الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الحدائق الناضرة - المحقق البحراني ج 18

الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 18


[ 1 ]

الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفي سنة 1186 هجرية الجزء الثامن عشر مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)

[ 2 ]

الكتاب: الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة (ج 18) المؤلف: العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني (قدس سره) الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين ب‍: قم المشرفة المطبوع: 500 نسخة.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين كتاب التجارة وفيه مقدمات وفصول المقدمة الاولى اعلم انه قد استفاضت الاخبار بالحث على طلب الرزق والكسب الحلال، ولاسيما بطريق التجارة مع الاجمال في الطلب والاقتصار على الحلال. وعلى هذا كان جملة فضلاء أصحاب الائمة عليهم السلام، كزرارة بن اعين، وهشام بن الحكم، ومحمد ابن النعمان مؤمن الطاق، ومحمد بن عمير واضرابهم، كما لا يخفى على من لاحظ السير والاخبار. قال الله تعالى:: " هو الذى جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا

[ 4 ]

من رزقه " (1). وقال سبحانه: " فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله (2). وقال تعالى: " وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله " (3). وروى ثقة الاسلام، عن ابى خالد الكوفى، رفعه إلى ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله. صلى الله عليه وآله وسلم: " العبادة سبعون جزء فضلها طلب الحلال " (4). وعن عمر بن يزيد في الموثق قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل، قال: لاقعدن في بيتى ولاصلين ولاصومن ولاعبدن ربي، فاما رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " هذا احد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم " (5). وعن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ارايت لو ان رجلا دخل بيته واغلق بابه كان يسقط عليه شئ من السماء ؟ " (6). وعن ايوب اخى اديم بياع الهروي قال: كنا جلوسا عند ابى عبد الله عليه السلام إذ اقبل العلاء بن كامل فجلس قدام ابى عبد الله عليه السلام فقال: ادع الله ان يرزقنى في دعة، فقال: لا ادعو لك، اطلب كما امرك الله " (7). وعن سليمان بن معلى بن خنيس عن ابيه قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل وانا عنده، فقيل له: اصابته الحاجة، فقال: فما يصنع اليوم ؟ قيل: في البيت يعبد ربه ! قال: من اين قوته ؟ قيل: من عند بعض اخوانه ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: والله


(1) سورة الملك: 15 (2) سورة الجمعة: 10 (3) سورة المزمل: 20 (4) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 6 (5) الكافي ج 5 ص 77 رقم: 1 (6) الكافي ج 5 ص 77 رقم: 2 (7) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 3

[ 5 ]

الذى يقوته اشد عبادة منه " (1) وعن ابى حمزة عن ابى جعفر عليه السلام " قال: من طلب الرزق في الدنيا استعفافا " عن الناس، وتوسيعا على اهله، وتعطفا على جاره، لقى الله عزوجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر " (2). وعن على بن الغراب عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: " ملعون من القى كله عن الناس " (3). وروى المشايخ عن الفضل بن ابى قرة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " اوحى الله عزوجل إلى داود عليه السلام: انك نعم العبد لولا انك تأكل من بيت المال، ولا تعمل بيدك شيئا، قال: فبكى داود عليه السلام: اربعين صباحا، فأوحى الله عزوجل إلى الحديد ان لن لعبدي داود عليه السلام فألان الله تعالى له الحديد، وكان يعمل كل يوم درعا، فيبيعها بالف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعا فباعها بثلاثمائة وستين الفا، واستغنى عن بيت المال " (4). وروى الصدوق عن المعلى بن خنيس قال: رأني أبو عبد الله عليه السلام وقد تأخرت عن السوق، فقال: " اغد إلى عزك " (5). وباسناده عن روح عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " تسعة اعشار الرزق في التجارة " (6). وروى في كتاب الخصال عن عبد المومن الانصاري عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " البركة عشرة اجزاء تسعة اعشارها في التجارة، والعشر الباقي


(1) الكافي ج 5 ص 78 رقم 4 (2) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 5 (3) الكافي ج 5 ص 77 رقم: 7 (4) الكافي ج 5 ص 74 رقم: 5 (5) الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 2 (6) الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 3

[ 6 ]

في الجلود " (1). قال الصدوق قدس سره يعنى بالجلود: الغنم، واستدل بما يأتي. وروى فيه عن الحسين بن زيد بن على عن ابيه زيد بن على آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " تسعة اعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي في السابياء، يعنى الغنم " (2). وروى في الكافي عن محمد الزعفراني، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " من طلب التجارة استغنى عن الناس، قلت: وان كان معيلا ؟ قال: وان كان معيلا، ان تسعة اعشار الرزق في التجارة " (3). وعن هشام الاحمر قال: كان أبو الحسن عليه السلام يقول لمصادف: اغد إلى عزك " يعنى السوق (4). وعن على بن عقبة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لمولى له: " يا عبد الله، احفظ عزك قال: وما عزى جعلت فداك ؟ قال: غدوك إلى سوقك، واكرامك نفسك ". وقال لاخر مولى له: " مالى اراك تركت غدوك إلى عزك ؟ قال: جنازة اردت ان احضرها، قال: فلا تدع الرواح إلى عزك " (5). وروى المشايخ الثلاثة عن سدير، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي شئ على الرجل في طلب الرزق ؟ قال: إذا فتحت بابك وبسطت بساطك، فقد قضيت ما عليك " (6) وروى في الكافي عن الطيار، قال: قال لى أبو جعفر عليه السلام: أي شئ تعالج ؟


(1) الخصال ج 2 ص 445، الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 4 (2) الخصال ج 2 ص 446، الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 5 (3) الكافي ج 5 ص 148 رقم: 3 (4) الكافي ج 5 ص 149 رقم: 7 (5) الوسائل ج 12 ص 5 رقم: 13 (6) الوسائل ج 12 ص 34 رقم: 1

[ 7 ]

أي شئ تصنع ؟ فقلت ما انا في شئ، فقال فخذ بيتا واكنس فنائه، ورشه، وابسط فيه بساطك فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما يجب عليك، قال: فقدمت الكوفة ففعلت فرزقت " (1). وروى في الكافي والتهذيب عن ابى عمارة الطيار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى قد ذهب مالى، وتفرق ما كان في يدى، وعيالي كثير ! فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إذا قدمت الكوفة، فافتح باب حانوتك وابسط بساطك، وضع ميزانك وتعرض للرزق ربك. قال: فلما ان قدم الكوفة، فتح باب حانوته وبسط بساطه، ووضع ميزانه، فتعجب من حوله من جيرانه انه ليس في بيته قليل ولا كثير من المتاع، ولا عنده شئ ! فجاءه رجل فقال: اشتر لى ثوبا، قال: فاشترى له ثوبا، واخذ ثمنه وصار الثمن إليه، قال ثم جاءه آخر فقال له: يا ابا عمارة اشتر لى ثوبا، فطلب له في السوق واشترى له ثوبا واخذ ثمنه، فصار في يده، وكذلك يصنع التجار، ياخذ بعضهم من بعض، ثم جائه رجل آخر فقال له يا ابا عمارة ان عندي عدلا من كتان، فهل تشتريه منى واؤخرك بثمنه سنة ؟ قال: نعم، احمله وجئنى به قال: فحمله إليه، فاشتراه منه بتأخير سنة، قال: فقام الرجل فذهب ثم اتاه آت من اهل السوق، فقال له: يا ابا عمارة ما هذا العدل ؟ قال هذا عدل اشتريته، قال بعنى نصفه واعجل لك ثمنه، قال: نعم، فاشتراه منه واعطاه نصف المتاع واخذ نصف الثمن. قال: فصار في يده الباقي إلى سنة، فجعل يشترى بثمنه الثوب والثوبين، ويعرض ويشترى ويبيع، حتى اثرى وعز وجهه (2) وصار معروفا " (3).


(1) الوسائل ج 12 ص 34 رقم: 2 (2) في نسخة الكافي: وعرض وجهه (3) الكافي ج 5 ص 304 حديث: 3

[ 8 ]

وعن ابى حمزة الثمالى، عن ابى جعفر عليه السلام قال: رسول الله صلى الله عليه واله في حجة الوداع: الا ان الروح الامين نفث في روعى (1) انه لا يموت نفس حتى يستكمل رزقها، فاتقو الله تعالى واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق ان تطلبوه بشئ من معصية الله، فان الله تبارك وتعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا، ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله عزوجل وصبر آتاه الله برزقه من حله. ومن هتك حجاب الستر وعجل فاخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة " (2). وبهذا المضمون اخبار عديدة، وروى في الكافي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورواه في الفقيه مرسلا " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم العون على تقوى الله الغنى " (3). وروى في الكافي عن عمرو بن جميع قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: " لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال يكف به وجهه ويقضى به دينه، ويصل به رحمه " (4). وعن ابى عبد الله عليه السلام قال: " نعم العون على الاخرة الدنيا " (5). وعن على الاحمسي، عن رجل عن ابى جعفر عليه السلام قال: " نعم العون الدنيا، على طلب الاخرة " (6). وروى في الفقيه مرسلا قال: قال الصادق عليه السلام: " ليس منا من ترك دنياه لاخرته،


(1) الروع - بضم الراء -: سواد القلب، والمراد: روحه الكريمة كناية عن الباطن. (2) الوسائل ج 12 ص 27 حديث: 1 (3) الكافي ج 5 ص 71 حديث: 1 (4) الكافي ج 5 ص 72 حديث: 5 (5) الكافي ج 5 ص 72 حديث: 9 (6) الكافي ج 5 ص 73 حديث: 14

[ 9 ]

ولا آخرته لدنياه " (1). قال: روى عن العالم عليه السلام انه قال: " اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا واعمل لاخرتك كانك تموت غدا " (2). إذا عرفت ذلك ففى هذا المقام فوائد لطيفة، وفرايد منيفة، تهش إليها الطباع القويمة، وتلتذ بها الاسماع السليمة: الفائدة الاولى اعلم انه كما استفاضت الاخبار بالامر بطلب الرزق وذم تاركه، حتى ورد لعن من القى كله على الناس، كما تقدم (3) وورد الترغيب فيه كما تقدم، حتى ورد ايضا ان العبادة سبعون جزءا، افضلها طلب الحلال، كما قد استفاضت الاخبار بطلب العلم و وجوب التفقه في الدين وانه فريضة على كل مسلم كما في الكافي (4) والتهذيب و غيره من الاخبار المتكاثرة بذلك. وجملة من عاصرناه من علمائنا الاعلام ومشايخنا الكرام ومن سمعنا به قبل هذه الايام كلهم كانوا على العمل بهذه الاخبار، فانهم كانوا مشغولين بالدرس والتدريس ونشر احكام الشريعة والتصنيف والتأليف من غير اشتغال بطلب المعاش وغير ذلك مع ما عرفت من تلك الاخبار من مزيد الذم لتارك الطلب حتى ورد لعنه، الدال على مزيد الغضب. وحينئذ فلا بد من الجمع بين اخبار الطرفين على وجه يندفع به التنافى من البين، وذلك باحد وجهين:


(1) الوسائل ج 12 ص 49 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 49 حديث: 2 (3) راجع: الكافي ج 5 ص 72 (4) راجع: - الاصول - ج 1 ص 30 فما بعد

[ 10 ]

الاول - ولعله الاظهر، كما هو بين علمائنا اشهر - تخصيص الاخبار الدالة على وجوب طب الرزق بهذه الاخبار الدالة على وجوب طلب العلم، بان يقال بوجوب ذلك على غير طالب العلم المشتغل بتحصيله واستفادته أو تعليمه وافادته. وبهذا الوجه صرح شيخنا الشهيد الثاني في كتاب " منية المريد في آداب المفيد والمستفيد " حيث قال في جمله شرايط تحصيل العلم ما لفظه: " وإن يتوكل على الله ويفوض امره إليه ولا يعتمد على الاسباب فيوكل إليها وتكون وبالا عليه، ولا على احد من خلق الله تعالى، بل يلقى مقاليد امره إلى الله تعالى في امره ورزقه وغيرهما يظهر له من نفحات قدسه ولحظات انسه ما يقوم به أوده، و يحصل مطلوبه، ويحصل به مراده. وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه واله " ان الله تعالى قد تكفل لطالب العلم برزقه خاصة عما ضمنه لغيره " بمعنى ان غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالبا، وطالب العلم لا يكلف بذلك بل بالطلب، وكفاه مؤنة الرزق ان احسن النية واخلص العزيمة، وعندي في ذلك من الوقايع و الدقايق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله تعالى من حسن صنيع الله بى وجميل معونته، منذ اشتغلت بالعلم وهو مبادى عشر الثلاثين وتسعمائة، إلى يومى هذا، وهو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وتسعماءة وبالجملة ليس الخبر كالعيان. وروى شيخنا المقدم محمد بن يعقوب الكليني باسناده إلى الحسين بن علوان، قال: كنا في مجلس نطلب فيه العلم وقد نفدت نفقتى في بعض الاسفار، فقال لى بعض اصحابنا: من تؤمل لما قد نزل بك ؟ فقلت: فلانا: فقال: إذا والله لا تسعف حاجتك (1) ولا يبلغك املك، ولا تنجح طلبتك ! قلت: وما علمك رحمك الله ؟ قال ان ابا عبد الله عليه السلام: حدثنى انه قرأ في بعض الكتب: ان الله تبارك وتعالى يقول وعزتي وجلالى ومجدى وارتفاعي على عرشى، لاقطعن أمل كل مؤمل (من الناس) غيرى باليأس، ولا كسونه ثوب المذلة عند الناس ولانحينه من قربى، ولابعدنه من فضلى، أيومل


(1) أي لا تقضى

[ 11 ]

غيرى في الشدايد، والشدايد بيدى ويرجو غيرى ويقرع بالفكر باب غيرى ؟ وبيدي مفاتيح الابواب، وهى مغلقة. وبابى مفتوح لمن دعاني فمن ذا الذى املنى لنوائبه فقطعته دونها، ومن ذا الذى رجاني لعظيمة فقطعت رجائه منى ؟ ! جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي وملات سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي وامرتهم ان لا يغلقوا الابواب بينى وبين عبادي فلم يثقوا بقولى ! الم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي انه لا يملك كشفها احد غيرى الا من بعد اذنى فمالى اراه لاهيا عنى، اعطيته بجودى ما لم يسالنى، ثم انتزعته عنه فلم يسالنى رده، وسال غيرى. افيراني ابدأ بالعطاء قبل المسالة ثم اسال فلا اجيب سائلي ! ابخيل انا فيبخلنى عبدى ؟ ! أو ليس الجود والكرام لى ؟ ! أو ليس العفو والرحمة بيدى ؟ ! اوليس انا محل الامال ؟ فمن يقطعها دوني ؟ ! افلا يخشى المؤملون ان يؤملوا غيرى ؟ !. فلو ان اهل سماواتي واهل ارضى املوا جميعا ثم اعطيت كل واحد منهم مثل ما امل الجميع، ما انتقص من ملكى مثل عضو ذرة، وكيف ينقص ملك اناقيمه ؟ !، فيا بؤسا للقانطين من رحمتى ويا بؤسا لمن عصاني، ولم يراقبني (1). ورواه الشيخ المبرور بسند آخر عن سعيد بن عبد الرحمن، وفى آخره: " فقلت: يا ابن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - امل على، فأملاه على، فقلت: لا والله ما اسأله حاجة بعدها. اقول: ناهيك بهذا الكلام الجليل الساطع نوره من مطالع النبوة على افق الولاية من الجانب القدسي، حاثا على التوكل على الله وتفويض الامر إليه، والاعتماد في جميع المهمات عليه، فما عليه مزيد من جوامع الكلام في هذا المقام " (2).


(1) الكافي - الاصول - ج 2 ص 66 - 67 (2) منية المريد ص 46 - 47 طبعة النجف

[ 12 ]

انتهى كلام شيخنا المشار إليه، افاض الله شئآبيب قدسه عليه. اقول: ويدل على ذلك ايضا باصرح دلالة ما رواه شيخنا ثقة الاسلام في الكافي ايضا باسناد إلى ابى اسحق السبيعى عمن حدثه قال سمعت امير المؤمنين عليه السلام يقول: " ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم والعمل به، الا وان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال، ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه، وسيفي لكم والعلم مخزون عند أهله، وقد امرتم بطلبه من اهله فاطلبوه. (1). ولا يخفى ما في هذا الخبر من الصراحة في المدعى. اما الامر بطلب العلم دون طلب المال، لان الرزق كما ذكره عليه السلام مقسوم مضمون وهو اشارة إلى قوله تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " (2) وقوله تعالى: " وما من دابة في الارض الا على الله رزقها " (3). ويؤكده ما رواه شيخنا المذكور في كتابه المشار إليه، بسنده عن ابى جعفر - عليه السلام - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يقول الله - عزوجل - وعزتي و جلالى وعظمتي وكبريائي ونورى وعلوى وارتفاع مكاني لا يوثر عبد هواه على هواى الا شتت امره ولبست عليه دنياه وشغلت قبله بها ولم اوته منها الاما قدرت له. وعزتي وجلالى وعظمتي ونورى وعلوى وارتفاع مكاني، لا يوثر عبد هواى على هواه الا استحفظته ملائكتي وكفلت السموات والارضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر وآتته الدنيا وهى راغمة (4). وقد حكى لى والدى العلامة عن جمع من فضلاء بلادنا (البحرين) الذين بلغوا من الفضل علما وعملا وتقوى ونبلا ما هو اشهر من ان ينقل:


(1) الكافي - الاصول - ج 1 ص 30 حديث: 4 (2) سورة الزخرف: 32 (3) سورة هود: 6 (4) الكافي - الاصول - ج 2 ص 335 حديث: 2

[ 13 ]

منهم العلامة الفقيه الشيخ سليمان بن على الشاخورى وهو استاد شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني، ومنهم العلامة المحقق المدقق الشيخ محمد بن يوسف المعابى البحراني، ومنهم الشيخ الفقيه الذى رجعت إليه رياسة البلاد في زمانه امرا ونهيا وفتوى، الشيخ محمد بن سليمان البحراني، فانهم كانوا في مبدء الاشتغال على غاية من الفقر والحاجة، حتى ان الشيخ سليمان بن على المذكور، كان يحضر الدرس في حلقة الشيخ العلامة الشيخ على بن سليمان البحراني وهو احد تلامذة شيخنا البهائي وهو اول من نشر علم الحديث بالبحرين وكان الشيخ سليمان المذكور يحضر حلقة درسه حتى إذا صار قريب الظهر ودخل الشيخ على البيت لاجل الغذاء، وتفرق المجلس، مضى الشيخ المزبور للصحراء في وقت الربيع واكل من حشايش التراب ما يسد جوعه، ثم بعد خروج الشيخ يعود للحضور. ومن هذا القبيل حكايات الباقين مما يطول بنقله الكلام. وحيث انهم رضوان الله عليهم طلقوا الدنيا وقصروا على الرغبة في الاخرى، ارتقوا من الدنيا اعلى مراتبها وانقادت لهم بازمتها وتراقيها حتى صار كل منهم نابغة زمانه ونادرة اوانه، وهو وفق الحديث القدسي المتقدم. لكن ينبغى ان يعلم ان هذه المرتبة ليست سهلة التناول لكل طالب، ولا ميسرة الا باخلاص النية له في طلب العلم، فان مدار الاعمال على النيات، وبسببها يكون العلم تارة خزفة لاقيمة لها، وتارة جوهرة فاخرة لا يعلم قيمتها، لعظم قدرها، وتارة يكون وبالا على صاحبه مكتوبا في ديوان السيئات، وان كان ما اتى به بصورة الواجبات. فيجب على الطالب ان يقصد بطلبه الاخلاص لوجه الله تعالى وامتثال امره، واصلاح نفسه وارشاد عباده إلى معالم دينه، ولا يقصد بذلك شيئا من الاعمال الدنيوية من تحصيل مال، وجاه، ورفعة وشهرة بين الناس، أو المباهاة والمفاخرة للاقران، والترفع على الاخوان ونحو ذلك مما يوجب البعد منه سبحانه وتعالى، والخذلان، مضافا إلى

[ 14 ]

ذلك التوكل عليه سبحانه في جميع الامور، والقيام باوامره ونواهيه في الورود والصدور كما تقدم في كلام شيخنا المذكور. الثاني: التفصيل في ذلك ويتوقف على بيان كلام في المقام: وهوانه ينبغى ان يعلم اولا: ان العلم منه ما هو واجب وما هو مستحب، والاول منه ما هو واجب عينا ومنه ما هو واجب كفاية. فاما الواجب عينا فهو العلم بالله سبحانه وصفاته وما يجوز عليه ويمتنع، حسبما ورد في الكتاب العزيز والسنة النبوية على الصادع بها وآله اشرف صلاة وتحية، وما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من احوال المبدء والمعاد مما علم تواتره من دينه صلى الله عليه وآله وسلم ولو تقليدا تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب وما يحصل به الاذعان والتصديق، وفاقا لجمع من متأخري اصحابنا - رضوان الله عليهم - وما زاد على ذلك من الادلة التى قررها المتكلمون والخوض في دقايق علم الكلام فهو فرض كفاية على المشهور صيانة للدين عن شبه المعاندين والملحدين. ومن الواجب العينى ايضا تحصيل العلم بواجبات الصلاة حيث يكلف بها ولو تقليدا وواجبات الصيام كذلك، والزكوة ممن يخاطب بها، والحج كذلك ايضا وهكذا من كل ما يجب على المكلف بوجود اسبابه، وما زاد من تحصيل العلوم في هذه الحال على ما ذكرناه فهو مستحب. ومن الواجب العينى ايضا ما يحصل به تطهر القلب من الملكات الردية المهكة، كالرياء والحسد والعجب والكبر ونحوها كما حقق في محل مفرد، وهو من اجل العلوم قدرا واعلاها ذكرا بل هو الاصل الاصيل للعلوم الرسمية، وان كان الان قد اندرست معالمه بالكلية وانطمست مراسمه العلية، فلا يرى له اثر ولا يسمع له خبر. واما الواجب كفاية فهو ما فوق هذه المرتبة فيما تقدم ذكره حتى يبلغ درجة العلم بالاحكام الشرعية عن ادلتها التفصيلية، وهو المعبر عنه في ألسنة الفقهاء بالاجتهاد. هذا إذا لم يوجد من يتصف به ويقوم به في ذلك القطر، والا كان ذلك مستحبا

[ 15 ]

لان الواجب الكفائي مع وجود من يقوم به يسقط وجوبه عن الباقين، فيكون مستحبا ويكون هذا من القسم الثاني في التقسيم الاول. وما يتوقف عليه الوصول إلى مرتبة الاجتهاد من العلوم الاتية وغيرها تابع له في الوجوب والاستحباب. ثم اعلم ايضا ان تحصيل الرزق منه ما يكون واجبا وهو ما يحصل به البلغة والكفاف لنفسه وعياله الواجبى النفقة عليه بحيث يخرج عن ان يكون مضيقا. ومنه ما يكون مستحبا، وهو طلب ما زاد على ذلك للتوسعة على نفسه وعياله، وهو الصرف في وجوه البر والخيرات. ومنه ما يكون مكروها وهو ما يقصد به الزيادة في جمع المال وادخاره والمكاثرة والمباهاة به والحرص عليه. ومنه ما يكون محرما وهى ما يقصد بتحصيله الصرف في اللهو واللعب والمعاصي ونحو ذلك. إذا عرفت ذلك فاعلم: ان وجه ما اشرنا إليه آنفا من التفصيل، هوان هيهنا صورا: (احديها) تعارض الواجب العينى من طلب العلم مع الواجب من طلب الرزق، والظاهر ان الواجب هنا تقديم طلب الرزق ان انسدت عليه وجوه التحصيل مما سواه لان في تركه حينئذ القاء باليد إلى التهلكة. والمعلوم من الشارع في جملة من الاحكام تقديم مراعاة الابدان على الاديان، ولهذا اوجب الافطار على المريض المتضرر بالصوم وان اطاقه. والتيمم على المتضرر بالماء وان لم يبلغ المشقة، والقعود في الصلاة على المتضرر بالقيام. واباح الميتة لمن اضطر إليها، ونحو ذلك مما يقف عليه المتتبع. اما لو حصل له من وجه الزكاة أو نحوها مما يمونه وجب تقديم العلم البتة. (وثانيها) تعارض الواجب العينى من العلم، مع المستحب من طلب الرزق ولا ريب في تقديم طلب العلم. (وثالثها) تعارض الواجب من طلب الرزق، مع الواجب الكفائي من طلب العلم، ولاريب ايضا في تقديم طلب الرزق لما ذكر في الصورة الاولى.

[ 16 ]

هذا إذا لم يمكن الجمع بين الامرين، والا وجب الجمع بقدر الامكان في الواجبين. وباقى الصور يعرف بالمقايسة. ولا يخفى ان ما ذكرناه في هذا المقام وان كان خارجا عن موضوع الكتاب، الا ان فيه فوائد جمة، لاتخفى على ذوى الافهام والالباب والله العالم. الفائدة الثانية قد عرفت مما قدمناه من الاخبار ومثلها غيرها مما لم نذكره، الدلالة على وجوب طلب الرزق، واستحباب جمع المال بتجارة كان أو زراعة أو صناعة، مع انا نرى في هذه الاوقات ولا سيما في ارض العراق زيادة جور السلاطين وظلمهم على من اشتغل بشئ من ذلك حتى آل الامر إلى تركهم ذلك أو الفرار من ديارهم إلى بعض الاقطار ومنه يحصل الاشكال في العمل بتلك الاخبار، اللهم الا ان يقال: ان السبب التام في تعدى الحكام على اولئك الانام، انما هو تعديهم الحدود الشرعية والاحكام، في اعمالهم أو غيرها، وعدم القيام بما اوجبه الملك العلام. ويدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب المجالس بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال الله تعالى: " انا خلقت الملوك وقلوبهم بيدى، فايما قوم اطاعوني جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة، وايما قوم عصوني، جعلت قلوب الملوك عليهم سخطة. الا لا تشغلوا انفسكم بسب المملوك. توبوا إلى، اعطف قلوبهم عليكم " (1). وهو كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة، في ان تسلط الملوك عليهم وظلمهم لهم انما نشأ من ظلمهم انفسهم، وتعديهم الحدود الشرعية، ومن ثم منعهم من سب الملوك وتظلمهم من الحكام، فإنه سبحانه هو الذى سلطهم عليهم، وامرهم بالتوبة والانابة، ليعطف قلوب الحكام عليهم. ويؤيده ما ورد في بعض الاخبار التى يحضرني الان موضعها، من قوله تعالى:


(1) امالي الصدوق ص 220 - بحار الانوار ج 75 ص 341

[ 17 ]

" إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني " (1). وما قيل ايضا: اعمالكم عمالكم. وبه يزول الاشكال من هذا المجال والله العالم. الفائدة الثالثة قد دلت جملة من الاخبار المتقدمة على ان الواجب هو التعرض للرزق ولو بالجلوس في السوق، متعرضا للذلك والله سبحانه مسبب الاسباب، يسوق إليه رزقه، إذا كان جلوسه عن نية صادقة وتوكل على الله سبحانه وثيق، فانه تعالى هو الرزاق، واما ما يفعله بعض ابناء هذا الزمان من شغل فكره وبدنه بالسعي في التحصيل والكدح والحيل ونحوها ليستغرق اوقاته ويشتغل بها عن اقامة الطاعات والمحافظة على السنن والواجبات ولا يبالي بتحصيله من وجوه الحلال كان أو من الشبهات أو المحرمات، فهو من تسويلات الشيطان الرجيم، وفعله الذميم. ويعضد ما قلناه ما تقدم مما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى حمزة الثمالى عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوادع: " الا ان الروح الامين نفث في روعى انه لا يموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله عزوجل واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق ان تطلبوه بشى من معصية الله، فان الله تبارك وتعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا ولم يقسمها حراما، فمن اتقى الله عزوجل وصبر اتاه الله برزقه من حله، ومن هتك حجاب الستر وعجل فاخذه من غير حله، قص به من رزقه الحلال، وحوسب عليه يوم القيامة " (2). وبمضمونه اخبار عديدة وفى بعضها: " لو كان العبد في جحر لاتاه الله رزقه " (3).


(1) الكافي ج 2 ص 276 حديث: 31 (2) الكافي ج 5 ص 80 حديث: 1 (3) الكافي ج 5 ص 81 حديث: 4 والحجر: الغار البعيد الغور. وهو بتقديم الجيم المفتوحة.

[ 18 ]

وفى آخر عن امير المومنين عليه السلام " كم من متعب نفسه مقتر عليه. ومقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير " (1). وبالجملة فان الانسان متى ايقن ان الرزق بيد الله سبحانه وانه قد قسمه من عالم الا زال، وضمن ايصاله لصاحبه وانه انما امره بالطلب والتعرض له من مظانه، لكى يأتيه كما وعد به، وقد روى: " الرزق رزقان، رزق تطلبه ورزق يطلبك " (2). وحينئذ فالعاقل العالم بذلك لايهم بذلك ولا يشغل فكره، ولا يتعب ليله ونهاره، ولا يتجاوز الحدود الشرعية في طلبه. ولكن الشيطان الرجيم والنفس الامارة، والجهل بالاحكام الشرعية والحدود المرعية، هي السبب في وقوع الناس في شباك (3) الخناس وتضييعهم الدين في طلب هذه الدنيا الدنية، فانهم يرون ان ما يحصلونه انما حصل بجدهم واجتهادهم وحيلهم وافكارهم وسعيهم الليل والنهار في ذلك، وهذا هو الداء الذى لا دواء له. وقد روى في الكافي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " كان امير المومنين عليه السلام كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينا، ان الله عزوجل لم يجعل للعبد وان اشتد جهده وعظمت حيلته وكثرت مكابدته، ان يسبق ما سمى له في الذكر الحكيم، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقله حيلته، ان يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم. ايها الناس انه لن يزداد امرء نقيرا بحذقه ولم ينقص امرء نقيرا لحمقه، فالعالم لهذا العامل به اعظم الناس راحة في منفعته. والعالم لهذا التارك له اعظم الناس شغلا في مضرته. ورب منعم عليه مستدرج بالاحسان إليه، ورب مغرور من الناس مصنوع له. فافق ايها الساعي من سعيك وقصر من عجلتك، وانتبه من سنة غفلتك " الحديث. (4)


(1) الكافي ج 5 ص 81 حديث: 6 (2) الوسائل ج 12 ص 31 حديث: 5 (3) الشباك: جمع شبكة وهي المصيدة (4) الكافي ج 5 ص 82 حديث: 9

[ 19 ]

الفائدة الرابعة قد تقدم في الفايدة الاولى الاشارة إلى ان الواجب العينى بالنسبة إلى العلم بالاحكام الشرعية ما يتوقف عليه صحة العمل، الذى يشتغل به المكلف من حج أو زراعة أو تجارة فانه لابد من التفقه في ذلك العمل. ومعرفة احكامه وما لا يجوز وما يصح به ويفسد، فينبغي لمريد التجارة ان يبدأ بالتفقه فيما يتولاه منها، ليتمكن بذلك من الاحتراز عما حرم الله تعالى عليه في ذلك، ويعرف ما احله وحرمه، لا سيما الربا وبيع المجهول وشرائه، مما يشترط فيه الوزن والكيل، وبيع غير البالغ العاقل وشرائه ونحو ذلك مما سيأتي انشاء الله تعالى في محله مما يوجب صحة البيع وفساده، وآداب التجارة من مستحباتها ومكروهاتها، وان كان اهل هذا الزمان والايام لمزيد جهلهم باحكام الملك العلام، لا يبالون بما وقعوا فيه من حلال وحرام وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: التاجر فاجر، والفاجر في النار، الا من اخذ الحق واعطى الحق " (1). وروى الصدوق عن الاصبغ بن نباته، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول على المنبر: " يا معشر التجار، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الامة اخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا ايمانكم بالصدق، التاجر فاجر والفاجر في النار الا من اخذ الحق واعطى الحق ". ورواه في الكافي عن الاصبغ بن نباته مثله (2). وعن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: " من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم " (3). قال: وكان امير المؤمنين عليه السلام يقول: " لا يقعدن في السوق الا من يعقل الشراء


(1) الوسائل ج 12 ص 285 حديث: 5 (2) الكافي ج 5 ص 150 رقم: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 2

[ 20 ]

والبيع " (1). وقال الصادق عليه السلام على ما رواه شيخنا المفيد في المقنعة: " من اراد التجارة فليتفقه في دينه ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، ومن لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات " (2). وروى في الكافي بسنده عن عمرو بن المقدام عن جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: " كان امير المومنين عليه السلام عند كونه بالكوفة عندكم يغتدى كل يوم بكرة من القصر، فيطوف في اسواق الكوفه سوقا سوقا، معه الدرة على عاتقه، وكان لها طرفان، وكانت تسمى السبيبة فيقف على اهل كل سوق، فينادى: يا معشر التجار اتقوا الله عزوجل، فإذا سمعوا صوته القوا ما بايديهم وارعوا إليه بقلوبهم، وسمعوا بآذانهم فيقول عليه السلام: قدموا الاستخارة وتبركوا بالسهولة واقتربوا من المبتاعين وتزينوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين و جانبوا الكذب، وتجافواعن الظلم، وانصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا واوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس اشيائهم، ولا تعثوا في الارض مفسدين. فيطوف في اسواق الكوفة، ثم يرجع فيقعد للناس " (3). ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا. وفى المحاسن مسندا في الصحيح عن محمد ابن قيس عن ابى جعفر عليه السلام نحوه. وعن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: " من باع واشترى فليحفظ خمس خصال، والا فلا يشترين ولا يبيعن: الربا والحلف، وكتمان العيب، والحمداذا باع والذم إذا اشترى " (4). وعن احمد بن محمد بن عيسى رفع الحديث قال كان أبو امامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " اربع من كن فيه طاب مكسبه:


(1) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 4 (3) الكافي ج 5 ص 151 رقم: 3 (4) الكافي ج 5 ص 150 رقم: 2

[ 21 ]

إذ اشترى لم يعب، وإذا باع لم يحمد، ولا يدلس، وفيما بين ذلك لا يحلف " (1). وروى الصدوق مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا معشر التجار ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، تبعثون يوم القيامة فجارا الا من صدق حديثه، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التاجر فاجر، والفاجر في النار الا من اخذ الحق واعطى الحق ". قال: قال عليه السلام: " يا معشر التجار صونوا اموالكم بالصدقة تكفر عنكم ذنوبكم، وايمانكم التى تحلفون فيها، وتطيب لكم تجارتكم " (2) وروى السيد رضى الدين بن طاووس في كتاب الاستخارات عن احمد بن محمد ابن يحيى قال: اراد بعض اوليائنا الخروج للتجارة، فقال: لا اخراج حتى اتى جعفر بن محمد عليه السلام فأسلم عليه واستشيره في امرى هذا واسأله الدعاء لى. قال: فاتاه فقال له: يا ابن رسول الله، انى عزمت على الخروج إلى التجارة، وانى آليت على نفسي ان لا اخرج حتى القاك واستشيرك واسألك الدعاء لى. قال: فدعا له و قال عليه السلام: عليك بصدق اللسان في حديثك ولا تكتم عيبا يكون في تجارتك ولا تغبن المسترسل (3) فان غبنه لا يحل. ولا ترض للناس الا ما ترضى لنفسك. واعط الحق وخذه ولا تخف ولا تخن. فان التاجر الصدوق مع السفرة الكرام البررة يوم القيامة، واجتنب لحلف فان اليمين الفاجرة تورث صاحبها النار، والتاجر فاجر الا من اعطى الحق واخذه. وإذا عزمت على السفر أو حاجة مهمة فاكثر الدعاء والاستخارة، فان ابى حدثنى عن ابيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم اصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة


(1) الوسائل ج 12 ص رقم: 3 (2) الوسائل ج 12 ص 285 رقم: 4 و 5 و 6 (3) قال في مجمع البحرين: الاسترسال: الاستيناس والطمأنينة الى الانسان والثقة به فيما يحدث. واصله الكون والثبات. ومنه الحديث: ايما مسلم استرسل الى مسلم فغبنه فهو كذا ومنه: غبن المسترسل سحت. ومنه: غبن المسترسل ربا. منه قدس سره.

[ 22 ]

من القرآن " (1) الحديث. اقول: قد تقدم في كتاب الصلاة في باب صلاة الاستخارة ان احد معانيها: طلب الخير منه سبحانه، وهو المراد هنا أي طلب الخير في البيع والشراء. وما اشتمل عليه حديث عمرو بن ابى المقدام (2) من انه عليه السلام كان يطوف اسواق الكوفة والدرة على عاتقه. والدرة بكسر الدال: السوط، والجمع: درر، مثل سدرة وسدر. وفى هذا الخبر: لها طرفان. وفى خبر آخر: لها سبابتان، وقال في كتاب مجمع البحرين: الدرة بالكسر التى كان يضرب بها. و هو يرجع إلى ما ذكرناه من السوط. فانه الذى يضرب به في الحدود الشرعية. واما لفظ السبيبة فضبطه بعض المحدثين بالمهملة والمثناة التحتانية بين الموحدتين. وظاهر كلام بعض اصحابنا المحدثين من متأخري المتأخرين: انه ربما كان الموجود من هذا اللفظ في الخبر انما هو بمركزين بعد السين اولهما باء موحدة، و الثانية تاء مثناة فوفانية. قال: السبتة بكسر السين وسكون الموحدة قبل المثناة الفوقانية: جلود البقر تحذى منها النعال السبتية. فعلى هذه النسخة يمكن ان تكون درته عليه السلام مأخوذة منها والله العالم.


(1) الوسائل ج 12 ص 28 رقم: 7 (2) الوسائل ج 12 ص 284 رقم: 1. وتقدم في ص 20

[ 23 ]

المقدمة الثانية في آداب التجارة واوجبها واهمها التفقه في الدين. وقد تقدم الكلام في ذلك وتقدمت الاخبار الدالة عليه باوضح دلالة. ليعرف كيفية الاكتساب ويميز بين صحيح العقود وفاسدها لان العقد الفاسد لا يوجب نقل الملك عن مالكه. بل هو باق على ملك الاول. فيلزم من ذلك تصرفه في غير ملكه ويركب المآثم من حيث لا يعلم، إلى غير ذلك من المفاسد والمآثم المترتبة على الجهل. ومن ثم استفاضت الاخبار كما عرفت بالحث على التفقه وتعلم احكام التجارة. ومنها انه سيتحب ان يساوى بين المبتاعين والبايعين، فالصغير عنده بمنزلة الكبير، والغنى كالفقير، والمجادل كغيره، والمراد ان لا يفاوت بينهما في الانصاف بالمماكسة وعدمها. والظاهر انه لوفاوت بينهما بسبب الدين والفضل فلا بأس. قيل: ولكن يكره للاخذ قبول ذلك، حتى نقل ان السلف كانوا يوكلون في الشراء من لا يعرف، هربا من ذلك.

[ 24 ]

والذى وقفت عليه في هذا المقام من الاخبار: ما رواه في الكافي عن عامر بن جذاعة، عن ابى عبد الله عليه السلام " انه قال في رجل عنده بيع فسعره سعرامعلوما فمن سكت عنه ممن يشترى منه باعه بذلك السعر، ومن ماكسه وابى ان يبتاع منه زاده، قال: لو كان يزيد الرجلين والثلاثة لم يكن بذلك بأس فاما ان يفعله بمن ابى عليه وكايسه ويمنعه ممن لم يفعل ذلك فلا يعجبنى الا ان يبيعه بيعا واحدا " (1) اقول: قوله: عنده بيع أي متاع يبيعه، والمراد بالزيادة يعنى من المتاع لا السعر، كما ربما يتوهم من ظاهر السياق: والمراد ان من لم يماكسه يبيعه بسعره المعلوم ومن ماكسه نقص له السعر وزاده من المتاع. والظاهر ان تجويز الرجلين والثلاثة لما قدمناه من رعاية حالهم للفقر أو العلم والصلاح. قيل: ويحتمل ان المعنى انه إذا كان التفاوت في السعر، لان المشترى منه يشترى جميع المتاع، أو اكثره بيعا واحدا فيبيعه ارخص ممن يشترى منه شيئا قليلا كما هو الشايع فلا بأس. ولعله اظهر انتهى. اقول: لا يخفى حسن هذا المعنى في حد ذاته، اما فهمه من سياق الخبر فالظاهر انه لا يخلو من بعد. وكيف كان فظاهر هذه الرواية، كما ترى، كراهة المفاوتة بسبب المماكسة وعدمها. وما رواه في الكافي - ايضا - عن ميسر " قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: ان عامة من يأتيني من اخواني، فحد لى من معاملتهم مالا اجوزه إلى غيره، فقال: ان وليت اخاك فحسن، والا فبع بيع البصير المداق " (2). اقول: الظاهر ان قوله: " ان وليت اخاك " من التولية بمعنى البيع بالثمن الذى اشتريت من غير زيادة ولا نقصان، وهو الربح والمواضعة. واما ما قيل من ان المراد


(1) الكافي ج 5 ص 152 حديث: 10 (2) الكافي - الفروع - ج 5 ص 153 حديث: 19 والتهذيب ج 7 ص 7 حديث 24

[ 25 ]

بالتولية: الوعد بالاحسان، أو هو بالتخفيف بمعنى المعاشرة واختيار الايمان فلا يخفى ما فيه من البعد الظاهر. وظاهر الخبر انه البيع برأس المال، وتجوز المداقة، وهى المناقشة في الامور ومنه الحديث " انما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا " (1). وفى القاموس: المداقة ان تداق صاحبك في الحساب، وظاهر الخبر: جواز كل من الامرين، وان كان الاول افضل. وقيل: ان المعنى: ان كان المشترى اخاك المومن فلا تربح عليه والافبع بيع البصير المداق، والاول الصق بسياق الخبر، والثانى احسن واظهر في حد ذاته وان امكن حمل الخبر عليه. (ومنها): كراهة الربح على المومن، وعلى الموعود بالاحسان. اما الثاني فلما رواه في الكافي والتهذيب عن على بن عبد الرحيم عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: " إذا قال الرجل للرجل: هلم احسن بيعك. يحرم عليه الربح " (2). وهو مبالغة في الكراهة، كما صرح به الاصحاب. واما الاول فقد صرح الاصحاب بكراهة الربح على المومن الا مع الضرورة، فيربح قوت يومه له ولعياله إذا كان شراؤه للقوت ونحوه، اما لو كان للتجارة فلا بأس بالربح عليه مطلقا، لكن يستحب الرفق به. والظاهر ان المستند فيه هو ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن سليمان بن صالح وابى شبل عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " ربح المؤمن على المؤمن ربا، الا ان يشترى باكثر من مأة درهم فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة. فاربحوا عليهم وارفقوا بهم " (3).


(1) اصول الكافي ج 1 ص 11 حديث: 7 (2) التهذيب ج 7 ص 7 حديث: 21. والكافي ج 5 ص 152 حديث: 9 (3) الكافي ج 5 ص 154 حديث: 22

[ 26 ]

وظاهر الخبر: كراهة الربح عليه مطلقا إذا كان الشراء لغير التجارة، الا ان يشترى باكثر من مأة درهم، فيجوز ان يربح عليه قوت يومه. ولا يخفى ما فيه من المخالفة لكلامهم، مع انه قد روى الشيخ في التهذيب والصدوق في الفقيه عن على بن سالم عن ابيه قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الخبر الذي روى " ان ربح المؤمن على المؤمن ربا " ما هو ؟ فقال: " ذلك إذا ظهر الحق وقام قائمنا - اهل البيت عليهم السلام - فاما اليوم فلا بأس ان تبيع من الاخ المؤمن وتربح عليه (2). وروى الشيخان المذكوران عن عمر بن يزيد بياع السابرى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ان الناس يزعمون ان الربح على المضطر حرام وهو من الربا، فقال: وهل رأيت احدا اشترى غنيا أو فقيرا الا من ضرورة، يا عمر قد احل الله البيع وحرم الربا، فاربح ولا ترب. قلت: وما الربا ؟ فقال: درهم بدراهم، مثلين بمثل، وحنطة بحنطة، مثلين بمثل (3). اقول: ظاهر هذين الخبرين يؤذن بان الخبر الاول انما خرج مخرج التقية، لان الاول منهما - وان دل على مضمون الخبر الاول - لكن خصه بما بعد خروج القائم عليه السلام دون هذه الاوقات، الا ان الخبر الثاني دل على نسبة الخبر المذكور للناس الذى هو كناية عن المخالفين، وهو عليه السلام قد كذبهم في ذلك، ورد عليهم في ان المشترى مطلقا لا يشترى الا من حيث الحاجة والضرورة إلى ذلك الذى يشتريه. فان قيل: انه لا منافاة، لجواز حمل الخبر الاول على كراهة الربح على المؤمن،


(1) اقول بهذه الرواية نقله في كتاب الفقه الرضوي، فقال - عليه السلام -: وروى ربح المؤمن على اخيه ربا الا ان يشتري منه باكثر من مأة درهم فيربح فيه قوت يومه أو يشتري متاعا للتجارة فيربح عليه خفيفا. انتهى منه قدس سره. (2) الوسائل ج 12 ص 294 حديث: 4 (3) التهذيب ج 7 ص 18 حديث: 78. الفقيه ج 3 ص 176 حديث: 13

[ 27 ]

كما تقدم، وان بالغ في الكراهة بجعله من قبيل الربا، والخبرين المذكورين على الجواز. قلنا: لو كان المعنى كما ذكرت لكان الانسب في جواب السائلين المذكورين في هذين الخبرين، بان الخبر المذكور انما اريد به الكراهة دون ما يدل عليه ظاهره من التحريم، لا انه عليه السلام يقر السائل على ظاهر الخبر من التحريم وبحمله في اول الخبرين على زمان القائم عليه السلام وفي ثانيها يكذبه ويرده، ثم يامر في الخبرين بالربح على المؤمن بخصوصه كما في الاول، ومطلقا كما في الثاني. ومما ذكرناه يظهر ان ما ذكره الاصحاب من الحكم المذكور لا مستند له في الباب، ولم يحضرني كلام لاحد منهم في المقام زيادة على ما قدمنا نقله عنهم من الكلام. ومما يؤكد الخبرين المذكورين - مما يدل على جواز الربح بل استحبابه - اولا -: هو ان المقصود الذاتي من التجارة والامر بها والحث عليها لاجل الاستغناء عن الناس وكف الوجه عن السؤال والاستعانة بالدنيا على الدين ونحو ذلك، كما تقدم جميع ذلك في الاخبار المتقدمة، ومتى كان مكروها في البيع على المومنين مع ان جل المشترين بل كلهم في بلاد المومنين انما هم المؤمنون، فمن اين يحصل ما دلت عليه هذه الاخبار ؟ !. وثانيا - الاخبار الدالة على ذلك: منها: ما رواه في الكافي عن محمد بن عذافر عن ابيه، قال: اعطى أبو عبد الله عليه السلام ابي الفا وسبعمأة دينار، فقال له: اتجر بها. ثم قال: اما انه ليس لى رغبة في ربحها، وان كان الربح مرغوبا فيه، ولكني احببت ان يرانى الله عزوجل متعرضا لفوائده، قال: فربحت له فيها مأة دينار. ثم لقيته فقلت له: قد ربحت لك فيها مأة دينار. قال: ففرح أبو عبد الله عليه السلام بذلك فرحا شديدا، قال لى: اثبتها في رأس مالى - الحديث (1).


(1) الكافي ج 5 ص 76 حديث: 12

[ 28 ]

وروى الصدوق في الفقيه عن محمد بن عذافر عن ابيه قال: دفع إلى أبو عبد الله عليه السلام سبعمأة دينار، وقال: يا عذافرا صرفها في شئ ما. وقال: ما افعل هذا على شره منى، ولكن احببت ان يرانى الله تبارك وتعالى متعرضا لفوائده. قال عذافر: فربحت فيها مأة دينار، فقلت له في الطواف: جعلت فداك قد رزق الله عزوجل فيها مأة دينار. قال: اثبتها في رأس مالى " (1). وفي تفسير الامام العسكري عليه السلام عن آبائه عن موسى بن جعفر عليه السلام " ان رجلا سأله مأتى درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها - إلى ان قال - فقال: اعطوه الفى درهم. وقال: اصرفها في العفص (2) فانه متاع يابس ويستقبل بعد ما ادبر، فانتظر به سنة واختلف به الى دارنا وخذ الاجر في كل يوم، فلما تمت له سنة، واذاقد زاد في ثمن العفص للواحد خمسة عشر، فباع ما كان اشترى بالفى درهم، بثلاثين الف درهم ". إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على جواز الربح بل استحبابه. نعم لا باس بالمسامحة ولا منافاة فيها. ويحمل عليه ما رواه في الكافي عن ابى ايوب الخزاز عن ابى عبد الله عليه السلام قال: يأتي على الناس زمان عضوض، يعض كل امرء على ما في يده وينسى الفضل وقد قال الله: " ولا تنسوا الفضل بينكم " ثم ينبرى في ذلك الزمان اقوام يعاملون المضطرين، اولئك هم شرار الناس (3). ومما يدل على استحباب المسامحة: ما رواه في الفقيه عن اسماعيل بن مسلم، عن ابى عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: " انزل الله على بعض انبيائه عليهم السلام للكريم فكارم. وللسمح فسامح. وعند الشكس فالتو ". قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " السماح وجه من الرباح " (4).


(1) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 96 حديث: 16 (2) نوح من البلوط، الوسائل ج 12 ص 312 حديث 3 (3) الوسائل ج 12 ص 330 حديث: 2 (4) من لا يحضره الفقيه ج 3 - ص 122

[ 29 ]

(ومنها): انه يستحب ان يقيل من استقاله، فروى في الكافي عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن بعض اهل المدينة قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن لحكيم بن حزام بالتجارة حتى ضمن له اقالة النادم وانظار المعسر واخذ الحق وافيا وغير واف " (1). وعن هرون بن حمزة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ايما عبد اقال مسلما في بيع اقال الله تعالى عثرته يوم القيامة ". ورواه الصدوق مرسلا الا انه قال: " ايما مسلم اقال مسلما ندامة في البيع " (2). وروى الصدوق في الخصال في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اربعة ينظر الله إليهم يوم القيامة: من اقال نادما أو اغاث لهفانا أو اعتق نسمة أو زوج عزبا (3). ومما يؤكد ان ذلك على جهة الاستحباب: ما رواه في الكافي عن هذيل بن صدقة الطحان، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشترى المتاع أو الثوب، فينطلق به إلى منزله، ولم ينفذ شيئا فيبدو له، فيرده، هل ينبغى ذلك ؟ قال: " لا، الا ان تطيب نفس صاحبه " (4). (ومنها): استحباب الدعاء بالمأثور، والشهادتين عند دخول السوق. فروى ثقة الاسلام والصدوق في كتابيهما عن سدير، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: " يا ابا الفضل امالك مكان تقعد فيه، فتعامل الناس ؟ قال: قلت: بلى، قال: مامن رجل مؤمن يروح أو يغدو إلى مجلسه أو سوقه، فيقول حين يضع رجله في السوق: " اللهم انى اسألك من خيرها وخير اهلها (واعوذ بك من شرها وشر اهلها) (5) الا


(1) الكافي ج 5 ص 151 حديث: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 286 حديث: 2 (3) الخصائل ص 224 حديث: 55 (4) الوسائل ج 12 ص 286 حديث: 3 (5) ما بين المعقوفتين ليس في نسخه الكافي المعروفة

[ 30 ]

وكل الله عزوجل به من يحفظه ويحفظ عليه حتى يرجع إلى منزله، فيقول له: قد اجرت من شرها وشر اهلها يومك هذا باذن الله عزوجل وقد رزقت خيرها وخير اهلها في يومك هذا، فإذا جلس مجلسه قال حين يجلس: اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله. اللهم انى اسألك من فضلك حلالا طيبا واعوذ بك من ان اظلم أو اظلم واعوذ بك من صفقة خاسرة ويمين كاذبة. فإذا قال ذلك، قال له الملك الموكل به: ابشر فما في سوقك اليوم احدا وفر منك حظا قد تعجلت الحسنات ومحيت عنك السيئات. وسيأتيك ما قسم الله لك موفرا حلالا طيبا مباركا فيه (1). وروى في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا دخلت سوقك فقل: " اللهم انى اسألك من خيرها وخير اهلها واعوذ بك من شرها وشراهلها اللهم انى اعوذ بك من ان اظلم أو اظلم أو ابغى أو يبغى على أو اعتدى أو يعتدى على، اللهم انى اعوذ بك من شر ابليس وجنوده وشر فسقة العرب والعجم. وحسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم " (2). وروى في الفقيه عن عاصم بن حميد عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " من دخل سوقا أو مسجد جماعة، فقال مرة واحدة: اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، والله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا. وسبحان الله بكرة واصيلا، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم، وصلى الله على محمد وآله. عدلت له حجة مبرورة " (3). قال في الفقيه: وروى انه من ذكر الله عزوجل في الاسواق غفر له بعدد ما فيها من فصيح واعجم " والفصيح: ما يتكلم. والاعجم: ما لا يتكلم. قال: وقال الصادق عليه السلام: " من ذكر الله عزوجل في الاسواق غفر له بعدد


(1) الكافي ج 5 ص 155 رقم: 1 (2) الكافي ج 5 ص 156 رقم: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 301 رقم: 3

[ 31 ]

اهلها " (1). (ومنها): استحباب الدعاء عند الشراء، فروى في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن حريز عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبر ثم قل: اللهم انى اشتريته التمس فيه من فضلك، فصل على محمد وآل محمد. اللهم فاجعل لى فيه فضلا اللهم انى اشتريته التمس فيه من رزقك، فاجعل لى فيه رزقا. ثم اعد كل واحدة ثلاث مرات " (2). اقول: قوله عليه السلام: ثم اعد كل واحدة ثلاث مرات، ربما يتوهم منه الترديد اربع مرات. والظاهر انه ليس كذلك، بل المراد انما هواعد كلا من هاتين الجملتين إلى ان يبلغ ثلاث مرات. وروى الصدوق عن العلاء عن محمد بن مسلم قال: قال احدهما عليه السلام: " إذا اشتريت متاعا فكبر الله ثلاثا، ثم قل: اللهم انى اشتريته التمس فيه من خيرك فاجعل لى فيه خيرا. اللهم انى اشتريته... (3) الحديث. كما تقدم. وروى في الكافي والتهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله الصادق - عليه السلام - قال: " إذا اردت ان تشترى شيئا فقل: يا حى يا قيوم يا دائم يا رؤوف يا رحيم اسألك بعزتك وقدرتك وما احاط به علمك ان تقسم لى من التجارة اليوم اعظمها رزقا واوسعها فضلا وخيرها عاقبة فانه لا خير فيما لا عاقبة له " (4) قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا اشتريت دابة أو رأسا فقل: اللهم قدر لى اطولها حياة واكثرها منفعة وخيرها عاقبة " (5)


(1) الوسائل ج 12 ص 303 رقم: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 304 رقم: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 404 - رقم: 2 (4) الكافي - الفروع - ج 5 ص 157 حديث: 3 (5) الكافي - الفروع - ج 5 ص 157 حديث: 3

[ 32 ]

وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " إذا اشتريت دابة فقل: اللهم ان كانت عظيمة البركة فاضلة المنفعة ميمونة الناصية فيسر لى شراءها، وان كان غير ذلك فاصرفني عنها الى الذى هو خير لى منها، فانك تعلم ولا اعلم وتقدر ولا اقدر وانت علام الغيوب. تقول ذلك ثلاث مرات " (1). وروى في الفقيه عن عمربن ابراهيم عن ابى الحسن عليه السلام قال: " من اشترى دابة فليقم من جانبها الايسر ويأخذ من ناصيتها بيده اليمنى ويقرأ على رأسها فاتحة الكتاب، وقل هو الله احد، والمعوذتين، وآخر الحشر وآخر بنى اسرائيل: قل ادعو الله أو ادعو الرحمن، وآية الكرسي. فان ذلك امان تلك الدابة من الافات " (2) وروى في الكافي عن هذيل عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا اشتريت جارية فقل: اللهم انى استشيرك واستخيرك " (3) وفى الفقيه عن ثعلبة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " إذا اشتريت جارية فقل: اللهم انى استشيرك واستخيرك، وإذا اشتريت دابة اوراسا فقل: اللهم قدر لي اطولهن حياة واكثرهن منفعة وخيرهن عاقبة " (4). (ومنها): انه إذا قال انسان للتاجر: اشتر لى متاعا، فالمشهور انه لا يجوز له ان يعطيه من عنده وان كان ما عنده احسن مما في السوق. ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن، عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " إذا قال لك الرجل: اشتر لى، فلا تعطه من عندك، وان كان الذى عندك خيرا منه (5). وما رواه في التهذيب في الموثق عن اسحق بن عمار


(1) الكافي - الفروع - ج 5 ص 157 حديث: 4 (2) الفقيه ج 3 ص 125 حديث: 547 (3) الكافي ج 5 ص 157 حديث: 2 (4) الفقيه ج 3 ص 126 حديث: 548 (5) الوسائل ج 12 ص 288 حديث: 1

[ 33 ]

قال: سألت ابا عبد الله عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول له: ابتع لى ثوبا فيطلب له في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق، فيعطيه من عنده، قال: لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه، ان الله عزوجل يقول: " انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا " وان كان عنده خير مما يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده " (1). وقال في كتاب الفقه الرضوي: إذا سألك رجل شراء ثوب فلا تعطه من عندك، فانه خيانة، ولو كان الذى عندك اجود مما عند غيرك (2). ونقل عن ابن ادريس انه علل المنع هنا، بان التاجر صار وكيلا في الشراء، ولا يجوز للوكيل ان يشترى لموكله من نفسه، لان العقد يحتاج الى ايجاب وقبول، وهو لا يصلح ان يكون موجبا قابلا، فلاجل ذلك لم يصلح ان يشترى له من عنده. وفيه: انه لم يقم دليل لنا على ما ذكره من منع كونه موجبا قابلا، كما سيأتي تحقيقه انشاء الله تعالى. بل الظاهر ان العلة هنا: انما هي خوف التهمة، كما يدل عليه: ما رواه في الفقيه عن ميسر، قال: قلت له: يجيئنى الرجل فيقول: اشتر لى، فيكون ما عندي خيرا من متاع السوق ؟ قال: ان امنت ان لا يتهمك فاعطه من عندك، فان خفت ان يتهمك فاشتر له من السوق (3). اقول: وهذه المسألة ترجع الى مسألة الوكالة، فيما لو وكله على يبع أو شراء أو اطلق ولم يفهم منه الاذن ولا عدمه بالنسبة الى الوكيل، فهل يكفى هذا الاطلاق في جواز بيعه عن نفسه أو شرائه لنفسه ؟ قولان. ظاهر اكثر المتأخرين المنع، ويدل عليه بالنسبة الى الشراء: ما اذكرناه من صحيحة هشام أو حسنته، أو موثقة اسحق، وعبارة كتاب الفقه الرضوي.


(1) الوسائل ج 12 ص 289 حديث: 2 (2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 464 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 289 حديث: 4

[ 34 ]

ويدل عليه بالنسبة الى البيع: ما رواه في التهذيب عن على بن ابى حمزة قال: سمعت معمر الزيات يسأل ابا عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك انى رجل ابيع الزيت يأتيني من الشام فآخذ لنفسي شيئا مما ابيع ؟ قال: ما احب لك ذلك ! فقال: انى لست انقص لنفسي شيئا مما ابيع، قال: بعه من غيرك، ولا تأخذ منه شيئا، ارأيت لو أن الرجل قال لك: لا انقصك رطلا من دينار، كيف كنت تصنع ؟ لاتقربه " (1). اقول: ظاهر قوله " ارأيت لو ان الرجل.. الخ ": ان شراء الوكيل لنفسه أو بيعه من نفسه لايدخل تحت ذلك الاطلاق، الذى اقتضته الوكالة، والا فان مقتضى الوكالة صحة البيع والشراء بما رأه الوكيل وفعله، فلا معنى لقوله بالنسبة إليه -: " لا انقصك رطلا من دينار " لو كان داخلا في اطلاق الوكالة. ويؤكد ذلك: ما قدمناه من كلام الرضا عليه السلام في الفقه الرضوي وموثقة اسحق. (2) ومما يدل على مادل عليه خبر على بن حمزة بالنسبة إلى البيع ايضا: ما رواه في التهذيب عن خالد القلانسى، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجيئنى بالثوب فاعرضه، فإذا اعطيت به الشئ زدت فيه واخذته. قال: لاتزده. فقلت: فلم ؟ قال: أليس انت إذا عرضته اجبت ان تعطى به اوكس من ثمنه ؟ قلت: نعم، قال: لا تزده " (3). اقول: ومعنى الخبر المذكور - على ما يظهر لي -: هو ان الرجل يجيئه بالثوب ليبيعه له فيعرضه على المشترى، مع كونه مضمرا ارادة شرائه، فإذا اعطاه المشترى قيمة في ذلك الثوب زاد هو على تلك القيمة شيئا، واخذ الثوب لنفسه، فنهاه الامام عليه السلام عن ذلك، وبين له ان العلة في النهى: هو انه لما كان قصده اخذ الثوب لنفسه، وانما يعرضه على المشترى لاجل ان يبرى نفسه عن التهمة باخذه باقل من قيمته. ولكن الظاهر ان العادة المطردة فيمن اراد ان يشترى شيئا: إنه ينقص عن ثمنه الواقعي لاجل


(1) الوسائل ج 12 ص 290 حديث: 2 (2) فان نسبة ما يعطيه من عنده الى الخيانة يؤذن بان غير داخل في ذلك الاطلاق كما لا يخفى. منه قدس سره (3) الوسائل ج 12 ص 290 حديث: 1

[ 35 ]

ان ياخذه رخيصا، وهذا الوكيل يحب ان يكون الامر كذلك، مع علمه بما هنالك، فهو في الواقع لا يخرج عن الخيانة، وان زاد شيئا على ما ذكره المشترى، فمن اجل ذلك منعه عليه السلام. واما ما ذكره في الوافى - في معنى الخبر المذكور - حيث قال: ولعل المراد ان الرجل يجيئنى بالثوب فيقومه على فاعرضه على المشترى، فإذا اشتراه منى بزيادة بعته منه، واخذت ثمنه، فقال عليه السلام: الست إذا انت عرضته على المشترى احببت ان تعطى صاحبه انقص مما اخذت منه ؟ قلت: نعم. قال: لا ترده، وذلك لانه خيانة بالنسبة إلى المشترى بل البايع ايضا انتهى. فظني: بعده، لما فيه من التكليف والبعد من سياق الخبر، بل الظاهر هو ما ذكرناه. وبالجملة فان ظاهر الاخبار المذكورة التحريم، نعم لو امن التهمة أو أخبره بذلك فرضى، فالظاهر انه لا اشكال. (القول الثاني) في المسألة، الجواز على كراهة، ذهب إليه جمع من الاصحاب، منهم أبو الصلاح، والعلامة في التذكرة والمختلف، والشهيد في الدروس (1). قال في المختلف: للوكيل ان يبيع مال الموكل على نفسه، وكذا كل من له الولاية، كالاب والجد والوصى والحاكم وامينه. وقال في الخلاف: لا يجوز لغير الاب والجد. نعم لو وكل في ذلك صح. وقال أبو الصلاح بما اخترناه، قال: ويكره لمن سأله غيره ان يبتاع متاعا ان يبيعه من عنده أو يبتاع منه ما سأله ان يبيعه له، وليس بمحرم، مع انه يحتمل ان يكون قصد مع الاعلام. لنا: انه بيع مأذون فيه فكان سائغا، اما المقدمة الاولى فلانه مأمور ببيعه على المالك الدافع للثمن والوكيل كذلك، ويدخل تحت الاذن، واما الثانية فظاهرة، كما لو نص له على البيع من نفسه. احتج الشيخ بانه لا دليل على الصحة. والجواب: الدليل على ما تقدم. وعموم


(1) قال في الدروس في تعداد المكروهات: وشراء الوكيل من نفسه وبيعه على نفسه. وروى هشام واسحاق المنع عن الشراء. انتهى منه قدس سره

[ 36 ]

قوله تعالى: " احل الله البيع وحرم الربا " (1) قال الشيخ: وكذلك لا يجوز له ان يشترى مال الموكل لابنه الصغير، لانه يكون في ذلك البيع قابلا موجبا، فتلحقه التهمة ويتضاد الفرضان، وكذلك لا يجوز ان يبيعه من عبده المأذون له في التجارة لانه وان كان القابل غيره، فالملك يقع له، وتلحقه التهمة فيه، ويبطل الفرضان. والحق عندي: الجواز في ذلك كله، فكونه موجبا قابلا لا استحالة فيه، لانه موجب باعتبار كونه بايعا، وقابل باعتبار كونه مشتريا، وإذا اختلف الاعتبار ان لم يلزم المحال، وينتقض ببيع الاب والجد مال الصبى من نفسه، لحوق التهمة متطرق في حقهما " انتهى كلامه. وليت شعرى كانه لم يقف على شئ ما قدمناه من الاخبار الواردة عنهم عليهم السلام والظاهر انه كذلك، والا لذكرها في المقام، فانها واضحة الدلالة في المنع وبه يظهر ما في قوله " انه مأذون فيه " كيف يكون ماذونا فيه، والاخبار المتقدمة كلها متفقة على النهى، على ابلغ وجه ؟ ! وان ذلك خيانة كما صرح به حديث كتاب الفقه الرضوي، واشار إليه موثقة اسحق بن عمار، من الاستدلال بالاية المذكورة المؤذن بكون الشراء من نفسه خيانة، وكذا خبر على بن ابى حمزة بالتقريب الذى ذكرناه في ذيله. وبالجملة فان الناظر فيما قدمناه من الاخبار وما ذيلناها به من التحقيق الواضح لذوى الافكار لا يخفى عليه ما في كلامه من الضعف الظاهر لكل ناظر من ذوى الاعتبار والله العالم. (ومنها): انه يكره مدح البايع لما يبيعه وذم المشترى لما يشتريه، واليمين على البيع. ويدل عليه: ما تقدم من الاخبار في الفائدة الرابعة، من المقدمة الاولى. ومنها زيادة على ما تقدم: ما رواه في الكافي عن ابى حمزة رفعه، قال: قام امير المؤمنين عليه السلام على دار ابن ابى معيط " وكان مقام فيها الابل، فقال: يا معشر السماسرة،


(1) سورة البقرة: 275

[ 37 ]

أقلوا الايمان، فانها منفعة للسلعة ممحقة للبركة " (1). قال في الوافى: المنفقة بكسر الميم -: آلة النفاق وهو الرواج. اقول: الظاهر بعد ما ذكره، وان المراد بالمنفقة - في الخبر -: انما هو من " نفق " بمعنى نفد، وفنى. قال في القاموس: نفق - كفرح ونصر -: نقد وفنى - وقال: " انفق: افتقر. و ماله انفده ". وقال في الصحاح: انفق الرجل: افتقر، وذهب ماله. ومنه قوله عزوجل " إذا لامسكتم خشية الانفاق " (2) أي الفقر والفاقة. ويعضده: ما رواه في الكافي - ايضا - عن ابى اسماعيل رفعه عن امير المومنين عليه السلام: انه كان يقول: " اياكم والحلف فانه ينفق السلعة ويمحق البركة " (3) فانه ظاهر في ان المراد انما هو ان الحلف موجب لبيع السلعة ورغبة المشترى فيها لمكان الحلف، الا انه مذهب لبركة الثمن وممحقق له. وروى في الكافي والتهذيب، عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى - عليه السلام - قال: " ثلاثة لا ينظر الله عزوجل إليهم يوم القيامة، احدهم: رجل اتخذ الله بضاعة لا يشترى الا بيمين ولا يبيع الا بيمين ". (4) (ومنها): كراهة السوم، مابين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال في المسالك أي الاشتغال بالتجارة في ذلك الوقت. اقول: ويدل عليه ما رواه في الكافي بسنده عن على بن اسباط رفعه قال: " نهى


(1) الوسائل ج 12 ص 309 حديث: 1 (2) سورة الاسراء: 100 (3) الكافي ج 5 ص 162 حديث: 4 (4) المصدر حديث: 3

[ 38 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السوم مابين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس " (1) ورواه الصدوق مرسلا. ويعضده ايضا ما ورد في جملة من الاخبار: (2) ان هذا الوقت موظف للتعقيب، والدعاء، وان الدعاء فيه ابلغ في طلب الرزق من الضرب في الارض. (ومنها): كراهة مبايعة الاذنين، وذوى العاهات والمحارف، ومن لم ينشأ في الخير، والاكراد. قال في المسالك: وفسر الادنون بمن لا يبالي بما قال ولا ما قيل فيه. وبالذي لا يسره الاحسان ولا تسؤه الاساءة. وبالذي يحاسب على الدون. وذووا العاهات أي ذووا النقص في ابدانهم انتهى. اقول: والذى يدل على الاول: ما رواه في الكافي والتهذيب مسندا عن ابى عبد الله عليه السلام والصدوق مرسلا، قال عليه السلام: " لا تستعن بمجوسى ولو على اخذ قوائم شاتك وانت تريد ان تذبحها. وقال: اياك ومخالطة السفلة، فان السفلة لا يؤل إلى خير " (3). قال الصدوق - رحمه الله - جائت الاخبار في معنى السفلة على وجوه: منها: ان السفلة: الذى لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. ومنها: ان السفلة: من يضرب بالطنبور. ومنها: ان السفلة: من لم يسره الاحسان ولم تسؤه الاساءة. والسفلة: من ادعى الامامة وليس لها باهل. وهذه كلها اوصاف السفلة. من اجتمع فيه بعضها أو جميعها وجب اجتناب مخالطته. اقول: وكان الاولى في العبارة هو التعبير بهذا اللفظ الا انا جرينا على ما جرى


(1) الكافي ج 5 ص 152 حديث: 12 (2) الوسائل ج 4 ص 1013، الباب الاول من ابواب التعقيب وما يناسبه. (3) الوسائل ج 12 ص 308 حديث: 1 و 2

[ 39 ]

عليه تعبير الاصحاب. واما ما يدل على الثاني، فهو ما رواه في الكافي والتهذيب عن ميسر بن عبد العزيز قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: " لا تعامل ذا عاهة فانهم اظلم شئ " (1) وما رواه في الكافي والفقيه، مسندا في الاول، عن احمد بن محمد رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام ومرسلا في الثاني، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " احذروا معاملة اصحاب العاهات، فانهم اظلم شئ " (2). قال بعض متأخري المتأخرين: لعل نسبة الظلم إليهم، لسراية امراضهم، أو لانهم مع علمهم بالسراية لا يجتنبون من المخالطة انتهى. ولا يخفى بعده، بل الظاهر انما هو كون الظلم امرا ذاتيا فيمن كان كذلك. واما ما يدل على الثالث، فهو ما رواه المشايخ الثلاثة في اصولهم، مسندا في الكافي والتهذيب عن العباس بن الوليد بن صبيح عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام، ومرسلا في الثالث، قال: قال الصادق عليه السلام: " يا وليد لاتشتر من محارف، فان صفقته لابركة فيها " (3) وفى الفقيه: لاتشتر لى - الى ان قال - فان خلطته. وفى التهذيب: فان حرفته. اقول: المحارف هو المحروم الذى ادبرت عنه الدنيا فلا بخت له، ويقابله من اقبلت عليه الدنيا واتسع له مجالها، وانفتحت عليه ابواب ارزاقها. واما ما يدل على الرابع، فهو ما رواه المشايخ الثلاثة مسندا في الكافي والتهذيب، في الموثق عن ظريف بن ناصح، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام، ومرسلا في الثالث، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تخالطوا ولا تعاملوا الامن نشأ في


(1) المصدر ص 307 حديث: 3 (2) المصدر حديث: 2 (3) المصدر ص 305 حديث: 10

[ 40 ]

الخير " (1) وفى نهج البلاغة: قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: " شاركوا الذى قد اقبل عليه الرزق، فانه اخلق للغنى واجدر باقبال الحظ " (2). ويعضده: ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البخترى، قال: استقرض قهرمان لابي عبد الله عليه السلام من رجل طعاما لابي عبد الله عليه السلام، فالح في التقاضى، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ألم انهك ان تستقرض لى ممن لم يكن فكان (3) وما رواه في التهذيب عن ابى حمزة الثمالى، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: انما مثل الحاجة الى من أصاب ماله حديثا كمثل الدرهم في فم الافعى، انت إليه محوج، وانت منها على خطر (4) وعن داود الرقى، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال لى: يا داود، تدخل يدك في فم التنين الى المرافق، خير لك من طلب الحوائج إلى من لم يكن فكان (5). اقول التنين كسكين: الحية العظيمة. واما ما يدل على الخامس، فهو ما رواه في الكافي عن ابى الربيع الشامي، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام فقلت: ان عندنا قوما من الاكراد، وانهم لا يزالون يجيئون بالبيع، فنخالطهم ونبايعهم ؟ قال: يا ابا الربيع لا تخالطوهم، فان الاكراد حى من أحياء الجن، كشف الله تعالى عنهم الغطاء فلا تخالطوهم (6) وروى الصدوق عن


(1) المصدر ص 306 حديث: 6 (2) المصدر حديث: 7 (3) الكافي ج 5 ص 158 والقهرمان: القائم بالامور. قوله: لم يكن فكان، أي كان معدما لا مال له ثم استغنى. (4) الوسائل ج 12 ص 48 حديث: 1 (5) المصدر حديث: 2 (6) المصدر ص 307 حديث: 1 باب 23 من ابواب آداب التجارة.

[ 41 ]

ابى الربيع عنه عليه السلام انه قال لا تخالط الاكراد فان الاكراد حى من الجن كشف الله عنهم الغطاء (1). قال بعض مشايخنا من متأخرى المتأخرين: ربما يؤول بانهم لسوء أخلاقهم وجبلتهم اشباه الجن، فكأنهم منهم كشف الغطاء عنهم انتهى. (ومنها): كراهة الاستحطاط من الثمن بعد العقد. والذى وقفت عليه من الاخبار في ذلك، ما رواه المشايخ الثلاثة رحمهم الله عن ابراهيم بن ابى زياد قال: اشتريت لابي عبد الله عليه السلام جارية، فلما ذهبت انقدهم الدراهم، قلت استحطهم ؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الاستحطاط بعد الصفقة (2). وفى التهذيب باحد اسانيده (3) " الصمنة " بالنون أي لزوم البيع وضمان كل منهما ما صار إليه. وما رواه في الكافي والتهذيب عن زيد الشحام قال: اتيت ابا عبد الله عليه السلام بجارية اعرضها، فجعل يساومنى واساومه ثم بعتها اياه فضم على يدى، قلت: جعلت فداك، إنما ساومتك لانظر المساومة تنبغي أو لا تنبغي، وقلت: قد حططت عنك عشرة دنانير. فقال: هيهات الا كان هذا قبل الضمة، اما بلغك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الوضيعة


هذا حديث مشتبه يجب رد علمه الى اهله، ولا يصلح مستندا لحكم شرعى. أو لعل المراد: انهم قوما مغمورين لاعهد لهم بالحضارة فكانت فيهم شى من غلظة البداوة. ولاشك انهم بعد طول الزمان وقربهم الى معالم المدنية اصبحوا كسائر الناس المتدنين، ولا يشملهم الحكم المذكور. م. ه‍. معرفة (1) الوسائل ج 12 ص 308 حديث: (2) الكافي ج 5 ص 286 حديث: (3) الوسائل ج 12 ص 334، حيث: 6

[ 42 ]

بعد الضمة حرام (1). ورواه في الفقيه عن زيد الشحام، قال: اتيت ابا جعفر عليه السلام مثله (2) وفى الفقيه والتهذيب " ضمن على يدى " عوض " وقبض " وفيها " الضمنة " عوض " الصفقة " وقد تقدم معناه. وروى في الفقيه عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يشترى من الرجل البيع، فيستوهبه بعد الشراء من غير ان يحمله على الكره ؟ قال: لا بأس به (3) وروى في التهذيب عن معلى بن خنيس عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يشترى المتاع ثم يستوضع ؟ قال: لا بأس. وأمرني فكلمت له رجلا في ذلك (4) وعن يونس بن يعقوب عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: الرجل يستوهب من الرجل الشئ بعد ما يشترى، فيهب له ايصلح له ؟ قال: نعم (5) وروى في الكافي والتهذيب عن ابى العطارد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشترى الطعام، فاضع في اوله، واربح في آخره، فأسأل صاحبي ان يحط عنى في كل كر كذا وكذا ؟ فقال: هذا لاخير فيه، ولكن يحط عنك جملة. قلت: فان حط عنى اكثر مما وضعت ؟ قال: لا بأس (6). اقول: وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في جواز الاستحطاط وعدم حرمته والشيخ - رحمه الله - قد جمع بينها بحمل الخبرين الاولين على الكراهة، وتبعه الجماعة كماهى عادتهم غالبا. وانت خبير بان صريح الخبر الثاني التحريم، وقد فسر فيه نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذى تضمنه الخبر الاول بالتحريم. وهو ظاهر الخبر


(1) الكافي ج 5 ص 286 (2) الوسائل ج 12 ص 334، حديث: 6 (3) المصدر ص 334 حديث: 7 (4) الوسائل ج 12 ص 334 (5) المصدر حديث: 4 (6) المصدر حديث: 5

[ 43 ]

الاول ومن ثم جمع في الوافى بين الاخبار المذكورة، بحمل اخبار الجواز على ما إذا كان الاستحطاط على جهة الهبة، كما تضمنه بعضها، حملا لمطلقها على مقيدها، وابقاء الخبرين الاولين على ظاهرهما، من التحريم، وهو جيد. (ومنها): كراهة الزيادة في السلعة وقت النداء، بل يصبر عليه حتى يسكت، ثم يزيد إذا اراد. والدخول في سوم المسلم. والنجش - بالنون ثم الجيم ثم الشين المعجمة - وهو زيادة الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شرائها، ليسمعه غيره فيزيد بزيادته. والذى يدل على الاول، ما رواه في الكافي عن امية بن عمرو الشعيرى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: إذا نادى المنادى فليس لك ان تزيد، وانما يحرم الزيادة النداء، ويحلها السكوت (1) ورواه الشيخ باسناده عن امية بن عمرو مثله ورواه الصدوق ايضا عن امية بن عمرو، وزاد بعد قوله " تزيد " " وإذا سكت ان تزيد ". واما ما يدل على الثاني فهو ما رواه الصدوق في حديث المناهى المذكور في آخر الفقيه باسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يدخل الرجل في سوم اخيه المسلم. اقول: والمراد بدخول الرجل في سوم اخيه هوان يزيد في الثمن الذى يريد ان يشتريه الاول ليقدمه البائع، لاجل الزيادة. هذا بالنسبة الى الدخول في السوم في صورة الشراء. واما بالنسبة الى الدخول في السوم في صورة البيع، فهو ان يبذل الداخل للمشترى متاعا من عنده، غير ما اتفق عليه البايع الاول مع المشترى، وقد اختلف الاصحاب


(1) المصدر ص 337 حديث: 1 (2) المصدر ص 338 حديث: 3

[ 44 ]

في ذلك تحريما وكراهة. فذهب الشيخ وجماعة إلى التحريم والمشهور بين المتأخرين: الكراهة: قال في المسالك - بعدان نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انه قال: لا يسوم الرجل على سوم اخيه -: وهو خبر معناه النهى، والاصل في النهى التحريم. فمن ثم ذهب الشيخ وجماعة الى تحريمه، واستظهر المصنف الكراهة، للاصل، والجهل بسند الحديث. ولو صلح تعين القول بالتحريم انتهى. اقول: والظاهران الخبر المنقول في كلامه - عليه الرحمة - انما هو من الاخبار المتناقلة في كتب الفروع، غير مسند الى اصل من الاصول، ولا الى احد من الائمة - عليهم السلام - بخلاف الخبر الذى نقلناه عن الفقيه، فانه مسند في الكتاب المذكور بجميع ما اشتمل عليه من المناهى. وان ضعف سنده باصطلاحهم، الا انه من مرويات الفقيه، التى لها مزية وزيادة على غيرها، بما ضمنه في صدر كتابه. وكيف كان فانهم قد صرحوا - رضى الله عنهم - بان النهى تحريما أو كراهة، انما يثبت بعد تراضى الاولين، صريحا أو ظاهرا، فلو ظهر ما يدل على عدم الرضا، وطلب الزيادة، أو جهل حاله، لم يتعلق به الحكم المذكور. وهو كذلك، لاصالة الصحة، وقوفا في النهى على القدر المتقين. إذا عرفت ذلك فاعلم: ان ابن إدريس قال في سرايره - ما صورته -: قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا نادى المنادى على المتاع فلا يزيد في المتاع، فإذا سكت المنادى زاد حينئذ ان شاء، وقال في مبسوطه: واما السوم على سوم اخيه فهو حرام، لقوله عليه السلام: لا يسوم الرجل على سوم اخيه. هذا إذا لم يكن المبيع في المزائدة، فان كان كذلك فلا تحرم المزايدة. وهذا هو الصحيح، دون ما ذكره في نهايته. لان ذلك على ظاهره غير مستقيم، لان الزيادة في حال النداء غير محرمة، ولا مكروهة. فاما الزيادة المنهى عنها فهى عند الانتهاء وسكون نفس كل واحد من البيعين على البيع، بعد استقرار الثمن، والاخذ والشروع في الايجاب والقبول، وقطع المزائدة فعند هذه الحال لا يجوز السوم على سوم اخيه انتهى.

[ 45 ]

والعلامة في المنتهى - بعد ان نقل كلام ابن ادريس المذكور - ذكران الشيخ عول هنا على رواية الشعيرى ثم قال - بعد نقلها -: وهذه الرواية ان صح سندها حملت على ما إذا وقع السكوت عن الزياد لا للشراء. ثم قال: والتحقيق هنا ان تقول: لا تخلو الحال عن اربعة اقسام. احدها: ان يوجد من البايع التصريح بالرضا بالبيع. فهنا يحرم السوم. الثاني: ان يظهر منه ما يدل على عدم الرضا. فهذا لا تحرم فيه الزيادة. الثالث: ان لا يوجد ما يدل على الرضا ولا على عدمه. فهنا أيضا يجوز السوم. الرابع: ان يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، والوجه هنا التحريم ايضا. انتهى ملخصا. اقول: والذى يقرب في فكرى الكليل، وذهني العليل: ان ما ذكره هذان العمدتان في المقام لا يخلو من النظر الظاهر لذوى الافهام. فانه لا يخفى ان كلا من الحكمين المذكورين، لا تعلق له بالاخر ولا ارتباط بينهما، ليتوهم حصول المنافاة بينهما، ويحتاج إلى الجمع كما ذكره في المنتهى، أو اطراح، احدهما، كما توهمه ابن ادريس، فانه لا يخفى ان النداء على السلعة التى تضمنه خبر الشعيرى انما هو ان يعطى بعض المشترين ثمنا، فينادى به الدلال قبل ان يقع بينهما تراض عليه، فان حصل من اعطى ازيد من الاول فربما باعه وتراضي مع ذلك المعطى عليه، وربما نادى به ايضا طلبا للزيادة، والامام عليه السلام قد نهى من الزيادة في حال النداء، وجوزها في حال السكوت، والوجه فيما قاله عليه السلام هنا غير ظاهر لدينا، ولا معلوم عندنا، وينبغى ان يحمل ذلك على مجرد التعبد الشرعي، تحريما أو كراهة. واما السوم على السوم فهو شئ آخر، وهوان يقع بين البايع والمشترى المساومة، التى هي عبارة عن المجاذبة بينهما في فصل الثمن، وتعيينه وليس هنا نداء بالكلية، لانه مع حصول التراضي المانع من الدخول في السوم، لا معنى للنداء على السلعة وطلب الزيادة، كما لا يخفى، ومع عدم حصول التراضي فلا معنى للنداء

[ 46 ]

بالكلية. فالداخل في السوم يفصل فيه بما ذكره في المنتهى من الصور الاربع المذكورة كما قدمنا إليه الاشارة ايضا. ورد ابن ادريس على الشيخ في النهاية انما نشأ من عدم وقوفه على الخبر المذكور، وتوهم منافاة ذلك لما ذكره في المبسوط، وهو في غير محله. لان ما ذكره في كل من الكتابين حكم عليحدة غير الاخر كما لا يخفى واما ما يدل على الثالث فهو ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله: الواشمة والمتوشمة، والناجش والمنجوش ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1) وروى في كتاب معاني الاخبار، باسناده عن القاسم بن سلام، باسناد متصل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تناجشوا ولا تدابروا (2). قال: ومعناه: ان يزيد الرجل في ثمن السعلة وهو لا يريد شرائها ليسمعه غيره فيزيد بزيادته. والناجش خائن. والتدابر الهجران. اقول: وما اشتمل عليه الخبر الاول، من ذكر الناجش والمنجوش، وانهما ملعونان، فالظاهر ان المراد به: هو ان يواطئ البايع رجلا، إذا اراد بيعا، ان يساومه بثمن كثير، ليقع فيه غيره. والمشهور في كلام الاصحاب: تحريمه، بل قال في المنتهى: انه محرم اجماعا، لانه خديعة. وقد صرحوا بانه لا يبطل البيع به، بل العقد صحيح. ونقل في الدروس عن ابن الجنيد: انه إذا كان من البايع ابطل، وعن القاضى: انه يتخير المشترى، لانه تدليس. وقطع في المبسوط بانه لاخيار اذالم يكن بمواطاة البايع. وقوى عدم الخيار ايضا بمواطاته. وقيد الفاضلان الخيار بالغبن كغيره من العقود.


(1) الوسائل ج 12 ص 337 حديث: 2 (2) المصدر ص 338 حديث: 4

[ 47 ]

اقول: ولاريب ان ظاهر النهى هو التحريم، ولا يبعد القول بذلك في الفردين الاخرين ايضا، لظاهر الخبرين المتقدمين، مع عدم المعارض. (ومنها) استحباب المماكسة الا في مواضع مخصوصة. ويدل على ذلك ما رواه في الكافي عن الحسن بن على عن رجل يسمى سوادة، قال: كنا جماعة بمنى فعزت علينا الاضاحي، فنظرنا فإذا أبو عبد الله عليه السلام واقف على قطيع، يساوم بغنم ويماكسهم مكاسا شديدا فوقفنا ننظر، فلما فرغ اقبل علينا، فقال: اظنكم قد تعجبتم من مكاسى ! فقلنا: نعم. فقال: ان المغبون لا محمود ولا مأجور. الحديث (1). وعن الحسين بن يزيد قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول وقد قال له أبو حنيفة: عجب الناس منك امس، وانت بعرفة تماكس ببدنك اشد مكاس يكون - فقال أبو عبد الله عليه السلام: فما لله من الرضا، ان اغبن في مالى قال: فقال أبو حنيفة: لا والله مالله في هذا من الرضا، قليل ولا كثير، ما نجيئك بشئ الا جئتنا بمالا مخرج لنامنه (2). وروى الصدوق، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ماكس المشترى فإنه اطيب للنفس، وان اعطى الجزيل، فان المغبون في بيعه وشرائه غير محمود ولا مأجور (3). وفى عيون الاخبار بسنده عن الرضا عليه السلام عن آبائه - عليهم السلام - قال: المغبون لا محمود ولا مأجور (4). اما ما استثنى من ذلك فيدل عليه ما رواه في الفقيه عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان على بن الحسين يقول لقهرمانة: إذا اردت ان تشترى لى من


(1) الكافي ج 4 ص 496 حديث: 3 (2) الوسائل ج 10 ص 118 حديث: 2 (3) المصدر ج 12 ص 335 حديث: 2 (4) المصدر حديث: 3

[ 48 ]

حوائج الحج شيئا فاشتر ولا تماكس (1). وباسناده عن حماد بن عمرو، وانس بن محمد، عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه - عليهم السلام - في وصية النبي لعلى عليه السلام قال: يا على، لا تماكس في اربعة أشياء: شراء الاضحية، والكفن، والنسمة، والكراء الى مكة (2). وفي الخصال بسند مرفوع، عن ابى جعفر عليه السلام قال: لا تماكس في اربعة اشياء: في الاضحية، والكفن، وثمن النسمة، والكراء الى مكة (3). قال في الوافى: ينبغى تخصيص هذه الاخبار ببعض المواضع، كما إذا كان البايع مؤمنا. وحمل الاولين على مواضع اخر، كما إذا كان البايع مخالفا أو غير ذلك انتهى. وهو جيد. (ومنها): ان يكون سهل البيع والشراء، والقضاء والاقتضاء لما رواه الشيخ في الموثق عن حنان، عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: بارك الله تعالى على سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء (4) وروى الصدوق مرسلا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ان الله تبارك وتعالى يحب العبد في ان يكون سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء سهل الاقتضاء (5). وروى في الخصال بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: غفر الله تعالى لرجل كان قبلكم، كان سهلا إذا باع، سهلا إذا اقضي، سهلا إذا اقتضى (6).


(1) المصدر. ابواب التجارة باب: 46. حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 336 حديث: 2 (3) المصدر حديث: 3 (4) المصدر ص 332 باب: 42 ابواب آداب التجارة حديث: 1 (5) المصدر حديث: 2 (6) المصدر حديث: 3

[ 49 ]

وروى في الكافي عن حماد بن عثمان، قال: دخل رجل على ابى عبد الله عليه السلام فشكى إليه رجلا من اصحابه، فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال له أبو عبد الله عليه السلام مغضبا: ما لفلان يشكوك ؟ فقال له: يشكوني انى استقضيت منه حقى ! قال: فجلس أبو عبد الله عليه السلام مغضبا ثم قال: كأنك إذا استقيت حقك لم تسئ ؟ ! ارأيت ما حكى الله عزوجل في كتابه فقال: " يخافون سوء الحساب " اترى انهم خافوا الله ان يجوز عليهم ! لا والله، ما خافوا الا الاستقضاء. فسماه الله - عزوجل - سوء الحساب. فمن استقضى فقد أساء (1). (ومنها): استحباب البيع عند حصول الربح، وكراهة تركه. ويدل عليه: ما رواه في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن سعيد الدغشى، قال: كنت على باب شهاب بن عبد ربه، فخرج غلام شاب، فقال: انى اريد ان اسأل هاشم الصيد نانى عن حديث السلعة والبضاعة. قال: فأتيت هاشما، فسألته عن الحديث، فقال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن البضاعة والسلعة، فقال: نعم مامن احد يكون عنده سلعة أو بضاعة. الا قيض الله - عزوجل - له من يربحه، فان قبل والاصرفه الله تعالى إلى غيره. وذلك لانه رد بذلك على الله - عزوجل - (2) وروى في الفقيه مرسلا، قال: قال على عليه السلام: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجل معه سلعة يريد بيعها. فقال: عليك باول السوق (3). اقول: يعنى اول من يربحك في سلعتك في السوق، كما يدل عليه الخبر الاول. اقول: وهذا من المشهورات، بل المجربات. ومن الامثال المتعارفة بين الناس، قولهم: عليك بثاني زينة ! قال: والاولى ؟ قال: لست من رجالها. والمعنى: انك لا توفق للاولى لمزيد الطمع، مع أنها أو أنها اوفر مما تعطى بعدها، فان فاتتك


(1) الكافي ج 5 ص 100 - 101 (2) الكافي ج 5 ص 153 حديث: 17 (3) الوسائل ج 12 ص 296 حديث: 3

[ 50 ]

فلا تفوتك الثانية. ويؤيده الاخبار المذكورة: ما ورد من كراهة استقلال قليل الرزق، (1) وانه يؤدى إلى حرمان الكثير. روى في الكافي عن اسحق بن عمار قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من طلب قليل الرزق كان ذلك داعية إلى اجتلاب كثير من الرزق (2). وعن الحسن بن بسام الجمال، قال: كنت عند اسحق بن عمار الصيرفي، فجاءه رجل يطلب غلة بدينار، وقد كان اغلق باب الحانوت وختم الكيس، فاعطاه غلة بدينار، فقلت: ويحك يا اسحق، ربما حملت لك من السفينة الف الف درهم ! فقال: ترى كان بى هذا، لكنى سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من استقل قليل الرزق حرم كثيره، ثم التفت إلى، فقال: يا اسحق لا تستقل قليل الرزق فتحرم كثيره (3). " ومنها ": استحباب المبادرة إلى الصلاة وترك ما بيده من التجارة و الاشتغال بها. ويدل عليه: ما رواه في الكافي عن الحسين بن يسار، عن رجل رفعه، في قول الله تعالى " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " قال: هم التجار الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله تعالى، إذا دخل مواقيت الصلاة، ادوا إلى الله تعالى حقه منها (4). وعن اسباط بن سالم قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام وساق الخبر عنه عليه السلام إلى ان قال: يقول الله عزوجل: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " يقول


(1) الوسائل ج 12 ص 338 باب: 50 ابواب آداب التجارة. والاستقلال: عد الشئ قليلا (2) المصدر حديث: 1 (3) المصدر حديث: 2 (4) الكافي ج 5 ص 154 حديث: 21

[ 51 ]

القصاص: ان القوم لم يكونوا يتجرون، كذبوا ولكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها، وهو افضل ممن حضر الصلاة ولم يتجر (1). وعن ابى بصير في الصحيح أو الموثق، قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤمن فقير شديد الحاجة من اهل الصفة وكان لازما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند مواقيت الصلاة كلها، لا يفقده في شئ منها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرق له وينظر إلى حاجته وغربته. ثم يقول: يا سعد، لو قد جائنى شئ لاغنيتك، قال فابطا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاشتد غم رسول الله، فعلم الله - عزوجل - ما دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غمه بسعد، فاهبط جبرئيل عليه السلام ومعه درهمان. فقال له: يا محمد، ان الله - عزوجل - قد علم ما دخل عليك من الغم بسعد، افتحب ان تغنيه ؟ قال: نعم. فقال له: فهاك هذين الدرهمين، فاعطه اياهما، ومره ان يتجر بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جبرائيل عليه السلام. ثم خرج إلى صلاة الظهر، وسعد قائم على باب حجرات رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ينتظره. فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: يا سعد اتحسن التجارة ؟ فقال له سعد: والله ما اصبحت املك مالا اتجر به، فاعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدرهمين، فقال له: اتجر بهما، وتصرف لرزق الله عزوجل، فاخذهما سعد ومضى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى صلى معه الظهر والعصر فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قم واطلب الرزق، فقد كنت بحالك مغتما يا سعد. قال: فاقبل سعد لا يشترى بدرهم شيئا الا باعه بدرهمين، ولا يشترى بدرهمين الاباعه باربعة دراهم، واقبلت الدنيا عليه، حتى كثر متاعه وماله، وعظمت تجارته واتخذ على باب المسجد موضعا وجلس فيه، وجمع تجاراته إليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقام بلال للصلاة يخرج وسعد مشغول بالدنيا، لا يتطهر ولا يتهيأ كما كان يفعل قبل ان يتشاغل بالدنيا، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يا سعد، شغلتك الدنيا


(1) الكافي ج 5 ص 75 حديث: 8

[ 52 ]

عن الصلاة ! وكان يقول: ما اصنع، اضيع مالى ؟ هذا رجل قد بعته واريد ان استوفى منه، وهذا رجل قد اشتريت منه واريد ان اوفيه، فدخل رسول الله من امر سعد غم شديد اشد من غمه بفقره فهبط جبرائيل عليه السلام فقال: يا محمد، ان الله تعالى قد علم غمك بسعد، فايما احب إليك: حاله الاولى أو حاله هذه ؟ فقال: يا جبرئيل، بل حاله الاولى، فقد ذهبت دنياه بدينه وآخرته. فقال له جبرئيل عليه السلام: ان حب الاموال و الدنيا فتنة ومشغلة عن الاخرة، قل لسعد، يرد عليك الدرهمين الذين دفعتهما إليه، فان امره يصير الى الحال التى كان عليها اولا، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمر بسعد، فقال له: اما تريد ان ترد علينا الدرهمين الذين اعطيتكهما ؟ فقال له سعد: و مأتين. فقال له: لست اريد منك الا الدرهمين، فاعطاه سعد درهمين. قال: فادبرت الدنيا عن سعد، حتى ذهب ما كان معه وما جمع، وعاد إلى حالته التى كان عليها (1). " ومنها ": ان لا يتوكل حاضر لباد. والمراد بالبادى: الغريب الجالب للبلد، اعم من ان يكون من البادية أو قرويا. ومعناه: ان يحمل البدوى أو القروى متاعه إلى بلد فيأتيه البلدى، ويقول له: انا ابيعه لك بأعلى ما تبيعه، قبل ان يعرفه السعر، ويقول: انا ابيع لك. واكون سمسارا. كذا ذكره في المسالك. وقد اختلف الاصحاب في ذلك تحريما وكراهة فذهب الشيخ في النهاية إلى الثاني. وهو قول العلامة في المختلف، واختيار المحقق في الشرايع، والشهيد في الدروس. وفى المبسوط والخلاف الى الاول، الا انه قيده في المبسوط بما بضطر إليه الناس، بان يكون في فقده اضرار بهم. وقال ابن البراج في المهذب كقول الشيخ في المبسوط. وبه قال ابن ادريس، والعلامة في المنتهى.


(1) الوسائل ج 12 ص 297 باب: 14 ابواب آداب التجارة حديث: 2 والكافي ج 5 ص 312 حديث: 38

[ 53 ]

اقول: والذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام، ما رواه في الكافي عن عروة بن عبد الله، عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يتلقى احدكم تجارة، خارجا من المصر، ولا يبيع حاضر لباد، والمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض (1) وروى الشيخ الطوسى في مجالسه بسنده عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (2). ولا يبعد ان يكون الخبر المذكور من طريق العامة، لان اكثر رجاله منهم. وعن يونس بن يعقوب قال: تفسير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا يبيعن حاضر لباد ": ان الفاكهة وجميع اصناف الغلات، إذا حملت من القرى الى السوق، فلا يجوز ان يبيع اهل السوق لهم من الناس، بل ينبغى ان يبيعه حاملوه من القرى والسواد. فاما من يحمل من مدينة الى مدينة فانه يجوز، ويجرى مجرى التجارة. وانت خبير بان ظاهر هذا الخبر تخصيص ما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم في الحديثين الاولين بالفاكهة وجميع اصناف الغلات. إذا حملت من القرى، وهو خلاف ما عليه الاصحاب من العموم في هذا الحكم، الا ان ظاهر الخبر المذكور انما هو من كلام يونس، فيهون الاشكال. ومن ذهب من اصحابنا الى التحريم اخذ بظاهر النهى في الحديثين الاولين. ومن ذهب الى الكراهة، اعتمد على الاصل، ورد الخبرين بضعف السند، وحملها على الكراهة تفاديا من طرحهما. وقد ذكر الاصحاب في تحريمه أو كراهته شروطا: احدها: ان يكون الحاضر عالما بورود النهى. وهذا شرط يعم جميع المناهى. الثاني: ان يظهر من ذلك المتاع سعر في البلد، فلو لم يظهر، اما لكبر البلاد، أو لعموم وجوده، ورخص السعر، فلا تحريم ولا كراهة. لان المقتضى للنهى تفويت الربح


(1) الكافي ج 5 ص 168 باب التلقى حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 327 باب 37 ابواب آداب التجارة حديث: 3

[ 54 ]

وفقد الرفق على الناس، ولم يوجد هنا. الثالث: ان يكون المتاع المجلوب بما تعم الحاجة إليه، فمالا يحتاج إليه الا نادرا، لايدخل تحت النهى. الرابع: ان يعرض الحضرى ذلك على البدوى ويدعو إليه، فلو التمس الغريب ذلك لم يكن به بأس. الخامس: ان يكون الغريب جاهلا بسعر البلد، فلو كان عالما به لم يكره، بل يكون مساعدته محض الخير. اقول: انت خبير بان الظاهر، ان ما عدا الاول والاخير من هذه الشروط، تقييد للنص من غير دليل، الا مجرد هذه التخرصات. والظاهر: ان اكثر هذه الشروط مأخوذة من كلام العامة. اما استثناء الاول والاخير فظاهر، لان الخطاب تحريما أو كراهة انما يتوجه إلى العالم. والتعليل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: يرزق الله تعالى الناس بعضهم من بعض، انما يترتب على الجهل بسعر البلد لامع العلم. فلا بأس باشتراطهما، ثم انه على القول بالتحريم فالظاهر هو صحة البيع. وان اثم، لاصالة الصحة، وبه صرح جملة من الاصحاب. واما شراءالبلدى للبادى، فلا اشكال في جوازه، لعدم دخوله تحت النص المذكور وللعامة فيه قولان. " ومنها ": تلقى الركبان. وهل التلقى مكروه أو محرم ؟ قولان للشيخ - عليه الرحمة -. وقد صرح في النهاية بالكراهة، ونقله في الخلاف عن المفيد ايضا، وقال في المبسوط والخلاف: لا يجوز. وحمل العلامة في المختلف كلامه في المبسوط والخلاف على الكرامة الموكدة، قال: لانه كثيرا ما يستعمل لفظ " لا يجوز " في المكروه وهو غير بعيد.

[ 55 ]

وبالتحريم صرح ابن البراج، وتبعه ابن ادريس، وهو قول ابى الصلاح ايضا، واختاره في المنتهى. واما الاخبار الواردة في هذا المقام فمنها: ما تقدم في سابق هذه المسالة، من حديث عروة بن عبد الله. ومنها: ما رواه في الكافي والتهذيب عن منهال القصاب عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لاتلق، ولا تشتر ما تلقى ولا تأكل منه (1). وما رواه في الفقيه عن منهال القصاب قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن تلقى الغنم، فقال: لا تلق ولا تشتر ما تلقى ولا تأكل من لحم ما تلقى (2). وما رواه في الكافي والتهذيب عن منهال القصاب. قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لا تلق، فان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نهى عن التلقى. قلت وما حد التلقى ؟ قال: ما دون غدوة اوروحة. قلت وكم الغدوة والروحة ؟ قال: اربعة فراسخ (3) قال ابن ابى عمير: وما فوق ذلك فليس بتلق. وانت خبير بان الاخبار المذكورة متفقة على النهى عن ذلك، وهو حقيقة في التحريم عندهم، والخروج عنه من غير دليل صارف غير معقول. وغاية ما اجاب به العلامة في المختلف - بعد اختياره القول بالكراهة ونقله خبر منهال الاول، وكذا خبر عروة، إلى ان قال -: والجواب: أن النهى كما يدل على التحريم، فكذا يدل على الكراهة. ولا يخفى ما في هذا الجواب من النظر الظاهر لكل ناظر ! وكيف لا وهو وغيره قد صرحوا بان الاصل في النهى التحريم، وهو المعنى الحقيقي له، والحمل على الكراهة مجاز لا يصار إليه الا مع القرينة، ولو تم ما ذكره هنا من هذا الكلام لزم ان


(1) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 3 (3) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 1

[ 56 ]

لا يقوم النهى دليلا على التحريم، في حكم من الاحكام بالكلية. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: ان الوجه في الكراهة هو التمسك بالاصل. وضعف الاخبار المذكورة. فلا تنهض حجة في الخروج عن مقتضى الاصل. فتحمل على الكراهة، تفاديا من طرحها. وفيه ما قد اوضحناه في غير موضع مما تقدم. وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان امور: " الاول ": الظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا - رضوان الله تعالى عليهم - في ان حدالتلقى المنهى عنه اربعة فراسخ. قال في المنتهى: حد علماؤنا التلقى باربعة فراسخ، فكرهوا التلقى إلى ذلك الحد، فان زاد على ذلك كان تجارة وجلبا، ولم يكن تلقيا. وهو ظاهر، لانه بمضيه، ورجوعه يكون مسافرا، ويجب عليه التقصير، فيكون سفرا حقيقيا. إلى ان قال: ولا نعرف بين علمائنا خلافا فيه. انتهى. اقول: ويدل على التحديد بالاربعة كما ذكروه ما تقدم في رواية منهال القصاب وظاهره ان التلقى المنهى عنه، هو ما يكون فيما دون مسافة الاربعة، بمعنى انه إذا بلغ الاربعة خرج عن محل النهى، فيحمل اسم الاشارة في كلام ابن ابى عمير على الرجوع إلى ما دون الاربعة. واظهر منه في هذا المعنى ما رواه في الفقيه مرسلا، قال: وروى ان حد التلقى روحة، فإذا صار إلى اربعة فراسخ فهو جلب. بمعنى انه متى قطع الاربعة ووصل على رأسها فهو جلب، لانه حينئذ يصير سفرا برجوعه كما تقدم في كتاب الصلاة، وبذلك يظهر ما في كلام الاصحاب من المسامحة، كما في عبارة العلامة المتقدمة، حيث انه جعل كرامة التلقى إلى حد تمام الاربعة، وخص التجارة والجلب بما زاد عن الاربعة، وعلله انه يكون حينئذ مسافرا. وانت خبير بانه يكون مسافرا بالحصول على رأس الاربعة، وان لم يزد عليها.

[ 57 ]

والظاهر ان منشأ التسامح هو ان الحصول على رأس الاربعة بلا زيادة ولا نقصان نادر. ومن الاخبار في ذلك: ما رواه في الكافي والتهذيب عن منهال القصاب، قال: قلت له: ما حد التلقى ؟ قال: روحة (1). واجماله يعرف من خبره المتقدم. وتفسير الروحة والغدوة باربعة فراسخ، لان الغدوة من اول النهار إلى الزوال، والروحة من الزوال إلى الغروب وبياض اليوم - كما تقدم في كتاب الصلاة - عبارة من ثمانية فراسخ فيكون كل نصف من النهار اربعة فراسخ. " الثاني ": قد صرح بعض الاصحاب بتقييد التحريم أو الكراهة هنا بقيود: (منها): ما تقدم من تحديد التلقى، وان ما زاد عليه ليس بتلق. (ومنها): كون الخروج بقصد ذلك فلو خرج لا لذلك فاتفق الركب لم يحرم ولم يكره. (ومنها): تحقق مسمى الخروج من البلد، فلو تلقى الركب في اول وصوله البلد، لم يثبت الحكم. (ومنها): جهل الركب بسعر البلد فيما يبيعه ويشتريه، فلو علم بهما أو باحدها لم يثبت الحكم فيه. اقول: واليه يشير التعليل في رواية عروة بن عبد الله المتقدمة، بقوله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يرزق الله تعالى بعضهم من بعض. (ومنها): ان يكون التلقى للبيع عليه أو الشراء منه، فلو خرج لغيرهما من المقاصد، ولو في بعض المعاملات كالاجارة، لم يثبت الحكم. وفى الحاق الصلح ونحوه من عقود المغابنات اشكال، فيحتمل ذلك للعلة المذكورة، والعدم اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتقين.


