دليل عليه، وإن اشتهر ذلك بينهم. وأما التمسك بإطلاق هذه الاخبار ففيه أن إطلاق الاخبار إنما ينصرف إلى الافراد المتكررة المتعارفة، فإنها هي التي ينصرف إليها الاطلاق دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد إلا فرضا، ومع تسليم شموله لها فإنه يجب تخصيصه بما دل من الاخبار على اختصاص ذلك بالذكر من الاولاد دون الاناث، والخنثى ليست بذكر، وبالجملة فالظاهر إنما هو الوجه الاول من كلامه. الثالث: قد عرفت أنه قد ادعى الاجماع من علمائنا الاعلام على وجوب الختان على البالغ، ولا أعرف لهم دليلا واضحا ولا معتمدا صريحا غير هذا الاجماع المدعى، مع أن أكثر النصوص مصرح بالاستحباب، وها أنا أتلو عليك ما وقفت عليه من الاخبار في هذا الباب. فمنها ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: من الحنيفية الختان ". وما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: من سنن المرسلين الاستنجاء والختان " وقد تقدم قريبا في روايه عبد الله بن سنان (3) " أن الختان سنة في الرجال ومكرمة في النساء ".


(1) الكافي ج 6 ص 36 ح 8، الوسائل ج 15 ص 161 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 36 ح 6، التهذيب ج 7 ص 445 ح 43، الوسائل ج 15 ص 161 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 37 ح 4، الوسائل ج 15 ص 168 ح 1.

[ 55 ]

وفي رواية أبي بصير (1) " إنما السنة في الختان على الرجال وليس على النساء ". وفي تفسير العياشي (2) عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام " قال: ما أبقت السنة شيئا حتى أن منها قص الشارب والاظفار والاخذ من الشارب والختان ". وعن طلحة بن زيد (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل بعث خليله بالحنيفية وأمره بأخذ الشارب وقص الاظفار ونتف الابط وحلق العانة والختان ". ولا يخفى أن عد الختان في قرن هذه الاشياء المتفق على استحبابها قرينة ظاهرة في الاستحباب. وروي في الكافي عن (4) السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا أسلم الرجل اختتن ولو بلغ ثمانين سنة ". وروى في كتاب عيون أخبار الرضا (5) بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام " أنه كتب إلى المأمون: والختان سنة واجبة للرجال ومكرمة للنساء ". وهذان الخبران أقصى ما ربما يتوهم منه الدلالة على الوجوب، وقيام الحمل على تأكد الاستحباب أقرب قريب. وبالجملة فإنه لا دليل في الاخبار يعتمد عليه، وإنما العمدة هو الاجماع المدعى. الرابع: ويستحب الدعاء وقت ختن الصبي بما رواه في الفقيه (6) عن مرازم بن حكيم


(1) الكافي ج 6 ص 37 ح 1، الوسائل ج 15 ص 166 ب 56 ح 1. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 61 ح 104، الوسائل ج 15 ص 163 ح 10. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 388 ح 145، الوسائل ج 15 ص 163 ح 11. (4) الكافي ج 6 ص 37 ح 10، التهذيب ج 7 ص 445 ح 45، الوسائل ج 15 ص 166 ب 55 ح 1. (5) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 123 ط النجف الاشرف، الوسائل ج 15 ص 163 ح 9. (6) الفقيه ج 3 ص 315 ح 18، الوسائل ج 15 ص 169 ب 59 ح 1.

[ 56 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام " في الصبي إذا ختن قال: يقول: اللهم هذه سنتك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله واتباع منا لك ولنبيك بمشيتك وبإرادتك وقضائك لامر أردته وقضاء حتمته وأمر أنفذته فأذقته حر الحديد في ختانه وحجامته لامر أنت أعرف به مني، اللهم فطهره من الذنوب وزد في عمره وادفع الآفات عن بدنه والاوجاع عن جسمه، وزده من الغنى وادفع عنه الفقر فإنك تعلم ولا نعلم " قال أبو عبد الله عليه السلام: أي رجل لم يقلها عند ختان ولده فليقلها عليه من قبل أن يحتلم، فإن قالها كفى حر الحديد من قتل أو غيره ". (ومنها) العقيقة، وقد تقدم ذكرها في سنن يوم السابع إلا أنها لكثرة ما يتعلق بها من الاحكام حسن إفرادها بالذكر، وأصل العقيقة على ما يفهم من كلام أهل اللغة الشعر الذي يخرج به المولود آدميا كان أو غيره من بطن امه، ويقال: بمعنى الشق. قال في المصباح المنير (1): عق عن ولده عقا من باب قتل، والاسم العقيقة وهي الشاة التي تذبح يوم الاسبوع، ويقال للشعر الذي يولد عليه المولود من آدمي وغيره عقيقة، وعق بالكسر، يقال: أصل العق الشق، يقال: عق ثوبه كما يقال: شق ثوبه، بمعناه، ومنه يقال: عق الولد أباه عقوقا - من باب قعد - إذا عصاه وترك الاحسان إليه. إنتهى، ومثله كلام غيره، وكأن الشعر الذي يولد عليه المولود سمي بالعقيقة، لانه يحلق عنه ثم قيل للذبيحة التي تذبح لانه يشق حلقومها. قال الهروي في كتاب الغريبين: والعق في الاصل الشق والقطع، وسمي الشعر الذي يخرج على المولود من بطن امه وهو عليه عقيقة لانها إن كانت على إنسي حلقت وإن كانت على بهيمة نسلتها، وقيل للذبيحة عقيقة لانها يشق حلقومها، ثم قيل للشعر الذي ينبت بعد ذلك الشعر عقيقة على جهة الاستعارة، إنتهى.


(1) المصباح المنير ص 577 وفيه اختلاف يسير.

[ 57 ]

وكيف كان فتحقيق الكلام فيها يقع في مواضع: الاول: إختلف الاصحاب في وجوبها واستحبابها، والمشهور الثاني وإلى الاول ذهب المرتضى وابن الجنيد ادعى إليه في الانتصار إجماع الامامية ويظهر من المحدث الكاشاني في الوافي الميل إليه حيث قال: باب العقيقة ووجوبها، ثم أورد جملة من الاخبار الظاهرة في ذلك. ومنها ما رواه في الكافي والفقيه (1) عن علي بن أبي حمزة عن العبد الصالح عليه السلام " قال: العقيقة واجبة إذا ولد للرجل فإن أحب أن يسميه من يومه فعل ". وما رواه في الكافي (2) عن علي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: العقيقة واجبة ". وعن أبي خديجة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: كل مولود مرتهن بالعقيقة ". وما رواه في الفقيه (4) مرسلا قال: وفي رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: كل إنسان مرتهن بالفطرة، وكل مولود مرتهن بالعقيقة " قال في الوافي - بعد ذكر هذين الخبرين -: يعني أن زكاة الفطرة والعقيقة حقان واجبان في عنق الانسان والمولود، وهما مقيدان بهما لا ينفكان عنهما إلا بالاداء ". وما رواه في الكافي (5) في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: كل مولود مرتهن بعقيقته ".


(1) الكافي ج 6 ص 24 ح 1، الفقيه ج 3 ص 312 ح 4، التهذيب ج 7 ص 440 ح 23، الوسائل ج 15 ص 144 ح 5. (2) الكافي ج 6 ص 25 ح 7، التهذيب ج 7 ص 441 ح 25، الوسائل ج 15 ص 134 ح 3. (3) الكافي ج 6 ص 24 ح 2، التهذيب ج 7 ص 441 ح 26، الوسائل ج 15 ص 144 ح 6. (4) الفقيه ج 3 ص 312 ح 2، الوسائل ج 15 ص 144 ح 2. (5) الكافي ج 6 ص 25 ح 4، الوسائل ج 15 ص 144 ح 7.

[ 58 ]

وعن أبي بصير (1) في الموثق أو الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن العقيقة أواجبة هي ؟ قال: نعم واجبة ". وما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان وفي الفقيه (2) عن عمر بن يزيد في الصحيح " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنى والله ما أدري كان أبي عق عني أم لا، قال: فأمرني أبو عبد الله عليه السلام فعققت عن نفسي وأنا شيخ. وقال عمر: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل امرئ مرتهن بعقيقته، والعقيقة أوجب من الاضحية ". وذهب الشيخ ومن تأخر عنه إلى الاستحباب، وغاية ما استدل به العلامة في المختلف (3) بعد اختياره الاستحباب هو أصالة البراءة، ثم أورد دليلا للمرتضى روايتي علي بن أبي حمزة وأبي بصير، وأجاب بأن المراد شدة الاستحباب. وأنت خبير بما فيه، واعترضه في المسالك (4) في استدلاله للمرتضى بهاتين الروايتين بأن السيد لا يستند في مذهبه إلى الاخبار الصحيحة إذا كانت من طريق الآحاد، وكيف يحتج برواية ابن أبي حمزة وهو مصرح بكفره وكفر أضرابه من الفرق، وإنما أوجبها لما توهمه من إجماع الامامية عليه كما أشار إليه في الانتصار، وجعل الاجماع مستنده في أكثر المسائل، وإن كان في تحقق الاجماع نظر، إلا أنه رأى ذلك حسبما اتفق عليه. إنتهى، وهو جيد يعلم منه التساهل في دعاويهم الاجماع، ولم يذكر في المسالك دليلا على الاستحباب، وإنما قال - بعد إيراد رواية أبي بصير ورواية علي بن أبي حمزة ورواية أبي المعزا المصرحة بالوجوب -: وهذه الاخبار مع قطع النظر عن سندها محمولة على تأكد الاستحباب


(1) الكافي ج 6 ص 25 ح 5، الوسائل ج 15 ص 144 ح 4. (2) الكافي ج 6 ص 25 ح 2، الفقيه ج 3 ص 312 ح 3 و 1، التهذيب ج 7 ص 441 ح 27، الوسائل ج 15 ص 145 ب 39 ح 1 وص 143 ب 38 ح 1. (3) مختلف الشيعة ص 576 و 577. (4) مسالك الافهام ج 1 ص 579.

[ 59 ]

أو ثبوته لانه معنى الوجوب لغة. ويؤيد الثاني قول الصادق عليه السلام في رواية عمر بن يزيد " والعقيقة أوجب من الاضحية ". وفيه أن الحمل على خلاف الظاهر يتوقف على وجود المعارض وهو لم يذكر ما يعارضها، وأما الطعن بضعف السند فهو ليس بمرضي ولا معتمد، وأما رواية عمر بن يزيد فهي ظاهرة فيما ذكره، وقال السيد السند في شرح النافع: وأما الروايات المتضمنة للوجوب فكلها ضعيفة السند، ومع ذلك إنما يتم الاستدلال بها إذا ثبت كون الوجوب حقيقة شرعية أو عرفية في اصطلاحهم في المعنى المتعارف الآن عند الفقهاء وهو غير معلوم. أقول: والتحقيق أن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال لما عرفت مما قدمناه من الاخبار الظاهره في الوجوب. وأما الطعن فيها بضعف السند فقد عرفت أنه عند من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح غير مرضي ولا معتمد، إلا أن مما يعارض ذلك ويدافعه أولا ما قدمنا تحقيقه في غير موضع من أن الوجوب في الاخبار من الالفاظ المتشابهة لاستعماله فيها في معان عديدة: (أحدها) هذا المعنى المصطلح عليه الآن بين الفقهاء، وهذا هو الذي أشار إليه السيد السند - رحمة الله عليه -. و (ثانيا) عد العقيقة في قرن تلك الامور المتفق على استحبابها في الاخبار التي تقدمت في سنن اليوم السابع فإنه مما يثمر الظن الغالب بكونها مثلها. و (ثالثا) ما عرفت من رواية عمر بن يزيد التي هي صحيحة برواية الصدوق حيث جعل العقيقة أوجب من الاضحية التي هي مستحبة اتفاقا، فالظاهر أن الوجوب إنما هو بمعنى الثبوت أو تأكد الاستحباب اللذين هما أحد معاني هذا اللفظ، فإنه هو الذي يجري فيه التفضيل بمعنى أشد ثبوتا

[ 60 ]

أو آكد استحبابا. ونحو ذلك ما ورد في موثقة سماعة (1) " قال: سألته عن رجل لم يعق عن ولده حتى كبر وكان غلاما شابا أو رجلا قد بلغ، قال: إذا ضحي عنه أو ضحى الولد عن نفسه فقد أجزأه عن العقيقة ". وموثقة عمار الساباطي (2) عن ابي عبد الله عليه السلام وفيها " وإن لم يعق عنه حتى ضحى فقد أجزاه الاضحية " والتقريب فيها أنها لو كانت واجبة كغيرها من الواجبات فإنه لا يعقل إجزاء الاضحية المستحبة اتفاقا عنها إذ لا نظير له في الاحكام الشرعية، ومقتضى الوجوب تعلق الخطاب بها حتى يأتي بها، وقيام غيرها مما لا يخاطب به حتما يحتاج إلى دليل، فإن ثبت له نظير في الاحكام فذلك، وإلا فلا. هذا، وأما ما رواه في الكافي (3) عن ذريح عن أبي عبد الله عليه السلام " في العقيقة قال: إذا جاز سبعة أيام فلا عقيقة له " مما يدل على سقوطها بعد السبعة فهو معارض بالاخبار المستفيضة الدالة على الاتيان بها مطلقا، سيما أخبار الوجوب وأنه مرتهن بها، وحمله بعض المحدثين على نفي العقيقة الكاملة، من قبيل من لم يصل في جماعة فلا صلاة له، أو على الرخصة، والاول أقرب. الثاني: قد ذكر جملة من الاصحاب أنه يستحب مساواة العقيقة للمولود،


(1) الكافي ج 6 ص 39 ح 3، التهذيب ج 7 ص 447 ح 53، الوسائل ج 15 ص 173 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 28 ح 9، التهذيب ج 7 ص 443 ح 35، الوسائل ج 15 ص 150 ح 4. (3) الكافي ج 6 ص 38 ح 2، التهذيب ج 7 ص 446 ح 51، الوسائل ج 15 ص 170 ح 2.

[ 61 ]

بأن يعق عن الذكر ذكرا وعن الانثى أنثى. أقول: أكثر الاخبار الواردة ظاهرة في مساواة الغلام للجارية في العقيقة. ومنها ما رواه في الكافي (1) عن منصور بن حازم في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: العقيقة في الغلام والجارية سواء ". وعن سماعة (2) في الموثق " قال: سألته عن العقيقة فقال: في الذكر والانثى سواء ". وعن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: عقيقة الغلام والجارية كبش ". وعن عبد الله بن مسكان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن العقيقة فقال: عقيقة الجارية والغلام كبش كبش ". وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن عبد الله بن الحسن عن علي ابن جعفر عن أخيه " قال: سألته عن العقيقة عن الغلام والجارية سواء ؟ قال: كبش كبش ". وعن محمد بن عبد الحميد (6) عن يونس بن يعقوب " قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن العقيقة الجارية والغلام فيها سواء ؟ قال: نعم ". وأما ما يدل على ما ذكروه من استحباب مساواة العقيقة للمولود فهو ما رواه في الفقيه (7) عن محمد بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن العقيقة ؟ فقال: شاة أو بقرة أو بدنة، ثم يسمى ويحلق رأس المولود يوم السابع ويتصدق


(1) الكافي ج 6 ص 26 ح 2، الوسائل ج 15 ص 147 ب 42 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 26 ح 1، الوسائل ج 15 ص 147 ب 42 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 26 ح 4، الوسائل ج 15 ص 147 ب 42 ح 3. (4) الكافي ج 6 ص 26 ح 3، الوسائل ج 15 ص 147 ب 24 ح 4. (5) و (6) قرب الاسناد ص 122 و 129، الوسائل ج 15 ص 148 ب 42 ح 5 و 6. (7) الفقيه ج 3 ص 313 ح 6، الوسائل ج 15 ص 148 ح 7 وفيهما (محمد بن مارد).

[ 62 ]

بوزن شعره ذهبا أو فضة، فإن كان ذكر عق عنه ذكرا، وإن كان انثى عق عنها انثى ". وقال الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (1): وإذا أردت أن تعق عنه فليكن عن الذكر ذكرا وعن الانثى انثى. قال الصدوق - رحمة الله عليه - في الفقيه (2): ويجوز أن يعق عن الذكر بانثى وعن الانثى بذكر، وقد روي أن يعق عن الذكر بأنثيين وعن الانثى بواحدة وما استعمل في ذلك فهو جائز. وظاهره في المسالك (3) عدم الوقوف على دليل الحكم المذكور، حيث إنه بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على الحكم المذكور قال: استحباب مساواتها للولد في الذكورية والانوثية، رواه الكليني مرسلا عن الباقر عليه السلام (4) " قال: إذا كان يوم السابع وقد ولد لاحدكم غلام أو جارية فليعق عنه كبشا عن الذكر ذكرا وعن الانثى مثل ذلك ". وروى أخبار كثيرة على اجزاء الذكر والانثى مطلقا، ثم أورد صحيحة منصور بن حازم إلى أن قال: مع أن الرواية الاولى ليست صريحة في اعتبار المساواة، بل الظاهر من قوله " والانثى مثل ذلك " أن المستحب كونها ذكرا في الذكر والانثى، فيكون موافقا لغيره من الاخبار الدالة على التسوية بينهما، إنتهى. واقتفاه سبطه في شرح النافع أيضا قال: وذكر جمع من الاصحاب منهم المصنف في الشرايع أنه يستحب أن يعق عن الذكر ذكرا وعن الانثى انثى ورواه الكليني مرسلا عن أبي جعفر عليه السلام ثم أورد الرواية التى أوردها جده ثم قال: وهي ضعيفة السند قاصرة المتن.


(1) فقه الرضا ص 239، المستدرك ج 2 ص 620 ب 31 ح 2. (2) الفقيه ج 3 ص 313 ذيل ح 7 وصدر ح 8. (3) مسالك الافهام ج 1 ص 579. (4) الكافي ج 6 ص 27 ح 4، الوسائل ج 15 ص 151 ح 11.

[ 63 ]

والعجب أن الرواية مذكورة في الفقيه فكيف غفلا عنها حتى تمسكا بهذه الرواية، والحق أن هذه المرسلة محتملة لكل من المعنيين المذكورين، فهي متشابهة لا يمكن الاعتماد عليها في شئ منهما. الثالث: قد صرحوا بأنه لو عجز عنها في الحاضر توقع المكنة ولا يجزي التصدق بثمنها، ويدل عليه ما رواه الكليني (1) في الحسن عن محمد بن مسلم " قال: ولد لابي جعفر عليه السلام غلام فأمر زيد بن علي أن يشتري له جزورين للعقيقة، وكان زمن غلاء، فاشترى له واحدة وعسرت عليه الاخرى، فقال لابي جعفر عليه السلام: قد عسرت علي الاخرى فنتصدق بثمنها ؟ فقال: لا، اطلبها حتى تقدر عليها فإن الله عزوجل يحب إهراق الدماء وإطعام الطعام ". وعن ابن بكير (2) في الموثق " قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فجاءه رسول عمه عبد الله بن علي فقال له: يقول عمك: إنا طلبنا العقيقة فلم نجدها فما ترى نتصدق بثمنها ؟ فقال: لا، إن الله يجب إطعام الطعام وإراقة الدماء ". الرابع: قد ذكروا أنه يستحب فيها شروط الاضحية من كونها سليمة من العيوب سمينة، ولم أقف في الاخبار على ما يدل عليه، بل الظاهر منها خلافه، وهو الظاهر من الكليني أيضا حيث إنه عنون الباب فقال: باب أن العقيقة ليست بمنزلة الاضحية، ثم ذكر فيه ما رواه في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن منهال القماط (3) " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن اصحابنا يطلبون العقيقة إذا كان إبان تقدم الاعراب فيجدون الفحولة، وإذا كان غير ذلك الا بان لم توجد فيعز عليهم، فقال: إنما هي شاة لحم ليست بمنزلة الاضحية يجزى


(1) الكافي ج 6 ص 25 ح 8 وفيه " غلامان جميعا "، الوسائل ج 15 ص 146 ب 40 ح 2 وفيه " غلامان ". (2) الكافي ج 6 ص 25 ح 6، الوسائل ج 15 ص 145 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 29 ح 1، الوسائل ج 15 ص 153 ح 1.

[ 64 ]

فيها كل شئ ". وروى أيضا عن مرازم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: العقيقة ليست بمنزلة الهدي، خيرها أسمنها " وحاصله أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الهدي وإن كان الافضل فيها الاسمن. الخامس: يكره أكل الوالدين منها بل جملة العيال، ويتأكد في الام، فروى في الكافي (2) عن أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يأكل هو ولا أحد من عياله من العقيقة، وقال: وللقابلة الثلث من العقيقة، فإن كانت القابلة ام الرجل أو في عياله فليس لها منها شئ، وتجعل أعضاء ثم يطبخها ويقسمها، ولا يعطيها إلا لاهل الولاية، وقال: يأكل من العقيقة كل احد إلا الام ". وعن الكاهلي (3) في الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام " في العقيقة، قال: لا تطعم الام منها شيئا ". وعن ابن مسكان (4) عمن ذكره عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: لا تأكل المرأة من عقيقة ولدها " الحديث. وفي كتاب الفقه الرضوي (5) " ولا يأكل منه الابوان، وإن أكلت منه الام فلا ترضعه " وبهذه العبارة أعني قوله " وإن أكلت منه الام لم ترضعه " عبر في الفقيه (6) فقال: والابوان لا يأكلان من العقيقة وليس ذلك بمحرم عليهما، وإن أكلت منه الام لم ترضعه " ولم أقف على من صرح بذلك من الاصحاب غيره،


(1) الكافي ج 6 ص 30 ح 2، الوسائل ج 15 ص 154 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 32 ح 2، الوسائل ج 15 ص 156 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 32 ح 3، الوسائل ج 15 ص 156 ح 2. (4) الكافي ج 6 ص 32 ح 1، الوسائل ج 15 ص 157 ح 3. (5) فقه الرضا ص 239، مستدرك الوسائل ج 2 ص 621 ب 34 ح 1. (6) الفقيه ج 3 ص 313 ح 8.

[ 65 ]

ولا على خبر يتضمن ذلك غير ما في الكتاب المذكور. ومما يدل على حمل النهي على الكراهة ما ورد من جواز أكل الاب منها كما رواه في الكافي (1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " في المولود يسمى في اليوم السابع ويعق عنه - إلى أن قال: - ويبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك ويطعم منه ويتصدق ". وعن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا ولد لك غلام أو جارية فعق عنه يوم السابع شاة أو جزورا وكل منها وأطعم " الحديث. ومما يدل على جواز أكل العيال ما رواه في الكافي (3) عن يحيى بن أبي العلا عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث عقيقة الرسول صلى الله عليه وآله عن الحسن والحسين عليهما السلام " قال: وعق عنهما شاة شاة، وبعثوا برجل شاة إلى القابلة، ونظروا ما غيره، فأكلوا منه وأهدوا إلى الجيران، وحلقت فاطمة عليها السلام رؤوسهما وتصدقت بوزن شعرهما فضة " والمراد أنهم نظروا في غير ما بعثوا به إلى القابلة فأكلوا منه وأهدوا فكأن " ما " هنا وقعت زائدة أو استفهامية. ثم إن ما دل عليه خبر أبي خديجة من أن العقيقة تجعل أعضاء يعني لا يكسر لها عظم مما صرح به الاصحاب أيضا وحكموا بكراهته، وعليه دل الخبر المذكور. ونحوه ما رواه في الكافي (4) عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث " قال: واقطع العقيقة جداول (5) واطبخها وادع عليها رهطا من المسلمين ".


(1) الكافي ج 6 ص 29 ح 10، الوسائل ج 15 ص 149 ب 44 ح 1 وفيهما " قال: يسمى ". (2) الكافي ج 6 ص 28 ح 7، الوسائل ج 15 ص 151 ح 7. (3) الكافي ج 6 ص 33 ح 5، الوسائل ج 15 ص 158 ح 4. (4) الكافي ج 6 ص 27 ح 1، الوسائل ج 15 ص 151 ب 44 ح 8. (5) أقول: ما اشتمل عليه الخبر من لفظ " جداول " لا يخلو من اشكال، فان جدوال =

[ 66 ]

إلا أنه قد روى في الفقيه (1) مرسلا قال: " قال عمار الساباطي: وسئل عن العقيقة أذا ذبحت هل يكسر عظمها ؟ قال: نعم يكسر عظمها ويقطع لحمها وتصنع بها بعد الذبح ما شئت " والظاهر أن هذا الخبر خرج مخرج التنبيه على الجواز فلا ينافي الكراهة. السادس: من المستحبات طبخها وإطعامها المؤمنين. قال في كتاب الفقه الرضوي (2) " وتفرق لحمها على قوم مؤمنين محتاجين، وإن أعددته طعاما ودعوت عليه قوما من إخوانك فهو أحب إلي، وكلما أكثرت فهو أفضل، وحده عشرة أنفس وما زاد، وأفضل ما تطبخ به ماء وملح " إنتهى. وفي كتاب الفقيه (3) " وروي أن أفضل ما تطبخ به ماء وملح " والظاهر أنه إشارة إلى ما ذكره عليه السلام هنا. وفي موثقة عمار (4) " ويطعم منه عشرة من المسلمين فإن زادوا فهو أفضل وتأكل منه " وفي الخبر ما يدل على الرخصة للاب في الاكل، وقد تقدم مثله. وفي التهذيب (5) " ولا تأكل منه " وهو على حسب مادل عليه غيره من كراهة الاكل للاب أيضا. وقد تقدم في رواية عبد الله بن سنان " واطبخها وادع عليها رهطا من المسلمين ". وفي رواية أبي خديجه المتقدمة " ثم يطبخها ويقسمها


= جمع جدول وهو النهر الصغير ولا مناسبة فيه للمقام، والظاهر انما هو جدول جمع جدل وهو العضو. قال في القاموس: والجدل ويكسر كل عضو وكل عظم معرق لا يكسر ولا بخلط به غيره، انتهى. (منه - قدس سره -). (1) الفقيه ج 3 ص 314 ح 12، الوسائل ج 15 ص 152 ح 17. (2) فقه الرضا ص 239 وفيه تقديم وتأخير، مستدرك الوسائل ج 2 ص 621 ب 34 ح 1. (3) الفقيه ج 3 ص 313 ح 11، الوسائل ج 15 ص 152 ح 16 وفيهما " ما يطبخ ". (4) الكافي ج 6 ص 28 ضمن ح 9، الوسائل ج 15 ص 150 ضمن ح 4. (5) التهذيب ج 7 ص 443 ضمن ح 35.

[ 67 ]

ولا يعطيها إلا لاهل الولاية " وفي حديث يحيى بن أبي العلا المتقدمة أيضا " فأكلوا وأهدوا إلى الجيران " وظاهره إهداء اللحم من غير طبخ. وفي حديث حفص الكناسي المروي في الكافي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " ويدعى نفر من المسلمين فيأكلون ويدعون للغلام ". وقال في الفقيه (2) " وإن شاء قسمها أعضاء كما هي، وإن شاء طبخها وقسم معها خبزا ومرقا ولا يعطيها إلا لاهل الولاية ". أقول: وقد تلخص من ذلك جواز الجمع إلا أن الافضل الطبخ في منزله. وأن يضيف إلى اللحم شيئا من خبز أو ارز أو بعض الحبوب وأن يدعو لها المؤمنين في منزله، وأن أقل من يدعوه عشرة لا أقل. السابع: لاريب في استحباب إعطاء القابلة جزء من العقيقة إذا لم تكن من العيال كما صرحت به رواية أبي خديجة المتقدمة لان العيال لا يأكلون منها كما تقدم. بقي الكلام في تعيين ما تعطى، والروايات في ذلك لا تخلو من اختلاف، ففي رواية أبي خديجة المتقدمة ثلث العقيقة. وقد تقدم أيضا في حديث يحيى ابن أبي العلا في عقيقة الحسنين عليهما السلام " وبعثوا برجل شاة إلى القابلة ". وفي رواية أبي بصير المتقدمة أيضا " ويبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك " وفي روايته الثانية مما حذفناه منها " واعط القابلة طايفا من ذلك " (3) وهو إما بالفاء بعد


(1) الكافي ج 6 ص 28 ضمن ح 5 وص 29 ضمن ح 12، الوسائل ج 15 ص 152 ضمن ح 12. (2) الفقيه ج 3 ص 313 ضمن ح 8. (3) أقول: قد ورد في حديث العامة مثل ذلك وجهوه بالوجهين، قال في النهاية: وفى حديث عمران بن حصين " أن غلاما أبق له فقال: لا قطعن منه طابقا ان قدرت عليه " أي عضوا، وجمعه طوابق - ثم قال في الطاء مع الياء المثناة والفاء أخيرا بعد ذكره في الحديث المذكور طايفا - هكذا جاء في الرواية " أي بعض أطرافه والطايفة: القطعة من الشئ، وروى بالباء والقاف وقد تقدم " انتهى. (منه - قدس سره -).

[ 68 ]

الياء المهموزة، أو بالباء الموحدة ثم القاف كما ذكره في النهاية (1) وهو عبارة عن العضو أو القطعة. وفي موثقة عمار (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " ويعطى القابلة ربعها وإن لم تكن قابلة فلامه تعطيه من شاءت - إلى أن قال: - وإن كانت القابلة يهودية لا تأكل من ذبيحة المسلمين اعطيت قيمة ربع الكبش " وفي رواية حفص الكناسي (3) " واهدي إلى القابلة الرجل مع الورك " ونحوها موثقة سماعة (4) وحسنة الكاهلي (5) وأكثر هذه الاخبار على الرجل والورك، والظاهر أن العمل بكل من هذه الاخبار حسن، وأما ما اشتمل عليه موثقة عمار من أنه مع عدم القابلة فلامه تعطيه من شاءت فهو مما صرح به الاصحاب أيضا. قال في المسالك (6): والمراد أن الاب يعطيها حصة القابلة إن كان هو الذابح للعقيقة وتصدق به، لانه يكره أن تأكل منها، وفي قوله عليه السلام " تعطيها من شاءت " إشاره إلي أن صدقتها به لا يختص بالفقراء بل تتأدى السنة بصدقتها على الغني والفقير، إنتهى. الثامن: قد ذكروا أنه لو لم يعق الاب عنه عق عن نفسه بعد البلوغ، وتدل عليه الاخبار المتقدمة المصرحة بوجوبها وأنه مرتهن بها، فيبقى تحت عهدة الامر حتى يحصل الامتثال، وقد تقدم في الموضع الاول في موثقة سماعة (7) أن الرجل


(1) النهاية لابن الاثير ج 3 ص 153 " طيف " وص 114 " طبق ". (2) الكافي ج 6 ص 28 ضمن ح 9، الوسائل ج 15 ص 150 ضمن ح 4. (3) الكافي ج 6 ص 28 ح 5 وص 29 ضمن ح 12، الوسائل ج 15 ص 152 ضمن ح 12. (4) الكافي ج 6 ص 28 ح 6، الوسائل ج 15 ص 150 ح 6. (5) الكافي ج 6 ص 29 ح 11، الوسائل ج 15 ص 150 ح 5. (6) مسالك الافهام ج 1 ص 579. (7) الكافي ج 6 ص 39 ح 3، الوسائل ج 15 ص 173 ح 1.

[ 69 ]

إذا لم يعق عن ولده وقد كبر أنه إذا ضحي عنه أو ضحى الولد عن نفسه فقد أجزأ عن العقيقة، ومفهومه أنه لو لم يضح عن نفسه ولاضحى عنه أبوه فالخطاب باق. ويؤيده ما ورد من أنه مع الشك في أن أباه هل عق عنه أم لا ؟ فإنه يستحب له أن يعق عن نفسه كما تقدم في صحيحة عمر بن يزيد (1) بطريق الفقيه المذكورة في الموضع الاول. وقد صرحوا أيضا بأنه لو مات الصبي في اليوم السابع فإن مات قبل الزوال سقطت وإن مات بعده لم يسقط. وعلى ذلك تدل ما رواه في الكافي والفقيه (2) عن إدريس بن عبد الله " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود يولد فيموت يوم السابع هل يعق عنه ؟ قال: إن كان مات قبل الظهر لم يعق عنه، وإن مات بعد الظهر عق عنه ". التاسع: فيما يستحب أن يقال وقت الذبح، فروى في الكافي (3) عن الكرخي عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: تقول على العقيقة إذا عققت: بسم الله وبالله اللهم عقيقة عن فلان لحمها بلحمه ودمها بدمه وعظمها بعضمه، اللهم اجعله وقاء لآل محمد صلى الله عليه وعليهم ". وعن يونس (4) عن بعض أصحابه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا ذبحت فقل: بسم الله وبالله والحمد لله والله أكبر إيمانا بالله وثناء على رسول الله صلى الله عليه وآله والعصمة لامره والشكر لرزقه والمعرفة بفضله علينا أهل البيت، فإن كان ذكرا فقل: اللهم إنك وهبت لنا ذكرا وأنت أعلم بما وهبت، ومنك ما أعطيت وكل ما صنعنا، فتقبله على سنتك وسنة نبيك ورسولك صلى الله عليه وآله واخسأ عنا الشيطان الرجيم، لك سفكت الدماء لا شريك لك والحمد لله رب العالمين " قوله " بفضله علينا أهل البيت " المراد


(1) الفقيه ج 3 ص 312 ح 3، الوسائل ج 15 ص 145 ب 39 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 39 ح 1، الفقيه ج 3 ص 314 ح 13، الوسائل ج 15 ص 170 ح 1. (3) و (4) الكافي ج 6 ص 30 ح 1 و 2، الوسائل ج 15 ص 154 ح 1 وص 155 ح 4.

[ 70 ]

به أهل بيت نقسه كما نبه عليه بعض المحدثين. وعن سهل (1) عن بعض أصحابه رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: نقول على العقيقة " وذكر مثله وزاد فيه " اللهم لحمها بلحمه ودمها بدمه وعظمها بعظمه وشعرها بشعره وجلدها بجلده، اللهم اجعله وقاء لفلان بن فلان ". وروى في الكافي والفقيه (2) عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا أردت أن تذبح العقيقة قلت: يا قوم إني برئ مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك بسم الله وبالله والله أكبر اللهم صل على محمد وآل محمد، تقبل من فلان بن فلان، وتسمي المولود باسمه ثم تذبح ". وروى في الكافي (3) بسنده عن محمد بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي الفقيه (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: يقال عند العقيقة: اللهم منك ولك ما وهبت وأنت أعطيت، اللهم فتقبل منا على سنة نبيك صلى الله عليه وآله، ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتسمي وتذبح، وتقول: لك سفكت الدماء لا شريك لك والحمد لله رب العالمين، اللهم اخسأ الشيطان الرجيم ". وروى في الكافي (5) عن الكاهلي في الحسن عن ابي عبد الله عليه السلام " قال في العقيقة: إذا ذبحت تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما وما


(1) الكافي ج 6 ص 31 ح 3، الوسائل ج 15 ص 155 ح 5. (2) الكافي ج 6 ص 31 ح 4، الفقيه ج 3 ص 314 ح 14، الوسائل ج 15 ص 154 ب 46 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 31 ح 5، الوسائل ج 15 ص 155 ح 3 وفيهما " محمد بن مارد ". (4) الفقيه ج 3 ص 314 ح 15 وفيه " اخسأ عنا " الوسائل ج 15 ص 155 ح 3. (5) الكافي ج 6 ص 31 ح 6، الوسائل ج 15 ص 156 ح 6.

[ 71 ]

أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، اللهم منك ولك، اللهم هذا عن فلان بن فلان ". وقال الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (1) " فإن أردت ذبحه فقل: بسم الله وبالله منك وبك ولك وإليك عقيقة فلان بن فلان على ملتك ودينك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله، باسم الله وبالله والحمد لله والله أكبر إيمانا بالله وثناء على رسول الله، والعصمة بأمره والشكر لرزقه والمعرفة لفضله علينا أهل البيت، فإن كان ذكرا فقل: اللهم أنت وهبت لنا ذكرا وأنت أعلم بما وهبت ومنك ما أعطيت ولك ما صنعنا، فتقبله منا على سنتك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فاحتبس عنا الشيطان الرجيم، ولك سفكت الدماء ولوجهك القربات لا شريك له ". تكملة في الرضاع والكلام فيها يقع في موردين: الاول في الرضاع نفسه، والكلام فيه يقع في مواضع: الاول: قالوا: إن أفضل ما يرضع به الصبي لبن امه لانه أوفق بمزاجه وأنسب بطبعه، وهو غذاؤه في بطن امه. أقول: ويدل عليه ما رواه الكافي (2) عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المومنين عليه السلام: ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن امه ". الثاني: المعروف من كلام الاصحاب أنه لا يجب على الام إرضاع الولد. واستدل عليه مضافا إلى الاصل بقوله عزوجل " فإن أرضعن لكم فآتوهن اجورهن.. وإن تعاسرتم فسترضع له اخرى " (3) ولو كان الرضاع واجبا عليها


(1) فقه الرضا ص 239، مستدرك الوسائل ج 2 ص 621 ب 33 ح 1 وفيهما " فاخنس - فاخسأ خ ل - " وكذلك " سكب " بدل " سفكت ". (2) الكافي ج 6 ص 40 ح 1، الوسائل ج 15 ص 175 ح 2. (3) سورة الطلاق آية 6.

[ 72 ]

لما حسن أن يقال " فإن أرضعن لكم " إلا أنه يشكل ذلك بأن مورد الآية كما ينادي به سياق الكلام إنما هو المطلقة البائن، وعدم الوجوب هنا مما لا خلاف فيه. قال في كتاب مجمع البيان (1) " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " أي وإن أرضعن الولد لاجلكم بعد البينونة فاعطوهن أجر الرضاع يعني اجرة المثل. إنتهى، وهذا الكلام في الآية الثانية، فإن السياق كله إنما هو في المطلقة، وحينئذ فاستدلال أصحابنا بهاتين في المقام لا يخلو من نظر، إذ محل البحث إنما هو الزوجة. والاظهر الاستدلال على ذلك بما رواه في الكافي (2) عن سليمان بن داود المنقري " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرضاع، قال: لا تجبر المرأة على إرضاع الولد وتجبر ام الولد " وهو صريح في المراد. الثالث: يجب تقييد الحكم المذكور كما نبة عليه غير واحد من الاصحاب بأن ذلك مشروط بوجود الاب وقدرته على دفع الاجرة، أو عدم تبرعها، أو وجود مال للولد ووجود مرضعة سواها، وإلا وجب ذلك عليها كما يجب عليها الانفاق عليه إذا كان الاب معسرا أو مفقودا. الرابع: إطلاق كلام أكثر الاصحاب يقتضي عدم الفرق بين اللباء، وهو أول ما يحلب بعد الولادة وغيره عملا بإطلاق الدليل، وأوجب جماعة منهم العلامة في القواعد والشهيد إرضاعها اللباء، محتجين بأن الولد لا يعيش بدونه، ورده جمع ممن تأخر عنهما بأنه ممنوع بالوجدان.


(1) مجمع البيان ج 10 ص 309. (2) الكافي ج 6 ص 40 ح 4، التهذيب ج 8 ص 107 ح 11، الوسائل ج 15 ص 175 ب 68 ح 1.

[ 73 ]

قال في المسالك (1): ولعلهم أرادوا الغالب، أو أنه لا يقوى ولا يشتد بنيته إلا به، ثم إنه على القول بالوجوب هل تستحق الام اجرة عليه من الاب أو من الولد إن كان له مال أم لا ؟ قولان: والاول مذهب الاكثر مستندين إلى إطلاق قوله تعالى " فإن أرضعن لكم فآتوهن اجورهن " وبالثاني قطع المقداد في كنز العرفان محتجا بأنه واجب ولا يجوز أخذ الاجرة على الواجب. قال في المسالك (2): وكليته ممنوعة، فإن مالك الطعام يلزمه بذله للمضطر، ولكن بالعوض باعتراف هذا القائل، وإن كان فيه خلاف أيضا، إنتهى. وتوضيحه أن الممتنع هو أخذ الاجرة على نفس العمل الذي يجب عليه القيام به، مثل تغسيل الموتى ودفنهم ونحو ذلك لا أخذ عوض ما يجب بذله كدفع المال إلى المضطر، واللباء من قبيل الثاني لا الاول. وأنت خبير بأن قضية الوجوب سقوط الاجرة إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك، والآية المذكورة ليست من محل البحث في شئ، فإن المدعى وجوب الارضاع عليها، والآية المذكورة قد عرفت أن موردها المطلقة البائنة وعدم الوجوب عليها ظاهر، وما ذكروه من بذل الطعام للمضطر إن وجد ما يدل على ما ادعوه من الاخبار فلا إشكال، وإلا فللمناقشة فيما ذكروه مجال، ولا يحضرني الآن شئ من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة. الخامس: لا خلاف ولا إشكال في جواز استئجار الاب الام للرضاع إذا كانت مطلقة بائنة، لان منافعها مملوكة لها ولا تعلق للاب بها، إنما الخلاف فيما لو كانت زوجة، فالمشهور بين الاصحاب الجواز مستندين إلى عموم قوله " فإن أرضعن لكم فآتوهن اجورهن ". وفيه ما عرفت من أن مورد هذه الآية إنما هي المطلقة، فهي دليل للاول من هذين الحكمين لا للثاني. نعم يدل على ذلك أصالة الجواز لانك قد عرفت


(1) و (2) مسالك الافهام ج 1 ص 580.

[ 74 ]

بالخبر المتقدم أن الارضاع غير واجب عليها، فكما يجوز استئجارها لارضاع غيره فكذا لارضاعه، ومنع الشيخ في المبسوط (1) من استيجار الزوج بها، وكذا منع من استئجارها لخدمته وخدمة غيره وإرضاع ولد غيره، مستندا إلى أن زوجها قد ملك الاستمتاع بها في كل وقت إلا ما استثنى من أوقات الصلاة والصيام، فما عقدت عليه من المنافع لا يقدر على إيفائه، وإذا لم تقدر على إيفائه كان العقد باطلا، كما لو آجر نفسه شهرا ثم آجرها ذلك الشهر بغير المستاجر. واجيب بمنع ملك الزوج لجميع منافعها وإنما ملك الاستمتاع ولا يلزم من استحقاقه في جميع الاوقات ملك غيره من المنافع، وما ذكره الشيخ قول لبعض العامة ولا ريب في ضعفه. السادس: لا يخفى أنه على تقدير القول المشهور من جواز استئجارها لارضاع ولدها، فإن تعلقت الاجارة بها نفسها لم يكن لها إرضاع غيره، فإن فعلت فلا اجرة لها، وإن تعلقت بها وبغيرها بأن كان الاستئجار على تحصيل الرضاع كيف اتفق بها أو بغيرها جاز، ومع عدم تعيين أحد الامرين بأن اطلق إشكال، ولا يبعد إلحاقه بالقسم الاول، لانه الذي ينصرف إليه ظاهر الاطلاق، والمشهور على ما ذكره في المسالك (2) جواز إرضاعها له بنفسها وغيرها، قال: لانها حينئذ أجير مطلق، ومن شأنه جواز تحصيل المنفعة بنفسه وغيره. إنتهى، والاقرب الاول وهو اختيار سبطه في شرح النافع. السابع: ينبغي أن يعلم أن الاجرة من مال الولد إن كان له مال وإلا فعلى الاب، وظاهر بعض العبارات أنه مع حياة الاب فالاجرة على الاب، ومع موته فالاجرة من مال المرتضع، وهو على إطلاقه غير جيد (3) بل الوجه هو


(1) المبسوط ج 6 ص 36. (2) مسالك الافهام ج 1 ص 580. (3) لانه مع حياة الاب ووجود مال للولد، فالولد غنى لا يستحق على الاب نفقة فلا يجب على الاب شئ وهو ظاهر. (منه قدس سرة).

[ 75 ]

ما قدمنا ذكره. وروى في الكافي والتهذيب (1) عن ابن أبي يعفور في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل توفي وترك صبيا فاسترضع له أن أجر رضاع الصبي مما يرث من أبيه وامه " ورواه الشيخ (2) بطريق آخر وزاد فيه " من حظه مما ورث من أبيه ". وروى في التهذيب (3) عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قضى علي عليه السلام في صبي مولود مات أبوه أن رضاعه من حظه مما ورث من أبيه ". وروي في الكافي (4) عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل مات وترك امرأته ومعها منه ولد فألقته على خادم لها فأرضعته، ثم جاءت تطلب رضاع الغلام من الوصي، فقال: لها أجر مثلها وليس للوصي أن يخرجه من حجرها حتى يدرك ويدفع إليه ماله ". وفي هذه الاخبار دلالة على عدم وجوب الرضاع على الام كما تقدم، وجواز استئجارها للرضاع كما هو المشهور، وظاهر صحيحة عبد الله بن سنان إستحقاقها الاجرة وإن أرضعته بغيرها، ومقتضى كلامهم حمله على كون الاستئجار وقع كذلك أو كونه مطلقا إلا أن الخبر لا يخلو من الاجمال. الثامن: قد صرحوا بأن الام أحق برضاعه إذا تبرعت أو قنعت بما يطلب غيرها، ولو طلبت زيادة على ما يرضى به غيرها فللاب انتزاعه منها، ويدل على


(1) الكافي ج 6 ص 41 ح 5، التهذيب ج 7 ص 447 ح 56، الوسائل ج 15 ص 179 ح 2. (2) التهذيب ج 8 ص 106 ح 8، الوسائل ج 15 ص 179 ح 3. (3) التهذيب ج 9 ص 244 ح 39. (4) الكافي ج 6 ص 41 ح 7، الوسائل ج 15 ص 178 ب 71 ح 1 وفيهما " امرأة ".

[ 76 ]

الحكم الاول أعني أحقيتها بالرضاع إذا تبرعت أو قنعت بما يطلب غيرها قوله سبحانه " فإن أرضعن لكم فآتوهن اجورهن " (1) فإن الآية شاملة لهاتين الصورتين. ورواية أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سمعته يقول: المطلقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها، وهي أحق بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة اخرى، يقول الله تعالى " لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك عليه السلام " (3) لا يضار الصبي ولا تضار به في رضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين، فان أراد الفصال عن تراض منهما كان حسنا، والفصال هو الفطام ". وعلى الحكم الثاني وهو انتزاعه منها لو طلبت الزيادة قوله تعالى " وإن تعاسرتم فسترضع له اخرى " (4). ويدل على الحكمين معا ما رواه الشيخ (5) عن أبى الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا طلق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتى تضع حملها وإذا وضعته أعطاها أجرها ولا يضارها إلا أن يجد من هو أرخص منها أجرا فإن هي رضيت بذلك الاجر فهي أحق بابنها حتى تفطمه ". وعن أبي العباس (6) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال: فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها: أنا أرضع إبني بمثل ما تجد من يرضعه فهي أحق به " وهذه الرواية دليل على الصورة الثانية من الحكم الاول. وحكى الشيخ في الخلاف قولا بأن الام أحق بالولد متى طلبت اجرة المثل


(1) سورة الطلاق - آية 6. (2) الفقيه ج 3 ص 329 ح 2، الوسائل ج 15 ص 178 ب 70 وفيهما " لا يضار بالصبى ولا يضار بامه ". (3) سورة البقرة - آية 233. (4) سورة الطلاق - آية 6. (5) التهذيب ج 8 ص 106 ح 9، الوسائل ج 15 ص 191 ح 2. (6) التهذيب ج 8 ص 105 ح 2، الوسائل ج 15 ص 191 ح 3.

[ 77 ]

وإن وجد الاب من يأخذ أقل أو يتبرع، تمسكا بإطلاق الآية المتقدمة، والاخبار المذكورة ترده كما عرفت. التاسع: لا خلاف ولا إشكال في أن للمولى إجبار أمته على الرضاع لانها مع جميع منافعها ملك له سواء في ذلك منافع الاستمتاع وغيرها، بخلاف الزوجة حيث اختص الاستحقاق بمنافع الاستمتاع ولا فرق في ذلك بين ام الولد وغيرها، وقد تقدم في الموضع الثاني قوله عليه السلام في رواية المنقري (1) " وتجبر ام الولد " وذكر ام الولد لا يقتضي نفي ذلك عن غيرها. العاشر: ظاهر بعض الاخبار إستحباب الارضاع من الثديين معا، وهذا الحكم لم يتعرض له أحد من الاصحاب فيما أعلم، ويدل عليه ما رواه في الكافي (2) عن محمد بن العباس بن الوليد عن أبيه عن امة ام إسحاق بنت سليمان " قالت: نظر إلي أبو عبد الله عليه السلام وأنا أرضع أحد إبني محمدا أو إسحاق، فقال، يا أم إسحاق لا ترضعيه من ثدي واحد وارضعيه من كليهما، يكون أحدهما طعاما والاخر شرابا " ورواه في الفقيه (3) مرسلا " قال: نظر الصادق عليه السلام إلى ام إسحاق وهي ترضع أحد ابنيها " الحديث. قال في الوافي (4): لما كان في الجديد لذة كان اللبن الجديد مما يسيغ القديم كما أن الشراب يسيغ الطعام، فصح بهذا الاعتبار أن يكون احدهما بمنزلة الطعام والاخر بمنزلة الشراب، إنتهى. وروى في الفقيه (5) بإسناده عن محمد بن علي الكوفي عن إسماعيل بن مهران عن مرازم عن جابر بن يزيد عن جابر بن عبد الله الانصاري " قال: قال رسول الله


(1) الكافي ج 6 ص 41 ح 4، السوائل ج 15 ص 175 ب 68 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 40 ح 2، الوسائل ج 15 ص 176 ب 69 ح 1. (3) الفقيه ج 3 ص 305 ح 4. (4) الوافى ج 3 ص 207 ب 220. (5) الفقيه ج 4 ص 296 ح 77، الوسائل ج 15 ص 176 ب 69 ح 2.

[ 78 ]

صلى لله عليه وآله: إذا وقع الولد في بطن امه - إلى أن قال: - وجعل الله تعالى رزقه في ثدي امه أحدهما شرابه وفي الآخر طعامه " الخبر. الحادي عشر: قال في الشرائع (1): لوادعى الاب وجود متبرعة وأنكرت الام فالقول قول الاب، لانه قد يدفع عن نفسه وجوب الاجرة. على تردد. قال في المسالك (2): منشأ التردد من كون الام منكرة لما يدعيه من وجود المتبرعة، والاصل عدمه، فيكون القول قولها لانه المدعي، ولان الحق ثابت لها وهو يدعي إسقاطه بوجود المتبرعة، والاصل عدم سقوطه إلى أن يثبت، ومما ذكره المصنف من أن الام تدعي شغل ذمة الاب بالاجرة وهو ينفي ذلك عن نفسه والاصل براءة ذمته منها، ولانه يعسر عليه إقامة البينة على ما يقوله فيصدق بيمينه وهو قول الشيخ في المبسوط وهو الاشهر، إنتهي. أقول: الظاهر أن الانسب بقواعدهم والاقرب إلى ضوابطهم هو ما قرره الشارح أولا، فإن مقتضى صورة النزاع التي فرضوها هو أن الاب ادعى وجود متبرعة والام أنكرت، فالاب هو المدعي والام هي المنكرة، فيجب العمل بمقتضى القاعدة المنصوصة فيها كما في كل مدع ومنكر، وقضية ذلك أن القول قول الام بيمينها، وأما جعل الام مدعية - لانها تدعي شغل ذمة الاب بالاجرة، وهو منكر لانه ينفي بذلك عن نفسه - وليس هو صورة الدعوى التي فرضوها، وإنما ذلك من لوازمها على أنه لا معنى لدعوى الام شغل ذمه الاب بالاجرة قبل الرضاع، لان هذا النزاع إنما وقع في أول الامر قبل دفع الولد إليها، وقبل تعيين الاجرة بأمره، ومرجعه إنما هو إلى دعوى شغل الذمة لو أرضعت بعد دفع الولد إليها. وبالجملة فإن عد الام مدعية والاب منكرا بهذا التقريب الذي ذكروه


(1) شرائع الاسلام ص 566 الطبعة الثالثة سنة 1403 ه‍، وفيه " لانه يدفع ". (2) مسالك الافهام ج 1 ص 581.

[ 79 ]

- مع كون صورة النزاع الذي فرضوه إنما هو على الوجه الذي عرفت - لا يخلو من غموض وإشكال. المورد الثاني: في مدته، والكلام فيه أيضا يقع في مواضع: الاول: لا خلاف نصا وفتوى في أن مدة الرضاع المحدودة شرعا وإن جاز النقيصة عنها والزيادة عليها حولان كاملان. ويدل على ذلك قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " (1) وما سيأتي من الاخبار المذكورة في المقام إن شاء الله تعالى. الثاني: قد صرح الاصحاب بجواز الاقتصار على أحد وعشرين شهرا لا أقل لظاهر قوله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (2) فإذا حملت به تسعة أشهر كما هو الغالب كان الباقي للرضاع أحدا وعشرين شهرا. ويدل على ذلك أيضا جملة من الاخبار منها ما رواه في التهذيب (3) عن عبد الوهاب بن الصباح " قال أبو عبد الله عليه السلام: الفرض في الرضاع أحد وعشرون شهرا، فما نقص عن أحد وعشرين شهرا فقد نقص المرضع، فإن أراد أن يتم الرضاعة له فحولين كاملين ". وما رواه في الكافي (4) عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: الرضاع أحد وعشرون شهرا فما نقص فهو جور على الصبي ". وظاهر الخبرين تحريم ما نقص عن أحد وعشرين كما هو ظاهر الاصحاب أيضا لحكمه في الاول بأن الاحد وعشرين هو الفرض، وفي الثاني بأن ما نقص منه جور وظلم للصبي.


(1) سورة البقرة آية 233. (2) سورة الاحقاف آية 15. (3) التهذيب ج 8 ص 106 ح 7، الوسائل ج 15 ص 177 ح 2. (4) الكافي ج 6 ص 40 ح 3، الوسائل ج 15 ص 177 ح 5 وفيهما " واحد وعشرون ".

[ 80 ]

واستشكل ذلك في شرح النافع فقال: ولو قيل بجوازه إذا اقتضت مصلحة الولد ذلك وتراضي عليه الابوان لم يكن بعيدا، قال: ويدل عليه ما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: ليس للمرأة أن تأخذ في رضاع ولدها أكثر من حولين كاملين: فإن أرادا الفصال قبل ذلك عن تراض منهما فهو حسن ". أقول: الظاهر أن الوجه في الجمع بين هذا الخبر والخبرين الاولين هو تخصيص النقصان في هذا الخبر بما لا يبلغ النقصان عن ذلك الحد، فإن الخبرين الاولين ظاهران بل صريحان في تحريم النقص عن ذلك المقدار. بقي هنا شئ يجب التنبيه عليه وهو: أنه قد تقدم في المسألة الاولى من المقام الاول الاستدلال بهذه الآيه، أعني قوله " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " على أن أقل الحمل ستة أشهر، وأقصى الفصال عامان، وهنا قد استدلوا بها على أن أقصى الفصال أحد وعشرون شهرا، وأنه يشكل أيضا ذلك على تقدير القول بأن أقصى الحمل سنة، والقول بأن أقصاه عشرة أشهر، وجواز أن تضعه لسبعة أشهر، وفي جميع هذه الصور لايتم أن الفصال أحد وعشرون شهرا، ولهذا نقل عن ابن عباس أن من ولد لستة أشهر ففصاله في عامين، ومن ولد لسبعة فمدة رضاعه ثلاثة وعشرون شهرا، ومن ولد لتسعة هو أحد وعشرون. قال في المسالك (2): وهو قول موجه جامع بين الآيات. أقول: والاظهر عندي عدم الرجوع في الاستدلال في هذه المسألة إلى الآية المذكورة بل الاعتماد على الاخبار التي ذكرناها، والمستفاد من النصوص الواردة في تفسير هذه الاية أن نزولها كان في الحسين عليه السلام كما ينادي به سياق الكلام في الاية قبل هذا الموضع وبعده، ولا بأس بذكر خبر من تلك الاخبار.


(1) التهذيب ج 8 ص 105 ح 4، الوسائل ج 15 ص 177 ب 70 ح 1. (2) مسالك الافهام ج 1 ص 580.

[ 81 ]

وهو ما رواه في الكافي (1) بسنده إلى أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: لما فاطمة (عليها السلام) بالحسين (عليه السلام) جاء جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال إن فاطمة ستلد غلاما تقتله امتك من بعدك فلما حملت فاطمة الحسين (عليه السلام) حمله، وحين وضعت كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): لم تر في الدنيا ام تلد غلاما تكرهه، ولكنها كرهت لما علمت أنه سيقتل، قال، وفيه نزلت هذه الآية " ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (2) ونحوه غيره، وعلى هذا فمحل الاستدلال بالآية إنما هو ما قدمناه في المسألة الاولى من المقام الاول من هذا المقصد، وجميع ما ذكره من الاشكالات والاحتمالات في الآية باعتبار الاستدلال بها في هذا المقام فهو نفخ في غير ضرام. الثالث: قد ذكروا أنه يجوز الزيادة على الحولين شهرا وشهرين لاأكثر، وقيل: إنه مروي، وقد اعترف السيد السند في شرح النافع بأنه لم يقف على الرواية، وهو كذلك، فإنا بعد الفحص والتتبع لم نقف عليها في شئ من كتب الاخبار. نعم قد روى الكليني (3) وابن بابويه في الصحيح عن سعد بن سعد الاشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) " قال: سألته عن الصبي هل يرتضع أكثر من سنتين ؟ فقال: عامين، قلت: فإن زاد على سنتين هل على أبويه من ذلك شئ ؟ قال: لا ". وظاهر هذه الرواية جواز الزيارة على الحولين مطلقا، وهم لا يقولون به، والامر بالحولين في الآية والاخبار لا يقتضي المنع عما زاد. الرابع: قد صرحوا بأن ما يجوز لها إرضاعه من الشهر والشهرين لا تستحق


(1) اصول الكافي ج 1 ص 464 ح 3. (2) سورة الاحقاف - آية 15. (3) الكافي ج 6 ص 41 ح 8، الفقيه ج 3 ص 305 ح 2، التهذيب ج 8 ص 107 ح 12، الوسائل ج 15 ص 177 ح 4، وما في المصادر " يرضع ".

[ 82 ]

عليه اجرة، واستشكله على إطلاقه في المسالك (1) بأنه إنما يتم على تقدير عدم حاجة الولد إليه، أما لو احتاج إليه لمرض ونحوه بحيث لا يمكن غذاؤه فيها بغير اللبن كان اللبن حينئذ بمنزلة النفقة الضرورية، فعدم استحقاق الام عليه اجرة مطلقا لا يخلو من نظر، إلا أن عمل الاصحاب ورواياتهم على ذلك، فلا مجال لخلافه. أقول: من الروايات التي استند إليها الاصحاب فيما ذكروه ما تقدم في صحيحة الحلبي (2) من قوله (عليه السلام) " ليس للمرأة أن يأخذ في رضاع ولدها أكثر من حولين كاملين ". وما رواه في الكافي (3) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث " أنه نهى أن يضار الصبي أو تضار امه في رضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما قبل ذلك كان حسنا، والفصال هو الفطام ". وقد تقدم في رواية أبي بصير (4) المذكورة في الموضع الثامن من المورد الاول نحو ذلك. وأنت خبير بأنه وإن كان ظاهر هذه الاخبار هو عدم جواز أخذ الاجرة على هذه المدة الزائدة، إلا أنه يجب تخصيصها بصورة عدم الضرورة للرضاع كما هو الغالب، والاخبار إنما خرجت بناء على ذلك، ويؤيده قوله في تلك الاخبار بعد هذا الكلام " فإن أرادا فصالا عن تراض قبل ذلك كان حسنا " فإن الكلام من أوله إلى آخره مبني على صحة الولد وسلامته، وإلا فالمستفاد من الاخبار


(1) مسالك الافهام ج 1 ص 581. (2) التهذيب ج 8 ص 105 ح 4، الوسائل ج 15 ص 176 ب 7 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 41 ح 6، الوسائل ج 15 ص 177 ح 3. (4) الفقيه ج 3 ص 329 ح 2، الوسائل ج 15 ص 178 ح 7.

[ 83 ]

أن الضرورات تبيح المحظورات، وحينئذ فيجب عليها رضاعه في تلك المدة لمكان الضرورة، ويجب على الاب الاجرة حسبما قرره - رحمه الله - أولا. وأما ما ذكره - رحمة الله عليه - من أن عمل الاصحاب ورواياتهم على ذلك فلا مجال لخلافه، ففيه أن غاية ما يفهم من كلامهم ومن الاخبار المذكورة هو إطلاق القول بالمنع من أخذ الاجرة على هذه المدة، وليس في شئ منهما ما يدل صريحا أو ظاهرا على أن الامر كذلك في صورة الاضطرار إلي الرضاع هذه المدة، فالجميع قابل للتقييد بما ذكرناه، فلا منافاة كما توهم، وإلى ما ذكرناه يميل كلام سبطه في شرح النافع حيث قال: ولو اضطر الولد إلى الرضاع بعد الحولين لمرض ونحوه فالاقرب وجوب اجرتها على الاب لان ذلك بمنزلة النفقة الضرورية. إنتهى وهو جيد. المقام الثالث: في الحضانة، والظاهر أن أصلها من حضن الطائر بيضه، أي ضمه تحت جناحه، قال في كتاب المصباح المنير (1) بعد ذكر المعنى المذكور: والحضانة - بالفتح والكسر - إسم منه. وقال في المسالك: هي - بفتح الحاء - ولاية على الطفل والمجنون لفائدة تربيته، وما يتعلق بها من مصلحته من حفظه وجعله في سريره ورفعه وكحله ورهنه وغسل خرقه وثيابه وتنظيفه ونحو ذلك وهي بالانثى أليق منها بالرجل، لمزيد شفقتها وخلقها المعد لذلك بالاصل، إنتهى. والواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، وكلام الاصحاب في المقام، والكلام في ذلك بما يسر الله تعالى فهمه بتوفيقه وببركة أهل الذكر (عليهم السلام). فمن الاخبار ما رواه في الكافي (2) عن أبي العباس البقباق " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل أحق بولده أم المرأة ؟ فقال: لا بل الرجل، قال: فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها أنا أرضع إبني بمثل ما تجد من ترضعه فهي أحق به ".


(1) المصباح المنير ج 1 ص 193. (2) الكافي ج 6 ص 44 ح 1، الوسائل ج 15 ص 191 ح 3 وليس فيهما " قال " الثانية.

[ 84 ]

وفي معنى هذه الرواية روايات تقدمت في الموضع الثامن من المورد الاول التكملة في الرضاع. وفي الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الحبلى المطلقة ينفق عليها حتى تضع حملها، وهي أحق بولدها حتى ترضعه بما تقبله إمرأة اخرى، إن الله عزوجل يقول: " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " (2) الحديث. وما رواه في الكافي والتهذيب (3) عن المنقري عمن ذكره " قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يطلق امرأته وبينهما ولد أيهما أحق بالولد ؟ قال: المرأة أحق بالولد ما لم تتزوج ". ورواه في الفقيه (4) عن المنقري عن حفص بن غياث أو غيره " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) الحديث. وما رواه في الفقيه (5) عن عبد الله بن جعفر في الصحيح عن أيوب بن نوح " قال: كتب إليه بعض أصحابه أنه كانت لي امرأة ولي منها ولد فخليت سبيلها فكتب (عليه السلام): المرأة أحق بالولد إلى أن يبلغ سبع سنين إلا أن تشاء المرأة ". وما رواه المشايخ الثلاثة (6) عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن " قال: ما دام الولد في الرضاع فهو بين الابوين


(1) الكافي ج 6 ص 103 ح 3، الوسائل ج 15 ص 192 ح 5. (2) سورة البقرة - آية 233. (3) الكافي ج 6 ص 45 ح 3، التهذيب ج 8 ص 105 ح 3، الوسائل ج 15 ص 191 ح 4. (4) الفقيه ج 3 ص 275 ح 2 وفيه اختلاف يسير. (5) الفقيه ج 3 ص 275 ح 4، الوسائل ج 15 ص 192 ح 6. (6) الكافي ج 6 ص 45 ح 4، الفقيه ج 3 ص 274 ب 127 ح 1، التهذيب ج 8 ص 104 ح 1، الوسائل ج 15 ص 190 ب 81 ح 1.

[ 85 ]

بالسوية، فإذا فطم فالاب أحق به من الام، فإذا مات الاب فالام أحق به من العصبة، فإن وجد الاب من يرضعه بأربعة دراهم وقالت الام: لا ارضعه إلا بخمسة دراهم فإن له أن ينزعه منها إلا أن ذلك خير له وأرفق به أن يذره مع امه ". وما رواه في الكافي والتهذيب (1) عن داود الرقي " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حرة نكحت عبدا فأولدها أولادا، ثم إنه طلقها فلم تقم مع ولدها وتزوجت، فلما بلغ العبد أنها تزوجت أراد أن ياخذ ولده منها، وقال: أنا أحق بهم منك إذا تزوجت، فقال: ليس للعبد أن ياخذ منها ولدها، وإن تزوجت حتى يعتق هي أحق بولدها منه مادام مملوكا، فإذا اعتق فهو أحق بهم منها ". وما رواه الصدوق (2) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: أيما امرأة حرة تزوجت عبدا فولدت منه أولادا فهي أحق بولدها منه وهم أحرار، فإذا اعتق الرجل فهو أحق بولده منها لموضع الاب ". وما رواه في الكافي (3) في الموثق عن جميل وابن بكير جميعا " في الولد من الحر والمملوكة، قال: يذهب إلى الحر منهما ". وروى ابن الشيخ في أماليه (4) عن أبيه عن أبي الصلت عن ابن عقدة عن عبد الله ابن علي عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام) " أن النبي صلى الله عليه وآله قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: الخالة والدة ".


(1) الكافي ج 6 ص 45 ح 5، التهذيب ج 8 ص 107 ح 10، الوسائل ج 15 ص 181 ب 73 ح 2 وفيها اختلاف يسير. (2) الفقيه ج 275 3 ح 3، الوسائل ج 15 ص 181 ح 1. (3) الكافي ج 5 ص 492 ح 1، الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 3. (4) أمالى ابن الشيخ ص 218 ح 5، الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 4.

[ 86 ]

وروى ابن إدريس في مستطرفات السرائر (1) من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم من مولانا أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) برواية الجوهري والحميري عن أيوب بن نوح " قال: كتب إليه - يعني بشار بن بشير -: جعلت فداك رجل تزوج امرأة فولدت منه ثم فارقها، متى يجب له أن يأخذ ولده ؟ فكتب: إذا صار له سبع سنين، فإن أخذه فله، وإن تركه فله ". هذا ما حضرني من أخبار المسألة، والكلام في هذا المقام بما يحيط بأطراف النقض والابرام يقع في مسائل: الاولى: في الحضانة وقت الرضاع وبعده، (أما) الاول فقد صرح جملة من الاصحاب بأن الام أحق بالولد مدة الرضاع قال في المسالك: ولا خلاف فيه إذا كانت متبرعة أو رضيت بما تأخذ غيرها من الاجرة. أقول: ويدل على ما ذكره جملة من هذه الروايات المنقولة هنا، وما تقدم في الموضع الثامن من المورد الاول من التكملة، إلا أن ابن فهد في المهذب ادعى الاجماع أيضا على اشتراك الحضانة بين الابوين مدة الرضاع، قال: وقع الاجماع على اشتراك الحضانة بين الابوين مدة الحولين، وعلى سقوطها بعد البلوغ، إنتهى. ويدل على ما قاله رواية داود بن الحصين (2) وقوله (عليه السلام) فيها " مادام الولد في الرضاع فهو بين الابوين بالسوية " إلا أنها تضعف عن معارضة تلك الاخبار الدالة على القول الاول سندا وعددا. وبالجملة فإنه لاإشكال بعد دلالة هذه الاخبار على أحقية الام به مدة الرضاع إذا تبرعت أو رضيت بما رضي به غيرها. وإنما الاشكال فيما إذا سقط حقها من الرضاعة واسترضع الاب غيرها بأن لم تتبرع ولم ترض بما رضي به غيرها، فإنه قد تقدم في رواية داود بن الحصين أن للاب أن ينزعه منها، وحينئذ فإذا زال حقها من الرضاع فهل يزول


(1) السرائر ص 479، الوسائل ج 15 ص 192 ح 7. (2) الوسائل ج 15 ص 190 ب 81 ح 1.

[ 87 ]

أيضا حقها من الحضانة أم يبقي ؟ قولان: وبالاول صرح المحقق في الشرائع وإلى الثاني ذهب إبن إدريس فقال: لا يسقط حقها من الحضانة، لانهما حقان متغايران، فلا يلزم من سقوط أحدهما سقوط الآخر، وهو قوي من حيث الاعتبار، إلا أن ظاهر قوله (عليه السلام) في رواية داود بن الحصين أن للاب أن ينزعه منهما إن لم ترض بما رضي به غيرها يرد ما ذكره، ويؤيده أيضا مفهوم رواية أبي الصباح الكناني (1) ورواية أبي العباس (2)، وإلى القول بما ذهب إليه المحقق مال السيد السند في شرح النافع لما ذكرناه، وأيده بما يلزم من الحرج في تردد المرضعة إلى الام في كل وقت يحتاج الولد إلى الرضاع والعسر المنفيين بالاية والرواية وظاهر جده في المسالك والروضة الميل إلى ما ذهب إليه ابن ادريس إستضعافا لرواية داود بن الحصين، وإمكان حملها على أن المراد نزعه من جهة الرضاع لا مطلقا، قال: والضرر بذلك لا يبلغ حدا لاسقاط الحق الثابت، وحينئذ فتأتي المرضعة وترضعه عندها مع الامكان، فإن تعذر حمل الصبي إلى المرضعة وقت الارضاع خاصة، فإن تعذر جميع ذلك إتجه سقوط حقها من الحضانة للحرج والضرر. أقول: والاقرب هو ما ذهب إليه المحقق - رحمة الله عليه - لظاهر الروايات المذكورة، وإن كان ما ذهب إليه ابن إدريس لا يخلو من قوة من حيث الاعتبار. هذا بالنسبة إلى مدة الحولين، (وأما) بعدهما فقيل: إن الاب أحق بالذكر والام أحق بالانثى حتى تبلغ سبع سنين، وهو قول الشيخ في النهاية وابن إدريس وابن البراج وابن حمزة والمحقق. وقيل: إن الام أحق بالذكر مدة الحولين، وبالانثى إلى تسع سنين وهو قول الشيخ المفيد (3) وتمليذه سلار وقيل: إن الام أحق بالولد ما لم تتزوج،


(1) و (2) الوسائل ج 15 ص 191 ب 81 ح 2 و 3. (3) قال في المقنعة: وإذا فصل الصبى من الرضاع كان الاب أحق بكفالته من الام، والام أحق بكفالة البنت حتى تبلغ تسع سنين الا أن تتزوج، فان تروجت كان الاب أحق بكفالة البنت حينئذ، انتهى. (منه - قدس سره -).

[ 88 ]

ذهب إليه الصدوق في كتاب المقنع وقيل: إن الام أحق بالبنت ما لم تتزوج، وبالصبي إلى سبع سنين، إختاره ابن الجنيد والشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة وأخبارهم، وأنكر ابن إدريس في سرائره هذا القول وبالغ في رده فقال: ما ذكره شيخنا في مسائل خلافه قول بعض المخالفين، وما اخترناه هو الصحيح، لانه لا خلاف أن الاب أحق بالولد في جميع الاحوال، وهو المولى عليه والقيم بأمره، فأخرجناه بالاجماع الحولين في الذكر، وفي الانثى السبع سنين، فمن ادعى أكثر من ذلك يحتاج إلى دليل قاطع، وهو مذهب شيخنا في نهايته، والعجب قوله في آخر المسألة " دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم " وهو مما يضحك به الثكلى، من أجمع منهم معه ؟ وأي خبر لهم في ذلك ؟ بل أخبارنا بخلافه واردة، وإجماعنا بضد ماقاله - رحمه الله - ورد العلامه في المختلف على ابن إدريس وبالغ في تهجينه والازراء عليه بجرأته على الشيخ. أقول: لاريب أن كلام ابن ادريس جيد لكن الدولي الاقتصار على بيان المسألة من غير تعرض للازراء بالشيخ - رحمة الله عليه -. إذا عرفت ذلك فاعلم أن ما تضمنه القول الاول من أن الاب أحق بالذكر ظاهر من الاخبار المتقدمة الدالة على اختصاص الام به مدة الحولين، فإن مفهومها أنه بعد الحولين تصير الحضانة للاب، وأما ما تضمنه من أن الام أحق بالانثى حتى تبلغ سبع سنين فلم نقف له على نص صريح، وليس في الاخبار المتقدمة وهي أخبار المسألة كملا - مما يتضمن السبع إلا صحيحة أيوب بن روح وروايته المنقولة من مستطرفات السرائر، وظاهر هما العموم لكن من الذكر والانثى، وأن الام أحق بهما في هذه المدة، وإلى العمل بهذه الصحيحة على عمومها مال السيد السند في شرح النافع، والشيخ ومن تأخر عنه حملوها على البنت جمعا بينها وبين مادل على أن الذكر بعد الحولين تصير حضانته إلى الاب، وحينئذ فيصير الخبر باعتبار ذلك دليلا لما ذكره في النهاية.

[ 89 ]

وأما القول الثاني فالوجه في حكم الذكر ظاهر مما عرفت. وأما الانثى وأنها في حضانة الام إلى تسع سنين فلم نقف على خبر يدل عليه، وقد اعترف بذلك من تقدمنا أيضا، ولعل شيخنا المفيد - رحمة الله عليه - وصل إليه خبر بما ذكره وإن لم يصل إلينا. وأما القول الثالث - وهو مذهب الصدوق - فيدل رواية المنقري (1) المتقدمة، ورواية حفص بن غياث (2) والشيخ - رحمه الله - قد حمل الرواية تارة على ما إذا كانت تكفله بما يكفله غيرها، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالولد هنا الانثى ويحتمل أن يكون المراد به ما لم يفطم. وأما القول الرابع فقد عرفت ما فيه من كلام ابن إدريس، والاقرب عندي في الجمع بين أخبار المسألة هو أن يقال: إنه بعد الطلاق إن وقع التشاجر والنزاع بين الابوين في الحضانة فالظاهر أن الاب أحق به إلا في مدة الحولين إذا رضيت بما يرضى به غيرها، أو تبرعت، فإنها تصير حينئذ أحق، وإلى ما ذكرنا من أحقية الاب يشير قوله (عليه السلام) في رواية البقباق (3) بعد أن سأله: الرجل أحق بولده أم المرأة ؟ فقال: بل الرجل، وإن لم يكن هناك تنازع بينهما فالام أحق به إلى السبع ما لم تتزوج، وعلى ذلك يحمل ما دل على السبع على عمومه، ويؤيده ما ورد في جملة من الاخبار الدالة على ما ينبغي أن يفعل بالولد في مبدأ نشوه وتربيته. ففي خبر يونس (4) عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: دع ابنك يلعب سبع سنين وألزمه نفسك سبعا، فإن أفلح وإلا فإنه لاخير فيه ".


(1) الكافي ج 6 ص 40، ح 4 الوسائل ج 15 ص 175 ب 68 ح 1. (2) الفقيه ج 3 ص 275 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 44 ح 1، التهذيب ج 8 ص 105 ح 2، الوسائل ج 15 ص 191 ح 3. (4) الكافي ج 6 ص 46 ح 1، الوسائل ج 15 ص 193 ح 1.

[ 90 ]

وفي الفقيه (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " قال: يربى الصبي سبعا، ويؤدب سبعا ويستخدم سبعا ". وفي رواية يونس بن يعقوب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: أمهل صبيك حتى يأتي له ست سنين، ثم ضمه إليك سبع سنين فأدبه بأدبك " الحديث. وفي رواية ابن أسباط (3) عن عمه عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إن الغلام يلعب سبع سنين، ويعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين " فإنه لا يخفى أن السبع التي هي مدة التربية واللعب إنما يكون عند الام لدنها هي المربية له، وإليه يشير قوله " ثم ضمه إليك وألزمه نفسك " يعني بعد تلك السبع، وهو ظاهر في أن الاب إنما يضمه إلى نفسه وتصير الحضانة له بعد تلك السبع التي مضت للولد عند امه، ولا فرق في ذلك بين الذكر والانثى. المسألة الثانية: قد صرح الاصحاب بأن حضانة الام حيث تثبت لها الحضانة مشروطة بشروط: الاول: أن تكون مسلمة إذا كان الولد مسلما كولد المسلم المحكوم بالاسلام لاسلام أبيه، وعلل بأن الحضانة ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، للآية (4) وبأنها تفتنه عن دينه لانه ينشأ على ما يألفه منها. قالوا: ولو كان الولد كافرا تبعا لابويه فحضانته على ما فصل إن ترافعوا إلينا. الثاني: أن تكون حرة، فلا حضانة لها لو كانت أمه لان منافعها مملوكة


(1) الفقيه ج 3 ص 319 ح 5، الوسائل ج 15 ص 195 ح 5. (2) الكافي ج 6 ص 46 ح 2، التهذيب ج 8 ص 111 ح 28، الوسائل ج 15 ص 193 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 47 ح 3، التهذيب ج 8 ص 111 ح 29، الوسائل ج 15 ص عليه السلام 194 ح 1 وليس في المصادر " ان ". (4) سورة النساء - آية 141.

[ 91 ]

لسيدها، فهي مشغولة بخدمته عن الحضانة، ولان الحضانة ولاية، والمملوك ليس أهلا لها. أقول: ويؤيده بل يدل عليه ما تقدم من رواية داود الرقي (1) وصحيحة الفضيل بن يسار (2) ومقطوعة جميل وابن بكير (3) والتقريب فيها أنه رتب الولاية في الحضانة على الحرية فمنع الاب من الحضانة مادام رقا، وأنما يجوز له بعد الحرية مع ما عرفت آنفا من أن الحضانة للاب إلا في مدة الرضاع الثالث: أن تكون عاقلة، فلا حضانة للمجنون لان المجنون يحتاج إلى من يحضنه، فكيف يحضن غيره، قالوا: ولافرق بين أن يكون الجنون مطبقا أو ادوارا، الا أن يقع نادرا من غير أن تطول مدته فلا يبطل الحق، وفي إلحاق المرض المزمن الذي لا يرجى زواله كالسل والفالج بحيث يشغل الالم عن كفالته وتدبير أمره وجهان: من اشتراكهما في المعنى المانع من مباشرة الحفظ، وأصالة عدم سقوط الولاية مع إمكان تحصيلها بالاستنابة، ولعل هذا أرجح. قيل (4): ولو كان المرض مما يعدي كالجذام والبرص فالاظهر سقوط حضانتها بذلك تحرزا من تعدي الضرر إلى الولد، وهو مبني على الخبر الوارد عنه صلى الله عليه وآله (5) " فر من المجذوم فرارك من الاسد " ويحتمل بناء على خبر (6) " لا عدوى ولا طيرة " وخبر من ذا الذي أعدى الاول عدم سقوط الولاية، والشهيد في قواعده ذكر


(1) الكافي ج 6 ص 45 ح 5، التهذيب ج 8 ص 107 ح 10، الوسائل ج 15 ص 181 ب 73 ح 2. (2) الفقيه ج 3 ص 275 ح 3، الوسائل ج 15 ص 181 ح 1. (3) الكافي ج 5 ص 492 ح 1، التهذيب ج 7 ص 435 ح 5، الوسائل ج 14 ص 529 ح 4. (4) القائل السيد السند في شرح النافع (منه - قدس سره -). (5) الفقيه ج 4 ص 285 ح 4، الوسائل ج 8 ص 431 ح 2. (6) الوسائل ج 8 ص 370 ب 28 ح 1.

[ 92 ]

هذا شرطا على حدة. الرابع: أن تكون فارغة من حقوق الزوج، فلو تزوجت سقط حقها من الحضانة. أقول: ويدل على هذا الشرط ما تقدم في حديثي المنقري وحفص بن غياث الدالين على أن المرأة أحق بالولد ما لم تتزوج، ونقل الشهيد الثاني في الروضة الاجماع على هذا الشرط وإطلاق النص، وكلام الدصحاب يقتضي أنه لا فرق في سقوط حقها بالتزويج بين دخول الزوج وعدمه، ويحتمل اختصاص السقوط بحال الدخول لدنه الذي يحصل فيه الاشتغال بحقوق الزوج المانعة لها من الكفالة. بقي الكلام في أنه لو طلقت الام فهل تعود إليها الولاية لزوال المانع وهو التزويج ؟ أم لا لخروجها بالنكاح عن الاستحقاق فلا تعود إلا بدليل ؟ قولان: أولهما للشيخ، والثاني لابن إدريس، والشيخ إنما استدل هنا بأخبار العامه، فاحتج بمارواه أبو هريرة (1) " أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الام أحق بحضانة ابنها ما لم تتزوج " قال: حد حقها بالتزويج، فإذا زال التزويج فالحق باق على ما كان. وعن عبد الله بن عمر (2) " أن امرأة قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء وحجري له حواء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: أنت أحق به ما لم تنكحي ". إحتج ابن إدريس بأن الحق خرج عنها بالنكاح وعوده يحتاج إلى دليل، والرسول صلى الله عليه وآله جعل غاية الاستحقاق للحضانة التي تستحقها الام تزويجها، وهذه قد تزوجت. فخرج الحق منها. والعجب من الشيخ في استناده إلى هذه الاخبار العامية، مع روايته للاخبار التي من طرق أهل البيت (عليهم السلام) في كتب الحديث. قال العلامة في المختلف بعد نقل القولين المذكورين: والوجه ما قاله


(1) سنن أحمد ج 2 ص 203 وفيه " عن عمرو بن العاص " مع اختلاف يسير. (2) سنن ابن داود ج 2 ص 283 ح 2276.

[ 93 ]

الشيخ لان الحضانة جعلت إرفاقا بالصبي، فإذا تزوجت الام خرجت باشتغالها بزوجها وحقوقه عن الحضانة للطفل فلهذا سقطت، فإذا طلقت زال المانع فيبقى المقتضي سليما عن المعارض فيثبت حكمه، وظاهر السيد السند في شرح النافع الميل إلى هذا القول أيضا حيث جعله الاقرب، والظاهر أنه كذلك، ثم إنه بناء على العود بالطلاق فظاهر كلام السيد المشار إليه أنه إنما يعود بمجرد الطلاق إذا كان الطلاق بائنا، ولو كان رجعيا فبعد العدة. وفيه أنه من الممكن ترتب الحكم على مجرد الطلاق في الرجعي أيضا بناء على أنها لا يجب عليها بعد الطلاق شئ من حقوق الزوجية التي بها حكموا بزوال حضانتها بالتزويج، وحينئذ فتكون فارغة لكفالة الصبي والقيام بأحواله. الخامس: أن تكون أمينة، فلا حضانة لمن لاأمانة لها، قال في شرح النافع: وهذا الشرط لم يعتبره المصنف، وقد اعتبره الشيخ في المبسوط وجماعة منهم الشهيد في القواعد، ولا بأس به لان من لاأمانة لها ربما خانت في حفظ الولد، ولان في التكليف بتسليم الولد إلى غير المأمونة عسرا وحرجا فكان منفيا. أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة، فإن الخروج عما ثبت شرعا لها من حق الحضانة بمثل هذه التعليلات لا يخلو من مجازفة، على أنه من المعلوم الذي جبلت عليه الطباع حنو المرأة على ولدها وحرصها على القيام به واللطف به في جميع أحواله وحرصها على ما يصلحه وينفعه، كل ذلك جبلة وطبيعة وهذا بحمدالله سبحانه ظاهر لامرية فيه، وكيف مع هذا يتم ما ذكره من قوله " وربما خانت في حفظ الولد ". وبالجملة فإن كلامه - رحمه الله - عندي هنا غير موجه، على أنه لو تم ما ذكروه من هذه التخريجات لجرى ذلك في الاب أيضا وهو معلوم البطلان، ولعل ترك هذا الشرط وهو الاظهر، فإن الام لمزيد شفقتها وحنوها على ولدها طبيعة وجبلة يمنع مما توهمه علة لهذا الشرط.

[ 94 ]

السادس: أن تكون مقيمة، فلو انتقلت إلى محل تقصر فيه الصلاة سقط حقها من الحضانة عند الشيخ في المبسوط، ثم نقل عن قوم أنه إن كان المنتقل هو الاب فالام أحق به، وإن انتقلت الام فإن كان انتقالها من قرية إلى بلد فهي أحق به، وإن كان من بلد إلى قرية فالاب أحق به، لان في السواد يقل تعليمه وتخرجه، وقال - بعد نقل ذلك -: إنه قوي، وحكى الشهيد في قواعده قولا بأن الاب لو سافر جاز له استصحاب الولد وسقطت حضانة الام. أقول: الظاهر أن جميع هذه التفريعات والتعليلات كلها من كلام العامة، كما عرفت في غير موضع من الكتب السابقة، جرى عليها الشيخ في المبسوط وتبعه غيره. ولا يخفى ما في بناء الاحكام الشرعية عليها من المجازفة في أحكامه سبحانه المبنية على النصوص الواضحة من الكتاب والسنة، كما استفاضت به أخبارهم (عليهم السلام) المسألة الثالثة: قد صرحوا بأنه لو مات الاب وقد صارت الحضانة له بأن كان الولد أكبر من سنتين والبنت أكبر من سبع - بناء على ما ذكروه مما تقدم نقله عنهم - فإن الحضانة تنتقل إلى الام دون الوصي المنصوب من قبل الاب وغيره، وكذا تكون الام أحق لو كان الاب مملوكا أو كافرا وإن تزوجت، إلا أن يعتق المملوك ويسلم الكافر. أقول: أما الحكم الاول فلم أقف له على دليل في النصوص وهم أيضا لم يذكروا له دليلا، وإن كان من الادلة الاعتبارية الجارية في كلامهم، والمقطوع به في النصوص هو أن الحضانة لها في مدة الرضاع كما تقدم، وأن الاب لا يزاحمها فيها، فلو مات في هذه الحال فالام باقية على ولايتها، وليس للوصي معارضتها لانها إذا كانت في هذه الحال أولى من الاب على تقدير وجوده فهي أولى من وصيه بطريق الاولى مع موته. وكذا في السبع في البنت على ما يدعونه مما تقدم في كلامهم لعين ما ذكر،

[ 95 ]

وأما بعد هذه المدة فيما إذا صارت الولاية للاب لو مات الاب فلا أعرف دليلا على رجوع الولاية لها، وأنها حق الوصي، إلا أن ظاهر كلامهم الاتفاق على أنها للام، وفرعوا عليه أيضا عدم الفرق بين كون الام متزوجة أم لا، وبهذا التعميم صرح العلامة في الارشاد فقال: ولو مات الاب لم تسقط به يعنى التزويج، واستحقت الحضانة إلى وقت التزويج. وأما الحكم الثاني، فأما بالنسبة إلى كون الاب مملوكا فقد تقدم ما يدل عليه من الاخبار مثل رواية داود الرقي (1) وصحيحة الفضيل بن يسار (2) ومقطوعة جميل وابن بكير (3)، وفي الاولى دلالة على الاولوية وإن تزوجت كما ذكروه، وأما بالنسبة إلى كونه كافرا فاستدلوا عليه بمفهوم الاولوية من المملوك فإنه متى كانت الام أولى من الاب المملوك فبطريق الاولى تكون أولى من الكافر، لانه أبعد من الولاية. المسألة الرابعة: قد اختلف الاصحاب في حكم الحضانة مع فقد الابوين اختلافا زائدا لعدم النصوص الواردة في هذا لمقام غير رواية ابن الشيخ الطوسي في أماليه الواردة في ابنة حمزة، والاكثر في هذه المسألة على تعدي الحكم إلى باقي الاقارب، وترتيبهم على ترتيب الارث تمسكا بظاهر قوله تعالى " واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (4) فإن الاولوية تشمل الارث والحضانة وغيرهما، ولان الولد يفتقر إلى التربية والحضانة، فلا بد من أن يكون له من يقوم بذلك، والقريب أولى من البعيد، وعلى هذا فمع فقد الابوين ينظر في الموجود من الاقارب، ويقدر لو كان وارثا، ويحكم له بحق الحضانة، ثم إن اتحد اختص،


(1) الكافي ج 6 ص 45 ح 5، الوسائل ج 15 ص 181 ب 73 ح 2. (2) الفقيه ج 3 ص 275 ح 3، الوسائل ج 15 ص 181 ح 1. (3) الكافي ج 5 ص 492 ح 1، الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 3. (4) سورة الانفال - آية 75.

[ 96 ]

وإن تعدد اقرع بينهم لما في اشتراكهم من الاضرار بالولد. قال في المسالك: وهذا القول هو المعتمد. وقيل: إنه مع فقد الابوين تكون الحضانة لاب الاب مقدما على غيره من الاخوة والاجداد، وإن شاركوه في الارث، وهذا هو الذي قطع به المحقق والعلامة في غير المختلف وجماعة منهم الشيخ في موضع من المبسوط وابن إدريس كما سيأتي في نقل كلامه. وقيل: إنه مع فقد الابوين ينتقل الحكم إلى الاجداد، ويقدمون على الاخوة وإن شاركوهم في الميراث، ولا يفرق بين الجد للاب وغيره، ومع فقدهم ينتقل إلى باقي مراتب الارث، وهذا القول مذهب العلامة في الارشاد، وأجمل حكم الاجداد، ولم يفصل الحكم في الاجداد مع التعدد والعلو، ومن يتقرب منهم بالاب أو الام. وقيل: إنه مع موت الاب تقوم امه مقامه في ذلك، فإن لم يكن له ام وكان له أب قام مقامه في ذلك، فإن لم يكن له أب ولا ام كانت الام التي هي الجدة أحق به من البعد، وهذا القول مذهب الشيخ المفيد في المقنعة. وقيل: إن من مات من الابوين كان الباقي أحق به من قرابة الميت إلا أن يكون المستحق له غير رشيد، فيكون من قرب إليه أولى به، فإن تساوت القربات قامت القربات مقام من هي له قرابة في ولايته - إلى أن قال: - والام أولى ما لم تتزوج ثم قرابتها أحق به من قرابة الاب لحكم النبي صلى الله عليه وآله بابنة حمزة لخالتها دون أمير المؤمنين (عليه السلام) وجعفر، وقد طالبا بها لانها ابنة عمهما جميعا، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): عندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله (1) وهي أحق بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إدفعوها إلى خالتها، فإن الخالة ام. وهذا القول لابن الجنيد، وفي المسألة أقوال اخر غير ما ذكرناه. أقول: والمسألة لعدم النص لا تخلو من الاشكال إلا أن الظاهر أن ما ذكره ابن إدريس (2) هنا هو الاقرب إلى جادة الاعتدال حيث قال - بعد أن نقل عن


(1) الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 4. (2) السرائر لابن ادريس ص 319.

[ 97 ]

الشيخ في الخلاف كلاما طويلا يتضمن تعدية ولاية الحضانة إلى باقي الوراث وتقديم بعضهم على بعض - ما صورته: ما ذكره الشيخ في الخلاف من تخريجات المخالفين ومعظم قول الشافعي، وبناهم على القول بالعصبة، وذلك عندنا باطل، ولا حضانة عندنا إلا للام نفسها والاب، فأما غيرهما فليس لاحد عليه ولاية سوى الجد من قبل الاب خاصة. قال في شرح النافع: ويظهر من المصنف في الشرائع الميل إلى هذا القول، ولا يخفى وجاهته، وإنما قلنا بثبوت الولاية للجد من قبل الاب لان له ولاية المال والنكاح، فيكون له ولاية التربية بطريق أولى، وإنما كانت الام أولى منه بالنص، فمع عدمها وعدم من هو أولى منه تثبت الولاية، وعلى هذا فلو فقد الابوان والجد فإن كان للولد مال استأجر الحاكم له من يربيه من ماله، فإن لم يكن له مال كان حكم تربيته حكم الانفاق عليه، فيجب على المؤمنين كفاية. إنتهى وهو جيد، ولهم هنا تفريعات على ما ذكروه من الاقوال أعرضنا عن التطويل بنقلها لما عرفت في الاصل المبني عليه في المقام من كونه في معرض التزلزل والانهدام. المقصد الخامس في النفقات: وأسبابها ثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك، ولا خلاف بين علماء الاسلام في وجوبها: بهذه الثلاثة، وحينئذ فالكلام في هذا المقصد يقع في مطالب ثلاثة. الاول في الزوجية: والاصل في وجوب نفقة الزوجة الكتاب والسنة قال الله عزوجل " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " (1) وقال سبحانه " لينفق ذوسعة من سعتة ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتها سيجعل الله بعد عسر يسرا " (2).


(1) سورة النساء - آية 34. (2) سورة الطلاق - آية 7.

[ 98 ]

وروى ثقة الاسلام في الكافي (1) عن إسحاق بن عمار في الموثق " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما حق المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسنا ؟ قال: يشبعها ويكسوها وإن جهلت غفر لها ". وروى في الفقية (2) في الصحيح عن ربعي عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في قوله عزوجل " ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " قال: إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، وإلا فرق بينهما ". وعن عاصم بن حميد (3) عن أبي بصير في الصحيح " قال: سمعت أبا جعفر (عليهما السلام) يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام أن يفرق بينهما " إلى غير ذلك من الاخبار التي تقدم جملة منها في الفائدة السادسة عشر من فوائد المقدمة. إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مسائل: الاولى: لا خلاف بين الاصحاب في اشتراط النفقة بالعقد الدائم، فلا يجب لمتمتع بها نفقة، وإليه يشير قول الصادق (عليه السلام) في رواية زرارة (4) " تزوج منهن ألفا فإنما هن مستأجرات " وقول أبي جعفر (عليهما السلام) في رواية محمد بن مسلم (5) " لانها لا تطلق، ولا تورث إنما هي مستأجرة " ومن المعلوم أن الاجير لانفقة (6) وإنما


(1) الكافي ج 5 ص 510 ح 1، الوسائل ج 15 ص 224 ح 5. (2) الفقيه ج 3 ص 279 ح 6، الوسائل ج 15 ص 223 ب 1 ح 1. (3) الفقيه ج 3 ص 279 ح 5، الوسائل ج 15 ص 223 ح 2. (4) الكافي ج 5 ص 452 ح 7، التهذيب ج 7 ص 258 ح 45، الوسائل ج 14 ص 446 ح 2، وما في المصادر " فانهن ". (5) الكافي ج 5 ص 451 ح 5، التهذيب ج 7 ص 259 ح 46 مع زيادة فيه، الوسائل ج 14 ص 446 ح 4 وما في المصادر " لا ترث " وهو الصحيح. (6) والصحيح " لانفقة له ".

[ 99 ]

الخلاف بينهم في أنه هل تجب النفقة بمجرد العقد إذا كان دائما وإن سقطت بالنشوز، أو أنه يشترط مع العقد التمكين الكامل ؟ وعرفه المحقق في الشرائع بأنه التخلية بينها وبينه بحيث لا يختص موضعا ولا وقتا. فلو بذلت نفسها في زمان دون زمان أو مكان دون آخر مما يسوغ فيه الاستمتاع لم يحصل التمكين قولان، الا كثر على الثاني، بل لم أقف على مصرح بالاول وإن ذكر بلفظ " قيل ". ثم إنه على تقدير القول المشهور فهل يتوقف حصول التمكين على لفظ من قبل المرأة يدل على ذلك مثل أن تقول: سلمت نفسي إليك في أي مكان شئت ونحو ذلك مع حصول التخلية أم لا ؟ قولان، وبالاول صرح العلامة في التحرير، وصرح في المسالك بأنه ذلك ظاهر كلام جملة من الاصحاب ثم استشكل في ذلك (1). أقول: بل يجب القطع بعدمه، أما (أولا) فلعدم الدليل عليه، والقائل به لم ينقل عنه ذكر دليل علي ذلك، ولو من الادلة الاعتبارية الجارية في كلامهم وأصالة العدم أقوى مستمسك حتى يقوم الدليل الواضح من الكتاب أو السنة على ما يوجب الخروج عنه، وهذه قاعدتهم في غير مقام من الاحكام. وأما (ثانيا) فلان الاصل المبني عليه هذا القول أعني القول بوجوب التمكين على الوجه الذي عرفت، وأن وجوب النفقة متوقف على ذلك مما لم يقيموا عليه دليلا واضحا ولا برهانا لايحا، غير مجرد الدعوى مع ظهور الادلة على خلافه، وهو ما قدمناه من الاخبار الدالة على ترتب وجوب النفقة على مجرد


(1) حيث قال: واعلم أن الظاهر من كلام المصنف وغيره بل صرح به بعضهم أن التمكين لا يكفى حصوله بالفعل، بل لا بد من لفظ يدل عليه من قبل المرأة بأن تقول: كلت نفسي اليك حيث شئت وأى زمان شئت، ونحو ذلك، فلو استمرت ساكتة وان مكنت من نفسها بالفعل لم يكف في وجوب النفقة، ولا يخلو ذلك من اشكال، انتهى (منه - قدس سره -). راجع مسالك الافهام ج 1 وفيه " سلمت نفسي ".

[ 100 ]

الزوجية التي لا خلاف في حصولها بمجرد العقد. قال السيد السند في شرح النافع: وقد اختلف الاصحاب في اعتبار هذا الشرط، فذهب الاكثر إلى اعتباره، وأن العقد بمجرده لا يوجب النفقة، وإنما تجب بالتمكين، إما بجعله تمام السبب أو سببا تاما أو شرطا في الوجوب، وربما قيل بوجوب النفقة بالعقد كالمهر لكنها تسقط بالنشوز، والمعتبر الاول اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع الوفاق، وليس فيما وصل إلينا من الادلة النقلية ما ينافي ذلك صريحا ولا ظاهرا، إنتهى. أقول فيه: إن الاخبار التي أشرنا إليها أظهر ظاهر في ترتب النفقة على مجرد العقد فإن ما اشتمل عليه جملة منها مما ذكرناه وما لم نذكره من قوله (عليه السلام) " حق المرأة على زوجها " يعني من حيث الزوجية، لان التعليق على الوصف يشير بالعلية، وهو صريح في المطلوب، ونحوه قوله " من كانت عنده امرأة فلم يكسها (1) ويطعمها ما يقيم صلبها " الخ أظهر ظاهر فيما ذكرناه فإنه بمجرد العقد يصدق أنه عنده امرأة. وبالجملة فدلالة الاخبار على ما ذكرناه أظهر ظاهر كما عرفت، فدعواه أنه لم يصل إليه من الادلة النقلية ما ينافي ذلك عجيب من مثله - رحمه الله -. وممن وافقنا على هذه المقالة - وإن غلب عليه رعاية الشهرة فتوقف فيما قاله - شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (2) والحري أن ننقل جميع ما ذكره في المقام بلفظه وإن طال به زمام الكلام. قال - قدس سره - بعد الكلام في المقام " ولاريب في أن للنفقة تعلقا بالعقد والتمكين جميعا فإنها لا تجب قبل العقد، ولو نشزت بعد العقد لم تطالب بالنفقة، واختلف في أنها بم تجب ؟ فقيل: بالعقد كالمهر لا التمكين، لدلالة الادلة السابقة


(1) والصحيح كما في الرواية المتقدمة " فلم يكسها ما يوارى عورتها ويطعمها.. ". (2) مسالك الافهام ج 1 ص 584 وفيه " لا بالتمكين ".

[ 101 ]

على وجوبها للزوجة من غير تقييد، غايته أن النشوز لما ثبت أنه مانع من وجوب الانفاق كان الشرط عدم ظهور المانع، فما لم يوجد المانع يستمر الوجوب المعلق على الزوجية الحاصلة بالعقد، فالعقد مثبت، والنشوز مسقط، ولانها تجب للمريضة والرتقاء، وقيل: لا تجب بالعقد مجردا بل بالتمكين، لان المهر يجب به والعقد لا يوجب عوضين مختلفين، ولان النفقة مجهولة الجملة، والعقد لا يوجب مالا مجهولا، ولما روي " أن النبي صلى الله عليه وآله تزوج ودخل بعد سنتين ولم ينفق إلا بعد دخوله " ولقوله صلى الله عليه وآله (1) " إتقوا الله في النساء فإنهن عوار عندكم، أتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " أوجب لهن إذا كن عند الرجال، وهو يدل على التمكين، ولان الاصل براءة الذمة من وجوب النفقة خرج منه حالة التمكين بالاجماع فيبقى الباقي على الاصل، وفي جميع هذه الادلة نظر، لان عدم إيجاب العقد عوضين مختلفين وعدم ايجابه مالا مجهولا مجرد دعوى أو استبعاد قد دلت الدليل على خلافهما فإن الآيات الدالة على وجوب النفقة على الزوجة من غير تقييد يدل على أن العقد أوجب النفقة على ذلك الوجه، وأي مانع من إيجاب العقد أمرين مختلفين كما في شراء الدابة والمملوك، فإن العقد يوجب الثمن كالمهر، ويوجب الانفاق المجهول من غير شرط إجماعا، وعدم إنفاق النبي صلى الله عليه وآله قبل الدخول - لو سلم - لا يدل على عدم الوجوب بإحدى الدلالات، والخبر يدل على خلاف مطلوبكم لان الضمير في قوله صلى الله عليه وآله " ولهن عليكم " يعود على النساء والمصدر بذكرهن، وهن أعم من الممكنات، ووصفهن بالوصفين لا يدل على التمكين المدعى كونه شرطا أو سببا لان استحلال فروجهن يحصل مع التمكين التام وعدمه، وأما


(1) سنن ابن ماجة ج 2 ص 1025 من باب 74، سنن أبى داود ج 2 ص 185 من باب 56، سنن الدارمي ج 2 ص 48، تحف العقول ص 30 مع اختلاف يسير، وليس في المصادر " فانهن عوار عندكم ".

[ 102 ]

أصالة البراءة فإنما تكون حجة مع عدم دليل ناقل عنه، لكنه موجود هنا بالعمومات الدالة على وجوب نفقة الازواج، والاصل عدم التخصيص، وعلى كل حال فالاظهر بين الاصحاب هو القول الثاني كما أشار إليه المصنف - رحمه الله - " إنتهى، وهو جيد وجيه كما لا يخفى عن الفطن النبيه. ولكنه - رحمة الله عليه - لمراعاة الشهرة في المسألة لم يصرح بالفتوى بما قاله، وفي قوله " وكذا قول المحقق في المتن " إن ذلك يعنى شرطية التمكين أو سببيته هو الأظهر بين الاصحاب ما يؤذن بالتردد، بل المحقق قد صرح في متن عبارتة بالتردد، فقال " وفي وجوب النفقة بالعقد أو بالتمكين تردد، أظهره بين الاصحاب وقوف الوجوب على التمكين " وهو ظاهر في بقائه على التردد، لتخصيصه الاظهرية بالاصحاب، ولم يذكر أن الاظهر عنده ذلك. وبالجملة فالاظهر هو القول المخالف للمشهور، فإنه هو المؤيد بالادلة والمنصور، وما عدل بمحل من الضعف والقصور، وتنقيح البحث في المسألة يتم برسم فوائد: الاولى: قد صرحوا بأنه يظهر فائدة الخلاف المذكور في مواضع: منها مالو اختلفا في التمكين بأن ادعته المرأة وأنكره الزوج، فإن قلنا إن التمكين سبب أو شرط فالقول قول الزوج، وعلى المرأة البينة، لانها تدعي ما يخالف الاصل، وإن قلنا إنها تجب بالعقد والنشوز مانع كان القول قولها لان الاصل استمرار ما ثبت بالعقد، وهو يدعي السقوط بالنشوز فعليه البينة. ومنها ما لو لم يطالبها الزوج بالزفاف، ولم تمنع هي منه ولا عرضت نفسها عليه ومضت لذلك مدة، فإن اعتبرنا التمكين فلانفقة لها لانه لم يحصل من جانبها تمكين قولى ولا فعلى كما هو المفروض، وإن قلنا إنها تجب بالعقد وتسقط بالنشوز وجبت النفقة، إذ المفروض أنه لم يقع من جانبها امتناع يتحقق به النشوز. أقول: لا يخفى ما في كلامهم في هذا التمكين الذي ادعوا شرطيته أو سببيته

[ 103 ]

في وجوب الانفاق من الاجمال، وعدم ظهور معنى يترتب عليه الخلاف في هذا المجال، فإنه إن كان عبارة عن أن تبذل نفسها وتعرض نكاحها عليه فهو لا يكون إلا بالقول الذي تقدم، وقد عرفت أنه خلاف المشهور، وإن كان عبارة عن إجابتها له متى طلب وتسليم نفسها متى أراد من غير تعلل ولاتوقف على زمان ولامكان - كما هو ظاهر تعريف المحقق المتقدم مع تعريفه بالتخلية بينها وبينه - فهو حاصل في هذه الصورة المفروضة، ولا ثالث لهذين المعنيين، فإنه متى لم يطالبها الزفاف ولم يطلب الدخول بها وهي منتظرة له في ذلك فالتمكين حاصل، وإنما حصل التأخير بسببه، إلا أن يقولوا بأنه يجب عليها أن تخرج من بيتها وتمضي إليه وتطالبه بالدخول، أو تقول له ذلك القول المتقدم، وهو ظاهر البطلان. وبالجملة فإن كلامهم في تحقق معنى هذا لتمكين الذي ادعوه غير منقح ولا موجه كما لا يخفى على المتأمل بعين الانصاف. الثانية: لو كانت الزوجة صغيرة يحرم جماعها فالمشهور أنه لانفقة لها لعدم تحقق التمكين من جانبها من حيث عدم صلاحيتها لذلك عادة. وقال ابن إدريس (1): إذا كانت الزوجة صغيرة والزوج كبير وجب عليه نفقتها لعموم وجوب النفقة على الزوجة، ودخوله مع العلم بحالها، وهذه ليست ناشزا والاجماع منعقد على وجوب النفقة على الزوجات. واعترضه السيد السند في شرح النافع فقال - بعد نقل كلامه -: وفي ثبوت ما ادعاه من العموم نظر، وفي الاجماع منع، مع أنه - رحمه الله - يعتبر في وجوب النفقة التمكين، لا انتفاء النشوز، والتمكين لا يتحقق مع الصغر، انتهى. أقول: أما قوله " إن في ثبوت ما ادعاه من العموم نظر " فهو محل نظر لما عرفت من ظاهر الآيات والاخبار الدالة على وجوب النفقة مع تحقق الزوجية من غير تقييد بحال ولا زمان. نعم ما أورده عليه من أنه قائل بشرطية التمكين


(1) السرائر: ص 320.

[ 104 ]

والتمكين هنا غير حاصل فهو ظاهر الورود عليه، إلا أنه يمكن أن يجاب عنه بأن التمكين الواجب على تقدير القول به إنما هو ممن له أهلية ذلك، وإن كان ظاهر كلامهم الاعم من ذلك حيث حكموا هنا بأن العلة في عدم وجوب النفقة هو عدم التمكين من حيث صغرها وعدم قابليتها، والظاهر أن ما ذكرنا أقرب، وكيف كان فقول ابن إدريس هو الظاهر من الاخبار المتقدمة المترتب فيها وجوب الانفاق على مجرد الزوجية بقول مطلق. الثالثة: لو كانت الزوجة كبيرة والزوج صغيرا قال الشيخ في المبسوط والخلاف لا نفقة عليه، وظاهر جملة من الاصحاب منهم ابن الجنيد والمحقق في الشرائع والعلامة في المختلف والشهيد الثاني وغيرهم بل الظاهر أنه المشهور الوجوب. قال في الشرائع (1): أما لو كانت كبيرة والزوج صغيرا قال الشيخ لانفقة لها، وفيه إشكال منشأه تحقق التمكين من طرفها والاشبه وجوب الانفاق، إنتهى. واستشكل في شرح النافع كلام المحقق هنا ثم قال: وقول الشيخ متجه لانه الاصل ولا مخرج عنه. أقول: قد عرفت بما قدمناه من التحقيق تزعزع هذا الاصل، وأنه بالبناء عليه غير حقيق، وقد بينا المخرج عنه وهو عموم الآيات والاخبار المستفيضة، فالظاهر هو ما ذهب إليه الجماعة، أما على ما اخترناه في المسألة من ترتب الوجوب على مجرد حصول الزوجية وعدم ظهور النشوز فظاهر، وأما على ما هو المشهور من اشتراط التمكين فلانه المفروض، والاصل عدم اشتراط أمر آخر في الوجوب، وهو قابلية الزوج للاستمتاع بها. وعلل ما ذهب إليه الشيخ بوجه عليل نقله في المسالك وأجاب عنه، على أنه مع ثبوته وصحته فبناء الاحكام الشرعية على مثله - من هذه العلل الاعتبارية والتوجيهات العقلية - مما حظرت الاخبار جوازه، كما تقدم ذكره في غير موضع.


(1) شرائع الاسلام ص 176.

[ 105 ]

الرابعة: قالوا: إذا غاب الزوج عن المرأة فإن كانت غيبته بعد أن حصل التمكين من الزوجة وجب عليه النفقة واستمرت عليه مدة غيبته، وإن كانت غيبته قبل التمكين فإن اكتفينا بالعقد وجعلنا النشوز مانعا فالحكم كذلك حيث لم يثبت النشوز، وإن اعتبرنا التمكين في الوجوب شرطا أو سببا فلانفقة لها، فلو حضرت في هذه الصورة عند عليه السلام الحاكم وبذلت التسليم والطاعة لزوجها اعلم بذلك، فإن وصل إليها وجبت النفقة حينئذ، وإن لم يفعل، فإذا مضى زمان يمكنه الوصول فيه إليها عادة فرض لها الحاكم النفقة في ماله لان الامتناع منه. ولو نشزت المرأة مع حضور الزوج فغاب عنها وهي كذلك ثم عادت إلى الطاعة لم تجب نفقتها إلى أن يعلم بعودها، ويمضي زمان يمكنه الوصول إليها لخروجها بالنشوز عن استحقاق النفقة، فلاتعود إلا مع تحقق التمكين. أقول: قد عرفت مما قدمناه من التحقيق في المسألة ما في بعض هذه الشقوق من الاختلال وبعض من الاجمال، وما ذكروه من حضورها عند الحاكم على تقدير اعتبار التمكين فلا أعرف له وجها ولا ما يوجبه. نعم الواجب عليها إعلامه، وبعد علمه بذلك فإنه يجب عليه الانفاق عليها لزوال المانع، وهو النشوز، رجع من سفره أم لم يرجع، فلولم يرجع ولم ينفق عليها رفعت أمرها إلى الحاكم حينئذ وأخبرته بالحال ليجزي عليها النفقة من ماله. الخامسة: لا تسقط النفقة بامتناعها عن الوطئ لعذر شرعي كالحيض وفعل الواجب أو عقلي كالمرض، وهل يفرق في الواجب بين المضيق والموسع أم لا ؟ قولان، فاعتبر الشيخ والعلامة في القواعد في جواز مبادرتها إلى الواجب الموسع من الصوم إذن الزوج، ونقل عن الشيخ في موضع من المبسوط أنه اعتبر ذلك في قضاء الفريضة أيضا، وظاهر جمع منهم السيد السند في شرح النافع عدم الفرق صوما كان أو صلاة، لاصالة عدم ثبوت سلطنته عليها في فعل الواجب، وهو الاقرب، والظاهر أنه المشهور، واتفق الجميع على جواز مبادرتها إلى الصلاة

[ 106 ]

الواجبة في أول الوقت بغير إذنه، وفرقوا بينهما بما لا يخلو من نظر، وعلى ما اخترناه فلا ضرورة إلى الفرق المذكور، والمشهور بين الاصحاب أنه لو كان الفعل مندوبا فإن كان مما يتوقف على إذن الزوج كالحج والصوم فإن فعله بدون إذنه موجب لفساده، ولكنه لا يوجب مع النفقة، لانه غير مانع من التمكين، إلا أن تمنعه من الاستمتاع، فيكون هو السبب في عدم وجوب النفقة لانفس العبادة. ونقل عن الشيخ أنه أسقط النفقة مع امتناعها من الافطار، وأورد عليه بأنه على إطلاقه مشكل، فإن النشوز لا يتحقق بترك غير الاستمتاع فلا يتحقق بمخالفتها في ترك الاكل والشرب إذ لا يجب عليها إطاعته في ذلك، إلا أن يقال: إن ترك الافطار يقتضي الامتناع عن الوطئ. وفيه أن الموجب حينئذ إنما هو الامتناع من الوطئ، وعبارة الشيخ أعم لانه رتب النشوز على المطالبة بالفطر فتمتنع. وبالجملة فضعف القول المذكور ظاهر، وإن كان مما لا يتوقف على إذنه جاز لها فعله بغير الاذن إلا أن يكون ذلك مانعا من الاستمتاع بأن يطلبه منها في ذلك الوقت فتجب عليها طاعته، لان المندوب لا يعارض الواجب، ولو استمرت والحال هذه لم تستحق نفقة لتحقق النشوز، بل يحكم ببطلان الفعل نظرا إلى النهي، أو يصح وإن أثمت بالمخالفة، وجهان مبنيان على أن الامر بالشئ هل يستلزم النهي عن ضده الخاص أم لا ؟ والاظهر عندي الثاني كما تقدم تحقيقه في غير موضع من الكتب المتقدمة. السادسة: قال في الشرائع (1): لو كانت مريضة أو رتقاء أو قرناء لم تسقط النفقة لامكان الاستمتاع بما دون الوطء قبلا وظهور العذر فيه. قال في المسالك (2): لما حكم بعدم وجوب الانفاق على الصغيرة، وإن مكنت


(1) شرائع الاسلام ص 202. (2) مسالك الافهام ج 1 ص 585.

[ 107 ]

من حيث تعذر الوطء ذكر ما يمكن أن يشاركها في الحكم وهو المريضة والرتقاء والقرناء، ونبه المصنف على الفرق بينها وبين الصغيره بأن الاستمتاع بالرتقاء والقرناء ممكن في ما دون الفرج وظهور العذر فيه من حيث كونه مانعا دائما، فلا يناسب إدامة الحبس عليها مع عدم النفقة، بخلاف الصغيرة فإن لها أمدا يرتقب، وأما المريضة فإن الوطئ وإن تعذر لها مطلقا إلا أن ذلك عارض متوقع الزوال كالحيض فلا يؤثر، إنتهى. أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة في بيان الفرق بين الصغيرة وغيرها مما ذكر هنا من الوهم وعدم صلوحها لتأسيس الاحكام الشرعية المبنية على التوقيف من صاحب الشريعة. على أن لقائل أن يقول: إن إمكان الاستمتاع بما دون الوطئ الذي جعلوه موجبا للنفقة في هذه الافراد المذكورة يجري في الصغيرة، إذ المحرم إنما هو وطؤها الذي ربما أوجب إفضاؤها، وأما الاستمتاع بها بالملاعبة ونحوها فهو ممكن كما في اولئك، فلم لا تجب لها النفقة ! وبالجملة فالجميع مشتركة في العذر المانع من الوطئ وإن تفاوتت، باعتبار كون عذر الصغيرة مرجو الزوال، وعذر اولئك ليس كذلك، ومشتركة في إمكان الاستمتاع بغير الجماع فلا فرق حينئذ، والحق الحقيق بالاتباع الذي لا يحتاج إلى تكلف ولا يتطرق إليه النزاع هو اشتراك الجميع في وجوب النفقة نظرا إلى عموم الآيات والروايات التي قد اعترف سابقا فيما قدمنا من كلامه بأن مقتضاها ترتب وجوب النفقة على مجرد تحقق الزوجية، وهؤلاء كملا أزواج بغير خلاف ولا إشكال، فتجب لها النفقة على كل حال، والركون إلى خلاف ذلك - بناء على هذه التكلفات البعيدة والتخريجات الغير السديدة - مجازفة محضة في أحكامه.

[ 108 ]

المسألة الثانية: قد صرح المحقق (1) بأنه تثبت النفقة للمطلقة الرجعية كما تثبت للزوجة، وتسقط نفقة البائنة وسكناها سواء كانت عن طلاق أو فسخ. نعم لو كانت حاملا لزم الانفاق عليها حتى تضع، وهل النفقة للحمل أو لامه ؟ قولان، وفي الحامل المتوفى عنها زوجها روايتان أشهرهما أنه لانفقة لها، والاخرى ينفق عليها من نصيب ولدها. وتفصيل ما اشتمل عليه هذا الكلام من الاحكام يقع في مقامات: الاول: ما ذكره من وجوب النفقة للمطلقة الرجعية كما تثبت للزوجة موضع وفاق لانها بسب بقائها تحت سلطنة الزوج وحبسها عن الازواج بمنزلة الزوجة بل هي زوجة وإن خرجت عنها في بعض الاحكام. ويدل على ذلك أيضا ما رواه المشايخ الثلاثة (2) بأسانيد متعددة عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: إن المطلقة ثلاثة ليس لها نفقة على زوجها، إنما ذلك للتي لزوجها عليها رجعة ". وما رواه في الكافي (3) عن سعد بن أبي خلف في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن شئ من الطلاق، فقال: إذا طلق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلقها وملكت نفسها ولا سبيل له عليها، وتعتد حيث شاءت ولانفقة لها، قال: قلت: أليس الله يقول " لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن " (4) قال: فقال: إنما عنى بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة، فتلك التي لا تخرج حتى تطلق الثالثة، فإذا طلقت الثالثة فقد بانت منه ولا نفقة لها،


(1) شرائع الاسلام ص 202. (2) الكافي ج 6 ص 104 ح 1، الفقيه ج 3 ص 324 ح 5، التهذيب ج 8 ص 133 ح 58، الوسائل ج 15 ص 232 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 90 ح 5، التهذيب ج 8 ص 132 ح 57، الوسائل ج 15 ص 231 ح 1. (4) سورة الطلاق - آية 1.

[ 109 ]

والمرأة التي يطلقها الرجل تطليقة ثم يدعها حتى يخلو أجلها فهذه أيضا تقعد في منزل زوجها، ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدتها ". وروى الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد (1) عن عبد الله ابن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) " قال: سألته عن المطلقة ألها نفقة على زوجها حتى تنقضي عدتها ؟ قال: نعم " وإطلاقه محمول على الرجعية لما يظهر لك إن شاء الله تعالى من أن غيرها لانفقة لها. وبالجملة فالحكم المذكور اتفاقي نصا وفتوى فلا إشكال، واستثنى بعضهم من النفقة الواجبة لها آلة التنظيف لان الزوج لا ينتفع بذلك. قال في المسالك: وهو حسن: وقال سبطه في شرح النافع: والاطلاق أجود فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. أقول: ما ذكره سبطه - رحمه الله - هو المؤيد بالاخبار الكثيرة، ومنها ما رواه في الكافي (2) عن أبي بصير في الموثق عن أحدهما (عليهما السلام) " في المطلقة تعتد في بيتها وتظهر له زينتها لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ". وعن محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: المطلقة تشوق لزوجها ماكان عليها رجعة ولا يستأذن عليها " والمراد تتزين له بحيث يشتاق إليها. وفي رواية زرارة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: المطلقة تكتحل وتختضب وتلبس ما شاءت من الثياب لان الله عزوجل يقول " لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " (5) لعلها أن تقع في نفسه فيراجعها " إلى غير ذلك من الاخبار.


(1) قرب الاسناد ص 110. (2) الكافي ج 6 ص 91 ح 10، التهذيب ج 8 ص 131 ح 50، الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 91 ح 7. الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 4. (4) الكافي ج 6 ص 92 ح 14، التهذيب ج 8 ص 131 ح 53، الوسائل ج 15 ص 337 ب 21 ح 2. (5) سورة الطلاق - آية 1.

[ 110 ]

ولا تسقط نفقة المعتدة إلا بما تسقط به نفقة الزوجة، ويستمر إلى انقضاء العدة، ولو ظهر بالمرأة إمارات الحمل بعد الطلاق فعلى الزوج الانفاق عليها إلى أن تضع، ولو أنفق عليها ثم تبين أنها لم تكن حاملا قيل: إنها ترد ما دفع إليها، وفيه تردد. الثاني: ما ذكره من سقوط نفقة البائن وسكناها إذا لم تكن حاملا، فالظاهر أنه موضع وفاق، وتدل عليه الاخبار المتكاثرة. ومنها ما تقدم في رواية زرارة وصحيحة سعد وما رواه في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن المطلقة ثلاثا على السنة هل لها سكنى أو نفقة ؟ قال: لا ". وعن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن المطلقة ثلاثا ألها سكنى ونفقة ؟ قال: حبلى هي ؟ قلت: لا، قال: لا ". وعن سماعة (3) في الموثق " قال: قلت: المطلقة ثلاثا ألها سكنى أو نفقة ؟ فقال: حبلى هي ؟ فقلت: لا، قال: ليس لها سكنى ولانفقة ". وما رواه الشيخ في التهذيب (4) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن المطلقة ثلاثا لها النفقة والسكنى ؟ فقال: أحبلى هي ؟ قلت: لا، قال: لا " إلا أنه روى الشيخ (5) أيضا في الصحيح عن ابن سنان " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المطلقة ثلاثا على العدة لها سكنى أو نفقة ؟ قال: نعم " والشيخ حمله على


(1) الكافي ج 6 ص 104 ح 2، التهذيب ج 8 ص 133 ح 59، الوسائل ج 15 ص 233 ح 5. (2) الكافي ج 6 ص 104 ح 3، الوسائل ج 15 ص 233 ح 6. (3) الكافي ج 6 ص 104 ح 5، الوسائل ج 15 ص 232 ح 3. (4) التهذيب ج 8 ص 233 ح 61، الوسائل ج 15 ص 233 ح 7. (5) التهذيب ج 8 ص 133 ح 60، الوسائل ج 15 ص 233 ح 8.

[ 111 ]

الاستحباب، قال: ويحتمل أن يكون المراد به إذا كانت المرأة حاملا. أقول: وكلا الاحتمالين بعيد إلا أن الثاني أقل بعدا. الثالث: ما ذكره من أنها لو كانت حاملا لزم الانفاق عليها حتى تضع، وهو مما لاأعرف فيه خلافا، ويدل عليه قوله عزوجل " وإن كن اولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " (1) وهي تدل بعمومها على من كانت رجعية أو بائنة. ومن الاخبار ما رواه ثقة الاسلام (2) في الصحيح أو الحسن عن محمد بى قيس عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: الحامل أجلها أن تضع حملها وعليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها ". وعن عبد الله بن سنان (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يطلق امرأته وهي حبلى قال: أجلها أن تضع حملها وعليه نفقتها حتى تضع حملها ". ونحوهما صحيحة الحلبي ورواية الكافي، والجميع دال على البائن التي هي محل البحث من حيث الاطلاق كالآية، فإن الطلاق فيها أعم من أن يكون بائنا أو رجعيا، وإنما الخلاف بينهم في أن النفقة هنا هل هي للحامل لاجل الحمل ؟ أو أنها للحمل ؟ قولان، الاكثر على الثاني وهو قول الشيخ في المبسوط، وتبعه عليه أكثر الجماعة مستندين إلى دوران وجوب النفقة مع الحمل وجودا وعدما، فإنها لو كانت حائلا فإنها لانفقة لها ومتى كانت حاملا وجبت النفقة، فلما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه دل على أنها له كدورانها مع الزوجية وجودا وعدما،


(1) سورة الطلاق - آية 6. (2) الكافي ج 6 ص 103 ح 1، التهذيب ج 8 ص 133 ح 62، الوسائل ج 15 ص 231 ب 7 ح 3. (3) الكافي ج 6 ص 103 ح 4، التهذيب ج 8 ص 134 ح 63، الوسائل ج 15 ص 230 ب 7 ح 1.

[ 112 ]

ولوجوبها له منفصلا فكذا متصلا، ولنص الاصحاب على أنه ينفق عليها من مال الحمل. وذهب جمع منهم ابن حمزة إلى الاول، مستندين إلى أنه لو كانت النفقة للحمل لوجبت نفقته دون نفقتها مقدرة بحال الزوج، لان نفقة الاقارب غير مقدرة بخلاف نفقة الزوجة، ولانها لو كانت للحمل لوجبت على الجد كما لو كان منفصلا وهي لا تجب عليه هنا، ولانها لو كانت للولد لسقطت بيسار الولد كما إذا ورث أو أوصى له بشئ فقبله أبوه. قال في المسالك - بعد ذكر ذلك -: والشيخ التزم بعض هذه الالزامات فحكم بسقوطها بيسار الولد وثبوتها على الجد، وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف في المسألة حيث اقتصر فيه على نقل القولين المذكورين ونقل أدلتهما ولم يتعرض لترجيح شئ منهما، ولا للطعن في أدلة أحدهما. وظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع ترجيح القول الاول قال: وقيل إنها للحامل وهو الاصح لانه المستفاد من الآية، فإن الضمير في " عليهن " يرجع إلى الحامل بغير إشكال، ثم أورد بعض الادلة المتقدمة. أقول: والمسألة محل إشكال لعدم النص الواضح القاطع لمادة القيل والقال، وأما قوله في شرح النافع في الاستدلال على ما اختاره بأنه المستفاد من الآية من حيث إن الضمير في " عليهن " يرجع إلى الحامل فهو عجيب، إذ الجميع متفقون على أن الانفاق إنما هو على الام، وهي التي تأكل وتشرب وتلبس، وإنما الخلاف في أن هذا الانفاق عليها هل لاستحقاقها له وأنها هي صاحبة الحق وإن كان السبب في ذلك الحمل الذي في بطنها ؟ أو أن المستحق لذلك إنما هو الحمل والانفاق عليها إنما هو لاجل الحمل بأن يعيش في بطنها حتى تلده فهو المستحق أولا وبالذات، والانفاق عليها إنما هو بمنزلة الطريق إلى بقائه ؟ وبالجملة فإن الآية لا دلالة فيها على ما ادعاه، ثم إنهم قد ذكروا هنا

[ 113 ]

فروعا عديدة على القولين المذكورين لا بأس بذكرها، وإن كان قليل الجدوى في هذا المجال لماعرفت من عدم ثبوت الاصل وأنه محل الاشكال، فكل ما يتفرع عليه باق في زاوية الاجمال والاحتمال. و (منها) إذا تزوج الحر أمة وشرط مولاها رق الولد وقلنا بجواز ذلك فأبانها وهي حامل فعلى القول بأنها للحمل لا تجب على والده، لان الولد ملك لغيره، وإنما يجب على سيده، وهو سيد الامة، وعلى القول بأنها للحامل تجب على الزوج. و (منها) إذا تزوج عبد بأمة فأبانها حاملا فعلى القول بأن النفقة للحمل تكون على سيد الولد منفردا أو مشتركا دون الاب لانه عبد والعبد لا تجب عليه نفقة أقاربه، وعلى القول بأنها للحامل فإن النفقة على العبد في كسبه أو على سيده. و (منها) ما لو تزوج عبد بحرة وشرط مولى العبد رقية الولد، فإن جعلنا النفقة للحمل فهي على المولى، وإن جعلناها للحامل فهي في ذمة المولى أو كسب العبد على الخلاف في ذلك. وعلى هذه الفروع اقتصر الشيخ والمحقق، وزاد المتأخرون أن (منها) ما لو لم ينفق عليها حتى مضت مدة أو مجموع العدة، فمن قال بوجوبها للحمل فإنه لا يوجب قضاءها لان نفقة الاقارب لا تقضى، ومن قال أنها لها أوجب القضاء لان نفقة الزوجة مما يقضى كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال في المسالك: وأورد على هذا بأن القضاء إنما هو للزوج لكونها معاوضة، والزوجية هنا منتفية قطعا، واجيب بأن الوجوب لها على حد الوجوب للزوجة وفيه منع. ويمكن الجواب بأن النفقة حق مالي والاصل فيه وجوب القضاء، خرج القريب من ذلك بدليل خارج، لانها معونة لسد الخلة فيبقى الباقي على الاصل، إنتهى.

[ 114 ]

أقول: لا يخفى ما في هذا لجواب من تطرق المناقشة إليه، فإن مرجع كلام المورد إلى أنه ليس كل نفقة يجب قضاؤها، فإن نفقة الاقارب لا يجب قضاؤها ونفقة الزوجة التي قام الدليل على وجوب قضائها إنما هي التي وجبت من حيث الزوجية لانها في مقابلة التمكين كما تقدم، فهي معاوضة كما ذكره ومن ثم إن الناشز ومن أخلت بالتمكين لانفقة لهما، وما عدا ذلك فالاصل براءة الذمة من النفقة أو قضائها، وبذلك يظهر لك ما في قوله " إن النفقة حق مالي والاصل فيه وجوب القضاء " فإنه مغالطة، إذ الخصم يمنع الكبرى على الاطلاق. وبالجملة فإنه لما كان المعلوم من الادلة أن وجوب نفقة الزوجة إنما هو من قبيل المعاوضة، فهي لا تكون إلا من حيث الزوجية، ووجوب القضاء إنما يفرع على ذلك، والزوجية مفقودة في محل البحث، كما هو المفروض، فالقول بوجوب القضاء في محل البحث خلف ظاهر، والاصل الذي ادعاه من وجوب القضاء معارض بأن الاصل براءة الذمة. و (منها) ما لو كانت ناشرا حال الطلاق، أو نشزت بعده، فعلى القول بأن النفقة لها تسقط لما علم من أن المطلقة حيث يجب نفقتها كالزوجة تسقط نفقتها حيث تسقط، وتجب حيث تجب، وعلى القول بأنها للحمل لا تسقط. أقول: ويعتريني في هذا المقام إشكال حيث إن ظاهر كلامهم وقولهم هنا النفقة للحامل ليس المراد به أنها تستحق النفقة أصالة كما في استحقاقها لو كانت زوجة أو مطلقة رجعية، وإنما المراد استحقاقها لا لاجل الحمل وبقائه وحفظه إلى أن تلده، وحينئذ فالنشوز لا يؤثر في منع النفقة، وهم متفقون على أن البائن لا تستحق نفقة وهذه بائن، وإنما استحقاقها من أجل الحمل، ولهذا قيل: بأن النفقة إنما هي للحمل دونها. وبالجملة فالظاهر أن النشوز سيما بعد الطلاق البائن لا يؤثر في منع النفقة على القول بأن النفقة لها. و (منها) مالو ارتدت بعد الطلاق فيسقط نفقتها على الاول دون الثاني. إلى

[ 115 ]

غير ذلك من المواضع التي من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المسالك وغيره من المطولات. الرابع: ما ذكره من الحامل المتوفى عنها زوجها، والخلاف في هذه المسألة مشهور بين الاصحاب لاختلاف أخبارها، فذهب الشيخ في النهاية والاكثر ومنهم الصدوق في المقنع وابن الجنيد وأبو الصلاح وابن البراج وابن حمزة إلى وجوب الانفاق عليها من مال الولد، وذهب جمع منهم ابن إدريس والمحقق والعلامة وسائر المتأخرين إلى العدم، وهو المنقول عن الشيخ المفيد كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، ونقله في المختلف عن ابن أبي عقيل حيث قال: وقال ابن أبى عقيل: لا نفقة للمتوفى عنها زوجها سواء كانت حبلى أو غير حبلى، واختاره في المسالك. والذي وصل إلي من الاخبار في هذا المقام منه ما رواه ثقة الاسلام (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه قال في الحبلى المتوفى عنها زوجها: أنها لانفقة لها ". وعن أبي الصباح الكناني (2) في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في المرأة الحامل المتوفي عنها زوجها هل لها نفقة ؟ قال: لا ". وعن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في المرأة المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة ؟ فقال: لا ". وما رواه في التهذيب (4) عن زيد أبي اسامة " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)


(1) الكافي ج 6 ص 114 ح 3، التهذيب ج 8 ص 151 ح 121، الوسائل ج 15 ص 234 ب 9 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 115 ح 8، التهذيب ج 8 ص 150 ح 120، الوسائل ج 15 ص 234 ب 9 ح 2. (3) الكافي ج 6 ص 115 ح 9، التهذيب ج 8 ص 151 ح 122، الوسائل ج 15 ص 234 ح 3. (4) التهذيب ج 8 ص 151 ح 123، الوسائل ج 15 ص 235 ح 7.

[ 116 ]

عن الحبلى المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة ؟ فقال: لا ". وعن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: سألته عن المتوفى عنها زوجها ألها نفقة ؟ قال: لا ". وما رواه في الكافي والفقيه (2) عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: المرأة الحبلى المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها الذي في بطنها "، قال في شرح النافع بعد ذكر هذه الرواية: وجمع من الاصحاب وصفوها بالصحة، وهو منظور فيه، فإن في طريقها محمد بن الفضيل وهو مشترك بين الثقة والضعيف، ولعلهم اطلعوا على قرائن أفادت أنه ثقة، ونحوه قال في المسالك. أقول: بل الظاهر أن وصفها بالصحة إنما وقع سهوا من المتقدم، فتبعه عليه من تأخر عنه لعدم المراجعة إلى السند، وأمثاله كثيرة كما لا يخفى على المتتبع. وما رواه في الكافي (3) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من ماله ". وما رواه في الفقيه (4) عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " قال: نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال حتى تضع " وأكثر هذه الاخبار قد دل على انه لانفقة لها كما ذهب إليه ابن إدريس ومن تأخر عنه. والشيخ قد حملها على أنه لانفقة لها يعني من مال الميت وإن كان لها النفقة


(1) التهذيب ج 8 ص 152 ح 126، الوسائل ج 15 ص 235 ح 6. (2) الكافي ج 6 ص 115 ح 10، الفقيه ج 3 ص 330 ح 3، التهذيب ج 8 ص 152 ح 125، الوسائل ج 15 ص 236 ب 10 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 120 ح 4، التهذيب ج 8 ص 151 ح 124، الوسائل ج 15 ص 235 ح 4. (4) الفقيه ج 3 ص 330 ح 4، التهذيب ج 8 ص 152 ح 127، الوسائل ج 15 ص 236 ب 10 ح 2.

[ 117 ]

من مال الولد، قال في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: ولا بأس بهذا الجمع لو تكافأت الروايات في السند والدلالة، لكنه محل نظر. وفيه أن صحيحة محمد بن مسلم الاولى قد صرحت - بعد نفي النفقة أو النهي عنها - بأنه ينفق عليها من مالها، وبذلك يظهر أنه لايتم هذا الجمع، فنفي البأس عنه إنما نشاء عن الغفلة عن ملاحظة الصحيحة المذكورة، فإنها صريحة في أنه إنما ينفق عليها من مالهالا من مال الميت، ولامال الولد، ونقل عن الشيخ المفيد في كتاب التمهيد أنه أنكر الحكم بالانفاق عليها من مال الحمل تمام الانكار، فقال: إن الولد إنما يكون له مال عند خروجه إلى الارض حيا، فأما وهو جنين لايعرف له موت من حياة فلا ميراث له ولامال على الاتفاق، فكيف ينفق على الحبلى من مال من لامال له لولا السهو في الرواية أو الادخال فيها. إنتهى، كذا نقله عنه ابن إدريس لتأييد ما ذهب إليه. وقال العلامة في المختلف: والتحقيق أن نقول: إن جعلنا النفقة للحمل فالحق ما قاله الشيخ، وإن جعلناها للحامل فالحق ما قاله الفيد. واعترضه السيد السند في شرح النافع فقال: ما ذكره بعيد عن التحقيق، إذ ليس في الروايات المتضمنة لهذا الحكم (1) دلالة على أن النفقة للحمل بوجه، وإنما المستفاد منها أن ينفق على الحامل من نصيب الحمل، فإن وجب العمل بها تعين المصير إلى هذا الحكم مطلقا، وإن ترجح ردها - إما لقصورها من حيث السند أو الدلالة أو لما ذكره المفيد من أن الحمل لامال له - وجب نفى هذا الحكم رأسا كما ذكره المفيد وابن إدريس، أما التفصيل فلاوجه له، إنتهى. أقول: الظاهر أن مراد العلامة من هذا الكلام هو الجمع بين أخبار المسألة بحمل مادل على وجوب الانفاق عليها من مال ولدها الذي في بطنها، على أن هذه النفقة للولد لا للحامل، وحمل ما دل على انه لانفقة بالكلية كما دلت عليه


(1) أي الامر بالانفاق (منه - قدس سره -).

[ 118 ]

أكثر الاخبار على النفقة للحامل، ومرجعه إلى أنها تستحق النفقة للولد، ولا تستحقها لنفسها، وحينئذ فقول السيد " أن المستفاد من الاخبار أن ينفق على الحامل من نصيب الحمل، فإن وجب العمل.. إلخ " مردود بأنه وإن استفيد ما ذكره من هذا الخبر إلا أن الاخبار الاخر ظاهرة في أنه لا نفقة مطلقا والواجب الجمع بين الجميع بوجه يرفع الاختلاف من البين، فكيف يتم قوله إنه إن عمل بهذه الرواية كان كذا، وإن وجب ردها كان كذا، فإن فيه إنا نريد العمل بالرواية المذكورة على وجه تجتمع به مع الروايات الاخر وهو يحصل وبالتفريع على تلك المسألة. قوله " ليس في الروايات المتضمنة لهذا الحكم دلالة على أن النفقة للحمل بوجه " مسلم لكن ارتكاب التأويل لا يتوقف على ذلك كما لا يخفى فإن التأويل ليس إلا الحكم بخلاف الظاهر، والرواية وإن لم تكن متضمنة لذلك ولا دلالة عليه إلا أنه يمكن حملها على ذلك. وبالجملة فالظاهر أن ما ذكره - رحمه الله - لا يخلو من شوب المناقشة بحسب فهمي القاصر، وبعض مشايخنا المحدثين (1) من متأخري المتأخرين احتمل في الجمع بين روايات المسألة بحمل ما دل على وجوب الانفاق من نصيب الولد على ما إذا كانت محتاجة لانه تجب نفقتها عليه، وحمل ما دل على عدم الانفاق على ما إذا لم تكن محتاجة، وهو لا يخلو من قرب. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، وإن كان ما ذهب إليه المتأخرون أقرب، لتكاثر الاخبار به، وعدم نهوض رواية أبي الصباح التي استند إليها المتقدمون بالمعارضة، إلا أن شهرة الفتوى بها بين المتقدمين - سيما الصدوق فإنه قال في الفقيه " والذي نفتي به رواية الكناني " - مما يوجب مزيد اعتبار لها. بقي الكلام في الروايات الباقية ومنها صحيحة محمد بن مسلم الثانية، وقوله فيها " ينفق عليها من ماله " والشيخ قد استدل بهذه الرواية على ما ذهب إليه من


(1) هو شيخنا المجلسي - قدس سره - في حواشيه على كتب الاخبار. (منه - قدس سره -).

[ 119 ]

وجوب الانفاق من مال الولد، مدعيا أن الضمير في قوله " من ماله " يعود إلى الولد، قال في الاستبصار: قوله (عليه السلام) " ينفق عليها من ماله " محمول على أنه ينفق عليها من مال الولد إذا كانت حاملا، والولد وإن لم يجر له ذكر جاز لنا أن نقدره لقيام الدليل كما فعلناه في مواضع كثيرة من القرآن وغيره. إنتهى، ولا يخفى ما فيه من البعد، فإن تقدير الولد فرع الدلالة عليه في الخبر بوجه، والخبر لادلالة فيه على محل البحث وهي الحامل، وإنما مورده المتوفى عنها زوجها وهذا الخبر أورده في الكافي في باب الرجل يطلق امرأته ثم يموت قبل أن تنقضي عدتها، وهو يشعر بأنه حمل الخبر على المطلقة قبل الوفاة وإن لم تكن حاملا. وكيف كان فالخبر مع كونه بحسب ظاهره لا يخلو من الاشكال ليس من أخبار المسألة التي يمكن الاعتماد إليها في الاستدلال، وحمله بعض المحدثين من متأخري المتأخرين أنه يستحب للورثة ذلك. ومنها رواية السكوني المتضمنة لان نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال (1) والشيخ حمله في التهذيبين تارة على الاستحباب مع رضاء الورثة، واخرى على نصيب الولد قبل القسمة لعدم تميزه بعد لتوقفه بعد على العلم بكونه ذكرا أو انثى، ولعل الثاني أقرب، وأقرب منه الحمل على التقية، لمخالفة الخبر لفتوى الطائفة وأخبارهم مضافا إلى أن الرواية من العامة. المسألة الثالثة: الظاهر أن الرجوع في قدر النفقة إلى العرف والعادة، وكذا في الاخدام وعدمه، وتفصيل الكلام في المقام أنه ينبغي أن يعلم أنه لما كانت الاوامر بالنفقة في الكتاب والسنة مطلقة مثل قوله عزوجل " وعلى المولود له


(1) أقول: وفى معنى رواية السكوني المذكورة ما رواه الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال على عليه السلام: الحامل المتوفى عنها زوجها نفقتها من جميع مال الزوج حتى تضع. (منه - قدس عليه السلام سره -) مستدرك الوسائل ج 2 ص 636 ب 5 ح 2.

[ 120 ]

رزقهن وكسوتهن " (1) وقوله " فلينفق مما آتاه الله " (2) وقولهم (عليهم السلام) فيما تقدم من الاخبار (3) " يشبعها ويقيم ظهرها ويطعهما ما يقيم صلبها " ونحو ذلك كان المرجع فيها إلى العرف والعادة فيما جزم له الاصحاب، لانه الحكم في ذلك حيث لايرد له تقدير من الشارع. وهكذا الكلام في الكسوة فأنه قد تقدم في الاخبار أن الواجب عليه الكسوة وفي بعض ما يستر العورة ونحو ذلك، والاصحاب قد صرحوا بأنهاترجع فيما تحتاج إليه - من الطعام وجنسه من البر والشعير والتمر والزبيب والذرة وغيرها، والادام الذي تأتدم به من السمن والزيت والشيرج واللحم واللبن وغيره، والكسوة من القميص والسراويل والمقنعة والجبة وغيرها وجنسها من الحرير والقطن والكتان، والاسكان في دار وبيت لايقين بحالها، والاخدام إذا كانت من ذوي الحشمة والمناصب المقتضية لذلك، وآلة الادهان التي تدهن به شعرها وترجله من شيرج أوزيت مطلق أو مطيب بالورد أو البنفسج أو غيرهما مما يعتاد لامثالها والمشط وما تغسل به الرأس من السدر والطين والصابون على حسب عادة البلد ونحو ذلك مما يحتاج إليه - إلى عادة أمثالها من أهل بلدها، وإن اختلفت العادة رجع إلى الاغلب، ومع التساوي فما يليق منه بحاله. أقول: والذي حضرني من الاخبار المتعلقة مضافا إلى الاخبار المتقدمة ما رواه الشيخ في الصحيح والكليني (4) بسند فيه إرسال عن شهاب بن عبد ربه " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما حق المرأة على زوجها ؟ قال: يسد جوعتها ويستر عورتها


(1) سورة البقرة - آية 233. (2) سورة الطلاق - آية 7. (3) الكافي ج 5 ص 511، الوسائل ج 15 ص 223 ب 1. (4) الكافي ج 5 ص 511 ح 5، التهذيب ج 7 ص 457 ح 38 وفيهما اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 226 ب 2 ح 1.

[ 121 ]

ولا يقبح لها وجها، فإذا فعل ذلك فقد أدى والله إليها حقها، قلت: فالدهن ؟ قال: غبا يوم ويوم لا، قلت: فاللحم ؟ قال: في كل ثلاثة أيام فيكون في الشهر عشر مرات لاأكثر من ذلك في كل ستة أشهر، ويكسوها في كل سنة أربعة أثواب ثوبين للشتاء وثوبين للصيف، ولا ينبغي أن يقفر بيته من ثلاثة أشياء: دهن الرأس والخل والزيت ويقوتهن بالمد، فإني أقوت به نفسي، وليقدر لكل إنسان منهم قوته فإن شاء أكله وإن شاء وهبه وإن شاء تصدق به، ولا تكون فاكهة عامة إلا أطعم عياله منها، ولا يدع أن يكون للعيد عندهم فضلا في الطعام أن ينيلهم من ذلك شيئا لاينيلهم في سائر الايام ". أقول: ما اشتمل عليه الخبر من التقدير بالمد في النفقة لم يقف على قائل به إلا الشيخ - رحمة الله عليه - في الخلاف، وفي المبسوط فصل فجعل على الموسر مدين كل يوم وعلى المتوسط مدا ونصفا وعلى المعسر مدا. أقول: أما التقدير بالمد كما ذكره في الخلاف فقد عرفت مستنده، وأما التفصيل الذي ذكره في المبسوط فلم نقف له على مستند في الاخبار إلا أن يكون نوع من الاعتبار. وقال في المسالك - بعد نقل ذلك عن الشيخ -: والاصل في هذا التقدير أن المد قدره الشارع في الكفارات قوتا للمسلمين فاعتبرت النفقة به، لان كل واحد منهما مال يجب بالشرع لاجل القوت، ويستقر في الذمة، وربما أوجب الشارع في بعض الكفارات لكل مسكين مدين، فجمع في القول الثاني بين الامرين فجعل المدين على الموسر، والمد على المعسر وجعل المتوسط بينهما، فألزمه بمد ونصف، والاقوى ما اختاره المصنف من عدم التقدير، والرجوع إلى قدر الكفاية وسد الخلة وهي الحاجة وهو اختيار ابن إدريس وسائر المتأخرين لان التقدير رجوع إلى تخمين وضرب من القياس لا يطابق اصول مذهبنا، انتهى. والظاهر أن شيخنا المذكور غفل عن الخبر الذي نقلناه، وإنما التجأ

[ 122 ]

في توجيه كلام الشيخ إلى الحمل على الكفارة، وقد عرفت ورود النص به. نعم ما ذكره في المبسوط خال من النص، والايراد عليه إنما هو بالنسبة إلى ما ذكره في المبسوط خاصة، إلا أنه يمكن حمل الخبر المذكور على أن ذلك كان عادتهم في تلك الاوقات كما يستفاد من جملة من الروايات بالنسبة إلى الكفارت والصدقات كما في حديث ضيعة الصادق (عليه السلام) المسماة بعين زياد. وأما قوله في الخبر " والصبغ في كل ستة أشهر " فالظاهر أن المراد به مثل الحناء والوسمة والثياب المصبوغة، وأما ما اشتمل عليه من أن اللحم في كل ثلاثة أيام، فلا أعلم به قائلا على هذا الاطلاق، والمنقول عن الشيخ أنه اعتبر اللحم في كل اسبوع مرة محتجا بأنه المعروف قال: ويكون يوم الجمعة. وعن ابن الجنيد أنه أوجب اللحم على المتوسط في كل ثلاثة أيام. وكيف كان فالعمل على ما دل عليه الخبر من كونه في كل ثلاثة أيام متوسطا أو غيره، والظاهر أن المراد بالدهن الذي حكم بكونه غبا هو دهن البدن، فإنه في الصدر الاول متعارف ليبوسة أهوية تلك البلدان. ثم إن الظاهر من كلام العلامة في المختلف أنه لم يقف أيضا على الخبر المذكور كما لا يخفي على من راجعه، ونحوه ابن إدريس في رده على الشيخ في ما ادعاه من الدليل على هذه المسألة بإجماع الفرقة وأخبارهم، وأنكر وجود الاخبار بذلك، والكل صادر عن غفلة عن النص المدعى، ومع أنه صحيح السند صريح الدلالة، إلا أن الظاهر أن الوجه فيه ما ذكرناه. تنبيهات الاول: لا يخفى أن في النساء من لا تخدم نفسها بحسب عادة أمثالها وأهل بلدها لشرفها وعلو منزلتها بل لها من يخدمها، فهذه يجب على الزوج أن يتخذ لها خادما بآية المعاشرة بالمعروف، ولا فرق عند الاصحاب بين كون الزوج معسرا

[ 123 ]

أو موسرا، حرا أو عبدا، لان الاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها، ويجب أن يكون الخادم امرأة أو صبيا أو محرما لها، وفي جواز مملوكها الخصي نظر، ينشأ من جواز نظره إليها وعدمه، وقد تقدم الكلام فيه في بعض فوائد المقدمة، وأما من تخدم نفسها بحسب العادة فلاتجب في حقها ذلك إلا لمرض ونحوه، فعلى الزوج حينئذ إقامة من يخدمها. الثاني: قالوا: إذا أخدمها بحرة أو أمة مستأجرة فليس عليه سوى الاجرة وإن أخدمها بجاريته كانت نفقتها عليه من جهة الملك، وإن كان يخدمها بكفاية مؤونة خادمها فهذا موضع نفقة الخادم، والقول في جنس طعامها وقدره كما هو في جنس طعام المخدومة، ولو قال الزوج: أنا أخدمها لاسقاط مؤونة الخدمة عن نفسه فله، لان ذلك حق عليه يجب عليه وفاؤه بنفسه أو غيره، هذا مما لا يستحيى منه كغسل الثوب واستسقاء الماء وكنس البيت وطبخ الطعام، أما ما يستحيى منه كالذي يرجع إلى خدمة نفسها من صب الماء على يدها وحملها إلى الخلاء وغسل خرق الحيض والجماع ونحو ذلك فلها الامتناع من خدمته لانها تحتشمه وتستحيي منه فيضر بحالها، وأطلق جماعة تخيره في الخدمة بنفسه مطلقا لان الحق عليه فالتخيير في جهاته إليه. الثالت: قد عرفت أنه يرجع في جنس المأكول والملبوس والادام إلى عادة أمثالها من أهل البلد، وكذا في المسكن، قالوا: ولها المطالبة بالتفرد بالمسكن عن مشارك غير الزوج، والمراد من المسكن ما يليق بها من دار وحجرة وبيت فالتي يليق بها الدار والحجرة لا يسكن معها غيرها في دار واحدة بدون رضاها، لكن لو كان في دار حجرة مفردة المرافق فله أن يسكن، وكذا لو أسكن واحدة في العلو وواحدة في السفل والمرافق متميزة، ولاتجمع بين الضرتين، ولابين المرأة وغيرها في بيت واحد مطلقا إلا بالرضا. الرابع: قالوا: تختلف الكسوة باختلاف الفصول والبلدان في الحر والبرد فيعتبر في الشتاء زيادة الحشو بالقطن ونحوه، ويرجع في جنسه من القطن

[ 124 ]

والكتان والحرير إلى عادة أمثالها، وكذا يجب في الصيف الثياب اللائقة بحالها من الكتان والحرير ونحوه مما يعتاد، ويعتبر مع ذلك ثياب التجمل زيادة على ثياب البدلة إذا كانت من أهل التجمل، ولو كانت البلاد باردة ولم يستغن بالثياب عن الوقود وجب لهن الحطب والفحم بقدر الحاجة، ويجب أيضا مراعاة ما يفرش على الارض من البساط والحصير والملحفة والنطع والمخدة واللحاف بما يليق بحالها عادة بحسب الفصول، وقد عد الفقهاء في هذا لباب أشياء كثيرة بحسب ما اتفق اعتياده عندهم، ومرجعه إلى ما يعتبر في العادة لامثالها في بلدها في كل وقت بما يناسبه. المسأله الرابعة: وهي تتضمن حكمين: (أحدهما) لا خلاف بين الاصحاب في أن الزوجة تملك نفقة يومها مع التمكين، فلو منعها وانقضى اليوم أو الأيام وجب قضاؤها. قال في المسالك: لما كان المقصود من النفقة القيام بحاجتها وسد خلتها لكونها محبوسة لاجله فالواجب منها أن يدفع يوما فيوما، إذا لا وثوق باجتماع الشرائط في باقي الزمان، والحاجة تندفع بهذا المقدار، فيجب دفعها في صبيحة كل يوم إذا طلع الفجر ولا يلزمها الصبر إلى الليل ليستقر الوجوب لتحقق الحاجة لانها تحتاج إلى الطحن والخبز والطبخ، إذ الواجب عليه دفع الحب ونحوه ومؤونة إصلاحه لا عين المأكول عملا بالعادة، فلو لم يسلم إليها أول النهار لم تنله عند الحاجة، ولو منعها من النفقة وانقضى اليوم ممكنة استقرت ذلك اليوم في ذمته لان نفقة الزوجة اعتياض في مقابلة الاستمتاع، فتصير بمنزلة الدين، وكذا نفقة الايام المتعددة إذا مضت ولم ينفق عليها، انتهى. أقول: لا أعرف لما ذكره من هذا التفصيل نصا واضحا ولا دليلا صالحا، فإن الظاهر من الاخبار المتقدمة سيما صحيحة شهاب بن عبد ربه أن الواجب شرعا إنما هو عين المأكول لا الحب وأمثاله مما يحتاج إلى علاج ومزاولة

[ 125 ]

واستناده - في الوجوب لما ذكره إلى العادة - مردود، بأن ذلك إنما هو من حيث المسامحة والتراضي وعدم المضايقة في الحقوق الشرعية، ألا ترى أن العادة قاضية بتكلف المرأة في خدمة البيت بما لا يجب عليها شرعا من طبخ وخبز وغسل ثياب لنفسها وزوجها ونحو ذلك. وبالجملة فإن الظاهر أن الحق الشرعي لها إنما هو شئ يوكل بغير مؤونة ولا كلفة من خبز أو تمر أو نحو هما، وهذا هو ينطبق عليه حديث المد وهو الظاهر من تلك الاخبار المطلقة من قوله " يشبعها ويقيم صلبها " ونحو ذلك والتكليف بما زاد مما ذكره هو وغيره - رحمه الله - محتاج إلى دليل ولا دليل، والتمسك بقضية العادة بين الناس قد عرفت أنه غير خال من وصمة الشك والالتباس إلا أني أظن أن ما ذكرناه مما يكبر في صدور بعض الناظرين في المقام ممن تألف متابعة الشهرة في الاحكام وكل ميسر لما خلق له. نعم ما ذكره من قضاء النفقة لو أخر دفعها عن وقتها لاريب فيه لما ذكره، ثم إنه قال في المسالك أيضا: ثم استحقاق الزوجة المؤونة على وجه التمليك لا الامتناع، لان الانتفاع به لا يتم إلا مع ذهاب عينه، وكذا حكم كلما يستهلك من آلة التنظيف والدهن والصابون والطين ونحو ذلك، فإذا دفعه إليها ملكت نفقة اليوم وتخيرت بين التصرف فيه أو في بعضه واستفضال بعضه وجميعه والانفاق على نفسها من مالها كما تخير في جهات أموالها، انتهى. أقول: ويدل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة شهاب المتقدمة " ويقدر لكل إنسان منهم قوته فإن شاء أكله وإن شاء وهبه وإن شاء تصدق به ". و (ثانيهما): قد اختلف الاصحاب في كون الكسوة تمليكا أو إمتاعا، وبالاول قال الشيخ في المبسوط، والمحقق والعلامة في غير التحرير والقواعد والثاني (1) خيرة العلامة في القواعد وشيخنا الشهيد الثاني في الروضة والمسالك،


(1) وعلى هذا القول فليس لها بيعها ولا التصرف فيها بغير اللبس من أنواع التصرفات، =

[ 126 ]

وتردد العلامة في التحرير. احتج من قال بالاول بقوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن " والتقريب فيها أنه عطفها على الرزق، فيكون الواجب فيهما واحدا لاقتضاء العطف التسوية في الحكم وهو في الرزق التمليك فيكون كذلك في الكسوة، ولقوله (ص) " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " فاللام للملك. وتنظر فيه في المسالك قال: لمنع اقتضاء العطف التسوية في جميع الاحكام وجميع الوجوه سلمنا، لكن المعتبر الاشتراك في الحكم المذكور دون صفته وكيفيته، فإن قولنا: أكرم زيدا وعمروا يقتضي اشتراكهما في أصل الاكرام لا التسوية فيه من كل وجه. والظاهر من الحكم هنا هو كون الرزق مستحقا عليه فيكون الكسوة كذلك، وأما كيفية الاستحقاق فأمر آخر خارج عن أصل الحكم، ومن الجائز أن يريد بقوله " وكسوتهن " جعلهن مكتسئين وهو يتم بالامتاع. وأما الخبر فمع قطع النظر عن إسناده يجوز أن تكون اللام للاستحقاق لا الملك أو الاختصاص بل هو الاصل فيها، كما حققه جماعة وهما يتحققان بالامتاع، انتهى. أقول: والمسألة عندي محل توقف وإشكال لعدم النص القاطع لمادة القيل والقال، والركون إلى هذه التعليلات المتعارضة في كلامهم والجارية على رؤوس أقلامهم في تأسيس الاحكام الشرعية مجازفة محضة. ثم إنهم ذكروا بناء على القولين المذكورين فروعا يظهر فيها فائدة الخلاف. (منها) ما لو دفع إليها كسوة لمدة جرت العادة ببقائها إليها فتلفت في يدها


= ولا لبسها زيادة على المعتاد كيفية وكمية، فان فعلت فأبلتها قبل المدة التى تبلى فيها عادة لم يجب عليه ابدالها بغيرها، وكذا لو أبقتها زيادة على المدة وله ابدالها بغيرها مطلقا وتحصيلها بالاعادة والاستيجار وغيرهما، ولو طلقها وماتت ونشزت استحق ما يجده منها مطلقا. وأيد هذا القول بأن الغاية من الكسوة الستر وهو يحصل بالامتاع كالسكنى وأصالة براءة الذمة من التمليك. (منه - قدس سره -).

[ 127 ]

قبل مضي المدة من غير تقصير، فعلى القول بالتمليك لا يجب عليه إبدالها لانه قد وفى ما عليه فأشبه ما إذا ملكها النفقة فتلفت في يدها. وعلى القول بالامتاع يجب عليه إبدالها قالوا: ولو أتلفتها بنفسها فلا إبدال على القولين لانه على الامتاع يلزمها ضمانها فكأنها لم تتلف، وأما على الملك فظاهر مما تقدم. (ومنها) لو انقضت المدة والكسوة باقية لرفقها بها فعليه كسوة اخرى على الاول وهو الذي حكم به في الشرائع لان ملكها لها مترتب على المدة المعتادة لها كما لو استفضلت من طعام يومها، وعلى الثاني لا تلزمه حتى يبلى عندها. (ومنها) ما لو مات في أثناء المدة أو ماتت هي أو طلقها والكسوة باقية في المدة التي تصلح لها فعلى القول بالامتاع تسترد مطلقا. وعلى القول بالتمليك قال في المسالك: يحتمل قويا ذلك. يعني الاسترداد مطلقا لانه أعطاها للمدة المستقبلة وهو غير واجبة كما لو أعطاها نفقة أيام، وهو الذي جزم به المصنف فيما يأتي وعدمه لان تلك المدة بالنسبة إلى الكسوة كاليوم بالنسبة إلى النفقة، وسيأتي أن النفقة لا تسترد لو وقع ذلك في أثناء النهار. (ومنها) إذا لم يكسها مدة صارت الكسوة دينا عليه على الاول كالنفقة، وعلى الامتاع لا يصير دينا. (ومنها) أنه يجوز له أخذ المدفوع إليها ويعطيها غيره على القول بالامتناع وعلى القول بالتمليك لا يجوز ذلك إلا برضاها. (ومنها) أنه لا يصح لها بيع المأخوذ ولا التصرف فيه بغير اللبس إن قلنا بالامتاع، ويصح على القول بالتمليك، إن لم يناف غرض الزوج من التزين والتجمل. (ومنها) جواز إعطائها الكسوة بالاعارة والاجارة على تقدير القول بالتمليك دون القول بالامتاع، ولو تلف المستعار فضمانه على الزوج. المسألة الخامسة: قد صرح بعض الاصحاب بأنه إذا ادعت البائن أنها حامل صرفت إليها النفقة يوما فيوما، فإن تبين الحمل، وإلا استعيدت. ومقتضى هذا الكلام وجوب النفقة بمجرد دعواها، وإن لم يتبين أو يظن صحة ذلك، قيل:

[ 128 ]

ووجهه أن الحمل في ابتدائه لا يظهر إلا لها، فقبل قولها فيه كما يقبل في الحيض والعدة، لان الجميع من الامور التي يختص بها ولا يعلم إلا من قبلها، وأيضا فإن في ذلك جمعا بين الحقين، وحق الزوج على تقدير عدم ظهور ذلك ينجبر بالرجوع عليها، وفي التأخير إلى أن يتحقق إضرار لها مع حاجتها إلى النفقة، وعدم وجوب قضائها لو قلنا إن النفقة للحمل، لان نفقة الاقارب لا تقضى. ونقل عن الشيخ في المبسوط أنه علق وجوب الانفاق على ظهور الحمل، وعن العلامة في التحرير أنه علقها على شهادة أربع من القوابل، وهو ظاهر اختياره في المسالك قال: لان وجوب الانفاق على الزوجة انقطع بالطلاق البائن، ووجوبه عليها مشروط بالحمل، والاصل عدمه إلى أن يتحقق، وحكم الزوجة به في الابتداء ظني، والظن قد يكذب، ولانه تعالى قال " وإن كن اولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن (1) " شرط في الانفاق عليهن كونهن اولات حمل، وهذا الوصف لا يتحقق بمجرد الدعوى، انتهى. أقول: والمسألة لما عرفت من تقابل هذه التعليلات في المقام وعدم النص الواضع عنهم (عليهم السلام) محل توقف وإشكال، وما ذكره في المسالك جيد، إلا أنه يمكن تخصيصه بما تقدم أولا من التعليلات، ثم إنه على تقدير وجوب الانفاق عليها بمجرد دعواها هل تطالب بكفيل لجواز ظهور خلاف ما ادعته ؟ قال في المسالك: فيه وجهان منشأهما أنها استولت على مال الغير بسبب لم يثبت في نفس الامر، وإنما حكم به الشارع لتعذر إثبات موجبها قطعا، فلو أخرت إلى الوضع لزم الاضرار بها كما قررناه، فيجمع بين الحقين بالدفع إليها بكفيل، ومن حيث عدم ثبوت استحقاق الرجوع عليها الآن، والاول لا يخلو من قوة، انتهى. المسألة السادسة: المشهور بين الاصحاب أنه لا نفقة للبائن إلا المطلقة الحامل، لان أسباب النفقة منحصرة في الثلاثة المتقدم ذكرها التي أحدها الزوجية،


(1) سورة الطلاق - آية 6.

[ 129 ]

والبائن ليست زوجة فتزول السببية، خرج من ذلك بالنص والاجماع الحامل المطلقة، فيبقى ما عداها على حكم الاصل. وقيل بوجوب النفقة على البائن بغير الطلاق إذا كانت حاملا، نظرا إلى أن وجوب النفقة على المطلقة الحامل لاجل الحمل من حيث كونه ولدا للمنفق لا لاجلها، وهذه العلة موجودة في الحامل منه غير المطلقة، وبذلك أفتى في المبسوط حتى في الحامل من نكاح فاسد كنكاح الشغار مع الجهل محتجا بعموم الاخبار الدالة على وجوب الانفاق على الحامل. قال في المسالك: ويضعف الاول بأنه مبني على العمل بالقياس، وإلا فالآية صريحة في الحامل المطلقة، ومع ذلك فكون النفقة للحمل غير معلوم، وإنما المعلوم أنها للحامل وإن كان ذلك بسببه. وأما الاخبار التي ادعى الشيخ عمومها فذكرها في التهذيب، وكلها مقيدة بالطلاق إلا رواية محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: الحامل أجلها أن تضع حملها وعليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها " فهذه شاملة بإطلاقها لغير المطلقة، لكنها ضعيفة السند بمحمد بن قيس فإنه مشترك بين الثقة وغيره، ويمكن حملها على المطلقة حيث يستقل بنفسها. نعم لو ثبت أنها للحمل اتجه ذلك، والذي دلت عليه النصوص وجوبها للمطلقة الحامل فيقتصر عليها لكونه على خلاف الاصل، انتهى. أقول: مرجع الكلام في هذا المقام إلى الخلاف المتقدم في أن النفقة هل هي للحامل أو الحمل ؟ وقد قدمنا في تلك المسألة أن ظاهره في المسالك هو التوقف حيث اقتصر على نقل القولين وأدلتهما، ولم يتعرض لترجيح شئ منهما وظاهره هنا ترجيح كونها للحامل. والذي يقرب عندي الرجوع في ذلك إلى


(1) الكافي ج 6 ص 103 ح 1، التهذيب ج 8 ص 133 ح 62، الوسائل ج 15 ص 231 ح 3.

[ 130 ]

الاخبار، فإن المستفاد من أكثرها هو كون موردها المطلقة كما هو ظاهر الآية وليس فيها ما ربما ينافي ذلك إلا إطلاق صحيحة محمد بن قيس وهو محمول على ما دل عليه غيرها من التقييد بالمطلقة لانه هو الفرد الشايع المتكثر، وقضيته الجمع بين الاخبار ذلك. وأما طعنه في الصحيحة المذكورة باشتراك محمد بن قيس فقد تكرر منه في هذا الكتاب في غير موضع وقد نبهنا على أنه غلط محض كما اعترف به سبطه أيضا في شرح النافع. المطلب الثاني، في نفقة الاقارب: والكلام في هذا المطلب يقع في مواضع: الاول: المفهوم من كلام الاصحاب أن نفقة الانسان على نفسه مقدمة على غيره من زوجة أو غيرها من الآباء والاولاد بل على جميع الحقوق من الديون وغيرها ولا إشكال فيه، ونفقة الزوجة مقدمة على نفقة الاقارب، قال السيد السند في شرح النافع: إن هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب وظاهرهم أنه موضع وفاق واستدلوا على ذلك بأن نفقة الزوجة وجبت على وجه المعاوضة في مقابل الاستمتاع بخلاف نفقة القريب، فإنها إنما وجبت لمجرد المواساة، وما كان وجوبه على وجه المعاوضة أقوى مما وجب على وجه المواساة، ولهذا لم تسقط نفقة الزوجة بغنائها ولا بمضي زمان بخلاف نفقة القريب. أقول: المفهوم من الاخبار وجوب النفقة للجميع، وقضية الاشتراك في الوجوب تساوي الجميع في ذلك من غير تقديم لبعض على بعض، ومجرد قوة النفقة على الزوجة وأنها أقوى بهذه الوجوه المذكورة لا تصلح لتأسيس حكم شرعي عليه كما عرفت في غير موضع مما تقدم. والذي حضرني من الاخبار هنا ما رواه الكليني (1) في الصحيح أو الحسن عن


(1) الكافي ج 4 ص 13 ح 1 وفيه " من الذى أحتن "، التهذيب ج 6 ص 293 ح 19، الوسائل ج 15 ص 237 ح 3.

[ 131 ]

حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت: من الذي اجبر عليه وتلزمني نفقته ؟ فقال: الوالدان والولد والزوجة ". وروى الشيخ في التهذيب والصدوق في الفقيه (1) في الصحيح عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. وما رواه في الكافي (2) عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت: من يلزم الرجل من قرابته ممن ينفق عليه ؟ قال: الوالدان والولد والزوجة " وزاد في الفقيه " والوارث الصغير، يعني الاخ وابن الاخ ونحوه " والظاهر أن التفسير من الراوي كما جزم به في الوافي، ويحتمل أن يكون من كلام الصدوق. وعن جميل (3) في الصحيح عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: لا يجبر الرجل إلا على نفقة الابوين والولد، قلت لجميل: والمرأة ؟ قال: روى بعض أصحابنا وهو عنبسة بن مصعب وسورة بن كليب عن أحدهما (عليهما السلام) أنه إذا كساها ما يواري عورتها وأطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه وإلا طلقها، قال: قلت لجميل: فهل يجبر على نفقة الاخت ؟ قال: إن اجبر على نفقة الاخت لكان ذلك خلاف الرواية ". والمراد من الخبر المذكور أنه يجبر على نفقة الوالدين والوالد، وأما المرأة فإنه يخير بين الانفاق عليها وبين طلاقها، وأما ما ذكر بالنسبة إلى الاخت فالمراد أنه لو قيل بوجوب النفقة عليها لكان ذلك خلاف ظاهر النصوص حيث إن ظاهرها مشعر بالحصر في العمودين والزوجة. وهذه الاخبار كما ترى ظاهرة فيما ذكرناه من اشتراك الجميع في الوجوب، فترجيح بعضها على بعض بالتقديم يحتاج إلى دليل من النصوص، والمسألة لا تخلو


(1) الفقيه ج 3 ص 59 ح 1، التهذيب ج 6 ص 293 ح 20، الوسائل ج 15 ص 237 ح 6. (2) الكافي ج 4 ص 13 ح 3، الوسائل ج 15 ص 237 ح 5. (3) الكافي ج 5 ص 512 ح 8، التهذيب ج 6 ص 294 ح 22 و 23، الوسائل ج 15 ص 224 ح 4.

[ 132 ]

من الاشكال، لان الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل ومتابعتهم من غير دليل أشكل. الثاني: لا خلاف لاإشكال في وجوب النفقة على الابوين وإن ارتفعا، والاولاد وإن سفلوا، ولم يظهر من أحد من الاصحاب خلاف في ذلك إلا ما يتراءى من تردد المحقق في الشرائع والنافع، ثم جزم بعد ذلك بالحكم المذكور ووافق القول المشهور. قال السيد السند في شرح النافع: أجمع العلماء كافة على وجوب النفقة على الابوين والاولاد - إلى أن قال: - وهل يتعدى الوجوب إلى من علا من الاباء والامهات أو سفل من الاولاد ؟ المشهور بين الاصحاب ذلك، بل لم أقف فيه على مخالف صريح أو تردد سوي المصنف، وكأن منشأ التردد من الشك في صدق الاباء والامهات والاولاد على من علا أو سفل منهم بطريق الحقيقة، وهو في محله، وإن كان الاقرب وجوب النفقة على الجميع. انتهى، وبنحو ذلك صرح جده في المسالك أيضا. أقول: وقد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة - أعني إطلاق الاب على من علا والابن على من سفل - في مواضع، ولا سيما في كتاب الخمس. وأوضحنا بالادلة القاطعة والبراهين الساطعة أن الاطلاق المذكور حقيقة في الموضعين بما لا يعتريه للناظر المنصف شك في البين، ولا يخفى أن جزم هؤلاء السابقين ثمة من [ عدم ] صدق الاطلاق حقيقة [ و ] بوجوب الانفاق (1) في هذه المسألة على من علا من الاباء وسفل من الابناء لا يخلو من مدافعة ومناقضة لان الوجوب مترتب على الصدق حقيقة وهم لا يقولون به، والفرق بين هذا الموضع وتلك المواضع المتقدمة غير ظاهر، بل صريح كلامهم هنا هو صحة ما ذكرنا (2) ولكن لا أعرف لهم وجه عذر في


(1) كأن في العبارة سقط ونحن صححناها. (2) من ترتب الحكم بالعموم على الدخول تحت الاطلاق المذكور حقيقة. (منه - قدس سره -).

[ 133 ]

الخروج عما حكموا به ثمة إلا ما ربما يدعى من الاجماع هنا على العموم، وظاهره في المسالك أن تردد المصنف إنما هو لذلك حيث قال: إنا لا نعلم مخالفا من أصحابنا في دخولهم هنا، وإنما تردد المصنف لضعف الدليل، ومن اصوله - رحمة الله عليه - أنه لا يعتد بحجية الاجماع بهذا المعنى كما نبه عليه في مقدمة المعتبر، وهو الحق الذي لا يحيد عنه المنصف، إنتهى. أقول: قد أجاد بما أفاد ولكنه قد خالف نفسه في ذلك في غير موضع كما لا يخفى على من مارس كلامه وتتبع كتابه، وكيف كان فالحكم على ما اخترناه بحمدالله سبحانه واضح لا شك فيه، ولاريب يعتريه، وأما ما عدا من ذكرنا من الاقارب فقد صرح الاصحاب بأنه لا تجب النفقة عليهم بل يستحب، ولا سيما إذا كان وارثا ونقل العلامة في القواعد قولا بوجوب النفقة على الوارث، وأسند شراحه هذا القول إلى الشيخ، مع أنه على ما نقل عنه في المبسوط قطع باختصاصها بالعمودين، وأسند وجوبها للوارث إلى الرواية وحملها على الاستحباب وأنكر جملة ممن تأخر عنه الوقوف على هذه الرواية. أقول: يمكن أن تكون الرواية المذكورة هي ما رواه الشيخ في التهذيب (1) عن غياث عن أبي عبد الله (ع) " قال: اتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بيتيم فقال: خذوا بنفقته أقرب الناس إليه من العشيرة كما يأكل ميراثه ". ويؤكدها ما تقدم في آخر صحيحة محمد الحلبي (2) برواية صاحب الفقيه، والشيخ في الاستبصار حملها على الاستحباب، أو على ما إذا لم يكن وارث غيره إن مات كل واحد منهما ورث صاحبه ولم يكن هناك من هو أولى منه، وبهذا التقريب


(1) الكافي ج 4 ص 13 ح 2، التهذيب ج 6 ص 293 ح 21، الوسائل ج 15 ص 237 ح 4. (2) الفقيه ج 3 ص 59 ح 1، الاستبصار ج 3 ص 44 ح 4، الوسائل ج 15 ص 247 ح 6.

[ 134 ]

الذي ذكره - رحمة الله عليه - يتم الاستدلال، وإلا في التوقف على سواها في هذا لمجال، وإلى القول بما تضمنته صحيحة الحلبي من وجوب الانفاق على الوارث الصغير يميل كلام السيد السند في شرح النافع حيث إنه بعد أن أنكر الوقوف على الرواية التي ادعاها في المبسوط قال: نعم مقتضى صحيحة الحلبي وجوب النفقة على الوارث الصغير، والعمل بها متجه لصحتها ووضوح دلالتها، انتهى. ومما يدل عليه السلام على استحباب النفقة على من عدا من ذكر ما رواه الصدوق في الخصال (1) بسنده عن زكريا المؤمن رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: من عال ابنتين أو اختين أو عمتين أو خالتين حجبتاه من النار بإذن الله ". وفي تفسير الامام العسكري (عليه السلام) (2) في قوله تعالى " ومما رزقناهم ينفقون " (3) قال: من الزكاة والصدقات والحقوق اللازمات - إلى أن قال: - وذوي الارحام القريبات والاباء والامهات، وكالنفقات المستحبة على من لم يكن فرضا عليهم النفقة وسائر القربات - الحديث. الثالث: المفهوم من كلام الاصحاب هو أن نفقة الولد إنما تجب على أبيه دون امه لقوله تعالى " فإن أرضعن لكم فآتوهن اجورهن " (4) فأوجب اجرة الرضاع على الاب فكذا غيرها من النفقات. أقول: ويؤيده أيضا عدم وجوب الارضاع عليها، بل لها الامتناع وأنها كغيرها من الاجانب المستأجرات، ولو كانت النفقة عليها واجبه كالاب لما صح ذلك. وبالجملة فالتمسك بأصالة براءة ذمتها من ذلك أقوى مستمسك حتى يقوم الدليل على الخروج عنه، وقد صرحوا أيضا بأن النفقة الواجبة على الاب لو مات


(1) الخصال ج 1 ص 37 ح 14، الوسائل ج 15 ص 238 ح 1. (2) تفسير الامام العسكري ص 35، الوسائل ج 15 ص 238 ح 2. (3) سورة البقرة - آية 3. (4) سورة الطلاق - آية 6.

[ 135 ]

الاب أو كان فقيرا فإنها تنتقل إلى آبائه الاقرب فالاقرب، واستندوا في ذلك إلى أن أب الاب أب فيدخل تحت مادل على وجوب النفقة على الاب. وأورد عليه في شرح النافع بأن هذا الاستدلال لو تم لا قتضى مساواة الجد وإن علا للاب، لا تقدم الاب كما هو المدعى - ثم قال: - إلا أن ظاهر الاصحاب الاتفاق على الحكم المذكور ولعله الحجة. أقول: وفيه تأييد ظاهر لما اخترناه في المسألة من صدق الاب حقيقة على الجد وإن علا، ونحوه الابن وإن سفل، والركون إلى حجية الاجماع هنا قد تقدم قريبا ما فيه. ثم إنهم قالوا: إنه مع عدم الاباء والاجداد أو فقرهم تجب النفقة على الام، ومع عدمها أو فقرها فعلى آباء الام وامهاتها وإن علوا مقدما في الوجوب الاقرب فالاقرب. كذا نص عليه الشيخ في المبسوط، وكثير من المتأخرين لم يتعرضوا لحكم الاباء والامهات من قبل الام. أقول: لم أقف في النصوص على ما يتضمن هذا الحكم، أعني حكم الام وآبائها وامهاتها، والظاهر أن ذلك من تخريجات الشيخ - رحمة الله عليه -. ومما يتفرع على القرب والتساوي كما ذكروه امور: (الاول) أنه لو كان الاب والام معسرين ولا يجد الولد سوى نفقة أحدهما فالظاهر أنهما يكونان فيه بالتساوي لتساوي رتبتهما وعدم الترجيح، وكذا لو كان له أب معسر وابن كذلك ذكرا كان أو انثى، أما لو كان له أب معسر وجد كذلك وعجز عن نفقتهما جميعا فإنه يقدم نفقة الاب لانه الاقرب، وكذا لو كان له جد وجد أب أو ابن وابن ابن. (الثاني) لو كان له ولدان ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما وله أب موسر، وجب على الاب نفقة الاخر، فإن اختلفا في قدر النفقة وكان مال الاب يسع أحدهما بعينه كالاقل نفقة اختص به ووجبت نفقة الاخر على جده، وإن تساويا

[ 136 ]

في النفقة واتفقا على الشركة أو على أن يختص كل واحد منهما بواحد فذاك، وإلا رجعا إلى القرعة. (الثالث) لو كان للمعسر أب وابن موسران كانت النفقة عليهما بالسوية لتساويهما في المرتبة، أما لو كان له أب وجد فالنفقة على أبيه دون جده، وكذا القول فيما لو كان له أب وابن ابن فإن النفقة على الاب لانه الاقرب. (الرابع) لو كان فقيرا وله ام وابن موسران قيل - في تساويهما في وجوب الانفاق أو تقدم الولد على الام - وجهان: منشأهما اتحاد المرتبة، وكون الولد مقدما على الجد المقدم عليها، فيكون أولى بالتقدم. أقول: يمكن أن يقال بترجيح تقديم الولد في وجوب الانفاق، لانه المستفاد من النصوص المتقدمة، وأما الام فلم يقم دليل على وجوب الانفاق عليها على الولد كما عرفت، غاية الامر أنهم ذكروا أنه مع فقد من يجب عليه من الاب وإن علا والابن وإن سفل فإنه يجب على الام ثم آبائها وامهاتها الاقرب فالاقرب، والولد هنا موجود. الموضع الرابع: أنه يشترط في المنفق عليه الفقر والعجز عن الاكتساب، فلو لم يكن كذلك لم يجب الانفاق عليه، وربما قيل باشتراط الفقر خاصة وأنه لا يشترط عدم القدرة على الاكتساب لحصول الحاجة بالفعل، وهو مردود بأن النفقة معونة على سد الخلة، والمكتسب قادر فهو كالغني، ومن ثم منع من الزكاة ومن الكفارات المشروطة بالفقر. نعم يعتبر في الكسب كونها لائقا بحاله عادة، فلا يكلف من كان شريف القدر والعالم الكنس والدباغة ونحوهما، ولو أمكن المرأة الكسب بالتزويج بمن يليق بها تزويجه عادة فهي قادرة بالقوة، وهل يشترط عدم تمكن القريب من أخذ نفقته من الزكاة ونحوها من الحقوق ؟ احتمالان، قال في شرح النافع: أظهرهما العدم، تمسكا بالاطلاق.

[ 137 ]

الخامس: أنه يجب الانفاق على القريب المبغض وإن كان فاسقا أو كافرا لعموم الاية وسائر الادلة مما تقدم وغيره كقوله عزوجل " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (1) وموردها الكافران، والفاسقان بطريق أولى، ومن المصاحبة بالمعروف الانفاق عليهما. قالوا: ولا يقدح كونهما غير وارثين لعدم الملازمة بينهما، وبذلك صرح الاصحاب وأكثر العلماء من غيرهم، قال الشيخ في المبسوط: كل سبب يجب به الانفاق من زوجية ونسب وملك يمين فإنا نوجبها مع اختلاف الدين، كما توجبها مع اتفاقه لان وجوبها بالقرابة، وتفارق الميراث لانه يستحق بالقرابة في الموالاة، واختلاف الدين يقطع الموالاة. وأغرب المحقق الشيخ فخر الدين في شرحه على ما نقل عنه في المسالك حيث جعل المانع من الارث كالرق والكفر والقتل مانعا من وجوب الانفاق، قال: وربما نقل عنه أن ذلك إجماعي، والامر بخلافه، لتصريح الاصحاب بنحو ما قلناه، ولم نقف على مخالف لهم فيه. انتهى، وأشار بقوله " بنحو ما قلناه " إلى ما قدمه أولا من نحو ما ذكرناه في صدر الكلام. السادس: المشهور أنه لا يجب إعفاف من تجب نفقته، والمراد بالاعفاف أن يصيره ذاعفة إما بتزويجه أو يعطيه مهرا يتزوج به أو يملكه جارية أو يعطيه ثمن جارية صالحة له، ونقل عن بعض الاصحاب القول بالوجوب للاب وإن علا، لان ذلك من أهم المصاحبة بالمعروف المأمور بها في الاية، ولانه من وجوه حاجاته المهمة، فيجب على الابن القيام به كالنفقة والكسوة، والمشهور الاستحباب وهو الاظهر. وتؤيده الاخبار الدالة على أنه لا يجوز له التصرف في جارية ابنه إلا أن


(1) سورة القمان - آية 15.

[ 138 ]

يقومها على نفسه، ولو كان ذلك واجبا على الابن لجاز له التصرف فيها مطلقا كما في غيرها من النفقة الواجبة، فإنه مع إخلال الابن بها يجوز له أخذها، ويقبل قوله في الحاجة إلى النكاح والرغبة فيه على ما صرح به الاصحاب. قالوا: ونفقة الزوجة تابعة للاعفاف، فإن وجب وجبت، وإلا استحبت، وكذا القول في نفقة زوجة الاب التي تزوجها بغير واسطة الابن، وأوجب الشيخ في المبسوط نفقة زوجته وإن لم يجب إعفافه، قال: لانها من جملة مؤونته وضروراته، كنفقة خادمه حيث يحتاج إليه. قال في المختلف: لا يجب على الولد الغني الانفاق على زوجة والده المعسر، ولا على الوالد وجوب الانفاق على زوجة ولده المعسر لاصالة البراءة، وأوجب الشيخ في المبسوط النفقة فيها (1) لانها من مؤونة والده. أقول: لا أعرف له دليلا غير ما ذكر من هذا الدليل الاعتباري الذي لا يخفى ضعفه مع ما عرفت من عدم الدليل في أصل المسألة (2). السابع: قالوا: لو دافع من وجبت عليه النفقة أجبره الحاكم، فإن امتنع حبسه، وقيل: يتخير بين حبسه وتأديبه لينفق بنفسه، وبين أن يدفع من ماله قدر النفقة إن كان له مال ظاهر، وإن توقف على بيع شئ من عقاره وماله جاز، لان حق النفقة واجب فكان كالدين، ولو كان من تجب عليه النفقة غائبا تولى الحاكم الانفاق من ماله كالحاضر الممتنع. قيل: وللحاكم أن يأذن له في الاستدانة والانفاق ثم الرجوع عليه بعد حضوره. قال في المسالك: ولو لم يقدر على الوصول إلى الحاكم ففي جواز استقلاله بالاستقراض عليه أو البيع من ماله مع امتناعه أو غيبته وجهان، أجودهما الجواز،


(1) هكذا في الاصل والصحيح " النفقة عليها ". (2) وهو وجوب الاعفاف. (منه - قدس سره -).

[ 139 ]

لان ذلك من ضروب المقاصة حيث يقع أخذ القريب في الوقت والزوجة مطلقا، انتهى. المطلب الثالث، في نفقة المملوك: وهو إما أن يكون من الاناسي أو غيره من سائر الحيوانات، فالكلام هنا في موضعين: الاول - في المملوك الاناسي وفيه مسألتان: الاولى: لا خلاف نصا وفتوى في وجوب النفقة عليه إذا لم يكن له مال. روى ثقة الاسلام (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا الاب والام والولد والمرأة والمملوك، وذلك أنهم عياله لازمون له ". وعن جميل بن دراج (2) في الصحيح أو الحسن " قال: لا يجبر الرجل إلا على نفقة الابوين والولد " الحديث. وروى الصدوق في العلل (3) في الصحيح عن عبد الله بن الصلت عن عدة من من أصحابنا يرفعونه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه قال: خمسة لا يعطون من الزكاة الولد والوالدان والمرأة والمملوك، لانه يجبر على النفقه عليهم " إلى غير ذلك من الاخبار. وقد نقل غير واحد من أصحابنا أنه لا خلاف بين علماء الاسلام في الحكم المذكور ولا فرق في المملوك بين الصغير والكبير، والصحيح والاعمى، والمدبر والمرهون والمستأجر وغيرها، وكذا لا فرق بين الكسوب وغيره، لكن متى كان كسوبا يخير المولى بين الانفاق عليه من ماله وأخذ كسبه وبين الانفاق عليه من كسبه،


(1) الكافي ج 3 ص 552 ح 5، التهذيب ج 4 ص 56 ح 7، الوسائل ج 6 ص 165 ب 13 ح 1. (2) الكافي ج 5 ص 512 ح 8، التهذيب ج 6 ص 294 ح 23، الوسائل ج 15 ص 224 ح 4. (3) علل الشرايع ص 371 ب 94 ح 1 ط النجف الاشرف، الوسائل ج 6 ص 166 ب 13 ح 4.