(1) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 4

[ 58 ]

اقول: والظاهر ان الاقرب الاول. " الثالث ": لو خالف وتلقى، ثم اشترى منهم أو باع عليهم، انعقد البيع، وان قلنا بالتحريم. اما لان النهى في المعاملات لا يقتضى البطلان، وانما ذلك في العبادات على الوجه المقرر فيها، أو ان النهى وان اقتضى ذلك في المعاملات، الا انه مخصوص بما إذا تعلق بحقيقة البيع، ويرجع إلى البيع من حيث هو، لا إلى امر خارج كالبيع وقت النداء يوم الجمعة. وقد تقدم (1) منا تحقيق نفيس في ذلك. وظاهر المنتهى: اتفاق العلماء على الصحة. ونقل في ذلك من ابن الجنيد الخلاف في ذلك. ثم انه مع الحكم بصحة البيع، فالمشهور انه لاخيار الا مع الغبن الفاحش. ونقل في المختلف عن ابن ادريس انه قال: التلقى محرم، والبيع صحيح، ويتخير البايع. والاقرب هو القول المشهور، لان الاصل لزوم البيع، قام الدليل على الخيار في الغبن الفاحش، وبقى ما عداه على الاصل. ولعل ابن ادريس استند هنا إلى ماروى من طريق العامة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا اتى سيده السوق فهو بالخيار (2). واجاب عنه في المنتهى بان المفهوم من جعل الخيار إذا اتى السوق، انما هو لاجل معرفة الغبن بالسوق، ولو لا ذلك لكان له الخيار من حين البيع. (ومنها): الاحتكار وهو افتعال من الحركة - بالضم - وهوجمع الطعام و حبسه يتربص به الغلاء. وقد اختلف الاصحاب ايضا في كراهته وتحريمه، فنقل في المختلف عن


(1) وهو في الباب الثالث في بقية الصلاوات، في فضل صلاة الجمعه، في المسألة الثانيه من المطلب الرابع في اللواحق (منه قدس سره) ج 10 ص 172 فما بعد (2) صحيح مسلم ج 5 ص 5

[ 59 ]

الصدوق في الهداية القول بالتحريم. قال: وبه قال ابن البراج. والظاهر من كلام ابن ادريس. واختاره في المسالك. وقال العلامة في المنتهى، والشيخ في المبسوط، والمفيد في المقنعة: انه مكروه. وبه قال أبو الصلاح في المكاسب من كتاب التلقى. وقال في فصل البيع: انه حرام. ثم استقرب في المختلف الكراهة، وهو اختيار المحقق في الشرايع ايضا. واما الاخبار الواردة في المقام، فمنها: ما رواه في التهذيب عن السكوني عن ابى عبد الله عن ابيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ورواه في الفقيه مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحتكر الطعام الا خاطئ (1). وما رواه في الكافي عن حذيفة بن منصور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: نفد الطعام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاتاه المسلمون. فقالوا: يارسول الله، قد نفد الطعام ولم يبق الشئ الاعند فلان، فمره ببيعه، قال فحمد الله واثنى عليه ثم قال: يا فلان، ان المسلمين ذكروا ان الطعام قد نفد، الا شيئا عندك فاخرجه فبعه كيف شئت ولا تحبسه (2). وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن، عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام، يتربص به هل يجوز ذلك ؟ فقال: ان كان الطعام كثيرايسع الناس فلا باس، وان كان الطعام قليلا لا يسع الناس فانه يكره ان يحتكر الطعام، ويترك الناس ليس لهم طعام ! (3). وعن ابن القداح عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون. ورواه الصدوق مرسلا (4).


(1) الوسائل ج 12 ص 315 حديث: 12 (2) المصدر ص 317 حديث: 1 (3) المصدر ص 313 حديث: 2 (4) المصدر حديث: 3

[ 60 ]

وعن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الحركة في الخصب اربعون يوما، و في البلاء والشدة ثلاثة ايام، فما زاد على الاربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، و ما زاد في العسرة على ثلاثة ايام فصاحبه ملعون (1) ورواه في الفقيه باسناده عن السكوني وايضا روى في الفقيه مرسلا، قال: نهى امير المؤمنين عليه السلام عن الحركة في الامصار (2) وما رواه في التهذيب عن الحسين بن عبيد الله بن ضمرة عن جده عن على بن ابى طالب عليه السلام انه قال: رفع الحديث الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انه مر بالمحتكرين، فامر بحكرتهم الى ان تخرج إلى بطون الاسواق، وحيث ينظر الابصار إليها فقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو قومت عليهم ؟ فغضب حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: انا اقوام عليهم ! انما السعر الى الله تعالى يرفعه إذا شاء، ويضعه إذا شاء (3). وما رواه الشيخ في كتاب المجالس بسنده عن ابى مريم، عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ايما رجل اشترى طعاما فكبسه اربعين صباحا يريد به غلاء المسليمن، ثم باعه فتصدق بثمنه، لم يكن كفارة لما صنع (4). وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن ابى البخترى عن جعفر بن محمد (ع) عن ابيه عليه السلام ان عليا عليه السلام، كان ينهى عن الحكرة في الامصار. وقال: ليس الحكرة الا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن (5) وما رواه في نهج البلاغة عن امير المؤمنين عليه السلام في كتابه الى مالك الاشتر، قال فيه: فامنع من الاحتكار، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منع منه. وليكن البيع بيعا سمحا، بموازين عدل، واسعا لا يجحف بالفريقين من البايع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه، فنكل وعاقب في غير


(1) المصدر ص 312 حديث: 1 (2) المصدر ص 314 حديث: 9 (3) المصدر ص 317 حديث: 1 (4) المصدر ص 314 حديث: 6 (5) المصدر حديث: 7

[ 61 ]

اسراف (1). وفي كتاب ورام ابن ابى فراس - وهو جد السيد رضى الدين بن طاووس لامه، وكان يثنى عليه ثناء زائدا، ويعتمد كتابه - عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل، قال: اطلعت في النار فرأيت واديا في جهنم يغلى، فقلت: يا مالك، لمن هذا ؟ فقال: لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين الخمر، والقوادين (2). اقول: هذا ما وقفت عليه من الاخبار في ذلك، وكلها كما ترى مابين صريح أو ظاهر في التحريم. وليس فيها ما يمكن التعلق به للقول الاخر. الا لفظ الكراهة في صحيحة الحلبي أو حسنته. واستعماله في التحريم في الاخبار اكثر كثير، كما تقدم في غير موضع من كتاب الطهارة والصلاة. فالواجب: حمله على ذلك، بقرينة جملة اخبار المسألة. ومنه يظهر قوة القول بالتحريم. ولا يخفى ان من ذهب إلى هذا القول، فانه لم يمعن نظره في الاخبار، ولم يتتبعها حق التتبع الرافع عن وجه الحكم المذكور غبار الاستتار. كما هي عادتهم غالبا في سائر الاحكام، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. فروع: الاول: المفهوم من الاخبار ان الاحتكار انما هو في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والزيت والسمن ومنها: ما تقدم في حديث ابى البخترى المنقول عن قرب الاسناد، وقد اشتمل على ما عدا الزيت. وما رواه في الخصال بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الحركة في ستة اشياء: في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت (3). وروى المشائخ الثلاثه عن غياث بن ابراهيم، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال


(1) المصدر ص 315 حديث: 13 (2) الوسائل ج 12 ص 314 حديث: 11 (3) المصدر حديث: 10

[ 62 ]

ليس الحركة الا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب (1). وزاد في الفقيه، والزيت. ومما يدل على دخول الزيت ايضا مافى صحيحة الحلبي أو حسنته عن ابى عبد الله - عليه السلام -، وفيها: قال: وسألته عن الزيت ؟ فقال: ان كان عند غيرك فلا بأس بامساكه. والمشهور بين الاصحاب: تخصيص الاحتكار بما عدا الزيت من الاشياء المذكورة في هذه الاخبار، حتى قال الشيخ في النهاية - بعد عدها -: ولا يكون الاحتكار في سوى هذه الاجناس. وتبعه ابن ادريس وابن البراج والفاضلان وغيرهم. وقال المفيد: الحركة احتباس الاطعمة. وابو الصلاح: الغلات، والصدوق في المقنع: الاشياء الستة المذكورة في الخصال. وفى المبسوط: زاد على الخمسة المشهورة الملح. وتبعه ابن حمزة. قال في المختلف: بعد نقل هذه الاقوال: واجود ما وصل الينا في هذا الباب ما رواه غياث بن ابراهيم في الموثق، وساق الرواية المتقدمة. ثم قال: وحينئذ يبقى ما عداه على الاصل. وانت خبير بما فيه، حيث انه ناش عن قصور التتبع في الاخبار كما عرفت. واما الملح فنقله في النهاية والشرايع قولا في المسألة. وقد عرفت انه قول الشيخ في المبسوط. قال في المسالك: هذا القول قوى. اقول: والظاهر ان وجه قوته عنده من حيث شدة الاحتياج إليه، وتوقف اغلب المآكل عليه، مع انه لم يذكر في الاخبار الواردة في المسالة. ولعل السر في عدم ذكره، ان الله تعالى لعلمه بما فيه من مزيد الحاجة والاضطرار إليه جعله في كثرة الوجود والرخص قريبا من الماء الذى لاقوام للابدان والاديان الا به، فمن ثم لم يتعرضوا له في الاخبار. الثاني: حد الشيخ الحكرة في الرخص باربعين يوما، وفى الغلاء والشدة


(1) الوسائل ج 12 ص 312 حديث: 7

[ 63 ]

بثلاثة ايام، عملا برواية السكوني المتقدمة (1). ويؤيدها ظاهر رواية كتاب المجالس (2). والاشهر العدم، لاطلاق الاخبار المتقدمة، ومنها: صحيحة الحلبي (3) أو حسنته. ورواية الحسين بن عبد الله بن ضمرة (4). وتقييد هذه الاخبار بالخبر المذكور، كما هو القاعدة، وان امكن، الا ان الظاهر بعده من ظواهرها، كما لا يخفى على المتأمل. الثالث: هل يشترط في الاحتكار شراء الغلة ؟ بمعنى ان يشتريها ويحبسها لذلك، أو يشمل ما كان من غلته ؟ نقل في ذلك عن العلامة الاول. قال: وفى حسنة الحلبي دلالة عليه. اقول: الظاهر انه اشار بها إلى ما رواه المشايخ الثلائة، عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: الحركة ان يشترى طعاما ليس في المصر غيره فيحتكره، فان كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس ان يلتمس بسلعته الفضل، قال: وسألته عن الزيت ؟ فقال: إذا كان عند غيرك فلا باس بامساكه (5). ويؤيده ايضا رواية مجالس الشيخ المتقدمة (6). ثم انه قال في ذلك: والاقوى عموم التحريم مع استغنائه وحاجة الناس. اقول: انت خبير بان القول بالعموم، مع اعترافه بدلالة الحسنة المذكورة على التخصيص بالمشترى لاجل ذلك، لا يخلو من الاشكال، لان القاعدة تقتضي تقييد


(1) الوسائل ج 12 ص 312 حديث: 1. باب 27. ابواب آداب التجارة. (2) المصدر ص 314 حديث: 6 (3) المصدر ص 313 حديث: 2 (4) المصدر ص 317 حديث: 1. باب 30. ابواب آداب التجارة. (5) المصدر ص 315 حديث: 2. باب 28. ابواب آداب التجارة. (6) المصدر 314 حديث: 6

[ 64 ]

اطلاق ما عدا هذه الحسنة بها، فيبقى القول بالعموم خاليا من الدليل، والقول بالعموم لا مستند له، الا اطلاق سائر الاخبار، ومتى قيد بهذه الرواية، عملا بالقاعدة المذكورة، لم يبق للقول بالعموم مستند كما لا يخفى. (الرابع): لا خلاف بين الاصحاب في ان الامام يجبر المحتكرين على البيع. وعليه تدل جملة من الاخبار المتقدمة. واما انه هل يسعر عليهم ام لا ؟ الظاهر: ان المشهور: هو الثاني. ونقل في المنتهى عن المفيد وسلار ان للامام عليه السلام ان يسعر عليهم. قال المفيد - على ما نقله في المختلف -: وللسلطان ان يسعرها على ما يراه من المصلحة، ولا يسعرها بما يخسر به اربابها فيها. وقال الشيخ: لا يجوز للسلطان ان يجبر على سعر بعينه، بل يبيعه بما يرزقه الله تعالى. وبه قال ابن البراج وابن ادريس. والظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين. وقال ابن حمزة: لا يسعر الا إذا شدد. وان خالف واخذ في السعر بزيادة أو نقصان لم يتعرض عليه. واختار هذا القول في المختلف. واليه يميل كلام المسالك. و هو جيد. لنا على عدم التسعير عليه. ما تقدم في حديث الحسين بن عبد الله بن ضمرة. و ما رواه في الفقيه مرسلا، قال: قيل للنبى صلى الله عليه وآله وسلم: لوسعرت لنا سعرا. فان الاسعار تزيد و تنقص ! فقال: ماكنت لالقى الله تعالى ببدعة لم يحدث إلى فيها شيئا. فدعوا عباد الله تعالى يأكل بعضهم من بعض، فإذا استنصحنم فانصحوا (1). ويؤيده ما ورد في جملة من الاخبار: ان الله عزوجل وكل بالاسعار ملكا يدبرها (2) وفى بعضها: فلن يغلو من قلة ولن يرخص من كثره (3). وفي آخر: علامة


(1) الوسائل ج 12 ص 318 حديث: 2 (2) الكافي ج 5 ص 163 حديث: 4 (3) المصدر 162

[ 65 ]

رضا الله تعالى في خلقه عدل سلطانهم ورخص اسعارهم، وعلامة غضب الله تعالى على خلقه جور سلطانهم وغلاء اسعارهم (1). ولنا على التسعير عليه إذا شدد حديث " لاضرر ولا ضرار " (2). قال في المسالك - بعد اختيار القول المشهور، وهوانه لا يسعر عليه -: وهو اظهر الا مع الاجحاف، فيومر بالنزول عنه إلى حد ينتفى الاجحاف. والا لانتفت فائدة الاجبار، إذ لا يجوز ان يطلب في ماله مالا يقدر على بذله، أو يضر بحال الناس، والغرض دفع الضرر انتهى. وهو جيد، ومرجعه إلى ما ذكرنا من الخبر، وبه يخصص اطلاق الاخبار المتقدمة. ويحتمل العمل باطلاق تلك الاخبار، مويدا بخبر " الناس مسلطون على اموالهم " (3) وما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام، انه قال في تجار قدموا ارضا اشتركوا في البيع، على ان لا يبيعوا بيعهم الا بما احبوا. قال: لا باس بذلك (4). واظهر من ذلك تأييدا: قوله عليه السلام في حديث حذيفة بن منصور المتقدم: وبعه كيف شئت (5). (الخامس): لا يخفى ان جملة من الاخبار المتقدمة، وان كانت مطلقة في النهى عن الاحتكار، الا ان جملة منها قد قيدت ذلك بما إذا لم يكن في البلد طعام غيره، فلو كان كذلك لم يدخل تحت النهى، وان سمى احتكارا، كما تقدم.


(1) الكافي ج 5 ص 162 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 364 حديث: 4 (3) بحار الانوار ج 2 ص 272 الطبقة الحديثة (4) الوسائل ج 12 ص 312 حديث: 2 (5) المصدر ص 317 حديث: 1. باب 29 ابواب آداب التجارة

[ 66 ]

ومن الاخبار المقيدة ما تقدم في صحيحة الحلبي أو حسنة الاولى. وكذا مافى الثانية (1) المذكورة في الفرع الثالث. ونحوهما ما رواه المشايخ الثلثة عن ابى الفضل سالم الحناط في الصحيح، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما عملك ؟ قلت: حناط، وربما قدمت على نفاق، وربما قدمت على كساد، فحبست قال: فما يقول من قبلك فيه ؟ قلت: يقولون: محتكر ! قال: يبيعه احد غيرك ؟ قلت ما ابيع انا من الف الف جزء جزء. قال: لا بأس، انما كان ذلك رجل من قريش، يقال له: حكيم بن حزام، وكان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله، فمر عليه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: يا حكيم بن حزام، اياك ان تحتكر (2).


(1) الوسائل ج 12 ص 313 حديث: 2 وص 315 حديث: 1 (2) المصدر ص 316 حديث: 3

[ 67 ]

المقدمة الثالثة فيما يكتسب به ويحسن هنا تقديم خبر في المقام، قد اشتمل على قواعد كلية في هذه الاحكام، قل من تعرض إليه من علمائنا الاعلام، وان طال به زمام الكلام، فانه من اهم المهام روى الحسن بن على بن شعبة في تحف العقول عن مولانا الصادق عليه السلام، انه سئل من معايش العباد، فقال: جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب، اربع جهات. ويكون منها حلال من جهة وحرام من جهة، فاول هذه الجهات الاربع الولاية، ثم التجارة، ثم الصناعات، تكون حلالا من جهة حراما من جهة، ثم الاجارات. والفرض من الله تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، والعمل بذلك الحلال منها، واجتناب جهات الحرام منها. فاحدى الجهتين من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين امر الله تعالى بولايتهم على الناس. والجهة الاخرى ولاية ولاة الجور. فوجه الحلال من الولاية: ولاية الوالى العدل، وولاية ولاته بجهة ما امر به

[ 68 ]

الوالى العادل، بلا زيادة ولا نقصان، فالولاية له، والعمل معه، ومعونته، وتقويته حلال محلل. واما وجه الحرام من الولاية، فولاية الوالى الجاير، وولاية ولاته، والعمل لهم، والكسب، معهم، لجهة الولاية لهم، حرام محرم معذب فاعل ذلك، على قليل من فعله أو كثير، لان كل شئ من جهة المعونة له، معصية كبيرة من الكبائر، وذلك انه في ولاية الوالى الجائر وهن الحق كله، فلذلك حرم العمل معهم، ومعونتهم، والكسب معهم، الا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة. واما تفسير التجارات في جميع البيوع، ووجوه الحلال من وجه التجارات التى يجوز للبايع ان يبيع مما لا يجوز له، وكذلك المشترى الذى يجوز له شراؤه مما لا يجوز له، فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد وقوامهم به، في امورهم في وجوه الصلاح، الذى لا يقيمهم غيره، مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون في جميع المنافع، التى لا يقيمهم غيرها، وكل شئ يكون فيه الصلاح، من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه، وامساكه واستعماله، وهبته وعاريته. واما وجوه الحرام من البيع والشراء، فكل امر يكون فيه الفساد مما هو منهى عنه من جهة اكله وشربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو امساكه أو هبته أو عاريته، أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا أو البيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش والطير أو الخمر، أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام ومحرم، لان ذلك منهى عن اكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام. وكذلك كل بيع ملهوبه، وكل منهى عنه، ما يتقرب به لغير الله تعالى، أو يقوى به الكفر والشرك، من جميع وجوه المعاصي، اوباب يوهن به الحق، فهو حرام محرم بيعه وشراوه وامساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه الا في حال

[ 69 ]

تدعو الضرورة فيه إلى ذلك. واما تفسير الاجارات، فاجارة الانسان نفسه أو ما يملك أو يلى امره، من قرابته أو دابته أو ثوبه لوجه الحلال من جهات الاجارات، أو يوجر نفسه أو داره أو ارضه أو شيئا يملكه فيما ينتفع به، من وجوه المنافع، أو العمل بنفسه وولده ومملوكه أو اجيره، من غيران يكون وكيلا للوالى أو واليا للوالى، فلا بأس ان يكون اجيرا يوجر نفسه أو ولده أو قرابته أو ملكه أو وكيله في اجارته، لانهم وكلاء الاجير من عنده، ليس هم بولاة الوالى، نظير الحمال يحمل شيئا بشئ معلوم، فيجعل ذلك الشئ الذى يجوز له حمله، بنفسه أو بملكه أو دابته، أو يوجر نفسه في عمل يعمل ذلك العمل بنفسه، حلال لمن كان من الناس ملكا أو سوقة، كافرا أو مؤمنا، فحلال اجارته، وحلال كسبه، من هذه الوجوه. فاما وجوه الحرام من وجوه الاجارة، نظير ان يوجر نفسه في صنعة ذلك الشئ أو حفظه، أو لبسه، أو يواجر نفسه في هدم المساجد ضرارا، وقتل النفس بغير حل، أو عمل التصاوير، والاصنام، والمزامير، والبرابط، والخمر، والخنازير، والميتة، والدم، أو شئ من وجوه الفساد الذى كان محرما عليه، من غير جهة الاجارة فيه، وكل امر نهى عنه من جهة من الجهات، فمحرم على الانسان اجارة نفسه فيه، اوله، أو شئ فيه، اوله، الا لمنفعة من أستأجره، كالذى يستأجر له الاجير يحمل له الميتة ينحيها عن اذاه أو اذى غيره، وما اشبه ذلك - إلى ان قال -: وكل من آجر نفسه أو آجر ما يملكه أو يلى امره، من كافر أو مؤمن، ملك اوسوقة، على ما قررناه، مما تجوز الاجارة فيه، فحلال محلل فعله وكسبه. واما تفسير الصناعات، فكلما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم، من اصناف الصناعات، مثل الكتابة والحساب والنجارة والصياغة والسراجة والبناء والحياكة والقصارة والخياطة وصنعة صنوف التصاوير، مما لم يكن مثل الروحانى، وانواع صنوف الالات التي يحتاج إليها العباد، منها منافعهم، وبها قوامهم، وفيها بلغة جميع حوائجهم،

[ 70 ]

فحلال تعلمه وتعليمه والعمل به لنفسه ولغيره، وان كانت تلك الصناعة وتلك الالة قد يستعان بها على وجوه الفساد ووجوه المعاصي، وتكون معونة على الحق والباطل، فلا بأس بصناعته وتعليمه، نظير الكتابة التى هي على وجه من وجوه الفساد، وتقوية ومعونة لولاة الجور وكذلك السكين والسيف والرمح والجوشن وغير ذلك من وجوه الالة التى تصرف إلى وجوه الصلاح والفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما، فلا باس بتعلمه وتعليمه واخذ الاجرة عليه والعمل به وفيه. لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرم عليهم فيه تصريفه الى جهات الفساد والمضار، فليس على العالم والمتعلم اثم ولا وزر، لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم وقوامهم وبقائهم، وانما الاثم والوزر على المتصرف بها في وجوه الفساد والحرام. وذلك انما حرم الله تعالى الصناعة التى هي حرام كلها التى يجئ منها الفساد محضا، نظير البرابط والمزامير والشطرنج، وكل ملهو به، والصلبان والاصنام وما اشبه ذلك، من صناعات الاشربة الحرام، وما يكون منه وفيه الفساد محضا، ولا يكون منه ولا فيه شئ من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه وتعلمه، والعمل به واخذ الاجرة عليه، وجميع التقلب فيه، من جميع وجوه الحركات، الا ان تكون صناعة قد تصرف الى جهات المنافع، وان كان قد يتصرف بها ويتناول بها وجه من وجوه المعاصي، فلعلة ما فيه من الصلاح حل تعلمه والعمل به، ويحرم على من صرفه الى غير وجه الحق والصلاح. فهذا بيان وجه اكتساب معايش العباد وتعليمهم في وجوه اكتسابهم. الحديث (1). ورواه المرتضى عليه الرحمة في رسالة " المحكم والمتشابه ". وانما نقلناه بطوله لجودة مدلوله ومحصوله، ومنه يستنبط جملة من الاحكام التى وقع فيها الاشكال بين جملة من علمائنا الاعلام، مثل الاستيجار على


(1) الوسائل ج 12 ص 54. تحف العقول ص 331

[ 71 ]

الصلاة، كما توقف فيه بعض محدثي متأخرى المتأخرين، ومثل التتن والقهوة ونحو ذلك، فانه ظاهر في جواز الاول وحل الثاني، وسيأتى الاشارة ايضا انشاء الله تعالى الى جملة من الفوائد التى اشتمل عليها في مواضعها اللائق بها. ويؤيد الخبر المذكور ما ذكره الرضا عليه السلام في كتاب " الفقه " حيث قال: اعلم يرحمك الله تعالى ان كل مأمور به على العباد، وقوام لهم في امورهم، من وجوه الصلاح، الذى لا يقيمهم غيره، مما يأكلون ويشربون ويلبسون ويملكون ويستعملون فهذا كله حلال بيعه وشراوه وهبته وعاريته، وكل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهى عنه، من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وامساكه لوجه الفساد، مثل الميتة والدم ولحم الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما اشبه ذلك، فحرام ضار للجسم وفساد للنفس (1) انتهى. إذا عرفت ذلك فاعلم: ان ما يكتسب به ينقسم الى محرم، ومكروه، ومباح. فها هنا بحوث ثلاثة. الاول، في المحرم. وهو انواع. فمنه: الاعيان النجسة ومنه: ما لا ينتفع به، كالمسوخ برية أو بحرية. والسباع ومنه: ما هو محرم في نفسه، كعمل الصور المجسمة، والغناء، ومعونة الظالمين ونحوه. مما سيأتي انشاء الله تعالى. ومنه: ما يحرم لتحريم ما يقصد به، كالات اللهو. ونحوها مما سيأتي انشاء الله. ومنه الاجرة على ما يجب فعله على الانسان مما سيأتي انشاء الله فها هنا مقامات: الاول في الاعيان النجسة، وفيه مسئلتان. الاولى: يحرم بيع الاعيان، كالعذرة من غير مأكول اللحم والبول منه ايضا، والدم، والميتة، والخنزير، والكلب، على تفصيل فيه يأتي انشاء الله تعالى، والخمر بجميع انواعه حتى الفقاع، ونحو ذلك. ومن الاخبار الواردة في المقام ما رواه في التهذيب عن سماعة قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام وانا حاضر، فقال: انى رجل ابيع العذرة فما تقول ؟ قال: حرام بيعها


(1) مستدرك الوسائل. باب 2 ما يكتسب به حديث: 1 فقه الرضا ص 33

[ 72 ]

وثمنها. وقال: لا باس ببيع العذرة (1). وعن يعقوب بن شعيب عن ابى عبد الله - عليه السلام - قال: ثمن العذرة من السحت (2). وما رواه في الكافي والتهذيب عن محمد بن مضارب عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: لا بأس ببيع العذارة (3). وما رواه في الفقيه عن ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن كلب الصيد، فقال: لا بأس بثمنه، والاخر لا يحل ثمنه. وقال اجر الزانية سحت، وثمن الكلب الذى ليس بكلب الصيد سحت، واجر الكاهن سحت، وثمن الخمر سحت، وثمن الميتة سحت، فاما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم (4). وما رواه في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: السحت ثمن الميتة وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر البغى، والرشوة في الحكم، واجر الكاهن (5). وعن عمار بن مروان، قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الغلول، فقال: كل شئ غل من الامام فهو سحت، إلى ان قال: والسحت انواع كثيرة، منها: اجر الفواجر، وثمن الخمر، والنبيذ المسكر، والربا بعد البينة، واما الرشا في الحكم فان ذلك الكفر بالله العظيم جل اسمه وبرسوله (6) إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في المقام.


(1) الوسائل ج 12 ص 126 باب 40 من ابواب ما يكتسب به. حديث: 2 (2) المصدر. حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 3 (4) المصدر ص 63 حديث: 8 (5) المصدر ص 62 حديث: 5 (6) المصدر ص 61 حديث: 1

[ 73 ]

والكلام يقع فيها في مواضع. (الاول): انه لا يخفى ان ما ذكرناه من الاخبار، وان كان انما اشتمل على بعض جزئيات ما ذكرناه من الامر الكلى، الا ان الخبر الذي قدمناه في صدر المقدمة، قددل على ذلك حسبما عنونا به الكلام في هذا المقام. ونقل في المنتهى اجماع المسلمين كافة على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير. قال: قال الله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " والمراد: تحريم الاعيان ووجوه الاستمتاع. وانت خبير بانه قد روى في التهذيب عن ابى القاسم الصيقل، وولده، قال: كتبوا الى الرجل عليه السلام: جعلنا الله تعالى فداك، انا قوم نعمل السيوف، وليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرون إليها، وانما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمير الاهلية، لا يجوز في اعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشراوها وبيعها ومسها بايدينا وثيابنا، ونحن نصلى في ثيابنا، ونحن محتاجون الى جوابك في المسألة يا سيدنا، لضرورتنا، فكتب عليه السلام: اجعلوا ثوبا للصلاة (1) ونحوه حديث آخر - ايضا - بهذا المعنى، قد تقدم في كتاب الطهارة (2). والخبران المذكوران ظاهران في خلاف مادلت عليه الاخبار المتقدمة، من عدم جواز بيع الميتة، وإن ثمنها من السحت، وانه لا يجوز العمل بها. ويؤيده هذين الخبرين - ايضا - ما ورود في حسنتي الحلبي أو صحيحته، من جواز بيع اللحم المختلط ذكيه بميته ممن يستحل الميتة (3). وسيأتى الكلام في ذلك انشاء الله تعالى، والمسألة محل الاشكال. (الثاني): ظاهر الروايات المتقدمة في العذرة، الاختلاف في حكم ببعها،


(1) الوسائل ج 12 ص 125 حديث: 4 (2) المجلد الخامس ص 63 - 64 (3) الوسائل ج 12 ص 67 وص 68 حديث: 1 و 2

[ 74 ]

حلا وحرمة. والشيخ رضى الله عنه قد جميع بينها، بحمل ما دل على التحريم، على عذرة الانسان، وما دل على الجواز، على عذرة البهايم. واحتمل في الذخيرة حمل الاول على الكراهة، والثانى على الجواز، قال: لكنى لا اعلم به قائلا. وقد عرفت ما في هذا الحمل، في غير موضع مما تقدم، لا سيما في كتابي الطهارة والصلاة، فإن الخبرين الدالين على التحريم، صريحان في ذلك، واخراجهما عن صريحهما يحتاج إلى قرينة واضحة، ووجود ما ظاهره المعارضة ليس من قرائن المجاز، مع ان لكراهة حكم شرعى، يتوقف على الدليل الواضح، واختلاف الاخبار لا يصلح ان يكون دليلا على ذلك، لا سيما مع وجود محمل صحيح آخر تجتمع عليه الاخبار. وقال شيخنا المجلسي - رحمه الله عليه - في حواشيه على كتب الاخبار: يمكن حمل عدم الجواز على بلاد ينتفع بها والجواز على غيرها، أو الكراهة الشديدة والجواز أو التقية في الحرمة، فان اكثرهم على الحرمة، بان يكون قد أجاب السائل علانية، ثم رآى غفلة منهم، فافتى بعدم البأس، لكنه خلاف المشهور بل المجمع عليه انتهى. اقول: لا يخفى ما فيه من التكلف البعيد، والعمل على ما ذكره الشيخ والا صاحب، فانه الحمل السديد. نعم يبقى الكلام في عذرة غير الانسان مما لا يؤكل لحمه. والظاهر: انه لا مستند لهم في تحريم بيعها، الا الاجماع المدعى في المقام، ويشكل بأن الشيخ في الاستبصار احتمل حمل العذرة في خبر الجواز على ما عدا عذرة الانسان مطلقا، وهو يوذن بجواز بيع عذرة ما لا يوكل لحمه. قال في الذخيرة: وهذا الوجه الذى ذكره الشيخ في الاستبصار، يقتضى جواز

[ 75 ]

بيع عذرة ما لا يؤكل لحمه من غير الانسان، وادعاء الاتفاق على خلافه كما اتفق لصاحب المسالك، محل اشكال. وبالجملة ان ثبت اجماع في تحريم بيع شئ من العذرات، فذلك، والاكان الجواز متجها فيما ينتفع به انتهى، اقول: لا يخفى ان ما ذكره الشيخ في كتابي الاخبار في مقام الجمع من الا حتمالات، لا يوجب ان يكون ذلك مذهبا له، لينافى دعوى الاجماع في المقام، ولو جعلت تلك الاحتمالات مذاهب له لم تنحصر مذاهبه في عد، ولم تنته إلى حد، فالتحقيق: ان المستند في تحريم بيع عذرة ما عدا الانسان من غير مأكول اللحم، انما هو ما قدمناه من خبر تحف العقول صريحا، وخبر الفقه الرضوي ظاهرا، لعده في الاول ما كان من افراد النجس في المحرمات، ودلالة الثاني عليه بقوله " وما اشبه ذلك " كما لا يخفى على المتأمل في سياق الخبر. وبذلك يظهر ما في قوله: وبالجملة ان ثبت اجماع.. الخ. (الثالث): قد اختلف الاصحاب - رضوان الله عليهم - في ارواث وابوال ما يوكل لحمه، فذهب جماعة الى جوازه مطلقا، نظرا الى انها عين طاهرة ينتفع بها، وهو المنقول عن المرتضى - رضي الله عنه - ومن تبعه. وادعى عليه الاجماع. وبه قال ابن ادريس والعلامة في المنتهى وغيره والظاهر انه المشهور. وآخرون إلى المنع من بيع العذرات والابوال كلها، لا ستخبائها الا ابوال الابل، للاستشفاء بها، للنص عليها (1). ونقله في المختلف عن المفيد، حيث قال: قال المفيد: وبيع العذرة والابوال كلها حرام، الابوال الابل خاصة، ثم قال: وكذا قال سلار. وقال في المسالك - بعد نقل القولين المذكورين -: والاول اقوى، خصوصا في العذرات، للانتفاع بها في الزرع وغيره نفعا بينا مع طهارتها، واما الابوال فكذلك، ان فرض لها نفع مقصود، والا فلا. انتهى.


(1) الوسائل ج 2 ص 1012 حديث: 15

[ 76 ]

ونقل جملة من المتأخرين عن الشيخ في النهاية تحريم جميع الابوال وان كانت مما يوكل لحمه، الابوال الابل للاستشفاء. وعبارته هنا لا تخلو من الاشكال، فانه قال: جميع النجاسات يحرم التصرف فيها، والتكسب بها، على اختلاف اجناسها، من سائر انواع العذرة والابوال وغيرهما، الابول الابل للاستشفاء به عند الضرورة انتهى. وهذا الكلام بالنظر الى صدره يقتضى صرف الابوال التى عدها، الى ابوال ما لا يوكل لحمه كالعذرة، فان غيرها ليس بنجس، وبالنظر إلى استثناء بول الابل، صرف الابوال الى الابوال مطلقا وان كانت مما لا يؤكل لحمه، وبالجملة فكلامه هنا مشتبه كما ترى. وقال سلار: يحرم بيع الابوال الا بيع ابوال الابل خاصة، وهو قول المفيد، كذا نقله في المختلف. وهو مؤذن بالمنع من بيع ما يوكله لحمه الا ما استثنى. والظاهر عندي هو ما ذكره في المسالك من الجواز متى كان لها منافع تترتب عليها، لعموم خبرى تحف العقول والفقه الرضوي (1). أقول: والاصحاب في هذا المقام لم يذكروا من الابوال التى دلت النصوص على جواز شربها، من مأكول اللحم الا ابوال الابل خاصة، مع انه قدوردت الرخصة ايضا في بول البقر والنغم، كما رواه الشيخ في الموثق، عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام، انه سئل عن بول البقر يشربه الرجل ؟ قال: ان كان محتاجا إليه يتداوى به يشربه، وكذلك بول الابل والغنم (2). وما رواه سماعة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن شرب الرجل ابوال الابل والبقر


(1) تحف العقول ص 331. والوسائل ج 12 ص 54. ومستدرك الوسائل باب 2 من ابواب ما يكتسب به، رقم: 1. فقه الرضا ص 33 (2) الوسائل ج 2 ص 1012 حديث: 15

[ 77 ]

والغنم، ينعت له من الوجع، هل يجوز له ان يشرب ؟ قال: نعم لا باس به (1). ومما يدل على بول الابل زيادة على الخبرين المذكورين، ما رواه في الكافي بسنده عن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: سمعت اشياخنا يقولون: البان اللقاح شفاء من كل داء وعاهة ولصاحب الربو ابوالها (2). ونقل في الوسائل في هذا الباب ما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن ابى البخترى، عن جعفر عن ابيه، ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا بأس ببول ما اكل لحمه (3). وانت خبير بما فيه من الاجمال، لاحتمال كون نفى الباس باعتبار الطهارة، لا باعتبار حل الشرب. (الرابع): ما اشتملت عليه الاخبار المتقدمة من تحريم الميتة، وان ثمنها سحت، المراد به مما ينجس بالموت مما له نفس سائلة، فيشمل ما قطع مت جسده، حيا كان أو ميتا. واما تخصيص صاحب المسالك ومثله صاحب المعالم ذلك بجسد الميت دون الاجزاء، فهو ضعيف، وقد تقدم البحث معهما في ذلك في كتاب الطهارة، في بحث النجاسات وقد اوردنا جمله من الاخبار الصحيحة الصريحة فيما ذكرناه. وظاهر الاخبار وكلام الاصحاب، ان الطهارة والنجاسة دائرتان مدار حلول الحياة وعدمه، فكل ما تحله الحياة يكون نجسا، ويكون الانتفاع به محرما وثمنه سحتا، بمقتضى الاخبار المتقدمة، الا انه قد وقع الاشكال في ذلك في جلد الميتة، باعتبار دلالة ما تقدم من الاخبار، في الموضع الاول على جواز الانتفاع به، وظاهر الصدوق في الفقيه طهارته، لما رواه فيه من جواز جعل اللبن والسمن فيه، وكذا


(1) الوسائل ج 17 ص 88 حديث: 7 (2) الكافي ج 6 ص 338. وفى المصدر المطبوع: " ولصاحب البطن ابوالها "، غير ان نسخة الوسائل ج 17 ص 88 حديث: 4 موافقة للمتن. (3) الوسائل ج 2 ص 1012 حديث: 17

[ 78 ]

الماء. واليه يميل كلام صاحبي المدارك والمعالم، وهو اشد اشكالا. وقد تقدم البحث معهم في ذلك في كتاب الطهارة وبينا حمل مادل على ذلك على التقية. والمشهور في كلام الاصحاب تحريم الاستصباح بما قطع من أليات الغنم، بناء على ما ذكرناه من انها ميتة، ولا ميتة لا ينتفع بشئ منها مما تحله الحياة. ونقل الشهيد عن العلامة جواز الاستصباح به تحت السماء، ثم قال: وهو ضعيف، الا انه روى ابن ادريس في السرائر عن جامع البزنطى، عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن رجل يكون له الغنم، يقطع من الياتها وهى احياء، أيصلح له ان ينتفع بما قطع ؟ قال: نعم، يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها (1). وروى هذه الرواية ايضا الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام مثله (2). والرواية المذكورة كما ترى ظاهرة الدلالة في القول المذكور. وظاهر شيخنا المجلسي - رحمة الله عليه - في البحار: الميل إلى العمل بهذه الرواية، حيث قال - بعد نقل الخلاف في هذه المسألة -: والجواز عندي اقوى، لدلالة الخبر الصحيح المؤيد بالاصل على الجواز، وضعف حجة المانع، إذا لمتبادر من تحريم الميتة تحريم اكلها، كما حقق في موضعه، والاجماع ممنوع انتهى. وفيه: انه - وان كان المتبادر من الاية، وهى قوله تعالى " حرم عليكم الميتة " انما هو تحريم الاكل كما ذكره - الا ان الدليل ليس منحصرا فيها بل الدليل على ذلك: انما هو الاخبار الصريحة في ان الميتة لا ينتفع بشئ منها. ومن تلك الاخبار ما هو في خصوص موضع البحث، وها انا اورد لك ما حضرني الان منها، فمنها: ما رواه في الكافي عن الحسن بن على الوشاء، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام فقلت: جعلت فداك، ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم، فيقطعونها. فقال: حرام هي. فقلت: جعلت فداك، فنصطبح بها ؟ فقال: أما عملت انه يصيب اليد والثوب،


(1) السرائر ص 469 (2) قرب الاسناد ص 115

[ 79 ]

وهو حرام (1) وقوله: وهو حرام أي نجس. وعن الكاهلى قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام، وانا عنده عن قطع أليات الغنم، فقال: لا باس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال: ان في كتاب على عليه السلام: ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به (2). ومنها: ما في صحيح على بن المغيرة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ ؟ فقال لا. الحديث (3). ومن المحتمل قريبا في الحديث المذكور خروجه مخرج التقية، كما انهم ذهبوا إلى طهارة جلد الميتة بالدباغ، حسبما قدمنا تحقيقه في كتاب الطهارة. وابن ادريس - في السرائر - لما اورد خبر البزنطى المذكور، قال: لا يلتفت إلى هذا الحديث، فانه من نوادر الاخبار، والاجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها بكل حال الا اكلها للمضطر. انتهى. واما ما لا تحله الحياة منها فهو طاهر يجوز الانتفاع به ويحل بيعه وشراوه اتفاقا، نصا وفتوى، الا اللبن في ضرع الشاة الميتة، فقد اختلف الاصحاب فيه طهارة ونجاسة، فالمشهور: انه كغيره مما لا تحله الحياة، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الطهارة. (الخامس): لا خلاف بين الاصحاب - رضى الله عنهم - في جواز بيع كلب الصيد وعدم جواز بيع ما عداه، وعدا كلب الماشية والزرع والحائط، وانما الخلاف في هذه الثلاثة، فقال الشيخ في النهاية: ثم الكلب سحت الا إذا كان سلوقيا للصيد، فانه يجوز بيعه وشراوه واكل ثمنه والتكسب به، وكذا قال المفيد. وقال في المبسوط: الكلاب ضربان، احدهما لا يجوز بيعه بحال، والاخر


(1) الكافي ج 6 ص 255 حديث: 3 (2) الكافي ج 6 ص 255 حديث: 1 (3) الوسائل ج 2 ص 1080 حديث: 2

[ 80 ]

يجوز ذلك فيه. فما يجوز بيعه: ما كان معلما للصيد، وروى ان كلب الماشية والحايط مثل ذلك، وما عدا ذلك كله لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به. وقال في الخلاف: يجوز بيع كلاب الصيد، ويجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلمة ولايجوز بيع غير الكلب المعلم على حال. قال في - المنتهى بعد نقل عبارة الشيخ في النهاية وكذا الشيخ المفيد - عطرالله مرقديهما -: وعنى بالسلوقى كلب الصيد، لان سلوق قرية باليمن اكثر كلابها معلمة فنسب الكلب ! إليها انتهى. ومنه يظهر مراد الشيخ بهذه العبارة، وانها خرجت مخرج التجويز والكناية عن كلب الصيد، لا تخصيص الحكم بما كان من كلاب تلك القرية، وبنحو ما عبر به الشيخ وقع التعبير في الاخبار ايضا، كما في جملة منها " دية الكلب السلوقى اربعون درهما " والمراد كلب الصيد، سواء كان من هذه القرية اومن غيرها. وقال ابن الجنيد: ولا باس بشراء الكلب الصائد والحارس للماشية والزرع. وقال ابن البراج: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره من الكلاب. وقال ابن ادريس: ويجوز بيع كلب الصيد، سواء كان سلوقيا وهو المنسوب إلى " سلوق " قرية باليمن، أو غير سلوقي. وكلب الزرع والماشية. وكلب الحايط وبه قال ابن حمزة. قال في المختلف: وهو الاقرب عندي ونحو ذلك في المنتهى ايضا واختاره في المسالك ايضا. وألحق بكلب الحائط كلب الدار ايضا. وتردد المحقق في الشرايع، ثم قال: والاشبه المنع. ونقل في المنتهى عن الشيخ في باب الاجارة من المبسوط: انه سوغ بيعها، وحينئذ فيكون كلامه في الكتاب المذكور مختلفا. اقول: والذى وصل الينا من الاخبار المتعلقة بالكلب في هذا الباب، متفق

[ 81 ]

الدلالة، متعاضد المقالة: على تخصيص الجواز بكلب الصيد خاصة، وان ما عداه ثمنه سحت. ومنها رواية ابن بصير المتقدمة. ومنها ما رواه في الكافي عن عبد الله العامري، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن الكلب الذى لا يصيد، فقال: سحت. قال: واما الصيود فلا بأس (1). ومنها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم وعبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله - عليه السلام -، قال: ثمن الكلب الذى لا يصيد سحت، وقال: لا بأس بثمن الهر (2). وعن ابى بصير، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن كلب الصيد ؟ فقال: لا بأس بثمنه، والاخر لا يحل ثمنه (3). وهذه الاخبار كلها - كما ترى - متفقة على ما ذكرناه من ان ما عدا كلب الصيد، فانه لا يجوز بيعه ولا شراؤه، ولم اقف على خبر يتضمن استثناء غيره، سوى مافى عبارة المبسوط من قوله " وروى ان كلب الماشية والحائط مثل ذلك " وفى الاعتماد على مثل هذه الرواية في تخصيص هذه الاخبار اشكال. واصحابنا القائلون باستثناء الثلاثة المذكورة، انما استندوا الى مشاركة هذه الثلاثة لكلب الصيد في المنفعة التى يترتب عليها استثناوه، وهو من حيث العقل قريب. الا ان ظواهر النصوص المذكورة - كما ترى - تدفعه. قال في المسالك: والاصح جواز بيع الكلاب الثلاثة لمشاركتها كلب الصيد في المعنى المسوغ لبيعه، ودليل المنع ضعيف السند وقاصر الدلالة. وفيه: انه يجوز ان يكون المسوغ - شرعا - انما هو هذه المنفعة الخاصة بكلب الصيد، فمن ثم اقتصروا - عليهم السلام - في هذه الاخبار عليها، لاكل منفعة.


(1) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 3 (3) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 5

[ 82 ]

واما الطعن في الاخبار بضعف، السند، فقد عرفت ان فيها الصحيح باصطلاحهم، وهو صحيحة محمد بن مسلم وعبد الرحمان المذكورة. واما الطعن بقصور الدلالة، فهو ضعيف إذ لا اصرح في الدلالة على التحريم من هذه الالفاظ الواردة في هذه الاخبار، من قولهم في جملة منها: " ان ثمنه سحت ". وقوله في رواية ابى بصير " والاخر لا يحل ثمنه ". واستدل العلامة في المنتهى على اباحة الثلاثة الباقية - زيادة على ما تقدم - بان لهادية وقيمة لو اتلفت - على ما يأتي انشاء الله - والدية تستلزم التملك المستلزم لجواز التصرف. وفيه: ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال: وربما فهم بعضهم من ثبوت دياتها جواز بيعها، نظرا إلى انها اموال محترمة كما في الحيوانات. وفيه: منع ظاهر، فان ثبوت الديات لها ربما دل على عدم جواز بيعها، التفاتا الى أن ذلك في مقابلة القيمة، فانك تجد كل ماله دية لا قيمة له، كما في الحر. وماله قيمة لادية له، كما في الحيوان المملوك، غير الادمى انتهى، وهو جيد. وبالجملة فالظاهر هو الاقتصار على مادلت عليه الاخبار المذكورة والله العالم. (السادس): ظاهر المشهور بين الاصحاب: انه لا بأس ببيع الهرة وحل ثمنها، وعليه تدل صحيحة محمد بن مسلم وعبد الرحمن المتقدمة (1). قال في المسالك: واما الهرة فنسب جواز بيعها في التذكرة الى علمائنا وهو يعطى الاتفاق عليها انتهى. ونقل في المختلف عن ابن البراج: انه قال: من باع هرة فليتصدق بثمنها، ولا يتصرف فيه في غير ذلك، ثم قال: والوجه عدم وجوب ذلك. لنا انها مملوكة فكان الثمن ملكه كغيرها. انتهى وهو جيد. للصحيح المذكور.


(1) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 3

[ 83 ]

المسألة الثانية لا يحل بيع المايع النجس نجاسة عارضة، لنجاسته المانعة من جواز الانتفاع به. على المشهور بين الاصحاب، عدا الدهن للاستصباح، لورود الاخبار به. وهو مبنى على عدم قبول تلك المايعات للتطهير، كما هو الاشهر الاظهر، واما على القول بقبولها للطهارة فانه يجوز بيعها مع الاعلام. قال: في المسالك - بعد قول المصنف بتحريم كل مايع نجس عدا الادهان لفائدة الاستصابح بها تحت السماء - ما لفظه: بناء على ان المايعات النجسة لا تقبل التطهير بالماء، فانه اصح القولين. ولو قلنا بقبولها الطهارة جاز بيعها مع الاعلام بحالها، ولافرق في عدم جواز بيعها - على القول بعدم قبولها للطهارة - بين صلاحيتها الانتفاع على بعض الوجوه وعدمها، ولابين الاعلام وعدمه، على ما نص عليه الاصحاب وغيرهم انتهى. اقول: وقد تقدم البحث في قبولها الطهارة وعدمه في كتاب الطهارة، وبينا: ان الظاهر هو العدم بالنسبة إلى الدهن، واما غيره فانه لا يقبل الطهارة الا باضمحلاله

[ 84 ]

في الماء على وجه يخرج عن حقيقته وما هيته، وهذا لا يسمى في الحقيقة تطهيرا. وظاهر الكفاية: المناقشة في الحكم المذكور، حيث قال: والمعروف ان المايعات التى لا تقبل التطهير لا يجوز بيعها سوى الادهان لفائدة الاستصباح. ونقل في المنتهى الاجماع عليه، ولا حجة لذلك سواه - ان تم - وعموم الادلة مع حصول الانتفاع بها يقتضى الجواز، انتهى وهو جيد. واما بيع الادهان لفائدة الاستصباح فظاهر الاصحاب: الاتفاق عليه، وعليه تدل الاخبار الاتية، وظاهره ايضا الاتفاق على تخصيص ذلك بالدهن المتنجس، دون ما كان نجسا من اصله كالاليات المقطوعة من الغنم. قال في المسالك - بعد نقل الخلاف في تخصيص الاستصباح بكونه تحت السماء أو عمومه - ما لفظه: وموضع الخلاف ما إذا كان الدهن متنجسا بالعرض، فلو كان نفسه نجسا كالاليات الميتة والمبانة من حى، لا يصح الانتفاع به مطلقا، لاطلاق النهى عن استعمال الميتة. ونقل عن العلامة جواز الاستصباح به تحت السماء وهو ضعيف، انتهى. اقول: وقد تقدم من الاخبار ما يدل على كلام العلامة المذكور هنا، واختيار شيخنا المجلسي. وهو ايضا ظاهر صاحب الكفاية، حيث نقل الروايتين المتقدمتين الدالتين على ذلك، بعدان تنظر فيما ذكره في المسالك، وايدهما بحسنتى الحلبي (1) الواردتين في قطع اللحم المختلط ذكيه بميته، وصحيحة حفص بن البخترى (2) في العجين بالماء النجس. اقول ويؤيده ايضا روايتا الصيقل المتقدمتان (3) في الموضع الاول.


(1) الوسائل ج 12 ص 68 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 68 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 68 حديث: 3

[ 85 ]

والمسألة لذلك قوية الاشكال، لتعارض هذه الاخبار الواردة في هذا المجال. بقى الكلام في انه هل يجب كون الاستصباح به تحت السماء، فلا يجوز تحت الظلال ام لا ؟ ظاهر كلامهم: الاول. فنقل في المختلف عن الشيخين وابن البراج: ان الدهن إذا وقعت فيه نجاسة، جاز الاستصباح به، فان دخانه يكون طاهرا ولايكون نجسا، لان الاصل الطهارة وبراءة الذمة، والحكم بالنجاسة وشغل الذمة يحتاج إلى دليل. وقال في المبسوط: الادهان إذا ماتت فيها فارة تنجس، ويجوز عندنا وجماعة الاستصباح به في السراج، ولا يؤكل ولا ينتفع به في غير الاستصباح، وفيه خلاف. وروى اصحابنا: انه يستصبح به تحت السماء دون السقف، وهذا يدل على ان دخانه نجس، غير ان عندي ان هذا مكروه، فاما دخانه ودخان كل نجس من العذرة وجلود الميتة والسرجين والبعر وعظام الموتى عندنا ليس بنجس. واما ما يقطع بنجاسته قال قوم: دخانه نجس. وهو الذى قدمناه من رواية اصحابنا. وقال آخرون - وهو الاقوى - انه ليس بنجس. وقال ابن ادريس: يجوز الاستصباح به تحت السماء، ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، لالان دخانه نجس، بل تعبدا، لان دخان الاعيان النجسة ورمادها طاهر عندنا بغير خلاف بيننا. ثم نقل كلام المبسوط، ثم قال: قوله: روى اصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف، هذا يدل على ان دخانه نجس، غير ان عندي ان هذا مكروه. ويريد به الاستصباح تحت السقف. قال محمد بن ادريس: ما ذهب احد من اصحابنا إلى ان الاستصباح به تحت الظلال مكروه، بل محظور بلا خلاف منهم، وشيخنا أبو جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه، الا ما ذكره ها هنا، والاخذ بقوله وقول اصحابنا اولى من الاخذ بقوله المنفرد عن قول اصحابنا انتهى.

[ 86 ]

واعترضه العلامة في المختلف، فقال - بعد نقل كلامه -: وهذا الرد على شيخنا جهل منه وسخف، فان الشيخ - رضوان الله عليه - اعرف باقوال علمائنا، والمسائل الاجماعية والخلافية، والروايات الواردة هنا في التهذيب مطلقة غير مقيدة بالسماء، ثم ساق صحيحة معوية بن وهب وصحيحة زرارة الاتيتين انشاء الله تعالى، ثم قال: وكذا باقى الاحاديث، ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: لااستبعاد فيما ذكره شيخنا في المبسوط من نجاسة دخان الدهن النجس، لبعد استحالة كله، بل لابدان يتصاعد من اجزائه قبل احالة النار لها، فتثبت السخونة المكتسبة من النار الى ان يلقى الظلال، فتتاثر بنجاسته ولهذا منعوا عن الاستصباح به تحت الظلال، فان هذا القيد مع طهارته لا يجتمعان، لكن الاولى: الجواز مطلقا، للاحاديث، ما لم يعلم أو يظن بقاء شئ من اجزاء اعيان الدهن، فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال انتهى. اقول: والواجب اولا نقل الاخبار، ثم الكلام فيها. فمنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر - عليه السلام - قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقى، وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك (1). ومنها ما رواه ايضا الكليني والشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: قلت له. جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل، فقال: اما السمن فيوخذ الجرذ وما حوله، والزيت يستصبح به، وزاد في رواية التهذيب، وقال في بيع ذلك الزيت: بعه وبينه لمن يشتريه ليستصبح به (2).


(1) الوسائل ج 12 ص 66 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 66 حديث: 1 و 4

[ 87 ]

ومنها ما رواه ايضا في الصحيح عن سعيد الاعرج - وساق الخبر - الى ان قال: وعن الفارة تموت في الزيت، فقال: لا تأكله ولكن اسرج به (1). وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشرب فتموت فيه، فقال: ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا فانه ربما يكون بعض هذا، فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله، وان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به الحديث (2). وعن سماعة في الموثق قال سألته عن السمن تقع فيه الميتة، فقال: إذا كان جامدا فألق ما حوله وكل الباقي. وقلت: الزيت ؟ فقال: اسرج به (3). وعن ابى بصير في الموثق، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفارة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه، فقال: ان كان جامدا فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقى، وان كان ذائبا فاسرج به واعلمهم إذا بعته (4). ومنها: ما رواه عبد الله بن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي، عن اسماعيل بن عبد الخالق، قال: سأله سعيد الاعرج السمان وانا حاضر، عن السمن والزيت والعسل، تقع فيه الفارة فتموت، كيف يصنع به ؟ فقال: اما الزيت فلا تبعه، الا لمن تبين له، فيبتاع للسراج، واما الاكل فلا. واما السمن فان كان ذائبا فهو كذلك، وان كان جامدا والفارة في أعلاه، فيوخذ ما تحتها وما حولها، ثم لا بأس به، والعسل كذلك ان كان جامدا (5).


(1) الوسائل ج 16 ص 462 حديث: 4 (2) الوسائل ج 16 ص 462 حديث: 3 (3) الوسائل ج 16 ص 462 حديث: 5 (4) الوسائل ج 12 ص 66 حديث: 3 (5) الوسائل ج 12 ص 67 حديث: 5

[ 88 ]

ومنها: ما رواه الراوندي في كتاب النوادر، بسنده فيه عن موسى بن جعفر عليه السلام، في حديث قال: وسئل عن الزيت يقع فيه شئ له دم فيموت، فقال: يبيعه لمن يعمله صابونا (1).


(1) مستدرك الوسائل ج 1 ص 163 حديث: 8

[ 89 ]

فوائد (الاولى): هذه الروايات - على كثرتها - لا اشعار في شئ منها، فضلا عن التصريح، بما ذكروه من تقييد الجواز بالاستصباح تحت السماء، والمنع من كونه تحت الظلال، حتى ذهب من ذهب الى نجاسة دخانه لذلك كما عرفته من كلام الشيخ في المبسوط، أو ان ذلك محض تعبد كما ذكره في المختلف عن ابن ادريس. فان الكل نفخ في غير ضرام، ونزاع لا اصل له في اخبارهم عليهم السلام. وقد صرح بمثل ما ذكرنا في المسالك (1). (الثانية): المفهوم من كلام الاصحاب تخصيص الانتفاع بالدهن بصورة الاستصباح خاصة فلا يتعدى الى غيرها، بناء على تحريم الانتفاع بالنجس مطلقا، خرج منه ما وردت به اخبار الاستصباح المذكورة، فيبقى ما عداه. قال في المسالك: واما الادهان النجسة عارضية، كالزيت تموت فيه


(1) حيث قال: والمشهور بين الاصحاب تقييد جواز الاستصباح بها بكونه تحت السماء، بل ادعى عليه ابن ادريس في السرائر الاجماع. وفى الحكم بالتخصيص نظر، وفى دعوى الاجماع منع، والصحيحة مطلقة، والمقيد لها بحيث يجب الجمع بينهما غير معلوم، فالقول بالجواز متجه، واليه ذهب الشيخ في المبسوط، والعلامة في المنتهى. انتهى منه قده.

[ 90 ]

الفارة، فيجوز بيعها لفائدة الاستصباح بها. وانما خرج هذا الفرد بالنص، والا لكان ينبغى مساواتها لغيرها من المايعات النجسة، التى يمكن الانتفاع بها بعض الوجوه، وقد ألحق بعض الاصحاب ببيعها للاستصباح ببيعها ليعمل صابونا، أو ليدهن بها الاجرب ونحو ذلك، ويشكل بانه خروج عن موضع النص المخالف للاصل، فان جاز، لتحقق المنفعة، فينبغي مثله في المايعات النجسة التى ينتفع بها، كالدبس يطعم النحل ونحوه انتهى. اقول: يمكن ان يقال: ان ذكر الاستصباح في هذه الاخبار انما خرج مخرج التمثيل لا الحصر، حيث انه اظهر وجوه الاستعمالات واعم فوائدها، كما ان تخصيص المنع بالاكل فيها غير دال على الحصر فيه. ويؤيده ذلك خبر الراوندي الدال على عمله صابونا، كما ذهب إليه البعض الذى نقل عنه ذلك. ولعله استند الى الخبر المذكور، على انه لم يقم هنا - اعني بالنسبة الى ما نجاسته عارضية في المايعات - ما يدل على عموم المنع من الانتفاع به، والاصل وعموم الادلة يؤيد ما ذكرناه. واليه مال - ايضا - شيخنا المجلسي في البحار، وقبله الفاضل في الذخيرة و الله العالم. (الثالثة): لا يخفى انه على تقدير القول بوجوب الاستصباح بالدهن النجس تحت السماء، فان الظاهر كون ذلك تعبدا شرعيا، كما ذكره ابن ادريس، لا لنجاسة دخانه، كما دل عليه كلام الشيخ المتقدم، والعلامة في المختلف، لما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة، من طهارة الدخان والرماد، وان كانا من النجاسات العينية. وما ذكره العلامة هنا من التعليل، ضعيف عليل ومحض تخرص لا يروى الغليل. واصالة العدم اظهر ظاهر في رده. (الرابعة) قد دل صحيح معاوية بن وهب، وموثق ابى بصير، وخبر قرب الاسناد على الامر بالاعلام إذا اراد بيعه، وحينئذ فلو باعه من غير اعلام فالظاهر


(1) تقدمة الروايات في ص 87

[ 91 ]

- على قواعد الاصحاب - هو صحة البيع، وان اثم بمخالفة الامر بالاعلام ويتخير المشترى بعد العلم. واستشكل الجواز في المسالك، بناء على تعليله بالاستصباح. قال: فان مقتضاه الاعلام بالحل، والبيع لتلك الغاية. اقول: وتوضيحه: ان الشارع إذا كان انما جوز البيع لفائدة الاستصباح خاصة فإذا لم يعلمه يكون قد اشتراه لغير تلك الفائدة، وهى محرمة، والبيع للفائدة المحرمة حرام، فيكون باطلا. وفيه: ما لا يخفى، فان الشئ إذا كان له في حد ذاته منافع عديدة، منها ما هو محرم، ومنها ما هو محلل، لا يجب في البيع قصد منفعة من المنافع المحللة، والالبطل البيع في اكثر المبيعات وهى لا تخلو من المنافع المحرمة، كما لا يخفى. وكيف كان، فهو على تقدير تسليمه لا يجرى فيما اخترناه مما قدمنا ذكره، من جواز البيع، لاى منفعة تترتب على ذلك. وظاهر هذه الاخبار وجوب الاخبار بالنجاسة متى اريد بيعه، مع انه قد تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة من الاخبار، ما ظاهره كراهة الاخبار، لا سيما موثقة ابن بكير، الدالة على جواز اعارة الثوب الذى لا يصلى فيه، لمن يصلى فيه (1)، وصحيحة محمد ابن مسلم، الدالة على ان من رآى في ثوب اخيه دما وهو يصلى لا يعلمه، حتى ينصرف من صلاته (2). ويؤيده ما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة، من ان الطهارة والنجاسة والحل والحرمة ليست من الاحكام النفس الامرية، وانما هي بالنظر إلى علم المكلف بنجاسته، لا ما كان كذلك في الواقع. وحينئذ فهذا الدهن، وان كان نجسا، باعتبار علم البايع، الا انه بالنظر


(1) الوسائل ج 2 ص 1069 حديث: 3 (2) الوسائل ج 2 ص 1069 حديث: 1

[ 92 ]

الى المشترى غير العالم طاهر، والجمع بين الاخبار في هذا المقام لا يخلو عن اشكال. نعم لو قلنا بان النجاسة من الاحكام النفس الامرية، كما هو ظاهر الاصحاب، اتجه القول بهذه الاخبار على ظاهرها. لكن قد تقدم التحقيق في كتاب الطهارة، بان الامر ليس كذلك، بل هي انما بالنظر الى علم المكلف، كما يدل عليه جملة من الاخبار المذكورة ثمة ومنها الموثقة و الصحيحة المذكورتان والله العالم.

[ 93 ]

المقام الثاني فيما لا ينتفع به كالسباع والمسوخ والمشهور في كلام المتقدمين تحريم التجارة في السباع والمسوخ. قال المفيد - عليه الرحمة -: التجارة في القردة والسباع والفيلة والذئبة وسائر المسوخ حرام، واكل اثمانها حرام، والتجارة في الفهود والبزاة وسباع الطير، التى بها يصاد حلال. وكذا حرم الشيخ في النهاية: بيع سائر المسوخ وشراءها والتجارة فيها والتكسب بها، مثل القردة والفيلة والذئبة وغيرها من انواع المسوخ، وبيع جميع السباع، والتصرف فيها، والتكسب بها محظور، الا الفهود خاصة منها تصلح للصيد. وقال سلار: يحرم بيع القردة والسباع والفيلة والذئاب. وقال في المبسوط: الحيوان الذى هو نجس العين كالكلب والخنزير وماتولد منهما وجميع المسوخ، وما تولد من ذلك اومن احدهما، فلا يجوز بيعه ولا اجارته ولا الانتفاع به، ولا اقتناؤه، بحال، اجماعا، الا الكلب. ثم قال: والظاهران غير مأكول اللحم مثل الفهد والنمر والفيل وجوارح الطير مثل الصقور والبزاة والشواهين

[ 94 ]

والعقبان والارانب والثعالب وما اشبه ذلك، فهذا كله يجوز بيعه، وان كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه، بلا خلاف مثل الاسد والذئب. وقال ابن ابى عقيل: جميع ما يحرم بيعه وشراوه ولبسه عند آل الرسول - عليهم السلام - بجميع ما ذكرنا من الاصناف التى يحرم اكلها، من السباع والطير والسمك والثمار والنبات والبيض. وقال ابن الجنيد: لاخير فيما عدا الصيود والحارس من الكلاب، وفى سائر المسوخ، واختار في اثمان ما لا يؤكل لحمه من السباع والمسوخ ان لا يصرف بائعه ثمنه في مطعم أو مشرب له ولغيره من المسلمين. وقال ابن البراج: لا يجوز بيع ماكان مسخا من الوحوش. ويجوز بيع جوارح الطير والسباع من الوحوش. وقال ابن ادريس في سرائره - بعد نقل عبارة النهاية -: قال محمد بن ادريس: قوله - عليه الرحمة -: والفيلة والذئبة. فيه كلام. وذلك ان ما جعل الشارع وسوغ الانتفاع به فلا بأس ببيعه وابتياعه لتلك المنفعة، والا يكون قد حلل وأباح وسوغ شيئا غير مقدور عليه، وعظام الفيل لا خلاف في جواز استعمالها مداهن وامشاطا وغير ذلك، والذئب ليس بنجس السور بل هو من جملة السباع، فعلى هذا جلده بعد ذكاته ودباغه طاهر انتهى. والظاهر: انه على هذه المقالة نسج المتأخرون كالفاضلين ومن تأخر عنهما، فانهم جعلوا مناط الجواز طهارة العين وحصول المنفعة بجلد أو شعر أو ريش أو عظم أو نحو ذلك. قال في المختلف - بعد نقل الاقوال التى قدمنا ذكرها -: والاقرب الجواز لنا: أنه عين طاهرة ينتفع بها، فجاز بيعها. اما انها عين طاهرة فلانا قد بينا فيما سلف طهارة المسوخ، واما الانتفاع بها فلانها ينتفع بجلودها وعظامها، واما جواز بيعها حينئذ فللمقتضى، وهو عموم قوله تعالى " احل الله البيع " وزوال المانع. وهو

[ 95 ]

النجاسة، الى آخر كلامه زيد مقامه. وهو المختار الذى تعضده الاخبار الجارية في هذا المضار، وهو التى عليها الاعتماد في الايراد والاصدار. ومنها: ما رواه في الكافي في الصحيح عن العيص بن القاسم، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفهود وسباع الطير، هل يلتمس التجار فيها ؟ قال: نعم (1). ورواه الشيخ في الصحيح مثله. وما رواه الشيخان المذكوران عن عبد الحميد بن سعيد، قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن عظام الفيل، يحل بيعه أو شراؤه، الذى يجعل منه الامشاط ؟ فقال: لا بأس، قد كان لى منها مشط أو امشاط (2). وما رواه في الكافي عن موسى بن يزيد قال: رأيت ابا الحسن عليه السلام يمتشط بمشط عاج، واشتريته له (3). وما رواه على بن جعفر في كتابه عن اخيه، قال: سألته عن جلود السباع وبيعها وركوبها ايصلح ذلك ؟ قال: لا بأس، ما لم يسجد عليها (4). وما رواه الشيخ عن ابى مخلد، قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه معتب، فقال له: بالباب رجلان، فقال: ادخلهما فدخلا، فقال احدهما: انى رجل سراج، ابيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي ؟ قال: نعم. قال: ليس به بأس (5).


(1) الوسائل ج 12 ص 123 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 123 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 123 حديث: 3 (4) الوسائل ج 12 ص 124 حديث: 5 (5) الوسائل ج 12 ص 124 حديث: 1 قال بعض مشايخنا المحدثين من متأخرى المتأخرين: هذا الخبر يدل مذهب من قال بعدم جواز استعمال جلود ما لا يؤكل لحمه بدون الدباغة، ويمكن الحمل على الكراهة. منه قدس سره.

[ 96 ]

وما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام، قال، سألته عن لحوم السباع وجلودها ؟ فقال: اما لحوم السباع، والسباع من الطير فانا نكرهه واما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه (1). وعن سماعة - ايضا - عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها ؟ قال: أما لحوم السباع فمن الطير والدواب فانا نكره، واما الجلود فانا فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه (2). وما رواه على بن اسباط عن على بن جعفر عن اخيه عليه السلام، قال: سألته عن ركوب جلود السباع ؟ قال: لا بأس ما لم يسجد عليها (3). وما رواه البرقى (في المحاسن) عن سماعة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن جلود السباع ؟ فقال: اركبوا ولا تلبسوا شيئا تصلون فيه (4). وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة الدلالة في كون السباع قابلة للتذكية، لا فادتها جواز الانتفاع بجلودها، لطهارتها، فيجوز بيعها وشراوها. نعم ورد النهى عن القرد، كما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب عن مسمع عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن القرد ان يباع أو يشترى (5) فيمكن استثناء القرد بهذه الرواية من عموم الجواز المدلول عليه بالاصل والاية والرواية، مع احتمال حملها على الكراهة. ولم نقف للقائلين بالتحريم، على دليل يعتد به، الا ان يكون ما ذهب إليه الشيخ، من نجاسة المسوخ، وهو الذى نقله العلامة في المختلف.


(1) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 3 و 4 (2) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 3 و 4 (3) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 5 (4) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 3 و 4 (5) الوسائل ج 12 ص 124 حديث: 4

[ 97 ]

قال: احتج المانعون بانها نجسة فيحرم بيعها، وبما رواه مسمع، ثم ساق الخبر المذكور، ثم قال: والجواب: المنع من النجاسة. وقد تقدم، وعن الحديث بالمنع من صحة السند، والحمل على الكراهة جمعا بين الادلة. ومن هذا الباب في المنع: الحشرات، والجرى، والطافي من السمك، وهو ما مات في الماء ثم طفى على وجهه، والضفادع، والسلاحف. كذا صرح به جملة من الاصحاب.

[ 98 ]

المقام الثالث فيما هو محرم في نفسه كعمل الصور، والغناء، ومعونة الظالمين بما يحرم، ونوح النائحة بالباطل، وحفظ كتب الضلال ونسخها لغير النقص، وهجاء المؤمنين، وتعلم السحر والكهانة، والقيافة، والشعبدة، والقمار، والغش بما يخفى، وتدليس الماشطة، وتزين الرجل بما يحرم عليه. فها هنا مسائل: الاولى: في عمل الصور. لا خلاف بين الاصحاب - رضى الله عنهم - في تحريم التماثيل في الجملة، فظاهر جملة منهم: التصريح بتحريم التماثيل المجسمة وغيرها، من المنقوش على جدار أو بساط أو نحو ذلك. وظاهر بعض: التخصيص بالمجسمة من ذوات الارواح. وآخرين بالمجسمة من ذوات الارواح وغيرها. وظاهر بعض: التخصيص بذوات الارواح مطلقا، مجسمة أو غير مجسمة. والاول، نقله في المختلف عن ابن البراج، وظاهر ابى الصلاح. ونقل الثالث، عن الشيخين وسلار، والرابع عن ابن ادريس، والثانى، نقله في المسالك،

[ 99 ]

ولم يذكر قائله. والذى وقفت عليه من الاخبار، في هذا المقام، ما رواه الكافي في الصحيح عن ابى العباس عن ابى عبد الله عليه السلام، في قوله تعالى " يعلمون له ما يشاء من محاريب وتماثيل " فقال: والله ما هي تماثيل الرجال، والنساء، ولكنها الشجر و شبهه (1). وعن ابى العباس قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب قال: ماهى تماثيل الرجال والنساء، لكنها تماثيل الشجر وشبهه (2). وعن جعفر بن بشير عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: كانت لعلى بن الحسين وسائد وانماط فيها تماثيل يجلس عليها (3). وعن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر - عليه السلام - قال: لا بأس بتماثيل الشجر (4). وعن محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن تماثيل الشجر والشمس والقمر ؟ فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان (5). وما رواه الشيخ عن ابى بصير، قال: قلت لابي عبد الله - عليه السلام -: انا نبسط عندنا الوسائد، فيها التماثيل ونفترشها ؟ فقال: لا بأس بما يبسط منها ويفترش ويوطأ، وانما يكره منها ما نصب على الحائط وعلى السرير (6).


(1) الوسائل ج 12 ص 320 حديث: 1 (2) الوسائل ج 3 ص 561 حديث: 6 (3) الوسائل ج 3 ص 564 حديث: 4 (4) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 2 (5) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 3 (6) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 4

[ 100 ]

وما رواه الصدوق في بن زيد، عن الصادق عليه السلام، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التصاوير، وقال: من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة ان ينفخ فيها وليس بنافخ، ونهى ان يحرق شئ من الحيوان، ونهى عن التختم بخاتم صفر أو حديد، ونهى ان ينقش شئ من الحيوان على الخاتم (1). وما رواه في الخصال عن محمد بن مروان عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته يقول: ثلاثة يعذبون يوم القيامة: من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ فيها - الحديث (2). وعن ابن عباس، قال قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صور صورة عذب وكلف ان ينفخ فيها وليس بنافخ (3). اقول: ظاهر هذه الاخبار - بعد حمل مطلقها على مقيدها -: هو تخصيص التحريم بتصوير صورة ذوى الروح، اعم من ان يكون مجسمة أو منقوشة على جدار وشبهه. وهذا هو القول الرابع من الاقوال المتقدمة، وهو قول ابن ادريس.


(1) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 6 (2) الوسائل ج 12 ص 221 حديث: 7 (3) الوسائل ج 12 ص 221 حديث: 9

[ 101 ]

المسألة الثانية (في الغناء - بالمد ككساء -) قيل: هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، فلا يحرم بدون الوصفين، اعني الترجيع والاطراب، كذا عرفه جماعة من الاصحاب، والطرب: خفة تعتريه تسره أو تحزنه. ورده بعضهم إلى العرف، فما سمى فيه غناء يحرم وان لم يطرب. واختاره في المسالك وغيره، وهو المختار (1) ولا خلاف في تحريمه فيما اعلم. ولا فرق في ظاهر كلام الاصحاب، بل صريح جملة منهم، في كون ذلك في قرآن أو دعاء أو شعر أو غيرها، الى ان انتهت النوبة الى المحدث الكاشانى فنسج في هذا


(1) اقول: وممن صرح بما اخترناه هنا الفاضل المولى محمد صالح المازندرانى في شرح الاصول، حيث قال - بعد الكلام في الغناء -: وعرفه جماعة من اصحابنا بالترجيع المطرب، فلا تتحقق ما هيته بدون الترجيع والاطراب، ولا يكفى احدهما. ورده بعضهم الى العرف فما سماه اهل العرف غناء حرام، أطرب ام لم يطرب، ولا يخلو من قوة، لان الشائع في مثله مما لم يعلم معناه لغة ولم يظهر المقصود منه شرعا هو الرجوع الى العرف. منه قدس سره

[ 102 ]

المقام على منوال الغزالي ونحوه من علماء العامة، فخص الحرام منه بما اشتمل محرم من خارج، مثل اللعب بآلات اللهو كالعيدان، ودخول الرجال، والكلام بالباطل، والا فهو في نفسه غير محرم. وما ذكره وان اوهمه بعض الاخبار، الا ان الحق فيه ليس ما ذهب إليه واعتمد في هذا الباب عليه، وان كان قد تبعه في ذلك ايضا صاحب الكفاية، وهو - كما ستعرف - في الضعف والوهن إلى اظهر غاية. والواجب هنا - اولا - نقل جملة الاخبار: فمنها: ما رواه في الكافي - في الصحيح - عن زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة ولا تجاب فيه الدعوة ولا يدخله الملك (1). وعن زيد الشحام، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " واجتنبوا قول الزور " (2) قال: الزور الغناء (3). وعن ابى الصباح - في الصحيح - عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " لا يشهدون الزور ". (4) قال: الغناء (5) وعن ابى الصباح الكنانى - في الصحيح - عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " و الذين لا يشهدون الزور " قال: هو الغناء (6). وعن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: الغناء مما وعد الله تعالى عليه النار. وتلا هذه الاية " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله


(1) الوسائل ج 12 ص 225 حديث: 1 باب: 99 ابواب ما يكتسب به. (2) سورة الحج: 30 (3) الوسائل ج 12 ص 225 حديث: 2 (4) سورة الفرقان: 72 (5) الوسائل ج 12 ص 226 حديث: 3 (6) الوسائل ج 12 ص 226 حديث: 5

[ 103 ]

بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين " (1). وعن عمران بن محمد عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: الغناء مما قال الله عزوجل " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " (2). وعن ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " و اجتنبوا قول الزور " قال: الزور الغناء (3). وعن ابى بصير، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوله عزوجل " فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور " قال: الغناء (4). وعن ابي اسامة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الغناء غش النفاق (5). وعن الوشاء قال: سمعت ابا الحسن الرضا عليه السلام يسأل عن الغناء فقال: هو قول الله عزوجل " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " (6). وعن ابراهيم بن محمد المدنى عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الغناء، وانا حاضر، فقال: لا تدخلوا بيوتا الله معرض عن اهلها (7). وعن يونس، قال: سألت الخراساني - صلوات الله عليه - عن الغناء، وقلت: ان العباسي ذكر عنك انك ترخص في الغناء، فقال: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، فقلت له: ان رجلا اتى ابا جعفر عليه السلام فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان، إذا ميز الله بين الحق والباطل فاين يكون الغناء ؟ قال: مع الباطل فقال:


(1) الوسائل ج 12 ص 224 حديث: 6 (2) الوسائل ج 12 ص 224 حديث: 7 (3) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 8 (4) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 9 (5) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 10 (6) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 11 (7) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 12

[ 104 ]

قد حكمت (1). ورواه في عيون الاخبار عن الريان بن الصلت، قال سألت الرضا يوما بخراسان وذكر نحوه (2). ورواه الحميرى في قرب الاسناد عن الريان بن الصلت وعن عبد الاعلى قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الغناء، وقلت: انهم يزعمون ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص في ان يقال: حيونا حيونا نحييكم ! فقال: ان الله تعالى يقول: " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين، لواردنا ان نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون " ثم قال: ويل لفلان مما يصف. رجل لم يحضر المجلس (3). وعن الحسن بن هارون، قال: سعمت ابا عبد الله عليه السلام يقول: الغناء مجلس لا ينظر الله إلى اهله، وهو مما قال الله عزوجل " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " (4). وروى في العيون باسانيده عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن على - عليهم السلام -، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اخاف عليكم استخفافا بالدين وبيع الحكم وقطيعة الرحم، وان تتخذوا القرآن مزامير، وتقدمون احدكم وليس بافضلكم في الدين (5). وعن محمد بن ابى عباد، وكان مستهترا بالسماع، ويشرب النبيذ، قال: سألت الرضا عن السماع، فقال: لاهل الحجاز فيه رأى وهو في حيز الباطل واللهو، اما سمعت الله يقول: " وإذا مروا باللغو مروا كراما " (6).


(1) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 13 (2) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 14 (3) الوسائل ج 12 ص 228 حديث: 15 والاية في سورة الانبياء: 16 (4) الوسائل ج 12 ص 228 حديث: 16 (5) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 18 (6) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 19

[ 105 ]

وروى في كتاب معاني الاخبار بسنده عن عبد الاعلى، قال: سألت جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله عزوجل " فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور " قال: الرجس من الاوثان، الشطرنج. وقول الزور: الغناء. قلت: قول الله عزوجل " ومن الناس من يشترى لهو الحديث " قال: منه الغناء (1). وعن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الزور، قال: منه قول الرجل، للذى يغنى: احسنت (2). وروى في المقنع مرسلا قال: قال الصادق عليه السلام: شر الاصوات: الغناء (3). وروى في كتاب الخصال بسنده المعتبر عن الحسن بن هارون، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام، يقول: الغناء يورث النفاق ويعقب الفقر (4). وروى في المجالس عن عبد الله بن ابى بكر عن محمد بن عمرو بن حزم، في حديث قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام، فقال: اجتنبوا الغناء، اجتنبوا الغناء، اجتنبوا قول الزور. فما زال يقول: اجتنبوا الغناء، اجتنبوا، فضاق بى المجلس وعلمت انه يعنينى (5). وفى رواية عبد الله بن سنان المروية في الكافي عن ابى عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقرؤا القرآن بألحان العرب واصواتها: واياكم ولحون اهل الفسق واهل الكبائر، فانه سيجئ بعدى اقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم (6).


(1) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 20 (2) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 21 (3) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 22 (4) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 23 (5) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 24 (6) الوسائل ج 4 ص 858 حديث: 1

[ 106 ]

وروى في مجمع البيان، قال: روى عن ابى جعفر وابى عبد الله وابى الحسن الرضا - عليهم السلام -، في قول الله عزوجل " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين " انهم قالوا: منه الغناء (1). وروى على بن ابراهيم في تفسيره - في الصحيح أو الحسن - عن هشام عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور " قال الرجس من الاوثان: الشطرنج، وقول الزور: الغناء (2). وروى فيه عن ابيه بسنده الى عبد الله بن العباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث - قال: ان من اشراط الساعة اضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل الى الاهواء. الى ان قال: فعندها يكون اقوام يتعلمون القرآن لغير الله، ويتخذونه مزامير - الى ان قال: ويتغنون بالقرآن. الى ان قال: فاولئك يدعون في ملكوت السماوات: الارجاس الانجاس (3). اقول: فهذه جملة من الاخبار الصريحة الدالة، في تحريم الغناء مطلقا، من غير تقييد بما قدمنا ذكره عن المجوز له في حد ذاته. ويعضدها: الاخبار الدالة على تحريم الاستماع له (4) والاخبار الدالة على تحريم ثمن المغنية (5). فروى في الكافي عن مسعدة بن زياد، قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام، فقال له رجل: بابى انت وامى، انى ادخل كنيفا، ولى جيران وعندهم جوار يتغنين ويضربن


(1) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 25 (2) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 26 (3) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 27 (4) الوسائل باب 101 من ابواب ما يكتسب به (5) الكافي ج 5 ص 119

[ 107 ]

بالعود، فربما اطلت الجلوس استماعا منى لهن ! فقال: لا تفعل. فقال الرجل: والله ما اتيتهن وانما هو سماع أسمعه باذنى. فقال: باالله انت، اما سمعت الله تعالى يقول " ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا " ؟ فقال: بلى والله كأنى لم اسمع بهذه الاية من كتاب الله تعالى من عجمى ولا عربي. لاجرم انى لااعودانشاء الله تعالى، وانى استغفر الله فقال له: فاغتسل فصل ما بدالك، فانك كنت مقيما على امر عظيم، ماكان أسوأ حالك لومت على ذلك. احمد الله وسله التوبة من كل ما يكره، فانه لا يكره الا كل قبيح، والقبيح دعه لاهله، فان لكل اهلا (1). وعن عنبسة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: استماع الغناء واللهو ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع (2). وعن الحسين بن على بن يقطين عن ابى جعفر عليه السلام، قال: من اصغي الى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق يؤدى عن الله عزوجل فقد عبد الله وان كان الناطق يؤدى عن الشيطان فقد عبد الشيطان (3). وروى في الكافي والتهذيب عن الحسن بن على الوشاء قال سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن شراء المغنية، فقال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه وما ثمنها الا ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، والسحت في النار (4). وما رواه في الكافي عن سعيد بن محمد الطاطرى عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام. قال: سأله رجل عن بيع الجوارى المغنيات. فقال: شراؤهن وبيعهن حرام، وتعليمهن


(1) الوسائل ج 2 ص 957 باب 18 حديث: 1 من ابواب الاغسال المندوبة. ومستدراك الوسائل ج 2 ص 459 باب 80 حديث: 3 (2) الوسائل ج 12 ص 236 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 236 حديث: 5 (4) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 4

[ 108 ]

واستماعهن نفاق (1). وعن نصر بن قابوس قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: المغنية ملعونة. ملعون من اكل كسبها (2). وروى في الفقيه مرسلا، قال: روى " ان اجر المغني والمغنية سحت " (3). وعن ابراهيم بن ابى البلاد قال اوصى اسحق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات ان نبيعهن ونحمل ثمنهن الى ابى الحسن عليه السلام. قال ابراهيم: فبعت الجوارى بثلاثمأة الف درهم وحملت الثمن إليه. فقلت له، ان مولى لك يقال له: اسحق بن عمر، قد اوصى عند موته ببيع جوار له مغنيات، وحمل الثمن اليك، وقد فعلت وبعتهن وهذا الثمن ثلاثمأة الف درهم، فقال: لا حاجة لى فيه، ان هذا سحت، تعليمهن كفر، والاستماع منهن نفاق، وثمنهن سحت (4). والتقريب في هذه الاخبار، انه لو كان الغناء جايزا، وحلالا بل مستحبا - كما هو ظاهر كلامهم في نحو القرآن والادعية والمناجاة، وانما يحرم بسبب ما يعرض له من المحرمات الخارجة، كما ادعوه - فكيف يتم الحكم بتحريم سماعه وتحريم ثمن المغنية، وان تعليمه كفر. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لكل ذى عقل وروية، لا ينكره الامن قابل بالصدود أو الاستكبار عن الحق بالكلية. * * * هذا واما الاخبار التى استند إليها الخصم في المقام، فمنها: ما رواه في الكافي عن ابى - بصير وهو يحيى بن القاسم، بقرينة رواية على عنه - قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إذا قرات القرآن فرفعت به صوتي جائنى الشيطان، فقال: انما ترائى بهذا


(1) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 5 (2) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 6 (3) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 105 حديث: 436 (4) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 7

[ 109 ]

أهلك والناس، فقال: يا ابا محمد، اقرأ قراءة بين القرائتين، تسمع اهلك، ورجع بالقرآن صوتك، فان الله تعالى يحب الصوت الحسن، يرجع به ترجيعا (1). وعن ابى بصير وهو المرادى بقرينة عبد الله بن مسكان - عن الصادق - عليه السلام - قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ان من اجمل الجمال الشعر الحسن، ونغمة الصوت الحسن (2). وعن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لكل شئ حلية، وحيلة القرآن الصوت الحسن (3). وبهذا الاسناد عن الصادق عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يعط امتى اقل من ثلاث: الجمال، والصوت الحسن، والحفظ (4). وبهذا الاسناد عن الصادق عليه السلام، قال: ان الله تعالى اوحى الى موسى بن عمران " إذا وقفت بين يدى، فقف موقف الذليل الفقير، وإذا قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين " (5). وعن على الميثمى عن رجل عن الصادق عليه السلام، قال: ما بعث الله عزوجل نبيا الاحسن الصوت (6). وعن على بن عقبة عن رجل عن الصادق عليه السلام، قال: كان على بن الحسين عليه السلام احسن الناس صوتا بالقرآن، وكان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يستمعون


(1) الوسائل ج 4 ص 859 حديث: 5 والكافي ج 2 ص 616 حديث: 13 (2) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 8 (3) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 9 (4) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 7 (5) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 6 (6) الكافي ج 2 ص 616 حديث: 10

[ 110 ]

قراءته، وكان أبو جعفر عليه السلام احسن الناس صوتا (1). وعن على بن محمد النوفلي، عن ابى الحسن عليه السلام، قال: ذكرت الصوت عنده، فقال: ان على بن الحسين عليه السلام كان يقرأ القرآن، فربما مر به المار فصعق من حسن صوته، وان الامام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه. قلت: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلى بالناس ويرفع صوته بالقرآن ؟ فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون (2). وما رواه في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه، قال: سألته عن الغناء، هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح ؟ قال لا بأس ما لم يعص به (3). وما رواه في الكافي والتهذيب عن ابى بصير، قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن كسب المغنيات، فقال: التى يدخل عليها الرجال حرام، والتى تدعى الى الاعراس ليس به بأس، وهو قول الله عزوجل " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " (4). وعن ابى بصير عن الصادق عليه السلام، قال: المغنية التى تزف العرايس لا بأس بكسبها (5). وعن ابى بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اجر المغنية التى تزف العرايس ليس به باس، وليست التى يدخل عليها الرجال (6). وروى في الفقيه، قال سأل رجل على بن الحسين عليه السلام عن شراء جارية لها


(1) الكافي ج 2 ص 616 حديث: 11 (2) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 4 (3) الوسائل ج 12 ص 58 حديث: 5 (4) الوسائل ج 12 ص 84 حديث: 1 (5) الوسائل ج 12 ص 85 حديث: 2 (6) الوسائل ج 12 ص 85 حديث: 3

[ 111 ]

صوت ؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعنى بقراءة القرآن والزهد والفضائل، التى ليست بغناء، واما الغناء فمحظور (1). قال في الوافى - بعد نقل الخبر -: الظاهر ان هذا التفسير من كلام الصدوق - عليه الرحمة - ويستفاد منه ان من مد الصوت وترجيعه بامثال ذلك ليس بغناء، أو بمحظور، وفى الاحاديث التى مضت في ابواب قراءة القرآن، من كتاب الصلاة دلالة على ذلك، والذى يظهر من مجموع الاخبار الوادة فيه، اختصاص حرمة الغناء وما يتعلق به من الاجر والتعليم والاستماع والبيع والشراء كلها، بما كان على النحو المتعارف في زمن بنى امية وبنى العباس، من دخول الرجل عليهن، وتكلمهن بالاباطيل، ولعبهن الملاهي، من العيدان والقصب وغيرها، دون ما سوى ذلك من انواعه، كما يشعر به قوله " ليست بالتى يدخل عليها الرجال " إلى ان قال: وعلى هذا فلا بأس بسماع التغني بالاشعار المتضمنة لذكر الجنة والنار، و التشويق الى دار القرار، ووصف نعم الملك الجبار، وذكر العبادات والترغيب في الخيرات والزهد في الفانيات ونحو ذلك، كما اشير إليه في حديث الفقيه بقوله " فذكرتك الجنة " وذلك لان هذا كله ذكر الله تعالى، وربما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله تعالى. وبالجملة لا يخفى على ذوى الحجى، بعد سماع هذه الاخبار تمييز حق الغناء من باطله وان اكثر ما يتغنى به المتصوفة في محافلهم من قبيل الباطل انتهى. وعلى هذا النحو حذى الخراساني في الكفاية. وفيه: - اولا - انهم وان زعموا الجمع بين اخبار المسألة بما ذكروه، الا ان جل اخبار التحريم، التى قدمناها، لا يقبل لك، فانها طاهرة، بل بعضها صريح في تحريم الغناء من حيث هو، لا باعتبار انضمام بعض المحرمات، من خارج إليه. ولا سيما اخبار استماع الغناء وبيع المغنية وشرائها، بالتقريب بالذى قدمناه في ذيل تلك


(1) الوسائل ج 12 ص 86 حديث: 2

[ 112 ]

الاخبار. وقوله - في رواية المقنع -: شر الاصوات الغناء وقوله - في رواية عبد الله ابن سنان - يرجعون القرآن ترجيح الغناء. وحديث يونس المروى بعدة طرق كما تقدم، وامثال ذلك مما تقدم. فانها مابين صريح وظاهر، في قصر الحكم على الغناء من حيث هو، وكذلك الايات، فان قوله عزوجل " واجتنبوا قول الزور " المفسر في تلك الاخبار بالغناء، صريح في المنع من القول المفسر بالغناء من حيث هو. وثانيا - انه من القواعد المقررة عن اصحاب العصمة - عليهم السلام - في مقام اختلاف الاخبار، هو العرض على كتاب الله تعالى، والاخذ بما وافقه، وأن ما خالفه يضرب به عرض الحايط، والعرض على مذهب العامة، والاخذ بخلافه. ولا ريب في ان مقتضى الترجيح بهاتين القاعدتين، المتفق عليهما نصا وفتوى، هو القول بالتحريم مطلقا، وان مادل على الجواز يرمى به، لمخالفته لظاهر القرآن، وموافقته للعامة. هذا فيما كان صريحا في الجواز، وهو اقل قليل في اخبارهم، لا يبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من اخبار التحريم. فاما تمسكهم باخبار قرائة القرآن بالصوت بالحسن والتحزن، فهو لا يستلزم الغناء، إذ ليس كل صوت حسن أو حزين يسمى غناء، وهذا - بحمد الله سبحانه - ظاهر. واما ما يوهمه بعض تلك الاخبار، من التغني بالقرآن، مثل ما نقله في مجمع البيان عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قدم علينا سعد بن ابى وقاص، فأتيته مسلما عليه، فقال: مرحبا بابن اخى. بلغني انك حسن الصوت بالقرآن ؟ قلت: نعم والحمد لله. قال: فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ان القرآن نزل بالحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فان لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فان من لم يتغن بالقرآن فليس منا.

[ 113 ]

قال في مجمع البيان: تأوله بعضهم بمعنى استغنوا به، واكثر العلماء على انه تزيين الصوت وتحزينه. انتهى (1). قال في الكفاية - بعد نقل ذلك -: وهذا يدل على ان تحسين الصوت بالقرآن والتغنى به مستحب عنده، وان خلاف ذلك لم يكن معروفا بين القدماء انتهى. اقول: - اولا - ان الخبر المذكور عامى، فلا ينهض حجة. وثانيا: انه معارض بجملة من الاخبار المتقدمة، الدالة على المنع من قراءة القرآن بالغناء، وانما يقرؤه بالصوت الحسن على جهة الحزن، ما لم يبلغ حد الغناء، فانه محرم في قرآن أو غيره. ومنها: خبر الفقيه الاخير من الاخبار المتقدمة، بناء على كون التفسير الذى في آخره من الخبر، كما فهمه صاحب الوافى. ورواية العيون المتقدمة، ورواية تفسير على بن ابراهيم الثانية. ومنها: رواية عبد الله بن سنان، وهو اصرح صريح في ذلك. واماما ذكره في الكفاية، من حمل الاخبار الدالة على المنع من التغني بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو، كما يصنعه الفساق في غنائهم، قال: وتؤيده رواية عبد الله بن سنان المذكورة، فان في صدر الخبر الامر بقراءة القرآن بألحان العرب، واللحن هو الغناء، ثم بعد ذلك المنع من القراءة بلحن اهل الفسق، ثم قوله: سيجئ من بعدى اقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء. انتهى. فهو مما لا ينبغى ان يصغى إليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. اما اولا، فان الغناء الممنوع منه في القرآن، على ما يكون على سبيل اللهو، كما يصنعه الفساق في غنائهم، لا محصل له. فانه ان اراد به القراءة مع مصاحبة آلات اللهو كالعود ونحوه، فان احدا لا يصنع ذلك. وان ارد قراءة القرآن التى تقع على سبيل اللهو، فانه لا يعقل له معنى، لانها ان


(1) مجمع البيان ج 1 ص 16 الفن السابع من المتقدمة.

[ 114 ]

وقعت بطريق الغناء الذى هو محل البحث، فهذا هو الذي ندعى تحريمه، سواء كان من الفساق أو الزهاد، وان كان كذلك فانه لم يعهد هنا نوع ممنوع منه، غير ما ذكرناه، حتى انه يخصه بالفساق، لان مجرد الترجيع وتحسين الصوت والتحزن به لا يستلزم الغناء، كما اشرنا إليه آنفا فهو ان بلغ إلى حد الغناء وصدق عليه عرفا انه غناء، كان ممنوعا ومحرما، والافلا. واما ثانيا، فان قوله: " فان اللحن في اول الخبر هو الغناء " ممنوع، فانه وان كان لفظ اللحن مما ورد بمعنى الغناء، لكنه ورد ايضا في اللغة لمعان اخر، منها: اللغة، وترجيح الصوت، وتحسين القراءة، والشعر، الا ان الانسب به هنا: هو الحمل على اللغة، بمعنى لغات العرب واصواتها، وهو الذى حمل عليه الخبر في مجمع البحرين فقال: اللحن واحد الالحان. واللحون: اللغات، ومنه الخبر " اقروا القرآن بلحون العرب ". اقول: وحاصل معنى الخبر: اقرؤا القرآن بلغات العرب واصواتها واياكم و لحون اهل الفسق والكبائر، والمراد به هنا: الغناء كما يفسره قوله " فانه سيجئ بعدى اقوام... الخ " هذا هو المعنى الظاهر من الخبر، وما تكلفه في معنى الخبر فانه بعيد عن سياقه. واما خبر على بن الحسين عليه السلام. فحاشا ان يكون ذلك من حيث كونه غناء، كما توهموه، وانما هذه حالات مختصة بهم، بالنسبة الى الاصوات والالوان والحلى ونحوها، كما يدل عليه حديث دخول الجواد عليه السلام على زوجته بنت المأمون، لما التمست امها دخوله لتسر برؤيته مع ابنتها، مع انه عليه السلام معها في سائر الاوقات والايام والليالي ولم تستنكر منه (1). وحديث السراج في اصابع الرضا عليه السلام (2).


(1) مشارق النوار للحافظ البرسى ص 98 - 99 الفصل: 11 (2) مدينة المعاجز ص 473 حديث: 3 ونقل المصنف - هنا في الهامش - حديث عسكر مولى ابن جعفر - عليه السلام - ومشاهده من غريب حاله - عليه السلام -. فراجع: مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 387 - 388.

[ 115 ]

وحديث الشيخين في حق أمير المؤمنين عليه السلام ونحو ذلك. ويشير الى ما ذكرناه قوله في الحديث المذكور: " وان الامام لو اظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس " (1). وقال في الكفاية - ايضا -: وكثير من الاخبار المعتمدة وغيرها تدل على تحريم بيع الجوارى المغنيات وشرائهن وتعليمن الغناء، وبازائها الراواية السابقة المنقولة عن على بن الحسين عليه السلام (2) ورواية عبد الله بن الحسن الدينورى عن ابى الحسن عليه السلام، في جملة حديث، قال: قلت: جعلت فداك، فاشترى المغنية والجارية تحسن ان تغنى، اريد به الرزق، لا سوى ذلك ؟ قال: اشتر وبع (3) انتهى. وفيه: ان الرواية الاولى قد نقلها كما قدمناه بالتفسير الذى في آخرها، وهى على تقديره غير منافية لتلك الاخبار، بل صريحة في الانطباق عليها ولهذا ان المحدث الكاشانى استظهر ان هذا التفسير من كلام الصدوق كما قدمنا نقله عنه، ليتم له التعلق بالرواية. واما الرواية الثانية فهى ظاهرة في ان شراء المغنية انما هو لاجل التجارة وطلب الربح والفائدة، وهو مما لا اشكال فيه، كما صرح به الاصحاب، والمحرم انما شراؤها وبيعها لاجل الغناء. قال في المنتهى - بعد نقل خبر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النهى عن بيع المغنيات وتحريم اثمانهن وكسبهن -: وهذا يحمل على بيعهن للغناء، كما ان العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر لصاحب الخمر. * * * ثم ان المشهور بين الاصحاب استثناء مواضع من تحريم الغناء. ونقل في المسالك عن جماعة من الاصحاب، منهم العلامة في التذكرة، تحريم


(1) راجع: قضاياه - عليه السلام - مع الشيخين في مدينة المعاجز ص 77 - ص 87 (2) الوسائل ج 12 ص 86 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 86 حديث: 1

[ 116 ]

الغناء مطلقا، ونقله في المختلف عن ابى الصلاح، وهو المنقول عن ابن ادريس ايضا استنادا إلى الاخبار المطلقة في تحريمه. ومن تلك المواضع المستثنيات - على تقدير القول المشهور -: غناء المرأة التى تزف العرائس، بشرط ان لا يدخل عليها الرجال، ولا يسمع صوتها الاجانب من الرجال ولا تتكلم بالباطل، ولا تعمل بالملاهى. ومرجعه إلى ان لا يكون مستلزما لمحرم آخر، وقد تقدمت الاخبار الدالة على ذلك. وما توهمه من استدل بهذه الاخبار على جواز الغناء - وانما تحريمه من حيث امر آخر، كدخول الرجال لقوله عليه السلام في بعض تلك الاخبار: لانها ليست بالتى يدخل عليها الرجال، وان فيه اشارة الى ان التحريم انما هو من هذه الجهة - فليس بشئ، لقصر التعليل على مورد النص، بمعنى ان التى تزف العرائس يباح لها الغناء لعدم دخول الرجال عليها المستلزم لتحريمه. نعم قوله في رواية ابى بصير الاولى، لما سأله عن كسب المغنيات التى يدخل عليه الرجال: حرام، ظاهر فيما ذكره، الا انه يجب حمله على التقية وهكذا كل خبر ظاهر في ذلك. وبالجملة فان الاخبار المذكورة ظاهرة في جوازه في هذه الصورة، فيجب تخصيص الاخبار المطلقة بها. وبه يظهر ضعف قول من ذهب إلى عموم التحريم. ومنها: الحداء، وهو سوق الابل بالغناء لها. ولم اقف في الاخبار له على دليل. قال المحقق الاردبيلى - رحمه الله - قد استثنى الحداء، بالمد، وهو سوق الابل بالغناء لها، وعلى تقدير صحة اسثنائه، يمكن اختصاصه بكونه الابل فقط، كما هو مقتضى الدليل، ويمكن التعدي ايضا الى البغال والحمير انتهى. ولا ادرى أي دليل اراد، فان المسألة خالية عن النص، وكانه ظن ان ذكر

[ 117 ]

الاصحاب له، لا يكون الا عن دليل، والا فالدليل لم نقف عليه، ولم يذكره هو ولا احد غيره. وبعضهم استثنى مراثي الحسين عليه السلام - ايضا - قال في الكفاية: وهو غير بعيد. اقول: بل هو بعيد غاية البعد، لما عرفت مما قدمناه من الاخبار المتكاثرة، الا ان ما ذكره جيد على مذهبه في المسألة مما قدمنا نقله عنه. وبالجملة فانه لم يقم دليل على استثناء شئ من اطلاق الاخبار المتقدمة، سوى التى تزف العرائس. وعليها اقتصر في المنتهى في الاستثناء ولم يستثن سواها. والله العالم.

[ 118 ]

المسألة الثالثة في معونة الظالمين والمشهور في كلام الاصحاب، تقييدها بما يحرم، واما ما لا يحرم كالخياطة لهم والبناء ونحو ذلك فانه لا بأس به. قال في الكفاية: ومن ذلك معونة الظالمين بما يحرم، اما ما لا يحرم كالخياطة وغيرها فالظاهر جوازه. لكن الاحوط الاحتراز عنه لبعض الاخبار الدالة على المنع، وقوله تعالى: " ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار " (1) قال في مجمع البيان: فقيل معناه: ولا تميلوا الى المشركين في شئ من دينكم، عن ابن عباس وقيل: لا تداهنوا الظلمة، عن السدى وابن زيد قيل: ان الركون الى الظالمين المنهى عنه، هو الدخول معهم في ظلمهم، واظهار موالاتهم، واما الدخول عيلهم ومعاشرتهم دفعا لشرهم فجائز. عن القاضى. وقريب منه ماروى عنهم - عليهم السلام -: ان الركون هو المودة والنصيحة والطاعة لهم انتهى.


(1) سورة هود: 113

[ 119 ]

اقول: الظاهر من الاخبار الواردة في هذا المقام، هو عموم تحريم معونتهم. بما يحرم وما لا يحرم. منها: ما رواه الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم، عن ابى بصير قال: سألت ابا جعفر عليه السلام، عن اعمالهم، فقال لى: يا ابا محمد، لا ولا مدة قلم، ان احدكم لا يصيب من دنياهم شيئا الا اصابوا من دينه مثله (1) أو قال: حتى تصيبوا من دينه مثله، الوهم من ابن ابي عمير (2). وعن ابن ابى يعفور قال: كنت عند الصادق عليه السلام، فدخل عليه رجل من اصحابنا، فقال له: اصلحك الله تعالى، انه ربما اصاب الرجل منا الضيق والشدة، فيدعى الى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها، فما تقول في ذلك ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما احب انى عقدت لهم عقدة، اووكيت لهم وكاء، وان لى ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم. ان اعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار حتى يحكم الله عزوجل بين العباد (3). وما رواه في التهذيب عن يونس بن يعقوب في الموثق، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: لا تعنهم على بناء مسجد (4). وعن صفوان بن مهران الجمال قال: دخلت على ابى الحسن الاول عليه السلام، فقال لى: يا صفوان، كل شئ منك حسن جميل، ما خلا شيئا واحدا، فقلت: جعلت فداك، أي شئ ؟ قال: اكراوك جمالك هذا الرجل - يعنى هارون - قلت: والله ما اكريته اشرا ولا بطرا ولا لصيد ولا للهو، ولكني اكريته لهذا الطريق، يعنى طريق مكة، ولا اتوليه بنفسى، ولكني ابعث معه غلماني. فقال لى: يا صفوان، ايقع


(1) الوسائل ج 12 ص 129 حديث: 5 (2) الراوى عن هشام بن سالم (3) الوسائل ج 12 ص 129 حديث: 6 (4) المصدر حديث: 8

[ 120 ]

كراؤك عليهم ؟ قلت: نعم، جعلت فداك. فقال لى: اتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك ؟ قلت: نعم قال: فمن احب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وروده في النار. قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها. فبلغ ذلك الى هارون، فدعاني فقال لى: يا صفوان، بلغني انك بعت جمالك، قلت: نعم. قال: ولم ؟ قلت: انا شيخ كبير وان الغلمان لا يفون بالاعمال. فقال: هيهات هيهات، انى لاعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر عليه السلام. فقلت: مالى ولموسى بن جعفر عليه السلام ! فقال: دع هذا عنك، فو الله لولا حسن صحبتك لقتلتك (1). وما رواه في عقاب الاعمال، بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد عليه السلام، عن آبائه - عليهم السلام -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: اين اعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيسا، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروه معهم (2) وروى الثقة الجليل، ورام بن ابى فراس، في كتابه، قال: قال عليه السلام: من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم انه ظالم فقد خرج عن الاسلام. قال: وقال عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: اين الظلمة واعوان الظلمة، واشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما ولاق لهم دواة ! قال: فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى به في جهنم (3). ويعضد ذلك ما رواه في الكافي، عن سهل بن زياد، رفعه عن الصادق عليه السلام، في قول الله عزوجل " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " قال: هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى ان يدخل يده في كيسه فيعطيه. وعن فضيل بن عياض، عن الصادق عليه السلام، قال: ومن احب بقاء الظالمين


(1) الوسائل ج 12 ص 131 - 132 حديث: 17 (2) الوسائل ج 12 ص 130 حديث: 11 (3) الوسائل ج 12 ص 131 حديث: 15 و 16 (4) الوسائل ج 12 ص 134 حديث: 1 باب: 44 ابواب ما يكتسب به.