[ 140 ]

والمرجع إلى واحد لان الكسب أحد أموال السيد، ولهذا لو قصر كسبه وجب الاتمام على السيد، ولو تعدد المالك وزعت النفقة على الجميع بحسب الملك، ويرجع في قدر النفقة إلى عادة مماليك أمثال المولى من أهل بلاده لانها غير متعددة شرعا على المشهور، فيجب الرجوع فيها إلى العادة كما قلنا، فيعتبر قدر ما يكفيه من طعام وكسوة، ويرجع في الكيفية إلى ما تقدم من عادة أمثال مماليك الموالي من أهل بلاده، ولو كان السيد ممن يتنعم في الطعام والادام والكسوة استحب له التوسعة على مملوكه كذلك. وروي عنه (1) صلى الله عليه وآله " قال: إخوانكم حولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس ". قال في المسالك بعد نقله: أنه محمول على الاستحباب، أو على أن الخطاب للعرب الذين مطاعمهم وملابسهم متقاربة، أو على أنه جواب سائل علم حاله، فأجاب على ما اقتضاه الحال كما وقع في كثير من أجوبته صلى الله عليه وآله. أقول: الظاهر أن الخبر المذكور عامي لعدم وجوده في كتب أخبارنا كما لا يخفى على من راجعها، فلا ضرورة إلى ارتكاب هذه التكلفات في تأويله، ولو امتنع السيد عن الانفاق عليه خيره الحاكم بين بيعه وبين الانفاق عليه وجبره على أحدهما إن لم يكن له مال. المسألة الثانية: قالوا: يجوز مخارجة المملوك على شئ فما فضل يكون له، فإن كفاه لنفقته وإلا أتمه المولى، والمراد بالمخارجة ضرب خراج معلوم على المملوك يؤديه كل يوم أو كل سنة أو مدة مما يكسبه، وما فضل عن ذلك الذي ضربه عليه فإنه يكون للعبد، وهل للسيد إجبار العبد على ذلك ؟ قولان، اختار في المسالك الثاني، ومثله سبطه السيد السند في شرح النافع، وعلله بأنه يملك استخدامه المعتاد لا تحصيل ذلك القدر المطلوب منه بالكسب.


(1) صحيح البخاري ج 1 ص 11 ب 22 من الايمان.

[ 141 ]

واختار العلامة في التحرير جواز إجباره على ذلك إذا لم يتجاوز بذلك المجهود لانه يملك منافعه فله نقلها إلى غيره بالعوض على كره منه والمخارجة مثله. قالوا: وإذا وفى وزاد ما يكتسبه فالزيادة مبرة من السيد إلى عبده وتوسيع عليه. أقول: هذا مبني على ما هو المشهور بينهم من عدم جواز ملك العبد، وفيه ما ستعرفه - إن شاء الله - في المقام، وقد تقدم أيضا تحقيق ذلك في كتاب البيع. والذي وقفت عليه هنا من الاخبار الدالة على مشروعية المخارجة ما رواه الصدوق في الفقيه (1) عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد في الصحيح " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة ورضي بذلك المولى، فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة، قال: فقال: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه، فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): اليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض، فإذا أدوها لم يسألهم عما سواها، قلت: فللملوك أن يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التى كان يؤديها إلى سيده ؟ قال: نعم وأجر ذلك له، قلت: فإن أعتق مملوكا مما كان اكتسب سوى الفريضة لمن يكن ولاء المعتق ؟ فقال: يذهب فيتولى من أحب إذا ضمن جريرته، وعقله كان مولاه وورثه، قلت: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولاء لمن أعتق ؟ فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت: فإن ضمن اللعبد الذي أعتقه جريرته وحدثه يلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه ؟ فقال: لا يجوز ذلك، لا يرث عبد حرا ". وفي هذا الخبر فوائد عديدة قد ذكرنا وسنذكر - إن شاء الله - كلا منها


(1) الكافي ج 6 ص 190 ح 1، الفقيه ج 3 ص 74 ح 6، التهذيب ج 8 ص 224 ح 40 وفيها اختلاف يسير مع ما نقله - قدس سره -.

[ 142 ]

في موضعه، ومن أظهرها دلالة على ملك العبد لفاضل الضريبة، كما اخترناه مما قدمنا تحقيقه في كتاب البيع (1) وهو أحد القولين في المسألة. ولو قلنا بأنه لا يملك كما هو القول الآخر كان الامر كما قدمنا نقله عنهم من أن فاضل الضريبة مبرة من السيد إلى عبده إلا أن النص المذكور على خلافه. الموضع الثاني: في نفقة البهائم المملوكة، مأكولة كانت أو غير مأكولة ولا خلاف في وجوب نفقتها كما نقله غير واحد من الاصحاب، وعلى ذلك تدل الاخبار. ومنها ما رواه في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: للدابة على صاحبها ستة حقوق، لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجلسا يتحدث عليها، ويبدأ بعلفها إذا نزل، ولا يسمها، ولا يضربها في وجهها فإنها تسبح، ويعرض عليها الماء إذا مر به ". وروي في الفقيه (3) عن السكوني بإسناده " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: للدابة على صاحبها خصال، ويبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مر به، ولا يضرب وجهها فإنها تسبح بحمد ربها، ولا يقف على ظهرها إلا في سبيل الله، ولا يحملها فوق طاقتها، ولا يكلفها من المشي إلا ما تطيق " إلى غير ذلك من الاخبار. ويقوم مقام علفها وسقيها تخليتها في المرعى لترعى فيه، ويجزي بعلفه كما هو المتعارف في جميع البلدان، ولو لم يجزها فعلى المالك الاتمام، ولو امتنع المالك أجبره الحاكم على بيعها أو علفها أو ذبحها لو كانت مأكولة اللحم، أو للانتفاع بإهابها، وإذا لم ينتفع بها بالذبح اجبر على أحد الامرين. فوائد الاولى: قالوا: لا يجوز تكليف الدابة مالا تطيقه من تثقيل الحمل وإدامة


(1) ج 19 ص 395. (2) الكافي ج 6 ص 537 ح 1، الوسائل ج 8 ص 351 ب 9 ح 6. (3) الفقيه ج 2 ص 187 ح 1، الوسائل ج 8 ص 350 ب 9 ح 1.

[ 143 ]

السير. أقول: وقد عرفت ما يدل عليه من الخبرين المتقدمين. الثانية: قالوا: يجوز غصب العلف لا بقائها إذا لم يوجد غيره ولم يبذله المالك بالعوض، كما يجوز غصبه كذلك لحفظ نفس الانسان، وإن كان يلزمه المثل أو القيمة. الثالثة: قالوا: لا يجوز الحلب إذا كان يضر بالبهيمة لقلة العلف وإن لم يضر ولدها، وتركه إذا لم يكن في الحلب إضرار بها لما فيه من تضييع المال والاضرار بالبهيمة. قيل: ويحتمل الوجوب، ويستحب أن لا يستقصي في الحلب. الرابعة: قالوا: ينبغي أن يبقي للنحل شئ من العسل في الكوارة، ولو احتاجت إليه كوقت الشتاء وجب إبقاء ما يكفيها عادة، ويستحب أن يبقى أكثر من الكفاءة إلا أن يضربها. الخامسة: قد صرحوا بأنه حيث إن ديدان القز إنما تعيش بالتوت، فعلى مالكها القيام بكفايتها منه وحفظها من التلف، فإن عن الورق ولم يعتن بها باع الحاكم من ماله واشترى لها منه ما يكفيها. قال في شرح النافع بعد نقل ذلك عن جده في المسالك: وهو كذلك، وإذا جاء وقتها بتخفيف جوزها في الشمس وإن هلكت تحصيلا للغرض المطلوب منها. قال في شرح النافع: وعليه عمل الناس كافة عصرا بعد عصر من غير نكير فكان إجماعا، ويدل عليه قوله تعالى " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا " (1) أي لاجل انتفاعكم به في دنياكم ودينكم. السادسة: ما كان من المال مالاروح له كالعقار، فالمفهوم من كلام الاصحاب أنه لا يجب عمارته ولا زراعة الارض، لكنه يكره تركه إذا أدى إلى الخراب. قال في المسالك: وفي وجوب سقي الزرع والشجرة وحرثه مع الامكان قولان، أشهرهما العدم.


(1) سورة البقرة - آية 29.

[ 144 ]

ولنقطع الكلام حامدين للملك العلام على جزيل نعمائه الجسام، وجميل أياديه العظام، التي من أهمها الفوز بسعادة الاختتام، مصلين على نبيه محمد وآله مصابيح الظلام، وأركان الاسلام، وكعبة الاعتصام، وبدور التمام، سائلين منه عزوجل الامداد بالتوفيق، الذي هو خير صاحب ورفيق، إلى الفوز بإتمام الكتب الباقية، وأن ينيم عني عيون العوائق، ويجعلني في درعه الحصينة الواقية، وأن يعصمني من زلل الاقدام، وزيغ الافهام، وطغيان الاقلام، في نعمة منه سبحانه وعافيته، إنه أكرم مقصود ومسؤول، وأجود مرجو ومأمول، وقد اتفق الفراغ من هذا المجلد وهو المجلد التاسع (1) من كتاب " الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة " ويتلوه المجلد العاشر (2) في كتاب الطلاق وما يتبعه من الكتب في اليوم الثاني من شهر جمادى الثانية أحد شهور السنة الخامسة والثمانين بعد المائة والالف من الهجرة النبوية في الارض المقدسة كربلاء المعلى بيد العبد يوسف بن أحمد ابن إبراهيم البحراني جزاه الله تعالى بإحسانه وجوده وامتنانه، آمين آمين آمين.


(1) و (2) حسب تجزئة المؤلف - قدس الله روحه الزكية -.

[ 145 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعترته الطاهرين، وسلام على المرسلين وعلى عباده الصالحين. كتاب الطلاق ولهم فيه تعريفات قد اردفت بإيرادات ليس في التعرض لذكرها مزيد فائدة بعد ظهور المعنى لكل من خاض الفن ومارس الاخبار وكلام علمائنا الابرار. مقدمة قد تكاثرت الاخبار وبه صرح جملة من علمائنا الابرار، بكراهة الطلاق مع التئام الاخلاق. فروى في الكافي (1) عن سعد بن طريف عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله برجل فقال: ما فعلت امرأتك ؟ فقال: طلقتها يا رسول الله، قال: من غير سوء ؟ قال: من غير سوء ثم إن الرجل تزوج فمر به النبي صلى الله عليه وآله فقال: تزوجت ؟ فقال: نعم. ثم مر به فقال له بعد ذلك: ما فعلت امرأتك ؟ قال: طلقتها قال: من غير سوء ؟ قال: من غير سوء. ثم إن الرجل تزوج فمر به النبي صلى الله عليه وآله فقال:


(1) الكافي ج 6 ص 54 ح 1، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.

[ 146 ]

تزوجت ؟ فقال: نعم، ثم قال له بعد ذلك: ما فعلت امرأتك ؟ قال: طلقتها، قال: من غير سوء ؟ قال: من غير سوء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل يبغض أو يلعن كل ذواق من الرجال، وكل ذواقة من النساء ". وما رواه فيه (1) أيضا عن ابن أبي عمير في الصحيح أو الحسن عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ما من شئ مما أحله الله عزوجل أبغض إليه من الطلاق، وأن الله يبغض المطلاق الذواق ". وعن أبي خديجة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إن الله عزوجل يحب البيت الذي فيه العرس، وما من شئ أبغض إلى الله عزوجل من الطلاق " وعن طلحة بن زيد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سمعت أبي (عليه السلام) يقول: إن الله عزوجل يبغض كل مطلاق ذواق ". وبإسناده (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: بلغ النبي صلى الله عليه وآله أن أبا أيوب يريد أن يطلق امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن طلاق ام أيوب لحوب " أقول: يعني بالحوب الاثم. وعن صفوان بن مهران (5) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تزوجوا وزوجوا - إلى أن قال: - وما من شئ أحب إلى الله عزوجل من بيت يعمر بالنكاح، وما من شي أبغض إلى الله عزوجل من بيت يخرب في الاسلام بالفرقة، يعني الطلاق ".


(1) الكافي ج 6 ص 54 ح 2، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 5. (2) الكافي ج 6 ص 54 ح 3، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 2 وفيهما " ويبغض البيت الذى فيه الطلاق ". (3) الكافي ج 6 ص 55 ح 4، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 2. (4) الكافي ج 6 ص 55 ح 5، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 4. (5) الكافي ج 5 ص 328 ح 1، الوسائل ج 15 ص 266 ب 1 ح 1.

[ 147 ]

وروى الفضل الطبرسي في مكارم الاخلاق (1) " قال: قال (عليه السلام): تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش. قال: وقال (عليه السلام): تزوجوا ولا تطلقوا فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات ". أقول: وإنما حملنا هذه الاخبار مع إطلاقها على التئام الاخلاق، لورود أخبار اخر في مقابلتها دالة على الامر بالطلاق مع عدم التئام الاخلاق. ومنها ما رواه في الكافي (2) عن عثمان بن عيسى عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) " أنه كانت عنده امرأة تعجبه، وكان لها محبا، فأصبح يوما وقد طلقها، واغتم لذلك، فقال له بعض مواليه: جعلت فداك لم طلقتها ؟ فقال: إنى ذكرت عليا (عليه السلام) فتنقصته فكرهت أن ألصق جمرة من جمر جهنم بجلدي ". وعن خطاب بن سلمة (مسلمة خ ل) (3) " قال: كانت عندي امرأة تصف هذا الامر، وكان أبوها كذلك، وكانت سيئة الخلق فكنت أكره طلاقها لمعرفتي بإيمانها وإيمان أبيها، فلقيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) وأنا اريد أن أساله عن طلاقها - إلى أن قال: - فابتدأني فقال: يا خطاب كان أبي زوجني ابنة عم لي وكانت سيئة الخلق، وكان أبي ربما أغلق علي وعليها الباب رجاء أن ألقاها، فأتسلق الحائط وأهرب منها، فلما مات أبي طلقتها، فقلت: الله أكبر أجابني والله عن حاجتي من غير مسألة ". وعن خطاب بن مسلمة (4) " قال: دخلت عليه - يعني أبا الحسن موسى (عليه السلام) وأنا اريد أن أشكو إليه ما ألقى من امرأتي من سوء خلقها، فابتدأني فقال: إن أبي كان زوجني مرة امرأة سيئة الخلق فشكوت ذلك إليه فقال: ما يمنعك من فراقها، قد جعل الله ذلك إليك، فقلت فيما بيني وبين نفسي، قد فرجت عني ".


(1) مكارم الاخلاق ص 197 ط الاعلمي بيروت، الوسائل ج 15 ص 268 ب 1 ح 7 و 8. (2) و (3) و (4) الكافي ج 6 ص 55 ح 1 و 2 و 3، الوسائل ج 15 ص 269 ب 3 ح 1 و 2 و 3.

[ 148 ]

بقي هنا إشكال وهو أنه قد تكاثرت الاخبار بأن الحسن (عليه السلام) كان رجلا مطلاقا للنساء حتى عطب به أبوه علي (عليه السلام) على ظهر المنبر. ومن الاخبار في ذلك ما رواه في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إن عليا (عليه السلام) قال وهو على المنبر: لاتزوجوا الحسن، فإنه رجل مطلاق، فقام إليه رجل من همدان فقال: بلى والله أزوجه، وهو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وابن أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن شاء أمسك وإن شاء طلق ". وعن يحيى بن أبي العلاء (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) طلق خمسين امرأة فقام علي (عليه السلام) بالكوفة فقال: يا معاشر أهل الكوفة لا تنكحوا الحسن (عليه السلام) فإنه رجل مطلاق، فقام إليه رجل فقال: بلى والله أنكحنه إنه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وابن فاطمة (عليه السلام) فإن أعجبته أمسك، وإن كره طلق ". وروى البرقي في كتاب المحاسن (3) عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله " قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: جئتك مستشيرا إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خطبوا إلي فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): المستشار مؤتمن، أما الحسن فإنه مطلاق للنساء، ولكن زوجها الحسين فإنه خير لابنتك ". وربما حمل بعضهم هذه الاخبار على ما تقدم في سابقها من سوء خلق في اولئك النساء أو نحوه مما يوجب أولوية الطلاق، ولا يخفى بعده، لانه لو كان كذلك لكان عذرا شرعيا، فكيف ينهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن تزويجه والحال كذلك. وبالجملة فالمقام محل إشكال، ولا يحضرني الآن الجواب عنه، وحبس القلم عن ذلك أولى بالادب.


(1) الكافي ج 6 ص 56 ح 4، الوسائل ج 15 ص 271 ب 4 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 56 ح 5، الوسائل ج 15 ص 268 ب 2 ح 2 وفيهما " لننكحنه فانه ". (3) الماحسن ص 601 ح 20، الوسائل ج 15 ص 268 ب 2 ح 1.

[ 149 ]

والكلام في هذا الكتاب في أركان الطلاق وأقسامه ولواحقة، فهنا مقاصد ثلاثة: الاول: في الاركان وهي أربعة: الاول: المطلق ويعتبر فيه شروطا أربعة: أحدها البلوغ والكلام فيه يقع في موضعين: الاول: لا خلاف بين الاصحاب في عدم صحة طلاق من لم يبلغ عشرا وإن كان مميزا، كما لا خلاف في صحة طلاق من كان بالغا، وإنما الخلاف فيمن بلغ عشرا وهو مميز، فذهب الشيخ في النهاية وابن البراج وابن حمزة وغيرهم إلى صحة طلاقه، وذهب ابن إدريس إلى العدم وهو المشهور بين المتأخرين، قال علي بن بابويه في رسالته: والغلام إذا طلق للسنة فطلاقه جائز، وظاهره عدم التقييد بالعشر ولا بالتمييز. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين ". وما رواه في الكافي والفقيه (2) عن سماعة في الموثق " قال: سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته، قال: إذا هو طلق للسنة ووضع الصدقة في موضعها وحقها فلا بأس وهو جائز ". وما رواه في الكافي (3) في الموثق عن ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال:


(1) الكافي ج 6 ص 124 ح 5، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 124 ح 1، الفقيه ج 3 ص 325 ح 1، التهذيب ج 8 ص 76 ح 174، الوسائل ج 15 ص 325 ب 32 ح 7. (3) الكافي ج 6 ص 124 ح 4 وفيه " لا يجوز " التهذيب ج 8 ص 76 ح 176، الوسائل ج 15 ص 325 ب 32 ح 5.

[ 150 ]

يجوز طلاق الغلام عليه السلام إذا كان قد عقل ووصيته وصدقته وإن لم يحتلم ". وما رواه الشيخ (1) بطريقه عن علي بن الحسن بن علي بن فضال عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم ". وما رواه في الكافي (2) عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبداالله (عليه السلام) " قال: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه أو الصبي أو مبرسم (3) أو مجنون أو مكره ". وعن أبي الصباح الكناني (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ليس طلاق الصبي بشئ ". وعن أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: يجوز طلاق الصبي ولا السكران ". وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (6) " والغلام إذا طلق للسنة فطلاقه جائز ". وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد (7) عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهما السلام) " قال: لا يجوز طلاق الغلام حتى يحتلم ".


(1) التهذيب ج 9 ص 182 ح 8، الوسائل ج 13 ص 321 ب 15 ح 2 وفيه " جميل ابن دراج عن أحدهما ". (2) الكافي ج 6 ص 126 ح 6، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 3. (3) البرسام: هو التهاب في الحجاب الذى بين الكبد والقلب. (4) الكافي ج 6 ص 124 ح 2، التهذيب ج 8 ص 76 ح 175، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 1. (5) الكافي ج 6 ص 124 ح 3، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 4. (6) فقه الرضا ص 243، مستدرك الوسائل ج 3 ص 8 ب 24 ح 3. (7) قرب الاسناد ص 50، الوسائل ج 15 ص 325 ب 32 ح 8.

[ 151 ]

أقول: هذه جملة ما حضرني من الاخبار في المسألة، وشيخنا الشهيد الثاني في المسالك نقل متن مرسلة ابن أبي عمير عن ابن بكير، ونقل ذلك عن ابن أبي عمير أيضا قال في الكتاب المذكور - بعد قول المصنف: وفي من بلغ عشرا عاقلا فطلق للسنة رواية بالجواز فيها ضعف - ما صورته: الرواية التي أشار إليها رواها ابن فضال عن ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين " وضعفها بالرجلين المذكورين فإنهما فطحيان، ومع ذلك عمل بمضمونها الشيخان وجماعة من المتقدمين، وقد روى في معناها ابن أبي عمير في الحسن مرسلا عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين " وروى ابن بكير جواز طلاقه غير مقيد بالعشر أيضا عنه (عليه السلام) " قال: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل ووصيته وصدقته وإن لم يحتلم " انتهى. أقول: ما ذكره من رواية ابن بكير الاولى وهم نشأ من الشيخ في التهذيب تبعه عليه من لم يتأمل المقام مثل شيخنا المذكور، ومثله صاحب الوسائل، وقد نبه على ما ذكرناه السيد السند - رحمة الله عليه - في شرح النافع حيث قال بعد نقل مرسلة ابن أبي عمير كما نقلناه: وقد جعل الشيخ في التهذيب هذه الرواية رواية ابن بكير، وهو غير جيد، فإن رواية ابن بكير رواه الكليني متقدمة على هذه الرواية بغير فصل، وكأن نظر الشيخ سبق من سند رواية ابن بكير إلى متن رواية ابن أبي عمير، وقد وقع نحو ذلك في عدة مواضع من التهذيب فينبغي التنبيه عليه. انتهى، وهو جيد لما قدمناه في مواضع عديدة سيما في كتب العبادات من ذكر ما وقع للشيخ من أمثال ذلك في متون الاخبار وأسانيدها، وقل ما يخلو خبر من نحو ذلك. إذا عرفت ذلك فاعلم أن غاية ما تعلق به السيد السند في شرح النافع - دليلا لما اختاره من القول المشهور بين المتأخرين - هو تمسك بمقتضى الاصل فيما لم يقم دليل على خلافه، ورواية أبي الصباح الكناني ورواية أبي بصير

[ 152 ]

المتقدمين، ثم أجاب عن مرسلة ابن أبي عمير بضعف الاسناد بالارسال، ولم ينقل غيرها من الاخبار الدالة على مذهب الشيخ ومن تبعه. وأنت خبير بما فيه أما (أولا) فلان الاصل يجب الخروج عنه بالدليل كما سنوضحه إن شاء الله تعالى. وأما (ثانيا) فإن الطعن في مرسلة ابن أبي عمير مع كونه خلاف قواعدهم وما صرحوا به من عدهم مرسلاته في حكم المسانيد، فهو وارد عليه في استدلاله بروايتي الكناني وأبي بصير. والتحقيق أنه بالنظر إلى الاخبار فإن قوة قول الشيخ مما لا يداخله الانكار بعد ضم الاخبار المذكورة بعضها إلى بعض بحمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها، فيحمل الصبي في رواية الكناني وأبي بصير ونحوهما مما دل على عموم عدم جواز طلاقه على من لم يبلغ العشر أو من بلغ، ولكن لا يعقل ذلك، وما دل على جواز طلاقه مطلقا كموثقات محمد بن مسلم وسماعة وابن بكير ونحوها على من بلغ عشرا، وكان يعقل ذلك، وبه يجتمع الاخبار على وجه واضح المنار، ويظهر قوة قول الشيخين وأتباعهما وهو ظاهر الصدوق في الفقيه لاقتصاره على نقل موثقة سماعة الدالة على هذا القول، وهو صريح عبارة أبيه في الرسالة كما عرفت، والظاهر أنه المشهور بين المتقدمين. وقال السيد السند في شرح النافع - بعد نقله عبارة الشيخ علي بن الحسين بن بابويه المذكورة - ما لفظه: وربما كان مستنده في هذا الاطلاق ما رواه ولده في الفقيه عن زرعة عن سماعة - ثم نقل الرواية حسبما قدمناه، ثم قال: - وهذه الرواية ضعيفة بالاضمار، واشتمال سندها على عدة من الواقفية، فلا يصلح التعلق بها في إثبات هذا الحكم، انتهى. أقول: فيه أن مستند الشيخ المذكور إنما هو كتاب الفقه الرضوي، فإن عبارته التي قدمنا نقلها عنه عين عبارة الكتاب المتقدمة، حسبما عرفت في غير موضع مما تقدم من إفتائه في الرسالة بعبارات هذا الكتاب كما أوضحناه

[ 153 ]

سابقا، بما لا يداخله الشك ولا الارتياب. ولكنهم لعدم اطلاعهم على الكتاب المذكور يتكلفون له تحصيل الادلة المناسبة، كما هي قاعدته في المختلف. وبالجملة فإن الظاهر عندي هو القول المذكور لاجتماع الاخبار عليه، والقول بما عليه المتأخرون موجب لطرح أخبار المسألة مع اعتبار أسانيدها قوتها، والجمع بين الاخبار مهما أمكن روي من طرح بعضها، وإلى هذا القول يميل كلام صاحب الكفاية. الثاني: لا خلاف بين الاصحاب في أنه ليس للولي أن يطلق عن الصبي قبل بلوغه، ويدل عليه الخبر المشهور (1) من قوله صلى الله عليه وآله " الطلاق بيد من أخذ بالساق ". وما رواه في الكافي (2) عن الفضل بن عبد الملك " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير ؟ قال: لا بأس. قلت: يجوز طلاق الاب ؟ قال: لا " ووصف السيد السند في شرح النافع هذه الرواية بالصحة، مع أن في طريقها عبد الله بن محمد المشهور بنيان أخا أحمد بن محمد بن عيسى وهو مجهول في الرجال. وما رواه في التهذيب (3) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليهما السلام) " في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان ؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم. قلت: فهل يجوز طلاق الاب ؟ قال: لا ". وعن عبيد بن زرارة (4) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. نعم لو بلغ فاسد العقل جاز للولي أن يطلق عنه مع مراعاة الغبطة على المشهور بين المتقدمين والمتأخرين، بل ادعى عليه فخر المحققين الاجماع، ولم


(1) الجامع الصغير ج 2 ص 57 ط القاهرة سنة 1373 ه‍. ق. (2) الكافي ج 5 ص 400 ح 1، التهذيب ج 7 ص 389 ح 35، الوسائل ج 15 ص 39 ب 28 ح 2. (3) التهذيب ج 7 ص 388 ح 32، الوسائل ج 14 ص 220 ب 12 ح 1. (4) التهذيب ج 9 ص 382 ح 1 لكن عن عبيد بن زياد ويحتمل اشتباه قد وقع، الوسائل ج 17 ص 528 ب 11 ح 3.

[ 154 ]

ينقل الخلاف هنا إلا عن الشيخ في الخلاف، فإنه ذهب إلى عدم الجواز محتجا بإجماع الفرقة، وتبعه ابن إدريس، واحتج كل من القائلين المذكورين بجملة من الادلة العقلية التي ليس في التطويل بذكرها مزيد فائدة، والظاهر هو القول المشهور للاخبار التي هي المعتمد في الورود والصدور. ومنها ما رواه ثقة الاسلام والشيخ (1) في الصحيح عن أبي خالد القماط " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل الاحمق الذاهب العقل أيجوز طلاق وليه عليه ؟ قال: ولم لا يطلق هو ؟ قلت: لا يؤمن إن هو طلق أن يقول غدا لم اطلق، أولا يحسن أن يطلق، قال: ما أرى وليه إلا بمنزلة السلطان ". وما رواه في الكافي والفقيه (2) عن أبي خالد " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل يعرف رأيه مرة وينكره اخرى، يجوز طلاق وليه عليه ؟ قال: ماله هو لا يطلق ؟ قلت: لا يعرف حد الطلاق ولا يؤمن عليه إن طلق اليوم أن يقول غدا لم اطلق، قال: ما أراه إلا بمنزلة الامام يعني الولي ". أقول: المراد من كون الولي بمنزلة السلطان أو بمنزلة الامام يعني في تولي الطلاق عنه كما يفصح به الخبر الآتي، والظاهر أن قوله صلى الله عليه وآله " لم لا يطلق ؟ " مبني على كون الجنون ادوارا كما هو ظاهر الخبر الثاني، وحينئذ فيطلق في وقت إفاقته، فأجاب السائل بأنه في حال الافاقة ليس كامل العقل، لما ذكره في الخبرين. وما رواه في الكافي (3) عن أبي خالد القماط عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في طلاق


(1) الكافي ج 6 ص 125 ح 1، التهذيب ج 8 ص 75 ح 172، الوسائل ج 15 ص 329 ب 35 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 125 ح 2، الفقيه ج 3 ص 326 ح 3، الوسائل ج 15 ص 327 ب 34 ح 1. (3) الكافي ج 6 ص 126 ح 7، الوسائل ج 15 ص 329 ب 35 ح 3.

[ 155 ]

المعتوه قال: يطلق عنه وليه فإني أراه بمنزلة الامام ". وعن شهاب بن عبد ربه (1) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): المعتوه الذي لا يحسن أن يطلق، يطلق عنه وليه على السنة " الحديث. احتج ابن إدريس بأن الاصل بقاء العقد وصحته، وقوله صلى الله عليه وآله (2) " الطلاق بيد من أخذ بالساق ". وفيه أن الاصل يجب الخروج عنه بالدليل وقد عرفت، والخبر مع تسليم صحة سنده مطلق يجب تقييده بما ذكرنا من الاخبار، على أنه غير مناف للمراد، وذلك لان طلاق الولي طلاقه، كما أنه يجوز طلاق الوكيل بالاجماع، إذ لم يوجب أحد من الاصحاب إيقاع الطلاق مباشرة من الزوج. قال في المسالك - بعد أن استدل للقول المشهور بالروايتين الاولتين -: وفي الاحتجاج بهذه الاخبار نظر، لان جعل الولي بمنزلة الامام والسلطان لا يدل على جواز طلاقة عنه، ولان متن الحديث لا يخلو من قصور، لان السائل وصف الزوج بكونه ذاهب العقل، ثم يقول له الامام " ماله لا يطلق " مع الاجماع على أن المجنون ليس له مباشرة الطلاق، ولا أهلية التصرف، ثم يعلل السائل عدم طلاقه بكونه ينكر الطلاق أو لا يعرف حدوده، ثم يجيبه بكون الولي بمنزلة السلطان وكل هذا يضعف الاحتجاج بها، وأيضا فهذه الاخبار ليس فيها تقييد باشتراط طلاقه بالمصلحة والغبطة للمجنون، ومن ثم ذهب ابن إدريس إلى عدم الجواز، وقبله الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة، وبأصالة بقاء العقد وصحته، وقوله صلى الله عليه وآله - ثم أورد الخبر النبوي المتقدم -. أقول: أما ما طعن به من عدم دلالة جعل الولي بمنزلة السلطان - على جواز طلاقه عنه - فقد عرفت إفصاح الرواية الثالثة به، وبها كشف نقاب الابهام عن


(1) الكافي ج 6 ص 125 ح 5، الوسائل ج 15 ص 329 ب 35 ح 2. (2) الجامع الصغير ج 2 ص 57.

[ 156 ]

الروايتين المذكورتين كما أشرنا إليه آنفا، وآكد ذلك الرواية الرابعة، ولكن العذر له واضح حيث لم يطلع عليها وإلا لاوردهما. وأما الطعن في المتن بما ذكره فقد تقدم الجواب عنه. وبالجملة فإنه إذا ضمت هذه الاخبار الاربعة بعضها إلى بعض فإنه لا إشكال في قوة القول المشهور، وما عليه القول الآخر من القصور. وشيخنا المذكور قد رجع في آخر كلامه إلى القول المشهور، وإنما كلامه هنا نوع مناقشة أوردها في البين، مع أنك قد عرفت أنه لا أثر لها ولا عين. نعم ما ذكره - من أنه ليس في هذه الاخبار تقييد باشتراط الطلاق بالمصلحة - متجه، إلا أنه يمكن الرجوع في ذلك إلى الادلة العامة الدالة على أن تصرف الولي منوط بالمصلحة إن ثبت ذلك. الثاني من الشروط الاربعة المتقدمة العقل، فلا يصح طلاق المجنون ولا السكران ولا من زال عقله بإغماء أو شرب مرقد لعدم القصد. والمراد بالمجنون المطبق، لان من كان جنونه ادوارا فله أن يطلق في حال الافاقة بغير إشكال. والمراد بالسكران من بلغ بتناول المسكر إلى حد يرتفع معه القصد، وقيل في حده إنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم. ومن الاخبار الدالة على ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (1) عن الحلبي " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق المعتوه الذاهب العقل أيجوز طلاقه ؟ قال: لا. وعن المرأة إذا كانت كذلك أيجوز بيعها وصدقتها ؟ قال: لا ". وما رواه في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: كل طلاق


(1) الكافي ج 6 ص 125 ح 4، الفقيه ج 3 ص 326 ح 1، التهذيب ج 8 ص 75 ح 170، الوسائل ج 15 ص 327 ب 34 ح 4. (2) الكافي ج 6 ص 126 ح 6، الوسائل ج 15 ص 327 ب 34 ح 3.

[ 157 ]

جائز إلا طلاق المعتوه أو الصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره ". وما رواه في التهذيب (1) عن زكريا بن آدم " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن طلاق السكران والصبي والمعتوه على عقله ومن لم يتزوج، فقال: لا يجوز ". وما رواه في الكافي (2) عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن طلاق السكران، فقال: لا يجوز ولاكرامة ". وعن أبي الصباح الكناني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال ليس طلاق السكران بشئ ". وما رواه في الكافي والتهذيب (4) في الصحيح برواية التهذيب عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن طلاق السكران، قال: لا يجوز ولا عتقه " وزاد في التهذيب " قال: وسألته عن طلاق المعتوه، فقال: وما هو ؟ قلت: الاحمق الذاهب عقله، قال: لا يجوز. قلت: والمرأة كذلك يجوز بيعها وشراؤها ؟ قال: لا ". وما رواه في التهذيب (5) عن إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن السكران يطلق أو يعتق أو يتزوج، أيجوز له وهو على حاله ؟ قال: يجوز له ". وأما ما رواه في التهذيب والفقيه (6) عن شعيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن المعتوه أيجوز طلاقه ؟ فقال: ما هو ؟ فقلت: الاحمق الذاهب العقل فقال: نعم " فحمله الصدوق - رحمه الله - في الفقيه والشيخ في الكتابين على ما


(1) التهذيب ج 8 ص 73 ح 165، الوسائل ج 15 ص 328 ب 34 ح 7. (2) و (3) الكافي ج 6 ص 126 ح 1 و 2، الوسائل ج 15 ص 330 ب 36 ح 1 و 2. (4) الكافي ج 6 ص 126 ح 4، التهذيب ج 8 ص 73 ح 164، الوسائل ج 15 ص 330 ب 36 ح 4 و 328 ب 34 ح 5. (5) التهذيب ج 8 ص 73 ح 163، الوسائل ج 15 ص 328 ب 34 ح 6. (6) الفقيه ج 3 ص 326 ح 2، التهذيب ج 8 ص 75 ح 171، الوسائل ج 15 ص 328 ب 34 ح 8.

[ 158 ]

إذ طلق عنه وليه، وجوز في الاستبصار حمله على ناقص العقل دون فاقده. أقول: ظاهر هذه الاخبار أن المعتوه هو المجنون الذاهب العقل، وظاهر كلام جملة من أهل اللغة أنه الناقص العقل. قال الفيومي في كتاب المصباح المنير (1): عته عتها من باب تعب وعتاها بالفتح: نقص عقله من غير جنون أو دهش، وفيه لغة ثانية عته بالبناء للمفعول عتاهة بالفتح وعتاهية بالتخفيف فهو معتوه بين العته. وفي التهذيب (2): المعتوه المدهوش من غير حس أو جنون، انتهى. وقال في القاموس (3): عته كعني عتها وعتها وعتاها بضمها فهو معتوه نقص عقله أو فقد أو دهش، انتهى. والظاهر من سؤالهم (عليهم السلام) السائل في بعض هذه الاخبار بعد ذكر المعتوه " ما هو " هو أنه يطلق على كل من الامرين - أعني فاقد العقل وناقصه - فإذا أجاب بأنه فاقد العقل منع (عليه السلام) من جواز وقوع تلك الامور منه، ومفهومه أنه لو لم يكن كذلك جاز وقوعها، وقد تقدم حكم طلاق الولي عن المجنون. وأما السكران ونحوه من المغمى عليه وشارب المرقد فظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم جواز طلاق الولي عنه، لعدم الدليل على ذلك، ولظهور الفرق بأن لهؤلاء أمدا قريبا إلى الافاقة ورجوع العقل لهم، فهم في حكم النائم بخلاف المجنون المطبق بناء على الغالب. الثالث من الشروط المتقدمة الاختيار، فلا يصح طلاق المكره كما لا يصح شئ من تصرفاته، وهو إجماعي كما نقله السيد السند في شرح النافع، ويدل


(1) المصباح المنير ص 536. (2) تهذيب اللغة للازهري ج 1 ص 139 وفيه " من غير مس جنون ". (3) القاموس المحيط ج 4 ص 287.

[ 159 ]

عليه مضافا إلى الاجماع المذكور جملة من الاخبار منها ما رواه في الكافي (1) عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: سألته عن طلاق المكره وعتقه، فقال: ليس طلاقه بطلاق، ولا عتقه بعتق " الحديث. وعن يحيى بن عبد الله بن الحسن (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: لا يجوز طلاق في استكراه ولا يجوز يمين في قطعية رحم - إلى أن قال: - وإنما الطلاق ما اريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار ". وعن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: لو أن رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شئ ". وينبغي أن يعلم أن الاكراه الموجب لبطلان ما يترتب عليه من طلاق وغيره مشروط بامور: (منها) قدرة المكره على ما توعده به لغلبة أو سلطان أو تغلب. (ومنها) عجز المكره عن دفع ذلك عن نفسه، ولو بفرار أو استعانة بالغير. (ومنها) أن يعلم أو يظن غالبا أنه لو لم يفعل ما يريده وامتنع من ذلك أو وقع به المكروه. (ومنها) أن يكون ما توعده به مضرا بالمكره في نفسه أو من يجري مجراها من والديه وولده وأقاربه من قتل أو جرح أو ضرب شديد أو حبس أو شتم أو أخذ مال مضر به، ويختلف ما عدا القتل والجرح باختلاف طبقات الناس ومراتبهم، فربما كان قليل الشتم يضر بالوجيه صاحب الوقار، والضرب لا يضر ببعض آخر ولايبالي به، وربما ضر أخذ عشرة دراهم ببعض لفقره، ولا يضر مائة دراهم أو


(1) الكافي ج 6 ص 127 ح 2، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 127 ح 4، التهذيب ج 8 ص 74 ح 167 وفيه " لا يجوز طلاق في استكراه ولا يجوز عتق في استكراه "، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 4. (3) الكافي ج 6 ص 126 ح 1، السوائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 2.

[ 160 ]

أكثر بآخر لكثرة أمواله. ومن الاصحاب من جعل المال مطلقا من قبيل القتل والجرح، فجعل القليل والكثير منه محققا للاكراه، وبه صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروضة (1) والاظهر ما ذكرناه، وهو الذي استظهره في المسالك، ومثله سبطه السيد السند في شرح النافع، ومجمل الكلام في المقام أنه يتحقق الاكراه بتوعده بما يكون مضرا به بحسب حاله في نفسه أو من يجري مجراه مع قدرة المتوعد على ما توعد به وحصول الظن بأنه يفعله لو لم يفعل. فروع الاول: قالوا: لو خير الزوج بين الطلاق ودفع مال غير مستحق وألزم أحد الامرين فهو إكراه، بخلاف ما لو خير بينه وبين فعل يستحقه الآمر من دفع مال أو غيره. أقول: يمكن الاستدلال على الثاني بمارواه في الكافي (2) عن محمد بن الحسن الاشعري " قال: كتب بعض موالينا إلى أبي جعفر (عليهما السلام): إن معي امرأة عارفة أحدث زوجها فهرب عن البلاد فتبع الزوج بعض أهل المرأة، فقال: إما طلقت وإما رددتك فطلقها ومضى الرجل على وجهه، فما ترى للمرأة ؟ فكتب بخطه: تزوجي يرحمك الله ". والتقريب فيه أن ما خيره فيه من الوجه الثاني - وهو رده للقيام بواجب الزوجة - أمر واجب عليه، والامام قد أمرها بالتزويج لصحة الطلاق.


(1) قال في الروضة: ولا فرق بين كون المتوعد به قتلا وجرحا وأخذ مال - وان قل - وشتما وضربا وحبسا، ويستوى في الثلاثة الاول جميع الناس، أما الثلاثة الاخيرة فتختلف باختلاف الناس... الخ. (منه - قدس سره -) (2) الكافي ج 6 ص 81 ح 9، التهذيب ج 8 ص 61 ح 119، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 4.

[ 161 ]

وبالجملة فالخبر صريح في أن نحو ذلك ليس بإجبار، وليس الوجه فيه إلا ما ذكرناه. وأما الحكم الاول فالظاهر أنه لاإشكال فيه أيضا إلا أنه يجب تقييد المال بكونه مضرا به كما تقدم، ويمكن الاستدلال عليه بما رواه في الكافي (1) عن منصور بن يونس في الموثق " قال: سألت العبد الصالح (عليه السلام) وهو بالعريض فقلت له: جعلت فداك إني قد تزوجت امرأة وكانت تحبني فتزوجت عليها ابنة خالي وقد كان لي من المرأة ولد فرجعت إلى بغداد فطلقتها واحدة ثم راجعتها، ثم طلقتها الثانية ثم راجعتها، ثم خرجت من عندها اريد سفري هذا حتى إذا كنت بالكوفة أردت النظر إلى ابنة خالي، فقالت اختي وخالتي: لا تنظر إليها والله أبدا حتى تطلق فلانة، فقلت: ويحكم والله مالي إلى طلاقها من سبيل، فقال لي: هو من شأنك ليس لك إلى طلاقها من سبيل، فقلت: جعلت فداك إنه كانت لي منها ابنة وكانت ببغداد وكانت هذه بالكوفة وخرجت من عندها قبل ذلك بأربع، فأبوا علي إلا تطليقها ثلاثا، ولا والله جعلت فداك ما أردت الله وما أردت إلا أن اداريهم عن نفسي وقد امتلا قلبي من ذلك جعلت فداك. فمكث طويلا مطرقا، ثم رفع رأسه إلي وهو متبسم فقال: أما ما بينك وبين الله عزوجل فليس بشئ، ولكن إذا قدموك إلى السلطان أبانها منك ". والتقريب فيه أن مرجع المسألة إلى التخيير بين الطلاق وبين ما هو غير مستحق عليه شرعا، فإنه في هذه الحال يكون إكراها، وما دل عليه الخبر من هذا القبيل، فإن منعه من زوجته التي هي ابنة خاله أمر محرم كالمثال الذي ذكروه من دفع مال غير مستحق بخلاف ما إذا كان مستحقا عليه شرعا، فإنه ليس بإكراه كالرد المتقدم. الثاني: لو اكره على الطلاق فطلق ناويا له قيل: يقع صحيحا، وهو اختيار


(1) الكافي ج 6 ص 127 ح 3، الوسائل ج 15 ص 332 ب 38 ح 1 مع اختلاف يسير.

[ 162 ]

العلامة في التحرير، وبه جزم شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، وفي المسالك أنه الاصح، لحصول اللفظ والقصد، ولان القصد لاإكراه عليه، فلولا حصول الرضا بالعقد لما قصد إليه. وقيل بالبطلان إذ المفروض أنه لولا الاكراه لما فعله، وعقد المكره باطل بالنص والاجماع. قال في شرح النافع - بعد نقل القولين -: وحجتيهما والمسألة محل إشكال، وهو كذلك، ويمكن تأييد القول الثاني بقوله (عليه السلام) في رواية يحيى بن عبد الله ابن الحسن المتقدمة " وإنما الطلاق ما اريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار " فإنه وإن صدق على هذا الطلاق المفروض أنه اريد به الطلاق، بمعني أنه حصل القصد إليه، لكنه ناش عن الاستكراه والاضرار، فالقصد إليه مع كونه ناشئا عن الاكراه غير مجد في صحته، وكيف كان فالمسألة باقية في غشاوة الاشكال. الثالث: قالوا: لو أكرهه على طلاق امرأته بعينها فطلق غيرها صح، وكذا لو أكرهه على أن يطلق طلقة واحدة فطلق أزيد، والوجه فيه أنه يشعر باختياره فيما أتى به (1) إذ لم يتعلق الاكراه بذلك، والظاهر أنه لاإشكال فيه. أما لو أكرهه على طلاق إحدى الزوجتين فطلق معينة، فالذي اختاره السيد السند في شرح النافع وقبله جده في الروضة أنه إكراه (2) وعلله في شرح النافع بأنه لا يمكن التخلص من الضرر المتوعد به بدون ذلك. قيل بأنه يقع الطلاق لانه مختار في تعيينها، ولانه لما عدل من الابهام إلى التعيين فقد زاد على ما أكرهه


(1) وتوضيحه: انا نمنع وقوع الطلاق بالاكراه إذا لم يظهر ما يدل على اختياره، وأما إذا ظهر بأن خالف المكره وأتى بغير ما حمله عليه فلا مانع لوقوع الطلاق، لان مخالفته له يشعر باختياره فيما أتى به، وذكروا لذلك أمثلة منها ما ذكرناه في الاصل. (منه - قدس سره -). (2) وعلله في الروضة قال: والاقوى أنه اكراه، إذا لا يتحقق فعل يقتضى أمره بدون أحدهما، وهو يرجع إلى ما ذكره سبطه كما نقلناه في الاصل. (منه رحمه الله).

[ 163 ]

عليه لان الاكراه على طلاق إحداهما لاعلى طلاق هذه، وطلاق هذه طلاق إحداهما مع زيادة. وقد تقرر في الاصول أن الامر بالكلي ليس أمرا بجزئي معين. ورد بأن متعلق الاكراه وإن كان كليا لكنه يتأدى في ضمن طلاق كل واحدة بعينها، وطلاق واحدة غير معينة. فكل واحد من الافراد داخل في المكره عليه، ومدلول عليه بالتضمن. نعم لو صرح له بالحمل على طلاق واحدة مبهمة بأن يقول: إحداكما طالق مثلا فعدل عنه إلى طلاق معينة فلاشبة هنا في وقوع الطلاق على المعينة لانه غير المكره عليه جزما. وأنت خبير بأنه بالنظر إلى هذه التعليلات فإن القول الاول هو الاقرب، إذ هو الاربط بالقواعد والانسب، إلا أنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم ما في البناء على أمثال هذه التعليلات. الرابع: قال في المسالك: لا يعتبر في الحكم ببطلان طلاق المكره التورية، وإن كان يحسنها عندنا، لان المقتضي لعدم وقوعه هو الاكراه الموجب لعدم القصد إليه، فلا يختلف الحال بين التورية وعدمها، ولكن ينبغي التورية للقادر عليها بأن ينوي بطلاق فاطمة المكره عليها غير زوجته ممن يشاركها في الاسم، أو ينوي طلاقها من الوثاق، أو يعلقه في نفسه بشرط، ولو كان جاهلا بها أو أصابه دهشة عند الاكراه - كسل السيف مثلا - عذر إجماعا، انتهى. وربما كان في قوله " عندنا " إيماء إلى أنه عند المخالفين ليس كذلك، فتعتبر التورية عندهم في بطلان العقد، ويكون منشأ بطلانه ذلك، ولا ريب في ضعفه لما ذكره - رحمة الله عليه -. الخامس: قال في الكتاب المتقدم ذكره أيضا: يستثنى من الحكم ببطلان فعل المكره ما إذا كان الاكراه بحق، فإنه صحيح كإكراه الحربي على الاسلام والمرتد، إذلو لم يصح لما كان للاكراه عليه معنى، وله موارد كثيرة ذكرناها

[ 164 ]

فيما سلف من هذا الكتاب، والعبارة الجامعة لها مع السابقة أن يقال: ما لا يلزمه في حال الطواعية لا يصح منه إذا أتى به مكرها. وما يلزمه في حال الطواعية يصح مع الاكراه عليه، ولا يخلو الحكم بإسلام الكافر مع إكراهه عليه من غموض من جهة المعنى، وإن كان الحكم به ثابتا من فعل النبي صلى الله عليه وآله فما بعده، لان كلمتي الشهادة نازلتان في الاعراب عما في الضمير منزلة الاقرار، والظاهر من حال المحمول عليه بالسيف أنه كاذب، لكن لعل الحكمة فيه أنه مع الانقياد ظاهرا وصحبة المسلمين والاطلاع على دينهم يحصل له التصديق القلبي تدريجا، فيكون الاقرار اللساني سببا في التصديق القلبي، إنتهى. أقول: لاريب أن محل الاشكال عنده هنا إنما هو إسلام المنافقين المقرين بمجرد اللسان مع عدم التصديق القلبي، والاخبار قد دلت على أن فائده هذا الاسلام إنما هو بالنسبة إلى الامور الدنيوية من حقن الدم والمال والطهارة، وجواز المناكحة ونحو ذلك، وأما بالنسبة إلى الآخرة فإنهم من أهل النار والاكراه حينئذ إنما تعلق بإظهاره وإن كان كاذبا بحسب الواقع، وهذا مما لا غموض فيه، ويصير من قبيل الاكراه على الحقوق الواجبة كأداء الدين ونحوه، فإنه كما يجب على المديون أداء ما يلزمه شرعا كذلك يجب على الكافر الانقياد بهذا الدين والدخول فيه، وإن كان الاول حقا لغيره سبحانه، والثاني حقا له جل شأنه. بقي الكلام في أنه مع عدم تصديقه بالاسلام واعتقاده له وإذعانه به فالفائدة في مجرد إظهاره لاجل هذه الامور الدنيوية قليل الجدوى. والجواب عن ذلك أن عليه السلام الفائدة فيه (أولا) إعراضه عن المنازعة والمقاومة بالحرب لهذا الدين وأهله، وهي من أهم الفوائد. (وثانيا) ما ذكره شيخنا المذكور من رجاء دخوله في هذا الدين وتصديقه به، وتدل عليه الاخبار الواردة في تألف النبي صلى الله عليه وآله منافقي قريش بدفع

[ 165 ]

الزكوات لهم، كما ورد في تفسير المؤلفة قلوبهم، وقد تقدمت الاخبار بذلك في كتاب الزكاة، وفي بعضها، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم، ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقروا به، وإن كان أصحابنا لم يطلعوا على هذه الاخبار، حيث فسروا المؤلفة في آية الزكاة بالتأليف للجهاد، ومورد الاخبار المذكورة أنما هو التأليف للبقاء على دين الاسلام والتصديق به كما قدمنا تحقيقة في الكتاب المذكور السادس: قال في المسالك: لو تلفظ بالطلاق ثم قال كنت مكرها وأنكرت المرأة، فإن كان هناك قرينة تدل على صدقه بأن كان محبوسا أو في يد متغلب دلت القرينة على صدقه قبل قوله بيمينه، وإلا فلا. ولو طلق في المرض فقال كنت مغشيا علي أو مسلوب القصد لم يقبل قوله إلا ببينة تقوم على أنه كان زائل العقل في ذلك الوقت، لان الاصل في تصرفات المسلم الصحة إلى أن يثبت خلافها، وإنما عدلنا في دعوى الاكراه عن ذلك بالقرائن لظهورها وكثرة وقوعها، ووضوح قرائنها بخلاف المرض، انتهى. أقول: ما ذكره من قبول قوله " بيمينه " في المسألة الاولى مع انضمام القرائن المذكورة إلى الدعوى مقطوع به في كلام الاصحاب، واحتجوا عليه بأن القصد إلى العقد والرضا به شرط في صحة العقد. لكن لما لم يمكن الاطلاع على الرضا غالبا إلا بالفظ الدال عليه اكتفى الشارع به إذا لم تقم قرينة على عدم الرضا، أما مع وجود القرينة الدالة على انتفائه فلا يكفي التعويل على دلالة اللفظ لانتفاء الدليل عليه، والاصل عدمه. وأما ما ذكره في المسألة الثانية من عدم قبول قوله " إلا بالبينة " فهو على إطلاقه محل نظر، وذلك لانه إن طابق الظاهر فالامر كما ذكره، وإن ظهر من حال المريض اضطراب واختلاط كعدم انتظام كلامه وتغير أحواله ثم ادعى زوال العقل والحال كما فرضنا فإن الظاهر قبول قوله - لعين ما ذكر في المسألة الاولى - اعتمادا على القرائن في الموضعين.

[ 166 ]

الرابع من الشروط المتقدمة القصد، وهو لا يختص بالطلاق بل يشترط القصد في صحة التصرفات اللفظية من الطلاق وغيره إجماعا كما نقله بعضهم، وتدل عليه من الاخبار الواردة في الطلاق رواية زرارة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه قال: لا طلاق إلا ما اريد به الطلاق ". ورواية هشام بن سالم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: لاطلاق إلا لمن أراد الطلاق ". وفي رواية محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " أنه قال: لا يقع الطلاق بإكراه ولا إجبار ولا على سكر ولا على غضب ". وقد تقدم في حديث يحيى بن عبد الله بن الحسن (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إنما الطلاق ما اريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار ". ورواية عبد الواحد بن مختار الانصاري (5) " قال: سمعت أبا جعفر (عليهما السلام) يقول: لاطلاق إلا لمن أراد الطلاق ". ورواية اليسع (6) " قال: سمعت أبا جعفر (عليهما السلام) يقول في حديث: ولو أن رجلا طلق على سنة وعلى طهر من غير جماع وأشهد ولم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا ".


(1) الكافي ج 6 ص 62 ح 1، الوسائل ج 15 ص 286 ب 11 ح 3. (2) التهذيب ج 8 ص 51 ح 79، الوسائل ج 15 ص 286 ب 11 ح 4. (3) الفقيه ج 3 ص 321 ح 5 لكن الظاهر أن هذا كلام الصدوق لامن جزء الرواية. (4) الكافي ج 6 ص 127 ح 4، التهذيب ج 8 ص 74 ح 167، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 4. (5) الكافي ج 6 ص 62 ح 2، التهذيب ج 8 ص 51 ح 81، الوسائل ج 15 ص 285 ب 11 ح 2 وص 286 ح 5. (6) الكافي ج 6 ص 62 ح 3، التهذيب ج 8 ص 51 ح 82، الوسائل ج 15 ص 285 ب 11 ح 1.

[ 167 ]

وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1): " ولا يقع إلا على طهر من غير جماع بشاهدين عدلين مريدا للطلاق " ومما يترتب عن ذلك طلاق الساهي والنائم والغالط والهازل، وحال الغضب الذى يرتفع معه القصد، ومنه أيضا الاعجمي الذي لقن الصيغة ولا يفهم معناها. بقي الكلام في أنه لوادعى المطلق عدم القصد، فقيل: بأنه لا يقبل منه كما في سائر التصرفات القولية من بيع ونحوه، لان الظاهر من حال العاقل المختار القصد إلى مدلول اللفظ الذي يتكلم به، فإخباره بخلاف ذلك مناف للظاهر، وهو ظاهر اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك وسبطه في شرح النافع. وأطلق جمع من الاصحاب منهم المحقق في الشرائع أن المطلق لو قال " لم أقصد الطلاق " قبل منه ظاهرا، ودين بنيته باطنا، وإن تأخر تفسيره ما لم يخرج العدة، لانه إخبار عن نيته، وظاهره أن العلة في قبول قوله هو كون ذلك إخبارا عن نيته، إذ لا يمكن الاطلاع عليها إلا من قبله، فكان قوله مقبولا كنظائره من الامور التي لا تعلم إلا من المخبر، وهو جيد فيما إذا وقع ذلك في العدة الرجعية لان ذلك يعد رجعة كإنكار الطلاق. وإنما الاشكال في العدة البائنة، فإن ظاهر كلامه أن العدة فيه أعم من الرجعية والبائنة، ووجه الاشكال فيها أن الزوجية فيها زائلة بالكلية، فحكمها في ذلك حكم ما بعد العدة الرجعية، فكيف يتم قبول قوله في هذه الحال ؟ على أنك قد عرفت معارضة ما ذكره من العلة بما قدمنا ذكره في علة القول الاول من أن الظاهر من حال العاقل المختار.. إلخ. ولو قيل: إن الاصل مرجح عليه هنا، للزم مثله في البيع ونحوه من العقود والايقاعات، مع الاتفاق منهم على عدم قبول قبوله في عدم القصد فيها،


(1) فقه الرضا ص 241، مستدرك الوسائل ج 3 ص 4 ب 10 ح 6.

[ 168 ]

واختصاص الطلاق بذلك مشكل. قيل: وربما كان مستند حكمهم بذلك وتخصيص الطلاق بذلك موثقة منصور بن يونس (1) المتقدمة من حيث دلالتها على أنه طلق امرأته ولم يكن له في طلاقها نية، وإنما حمله عليه بعض أقاربه، فقال (عليه السلام) " ما بينك وبين الله فليس بشئ " وهو مشعر بقبول قوله، وفيه: إنا قد بينا أن مورد الخبر المذكور إنما هو الاكراه - بالتقريب الذي ذكرناه ذيله - وجواب الامام (عليه السلام) له بذلك إنما هو بناء على ما نقله من القصة المتضمنة لاكراهه على الطلاق لامن حيث مجرد دعواه عدم القصد. وبالجملة فالاظهر عدم القبول - كما هو القول الاول - إلا مع قيام القرينة على صدقه، أو كونها في عدة رجعية فيجعل ذلك بمنزلة الرجعة، والظاهر أنه لو صادقته المرأة على ذلك فهو كما ذكرنا ايضا لكون الحق منحصرا فيهما، فيعاملان بما اتفقا عليه، ويرجع أمرهما في صدقهما وكذبهما إلى الله عزوجل. تنبيهان الاول: لا خلاف بين الاصحاب في جواز الوكالة في الطلاق الغائب، وإنما الخلاف في الحاضر، فالمشهور الجواز، وذهب الشيخ وأتباعه إلى المنع. قال في النهاية: إذا وكل الرجل غيره بأن يطلق عنه لم يقع طلاقه إذا كان حاضرا في البلد، فإن كان غائبا جاز توكيله في الطلاق. وتبعه ابن حمزة وابن البراج. احتج الاصحاب على ما هو المشهور بينهم بأصالة صحة الوكالة، وصحة إيقاع الصيغة المشترطة في نظر الشارع، ووجود المقتضي وهو الصيغة، وانتفاع المعارض وهو اشتراط المباشرة، إذ لا تعلق لغرض الشارع في إيقاع هذا الفعل


(1) الكافي ج 6 ص 127 ح 3، الوسائل ج 15 ص 332 ب 38 ح 1.

[ 169 ]

من مباشر دون غيره، وما رواه سعيد الاعرج (1) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) " في رجل يجعل أمر امرأته إلى رجل، فقال: اشهدوا إني قد جعلت أمر فلانة إلى فلان فيطلقها، أيجوز ذلك للرجل ؟ قال: نعم " قالوا: وترك الاستفصال في الحال يدل على عموم المقال. وأنت خبير بأن ظاهر هذا الخبر أن الوكالة فيه ليست على النهج المبحوث عنه، فإن ظاهره إنما هو جعل الاختيار في الطلاق وعدمه إلى ذلك الرجل، فإن شاء طلق وإن شاء لم يطلق إلا أن الرجل اختار الطلاق فطلق، ومحل البحث إنما هو توكيل الغير في إيقاع صيغة الطلاق، والذي يدل على الجواز هنا جملة من الاخبار منها: ما رواه المشايخ الثلاثة (2) في الصحيح في بعضها عن ابن مسكان عن أبي هلال الرازي - والظاهر أنه مجهول - " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل وكل رجلا بطلاق امرأته إذا حاضت وطهرت وخرج الرجل، فبداله، فأشهد أنه قد أبطل ماكان أمره به، وأنه قد بداله في ذلك، قال: فليعلم أهله والوكيل ". وما رواه في الكافي (3) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل جعل طلاق امرأته بيد رجلين فطلق أحدهما وأبي الآخر، فأبى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يجيز ذلك حتى يجتمعا جميعا على الطلاق ".


(1) الكافي ج 6 ص 129 ح 2، التهذيب ج 8 ص 39 ح 35، الوسائل ج 15 ص 333 ب 39 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 129 ح 4، الفقيه ج 3 ص 48 ح 2، التهذيب ج 8 ص 39 ح 36، الوسائل ج 15 ص 333 ب 39 ح 3. (3) الكافي ج 6 ص 129 ح 3، التهذيب ج 8 ص 39 ح 37، الوسائل ج 15 ص 333 ب 39 ح 2.

[ 170 ]

وما رواه الشيخ (1) عن اليقطيني " قال: بعث إلى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) رزم ثياب وغلمانا ودنانير وحجة لي وحجة لاخي موسى بن عبيد وحجة ليونس بن عبد الرحمن، فأمرنا أن نحج عنه، وكان بيننا مائة دينار أثلاثا فيما بيننا، فلما أردت أن أن اعبي الثياب رأيت في أضعاف الثياب طينا، فقلت للرسول (2): ما هذا ؟ فقال: ليس يوجه بمتاع إلا جعل فيه طينا من قبر الحسين (عليه السلام)، ثم قال الرسول: قال أبو الحسن (عليه السلام): هو أمان بإذن الله، وأمرنا بالمال بامور من صلة أهل بيته وقوم محاويج لا مؤونة لهم، وأمر بدفع ثلاثمائة دينار إلى رحم امرأة كانت له، وأمر لي أن اطلقها عنه وامتعها بهذا المال، وامرني أن اشهد على طلاقها صفوان بن يحيى وآخر نسي محمد بن عيسى اسمه ". أما ما استدل به الشيخ وأتباعه على ما ذهبوا إليه فهو ما رواه في الكافي والتهذيب (3) عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: لا تجوز الوكالة في الطلاق " قال في التهذيب - بعد نقل هذا لخبر -: وهذا الحديث لا ينافي الاخبار الاولة، لانا نحمل هذا لخبر على الحال التي يكون الرجل فيها حاضرا غير غائب، فإنه متى كان الامر على ما وصفناه لم يجز وكالته في الطلاق. والاخبار الاولة في تجويز الوكالة مختصة بحال الغيبة ولاتنافي بين الاخبار. وقال ابن سماعة: إن العمل على الذي ذكر فيه أنه لا يجوز الوكالة في الطلاق ولم يفصل، وينبغي أن يكون العمل على الاخبار كلها حسبما قدمناه، انتهي. وقال في الكافي - بعد نقل الاخبار الدالة على الجواز -: وروي أنه لا يجوز الوكالة في الطلاق - ثم أورد خبر زرارة المذكور ثم: - وقال الحسن بن سماعة:


(1) التهذيب ج 8 ص 40 ح 40، الوسائل ج 15 ص 334 ب 39 ح 6. (2) يعنى الذى بعثه الامام الرضا عليه السلام. (3) الكافي ج 6 ص 130 ح 6، التهذيب ج 8 ص 39 ح 39، الوسائل ج 15 ص 334 ب 39 ح 5.

[ 171 ]

وبهذا الحديث نأخذ. أقول: وقد ظهر من ذلك أن في المسألة أقوالا: القول المشهور وهو الجواز، ومذهب الشيخ وأتباعه وهو التفصيل بين الحضور والغيبة، ومذهب الحسن بن سماعة وهو المنع والتوقف في المسألة، وهو ظاهر الكليني، حيث نقل الرواية المخالفة لما ذكره أولا ولم يجب عنها بشئ، ويرد على ما ذهب إليه الشيخ أنه لاقرينة في الاخبار المذكورة تؤنس بهذا التفصيل، وأكثر الاخبار مطلق، وإن كان مورد بعضها الغيبة، ويرد على ما ذكره ابن سماعة أن فيه طرحا للاخبار الدالة على القول المشهور، وهي أكثر عددا وأوضح سندا. وبالجملة فظهور الخبر الاخير في المعارضة مما لا ينكر، ولا يحضرني الان محمل صحيح يحمل عليه، قال في الوافي - بعد ذكر استبعاد حمل الشيخ -: ولو جاز تقييد الخبر بحال الحضور استنادا إلى ظهور بعض ما يخالفه في الغائب لجاز تقييده بالنساء في كله أمر الطلاق إليهن استنادا إلى ورود ما يوافقه فيهن كما يأتي في الباب الاتي من التخيير، انتهى. ومراده أنه لو صح حمل الشيخ - والحال أنه لاقرينة تؤنس به في هذه الاخبار إلا مجرد ورود بعض الاخبار في طلاق الغائب كذلك - لجاز أيضا أن يحمل إطلاق هذا لخبر على مادلت عليه الاخبار الدالة على عدم جواز التخيير للنساء في الطلاق، وأنه موكول لهن، كما سيأتيك الاخبار به إن شاء الله قريبا، ويأتي بيان الوجه فيها، فيكون هذا الخبر من الاخبار الدالة على القول المشهور من أنه لا يجوز للنساء الوكالة في الطلاق بأن يتولين ذلك مباشرة أو وكالة. وأنت خبير بما فيه من البعد كما في مذهب الشيخ، وبالجملة فالمسألة عندي لا تخلو من نوع توقف، والانسب بقواعد الاصحاب كما هي قاعدتهم في جميع الابواب هو حمل النهي في هذا لخبر على الكراهة، لكن من قواعدهم أنهم لا يرتكبون الجمع إلا مع التكافؤ في السند، فاكتفوا هنا برد الخبر المذكور

[ 172 ]

لضعف سنده، وأعرضوا عنه لذلك، قال في المسالك: وعلى قول الشيخ يتحقق الغيبة بمفارقة مجلس الطلاق وإن كان في البلد. أقول: فهم هذا المعنى من عبارة الشيخ التي قدمنا نقلها عنه لا يخلو من إشكال، بل ظاهرها إنما هو الغيبة عن البلد لاعن مجلس الطلاق، فإنه بعد أن صرح بأنه لم يقع طلاقه إذا كان حاضرا في البلد قال: وإن كان غائبا جاز، المتبادر منه يعني غائبا عن البلد، ومفهومه أنه متى كان حاضرا في البلد لم يجز. وحينئذ فإن كان ما ذكره - رحمه الله - مأخوذا من كلام آخر غير هذه العبارة فيمكن صحة ما ادعاه، وإن كان من هذه العبارة فالامر كما ترى. الثاني: المشهور بين الاصحاب أنه يجوز جعل الامر إليها في طلاق نفسها وقال الشيخ في المبسوط: وإن أراد أن يجعل الامر إليها فعندنا لا يجوز على الصحيح من المذهب، وفي أصحابنا من أجازه. قال في المختلف - في الاحتجاج لما اختاره من القول المشهور -: لنا أنه فعل يقبل النيابة، والمحل قابل فجاز كما وكل غيرها من النساء أو توكلت في طلاق غيرها. واحتج في المسالك بما دل على جواز النيابة فيه مطلقا قال: وهو يشتمل استنابتها كغيرها. ثم نقل عن الشيخ أنه استند في تخصيصها بالمنع إلى أن القابل لا يكون فاعلا، وظاهر قوله صلى الله عليه وآله (1) " الطلاق بيد من أخذ بالساق " فإنه يقتضي عدم صحة التوكيل مطلقا، خرج عنه غير المرأة بدليل من خارج، فتبقى هي على أصل المنع. ثم رده فقال: ولا يخفى ضعف الدلالة، فإن المغايرة بين القابل والفاعل يكفي فيه الاعتبار، وهما مختلفان بالحيثية، والخبر مع تسليمه لا يفيد الحصر، وعلى تقدير تسليم إفادته فما أخرج غيرها من الوكلاء عنه يخرجها لتناوله لها، انتهى.


(1) الجامع الصغير ج 2 ص 57.

[ 173 ]

وعندي في المسألة نوع توقف، وإن كان القول المشهور لا يخلو من قوة بالنظر إلى هذه التعليلات، إلا أن الاعتماد عندنا في الاحكام الشرعية إنما هو على النصوص، والزوجية قد ثبتت وتحققت، فرفعها ورفع ما يترتب عليها يتوقف على دليل واضح من النصوص. وقال في الكفاية: ولو وكلها في طلاق نفسها ففي صحته قولان، والادلة من الجانبين محل البحث. انتهي، وفيه إيذان بتوقفه في المسألة. ونحوه المحدث الكاشاني في المفاتيح حيث إنه اقتصر على نقل القولين من غير ترجيح في البين، وهذا في محله كما عرفت. الركن الثاني: المطلقة، ويشترط فيها امور: الاول: أن تكون زوجة فلا أثر لطلاق الموطوءة بالملك ولا الاجنبية، وكذا لو علق الطلاق بالتزويج بأن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو كل من أتزوج فهي طالق، والاصل في ذلك أن كلا من النكاح والطلاق أحكام شرعية يتوقف ثبوتها والحكم بها على الاسباب والعلل المنوطة بها شرعا فهي توقيفية، والنكاح لما ثبت بما رسمه الشارع من الاسباب والشروط، فرفعه ورفع ما يترتب عليه متوقف على ما ثبت من الشارع كونه رفعا مزيلا لحكمه. والذي علم من الشارع هو ورود الطلاق على الازواج خاصة دون ملك اليمين والاجانب، واستصحاب الحل فيهن باق لارافع له شرعا، وإلحاقهن بحكم الزوجات قياس لا يوافق اصول المذهب وبذلك صرحت الاخبار أيضا. ومنها ما رواه في الكافي (1) عن عبد الله بن سليمان عن أبيه " قال: كنا في المسجد، فدخل علي بن الحسين (عليهما السلام) ولم اثبته وعليه عمامة سوداء قد أرسل


(1) الكافي ج 6 ص 63 ح 4، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

[ 174 ]

طرفيها بين كتفيه (1) فقلت لرجل قريب المجلس مني: من هذا الشيخ ؟ فقال: مالك لم تسألني عن أحد دخل المسجد غير هذا الشيخ ؟ فقلت: لم أر أحدا دخل المسجد أحسن هيئة في عيني من هذا الشيخ، فقال: إنه علي بن الحسين (عليهما السلام) فقمت وقام الرجل وغيره فاكتنفناه وسلمنا عليه: فقال له الرجل: ما ترى في رجل سمى امرأته بعينها وقال يوم يتزوجها هي طالق ثلاثا ثم بدا له أن يتزوجها، أيصلح له ذلك ؟ فقال: إنما الطلاق بعد النكاح، قال عبد الله: فدخلت أنا وأبي على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فحدثه أبي بهذا الحديث، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أنت تشهد على علي بن الحسين (عليهما السلام) بهذا الحديث ؟ قال: نعم ". قال الكاشاني - في الوافي ذيل هذا الخبر -: أراد أبو عبد الله (عليه السلام) بهذا السؤال تسجيل الحكم عليه حيث إنه مخالف لمذاهب العامة وعملهم، وكان المخاطب منهم، ولعله ممن يحسن اعتقاده في علم علي بن الحسين (عليهما السلام)، انتهى. وعن سماعة (2) " قال: سألته عن الرجل يقول يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال: ليس بشئ، إنه لا يكون طلاق حتى يملك عقدة النكاح ". وعن محمد بن قيس (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: سألته عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق وإن اشتريت فلانا فهو حر، وإن اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين، فقال: ليس بشئ، لا يطلق إلا ما يملك، ولا يعتق إلا ما يملك، ولا يتصدق إلا بما يملك ".


(1) أقول: في هذا الحديث دلالة على أن السنة في التعمم هو دون التحنك، كما اشتهر بين جملة من الاصحاب، فانه ناش عن الغفلة عن ملاحظة الاخبار، ونحو هذا الخبر غيره كما تقدم في كتاب الصلاة من هذا الكتاب. (منه - قدس سره -). (2) الكافي ج 6 ص 63 ح 2، الوسائل ج 15 ص 288 ب 12 ح 5. (3) الكافي ج 6 ص 63 ح 5 وليس فيه " ولا يعتق الا ما يملك "، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

[ 175 ]

وما رواه الصدوق (1) في الصحيح عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن رجل قال: كل امرأة أتزوجها ما عاشت أمي فهي طالق، فقال: لاطلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك " ورواه في المقنع عن رسول الله صلى الله عليه وآله مرسلا. وعن النضر بن قرواش (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث " قال: لا طلاق قبل نكاح، ولاعتق قبل ملك ". وروى في كتاب قرب الاسناد (3) عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " أنه كان يقول: لاطلاق لمن لا ينكح، ولاعتاق لمن لا يملك ". أقول: المراد بالنكاح في هذه الاخبار الثلاثة مع رواية عبد الله بن سليمان المتقدمة هو العقد لا الوطئ وإلا لم يتم الحصر في الاولين ولا السلب في الآخرين، ويؤيده ما تقدم في موثقة سماعة من قوله " عقدة النكاح " وحينئذ ففي هذه الاخبار دلالة ظاهرة على تمام المدعى من عدم الطلاق بالمملوكة والاجنبية والمعلق طلاقها بالتزويج، وهو بحمدالله سبحانه ظاهر لاسترة عليه. وروى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان (4) عن حبيب بن أبي ثابت " قال: كنت عند علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال له رجل: إني قلت يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال: اذهب فتزوجها، فإن الله بدأ بالنكاح قبل الطلاق فقال: " إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن " (5).


(1) الفقيه ج 3 ص 321 ذيل ح 3، الوسائل ج 15 ص 286 ب 12 ح 1. (2) الكافي ج 8 ص 169 ح 234، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 4. (3) قرب الاسناد ص 42، الوسائل ج 15 ص 288 ب 12 ح 7. (4) مجمع البيان ج 8 ص 364، الوسائل ج 15 ص 289 ب 12 ح 13. (5) سورة الاحزاب - آية 49.

[ 176 ]

أقول: وهذا الخبر أيضا ظاهر فيما قلناه. وبالجملة فالحكم المذكور اتفاقي نصا وفتوى فلا إشكال، وإنما خالف في ذلك العامة، فحكم بعضهم بوقوعه على الاجنبية مطلقا، وبعضهم بوقوعه إذا علقه بتزويجها، بمعنى احتساب ذلك من الطلقات الثلاث المحرمة على تقدير تزويجها. وضعف الجميع بما ذكرنا من الاخبار ظاهر. الثاني: أن يكون العقد دائما، فلا يقع الطلاق بالامة المحللة ولا المتمتع بها ولو كانت حرة، والحكم هنا أيضا موضع وفاق كما نقله في المسالك، قال: ولان التحليل نوع إباحة، فمتى شاء الزوج تركها بغير طلاق فلا حاجة إليه، والمتمتع بها تبين بانقضاء المدة وبإسقاطه لها كما مر، وقد روى محمد بن إسماعيل (1) في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) " قال: قلت: وتبين بغير طلاق ؟ قال: نعم " والاعتماد على الاتفاق، وإلا فتعدد الاسباب ممكن، انتهى. أقول: ومما يدل على عدم وقوع الطلاق بالمحللة الاخبار الاربعة المتقدمة الدالة على أن الطلاق إنما هو بعد النكاح، والنكاح كما عرفت عبارة عن العقد وهو قسيم للتحليل، فلا يدخل فيه. ومما يدل على عدم وقوعه بالمتمتعة الصحيحة التي ذكرها، وما رواه في الكافي (2) عن هشام بن سالم " قال: قلت: كيف يتزوج المتعة ؟ قال: تقول يا أمة الله أتزوجك كذا وكذا يوما، فإذا مضت تلك الايام كان طلاقها في شرطها ". وأما قوله " والاعتماد على الاتفاق، وإلا فتعدد الاسباب ممكن " ففيه أنه


(1) الكافي ج 5 ص 459 ح 2، التهذيب ج 7 ص 266 ح 72، الوسائل ج 14 ص 478 ب 25 ح 1. (2) الكافي ج 5 ص 455 ح 5، الوسائل ج 14 ص 466 ب 18 ح 3 وفيهما " بكذا وكذا درهما " وكذلك في آخر الرواية " ولا عدة لها عليك ".

[ 177 ]

وإن كان تعددها ممكنا إلا أن ذلك فرع ثبوت السببية، وحيث لم يثبت هنا سببية الطلاق فالاصل عدمها لما تقدم من أن الاحكام المذكورة توقيفية، فلا يحتاج إلى الاتفاق، وفي معنى ما ذكرنا من الاخبار أخبار اخر لاضرورة لايرادها مع عدم المخالف. الثالث: أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه - بمعنى أن تكون مسترابة - فلو طلقها في طهر ومسها فيه لم يقع طلاق، ويستثنى من ذلك اليائسة والصغيرة والحامل والمسترابة على تفصيل يأتي ذكره إن شاء الله. وأما ما يدل على الحكم الاول - أعني عدم صحة الطلاق في طهر واقعها فيه - فاتفاق الاصحاب وإجماعهم على ذلك أولا. وثانيا الاخبار المستفيضة بل قيل إنها ربما بلغت حد التواتر. ومنها ما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن عمر بن اذينة عن زرارة وبكير ابني أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي والفضيل بن يسار وإسماعيل الازرق ومعمر بن يحيى بن بسام كلهم سمعوه من أبي جعفر (عليهما السلام) ومن ابنه بعد أبيه (عليهم السلام) بصورة ما قالوا وإن لم أحفظ حروفه غير أنه لم يسقط جمل معناه: إن الطلاق الذي أمر الله به في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله أنه إذا حاضت المرأة وطهرت من حيضها وأشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقه - الحديث. وما رواه في الكافي (2) بالسند المذكور عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " أنهما قالا: إذا طلق الرجل في دم النفاس أو طلقها بعد ما يمسها فليس طلاقه إياها بطلاق ". وما رواه في الكافي (3) عن ابن اذينة في الصحيح عن بكير وغيره عن أبي جعفر


(1) التهذيب ج 8 ص 28 ح 4، الوسائل ج 15 ص 351 ب 3 ح 7 وفيهما اختلاف يسير. (2) الكافي ج 6 ص 60 ح 11، التهذيب ج 8 ص 47 ح 66، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 5. (3) الكافي ج 6 ص 61 ح 17، التهذيب ج 8 ص 48 ح 67، الوسائل ج 15 ص 279 ب 8 ح 9.

[ 178 ]

(عليهما السلام) " قال: كل طلاق لغير العدة فليس بطلاق، أن يطلقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض، فليس طلاقها بطلاق " الحديث. إلى غير ذلك من الاخبار كما تقدمت الاشارة إليه. وأما ما يدل على الثاني - وهو استثناء اليائسة وما بعدها بعد الاتفاق على الحكم المذكور - فجملة من الاخبار: ومنها ما رواه في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: لا بأس بطلاق خمس على كل حال: الغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي لم يدخل بها، والحبلى، والتي قد يئست ". وما رواه المشايخ الثلاثة (3) عن إسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: خمس يطلقهن الرجل على كل حال: الحامل المتيقن حملها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي قد يئست من المحيض، والتي لم يدخل بها ". وما رواه الشيخ (3) في الصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " قالا: خمس يطلقهن أزواجهن متى شاءوا، الحامل المستبين حملها، والجارية التي لم تحض، والمرأة التي قعدت من المحيض، والغائب عنها زوجها، والتي لم يدخل بها ". وما رواه الصدوق في الخصال (4) عن حماد بن عثمان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: خمس يطلقن على كل حال: الحامل، والتي قد يئست من المحيض، والتي لم يدخل بها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تبلغ المحيض ".


(1) الكافي ج 6 ص 79 ح 2، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 79 ح 3، الفقيه ج 3 ص 334 ح 1، التهذيب ج 8 ص 61 ح 117 وص 70 ح 150، الوسائل ج 15 ص 305 ب 25 ح 1. (3) التهذيب ج 8 ص 70 ح 149، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 4. (4) الخصال ج 1 ص 303 ح 81، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 5.

[ 179 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم أن المذكور في كلام الاصحاب عد الصغيرة في جملة من استثني من الحكم المتقدم، والمذكور في الاخبار عدا رواية الخصال كما عرفت إنما هو التي لم تحض، وليس فيها تعرض لذكر الصغيرة، والظاهر أن الشيخ ومن تأخر عنه من الاصحاب فهموا من هذا اللفظ الكناية عن الصغيرة فجعلوها من جملة الخمس، ولم يذكروا التي لم تحض، قال الشيخ في النهاية بعد عد الصغيرة: والمراد بالصغيرة من نقص سنها عن تسع سنين، قال: ومن كان لها تسع سنين فصاعدا، ولم تكن حاضت بعد وأراد طلاقها فليصبر عليها ثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك. واعترضه في شرح النافع فقال: وعندي في التخصيص نظر، ولا يبعد أن يكون المراد بمن لم تحض التي لم تحض مثلها عادة وإن زاد سنها عن التسع، ومراده - رحمه الله - أن تفسيره من لم تحض الوارد في الاخبار بالصغيرة خاصة محل نظر، بل الاولى في تفسيره هو الحمل على ما هو أعم، وهي التي لم تحض مثلها عادة، سواء كان لنقص سنها عن التسع أو لم يكن، فيكون أعم من الصغيرة والمسترابة. ولقائل أن يقول: إن رواية الخصال قد تضمنت على التي لم تبلغ المحيض وهي عبارة، عن الصغيرة، وحينئذ فيحمل عليها إطلاق الاخبار الباقية، وبه يظهر صحة ما ذكره الاصحاب من عد الصغيرة في هذا الباب ويزول ما ذكره السيد المذكور من الايراد. وكيف كان فإنهم عدوا المسترابة في جملة من استثني بشرط مضي ثلاثة عليه السلام أشهر، وهي عندهم من كانت في سن من تحيض وهي لا تحيض، سواء كان عدم حيضها لعارض من رضاع أو مرض أو يكون خلقيا، قالوا: وإطلاق المسترابة عليها مجرد اصطلاح، وإلا فقد يحصل مع انقطاع الحيض استرابة الحمل وقد

[ 180 ]

لا يحصل، إلا أنه لابد في طلاقها من مضي ثلاثة أشهر ولا يقع قبلها وهو مقطوع به (1) في كلامهم بل الظاهر أنه موضع وفاق. ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام (2) في الصحيح عن دواد بن أبي يزيد العطار عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن المرأة يستراب بها، ومثلها تحمل ومثلها لاتحمل ولا تحيض وقد واقعها زوجها، كيف يطلقها إذا أراد طلاقها ؟ قال: فليمسك عنها ثلاثة أشهر ثم يطلقها ". وما رواه الشيخ (3) في الصحيح عن إسماعيل بن سعد الاشعري " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن المسترابة من المحيض كيف تطلق ؟ قال: تطلق بالشهور " والظاهر أن المراد بالشهور الاشهر الثلاثة. ويؤيده ما رواه في الكافي (4) عن الحسن بن علي بن كيسان " قال: كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامة، وأراد أن يطلقها، وقد كتمت حيضها وطهرها مخافة الطلاق، فكتب (عليه السلام): يعتزلها ثلاثة أشهر ثم يطلقها. الرابع: أن يعين المطلقة، على خلاف في ذلك، وتوضيح ذلك: إنه قد اختلف الاصحاب في أنه لو كان له أكثر من زوجة فقال: إحداكن طالق،


(1) قال المحقق - قدس سره - في الشرائع بعد ذكر الشرط المذكور: ويسقط اعتبار ذلك في اليائسة، وفيما لم تبلغ المحيض. وفى الحامل والمسترابة بشرط أن يمضى عليها ثلاثة أشهر لم تر دما معتزلا لها، ولو طلق المسترابة قبل مضى ثلاثة أشهر من حين المواقعة لم يقع الطلاق، انتهى. (منه - قدس سره -). (2) الكافي ج 6 ص 97 ح 1، التهذيب ج 8 ص 69 ح 147، الوسائل ج 15 ص 335 ب 40 ح 1. (3) التهذيب ج 8 ص 68 ح 144، الوسائل ج 15 ص 414 ب 4 ح 17. (4) الكافي ج 6 ص 97 ح 1، الوسائل ج 15 ص 311 ب 28 ح 2.

[ 181 ]

أو إحدى زوجاتي طالق، فالمشهور، أنه باطل لوجوب التعيين، وهو مذهب الشيخ المفيد والسيد المرتضى وابن إدريس والشيخ في أحد قوليه والمحقق في أحدهما، والعلامة في أحدهما وكذا الشهيد في أحدهما وهو اختيار السيد السند في شرح النافع، وهو الاظهر لما قدمنا ذكره سابقا من أن النكاح والطلاق امور توقيفية يجب الوقوف فيها على ما رسمه الشارع صحة وبطلانا، ولاريب أن النكاح عصمة مستفادة من الشرع فلابد في زواله من سبب شرعي قد علم من الشارع، والقدر المعلوم إجماعا ونصا كما هو المفهوم من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) هو المعين، فمن ادعى سببية غيره فعليه الدليل، وليس له إلى ذلك سبيل. وقال الشيخ في المبسوط، إنه يصح. واختاره ابن البراج وتبعهما المحقق والعلامة والشهيد في أقوالهم الاخر، واحتجوا بأصالة عدم الاشتراط، وعموم مشروعية الطلاق. ويرد على الاول ما أشرنا إليه من أن الطلاق من الامور التوقيفية، لا مدخل للاصل فيها، بل المدار فيه على وجود السبب الذي جعله الشارع لذلك، وحيث لم يوجد فلا يمكن الحكم به. وعلى الثاني منع العموم على وجه يتناول ما ذكروه، بل منع كون ذلك طلاقا، ولهم بناء على هذا القول تفريعات قد اختلفت فيها أنظارهم واضطربت فيها أفكارهم. منها أنه متى طلق ولم يعين فهل يستخرج المطلقة بالقرعة أو يرجع في ذلك إلى تعيينه ؟ قولان: اختار أولهما المحقق في الشرائع، وثانيهما العلامة في القواعد. ومنها أنه على القولين المذكورين، فهل يحكم بوقوع الطلاق من حين اللفظ أو من حين التعيين ؟ قولان آخران: اختار أولهما الشيخ في المبسوط، وثانيهما العلامة في القواعد والتحرير، ويتفرع على ذلك العدة، فعلى الاول تعتد من حين

[ 182 ]

اللفظ، على الثاني من حين التعيين. إلى غير ذلك من التفريعات والمباحث الطويلة المتفرعة على هذا القول، وحيث قد عرفت أنه لادليل على القول المذكور فلاضرورة إلى التشاغل بما يتفرع عليه. الخامس: أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس بشرط أن تكون مدخولا بها وزوجها حاضرا، فلو طلقها في حال الحيض والنفاس مع عدم الامرين المذكورين فلا خلاف في عدم وقوعه طلاقا، وبه تظافرت الاخبار. فروى الشيخ (1) في الصحيح عن محمد الحلبي " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يطلق امرأته وهي حائض ؟ قال: الطلاق على غير السنة باطل ". وقد تقدم في صحيحة عمر بن اذينة (2) الثانية عن الجماعة المتقدم ذكرهم إذا طلق الرجل في دم النفاس أو طلقها بعد ما يمسها فليس طلاقه إياها بطلاق. وما رواه في الكافي (3) عن الحلبي " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: الطلاق بغير السنة باطل ". وقد تقدم أيضا في رواية ابن اذينة في الصحيح عن بكير (4) وغيره ما يدل على ذلك، إلى غير ذلك من الاخبار. وأما ما يدل على صحة طلاق الحائض غير المدخول بها والغائب عنها زوجها فهو ما تقدم من الاخبار الدالة على أن خمسا يطلقن على كل حال، وعد منهن


(1) الكافي ج 6 ص 58 ح 3، التهذيب ج 8 ص 47 ح 63، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 60 ح 11، التهذيب ج 8 ص 47 ح 66، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 5. (3) الكافي ج 6 ص 58 ح 6، التهذيب ج 8 ص 47 ح 64، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 2. (4) الكافي ج 6 ص 60 ح 17، التهذيب ج 8 ص 47 ح 67، الوسائل ج 15 ص 279 ب 8 ح 9.

[ 183 ]

التى لم يدخل بها والغائب عنها زوجها. وبالجملة فالحكم المذكور مما لا خلاف فيه ولا إشكال، وإنما محل البحث والاشكال الذي طال فيه النزاع والجدال وكثر فيه القيل والقال قدر الغيبة الموجبة لجواز الطلاق في المحيض، وتفصيل الكلام في المقام أن يقال: لا خلاف نصا وفتوى في جواز طلاق الحائض إذا كان الزوج غائبا في الجملة فلو أراد أن يطلق زوجته وقد خرج عنها في طهر جامعها فيه، فهل يكفي في الجواز مجرد الغيبة ؟ أم لابد من أمر آخر وتربص مدة معينة ؟ وها أنا أنقل ما وصل إلي من الاقوال والاخبار صحيحها وضعيفها بناء على ما هو المختار، فأقول: قد ذهب الشيخ المفيد (1) وسلار والشيخ علي بن الحسين بن بابويه وابن أبي عقيل وغيرهم إلى جواز طلاق الغائب إذا كانت بحيث لا يمكنه استعلام حالها من غير تربص، وادعى ابن أبي عقيل تواتر الاخبار بذلك. وقال الصدوق في الفقيه (2): وإذا أراد الغائب أن يطلق امرأته، فحد غيبته التي إذا غابها كان له أن يطلق متى شاء، أقصاه خمسة أشهر أو ستة أشهر،


(1) أقول: قال الشيخ المفيد - قدس سره -: ومن كان غائبا عن زوجته فليس يحتاج في طلاقها إلى ما يحتاج إليه الحاضر من الاستبراء، لكنه لا بد له من الاشهاد، فإذا أشهد رجلين من المسلمين على طلاقه لها وقع بها الطلاق ان كانت طاهرا وحائضا وعلى كل حال. وقال الشيخ على بن الحسين بن بابويه: واعلم يا بنى أن خمسا يطلقن على كل حال ولا يحتاج الرجل أن ينتظر طهرهن. وعد الخمس المذكورات في الاخبار. وقال ابن أبى عقيل: وقد تواترت الاخبار عن الصادقين عليهم السلام أن خمسا يطلقن على كل حال إذا شاء أزواجهن أي وقت شاءوا وهى التى قد يئست من المحيض. ثم ساق باقى الافراد كما ورد في تلك الاخبار، ولم يقدر مدة الغيبة بقدر معين. (منه - قدس سره -) (2) الفقيه ج 3 ص 325 ذيل ح 1.

[ 184 ]

وأوسطه ثلاثة أشهر وأدناه شهر. وقال الشيخ في النهاية: ومتى لم يكن دخل بالمرأة وطلقها وقع الطلاق وإن كانت حائضا، وكذلك إن كان غائبا شهرا فصاعدا وقع طلاقه إذا طلقها وإن كانت حائضا - وقال في موضع آخر منها: - إذا خرج إلى السفر وقد كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع جاز له أن يطلقها أي وقت شاء، ومتى كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع فلا يطلقها حتى يمضي مابين شهر إلى ثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك أي وقت شاء. وكلامه الاول يرجع إلى ما ذكره الصدوق في الفقيه، وبه صرح ابن حمزة أيضا، فقدر مدة التربص بشهر فصاعدا. وبما ذكره من الكلام الثاني صرح ابن البراج (1) وقال ابن الجنيد: والغائب لا يطلق حتى يعلم أن المرأة برية من الحمل أو هي حامل، فإن علم ذلك فأوقع الطلاق على شرائطه وقع، ثم قال: وينتظر الغائب بزوجته من آخر جماع أوقعه ثلاثة أشهر إذا كانت ممن تحمل، وإن كانت آيسة أولم تبلغ إلى حال الحمل طلقها إذا شاء وهو ظاهر في تقدير مدة التربص بثلاثة أشهر وعلم براءة رحمها من الحمل. واختار هذا القول العلامة في المختلف، وذهب الشيخ في الاستبصار وابن إدريس والعلامة في أكثر كتبه، والمحقق وهو المشهور بين المتأخرين إلى اعتبار مضي مدة يعلم انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه إلى آخر بحسب عادتها، ولا يتقدر بمدة مخصوصة. والاصل في اختلاف هذه الاقوال اختلاف الاخبار الواردة عن الائمة (ع) ومنها ما تقدم في الشرط الثالث من الاخبار الدالة على أن خمسا يطلقن على


(1) فقال: ان كان لما خرج كانت طاهرة طهرا لم يقربها فيه بجماع طلقها أي وقت أراد وان كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع فلا يطلقها حتى تمضى لها ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ويطلقها بعد ذلك أي وقت أراد، انتهى. (منه - رحمة الله عليه -).

[ 185 ]

كل حال (1) والظاهر أنه بإطلاق هذه الاخبار أخذ الشيخ المفيد ومن تبعه من المشايخ المتقدم ذكرهم كما هو صريح عبارتي ابن أبي عقيل والشيخ علي بن بابويه. ونحو هذه الاخبار أيضا ما رواه في الكافي (2) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: سألته عن الرجل يطلق امرأته وهو غائب ؟ قال: يجوز طلاقه على كل حال، وتعتد امرأته من يوم طلقها ". وما رواه في التهذيب (3) " في الرجل يطلق امرأته وهو غائب، فيعلم أنه يوم طلقها كانت طامثا، قال: يجوز ". وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4): " واعلم أن خمسا يطلقن على كل حال، ولا يحتاج أن ينتظر طهرهن: الحامل والغائب عنها زوجها والتي لم يدخل بها والتي لم تبلغ الحيض والتي قد يئست من المحيض ". أقول: وبهذه العبارة عبر الشيخ علي بن الحسين بن بابويه في رسالة إلى ابنه كما تقدمت الاشارة إليه فقال - على ما نقله في الفقيه -: واعلم يا بني أن خمسا يطلقن على كل حال، ولايحتاج الرجل أن ينتظر طهرهن. ثم عد هؤلاء المذكورات، وهو مؤيد لما قد تقدم ذكره في غير مقام من إفتائه بعبارات الكتاب المذكور. ومنها ما رواه في الكافي (5) في الموثق عن إسحاق عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الكافي ج 6 ص 79 ح 1، و 2 و 3، الفقيه ج 3 ص 334 ح 1، الوسائل ج 15 ص 305 و 306 ب 25 ح 1 و 3. (2) الكافي ج 6 ص 80 ح 7، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 1. (3) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6. (4) فقه الرضا ص 244، مستدرك الوسائل ج 3 ص 6 ب 19 ح 2 وفيهما اختلاف يسير. (5) الكافي ج 6 ص 80 ح 3، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 3.

[ 186 ]

" قال: الغائب إذا أراد أن يطلقها تركها شهرا ". وعن حميد عن ابن سماعة (1) " قال: سألت محمد بن أبي حمزة: متى يطلق الغائب ؟ قال: حدثني إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله أو أبي الحسن (عليهما السلام) قال: إذا مضى له شهر ". وما رواه الشيخ (2) في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الرجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له أن يطلق حتى تمضي ثلاثة أشهر ". وما رواه في الفقيه والتهذيب (3) عن إسحاق بن عمار في الموثق " قال: قلت لابي إبراهيم (عليه السلام): الغائب الذي يطلق كم غيبته ؟ قال: خمسة أشهر أو ستة أشهر، قلت: حد دون ذا ؟ قال: ثلاثة أشهر ". وما رواه في الكافي (4) عن بكير في الحسن " قال أشهد على أبي جعفر (عليهما السلام) أني سمعته أنه يقول: الغائب يطلق بالاهلة والشهور ". وجمع الشيخ بين هذه الاخبار المختلفة في مدة التربص بحملها على اختلاف عادات النساء في الحيض، وعلم الزوج بحال زوجته في ذلك فقال: فمن يعلم من حال زوجته أنها تحيض في كل شهر يجوز له أن يطلقها بعد انقضاء الشهر، ومن يعلم أنها لا تحيض إلا في كل ثلاثة أشهر لم يجز له أن يطلقها إلا بعد انقضاء ثلاثة أشهر، وكذلك من تحيض في كل ستة أشهر، وحينئذ فالمراعى في جواز ذلك مضي حيضة وانتقالها إلى طهر لم يقربها فيه بجماع. واقتفاه


(1) الكافي ج 6 ص 81 ح 8، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 5. (2) التهذيب ج 8 ص 62 ح 122، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 7. (3) الفقيه ج 3 ص 325 ح 2، التهذيب ج 8 ص 62 ح 123، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 8 وما في المصادر اختلاف يسير. (4) الكافي ج 6 ص 79 ح 1، التهذيب ج 8 ص 63 ح 124، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 2.

[ 187 ]

في هذا أكثر المتأخرين. قال المحقق الشيخ علي - رحمة الله عليه -: وهو الذي يقتضيه النظر الصحيح والوقوف مع القوانين الاصولية، لان الاخبار الدالة على وجوب التربص مدة ليصح الطلاق لا يجوز إجراؤها على ظاهرها من الاختلاف والتنافي، ولا إطراح بعضها، فلم يبق إلا الجمع بينها بالحمل على أن المراد مراعاة زمان يعلم الزوج الغائب حصول الحيض بعد طهر الجماع، والانتقال عنه إلى الطهر، وأن الاختلاف ينزل على اختلاف عادة النساء في حصول الحيض باعتبار شهر أو ثلاثة أشهر أو خمسة أو ستة، فقد اشتركت أخبار التربص في أن الانتقال من طهر إلى طهر آخر شرط في صحة الطلاق من الغائب ولو ظنا مستفادا من عادة المرأة إن كانت معلومة، وإلا فمن غالب عادات النساء. ودلت رواية أبي بصير (1) على أنه لو طلقها وعلم يوم طلقها أنها كانت طامثا يجوز الطلاق. ولاريب أن ما اشتركت فيه هذه الاخبار مخصص لعموم الخبرين الدالين على جواز تطليق زوجة الغائب على كل حال، انتهى كلامه. أقول: لاريب أن تلك الاخبار المطلقة التي دلت على مذهب الشيخ المفيد ومن تبعه من اولئك الفضلاء دالة على جواز الطلاق على كل حال، والاخبار الدالة على التربص بالنظر إلى القاعدة الاصولية يجب أن تكون مخصصة لها، لكن الاشكال في هذه الاخبار الدالة على التربص من حيث اختلافها، فإن التخصيص بها يتوقف على جمعها على وجه يرفع الاختلاف بينها. والجمع بينها بما ذكروه من اختلاف عادات النساء بناء على الغائب بعيد جدا، فإنه وإن قرب في رواية الشهر إلا أنه بعيد في رواية الثلاثة الاشهر، وأبعد منه في رواية الخمسة والستة الاشهر، فإن الغالب في هذا المقدار ممنوعة أشد المنع، بل هو مخالف للغالب، على أن تلك الاخبار ليس فيها سؤال عن واقعة مخصوصة حتى تنزيلها على كون المرأة


(1) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6.

[ 188 ]

معتادة بتلك العادة، وإنما وقع السؤال في كل خبر منها عن مطلق النساء ومطلق الغائب، فكأنه بمنزلة القاعدة الكلية (1) والضابطة الجلية لا اختصاص له بفرد دون فرد. وبالجملة فإن تخصيص إطلاق تلك الاخبار بأخبار التربص مع اختلافها غير تام، فلابد من جمعها على وجه تلتئم به، وهذا الوجه الذي ذكروه قد عرفت ما فيه. نعم يتجه عند من يعمل بهذا الاصطلاح المحدث ترجيح روايات الثلاثة الاشهر لصحة بعضها، فيخصص بها هذا الاطلاق، ولهذا قال السيد - في شرح النافع حيث إنه من أرباب هذا الاصطلاح - ما لفظه: والذي يقتضيه الجمع بين الاخبار الصحيحة بعد طرح غيرها اعتبار الثلاثة الاشهر حملا لما اطلق فيه من الاخبار جواز طلاق الغائب على هذا المقيد، ويعضده أن الغالب من حال الغائب وزوجته أن يكون حالها مجهول عنده فتكون كالمسترابة التي يجب التربص بها ثلاثة أشهر ومع ذلك فما ذهب إليه شيخنا المفيد - قدس سره - ومن تبعه من عدم اعتبار التربص غير بعيد عن الصواب حملا لما تضمن ذلك على الافضلية، إذ من المستبعد جدا إطلاق صحة طلاق الغائب على كل حال في الاخبار الصحيحة الواردة في مقام البيان مع أنها مشروطة بأمر آخر غير مذكور، وفي موثقة إسحاق بن عمار إشعار بذلك أيضا، والمسألة محل تردد، ولاريب أن اعتبار الثلاثة أشهر كما تضمنته صحيحة جميل بن دراج أولى وأحوط، انتهى. أقول: ومرجع كلامه هنا في توجيه كلام الشيخ المفيد إلى وجه آخر في الجمع بين المطلق والمقيد، وهو العمل بالمطلق على إطلاقه، وحمل المقيد على


(1) وذلك فان اللام فيها لام التحلية، وهو للعموم في المقامات الخطابية، كقولهم " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " وهكذا في الاضافة أيضا، وحينئذ فيكون ذلك بمنزلة القاعدة الكلية كما ذكروه في حديث إذا بلغ الماء كرا. (منه - قدس سره -).

[ 189 ]

الاستحباب، المنع في كلامهم إنما هو من الحمل على القاعدة الاصولية من حمل المطلق على المقيد، وبعض الاخبار يشير إليه ويعضده، وما ذكره من الاستبعاد غير جيد، فإن نظيره في الاحكام غير عزيز بل شايع كثير، وما ذهب إليه الشيخ في الاستبصار ومن تبعه ممن تقدم ذكره جيد، إلا أن الكلام في تطبيق أخبار التربص عليه، فإن فيه ما عرفته من أن مبنى كلامه إلى أن اختلاف الاخبار مبني على اختلاف عادات النساء، فمن كانت عادتها في الشهر مرة لا يجوز طلاقها إلا بعد شهر، ومن كانت في كل ثلاثة أشهر فلا يجوز إلا بعد الثلاثة وهكذا وقد تقدم ما فيه. وبالجملة فالمسألة محل إشكال، ولا يحضرني الآن مذهب العامة في المسألة فلعل أخبار التربص إنما خرجت مخرج التقية، أو اختلافها إنما كان من حيث ذلك. بقى في المقام مسائل الاولى: إذا قلنا بوجوب التربص مدة فطلق الغائب زوجته، فلا يخلو إما أن يطلق بعد مضي المدة المعتبرة أو قبلها، وعلى كل من التقديرين المذكورين إما أن يوافق فعله كونها جامعة لشرائطه في الواقع، بأن تكون قد حاضت بعد طهر المواقعة فوقع الطلاق حال الطهر، أو لا يوافق، بأن تبين وقوعه في طهر المواقعة أو حالة الحيض أو يستمر الاشتباه، وحينئذ فهنا صور: الاولى: أن يطلقها بعد المدة المعتبرة ثم تظهر الموافقة بأن كانت قد انتقلت من طهر المواقعة إلى طهر آخر، وأن الطلاق وقع حال الطهر، ولا إشكال هنا في صحة الطلاق إجماعا لاجتماع شرائطه المعتبرة في صحته ظاهرا وفي نفس الامر. الثانية: الصورة بحالها، ولكن ظهر بعد ذلك كونها حائضا حال الطلاق، ولا إشكال هنا أيضا في صحة الطلاق لان المعتبر في صحة طلاق الغائب مراعاة المدة

[ 190 ]

المعتبرة، وهو حاصل هنا، وظهور الحيض هنا غير مانع لعدم العلم به حال الطلاق، وظهوره بعد ذلك مستثنى بالنص والفتوى كما تقدمت به الاخبار ومنها رواية أبى بصير (1) المصرحة بكونه قد طلق امرأته وهو غائب ثم علم بعد ذلك أنها يوم طلقها كانت طامثا فأجاز (عليه السلام) الطلاق. وبالجملة فإن الصحة في هذه الصورة مجمع عليها نصا وفتوى. الثالثة: الصورة الاولى بحالها، لكن ظهر بعد ذلك كونها باقية في طهر المواقعة لم تنتقل منه إلى حيض ولا طهر آخر. قال في المسالك: وهو صحيح أيضا لعين ما ذكر في سابق هذه الصورة، وهو وقوعه على الوجه المعتبر شرعا ولان الطلاق إذا حكم بصحته في حالة الحيض بالنص والاجماع فلان يحكم بصحته في حال الطهر أولى، لما قد عرفت من أن شرط الطلاق في غير الغائب أمران: وقوعه في طهر، وكون الطهر غير طهر المواقعة، فإذا اتفق وقوعه في حالة الحيض تخلف الشرطان لعدم طهر آخر غير طهر المواقعة وعدم الخلو من الحيض، وإذا اتفق وقوعه في حالة الطهر فالمتخلف شرط واحد، وهو كون الطهر غير طهر المواقعة، فإذا كان تخلف الشرطين في الغائب غير مانع فتخلف أحدهما أولى بعدم المنع، انتهى. وعورض بأن شرط الطلاق من غير الغائب أمران: الانتقال من طهر المواقعة، ووقوع الطلاق في الطهر، فإذا اتفق وقوعه في حال الحيض تخلف الثاني، وإذا اتفق في طهر المواقعة تخلف الاول: فلا تتم الاولوية المذكورة. واستظهر المحقق الشيخ علي - رحمه الله - عدم الوقوع لانتفاء شرط الصحة، وهو استبراء الرحم خرج منه حال الحيض، فيبقى الباقي، ونمنع من وجود الشرط فإن الاذن في الطلاق استنادا إلى الظن لا يقتضي الحكم بالصحة إذا ظهر بطلان الظن.


(1) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6.

[ 191 ]

وأجيب عنه بأن الشرط المعتبر في طلاق الغائب ليس إلا مراعاة المدة المعتبرة وهو حاصل كما هو المفروض، وصحة الطلاق لو ظهر وقوعه حال الحيض المستفادة من رواية أبي بصير وغيرها، وعمل الاصحاب مبنية عليه، وحينئذ فلا يقدح ظهور بطلان الظن ولا يؤثر فيما حكم بصحته كما ظنه - رحمه الله -. وبالجملة فإن الشرط المعتبر حاصل كما هو التقدير، والمانع وهو ظهور الخطأ لا يصلح للمانعية، كيف وقد تخلف فيما هو أولى بالحكم أو مساو في المنع. والفصل بين الحالين - مع تخلف الشرط فيهما، والقول بصحة أحدهما دون الآخر تعلقا بفقد الشرط لظهور بطلان الظن - تحكم محض. وأما حديث كون الحكمة - في انتظار المدة المقررة - هو استبراء الرحم، فحديث شعري، والعلة المذكورة مستنبطة محضة لا منصوصة، فلا يلزم اطرادها. وإنما المنصوص فيما وصل إلينا من الاخبار اعتبار انقضاء المدة واستنبط منها الاكتفاء بظن الانتقال من طهر إلى آخر، وكلاهما متحقق. أقول: لاريب أنه بالنظر إلى ظاهر أخبار المسألة مطلقها ومقيدها ينظر قوة القول الاول، لان المطلق منها قد دل على أن الغائب يطلق زوجته على كل حال، وهذه الحال المفروضة التي هي محل البحث داخلة في العموم بلا ريب، والمقيد بالتربص دل على أنه يتربص بها المدة المعتبرة وبعدها يجوز له طلاقها، ولا استفصال فيها بين ظهور كونها وقت الطلاق حائضا أو في طهر المواقعة أو غير ذلك، وعدم الاستفصال دليل العموم في المقال. الرابعة: أن يطلقها مراعيا للمدة المعتبرة، ويستمر الاشتباه فلا يعلم كونها حال الطلاق ذات حيض أم لا، في طهر المواقعة أم لا، والطلاق هنا صحيح قولا واحدا كما ذكره في المسالك، ووجهه وجود المقتضي، وهو مضي المدة المعتبرة، لان شرط صحة طلاق الغائب مراعاة مضي المدة المعتبرة مع عدم العلم بكونها وقت الطلاق حائضا أو باقية في طهر المواقعة، وهو حاصل كما هو المفروض، وعدم

[ 192 ]

المانع، إذ ليس إلا الاشتباه، وهو غير صالح للمانعية، فإنه مع الظهور كما تقدم لا يبطل الطلاق، فبطريق الاولى مع الاشتباه. الخامسة: أن يطلقها قبل مضي المدة المعتبرة إلا أنه ظهر بعد الطلاق وقوعه في طهر لم يقربها فيه، قالوا: وفي صحة الطلاق وجهان: من حصول شرط الصحة في نفس الامر وظهور ذلك، ومن عدم وجود الشرط المعتبر في صحة الطلاق حال إيقاعه. ورجح الاول في المسالك بأنه يمكن أن يجعل ظهور اجتماع الشرائط بعد ذلك كاشفا عن صحته، خصوصا مع جهله ببطلان الطلاق من دون مراعاة الشرط، لقصده حينئذ إلى طلاق صحيح، ثم ظهر اجتماع شرائطه، ثم قال: فالاظهر الصحة. واعترضه سبطه في شرح النافع بأنه مشكل لاطلاق النص الدال على اعتبار المدة في الغائب ولم تحصل هنا، وهو جيد. السادسة: الصورة بحالها إلا أنه تبين عدم الانتقال من طهر المواقعة أو كونها حائضا أو استمر الاشتباه، والظاهر أنه لاإشكال في بطلان الطلاق لعدم حصول الشرط، وهو مضي المدة المعتبرة، وأكده ظهور كون الطلاق في طهر المواقعة أو حال الحيض أو استمرار الاشتباه، فالاشكال في الاول باحتمال الصحة إنما نشأ من انكشاف الحال بما يقتضي الصحة، والامر هنا بالعكس. المسألة الثانية: لو تربص بها المدة المعتبرة وأخبره من يعتد بقوله شرعا إنها حائض بسبب تغير عادتها، وكذا لو أخبره ببقائها في طهر المواقعة، أو بكونها حائضا حيضا آخر بعد الطهر، فطلقها والحالة هذه، فهل يصح أم لا ؟ إشكال، وجزم المحقق الشيخ علي وشيخنا الشهيد الثاني بالعدم. احتج المحقق المذكور بأن ظاهر الاخبار يقتضي العلم بطهرها وقت الطلاق أو ظنه، ولعموم الدلائل الدالة على المنع من طلاق الحائض، خرج مادل عليه

[ 193 ]

أخبار الخمس (1) اللاتي يطلقن على كل حال، ومنها زوجة الغائب بعد التربص إذا ظهر كونها حائضا عند الطلاق. لرواية أبي بصير (2) فيبقي الباقي على أصله، انتهى. وقيل: بأن فيه وجها آخر بالصحة لحصول الشرط، وهو انقضاء المدة المعتبرة، ولا يخلو من قوة، لما عرفت من أن المستفاد من النصوص إنما هو التربص المقدار المذكورة وظن الانتقال من طهر إلى آخر إنما استفيد استنباطا كما اعترف به في المسالك، وما ذكره المحقق المزبور من أن ظاهر الاخبار يقتضي العلم بطهرها وقت الطلاق، أو ظنه إنما يسلم له بالنسبة إلى أخبار الحاضر، وهو غير محل البحث، وإلا فأخبار طلاق الغائب لا إشعار فيها بما ذكره إن لم يكن فيما إشعار بخلافه ومع تسليم عموم الدلائل الدالة على المنع من طلاق الحائض يجب تخصيصه بما دل على صحة طلاق الغائب إما مطلقا أو بعد مدة التربص مطلقا وإن ظهر كونها حائضا. والتحقيق أن هنا عمومين قد تعارضا (أحدهما) عموم المنع من طلاق الحائض الشامل لطلاق الغائب وغيره (وثانيهما) عموم جواز طلاق الغائب على كل حال مطلقا أو بعد المدة المعتبرة الشامل حالي ظن الحيض وعدمه، وتخصيص أحدهما بالآخر يحتاج إلى مخصص من خارج، ومنه يظهر بقاء المسألة في قالب الاشكال وإن كان مقتضي الاحتياط سيما في الفروج تخصيص العموم الثاني بالاول المسألة الثالثة: ظاهر الاصحاب أنه لو خرج في طهر لم يقربها فيه فإنه يصح طلاقها من غير تربص وإن اتفق في الحيض، وبه صرح الشيخ في النهاية فيما قدمنا من عبارته، ونحوها عبارة ابن البراج. وقال في المسالك: لو كان خروج الزوج في طهر آخر غير طهر المواقعة


(1) الكافي ج 6 ص 79 ح 1 و 2 و 3، الفقيه ج 3 ص 334 ح 1، الوسائل ج 15 ص 305 و 306 ب 25 ح 1 و 3. (2) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6.

[ 194 ]

يصح طلاقها من غير تربص ما لم يعلم كونها حائضا، ولا يشترط هنا العلم أو الظن بعدم الحيض لان شرط الصحة هنا موجود، وهو استبراؤها بالانتقال من طهر إلى آخر، وإنما الحيض بعد ذلك مانع من صحة الطلاق، ولا يشترط في الحكم بصحة الفعل العلم بانتفاء موانعه، بل يكفي عدم العلم بوجودها. وظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع التوقف والاستشكال في هذا المقام، حيث إنه بعد نسبة أصل الحكم المذكور إلى الشيخ في النهاية وجماعة قال: وهو مشكل، لاطلاق ما تضمن اعتبار مضي المدة في الغائب، فإنه يتناول بإطلاقه من خرج في طهر المواقعة وغيره، ولان ما تضمن بطلان طلاق الحائض متناول لهذه الصور كما يتناول غيرها، فيتوقف الحكم بالصحة في هذه الصورة على وجود دليل عليه. نعم لو قيل: بأن من هذا شأنه يصح طلاقه من غير تربص إذا اتفق وقوع الطلاق في الطهر كان متجها، لان الحاضر يقع طلاقه على هذا الوجه، فالغائب أولى، لانه أخف حكما منه، انتهى وهو جيد. ويزيده إيضاحا وبيانا أنه لا ريب في صحة هذا القول بناء على مذهب الشيخ المفيد ومن تبعه من اولئك الافاضل من صحة الطلاق مع عدم التربص، إنما الاشكال بناء على وجوب التربص، فإن فيه: (أولا) أن ظاهر أخبار التربص هو وجوب ذلك أعم من هذه الصورة المفروضة عليه السلام وغيرها، وتخصيصها يحتاج إلى دليل. (وثانيا) أنه كما أن من شروط صحة الطلاق العلم بانتقال المرأة من طهر المواقعة إلى طهر آخر كذلك من شروطه العلم بكونها غير حائض وقت الطلاق كما قدمنا بيانه - ودلالة الاخبار عليه - في الشرط الخامس. وغاية ما يفهم من الاخبار بالنسبة إلى الفرق بين الحاضر والغائب هو أن الغائب يصح طلاقه بعد التربص للمدة المعتبرة، وإن اتفق كون الطلاق في طهر المواقعة أو اتفق كونها حائضا وقت الطلاق. وأما الحاضر فلابد من تقدم العلم

[ 195 ]

بعدم الامرين المذكورين، وحينئذ فالحكم بصحة الطلاق مع الغيبة وعدم التربص بل بمجرد العلم بكونها في غير طهر المواقعة، وإن كان حائضا يحتاج إلى دليل لكونه على خلاف ما يظهر من أدلة وجوب التربص، فيبقى على الاصل من اشتراط العلم بعدم الحيض الذي قامت الادلة على أنه شرط في صحة الطلاق. قوله - رحمه الله -: ولا يشترط هنا العلم أو الظن بعدم الحيض لان شرط الصحة هنا موجود، وهو استبراؤها بالانتقال من طهر إلى آخر مردود بأنه كما أن من الشروط الانتقال من طهر إلى آخر كذلك منها العلم بكونها طاهرا وقت الطلاق كما عرفت، وغاية مادل عليه الدليل سقوط هذين الشرطين في الغائب مع التربص لا مع عدمه، وبالجملة فالاظهر عندي ما ذكره السيد السند المذكور - رحمه الله -. المسألة الرابعة: ولو كان حاضرا لكن لا يمكنه الوصول إلى الزوجة واستعلام حالها لحبس ونحوه، فهو بمنزلة الغائب فيما عرفت من حكمه والاقوال فيه، كما أنه لو كان غائبا ولكن يمكنه استعلام أحوالها لورود الاخبار عليه ممن يعتقد صدقه، ويركن في صحة الاخبار إليه، فإنه يكون في حكم الحاضر. والذي يدل على الحكم الاول من الاخبار ما رواه في الكافي والفقيه (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة سرا من أهلها وهي في منزل أهلها، وقد أراد أن يطلقها وليس يصل إليها ليعلم طمثها إذا طمثت ولا يعلم بطهرها إذا طهرت، قال: فقال: هذا مثل الغائب عن أهله، يطلقها بالاهلة والشهور، قلت: أرأيت إن كان يصل إليها الاخبار الاحيان والاحيان لا يصل إليها فيعلم حالها، كيف يطلقها ؟ فقال، إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيه فيطلقها إذا نظر إلى غرة الشهر الآخر بشهود، ويكتب الشهر الذي يطلقها فيه ويشهد على طلاقها رجلين، فإذا مضى ثلاثة أشهر


(1) الكافي ج 6 ص 86 ح 1، الفقيه ج 3 ص 333 ح 1، الوسائل ج 15 ص 310 ب 28 ح 1.

[ 196 ]

فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب، وعليه نفقتها في تلك الثلاثة الاشهر التي تقعد فيها ". وأنت خبير بأن قوله (عليه السلام) أولا " يطلقها بالاهلة والشهور " أي بالاهلة مع معلوميتها، أو العدد مع عدم المعلومية المؤذن بتعدد الشهور لا يخلو من مدافعة لقوله ثانيا " إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيطلقها " المؤذن بكون مدة التربص شهرا خاصة، إلا أن يحمل على أن أقل ذلك شهر وأكثره ثلاثة أشهر، فتحمل الثلاثة على الاستحباب. والظاهر أنه إلى ذلك يشير كلام الشيخ في النهاية حيث قال: ومتى كان للرجل زوجة معه في البيت غير أنه لا يصل إليها فهو بمنزلة الغائب عن زوجته، فإذا أراد طلاقها فليصبر إلى يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ثم يطلقها إن شاء. والقول بهذا الحكم والاستدلال عليه بالخبر المذكور مما جرى عليه من تأخر عن الشيخ، إلا ابن إدريس فإنه اعترضه في ذلك، فقال: الذي يقتضي اصول مذهبنا وإجماعنا منعقد عليه أنه لا يجوز للحاضر أن يطلق زوجته المدخول بها وهي حائض بغير خلاف، وحمل الحاضرة في البلد على تلك قياس، وهو باطل عندنا، والاصل الزوجية، فمن أوقع الطلاق يحتاج إلى دليل قاهر، وما ذكره شيخنا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثاله مما لا يعول عليه ولا يعرج عليه، ولولا إجماعنا على طلاق الغائب وإن كانت زوجته حائضا لما صح، فلا نتعداه ولا نتخطاه، انتهى. ورده العلامة في المختلف فقال: والمعتمد قول الشيخ، لنا أن المقتضي معلوم الثبوت والمعارض لا يظن ثبوته، بل يظن عدمه فيثبت الحكم، أما وجود المقتضي فلان لفظ الطلاق موضوع شرعا للبينونة وسبب تام فيها وقد وجد، وأما انتفاء المعارض فلانه ليس إلا الحيض وهو غير معلوم الثبوت بل مظنون العدم،

[ 197 ]

إذ التقدير ذلك، وأما ثبوت الحكم عند ذلك فهو ظاهر لان المقتضي لجواز تطليق الغائب - وهو خفاء حالها عنه مع غلبة ظنه بالانتقال من طهر المواقعة إلى غيره - موجود هنا وبثبوت العلم يلزم ثبوت الحكم ولا يرجع ذلك إلى القياس بل إلى وجود ما جعله الشارع علة، وما رواه الشيخ في الصحيح - ثم ساق الخبر كما قدمناه ثم قال: - وهذا نص في الباب، وإذا وافق المعلوم المعقول الحديث الصحيح المنقول واشتهر بين الجماعة العمل به كان معينا، انتهى وهو جيد. أقول: ونظير الخبر المذكور ما رواه في الكافي (1) عن الحسن بن علي بن كيسان " قال: كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامة وأراد أن يطلقها وقد كتمت حيضها وطهرها مخافة الطلاق، فكتب (عليه السلام): يعتزلها ثلاثة أشهر ويطلقها ". وهذا الخبر مع كون مورده مورد الاول تضمن التربص بثلاثة أشهر، والظاهر حمله على ما قدمناه من استحباب الثلاثة، وأنها أكثر مدة التربص، وأما الحمل على أن عادتها في كل ثلاثة أشهر فبعيد جدا. الركن الثالث: الصيغة: ينبغي أن يعلم هنا وإن تقدمت الاشارة إليه أن النكاح لما كان عصمة مستفادة من الشرع وقف زواله على رافع شرعي، وبسبب من جانب الشارع يوجب رفع ذلك، وقد اتفق النص والفتوي على الصحة بلفظ الطلاق بإضافته إلى لفظ يدل على التعيين، كقوله أنت أو فلانة أو هذه أو نحو ذلك، وما عدا ذلك فيجب نفيه إلى أن يثبت دليل على صحة الوقوع به. والذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل


(1) الكافي ج 6 ص 97 ح 1، الوسائل ج 15 ص 311 ب 28 ح 2. (2) الفقيه ج 3 ص 356 ح 1، الوسائل ج 15 ص 292 ب 15 ح 1.

[ 198 ]

قال لامرأته: أنت مني خلية أو برية أو بتة أو بائن أو حرام، فقال: ليس بشئ ". والعجب من صاحبي الوافي والوسائل أنهما لم ينقلا هذه الرواية في جملة روايات المسألة المذكورة، وهذا المكان هو محلها اللائق بها. وروى في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم " أنه سأل أبا جعفر (عليهما السلام) عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية، قال: هذا كله ليس بشئ، إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدة بعد ما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها: أنت طالق أو اعتدي، يريد بذلك الطلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين ". ونقل العلامة في المختلف عن البزنطي " قال: روى أحمد بن محمد بن أبي نصر في كتاب الجامع عن محمد بن سماعة عن محمد بن مسلم (2) عن الباقر (عليه السلام) " في رجل قال لامرأته: أنت حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية، فقال: هذا ليس بشئ إنما الطلاق أن يقول لها من قبل عدتها قبل أن يجامعها: أنت طالق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين " وهذه الرواية خالية من الزيادة التي في سابقتها وهي قوله: اعتدي يريد بذلك الطلاق. وما رواه في الكافي (3) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الطلاق أن يقول لها: اعتدي أو يقول: أنت طالق ". وعن محمد بن قيس (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: الطلاق


(1) الكافي ج 6 ص 69 ح 1، التهذيب ج 8 ص 108 ح 27، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 3. (2) المختلف ص 585، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 3. (3) الكافي ج 6 ص 69 ح 2، التهذيب ج 8 ص 37 ح 28، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 4. (4) الكافي ج 6 ص 70 ح 3، الوسائل ج 15 ص 296 ب 16 ح 5.

[ 199 ]

للعدة أن يطلق الرجل امرأته عند كل طهر، ويرسل إليها أن اعتدي فإن فلانا قد طلقك، قال: هو أملك برجعتها ما لم تنقض عدتها ". وعن عبد الله بن سنان (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: يرسل إليها فيقول الرسول: اعتدي فإن فلانا قد فارقك. قال ابن سماعة: وإنما معنى قول الرسول اعتدي فإن فلانا قد فارقك - يعني الطلاق - إنه لا يكون فرقة إلا بطلاق ". قال في الكافي بعد هذا الخبر: حميد بن زياد عن ابن سماعة عن علي بن الحسن الطاطري قال: الذي أجمع عليه في الطلاق أن يقول: أنت طالق أو اعتدي، وذكر أنه قال لمحمد بن أبي حمزة: كيف يشهد على قوله: اعتدي ؟ قال: يقول: اشهدوا اعتدي، قال ابن سماعة: غلط محمد بن أبي حمزة أن يقول: اشهدوا اعتدي، قال الحسن بن سماعه: ينبغي أن يجئ بالشهود إلى حجلتها أو يذهب بها إلى الشهود إلى منازلهم، وهذا المحال الذي لا يكون، ولم يوجب الله عزوجل هذا على العباد، فقال الحسن: ليس الطلاق إلا كما روي بكير بن أعين أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: أنت طالق، ويشهد شاهدين عدلين، وكل ما سوى ذلك فهو ملغي " انتهى، ومقتضاه عدم وقوع الطلاق حتى من هذه المادة إلا بهذا اللفظ بخصوصه فلا يصح بلفظ أنت طالق أو من المطلقات أو أنت مطلقة على خلاف في هذه اللفظة يأتي إن شاء الله ذكره، وهو جيد. إذا تقرر ذلك فاعلم أن تحقيق الكلام هنا يقع في مواضع: أحدها: المشهور بين الاصحاب انحصار صيغة الطلاق في لفظ الطلاق بالتقريب المذكور آنفا، وذهب ابن الجنيد إلى وقوعه أيضا بلفظ اعتدي قال: الطلاق لا يقع إلا بلفظ الطلاق أو قوله اعتدي، وأما ما عدا ذلك فلا يقع به، واحتجوا له بروايتي


(1) الكافي ج 6 ص 70 ح 4، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 2.

[ 200 ]

محمد بن مسلم والحلبي الصحيحتين أو الحسنتين، وحملهما الشيخ في كتابي الاخبار على أن لفظ اعتدي إنما يعتبر إذا تقدم قول الرجل أنت طالق ثم يقول اعتدي قال: لان قوله لها اعتدي ليس له معنى لان لها أن تقول: من أي شئ أعتد ؟ فلا بد أن يقول اعتدي لاني طلقتك، فالاعتبار إذا بلفظ الطلاق لا بهذا القول إلا أنه يكون هذا القول كالكاشف عن أنه لزمها حكم الطلاق الموجب لها ذلك. واعترضه الشهيد الثاني في المسالك وسبطه في شرح النافع حيث إنهما ممن يدور مدار صحة الاسانيد بناء على هذا الاصطلاح المحدث، فمالا إلى قول ابن الجنيد لهذين الخبرين من حيث اعتبار سنديهما، فأجابا عن كلام الشيخ بما ملخصه: أنه لا يخفى ما فيه من البعد وشدة المخالفة للظاهر، لانه (عليه السلام) جعل قوله اعتدي معطوفا على قوله أنت طالق ب‍ " أو " المفيدة للتخير في إحدى الروايتين ومعطوفا عليه في الرواية الاخرى، فكيف ينحصر وقوعه بأحد اللفظين الذي خير بينه وبين اللفظ الآخر وقوله - رحمه الله - " أنه لا معنى لقوله اعتدي " غير جيد لانه إذا نوى به الطلاق وحكم الشارع بحصول البينونة به يصير في معنى أنت طالق، فإذا قالت من أي شئ أعتد ؟ يقول: من هذا الطلاق الواقع بهذا اللفظ، غاية الامر أنها لم تفهم ذلك من قوله اعتدي، فسألت عنه، وذلك لا يوجب أن لا يكون له معنى، ولا يمكن الجواب عن هاتين الروايتين بالحمل على التقية لان في إحدى الخبرين ما ينافي ذلك، وهو أنه لا يقع الطلاق بقوله أنت حرام أو بائنة أو برية أو خلية، فإن الطلاق عند المخالفين يقع بجميع ذلك مع النية، انتهى. أقول: لاريب أن ظاهر الروايتين المذكورتين هو الدلالة على مذهب ابن الجنيد، ومقتضى العمل بهذا الاصطلاح المحدث القول بما دل عليه هذان الخبران لانهما أصح أخبار المسألة، ولكن الاصحاب قديما وحديثا قد اعترضوا عنهما، ولم يقل بهما من المتقدمين إلا ابن الجنيد الذي قد علم من تتبع أحواله وأقواله الميل إلى مذهب المخالفين والعمل بأخبارهم والاستناد إليها والاستدلال بها،

[ 201 ]

بل بالقياس الذي منعته الشريعة، ولم يقل به من المتأخرين إلا هذان الفاضلان كما عرفت، ووإلا فغيرهما من المحقق والعلامة وغيرهما كلهم على القول المشهور. وكيف كان فإن التحقيق في المقام بناء على ما هو المختار عندنا من العمل جميع الاخبار، هو رد هذه الاخبار المتقدمة بعضها إلى بعض، وحمل مطلقها على مقيدها، ومجملها على مفصلها، وارتكاب التأويل في الروايتين المذكورتين بقرينة ما دلت عليه الروايات الاخر، وأن قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن قيس أو حسنته " يرسل إليها اعتدي، فإن فلانا قد طلقك " ظاهر في أن هذه الرسالة إخبار عن طلاق سابق، وأمر لها بالاعتداد منه، لا أن " اعتدي " هي صيغة الطلاق وهو بحمدالله سبحانه ظاهر لاسترة عليه، وحاصل معنى الخبر أن يطلق الرجل امرأته عند كل طهر ثم يرسل إليها.. إلخ. ونحوه رواية عبد الله بن سنان، وقوله (عليه السلام) " يرسل إليها فيقول الرسول اعتدي فإن فلانا قد فارقك " والرواية الاولى منهما صحتها أو حسنتها - إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي في سند ذينك الخبرين، واعتبارهما إنما هو به، فيجب عليهم قبولها لذلك. وتعضدها رواية البزنطي، ودلالتها على الحصر في قوله " أنت طالق " وهي صريحة في المدعى. وحينئذ فيجب حمل إطلاق خبري الحلبي ومحمد بن مسلم فيما دلا عليه من أن " اعتدي " صيغة الطلاق على هذين الخبرين من تقدم الطلاق، وأن قوله " اعتدي " إنما هو إخبار عن تقدم طلاق، وأمر لها بالاعتداد منه حسبما ذكره الشيخ - رحمة الله عليه - وظاهر كلام الكليني المتقدم نقله وقوع الخلاف بين أصحاب الائمة (عليهم السلام) يومئذ، فمذهب محمد بن أبي حمزة القول بأن " اعتدي " من صيغ الطلاق، ومذهب الحسن بن سماعة الذي رواه عن بكير بن أعين هو أن الصيغة إنما هي " أنت طالق "، وفي المسالك ذكر أنه عبد الله بن بكير بن أعين وطعن فيه، والذي في الكافي إنما هو بكير الممدوح المعدود حديثه في الحسن، وما ذكره من

[ 202 ]

بعد الحمل على التقية إنما يتم له في رواية محمد بن مسلم، لاشتمالها على تلك الالفاظ دون رواية الحلبي، فيمكن حملها على التقية ولا مانع منه، ولا ينافيه عدم إمكان ذلك في تلك الرواية لجواز حملها على التقية بالمعنى الآخر الذي تقدمت الاشارة إليه غير مرة، وقد تقدم في المقدمة الاولى (1) من المقدمات التي في أول كتاب الطهارة. وبالجملة فالظاهر عندي هو القول المشهور وارتكاب التأويل في هذين الخبرين جمعا بينهما وبين الاخبار كما عرفته. تنبيه ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك توسعة الدائرة في المقام بالحكم بالصحة في جملة من الكنايات الظاهرة في إرادة معنى الطلاق تفريعا على الحكم بالصحة بلفظ اعتدي كما اختاره، وأن ذلك لازم لمن قال بهذا القول. قال - رحمه الله -: نعم يمكن أن يقال: إن حكمه بوقوع الطلاق بقوله اعتدي مع النية وهو كناية قطعا يدل على وقوعه بغيره من الكنايات التي هي أوضح معنى من قوله اعتدي مثل قوله أنت مطلقة أو طلقتك أو من المطلقات أو مسرحة أو سرحتك أو مفارقة أو فارقتك أو من المسرحات أو من المفارقات إلى غير ذلك من الكنايات التي هي أوضح دلالة على الطلاق من قوله اعتدي، بل قيل: إن السراح والفراق وما اشتق منهما ومن الطلاق صريح لا كناية لورودها في القرآن مرادا بها الطلاق كقوله تعالى " واسرحكن سراحا جميلا " (2) " وسرحوهن سراحا جميلا " " (3) " أو تسريح بإحسان " (4) " أو فارقوهن بمعروف " (5) " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " (6) " فوقوع الطلاق


(1) ج 1 ص 5 - 12. (2) سورة الاحزاب آية 28. (3) سورة الاحزاب - آية 49. (4) سورة البقرة - آية 229. (5) سورة الطلاق - آية 2. (6) سورة النساء - آية 130.

[ 203 ]

بقوله اعتدي يدل بفهموم الموافقة على وقوعه بجميع هذه الالفاظ وما في معناها، وتبقى الكنايات التى لا تدخل في مفهوم الموافقة - بل إما مساوية لقوله اعتدي أو أخفى - مردودة لعدم الدليل. ومنها قوله في الخبر خلية وبرية وبتة وبتلة ونحوها، وحينئذ نكون أعملنا جميع الاخبار المعتبرة مؤيدا بعموم الايات والاخبار الدالة على الطلاق من غير تقييد، ولا يضرنا مفهوم الحصر في قوله " إنما الطلاق أن يقول: أنت طالق " لوجهين: (أحدهما) أن الحصر في الصيغتين بطريق المطابقة، وفي غيرهما بطريق الالتزام فلا منافاة. (والثاني) إمكان حمله على مجرد التأكيد بقرينة قوله في رواية الحلبي " الطلاق أن يقول لها " من غير أداة الحصر، ولا يرد على هذا حصر المبتدأ في خبره، لان ذلك غير مطرد كما حقق في محله، وقد وقع استعمال " إنما " في الكلام الفصيح مجردا عن الحصر، وتقدم مثله في الاخبار، ولو قيل بهذا القول لكان في غاية القوة، وتوهم أنه خلاف الاجماع قد تكلمنا عليه غير مرة، انتهى. أقول: لاريب أن ما ذكره من لزوم صحة الطلاق بهذه الكنايات المذكورة لمن قال بصحته بلفظ اعتدي جيد، وأما أن ذلك صحيح كما ادعى قوته فهو ممنوع، وما تكلفه في منع الحصر في الاخبار المذكورة بعيد جدا، فإن المتأمل في سياقها لا يخفى عليه فهم الحصر منها، إذ لا يخفى أن قوله (عليه السلام) - بعد عد تلك الالفاظ المدعى وقوع الطلاق بها ليس بشئ - الطلاق أن يقول لها كذا وكذا في حال الطهر قبل المجامعة بشهادة عدلين أظهر ظاهر في إرادة الحصر، ويؤيده ذكر شروط صحة الطلاق الآخر من الشهادة على الطلاق، والانتقال من طهر المواقعة، وكونها طاهرا، فإن ذلك كله أدل دليل على أن المراد الحصر في هذا اللفظ مع اجتماع هذه الشروط، وتكلف خلاف ذلك بعيد عن سياق الاخبار

[ 204 ]

المذكورة كما لا يخفى على المتأمل المنصف. وأما ورود لفظ السراح والفراق في القرآن بمعنى الطلاق فالظاهر في الجواب عن ذلك أن يقال: لا يخفى أن جل الآيات القرآنية وجملة الاخبار الورادة في السنة المطهرة إنما اشتملت على التعبير عن هذه الفرقة المخصوصة بلفظ الطلاق، وظاهرها أن هذا هو اللفظ الحقيقي الموضوع لهذا المعنى، وأن ما عداه من لفظ السراح والفراق ونحوهما إنما اطلقا مجازا أو كناية عنه في مقام المحاورة، فلا يلزم من صحة صيغته بالطلاق صحة صيغته بهما، لان الصيغة أمر آخر متوقف على التوفيق والسماع من الشارع كما عرفت، ومقتضى ذلك الاكتفاء في صيغة الطلاق، بكل لفظ من هذه المادة، إلا أنك قد عرفت أنه حيث كان النكاح عصمة شرعية، فيجب استصحابها إلى أن يثبت المزيل لها شرعا، والذي علم من الاخبار المتقدمة بالتقريب المتقدم إنما هو لفظ مخصوص من هذه المادة، لاكل لفظ منها، فيجب الوقوف على ما علم كونه مزيلا، وتخصيص ما ذكرنا من العموم بذلك. وثانيها: أنه لا يخفى أن مادلت عليه الاخبار المتقدمة من عدم الاكتفاء بتلك الالفاظ في صحة الطلاق من قوله " خلية أو برية " ونحوهما مما لا خلاف بين أصحابنا فيه نوى بهما الطلاق أولم ينو، وإنما الخلاف هنا من العامة حيث حكموا بوقوع الطلاق بها مع نيته، والوجه في ذلك أن أصحابنا يشترطون في صحة الطلاق صراحة اللفظ الدال عليه، فلا يجوز بالمشترك الدال عليه وعلى غيره، والظاهر أن مرادهم باشتراط النية فيه مع كون القصد إلى الطلاق شرطا في صحته - وإن كان باللفظ الصريح كما تقدم ذكره - هو أن الكناية لا يحكم بوقوع الطلاق بها إلا من العلم بإرادة الطلاق بخلاف الصريح، فإن الحكم بوقوع الطلاق لا يتوقف على ذلك، وإن كان القصد إلى الطلاق معتبرا فيه أيضا. وتوضيح ذلك ما أفاده شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: وهذه

[ 205 ]

النية أمر آخر غير القصد الذي تقدم اعتباره في الصيغه الصريحة لان المراد بالنية هنا قصد إيقاع الطلاق، وهناك قصد لفظه لمعناه. وتحقيق الفرق أنه لما كان المعنى في اللفظ الصريح متحدا اكتفى بقصد اللفظ للمعنى بمعنى كون المتلفظ قاصدا قابلا للقصد، وإن لم يصرح بالقصد، ولهذا حكم عليه به بمجرد سماع اللفظ، وإنما احترزوا باشتراط القصد عن مثل الساهي والنائم إذا أوقعا لفظا صريحا فإنه لا يعتد به لعدم القصد إلى مدلوله، بخلاف الكناية فإن ألفاظها لما كانت مشتركة بين المقصود منها وهو الطلاق ونحوه لم تحمل عليه بمجرد قصده إلى المعنى لاشتراكه، بل لابد من القصد إلى بعض معانيه، وهو الطلاق مثلا، وهذا القصد على خلاف الاصل، لانه تخصيص المشترك بأحد معانيه، فلا بد من العلم به، وإلا لم يحكم عليه بالطلاق ولاغيره، بخلاف الصريح، فإن الاصل فيه إذا وقع من العاقل الخالي عن الموانع أن يكون قاصدا به مدلوله، فهذا هو الفارق بين القصدين، فتدبره، فإنه من مواضع الاشتباه على كثير. انتهى، وهو جيد رشيق، وقد تقدم ما يؤكده ويعضده. بقي هنا مواضع وقع الخلاف فيها (منها) ما لو قال: أنت مطلقة، فظاهر الشيخ في المبسوط أنه يقع بها الطلاق مع النية، قال في الكتاب المذكور: عندنا أن قوله أنت مطلقة إخبار عما مضى فقط، فإن نوى به الايقاع في الحال فالاقوى أن نقول إنه يقع. وقال في الخلاف: إذا قال لها: أنت مطلقة لم يكن ذلك صريحا منه في الطلاق وإن قصد بذلك أنها مطلقة الآن، وهذا القول هو المشهور بين الاصحاب. ويرد على ما ذهب إليه في المبسوط أنه يلزمه القول بذلك في غير هذه الصيغة، لان كلامه ظاهر في كونه هنا كناية إذ الصريح كما عرفت لا يفتقر إلى النية، وحينئذ فيلزمه القول بذلك في سائر الكنايات من ألفاظ هذه المادة،

[ 206 ]

إذ لا يعرف هنا وجه خصوصية لهذه الصيغة دون غيرها، مثل قوله أنت من المطلقات أو أنت طلاق، بل هي أبلغ من قوله أنت طالق، كما صرحوا به، لانهم متى أرادوا المبالغة في فاعل عدلوا به إلى لفظ المصدر، فيقولون في عادل عدلا، مبالغة لانه أبلغ منه. والمحقق في الشرائع رد هذا القول بأنه بعيد عن شبه الانشاء، لانه إخبار عن وقوع الطلاق فيما مضى، والاخبار غير الانشاء. واعترضه في المسالك بأن المصنف على ما تكرر منه مرارا وكذا غيره يجعلون لفظ الماضي أنسب بالانشاء، بل قد جعله في النكاح صريحا في الانشاء، فما الذي عدا فيما بدا ؟ وقولهم إن نقل الاخبار إلى الانشاء على خلاف الاصل مسلم، لكن يطالبون بالفارق بين المقامين، والموجب لجعله منقولا في تلك المواضع دون هذا، فإن جعلوه النص فهو ممنوع، بل ورد في الطلاق ما هو أوسع كما ستراه. وإن جعلوه الاجماع فالخلاف في المقامين موجود في صيغ كثيرة. انتهى، وهو جيد متين بل جوهر ثمين. وحينئذ فالحق في رد القول المذكور إنما هو عدم النص الدال على وقوع الطلاق بهذه الصيغة، وقد عرفت أصالة استصحاب الحكم بالنكاح حتى يثبت الرافع شرعا، والذي استفيد من الاخبار المتقدمة إنما هو صيغة طالق بإضافة ما يعين المطلقة، ويبقى الباقي على أصالة المنع، وهذا هو الحق في الجواب، مضافا إلى ما أشرنا إليه من أن اللازم من القول بهذه الصيغة القول بغيرها من صيغ الكنايات من هذه المادة، وهو لا يلتزمه ولا يقول به. (ومنها) ما لو قال: طلقت فلانة، فقال الشيخ: إنه لا يقع به طلاقا، قال: لانه إخبار لاإنشاء. وفيه (أولا) أن أكثر صيغ العقود المقصود بها الانشاء إنما عبر فيما بلفظ الماضي الذي هو صريح في الاخبار، فنقلوه إلى الانشاء في تلك العقود، مثل بعت

[ 207 ]

وزوجت وصالحت ونحو ذلك، وما نحن فيه كذلك، على أنه لا خلاف في الصحة بلفظ فلانة طالق، وقد صرحوا بأن الماضي أقرب إلى الانشاء من اسم الفاعل. (وثانيا) أن الشيخ قد صرح - كما سيأتي إن شاء الله - بأنه لو قيل له: هل طلقت فلانة ؟ فقال: نعم، كان جوابه بنعم طلاقا لها، ليس الوجه فيه إلا أن قوله نعم مقتض لاعادة السؤال، فكأنه قال: طلقتها، فقول نعم في معنى طلقتها، وحينئذ فإذا وقع الطلاق باللفظ الراجع إلى شئ وقع بذلك الشئ البتة وهو " طلقتها " فيما نحن فيه، فحكمه بالصحة ثمة موجب للحكم بها في هذه الصورة، وهو ظاهر. (ومنها) ما لو قيل له: هل طلقت فلانة ؟ فقال: نعم، فإن المشهور بين الاصحاب وبه صرح الشيخ في النهاية أنه يقع طلاقا، وبه صرح ابن حمزة وابن البراج وغيرهما. وقال ابن إدريس: وإن قيل للرجل: هل طلقت فلانة ؟ فقال: نعم، كان ذلك إقرارا منه بطلاق شرعي. قال في المختلف: والتحقيق أن نقول: إن قصد بذلك الاقرار بطلاق سابق حكم عليه به ظاهرا ودين بنيته في نفس الامر، وإن قصد بذلك الانشاء فهل يصح ؟ ظاهر كلام النهاية نعم، وظاهر كلام ابن إدريس المنع. أقول: والشيخ قد استند فيما ذهب إليه إلى رواية السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن (علي عليهم السلام) " في الرجل يقال له: أطلقت امرأتك ؟ فيقول: نعم، قال: قد طلقها حينئذ ". فالتقريب فيها أن قوله نعم صريح في إعادة السؤال على سبيل الانشاء، لان نعم في الجواب تابع للفظ السؤال، فإذا كان صريحا كان الجواب صريحا فيما السؤال صريح فيه، ولهذا إذا قيل لزيد في ذمتك مائة ؟ فإن قال نعم كان إقرارا يوجب الحكم عليه بها. وفيه (أولا) أنه قد تقدم في سابق هذا الموضع اعتراف الشيخ بأنه لا يقع


(1) التهذيب ج 8 ص 38 ح 30، الوسائل ج 15 ص 296 ب 16 ح 6.

[ 208 ]

الطلاق بقوله طلقت فلانة فكذا فيما هو بمعناه وهو قول " نعم " بالتقريب المذكور، ولان صحته كذلك تقضي صحة سائر العقود به مثل أن يقول له: هل بعت فلانا ؟ فيقول: نعم، وهم لا يقولون به، وإنما خصوا الطلاق بذلك بالرواية. (وثانيا) أنه لا يلزم من تضمن نعم معنى السؤال أن يكون بمنزلة لفظه من كل وجه، وقائما مقامه من جميع الوجوه، ولذا قال في المسالك: إنا لو جوزنا وقوعه بلفظ طلقت فلانة لا يلزم منه جواز وقوعه بلفظ نعم، للفرق بين الملفوظ والمقدر في صيغ العقود والايقاعات. (وثالثا) عدم صراحة الرواية في كون نعم مقصودا بها الانشاء، فيحتمل الاخبار، وأنه سأل عن إيقاع طلاق سابق، فأجاب بنعم، وأتى بالسبب الموجب للحكم عليه بالطلاق، وهو اعترافه به. قال في المختلف بعد الطعن في الرواية بضعف السند، مع أن الشيخ قال في المبسوط: يلزم الطلاق، فإن كان صادقا لزمه باطنا وظاهرا، وإن كان كاذبا لزمه في الحكم، وهذا دليل على أنه جعله إقرارا بالطلاق لاإنشاء، وتحمل الرواية على أنه أتى بالسبب الموجب للحكم عليه بالطلاق. انتهى، وهو ظاهر فيما قلناه. ثم إن العلامة في المختلف احتج أيضا برواية البزنطي المتقدمة أيضا الدالة على حصر صيغ الطلاق في قوله: أنت طالق، قال في المسالك - بعد نقل ذلك عنه -: وهذه الرواية أوضح دلالة على تخصيص أنت طالق من بين الصيغ المتنازع في وقوعه بها، وهي سالمة من إضافة ما تقدم في رواية محمد بن مسلم أو يقول لها اعتدي، ولو صحت لكانت أجود في الدلالة على نفي تلك الاقوال، انتهي. أقول: لا يخفى أن الكتاب المذكور من الاصول المشهورة والكتب المأثورة، والرواية صحيحة باصطلاح أصحابنا المتقدمين الذي عليه العمل دون هذا الاصطلاح المحدث فيثبت بها المدعى، والعلامة مع كونه أصل هذا الاصطلاح المحدث قد اعتمد عليها، واستدل بها في المقام. وبالجملة فالاقرب في المسألة هو ما ذهب إليه ابن إدريس إلا إذا علمنا أنه

[ 209 ]

لم يقع منه غيره، وينبغي تقييد إطلاق كلام ابن إدريس بذلك، والعلامة قيده بقصد الاقرار كما تقدم في كلامه. قال في المسالك: ولا إشكال مع القصد، إنما الكلام مع الجهل بحاله، والوجه ما قلناه من الحكم بكونه إقرارا عليه السلام إلا مع العلم بانتفاء سابق، ويرجع في ذلك إلى القرائن المفيدة لكونه مريد الانشاء أو الاقرار. انتهى، وهو مؤيد لما قلناه وواضح فيما ادعيناه. ثم إنه بعد الوصول إلى هذا المكان اتفق وقوع النظر على جملة من الاخبار الظاهرة فيما ذهب إليه الشيخ زيادة على رواية السكوني التي طعنوا فيها بضعف السند. ومنها ما رواه الكافي (1) عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له: فرجل طلق امرأته من هؤلاء ولي بها حاجة، قال: فيلقاه بعد ما طلقها وانقضت عدتها عند صاحبها فتقول له: أطلقت فلانة ؟ فإذا قال نعم فقد صار تطليقة على طهر، فدعها من حين طلقها تلك التطليقة حتى تنقضي عدتها، ثم تزوجها، فقد صارت تطليقة بائنة ". وما رواه في الكافي والفقيه (2) في الحسن أو الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل طلق امرأته ثلاثا فأراد رجل أن يتزوجها، فكيف يصنع ؟ فقال: يدعها حتى تحيض وتطهر، ثم يأتيه ومعه رجلان شاهدان فيقول: أطلقت فلانة ؟ فإذا قال نعم تركها ثلاثة أشهر، ثم خطبها إلى نفسه ". وما رواه في التهذيب (3) عن إسحاق بن عمار في الموثق " في الرجل يريد


(1) الكافي ج 5 ص 423 ح 1، الوسائل ج 14 ص 383 ب 36 ح 2. (2) الكافي ج 5 ص 424 ح 3، الفقيه ج 3 ص 257 ح 4 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ح 2 مع اختلاف يسير وج 14 ص 382 ب 36 ح 1. (3) التهذيب ج 7 ص 470 ح 92، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ذيب ح 2.

[ 210 ]

أن يتزوج المرأة وقد طلقت ثلاثا فأراد رجل أن يتزوجها، كيف يصنع فيها ؟ قال: يدعها حتى تطهر، ثم يأتي زوجها ومعه رجلان يقول: قد طلقت فلانة ؟ " الحديث كما في سابقه. وعن حفص بن البختري (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل طلق امرأته ثلاثة، فأراد رجل أن يتزوجها، كيف يصنع ؟ قال: يأتيه فيقول: طلقت فلانة ؟ فإذا قال نعم تركها ثلاثة أشهر، ثم خطبها إلى نفسه ". أقول: قد اشتركت هذه الاخبار مع تعددها وقوة أسانيدها في الدلالة على وقوع الطلاق بلفظ نعم بعد السؤال عن أنه هل طلق أم لا، وأن ذلك يقع طلقة واحدة بقرينة الامر بإحضار الشاهدين بسماع ذلك، وإيجاب العدة بعد سماع ذلك من الزوج. ومن الظاهر البين الظهور أن لفظ نعم هنا إنما وقع جوابا للسؤال عن طلاق سابق، وأن الزوج المخبر بقوله نعم إنما قصد ذلك، لا أنه قصد الانشاء، لان المفروض في الاخبار أنه مخالف، وقد طلقها بمقتضى مذهبه، واللازم من ذلك صحة الطلاق الثاني من غير اعتبار قصد الانشاء، وفيه رد على الاصحاب فيما ادعوه من وجوب قصد الانشاء في صحة الطلاق، فإنه (عليه السلام) قد حكم بصحة الطلاق في هذه الاخبار مع معلومية قصد الاخبار كما عرفت، وهذا مما يؤكد ما قدمنا ذكره في غير موضع سيما في كتب المعاملات من أنه ينبغي أن يكون المدار على ما ترد به الاخبار وإن خالف ذلك مقتضى قواعدهم المقررة وضوابطهم المعتبرة. ولو ادعى إرادة الانشاء بعد التلفظ بهذا القول فمقتضى قواعد الاصحاب وبه صرح بعضهم قبول قوله، لانه منوط بنيته، ولا يمكن استعلام ذلك إلا منه كما تقدم مثله مرارا.


(1) التهذيب ج 8 ص 59 ح 113، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ح 1.

[ 211 ]

(ومنها) أن الشيخ في النهاية قال: وينوب مناب قوله أنت طالق بغير العربية بأي لسان كان فإنه تحصل به الفرقة، وأطلق. ونحوه كلام ابن حمزة وابن البراج وغيرهما، وقال ابن إدريس: وما ينوب مناب قوله أنت طالق بغير العربية بأي لسان كان فأنه تحصل به الفرقة إذا تعذر عليه لفظ العربية، فأما إذا كان قادرا على التلفظ بالطلاق بالعربية فطلق بلسان غيرها، فلا تقع الفرقة بذلك، لانه ليس عليه دليل، والاصل بقاء العقد. احتج الشيخ على ما نقل عنه، بأن المقصود في المحاورات بالذات إنما هو المعاني دون الالفاظ، لانها دلائل، ونسبة الالفاظ متساوية، وبما رواه وهب ابن وهب (1) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " قال: كل طلاق بكل لسان فهو طلاق ". وقال في المختلف بعد أن نقل احتجاج الشيخ المذكور ونقل عن ابن إدريس الاحتجاج بأن الاصل عصمة الفروج، والاستصحاب يدل على بقاء العقد، والفرقة أمر شرعي ولم يثبت، ونحن في هذه المسألة من المتوقفين. أقول: والعجب منه - قدس سره - من توقفه في هذه المسألة مع أن مقتضى اصطلاحه الحكم بضعف الرواية المذكورة، سيما وراويها أكذب البرية، وهو يرد الروايات الموثقات بل الحسنة في بعض الاوقات، اعتمادا على هذا الاصطلاح، فما باله يتوقف هنا، وأدلة ابن إدريس واضحة الظهور، وموافقة للقواعد الشرعية، لو لا ظاهر الرواية المذكورة، على أن الرواية غير صريحة في المدعى، وظاهرها إنما هو عدم إمكان العربية، لان الظاهر أن المراد منها إنما هو أن أهل كل لسان من عربي أو عجمي أو تركي أو نحوها فله أن يطلق بلسانه، ومن الغالب اختصاص أهل كل لسان بذلك اللسان لا يتجاوزونه إلى غيره، ومعرفة بعضهم لالسن متعددة أمر على خلاف الغالب لا يحمل عليه الاطلاق. وما ذهب إليه ابن إدريس هو المشهور بين المتأخرين كما نقله في المسالك،


(1) التهذيب ج 8 ص 38 ح 31، الوسائل ج 15 ص 297 ب 17 ح 1.

[ 212 ]

وزاد في الاحتجاج على ما ذكره ابن إدريس بأن اللفظ العربي هو الوارد في القرآن والاخبار المتكرر في لسان أهل الشرع، والظاهر هو ما ذهب إليه ابن إدريس لما عرفت، وما علل به الشيخ من قوله " إن المقصود في المحاورات بالذات هو المعاني دون الالفاظ " وأورد عليه في سائر العقود، وهو لا يقول به. وثالثها: أنه لا خلاف بين الاصحاب في عدم وقوع الطلاق بالكتابة من الحاضر القادر على النطق، إنما الخلاف في أنه هل يقع من الغائب القادر على اللفظ أم لا ؟ فالمشهور العدم، وهو مذهب الشيخ في المبسوط والخلاف مدعيا عليه الاجماع، وقال في النهاية، فإن كتب بيده أنه طلق امرأته وهو حاضر ليس بغائب لم يقع الطلاق، فإن كان غائبا وكتب بخطه أن فلانة طالق وقع الطلاق، وإن قال لغيره: اكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها لم يقع الطلاق. فإن طلقها بالقول ثم قال لغيره اكتب إليها بالطلاق كان الطلاق واقعا بالقول دون الامر، وتبعه على ذلك جملة من أتباعه، والاصل في هذا لاختلاف اختلاف أخبار المسألة. والذي وقفت عليه منها ما رواه في الكافي والفقيه (1) عن أبي حمزة الثمالي في الصحيح " قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها، أو اكتب إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقا أو عتقا ؟ فقال: لا يكون طلاقا ولا عتقا حتى ينطق به بلسانه، أو يخطه بيده وهو يريد به الطلاق أو العتق، ويكون ذلك منه بالاهلة والشهور، ويكون غائبا عن أهله " أقول: وهذه الرواية هي مستند الشيخ في النهاية ومن تبعه. وما رواه في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن زرارة " قال: قلت لابي جعفر


(1) الكافي ج 6 ص 64 ح 1، الفقيه ج 3 ص 325 ح 1، التهذيب ج 8 ص 38 ح 33، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 64 ح 2، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 2.

[ 213 ]

(عليهما السلام): رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه، ثم بداله فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق ولا عتاق حتى يتكلم به ". وما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن ابن اذينة " قال: سألته عن رجل كتب إلى امرأته بطلاقها أو كتب بعتق مملوكه ولم ينطق به لسانه، قال: ليس بشئ حتى ينطق به ". وما رواه بسند آخر عن زرارة (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل " الحديث. وأجاب العلامة في المختلف عن صحيحة الثمالي بالحمل على حالة الاضطرار، قال: وتكون لفظة " أو " للتفصيل لا للتخيير، لا يقال: هذه الرواية مختصة بالغائب، والرواية الاولى مطلقة، والمقيد مقدم، لانا نقول: الغيبة والحضور لا تأثير لهما في السبب، فإنا نعلم أن اللفظ لما كان سببا في البينونة استوى إيقاعه من الغائب والحاضر، وكذا الكتابة لو كانت سببا لتساوي الحال فيهما، مع أن في روايتنا ترجيحا بسبب موافقته للاصل، وتأيدها بالنظر والشهرة في العمل، انتهى. واعترضه في المسالك فقال: وفيه نظر، لان الرواية صريحة في أن المطلق يقدر على التلفظ، لانه قال: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها.. إلخ، فلا وجه لحمله على حالة الاضطرار، ومع ذلك ففي هذه الرواية ترجيح على السابقة لصحة سندها، وأنها مقيدة بالنية والغيبة وتلك مطلقة فيها، فجاز كون منعه من وقوع الطلاق لعدم النية بالكتابة، أو لعدم العلم بالنية، أو يحمل على حال الحضور جمعا، على أنه مع ثبوت المرجح لاضرورة إلى الجمع. وأما ما قيل: إن الغيبة والحضور لا تأثير لهما في السببية فهو مصادرة ومحضة، لان الخصم يدعي


(1) التهذيب ج 7 ص 453 ح 23، الوسائل ج 15 ص 290 ب 14 ح 1. (2) التهذيب ج 8 ص 38 ح 32، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 2.

[ 214 ]

الفرق، ويحتج عليه بالخبر الصحيح، وهو الفارق بين الكتابة واللفظ المشترك في السببية بين الغائب والحاضر، فكيف يدعى عدم تأثير الغيبة والحضور ؟ وبذلك انقطع الاصل الذي ادعوه، وثبت سببية الطلاق. وأما دعوى ترجيح الاول بموافقة الاصل والشهرة في العمل ففيه: أن الصحيح مقدم على الحسن، فلا تعارض، ثم إن المقيد مقدم على المطلق، انتهى. أقول: ما ذكره - رحمه الله - وإن ترائى أنه جيد، ولذا تبعه فيه جملة ممن تأخر عنه كالمحدث الكاشاني في المفاتيح والفاضل الخراساني في الكفاية، إلا أنه لا يخفى على المتتبع أن الذي عهد من الشارع في أبواب العقود والايقاعات والاقرارات ونحوها إنما هو الالفاظ والاقوال الدالة على هذه المعاني دون مجرد الكتابة، ولهذا لم يجوزها أحد بالكتابة، ويبعد اختصاص الطلاق بهذا الحكم لعدم ظهور خصوصيته له بذلك، ويعضده ما ورد في بعض الاخبار إنما يحرم الكلام، ويؤكده أيضا الحصر في أنت طالق المستفاد من الروايات المتقدمة حسبما تقدم تحقيقه، فإنه كما يكون الحصر في هذه الصيغة موجبا لنفي ما سواها من الصيغ اللفظية فكذلك الكتابة، لانها عندهم من جملة الصيغ الموجبة للطلاق. هذا مع ما في تحقق الشهادة في هذه الصورة من الاشكال، فإن الاشهاد إنما يطلق حقيقة على سماع لفظ الطلاق من المطلق، فإنه بمجرد سماع ذلك منه يجب بشهادة الشاهدين الحكم عليه بوقوع الطلاق. وأما في الكتابة حيث قيدوها بالقصد إلى الطلاق الذي لا يعلم إلا بإقراره واعترافه، فيشكل الشهادة على مجرد رؤية الكتابة حال الكتابة أو بعدها، على أن ما ذكره من جواز كون منعه (عليه السلام) من وقوع الطلاق لعدم النية بالكتابة، أو لعدم العلم بالنية أو الحضور جمعا بين الاخبار مدخول بأن قوله (عليه السلام) " ليس ذلك بطلاق حتى يتكلم به في صحيحة زرارة، وقوله في صحيحة ابن اذينة " ليس بشئ حتى ينطق به " ظاهر في أن عدم الصحة إنما استند إلى عدم النطق والتكلم

[ 215 ]

- نوى أو لم ينو، حضر أو غاب، علمت البينة (النية خ ل) أم لا - لا إلى عدم النية أو عدم العلم بها أو عدم الحضور كما ادعاه، وأن المدار إنما هو على النطق، والكلام وهو بحمد الله سبحانه ظاهر لذوي الافهام، وبه يظهر بطلان ما ادعاه من الجمع في المقام. وهل يشترط في الشهادة أيضا رؤية حال الكتابة أو يكفي رؤيتها بعد ذلك، قال في المسالك: وجهان، والاول لا يخلو من قوة، لان ابتداءها هو القائم مقام اللفظ لا استدامتها، وإنما تعلم النية بإقراره، ولو شك فيها فالاصل عدمها، وحينئذ فتكون الكتابة كالكناية، ومن ثم ردها الاصحاب مطلقا اطرادا للقاعدة مع أنهم نقضوضها في مواضع كما ترى. أقول: وهذا أيضا مما يوهن هذا القول لما صرحوا به بل أجمعوا عليه من اشتراط الصراحة في صيغة الطلاق وعدم جواز وقوعه بالكتابة. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف، ولعل الخبر المذكور إنما خرج مخرج التقية، ولا يحضرني الآن أقوال العامة في المسألة، فليلاحظ ذلك. قال في المسالك: ولا فرق في الغائب بين البعيد بمسافة القصر وعدمه، مع احتمال شموله للغائب عن المجلس لعموم النص، والاقوى اعتبار الغيبة عرفا، ولتكن الكتابة للكلام المعتبر في صحة الطلاق كقوله: فلانه طالق، أو يكتب إليها: أنت طالق، ولو علقه بشرط كقوله: إذا قرأت كتابي فأنت طالق، فكتعليق اللفظ. أقول: احتمال شموله للغائب عن المجلس غير جيد، فإن النص وهو صحيحة الثمالي تضمن الغائب عن أهله، وهو لا يصدق إلا على المسافر عن بلده. نعم لو كان بلفظ الغائب خاصة، لربما أمكن ما ذكره. وأما ما ذكره من كون الكتابة بالكلام المعتبر في صحة الطلاق كقوله فلانة طالق ففيه: أن تعين هذه الصيغة بمقتضى الدليل إنما هو بالنسبة إلى

[ 216 ]

التلفظ بالطلاق، وأما أحاديث الكتابة فهي مطلقة وتخصيصها يحتاج إلى دليل، وكما خرج عن أخبار وجوب اللفظ بهذا الخبر فليخرج عنها أيضا بالعمل بإطلاق هذه الاخبار من إيقاع الكتابة بأي لفظ من هذه المادة عملا بإطلاق الاخبار المذكورة والتقييد إنما ثبت في العبارة اللفظية. اتمام نعم لو تعذر النطق كفت الكتابة والاشارة من غير خلاف يعرف، ومنه الاخرس، فيصح طلاقه بذلك كما تصح سائر عقوده وأقاريره وعباراته، ولابد من فهم الشاهدين ذلك منه ليحكم عليه به، والظاهر تقديم الكتابة إذا كان ممن يكتب على الاشارة كما اختاره ابن إدريس، لانها أقوى في الدلالة على المراد، لكن لابد أن يفهم أنه نوى بها الطلاق. ومن الاخبار الواردة في المقام ما رواه المشايخ الثلاثة (1) عن البزنطي في الصحيح في بعض الطرق " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون عنده المرأة ثم يصمت ولا يتكلم، قال: يكون أخرس ؟ قلت: نعم، فيعلم منه بغضا لامرأته وكراهته لها، أيجوز أن يطلق عنه وليه ؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك، قلت: أصلحك الله فإنه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها ؟ قال: بالذي يعرف منه به من فعاله، مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها ". وما رواه في الكافي (2) عن أبان بن عثمان " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق الاخرس، قال: يلف قناعها على رأسها ويجذبه ".


(1) الكافي ج 6 ص 128 ح 1، الفقيه ج 3 ص 333 ح 1، التهذيب ج 8 ص 74 ح 166، الوسائل ج 15 ص 299 ب 19 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 128 ح 2، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 2.

[ 217 ]

وعن السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: طلاق الاخرس أن يأخذ مقنعتها فيضعها على رأسها ويعتزلها ". ورواه الشيخ (2) بسند آخر عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. وما رواه في الكافي (3) عن يونس " في رجل أخرس كتب في الارض بطلاق امرأته فقال: إذا فعل في قبل الطهر بشهود، وفهم عنه كما يفهم عن مثله ويريد الطلاق جاز طلاقه على السنة ". وهذه الاخبار كلها متفقة الدلالة على ما ذكره، ونقل عن الصدوقين وجماعة من الاصحاب أنهم اعتبروا فيه إلقاء القناع على المرأة، يري أنها قد حرمت عليه لرواية السكوني وأبي بصير، ومنهم من خير بين الاشارة وإلقاء القناع، ومنهم من جمع بينهما، والتحقيق الاكتفاء بما يفهم ذلك كائنا ما كان، وذكر بعض الافراد في الاخبار إنما خرج مخرج التمثيل. ورابعها: أنه لا خلاف بين علماء العامة في صحة التخيير بمعنى تفويض الزوج أمر الطلاق إلى المرأة وتخييرها في نفسها قاصدا بذلك الطلاق، فإذا اختارت نفسها وقع الطلاق، وأن ذلك بمنزلة توكيلها في طلاق نفسها، فالتخيير كناية عن ذلك، واحتجوا بآية التخيير النازلة على النبي صلى الله عليه وآله بعد اعتزاله أزواجه. وأما أصحابنا فقد اختلفوا في ذلك، فذهب جمع منهم ابن الجنيد وابن أبي عقيل والسيد المرتضى، ونقل عن ظاهر الصدوق إلى وقوع الطلاق به إذا اختارت نفسها بعد تخييره لها على الفور مع اجتماع الشرائط من الاستبراء وسماع الشاهدين،


(1) الكافي ج 6 ص 128 ح 3، التهذيب ج 8 ص 74 ح 168، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 3. (2) التهذيب ج 8 ص 92 ح 233 عن على بن أبى حمزة عن أبى عبد الله عليه السلام مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 301 ب 19 ح 5. (3) الكافي ج 6 ص 74 ح 169، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 4.

[ 218 ]

والمشهور - وهو مذهب الشيخ، وبه صرح الشيخ علي بن بابويه في الرسالة وجملة المتأخرين - عدم وقوع الطلاق به. قال ابن الجنيد على ما نقله في المختلف: إذا أراد الرجل أن يخير امرأته اعتزلها شهرا وكان على طهر من غير جماع في مثل الحالة التى لو أراد أن يطلقها فيه طلقها، ثم خيرها فقال لها: قد خيرتك أو جعلت أمرك إليك، ويجب أن يكون ذلك بشهادة، فإن اختارت نفسها من غير أن تشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنها أن لا تفعل صح اختيارها، وإن اختارت بعد فعلها ذلك لم يكن اختيارها ماضيا، وإن اختارت في جواب قوله لها ذلك وكان مدخولا بها وكان تخييره إياها عن غير عوض أخذه منها كان كالتطليقة الواحدة التي هو أحق برجعتها في عدتها، وإن كانت غير مدخول بها فهي تطليقة بائنة، وإن كان تخييره عن عوض فهي بائن وهي أملك بنفسها، وإن جعل الاختيار إلى وقت معينة واختارت قبله جاز اختيارها، وإن اختارت بعده لم يجز. وقال ابن أبي عقيل: والخيار عند آل الرسول (عليهم السلام) أن يخير الرجل امرأته ويجعل أمرها إليها في أن تختار نفسها أو تختاره بشهادة شاهدين في قبل عدتها، فإن اختارت المرأة نفسها في المجلس فهي تطليقة واحدة وهو أملك برجعتها مادامت لم تنقض عدتها، وإن اختارت فليس بطلاق، ولو تفارقا ثم اختارت المرأة نفسها لم يقع شئ، ولو قال لها: قد جعلت أمرك بيدك فاختاري نفسك في مجلسك، فسكتت أو تحولت عن مجلسها بطل اختيارها بترك ذلك، وإن سمى الرجل في الاختيار وقتا معلوما ثم رجع عنه قبل بلوغ الوقت كان ذلك له، وليس يجوز للزوج أن يخيرها أكثر من واحدة بعد واحدة، وخيار بعد خيار بطهر وشاهدين، فإن خيرها أكثر من واحدة أو خيرها أن تخير نفسها في غير عدتها كان ذلك ساقطا غير جائز، وإن خير الرجل أباها أو أخاها أو أحدا من أوليائها كان اختيارها. وقال الشيخ علي بن بابويه: ولا يقع الطلاق بإجبار ولا إكراه ولا على

[ 219 ]

شك، فمنه طلاق السنة، وطلاق العدة - إلى أن قال: - ومنه التخيير. ولما بحث عن تلك الاقسام إلى أن وصل إلى التخيير فقال: وأما التخيير فأصل ذلك (1): إن الله عزوجل أنف لنبيه صلى الله عليه وآله بمقالة قالها بعض نسائه: أترى محمدا لو طلقنا لا نجد أكفاءنا من قريش يتزوجونا، فأمر الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وآله أن يعتزل نساءه تسعة وعشرين يوما، فاعتزلهن النبي صلى الله عليه وآله في مشربة ام إبراهيم ثم نزلت هذه الآية " يا ايها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " (2) فاخترن الله ورسوله فلم يقع طلاق. هذا ما حضرني من عبائر المتقدمين، والواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، ثم الكلام فيها بما يسر الله عزوجل فهمه منهاو جمعها على وجه يرسل به غشاوة الاختلاف عنها. فمنها ما رواه الصدوق في الفقيه (3) في الصحيح عن ابن اذينة عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: إذا خيرها وجعل أمرها بيدها في قبل عدتها من غير أن يشهد شاهدين فليس بشئ، وإن خيرها وجعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدتها فهي بالخيار ما لم يتفرقا، فإن اختارت نفسها فهي واحدة، وهو أحق برجعتها، وإن اختارت زوجها فليس بطلاق ". وما رواه في الكتاب المذكور (4) عن ابن مسكان عن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الطلاق أن يقول الرجل لامرأته: اختاري، فإن اختارت نفسها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب، وإن اختارت زوجها فليس بشئ. أو يقول: أنت طالق، فأي ذلك فعل فقد حرمت عليه، ولا يكون طلاق ولاخلع ولا مباراة


(1) مضمون ما جاء في الكافي ج 6 ص 137 ح 1. (2) سورة الاحزاب - آية 28 و 29. (3) و (4) الفقيه ج 3 ص 335 ح 2 و 3، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 14 و 15.

[ 220 ]

ولا تخير إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ". وعن الحلبي (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يخير امرأته أو أباها أو وليها، فقال: كلهم بمنزلة واحدة إذا رضيت ". وعن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح عن الفضيل بن يسار (2) في الصحيح " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: قد جعلت الخيار إليك، فاختارت نفسها قبل أن يقوم، قال: يجوز ذلك عليه. قلت: فلها متعة ؟ قال: نعم. قلت: فلها ميراث إن مات الزوج قبل أن تنقضي عدتها ؟ قال: نعم، وإن ماتت هي ورثها الزوج ". وأقول: ولتفرد صاحب الفقيه بهذه الاخبار نسب إليه القول بمضمونها كما تقدمت الاشارة إليه. وما رواه في التهذيب (3) عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: قلت له: رجل خير امرأته، قال: إنما الخيار لها ماداما في مجلسهما، فإذا افترقا فلا خيار لها ". وبسند آخر عن زرارة (4) مثله، وزاد " أصلحك الله، فإن طلقت نفسها ثلاثا قبل أن يتفرقا من مجلسهما ؟ قال: لا يكون أكثر من واحدة، وهو أحق برجعتها قبل أن تنقضي عدتها، قد خير رسول الله صلى الله عليه وآله نساءه فاخترنه، فكان ذلك طلاقا، قال: فقلت له: لو اخترن أنفسهن ؟ فقال: ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله لو اخترن أنفسهن أكان يمسكهن ". وعن زرارة ومحمد بن مسلم (5) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: لاخيار إلا على طهر من غير جماع بشهود ". وعن زرارة (6) عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: إذا اختارت نفسها فهى تطليقة


(1) و (2) الفقيه ج 3 ص 335 ح 4 و 5، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 16 و 17. (3) التهذيب ج 8 ص 89 ح 222، الوسائل ج 15 ص 337 ب 41 ح 7 وفيهما " تفرقا ". (4) و (5) التهذيب ج 8 ص 90 ح 227 و 223، الوسائل ج 15 ص 338 و 337 ب 41 ح 12 و 8. (6) التهذيب ج 8 ص 90 ح 224، الوسائل ج 15 ص 337 ب 41 ح 9.

[ 221 ]

بائنة، وهو خاطب من الخطاب، وإن اختارت زوجها فلاشئ ". وعن بريد الكناسي (1) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: لا ترث المخيرة من زوجها شيئأ من عدتها، لان العصمة قد انقطعت فيما بينها وبين زوجها من ساعتها، فلا رجعة له عليها ولا ميراث بينهما ". وعن حمران (2) في الحسن " قال: سمعت أبا جعفر (عليهما السلام) يقول: المخيرة تبين من ساعتها من غير طلاق ولا ميراث بينهما، لان العصمة منها قد بانت ساعة كان ذلك منها ومن الزوج ". أقول: وهذه الاخبار وما في معناها هي أدلة القول الآخر في المسألة. وأما ما يدل على القول المشهور وهو المؤيد المنصور كما سيظهر لك إن شاء الله غاية الظهور فمنها: ما رواه في الكافي (3) في الموثق عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها، بانت منه ؟ فقال: لا، إنما هذا شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة أمر بذلك ففعل، ولو اخترن أنفسهن لطلقهن، وهو قول الله عزوجل " قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن واسرحكن سراحا جميلا ". أقول: ظاهر الخبر المذكور أنه لابد بعد اختيارها نفسها من الطلاق من الزوج، لاأنها تبين بمجرد الاختيار أو يحصل الطلاق بذلك، بل لابد من اتباعه بالطلاق، وأنه صلى الله عليه وآله لو اخترن أنفسهن لطلقهن، ولا يخفى أن ظاهر الآية المذكورة ذلك، إلا انه مناف لاخبار المسألة كما عرفت وتعرف، إلا أن يقال:


(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 90 ح 225 و 226، الوسائل ج 15 ص 337 و 338 ب 41 ح 10 و 11 والظاهر أن " يزيد الكناسى " هو الصحيح. (3) الكافي ج 6 ص 137 ح 3، التهذيب ج 8 ص 87 ح 218، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 4.

[ 222 ]

إن هذا إنما هو بالنسبة إليه صلى الله عليه وآله كما هو مورد الخبر، لكن الظاهر أنه لا قائل بالفرق. قال الشيخ في كتابي الاخبار (1) بعد نقل هذا الخبر قال الحسن بن سماعة: وبهذا الخبر تأخذ في الخيار. وما رواه في الكافي (2) عن محمد بن مسلم " قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عن الخيار، فقال: وما هو وما ذاك ؟ إنما ذاك شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله. وعن محمد بن مسلم (3) في الموثق " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني سمعت أباك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خير نساءه فاخترن الله ورسوله فلم يمسكهن على الطلاق ولو اخترن أنفسهن لبن، فقال: إن هذا حديث كان أبي يرويه عن عائشة: وما للناس والخيار، إنما هذا شئ خص الله عزوجل به رسوله صلى الله عليه وآله ". أقول: لعل الوجه في نسبته (عليه السلام) هذا الخبر إلى رواية أبيه (عليهما السلام) عن عائشة المؤذن بكذبه هو ما اشتمل عليه من أنهن لو اخترن أنفسهن لبن، حيث إن ظاهر الخبر الاول الاحتياج إلى الطلاق بعد الاختيار، وإلا فإنه ليس فيما نقله زرارة عن أبيه (عليه السلام) ما يخالف الواقع في القصة. وما رواه في الكافي (4) عن زرارة في الموثق " قال: سمعت أبا جعفر (عليهما السلام) يقول: إن الله عزوجل أنف لرسول الله (ص) عن مقالة قالتها بعض نسائه، فأنزل الله تعالى آية التخيير، فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة وعشرين ليلة في مشربة ام إبراهيم، ثم دعاهن فخيرهن فاخترنه فلم يك شيئا، فلو اخترن أنفسهن كانت واحدة بائنة. قال: وسألته عن مقالة المرأة ماهي ؟ قال: فقال: إنها قالت " ترى محمدا " أنه لو طلقنا إنه لا يأتينا الاكفاء من قومنا يتزوجونا ".


(1) التهذيب ج 8 ص 88 ذيب ح 218 وفيه " وبهذا الحديث نأخذ في الخيار ". (2) و (3) الكافي ج 6 ص 136 ح 1 و 2، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 1 و 3. (4) الكافي ج 6 ص 137 ح 1 مع اختلاف يسير.

[ 223 ]

وعن محمد بن مسلم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل إذا خير امرأته، فقال: إنما الخيرة لنا ليس لاحد، وإنما خير رسول الله صلى الله عليه وآله لمكان عائشة، فاخترن الله ورسوله، ولم يكن لهن أن يخيرن غير رسول الله صلى الله عليه وآله ". قوله (عليه السلام) " وإنما الخيرة لنا " يعني باعتبار اختصاص ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله ومنزلتهم معه واحدة. وقوله " لمكان عائشة " قيل في معناه: إنه لما لم يطلقهن بل خيرهن لانه صلى الله عليه وآله كان يحب عائشة لحسنها وجمالها، وكان يعلم أنهن لايخترن غيره لحرمة الازواج عليهن. أو أن السبب الاعظم في هذه القضية كان سوء معاشرة عائشة، وقلة احترامها له صلى الله عليه وآله. وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) بعد أن ذكر في صدر البحث أقسام الطلاق إجمالا: وإن منه طلاق السنة وطلاق العدة وطلاق الغلام - ثم شرح هذه الاشياء كلا على حدة إلى أن قال: - وأما التخيير فأصل ذلك أن الله أنف لنبيه صلى الله عليه وآله بمقالة قالتها بعض نسائه، إلى آخر ما في عبارة الشيخ علي بن بابويه - رحمه الله - حيث إنها مأخوذة من الكتاب المذكور على ما عرفت في غير موضع مما تقدم. عليه السلام أقول: والاقرب عندي هو القول المشهور لوجوه: (أحدها) أن مقتضى القاعدة المنصوصة - المتفق على ورودها عنهم (عليهم السلام) من عرض الاخبار مع الاختلاف بل بدونه على مذهب العامة والاخذ بخلافه - هو حمل أخبار الوقوع على التقية، ولذلك أن الشيخ أيضا حملها على ذلك، لاتفاق العامة على ما دلت هذه الاخبار عليه، ويؤيده اختلاف الاخبار باختلافهم في أحكامه من كونه طلاقا رجعيا أو بائنا ونحو ذلك. (وثانيها) أنه مع العمل بأخبار الوقوع فإنه يلزم طرح الاخبار الدالة على العدم، إذ لامحمل لها، ومن القواعد المقررة عندهم أن إعمال الدليلين مهما


(1) الكافي ج 6 ص 139 ح 6، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 2 وفيهما " أن يخترن ". (2) فقه الرضا ص 241 و 244 مع اختلاف يسير.

[ 224 ]

أمكن أولى من طرح أحدهما. (وثالثها) تأيد أخبار المنع بجملة من الاخبار الدالة على عدم صحة تفويض أمثال ذلك إلى النساء. ومنها ما رواه في الكافي (1) عن الحسن بن علي بن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في امرأة نكحها رجل فأصدقته المرأة واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق فقال: خالف السنة وولى الحق من ليس أهله، وقضى أن على الرجل الطلاق، وأن بيده الجماع والطلاق، وتلك السنة ". وما رواه في الفقيه والتهذيب (2) في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة وأصدقها واشترطت أن بيدها الجماع والطلاق، قال: خالف السنة وولت الحق من ليس بأهله، قال: قضى أن على الرجل النفقة، وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنة ". أقول: في الفقيه " فأصدقته " مكان " فأصدقهاو " أن عليه الصداق " بدل " على الرجل النفقة ". وما رواه في الكافي والتهذيب (3) عن مروان بن مسلم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها ؟ قال: فقال: ولى الامر من ليس أهله وخالف السنة ولم يجز النكاح ". وقد اشتركت هذه الاخبار في الدلالة على أن جعل الطلاق بيد المرأة خلاف


(1) الكافي ج 5 ص 403 ح 7، الوسائل ج 15 ص 340 ب 42 ح 1 وفيهما " أن على الرجل الصداق ". (2) الفقيه ج 3 ص 269 ح 61، التهذيب ج 7 ص 369 ح 60، الوسائل ج 15 ص 40 ب 29 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير. (3) الكافي ج 6 ص 137 ح 4، التهذيب ج 8 ص 88 ح 220، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 5.

[ 225 ]

السنة النبوية والشريعة المحمدية صلى الله عليه وآله، فكل ما خالفها فهو باطل البتة، حتى أنه (عليه السلام) في الحديث الاخير حكم ببطلان النكاح، ومورده كما ترى مورد تلك الاخبار لانه قال فيه: " إنه جعل أمر امرأته بيدها " وهذا هو معنى التخيير فهو أصرح الاخبار في بطلان التخيير، إذ لو كان ذلك سائغا كما يدعونه لصح شرطه في العقد ولم يحكم ببطلان النكاح، والخبر كما ترى على خلافه. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك - باعتبار تصلبه في العمل بهذا الاصطلاح المحدث - ترجيح القول بالوقوع لرجحان أخباره بالكثرة والصحة والصراحة، قال - رحمه الله -: وأجاب المانعون عن الاخبار الدالة على الوقوع بحملها على التقية، ولو نظروا إلى أنها أكثر وأوضح سندا وأظهر دلالة لكان أجود، ووجه الاول واضح، والثاني أن فيها الصحيح والحسن والموثق، وليس فيها ضعيف، بخلاف أخبار المنع، فإن فيها الضعيف والمرسل والمجهول. أقول: لا يخفى أن الحمل على التقية لا تنافيه صحة الاخبار وتكاثرها، بل لو ادعي كون ذلك مؤكدا للحمل على التقية لكان أقرب لشيوع التقية وخفاء الحق الواقعي بتلك البلية، فلا جرم قلت أخباره وقل انتشاره على أن هذا الاصطلاح المحدث لا وجود له عند أصحابنا المتقدمين، بل الاخبار كلها صحيحة عندهم بهذا الاعتبار، وإنما الضعف بوجوه اخر لاتعلق لها بالسند كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب في أول جلد كتاب الطهارة (1)، والقاعدة المروية عنهم (عليهم السلام) في تعارض الاخبار صادقة على الجميع، لا اختصاص لها بمادة دون اخرى، ولا ريب في صدقها على ما نحن فيه، فيجب العمل بمقتضاها، إلا أنه لما كانت هذه القاعدة مطرحة في كلامهم - كما لا يخفى على من خاض بحور نقضهم


(1) الحدائق ج 1 ص 14.

[ 226 ]

وإبرامهم - وأن بما اخترعوا لهم في الجمع بين الاخبار لا وجود لها في السنة ولا في الكتاب من حمل النواهي الكراهة والاوامر على الاستحباب، ضربوا عنها صفحا، وطووا عنها كشحا بمثل هذه التعليلات العليلة ونحوها. تفريعات على القول بالتخيير الاول: أنه هل يكون الطلاق الواقع بالتخيير إذا اختارت نفسها طلاقا رجعيا أم بائنا ؟ ظاهر عبارة ابن أبي عقيل المتقدمة أنه يكون رجعيا، وعليه تدل من أخبار التخيير المتقدمة صحيحة محمد بن مسلم المروية في الفقيه، لقوله فيها " وهو أحق برجعتها " ونحوها صحيحة الفضيل بن يسار لحكمه فيها بالموارثة التي هي فرع بقاء الزوجية، ورواية زرارة لقوله فيها " وهو أحق برجعتها قبل أن تنقضي عدتها ". وقيل: إنها تكون بائنة، وعليه تدل من الاخبار المذكورة رواية الصيقل، لقوله فيها " فإن اختارت نفسها فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب " ورواية زرارة الاخرى لقوله فيها " إذا اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وهو خاطب من الخطاب " ورواية بريد [ يزيد ] الكناسي، وهي أصرح الجميع، ونحوها حسنة حمران، والظاهر أن هذا الاختلاف في هذه الاخبار منشؤه اختلاف العامة في ذلك، ولكن لا يحضرني الآن نقل مذاهبهم، إلا أنك لما عرفت أن هذه الاخبار إنما خرجت مخرج التقية وجميع ما تضمنته إنما هو من أقوالهم، فالظاهر أن منشأ هذا الاختلاف فيها هو ما ذكرناه. وكيف كان فهو مما يوهن التمسك بها والاعتماد عليها إذ لا حاجة للجمع بينها في ذلك، فلم يبق إلا تعارضها وتساقطها. وظاهر كلام ابن الجنيد المتقدم أن كون ذلك رجعيا أو بائنا إنما هو باعتبار أمر آخر، وهو أنه إن كان التخيير بعوض كان بائنا، كالطلاق بالعوض وإلا كان رجعيا.

[ 227 ]

قال في المسالك: وفيه جمع بين الاخبار، وفيه أنه لا يكاد يشم لهذا التفصيل ولا لهذا العوض رائحة في الاخبار بالكلية، وكيف يكون جمعا بينها مع أنه لا إشارة في شئ من الاخبار إليه فضلا عن الدلالة الظاهرة عليه، بل ظاهر سياق الاخبار المذكورة بل صريحها أن كلا من الامرين إنما يترتب على مجرد التخيير، ولا دليل على العوض بالكية ولا سيما رواية بريد [ يزيد ] الكناسي وحسنة حمران، فإنهما تناديان بأوضح دلالة على أن نفي الميراث وانقطاع العصمة والبينونة وعدم الرجعة إنما يترتب على اختيارها نفسها خاصة، ودعوى كون ذلك بعوض إنما هو من قبيل الرمي في الظلام والقياس في الاحكام الذي منعت منه شريعة الملك العلام، إذ مرجع ما ذكروه إنما هو إلى أنه حيث ثبت ذلك في الطلاق بعوض أثبتناه في التخيير إذا كان ثمة عوض بل هذا أشد بعدا لعدم الجامع بين المقيس والمقاس عليه. وبالجملة فإن بعد هذا القول في المقام مما لا يخفى على ذوي الافهام، إلا أن شيخنا المذكور لما كان مائلا إلى القول بالتخيير كما عرفت تشبث في الذب عنه بذلك. وأما قوله أيضا على أثر ما تقدم - ويمكن الجمع بينها بحمل البائن على تخيير من لاعدة لها كغير المدخول بها واليائسة والرجعي على من لها عدة رجعية لان التخيير جائز للجميع على القول به - فهو في البعد مثل سابقه، فإن سياق أخبار التخيير ينادي بأفصح لسان وأوضح بيان بأن ما تضمنته تلك الاخبار من الاحكام إنما ترتب على التخيير، بمعنى أنه متى خيرها واختارت نفسها لزم كذا وكذا، أعم من أن تكون ذات عدة أم لا، ومقتضى ما ذكره من احتمال الجمع بما ذكر إنما هو ترتب البينونة وعدم الارث وعدم الرجعة على عدم الدخول بها أو على كونها يائسة، والاخبار خالية من الاشعار به، بل ظاهرها كما عرفت إنما هو ترتب ذلك على مجرد التخيير، وبالجملة فإن مقتضى إطلاق هذه الاخبار

[ 228 ]

هو ما ذكرناه، والتخصيص يحتاج إلى دليل وليس فليس. الثاني: عبارة ابن أبي عقيل المتقدمة اشتراط وقوع الخيار في المجلس قبل التفرق لقوله " وإن اختارت نفسها في المجلس فهي تطليقة واحدة " وعليه تدل رواية زرارة لقوله فيها " إنما الخيار لها ما داما في المجلس فإذا افترقا فلا خيار لها " وصحيحة محمد بن مسلم وهي الاولى لقوله فيها " فهي بالخيار ما لم يتفرقا " وقوله في صحيحة الفضيل بن يسار " واختارت نفسها قبل أن تقوم " وهو وإن كان في كلام الراوي، إلا أن الحجة تقرير الامام (عليه السلام)، وإطلاق المجلس يقتضي عدم الفرق بين طول المجلس وقصره، وعدم الفرق بين تخلل كلام أجنبي بين التخيير والاختيار أم لا. لكن الظاهر من عبارة ابن الجنيد هو اتصال الاختيار بالتخيير اتصالا عرفيا بمعنى عدم ضرر الفصل بالسعال ونحوه من الفصل القليل، لقوله " فإن اختارت نفسها من غير أن تتشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنها أن لا تفعله صح اختيارها، وإن اختارت بعد فعلها ذلك لم يكن اختيارها ماضيا. انتهى وظاهره فورية التخيير، وعلى هذا يكون المجلس كناية عن هذا الاتصال العرفي إلا أنه ينافيه قوله " ما لم يتفرقا " في رواية زرارة وصحيحة محمد بن مسلم (1) و " قبل أن يقوم " في صحيحة الفضيل فإن ظاهره أن الغاية المبطلة للخيار هي التفرق عن المجلس، فما لم يتفرقا وإن طال الجلوس أو حصل الفصل فإنه لا يبطل التخيير وعلى هذا فما ذكره ابن الجنيد من هذا الشرط لا دليل عليه من الاخبار المذكورة.