[ 121 ]

فقد احب ان يعصى الله تعالى، ان الله تبارك وتعالى حمد نفسه عند هلاك الظالمين، فقال: فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (1). وعن ابى حمزة عن على بن الحسين عليه السلام في حديث، قال: اياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين (2). وعن محمد بن عذافر، عن ابيه، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: نبئت انك تعامل ابا ايوب والربيع، فما حالك إذا نودى بك في اعوان الظلمة ؟ ! قال فوجم ابى، فقال له أبو عبد الله عليه السلام لما رآى ما اصابه: أي عذافر، انى انما خوفتك بما خوفني الله عزوجل. قال محمد: فقدم ابى، فمازال مغموما مكروبا حتى مات (3). إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليها المتتبع، وهى صريحة في تحريم معونة الظالمين بالامور المحللة، على ابلغ وجه وآكده. وبذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل المذكور تبعا للمشهور والكل ناش عن الغفلة عن تتبع الاخبار والوقوف عليها من مظانها. نعم يجب ان يستثنى من ذلك ما إذا ألجأته ضرورة التقية والخوف، فان الضرورات تبيح المحظورات. * * * واما معونة الظالمين بما كان ظلما ومحرما فيدل على تحريمه: العقل والنقل، كتابا وسنة. ومنه: قوله عزوجل " ولا تركنوا.. الاية. قيل: والركون هو الميل القليل. وقال في مجمع البحرين في تفسير الاية: أي لا تطمئنوا إليهم، ولا تسكنوا إلى قولهم، والرضا بافعالهم، ومصاحبتهم ومصادقتهم


(1) الوسائل ج 11 ص 501 حديث: 5 (2) الوسائل ج 12 ص 128 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 3

[ 122 ]

ومداهنتهم انتهى. وحينئذ فإذا كان هذا القدر من الميل إليهم موجبا لدخول النار فبالطريق الاولى اعانتهم على الظلم ومشاركتهم فيه. وقد تقدم في مرسلة سهل: ان الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى ان يدخل يده في كيسه فيعطيه (1). وفى باب جمل من مناهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المذكور في الفقيه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: من مدح سلطانا جائرا أو تخفف وتضعضع له طمعا فيه، كان قرينه في النار، قال الله عزوجل ولا تركنوا.. الاية (2). وظاهر الخبرين المذكورين: الدلالة على ان الميل إليه لتحصيل شئ من دنياه وحب بقائه ووجوده لذلك، داخل تحت الاية. ثم ان الظاهر ان المراد من هذا التشديد والتأكيد في هذه الاخبار الواردة في هذا المقام، مما تقدم ويأتى، انما هو سلاطين الجور المدعين للامامة، من الاموية والعباسية ومن حذا حذوهم، كما هو ظاهر من سياقها، ومصرح به في بعضها لا مطلق الظالم والفاسق وان كان الظلم والفسق محرما مطلقا. وعلى هذا فلو احب احد بقاء حاكم جور من المؤمنين والشيعة، لحبه المؤمنين وحفظه بيضة الدين من الاعداء والمخالفين، فالظاهر انه غير داخل في الاية، ولا الاخبار المذكورة. ويعضد ذلك ما رواه في الكافي عن الولد بن صبيح في الصحيح، قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام، فاستقبلني زرارة، خارجا من عنده. فقال لى أبو عبد الله عليه السلام: ياوليد، اما تعجب من زرارة، سألني عن اعمال هولاء، أي شئ كان يريد ؟ أيريد ان اقول له: لا، فيروى ذلك على ؟ ! ثم قال يا وليد، متى كانت الشيعة تسأل عن اعمالهم، انما كانت الشيعة تقول: يوكل من طعامهم ؟ ويشرب من شرابهم ؟ ويستظل


(1) الوسائل ج 12 ص 133 حديث: (2) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 6

[ 123 ]

بظلهم ؟ متى كانت الشيعة تسأل عن هذا ؟ ! وفى الخبر للمذكور ذم لزرارة (1)، ولكن جلالة قدره تقتضي صرفه عن ظاهره والحمل على ما يقتضيه مقامات الحال يومئذ. * * * إذا عرفت ذلك فاعلم: ان الاخبار قد اختلفت في جواز الدخول في اعمالهم، والولاية من قبلهم. فمنها: ما دل على المنع من ذلك. ومنها: ما ظاهره الجواز، لكن بشرط امكان الخروج مما يجب عليه ويحرم. وبذلك صرح الاصحاب ايضا. فاما ما يدل على الاول من الاخبار، فمنها: ما رواه في الكافي عن ابراهيم بن مهاجر، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فلان يقرؤك السلام، وفلان وفلان فقال: وعليهم السلام. فقلت: يسألونك الدعاء، قال: ومالهم ؟ قلت: حبسهم أبو جعفر، فقال: ماله ومالهم ؟ قلت: استعملهم فحبسهم، فقال: مالهم ولهذا ؟ الم انههم الم انههم الم انههم ؟ هم النار هم النار هم النار. ثم قال: اللهم اجدع عنهم سلطانهم. قال فانصرفت من مكة، فسألت عنهم، فاذاهم قد خرجوا بعد هذا الكلام بثلاثة ايام (2). وعن داود بن زربى في الصحيح، قال: اخبرني مولى لعلى بن الحسين عليه السلام، قال: كنت بالكوفة، فقدم أبو عبد الله - عليه السلام - الحيرة فاتيته، فقلت له: جعلت فداك، لو كلمت داود بن على أو بعض هؤلاء فادخل في بعض هذه الولايات، فقال: ماكنت لافعل، فانصرفت الى منزلي، فتفكرت فقلت ما احسبه منعنى الا مخافة ان اظلم أو اجور. والله لآتينه واعطينه الطلاق والعتاق والايمان المغلظة. ان لا اظلمن احدا ولا اجور، ولاعدلن. قال: فأتيته فقلت جعلت فداك، انى فكرت في ابائك على، فظنتت، انك انما منعتني وكرهت ذلك، مخافة ان اجور


(1 و 2) الوسائل ج 12 ص 135 و 136 حديث: 1 و 3

[ 124 ]

أو اظلم، وان كل امرأة لى طالق، وكل مملوك لى حر، وعلي وعلي ان ظلمت احدا اوجرت على احد اوان لم اعدل، قال: فكيف قلت ؟ فاعدت عليه الايمان، فرفع رأسه إلى السماء فقال: تنال السماء ايسر عليك من ذلك (1). وعن جهم بن حميد، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: اما تغشى سلطان هؤلاء ؟ قال: قلت: لا. قال: ولم ؟ قلت: فرارا بدينى، قال: وعزمت على ذلك ؟ قلت: نعم. قال لى: الان سلم لك دينك (2). وعن حميد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام انى وليت عملا، فهل لى من ذلك مخرج ؟ فقال: ما اكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه ! قلت: فما ترى ؟ قال: ان تتقى الله تعالى ولا تعود (3). وما رواه في التهذيب عن ابن بنت الوليد بن صبيح الكاهلى، عن ابى عبد الله - عليه السلام -، قال: من سود اسمه في ديوان ولد سابع، حشره الله تعالى يوم القيامة خنزيرا (4). اقول: " سابع " مقلوب " عباس " كنى به تقية، كما يقال: رمع مقلوب عمر. وما رواه على بن ابراهيم في تفسيره عن ابيه عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن صدقة، قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام عن قوم من الشيعة، يدخلون في اعمال السلطان، يعملون لهم ويجبون لهم، ويوالونهم ؟ قال ليس هم من الشيعة، ولكنهم من أولئك. ثم قرأ أبو عبد الله عليه السلام هذه الاية " لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على


(1) الوسائل ج 12 ص 136 حديث: 4 الظاهر ان المراد انه لا يمكنك الوفاء بتلك الايمان لما يعلمه من حال الرجل المذكور والا فيشكل الجمع بينه وبين ما يأتي من الاخبار في المقام مما يدل على الجواز لمن قام بذلك (منه قدس سره) (2) الوسائل ج 12 ص 129 حديث: 7 (3) الوسائل ج 12 ص 136 حديث: 5 (4) الوسائل ج 12 ص 130 حديث: 9

[ 125 ]

لسان داود وعيسى بن مريم - الى قوله - ولكن كثيرامنهم فاسقون " قال: الخنازير على لسان داود، والقردة عل لسان عيسى، " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور، ويأتون النساء ايام حيضهن، ثم احتج الله تعالى على المومنين الموالين للكفار فقال: " ترى كثيرامنهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم - الى قوله - ولكن كثيرا منهم فاسقون " فنهى الله عز وجل ان يوالى المؤمن الكافر الا عند التقية (1). وما رواه العياشي في تفسيره عن سليمان الجعفري، قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: ما تقول في عمال السلطان ؟ فقال: يا سليمان، الدخول في اعمالهم، والعون لهم والسعى في حوائجهم، عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد، من الكبائر التى يستحق بها النار (2). إلى غير ذلك من الاخبار التى تجرى هذا المجرى. ثم ان الواجب على الداخل في اعمالهم رد ما اكتسبه في عملهم على اصحابه، ومع عدم معرفتهم فالواجب الصدقة به عنهم، كما صرح به الاصحاب. والتوبة النصوح في هذا الباب. ويدل على ذلك خبر على بن ابى حمزة، قال: كان لى صديق من كتاب بنى امية، فقال لى: استأذن لى على ابى عبد الله عليه السلام، فاستأذنت له، فلما ان دخل سلم وجلس، ثم قال: جعلت فداك، انى كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، واغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لولا ان بنى امية وجدوا من يكتب لهم، ويجبى لهم الفئ، ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، ما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في ايديهم، ما وجدوا شيئا الا ما وقع في ايديهم. قال: فقال الفتى: جعلت فداك، فهل لى مخرج منه ؟ قال: ان قلت لك تفعل ؟ قال: افعل. قال له: فاخرج من جميع ما اكتسب في ديونهم، فمن عرفت منهم رددت عليه، ومن لم تعرف تصدقت له، وانا اضمن لك على الله تعالى الجنة. فاطرق الفتى


(1) الوسائل ج 12 ص 138 حديث: 10. والاية في سورة المائدة: 80 (2) الوسائل ج 12 ص 138 حديث: 12

[ 126 ]

طويلا، ثم قال: قد فعلت، جعلت فداك. قال ابن ابى حمزة: فرجع الفتى معنا الى الكوفة، فما ترك شيئا على وجه الارض الا خرج منه، حتى ثيابه التى كانت على بدنه. قال: فقسمت له قسمة، واشتريت له ثيابا، وبعثت إليه نفقة، قال: فما اتى عليه الا اشهر قلائل حتى مرض، فكنا نعوده قال: فدخلت يوما وهو في السوق، قال: ففتح عينيه، ثم قال: يا على، وفي لى والله صاحبك ثم مات فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على ابى عبد الله عليه السلام، فلما نظر الى، قال: يا على وفينا والله لصاحبك. قال: فقلت: صدقت، جعلت فداك، هكذا والله قال لى عند موته (1). واماما يدل من الاخبار الجواز بالقيد المتقدم ذكره، فجملة من الاخبار، الا ان جملة من الاصحاب عبروا هنا - مع الامن من الدخول بالحرام، والتمكن من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر - بالجواز. وعبر بعضهم بالاستحباب،. و قال بعضهم: ان مقتضى الشرط المذكور هو الوجوب، لان القادر على الامر بالمعروف يجب عليه وان يوله الجائر وهو جيد. قال في المسالك: ومقتضى هذا الشرط وجوب التولية، لان القادر على الامر بالمعروف يجب عليه، وان لم يوله الظالم. ولعل الوجه في عدم الوجوب كونه بصورة النائب عن الظالم، وعموم النهى عن الدخول معهم وتسويد الاسم في ديوانهم، فإذا لم يبلغ حد المنع، فلا اقل من الحكم بعدم الوجوب، ولا يخفى ما في هذا الوجه. انتهى. وما ذكره من ان مقتضى الشرط المذكور الوجوب جيد، لكن على تفصيل سنذكره انشاء الله تعالى، بعد نقل الاخبار. فنقول: من الاخبار في المقام ما رواه في الكافي عن زياد بن ابى سلمة، قال: دخلت على ابى الحسن موسى عليه السلام، فقال لى: يا زياد انك لتعمل عمل السلطان ؟ قال:


(1) الوسائل ج 12 ص 144 - 145. والسوق: شدة نزع الروح

[ 127 ]

قلت: اجل، قال لى: ولم ؟ قلت: انى رجل لى مروة، وعلى عيال، وليس وراء ظهرى شئ، قال: فقال لى: يا زياد، لان اسقط من حالق فانقطع قطعة قطعة احب الى من ان اتولى لاحد منهم عملا، اوأطأ بساط رجل منهم، الا، لماذا ؟ قلت: لا ادرى جعلت فداك، فقال: الا لتفريج كربة عن مؤمن اوفك اسره أو قضاء دينه. يا زياد ان اهون ما يصنع الله تعالى بمن تولى لهم عملا ان يضرب عليه سرادق من النار، الى ان يفرغ الله سبحانه من حساب الخلائق. يا زياد، فان وليت شيئا من اعمالهم فاحسن الى اخوانك، فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك. يا زياد، ايما رجل منكم تولى لاحد منهم عملا ثم ساوى بينكم وبينهم، فقولوا له: انت منتحل كذاب. يا زياد، إذا ذكرت مقدرتك على الناس، فاذكر مقدرة الله عليك غدا، ونفاد ما اتيت إليهم عنهم، وبقاء ما ابقيت إليهم عليك (1). وعن ابى بصير عن الصادق عليه السلام قال: ذكر عنده رجل من هذه العصابة قد ولى ولاية، فقال: كيف صنيعه إلى اخوانه ؟ قال: قلت: ليس عنده خبر. قال: اف، يدخلون فيما لا ينبغى لهم، ولا يصنعون الى اخوانهم خيرا (2). ومنها: ما رواه على بن يقطين، قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: ما تقول في اعمال هؤلاء ؟ قال: ان كنت لابد فاعلا فاتق اموال الشيعة، قال: فاخبرني على، انه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردها عليهم في السر (3). وعن الحسن بن الحسين الانباري، عن ابى الحسن الرضا عليه السلام، قال: كتبت إليه: اربع عشرة سنة استأذنه في اعمال السلطان، فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه، اذكره انى اخاف على خيط عنقي، وان السلطان يقول لى: انك رافضي، ولسنا نشك في انك تركت عمل السلطان للفرض، فكتب إلى أبو الحسن عليه السلام: قد فهمت كتابك


(1) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 9 (2) الوسائل ج 12 ص 141 حديث: 10 (3) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 8

[ 128 ]

وما ذكرت من الخوف على نفسك، فان كنت تعلم انك إذا وليت، عملت في عملك بما امرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تصير اعوانك وكتابك اهل ملتك (1)، وإذا صار اليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين، حتى تكون واحدا منهم، كان ذا بذا، و والافلا (2). وعن ابى بصير عن عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من جار الا ومعه مؤمن يدفع الله تعالى به عن المؤمنين وهو اقلهم حظا في الاخرة، يعنى اقل المؤمنين حظا لصحبة الجبار (3). وما في التهذيب عن عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا الا ان لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب، ولا يقدر على حيلة، فان فعل فصار في يده شئ، فليبعث بخمسه الى اهل البيت - عليهم السلام - (4). وما رواه في الكافي عن يونس بن عمار، قال: وصفت لابي عبد الله عليه السلام من يقول بهذا الامر ممن يعمل عمل السلطان، وقال: إذا ولوكم يدخلون عليكم الرفق وينفعونكم في حوائجكم ؟ قال: قلت: منهم من يفعل ذلك ومنهم من لا يفعل. قال: من لا يفعل ذلك منهم فابرؤا منه، برء الله منه (5). وما رواه في الكافي والفقيه عن على بن يقطين، قال: قال لى أبو الحسن عليه السلام: ان لله عزوجل مع السلطان اولياء يدفع بهم عن اوليائه (6).


(1) قوله: " تصير " من باب التفعيل، أي تجعل وتختار عمالك من اهل ملتك. (2) الوسائل ج 12 ص 125 حديث: 1 باب 48 ابواب ما يكتسب به (3) الوسائل ج 12 ص 134 حديث: 4 (4) الوسائل ج 12 ص 146 حديث: 3 (5) الوسائل ج 12 ص 142 حديث: 12 (6) الوسائل ج 12 ص 139 حديث: 1

[ 129 ]

قال في الفقيه: وفى خبر آخر: اولئك عتقاء الله من النار. قال: وقال الصادق - عليه السلام -: كفارة عمل السلطان، قضاء حوائج الاخوان (1). وروى الكشى في الرجل في ترجمة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: كان محمد بن اسماعيل من رجال ابى الحسن موسى عليه السلام، وادرك ابا جعفر الثاني عليه السلام، وقال حمدويه عن أشياخه: انه واحمد بن حمزة كانا في عداد الوزراء قال: وفى رواية محمد بن اسماعيل بن بزيع " قال الرضا عليه السلام: ان لله تعالى بابواب الظالمين من نور الله تعالى له البرهان، ومكن له في البلاد، ليدفع بهم عن اوليائه ويصلح الله تعالى به امور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضر، واليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله تعالى روعة المؤمن في دار الظلم، اولئك المؤمنون حقا. اولئك امناء الله في ارضه، اولئك نور الله في رعيته يوم القيامة، ويزهر نورهم لاهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لاهل الارض، اولئك من نورهم يوم القيامة تضئ منه القيامة، خلقوا والله للجنة، وخلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم، ما على احدكم ان لو شاء لنال هذا كله. قال: قلت بماذا - جعلني الله فداك - ؟. قال: يكون معهم فيسرنا بادخال السرور على المومنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد (2). وروى الكشى في الكتاب المذكور قال: لما قدم أبو ابراهيم موسى عليه السلام العراق، قال على بن يقطين: اما ترى حالى وما انا فيه ؟ فقال له: يا على ان لله تعالى اولياء مع اولياء الظلمة ليدفع بهم عن اوليائه وانت منهم يا على (3). وروى في قرب الاسناد بسنده عن على بن يقطين انه كتب الى ابى الحسن


(1) الوسائل ج 12 ص 139 حديث: 2 و 3 (2) قاموس الرجال ج 8 ص 59 - 60 وتنقيح المقال ج 2 رقم: 10393 نقلا عن الكشى.، وقد سقط المطبوع في النجف (3) رجال الكشى ص 367 في ترجمة " علي بن يقطين ". وروى صدره صاحب الوسائل في ج 12 ص 139 حديث: 1

[ 130 ]

عليه السلام ان قلبى يضيق مما انا عليه السلطان، وكان وزيرا لهارون، فان اذنت - جعلني الله فداك - هربت منه. فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم (1). وروى في مستطرفات السرائر مما استطرفه من كتاب " مسائل الرجال من عملهم ومكاتباتهم. الى مولانا ابى الحسن على بن محمد الهادى عليه السلام " قال: وكتبت إليه أسأله عن العمل لبنى العباس واخذ ما اتمكن من اموالهم، هل فيه رخصة. وكيف المذهب في ذلك ؟ فقال: ما كان الداخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل العذر، وما خلا ذلك فمكروه، ولا محالة قليله خير من كثيره، وما يكفر به ما يلزمه فيه من يرزقه ويسبب على يديه ما يسر له فينا وفى موالينا قال: وكتبت إليه في جواب ذلك، اعلمه ان مذهبي في الدخول في امرهم وجود السبيل إلى ادخال المكروه على عدوه وانبساط اليد في التشفي منهم، بشئ ان اتقرب به إليهم، فأجاب: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراما بل اجرا وثوابا (2). وروى في المقنع قال: روى عن الرضا عليه السلام: انه قال: ان لله تعالى مع السلطان اولياء، يدفع بهم عن اوليائه. قال: وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يحب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ديوان هولاء فيقتل تحت رايتهم، فقال: يحشره الله على نيته (3). وروى في الامالى عن زيد الشحام في الصحيح، قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: من تولى امرا من امور الناس فعدل، وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في امور الناس، كان حقا على الله عزوجل ان يؤمن روعته يوم القيامة، ويدخله الجنة (4). وروى في الكافي والتهذيب عن محمد بن جمهور وغيره، من اصحابنا قال: كان النجاشي - وهو رجل من الدهاقين - عاملا على الاهواز وفارس، فقال بعض


(1) الوسائل ج 12 ص 143 حديث: 16 (2) مستطرفات السرائر ص 479 (3) الوسائل ج 12 ص 139 حديث: 5 و 6 (4) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 7

[ 131 ]

اهل عمله لابي عبد الله عليه السلام: ان في ديوان النجاشي على خراجا، وهو ممن يدين بطاعتك، فان رأيت ان تكتب لى إليه كتابا ؟ فكتب إليه أبو عبد الله عليه السلام: " بسم الله الرحمن الرحيم، سر اخاك يسرك الله تعالى ". قال: فلما ورد عليه الكتاب وهو في مجلسه فلما خلا، ناوله الكتاب، فقال: هذا كتاب ابى عبد الله عليه السلام ؟ فقبله ووضعه على عينيه، قال: ما حاجتك ؟ فقال، على خراج في ديوانك. قال له: كم هو ؟ قال: عشرة الاف درهم. قال: فدعى كاتبه فأمره بادائها عنه، ثم اخرج مثله فأمره ان يثبتها له لقابل. ثم قال له: هل سررتك ؟ قال: نعم قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم اخرى، فقال له، هل سررتك ؟ فقال: نعم جعلت فداك فامر له بمركب ثم امر له بجارية وغلام وتخت ثياب، في كل ذلك يقول: هل سررتك ؟ فكلما قال: نعم، زاده، حتى فرغ قال له: احمل فرش هذا البيت الذى كنت جالسا فيه، حين دفعت إلى كتاب مولاى، وارفع إلى جميع حوائجك، قال ففعل وخرج الرجل، فصار الى ابى عبد الله عليه السلام بعد ذلك فحدثه بالحديث، على وجهه، فجعل يستبشر بما فعل فقال له الرجل: يا ابن رسول الله، كأنه قد سرك ما فعل بى ؟ قال: أي والله، لقد سر الله تعالى ورسوله (1). اقول: لا يخفى ما في هذه الاخبار، باعتبار ضم بعضها الى بعض، من التدافع والتمانع. ومجمل القول فيها: انه لاشك انه قد علم من الاخبار المتقدمة حرمة الدخول في اعمالهم على اوكد وجه، بل مجرد محبتهم والركون إليهم وحب بقائهم، فضلا عن مساعدتهم واعانتهم بالاعمال، الا ان الاخبار الدالة على الجواز ظاهرة فيه بالقيود المذكورة فيها، لكنها ظاهرة الاختلاف، فان منها ما يدل على انه بالاتيان بتلك الشروط انما تحصل له بها الكفارة، بان تكون هذه الشروط كفارة لدخوله في العمل،


(1) الوسائل ج 12 ص 142 حديث: 13

[ 132 ]

كما يشير إليه قوله - في حديث ابى بصير المتقدم -: وهو اقلهم حظا في الاخرة (1). الى اقل المؤمنين. وقوله - في خبر الحسن بن الحسين الانباري -: كان ذابذ (2). وفى خبر زياد بن ابى سلمة: فواحدة بواحدة (3). ولعله عليه السلام - في رواية الانباري - كان يعلم عدم حصول القتل عليه بعدم دخوله، والا فمنعه عن الدخول - والحال هذه - خروج عن الادلة القطعية، آية ورواية في العمل بالتقية، كما لا يخفى. ومنها: ما يدل على انه ينال بذلك الحظ الاوفر والمنزلة العليا، كما يدل عليه كلام الرضا عليه السلام في رواية الكشى (4). واخبار على بن يقطين وعلو مرتبته عند الكاظم عليه السلام (5). وخبر النجاشي وما قاله الصادق عليه السلام في حقه (6). ويؤيده خبر منع الكاظم عليه السلام لعلى بن يقطين عن الخروج من اعمالهم. * * * والتحقيق في ذلك: ان هنا مقامات ثلاثة: (الاول): ان يدخل في اعمالهم لحب الدنيا، وتحصيل لذة الرياسة، والامر والنهى. وهو الذي يحمل عليه اخبار المنع. (الثاني): ان يكون كذلك، ولكن يمزجه بفعل الطاعات وقضاء حوائج المؤمنين وفعل الخيرات. وهذا هو الذي اشير إليه في الاخبار المتقدمة، كما عرفت من قوله عليه السلام: ذابذا. وقوله: واحدة بواحدة. وقوله: وهو اقلهم حظا.


(1) الوسائل ج 12 ص 134 حديث: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 145 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 9 (4) تقدم نقلا عن قاموس الرجال ج 8 ص 59 - 60 (5) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 8 (6) الوسائل ج 12 ص 142 حديث: 13

[ 133 ]

ونحو ذلك. (الثالث): ان يكون قصده من الدخول فيها، انما هو محض فعل الخير، و دفع الاذى عن المؤمنين، واصطناع المعروف إليهم، وهو الفرد النادر واقل قليل، حتى قيل انه من قبيل اخراج اللبن الخالص من بين فرث ودم. ويشير الى هذا الفرد عجز حديث السرائر المتقدم (1) وعلى هذا يحمل دخول مثل الثقة الجليل على بن يقطين، ومحمد بن اسماعيل بن بزيع، وامثالهما من اجلاء الرواة عنهم، النجاشي المتقدم ذكره، وكذلك جملة من علمائنا الاعلام، كالمرتضى والمحقق الخواجه نصير الدين والملة، وآية الله العلامة الحلى، ومن المتأخرين المحقق الثاني في سلطنة الشاه اسماعيل، وشيخنا البهائي، وشيخنا المجلسي، و نحوهم عطر الله مراقدهم. مع تسليم دعوى العموم. وبذلك يزول الاشكال والله العالم.


(1) تقدم عن مستطرفات السرائر ص 479

[ 134 ]

تتمة مهمة اقول: ومن هنا يعلم الكلام في جواز الدخول في اعمالهم وعدمه، والاصحاب قد صرحوا هنا بانه لا يجوز الدخول في اعمالهم الا مع التمكن من القيام بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر وقسمة الصدقات والاخماس على مستحقيها، وصلة الاخوان، ولا يرتكب في ذلك المآثم، علما أو ظنا، والا فلا يجوز الولاية بلا خلاف، كما نقله في المنتهى. وعلى الاول تحمل الاخبار الدالة على رضا الائمة عليهم السلام ببعض الولاة، كمن اشرنا إليهم في آخر البحث. وعلى الثاني تحمل الاخبار المانعة من الدخول كما تقدم. والظاهر ان القسم الثاني الذى قدمنا ذكره داخل في الاول من هذين القسمين، كما تقدم في رواية الانباري (1)، فهو اعم منهما. والفرق بينهما حينئذ - مع اشتراكهما في الاذن والقيام بالامور المذكورة - من جهة ما قدمنا ذكره، من قصد امر زائد في الدخول على هذه الامور المذكورة، وهو حب الرياسة والامر والنهى ونحو ذلك، وعدمه. فمع قصده يكون من القسم


(1) الوسائل ج 12 ص 145 حديث: 1

[ 135 ]

الثاني المتقدم ذكره، ومع عدمه يكون من القسم الثالث الذى هو اقل قليل: واما لو اكرهه الجائر على الدخول فانه يجوز له الولاية دفعا للضرر عن نفسه، ولا يجوز له ان يتعدى الحق ما امكنه، فان اكره على استعمال مالا يجوز شرعا جاز له، ما لم يبلغ الى الدماء، فانه لا تجوز التقية فيها على حال. * * * بقى الكلام في الدماء التى لا تقية فيها، هل هي اعم من القتل والجرح أو مخصوصة بالقتل، قولان. والمدعى للعموم ادعى ورود رواية بانه لا تقية في الدماء. والمدعى للتخصيص نقل رواية بانه لا تقية في القتل. والذى وقفت عليه من الاخبار في المقام، ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر عليه السلام، قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية (1). وروى الشيخ في الموثق عن ابى حمزة الثمالى، قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (2). وانت خبير بما فيهما من الاجمال، لاحتمال حمل الدم على ظاهره الشامل للجرح، واحتمال ارادة القتل خاصة، فانه مما يعبر عنه بهذه العبارة غالبا. وبالجملة فالمسألة لاجل ذلك محل اشكال والله العالم.


(1) الوسائل ج 11 ص 483 حديث: 1 باب: 13 ابواب الامر والنهى. (2) الوسائل ج 11 ص 483 حديث: 2

[ 136 ]

المسألة الرابعة نوح النائح بالباطل بان تذكر مالايجوز ذكره، كالكذب. فلو كان بحق فانه لا بأس به، ونحوه مع عدم سماع الاجانب صوتها، على القول بتحريمه، وحينئذ فالمنع منه انما هو لاشتماله على المحرم، والا فانه في نفسه جائز على المشهور. وعلى ذلك تدل الاخبار: ومنها: ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن يونس بن يعقوب، عن الصادق عليه السلام، قال: قال لى ابى: يا جعفر، اوقف لى من مالى كذاوكذا لنوادب تندبنى عشر سنين بمنى، ايام منى (1). قيل: الندب ان تذكر النائحة الميت باحسن اوصافه وافعاله، والبكاء عليه، و الاسم: الندبة - بالضم -. قال بعض مشائخنا: يدل الخبر على رجحان الندبة عليهم واقامة مأتم لهم، لما فيه من تشييد حبهم وبغض ظالميهم في القلوب، وهما العمدة في الايمان.


(1) الوسائل ج 12 ص 88 حديث: 1

[ 137 ]

فظاهر: اختصاصه بهم - عليهم السلام - لما ذكرنا. انتهى. ومنها: ما روياه - ايضا - في الكتابين المذكورين، عن ابى جعفر عليه السلام، قال: مات الوليد بن المغيرة، فقالت ام سلمة للنبى صلى الله عليه وآله وسلم: ان آل المغيرة قد اقاموا مناحة فاذهب إليهم ؟ فاذن لها، فلبست ثيابها وتهيأت، وكانت من حسنها كأنها جان، و كانت إذا قامت وارخت شعرها جلل جسدها، وعقدت طرفه بخلخلها، فندبت ابن عمها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: انعى الوليد، ابن الوليد * ابا الوليد، فتى العشيرة حامى الحقيقة، ماجدا * يسمو الى طلب الوتيرة قد كان غيثا في السنين * وجعفرا غدقا وميرة فما عاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها ذلك ولا قال شيئا (1). والجعفر: النهر الواسع والملان. والغدق: الماء الكثير، ومنه الاية " ماء غدقا ". والميرة الطعام. وعن حنان بن سدير، قال: كانت امرأة معنا في الحى، ولها جارية نائحة، فجاءت الى ابى، فقالت: يا عم، كنت تعلم ان معيشتي من الله ثم من هذه الجارية، فاحب ان تسأل ابا عبد الله عليه السلام عن ذلك، فان كان حلالا والا بعتها واكلت ثمنها حتى يأتي الله بالفرج، فقال لها ابى: والله انى لاعظم ابا عبد الله عليه السلام ان أسأله عن هذه المسألة، قال: فلما قدمنا عليه - عليه السلام - لاخبرته انا بذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أتشارط ؟ قلت: والله ما ادرى تشارط ام لا ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: قل لها: لا تشارط وتقبل ما اعطيت (2).


(1) الوسائل ج 12 ص 89 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 89 حديث: 3

[ 138 ]

وظاهر هذا الخبر كراهته مع الاشتراط، أو زيادة الكراهة به، لما سيأتي من الاخبار الدالة على الكراهة. وما رواه في الكافي عن عذافر قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن كسب النائحة، فقال: تستحله بضرب احدى يديها على الاخرى (1). قيل: لعل المراد انها تعمل اعمالا شاقة تستحق الاجرة فيما، أو اشارة الى انه لا ينبغى ان تأخذ الاجرة على النياحة، بل على ما يضم إليها من الاعمال. انتهى. وقيل: هو كناية عن عدم اشتراط الاجرة. ولا يخفى ما فيه. اقول: لعل الاقرب: ان المراد بيان اقل ما تستحق الاجرة، وهو ضرب احدى اليدين على الاخرى. وما رواه في الفقيه والتهذيب عن ابى بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس بأجر النائحة التى تنوح على الميت. وروى في الفقيه مرسلا، قال: وسئل الصادق عليه السلام عن اجر النائحة ؟ فقال: لا باس به، قد نيح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: وقال عليه السلام لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا (2). اقول: الظاهر ان هذه الرواية هي ما ذكره عليه السلام في الفقه الرضوي، حيث قال: ولا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا ثم قال عليه السلام، ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط الى آخر كلامه عليه السلام (3). وما رواه في التهذيب عن سماعة في الموثق، قال: سألته عن كسب المغنية


(1) الوسائل ج 12 ص 90 حديث: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 90 - 91 حديث: 7 و 10 و 9 (3) مستدرك الوسائل ج 12 ص 431 باب: 15 حديث: 17 حديث: 1

[ 139 ]

والنائحة ؟ فكرهه (1). اقول: يجب حمل الكراهة في المغنية على التحريم البتة، لما تقدم في مسألة الغناء، واما في النائحة فعلى ما يأتي. فاما ما رواه في الكافي عن عمرو الزعفراني، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: من انعم الله عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها، ومن اصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها (2). وما رواه في الفقيه في حديث المناهى عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انه نهى عن الرنة عند المصيبة، ونهى عن النياحة والاستماع إليها، ونهى عن تصفيق الوجه (3). وما رواه في الخصال عن عبد الله بن الحسين بن زيد بن على عن ابيه عن جعفر بن محمد عن آبائه، عن على عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اربعة لا تزال في امتى الى يوم القيامة، الفخر بالاحساب، والطعن في الانساب، والاستقساء ؟ بالنجوم، والنياحة على الميت وان النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب (4). وما رواه على بن جعفر في كتابه عن اخيه، قال: سألته عن النوح على الميت، ايصلح ؟ قال: يكره (5). وما رواه في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه موسى، قال: سألته عن النوح، فكرهه (6).


(1) الوسائل ج 12 ص 90 حديث: 8 (2) الوسائل ج 12 ص 90 حديث: 5 (3) الوسائل ج 12 ص 91 حديث: 11 (4) الوسائل ج 12 ص 91 حديث: 12 (5) الوسائل ج 12 ص 92 حديث: 13 (6) الوسائل ج 12 ص 92 حديث: 14

[ 140 ]

وبظاهر هذه الاخبار قال في المبسوط، وابن حمزة، بل ادعى الشيخ عليه الاجماع فهى محمولة على ما اشتمل على معصية ومحرم، من النوح بالباطل ونحوه، مع احتمال الحمل على التقية، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام، وذكر الخلاف بين الاصحاب في المسألة ايضا في الجلد الثاني من كتاب الطهارة، في بحث غسل الميت (1) فليرجع إليه من احب الوقوف عليه، وتحقيق الحال بما ينكشف به غشاوة الاشكال، والله العالم.


(1) راجع: الجزء الرابع ص 165 - 169 من هذه الطبعة

[ 141 ]

المسألة الخامسة في حفظ كتب الضلال ونسخها لغير النقض كذا صرح به جملة من الاصحاب، بل ظاهر المنتهى: انه اجماع. ولم اقف في النصوص على ما يتعلق بهذا الباب. قال في المسالك: المراد حفظها من التلف أو على ظهر القلب، وكلاهما محرم لغير النقض والحجة على اهلها، لمن له اهليتها لا مطلقا، خوفا على ضعفاء البصيرة من الشبهة، ومثله نسخها. وكذا يجوز للتقية، وبدونها يجب اتلافها إذا لم يمكن افراد موضع الضلال والا اقتصر عليها حذرا من اتلاف ما يعد مالا، من الجلد والورق، إذا كان لمسلم أو لمحترم المال انتهى. وعندي في الحكم من اصله توقف، لعدم النص، والتحريم والوجوب ونحوهما احكام شرعية، يتوقف القول بها على الدليل الشرعي، ومجرد هذه التعليلات الشايعة في كلامهم، لا تصلح عندي لتأسيس الاحكام الشرعية. قال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد: لعل دليل التحريم، انه قد يؤل الى ما هو المحرم، وهو العمل به، وان حفظها ونسخها ينبئ بالرضا بالعمل والاعتقاد بما فيه، وانها مشتملة على البدعة، ويجب دفعها من باب النهى عن المنكر. انتهى.

[ 142 ]

ولا يخفى ما فيه. قيل: ولعل المراد بها اعم من كتب الاديان المنسوخة وكتب المخالف للحق، اصولا وفروعا، والاحاديث المعلوم كونها موضوعة، لا الاحاديث التى رواها الضعفاء، لمذهبهم ولفقههم مع احتمال الصدور، وحينئذ يجوز حفظ الصحاح الستة، غير الموضوع المعلوم كالاحاديث التى في كتبنا مع ضعف رواتها، لكونهم زيدية وفطحية وواقفية، ولا ينبغى الاعراض عن الاخبار النبوية، التى رواها العامة، فانها ليست الامثل ما ذكرنا. اقول: لو كان الحكم المذكور منصوصا عليه، والعلة من النص ظاهرة، لامكن استنباط الاحكام من النص، بما يناسب تلك العلة، ويناسب سياق النص، وامكن التفريع على ذلك بما يقتضيه الحال من ذلك النص، وحيث ان الامر ليس كذلك، فهذه التفريعات والتخريجات كلها انما هي من قبيل الرمى في الظلام. وقال المحقق المتقدم ذكره: ثم ان الظاهر ان الممنوع منه هو كتب الضلال فقط، لا مصنف المخالف في مذهبه مطلقا وان وافق الحق، فتفاسير المخالفين ليست بممنوع منها الا المواضع المخصوصة المعلوم بطلانها وفسادها من الدين، فان الظاهر لا قصور في اصول فقههم الا نادرا، إذا الحق هنا ما ثبت بالدليل وليس شئ هنا مقرر في الدين قد خولف، بل كتبهم في ذلك مثل كتبنا في نقل الخلاف واختيار ما هو المبرهن، وهو الحق وكذلك بيعها وسائر التكسب بها، على انه يجوز كله للاغراض الصحيحة، بل قد يجب كالتقية والنقض والحجة واستنباط الفروع ونقلها ونقل ادلتها الى كتبنا، وتحصيل القوة وملكة البحث على اهلها. انتهى. اقول: والكلام هنا يجرى على حسب حال ما قدمناه، فان تخصيص المنع بالضلال فقط جيد لو كان ثمة دليل على حسب ما ذكروه، ولكنهم هنا انما يبحثون على تقدير هذه العبارة التى قدمناها، وهى التى يذكرونها في هذا المقام، وقد عرفت انه لا مستند لهم، من اخبارهم عليهم السلام.

[ 143 ]

هذا مع تطرق الاشكال إليها والاحتمال، بان المراد من كتب الضلال يعنى كتب اهل الضلال، وهو مجاز شائع في الكلام، وبه ينتفى ما ذكروه من التخصيص بالضلال، ويصير عاما لمصنفات اهل الضلال مطلقا. وهذا هو المناسب لما ورد من النهى عن الجلوس إليهم والاستماع منهم ولو للرد عليهم، خوفا من شمول اللغة و العذاب له كما يشير إليه بعض الاخبار (1). واما قوله: فتفاسير المخالفين ليست بممنوع منها، فانه وان سلم انها ليست ممنوعا منها من هذه الجهة المذكورة، الا انها ممنوع منها بما استفاض في الاخبار من النهى عن تفسير القرآن الا بما ورد عنهم عليهم السلام (2)، وان كان المشهور بينهم عدم العمل بهذه الاخبار، كما يعطيه كلامه هنا، نسأل الله سبحانه المسامحة لنا ولهم من عثرات الاقلام وزلات الاقدام. ولعل ذلك لعدم اطلاعهم عليها، وامعان النظر في تتبعها من مظانها، والا فهى في الكثرة والدلالة على ما قلناه اشهر من ان ينكر، كما بسطنا الكلام عليه في غير المقام من مؤلفاتنا، واشرنا الى ذلك في المقدمة الثالثة من مقدمات الكتاب وبينا ان جملة الاخبار الواردة عنهم عليهم السلام متفقة الدلالة على المنع من تفسيره الا بما ورد عنهم عليهم السلام (3). ولذلك تصدى لذلك جملة من فضلاء المتأخرين المتبحرين، منهم السيد العلامة السيد هاشم الكناكانى البحراني في تفسيرة المسمى بالبرهان في تفسير القرآن، فجمع تلك الاخبار الواردة بتفسير الايات عنهم - عليهم السلام -، ولقد احاط بجملة من الاخبار في تفسير الايات، ولم يسبقه سابق إلى وصول هذه المقامات. ثم الشيخ عبد العلى الحويزاوى في كتاب نور الثقلين.


(1) راجع: الوسائل ج 8 ص 430 (2) راجع: تفسير البرهان ج 1 ص 18 (3) راجع: تفسير الصافى المقدمة الخامسة. والجزء الاول ص 27 من هذا الكتاب

[ 144 ]

ثم المحدث الكاشانى في تفسيره الصافى، وهو الحق الحقيق بالاتباع. واما قوله: فان الظاهر انه لا قصور في اصول فقههم.. الخ ففيه انه لا ريب ان هذا العلم واختراع التصنيف فيه والتدوين لاصوله وقواعده، انما وقع اولا من العامة، فان من جملة من صنف فيه الشافعي، وهو في عصر الائمة - عليهم السلام - مع انه لم يرد عنهم - عليهم السلام - ما يشير إليه، فضلا عن ان يدل عليه، ولو كان حقا (1) كما يدعونه، بل هو الاصل في الاحكام الشرعية كما يزعمونه، لما غفل عنه 1 - انا لنستغرب هكذا هجمات قاسية من مثل شيخنا المحدث في هذا الموضع. بل ولهجته العنيفة التى تأباه المباحث العلمية في ثنايا الكتاب. ولنتسأل الشيخ المصنف: ما هو علم الاصول الذى يستنكره بهذه الصورة الغريبة ؟ ! اما مباحث الالفاظ فهى جملة من مباحث لغوية بحتة يجب على الفقيه تفهمها ليتمكن من استنباط الحكم الشرعي من نصوص الكتاب والسنة، وهى جارية على اساليب اللغة المتعارفة، فكما يجب عليه درس متن اللغة وقواعدها الادبية، كذلك يجب عليه درس هذه المباحث، لنفس الغاية. واما الاصول العملية فهى قواعد فقهية مأخوذة من جملة روايات صحت عن اهل البيت - عليهم السلام - لابد لكل فقيه ان يرجع إليها عند اعوزاز الدليل الاجتهادي على الحكم فإذا لم يجد دليلا على حرمة شئ أو دليلا على وجوب شئ، فلابد حينئذ من اللجوء إلى حديث الرفع المتواتر الذى يقبله الاصولي والاخباري. وهكذا الاستصحاب وغيره. نعم لا يرجع إليه الاخباري في الشبهات التحريمية، ويقتصر في الاخذ بحديث الرفع في الشبهات الوجوبية فحسب. وهذا المقدار لا يصلح فارقا لتكوين مذهبين، وتبريرا لمثل هذا التشنيع القاسي. بل التشنيع موجه الى الاخباري نفسه الذى يترك العمل بعموم دستور صدر عن اهل البيت - عليهم السلام - فيؤمن بالبعض ويترك البعض لاعن سبب معقول. ! عصمنا الله من طيش القلم وزلة العصبية في المقال. (م. ه‍. معرفة.)

[ 145 ]

الائمة عليهم السلام، مع حرصهم على هداية شيعتهم، الى كل نقير وقطمير، كما لا يخفى على من تتبع اخبارهم، إذ ما من حالة من حالات الانسان، في مأكله ومشربه وملبسه ونومه ويقظته ونكاحه ونحو ذلك من احواله، الا وقد خرجت فيه السنن عنهم عليهم السلام حتى الخلاء، ولو اراد انسان ان يجمع ما ورد في باب الخلاء لكان كتابا على حدة، فيكف يغفلون عن هذا العلم الذى هو بزعمهم مشتمل على القواعد الكلية والاصول الجلية، والاحكام الشرعية، وكذلك اصحابهم في زمانهم عليهم السلام، مع رؤيتهم العامة عاكفين على تلك القواعد والاصول، يعملون به الى ان انتهت النوبة بعد الغيبة الى الشيخ - رحمه الله - فصنف فيه استحسانا لما راه في كتبهم، وخالفهم فيما لا يوافقون اصول مذهبنا وقواعده، ثم جرى على ذلك من بعده من اصحابنا، كما هي قاعدتهم غالبا من متابعته في فتاويه واحكامه وتصانيفه. وبالجملة فان الامر فيما ذكرنا اظهر من ان يخفى عند الخبير المنصف. فكتبهم فيه لا تخرج عن كتب اهل الضلال، ان عممنا الحكم في المقام، الا انك قد عرفت ان اصل البناء كان على غير اساس، فصار معرضا لحصول الشك والشبهة والالتباس. وكيف كان فالظاهر على تقدير ثبوت التحريم، انه ان كان الغرض من ابقائها الاطلاع على المذهب والاقوال ليكون على بصيرة في تمييز الحق من الباطل وعرض ما اختلف من الاخبار عليها والاخذ بخلافه، حيث انه مأمور بذلك عنهم عليهم السلام ونحو ذلك من الاغراض الصحيحة، فلا اشكال في الجواز. واليه يشير قوله - قدس سره - اخيرا: على انه يجوز للاغراض الصحيحة.... الخ. والله العالم واولياؤه.

[ 146 ]

المسألة السادسة في هجاء المؤمن والغيبة والمراد بالاول: ذكر معايبه في الاشعار. والثانى: القول بما يكرهه ويغيظه، وان كان حقا. قال في المسالك: وخرج بالمؤمنين غيرهم، فيجوز هجاؤهم كما يجوز لعنهم. ولا فرق هنا بين المؤمن الفاسق وغيره، اللهم الا ان يدخل هجاء الفاسق في مراتب النهى عن المنكر بحيث يتوقف ردعه عليه، فيمكن جوازه حينئذ ان فرض انتهى. وقال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد: والظاهر ان عموم ادلة الغيبة من الكتاب والسنة يشمل المؤمنين وغيرهم، فان قوله تعالى " ولا يغتب بعضكم بعضا " اما للمكلفين كلهم أو المسلمين فقط، لجواز غيبة الكافر. ولقوله بعده " لحم اخيه ميتا " وكذا الاخبار، فان اكثرها بلفظ " الناس " أو " المسلم " مثل ماروى في الفقيه " من اغتاب امرءا مسلما بطل صومه، ونقص وضوؤه، وجاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة انتن من الجيفة، يتأذى به اهل الموقف، وان مات قبل ان يتوب مات مستحلا

[ 147 ]

لما حرم الله تعالى " (1) " الا ومن سمع فاحشة فافشاها فهو كالذي أتاها " (2) " ومن اصطنع الى أخيه معروفا فامتن به احبط الله تعالى عمله، واثبت وزره ولم يشكر له سعيه " (3). وقال الشيخ زين الدين في رسالة الغيبة: " قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه. والغيبة: تناول العرض، وقد جمع بينه وبين المال والدم. وقال عليه السلام: لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا يغتب بعضكم بعضا، وكونوا - عباد الله - اخوانا وعن انس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مررت ليلة اسرى بى على قوم يخمشون وجوههم باظافيرهم فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء ؟ قال: هولاء الذين يغتابون الناس ويقعون في اعراضهم وقال البراء: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى اسمع العواتق في بيوتهن. قال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسليمن ولا تتبعوا عوراتهم، فان من تتبع عورة اخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته " (4). الى غير ذلك، وبالجملة عموم ادلة الغيبة. وخصوص ذكر المسلم يدل على التحريم مطلقا، وان عرض المسلم كدمه وماله، فكما لا يجوز اخذ مال المخالف وقتله، ولا يجوز تناول عرضه الذى هو الغيبة، وذلك لا يدل على كونه مقبولا عند الله تعالى، لعدم جواز اخذ ماله وقتله، كما في الكافر. ولا يدل جواز لعنه في النص على جواز الغيبة، مع تلك الادلة، بان يقول: انه قصير أو طويل أو اعمى أو اجذم أو ابرص وغير ذلك، وهو ظاهر. واظن انى رايت في قواعد الشهيد رحمه الله انه يجوز غيبة المخالف، من حيث مذهبه ودينه الباطل وكونه فاسقا من تلك الجهة لا غير، مثل ان يقال اعمى ونحوه والله اعلم، ولا شك ان الاجتناب احوط.


(1) الفقيه ج 4 ص 8 (2) الفقيه ج 4 ص 9 (3) الفقيه ج 4 ص 10 (4) كشف الريبة ص 6 - 7

[ 148 ]

انتهى (1). وصاحب الكفاية قد نقل صدر هذا الكلام، فقال: وقال بعض المتأخرين، الى قوله: الا من سمع الفاحشة فافشاها فهو كالذى اتاها، ثم قال: ونقل عن رسالة الشهيد الثاني اخبار، بعضها بلفظ الناس، وبعضها بلفظ المسلم. وظاهره: الجمود عليه وموافقته فيما ذكره، حيث لم يتعرض لرده ولا قدح فيه. اقول: وانت خبير بما فيه من الوهن والقصور، وان كان مبنيا على ما هو المعروف المشهور من الحكم باسلام المخالفين، الا ان اخبار اهل البيت - عليهم السلام - ظاهرة في رده، متكاثرة مستفيضة على وجه لا يعتريها الفتور. وقد بسطنا الكلام في الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب، وقد قدمنا نبذة في ذلك في كتاب الطهارة في باب نجاسة الكافر، واوضحنا كفر المخالفين غير المستضعفين، ونصبهم وشركهم بالاخبار المتكاثرة، التى لا معارض لها في البين، وانه ليس اطلاق المسلم عليهم، الا من قبيل اطلاقه على الخوارج وامثالهم، من منتحلى الاسلام، وتوجه الطعن الى كلام هذا المحقق اكثر من ان ياتي عليه قلم البيان. ولكن لابد من التعرض لما لا بدمنه مما يندفع به الاشكال، عن الناظر في هذا المقال، فنقول: فيه - اولا -: ان ما ادعاه من الحكم باسلامهم مردود، للاخبار المستفيضة والايات الطويلة العريضة، الدالة على الكفر. ولاجل ازاحة ثقل المراجعة على النظار في الرجوع الى ما قدمناه في كتاب الطهارة من الاخبار، نشير الى نبذة منها على جهة الاختصار. ففى الكافي عن ابى جعفر عليه السلام، قال: ان الله عزوجل نصب عليا علما بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، ومن انكره كان كافرا، ومن جهله كان ضالا (2).


(1) انتهى كلام المحقق الاردبيلى (2) الكافي ج 1 ص 438 حديث: 7

[ 149 ]

وقال: ان عليا عليه السلام باب فتحه الله فمن دخله كان مؤمنا، خرج منه كان كافرا، ومن لم يدخل فيه لم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله تبارك وتعالى: لى فيهم المشية (1). وعن الصادق عليه السلام قال: من عرفنا كان مؤمنا، ومن انكرنا كان كافرا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا، حتى يرجع الى الهدى الذى افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فان يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء (2). وبهذا المضمون اخبار عديدة. وروى فيه بسنده إليه الصادق عليه السلام، قال: اهل الشام شر من اهل الروم، واهل المدينة شر من اهل مكة، واهل مكة يكفرون بالله جهرة (3). وبسنده فيه عن احدهما - عليهما السلام - قال: ان اهل مكة ليكفرون بالله جهرة وان اهل المدينة اخبث من اهل مكة، اخبث منهم سبعين ضعفا (4). وقد روى في الكافي جملة من الاخبار في تفسير الكفر، في جملة من الآيات القرآنية، بترك الولاية. منها: ما رواه بسنده إلى الصحاف قال: سالت الصادق عليه السلام، عن قوله تعالى " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " (5) قال: عرف الله ايمانهم بولايتنا وكفرهم بها، يوم اخذ عليهم الميثاق في صلب آدم وهم ذر (6). ونحوه غيره فليرجع إلى الكتاب


(1) الكافي ج 1 ص 437 حديث: 8 (2) الكافي ج 1 ص 187 حديث: 11 (3) الكافي ج 2 ص 209 حديث: 3 (4) الكافي ج 2 ص 410 حديث: 4 (5) سورة التغابن: 3 (6) الكافي ج 1 ص 413 حديث: 4 وص 426 حديث: 74 ولفظ الحديث في الموضع الثاني: " بموالاتنا " بدل " بوالايتنا ".

[ 150 ]

المذكور من احب الاطلاع عليه فاين ثبوت الاسلام لاولئك الطغام، مع هذه الايات والاخبار الواضحة لكل ناظر من ذوى الافهام ! ! واظهر من ذلك ما رواه في الخصال بسنده عن مالك الجهنى، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب اليم، من ادعى اماما ليست امامته من الله تعالى، ومن جحد اماما امامته من عند الله تعالى، ومن زعم ان لهما في الاسلام نصيبا (1). ورواه النعمان في كتاب الغيبة في الصحيح عن عمران الاشعري، عن جعفر ابن محمد مثله. نعوذ بالله من زيغ الافهام وطغيان الاقلام، ونسأله سبحانه المسامحة لنا ولهم في امثال هذا المقام. وثانيا: ان ما ذكره بقوله: " والظاهر ان عموم ادلة تحريم الغيبة من الكتاب والسنة يشمل المؤمنين وغيرهم، فان قوله تعالى، لا يغتب بعضكم بعضا، اما للمكلفين أو المسلمين... الخ " من العجب العجاب عند ذوى العقول والالباب. فان صدر الاية " يا ايها الذين آمنوا " فالخطاب للمؤمنين خاصة، فكيف يقول: ان الخطاب للمكلفين أو المسلمين ؟ ! وكأنه غفل عن صدر الاية حتى بنى عليها هذا الكلام الواهي البالغ غاية الضعف. وبالجملة، فان الاية انما هي عليه، لا له، لما سيأتيك ايضا زيادة على ما ذكرناه. وثالثا: ان الاية التى دلت على تحريم الغيبة، وان كان صدرها مجملا، الا ان قوله فيها " ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا " مما يعين الحمل على المؤمنين، فان اثبات الاخوة بين المؤمن والمخالف له في دينه، لا يكاد يدعيه من شم رائحة الايمان، ولا من احاط خبرا باخبار السادة الاعيان، لاستفاضتها بوجوب معاداتهم، والبراءة منهم. ومنها: ما رواه الصدوق في معاني الاخبار، والعيون والمجالس، وصفات


(1) رواه في الكافي ج 1 ص 373 حديث: 4 وفى الخصال باب الثلاثة رقم: 2 / 61

[ 151 ]

الشيعة والعلل، عن محمد بن القاسم الاسترابادي، عن يونس بن محمد بن زياد، وعلى بن محمد بن سيار، عن ابويهما عن الحسن بن على العسكري عن ابائه - عليهم السلام -، ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لبعض اصحابه ذات يوم: يا عبد الله احب في الله وابغض في الله، ووال في الله وعاد في الله، فانه لن تنال ولاية الله الا بذلك ولا يجد الرجل طعم الايمان، وان كثرت صلاته وصيامه، حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا اكثرها في الدنيا، عليها يتواددون وعليها يتباغضون، وذلك لا يغنى من الله شيئا. فقال الرجل: يا رسول الله، فكيف لى ان اعلم انى قد واليت في الله وعاديت في الله ؟ ومن ولى الله حتى اواليه ؟ ومن عدوه حتى اعاديه ؟ فاشار صلى الله عليه واليه وسلم الى على عليه السلام فقال: اترى هذا ؟ قال: بلى. قال: ولى الله هذا فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده. ثم قال: وال ولى هذا، ولو انه قاتل ابيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو انه ابوك وولدك (1). اقول: فليختر هذا القائل، ان المخالف هل هو من اولياء على عليه السلام فتجب موالاته وتثبت اخوته ويجب الحكم بدخوله الجنة لذلك ؟ أو انه عدو له عليه السلام فتجب معاداته وبغضه بنص هذا الخبر الصحيح الصريح عنه صلى الله عليه واله وسلم ؟ ولو لم يكن الا هذا الخبر لكفى به حجة، فكيف والاخبار بهذا المضمون مستفيضة متكاثرة. ومنها ما رواه ايضا في الكافي عن عمرو بن مدرك عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لاصحابه: أي عرى الايمان اوثق ؟ فقالوا: الله ورسوله اعلم. وقال بعضهم: الصلاة، وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصيام. وقال بعضهم: الحج والعمرة. وقال بعضهم: الجهاد. فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لكل ما قلتم فضل وليس به، ولكن اوثق عرى الايمان: الحب في الله والبغض في الله، وتوالى اولياء الله، والتبرى من اعداء الله (2).


(1) علل الشرايع ص 141 باب: 119 الحديث: 1 (2) الكافي ج 2 ص 125 حديث: 6

[ 152 ]

ومنها ما رواه في الكافي عن اسحاق بن عمار، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: كل من لم يحب على الدين، ولم يبغض على الدين فلا دين له (1). وبالاسناد عن ابى عبد الله عليه السلام في رسالته الى اصحابه، قال: احبوا في الله من وصف صفتكم، وابغضوا في الله من خالفكم وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم، ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم (2). وروى في كتاب صفات الشيعة للصدوق بسنده عن ابن فضال، عن الرضا عليه السلام، قال: من والى اعداء الله فقد عادى اولياء الله، ومن عادى اولياء الله فقد عاد الله، وحق على الله ان يدخله نار جهنم (3). وروى في كتاب ثواب الاعمال وكتاب صفات الشيعة. عن صالح بن سهل عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: من احبنا وابغض عدونا في الله، من غير ترة وترها اياه في شئ من امر الدنيا، ثم مات على ذلك فلقى الله وعليه من الذنوب مثل زبد البحر غفرها الله له (4) الى غيرذلك من الاخبار التي يضيق عن نقلها المقام. ويعضد هذه الاخبار العلية المنار الساطعة الانوار قوله عزوجل " يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء " (5) وقوله عزوجل " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله " (6). وإذا كان الله عزوجل نهى اهل الايمان عن ولايتهم ومحبتهم، فكيف يجوز الحكم في الاية المشار إليها باخوتهم ! ؟ ما هذا الا سهو واضح من هذا التحرير، وبذلك


(1) الكافي ج 2 ص 127 حديث: 16 (2) الكافي ج 8 ص 12 (3) كتاب صفات الشيعة رقم: 11 ص 49 ط طهران. (4) ثواب الاعمال: 165. بحار النوار ج 27 ص 55 حديث: 10 (5) سورة الممتحنة: 1 (6) سورة المجادلة: 22

[ 153 ]

يظهر لك ايضا حمل خبر البراء الذى نقله، على المؤمن ايضا، لقوله فيه " من تتبع عورة اخيه " إذ لا اخوة بين المؤمن والمخالف، كما عرفت. وليت شعرى أي فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله، وبين من كفر بالائمة - عليهم السلام - ؟ مع ثبوت كون الامامة من اصول الدين بنص الايات والاخبار الواضحة الدلالة كعين اليقين. ورابعا: ان ما استند إليه من ورود الاخبار الدالة على تحريم الغيبة بلفظ " المسلم " ففيه: اولا: انك قد عرفت ان المخالف كافر، لا حظ له في الاسلام بوجه من الوجوه، كما حققناه في كتابنا " الشهاب الثاقب ". وثانيا: مع تسليم صحة اطلاق الاسلام عليه، فالمراد به: انما هو منتحل الاسلام، كما تقدمت الاشارة إليه، والمراد هنا: انما هو الاسلام بالمعنى الاخص، وهو المؤمن الموالى لاهل البيت - عليهم السلام -. إذ لا يخفى وقوع اطلاق الاسلام على هذا المعنى في الايات والروايات، ومنه: قوله تعالى: " ان الدين عند الله الاسلام " (1) وقوله عزوجل في حق الائمة -: " هو سماكم المسلمين " (2) وقوله: " فما وجدنا غير بيت من المسلمين " (3). كما ان الايمان يطلق ايضا تارة على الاسلام بالمعنى الاعم، كقوله عزوجل: " يا ايها الذين آمنوا آمنوا " (4) فان المخاطبين هم المقرون بمجرد اللسان، امرهم بالايمان بمعنى التصديق. واطلاق المسلم بالمعنى الذى ذكرناه في الاخبار اكثر كثير، كما لا يخفى على من له انس بالاخبار.


(1) سورة آل عمران: 19 (2) سورة الحج: 78 (3) سورة الذاريات: 36 (4) سورة النساء: 136

[ 154 ]

وثالثا ان الموجود في اكثر الاخبار الواردة من طرقنا، انما هو بلفظ " المؤمن " ونحوه، مثل ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابى عمير، عن بعض اصحابه عن الصادق عليه السلام: من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عزوجل: " ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم " (1). وعن عبد الرحمن بن سيابة، قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: الغيبة: ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه، واما الامر الظاهر فيه مثل الحدة والعجلة فلا. والبهتان: ان تقول فيه ما ليس فيه (2). وعن داود بن سرحان، قال: سألت الصادق عليه السلام عن الغيبة، فقال: هو ان تقول لاخيك في دينه ما لم يفعل، وتبث عليه امراقد ستره الله عليه، لم يقم عليه فيه حد (3). وما رواه في الفقيه مرسلا، قال: قال الصادق عليه السلام في حديث: ومن اغتاب اخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شرك شيطان (4). الحديث، الى غير ذلك من الاخبار. وحينئذ فيجب حمل " المسلم " على ما ورد في هذه الاخبار المتضمنة للفظ المؤمن والاخ. على ان اكثر ما نقله من الاخبار انما هو من روايات العامة، التى لا يقوم بها حجة، لا سيما على ما هو المعهود من قاعدته وقاعدة امثاله من اصحاب هذا الاصطلاح، في رد الاخبار المروية في الاصول المشهورة بضعف السند باصطلاحهم المحدث، فكيف بالاخبار العامة.


(1) الوسائل ج 8 ص 598 حديث: 6 والاية في سورة النور: 19 (2) الوسائل ج 8 ص 604 حديث: 2 (3) الوسائل ج 8 ص 604 حديث: 1 (4) الفقيه ج 4 ص 299 من حديث: 85. يقال: وتره وترا وتره أي ظلمه وابغضه. والمراد: العداء والتباغض.

[ 155 ]

وخامسا: ان قوله: " انه كما لا يجوز اخذ مال المخالف وقتله لا يجوز تناول عرضه " فان فيه - زيادة على ما عرفت - (1): ان الاخبار قد جوزت قتله واخذ ماله مع الامن وعدم التقية، ردا عليه وعلى امثاله ممن حكم باسلامه، وهى جارية على مقتضى الاخبار الدالة على كفره. فروى الشيخ في الصحيح عن حفص بن البخترى عن الصادق عليه السلام، قال: خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا الخمس (2). وعن اسحق بن عمار، قال: قال الصادق عليه السلام: مال الناصب وكل شئ يملكه حلال لك، الا امرأته فان نكاح اهل الشرك جائز، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: لاتسبوا اهل الشرك فان لكل قوم نكاحا، ولو لا انا نخاف عليكم ان يقتل رجل


(1) اقول: من اوضح الواضحات في جواز غيبة المخالفين طعن الائمة - عليه السلام - بانهم اولاد زنا، فمن ذلك ما رواه الكافي ج 8 ص 285 عن ابى حمزه عن ابى جعفر - عليع السلام - قال: قلت له: ان بعض اصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم، فقال: الكف عنهم اجمل. ثم قال: والله يا ابا حمزه، ان الناس كلهم اولاد بغايا ما خلا شيعتنا... ثم قال: فنحن اصحاب الخمس والفئ وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا. وما رواه في التهذيب ج 4 ص 136 عن ضريس الكناسى، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اتدرى من اين دخل على الناس الزنا ؟ فقلت: لا ادرى. فقال: من قبل خمسنا - اهل البيت - الا لشيعتنا الاطيبين، فانه محلل لهم لميلادهم. ونحوهما في اخبار الخمس كثير. فإذا كان الائمة - عليه السلام - قد طعنوا فيهم بهذا الطعن واغتابوهم بهذه الغيبه التى لا اعظم منها في الدين بالنسبه الى المؤمنين والمسلمين فكيف يتم ما ذكره من المنع من غيبتهم. وبالجملة فالامر فيما ذكرناه اشهر من ان ينكر. وحينئذ فيحمل قوله في الخبر الاول " الكف عنهم اجمل " على رعاية التقيه، حيث انه بعد هذا الكلام عقبه بتصديق ما نقله عن بعض اصحابنا. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر. منه قدس سره. (2) الوسائل ج 6 ص 340 حديث: 6

[ 156 ]

منكم برجل منهم، ورجل منكم خير من الف رجل منهم، لامرناكم بالقتل لهم، ولكن ذلك الى الامام (1). وروى في الكافي والتهذيب في الصحيح عن يزيد بن معاويه العجلى، قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن مؤمن قتل ناصبيا معروفا بالنصب على دينه، غضبا لله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم ايقتل به ؟ قال: اما هؤلاء فيقتلونه به ولو رفع الى امام عادل ظاهر لم يقتله به. قلت: فيبطل دمه ؟ قال: لا ولكن إذا كان له ورثة كان على الامام ان يعطيهم الدية من بيت المال، لان قاتله انما قتله غضبا لله عزوجل وللامام ولدين المسلمين (2). وروى في العلل عن الصحيح عن داود بن فرقد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في قتل الناصب ؟ قال: حلال الدم، ولكن اتقى عليك، فان قدرت ان تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكى لا يشهد به عليك فافعل. قلت فما ترى في ماله ؟ قال: أتوه ما قدرت عليه (3). وروى في العيون باسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام فيما كتبه للمأمون، قال عليه السلام: فلا يحل قتل احد من النصاب والكفار في دار التقية، الا قاتل أو ساع في فساد، وذلك إذا لم تخف على نفسك واصحابك (4). وروى في الفقيه عن محمد بن مسلم في الصحيح، عن ابى جعفر عليه السلام، قال: قلت له: أرأيت من جحد الامام منكم ما حاله ؟ فقال من جحد اماما من الله وبرئ منه ومن دينه فهو كافر مرتد عن الاسلام، لان الامام من الله، ودينه من دين الله، ومن برئ من دين الله فهو كافر، ودمه مباح في تلك الحال، الا ان يرجع ويتوب الى الله


(1) الوسائل ج 11 ص 60 حديث: 2 (2) التهذيب ج 10 ص 213 حديث: 48 / 843 (3) الوسائل ج 18 ص 463 حديث: 5. واتواء المال: تضييعه وافساده (4) الوسائل ج 11 ص 62 حديث: 9

[ 157 ]

مما قال (1). وروى الكشى في كتاب الرجال بسنده فيه الى على بن حديد، قال: سمعت من سأل ابا الحسن عليه السلام، فقال: انى سمعت محمد بن بشير يقول: انك لست موسى ابن جعفر، الذى انت امامنا وحجتنا فيما بيننا وبين الله. فقال: لعنه الله - ثلاثا - واذاقه الله حر الحديد، قتله الله اخبث ما يكون من قتلة. فقلت: جعلت فداك، إذا انا سمعت ذلك منه أو ليس حلال لى دمه، مباح، كما ابيح دم الساب لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم والامام ؟ فقال: نعم، بلى والله حل دمه، واباحه لك ولمن يسمع ذلك منه، الى ان قال: فقلت أرأيت ان انا لم اخف ان ارم به بريئا ثم لم افعله ولم اقتله، ما على من الوزر ؟ فقال: يكون عليك وزره اضعافا مضاعفة من غير ان ينتقص من وزره شئ اما علمت ان افضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله تعالى ورسوله بظهر الغيب، ورد عن الله وعن رسوله صلى الله عليه واله وسلم (2). فان قيل: ان اكثر هذه الاخبار، انما تضمن الناصب، وهو - على المشهور -: اخص من مطلق المخالف، فلا تقوم الاخبار حجة على ما ذكرتم ! قلنا ان هذا التخصيص قد وقع اصطلاحا من هؤلاء المتأخرين، فرارا من الوقوع في مضيق الالزام، كما في هذا الموضع وامثاله، والا فالناصب حيثما اطلق في الاخبار وكلام القدماء، فانما يراد به المخالف، عدا المستضعف. وايثار هذه العبارة للدلالة على بعض المخالفين للائمة الطاهرين. ويدلك على ذلك ما رواه في مستطرفات السرائر من كتاب " مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا على بن محمد الهادى عليه السلام " في جملة مسائل محمد بن على بن عيسى، قال: كتبت إليه: أسأله عن الناصب، هل احتاج في امتحانه الى اكثر من تقديمه الجبت والطاغوت، واعتقاد امامتهما ؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو


(1) الوسائل ج 18 ص 544 حديث: 1 (2) رجال الكشى - طبع النجف - ص 408

[ 158 ]

ناصب (1). وهو صريح في ان مظهر النصب والعداوة، هو القول بامامة الاولين. وروى في العلل عن عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: ليس الناصب من نصب لنا - اهل البيت - لانك لا تجد احدا يقول انى ابغض محمدا وآل محمد - صلى الله عليه واله وسلم - ولكن الناصب من نصب لكم، وهو يعلم انكم تتولونا وانكم من شيعتنا (2). ونحوه رواية معلى بن خنيس، وفيها " ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وتتبرأون من اعدائنا " (3). فهذا تفسير الناصب في اخبارهم، الذى تعلقت به الاحكام، من النجاسة، وعدم جواز المناكحة، وحل المال والدم ونحوه، وهو عبارة عن المخالف مطلقا عدا المستضعف، كما دل عليه استثناؤه في الاخبار، وما ذكروه من التخصيص بفرد خاص من المخالفين مجرد اصطلاح منهم، لم يدل عليه دليل من الاخبار، بل الاخبار في رده واضحة السبيل (4).


(1) مستطرفات السرائر ص 479 والوسائل ج 341 6 حديث 14 (2) الوسائل ج 6 ص 339 حديث: 3 (3) معاني الاخبار ص 104 والبحار ج 27 ص 233 (4) اقول: وفى بعض الاجوبة المنسوبة الى ابن ادريس، وقد سئل عن الناصب والمستضعف: من هما، وما الفرق بينهما ؟ فأجاب بجواب طويل، يتضمن ان الناصب هو المخالف غيرا لمستضعف، واكثر من الاخبار الدالة على ذلك، وكلام المتقدمين من الاصحاب وغيرهم، ومنها: قول المتنبي: إذا علوى لم يكن نسل طاهر * فما هو الا حجة للنواصب وقول المعرى - على ما شاع عنه -: اضرب بعاد قفا ثمود * وبالنصارى قفا اليهود وبالروافض قفا النواصب

[ 159 ]

ومن اراد تحقيق الحال وتفصيل هذا الاجمال، فليرجع الى كتابنا المتقدم ذكره فانه واف وشاف، محيط بأطراف الكلام، وإبرام النقض ونقض الابرام. وقد خرجنا بما ذكرنا من تطويل الكلام في المقام، عما هو المقصود والمرام، لمزيد الايضاح، لما في كلام هذا المحقق من الوهن والقصور الظاهر لمن وفق للاطلاع على اخبارهم - عليهم السلام -. * * * إذا ثبت هذا فاعلم: انه كما تحرم الغيبة فانه يحرم استماعها ايضا، لما رواه الصدوق في الفقيه في حديث المناهى، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن ابائه عن امير المؤمنين عليهم السلام، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن الغيبة والاستماع إليها - الى ان قال: - ألا ومن تطول على اخيه في غيبة سمعها فيها في مجلس فردها عنه، رد الله عنه الف باب من شر الدنيا والاخرة، فان هو لم يردها وهو قادر على ردها، كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة (1). * * * وذكر بعض الاصحاب: ان كفارة الغيبة هو التحلل ممن اغتابه ان كان حيا، والاستغفار له ان كان ميتا. والذى وقفت عليه من الاخبار في ذلك. ما رواه من الكافي والفقيه عن حفص ابن عمير عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سئل النبي صلى الله عليه واله وسلم: ما كفارة الاغتياب ؟ قال: تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته (2).


وغيرها. وكلها صريحة في ان الناصب عباره عن المخالف غير المستضعف. وبه يظهر ان ما اشتهر بين المتأخرين من تخصيصهم الناصب بمعنى اخص من المخالف لاوجه له ولا دليل عليه، بل الدلالة على (1) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 8 - 9 (2) الوسائل ج 8 ص 606

[ 160 ]

وظاهر الخبر المذكور: ان كفارة الغيبة: الاستغفار مطلقا، حيا كان من اغتابه أو ميتا. ويعضده: ان اخباره بذلك ربما أثار فتنة أو زيادة حقد وبغض في القلوب، كما هو ظاهر من احوال اكثر الناس. تتمة مهمة قد استثنى الاصحاب جملة من المواضع، فجوزوا الغيبة فيها: منها: التظلم عند من يرجو زوال ظلمه، إذا نسب من ظلمه الى الاثام. قال في الكفاية - بعد نقل ذلك -: ولعل الاحوط الاقتصار على اقل الحاجة. انتهى. ولم اقف على من استندهنا الى دليل. ويمكن الاستدلال على ذلك بما رواه في الكافي عن ثعلبة بن ميمون عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: كان قوم عنده يتحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا، فوقع فيه وشكاه، فقال له أبو عبد الله - عليه السلام -: وانى لك باخيك كله، واى الرجال المهذب (1). ويمكن الاستدلال على ذلك ايضا بقوله عزوجل " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم " (2) ففى مجمع البيان: عن الباقر عليه السلام " لا يحب الله الشتم في الانتصار (الا من ظلم) فلا باس له ان ينتصر ممن ظلمه، بما يجوز الانتصار به في الدين " (3).


(1) الكافي ج 2 ص 651 حديث: باب الاغضاء. وقوله: باخيك كله أي هو الاخ الكامل التام. وقوله: أي الرجال المهذب، ايضا اشاره الى الكمال، كما في قول الشاعر: ولست بمستبق اخا لا تلمه * على شعث، أي الرجال المهذب (2) سورة النسا: 148 (3) مجمع البيان ج 3 ص 131

[ 161 ]

قال في الكتاب المذكور: ونظيره: " وانتصروا من بعد ما ظلموا " (1). وفي تفسير على ابن ابراهيم - قدس سره -: وقوله تعالى " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم " أي لا يحب الله ان يجهر الرجل بالظلم والسوء ولا يظلم، الا من ظلم، فقد اطلق له ان يعارضه بالظلم (2). وفى المجمع - ايضا - عن الصادق عليه السلام: انه الضيف ينزل بالرجل فلا يتحسن ضيافته، فلا جناح عليه ان يذكره بسوء ما فعله (3). وفى تفسير العياشي - ايضا - عنه عليه السلام في هذه الاية: من اضاف قوما فاساء ضيافتهم فهو ممن ظلم، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه. وعنه عليه السلام: الجهر بالسوء من القول، ان يذكر الرجل بما فيه (4). اقول: الظاهر ان التفسير بالضيف من حيث دخوله في عموم الاية واطلاقها، فلا منافاة فيه للتفسير الاول. وظاهر ما نقلناه عنهم: تخصيص الحكم بالتظلم عند الحاكم الشرعي ونحوه، يرجى به دفع الظلم عنه، بان يقول: ان فلانا غصبني أو ضربني أو نحو ذلك. ومقتضى ظاهر الاية: العموم. وكذا ظاهر الاخبار المنقولة في تفسيرها. (ومنها): الاستفتاء، كما يقول المستفتى: ظلمنى ابى أو اخي، فكيف طريقي في الخلاص ؟ قال في الكفاية: والاسلم هنا التعريض، بان يقول: ما قولك في رجل ظلمه ابوه أو اخوه ؟ وقد روى: " ان هندا قالت للنبى صلى الله عليه واله وسلم: ان ابا سفيان رجل شحيح، وليس يعطينى ما يكفيني وولدى، الا ما اخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذى ما يكفيك


(1) سورة الشعراء: 227 (2) البرهان ج 1 ص 325 حديث: 3 (3) مجمع البيان ج 3 ص 131 (4) تفسير العياشي ج 1 ص 283

[ 162 ]

وولدك بالمعروف " (1). فذكرت الشح والظلم لها وولدها، ولم يزجرها صلى الله عليه واله وسلم إذ كان قصدها الاستفتاء. وفي هذا الحكم اشكال، إذ كان سبيل الى التعريض وعدم التصريح. انتهى. اقول: ما ذكره من الاستدلال بهذه الرواية، مع تسليم ورودها من طرقنا، محل نظر. فان ابا سفيان منافق كافر، قد لعنه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في غير مقام فلا غيبة له. ولكن الاستدلال بهذه الرواية هنا جرى على ما قدمنا ذكره عنه ثمة، من نقله كلام المقدس الاردبيلى وجموده عليه، وقد عرفت ما فيه مما اظهر ضعف باطنه وخافيه. نعم يمكن الاستدلال على ذلك بما رواه في الكافي والتهذيب، عن حماد بن عثمان، قال: دخل رجل على ابى عبد الله عليه السلام، فشكى رجلا من اصحابه، فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال له أبو عبد الله عليه السلام - مغضبا -: ما لفلان يشكوك ؟ فقال له: يشكوني انى استقضيت منه حقى، قال: فجلس أبو عبد الله عليه السلام مغضبا، ثم قال: كانك إذا استقضيت حقك لم تسئ ! ارايت ما حكى الله عزوجل في كتابه: " يخافون سوء الحساب " (2) انهم خافوا الله ان يجور عليهم ؟ ! لا والله ما خافوا الا الاستقضاء، فسماه الله عزوجل سوء الحساب، فمن استقضى فقد اساء (3). الا انهم قد عنونوا هذا الموضع بالاستفتاء، وما تضمنه الخبر ليس من قبيل الاستفتاء، ويمكن جعل العنوان ما هو اعم، أو يجعل هذا الخبر من ادلة الموضع الاول. (ومنها): تحذير المؤمن من الوقوع في الخطر والشر، ونصح المستشير. قالوا: إذا رايت متفقها يتلبس بما ليس من اهله، فلك ان تنبه الناس على نقصه وقصوره


(1) البخاري ج 7 ص 85. ومسلم ج 5 ص 129. واللفظ للاول. ورواه في المستدرك عن غوالى اللثالى. ج 2 ص 108 (2) سورة الرعد: 21 (3) الكافي ج 5 ص 101 وقد تقدم الحديث في ص 49 ولفظ " مغضبا " الاول في الموضعين، ليس في نسخ المصدر.

[ 163 ]

مما اهل نفسه له، وتنبههم الى الخطر اللاحق لهم بالانقياد إليه، وكذلك إذا رايت رجلا يتردد الى فاسق يخفى امره، وخفت عليه من الوقوع بسبب صحبته فيما لا يوافق الشرع، فلك ان تنبهه على فسقه، مهما كان الباعث الخوف من انشاء البدعة وسراية الفسق. الا ان هذا الموضع محل الخديعة من الشيطان، إذ ربما يكون الباعث انما هو الحسد على تلك المنزلة، فيلتبس عليك الشيطان، كما هو غالب فاش في ابناء الزمان، فينبغي للداخل في ذلك ان يلاحظ نفسه فيما بينه وبين ربه. ومن ذلك - ايضا -: بيان الاغلاط الواقعة من العلماء. والظاهر: ان من هذا القبيل طعن العلماء بعضهم على بعض في المسائل الفقهية حتى انجر الى التجهيل، كما لا يخفى على من وقف على الرسالة المنسوبة الى المفيد والسيد المرتضى، في الرد على الصدوق في تجويزه السهو على المعصوم، فانها اشتملت على قدح عظيم في حق الصدوق، لا يليق بمثله ان ينسب إليه ذلك، وكما وقع من المحقق والعلامة في الطعن على ابن ادريس في مواضع لا تحصى، مما يؤذن بتجهيله، مع ما هو عليه من الفضل وعلو الشان ونحو ذلك. وقد وقع بين جملة من مشائخنا المعاصرين ممن عليهم الاعتماد بين العباد في البلاد ما يؤدى الى اعظم الاشكال في هذا المجال، حتى ان رجلين منهم كانا يصليان الجمعة في اقل من مسافة الفرسخ. والناس يقتدون بكل منهما. وكان بعض من عاصرناه من المشائخ ينقل حديثا - ان صح هان الامر في ذلك - والا فالمقام مقام خطر واشكال. وصورة الخبر الذى ينقله في حق العلماء: انه عليه السلام قال: خذوا بما يفتون ولا تنظروا إلى ما يقول بعضهم في بعض، فانهم يتغايرون كما تتغاير النساء. هذا حاصل معناه. ومما يؤيد ذلك: دلالة جملة من الاخبار على حصول الحسد بين العلماء، خصوصا زيادة على ما بين سائر الناس. وبالجملة فالداء عضال، لا يكاد ينفك منه الا من عصمه الله تعالى بالتوفيق في

[ 164 ]

جملة الاحوال. نعم قد ورد في جملة من الاخبار جواز الوقيعة في اصحاب البدع، ومنهم الصوفية، كما رواه في الكافي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا رأيتم اهل الريب والبدع من بعدى، فاظهروا البراءة منهم، واكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلموا من بدعهم، ويكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الاخرة (1). وبمضمونه اخبار عديدة. وكذلك إذا رايت رجلا يشترى مملوكا، وقد عرفت ان في ذلك المملوك عيوبا منقصة، فلك ان تذكرها للمشترى، فان في سكوتك ضررا للمشترى، وفي ذكرك ضررا للعبد، ولكن المشترى اولى بالمراعاة. ومن اللازم: ان يقتصر على العيب المنوط بذلك، فلا يذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة والمضاربة مثلا، بل انما يذكر ما يتعلق بذلك، من غير تجاوز عنه. اقول: ويمكن ان يستدل على ذلك بالاخبار الدالة على وجوب نصح المؤمن، لا سيما مع الاستشارة، كما رواه في الكافي عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة في المشهد والمغيب (2). وعن ابى جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لينصح الرجل منكم اخاه كنصيحته لنفسه (3). وعن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ان اعظم الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة، امشاهم في ارضه بالنصيحة لخلقه (4).


(1) الوسائل ج 12 ص 508 حديث: 1 (2) الكافي ج 2 ص 208 حديث: 2 (3) الكافي ج 2 ص 208 حديث: 4 (4) الكافي ج 2 ص 208 حديث: 5

[ 165 ]

وعنه عليه السلام قال: من استشار اخاه فلم يمحضه محض الرأى، سلبه الله عزوجل رأيه (1). (ومنها): الجرح للشاهد والراوي للاخبار، صيانة لحقوق المسلمين، وحفظا للاحكام والسنن الشرعية. ومن ثم وضع العلماء كتب الجرح والتعديل للرواة، وقسموهم الى الثقاة والمجروحين، وذكروا الاسباب الموجبة للقدح والجرح، وكونه كذابا وضاعا للحديث، ولكن لا ينبغى ان يذكر الا ما يخل بالشهادة والرواية ولا يتعرض لشئ من عيوبه التى لا تعلق لها بذلك، وقوفا على القدر الذى يمكن تخصيص عموم اخبار النهى عن الغيبة به. وكيف كان، فينبغي التحفظ والاخلاص في ذلك، بان لا يكون الباعث امرا آخر غير قصد الامر الذى قدمنا ذكره. اقول: ولا اعلم لهم حجة على ذلك زيادة على ما ذكرناه. وربما يستند لذلك بالاخبار التى وردت عنهم - عليهم السلام - في ذم بعض الرواة، وانهم من الكذابين والغالين، الا ان مورد هذه الاخبار انما هو غير الشيعة، ممن يظهر التلبس بهم، فلا حجة فيها. ويمكن ان يستدل بما ورد في الاخبار من ذمهم - عليه السلام - لجملة من الرواة، كزرارة وهشام ابن الحكم، ويونس بن عبد الرحمان، وغيرهم. بان يكون الوجه في ذلك التحذير عن العمل باخبارهم، الا ان الامر بالنسبة الى ما ذكرناه انما هو العكس مما دلت عليه هذه الاخبار، لاستفاضة الاخبار بجلالة شانهم وعلو قدرهم، وانما الغرض من هذه الاخبار معان اخر، مثل الذب عنهم والتقية عليهم، كما يفصح عنه حديث الكشى بالنسبة إلى زرارة وعذر الصادق عليه السلام له بانه ذمه دفاعا عنه وعن امثاله. وحينئذ فيكون في هذه الاخبار دلالة على موضع آخر لم يذكره الاصحاب - فيما


(1) الكافي ج 2 ص 363 حديث: 5

[ 166 ]

اعلم - وهو جواز الغيبة والذم لدفع الضرر عن ذلك المستغاب. (ومنها): ان يكون القول فيه بما يكون متظاهرا به كالفاسق المتظاهر بفسقه، بحيث لا يستنكف ان يذكر بذلك الفعل. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك: ما رواه الصدوق في المجالس عن هارون بن الجهم، في الصحيح - على الاقوى - عن الصادق عليه السلام، قال: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة (1). ورواية ابى البخترى عن جعفر بن محمد ابيه عليها السلام، قال: ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، والامام الجائر، والفاسق المعلن بالفسق (2). وروى شيخنا الشهيد الثاني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له (3). وما ورد في صحيحة عبد الله ابن ابى يعفور الطويلة، الواردة في عدالة الشاهد، عن الصادق عليه السلام: حيث قال عليه السلام: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا غيبة الا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، وسقطت بينهم عدالته، ووجب هجرانه، وإذا رفع إلى امام المسلمين انذره وحذره، فان حضر جماعة المسلمين والااحرق عليه بيته، ومن لزم جماعتهم حرمت غيبته وثبتت بينهم عدالته (4). وانت خبير بان الظاهر الاخبار الثلاثة الاول، هو جواز غيبته وان استنكف عن ذلك، وانه لا يختص الجواز بالذنب الذى يتظاهر به، كما هو ظاهر كلام جملة من


(1) الوسائل ج 8 ص 605 حديث: 4 (2) الوسائل ج 7 ص 605 حديث: 5 (3) ورواها الشيخ المفيد في الاختصاص عن الامام الرضا - عليه السلام - المستدرك ج 2 ص 108 (4) الوسائل ج 18 ص 289 حديث: 2 / 34010

[ 167 ]

الاصحاب، وان كان الاقتصار على ما ذكروه احوط، الا ان يكون لذكر ما زاد على ذلك تأثير في ارتداعه عما هو عليه من الفسق والتظاهر به ولعل الاخبار المشار إليها انما خرجت بناء على ذلك. وكيف كان، فالظاهر ان حكام الجور والظلمة واتباعهم المتظاهرين بالظلم والفسق، واخذ اموال الناس، واللعب بالباطل، كما هو معروف الان في جميع الاصقاع والبلدان بين الشيعة وغيرهم، من هذا القبيل بل من اظهر افراد هذه الاخبار. وظاهر الخبر الرابع: جواز الغيبة بمجرد ظهور الفسق وان لم يكن متظاهرا به، وان ترك الجماعة فسق وان لم يقل به الاصحاب فيما اعلم، حيث انهم صرحوا بان ترك المستحبات لا يمنع من العدالة، الا ان ظاهر الاخبار خلافه لتظافرها بجواز حرق بيته عليه. وبالجملة فالخبر المذكور ظاهر في حصول الفسق بذلك وانه يجوز غيبته وان لم يتظاهر به، الا ان يخص ذلك بمورد الخبر المذكور من صلاة الجماعة، تنويها بشأنها وعلو مكانها. ويؤيد العموم ما في بعض الاخبار، من قوله عليه السلام: لا غيبة لفاسق. الا انه يشكل ذلك بان الغيبة التى هي عبارة عن ذكر الرجل بالعيب الذى فعله وستره الله تعالى عليه، انما مورده الفاسق، لانه انما اغتابه بما فعله من الذنب الموجب لفسقه، مع ان الله تعالى قد حرم ذكره بذلك وجعله من قبيل اكل لحم اخيه ميتا. وحينئذ فإذا كان الفسق حاصلا مع تحريم الله سبحانه غيبته وذكره به، فكيف يتم نفى الغيبة عن الفاسق مطلقا ؟ بل الظاهر هو تقييد اطلاق الخبر المذكور بما إذا كان متظاهرا به، كما دلت عليه الاخبار الاولة. وحينئذ فالظاهر قصر الصحيحة المذكورة على موردها والله العالم. (ومنها): ما اشرنا إليه - آنفا - من جواز غيبته لدفع الضرر عنه، وان لم يتعرض له احد من الاصحاب فيما اعلم.

[ 168 ]

ويدل على ذلك ما رواه الكشى في كتاب الرجل، في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن زرارة، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: اقرأ منى على والدك السلام، وقل له: انى انما اعيبك دفاعا منى عنك، فان الناس والعدو يسارعون الى كل من قربناه وحمدنا مكانه. لادخال الاذى فيمن نحبه ونقربه، ويذمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا، ويرون ادخال الاذى عليه وقتله، ويحمدون كل من عبناه نحن فانما اعيبك لانك رجل اشتهرت بنا بميلك الينا، وانت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الاثر، لمودتك لنا ولميلك الينا، فاحببت ان اعيبك ليحمدوا امرك في الدين بعيبك ونقصك، ويكون ذلك منا دافع شرهم عنك - يقول الله عز وجل: اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فاردت ان اعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا. هذا التنزيل من عند الله سبحانه صالحة، لا والله ما عابها الا لكى تسلم من الملك ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مساغ، والحمد الله فافهم المثل يرحمك الله تعالى، فانك والله احب الناس الى، واحب اصحاب ابى الى، حيا وميتا، فانك افضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، وان من ورائك لملكا ظلوما غصوبا، يرقب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدى، ليأخذها غصبا فيغصبها واهلها، فرحمة الله عليك حيا ورحمته ورضوانه عليك ميتا، ولقد ادى الى ابناك الحسن والحسين رسالتك، احاطهما الله وكلاهما ورعاهما وحفظهما، بصلاح ابيهما، كما حفظ الغلامين، فلا يضيقن صدرك من الذى امرك ابى عليه السلام وامرتك به، واتاك أبو بصير بخلاف الذى امرناك به، لا والله ما امرناك ولا امرناه الا بامر وسعنا ووسعكم الاخذ به، ولكل ذلك عندنا تصاريف ومعان توافق الحق، فلو اذن لنا لعلمتم ان الحق في الذى امرناكم به، فردوا الينا الامر وسلموا لنا، واصبروا لاحكامنا وارضوا بها، والذى فرق بينكم فهو راعيكم الذى استرعاه الله امر خلقه، وهو اعرف بمصلحة غنمه، في فساد امرها... الحديث (1).


(1) رجال الكشى ص 125 - ص 127 طبعة النجف

[ 169 ]

اقول: والظاهر انه لهذا كان زرارة ربما قدح في الامام عليه السلام وعاب، كما هو مروى في اخبار ذمه، بان يكونوا - عليهم السلام - رخصوا له ذلك للعلة المذكورة في هذا الخبر. وبهذا الخبر ايضا يجاب عما ورد في الهشامين - رضى الله عنهما - لا سيما ما نقل عنهما من القول بالجسم والصورة، وتقرير الائمة - عليهم السلام - على ذلك وذمهم لهما، مع ما ورد من الاخبار الدالة على منزلتهما، ولا سيما هشام بن الحكم. ونسبة هذين القولين الشنيعين لهما - رضى الله عنهما - اما ان يكون مع عدم معرفتهما بذلك عن الائمة - عليهم السلام - وهو بعيد، أو مع معرفتهما بذلك، وانهما قصدا الى خلاف ما عليه الائمة - عليهم السلام - وهو اشد بعدا. فلم يبق الا ما قلنا من الرخصة لهما في اظهار ذلك دفاعا عنهما بالتقريب المتقدم. وروى في الكتاب المتقدم في الصحيح أو الموثق عن الحسين بن زرارة، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان ابى يقرأ عليك السلام ويقول: جعلت فداك انه لا يزال الرجل والرجلان يقدمان فيذكران انما ذكرتني، وقلت في. فقال: اقرأ اباك السلام، وقل له: انا والله احب لك الخسر في الدنيا واحب لك الخير في الاخرة، وانا والله عنك راض، فما تبالي ما قال الناس بعد هذا (1). (ومنها): ان يكون الانسان معروفا باسم يعرب عن غيبته كالاعرج والاعمش والاشتر ونحوها. قالوا: فلا اثم على من يقول ذلك، فقد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف. وقال الشهيد الثاني: والحق ان ما ذكره العلماء المعتمدون من ذلك، يجوز التعويل فيه على حكايتهم، واما ذكره عن الاحياء فمشروط بعلم رضاء المنسوب إليه به، لعموم النهى. وحينئذ يخرج عن كونه غيبة. وكيف كان فلو وجد عنه معدلا وامكنه التعريف بعبارة اخرى فهو اولى. انتهى. وهو جيد.


(1) الكشى ص 128

[ 170 ]

والذى حضرني من الاخبار في هذا المقام، ما رواه في الكافي، عن الحسن بن زيد الهاشمي، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: جائت زينب العطارة الحولاء الى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث (1). وسيأتى قريبا - ان شاء الله تعالى - في تحريم الغش. (ومنها): ما إذا علم اثنان أو ثلاثة مثلا معصية من آخر فذكرها بعضهم للاخر في غيبة صاحب المعصية، فانه يجوز ذلك، لانها لا توثر عند السامع شيئا، زيادة على علمه سابقا. اقول: وهو من حيث الاعتبار جيد الا ان ادلة النهى عن الغيبة من آية أو رواية اعم من ذلك. والتخصيص بمثل هذا الوجه الاعتباري مشكل.


(1) الكافي ج 8 (الروضة) ص 153 حديث: 143

[ 171 ]

المسألة السابعة في السحر، ونحوه القيافه، والكهانه، والشعبده ولا خلاف في تحريم تعليم الجميع واخذ الاجرة عليه. ولابد من بسط الكلام هنا في مقامات: (الاول) في السحر. قال في المنتهى: السحر عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئا يوثر في بدن المحسور، أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له. وزاد الشهيدان شيئا آخر من جملة السحر، قال في المسالك: وهو كلام أو كتابه أو رقية أو اقسام أو عزائم ونحوها، يحدث بسببها ضرر على الغير، ومنه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطئها، والقاء البغضاء بينهما، ومنه استخدام الملائكة والجن، واستنزال الشياطين، في كشف الغائبات وعلاج المصاب، واستحضارهم، وتلبسهم ببدن صبى أو امرأة، وكشف الغائب على لسانه، فتعلم ذلك وشبهه، وعلمه وتعليمه كله حرام، والتكسب به سحت، ولو تعلمه ليتوفى به، وليدفع به المتنبي بالسحر، فالظاهر جوازه، وربما وجب على الكفاية، كما

[ 172 ]

اختاره في الدروس. ويجوز حله بالاقسام والقرآن، كما ورد في رواية العلا. انتهى. وقال في الدروس نحو ما في المسالك ثم انه قد وقع الخلاف بين كافة العلماء في السحر، هل له حقيقة أو انه تخيل ؟ قال في المسالك: الاكثر على انه لا حقيقة له بل هو تخيل. ثم قال: ويشكل بوجدان اثره في كثير من الناس، والتأثر بالتوهم انما يتم لو سبق لقابل علم بوقوعه، ونحن نجد اثره فيمن لا يشعر به اصلا حتى يضربه انتهى. وقيل: اكثره تخيل، وبعضه حقيقي، لانه تعالى وصفه بالعظمة في سحرة فرعون. اقول: وصفه بالعظمة لا يدل على كونه حقيقة، بل ظاهر الاية خلاف ذلك، كما ذكره الطبرسي في تفسيرة، وغيره حيث قال: فلما القوا، أي فلما القى السحرة ما عندهم من السحر، احتالوا في تحريك العصى والحبال، بما جعلوه فيها من الزيبق، حتى تحركت بحرارة الشمس، وغير ذلك من الحيل وانواع التمويه والتلبيس، وخيل الى الناس انها تتحرك على ما تتحرك الحية، وانما سحروا اعين الناس، لانهم اروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته، وخفى ذلك عليهم، لبعده منهم، لانهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم. وفى هذا دلالة على ان السحر لا حقيقة له، لانها لو صارت حيات حقيقة، لم يقل الله سبحانه: سحروا اعين الناس، بل كان يقول: فلما القوا صارت حيات. انتهى. وقال الرازي: احتج القائلون بان السحر محض تمويه، بهذه الاية. وقال القاضى البيضاوى: لو كان السحر حقا لكانوا. قد سحروا في قلوبهم واعينهم، فثبت ان المراد انهم تخيلوا احوالا عجيبة. مع ان الامر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه. وقال الواحدى: قيل ان المراد، سحروا اعين الناس، أي قلبوها عن صحة ادركها، بسبب تلك التمويهات.

[ 173 ]

اقول: لا يخفى ان الذى حصل من فعل السحرة يومئذ، هو كون تلك الحبال والعصى التى القوها حيات تتحرك، ومن الظاهر ان الحركة الثابتة لها ناشئة من الزيبق بعد طلوع الشمس عليها، واما كونها حيات في نظر الناظر إليها يؤمئذ بهذا، هو الذي حصل به السحر في اعين الناس حيث انهم بعد رويتها حبالا اولا وعصيا. صارت حيات في نظرهم ثانيا، واكد ذلك حركتها، فكونها حيات في نظرهم لابد من حمله على مجرد التخيل والتوهم، الذى نشأ من سحرهم ولذلك قال سبحانه: " يخيل إليه من سحرهم انها تسعى " (1). ولانه لو امكن الساحر ان يقلب حقيقة من الحقايق الى حقيقة اخرى، لزم مشاركته لله تعالى في الخلق، وهو باطل عقلا ونقلا، ولامكن ان يعيد نفسه من الهرم الى الصغر، ويدفع عن نفسه الاسقام والالام، والكل مما يقطع ببطلانه عند جملة الانام. وقد ورد في حديث الزنديق الذى سأل الامام الصادق عليه السلام المروى في الاحتجاج (2)، قال: أفيقدر الساحر ان يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب والحمار أو غير ذلك ؟ قال: هو اعجز من ذلك واضعف من ان يغير خلق الله سبحانه، ان من ابطل ما ركبه الله تعالى وصوره فهو شريك الله تعالى في خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لو قدر الساحر على ما وصفت، لدفع عن نفسه الهرم والافة والمرض، ونفى البياض عن رأسه، والفقر عن ساحته وقال عليه السلام في الحديث المذكور لما سأله الزنديق فيما سأله، فقال: اخبرني عن السحر ما اصله وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل ؟ قال عليه السلام: ان السحر على وجوه شتى، وجه منها بمنزله الطب، كما ان الاطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر، احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حيلة، ومنه نوع آخر: خطفة وسرعة ومخاريق وخفة ونوع منه ما يأخذ أولياء الشياطين منهم. قال: من اين علم الشياطين السحر ؟ قال: من حيث عرف الاطباء الطب،


(1) سورة طه: 66 (2) احتياج الطبرسي ج 2 ص 81 - 82 طبعة النجف الاشرف.

[ 174 ]

بعضه تجربة وبعضه علاج. قال: فما تقول في الملكين هاروت وماروت، وما يقول الناس بانهما يعلمان الناس السحر ؟ فقال: انهما موضع ابتلاء وموقف فتنة، تسبيحهما اليوم " لو فعل الانسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا أو كذا صار كذا - اصناف السحر " فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما، فيقولان لهم: انما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم، إلى ان قال عليه السلام: وان من اكبر السحر النميمة، يفرق بها بين المتحابين، ويجلب العداوة بين المتصافين، ويسفك بها الدماء وتهدم بها الدور، ويكشف بها الستور، والنمام اشد من وطأ على ارض بقدم، واقرب اقاويل السحر من الصواب: انه بمنزله الطب، ان الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء، فجاء الطبيب فعالجه فابرأه (1). اقول: ومن الاخبار الواردة في المقام، ما رواه في الكافي عن على بن ابراهيم عن ابيه عن شيخ من اصحابنا الكوفيين، قال: دخل عيسى بن سيفى (2) على ابى عبد الله عليه السلام، وكان ساحرا يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الاجر، فقال له: جعلت فداك: انا رجل كانت صناعتي السحر، وكنت آخذ عليها الاجر، وكان معاشى منه، وقد حججت منه ومن الله على بلقائك، وقد تبت الى الله عزوجل، فهل لى في شئ من ذلك مخرج ؟ قال: فقال له أبو عبد الله عليه السلام: حل ولا تعقد (3) ورواه الصدوق باسناد عن عيسى المذكور نحوه. ورواه الحميرى في قرب الاسناد - باسناده - عن عيسى بن سيفى مثله. قال في الوسائل بعد نقل الخبر المذكور: اقول: خصه بعض علمائنا بالحل


(1) الاحتجاج، ج 2 ص 82 (2) اختلف نسخ الكافي والتهذيب والفقيه وقرب الاسناد وغيرها في هذا اللفظ، ففى بعضها: " شقفى ". وفى بعضها: " شقفى ". وفى بعضها: " سعفى ". وفى بعضها: " سيفى ". والاخير هو الصحيح. نظرا الى نسخة اصل التفسير ورواية جامع الرواة ومن ثم اثبتناه (3) الكافي ج 5 ص 115 حديث: 7

[ 175 ]

بغير السحر كالقرآن والذكر والتعويذ ونحوها، وهو حسن، إذ لا تصريح بجواز الحل بالسحر (1). اقول: لا يبعد العمل به على ظاهره من جواز الحل (2)، كما يظهر من الاخبار الاتية، ويؤيده ما تقدم في كلام الشهيد من جواز تعلمه للتوقى به ودفع المتنبي بالسحر، بل وجوبه كفاية. * * * ومنها ما رواه الصدوق باسناده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه - عليهما السلام -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ساحر المسلمين يقتل، وساحر الكفار لا يقتل. قيل: يا رسول الله، لم لا يقتل ساحر الكفار ؟ قال: لان الشرك اعظم من السحر، ولان السحر والشرك مقرونان (3). وما رواه في الكافي والتهذيب عن زيد الشحام عن ابى عبد الله عليه السلام، قال:


(1) الوسائل ج 12 ص 106 (2) اقول: وبما ذكرناه صرح المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد، حيث قال: ويمكن ان يكون تعلم السحر للحل جائزا، بل قد يجب لغاية معرفة المتنبي ودفعه ودفع الضرر عن نفسه وعن المسلمين. وقد اشار إليه في شرح الشرايع عن الدروس. ويدل على الجواز ما في رواية ابراهيم بن هاشم، قال: حدثنى شيخ من اصحابنا الكوفيين، قال: دخل عيسى بن سيفى، ثم ساق الخبر - كما في الاصل - وقال: العلامه في التحرير: والذى يحل السحر بشئ من القران والذكر أو الاقسام فلا بآس به، وان كان بالسحر حرم على اشكال. وظاهره في المنتهى: التحريم من حيث انه سحر من غير اشكال. واستدل بحديث عيسى على الحل بالقرآن ونحوه. وفيه ما عرفت في المتن. وبالجملة فما ذكروه هو الاحوط، وما ذكرناه هو الظاهر من الادلة والله العالم. منه قدس سره. (3) الوسائل ج 12 س 106 حديث: 2 وج 18 ص 575 حديث: 1

[ 176 ]

الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه (1). وما رواه في التهذيب عن عمرو بن خالد، عن زيد بن على، عن ابيه عن آبائه عن على عليه السلام، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الساحر فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا عليه فقد حل دمه (2). وعن السكوني عن جعفر بن محمد عليه السلام عن ابيه ان عليا عليه السلام كان يقول: من تعلم شيئا من السحر كان آخر عهده بربه وحده القتل الا ان يتوب (3). ورواه في قرب الاسناد بسنده عن ابى البخترى عنه عليه السلام مثله. اقول: قد حمل هذه الاخبار بعض مشائخنا على من يستحل ذلك (4)، وهو كذلك كما يظهر من الخبر الاخير، يعضده غيره من الاخبار المذكورة في المقام. ومنها ما رواه في العلل - بعد نقل رواية السكوني الاولى - قال: وروى ان توبة الساحر ان يحل ولا يعقد (5). وما رواه في عيون الاخبار باسناده عن الحسن العسكري عليه السلام، عن آبائه في حديث، في قوله عزوجل " وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " قال: كان بعد نوح عليه السلام قد كثرت السحرة والمموهون، فبعث الله عزوجل ملكين الى نبى ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ويرد به كيدهم، فتلقاه النبي من الملكين، واداه الى عباد الله تعالى ان يقفوا به على السحر وان يبطلوه،


(1) الوسائل ج 18 ص 576 حديث: 2 وفى نسخة: " على ام راسه " (2) الوسائل ج 18 ص 576 حديث، 1 باب: 3 (3) الوسائل ج 18 ص 576 حديث: 2 باب: 3 (4) قال العلامة في المنتهى: لا خلاف بين علمائنا في تحريم تعلم السحر وتعليمه، وهل يكفر ام لا ؟ الحق انه ان استحل ذلك فقد كفر، والا فلا، وسياتى البحث في ذلك. انتهى، منه قدس سره. (5) الوسائل ج 12 ص 106 حديث: 3

[ 177 ]

ونهاهم ان يسحروا به الناس، وهذا كما يدل على السم ما هو وما يدفع به غائلة السم، إلى ان قال: وما يعلمان من احد ذلك السحر وابطاله حتى يقولا للمتعلم: انما نحن فتنة وامتحان للعباد ليطيعوا الله فيما يتعلمون من هذا ويبطلون به كيد السحرة ولا يسحروهم، فلا تكفر باستعمال هذا السحر وطلب الاضرار به، ودعاء الناس الى ان يعتقدوا انك به تحيى وتميت وتفعل مالا يقدر عليه الا الله عزوجل، فان ذلك كفر، الى ان قال: " ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم "، لانهم إذا تعلموا ذلك السحر ليسحروا به ويضروا به، فقد تعلموا ما يضرهم في دينهم ولا ينفعهم فيه، الحديث. (1) قال في الوسائل - بناء على ما قدمنا نقله عنه، بعد ذكر هذا الخبر في جملة الاخبار التى نقلها -: لا يخفى انه يحتمل كون ما مر من جواز الحل بالسحر مخصوصا بتلك الشريعة المنسوخة. انتهى. وفيه: ان الظاهر من نقل الائمة - عليهم السلام - حكايات الاحكام الشرعية، عن الامم المتقدمة، انما هو لاجل الاستدلال بها على ثبوت تلك الاحكام في هذه الشريعة ايضا، كما يظهر من كثير من الاخبار التبى اشتملت على ذلك، والا فمجرد حكايتها من غير غرض شرعى يترتب عليها، يكون من قبيل اللغو العارى عن الفائدة، إذا كل احد يعلم ان تلك الشرائع صارت منسوخة بهذه الشريعة، فلا معنى لنقل احكامها إذا لم يكن المراد منها ما ذكرنا. ويويد ما ذكرناه الرواية المرسلة المتقدم نقلها عن العلل، مضافا إلى ذلك رواية عيسى المتقدمة. * * * ومنها: ما رواه في العيون ايضا بسنده عن على بن الجهم عن الرضا عليه السلام في حديث قال: واما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به من سحر السحرة ويبطلوا به كيدهم، وما علما احدا من ذلك شيئا حتى قالا: انما نحن فتنة فلا تكفر، فكفر قوم باستعمالهم لما امروا بالاحتراز منه، وجعلوا يفرقون بما


(1) الوسائل ج 12 ص 106 - 107 حديث: 4

[ 178 ]

تعلموه بين المرء وزوجه. قال الله عزوجل " وماهم بضارين به من احد الا باذن الله " يعنى بعلمه. (1) وقال على بن ابراهيم في تفسيره في حديث هجرة جعفر بن ابى طالب - رضى الله تعالى عنه - واصحابه الى الحبشة: وبعث قريش عماره بن الوليد وعمرو بن العاص إلى النجاشي ليردوهم - وساق الحديث الطويل - الى ان قال: وكان على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه فنظرت الى عمارة وكان فتى جميلا فاحبته، فلما رجع عمرو بن العاص الى منزله، قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك، فراسلها فأجابته فقال عمرو: قل لها تبعث اليك من طيب الملك شيئا. فقال لها، فبعثت إليه. فأخذ عمرو من ذلك الطيب وادخله على النجاشي واخبره بما جرى بين عمارة وبين الوصيفة ووضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة. ثم قال: لا يجوز قتله، لانه دخل بلادي بأمان، فدعى السحرة وقال: اعملوا به شيئا اشد عليه من القتل. فاخذوه ونفخوا في احليله الزيبق، فصار مع الوحش يغدو ويروح. وكان لا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش، فاخذوه، فما زال يضطرب في ايديهم ويصيح حتى مات. الخبر (2). وقد ورد في بعض اخبارنا - وفاقا لروايات العامه - وقوع السحر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانه سحره لبيد بن اعصم اليهودي (3). وقد انكره جملة من اصحابنا، منهم العلامة في المنتهى. قال: وهذا القول


(1) الوسائل ج 12 ص 107 حديث: 5 (2) بحار الانوار - ج 414 18 - 416. وفى نقل المصنف هنا تلخيص واختصار. (3) جاءت القصة في البخاري ج 4 ص 148 وج 7 ص 176. وفى مسلم ج 7 ص 14. وجاءت في كتبنا، لكن لا بالصورة التى جاءت في كتب العامة. راجع: بحار الانوار ج 18 ص 70 نقلا عن طب الائمة ومجمع البيان وغيرهما. وقد اوضحنا بطلان الحديث بالشكل الذى ترويه العامه في كتابنا " التمهيد " الى علوم القرآن ج 1 ص 132 - 137. م. ه. معرفه.