(1) وصحيحة محمد بن مسلم أظهر دلالة على ذلك حيث انه قال " فهى بالخيار ما لم يتفرقا " فجعل الغاية في سقوط الخيار هو التفرق خاصة، وكذا قوله في صحيحة الفضيل " قبل أن يقوم " فان الجميع ظاهر في صحة التخيير وان طال الجلوس في مقامها وجواز الفصل بكلام أجنبي طال أو قصر ما لم يحصل التفرق. (منه - قدس سره -).

[ 229 ]

وبذلك يظهر أن ما ذكروه في هذا المقام - من أنه إذا كان بمنزلة عقد التمليك لم يكن العبرة بالمجلس بل بالمقارنة، وإن جعل بمنزلة التوكيل لم يكن المجلس أيضا معتبرا بل يجوز مع التراخي - لا معنى له، بل إن الذي ينبغي أن يقال بناء على ما قالوه من صحة التخيير: إن هذا حكم برأسه والمجلس فيه أثر على الوجه المتقدم في الاخبار بالتقريب الذي شرحناه. وأما بناء على ما قلناه من عدم القول بذلك، فإن الوجه فيه أنه حيث كان العامة القائلون بهذا القول قد اشترطوا فيه هذا الشرط خرجت الاخبار مصرحة به وفاقا لهم. الثالث: يشترط في هذا التخيير عند القائل به ما يشترط في صحة الطلاق من استبراء المرأة وسماع الشاهدين وغير ذلك، وهل يكفى سماعهما نطقها خاصة، أو يعتبر سماعهما نطقهما معا ؟ قال في المسالك: ظاهر الرواية والفتوى الاول، وأن الفراق يقع بمجموع الامرين فيعتبر سماعهما من الشاهدين، فينزل حينئذ منزلة الخلع حيث يقع البذل من جانبها والطلاق من جانبه، وإن اختلفا في كون الطلاق هنا من جانبها ويحتمل الاكتفاء بسماع اختيارها، لان الفراق إنما حصل به، ولهذا لوردته أو اختارته لم يقع، فيكون ذلك بمنزلة تفويض الطلاق إليها، فلا يشترط إلا سماع مادل على الطلاق لاسماع ما هو بمنزلة الوكالة فيه، انتهى. أقول: اتفقت النسخ على لفظ الاول في قوله " ظاهر الرواية والفتوى الاول " ومنها نسخة بخط المصنف - رحمة الله عليه - والانسب في التعبير إنما هو الثاني عوض لفظ الاول لان العبارة المتقدمة كما ذكرناه هو أنه هل يكفي سماعهما نطقها خاصة أو يعتبر سماعهما نطقهما معا ؟ والاول منهما هو الاكتفاء بسماع نطقها خاصة، والثاني هو سماعهما نطقهما معا، والذي ادعاه من النص والفتوى ورتب عليه الكلام بقوله " وأن الفراق يقع بمجموع الامرين.. إلخ " إنما يتجه على الثاني، ويدلك على ذلك أيضا قوله أخيرا " ويحتمل الاكتفاء

[ 230 ]

بسماع اختيارها " وهذا هو الاول قد جعله احتمالا. وبالجملة فالظاهر وقوع السهو من قلم المصنف في التعبير بلفظ الاول في هذا المقام، وإنما حقه أن يقول الثاني. وكيف كان فالذي تقدم في أخبار المسألة مما يدل على ذلك ما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم من قوله " وإن خيرها أو جعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين.. إلخ " وهو ظاهر في كون شهادة الشاهدين على تخيير الرجل لها أو جعله الامر بيدها مع اختيارها إن اختارت نفسها، وهو ظاهر فيما ادعاه من كون الشهادة على الامرين وما تضمنته رواية الصيقل من قوله " ولايكون تخيير إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين " وهو أيضا يرجع إلى الاول، وإن كان الاول أظهر. وما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم من قوله (عليه السلام) " لاخيار إلا على طهر من غير جماع بشهود " وهو يرجع إلى سابقه، والمعنى فيهما أنه لاخيار أو لا تخيير بأن يخير الرجل امرأته فتختار نفسها إلا بهذه الشروط. وأما الاحتمال الذي ذكره أخيرا فهو جيد من حيث الاعتبار كما ذكره - رحمه الله - إلا أن ظواهر النصوص على خلافه، والاظهر هو الوقوف على مقتضى مادلت عليه الاخبار. الرابع: قال في المسالك: يجوز له الرجوع في التخيير مطلقا، وهو الظاهر من رواية زرارة " إنما الخيار لهما ماداما في مجلسهما " ولانه إن كان تمليكا كان الرجوع فيه قبل القبول جائزا، وإن كان توكيلا فكذلك بطريق أولى، ومقتضى قوله " إن الخيار لهما ماداما في المجلس " جواز فسخه لكل منهما في المجلس وإن وقع التخيير من كل منهما، وهو مشكل من جانبها مطلقا، إذ لاخيار لها في الطلاق مطلقا، ومن جانبه لو كان بائنا، إلا أن الامر فيه أسهل لامكان تخصيصه بالرجعي. أقول: الظاهر أن المعنى في قوله (عليه السلام) في خبر زرارة " إنما الخيار لها

[ 231 ]

ماداما في مجلسهما " إنما هو أنه متى خيرها فاختارت نفسها فإنه يشترط أن يكون في مجلس واحد، بمعنى أنه لو خيرها وسكتت حتى تفرقا ثم اختارت نفسها لم يقع، فلابد من أن يكون التخيير منه والاختيار منها في مجلس واحد. ويشير إلي ذلك قوله في صحيحة محمد بن مسلم " فإن خيرها أو جعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدتها فهي بالخيار ما لم يتفرقا " فإنه دال على أنه يشترط أن يكون اختيار نفسها في مجلس تخيير الزوج لها، لا بعد مفارقتة، وفي معناه صحيحة الفضيل. وبالجملة فالمراد بالخيار هو التخيير الذي يترتب عليه الفراق لا الخيار في الرجوع عن مقتضى التخيير كالخيار في سائر العقود بمعنى فسخها، حتى أنه يدعى أنه مقتضى قوله " إن الخيار لها ماداما في المجلس " جواز فسخه لكل منهما في المجلس، وإن وقع التخيير من كل منهما، وكيف يتم الفسخ بعد اختيارها نفسها وأكثر الاخبار قد دل على أنها باختيارها نفسها قد بانت منه وانقطعت العصمة بينهما من ساعته كما صرحت به حسنة بكير، ورواية بريد [ يزيد ] الكناسي، وكيف يتم الفسخ بعد حصول البينونة وانقطاع العصمة، وعلى تقدير الروايات الاخر الدالة على أنه بمنزلة الطلاق الرجعي كيف يتم لها فسخ الطلاق حسبما ذكره من أنه لاخيار لها في الطلاق مطلقا، وبهذا يظهر لك أن حمله الرواية على ما ذكره - من جواز الرجوع في التخيير بمعنى فسخه من الزوج أو من كل منهما - ليس في محله، وإنما المعنى فيها ما قلناه. وأما تكرار هم التفريع على التمليك أو التوكيل فقد عرفت أن الظاهر أن يقال: إن هذا حكم برأسه عند من قال به، يترتب عليه من الاحكام ما دلت عليه أخباره. وخامسها: قد صرح الاصحاب من غير خلاف يعرف أنه يشترط تجريد صيغة الطلاق من الشرط والصفة. بل ادعى عليه ابن إدريس كما نقل عنه الاجماع، ومثله شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، فإنه قال بعد ذكر المصنف الحكم المذكور: وهو موضع وفاق منا. وظاهر هم أن المستند فيه إنما

[ 232 ]

هو الاجماع، والظاهر أنه لذلك نسب المحقق في الشرائع الحكم المذكور إلى قول المشهور مؤذنا بالتوقف فيه والطعن في دليله. وظاهره في المسالك الميل أيضا إلى ذلك، قال - رحمه الله -: نبه بقوله على قول المشهور على ضعف مستنده، فإنه ليس عليه نص، وإنما أوردوا عليه أدلة ظاهرية كقولهم: إن النكاح أمر ثابت متحقق، ولا يزول إلا بسبب متحقق، ووقوعه مع الشرط مشكوك فيه. وقولهم: إنه مع عدم الشرط إجماعي، ولا دليل على صحته بالشرط، ونحو ذلك، فإن هذا كله مندفع بعموم الادلة الدالة على ثبوت حكم الطلاق حيث يقع أعم من كونه منجزا أو معلقا على شرط. وقال سبطه في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: وهو جيد لو ثبت ما ادعاه من العموم لكنه محل نظر - ثم قال: - ويمكن أن يستدل على اعتبار هذا الشرط مضافا إلى ما سبق بقوله (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم (1) " إنما الطلاق أن يقول لها.. أنت طالق أو اعتدي " فإن الصيغة المعلقة على شرط أو صفة خارجة عن هذين اللفظين، والمعتمد ما عليه الاصحاب، انتهى. أقول: ما ادعاه شيخنا المذكور من العمومات ليس في محله، وإنما هنا إطلاقات، والظاهر أن مراده ذلك، فإنهم يعبرون عن أحدهما بالآخر، إلا أنه قد تقرر أن الاطلاق إنما يحمل على الافراد الشائعة التكررة، فإنها هي التي يتبادر إليها الاطلاق، دون الفروض النادرة، ولاريب أن المتكرر في الطلاق إنما هو المنجز الغير المعلق، بل ذكر المعلق إنما هو فرض أرادوا التنبيه على حكمه لو وقع. نعم لو استدل على صحة الطلاق مع التعليق بالادلة الدالة على وجوب الوفاء


(1) الكافي ج 6 ص 69 ضمن ح 1، التهذيب ج 8 ص 37 ضمن ح 27، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ضمن ح 3.

[ 233 ]

بالشروط لكان وجها، إلا أنه يمكن الجواب عنه بأن النكاح والطلاق من الامور التوقيفية يحتاج في ثبوتها إلى مادل شرعا على ما يوجب النكاح أو الطلاق كما تقدم ذكره، ولم يعلم من الشارع صحة الطلاق مع التعليق، والاصل بقاء عصمة النكاح حتى يقول الدليل الشرعي على انقطاعها. وبالجملة فالظاهر هو القول المشهور، وهو الاوفق بالاحتياط (1) كما لا يخفى. والمراد بالشرط المعلق عليه هو ما يحتمل وقوعه وعدمه كدخول الدار مثلا، وبالصفة ما لابد من وقوعه عادة كطلوع الشمس، وقد استثني من الحكم ببطلان الطلاق المعلق على الشرط ما إذا كان الشرط معلوم الوقوع عند إيقاع الصيغة كما لو قال: أنت طالق إن كان الطلاق يقع بك، وهو يعلم وقوعه، فإن الطلاق هنا يقع صحيحا حيث إنه لا تعليق في المعنى، ونقل عن الشيخ أن الطلاق لا يقع لصدق تعليقه على الشرط، وهم اتفقوا على الطلاق المعلق على الشرط وهذا منه، لان قوله " إن كان قع بك " شرط لغة وعرفا ورده المحقق في الشرائع بأن ما ذكره حق إن كان المطلق لا يعلم، وأما مع علمه بأن الطلاق يقع بها وهي مستكملة لشرائطه فلا. وتوضيحه: أن التعليق على الشرط لم يكن مبطلا من حيث كونه تعليقا على شرط، وإنما ابطل من حيث عدم التنجيز وإيقاعه في الحال، فالمدار في صحته إنما هو على التنجيز، ومطلق الشرط لا ينافيه، بل الشرط الذي لا يعلم وقوعه، وإلا فلو علم حال الطلاق أنها جامعة للشرائط من عدم الحيض وكونها في طهر لم يقربها فيه فقد علم حينئذ صلاحيتها لوقوع الطلاق بها، فإذا علقه على وقوعه بها فقد علقه على أمر يعلم حصوله حال الطلاق، فلم يناف ذلك بتنجيزه بخلاف


(1) فان النكاح موجب لتحلل ما كان محرما قبله، والطلاق موجب لتحريم ما كان محللا قبله، فلا بد في كل من التحليل في الاول والتحريم في الثاني من موجب شرعى ودليل قطعي، ولم يعلم من الشارع وقوع الطلاق المعلق، ولا بيان حاله من أنه صحيح أو باطل كما لا يخفى (منه - قدس سره -).

[ 234 ]

ما ولو جهل حالها، وكذا القول في كل شرط يعلم وقوعه حالة الطلاق كقوله: إن كان يوم الجمعة فأنت طالق، مع علمه بأنه يوم الجمعة، فإن الطلاق يقع البتة، لان الشرط في قوة الوصف، فكأنه قال بناء على المثال الاول: أنت طالق في هذا الوقت الذي يقع فيه الطلاق بك، وأنت طالق في هذا اليوم بناء على المثال الثاني. وسادسها: اختلف الاصحاب فيما لو فسر الطلقة باثنين أو ثلاث، فهل يبطل الطلاق من أصله ؟ أو يلغو التفسير وتصير واحدة ؟ قولان: (الاول) للسيد المرتضى في الانتصار وسلار وابن أبي عقيل وابن حمزة (والثاني) للشيخ في النهاية والمرتضى في القول الآخر وابن إدريس والمحقق والعلامة في المختلف وجماعة، والظاهر أنه هو المشهور سيما بين المتأخرين، واتفق الجميع على عدم وقوع المجموع، بمعنى أنه لا يقع ثلاثا أو اثنين بمجرد قوله ذلك، بل لابد لوقوع العدد من تخلل الرجعة، والاصل في هذا الاختلاف اختلاف الروايات والتعليلات. أما القول الثاني فإن العلامة في المختلف قد استدل عليه بوجود المقتضي، وهو قوله " أنت طالق " وانتفاء المانع، إذ ليس إلا قوله ثلاثا، وهو غير معارض لانه مؤكد لكثرة الطلاق وإيقاعه وتكثير سبب البينونة، والواحدة موجودة في الثلاث لتركبها منها ومن وحدتين اخرتين، ولا منافاة بين الكل وجزئه. فيكون المقتضي وهو الجزء خاليا من المعارض. ورد (1) بأنه ضعيف جدا لمنع كون الثلاث مؤكدة للواحدة - أعني المقيدة بقيد الوحدة - بل منافية لها، والموجود في ضمن الثلاث الواحدة لا بشرط، والمطلوب هنا الواحدة بشرط لا بمعنى المقيدة بقيد الوحدة، وهي غير داخلة في الثلاث قطعا. وهو جيد والاولى الرجوع إلى الاخبار، وها أنا أسوق ما حضرني من الاخبار الدالة على هذا القول.


(1) الراد هو السيد السند في شرح النافع. (منه - رحمه الله -).

[ 235 ]

ومنها ما رواه في الكافي (1) عن زرارة في الصحيح عن احدهما عليهما السلام " قال: سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد وهي طاهر، قال: هي واحدة ". وفي الصحيح أو الحسن (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: سألته عن الذي يطلق في حال طهر في مجلس ثلاثا ؟ قال: هي واحدة ". وفي الصحيح عن أبي بصير الاسدي (3) ومحمد بن علي الحلبي وعمر بن حنظلة جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الطلاق ثلاثا في غير عدة، إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشئ " قوله " في غير عدة " أي إذا لم يكن للعدة، بأن يرجع في العدة ويجامع. وعن عمرو بن البراء (4) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إن أصحابنا يقولون: إن الرجل إذا طلق امرأته مرة أو مائة مرة فإنما هي واحدة، وقد كان يبلغنا عنك وعن آبائك عليهم السلام أنهم كانوا يقولون: إذا طلق مرة أو مائة مرة فإنما هي واحدة، فقال: هو كما بلغكم ". وما رواه في التهذيب (5) عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) " في التي تطلق في حال طهرها في مجلس ثلاثا، قال: هي واحدة ". وعن بكير (6) في الحسن أو الموثق عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: إن طلقها للعدة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحد بطلاق ". وما رواه الكليني (7) في الصحيح عن شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الكافي ج 6 ص 70 ح 1، الوسائل ج 15 ص 311 ب 29 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 71 ح 2، الوسائل ج 15 ص 312 ب 29 ح 3. (3) و (4) الكافي ج 6 ص 71 ح 3 و 4، الوسائل ج 15 ص 311 و 313 ب 29 ح 1 و 7. (5) و (6) التهذيب ج 8 ص 53 ح 90 و 91، الوسائل ج 15 ص 312 و 314 ب 29 ح 3 و 12. (7) الكافي ج 6 ص 125 ح 5، الوسائل ج 15 ص 312 ب 29 ح 4.

[ 236 ]

" في حديث قال: قلت: فطلقها ثلاثا في مقصد، قال ترد إلى السنة، فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة ". ونحو رواية أبي محمد الوابشي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام). وعن الكلبي النسابة (2) عن الصادق (عليه السلام) " في حديث قال فيه: فقلت: فرجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا، فقال: ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه ". وعن محمد بن سعيد الاموي (3) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق ثلاثا في مقصد واحد، قال: فقال: أما أنا فأراه قد لزمه، وأما أبي فكان يرى ذلك واحدة ". أقول: الظاهر أن ما أفتى به (عليه السلام) من لزوم الطلاق وأنه يكون بائنا إنما خرج مخرج التقية، ويؤيده أن الراوي اموي، والذي نقله عن أبيه هو الموافق للاخبار المذكورة، وأورد شيخنا الشهيد في شرح الارشاد على الاستدلال بهذه الاخبار أن السؤال فيها عمن طلق ثلاثا في مجلس وهو أعم من أن يكون بلفظ الثلاث أو بلفظ لكل واحد مرة، والثاني لا نزاع فيه فلم قلتم أنه غير مراد، وبتقدير عدم تعينه للارادة يكون أعم من كل واحد، والعام لا يستلزم الخاص. وأجاب عنه في المسالك فقال: إن لنا الاستدلال بعمومه الشامل للقسمين فإن " من " من صيغ العموم، فيتناول من طلق ثلاثا مرسلة، كذا وبثلاثة ألفاظ، وقد حكم على هذا العام بوقوع واحدة، فيتناول بعمومه موضع النزاع كما هو شأن كل عام.


(1) التهذيب ج 8 ص 53 ح 92، الوسائل ج 15 ص 314 ب 29 ح 13. (2) الكافي ج 1 ص 350 ضمن ح 6 طبع دار الكتب الاسلامية، الوسائل ج 15 ص 312 ب 29 ح 5. (3) التهذيب ج 8 ص 53 ح 93، الوسائل ج 15 ص 314 ب 29 ح 14.

[ 237 ]

واعترضه سبطه في شرح النافع فقال: وعندي في هذا الجواب نظر، فإن لفظة " من " وإن أفاد العموم وتناول كل مطلق، لكن لفظ " طلق " مثبت فلا يفيد العموم على وجه يتناول أقسام الطلاق، وعموم المطلق يتحقق بتناول اللفظ لكل مطلق أوقع الطلاق بثلاثة ألفاظ، فلا يجب تناوله لمن طلق ثلاثا بلفظ واحد مرسل، مع أن المتبادر من قوله " طلق ثلاثا " أنه أوقع الطلاق بثلاث صيغ، إذ لا يصدق على من قال " سبحان الله عشرا " أنه سبح الله عشر مرات. وبالجملة فهذه الروايات غير دالة على المطلوب صريحا ولا ظاهرا. انتهى، وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، إلا أن آخر العبارة لا يخلو من خزازة ولعله لغلط وقع فيها. وحق الكلام أن يقال: إذ لا يصدق على من قال " سبح الله عشرا " إلا أنه سبح الله عشر مرات لا أن يقول " سبحان الله " عشرا خاصة، ونحو ذلك من الالفاظ المؤدية لهذا المعنى، ويؤيد قوله في حسنة بكير أو موثقته المتقدمة إن طلقها للعدة أكثر من واحدة، فليس الفضل على الواحد بطلاق، فإن المراد منها كما هو الظاهر إنما هو تعدد الطلاق. وحينئذ فيحمل عليها إطلاق الاخبار المذكورة، وكيف كان فإن لم يكن ما ذكرناه هو الاظهر من الاخبار المذكورة فلا أقل من كونه أحد الاحتمالين، وبه يبطل الاستدلال لقيام الاحتمال. ومما يدل على كونه واحدة متى تعددت العبارة ثلاثا مثلا وأن الزائد لغو - مضافا إلى ما ذكره شيخنا الشهيد من أنه لا نزاع فيه - رواية إسحاق بن عمار الصيرفي (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " أن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثا في كلمة واحدة فقد بانت منه، ولا ميراث بينهما ولا رجعة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وإن قال: هي طالق، هي طالق، هي طالق فقد بانت منه بالاولى، وهو خاطب من الخطاب، إن شاءت


(1) التهذيب ج 8 ص 53 ح 94، الوسائل ج 15 ص 315 ب 29 ح 15.

[ 238 ]

نكحته نكاحا جديدا، وإن شاءت لم تفعل " وصدر الخبر إنما خرج مخرج التقية، كما هو مذهب العامة، وعلى ذلك حمله الشيخ وغيره، ويدل عليه ما رواه الشيخ (1) عن أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: كنت عنده فجاء رجل فسأله عن رجل عليه السلام طلق امرأته ثلاثا، قال: بانت منه. قال: فذهب ثم جاء رجل آخر من أصحابنا فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا، فقال: تطليقة. وجاء آخر فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا، فقال: ليس بشئ. ثم نظر إلي فقال: هوما ترى، قال: قلت: كيف هذا ؟ قال: هذا يرى أن من طلق امرأته ثلاثا حرمت عليه، وأنا أرى أن من طلق امرأته ثلاثا على السنة فقد بانت منه، ورجل طلق امرأته ثلاثا وهي على طهر فإنما هي واحدة، ورجل طلق امرأته ثلاثا على غير طهر فليس بشئ " (2). أقول: في هذا الخبر دلالة على أنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يجيبون باعتبار علمهم بالحال، والاول كان من المخالفين وأجابه (عليه السلام) بما يوافق معتقده ظاهرا من حصول البينونة بمجرد الثلاث، ولكنه (عليه السلام) أراد مع وقوعه على السنة كما أوضحه. والثانى حيث كان من أصحابنا أجابه بما أجاب به أصحابه (عليه السلام) في هذه الاخبار حيث


(1) التهذيب ج 8 ص 54 ح 95، الوسائل ج 15 ص 315 ب 29 ح 16. (2) أقول: ومن هذا القبيل ما رواه في التهذيب [ ج 8 ص 92 ح 232 ] في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن أبى الحسن عليه السلام " قال: سأله رجل وأنا حاضر عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فقال له أبو الحسن عليه السلام: من طلق امرأتة ثلاثا للسنة فقد بانت عنه، قال: ثم التفت إلى فقال: يا فلان لا تحسن أن تقول مثل هذا ". أقول: الظاهر أن السائل كان مخالفا فأجاب عليه السلام بجواب يظن أنه مطابق لسؤاله والحال أنه ليس كذلك لانه أراد بطلاق السنة، هو الطلاق المشتمل على الرجوع بين الطلقات والدخول، فان هذا هو المحرم ثانيا إذا كان ثلاثا، والسائل يظن أن مراده ما سأل عنه من الطلاق ثلاثا في مجلس واحد وأنه من السنة عنده، وقوله عليه السلام " لا يحسن أن تقول مثل هذا " يعنى أن يجيب بالحكم الواقعي مع كونه موافقا لمراد السائل يعتقد أنك أجبته بمقتضى اعتقاده الباطل. (منه - قدس سره -).

[ 239 ]

إنه فهم منه أنه طلق ثلاثا في مجلس واحد. والثالث لما علم أنه طلق على غير طهر أجابه بالبطلان من حيث فوات أحد شروط الطلاق. احتج من قال بالبطلان (أولا) بأن الواحدة المنفردة - أعني المقيدة بقيد الوحدة - غير مرادة فلا تقع، لان من جملة شرائط الصحة القصد إلى الطلاق، والمقصود هو التطليقات الثلاث غير واقع إجماعا، ومرجعه إلى أن المقصود غير واقع والصالح للوقوع غير مقصود، لانه غير مريد للواحدة المقيدة بقيد الواحدة. وأجيب عنه بأن قصد الثلاث يستلزم قصد كل واحدة، وفيه ما تقدم في صدر المسألة في الجواب عما استدل به في المختلف. (وثانيا) الروايات، وهي التي عليها المعول في الاستدلالات، لما عرفت ما في هذه الادلة العقلية من المناقضات. ومنها ما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: من طلق ثلاثا في مجلس فليس بشئ، من خالف كتاب الله رد إلى كتاب الله ". وعن علي بن إسماعيل (2) " قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق أمرأته ثلاثا بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقة واحدة، فوقع بخطه (عليه السلام): أخطأوا على أبي عبد الله (عليه السلام) أنه لا يلزم الطلاق، ويرد إلى كتاب الله وسنته إن شاء الله ". أقول: والذي يظهر لي في الجمع بين أخبار المسألة هو حمل مادل أنها واحدة على ما إذا وقع الطلاق بصيغ ثلاث في مجلس واحد، فإنه هو المتبادر من هذه العبارة بالتقريب الذي عرفته آنفا، وحمل الاخبار الدالة على أنه ليس بشئ


(1) التهذيب ج 8 ص 54 ح 96، الوسائل ج 15 ص 313 ب 29 ح 8. (2) التهذيب ج 8 ص 56 ح 101، الوسائل ج 15 ص 316 ب 29 ح 19 وفيهما اختلاف يسير.

[ 240 ]

وأنه باطل على ما إذا وقع الطلاق بصيغة واحدة تضمنت لفظ " ثلاثا " والعامة هنا على لزوم الطلاق وكونه بائنا لا تحل له بعده إلا بالمحلل كما عرفت، والائمة (عليهم السلام) قد ردوه وحكموا ببطلانه رأسا. وتوضيح هذا الجمع مكاتبة عبد الله بن محمد المذكورة حيث إنها تضمنت تخطئة من حكم بالواحدة في صورة تضمن الطلاق ثلاثا بكلمة واحدة، ومنه يفهم أن كونه واحدة في الاخبار المتقدمة إنما هو في صورة تعدد الصيغة ثلاثا في مجلس واحد، وقد حكم (عليه السلام) في الخبر ببطلان ذلك، وأنه لا يلزمه طلاق مطلقا، لا واحدة كما هو المشهور عندهم، ولا أزيد كما ذهب إليه العامة، بل هو باطل يرد إلى الكتاب والسنة، فهو ظاهر في الجمع المذكور بكل طرفيه، ويؤكده ما تقدم من التقريب المشار إليه. ومما يؤيد البطلان متى كان دفعة واحدة دون أن يكون ذلك تطليقة واحدة ما رواه الراوندي في كتاب الخرائج عن هارون بن خارجة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت إني ابتليت فطلقت أهلي ثلاثا في دفعة، فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشئ، وأن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله (عليه السلام)، فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شئ ". وبالجملة فإنه ليس لما ذكرناه من هذا الجمع مناف إلا شهرة الحكم بين أصحابنا بكونه يقع واحدة متى كان الطلاق بصيغة واحدة مشتملة على لفظ " ثلاثا " وعلى ما ذكرناه من أن الطلاق ثلاثا في مجلس بلفظ " ثلاثا " خاصة دون تعدد الصيغ باطل من اصله تحمل الاخبار المتكاثرة القائلة (2) " وإياكم والمطلقات ثلاثا في مجلس واحد، فإنهن ذوات أزواج ".


(1) الوسائل ج 15 ص 319 ب 29 ح 29. (2) التهذيب ج 8 ص 58 و 56 ح 109 و 102، الوسائل ج 15 ص 316 ب 29 ح 20 و 21.

[ 241 ]

ومن هنا يمكن الاستدلال للقول بالبطلان بهذه الاخبار، فإن المطلقة ثلاثا في مجلس واحد بمعنى تثليث الصيغ لا خلاف ولا إشكال في كونه يقع واحدة، فلم يبق إلا الحمل على إيقاع الصيغة بلفظ ثلاثا الذي هو محل البحث هنا وقد حكموا عليهم السلام بالبطلان، وأن المطلقات كذلك ذوات أزواج. إلا أن الشيخ لحكمه بوقوع الثلاث واحدة في الصورة المذكورة كما هو المشهور حمل هذه الاخبار على اختلاف بعض الشرائط الموجبة لصحة الطلاق، ولا يخفى بعده. ويؤيد الروايات المذكورة ما قدمناه من الاخبار (1) الدالة على أنه إذا أراد الرجل تزويج المطلقة ثلاثا انتظر أن تكون في طهر وأتى بشاهدين معه، وسأل زوجها هل طلقت فلانة ؟ فإذا فإذا قال نعم فهي تطليقة، تعتد بعدها عدة المطلقة، ثم يتزوجها، فإنها أظهر ظاهر في بطلان الطلاق الاول الذي وقع من المخالف. لكن بإزاء هذه الاخبار أيضا أخبار أخر تدل على جواز التزويج في هذه الصورة من غير الاحتياج إلي طلاق آخر، إلزاما لهم بما ألزموا به أنفسهم. ومنها ما رواه في التهذيب (2) عن إبراهيم بن محمد الهمداني في الصحيح أو الحسن " قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام مع بعض أصحابنا فأتاني الجواب بخطه الشريف: فهمت ما ذكرت من أمر بنتك وزوجها فأصلح الله لك ما تحب صلاحه فأما ما ذكرت من خسته بطلاقها غير مرة، فانظر يرحمك الله فإن كان ممن يتولانا ويقول بقولنا فلا طلاق عليه، لانه لم يأت أمرا جهله، وإن كان ممن يتولانا ويقول بقولنا فاختلعها منه فإنه إنما نوى الفراق بعينه ". وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت: امرأة طلقت


(1) التهذيب ج 8 ص 59 ح 113، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ح 1 و 2. (2) التهذيب ج 8 ص 57 ح 105، الوسائل ج 15 ص 320 ب 30 ح 1، وفيهما " أبى جعفر الثاني " وكذلك " ومن حنته " وأيضا " وان كان ممن لا يتولانا ولا يقول يقول نا فاختلعها منه ". (3) التهذيب ج 8 ص 58 ح 107، الوسائل ج 13 ص 320 ب 30 ح 3.

[ 242 ]

على غير السنة، قال: تتزوج هذه المرأة، ولا تترك بغير زوج ". وعن عبد الله بن سنان (1) " قال: سألته عن رجل طلق امرأته بغير عدة ثم أمسك عنها حتى انقضت عدتها، هل يصلح لي أن أتزوجها ؟ قال: نعم، لا تترك المرأة بغير زوج ". وعن ابن جبلة (2) " قال: حدثني غير واحد من أصحاب علي بن أبي حمزة عن علي بن أبي حمزة أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المطلقة على غير السنة، أيتزوجها الرجل ؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموا أنفسهم، وتزوجوهن فلا بأس بذلك قال الحسن: وسمعت جعفر بن سماعة وسئل عن امرأة طلقت على غير السنة، ألي أن أتزوجها ؟ فقال: نعم. قلت: أليس تعلم أن علي بن حنظلة روى إياكم والمطلقات على غير السنة فإنهن ذوات أزواج ؟ فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، قلت: وأي شئ روى علي بن أبي حمزة ؟ قال: روى عن أبى الحسن (عليه السلام) أنه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوجوهن فإنه لا بأس بذلك ". وعن عبد الاعلى (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، قال: إن كان مستحقا بالطلاق ألزمته ذلك ". وعن أبي العباس البقباس (4) " قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فقال لي: ارو عني أن من طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه ".


(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 58 ح 108 و 109، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 4 و 5 وفيهما اختلاف يسير. (3) التهذيب ج 8 ص 59 ح 110، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 7 وفيهما " مستخفا ". (4) التهذيب ج 8 ص 59 ح 111، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 8 وفيهما " أبى العباس البقباق ".

[ 243 ]

وما رواه في الكافي (1) عن جعفر بن محمد بن عبد الله عن أبيه " قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تزويج المطلقات ثلاثا، فقال لي: إن طلاقكم لا يحل لغيركم، وطلاقهم يحل لكم، لانكم لاترون الثلاث شيئا وهم يوجبونها ". وما رواه الشيخ في التهذيب (2) عن جعفر بن محمد العلوي " قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) " الحديث، بدون قوله " وهم يوجبونها ". إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد صرح الاصحاب بأنه لو كان المطلق مخالفا يعتقد الطلاق ثلاثا لزمته، وكذا كل طلاق على غير السنة مما يحكمون بلزومه وصحته كوقوع الطلاق بغير إشهاد ووقوعه في الحيض وباليمين وبالكناية مع النية، فإنه في جميع هذه المواضع يلزمون بصحته ويحكم عليهم بذلك واستدلوا على ذلك بجملة من الاخبار المتقدمة، مثل صحيحة إبراهيم بن محمد الهمداني ورواية علي بن أبي حمزة ورواية عبد الاعلى، وما ذكروه - رحمة الله عليهم - ودلت عليه الاخبار المذكورة من إلزامهم بذلك والحكم عليهم به مما لاإشكال فيه، مضافا إلى الاجماع المدعى عليه كما نقله في المسالك. ويؤيده أيضا ما رواه محمد بن مسلم (3) في الموثق عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: سألته عن الاحكام، قال: يجوز على كل ذي دين ما يستحلونه " ورواية عبد الله بن محرز (4) الواردة في الميراث.


(1) لم نعثر عليه في الكافي بل وجدناه في الفقيه مرسلا ج 3 ص 257 ح 5 عن الصادق عليه السلام مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 9. (2) التهذيب ج 3 ص 59 ح 112 وقد وجدنا فيها عبارة " وهم يوجبونها ". (3) التهذيب ج 9 ص 322 ح 11، الوسائل ج 17 ص 484 ب 4 ح 4. (4) وهى ما رواه عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: رجل ترك ابنته واخته لابيه وامه، قال: المال كله لابنته، وليس للاخت من الاب والام شئ. قلت: فانا قد احتجنا إلى هذا والرجل الميت من هؤلاء الناس واخته مؤمنة، قال: فخذلها النصف، خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم وأحكامهم، قال: فذكرت ذلك لزرارة =

[ 244 ]

إنما الاشكال في أن جملة من هذه الروايات قد صرحت بجواز تزويج تلك المرأة المطلقة بهذا الطلاق الجاري على غير السنة، مع ما عرفت من الروايات الدالة على أن المطلقات على غير السنة ذوات أزواج، فلا يجوز تزويجهن، والاخبار الدالة على أنه متى أراد الرجل تزويج واحدة ممن طلقت كذلك انتظر طهرها وأتى بشاهدين معه فسأل زوجها هل طلقت فلانة ؟ فإذا قال نعم كانت تطليقة واعتدت لها، فإذا خرجت من العدة جاز تزويجها. والمنافاة بين هذه الروايات ظاهرة ولم أر من تعرض لوجه الجمع بينها. والظاهر خروج هذه الاخبار الدالة على الجواز مخرج الرخصة في التزويج بهن، وإليه يشير كلام جعفر بن سماعة المتقدمة وإن كان الاصل والافضل هو المنع. ومما يستأنس به لذلك رواية شعيب الحداد (1) قال: قلت لابي جعفر (عليهما السلام): رجل من مواليك يقرؤك السلام، وقد أراد أن يتزوج امرأة قد وافقته وأعجبه بعض شأنها، وقد كان لها زوج، فطلقها ثلاثا على غير السنة، وقد كره أن يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت آمره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الفرج وأمر الفرج شديد، ومنه يكون الولد، ونحن نحتاط فلا يتزوجها ". فإن الظاهر أن هذا المنع على وجه الافضلية، فالاحتياط هنا مستحب، وإن جاز التزويج رخصة بالاخبار المتقدمة. ويمكن الجمع بين هذه الاخبار بأنه إن كانت الزوجة مخالفة جاز


= فقال: ان على ما جاء به لنورا، خذهم بحقك في أحكامهم وسنتهم كما يأخذون منكم فيه " وفي معناه أخبار عديدة (منه - قدس سره -). راجع الرواية في الكافي ج 7 ص 100 ح 2، التهذيب ج 9 ص 321 ح 9، الوسائل ج 17 ص 484 ب 4 ح 1 و 2، وما في المصادر " ان على ما جاء به ابن محرز لنورا ". (1) الكافي ج 5 ص 423 ح 2، الوسائل ج 14 ص 193 ب 157 ح 1 وفيهما " قلت لابي عبد الله عليه السلام " وكذلك " أنت تأمره ".

[ 245 ]

تزويجها، وإليه يشير حديث الالزام بما ألزموا أنفسهم (1)، وإن كانت مؤمنة فلا إلا بطلاق جديد. إلا أنه ينافيه ظاهر خبر إبراهيم بن محمد الهمداني مع عدم الاشارة إليه في شئ من هذه الاخبار. الركن الرابع في الاشهاد: وفيه مسائل: الاولى: اتفق النص والفتوي على اشتراط الاشهاد في صحة الطلاق، فلابد من حضور شاهدين حال إنشاء الطلاق، ولو تجرد عنهما بطل، وبذلك تكاثرت الاخبار. ومنها قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (2) " طلاق السنة يطلقها تطليقة يعني على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين " الحديث. وقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (3) " فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين على ذلك " الحديث. وقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير (4) " فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين - إلى أن قال: - فإن طلقها واحدة اخرى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم تركها حتى يمضي أقراؤها - إلي أن قال ايضا: - وأما طلاق الرجعة فإنه يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين " الحديث. وفي حسنة زرارة ومحمد بن مسلم (5) ومن معهما عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) " أنهما قالا: وإن طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق ".


(1) التهذيب ج 8 ص 58 ح 109، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 5. (2) و (3) الكافي ج 6 ص 64 و 65 ح 1 و 2، التهذيب ج 8 ص 25 و 26 ح 1 و 2، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 وح 2 و 1. (4) الكافي ج 6 ص 66 ح 4، الوسائل ج 15 ص 345 ب 1 ح 3 وص 349 ب 2 ح 2 وفيهما اختلاف يسير. (5) الكافي ج 6 ص 60 ح 11، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 3.

[ 246 ]

وحسنة زرارة ومحمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال: الطلاق لا يكون بغير شهود، والرجعة بغير شهود " الحديث. ورواية أبي الصباح الكناني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: من طلق بغير شهود فليس بشئ " إلى غير ذلك من الاخبار التي تأتي إن شاء الله في المباحث الاتية. ثم إنه لابد من شهادتهما مجتمعين، فلا يجزي لو كانا متفرقين. ويدل عليه ما رواه في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن البزنطي " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع وأشهد اليوم رجلا، ثم مكث خمسة أيام، ثم أشهد آخر، فقال: إنما امر أن يشهدا جميعا ". وما رواه في التهذيب (4) في الصحيح عن ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) " قال: سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق ؟ فقال: نعم، وتعتد من أول الشاهدين، وقال: لا يجوز حتى يشهدا جميعا ". أقول: صدر الخبر مراد به الاداء بمعنى جواز تفريق الشاهدين في أداء الشهادة ولهذا قال " من أولها " فإن إخبارها بالطلاق بعد وقوعه كاف في الشروع في العدة، والتزويج يتوقف على الثاني لثبوت الطلاق بذلك، وعجز الخبر مراد به التحمل كما دل عليه الخبر الاول. وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (5): وإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته يتربص بها حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها تطليقة واحدة في قبل عدتها بشاهدين عدلين في مجلس واحد، فإن أشهد على الطلاق رجلا واحدا ثم أشهد بعد


(1) الكافي ج 6 ص 73 ح 3، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 3 وفيهما اختلاف يسير، (2) الكافي ج 6 ص 60 ح 13، الوسائل ج 15 ص 283 ب 10 ح 6. (3) الكافي ج 6 ص 71 ح 1، الوسائل ج 15 ص 301 ب 20 ح 1. (4) التهذيب ج 8 ص 50 ح 77، الوسائل ج 15 ص 301 ب 20 ح 2. (5) فقه الرضا ص 241.

[ 247 ]

ذلك برجل آخر لم يجز ذلك الطلاق، إلا أن يشهدهما جميعا في مجلس واحد بلفظ واحد... إلخ. ويكفي سماعهما في الشهادة على الطلاق، ولا يشترط استدعاؤهما لذلك لان الشهادة لا يشترط في ثبوتها في نفسها طلبها من الشهود. وعلى ذلك يدل ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل كانت له امرأة طهرت من حيضها فجاء إلى جماعة فقال: فلانة طالق، أيقع عليها الطلاق ولم يقل اشهدوا ؟ قال: نعم ". وعن صفوان بن يحيى (2) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال فلانة طالق، وقوم يسمعون كلامه، ولم يقل لهم اشهدوا، أيقع الطلاق عليها ؟ قال: نعم، هذه شهادة ". وهل يشترط في الشهادة على الطلاق العلم بالمطلقة ؟ ظاهر السيد السند في شرح النافع ذلك، ولم أقف لغيره على كلام في هذا المقام. قال - رحمة الله عليه -: واعلم أن الظاهر من اشتراط الاشهاد أنه لابد من حضور شاهدين يشهدان الطلاق بحيث تتحقق معه الشهادة بوقوعه، وإنما يحصل ذلك مع العلم بالمطلقة على وجه يشهد العدلان بوقوع طلاقها، فما اشتهر بين أهل زماننا من الاكتفاء بمجرد سماع العدلين صيغة الطلاق - وإن لم يعلما المطلق والمطلقة بوجه - بعيد جدا، بل الظاهر أنه لاأصل له في المذهب، فإن النص والفتوى متطابقان على اعتبار الاشهاد، ومجرد سماع صيغة لا يعرف قائلها لا يسمى إشهادا قطعا، وممن صرح باعتبار علم الشهود بالمطلقة الشيخ - رحمه الله - في النهاية، فإنه قال " ومتى طلق ولم يشهد شاهدين ممن ظاهره الاسلام كان طلاقه غير واقع، ثم قال: وإذا أراد الطلاق فينبغي أن يقول: فلانة طالق، ويشير إلى المرأة بعد أن يكون العلم قد سبق بها من الشهود، فيقول هذه طالق ".


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 72 ح 3 و 4، الوسائل ج 15 ص 302 ب 21 ح 1 و 2 وفيهما اختلاف يسير.

[ 248 ]

ويدل على ذلك - مضافا إلى ما ذكرناه من عدم تحقق الاشهاد بدون العلم بالمطلقة - ما رواه الكليني عن محمد بن أحمد بن مطهر (1) " قال: كتبت إلى ابي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام): إني تزوجت نسوة لم أسأل عن أسمائهن ثم أريد طلاق إحداهن وتزويج امرأة اخرى، فكتب (عليه السلام): انظر إلى علامة إن كانت بواحدة منهن فتقول: اشهدوا أن فلانة التي لها علامة كذا وكذا هي طالق، ثم تزوج الاخرى إذا نقضت العدة " انتهى كلامه. أقول: ظاهر كلامه أن مراده بالعلم بالمطلقة والمطلق هو العلم الموجب لتميزها وتشخصها دون العلم في الجملة، وإلا فالعلم في الجملة مما لاإشكال فيه ولا مرية يعتريه، لا من أهل زمانه ولا من غيرهم، وهو الذي جرى عليه كافة من حضرنا مجالسهم من مشايخنا المعاصرين. وأما العلم بالمعنى الذي ذكر، فلا أعرف عليه دليلا واضحا، وجميع ما استدل به في المقام لا يخلو من النظر الظاهر لذوي الافهام، مع قيام صريح الدليل - كما ستعرف إن شاء الله تعالى - على خلافه. فأما ما ذكره من عدم تحقق الاشهاد بدون العلم بالمطلقة، ففيه ما ذكرناه من التفصيل، بأنه إن أراد العلم بها على وجه تميزها وتشخصها فهو ممنوع، وهو عين المدعى، لابد لاثباته من دليل، وإن أراد في الجملة فهو مسلم، والامر كذلك، فإنه لو قال: زوجتي فاطمة طالق، والشهود ليس لهم معرفة سابقة بها إلا بهذا الاسم الذي ذكره في هذه الحال، فإنه كاف في العلم بها. وكذلك المطلق إذا علموا أن اسمه زيد مثلا فإنه يكفي في العلم به، ولا يشترط أزيد من ذلك. وعلى هذا تدل عبارة الشيخ التي نقلها دون ما عداه، فإن قوله " فينبغي


(1) الكافي ج 5 ص 563 ح 31، الوسائل ج 14 ص 401 ب 3 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

[ 249 ]

أن يقول: فلانة طالق " يعني يسمي المطلقة باسمها العلمي كما ذكرناه، ومع عدم معرفة اسمها العلمي فلابد من شئ يدل على التعيين لوجوبه في صحة الطلاق كما تقدم، بأن يشير إلى امرأة جالسة ويقول هذه طالق، بعد علم الشهود بها ولو في الجملة بأن تكون بنت فلان أو اخت فلان أو البصرية أو الكوفية أو نحو ذلك مما يفيد العلم في الجملة. وأما الخبر الذي ذكره، فإنه تضمن أن الزوج لايعرف أسماء النساء، والحال أنه يريد طلاق واحدة منهن، ومن شروط الطلاق كما تقدم تعيين المطلقة فلا يصح لو كان عنده زوجات متعددة أن يقول: إحداكن طالق ونحوه، وإن خالف في ذلك بعض الاصحاب كما تقدم، إلا أن الاشهر الاظهر وجوب التعيين، وحينئذ فإذا تعذر معرفة الاسم العلمي ليعبر به في صيغة الطلاق فلابد من لفظ يفيد التعيين، مثل أن يعلمها بعلامة تزيل الاشتراك وتوجب التعيين، وظاهر الخبر أنه لو كان يعرف أسمائهن وطلق واحدة منهن بالاسم العلمي لصح الطلاق، ولم يشترط زيادة على ذلك، وأنه إنما صار إلى التعيين بالعلامة لتعذر معرفة الاسم العلمي، وهذا عين ما نقول به ولا دلالة فيه على العلم الذي يدعيه، بل غايته العلم في الجملة. ومما يدل صريحا على ما قلناه وينادي بصحة ما ادعيناه ما رواه في الكافي (1) عن علي بن ابراهيم عن أبيه وعن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي بصير يعني المرادي " قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عن رجل يتزوج أربع نسوة في عقدة واحدة أو قال في مجلس واحد ومهورهن مختلفة، قال: جائز له ولهن، قلت: أرأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان فطلق واحدة من الاربع،


(1) الكافي ج 7 ص 131 ح 1، التهذيب ج 8 ص 93 ح 238، الوسائل ج 15 ص 303 ب 23 ح 1، وما في المصادر اختلاف يسير، ولفظة " ليس " غير موجودة في الكافي والوسائل ولعلها سقطت من الرواة أو النساخ كما أشار إليها المعلق في الكافي فراجع.

[ 250 ]

وأشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد وهم لا يعرفون المرأة، ثم تزوج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدة تلك المطلقة، ثم مات بعد ما دخل بها، كيف يقسم ميراثه ؟ قال: إن كان له ولد فإن للمرأة التي تزوجها أخيرا من تلك البلاد ربع ثمن ما ترك، وإن عرفت التي طلقت بعينها ونسبها فلا شئ لها من الميراث وليس عليها العدة، قال: وتقسم الثلاث النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك، وعليهن العدة، وإن لم تعرف التى طلقت من الاربع قسمن النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعا وعليهن جميعا العدة ". ورواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن محبوب، وطريقه إليه صحيح، وهو مع صحة سنده صريح في صحة طلاق من لم يعرفها الشهود، ومن الظاهر أن هذه المعرفة المنفية إنما هي المعرفة الشخصية التي ادعاها، وإلا فإنه لابد في صحة الطلاق من التعيين الموجب لوقوع الطلاق على واحدة معينة، ولا ينافيه الاشتباه المذكور في آخر الرواية، لجواز أن يكون القوم الذين طلق بحضورهم قد نسوا الاسم الذي سماها به. وبالجملة فالخبر ظاهر بل صريح في خلاف ما ادعاه. نعم ربما يدل على ما ذكره ما رواه الشيخ (1) في الحسن عن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: لا يكون خلع ولا تخيير ولا مباراة إلا على طهر من المرأة من غير جماع وشاهدين يعرفان الرجل ويريان ويعرفان المرأة ويحضران التخيير، وإقرار المرأة أنها على طهر من غير جماع يوم خيرها. فقال له محمد بن مسلم: ما إقرار المرأة هاهنا ؟ قال: يشهد الشاهدان عليها بذلك للرجل، حذار أن تأتي بعد فتدعي أنه خيرها وهي طامث، فيشهدان عليها بما سمعا منها " الحديث. إلا أن ظاهر هذا الخبر لم يتضمن الطلاق، وهو غير هذه الاشياء المذكورة،


(1) التهذيب ج 8 ص 99 ح 33، الوسائل ج 15 ص 304 ب 23 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

[ 251 ]

ويمكن حمله على الاستحباب والاحتياط. وبالجملة فإن ما ذكرنا من الاكتفاء بالمعرفة الاجمالية هو الذي جرى عليه مشايخنا الذي عاصرناهم وحضرنا مجالس طلاقهم كما حكاه هو أيضا عما اشتهر في زمانه، وأما ما ادعاه - رحمه الله - فلم أقف له على موافق، ولا دليل يعتمد عليه، ولم أقف لاحد من أصحابنا على بحث في هذه المسألة سوى ما نقلناه عنه، وقد عرفت ما فيه. المسألة الثانية: المشهور بين الاصحاب اعتبار العدالة في الشاهدين، وعليه يدل ظاهر الآية، وهو قوله تعالى " ذوي عدل منكم " (1) والتقريب فيها أن الخطاب للمسلمين، فالاسلام مستفاد من قوله منكم، ويبقى اعتبار العدالة أمرا زائدا على الاسلام، فلا يكفي مجرد الاسلام كما ادعاه جملة من الاعلام، أولهم الشيخ في بعض كتبه. وقد وافق على الاستدلال بالآية شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في هذا الكتاب وإن خالف نفسه في كتاب الشهادات فارتكب التأويل فيها بما يخرجها عن الاستدلال لها بما لا يخفى ضعفه على المتأمل في هذا المقال. ومن الاخبار الدالة على ما ذكرناه من اشتراط العدالة قول الصادقين (عليهما السلام) في صحيحة الفضلاء " (2) وإن طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع، ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق ". وقول أبي جعفر (عليهما السلام) في حسنة بكير وغيره (3) " وإن طلقها للعدة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق ". وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (4) " أشهدت رجلين عدلين كما أمر الله عزوجل ؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإن طلاقك ليس بشئ ".


(1) سورة الطلاق - آية 2. (2) و (3) الكافي ج 6 ص 60 و 61 ح 11 و 17، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 3 و 2. (4) الكافي ج 6 ص 60 ح 14، الوسائل ج 15 ص 283 ب 10 ح 7 وفيهما اختلاف يسير.

[ 252 ]

وقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " ثم يطلقها تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدين عدلين ويراجعها " الحديث. وقول أبي الحسن (عليه السلام) في حسنة أحمد بن محمد بن أبي نصر (2) " يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين كما قال الله عزوجل في كتابه، فإن خالف ذلك رد إلى كتاب الله تعالى ". إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع، وبذلك يظهر لك ضعف القول بالاكتفاء بمجرد الاسلام كما تقدم نقله عن الشيخ، وتبعه فيه جملة من الاعلام، منهم شيخنا الشهيد الثاني وسبطه في شرح النافع والمحدث الكاشاني في المفاتيح. قال في النهاية: ومتى طلق ولم يشهد عليه السلام شاهدين ممن ظاهره الاسلام كان طلاقه غير واقع - ثم قال: - فإن طلق بمحضر من رجلين مسلمين ولم يقل لهما اشهدا وقع طلاقه، وجاز لهما أن يشهدا بذلك. أقول: هكذا نقل عنه السيد السند في شرح النافع، وفيه أنه وإن ذكر هذا الكلام في كتاب الطلاق إلا أنه قال في كتاب الشهادات: العدل الذي يجوز قبل شهادته للمسلمين وعليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الايمان، ثم يعرف بالستر والعفاف، والكف عن البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر - إلى أن قال: - وغير ذلك الساتر لجميع عيوبه، ويكون متعاهدا للصلوات الخمس مواظبا عليهن حافظا لمواقيتهن متوفرا على حضور جماعة المسلمين غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة أو عذر، وهو كما ترى مضمون ما دلت عليه صحيحة ابن أبي يعفور (3) الواردة


(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 67، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 4. (3) الفقيه ج 3 ص 24 ح 1، التهذيب ج 6 ص 241 ح 1، الوسائل ج 18 ص 288 ب 41 ح 1.

[ 253 ]

في تعريف العدالة، ثم قال: ويعتبر في شهادة النساء الايمان والستر والعفاف وطاعة الازواج، وترك البذاء والتبرج إلى أندية الرجال، انتهى وحينئذ فما ذكره من العبارة المذكورة في النكاح إنما أجمل فيها اعتمادا على ما قدمه في كتاب الشهادات حيث إنه ذكره أولا قبل كتاب النكاح، وإلا للزم التناقض بين كلاميه في كتاب واحد، نعم ظاهره في المبسوط ذلك، إلا أن ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أن الخلاف هنا غير الخلاف المشهور في معني العدالة، من أنها عبارة عن الملكة الراسخة كما هو المشهور بين المتأخرين أو الاسلام، وأن كلام الشيخ هنا مبني على ذلك. قال في المسالك في هذا المقام: وهل المعتبر في العدالة هنا ظهورها بترك المعاصي والقيام بالواجبات مع الايمان الخالص كما اعتبر في غيره من الشهادات ؟ أم يكفي الاسلام وإن انتفى الايمان الخالص والعدالة بالمعنى المشهور ؟ والاشهر الاول - إلى أن قال: - القول بالاكتفاء فيهما هنا بالاسلام للشيخ في النهاية وجماعة منهم القطب الراوندي، إما بناء على أن الاصل في المسلم العدالة أو خصوص رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (1) الحسنة " قال: سألت أبالحسن (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته بعد ما غشيها بشهادة (شاهدين خ ل) عدلين، فقال: ليس هذا طلاقا، فقلت: جعلت فداك كيف طلاق السنة ؟ فقال: يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشهادة عدلين كما قال الله عزوجل في كتابه، فإن خالف ذلك يرد إلى كتاب الله تعالى، فقلت له: فإن طلق على طهر من غير جماع بشاهد وامرأتين ؟ فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، وقد تجوز شهادتهن مع غيرهن في الدم إذا حضرنه، فقلت: فإن أشهد رجلين ناصبين على الطلاق، أيكون طلاقا ؟ فقال: من ولد على الفطرة اجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خيرا ".


(1) التهذيب ج 8 ص 49 ح 71، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 4 وفيهما اختلاف يسير.

[ 254 ]

وهذه الرواية واضحة الاسناد والدلالة على الاكتفاء بشهادة المسلم في الطلاق ولا يرد أن قوله " بعد أن يعرف منه خيرا " ينافي ذلك، لان الخير قد يعرف من المؤمن وغيره، هو نكرة في سياق الاثبات لا يقتضي العموم، فلا ينافيه مع معرفة الخير منه بالذي أظهر من الشهادتين والصلاة والصيام وغيرها من أركان الاسلام أن يعلم منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح لصدق معرفة الخير منه معه، وفي الخبر - مع تصديره باشتراط شهادة عدلين ثم اكتفاؤه بما ذكر - تنبيه على أن العدالة الاسلام وإذا اضيف إلى ذلك أن لا يظهر الفسق كان أولى، انتهى. قال سبطه في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: هذا كلامه - رحمه الله - وهو جيد، والرواية الاولى مع صحتها دالة على ذلك أيضا، فإن الظاهر أن التعريف في قوله (عليه السلام) فيها " وعرف بالصلاح في نفسه " للجنس لا للاستغراق وهاتان الروايتان مع صحتهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما. أقول: أشار بالرواية الاولى إلى ما قدمه في كلامه من استدلاله لهذا القول بصحيحة عبد الله بن سنان (1) " قال: قلت للرضا (عليه السلام): رجل طلق امرأته وأشهد شاهدين ناصبين، قال: كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته " ثم أورد رواية أحمد بن محمد بن أبي نصير وأردفها بكلام جده المذكور في تقريب الاستدلال بها من قوله " وهذه الرواية واضحة الاسناد.. إلخ ". وأنت خبير بأنا قدمنا في بحث صلاة الجمعة من المجلد الثاني في الصلاة (2) تحقيق الكلام في هذه المقام، وأحطنا بأطراف النقض والابرام، وأوضحنا ما في كلام هذين الفاضلين من البطلان الظاهر لجملة الافهام، وأنه من أفحش الاوهام الناشئة عن الغفلة وعدم التدبر لاخبار أهل الذكر (عليهم السلام)، إلا أنه ربما عسر


(1) الفقيه ج 3 ص 28 ح 18، التهذيب ج 6 ص 283 ح 183، الوسائل ج 18 ص 290 ب 41 ح 5 وما في المصادر " عبد الله بن المغيرة ". (2) الحدائق ج 10 ص 12.

[ 255 ]

على الناظر في هذا الكتاب مراجعة ذلك الكتاب المذكور فيجره الوهم والتعصب لهذين الفاضلين إلى نسبة كلامنا إلى الضعف والقصور لما جبلت عليه قرايح أبناء الوقت والزمان من التعويل على أقوال المتقدمين دون الاقران، فلا علاج إنا ارتكبنا مرارة التكرار لا زاحة هذا الوهم عن تلك الافكار، فنقول: إن هذا الكلام باطل من وجوه: الاول: ما قدمنا ذكره من دلالة الاية والاخبار على أن العدالة أمر زائد على مجرد الاسلام، المعتضد ذلك بدلالة جملة من الاخبار كصحيحة ابن أبي يعفور (1) المشهورة وغيرها مما قدمنا ذكره في ذلك الكتاب، الدال جميع ذلك على أنها عبارة عن التقوى والصلاح والعفاف ونحوها، وبذلك يظهر ما في قول سبطه من أنهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما. الثاني: أنه لا خلاف بين أصحابنا من هؤلاء القائلين بهذا القول وغيرهم في كفر الناصب ونجاسته وحل ماله ودمه، وأن حكمه حكم الكافر الحربي، وإنما الخلاف في المخالف الغير الناصب هل يحكم بإسلامه كما هو المشهور بين المتأخرين ؟ أم بكفره كما هو المشهور بين المتقدمين ؟ والروايتان قد اشتملتا على شهادة الناصبين على الطلاق، فكيف يتم الحكم بالاسلام ؟ ثم صحة الطلاق فرعا على ذلك مع الاتفاق نصا وفتوى على الكفر، إلا أن يريدوا بالاسلام مجرد انتحال الاسلام، فيدخل حينئذ فيه الخوارج والمجسمة والمشبهة فيكون ظلمات بعضها فوق بعض. ثم لو تنزلنا عن ذلك وحملنا الناصب في الخبرين على المخالف كما ربما يدعيه الخصم، حيث إن مذهبم الحكم بإسلام المخالفين، فإنا نقول: إن قبول شهادة المخالف مخالف للادلة الشرعية كتابا وسنة لدلالتها على عدم جواز


(1) الفقيه ج 3 ص 24 ح 1، الوسائل ج 18 ص 288 ب 41 ح 1.

[ 256 ]

قبول شهادة الفاسق والظالم، وأي فسق وظلم أظهر من الخروج من الايمان والاصرار على ذلك، لاعتقاد الفاسد المترتب عليه ما لا يخفى من المفاسد. وأما ما أجاب به المحدث الكاشاني في المفاتيح - تبعا لصاحب المسالك من أن الفسق إنما يتحقق بفعل المعصية، مع اعتقاد كونها معصية لا مع اعتقاد كونها طاعة، والظلم إنما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به - فهو مردود بأنه لو تم هذا الكلام المنحل الزمام المموه الفاسد الناشئ عن عدم إعطاء التأمل حقه في هذه المقاصد لاقتضى قيام العذر للمخالفين وعدم استحقاق العذاب في الآخرة، ولا أظن هؤلاء القائلين يلتزمونه. وذلك فإن المكلف إذا بذل جهده وجده في تحصيل الحق وأتعب الفكر والنظر في ذلك وأداه نظره إلى ما كان باطلا في الواقع لعروض الشبهة له فلا ريب في أنه يكون معذورا عقلا ونقلا، لعدم تقصيره في السعي في طلب الحق وتحصيله، وامتثال ما امر به، وكذا يقوم العذر لمنكري النبوات من أهل الملل والاديان، وهذا في البطلان أظهر من أن يحتاج إلى التبيان. وبالجملة فإنه إن كان في هذا الاعتقاد الذي جعله طاعة، وعدم العلم الذي ذكره إنما نشأ عن بحث ونظر، فإنه يقوم بهما العذر شرعا عند الله عزوجل، فلا مناص عما ذكرناه، وإلا فلا معنى لكلامه بالكلية، كما هو الظاهر لكل ذي عقل وروية. الثالث: أنه قد استفاضت الروايات والاخبار عن الائمة الابرار (عليهم السلام) كما بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا " الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب " وما يترتب عليه من المطالب بكفر المخالفين وشركهم ونصبهم ونجاستهم، وأن الكلب واليهودي خير منهم، وهذا مما لا يجامع مع الحكم بالاسلام البتة فضلا عن العدالة، ودلت أيضا على أنهم ليسوا من الحنيفية على شئ، وأنهم ليسوا إلا مثل الجدر المنصوبة، وأنه لم يبق في يدهم إلا مجرد استقبال القبلة، واستفاضت

[ 257 ]

بعرض الاخبار على مذهبهم والاخذ بخلافه (1) واستفاضت ببطلان أعمالهم (2)، وأمثال ذلك مما يدل على خروجهم عن الملة المحمدية والشريعة النبوية بالكلية، والحكم بعدالتهم لا يجامع شيئا من ذلك. الرابع: أنه يلزمه مما ذكره من أن الخبر نكرة في سياق الاثبات فلا يعم، وكذا قول سبطه " أن التعريف في قوله: وعرف بالصلاح في نفسه للجنس لا للاستغراق " دخول أكثر الفسقة والمردة في هذا التعريف، إذ ما من فاسق في الغالب إلا وفيه صفة من صفات الخير، فإذا جاز اجتماع العدالة مع فساد العقيدة جاز مع شرب الخمر والزنا واللواط ونحو ذلك من الكبائر بطريق أولى، بل يدخل في ذلك الخوارج والمرجئة وأمثالهما من الفرق التي لا خلاف في كفرها، حيث إن الخبر بهذا المعنى حاصل فيهم، فيثبت عدالتهم بذلك، وإن كانوا فاسدي العقيدة ومتصفين بالكبائر العديدة، نعوذ بالله من زلل الاقدام في الاحكام وطغيان الاقلام في معالم الحلال والحرام. الخامس: قوله " إن الخير يعرف من المؤمن - إلى قوله - الصدق معرفة الخير منه " فإن فيه زيادة على ما تقدم أن الاخبار الصحيحة الصريحة قد استفاضت ببطلان عبادات المخالفين لاشتراط صحة العبادة بالاقرار بالولاية (3)، بل ورد عن الصادق (عليه السلام) سواء على الناصب صلى أم زنا (4). والمراد بالناصب هو مطلق المخالف كما حققناه في كتابنا المذكور آنفا، وحينئذ فأي خيرية في أعمال من قام الدليل على بطلانها وأنها في حكم العدم، وكونها في الظاهر بصورة العبادة لا يجدي نفعا، لان خيرية الخير وشرية الشر إنما هو باعتبار ما يترتب على كل منهما


(1) الفقيه ج 3 ص 6 ضمن ح 2. (2) الوسائل ج 18 ص 75 ب 9 ح 4. (3) الوسائل ج 1 ص 90 ب 29. (4) عقاب الاعمال ص 471 ح 17 ولكن عن أبى جعفر عليه السلام مع اختلاف يسير.

[ 258 ]

من النفع والضر كما ينادي به الخبر النبوي (1) " لاخير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة ". إذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي ظهر لي في معنى الخبرين المذكورين أنهما إنما خرجا مخرج التقية. وتوضيح ذلك: إنه قد ظهر بما قدمناه من الوجوه أن المخالف ناصبا كان بالمعنى الذى يدعونه أو غيره لا خير فيه بوجه من الوجوه، فخرج من البين بذلك ولو حمل الخير في الخبر على مطلق الخير كما ادعاه في المسالك لجامع الفسق البتة، إذ لا فاسق متى كان مسلما إلا وفيه خير، فيلزم صحة الطلاق مع شهادة الفاسق، وهو باطل إجماعا نصا وفتوى، لدلالة الآية والرواية على رد خبره، فلا بد من حمل الخير على أمر زائد على مجرد الاسلام، ووجه الاجمال في الخبرين بالنسبة إلى هذه العبارة إنما هو التقية التي هي في الاحكام الشرعية أصل كل بلية، وذلك أن السائل في الخبر الثاني (2) لما سأله عن كيفية طلاق السنة أجابه (عليه السلام) بالحكم الشرعي الواضح، وهو أن يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عادلين كما قال الله تعالى عزوجل في كتابه، فإن خالف ذلك رد إلى الكتاب، بمعنى أنه يبطل ما أتى به من الطلاق لمخالفة الكتاب باشتراط عدالة الشاهدين ونحوه من تلك الشروط. ولاريب أن الطلاق بشهادة الناصبين بهذا التقرير باطل عند كل من له انس بالاخبار ومعرفة بما يعتقدونه (عليهم السلام) في مخالفيهم من الكفر والشرك والعداوة، فيجب رد من أشهدهما على طلاق إلى كتاب الله الدال على بطلان هذا الطلاق، لكن لما سأل سائل بعد ذلك عن خصوص ذلك، وكان المقام لا يقتضي الافصاح بالجواب الواقعي أجمل (عليه السلام) في الجواب بعبارة توهم بظاهرها ما ذكره، وتوهموه في بادي


(1) الفقيه ج 4 ص 379 ضمن ح 10 مع اختلاف يسير. (2) الكافي ج 6 ص 67 ح 6.

[ 259 ]

النظر، إلا أنه لما كان الناصب بمقتضى ما علم من مذهبهم وتواترت به أخبارهم لاخير فيه بالكلية كما عرفته، وجب إخراجه من المقام، وحمل العبارة المذكورة على ما عداه، ومما ذكرنا يعلم الكلام في الخبر الآخر. وبذلك يظهر لك زيادة على ما قدمناه ما في كلام السيد السند وقوله " إن الروايتين سالمتان من المعارض " فإن معارضيهما أكثر من أن يحصى. وبالجملة فإن الواجب في الاستدلال بالخبر في هذا الموضع وغيره النظر إلى انطباق موضع الاستدلال على مقتضى القواعد المعتبرة، والقوانين المقررة في الاخبار، فمتى كان مخالفا لها وخارجا عنها وجب طرحه، وامتنع الاستناد إليه، وإن كان ذلك الخبر صحيح السند صريح الدلالة، لاستفاضة أخبارها بعرض الاخبار على الكتاب والسنة، ولكن عادة أصحاب هذا الاصطلاح سيما السيد المذكور قصر النظر على الاسانيد، فمتى صح الخبر لم ينظروا إلى ما في متنه من العلل كما قدمنا التنبيه عليه في غير موضع. ثم إنه قال في المسالك في هذا المقام: ويتفرع على المشهور من اعتبار عدالة الشاهدين بمعنى ملكة التقوى والمروة أن المعتبر ثبوتها ظاهرا لا في نفس الامر لانه لا يطلع عليه إلا الله، فلو اعتبر ذلك في حق غيرهما لزم التكليف بما لا يطاق، فلا يقدح فسقهما في نفس الامر في صحة الطلاق مع ظهور عدالتهما، ولا يشترط حكم الحاكم بها، بل ظهورها عند المطلق ومن يرتب على الطلاق حكما، وهل يقدح فسقهما في نفس الامر بالنسبة إليهما حتى لا يصلح لاحدهما أن يتزوج بها أم لا ؟ نظرا إلى حصول شرط الطلاق، وهو العدالة ظاهرا، وجهان، وكذا لو علم الزوج فسقهما مع ظهور عدالتهما، ففي الحكم بوقوع الطلاق بالنسبة [ إليه ] حتى تسقط عنه حقوق الزوجية، ويستبيح اختها والخامسة وجهان، والحكم بصحة فيهما لا يخلو من قوة، انتهى. أقول: لا يخفى أن العدالة بالنسبة إلى المتصف بها غيرها بالنسبة إلى غيره ممن يتبعه ويعتقد عدالته، وكلامه بالنسبة إلى الغير صحيح لا شك فيه

[ 260 ]

ولامرية تعتريه سواء فسرنا العدالة بالملكة كما هو المشهور بين المتأخرين، وهو الذي ذكره هنا، أو حسن الظاهر الذي دل عليه صحيح ابن أبي يعفور (1) كما هو المشهور بين متأخري المتأخرين، فإنه على أي منهما إنما يبنى فيهما على ما يظهر للتابع ومعتقد العدالة من الاتصاف بذلك الصفات التي تضمنها الخبر مع عدم ظهور ما ينافيها، وإنما الاشكال ومحل البحث بالنسبة إليه هو في نفسه. وتوضيحه: إن من علم من نفسه الفسق مع كونه على ظاهر العدالة بين الناس، فهل يجوز له الدخول في الامور المشروطة بالعدالة، وتقلدها من الامامة في الجملة والجماعة والشهادة والجلوس في مجلس الحكم والقضاء بين الناس ونحو ذلك أم لا ؟ ظاهر شيخنا المذكور ذلك، واقتفاه فيما ذكره هنا من الصورتين المذكورتين بعض مشايخنا المعاصرين وتوقف آخر (2)، وفي الكفاية وافقه في


(1) الفقيه ج 3 ص 24 ح 1. (2) المقنفى له في الصورتين شيخنا الشيخ سليمان البحراني في بعض أجوبة المسائل بد التردد، والمتوقف شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح - قدس سرهما -. قال المحدث المذكور: ولو نواها يعنى الامامة وعد نفسه من أحد الشاهدين وكان تائبا عن المعاصي جاز له ذلك، أما لو كان مصرا على المعاصي مرتكبا للكبائر فاشكال، وللاصحاب فيه قولان أحدهما الجواز، لان المدار انما هو على اعتقاد المؤتم أو المطلق، وبناء للامور على الظاهر دون الباطن، من حيث انه اغراء للقبيح لانه عالم بفسق نفسه، فكيف يتقلد ما ليس له، خصوصا في الجماعة الواجبة كالجمعة ؟ والاحكام الشرعية انما خرجت على الظاهر إذا لم يمكن الاطلاع على الباطن، وهو مطلع على حقيقة الامر، والاول أوفق بالقواعد الاصولية، الا أنه لما لم يكن نص في المسألة فاعتقادي الوقوف عن الحكم والعمل بالاحتياط في العلم والعمل، ورد ما لم يأتنا به علم من أهل العصمة صلوات لله عليهم، لقول الصادق عليه السلام: ارجه حتى تلقى امامك، وان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة، انتهى. (منه - قدس سره -).

[ 261 ]

الاولى دون الثانية. والذي ظهر لي بعد إمعان النظر في المقام ومراجعة أخبارهم (عليهم السلام) هو عدم جواز الدخول في هذه الامور والحال هذه. وبيان ذلك: إن ظاهر الآية والاخبار الدالة على النهي عن قبول خبر الفاسق، والنهي عن الصلاة خلفه إنما هو من حيث الفسق، لان التعليق على على الوصف مشعر بالعلية، وهو مشعر بأن الفاسق ليس أهلا لهذا المقام، ولاصالحا لتقلد هذه الاحكام، وإذا كان الشارع لم يره أهلا لذلك، ولا صالحا لسلوك هذه المسالك لمنع الناس من الاقتداء به وقبول خبره ونحو ذلك، فهو في معنى منعه له من ذلك، فإدخاله نفسه فيما لم يره الله عزوجل أهلا له موجب لمخالته عزوجل والتعرض لسخطه. وجواز اقتداء الناس به من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جواز الدخول له، لان حكم الناس في ذلك غير حكمه هو في حد ذاته، والكلام إنما في الثاني، وأحدهما لا يستلزم الآخر بوجه، نظير ذلك في الاحكام غير عزيز، فإن لحم الميتة محرم على العالم به، وحلال بالنسبة إلى الجاهل به. ويؤيد ما قلناه ظواهر جملة من الاخبار مثل صحيحة أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجنون والابرص والمجذوم وولد الزنا والاعرابي " ونحوها صحيحة محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليهما السلام). والتقريب فيهما أنهما إنما قد صرحا بتوجه النهي إلى هؤلاء عن الامامة لانهم ليسوا من أهلها باعتبار ماهي عليه من العيوب المذكورة المانعة من أهلية الامامة، وبعض الاخبار وإن ورد أيضا في نهي الناس عن الائتمام بهم، إلا أن


(1) الكافي ج 3 ص 375 ح 1، الوسائل ج 15 ص 399 ب 15 ح 5 وفيهما اختلاف يسير. (2) الفقيه ج 1 ص 247 ح 15.

[ 262 ]

النهي إنما توجه إلى المؤتمين. وأما في هذين الخبرين الصحيحين فإنه إنما توجه إلى الامام بأن لا يكون من أحد هؤلاء، فلو فرضنا عدم علم الناس بما هم عليه من هذه الصفات المانعة من الامامة مع اعتقاد الناس فيهم العدالة، فإنه يجوز للناس الاقتداء بهم بالتقريب المتقدم، لكن بمقتضى هذين الخبرين لا يجوز لهم الامامة لماهم عليه من الموانع المذكورة وإن خفيت على الناس، وهذا بعينه جار في الفاسق الذي هو محل البحث بأن كان عالما بفسق نفسه وإن خفي على الناس، ومما يؤيد ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح: يا شريح جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي، ونحوه. والتقريب فيها هو ظهورها في النهي عمن لم يكن مستكملا لاسباب النيابة وشرائطها، وأهلية الحكم والفتوى، ولا ريب أن أعظم الاسباب المانعة الفسق، فهي ظاهرة في منع الفاسق من الجلوس في هذا المقام وإن كان ظاهر العدالة بين الانام، وعدم جواز تقلده الاحكام. وجواز تقليد الناس له من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جوازه له، لانه عالم بأن الشارع قد منع الناس عن اتباع الفاسق وتقليده، وليس إلا من حيث فسقه، فالفسق صفة مانعة من تقلد هذه الامور، وكلام من قدمنا كلامه وإن كان مخصوصا بالشهادة أو مع الامامة، إلا أن المواضع الثلاثة واحد، فإن مبنى الكلام هو أنه هل يكتفي بظهور العدالة في جواز التقلد لهذه الامور المشروطة بها وإن لم يكن كذلك واقعا ؟ أم لابد من ثبوتها واقعا ؟ فالكلام جار في جميع ما يشترط فيه العدالة، وهذا أحدها. ومما يؤيد ما ذكرناه بأوضح تأييد هو أن الظاهر المتبادر من الآية والاخبار المصرح فيها بالعدالة واشتراطها في الشاهد مثل قوله عزوجل " وأشهدوا

[ 263 ]

ذوي عدل منكم " وقوله (عليه السلام) (1) يطلقها بحضور عدلين أو إذا شهدا عدلين ونحو ذلك هو اتصاف الشاهد بالعدالة في حد نفسه وذاته، ولا بالنظر إلى غيره، إذ لا يخفى أن قولنا فلان عدل وفلان ثقة مثل قولنا فلان عالم وشجاع وجواد ونحو ذلك، ومن المعلوم في جميع ذلك إنما هو اتصافه بهذه الصفات في حد ذاته، غاية الامر أنه قد يطابق علم المكلف والواقع في ذلك، وقد يختلفان، بأن يكون كذلك في نظر المكلف، وإن لم يكن واقعا، وحينئذ فيلزم كلا حكمه، فيلزم من اعتقد عدالته جواز الاقتداء به مثلا وقبول شهادته، ويلزمه هو عدم جواز الدخول في ذلك، كذا يلزم من اطلع على فسقه عدم جواز الاقتداء به. وعلى هذا فإذا كان المراد من الاية والاخبار المشار إليها إنما هو اتصافه في حد ذاته، فكيف يجعل المناط الاتصاف بالعدالة باعتبار الغير كما توهموه وبنوا عليه ما بنوا من الفروع المذكورة ؟ ولاريب أنه متى كان كذلك إنما هو بالنسبة إليه في حد ذاته، فإنه لا يجوز له الدخول فيما هو مشروط بالعدالة البتة. وبذلك يظهر ما في كلام صاحب المسالك ومن تبعه من الوهن والقصور ولا سيما في فرضه الثاني، وهو ما إذا علم الزوج فسقهما فطلق بحضورهما مع ظهور عدالتهما بين الناس، فإنه أوهن من بيت العنكبوت وأنه لاوهن البيوت، ومقتضى تجويزه الطلاق هنا جواز اقتداء من علم فسق الامام به في الصلاة، لظهور عدالته بين الناس، وهكذا قبول فتواه وأحكامه، والكل في البطلان أوضح من أن يحتاج إلى بيان، وبالجملة فالطلاق في الصورتين المفروضتين مما لا إشكال في بطلانه ولاسيما الثانية. المسألة الثالثة: قال المحقق - رحمة الله عليه - في الشرائع: فلو شهد أحدهما


(1) الكافي ج 6 ص 60، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 2 و 3 و 4 و 7 وما نقله المصنف هو مضمون الخبر لانصه.

[ 264 ]

بالانشاء ثم شهد الآخر به بانفراده لم يقع الطلاق، أما لو شهدا بالاقرار لم يشترط الاجتماع، ولو شهد أحدهما بالانشاء والاخر بالاقرار لم يقبل، ولا تقبل شهادة النساء في الطلاق لا منفردات ولا منضمات إلى الرجال، ولو طلق ولم يشهد ثم أشهد كان الاول لغوا ووقع حين الاشهاد إذا أتى باللفظ المعتبر في الانشاء. أقول: الكلام في هذه المقالة يقع في مواضع: الاول: قوله " ولو شهد أحدهما - إلى قوله - لم يقع الطلاق " والوجه في عدم وقوع الطلاق دلالة الاخبار (1) صريحا وكذا ظاهر الآية (2) على اجتماع الشاهدين في السماع، وأنه لا يكفي تفريقهما بأن يطلق بحضرة واحد منهما ثم يطلق مرة اخرى بحضرة الآخر. ومن الاخبار المذكورة ما رواه في الكافي (3) عن أحمد بن أبي نصر في الصحيح أو الحسن " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع أشهد اليوم رجلا، ثم مكث خمسة أيام واشهد آخر، قال: إنما امر أن يشهدا جميعا ". وما رواه في التهذيب (4) في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) " قال: سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق، فقال: نعم وتعتد من أول الشاهدين وقال: لا يجوز حتى يشهدا جميعا ". وموضع الدلالة من الخبر المذكور قوله في آخره " ولايجوز حتى يشهدا جميعا " وأن المراد به حال التحمل للشهادة، وصدر الخبر مراد به الاداء لها، ولهذا قال " وتعتد من أول الشاهدين " ولكن لا يجوز التزويج إلا بعد أداء الشاهد الثاني الذي يحصل به الثبوت الشرعي، ولو جاز التفريق في التحمل لم يجز الاعتداد إلا بالاخير لعدم صحة الطلاق إلا بعد شهادة الاخير، هذا مع قطع النظر


(1) الوسائل ج 15 ص 281 ب 10 ح 2 و 3 و 7. (2) سورة الطلاق - آية 2. (3) الكافي ج 6 ص 71 ح 1، الوسائل ج 15 ص 301 ب 2 ح 1 وفيهما اختلاف يسير. (4) التهذيب ج 8 ص 150 ح 77، الوسائل ج 15 ص 301 ب 20 ح 2.

[ 265 ]

عن تصريحه في آخر الخبر بعدم جواز التفريق، وبالجملة فالحكم المذكور لا خلاف ولا إشكال فيه. الثاني: قوله " أما لو شهدا بالاقرار لم يشترط الاجتماع " والوجه فيه ظاهر، لان الاقرار اعتراف وإخبار عن طلاق سابق و " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " والحكم فيه كما في غيره من الاقرارات، ولا يشترط فيه اجتماع الشهود وإنما يشترط ذلك في الشهادة على إنشاء الطلاق كما دل عليه الخبران المتقدمان نعم لو كان الطلاق الاول باطلا، كأن يقول بغير شهود أو بشاهد واحد، وعلم أن الاقرار الذي أقر له أخيرا إنما هو إشارة إلى ذلك الطلاق، فلا ريب في البطلان وإن أقر به عند شاهدين مجتمعين، فإنه إذا لم يصح الطلاق السابق لم يصح الاقرار به، والحكم بالصحة إنما هو مع إطلاق الاقرار، لان الاطلاق منزل على الصحيح سواء شهد على إقراره الواحد شاهدان في دفعة، أو شهدا متفرقين (1) بأن أقر عند كل واحد، لان صحة الاقرار لا يشترط فيها الاشهاد، وإنما المعتبر ثبوته شرعا متى توقف عليها وهو يحصل مع كل من الامرين (2) لان مرجعهما إلى أمر واحد، وبالجملة فالحكم مما لاإشكال فيه. الثالث: قوله " ولو شهد أحدهما بالانشاء والاخر بالاقرار لم يقبل " والوجه فيه ظاهر مما تقدم، فإن الطلاق الذي سمعه أحدهما بالانشاء باطل لعدم استكماله لشروط صحة الطلاق، وهو اجتماع الشاهدين، ومتى بطل كان الاقرار به باطلا وإن شهد به اثنان فضلا عن الواحد كما عرفت آنفا. الرابع: قوله " ولا تقبل شهادة النساء في الطلاق - إلى قوله - إلى الرجال " ويدل عليه ظاهر الاية وجملة من الاخبار مضافا إلى ظاهر اتفاق الاصحاب على


(1) بمعنى أنه يصح اقراره، وان لم يشهد عليه أحد فانه يعتبر ثبوته. (منه - قدس سره -). (2) أي مع تعدد الشاهد، وشهادة كل واحد على واحد من الامرين. (منه قدس سره -).

[ 266 ]

ذلك، فإن قوله عزوجل " وأشهدوا ذوي عدل منكم " ظاهر في اعتبار ذكوريتهما. ومن الاخبار قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1) " وأنه سئل عن شهادة النساء في النكاح، قال: تجوز إذا كان معهن رجل، وكان علي (عليه السلام) يقول: لااجيزها في الطلاق " الحديث. وقول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في رواية محمد بن الفضل (2) " ولا تجوز شهادتهن في الطلاق ولا في الدم ". وقول أبي عبد الله (عليه السلام) في رواية داود بن الحصين (3) " وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجيز شهادة المرأتين في النكاح ولا يجيز في الطلاق إلا بشاهدين عدلين ". وقول علي (عليه السلام) في رواية السكوني (4) " شهادة النساء لا تجوز في نكاح ولا طلاق ولا في الحدود إلا في الديون وما لا يستطيع الرجل النظر إليه ". وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (5) " لا تجوز شهادة النساء في الهلال ولا في الطلاق ". الخامس: قوله " ولو طلق ولم يشهد ثم أشهد.. إلخ " والوجه في كون الاول لغوا هو عدم استكمال الشرائط التي من جملتها سماع الشاهدين، والحكم بوقوع الثاني لابد فيه أيضا من استكمال الشرائط، وإلا لم يقع. وقوله " إذا


(1) الكافي ج 7 ص 390 ح 2، التهذيب ج 6 ص 269 ح 128، الوسائل ج 18 ص 258 ب 24 ح 2. (2) الكافي ج 7 ص 391 ح 5، التهذيب ج 6 ص 264 ح 110، الوسائل ج 18 ص 259 ب 24 ح 7 وما في عليه السلام المصادر " محمد بن الفضيل ". (3) التهذيب ج 6 ص 281 ضمن ح 179، الوسائل ج 18 ص 265 ب 24 ضمن ح 35 وفيهما اختلاف يسير. (4) التهذيب ج 6 ص 281 ح 178، الوسائل ج 18 ص 267 ح 42 وفيهما اختلاف يسير. (5) الكافي ج 7 ص 391 ح 6، الوسائل ج 18 ص 28 ب 24 ح 8.

[ 267 ]

أتى باللفظ المعتبر في الانشاء " إشارة إلى قصد الطلاق، فلو قصد الاخبار ولو كان بذلك الفظ لقوله " اشهدا بأن فلانة طالق " قاصدا به الاشهاد لا الانشاء لم يقع. وعلى هذا فالمايز بين العبارتين وصحة الطلاق في أحدهما دون الآخر هو النية والقصد فإن قصد الانشاء وقع، وإن قصد الاشهاد لم يقع، ويمكن علم الشاهدين به بالقرائن المفهمة للحال، أو إخباره بذلك. والاصل في هذا الحكم صحيحة أحمد بن محمد (1) " قال: سألته عن الطلاق، فقال: على طهر، وكان علي (عليه السلام) يقول: لاطلاق إلا بالشهود، فقال له رجل: إن طلقها ولم يشهد ثم أشهد بعد ذلك بأيام فمتى تعتد ؟ فقال: من اليوم الذي أشهد فيه على الطلاق " والظاهر أن إطلاق الرواية مبني على ما علم من غيرها من إخبار الطلاق من وجوب استكمال الشروط في صحته الذي من جملتها قصد الانشاء وغيره. المقصد الثاني في أقسام الطلاق وينقسم إلى بدعي وسني، والسني ينقسم إلى بائن ورجعي، والرجعي ينقسم إلى عدي وغيره، فهنا أقسام أربعة: الاول: الطلاق البدعي، منسوب إلى البدعة وهو المحرم إيقاعه، والمراد بالسني الذي يقابله هنا هو السني بالمعني الاعم، وهو الجائز شرعا سواء كان واجبا أو مندوبا أو مكروها (2).


(1) التهذيب ج 8 ص 50 ح 78، الوسائل ج 15 ص 284 ب 10 ح 10. (2) قالوا: والمراد بالواجب طلاق المولى والمظاهر، فانه يؤمر بعد المدة بأن يغير أو يطلق، فالطلاق واجب تخييرا. والمراد بالمندوب الطلاق مع النزاع والشقاق وعدم رجاء الائتلاف والوفاق، وإذا لم تكن عفيفة يخاف منها افساد الفراش. والمراد بالمكروه الطلاق عند التئام الاخلاق وسلامة الحال، وقد تقدمت جملة من الاخبار في صدر الكتاب دالة على الكراهة في الصورة المذكورة. (منه - قدس سره -).

[ 268 ]

وللبدعي أسباب ثلاثة: (أحدها) الحيض، فلا يجوز طلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج أو ما في حكمه من غيبته دون المدة المشروطة على ما تقدم تحقيقه مع كونها حائلا، وكذا النفساء. (وثانيها) عدم استبرائها بطهر آخر غير ما مسها فيه بأن يطلقها في الطهر الذي مسها فيه. وهذان السببان متفق عليهما بين الخاصة والعامة. (وثالثها) طلاقها أزيد من واحدة بغير رجعة مخلله بين الطلقات، والتحريم في هذه الصورة من خصوصيات مذهب الشيعة، ووافقهم أبو حنيفة ومالك في بدعية الجمع بين الطلقات بلفظ واحد، واتفق الجمهور على صحة طلاق البدعة مع الاثم، وأصحابنا على بطلانه (1) إلا فيما زاد على الواحد، فإنه مع وقوعه مترتبا يقع واحدا إجماعا، ومع وقوعه بلفظ واحد يقع واحدا أيضا على الخلاف المتقدم. واورد على ما ذكر من التخصيص بهذه الاسباب الثلاثة الطلاق بالكتابة، وبدون الاشهاد فإنه باطل، وكذا الطلاق أزيد من مرة مرتبا إذا لم يتخلل بينها رجعة. ويمكن الجواب باختصاص البدعة بالثلاثة المتقدمة، وأن ما زاد يكون باطلا ويكون الطلاق الباطل أعم من البدعي فإنه مجرد اصطلاح لا مشاحة فيه، لكن على هذا لا يكون القسمة حاصرة، فإن المقسم مطلق الطلاق الذي هو أعم من الصحيح والفاسد، وكيف كان فالامر في ذلك سهل بعد وضوح الحكم في كل من هذه الافراد. الثاني: الطلاق السني البائن، وهو ما لا يصح للزوج الرجعة معه، وهو


(1) حاصل المعنى أن أصحابنا على بطلان البدعى بجميع أفراده الا في صورة ما إذا طلق ثلاثا مترتبة أو مرسلة، فان الطلاق يقع واحدا في الصورة الاولى اجماعا، وفى الثانية على الخلاف، والبطلان في البدعية انما يتوجه إلى الزائد. (منه - قدس سره -).

[ 269 ]

سنة: طلاق التي لم يدخل بها، واليائسة، ومن لم تبلغ المحيض، والمختلعة، والمباراة ما لم ترجعا في البذل، والمطلقة ثلاثا بينها رجعتان إذا كانت حرة، وإلا فاثنتان. قالوا: والمراد بالدخول الموجب للعدة القدر الموجب للغسل، وهو غيبوبة الحشفة أو قدرها في قبل أو دبر. أقول: وتدل عليه جملة من الاخبار تقدم نقلها في فصل المهور، إلا أن في دخول الموطوءة في الدبر في ذلك إشكال تقدم التنبيه عليه. والمراد بمن لم تبلغ المحيض، أي لم تبلغ التسع، فلو بلغتها لزمتها العدة مع الوطئ، وإن لم تكن ممن تحيض عادة، وتقييد المختلعة والمباراة بما لم ترجعا في البذل يقتضي أن الطلاق يكون رجعيا مع الرجوع فيه، فالعدة هنا قد تكون بائنة ورجعية بالاعتبارين المذكورين. الثالث: الطلاق الرجعى العدي، وهو الذي يصح معه الرجعة وإن لم يرجع ويكون ذلك فيما عدا الاقسام الستة المتقدمة في البائن، و على هذا وما تقدم في سابق هذا القسم يكون طلاق المختلعة تارة من أقسام البائن، وهو فيما إذا لم ترجع في البذل، وتارة من أقسام الرجعي، وهو في صورة الرجوع، وإطلاق الرجعي على هذا القسم يكون بسبب جواز الرجوع فيه وإمكانه، ويعبر عن بعض أفراده بطلاق العدة (1) وهو أن يطلق على الشرائط، ثم يراجع قبل الخروج من العدة ويواقع، ثم يطلقها في غير طهر المواقعة، ثم يراجعها ويواقعها، ثم يطلقها في طهر آخر، وهذه تحرم في الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وفي التاسعة مؤبدا كما ذكروه من غير خلاف يعرف، وفيه كلام يأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى في المقام، ولو طلق بعد المراجعة قبل المواقعة صح، إلا أنه لا يسمى طلاق العدة، لاختلال أحد


(1) اشارة إلى أن ما يفهم من كلامهم من حصر الرجعى في العدى والسنى ليس في محله، فان من راجع في العدة ولم يواقع فطلاقه رجعى، وليس من طلاق السنة، ولا من طلاق الرجعة. (منه - قدس سره -).

[ 270 ]

شروطه وهو المواقعة، ويكون طلاق السنة بالمعنى الاعم. الرابع: الطلاق السني بالمعنى الاخص، وهو المشار إليه آنفا بأنه غير العدي، وهو عبارة أن يطلقها ويتركها حتى تخرج من العدة، رجعية كانت العدة أو بائنة، ثم يتزوجها إن شاء ثم يطلقها ويتركها حتى تخرج من العدة ثم يتزوجها، وهذه تحرم في كل ثالثة حتى تنكح زوجا غيره على المشهور، ولا تحرم مؤبدا وإن بلغ تسعا، وفيه أيضا ما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى، وهو يشارك طلاق العدة في الحكم الاول، ويفارقه في الثاني، والثاني منهما محل وفاق عندهم. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مواضع: الاول: قال السيد السند في شرح النافع: قد نقل جمع من الاصحاب الاجماع على أن المطلقة تسعا للعدة تحرم مؤبدا، ولم ينقلوا على ذلك دليلا. والذي وقفت عليه في ذلك ما رواه الكليني (1) عن زرارة بن أعين وداود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الملاعنة إذا لاعنها زوجها لم تحل له أبدا، والذي يتزوج المرأة في عدتها وهو يعلم لا تحل له أبدا، والذي يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات لا تحل له أبدا، والمحرم إذا تزوج وهو يعلم أنه حرام عليه لا تحل له أبدا ". وفي الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وإبراهيم بن عبد الحميد (2) عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليه السلام) " قال: إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت، ثم طلقها زوجها فتزوجها الاول، ثم طلقها فتزوجت رجلا آخر، ثم طلقها فتزوجها الاول، فطلقها هكذا ثلاثا لم تحل له أبدا ". وإطلاق الرواية الاولى وخصوص الثانية يقتضي حصول التحريم بالطلقات


(1) الكافي ج 5 ص 426 ح 1، الوسائل ج 15 ص 358 ب 4 ح 4 وفيهما اختلاف يسير. (2) الكافي ج 5 ص 428 ح 7 وفيه " ثم طلقها الزوج الاول " بدل " قطلقها ".

[ 271 ]

التسع التي ليست للعدة، لكن لا أعلم بمضمونه قائلا، انتهى. أقول: قد تقدم تحقيق الكلام في المقام في المطلب الرابع في استيفاء العدد من الفصل الثاني في أسباب التحريم من كتاب النكاح، وذكرنا ما يدل على كلام الاصحاب، إلا أن المسألة بقيت في قالب الاشكال لعدم حضور ما يحصل به الجمع بين أخبارها، وإلى ما ذكرنا من هذا الكلام أشرنا فيما قدمنا في القسم الثالث والرابع بقولنا فيه ما ينبغي التنبيه عليه، فإن مقتضى ما ذكره السيد السند من الاخبار المذكورة التحريم بالتسع مؤبدا في الطلاق العدي والسني بالمعنى الاخص جميعا، والاصحاب إنما أثبتوا التحريم بذلك في العدي خاصة وصرحوا بنفيه في السني. وثانيها: قد تكاثرت الاخبار بتقسيم الطلاق إلى طلاق العدة وطلاق السنة، وبذلك صرح الشيخ في النهاية وجمع من الاصحاب. فروى الكليني (1) في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " أنه قال: كل طلاق لا يكون عن السنة أو على العدة ليس بشئ، قال زرارة: قلت لابي جعفر (عليهما السلام): فسر لي طلاق السنة وطلاق العدة، فقال: أما طلاق السنة فإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر، فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدتها بثلاث حيض وقد بانت منه، ويكون خاطبا من الخطاب، إن شاءت زوجته وإن شائت لم تزوجه، وعليه نفقتها والسكنى ما دامت في عدتها، وهما يتوارثان حتى تنقضي العدة، قال: وأما طلاق العدة الذي قال الله تعالى " فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة " (2) فإذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها. ثم يطلقها تطليقة من غير جماع،


(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 ح 1 وفيهما اختلاف يسير. (2) سورة الطلاق - آية 1.

[ 272 ]

ويشهد شاهدين عدلين ويراجعها من يومه ذلك إن أحب، أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض، ويشهد على رجعتها ويواقعها حتى تحيض، فإذا حاضت وخرجت من حيضها طلقها تطليقة اخرى من غير جماع، ويشهد على ذلك، ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض، ويشهد على رجعتها ويواقعها، وتكون معه إلى أن تحيض الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضتها الثالثة طلقها التطليقة الثالثة بغير جماع ويشهد على ذلك، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قيل له: فإن كانت ممن لا تحيض ؟ فقال: مثل هذه تطلق طلاق السنة ". وعن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: طلاق السنة يطلقها تطليقة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم يدعها حتى تمضي أقراؤها، فإذا مضت أقراؤها فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب إن شاءت نكحته وإن شاءت فلا، وإن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضى أقراؤها فتكون عنده على التطليقة الماضية ". وعن أبي بصير (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن طلاق السنة، قال: طلاق السنة إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته يدعها إن كان قد دخل بها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين، ثم يتركها حتى تعد ثلاثة قروء، فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة، وكان زوجها خاطبا من الخطاب، وإن شاءت تزوجته وإن شاءت لم تفعل، فإن تزوجها بمهر جديد كانت عنده على ثنتين باقيتين وقد مضت الواحدة، فإن هو طلقها واحدة اخرى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم تركها حتى تمضي أقراؤها، فإذا مضت أقراؤها من قبل أن يراجعها فقد بانت منه باثنتين وملكت أمرها، وحلت للازواج، وكان زوجها خاطبا من الخطاب، إن شاءت تزوجته وإن شاءت لم تفعل، فإن هو تزوجها


(1) الكافي ج 6 ص 64 ح 1، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 ح 2 وفيهما اختلاف يسير. (2) الكافي ج 6 ص 66 ح 4، التهذيب ج 8 ص 27 ح 3، الوسائل ج 15 ص 345 ب 1 ح 3 وعبارة " وأما طلاق الرجعة.. الخ " لم يذكرها صاحب الوسائل.

[ 273 ]

تزويجا جديدا بمهر جديد كانت معه بواحدة باقية وقد مضت اثنتان، فإن أراد أن يطلقها طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره تركها، حتى إذا حاضت وطهرت أشهد على طلاقها تطليقة واحدة، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وأما طلاق الرجعة فأن يدعها حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت أشهد شاهدين على تطليقة اخرى ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتطر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وعليها أن تعتد ثلاثة قروء من يوم طلقها التطليقة الثالثة " الحديث. قال في الكافي: ويستفاد من كلام بعضهم أن المعتبر في طلاق العدة الطلاق ثانيا بعد المراجعة والمواقعة، وبعضهم لم يعتبر الطلاق ثانيا. قيل: وربما لاح من كلام الشيخ في النهاية وجماعة أن الطلاق الواقع بعد المراجعة والمواقعة يوصف بكونه عديا وإن لم يقع بعده رجوع ووقاع، لكن الطلاق الثالث لا يوصف بكونه عديا إلا إذا وقع بعد الرجوع والوقاع، وفي بعض الروايات دلالة عليه. أقول: ظاهر القول الاول والثاني هو اتصاف الطلاق الاول والثاني بكونه عديا دون الثالث، لان الاول جعل شرط الاتصاف بكونه عديا هو الطلاق ثانيا بعد المراجعة والمواقعة، والقول الثاني اقتصر على المراجعة والمواقعة، وكل منها حاصل في التطليقة الاولى والثانية، أما الثالثة فلا، ومقتضى ما نقل عن النهاية والجماعة والمذكورين هو عدم اتصاف الطلاق الاول بكونه عديا، وإنما يتصف بذلك الطلاق الثاني والثالث. والذي وقفت عليه في تفسير الطلاق العدي من الاخبار المروية في كتب الاخبار هو ما نقله من الخبرين المذكورين، ولم أقف على غيرهما. والمفهوم منهما أن الطلاق العدي عبارة عن هذه الطلقات الثلاث الواقعة على هذه الكيفية من غير

[ 274 ]

تخصيص بالاولى أو الثانية أو غيرهما. وفي معنى الخبرين المذكورين قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) - بعد أن ذكر طلاق السنة على نحو ما قدمناه في الاخبار المذكورة -: " وأما طلاق العدة فهو أن يطلق الرجل امرأته على طهر من غير جماع بشاهدين عدلين ثم يراجعها من يومه أو من غد أو متى ما يريد من قبل أن تستوفي قروءها.. فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك إلا بعد الدخول بها، وإذا أراد طلاقها يتربص بها حتى تحيض وتطهر، ثم طلقها في قبل عدتها بشاهدين عدلين، فإن أراد مراجعتها راجعها.. فإن طلقها الثالثة فقد بانت منه ساعة طلقها، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا انقضت عدتها منه وتزوجها رجل آخر وطلقها أو مات عنها وأراد الاول أن يتزوجها فعل، وإن طلقها ثلاثا واحدة بعد واحدة على ما وصفناه لك فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإن تزوجها وطلقها أو مات عنها وأراد الاول أن يتزوجها فعل، فإن طلقها ثلاث تطليقات على ما وصفته واحدة بعد واحدة فقد بانت منه، ولا تحل له بعد تسع تطليقات أبدا ". وربما أشعر صدر كلامه (عليه السلام) بأن طلاق العدة ليس إلا عبارة عن الطلاق على الشروط، ثم الرجوع في العدة خاصة حيث إنه بعد أن فسره بذلك قال: " فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك إلا بعد الدخول بها " فجعل الدخول بها شرطا في صحة الطلاق ثانيا. وظاهره أن طلاق العدة يتحقق بدون المواقعة. وكيف كان فتوقف صحة الطلاق ثانيا على المواقعة محل كلام يأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى، وقد تضمن ذلك عجز صحيحة أبي بصير المتقدمة مما لم ننقله منها، وهو موافق لما ذهب إليه ابن أبي عقيل في تلك المسألة الآتي تحقيقها إن شاء الله في محله. وقال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: واعلم أن تعريف المصنف وغيره لطلاق


(1) فقه الرضا ص 242 مع اختلاف يسير.

[ 275 ]

السنة بالمعنى الاخص يقتضي اختصاصه بذات العدة، وأنه يشمل العدة البائنة والرجعية، وفي كثير من الاخبار كالذي أسلفناه ما يدل على اختصاصه بالعدة الرجعية ثم لا يراجع فيها، والوجه لحوق أحكامه بكل طلاق لايلحقه رجعة، سواء كان ذلك لعدم العدة أم لكونها بائنة، أم لكونها رجعية ولم يرجع، فإنها لا تحرم به في التاسعة مؤبدا، لاختصاص ذلك الحكم بطلاق العدة، ولصدق عدم الرجعية في جميع ما ذكرناه، انتهى. أقول: ما ذكره - رحمه الله - من دلالة الاخبار على اختصاص طلاق السنة بذات العدة الرجعية التي لم يرجع فيها جيد كما لا يخفى على من تأمل الاخبار التي قدمناها، فتعريفة بما يدخل فيه غير هذا الفرد من العدة البائنة أو غير ذات العدة غير جيد. نعم لما كان التحريم في التاسعة مقصورا في الاخبار على طلاق العدة ومشروطا فيه المراجعة في العدة والمواقعة بعد الرجعة كان ما عداه من الاقسام المذكورة لا تحرم بها المرأة في التاسعة، فهو حكم ثابت لطلاق السنة وغيره من الافراد المذكورة. وثالثها: المشهور بين الاصحاب أنه إذا طلق زوجته طلاق السنة المتقدم شرحه فإنها بعد الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهذا الطلاق يفارق طلاق العدة في أن المطلقة به لا تحرم مؤبدا، بخلاف طلاق العدة فإنها تحرم بعد التاسعة مؤبدا، وهو محل وفاق على ما نقله في المسالك، ويشار كه بناء على المشهور في عدم الحل بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره. ونقل عن عبد الله بن بكير أن هذا الطلاق - أعني طلاق السنة - لا يحتاج إلى محلل بعد الثلاثة (1) بل استيفاء العدة الثالثة بهدم التحريم، وهو ظاهر الصدوق


(1) والظاهر أنه لا خلاف فيما عدا طلاق السنة من أنواع الطلاق في أنه بعد الثالثة يتوقف على المحلل، وانما محل الخلاف المنقول عن ابن بكير هو طلاق السنة خاصة، ومحل الاختلاف قى الاخبار أيضا انما هو طلاق السنة خاصة. (منه - قدس سره -).

[ 276 ]

في الفقيه (1) أيضا، حيث قال بعد أن أورد طلاق السنة: فجائز له أن يتزوجها بعد ذلك، وسمي طلاق السنة طلاق الهدم، لانه متى استوفت قروءها وتزوجها ثانية هدم الطلاق الاول. وهو كما ترى ظاهر فيما ذهب إليه ابن بكير، والمشهور في كلام الاصحاب تخصيص الخلاف في هذا المقام بابن بكير، حتى أن شيخنا الشهيد الثاني في الروضة اعترض المصنف في قوله في اللمعة " وقد قال بعض الاصحاب أن هذا الطلاق لا يحتاج إلى محلل بعد الثلاث " - بعد تفسيره البعض المذكور بابن بكير وذكر رواياته - بأن عبد الله بن بكير ليس من أصحابنا الامامية، ولقد كان ترك حكاية قوله في هذا المختصر أولى. وفيه أنه يجوز أن يكون المصنف إنما أراد بذلك البعض الصدوق لما عرفت. ثم إنه لا يخفى عليك أن الظاهر أن عبارة الصدوق هنا مأخوذة من كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام) بعد شرح طلاق السنة: " وسمي طلاق السنة طلاق الهدم، لانه متى استوفت قروءها وتزوجها الثانية هدم الطلاق الاول - وهي كما ترى عين عبارة الصدوق، ثم قال (عليه السلام): - وروي أن طلاق الهدم لا يكون إلا بزوج ثان " انتهى، وهو إشارة إلى القول المشهور، وفي نسبة ذلك إلى الرواية إيذان بأن الاول هو الذي يختاره ويفتي به (عليه السلام)، ولهذا أفتى به الصدوق - رحمة الله عليه -. والواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، ثم الكلام بما يسر الله سبحانه فهمه منها، فمما يدل على القول المشهور صحيحة أبي بصير (3) المتقدمة في سابق هذا الموضع.


(1) الفقيه ج 3 ص 320 ضمن ح 1. (2) فقه الرضا ص 242. (3) الكافي ج 6 ص 66 ح 4.

[ 277 ]

وما رواه في التهذيب (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل طلق امرأته، ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجها، ثم طلقها من غير أن يدخل بها، حتى فعل ذلك ثلاثا، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ". وعن الحسن بن زياد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن طلاق السنة كيف يطلق الرجل امرأته ؟ فقال: يطلقها في طهر قبل عدتها من غير جماع بشهود فإن طلقها واحدة ثم تركها حتى يخلو أجلها فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب، وإن راجعها فهي عنده على تطليقة ماضية، وبقي تطليقتان، وإن طلقها الثانية ثم تركها حتى يخلو أجلها فقد بانت منه، وإن هو أشهد على رجعتها قبل أن يخلو أجلها فهي عنده على تطليقتين ماضيتين وبقيت واحدة، فإن طلقها الثالثة فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهي ترث وتورث ما كان له عليها رجعة من التطليقتين الاولتين ". وما رواه الشيخ (3) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا أراد الرجل الطلاق طلقها قبل عدتها في غير جماع فإنه إذا طلقها واحدة ثم تركها حتى يخلو أجلها إن شاء أن يخطب مع الخطاب فعل، فإن راجعها قبل أن يخلو أجلها أو بعده كانت عنده على تطليقة، فإن طلقها الثانية أيضا فشاء أن يخطبها مع الخطاب إن كان تركها (4) حتى يخلو أجلها، فإن شاء راجعها قبل أن ينقضي وإن فعل فهي عنده على تطليقتين، فإن طلقها الثالثة


(1) التهذيب ج 8 ص 65 ح 133، الوسائل ج 15 ص 351 ب 3 ح 4. (2) الكافي ج 6 ص 67 ح 5، الوسائل ج 15 ص 346 وفيهما اختلاف يسير. (3) الكافي ج 6 ص 69 ح 9، التهذيب ج 8 ص 29 ح 5، الوسائل ج 15 ص 347 ب 1 ح 7. وما في المصادر اختلاف يسير. (4) قوله " ان كان تركها " قيد للمشية قى قوله " فشاء أن يخطبها " وجواب الشرط محذوف أي فعل، كما تقدم التصريح به في سابق هذا الكلام من الخبر. (منه - قدس سره -).

[ 278 ]

فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهي ترث وتورث ما كانت في الدم من التطليقتين الاولتين ". وما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن ابن اذينة وزرارة وبكير ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية والفضيل بن يسار وإسماعيل الازرق ومعمر بن يحيى بن بسام كلهم سمعه عن أبي جعفر (عليهما السلام) وعن ابنه أبي عبد الله (عليه السلام) بصورة ما قالوا وإن لم أحفظ حروفه غير أنه لم يسقط جمل معناه: إن الطلاق الذي أمر الله به في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله أن المرأة إذا حاضت وطهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقه، ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض لها ثلاثة قروء، فإن راجعها كانت عنده على تطليقتين وإن مضت ثلاثة قروء قبل أن يراجعها فهي أملك بنفسها، فإن أراد أن يخطبها مع الخطاب خطبها، فإن تزوجها كانت عنده على تطليقتين، وما خلا هذا فليس بطلاق. ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يراجعها بعد انقضاء عدتها، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره " الحديث. وما رواه في الكافي (3) عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق عسيلتها ". ونحو هذه الرواية مما دل بإطلاقه على ما ذكرناه ما رواه الشيخ (4) في


(1) الكافي ج 6 ص 69 ح 7، التهذيب ج 8 ص 28 ح 4، الوسائل ج 15 ص 351 ب 3 ح 7 وما في المصادر اختلاف يسير. (2) الكافي ج 6 ص 76 ح 4، التهذيب ج 8 ص 33 ح 18، الوسائل ج 15 ص 352 ب 3 ح 9. (3) الكافي ج 6 ص 76 ح 3، التهذيب ج 8 ص 33 ح 17، الوسائل ج 15 ص 353 ب 3 ح 10 وما في المصادر " عسيلتها ". (4) التهذيب ج 8 ص 66 ح 136، الوسائل ج 15 ص 350 ب 3 ح 1.

[ 279 ]

الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) " قال: البكر إذا طلقت ثلاثة مرات وتزوجت من غير نكاح فقد بانت منه، ولا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره ". ونحوها رواية طربال (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام). وعن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في امرأة طلقها زوجها ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ". وأما ما يدل على ما ذهب إليه ابن بكير من أن استيفاء العدة يهدم الطلاق المتقدم، ولا تحتاج المطلقة كذلك إلى محلل بعد الثالثة، فهو ما رواه الشيخ (3) عن ابن بكير عن زرارة " قال: سمعت أبا جعفر (عليهما السلام) يقول: الطلاق الذي يحبه الله والذي يطلقه الفقيه وهو العدل بين المرأة والرجل أن يطلقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين وإرادة من القلب ثم يتركها حتى تمضي ثلاثة قروء، فإذا رأت الدم في أول قطرة من الثالثة وهو آخر القروء - لان الاقراء هي الاطهار - فقد بانت منه، وهي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوجته وحلت له بلا زوج، فإن فعل هذا بها مائة مرة هدم ما قبله وحلت بلا زوج، وإن راجعها قبل أن تملك نفسها ثم طلقها ثلاث مرات يراجعها ويطلقها لم تحل له إلا بزوج ". وما رواه في الكافي (4) عن حميد بن زياد، عن عبد الله بن أحمد عن ابن أبي عمير عن أبن المغيره عن شعيب الحداد، عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يطلق امرأته ثم لم يراجعها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها ثم طلقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها، ثم طلقها من غير أن يراجع، ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض، قال: له أن يتزوجها أبدا ما لم


(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 65 ح 135 و 132، الوسائل ج 15 ص 350 ب 3 ح 2 و 3. (3) التهذيب ج 8 ص 35 ح 26، الوسائل ج 15 ص 355 ب 3 ح 16 وفيهما اختلاف يسير. (4) الكافي ج 6 ص 77 ح 2، الوسائل ج 15 ص 354 ب 3 ح 13 وفيهما اختلاف يسير.

[ 280 ]

يراجع ويمس. وكان ابن بكير وأصحابه يقولون هذا ما أخبرني ابن المغيرة، قال: قلت له: من أين قلت هذا ؟ قال: قلته من قبل رواية رفاعة، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه يهدم ما مضى، قال: قلت له: فإن رفاعة إنما قال: طلقها، ثم تزوجها رجل ثم طلقها، ثم تزوجها الاول، إن ذلك يهدم الطلاق الاول ". وعن حميد بن زياد عن ابن سماعة عن محمد بن زياد وصفوان عن رفاعة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل طلق امرأة حتى بانت منه وانقضت عدتها، ثم تزوجت زوجا آخر فطلقها أيضا، ثم تزوجها زوجها الاول، أيهدم ذلك الطلاق الاول ؟ قال: نعم. قال ابن سماعة: وكان ابن بكير يقول: المطلقة إذا طلقها زوجها ثم تركها حتى تبين ثم تزوجها فإنما هي عنده على طلاق مستأنف قال: وذكر الحسين بن هاشم أنه سأل ابن بكير عنها، فأجابه بهذا الجواب، فقال له: سمعت في هذا شيئا ؟ فقال: رواية رفاعة، فقال: إن رفاعة روى إذا دخل بينهما زوج، فقال: زوج وغير زوج عندي سواء، فقلت: سمعت في هذا شيئا ؟ فقال: لا، هذا ما رزق الله عزوجل من الرأي، قال ابن سماعة: وليس نأخذ بقول ابن بكير، فإن الرواية إذا كان بينهما زوج ". وعن محمد بن أبي عبد الله عن معاوية بن حكيم عن ابن المغيرة (2) " قال: سألت عبد الله بن بكير عن رجل طلق امرأته واحدة ثم تركها حتى بانت منه ثم تزوجها، قال: هي معه كما كانت في التزويج، قال: قلت له: فإن رواية رفاعة إذا كان بينها زوج، فقال لي عبد الله: هذا زوج وهذا مما رزق الله من الرأي ومتى ما طلقها واحدة فبانت منه ثم تزوجها زوج آخر ثم طلقها زوجها


(1) الكافي ج 6 ص 77 ح 3، الوسائل ج 15 ص 353 ب 3 ح 11 وفيهما اختلاف يسير. (2) الكافي ج 6 ص 78 ح 4، التهذيب ج 8 ص 30 ح 8، الوسائل ج 15 ص 353 ب 3 ح 12 وما في المصادر اختلاف يسير، وعبارة " قال معاوية بن حكيم.. " غير موجودة في التهذيب والوسائل.

[ 281 ]

عليه السلام فتزوجها الاول فهي عنده مستقبلة كما كانت، فقلت لعبدالله: هذا برواية من ؟ فقال: هذا مما رزق الله تعالى. قال معاوية بن حكيم: روى أصحابنا عن رفاعة ابن موسى أن الزوج يهدم الطلاق الاول، فإن تزوجها فهي عنده مستقبلة. قال أبو عبد الله (عليه السلام): يهدم الثلاث ولا يهدم الواحدة والثنتين. ورواية رفاعة عن أبى عبد الله (عليه السلام) هو الذي احتج به ابن بكير " انتهى ما ذكره في الكافي. وقد تقدم نقل كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) كما عبر به الصدوق في الفقيه. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الشيخ بعد نقل الرواية الاولى التي رواها ابن بكير عن زرارة أجاب عنها فقال (2): فهذه الرواية أو كد شبهة من جميع ما تقدم من الروايات، لانها لا تحتمل شيئا مما قلناه، لكونها مصرحة خالية من وجوه الاضمار إلا أن في طريقها عبد الله بن بكير، وقد بينا من الاخبار ما تضمن أنه قال حين سئل عن هذه المسألة " هذا مما رزق الله من الرأي - ثم قال: - ومن هذه صورته فيجوز أن يكون أسند ذلك إلى رواية زرارة نصرة لمذهبه الذي كان أفتى به، وأنه لما رأى أصحابه لا يقبلون ما يقوله برأيه أسنده إلى من رواه عن أبي جعفر (عليهما السلام)، وليس عبد الله بن بكير معصوما لا يجوز عليه هذا، بل وقع عنه من العدول عن اعتقاد مذهب الحق إلى اعتقاد مذهب الفطحية ما هو معروف من مذهبه، والغلط في ذلك أعظم من إسناده فيما يعتقد صحته بشبهة إلى بعض أصحاب الائمة (عليهم السلام)، وإذا كان الامر على ما قلناه لم يعرض هذه الرواية ما قدمناه، انتهى. واعترضه جملة من أفاضل المتأخرين ومتأخريهم، بأن هذا القدح العظيم في ابن بكير ينافي ما صرح به في فهرسته من توثيقه، وما رواه الكشي من الاجماع على تصحيح ما يصح عنه، ويوجب عدم جواز العمل بروايته مع أنهم متفقون على


(1) فقه الرضا ص 242 قوله " سمى طلاق السنة.. الخ ". (2) التهذيب ج 8 ص 35 بعد ذكر حديث 26 وفيه اختلاف يسير.

[ 282 ]

العمل بها، بل ترجيحها بما تقدم من الاجماع المذكور على غيرها. وأنت خبير بأنه لا يخفى على المعترض - فيما قدمناه من الروايات عن الكافي المتضمنة لمحاجة الاصحاب لعبدالله المذكور فيما تفرد به وذهب إليه، وجوابه تارة بالاخذ برواية رفاعة، مع أن رواية رفاعة إنما تضمنت الهدم بالزوج الثاني، لا بمجرد استيفاء العدة كما ادعاه، وجوابه تارة بأن هذا مما رزقه الله من الرأي، - أنه لو كان لهذه الرواية التي نقلها عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) أصل يومئذ لكانت هي الاولى لا حتجاجة وإلجام ألسنة المعترضين عليه، وحيث لم يحتج بها ولم يذكرها علم أنها مخترعة بعد ذلك، وأنه لما رأى عدم قبول قوله وما احتج به في تلك الاخبار عدل إلى هذه الرواية لما ذكره الشيخ من الشبهة التي عرضت له. ومنه يعلم الجواب عما اعترضوا به الشيخ من أن ذلك موجب لعدم جواز العمل برواية عبد الله المذكور، لان الشيخ لم يطعن عليه بأنه يعتقد المخالفة في الحكم الشرعي، وإنما أسند إليه عروض الشبهة في ذلك وأنه بسبب عروض هذه الشبهة وتوهم أنها حق روى عن زرارة هذه الرواية. والاقرب عندي هو حمل ما ذكره ابن بكير من هده الاقوال وكذا رواية صحيحة زرارة على التقية وأن ابن بكير كان عالما بالحكم المذكور في كلام الاصحاب، ولكنه عدل عن القول به وإظهار الافتاء به تقية، وعلى هذا يحمل صدر رواية معلى بن خنيس المتقدمة. وبالجملة فإن شهرة الحكم بين متقدمي الاصحاب ومتأخريهم مع اعتضادها بما قدمناه من الاخبار المتكاثرة ظاهرة في أن ذلك هو مذهبهم (عليهم السلام)، وأن القول بخلاف ذلك ضعيف. ومن الاخبار الدالة على مذهب ابن بكير أيضا ما رواه الشيخ (1) في الصحيح


(1) التهذيب ج 8 ص 30 ح 9، الوسائل ج 15 ص 355 ب 3 ح 15.

[ 283 ]

عن عبد الله بن سنان " قال: إذا طلق الرجل امرأته فليطلق على طهر بغير جماع بشهود، فإن تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث وبطلت التطليقة الاولى، وإن طلقها اثنتين ثم كف عنها حتى تمضي الحيضة الثالثة بانت منه بثنتين، وهو خاطب من الخطاب، فإن تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث تطليقات وبطلت الاثنتان، فإن طلقها ثلاث تطليقات على العدة لم تحل له حتى تنكح زوجا. غيره ". وحمله الشيخ على أنه تزوجها بعد العدة وبعد أن تزوجها زوج آخر، ولا يخفى بعده، والاظهر حمله على ما حملنا عليه أمثاله، على أن الرواية المذكورة مقطوعة، وإنما هي فتوي عبد الله بن سنان فلا تقوم به حجة. مسائل الاولى: في طلاق الحامل لا خلاف بين الاصحاب في جواز طلاقها مرة، وعليه تدل جملة من الاخبار مثل قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1) " لا بأس بطلاق خمس على كل حال: الغائب عنها زوجها والتي لم تحض، والتي لم يدخل بها، والحبلى، والتي يئست من المحيض ". وقول أبي جعفر (عليهما السلام) في رواية إسماعيل بن جابر الجعفي (2) " خمس يطلقن على كل حال: الحامل المتيقن حملها " الحديث، وبهذا المضمون أخبار عديدة، وإنما يجوز تطليق هؤلاء على كل حال، لانهن مأمونات من العلوق. إنما الخلاف بين الاصحاب فيما زاد على المرة، فقال الصدوقان في الرسالة والمقنع: وإن راجعها - يعني الحبلى - قبل أن تضع ما في بطنها، أو يمضي لها ثلاثة أشهر، ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها وتطهر ثم يطلقها. وهو ظاهر في المنع من الطلاق ثانيا مادامت حاملا، أو يمضي ثلاثة


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 79 ح 2 و 1، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 3 وص 305 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

[ 284 ]

أشهر أعم من أن يكون للعدة وغيره. وقال الشيخ في النهاية: وإن أراد أن يطلق امرأته وهي حبلى يستبين حملها فيطلقها أي وقت شاء، وإذا طلقها واحدة كان أملك برجعتها ما لم تضع ما في بطنها، فإذا راجعها وأراد طلاقها للسنة لم يجز له ذلك حتى تضع ما في بطنها، فإذا راجعها [ و ] أراد طلاقها للعدة واقعها ثم طلقها بعد المواقعة، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه بطلقتين، وهو أملك برجعتها، فإن راجعها وأراد طلاقها ثالثة واقعها، ثم يطلقها، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وتبعه ابن البراج وابن حمزة. وذهب ابن الجنيد إلى المنع من طلاق العدة إلا بعد شهر، ولم يتعرض لغيره قال على ما نقله في المختلف: والحبلي إذا طلقها زوجها وقع عليها الطلاق، وله أن يرتجعها، فإن أراد طلاقها تركها شهرا من حال جماعه في الرجعة ثم طلقها فإن ارتجعها الثانية وأراد طلاقها طلقها كذلك، فإذا ارتجعها ثم طلقها كذلك لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وذهب ابن إدريس والمحقق وجماعة إلى جواز طلاقها مطلقا كغيرها، وأنه يجوز طلاقها للسنة كما يجوز للعدة، إذ لامانع من إجماع ولا كتاب ولا سنة متواترة، والاصل الصحة مع عموم " فإن طلقها ". أقول: والاصل في هذا الاختلاف اختلاف أخبار المسألة، فالواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة ثم الكلام فيها بما رزقه الله تعالى فهمه منها. فمنها ما رواه الشيخ في التهذيب (1) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: طلاق الحامل واحدة، وإن شاءت راجعها قبل أن تضع، فإن وضعت قبل أن يراجعها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب ".


(1) التهذيب ج 8 ص 71 ح 155، الوسائل ج 15 ص 380 ب 20 ح 2 وفيهما " ان شاء ".

[ 285 ]

وعن إسماعيل الجعفي (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه " ورواه الكليني نحوه. وما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: طلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الاجلين ". وعن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الحبلى تطلق تطليقة واحدة ". وما رواه في الكافي (4) بأسانيد عديدة فيها الصحيح عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: طلاق الحامل واحدة فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه ". وما رواه الصدوق في الفقيه (5) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله، وطريقه إلى زرارة صحيح في المشيخة. وما رواه في التهذيب (6) عن سماعة في الموثق " قال: سألته عن طلاق الحبلى، فقال: واحدة، وأجلها أن تضع حملها ". وما رواه في الكافي والتهذيب (7) عن الحلبي في الصحيح " قال: طلاق الحبلى واحدة وأجلها أن تضع حملها وهي أقرب الاجلين ".


(1) الكافي ج 6 ص 81 ح 5، التهذيب ج 8 ص 70 ح 153 وفيه " طلاق الحامل واحدة ولاجلها أن تضع حملها.. "، الوسائل ج 15 ص 380 ب 20 ح 1. (2) الكافي ج 6 ص 81 ح 2، التهذيب ج 8 ص 70 ح 151، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 4 و 1. (5) الفقيه ج 3 ص 329 ح 1. (6) التهذيب ج 8 ص 71 ح 154، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 5. (7) الكافي ج 6 ص 82 ح 8، التهذيب ج 8 ص 71 ح 155، الوسائل ج 15 ص 419 ب 9 ح 6، وما في المصادر " وهو أقرب.. ".

[ 286 ]

وما رواه في الفقيه والتهذيب (1) عن محمد بن منصور الصيقل عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يطلق امرأته وهي حبلى، قال: يطلقها. قلت: فيراجعها ؟ قال: نعم يراجعها، قلت: فإنه بدا له بعد ما راجعها أن يطلقها، قال: لا، حتى تضع ". وما رواه في الكافي (2) في الصحيح عن بريد الكناسي وهو مجهول " قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عن طلاق الحبلى فقال: يطلقها واحدة للعدة بالشهور والشهود، قلت: فله أن يراجعها ؟ قال: نعم وهي امرأته، قلت، فإن راجعها ومسها ثم أراد أن يطلقها تطليقة اخرى، قال: لا يطلقها حتى يمضي لها بعد ما مسها شهر، قلت: فإن طلقها ثانية وأشهد على طلاقها ثم راجعها وأشهد على رجعتها ومسها، ثم طلقها التطليقة الثالثة وأشهد على طلاقها لكل عدة شهر، هل تبين منه كما تبين المطلقة على العدة التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره ؟ قال: نعم، قلت: فما عدتها ؟ قال: عدتها أن تضع ما في بطنها، ثم قد حلت للازواج ". وما رواه في التهذيب (3) عن إسحاق بن عمار في الموثق " قال: قلت لابي إبراهيم (عليه السلام): الحامل يطلقها زوجها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة، قال: تبين منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ". وعن إسحاق بن عمار (4) في الموثق عن أبي الحسن (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل طلق امرأته وهي حامل، ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها الثالثة،


(1) الفقيه ج 3 ص 331 ح 1، التهذيب ج 8 ص 71 ح 157، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 7. (2) الكافي ج 6 ص 82 ح 12، الوسائل ج 15 ص 382 ب 20 ح 11 والصحيح " يزيد الكناسى " مع اختلاف يسير. (3) التهذيب ج 8 ص 71 ح 156، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 6. (4) التهذيب ج 8 ص 73 ح 161، الوسائل ج 15 ص 382 ب 20 ح 10.

[ 287 ]

في يوم واحد، تبين منه ؟ قال: نعم ". وما رواه في التهذيب (1) عن ابن بكير عن بعضهم " قال: في الرجل تكون له المرأة الحامل وهو يريد أن يطلقها قال: يطلقها إذا أراد الطلاق بعينه يطلقها بشهادة الشهود، فإن بدا له في يومه أو من بعد ذلك أن يراجعها يريد الرجعة بعينها فليراجع ويواقع ثم يبدو له فيطلق أيضا ثم يبدو له فيراجع كما راجع أولا، ثم يبدو له فيطلق فهي التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إذا كان إذا راجع يريد المواقعة والامساك ويواقع ". وعن إسحاق بن عمار (2) في الموثق عن أبي الحسن الاول (عليهما السلام) " قال: سألته عن الحبلى تطلق الطلاق التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ؟ قال: نعم، قلت: ألست قلت لي إذا جامع لم يكن له أن يطلق ؟ قال: إن الطلاق لا يكون إلا على طهر قدبان، أو حمل قدبان، وهذه قد بان حملها ". أقول: لما توهم السائل عدم جواز الطلاق بعد الجماع قبل الاستبراء أجابه (عليه السلام) بأن هذا في غير الحامل المستبين حملها لتكاثر الاخبار كما عرفت بأنها من اللواتي يطلقن على كل حال. وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3): " وأما طلاق الحامل فهو واحد وأجلها أن تضع ما في بطنها، وهو أقرب الاجلين، فإذا وضعت أو سقطت يوم طلقها أو بعده متى كان فقد بانت منه وحلت للازواج، فإن مضى لها ثلاثة أشهر من قبل أن تضع فقد بانت منه، وتحل للازواج حتى تضع، فإن راجعها من قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها وتطهر ثم يطلقها ". هذا ما حضرني من الاخبار في المقام، والشيخ قد حمل الاخبار الاولة الدالة


(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 72 و 71 ح 160 و 158، الوسائل ج 15 ص 382 ب 20 ح 9 و 8 مع اختلاف يسير في الحديثين الاخيرين. (3) فقه الرضا ص 244 مع اختلاف يسير.

[ 288 ]

بظاهرها على انحصار طلاق الحامل في الواحدة على طلاق السنة جمعا بين الاخبار المذكورة وما قابلها، وهو جيد كما يظهر لك إن شاء الله تعالى. والسيد السند في شرح النافع لما كان مطمح نظره متعلقا بالاسانيد، فهو يدور مدار الاسانيد الصحيحة، رجح العمل بالاخبار الدالة على انحصار طلاقها في الواحدة لكثرة الاخبار الصحاح فيها، فقال بعد البحث في المسألة: والذي يقتضيه الوقوف مع الاخبار الصحيحة المستفيضة الحكم بأن طلاق الحامل واحد، لكن المصنف في الشرائع ادعى الاجماع على جواز طلاق الحامل ثانيا للعدة، ثم نقل الخلاف في طلاقها للسنة، ونقل عنه أنه قال في بعض تحقيقاته: الوجه الاعراض عن أخبار الآحاد والالتفات إلى ما دل عليه القرآن من جواز طلاقها مطلقا، ويشكل بأن الاخبار المتضمنة - لان (1) طلاق الحامل واحدة - مستفيضة كما عرفت وأسانيدها معتبرة، وليس لها ما يصلح للمعارضة، فإطراحها مشكل، انتهى وهو جيد. بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي هو عليه فإن الاخبار في هذه المسألة ظاهرة التعارض لدلالة ظاهر أخبار الواحدة على انحصار طلاق الحامل فيها، وإنها لا تطلق إلا واحدة، فلو راجعها قبل خروج العدة فليس له أن يطلقها إلا بعد وضع الحمل كما دلت عليه رواية الصيقل وكلام الرضا (عليه السلام) في كتاب فقه الرضوي ودلالة الاخبار الباقية على أنها تطلق ثانية وثالثة وهي حامل بعد المراجعة والمواقعة أو مع عدمها، ومن قاعدة أرباب هذا الاصطلاح أنهم لا يجمعون بين الاخبار إلا بعد التكافي في الاسانيد، وأخبار الزيادة على واحدة قاصرة عن المعارضة لضعف أسانيدها، فيتعين العمل بأخبار الواحدة. هذا حاصل كلامه - رحمه الله - وهذا هو مذهب الصدوقين، فإن ما نقله الاصحاب عنهما مما قدمنا ذكره في صدر المسألة لم ينقل على وجهه، ورسالة الشيخ علي بن الحسين بن بابويه، وإن كانت لا تحضرني الآن لكن المقنع عندي


(1) والصحيح " بأن " كما يظهر من سياق العبارة.

[ 289 ]

موجود، والذي فيه عين ما ذكر الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، وإن فرق بعض ألفاظه عن بعض إلا أن المرجع إلى أمر واحد، وهذه صورة ما فيه: واعلم أن اولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن، وهو أقرب الاجلين، وإذا وضعت أو أسقطت يوم طلقها أو بعده متى كان فقد بانت منه فلا تحل للازواج حتى تضع، فإن راجعها قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثم أراد طلاقها فليس له حتى تضع ما في بطنها ثم تطهر ويطلقها، وسئل الصادق (عليه السلام) عن المرأة الحامل يطلقها زوجها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة، فقال: قد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وطلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الاجلين، انتهى. وأنت خبير بأن المفهوم منه هو ما نقلناه عن كتاب الفقه، فإنه أفتى فيه بكون طلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الاجلين، وهو وضع الحمل كما هو مذهبه في المسألة، وأفتى بناء على ذلك بأنه لو راجعها قبل مضي العدة وهي ثلاثة أشهر أو وضع الحمل فإنه ليس طلاقها إلا بعد وضع الحمل، وهو ظاهر بل صريح في أنه لا يجوز له طلاقها ثانيا مادامت حاملا، ثم نقل عن الصادق (عليه السلام) مضمون ما دلت عليه موثقتا عمار المتقدمتان من جواز الزيادة على طلقة واحدة، وفي نسبة ذلك إلى الرواية مع إفتائه بخلافه ما يدل على اختلاف الرواية يومئذ عندهم، ولكن الراجح عنده ما أفتى به اعتمادا على الكتاب الذي أفتى بعبارته، ومثله كثير قد قدمنا التنبيه عليه، سيما في كتب العبادات من اعتماد الصدوقين على الكتاب المذكور والافتاء بعبائره في مقابلة الاخبار الصحيحة الصريحة المتكاثرة الدالة على خلاف ذلك. ومما شرحناه يظهر لك أن مستند الصدوقين فيما ذهبا إليه إنما هو كتاب الفقه الرضوي كما عرفته في غير موضع مما تقدم من الكتب السابقة، وأن مذهب الصدوقين هو ما يظهر من السيد السند التعويل عليه، وليته كان حيا فأهديه إليه.

[ 290 ]

نعم يبقى الاشكال في الروايات الاخر وما دلت عليه من جواز التعدد، والشيخ قد جمع بين أخبار المسألة كملا بحمل ما دل على أن طلاق الحامل واحدة ولا يجوز ما زاد عليها على طلاق السنة بالمعنى الاخص، وحمل الاخبار الدالة على جواز الزيادة على واحدة على طلاق العدة. واعترضه الشهيد الثاني (أولا) بأن محل الخلاف إنما هو الطلاق الثاني لا الاول للاتفاق على صحة الاول كما تقدم، واستفاضة الاخبار به سنيا كان أو عديا، والطلاق السني بالمعنى الاخص لا يقع ثانيا بالنسبة إلى الحامل لانها بعد الطلاق الاول للسنة - الذي شرطه الخروج من العدة - لا يجوز العقد عليها إلا بعد وضع الحمل، وحينئذ لا يكون حاملا، فلو طلقها والحال هذه لم يدخل في محل البحث. نعم الطلاق الاول يصدق عليه أنه للسنة متى تركها حتى وضعت حملها، لكنه ليس محل خلاف، إنما محله الطلاق الثاني كما عرفت، وهو لايتم في الحامل بالكلية. و (ثانيا) بأن تخصيصه الجواز بالعدي، فيه أن الاخبار قد دلت على جواز التعدد، وإن لم يكن عديا كموثقتي إسحاق بن عمار الاولتين من موثقاته الثلاث المتقدمة، فإن ظاهرهما المراجعة من غير مواقعة، وهو ليس بعدي ولا سني بالمعنى الاخص، نعم هو سني بالمعنى الاعم. أقول: يمكن الجواب عما ذكره - رحمه الله - أما عن (الاول) فبأنه وإن كان محل الخلاف إنما هو الطلاق الثاني للحامل كما ذكر - رحمه الله - إلا أن الشيخ لم يلحظ ذلك، لان مطمح نظره إلى الجمع بين أخبار المسألة، وجملة منها قد صرحت بالانحصار في الطلقة الواحدة، فلا يجوز طلاقها ثانيا، وجملة منها صرحت بالزيادة على الواحدة، والشيخ حمل الواحدة في هذه الاخبار وهي التي لم يقع قبلها طلقة على طلاق السنة، بمعنى أنه إذا أراد أن يطلق الحامل

[ 291 ]

طلاق السنة طلقها طلقة واحدة، وتركها حتى تضع حملها، ولا يجوزأن يراجعها ويطلقها قبل الوضع طلاقا سنيا، لانه مشروط بالخروج من العدة التي هي هنا وضع الحمل، فطلاق السنة طلاقا ثانيا لا يكون للحامل بالكلية، فإنها بعد وضع الحمل لو طلقت لم يكن طلاق حامل فيخرج عن محل البحث. وأما عن (الثاني) فبأن يقال: إنه لاريب أن أخبار الزيادة على واحدة منها ما هو صريح في طلاق العدة كرواية بريد الكناسي (1)، وإن اشتملت على الشهر هنا زيادة على ما شرط في طلاق العدة في غير هذا الموضع، ورواية ابن بكير عن بعضهم. ومنها ما هو مطلق كموثقتي إسحاق بن عمار الاولتين من الثلاث المتقدمات وطريق الجمع بينها تقييد إطلاق هاتين الروايتين بما دلت عليه الروايتان الاخريان، والظاهر أن هذا هو الذي قصده الشيخ - رحمة الله عليه - وإلى ما ذكرناه يشير كلام العلامة في المختلف، حيث قال بعد البحث في المسألة ما لفظه: والتحقيق في هذا الباب أن يقول: طلاق العدة والسنة واحد وإنما يصير للسنة بترك المراجعة وترك المواقعة، وللعدة بالرجعة في العدة والمواقعة، فإن طلقها لم يظهر أنه للسنة أو للعدة إلا بعد وضع الحمل، لانه إن راجع قبله كان طلاق العدة، وإن تركها حتى تضع كان طلاق السنة، فإن قصد الشيخ ذلك فهو حق، وتحمل الاخبار عليه، انتهى. أقول: لاريب أن هذا هو الذي قصده الشيخ - رحمه الله - وإن خرج فيه عن محل البحث، حيث إن مراده الجمع بين أخبار المسألة وكلام العلامة كما ترى إنما هو بالنسبة إلى الطلاق الاول فهو الذي حمل عليه كلام الشيخ، وبذلك يعلم اندفاع ما أورده شيخنا المتقدم ذكره على الشيخ - رحمة الله عليه -.


(1) والصحيح كما سبق ذكره " يزيد الكناسى ".

[ 292 ]

نعم يبقى الكلام فيما دلت عليه رواية بريد [ يزيد الكناسي ] من اعتبار الشهر في طلاق العدة هنا، والواجب تقييد ما اطلق من الاخبار بها إذ لا معارض لها - مع قوة سندها، فإن رواتها غير الراوي المذكور من الثقات الامامية - إلا إطلاق الاخبار المذكورة، وهي قابلة للتقييد بها، وحينئذ فمتى راجع وواقع لم يجز له الطلاق إلا بعد مضي شهر من يوم المواقعة، ويحتمل بالنسبة إلى موثقتي إسحاق بن عمار العمل بظاهرهما من جواز الطلاق ثانيا بعد المراجعة من غير مواقعة، وإن لم يكن عديا ولاسنيا بالمعنى الاخص بل بالمعنى الاعم، ولعله أظهر، وقد تلخص مما ذكرنا أنه متى أراد الطلاق للسنة وليس له أن يطلقها إلا طلقة واحدة ويتركها حتى تضع حملها وإن أراد الطلاق للعدة، فإن رجع وواقع فليس له الطلاق ثانيا إلا بعد مضي الشهر، فإن لم يواقع بناء على ما ذكرنا من الاحتمال فله أن يطلقها متى شاء، وحينئذ فيثبت للحامل طلاق السنة بالمعنى الاخص وطلاق العدة خاصة بناء على كلام الشيخ ومن تبعه، وطلاق السنة بالمعنى الاعم بناء على ما ذكرناه من الاحتمال عملا بإطلاق الموثقتين المذكورتين. ومن ذلك يعلم أنه متى كان محل الخلاف هو الطلاق الثاني - كما هو ظاهر كلام الاصحاب وبه صرح في المسالك وغيره - في غيره - فإنه لا يجري ذلك في طلاق السنة لما عرفت آنفا، وإنما تطلق للعدة خاصة بقاء على كلام الشيخ، وللسنة بالمعنى الاعم على ما ذكرناه من الاحتمال، فما ذكره ابن إدريس ومن تبعه ومن المتأخرين - ومنهم شيخنا في المسالك من جواز تطليقها مطلقا كغيرها - لا أعرف له وجها. قال في المسالك بعد البحث في المسألة ما صورته: والحق الاعراض عن هذه التكلفات التي لم يدل عليها دليل، والرجوع إلى حكم الاصل من جواز طلاق الحامل كغيرها مطلقا، بشرائطه وعدم الالتفات إلى هذه الاخبار الضعيفة الاسناد المتناقضة الدلالة، وما فيها من الصحيح ليس فيه ما ينافي الجواز وحمل أخبار النهي

[ 293 ]

عن الزائد على الكراهة، وجعله قبل شهر آكد، من غير أن يفرق بين كون الواقع طلاق عدة أو سنة بمعنييه، وقد ظهر بذلك أن القول بجواز طلاقها مطلقا هو الاقوى. واعلم أنه قد ظهر أن القول بجواز طلاقها ثانيا للعدة وفاقي في الجملة لان المتأخرين جوزوه مطلقا، والشيخ خص الجواز به، وابن الجنيد قيده بعد شهر، وابنا بابويه أطلقا جوازه بعد ثلاثة أشهر، و بذلك ظهر صحة ما ادعاه المصنف من جوازه إجماعا، وإن كان بعضهم يشترط في صحته شرطا زائدا، لان ذلك لا ينافي الحكم بجوازه في الجملة.. إلى آخر كلامه - رحمه الله -. وفيه نظر، أما (أولا) فإنه مع تسليم الاعراض عن الروايات الضعيفة باصطلاحهم فإنه لايتم ما ذكره من الجواز مطلقا، قوله " وما فيها من الصحيح ليس فيه ما ينافي الجواز ممنوع، لما عرفت من أن ظاهرها انحصار صحة طلاق الحامل في الواحدة، فلا يجوز غيرها، وهو ظاهر كلام سبطه في شرح النافع كما قدمناه، ويؤيده تصريح رواية الصيقل وكلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه، وكذا عبارة المقنع بأنه ليس له أن يطلق بعد المراجعة حتى تضع. وأما (ثانيا) فما ادعاه من جواز طلاقها للسنة بالمعنى الاخص فإنه غير مستقيم كما شرحناه آنفا، وبذلك اعترف أيضا فيما تقدم من كلامه، حيث قال في الاعتراض على عبارة الشيخ في النهاية: والسني بالمعنى الاخص لا يتحقق في الحامل، لانه لا يصير كذلك إلا بعد الوضع والعقد عليها ثانيا، وحينئذ فلا يكون حاملا، والكلام في الطلاق الواقع بالحامل. انتهى، فكيف يدعي هنا جوازه، ما هذا إلا عجب عجيب من هذا النحرير، وسهو ظاهر في هذا التحرير. وأما (ثالثا) فإن ما ادعاه في تشييد دعوى الوفاق على جواز الطلاق العدي ثانيا من أن الصدوقين أطلقا جوازه بعد ثلاثة أشهر، أشد عجبا مما تقدم، فإن عبارتهما المنقولة في كلامهم كما قدمنا ذكرها في صدر المسألة صريحة في أن ذكر الثلاثة أشهر إنما هو لصحة الرجعة لا للطلاق، وهذه صورتها: وإن راجعها

[ 294 ]

قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها وتطهر ثم يطلقها. وهي صريحة في أن الطلاق ثانيا لا يجوز إلا بعد الوضع والطهارة من النفاس، والثلاثة الاشهر إنما هي بالنسبة إلى صحة الرجوع، وذلك لان الحامل تبين بأقرب الاجلين، إما الثلاثة الاشهر أو الوضع. والغرض بيان أن الرجعة وقعت في العدة قبل مضي واحد من الامرين المذكورين فتكون الرجعة صحيحة، أما لو أراد الطلاق ثانيا بعد هذه الرجعة فإنه لا يجوز له إلا بعد أن تضع، ويؤكده ما شرحناه سابقا من بيان مذهب الصدوقين في هذه المسألة. فانظر إلى ما في هذا الكلام من الخلل الظاهر لذوي الافهام، والغرض من التنبيه على ما في أمثال هذا المقال من السهو الواضح الناشئ من الاستعجال هو وجوب التأمل وتحقيق الحال، وعدم الركون إلى من قال، وإن كان من مجلي حلبة الرهان في ذلك المجال، وفي المشهور " اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال " وبالجملة فالظاهر عندي هو العمل بجملة الاخبار المذكورة، والجمع بينها ما قدمنا ذكره. المسألة الثانية: لا خلاف بين الاصحاب في أنه إذا طلق الحامل المدخول بها ثم راجعها وواقعها كما هو طلاق العدة المتقدم فإنه يجوز أن يطلقها ثانيا، إنما الخلاف فيما إذا طلقها بعد المراجعة الخالية من المواقعة، سواء كان في طهر الطلاق الاول أو الطهر الذي بعده، والمشهور بين الاصحاب صحة الطلاق. ونقل عن ابن أبي عقيل أنه خالف في ذلك وحكم بعدم وقوع الطلاق على هذا الوجه، سواء كان في طهر الطلاق الاول أو الطهر الذي بعده، وهذه صورة عبارته على ما نقله عنه غير واحد منهم العلامة في المختلف وغيره. قال - رحمه الله -: لو طلقها من غير جماع قبل تيسر المواقعة بعد الرجعة لم يجز ذلك، لانه طلقها من غير أن ينقضي الطهر الاول، ولا ينقضي الطهر الاول

[ 295 ]

إلا بتدليس المواقعة بعد المراجعة، فإذا جاز أن يطلق التطليقة الثانية بلا طهر جاز أن يطلق كل تطليقة بلا طهر، ولو جاز ذلك لما وضع الله الطهر، انتهى. واعترضه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد نقل عبارته بما هذا لفظه: وإنما ذكرنا عبارته لاشتمالها على الاستدلال على حكمه، وبه يظهر ضعف قوله مع شذوذه، فإنا لا نسلم أن الطهر لا ينقضي بدون المواقعة، للقطع بأن تخلل الحيض بين الطهرين يوجب انقضاء الطهر السابق، سواء واقع فيه أم لا. ثم لا نسلم اشتراط انقضاء الطهر في صحة الطلاق مطلقا. وإنما الشرط انقضاء الطهر الذي واقعها فيه، وهو منتف هنا لان الطلاق الاول وقع بعده في طهر آخر، لانه الغرض فلا يشترط أمر آخر، انتهى. أقول: وتحقيق المقام على وجه لا يعتريه النقص والابرام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام - رفع الله تعالى أقدارهم في دار السلام - قد سبق لي في بعض أجوبة مسائل بعض الطلبة الكرام، وهو يتوقف على نقل ما ورد من الاخبار في هذا المجال، ليتضح بذلك حقيقة الحال عليه السلام، ويظهر ما في كلام جملة من الاصحاب من الاختلال، فنقول: من الاخبار الدالة على ما هو المشهور موثقة إسحاق بن عمار (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) " قال: قلت له: رجل طلق امرأته ثم راجعها بشهود، ثم طلقها ثم بداله فيراجعها بشهود، تبين منه ؟ قال: نعم، قلت: كل ذلك في طهر واحد، قال: تبيين منه " وهي كما ترى صريحة في أن مجرد الرجعة كاف في صحة الطلاق ثانيا وإن كان في طهر الطلاق الاول. وصحيحة عبد الحميد بن عواض ومحمد بن مسلم (2) " قالا: سألنا أبا عبد الله


(1) التهذيب ج 8 ص 92 ح 236، الوسائل ج 15 ص 379 ب 19 ح 5 وفيهما اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 8 ص 45 ح 58، الوسائل ج 15 ص 378 ب 19 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

[ 296 ]

(عليه السلام) عن رجل طلق امرأته وأشهد على الرجعة ولم يجامع، ثم طلق في طهر آخر على السنة أتثبت التطليقة الثانية من غير جماع ؟ قال: نعم، إذا هو أشهد على الرجعة ولم يجامع كانت التطليقة ثانية " وهي صريحة أيضا في المدعى، والطلاق الثاني هنا وقع في طهر آخر غير طهر الطلاق الاول. وصحيحة البزنطي (1) " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته بشاهدين، ثم راجعها ولم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها، ثم طلقها على طهرت بشاهدين، أتقع عليها التطليقة الثانية وقد راجعها ولم يجامها ؟ قال: نعم ". وحسنة أبي علي بن راشد (2) " قال: سألته مشافهة عن رجل طلق امرأته بشاهدين على طهر، ثم سافر وأشهد على رجعتها، فلما قدم طلقها من غير جماع، أيجوز ذلك له ؟ قال: نعم، قد جاز طلاقها " وهما صريحتان أيضا في المدعى. واستدل جملة من الاصحاب على ذلك أيضا بما ورد من الاخبار دالا على تحقق الرجعة مع عدم الجماع كصحيحة عبد الحميد الطائي (3) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: قلت له: الرجعة بغير جماع تكون رجعة ؟ قال: نعم ". وظني أن هذا الاستدلال ليس في محله، فإنه لا يفهم من كلام ابن أبي عقيل منع حصول الرجعة إلا بالجماع معها، بل ظاهر عبارته أن مراده إنما هو كون الجماع شرط في صحة الطلاق الواقع بعد الرجعة، فالرجعة تقع وإن لم يكن ثمة جماع، ولكن لو طلقها والحال هذه لم تحسب له إلا بالتطليقة الاولى دون هذه. والذي يدل على ما ذهب إليه ابن أبي عقيل صحيحة عبد الرحمن بن


(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 45 ح 59 و 60، الوسائل ج 15 ص 379 ب 19 ح 2 و 4. (3) التهذيب ج 8 ص 44 ح 56، الوسائل ج 15 ص 378 ب 18 ح 1.

[ 297 ]

الحجاج (1) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته، له أن يراجع ؟ قال: لا يطلقن التطليقة الاخرى حتى يمسها ". ورواية المعلى بن خنيس (2) عن أبي عبد الله " في الرجل يطلق أمرأته تطليقة، ثم يطلقها الثانية قبل أن يراجع، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يقع الطلاق الثاني حتى يراجع ويجامع ". وموثقة إسحاق بن عمار (3) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل يطلق امرأته في طهر من غير جماع، ثم راجعها من يومه ذلك ثم يطلقها، أتبين منه بثلاث طلقات في طهر واحد ؟ فقال: خالف السنة، قلت: فليس ينبغي له إذا هو راجعها أن يطلقها إلا في طهر آخر ؟ قال: نعم، قلت: حتي يجامع ؟ قال: نعم ". هذه الروايات الثلاث صريحة فيما ذهب إليه ابن أبي عقيل، مع أنه لم ينقلها، وإنما نقلها الاصحاب له في كتب الاستدلال، واستدل له في المختلف وتبعه عليه جملة من المتأخرين عنه برواية أبي بصير (4) عن أبي عبد الله " قال: المراجعة هي الجماع وإلا فإنما هي واحدة ". وفي هذا الاستدلال ما عرفت آنفا، والظاهر أنهم فهموا من منع ابن أبي عقيل من الطلاق ثانيا بعد الرجعة بدون جماع أن الوجه فيه عدم حصول الرجعة بالكلية، فيصير الطلاق لاغيا. وأنت خبير بأنه لادلالة في كلامه على ذلك إذ أقصى ما يدل عليه عدم صحة ذلك الطلاق الا خير خاصة، وأما أن العلة فيه عدم


(1) التهذيب ج 8 ص 44 ح 53، الوسائل ج 15 ص 376 ب 17 ح 2 وفيهما اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 8 ص 46 ح 62، الوسائل ج 15 ص 377 ب 17 ح 5 وفيهما اختلاف يسير. (3) الكافي ج 6 ص 60 ح 12، الوسائل ج 15 ص 377 ب 17 ح 3 وفيهما اختلاف يسير. (4) التهذيب ج 8 ص 44 ح 54، الوسائل ج 15 ص 376 ب 17 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

[ 298 ]

حصول الرجعة، فلا دلالة فيه عليه. ويدل على هذا القول أيضا صحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " أنه قال: كل طلاق لا يكون على السنة أو على العدة فليس بشئ " ثم فسر (عليه السلام) طلاق السنة وطلاق العدة بما تقدم ذكره في سابق هذه المسألة، والتقريب فيها أنه من الظاهر أن الطلاق بعد المراجعة بدون المواقعة غير داخل في شئ من ذينك الفردين فيثبت بموجب الخبر أنه ليس بشئ. وأجاب السيد السند في شرح النافع بأن قوله " ليس بشئ " يعتد به في الادلة كما في هذين النوعين، وفيه من البعد ما لا يخفى. ويدل على هذا القول أيضا بأوضح دلالة وأفصح مقالة وإن لم ينبه عليه أحد من علمائنا الاعلام صحيحة أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن طلاق السنة، قال: طلاق السنة إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته يدعها إن كان دخل بها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين، ثم تركها حتى تعتد ثلاثة قروء، فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة وكان زوجها خاطبا من الخطاب - إلى أن قال: - وأما طلاق الرجعة، فأن يدعها حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها بشهادة شاهدين، ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على تطليقة اخرى، ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة، فإن طلقها واحدة على طهر بشهود ثم انتظر بها حتى تحيض وتطهر ثم طلقها قبل أن يراجعها لم يكن طلاقه الثانية طلاقا لانه طلق


(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2، التهذيب ج 8 ص 26 ح 2، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 صدر ح 1، وما في المصادر اختلاف يسير. (2) الكافي ج 6 ص 66 ح 4، التهذيب ج 8 ص 27 ح 49، الوسائل ج 15 ص 345 ب 1 ح 3 وص 349 ب 2 ح 2 وما في المصادر اختلاف يسير.

[ 299 ]

طالقا، لانه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت خارجة عن ملكه حتى يراجعها، فإذا راجعها صارت في ملكه ما لم تطلق التطليقة الثالثة، فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج ملك الرجعة من يده، فإن طلقها على طهر ثم راجعها فانتظر بها الطهر من غير مواقعة فحاضت وطهرت، ثم طلقها قبل أن يدنسها بمواقعة بعد الرجعة لم يكن طلاقه لها طلاقا لانه طلقها التطليقة الثانية في طهر الاولى، ولا ينقض الطهر إلا مواقعة بعد الرجعة، وكذلك لا تكون التطليقة الثالثة إلا بمراجعة ومواقعة بعد المراجعة، ثم حيض وطهر بعد الحيض، ثم طلاق بشهود حتى يكون لكل تطليقة طهر من تدنيس المواقعة بشهود ". أقول: ويقرب بالبال العليل والفكر الكليل أن هذا الخبر هو معتمد ابن أبي عقيل فيما ذهب إليه، وإن دلت تلك الاخبار الاخر أيضا عليه، حيث إن كلامه في التحقيق راجع إلى نقل هذا الخبر بالمعنى في بعض، وبألفاظه في آخر وحاصل معنى الخبر المذكور أنه لو طلق ثم راجع من غير مواقعة ثم طلقها في طهر آخر لم يكن ذلك طلاقا، لانه وقع في طهر الطلقة الاولى، وقوله " ولا ينقض الطهر.. إلخ " في مقام التعليل لذلك، بمعنى أن الطهر الآخر الذي تصير به الطلقة الواقعة فيه ثانية وتكون صحيحة هو ما وقع بعد الرجعة المشتملة على المواقعة، ثم الحيض بعدها والطهر منه. ثم ذكر (عليه السلام) أنه لا تكون التطليقة الثالثة ولا تصح إلا بمراجعة قبلها ومواقعة.. إلخ، والطهر المعتبر في كلامه (عليه السلام) هو الطهر من تدنيس المواقعة الذي هو الجماع، فكأنه أراد به الطهر من الجنابة، فإنه ما لم يواقعها مرة اخرى فهي على ذلك الطهر، ولا يزول ذلك الطهر إلا بمواقعة اخرى، وهو خلاف ما هو المعروف بين الاصحاب في هذا الباب من كون الطهر عن النقاء من الحيض على الوجوه المقررة ثمة. ولهذا اعترض شيخنا الشهيد الثاني فيما قدمناه من كلامه على عبارة ابن

[ 300 ]

أبي عقيل التي هي كما عرفت إنما اخذت من هذا الخبر، ولم يدر كلام ابن أبي عقيل إنما هو مأخوذ من هو الخبر، فإن الاشكال الذي في عبارته إنما نشأ من هنا، وإن الاعتراض على كلام ابن أبي عقيل اعتراض على هذا الخبر، فإن الطهر بالمعنى المذكور في كلام ابن أبي عقيل كما هو في هذا الخبر ليس هو المعروف بينهم (1). وعلى هذا يتم ما ذكره ابن أبي عقيل في عبارته من قوله " وإذا جاز أن يطلق التطليقة الثانية.. إلخ ". ويندفع عنه ما أورده عليه شيخنا الشهيد الثاني أيضا هنا، لانه إذ فسر الطهر في عبارته بالمعنى المذكور في الخبر فالاعتراض عليه اعتراض على الخبر المذكور، ولا أراك ترتاب بعد التأمل في مضمون الخبر في صحة ما ذكرناه من كون عبارة ابن أبي عقيل مأخوذة من هذا الخبر وملخصة منه، ولا تشك بعد معلومية ما شرحناه من معنى الخبر وكلام ابن أبي عقيل في صحة ما قدمنا ذكره من أن ابن أبي عقيل لم يذهب إلى اشتراط المواقعة في صحة الرجعة كما توهموه حسبما ينادي به هذا الخبر الذي منه اخذت عبارته، فإنه (عليه السلام) صرح بأنه لو طلق قبل المراجعة لم يكن طلاقه الثاني طلاقا، لانه طلق طالقا، وعلله بأن المطلقة تخرج عن ملك الزوج ولا تدخل في ملكه إلا بالرجعة، ثم صرح (عليه السلام) بأنه إذا طلقها ثم راجعها من غير مواقعة ثم طلقها لم يكن طلاقه ذلك طلاقا، وعلله من حيث وقوع الطلاق في طهر الطلقة الاولى، مع أن شرط صحة تعدد الطلاق تعدد الاطهار، وحينئذ فلو كانت الرجعة التي حصلت منه بعد الطلاق من غير جماع غير صحيحة كما يدعونه - من أن المرأة باقية على مقتضى الطلاق الاول -


(1) وهو ما كان مشتملا على المواقعة بعد الرجعة، وحينئذ فلو طلق بعد مراجعات عديدة من غير مواقعة في شئ منها وطلق بعد كل مراجعة وان كان الطلاق بعد النقاء من الحيض فانها كلها تكون في طهر واحد، فلو اعتبر هذه الطلقات وصحت لم يكن لاعتبار الشارع الطهر ووضعه مزيد فائدة. (منه - قدس سره -).

[ 301 ]

لعلله (عليه السلام) بما علل به سابقه من كونه طلق طالقا، فإنه أوضح في التعليل وأظهر كما لا يخفى. وبالجملة فالظاهر أن ما ادعوه من ذلك مجرد توهم نشأ من حكم ابن أبي عقيل ببطلان الطلاق الاخير، ولا وجه له ظاهر عندهم إلا ذلك، حيث إن هذا الوجه الذي علل به الابطال كما في الرواية غريب على قواعدهم، ولم يقفوا على هذه الرواية بالكلية، ولم يتعرضوا لها في الكتب الاستدلالية. وأما قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير السابقة " المراجعة هي الجماع " فالظاهر أن المعنى فيها أن المراجعة الموجبة لصحة الطلاق بعدها هي ما اشتملت على الجماع كما يدل عليه قوله " وإلا فهي واحدة " كما لا يخفى. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الجمع بين هذه الاخبار لا يخلو عن أحد وجوه: الاول: ما ذكره شيخنا في كتابي الاخبار من حمل الاخبار الواردة بالنهي عن تكرار الطلاق بعد الرجعة بدون وطئ، فإن ذلك الطلاق لا يقع على كون ذلك الطلاق للعدة، لانه كما تقدم في سابق هذه المسألة مشروط بالرجعة والوطئ بعدها عندهم، وحمل أخبار الجواز على طلاق السنة بالمعنى الاعم، ونسبه المحقق في الشرائع بعد نقل ذلك عنه إلى التحكم، وهو القول بغير دليل. قال في المسالك: ووجهه أن كلا من الدخبار ورد في الرجل يطلق على الوجه المذكور، ويجيب الامام (عليه السلام) بالجواز أو النهى من غير استفصال، فيفيد العموم من الطرفين، ولدن شرط العدي الوطئ بعده وبعد الرجعة منه في العدة، وها هنا شرط في جواز الطلاق ثانيا سبق الوطئ، وسبقه ليس بشرط في طلاق العدة، وإنما الشرط تأخره، فيلزم الشيخ أخذ غير الشرط مكانه. ثم قال - رحمة الله عليه: - وللشيخ أن يجيب بأن الباعث على الجمع التعارض، فلا يضره عمومها من الطرفين على تقدير تسليمه، لان تخصيص العام لاجل الجمع جائز، خيرمن إطراح أحد الجانبين، والوطء جعل معتبرا في الطلاق ثانيا يجعل الطلاق السابق عديا

[ 302 ]

وليس الحكم مختصا بالطلاق الثاني بل بهما معا، بمعنى أن من أراد طلاق المرأة للعدة أزيد من مرة فليس له ذلك، ولا يتحقق إلا بالمراجعة والوطء ليصير الثاني عديا أيضا، وليصير الثالث بحكمها لتحرم في الثالثة عليه قطعا بخلاف ما لو طلقها على غير هذا الوجه، فإن فيه أخبارا تؤذن بعدم التحريم لعدم نقضها، انتهى. هذا، وعندي فيما ذهب إليه الشيخ - رحمه الله - من الجمع المذكور نظر من وجوه: (أحدها) ما ذكره في المسالك في بيان أحد وجهي التحكم الذي نسبه المحقق إلى الشيخ من أن الحمل على الطلاق العدي يوجب اشتراطه بسبق الوطئ مع أن الشرط فيه إنما هو تأخر الوطئ. وما أجاب به شيخنا الشهيد الثاني عنه - من أن الوطئ الذي جعل معتبرا في الطلاق ثانيا يجعل الطلاق السابق عديا.. إلى آخره - ينافي ما صرح به الشيخ من أن مراده بالطلاق العدي هو الثاني لا الاول. فإنه قال في كتاب الاستبصار (1) - بعد أن نقل في حيز " أما " صحيحة عبد الحميد الطائي المتقدمة وصحيحة محمد بن مسلم الدالتين على أن الرجعة بغير جماع رجعة - ما صورته: فالوجه في هذين الخبرين أنه يكون رجعة بغير جماع، بمعنى أنه يعود إلى ما كان عليه من أنه يملك مواقعتها، ولولا الرجعة لم يجز ذلك، وليس في الخبر أنه يجوز له أن يطلقها تطليقة اخرى للعدة وإن لم يواقع، ونحن إنما اعتبرنا المواقعة فيمن أراد ذلك، فأما من لا يريد ذلك فليس الوطئ شرطا له. انتهى، وهو صريح في أن مراده بالطلاق العدي هو الثاني المسبوق بالمواقعة كما لا يخفى. وقال أيضا - بعد إيراد صحيحة البزنطي وحسنة أبي على بن راشد المتقدمتين الدالتين على وقوع الطلقة الثانية وجوازها بعد المراجعة من غير جماع - ما لفظه: لانه ليس في هذه الاخبار أن له أن يطلقها طلاق العدة، ونحن إنما نمنع أن يجوز له أن يطلقها طلاق العدة، فأما طلاق السنة فلا بأس أن يطلقها بعد ذلك


(1) الاستبصار ج 3 ص 281 بعد الحديث 3 و 4.

[ 303 ]

. إلخ. فإنه كما ترى قد حمل قوله في صحيحة البزنطي " أيقع عليها التطليقة الثانية " وقوله في حسنة أبي علي " أيجوز له ذلك " على كون ذلك الطلاق الثاني سنيا يعني بالمعنى الاعم لاعديا، وهو مشعر بأنه لو حصلت المواقعة بعد تلك الرجعة لكان الطلاق الواقع بعد عديا لان حكمه بكونه سنيا لاعديا إنما هو من حيث عدم تقدم المواقعة وحصول الرجعة خالية عن المواقعة. وبالجملة فحيث كان محل الاختلاف في الدخبار إنما هو بالنسبة إلى وقوع التطليقة الثانية الواقعة بعد الرجعة بغير مواقعة وصحتها، بل عدم الوقوع والصحة، فبعض الدخبار دل على صحة ذلك الطلاق وبعضها دل على العدم، جمع الشيخ بينها بحمل أخبار عدم الصحة على ما إذا قصد بذلك الطلاق العدي فإنه لا يجوز له بذلك ولا يصح منه، ولا يقع للعدة لعدم المواقعة قبله، وإنما يقع للسنة خاصة. هذا حاصل مراد الشيخ - رحمة الله عليه - وصريح عبائره كما لا يخفى وحينئذ فيتوجه عليه ما تقدم إيراده، ولا يندفع بما اعتذر عنه به في المسالك، فتأمل وانصف. (وثانيها) أن الشيخ قد استند في وجه الجمع الذي ذكره إلى رواية المعلى ابن خنيس (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: الذي يطلق ثم يراجع ثم يطلق فلا يكون بين الطلاق والطلاق جماع، فتلك تحل له قبل أن تزوج زوجا غيره، والتي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيرة هي التي تجامع بين الطلاق والطلاق ". وأورد عليه بأنه لادلالة في هذه الرواية إلا على أن الجماع بين الطلاقين شرط في التحريم الموجب المحوج إلى المحلل، وأما التفصيل بالسنى والعدي واشتراط الجماع بعد الرجوع في العدي خاصة فلا دلالة في الخبر عليه، على أن في هذا الخبر من الاشكال أيضا ما يمنع من العمل به والاعتماد عليه لدلالته على أن غير الطلاق العدي لاتبين منه في الثالثة، وهو خلاف ما عليه الاصحاب


(1) التهذيب ج 8 ص 46 ح 61، الوسائل ج 15 ص 379 ب 19 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

[ 304 ]

ومنهم الشيخ أيضا، فهي مخالفة لقواعدهم. نعم ربما أمكن انطباقها على مذهب ابن أبي عقيل. (وثالثها) أن مقتضى ما ذكره الشيخ من الحمل هو أنه متى راجع ثم طلق من غير مواقعة فإنه يكون الطلاق صحيحا وإن لم يقع للعدة بزعمه وإنما يقع للسنة، مع أن المفهوم من الاخبار المانعة هو الابطال رأسا وعدم وقوع الطلاق مطلقا كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) الدالة على النهي عنه، ورواية المعلى بن خنيس (2) المصرحة بأنه لا يقع الطلاق الثاني حتى يراجع ويجامع، ونحوها موثقة إسحاق بن عمار (3) وحمل هذه الاخبار على الطلاق العدي كما زعمه، بمعنى أنه لا يقع عديا، وإن وقع سنيا قد عرفت فساده من الوجه الاول، فيبقى التعارض بين أخبار الطرفين على حاله كما لا يخفى. الثاني: ما اختاره جملة من أصحابنا منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك وسبطه السيد السند في شرح النافع من حمل النهي على الكراهة، وأخبار الجواز على أصل الاباحة. قال في المسالك: ووجه أولوية الجماع البعد عن مذهب المخافين المجوزين لتعدد الطلاق كيف اتفق، ليصير الامران على طرف النقيض، حيث إن ذلك معدود عند أصحابنا من طلاق البدعة كما سلف، ثم لو لم يظهر الوجه في الجمع لكان متعينا حذرا من إطراح أحدهما رأسا، أو الجمع بما لا يقتضيه اصول المذهب كما جمع به الشيخ، والحمل على الجواز والاستحباب سالم من ذلك وموجب لاعمال الجميع. وفيه أن ذلك وإن أمكن في بعض الاخبار، إلا أنه لا يجري في جميعها،


(1) التهذيب ج 8 ص 44 ح 53. (2) التهذيب ج 8 ص 46 ح 62. (3) الكافي ج 6 ص 60 ح 12.

[ 305 ]

مثل رواية المعلى الدالة على أنه لا يقع، فإنه صريح في الابطال رأسا، ومثل صحيحة زرارة (1) وصحيحة أبي بصير (2) فإنها صريحتان في الابطال، ولكن العذر لمثل شيخنا المشار إليه في ذلك واضح، حيث إنهم لم يتعرضوا لنقل الروايات المذكورة ولم يقفوا عليها. الثالث: ما ذهب إليه المحدث الكاشاني في كتاب الوافي والمفاتيح من أنه إن كان غرضه من الرجعة أن يطلقها تطليقة اخرى حتى تبين منه فلايتم مراجعتها ولا يصح طلاقها بعد المراجعة ولا يحسب من الثلاث حتى يمسها، وإن كان غرضه من الرجعة أن تكون في حبالته وله فيها حاجة، ثم بداله أن يطلقها، فلا حاجة إلى المس ويصح طلاقها ويحسب من الثلاث، قال: وإنما جاز هذا التأويل لانه كان أكثر ما يكون غرض الناس من المراجعة الطلاق والبينونة كما يستفاد من الاخبار، ويشار إليه بقوله (عليه السلام) وإلا فإنها واحدة، حتى أنه ربما صدر ذلك عن الائمه (عليهم السلام) كما مضى في حديث أبي جعفر (عليهما السلام) أنه قال " إنما فعلت ذلك بها لانه لم يكن لي بها حاجة "، انتهى كلامه زيد مقامه. وأشار بحديث أبي جعفر (عليهما السلام) إلى رواية أبي بصير (3) " قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عن الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فقال: اخبرك بما صنعت أنا بامرأة كانت عندي فأردت أن اطلقها فتركتها حتى إذا طمثت وطهرت طلقتها من غير جماع وأشهدت على ذلك شاهدين، ثم تركتها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها وتركتها حتى إذا طمثت وطهرت ثم طلقتها على طهر من غير جماع بشاهدين، ثم تركتها حتى إذا كان قبل أن تنقضي عدتها


(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2. (2) التهذيب ج 8 ص 44 ح 54. (3) التهذيب ج 8 ص 41 ح 44، الوسائل ج 15 ص 358 ب 4 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

[ 306 ]

راجعتها ودخلت بها، حتى إذا طمثت وطهرت ثم طلقتها على طهر بغير جماع بشهود، وإنما فعلت ذلك بها لانه لم يكن لي بها حاجة ". وما ذكره - رحمة الله عليه - من الجمع لا يخلو عندي من قرب، ويؤيده ما ورد في تفسير قوله سبحانه " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا (1) " من رواية الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن قول الله عزوجل " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " قال: الرجل يطلق حتى إذا كادت أن يخلو أجلها راجعها ثم طلقها يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى الله عزوجل عن ذلك ". ورواية الحسن بن زياد (3) عنه (عليه السلام) " قال: لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته ثم يراجعها وليس له فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى الله تعالى عزوجل عنه إلا أن يطلق ثم يراجع وهو ينوي الامساك ". فإن هاتين الروايتين صريحتان في إنه متى كان قصد من المراجعة مجرد البينونة فلا يجوز له ذلك ولا يصح طلاقه الثاني لما فيه من الاضرار بها في مدة العدد الثلاث بعدم الجماع ونحوه، وقد تكون العدة تسعة أشهر مع أن غاية ما رخص به الشارع في ترك الجماع إذا كانت زوجة أربعة أشهر، فالزيادة على ذلك إضرار محض، فنهى الله سبحانه عنه، والظاهر أنه من أجل هذا النهي الموجب للتحريم وبطلان الطلاق كان الامام (عليه السلام) يجامع بعد كل رجعة مع أن قصده البينونة. وبالجملة فهذا الوجه عندي لما عرفت في غاية القوة، وعليه يجتمع أكثر أخبار المسألة، ولعل في قوله في موثقة إسحاق بن عمار الاولى " ثم بدا له فراجعها " إشارة إلى ذلك بمعنى بدا له وظهر إرادة المعاشرة فراجع، وعلى هذا الوجه يمكن تطبيق الروايات الثلاث الاول التي ذكرناها في أدلة ابن أبي عقيل،


(1) سورة البقرة - آية 231. (2) الفقيه ج 3 ص 323 ح 1، الوسائل ج 15 ص 402 ب 34 ح 2. (3) الفقيه ج 3 ص 323 ح 2، الوسائل ج 15 ص 402 ب 34 ح 1.

[ 307 ]

فإنها وإن كانت مطلقة بالنسبة إلى ما ذكر من التفصيل، إلا أنها بالتأمل في مضامينها والتعمق في معانيها يظهر أنها إنما خرجت من ذلك القبيل. أما صحيحة عبد الرحمن (1) فإنه إنما سئل عن الرجل إذا طلق فهل له أن يراجع أم لا ؟ فأجاب (عليه السلام) لا يطلق التطليقة الاخرى حتى يمسها " وأنت خبير بأن هذا الجواب بحسب الظاهر غير منطبق على السؤال، والظاهر أنه (عليه السلام) فهم من السائل بقرينة حالية، وإن لم ينقل في الخبر أن مراده السؤال عن الرجعة بمجرد إيقاع الطلاق بعدها، فأجاب (عليه السلام) بالنهي عن هذا الطلاق على هذا النحو، إلا أن يمسها كما فعل الباقر (عليه السلام) فيما تقدم من حديث أبي بصير، ومعناها يرجع إلى معنى رواية أبي بصير كما أوضحناه سابقا. وأما رواية المعلى (2) فالظاهر أن غرض السائل أنه هل يصح الطلاق من غير رجعة، بمعنى أنه يترتب عليه ما يترتب على المواقع بعد الرجعة من البينونة ونحوها ؟ وغرضه من ذلك استعلام مالو قصد البينونه بالطلاق على هذا النحو، فإنه لاثمرة للطلقة الثانية لو صحت إلا قصد ذلك وحصوله، فأجاب (عليه السلام) بأنه لا يقع الطلاق الثاني على هذا الوجه إلا مع الجماع بعد المراجعة. وأما موثقة إسحاق بن عمار (3) فهي صريحة في ذلك، فإن إيقاع ذلك في يوم أو في طهر دليل على كون الباعث على تلك الرجعة هو مجرد قصد البينونة، فلذا نسبه إلى مخالفة السنة. بقي هنا شئ وهو أن هذا الوجه وإن اجتمعت عليه أدلة القول المشهور وكذا هذه الروايات الثلاث بالتقريب الذي عرفته، لكن يبقى الاشكال في كلامه - رحمة الله عليه - من وجهين:


(1) التهذيب ج 8 ص 44 ح 53. (2) التهذيب ج 8 ص 46 ح 62. (3) الكافي ج 6 ص 60 ح 12.

[ 308 ]

(الاول) قوله " فلايتم مراجعتها " فإن فيه دلالة على أن المراجعة بدون النكاح بعدها إذا كان قصده مجرد البينونة لا يقع، وهو موافق لما صرح به غيره من الاصحاب كما قدمنا ذكره، حيث أوردوا في الاستدلال صحيحة عبد الحميد الطائي (1) ورواية أبي بصير (2) وقد أوضحنا لك أنه لادليل على عدم وقوع الرجعة، وإنما غاية ما يستفاد من الاخبار عدم صحة الطلاق خاصة، وحينئذ فتبقى بعد الرجعة على حكم الزوجية إذا طلقها ضرارا بغير جماع فيجب لها ما يجب للزوجة. (الثاني) من جهة صحيحة أبي بصير التي هي كما عرفت معتمد ابن أبي عقيل وصريح عبارته، فإنها لا تندرج تحت هذا التأويل، حيث إنه (عليه السلام) قد علل فساد الطلاق الواقع على ذلك الوجه فيها بوجه آخر من كونه لم يقع في طهر الطلقة الاولى، وعلى هذا فيبقى الاشكال بحاله في المسألة، لدن الظاهر أن معتمد ابن أبي عقيل في الاستدلال على ما ذهب إليه إنما هو هذه الرواية كما أوضحناه آنفا، وهي غير منطبقة على شئ من هذه الوجوه الثلاثة التي نقلناها في الجمع بين أخبار المسألة وما عداها من الدخبار وإن دل بحسب الظاهر على مذهب ابن أبي عقيل، إلا أنه لم يستند إليه في الاستدلال ولم يصرح به، ومع هذا فإنه يمكن تطبيقه كما ذكرناه، وأما هذه الصحيحة فهي صريحة في مدعاه غير قابلة لذلك، مع كونها مشتملة على ما عرفت من إطلاق الطهر على خلاف ما هو المعهود من معناه في الاخبار وكلام الدصحاب، ولم أقف على ما تعرض للكلام فيها من المحدثين الذين نقلوها في كتب الاخبار، ولم ينقلها أحد في كتب الفروع الاستدلالية، بل لم يستوفوا الاخبار فيها بالكلية، ولا يحضرني الان وجه تحمل عليه سوى الرد والتسليم لقائلها، وإرجاع الحكم فيها لعالم من آل محمد صلى الله عليه وآله.


(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 44 ح 56 و 54.

[ 309 ]

المسألة الثالثة: في حكمين مما يتعلق بطلاق الغائب: (إحداهما) لو طلق غائبا ثم حضر ودخل بها ولم يعلمها ثم بعد ذلك ادعى الطلاق، فإنه لاتقبل دعواه ولو أقام البينة بالطلاق لم تقبل بينته، ولو أولدها والحال هذه الحق به الولد للحكم في ظاهر الشرع بثبوت الزوجية. ويدل على ذلك ما رواه ثقة الاسلام (1) عن سليمان بن خالد " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته وهو غائب وأشهد على طلاقها، ثم قدم فأقام مع المرأة أشهرا لم يعلمها بطلاقها، ثم إن المرأة ادعت الحبل، فقال الرجل: قد طلقتك وأشهدت على طلاقك، قال: يلزم الولد ولا يقبل قوله ". وأيده بعضهم بأن تصرف المسلم مبني على الصحة، فإذا ادعى بعد ذلك ما يخالفه لا يزول ما قد ثبت سابقا. واورد عليه بأن تصرفه إنما يحمل على المشروع حيث لا يعترف بما ينافيه، ولهذا لو وجدناه يجامع امرأة واشتبه حالها فإنا لانحكم عليه بالزنا، لكن إذا أقر أنه زان حكم عليه به، وعلل أيضا بأن الوجه في عدم قبول بينته أنه قد كذبها بفعله. واورد عليه أنه إنما يتم إذا كان هو الذي أقامها، فلو قامت الشهادة حسبة، وورخت بما ينافي فعله، قبلت وحكم بالبينونة. نعم يبقى الكلام في إلحاق الولد بهما أو بأحدهما، وهو مبني على ما تقدم في الكلام في الاولاد من اعتبار العلم بالحال وعدمه، والظاهر هو العمل بالخبر المذكور، والمفهوم منه أنه لا يقبل قوله وإن أقام البينة. ويمكن الفرق بين ما نحن فيه وبين الاعتراف بالزنا، بأن الاعتراف بالطلاق مستلزم لدفع أحكام الزوجية الواجبة عليه بظاهر الشرع، فهو في معنى الاعتراف في حق غيره، فلا يقبل بخلاف الزنا، فإنه حق لله سبحانه محضا أو مشتركة في بعض الوجوه.


(1) الكافي ج 6 ص 80 ح 5، الوسائل ج 15 ص 374 ب 15 ح 4.

[ 310 ]

هذا كله إذا كان الطلاق بائنا أو رجعيا وانقضت المدة قبل فعله المكذب لدعواه، وإلا قبل، وكان الوطئ رجعة بلا إشكال. (وثانيهما) ما لو كان غائبا وله أربع نسوة ثم طلق إحداهن، فإنه قد صرح عليه السلام الاصحاب بأنه لا يجوز أن يتزوج عوضها في حال غيبته إلا بعد مضي تسعة أشهر. والاصل في هذا الحكم ما رواه ثقة الاسلام (1) عن حماد بن عثمان في الحسن أو الصحيح " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهن وهو غائب عنهن متى يجوز له أن يتزوج ؟ قال: بعد تسعة أشهر، وفيها أجلان (2): فساد الحيض وفساد الحمل ". وجملة من الاصحاب كالمحقق والعلامة وغيرهما قد ألحقوا بذلك الحكم تزويج الاخت، فصرحوا بأنه إذا طلق الغائب وأراد العقد على اختها في حال غيبته فإنه لا يجوز له إلا بعد تسمة أشهر. والشيخ في النهاية خص الحكم بتزويج الخامسة تبعا للنص، واقتفاه ابن إدريس في ذلك فقال: فأما إن كانت واحدة فطلقها طلاقا شرعيا وأراد أن يعقد على اختها في حال سفره، فإذا انقضت عدتها على ما يعلمه من عادتها فله العقد على اختها ولا يلزمه أن يصبر تسعة أشهر، لان القياس عندنا باطل، وكذا التعليل، فليلحظ الفرق بين المسألتين.


(1) الكافي ج 6 ص 80 ح 6، الوسائل ج 15 ص 479 ب 47 ح 1 (2) قوله " وفيها أجلان.. الخ " لا يخلو من عموض، ويمكن أن يقال،: ان مراده عليه السلام أن الاعتداد بالتسعة جامع للعدتين، لانه ان كان انقطاع الدم لفساد في الحيض فالحكم هو الثلاثة الاشهر، وهى حاصلة في ضمن التسعة، وان كان انقطاع الدم لاجل الحمل فهو يعلم بمضي التسعة التى هي أقصى مدة الحمل على المشهور، وبمضى التسعة خالية من الحمل يعلم فساد الحمل، فلذا جعل التسعة متضمنة للاجلين، وعبر عنهما بفساد الحيض الموجب للثلاثة الاشهر، وفساد الحمل بمضي المدة: التى يعلم فيها ذلك وهى التسعة، والله العالم. (منه - قدس سره -).

[ 311 ]

واعترضه العلامة في المختلف فقال بعد ذلك عنه: وهو خطاء، إذا لا فرق بين الامرين، وكما تحرم الخامسة كذا تحرم الاخت في العدة، وكما أوجبنا الصبر تسعة أشهر في الخامسة استظهارا كذا يجب في الاخت، وقوله " فإذا انقضت عدتها على ما يعلمه من عادتها فله العقد على اختها " يوهم أنه مع علمه بخروج العدة لا يجوز في الخامسة، وليس بجيد، بل الصبر إنما يجب في الخامسة مع الاشتباه، انتهى. وأورد عليه السيد السند في شرح النافع بأن ما ذكره أولا - في توجيه إلحاق الاخت بالخامسة - لا يخرج عن القياس، وما ذكره ثانيا - من ايهام كلام ابن إدريس عدم جواز تزويج الخامسة مع العلم بخروج المطلقة من العدة - غير واضح، فإن المراد بالعلم هنا الظن المستفاد من معرفة العادة كما سبق في طلاق الغائب، وهذا القدر يكفي في جواز تزويج الخامسة، نعم لو حصل العلم القطعي بخروج المطلقة من العدة جاز له العقد على اختها وعلى الخامسة من غير إشكال، إلا أن ذلك خلاف ما أراده ابن إدريس. أقول: لا يخفى أن المفهوم من الاخبار وكلام الاصحاب أن الاعتداد بتسعة أشهر إنما هو فيما لو كانت المرأة مسترابة الحمل، وإلا فالعدة إنما هي ثلاثة أشهر خاصة مع عدم إمكان الاعتداد بالاقراء. ومما يدل على الامرين المذكورين موثقة محمد بن حكيم (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) " قال: قلت له: المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلقها زوجها ويرتفع حيضها كم عدتها ؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فإن ادعت الحبل بعد ثلاثة أشهر ؟ قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فإن ادعت الحبل بعد تسعة أشهر ؟ قال: إنما الحبل


(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 2، الوسائل ج 15 ص 442 ب 25 ح 2.

[ 312 ]

تسعة أشهر " الحديث، وبضمونها أخبار (1) عديدة (2). ومما يدل على الثاني الاخبار المستفيضة، ومنها في خصوص الغائب صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: قال: إذا طلق الرجل امرأته وهو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها ". ومقتضى هذه الرواية أنه بعد انقضاء الثلاثة يجوز تزويج الاخت وتزويج الخامسة، وأنت خبير بأن ما دلت عليه الرواية المتقدمة من وجوب التربص تسعة أشهر مناف لما دلت عليه هذه الرواية، من أن العدة إنما هي ثلاثة أشهر لان موردهما من طلق امرأته وهو غائب، وكم عدتها، وإن كان السؤال في الاولى عن طلاق إحدى الاربع وفي هذه الرواية مطلق، وقد ورد الجواب بالتسعة في الاولى، والثلاثة في الثانية، ولا يعلم هنا وجه خصوصية لاحدى الاربع فيستثنى من هذه القاعدة المستفادة من النصوص كما أشرنا إليه، ولا وجه للجمع إلا حمل الرواية الاولى على المسترابة، وبذلك يظهر لك قوة ما ذكره العلامة في اعتراضه على ابن إدريس وضعف ما أورده عليه السيد السند، فإنه إذا كان مقتضى القاعدة المتفق عليها نصا وفتوى أن العدة (4) فيمن انقطع عنها الحيض إنما هو الاعتداد


(1) الكافي ج 6 ص 101 باب المسترابة بالحبل، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 وص 441 ب 25. (2) ومنها صحيحة زرارة [ الكافي ج 6 ص 98 ح 1، الوسائل ج 15 ص 411 ب 4 ح 5 ] عن أبى جعفر عليه السلام " قال: أمران أيهما سبق بانت منه املطلقة المسترابة: ان مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت به، وان مرت بها ثلاثة حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض " الحديث، ونحوها غيرها. (منه - قدس سره -). (3) التهذيب ج 8 ص 61 ح 118، الوسائل ج 15 ص 448 ب 28 ح 11 وفيهما اختلاف يسير. (4) واليه يشير كلام العلامة - قدس سره - بقوله استظهارا، وقوله عليه السلام ثانيا مع الاشتباه، فان جميع ذلك من لوازم الاسترابة بالحمل، ومع عدم ذلك فالعدة انما هي ثلاثة أشهر كما هو مقتضى الروايات المستفيضة. (منه - قدس سره -).