[ 179 ]

عندي ضعيف، والروايات ضعيفة، خصوصا رواية عايشة، لاستحالة تطرق السحر إلى الانبياء - عليهم السلام -. وانكره الشيخ في الخلاف ايضا، وقال - بعد ذكر بعض الاخبار عن عايشة -: وهذه الاخبار آحاد لا يعمل عليها في هذا المعنى. وقد روى عن عايشة انها قالت: سحر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فما عمل فيه السحر. وهذا يعارض ذلك. انتهى. وقال شيخنا في البحار: " واما تأثير السحر في النبي صلى الله عليه وآله وسلم والامام عليه السلام فالظاهر عدم وقوعه، وان لم يقم برهان على امتناعه، إذا لم ينته إلى حد يخل بغرض البعثة، كالتخبيط والتخليط، فإذا كان الله تعالى اقدر الكفار لمصالح التكليف، على حبس الانبياء والاوصياء وضربهم وجرحهم وقتلهم باشنع الوجوه، فأى استحالة على ان يقدروا على فعل يوثر فيهم هما أو مرضا ". " لكن لما عرفت ان السحر يندفع بالعوذة والايات والتوكل، وهم - عليهم السلام - معادن جميع ذلك، فتأثيره فيهم - عليهم السلام - مستبعد، والاخبار الواردة في ذلك اكثرها عامية، أو ضعيفة ومعارضة بمثلها، فيشكل التعويل عليها في اثبات مثل ذلك ". اقول: لا يخفى ان محل الاشكال انما هو باعتبار مادلت عليه تلك الاخبار، من تأثير السحر فيهم - عليهم السلام - كغيرهم من الناس، بحيث يوجب ذهاب العقل أو المرض أو نحو ذلك، هذا هو الذى انكره اصحابنا. ولو صح لصدق ما حكى الله سبحانه عن الكفار بقولهم: " ان تتبعون الا رجلا مسحورا ". على ان ما ذكره من القياس على تسليط الله عزوجل الكفار على انزال القتل والحبس بهم - عليهم السلام - لمصالح، مردود، بان الوجه في ذلك هوانه عزوجل امرهم بالانقياد لامراء الجواز، مدة هذه الدنيا الدنيئة، ومنعهم من الدعاء عليهم وحثهم على الانقياد إليهم. واليه يشير قوله عزوجل: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ايام الله

[ 180 ]

ليجزى قوما.. الاية، فقد ورد في تفسيرها ما يدل على ما ذكرناه (1). بخلاف ما ذكره من تأثير السحر فيهم، وان كان بمجرد الهم أو المرض، فانه لم يرد دليل على امرهم بقبول ذلك، مع وجوب دفع الضرر عن النفس مع القدرة والامكان، ولا ريب في امكان ذلك بالنسبة إليهم - عليهم السلام -. الا ترى الى ما ورد في جملة من الاخبار في دفعهم كيد السحرة الفجار، مثل ما رواه في العيون بسنده عن على بن يقطين، قال استدعى الرشيد رجلا يبطل به امر ابى الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ويقطعه ويخجله في المجلس، فانتدب له رجل مغرم، فلما احضرت المائدة عمل ناموسا على الخبز، فكان كلما رام أبو الحسن عليه السلام تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه، واستفز هارون الفرح والضحك لذلك، فلم يلبث أبو الحسن ان رفع رأسه الى اسد مصور على بعض الستور، فقال له: يا اسد الله، خذ عدوالله: فوثبت تلك الصورة كاعظم ما يكون من السباع. فافترست ذلك المغرم، فخر هارون وندماؤه على وجوههم مغشيا عليهم. وطارت عقولهم خوفا من هول ما رأوا. فلما افاقوا من ذلك بعد حين قال هارون لابي الحسن عليه السلام: سألتك بحقى عليك لما سألت الصورة ان ترد الرجل. فقال: ان كانت عصا موسى ردت ما ابتلعته من حبال القوم وعصيهم، فان هذه الصورة ترد ما ابتلعته من هذا الرجل: فكان ذلك اعمل الاشياء في اماتة نفسه (2): ونحو ذلك روى في كتاب الخرائج والجرايح عن الامام الهادى عليه السلام مع المتوكل لعنه الله تعالى. وفى كتاب الثاقب في المناقب عن الصادق عليه السلام مع المنصور (3).


(1) قال الثقة الجليل على بن ابراهيم القمى (قدس سره) في تفسيره لهذه الايه: قال: يقول لائمة الحق: لا يدعون على ائمة الجور، حتى يكون الله هو الذى يعاقبهم في قوله: ليجزى قوما يماكانو يكسبون. انتهى. منه قدس سره. (2) مدينة المعاجز ص 446 حديث: 67 (3) وملخص الاول: انه وقع رجل مشعبذ من ناحية الهندالى المتوكل فأمره

[ 181 ]

وبالجملة فالظاهر ذكره شيخنا المذكور لا يخلو من استعجال وعدم تأمل في المقام. والحق هو عدم جوازه عليهم بوجه من الوجوه، والاخبار الواردة من طرقنا في حقه صلى الله عليه وآله وسلم مع ضعفها وشذوذها، يمكن حملها على التقية لاتفاق العامة على جواز ذلك. * * *


ان يخجل الامام الهادي عليه السلام، واحضر على المائدة خبزا رقاقا، فكان كلما مد الامام عليه السلام يده الى قرص من ذلك الخبز طيرها ذلك المشعبذ، فتضاحك الناس، وكان على مستورة صورة اسد، فضرب الامام عليه السلام يده على تلك الصورة، وقال: خذه. فوثبت تلك الصورة من المستورة فابتلعت الرجل، وعادت في المستورة كما كانت، فتحير الجميع ونهض الامام، فقال المتوكل: سألتك بالله الا جلست ورددة، فقال: والله لا يرى بعدها، اتسلط اعداء الله على اولياء الله، خرج من عندهم، فلم ير الرجل بعدها (مدينة المغاخز ص 548 حديث 52). وملخص الخبر الثاني: ان المنصور وجه الى سبعين رجلا من اهل بابل، فدعاهم وقال: انكم ورثتم السحر من آبائكم من ايام موسى بن عمران، وانكم لتفرقون بين المرء وزوجه، وان ابا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام كاهن ساحر مثلكم، فاعملوا شيئا من السحر، فانكم ان ابهتموه اعطيتكم الجائزة العظيمة، فقاموا الى المجلس الذى فيه المنصور، فصوروا سبعين صورة من السباع، وجلس كل واحد منهم جنب صاحبه، وجلس المنصور على سرير ملكه، ووضع التاج على رأسه، وقال لحاجبه ابعث الى ابى عبد الله عليه السلام واحضره الساعه، قال: فلما احضره دخل عليه. فلما نظر الى ما قد استعد له غضب عليه السلام فقال: يا ويلكم، اتعرفونى، انا حجة الله الذى ابطل سحر آبائكم في ايام موسى بن عمران، ثم نادى برفيع صوته: ايتها الصور الممثلة، ليأخذ كل واحد منكم صاحبه باذن الله تعالى، فوثب كل سبع الى صاحبه وافترسه

[ 182 ]

(الثاني): في القيافة. وهى - على ما ذكره مى المسالك - الاستناد الى علامات ومقادير، يترتب عليها الحاق بعض الناس ببعض ونحوه. قال: وانما تحرم إذا جزم به، أو رتب عليه محرما. انتهى. وقال المقدس الاردبيلى في شرح الارشاد: ولعل دليل التحريم الاجماع المذكور في المنتهى. اقول: ربما يدل على ذلك ما رواه الصدوق في الخصال، بسنده عن ابى بصير، عن الصادق - عليه السلام -، قال: من تكهن أو تكهن له، فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال، قلت: فالقافة ؟ قال: ما احب ان تأتيهم. وقيل: ما يقولون شيئا الا كان قريبا مما يقولون. فقال: القيافة من فضلة النبوة، ذهبت في الناس حيث بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1). الا ان الحديث المذكور لا ظهور له في التحريم كما علله الاصحاب، مع انه قد روى في الكافي عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفى، قال: سمعت على بن جعفر يحدث الحسن بن الحسين بن على بن الحسين، فقال: والله لقد نصرالله ابا الحسن الرضا عليه السلام. فقال له الحسن: أي والله، جعلت فداك. لقد بغى عليه اخوته. فقال على بن جعفر: أي والله، ونحن عمومته بغينا عليه. فقال له الحسن: جعلت فداك، كيف صنعتم ؟ فانى لم احضركم: قال: قال


وابتلعه في مكانه، ووقع المنصور مغشيأ عليه من سريره، فلما افاق قال: الله الله يا ابا عبد الله، اقلني، فإنى تبت توبه لا اعود الى مثلها ابدا، فقال عليه السلام: قد عفوتك ثم قال: يا سيدى قل السباع ان تردهم الى ما كانوا، فقال: هيهات هيهات، ان اعادت عصى موسى سحرة فرعون فستعيد هذه السباع هذه السحرة (مدينة المعاجز ص 362 حديث: 23). منه قدس سره (1) الوسائل ج 12 ص 108 حديث: 2

[ 183 ]

له اخوته ونحن ايضا: ما كان فينا امام قط حائل اللون: فقال لهم الرضا عليه السلام: هو ابني. قالوا: فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قضى بالقافة، فبيننا وبينك القافة، قال: ابعثوا انتم إليهم، واما انا فلا. ولا تعلموهم لما دعوتموهم، ولتكونوا في بيوتكم. فلما جاؤا اقعدونا في البستان، واصطف عمومته واخوته واخواته، واخذوا الرضا عليه السلام والبسوه جبة صوف وقلنسوة منها، ووضعوا على عنقه مسحاة. قالوا له: ادخل البستان، كأنك تعمل فيه، ثم جاوا بابى جعفر عليه السلام، فقالوا: الحقوا هذا الغلام بابيه ! فقالوا: ليس له هنا اب، ولكن هذا عم ابيه، وهذا عمه، وهذه عمته، وان يكن له هاهنا اب فهو صاحب البستان، فان قدميه وقدميه واحدة، فلما رجع أبو - الحسن عليه السلام، قالوا: هذا ابوه، قال على بن جعفر: فقمت فمصصت ريق ابى جعفر عليه السلام، ثم قلت له: اشهد انك امامى عند الله عزوجل، الحديث (1). فظاهر هذا الخبر جوازها والاعتماد عليها: اما اولا، فلانهم لما دعوه الى حكم القافة اجابهم الى ذلك، ولو كان ذلك محرما لا يجوز الاعتماد عليه، لما اجابهم بل منعهم، وقال: انه محرم غير مشروع. ولا يجوز الاعتماد عليه في نفى ولا اثبات. واما ثانيا، فانهم نقلوا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالقافة، وظاهره عليه السلام تقريرهم على ذلك، حيث لم يكذبهم. واما قوله عليه السلام: ابعثوا انتم إليهم واما أنا فلا، فالظاهر ان المراد منه انما هو لدفع التهمة عنه عليه السلام، بانه ربما يكون اعلامه لهم بذلك قرينة لهم على الحاقه به، كما يشعر به قوله: ولا تعلموهم لما دعوتموهم، لا أن المراد منه ما ربما يتوهم من انه لما لم يكن مشروعا لم يرض عليه السلام بان يكون هو الداعي لهم. وبالجملة فان ظاهر الخبر هو ما ذكرناه من جواز ذلك، وصحة الاعتماد


(1) الكافي ج 1 ص 322 - 323 حديث: 14

[ 184 ]

عليه. اللهم الا ان يقال: انه لما كان عليه السلام يعلم ان القافة يلحقونه به. ويندفع بهم شبهة اعمامه واخوته من انكارهم كونه ابنه، رضى بذلك. وفيه: ما فيه. فانه بالدلالة على ما ندعيه انسب، والى ما ذكرناه اقرب، من ان القافة لا يقولون الا حقا، ولا يحكمون الا صدقا. وبالجملة فالدليل من الاخبار على التحريم غير ظاهر، وليس الا ما يدعى من الاجماع. نعم يمكن ان يقال: ان الحكم بالحق شخص بآخر، الموجب لترتب احكام كثيرة، مثل حل النظر، والميراث، وتحريم المناكحة، ونحو ذلك، يحتاج الى دليل شرعى قاطع، والخبر المذكور لا دلالة فيه على وجه يوجب ذلك مطلقا. والله العالم. (الثالث): في الكهانة. قال في المسالك: هي بكسر الكاف، عمل يوجب طاعة بعض الجان له و اتباعه له، بحيث يأتيه بالاخبار الغائبة. وهو قريب من السحر. اقول: ويدل على تحريمها ما تقدم في حديث ابى بصير، المذكور في الموضع الثاني (1). وما رواه في مستطرفات السرائر - نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم، قال: قلت للصادق عليه السلام: ان عندنا بالجزيرة رجلا ربما اخبر من يأتيه يسأله عن الشئ يسرق أو شبه ذلك فنسأله، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه بما يقول، فقد كفر بما انزل الله من كتاب (2).


(1) في ص 182 عن الوسائل ج 12 ص 108 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 109 حديث: 3

[ 185 ]

وانت خبير بانه قد تقدم في كلام المسالك، في تعريف السحر، ومثله في كلام الدروس، ان من جملة السحر استنزال الشياطين في كشف الغائبات، وهو بظاهره مما يدل على دخول الكاهنة تحت السحر. وفى كلامه هنا ما يؤذن للمغايرة، وان كان قريبا منه، ولا يخلو من نوع تدافع. والخبر الثاني مما يويد ما ذكره هنا من المغايرة، وهو الاظهر، للخبر. (الرابع) في الشعبذة. وهى الحركات السريعة التى يترتب عليها الافعال العجيبة، بحيث يلتبس على الحس الفرق بين الشئ وشبهه، لسرعة الانتقال منه إلى شبهه. وقد صرح في المنتهى بنفى الخلاف عن التحريم. والظاهر: انه لا دليل سواه، فانى لم اقف بعد التتبع على خبر يدل على ذلك.

[ 186 ]

المسألة الثامنة في القمار قال في المنتهى: القمار حرام بلا خلاف بين العلماء. وكذا ما يوخذ منه. قال الله تعالى: انما الخمر والمسير والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعكم تفلحون. انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر و الميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهلا انتم منتهون (1). إلى ان قال: فان جميع انواع القمار حرام، من اللعب بالنرد، والشطرنج، والاربعة عشر، واللعب بالخاتم، حتى لعب الصبيان بالجوز. على ما تضمنته الاحاديث، ذهب إليه علماؤنا اجمع. وقال الشافعي: يجوز اللعب بالشطرنج. وقال أبو حنيفة بقولنا. انتهى. اقول: والاخبار بما ذكروه هنا مستفيضة متكاثرة، ومنها ما في الكافي عن ابى عبيدة الحذاء في الصحيح قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل " (2) فقال: كانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله، فنهاهم الله عزوجل عن ذلك (3).


(1) سورة المائدة: 91 (2) سورة البقرة: 188 (3) الكافي ج 5 ص 122 حديث: 1

[ 187 ]

وعن جابر عن ابى جعفر عليه السلام، قال: لما انزل الله عزوجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " انما الخمر والمسير والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (1) قيل: يارسول الله ما الميسر ؟ فقال: ما تقومر به حتى الكعاب والجوز. قيل: فما الانصاب ؟ قال: ما ذبحوه لالهتهم. قيل: فما الازلام ؟ قال قداحهم التى يستقسمون بها (2). وعن الوشاء عن ابى الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: الميسر هو القمار (3). وعن اسحاق بن عمار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الصبيان يلعبون بالجوز والبيض، ويقامرون. فقال: لا تأكل منه فانه حرام (4). وعن السكوني، عن الصادق عليه السلام، قال: كان ينهى عن الجواز يجيئ به الصبيان من القمار ان يؤكل. قال: هو سحت (5). وعن عبد الحميد بن سعيد، قال: بعث أبو الحسن غلاما يشترى له بيضا، فاخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها، فلما اتى به اكله، فقال له مولى له: ان فيه من القمار. قال فدعى بطشت فتقيأه (6). وعن محمد بن مسلم، عن احدهما - عليهما السلام - قال: لا تصلح المقامرة ولا النهبة (7). وعن السكوني عن الصادق عليه السلام، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اللعب


(1) سورة المائدة: 90 (2) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 2 (3) الكافي ج 5 ص 124 حديث: 9 (4) الكافي ج 5 ص 124 حديث: 10 (5) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 6 (6) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 3 (7) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 5

[ 188 ]

بالشطرنج والنرد. (1) وعن ابى جندب عمن اخبره (2) عن الصادق عليه السلام، قال: الشطرنج ميسر والنرد ميسر. (3) وعن ابى بصير عن الصادق عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام النردو الشطرنج هما الميسر. (4) وعن عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام، قال: ان لله عزوجل في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار، الا من أفطر على مسكر، أو مشاحن، أو صاحب شاهين. قلت: وأى شئ الشاهين ؟ قال الشطرنج. (5) قال في الوافى: المشاحن المعادي. والشحناء العداوة. ولعل المراد منه هنا: صاحب البدعة المفارق للجماعة. كذا فسره الاوزاعي في الحديث النبوى " يغفر الله تعالى لكل عبد ما خلا مشركا أو شاحنا ". وشاهين تثنية شاه، وهو من آلات الشطرنج، وهما اثنان. اقول: لعل الاظهر في الخبر هو الحمل على من اضمر عداوة لاخيه المومن. وعن زرارة عن الصادق عليه السلام، انه سئل عن الشطرنج وعن لعبة شبيب التى يقال لها: لعبة الامير. وعن لعبة الثلاث، فقال: ارأيتك إذا ميز الله الحق، والباطل، مع ايهما تكون ؟ قال: قلت: مع الباطل. قال: فلا خير فيه (6).


(1) الوسائل ج 12 ص 238 حديث: 9 (2) وذلك لانه من اصحاب الامامين الكاظم والرضا - عليهما السلام - ولم يدرك الامام الصادق - عليه السلام -. (3) الوسائل ج 12 ص 240 حديث: 14 (4) الوسائل ج 12 ص 242 حديث: 2 (5) الوسائل ج 11 ص 238: 4 (6) الوسائل ج 12 ص 238: 5

[ 189 ]

اقول: وكما يحرم اللعب بذلك، كذلك يحرم حضور المجالس التى يلعب فيها بذلك، النظر إلى ذلك،. فروى في الكافي عن حماد بن عيسى في الصحيح أو الحسن، قال: دخل رجل من البصريين على ابى الحسن الاول عليه السلام فقال له: جعلت فداك، انى اقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج، ولست ألعب بها، و لكن انظر. فقال، مالك ولمجلس لا ينظر الله الى اهله (1). وعن سليمان الجعفري عن ابى الحسن الرضا عليه السلام، قال: المطلع في الشطرنج كالمطلع في النار (2) وعن ابن رئاب قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام، فقلت له: جعلت فداك، ما تقول في الشطرنج ؟ فقال: المقلب لها كالمقلب للحم الخنزير. قال: فقلت: ما على من قلب لحم الخنزير ؟ قال: يغسل يده (3). وفى مستطرفات السرائر من جامع البزنطى عن ابى بصير عن الصادق عليه السلام، قال: بيع الشطرنج حرام، واكل ثمنه سحت، واتخاذها كفر، واللعب بها شرك، والسلام على اللاهى بها معصية وكبيرة موبقة، والخائض فيها يده كالخائض يده في لحم الخنزير، ولا صلاة له حتى يغسل يده كما يغسلها من لحم الخنزير، والناظر إليها كالناظر في فرج امه، واللاهى بها والناظر إليها في حال ما يلهى بها والسلام على اللاهى بها في حالته تلك، في الاثم سواء. ومن جلس على اللعب بها، فقد تبوأ مقعده من النار، وكان عيشه ذلك حسرة عليه في القيامة. واياك ومجالسة اللاهى والمغرور بلعبها، فانها من المجالس التى باء اهلها بسخط من الله، يتوقعونه في كل ساعة فيعمك معهم (4).


(1) الوسائل ج 12 ص 241 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 241 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 242 حديث: 3 (4) الوسائل ج 12 ص 241 حديث: 4

[ 190 ]

المسألة التاسعة في الغش بالخفي، وتدليس الماشطة، وتزيين الرجل بما يحرم عليه. والكلام هنا يقع في موارد ثلاثة: - (الاول): في الغش بالخفي، كشوب اللبن بالماء. ولا خلاف في تحريمه، كما حكاه في المنتهى. اما لو غش بما لا يخفى، كالتراب يجعله في الحنطة، والردى منها بالجيد، فظاهرا الاصحاب عدم التحريم، وان كان مكروها، لظهور العيب المذكور للمشترى فهو انما اشترى راضيا به. ولعل وجه الكراهة عندهم: انه تدليس في الجملة، وانه ربما يغفل عنه المشترى لاسيما مع كثرة الجيد إذا خلطه بالردى. والذى يدل على الحكم الاول من الاخبار: ما رواه في الكافي عن هشام ابن سالم في الصحيح أو الحسن - بابراهيم بن هشام - عن الصادق عليه السلام، قال: ليس منا من غشنا (1). وبهذا الاسناد عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل يبيع التمر:


(1) الوسائل ج 13 ص 208 حديث: 1. وابراهيم لا غمز فيه فالروايه صحيح

[ 191 ]

يا فلان، أما علمت انه ليس من المسلمين من غشهم 1) ورواه الشيخ، وكذا الذى قبله. وعن هشام بن الحكم، في الصحيح أو الحسن قال: كنت ابيع السابرى في الظلال، فمربى أبو الحسن الاول موسى عليه السلام راكبا، فقال لى: يا هشام، ان البيع في الظلال غش، والغش لا يحل (2) ورواه الصدوق باسناده، عن هشام مثله. اقول: السابرى ثياب رقيقة جيدة وفيه دلالة على تحريم بيع الثياب في المكان المظلم، بطريق اولى. وعن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام، قال نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يشاب اللبن بالماء للبيع (3) ورواه الصدوق باسناده عن اسماعيل بن مسلم مثله. وعن موسى بن بكر، قال: كنا عند ابى الحسن موسى عليه السلام، وإذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر الى دينار، فاخذه بيده، ثم قطعه بنصفين، ثم قال لى: ألقه في البالوعة حتى لا يباع شئ فيه غش (4). وعن الحسين بن زيد الهاشمي عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: جاءت زينب العطارة الحولاء الى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو عندهن، فقال: إذا اتيتنا طابت بيوتنا فقالت: بيوتك بريحك اطيب يارسول الله، قال: إذا بعت فاحسنى ولا تغشى، فانه انقى وابقى للمال. الحديث (5) وعن عيسى بن هشام عن رجل من اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: دخل عليه رجل يبيع الدقيق، فقال: اياك والغش، فان من غش غش في ماله،


(1) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 3 (3) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 4 (4) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 5 (5) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 6

[ 192 ]

وان لم يكن له مال غش في اهله (1) وعن سعد الاسكاف عن ابى جعفر عليه السلام قال: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سوق المدينة بطعام، فقال لصاحبه: ما ارى طعامك الا طيبا، وسأله عن سعره، فأوحى الله عزوجل إليه ان يدس يديه في الطعام، ففعل فأخرج طعاما رديا فقال لصاحبه: ما أراك الا وقد جمعت خيانة وغشا للمسلمين (2) وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن، عن ابى عبد لله عليه السلام، في الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد سعرهما بشئ، احدهما اجود من الاخر، فيخلطهما جميعا ثم يبيعهما بسعر واحد. فقال: لا يصلح له ان يغش المسلمين يبينه (3). وعن الحسين بن المختار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انا نعمل القلانس فنجعل فيها القطن العتيق، فنبيعها ولا نبين لهم، ما فيها ؟ قال: احب لك ان تبين لهم ما فيها (4). وعن الحلبي في الصحيح، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشترى طعاما، فيكون احسن له وانفق له ان يبله، من غيران يلتمس فيه زيادته،. فقال: ان كان بيعا لا يصلحه الا ذلك ولا ينفقه غيره، من غير ان يلتمس فيه زيادة، فلا بأس. وان كان انما يغش به المسلمين فلا يصلح (5). اقول: ظاهر هذا الخبر ان الجواز وعدمه دائران مدار قصد البايع، في بلة الطعام. فانه متى كان قصده انما هو لاجل انفاق السلعة وشرائها، وانه بدون ذلك يكسد عليه، فلا بأس بما يفعله. وان كان غرضه انما هو لاجل زيادة في الوزن، فهو غير جائز.


(1) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 7 (2) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 8 (3) الوسائل ج 12 ص 420 حديث: 2 (4) الوسائل ج 13 ص 210 حديث: 9 (5) الوسائل ج 12 ص 421 حديث: 3

[ 193 ]

واما ما يدل على الحكم الثاني، فما رواه في الكافي والتهذيب، عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما انه سئل عن طعام يخلط بعضه ببعض، وبعضه اجود من بعض. فقال: إذا رؤيا جميعا فلا بأس، ما لم يغط الجيد الردى (1). اقول: قد عرفت دلالة خبر سعد الاسكاف على تحريم تغطية الجيد الردى، وهو المشار إليه في هذا الخبر، فظاهر الخبرين الحرمة في الصورة المذكورة، ويمكن حمل ذلك على ما إذا احصل الاشتباه ولم يعلم. ولو فرض العلم بعد البيع بظهور ذلك الردى، فيمكن القول بالكراهة وان للمشترى الخيار بظهور العيب حينئذ. ثم انه مع خفاء الغش - كما هو الحكم الاول - فقد عرفت انه لا خلاف في التحريم، وانما الخلاف في انه هل يصح البيع ؟ وان ثبت للمشترى الخيار بعد ظهور ذلك، ويكون حكمه حكم ما لو ظهر في المبيع عيب من غير الجنس، ام لا ؟ قولان. جزم في المسالك بالاول، لما ذكرناه، ثم قال: وربما احتمل البطلان: بناء على ان المقصود بالبيع هو اللبن، والجارى عليه العقد هو المشوب، فيكون كما لو باعه هذا الفرس فظهر حمارا. وقد ذكروا في هذا المثال اشكالا من حيث تغليب الاشارة أو الاسم. والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر. انتهى. اقول: الظاهر ان ما ذكره في تعليل البطلان من قوله: فيكون كما لو باعه اشارة إلى ما ذكره في الذكرى في باب صلاة الجماعة، حيث قال: ولو نوى الاقتداء بالحاضر على انه زيد فبان عمرا، ففى ترجيع الاشارة على الاسم فيصح، أو بالعكس فيبطل، نظر. ونظيره: ان يقول المطلق لزوجته التى اسمها عمرة هذه زينب طالق أو يشير البايع الى حمار، فيقول: بعتك هذا الفرس. انتهى. اقول: من المحتمل قريبا ان النهى في الاخبار المتقدمة وما في معناه، انما هو من حيث عدم صلاحية المبيع المذكور للبيع من حيث الغش، كبيع العذرة و نحوها مما منعت منه الاخبار، لعدم قابليتها للانتقال، وان اختلف الوجه في كل منها


(1) الوسائل ج 12 ص 420 حديث: 1 باب: 9 من ابواب العيون

[ 194 ]

وان الوجه في المنع في العذرة الخمر ونحوها من حيث النجاسة، وفيما نحن من حيث الغش. والفرق بينه وبين ما ذكره في المسالك في وجه الصحة من ان حكمه حكم ما لو ظهر في المبيع عيب، ظاهر، لان ما نحن فيه مما استفاضت الاخبار، كما عرفت بالنهي عن بيعه، وليس الوجه فيه الا ما ذكرنا، وعموم ادلة صحة البيع ظاهرة في تجويز بيع ما فيه عيب، وصحته مع جبره بالخيار للمشترى. والله العالم. المورد الثاني في تدليس الماشطة: والمراد بذلك: ما إذا ارادت تزويج امرأة برجل، ومثله بيع امة، بان تستر عيوبها وتظهر لها محاسن ليست فيها، كتحمير وجهها ووصل شعرها ونحو ذلك، مما يوجب رغبة الزوج في تزويجها أو المالك في شرائها. والظاهر: ان ذكر الماشطة في كلامهم، انما خرج مخرج التمثيل، والا فلو فعلت المرأة بنفسها ذلك للغرض المذكور، فالظاهر ان الحكم فيها كذلك. ولعل الوجه في تحريم ذلك من حيث التدليس والغش، وهو محرم كما تقدم. ولم اقف فيما حضرني من الاخبار، على ما يدل على الحكم المذكور، سوى ما اشرنا إليه من دخوله تحت الغش والتدليس، واليه اشار المقدس الاردبيلى، حيث قال: وكأن دليل التحريم الاجماع وانه غش وهو حرام، كما تدل عليه الاخبار و قد تقدمت. انتهى. هذا كله مع عدم علم الزوج والمشترى بذلك. واما فعل الزوجة بنفسها

[ 195 ]

ذلك، وفعل الماشطة بها لقصد اظهار الزينة لزوجها، فالظاهر انه لا بأس به، لما يدل عليه رواية سعدالاسكاف عن ابى جعفر عليه السلام، قال: لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها، قال: قلت له: بلغنا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن الواصلة والموصولة ؟ فقال: ليس هناك، انما لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواصلة الموصولة التى تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء الى الرجال، فتلك الواصلة والموصولة (1). ويؤيده ما في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن، عن جده على بن جعفر، انه سأل اخاه موسى بن جعفر عليه السلام، عن المرأة التى تخف الشعر من وجهها، قال: لا بأس (2). هذا، والظاهر من الاخبار: انه لا بأس بكسب الماشطة، الا ان الافضل لها ان لا تشارط وتقبل ما تعطى. فروى في الكافي والتهذيب عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: لما هاجرت النساء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هاجرت فيهن امرأة يقال لها ام حبيب، وساق الخبر الى ان قال: وكان لام حبيب اخت يقال لها ام عطية وكانت مقنية يعنى ماشطة، فلما انصرفت ام حبيب الى اختها اخبرتها بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها، فاقبلت ام عطية الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاخبرته بما قالت لها اختها، فقال لها رسول الله: ادنى منى يا ام عطية، إذا انت قنيت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة، فان الخرقة تشرب ماء الوجه، وفى التهذيب: بماء الوجه (3). وعن ابن ابى عمير عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام قال دخلت ماشطة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لها: هل تركت عملك أو اقمت عليه ؟ فقالت: يارسول الله انا اعمله الا ان تنهانى عنه فانتهى، فقال: افعلى، فإذا مشطت فلا تجلى الوجه بالخرق فانه


(1) الوسائل ج 14 ص 135 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 95 حديث: 8 قال في المصباح المنير: حفت المرأة وجهها حفا من باب قتل: زينته بأخذ شعره. وحف شاربه: إذا اعفاه. منه قدس سره. (3) الوسائل ج 12 ص 92 حديث: 1. وص 93 حديث: 1

[ 196 ]

يذهب بماء الوجه، ولا تصلى الشعر بالشعر (1). وروى في الفقيه مرسلا، قال: قال عليه السلام: لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى، ولا تصل شعر المرأة بشعر امراة غيرها، واما شعر المعز فلا باس بان يوصل بشعر المراة (2) وروى في التهذيب عن على عليه السلام: قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك، وقد دخلها ضيق. قال: لا بأس، ولكن لا تصل الشعر بالشعر (3). وعن عبد الله بن الحسن، قال: سألته عن القرامل. قال وما القرامل ؟ قلت: صوف تجعله النساء في رؤسهن. قال: ان كان صوفا فلا بأس به، وان كان شعرا فلا خير فيه، من الواصلة والموصولة (4). وروى في معاني الاخبار بسنده عن على بن غراب عن جعفر بن محمد عن آبائه عليه السلام، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النامصة والمنتمصة، والواشرة والموتشرة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة (5). قال الصدوق: قال على بن غراب: النامصة التى تنتف الشعر، والمتنمصة التى يفعل ذلك بها، والواشرة التى تشر اسنان المرأة وتفلجها وتحددها، والموتشرة التى يفعل ذلك بها، والواصلة التى تصلى شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، والمستوصلة التى يفعل ذلك بها، والواشمة التى تشم وشما في يد المرأة أو في شئ من بدنها، وهو ان تغرز بدنها أو ظهر كفها أو شيئا من بدنها بأبرة حتى توثر فيه، ثم تحشوه بالكحل أو بالنورة، فتخضر، والمستوشمة التى يفعل ذلك بها.


(1) الوسائل ج 12 ص 94 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 95 حديث: 6 (3) الوسائل ج 12 ص 94 حديث: 4 (4) الوسائل ج 12 ص 95 حديث: 5 (5) الوسائل ج 12 ص 95 حدى ث: 7

[ 197 ]

بقى الكلام في ان جملة هذه الاخبار، قد اتفقت في الدلالة على النهى عن وصل الشعر بشعر امرأة غيرها، وظاهر حديث سعد الاسكاف المتقدم: انه لا بأس بما تزينت به المرأة لزوجها، وان كان بوصل شعرها بشعر امرأة غيرها، فانه لما سأله السائل عن الحديث المتضمن للعن والواصلة والمستوصلة، فسره عليه السلام بمعنى آخر، تنبيها على الجواز، وان الخبر ليس المراد به ذلك، مع استفاضة هذه الاخبار كما ترى بالمنع ووالنهى وجمع بعض الاصحاب (1) بين هذه الاخبار بحمل الاخيرة على الكراهة. ويؤيده نفى البأس في رواية قرب الاسناد عن حف الشعر عن الوجه، مع دلالة رواية على بن غراب على النهى عن نتف الشعر. وربما حملت ايضا على قصد التدليس عند ارادة التزويج، والظاهر بعده عن سياق الاخبار المذكورة واحتمل ثالث حمل النهى من حيث عدم جواز الصلاة في شعر الغير، وهو ابعد، فانه لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل كما تقدم تحقيقه في كتاب الصلاة، في بحث لباس المصلى. المورد الثالث في تزيين الرجل بما يحرم عليه، كتزيينه بالذهب والحرير، الا ما استثنى. وظاهر المسالك: تفسيره بما يختص بالنساء كلبس السوار والخلخال والثياب المختصة بهن بحسب العادة. قال: ويختلف ذلك باختلاف الازمان و الاصقاع.


(1) هو المولى محمد تقى المجلس في حواشيه على التهذيب. منه قدس سره

[ 198 ]

اقول: الظاهران الاقرب هو ما ذكرناه اولا، وهو الذى فسره به بعض الاصحاب ايضا، لان الثاني على تقدير تسليم تحريمه لا يكون مطردا، بل يختلف على الوجه الذى ذكره، بخلاف ما ذكرناه اولا، فان التحريم ثابت معلوم مطرد في جميع الاوقات والازمان، الا مواضع مخصوصة دل الدليل على استثنائها. قال في المسالك: وكذا يحرم على المرأة التزين بزينة الرجل والتحلى بحليه المختصة به، كلبس المنطقة والعمامة والتقليد بالسيف. ولا فرق في الامرين بين مباشرة الفاعل لذلك بنفسه أو تزيين غيره له، الا ان المناسب للعبارة هنا فعل الغير بهما ليكتسب به، اما فعلهما بانفسهما فلا يعد تكسبا الا على تجوز بعيد، انتهى. اقول: لم اقف في هذا الموضع على خبر ولا دليل يدل على ما ذكروه، سوى ما ورد من عدم جواز لبس الرجل الذهب والحرير، فلو خص تحريم التزيين بذلك لكان له وجه لما ذكرناه، واما ما عداه فلم نقف على دليل تحريمه، لا بفعل الانسان و لا بفعل الغير به. ويشير إلى ما ذكرناه ما صرح به المقدس الاردبيلى في هذا المقام، حيث قال - بعد ذكر نحو ما قدمناه -: ولعل دليله الاجماع بنفسه، وانه نوع غش، و هو محرم. والاجماع غير ظاهر فيما قيل، وكذا كونه غشا وهو ظاهر. انتهى. اقول: قد عرفت صحة هذا الحكم بالنسبة إلى تزيين الرجل بالذهب و الحرير، لما ذكرناه وانما موضع الاشكال ما عدا ذلك مما قدمنا نقله عنهم. نعم قد ورد في بعض الاخبار: لعن المتشبهين بالنساء ولعن المتشبهات بالرجال. الا ان الظاهر منها - باعتبار حمل بعضها على بعض - انما هو باعتبار التأنيث وعدمه، لا باعتبار اللبس والزى. فقد روى في الكافي بسنده عن جابر عن ابى جعفر عليه السلام، قال: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث: لعن الله المحلل والمحلل له، ومن يوالى غير مواليه، ومن ادعى نسبا لا يعرف، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال،

[ 199 ]

ومن احدث حدثا في الاسلام، أو آوى محدثا، ومن قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه (1). وروى الصدوق في العلل عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه عن على عليه السلام انه رآى رجلا به تأنيث، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: اخرج من مسجد رسول الله، يالعنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال على - عليه السلام -: انى سمعت رسول الله يقول: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال (2). قال: وفي حديث آخر: اخرجوهم من بيوتكم فانهم اقذر شئ (3). وبهذا الاسناد عن على عليه السلام، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا في المسجد حتى اتاه رجل به تأنيث، فسلم عليه فرد عليه السلام ثم اكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الارض يسترجع، ثم قال: مثل هؤلاء في امتى ؟ ! انه لم يكن مثل هؤلاء في امة الا عذبت قبل الساعة (4).


(1) روضة الكافي (ج 8) ص 71 (2) الوسائل ج 12 ص 211 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 212 حديث: 3 (4) الوسائل ج 12 ص 212 حديث: 4

[ 200 ]

المقام الرابع فيما يحرم لتحريم ما يقصد به كآلات اللهو مثل العود والزمر. وهياكل العبادة (1) المبتدعة، كالصليب (2) والصنم. وآلات القمار كالنرد والشطرنح. واجارة المساكن والسفن للمحرمات. وبيع العنب ليعمل خمرا. وبيع الخشب ليعمل صمنا. ويكره بيع ذلك لمن يعملها. وتحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بسطه في مواضع: الاول: لا خلاف بين الاصحاب في تحريم عمل آلات اللهو والتكسب بها وبيعها. مثل العود والدفوف والطبول والمزامير ونحوها مما ذكر.


(1) الهيكل في الاصل: بيت الصنم. كما نص عليه الجوهرى وغيره. واما اطلاقه على نفس الصنم، كما وقع في كلام الاصحاب في هذا المقام: فالظاهر: انه من باب المجاز، اطلاقا لاسم المحل على الحال. منه قدس سره. (2) قال في مجمع البحرين: صليب النصارى: هيكل مربع يدعون النصارى ان عيسى - عليه السلام - صلب على خشبة، على تلك الصورة. وفى المغرب: هو شئ مثلث كالتماثيل تعبده النصارى. انتهى. منه قدس سره

[ 201 ]

قال في المنتهى: ويحرم عمل الاصنام وغيرها من هياكل العبادة المبتدعة وآلات اللهو، كالعود والزمر، وآلات القمار كالنرد والشطرنج والاربعة عشر، وغيرها من آلات اللعب، بلا خلاف بين علمائنا في ذلك. انتهى. اقول: وقد تقدمت جملة من الاخبار المتعلقة بآلات اللهو، في المسألة الثانية من المقام المتقدم (1)، دالة على الاحكام المذكورة. وبالجملة فلا ريب في تحريم البيع بقصد تلك الاغراض المحرمة، بل مطلقا ايضا، حيث انه لا غرض يترتب على هذه الاشياء الا ذلك. اما لو امكن الانتفاع بها في غير ذلك، فيحتمل الجواز، الا انه فرض نادر، فيمكن التحريم مطلقا، بناء على ان الغرض المتكرر المترتب على تلك الالات انما هو ما ذكرنا، فلا يلتفت إلى الافراد النادرة الوقوع. نعم لو كان الغرض من البيع كسرها مثلا وبيعت لاجل ذلك، فالظاهر انه لا ريب في الجواز إذا كان المشترى ممن يوثق به في ذلك. قال في المسالك: ولو كان لمكسورها قيمة، وباعها صحيحة للكسر، وكان المشترى ممن يوثق بديانته، ففى جواز بيعها وجهان. وقوى في التذكرة جوازه مع زوال الصفة، وهو حسن. والاكثر اطلقوا المنع. انتهى. اقول: الظاهر ان اطلاق الاكثر المنع انما هو من حيث ندور هذا الفرض، والا فمع وقوعه على الوجه المذكور فانه لامانع من صحة البيع شرعا كما لا يخفى. قال في المسالك: وهل الحكم في اوانى الذهب والفضة كذلك ؟ يحتمل، بناء على تحريم عملها والانتفاع بها في الاكل والشرب. وعدمه، لجواز اقتنائها للادخار وتزيين المجالس والانتفاع بها في غير الاكل والشرب، وهى منافع مقصودة وفى تحريم عملها مطلقا نظر، انتهى. اقول: وقد تقدم في آخر كتاب الطهارة: ان المشهور بين الاصحاب هو تحريم


(1) راجع صفحة 101 فما بعد من هذا الجزء

[ 202 ]

اتخاذها، وان كان للقنية والادخار. وعليه تدل ظواهر جملة من الاخبار المذكورة ثمة (1) وبذلك يظهر كونها من قبيل ما نحن فيه. الثاني: المشهور في كلام الاصحاب: تحريم اجارة السفن والدابة للمحرمات، مثل حمل الخمر والبيت ليباع فيه الخمر، والخشب ليعمل صلبانا، أو شيئا من آلات اللهو، والعنب ليعمل خمرا. بمعنى ان البيع أو الاجارة وقع لهذه الغايات، اعم من ان يكون قد وقع شرطها في متن العقد، أو حصل الاتفاق عليها. صرح بذلك غير واحد من الاصحاب بل في المنتهى: انه موضع وفاق. اما لو كانت الاجارة أو البيع لمن يعمل ذلك ولم يعلم انه يعملها، فانه يجوز على كراهة ومع العلم قولان. فقيل بالجواز على كراهية، وقيل بالتحريم واختاره في المسالك. قال: والظاهر ان غلبة الظن به كذلك. والى هذا القول ايضا مال المقدس الاردبيلى رحمة الله عليه. والاخبار لا تخلو من اختلاف واضطراب في المقام، فلا بد اولا من نقلها، ثم الكلام فيها: ومنها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن اذينة، قال: كتبت إلى ابى عبد الله عليه السلام: أسأله عن الرجل يواجر سفينته ودابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير ؟ قال: لا بأس (2). وما رواه فيه ايضا، وفى التهذيب عن صابر، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يواجر بيته فيباع فيه الخمر ؟ قال: حرام اجرته (3). وما رواه في الكافي عن ابن اذينة في الصحيح أو الحسن، قال: كتبت إلى ابى


(1) راجع الجزء الخامس ص 509 - 510 من هذه الطبعة (2) الوسائل ج 12 ص 126 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 12 حديث: 1

[ 203 ]

عبد الله عليه السلام: أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه برابط ؟ فقال: لا بأس به. وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا ؟ قال: لا (1). وعن عمرو بن حريث، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام، عن التوت ابيعه ممن يصنع الصليب والصنم ؟ قال: لا (2). وما رواه في الكافي والتهذيب عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: سألت ابالحسن عليه السلام عن بيع العصير فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن، فقال: لو باع ثمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس، فاما إذا كان عصيرا فلا يباع الا بالنقد (3). وعن محمد الحلبي، قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن بيع عصير العنب ممن يجعله حراما، قال: لا بأس به تبيعه حلالا ليجعله حراما فابعده الله واسحقه (4). وما رواه في الكافي عن ابن اذينة في الصحيح أو الحسن، قال: كتبت الى ابى عبد الله عليه السلام: أسأله عن رجل له كرم أيبيع العنب والتمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا ؟ فقال: انما باعه حلالا في الا بان الذى يحل شربه أو اكله فلا بأس ببيعه (5). وعن ابى كهمس، قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام - الى ان قال -: ثم قال عليه السلام: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا (6). وما رواه في التهذيب عن رفاعة بن موسى في الصحيح، قال: سئل الصادق عليه السلام - وانا حاضر - عن بيع العصير ممن يخمره، قال: حلال. ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله


(1) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 169 حديث: 1 (4) الوسائل ج 12 ص 169 حديث: 4 (5) الوسائل ج 12 ص 169 حديث: 5 (6) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 6

[ 204 ]

شرابا خبيثا ! ؟ (1)، وعن الحلبي في الصحيح عن الصادق عليه السلام: انه سئل عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا، فقال: بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا احب الى، ولا ارى بالاول بأسا (2). وعن يزيد بن خليفة الحارثى، عن الصادق عليه السلام، قال: سأله رجل - وانا حاضر - قال: ان لى الكرم. قال تبيعه عنبا ! قال: فانه يشتريه من يجعله خمرا، قال فبعه إذا عصيرا. قال: فانه يشتريه منى عصيرا فيجعله خمرا في قربتى، قال: بعته حلالا، فجعله حراما فابعده الله (3) الحديث. هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام. والشيخ قد حمل الخبر الثاني على من يعلم انه يباع فيه الخمر، ولهذا حرم الاجرة. والاول على من لا يعلم ما يحمل عليها. وفيه: ان اخبار العصير كلها متفقه على جواز البيع مع العلم بانه يعمله خمرا. ومقتضى كلام اصحاب الذى قدمنا نقله عنهم: حمل الخبر الثاني على ان يكون الاجارة لهذه الغاية، بحيث ذكرت وشرطت في اصل العقد أو وقع الاتفاق عليها. والخبر الثاني على ما لم يكن كذلك. وجمع في الوافى بين الخبرين المذكورين، فقال: لا منافاة بين الخبرين. لان البيع غير الحمل، والبيع حرام مطلقا، والحمل يجوز ان يكون للتخليل. وفيه - اولا -: ما عرفت من عدم تحريم البيع مطلقا، لاخبار العصير المذكورة، الا ان يقيد بما ذكره الاصحاب. وثانيا: ان الحمل للتخليل، وان احتمل في الخمر، لكن لا مجال لهذا الاحتمال في الخنزير الذى ذكر معه في الخبر.


(1) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 8 (2) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 9 (3) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 10

[ 205 ]

فالاولى انما هو حمل الخبر الثاني على ما ذكره الاصحاب من الاشتراط أو الاتفاق. وعلى هذا ايضا تحمل اخبار بيع الخشب ليعمل صلبانا أو أصناما. ويمكن ان تحمل اخبار المنع على الكراهة، جميعا بينها وبين ما دل على الجواز. ويشير الى ذلك صحيحة ابن اذينة أو حسنته الثانية، حيث نفى البأس فيها عن بيع الخشب ليعمل برابط، ومنع من البيع ليعمل صلبانا، مع ان الامرين من باب واحد. بان يقال بشدة الكراهة في عملها صلبانا فنهى عنه وان كان جائزا. والمقدس الاردبيلى - هنا - قد استدل على تحريم البيع والاجارة ممن يعلم بترتب تلك الغاية المحرمة على البيع أو الاجارة، وان لم يحصل الاشترط، على الوجه الذى ذكره الاصحاب - بان فيه معاونة على الاثم والعدوان، مع وجوب النهى عن المنكر، وايجاب كسر الهياكل، وعدم جواز الحفظ، وكسر آلات اللهو، ومنع الشرب والحديث الدال على لعن حامل الخمر وعاصرها، المذكور في الكافي، ومنع بيع السلاح لاعداء الدين، فانه يحرم للاعانة، وهو ظاهر. وفيه: ان ما ذكره جيد في حد ذاته، لو سلم من المعارضة باخبار العصير المذكورة، فانها ما بين صريح وظاهر في صحة البيع في الصورة المذكورة، مع كثرتها وصحة كثير منها. واما قوله - رحمه الله -: ويمكن حملها على وهم البايع ان المشترى يعمل هذا المبيع خمرا لكونه ممن يجعله خمرا، أو يكون الضمير راجعا إلى مطلق العصير والتمر لا المبيع، ولا صراحة في الاخبار ببيعه ممن يعلم بجعل هذا المبيع خمرا. بل لا نعلم فتوى المجوز بذلك. وبالجملة فالظاهر: التحريم مع علمه بجعل هذا المبيع خمرا بل ظنه ايضا فتأمل. انتهى. فلا يخفى ما فيه من التعسف والتكليف، والخروج عن ظاهر الاخبار بل صريحها،

[ 206 ]

فانها مطابقة المقالة، واضحة الدلالة على ان البايع يعلم ان المشترى يصنع ذلك المبيع من العنب والتمر خمرا، ولا سيما قوله في خبرى محمد الحلبي ويزيد بن خليفة -: بعته حلالا فجعله حراما. فان ظاهره ينادى بان المدار في التحريم والتحليل انما هو بالنسبة إلى حال المبيع، فان كان المبيع مما يحل بيعه في ذلك الوقت و تلك الحال صح البيع، والا فلا، ولا تعلق لصحة البيع بما يؤل إليه حال المبيع بعد البيع، علمه ام لم يعلمه. وما ذكره من الحمل على توهم البايع أو رجوع الضمير إلى مطلق العصير والتمر لا المبيع، عجيب من مثله ! وكيف لا وهو عليه السلام يقول: انا نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا وشرابا خبيثا. أي يصنع ذلك التمر الذى نبيعه اياه، كما لا يخفى على صاحب الذوق السليم والفهم القويم. وبالجملة فانه لو قامت هذه الاحتمالات البعيدة لا نغلق باب الاستدلال. وقد تلخص من ذلك: ان الظاهر من هذه الاخبار - بعد ضم بعضها الى بعض - هو: قصر التحريم على ما إذا وقع الاشترط في العقد أو الاتفاق على البيع أو الاجارة لتلك الغاية المحرمة، وحل ما سوى ذلك. وما ذكره الاصحاب من الكراهة في موضع التحليل، وان كان جيدا في حد ذاته، الا ان ظواهر الاخبار لا تساعده، لاسيما اخبار بيع التمر والعنب ليعمل خمرا. والله العالم. الثالث: المشهور بين الاصحاب بل الظاهر انه لا خلاف فيه: تحريم بيع السلاح على اعداء الدين. والذى وقفت عليه من الاخبار في المقام: ما رواه في الكافي والتهذيب عن ابى بكر الحضرمي، في الحسن قال: دخلنا على ابى عبد الله عليه السلام، فقال له حكم السراج: ما تقول فيمن يحمل الى الشام السروج واداتها ؟ فقال: لا بأس، انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انكم في هدنة، فإذا كانت المبانية ؟ حرم عليكم ان تحملوا إليهم السروج والسلاح (1).


(1) الوسائل ج 12 ص 69 حديث: 1

[ 207 ]

والظاهر: ان المراد بقوله " بمنزلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أي الباقين على صحبته ودينه بعد موته، كما يشير إليه قوله " انكم في هدنة " أي سكون من الفتن بالصلح مع اعداء الدين. وما رواه المشايخ الثلاثة عن هند السراج، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: اصلحك الله، انى كنت أحمل السلاح الى اهل الشام فابيعه منهم، فلما عرفني الله هذا الامر ضقت بذلك، وقلت: لا احمل الى اعداء الله. فقال لى: احمل إليهم و بعهم، فان الله يدفع بهم عدونا وعدوكم، يعنى الروم، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشترك (1). وما رواه في الكافي عن محمد بن قيس في الصحيح، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفئتين تلتقيان من اهل الباطل ابيعهما السلاح ؟ فقال: بعهما ما يكنهما، الدرع والخفين ونحو هذا (2). وعن السراد عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: انى ابيع السلاح، قال: لا تبعه في فتنة (3). وفى التهذيب رواه عن السراد عن رجل عنه وهو الظاهر، حيث ان السراد المذكور انما يروى عن ابى عبد الله عليه السلام بالواسطة (4)، هذا ان حمل انه الحسن بن محبوب المشهور بهذا اللقب (5) والا فلا، ويكون الرجل مهملا.


(1) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 3 (3) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 4 والحديث في الوسائل: " عن السراج ". لكنه في الكافي والتهذيب " عن السراد " كما في المتن. (4) لانه ولد بعد وفاة الامام الصادق - عليه السلام - (148) بسنة (149 - 224) (5) وهو: " السراد " ويقال له " الزراد " ايضا. وهما بمعنى واحد، وهو صانع الزرد والسرد وهما بمعنى الدرع.

[ 208 ]

وما رواه في التهذيب عن ابى القاسم الصيقل، قال: كتبت إليه انى رجل صيقل اشترى السيوف وابيعها من السلطان، أجائز لى بيعها ؟ فكتب - عليه السلام - لا بأس به (1). وما في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر، ورواه على بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى - عليه السلام -، قال: سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس (2). وما رواه في الفقيه باسناده عن حماد بن انس وانس بن محمد عن ابيه عن جعفر بن محمد عن آبائه - عليهم السلام - في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلى عليه السلام،: يا على كفر بالله العظيم من هذه الامة عشرة - الى ان قال: - وبايع السلاح من اهل الحرب (3). * * * والكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع: (الاول): ان المستفاد من الخبر الاول والثانى: تخصيص تحريم حمل السلاح الى الاعداء بوقت المباينة دون وقت الصلح والهدنة. وكلام الاصحاب - كما قدمنا نقله عنهم - مطلق. فالواجب تقييده بما ذكرنا من الخبرين. والى ذلك اشار في المسالك - بعد ذكر عبارة المصنف الدالة باطلاقها على العموم - فقال: وانما يحرم مع قصد المساعدة أو في حال الحرب أو التهيأ له. (الثاني): لا فرق في اعداء الدين بين كونهم مشركين أو مسلمين كالمخالفين. ويدل عليه الخبران الاولان، لاشراكهما في الوصف وهو العداوة للدين، بل


(1) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 5 (2) الوسائل ج 12 ص 70 - 71 حديث: 6 (3) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 7

[ 209 ]

لا يبعد - كما ذكره جملة من المتأخرين - دخول مثل قطاع الطريق ونحوهم من الظالمين، لما تقدم من تحريم اعانة الظالمين ولو بالمباحات، بل الطاعات، فضلا عما في الاعانة على الظلم. ويعضده ظاهر الاية من النهى عن الاعانة على الاثم و العدوان. وحديث السراد المتقدم (1) (الثالث): محل البحث في كلام الاصحاب وكذا في اخبار تحريم السلاح هو السيف والرمح ونحوهما. أما ما يتخذ جنة كالدرع والبيضة ولباس الفرس المسمى بالتجفاف - بكسر التاء - فالظاهر عدم دخوله في الحكم المذكور. وبذلك صرح في المسالك ايضا. ويدل صحيحة محمد بن قيس المتقدمة، الا ان ظاهر رواية ابى بكر الحضرمي: دخول السروج فيما يحرم بيعه، وهى ليست من السلاح. فلو قيل بالعموم لما يحصل به المساعدة، من سلاح وغيره، لكان اوجه، فانه لا شك ان الاعانة بالدرع والبيضة التى تقى لابسها عن القتل اشد واعظم من الاعانة بالسرج الذى قد صرحت الرواية المشار إليها بتحريمه. ويمكن الجواب عن الصحيحة المذكورة بانها لم تتضمن المعونة لاعداء الدين على المسلمين، وانما دلت على المعونة على مثلهم من اهل الباطل، والظاهر ان الفرقتين من اعداء الدين. الا انه يشكل ذلك بتخصيص التجويز بالجنة دون السلاح وبالجملة فادخال نحو السرج في الحكم المتقدم واخراج نحو الدرع لا يخلو عن اشكال. (الرابع): لو باع على تقدير التحريم، هل يصح البيع ويملك الثمن وان اثم، ام يبطل ؟ قولان، استظهر في المسالك الثاني، قال: لرجوع النهى الى نفس المعوض. واليه مال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد، قال: لان الظاهر ان الغرض من النهى هنا عدم التملك وعدم صلاحية المبيع لكونه مبيعا، لا مجرد الاثم،


(1) في ص 207 رقم: 3

[ 210 ]

فكان المبيع لا يصلح لان يكون مبيعا لهم كما في بيع الغرر انتهى. ولا يخلو من قرب، وان كان للمناقشة فيه مجال، لامكان رجوع النهى الى المعونة، والا فالعوض من حيث هو صالح للنقل، فيكون توجه النهى انما هو لامر خارج كالبيع وقت النداء في يوم الجمعة، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في بعض مجلدات هذا الكتاب (1) بما يكشف عن وجهها نقاب الشك والارتياب. (الخامس): ظاهر خبر هند السراج (2): جواز حمل السلاح إلى اعداء الدين وقت الهدنة لاجل الاستعانة به على دفع الكفار، وعليه يحمل خبر القاسم الصيقل، مع انك قد عرفت في الموضع الاول جواز الحمل في حال الهدنة مطلقا.


(1) في الجزء العاشر ص 177 من هذه الطبعة (2) تقدم في ص 207 رقم: 1

[ 211 ]

المقام الخامس في حكم اخذ الاجرة على ما يجب على الانسان فعله، كتغسيل الموتى و تكفينهم ودفنهم. ويلحق بذلك اخذ الاجرة على الاذان، وبيع القران، وكذا اخذ الاجرة على الصلاة بالناس، والقضاء والحكم بين الناس. وتفصيل هذه الجملة يقع في موارد: - الاول: المشهور في كلام الاصحاب - من غير خلاف يعرف - ان تغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم والصلاة عليهم، من الواجبات الكفائية، على من علم بالموت من المسلمين، فلا يجوز أخذ الاجرة على شئ من ذلك. قال في المنتهى: يحرم أخذ الاجرة على تغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم والصلاة عليهم، لان ذلك واجب عليهم، فلا يجوز لهم اخذ الاجرة على فعله، كالفرائض انتهى. ونحن قدمنا البحث معهم في هذه المسألة في فصل غسل الاموات من كتاب الطهارة (1) وكذا في كتاب الصلاة (2) في باب الصلاة على الاموات. وذكرنا


(1) في الجزء الثالث ص 359 من هذه الطبعة (2) في الجزء العاشر ص 382 فما بعد

[ 212 ]

ان الخطابات الواردة من الشارع في هذه المواضع انما توجهت الى الولى بان يفعل ذلك أو يأمر من يفعله، الا ان لا يكون للميت ولى، وعلى ما ذكرنا لا يتجه تحريم اخذ الاجرة على الاطلاق كما ذكروه، وان كان ظاهرهم الاتفاق على ما نقلناه عنهم. الا ان يقال: انه إذا أذن الولى وجب عليه حينئذ وهو بعيد، لعدم الدليل عليه فانا لم نقف لهم في دعوى الوجوب الكفائي في هذا المقام على دليل يعتمد عليه من الاخبار وليس الاظاهر اتفاقهم عليه. والاصحاب قد نقلوا في هذا المقام عن المرتضى جواز اخذ الاجرة بالتقريب الذى ذكرناه. قال في المسالك - بعد ذكر المصنف لاصل الحكم -: هذا هو المشهور بين الاصحاب، وعليه الفتوى، وذهب المرتضى إلى جواز اخذ الاجرة على ذلك لغير الولى بناء على اختصاص الوجوب به، وهو ممنوع، فان الوجوب الكفائي لا يختص به، وانما فائدة الولاية توقف الفعل على اذنه، فيبطل منه ما وقع بغيره، مما يتوقف على النية. انتهى. وفيه: ان ما ادعاه - رحمه الله - وغيره من الوجوب الكفائي عار عن الدليل كما عرفت. واما قوله: ان فائدة الولاية توقف الفعل على اذنه، فان فيه: ان النصوص الدالة على ذلك ظاهرة بل صريحة في توجه الامر بالاتيان بتلك الافعال إلى الولى، كقول امير المومنين عليه السلام - فيما رواه في الفقيه -: يغسل الميت اولى الناس به أو من يأمره الولى بذلك (1) وبمضمونه خبر آخر في الغسل (2).


(1) الوسائل ج 2 ص 718 باب: 26 حديث: 1 (2) الوسائل ج 2 ص 718 باب: 26 حديث: 2

[ 213 ]

وقول الصادق عليه السلام: يصلى على الجنازة اولى الناس بها أو يأمر من يحب (1) ونحوه اخبار ولاية الزوج لزوجته، وانه اولى الناس بالصلاة عليها والغسل بها (2) وهكذا في ساير ما يتعلق بالميت، فان الخطاب بايقاع ذلك الفعل انما توجه الى الولى خاصة، اما بان يوقعه بنفسه أو يأذن لغيره. وأين هذا من الوجوب الكفائي، الذى يدعونه ؟ ! وبذلك يظهر: ان فائدة الولاية هو اختصاص الفعل به، بان يغسله ويصلى عليه ويكفنه ونحو ذلك، أو يأذن لغيره في هذه الامور. وحينئذ فلو فرضنا ان الغير امتنع من امتثال امر الولى الا بالاجرة جاز له ذلك، لانه غير مخاطب بهذه الامور، ولا مكلف بها حتى يحرم عليه اخذ الاجرة كما ادعوه، نعم لو سلمنا صحة ما ادعوه من الوجوب الكفائي، صح ما رتبوه عليه من تحريم اخذ الاجرة. ثم ان مقتضى تخصيص الاصحاب الحكم بالواجب من هذه الامور، جواز اخذ الاجرة على المستحب، مثل زيادة الحفر على ما يستر ريحه عن الشياع، ويكن جثته عن السباع، بمقدار الترقوة، ونقله الى المشاهد المشرفة، وتثليث الغسلات في التغسيل، ووضوء الميت على تقدير القول باستحبابه، وتكفينه بالقطع المندوبة ونحو ذلك. وقيل بالمنع. نقله في المسالك عن بعض الاصحاب، محتجا باطلاق النهى ! وانت خبير بانا لم نقف على نهى في هذا الباب، ولا ذكره احد من الاصحاب، بل ذكر المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد ايضا، انه لم يقف عليه، قال - بعد نقل القول المذكور -: ووجهه غير ظاهر، ولعله انها عبادة وهى تنافى الاجرة ومنعه ظاهر، الا ترى جواز اخذ الاجرة على الحج وساير العبادات بالاجماع والادلة. قيل: لاطلاق النهى، وما رأيت النهى. انتهى.


(1) الوسائل ج 2 ص 801 حديث: 1 (2) الوسائل ج 2 ص 802 باب: 24

[ 214 ]

الثاني: المشهور بين الاصحاب تحريم اخذ الاجرة على الاذان. واستدل عليه ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفار عن عبد الله المنبه عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن ابيه عن آبائه عن على عليه السلام، انه أتاه رجل فقال: يا امير المومنين والله انى احبك لله، فقال له: لكنى ابغضك لله. قال: ولم ؟ قال: لانك تبغى في الاذان اجرا، وتأخذ على تعليم القرآن اجرا، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أخذ على تعليم القرآن اجرا كان حظه يوم القيامة (1). وذهب المرتضى الى جواز اخذ الاجرة عليه، تسوية بينها وبين الارتزاق. والى هذا القول يميل كلام المقدس الاردبيلى، استضعافا للخبر المذكور، لان رجاله من العامة الزيدية. قال: والشهرة ليست بحجة، وايد ذلك باشتمال الخبر على النهى عن اخذ الاجرة على تعليم القرآن، مع كون ذلك على الكراهة عند الاصحاب. قال: ويبعد كون احدهما مكروها والاخر حراما. والاصل، وجواز أخذ الاجرة في المندوبات، يؤيد عدم التحريم. انتهى. اقول: ما ذكره وان امكن تطرق المناقشة إليه (2) الا ان الخبر المذكور مع الاغماض عن المناقشة في سنده لاظهور له في التحريم، فانهم كثيرا ما يزجرون عن المكروهات بما يكاد يدخلها في حيز المحرمات، ويحثون على المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات، وهذا ظاهر لمن تتبع موارد الاحكام الواردة في اخبارهم


(1) الوسائل ج 12 ص 12 ص 114 باب: 30 حديث: 1 (2) بان يقال: ان من قواعدهم جبر الخبر الضعيف بالشهرة بين الاصحاب، بمعنى انه بانضمام احدهما الى الاخر يصير كالدليل الواحد، وهو لا يقصر عن خبر صحيح. واشتمال الخبر على النهى عن اخذ الاجرة على تعليم القرآن، يمكن ابقاؤه على ظاهره من التحريم ايضا. وكون المشهور بينهم حمله على الكراهة لا يوجب ثبوت ذلك ولا يعين حمله على الكراهة هنا كما لا يخفى منه قدس سره.

[ 215 ]

- عليهم السلام -. وعلى تقدير القول بالتحريم، هل يحرم الاذان ايضا بذلك ام لا ؟ قال ابن البراج: يحرم ورجحه العلامة في المختلف، قال: الاذان على هذا الوجه غير مشروع، فيكون بدعة. والظاهر: بعده، لان النهى هنا انما توجه إلى اخذ الاجرة، لا إلى الاذان، فالقول بعدم مشروعيته وانه بدعة مع دخوله تحت الاخبار العامة الدالة على صحة الاذان ومشروعيته مشكل. نعم يكون ما فعله من اخذ الاجرة عليه محرما، هذا مقتضى قواعدهم واصولهم. * * * ثم ان الظاهر من كلام الاصحاب: انه لا خلاف في جواز الارتزاق من بيت المال، وهو ما اعد لمصالح المسلمين من مال الخراج والمقاسمة. وهل يشترط ان يكون ذلك باذن الامام عليه السلام أو نائبه، ام يجوز ولو كان من الجائر ؟ قولان. المشهور: الثاني. وسيأتى تحقيق المسألة انشاء الله تعالى في محلها. * * * والظاهر ايضا: جواز اخذ ما وقف للمؤذنين أو نذر لهم، لان للمالك ان يفعل في ماله ما يشاء، ويعينه لمن يشاء، والظاهر انه لا يحرم وان قصد بالاذان ذلك. قال في المسالك: والفرق بين الاجرة والارتزاق ان الاجرة تفتقر إلى تقدير العمل والعوض، وضبط المدة والصيغة الخاصة، واما الارتزاق فمنوط بنظر الحاكم، لا يتقدر بقدر. انتهى. وهو يشعر بان ما يأخذه من الاجرة بغير القيود المذكورة لا تسمى اجرة ولا تكون محرمة وانه لا يكون الا من بيت المال، لانه من قبيل الارتزاق دون الاجرة. والظاهر: بعده، فان الظاهر من الاجرة في هذا المقام: انما هو ما يعطى لاجل الاذان، بحيث

[ 216 ]

لو لم يعط لم يوذن، بان يقال له: أذن ونعطيك كذا وكذا، فيؤذن لذلك، سواء عينت مدة الاذان ام لا، وقعت بالصيغة المخصوصة ام لا، وسواء كان ما يعطى من بيت المال أو من شخص معين أو من اهل البلد كملا. وبما ذكرنا صرح المحقق الاردبيلى ايضا. ويؤيده خلو أخبار البيوع والاجارات ونحوهما من اكثر هذه القيود والشروط المذكورة في كلامهم في هذه الابواب، وانما العمدة وقوع التراضي بالالفاظ، مع معلومية ما يقع عليه العقد، ولو في الجملة. الثالث: اختلف الاصحاب في جواز اخذ الاجرة على القضاء والحكم بين الناس. فقال الشيخ في النهاية: لا بأس باخذ الاجرة والرزق على الحكم والقضاء بين الناس من جهة السلطان العادل. وقال المفيد: لا بأس بالاجرة في الحكم والقضاء بين الناس. والتبرع بذلك افضل، واقرب إلى الله سبحانه. وقال أبو الصلاح: يحرم الاجر على تنفيذ الاحكام من قبل الامام العادل. وقال ابن ادريس: يحرم الاجر على القضاء، ولا بأس بالرزق من جهة السلطان العادل، ويكون ذلك من بيت المال، دون الاجرة، على كراهية فيه. وقال في المختلف: الاقرب ان نقول: ان تعين القضاء عليه اما بتعيين الامام عليه السلام أو بفقد غيره أو بكونه الافضل وكان متمكنا، لم يجز الاجر عليه، وان لم يتعين أو كان محتاجا فالاقرب الكراهة. لنا: الاصل الاباحة على التقدير الثاني، وانه فعل لا يجب عليه فجاز اخذ الاجرة عليه كغيره من العبادات الواجبة. وقال في المنتهى: يحرم الاجر على القضاء، ويجوز الرزق فيه من بيت المال. واستدل على الاول بصحيحة عبد الله بن سنان الاتية. وقال المحقق في الشرايع - على ما نقله في المسالك -: ان تعين عليه بتعيين الامام، أو بعدم قيام احد غيره، حرم

[ 217 ]

عليه اخذ الاجرة مطلقا، لانه حينئذ يكون واجبا عليه، والواجب لا يصح أخذ الاجرة عليه، وان لم يتعين عليه، فان كان له غنى لم يجز ايضا، والاجاز. قال في المسالك - بعد نقل كلام المحقق المذكور -: وقيل: يجوز مع عدم التعيين مطلقا. وقيل: يجوز مع الحاجة مطلقا ومن الاصحاب من جوز اخذ الاجرة عليه مطلقا. والاصح المنع مطلقا، الا من بيت المال على جهة الارتزاق، ويتقدر بنظر الامام. ولا فرق في ذلك بين اخذ الاجرة من السلطان ومن اهل البلد والمتحاكمين، بل الاخير هو الرشوة التى ورد في الخبر " انها كفر بالله ورسوله " انتهى. والذى وقفت عليه من الاخبار في المقام: ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت. (1) وما تقدم في صدر هذا البحث من الاخبار الدالة على ان الرشا في الحكم هو الكفر بالله العظيم. ونحوها: ما رواه في الكافي عن سماعة - في الموثق - عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: الرشا في الحكم هو الكفر بالله. (2) وما رواه الشيخ عن جابر، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من نظر إلى فرج امراة لا تحل له، ورجلا خان اخاه في امرأته، ورجلا احتاج الناس إليه لتفقهه فسألهم الرشوة. (3) وظاهر الاصحاب - حيث جوزوا الارتزاق -: حمل الخبر الاول على الاجر. ولا يخلو من اشكال، لعدم المعارض، مع ظهور اللفظ في الارتزاق. نعم يمكن ان يقال: ان الارتزاق لما كان جائزأ لجملة المسلمين المحتاجين من بيت


(1) الوسائل ج 18 ص 162 حديث: 1 (2) الوسائل ج 18 ص 162 حديث: 3 (3) الوسائل ج 18 ص 163 حديث: 5

[ 218 ]

المال، فلا وجه للفرق فيه بين القاضى وغيره، الا انه يمكن دفعه بانه لما كان اخذه هنا انما هو في مقابلة القضاء، كما يدل عليه ظاهر الخبر الاول، كان حراما لهذه الجهة، ولا ينافى لما حله له من حيث كونه من جملة المسلمين أو المحتاجين. والمحقق الاردبيلى في شرح الارشاد اختار القول بالتحريم مطلقا، استنادا الى اخبار تحريم الرشا، والى انه مع تعينه عليه باحد الوجوه المتقدمة يكون واجبا، والواجب لا يجوز اخذ الاجرة عليه. وفيه: ان اخبار الرشا اخص من المدعى، لان الرشوة ما يؤخذ من المتحاكمين على الحكم لصاحب الرشوة، فتكون الرشوة في مقابلة الحكم له، والمدعى: تحريم الاجر بقول مطلق. والاظهر هو الاستدلال بصحيحة عبد الله بن سنان المذكورة، بحمل الرزق فيها على ما هو اعم من الارتزاق من بيت المال أو الاجرة. * * * وظاهر جملة من الاصحاب: عد الصلاة بالناس فيما تحرم الاجرة عليه، و نقل في المختلف عن ابن البراج: انه عد في اقسام المحرمات، الاذان والاقامة و الصلاة بالناس، وتغسيل الموتى وحملهم والصلاة عليهم ودفنهم، فانه لا يحل اخذ الاجرة عليها. ولم يحضرني الان خبر في هذا الحكم. ومن جملة من صرح بذلك صاحب الوسائل، مع انه لم يورد في الباب ما يدل عليه وانما احال على ما قدمه من احاديث التظاهر بالمنكرات، واختتال الدنيا بالدين، وجهاد النفس، وفى استفادة الدلالة على ذلك منها نظر، لاسيما مع ورود الاستيجار على العبادات ومشروعيته، وكيف كان فالاحتياط: فيما ذكروه. الرابع: صرح جملة من الاصحاب بانه لا يجوز بيع المصحف، وانما يباع الورق والجلد ونحوهما من الالات التى اشتمل عليها ذلك الكتاب.

[ 219 ]

وعليه تدل الاخبار المتكاثرة: فروى في الكافي عن عبد الرحمن بن سليمان عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: ان المصاحف لن تشترى، فإذا اشتريت فقل: انما اشترى منك الورق وما فيه من الاديم وحليته، وما فيه من عمل يدك، بكذا وكذا (1). وعن عثمان بن سعيد عن الصادق عليه السلام، قال سألته عن بيع المصاحف و شرائها ؟ قال: لا تشتر كتاب الله ولكن اشتر الحديد والورق والدفتر، وقل: اشتريت منك هذا بكذا وكذا، (2). وعن عنبسة الوراق، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام، فقلت له: انا رجل ابيع المصاحف، فان نهيتني لم ابعها، فقال: ألست تشترى ورقا وتكتب فيه ؟ قلت: بلى، وأعالجها، قال: لا بأس بها (3). وروى في التهذيب عن عثمان بن عيسى عمن سمعه (4)، قال: سألته عن بيع المصاحف وشرائها. فقال: لاتشتر كتاب الله ولكن اشتر الحديد والجلود و الدفتين، وقل: اشترى منك هذا بكذا وكذا (5). وعن عبد الله بن سليمان، قال: سألته عن شراء المصاحف، فقال: إذا اردت ان تشترى فقل: اشترى منك ورقه وأديمه وعمل يدك بكذا وكذا (6). وعن سماعة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لا تبيعوا المصاحف، فان بيعها حرام. قلت: فما تقول في شرائها ؟ قال: اشتر منه الدفتين والحديد و


(1) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 1 باب: 13 (2) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 3 (3) الوسائل ج 12 ص 115 حديث: 5 (4) وفى الكافي: " عن سماعة " ج 5 ص 121 (5) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 2 (6) الوسائل ج 12 ص 115 حديث: 6

[ 220 ]

الغلاف، واياك ان تشترى منه الورق وفيه القرآن مكتوب، فيكون عليك حراما، وعلى من باعه حراما (1). اقول: " قوله: واياك ان تشترى الورق وفيه القرآن " يعنى: تجعله المقصود بالشراء فيلزمه التحريم. فوائد الاولى: قد صرح الاصحاب بكراهة تعشيره بالذهب، واستدلوا على ذلك بما رواه في التهذيب عن سماعة - في الموثق - قال: سألته عن رجل يعشر المصاحف بالذهب، فقال: لا يصلح. فقال: انها معيشتي: فقال: انك ان تركته لله جعل الله تعالى لك مخرجا (2). وروى في الكافي - ومثله في التهذيب - عن محمد الوراق، قال: عرضت على ابى عبد الله عليه السلام كتابا فيه قرآن مختم معشر بالذهب، وكتب في آخره سورة بالذهب، فأريته اياه فلم يعب فيه شيئا الا كتابة القرآن بالذهب، فانه قال: لا يعجبنى ان يكتب القرآن الا بالسواد كما كتب اول مرة (3). وفى هذا الخبر: ما يدل على حمل الخبر الاول على الكراهة، وفيه ايضا دلالة على كراهة كتابة القرآن بغير السواد. الثانية: جواز اخذ الاجرة على كتابته. والظاهر: انه لا خلاف فيه. ويدل عليه ايضا: ما رواه الشيخ عن روح بن عبد الرحيم، عن ابى عبد الله عليه السلام - في حديث - قال: قلت: ما ترى اعطى على


(1) الوسائل ج 12 ص 116 حديث: 11 (2) الوسائل ج 12 ص 117 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 117 حديث: 2

[ 221 ]

كتابته اجرا ؟ قال: لا بأس. الحديث (1). وعن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: ان ام عبد الله بنت الحسن أرادت ان تكتب مصحفا فاشترت ورقا من عندها، ودعت رجلا فكتب لها على غير شرط، فاعطته حين فرغ خمسين دينارا. وانه لم تبع الصاحف الا حديثا (2). وفي هذا الخبر: اشارة الى كراهة اشتراط الاجرة على كتابة القرآن، كما سيأتي انشاء الله تعالى في مسألة تعليم القرآن، وأخذ الاجرة على التعليم. الثالث: يكره محو شئ من كتابة القرآن بالبزاق، لما رواه في الفقيه في حديث المناهى، المذكور، في آخر الكتاب، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ونهى ان يمحى شئ من كتاب الله العزيز بالبزاق أو يكتب به (3).


(1) الوسائل ج 12 ص 116 حديث: 9 (2) الوسائل ج 12 ص 116 حديث: 10 (3) الوسائل ج 12 ص 117 حديث: 3

[ 222 ]

البحث الثاني فيما يكره التكسب به، وهى امور: الاول: الصرف. لان صاحبه لا يكاد يسلم من الربا. ويدل عليه من الاخبار: ما في الكافي والتهذيب، عن اسحاق بن عمار قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام، فأخبرته أنه ولد لى غلام. فقال: ألا سميته محمدا ! قال. قلت: قد فعلت. قال: فلا تضرب محمدا ولا تشتمه، جعله الله قرة عين لك في حياتك، وخلف صدق بعدك. قلت: جعلت فداك في أي الاعمال اضعه ؟ قال: إذا عدلت عن خمسة اشياء فضعه حيث شئت، لا تسلمه صيرفيا، فان الصيرفى لا يسلم من الربا ولا تسلمه بياع الاكفان فان صاحب الاكفان يسره الوباء إذا كان. ولا تسلمه نخاسا فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: شر الناس من باع الناس. ولا تسلمه بياع الطعام، فانه لا يسلم من الاحتكار. ولا تسلمه جزارا، فان الجرار تسلب منه الرحمة (1). وروى في الكافي والفقيه عن سدير الصيرفى، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: حديث بلغني عن الحسن البصري، فان كان حقا فانا لله وانا إليه راجعون ! قال:


(1) الوسائل ج 12 ص 97 حديث: 1 مع تقديم وتاخير لبعض فقراته الاخيرة

[ 223 ]

وما هو ؟ قلت: بلغني ان الحسن كان يقول: لو غلى دماغه من حر الشمس ما استظل بحايط صيرفي. ولو تفرثت كبده عطشا لم يستسق من دار صيرفي ماءا ! وهو عملي وتجارتى، وفيه نبت لحمى ودمى، ومنه حجى وعمرتي ! فجلس عليه السلام ثم قال: كذب الحسن، خذ سواءا واعط سواءا. فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك، وانهض إلى الصلاة، اما علمت ان اصحاب الكهف كانوا صيارفة (1) ؟ ومن هذين الخبرين يعلم ما ذكرناه من جواز التصريف على كراهية. واما قوله - في آخر الخبر الثاني -: اما علمت ان اصحاب الكهف كانوا صيارفة، ففيه بحث قد استوفينا الكلام فيه في كتابنا الدرر النجفية. ويمكن ان يقال: ان الجواز على كراهة، مخصوص بمن لم يكن يتمكن من التحرز من الوقوع في تلك الاشياء، للنهى عنها، وعليه يحمل الخبر الاول. واما من تمكن من ذلك فلا يكره في حقه، وعليه يحمل الخبر الثاني. ويؤيده ان اسحاق المذكور في الخبر الاول من اعاظم الصيارفة، وهو بالمحل الادنى (2) عندهم، وهو اسحق بن عمار بن حيان التغلبي، المذكور في كتاب النجاشي، من بيت كبير من الشيعة. ويؤيد ما قلناه - ايضا - انه قد تقدم في الخبر الاول النهى عن كونه نخاسا، مع انه قد روى في الموثق عن ابن فضال، قال: سمعت رجلا يسأل ابا الحسن الرضا عليه السلام فقال: انى اعالج الرقيق فابيعه، والناس يقولون: لا ينبغى فقال له الرضا عليه السلام: و ما بأسه ؟ كل شئ مما يباع إذا اتقى الله فيه العبد فلا بأس به (3).


(1) الوسائل ج 12 ص 99 - 100 حديث: 1 باب: 22 (2) من الدنو وهو القرب. أي كان من التقرب الى الائمة - عليهم السلام - في المنزلة القربى. (3) الوسائل ج 12 ص 96 حديث: 5

[ 224 ]

وعلى هذا الوجه حمل الشيخ الرواية الاولى، كذا رواية ابراهيم بن عبد الحميد الاتية فقال في التهذيب: هذان الخبران محمولان على من لا يتمكن من اداء الامانة، ولا يحترز في شئ من هذه الصنايع، فاما من تحفظ فليس عليه في شئ منها بأس، وان كان الافضل غيرها. ثم ذكر رواية ابن فضال المذكورة. الثاني: بيع الاكفان، وبيع الطعام، وبيع الرقيق، والذبح، والصياغة، والحياكة، والحجامة. وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار: منها: خبر اسحق بن عمار المتقدم ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال: قال رسول الله عليهما السلام: انى اعطيت خالتي غلاما ونهيتها ان تجعله قصابا أو حجاما أو صائغا (1). وعن اسماعيل الصيقل الرازي، قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام ومعى ثوبان، فقال لى: يا ابا اسماعيل، تجيئني من قبلكم اثواب كثيرة وليس يجبئنى مثل هذين الثوبين الذين تحملهما انت: فقلت: جعلت فداك تغزلهما ام اسماعيل وانسجهما انا. فقال لى: حايك ؟ قلت: نعم فقال: لا تكن حايكا: قلت: فما اكون ؟ قال: كن صيقلا. وكانت معى مائتا درهم، فاشتريت بها سيوفا ومرايا عتقا. وقدمت بها الى الرى فبعتها بربح كثير (2). وروى في الكافي عن احمد بن محمد بعض اصحابه، رفعه الى ابى عبد الله - عليه السلام -، قال: ذكر الحايك عند ابى عبد الله عليه السلام انه ملعون. فقال: انما ذلك الذى يحوك الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (3). وما رواه المشايخ الثلاثة عن ابراهيم بن عبد الحميد، عن ابى الحسن موسى


(1) الوسائل ج 12 ص 97 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 100 حديث:: 1 باب 23 (3) الوسائل ج 12 ص 101 حديث: 2

[ 225 ]

ابن جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، قد علمت ابني هذا الكتاب، ففى أي شئ اسلمه ؟ فقال: اسلمه - لله ابوك - ولا تسلمه في خمس: لا تسلمه سباء، ولا صايغا، ولا قصابا، ولا حناطا، ولا نخاسا. قال: فقال: يارسول الله ما السباء ؟ قال: الذى يبيع الاكفان، ويتمنى موت امتى. والمولود من امتى احب الى مما طلعت عليه الشمس. واما الصايغ فانه يعالج غبن امتى. واما القصاب فانه يذبح حتى تذهب الرحمة من قلبه، واما الحناط فانه يحتكر الطعام على امتى ولان يلقى الله العبد سارقا احب الى من ان يلقاه قد احتكر الطعام اربعين يوما. و اما النخاس فانه أتانى جبرئيل، فقال: يا محمد ان شرار أمتك الذين يبيعون الناس (1). اقول: قال بعض مشايخنا: اتفقت نسخ اخبارنا في قوله سباء - بالباء الموحدة - وقال في الوافى: والسباء في النسخ التى رأيناها من الكتب الثلاثة، بالباء الموحدة المشددة. اقول: وهذا الخبر قد روته العامة - بالياء المثناة من تحت - كما ذكره ابن الاثير في النهاية، وجعله من السوء والمسائة (2).


(1) الوسائل ج 12 ص 98 حديث: 4 (2) اقول: قال في النهايه: لا تسلم ابنك سياء. جاء تفسيره في الحديث: انه الذى يبيع الاكفان ويتمنى موت الناس ولعله من السوء والمسائة أو من السيئ - بالفتح - وهو اللبن الذى يكون في مقدم الضرع. يقال: سيأت الناقة إذا اجتمع السئ في ضرعها، وسيأتها: حلبت ذلك منها. فيجوز ان يكون فعالا من سيأتها إذا حلبتها. كذا قال أبو موسى، انتهى. منه قدس سره. * * * قلت. ولعل الصحيح هي رواية الباء الموحدة، مأخوذة من قولهم: " تفرقوا أيادى سبأ " أي يتمنى بائع الاكفان ابادة الناس بالموت الذريع، كما جاء في رواية

[ 226 ]

وقوله: يعالج غبن امتى، قيل: معناه: انه يفسد عليهم الدينار والدرهم، فيكون منشأ الكراهة فيه ذلك. وفى التهذيب: زين امتى - بالزاى - والمراد: انه يلهيهم بذلك عن الاخرة فيكون ذلك وجه الكراهة في هذه الصناعة. ونقل بعض مشائخنا في حواشيه على التهذيب: انه بالمهملة بخط الشيخ - رحمه الله - وانه كتب في الحاشية " والرين: الذنب ". وفى اللغة: الرين: الطبع والختم، كما قال تعالى " بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " أي غلب على قلوبهم حب الدنيا بحيث لا يستطيعون الخروج منها. ثم قال شيخنا المشار إليه: واكثر النسخ بالزاى، كما في العلل، وهو انسب. انتهى. وما رواه في الكافي والتهذيب عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام، قال: سألته عن كسب الحجام ؟ فقال: لا بأس به إذا لم يشارط (1). وما رواه في الكافي عن حنان بن سدير، قال: دخلنا على ابى عبد الله عليه السلام، ومعنا فرقد الحجام، فقال له: جعلت فداك انى اعمل عملا وقد سألت عنه غير واحد ولا اثنين. فزعموا انه عمل مكروه، وانا احب ان اسألك عنه فان كان مكروها انتهيت عنه وعملت غيره من الاعمال، فانى منته في ذلك الى قولك. قال: وما هو ؟ قال: حجام. قال: كل من كسبك يا ابن اخى، وتصدق به، وحج، وتزوج،


اسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام " فان صاحب الاكفان يسره الوباء إذا كان " الوسائل ج 12 ص 97 حديث: 1، فالسباء، بالباء الموحدة المشدة، هو الذى يتوقع ابادة الناس بكثرة الموت وتفشيه بين الانام، لان حرفته الخاصة تدعوه - لا شعوريا - الى هذا الامل الذميم ومن ثم كانت مكروهة شرعا، والله العالم. م - ه‍ - معرفة (1) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 1

[ 227 ]

فان نبى الله تعالى قد احتجم واعطى الاجر، ولو كان حراما ما اعطاه. قال: جعلني الله فداك ان لى تيسا (1) اكريه، ما تقول في كسبه ؟ قال: كل كسبه، فانه لك حلال، والناس يكرهونه، قال حنان: لاى شئ يكرهونه وهو حلال ؟ قال: لتعبير الناس بعضهم بعضا (2). وما رواه في الكافي والفقيه عن جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجمه مولى لبنى بياضة واعطاه. ولو كان حراما ما اعطاه، فلما فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اين الدم ؟ قال: شربته يا رسول الله: فقال: ماكان ينبغى لك ان تفعل وقد جعله الله عز وجل لك حجابا من النار فلا تعد (3). وما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة - في الموثق - قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن كسب الحجام، فقال: مكروه له ان يشارط، ولا بأس عليك ان تشارطه وتماكسه، وانما يكره له ولا بأس عليك (4). وما رواه المشايخ الثلاثة - في الصحيح من بعض طرقه - عن معاوية بن عمار قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن كسب الحجام، فقال: لا بأس به (5). وما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام، ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كسب الحجام، فقال: لك ناضح (6) ؟ قال: نعم. قال: اعلفه اياه ولا تأكله (7).


(1) التيس: الذكر من المعز. وجمعه: تيوس. وكان يكريه للضراب (2) الوسائل ج 12 ص 72 حديث: 5 وص 77 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 72 حديث: 7 (4) الوسائل ج 12 ص 73 حديث: 9 (5) الوسائل ج 12 ص 72 حديث: 6 (6) الناضح: البعير الذى يستقى عليه الماء من البئر. (7) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 2

[ 228 ]

وما رواه في التهذيب عن رفاعة، قال، سألته عن كسب الحجام، فقال: ان رجلا من الانصار كان له غلام حجام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: هل لك ناضح قال: نعم، قال: فاعلفه ناضحك (1). وما رواه في الكافي عن سماعة، قال: قال أبو عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم: السحت انواع كثيرة، منها: كسب الحجام إذا شارط (2). وما رواه في التهذيب عن سماعة، قال، السحت انواع كثيرة، منها كسب الحجام (3). تنبيهات (احدها): ينبغى ان يعلم: ان كراهة هذه الاشياء التى قدمنا ذكرها، مخصوصة بما إذا كانت صناعة للعامل بها، كما هو المستفاد من ظاهر هذه الاخبار، وقد صرح به الاصحاب - رضوان الله عليهم - ايضا. فأما المرة والمرتان والثلاث ونحوها، فالظاهر: انه ليس كذلك. (ثانيها): قد اختلفت الاخبار - كما ترى - في الحجامة والمفهوم من كلام الاصحاب: الكراهة مع الاشتراط، وعدمها مع عدمه. قال في المنتهى: كسب الحجام إذا لم يشترط حلال طلق، واما إذا اشترط فانه يكون مكروها، وليس بمحظور، عملا باصل الاباحة انتهى وهو جيد وعليه يمكن جمع الاخبار المتقدمة بعد تقييد مطلقها بمقيدها، فان منها ما هو مطلق في الحل ونفى البأس.


(1) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 3 (2) الوسائل ج 12 ص 62 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ض 62 حديث: 2

[ 229 ]

ومنها: ما قيد فيه النهى بالشرط، وعلق نفى البأس على عدم الشرط. واما مادل على ان يعلفه ناضحه ولا يأكله، فهو مع معارضته بما هو اكثر عددا واصرح دلالة على جواز الاكل منه، يجب حمله على تغليظ الكراهة مع الشرط وهو ظاهر في الحل، لانه لو كان حراما لم يجز أخذه لعلف دابته أو غيره. واما امره بالتنزه عن أكله، فيحمل على وقوع الشرط فيه الذى دلت تلك الاخبار على المنع منه على جهة الكراهة. وبالجملة فانه لا اشكال في عدم التحريم، وانما الكلام في الكراهة وعدمها، وقضية الجمع بين الاخبار ثبوت الكراهة مع الشرط، واما ما تضمنه موثق زرارة من كراهة اشتراط الحجام وجواز المماسكة والاشتراط، فلعل المراد به: انه يجوز لك المماسكة والاشتراط باجرة مخصوصة، وينبغى له الرضا بذلك ولا يماكس ولا يشترط. (ثالثها): ان ما تضمنه خبر فرقد الحجام من كسب التيس، بمعنى انه يواجره للضراب، مما يدل على جواز ذلك من غير ذلك من غير كراهة، والاصحاب قد عدوا ذلك في جملة المكروهات من هذا الباب، مع انه عليه السلام نسب الكراهة الى الناس بعد حكمه بالحل. وفي المسالك نسب المنع منه الى العامة. ومثل هذه الرواية، ما رواه في الكافي والتهذيب في تتمة صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة - بعد ذكر ما تقدم منها - قال: فقلت: اجر التيوس، قال: ان كانت العرب لتعاير به، ولا بأس به (1). وهو - ايضا - ظاهرة في الجواز بلا كراهة، الا انه روى في الفقيه مرسلا، قال، نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عسبب الفحل، وهى


(1) الوسائل ج 12 ص 77 حديث: 2

[ 230 ]

اجرة الضراب (1) والظاهر ان هذا التفسير من كلام الصدوق، الذى يدخله غالبا في الاخبار. لكن بعض متأخرى مشائخنا المحققين وهو المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد اسند هذا الخبر الى الجمهور، قال: ويدل عليها - ايضا - خبر مروى من طريق الجمهور: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن عسيب الفحل، وحينئذ فيضعف الاعتماد عليه في تخصيص الخبرين المتقدمين. والمحقق المتقدم ذكره، قال - بعد ذكر الخبرين المشار إليها -: كأنه يفهم منهما كراهة اجر الضراب، فان التيس قيل فحل العنز انتهى اقول: لعل هذا التشبيه بالنظر الى قوله عليه السلام ان الناس أو العرب لتعاير به. ولا يخفى ما فيه من الغموض وعدم الظهور، بل ظهور في العدم اقرب. وبالجملة فانى لا اعرف للكراهة وجها وجيها. نعم لو ثبت الحديث النبوى المذكور من طرقنا لتم ما ذكروه والله العالم. الثالث: المشهور بين الاصحاب كراهية اخذ الاجرة على تعليم القرآن. قال في المنتهى: ويكره الاجر على تعليم القرآن وليس بمحظور، عملا بالاصل الدال على الاباحة، وبانها طاعة فيكره اخذ الاجرة عليها. وظاهرة: انه لا فرق بين الاشتراط وعدمه. وقال الشيخ في النهاية: يكره اخذ الاجرة على تعليم شئ من القرآن ونسخ المصاحف وليس بمحظور، وانما يكره إذا كان هناك شرط فان لم يكن هناك شرط فلا بأس. وكذا قال ابن البراج. وقال المفيد: لا بأس بالاجرة على تعليم القرآن والحكم كلها، والتنزه افضل. وقال أبو الصلاح: يحرم اجرة تعليم المعارف والشرايع وكيفية العبادة - الى ان قال - وتلقين القرآن.


(1) الوسائل ج 12 ص 77 حديث: 3

[ 231 ]

وقال في الاستبصار: يحرم مع الشرط ويكره بدونه. وقال ابن ادريس: يكره مع الشرط ولا بأس بدونه. وقال في المختلف -: الاقرب اباحته على كراهية، لنا الاصل الاباحة، ولان فيه منفعة تعليم القرآن وتعميم اشاعة معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولانه يجوز جعله مهرا فجاز اخذ الاجرة عليه، ولو حرمت الاجرة لحرم جعله مهرا. انتهى. اقول: والاخبار الواردة في هذه المسألة ظاهرة التنافى. فمنها: ما رواه المشايخ الثلاثة عن الفضل بن ابى قرة، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ان هؤلاء يقولون: ان كسب المعلم سحت. فقال: كذبوا - اعداء الله - انما ارادوا ان لا يعلموا اولادهم القرآن، ولو ان المعلم اعطاه رجل دية ولده لكان للمعلم مباحا (1). وما رواه في الكافي والتهذيب عن حسان المعلم، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن التعليم، قال: لا تأخذ على التعليم اجرا. قلت: الشعر والرسائل وما اشبه ذلك، اشارط عليه، قال: نعم، بعد ان يكون الصبيان عندك سواء في التعليم، لا تفضل بعضهم على بعض (2). وما رواه في التهذيب عن عمرو بن خالد، عن زيد بن على، عن ابيه عن آبائه عن على عليه السلام - ورواه في الفقيه مرسلا عن على عليه السلام - انه اتاه رجل فقال: يا امير المومنين والله انى لاحبك الله: فقال له: والله انى لابغضك لله. قال: ولم ؟ قال: لانك تبغى على الاذان كسبا، وتأخذ على تعليم القرآن اجرا (3). وزاد في التهذيب: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من اخذ على تعليم القران اجرا كان حظه يوم القيامة (4).


(1) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 1 (4) نفس المصدر

[ 232 ]

وفى الفقيه: وقال على عليه السلام: من اخذ على تعليم القرآن.. الحديث. وما رواه في التهذيب عن اسحاق بن عمار عن العبد الصالح، قال: قلت له: ان لى جارا يكتب، وقد سألني ان اسألك عن عمله، قال: مره إذ ادفع إليه الغلام ان يقول لاهله: انى انما اعلمه الكتاب والحساب واتجر عليه بتعليم القرآن حتى يطيب له كسبه (1). وعن جراح المدايني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المعلم لا يعلم بالاجر، ويقبل الهدية إذا اهدى إليه (2). وعن قتيبة الاعشى، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى اقرئ القرآن فيهدى إلى الهدية فاقبلها ؟ قال: لا قلت: انى لم اشارطه، قال: ارأيت لو لم تقرئ كان يهدى اليك ؟ قال: قلت: لا. قال: فلا تقبله (3). وعن جراح المدايني قال: نهى أبو عبد الله عليه السلام عن اجر القارى الذى لايقرء الا باجرة مشروطة. ورواه في الفقيه مرسرلا عنه عليه السلام قال نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اجر القارى.. الحديث (4). وفى الفقه الرضوي: واعلم ان اجرة المعلم حرام إذا شارط في تعليم القرآن. أو معلم لا يعلم الا قرآنا فقط، فحرام اجرته ان شارط ام لم يشترط. وروى عن ابن عباس في قوله تعالى: " اكالون للسحت قال: اجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن، وروى ان عبد الله بن مسعود جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله، اعطاني فلان الاعرابي ناقة بولدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يابن مسعود ؟ فقال: انى كنت علمته اربع سور من كتاب الله. فقال: رد عليه يا ابن مسعود، فان الاجره على القرآن.


(1) نفس المصدر ص 112 حديث: 3 (2) الوسائل ج 12 ص 113 حديث: 5 (3) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 4 (4) الوسائل ج 112 ص 113 حديث: 6 و 7

[ 233 ]

حرام. انتهى ما ذكره في الرضوي (1). والشيخ جمع بين الاخبار بحمل الرواية الاولى على عدم الاشتراط، والروايات المطلقة في المنع على الاشتراط. قال: لا تنافى بين هذا الحديث وبين الخبر الدال على اباحة اخذ الاجرة، لان الدال على التحريم محمول على انه لا يجوز له ان يشارط في تعليم القرآن اجرا معلوما، والخبر الاخر محمول على انه إذا اهدى إليه فانه يكون مباحا، لما رواه جراح المدايني - ثم ذكر الرواية المتقدمة - ثم نقل ما عارضها من رواية قتيبة الاعشى، وحملها على الكراهة. وهذا الكلام منه مؤذن بالتحريم مع الشرط، والكراهة مع عدمه. قال في المنتهى - بعد نقل مجمل كلام الشيخ -: وهذا التأويل من الشيخ يعطى انه يرى التحريم مع الشرط. ونحن نتوقف في ذلك. وانت خبير بان توقفه هنا مؤذن بالعدول عما صرح به في صدر المسأله، مما قدمنا نقله عنه. والمفهوم من كلام الاصحاب: هو العمل بالخبر الاول الدال على الجواز، وحمل الاخبار الاخر على الكراهة، اشترط أو لم يشترط. ولا يبعد عندي حمل جملة الاخبار الناهية عن الاجرة، والمبالغة في تحريمها، وانها سحت، على التقية، كما هو ظاهر الخبر الاول، بل صريحه. ويؤيده ما ذكره الاصحاب هنا من أصالة الحل، واشاعة معجزته صلى الله عليه وآله وسلم، فان القران هو اظهر معاجزه صلى الله عليه واله وسلم ولزوم اندراسه، فانك لا تجد احدا ينصب نفسه ويترك معاشه، وتحصيل الرزق له ولعياله، ويجلس لتعليم القرآن لاولاد الناس بغير اجرة تعود إليه. والى ما ذكرنا يشير قوله - عليه السلام - في الخبر الاول " انما ارادوا ان لا يعلموا


(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 435 باب: 26

[ 234 ]

اولادهم القرآن ". ومما يعضد ما ذكرنا كلام الرضا عليه السلام في كتاب الفقه، واستدلاله على ما ذكره، وتأييده بما نقله عن ابن عباس وابن مسعود، مما يدل على التحريم، فان عليه السلام في الكتاب المذكور كثيرا ما يجزى على ذلك، حيث ان اكثر من يحضره كان من المخالفين، كما نبه عليه بعض مشائخنا المتأخرين. وهذان المذكوران من المعتمدين عند العامة، والا فهو عليه السلام لا يرجع الى غير آبائه - عليهم السلام - وبالجملة فان ظواهر الادلة المانعة هو التحريم، والحمل على الكراهة، وان كان احدى القواعد التى جرى عليها الاصحاب في الجمع بين الاخبار. الا انك عرفت في غير مقام مما قدمناه في مجلدات كتاب الطهارة والصلاة، انه لادليل عليه. فاللازم اما القول بالتحريم، كما هو ظاهر هذه الاخبار، ورد الخبر الاول وطرحه مع تأيده بفتوى الاصحاب قديما وحديثا، وهذا مما لا يلزمه محصل. واما العمل بذلك الخبر المؤيد بفتوى الاصحاب، وطرح هذه الاخبار، أو حملها على ما ذكرناه من التقية. وهو الظاهر الذي عليه العمل. ولا بأس بالقول بالكراهة كما ذكروه (رضوان الله عليهم). واليه يشير قوله عليه السلام - في رواية عمرو بن خالد - " وسمعت رسول الله.. الخ " فانه لو كان الاجر محرما لم يقتصر على كونه حظه يوم القيامة، الذى هو عبارة عن عدم ايصال الثواب إليه، بل يكون مستحقا للعقاب لارتكابه فعلا محرما. فوائد الاولى: ما تضمنه خبر قتيبة الاعشى (1)، من النهى عن الاجرة للقرآن، ولو مع عدم الشرط، المؤذن بالتحريم، لم اقف على قائل به من الاصحاب، والموجود


(1) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 4

[ 235 ]

في كلامهم هو الكراهة مع الشرط، كما صرح به الشيخ وغيره. وقال في الدروس: فلو استأجره لقرائة ما يهدى الى ميت أو حى لم يحرم، وان كان تركها افضل. ولو صرفه إليه بغير شرط فلا كراهة، انتهى. وهو ظاهر خبر جراح المدايني الاخير. والظاهر: انهم بنوا في الصحة على العمومات الدالة على جواز الاجارة، لاسيما في العبادات، مثل الصوم والصلاة ونحوهما، كما مر تحقيقه في كتاب الصلاة في باب القضاء. وهو قوى. وحينئذ فالواجب حمل خبر الاعشى على تأكد الكراهة مع الشرط، والكراهة في الجملة مع عدمه، ولا ينافى ذلك خبر جراح المدايني المذكور، ولان غايته الجواز مع عدم الشرط، ولا ينا فيه كون ذلك على كراهية، مما دل عليه خبر قتيبة المذكور. وبه يظهر ان ما ذكروه من نفى الكراهة بالكلية مع عدم الشرط ليس في محله. والظاهر انهم بنوا ما ذكروه على خبر جراح المدايني المذكور وغفلوا عما دل عليه خبر قتيبة من النهى، ولو مع عدم الشرط. الثانية: ما تضمنه خبر حسان المعلم، من جواز اخذ الاجرة على تعليم الشعر والرسائل ونحوها من الاداب والحكم، كالعلوم الادبية من النحو والصرف والمنطق وعلم المعاني والبيان ونحوها، فالظاهر: انه لا اشكال ولا خلاف في جواز اخذ الاجرة عليه، مع الشرط وعدمه، عملا بالعمومات. ويخرج هذا الخبر شاهدا. واما العلوم الفقهية ففيها تفصيل بين الواجب منها وغيره، فتحرم الاجرة في الواجب من حيث الوجوب كما تقدم، للاخبار الدالة على وجوب التعليم (1)، ومنها: ما اخذ الله العهد على الجهال بان يتعلموا حتى اخذ على العلماء بان يعلموا. الثالثة: ما تضمنه الخبر المذكور من انه ينبغى مع الشرط ان يكون الصبيان عند المعلم سواء في التعليم، لا يفضل بعضهم على بعض، فينبغي تقييده بما إذا استوجر على تعليمهم على الاطلاق، اما لو تفاوتت الاجرة بالزيادة في التعليم و


(1) راجع: الكافي ج 1 ص 41

[ 236 ]

عدمها، فالظاهر: انه لا اشكال في جواز الزيادة لبعضهم على بعض، باعتبار ما زاده من الاجرة. وكذا لو وقعت الاجارة على تعليم مخصوص لهذا، وتعليم مخصوص للاخر، وهكذا. فانه لا بأس بزيادة بعضهم على بعض، عملا بما وقع عليه التراضي في الاجارة. هذا، وقد تقدم جملة من المكروهات، ويأتى منها انشاء الله تعالى في مواضعها. * * * وما عدا ما ذكر من المحرمات والمكروهات المتقدمة والمشار إليها، يكون من المباحات. وحيث كانت غير منحصرة في العد طوينا البحث (1) عنها، اكتفاء بما ذكرناه مما عداها، فان الشئ يعرف بمعرفة ما عداه وضبط ما نافاه. والله العالم.


(1) وهو البحث الثالث من البحوث التى وعد التكلم فيها في صدر المقال في ص 71. فقد تكلم عن المكاسب المحرمة. وعن المكاسب المكروهة. وطوى الكلام عن المكاسب المباحة. لعدم الحاجه إليه، بعد معرفة البحثين، فما عداهما هو من المباح، وهذا المقدار كاف من التكلم في شأنه. لان الشئ يعرف بضده.

[ 237 ]

المقدمة الرابعة في تحقيق مسائل تدخل في حيز هذا المقام، وتنتظم في سلك هذا النظام: الاولى: لو دفع انسان الى غيره مالا ليصرفه في قبيل، وكان المدفوع إليه منهم، فان علم عدم دخوله فيهم، ولو بقرينة مقامية، كأن يعين له حصة على حدة من ذلك، فلا اشكال في عدم جواز اخذه منه. وان علم دخوله فيهم، ولو بقرينة حالية، بان يصرح له بان الغرض وصوله الى هذا الصنف - مثلا - ايا كان، وكان هو منهم، فانه يجوز له الاخذ. ولا خلاف بين اصحابنا في الحالتين المذكورتين، وانما الخلاف مع عدم العلم باحد الامرين المذكورين. وقد اختلف كلامهم، بل كلام الواحد منهم في ذلك والمشهور هو الجواز. ذهب إليه الشيخ في النهاية، الا انه قيده بقدر ما يعطى غيره، وهكذا شرط من جوز له الاخذ. وفى المبسوط: منع من ذلك. وتبعه العلامة في المختلف. وفى المنتهى: اختار الجواز بقدر ما يعطى غيره. وبالجواز قال ابن ادريس في كتاب المكاسب، ومنع في كتاب

[ 238 ]

الزكاة. والمحقق في كتاب المكاسب من الشرايع جوز ذلك، ومنع في كتاب النافع. ولكل من القائلين علل اعتبارية زيادة على ما استند إليه من الاخبار. فمن قال بالجواز كالعلامة، علل ذلك بأصالة الجواز، وكون الوكيل متصفا بما عين له من اوصاف المدفوع إليهم، لانه المفروض. قال في المنتهى: لانه باطلاق الامر، وعدم التعيين قد وكل إليه وفوض إليه التعيين، ولا فرق بينه وبين غيره في الاستحقاق، إذ التقدير ذلك، فيجوز له التناول. ومن قال بالمنع، علل بان المخاطب لا يدخل في امر المخاطب اياه في امر غيره، فان الله تعالى إذا امر نبيه ان يأمر امته ان يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الامر. وانت خبير بما قدمناه في غير مقام، من عدم صلوح امثال هذه التعليلات لتأسيس الاحكام الشرعية، المبنية على الادلة الواضحة الجلية، بل القطعية. * * * واما الروايات الواردة في المسألة، فمنها: ما رواه في الكافي في الصحيح عن سعد بن يسار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعطى الزكاة يقسمها في اصحابه أيأخذ شيئا منها ؟ قال: نعم (1). وعن الحسين بن عثمان في الصحيح أو الحسن - بابراهيم بن هاشم - عن ابى ابراهيم عليه السلام، في رجل اعطى مالا يفرقه فيمن يحل له، أله أن يأخذ منه شيئا لنفسه، وان لم يسم له ؟ قال: يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطى غيره (2).