[ 313 ]

بثلاثة أشهر، والاعتداد بالتسعة إنما هو مع الاسترابة بالحمل من غير فرق في ذلك بين طلاق الغائب والحاضر كما هو مقتضى إطلاق النصوص المشار إليها، فلا وجه لما اشتملت عليه رواية حماد (1) من التسعة إلا الحمل على المسترابة، وإلا فاستثناؤها من هذه القاعدة الكلية والضابطة الجلية مع عدم خصوصية تدل على ذلك مشكل، وحينئذ فلا فرق بين الخامسة والاخت في الحكم المذكور. وقال السيد السند المذكور في الكتاب المشار إليه: ولو علم انتفاء الحمل صبر مقدار ما يمضي فيه ثلاثة قروء على حسب ما يعلمه من عادتها، أو ثلاثة أشهر، ويدل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم (2) - ثم أورد الرواية المذكورة ثم قال: - حكم (عليه السلام) بانقضاء عدتها بذلك بناء على الغائب من أن كل شهر تحصل فيه حيضة للمرأة ومتى انقضت العدة جاز التزويج بالاخت، والخامسة، خرج من ذلك ما إذا كان الحمل ممكنا، فإنه يجب التربص بالرواية المتقدمة، فيبقى ما عداها مندرجا في هذا الاطلاق، انتهى. أقول: لا يخفى أن ما ذكره إنما يتم لودلت الروايتان على ما ادعاه في صحيحة محمد بن مسلم من العلم بانتفاء الحمل، وفي صحيحة حماد بن عثمان أو حسنته من كون الحمل ممكنا مع أن الروايتين لادلالة لهما على شئ من الامرين المذكورين، وإنما هما بالنسبة إلى ما ذكره مطلقتان، إذ غاية ما دلتا عليه أن كلا من الرجلين المذكورين طلق امرأته وهو غائب، غاية الامر أن رواية حماد دلت على كون المطلقة رابعة، وأما أن المرأة مما علم انتفاء الحمل عنها، أو أن الحمل ممكن فتكون مسترابة فلا دلالة عليه بالكلية كما هو ظاهر، فلم يبق إلا أن يحمل إطلاق كل منهما على ما ذكره متى كان ذلك، فلا خصوصية للرابعة بالاعتداد تسعة أشهر كما دلت عليه رواية حماد، بل ذلك يجري في كل


(1) الوسائل ج 15 ص 479 ب 47 ح 1. (2) الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 1.

[ 314 ]

مسترابة إذا العلة في التسعة إنما هي الاسترابة لا خصوصية الرابعة. وبذلك يظهر لك ما في قوله، فيبقى ما عداها مندرجا في هذا الاطلاق. وأما صحيحة محمد بن مسلم فهي جارية على مادلت عليه الاخبار المتكاثرة (1) - من أنه متى لم يمكن العدة بالاقراء فإنها تعتد بالشهور الثلاثة - لا يحتاج إلى حمل ولا تأويل، وبذلك يتضح لك ما قدمنا ذكره من أنه بذلك يظهر لك قوة ما ذكره العلامة. المسألة الرابعة: قد صرح الاصحاب بأنه يكره للمريض أن يطلق، ولو طلق كان طلاقا صحيحا، وأنه يرث زوجته إذا ماتت في العدة الرجعية، ولا يرثها في البائن ولا بعد العدة، وترثه هي سواء طلقها بائنا أو رجعيا ما بين الطلاق وبين السنة ما لم تتزوج أو يبرأ من المرض الذي طلقها فيه. أقول: تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مقامات: الاول: ما ذكر من كراهة الطلاق للمريض زيادة على ما ورد من كراهته الطلاق مطلقا مما تكاثرت به الاخبار، بل ربما دل بعضها بظاهره على التحريم، ولهذا نقل القول بالتحريم عن ظاهر عبارة الشيخ المفيد في المقنعة، والمشهور الكراهة. ومن الاخبار الواردة في المقام ما رواه في الكافي (2) عن عبيد بن زرارة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: لا يجوز طلاق المريض، ويجوز نكاحه ". وما رواه في الكافي (3) وفيه عن زرارة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ليس للمريض أن يطلق وله أن ينكح ".


(1) الكافي ج 6 ص 89 باب عدة المطلقة وأين تعتد. (2) و (3) الكافي ج 6 ص 122 ح 4 و 8، التهذيب ج 8 ص 77 ح 177 و 179، الوسائل ج 15 ص 384 ب 21 ح 3 و 4.

[ 315 ]

وعن عبيد بن زرارة (1) في الموثق " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض، أله أن يطلق امرأته في تلك الحال ؟ قال: لا، ولكن له أن يتزوج إن شاء، فإن دخل بها ورثته، وإن لم يدخل بها فنكاحه باطل ". وما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن زرارة في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: ليس للمريض أن يطلق وله أن يتزوج، فإن هو تزوج ودخل بها فهو جائز، وإن لم يدخل بها حتى مات في مرضه فنكاحه باطل ولامهر لها ولا ميراث ". وإنما حملت هذه الاخبار على الكراهة مع ظهورها في التحريم لما سيأتي إن شاء الله من الاخبار الدالة على صحة طلاقه لو طلق في هذه الحال، وسيأتي أيضا إن شاء الله تعالى ما هو الوجه في الكراهة. الثاني: ما ذكر أنه يرث زوجته إذا ماتت في العدة الرجعية، وهو مجمع عليه بين الاصحاب كما نقله في المسالك. وأما أنه لا يرثها في البائن ولابعد العدة الرجعية فلانقطاع العصمة بينهما خرج ميراثها منه بالنصوص الآتية وبقي ما عداه على مقتضى القاعدة، ويعضده بعده النصوص الدالة على ذلك أن المطلقة رجعية بمنزلة الزوجة، فتثبت لها أحكام الزوجة التي من جملتها الحكم المذكور مادامت في العدة، وينتفي إذا بانت بأحد الوجهين المذكورين. ومن الاخبار الدالة على الحكمين المذكورين ما رواه في الكافي (3) عن زرارة


(1) الكافي ج 6 ص 121 ح 1، التهذيب ج 8 ص 77 ح 178، الوسائل ج 15 ص 383 ب 21 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 123 ح 12، التهذيب ج 8 ص 77 ح 180، الوسائل ج 15 ص 383 ب 21 ح 1. (3) الكافي ج 7 ص 134 ح 2، الوسائل ج 17 ص 530 ب 13 ح 4.

[ 316 ]

في الموثق " قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يطلق المرأة، قال: ترثه ويرثها مادام له عليها رجعة ". وما رواه في الفقيه (1) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن ابن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: إذا طلق الرجل امرأته توارثا ما كانت في العدة، فإذا طلقها التطليقة الثالثة فليس له عليها رجعة، ولا ميراث بينهما ". إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة (2) الدالة على ثبوت التوارث في العدة الرجعية، وانتفائه مع البينونة. وبذلك يظهر ما في كلام صاحب الكفاية تبعا للسيد السند في شرح النافع من المناقشة في الحكم الاول. قال في الكفاية: ويرث زوجته في العدة الرجعية عند الاصحاب، ونقل غير واحد منهم الاجماع عليه لكن إطلاق الصحيحة المذكورة ينافيه، وأشار بالصحيحة المذكورة إلى ما قدمه من صحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن الرجل يحضره الموت فيطلق امرأته، هل يجوز طلاقها ؟ قال: نعم، وإن مات ورثته، وإن ماتت لم يرثها " والسيد السند بعد أن ذكر الحكم المذكور في كلام الاصحاب اعترضه بأن مقتضى صحيحة الحلبي المتقدمة أن الزوج لا يرثها مطلقا، وحمل الروايات على الطلاق البائن ينافيه قوله (عليه السلام) قبل ذلك " فإن مات ورثته " والمسألة محل إشكال. أقول - وبالله التوفيق -: لاإشكال بحمد الملك المتعال فإن إطلاق الصحيحة المذكورة يجب تقييده بالروايات المستفيضة الدالة على التوارث في العدة الرجعية مطلقا صحيحا كان أو مريضا، وقد عرفت بعضها، وأما الصحيحة المذكورة فالمراد منها إنما هو ما لو طلق المريض زوجته وخرجت عن العدة، فإن مات ورثته،


(1) الفقيه ج 228 ح 1، الوسائل ج 17 ص 532 ب 13 ح 10 وفيهما اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 9 ص 383، الوسائل ج 17 ص 530 ب 13. (3) الكافي ج 6 ص 123 ح 11، الوسائل ج 17 ص 543 ب 14 ح 6 وفيه اختلاف يسير.

[ 317 ]

وإن ماتت لم يرثها على التفصيل الاتي إن شاء الله تعالى، وما ذكر من أن الزوج لا يرثها في البائن هو المشهور بين الاصحاب خصوصا المتأخرين، وبه قطع الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة وأخبارهم، إلا أنه قال في النهاية وتبعه فيه جملة من أتباعه: إذا طلق الرجل امرأته وهو مريض فإنهما يتوارثان مادامت في العدة - ثم قال: - ولا فرق في جميع هذه الاحكام بين أن تكون التطليقة هي الاولى أو الثانية أو الثالثة، وسواء كان له عليهما رجعة أم لم يكن، انتهى (1). ومرجعه إلى ثبوت التوراث بينهما في العدة مطلقا رجعية كانت أو بائنة. واختصاص الارث بعد العدة بالمرأة، دون العكس إلى مدة السنة كما سيأتي، ولاريب في ضعفه، لان الطلاق البائن موجب لانقطاع العصمة بين الزوجين الموجب سقوط التوارث، استثني من ذلك إرثها منه بالنص والاجماع - كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى - وبقي الباقي. ومن الاخبار الدالة على القول المشهور إطلاق موثقة زرارة وصحيحته (2) المتقدمتين ونحوهما غيرهما، والتقريب فيهما أنهما خصا التوارث من الجانبين بما إذا كانت في العدة الرجعية، ومتى خرجت من العدة أو كانت العدة بائنة فلا توارث خرج منه بالنص والاجماع إرث المرأة من الزوج إذا طلقها وهو مريض، فإنها ترثه في العدة البائنة وبعد العدة الرجعية إلى سنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وسيأتي في الاخبار الآتية ما يدل على ذلك.


(1) أقول: هذا القول الذى ذهب إليه في النهاية على طرف النقيض من القول الذى ذهب إليه صاحب الكفاية وشرح النافع، فانهما ذهبا إلى عدم التوارت في العدة الرجعية مع بقاء الزوجية، والشيخ ذهب إلى ثبوته في العدة البائنة مع انقطاع العصمة بالكلية فيها على طرفي الافراط والتفريط. (منه - قدس سره -). (2) الكافي ج 7 ص 134 ح 2 وج 6 ص 123 ح 12، الوسائل ج 17 ص 530 ب 13 ح 4 وج 15 ص 383 ب 21 ح 1

[ 318 ]

ومن أظهر الادلة (1) أيضا ما سيظهر لك إن شاء الله من أن المقتضي لارث الزوجة في صورتي العدة البائن وبعد الخروج من العدة الرجعية إنما هو التهمة بمنعها من الارث، وهذه العلة منتفية من جانب الزوج كما لا يخفى. واعلم أنه قد احتج في المسالك للقول المشهور بموثقة زرارة المتقدمة، ثم قال في تقريب الاستدلال بها: وقيد الرجعة لا يصلح في ميراثها إجماعا لثبوته مطلقا فيبقى في ميراثه وللقرب، وإذا انتفى القيد انتفى الحكم تحقيقا لفائدته. ثم استدل له بحسنة الحلبي التي تقدم وصفها بصحيحة الحلبي (2)، ثم قال: وليس ذلك في الرجعي لاتفاقهما في الحكم فهو في البائن، ثم قال: وحجة الشيخ وأتباعه روايات تدل بظاهرها على ثبوت التوارث بينهما من غير تفصيل، والاخبار من الجانبين غير نقية، والاولى الرجوع إلى حكم الاصل، والوقوف على موضع الوفاق، وهو دال على الاول، انتهى. أقول: أما تقريب الاستدلال بموثقة زرارة كما ذكره فهو إنما يتم لو كان موردها طلاق المريض ليترتب عليه صحة قوله، وقيد الرجعة لا يصلح في ميراثها إجماعا لثبوته مطلقا، مع أن الرواية كما عرفت مطلقة شاملة للصحيح والمريض، فلايتم ما ذكره، وكذا التعليل بالقرب إنما يتجه على كون موردها المريض، وإلا فهو لغو، فالحق أن الاستدلال بها إنما هو بالتقريب الذي قدمناه، وأما استدلاله بحسنة الحلبي، ففيه أنه لو حمل قوله " وإن ماتت لم يرثها على الطلاق البائن " لنافى قوله " وإن ماتت ورثته " كما تقدمت الاشارة إليه في كلام سبطه


(1) واستدل في شرح النافع على ذلك أيضا بصحيحة الحلبي المتقدمة بحملها على الطلاق البائن، مع أنه قد اعترض ذلك في صدر كلامه بأنه ينافيه قوله فيهما " فان مات ورثته " والاظهر انما هو حمل الصحيحة المذكورة على الخروج من العدة كما ذكرناه في الاصل، فلا يكون من محل الاستدلال في شئ. (منه - قدس سره -). (2) الكافي ج 6 ص 123 ح 11.

[ 319 ]

السيد السند، بل الاظهر في معنى الخبر إنما هوما قدمنا ذكره. وأما قوله " إن حجة الشيخ وأتباعه روايات تدل بظاهرها على ثبوت التوارث بينهما من غير تفصيل " ففيه: إنا لم نقف على شئ من هذه الاخبار في طلاق المريض بالكلية، وستمر بك إن شاء الله مذيلة ببيان ما اشتملت عليه من الاحكام. الثالث: ما ذكره بقوله " وترثه سواء طلقها بائنا أو رجعيا.. إلى آخر الكلام " والوجه فيه أنه لا خلاف نصا وفتوى في أن مطلقة المريض ترثه في العدة البائنة بعد انقضاء العدة الرجعية إلى سنة ما لم يبرأ من مرضه ذلك أو تتزوج هي قبل انقضاء السنة. وإنما الخلاف في أن وجوب الارث لها في هاتين الصورتين الخارجتين من القواعد المقررة هل هو لمجرد إطلاق النصوص الدالة على ذلك أعم من أن يكون السبب الداعي إلى الطلاق من جهته أو من جهتها ؟ أو أن العلة إنما هي التهمة بالاضرار بها ومنعها من الميراث، فقوبل حينئذ بنقيض مطلوبه من توريثها في المدة المذكورة ما لم تتزوج أو يبرأ أو تزيد على السنة ؟ أو يكون السبب من جهتها، ويكون الحكم هنا كما في القاتل وحرمانه من الارث، مقابلة له بضد مطلوبه ؟ المشهور الاول، وإلى الثاني ذهب الشيخ في الاستبصار والعلامة في المختلف وجملة من متأخري المتأخرين كالمحدث الكاشاني والمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي وغيرهما، وهو الاظهر. وها أنا أتلو عليك أخبار المسألة زيادة على ما تقدم منها بحيث لا يشذ منها شئ إن شاء الله. ومنها ما رواه في الكافي (1) عن أبي العباس في الصحيح أو الحسن عن أبي


(1) الكافي ج 6 ص 122 ح 7، الوسائل ج 15 ص 363 ب 6 ح 1.

[ 320 ]

عبد الله عليه السلام " قال: إذا طلق الرجل المرأة في مرضه ورثته مادام في مرضه ذلك، وإن انقضت عدتها إلا أن يصح منه، قال: قلت: فإن طال به المرض ؟ فقال: ما بينه وبين سنة " دلت هذه الرواية على تحديد المدة بالسنة، فلا ميراث بعدها، وعلى الارث في السنة مع استمرار المرض وإن كان الطلاق بائنا أو بعد العدة الرجعية. وما رواه في الكافي والفقيه (1) عن الحذاء وأبي الورد كلاهما عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة في مرضه ثم مكث في مرضه حتى انقضت عدتها فإنها ترثه ما لم تتزوج، فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة فإنها لا ترثه ". وما رواه في الكافي (2) عن عبد الرحمن بن الحجاج في الموثق عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته وهو مريض، قال: إن مات في مرضه ولم تتزوج ورثته، وإن كانت قد تزوجت فقد رضيت بالذي صنع، فلا ميراث لها " وهما دالان على أنه بالتزويج يزول الارث. وعن عبيد بن زرارة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل طلق امرأته وهو مريض، حتى مضى لذلك سنة، قال: ترثه إذا كان في مرضه الذي طلقها فيه لم يصح من ذلك " ومفهومه دال على ما ذكره الاصحاب من أنه لو صح لم ترثه. وما رواه في الكافي والتهذيب (4) عن أبي العباس في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: رجل طلق امرأته وهو مريض تطليقة وقد كان طلقها قبل ذلك


(1) الكافي ج 6 ص 121 ح 2، الفقيه ج 3 ص 353 ح 3 وفيه اختلاف يسير، التهذيب ج 8 ص 77 ح 181، الوسائل ج 15 ص 386 ب 22 ح 5. (2) و (3) و (4) الكافي ج 6 ص 122 ح 3 و 5 و 6، التهذيب ج 8 ص 78 ح 182 و 183 و 184، الوسائل ج 15 ص 386 ب 22 ح 6 و 7 و 8 مع اختلاف يسير.

[ 321 ]

تطليقتين ؟ قال: فإنها ترثه إذا كان في مرضه، قال: قلت: وما حد المرض ؟ قال: لا يزال مريضا حتى يموت وإن طال ذلك إلى سنة ". وعن أبي العباس في الصحيح برواية المشايخ الثلاثة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا طلق الرجل المرأة في مرضه ورثته مادام في مرضه ذلك وإن انقضت عدتها إلا أن يصح منه، قال: قلت: فإن طال به المرض ؟ قال: ما بينه وبين سنة ". وعن سماعة برواية الثلاثة (2) في الموثقة " قال: سألته عليه السلام عن رجل طلق امرأته، قال: ترثه ما دامت في عدتها، وإن طلقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السنة يوما واحدا لم ترثه " وزاد في الكافي والتهذيب " وتعتد منه أربعة أشهر وعشرا، عدة المتوفي عنها زوجها ". وبهذه الرواية استدل الشيخ على ما قدمنا نقله عنه، وردها المتأخرون بضعف السند، وهو غير مرضي ولا معتمد. وما رواه في الكافي والفقيه (3) عن أبان عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في رجل طلق امرأته تطليقتين في صحته وإن كان إلى سنة " وهذه الرواية مع رواية أبي العباس الثانية ظاهرة الدلالة في أنها ترثه في عدة الطلاق البائن كما قدمنا ذكره ونحوهما ما يأتي في موثقة عبيد بن زرارة. وما رواه في الكافي والتهذيب (4) عن الحلبي وأبي بصير وأبي العباس جميعا


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 122 ح 7 و 9، الفقيه ج 4 ص 228 ح 2 وج 3 ص 354 ح 7، التهذيب ج 9 ص 385 ح 9، وج 8 ص 78 ح 186، الوسائل ج 15 ص 384 ب 22 ح 1 و 4، وفي بعضها اختلاف يسير. (3) الكافي ج 7 ص 134 ح 6، الفقيه ج 3 ص 353 ح 5، الوسائل ج 15 ص 385 ب 22 ح 3، وما في المصادر اختلاف يسير. (4) الكافي ج 7 ص 134 ح 6، التهذيب ج 9 ص 386 ح 10، الوسائل ج 15 ص 387 ب 22 ح 9.

[ 322 ]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه قال: ترثه ولا يرثها إذا نقضت العدة ". وما رواه في التهذيب (1) عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يطلق امرأته في مرضه، قال: ترثه مادام في مرضه وإن انقضت عدتها ". وعن عبيد بن زرارة (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يطلق امرأته تطليقتين ثم يطلقها الثالثة وهو مريض فهي ترثه ". وما رواه في الفقيه والتهذيب (3) عن ابن مسكان عن البقباق " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته وهو مريض، قال: ترثه في مرضه ما بينه وبين سنة إن مات من مرضه ذلك، وتعتد من يوم طلقها عدة المطلقة، ثم تتزوج إذا انقضت عدتها، وترثه ما بينها وبين سنة إن مات في مرضه ذلك وإن مات بعد ما تمضي سنة فليس لها ميراث ". ولا منافاة بين هذا الخبر وبين ما تقدم في موثقة سماعة (4) من أنها تعتد عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، فإن المراد من هذا الخبر أنها تعتد بعد طلاقه لها عدة المطلقة، وهما يتوارثان في العدة كما تقدم، فإذا انقضت العدة امتنع ميراثه منها لو ماتت، وبقي ميراثها منه لو مات، فلو مات قبل السنة ورثته، واعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها ما لم تتزوج قبل ذلك، وعلى هذا تحمل موثقة سماعة. وما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (5) عن صالح بن سعيد عن يونس


(1) التهذيب ج 8 ص 78 ح 185، الوسائل ج 15 ص 387 ب 22 ح 10. (2) التهذيب ج 8 ص 80 ح 193، الوسائل ج 15 ص 388 ب 22 ح 15. (3) الفقيه ج 3 ص 353 ح 1، التهذيب ج 8 ص 79 ح 190، الوسائل ج 15 ص 387 ب 22 ح 11 وما في المصادر اختلاف يسير. (4) الكافي ج 6 ص 122 ح 9، الوسائل ج 15 ص 385 ب 22 ح 4. (5) الفقيه ج 4 ص 228 ح 4، الوسائل ج 17 ص 534 ب 14 ح 7.

[ 323 ]

عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال، سألته ما العلة التي من أجلها إذا طلق الرجل امرأته وهو مريض في حال الاضرار ورثته ولم يرثها ؟ فقال: هو الاضرار ومعنى الاضرار منعه إياها ميراثها منه، فألزم الميراث عقوبة ". وهذا الخبر صريح فيما ذهب إليه الشيخ مما تقدم نقله عنه، وهو ظاهر الصدوق بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه. وما رواه في التهذيب (1) عن محمد بن القاسم الهاشمي " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا ترث المختلعة والمباراة والمستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا إذا كان ذلك منهن في مرض الزوج وإن مات في مرضه، لان العصمة قد انقطعت منهن ومنه ". أقول: وفي هذا الخبر ما يشير إلى ذلك، فإن الاخبار المتقدمة كلها قد اتفقت على ميراثها منه إلى سنة وإن خرجت من العدة، وهؤلاء إنما خرجوا من الحكم المذكور لان العلة في الطلاق من جهتهن بالمطالبة بالطلاق دون المطلقة التي لا تطلب ذلك، بل ربما تكون كارهة له وإن بانت كما ذكره في الاستبصار. هذا ما حضرني من أخبار المسألة، وأنت خبير بأنه إذا ضم بعضها إلى بعض ما تقدم وما تأخر من غير رد لشئ منها كما هو قاعدتنا في الكتاب، فإن الناتج من ذلك هو أنه لا ينبغي للمريض أن يطلق زوجته إضرارا بها، هذا هو العلة في المنع الوارد في الاخبار المتقدمة في صدر المسألة. ثم إنه إن فعل ذلك وخالف فإن طلاقه يكون صحيحا، فيجوز للمرأة التزويج بعد الخروج من العدة، فإن تزوجت بعد العدة أو برئ المريض من مرضه أو جاز المرض السنة فلا ميراث بينهما، وإلا فهي ثرثه وإن بانت منه بطلاق بائن أو خروج من العدة الرجعية عقوبة ومقابلة له بضد ما قصده من منعها من الميراث بالطلاق، وتعتد عدة المتوفى عنها زوجها متى ورثته. وأما ما ادعاه في المسالك من ورود أخبار دالة على ما ذهب إليه الشيخ من أنه


(1) التهذيب ج 8 ص 100 ح 14، الوسائل ج 15 ص 496 ب 5 ح 4.

[ 324 ]

يرثها كما ترثه في العدة البائنة، فليس في الاخبار المذكورة ما يدل عليه وليس غيرها في الباب. نعم هنا بعض الاخبار الموهمة لذلك، إلا أنه ليس فيها تصريح بالمرض، بل ظاهرها إنما هو الصحيح. ومنها ما رواه في التهذيب (1) عن عبد الرحمن عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) " قال: سألته عن رجل طلق امرأته آخر طلاقها، قال: نعم يتوارثان في العدة ". وعن يحيى الازرق (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) " قال: المطلقة ثلاثا ترث وتورث مادامت في عدتها " والشيخ قد حملها تارة على ما إذا وقعت الثلاث في مجلس واحد فتحسب بواحدة يملك معها الرجعة، واخرى على ما إذا وقعت الثالثة في حال مرض الزوج، فإنه يوجب الارث وإن انقطعت العصمة. وأنت خبير بما في هذا الاستدلال مع تعدد الاحتمال من الضعف والقصور، وبه يظهر قوة القول المشهور كما تقدم ذكره، والتأويل الثاني إنما يتم لو قام الدليل من خارج على ميراثه منها كما قام على ميراثها منه، وإلا فإثباته بمجرد هذه الرواية لا يخفى ما فيه. تنبيهات الاول: المشهور أنه كما لا يلحق بالطلاق غيره من انواع الفسخ اتفاقا كذلك لا يلحق بالمرض غيره مما يشبهه من الاحوال عليه السلام المخوفة، وقوفا فيما خالف الاصل على موضع اليقين، ونقل عن ابن الجنيد أنه ألحق الاسير الغير الآمن على نفسه غالبا، والمأخوذ للقود بحد يخاف عليه، مثل ما يخاف عليه بالمرض.


(1) التهذيب ج 8 ص 80 ح 191، الوسائل ج 15 ص 388 ب 22 ح 12 وفيهما اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 8 ص 94 ح 239، الوسائل ج 15 ص 388 ب 22 ح 13.

[ 325 ]

ونفى عنه العلامة - رحمة الله عليه - البأس، ولا يخفى أنه مجرد قياس لا يخرج عن ظلمة الالتباس. الثاني: اختلف الاصحاب فيما لو طلق الامة مريضا طلاقا رجعيا، أو الكتابية، ثم اعتقت الامة وأسلمت الكتابية في العدة ومات في مرضه، فقيل بأنهما ترثان في العدة ولا ترثان بعدها، لانتفاء التهمة، لان الامة والكتابية لا ترثان وقت الطلاق. وقيل، إنهما ترثان مطلقا ولو بعد العدة، لوجود المقتضي للارث - وهو الطلاق في المرض - وانتفاء المانع، إذ ليس هنا إلا كونهما غير وارثين وقت الطلاق، وهو لا يصلح للمانعية، لان المعتبر استحقاق الارث حال الحكم به، والمفروض أنهما حال الموت حرة مسلمة. وأنت خبير بأن القولين المذكورين متفرعان على الخلاف المتقدم ذكره من أن الموجب للميراث بعد العدة أو كون الطلاق بائنا هل هو مجرد إطلاق الاخبار الدالة على أن المريض إذا طلق امرأته في حال مرضه ورثته إلى سنة ؟ أو أن الموجب إنما هو حصول التهمة بكون طلاقه لها لقصد حرمانها من الميراث ؟ فالقول الثاني وهو القول بميراثها مطلقا يتفرع على الاول، والاول على الثاني. وقيل في المسألة أيضا قول ثالث، وهو أنها لا ترث (1) وإن انتفت التهمة وعلل بأنه طلقهما في حال لم يكن لهما أهلية الارث، والمفروض كون الطلاق بائنا، فلم يصادف وقت الارث أهليتهما له للبينونة ولا وقت الطلاق لوجود المانع وهو الرق والكفر. ونقل عن فخر المحققين أنه استدل على هذا القول بأن النكاح الحقيقي لم يوجب لهما الميراث فكيف الطلاق. واعترضه في المسالك بمنع أن النكاح لا يوجب الميراث، قال: بل هو موجب له مطلقا، ولكن الكفر والرق مانعان من الارث إذ الاسلام والحرية شرط فيه، وتخلف الحكم عن السبب لوجود مانع


الظاهر " أنهما لا ترثان " هو الصحيح.

[ 326 ]

أو فقد شرط لا يقدح في سببيته، فإذا فقد المانع أو وجد الشرط عمل السبب عمله كما حقق في الاصول والامر هنا كذلك، انتهى. أقول: والظاهر بالنظر إلى ما قدمنا اختياره من أن الموجب للارث إنما هو التهمة بقصده الاضرار بها هو القول الاول من الاقوال الثلاثة المذكورة، وهو اختيار العلامة في المختلف، ونقله فيه عن ابن الجنيد أيضا وشيخنا الشهيد الثاني في المسالك بناء على ترجيحه القول بإطلاق الاخبار المتقدمة وعدم طلاحية المخصص للتخصيص لضعف الاسناد اختار الثاني. الثالث: إذا ادعت المطلقة المريض أن المريض طلقها قبل موته في حال المرض، وأنكر الوارث ذلك وزعم أنه طلقها في حال الصحة قالوا: إن القول هنا قول الوارث لتساوي الاحتمالين المذكورين، والاصل عدم التوارث إلا مع وجود سببه. توضيحه: أن إرث المطلقة هنا لما كان جاريا على خلاف الاصل ومتوقفا على شرط - هو هو وقوع الطلاق في حال مرض الموت - فلابد في ثبوت الميراث من العلم بوجود الشرط المذكور، وإلا فالاصل عدم الارث. الرابع: قالوا: لو طلق أربعا في مرضه وتزوج أربعا ودخل بهن ثم مات فيه كان الربع أو الثمن بينه بالسوية، وإنما قيد تزويج الاربع الجديدات بالدخول لما سيأتي إن شاء الله من أن صحة نكاح المريض مشروط بالدخول، فلو مات قبله فلا ميراث، وحينئذ فإذا دخل بالاربع الجديدات ورثته بالدخول والزوجية المقتضية لذلك، وورثته الاربع الاول أيضا لوجود سببه، وهو الطلاق في مرض الموت المقتضي للارث وإن خرجن عن الزوجية. وحينئذ فتشترك الجميع في الربع أو الثمن بالسوية كاشتراك الاربع فيه ولا ميراث لما زاد عن الاربع بالزوجية إلا في هذه الصورة، والله العالم.

[ 327 ]

المقصد الثالث في جملة من الاحكام المتعلقة بالمقصد المتقدم وفيه فصول: الاول في المحلل: ويشترط فيه شروط، الاول: أن يكون الزوج بالغا، وفي المراهق خلاف، والذي قطع به الاكثر العدم، وقوى الشيخ في المبسوط والخلاف وقوع التحليل بالمراهق، وهو من قارب الحلم، فإنه يحصل بوطئه التحليل. ويدل على المشهور صريحا ما رواه في الكافي (1) عن علي بن الفضل الواسطي " قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام): رجل طلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها غلام لم يحتلم، قال: لا، حتى يبلغ. فكتبت إليه: ما حد البلوغ ؟ فقال: ما اوجب على المؤمنين الحدود ". وما روي في عدة أخبار عنه صلى الله عليه وآله " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " وهو ما فسره في النهاية (2) وغيرها من كتب اللغة كناية عن لذة الجماع، وقيل: الانزال، وهو لا يتحقق إلا في البالغ لان اللذة التامة إنما تحصل بإنزال المني وإن حصل قبله لذة ما، ويشير إليه التشبيه بالعسل المشتمل على كمال اللذة، واستدل للشيخ بظاهر قوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " (3) الصادق ذلك الصغير والكبير، وظاهر شيخنا الشيهد الثاني - رحمة الله عليه - في المسالك بالميل إلى ما ذهب إليه الشيخ مستندا إلى ظاهر الآية المذكورة، واستضعافا لسند الرواية المتقدمة، وحملا للحديث النبوي على ما يشمل المراهق لان له لذة


(1) الكافي ج 6 ص 76 ح 6، الوسائل ج 15 ص 367 ب 8 ح 1. (2) النهاية لابن الاثير ج 3 ص 237. (3) سورة البقرة - آية 230.

[ 328 ]

الجماع، وكذلك المرأة تلتذ به فيتناوله الخبر. وفيه: أن ما استند إليه من ظاهر الآية يرده أنهم قد صرحوا في غير مقام بأن الاطلاق إنما ينصرف إ لى الافراد الكثيرة المتعارفة دون الافراد النادرة، ولاريب أن نكاح غير البالغ من اندر الفروض النادرة. وأما رد الرواية بضعف السند فقد عرفت أنه غير مرضي ولا معتمد، أم عندنا فظاهر، وأما عندهم فلجبرها بشهرة الفتوى بمضمونها، حتى أن سبطه الذي هو عمدة المشيدين لهذا الاصطلاح المحدث قد قال بالقول المشهور واستدل بها. وأما دعوى دخول المراهق في الحديث النبوي فهو بعيد غاية البعد لما أشرنا إليه آنفا. الثاني: أن يطأها المحلل، فلا يكفي العقد المجرد عن الوطئ، ولا الخلوة المضاف إليه. ونقل الاجماع على ذلك من الخاصة والعامة إلا من سعيد بن المسيب، حيث اكتف بمجرد العقد عملا بظاهر الآية المتقدمة، لان النكاح حقيقة في العقد. وفيه مضافا إلى الاجماع المذكور أن إطلاق الآية مخصص بأخبار العسيلة، ومنها في خصوص ما نحن فيه، وما رواه في الكافي (1) عن أبي حاتم عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل يطلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثم تزوج رجلا لايدخل بها، قال: لا حتى يذوق عسيلتها ". وما رواه في التهذيب (2) عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يراجعها بعد انقضاء عدتها، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا تزوجها غيره ولم يدخل بها وطلقها أو مات عنها لم تحل لزوجها الاول حتى يذوق الآخر عسيلتها ".


(1) الكافي ج 5 ص 425 ح 4، الوسائل ج 15 ص 366 ب 7 ذيل ح 1 وفيهما اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 8 ص 33 ح 18، الوسائل ج 15 ص 352 ب 3 ح 9.

[ 329 ]

وخبر العسيلة أيضا مروي عندهم كما هو مروي عندنا، فروى غير واحد منهم (1) " أنه جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: كنت عند رفاعة، فبت طلاقي، فزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، فطلقني قبل أن يمسني - وفي رواية: وأنا معه مثل هدية الثوب - فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك ". الثالث: أن يكون الوطئ في القبل فلا يكفي في الدبر، وقال في المسالك: وهو مستفاد أيضا من ذوق العسيلة، فإنه منتف من الجانبين في غير القبل، ولانه المعهود. أقول: وفي هذا الكلام تأييد لما أوردناه عليه آنفا من استناده إلى ظاهر الآية في تقوية مذهب الشيخ، مع أنه خلاف المعهود، واستناده إلى الحديث النبوي في شموله المراهق، بدعوى حصول اللذة له فإن اللذة أيضا حاصلة بالجماع في في الدبر، ولم يرتكب ذلك فاعله إلا لما يراه فيه من اللذة، ولكنها لا يبلغ لذة النكاح في القبل، ودعواه - رحمة الله عليه - أنه منتف من الجانبين في غير القبل ممنوعة لما عرفت. الرابع: كون الوطئ موجبا للغسل، وحده أن تغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها، لان ذلك هو مناط أحكام الوطئ كلها، قالوا: والفرق بين أن يحصل مع ذلك انتشار العضو وعدمه حتى لو حصل بإدخال الحشفة بالاستعانة، كفى على ما يقتضيه إطلاق النص والفتوى. ويشكل ذلك بأخبار العسيلة الظاهرة في حصول اللذة بذلك الجماع، ومجرد إدخال المقدار المذكور على هذا الوجه لا يترتب عليه لذة كما لا يخفى، ودعوى اقتضاء إطلاق النص ما ذكروه ممنوع، فإن الاطلاق إنما


(1) سنن أبى داود ج 2 ص 294 ح 2309، سنن البيهقى ج 7 ص 373، النهاية لابن الاثير ج 3 ص 237.

[ 330 ]

يحمل على الافراد الشايعة المتكررة دون الفروض النادرة، ويؤيد ذلك بأخبار العسيلة المذكورة. وبالجملة فالظاهر عندي ضعف ما ذكروه، وإن كان ظاهرهم الاتفاق عليه. الخامس: كون ذلك بالعقد الدائم، واحترزنا بالعقد عن ملك اليمين والتحليل لقوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره (1) " والنكاح حقيقة في العقد، وعلى تقدير كونه حقيقة في الوطء فلفظ الزوج موجب لخروج النكاح بالملك والتحليل إذ لا يسمى واحد منهما زوجا، ويدل على ذلك قوله تعالى " فإن طلقها " والنكاح بملك اليمين أو التحليل لا طلاق فيه. ومن الاخبار الدالة على ذلك بالنسبة إلى ملك اليمين ما رواه في التهذيب (2) عن الفضيل عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: سألته عن رجل زوج عبده أمته ثم طلقها تطليقتين، أيراجعها إن أراد مولاها ؟ قال: لا، قلت: أفرأيت إن وطأها مولاها أيحل للعبد أن يراجعها ؟ قال: لا، حتى تزوج زوجا غيره ويدخل بها فيكون نكاحا مثل نكاح الاول، وإن كان قد طلقها واحدة فأراد مولاها راجعها ". والتقريب فيها أن الامة تحرم بتطليقتين ولا تحل إلا بالمحلل، وقد منع (عليه السلام) نكاح المولى أن يكون تحليلا موجبا لجواز مراجعة الزوج الاول لها، وأوجب زوجا غيره مثل التزويج الاول، ونحوها أيضا رواية عبد الملك بن أعين (3). واحترزنا بالدائم عن نكاح المتعة، فإنه لا يحصل به تحليل اتفاقا وفتوى،


(1) سورة البقرة - آية 230. (2) التهذيب ج 8 ص 87 ح 217، الوسائل ج 15 ص 397 ب 27 ح 2. (3) وهى ما رواه في التهذيب [ ج 8 ص 84 ح 205 ] عن عبد الملك بن أعين " قال: سألته عن رجل زوج جاريته رجلا فمكثت معه ما شاء الله ثم طلقها ورجعت إلى مولاها فوطأها، أتحل لزوجها إذا أراد أن يراجعها ؟ قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره " وهى محمولة على ما إذا كان الطلاق مرتين، لان الطلاق مرة لا يوجب التحريم كما صرحت به الرواية المذكورة في الاصل. (منه - قدس سره -).

[ 331 ]

ومن الاخبار في ذلك ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) " قال سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا، ثم تمتع منها رجل آخر، هل تحل للاول ؟ قال: لا ". وعن الصيقل (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها رجل متعة، أيحل له أن ينكحها ؟ قال: لا، حتى تدخل في مثل ما خرجت منه ". أقول: وفي هذا الخبر دلالة على عدم التحليل بشئ من الثلاثة المذكورين فإن الذي خرجت منه إنما هوالنكاح بالعقد الدائم، وهو الذي حصل به التحريم بالتكرر ثلاث مرات، فلا بد في المحلل الذي تدخل فيه أن يكون كذلك، فلا يجزي نكاح الملك ولا التحليل ولا المتعة، وهو ظاهر. وما رواه الشيخ في التهذيب (3) عن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له: رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فيتزوجها رجل متعة، أتحل للاول ؟ قال: لا، لان الله تعالى يقول " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها " والمتعة ليس فيها طلاق ". أقول: ومن هذا الخبر أيضا يستفاد عدم التحليل بملك اليمين والتحليل، إذ لا طلاق في شئ منهما كما عرفت. وعن هشام بن سالم (4) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل تزوج امرأة ثم طلقها فبانت فتزوجها رجل آخر متعة، هل تحل لزوجها الاول ؟ قال: لا، حتى تدخل فيما خرجت منه " والتقريب فيها كما تقدم في رواية الصيقل الاولى.


(1) الكافي ج 5 ص 425 ح 1، الوسائل ج 15 ص 368 ب 9 ح 2 وفيهما " تمتع فيها ". (2) الكافي ج 5 ص 425 ح 2، الوسائل ج 15 ص 368 ب 9 ح 1 وفيهما اختلاف يسير. (3) و (4) التهذيب ج 8 ص 34 ح 22 و 21، الوسائل ج 15 ص 369 ب 9 ح 4 و 3.

[ 332 ]

وعن عمار بن موسى (1) في الموثق " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته تطليقتين للعدة، ثم تزوجت متعة، هل تحل لزوجها الاول ؟ قال: لا، حتى تزوج ثباتا ". أقول: وفي هذا الخبر دلالة على ما ذكرناه من الشرط المذكور الموجب لخروج الثلاثة المذكورة، فإن ثباتا إما بالثاء المثلثة ثم الباء الموحدة ثم التاء المثناة من فوق، أو بالباء الموحدة أولا ثم بالتائين المثناتين من فوق من البت بمعنى اللزوم، والمعنيان متقاربان، وهما كناية عن العقد الدائم كما وقع التعبير به في غير هذا الخبر أيضا. ومن أخبار المسألة زيادة على ما ذكر ما رواه في الكافي (2) عن اسحاق بن عمار " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته طلاق لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها عبد ثم طلقها، هل يهدم الطلاق ؟ قال: نعم، لقول الله تعالى في كتابه " حتى تنكح زوجا غيره " وقال: هو أحد الازواج " وفي الخبر دلالة على التحليل بتزويج العبد كالحر. إذا عرفت ذلك فاعلم أن التحليل المذكور إذا استكمل الشرائط المذكورة فإنه لا خلاف في هدمه الثلاث الطلقات إذا وقع بعدها، وإنما الخلاف في هدمه ما دون الثلاث، بمعنى أنه إذا طلق الزوجة طلقة واحدة أو طلقتين ثم خرجت من العدة فتزوجت بغيره تزويجا مشتملا على شروط التحليل المتقدمة ثم طلقها أو مات عنها ثم رجعت إلى الزوج الاول بعقد جديد، فهل تبقى معه على ثلاث تطليقات، بمعنى أن هذا التزويج، قدهدم الطلاق الاول فكأنه لم يطلقها بالكلية ولا يحسب تلك الطلقة أو الطلقتان ؟ أو أنها تبقى معه على ما بقي من الثلاث،


(1) التهذيب ج 8 ص 33 ح 20، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 5 وفيهما " بتاتا " مع اختلاف يسير. (2) الكافي ج 5 ص 425 ح 3، الوسائل ج 15 ص 370 ب 12 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

[ 333 ]

بمعنى أن التزويج الثاني لم يهدم الطلاق الاول فتبقى بعد عودها إلى الاول على واحدة أو اثنتين ؟ قولان، المشهور الاول، وقيل بالثاني، إلا أن القائل به غير معلوم، وإنما نقله الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا المتأخرين، وهو الظاهر عندي من الاخبار كما ستمر بك إن شاء الله تعالى واضحة المنار ساطعة الانوار. والذي يدل على القول المشهور ما رواه ثقة الاسلام في الكافي (1) عن رفاعة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل طلق امرأته حتى بانت منه وانقضت عدتها ثم تزوجت زوجا آخر فطلقها أيضا ثم تزوجها زوجها الاول، أيهدم ذلك الطلاق الاول ؟ قال: نعم ". ورواها الشيخ في التهذيب (2) بسند فيه ضعف عن رفاعة بن موسى " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل طلق امرأته تطليقة واحدة فتبين منه ثم يتزوجها آخر فيطلقها على السنة فتبين منه ثم يتزوجها الاول، على كم هي عنده ؟ قال: على غير شئ. ثم قال: يا رفاعة كيف إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجها ثانية استقبل الطلاق، فإذا طلقها واحدة كانت على اثنتين ". وما رواه في التهذيب (3) عن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب (عليهم السلام) في الضعيف " قال: اختلف رجلان في قضية إلى علي (عليه السلام) وعمر في امرأة طلقها زوجها تطلقية أو اثنتين، فتزوجها آخر فطلقها أو مات عنها، فلما انقضت عدتها تزوجها الاول، فقال عمر: هي منك على ما بقي من الطلاق. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): سبحان الله أيهدم ثلاثا ولا يهدم واحدة ". وأما ما يدل على القول الآخر فظاهر الآية وهي قوله تعالى " فإن طلقها.


(1) الكافي ج 6 ص 77 ح 3، التهذيب ج 8 ص 30 ح 7، الوسائل ج 15 ص 363 ب 6 ح 1. (2) التهذيب ج 8 ص 31 ح 11، الوسائل ج 15 ص 363 ب 6 ح 1. (3) التهذيب ج 8 ص 34 ح 25، الوسائل ج 15 ص 363 ب 5 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

[ 334 ]

فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " فإن المراد من الآية كما ذكره المفسرون وبه وردت الاخبار أنه إذا طلقها الثالثة، وهو أعم من أن يتخلل ذلك نكاح زوج غيره أم لا، إذ المدار في التحريم المتوقف حله على المحلل هو حصول الطلقات الثلاث مطلقا، وبه أخبار صحاح صراح متكاثرة. ومنها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن وفي التهذيب (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل طلق امرأته تطليقة واحدة ثم تركها حتى قضت عدتها ثم تزوجها رجل غيره ثم إن الرجل مات أو طلقها فراجعها الاول، قال: هي عنده على تطليقتين باقيتين ". وما رواه في الكافي (2) عن علي بن مهزيار في الصحيح " قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام): روى بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته على الكتاب والسنة فتبين منه بواحدة فتزوج زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها فترجع إلي زوجها الاول، أنها تكون عنده على تطليقتين وواحدة قد مضت، فوقع (عليه السلام) تحته: صدقوا. وروى بعضهم أنها تكون عنده على ثلاث مستقبلات، وأن تلك التي طلقها ليست بشئ لانها قد تزوجت زوجا غيره، فوقع (عليه السلام) بخطه: لا ". وما رواه الشيخ (3) عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن أحمد عن عبد الله بن محمد " قال: قلت له: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته على الكتاب والسنة فتبين منه بواحدة وتزوج زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها فترجع إلى زوجها الاول أنها تكون عنده على تطليقتين وواحدة قد مضت، فقال: صدقوا ".


(1) الكافي ج 5 ص 426 ح 5، التهذيب ج 8 ص 32 ح 12، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 6 وما في المصادر اختلاف يسير. (2) الكافي ج 5 ص 426 ح 6، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 7 و 8 وفيهما اختلاف يسير. (3) التهذيب ج 8 ص 32 ح 16، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 7 وفيهما اختلاف يسير.

[ 335 ]

وما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن منصور عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة طلقها زوجها واحدة أو اثنتين ثم تركها حتى تمضي عدتها فتزوجها غيره فيموت أو يطلقها فيتزوجها الاول، قال: هي عنده على ما بقي من الطلاق ". ورواه أيضا بسند آخر في الصحيح عن ابن مسكان عن محمد الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. وعن جميل بن دراج (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت ثم يطلقها فتزوجها الاول ثم طلقها فتزوجت رجلا ثم طلقها، فإذا طلقها على هذا ثلاثا لم تحل له أبدا ". ونحوه روى إبراهيم بن عبد الحميد (4) عن الحسن (عليه السلام) وفي بعض متون هذا الخبر وهو الذي نقله في المسالك عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) وإبراهيم بن عبد الحميد عن الكاظم (عليه السلام) " قال: إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت ثم طلقها زوجها فتزوجها الاول ثم طلقها فتزوجت رجلا، ثم طلقها هكذا ثلاثا لا تحل له أبدا ". والتقريب في هذا الخبر أنه لو هدم الزوج المتوسط الطلاق الذي تقدم من الزوج الاول لكان إذا طلقها على الوجه المذكور في الخبر تحل له أبدا لعدم الموجب للتحريم. والظاهر أن المراد بقوله " لم تحل له أبدا " يعني حتى تنكح زوجا غيره. وما رواه الشيخ (5) عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن موسى بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) " أن عليا (عليه السلام) كان يقول في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يتزوجها بعد زوج: إنها عنده على ما بقي من طلاقها " وليس في سند هذا


(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 32 ح 13 و 14، الوسائل ج 15 ص 365 ب 6 ح 9. (3) و (4) الكافي ج 5 ص 428 ح 13 و 7. (5) التهذيب ج 8 ص 32 ح 15، الوسائل ج 15 ص 365 ب 6 ح 10 وفيهما " موسى بن بكر ".

[ 336 ]

الخبر من يتوقف في شأنه إلا موسى بن بكير، فإنه قيل: إنه واقفي إلا أنه من أصحاب الاصول، والراوي عنه صفوان الذي قد نقل فيه إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه، فالرواية لا يخلو من الاعتبار في سندها. وما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن النصر عن عاصم عن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: سألته عن رجل طلق امرأته تطليقة ثم نكحت بعده رجلا غيره ثم طلقها فنكحت زوجها الاول، فقال: هي عنده على تطليقة ". هذا ما حضرني من روايات هذا القول ولا يخفى على الناقد البصير ضعف معارضة روايتي القول المشهور لهذه الاخبار، بل التحقيق أنه ليس للقول المشهور إلا رواية رفاعة، لان رواية عبد الله بن عقيل لم تستند إلى إمام، وإنما استندت إليه، فهي ليست بدليل شرعي، ولا سيما مع معارضتها برواية الباقر (عليه السلام) عن على (عليه السلام) خلاف مادلت عليه كما عرفت، فلم يبق إلا رواية رفاعة، والعمدة في ترجيحها إنما هو شهرة القول بها، فانحصر الدليل في الشهرة، ولهذا أن جملة من المتأخرين قد ترددوا في المسألة، واستشكلوا فيها من حيث صحة أخبار القول الثاني وتكاثرها ومن حيث شهرة القول الاول حيث لم يظهر له مخالف منهم، ومنهم العلامة في التحرير والسيد السند في شرح النافع والفاضل الخراساني في الكفاية، ونسبه المحقق في كتابيه إلى أشهر الروايتين، ومثله العلامة في القواعد والارشاد إيذانا بالتوقف فيه. والشيخ قد أجاب عما نقله من أدلة هذا القول بوجوه: (منها) أن الزوج الثاني لم يدخل بها، أو كان تزوج متعة، أو لم يكن بالغا، فإن في جميع هذه المواضع لا يحصل التحليل كما تقدم ذكره، أو الحمل على التقية محتجا بأنه مذهب عمر كما دلت عليه رواية عبد الله بن عقيل، ولا يخفى بعد الجميع. قال السيد السند في شرح النافع بعد ذكر محامل الشيخ: ولا يخفى بعد


(1) البحار ج 104 ص 69 ح 10، الوسائل ج 15 ص 365 ب 6 ح 11.

[ 337 ]

هذه المحامل والمسألة محل تردد، والقول بعدم الهدم لا يخلو من قوة، إلا أن المشهور خلافه، ومن ثم اقتصر المصنف على جعل رواية الهدم أشهر مؤذنا بتوقفه فيه وهو في محله، انتهى. وقال جده في المسالك بعد ذكر جملة من أدله هذا القول: ولا يخفى عليك قوة دليل هذا الجانب لضعف مقابله، إلا أن عمل الاصحاب عليه، فلاسبيل إلى الخروج عنه - ثم نقل محامل الشيخ الثلاثة الاول، وقال عقيبها: - وما أشبه هذا الحمل بأصل الحجة. اقول: لا يخفى عليك ما في التمسك بعمل الاصحاب في مقابلة هذه الاخبار الصحاح الصراح المستفيضة من المجازفة، فإنه لاريب أن المأخوذ على الفقيه في الفتوى بالاحكام الشرعية إنما هو الاخذ بما انزل الله سبحانه مما ورد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة. ولا سيما الخبر المستفيض من الخاصة والعامة عنه صلى الله عليه وآله (1) " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، لن تضلوا ما إن تمستكتم بهما " لا ما ذكره غيره من العلماء وإن ادعوا الاجماع عليه. وبذلك اعترف هو نفسه - رحمة الله عليه - في مسألة ما لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية من كتاب الوصايا، وقد قدمنا كلامه في كتاب الوصايا إلا أنه لا بأس بنقل ملخصه هنا. قال: رحمة الله عليه -: ولا يقدح دعواه الاجماع في فتوى العلامة بخلافه، لان الحق أن إجماع أصحابنا إنما يكون حجة مع تحقق دخول قول المعصومين (عليهم السلام) في جملة قولهم - إلى أن قال: - وبهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا فيها الاجماع إذا قام عنده الدليل


(1) الكافي ج 1 ص 19 ح 9، الوسائل ج 18 ص 151 ب 13 ح 77 وص 19 ب 5 ح 9، مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 14 و 17 وما في المصادر اختلاف يسير.

[ 338 ]

على ما يقتضي خلافهم، وقد اتفق ذلك لهم كثيرا، لكن زلة المتقدم متسامحة عند الناس دون المتأخرين انتهى. فانظر إلى ما بينه وبين هذا الكلام المنحل الزمام من الغفلة مما حققه في ذلك المقام، الذي هو الحقيق بالاخذ به والالتزام، ثم إنا لو نزلنا عن القول بمقتضى قواعدهم من أنه لا يجمع بين الاخبار إلا بعد تحقق المعارض بينها، وقلنا بثبوت التعارض بين روايات القول الآخر وموثقة رفاعة، فالواجب الرجوع إلى طرق الترجيح الواردة في مقبولة عمر بن حنظلة (1) ورواية زرارة ونحوهما، ومن الطرق المذكورة الترجيح بالاعدل والافقه والاورع. (ومنها) الترجيح بالشهرة، ولا ريب في حصول الترجيح بهاتين الطريقتين لروايات القول الآخر (2) دون رواية رفاعة، فإن روايات عدم الهدم قد رواها كثير من فقهاء أصحابهم (عليهم السلام) كزرارة وعلي بن مهزيار ومنصور بن حازم وجميل بن دراج وعبد الله بن علي بن أبي شعبة وأخيه محمد، فتكون روايات عدم الهدم بذلك أشهر رواية وأعدل وأفقه وأورع رواة والمراد بالشهرة التى هي أحد طرق الترجيح إنما هي الشهرة في الرواية، لا العمل كما حقق في محله، وكذا المجمع عليه، وهو حاصل لروايات عدم الهدم خاصة. وبالجملة فالترجيح بهاتين الطريقتين مما لاإشكال في اختصاصه بالروايات المذكورة. (ومنها) الترجيح بموافقة الكتاب، وهو أيضا مخصوص برواية عدم الهدم،


(1) الكافي ج 1 ص 67 ح 10، الوسائل ج 18 ص 75 ب 9 ح 1. (2) ومقتضاها هو طرح رواية رفاعة بالكلية لعدم نهوضها بالمعارضة سندا وعددا، الا أنا لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بمعارضتها فلنا أن نقول أيضا ما عرفت في الاصل. (منه - قدس سره -).

[ 339 ]

بالتقريب الذي قدمناه، وقد استفاضت الاخبار بالرد إلى الكتاب (1). وأن ما خالف كتاب الله زخرف. (ومنها) الترجيح باحتياط كما تضمنتة مرفوعة زرارة (2) وهو أيضا مخصوص بالرواية المذكورة. (ومنها أيضا) الاخذ بقول الاخير من الامامين (عليهما السلام) (3). وهذه القاعدة ذكرها الصدوق في كتابه، وهو أيضا حاصل الروايات المذكورة. وبيانه: أن صحيح على بن مهزيار قد اشتمل على عرض القولين المذكورين على أبى الحسن الهادي (عليهما السلام) فصدق روايات القول الآخر، وبقى روايات القول المشهور. أما الترجيح بالتقية فهو أقوى ما يمكن أن يتمسك به لترجيح خبر رفاعة. وفيه (أولا) أنه مبني على ثبوت ذلك، وهو غير معلوم، فإن المستند بكونه حكم عمر إنما هو رواية عبد الله بن عقيل، وهي غير مستندة إلى الامام (عليه السلام)


(1) الكافي ج 1 ص 69، الوسائل ج 18 ص 75 ب 9. (2) مستدرك الوسائل عليه السلام ج 3 ص 185 ب 9 ح 2 من أبواب صفات القاضى. (3) ومن أخبار هذه القاعدة ما رواه في الكافي [ ج 1 ص 67 ح 8 وفيه اختلاف يسير ] عن الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: لو حدثتك بحديث العام، ثم جئتني من قابل فحدثتك، بأيهما كنت تأخذ ؟ قال: قلت: كنت آخذ بالاخير، فقال لى: رحمك الله ". وعن المعلى بن خنيس [ الكافي ج 1 ص 67 ح 9 وفيه اختلاف يسير ] عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بأيهما آخذ ؟ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحى فخذوا بقوله. قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: انا والله لاندخلكم الا فيما يسعكم ". والصدوق - رحمة الله عليه - أشار إلى هذه القاعدة في باب الرجل يوصى الرجلين [ الفقيه ج 4 ص 151 ] حيث نقل فيه خبرين يتوهم أنهما مختلفان فقال: ولو صح الخبران جميعا لكان الواجب الاخذ بقول الاخير كما أمر به الصادق عليه السلام. (منه - قدس سره -).

[ 340 ]

بل المخبر بذلك إنما هو عبد الله المذكور، وقوله ليس بحجة شرعية، سيما مع معارضة خبر زرارة الدالة على أن عليا (عليه السلام) كان يقول إنها على ما بقي من الطلاق، وهي صريحة في أن مذهب علي (عليه السلام) هو القول بعدم الهدم، والراوي عنه إبنه الباقر (عليهما السلام)، ولا تعارضه رواية عبد الله بن عقيل عنه (عليه السلام) خلافه. (وثانيا) أن العامة مختلفون في المسألة أيضا على ما نقله الشيخ في الخلاف (1)، والقول بالهدم منقول عن أبي حنيفة وأبي يوسف وابن عمر، وليس حمل أخبار عدم الهدم على التقية كما ذكره الشيخ بأولى من حمل رواية رفاعة الشاذة النادرة عليه، سيما مع ما علم من كتب السير والتواريخ من شيوع مذهب أبي حنيفة في زمانه وقوته، وهو في عصر الصادق (عليه السلام) المروي عنه القول بالهدم، وحينئذ فلا يبعد حمل رواية رفاعة الدالة على الهدم على التقية. ويؤيده أن المنقول في كتب السير والاخبار أن شهرة هذه المذاهب الاربعة إنما كان قريبا من سنة خمس وستين وستمائة، واستمر الامر إلى هذا الزمان وأما في الاعصار السابقة فإن المعتمد في كل زمان على من اعتنت به خلفاء الجور وقدموه للقضاء والفتيا وإليه يرجع الحكم في جميع البلدان، وكان المعتمد في زمن أبي حنيفة على فتاويه، وفي زمن هارون الرشيد وهو في عصر مولانا الكاظم (عليه السلام) على فتاوي أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، قالوا: قد استقضاه الرشيد واعتنى به حتى لم يقلد في بلاد العراق والشام ومصر إلا من أشار إليه أبو يوسف، وفي زمن المأمون كان الاعتماد على يحيى بن أكثم القاضي، وفي زمن المعتصم على أحمد ابن أبي داود القاضي، وإذا كان الامر كذلك فيجوز أن يكون المشهور في عصر مولانا الصادق (عليه السلام) الذي عليه عمل العامة، وإليه ميل قضاتهم وحكامهم هو القول بالهدم بل هو الواقع، لان اعتماد العامة في وقت الصادق (عليه السلام) كان على أبي حنيفة القائل بالهدم، فالتقية منه لشيوع مذهبه في تلك الايام، وإن كان نادرا في وقت


(1) الخلاف: ج 3 كتاب الطلاق " مسألة 59 ".

[ 341 ]

آخر، وهذا بحمدالله ظاهر لاسترة عليه. (وثالثا) أنه من الممكن عدم الترجيح هنا بهذه القاعدة - أعني التقية وعدمها - فإن طرق الترجيح التي اشتملت عليها مقبولة عمر بن حنظلة مترتبة، فأولها الترجيح بالاعدل والافقه والاورع، ثم بعدها الترجيح بالاشهر والمجمع عليه، ثم الترجيح بمخالفة العامة، فالترجيح بمخالفة العامة إنما وقع في المرتبة الثالثة وهو لا يصار إليه إلا مع تعذر الترجيح بما قبله من المراتب. وقد عرفت أن الترجيح بالمرتبتين الاولتين حاصل لروايات عدم الهدم، وحينئذ فلا يصار إلى الترجيح بالتقية. فإن قلت: إن جملة من الاخبار قد دلت على الترجيح بمخالفة العامة مطلقا، قلنا: يجب تقييد ما اطلق بما دلت عليه هذه الاخبار الناصة على الترتيب بين هذه المراتب. وكيف كان فقد ظهر لك مما حققناه في المقام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام قوة القول بأخبار عدم الهدم، وأنه هو الذي لا يحوم حوله نقض ولا إبرام. مسائل الاولى: الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب في حصول التحليل بالذمي كالمسلم إذ لم يذكر أحد منهم أن الاسلام شرط في المحلل، ولا إطلاق الاية، وهي قوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " فلو طلق الذمية ثلاثا فتزوجت بعده ذميا ثم بانت منه وأسلمت أو جوزنا نكاح الكتابية ابتداء جاز للاول نكاحها، ويتصور طلاق المسلم للذمية ثلاثا على تقدير أن رجوعه في طلاقها في العدة ليس ابتداء نكاح فلا يمنع منه، أو على القول بجواز نكاحها ابتداء، أو على تقدير طلاقها مرتين في حال كفرهما، ووقوع الثالثة بعد إسلام الزوج دونها، فإذا تزوجت ذميا أفاد التحليل لزوجها المسلم إذا أسلمت أو قلنا بجواز نكاحها ابتداء للمسلم. وقالوا: وكذا لو كان الزوج كافرا أو ترافعوا إلينا حكمنا بحلها له سواء

[ 342 ]

كان ذميا أم لا، وكذا لو أسلم الزوج وقد حللها كافر مثلها، لان أنحكة الكفار مقرة على حالها كما تقدم في بابه. الثانية: لا خلاف بين أصحابنا في أن الاعتبار بالتحريم الموجب للمحلل وكون التحريم يحصل بثلاث أو اثنين إنما هو بالنسبة إلى المرأة دون الزوج، بمعني أنه لو كان تحته امرأة حرة واستحكمت ثلاث طلقات فإنها لا تحل له إلا بمحلل سواء كان الزوج حرا أو مملوكا، ولو كان تحتة أمة واستكملت اثنين حرمت حتى تنكح زوجا غيره سواء كان زوجها حرا أو مملوكا، وخالفنا العامة في ذلك، فجعلوا الاعتبار بحال الزوج، فإذا كان حرا اعتبر في التحريم الثلاث سواء كان تحته أمة أو حرة، وإن كان الزوج عبدا اعتبر طلقتان وإن كان تحته حرة، ومظهر الخلاف في الحر تحته الامة، وبالعكس، وإلا فلا خلاف فيما إذا كان حرا تحته حرة، أو مملوكا تحته مملوكة للاتفاق على الثلاث في الاولى والاثنتين في الثانية. وتدل على ما ذهب إليه الاصحاب الاخبار المتكاثرة، ومنها ما رواه في الكافي (1) في الصحيح عن عيص بن القاسم " قال: إن ابن شبرمة قال: الطلاق للرجل فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الطلاق للنساء، وبيان ذلك: أن العبد تكون تحته الحرة فيكون تطليقها ثلاثا، ويكون الحر تحته الامة، فيكون طلاقها تطليقتين ". وعن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليهما السلام) في الصحيح " قال: سألته عن حر تحته أمة أو عبد تحته حرة، كم طلاقهما وكم عدتهما ؟ فقال: السنة في النساء في الطلاق فإن كانت حرة فطلاقها ثلاثا، وعدتها ثلاثة قروء، وإن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان وعدتها قرءان ".


(1) الكافي ج 6 ص 167 ح 3، الوسائل ج 15 ص 391 ب 24 ح 1 وفيهما " وتبيان ذلك ". (2) الكافي ج 6 ص 167 ح 1، الوسائل ج 15 ص 469 ب 40 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

[ 343 ]

وعن عبد الله بن سنان (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: طلاق المملوك للحرة ثلاث تطليقات، وطلاق الحر للامة تطليقتان ". وما رواه في الفقيه (2) عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له: إذا كانت الحرة تحت العبد كم يطلقها ؟ فقال: قال علي (عليه السلام): الطلاق والعدة بالنساء " إلى غير ذلك من الاخبار. الثالثة: قد عرفت أن الامة تحرم بتطليقتين، ولا تحل لزوجها الاول إلا بمحلل مستجمع للشرائط المتقدمة، وهنا مواضع ثلاثة، ربما كانت مظنة للشبهة، إلا أنها قد انكشفت عنها بالاخبار الدالة على اندراجها في القاعدة المذكورة. الاول: ما لو كانت تحته أمة فطلقها تطليقتين ثم إنه اشتراها، فمقتضى القاعدة المتقدمة عدم جواز نكاحه لها حتى تزوج زوجا آخر متصفا بصفات التحليل. وعلى ذلك يدل ما رواه الشيخ (2) عن بريد بن معاوية العجلي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الامة يطلقها تطليقتين، ثم يشتريها، قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره ". وما رواه في الكافي (4) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل حر كانت تحته أمة فطلقها طلاقا بائنا ثم اشتراها، هل يحل له أن يطأها ؟ قال: لا ". وعن بريد العجلي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه قال في رجل تحته أمة


(1) الكافي ج 6 ص 167 ح 4، الوسائل ج 15 ص 394 ب 25 ح 7. (2) الفقيه ج 3 ص 351 ح 5، الوسائل ج 15 ص 393 ب 25 ح 1. (3) التهذيب ج 8 ص 84 ح 204، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 3. (4) الكافي ج 6 ص 173 ح 2، التهذيب ج 8 ص 84 ح 207، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 5. (5) الكافي ج 6 ص 173 ح 4، التهذيب ج 8 ص 85 ح 209، الوسائل ج 15 ص 396 ب 26 ح 6.

[ 344 ]

فطلقها تطليقتين ثم اشتراها، قال: لا يصلح له أن ينكحها حتى تزوج زوجا غيره، وحتى تدخل في مثل ما خرجت منه ". وعن سماعة (1) في الموثق " قال: سألته عن رجل تزوج امرأة مملوكة ثم طلقها ثم اشتراها بعده، هل تحل له ؟ قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره ". أقول: المراد طلاقا بائنا بالمرتين لانه هو الذي يترتب عليه التحريم. وأما ما رواه الشيخ (2) عن أبي بصير " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل كانت تحته أمة فطلقها طلاقا بائنا ثم اشتراها بعد، قال: يحل له فرجها من أجل شراها، والحر والعبد في هذه المنزلة سواء ". وقال الكليني بعد ذكر حديث الحلبي (3) المتقدم: قال ابن دبي عمير: وفي حديث آخر " حل له فرجها من أجل شرائها، والحر والعبد في ذلك سواء ". ويظهر من ابن الجنيد القول بمضمون هذا الخبر على ما نقله في المسالك، فقد أجاب الشيخ عنه في كتابي الاخبار بحمل البينونة على الخروج من العدة لا البينونة بطلقتين وقيد إباحة الفرج بالشراء بما إذا تزوجت زوجا آخر واعترض عليه ببعد هذه التأويلات. ومال في الوافي (4) إلى حمل الاخبار الاخيرة على الرخصة وإن كان على كراهية. والاقرب حمل الخبر المجوز على التقية كما يشير إليه ما رواه الشيخ (5) في الصحيح عن عبد الله بن سنان " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت تحته أمة فطلقها


(1) الكافي ج 6 ص 173 ح 3، التهذيب ج 8 ص 85 ح 208، الوسائل ج 15 ص 396 ب 26 ح 7. (2) التهذيب ج 8 ص 85 ح 210، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 4 وفيهما " شرائها ". (3) الكافي ج 6 ص 173 ح 2، الوسائل ج 15 ص 396 ب 26 ح 8. (4) الوافى ج 3 ص 164. (5) التهذيب ج 8 ص 83 ح 203، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

[ 345 ]

على السنة فبانت منه ثم اشتراها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجا غيره، قال: أليس قد قضى علي (عليه السلام) في هذا ؟ أحلتها آية وحرمتها آية، وأنا أنهي عنها نفسي وولدي ". ورواه الكليني (1) عن عبد الله بن سنان نحوه، والنهي الذي نسبه إلى نفسه وولده حقيقة في التحريم. وأما ما زعمه في الوافي من حمل الخبر المذكور على ما قدمنا نقله عنه من الجواز على كراهة فإنه في غاية البعد، فإن مقتضى القاعدة كما عرفت هو التحريم مع تأيدها بالاخبار المتقدمة. ومما يدلك على أن المراد بهذه العبارة إنما هو التحريم ما رواه الشيخ في التهذيب (2) عن معمر بن يحيى بن بسام " قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عما يروي الناس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) چعن أشياء من الفروج لم يكن يأمر بها ولا ينهى عنها إلا نفسه وولده، فقلنا: كيف ذلك ؟ قال: أحلتها آية وحرمتها آية اخرى. قلنا: هل تكون إحداهما نسخت الاخرى ؟ أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما ؟ قال: قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده، فقلنا: ما منعه أن يبين للناس ؟ قال: خشي أن لا يطاع، فلو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله، والحق كله ". وروى ذلك علي بن جعفر في كتابه (3) نحوه.


(1) ج 6 ص 173 ح 1 وفيه اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 7 ص 463 ح 64، الوسائل ج 14 ص 301 ب 8 ح 8. (3) أقول: وهو ما رواه [ بحار الانوار ج 10 ص 266 ضمن ح 1 مع اختلاف يسير ] في كتابه عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن الاختلاف في القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في أشياء من الفروج أنه لم يأمر بها ولم ينه عنها الا أنه نهى نفسه وولده، قلت: فكيف يكون ذلك ؟ قال: أحلتها آية وحرمتها آية، قلت: هل يصلح أن تكون أحدهما منسوخة ؟ أم هما محكمتان ينبغى أن يعمل بهما ؟ قال: قد بين إذ نهى نفسه وولده، قلت: فما منعه أن يبين للناس ؟ قال: خشى أن لا يطاع، ولو أن أمير المؤمنين عليه السلام ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله " الحديث إلى آخره (منه - رحمه الله -).

[ 346 ]

الثاني: ما لو طلقت الامة تطليقتين ثم وطأها المالك فإنها لا تحل لزوجها إلا بالتزويج ثانيا بشروط التحليل، وبذلك صرح الاصحاب أيضا. وتدل على ذلك رواية الفضيل (1) المتقدمة في الشرط الخامس من شروط التحليل. ونحوها رواية عبدالمللك بن أعين " (2) قال: سألته عن رجل زوج جاريته رجلا فمكثت معه ما شاء الله، ثم طلقها فرجعت إلى مولاها فوطأها، أتحل لزوجها إذ أراد أن يراجعها ؟ فقال: لا، حتى تنكح زوجا غيره ". ونحوه ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى (3) في نوادره عن الحلبي في الصحيح، وإطلاق الطلاق محمول على المرتين، لانه هو الموجب للمحلل كما صرحت به رواية الفضيل المذكورة. الثالث: مالو اعتقت الامة بعد الطلاق مرتين أو اعتق زوجها أو هما معا، فإن العتق لا يهدم الطلاق، وكذا لو عتقت بعد تطليقة واحدة، فإنها تكون عنده على تطليقة اخرى. ويدل عليه ما رواه الشيخ (4) عن رفاعة في الصحيح " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العبد والامة يطلقها تطليقتين ثم يعتقان جميعا، هل يراجعها ؟ قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره فتبين منه ". وعن محمد بن مسلم (5) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال: المملوك إذا كانت تحته مملوكة فطلقها ثم أعتقها صاحبها كانت عنده على واحدة ". وعن الحلبي (6) في الصحيح " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في العبد تكون تحته


(1) التهذيب ج 8 ص 87 ح 217، الوسائل ج 15 ص 397 ب 27 ح 2. (2) التهذيب ج 8 ص 84 ح 205، الوسائل ج 15 ص 396 ب 27 ح 1. (3) الوسائل ج 15 ص 397 ب 27 ح 3. (4) و (5) و (6) التهذيب ج 8 ص 87 و 86 ح 216 و 211 و 212، الوسائل ج 15 ص 397 و 398 ب 28 ح 1 و 2 و 3.

[ 347 ]

الامة فيطلقها تطليقة ثم اعتقا جيمعا، كانت عنده على تطليقة واحدة ". ورواه الصدوق (1) بإسناده عن حماد عن الحلبي نحوه. وعن هشام بن سالم (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ذكر أن العبد إذا كان تحته الامة فطلقها تطليقة فاعتقا جميعا كانت عنده على تطليقة واحدة ". وما ذكرنا من الحكم المذكور هو المشهور. ونقل عن ابن الجنيد أنه ذهب إلى أن الامة إذا اعتقت قبل وقوع الطلاق الثاني بها انتقل حكم طلاقها إلى حال الحرائر، فلا تحرم إلا بالثالثة. وأيده في المسالك بما وقع لهم في نظير هذه المسألة فيما ذكروه في نكاح المشركات إذا أسلم العبد وعنده أربع وأعتق، وكذا في باب القسم بين الزوجات إذا اعتقت الامة في أثناء القسم، وملخص ذلك أنه متى كان العتق قبل استيفاء حق العبودية فإنه يلحق بالاحرار في الحكم، والمسائل الثلاث مشتركة في ذلك، فيتجه ما ذكره ابن الجنيد بناء على ذلك. إلا أن فيه (أولا) أن ما ذكرناه من الاخبار المتكاثرة في هذه المسألة صريحة في رد هذا القول ودفعه. (وثانيا) أن ما ذكروه في المسألتين المذكورتين ليس إلا مجرد تخريجات قد بنوا اختلافهم عليها في ذينك الموضعين، ولهذا إنا لم نتعرض لذكر هاتين المسألتين فيما سلف لعدم النص مع كثرة الاختلاف والتخريجات المتدافعة. وبالجملة فالمعتمد هنا هو القول المشهور، وهو المؤيد بالاخبار والمنصور. الرابعة: المعروف من كلام الاصحاب وقوع التحليل من الخصي إذا وطأ بالشرائط المتقدمة. لان التحليل معتبر فيه ما يعتبر في الجماع الموجب للغسل من إيلاج الحشفة أو قدرها من مقطوعها، والخصاء غير مانع من ذلك، فإن غاية ما يترتب عليه هو عدم


(1) الفقيه ج 3 ص 352 ح 13. (2) التهذيب ج 8 ص 86 ح 213، الوسائل ج 15 ص 398 ب 28 ح 4 وفيهما اختلاف يسير.

[ 348 ]

الانزال خاصة، حتى أن الشيخ أنكر كونه عيبا محتجا بأن الخصي يولج ويبالغ أكثر من الفحل وإنما لا ينزل، وعدم الانزال ليس بعيب، وقد تقدم الكلام معه في ذلك. وبالجملة فالظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في الحكم المذكور، إلا أنه قد روى الشيخ (1) في الصحيح عن صفوان عن محمد بن مضارب وهو مجهول في الرجال إلا أنه يفهم من بعض الاخبار (2) ما يؤذن بمدحه " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الخصي يحلل ؟ قال: لا يحلل " وردها المتأخرون بضعف الراوي، ويمكن حملها على خصي لا يحصل منه الجماع على الوجه المعتبر، وإلى العمل بالخبر المذكور مال في المسائل فقال: باب أن الخصي لا يحلل المطلقة ثلاثا، ثم أورد الخبر المذكور، وأردفه بخبر آخر رواه الشيخ أيضا عن صفوان عن محمد بن مضارب مثله إلا أن فيه " يحل ولا يحل " ولا يخفى ما فيه من الاشكال كما عرفت. الخامسة: إذا ارتد المحلل بعد التزويج بها، فإن كان بعد وطئها في القبل فلا إشكال في حصول التحليل حينئذ، وإن كان قبله لم يحصل التحليل بالوطئ في العدة، لانه بارتداده قد انفسخ العقد، وإن بقي أثره بعوده إليها لو راجع في العدة بالعقد السابق، ويتصور ثبوت العدة مع عدم الدخول قبلا، بأن يكون قد وطأها في الدبر فإنه لا يكفي في التحليل كما تقدم، ويوجب العدة عند الاصحاب، وكذا لو خلا بها عند جمع منهم، فإنها لا توجب التحليل وتوجب العدة. وألحق ابن الجنيد بالخلوة التذاذه بما ينزل به الماء. أما لو لم يحصل منه ما يوجب العدة من هذه الامور المذكورة قبل الارتداد فإنها تبين منه، ويصير في حكم الاجنبي لا أثر لوطئه بالكلية لانفساخ العقد بالردة


(1) التهذيب ج 8 ص 34 ح 23، الوسائل ج 15 ص 369 ب 10 ح 1 و 2. (2) وهو ما رواه الشيخ [ التهذيب ج 7 ص 242 ح 7 ] عنه " قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: يا محمد خذ هذه الجارية تخدمك وتصيب منها، فإذا خرجت فارددها الينا " قال شيخنا الشهيد الثاني في حواشيه على الخلاصة: وفيه تنبيه على حسن حاله، انتهى. (منه - قدس سره -).

[ 349 ]

وثبوت البينونة بذلك. وعلى هذا فهنا أقسام ثلاثة، ثالثها الوطئ في العدة زمان الردة، وفائدته جواز الرجوع إليها في العدة لو رجع إلى الاسلام، وجملة منهم لم يذكروا إلا القسمين الآخرين، وهو أنه إن كانت الردة قبل الوطئ انفسخ النكاح وصار وطئ أجنبي لا يحلل قطعا وإن كان بعده حلت بالاول، وأنت قد عرفت ثبوت قسم ثالث، ويجري ما ذكر من الحكم في الزوجة أيضا لو كانت هي المرتدة فوطأها في زمان ردتها ثم رجعت إلى الاسلام. السادسة: المفهوم من كلام الاصحاب من غير خلاف يعرف قبول قول المرأة في موت الزوج وعدمه، وطلاقه لها والخروج من العدة. وعليه تدل ظواهر جملة من الاخبار، ويؤيده أنه من القواعد المقررة عندهم قبول قول من لا منازع له وبه تضافرت الاخبار في جزئيات الاحكام كما بسطنا الكلام عليه في كتاب الزكاة (1) وما نحن فيه من جملة أفرادها. ومن أخبار القاعدة المذكورة ما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت: عشرة كانوا جلوسا وفي وسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضا: ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلهم: لا، وقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو ؟ قال: هو الذي ادعاه ". ويؤيده أيضا أن الاخبار الواردة بإثبات الدعاوي بالبينات والايمان لا عموم فيها على وجه يشمل ما نحن فيه، وإنما موردها ما إذا كان النزاع بين خصمين مدع ومنكر. إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لوادعت المرأة المطلقة ثلاثا أنها تزوجت وحللت


(1) الحدائق ج 12 ص 165. (2) الكافي ج 7 ص 422 ح 5، التهذيب ج 6 ص 292 ح 17، الوسائل ج 18 ص 200 ب 17 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.

[ 350 ]

نفسها لزوجها الاول، فالمشهور قبول قولها، وظاهر المحقق في الشرائع والنافع (1) التوقف في ذلك، وإليه يميل كلام الفاضل الخراساني في كتاب الكفاية، وأنت خبير بأن مقتضى القواعد المشار إليها هو قبول قولها. ومن الاخبار الدالة على ذلك أيضا ما في رواية ميسر (2) وهي صحيحة إليه " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ألقي المرأة في الفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها: ألك زوج ؟ فتقول: لا، فأتزوجها ؟ قال: نعم، هي المصدقة على نفسها ". وفي رواية أبان بن تغلب (3) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنى أكون في بعض الطرقات فأرى المرأة الحسناء، ولا آمن أن تكون ذات بعل أو من العواهر قال: ليس هذا عليك، إنما عليك أن تصدقها في نفسها ". والتقريب فيهما - وإن كان موردهما نفي الزوج - هو حكمه (عليه السلام) بأنها المصدقة على نفسها الشامل لما نحن فيه، فإن مقتضاه أن كل ما أخبرت به عن نفسها مما لا يعرف إلا من جهتها فإنها مصدقة فيه. وبذلك يظهر لك ما في قول صاحب الكفاية - بعد إشارته للخبرين المذكورين - وللتأمل في عموم الروايتين بحيث يشمل محل البحث مجال. فإن ثبوت التعميم بالتقريب الذي ذكرناه مما لا مجال لانكاره، نعم يتم ما ذكره بالنظر إلى مورد الخبرين إلا أن الاعتبار إنما هو بجوابه (عليه السلام) الذي هو كالضابطة الكلية في أنها مصدقة على نفسها في كل ما لا يعلم إلا من جهتها. قال في المسالك في تعليل القول المشهور: ولانها مؤتمنة في انقضاء العدة


(1) حيث قال في الشرائع: ولو انقضت مدة فادعت أنها تزوجت وفارقها وقضت العدة في تلك المدة قيل: يقبل، لان في جملة ذلك ما لا يعلم الا منها، وفي رواية إذا كانت ثقة صدقت. وقال في النافع: ولو ادعت أنها تزوجت ودخل وطلق فالمروى القبول إذا كانت ثقة. والعبارتان كما ترى ظاهرتان في ما ذكرناه. (منه - قدس سره -). (2) و (3) الكافي ج 5 ص 462 ح 2 و 1، الوسائل ج 14 ص 456 ب 10 ح 1.

[ 351 ]

والوطئ مما لا يمكن إقامة البينة عليه، وربما مات الزوج أو تعذر مصادقته لغيبة ونحوها، فلو لم يقبل منها ذلك لزم الاضرار بها والحرج المنفيين. أقول: ويؤيده أيضا مع دخوله في ضابطة الخبرين المذكورين ما في رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر (1) وغيره " قال: قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه أن لها زوجا، فقال: ما عليه، أرأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج " وهي ظاهرة فيما ذكره شيخنا المذكور. وتدل على أصل المدعى صحيحة حماد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل طلق امرأة ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها، فقال لها: إني اريد مراجعتك، فتزوجي زوجا غيري، فقالت: قد تزوجت زوجا غيرك وحللت لك نفسي، أتصدق ويراجعها ؟ وكيف يصنع ؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها ". قال في المسالك: وكما يقبل قولها في حق المطلق يقبل في حق غيره، فكذا الحكم في كل امرأة كانت مزوجة واخبرت بموته وفراقه وانقضاء العدة في وقت محتمل ولافرق بين تعين الزوج وعدمه، ولابين إمكان استعلامه وعدمه. انتهى، وقد عرفت وجه صحته مما تقدم. ومما يؤكد الاعتماد على قولها ما دل على كراهة السؤال ولو مع التهمة مثل ما رواه في التهذيب (3) عن فضيل مولى محمد بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت: إنى تزوجت امرأة متعة فوقع في نفسي أن لها زوجا، ففتشت عن ذلك فوجدت لها زوجا، قال: ولم فتشت ؟ ". وعن مهران بن محمد (4) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قيل له:


(1) التهذيب ج 7 ص 253 ح 19، الوسائل ج 14 ص 457 ب 10 ح 5 وفيهما اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 8 ص 34 ح 24، الوسائل ج 15 ص 370 ب 11 ح 1 وفيهما اختلاف يسير. (3) و (4) التهذيب ج 7 ص 253 ح 17، و 18، الوسائل ج 15 ص 457 ب 10 ح 3 و 4 وفيهما اختلاف يسير.

[ 352 ]

إن فلانا تزوج امرأة متعة فقيل: إن لها زوجا فسألها، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لم سألها ؟ ". وما رواه في الفقيه (1) عن يونس بن عبد الرحمن عن الرضا (عليه السلام) في حديث " قال: قلت له: المرأة تزوجت متعة فينقضي شرطها ويتزوجها رجل وآخر قبل تنقضي عدتها، قال: وما عليك إنما إثم ذلك عليها " أقول: المراد أنها تزوجها الآخر جاهلا مع علمها هي بذلك. بقي الكلام فيما دلت عليه صحيحة حماد من اشتراط كون المرأة ثقة في قبول قوله، مع أن ظاهر الاخبار وكلام الاصحاب خلافه، وحمله جملة من المتأخرين منهم شيخنا في المسالك على أن المراد بالثقة من تسكن النفس إلى خبرها، وإن لم تكن متصلة بالعدالة المشترطة في قبول الشاذة، وهو جيد. وكيف كان فهو لا يخلو من منافرة لما دلت عليه الاخبار الاخيرة من كراهة الفحص وإن كان مع التهمة، ويمكن الجمع بين الاخبار المذكورة بحمل صحيحة حماد على ما هو الافضل في مقام التهمة من الفحص. والظاهر أن مادل عليه الخبر من إخبارها بالتحليل عقيب أمره لها بذلك المشعر برغبتها في الرجوع إلى الزوج كان محل التهمة، فأمر بالتثبت والعمل بقولها بالشرط المذكور، وحمل الاخبار الاخيرة على الجواز شرعا، أو العمل بسعة الشريعة وأنه غير مكلف شرعا بالفحص ولا يجب عليه ذلك. فروع الاول: قال في المسالك: لو عينت الزوج يعني المحلل فكذبها في أصل النكاح احتمل تصديقها في التحليل - وإن لم يثبت عليه موجب الزوجية لوجود المقتضي لقبول قولها مع تكذيبه، وهو إمكان صدقها مع تعذر إقامة البينة على جميع ما


(1) الفقيه ج 3 ص 294 ح 17، الوسائل ج 14 ص 456 ب 10 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

[ 353 ]

تدعيه، ومجرد إنكاره لا يمنع صدقها في نفس الامر - وعدمه نظرا إلى تقديم قوله لانه منكر واستصحابا للاصل، ولا مكان إقامة البينة على أصل التزويج. وفيه أنه لا منافاة بين الامرين، لانا لا نقبل قولها إلا في حقها خاصة، والاصل لو عارض لقدح في أصل دعواها مطلقا، انتهى. أقول: الظاهر، من الاخبار المتقدمة هو الثاني، لان قبول قولها إنما هو في موضع لا يمكن الاطلاع عليه إلا من جهتها، فإن دعواها لا معارض له، والمعارض هنا موجود، والاطلاع على الحال ممكن من غيرها وهو الزوج، فإنه بإنكاره تزويجها بالكلية قد حصلت المعارضة لدعواها التحليل، والاطلاع على كذب الدعوى المذكورة بالنظر إلى إنكار التزويج، وقوله " إن المقتضي لقبول قولها إمكان صدقها " ليس في محله، بل المقتضي لذلك إنما انحصار الاطلاع على ذلك الامر المدعى فيها، فلا يعلم إلا من جهتها سيما مع تعذر اطلاع الغير عليه بالكلية، ولهذا نسب تكليفها باليمين أو البينة إلى الحرج والعسر. ودعواها التحليل هنا لما عارضها إنكار الزوج المحلل النكاح من أصله خرجت المسألة عما نحن فيه ورجعت إلى سائر الدعاوي المتضمنة لمدع ومنكر، ووجب فيها ما يجب ثمة، وبعد ثبوت أحد الامرين يترتب عليه الحكم المناسب للمقام من تحليل وعدمه، وهكذا ينبغي أن يحقق المقام. الثاني: إذا اتفق المحلل والمرأة على الاصابة بعد الدخول فلا إشكال في حصول التحليل للزوج الاول ولو كذبها عليه السلام في ذلك، قال الشيخ في المبسوط: إنه يعمل الزوج الاول على ما يغلب على ظنه في صدقها وصدق المحلل، لان الغرض تعذر البينة والظن مناط الاحكام الشرعية غالبا فيرجع إليه. وقال المحقق بعد نقل قول الشيخ المذكور: ولو قيل: يعمل بقولها على كل حال كان حسنا، لتعذر إقامة البينة بما تدعيه. قال في المسالك: والاقوى ما اختاره المصنف لما ذكره من تعذر إقامة البينة،

[ 354 ]

مع أنها تصدق في شرطه وهو انقضاء العدة، فكذا في سببه، ولانه لولاه لزم الحرج والضرر كما أشرنا إليه سابقا، وإنما يقبل قولها فيما يتعلق بها من حل النكاح. ونحوه لا في حقه، ولا يلزمه إلا نصف المهر، حتى لو أنكر أصل العقد لم يلزمه المهر وإن قبل قولها في التزويج، انتهى. أقول - وبالله الثقة لبلوغ كل مأمول -: إن الظاهر أن الكلام في هذه المسألة كما في سابقتها، فإن المسألة - بحصول المعارض والمنازع في صحة ما تدعيه من الوطئ الذي يترتب عليه التحليل - قد خرجت عن مدلول الاخبار المتقدمة ورجعت إلى مسائل المدعي والمنكر، فيجب على المدعي إقامة البينة، ومع تعذرها فاليمين على المنكر، والواجب على الزوج اليمين في عدم الاصابة أو الرد، وكيف كان فإن ثبت ذلك ترتب عليه التحليل، وإلا فلا تحليل. وبالجملة فإن مناط قبول قولها الذي دلت عليه الاخبار ليس مجرد تعذر البينة عليها خاصة، وإلا لاتسع المجال بالنسبة إلى غيرها من أفراد المدعين كما لا يخفى، بل هو ادعاؤها دعوى لاراد لها ولا مقابل فيها وأنه لا يعلم صحتها إلا من جهتها. ونظير ما ذكروه ما لو ادعت المرأة أن لازوج لها وادعى آخر أنها زوجته، فإن الظاهر أنه لا قائل بجواز تزويجها في هذه الحال بناء على أنها مصدقة في دعوى عدم الزوج، والحال أن مدعى زوجيتها موجود، وإنما قبول قولها مع عدم ذلك كما هو ظاهر من الاخبار المتقدمة. الثالث: لو وطأها المحلل وطئا محرما شرعا كالوطئ في الاحرام منه أو منها أو منهما والوطئ في الحيض وفي الصوم الواجب ونحو ذلك فهل يحصل به التحليل أم لا ؟ قولان: (أحدهما) العدم، ذهب إليه الشيخ وابن الجنيد، واستدل الشيخ بأن التحريم

[ 355 ]

معلوم، ولا دليل على أن هذا الوطئ محلل، ولقول النبي صلى الله عليه وآله (1) " حتى يذوق عسيلتها " يدل عليه، لانه إنما أراد بذلك ذوقا مباحا، لان النبي صلى الله عليه وآله لا يبيح المحرم، وأيضا فإنه محرم عليه هذا الوطئ ومنهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولان الاباحة تعلقت بشرطين بالنكاح والوطئ، ثم إن النكاح إذا كان محرما لا يحل للاول، وكذلك الوطئ. (وثانيهما) ثبوت التحليل بذلك. اختاره العلامة في المختلف وغيره وشيخنا في المسالك، والظاهر أنه المشهور بين المتأخرين. قال في المختلف (2): لنا قوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " (3) جعل غاية التحريم نكاح الغير، وقد حصل، ومطلق النكاح أعم من النكاح في وقت يباح فيه أو يحرم، والحكم معلق على المطلق، ولانه وطئ في نكاح صحيح قبلا، فوجب بأن يحصل به الاحلال كما لو وطأها وقد ضاق عليه وقت الصلاة، ويمنع على التحريم بعد النكاح الثاني، وإرادة المباح هو المتنازع، وتعليق الرجعة على مطلق النكاح الشامل للمحرم لا يقتضي إباحة المحرم، والنهي إنما يدل على الفساد في العبادات، والفرق بين تحريم النكاح وتحريم الوطئ ظاهر للاجماع على اشتراط النكاح الصحيح بخلاف المتنازع، انتهى. والحق أن المسألة لخلوها من النص غير خالية من شوب الاشكال، إلا أنه يمكن أن يقال: إن الظاهر بالنظر إلى إطلاق الاخبار المتقدمة في شروط التحليل هو القول الثاني، إذ غاية ما يستفاد منها هو التزويج دواما والدخول بها، وأما أن ذلك الوطئ يشترط فيه أن يكون مباحا - كأن لا يكون زمن الحيض ولا النفاس ولا الاحرام مثلا - فلا، وورودها في مقام البيان عارية عن اشتراط ذلك ظاهر في


(1) بحار الانوار ج 104 ص 141 ح 20 مع اختلاف في اللفظ. (2) مختلف الشيعة ج 2 ص 593 وفيه اختلاف يسير. (3) سورة البقرة - آية 229.