(1) الوسائل ج 6 ص 199 حديث: 1 باب: 40 (2) الوسائل ج 6 ص 200 حديث: 2

[ 239 ]

وعن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام، عن الرجل يعطى الرجل الدراهم يقسمها ويضعها في مواضعها، وهو ممن تحل له الصدقة، قال: لا بأس ان يأخذ لنفسه كما يعطى غيره. قال: ولا يجوز له ان يأخذ إذا امره ان يضعها في مواضع مسماة الا باذنه (1). وانما وصفنا هذه الرواية بالصحة وان كان في طريقها محمد بن عيسى عن يونس، وقد نقل عن القميين الطعن فيما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس، تبعا لجملة من مشائخنا المحققين المتأخرين، لعدم ثبوت ما ذكره القميون. وقد وصفها العلامة في المنتهى ايضا بالصحة، وهو ظاهر في عدم العمل بما نقل عنهم من الطعن المذكور. وانت خبير بما في هذه الروايات - مع صحتها - من وضوح الدلالة على القول المشهور، وهو المؤيد المنصور. ويؤيده ايضا ما رواه في التهذيب في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى عبد الله عليه السلام، في رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في المساكين، وله عيال محتاجون أيعطيهم منه من غير ان يستأمر صاحبه ؟ قال: نعم (2) واماما يدل على القول الثاني، فهو ما رواه الشيخ بالاسناد الاخير عن عبد الرحمن المذكور، قال. سألته عن رجل أعطاه رجل مالا يقسمه في محاويج أو مساكين، وهو محتاج، ايأخذ منه لنفسه ولا يعلمه ؟ قال: لا يأخذ منه شيئا، حتى يأذن له صاحبه: (3) وربما طعن بعضهم في هذه الرواية بالاضمار. والظاهر ضعفه، لما تقدم تحقيقه في غير مقام، من ان مثل هؤلاء الاجلاء لا يعتمدون في احكام دينهم على


(1) الوسائل ج 6 ص 200 حديث: 3 (2) الوسائل ج 12 ص 206 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 206 حديث: 3

[ 240 ]

غير الامام، ولما ذكره غير واحد من الاصحاب، في سبب الاضمار الواقع في الاخبار. على ان العلامة في التحرير اسندها الى الصادق عليه السلام، كما نقله في المسالك، قال: وهو شهادة الاتصال. ولعله رحمه الله اطلع على المسئول من محل آخر غير المشهور في كتب المحدثين. انتهى. وأنت خبير بان الرواية المذكورة وان كانت ظاهرة فيما ذكروه، الا انها معارضة بما هو اكثر عددا، من الروايات المتقدمة. ولهذا حملها الشيخ على الكراهة، ونفى عنه البأس في المسالك. واحتمل بعض مشايخنا رضوان الله عليهم ايضا الحمل على ما إذا علم ان مورده غيره، أو الاخذ زيادة على غيره ولا بأس بالجميع في مقام الجمع، وان بعد كل واحد منها في حد ذاته عن ظاهر الخبر. ولا يحضرني الان مذهب العامة في المسالة، فلعل هذه الرواية انما خرجت مخرج التقية. وظاهر شيخنا الشهيد في الدروس التوقف في المسألة، حيث اقتصر على نقل ادلة القولين، فقال: وفى جواز اخذه لنفسه رواية صحيحة، وعليها الاكثر، وربما جعله الشيخ مكروها، لرواية اخرى صحيحة بالمنع انتهى. والظاهر ان مراده بالرواية الاولى الجنس، والا فهى كما عرفت ثلاث روايات. فروع: الاول: ظاهر الشرط المذكور في روايتي حسين و عبد الرحمن وهو عدم الزيادة على غيره وجوب التسوية في القسمة على غيره من اصحاب ذلك القبيل، وانه لا يجوز له تفضيل بعضهم على بعض، لانه من جملتهم.

[ 241 ]

ويشكل ذلك في غير المحصورين كالفقراء فانه يجوز التفاضل مع عدم قرينة خلافه كما دلت عليه اخبار قسمة الزكاة، فان التسوية فيها غير واجبة، والمسألة هنا مفروضة فيما هو اعم من الواجب والندب. نعم لو كانوا محصورين امكن ذلك، كما صرحوا به في المال الموصى به لاشخاص معينين، مع امكان المناقشة هنا ايضا، لعموم الدليل وصدق التفريق مع التفاضل. وبالجملة فالظاهر: ان منع المأمور عن أخذ الزيادة على غيره لا يدل على وجوب التسوية. ولهذا قال العلامة في التحرير: وان لم يعين تخير في اعطاء من شاء من المحاويج كيف شاء، مع قوله في الكتاب المذكور بعدم تفضيله نفسه على غيره. واما الوصية، فثبوت ذلك فيها بدليل خاص ان كان، لا يقتضى ثبوته فيما لا دليل عليه. ولعل المراد بعدم تفضيله نفسه على غيره، مع القول بجواز التفضيل في القسمة، كما هو الظاهر هو انه متى وقعت القسمة بالتفضيل بالمزايا الموجبة كذلك، فينبغي ان يراعى المقسم نفسه بكونه من اهل المزايا الموجبة للتفضيل ام لا، فيأخذ بنسبة القبيل الذى هو منهم، لا يزيد على ذلك. الثاني: الظاهر انه لااشكال ولا خلاف على القولين المذكورين في انه يجوز له ان يدفع الى عياله وأقاربه، كما يدفع الى غيرهم، من تسوية أو تفاضل، اقتصارا في موضع المنع على مورد الروايات المتقدمة، وهو نفسه وتخرج صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الثانية شاهدة على ذلك.

[ 242 ]

الثالث: الظاهر: انه لافرق على القولين بين ان يقول له الامر: اقسمه أو اصرفه أو ادفعه إليهم أو ضعه فيهم أو نحو ذلك، لاشتراك الجميع عرفا في المعنى. ونقل عن بعضهم الفرق فجوز له الاخذ ان كانت الصيغة " ضعه فيهم " أو ما ادى هذا المعنى، ومنع من الاخذ إذا كانت الصيغة بلفظ " ادفعه " أو " اصرفه " أو نحوهما والظاهر ضعفه.

[ 243 ]

المسألة الثانية الظاهر: انه لا خلاف بين الاصحاب رضوان الله عليهم، في ان ما يأخذه السلطان الجائر باسم المقاسمة والخراج من الاراضي والغلات، وما يأخذه باسم الزكاة من الانعام والغلات ونحو ذلك ويجوز شراؤه، وقبول اتهابه. بل ظاهر كلام جملة من الاصحاب دعوى الاجماع على ذلك. ولم اقف على مخالف في الحكم المذكور، الا المقدس الاردبيلى في شرح الارشاد، وقبله الفاضل الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي اصلا، والحلى مسكنا، وهذا الشيخ كان معاصرا للمحقق الشيخ على بن عبد العالي الكركي، و جرت بينهما مناقشات ومباحثات، رد فيها كل منها على الاخر، منها هذه المسألة فان المحقق الشيخ على قد صنف فيها رسالة في حل الخراج، فصنف الشيخ ابراهيم ردا عليه رسالة في تحريمه. قال في المسالك - بعد قول المصنف: " ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة أو الاموال باسم الخراج عن حق الارض ومن الانعام باسم الزكاة، يجوز ابتياعه وقبول هبته، ولا يجب اعادته على اربابه وان عرف بعينه " ما صورته:

[ 244 ]

" المقاسمة: حصة من حاصل الارض، تؤخذ عوضا عن زراعتها. " والخراج: مقدار من المال يضرب على الارض أو الشجر حسبما يراه الحاكم. " ونبه بقوله " باسم المقاسمة واسم الخراج " على انهما لا يتحققان الا بتعيين الامام العادل. " الا ان ما يأخذه الجائر في زمن الغيبة قد اذن ائمتنا - عليهم السلام - في التناول منه. " واطبق عليه علماؤنا، لا نعلم فيه خلافا، وان كان ظالما في أخذه لاستلزام تركه والقول بتحريمه الضرر والحرج العظيم على هذه الطائفة. " ولا يشترط رضاء المالك، ولا يقدح فيه تظلمه ما لم يتحقق الظلم بالزيادة عن المعتاد اخذه من عامة الناس في ذلك الزمان. " واعتبر بعض الاصحاب في تحققهما اتفاق السلطان والعمال على القدر، و هو بعيد الوقوع والوجه. " وكما يجوز ابتياعه واستيهابه يجوز سائر المعاوضات. " ولا يجوز تناوله بغير اذن الجائر، ولا يشترط قبض الجائر له، وان افهمه قوله " ما يأخذه " فلو أحال به أو وكله في قبضه أو باعه وهو في يد المالك أو ذمته حيث يصح البيع كفى ووجب على المالك الدفع. " وكذا القول فيما يأخذه باسم الزكاة، ولا يختص ذلك بالانعام كما افادته العبارة، بل حكم زكاة الغلات والاموال كذلك. " لكن يشترط هنا ان لا يأخذ الجائر زيادة عن الواجب شرعا في مذهبه، و ان يكون صرفه لها على وجهها المعتبر عندهم، بحيث لا يعد عندهم عاصيا، إذ يمتنع الاخذ منه عندهم ايضا. " ويحتمل الجواز مطلقا، نظرا الى اطلاق النص والفتوى، ويجئ مثله في المقاسمة والخراج، لان مصرفها مصرف بيت المال، وله ارباب مخصوصون عندهم ايضا. " وهل تبرأ ذمة المالك من اخراج الزكاة مرة اخرى ؟ يحتمله، كما في

[ 245 ]

المقاسمة والخراج، مع ان حق الارض واجب لمستحق مخصوص، والتعليل بكون ذلك حقا واجبا عليه. " وعدمه، لان الجائر ليس نائب المستحقين فيتعذر النية، ولا يصح الاخراج بدونها. " وعلى الاول، تعتبر النية عند الدفع إليه كما تعتبر في سائر الزكوات. " والاقرب عدم الاجتزاء بذلك، بل غايته سقوط الزكاة عما يأخذه إذا لم يفرط فيه، ووجوب دفعه إليه اعم من كونه على وجه الزكاة أو المضى معهم في احكامهم والتحرز عن الضرر بمباينتهم. " ولو اقطع الجائر ارضا " مما تقسم أو تخرج، أو عاوض عليها، فهو تسليط منه عليها، فيجوز للمقطع له اخذها من الزراع والمالك، كما يجوز احالته عليه. " والظاهر: ان الحكم مختص بالجائر المخالف للحق، نظرا الى معتقده واستحقاقه ذلك عندهم، فلو كان مؤمنا لم يحل أخذ ما يأخذه منها، لاعترافه بكونه ظالما فيه، وانما المرجع حينئذ الى رأى الحاكم الشرعي. " مع احتمال الجواز مطلقا، نظرا الى اطلاق النص والفتوى. " ووجه التقييد: اصالة المنع الا ما أخرجه الدليل، وتناوله للمخالف متحقق، والمسؤول عنه للائمة - عليهم السلام - انما كان مخالفا للحق فيبقى الباقي. وان وجد مطلق فالقرائن دالة على ارادة المخالف منه، التفاتا الى الواقع أو الغالب. انتهى كلامه زيد اكرامه. وقال في الكفاية: والظاهر ان الائمة عليهم السلام لما علموا انتفاء تسلط السلطان العادل الى زمان القائم (عجل الله تعالى فرجه)، وعلموا ان للمسلمين حقوقا في الاراضي المفتوحة عنوة، وعلموا انه لا يتيسر لهم الوصول الى حقوقهم في تلك المدة المتطاولة الا بالتوسل والتوصل الى السلاطين والامراء، حكموا بجواز الاخذ منهم. إذ في

[ 246 ]

تحريم ذلك حرج وغضاضة عليهم وتفويت لحقوقهم بالكلية. انتهى. وقال المحقق الاردبيلى رحمه الله في شرح الارشاد - بعد قول المصنف ما تقدم نقله عن الشرايع ما صورته -: اعلم ان الخراج والمقاسمة هما المقدار المعين من المال، بمنزلة الاجرة في الارض الخراجية، أي المعمورة المفتوحة عنوة باذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الامام عليه السلام على المشهور. والمأخوذة بالصلح، بان يكون الارض للمسلمين ولهم السكنى، وهى لمصالح المسلمين، والامر فيها إليهم - صلوات الله عليهم - والمقاسمة: الحصة المعينة من حاصل تلك الارض، مثل العشر. والخراج: المال المضروب عليها غالبا، فلا يضر اطلاق الخراج على المقاسمة، كما ورد في بعض الروايات والعبارات، والامر في ذلك هين، فان المقصود ظاهر، لان المراد منهما ومن الطسق والقبالة واحد، وهو: ما يؤخذ من الارض المذكورة بمنزلة الاجرة، سوى الاجرة للعملة. وانما الاشكال في الاباحة وعدمها حال الغيبة أو حين الحضور، والامر واضح ظاهر والمعصوم يفعل ما يريد، وكذا تحقق الارض التى يؤخذ منها. ثم ساق الكلام في تحقيق الارض الخراجية الى ان قال: واما حليتهما يعنى الخراج والمقاسمة كما هو ظاهر اكثر العبارات، لكل احد مستحق لذلك كالمصالح ام لا، قليلا، كان لم كثيرا، بشرط عدم التجاوز عن العادة التى تقتضي كونهما اجرة، باذن الجائر مطلقا، سواء كان مخالفا أو موافقا، قبضهما ام لا، وعدمها بدون اذنه مع كونه جائرا وظالما في الاخذ والاذن، وعدم اباحتهما له، مع وجوب الدفع إليه والى من يأمره، وعدم جواز كتمان الرعية والسرقة منهما بوجه من الوجوه، مع كونهما اجرة للارض ومنوطة برأى الامام ورضاء الرعية كما هو في الاجارات، فهى بعيدة جدا ويدل على العدم العقل والنقل، ولا دليل عليها مع الاشكال في ثبوتها وتحققها في نفسها ثم العلم بها ثم ثبوتها بالنقل وحجيته. وما ادعى ولا نقل ايضا الاجماع صريحا، بل قيل: انه اتفاق - ونقل عبارات البعض في الرسالة

[ 247 ]

المدونة لهذه المسألة بخصوصها مع كثرة الاهتمام بتحقيقها واثبات الاباحة فيها - ثم قال: وهو اجماع. وفيه ما فيه لعدم ثبوت الاجماع بعبارات البعض مع خلو البعض عنه، ولهذا ترى بعض العبارات خالية عن هذه. وقد ذكر اباحة الشراء فقط. مثل عبارة نهاية الشيخ على ما نقل في هذه الرسالة. ويظهر من شرح الشرايع ايضا دعوى الاجماع في الجملة، فالسماع منهما مشكل وقد ادعى فيهما دلالة الاخبار المتظافرة عليه وما عرفتها وما فهمتها من خبر واحد، وكأنه لذلك ما ادى في المنتهى، بل استدل على ذلك بالضرورة ودفع الجرح، واثبات مثله بمثله بعيد، كما ترى. انتهى كلامه. اقول: والتحقيق - كما ستقف عليه انشاء الله تعالى -: ان ما استدل به من الاخبار على القول المشهور، منه ما هو ظاهر المقصود، ومنه ما يظهر منه ذلك، لكنه لا يفى بتمام ما ادعوه في هذا المقام، وما ذكره المانع ايضا في اكثر هذا المجال لا يخلو من البحث والاشكال. * * * وها انا اسوق لك ما استدل به للقول المذكور، مذيلا كل خبر بما يتعلق به من الكلام، بالذى يتجلى به غشاوة الابهام. فاقول - مستمدا منه تعالى العصمة من زيغ الافهام وزلل الاقدام -: (الاول) من الاخبار المشار إليها: ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن جميل بن صالح قال: ارادوا بيع تمر عين ابى زياد، فأردت أن اشتريه، ثم قلت حتى استأمر ابا عبد الله عليه السلام. فأمرت مصادفا فسأله فقال: قل له فليشتره، فانه ان لم يشتره اشتراه غيره (1). استدل به في المنتهى على جواز ابتياع المقاسمة والزكاة. وقال المحقق الشيخ على قدس سره في رسالته التى وضعها في المسألة: احتج بذلك في المنتهى على حلهما. ورده المحقق الاردبيلى، بعدم الدلالة على المطلوب، قال: ويمكن ان


(1) الوسائل ج 12 ص 162 حديث: 1 باب: 53

[ 248 ]

يكون المعنى جواز شراء مال الظلمة مع عدم العلم بالغصب بعينه، كما يدل عليه الاصل والاخبار الكثيرة الدالة على جواز اخذ جوائزهم مع كراهة ولكن تزول مع الضيق. انتهى. اقول: الحق هنا ما ذكره المحقق الاردبيلى رحمه الله، على انه قد روى في الكافي في باب نادر، آخر ابواب الزكاة، ما يدل على ان عين ابى زياد المذكورة في هذا الخبر كانت ملكا لابي عبد الله عليه السلام: روى فيه عن يونس أو غيره عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال قلت له: جعلت فداك، بلغني انك تفعل في غلة عين زياد شيئا فانا احب ان اسمعه منك. قال: فقال لى: نعم، كنت آمر إذا ادركت الثمرة ان يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا، وكنت آمر في كل يوم ان توضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة، كلما اكل عشرة جاء عشرة اخرى، يلقى لكل نفس منهم مد من رطب، و كنت آمر لجيران الضيعة كلهم، الشيخ والعجوز والمريض والصبى والمرأة، و من لا يقدر ان يجئ فيأكل منها، لكل انسان منهم مد، فإذا كان الجذاذ أوفيت القوام والوكلاء والرجال اجرتهم، واحمل الباقي الى المدينة ففرقت في اهل البيوتات والمستحقين، الراحلتين والثلاثة والاقل والاكثر على قدر استحقاقهم: وحصل لى بعد ذلك اربعمائة دينار، وكان غلتها اربعة آلاف دينار (1). ومن هذا الخبر يظهران الضيعة المذكورة كانت له عليه السلام ثم اغتصبت منه، وان استيماره عليه السلام في الشراء من ثمرتها انما هو من حيث كونه له عليه السلام. ولعل المعنى في جوابه عليه السلام وقوله للسائل: ان لم يشتره اشتراه غيره، بمعنى ان تركه شراءه لا ينفع في قلع الظالم عن ظلمه وارتداعه، فان غيره يشتريه، نعم لو اتفق الناس على عدم شرائه، لربما كان ذلك رادعا لهم عن الظلم، كما تقدم في خبر على بن ابى حمزة، في المسألة الثالثة من المقام الثالث من مقامات المقدمة


(1) الكافي ج 3 ص 569 حديث: 2

[ 249 ]

الثالثة، من قوله عليه السلام: لو لم يجد بنو امية من يحضر جماعاتهم، ويجبئ لهم الخراج ويكتب لهم، ما غصبونا حقنا (1). ولا ينافى ما ذكرنا اشتمال الخبر الاول على تسمية الضيعة المذكورة بعين ابى زياد، وتسميتها في هذا الخبر بعين زياد، فان مثل هذا التجوز كثير في الكلام. واما قوله في الوافى - بعد ذكر الخبر الاول في كتاب المتاجر - " أبو - زياد كان من عمال السلطان " فهو تخرص، وانما هو اسم الصيغة المذكورة، وكأنه غفل عن الخبر الذى نقلناه، وهو قد قدمه في كتاب الزكاة. وبالجملة فان الخبر المذكور لا دلالة فيه على ما ادعوه من حل الخراج و المقاسمة ونحوهما بوجه، وقصاراه - مع قطع النظر عما ذكرناه - هو ما ذكره المقدس الاردبيلى رحمه الله. * * * (الثاني): ما رواه الشيخ، في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج، قال: قال لى أبو الحسن عليه السلام: مالك لا تدخل مع على في شراء الطعام، انى اظنك ضيقا، قال: قلت: نعم، فان شئت وسعت على، قال: اشتره (2). وانت خبير بما فيه من الاجمال المانع من صحة الاستناد إليه في الاستدلال، إذ لا تعرض فيه - ولو بالاشارة - الى كون ذلك الطعام من وجه الخراج أو المقاسمة أو الزكاة بوجه، ومجرد احتمال كون المقام من احد هذه الوجوه لا يكفى في الدلالة. (الثالث): ما رواه في الكافي والتهذيب عن الحذاء عن الباقر عليه السلام قال:


(1) نقله هنا بالمعنى. راجع: ص 125 من هذا المجلد، والوسائل ج 12 ص 144 - 145 (2) الوسائل ج 12 ص 161 حديث: 1

[ 250 ]

سألته عن الرجل منا يشترى من السلطان من ابل الصدقة وغنمها وهو يعلم انهم يأخذون منهم اكثر من الحق الذى يجب عليهم. قال: فقال: ما الابل والغنم الامثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس، به حتى تعرف الحرام بعينه. قيل له: فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات اغنامنا، فنقول: بعناها فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه، ؟ فقال: ان كان قد أخذها أو عزلها فلا بأس فقيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه فيعز له بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه ؟ فقال: ان كان قبضه بكيل وانتم حضور ذلك فلا باس بشرائه منه من غير كيل (1). واعترض المحقق الاردبيلى على هذه الرواية، بانه لادلالة فيها على اباحة المقاسمة بوجه من الوجوه، ولكن لها دلالة على جواز شراء الزكاة، ولهذا جعلها في المنتهى دليلا عليه فقط، وفى الدلالة - ايضا - تأمل، إذ لادلالة في قوله " لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه " الا انه يجوز شراؤ ما كان حلالا بل مشتبها ايضا، ولا يجوز شراؤ ما هو معروف انه حرام، ولا يدل على جوار شراء الزكاة بعينها صريحا. نعم ظاهرها ذلك، ولكن لا ينبغى الحمل عليه، لمنافاته العقل والنقل. ويحتمل ان يكون سبب الاجمال التقية ويؤيده عدم الحمل على الظاهر: انه غير مراد بالاتفاق، إذ ليس بحلال ما أخذه الجائر فتأمل انتهى. واجاب عن ذلك في الكفاية، فقال - بعد نقل هذا الكلام -: وفيه نظر، لان السؤال وقع عن اصل الصدقة والجواب: انه لا بأس به، لانه يحتمل ان يكون مفروضا في غيره، لكن لما فرض السائل انه يعلم انهم يأخذون اكثر من الحق، فقد فرض وقوع الحرام في الصدقات التى في ايديهم، فوقع الحاجة الى الاستثناء الذى فعله عليه السلام، وكان غرض السائل كان متعلقا باستعلام الحكم باعتبار الاختلاط المذكور،


(1) الوسائل ج 12 ص 162 حديث: 5

[ 251 ]

وكان جواز شراء اصل الصدقة مستغنيا عن البيان عنده. ثم قوله: لا ينبغى الحمل عليه لمنافاته العقل والنقل، محل نظر. إذ لا اعرف دليلا عقليا ولا نقليا يدل على ما ذكروه حتى يقع الحاجة الى التأويل أو الحمل على التقية، إذ ذلك غير سائغ. ودعوى الاتفاق الذى ذكره غير ظاهر. انتهى. اقول: اما ما ذكره الاردبيلى - رحمه الله - من عدم دلالة الرواية على اباحة المقاسمة بوجه، فجيد، الا انه من المحتمل قريبا، ان المراد بالقاسم في قوله " يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا " هو الاخذ لمال المقاسمة، لانك قد عرفت ان المقاسمة حصة من حاصل الارض تؤخذ عوضا عن زراعتها. بقرينة التعبير عن آخذ الزكاة في صدر الخبر بالمصدق، أي جامع الصدقات الا ان الخبر غير صريح في ذلك، لاحتمال الحمل على قسمه حق الزكاة ايضا، وان عبر عنه اولا بعبارة اخرى. واما ما ذكره من التأمل في جواز شراء الزكاة بالتقريب الذى ذكره، فليس بجيد. والحق هنا هو: ما ذكره في الكفاية، فان سوق الكلام ظاهر فيه. واما ما ذكره الاردبيلى - قدس سره - من الاعتراف بان الجواز ظاهر فيه الرواية لكن لا ينبغى الحمل عليه لمنافاته العقل والنقل فغير بعيد، بل هو محتمل احتمالا قريبا. وقول صاحب الكفاية: انه لا يعرف دليلا عقليا ولا نقليا يدل على ما ذكره فيه: ان الظاهر ان مراد المحقق المذكور بالدليل العقلي والنقلى في هذا المقام، انما هو مادل على قبح التصرف في مال الغير الا باذنه، فان العقل والنقل متطابقان على ذلك. وما نحن فيه من جملة ذلك، الا ان يقوم الدليل على ما ادعوه في هذه المسألة من الحلية، فيكون موجبا لخروج هذا الفرد، والافلا. ومن اجل منافاة ظاهر هذه الرواية لما ذكره، من دلالة العقل والنقل على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه حملها على التقية، ثم ايده بما ذكره من ان ظاهرها غير مراد بالاتفاق. ومراده الاتفاق على ان ما يأخذه الجائر محرم عليه. وهو كذلك، فان القائلين بالحل يعترفون بذلك، ولكن يدعون ان الائمة - عليهم السلام -

[ 252 ]

قد اذنوا ورخصوا في جواز شرائه وقبول هبته ونحو ذلك، فقول صاحب الكفاية هنا ايضا: ان دعوى الاتفاق الذى ذكره فيه غير ظاهر، غفلة أو تغافل. وبالجملة، فان غاية ما يدل عليه ظاهر الرواية المذكورة: جواز الشراء من الزكاة التى يأخذونها من الانعام كانت أو من الغلات، مع معارضة ذلك بالادلة الدالة على المنع من التصرف في مال الغير الا باذن صاحبه. وتلك الادلة قطعية تضعف هذه الرواية عن معارضتها لدلالة العقل والنقل، كتابا وسنة، والاجماع على ذلك. الا ان ظاهر جملة من الاخبار الاتية مما يعضد هذه الرواية. وبذلك يجب تخصيص الادلة المذكورة بهذه الاخبار، مع قطع النظر عن هذه المعارضة. فغاية ما تدل عليه هو جواز الشراء من الزكاة إذا اخذه الجائر قهرا، فلا دلالة فيها على الجواز في غيرها، الا على الاحتمال المتقدم، ولا على جواز دفع الزكاة إليهم اختيارا، كما يدعونه في المسألة ايضا. وقال الاردبيلى - رحمه الله - ايضا: وعلى تقدير دلالتها على جواز الشراء من الزكاة فلا يمكن ان يقاس عليه جواز الشراء من المقاسمة، وعلى تقديره ايضا لا يمكن ان يقاس عليه جواز قبول هبتها وساير التصرفات فيها مطلقا كما هو المدعى، إذ قد يكون ذلك مخصوصا بالشراء بعد القبض، بسبب لا نعرفه كساير الاحكام الشرعية. الا ترى ان اخذ الزكاة لا يجوز منهم مطلقا. ويجوز شراؤها منهم. وقال في الكفاية - في الجواب عن هذا الكلام -: اما لو سلمنا ان اخذ السلطان وجمعه حق الخراج من الارضين حرام مطلقا، حتى لو كان مقصوده جمع حقوق المسلمين وصرفه في مصارفه الشرعية بقدر طاقته، كان حراما ايضا، لكن لا نسلم ان اعطاءه لاحد في هذه الصورة هبة أو غير ذلك حرام، إذا كان الاخذ مستحقا لفقره أو كونه من مصالح المسلمين، كالغازي والقاضى والذى له مدخل في امور الدين، وان كان الاخذ حراما اولا. ولا اجد - بحسب نظرى - دليلا على ذلك ولا الاصل يقتضيه. انتهى.

[ 253 ]

اقول: فيه ان الخصم يدعى ان الجائر هنا غاصب، للديل العقلي والنقلى الذى تقدمت الاشارة إليه " انه لا يحل مال امرء الا باذنه " فجميع تصرفاته المتفرعة على هذا الغصب باطلة شرعا، وهو قد وافق على تحريم اخذه لهذا المال، فكيف يصح تصرفاته بالهبة له ونحوها. نعم قام الدليل - بناء على تسليم القول بالرواية المذكورة - على جواز الشراء منه في الصورة المذكور، فيجب استثناء ذلك بالنص، ويبقى ما عداه على حكم الاصل، من قبح التصرف في مال الغير. وبالجملة، فان الحق هنا فيما ذكره المحقق الاردبيلى - رحمه الله عليه - وكلام صاحب الكفاية هنا ظاهر القصور. وبذلك يظهر لك ايضاما في قوله في الكفاية: ثم يظهر من الحديث ان تصرف العامل بالبيع جائز، إذ لو كان حراما لكان الظاهر ان يكون الشراء منه حراما ايضا، لكونه اعانة على الفعل المحرم، وحيث ثبت ان التصرف بنحو البيع والشراء جائز، ظهر ان اصل التصرف فيه ليس بحرام. وفيه - زيادة على ما عرفت -: ان قضية تحريم الاخذ على الجائر، المتفق عليه، الموجب لكون ذلك غصبا، هو اجراء احكام الغصب على هذا المأخوذ من وجوب رده على المالك، وتحريم التصرف فيه باى نحو كان. هذا هو الموافق للقواعد الشرعية والضوابط المرعية. نعم قام الدليل - بناء على تقدير تسليمه - على جواز الشراء فوجب استثناؤه من ذلك، فكيف يمكن ادعاء حل البيع للبايع ونحوه بمجرد دلالة الرواية على جواز الشراء، مع ان جواز الشراء باطل بمقتضى القواعد التى ذكرناها. ولكنا انما صرنا الى اخراجه، بهذه الرواية. وبالجملة فان الحكم على خلاف مقتضى الاصول، فيجب الاقتصار فيه على مورد النص. ولو تمت هذه الدعوى التى ادعاها، من ان جواز الشراء مستلزم لحل

[ 254 ]

جميع التصرفات، لامكن ايضا ان يدعى ان جواز الشراء مستلزم لحل اخذ الجائر لهذا المال، حيث انه لم يعهد في القواعد الشرعية تحريم الغصب وحل التصرف في المغصوب، فمتى دل الدليل على جواز التصرف كان مستلزما لحل الاخذ وعدم تحريمه، مع انه خلاف الاتفاق في المقام. ولحق هو ما تقدمت إليه الاشارة، في كلام المحقق المتقدم ذكره، من انه قد يكون ذلك مخصوصا بالشراء بعد القبض بسبب لا نعرفه كساير الاحكام الشرعية. وبالجملة، فان كلام صاحب الكفاية هنا، عند من عض على المسألة بضرس قاطع، مما يحسبه الظمآن ماء أو هو سراب لامع، وكيف كان فان هذه الرواية من معتمدي ادلة القول المشهور، وهو على ما ترى من القصور، بالنسبة إلى الخراج. والمقاسمة، واما بالنسبة إلى الزكاة فقد تحقيق القول. فيها. * * * (الرابع): ما رواه في التهذيب عن ابى بكر الحضرمي، قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام وعنده اسماعيل ابنه فقال: ما يمنع ابن ابى السماك ان يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطى الناس ؟ ثم قال لى: لم تركت عطاءك ؟ قلت: مخافة على دينى ! قال: ما منع ابن ابى السماك ان يبعث اليك بعطائك، اما علم ان لك في بيت المال نصيبا ؟ (1) قال الاردبيلى - رحمه الله، بعد نقله الرواية -: ليس فيها دلالة اصلا، الاعلى جواز اعطاء مال من بيت المال الذى هو لمصالح المستحقين من الشيعة. واين هذا من الدلالة على جواز اخذ المقاسمة من الجائر على العموم الذى تقدم. والعجب انه (2) قال - في المنفردة -: هذا نص في الباب، لانه عليه السلام بين ان لا خوف للسائل على دينه إذ لم يأخذ الا حقه من بيت المال. وقد ثبت في الاصول: تعدى الحكم بتعدى العلة - المنصوصة وانا ما فهمت هنا منها دلالة ما، كيف وغاية دلالتها ما ذكر، وذلك


(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 6 (2) الضمير يعود الى " الشيخ على " الذى الف رسالة منفردة في هذه المسألة.

[ 255 ]

قد يكون من بيت المال الذى يجوز اخذه واعطاوه للمستحقين، مثل ان يكون منذورا أو وصية لهم بان يعطيه ابن ابى المساك أو غير ذلك ثم اطال الكلام. اقول: لا يخفى على المتتبع للسير والاثار، والمتطلع في كتب الاخبار: ان بيت المال المذكور في امثال هذا المقام، انما هو المشتمل على الاموال المعدة لمصالح المسلمين وارزاقهم، كما يدل عليه اخبار اعطاء المؤذن والقاضى، والديات التى يعطى من بيت المال ونحو ذلك. وليس في الاموال التى يأخذها الامام عادلا ام جائرا، ويكون في بيت المال، ما يكون كذلك الامال الخراج والمقاسمة، والا فالزكاة لها ارباب مخصوصون. واحتمال الحمل على ما ذكره من بيت المال يكون منذورا أو وصية، عجيب من مثله رحمة الله عليه، لا سيما مع ما صرح به غير واحد من المحققين، من ان الاطلاق الواقع في الاخبار انما يحمل على الافراد الشايعة المتكثرة لها وانها هي التى ينصرف إليها الاطلاق دون الفروض النادرة. وبالجملة فان مناقشته هنا في بيت المال، بالحمل على غير ما ذكرناه ضعيفة. واما كون احد مصاريف بيت المال ارتزاق الشيعة أو هم مع غيرهم، فالاخبار به اكثر من ان ياتي عليها المقام، كما لا يخفى على المتتبع للاخبار بعين التحقيق والاعتبار. وبالجملة فان الخبر المذكور، بمعونة غيره من الاخبار في جواز ارتزاق الشيعة من بيت المال، مما لا يحوم حوله الاشكال، وان كانت ابواب المناقشة منسدة في هذا المجال. والظاهر - ايضا - من قوله " ما يمنع ابن ابى السماك ان يخرج شباب الشيعة " أي الى جباية الخراج وجمعه ويعطيهم ما يعطى غيرهم، والظاهر ان الرجل المذكور كان منصوبا من قبل الخليفة على جمع الخراج وحفظه وخزنه في بيت المال وقسمته. ومراده عليه السلام حث الرجل المذكور على نفع الشيعة وصلتهم، بجعلهم

[ 256 ]

اعوانا له على جمع الخراج ليحصل لهم اجرة ذلك. وجواز اخذ الشيعة من بيت المال الذى قد عرفت انه الخراج والمقاسمة. هذا هو ظاهر الخبر و سياقه. وكيف كان، فان الخبر وان كان ظاهره ما ذكرناه، الا انه لا يفى بتمام ما ادعوه في هذا المقام، مما تقدمت الاشارة إليه في كلام المحقق الاردبيلى * * * (الخامس): ما رواه في الكافي والتهذيب عن اسحاق بن عمار، في الموثق قال: سألته عن الرجل يشترى من العامل وهو يظلم، فقال: يشترى منه ما لم يعلم انه ظلم فيه احدا (1). قال المحقق المتقدم ذكره: ولا دلالة فيها اصلا الا على شراء شئ لا يكون ظلم فيه احدا، فالاستدلال بها على المطلوب بعيد. انتهى. اقول: الظاهر ان الاستدلال بهذه الرواية بتقريب: ان العامل - في الخبر المذكور - شامل لمن يجبى المقاسمة ويجمعها، فيكون الخبر من حيث العموم دالا على جواز الشراء من المقاسمة، ما لم يعلم انه ظلم فيه احدا. والاستدلال بالخبر انما هو بالنظر الى عموم العامل لمن قد ذكرناه، لا من حيث شراء شئ لا يكون فيه ظلم، كما ذكره حتى ينتفى بذلك الاستدلال به. و الخبر - بهذا التقريب - صالح للاستدلال، كما لا يخفى. * * * (السادس): الاخبار الدالة على جواز قبالة الخراج والجزية. استدل بها في الكفاية. ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح. عن اسماعيل بن الفضل، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل يتقبل بخراج الرجال وجزية رؤوسهم و


(1) الوسائل ج 12 ص 163 حديث: 2 باب: 53

[ 257 ]

خراج النخل والشجر والاجام والمصايد والسمك والطير، وهو لا يدرى لعل هذا لا يكون ابدا أو يكون، أيشتريه، وفى أي زمان يشتريه، ويتقبل منه ؟ فقال: إذا علمت ان من ذلك شيئا واحدا قد ادرك فاشتره وتقبل به (1). وما رواه الكليني و الشيخ في الموثق عن اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن ابى عبد الله عليه السلام، في الرجل يتقبل بجزية رؤوس الرجال وبخراج النخل والاجام والطير، وهو لا يدرى و لعله لا يكون. الخبر المتقدم بادنى تفاوت. قال: وظاهره ان غرض السائل متعلق بالسؤال من حيث انه لا يدرى، يكون من ذلك شئ ام لا، ولهذا لم يذكر خراج الارض، فكأن اصل الجواز من حيث كون ذلك خراجا أمر مسلم عندهم. ومنها: ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام، في جملة حديث قال: لا بأس بان يتقبل الرجل الارض واهلها من السلطان، وعن مزارعة اهل الخراج بالربع والنصف والثلث، قال: نعم لا باس به، وقد قبل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خيبر، أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالجز، و الجز هو النصف (2). اقول: لا يخفى ان غاية ما تدل عليه هذه الاخبار - بناء على ما ذكره - هو انه يجوز للانسان ان يتقبل من السلطان الجزية التى على رؤوس اهل الذمة، وهى المشار إليها بخراج الرجال في صدر الخبر، فيكون العطف تفسيريا، وكذا خراج النخل ونحوه مما ذكر من الارض الخراجية، بأن يستاجر من السلطان ما يأخذه من هذه الاشياء المعدودة، بمبلغ معين يدفعه إليه. وفيها دلالة على حل ذلك وان كان من الجائر، واشارة الى ان حكم تصرف الجائر في هذه الارض حكم تصرف


(1) الوسائل ج 12 ص 264 حديث: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: 8

[ 258 ]

الامام العادل، ردا على القول الاخر. الا انه لا يفى بتمام ما ادعاه الاصحاب في المقام مما تقدمت الاشارة إليه. ونحو هذه الروايات ايضا فيما قلناه ما رواه في الكافي والتهذيب عن اسماعيل ابن الفضل عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل استأجر من السلطان ارض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام مسمى، ثم آجرها وشرط لمن يزرعها ان يقاسمه النصف أو اقل من ذلك أو اكثر، وله في الارض بعد ذلك فضل، ايصح له ذلك ؟ قال نعم، إذا حفر لهم نهرا أو عمل لهم شيئا يعينهم بذلك، فله ذلك، قال: وسألته عن رجل استأجر ارضا من ارض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام معلوم فيواجرها قطعة قطعة أو جريبا جريبا بشئ معلوم، فيكون له فضل فيما استأجره من السلطان، ولا ينفق شيئا. أو يواجر تلك الارض قطعا على ان يعطيهم البذر والنفقة فيكون له في ذلك فضل على اجارته، وله تربة الارض لو ليست له ؟ فقال له: إذا استأجرت ارضا فانفقت فيها شيئا أو رممت فيها، فلا بأس بما ذكرت (1). ومنها ما رواه في الفقيه مرسلا، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل استأجر ارض الخراج... الحديث (2). وما رواه في الكافي والتهذيب عن الفيض بن المختار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول في الارض أتقبلها من السلطان ثم أو اجرها اكرتى على ان ما اخرج الله منها من شئ، كان لى من ذلك النصف أو الثلث بعد حق السلطان قال: لا بأس به كذلك أعامل اكرتى (3). وبالجملة فان هذه الروايات - باعتبار ما دلت عليه جواز قبالة الخراج و


(1) الوسائل ج 12 ص 261 حديث: 3 و 4 (2) الوسائل ج 12 ص 262 (3) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 3

[ 259 ]

الارض الخراجية، مع ما تقدم في رواية ابى بكر الحضرمي، وما ذيلناها به، و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم في حكم الزكاة وجواز شرائها - مما يثمر الظن الغالب بجواز تناول الخراج والمقاسمة من الجائر، وان تصرفه في ذلك يجرى مجرى تصرف الامام عليه السلام. لكن لا في جميع الوجوه التى ذكروها، من انه لا يحل انكار ذلك عنه، و لا خيانته فيه ولا سرقته ونحو ذلك. حيث ان غاية ما يفهم من هذه الروايات: هو التوصل الى الانتفاع من هذه الاراضي الخراجية، وخراجها بقبول ذلك من الجائر، والاستيجار منه، والشراء من مال الخراج والزكاة التى قبضها. واما ما ذكروه من الزيادة على ذلك من عدم جواز انكاره، ووجوب دفعه له، فربما دلت بعض الاخبار على خلافه، مثل صحيحة عيص بن القاسم، عن ابى عبد الله عليه السلام في الزكاة، قال: ما أخذه منكم بنو امية فاحتسبوا به، ولا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فان المال لا يبقى على هذا ان يزكيه مرتين (1). والرواية وان كان موردها الزكاة خاصة، الا ان فيها اشارة الى انه لا يجوز، دفع الحقوق الشرعية لغير مستحقها واهلها، لاسيما مع ما يستلزمه من اعانة الظلمة، الذى تقدم التصريح بتحريمه. والى ذلك ايضا تشير صحيحة زيد الشحام، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ان هؤلاء المصدقين يأتوننا فيأخذون الصدقة فنعطيهم اياها أتجزى عنا ؟ قال: لا، انما هولاء قوم غصبوكم - أو قال ظلموكم - اموالكم، وانما الصدقة لاهلها (2). وحمله الشيخ على استحباب الاعادة، جميعا بينه وبين ما يدل على الاجزاء من الاخبار. وقد تقدمت في كتاب الزكاة.


(1) الوسائل ج 6 ص 174 حديث: 3 (2) الوسائل ج 6 ص 174 حديث: 6. والراوي هو زيد بن يونس أبو - اسامة الشحام

[ 260 ]

والاظهر في وجه الجمع. انما هو حمل ما دل على الاجزاء على عدم التمكن من انكارها ومنعها، وانما تؤخذ منه قهرا. وما دل على العدم على من تمكن من عدم الدفع ودفعها لهم اختيارا، كما تدل عليه صحيحة العيص المذكورة. و الله العالم. (السابع): الاخبار الدالة على جواز اخذ جوائز خلفاء الجور. ومنها: ما رواه في التهذيب عن يحيى بن ابى العلا عن ابى عبد الله عليه السلام عن ابيه عليه السلام: ان الحسن والحسين - عليهما السلام - كانا يقبلان جوائز معاوية (1) ونحوها من الاخبار الاتية في المسألة التالية انشاء الله. وانت خبير بما فيه من الضعف الغنى عن التنبيه.


(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 4

[ 261 ]

المسألة الثالثة لا اشكال ولا خلاف في حل جوائز السلطان وجميع الظلمة، على كراهية ما لم يخبره بأن ذلك من ماله، فانه لا كراهة. وما لم يعلم بكونه حراما فيجب رده على مالكه، أو الدقة به عنه. ويدل على الثالث: ما تقدم في مسألة تحريم معونة الظالمين، من رواية على ابن ابى حمزة (1). وعلى الاول والثانى: أصالة الحل، المدلول عليها الاخبار المتكاثرة، و قد تقدم شطر منها في مقدمات الكتاب. وعلى الكراهة في الاول: وقوع الشبهة فيها، باحتمال كونها من الحرام أو دخول الحرام في تلك الجزائز، لعدم تورع الدافع لها، مع عدم اخباره بالحل. ولهذا صرح الاصحاب باستحباب اخراج الخمس منها، من حيث احتمال الاختلاط، وخروج الخمس محلل للمال المختلط حلاله بحرامه. قال في المتتهى: ولو لم يعلم حراما جاز تناولها وان كان المجيز لها ظالما،


(1) تقدمت في صفحة: 125 من هذا الجزء.

[ 262 ]

وينبغى له ان يخرج الخمس من جوائز الظالم، ليطهر، بذلك ماله، لان الخمس يطهر المختلط بالحرام فيطهر، ما لم يعلم فيه الحرام. وينبغى ان يصل اخوانه من الباقي بشئ وينتفع هو بالباقي. اقول: ومن الاخبار الواردة في المقام ما تقدم قريبا من خبر يحيى بن ابى العلا (1). وما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح، عن ابي ولاد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في الرجل يلى اعمال السلطان ليس له كسب الا من اعمالهم، وانا أمر به وانزل عليه فيضيفني ويحسن الى، وربما امر لى بالدراهم، والكسوة، وقد ضاق صدري من ذلك ؟ فقال لى: كل وخذ منه، لك المهنا وعليه الوزر (2). وما رواه في الفقيه عن ابى المعزا، قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام وانا عنده، فقال: اصلحك الله امر بالعامل أو اتى العامل، فيجيزني بالدراهم آخذها ؟ قال: نعم، وحج بها (3). ورواه الشيخ في الصحيح مثله بدون قوله " أو اتى العامل ". وما رواه الشيخ عن محمد بن هشام أو غيره، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام امر بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها ؟ قال: نعم. قلت: واحج منها ؟ قال: نعم حج منها (4). وعن محمد بن مسلم وزراره قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها


(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 156 حديث: 1 باب: 51 (3) الوسائل ج 12 ص 156 حديث: 2 (4) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 3

[ 263 ]

بأس (1). وعن عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل ؟ قال: لا، الا ان لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب، ولا يقدر على حيلة، فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه الى اهل البيت - عليهم السلام - (2). وما رواه في الكافي عن عمر اخى عذافر، قال: دفع الى انسان ستمأة درهم أو سبعمأة درهم لابي عبد الله عليه السلام فكانت في جوالقى، فلما انتهيت الى الحفيرة شق جوالقى وذهب بجميع ما فيه، ورافقت عامل المدينة بها، فقال: انت الذى شق جوالقك وذهب بمتاعك ؟ قلت: نعم. قال: إذا قدمنا المدينة فأتنا نعوضك. قال فلما انتهينا الى المدينة، دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فقال: يا عمر شقت زاملتك وذهب بمتاعك ؟ فقلت: نعم. فقال: ما اعطاك الله تعالى خير مما اخذ منك - الى ان قال - فائت عامل المدينة فتنجز منه ما وعدك، فانما هو شئ دعاك الله إليه لم تطلبه منه (3). الى غير ذلك من الاخبار الدالة على صلة خلفاء بنى العباس للائمة - عليهم السلام - وقبولهم ذلك منهم. فوائد الاولى: ما ذكره الاصحاب - رضوان الله عليهم - من كراهة هذه الجوائز. لما تقدم ذكره، ربما نافاه الاخبار الدالة على قبولهم - عليهم السلام - لجوائز


(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 5 (2) الوسائل ج 12 ص 146 حديث: 3 (3) الوسائل ج 12 ص 158 حديث: 8

[ 264 ]

خلفاء الجور، وقد تقدم خبر قبول الحسن والحسين عليهما السلام لجوائز معاويه، و مثله ما رواه في كتاب الاحتجاج في حديث: انه كان يبعث الى الحسين عليه السلام في كل سنة الف الف درهم سوى عروض وهدايا من كل ضرب (1). ويمكن الجواب عن ذلك، بوجوه: (احدها): ان الارض وما فيها لهم - عليهم السلام - كما دلت عليه جملة من الاخبار التى قدمناها في كتاب الخمس (2) فكيف بما في ايدى هؤلاء الفجرة من ذلك. و (ثانيها): انه من المحتل - قريبا - ان قبولهم لها لا يستلزم اكلهم منها، فيجوز ان يتصدقوا بها، لانها من مال المسلمين فيصرفونها عليهم. ويدل على ذلك: ما رواه في العيون عن صاحب الفضل بن الربيع، عن ابى الحسن موسى عليه السلام، في حديث: ان الرشيد بعث إليه بخلع وحملان ومال. فقال: لا حاجة لى بالخلع والحملان والمال، إذا كان فيه حقوق الامة. فقلت: ناشدتك بالله ان لا ترده فيغتاظ. قال: اعمل به ما أحببت (3). وفى خبر آخر، ان الرشيد امر ان يحمل بين يديه خلع وبدرتان دنانير. فقال عليه السلام: والله لو لا انى ارى من ازوجه بها من عزاب بنى ابى طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها (4). وروى في الكافي عن محمد بن قيس بن رمانة قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فذكرت له بعض حالى، فقال: يا جارية هاتى ذلك الكيس، هذه اربعمأة دينار


(1) الوسائل ج 12 ص 159 حديث: 14 (2) الجزء 12 ص 234 من هذه الطبعة. (3) الوسائل ج 12 ص 158 حديث: 10 (4) الوسائل ج 12 ص 159 حديث: 11

[ 265 ]

وصلنى بها أبو جعفر، فخذها وتفرج بها (1) الحديث. و (ثالثها): جواز فعلهم للمكروه احيانا، كما دلت عليه جملة من الاخبار لبيان جوازه، وانهم لو امتنعوا من قبول ذلك امتنع الناس التابعون لهم بامتناعهم منه اقتداء بهم، ولزم به ادخال الضرر عليهم في بعض الموارد، لاسيما في مقام الضرورة، مع حل ذلك شرعا. و (رابعها): ان لهم حقا في بيت المال، فيكون ذلك من حقوقهم الواجبة لهم، ويحمل الامتناع منهم في بعض الاوقات على التنزه والله العالم. الثانية: ما ذكره الاصحاب هنا من استحباب اخراج الخمس من هذه الجوائز لم اقف فيه على خبر، الا ما قدمناه من خبر عمار (2). ومورده انما هو الدخول في اعمالهم وحصول شئ له من ذلك. والفرق بينه وبين الجوائز ظاهر، لما تقدم من اختلاف الاخبار في جواز الدخول في اعمالهم، وقد تقدمت في تلك المسألة، بخلاف مسألة الجوائز، فان الاخبار متفقة على حلها، ومعارضة بالقاعدة المتفق عليها - نصا وفتوى - كل شئ فيه حلال وحرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه (3). ومورد اخبار الخمس - الكثيرة بالنسبة الى هذا الفرد - انما هو المال المعلوم دخول الحرام فيه، مع عدم معلوميته بعينه، وعدم معلومية صاحبه. وقد تقدمت في كتاب الخمس (4). وظاهر عبارة العلامة المتقدمة: انه انما استند في اخراج الخمس في هذا المقام


(1) الوسائل ج 12 ص 158 حديث: 9 (2) الوسائل ج 12 ص 126 حديث: 3 (3) الوسائل ج 17 ص 91 حديث: 1 و 2 (4) في الجزء الثاني عشر ص 363 - 364

[ 266 ]

الى هذه الاخبار باعتبار دلالتها على ذلك بطريق الاولوية. حيث انها دلت على تطهير المال المعلوم فيه وجود الحرام باخراج الخمس، فتطهير ما ظن كونه حراما أو دخل فيه الحرام بطريق اولى. وفيه منع ظاهر، بل هو قياس محض مع الفارق، للاتفاق هنا على الحل نصا وفتوئ، مع الاعتضاد - كما عرفت - بالقاعدة المتفق عليها نصا وفتوى، بخلاف مالو علم فيه الحرام، إذ لا خلاف في تحريمه بمقتضى النصوص الواردة في المحصور من ذلك، لكن لما وردت هذه الاخبار بتحليله باخراج الخمس منه وجب استثناؤه من النصوص المذكورة. الثالثة: قد صرحت موثقة عمار المتقدمة (1) بأنه يبعث بخمس المال الذى يصير في يده من عملة الظالمين إليهم - عليهم السلام - والظاهر من ذلك: ان مصرفه مصرف الخمس المأخوذ من الغنائم ونحوها، مما تقدم في كتاب الخمس، مع ان هذا الموضع مما لم يتعرض احد من الاصحاب لعده في كتاب الخمس في عداد تلك الاشياء وقد وقع في الخمس المأخوذ من الحلال المختلط بالحرام بحث في مصرفه قدمنا ذكره في الكتاب المشار إليه. والظاهر: ان عدم تعرض الاصحاب لهذا الفرد، اما من حيث عدم وجوبه، فان ظاهرهم انما هو الاستحباب، أو ندور الرواية المذكورة. وكيف كان فاخراج الخمس مخصوص بمورد الخبر، وهو العمل لهم، دون ما نحن فيه من الجوائز. والله العالم. الرابعة: قد عد بعض مشائخنا المحققين من محدثي متأخرى المتأخرين جوائز الظالم، في الشبهات الواردة في اخبار التثليث " حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك " (2) بناء على ان ما احتمل الحرمة وان كان بحسب ظاهر الشرع حلالا،


(1) في صفحة: 263 (2) راجع: الكافي ج 1 ص 68

[ 267 ]

الا انه من جملة افراد الشبهة المعدودة في هذه الاخبار. وعد من ذلك - بناء على هذا الاصل الذى ذكره ايضا - ما اختلف فيه الاخبار، مع ترجيح احد طرفيها في نظر الفقيه، كمسألة نجاسة البئر مثلا، مع القول بالطهارة. وفيه - اولا -: ان الحل والحرمة - كما حققناه في محل أليق وقد تقدم ايضا في المجلد الثاني من كتاب الطهارة - ليس عبارة عما كان كذلك في نفس الامر والواقع، وانما ذلك بالنظر الى علم المكلف، وكذلك الطهارة والنجاسة، فالحلال هو ما لم يعلم المكلف حرمته، وان كان حراما في الواقع، لاما علم عدم حرمته. والطاهر: ما لم يعلم نجاسته، لا ما علم عدم نجاسته. ولا يقال: هذا حلال بحسب الظاهر وحرام في الواقع، إذ لا واقع هنا لذلك، فان الاحكام الشرعية لم يجعلها الشارع منوطة بالواقع ونفس الامر الذى لا يعلمه الا هو، وانما جعلها منوطة بعلم المكلف. وتحقيق البحث في المقام واسع، وقد تقدم في الموضع المشار إليه. وثانيا: ان المفهوم من الاخبار في هذا القسم الثالث - اعني قسم الشبهة - هو الكف والتثبت والرد إلى الائمة - عليهم السلام (1) كما ان الحكم في الحلال البين والحرام البين، هو الاباحة في الاول، والمنع مع المؤاخذة بالمخالفة في الثاني. ومن الاخبار المشار إليها: قول ابى جعفر عليه السلام في حديث طويل: وما اشتبه عليكم فقفوا عنده وردوه الينا نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا (2). وقول الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الامور ثلاثة، امر تبين لك رشده


(1) راجع: الكافي ج 1 ص 50 حديث: 10 (2) الوسائل ج 18 ص 123 حديث: 43

[ 268 ]

فاتبعه، وامر تبين لك غيه فاجتنبه، وامر اختلف فيه فرده الى الله عزوجل (1). وقول الصادق عليه السلام: اورع الناس من وقف عند الشبهة (2). وقول امير المومنين في وصيته لابنه الحسن عليه السلام: اوصيك يا بنى - الى ان قال -: والصمت عند الشبهة (3). وقوله عليه السلام: الوقوف عند الشبهة، خير من الاقتحام في الهلكة (4) الى غير ذلك من الاخبار. وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، لتصريح الاخبار به، واتفاق الاصحاب على الحل من غير توقف. وبالجملة، فان دخول ما ذكره في افراد الشبهة المعدودة في هذه الاخبار ظاهر الفساد لمن تأمل في ما ذكرناه بعين الفكر والسداد. نعم يمكن ان يقال: ان معنى الشبهة لا ينحصر في هذا الفرد المذكور في هذه الاخبار، بل من جملته ما يستحب التنزه عنه فيما إذا حصل الشك أو الظن باحتمال النقيض لما قام الدليل على حليته أو طهارته على الاطلاق كما فيما نحن فيه، فان الدليل دل على ان كل شئ حلال حتى تعلم حرمته، وجوائز الظالم من هذا القبيل كما صرحت به اخبارها، لكن يحتمل قريبا بسبب العلم بأخذه الحرام كون هذا الفرد منه، وان لم يعلم المكلف. فالافضل له التورع عنه. والله العالم. الخامسة: روى في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى، انه كتب الى صاحب الزمان - عجل الله فرجه - يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف


(1) الكافي ج 1 ص 68. واللفظ في الوسائل ج 18 ص 118 حديث: 23 (2) الوسائل ج 18 ص 118 حديث: 24 (3) الوسائل ج 18 ص 123 حديث: 42 (4) الكافي ج 1 ص 68 واللفظ في الوسائل ج 18 ص 112 حديث: 2

[ 269 ]

مستحلالما في يده، لا يتورع عن اخذ ماله ربما نزلت في قريته وهو فيها، أو أدخل منزله وقد حضر طعامه فيدعوني إليه، فان لم آكل من طعامه عاداني عليه، فهل يجوز لى ان آكل من طعامه، واتصدق بصدقة، وكم مقدار الصدقة ؟ وان اهدى هذا الوكيل هدية الى رجل آخر فيدعوني الى ان أنال منها، وانا اعلم ان الوكيل لا يتورع عن اخذ ما في يده فهل علي فيه شئ إذا انا نلت منها ؟ الجواب: ان كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده، فكل طعامه واقبل بره، والافلا (1) ورواه الشيخ - رحمه الله - في كتاب الغيبة ايضا. وانت خبير بان ظاهر هذا الخبر: عدم جواز قبول جوائز الظالم الا مع العلم بان له معاشا أو مالا حلالا، وظواهر الاخبار المتقدمة اعم من ذلك، فالواجب تقييد تلك الاخبار به. الا ان ذلك خلاف ما عليه ظاهر اتفاق كلمة الاصحاب في هذا الباب، فانهم يكتفون في الحكم بالحلية بمجرد مجهولية الحال وان لم يعلم ان له مالا حلالا أو معاشا حلالا، وهو ظاهر الاخبار المتقدمة. وانما يستثنون معلومية كونه حراما. اللهم الا ان يقال: ان ظاهر هذا الخبر يعطى: ان السائل عالم بان هذا الوكيل ليس له مال الا مال الوقف الذى في يده، وانه يستحل اكله، وعلى هذا فيكون جميع ما يصرفه ويهديه انما هو من هذا المال الذى في يده، فاجابه عليه السلام ان كان كذلك فلا يجوز الاكل من عنده، وان كان له معاش أو مال غير ذلك، بحيث يحتمل كون ما يعطيه من ذلك المال الحلال جاز الاكل، وحينئذ فلا يدخل في هذا مجهول الحال الذى دل كلام الاصحاب وظواهر الاخبار المتقدمة على حل جوائزه. السادسة: قد صرح الاصحاب، وعليه دلت الاخبار، بانه لا بأس بمعاملة


(1) الوسائل ج 12 ص 160 حديث: 15

[ 270 ]

الظلمة والبيع عليهم والشراء منهم، وان كان مكروها. ومن الاخبار في ذلك ما تقدم في المسألة السابقة، من موثقة اسحاق بن عمار الدال على انه يشترى من العامل ما لم يعلم انه يظلم فيه احدا (1). وما رواه في التهذيب عن محمد بن ابى حمزة عن رجل، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشترى طعاما فيجيئنى من يتظلم يقول: ظلموني، فقال: اشتره (2). اقول: انما امره عليه السلام بالاشتراء، لانه لم يعلم ان ظلمه كان في ذلك الطعام بعينه، بل اخبره بانهم يظلمون الناس. وقد عرفت ان ذلك غير مانع من جواز الشراء منهم، ما لم يعلم الظلم في ذلك المبيع المعين المعلوم. وعن على بن عطية، قال اخبرني زرارة، قال: اشترى ضريس بن عبد الملك واخوه من هبيرة ارزا بثلاثمأة الف، قال: فقلت له: ويلك - أو ويحك - انظر الى خمس هذا المال فابعث به إليه واحتبس الباقي، فأبى على، قال: فأدى المال، وقدم هؤلاء (3) فذهب امر بنى امية. قال: فقلت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال - مبادرا للجواب -: هوله هوله. فقلت: انه قد أداها، فعض على اصبعه (4). وظاهر سياق الخبر المذكور: ان هبيرة كان من بنى امية أو عمالهم، و ان الشراء وقع في مقدمات ذهاب دولتهم على يد العباسية. وزرارة لما علم ذلك امر ابن اخيه ان يبقى الثمن ولا يدفعه الى البايع، وان يبعث بخمسه الى الامام عليه السلام ليحل له المال، لانه مال الناصب المأمور باخراج الخمس منه، فامتنع ابن اخيه من ذلك، فلما اخبر زرارة الامام عليه السلام قبل ان يتم له الحكاية، حلل له الخمس الذى


(1) اصل الحديث في الوسائل ج 12 ص 163 حديث: 2 باب 53 (2) الوسائل ج 12 ص 161 حديث: 3 (3) أي بنوا العباس. والمقصود: ظهور امرهم واستيلائهم على سرير الخلافه (4) الوسائل ج 12 ص 161 حديث: 2

[ 271 ]

امره بارساله، ثم لما اخبره زرارة انه دفع الثمن عض على يديه ندما على ما فعل ضريس من دفع الثمن، ففى الخبر المذكور دلالة على حل مال الناصب كما ورد به غيره، وعلى اخراج خمسه، وعلى تحليل الامام عليه السلام بالخمس، كما تقدم في كتاب الخمس، وعلى جواز معاملة الظلمة كما هو المقصود بالبحث، الى غير ذلك من الاخبار الواردة في المقام. واما الكراهة فالوجه فيها: ما تقدم بيانه في الجوائز. والله العالم.

[ 272 ]

المسألة الرابعة قد اختلفت الاخبار وكلمة الاصحاب، وان كان الاول اشد اختلافا، فيما يأخذ كل من الولد والوالد من مال الاخر. فقال الشيخ في الاستبصار - بعد ايراد صحيحة محمد بن مسلم، وصحيحة ابى حمزة الثمالى، وحسنة محمد بن مسلم الاتى (1) جميع ذلك انشاء الله تعالى - ما لفظه: هذه الاخبار كلها دالة على انه يسوغ للوالد أن يأخذ من مال ولده، إذا كان محتاجا، فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز له أن يتعرض له، ومتى كان محتاجا وقام الولد به وبما يحتاج إليه فليس له ان يأخذ من ماله شيئا، وان ورد في الاخبار ما يقتضى جواز تناوله من مال ولده مطلقا، من غير تقييد. فينبغي ان يحمل على هذا التقييد. انتهى. وقال في النهاية: لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده شيئا على كل حال، الا باذنه قل ذلك ام كثر، لامختارا ولا مضطرا، فان اضطر ضرورة شديدة حتى يخاف تلف النفس، اخذ من ماله ما يمسك به رمقه، كما يتناول من الميتة والدم. والوالد فما دام الولد ينفق عليه مقدار ما يقوم بأوده وسد خلته، من الكسوة


(1) بعد الانتهاء من نقل كلمات الاصحاب - رضوان الله عليهم -.

[ 273 ]

والطعام بالمعروف، فليس للوالد أن يأخذ من ماله شيئا. وان لم يكن الولد ينفق عليه وكان الوالد مستغنيا عن ماله، فلا يجوز له ايضا ان يأخذ من ماله شيئا على حال. فان احتاج الى ذلك اخذ من ماله قدر ما يحتاج إليه من غير اسراف. بل على طريق القصد. وإذا كان للولد مال ولم يكن لوالده، جاز له ان يأخذ منه ما يحج به حجة الاسلام، فاما حجة التطوع فلا يجوز له ان يأخذ نفقتها من ماله الا باذنه، وإذا كان للولد جارية ولم يكن وطأها ولا مسها بشهوة، جاز للوالد ان يأخذها و يطأها، بعدان يقومها على نفسه بقيمة عادلة، ويضمن قيمتها في ذمته. ومن كان له ولد صغار فلا يجوز له ان ياخذ شيئا من اموالهم الا قرضا على نفسه، والوالدة لا يجوز لها ان تأخذ من مال ولدها شيئا الا على سبيل القرض على نفسها. انتهى. وقال ابن ادريس في السرائر: لا يجوز للولد ان ياخذ من مال والده شيئا، قليلا كان أو كثيرا الا باذنه، لا مختارا ولا مضطرا. وان اضطر ضرورة يخاف معها على تلف نفسه اخذ من ماله ما يمسك به رمقه، كما يتناول من الميتة والدم. " هذا إذا كان الوالد ينفق عليه ويقوم بواجب حقه، لان نفقة الولد عندنا تجب على الوالد إذا كان الولد معسرا، سواء كان بالغا ام غير بالغ، ويجبر الوالد على ذلك. فاما إذا كان الولد موسرا فلا تجب نفقته على والده، سواء كان صغيرا. أو كبيرا، بلا خلاف بيننا. " فإذا تقرر ذلك فان انفق عليه والا رفعه الى الحاكم، واجبره الحاكم على الانفاق. فان لم يكن حاكم يجبره على ذلك، فللولد عند هذه الحال الاخذ من مال والده، مقدار ما ينفقه على الاقتصاد، ويحرم عليه ما زاد على ذلك. " والوالد فما دام الولد ينفق عليه مقدار ما يقوم بأوده وسد خلته، من الكسوة والطعام بالمعروف، فليس لوالده ان يأخذ من ماله بعد ذلك شيئا، لا لقضاء ديونه، ولا ليتزوج به، ولا ليحج به، ولا لغير ذلك. فان لم يكن الوالد معسرا وكان مستغنيا.

[ 274 ]

من مال ولده، فلا يجوز ان يأخذ من ماله شيئا على كل حال، لا بالمعروف ولا غيره. لان نفقة الوالد لا تجب على الولد عندنا الا مع الاعسار، فاما مع الاستغناء فلا تجب النفقة على ولده ". ثم نقل عن الشيخ في النهاية: جواز اخذ الوالد لحج الاسلام. ثم قال: الا انه رجع عنه في الاستبصار. فانه - رحمه الله - قال.. - ثم نقل عبارته المتقدمة في صدر المسألة، ثم نقل عنه في الاستبصار في حيزه: اما موثقة سعيد بن يسار الاتية انشاء الله، الدالة على الحج من مال ابنه الصغير، وانه ينفق من مال ولده. وانه اجاب عن الانفاق بالحمل على ما إذا امتنع الولد من القيام، به، وعن الحج بانه محمول على انه يأخذ على وجه القرض على نفسه، إذا كان وجبت عليه حجة الاسلام. ثم نقل عنه في الاستبصار ايضا، بحمل الاخبار الدالة على انه يطأ جارية ابنه، على ما إذا كان الابن صغيرا وقومها على نفسه، أو يكون هو القيم بامورهم والناظر في اموالهم. ثم اعترضه في تجويزه اخذ نفقة الحج قرضا. قال: فان هذا لا يجوز، لانه لا تجب عليه الاستدانة ليحج بها، الا انه لو حج به كانت الحجة مجزية عما وجبت، واستقر في ذمته. انتهى. اقول: وانت خبير بأن ما ادعاه ابن ادريس هنا، من ان الشيخ رجع عما ذكره في النهاية، من جواز اخذ الوالد للحج في الاستبصار، واستدل بالعبارة المتقدمة، لا يخلو من خدش، فان من تأمل كلام الاستبصار في هذا المقام، من اوله الى آخره، يعلم ان العبارة المتقدمة، وان أوهمت ما ذكره، الا ان آخر كلامه وحكمه بجواز القرض إذا كانت ذمة الاب مشغولة بالحج، مخصص للكلام المتقدم. ولا فرق بين كلامه في النهاية وكلامه في الاستبصار، لا اطلاقه في النهاية " جواز الاخذ للحج وان لم يستطع قبل ذلك " وتقييده في الاستبصار بما إذا كانت الذمة مشغولة

[ 275 ]

بالحج، واخذه على سبيل القرض. ولهذا نازعه في جواز القرض للحج ايضا. وبهذا يظهر انه لم يرجع عن اصل المسألة، كما هو ظاهر كلامه، وانما رجع عن ذلك الاطلاق الى هذا التقييد. ثم ان ما ذكره في النهاية ايضا، بالنسبة الى وطي الاب جاريه ابنه، مطلق بالنسبة الى الولد صغيرا كان أو كبيرا، وظاهر الاستبصار التخصيص بالصغير، قال ابن ادريس: وهذا هو الصحيح الذى عليه الاجماع، فاما إذا كان الولد كبيرا بالغا فلا يجوز للوالد وطى جاريته الا باذنه على كل حال. ثم انه في السرائر اعترض على الشيخ - رحمة الله عليه - ايضا في قوله في آخر كلامه بجواز اخذ الام قرضا من مال ولدها مع الاستغناء، فقال بعد نقل كلام الشيخ رحمه الله المتقدم: وهذا غير واضح، لانه لا دلالة على ذلك. وقوله عليه السلام: " لا يحل مال مرء الاعن طيب نفس منه " (1) وايضا التصرف في مال الغير بغير اذنه قبيح عقلا وسمعا، فمن جوزه فقد اثبت حكما يحتاج في اثباته الى دليل شرعى. انتهى. وما ذكره ابن ادريس هنا محل نظر، لما سيأتي انشاء الله تعالى عند نقل الاخبار، من جواز اخذها قرضا، مع تحقيق المسألة. اقول: والواجب هنا اولا نقل الاخبار الواردة في المقام، ثم الكلام فيها بتوفيق الملك العلام، بما ينحل به عنها شبهة الابهام، وينجلى عنها غياهب الظلام. (الاول): ما رواه في الكافي والفقيه، في الصحيح، عن محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن رجل لابنه مال، فيحتاج الاب إليه، قال: يأكل منه. فأما الام فلا تأكل منه الاقرضا على نفسها (2). (الثاني): ما رواه في الكافي عن على بن جعفر عن ابى ابراهيم عليه السلام قال: سألته


(1) راجع الوسائل ج 3 ص 424 باب: 3 من ابواب مكان المصلى (2) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 5

[ 276 ]

عن الرجل يأكل من مال ولده ؟ قال: لا، الا ان يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف، ولا يصلح للولد ان يأخذ من مال والده شيئا، الا باذن والده (1). ورواه الحميرى في قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر، الا انه قال: لا، الا باذنه أو يضطر فيأكل بالمعروف أو يستقرض منه حتى يعطيه إذا ايسر (2). (الثالث): ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن ابى حمزة الثمالى، عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل: انت ومالك لابيك. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: ما احب ان يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج إليه مما لا بد منه، ان الله عزوجل لا يحب الفساد (3). (الرابع) ما رواه في الكافي عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يكون لولده مال فاحب ان ياخذ منه، قال: فليأخذ. وان كانت امه حية فما احب ان تأخذ منه شيئا الاقرضا على نفسها (4). (الخامس): ما رواه في الكافي والتهذيب، عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه، قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف. وقال: في كتاب على عليه السلام: ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا الا باذنه، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، وله ان يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها وذكران رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: انت ومالك لابيك (5). ورواه الصدوق عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر عليه السلام في كتاب


(1) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 6 (2) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 6 (3) الوسائل ج 12 ص 195 حديث: 2 (4) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 7 (5) الوسائل ج 12 ص 194 - 195 حديث: 1

[ 277 ]

على عليه السلام: ان لم يكن الابن وقع عليها. ثم قال: وفى خبر آخر: لا يجوز ان يقع على جارية ابنه الا باذنه (1). (السادس): ما رواه في الكافي والفقيه، عن الحسين بن ابى العلا، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما يحل للرجل من مال ولده ؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطر إليه. قال: فقلت له: فقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للرجل الذى اتاه فقدم أباه، فقال له: انت ومالك لابيك ؟ فقال: انما جاء بأبيه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله هذا ابى، وقد ظلمنى ميراثي من امى، فاخبره الاب انه قد انفقه عليه وعلى نفسه، فقال: انت ومالك لابيك ولم يكن عند الرجل شئ أو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحبس الاب للابن ؟ ! ورواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار في الحسن (2). (السابع): ما رواه الشيخ في الموثق عن سعيد بن يسار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ايحج الرجل من مال ابنه وهو صغير ؟ قال: نعم. قلت: يحج حجة الاسلام وينفق منه ؟ قال: نعم، بالمعروف. ثم قال: نعم، يحج منه وينفق منه، ان مال الولد للوالد، وليس للولد ان يأخذ من مال والده الا باذنه (3). (الثامن): ما رواه عن الحسين بن علوان، عن زيد بن على، عن آبائه - عليهم السلام - قال: اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: يارسول الله، ان ابى عمد الى مملوك لي، فاعتقه كهيأة المضرة لى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انت ومالك من هبة الله لابيك، انت سهم من كنانته ؟، يهب لمن يشاء اناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، ويجعل من يشاء عقيما. جازت عتاقة ابيك، يتناول والدك من مالك وبدنك، وليس لك ان تتناول من ماله ولا من بدنه شيئا الا باذنه (4).


(1) الوسائل ج 14 ص 544 حديث: 6 و 7 (2) الوسائل ج 12 ص 197 حديث: 8 (3) الوسائل ج 12 ص 195 - 196 حديث: 4 (4) الوسائل ج 16 ص 78 حديث: 1 باب: 67 من ابواب العتق

[ 278 ]

(التاسع): ما رواه ايضا في الصحيح عن ابن سنان (1) - والظاهر انه عبد الله - قال: سألته - يعنى ابا عبد الله عليه السلام - ماذا يحل للوالد من مال ولده ؟ قال: أما إذا انفق عليه ولده باحسن النفقة، فليس له ان يأخذ من ماله شيئا. وان كان لوالده جارية للولد فيها نصيب، فليس له ان يطاها الا ان يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه. قال: ويعلن ذلك قال: وسألته عن الوالد، أيرزأ من مال ولده شيئا ؟ قال: نعم، ولا يرزأ الولد من مال والده شيئا الا باذنه، فان كان لرجل ولد صغار، لهم جارية، فأحب ان يفتضها فليقومها على نفسه قيمة، ثم ليصنع بها ما شاء، ان شاء وطأ وان شاء باع (2). (العاشر): ما رواه ايضا عن اسحاق بن عمار في الموثق، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الوالد، يحل له من مال ولده إذا احتاج إليه ؟ قال: نعم، وان كان له جارية فاراد ان ينكحها قومها على نفسه ويعلن ذلك، قال: وإذا كان للرجل جارية فابوه املك بها ان يقع عليها ما لم يمسها الابن (3). (الحادى عشر): ما رواه الصدوق في العيون والعلل، بسنده عن محمد بن سنان، ان الرضا عليه السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائلة: وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه، وليس ذلك للولد، لان الولد موهوب للوالد في قوله عزوجل: " يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور " مع انه المأخوذ بمؤنته صغيرا وكبيرا. والمنسوب إليه والمدعو له، لقوله عزوجل " ادعوهم لابائهم هو اقسط عند الله " ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " انت ومالك لابيك " وليس للوالدة مثل ذلك، لا تأخذ من ماله شيئا الا باذنه أو باذن الاب، ولان الوالد مأخوذ بنفقة الولد ولا تؤخذ الام بنفقة ولدها (4).


(1) بقرينة رواية ابن المغيرة عنه. وروايته عن الصادق - عليه السلام - (2) الوسائل ج 12 ص 195 حديث: 3. والارزاء: الاصابة من شئ. يقال: ارزأ الرجل ما له - بنصب المفعولين - أي اصاب من ماله شيئا بمعنى الاخذ مهما كان. (3) الوسائل ج 12 ص 198 - 199 حديث: 2 (4) الوسائل ج 12 ص 197 حديث: 9

[ 279 ]

(الثاني عشر): ما رواه على بن جعفر في كتابه، عن اخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون لولده الجارية، أيطأها ؟ قال: ان احب. وان كان لولده مال، واحب ان يأخذ منه فليأخذ. وان كانت الام حية فلا احب ان تأخذ منه شيئا الاقرضا (1). (الثالث عشر): ما في الفقه الرضوي، حيث قال عليه السلام: اعلم انه جائز للوالد ان يأخذ من مال ولده بغير اذنه، وليس للولد ان يأخذ من مال والده الا باذنه (2). * * * اقول: ظاهر كلام الاصحاب - في غير مسألتي الحج ووطئ الجارية -: الاتفاق على انه لا يجوز للوالد الاخذ من مال ولده شيئا متى انفق عليه وقام بما يحتاج إليه الا باذنه. قال في المنتهى: ولا يجوز للوالد ان يأخذ من مال ولده البالغ مع الغناء عنه، ولا مع انفاق الولد عليه. بالاتفاق، لان الاصل عصمة مال الغير، انتهى. ويدل على ذلك، من هذه الاخبار المذكورة: الخبر الثاني. لاسيما برواية الحميرى. والمراد بما بضطر إليه فيه: هو القوت الواجب على الولد، كما فسره الخبر السادس. ويدل على ذلك - ايضا -: الخبر الثالث والسادس والتاسع. وما دلت عليه هذه الاخبار، المعتضدة باتفاق كلمة الاصحاب، هو الموافق للقواعد الشرعية، من الايات القرآنية، والسنة النبوية، الدالة على تحريم التصرف في مال الغير الا باذن صاحبه.


(1) الوسائل ج 12 ص 198 حديث: 10 (2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 454 باب: 62 من ابواب ما يكتسب به حديث: 3

[ 280 ]

ولهذا ان الاصحاب اجمعوا على طرح ظاهر هذه الاخبار المخالفة لذلك، وتأولوها بالحمل على كون اخذ الوالد للنفقة. الا ان الاخبار المذكورة تنبو عن ذلك، إذ لا فرق حينئذ بين الولد والوالد، مع ان الروايات المذكورة دلت على الفرق، وانه انما يباح الاخذ للوالد خاصة دون الولد. وكذلك الفرق في الاخبار المذكورة بين الام والاب حيث منعت الام من الاخذ مع انها واجبة النفقة ايضا كالاب. وبالجملة فان الحمل المذكور، وان امكن اجراؤه في بعض، الا انه لايتم في الجميع، كما عرفت. واجاب بعض الاصحاب، بان ما تضمن جواز اخذ الاب من مال الولد، محمول اما على قدر النفقة الواجبة عليه مع الحاجة، أو على الاخذ على وجه القرض، أو على الاستحباب بالنسبة الى الولد. وما تضمن منع الولد، محمول على عدم الحاجة، أو على الاخذ لغير النفقة الواجبة، وكذا ما تضمن منع الام، لجواز وجود الزوج لها فتجب نفقتها عليه لاعلى الولد. وانت خبير بما في ذلك كله من البعد، الا انه لا مندوحة عن المصير إليه لعدم امكان الوقوف على ظواهر هذه الاخبار. والاظهر عندي هو: حمل هذه الاخبار - وان تعددت - على التقية، لاتفاق الاصحاب على ترك العمل بها، مضافا الى خروجها عن مقتضى القواعد الشرعية. وبعد التأويلات التى ذكروها، مع امكان ارجاع بعضها الى ما يوافق القول المشهور. ويشير الى ما ذكرناه من الحمل المذكور: الخبر الثالث، حيث انه عليه السلام بعد ان نقل الخبر النبوى الدال على الحكم المذكور، أضرب عنه تنبيها واشارة الى عدم صحته. والا فكيف ينقله وهو صحيح عنده، ثم يخالفه ويسمي ذلك فسادا،

[ 281 ]

وان الله لا يحب الفساد. وقد اشتمل خبر الحسين بن علوان - وهو الخبر الثامن ورجاله من العامة والزيدية - على المبالغة التامة في معنى هذا الخبر، واكثر اخبار الجواز انما تدور على هذا الخبر، مع انك عرفت من الخبر السادس تأويل الخبر المذكور بما يدفع الاستناد إليه. واما الكلام في وطئ جارية الابن، فقد عرفت من كلام الشيخ في الاستبصار، التخصيص بالصغير، مع تقويم الجارية على نفسه وان اطلق ذلك في النهاية. وانت خبير بان ظاهر الخبر الخامس: جواز وقوعه على جارية ابنه الكبير، فان قوله عليه السلام فيه: " ان لم يكن الابن وقع عليها " لا يجرى في الصغير. والخبر التاسع، ظاهر في جواز وطئه لجارية ولده. واما الخبر العاشر فهو مطلق شامل باطلاقه للولد الصغير والكبير، وعجزه ظاهر في الابن الكبير. وكذلك الخبر الثاني عشر مطلق. ومن ذلك يعلم مستند كلام الشيخ في النهاية ويظهر ان اعتراض ابن ادريس فيما تقدم من كلامه على النهاية ليس في محله. الا انه يمكن ان يقال: ان هذه الاخبار الظاهرة في جواز وطئ الاب جارية ابنه الكبير بغير اذنه، مخالفة لمقتضى القواعد الشرعية، وحينئذ يكون سبيلها سبيل الروايات المتقدمة، من وجوب الحمل والتأويل فيها بما قدمناه، واما الابن الصغير فالامر فيه اهون، لان ولاية التصرفات في ماله للاب، و الروايات قد دلت على تصرف الاب في جاريته على الوجه المذكور فيها، و ليس فيها من الخروج عن القواعد ما في رواية جارية الابن الكبير.

[ 282 ]

واما مسألة الحج، فقد تقدم الكلام فيها في كتاب الحج، وبينا: ان سبيل الرواية الواردة به، سبيل الروايات الدالة على الاخذ من مال الابن مطلقا، ولا معنى لمنع القول بتلك الروايات، مع القول بهذه، كما صار إليه الشيخ ومن تبعه والله العالم. تتمة اتفق الاصحاب على ان المرأة لا يجوز لها ان تتصدق بشئ من مال زوجها. الا المأدوم. قال في المنتهى: لا يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها شيئا قل اوكثر، الا المأموم اجماعا، فانه يجوز لها ان تأخذ منه الشئ اليسير وتتصدق به، ما لم يؤد الى الضرر بالزوج، أو لم يمنعها بصريح القول، انتهى. ويدل على ذلك: ما رواه في الكافي والتهذيب، في الموثق، عن ابن بكير، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام ما يحل للمرأة ان تتصدق به من مال زوجها بغير اذنه ؟ قال: المأدوم (1). واما ما رواه في التهذيب عن على بن جعفر عليه السلام انه سأل اخاه موسى عليه السلام عن المرأة، لها ان تعطى من بيت زوجها بغير اذنه ؟ قال: لا، الا ان يحللها (2) فيجب حمله على الخبر الاول، حمل المطلق على المقيد، كما هو القاعدة المشهورة نصا وفتوى. ومثل هذا الخبر الاخير: ما رواه في الفقيه في حديث وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلى عليه السلام


(1) الوسائل ج 12 ص 201 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: باب: 82

[ 283 ]

عن حماد بن عمرو، وانس بن محمد، عن ابيه جميعا، عن جعفر بن محمد، عن آبائه - عليهم السلام - قال: يا على، ليس على النساء جمعة - الى ان قال - ولا تعطى من بيت زوجها شيئا بغير اذنه (1). ويحتمل العمل بظاهر هذين الخبرين، وحمل الاول على حصول الرضا و ان لم يصرح بالاذن. والى ذلك يميل كلام صاحب الوسائل، الا ان شهرة الحكم بين الاصحاب، بل الاتفاق عليه كما عرفت، يوجب المصير الى التأويل الاول. قال في الدروس: والمأدوم: ما يؤتدم به كالملح واللحم. وفى التعدية الى الخبز والفواكه نظر، انتهى. ولا يجوز للرجل - ايضا - ان يأخذ من مال زوجته الا باذنها، للاصل الدال على عصمة مال الغير، فأما إذا اباحته أو وهبته، اقتصر على ما تعلق به ذلك. وروى الكليني والشيخ، في الموثق، عن سعيد بن يسار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، امرأة دفعت الى زوجها مالا من مالها ليعمل به، و قالت له - حين دفعت إليه -: انفق منه، فان حدث بك حدث فما انفقت منه لك حلال طيب، وان حدث بى حدث فما انفقت منه فهو حلال طيب فقال: اعد على يا سعيد المسألة، فلما ذهبت اعيد عليه السمألة، اعترض فيها صاحبها وكان معى حاضرا فاعاد عليه مثل ذلك، فلما فرغ، اشار باصبعه الى صاحب المسألة، وقال: يا هذا، ان كنت تعلم انها قد افضت (2) بذلك اليك فيما بينك وبينها وبين الله فحلال طيب - ثلاث مرات - ثم قال: يقول الله جل اسمه في كتابه: " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " (3).


(1) الوسائل ج 12 ص 201 حديث: 3 (2) وفى التهذيب بدل " افضت ": " ارضت " (3) الوسائل ج 12 ص 199 حديث: 1

[ 284 ]

وروى في التهذيب في الموثق، عن سماعة قال: سألته عن قول الله عزوجل " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " قال: يعنى بذلك اموالهن التى في ايديهن مما يملكن (1). وعن هشام وغيره في الصحيح، عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل تدفع إليه امرأته المال فتقول: اعمل به واصنع به ما شئت. أله ان يشترى الجارية يطأها ؟ قال: لا، ليس له ذلك (2). وعن الحسين بن المنذر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: دفعت الى امرأتي مالا اعمل به، فاشترى من مالها الجارية اطأها ؟ قال: فقال: ارادت ان تقر عينك و تسخن عينها (3) ؟ ! وراوه في الفقيه عن حفص بن البخترى عن الحسين المنذر. اقول: في هذين الخبرين ما يشير الى تقييد المطلق بما دلت عليه قرائن الحال، فان الاذن في الخبرين، ولا سيما الاول، وان كان مطلقا في جميع وجوه الانتفاع، الا انه لما كان المعلوم من المرأة الغيرة وعدم الرضا بأمرأة عليها، جارية أو غيرها منعه عليه السلام من ذلك. وظاهر الخبرين المذكورين: تحريم الشراء، وقوفا على ظاهر النهى، في الاول والتعليل في الثاني. وظاهر كلام من وقفت عليه: الكراهة. صرح بذلك في القواعد، و المحقق، والشيخ على في الشرح. فقال - بعد ذكر المصنف ذلك -: لان فيه مقابلة نفعها باضرارها بها. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله الحسين بن المنذر. ثم ساق الرواية كما قدمناه. وقال في الدروس: والزوج يحرم عليه تناول شئ من مالها، الا برضاها،


(1) الوسائل ج 12 ص 199 - 200 حديث: 22490 (2) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: 1 باب: 81 (3) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: 2 باب 81

[ 285 ]

ولو ملكته (1) مالا كره له التسرى به، ويحتمل كراهة جعله صداقا لضرة الا باذنها. انتهى. وانت خبير بما فيه - اما اولا - فلما عرفت من دلالة الخبرين المذكورين على التحريم. و - اما ثانيا - فلاتفاقهم على تحريم تصرف الزوج في مال زوجته الا باذنها. ومن المعلوم المقطوع، بالنظر الى قرائن الاحوال، كما اشار إليه عليه السلام في الخبرين المذكورين، عدم الاذن في هذا التصرف الخاص فان حاصل كلامه عليه السلام: ان هذا التصرف مستثنى من عموم اللفظ الدال على اباحتها له التصرف في مالها.


(1) الظاهر انه اشارة الى مادل عليه الخبران المتقدمان. وانت خبير بانهما لاظهور لهما في التمليك، بل ظاهر هما انما هو الاذن له في الاتجار به، المكنى عنه بالعمل به. نعم فيه الاذن بأن يتصرف فيه بالاكل والشرب واللبس ونحوها. والظاهر: انه لهذا منعوا - عليه السلام - من ان يتسرى منه. والحمل على التحريم والحال هذه ظاهر. واما مع تمليكه فالظاهر انه كذلك لما ذكرناه في الاصل. منه قدس سره.

[ 286 ]

المسألة الخامسة اختلف الاصحاب في جواز التناول لمن مر بالزرع أو الشجر اتفاقا، هل يجوز له الاكل منه ام لا ؟ فالمشهور، الجواز، بل ادعى عليه في الخلاف الاجماع. قال الشيخ في النهاية: إذا مر الانسان بالثمرة، جاز له ان يأكل منها بقدر كفايته، ولا يحمل منها شيئا على حال. وكذا قال على بن بابويه وابنه في المقنع. وبذلك قال ابن البراج و أبو الصلاح. وقال ابن ادريس: إذا مر الانسان بالثمرة جاز له ان يأكل منها قدر كفايته، و لا يحمل منها شيئا على حال، من غير قصد الى الثمرة للاكل، بل كان مجتازا في حاجة، ثم مر بالثمار، سواء كان أكله منها لاجل الضرورة أو غير ذلك، على ما رواه اصحابنا، واجمعوا عليه. لان الاخبار في ذلك متواترة، والاجماع منهم منعقد. ولا يعتد بخبر شاذ، أو خلاف من لا يعرف اسمه ونسبه، لان الحق مع غيره. ونقل عن الشيخ - في المسائل الحايرية -: تخصيص الجواز بالنخل.

[ 287 ]

والى المنع مال جملة من المتأخرين، منهم العلامة في المختلف وفي القواعد جعل المنع احوط. وبالمنع صرح ولده " فخر المحقين " في الشرح على ما نقله عنه بعض مشائخنا المعاصرين. وكذا المحقق الشيخ على في شرحه، قال: والحق انه لا يجوز. تمسكا بالدلايل القاطعة على تحريم مال المسلم الا عن طيب نفسه منه، سوى بيوت من تضمنته الاية الاكل من بيوتهم. والقائل: الشيخ، استنادا الى بعض الاخبار التى لا تنهض معارضتها لدلائل التحريم. ونقل في المسالك القول بالمنع عن المرتضى في المسائل الصيداوية. واختلف كلام المحقق هنا في الشرايع، ففى كتاب البيع، جزم بالجواز من غير نقل خلاف. وفى كتاب الاطعمة، تردد في الجواز. وكذلك كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، فان ظاهره في كتاب البيع الميل الى الجواز، حيث انه نقل عن العلامة حمل اخبار الجواز على ما إذا علم بشاهد الحال الاباحة. ثم قال: وهو بعيد. ثم نقل عن الشيخ الجمع بين الاخبار بحمل اخبار المنع على الكراهة أو على النهى عن الحمل، ثم قال: وهو جمع حسن هذا كلامه - رحمه الله - هنا. وقال في كتاب الاطعمة - بعد ذكر المصنف المسألة -: وقد اختلف الاصحاب فيه بسبب اختلاف الرواية وبالجواز قال الاكثر، وبه روايتان مرسلتان لا تقاومان مادل عليه الدليل عموما، من تحريم تناول مال الغير بغير اذنه، فالمنع لا يحتاج الى رواية تخصه، وما ورد فيه فهو مؤكد، مع انه من الصحيح. انتهى. وهو كما ترى ظاهر في اختياره المنع. استدل القائلون بالمنع بصحيحة الحسن بن يقطين الاتية، واعتضادها بالقران الكريم المتضمن للنهى عن أكل مال بغير تراض، وبقبح التصرف في مال الغير، وباشتمالها على الحظر وهو مقدم على ما تضمن الاباحة عند التعارض، لان دفع

[ 288 ]

الضرر اولى من جلب النفع. وحملوا الاخبار المنافية على ما تقدم في كلام المسالك نقلا عن العلامة. واحتج المجوزون بمرسلة ابن ابى عمير، ورواية محمد بن مروان، وقد تقدم نقل جمع الشيخ بين الاخبار. * * * اقول: والواجب هنا اولا نقل ما وصل الي من الاخبار الواردة عنهم - عليهم السلام - ثم الكلام فيها بما يقتضيه المقام. فمنها: ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالرجل يمر على الثمرة ويأكل منها ولا يفسد، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان تبنى الحيطان بالمدينة لمكان المارة قال: وكان إذا بلغ نخلا امر بالحيطان فخرقت (فخربت) لمكان المارة (1). ورواه احمد بن ابى عبد الله البرقى في المحاسن عن ابيه عن يونس بن عبد الرحمان عن عبد الله بن سنان مثله. وعن ابى الربيع عن ابى عبد الله عليه السلام نحوه الا انه قال: ولا يفسد ولا يحمل (2). وروى في الفقيه مرسلا، قال: قال الصادق عليه السلام: من مر ببساتين فلا بأس ان يأكل من ثمارها ولا يحمل منها شيئا (3). وما رواه في التهذيب بطرق ثلاثة، عن ابى داود عن بعض اصحابنا عن محمد بن مروان، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أمر بالثمرة فاكل منها ؟ قال: كل و لا تحمل. قلت: جعلت فداك، ان التجار قد اشتروها ونقدوا اموالهم، قال:


(1) الوسائل ج 6 ص 139 حديث: 1 باب: 17. (2) الوسائل ج 6 ص 140 حديث: 2 باب 17 (3) الوسائل ج 12 ص 16 حديث: 8

[ 289 ]

اشتروا ما ليس لهم (1) كذا في سند من الاسانيد الثلاثة المذكورة. وفى سند آخر " قلت: فانهم اشتروها ؟ قال: كل ولا تحمل ". وعن يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يمر بالبستان وقد حيط عليه اولم يحط عليه، هل يجوز ان يأكل من ثمره ؟ وليس يحمله على الاكل من ثمره الا الشهوة، وله ما يغنيه من الاكل من ثمره، وهل له ان يأكل من جوع ؟ قال: لا باس ان يأكل ولا يحمله ولا يفسده (2). وعن ابن ابى عمير عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يمر بالنخل والثمرة، فيجوز له ان يأكل منها من غير اذن صاحبها، من ضرورة أو غيرها ؟ قال: لا بأس (3). وما رواه في الكافي عن السكوني، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن سرق الثمار في كمه، فما اكل منه فلا اثم عليه، وما حمل فيغرمها و يغرم قيمته مرتين (4). ورواه الشيخ ايضا. وما رواه على بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يمر على ثمرة فيأكل منها، قال: نعم قد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان تستر الحيطان برفع بنائها (5). وروى الصدق في كتابه " اكمال الدين " بسنده عن محمد بن جعفر الاسدي، فيما ورد عليه من محمد بن عثمان العمرى، في جواب مسائله عن صاحب الزمان، عليه السلام وعجل الله تعالى فرجه، قال: اما ما سألته من امر الثمار من اموالنا يمر به


(1) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 4 (2) الوسائل ج 13 ص 15 حديث: 5 (3) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 3 (4) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 1 (5) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 2

[ 290 ]

المار فيتناول منه ويأكل، هل يحل له ذلك ؟ فانه يحل له أكله، ويحرم عليه حمله (1) ورواه الطبرسي في الاحتجاج عن ابى الحسن محمد بن جعفر مثله. وروى في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا ابا الحسن على بن محمد - عليهما السلام -، من مسائل داود الصرمى، قال: سألته عن رجل دخل بستانا، أيأكل من ثمرها من غير علم صاحب البستان ؟ قال: نعم (2). * * * هذا ما وقفت عليه (3) من الاخبار الدالة على القول المشهور، وهى ظاهرة الدلالة على ذلك تمام الظهور، وقد تقدم - ايضا - من برهان المسألة الثانية، مرسلة


(1) الوسائل ج 12 ص 16 حديث: 9 (2) الوسائل ج 12 ص 16 حديث: 11 (3) اقول: والعلامة في المنتهى لم ينقل في هذا المقام الا رواية محمد بن مروان ومرسلة يونس الدالتين على الجواز، ثم نقل مرسلة مروك بن عبيد، وقال. والحديثان الاولان يدلان على اباحة التناول من الثمرة، فان عملنا بهما خصصناهما بالثمرة مع عدم العلم بكراهة المالك، على الاقوى. اما لو علم من صاحبه الكراهة فالوجه عندنا: التحريم. اما الزرع فالاظهر عندي تحريم التناول، عملا بالرواية وبالاصل الدال على التحريم السالم من المعارض. انتهى، وكلامه - كما ترى - يدل على الفرق بين الثمرة والزرع، ولم اقف على قائل به سواه، مع ان صحيحة ابن ابى عمير المرسلة قد دلت على الجواز في الزرع، ولكنه لم يطلع عليها، فما ذكره من الفرق غير جيد، الا ان الاظهر هو ما اشرنا إليه في الاصل، من ان ادخال السنبل في المسألة ليس مما ينبغى، لعدم الاكل منها على تلك الحال. منه قدس سره

[ 291 ]

يونس الدالة على ما كان يفعله الصادق عليه السلام في ضيعته " عين زياد " (1). واما ما يدل من الاخبار على القول الاخر، فمنها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر، ايحل له ان يتناول منه شيئا، ويأكل بغير اذن صاحبه ؟ وكيف حاله ان نهاه صاحب الثمرة، أو امره القيم فليس له، وكم الحد الذى يسعه ان يتناول منه ؟ قال: لا يحل له ان يأخذ منه شيئا (2). وعن مروك بن عبيد عن بعض اصحابنا عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: الرجل يمر على قراح الزرع ويأخذ منه السنبلة. قال: لا. قلت: أي شئ السنبلة ! قال: لو كان كل من يمر به يأخذ منه سنبلة كان لا يبقى شئ (3). اقول: الظاهر ان هذا الخبر لا يدخل في سياق هذه الاخبار، فلا معنى لاجرائه في هذا المضمار، فان موضوع المسألة هو الاكل من الثمار في مكانه من غير ان يحمله ومن الظاهر ان السنبلة ليست من المأكول على تلك الحال. وان الظاهر انما هو ارادة حمله معه، لا ارادة أكله. والمنع في هذه الصورة مما لا خلاف فيه. وعن محمد الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن البستان ان يكون عليه المملوك أو اجير ليس له من البستان شئ. فيتناول الرجل من بستانه ؟ فقال: ان كان بهذه المنزلة لا يملك من البستان شيئا، فما احب ان يأخذ منه شيئا وروى في قرب الاسناد عن مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد عليه السلام انه سئل عما يأكل الناس من الفاكهة والرطب مما هو حلال لهم، فقال: لا يأكل احد الا من ضرورة، ولا


(1) الوسائل ج 6 ص 140 حديث: 2 باب: 18 (2) الوسائل ج 13 ص 15 حديث: 7 (3) الوسائل ج 13 ص 15 حديث: 6

[ 292 ]

يفسد، إذا كان عليها فناء محاط، ومن اجل الضرورة نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يبنى على حدائق النخل والثمار بناء لكى لا يأكل منها احد (1). * * * وانت خبير بأن هذه الاخبار تقصر عن معارضة الاخبار المتقدمة، الا انه مع عدم القول بها فلا بد لهامن محمل تحمل عليه. وقد تقدم حمل الشيخ لها على الكراهة، أو الحمل. وقد تقدم ايضا حمل العلامة للاخبار الدالة على الجواز على ما إذا علم ذلك بشاهد الحال. وهو غير بعيد، بقرينة روايات هدم الحيطان وجمع في الوافى بين الاخبار بانه يمكن تخصيص الجواز بالبلاد التى تعرف من ارباب بساتينها وزروعها عدم المضائقة في مثله لوفورها عندهم. وهو وان كان لا يخلو عن بعد، الا انه في مقام الجمع غير بعيد. وربما أشعر ظاهر رواية قرب الاسناد بالجمع بين الاخبار بالضرورة وعدمها حيث انها اشعرت بانه صلى الله عليه وآله وسلم انما نهى عن الحيطان من اجلها، الا انه يدفعه ما تقدم من الاخبار الدالة على الجواز من غير ضرورة. وبالجملة، فان القول المشهور، وان كان لا يخلو من قوة، لكثرة الاخبار الدالة عليه، الا ان المسألة غير خالية عن شوب الاشكال، لعدم المحمل الظاهر لاخبار المنع. ولا يحضرني الان مذهب العامة في هذه المسألة لعرض هذه الاخبار عليه فيؤخذ منها بما يخالفه ويصار إليه. * * * وكيف كان، فان الظاهر من النصوص وكلام الاصحاب في المقام انه يشترط في الجواز شروط ثلاثة:


(1) الوسائل ج 13 ص 16 حديث: 10

[ 293 ]

(احدها): ان يمر بالثمر، بمعنى ان يكون المرور اتفاقيا. وعلى هذا فلو قصدها ابتداء لم يجز له الاكل، اقتصارا في الرخصة المخالفة للاصل على موضع اليقين. وهو اتفاق النص والفتوى. والمراد بالمرور هنا: ان يكون الطريق قريبة منها، بحيث يصدق - عرفا - انه مر بها، لا ان يكون الطريق على نفس الشجرة أو ملاصقة للبستان. و (ثانيها): ان لا يفسد. والظاهر ان المراد بالافساد: هدم حايط، أو كسر غصن، أو نحو ذلك. وزاد بعض الاصحاب: ان لا يأكل منها شيئا كثيرا، بحيث يورث فيها اثرا بينا يصدق معه الافساد عرفا. قال: ويختلف ذلك باختلاف كثرة الثمرة وقلتها، و كثرة المارة وقلتهم وهو غير بعيد ايضا وان كان المتبادر الاول. و (ثالثها): ان لا يحمل منها شيئا، بل يأكل في موضعه وقد دل خبر السكوني المتقدم على انه يغرم ما حمله، أو يغرم قيمته. والظاهر ان المراد بقوله " مرتين " ان الغرم يتعدد. وزاد بعض الاصحاب (رابعا) وهو: عدم علم الكراهة. و (خامسا) هو: عدم ظنها. واستحسنه في المسالك. ويدفعه: قوله - في رواية محمد بن مروان: " قد اشتروا ما ليس لهم " فانه يشعر بأن هذا حق للمارة ليس لهم المنع منه. و (سادسا) هو: كون الثمرة على الشجرة اقول: ولا بأس به، فانه هو الظاهر من الاخبار.

[ 294 ]

المسألة السادسة في أحكام الارضين وهى - على ما ذكره الاصحاب، رضوان الله عليهم، وصرحت به الاخبار عنهم - عليهم السلام -: على اربعة اقسام: الاول - المفتوحة عنوة. الثاني - ارض اسلم عليها اهلها طوعا. الثالث - ارض الصلح. الرابع - ارض الانفال. فالبحث هنا يعق في مقامات اربعة: الاول: الارض المفتوحة عنوة، أي بالقهر والغلبة والسيف. وحكمها - على ما صرح به غير واحد من الاصحاب. وبه صرح ايضا اخبار الباب - انها للمسلمين قاطبة، من وجد ومن سيوجد الى يوم القيامة، ليس للغانمين منها الا كغيرهم من المسلمين. الا ان جملة من الاصحاب صرحوا بأن ذلك بعد اخراج خمسها لذوى الخمس. وربما خصه بعضهم بزمان وجود الامام عليه السلام، قال: واما في الغيبة ففى الاخبار

[ 295 ]

ما يدل على انه لا خمس فيها. قال في المنتهى: الارضون اربعة اقسام، احدها: ما يملك بالاستغنام ويؤخذ قهرا بالسيف فانها تكون للمسلمين قاطبة، فلا تختص بها المقاتلة، بل يشاركهم غير المقاتلة من المسلمين وكما لا يختصون بها كذلك لا يفضلون، بل هي للمسلمين قاطبة. وذهب إليه علماؤنا اجمع. وقال في المبسوط - بعد كلام في المقام، وذكر مكة وارض السواد ونحوهما -: والذى يقتضيه المذهب ان هذه الاراضي وغيرها من البلاد التى فتحت عنوة، يكون خمسها لاهل الخمس، واربعة اخماسها يكون للمسلمين قاطبة، الغانمون وغير الغانمين في ذلك سواء. " ويكون للامام النظر فيها وتقبيلهاو تضمينها بما شاء، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما ينوبهم من سد الثغور ومعونة المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من المصالح، وليس للغانمين في هذه الارض خصوصا شئ، بل هم والمسلمون فيه سواء. " ولا يصح بيع شئ من هذه الارضين ولا هبته ولا معاوضته ولا تملكيه ولا وقفه ولا رهنه ولا اجارته ولا ارثه، ولا يصح ان تبنى دورا ومنازل ومساجد وسقايات ولا غير ذلك من انواع التصرفات التى تتبع الملك، ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا وهو باق على الاصل. " وعلى الرواية التى رواها اصحابنا " ان كل عسكر أو فرقة غزت بغير اذن الامام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصة " هذه الارضون وغيرها مما فتحت بعد الرسول الاما فتح في ايام امير المؤمنين عليه السلام ان صح شئ من ذلك، يكون للامام خاصة، ويكون من جملة الانفال التى له خاصة لا يشركه فيها غيره انتهى. اقول: والذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام: ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي، قال: سئل الصادق عليه السلام عن السواد ما منزلته ؟ فقال: هو لجميع

[ 296 ]

المسلمين، لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد، فقلت: الشراء من الدهاقين ؟ قال: لا يصلح الا ان يشترى منهم على ان يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولى الامر ان يأخذها أخذها. قلت: فان اخذها منه قال: يرد عليه رأس ماله، وله ما أكل من غلتها بما عمل (1). وعن محمد بن شريح، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن شراء الارض من ارض الخراج فكرهه، وقال: انما ارض الخراج للمسلمين. فقالواله: فانه يشتريها الرجل وعليه خراجها. فقال: لا بأس، الا ان يستحيى من عيب ذلك (2). وما رواه في التهذيب والفقيه عن ابى الربيع الشامي، عن ابى عبد الله عليه السلام قال لاتشتر من ارض السواد شيئا الامن كانت له ذمة، فانما هو فئ للمسلمين (3). وما رواه في التهذيب عن صفوان في الصحيح، قال: حدثنى أبو بردة بن رجاء قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف ترى في شراء ارض الخراج ؟ قال: ومن يبيع ذلك، وهى ارض المسلمين. قال: قلت: يبيعها الذى هي في يده. قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا ؟ ثم قال: لا بأس ان يشترى حقه منها ويحول حق المسلمين عليه، ولعله يكون اقوى عليها واملى بخراجهم منه (4). وما رواه الشيخ في الموثق عن حريز عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: رفع الى امير المومنين عليه السلام رجل مسلم اشترى ارضا من اراضى الخراج. فقال امير المومنين عليه السلام: له مالنا وعليه ما علينا، مسلما كان أو كافرا، له ما لاهل الله وعليه ما عليهم (5).


(1) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 275 حديث: 9 (3) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 5 (4) الوسائل ج 11 ص 118 حديث: 1 باب: 71 (5) الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 6

[ 297 ]

وما رواه في الكافي عن صفوان بن يحيى واحمد بن محمد بن ابى نصر جميعا. قالا: ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج، وما سار فيها اهل بيته. فقال: من اسلم طوعا تركت ارضه في يده واخذ منه العشر، مما سقى بالسماء والانهار، ونصف العشر مما كان بالرشا، فيما عمروه منها. وما لم يعمروه منها اخذه الامام فقبله ممن يعمره، وكان للمسلمين. وعلى المتقبلين في حصصهم العشر ونصف العشر. وليس في اقل من خمسة اوسق شئ من الزكاة. وما اخذ بالسيف، فذلك الى الامام يقبله بالذى يرى، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، قبل سوادها وبياضها، يعنى ارضها ونخلها. والناس يقولون: لا تصلح قبالة الارض والنخل، وقد قبل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خيبر. قال: وعلى المتقبلين سوى قبالة الارض العشر ونصف العشر في حصصهم. ثم قال: ان اهل الطائف اسلموا وجعلوا عليهم العشر ونصف العشر وان مكة دخلها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عنوة، وكانوا اسراء في يده فاعتقهم، وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء (1). وما رواه الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: ذكرت لابي الحسن الرضا - عليه السلام - الخراج وما سار به اهل بيته. فقال: العشر ونصف العشر على من اسلم طوعا، تركت ارضه في يده واخذ منه العشر ونصف العشر فيما عمر منها. وما لم يعمر منها اخذه الوالى فقبله ممن يعمره، وكان للمسلمين وليس فيما كان اقل من خمسة أو ساق شئ. وما اخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبله بالذى يرى، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، قبل أرضها ونخلها، والناس يقولون: لا تصلح قبالة الارض والنخل، إذا كان البياض اكثر من السواد. وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر وعليهم في حصصهم العشر ونصف العشر (2). وفى مرسلة حماد بن عيسى الطويلة عن العبد الصالح ابى الحسن الاول عليه السلام


(1) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 1 باب: 72 من ابواب جهاد العدو (2) الوسائل ج 12 ص 120 حديث: 2

[ 298 ]

والارضون التى اخذت عنوة بخيل أو ركاب فهى موقوفة متروكة في ايدى من يعمرها ويحييها، ويقوم عليها على ما صالحهم الوالى على قدر طاقتهم، من حق الخراج: النصف أو الثلث أو الثلثين على قدر ما يكون لهم صلاحا ولا يضرهم ثم ذكر اخراج العشر ونصف العشر من الخارج (1). * * * وتنقيح البحث في المقام يقع في موارد: الاول: ظاهر عبارة المبسوط المتقدمة هو: المنع من التصرف في هذه الاراضي بجميع وجوه التصرفات، مطلقا في حضور الامام وغيبته. ونحوه صرح في المنتهى. وهو ظاهر عبارات اكثر الاصحاب في هذا الباب. وظاهر كلام الدروس: التخصيص بحال حضور الامام. قال - رحمه الله - ولا يجوز التصرف في المفتوح عنوة، باذن الامام عليه السلام سواء كان بالوقف أو البيع أو غيرهما. نعم في حال الغيبة ينفد ذلك واطلق في المبسوط: ان التصرف فيها لا ينفد انتهى. والى ذلك يميل كلام المحقق الثاني في شرح القواعد، فانه - بعد ذكر عبارة المصنف الدالة باطلاقها على ما ذكره في المبسوط - قال، ما صورته: هذا في حال ظهور الامام عليه السلام اما في حال الغيبة فينفذ ذلك كله، كما صرح به في الدروس وصرح به غيره. انتهى. واعتراض ذلك المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد بأن هذه الاراضي ملك للغير، والبيع والوقف موقوفان على كونها ملكا للبايع والواقف. قال: بل تحصل الشبهة في جواز هذه حال الحضور، لبعد حصول الاذن بذلك منه عليه السلام الا ان يقتضى المصالح العامة ذلك، بان يجعل قطعة منها مسجدا لهم، أو حصل الاحتياج الى ثمنها. انتهى.


(1) الوسائل ج 11 ص 84 - 85 حديث: 1 باب: 41

[ 299 ]

وظاهر كلام جملة من الاصحاب، ومنهم ابن ادريس، ان جواز التصرف بالبيع ونحوه انما هو فيما يملكه البايع من الاثار التى في تلك الارض. قال ابن ادريس - بعد نقله القول بالمنع من التصرف، ما صورته -: ان قيل: نراكم تبيعون وتشترون وتقفون ارض العراق وقد اخذت عنوة ! قلنا: انا نبيع ونقف تصرفنا فيها وتحجيرنا وبنياننا، فاما نفس الارض فلا يجوز ذلك فيها. وبذلك ايضا صرح في المسالك، فقال - بعد قول المصنف " ولا يصح بيعها ولا وقفها ": انه لا يصح شئ من ذلك في رقبتها مستقلة، اما فعل ذلك لها تبعا لاثار التصرف، من بناء وغرس وزرع ونحوها، فجائز على الاقوى. فإذا باعها بايع مع شئ من هذه الاثار دخلت في البيع على سبيل التبع، وكذا الوقف وغيره، ويستمر ذلك مادام شئ من الاثار باقيا، فإذا ذهبت اجمع انقطع حق المشترى والموقوف عليه وغيرهما عنها. هكذا ذكره جمع من المتأخرين وعليه العمل. انتهى. اقول: وتحقيق الكلام في المقام ان يقال: لا ريب ان هذه البلاد المفتوحة عنوة، منها ما هو عامر وقت الفتح، ومنها ما هو بائر. والاشهر الاظهر ان الحكم مخصوص بالعامر، دون القسم الاخر فانه للامام، نظرا الى عموم الاخبار الدالة على اختصاص موات الارضين به - عليه السلام - وانها من جملة الانفال كما تقدم تحقيقه في كتاب الخمس. * * * بقى الكلام في انها وقت الفتح كانت تلك الاملاك، من دور ونخيل وبساتين، في ايدى ملاك لها يومئذ ؟. وظاهر الاخبار وكلام الاصحاب الدال على ان ماكان عامرا وقت الفتح فهو للمسلمين كافة، شامل للارض وما فيها من تلك الاثار يومئذ، وان مرجع ذلك الى الامام - عليه السلام - يقبله ويصرف حاصله في مصالح المسلمين. وحينئذ فليس لاولئك الملاك قبل الفتح التصرف الا باذن الامام عليه السلام والاستيجار منه عليه السلام

[ 300 ]

فقول ابن ادريس ومن تبعه: انا نبيع املاكنا وآثارنا وبنياننا، انما يتم لو كان الذى للمسلمين وقت الفتح انما هو رقبة الارض العامرة خاصة، واما الاملاك فانها على هذا ملك لمن في يده، وهو خلاف الظاهر من الاخبار ومن كلامهم، كما عرفت. وبالجملة، فانى لا اعرف لكلامهم وجه استقامة، الا ان يخص ملك المسلمين وقت الفتح برقبة الارض دون ما فيها. وفيه: ما عرفت. أو انه يجدد احد بعد الفتح بناء أو غرسا أو نحو ذلك فالبيع والشراء أو الوقف ونحوها انما هو فيما كان كذلك وهذا ايضا غير مستقيم، لان هذه الارض حينئذ انما هي من البائرة وقت الفتح التى قد عرفت انها من الانفال وهى خارجة عن محل البحث. نعم يمكن ان يقال: ان هذه الاملاك والاراضي بعد الفتح إذا تقبلها احد من الامام وعمرها وبنى فيها وغرس وزرع وتصرف بهذه التصرفات ونحوها، مع دفعه كل سنة وجه القبالة له عليه السلام أو نايبه، فانه يجوز البيع والشراء والوقف في تلك الاملاك المحدثة، مع القيام بما عليها من وجه القبالة، دون رقبة الارض. والى ذلك يشير خبر بردة بن رجاء المتقدم، ورواية محمد بن شريح المتقدمة ايضا، ونحوهما غيرهما، وظاهر هذه الاخبار وقوع البيع والشراء في هذه الاراضي في وقتهم - عليهم السلام - وان لم يكن باذنهم. ومنه يظهر قوة ما ذهب إليه ابن ادريس ومن تبعه. الا ان هذا لا يجرى في بناء المساجد. الا ان يقال: انها من المصالح العامة للمسلمين التى هي احد مصارف هذه الاراضي، فيجوز بناؤها لذلك، واما وقف ارضها على المسجدية، كما هو ظاهر كلام الاصحاب في بحث المساجد، فلا يتصور هنا. لان الاراضي غير مملوكة للواقف وهو شرط صحة الوقف، الا انك قد عرفت في بحث المساجد من كتاب الصلاة: انه لادليل على ما ذكروه من اشتراط الوقفية في ارض المسجد، فلا اشكال. وعلى ما حققناه فيجب تقييد كلام الشيخ واتباعه بالمنع من التصرف في

[ 301 ]

الارض المفتوحة عنوة، بما ذكره ابن ادريس ومن تبعه من تخصيص ذلك برقبة الارض والاملاك الموجودة فيها حال الفتح، دون ما يحدث فيها من العمارات و الزراعات والغرس ونحو ذلك من المتقبلين لها كما ذكرناه، ويخص ايضا كلام ابن ادريس بذلك، فان ظاهر اطلاق كلامه شمول ما ذكره للعمارات الموجودة يوم الفتح. وقد عرفت انها للمسلمين قاطبة، فلا يجرى فيها ما ذكره. بل يجب تخصيصه بما ذكرناه. * * * والتحقيق عندي في هذا المقام، على ما ادى إليه فهمي القاصر من اخبارهم - عليهم السلام - وان كان خلاف ما عليه علماؤنا الاعلام، هو: انه مع وجود الامام عليه السلام أو نائبه وتمكنهما من القيام بالاحكام الشرعية، فالمرجع اليهما في ذلك ولا يجوز التصرف بشئ من انواع التصرفات الا باذن احدهما. واما مع عدم ذلك فظاهر كلمة الاصحاب: الرجوع الى الجائر المتولي لاخذ الخراج من تلك الاراضي، كما تقدم ذكره في مسألة حل الخراج، فان ظاهرهم: وجوب الرجوع إليه وعدم جواز التصرف الا باذنه، وان امكن الرجوع الى النائب في الاستيذان. وعندي فيه نظر، لعدم الدليل عليه، بل وجود الدليل على خلافه كما ستعرف انشاء الله تعالى. واحتمال التصرف فيها للشيعة مطلقا، والحال هذه، لا يخلو من قوة لانها وان كانت منوطة بنظر الامام عليه السلام كما هو مدلول خبرى احمد بن محمد بن ابى نصر المتقدمتين، وكذا رواية حماد بن عيسى، مع وجوده وتمكنه، الا انه مع عدم ذلك لا يبعد سقوط الحكم وجواز التصرف، وليس الرجوع الى حاكم الجور - بعد تعذر الرجوع إليه - عليه السلام - كما عليه ظاهر الاصحاب - باولى من الرجوع الى المسلمين يتصرفون كيف شاؤا وارادوا، لا سيما مع استلزام ما ذكروه المعاونة على الاثم و العدوان، وتقوية الباطل وتشييد معالمه، للنهى عنه كتابا وسنة.

[ 302 ]

وغاية ما يدل عليه الاخبار التى استندوا إليها فيما ذكروه من الاحكام، هو: انه إذا استولى الجائر على تلك الاراضي جاز الاخذ منه والشراء ونحو ذلك، ولا دلالة في شئ منها على المنع من التصرف الا باذنه كما ادعوه. ويدل على ما ذكرناه - اولا - الاخبار الدالة على ان الارض كلها لهم عليهم السلام وان شيعتهم في سعة ورخصة من التصرف فيها في زمن عدم تمكنهم. فمن ذلك صحيحة ابى خالد الكابلي، عن ابى جعفر - عليه السلام - قال: وجدنا في كتاب على - عليه السلام - " ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " (1) انا واهل بيتى الذين اورثنا الله الارض، ونحن المتقون، والارض كلها لنا، فمن احيى ارضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتى، وله ما أكل منها. فان تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها واحياها، فهو احق بها من الذى تركها يؤدى خراجها الى الامام من اهل بيتى، وله ما أكل منها حتى يظهر القائم من اهل بيتى بالسيف، فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها، لما حواها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنعها، الا ماكان في ايدى شيعتنا، فانه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الارض في ايديهم (2). وفى صحيحة عمربن يزيد المتضمنة لحمل مسمع بن عبد الملك الى الصادق عليه السلام مالا من الخمس ورده عليه السلام له عليه واباحته له، ما صورته: يا ابا سيار، ان الارض كلها لنا، فما اخرج الله منها من شئ فهو لنا - الى ان قال -: يا ابا سيار قد طيبناه لك وحللناك منه. فضم اليك مالك، وكل ما في ايدى شيعتنا من الارض فهم محللون ومحلل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا فنجبيهم طسق ماكان في ايدى سواهم، فان كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الارض من ايديهم ويخرجهم


(1) سورة الاعراف: 128 (2) الوسائل ج 17 ص 329 حديث: 2

[ 303 ]

منها صغرة (1). وقد تقدمت جملة من الاخبار الدالة على ان الارض كلها لهم - عليهم السلام - في كتاب الخمس. لا يقال: انه يجب تخصيص هذه الاخبار بالأراضي الموات لمعلومية ملك الناس لما في ايديهم، وبيعه وشراؤه وتوارثه ونحو ذلك. لانا نقول: لا منافاة بين مادلت عليه هذه الاخبار من كونها كملا لهم - عليهم السلام - وبين ما ذكره، لان تملكهم على حسب ملك الله فانه هو المالك الحقيقي، وملكهم متفرع على ملكه سبحانه، كما يشير إليه بعض الاخبار المتقدمة في الموضع المشار إليه، من قول ابى جعفر - عليه السلام -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: خلق الله آدم واقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لادم فهو لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وما كان لرسول الله فهو للائمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2). والى ذلك يشير حكمهم - عليهم السلام - بأن ما في ايدى مخالفيهم من الاراضي غصب محرم عليهم التصرف فيه (3). بل ورد في بعض الاخبار تحريم مشيهم على الارض (4)، حيث انها لهم - عليهم السلام - وانه بعد خروج القائم - عجل الله فرجه الشريف - يخرجهم من الارض ويجعلها دونهم، وان مافى ايدى الشيعة الان من الاملاك قد احلوهم به، فتصرفهم وتملكهم انما هو من حيث التحليل لهم، وانه بعد خروج قائمهم يأخذ الطسق منهم ويقرهم على ما في ايديهم ولا يخرجها من ايديهم، وحينئذ فلا منافاة


(1) الوسائل ج 6 ص 382 حديث: 12 (2) الكافي ج 1 ص 409 حديث: 7 (3) تقدم من ذلك في صحيحه عمر بن يزيد عن الوسائل ج 17 ص 329 حديث: 2 (4) راجع: الكافي ج 1 ص 407 والوسائل ج 6 ص 379 فما بعد

[ 304 ]

بحمد الله سبحانه. ومما ذكرناه ثبت جواز تصرفهم في هذه الاراضي التى هي محل البحث لدخولها تحت عموم هذه الاخبار، ويخص ما ورد من التوقف على اذن الامام بزمان وجوده وبسط يده، أو وجود نائبه كذلك، جمعا بين الادلة. وثانيا: الاخبار التى قدمناها، مثل موثقة حريز، (1) ورواية محمد بن شريح، (2) ورواية ابى بردة بن رجاء (3) ونحوها رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن الصادق عليه السلام في حديث، قال: وسألته عن رجل اشترى ارضا من ارض الخراج فبنى بها أو لم يبن، غير ان اناسا من اهل الذمة نزلوها، له ان يأخذ منهم اجرة البيوت، إذا ادوا جزية رؤسهم ؟ قال: يشارطهم فما أخذه بعد الشرط فهو حلال (4). فان ظاهر هذه الاخبار - كما ترى باعتبار ضم بعضها الى بعض - هو: جواز البيع والشراء من تلك الاراضي مع قيام المشترى بما عليها من الخراج، وان لم يكن البيع باذنهم - عليهم السلام -. وحمل ذلك على كون البيع اولا وبالذات انما تعلق بملك البايع وآثاره التى في تلك الارض، وبيع الارض انما وقع ثانيا وبالعرض، كما تقدم نقله عن جملة من الاصحاب، لا اشعار في تلك الاخبار، به كما لا يخفى على من راجعها وتأملها. واما قوله - في رواية ابى بردة -: " لا باس ان يشترى حقه " فيمكن حمله على -


(1) الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 6 (2) الوسائل ج 12 ص 275 حديث: 9 (3) الوسائل ج 11 ص 118 حديث: 1 (4) الوسائل ج 12 ص 275 حديث: 10

[ 305 ]

الحق الذى هو بمعنى اولوية التصرف فيها (1) حيث سبق إليها وملكها بذلك. ويحمل ظاهر المنع - الذى اشعرت به تلك الاخبار من حيث كونها فيئا. للمسلمين - على الشراء على وجه يتملكه بذلك، من غير وجوب دفع حق المسلمين منها، وهو خراج الارض المذكورة، كما ينادى به سياقها. وعلى ذلك يحمل اطلاق رواية ابى الربيع الشامي (2). واما ما تضمنه صحيح الحلبي (3) من " جواز الشراء من الدهاقين وانه ان شاء ولى الامر ان يأخذها " فهو محمول على وجود الامام عليه السلام وتمكنه. ويعضد ذلك، الاخبار الدالة على ان لهم من الحق منها ما هو ازيد من ذلك، وانهم بعد خروج صاحب الامر يزادون، كما في صحيحة عبد الله بن سنان عن ابيه، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ان لى ارض خراج، وقد ضقت بها ذرعا. قال: فسكت هنيئة، ثم قال: ان قائمنا لو قد قام كان نصيبك في الارض اكثر منها، ولو قد قام قائمنا كان الاستان امثل من قطايعهم (4):


(1) اقول: ومما يعضد ذلك ويوضحه: مافى رواية محمد بن مسلم وعمر ابن حنضله عن ابى عبد الله - عليه السلام -، قال: سألته عن ذلك، فقال: لا بأس بشرائها، فانها إذا كانت بمنزلتها في ايديهم، تؤدى عنها كما يؤدون عنها (الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 3)، فانها كما ترى ضاهرة الدلاله في ان الجواز والمنع دائران مدار قيام المشترى بخراجها ودفعه للامام عليه السلام وعدمه. فالبيع فيها جائز وان كانت ليست ملكا حقيقيا كسائر الاملاك التى لا يتعلق بها طسق ولا خراج. والنهى انما هو من حيث شرائها لتكون ملكا له لا يدفع خراجها ولا اجرتها. وبالجملة فالامر ضاهر لمن نظر في هذه الاخبار. منه قدس سره. (2) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 5 (3) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 4 (4) الكافي ج 5 ص 283 حديث: 5. والاستان - بضم الهمزه: مجموعه قرى كانت قرب بغداد.

[ 306 ]

وعن ابى ابراهيم بن ابى زياد في الموثق قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الشراء من ارض الجزية، قال: فقال: اشترها، فان لك من الحق ما هو اكثر من ذلك (1). وعن زرارة في الصحيح عن ابى عبد الله - عليه السلام - انه قال: إذا كان ذلك كنتم الى ان تزادوا اقرب منكم الى ان تنقصوا (2). * * * المورد الثاني، قال في المبسوط: ظاهر المذهب ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة عنوة بالسيف ثم امنهم بعد ذلك. وانما لم يقسم الارضين والدور، لانها لجميع المسلمين، كما نقوله في كل ما يفتح عنوة، إذا لم يمكن نقله الى بلاد الاسلام، فانه يكون للمسلمين قاطبة، وقد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجال من المشركين فأطلقهم. وعندنا: ان للامام عليه السلام ان يفعل ذلك وكذلك اموالهم من عليهم لما رآه من المصلحة. واما السواد فهى الارض المغزوة من الفرس التى فتحها عمر، وهى سواد العراق. فلما فتحت بعث عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف ماسحا، الى ان قال: وكذلك امير المؤمنين عليه السلام لما افضى إليه الامر امضى ذلك، لانه لم يمكنه ان يخالف ويحكم بما يجب عنده. والذى يقتضيه المذهب: ان هذه الاراضي وغيرها.. الى آخر ما قدمنا نقله عنه في صدر المسألة. اقول: ظاهر كلام الشيخ في هذا المقام يؤذن بعدم ثبوت كون ارض السواد عنده من المفتوحة عنوة، حيث ان الذى فتحها ليس بامام حق، وان اجراء امير المؤمنين عليه السلام في زمان خلافته عليها حكم الارض المفتوحة عنوة، انما هو من حيث عدم


(1) الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 4 (2) رواه في الوسائل عن حريز. ولكن التهذيب رواه عن حريز عن زراره. راجع الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 5

[ 307 ]

تمكنه من اقامة الحكم الشرعي فيها، كما في كثير من الاحكام، فان مقتضى الحكم فيها حيث انها فتحت بغير اذنه ان تكون من الانفال، لكن رعاية التقية اوجبت له العمل فيها بما جرى عليه الولاة المتقدمون. وعندي فيه نظر، وان تلقاه بعض متأخرى مشائخنا المحققين عنه بالقبول، و ذلك فان الظاهر من بعض الاخبار: ان اكثر الفتوحات التى صدرت من عمر كان برأى الامام واذهنه عليه السلام فروى الصدوق في الخصال في باب السبعة، في بيان ما امتحن الله تعالى اوصياء الانبياء - عليهم السلام - عن امير المومنين عليه السلام في حديث طويل مع اليهودي - قال عليه السلام -: في اثنائه: واما الرابعة يا اخا اليهودي، فان القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الامور ومصادرها فيصدرها عن امرى ويناظرنى في غوامضها فيمضيها عن رأيى، الحديث (1). ويعضد ذلك حكم الائمة - عليهم السلام - بأن ارض السواد مما فتح عنوة كما تقدم في صحيحة الحلبي (2) ورواية ابى الربيع الشامي (3) ورواية احمد بن محمد بن ابى نصر (4). فان الجميع ظاهر في انها من الاراضي الخراجية التى يجب اجراء احكام الاراضي الخراجية عليها، ولو كان ما يدعيه الشيخ ومن تبعه حقا، لما كان لهذه الاخبار معنى. وظاهر الاصحاب: القول بها من غير خلاف يعرف، الا ما يظهر من كلام المبسوط. والظاهر انه نشأ عن غفلة عن ملاحظة الاخبار المذكورة. ويزيد ذلك تأييدا ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى


(1) الخصال باب السبعه ج 2 ص 374 (2) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 4 (3) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 5 (4) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 2

[ 308 ]

جعفر عليه السلام، قال: سألته عن سيرة الامام في الارض التى فتحت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ان امير المؤمنين قد سار في اهل العراق سيرة هي امام لساير الارضين (1) الحديث. ويعضد ذلك قبول سلمان ولاية المدائن، وعمار امارة العساكر، كما تقدم في كلام الشيخ. وبذلك يظهر ما في كلام المحقق الاردبيلى في هذا المقام، حيث انه يظهر منه المناقشة في كون ارض العراق فتحت عنوة، مستندا الى وقوع الخلاف بين العلماء في ذلك، حيث نقل العلامة في التذكرة ان بعض الشافعية قال: انها فتحت صلحا. قال: وهو محكى عن ابى حنيفة. وقال بعضهم: اشتبه الامر على، ولا ادرى فتح عنوة أو صلحا. ثم قال المحقق المذكور: على انه قد اشترط - في المشهور عندنا وكاد يكون اجماعا - في المفتوحة عنوة كون الفتح باذن الامام عليه السلام، والعلم بذلك في شئ من الاراضي غير معلوم، لان العراق المشهورة بذلك فتحت في زمان الثاني، وما تحقق كونه باذن امير المؤمنين عليه السلام، بل الظاهر عدمه، لعدم اختياره، وما ثبت كون مولانا الحسن عليه السلام معهم.. ثم نقل كلام الشيخ وقوله: وعلى رواية رواها اصحابنا.. الى آخره، كما قدمناه. ثم قال: وهذه كالصريحة في نفى كون العراق مفتوحة عنوة، بل في عدم كونها مفتوحة بالمعنى الذى تقدم، انتهى ملخصا. وليت شعرى كأنه لم يراجع الاخبار التى اشرنا إليها، مما هو صريح الدلالة واضح المقالة في اجرائهم - عليهم السلام - حكم المفتوحة عنوة على ذلك الاراضي. واما قوله: وما تحقق كون الفتح باذن امير المؤمنين عليه السلام. الى آخره.


(1) الوسائل ج 11 ص 117 حديث: 2

[ 309 ]

ففيه: ان الظاهر انما هو رضاه عليه السلام به ان لم نقل انه باذنه. وذلك لانه عليه السلام صاحب الامر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو يحب ظهور الاسلام وقوته، وان لم يكن على يده، فان الغرض من اصل البعثة ومن النيابة فيها انما خمود منار الكفر وظهور صيت الاسلام فهو عليه السلام وان لم يكن متمكنا من الامر والنهى وتنفيذ الجيوش، الا ان غرضه الاصلى ومطلبه الكلى حاصل بذلك فكيف يكرهه ولا يرضاه ؟ ! وهذا بحمد الله سبحانه وجه وجيه، لمن اخذ بالانصاف وارتضاه، ويخرج ما قدمنا شاهدا لمن عرف الحق ووعاه. ويويد ذلك - ايضا - ما ورد في اخبارنا، وكذا في اخبار العامة: ان الله يؤيد هذا الدين أو يعزه بالظلم (1) - هذا حاصل الخبر حيث لا يحضرني الان نفسه. * * * ونقل بعض فضلائنا عن بعض كتب التواريخ قال: وكأنه من الكتب المعتبرة في هذا الفن، ان الحيرة وهى من قرى العراق تقرب الكوفة فتحت صلحا، وان نيسابور من بلاد خراسان فتحت صلحا، وقيل: عنوة. وبلخ وهرات منها، وقوشج


(1) جاء في وسائل الشيعه ج 4 ص 1170 باب انه يكره ان يقال: " اللهم اجعلني ممن تنتصر به لديك " الا ان يقيده بما يزيل الاحتمال. من ابواب الدعاء من كتاب الصلاه. عن يونس بن يعقوب عن ابى عبد الله عليه السلام انه كتب إليه بعض اصحابه يسأله ان يدعو الله ان يجعله ممن ينتصر به لدينه، فاجابه عليه السلام وكتب في اسفل كتابه: " يرحمك الله، انما ينتصر الله لدينه بشر خلقه ". وورد في البخاري في كتاب الجهاد الحديث رقم: 182. وفى كتاب المغازى الحديث رقم: 38. وفى مسلم في كتاب الايمان الحديث رقم 178. و في سنن ابن ماجه في كتاب الفتن الحديث رقم: 35. وفى مسند احمد بن حنبل ج 2 ص 309: " ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " وهكذا في ج 5 ص 45 فراجع. م. ه‍. معرفه

[ 310 ]

والتوابع فتحت صلحا. وبعض آخر فتح صلحا وبعض عنوة. وبالجملة فان بلاد خراسان مختلفة في كيفية الفتح. واما بلاد الشام ونواحيها فحكى ان حلب وحمى وحمص وطرابلس فتحت صلحا وان دمشق فتحت بالدخول من بعض الابواب غفلة، بعد ان كانوا طلبوا الصلح. وان اهل طبرستان صالحوا اهل الاسلام وان آذربايجان فتحت صلحا. وان اهل اصفهان عقدوا امانا. والرى فتحت عنوة. انتهى. وحكى العلامة في المنتهى عن الشافعي: ان مكة فتحت صلحا بأمان قدمه صلى الله عليه وآله وسلم لهم قبل دخوله. قال: وهو منقول عن ابى سلمة بن عبد الرحمن و مجاهد. ثم انه - رحمه الله - نسب الى الظاهر من المذهب: انها فتحت بالسيف ثم امنهم بعد ذلك. ونقله عن مالك وابى حنيفة والاوزاعي. وقد ذكر في المنتهى ان حد سواد العراق في العرض، من منقطع الجبال بحلوان الى طرف القادسية المتصل بعذيب من ارض العرب. ومن تخوم الموصل طولا الى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، فاما الغربي الذى يليه البصرة فانما هي اسلامي مثل شط عثمان ابن ابى العاص وما والاها كانت سباخا ومواتا فأحياها عثمان ابن ابى العاص. اقول: والذى يظهر لى من الاخبار هو فتح مكة والعراق عنوة، وان كان قد من على اهل مكة كما تقدم في كلام الشيخ باموالهم. واما غير هذين الموضعين المذكورين فهو محل الاشتباه، لعدم النص الوارد في شئ من ذلك. والاعتماد في الاحكام الشرعية على مجرد كلام المؤرخين محل اشكال والله العالم. * * * المورد الثالث: قد عرفت فيما تقدم، ان موات الارض المفتوحة عنوة وقت الفتح انما هو للامام عليه السلام من جملة الانفال. وان كان ظاهر بعض العبارات

[ 311 ]

كون الارض المفتوحة عنوة للمسلمين كافة من غير تقييد بالعامرة، الا ان كلام الاكثر قد اشتمل على التقييد بالعمرة، وهو الظاهر، نظرا الى اطلاق الاخبار الدالة على ان موات الارض من جملة الانفال، اعم من ان تكون الارض من المفتوحة عنوة ام لا. ومن هنا ينقدح اشكال في هذا المقام، وذلك لان ما يكون معمورا من الاراضي لا يعلم انه كان معمورا وقت الفتح حتى يجب العمل فيه بحكم المفتوحة عنوة، من كونه للمسلمين وما يترتب على ذلك من احكام الخراج. إذ يجوز ان يكون في ذلك الوقت مواتا، وانما احيى بعد ذلك، وقد عرفت: ان موات الارض لهم - عليهم السلام - وانهم قد احلوا شيعتهم بالتصرف فيها، فتكون للمحيين، لا يتعلق بها خراج بالكلية. واما ما صار إليه بعض اصحابنا من الاستدلال على ان المعمور الان كان معمورا وقت الفتح بضرب الخراج الان، ولومن الجائر واخذه المقاسمة من ارتفاعها، عملا بان الاصل في تصرفات المسلمين الصحة. فانه لا يخفى ما فيه، فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات الواهية لا يخلو عن مجازفة كما عرفت في غير مقام مما تقدم، لاسيما مع ما نشاهده الان ونعلمه علما قطعيا لا يختلجه الريب من تعدى الحكام وظلم الرعية، واخذهم الزيادات على الحقوق الموظفة عرفية كانت أو شرعية، فكيف يمكن الاستدلال بمجرد ضربهم الخراج الان على ارض معمورة انها كانت كذلك ايام الفتح، نعم لو كان الامام امام عدل لتم البحث. وبالجملة فان التمسك بأصالة العدم اقوى دليل في المقام حتى يقوم ما يوجب الخروج عنه كما هو القاعدة بينهم في جملة الاحكام. واما التمسك هنا بان الاصل في تصرفات المسلم الصحة فالظاهر ضعفه. اما اولا فلما عرفت من معلومية الظلم والجور من هولاء الذين ادعى حمل

[ 312 ]

تصرفاتهم على الصحة، وعدم وقوفهم عند الحدود الشرعية والرسوم المحمدية. واما ثانيا، فلان الظاهر ان المستند في هذا الاصل انما هي الاخبار الدالة على حسن الظن بالمؤمن (1) مثل خبر " احمل اخاك المؤمن على سبعين محملا من الخير " الحديث ونحوه، ومن الظاهر انه لاسبيل الى دخول هؤلاء الفجرة الفساق، الذين قد اشتهروا بفسقهم وكفرهم على الاطلاق، بالخروج عن القول بامامة امام الافاق على انا لا نسلم دخولهم في المسلمين الا على سبيل النجوز بمنتحل الاسلام، كما عليه الخوارج وامثالهم في هذا المقام، وقد تقدم في كتاب الطهارة تفصيل هذا الاجمال وتوضيحه بما لا يداخله النزاع ولا الجدال، والا فانا لا نعرف لهذه الاصالة معنى، إذا لم يرد بمضونها خبر على الخصوص، وانما مستندها ما اشرنا إليه من النصوص، والحال فيها ما عرفت من عدم دخول اولئك اللصوص. وعلى هذا فيزول جملة الاشكال في هذا المقام، ويجب الحكم بتملك كل من في يده شئ من تلك الاراضي، من غير ان يجب عليه دفع ما يدعونه من الخراج، وان ما يؤخذ منه الان من الخراج ظلم وعدوان في امثال هذه الازمان واما ما يتعلق باحياء الموات من الاحكام التى ذكرها الاصحاب - رضى الله عنهم - في المقام ووردت بها الاخبار عنهم - عليهم السلام - فسيأتي انشاء الله تعالى في كتاب احياء الموات. * * * المورد الرابع: قد تقدم في عبارة المبسوط وجوب اخراج الخمس من هذه الاراضي المفتوحة عنوة، كغيرها من الغنائم المنقولة. وبذلك صرح من تأخر عنه من اصحابنا من غير خلاف يعرف، الا ان المسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في كتاب الخمس، فليرجع إليه من احب الوقوف عليه.


(1) ورد في الكافي ج 2 ص 362: " ضع امر اخيك على احسنه... " كتاب الايمان والكفر. باب التهمة وسوء الضن.

[ 313 ]

المقام الثاني في الارض التى أسلم عليها اهلها طوعا والظاهر: انه لا خلاف بين الاصحاب في أن ارضهم لهم، يتصرفون فيها تصرف الملاك في ملاكهم، إذا عمروها، وانما عليهم فيها الزكاة خاصة. انما الخلاف فيما إذا تركوا عمارتها وبقيت خرابا فالمنقول عن الشيخ وابى الصلاح: ان الامام عليه السلام يقبلها ممن يعمرها، ويعطى صاحبها طسقها ويعطى المتقبل حصته، وما يبقى فهو لمصالح المسلمين، يجعل في بيت مالهم. وقال ابن حمزة: إذا تركوا عمارتها صارت للمسلمين، وامرها للامام - عليه السلام -. وقال ابن البراج: وإذا تركوا عمارتها حتى صارت خرابا كانت حينئذ لجميع المسلمين، يقبلها الامام عليه السلام ممن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه، من نصف أو ثلث أو ربع. وقال ابن ادريس: الاولى ترك ما قاله الشيخ، فانه مخالف للاصول والادلة العقلية والسمعية، فان ملك الانسان لا يجوز لاحد اخذه ولا التصرف فيه بغير اذنه

[ 314 ]

واختياره، فلا يرجع عن الادلة باخباره الاحاد. اقول: والذى وقفت عليه من الاخبار في ذلك ما تقدم قريبا، من رواية صفوان واحمد بن محمد بن ابى نصر جميعا (1) وصحيحة احمد بن محمد بن ابى نصر (2) الدالتين على ان ما لم يعمروه من تلك الاراضي يأخذه الامام عليه السلام فيقبله ممن يعمره، ويكون للمسلمين. وهما ظاهرتا الدلالة في قول ابن البراج وابن حمزة. وما ذكره الشيخ من انه يعطى صاحبها طسقها، لااشعار فيهما به، فضلا عن الدلالة عليه. وقال في المختلف - بعد نقل ما قدمناه من الاقوال -: والاقرب ما اختاره الشيخ. لنا: انه انفع للمسلمين واعود عليهم، وكان سائغا، فاى عقل يمنع من الانتفاع بارض يترك اهلها عمارتها، وايصال اربابها حق الارض، مع ان الروايات متظافرة بذلك. ثم ذكر رواية صفوان واحمد بن محمد بن ابى نصر وصحيحة احمد بن محمد ابن ابى نصر. ثم انه احتج لابن حمزة وابن البراج، بمارواه معاوية بن وهب في الصحيح قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ايما رجل اتى خربة فاستخرجها، وكرى انهارها وعمرها، فان عليه فيها الصدقة، وان كانت ارض لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخر بها ثم جاء بعد يطلبها، فان الارض لله ولمن عمرها (3) ثم اجاب عن الرواية


(1) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 1 باب: 72 (2) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 2 باب: 72 (3) الكافي ج 5 ص 279 حديث: 2 والروايه كانت ملحونه في المتن جدا، كما في غالب ما ينقله المؤلف - رحمه الله - فصححناها على نسخ المصادر الصحيحه. م. ه‍. معرفه

[ 315 ]

بالحمل على ارض الخراج. اقول: لا يخفى ما في كلامه - رحمه الله - في هذا المقام. اما اولا، فلان ما ذكره من التعليل العقلي عليه عليل لا يبرد الغليل ولا يهدى الى سبيل. فان كلام ابن ادريس - هنا لولا الروايتين المذكورتين - قوى متين، إذ لاريب في قبح التصرف في ملك الغير بغير رضاه، كما دلت عليه الاية والرواية (1) وهذا هو الذى اشار إليه ابن ادريس بالدليل العقلي هنا. واما ترتب الانتفاع للمسلمين فلا يصح لان يكون وجها في حل التصرف بغير رضا صاحبها، والا لجاز غصب اموال الناس وصرفها في مصالح المسلمين، وهذا لا يقول به احد. وبالجملة فانه مع قطع النظر عن الخبرين المذكورين، فقول ابن ادريس جيد متين. واما ثانيا، فلان الخبرين - كما عرفت - انما يدلان على قول ابن حمزه وابن البراج، لا على قول الشيخ كما زعمه. واما ثالثا، فلان ما اورده من صحيحة معاوية بن وهب، (2) لا دلالة لها على القول المذكور بوجه، كما لا يخفى. والظاهر من صدر الخبر المذكور انما هو: الحمل على ارض الانفال، وهى الارض الخربة من أي صنف كانت من اصناف الاراضي، فان المحيى لها احق


(1) والاية هي: قوله تعالى: " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، الا ان تكون تجاره عن تراض منكم " سورة النساء: 29 والروايه هي: قوله عليه السلام -: " لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه ". راجع: الوسائل ج 3 ص 424 حديث: 4090 (2) قد تكرر من المصنف قوله: " معاويه بن عمار " هنا وفيما سبق، ولكنا صححناه بما في المتن في كلا الموضعين، وفق نسخة المصدر الصحيحه.

[ 316 ]

بالتصرف فيها. واما قوله " وان كانت ارضا لرجل قبله " فيحتمل حمله على الارض الخراجية، بعد زوال آثار تصرف المالك الاول، فانها كما تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني، تخرج عن ملك الاول، لزوال آثار ملكه، وتعود الى أصلها، من كونها للمسلمين قاطبة. وعلى ما قدمناه يجوز التصرف فيها لمن سبق إليها. ويحتمل الحمل - ايضا - على ارض الانفال التى احلوا - عليهم السلام - للشيعة التصرف فيها زمان الغيبة، فانه بعد زوال آثار تصرف المالك الاول ترجع الى حالها الاصلى، وهو ملك الامام عليه السلام. ونحوها في ذلك ما تقدم في صحيحة ابى خالد الكابلي، من قوله عليه السلام " فان تركها أو أخربها واخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها فهو احق بها من الذى تركها " الحديث (1) ونحوهما صحيحة عمربن يزيد (2). وظاهر هذه الاخبار: انقطاع حق الاول منها، وانها تكون ملكا صرفا للمحيى الثاني، وهو احد القولين في المسألة. وقيل بالعدم، ويدل عليه صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها ويجرى انهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه ؟ قال: عليه الصدقة. قلت: فان كان يعرف صاحبها. قال: فليؤد إليه حقه (3). والاقرب عندي في الجمع بين هذه الرواية وبين الروايات المتقدمة، هو حمل الروايات المتقدمة على ما إذا ملكها الاول بالاحياء، فانه يزول ملكه بعد زوال آثاره،


(1) الكافي ج 5 ص 279 حديث: 5. (2) الوسائل ج 6 ص 382 حديث: 12 (3) الوسائل ج 17 ص 329 حديث: 3

[ 317 ]

وترجع الى حالها الاول، كما تقدم. وتحمل هذه الرواية على ما إذا ملكها الاول بغير الاحياء، من شراء أو ارث ونحوهما، فانه لا يزول ملكه عنها، وان صارت خربة. والقائلون بالقول الثاني من القولين المذكورين اختلفوا، فبعض قال بأنه لا يجوز احياؤها ولا التصرف فيها مطلقا، الا باذن الاول. وذهب جماعة الى جواز احيائها وكون الثاني احق بها، لكن لا يملكها بذلك، بل عليه ان يؤدى طسقها الى الاول أو وراثه. ولم يفرقوا في ذلك بين ما يدخل في ملكه بالاحياء أو غيره من الاسباب الموجبة للملك، إذا صار مواتا. ونقل عن الدروس: انه ذهب الى وجوب استيذان المحيى من المالك الاول، فان امتنع فالحاكم. فان تعذر الامران جاز الاحياء، وعلى المحيى طسقها للمالك. وضعف هذه الاقوال ظاهر، بضعف القول الذى تفرعت عليه لدلالة الاخبار التى قدمناها على خلافه، وصحيحة سليمان بن خالد التى هي مستند هذا القول، لا صراحة فيها على ما ادعوه، لا مكان حملها على ما قدمناه، وبه تجتمع مع الاخبار الاخر، والله العالم بحقايق احكامه. * * *

[ 318 ]

المقام الثالث في ارض الصلح وهى التى صولح أهلها على ان تكون الارض لهم، وانهم يقرون على دينهم، ولكن عليهم الجزية، اما على رؤسهم أو على ارضهم، حسب ما يراه الامام - عليه السلام -. وجعلها على الارض، بان يصالحهم على ثلث الحاصل أو ربعه أو نصفه مثلا، وهذه الارض ملك لهم يتصرفون فيها بما شاؤا من بيع وغيره، وعليهم الجزية المقررة. ويملكها المسلم بوجه مملك كالبيع ونحوه، ولا ينتقل ما على الارض لو كانت الجزية عليها الى المسلم. لان المسلم لا جزية عليه، بل ترجع الى البايع الذمي. ولو أسلم صاحب الارض سقطت الجزية عنه، لما عرفت من ان المسلم لا جزية عليه، وكانت ارضه له لا يتعلق بها جزية، كما في سائر المسلمين. ولو وقع الصلح بان تكون الارض للمسلمين خاصة ويكون للكفار السكنى خاصة، كان حكم هذه الارض حكم المفتوحة عنوة، معمورها - حال الفتح -

[ 319 ]

للمسلمين ومواتها عليه السلام حسبما تقدم الكلام فيه مفصلا. ومما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه الارض: ما رواه في الكافي والفقيه عن زرارة في الصحيح، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ماحد الجزية على اهل الكتاب ؟ وهل عليهم في ذلك شئ موظف، لا ينبغى ان يجوز الى غيره ؟ فقال: ذلك الى الامام عليه السلام يأخذ من كل انسان منهم ما شاء على قدر ماله وما يطيق. انما هم قوم فدوا انفسهم من ان يستعبدوا أو يقتلوا، فالجزية تأخذ منهم على قدر ما يطيقون له ان يأخذهم به حتى يسلموا، فان الله عزوجل قال: " حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون " وكيف يكون صاغرا ولا يكثرث بما يؤخذ منه حتى يجد ذلا (1) لما اخذ منه فيألم لذلك فيسلم. قال: وقال محمد بن مسلم: قلت للصادق عليه السلام أرأيت ما يأخذ هؤلاء من الخمس من ارض الجزية، ويأخذون من الدهاقين جزية رؤوسهم اما عليهم في ذلك شئ موظف ؟ فقال: كان عليهم ما اجازوا على انفسهم، وليس للامام اكثر من الجزية، ان شاء الامام وضع ذلك على رؤوسهم، وليس على اموالهم شئ وان شاء فعلى اموالهم. وليس على رؤسهم شئ فقلت: فهذا الخمس ؟ فقال: انما هذا شئ كان صالحهم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2). وما رواه في الفقيه عن مصعب بن يزيد الانصاري قال استعملني امير المؤمنين عليه السلام على اربعة رساتيق المداين: البهقياذات، ونهر سير، ونهر جوير، ونهر الملك، وامرني ان اضع على كل جريب زرع غليظ درهما ونصفا. وعلى كل جريب زرع وسط درهما، وعلى كل جريب زرع رقيق ثلثى درهم. وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم. وعلى كل جريب نخل عشرة دراهم. وعلى كل جريب البساتين،


(1) في نسخة الوسائل ج 11 ص 113 حديث 1 من باب 68 " حتى لا يجد ذلا ". ولكن نسخة الكافي موافقه للمتن. (2) الوسائل ج 11 ص 114، حديث: 2.

[ 320 ]

التى تجمع النخل والشجر، عشرة دراهم. وامرني بأن ألقى كل نخل شاذ عن القرى، لمارة الطريق وابناء السبيل، ولا آخذ منه شيئا. وامرني ان اضع على الدهاقين الذين يركبون البرازين ويتختمون بالذهب، على كل رجل منهم ثمانية واربعين درهما، وعلى اوساطهم والتجار منهم، على كل رجل اربعة وعشرين درهما، وعلى سفلتهم وفقرائهم، على كل انسان منهم اثنى عشر درهما، على كل انسان منهم. قال فجبيتها ثمانية عشر الف الف درهم في سنة (1). اقول: " نهر سبر " ضبطه ابن ادريس بالباء الموحدة والسين المهملة وحمل هذا الخبر في التهذيب على ما رآه امير المؤمنين عليه السلام مصلحة في ذلك الوقت بحسب حالهم، فلا ينافى عدم التوظيف في الجزية. وما رواه في التهذيب عن ابى بصير واسحاق بن عمار جميعا، عن ابى عبد الله - عليه السلام - قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعطى أناسا من اهل نجران الذمة على سبعين بردا (2). وما رواه في الكافي عن حريز عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن اهل الذمة ماذا عليهم مما يحقنون به دمائهم واموالهم ؟ قال: الخراج. فان اخذ من رؤسهم الجزية فلا سبيل على اراضيهم، وان اخذ من اراضيهم فلا سبيل على رؤوسهم. (3) الى غير ذلك من الاخبار الواردة من هذا القبيل. * * *


(1) الوسائل ج 11 ص 115 حديث: 5 (2) التهذيب ج 6 ص 172 حديث: 12 / 334 (3) الوسائل ج 11 ص 115 حديث: 3

[ 321 ]

المقام الرابع في ارض الانفال وقد تقدم الكلام فيها في كتاب الخمس، ونقل جملة من اخبارها، الا ان من جملة اخبارها، مما لم يتقدم ذكره: ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة، قال: سألته عن الانفال، فقال: كل ارض خربة أو شئ كان للملوك فهو خالص للامام ليس للناس فيه سهم. قال ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب (1). اقول: ظاهر هذا الخبر: ان البحرين مما اسلمت للمسلمين طوعا من غير قتال، وانها من الانفال حينئذ، وبذلك صرح في الروضة في كتاب الخمس، الا انه في كتاب احياء الموات، عدها مع المدينة المشرفة واطراف اليمن فيما اسلم عليه اهله طوعا، وحكم بان أرضها لهم (2) لذلك. ولا يخفى ما فيه من المناقضة لكلامه في كتاب. الخمس.


(1) الوسائل ج 6 ص 367 حديث: 8 والتهذيب ج 4 ص 133 حديث: 7 / 373 (2) أي ملكا لاصحاب الاراضي الذين اسلموا طوعا.

[ 322 ]

المسألة السابعة في احكام اليتامى واموالهم وتحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مناهج اربعة: (الاول): في ولى اليتيم. المفهوم من كلام الاصحاب: ان الولاية على الصغير للاب ثم الجد له وان علا على الترتيب، الاقرب فالاقرب للميت، فان عدم الجميع فالوصى من جهة الاب، ثم الوصي من جهة الجد على الترتيب المتقدم، ثم مع عدم جميع هؤلاء فالحاكم الشرعي. وممن صرح بذلك شيخنا في المسالك، حيث قال - بعد نقل قول المصنف " ولو مات انسان ولا وصى له كان للحاكم النظر في تركته " - ما صورته: الامور المفتقرة في الولاية، اما ان تكون اطفالا أو وصايا أو حقوقا أو ديونا، فان كان الاول فالولاية فيهم لابيه ثم جده ثم لمن يليه من الاجداد، على ترتيب الولاية، للاقرب منهم الى الميت فالاقرب، فان عدم الجميع فوصى الاب ثم وصى الجد وهكذا، فان عدم الجميع فالحاكم. والولاية في الباقي غير الاطفال للوصي ثم الحاكم... الى آخر كلامه رحمه الله.

[ 323 ]

ونقل في الدروس عن ابن الجنيد: ان للام الرشيدة الولاية بعد الاب، ثم رده بأنه شاذ. اقول: وكان الواجب ان يعد في ذلك، الولاية بعد الحاكم لعدول المؤمنين، كما صرح به جملة من الاصحاب (1) من انه مع تعذر الحاكم فلعدول المؤمنين، تولى بعض الحسبيات، المنوطة بنظر الحاكم الشرعي. وعليه تدل الاخبار المذكورة ايضا: ومنها: ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، قال: مات رجل من اصحابنا ولم يوص، فرفع أمره الى قاضى الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله،، وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما اراد بيع الجوارى ضعف قبله في بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه بهذا بأمر القاضى، لانهن فروج. قال: فذكرت ذلك لابي جعفر عليه السلام فقلت: يموت الرجل من اصحابنا ولم يوص الى احد، ويخلف جواري، فيقيم القاضى منا رجلا لبيعهن، أو قال يقوم بذلك رجل منا، فيضعف قبله لانهن فروج، فما ترى في ذلك القيم ؟ قال: فقال: إذا كان القيم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس (2). وروى في الكافي والفقيه في الصحيح من الثاني، عن ابن رئاب، قال: سألت ابا الحسن موسى عليه السلام عن رجل بينى وبينه قرابة، مات وترك اولادا صغارا، وترك مماليك غلمانا وجواري، ولم يوص. فما ترى فيمن يشترى منهم الجارية، يتخذها


(1) المشهور بين الاصحاب: انه مع تعذر الحاكم، أو وجوده ولكن في غير البلد مع حصول المشقه الشديده في الرجوع إليه، فان يجوز لعدول المؤمنين تولى بعض الحسبيات ونقل عن ابن ادريس المنع، وهو محجوب بالاخبار التى ذكرناها في الاصل. منه قدس سره (2) الوسائل ج 12 ص 270 حديث: 2

[ 324 ]

ام ولد، وما ترى في بيعهم ؟ فقال: إذا كان لهم ولى يقوم بأمرهم، باع عليهم ونظر لهم كان مأجورا فيهم، قلت: فما ترى فيمن يشترى منهم الجارية فيتخذها ام ولد ؟ قال لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم، فليس لهم ان يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم (1). اقول: وهذا الخبر وان كان مجملا، الا ان الظاهر منه بعد التأمل: ان المراد بالولي فيه انما هو احد عدول المؤمنين، لان انتفاء الوصي ظاهر من الخبر، وانتفاء الحاكم الشرعي الذى هو احد الاولياء ايضا ظاهر، إذ ليس في وقته - عليه السلام - حاكم شرعى - اصالة - سواه. واحتمال الجد بعيد من سياق الخبر. وبالجملة فان الحكم المذكور مما لاريب فيه. ثم ان الاصحاب - بناء على ما قدمنا نقله عنهم، من ان الولاية على الصغار مخصوصة بالاب والجد له وان علا، دون غيرهما من الوصي والحاكم - فرعوا على ذلك مالو اوصت الام لطفلها بمال، أو احد اقاربه، وعين عليه وصيا ليصرفه في مصالح الطفل، فان للاب أو الجد انتزاعه من ذلك الوصي، لثبوت ولايتهما عليه شرعا، فلا تنفذ وصية الموصى بالولاية لغيرهما. قال في الدروس: ولا ولاية للام على الاطفال. فلو نصبت عليهم وليا لغى. ولو أوصت لهم بمال ونصبت عليه قيما لهم صح في المال خاصة. ثم نقل قول ابن الجنيد الذى قدمنا نقله عنه. وبنحو ذلك صرح في المسالك، فقال - ايضا في شرح قول المصنف " لو اوصى بالنظر في مال ولده الى اجنبي وله اب لم يصح، وكانت الولاية الى جد اليتيم - ما صورته: قد عرفت من المسألة السابقة ان الولاية للجد وان علا على الولد مقدمة على ولاية وصى الاب، فإذا نصب الاب وصيا على ولده المولى عليه مع وجود جده للاب لم يصح، لان ولاية الجد ثابتة له باصل الشرع، فليس للاب نقلها عنه، ولا اثبات


(1) الوسائل ج 13 ص 474 حديث: 1

[ 325 ]

شريك معه.. الى آخر كلامه رحمه الله. والظاهر: ان الحكم المذكور مما لا خلاف فيه الا ما تقدم نقله عن ابن الجنيد، وضعف اقواله غالبا معلوم من قواعده. * * * (المنهج الثاني): في الاتجار بمال الصغير والعمل به. ولا تخلو الحال في ذلك، اما بأن يكون الاتجار لليتيم من الولى، أو الاتجار للولى نفسه بمال اليتيم، أو يكون المتصرف غير ولى شرعى. قال في النهاية: ومتى اتجر الانسان بمال اليتيم، نظرا لهم وشفقة عليهم، فربح كان الربح لهم، وان خسر كان عليهم، ويستحب له ان يخرج من جملته الزكاة. ومتى اتجر به لنفسه، وكان متمكنا في الحال من ضمان ذلك المال وغرامته، ان حدث به حادث، جاز ذلك وكان المال قرضا عليه، فان ربح كان له، وان خسر كان عليه، وتلزمه في حصته الزكاة، كما يلزمه لو كان المال له، ندبا واستحبابا. ومتى اتجر لنفسه بما لهم وليس بمتمكن في الحال من مثله وضمانه، كان ضامنا للمال. فان ربح كان للايتام، وان خسر كان عليه دونهم. انتهى. وقال ابن ادريس: ومتى اتجر الانسان المتوالى لمال اليتيم، نظرا لهم وشفقة لهم فربح كان الربح لهم، وان خسر كان عليهم. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويستحب ان يخرج من جملته الزكاة. والذى يقوى عندي: انه لا يخرج ذلك، لانه لا دلالة عليه من كتاب ولاسنة مقطوع بها، ولا اجماع. ولانه لا يجوز التصرف الا فيما فيه مصلحة لهم، وهذا لا مصلحة لهم فيه، من دفع عقاب ولا تحصيل ثواب، لان الايتام لا يستحقون ثوابا ولا عقابا، لكونهم غير مخاطبين بالشرعيات. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى اتجر به لنفسه -، ثم نقل العبارة كما قدمناها - ثم قال: قال ابن ادريس: هذا غير واضح ولا مستقيم، ولا يجوز له ان يستقرض منه شيئا من ذلك سواء كان متمكنا في الحال من ضمانه وغرامته أو لم يكن، لانه امين

[ 326 ]

والامين لا يجوز له ان يتصرف لنفسه في امانته بغير خلاف منا - معشر الامامية - ولا يجوز له ان يتجر فيه لنفسه على حال من الاحوال، وانما اورده شيخنا ايرادا لا اعتقادا، من جهة اخبار الاحاد، كما ورد امثاله في هذا الكتاب، وهو غير عامل عليه. قال في الكتاب المشار إليه: ومتى اتجر لنفسه بمالهم - الى آخر ما قدمناه -: ثم قال: وقد قلنا: انه لا يجوز له ان يتجر لنفسه في ذلك المال بحال من الاحوال. انتهى ما ذكره ابن ادريس ملخصا... اقول: اما اتجار الولى لليتيم نظرا له وشفقة عليه، فالظاهر: انه لا خلاف في كون الحكم فيه ما ذكره الشيخ، من ان الربح لليتيم والنقصان له، الا ان الاخبار في هذه الصورة لا تخلو من تدافع، وكذا بقية الاخبار في المسألة لا تخلو من الاشكال كما سيظهر لك انشاء الله تعالى. واما لو اقترضه الولى مع كونه مليا، فانه يكون الربح له وهو ضامن لمال اليتيم. ومنع ابن ادريس هنا من اقتراض الولى، مردود بالاخبار الاتية في المقام انشاء الله تعالى. وكذا منعه من الزكاة في الصورة الاولى، مردود بالاخبار، كما تقدم تحقيقه في كتاب الزكاة. واما لو كان التصرف مع عدم استكمال الشرطين المتقدمين، فظاهر الاخبار وكلام جملة من الاصحاب: ان الربح في هذه الصورة لليتيم وهو على اطلاقه لا يخلو من اشكال، كما سيأتي بيانه انشاء الله تعالى في المقام. * * * والواجب اولا: نقل ما وصل الينا من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة، ثم بيان ما هو المستفاد منها بتوفيق الله سبحانه. فمنها - مما تدل على جواز الاقتراض من مال اليتيم، ردا على ابن ادريس: - ما رواه في الكافي عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل ولى مال

[ 327 ]

يتيم، أيستقرض منه ؟ قال: ان على بن الحسين عليه السلام كان يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره (1) ورواه الصدوق في الصحيح ايضا عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام مثله وزاد: " فلا بأس بذلك " (2). وعن احمد بن محمد بن ابى نصر قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يكون في يده مال لايتام فيحتاج إليه، فيمد يده فيأخذه، وهو ينوى ان يرده إليهم، فقال: لا، ولكن ينبغى له ان لا يأكل الا بقصد ولا يسرف. فان كان من نيته: ان لا يرد عليهم فهو بالمنزل الذى قال الله عز وجل: ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما (3). وروى العياشي في تفسيره مثله، وزاد: قال: قلت له: كم ادنى ما يكون من مال اليتيم إذا هو أكله، وهو لا ينوى رده، حتى يكون يأكل في بطنه نارا ؟ قال: قليله وكثيره واحد، إذا كان من نفسه ونيته ان لا يرده إليهم (4).


(1) الوسائل ج 12 ص 192 حديث: 1 اقول: ومما يؤيد هذا الخبر: ما رواه ابن ادريس، في مستطرفات السرائر، نقلا عن كتاب جامع البزنطى، قال: سألته عن رجل كانت عنده وديعه لرجل، فاحتاج إليه، هل يصلح له ان يأخذ منها - وهو مجمع على ان يردها - بغير اذن صاحبها ؟ قال: ان كان عنده وفاء فلا باس بأن يأخذ ويرده (الوسائل ج 13 ص 233 حديث: 2) وابن ادريس بعد ان اورد هذا الخبر رده، وقال: لا يلتف إليه. قال: لان الاجماع منعقد على تحريم التصرف في الوديعة بغير اذن ملاكها، فلا يرجع عما يقتضيه العلم الى ما يقتضيه الظن. وبعد هذا فاخبار الاحاد لا يجوز العمل بها على كل حال في الشرعيات، على ما بيناه. انتهى. وهو جيد على اصله غير الاصيل. منه قدس سره. (2) هذه الزيادة موجوده في رواية الكافي ايضا ج 5 ص 131 حديث: 5 (3) الوسائل ج 12 ص 192 حديث: 2 (4) تفسير العياش ج 1 ص 224 حديث: 42

[ 328 ]

* * * ومنها - مما يتعلق بأصل المسألة -: ما رواه الكافي والتهذيب عن أسباط ابن سالم، قال: قلت للصادق عليه السلام: كان اخ هلك، واوصى الى اخ اكبر منى، وادخلني معه في الوصية وترك ابنا له صغيرا، وله مال، أفيضرب به اخى، فما كان من فضل سلمه الى اليتيم، وضمن له ماله ؟ فقال: ان كان لاخيك مال يحيط بمال اليتيم ان تلف فلا باس به، وان لم يكن له مالا فلا يعرض لمال اليتيم (1). وما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد مسلم، عن ابى عبد الله عليه السلام في مال اليتيم، قال: العامل به ضامن، ولليتيم الربح، إذا لم يكن للعامل به مال. وقال: ان عطب أداه (2). وعن ربعى في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال: في رجل عنده مال اليتيم فقال: ان كان محتاجا وليس له مال، فلا يمس ماله. وان هو اتجر به فالربح لليتيم، وهو ضامن (3). وعن اسباط بن سالم، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام فقلت: اخى امرني ان اسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به فقال: ان كان لاخيك ما يحيط بمال اليتيم ان تلف أو اصابه شئ غرمه، والا فلا يتعرض لمال اليتيم (4). وما رواه في التهذيب، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون في يده مال لاخ له يتيم وهو وصيه، أيصلح له ان يعمل به ؟ قال نعم، كما يعمل بمال غيره والربح بينهما. قال: قلت: فهل عليه ضمان ؟ قال: لا، إذا كان ناظر له (5).


(1) الوسائل ج 12 ص 190 حديث: 1 باب: 75 من ابواب ما يكتسب به (2) الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 3 (4) الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 4 (5) الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 6 ر 11595

[ 329 ]

وعن منصور الصيقل، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ما اليتيم يعمل به، قال: فقال: إذا كان عندك مال وضمنته، فلك الربح وانت ضامن للمال، وان كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام، وانت ضامن للمال (1). وما رواه العياشي في تفسيره عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: مال اليتيم، ان عمل به من وضع على يديه ضمنه، ولليتيم ربحه، قالا: فقلنا له: قوله " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " ؟ قال: انما ذلك إذا حبس نفسه عليهم في اموالهم، فلم يتخذ لنفسه فليأكل بالمعروف من مالهم (2). وما رواه في الكافي عن سعيد السمان، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ليس في مال اليتيم زكاة الا ان يتجر به فان اتجر به فالربح لليتيم، وان وضع فعلى الذى يتجر به (3). وما رواه في الفقيه عن زرارة وبكير، في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام قال: ليس في الجوهر واشباهه زكاة وان كثر، وليس في نقر الفضة زكاة، ولا على مال اليتيم زكاة، الا ان يتجر به، فان اتجر به ففيه الزكاة، والربح لليتيم وعلى التاجر ضمان المال (4). وما رواه في التهذيب عن بكربن حبيب، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل دفع إليه مال يتيم مضاربة، فقال: ان كان ربح فلليتيم، وان كان وضيعة فالذي اعطى


(1) الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 7 (2) تفسير العياش ج 1 ص 244 حديث: 43 والمصنف نقل الحديث عن الوسائل ملحونا فاصلحناه على نسخة التفسير. (3) الوسائل ج 6 ص 57 حديث: 2. قوله: " وان وضع " أي خسر المال. (4) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 9 حديث: 2

[ 330 ]

ضامن (1). وفي الفقه الرضوي: وروى ان من اتجر بمال اليتيم فربح كان لليتيم، و الخسران على التاجر، ومن حول مال اليتيم أو اقترض شيئا منه كان ضامنا لجميعه، وكان عليه زكاته دون اليتيم - الى ان قال - وروى ان لرئيس القبيلة وهو فقيهها و عالمها: ان يتصرف لليتيم في ماله بما يراه حظا وصلاحا، وليس عليه خسران، و لا له ربح، والربح والخسران لليتيم وعليه انتهى. هذا ما حضرني من الاخبار في هذا المقام، والذى يدل منها على ما قدمنا نقله عن الشيخ ومن تبعه، من انه متى اتجر الولى لليتيم نظرا له، فان الربح لليتيم والنقيصة عليه: رواية ابى الربيع المذكورة (2) ورواية الفقه الرضوي. الا ان ظاهر رواية اسباط بن سالم الاولى (3) المنافاة لذلك. حيث ان ظاهرها: ان المتجر ولى اليتيم، مع انه شرط عليه السلام في صحة تصرفه وتجارته لليتيم " الملاء " المؤذن ذلك بضمانه النقصان. ويؤيد الخبر الاول ظاهر اتفاق كلمة الاصحاب على الحكم المذكور، فانى لم اقف على مخالف فيه، وحينئذ فلا بد من ارتكاب التأويل في الخبر الثاني، وان بعد، بحمله على ما إذا لم يكن وليا للطفل، وان كان وصيا على ما عداه من الاموال والتصرفات. والذى يدل على ما ذكره الاصحاب من أنه متى كان وليا مليا فانه يجوز له الاقتراض من مال الطفل، والاتجار لنفسه، وان الربح له والنقيصة عليه، فاما على


(1) الوسائل ج 13 ص 189 - 190 حديث 1 باب: 10 (2) وهى التى رواها المنصف عن التهذيب من غير ان يذكر الراوى عن الامام - عليه السلام - قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يكون في يده... الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 6 (3) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 190 حديث: 1 باب: 75

[ 331 ]

الاقتراض فما تقدم من صحيحة منصور بن حازم (1). واما على باقى الاحكام فرواية منصور الصيقل (2) حيث صرحت بأنه إذا كان عنده مال وضمنه فله الربح. وهى وان كانت مطلقة بالنسبة الى كونه وليا، الا انه يجب حملها على ذلك، لما سيأتي بيانه انشاء الله تعالى، من انه متى لم يكن وليا، فانه غاصب وتصرفه باطل، فلا يكون مستحقا للربح. ويدل ذلك ايضا مفهوم صحيحة ربعى (3) ورواية اسباط بن سالم الثانية (4). وهما ايضا، وان كانتا مطلقتين بالنسبة الى كونه وليا، الا انه يجب حملهما على ذلك لما ذكرناه. ويعضده: انه هو الاغلب، إذ لا خلاف بين الاصحاب في تحريم التصرف في مال اليتيم الا بالشرطين المتقدمتين. نعم استثنى جملة من المتأخرين الاب والجد من شرط الملائة، فجوزوا لهما التصرف وان كانا غير مليين. واستشكله في المسالك والظاهر: ان ما ذكره الاصحاب اقرب، لاسيما مع الضمان كما هو المفروض، لما تقدم في المسألة الرابعة، من الاخبار الكثيرة الدالة على حل مال الولد للوالد. وبالجملة، فالظاهر: ان الحكم في هاتين الصورتين مما لا اشكال فيه. والذى يدل على ما ذكروه من انه اتجر في مال اليتيم بدون الشرطين المتقدمتين، فان الربح لليتيم، والمتصرف ضامن، فاما بالنسبة الى الضمان، فلان تصرفه غير شرعى، وهو يوجب الضمان البتة. واما بالنسبة الى كون الربح لليتيم، فاكثر الاخبار المتقدمة، مثل صحيحة


(1) تقدمت في ص 326 عن الوسائل ج 12 ص 192 حديث: 1 (2) تقدمت في ص 329 عن الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 7 (3) تقدم في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 3 (4) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 4

[ 332 ]

محمد بن مسلم (1) وصحيحة ربعى (2) وعجز رواية منصور الصيقل (3) ونحوها غيرها مما ذكر ايضا، وقد اشترك الجميع في الدلالة على أنه متى لم يكن له مال واتجربه، فانه ضامن، والربح لليتيم، كما ذكرناه، اعم من ان يكون وليا أو غير ولى، اتجر للطفل أو لنفسه، وقع الشراء بعين المال اوفى الذمة. الا ان في هذا المقام اشكالا، قد نبه عليه جملة من علمائنا الاعلام. منهم: صاحب المدارك، قال - عليه الرحمة - في كتاب الزكاة: أما ان ربح المال يكون لليتيم، فلان الشراء وقع بعين ماله كما هو المفروض، فيملك المبيع ويتبعه الربح، لكن يجب تقييده بما إذا كان المشترى وليا أو اجازه الولى، وكان للطفل غبطة في ذلك، والا وقع الشراء باطلا، بل لا يبعد توقف الشراء على الاجازة في صورة شراء الولى ايضا، لان الشراء لم يقع بقصد الطفل ابتداء، فانما اوقعه المتصرف لنفسه، فلا ينصرف الى الطفل بدون الاجازة، ومع ذلك كله فيمكن المناقشة في صحة مثل هذا العقد، وان قلنا بصحة الفضولي مع الاجازة ابتداء، لانه لم يقع للطفل ابتداء من غير من إليه النظر في ماله، وانما اوقعه المتصرف في مال الطفل لنفسه على وجه منهى عنه. انتهى. وحاصله: ان ما ذكرناه من مقتضى اطلاق الاخبار المذكورة، مناف لجملة من القواعد المقررة بين كافة الاصحاب: منها: أنه لو لم يكن وليا واتجر بعين مال الطفل لنفسه، فالطاهر انها تجارة باطلة، أو موقوفة على الاجارة من الولى أو الطفل بعد بلوغه، ان قلنا بصحة عقد الفضولي، وعلى تقدير البطلان أو عدم الاجازة فلا ربح لاحد، بل يجب رد ما اخذ على صاحبه ورد مال اليتيم الى محله مع ان ظاهر الاخبار المتقدمة: صحة البيع،


(1) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 2 (2) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 3 (3) تقدمت في ص 329 عن الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 7

[ 333 ]

وان الربح لليتيم. ومنها: أنه لو اتجر في الذمة لنفسه، فان مقتضى القواعد صحة البيع والشراء، وكون الربح له، وان كان تصرفه في مال اليتيم بدفعه عما في الذمة، فلا تبرأ ذمته عما عليه من الثمن، بل يجب دفع الثمن من غيره، ورد مال اليتيم الى محله. مع ان مقتضى اطلاق الاخبار المذكورة: صحة العقد، وكون الربح لليتيم ايضا. ومنها: أنه لو لم يكن وليا " واتجر للطفل، فان الظاهر: ان هذه الصورة كالاولى، في الوقوف على الاجازة أو البطلان، بناء على القول بصحة عقد الفضولي. مع ان ظاهر اطلاق النصوص المذكورة: الصحة، وان الربح لليتيم. ومن هنا يظهر وجه الاشكال في العمل بظاهر الاخبار المذكورة، الا أن الاظهر العمل بما دلت عليها، لتكاثرها وتعددها، مع ظهورها في ذلك، وعدم امكان تقييدها بما تقتضيه القواعد المشار إليها، كما سمعتها من كلام صاحب المدارك. فاللازم حينئذ اما طرحها. وفيه من الشناعة ما لا يخفى واما العمل بها، ويكون هذا الحكم مستثنى من تلك القواعد المذكورة. ويشير الى ما ذكرناه: ظاهر اتفاق كلمة الاصحاب على الحكم المذكور. من انه متى وقع الاتجار في مال الطفل بدون الشرطين المتقدمين فان الربح لليتيم، والعامل ضامن من غير تفصيل وتقييد، حسبما دل عليه اطلاق الاخبار المذكورة. وهذه المناقشة حصلت من متأخرى المتأخرين، كالسيد في المدارك، و قبله المحقق الاردبيلى، ومن تأخر عنهما. وبالجملة فالمسألة لذلك محل اشكال، وان كان العمل باطلاق الاخبار المذكورة، وفاقا لظاهر الاصحاب، لا يخلو من قوة، والله أعلم. * * *

[ 334 ]

(المنهج الثالث): فيما يحل لقيم مال اليتيم. وقد اختلف الاصحاب - رضوان الله عليهم - في ذلك على اقوال: (احدها): اجرة مثل عمله. وبه صرح في الشرايع، وعلله في المسالك، قال: لانها عوض عمله، وعمله محترم فلا يضيع عليه، وحفظه بأجرة مثله وقال في مجمع البيان: والظاهر من روايات أصحابنا: ان له اجرة المثل، سواء كان قدر كفايته أو لم يكن. اقول: وفي ظهوره من الروايات كما ادعاه نظر، كما سيظهر. (وثانيها): ان يأخذ قدر كفايته لقوله عزوجل: " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " (1) والمعروف: ما لا اسراف فيه ولا تقتير. ونقل في المجمع هذا القول عن عطا بن ابى رباح وقتادة وجماعة، قال: و لم يوجبوا اجرة المثل بما كانت اكثر من قدر الحاجة. واستظهر هذا القول بعض مشائخنا المعاصرين، قال: وهذا هو الظاهر من الاخبار، ولكن ليس على اطلاقه المتناول للغنى وقلة المال وعدم الاشتغال عن امور نفسه، فاطلاقه مشكل انتهى. اقول: وسيأتى - انشاء الله تعالى - توضيح ما ذكره. (وثالثها): اقل الامرين من الاجرة والكفاية، واحتج له بوجهين: احدهما: ان الكفاية ان كانت اقل من الاجرة، فلان - مع حصولها - يكون غنيا، ومن كان غنيا وجب عليه الاستعفاف عن بقية الاجرة، وان كانت اجرة المثل اقل، فانما تستحق عوض عمله، فلا يحل له اخذ ما زاد عليه. وثانيهما: ان العمل لو كان لمكلف يستحق عليه الاجرة، لم يستحق ازيد من اجرة مثله، فكيف يستحق الازيد مع كون المستحق عليه يتيما. وفيه بحث يأتي ذكره - انشاء الله تعالى - بعد نقل روايات المسألة، وتحقيق


(1) سورة النساء: 6

[ 335 ]

ما هو الحق الظاهر منها. (ورابعها): استحقاق اجرة المثل مع فقره، وعلل بانه يمكن حمل الاكل بالمعروف عليه، لان أجرة المثل ان كانت أقل من المعروف بين الناس فالانسان لا يأخذ عوض عمله من غير زيادة عن عوضه المعروف وهو اجرة مثله ومثل هذا يسمى أكلا بالمعروف، والزيادة عليه أكل بغير المعروف. هذا إذا كان فقيرا، اما لو كان غنيا فالاقوى وجوب استعفافه مطلقا، عملا بظاهر الاية. (وخامسها): جواز اخذ اقل الامرين، من اجرة مثله وكفايته، مع فقره. قال في المسالك: ولو تحقق للكفاية معنى مضبوط، كان هذا القول اجود الاقول. ومثبتو احد الامرين من غير تقييد بالفقر، حملوا الامر بالاستعفاف على الاستحباب، وادعوا ان لفظ الاستعفاف مشعر به، وله وجه انتهى. * * * اقول: والواجب - اولا - بسط الروايات الواردة عنهم - عليهم السلام - والتنبيه على ما يمكن استنباطه من الاحكام منها. فمنها: ما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة في الموثق، عن الصادق عليه السلام في قول الله تعالى " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " فقال: من كان يلى شيئا لليتامى وهو محتاج ليس له ما يقيمه، وهو يتقاضى اموالهم ويقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر ولا يسرف وان كانت ضيعتم لا تشغله عما يعالج لنفسه فلا يرزأن من اموالهم شيئا (1). وما رواه في التهذيب عن ابن سنان في الصحيح، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وانا حاضر عن القيم لليتامى، في الشراء لهم والبيع فيما يصلحهم، أله أن يأكل من اموالهم ؟ فقال: لا بأس ان يأكل من اموالهم بالمعروف، كما قال الله عزوجل


(1) الوسائل ج 12 ص 185 - 186 حديث: 4

[ 336 ]

في كتابه " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم. ولا تأكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا. ومن كان غنيا فليستعفف. من كان فقيرا فليأكل بالمعروف " قال: المعروف هو القوت. وانما عنى الوصي لهم والقيم في اموالهم ما يصلحهم (1). وما رواه الشيخان المتقدمان عن عبد الله بن سنان في الصحيح، عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله " فليأكل بالمعروف " قال: المعروف هو القوت، وانما عنى الوصي والقيم في اموالهم ما يصلحهم (2). وعن حنان بن سدير في الموثق، قال: قال الصادق عليه السلام سألني عيسى بن موسى عن القيم للايتام في الابل،، ما يحل له منها فقلت: إذا لاط حوضها، وطلب ضالتها وهنأ جرباها فله ان يصيب من لبنها من غير نهك لضرع، ولا فساد لنسل (3). وعن ابى الصباح الكنانى عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " (4) فقال: ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة، فلا بأس أن يأكل بالمعروف، إذا كان يصلح لهم اموالهم، فان كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا. قال: قلت: ارأيت قول الله عزوجل " وان تخالطوهم فاخوانكم " (5) ؟ قال: تخرج من اموالهم قدر ما يكفيهم وتخرج من مالك قدر ما يكفيك، ثم تنفقه، قلت، ارأيت ان كانوا يتامى صغارا وكبارا، وبعضهم اعلى كسوة من بعض، وبعضهم أكل من بعض، ومالهم جميعا. فقال: اما الكسوة فعلى كل انسان ثمن كسوته، واما الطعام فاجعلوه جميعا، فان الصغير يوشك أن يأكل مثل الكبير (6).


(1) البرهان ج 1 ص 344 حديث: 8 (2) التهذيب ج 6 ص 340 حديث: 71 (3) التهذيب ج 6 ص 340 حديث: 72، لاط حوضها أي طينها، وهنأجرباها: إذا طلاه بالهناء أي القطران، وهو ما يتخذ من حمل شجرة العرعر. والنهك: استيفاء ما في الضرع من اللبن. (4) سورة النساء: 6 (5) سورة البقرة: 220 (6) التهذيب ج 6 ص 341 حديث: 73

[ 337 ]

وما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن تولى مال اليتيم، ماله ان يأكل منه ؟ فقال: ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الاجر لهم، فليأكل بقدر ذلك (1). وما رواه الثقة الجليل محمد بن مسعود العياشي في تفسيره، عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن رجل بيده ماشية لابن اخ يتيم (2) في حجره. أيخلط أمرها بامر ماشيته ؟ فقال: ان كان يليط حياضها، ويقوم على هنأتها، ويرد شاردها، فليشرب من ألبانها، غير مجهد للحلاب ولا مضر بالولد. ثم قال: ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف (3). وروى هذه الرواية في مجمع البيان الى قوله " ولا مضرة بالولد " (4) ورواه الزمخشري في الكشاف، عن ابن عباس (5). وما رواه العياشي في تفسيره عن ابى اسامة عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " فليأكل بالمعروف " فقال: ذلك رجل يحبس نفسه على اموال اليتامى، فيقوم لهم فيها، ويقوم لهم عليها، فقد شغل نفسه عن طلب المعيشة، فلا بأس ان يأكل بالمعروف، إذا كان يصلح اموالهم، وان كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا (6). وما رواه في الكتاب المذكور (7) عن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قوله " ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " فقال: بلى


(1) التهذيب ج 6 ص 343 حديث: 81 (2) لفظة " يتيم " ليست في نسخة المصدر المطبوعة (3) تفسير العياشي ج 1 ص 231 حديث: 28 (4) مجمع البيان ج 3 ص 9 (5) الكشاف ج 1 ص 475 باختلاف يسير (6) تفسير العياشي ج 1 ص 221 حديث: 29 (7) وهو تفسير العياشي.

[ 338 ]

من كان.. الحديث كما تقدم عن الكافي، الا انه قال: " ليس له شئ " عوض قوله ثمة " وليس له ما يقيمه " (1). وما رواه العياشي في تفسيره - ايضا - عن اسحاق بن عمار عن ابى بصير، عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله: " ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " فقال: هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية، ويشغل فيها نفسه. فليأكل منه بالمعروف، وليس ذلك له في الدنانير والدراهم التى عنده موضوعة (2). وما رواه فيه ايضا عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " قال: ذلك إذا حبس نفسه في اموالهم، فلا يحترث لنفسه، فليأكل بالمعروف من مالهم (3). وما رواه فيه ايضا عن رفاعة، عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله " فليأكل بالمعروف " قال: كان ابى يقول: انها منسوخة (4). وقال في مجمع البيان في تفسيره: قوله " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " معناه، ومن كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية، على جهة القرض، ثم يرد عليه ما اخذ إذا وجد. عن سعيد بن جبير ومجاهد وابى العالية والزهرى و عبيدة السلمانى، وهو مروى عن الباقر عليه السلام. وقيل: معناه يأخذ ما يسد به جوعته و


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 221 - 222 حديث: 30 وفرق اخر قوله " بلى من كان ". ولم تكن " بلى " في حديث الكافي: كما لم يذكرها المصنف، ولكنا اثبتناها وفق المصدر الاصل. (2) المصدر حديث: 31 (3) العياشي ج 1 ص 232 حديث: 32. وفى نسخة الوسائل ج 12 ص 187 حديث: 10 " فلا يحترف " (4) العياشي ج 1 ص 222 حديث: 33

[ 339 ]

يستر عورته، لا على جهة القرض. عن عطاء بن ابى رباح وقتادة وجماعة، ولم يوجبوا اجرة المثل، لانها ربما كانت اكثر من قدر الحاجة. والظاهر من روايات اصحابنا: ان له اجرة المثل، سواء كان قدر كفايته أو لم يكن. انتهى (1). اقول: وبالله سبحانه التوفيق، المستفاد من هذه الاخبار المذكورة - بعد ضم بعضها الى بعض، عدا الرواية الاخيرة من روايات العياشي -: أنه يشترط في صحة أكل الولى من مال اليتيم شروط: (احدها): فقره، فمتى كان غنيا فليس له ان يأكل منه شيئا. وعلى ذلك دل ظاهر الكتاب بحمل الامر بالاستعفاف - في الاية - على الوجوب. فاما الحمل على الاستحباب - كما تقدم نقله عن المسالك، وظاهره الميل إليه - فلا اعرف له وجها، الا مجرد الاجتهاد في مقابلة النصوص، لان الاصل تحريم اكل مال الغير، خرج منه في هذا الموضع بالاية والروايات المرخصة للولى إذا كان فقيرا، مع اتفاقهم على ان اوامر القرآن للوجوب، الا ما خرج بدليل، والحال انه لا معارض هنا، بل المؤيد المؤكد موجود من الاخبار، والاية الدالة على اشتراط الفقر. و (ثانيها): اشتغاله باصلاح اموالهم بحيث يمنعه ذلك عن الاشتغال لامر نفسه فلو لم يكن قائما بها أو كان كذلك، ولكن لا يشغله عن تحصيل المعاش لنفسه وعياله، فانه لا يجوز له ان يأكل منه شيئا. وبهذا الشرط صرحت الروايات المتقدمة عن تفسير العياشي، وبه وبالذي قبله صرحت موثقة سماعة المنقولة من الكافي في صدر الاخبار. وثالثها: سعة مال اليتيم، فلو كان قليلا لم يجز له الاكل منه، والاية الشريفة وان كانت بالنسبة الى هذا الشرط مطلقة، الا ان الاخبار قد صرحت به كرواية ابى الصباح، ورواية ابى سلمة المنقولة من تفسير العياشي.


(1) مجمع البيان ج 3 ص 9 - 10

[ 340 ]

والظاهر ان الوجه فيه هو انه متى كان قليلا فانه لا يشغله عن تحصيل المعيشة لنفسه ولا موجب لحبس نفسه على اصلاح اموالهم و (رابعها): كون الاكل مقدار الكفاية من غير اسراف، لقوله عزوجل " بالمعروف " والمعروف: مالا اسراف فيه ولا تقتير، وهو الحد الوسط. والى هذا الشرط يشير قوله - في صحيحة عبد الله ابن سنان -: " المعروف هو القوت " وقوله - في موثقة سماعة -: " فليأكل بقدر ولا يسرف ". ومن هنا يعلم صحة القول الثاني من الاقوال المتقدمة باعتبار هذا الشرط، وان كان بالنظر الى اطلاقه غير صحيح، لما عرفت من اشتراط الاكل بالشروط التى ذكرناها، وكذا غيره من الاقوال المتقدمة ان اخذت على اطلاقها، كما هو ظاهر قولهم بها ونقل الناقلين لها. وحينئذ يكون ما اخترناه هنا (1) قولا سادسا. اما القول باعتبار اجرة المثل - كما هو اول الاقوال المتقدمة - فانكره بعض مشائخنا المعاصرين (2) بعد اختياره القول الثاني، لعدم وجود الدليل عليه، وادعى انه ليس في الاخبار تقييد اجرة المثل، وانما هو تخريج محض واستنباط صرف، وهو في مقابلة النص غير معتبر. قال: وهذا كاف في رد هذا القول. انتهى. اقول: يمكن ان يستدل على هذا القول بقوله عليه السلام في صحيحة هشام بن الحكم " ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الاجر فليأكل بقدر ذلك " فانه - كما ترى - ظاهر في الرجوع الى اجرة المثل، وحينئذ فيكون هذا الخبر مستند القول المذكور.


(1) وهو القول الثاني مقيدا بالشروط الاربعة المذكورة (2) هو شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني قدس سره في اجوبة مسائل سئل عنها. منه قدس سره.

[ 341 ]

نعم يبقى الكلام في الجمع بين هذا الخبر وبين مادل على الكفاية. والظاهر: هو حمل هذا الخبر على تلك الاخبار الدالة على الكفاية، لاعتضاد تلك الاخبار بظاهر الاية الشريفة، حيث دلت على الاكل بالمعروف، وهو كما عرفت مالا اسراف فيه ولا تقتير، وهو الحد الوسط. وبذلك يظهر ان ما أطال بها اصحابنا فيما قدمناه من اقوالهم، من القول باقل الامرين، بناء على الجمع بذلك بين الدليلين، من الاحتمالات والتخريجات لاضرورة تلجئ إليه بل الاظهر الجمع بما ذكرناه، وحينئذ تجتمع الاخبار على القول بالكفاية حسبما يأتي تحقيقه انشاء الله تعالى. ثم لا يخفى ان ظاهر الاخبار المتقدمة - بعد التأمل فيها يعين التحقيق -: ان المراد بالكفاية هو ما كان له ولعياله الواجبى النفقة. اما - اولا - فلان الاية والاخبار - كما عرفت - قد دلا على اشتراط الفقر في جواز الاخذ، ومنعا من الاخذ حال الغنى، ومن الظاهر المعلوم: انه لو اقتصر في الكفاية على نفقته خاصة مع وجود الواجبى النفقة عليه، فانه لا يخرج بذلك عن الفقر، ولا يدخل في الغنى، للاتفاق نصا وفتوى على ان الغنى انما يحصل بملك مؤنة السنة لنفسه وعياله الواجبى النفقة قوة وفعلا والا فهو فقير. وبالجملة فان شرط الفقر الموجب لجواز الاخذ موجود، والغنى المانع من الاخذ مفقود، وحينئذ فلا معنى لتخصيص الكفاية به خاصة دون عياله المذكورين. واما - ثانيا - فلان الاخبار قد دلت على اشتراط حبس نفسه على اصلاح اموالهم في جواز الاخذ، وحينئذ فاللازم من تخصيص الاخذ بما يكفيه خاصة ضياع عياله الواجبى النفقة، مع انه يجب عليه الانفاق عليهم. وبذلك يظهر جواز اخذه الكفاية له ولعياله المذكورين، ولا يختص بالاكل،

[ 342 ]

وان كان ظاهر صحيحتي عبد الله بن سنان ذلك، بل يتعدى الحكم الى الكسوة (1) ايضا، لان المفروض انه حبس نفسه على اموالهم ليس له مكسب سوى ذلك، وحينئذ يحمل القوت في الخبرين المذكورين على التمثيل، لانه الضرورى اللابدى. (2) قال في المسالك: ان الاكل بالمعروف يحتاج الى تنقيح، فان اريد به الاكل المتعارف - كما يظهر من الاية والرواية وجعل مختصا بالولي - لا يتعدى الى عياله، فلا منافاة بين الفقر وحصول الكفاية منه بهذا الاعتبار، لان حصول القوت يحتاج معه الى بقية مؤنة السنة من نفقة وكسوة ومسكن وغيرها، حتى يتحقق ارتفاع الفقر، ان لم نشترط حصول ذلك في بقية عياله الواجبى النفقة، وحينئذ فقولهم - في الاستدلال بثبوت اقل الامرين " انه مع حصول الكفاية يكون غنيا فيجب عليه الاستعفاف عن بقية الاجرة " - غير صحيح. وان اريد به مطلق التصرف كما هو المراد من قوله " ولا تأكلوها اسرافا، وبدارا " " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل " " ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما " وغير ذلك، فقيد المعروف من ذلك غير واضح المراد، ليعتبر


(1) اقول: وعلى هذا فالمراد بالاكل في قوله تعالى " فليأكل بالمعروف " مطلق التصرف كما وقع مثله في جملة من الايات، كقوله تعالى " ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما " وقوله " ولا تأكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا " وقوله " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل " وحينئذ فالمراد والله سبحانه اعلم: انه يتصرف في اموالهم وياخذ ما يحتاج إليه من نفقة وكسوة و نحو ذلك له ولعياله بالمعروف، من غير افراط ولا تفريط باسراف أو تقتير: منه قدس سره (2) والا فالازم من التخصيص بالقوت كما هو ظاهر الخبرين مع فرض حبس نفسه عن تحصيل المعاش حصول الضرر عليه، ان اوجبنا عليه القيام باصلاح اموالهم، كما هو ظاهر أو الاضرار بالايتام ان لم نوجب عليه ذلك، فيجوز له السعي فيما له ولعياله من الكسوة ونحوها وترك اموالهم معطلة خرابا، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لاسترة عليه - منه قدس سره.

[ 343 ]

صحة اقل الامرين، لان التصرف على الوجه المعروف يختلف باختلاف الاشخاص والحاجة، وربما ادى ذلك الى الاضرار بمال اليتيم.. الى آخر كلامه. ومما قدمنا من التحقيق في المقام قد انكشف غشاوة الابهام عما استشكل هنا وكذا غيره من الاعلام. هذا. واما ما ذكره الشيخ الطبرسي فيما قدمنا نقله منه، من الرواية عن مولانا الباقر عليه السلام " ان الاكل انما هو على جهة القرض " فلم يصل الينا. ويمكن ان يكون ذلك اشارة الى رواية رفاعة المنقولة من تفسير العياشي، الدالة على ان هذه الاية منسوخة، فانه متى ثبت النسخ تعين عدم جواز الاكل الاقرضا، الا انك قد عرفت تكاثر الاخبار واستفاضتها بخلاف ما دلت عليه هذه الرواية، مضافا الى ظاهر الاية ايضا لدلالتها على جواز الاكل كما عرفت، فلا عمل عليها وهى مرجئة الى قائلها. واما قوله " والظاهر من رواياتنا.. الى آخر كلامه. فقد عرفت انه خلاف الظاهر، بل الظاهر منها بمعونة ظاهر الاية الشريفة انما هو الكفاية على الوجه الذى قدمنا تحقيقه. (المنهج الرابع) قد استفاضت الاخبار بتحريم اكل مال اليتيم ظلما وعدوانا. ويعضدها القرآن العزيز، حيث قال - عز من قائل -: " ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " (1) أي ما يجر الى النار والسعير. ومن الاخبار في ذلك: ما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: وعد الله عزوجل في اكل مال اليتيم بعقوبتين، احداهما: عقوبة الاخرة: النار، واما عقوبة الدنيا فقوله عزوجل " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم " (2) يعنى ليخش ان اخلفه في ذريته ان يصنع بهم كما صنع


(1) سورة النساء: 10 (2) سورة النساء: 9

[ 344 ]

بهؤلاء اليتامى (1). وعن عجلان بن صالح، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن أكل اموال اليتامى فقال: هو كما قال الله - عزوجل - " ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " ثم قال - من غير أن أسأله -: من عال يتيما حتى ينقطع يتمه أو يستغنى بنفسه، اوجب الله - عزوجل - له الجنة، كما اوجب النار لمن اكل مال اليتيم (2). وروى في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن يحيى الكاهلى، قال: قيل لابي عبد الله - عليه السلام -: انا ندخل على اخ لنا في بيت أيتام ومعهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم، ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم، وربما اطعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا، وفيه من طعامهم. ما ترى في ذلك ؟ فقال: ان كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس، وان كان فيه ضرر فلا. وقال عليه السلام " بل الانسان على نفسه بصيرة " فانتم لا يخفى عليكم، وقد قال الله - عزوجل - " والله يعلم المفسد من المصلح " (3). وروى في الكافي عن على بن المغيرة، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان لى ابنة اخ يتيمة فربما اهدى لها شئ، فأكل منه ثم اطعمها بعد ذلك شيئا من مالى، فأقول. يا رب هذا بذا، فقال: لا بأس (4). وروى في التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون للرجل عنده المال، اما بيع واما قرض، فيموت ولم يقضه اياه، فيترك أيتاما صغارا فيبقى لهم عليه لا يقضيهم، أيكون ممن يأكل اموال اليتامى


(1) الوسائل ج 12 ص 181 حديث: 2 (2) الوسائل ج 12 ص 180 حديث: 1 (3) الوسائل ج 12 ص 183 حديث: 1 (4) الوسائل ج 12 ص 184 حديث: 2

[ 345 ]

ظلما ؟ قال: لا، إذا كان نوى ان يؤدى إليهم (1). وعن سماعة في الموثق قال: سألت الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل " وان تخالطوهم فاخوانكم " فقال: يعنى اليتامى، إذا كان الرجل يلى الايتام في حجره، فليخرج من ماله على قدر ما يحتاج إليه على قدر ما يخرجه لكل انسان منهم، فيخالطهم ويأكلون جميعا، ولا يزر أن من امواهم شيئا، انما هي النار (2). وقد تقدم نحو هذا الخبر في جواب ابى الصباح الكنانى (3). وروى العياشي في تفسيره عن على عليه السلام عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن قول الله في اليتامى " وان تخالطوهم فاخوانكم " قال: يكون لهم التمر واللبن ويكون لك مثله على قدر ما يكفيك ويكفيهم، ولا يخفى على الله المفسد من المصلح (4). وعن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: قلت له: يكون لليتيم عندي الشئ وهو في حجري انفق عليه منه، وربما اصيب مما يكون له من الطعام، وما يكون منى إليه اكثر. قال: لا بأس بذلك (5). وروى على بن ابراهيم في تفسيره عن ابيه عن صفوان عن ابن مسكان، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لما نزلت " ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " اخرج كل من كان عنده يتيم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اخراجهم، فانزل الله تعالى " ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح " قال: وقال الصادق عليه السلام


(1) الوسائل ج 12 ص 194 حديث: 3 (2) الوسائل ج 12 ص 188 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 188 حديث: 1 (4) الوسائل ج 12 ص 189 حديث: 3 (5) الوسائل ج 12 ص 189 حديث: 4

[ 346 ]

لا بأس ان تخلط طعامك بطعامهم، فان الصغير يوشك ان يأكل مثل الكبير، واما الكسوة وغيرها فيجب على كل رأس صغير وكبير ما يحتاج إليه (1). اقول: ويستفاد من هذه الاخبار الشريفة جملة من الاحكام المنيفة: (منها): ان اكل اموال اليتامى ظلما - كما دلت عليه الاية - انما هو في صورة مالو لم ينو رده، كما يظهر من رواية عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة، ونحوها ما تقدم في المنهج الثاني من رواية احمد بن ابى نصر. وربما اشعر ذلك بجواز التصرف في مال اليتيم، ولو من غير الولى إذا كان ينوى الرد (2) مع ان ظاهر كلام الاصحاب: التحريم حيث خصواجواز الاقتراض


(1) الوسائل ج 12 ص 189 حديث: 5 و 6 (2) اقول: ومما يعضد ذلك ما رواه في الكافي ج 5 ص 132 حديث: 7 في الصحيح أو الحسن عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن عليه السلام في الرجل يكون عند بعض اهل بيته مال لايتام فيدفعه إليه فيأخذ منه دراهم يحتاج إليها ولا يعلم الذى كان عنده المال للايتام انه اخذ من اموالهم شيئا، ثم تيسر بعد ذلك. أي ذلك خير له، ايعطيه الذى كان في يده ام يدفعه الى اليتيم وقد بلغ ؟ وهل يجزيه ان يدفعه الى صاحبه على وجه الصلة ولا يعلمه انه اخذ له مالا ؟ فقال: يجزيه أي ذلك فعل، إذ اوصله الى صاحبه. فان هذا من السرائر، إذا كان من نيته، ان شاء رده الى اليتيم ان كان قد بلغ على أي وجه شاء، وان لم يعلمه ان كان قبض له شيئا. وان شاء رده الى الذى كان في يده المال. وقال: ان كان صاحب المال غائبا فليدفعه الى الذى كان المال في يده والتقريب - في الخبر المذكور -: ان الامام عليه السلام لم ينكر على السائل المذكور في اخذه وتصرفه في مال اليتيم، مع صراحة الخبر في انه ليس بولي، بل اقره على ما فعله، حيث كان من نيته الاداء، كما يشير إليه قوله " فان هذا من السرائر إذا كان من نيته... الى اخره " منه قدس سره

[ 347 ]

بالولاية والملائة، وحكموا بكون غيره عاصيا غاصبا. ويمكن الجمع بأن عدم دخول هذا التصرف في مدلول الاية لا يستلزم الحل له، بل غاية ذلك انه لا يكون عقوبته عقوبة الناوى، وهو الذي يأكل في بطنه نارا وسيصلى سعيرا. وان كان ذلك محرما ومستوجبا للعقاب في الجملة. وانت خبير بأن روايات جواز الاقتراض من مال اليتيم التى تقدمت، ليست نصا فيما ذكره الاصحاب من الاشتراط، بل ربما ظهر منها الجواز مطلقا، الا ان الاحوط الوقوف على ما ذكروه حسما لمادة الشبهة. (ومنها): ان التصرف في اموالهم يتوقف على نوع مصلحة لهم في ذلك، مثل الجلوس على فرشهم والشرب من مائهم واستخدام خادمهم ونحو ذلك، كما يظهر من رواية الكاهلى المتقدمة، بأن يكون التصرف باحد هذه الانواع ممن يصل إليهم نفعه بأى وجوه المنافع فيكون هذا بهذا. ولو لم يكن كذلك فهو مجرد مفسدة وضرر عليهم وداخل تحت قوله تعالى " والله يعلم المصلح من المفسد " ويشير الى هذا رواية على بن المغيرة، ورواية عبد الرحمن ابن الحجاج المنقولة عن العياشي. (ومنها): جواز خلط طعام الاكل معهم بطعام الايتام مع تساوى الغذاء والاكل جميعا، معللا بأنه ربما كان الصغير يأكل مثل الكبير، اما لو علمنا يقينا ان الصغير لا يأكل ذلك المقدار فاشكال. من ظواهر الاخبار المذكورة، ومن أصالة التحريم. والاحتياط لا يخفى. (ومنها): جواز اكل شئ من مالهم إذا كان اليتيم يأكل عوضه أو اكثر. الى غير ذلك من الفوائد التى يمكن استنباطها منها. والحمد لله رب العالمين.

[ 348 ]

احكام العقود والمعاملات الفصل الاول (في البيع) واركانه ثلاثة: الصيغة، والمتعاقدان، والعوضان. والبحث عن ذلك يقتضى بسطه في مقامات: الاول: المشهور - بل كاد يكون اجماعا - هو اشتراط الصيغة الخاصة في البيع كغيره من العقود، فلا يكفى النقابض من غير تلك الصيغة، وان حصل من الالفاظ والامارات ما يدل على ارادة البيع، سواء كان في الخطير والحقير. قال في الشرايع: ولا ينعقد الا بلفظ الماضي (1)، فلو قال: اشتر، أو ابتع أو ابيعك لم يصح، وان حصل القبول. وكذا في طرف القبول، مثل ان يقول: بعنى


(1) قالوا: لابد من صيغة الماضي، لانه صريح في ارادة نقل الملك. واما المستقبل فانه شبيه بالوعد. والامر بعيد عن المراد جدا. وكذا في سائر العقود اللازمه. منه رحمه الله.

[ 349 ]

أو تبيعني، لان ذلك اشبه بالاستدعاء أو بالاستعلام. وهل يشترط تقديم الايجاب على القبول ام لا ؟ فيه تردد والاشبه: عدم الاشتراط. وقال في الدروس: فالايجاب: بعت وشريت وملكت. والقبول: ابتعت واشتريت وتملكت وقبلت - بصيغة الماضي. فلا يقع الامر والمستقبل، ولا ترتيب بين الايجاب والقبول على الاقرب، وفاقا للقاضى - الى ان قال -: ولا تكفى المعاطاة وان كان في المحقرات، نعم يباح التصرف في وجوه الانتفاعات، ويلزم بذهاب احدى العينين ويظهر من المفيد الاكتفاء بها مطلقا وهو متروك. انتهى. وعلى هذا النهج كلام العلامة وغيره وبالجملة، فانه لابد عندهم من لفظ دال على الايجاب وآخر على القبول، وان يكون بلفظ الماضي. ومنهم من اوجب قصد الانشاء. ومنهم من اوجب تقديم الايجاب على القبول. ومنهم من اوجب فورية القبول وانه لا يضر الفصل بنفس أو سعال ونحوهما. ومنهم من اوجب وقوع الايجاب والقبول بالعربية الا مع المشقة. الى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع لكلامهم. قال الشهيد الثاني - في شرح قول المصنف " ولا يكفى التقابض من غير لفظ. الى اخره " هذا هو المشهور بين الاصحاب بل كاد يكون اجماعا، غير ان ظاهر كلام المفيد يدل على الاكتفاء في تحقق البيع بما يدل على الرضا من المتعاقدين، إذا عرفاه وتقابضا. وقد كان بعض مشائخنا المعاصرين يذهب الى ذلك ايضا، ولكن يشترط في الدال كونه لفظا، واطلاق كلام المفيد اعم منه، والنصوص المطلقة من الكتاب والسنة على حل البيع وانعقاده من غير تقييد بصيغ خاصة تدل على ذلك، فانا لم نقف على دليل صريح في اعتبار لفظ معين، غير ان الوقوف مع المشهور هو الاجود،

[ 350 ]

مع اعتضاده باصالة بقاء ملك كل واحد لعوضه الى ان يعلم الناقل. وقال في اواخر البحث - بعد ان نقل عن متأخرى الشافعية وجميع المالكية انعقاد البيع بكل ما دل على التراضي وعده الناس بيعا - ما صورته: وهو قريب من قول المفيد وشيخنا المتقدم، فما احسنه واتقن دليله، ان لم ينعقد الاجماع على خلافة. انتهى. اقول: والى هذا القول مال جملة من محققى متأخرى المتأخرين، وبه جزم المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد، واطال في نصرته والاستدلال عليه، وبه جزم ايضا المحقق الكاشانى في المفاتيح، والفاضل الخراساني في الكفاية، واليه يميل والدى، والشيخ عبد الله بن صالح البحراني، ونقلاه ايضا عن شيخهما العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني. وهو الظاهر عندي من اخبار العترة الاطهار التى عليها المدار في الايراد و الاصدار، كما سيظهر لك انشاء الله تعالى على وجه لا تعتريه غشاوة الانكار. هذا. واما ما ذكره في المسالك من ان الاجود القول المشهور، فلا اعرف له وجها في المقام، بعد ما صرح به من الكلام، واما الاعتضاد بأصالة بقاء ملك كل واحد لعوضه الى ان يعلم الناقل. ففيه: انه قد اعترف هو بان اطلاق الكتاب والسنة دال على حصول البيع بكل ما دل على التراضي من قول أو فعل، وصرح في آخر كلامه بانه ما احسنه وامتن دليله، وهو اعتراف منه بوجود الناقل، فكيف يصح منه الحكم باجودية القول المشهور لهذا التعليل العليل المذكور، ولم يبق الا التعلق بالشهرة بين الاصحاب، وهى ليست بدليل شرعى في هذا الباب ولا غيره من الابواب. ثم انه ينبغى ان يعلم انه لابد في هذا البيع (1) من جميع الشرائط المعتبرة في صحة البيوع، سوى الصيغة الخاصة التى ادعوها، فانه لادليل عليها. بل ظاهر الروايات الواصلة الينا في ابواب البيوع والانكحة ونحوهما من


(1) يريد به بيع المعاطاة الخالية من الصيغة الخاصة

[ 351 ]

سائر العقود والمعاملات: ان المعتبر فيها، انما هو الالفاظ الجارية في البين، مما يدل على الرضا من الطرفين. ولا بأس بايراد ما خطر بالبال من الاخبار الجارية على هذا المنوال: فمنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألته عن الرجل يأتي بالدراهم الى الصيرفى فيقول له: آخذ منك المأة بمأة وعشرة، أو بمأة وخمسة، حتى يراوضه على الذى يريد، فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة دينارا أو ذهبا، ثم قال له: قد راددتك البيع (1) وانما ابايعك على هذا، لان الاول لا يصلح، أو لم يقل ذلك، وجعل ذهبا مكان الدراهم: فقال: إذا كان اجرى البيع على الحلال فلا باس بذلك (2). وظاهر الخبر - كما ترى - ان البيع انما وقع بهذا اللفظ المذكور الذى وقع بينهما اولا من المحاورة على الزيادة، حتى تراضيا على قدر معلوم، غاية الامر انه لما كان البيع باطلا بسبب الزيادة الجنسية المستلزمة للربا، فمتى ابدلها بغير الجنس صح البيع وتم. ومنها: حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال قدم لابي متاع من مصر فصنع طعاما، ودعى له التجار، فقالوا له: نأخذه منك بده دوازده (3) فقال لهم ابى: وكم يكون ذلك ؟ فقالوا في العشرة آلاف الفان، فقال لهم ابى: فانى ابيعكم هذا المتاع باثنى عشر الف درهم. فباعهم مساومة (4). والحديث - كما ترى - صريح في صحة البيع بهذا اللفظ، مع انه غير جار على مقتضى قواعدهم التى اشترطوها، من تقديم الايجاب على القبول، كما


(1) أي نسخت البيع الاول (2) التهذيب ج 7 ص 105 حديث: 55 (3) بزيادة اثنين على كل عشرة (4) الوسائل ج 12 ص 385 حديث: 1

[ 352 ]

هو المشهور بينهم، وكونهما بلفظ الماضي لا المستقبل والامر، كما عليه ظاهر اتفاقهم، فانه لا قبول في الحديث بالكلية الا ما يفهمه قولهم اولا: " نأخذ منك بده دوازده " يعنى على جهة المرابحة. وهو عليه السلام باعهم بهذه القيمة مساومة. ويفهم من الخبر ان رأس المال كان عشرة آلاف درهم. والايجاب هنا انما هو بلفظ المستقبل. ومنها: رواية زرارة عن الصادق عليه السلام في زرع بيع وهو حشيش ثم سنبل. قال: لا بأس إذا قال: ابتاع منك ما يخرج من هذا الزرع. فإذا اشتراه وهو حشيش فان شاء اعفاه وان شاء تربص به (1). والتقريب، ظاهر فان صيغة البيع هي هذه التى حكاها الامام عليه السلام عن لسان المشترى ورضاء البايع بذلك. ومنها: رواية اسحاق بن عمار قال: قلت للصادق عليه السلام: يكون للرجل عندي الدراهم الوضح، فيلقاني فيقول: كيف سعر الوضح اليوم ؟ فاقول: كذا وكذا. فيقول: أليس لى عندك كذاوكذا الف درهما واضحا ؟ فاقول: نعم فيقول: حولها لى دنانير بهذا السعر، واثبتها لى عندك. فما ترى في هذا ؟ فقال لى: إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك. فقلت: انى لم أوازانه ؟ ولم أناقده، و انما كان كلام منى ومنه فقال اليس الدراهم والدنانير من عندك ؟ قلت: بلى. قال: فلا بأس (2) اقول: الوضح الدرهم الصحيح. فانظر الى بيع هذه الدراهم بالدنانير بأى نحو وقع، والراوي انما استشكل من حيث كونه صرفا يجب فيه النقد والتقابض في المجلس فازال عليه السلام استشكاله بأنه لما كان النقدان كلاهما عنده كفى تحويل احدهما بالاخر في صحة الصرف. ومنها: رواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قال: حاءت امرأة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم


(1) الوسائل ج 13 ص 22 حديث: 9 (2) التهذيب ج 7 ص 102 حديث: 47

[ 353 ]

فقالت: زوجنى، فقال: من لهذه ؟ فقام رجل فقال: انا يارسول الله، زوجنيها. فقال: ما تعطيها ؟ فقال: مالى شئ، فقال: لا، فاعادت فاعاد رسول الله الكلام. فلم يقم غير الرجل، ثم اعادت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئا ؟ قال: نعم. قال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن، فعلمها اياه (1). وهذه الرواية مخالفة لقواعدهم من وجوه، منها: وقوع القبول من الزوج بلفظ الامر، والظاهر من كلامهم وجوب كونه بلفظ الماضي. ومنها: تقديم القبول على الايجاب. ومنها: الفصل بين الايجاب والقبول بزيادة على ما اعتبروه. وفي حديث تزويج الجواد عليه السلام بابنة المأمون، المروى في ارشاد المفيد و غيره، قال الجواد عليه السلام في خطبة النكاح: ثم ان محمد بن على بن موسى يخطب ام الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خمسمأة درهم جياد، فهل زوجته يا امير المومنين على هذا الصداق المذكور ؟ قال: نعم، قد زوجتك يا ابا جعفر ابنتى على الصداق المذكور، فهل قبلت ذلك ؟ قال: أبو جعفر: قبلت ذلك ورضيت به (2). وفي رواية ابان بن تغلب، قال: قلت للصادق عليه السلام: كيف اقول لها إذا خلوت بها ؟ قال: تقول: اتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لا وارثة و لا موروثة كذا وكذا يوما، وان شئت كذا وكذا سنة، وبكذا وكذا درهما. و تسمى من الاجر ما تراضيتما عليه، قليلا كان أو كثيرا فإذا قالت: نعم، فقد رضيت، فهى امرأتك (3) الحديث. وبمضمون هذه الرواية اخبار عديدة في صورة عقد المتعة بلسان الزوج. وفي موثقة سماعة. قال: سألته عليه السلام عن بيع الثمرة، هل يصلح شراؤها قبل


(1) الوسائل ج 14 ص 195 حديث: 3 (2) الوسائل ج 14 ص 194 حديث: 2 (3) الوسائل ج 14 ص 466 حديث: 1

[ 354 ]

ان يخرج طلعها ؟ فقال: لا، الا ان يشترى معها شيئا من غيرها. رطبة أو بقلا، فيقول: اشترى منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر (1) بكذا وكذا، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشترى في الرطبة والبقل (2). وفى صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما - عليهما السلام - انه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، ولا يدرى كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال: كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك ولى ما عندي، فقال: لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت انفسهما (3). اقول: وهذا من صيغ الصلح الدالة هنا على انتقال ما في يد كل منهما إليه، وبرائة ذمته من مال الاخر من ذلك المال المشترك وبمثل ذلك في باب الصلح اخبار عديدة. وفى صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام انه قال في الرجل يعطى الرجل المال فيقول له: ائت ارض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها، قال فان جاوزها و هلك المال فهو ضامن (4) الحديث. اقول: وهذه من صيغ المضاربة التى اوجبت للعامل استحقاق حصة من الربح، وان لم يصرح بها في الخبر، لكون الغرض من سياقه بيان مخالفة العامل في تجاوزه عن البلدة المأمور بها. الى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليها المتتبع. الدالة على سهولة الامر في العقود، وان الالفاظ الجارية بين المتعاقدين الدالة على الرضا، والمقصود من تلك العقود الرافعة للنزاع والاشتباه بأى نحو كان، كافية في صحة العقد وترتب احكام الصحة عليه.