[ 356 ]

عدم الشرط المذكور، والشروط الخمسة المتقدمة حاصلة في صورة هذا الوطئ المنهي عنه، فيحصل به التحليل حينئذ. وبالجملة فإن إطلاق الاخبار المذكورة شامل لهذا الوطئ فيحصل به التحليل، وتقييدها يحتاج إلى دليل وليس فليس. الفصل الثاني في الرجعة: والاصل فيها الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى " بعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا (1) " أي بردهن إلى النكاح، والرجعة فيهن في زمان العدة والتربص إن أرادوا بالرجعة إصلاحا لما بينهن، ولم يريدوا المضارة لهن. وقوله تعالى " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (2) " والامساك بالمعروف الرجعة وحسن المعاشرة، والتسريح بإحسان التطليقة الثالثة بعد المراجعة كما في الحديث النبوي، أو أن لا يراجعها حتى تخرج من العدة وتبين منه. وقوله سبحانه " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن " (3) أي قار بن بلوغ الاجل " فأمسكوهن بمعروف " أي راجعوهن بقصد المعاشرة بالمعروف والقيام بواجبهن من غير طلب ضرار بالمراجعة، أو " سرحوهن " أي خلوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن " ولا تمسكوهن ضرارا " أي لا تراجعوهن بقصد الاضرار بهن من غير رغبة فيهن. وروى في الفقيه (4) " قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: الرجل يطلق حتى إذا كادت أن يخلو أجلها راجعها ثم طلقها يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى الله عزوجل عن ذلك ". وأما الاخبار فهي مستفيضة، وستأتي جملة منها في أثناء المباحث الآتية


(1) و (2) و (3) سورة البقرة - آية 228 و 229 و 231. (4) الفقيه ج 3 ص 323 ح 1، الوسائل ج 15 ص 402 ب 34 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

[ 357 ]

إن شاء الله تعالى. وأما الاجماع فقد نقله غير واحد، وكيف كان فتفصيل الكلام في هذا الفصل وتحقيق ما اشتمل عليه يقع في مواضع: الاول: لا خلاف في أن الرجعة تقع بالقول والفعل، والاول إجماعي من الخاصة والعامة، والثاني إجماعي عندنا، ووافقنا عليه بعض العامة، والقول إما صريح في معنى الرجعة كقوله راجعتك وارتجعتك، وأصرح منه إضافة قوله إلى نكاحي. قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة - بعد أن ذكر هذه الالفاظ الثلاثة وأنها صريحة في الرجعة - ما لفظه: وفي معناه رددتك وأمسكتك لورودهما في القرآن، قال الله تعالى " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " (1) ولا يفتقر إلى نية الرجعة لصراحة الالفاظ، وقيل: يفتقر إليها في الاخيرين لاحتمالهما غيرهما (2) كالامساك باليد أو في البيت ونحوه، وهو حسن. قال سبطه السيد السند في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: أقول قد بينا فيما سبق أنه لابد من القصد إلى مدلول اللفظ الصريح وقصد المعنى المطلوب في غيره، وإنما يفترقان في أن التلفظ بالصريح يحكم عليه بقصد مدلوله من غير احتياج إلى إخباره بذلك، والتلفظ بغيره لا يحكم عليه بقصد المعنى المطلوب منه إلا مع اعترافه بذلك أو وجود القرينة الدالة عليه، فقوله إنه لا يفتقر مع الاتيان براجعتك إلى نية الرجعة لا يخلو من تسامح. انتهى، وهو جيد، لان الاتيان بالالفاظ في الرجعة أو غيرها مجردة عن نية المعنى المراد منها، وقصده لا يقع إلا من عابث أو ساه أو نائم، وإلا فالعقلاء إنما تورد الالفاظ في كلامهم ومحاوراتهم مقرونة بقصد معانيها المرادة منها. نعم، فهم السامع تلك المعاني المرادة قد لا يتوقف على شئ وراء مجرد ذلك اللفظ، وهو الصريح في معناه الذي


(1) سورة البقرة - آية 228 و 229. (2) والصحيح " غيرها ".

[ 358 ]

لا يحتمل غيره، وقد يتوقف على أمر آخر من ضم قرينة في الكلام أو اعترافه بذلك، وهذا يكون في غير الصريح مما يحتمل معنيين أو أكثر. وكيف كان فكل مادل على قصد الرجل في النكاح من الالفاظ بنفسه أو ضم شئ من خارج فهو مفيد للرجوع بلا خلاف ولا إشكال. وأما الرجوع بالفعل كالوطئ والتقبيل واللمس بشهوة فهو موضع وفاق، وربما كان أقوى في الدلالة على الرجعة من القول، إلا أنه لابد من أن يقصد به الرجوع لانه في حد ذاته أعم من ذلك، فلا عبرة بما وقع منه سهوا أو بقصد عدم الرجعة أو لا بقصدها فإن ذلك لا يفيد الرجوع، وإن فعل حراما في غير صورة السهو والغفلة لانفساخ النكاح بالطلاق وإن كان رجعيا، ولولا ذلك لم تبن بأنقضاء العدة، إلا أنه لا حد عليه وإن كان عالما بالتحريم لعدم خروجها بعد عن حكم الزوجية رأسا، فغاية ما يلزم هو التعزير على فعل المحرم إلا مع الجهل بالتحريم. ومما يدل على وقوع الرجعة بالوطئ ما رواه الصدوق (1) عن الحسن بن محبوب في الصحيح عن محمد بن القاسم " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من غشى امرأته بعد انقضاء العدة جلد الحد، وإن غشيها قبل انقضاء العدة كان غشيانه إياها رجعة ". وإطلاق الخبر يشمل ما ذكرناه من الصور المستثناة، إلا أن الظاهر تقييده بما عداها، فإن الاحكام صحة وبطلانا وثوابا وعقابا دائرة مدار القصود والنيات كما تقدم تحقيقه في بحث النية من كتاب الطهارة (1). ومما يقع به الرجعة أيضا إنكار الطلاق، قال في شرح النافع: وهذا مذهب الاصحاب لا نعلم فيه مخالفا. وقال في المسالك: وظاهرهم الاتفاق على كونه رجوعا. وعلله المحقق في الشرائع بأنه يتضمن التمسك بالزوجية، قال في المسالك: ولانه أبلغ من


(1) الفقيه ج 4 ص 18 ح 18، الوسائل ج 18 ص 400 ب 29 ح 1 وفيهما " رجعة لها ". (2) الحدائق ج 2 ص 170.

[ 359 ]

الرجعة بألفاظها المشتقة منها وما في معناها لدلالتها على رفعه في غير الماضي ودلالة الانكار على رفعه مطلقا. أقول والاولى الرجوع إلى النص الوارد في المقام، وهو ما رواه ثقة الاسلام في الكافي (1) عن أبي ولاد الحناط في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن امرأة ادعت على زوجها أنه طلقها تطليقة طلاق العدة طلاقا صحيحا - يعني على طهر من غير جماع - وأشهد بها شهودا على ذلك، ثم أنكر الزوج بعد ذلك، فقال: إن كان إنكار الطلاق قبل انقضاء العدة فإن إنكاره للطلاق رجعة لها، وإن أنكر الطلاق بعد انقضاء العدة فإن العدة فإن على الامام أن يفرق بينهما بعد شهادة الشهود بعد ما يستحلف أن إنكاره الطلاق بعد انقضاء العدة وهو خاطب من الخطاب " وهي صحيحة صريحة مؤيدة بعمل الاصحاب، فلا مجال للتوقف في الحكم المذكور. وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) " وأدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق فيكون إنكار الطلاق مراجعة ". الثاني: يستحب الاشهاد في الرجعة ولا يجب اتفاقا، وعليه تدل جملة من الاخبار. منهما ما رواه في الكافي (3) عن زرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: إن الطلاق لا يكون بغير شهود، وإن الرجعة بغير شهود رجعة ولكن ليشهد بعد فهو أفضل ". وعن الحلبي (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الذي يراجع ولم يشهد قال: يشهد أحب إلي، ولا أرى بالذي صنع بأسا ".


(1) الكافي ج 6 ص 74 ح 1، التهذيب ج 8 ص 42 ح 48، الوسائل ج 15 ص 372 ب 14 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير. (2) فقه الرضا ص 242، المستدرك ج 3 ص 14 ب 12 ح 1 وفيهما " انكاره للطلاق ". (3) و (4) الكافي ج 6 ص 73 و 72 ح 3 و 1، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 3 و 2.

[ 360 ]

وعن محمد بن مسلم (1) " قال: سئل أبو جعفر (عليهما السلام) عن رجل طلق امرأته واحدة ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها ولم يشهد على رجعتها، قال: هي امرأته ما لم تنقض عدتها، وقد كان ينبغي له أن يشهد على رجعتها، فإن جهل ذلك فليشهد حين علم، ولا أرى بالذي صنع بأسا، وأن كثيرا من الناس لو أرادوا البينة على نكاحهم اليوم لم يجدوا أحد يثبت على الشهادة على ما كان من أمرهما، ولا أرى بالذي صنع بأسا، وإن يشهد فهو أحسن ". وفي صحيحة محمد بن مسلم (2) " وإنما جعل الشهود لمكان الميراث " إلى غير ذلك من الاخبار. وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) " فإن أراد مراجعتها راجعها، وتجوز المراجعة بغير شهود كما يجوز التزويح، وإنما تكره المراجعة بغير شهود من جهة الحدود والمواريث والسلطان " انتهى. الثالث: لو طلقها طلاقا رجعيا فارتدت، فهل يصح مراجعتها في حال الردة ؟ المشهور المنع، فكما أنه لا يصح ابتداء الزوجية فكذا استدامتها، ويؤيد ذلك أن الرجوع تمسك بعصم الكوافر المنهي عنه في الآية نهي فساد لقوله " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (4). وعلل أيضا بأن المقصود من الرجعة الاستباحة، وهذه الرجعة لا تفيد الاباحة فإنه لا يجوز الاستمتاع بها ولا الخلوة بها ما دامت مرتدة. وعلل الجواز بأن الرجعية زوجة، ويؤيده عدم وجوب الحد بوطئها، ووقوع الظهار واللعان والايلاء بها، وجواز تغسيل الزوج لها وبالعكس فهي بمنزلة الزوجة.


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 73 ح 4 و 5، الوسائل ج 15 ص 372 و 371 ب 13 ح 6 و 1 وفيهما اختلاف يسير. (3) فقه الرضا ص 242، مستدرك الوسائل ج 3 ص 14 ب 11 ح 1. (4) سورة الممتحنة - آية 10.

[ 361 ]

وأنت خبير بأن المسألة وإن كانت خالية من النص في هذه الصورة إلا أن مقتضى ما قدمنا نقله عنهم في كتاب النكاح في مسألة ارتداد أحد الزوجين (1) - من أنه متى كانت المرتدة المرأة وكان ذلك قبل الدخول انفسخ العقد بينهما في الحال، وإن كان بعد الدخول كان الفسخ وعدمه مراعى بانقضاء العدة وعدمه، فإن انقضت العدة ولم ترجع إلى الاسلام فقد بانت منه - هو جريان هذا الحكم فيما نحن فيه، فإنها في العدة وإن كانت زوجته يجوز مراجعتها كما يجوز تزويجها ابتداء، إلا أنها بالارتداد قد عرض لها ما يوجب انفساخ الزوجية إما في الحال كما لو لم يكن ثمة دخول، وإما مراعى بانقضاء العدة في صورة الدخول، فالرجوع إليها في حال الارتداد وإن كان في العدة، إلا أن الارتداد قد أوجب فسخ النكاح هنا، كما أوجبه لو لم يكن ذات عدة رجعية بل زوجة أصلية، إلا أنه يمكن أن يقال بصحة الرجعة لا صحة مستقرة، بل مراعاة بعدم انقضاء العدة على الارتداد، بمعنى أنه لو رجعت إلى الاسلام قبل انقضائها استقرت صحة الرجعة، وإلا تبين فسادها، كما أنها بالارتداد تنفسخ زوجيتها انفساخا مراعى بانقضاء العدة على الارتداد، فلو رجعت إلى الاسلام قبل انقضائها بقيت على الزوجية السابقة. الرابع: لو طلق وراجع فأنكرت الدخول بها أولا وزعمت أن لاعدة عليها ولا رجعة فالقول قولها بيمينها، لانها تدعي ما يوافق الاصل، إذ الاصل عدم الدخول، وحينئذ فإذا حلفت بطلت رجعته التى يدعيها عليها ولا نفقة لها ولا سكنى ولاعدة عليها، وجاز لها أن تنكح زوجا غيره في الحال، وليس له أن ينكح اختها، ولا أربعا غيرها لاعترافه بأنها زوجته. بقي الاشكال في المهر، فإن مقتضى كلام الزوج أن لها المهر كملا، ومقتضى كلامها أنه إنما تستحق بالنصف خاصة لدعواها عدم الدخول بها، وحينئد فإن


(1) وهى المسألة الثانية من المطلب السادس في الكفر من الفصل الثاني في أسباب التحريم. (منه - قدس سره -). راجع الحدائق ج 24 ص 25.

[ 362 ]

كانت قد قبضت المهر كملا فليس للزوج مطالبتها بشئ لاعترافه باستحقاقها إياه، لكن لا يجوز لها التصرف في أزيد من النصف، ولو لم تقبضه لم يجز لها أن تقبض إلا النصف خاصة. وكيف كان فينبغي أن يقبض الحاكم النصف الآخر من يدها أو يده، لانه مال لا يدعيه أحد، وحفظ مثل ذلك وظيفة الحاكم الشرعي، ولا يبعد أن الحكم فيه الصرف في وجوه البر، وله نظائر عديدة في الاخبار. ولو انعكس الحكم فادعت المرأة الدخول وأنكر الزوج فالقول قوله بيمينه، وحينئذ فإذا حلف فلا رجعة ولاسكنى ولا نفقة لها عليه، وعليها العدة لادعائها الدخول، ويرجع بنصف الصداق إن كانت قبضته، ولو لم تقبضه رجعت عليه بالنصف خاصة ". الخامس: المشهور بين الاصحاب أن رجعة الاخرس بالاشارة المفهمة لها كغيرها من عقوده وإيقاعاته، ونقل عن الصدوقين أنه أخذ القناع من رأسها. أقول: قال الشيخ علي بن الحسين في رسالته إلى ولده (1) " الاخرس إذا أراد أن يطلق امرأته ألقى على رأسها قناعها يريها أنها قد حرمت عليه، وإذا أراد مراجعتها كشف القناع عنها يرى أنها قد حلت " ونحو ذلك في كتاب المقنع لابنه، وهذا القول قد جعله الشيخ وابن البراج رواية، وكذلك المحقق في النافع أسنده إلى الرواية. قال السيد السند في شرح النافع: ولم نقف عليها في شئ من الاصول. نعم روي الكليني (2) عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) " أنه قال: طلاق الاخرس أن يأخذ مقنعتها فيضعها على رأسها ويعتزلها " ونسب هذا القول في الشرائع إلى الشذوذ.


(1) الفقيه ج 3 ص 333 ذيب ح 1 وفيه " يرى أنها قد حرمت عليه ". (2) الكافي ج 6 ص 128 ح 3، التهذيب ج 8 ص 92 ح 233 وفيه " عن على بن أبى حمزة " مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 3.

[ 363 ]

ويقرب في البال أن العبارة المنقولة عن الشيخ علي بن بابويه مأخوذة من كتاب الفقه الرضوي (1) على النهج الذي قد عرفت في غير موضع، إلا أن كتاب الفقه الرضوي الذي عندي لا يخلو من غلط وسقط في هذا المكان، فإنه (عليه السلام) عد طلاق الاخرس في أفراد الطلاق التي ذكرها في أول الباب وفي مقام التفصيل، وبيان كل فرد فرد من تلك الافراد لم يتعرض لطلاق الاخرس بالكلية، فليلاحظ ذلك من نسخة اخرى. وكيف كان فينبغي حمل ذلك على ما إذا فهم من ذلك الطلاق والرجعة، فيرجع إلى ما هو المشهور، لان ذلك من جملة إشاراته المعتبرة في ذلك. السادس: الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب في أنه إذا ادعت الزوجة انقضاء العدة بالحيض في زمان يمكن فيه ذلك - وأقله ستة وعشرون يوما ولحظتان (2) كما سيجئ إن شاء الله تعالى - كان قولها مقبولا في ذلك. ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام (3) في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: الحيض والعدة إلى النساء إذا ادعت صدقت ". وما رواه الشيخ (4) في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) " قال: العدة والحيض إلى النساء " روى أمين الاسلام الفضل بن الحسن الطبرسي (5) عن الصادق (عليه السلام) في قوله


(1) فقه الرضا ص 248. (2) وتوضيحه بأن يطلق وقد بقى من الطهر لحظة، ثم تحيض أقل الحيض ثلاثة أيام، ثم تطهر أقل الطهر عشرة، ثم تحيض أيضا ثلاثة أيام، ثم تطهر عشرة، ثم تدخل في الحيض بلحظة، وبذلك يحصل القدر المذكور وتخرج من العدة. (منه - قدس سره -). (3) و (4) الكافي ج 6 ص 101 ح 1، التهذيب ج 8 ص 165 ح 174، الوسائل ج 15 ص 441 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير. (5) تفسير مجمع البيان ج 2 ص 326، الوسائل ج 15 ص 441 ب 24 ح 2.

[ 364 ]

تعالى " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " قال: قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء الحيض والطهر والحمل ". وجملة من الاصحاب قد استدلوا بالآية المذكورة بتقريب أنه لو لا قبول قولهن في ذلك لم يؤتمن في الكتمان، وإطلاق النصوص المذكورة يقتضي عدم الفرق بين دعوى المعتاد وغيره. وأما ما رواه الصدوق في الفقه (1) مرسلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " أنه قال في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض أنه يسأل نسوة من بطانتها هل كان حيضها فيما مضى على ما ادعت ؟ فإن شهدت صدقت وإلا فهي كاذبة " فقد حمله الشيخ في كتابي الاخبار على المتهمة جمعا بين الاخبار، وهو جيد لما تقدم قريبا من الاخبار المؤيدة لهذه الاخبار الدالة على قبول قولها في أمثال هذه الامور. وأما ما قربه الشهيد في اللمعة (2) من أنه لا يقبل من المرأة دعوى غير المعتاد إلا بشهادة أربع من النساء المطلعات على باطن أمرها، وادعى أن ذلك ظاهر الروايات فلا أعرف له وجها، إذ ليس سوى رواية السكوني المذكورة مع معارضتها بما هو أكثر عددا وأصح سندا وأصرح دلالة، فيتعين حملها على المتهمة كما ذكره الشيخ. هذا كله فيما إذا لم يكن لها مقابل في دعواها ولا منازع فإنه يقبل قولها - بغير يمين ويجوز لها التزويج، أما لو أنكر الزوج ما ادعته من الخروج من العدة فإنه يتوجه عليها اليمين وتخرج المسألة عما نحن فيه كما تقدمت الاشارة إليه.


(1) الفقيه ج 1 ص 100 ح 207 طبع مكتبة الصدوق، التهذيب ج 8 ص 166 ح 175 عن السكوني، الوسائل ج 2 ص 596 ب 47 ح 3 عن اسماعيل بن أبى زياد، وما في المصادر اختلاف يسير. (2) حيث قال في الكتاب المذكور [ اللمعة الدمشقية ص 209 وشرح اللمعة ج 2 ص 135 ]: وظاهر الروايات أنه لا يقبل منها غير المعتاد الا بشهادة أربع من النساء المطلعات على باطن أمرها. وهو قريب، انتهى. (منه - قدس سره -).

[ 365 ]

قال في شرح النافع بعد أن ذكر نحو ذلك: وهو مقطوع به في كلام الاصحاب، ولو ادعت المرأة انقضاء العدة بالاشهر فالظاهر أنه إن لم يكن لها مقابل ولا راد لدعواها فإنه يقبل قولها عملا بالاخبار المتقدمة، وإن أنكر الزوج ذلك فإنه لا يقبل قولها، والقول قول الزوج بيمينه كما ذكره الاصحاب أيضا. قال في المسالك: لان هذا الاختلاف راجع في الحقيقة إلى وقت الطلاق، والقول قوله فيه كما تقدم قوله في أصله، ولانه مع دعوى بقاء العدة يدعي تأخر الطلاق، والاصل فيه معه لاصالة عدم تقدمه في الوقت الذى تدعيه. انتهى. ولو كانت من ذوات الحمل فادعت وضعه قال في المسالك: صدقت أيضا بيمينها مع إمكانه لما تقدم، ويختلف الامكان بحسب دعواها، فإن ادعت ولادة ولد تام فأقل مدة تصدق فيها ستة أشهر ولحظتان من يوم النكاح، لحظة لامكان الوطئ ولحظة للولادة، فإن ادعت أقل من ذلك لم تصدق، وإن ادعت سقطا مصورا أو مضغة أو علقة اعتبر إمكانه عادة. وربما قيل: إنه مائة وعشرون يوما ولحظتان في الاول، وثمانون يوما ولحظتان في الثاني، وأربعون ولحظتان في الثالث، لقوله صلى الله عليه وآله (1) " يجمع أحدكم في بطن امه أربعون يوما نطفة، وأربعون يوما علقة، وأربعون يوما مضغة، ثم ينفخ فيه الروح " وحيث قدم قولها في ذلك لم تكلف إحضار الولد لعموم الادلة وجواز موته وتعذر إحضاره، انتهى. أقول: لا يخفى أن ظاهر الاخبار المتقدمة الدالة على أنها مصدقة في العدة هو شمول العدة لجميع أفرادها من كونها بالحيض أو الاشهر أو وضع الحمل، وحينئذ فلا وجه لاشتراط اليمين هنا في تصديقها دون الفردين المتقدمين، وطلب اليمين


(1) وقريب منه ما جاء في الوسائل ج 19 ص 240 ب 19 ح 8 و 9، والبحار عن النبي صلى الله عليه وآله ج 60 ص 360 ح 49، وجاء لفظ الحديث مع اختلاف يسير في صحيح مسلم بشرح النوري ج 16 ص 189 كتاب القدر ح 1.

[ 366 ]

منها إنما هو في مقام ظهور منازع فيما ادعته كما تقدم، سواء كان في هذا الموضع وغيره، وأما مع عدمه فقضية الاخبار المذكورة قبول قولها من غير يمين. بقي التقييد بإمكانه وهو مما لا بأس به، في هذا الموضع وما تقدم أيضا. وأما ما نقله من الخبر النبوي فيما إذا ادعت سقطا كاملا أو مضغة أو علقة، وأن الخبر المذكور دليل للقول الذي نقله ففيه أن الظاهر أن الخبر المذكور ليس من طريقنا لعدم وجوده في أخبارنا، إلا أن نظيره مما ورد بمعناه قد ورد في الاخبار عنهم (عليهم السلام)، والظاهر أنه لم يخطر بباله يومئذ وإلا لنقله واستدل به، بل رجح هذا القول على ما ذكره أولا لدلالتها عليه. فمن الاخبار الدالة على ذلك ما رواه في الكافي (1) في الموثق عن الحسن بن الجهم " قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر (عليهما السلام): إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلاقين " الخبر. وعن زرارة (2) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: " فتصل النطفة إلى الرحم فتردد فيه أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما " الحديث. وفي رواية محمد بن إسماعيل (3) أو غيره عن أبي جعفر (عليهما السلام) قال فيها " فإنه أربعين ليلة نطفة وأربعين ليلة علقة وأربعين ليلة مضغة، فذلك تمام أربعة أشهر، ثم يبعث الله ملكين خلاقين " الخبر. وبذلك يظهر لك رجحان القول المذكور لدلالة هذه الاخبار الصحيحة الصريحة عليه دون ما ذكره أولا.


(1) الكافي ج 6 ص 13 ح 3. (2) الكافي ج 6 ص 13 ح 4 وفيه " فتردد فيه أربعين يوما ثم تصير علقه أربعين يوما ثم تصير.. ". (3) الكافي ج 6 ص 16 ح 6.

[ 367 ]

فرع قالوا: إذا ادعت الحمل فأنكر الزوج وأحضرت ولدا فأنكر ولادتها له فالقول قوله لامكان إقامة البينة بالولادة. أقول: الفرق بين هذا الحكم وما تقدم من تقديم قولها في الوضع هو الاتفاق ثمة على الحمل وأنه من الزوج وإنما الاختلاف في الولادة، ولاريب أن المرجع إليها في ذلك للآية والرواية. وأما هنا فإن الزوج ينكر الحمل فضلا عن وضعه، فالقول قوله بيمينه لاصالة عدم الحمل، ولا فرق بين أن تحضر ولدا أو تدعي ولادته، فلا يلحق به بمجرد دعواها لجواز التقاطها له، وإنما يلزمه الاعتراف بما علم ولادته على فراشه لاماتدعي المرأة ولادته كذلك، وحينئذ فلا يحكم بانقضاء العدة بذلك بل يفتقر إلى مضي عدة بالاقراء أو الاشهر فيرجع إليها فيها وإن كذبت في الاخر. السابع: لو ادعى الزوج بعد انقضاء العدة أو بعد أن تزوجت أنه قد رجع فيها في العدة، قال في المسالك: نظر، فإن أقام الاول عليها بينة فهي زوجته سواء دخل بها الثاني أولم يدخل، ويجب لها مهر المثل على الثاني إن دخل بها، وإن لم يكن بينة وأراد التحليف سمعت دعواه على كل منهما. ثم ساق الكلام في صورة الدعوى على الزوجة وما في المسألة من الشقوق وصورة الدعوى على الزوج الثاني وما يترتب على ذلك. قال شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني في أجوبة المسائل الحسنية: إذا طلقها ورجع وأشهد على الرجعة وأقام بينة شرعية بذلك حكم له بها وإن تزوجت عند الاصحاب كما يستفاد من كلامهم، وممن صرح بذلك شيخنا الشهيد الثاني - ثم قال بعد نقل كلام شيخنا الشهيد الثاني رحمة الله عليه بتمامه - ما لفظه: وفي الكل إشكال لعدم الظفر بنص في ذلك كله إلا أن أصل

[ 368 ]

المسألة ليس بموضع إشكال عندهم كما يعرف من كلامهم، وإن كان عندي أيضا فيها توقف، وهذه هي المسألة التي وقع النزاع فيها بين الشيخ الثقة الجليل زين الدين علي بن سليمان القدمي البحراني والشيخ أحمد ابن الشيخ محمد بن علي بن يوسف بن سعيد المشاعي الاصبعي، وقد حكم الشيخ أحمد بقبول الدعوى مع قبول البينة، وألحقها بالاول ومنع الثاني، وخالفه الشيخ علي وحكم بها للثاني ولم يسمع دعوى الاول احتجاجا بأن الرجوع لابد فيه من الاعلام في العدة، والنكاح قد وقع صحيحا مطابقا للشرع، فلا يكفي الرجوع الذي لم يحصل العلم به إلا بعد التزويج، واستفتيا فيها فقهاء العصر وكتبا فيها إلى سائر البلدان كشيراز واصفهان، فصححوا كلام الشيخ أحمد وخطأوا الشيخ عليا، والحق أن هذا هو ظاهر كلام الاصحاب لانهم لم يشترطوا عليه السلام في صحة الرجوع الاعلام، وليس هو من باب عزل الوكيل - كما يجئ بيانه - وإن كان لي فيها تأمل لعدم النص الصريح في المسألة، انتهى كلامه. أقول: لاريب أن ظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على القول بأنه يملك رجعتها متى رجع في العدة وإن لم يبلغها الخبر، وأنه بالاشهاد على الرجعة يسترد نكاحها لو نكحت غيره مع عدم بلوغها الخبر. قال في المسالك: الرابع: أن يقع النزاع بعد ما نكحت، ثم جاء الاول فادعى الرجعة سواء كان عذر هما في النكاح لجهلهما بالرجعة أم نسبتهما إلى الخيانة والتلبيس نظر، فإن أقام عليها بينة.. إلى آخر ما تقدم. وقال العلامة في القواعد ولا يشترط علم الزوجة في الرجعة ولارضاها، فلو لم تعلم وتزوجت ردت إليه، وإن دخل الثاني بعد العدة ولا يكون الثاني أحق بها. انتهى، وعبارته وإن كانت مطلقة بالنسبة إلى ثبوت الرجعة وعدمه إلا أن مراده بعد الثبوت بالشهادة لما صرح به قبيل هذا الكلام من قوله " ويستحب الاشهاد " وليس شرطا، لكن لوادعى بعد العدة وقوعها فيها لم تقبل دعواها إلا بالبينة.

[ 369 ]

وقال في التحرير: ولا يشترط في صحة الرجعة إعلام الزوجة ولا الشهادة بها، فلو راجعها بشهادة اثنين وهو غائب في العدة صحت الرجعة، فإن تزوجت حينئذ كان فاسدا سواء دخل الثاني أولا، ولا مهر على الثاني مع عدم الدخول ولا عدة، ومع الدخول المهر والعدة، وترجع إلى الاول بعدها. إلى غير ذلك من عباراتهم التي يقف عليها المتتبع. والعجب من شيخنا المحدث الصالح المتقدم ذكره في إنكار النصوص على ما ذهب إليه الاصحاب لعدم اطلاعه عليها في هذا الباب مع أنها موجودة مكشوفة القناع واجبة الاتباع، وكذا ظاهر ما نقله عن الشيخين الجليلين في القضية التي نقلها والاستفتاء في المسألة إلى البلدان، مع أن أخبارها واضحة البيان فيما ذكره علماؤنا الاعلام. والذي وقفت عليه من ذلك ما رواه في الكافي (1) بسند صحيح إلى المرزبان " قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: اعتدي فقد خليت سبيلك، ثم أشهد على رجعتها بعد أيام ثم غاب عنها قبل أن يجامعها حتى مضت لذلك شهر بعد العدة أو أكثر، فكيف تأمره ؟ فقال: إذا أشهد على رجعتة فهي زوجته ". أقول: ظاهر هذه الرواية كما ترى واضحة الدلالة على أنه بمجرد الاشهاد على الرجعة في العدة تثبت الزوجية كما هو المشهور بلغها الخبر أولم يبلغها، تزوجت بعد العدة لعدم بلوغ الخبر أو لم تتزوج، وليس في سند هذا الخبر من ربما يتوقف في شأنه سوى المرزبان، وهو ابن عمران بن عبد الله، وقد ذكر النجاشي (2) أن له كتابا وهو مؤذن بكونه من أصحاب الاصول، وروى الكشي (3) حديثا يشعر بحسن


(1) الكافي ج 6 ص 74 ح 2، التهذيب ج 8 ص 43 ح 49، الوسائل ج 15 ص 373 ب 15 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير. (2) رجال النجاشي ص 423 تحت رقم 1134 طبع مؤسسة النشر الاسلامي - قم. (3) رجال الكشى ص 426 تحت رقم 366.

[ 370 ]

حاله، ولهذا عد شيخنا المجلسي في الوجيزة حديثه في الحسن. وما رواه في الكافي (1) عن الحسن بن صالح " قال: سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن رجل طلق امرأته وهو غائب في بلدة اخرى وأشهد على طلاقها رجلين ثم إنه راجعها قبل انقضاء العدة وقد تزوجت، فأرسل إليها: إني كنت قد راجعتك قبل انقضاء العدة ولم اشهد، قال: لا سبيل له عليها، لانه قد أقر بالطلاق وادعى الرجعة بغير بينة فلا سبيل له عليها، ولذلك ينبغي لمن طلق أن يشهد، ولمن راجع أن يشهد على الرجعة كما أشهد على الطلاق، وإن كان قد أدركها قبل أن تزوج كان خاطبا من الخطاب ". والتقريب فيها أن قوله " وادعى الرجعة بغير بينة فلا سبيل له عليها " يدل بمفهومه على أنه لو كان له بينة على الرجعة كان له سبيل عليها مؤكدا ذلك بالامر لمن راجع أن يشهد على الرجعة كما يشهد على الطلاق حتى يثبت الزوجية في الاول كما ينبغي في الثاني. وما رواه الشيخ (2) عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي (عليه السلام) " في رجل أظهر طلاق امرأته وأشهد عليه وأسر رجعتها ثم خرج، فلما رجع وجدها قد تزوجت، قال: لا حق له عليها من أجل أنه أسر رجعتها وأظهر طلاقها " والتقربب فيه كما في سابقه. ويؤيد ذلك أيضا إطلاق جملة من الاخبار مثل قول أبي جعفر (عليهما السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (3) " وأن الرجعة بغير شهود رجعة، ولكن ليشهد بعد فهو أفضل " وقوله (عليه السلام) أيضا في حديث آخر لمحمد بن مسلم (4) " وإن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تنقضي أقراؤها " وفي ثالث لمحمد بن مسلم (5) أيضا


(1) الكافي ج 6 ص 80 ح 4، الوسائل ج 15 ص 373 ب 15 ح 3 وفيهما اختلاف يسير. (2) التهذيب ج 8 ص 44 ح 55، الوسائل ج 15 ص 374 ب 15 ح 5 وفيهما " عن آبائه عن على ". (3) التهذيب ج 8 ص 42 ح 47، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 3. (4) و (5) الكافي ج 6 ص 64 و 73 ح 1 و 4، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 4 و 6.

[ 371 ]

عنه (عليه السلام) " وقد سئل عن رجل طلق امرأته واحدة ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها ولم يشهد على رجعتها، قال: هي امرأته ما لم تنقض العدة، وقد كان بنبغي له أن يشهد على رجعتها فإن جهل ذلك فليشهد حين علم، ولا أرى بالذي صنع بأسا " الحديث. إلى غير ذلك مما هو على هذا المنوال، فهي كما ترى شاملة بإطلاقها لما لو علمت المرأة أو لم تعلم، تزوجت أو لم تزوج، فإنها بمجرد الرجعة في العدة تكون زوجته شرعا واقعا، وإنما الاشهاد على ذلك لدفع النزاع وثبوت الزوجية في الظاهر، فلو فرضت أن الزوجة صدقته ووافقته على دعواه قبل التزويج بغيره صح نكاحه لها، فتوقف شيخنا المحدث الصالح - رحمة الله عليه - في المسألة لعدم النص عجيب، وأعجب منه حكم شيخنا قدوة المحدثين ورئيس المحققين الشيخ علي بن سليمان المتقدم ذكره بعدم صحة الرجعة لعدم بلوغ الخبر لها في العدة لما ذكره من التعليل في مقابلة الاخبار المذكورة، وإن أمكن أن يقال: إنه لاريب أن ما ذكره من التعليل المذكور قوي متين لان الاحكام الشرعية لم تبن على ما في نفس الامر والواقع، والنكاح الذي وقع أخيرا وقع صحيحا بحسب ظاهر الشرع، وإبطاله بمخالفة ما في نفس الامر مشكل لما ذكرناه، إلا أنه لما دلت الاخبار المذكورة على خلافه وجب الخروج عنه. ولكن يؤيد ما ذكره شيخنا المذكور بل يدل على ذلك صريحا ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن الذي لا يقصر عن الصحيح بإبراهيم بن هاشم عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليهما السلام) " أنه قال في رجل طلق امرأته وأشهد شاهدين، ثم أشهد على رجعتها سرا منها واستكتم الشهود فلم تعلم المرأة بالرجعة حتى انقضت عدتها، قال: تخير المرأة، فإن شاءت زوجها وإن شاءت غير ذلك، وإن تزوجت قبل أن تعلم بالرجعة التي أشهد عليها زوجها فليس للذي طلقها عليها


(1) الكافي ج 6 ص 75 ح 3، الوسائل ج 15 ص 373 ب 15 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

[ 372 ]

سبيل، وزوجها الاخير أحق بها ". وهي كما ترى صريحة فيما ذهب إليه شيخنا الشيخ علي المذكور، ولعل اعتماده فيما ذهب إليه إنما كان على هذه الرواية سيما مع صحتها وصراحتها وضعف ما يقابلها وإن لم ينقل ذلك عنه في الحكاية المتقدمة، فإن الشيخ المذكور في الاطلاع على الاخبار وما اشتملت عليه من الاسرار كان ممن لا ثاني له، ولهذا اشتهر في بلاد العجم تسميته بام الحديث في وقته، وبذلك يظهر لك بقاء المسألة في قالب الاشكال. وفي بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا المجلسي المولى محمد باقر على هذا الخبر ما صورته: ظاهره اشتراط علم الزوجة في تحقق الرجعة، ولم أر به قائلا ويمكن حمله على ما إذا لم يثبت بالشهود، وهو بعيد، انتهى. وأصحابنا لم يتعرضوا للكلام في هذه الاخبار، أما في كتب الاستدلال كالمسالك ونحوه فإنهم لم يتعرضوا لنقل شئ من الروايات بالكلية وإنما ذكروا الحكم المذكور مسلما بينهم من غير استدلال، كأنه من قبيل المجمع عليه بينهم، وفي كتب الاخبار لم يتعرضوا لهذا الاختلاف الظاهر بين روايات المسألة، وربما أشعر سكوتهم عن ذلك بأن الحكم المذكور اتفاقي نصا وفتوى، والحال كما عرفت، فإنه وإن كان ظاهر الفتوى ذلك إلا أن النصوص كما رأيت ظاهرة الاختلاف، والصحيحة المذكورة صريحة الدلالة في المخالفة لما تقدمها من الاخبار، ولا يحضرني الان مذهب العامة في هذه المسألة، فلعل الصحيحة المذكورة من حيث الاتفاق على خلاف ما دلت عليه إنما خرجت مخرج التقية. وفي كتاب سليم بن قيس (1) وهو أحد الاصول المشهورة والكتب المأثورة المعتمد عليها عند محققي أصحابنا كما صرح به شيخنا المجلسي - رحمه الله - في


(1) سليم بن قيس الكوفى طبع دار الكتب الاسلامية ص 139، البحار ج 104 ص 158 ح 81 فيهما " أبا كنف " مع اختلاف يسير.

[ 373 ]

كتاب البحار في رواية له عن علي (عليه السلام) يذكر فيها بدع عمر وإحداثه، قال (عليه السلام): وأعجب من ذلك أن أبا كيف العبدي أتاه فقال: إني طلقت امرأتي وأنا غائب فوصل إليها الطلاق، ثم راجعتها وهي في عدتها، وكتبت إليها فلم يصل الكتاب حتى تزوجت، فكتب إليه: إن كان هذا الذي تزوجها دخل بها فهي امرأته، وإن كان لم يدخل بها فهي امرأتك، وكتب له ذلك وأنا شاهد ولم يشاورني ولم يسألني ويري استغناءه بعلمه عني، فأردت أن أنهاه، ثم قلت: ما ابالي أن يفضحه الله، ثم لم تعبه الناس بل استحسنوه واتخذوه سنة وقبوله ورأوه صوابا وذلك قضاء لا يقضي به مجنون " الحديث وهو كما تري غير خال من شوب الاشكال لما تضمنه من الاجمال، ووجه البطلان في قضائه الذي نفاه عليه أن هذا التفصيل لا وجه له، لان جواز الدخول وعدمه تابع لصحة التزويج وعدمها وفرع عليها، فإن كان التزويج صحيحا فلا معنى لكونها زوجة الاول مع عدم الدخول، وإن كان باطلا فلا وجه لكونها زوجة الثاني مع الدخول لما عرفت من التبعية والفرعية، وجهل الرجل المذكور أكثر من تحويه (1) السطور أو يقوم به مداد البحور، واعترافه في غير مقام غير منكور، والله العالم. بقي الكلام فيما لم يكن ثمة بينة، وقد فصل الكلام في ذلك شيخنا في المسالك بما لم يسلكه قبله سالك، قال - رحمه الله -: وإن لم يكن بينة وأراد التحليف سمعت دعواه على كل منهما، فإن ادعى عليها فأقرت له بالرجعة لم يقبل إقرارها على الثاني، وفي غرمها للاول مهر المثل لتفويت البضع عليه قولان، تقدم البحث فيهما في النكاح، وإن أنكرت فهل تحلف ؟ فيه وجهان مبنيان على أنها هل تغرم له لو أقرت أم لا ؟ فإن لم نقل بالغرم فلا وجه لتحليفه، لان الغرض منه الحمل على الاقرار ولا فائدة فيه، فإن قلنا بالتحليف فحلفت سقط دعوى الزوج، وإن نكلت حلف وغرمها مهر المثل ولا يحكم ببطلان النكاح الثاني، وإن


(1) هكذا، والصحيح " من أن تحويه ".

[ 374 ]

جعلنا اليمين المردودة كالبينة لانها إنما يكون كذلك في حق المتداعيين خاصة. وربما احتمل بطلان النكاح على هذا التقدير لذلك، وهو ضعيف، فإذا انقطعت الخصومة معها بقيت على الزوج الثاني، ثم إن أنكر صدق بيمينه، لان العدة قد انقضت والنكاح وقع صحيحا في الظاهر، والاصل عدم الرجعة، وإن نكل ردت اليمين على المدعي، فإن حلف حكم بارتفاع النكاح الثاني، ولا تصير المرأة للاول بيمينه. ثم إن قلنا: إن اليمين المردودة كالبينة، فكأنه لم يكن بينها وبين الثاني نكاح فلاشئ لها عليه إلا مهر المثل مع الدخول، وإن قلنا إنها كالاقرار، وإقراره عليها غير مقبول، ولها كمال المسمى إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبل، والاقوى ثبوت المسمى كملا مطلقا، وإن جعلناها كالبينة لما ذكرناه من أنها إنما يكون كالبينة في حق المتنازعين خاصة، وإذا انقطعت الخصومة بينهما فله الدعوى على المرأة إن لم يكن سبق بها، ثم ينظر إن بقي النكاح الثاني، فإن حلف فالحكم كما ذكر فيما إذا بدأ بها، وإن لم يبق بأن أقر الثاني للاول بالرجعة أو نكل فحلف الاول فإن أقرت المرأة سلمت إليه، وإلا فهي المصدقة باليمين، فإن نكلت وحلف المدعي سلمت إليه، ولها على الثاني مهر المثل إن جرى دخول، وإلا فلا شئ عليه كما لو أقرت بالرجعة، وكل موضع قلنا لا تسلم المرأة إلى الاول لحق الثاني، وذلك عند إقرارها أو نكولها أو يمين الاول، فإذا زال حق الثاني بموت أو غيره سلمت إلى الاول، كما لو أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه فإنه يحكم عليه بحريته، انتهى. أقول: لا يخفى أن جملة من هذه الاحكام يمكن استنباطه من الرجوع إلى القواعد المقررة والضوابط المشتهرة، وجملة منها لا تخلو من الاشكال لما عرفت من تعدد الاحتمالات، والاحتياط في أمثال ذلك مطلوب على كل حال.

[ 375 ]

تذنيب إذا ادعى أنه راجع زوجته الامة في العدة فصدقته وأنكر المولى وادعى خروجها قبل الرجعة فلا خلاف في أن القول قول الزوج، إنما الخلاف في أنه هل يقبل قوله من غير يمين أم لابد من اليمين ؟ المنقول من الشيخ الاول، استنادا إلى أن الرجعة تفيد استبحاة البضع، وهو حق يتعلق بالزوجين فقط، فمع مصادقة الزوجة على صحة الرجعة ووقوعها شرعا لا يلتفت إلى رضا المولى، ولا موجب لليمين على الزوج، لان اليمين إن كانت للمرأة فهي قد صدقته فلا يمين في البين، وإن كان للمولى فقد عرفت أن رضاه غير معتبر. وتردد المحقق في ذلك ووجهه الشارح في المسالك بأن حق المولى إنما يسقط زمن الزوجية لا مع زوالها، وهو الآن يدعي عود حقه والزوج ينكره فيتوجه اليمين، قال: وبهذا يظهر منع تعلق الحق بالزوجين فقط، فإن ذلك إنما هو في زمن الزوجية، إذا قبلها الحق منحصر في المولى وكذا بعدها، والنزاع هنا في ذلك، فالقول باليمين أجود بل يحتمل تقديم قول المولى لقيامه في ذلك مقام الزوجة، وقولها مقدم على الوجه المتقدم، فلا أقل من اليمين على الزوج، انتهى. أقول: والحكم لكونه خاليا من النص موضع توقف وإشكال، كما عرفت في أمثاله الجارية على هذا المنوال، والاعتماد على هذه التعليلات العليلة مجازفة في أحكام الملك المتعال. الحاق فيه اشقاق قد جرت عادة جملة من الاصحاب بذكر الحيل الشرعية في هذا المقام، قال المحقق في الشرائع: يجوز التوصل بالحيل الشرعية المباحة دون المحرمة في إسقاط ما لولا الحيلة لثبت، ولو توصل بالمحرمة أثم وتمت الحيلة.

[ 376 ]

قال شيخنا في المسالك بعد ذكر ذلك: هذا باب واسع في جميع أبواب الفقه، والغرض منه التوصل إلى تحصيل أسباب تترتب عليها أحكام شرعية، وتلك الاسباب قد تكون محللة وقد تكون محرمة، والغرض من تعليم الفقيه الاسباب المباحة، فأما المحرمة فيذكرونها بالفرض ليعلم حكمها على تقدير وقوعها، انتهى. أقول: لاريب أن جملة من الحيل المشار إليها قد دلت عليها الاخبار بالخصوص، وجملة منها وإن لم تدل عليه النصوص إلا أنها موافقة لمقتضى القواعد المتفق عليها بينهم. (ومنها) ما هو باطل، وإن توهم كونه حيلة شرعية موجبة لتحليل ما اريد منها كما سيظهر لك إن شاء الله، إلا أن العمل على ما لم يوجد فيه نص بالخصوص على الاطلاق لا يخلو من إشكال لما يظهر مما حكاه الله تعالى في كتابه عن اليهود في قضية الاصطياد الذي نهوا عنه يوم السبت، وأنه عزوجل مسخهم قردة بما عملوه من الحيلة في ذلك. ففي تفسير الامام العسكري (عليه السلام) (1) عند قوله تعالى في سورة البقرة " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " (2) قال: " قال علي بن الحسين (عليهما السلام): كان هؤلاء قوما يسكنون على شاطئ بحر فنهاهم الله وأنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا بها لانفسهم ما حرم الله، فخدوا أخاديد وعملوا طرقا تؤدي إلى حياض يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق، ولا يتهيأ لها الخروج إذا همت بالرجوع، فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان لها فدخلت الاخاديد وحصلت في الحياض والغدران، فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن من صائدها فرامت الرجوع فلم تقدر، وبقيت ليلتها في مكان يتهيأ اخذها بلا اصطياد لاسترسالها


(1) تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السلام) ص 136 مع اختلاف يسير. (2) سورة البقرة - آية 65.

[ 377 ]

فيه وعجزها عن الامتناع لمنع المكان لها، وكانوا يأخذون يوم الاحد ويقولون: ما اصطدنا في السبت وإنما اصطدنا في الاحد، وكذب أعداء الله بل كانوا آخذين بها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت حتى كثر من ذلك مالهم " الحديث. ويظهر من المحقق الاردبيلى - رحمة الله عليه - التوقف في استعمال هذه الحيل، ولو كانت بحسب الظاهر جارية على نهج القوانين الشرعية، ذكر ذلك في غير موضع من شرحه على كتاب الارشاد، منها في باب الربا حيث قال - في تمثيل المصنف بقوله: مثل إن أراد بيع قفيز حنطة بقفيز (1) من شعير أو الجيد بالرديين وغير ذلك - ما لفظه: يبيع المساوي بالمساوي قدرا ويستوهب الزائد، وهو ظاهر لو حصل القصد في البيع والهبة، وينبغي الاجتناب عن الحيل مهما أمكن، وإذا اضطر يستعمل ما ينجيه عند الله، ولا ينظر إلى الحيل وصورة جوازها ظاهرا، لما عرف من علة تحريم الربا، وكأنه إلى ذلك أشار في التذكرة بقوله: لو دعت الضرورة إلى بيع الربوياب مستفضلا مع اتحاد الجنس.. إلخ، انتهى كلامه رحمة الله عليه. ومحصله: أن الفقهاء قد ذكروا جملة من الحيل الموجبة للخروج من الربا كما قدمنا ذكره في كتاب البيع، ومنها ما ذكر هنا، وهو أن يبيعه المساوي ويهب له الزائد، وظاهر المحقق المذكور التوقف في ذلك من حيث عدم القصد إلى الهبة، وإنما الغرض منها التوصل إلى تحليل ما حرم الله تعالى بالحيل إلا ما ورد به النص وإلا فما ذكره من أن القصد لم يكن للهبة من حيث هي وإنما القصد إلى تحليل الربا يمكن خدشه بأنه لا تشترط قصد جميع الغايات المترتبة على ذلك العقد، بل يكفي قصد غاية صحيحة من غاياته كما صرح به شيخنا في المسالك وتبعه من تأخر عنه في ذلك حيث قال ونعم ما قال: ولا يقدح في ذلك كون هذه الامور غير مقصودة بالذات، والعقود تابعة


(1) في شرح الارشاد " بقفيزين ".

[ 378 ]

للقصود، لان قصد التخلص من الربا إنما يتم مع القصد إلى بيع صحيح أو قرض أو غيرهما من الانواع المذكورة وذلك كاف في القصد، إذ لا يشترط في القصد إلى عقد قصد جميع الغايات المترتبة عليه، بل يكفي قصد غاية صحيحة من غاياته فإن من أراد شراء دار مثلا ليؤاجرها ويكتسب بها فإن ذلك كاف في الصحة، وإن كان لشراء الدار غايات اخر أقوى من هذه وأظهر في نظر العقلاء، وكذا القول في غير ذلك من أفراد العقود، وقد ورد في أخبار كثيرة يدل على جواز الحيلة على نحو ذلك، انتهى. والواجب هنا ذكر جملة مما خطر بالبال من الانواع التي توصل إلى تحليلها بالاحتيال والتمييز بين صحيحها وفاسدها زيادة على ما تقدم سيما في باب الربا من كتاب البيع وكتاب الشفعة. (ومنها) ما اشتهر في هذه الاوقات من أنه إذا كان في ذمة الرجل ألف درهم من وجه الخمس أو الزكاة فإنه يبيع سلعة قيمتها مائة درهم على فقير بألف درهم ثم يحتسب عليه الثمن بما في ذمته من وجه الخمس أو الزكاة، وهذا البيع بحسب القواعد الشرعية صحيح إذا وقع بالتراضي من الطرفين ومعرفة المبيع من الجانبين، ولكن إذا نظرت إلى الواقع وأنه لم يدفع في الحقيقة من تلك الالف إلا مائة درهم خاصة حصل الاشكال في حصول البراءة من الزائد بهذه الحيلة، وكانت قريبة من حيلة اليهود في إسقاط ما حرم الله عليهم. ولا يبعد أن يقال إن الذمة مشغولة بهذا المبلغ بيقين، ولا تبرأ إلا بيقين دفعه كملا، وحصول الدفع بهذه الحيلة غير معلوم يقينا على أنه يمكن أن يقال: إن في صحة هذا البيع إشكالا، لانه وإن صح البيع في أمثاله بزيادة على الثمن الواقعي أضعافا مضاعفة إلا أنه مخصوص بقصد المشتري إلى دفع الثمن ورضاه بالمبيع بهذا الثمن، وفيما نحن فيه ليس كذلك، فإن المشتري إنما رضي بالشراء بهذا الثمن من حيث علمه بأنه لا يؤخذ منه، وإلا فمن المجزوم به أنه لا يرضى بدفع هذا الثمن في مقابلة هذا المبيع اليسير كما هو المفروض.

[ 379 ]

وبالجملة فإنه من الظاهر أن المشتري لم يقصد دفع الثمن، مع أن الثمن أحد أركان المبيع كما تقدم في كتاب البيع فهو في قوة أنه اشترى بلا ثمن، ولا خلاف في بطلانه لما عرفت. وكيف كان فالجزم ببراءة الذمة عندي في هذه الصورة محل توقف وإشكال. (ومنها) ما لو خافت المرأة من تزويج زوجها بامرأة معينة فحملت ولدها على أن يتزوج بها قبل أبيه، أو أمة يريد شراءها الاب فاشتراها الابن، أو حملت الام ابنها على الزنا بتلك المرأة التي يريد أبوه تزويجها أو الامة التى يريد شراءها بناء على نشر الحرمة بالزنا، فإنه وإن أثم من حيث حرمة الزنا إلا أن الحيلة تحصل به. (ومنها) ولو كرهت المرأة زوجها و أرادت انفساخ العقد بينهما فارتدت انفسخ النكاح وبانت منه إن كان قبل الدخول، ولو كان بعده توقف البينونة على انقضاء العدة قبل رجوعها، فإن اخرت إلى انقضائها بانت منه، فإذا رجعت بعد ذلك إلى الاسلام قبل وتمت الحيلة، كذا ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، ولا يخلو من إشكال، فإن مقتضى هذا الكلام أن إظهار الارتداد لم يقع عن تغير في الاعتقاد للاسلام واعتقاد الكفر، والكفر الموجب للفسخ إنما مناطه الاعتقاد لا مجرد الاظهار، ومجرد الاظهار إنما يوجب الفسق لا الكفر. وبالجملة فإنه لا يظهر في صحة هذه الحيلة على وجه ينفسخ بها النكاح إذ مرجعها إلى إظهار الكفر من غير زوال اعتقاد الاسلام وهو غير موجب للارتداد شرعا. (ومنها) ما عدوه في هذا الباب من الحيل المبيحة (1) لنكاح جماعة امرأة في


(1) أقول: قال في المختلف [ مختلف الشيعة ص 620 ]: قال الشيخ في الخلاف: إذا تزوج امرأة ثم خلعها ثم تزوجها وطلقها قبل الدخول بها لاعده عليها. وقال في المبسوط: إذا خلعها ثم تزوجها ثم طلقها ثم راجعها ثم خالعها قبل الدخول قال قوم تبنى، وقال آخرون =

[ 380 ]

يوم واحد بأن يتزوجها أحدهم ويدخل بها ثم يطلقها، ثم يتزوجها ثانية ويطلقها من غير دخول، فإنه يجوز للاخر أن يتزوجها في تلك الحال لسقوط العدة حيث إنها غير مدخول بها. هكذا ذكر في المفاتيح ثم قال: وهو غلط واضح لان العدة الاولى لم تسقط إلا بالنسبة إلى الزوج الاول الذي هو صاحب الفراش حيث لا يجب الاستبراء من مائه، وأما بالنسبة إلى غيره فما العلة في سقوطها، وإنما الساقط العدة الثانية فقط ليس إلا، انتهى. أقول: لاريب أن ما أورده عليهم ظاهر الورود كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى، إلا أن كلامه أيضا لا يخلو من سهو و غفلة، فإنه قد فرض المسألة في نكاح قوم لامرأة واحدة في يوم، وهذا لا يتم فيما فصله وأوضحه من أنه يتزوجها أحدهم ويدخل بها ثم يطلقها.. إلخ، فإن الطلاق بعد الدخول لا يصح عندنا إلا بعد الاستبراء بحيضة أو ثلاثة أشهر، وحينئذ فكيف يمكن ما فرضه من وقوع نكاح القوم في يوم واحد، اللهم إلا أن يكون مراده الرد على العامة القائلين بجواز الطلاق في الطهر الذي واقع فيه من غير حاجة إلى الاستبراء، وإن كان الظاهر من كلامه إنما هو الرد على من ذهب من أصحابنا إلى صحة هذه الحيلة. ثم إن من ذهب من أصحابنا إلى ذلك وجوزه فإنما يفرضه في المتعة حيث إنها تبين بمجرد انقضاء المدة أو هبتها.


= تستأنف وهو الصحيح عندنا، وقال بعضهم لا عدة عليها ها هنا وهو الاقوى عندنا والاول أحوط. وقال ابن البراج في المهذب: فان خالعها ثم تزوجها ثم طلقها استأنف أيضا العدة ولم يجزلها أن تبنى على ما تقدم - ثم قال في المختلف: - والوجه ما قاله الشيخ في الخلاف لقوله تعالى [ سورة الاحزاب - آية 49 ] " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها " انتهى. (منه - قدس سره -).

[ 381 ]

لكن المفهوم من كلام الفضل بن شاذان (1) وكلام الشيخ المفيد على ما نقله المرتضى - رحمة الله عليه - في كتاب المجالس الذي جمعه من كلام الشيخ المفيد - رحمة الله عليه - هو إنكار ذلك وتخصيصه بالعامة، مع أنهم يلزمهم مثل ذلك متى قالوا بسقوط العدة في الصورة المذكورة كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى، وصورة الالزام الذي ألزم به الفضل بن شاذان من جواز نكاح عشرة لامرأة واحدة في يوم واحد موضعه طلاق الخلع والطلاق البائن، حيث إن العامة لا يوجبون الاستبراء ويجوزون الطلاق في الحيض، قال الشيخ المفيد - بعد حكاية ما وقع للفضل بن شاذان مع العامة - ما صورته: والموضع الذي لزمت هذه الشناعة فقهاء العامة دون الشيعة الامامية أنهم يجيزون الخلع والطلاق والظهار في الحيض وفي الطهر الذي قد


(1) أقول: صورة ما حكى عن الفضل في الكتاب المذكور قال: قد ألزم الفضل بن شاذان فقهاء العامة - على قولهم في الطلاق أن يحل للمرأة المسلمة الحرة أن يمكن من وطئها في اليوم الواحد عشرة أنفس على سبيل النكاح، وهذا شنيع في الدين ومنكر في الاسلام. قال الشيخ: ووجه الزامه لهم ذلك بأن قال: أخبروني عن رجل تزوج امرأة على الكتاب والسنة وساق إليها مهرها، أليس قدحل له وطؤها، فقالوا وقال المسلمون كلاهم: بلى، قال: فان كرهها عقيب الوطئ أليس يحل له خلعها ؟ فما مذهبكم في تلك الحال ؟ قال العامة خاصة: نعم، قال: فان خلعها ثم بداله بعد ساعة في العود إليها أليس له أن يخطبها لنفسه ؟ قالوا: بلى، قال لهم: فان عقد عليها عقد النكاح أليس قد عادت إلى ما كانت عليه من النكاح وسقطت عنها عدة الخلع ؟ قالوا: بلى، قال: فان رجع إلى نيته في فراقها ففارقها عقيب العقد الثاني من غير أن يدخل بها ثانية أليس قد بانت منه ولاعدة عليها بنص القرآن من قوله تعالى " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها " ؟ فقالوا: نعم، ولابدلهم من ذلك مع التمسك بالقرآن، قال لهم: قد حلت من وقتها للازواج إذ ليس عليها عدة بنص القرآن، قالوا: بلى، قال: فما تقولون لو صنع بها الثاني كصنع الاول أليس يكون قد نكحها اثنان في بعض يوم من غير حظر في ذلك على اصولكم في الاحكام، فلابد من أن يقولوا: بلى، وقال: وكذلك لو نكحها ثالث ورابع إلى أن يتم عشرة أنفس وأكثر من ذلك إلى آخر النهار أليس يكون جائزا حلالا ؟ وهذه من الشناعة بمرتبة لا تليق بأهل الاسلام. قال الشيخ: والموضع إلى آخر ما هو مذكور في الاصل، انتهى. (منه قدس سره -).

[ 382 ]

حصل فيه جماع من غير استبانة حمل، والامامية تمنع من ذلك وتقول إن هذا أجمع لا يقع بالحاضر التي تحيض إلا بعد أن تكون طاهرا من الحيض طهرا لم يحصل فيه جماع، فلذلك سلمت مما وقع فيه المخالفون، انتهى. وظاهر كلام هؤلاء المشايخ بل الظاهر أنه المشهور هو سقوط العدة عن المختلعة والمطلقة ثلاثا لو عقد عليها الزوج بعد ذلك قبل انقضاء العدة ثم طلقها قبل الدخول، وأنها يجوز لغيره في تلك الحال التزويج بها لدخوله تحت عموم الآية. ولم يتفطن هؤلاء الاعلام إلى أن ما ألزموه العامة من هذه الشناعة التي عليه السلام شنعوا بها عليهم لازمة لهم متى قالوا بهذا القول، وذلك فإنه لو انقضت عدة المستمتعة وتم أجلها أو وهبها ذلك فإنها تبين في الحال، ولا خلاف في أنه يجوز لزوجها العقد عليها في تلك العدة، فلو عقد عليها ثم أبرأها قبل الدخول بها فإنه لاعدة عليها لكونها غير مدخول بها، فيجوز لآخر أن يتمتعها ويعمل بها ما عمل وهكذا حسبما شنعوا به على العامة، ومنشأ الغلط في هذه المسألة هو أن العدة إنما تسقط بالنسبة إلى الزوج كما تقدم في كلام المحدث المتقدم، فإنه يجوز له العقد عليها قبل انقضاء العدة لعدم وجوب الاستبراء من مائه الذي هو العلة في وجوب العدة، وأما بالنسبة إلى غير الزوج فلا تسقط، وطلاقه لها ثانيا بعد هذا العقد المجرد عن الدخول لا يؤثر في سقوط تلك العدة الاولى، وإنما يؤثر في عدة هذا الطلاق، والتمسك بظاهر الآية في المقام مغالطة، فإنها إنما دلت على سقوط العدة في الطلاق أو الابراء الثاني ولانزاع فيه، ومحل النزاع إنما هو العدة الاولى والابراء الاول، والآيات والروايات الدالة على وجوب العدة شاملة لهذه الصورة، والسقوط إنما ثبت بالنسبة إلى الزوج خاصة بدليل خاص، وأما غيره فعموم الآيات والروايات دال على وجوبها. والذي يدل على ما ذكرنا من الاختصاص بالزوج ما رواه في الكافي (1) في


(1) الكافي ج 5 ص 459 ح 3، الوسائل ج 14 ص 475 ب 23 ح 3.

[ 383 ]

الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير عمن رواه " قال: إن الرجل إذا تزوج المرأة متعة كان عليها عدة لغيره، فإذا أراد هو أن يتزوجها لم يكن عليها منه عدة يتزوجها إذا شاء ". وقد وقفت على رسالة في المتعة الظاهر أنها من تصانيف المحقق الفيلسوف العماد مير محمد باقر الداماد، وقد جنح فيها إلى القول المشهور ولم يتفطن إلى ما فيه من القصور فصرح بأن المستمتعة المحتال في سقوط عدتها بذلك النحو لاعدة عليها لا للعقد الثاني ولا للاول. وممن أنكر ذلك وصرح ببطلان هذه الحيلة شيخنا البهائي - رحمة الله عليه - في أجوبة مسائل الشيخ صالح الجزائري حيث قال بعد كلام في المقام: أما لو دخل بالمتمتع بها ثم أبرأها ثم تمتع بها وأبرأها قبل الدخول فالذي أعتمد عليه أنه لا تحل لغيره العقد عليها إلا بعد العدة، ولا فرق بين الابراء والطلاق، ما يوجد في كتب الاصحاب من جواز ذلك لانخراطه في سلك المطلقات قبل الدخول لا أعول عليه ولا أقول به، وللكلام فيه مجال واسع ليس هذا محله، والله أعلم، انتهى. (ومنها) مالو أراد التوصل إلى حل نظر يحرم عليه نظرها، ولمس من يحرم عليه لمسها بأن يعقد الرجل بابنه الصغير متعة على امرأة بالغة لاجل أن يحل للاب نظر تلك المرأة المعقود عليها ولمسها، أو يعقد الرجل بابنته الصغيرة على رجل لاجل أن يكون ذلك الرجل محرما لام البنت وجدتها يحل له نظرهما ولمسهما ونحو ذلك، والظاهر عندي صحة ذلك وأنه يترتب على هذا العقد ما يترتب على عقود النكاح، المقصود منها النكاح، وإن لم يكن هذا العقد مقصودا به النكاح، وقد عرفت مما قدمنا نقله قريبا عن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أنه لا يشترط في صحة العقد قصد جميع غاياته المترتبة عليه بل يكفي قصد بعضها، على أن ما تمسك به من توهم عدم جواز ذلك من أن العقود تابعة للقصود وقصد النكاح هنا غير موجود.

[ 384 ]

وفيه (أولا) أنه إن اريد القصد ولو في الجملة فهو حاصل، وإن اريد القصد إلى كل ما يترتب على ذلك العقد فعلى مدعي ذلك إثباته بالدليل، مع أن ظاهر الادلة كما سيظهر لك إنما هو خلاف ذلك. (وثانيا) أن الظاهر من الاخبار على وجه لا يزاحمه الانكار وهو انخرام هذه القاعدة وبطلان ما رتبوه عليها من هذه الفائدة كما لا يخفى على ما جاس خلال ديار الاخبار والتقط من لذيذ تلك الثمار. وها أنا أتلو عليك ما حضرني من الاخبار المشار إليها، فمن ذلك الاخبار الواردة في التخلص من الربا والحيلة في دفعه. ومنها ما رواه في الكافي (1) عن محمد بن إسحاق بن عمار " قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام): إن سلسبيل طلبت مني مائة ألف درهم على أن تربحني عشرة آلاف درهم، فأقرضتها تسعين ألفا وأبيعها ثوبا أو شيئا يقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم، قال: لا بأس ". ما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن محمد بن إسحاق بن عمار أيضا " قال: قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه، يبيعه لولؤة تسوى مائة درهم بألف درهم، ويؤخر عليه المال إلى وقت ؟ قال: لا بأس، قد أمرني أبي (عليه السلام) ففعلت ذلك. وزعم أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عنها فقال له مثل ذلك ". وروى المشايخ الثلاثة (3) - رحمة الله عليهم - في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج " قال: سألته (عليه السلام) عن الصرف - إلى أن قال: - فقلت له: أشتري ألف درهم ودينار بألفي


(1) الكافي ج 5 ص 205 ح 9، الوسائل ج 12 ص 379 ب 12 ح 1 وفيهما اختلاف يسير. (2) الكافي ج 5 ص 205 ح 10، التهذيب ج 7 ص 53 ح 28، الوسائل ج 12 ص 380 ب 12 ح 6 وما في المصادر اخلاف يسير. (3) الكافي ج 5 ص 246 ح 9، التهذيب ج 7 ص 104 ح 51، الوسائل ج 12 ص 466 ب 6 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.

[ 385 ]

درهم ؟ قال: لا بأس، إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني، وكان يقول هذا فيقولون إنما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال " إلى غير ذلك من الاخبار الواردة كذلك. والتقريب فيها أنهم (عليه السلام) قد حكموا بصحة بيع هذه الاشياء المذكورة بأضعاف ثمنها الواقعي توصلا إلى الخروج من الوقوع في الربا، وأصل البيع غير مقصود البتة، ولهذا أنكرته العامة العمياء، وإنما المقصود ما ذكرناه، والشارع قد سوغه وجوزه كما نقله عنه نوابه (عليه السلام) وخلفاؤه (عليه السلام)، وبه يظهر أنه لا يشترط قصد جميع ما يترتب على ذلك العقد. (ومنها) الاخبار الدالة على صحة بيع الابق (1) مع ضميمة وإن كانت يسيرة والثمار قبل ظهورها أو بلوغ حد الصلاح مع الضميمة (2) أيضا، فلو لم يوجد الابق ولم تخرج الثمار أو خرجت وفسدت كان الثمن في مقابلة الضميمة، مع أن تلك الاثمان أضعاف ثمن هذه الضميمة واقعا والعقد أولا، وبالذات لم يتوجه إلى بيع الضميمة بهذا الثمن الزائد البتة، وهم (عليهم السلام) قد حكموا بصحة البيع فيها بهذا الثمن، وإن كان الغرض من ضمها إنما هو التوصل إلى صحة بيع تلك الاشياء. (ومنها) الاخبار الدالة على أن العقد المقترن بالشرط الفاسد صحيح وإن بطل الشرط كما هو أحد القولين في المسألة، وجمهور الاصحاب وإن كانوا بناء على هذه القاعدة حكموا ببطلان العقد من أصله، لان المقصود بالعقد هو المجموع وأصل العقد مجردا عن الشرط غير مقصود فيكون باطلا، لان العقود تابعة للقصود


(1) الكافي ج 5 ص 209 ح 3، التهذيب ج 7 ص 69 ح 10، الوسائل ج 2 ص 262 ب 11 ح 1 و 2. (2) الكافي ج 5 ص 176 ح 7، التهذيب ج 7 ص 84 ح 3، الوسائل ج 13 ص 9 ب 3 ح 2.

[ 386 ]

فما كان مقصودا غير صحيح، وما كان صحيحا غير مقصود، إلا أن الاخبار ترده في جملة من الاحكام كما في صحيحة محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليهما السلام) " في الرجل يتزوج المرأة بمهر إلى أجل مسمى، فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمى فهي امرأته، وإن لم يأت بصداقها إلى الاجل فليس له عليها سبيل، وذلك شرطهم عليه حين أنكحوه، فقضى للرجل أن بيده بضع امرأته وأحبط شرطهم " ونحوه صحيحته الاخرى أيضا. وحسنة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الواردة في بريرة وأنها كانت مملوكة لقوم فباعوها عائشة واشترطوا أن لهم ولاءها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولاء لمن اعتق. وروى الكليني (3) عن الوشاء عن الرضا (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: لو أن رجلا تزوج امرأة وجعل مهرها عشرين ألفا وجعل لابيها عشرة آلاف كان المهر جائزا، والذي جعل لابيها فاسدا ". والسيد السند صاحب المدارك في شرح النافع حيث إنه من القائلين بهذه القاعدة التجأ في الواجب عن صحيحتي محمد بن قيس إلى قصرهما على مورديهما بعد أن حكم أنهما في حكم رواية واحدة، ولم يعلم أن الدلالة على ما ذكرناه لا ينحصر فيهما، مع أنه قد اعترف بما ذكرناه في رواية الوشاء المذكورة فقال: ويستفاد من هذه الرواية عدم فساد العقد باشتماله على هذا الشرط الفاسد، انتهى. (ومنها) الاخبار الدالة على أن عقد المتعة مع عدم ذكر الاجل فيه ينقلب دائما كما في موثقة عبد الله بن بكير (4) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن سمى الاجل فهو متعة، وإن لم يسم الاجل فهو نكاح بات ".


(1) اكافى ج 5 ص 402 ح 1، الوسائل ج 15 ص 20 ب 10 ح 2 وفيهما اختلاف يسير. (2) الفقيه ج 3 ص 79 ح 4، الوسائل ج 16 ص 40 ب 37 ح 2. (3) الكافي ج 5 ص 384 ح 1، الوسائل ج 15 ص 19 ب 9 ح 1. (4) الكافي ج 5 ص 456 ح 1، الوسائل ج 14 ص 469 ب 20 ح 1.

[ 387 ]

ونحوها رواية أبان بن تغلب (1) ورواية هشام بن سالم (2) كما تقدم جميع ذلك في المسألة المذكورة. وقد استشكل جملة من متأخري المتأخرين بناء على هذه القاعدة في العمل بهذه الاخبار، وهو مجرد استبعاد عقلي في مقابلة النصوص، فإن الدلالة على هذا الحكم غير مختص لهذه الاخبار لما عرفت مما تلوناه من الاخبار المذكورة، فإنها صريحة في رد القاعدة المذكورة وبمضمونها قال الاصحاب: فلا وجه لهذا الاستشكال ولا مستند لهذه القاعدة إلا مجرد العقل، وإن دل بعض الاخبار في بعض الجزئيات على ما تضمنته، إلا أنه ليس على وجه كلي يوجب كونه قاعدة كلية، والاحكام الشرعية توقيفية تدور مدار الادلة الشرعية وجودا وعدما، وإن اشتهر بينهم - رضوان الله عليهم - تقدم الادلة العقلية على الادلة النقلية حتى أنهم في الكتب الاستدلالية تراهم في جملة الاحكام إنما يبدأون بالادلة العقلية ثم يردفونها بالادلة النقلية، وهو غلط محض كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في جملة من زبرنا. وبالجملة فإن الظاهر مما تلوناه من الاخبار المذكورة هو عدم الاعتماد على هذه القاعدة، إلا أن تحمل على ما قدمنا ذكره آنفا من القصد ولو في الجملة، وبه تنطبق على هذه الاخبار كما لا يخفى على ذوي الافكار، وفي هذه المسألة توهمات اخر قد بينا فسادها في كتابنا " الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية " من أحب الوقوف عليها فليرجع إليه. (ومنها) ما لو كان عليه دين قد برئ منه بالاداء إلى صاحبه، أو إبراء صاحبه من ذلك الدين فادعى عليه وخاف من دعوى الاداء أو الابراء أن تنقلب اليمين إلى المدعي لعدم البينة فأنكر الاستدانة من رأس، فإنه يجوز له أن يحلف على ذلك بشرط التورية ليخرج من الكذب على ما صرح به الاصحاب من غير خلاف يعرف.


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 455 ح 3 و 5، الوسائل ج 14 ص 470 ب 20 ح 2 و 3.

[ 388 ]

والمراد بالتورية بأن يقصد بمدلول اللفظ إلى أمر غير ما يدل ظاهر اللفظ بأن يقصد بقوله " ما استدنت منك " نفي الاستدانة في مكان مخصوص أو زمان مخصوص غير الزمان أو المكان الذي وضعت فيه الاستدانة واقعا، أو يقصد نوعا من المال غير الذي استدانه فينوي في حال حلفه على أحد هذه الوجوه ما كان الضرورة حيث إنه برئ الذمة واقعا غير مخاطب بالاداء شرعا. هذا إذا كان المدعى عليه مظلوما كما عرفت، فإن التورية في يمينه لدفع ذلك الظلم جائزة شرعا. وأما لو كان المدعي محقا فأنكر المدعى عليه وحلف موريا بها يخرجه عن الكذب فإنه لا تفيده التورية هنا، لان اليمين هنا على نية المدعي وقصده دون المدعى عليه، فيترتب على هذه اليمين ما يترتب على من حلف بالله كاذبا من الاثم والمؤاخذة. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن صفوان " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يحلف وضميره على غير ما حلف عليه، قال: اليمين على الضمير ". وما رواه في الكافي والفقيه (2) عن إسماعيل بن سعد الاشعري في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) مثله. وما رواه في الكافي (3) عن مسعدة بن صدقة " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: وسئل عما يجوز وما لا يجوز في النية على الاضمار في اليمين فقال: قد يجوز في موضع ولايجوز في آخر، فأما ما يجوز فإذا كان مظلوما فيما حلف


(1) الكافي ج 7 ص 444 ح 3، الوسائل ج 16 ص 150 ب 21 ح 2 وفيهما اختلاف يسير. (2) الكافي ج 7 ص 444 ح 2، الفقيه ج 3 ص 233 ح 30، الوسائل ج 16 ص 149 ب 21 ح 1. (3) الكافي ج 7 ص 444 ح 1، التهذيب ج 8 ص 280 ح 17، الوسائل ج 16 ص 149 ب 20 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.

[ 389 ]

عليه ونوى اليمين فعلى نيته، وأما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم. أقول: وبمادل عليه الخبر الثاني يجب تخصيص الخبر الاول بضمير المظلوم فقوله " اليمين على الضمير " يعني ضمير المظلوم، وهو خاص بالصورة الاولى من الصورتين المتقدمتين، ومن الخبر الثاني يظهر أن التورية في الصورة الثانية لا تفيد صاحبها فائدة لانه (عليه السلام) حكم في هذه الصورة بأن اليمين على نية المظلوم وقصده، فلا أثر للتورية حينئذ في هذه الصورة من الظالم، ويظهر من جملة من الاخبار جواز الحلف في مثل هذا المقام والاخبار بغير الواقع وإن لم يرتكب التورية، وموردها ما إذا لم يكن التوصل إلى حقه أو دفع الضرر عن نفسه إلا بتلك اليمين الكاذبة فإنه يجوز له الحلف والحال هذه، وما نحن فيه من قبيل الثاني وهو دفع الضرر عن نفسه. ومن الاخبار المشار إليها ما رواه في الفقيه (1) بطريقه إلى ابن بكير عن زرارة " قال: قلت لابي جعفر (عليهما السلام): نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا، ولا يرضون منا إلا بذلك، قال: فاحلف لهم، فهو أحلى من التمر والزبد ". وما رواه في التهذيب (2) في الصحيح عن الوليد بن هشام المرادي - وهو مهمل - " قال: قدمت من مصر ومعي رقيق، ومررت بالعشار فسألني، فقلت: هم أحرار كلهم. فقدمت المدينة فدخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فأخبرته بقول العشار، فقال: ليس عليك شئ ". وما رواه في الفقيه (3) في الصحيح عن الحلبي " قال: سألته عن الرجل يحلف


(1) الفقيه ج 3 ص 230 ح 14، الوسائل ج 16 ص 135 ب 12 ح 6. (2) الفقيه ج 3 ص 84 ح 8، التهذيب ج 8 ص 289 ح 60، الوسائل ج 16 ص 71 ب 60 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير. (3) الفقيه ج 3 ص 231 ح 21، الوسائل ج 16 ص 135 ب 12 ح 8.

[ 390 ]

لصحاب العشور، يجوز بذلك ماله ؟ قال: نعم ". وما رواه في الكافي (1) عن محمد بن مسعود الطائي " قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام) إن امي تصدقت علي بدار لها - أو قال: بنصيب لها في دار - فقالت لي: استوثق لنفسك، فكتبت إني اشتريت وأنها قد باعتني وأقبضت الثمن، فلما ماتت قال الورثة: احلف إنك اشتريت ونقدت الثمن، فإن حلفت لهم أخذته، وإن لم أحلف لهم لم يعطوني شيئا، قال: فقال: احلف وخذ ما جعلت لك ". وما رواه في الفقيه والتهذيب (2) عن محمد بن أبي الصباح " قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام): إن امي تصدقت علي بنصيب لها في دار، فقلت لها: إن القضاة لا يجيزون هذا، ولكن اكتبيه شراء، فقالت: اصنع من ذلك ما بدالك في كل ما ترى أنه يسوغ لك، فتوثقت، فأراد بعض الورثة أن يستحلفني أني قد نقدتها الثمن ولم أنقدها شيئا، فما ترى، فقال: احلف لهم ". واحتمال تقييد إطلاق هذه الاخبار بالاولة وإن أمكن إلا أن الظاهر أنه لا يخلو من بعد، ومن أراد اللاطلاع على ما يزيد ما ذكرنا من المواضع التي ذكرها الاصحاب في أمثلة الاحتيال فليراجع إلى مطولاتهم. الفصل الثالث في العدد: جمع عدة، وهى على ما ذكره الجوهري (3) أيام أقراء المرأة. ونحوه في القاموس، (4) وزاد أيام حدادها على الزوج. وفي النهاية الاثيرية (5): عدة المرأة


(1) الكافي ج 7 ص 32 ح 17 مع اختلاف يسير. (2) الفقيه ج 3 ص 228 ح 4، التهذيب ج 8 ص 287 ح 48، الوسائل ج 13 ص 310 ب 9 ح 5 وما في المصادر اختلاف يسير. (3) الصحاح ج 2 ص 506. (4) القاموس ج 1 ص 324 مع اختلاف يسير. (5) النهاية لابن الاثير ج 3 ص 190.

[ 391 ]

المطلقة والمتوفي عنها زوجها ما تعده من أيام أقرائها وأيام حملها، أو أربعة أشهر وعشر ليال. وعرفها شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (1) بأنها شرعا اسم لمدة معدودة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتعبد أو التفجع على الزوج، وشرعت صيانة للانساب وتحصينا لها عن الاختلاط، والاصل في وجوب العدة قبل الاجماع الآيات القرآنية والاخبار المعصومية (عليهم السلام). قال عز شأنه " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (2) " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن واولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (3) " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (4) " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " (5). وأما الاخبار فهي متواترة متكاثرة وستمر بك - إن شاء الله تعالى - في الابحاث الآتية. قال في المسالك (6): واعلم أن المدة المستدل بمضيها على براءة الرحم تتعلق تارة بالنكاح ووطئ الشبهة وتشتهر باسم العدة، واخرى بملك اليمين، إما حصولا في الابتداء أو زوالا في الانتهاء، وتشتهر باسم الاستبراء، والنوع الاول منه ما يتعلق بفرقة بين الزوجين، وهو حي كفرقة الطلاق واللعان والفسوخ، ويشمله عدة الطلاق لانه أظهر أسباب الفراق، وحكم العدة وطئ الشبهة حكمها، وإلى ما يتعلق بفرقة تحصل بموت الزوج وهي عدة الوفاة، انتهى. أقول: والكلام في هذا الفصل يقع في مقامات: الاول: أجمع العلماء من الخاصة والعامة على أنه لاعدة على الزوجة الغير المدخول بها، سواء بانت بطلاق أو فسخ


(1) و (6) مسالك الافهام ج 2 ص 34 مع اختلاف يسير. (2) سورة البقرة - آية 228. (3) سورة الطلاق آية 4. (4) سورة البقرة - آية 234. (5) سورة الاحزاب - آية 49.

[ 392 ]

لان الغرض منها براءة الرحم، نعم خرج من هذا الحكم المتوفى عنها زوجها للاتفاق نصا وفتوى على وجوب العدة في الحال المذكور. ومما يدل على نفي العدة في غير الوفاة الآية والاخبار المتكاثرة. قال الله عزوجل " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها ". ومن الاخبار في ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب (1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل إذا طلق امرأته ولم يدخل بها، فقال: قد بانت منه وتزوج من ساعتها إن شاءت ". وما رواه في الكافي (2) في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) " في رجل تزوج امرأة بكرا ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثلاث تطليقات في كل شهر تطليقة، قال: بانت منه في التطليقة الاولى واثنتان فضل، وهو خاطب يتزوجها متى شاءت وشاء بمهر جديد، قيل له: فله أن يراجعها إذا طلقها تطليقة واحدة قبل أن تمضي ثلاثة أشهر ؟ قال: لا، إنما كان يكون له أن يراجعها لو كان دخل بها أولا، فأما قبل أن يدخل بها فلا رجعة له عليها قد بانت منه ساعة طلقها ". وعن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فليس عليها عدة تزوج من ساعتها إن شاءت، وبينهما تطليقة واحدة، وإن كان فرض لها مهرا فلها نصف ما فرض " إلى غير ذلك من الاخبار. وأما ما ذكرنا من خروج عدة الوفاة عن هذا الضابط المذكور فستأتي


(1) الكافي ج 6 ص 83 ح 1، التهذيب ج 8 ص 64 ح 128، الوسائل ج 15 ص 404 ب 1 ح 6 وما في المصادر " وتزوج ان شاءت من ساعتها ". (2) الكافي ج 6 ص 84 ح 4، الوسائل ج 15 ص 403 ب 1 ح 2 وفيهما اختلاف يسير. (3) الكافي ج 6 ص 83 ح 3، التهذيب ج 8 ص 64 ح 130، الوسائل ج 15 ص 404 ب 1 ح 4 وما في المصادر " وتبينها " بدل " وبينهما ".

[ 393 ]

الاخبار الدالة عليه عند ذكر المسألة إن شاء الله تعالى. بقي الكلام هنا في مواضع بها يتم تنقيح المقام: الاول: الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب - إذ لم ينقل هنا خلاف في الباب - في أن المراد بالدخول الوطئ قبلا أو دبرا وطئا موجبا للغسل. واستدل على ذلك بقول أبي عبد الله في حسنة الحلبي (1) في رجل دخل بامرأة " إذا التقى الختانان وجب المهر والعدة " وبهذا المضمون أخبار عديدة. وصحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ملامسة النساء هو الايقاع ". وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سأله أبي وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة فادخلت إليه فلم يمسها ولم يصل إليها حتى طلقها، هل عليها عدة منه ؟ فقال: إنما العدة من الماء، قيل له: فإن كان واقعها في الفرج ولم ينزل ؟ فقال: إذا أدخله وجب الغسل والمهر والعدة ". وفي الموثق عن يونس بن يعقوب (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج ". إلى غير ذلك من الاخبار التي من هذا القبيل، وعندي فيما ذكروه - رحمة الله عليهم - من شمول الدخول المترتبة عليه هذه الاحكام المذكورة في هذه الاخبار للوطئ في الدبر إشكال، فإنى لم أقف على نص صريح في ذلك سيما مع ما تقدم من الخلاف نصا وفتوى في إيجاب الوطئ في الدبر للغسل كما تقدم في كتاب الطهارة مع ترجيح العدم كما تقدم، والاستناد في ذلك إلى هذه الاخبار


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 109 ح 1 و 4، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 3 و 2 وفيهما اختلاف يسير. (3) الكافي ج 6 ص 109 ح 6، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 1 وفيهما اختلاف يسير. (4) التهذيب ج 7 ص 464 ح 67، الوسائل ج 15 ص 66 ب 54 ح 6.

[ 394 ]

ونحوها لا يخلو من غموض. قال السيد السند في شرح النافع بعد استدلال الاصحاب بصحيحة عبد الله ابن سنان الثانية: وربما تناول هذه الرواية بإطلاقها الوطئ في الدبر، انتهى. ويضعف بأنه من المقرر في كلامهم كالقاعدة الكلية عندهم أن الاطلاق إنما ينصرف إلى الافراد المتكثرة الشايعة، فإنها هي التي يحمل عليها الاطلاق ويتبادر إلى الفهم دون الفروض النادرة، لا ريب أن الفرد الشايع في الوطئ إنما هو الجماع في القبل لانه هو المندب إليه والمحثوث إليه سيما مع كراهة الآخر، بل قيل بتحريمه. وبالجملة فالمسألة عندي لا تخلو من توقف وإشكال. الثاني: نقل عن جمع من الاصحاب أنه لا فرق بين وطئ الكبير والصغيرو إن نقص سنة، وعن زمان إمكان التولد منه عادة لاطلاق النص. قال في المسالك: واعلم أنه لا فرق بين وطئ الصبي القاصر عن سن من يصلح للولادة له وغيره لوجود المقتضي، وهو الوطئ الذي جعل مناطا لها كوطئ الكبير بتغيب الحشفة خاصة من غير إنزال، ويتغلب جانب التعبد هنا نظرا إلى تعليق الحكم بالوجه المنضبط، إنتهى. وعندي في المسألة نوع توقف لما عرفت من أن الطلاق في الاخبار إنما تحمل على الافراد الشايعة المتعارفة المتكررة، وهي هنا البالغ دون الصغير، فإنه نادر بل مجرد فرض، والحمل على البالغ الذي أولج من غير إنزال - كما ذكره ودلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان الثانية - لا يخرج عن القياس. والاحكام الشرعية كما قدمنا ذكره في غير موضع منوطة بالادلة الصريحة الواضحة وهي هنا خفية وغير لائحة، ويمكن الاستئناس لذلك بما تقدم في خبر الواسطي (1) المذكور في صدر الفصل الاول الدال على عدم حصول التحليل بالغلام الذي لم يحتلم حتى يبلغ، فإن فيه إيماء إلى عدم ترتب الاحكام الشرعية على


(1) الكافي ج 6 ص 76 ح 6، الوسائل ج 15 ص 267 ب 8 ح 1.

[ 395 ]

نكاح غير البالغ، التي من جملتها التحليل. وبالجملة فالحكم عندي غير خال من شوب التوقف والاشكال. الثالث: قد صرح جماعة من الاصحاب منهم شيخنا في المسالك وسبطه في شرح النافع بأنه يلحق بالوطئ دخول المني المحترم في الفرج فيلحق به الولد إن فرض، وتعتد بوضعه، وظاهرهم عدم وجوب العدة بدون الحمل هنا، وعندي فيه توقف أيضا لعدم الوقوف على نص يصلح دليلا لهذا الالحاق. الرابع: ظاهر كلام الاصحاب - وبه صرح في المسالك - وجوب العدة على مدخولة الخصي، فإنه وإن لم ينزل ولكنه يولج فيكون بمنزلة الفحل الذي يولج ولا ينزل، والمعتبر في هذا الباب هو الايلاج خاصة كما عرفت، وعليه دلت الاخبار. ويدل على ما ذكروه من وجوب العدة هنا ما رواه في الكافي والفقيه (1) عن أبي عبيدة في الصحيح " قال: سئل أبو جعفر (عليهما السلام) عن خصي تزوج امرأة وفرض لها صداقا وهي تعلم أنه خصي، فقال: جائز، فقيل: فإنه مكث معها ما شاء الله ثم طلقها، هل عليها عدة ؟ قال: نعم، أليس قد لذ منها ولذت منه " (2) الحديث. إلا أنه قد روى الشيخ في التهذيب (3) في الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى


(1) الكافي ج 6 ص 151 ح 1، الفقيه ج 3 ص 268 ح 58، الوسائل ج 14 ص 608 ب 13 ح 4 وما في المصادر اختلاف يسير. (2) وتمام الخبر المذكور "... قيل له: فهل كان عليها فيما كان يكون منه وفيها غسل ؟ قال: فقال: ان كانت إذا كان ذلك منه أمنت، فان عليها غسلا، وقيل له: فهل له أن يرجع بشئ من صداقها إذا طلقها ؟ فقال لا ". أقول: مادلت عليه من تخصيص وجوب الغسل عليها بحصول الامناء منها دون مجرد الايلاج كما هو القاعدة الكلية لا يخلو من التأمل لاستفاضة الاخبار بأنه إذا أدخله فقد وجب عليه الغسل والمهر والرجم. (منه - قدس سره -). (3) التهذيب ج 7 ص 275 ح 80 الوسائل ج 15 ص 52 ب 44 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

[ 396 ]

عن أحمد بن محمد بن أبي نصر " قال: سئل الرضا (عليه السلام) عن خصي تزوج امرأة على ألف درهم ثم طلقها بعد ما دخل بها، قال: لها الالف الذي أخذت منه ولاعدة عليها ". وجمع المحدث الكاشاني في الوافي (1) والمفاتيج بين الخبرين بحمل العدة في الخبر الاول على الاستحباب. وفيه أن وجوب العدة هو مقتضى القواعد الشرعية والضوابط المرعية المستفادة من الاخبار المعصومية لما عرفت من دلالة الاخبار (2) على أن مناط العدة هو الايلاج وإن لم يحصل إنزال، وإطلاق الاخبار شامل للخصي وغيره، مؤيدا ذلك باتفاق الاصحاب على الحكم المذكور، وتخرج صحيحة أبي عبيدة المذكورة شاهدة على ذلك، فالواجب جعل التأويل في جانب الرواية الثانية المخالفة لتلك القواعد المذكورة، لا الاولى. ولو كان الرجل مجبوبا - وهو مقطوع الذكر وسليم الانثيين - فالمشهور أنه لا عدة على المرأة لعدم حصول الدخول الذي هو مناط ذلك.


(1) الوافى ج 3 ص 180 ب 187. (2) ومنها ما في حسنة الحلبي [ الكافي ج 6 ص 109 ح 1، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 3 وفيهما " المهر " بدل " الغسل " ] عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل دخل بامرأة قال: إذا التقى الختانان وجب الغسل والعدة ". وفى حسنة حفص بن البخترى [ الكافي ج 6 ص 109 ح 2، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 4 ] عن أبى عليه السلام عبد الله عليه السلام " قال: إذا التقى الختانان وجب المهر والعدة والغسل ". وفى حسنة داود بن سرحان [ الكافي ج 6 ص 109 ح 3، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 5 ] عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: إذا أولجه فقد وجب الغسل والجلد والرجم ووجب المهر ". وهذه الاخبار ونحوها كلها متعاضدة للدلالة على ترتب هذه الاشياء على الدخول من أي فرد كان من أفراد الرجال، فلا وجه للفرق في ذلك بين العدة ووجوب المهر كما تضمنته صحيحة البزنطى المذكورة، وبذلك يظهر أيضا ما في صحيحة أبى عبيدة [ الوسائل ج 14 ص 608 ب 13 ح 4 ] مما قدمنا ذكره في الحاشية السابقة من جعل مناط الغسل الامناء من المرأة دون مجرد الايلاج. (منه - قدس سره -).

[ 397 ]

ونقل عن الشيخ في المبسوط وجوب العدة محتجا بإمكان المساحقة. ورد بأن مجرد الامكان غير كاف في الوطئ الكامل. والحق في الجواب أن الحكم بالوجوب يتوقف على الدليل، وغاية ما دلت عليه الاخبار هو إدخال الذكر على الوجه المتقدم، وهو غير حاصل. نعم لو ظهر بها حمل لحقه الولد، واعتدت حينئذ بوضعه كما ذكره الاصحاب. وأما الممسوح الذي لم يبق له شئ ولا يتصور منه دخول فقد صرح الاصحاب بأنه لو أتت منه بولد لم يلحقه على الظاهر، ولا يجب على زوجته منه عدة، وربما قيل: حكمه حكم المجبوب، وهو بعيد. الخامس: لا عدة للحامل من الزنا بلا خلاف، فيجوز لها التزويج قبل الوضع، وأما مع عدمه فالمشهور أنه كذلك، لان الزنا لاحرمة له، وبه علل الاول أيضا وأثبتها العلامة في التحرير. قال في المسالك: ولا بأس به، حذرا من اختلاط المياه وتشويش الانساب. أقول: وهذا القول وإن ندر فهو المختار لما دل عليه من الاخبار، ومنها ما رواه في الكافي (1) عن إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها، هل يحل له ذلك ؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوجها، وإنما يجوز له تزويجها بعد أن يقف على توبتها ". وما رواه الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول (2) عن أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليهما السلام) " أنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا، أتحل له أن يتزوجها ؟ فقال: يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن يكون


(1) الكافي ج 5 ص 356 ح 4، الوسائل ج 14 ص 330 ب 11 ح 4 وج 15 ص 476 ب 44 ح 1. (2) تحف العقول ص 454، الوسائل ج 15 ص 476 ب 44 ح 2.

[ 398 ]

قد احدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه، ثم يتزوج بها إذا أراد، فإنما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما فأكل منها حلالا ". وبذلك يظهر لك ما في قولهم إن الزنا لاحرمة له، وقد تقدم تحقيق البحث في ذلك (1) ويأتى إن شاء الله في المباحث الآتية ما يشير إليه أيضا. السادس: المشهور أنه لا تجب العدة بالخلوة، ونقل عن ابن الجنيد القول بالوجوب حيث قال على ما نقله عنه السيد السند في شرح النافع: الاغلب في من خلا بزوجته، ولا مانع له عنها وقوع الوطئ إن كانت ثيبا، والالتذاذ بما ينزل به الماء إذا كانت بكرا، وإن كان زمان اجتماعهما يمكن ذلك فيه حكم عليه بالم