(1) أي ثمرة هذا الشجر، لان السؤال كان عنها (2) الوسائل ج 13 ص 90 حديث: 1 (3) الوسائل ج 13 ص 166 حديث: 1 (4) الوسائل ج 13 ص 181 حديث: 2

[ 355 ]

* * * وتمام الكلام في المقام يتوقف على بيان امور: (الاول) المفهوم مما نقله في المسالك عن بعض مشائخه المعاصرين، هو اشتراط وجود اللفظ الدال على التراضي من الطرفين. والمفهوم مما نقل عن المفيد: الاكتفاء بمجرد التراضي، ولو بالاشارة و القرائن، وان لم يحصل بينهما الفاظ دالة على ذلك، واختاره في المفاتيح و سجل عليه. والظاهر هو الاول. لتطرق القدح الى ما ذكره، فان الاصل بقاؤ ملك كل واحد لماله حتى يعلم التاقل شرعا، وغاية ما يفهم من الاخبار الجارية في هذا المضار - مما تلوناه عليك ونحوه - هو النقل وصحة العقد بالالفاظ الجارية من الطرفين، الدالة على التراضي بمضمون ذلك العقد، دون الصيغ الخاصة التى اعتبرها الاكثر. واما مجرد التراضي والتقابض من غير لفظ يدل على ذلك فلم يقم عليه دليل، وحديث " انما يحلل الكلام ويحرم الكلام " (1) مؤيد ظاهر لما قلنا، وغاية ما تدل عليه الادلة التى استند (2) إليها، من الهدايا والهبة ووقوع الشراء قديما وحديثا من البائع بغير كلام إذا كان السعر معهودا ونحو ذلك، هو جواز التصرف، وهو مما لا نزاع فيه ولا اشكال، اما كونه موجبا للنقل من المالك السابق ما دامت العين موجودة، بحيث لا يجوز لصاحبها الرد فيها، فغير معلوم، كيف وقد صرحوا بانه لا خلاف في جواز الرد في الهدايا ما دامت العين موجودة، وحديث " انما يحلل الكلام ويحرم الكلام " مؤيد ايضا، إذا لم يحصل من الكلام ما اوجب الانتقال حتى يحرم الرد والرجوع، واما جواز التصرف فلا ينافى الخبر المذكور، لانه محمول على اللزوم وعلى ما بعد


(1) الوسائل ج 12 ص 376 حديث: 4 (2) صاحب المفاتيح

[ 356 ]

الرجوع، جمعا بينه وبين ما دل على الاباحة بالتراضى. وبالجملة فالتمسك بأصالة بقاء الملك حجة قوية، الى ان يحصل المخرج عن ذلك من الحجج الشرعية، وغاية ما يستفاد من الاخبار - كما عرفت - هو الاكتفاء بالتراضى الحاصل من الالفاظ، دون مجر التراضي. (الثاني): المشهور بين القائلين بعدم لزوم بيع المعاطاة: هو صحة المعاطاة المذكورة، إذا استكملت شروط البيع غير الصيغة المخصوصة، وانها تفيد اباحة تصرف كل منهما فيما صار إليه من العوض المعين، من حيث اذن كل منهما في التصرف، وتسليطه على ما دفعه إليه الا انه لا يفيد اللزوم ما دامت العين باقية، بل لكل منهما الرجوع فيما دفعه للاخر. وعن العلامة - في النهاية - القول بفساد بيع المعاطاة، وانه لا يجوز لكل منهما التصرف فيما صار إليه من حيث الاخلال بالصيغة الخاصة، الا ان جمعا من الاصحاب نقلوا رجوعه عن هذا القول في باقى كتبه. قال في المسالك - على اثر الكلام الذى قدمنا نقله عنه في صدر المسألة -: فلو وقع الاتفاق بينهما على البيع، وعرف كل منهما رضا الاخر بما يصير إليه من العوض المعين، الجامع لشرائط المبيع غير اللفظ المخصوص، لم يفد اللزوم. لكن هل يفيد اباحة تصرف كل منهما فيما صار إليه من العوض ؟ نظرا الى اذن كل منهما للاخر في التصرف، أو يكون بيعا فاسدا، من حيث اخلال شرطه وهو الصيغة الخاصة، المشهور الاول. فعلى هذا يباح لكل منهما التصرف، ويجوز له الرجوع في المعاوضة، ما دامت العين باقية، فإذا ذهبت لزمت. اما جواز التصرف، فلما فرض من تسليط كل منهما الاخر على ما دفعه إليه واذنه له فيه، ولا نعنى لاباحة التصرف الا ذلك. واما لزومها مع التلف، فلرضاهما بكون ما اخذه كل منهما عوضا عما دفعه، فإذا تلف ما دفعه كان مضمونا عليه، الا انه قد رضى بكون عوضه هو ما بيده، فان كان ناقصا فقد رضى به، وان كان زائدا فقد رضى به الدافع، فيكون بمنزلة مالو دفع المديون عوضا عما في ذمته ورضى به صاحب الدين. انتهى.

[ 357 ]

اقول: لقائل ان يقول: انه لا يخفى ما في هذا الكلام من تطرق المناقشة إليه، وان كان ظاهر هم الاتفاق عليه. وذلك فانه متى كانت الصيغة الخاصة عندهم احد اركان البيع (1) كما صرحوا به مع تصريحهم هنا باشتراط جميع شروط البيع في صحة المعاطاة ما عدا الصيغة الخاصة، فقضية ذلك هو بطلان هذه المعاطاة وفسادها، لفوات احد اركان الصحة، وهو الصيغة الخاصة، كما ذكره العلامة في النهاية. وهم انما تمسكوا في صحة المعاطاة وافادتها الاباحة مع وجود العين، واللزوم مع تلفها، بالرضا من كل من المتعاقدين، كما يدور عليه كلامه في المسالك. ولا ريب ان افادة الرضا لما ذكروه فرع المشروعية، الا ترى انهما لو تراضيا على بيع المجهول وشرائه، أو الربوي أو نحو ذلك، مما لا يصح بيعه شرعا، فانه لا يصح. ولا ثمرة لهذا الرضا بالكلية، فكذا فيما نحن فيه، بناء على ما حكموا به من ركنية الصيغة الخاصة، ودوران الصحة والابطال مدارها، وجوداو عدما. وبالجملة فانه بالنظر الى مقتضى الادلة الشرعية، فاللازم هو صحة المعاطاة، وان حكمها حكم البيع المترتب على الصيغة الخاصة، من غير فرق كما هو المختار. واليه ذهب من عرفت من علمائنا الابرار. وبالنظرا الى قواعدهم وتصريحاتهم بما قدمنا ذكره، فالواجب هو الحكم بالفساد، لما عرفت. وما ذكروه تفريعا على الصحة من اباحة التصرف وعدم اللزوم، الا بعد ذهاب العين، بناء على ما عرفت من تعليلات المسالك، فانه غير موجه عندي ولاظاهر كما اوضحناه. فان قيل: ان اشتراط الصيغة الخاصة انما هو في البيع، وهذا ليس ببيع، وانما هي معاملة اخرى تفيد الاباحة على الوجه المذكور في كلامهم. قلنا: فيه - اولا -: ان صحة هذه المعاملة على الوجه الذى ذكروه، موقوفة


(1) حيث انهم عبروا بان اركان البيع ثلاثه: العقد والمتعاقدان والعوضان. صرح به العلامة في القواعد والارشاد، وغيره في غيرها. ومرادهم بالعقد - كما عرفت - هو الصيغة الخاصة التى ذكروا شروطها بما نقلناه عنهم في الاصل. منه رحمه الله.

[ 358 ]

على الدليل الشرعي، وليس الا مجرد هذه التعليلات التى ذكروها، وقد عرفت ما فيها. وثانيها: اشتراطهم جميع شروط البيع عدا الصيغة الخاصة في ترتب تلك الاحكام على المعاطاة، ينافى ما ذكرت. فان الناظر في ذلك يجزم بانه بيع (1) فان ثبت اشتراط صحة البيع بالصيغة الخاصة كان بيعا فاسدا، وان لم يثبت - كما هو المختار - كان بيعا صحيحا. نعم لو لم يشترط شرط صحة البيع في المعاطاة لامكن ان يقال: انها معاملة اخرى غير البيع، وان لم يقم عليها دليل، الا ان الامر ليس كذلك، كما عرفت. وبالجملة، فاللازم اما فساد هذه المعاملة أو كونها بيعا حقيقيا، وما ذكروه من التعليلات كما صرحوا به وان كانت ترى في بادئ النظر صحته، الا انه بالتأمل فيما ذكرناه يظهر فساده، وهو مؤيد لما قلناه في غير مقام من مجلدات كتابنا هذا، من ان الاعتماد على امثال هذه التعليلات في تأسيس الاحكام الشرعية مما لا ينبغى العمل عليها، بل الاعتماد انما هو على الاخبار ان صرحت به، أو اومأت إليه. (الثالث): قال في المسالك: هل المراد بالاباحة الحاصلة بالمعاطاة قبل ذهاب العين، افادة ملك متزلزل كالمبيع في زمن الخيار، وبالتصرف يتحقق لزومه، ام الاباحة المحضة التى هي بمعنى الاذن في التصرف، وبتحققه يحصل الملك له وللعين الاخرى ؟ يحتمل الاول، بناء على ان المقصود للمتعاقدين انما هو الملك، فإذا لم يحصل كانت فاسدة ولم يجز التصرف في العين، وان الاباحة إذا لم تقتض الملك فما الذى اوجب حصوله بعد ذهاب العين الاخرى ؟ ويحتمل الثاني، التفاتا الى ان الملك لو حصل بها لكانت بيعا، ومدعاهم نفى ذلك، واحتجاجهم بان الناقل للملك لابد


(1) اقول: وممن صرح بانها بيع، المحقق الشيخ على في شرح القواعد، حيث قال في ضمن كلام في المقام: فان المعروف بين الاصحاب انها بيع، وان لم يكن كالعقد في اللزوم خلافا لظاهر عبارة المفيد. منه رحمه الله

[ 359 ]

ان يكون من الاقوال الصريحة في الانشاء المنصوبة من قبل الشارع وانما حصلت الاباحة باستلزام اعطاء كل واحد منهما للاخر سلعته مسلطا عليها الاذن في التصرف فيها بوجوه التصرفات، فإذا حصل كان الاخر عوضا عما قابله، لتراضيهما على ذلك، وقبله يكون كل واحد من العوضين باقيا على ملك مالكه، فيجوز الرجوع فيه، ولو كانت بيعا قاصرا عن افادة الملك المترتب عليه لوجب كونها بيعا فاسدا، إذ لم تجتمع شرائط صحته، ومن ثم ذهب العلامة في النهاية الى كونها بيعا فاسدا، وانه لا يجوز لاحدهما التصرف فيما صار إليه اصلا. انتهى. اقول: وبالاحتمال الاول جزم المحقق الشيخ على في شرح القواعد كما سيأتي نقل كلامه، لما تقدم من التعليل. ثم اقول: انه لما كان البناء في هذه المسألة - كما قدمنا الاشارة إليه - على غير اساس، حصل الشك فيه والالتباس، اذلم يقم لهم دليل شرعى على صحة هذه الدعوى، من افادة المعاطاة جواز التصرف، من غير ان تكون ملكا حقيقيا، سواء سمى ملكا متزلزلا أو اباحة، وانما مقتضى الادلة - كما عرفت - هو كونها بيعا حقيقيا موجبا للانتقال وعدم جواز الرجوع، وان كانت العين موجودة، حسبما قيل في البيع المشتمل على الصيغة الخاصة، واللازم على تقدير ما ذهبوا إليه في هذا المقام، انما هو فساد البيع، كما قدمنا ذكره، لانه لا خلاف بينهم في ان البيع المترتب عليه الانتقال وصحة التصرف، مشروط بشروط عديدة، بالنسبة الى الصيغة والمتعاقدين والعوضين وانه باختلال شرط من تلك الشروط يكون البيع فاسدا، وان حصل التراضي، فان التراضي لا اثر له في تصحيح ما حكم الشارع بابطاله، وبيع المعاطاة عندهم مما يجب استكماله جميع شروط البيع غير الصيغة الخاصة، مع تصريحهم بكون الصيغة الخاصة احد اركان البيع وقضية ذلك بطلان البيع بالاخلال بها كما في الاخلال بغيرها من الشروط. ودعوى استثنائها من تلك الشروط، بان تركها لا يوجب البطلان، وانما يكون

[ 360 ]

الحكم هو الاباحة أو الملك متزلزلا، تحكم محض. ولم نظفر لهم بدليل الا ما عرفت من التعليلات المبنية على التراضي، مع انها جارية في صورة اختلال غيرها من الشروط، لجواز تراضيهما على بيع المجهول والربوي ونحوهما مما منع الشارع منه، مع انهم لا يقولون به، والكلام في الصيغة الخاصة - بناءا على دعواهم وجوبها وانه لا يلزم البيع الا بها - كذلك، وبذلك بظهر لك ما في قوله في المسالك في تعليل الاحتمال الاول من انه مبنى على ان المقصود للمتعاقدين انما هو الملك، فإذا لم يحصل كانت فاسدة، فان فيه: انهم قد اوجبوا في حصول القصد المذكور دلالة لفظ صريح عليه، وخصوه بالصيغة الخاصة ولم تحصل، والى ذلك يشير قوله في الاحتجاج للاحتمال الثاني: ان الناقل للملك لابد ان يكون من الاقوال الصريحة، فاللازم حينئذ هو فساد المعاطاة كما ذكرنا، لانتفاء الدال على ذلك المقصود، وكذا في قوله - في تعليل الاحتمال الثاني - من انه انما حصل باستلزم اعطاء كل واحد منهما للاخر سلعته، فان فيه: ان هذا لو صلح وجها لما ذكروه من الاباحة لاطرد في صورة الاخلال بغير هذا الشرط من شروط صحة البيع ولزومه، مع انهم لا يلتزمونه، وتخصيصه بهذا الموضع تحكم كما عرفت. وقال المحقق الشيخ على في شرح القواعد - بعد قول المصنف " ولا يكفى المعاطاة " - ما ملخصه: وظاهره انها لا تكفى في المقصود بالبيع، وهو نقل الملك، وليس كذلك، فان المعروف بين الاصاحب انها بيع وان لم تكن كالعقد في اللزوم، خلافا لظاهر عبارة المفيد، وقوله تعالى: " احل الله البيع " (1) يتناولها، لانها بيع بالاتفاق حتى من القائلين، بفسادها، لانهم يقولون هي بيع فاسد، وقوله: " الا ان تكون تجارة عن تراض " (2) فانه عام الافيما اخرجه الدليل، وما يوجد في عبارة جمع من متأخرى الاصحاب، انها تفيد الاباحة وتلزم بذهاب احدى العينين، يرون به عدم


(1) سورة البقرة: 275 (2) سورة النساء: 29

[ 361 ]

اللزوم في اول الامر، وبالذهاب يتحقق اللزوم، لامتناع ارادة الاباحة المجردة عن اصل الملك، إذ المقصود للمتعاطيين انما هو الملك فإذا لم يحصل كانت فاسدة ولم يجز التصرف في العين، وكافة الاصاحب على خلافه. انتهى. اقول: ما ذكروه من ان المعاطاة بيع وانها تفيد الملك، إذ مقصود المتعاطيين انما هو الملك، وشمول الايات الدالة على حل البيع وصحته لذلك، جيد متين. لكن يبقى الكلام في دعوى عدم اللزوم مع وجود العوضين، فانه يحتاج الى دليل، إذا مقتضى ما ذكروه هو الصحة واللزوم وكونه بيعا حقيقيا، ولا اعرف لهم دليلا على هذه الدعوى هنا، الا الاستناد الى الاخلال بالصيغة الخاصة، بناء على ظاهر اتفاقهم على انها ركن من اركان البيع، وقضية ذلك انما هو الفساد لا الصحة مع عدم اللزوم. فان قيل: انهم يستندون الى وقوع المعاطاة في الصدر الاول مع الاخلال بالصيغة. قلنا: فيه - اولا - انك قد عرفت ان هذه الصيغة الخاصة لم يقم عليها دليل. وثانيا: ان المعاطاة في الصدر الاول انما كانوا يقصدون بها البيع الحقيقي كما عرفت من الاخبار المتقدمة ونحوها، وتوقف ذلك على تلف احدى العوضين غير معلوم ولا مدلول عليه بدليل. وانت إذا ضممت ما دلت عليه الاخبار المتقدمة، من صحة بيع المعاطاة وغيره من العقود بالالفاظ الدالة على مجرد التراضي، مع الاخبار الدالة على الخيار بانواعه، والاخبار الدالة على النزاع بين المشترى والبائع ونحو ذلك، مما يتفرع على البيع صحة وبطلانا، ظهر لك ان ذلك كله مترتب على بيع المعاطاة كالبيع بالصيغة الخاصة عندهم. وبالجملة فانى لا اعرف لما ذكروه هنا وجه استقامة، واللازم اما كون المعاطاة بيعا حقيقيا - كما اخترناه - أو بيعا فاسدا - كما هو مقتضى قواعدهم.

[ 362 ]

ثم انه مما يتفرع على الاحتمالين المذكورين في عبارة المسالك من الملك أو الاباحة، حصول النماء. فان قلنا بالملك كان تابعا للعين في الانتقال والملك، وان قلنا بالاباحة احتمل كونه مباحا لمن هو في يده كالعين، وعدمه. واما وطى الجارية، فقيل: الظاهر انه كالاستخدام يدخل في الاباحة منها. واما العتق فعلى القول بالملك (1) يكون جائزا لانه مملوك، وعلى الاباحة يتجه العدم، إذ لا عتق الا في ملك، ومقتضى حكمهم بتجويز جميع التصرفات في بيع المعاطاة يدفع التفريع على الاباحة هنا، فيكون هذا مما يؤيد القول بالملك. (الرابع): لا اشكال ولا خلاف عندهم في انه لو تلف العينان في بيع المعاطاة فانه يصير لازما، وانما الكلام في تلف احداهما خاصة، وقد صرح جمع منهم بانه كالاول، فيكون موجبا لملك العين الاخرى لمن هي في يده، نظرا إلى ما قدمنا نقله عن المسالك في الامر الثاني، واحتمل هنا ايضا العدم، التفاتا الى أصالة بقاء الملك لمالكه، وعموم " الناس مسلطون على اموالهم " (2). ثم انه حكم بأن الاول اقوى، وعلله بان من بيده المال مستحق قد ظفر بمثل حقه باذن مستحقه فيملكه، وان كان مغايرا له في الجنس والوصف، لتراضيهما على ذلك. اقول: قد عرفت آنفا ان الاستناد الى امثال هذه التعليلات في تأسيس الاحكام الشرعية مشكل، وانما المدار على النصوص الدالة على المراد بالعموم أو الخصوص. والمسألة عارية عن ذلك من اصلها، فضلا عن فرعها واما على ما اخترناه فانه لا اشكال


(1) أي القول بعدم جواز العتق تفريعا على القول بالاباحة ينافى ما صرحوا به من جواز التصرف بجميع انواعه في بيع المعاطاة، فيكون ذلك مؤيدا للقول بالملك، إذ لو تم القول بالاباحة لصح هذا الفرع المترتب عليه، مع خلاف ما صرحوا به في المقام. منه رحمه الله (2) بحار الانوار ج 2 ص 272

[ 363 ]

في هذا المجال. ثم انه لو تلف بعض احداهما فهل يكون حكمه حكم تلف الجميع اولا، وجهان. اختار اولهما المحقق الشيخ على في شرح القواعد. قال: ويكفى تلف بعض احدى العينين لامتناع التراد في الباقي إذ هو موجب لتبعيض الصفقة والضرر، ولان المطلوب كون احداهما في مقابلة الاخرى. وتنظر فيه في المسالك، قال: لان تبعيض الصفقة لا يوجب بطلان اصل المعاوضة، بل غايته جواز فسخ الاخر، فيرجع الى المثل أو القيمة كما في نظائره، واما الضرر الحاصل من التبعيض المنافى لمقصودهما، من جعل احداهما في مقابلة الاخرى، فمستند الى تقصيرهما في التحفظ بايجاب البيع، كما لو تبايعا بيعا فاسدا، ويحتمل حينئذ ان يلزم من العين الاخرى في مقابلة التالف ويبقى الباقي على اصل الاباحة بدلالة ما قدمناه. انتهى. وهو جيد بناءا على قواعدهم واما على ما اخترناه فالامر ظاهر، إذ صحة المعاملة المذكورة ولزومها لا تتوقف على تلف احد العوضين أو بعضه، بعين ما قرروه في العقد بالصيغة الخاصة عندهم. (الخامس): ان من فروع المسألة بناء على ما قرروه فيها، ما لو وقعت المعاوضة بقبض احد العوضين خاصة، كما لو دفع إليه سلعة بثمن وافقه عليه أو دفع إليه ثمنا عن عين موصوفة بصفات السلم، فتلف العوض المقبوض، ففى لحوق احكام المعاطاة ولزوم الثمن المسمى والثمن الموصوف اشكال، ينشأ من عدم صدق اسم المعاطاة، لانها مفاعلة تتوقف على العطاء من الجانبين، ولم يحصل. ويعضده ايضا الاقتصار فيما يخرج عن الاصل على موضع اليقين ان كان، ومن صدق التراضي على المعاوضة، وتلف العين المدعى كونه كافيا في التقابض من الجانبين. وبالصحة هنا صرح في الدروس فقال: ومن المعاطاة ان يدفع إليه سلعة بثمن

[ 364 ]

يوافقه عليه من غير عقد، ثم يهلك عند القابض فيلزمه الثمن المسمى. انتهى. اقول: ويؤيده ان التسمية بالمعاطاة في هذا البيع انما وقعت في كلامهم. إذ لا نص في المقام فوجوب ترتب الصحة على الاعطاء من الجانبين - بناءا على هذا اللفظ - لا وجه له نعم لو كان هنا نص ورد بهذه التسمية لاقتضى تفريع ذلك عليه. وحينئذ فالمرجع في ذلك - بناء على اصولهم في هذه المسألة - الى ما علل به في الوجه الثاني - بناء على ما اخترناه - دلالة النصوص على كون ذلك بيعا صحيحا شرعيا، لما عرفت آنفا من ان اشتراط هذه الصيغة الخاصة غير ثابت، بل يكفى مجرد الالفاظ الدالة على التراضي، مع استكمال باقى الشرائط المعتبرة في البيع. والله العالم. (السادس): قال في المسالك: ذكر بعض الاصحاب ورود المعاطاة في الاجارة والهبة، بأن يأمره بعمل معين ويعين له عوضا، فيستحق الاجرة بالعمل، ولو كانت اجارة فاسدة لم يستحقق شيئا مع علمه بالفساد، بل لم يجز له العمل والتصرف في ملك المستأجر، مع اطباقهم على جواز ذلك، واستحقاق الاجر. انما يكون الكلام في تسمية المعاطاة، في الاجارة، وذكر في مثال الهبة: ما لو وهبه بغير عقد فيجوز للقابض اتلافه، وتملكه به، ولو كانت هبة فاسدة لم يجز. ولا بأس به، الا ان في مثال الهبة نظرا، من حيث ان الهبة لا تختص بلفظ، بل كل لفظ يدل على التمليك بغير عوض كاف فيها كما ذكروه في بابه، وجواز التصرف في المثال المذكور موقوف على وجود لفظ يدل عليها، فيكون كافيا في الايجاب. اللهم الا ان يعتبر القبول اللفظى مع ذلك ولا يحصل في المثال فيتجه ما قاله. انتهى. اقول: لا يخفى على من مارس الاخبار أنه لاوجه لتخصيص هذا البعض ما ذكره بالاجارة والهبة، وذلك فان غاية ما يستفاد منها بالنسبة الى جميع العقود، انه لا يعتبر فيها ازيد من الالفاظ الدالة على الرضا بمضمون ذلك العقد، كيف كانت، وعلى أي نحو صدرت، ومع استكمال جميع ما يشترط فيه، من غير توقف على الصيغ

[ 365 ]

الخاصة التى اوجبوها في كل عقد. واما الاشكال في كون ذلك يسمى معاطاة ام لا، كما يشير إليه كلام شيخنا المذكور، ففيه: ما اشرنا إليه آنفا، من ان هذه التسمية انما هي اصطلاحية ذكروها في باب البيع، وجعلوها في مقابلة البيع بالصيغة التى اتفقوا عليها فقسموها الى البيع بالعقد المخصوص والى بيع المعاطاة، وجعلوا لكل منهما احكاما، كما تقدم ذكره، ولما كانت هذه الصيغة تتضمن المفاعلة من الطرفين، استشكلوا في اجرائها في هذه المواضع ونحوها. وانت خبير بانه مع الرجوع الى الاخبار فلا وجود لهذه التسمية ولا اثر يترتب عليها في باب البيع ولا غيره، وقد عرفت انهم في باب البيع قد خرجوا عنها في صحة المعاطاة بقبض احد العوضين دون الاخر، وظاهر كلامه - عليه الرحمة - ان المستند في صحة الاجارة والهبة في هذا المقام انما هو اطباق الناس على جواز التصرف في الصورتين المذكورتين، واستحقاق الاجرة في الاجارة، وانت خبير بما فيه: وان كان فيه نوع ايماء الى الاجماع، بل الحق في ذلك انما هو كون ذلك غاية ما يستفاد من الادلة في هذين الموضعين وغيرهما ولا يستفاد منها ما ادعوه من الصيغ الخاصة التى جعلوا بها هذه الافراد قسيما لما اتفقوا على صحته. والله العالم. (السابع): الظاهر انه لا خلاف في ان اشتراط الاتيان بالصيغة الخاصة أو مجرد ما دل من الالفاظ على الرضا، انما هو بالنسبة الى من يتمكن من التلفظ، فأما من لم يمكنه ذلك كالاخرس ومن بلسانه آفة، فانه تكفيه الاشارة المفهمة. قيل: وفي حكمه الكتابة ايضا على ورق أو خشب أو نحو ذلك واعتبر العلامة في الكتابة ان تدل على رضاه. والظاهر عدم وجوب التوكيل في الصورة المذكورة وربما قيل بالوجوب. قيل: ويجب وقوع الايجاب والقبول باللفظ العربي، مراعيا فيهما احكام الاعراب والبناء، وكذا كل عقد لازم، لان الناقل هو الالفاظ المخصوصة، وغيرها

[ 366 ]

لم يدل عليه دليل، ومعلوم ان العقود الواقعة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهما السلام انما كانت بالعربية، نعم يجوز لمن لا يعلم ذلك، الايقاع بمقدوره، ولا يجب التوكيل، للاصل. نعم يجب التعلم ان امكن من غير مشقة عرفا. انتهى. اقول. قد عرفت ان غاية ما يستفاد من الاخبار الواردة في البيوع والصلح والانكحة ونحوها وجود الالفاظ الدالة على التراضي بما دلت عليه باى نحو كانت، وكون العقود في وقتهم - عليهم السلام - كانت باللغة العربية وعلى النهج العربي الصحيح، لا يدل ما ذكروه من اشتراط ذلك، لان ذلك انما صدر من حيث ان محاوراتهم ومحادثاتهم وكلامهم كانت على ذلك النحو، في عقد كان أو غير عقد، فهو من قبيل السليقة والجبلة التى طبعت عليها الفاظهم ومحاوراتهم وألسنتهم. واشتراط ذلك في صحة العقود يحتاج الى دليل واضح وبرهان لائح، وأصالة العدم اقوى متمسك في المقام، وان كان الاحتياط فيما ذكروه، لاسيما في باب النكاح المبنى على الاحتياط. والله العالم.

[ 367 ]

المقام الثاني قد عرفت ان احد اركان البيع: المتعاقدان. فيشترط فيهما البلوغ والعقل والاختيار والملك ونحوه، بأن يكون مالكا أو مأذونا على خلاف في هذا الموضع يأتي انشاء الله تعالى بيانه فلا يصح بيع الصبى ولا شراؤه ولا المجنون ولا المكره ولا المغمى عليه ولا السكران ولا غير المالك ومن في حكمه. وتفصيل هذه الجملة يقع في مسائل: الاولى: ظاهر كلام جمهور الاصحاب انه لا يصح بيع الصبى ولا شراؤه ولو اذن له الولى. وانه لا فرق في الصبى بين المميز وغيره. ولا فرق بين كون المال له أو للولى أو لغيرهما. اذن مالكه أو لم يأذن. ونقل جماعة من الاصحاب هنا قولا بجواز بيع الصبى وشرائه إذا بلغ عشرا وكان عاقلا، وردوه بالضعف. قال في المسالك: والمراد بالعقل هنا الرشد، فغير الرشيد لا يصح بيعه، و ان كان عاقلا، اتفاقا. انتهى. قال العلامة في التذكرة: الصغير محجور عليه بالاجماع، سواء كان مميزا اولا، في جميع التصرفات الا ما استثنى، كعباداته واسلامه واحرامه وتدبيره و

[ 368 ]

وصيته وايصال الهدية واذنه في دخول الدار، على خلاف في ذلك قال الله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم " (1). وقوله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قياما " (2) يعنى اموالهم. ولعل قوله " وارزقوهم فيها واكسوهم " (3) قرينة له. وقوله: " وان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ان يمل هو فليملل وليه " (4). قيل: السفيه المبذر، والضعيف الصبى، لان العرب تسمى كل قليل العقل ضعيفا، والذى لا يستطيع التغلب مغلوب على عقله. وظاهره دعوى الاجماع على الحكم المذكور، مع انك قد عرفت وجود المخالف في ذلك. ويظهر من المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد المناقشة في هذا المقام، حيث قال - بعد ما نقل هذا الكلام - ما ملخصه: والاجماع مطلقا غير ظاهر، والاية غير صريحة الدلالة، لان عدم دفع المال إليهم وعدم الاعتداد باملائهم، لا يستلزم عدم جواز ايقاع العقد وعدم الاعتبار بكلامهم، خصوصا مع اذن الولى والتمييز. ويؤيده اعتبار المستثنى، فانه لو كان ممن لا اعتداد بكلامه ما كان ينبغى الاستثناء، ولهذا قيل بجواز عقده إذا بلغ عشرا أو عقده حال الاختيار، فان ظاهر الاية كون الاختيار قبل البلوغ، ولئلا يلزم التأخير في الدفع مع الاستحقاق - الى ان قال -: وبالجملة إذا جاز عتقه ووصيته وصدقته بالمعروف وغيرها من القربات، كما هو ظاهر الروايات الكثيرة، لا يبعد جواز بيعه وشرائه وسائر معاملاته، إذا


(1) سورة النساء: 6 (2) سورة النساء: 5 (3) سورة النساء: 5 (4) سورة البقرة: 282

[ 369 ]

كان بصيرا مميزا (1) رشيدا يعرف نفعه وضره بالمال، كما نجده في كثير من الصبيان، فانه قد يوجد منهم من هو اعظم في هذه الامور من آبائهم، فلا مانع له من ايقاع العقد، خصوصا مع اذن الولى أو حضوره بعد تعيينه الثمن. انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره وان كان جيدا من حيث الاعتبار بالنظر الى ما عده من الافراد، الا انه بالنظر الى الاخبار لا يخلو من تطرق الايراد. وها أنا اذكر ما وصل الي من الاخبار الجارية في هذا المضمار. فمنها: ما رواه في الكافي عن حمزة بن حمران عن حمران قال: سألت ابا جعفر - عليه السلام - قلت له: متى يجب على الغلام ان يؤخذ بالحدود التامة و يقام عليه ويؤخذ بها ؟ قال: إذا خرج عن اليتم فأدرك، قلت: فلذلك حد يعرف به ؟ فقال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة أو اشعر أو انبت قبل ذلك، اقيمت عليه الحدود التامة، وأخذ بها، واخذت له، قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة وتؤخذ بها ويؤخذ لها ؟ قال: ان الجارية ليست مثل الغلام، لان الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم ودفع إليها مالها وجاز أمرها في الشراء والبيع، واقيمت عليها الحدود التامة، واخذ لها وبها، قال: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك (2) ورواه في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب الا انه رواه عن حمزة بن حمران، قال: سألت ابا جعفر عليه السلام من غير واسطة حمران. اقول: والخبر - كما ترى - ظاهر فيما ذكره الاصحاب - رضى الله عنهم -


(1) ظاهر الفاضل الخراساني في الكفاية التوقف في هذا المقام. حيث قال: في المميز اشكال. والظاهر ان منشأه هو وقوفه على كلام المحقق المذكور وعدم امعان النظر في الاخبار التى ذكرناها. منه رحمه الله (2) الوسائل ج 1 ص 30 حديث: 2

[ 370 ]

من انه لا يجوز بيع الصبى ولا شراوه وكذا الصبية الا بعد البلوغ، المعلوم باحد الامور المذكورة، والطعن بضعف السند غير موجه عندنا، مع رواية الخبر المذكور ايضا في كتاب المشيخة المشار إليه الذى هو احد الاصول المعتمدة. وما رواه الصدوق في الخصال عن عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام قال: سأله ابى وانا حاضر عن اليتيم متى يجوز امره ؟ قال حتى يبلغ اشده. قال: وما اشده ؟ قال: احتلامه قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمانى عشرة سنة أو اقل أو اكثر ولا يحتلم. قال: إذا بلغ وكتب عليه الشئ جاز امره، الا ان يكون سفيها أو ضعيفا (1). والتقريب فيها: ان المراد بجواز أمره هو التصرف في ماله بالبيع والشراء ونحوهما، كما افصح عنه في حديث حمران المتقدم، وقد أناط عليه السلام ذلك بالبلوغ، وهو ظاهر في انه ما لم يبلغ فانه لا يجوز امره ولا تصرفه فيه بوجه من الوجوه، الا ما دل دليل من خارج على استثنائه، فالقول بأنه لا منافاة بين صحة بيعه وبين عدم دفع المال إليه - كما يظهر من كلام المحقق الاردبيلى المتقدم ذكره - لا معنى له، فان الخبر المذكور دل على عدم جواز امره، يعنى تصرفه بجميع انواع التصرفات، والعقد الواقع منه ان كان صحيحا موجبا لنقل الملك فهو التصرف الذى منع منه الخبر، والا فهو لغو لا عبرة به ولا ثمرة تترتب عليه، واذن الولى والتميز انما يكون مؤثرا في الصحة مع قيام الدليل، وليس فليس. وبالجملة فأصالة بقاء الملك لكل من المتعاقدين حتى يقوم دليل واضح على النقل، اقوى متمسك. وما رواه الصدوق في الفقيه عن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: إذا بلغ الغلام اشده: ثلاث عشرة سنة، ودخل في الاربع عشرة سنة، وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم. وكتبت عليه السيئات وكتبت له


(1) جامع احاديث الشيعة ج 1 ص 97 ب 11 من ابواب المقدمات حديث 7

[ 371 ]

الحسنات، وجاز له كل شئ، الا ان يكون سفيها أو ضعيفا (1) والتقريب في الخبر المذكور: دلالته بمفهوم الشرط - الذى هو حجة عند المحققين، ودلت عليه الاخبار التى قدمناها في مقدمات كتاب الطهارة - على انه ما لم يبلغ أشده (السنين المذكورة) فانه لا يجوز له شئ، يعنى من التصرفات، كما دل عليه الخبران المتقدمان. وما رواه على بن ابراهيم في تفسيره عن ابى الجارود، عن ابى جعفر عليه السلام في حديث، قال فيه: قوله " وابتلوا اليتامى " قال: من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، فإذا احتلم وجب عليه الحدود واقامة الفرائض، ولا يكون مضيعا ولا شارب خمر ولا زانيا، وإذا آنس منه الرشد دفع إليه المال وأشهد عليه، فان كانوا لا يعلمون انه قد بلغ، فانه يمتحن بريح ابطه ونبت عانته، فإذا كان فقد بلغ، فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا، ولا يجوز ان يحبس عنه ماله ويعتل عليه بأنه لم يكبر بعد (2). اقول: والخبر المذكور - كما ترى - صريح في انه محجور عليه حتى يبلغ وظاهر الخبر أن المراد بالاية المذكورة: انه يجب اختبار اليتامى بالبلوغ وعدمه، فإذا علم البلوغ بأحد اسبابه وجب دفع ماله إليه إذا آنس منه الرشد، والا فلا يدفع إليه. وبذلك يظهر ما في قول المحقق المتقدم ذكره. ويؤيده اعتبار المستثنى، فان استثناء عدم الدفع انما هو بالنسبة الى البالغ من حيث عدم الرشد بالنسبة الى اليتيم قبل البلوغ، كما يظهر من كلامه، والاختيار بالرشد وعدمه انما هو بعد تحقق البلوغ. وما رواه العياشي في تفسيره عن عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: متى يدفع الى الغلام ماله ؟ قال: إذا بلغ أو أونس منه الرشد، ولم يكن سفيها و


(1) جامع احاديث الشيعة ج 1 ص 97 حديث: 9 (2) تفسير البرهان ج 1 ص 343 حديث: 1

[ 372 ]

لا ضعيفا " الحديث " (1). والتقريب فيه: دلالته على انه محجور عليه لا يدفع إليه ماله الا بعد البلوغ والرشد، ومن الظاهر ان وقوع البيع والشراء منه فرع وجود مال في يده ليأخذ به ويعطى، ولا معنى لصحة عقده وجواز تصرفه بمجرد انشاء صيغة البيع وقبول الشراء، مع كونه محجورا عليه في دفعه وقبضه. على انك قد عرفت ان البيع لا يتوقف على صيغة خاصة، بل هو عبارة عن التراضي على القبض والاقباض بمجرد الكلام الجارى بينهما. وبالجملة فان الظاهر من هذه الاخبار التى ذكرناها ونحوها غيرها مما يقف عليه المتتبع: ان الصبى ما لم يبلغ فانه محجور عليه ولا يجوز بيعه ولا شراؤه، و دلالة بعض الاخبار على تصرفه بالعتق والوصية أو الصدقة، لا يدل على الجواز في محل البحث، بل يجب الوقوف فيه على مورد تلك الاخبار المذكورة، ويكون ذلك مستثنى بها مما دلت عليه هذه الاخبار ونحوها، والحاق غيره به قياس لا يوافق اصول المذهب، لا سيما مع تصريح بعض هذه الاخبار بعدم جواز البيع و الشراء منه. وبذلك يظهر لك قوة القول المشهور، وانه المؤيد المنصور، وضعف ما ذكره المحقق المذكور. والله العالم. واما ما يتحقق به البلوغ فقد تقدم الكلام فيه مستوفى في كتاب الصيام.


(1) جامع احاديث الشيعة ج 1 ص 97 حديث: 10

[ 373 ]

المسألة الثانية لا خلاف بين الاصحاب في اشتراط الاختيار، فلا يصح عقد المكره، لفوات الشرط المذكور. وظاهرهم - ايضا - الاتفاق على انه لو اجازه - بعد وقوعه حال الاكراه - صح بخلاف ما تقدم من عقد الصبى والمجنون، إذ لا قصد لهما الى العقد ولا اهلية، لفقد شرطه وهو العقل، بخلاف المكره فانه بالغ عاقل، وليس ثمة مانع الا عدم القصد الى العقد حين ايقاعه، وهو مجبور بلحوق الاجازة، فيكون كعقد الفضولي حيث انتفى القصد إليه من مالكه الذى يعتبر قصده حين العقد، فلما لحقه القصد بالاجازة صح، وحينئذ فلا مانع من الصحة الا تخيل اشتراط مقارنة القصد للعقد، ولا دليل عليه. وينبه على عدم اعتباره عقد الفضولي، وعموم الامر بالوفاء بالعقد يشمله، فلا يقدح فيه اختصاص عقد الفضولي بالنص، كذا صرح به في المسالك، واليه يرجع كلام غيره ايضا. وظاهر كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد: المناقشة فيما ذكروه من الفرق بين عقد الصبى والمجنون وبين عقد المكره، بصحة الثاني مع لحقوق الاجازة، بخلاف الاول. حيث قال - في اثناء البحث في بيان الاحكام التى اشتملت عليها عبارة المصنف، التى من جملتها استثناء عقد المكره من البطلان متى لحقته الاجازة - ما لفظه: فالتفريع كله ظاهر - الى قوله -: ولو اجازا، والاالمكره. فان الاستثناء غير واضح، بل الظاهر البطلان ايضا، لعدم حصول القصد، بل و عدم صدور القصد عن تراض، والظاهر اشتراطه على ما هو ظاهر الاية، ولانه

[ 374 ]

لا اعتبار بذلك الايجاب في نظر الشارع، فهو بمنزلة العدم، وهو ظاهر. لعدم الفرق بينه وبين غيره من الطفل ونحوه، والفرق في كلامهم بانه لا اعتبار به بخلاف المكره فانه معتبر الا انه لارضاء معه فإذا وجد الرضا صح لوجود شرطه، بعيد جدا لما عرفت. وبالجملة لا اجماع فيه ولا نص، والاصل الاستصحاب وعدم الاكل بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض مما يدل على عدم الانعقاد الا ان المشهور الصحة وما نعرف لهم دليلا، وهم اعرف. ولعل لهم نصا ما نقل الينا. انتهى وهو جيد. ويؤيده - بأظهر تأييد - ان الاحكام الشرعية مترتبة على النصوص الجلية وليس للعقول فيها مسرح بالكلية، والاصل بقاء الملك في كل من العوضين لمالكه الاصلى حتى يقوم الدليل الشرعي على الانتقال وهم قد سلموا بان عقد المكره حال الاكراه باطل اتفاقا، فتصحيحه بالاجازة اخيرا يتوقف على نص واضح يدل على ذلك، والتعلق في ذلك، بعقد الفضولي مع قطع النظر عن كون ذلك قياسا لو ثبت صحة العقد الفضولي، مردود بما سنوضحه انشاء الله تعالى في تلك المسألة من بطلانه. وقوله: فلا يقدح اختصاص العقد الفضولي بنص، مردود بأن هذا النص انما هو من طريق العامة، وهو حديث البارقى، ونصوصنا ظاهرة بخلافه كما ستقف عليه انشاء الله. وقوله: ان عموم الامر بالوفاء بالعقد يشمله، اشارة الى قوله عزوجل " اوفوا بالعقود " مردود بالاتفاق على ان المراد بالعقود: العقود الصحيحة، والا لتناول العقد حال الاكراه. ودعوى كون هذا العقد صحيحا بعد الاجازة مع اتفاقهم على البطلان قبلها، يتوقف على الدليل الواضح، والا فهو محض المصادرة. وقوله: ان مقارنة القصد للعقد لا دليل عليه، مردود بأنه هو المستفاد من النصوص، وغيره لا دليل عليه، فان المستفاد من النصوص التى قدمناها في بيع المعاطاة ونحوها: انه لابد في صحة العقد من حصول الرضا بتلك الالفاظ الجارية

[ 375 ]

بين المتعاقدين في أي عقد كان، وهذا هو القدر المحقق منها في شرط صحة العقد، واما انه يصح بالاجازة بعد وقوعه على جهة الاكراه، بحيث يكون الرضا به والقصد إليه متاخرا عن العقد، فهو المحتاج الى الدليل. وبالجملة فان دعواه معكوسة عليه، كما لا يخفى على من رجع الى الانصاف وجنح إليه. والى ما ذكرنا هنا يشير كلام المحقق الشيخ على في شرح القواعد، حيث قال: واعلم ان هذه المسألة ان كانت اجماعية فلا بحث، والا فللننظر فيها مجال، لانتفاء القصد اصلا ورأسا مع عدم الرضا، ولا يتحقق العقد المشروط بذلك إذا لم يتحقق، لان الظاهر من كون العقود بالقصود: اعتبار القصد المقارن لها دون المتأخر انتهى. وهو جيد. واما قوله في المسالك - على اثر الكلام المتقدم نقله -: " وبهذا يظهر ضعف ما قيل هنا من انتفاء القصد اصلا ورأسا مع عدم الرضا وان الظاهر من كون العقود بالقصود: المقارن دون المتأخر "، فهو اشارة الى رد كلام المحقق المذكور، وقد عرفت ما فيه من القصور، فان ما ذكره من الوجوه التى زعم بها ضعف هذا الكلام، قد كشفنا عن وجوه قصورها نقاب الابهام. على ان عود الصحة بعد البطلان غير معقول، الا ان يقول بان العقد حال الاكراه جائز صحيح، ولزومه موقوف على الاجازة، مع ان الامر ليس كذلك، فانهم لا يختلفون في البطلان لفقد شرط الصحة وهو الاختيار، ولهذا انهم في العقد الفضولي حكموا بجوازه صحته، وانما منعوا من لزومه، فجلعوا لزومه وعدمه مراعى باجازة المالك وعدمها. ثم انه قداورد عليهم في هذا المقام اشكال، وهو انهم قد حكموا بفساد عقد الهازل، ولم يذكروا لزومه لو لحقه الرضا، مع ان ظاهر حاله انه قاصد الى اللفظ دون مدلوله، كما في المكره، لانه بالغ عاقل، فاللازم حينئذ اما الحاقه

[ 376 ]

بالمكره في لزوم عقده مع لحقوق الرضا به، أو بيان وجه الفرق بينهما. ودعوى كونه غير قاصد للفظ، بعيدة عن جادة الصواب. * * * هذا. وينبغى ان يعلم: ان الحكم ببطلان بيع المكره مخصوص بما إذا كان الاكراه بغير حق، فلو كان بحق كان صحيحا لا يضره الاكراه، وقد ذكروا لذلك مواضع: منها: ان يتوجه عليه بيع ماله لوفاء دين عليه، أو شراء مال اسلم إليه قيمته فاكرهه الحاكم عليه، صح بيعه وشراؤه، لانه اكراه بحق. ومنها: تقويم العبد على معتق نصيبه منه، وتقويمه في فكه من الرق ليرث، واكراهه على البيع لنفقته ونفقة زوجته مع امتناعه، وبيع الحيوان إذا امتنع من الانفاق عليه، والعبد إذا اسلم عند الكافر، والعبد المسلم والمصحف إذا اشتراهما الكافر وسوغناه، فانهما يباعان عليه قهرا، والطعام عند المجاعة يشتريه خائف التلف، والمحتكر مع عدم وجود غيره واحتياج الناس إليه، فان جميع هذه الصور مستثناة من قولهم " ان بيع المكره غير صحيح " وضابطها: " الاكراه بحق " والله العالم. المسألة الثالثة قد عرفت فيما تقدم ان من شروط صحة البيع: كون البايع مالكا أو في حكمه على المختار، الا انه قد وقع الخلاف بين اصحابنا في عقد الفضولي. والكلام فيه يقع في مقامين: المقام الاول: اختلف الاصحاب في صحة بيع الفضولي وبطلانه،

[ 377 ]

فالمشهور - بل كاد ان يكون اجماعا -: هو الاول. وان توقف لزومه على الاجازة، وذهب في الخلاف والمبسوط وتبعه ابن ادريس الى الثاني. وهو الظاهر من عبارة ابى الصلاح في الكافي. ولم ار من نقل عنه، الا ان الذى يظهر من عبارته ذلك، فانه قال في الكتاب المذكور - بعد تعريف البيع بانه عقد يقتضى استحقاق التصرف في المبيع والثمن وتسليمهما - ما صورته: ويفتقر صحته الى شروط ثمانية: صحة الولاية في البيعين - الى ان قال - واعتبرنا صحة الولاية لتاثير حصولها بثبوت الملك أو الاذن، وصحة الرأى في صحة العقد، وعدم ذلك في فساده. ثم قال - في موضع آخر -: ومن ابتاع غصبا يعلمه كذلك فعليه رده الى المالك، ولا درك له على الغاصب، وان لم يعلمه فللمالك انتزاعه منه، ويرجع بالدرك على من باع. انتهى. فانه جعل المؤثر في صحة العقد هو حصول الولاية المسببة عن الملك أو الاذن كالوكيل ونحوه: فالفضولي ليس له ولاية بشئ من المعنيين، وفي فساده عدم ذلك. واوجب فيمن ابتاع غصبا رده الى المالك لا وقوفه على الاجازة. ونقل الفاضل المقداد في التنقيح هذا القول عن شيخه. ولا اعلم من اراد به من مشائخه. واختار هذا القول - ايضا - فخر المحققين هنا وفى كل موضع من العقود الفضولية، وتبعه على ذلك العماد مير محمد باقر الداماد، حيث قال في رسالته، الرضاعية ما هذا لفظه: عندي ان عقد النكاح بل مطلق العقد الصادر من الفضولي، وهو الذى ليس له ولاية ولا وكالة، باطل من أصله، والاجازة اللاحقة غير مؤثرة في تصحيحة، ولا كاشفة عن صحته اصلا انتهى. وممن ظاهره القول بالبطلان هنا - ايضا - المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد، حيث قال - بعد قول المصنف " ولو باع الفضولي وقف على الاجازة " ما ملخصه: هذا هو المشهور، وما نجد عليه دليلا. ثم نقل الرواية العامية الاتية

[ 378 ]

انشاء الله تعالى، وبعض تعليلاتهم العقلية. ثم قال: ومعلوم عدم صحة الرواية و معارضتها باقوى منها دلالة وسندا، لقوله عليه السلام لحكيم بن حزام: لا تبع ما ليس عندك. ومعلوم - ايضا - عدم صدوره من أهله، لان الاهل هو المالك أو من له الاذن. و بالجملة: الاصل، واشتراط التجارة عن تراض، الذى يفهم من الاية الكريمة، و الايات والاخبار الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير الا باذنه، وكذا العقل، يدل على عدم الجواز، عدم الصحة وعدم انتقال المال من شخص الى آخر. انتهى. ويظهر ذلك - ايضا - من الشيخ الحر في الوسائل. وهذا القول هو الظاهر عندي من الاخبار، على وجه لا يعتريه الشك والانكار، الا ممن قابل بالصد عن الحق والاستكبار، وسيأتيك اخباره انشاء الله تعالى في المقام ساطعة الانوار علية المنار. * * * هذا وظاهر الاصحاب: ان المراد بالبيع الفضولي هو من باع مال غيره مع عدم الاذن من مالكه، اعم من ان يكون البيع لنفسه أو للمالك، فيدخل فيه بيع الغاصب ونحوه، وادلتهم التى استدلوا بها في المقام شاملة بعمومها لما قلناه، و كأن بنائهم في الحكم بصحة البيع المغصوب، مع كونه منهيا عن التصرف فيه، انه لا منافاة بين الصحة والنهى، لكون النهى انما يؤثر الابطال في العبادات، واما في المعاملات فغاية ما يترتب عليه لحوق الاثم بالمخالفة، فيصح بيعه وان اثم البايع بالتصرف، وسيجئ تحقيق الكلام في المقام انشاء الله تعالى. وقد احتج الاصحاب على ما ذهبوا إليه - هنا من الصحة - بان مقتضى الصحة موجود وهو العقد الجامع للشرائط، وليس ثم مانع الا اذن المالك، وبحصوله يزول المانع ويجتمع الشرائط، كذا قرره في المسالك. واحتج على ذلك في المختلف بأنه بيع صدر من اهله في محله فكان صحيحا

[ 379 ]

اما صدوره من اهله فلصدوره من بالغ عاقل مختار، ومن جميع الصفات كان اهلا للايقاعات، واما صدوره في محله فلانه وقع على عين يصح تملكها وينتفع بها، وتقبل النقل من مالك الى آخر، واما الصحة فلثبوت المقتضى السالم عن معارضة، وكون الشئ غير مملوك للعاقد غير مانع من صحة العقد، فان المالك لو اذن قبل البيع لصح فكذا بعده، إذ لا فارق بينهما. واحتج ايضا بما رواه عن عروة البارقى: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعطاه دينارا ليشترى به شاة، فاشترى شاتين ثم باع احداهما بدينار في الطريق. قال فاتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدينار والشاة فاخبرته، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك (1). واحتج الشيخ في الخلاف على ما ذهب إليه من القول بالبطلان باجماع الفرقة. قال: ومن خالف لا يعتد بقوله، لانه لا خلاف في انه ممنوع من التصرف في ملك غيره والبيع تصرف، وايضا روى حكيم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه نهى عن بيع ما ليس عنده (2)، وهذا نص وروى شعيب عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا طلاق الا فيما يملك، ولا عتق الا فيما يملك، ولا بيع الا فيما يملك (3) فنفى عليه السلام البيع في غير الملك ولم يفرق. واجاب القائلون بالصحة عن الاجماع بمنعه مع وجود المخالف وهو من جملة المخالفين في نهايته، وعن المنع من التصرف في ملك الغير بانه مسلم، لكن إذا كان بغير اذنه والاذن هنا موجود، وهو الاجازة القائمة مقامه. وعن النفى بانه إذا دخل على حقيقة، اريد به نفى صفة من صفاتها، فيكون المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا بيع الا فيما يملك ": لا لزوم للبيع الا فيما يملك، والا لزم بطلان بيع الوكيل والوصى والولى، فيكون المراد: لابيع الافيما هو ملك أو كالملك بسبب الاذن وقد حصل.


(1) مسند احمد بن حنبل ج 4 ص 376 (2) سنن الترمذي ج 3 ص 534 (3) مستدرك الوسائل ج 2 ص 460 حديث: 3 و 4

[ 380 ]

اقول: وعندي فيما ذكروه من الادلة على الصحة، وفيما ذكروه من الاجوبة عن ادلة الشيخ نظر يتوقف بيانه على ذكرها واحدة واحدة، ليتأكد بذلك صحة ما اخترناه وقوة ما قويناه، ويكون ذلك في مواضع: (الاول): ما احتج به في المسالك من كون المقتضى للصحة موجودا وهو الجامع للشرائط، ففيه: انه لم يقم لهم دليل على اعتبار هذا العقد الذى ذكروه، والصيغة التى اشترطوها، وانما المتحقق من الناقل الذى يترتب عليه احكام البيع، هو حصول التراضي من الطرفين، وبذلك صرح هو ايضا في مسالكه، فقال - بعد ان نقل عن ظاهر المفيد الاكتفاء في تحقق البيع بما دل على الرضا به من المتعاقدين ان عرفاه وتقابضا، وعن بعض مشائخه المعاصرين انه يذهب الى ذلك لكن يشترط في الدال كونه لفظا - ما صورته: والنصوص المطلقة من الكتاب والسنة الدالة على حل البيع وانعقاده من غير تقييد بصيغ خاصة تدل على ذلك، فانالم نقف على دليل صريح في اعتبار لفظ معين، وقد عرفت فيما تقدم ميل جملة من العلماء الى هذا القول. وحينئذ فإذا اعترف بأنه لا دليل على اعتبار هذا العقد الذى ذكروه، وانما المدار على حصول التراضي من الطرفين اعم من ان يكون بهذا اللفظ أو بغيره مما يدل عليه، كان الناقل المترتب عليه الاحكام انما هو الرضا من المالك، وحيث لم يحصل - كما هو المفروض - فلا وجود للبيع من اصله، ولا يترتب اثر عليه. فكيف يحتج هنا بأن المقتضى للصحة موجود وهو العقد الجامع للشرائط. لا يقال: ان لقائل ان يقول: ان البايع الفضولي يجوز ان يتراضى مع المشترى على نحو من الوجوه، ويكون ذلك التراضي بيعا موقوفا. لانا نقول: التراضي الذى دل عليه الدليل - عندنا - هو ما يكون بين المالك والمشترى، اعم من ان يكون مالك الاصل أو المتصرف كالولي والوصى والوكيل، وايضا فان ذلك القائل لا يرتضيه ولا يقول به لتصريحه بوجوب تلك الصيغة المخصوصة. (الثاني): ما احتج به في المختلف من أنه بيع صدر من اهله، وجعله الاهلية عبارة

[ 381 ]

عن البلوغ والعقل والاختيار، ففيه: منع ظاهر، لان الخصم يقول: ان الاهلية عبارة عن ذلك باضافة المالكية للاصل أو التصرف، ولا يسلم له ما ادعاه من اهلية الفضولي، وان الاهلية عبارة عما ذكره، بل هو اول المسألة. واما ما ذكره من صدوره في محله باعتبار وقوعه على عين يصح تملكها وتقبل النقل فيه، ففيه: ما في الاول، فان الخصم يقول: ان محله المال المملوك اصلا أو تصرفا، لا ما يصلح للتملك ويقبله في حد ذاته. وبالجملة فان ما ذكره من الدليل مصادرة على المطلوب كما لا يخفى. واما ما ذكره من انه لا فرق بين الاذن قبل البلوغ أو بعده فغير مسلم ايضا، لان التصرف بعد الاذن شرعى بلا خلاف فلا يترتب عليه اثم ولا ضمان، واما قبله فغصبي يترتب عليه الضمان والاثم، لقبح التصرف في مال الغير بغير اذنه، ومنع الشارع من ذلك. وقد صرحوا بذلك في مواضع عديدة، والا لجازت الصلاة في الاماكن مطلقا، وفى الثياب كذلك، وجاز اكل الغير والتصرف فيه بانواع التصرفات، بناء على الاذن المتأخر. حيث لا فرق بينه وبين الاذن المتقدم، فان اذن المالك والا غرم له اجرة ذلك، وتكون التصرفات على التقديرين تصرفات شرعية، وهو مخالف للمعقول والمنقول. واما ما احتج به من الرواية فلا تقوم بها حجة في هذا المجال، وان اشتهر نقلها في كتب الاستدلال، حيث انها عامية والعجب منه - رحمه الله - وممن تبعه في ذلك حيث انهم كثيرا ما يطعنون في الاحاديث الصحيحة ويردونها لمخالفتها ما اصطلحوا عليه من هذا الاصطلاح الجديد، ويعتمدون هنا في اصل الحكم على رواية عامية، ويفرعون عليها فروعا ويرتبون عليها احكاما، والحال كما ترى. وانت خبير بأن المفهوم من هاتين الحجتين: ان المراد بالبائع: من باع لنفسه أو للمالك - كما اشرنا إليه سابقا. ويؤيده: انهم جعلوا بيع الغاصب من قبيل بيع الفضولي، ومن الظاهر ان الغاصب انما يبيع لنفسه لا لمالكه، وقد صرح بذلك العلامة في القواعد، والشيخ على في

[ 382 ]

شرحه. فقال - بعد قول المصنف " وكذا الغاصب " ما صورته: أي حكم الغاصب كالفضولى، وهو اصح الوجهين، وان احتمل الفساد نظرا الى القرينة الدالة على عدم الرضا، وهى الغصب. وكذلك في الدروس، حيث قال - بعد ذكره البيع -: ولا يقدح في ذلك علم المشترى بالغصب. انتهى. ومن العجب هنا منعه في التذكرة في بيع مالا يملك ثم يمضى ليشتريه من مالكه ويسلمه الى المشترى. قال: ولا نعلم فيه خلافا، لنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع ما ليس عندك، ولاشتماله على الضرر فان صاحبها قد لا يبيعها وهو غير مالك لها ولا قادر على تسليمها. انتهى. وسؤال الفرق متجه، فان ما ذكره من الدليلين الاولين على المنع شامل لما نحن فيه، ونسبة اجازة المالك في الفضولي بعد العقد كنسبة بيع المالك على البائع الفضولي، في ان حصول كل منهما مصحح، ويلزم بالعقد السابق. وان كان هناك غرر كما ذكره ففى الفضولي ايضا غرر بأنه قد لا يجيز المالك ايضا، وعدم المالكية ثابتة في الموضعين، وعدم القدرة على التسليم مشترك ايضا، لان تسليم البائع الفضولي من غير اذن المالك تصرف غصبي منهى عنه شرعا، فيصدق في حقه انه غير قادر على التسليم شرعا. وبالجملة فان تجويزه في بيع الفضولي الذى هو محل البحث، ومنعه هنا مما لا وجه له. (الثالث): ما اجابوا به عن حجة الشيخ من جهة المنع من التصرف في مال الغير بانه مسلم، لكن إذا كان بغير الاذن، والاذن هنا موجود وهو الاجازة القائمة مقامه، ففيه ما عرفت من حرمة التصرف في مال الغير بغير اذنه الا ما استثنى، وليس منه هذا ولا شك ان هذا العقد الواقع بغير اذن المالك وما يترتب عليه من دفع المبيع وقبض الثمن من ذلك القبيل، واذنه اخيرا لا يخرج تلك التصرفات السابقة عن ان تكون غصبا. نعم يعفى عما جناه من ذلك، كما لو جنى شخص على شخص ثم ابرأه من ذلك. ولو لم يأذن المالك.

[ 383 ]

فان حكم الغصب باق فيكون هو مؤاخذا لجميع تصرفاته دينا ودنيا، اما الاول فبالمعاقبة واما الثاني فبوجوب ارجاع كل حق الى مستحقه. (الرابع): ما اجابوا به عن النهى بأنه لا يستلزم الفساد في المعاملات، فهو وان كان مشهورا بينهم، الا انا كثيرا ما نرى عقودا قد حكموا ببطلانها بسبب النهى الوارد في الروايات، ومن تتبع كتاب النكاح، وكتاب البيع فيما حرموه من بيع الخمر والكلب والخنزير ونحوها، ظهر له ذلك، وما ذكروه من هذه الكلية انما هو اصطلاح اصولي لا تساعد عليه الايات والروايات على اطلاقه، كما لا يخفى على من اعطى المسألة حقها من التتبع. * * * والذى يخطر بالبال في الجمع بين ما ذكروه - من هذه القاعدة - وبين ما ورد من الاخبار الدالة على النهى، وحكم الاصحاب بالفساد عملا بمضمونها، ان يقال: ان النهى الواقع من الشارع عليه السلام في ذلك العقد اما ان يكون باعتبار عدم قابلية المعقود عليه لذلك كالكلب والخنزير ونجس العين ونحوها في البيع مثلا. واحدى المحرمات ونحوها في النكاح مثلا، وحينئذ لا اشكال في الفساد. أو يكون باعتبار امر خارج، مثل كون ذلك في زمان مخصوص أو حال مخصوصة أو نحو ذلك من الامور الخارجية عن العوضين المتقابلين فربما يقال بما ذكروه وتخص القاعدة المذكورة بهذا الفرد كالبيع وقت النداء، فان النهى عنه وقع من حيث الزمان، فيقال بصحة البيع لعدم تعلق النهى بذات شئ من العوضين، باعتبار عدم قابليته للعوضية، بل وقع باعتبار امر خارج من ذلك، وان اثم باعتبار ايقاعه في هذا الزمان المنهى عن الايقاع فيه. وما نحن فيه انما هو من قبيل الاول، لان الظاهر ان توجه النهى إليه انما هو من حيث عدم صلاحية المعقود عليه لذلك، لكونه تصرفا في مال الغير بغير اذنه، وهو قبيح عقلا ونقلا كتابا وسنة. واذن المالك اخيرا على تقدير وقوعه لا يخرج تلك التصرفات عن كونها غصبا كما تقدم بيانه في الموضع الثالث.

[ 384 ]

وهذا التفصيل مما خطر ببالى العليل في سابق الزمان، وهو جيد وجيه، وقد تقدم في المباحث السابقة من هذا الكتاب ما يؤيده. ويؤيد هذا التفصيل الذى ذكرناه ما وفق الله سبحانه للوقوف عليه في كلام شيخنا زين الملة والدين في المسالك في مسالة العقد على بنت الاخ وبنت الاخت على العمة والخالة بغير اذنها حيث انه قيل في المسألة ببطلان العقد، وقيل بالصحة وان للعمة والخالة الخيار في فسخه وعدمه. وقد استدل القائل بالبطلان بالنهي عنه. ورده في المسالك بأن النهى لا يدل على الفساد في المعاملات، ثم قال - بعد ذلك - فان قيل: النهى في المعاملات وان لم يدل على الفساد بنفسه، لكنه إذا دل على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فهو دال على الفساد من هذه الجهة، كالنهي عن نكاح الاخت، وكالنهى عن بيع الغرر، والنهى في محل النزاع من هذا القبيل. قلنا: لا نسلم دلالتها هنا على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح، فانها عند الخصم صالحة له، ولهذا صلحت مع الاذن، بخلاف الاخت، وبيع الغرر، فانهما لا يصلحان اصلا، وصلاحية الاخت على بعض الوجوه - كما لو فارق الاخت - لا يقدح، لانها حينئذ ليست اخت الزوجة، بخلاف بنت الاخت ونحوها فانها صالحة للزوجية، مع كونها بنت اخت الزوجة والاخبار دلت على النهى عن تزويجها، وقد عرفت انه لا يدل على الفساد، فصار النهى عن هذا التزويج من قبيل ما حرم لعارض كالبيع وقت النداء لا لذاته. والعارض هو عدم رضاء الكبيرة، فإذا لحقه الرضا زال النهى. انتهى. وقد ظهر منه ما ذكرناه من التفصيل، باعتبار رجوع النهى تارة الى المعقود عليه من حيث عدم صلاحيته لايقاع العقد عليه فيكون العقد باطلا، وتارة الى امر خارج عنه فلا يستلزم الفساد، ومنه بنت الاخ وبنت الاخت، كما اختاره. فان النهى عنهما انما وقع باعتبار امر خارج، وهو عدم رضاء العمة والخالة، فيكون العقد صحيحا مراعى بالرضا، ولا يخفى انه قد تقدم لنا تحقق في هذه المسألة في باب صلاة

[ 385 ]

الجمعة من كتاب الصلاة بنحو ما ذكرناه هنا، الا انه ربما تعسر على الناظر في هذه المسألة الرجوع الى ذلك الكتاب، فلم تكتف بالحوالة على ذلك الموضع، بل اوضحنا المسألة في المقام، لدفع ثقل المراجعة على الناظر في هذا الكلام ثم انه ينبغى ان يعلم ان ما ذكرناه هنا، واطلنا به البحث ليس ذبا عن الحديث الذى استدل به الشيخ، فانه حديث عامى لا تنهض عندنا حجة، وانما هو تحقيق في المسألة في حد ذاتها اولا. وثانيا انه على جهة المجاراة معهم في الاستدلال بالخبر المذكور، فانه لاوجه لرده من هذه الجهة التى ذكروها، بل كان الاولى رده بما ذكرناه، من انه حديث عامى لا ينهض حجة. (الخامس): ما اجابوا به عن النفى بانه إذا دخل على حقيقة اريد به نفى صفة من صفاتها فمسلم، الا انا نقول: ان تلك الصفة هي الصحة لا اللزوم كما يقولونه، و قولهم: والا لزم بطلان بيع الوكيل، فيه: ان وجه الملازمة غير ظاهر، ومع ذلك نقول: المراد بالمملوك: ما هو اعم من ان يكون مملوك العين أو التصرف، كما تقدم ذكره، وهو مستعمل في كلامهم كثيرا. وبالجملة فان ما ذهب إليه الشيخ ومن تبعه من البطلان هو الموافق لمقتضى الاصول الشرعية والعقلية، وعليه تدل جملة من الاحاديث المعصومية، التى هي المعتمد في كل حكم وقضية، والعجب انهم مع قولهم بالبطلان استدلوا بتلك الرواية العامية في كتبهم الفروعية، حتى من مثل المحقق الاردبيلى كما تقدم في كلامه، ودعواه انها اقوى دلالة وسندا من رواية البارقى، مع ان الجميع من طريق العامة، وروايات اهل البيت - عليهم السلام - مكشوفة القناع، صريحة الدلالة على هذه المقالة، مع تعددها في كتب الاخبار، فكيف غفلوا عنها، مع عكوفهم على كتب الاخبار، مطالعة وتدريسا، وبذلك يظهر لك صحة المثل السائر " كم ترك الاول للاخر ". * * *

[ 386 ]

فمن الاخبار المشار إليها: صحيحة محمد بن الحسن الصفار: أنه كتب الى ابى محمد الحسن العسكري عليه السلام في رجل باع له قطاع ارضين، وعرف حدود القرية الاربعة، وانما له في هذه القرية قطاع ارضين، فهل يصلح للمشترى ذلك وانما له بعض هذه القرية، وقد اقر له بكلها ؟ فوقع عليه السلام: لا يجوز بيع ما ليس بملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك (1). والاصحاب قد افتوا في هذه المسألة التى هي مضمون هذه الرواية - بلزوم البيع فيما يملكه ووقوفه فيما لا يملك على الاجازة من المالك، بمعنى انه صحيح لكونه فضوليا موقوفا في لزومه على اجازة المالك، والرواية - كما ترى - تنادى بانه " لا يجوز " الدال على التحريم. وليس ثمة مانع يوجب التحريم سوى عدم صلاحية المبيع للنقل بدون اذن مالكه. ومنها: صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل، قال: سألت ابا الحسن الاول عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطايعهم، وكتب عليها كتابا بأنها قد قبضت المال ولم تقبضه، فيعطيها المال ام يمنعها ؟ قال: قل له: ليمنعها اشد المنع، فانها باعت مالا تملكه (2). اقول: فلو كان البيع الفضولي صحيحا - كما يدعونه - ودفع الثمن للبائع الفضولي جائزا - كما يقولونه - لما امر عليه السلام بمنعها من الثمن اشد المنع، معللا ذلك بانها باعت مالا تملكه. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام في حديث قال فيه: سأله رجل من اهل النيل عن ارض اشتراها بفم النيل، واهل الارض يقولون: هي ارضهم، واهل الاستان يقولون: هي من ارضنا قال: لا تشترها الا برضاء اهلها (3).


(1) الوسائل ج 12 ص 252 حديث 1 والمؤلف اختزل من الحديث. (2) الوسائل ج 12 ص 249 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 249 حديث: 3

[ 387 ]

لا يقال: ان السؤال في الرواية انما وقع عن ارض متنازع فيها، معلوم عدم اجازة المالك فيها على تقدير الفضولية، لانا نقول: موضع الاستدلال في الخبر انما هو قوله " لا تشترها الا برضاء اهلها " الدال على تحريم الشراء قبل تقدم الرضا. ودعوى قيام الاجازة المتأخرة مقام الرضا السابق، مع كونه لا دليل عليه، مردود بما ينادى به الخبر من المنع والتحريم، الا مع تقدم الرضا. وحاصل معنى الجواب تطبيقا على السؤال: ان الارض المذكورة لما كانت محل النزاع فلا تشترها حتى تعلم مالكها من أي الفريقين، ويكون راضيا بالبيع. ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن شراء الخيانة والسرقة. فقال: إذا عرفت انه كذلك فلا (1)، فقد نهى عليه السلام عن الشراء مع العلم. والنهى دليل التحريم، وليس ذلك الا من حيث ان المبيع غير صالح للنقل، لكون التصرف فيه غصبا محضا، و التصرف في المغصوب قبيح عقلا ونقلا. والاصحاب في مثل هذا يحكمون بالصحة والوقوف على الاجارة، وهل هو الا رد لهذا الخبر ونحوه، ولكنهم معذورون من حيث عدم الاطلاع على هذه الاخبار، الا انه يشكل هذا الاعتذار بالمنع من الفتوى الا بعد تتبع الادلة من مظانها، والاخبار المذكورة في كتب الاخبار المتداولة في ايديهم مسطورة. ومنها: ما رواه في الاحتجاج مما خرج من الناحية المقدسة، في توقيعات محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى، في السؤال عن ضيعة للسلطان فيها حصة مغصوبة، فهل يجوز شراؤها من السلطان ام لا ؟ فأجاب عليه السلام الضيعة لا يجوز ابتياعها الا من مالكها أو بامره أو رضا منه (2). والتقريب فيها ما تقدم من تحريم الشراء الا بعد تقدم رضاء المالك.


(1) الوسائل ج 12 ص 250 حديث: 6 (2) الوسائل ج 12 ص 250 حديث: 8

[ 388 ]

ومنها: ما رواه في الفقيه باسناده عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المناهى، قال: ومن اشترى خيانة وهو يعلم فهو كالذى خانها (1). ومنها: ما رواه الشيخ عن ابى بصير، قال: سألت احدهما عن شراء الخيانة والسرقة، قال: لا (2). ومنها: ما رواه عن جراح المدايني عن الصادق عليه السلام قال: لا يصلح شراء الخيانة والسرقة إذا عرفت (3). ومنها: ما في قرب الاسناد بسنده عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل سرق جارية ثم باعها، يحل فرجها لمن شراها ؟ قال: إذا انبأهم انها سرقة لا يحل، وان لم يعلم فلا بأس (4). فهذه جملة من الاخبار الواضحة الظهور كالنور على الطور في عدم جواز بيع الفضولي وعدم صحته، ولو كان ما يدعونه من صحة بيع الفضولي وتصرفه بالدفع والقبض صحيحا وانما يتوقف على الاجازة، لصرح به بعض هذه الاخبار أو اشير إليه ولا جابوا - عليهم السلام - بالصحة، وان كان اللزوم موقوفا على الاجازة، في بعض هذه الاخبار ان لم يكن في كلها، مع انه لا اثر فيها لذلك ولو بالاشارة، فضلا عن صريح العبارة. ومنها: ما رواه الشيخ في المجالس باسناده عن زريق قال: كنت عند الصادق عليه السلام - إذ دخل عليه رجلان - الى ان قال - فقال احدهما: انه كان على مال لرجل من بنى عمار، وله بذلك ذكر حق وشهود، فأخذ المال ولم استرجع منه الذكر الحق، ولا كتبت عليه كتابا، ولا اخذت عليه براءة، وذلك لانى وثقت به وقلت له: مزق الذكر الحق الذى عندك، فمات وتهاون بذلك ولم يمزقها، وعقب هذا أن طالبني بالمال


(1) الوسائل ج 12 ص 248 حديث: 1 (2) الوسائل ج 12 ص 249 حديث: 4 (3) الوسائل ج 12 ص 250 حديث: 7 (4) الوسائل ج 12 ص 252 حديث: 12

[ 389 ]

وراثه، وحاكموني واخرجوا بذلك الذكر الحق، فاقاموا العدول فشهدوا عند الحاكم فأخذت بالمال وكان المال كثيرا، فتواريت عن الحاكم، فباع على قاضى الكوفة معيشة لى وقبض القوم المال، وهذا رجل من اخواننا ابتلى بشراء معيشتي من القاضى. ثم ان ورثة الميت اقروا ان المال كان ابوهم قد قبضه، وقد سألوه ان يرد على معيشتي و يعطونه في انجم معلومة، فقال: انى احب ان تسأل ابا عبد الله - عليه السلام - عن هذا. فقال الرجل - يعنى المشترى -: جعلني الله فداك، كيف اصنع ؟ فقال: تصنع ان ترجع بما لك على الورثة وترد المعيشة الى صاحبها، وتخرج يدك عنها، قال: فإذا فعلت ذلك له ان يطالبني بغير هذا ؟ قال: نعم، له يأخذ منك ما اخذت من الغلة ثمن الثمار، وكل ما كان مرسوما في المعيشة يوم اشتريتها، يجب عليك ان ترد ذلك، الاما كان من زرع زرعته انت فان للزارع قيمة الزرع، فاما ان يصبر عليك الى وقت حصاد الزرع، فان لم يفعل كان ذلك له ورد عليك قيمة الزرع، وكان الزرع له. قلت: جعلت فداك، فان كان هذا قد احدث فيها بناء وغرسا. قال: له قيمة ذلك، أو يكون ذلك الحدث بعينه يقلعه ويأخذه. قلت أرأيت ان كان فيها غرس أو بناء فقلع الغرس وهدم البناء ؟ فقال: يرد ذلك الى ما كان أو يغرم القيمة لصاحب الارض - فإذا رد جميع ما اخذ من غلاتها الى صاحبها ورد البناء والغرس وكل محدث الى ما كان، أو رد القيمة كذلك، يجب على صاحب الارض ان يرد عليه كلما خرج عنه في اصلاح المعيشة من قيمة غرس أو بناء أو نفقة في مصلحة المعيشة، ودفع النوائب عنها، كل ذلك مردود عليه (1). اقول: هذا الخبر، وان تضمن ان البائع هو الحاكم وهو صحيح بحسب الظاهر، بناء على ما ورد عنهم - عليهم السلام - من الاخذ باحكامهم في زمان الهدنة والتقية، الا انه بعد ظهور الكاشف عن بطلانه واعتراف الورثة بقبض الدين، يكون من باب البيع الفضولي. وهو كما سيأتي - انشاء الله تعالى - على قسمين: احدهما ما يكون المشترى


(1) الوسائل ج 12 ص 253 حديث: 1

[ 390 ]

عالما بالغصب، وانه ليس ملكا للبايع، وثانيهما: ان يكون جاهلا أو ادعى البائع الاذن من المالك، وما اشتمل عليه الخبر من القسم الثاني. الا ان ما اشتمل عليه الخبر المذكور من رجوع المشترى بما اغترمه على المالك، خلاف ما سيأتي في كلامهم، من انه انما يرجع الى البائع، وما ذكره عليه السلام هو الاوفق بالقواعد، كما سيظهر لك انشاء الله تعالى. والعجب هنا كل العجب من صاحب المفاتيح، حيث جرى في هذه المسألة على ما هو المشهور في اصلها وفروعها، كما لا يخفى على من راجعه، مع ان جل الاخبار التى ذكرناها مما نقله في الوافى، ولكن العذر له على ما ذكره في حواشيه على الكتاب المذكور من انه اعتمد في العبادات على كتاب المدارك، وفي غيرها على المسالك وهو عذر ضعيف واه من مثله، لاسيما مع تصريحه في الكتاب المذكور بجملة من متفرداته في الاحكام، الدالة على انه من رؤوس العلماء الاعلام، الذين لا يجوز لهم الجمود على التقليد في الاحكام، ولا الاعتماد على غيرهم من الانام. * * * فان قيل: ان البيع الفضولي عند الاصحاب هو ان يبيع مال غيره أو يشترى، بان يكون ذلك البيع أو الشراء للمالك، لكنه من غير اذنه ولا رضاه، وما دلت عليه هذه الاخبار انما هو البيع أو الشراء لنفسه لا للمالك، واحدهما غير الاخر ! قلنا: فيه - اولا - ان المفهوم من كلام الاصحاب تصريحا في بعض، وتلويحا في آخر، ان البيع والشراء الفضولي اعم من كل الفردين المذكورين، وقد تقدم ذكر ذلك، وتصريح جملة منهم كالعلامة والشهيد في الدروس، والمحقق الشيخ على، بأن بيع الغاصب من افراد البيع الفضولي. وثانيا -: ان السؤالات الواقعة في الاخبار المذكورة، وان تضمنت بيع البايع أو شرائه لنفسه، الا ان الاجوبة منهم - عليهم السلام - من قوله عليه السلام في الرواية الاولى " لا يجوز بيع ما ليس يملك " وقوله في الثانية، في تعليل المنع من دفع الثمن " فانها

[ 391 ]

باعت مالا تملك " وقوله عليه السلام في الثالثة " لا تشترها الا برضاء اهلها " ونحوها رواية الاحتجاج، ورواية قرب الاسناد، ظاهرة العموم للفردين المذكورين، وخصوص السؤال لا يدافع عموم الجواب كما تقرر في اصولهم، والعبرة انما هو بعموم الجواب فانها ظاهرة بل صريحة في أن ما لا يملكه الانسان لا يجوز وقوع البيع فيه، اعم من ان يكون البيع للبايع أو لصاحب ذلك المبيع، من غير رضاه واذنه. وبالجملة فالقول بما عليه الشيخ واتباعه من البطلان هو المختار، كما دلت عليه صحاح الاخبار على انا لانحتاج في الابطال الى دليل، بل المدعى للصحة عليه الدليل، كما هو القاعدة المعلومة بين العلماء جيلا بعد جيل، وقد عرفت ما في ادلتهم وانها لا تسمن ولا تغنى من جوع كما لا يخفى. * * * المقام الثاني قال في الشرايع - بعد ان صرح بوقوف البيع الفضولي على الاجازة -: فان لم يجز كان له انتزاعه من المشترى ويرجح المشترى على البائع بما دفع إليه وبما اغترمه من نفقة أو عوض عن اجرة أو نماء، إذا لم يكن عالما انه لغير البائع أو ادعى البائع ان المالك اذن له، وان لم يكن كذلك لم يرجع بما اغترمه. وقيل: لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب. انتهى. وعلل في المسالك عدم رجوع المشترى بما اغترمه، قال: لانه حينئذ غاصب مفرط فلا يرجع بشئ مما يغرمه للمالك مطلقا، وعلل عدم رجوعه بالثمن مع العلم بالغصب بأنه دفعه إليه وسلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه، فيكون بمنزلة الاباحة. اقول: الظاهر ان المراد بالغصب - هنا - المعنى الاعم من الغصب الصرف ومن الفضولي، وهو البيع من غير اذن، فانه حكم في شرح اللمعة بأنه لا رجوع بالثمن مع العلم بكونه غير مالك ولا وكيل، لانه سلطه على اتلافه مع علمه بعدم استحقاقه له، فيكون بمنزلة الاباحة.

[ 392 ]

هذه عبارته هناك بلفظها، فعبر عن الغاصب الذى صرحت به عبارة الشرايع بكونه غير مالك ولا وكيل. ونحو ذلك وقع في عبارة الدروس، فانه قال: ان المالك يرجع عند هلاك العين على المشترى مع العلم، وعلى الغاصب مع الجهل، أو دعوى الوكالة. فعبر عن البائع الفضولي بالغاصب، وظاهرهم هنا دعوى الاجماع على عدم رجوع المشترى على البائع بالثمن مع تلفه، نقله العلامة في التذكرة. قال في المسالك في شرح قوله " وقيل لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب ": هذا هو المشهور بين الاصحاب، مطلقين الحكم فيه الشامل لكون الثمن باقيا وتالفا، ووجهوه بان المشترى قد دفعه إليه وسلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه له، فيكون بمنزلة الاباحة. وهذا يتم مع تلفه، اما مع بقائه فلا، لانه له وهو مسلط عليه بمقتضى الخبر، ولم يحصل منه ما يوجب نقله عن ملكه، لانه انما دفعه عوضا عن شئ لا يسلم له لا مجانا، فمع تلفه يكون اذنا فيه، اما مع بقائه فله اخذه، لعموم النصوص الدالة على ذلك، بل يحتمل الرجوع بالثمن مطلقا، وهو الذي اختاره المصنف في بعض تحقيقاته، لعدم جواز تصرف البائع فيه، حيث انه اكل مال بالباطل، فيكون مضمونا عليه، ولو لا ادعاء العلامة في التذكرة الاجماع على عدم الرجوع مع التلف، لكان في غاية القوة، وحيث لا اجماع مع بقاء العين فيكون العمل به متعينا. فان قيل: كيف يجامع تحريم تصرف البائع في الثمن عدم رجوع المشترى به مع التلف، فانه حينئذ لا محالة غاصب آكل للمال بالباطل، فاللازم اما جواز تصرفه أو جواز الرجوع إليه مطلقا. قلنا: هذا اللازم في محله، ومن ثم قلنا: ان القول بالرجوع مطلقا متجه، لكن لما اجمعوا على عدمه مع التلف كان هو الحجة وحينئذ نقول: ان تحقق الاجماع فالامر واضح والا فمن الجائز ان يكون عدم

[ 393 ]

جواز رجوع المشترى العالم عقوبة له، حيث دفع ماله معاوضا به على محرم، وعلى هذا يكون البائع مخاطبا برده اورد عوضه مع التلف، فان بذله اخذه المشترى وان امتنع منه بقى للمشترى في ذمنه، وان لم يجز له مطالبته به، ونظير ذلك ما لو حلف المنكر على عدم استحقاق المال في ذمته، فانه لا يجوز للمدعى مطالبته ولا مقاصته، وان كان الحق مستقرا في ذمته المنكر في نفس الامر، وذلك لايمنع من تكليفه برده وعقوبته عليه لو لم يرده ولا فرق في هذا الحكم بين كون البائع غاصبا صرفا مع علم المشترى به أو فضوليا ولم يجز المالك، كما هو مقتضى الفرض. انتهى. * * * اقول: ظاهرهم: ان البيع الفضولي هو ما لو باع مال غيره بغير اذن صاحبه، اعم من ان يكون المشترى عالما بذلك أو جاهلا، أو مع دعوى البائع الاذن، وهو كذلك بناء على قاعدتهم في المسألة المذكورة، وظاهرهم انه مع الاجازة يصح البيع المذكور بجميع افراده، وانما يظهر الافتراق فيها مع عدم الاجازة، فانه متى كان المشترى جاهلا أو ادعى البائع الاذن له في البيع فانه يرجع المالك على المشترى بعين ماله ان كانت موجودة، والا فبالقيمة. وكذا يرجع عليه بمنافعها ونمائها، وبالقيمة مع التلف، ويرجع المشترى على البائع بما اغترمه على ذلك المبيع من نفقة ونحوها. وانت خبير بان رواية زريق المتقدمة قد صرحت بان الرجوع بما غرمه على ذلك المبيع انما هو على المالك لا على البائع، وانما يرجع بالثمن خاصة. فانه عليه السلام بعد ان حكم برجوع المالك على المشترى بعد قبض المبيع بما استوفاه من منافعه وما احدثه في الضيعة المذكورة من الفساد أو قيمته، حكم بعد ذلك برجوع المشترى على المالك بما انفقه في اصلاح الضيعة ودفع النوائب عنها. وظاهر كلام شيخنا في الروضة: ان المشترى يرجع على البائع ايضا بمنافع

[ 394 ]

المبيع ونمائه مما حصل له في مقابلته نفع (1). قال: لغروره ودخوله على ان يكون ذلك له بغير عوض، اما ما انفقه عليه ونحوه مما لم يحصل له في مقابلته نفع فيرجع به قطعا. انتهى. وفيه: ان المستفاد من الخبر المذكور، وقوله فيه: " تصنع ان ترجع بمالك على الورثة وترد المعيشة على صاحبها " ان الرجوع على البائع انما هو بالثمن خاصة، والمقام مقام بيان، مع حكمه عليه السلام في الخبر برجوع المالك على المشترى بعوض المنافع، فلو كان للمشترى الرجوع بها على البائع لذكره عليه السلام مع ذكره اخيرا ان المشترى يرجع بما انفقه على المالك لا على البائع. وبالجملة فان المطابق للاصول: انه لا رجوع هنا للمشترى، لان المالك انما اخذ منه عوض منافعه التى استوفاها من ماله، فسبيلها كسبيل العين في وجوب الرد على المالك، وظهور البطلان الموجب لرد العين على مالكها موجب لرد ما استوفاه المشترى من منافعها. وتعليله بأن دخوله على ان يكون ذلك له بغير عوض، عليل لا يصلح لتأسيس حكم شرعى، لاسيما مع دلالة الخبر على ما قلناه، ومتى كان المشترى عالما فانه يرجع المالك على المشترى بجميع ما تقدم ذكره، واما المشترى فانه بالنسبة الى ما غرمه للمالك لا يرجع به، لما علله به في المسالك مما تقدم ذكره واما بالنسبة الى الثمن فقد عرفت من كلام شيخنا في المسالك، ان المشهور عدم الرجوع به عليه،


(1) قال في المختلف: لو رجع المالك على المشترى الجامل بالعين والمنافع، رجع المشترى على البائع بالثمن اجماعا. واما المنافع التى استوفاها هل يرجع بها ام لا ؟ قال الشيخ في المبسوط الاقوى انه لا يرجع، لانه غرمه في مقابلة نفع، فلا يرجع به على احد وقال بعض علمائنا: له الرجوع، لانه مغرور، فكان الضمان على الفار، كما لو قدمه إليه طعام الغير فاكله مع جهل، فانه إذا رجع على الاكل رجع الاكل على الامر بجهله وتغرير الامر له، وسيأتى البحث في ذلك في باب الغصب انشاء الله تعالى. منه رحمه الله

[ 395 ]

باقيا كان الثمن أو تالفا. وقيل بالرجوع مطلقا، كما نقل عن المحقق في بعض تحقيقاته. وقيل بالتفصيل، بالتلف وعدمه، فيرجع على الثاني دون الاول، وظاهره في المسالك الميل إليه. والاشكال هنا في موضعين: (احدهما): في عدم رجوع المشترى على البائع بما اغترمه في صورة العلم، لما علله به في المسالك من انه حينئذ غاصب مفرط، فلا يرجع بشئ مما يغرمه للمالك مطلقا. فان فيه: ان مقتضى ما صرحوا به من صحة عقد الفضولي، وجوب الحكم بصحة ما يترتب عليه من التصرفات، إذ لا ثمرة لهذه الصحة مع بطلان ما يترتب عليها، فكيف يكون مع عدم الاجازة غاصبا ؟ ! اللهم الا ان يقول: ان العقد وان كان صحيحا، لكن لا يجوز للمشترى قبض الثمن الابعد الاجازة، والا فهو غاصب. وصريح كلامهم خلافه. ومتى حكم ببطلان هذه التصرفات انتفى الحكم باصل العقد، فضلا عن صحته. مع ان العقد عندهم عبارة عن الايجاب والقبول الدالين على نقل الملك بعوض، وانه يقتضى استحقاق التصرفات في المبيع والثمن وتسليمها كما تقدم نقله عن ابى الصلاح وقد صرحوا بان حكم العقد تقابض العوضين، الا ان يشترط تأخيرهما. وبالجملة فالموافق لحكمهم بصحة العقد هو صحة ما يترتب عليه من التصرفات. نعم بعد ظهور الكاشف، وهو عدم الاجازة، يظهر ان تلك التصرفات كلها كانت باطلة، ويكون من قبيل البيع الصحيح بحسب ظاهر الشرع ثم يظهر بطلانه، فيجب عود كل شئ الى محله، وكل حق الى مستحقه. فالقول بصحة البيع وجواز قبض المشترى المبيع لذلك، مع الحكم بانه مع عدم الاجازة لا يرجع المشترى بما اغترمه لكونه غاصبا مفرطا فيما انفقه، مشكل

[ 396 ]

لا اعرف له وجها. و (ثانيهما): في عدم الرجوع بالثمن في الصورة المذكورة، موجودا كان أو تالفا، فان فيه: ان ما عللوه به، من ان المشترى قد دفعه إليه وسلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه له فيكون بمنزلة الاباحة، مردود: اولا - بأن قضية تصحيح الفضولي، وان كان موقوفا في لزومه، تصحيح دفع الثمن مع الموقوفية ايضا، وان يجعل له التصرف في قبض الثمن مثل تصرفه في البيع والاقباض. وحينئذ فمع عدم الاجازة يرجع كل مال الى مقره، وكل الثمن والمثمن الى مالكه. ويؤيده: ما صرحوا به - كما نقله في الدروس عن الشيخ - من انه لو قبض الفضولي الثمن دفع الى المالك عند اجازته. ونقل عن العلامة: انه اشترط اجازة قبض الثمن على حياله، واستحسنه وان كان الثمن في الذمة. وظاهره موافقة الشيخ في الاكتفاء باجازة العقد، وان كان قد دفعه للبائع، وحينئذ فكيف يحكم بصحة القبض مع الاجازة وانه يصير للمالك ويحكم بكونه باطلا ومجانا مع عدمها، فانه ان كان صحيحا في حال الدفع فهو في الموضعين المذكورين، والا ففيهما معا. وثانيا - ان المشترى انما دفع الثمن متوقعا للاجازة من المالك، فهو انما دفعه عوضا عن شئ لكن لم يسلم له ولم يدفعه مجانا حتى يصير بمنزلة الاباحة. وقوله في المسالك - بعد نقل التعليل المذكور -: وهذا يتم مع تلفه.. الى آخره، مردود بأن ما علل به الرجوع مع بقائه جار ايضا مع تلفه، فان الخبر الذى اشار إليه - وهو قوله عليه السلام " الناس مسلطون على اموالهم " لااختصاص له بالعين، بل يشمل في الذمم ايضا. وكذا قوله: ولم يحصل منه ما يوجب نقله، جار ايضا في صورة مالو اتلفه.

[ 397 ]

واما قوله: فمع تلفه يكون اذنا فيه فانه ضعيف في غاية الضعف بل بعيد الصدور من مثله، مع ما عرفت. وكيف يصح اجتماع الحكم بوجوب الرد مع وجود العين، وعدم جواز التصرف فيها مع الحكم ببرائة ذمة من يجب عليه رده ويحرم عليه التصرف فيها لو اتلفها. واما اعتماده على الاجماع في امثال هذه البقاع، فهو مردود بما حققه، في رسالة صلاة الجمعة - كما قدمنا ذكره في كتاب الصلاة في باب صلاة الجمعة، حيث انه قد مزقه تمزيقا، وجعله حريقا. واما قوله: على تقدير عدم تحقق الاجماع، والا فمن الجائز ان يكون عدم جواز رجوع المشترى العالم عقوبة. ففيه - اولا -: ما عرفت في غير موضع مما تقدم في مباحث الكتاب، ان امثال هذه التعليلات لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، بل المدار انما هو على النصوص الجلية والاحاديث المعصومية. و - ثانيا -: ما عرفت آنفا، من ان ذلك مناف لحكمهم بصحة العقد، فان قضية صحته صحة ما يترتب عليه، من قبض الثمن واقباض المثمن، وحينئذ فكيف يتم قوله " بانه مع عدم الاجازة وقعت المعاوضة على محرم فلا يستحق عوض ما دفعه " فان كان هذا التحريم ثابتا حال العقد فالمعاوضة باطلة، والاجازة بعدها لا توثر معها شيئا بالكلية، وان كان انما علم بعد ذلك فالمعاوضة الاولى صحيحة، وبعد ظهور الكاشف عن بطلانها يحكم بالبطلان من حينه، ورجوع كل شئ الى مقره، وتحريم رجوع المشترى فيما دفعه من الثمن، مع كونه انما دفعه بناء على صحة العقد وتوقع الاجازة من المالك، مما لاوجه له بالكلية. وما نظره به من مسألة حلف المنكر قياس مع الفارق، فان تلك المسألة منصوصة، قد دلت النصوص فيها على ذلك، بخلاف محل البحث، إذ ليس فيه الا مجرد هذه

[ 398 ]

التعليلات العليلة التى اوضحنا ضعفها. وبالجملة فتعليلاتهم في هذا المقام كلها عليلة، لكون البناء على غير اساس وثيق، كما لا يخفى على من تأمل في ما ذكرناه من هذا التحقيق. وانت خبير بان هذه المسألة في كلامهم نظيرة مسألة الهبة قبل لزومها، فانهم صرحوا هناك بأن العقد صحيح غير لازم الا بالتصرف أو التعويض أو نحوهما، فمع قبض المتهب العين بناءا على ما هو المشهور، من ان القبض من شروط الصحة لا اللزوم وعدم حصول شئ من الاسباب الموجبة للزوم العقد، لو حصل هناك نماء، ثم بعد ذلك رجع الواهب في العين، فانهم قالوا ان النماء، ان كان متصلا كالسمن فهو للواهب، وان كان منفصلا كالولد واللبن ونحوهما فهو للمتهب، قالوا: لانه نماء حدث في ملكه فيختص به، وحكموا بأنه لو عابت العين والحال كذلك لم يرجع الواهب في الارش، لانه حدث في عين مملوكة. ونحن نقول هنا - بناء على حكمهم بصحة الفضولي -: ان وجه الصحة في الموضعين واحد، والتصرفات المتفرعة عليهما كذلك، ولا فرق بينهما، الا ان رجوع الواهب ليس كاشفا عن فساد العقد السابق، فلا يوثر فيما تقدم، وفيما نحن فيه - لكشفه عن فساد ما وقع فغايته وجوب رجوع كل مستحق الى مستحقه. وبالجملة فهو من قبيل البيع الذى ظهر فساده، فيوجب هنا ما يوجبه هناك. وحيث كانت المسألة على تقدير كلامهم خالية عن النص الشرعي، فالقول بها والجزم بالحكم في فروعها امر مشكل جدا. واما على ما اخترناه فلا اشكال، لقيام النصوص عموما وخصوصا على العدم. اما الاولى، فلما علم كتابا وسنة من تحريم التصرف في مال الغير من غير اذنه، ولو اكتفى بالاجازة المتأخرة لجاز التصرف في اموال الناس بجميع وجوه التصرف بناءا على ذلك، وهو قبيح عقلا. واما الثانية، فهو ما قدمناه من النصوص الواردة في البيع بخصوصه، الدالة

[ 399 ]

على المنع الا بعد رضاء المالك. ولم اقف على من تعرض لهذه المسألة بما ذكرناه من هذه التنبيهات، ولا كشف عن نقابها بمثل هذه التحقيقات، ولله سبحانه المنة على ما منحنا به من التوفيق، ونسأله النجاة من كل مضيق، والهداية الى سواء الطريق في احكامه عز شأنه بحسن التقريب لها والتحقيق، انه اكرم مسئول واجود مأمول. المسألة الرابعة قد صرح الاصحاب بأنه إذا باع ملكه وملك غيره بغير اذن من ذلك الغير، فانه يصح فيما ملكه ويبقى موقوفا على الاجازة فيما لا يملكه. وهو مبنى على ما هو المشهور بينهم، من صحة عقد الفضولي كما تقدم، فان لم يجز المالك صح فيما ملكه وبطل فيما لا يملك. هذا إذا كان المشترى عالما، ولو كان جاهلا بكون بعض المبيع غير مملوك للبائع تخير - لتبعيض الصفقة - بين الفسخ والامضاء. فان فسخ رجع كل ملك الى مالكه، وان رضى صح البيع فيما يملكه. وان كان الامر فيما لا يملك ما ذكرناه اولا. قالوا: ويقسط الثمن بان يقوما جميعا ثم يقول احدهما ويرجع على البائع بحصته من الثمن. وكذا يقسط الثمن ايضا فيما لو صح البيع في الجميع، بان اجاز المالك في صورة بيع ما يملكه وما لا يملكه. وكذا لو باع ما يملك - بالبناء للمجهول - وما لا يملك، كالعبد مع الحر، والشاة مع الخنزير، والخل مع الخمر. وتفصيل هذا الاجمال يقع في مواضع:

[ 400 ]

(الاول): قد عرفت ان ظاهر الاصحاب الاتفاق على الصحة فيما يملكه والبطلان فيما لا يملك مع عدم الاجازة. واحتمل بعض المحققين (1) من متأخرى المتأخرين بطلان العقد رأسا. قال: فانه انما حصل التراضي والعقد على المجموع وقد بطل، ولم يحصل التراضي بالعقد على البعض. وفيه - مع تسليمه - انما يتجه على تقدير الجهل، لانه مع العلم قادم على انه ربما لا يسلم له عين المملوك لعدم رضا المالك. نعم ان تم ذلك فانما يتم في صورة الجهل، الا انه مجبور بالخيار في هذه الحال. والظاهر ان بناء القول المشهور، على ان العقد على الكل بمنزلة عقود متعددة على الاجزاء، ولهذا لو خرج المبيع مستحقا للغير لا يبطل الا فيه. وظاهر كلامهم في هذا المقام انه لا نص في هذه المسألة، وانما بنوا الكلام فيها على ما قربوه من التعليلات المستفادة من قواعد احكام البيوع، مع انه قد تقدم في صحيحة محمد بن الحسن الصفار المذكورة في المقام، الاول (2) من المسألة المتقدمة، الدالة على عدم جواز البيع فيما لا يملك، وثبوت الشراء فيما يملك، وهى دالة على بطلان ما احتمله المحقق المتقدم ذكره، من بطلان العقد رأسا، حيث انه عليه السلام حكم بالصحة فيما يملك والبطلان فيما لا يملك. وفيها ايضا رد لما ذكره الاصحاب من صحة بيع الفضولي وانه موقوف على الاجازة - كما تقدم ذكره في ذيل الرواية المذكورة. ثم ان ظاهر الصحيحة المذكورة: ان الحكم في المسألة على ما ذكره عليه السلام اعم من ان يكون المشترى عالما أو جاهلا.


(1) هو المحقق الاردبيلى - قدس سره - في شرح الارشاد. منه رحمه الله (2) في صفحه: 386

[ 401 ]

وحينئذ فما ذكروه من الخيار في صورة الجهل لتبعيض الصفقة مشكل، الا ان يقوم دليل من خارج على ثبوت هذا الخيار، وهوان كان مشهورا في كلامهم ومتداولا على رؤوس اقلامهم، الا انه لا يحضرني الان دليل عليه من الاخبار، فان وجد فلا بد من تخصيص هذا الخبر به، والا كان العمل باطلاق الخبر المذكور متجها، وسيجئ تحقيق المسألة انشاء الله تعالى عند ذكر اقسام الخيار. (الثاني): قد عرفت انه لا فرق في اعتبار تقسيط الثمن بين ما إذا صح البيع في الجميع بالاجازة، أو صح في المملوك خاصة إذا لم يجز، فانه يقسط الثمن بنسبة المالين، ليأخذ المالك المجيز حصته منه في الاول، ويرجع المشترى على البائع بقسط غير المملوك، في الثاني. وطريق التقسيط المذكور - على ما صرح به جمع منهم -: ان يقوما جميعا بقيمة عادلة، ثم يقوم احدهما منفردا، ثم ينسب قيمة المنفرد الى قيمة المجموع، ويؤخذ من الثمن الذى وقع على العقد بتلك النسبة. فإذا قوما جميعا بعشرين درهما مثلا، وقوم احدهما بعشرة، فالنسبة بينهما النصف. فيصح البيع في المملوك بنصف ذلك الثمن الذى وقع عليه العقد. وكذا في صورة اجازة المالك، فان لكل من المالك البائع، والمالك المجيز، النصف. وانما اخذ بنسبة القيمة، ولم يخصه من الثمن قدر ما قوم به، لاحتمال زيادة النسبة عن قدر ما يقوم به ونقصانها، فربما جمع في بعض الفروض بين الثمن والمثمن على ذلك التقدير. كما لو اشترى المجموع بعشرة، وقوم احدهما بعشرة، فانه لو اخذ قدر ما قوم به المملوك من الثمن المذكور وهو العشرة المذكورة، للزم الجمع بين العوض والمعوض، وذهب الثوب عن المالك البائع عن نفسه بغير عوض، وعلى هذا فقس زيادة ونقصانا.

[ 402 ]

قالوا: وانما يعتبر قيمتهما مجتمعين إذا لم يكن لاجتماعهما مدخل في زيادة قيمة كل واحد منفردا، كعبدين وثوبين مثلا. اما لو استلزم زيادة القيمة كمصراعي باب، كل واحد لمالك فانهما لا يقومان مجتمعين إذ لا يستحق كل واحد حصته الا منفردا، فلا يستحق ما يزيد باجتماعهما. وطريق تقويمهما - على هذا -: ان يقوم كل واحد منهما منفردا وينسب قيمة احدهما الى مجموع القيمتين، ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة. فإذا قوم كل منهما منفردا بعشرة يؤخذ نصف الثمن، لانه نسبة احدهما الى المجموع. وهذا واضح في بيع ما يملكه البائع وما لا يملكه في عقد. فلو فرض كونهما لمالك واحد، كما لو باع الفضولي المصراعين معا فاجاز مالكهما في احدهما خاصة دون الاخر، ففى تقديرهما مجتمعين كالغاصب، أو منفردين كما لو كانا لمالكين، نظر، ولم اقف في هذا المقام - بعد التتبع - على خبر يدل على ما ذكروه من التقسيط ولو مجملا، الا ان الظاهر ان ما ذكروه لا يخرج عن مقتضى القواعد، وان كان الاحتياط بالمصالحة اولى. (الثالث): قد ذكر الاصحاب في طريق التقسيط - فيما لو باع حرا مع عبد أو خمرا مع خل أو شاة مع خنزير -: ان يقوم الحر لو كان عبدا بالوصف الذى هو عليه، من كبر وصغر وبياض وغيرها، فيصح البيع في العبد ونحوه بنسبة قيمته الى مجموع القيمتين، ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة، كما تقدم واما الخمر والخنزير فيرجع فيهما الى قيمتهما عند مستحلهما، لا بمعنى قبول قولهم في القيمة، لاشتراط عدالة المقوم، بل يمكن فرضه في تقويم عدلين قد اسلما عن كفر كان يشتمل على استحلالهما. أو اخبار جماعة كثيرة منهم يؤمن من تواطئهم على الكذب، ويحصل بقولهم الظن الغالب المقارب للعلم كما احتمله في المسالك. وهو يشعر بان المعتبر عند الاصحاب انما هو الاول. قال في المسالك: وبقى في المسألة اشكال من وجهين.

[ 403 ]

احدهما: ان المشترى لهذين الشيئين ان كان جاهلا بما لا يملك توجه ما ذكروه، لقصده الى شرائهما، فإذا لم يتم له الامران وزع الثمن، اما إذا كان عالما بفساد البيع فيما لا يملك، اشكال صحة البيع مع جهله بما يوجبه التقسيط، لافضائه الى الجهل بثمن المبيع حال البيع. لانه في قوة: بعتك العبد بما يخصه من الف إذا وزعت عليه وعلى شئ آخر وهو باطل. وقد نبه على ذلك العلامة في التذكرة، وقال: ان البطلان ليس ببعيد من الصواب. الثاني: ان هذا الحكم - اعني التوزيع - انما يتم ايضا قبل اقباض المشترى الثمن، وبعده مع جهله بالفساد، واما مع علمه فيشكل التقسيط ليرجع بقسطه، لتسليطه البائع عليه أو اباحته له، فيكون كما لو دفعه الى بائع مال غيره كالغاصب، وقد تقدم ان الاصحاب لا يجيزون الرجوع بالثمن، اما مطلقا أو مع تلفه، فينبغي هنا مثله، الا ان يقال: ذلك خرج بالاجماع، والا فالدليل قائم على خلافه، فيقتصر على مورده. وهو حسن. انتهى. اقول: وهذه المسالة ايضا لم اقف فيها على نص، الا ان بعض احكامها جار على مقتضى القواعد الشرعية. المسألة الخامسة كما انه يصح العقد من المالك، كذا يصح من القائم مقامه. وهم ستة - على ما ذكره الاصحاب - وسبعة - على ما يستفاد من الاخبار - وبه صرحوا ايضا في غير هذا الموضوع: - الاب، والجد له - لا الام - والوصى من احدهما - على من لهما الولاية عليه - والوكيل من المالك، أو ممن له الولاية، والحاكم الشرعي حيث فقد الاربعة المتقدمة، وامينه، وهو المنصوب من قبله لذلك، أو لما هو اعم، وعدول المؤمنين، مع تعذر

[ 404 ]

الحاكم، أو تعذر الوصول إليه. ولم يذكره الاصحاب هنا مع تصريحهم بجواز تولية بعض الحسبيات التى هي وظيفة الحاكم لعدول المؤمنين مع عدمه، أو عدم امكان الوصول إليه. قالوا: ويحكم الحاكم المقاص، وهو من يكون له مال على غيره فيجحده أو لا يدفعه مع وجوبه. قالوا: ويجوز للجميع تولى طرفي العقد. واستثنى بعضهم الوكيل والمقاص، فلا يجوز لهما تولي طرفيه، بل يبيعان من الغير. * * * وتحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في مواضع: - (الاول): لا خلاف في ثبوت الولاية للاب والجدله على الطفل، الى ان يبلغ رشيدا أي غير سفيه ولا مجنون، فلو عرض له الجنون والسفه قبل البلوغ واستمر به الى بعد البلوغ، استمرت الولاية عليه. وظاهره في المفاتيح في كتاب النكاح: انه لا خلاف فيه، حيث قال: ثبت الولاية في النكاح للاب والجد وان علا، على الصغير، للنصوص المستفيضة، وعلى السفيه والمجنون، ذكورا كانوا أو اناثا، مع اتصال السفه والجنون بالصغر، بلا خلاف انتهى. مع انه قال - بعد ذلك في الباب الخامس في التصرف بالنيابة، بعد ان صرح بتخصيص ما ذكرنا من التفصيل بالجنون -: قيل وكذا حكم الولاية في مال من بلغ سفيها، استصحابا لولاية الاب والجد، اما من تجدد سفهه بعد ان بلغ رشيدا فولايته للحاكم لاغير. وقيل: بل الولاية في السفيه مطلقا للحاكم لا غير، وهو اشهر. انتهى. ولا يخفى ما بين الكلامين من المدافعة، فان ظاهر الاول: نفي الخلاف

[ 405 ]

عن ثبوت ولاية الاب والجد على من بلغ سفيها، استصحابا للولاية السابقة فتستمر مع استمرار السفه، وظاهر الثاني ان هذا القول خلاف الاشهر، وان الاشهر ثبوت الولاية للحاكم على السفيه مطلقا، تجدد سفهه بعد البلوغ أو استمر الى بعد البلوغ (1). والذى يفهم من الاخبار. كما ستمر بك انشاء الله تعالى - هو كون الولاية للاب والجد كما ذكره اولا. والجواب عن المدافعة المذكورة بالفرق بين النكاح والمال، لم اقف على قائل به. والمفهوم من كلام الاصحاب - في كتاب النكاح -: ان هذا الاجماع انما هو في الجنون خاصة، بمعنى ان من بلغ مجنونا، فان ولايته للاب والجد بلا خلاف، واما من بلغ سفيها ففيه خلاف، فقيل بكونهما لهما، وقيل بكونها للحاكم. هذا. واما لو بلغ عاقلا، ثم عرض له الجنون أو السفه، فالذي وقفت عليه في كلام جملة منهم: ان الولاية هنا للحاكم. قال في المسالك - بعد قول المصنف " وتنقطع ولايتهما بثبوت البلوغ والرشد " - ما لفظه: ويشترط في ثبوت ولايتهما على غير الرشيد استمرار سفهه قبل البلوغ، فيستصحب حكم الولاية لهما عليه من الصغر، فلو بلغ رشيدا ثم زال رشده لم تعد ولايتهما، بل تكون للحاكم، وكذا القول في المجنون. انتهى. وظاهره في المفاتيح - في كتاب النكاح -: ان في المسألة قولا برجوع الولاية الى الاب والجد ايضا.


(1) قال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد: وكذا من حصل له جنون أو سفه بعد البلوغ، فان امره ايضا الى الحاكم، إذ قد انقطعت ولايتهم بالبلوغ والرشد، ولا دليل على العود، فهم كالمعدوم، فيكون للحاكم كما في غيره. وقال في الكفاية: والاب والجد يبقى تصرفهما ما دام الولد غير بالغ وكذا إذ بلغ واستمر عدم رشده. انتهى. ولم يشر احد منهم الى خلاف هنا غير ما عرفت من عبارة المفاتيح. منه رحمه الله.

[ 406 ]

قال: وان طرأ الوصفان بعد البلوغ والرشد، ففى ثبوت ولايتهما قولان. ولم اقف فيما حضرني من كتب الاصحاب على من نقل الخلاف هنا غيره. ثم ان ما يدل على الولاية للاب والجد على من بلغ مجنونا أو سفيها، لا الحاكم بالنسبة الى السفيه، كما نسبه في المفاتيح الى الاشهر - اولا - اصالة بقائها، حيث انها قبل البلوغ ثابتة لهما بالاتفاق، فيستصحب الى ان يثبت المزيل، والبلوغ على الكيفية المذكورة في حكم العدم، فانهم كالصغير في الحجر والمنع من التصرفات. وثانيا: قوله عليه السلام في رواية هشام بن سالم: وان احتلم ولم يؤنس منه رشده، وكان سفيها أو ضعيفا، فليمسك عنه وليه ماله (1). وروى في الفقيه عن الصادق عليه السلام: انه سئل عن قول الله تعالى " فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم ": قال: ايناس الرشد حفظ المال (2). ونقل في مجمع البيان عن الباقر - عليه السلام - تفسير ايناس الرشد بالعقل واصلاح المال. وحينئذ فالموجب لدفع ماله إليه من الولى هو البلوغ مع الرشد، فلو لم يحصل فالولاية ثابتة ومستمرة عليه. وبه يضعف القول بكون الولاية للحاكم في الصورة المتقدم ذكرها، وان كان هو الاشهر، كما في المفاتيح والعجب انه لم يتنبه لذلك مع ظهور الاخبار المذكورة فيه. (الثاني): قد عرفت مما قدمنا، ان الولاية بعد الاب والجد وكيلهما أو وصيهما للحاكم، وهو مما لا خلاف فيه الامن ابن الجنيد، فانه جعلها للام الرشيدة بعد الاب، وهو شاذ متروك عند الاصحاب، بل نقل عنه في المختلف ثبوت الولاية للجد من قبلها في النكاح.


(1) الوسائل ج 12 ص 268 حديث: 2 (2) الوسائل ج 13 ص 143 حديث: 4

[ 407 ]

بقى الكلام في تعارض ولايتى الاب والجد لو اختلفا أو تصرفا دفعة، هل يقدم الاب على الجد ؟ ثم في ترتيب اجداد الاب أو اشتراكهم مع وجود الاعلى والادنى اقول، نقل ذلك في المفاتيح. والذى وقفت عليه في كلام من حضرني كلامه هو تقديم الاب على الجد الادنى من الجدود، والادنى على الاعلى. والظاهر انه المشهور، الا ان بعض الاخبار دل على تقديم الجد على الاب في النكاح مع التعارض. قال في المسالك - في كتاب الوصايا، بعد قول المصنف " وكذا لو مات انسان ولا وصى له كان للحاكم النظر في تركته " - ما صورته: اعلم ان الامور المفتقرة الى الولاية اما ان تكون اطفالا أو وصايا أو حقوقا أو ديونا، فان كان الاول فالولاية فيهم لابيه ثم لجده لابيه، ثم لمن يليه من الاجداد، على ترتيب الولاية الاقرب منهم الى الميت فالاقرب، فان عدم الجميع فوصى الميت، ثم وصى الجد، وهكذا. فان عدم الجميع فالحاكم. انتهى. وعلى هذا النهج كلام غيره من غير نقل خلاف في المقام الا انه قال في المسالك - في كتاب الحجر ايضا -: لا خلاف في كون الولاية عليهما للاب والجد له وان علا، وانما الكلام في انهما إذا تعارضا أو وقع العقد دفعة فهل يقع باطلا، لاستحالة الترجيح، أو يقديم عقد الجد أو عقد الاب. الذى اختاره في التذكرة في هذا الباب هو الثاني، والكلام في المال. واما في التزويج فسيأتي في كتاب الوصايا من التذكره، قال: ان ولاية الاب مقدمة على ولاية الجد، وولاية الجد مقدمة على ولاية الوصي للاب، والوصى للاب والجد اولى من الحاكم (1).


(1) قال في المختلف: المشهور عند علمائنا اجمع الا ابن الجنيد ان الام والجد

[ 408 ]

اقول: والمسألة خالية من النص، فمن اجل ذلك حصل التردد فيها، والاحتمال في تقديم كل من الجد والاب على الاخر ثم انه ينبغى ان يعلم: ان ولاية وصى الاب لا تنفذ الا مع فقد الجد وان علا، لان الولاية له بعد الاب أصالة، فلا يجوز ان يعين وصيا على اطفاله مع وجود احد آبائه وان علا، لان ولايته ثابتة بأصل الشرع، فليس للاب ان ينقلها الى غيره، ولاجعل شريك معه في ذلك وبذلك صرح الاصحاب. (الثالث): المشهور بين الاصحاب انه مع فقد الامام في موضع تكون الولاية على الاطفال راجعة إليه، فلعدول المومنين النظر في ذلك. وعن ابن ادريس المنع، قال: لان ذلك موقوف على الاذن الشرعي وهو منتف. والاول مختار الشيخ والاكثر، لما فيه من المعاونة على البر والتقوى المأمور بهما، ولقوله عزوجل: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض " (1) خرج منه ما اجمع على عدم ولايتهم فيه فيبقى الباقي تحت العموم. ويمكن ايضا استفادة ذلك من عموم دلائل الامر بالمعروف، وهذا كاف في رد ما ادعاه من عدم الاذن الشرعي. ويؤيده - ايضا - تطرق الضرر الى مال الطفل بعدم القيم الحافظ له. والمعارضة بطرو الضرر بالتصرف فيه مدفوعة باشتراط العدالة في الولى المانعة من اقدامه على ما يخالف المصلحة للطفل.


لها لا ولاية لهما في النكاح. وقال ابن جنيد: فاما الصبية غير البالغة فإذا عقد عليها ابوها فبلغت لم يكن لها اختيار، وليس ذلك لغير الاب وابائه في حياته. والام وابوها يقومان مقام الاب وابائه في ذلك، لان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم امر نعيم بن النجاح ان يستامر ام بنته في امرها. وقال وامروهن في بناتهن. انتهى. ولا ريب ان حديثه عامى، واخبارنا ترده كما سيأتي تحقيق المساله في محلها. منه رحمه الله (1) سورة براءة: 71

[ 409 ]

ويؤيد ذلك بأوضح تأييد ما قدمناه في المسألة السابعة في احكام اليتامى واموالهم من المقدمة الرابعة، من صحيح محمد بن اسماعيل بن بزيع، وصحيح ابن رئاب (1) ومثلهما في ذلك. بل اوضح من ذلك رواية سماعة، قال: سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية، وله خدم ومماليك وعقار، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث ؟ قال: ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس (2). وعن اسماعيل بن سعد، قال: سألت الرضا عليه السلام عن رجل مات بغير وصية وترك اولادا ذكرانا وغلمانا صغارا وترك جواري ومماليك، هل يستقيم ان تباع الجوارى ؟ قال: نعم (3). واطلاق هذا الخبر محمول على الاخبار المتقدمة الصريحة في التقييد بالعدل من المؤمنين. وبذلك يظهر لك زيادة ضعف ما ذهب إليه ابن ادريس، من قوله بالمنع لمجرد خيال تخيله. (الرابع): لو كان له على غيره مال فجحده أو تعذر استيفاؤه منه، فانه يجوز له الاستقلال بأخذ جنس ماله ان وجده، والا فمن غيره بالقيمة، مخيرا بين بيعه من نفسه ومن غيره ولا يشترط اذن الحاكم وان امكن بوجوده ووجود البينة التى يثبت بها حقه، على الاشهر الاظهر، الا ان يحلف الجاحد أو يكون وديعة. على خلاف في ذلك. والاصل في ذلك الاخبار، بعد ظاهر قوله عزوجل: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (4).


(1) مرتا في صفحة 323 (2) الوسائل ج 13 ص 474 حديث: 1 (3) المصدر ص 475 حديث: 3 (4) سورة البقرة: 194

[ 410 ]

ومنها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن داود بن رزين قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: انى اخالط السلطان فتكون عندي الجارية، فيأخذونها والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلى ان آخذه ؟ فقال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه (1). وعن ابى بكر الارمني، قال: كتبت الى العبد الصالح عليه السلام جعلت فداك، ان كان لى على رجل دراهم فجحدني فوقعت له عندي دراهم فاقبض من تحت يدى مالى عليه ؟ فان استحلفني حلفت ان ليس له شئ علي ؟ قال: نعم، فاقبض من تحت يدك، وان استحلفك فاحلف له انه ليس له عليك شئ (2). وعن على بن مهزيار، قال اخبرني اسحاق بن ابراهيم، ان موسى بن عبد الملك كتب الى ابى جعفر عليه السلام يساله عن رجل دفع إليه مالا ليصرفه في بعض وجوه البر، فلم يمكنه صرف ذلك المال في الوجه الذى امره به، وقد كان له عليه بقدر هذا المال، فسأل هل يجوز لى ان اقبض مالى أو ارده عليه ؟ فكتب - عليه السلام - اقبض مالك مما في يدك (3). وعن على بن سليمان قال: كتب إليه: رجل غصب رجلا مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه، ايحل له حبسه عليه ام لا ؟ فكتب إليه: نعم، يحل له ذلك ان كان بقدر حقه، وان كان اكثر فيأخذ منه ما كان له عليه ويسلم الباقي إليه انشاء الله (4). اقول: الظاهر ان على بن سليمان هو الرازي، والمكتوب إليه صاحب الامر - عليه السلام -. وفيه دلالة على جواز المقاصة من الوديعة.


(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 7 (2) الوسائل ج 16 ص 214 حديث: 1 باب: 47 (3) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 8 (4) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 9

[ 411 ]

وعن جميل بن دراج قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذى جحده، أيأخذه وان لم يعلم الجاحد بذلك ؟ قال: نعم (1). وروى المشايخ الثلاثة في الصحيح في بعضها عن ابى بكر الحضرمي، وهو ممدوح، عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده اياه وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذى ذهب بماله مال قبله، اياخذه مكان ماله الذى ذهب به منه ذلك الرجل ؟ قال: نعم، ولكن لهذا كلام، يقول: اللهم انى آخذ هذا المال مكان مالى الذى اخذه منى، وانى لم آخذ الذى اخذته خيانة ولا ظلما (2) الى غير ذلك من الاخبار. وقيل: لو كان لصاحب الحق بينة يثبت بها الحق عند الحاكم لو أقامها وامكن الوصول الى حقه بذلك لم تجز له المقاصة مطلقا، لان التسلط على مال الغير على خلاف الاصل، فيقتصر منه على موضع الضرورة وهى هنا منتفية، ولان الممتنع يتولى القضاء عنه الحاكم. وانت خبير بما في هذه الوجوه في مقابلة النصوص الصريحة وهل هو الا اجتهاد في مقابلة النص. * * * وظاهر الاصحاب، وعليه دل اكثر النصوص، انه لا تجوز المقاصة فيما حلف عليه. ومنها ما رواه في الكافي والفقيه عن خضربن عمر والنخعي، عن الصادق عليه السلام في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده، قال: ان استحلفه فليس له ان يأخذ منه بعد اليمين شيئا، وان احتسبه عند الله تعالى فليس له ان يأخذ شيئا، وان تركه ولم يستحلفه فهو


(1) الوسائل ج 12 ص 205 حديث: 10 (2) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 5

[ 412 ]

على حقه (1). اقول: لعل معنى احتسابه عند الله سبحانه هبته له أو قصد التصدق به أو ابراء ذمته، فان جميع ذلك احتساب عند الله. وما رواه في الكافي والتهذيب عن خضر النخعي، عن الصادق عليه السلام في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده، قال: فان استحلفه فليس له ان يأخذ شيئا، فان تركه ولم يستحلفه فهو على حقه (2). وعن ابراهيم بن عبد الحميد عن بعض اصحابنا في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده اياه فيحلف له يمين صبر ان ليس له عليه شئ ؟ قال: لا ليس له ان يطلب منه، وكذلك ان احتسبه عند الله فليس له ان يطلب منه (3). وما رواه في الكافي والتهذيب عن ابن ابى يعفور، عن الصادق عليه السلام قال: إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف ان لاحق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعى فلادعوى له. قلت له: وان كانت عليه بينة عادلة ؟ قال: نعم، وان اقام بعد ان استحلفه بالله خمسين قسامة، ما كان له حق وكانت اليمين قد ابطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه (4) وما رواه في الفقيه مرسلا، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: من حلف لكم بالله فصدقوه ومن سألكم بالله فاعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدعى ولا دعوى له (5). وما رواه المشائخ الثلاثة في الصحيح في بعضها، عن سليمان بن خالد، قال:


(1) الوسائل ج 16 ص 215 حديث: 1 (2) نفس المصدر (3) نفس المصدر حديث: 2 (4) الوسائل ج 18 ص 179 حديث: 1 باب: 9 (5) نفس المصدر حديث: 2

[ 413 ]

سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع لى عنده مال فكابرني عليه وحلف، ثم وقع له عندي مال فأخذه لمكان مالى الذى اخذه وجحده وحلف عليه كما صنع ؟ فقال: ان خانك فلا تخنه ولا تدخل فيما عتبه عليه (1). وما رواه في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن وضاح، قال: كان بينى وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بالف درهم، فقدمته الى الوالى فاحلفته فحلف، وقد علمت انه حلف يمينا فاجرة فوقع له بعد ذلك عندي ارباح ودراهم كثيرة، فأردت ان اقتص الالف درهم التى كانت لى عنده وحلف عليها، فكتبت الى ابى الحسن عليه السلام فأخبرته انى قد أحلفته فحلف وقد وقع له عندي مال، فان أمرتنى ان آخذ منه الالف درهم التى حلف عليها فعلت. فكتب عليه السلام لا تأخذ منه شيئا ان كان ظلمك فلا تظلمه ولولا انك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك ان تأخذ من تحت يدك، ولكنت رضيت بيمينه، وقد ذهبت اليمين بما فيها. فلم آخذ منه شيئا، وانتهيت الى كتاب ابى الحسن عليه السلام (2). * * * واما ما رواه الشيخ في الصحيح الى ابى بكر الحضرمي وهو ممدوح عندهم، قال: قلت له: رجل لى عليه دراهم فجحدني وحلف عليها، أيجوز لى - ان وقع له قبلى دراهم - ان آخذ منه بقدر حقى ؟ قال: فقال: نعم، ولكن لهذا كلام قلت: وما هو ؟ قال: تقول اللهم لم آخذه ظلما ولا خيانة، وانما اخذته مكان مالى الذى اخذه منى لم ازد عليه شيئا (3) فحمله الصدوق والشيخ على انه حلف من غير ان يستحلفه صاحب الحق، وهو جيد. هذا. * * * واما الوديعة فالمشهور ايضا انه لا يجوز المقاصة منها لوجوب اداء الامانات،


(1) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 7 (2) الوسائل ج 18 ص 180 حديث: 2 (3) الوسائل ج 12 ص 203 حديث: 4

[ 414 ]

ولجملة من الاخبار. منها: ما رواه المشائخ الثلاثة، في الصحيح عن معاوية بن عمار، قال: قلت للصادق عليه السلام: الرجل يكون لى عليه حق فيجحدنيه ثم يستودعنى مالا، ألى أن آخذ مالى عنده ؟ قال: لا، هذه خيانة (1). وما رواه في التهذيب عن ابن ابى عمرو، عن ابن اخى الفضيل بن يسار، قال: كنت عند الصادق عليه السلام ودخلت امرأة وكنت اقرب القوم إليها، فقالت لى: اساله، فقلت: عماذا ؟ فقالت: ان ابني مات وترك مالا، كان في يد اخى فأتلفه، ثم أفاد مالا فأودعنيه، فلى أن آخذ بقدر ما اتلف من شئ ؟ فأخبرته بذلك، فقال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اد الامانة الى من ائتمنك، ولا تخن من خانك (2). وما رواه في الفقيه باسناده عن زيد الشحام، قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: من ائتمنك بامانة فادها إليه، ومن خانك فلا تخنه (3). والشيخ حمل هذه الاخبار على الكراهة، جمعا بينها وبين ما دل على الجواز، مثل ما قدمناه من خبر على بن سليمان المتضمن لكون المال وديعة، مع انه عليه السلام جوز له المقاصة منه، ونحوه ما رواه في التهذيب في الصحيح عن ابى العباس البقباق، ان شهابا ما راه في رجل ذهب له بالف درهم واستودعه بعد ذلك الف درهم، قال أبو العباس فقلت له: خذها مكان الالف الذى اخذ منك، فأبى شهاب. قال: فدخل شهاب على ابى عبد الله عليه السلام فذكر له ذلك، فقال: اما انا فاحب ان تأخذ وتحلف (4).


(1) الوسائل ج 12 ص 205 حديث: 11 (2) المصدر ص 202 حديث: 2 (3) المصدر ص 205 حديث: 12 (4) المصدر ص 202 حديث: 2. وقوله: " مارا " من المراء والمماراة بمعنى الجدل واللجاج.

[ 415 ]

قال في الوافى - بعد نقل هذا الخبر - وفيه اشكالان: احدهما: جواز الاخذ من الوديعة، مع انه خيانة كما مر. والثانى: محبته عليه السلام ذلك ويمكن التفصى عنهما بحمله على ما إذا كان الغاصب المودع هو العامل، فان ماله اما فئ للمسلمين أو هو للامام، وللامام الاذن في اخذه، فان لم يكن كله للامام، فلا اقل من الخمس، ويشعر بذلك عدم ذكر الغاصب والاتيان بصيغة المعلوم في الاستيذان، كأنه كان معلوما بينهما، وكان ممن يتقى منه. انتهى. * * * اقول: ملخص الكلام في المقام، ان هذه الاخبار قد خرجت على اقسام ثلاثة: (الاول): من وقع بيده مال لرجل فجحده حقه أو امتنع من اعطائه. ولا خلاف ولا اشكال في جواز مقاصته،. وعليه تدل الاخبار الاولة. (الثاني): من جحد وحلف. الظاهر - ايضا - انه لا اشكال في انه ان استحلفه المدعى فلا تجوز المقاصة كما تدل عليه الاخبار الثانية. والخبر المنافى ظاهر - كما عرفت - في انه محمول على حلف من عليه المال بدون استحلاف صاحب المال، وهو كمن لم يحلف إذ لا اثر لهذه اليمين اتفاقا، بل لواحلفه الحاكم بدون طلب صاحب الدعوى، فانها لاغية. (الثالث): الوديعة. وقد عرفت اختلاف الاخبار فيها. وجمع الشيخ بينها بحمل اخبار المنع من المقاصة على الكراهة. وما ذكره صاحب الوافى من الحمل على كون ذلك الغاصب المنكر عاملا، فالظاهر انه بعيد عن سياق الخبرين المذكورين الدالين على ذلك. ومن المحتمل عندي قريبا في المقام: هو الجمع بين الاخبار المشار إليها بالاتيان بالدعاء المذكور وعدمه، وان التصرف انما يكون خيانة مع عدمه، كما يشير إليه قوله عليه السلام في رواية الحضرمي الاولى " وانى لم آخذ الذى اخذته خيانة ولا ظلما ".

[ 416 ]

وكذا في الرواية الثانية. والاولى وان كانت مطلقة حيث ذكرناها في عداد الروايات الاولى، الا ان الظاهر حملها على الوديعة، فان جواز المقاصة في غير الوديعة صحيح شرعى، لا يتوقف على هذا الدعاء. ونحوها الرواية الثانية - ايضا - بحملها على ذلك، والحلف فيها - قد عرفت - انه بحكم العدم. وهذا الدعاء يشير الى ما دلت عليه روايات المنع من المقاصة من الوديعة، من كون ذلك خيانة، فهذا الدعاء في هذا المقام كأنه بمنزلة الصيغ الشرعية والعقود الناقلة في المعاملات، فيحتاج إليه لانتقال المال إليه مكان ماله عليه، كما يحتاج الى العقود الناقلة في المعاملات. وقال في الفقيه - بعد ذكر خبر الحضرمي الاول - وفي خبر آخر ليونس بن عبد الرحمن عن الحضرمي مثله الا انه قال: يقول: اللهم ان لم آخذ ما اخذت خيانة ولا ظلما. قال: وفي خبر آخر: ان استحلفه على ما اخذ فجائز له ان يحلف، إذا قال هذه الكلمة. وبالجملة فان المقاصة في الصورة الاولى مما لا خلاف فيه والاشكال في جوازها - كما دلت عليه اخبارها - من غير توقف على شئ بالكلية. وفى الصورة الثانية لا اشكال ولا خلاف في عدمها. وانما محل الاشكال والخلاف في الثالثة. والمستفاد من هذه الاخبار هو انه مع قول هذا الدعاء والاتيان به يجوز المقاصة والافلا. والله العالم. * * * (الخامس) قد صرح جمع من الاصحاب منهم في المسالك والروضة والدروس: بأنه يجوز لجميع من تقدم ذكره ممن له الولاية حتى المقاص، تولى طرفي العقد، بأن يبيع من نفسه وممن له الولاية عليه.

[ 417 ]

واستثنى بعضهم الوكل والمقاص من الحكم المذكور، فمنع من توليهما طرفي العقد. واقتصر آخر على استثناء الوكيل خاصة، على تفصيل فيه. وممن ظاهره القول بالعموم هنا المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد. ولا فرق في ذلك في عقد البيع وغيره من العقود حتى النكاح ايضا. وتفصيل كلامهم في التوكيل، هو انه إذا اذن الموكل لوكيله في بيع ماله من نفسه، أو وكلته المرأة على ان يعقد بها على نفسه، فهل يجوز له تولى طرفي العقد ام لا ؟ المشهور بين اصحابنا هو الاول، واليه مال في المسالك، قال: لوجود المقتضى - وهو الاذن المذكور - وانتفاء المانع. إذ ليس الا كونه وكيلا، وذلك لا يصلح للمانعية. وعن الشيخ وجماعة: المنع، للتهمة وانه يصير موجبا قابلا. ورد بأن التهمة مع الاذن ممنوعة، ومنع جواز تولى الطرفين على اطلاقه ممنوع. فانه جائز عندنا في الاب والجد، كما قرر في محله. وظاهر كلامهم ان ذلك جار في جميع العقود، من بيع ونكاح، مع انه قد روى عمار في الموثق، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن امرأة تكون في اهل بيت، فتكره ان يعلم بها اهل بيتها، ايحل لها ان توكل رجلا يريد ان يتزوجها، تقول له: قد وكلتك، فاشهد على تزويجي. قال: لا. قلت: جعلت فداك، وان كانت أيما ؟ قال: وان كانت أيما. قلت له: فان وكلت غيره فيزوجها ؟ قال: نعم (1). وهذه الرواية - كما ترى - صريحة في المنع من ذلك مع الاذن صريحا بالنسبة الى النكاح، وليس في هذه الرواية ما يمكن استناد المنع إليه، الا تولى طرفي العقد. واما غير النكاح من العقود فلم أقف فيه على خبر، وما عللوا به من الجواز لا ينهض


(1) الوسائل ج 14 ص 217 حديث: 4

[ 418 ]

دليلا على اثبات حكم شرعى مخالف للاصل، والاصل عصمة الفروج والاموال حتى يقوم دليل شرعى واضح على زوالها، والاحوط المنع، كما ذهب إليه الشيخ ومن تبعه. هذا مع الاذن اما مع الاطلاق فهل يجوز البيع من نفسه ام لا ؟ ظاهر جملة من الاصحاب - وكأنه المشهور - المنع. واليه مال في المسالك، لان المفهوم من الاستنابة هو البيع على غيره، فلا يتناوله الاطلاق. وللاخبار. وقيل بالجواز على كراهة. وقد مر شرح الكلام في هذا المقام في المقدمة الثانية في آداب التجارة في مسألة " ما لو قال انسان للتاجر اشتر لى، فهل يجوز ان يعطيه مما عنده ام لا " ونقلنا القولين في المسألة والاخبار الدالة على المنع (1) وبها تظهر قوة القول المشهور وصحته. وما ذكرنا يعلم ان ليس الخلاف في هذه المسألة من جهة اعتبار تولى الواحد طرفي العقد وعدمه. اما اولا، فلان جماعة ممن قال بالجواز في الصورة الاولى، منعوا في الصورة الثانية. واما ثانيا، فلانه يمكن المغائرة بالتوكيل في القبول والايجاب، مع انه لا يجدى نفعا في مقام المنع، كما لو وكل ذلك الوكيل اعم من ان يكون ماذونا له أو مطلقا في الايجاب والقبول، فان ظاهر النصوص المشار إليها العدم، لان النهى فيها انما وقع عن اعطائه من الجنس الذى عنده، واخذه من الجنس الذى وكل في بيعه، اعم من ان يكون هو الموجب أو القابل، أو يجعل غيره وكيلا في ذلك. واما ثالثا، فان المانع انما استند الى الاخبار، مضافة الى ما قدمنا نقله من عدم تناول الاطلاق لذلك، لا الى عدم جواز تولى طرفي العقد.


(1) راجع: الصفحة: 32 - 34

[ 419 ]

واما رابعا، فلان الاخبار المشتملة على المنع قد علل ذلك في بعضها بالتهمة، فلو لم يخف التهمة جاز الشراء من نفسه أو لنفسه، وفي بعضها ما يشير الى عدم دخول جواز البيع على نفسه تحت الاطلاق كما تقدم ذكر جميع ذلك في الموضع المشار إليه. قال في المسالك - في شرح قول المصنف في كتاب الوكالة: " إذا اذن الموكل لوكيله في بيع ماله من نفسه فباع جاز، وفيه تردد، وكذا في النكاح " - ما لفظه: والخلاف في المسألة في موضعين، وينحل الى ثلاثة: احدها: ان الوكيل هل يدخل في اطلاق الاذن ام لا. الثاني: مع التصريح بالاذن هل له ان يتولاه لنفسه، وان وكل في القبول ام لا. الثالث. على القول بالجواز مع التوكيل، هل يصح تولى الطرفين ام لا. والشيخ - عليه الرحمة - على المنع في الثلاثة. والعلامة في المختلف على الجواز في الثلاثة. وفى غيره في الاخيرين. والمصنف يجوز الاخير ويمنع الاول. وقد تردد في الوسط. انتهى. * * * ولو كان المتولي لطرفي العقد وكيلا فيهما بأن وكله شخص على الشراء، وآخر على البيع فهل له ان يتولى العقد نيابة عنهما ؟ المشهور ذلك. قال في الروضة: وموضع الخلاف مع عدم الاذن توليه لنفسه، واما لغيره بان يكون وكيلا لهما فلا اشكال في الصحة، الا على القول بمنع كونه موجبا قابلا. انتهى. وهذا الكلام في الوصي ايضا جار عندهم، فانه ان كان توليه الطرفين لنفسه فهو محل الخلاف المتقدم، وان كان لغيره فالمشهور الجواز، الاعند من يمنع من كونه قابلا موجبا. إذا عرفت ذلك فاعلم: ان جملة ما استدلوا له على صحة تولى الواحد طرفي

[ 420 ]

العقد في جملة المواضع المتقدمة، هو عموم ادلة البيع، مثل قوله سبحانه: " اوفوا بالعقود " و " احل الله البيع ". ولانه عقد صدر من اهله في محله مع الشرائط فيصح، والاصل عدم اشتراط شرط آخر، وعدم اشتراط التعدد وعدم مانعية كونه من شخص واحد وللاتفاق على الجواز في الاب والجد، وهو صريح في عدم مانعية الوحدة، وعدم اشتراط التعدد. وانت خبير بما في هذه الادلة، من امكان تعدد المناقشة، فان للخصم ان يتمسك بأن الاصل عصمة مال الغير حتى يثبت الناقل له شرعا، وعصمة الفرج حتى يثبت المبيح. والمعهود الذى جرى عليهم الائمة - عليهم السلام - واصحابهم، وجملة السلف والخلف، في العقود الناقلة في بيع كان ونحوه أو نكاح، انما هو تعدد المتولي للايجاب والقبول، وما ذكر هنا من جواز تولى الواحد انما وقع فرضا في المسألة ولم ينقل وقوعه في عصر من الاعصار. وبذلك يظهر لك الجواب عن الاستدلال باطلاق الايات المتقدمة، حيث انهم قرروا في غير مقام ان الاطلاق في الاخبار انما ينصرف الى الافراد المتكررة الشائعة، دون الفروض النادرة التى ربما لا توجد، والامر فيما نحن فيه كذلك. فالواجب حملها على ما هو المعهود المعلوم الذى جرى عليه التكليف في هذه المدة المتطاولة، وهو وقوع العقد من موجب وقابل، ويخرج موثقة عمار المتقدمة (1) شاهدا على ما ذكرنا، فان ظاهرها: ان وجه المنع مع اذنها ورضاها انما هو من حيث لزوم تولى طرفي العقد وكونه موجبا قابلا، وما استندوا إليه من الاتفاق على ذلك في الاب والجد، ففيه - مع الاغماض عن تطرق المناقشة إليه ايضا بعدم الدليل وعدم الاعتماد في الاحكام على مثل هذا الاجماع ان تم وما عداه محل الخلاف في المقام كما عرفت، وقولهم انه عقد صدر من اهله في محله: انها مصادرة محضة، فان الخصم لا يسلم ذلك، بل هو محل النزاع والبحث،


(1) مرت في الصفحة: 417

[ 421 ]

كما عرفت. وبالجملة فالمسألة محل اشكال. * * * (السادس): المشهور بين الاصحاب: انه يجوز للوصي ان يقوم على نفسه ويقترض إذا كان مليا، وكثير منهم لم ينقل خلافا في المقام، فيشترط بعضهم مع ملائته الرهن عليه حذرا من افلاسه وزيادة ديونه فيحفظ بالرهن مال الطفل. قال في مسالك وهو حسن. وكذا يعتبر الاشهاد حفظا للحق، وانما يصح له التقويم مع كون البيع مصلحة للطفل، إذ لا يصح بيع ماله بدونها، مطلقا. قالوا: واما الاقتراض فيشترط عدم الاضرار بالطفل وان لم تكن المصلحة موجودة. ومنع ابن ادريس من الاقتراض من مال الطفل مطلقا. وجملة من الاخبار تدل على الجواز. وقد تقدم الكلام في ذلك منقحا في المسألة السابعة من مسائل المقدمة الرابعة (1). ولا دلالة في شئ من تلك الاخبار على ما قدمنا نقله عنهم من اشتراط الرهن، وغاية ما تدل عليه: اشتراط الملائة، كما هو متفق عليه. وبها فسر قوله سبحانه: " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن " (2). فقيل: ان المراد بالتى هي احسن: ان يكون للمتصرف مال بقدر مال الطفل زائدا على المستثنيات في الدين، وعن قوت يوم وليلة له ولعياله الواجبى النفقة. وفسره بعض المتأخرين بكون المتصرف بحيث يقدر على اداء المال المأخوذ


(1) تقدمت في ص 322 (2) سورة الانعام: 152

[ 422 ]

من ماله إذا تلف بحسب حاله. اقول: لم اقف في الاخبار على مستند لشئ من هذين التفسيرين، وحينئذ فيكون من قبيل التفسير بالرأى المنهى عنه في الاخبار، وظاهر الاية: ان يختار ما هو الاحسن لليتيم، من حفظ ماله واصلاحه وتنميته ونحو ذلك من المصالح، وفيها اشارة الى ما صرح به الاصحاب من اشتراط المصلحة والغبطة لليتيم في التصرف في ماله. وبالجملة فان الاستناد الى الاية فيما ذكروه بعيد عن ظاهر لفظها. نعم قد دلت جملة من الاخبار المتقدمة في المسألة المشار إليها على المنع من التصرف الا ان يكون مليا، مثل قوله عليه السلام في رواية اسباط بن سالم " ان كان لاخيك مال يحيط بمال اليتيم ان تلف فلا بأس به، وان لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم " (1) ونحوه في روايته الاخرى (2). ونحوهما غيرهما ايضا. والجميع خال من اشتراط الرهن. وكيف كان فانه احوط، لكن لا على جهة الاشتراط في صحة القرض، اذلم يقم عليه دليل كما عرفت والله العالم. المسألة السادسة قد صرح جملة من الاصحاب بانه يجب ان يكون المشترى مسلما إذا ابتاع عبدا مسلما.


(1) تقدمت في ص 328 (2) تقدمت في ص 328

[ 423 ]

قال في المسالك - بعد قول المصنف ذلك -: يمكن ان يريد بالمسلم من حكم باسلامه ظاهرا لان ذلك هو المتبادر من لفظ المسلم، واجراء احكامه عليه، فيدخل فيه فرق المسلمين المحكوم بكفرهم، كالخوارج والنواصب، ويمكن ان يكون يريد به المسلم حقيقة نظرا الى ان غيره إذا حكم بكفره دخل في دليل المنع الدال على انتفاء السبيل للكافر على المسلم، وهذا هو الاولى، لكن لم اقف على مصرح به، وفى حكم العبد المسلم المصحف وابعاضه دون كتب الحديث النبوية، وتردد في التذكره فيها. انتهى. اقول: فيه - اولا - ان قوله " لان ذلك هو المتبادر من لفظ المسلم " ان اراد بحسب عرف الناس فيمكن، ولكن لا يجدى نفعا، وان اراد في الاخبار التى عليها المدار في الايراد والاصدار، فهو ممنوع اشد المنع. لان منها الاخبار الكثيرة المستفيضة بأنه بنى الاسلام على خمسة وعد منها الولاية، وانه لم يناد بشئ كما نودى بالولاية، وهى اعظمهن واشرفهن. (1) ومن الاخبار المستفيضة المتكاثرة الواردة في بيان الفرق بين الايمان والاسلام، بأن الاسلام ما يحقن به الدم والمال ويجرى عليه النكاح و المواريث والطهارة. ومنها قوله عليه السلام في حسنة الفضيل بن اليسار " والاسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء " (2) الحديث. وقوله عليه السلام في صحيحة حمران " والاسلام ما ظهر من قول وفعل، وهو الذى عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح " الحديث (3) الى غير ذلك من الاحاديث التى وردت بهذا المضمون، ولا


(1) الوسائل ج 1 ص 10 حديث: 10. والكافي ج 2 ص 21 (2) الكافي ج 2 ص 26 حديث: 3 (3) الكافي ج 2 ص 26 حديث: 5

[ 424 ]

ريب انه من المتفق عليه بينهم: عدم جواز اجراء شئ من هذه الاحكام على من ذكره من الخوارج والنواصب، فيكف يدعى انه المتبادر من لفظ المسلم، واجراء احكامه عليه، واى احكام يريد ؟ وهذه احكام الاسلام المترتبة عليه في الاخبار، والاخبار مستفيضة بكفر هؤلاء، مصرحة به، باوضح تصريح، ولاسيما النواصب، واطلاق الاسلام عليهم انما وقع في كلام الاصحاب، مع تعبيرهم بمنتحلى الاسلام، بمعنى انه لفظي محض، لاحظ لهم في شئ مما يترتب عليه من الاحكام التى ذكرناها فكيف يدخلون تحت تبادر هذا اللفظ والحال كما عرفت. وثانيا: ان المستفاد من كلامه هنا وكلام غيره ايضا: ان المستند في اصل هذه المسألة انما هو الاية الكريمة، اعني قوله عزوجل: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (1) وانت خبير بما فيه، فانه لو اريد بالسبيل هنا ما يدعونه من سلطنة الكافر على المسلم بالملك والدخول تحت طاعته ووجوب الانقياد لامره ونهيه، لا تنقض ذلك - اولا - بما اوجبه الله تعالى على أئمة العدل من الانقياد الى ائمة الجور، والصبر على ما ينزل بهم من ائمة الجور، وعدم الدعاء عليهم، كما ورد في تفسير قوله عزوجل " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ايام الله ليجزى قوما بما كانوا يعلمون " (2) وثانيا - بما اوقعوه بالانبياء والائمة - عليهم السلام - من القتل فضلا عن غيره من انواع الاذى، واى سبيل اعظم من هذا السبيل. - وثالثا - بما رواه الصدوق في العيون (3) من انه قيل له: ان في سواد الكوفة قوما يزعمون ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو، فقال: كذبوا - لعنهم الله - ان الذى لا يسهو هو الله، لا اله الا هو.


(1) سورة النساء: 141 (2) سورة الجاثية: 14 (3) عيون اخبار الرضا - عليه السلام - ج 2 ص 203

[ 425 ]

قيل: ومنهم قوم يزعمون ان الحسين بن على لم يقتل وانه القى إليه شبهة على حنظلة بن اسعد الشامي، فانه رفع الى السماء كما رفع عيسى بن مريم عليه السلام، ويحتجون بهذه الاية " ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا ". فقال: كذبوا - عليهم غضب الله ولعنته - وكفروا بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اخباره بان الحسين - عليه السلام - سيقتل، والله لقد قتل الحسين وقتل من كان خيرا " من الحسين عليه السلام أمير المؤمنين والحسن بن على وما منا الا مقتول، وانى والله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالنى، اعرف ذلك بعهد معهود الي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخبره به جبرئيل عن رب العالمين عزوجل. واما قوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا " فانه يقول: لن يجعل الله للكافر على مؤمن حجة. ولقد اخبر الله عن كفار قتلوا نبيين بغير حق، ومع قتلهم اياهم لم يجعل لهم على انبيائه - عليهم السلام - من طريق الحجة. اقول: والخبر - كما ترى - صريح في تفسير السبيل المنفى في الاية بالحجة والدليل، فتعلق اصحابنا بظاهر هذه الاية في مواضع من الاحكام، بناء على المعنى الذى نقلناه عنهم، مع ظهور انتفاضه بما قدمنا ذكره، وورود هذا الخبر، مما لا ينبغى ان يصغى إليه، والعذر لهم ظاهر في عدم الوقوف على الخبر المذكور. وهذا مما يؤيد ما صرحنا به في مواضع من ابواب العبادات من هذا الكتاب، انه لا ينبغى المسارعة الى الاستدلال بظواهر الايات قبل مراجعة الاخبار الواردة في تفسيرها عن اهل العصمة - عليهم السلام - وبالجملة فانى لااعرف لهم دليلا في هذا المقام سوى ما عرفت مما لا يروي غليلا ولا يشفى عليلا. نعم يمكن ان يستدل على ذلك بمفهوم رواية حمادبن عيسى عن الصادق عليه السلام ان امير المومنين - عليه السلام - اتى بعبد ذمى قد اسلم، فقال: اذهبوا فبيعوه من

[ 426 ]

المسلمين وادفعوا ثمنه لصاحبه، ولا تقروه عنده (1) رواه الكليني والشيخ في التهذيب والنهاية. والتقريب فيه: انه ليس للامر ببيعه قهرا سبب ولا علة الا رفع السلطنة والسبيل عنه، وعدم جواز تملكه، وحينئذ فيمتنع شراؤه ويحرم تملكه، لما فيه من وجود السلطنة والسبيل على المسلم. والله العالم. فروع الاول: قد صرحوا - بناء على ما قدمنا ذكره من تحريم شراء الكافر للمسلم - باستثناء مالو كان العبد المسلم ممن ينعتق عليه بعد الشراء كالاب ونحوه، فانه يجوز شراؤه لانه ينعتق عليه قهرا بعد الدخول في ملكه. وهو اختيار العلامة في المختلف، ونقله عن والده. ونقل عن المبسوط وابن البراج عدم الجواز وعدم ترتب العتق عليه. والمشهور الاول، قالوا: وفي حكمه كل شراء يستعقب العتق، كما لو اقر بحرية عبد غيره ثم اشتراه فانه ينعتق عليه بمجرد الشراء. وصرحوا - ايضا - بانه انما يمتنع دخول العبد المسلم في ملك الكافر اختيارا كالشراء والاستيهاب اما غيره كالارث واسلام عبده الكافر، فانه يجبر على بيعه بثمن المثل على الفور، ان وجد راغب والا حيل بينهما الى ان يوجد الراغب، ونفقته زمن المهلة عليه وكسبه إليه وفي حديث حماد بن عيسى المتقدم (2) ما يشير الى ذلك.


(1) الوسائل ج 12 ص 282 حديث: 1 باب: 28 (2) نفس المصدر

[ 427 ]

الثاني: قد صرح جملة من الاصحاب - رضى الله عنهم - بانه لا يجوز للكافر استيجار المسلم، وعللوه بحصول السبيل المنفى في الاية المتقدمة، وفصل آخرون بأنه ان كانت الاجارة لعمل في الذمة فانه يجوز وتكون حينئذ كالدين الذى في ذمته لو استدان منه دراهم مثلا، ونفى السبيل في هذه الصورة كما في صورة الدين، وان كانت على العين، حرمت للعلة المتقدمة، وهو وجود السبيل المنفى في الاية. واختار هذا التفصيل جملة من المتأخرين، كالمحقق الشيخ على في شرح القواعد، والشهيد الثاني في المسالك. وممن صرح بالاول الشهيد في الدروس، وهو ظاهر العلامة في القواعد. وانت خبير بما في الجميع - بعد ما عرفت - ويؤيده جملة من الاخبار بأن عليا عليه السلام كان يؤجر نفسه من اليهود يسقى لهم النخل. وكفاك ما ورد من الاخبار في قصة نزول سورة هل اتى الدالة على غزل فاطمة - عليها السلام - الصوف لليهود باصواع من الشعير (1). الثالث: قد صرح جملة من الاصحاب بانه يجوز رهن العبد المسلم عند الكافر ان وضع على يد مسلم، وان وضع عند الكافر حرم. وعللوا الاول بان استحقاق اخذ الدين من قيمته لا يعد سبيلا. وعللوا الثاني بوجود السبيل متى وضع عنده. وفي عاريته قولان، قال في المسالك: اجودهما المنع قال: وفي ايداعه وجهان اجودهما الصحة، لانه فيها خادم لا ذو سبيل. وانت خبير بما في هذه التفريعات، بعد ما عرفته في الاصل، من عدم ثبوته وعدم قراره، فكيف يتم ما يبنى عليه. الرابع: مقتضى شرطية الاسلام في المشترى - متى كان المبيع مسلما أو مصحفا


(1) راجع: اما لى الصدوق ص 155 فما بعد

[ 428 ]

هو بطلان البيع لو لم يكن كذلك وقيل بصحة البيع ولكن يجبر على بيعه ويؤمر بازالة ملكه للاية المتقدمة بالنسبة الى المسلم، ولما في ملك الكافر للقرآن من الاهانة ومنافاة التعظيم المأمور به. قيل: وفى حكم المسلم ولده الصغير والمجنون ومسبيه المنفرد به، ان الحقناه به فيه، ولقيط يحكم باسلامه ظاهرا، بان يكون في دار الاسلام أو في دار الحرب وفيها مسلم يمكن تولده منه.

[ 429 ]

المقام الثالث قد عرفت ان احد اركان البيع العوضان. والكلام في ذلك وتحقيق البحث فيه يقتضى بسطه في مسائل: الاولى: المشهور بين الاصحاب انه يشترط في العوضين: ان يكونا عينا، فلا يصح بيع المنفعة، خلافا للشيخ في المبسوط، حيث جوز بيع خدمة العبد على ما نقل عنه، وهو شاذ لا اعلم عليه دليلا. وان يكونا ذوى نفع محلل مقصود لارباب العقول، فلا يصح بيع مالا منفعة تترتب عليه من الاعيان النجسة والمتنجسة مما لا يقبل التطهير، وقد تقدم البحث في جملة من هذه الاشياء، كالعذرات والابوال والسباع والميتة والكلاب وآلات اللهو وهياكل العبادة ونحو ذلك والاخبار المتعلقة بها، وتحقيق القول فيها، في المقدمة الثالثة من مقدمات هذا الكتاب. وملخص الكلام فيها: ان كل ما كان له نفع محلل مقصود للعقلاء فانه يجوز بيعه والتجارة فيه، الا ما قام الدليل على خلافه. قالوا: لا يصح بيع مالا منفعة فيه من الخنافس والعقارب ونحوهما، وفضلات الانسان كشعره واظفاره ورطوباته، لعدم عد شئ من ذلك مالا عرفا وشرعا، وعدم

[ 430 ]

المنفعة المقابلة للمال الذى يجعل قيمة لها، ولا اعتبار بما ورد في الخواص من منافع بعض هذه الاشياء، فانه مع ذلك لا يعد مالا. نعم صرحوا باستثناء اللبن من فضلات الانسان، حيث انه طاهر ينتفع به، فيجوز بيعه واخذ الاجرة عليه، مقدرا بالقدر المعين أو المدة المعلومة، كما في اجارة الظئر. خلافا لبعض العامة. وقد عدوا من هذا الباب ما لم تجر العادة بملكه، كحبه حنطة، وان يجز غصبها من مالكها، فيضمن المثل ان تلفت وردها ان بقيت، كذا صرح به في الدروس. وظاهر المحقق الاردبيلى - في شرح الارشاد - المناقشة في هذا المقام، حيث قال - بعد قول المصنف " ولا مالا ينتفع به لقتله كالحبة من الحنطة " - ما صورته: كأنه اشار الى ان المراد بالملك الذى يحصل به النفع، فهو عطف على الحر، فلا يصح ولا يجوز المعاملة بما لا ينتفع به لقلته، وان كان ملكا كحبة من الحنطة، ولهذا، لا يجوز اخذه من غير اذن صاحبه، وان لم يجب الرد والعوض، بناء على ما قيل، ولعل دليله يظهر مما مر، من ان بذل المال في مقابلة مثله سفه عقلا وشرعا، فلا يجوز وانه ليس معاملة مثله متعارفا، والمتعاملة المجوزة تصرف إليها. وفيه تأمل، لانه قد ينتفع به وذلك يكفى، ولهذا قيل: لا يجوز سرقة حبة من الحنطة، وينبغى الضمان والرد ايضا كما في سائر المعاملات. وان قيل بعدمها ومجرد كونه ليس بمتعارف لا يوجب المنع، نعم لابد من بذل مالا يزيد عليه لئلا يكون سفها وتبذيرا كما في سائر المعاملات، فانه قد يشترى حبة حبة ويجتمع عنده ما يحصل فيه نفع كثير، وقد يحصل النفع بالانضمام الى غيره ايضا. وبالجملة مالا نفع فيه اصلا وبوجه من الوجوه لا يجوز معاملتها للسرف، واما ماله نفع في الجملة كالحبة ليس بظاهر عدم جواز المعاملة بامثالها. انتهى. وهو بناء على ظاهره جيد، الا ان الظاهر ان بناء كلام الاصحاب هنا في الحكم

[ 431 ]

بكون الحبة من الحنطة لا يجوز المعاملة عليها لعدم الانتفاع بها، انما جرى على الغالب، لا على هذا الفرض النادر الذى ذكره، والاحكام الشرعية - كما تقدم في غير مقام، ولا سيما في كتب العبادات - انما يبنى الاطلاق فيها على الافراد المتكررة الوقوع المتعارفة الدوران لا على الفروض النادرة التى ربما لا تقع بالكلية، وان جاز فرضها، وان ما ذكره من الفرض المذكور معارض بما هو معلوم قطعا من احوال الناس، فانه قد ينتشر من الانسان الحنطة والارز ونحوهما فيجمع منه ما يعتد به وينتفع به ويبقى في الارض منه حبات كثيرة ويعرض عنها ويتركها لعدم ما يترتب عليها من النفع لقلتها بل لو تعرض لجمع تلك الحبات ولقطها من الارض لنسب الى الجهالة والحماقة وقلة العقل، لما ارتسم في قلوب العقلاء ان الاليق بذوى المروات هو الاعراض عن مثل ذلك، وان خلافه عيب عندهم، وهذا امر معلوم مجزوم به عادة. المسألة الثانية من الشرائط: ان يكون العوضان مملوكين لمن له البيع والشراء، وهو ظاهر عقلا ونقلا، إذ لا معنى لبيعه ما ليس له، ولا الشراء بما ليس له، بان يتوجه العقد الى تلك الاعيان. وانما قيدناه بما ذكرنا، احترازا عما لو وقع البيع والشراء في الذمة، ودفع ذلك عوضا عما في الذمة، فان البيع والشراء صحيح، حيث انه لم يقع على تلك العين غير المملوكة ولا بها، وانما وقع على شئ في الذمة، فغاية ما يلزم هو حصول الاثم بدفع المال غير المملوك ثمنا أو مثمنا، والا فالبيع صحيح كما هو ظاهر، الا ان الشيخ قال في النهاية: من غصب غيره مالا واشترى به جارية، كان الفرج له حلالا وعليه وزر المال، ولا يجوز ان يحج به فان حج به لم يجزه عن حجة الاسلام انتهى.

[ 432 ]

وهو على اطلاقه - مشكل ولهذا اعترضه ابن ادريس هنا، فقال: ان كان الشراء بالعين بطل ولم يجز الوطى، وان كان قد وقع في الذمة صح البيع وحل الوطى. اقول: ما ذكره ابن ادريس هو المشهور في كلام المتأخرين، وبه صرح الشيخ في اجوبة المسائل الحائرية. والوجه في ذلك - زيادة على ما ذكرنا -: اولا، الجمع بين ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى، قال: كتب محمد بن الحسن الى ابى محمد - عليه السلام - رجل اشترى من رجل ضيعة أو خادما بمال اخذه من قطع الطريق أو من سرقة. هل يحل له ما يدخل عليه من ثمرة هذه الضيعة، أو يحل له ان يطأ هذا الفرج الذى اشتراه من سرقة أو من قطع الطريق ؟ فوقع عليه السلام: لا خير في شئ اصله حرام، ولا يحل له استعماله (1) ورواه الشيخ - ايضا - بسنده الى الصفار. وبين ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه - عليهم السلام - قال: لو ان رجلا سرق الف درهم فاشترى بها جارية، أو أصدقها امرأة، فان الفرج له حلال، وعليه تبعة المال (2). بحمل الاول على الشراء بعين المال، والثانى على الشراء في الذمة. وبالجملة فانه لا خلاف ولا اشكال في شرطية الملك، فلا يجوز بيع الحر اتفاقا، ولا بيع ما اشترك فيه المسلمون، كالماء والكلاء، إذا كانا في ارض مباحة. كذا وقع في عبائر جمع من الاصحاب. واعترض بانه يدل على ملكية المسلمين له على جهة الشركة، كالارض المفتوحة عنوة، مع انه ليس كذلك، انما هما قابلان لملك كل انسان بعد الحيازة. وفيه: ان الظاهر ان التعبير هنا خرج مخرج التجوز، وان المراد انما هو ما اشترك


(1) الوسائل ج 12 ص 58 حديث: 1 باب: 3 من ابواب ما يكتسب به (2) الوسائل ج 14 ص 578 حديث: 1 باب: 81 من ابواب نكاح العبيد والاماء

[ 433 ]

المسلمون في جواز حيازته الموجبة للملك بعد ذلك، وانما قيد بكونه في ارض مباحة، لانه إذا كان في ارض مملوكة كان تابعا للارض في الملك، فيصح بيعه وشراوه، ويحرم على غير المالك اخذه بغير اذن منه، فعلى هذا لو باع الارض لم يدخل فيها الماء والكلاء، الا ان ينص عليهما في البيع، أو يذكر لفظا يعمهما. وقد صرحوا هنا بانه لا يجوز بيع الارض المفتوحة عنوة، لانها للمسلمين قاطبة، وقيل بالجواز تبعا لاثار التصرف. وقد تقدم البحث في هذه المسألة منقحا في المسألة السادسة من المقدمة الرابعة، وبينا فيها ما هو المختار، الظاهر عندنا من الاخبار. ومنع الشيخ من بيع بيوت مكة واجارتها، ومنع المسلمين من سكناها إذا كانت خالية، محتجا بالخبر وآية الاسراء من المسجد الحرام، مع انه كان من دار ام هاني. ونقل في الخلاف الاجماع على ذلك وجملة ممن تأخر عنه تبعه في هذه الدعوى، وبعض تردد لذلك. والظاهر ان المشهور قالوا بالجواز. ولله در شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، حيث قال: وربما علل المنع بالرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنهي عنه، وبكونها في حكم المسجد لاية الاسراء، مع انه كان من بيت ام هاني، ولكن الخبر لم يثبت، وحقيقة المسجدية منتفية، ومجاز المجاورة والشرف والحرمة ممكن، والاجماع غير متحقق، فالجواز متجه. انتهى. وهو جيد. اقول: وقد مر في الموضع المشار إليه آنفا ما يؤيد ما اختاره هنا ايضا. والظاهر ان الخبر الذى احتج به الشيخ في هذه المسألة، هو نقله عنه في المختلف، وهو ما رواه عبد الله بن عمرو بن عاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: مكة حرام، وحرام ارباعها، وحرام اجر بيوتها (1). اقول: انظر الى هذا التساهل في الاحكام من كل من هؤلاء الاعلام، في الاعتماد


(1) سنن البيهقى ج 5 ص 34

[ 434 ]

على هذه الرواية العامية، التى هي من اضعف رواياتهم، حتى ان منهم من وافق الشيخ في المسألة، ومنهم من تردد في الحكم، وهذا مستنده، مع تصلبهم في هذا الاصطلاح، برد جملة من الروايات المروية في الاصول التى عليها المدار، بزعم انها ضعيفة أو غير موثقة، لاسيما مثل المحقق والعلامة ونحوهما الذين قد وافقوه في هذه المسألة فبين من تردد في ذلك كالمحقق في الشرايع، حيث قال " وفي بيع بيوت مكة تردد، والمروى المنع " وبين من وافقه والحال كما ترى المسألة الثالثة وقد صرحوا بان من الشرائط يكون المبيع مقدورا على تسليمه، أو يضم إليه ما يصح بيعه منفردا، فلو باع الحمام الطائر أو غيره من الطيور المملوكة لم يصح الا ان تقضى العادة بعوده فيصح، لانه يكون كالعبد المنفذ في الحوائج والدابة المرسلة. وتردد العلامة في النهاية في الصحة بسبب انتفاء القدرة في الحال على التسليم، وان عوده غير موثوق به، إذ ليس له عقل باعث. قال في المسالك: وهو احتمال موجه، وان كان الاول اقوى. اقول: لم اقف في هذا المقام على نص يقتضى صحة البيع في الصورة المذكورة، فتردد العلامة في محله، وان كان الاول قريبا، تنزيلا للعادة منزلة الواقع، الا ان الفتوى بذلك بمجرد هذا التعليل مشكل، على قاعدتنا في الفتاوى. * * * ولو باع المملوك الابق لم يصح الا على من هو في يده أو مع الضميمة الى ما يصح بيعه منفردا، فان وجده المشترى وقدر على اثبات اليد عليه، والاكان الثمن بأزاء

[ 435 ]

الضميمة، ونزل الابق بالنسبة الى الثمن بمنزلة المعدوم ولكن لا يخرج بالتعذر عن ملك المشترى، فيصح عتقه عن الكفارة وبيعه على آخر مع الضمميمة ايضا. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة، ما رواه في الكافي في الصحيح عن رفاعة النخاس، قال: سألت ابا الحسن موسى عليه السلام قلت له: يصلح لى ان اشترى من القوم الجارية الابقة واعطيهم الثمن فاطلبها أنا ؟ قال: لا يصلح شراوها الا ان تشترى معها ثوبا أو متاعا، فنقول لهم: اشترى منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما، فان ذلك جائز (1). وما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق عن الصادق عليه السلام في الرجل يشترى العبد وهو آبق عن اهله، قال: لا يصلح الا ان يشترى معه شيئا آخر، ويقول: اشترى منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا، فان لم يقدر على العبد كان الذى نقده فيما اشترى معه (2) ورواه الصدوق باسناده عن سماعة مثله، ورواه الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد مثله. وفى الرواية الاولى اشارة الى كون الضميمة شيئا له قيمة كالثوب والمتاع ونحو ذلك، وينبغى ان يحمل عليها اطلاق الشئ في الرواية الثانية. وفي الثانية دلالة على ما قدمنا ذكره من أنه مع تعذر المبيع يكون الثمن - وان كثر - في مقابلة الضميمة - وان قلت - وفيه، وكذا في امثاله، من مواضع الضمايم الاتية انشاء الله تعالى في مواضعها، رد على بعض الفضلاء المعاصرين فيما تفرد به، من ان ذلك غير جائز، لانه غير مقصود وان المشترى لا ينقد هذا الثمن الكثير في مثل هذا المبيع اليسير في سائر الاوقات وما جرت به العادة. وهو اجتهاد في مقابلة النصوص وجرأة على اهل الخصوص.


(1) الوسائل ج 12 ص 262 حديث: 1 باب: 11 (2) الوسائل ج 12 ص 263 حديث: 2 باب: 11

[ 436 ]

وفي الخبرين المذكورين تأييد لما قدمنا ذكره في المقام الاول من هذا الفصل. من الاكتفاء في صيغة البيع بالالفاظ الدالة على الرضا كيف اتفقت، فان ما ذكره في الخبرين من قوله " تقول: اشترى " هو عقد البيع وصيغته الجارية بين المتبايعين، وهو ظاهر في عدم وجوب تقديم الايجاب على القبول كما ادعوه، ولا كونه بلفظ الماضي كما زعموه، ولا وجوب المقارنة كما ذكروه. تنبيهات الاول: لاخيار للمشترى مع العلم بالاباق، لقدومه على النقض ورضاه به. اما لو جهل الاباق جاز له الفسخ ان قلنا بصحة البيع. الثاني: ينبغى ان يعلم انه يشترط في بيعه ما يشترط في غيره من كونه معلوما وموجودا وقت العقد وغير ذلك سوى القدرة على تسليمه. فلو ظهر تلفه حين العقد أو استحقاق الغير له بطل البيع فيما قابله من الثمن. ولو ظهر كونه مخالفا للوصف تخير المشترى. الثالث: قال في الدروس عن المرتضى: انه جوز بيع الابق منفردا لمن يقدر على تحصيله، ثم قال: وهو حسن. واختار ذلك ايضا في اللمعة، واليه جنح جمع من المتأخرين، منهم العلامة والمحقق الشيخ على في شرح القواعد. ولا يخلو عن قوة، لحصول الشرط وهو القدرة على تسليمه. ووجه الاشتراط: صدق الاباق معه، الموجب للضميمة بالنص، وكون الشرط التسليم وهو امر آخر غير التسليم ويضعف بأن الغاية المقصودة من التسليم حصوله بيد المشترى بغير مانع وهى موجودة، والموجب للضميمة العجز عن تحصيله وهى مفقودة، فلا مانع من الصحة والخبران المتقدمان محمولان على عدم قدرة المشترى

[ 437 ]

وقت العقد، وفى الثاني منهما ما يشير الى ذلك، من قوله " فان لم يقدر على العبد كان الذى نقده فيما اشترى معه " فانه ظاهر في كون البيع وقع في حالة لا يتحقق فيها قدرة المشترى على تحصيله، بل هي تحتمل للامرين، وبه يظهر قوة القول المذكور. الرابع: قد صرح جملة من الاصحاب، منهم صاحب التذكرة والروضة وغيرهما، بانه لا يلحق بالابق في هذا الحكم ما في معناه، كالبعير الشارد، والفرس الغائر، والضالة من البقر والغنم ونحوهما، بل المملوك المتعذر تسليمه بغير الاباق، كالجحود مثلا، فان الظاهر جواز بيعها من غير ضميمة شئ، للاصل وعموم ادلة العقود، وحصول الرضا، واقتصارا فيما خالف الاصل على موضع النص، وحينئذ فيصح البيع ويراعى بامكان التسليم، فان امكن في وقت قريب لا يفوت به شئ من المنافع يعتد به، أو رضى المشترى بالصبر الى ان يسلم، لزم العقد. وان تعذر فسخ المشترى ان شاء، وان شاء التزم بالعقد وبقى على ملكه، فينتفع بالعبد بالعتق ونحوه. الخامس: قيل: وكما يجوز جعل الابق مثمنا يجوز جعله ثمنا، سواء كان في مقابله آبق آخر ام غيره، لحصول معنى البيع في الثمن والثمن، وفى احتياج جعل العبد الابق المجعول ثمنا الى الضميمة احتمال، لصدق الاباق المقتضى لها، ولعله الاقرب لاشتراكهما في العلة المقتضية لها. وحينئذ يجوز ان يكون احدهما ثمنا والاخر مثمنا مع الضميمتين، كذا قيل. وللتوقف فيه مجال، فان الحكم وقع خلاف الاصل كما اعترفوا به، فالواجب الاقتصار فيه على مورد النص المتقدم، ومورده انما هو الثمن لا الثمن. السادس: ان الابق يخالف غيره من المبيعات في اشياء: منها: اشتراط الضميمة في صحة بيعه.

[ 438 ]

ومنها: انه ليس له قسط من الثمن. ومنها: ان تلفه قبل القبض من المشترى. ومنها: انه لا تخيير للمشترى مع فقده، وكل ما شرط أو ذكر في العقد يتخير المشترى مع فواته. السابع: لو وجد المشترى في الابق عيبا سابقا، اما بعد القدرة عليه أو قبلها كان له الرجوع بأرشه، بان يقوم العبد صحيحا مع الضميمة بعشرة مثلا، ويقومان معيبا بتسعة، فالارش هو العشر، يرجع به المشترى من القيمة التى وقع عليها العقد، وهكذا لو ظهر العيب في الضميمة وكان سابقا على البيع، فان الحكم فيه كذلك. الثامن: لا يكفى في الضميمة، الى الثمن أو المثمن، ضم آبق آخر، لان الغرض من الضميمة ان تكون ثمنا أو مثمنا إذا تعذر تحصيل ما ضمت إليه، فلا بد ان تكون جامعة لشرائطه التى من جملتها امكان التسليم، والابق المجعول ضميمة ليس كذلك. المسألة الرابعة قد صرحوا بأن من الشرائط: ان يكون المبيع طلقا فلا يصح بيع الوقف العام مطلقا. بضميمة كان أو بغير ضميمة. والمشهور: استثناء موضع خاص، الا انهم قد اختلفوا في شروطه اختلافا شديدا فاحشا، حتى من الواحد في الكتاب الواحد في باب البيع وباب الوقف، فقلما يتفق فتوى واحد منهم. فضلا عن المتعددين، وان اردت الاطلاع على صحة ما قلناه فارجع الى شرح الشهيد على الارشاد، فانه قد بلغ الغاية في ذلك، في بيان المراد

[ 439 ]

بنقل جملة من فتاويهم، وبين الاختلاف فيها باعتبار الشروط المجوزة للبيع. ونحن ننقل لك ذلك في هذا المقام، ازاحة لثقل المراجعة عمن ارادة من الاعلام، وتقريبا لمسافة وصوله الى الافهام، فنقول: قال في الكتاب المذكور: قال الصدوق بجواز بيع " الوقف على قوم دون عقبهم " ومنع من بيع " الوقف المؤبد ". وقال المفيد: انه يجوز بيع الوقف إذا خرب ولم يوجد له عامر، أو يكون غير مجد نفعا، أو اضطر الموقوف عليه الى ثمنه، أو كان بيعه اعود عليه، أو يحدث ما يمنع الشرع من معونتهم والتقرب الى الله بصلتهم، قال: فهذه خمسة مجوزة للبيع، ليس بعضها مشروطا ببعض. وقال الشيخ في المبسوط، بجوازه إذا خيف خرابه أو خيف خلف بين اربابه، فجوزه في احد الامرين. وفي الخلاف ظاهر كلامه جوازه عند خرابه بحيث لا يرجى عوده. فقد خالف عبارة المبسوط في شيئين: احدهما: انه ذكر هناك خوف الخراب، وهنا تحققه، وثانيهما: انه لم يذكر الخلف بين اربابه في الخلاف. وقال في النهاية: لا يباع الاعند خوف هلاكه أو فساده، أو كان بالموقوف عليهم حاجة ضرورية يكون بيعه اصلح، أو يخاف خلف يؤدى الى فساد بينهم. فهذه اربعة بعضها غير مشروط ببعض. ومخالفتها لعبارتي الكاتبين ظاهرة. وتبعه صاحب الجامع، الا انه لم يذكر هلاكه أو فساده، بل قال - عند خرابه -: وقيد الفساد بينهم بأن تستباح فيه الانفس. وقال المرتضى: يجوز إذا كان لخرابه بحيث لا يجدى نفعا، أو تدعوا الموقوف عليهم ضرورة شديدة، فقد وافق المفيد خمسى الموافقة. وقال ابن البراج وابو الصلاح: لا يجوز بيع المؤيد، واما المنقطع فيجوز بقيود النهاية، وتجويز بيع المنقطع اشد اشكالا من الكل.

[ 440 ]

وقال سلار: فان تغير الحال في الوقف حتى لا ينتفع به على أي وجه كان، أو يلحق الموقوف عليه حاجة شديدة، جاز بيعه، وابن حمزة في كتابيه جوزه عند الخوف من خرابه أو الحاجة الشديدة التى لا يمكنه معها القيام به. والشيخ نجم الدين - في التجارة من الشرايع - جوز إذا ادى بقاؤه الى خرابه لخلف بين اربابه، ويكون البيع اعود. وفي كتاب الوقف جوز بيعه إذا خشى خرابه لخلف بين اربابه، ولم يقيد بكون البيع اعود. ثم استشكل فيما لم يقع خلف ولا خشى خرابه، بل كان البيع اعود، واختار المنع. ففى ظاهر كلامه الاخير رجوع عن الاول، وفى تقييده بقوله " إذا لم يقع خلف ولا خشى خرابه " افهام جواز بيعه عند احدهما أيا ما كان، وهو مخالف لما ذكر في الموضعين. وعبارته في هذه المواضع الثلاثة اختارها المصنف في القواعد في هذه المواضع ايضا، فيلزمه ما لزمه وفي النافع اطلق المنع من البيع، الا ان يقع خلف يؤدى الى فساد، فانه تردد فيه. وقال المصنف في متاجر التحرير: يجوز بيعه إذا ادى بقاؤه الى خرابه، وكذا إذا خشى وقوع فتنة بين اربابه على خلاف. وفي مقصد الوقف منه: لو وقع خلف بين ارباب الوقف بحيث يخشى خرابه جاز بيعه على ما رواه اصحابنا. ثم قال: ولو قيل بجواز البيع إذا ذهبت منافعه بالكلية، كدار انهدمت وعادت مواتا ولم يتمكن من عمارتها، ويشترى بثمنها وقفا، كان وجها. وفى التلخيص جوز عند وقوع الخلف الموجب للخراب، وبدونه لم يجوز وجوز في القواعد بيع حصير المسجد إذا خلق وخرج عن الانتفاع به فيه، وبيع الجذع غير المنتفع به الا في الاحراق. هذه عبارات معظم المجوزين. وابن الجنيد اطلق المنع، ونص ابن ادريس على اطلاق المنع، وزعم الاجماع

[ 441 ]

على تحريم بيع المؤيد، والمصنف في هذا الموضع من الارشاد قيد البيع بالخراب وادائه الى الخلف بين اربابه، فخالف عبارات الاصحاب في الخراب، وخالف المحقق المقيد بأدائه الى الخلف بين الارباب. وفي الوقف من هذا الكتاب، وبيع الوقف من الشرايع والقواعد جوز فيه شرط البيع عند ضرورة الخراج والمؤن وشراء غيره بثمنه. وفى المختلف جوز بيعه مع خرابه وعدم التمكن من عمارته أو مع خوف فتنة بين اربابه يحصل منها فساد ولا يستدرك مع بقائه. انتهى كلامه. ومنه يعلم ان في المسألة اقوالا: احدها: المنع مطلقا. وهو المنقول عن ابن الجنيد وابن ادريس. وثانيها: المنع في المؤبد خاصة. وهو مذهب الصدوق واما غيره فيجوز. وثالثها: قول الصدوق المذكور الا انهم قيدوا البيع في غير المؤبد بالقيود المذكورة في النهاية، وهو قول ابى الصلاح وابن البراج. ورابعها - وهو المشهور -: الجواز مطلقا، بالشروط التى ذكروها على اختلافها كما عرفت. * * * اقول: والاصل في هذا الاختلاف اختلاف الافهام فيما رواه على بن مهزيار في الصحيح، قال: كتبت الى ابى جعفر عليه السلام ان فلانا ابتاع ضيعة فوقفها وجعل لك في الوقف الخمس، ويسال عن رأيك في بيع حصتك من الارض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها به، أو يدعها موقوفة. فكتب عليه السلام الى: اعلم فلانا أنى آمره ان يبيع حقى من الضيعة، وايصال ثمن ذلك الى، وان ذلك رأيى انشاء الله. أو يقومها على نفسه ان كان ذلك اوفق له. قال: وكتبت إليه: ان الرجل ذكر ان بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافا شديدا، وانه ليس يأمن ان يتفاقم ذلك بينهم بعده، فان كان ترى ان يبيع هذا الوقف

[ 442 ]

ويدفع الى اكل انسان منهم ما كان وقف له من ذلك امرته. فكتب عليه السلام بخطه الي: واعلمه ان رأيى له، ان كان قد علم الاختلاف ما بين اصحاب الوقف ان بيع الوقف امثل فانه ربما جاء في الاختلاف ما فيه تلف الاموال والنفوس (1). قال شيخنا الشهيد في الكتاب المذكور المتقدم ذكره - بعد نقل هذه الرواية - ما صورته: والذى جوز في غير المؤبد نظر الى صدر الرواية، الاخر نظر الى عجزها. قلت: لو سلمت المكاتبة فلا دلالة في الصدر، إذ الوقف مشروط بالقبول إذا كان على غير الجهات العامة ولم ينقل ان الامام قبل الوقف، وانما قبل الجعل وامره ببيعه. وحملها على هذا اولى لموافقته الظاهر واما العجز فدل على جواز البيع لخوف الفساد بالاختلاف من غير تقييد بخوف خرابه، فيبقى باقى ما ذكروه من القيود غير مدلول عليها منها. انتهى. وظاهره هنا: اشتراط جواز البيع لخوف الفساد بالاختلاف خاصة، وفى الدروس اكتفى في جواز بيعه بخوف خرابه أو خلف اربابه المؤدى الى فساده. وفي اللمعة نسب الجواز - بما لوادى بقاؤه الى خرابه لخلف اربابه - الى المشهور، ولم يجزم بشئ. وقد لزمه ما سجل به على غيره من اختلاف الواحد منهم في فتواه في هذه المسألة. وقال الصدوق - بعد ذكر الخبر المذكور -: هذا وقف كان عليهم دون من بعدهم، ولو كان عليهم وعلى اولادهم ما تناسلوا ومن بعدهم على فقراء المسلمين الى ان يرث الله الارض ومن عليها، لم يجز بيعه ابدا. اقول: والمعتمد عندي في معنى هذه الرواية ما وقفت عليه في كلام شيخنا المجلسي في حواشيه على بعض كتب الاخبار، حيث قال: والذى يخطر بالبال انه يمكن حمل هذا الخبر على ما إذا لم يقبضهم الضيعة الموقوفة عليهم ولم يدفع إليهم. وحاصل


(1) الوسائل ج 13 ص 304 - 305 حديث: 5 و 6

[ 443 ]

السوال ان الواقف يعلم انه إذا دفعها إليهم يحصل منهم الاختلاف ويشتد، لحصول الاختلاف قبل الدفع بينهم في تلك الضيعة، أو في أمر آخر. أيدعها موقوفة ويدفعها إليهم أو يرجع عن الوقف، لعدم لزومه بعد، ويدفع إليهم ثمنها. ايهما افضل ؟ فكتب عليه السلام: البيع افضل لمكان الاختلاف المؤدى الى تلف النفوس والاموال. فظهر ان هذا الخبر ليس بصريح في جواز بيع الوقف، كما فهمه القوم، واضطروا الى العمل به مع مخالفته لاصولهم. والقرينة: ان اول الخبر محمول عليه كما عرفت، وان لم ندع اظهرية هذا الاحتمال أو مساواته للاخر، فليس ببعيد، بحيث تأبى عنه الفطرة السليمة في مقام التأويل والله الهادى الى سواء السبيل. انتهى كلامه، علت في الخلد أقدامه. وما يشعر به آخر كلامه، ان كان على سبيل التنزل والمجاراة مع القوم فجيد، والا فانه لا معنى للخبر غير ما ذكره، فانه هو الذى ينطبق عليه سياقه. ويؤيده - زيادة على ما ذكره - ان البيع في الخبر انما وقع من الواقف، وهو ظاهر في بقاء الوقف في يده، والمدعى في كلام الاصحاب: ان البيع من الموقوف عليهم، لحصول الاختلاف في الوقف، والخبر لاصراحة فيه على حصول الاختلاف في الوقف، ويعضده - ايضا - ان هؤلاء الموقوف عليهم من اهل هذه الطبقة لااختصاص لهم بالوقف، بل نسبتهم إليه كنسبة سائر الطبقات المتأخرة، فهو من قبيل المال المشترك الذى لا يجوز لاحد الشركاء بيعه كلا، وانما يبيع حصته المختصة به، والموقوف عليه هنا ليس له حصة في العين وانما له الانتفاع بالنماء مدة حياته، ثم ينتقل الى غيره، لان الوقف - كما عرفوه - عبارة عن تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة. ويؤكده قوله عليه السلام في صحيحة الصفار الاتية انشاء الله تعالى " الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها " وكذا جملة من الاخبار الاتية في المقام انشاء الله تعالى. ويزيده تأكيدا - ايضا - الادلة العامة من آية أو رواية، الدالة على المنع من التصرف فيما لا يملكه

[ 444 ]

الانسان، ويتأكد ذلك بما إذا اشترط الواقف في اصل الوقف بان لا يباع ولا يوهب. ولو قيل بانه متى ادى الاختلاف الى ذهابه وانعدامه فالبيع اولى، فانه مع كونه غير مسموع في مقابلة النصوص، مدفوع بانه يمكن استدراك ذلك يان يرجع الامر الى ولى الحسبة، فيقيم له ناظرا لاصلاحه وصرفه في مصارفه. وبالجملة فان الظاهر عندي من الرواية المذكورة انها ليست في شئ مما نحن فيه، فجميع ما اطالوا به من الكلام في المقام نفخ في غير ضرام. * * * ومن الاقوال في المسألة - ايضا - زيادة على الاربعة المتقدمة - خروج الموقوف عن الانتفاع به فيما وقف عليه، كجذع منكسر وحصير خلق ونحوهما. قيل: فلا يبعد للمتولى الخاص بيعه، ومع عدمه فالحاكم أو سائر عدول المومنين. وشراء ما ينتفع فيه، لانه احسان وتحصيل غرض الواقف مهما امكن. * * * ومنها - ايضا - جواز البيع إذا حصل للموقوف عليهم حاجة شديدة وضرورة تامة لا تندفع بعلة الوقف، وتندفع ببيعه، وعليه يدل ظاهر خبر جعفر بن حسان الاتى انشاء الله. والواجب - اولا - نقل ما وصل الينا من اخبار المسألة ثم الكلام فيها بما رزق الله فهمه منها. فمنها: ما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار: انه كتب بعض اصحابنا الى ابى محمد الحسن عليه السلام في الوقف وما روى فيه عن آبائه - عليهم السلام - فوقع: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها اهلها " (1) ورواه الكليني عن محمد بن يحيى. ومنها: ما رواه في الكافي في القوى عن على بن راشد، قال: سألت ابا الحسن


(1) الوسائل ج 13 ص 295 حديث: 1

[ 445 ]

عليه السلام قلت: جعلت فداك اشتريت ارضا الى جنب ضيعتي بألفى درهم، فلما وفيت المال خبرت ان الارض وقف. فقال: لا يجوز شراؤ الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك، وادفعها الى من اوقفت عليه، قلت لا اعرف لها ربا. فقال: تصدق بغلتها (1). وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن ايوب بن عطية الحذاء، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفئ فأصاب عليا ارض فاحتفر فيها عينا فخرج ماء ينبع في السماء كهيأة عنق البعير، فسماها " عين ينبع " فجاء البشير يبشره فقال: عليه السلام: بشر الوارث، هي صدقة بتا بتلا. في حجيج بيت الله وعابر سبيل الله، لا تباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (2). وما رواه الصدوق في الفقيه عن ربعى بن عبد الله، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تصدق امير المومنين عليه السلام بدار له في المدينة في بنى زريق، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به على بن ابى طالب وهو حى سوى، تصدق بداره التى في بنى زريق، لا تباع ولا توهب حتى يرثها الذى يرث السموات والارض، واسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهن، فإذا انقرضوا فهى لذوى الحاجة من المسلمين (3). وما رواه في الكافي والتهذيب عن عجلان ابى صالح قال: املى على أبو عبد الله عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به فلان بن فلان وهو حى سوى، بداره التى في بنى فلان بحدودها، صدقة لاتباع ولا توهب ولا تورث، حتى يرثها وارث السموات والارض، وانه قد اسكن صدقته هذه فلانا وعقبه، فإذا انقرضوا فهى


(1) الوسائل ج 12 ص 271 حديث: 1 باب: 17 (2) الوسائل ج 13 ص 303 حديث: 2 (3) الوسائل ج 14 ص 304 حديث: 4

[ 446 ]

على ذوى الحاجة من المسلمين (1). اقول: وهذه الاخبار كلها - ونحوها غيرها - ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في تحريم بيع الوقف. واجاب عنها شيخنا الشهيد بأنها عامة، والرواية الاولى خاصة، فيبنى العام على الخاص. وفيه ما عرفت: ان تلك الروايات لا دلالة لها على ما ادعوه منها - كما اوضحناه - ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة. في الصحيح، عن جعفر بن حنان، وهو غير موثق (2) - قال: سألت الصادق عليه السلام عن رجل اوقف غلة له على قرابته من ابيه وقرابته من امه، واوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلة ليس بينه وبينه قرابة بثلاثمأة درهم كل سنة، ويقسم الباقي على قرابته من ابيه وقرابته من امه. فقال: جائز للذى اوصى له بذلك. قلت أرأيت ان لم تخرج من غلة الارض التى اوقفها الا خمسمائة درهم. فقال: أليس في وصيته ان يعطى الذى اوصى له من الغلة ثلاثمأة درهم ويقسم الباقي على قرابته من ابيه وقرابته من امه ؟ قلت: نعم. قال: ليس لقرابته ان يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفوا الموصى له ثلاثمأة درهم، ثم لهم ما يبقى بعد ذلك - الى ان قال - قلت: فللورثة من قرابة الميت ان يبيعوا الارض إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة ؟ قال نعم إذا كانوا رضوا كلهم، وكان البيع خيرا لهم باعوا (3). اقول: وبهذه الرواية استدل من قال بجواز الوقف مع الحاجة والضرورة إذا لم تف الغلة بذلك.


(1) الوسائل ج 13 ص 303 حديث: 3 (2) أي لم يوثقوه صريحا وان كانت تظهر وثاقته من بعض القرائن كما لا يخفى على من راجع ترجمة الرجل. (3) الوسائل ج 13 ص 306 حديث: 8

[ 447 ]

وظاهر شيخنا الشهيد في الكتاب المذكور: القول بها، فانه بعد ان طعن فيها اولا قال في آخر البحث: والاجود العمل بما تضمنه الحديثان السابقان واشار بهما الى صحيحة على بن مهزيار والى هذه الرواية وقد عرفت الجواب عن الصحيحة المذكورة. واما هذه الرواية فهى غير ظاهرة في كون الوقف فيها مؤبدا، فحملها على غير المؤبد - كما هو ظاهرها - طريق الجمع بينها وبين ما ذكرنا من الاخبار الصحيحة الصريحة في تحريم بيع الوقف المؤبد. واكثر الاصحاب - ممن قال بالقول المشهور - ردوا هذه الرواية بضعف السند. ثم ان جملة ممن صرح بجواز البيع - فيما دلت عليه صحيحة على بن مهزيار - اوجب ان يشترى بالقيمة ما يكون عوضه وقفا. قال في الروضة: وحيث يجوز بيعه يشترى بثمنه ما يكون وقفا على ذلك الوجه ان امكن، مراعيا للاقرب الى صفته فالاقرب، والمتولي لذلك الناظران كان والا الموقوف عليهم إذا انحصروا، والا الناظر العام. انتهى. وانت خبير بأنه مع قطع النظر عن الرواية التى استندوا إليها في المقام - لما عرفت من النقض والابرام والرجوع الى اقوالهم المتقدمة وان كانت مختلفة مضطربة - فانه لا يطرد هذا الحكم كليا على تقدير القول بالجواز، وانما يتم على البعض، ولعله الاقل من تلك الاقوال، وذلك فان من المجوزين من جعل السبب المجوز في جواز البيع هو شدة احتياج الموقوف عليهم لعدم وفاء الغلة بذلك، ومقتضى ذلك انما هو اكل ثمنه والتصرف فيه بالملك لا بالشراء، وهو ظاهر. ومنهم من جعل السبب المجوز خوف خرابه أو خوف الخلف بين اربابه، وعلى هذا ايضا لا معنى للشراء بثمنه ما يجعل وقفا، لجريان العلتين المذكورتين فيه، لانه كما يخاف على الاول من احد الامرين، كذلك يخاف على الثاني بعد البيع والشراء، إذ العلة واحدة.

[ 448 ]

نعم يمكن ذلك بناء على من يجعل علة الجواز خرابه بالفعل وعدم الانتفاع به بالكلية، مع ما عرفت من انه لا دليل عليه. وبالجملة فانى لا اعرف لهم دليلا على الحكم المذكور، مع ما عرفت في الانطباق على اقوالهم من القصور. المسألة الخامسة لا خلاف بين الاصحاب بل وغيرهم - تفريعا على ما تقدم في سابق هذه المسألة - في عدم جواز بيع ام الولد، مع حياة ولدها ودفع قيمتها أو القدرة على دفعها. والمراد بها امة حملت في ملك سيدها منه، ويتحقق الاستيلاد بعلوقها به في ملكه، وان لم تلجه الروح. والتقييد بحياة ولدها - كما ذكرنا ووقع في كثير من عبارات الاصحاب - مبنى على الغالب أو التجوز، لانه قبل ولوج الروح لا يوصف بالحياة والحق بالبيع هنا سائر ما يخرجها عن الملك ايضا كالهبة والصلح وغيرهما، للاشتراك في العلة، ولانه لو جوز غيره لانتفى فائدة منعه وتحريمه وهى بقاؤها على الملك لتعتق على ولدها. وقد ذكر الاصحاب جملة من المواضع التى يجوز بيعها فيها: منها: ما إذا مات ولدها، فانها تكون كغيرها من الاماء. وهذا مما لا خلاف فيه عندنا. ويدل عليه جملة من الاخبار الاتية في المقام انشاء الله تعالى. ومنها: ما إذا كان ثمنها دينا على مولاها. مع اعساره. والمراد باعساره: ان لا يكون له مال زائدا على المستثنيات في وفاء الدين. وهل يشترط موت المالك ؟ قال في الشرايع: فيه تردد وقال في المسالك:

[ 449 ]

الاقوى عدم اشتراط موته، لاطلاق النص، ثم قال: وهذان الفردان المستثنيان مورد النص وقد الحق بهما بعض الاصحاب مواضع اخر، انتهى. والواجب - اولا - نقل الاخبار المتعلقة بهذا المقام، ثم الكلام فيها بما دلت عليه من الاحكام. فمنها: ما في الكافي عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدافمات ولدها فقال: ان شاؤا باعوها في الدين الذى يكون على مولاها من ثمنها، وان كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه (1). وعن عمر بن يزيد عن ابى الحسن الاول عليه السلام قال: سألته عن ام الولد تباع في الدين ؟ قال: نعم في ثمن رقبتها (2). وعن عمربن يزيد في الصحيح، قال: قلت للصادق عليه السلام كما في الكافي، أو قلت لابي ابراهيم عليه السلام كما في الفقيه: أسألك ؟ فقال: سل. قلت: لم باع امير المومنين عليه السلام امهات الاولاد ؟ قال في فكاك رقابهن. قلت: وكيف ذلك ؟ قال: ايما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدى عنه، اخذ ولدها منها فبيعت وادى ثمنها. قلت: فبيعهن فيما سوى ذلك من دين ؟ قال: لا (3). وفي الكافي عن يونس في ام ولد ليس لها ولد، مات ولدها ومات عنها صاحبها ولم يعتقها، هل يحل لاحد تزويجها ؟ قال: لا هي امة لا يحل لاحد تزوجها الا بعتق من الورثة. فان كان لها ولد وليس على الميت دين فهى للولد، وإذا ملكها الولد فقد عتقت بملك ولدها لها، وان كانت بين شركاء فقد عتقت من نصيب ولدها، وتستسعى في بقية ثمنها (4).


(1) الوسائل ج 13 ص 52 حديث: 4 (2) الوسائل ج 13 ص 51 حديث: 2 (3) المصدر حديث: 1 (4) المصدر ج 16 ص 126 حديث: 3

[ 450 ]

وفي التهذيب عن ابى بصير، قال سألت الصادق عليه السلام عن رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدا فمات. فقال: ان شاء ان يبيعها باعها وان مات مولاها وعليه دين قومت على ابنها، فان كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، وان مات ابنها قبل امه بيعت في الميراث ان شاء الورثة (1). وعن ابى بصير عن الصادق عليه السلام في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدا فمات، قال ان شاء الورثة ان يبيعوها باعوها في الدين الذى يكون على مولاها من ثمنها، وان كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه، وان كان ولدها صغيرا انتظر به حتى يكبر. الحديث السابق (2). وعن ابى بصير عن الصادق عليه السلام في رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، قال ان شاء ان يبيعها، باعها في الدين الذى يكون على مولاها من ثمنها. الحديث كما تقدم (3). اقول: مما يدل على الفرد الاول - اعني جواز البيع مع موت الولد - الرواية الاولى. وذكر الدين الذى على مولاها انما خرج مخرج التمثيل. ورواية يونس ورواية ابى بصير الاولى من التهذيب لقوله عليه السلام في صدرها " ان شاء ان يبيعها باعها " وفي عجزها " فان مات ابنها قبل امه بيعت في ميراث الورثة ان شاء الورثة " ومثلها الرواية التى بعد هذه الرواية. وبالجملة فان الحكم المذكور متفق عليه رواية وفتوى. اما الفرد الثاني - اعني بيعها مع وجود الولد في اداء قيمتها - فيدل عليه رواية عمر بن يزيد الاولى، وظاهرها جواز البيع في حال حياة السيد أو بعد موته. ولعل قوله


(1) المصدر ج 13 ص 52 حديث: 4 و 5 (2) المصدر السابق (3) المصدر نفسه

[ 451 ]

في المسالك فيما قدمنا من كلامه " لاطلاق النص " اشارة الى هذه الرواية. وبه يظهر ان اعتراض المحقق الاردبيلى - في شرح الارشاد - على شيخنا المذكور في هذا المقام، انما نشأ عن غفلة عن مراجعة الخبر المذكور، حيث قال: والظاهر عدم الخلاف إذا كان بعد موت الولى، ويدل عليه رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام، ثم نقل الرواية الثانية من روايات ابى بصير الثلاث الاخيرة المنقولة من التهذيب. ثم قال: وهذه غير صحيحة، لوجود المجهول مثل القصرى وخداش، ولوجود محمد بن عيسى المشترك. على ان في متنها ايضا تأملا، وما رأيت غيرها. ففى استثناء غير الصورتين، بل في استثناء بيعها مع حياة المولى ايضا تأمل. وما عرفت وجه تعليل هذا الفرد بقوله - في شرح الشرايع - " لاطلاق النص " وما رايت نصا آخر. وفى دلالة هذه على البيع بعد موت المولى فقط ايضا تأمل ظاهر، فيمكن الاقتصار على موضع الوفاق وهو البيع في الدين مع موت المولى وموت الولد فلا يستثنى غيرهما من موضع الاجماع ولكن لا يبعدان يقال: ان الاستصحاب وادلة العقل والنقل دل على جواز التصرف في الاملاك مطلقا، فيجوز مطلق التصرف في ام الولد، بيعها مطلقا وغيره الا ما خرج بدليل، وما ثبت بالدليل وهو الاجماع هنا الا في منع البيع مع بقاء الولد وعدم اعسار المولى بثمنها، فيجوز بمجرد موت الولد مطلقا، لعدم الاجماع، وفى ثمن رقبتها كذلك لذلك، فتأمل واحتط. انتهى. اقول: ما ذهب إليه من تخصيص الجواز بموت المولى احد القولين في المسألة وهو منقول ايضا عن ابن حمزة فانه شرط في بيعها في ثمن رقبتها بعد موت مولاها. قال السيد السند في شرح الارشاد، ورده جدى باطلاق النص، فانه متناول لموت المولى وعدمه، ويشكل بان ظاهر قوله عليه السلام " ولم يدع من المال ما يؤدى عنه " وقوع البيع بعد وفاة المولى، فيشكل الاستدلال بها على الجواز مطلقا. انتهى.

[ 452 ]

اقول: وكلام السيد السند هنا - ايضا - مبنى على عدم الاطلاع على رواية عمر ابن يزيد المتقدمة، وانما اطلع على صحيحته، ولا ريب انها ظاهرة فيما ذكره، لكن الرواية المشار إليها ظاهرة فيما ذكرنا من الاطلاق كما لا يخفى. واما ما اطال به المحقق الاردبيلى - هنا مما قدمنا نقله عنه - فلا يخفى ما فيه. ولكن عذره ظاهر، حيث انه لم يشرح بريد نظره في روايات المسألة، ولم يقف منها الا على هذه الرواية المجملة، والا فقد عرفت ان رواية ابى بصير، وهى الاولى من روايات التهذيب، ظاهرة في بيعها بعد موت الولد وحياة الاب. وان البائع هو الاب لانه سأل عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات - يعنى الولد - فقال: ان شاء ان يبيعها باعها. يعنى ان شاء ذلك الرجل الذى اشترى الجارية بعد موت الولد ان يبيع الجارية باعها. ولا يجوز ان يكون الضمير في مات راجعا الى الرجل، لانه لا معنى لقوله ان شاء ان يبيعها. بقى قوله - بعد هذا الكلام - " وان مات مولاها وعليه دين " فانه يجب ارتكاب التأويل فيه والتقدير، بان يكون المعنى " وان مات مولاها مع بقاء الولد وعدم موته.. الى آخر ما ذكر في الخبر ". ومثل رواية ابى بصير الاولى وروايته الثالثة - ايضا - من روايات الشيخ، بارجاع الضمير في مات الى الولد كما ذكرنا في الاولى. ووجه الاشكال عنده في الرواية التى نقلها: انه جعل الضمير في " فمات " راجعا الى الرجل الذى اشترى الجارية. والظاهر انما هو رجوعه الى الولد، لقوله بعد ذلك " وان كان لها ولد " وهو قداعتضد فيما ذهب إليه بقوله عليه السلام " باعوها في الدين الذى يكون على مولاها من ثمنها " وفيه: انه لادلالة على الحصر في هذا الفرد. فيجوز ان يكون انما خرج مخرج التمثيل، لانه اظهر الافراد. وكيف كان فانه ينافر هذا المعنى ما ذكرنا من قوله - بعد ذلك " - وان كان لها ولد ".

[ 453 ]

وبالجملة فان روايات ابى بصير الثلاثة الاخيرة لا تخلو من تشويش في معانيها واضطراب في ربط الفاظها. ثم ان ما يدل - ايضا - على بيعها في قيمتها مع وجود الولد: صحيحة عمربن يزيد، وظاهرها: البيع بعد موت المالك، كما جنح إليه. وبما ذكرنا يظهر لك صحة استثناء هذين الموضعين من تحريم بيع ام الولد. * * * واما ما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال سألته عن ام الولد. قال: امة، تباع وتوهب وتورث، وحدها حد الامة (1). وفي الصحيح عن وهب ابن عبدربه، عن ابى عبد الله - عليه السلام - في رجل زوج ام ولد له عبدا له، ثم مات السيد، قال: لا خيار لها على العبد، هي مملوكة للورثة (2). وهذان الخبران لمخالفتهما لما عليه ظاهر اتفاق الاصحاب، من ان حكم ام الولد غير حكم من لم يكن لها ولد، وانها تنعتق بموت السيد على ابنها من حصته من الميراث، تأولوهما بالحمل على من مات ولدها، وان التسمية بذلك وقع تجوزا باعتبار ما كان. ويدل على ذلك ما رواه في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام قال: ام الولد حدها حد الامة إذا لم يكن لها ولد (3). واما خبر وهب بن عبد ربه، فهو وان رواه الصدوق بما قدمنا نقله عنه، الا ان


(1) الوسائل ج 13 ص 52 حديث: 3 (2) الفقيه ج 3 ص 82 حديث: 295 (3) الفقيه ج 4 ص 32 حديث: 92 - 3

[ 454 ]

الشيخ رواه بما يندفع به عنه الاشكال ويزول به الاختلال، حيث انه رواه هكذا: عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل زوج عبدا له من ام ولدله ولا ولد لها من السيد ثم مات السيد.. الى آخر ما تقدم (1). وظاهر الصدوق في الفقيه حيث اقتصر على نقل الخبرين الاولين القول بمضمونهما بناء على ما ذكره في صدر كتابه. وظاهره فيه - ايضا - ان ام الولد لا تنعتق على ولدها بمجرد ملكه لها بل تحتاج الى ان يعتقها، كما يدل عليه بعض الاخبار، وهو خلاف ما عليه كافة الاصحاب في هذا الباب، وسيجئ تحقيق المسألة في محلها انشاء الله تعالى، وفق الله لبلوغه. * * * اقول: ومن المواضع التى زادها جملة من الاصحاب وجوزوا بيع ام الولد فيها: ما ذكره شيخنا في اللمعة وهى ثمانية، وزاد عليه غيره ما تبلغ الى عشرين موضعا، ونحن نذكرها واحدا واحدا لتحصيل الاحاطة بالاطلاع عليها: (احدها): في ثمن رقبتها مع اعسار مولاها، سواء كان حيا أو ميتا. قاله الشارح اما مع الموت فموضع وفاق، واما مع الحياة فعلى اصح القولين، لاطلاق النص. و (ثانيها): إذا جنت على غير مولاها. قال الشارح: فيدفع ثمنها في الجناية أو رقبتها ان رضى المجني عليه، ولو كانت الجناية على مولاها لم يجز، لانه لم يثبت له مال على ماله. و (ثالثها): إذا عجز مولاها عن نفقتها. قال الشارح: ولو امكن تأديها ببيع بعضها وجب الاقتصار عليه، وقوفا فيما خالف الاصل على موضع الضرورة. و (رابعها): إذا مات قريبها ولا وارث له سواها. قال الشارح: لتنعتق وترثه،


(1) التهذيب ج 8 ص 206 حديث: 728 - 34

[ 455 ]

وهو تعجيل عتق اولى بالحكم من بقائها لتعتق بعد وفاة مولاها. و (خامسها): إذا كان علوقها بعد الارتهان. قال الشارح: فيقدم حق المرتهن لسبقه. وقيل: يقدم حق الاستيلاد لبناء العتق على التغليب. ولعموم النهى عن بيعها. و (سادسها): إذا كان علوقها بعد الافلاس. قال الشارح أي بعد الحجر على المفلس، فان مجرد ظهور الافلاس على المفلس لا يوجب تعلق حق الديان بالمال. والخلاف هنا كالرهن. و (سابعها): إذا مات مولاها ولم يخلف سواها وعليه دين مستغرق، وان لم يكن ثمنا لها قال الشارح: لانها انما تنعتق بموت مولاها من نصيب ولدها، ولا نصيب له مع استغراق الدين، فلا تعتق فتصرف في الدين. و (ثامنها): بيعها على من تنعتق عليه، فانه في قوة العتق. قال الشارح: فيكون تعجيل خير يستفاد من مفهوم الموافقة، حيث ان المنع من البيع لاجل العتق. و (تاسعها): بيعها بشرط العتق. قال المصنف: وفي جواز بيعها بشرط العتق نظر. اقربه الجواز. قال الشارح: لما ذكر، فان لم يف المشترى بالشرط فسخ البيع وجوبا، فان لم يفسخه المولى احتمل انفساخه بنفسه، وفسخ الحاكم ان اتفق. وهذا موضع تاسع. وما عدا الموضع الاول من هذه المواضع غير منصوص بخصوصه، وللنظر فيه مجال، وقد حكاها في الدروس بلفظ قيل، وبعضها جعله احتمالا من غير ترجيح لشئ. ثم قال الشارح: وزاد بعضهم مواضع اخر: و (عاشرها): في كفن سيدها إذا لم يخلف سواها ولم يمكن بيع بعضها فيه

[ 456 ]

والا اقتصر عليه. و (حادى عشرها): إذا اسلمت قبل مولاها إذ لا نصيب لولدها. و (ثالث عشرها): إذا جنت على مولاها جناية تستغرق قيمتها. و (رابع عشرها): إذا قتلته خطأ. و (خامس عشرها): إذا حملت في زمن خيار البائع أو المشترى ثم فسخ البائع بخياره. و (سادس عشرها): إذا خرج مولاها عن الذمة وملكت امواله التى هي منها. و (سابع عشرها): إذا لحقت هي بدار الحرب ثم استرقت. و (ثامن عشرها): إذا كانت لمكاتب مشروط ثم فسخ كتابته. و (تاسع عشرها): إذا شرط اداء الضمان منها قبل الاستيلاد ثم اولدها، فان حق المضمون له اسبق من حق الاستيلاد كالرهن والفلس السابقين. و (العشرون) إذا اسلم ابوها أو جدها وهى مجنونة أو صغيرة ثم استولدها الكافر بعد البلوغ قبل ان تخرج من ملكه وهذه في حكم اسلامها عنده وفي كثير من هذه المواضع نظر. انتهى. اقول: قد تقدم في صحيحة عمر بن يزيد: انها لا تباع فيما سوى تلك الصورة المتفق عليها. وانت خبير بان الظاهر ان مبنى من ذكر هذه الصور الزائدة على محل النص هو ان ام الولد حكمها حكم غيرها من اموال السيد الا في تلك الصورة الخاصة. ولا يخفى ما فيه، فانه قياس مع الفارق، لان هذه قد تشبثت بالحرية بسبب الولد، ومن الجائز ان الاستيلاد قد صار مانعا من التصرف فيها بهذه الوجوه التى ذكروها، ومقدما عليها، وحينئذ فتكون موروثة بعد موت السيد وان كان عليه دين مستغرق أو نحو ذلك من الامور التى ادعوا انها مقدمة على الاستيلاد، وابنها من جملة الورثة فتعتق

[ 457 ]

عليه بالحصة التى له. وهو جيد من حيث الاعتبار المذكور، وان كانت الفتوى به محل توقف، لعدم النص الصريح بذلك، ثم يسرى العتق وتستسعى، أو يفكها الولد، كما تضمنته الاخبار، وتخرج الصحيحة المذكورة شاهدا على ذلك، وكذا مفهوم صحيحة زرارة، وقوله فيها " ام الولد حدها حد الامة إذا لم يكن لها ولد " فان مفهومها: انه إذا كان لها ولد فانها ليست على حد الامة التى يباح التصرف فيها بتلك الانواع المذكورة ونحوها. واما حمل الحد في الرواية المذكورة على الحد الذى يوجبه الجناية، بمعنى انها إذا فعلت ما يوجب الحد فان حدها حد الامة التى ليست ام ولد إذا لم يكن لها ولد، فالظاهر بعده، وان كان الصدوق قد ذكر الخبر المذكور، في باب الحدود حملا له على ذلك، بناء على مذهبه الذى قدمنا الاشارة إليه، من ان ام الولد عنده كغيرها ممن لاولد لها، الا ان يعتقها ابنها. وهو مذهب غريب مخالف لظاهر اتفاق الاصحاب من انها تنعتق على ابنها من نصيبه كلا أو بعضا بمجرد الملك من غير توقف على عتق. ويدل عليه جملة من الاخبار، وان كان ما ذكره الصدوق هنا ايضا قد دلت عليه صحيحة محمد بن قيس، ولتحقيق المسألة المذكورة محل آخر يأتي انشاء الله تعالى. * * * بقى هنا شئ آخر يجب التنبيه عليه، وهو انه لو مات ولد الامة ولكن له ولد (1) فهل يصدق عليها بذلك انها ام ولد ام لا ؟ فقيل بالاول لانه ولد، وقيل بالثاني لعموم ما دل على ان ام ولد إذا مات ابنها ترجع الى محض الرق، فانه يتناول موضع النزاع، وقيل: ان كان ولد ولدها وارثا، بان لا يكون للمولى ولد لصلبه كان حكمه حكم الولد، لانها تنعتق عليه، وان لم يكن وارثا لم يكن حكمه حكم الولد، لانتفاء الملك المقتضى للعتق.


(1) أي لولد الامة ولد

[ 458 ]

واختار هذا التفصيل السيد السند السيد محمد - قدس سره - في شرح النافع. المسألة السادسة من فروع ما تقدم من اشتراط كون المبيع طلقا: عدم جواز بيع الرهن ايضا الا مع الاذن، وبيع العبد الجاني على التفصيل الاتى انشاء الله تعالى. اما الاول، فظاهر بالنسبة الى الراهن، لانه بالرهن صار ممنوعا من بيعه، بل مطلق التصرف فيه الا باذن المرتهن. واما المرتهن فاظهر لانه غير مالك الا ان يكون وكيلا من قبل الراهن في البيع، فيتوقف بيعه على الاذن من المالك، وان امتنع استأذن الحاكم الشرعي، وان تعذر جاز له البيع بنفسه على الاظهر، وكيف كان فانه لا يجوز له بيع الرهن مطلقا، بل على بعض الوجوه. وتحقيق المقام كما هو حقه يأتي انشاء الله تعالى في بابه. واما الثاني، فالمشهور بين الاصحاب انه لا تمنع جناية السيد عن بيعه، عمدا كانت الجناية أو خطأ ونقل عن الشيخ في المبسوط الخلاف هنا في جناية العبد فابطل البيع، لتخيير المجني عليه بين استرقاقه وقتله، ورد بأنه غير مانع من صحة البيع، لعدم اقتضائه خروجه عن ملك مالكه. نعم لو جنى العبد خطأ لم تمنع جنايته عن بيعه لانه لا يخرج بالجناية عن ملك مولاه، والمولى مخير في فكه، فان شاء فكه باقل الامرين من ارش الجناية، إذ هو اللازم بمقتضى الجناية، وقيمته إذ الجاني لا يجنى اكثر من نفسه، وان شاء دفعه الى المجني عليه أو وليه ليستوفى من رقبته ذلك، فلو باع بعد الجناية كان التزاما بالفداء على احد القولين، ثم ان فداه والاجاز للمجني عليه استرقاقه، فينفسخ البيع وان استوعب الجناية قيمته، لان حقه اسبق، وان لم يستوعب

[ 459 ]

رجع بقدر ارشه على المشترى فلم ينفسخ البيع في نفسه. نعم لو كان المشترى جاهلا بعيبه تخير ايضا بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين الامضاء وله الرجوع حينئذ بالثمن فيما لو كانت الجنابة مستوعبة لرقبته واخذ بها، وان كانت غير مستوعبة لرقبته رجع بقدر ارشه، ولو كان المشترى عالما بعيبه راضيا بتعلق الحق به لم يرجع بشئ، لانه اشترى معيبا عالما بعيبه. ثم ان فداه السيد أو المشترى فالبيع بحاله، والابطل مع الاستيعاب وعدم فداء المشترى له، كقضاء دين غيره يعتبر في رجوعه عليه اذنه فيه. هذا كله في الجناية خطاء، ولو جنى عمدا فالمشهور ان البيع موقوف على رضى المجني عليه أو وليه، لان التخيير في جناية العبد اليهما، وان لم يخرج عن ملك سيده، وبالنظر الى الثاني يقع البيع، وبالنظر الى الاول يثبت التخيير. وذهب الشيخ هنا الى بطلان البيع كما تقدم، وقد تقدم بيان ما فيه، وانه لا يقصر عن بيع الفضولي. ثم على القول المشهور، ان اجاز البيع ورضى بفدائه بالمال وفكه المولى لزم البيع، وان قتله أو استرقه بطل، كذا يستفاد من تصاريف كلامهم الدائر في المقام على رؤوس اقلامهم. وفى استفادة كثير من هذه التفاصيل من الاخبار اشكال. وتحقيق المسألة - كما هو حقه - يأتي انشاء الله تعالى في محله اللائق بها. المسألة السابعة من الشروط المعتبرة: معلومية الثمن والمثمن، حذرا من الغرر المنهى عنه وقطعا للنزاع. ولكن المعلومية لكل شئ بحسبه، كما يأتي انشاء الله تعالى.

[ 460 ]

والكلام هنا يقع في مواضع: الاول: قد صرحوا بأنه يشترط العلم بالثمن قدرا ووصفا وجنسا، قبل ايقاع عقد البيع، فلا يصح البيع بحكم احد المتبايعين أو اجنبي اجماعا ولا بالثمن المجهول القدر، وان كان مشاهدا، لبقاء الجهالة، وثبوت الغرر المنفى معها، خلافا للشيخ في الموزون. وللمرتضى في مال السلم. ولابن الجنيد في المجهول مطلقا، إذا كان المبيع صبرة، مع اختلافهما جنسا. ولا مجهول الصفة، كمأة درهم، وان كانت مشاهدة لا يعلم وصفها، مع تعدد النقد الموجود يومئذ. ومجهول الجنس، ان علم قدره، لتحقق الجهالة في الجميع. اقول: ما ذكروه من عدم صحة البيع بحكم احد المتبائعين، فهو وان ادعى عليه الاجماع في التذكرة، الا انه قد روى الصدوق في الفقيه، والشيخ في التهذيب، عن الحسن بن محبوب، عن رفاعة، قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام فقلت: ساومت رجلا بجارية له فباعنيها بحكمى فقبضتها منه على ذلك، ثم بعثت إليه بالف درهم، فقلت له: هذه الف درهم حكمي عليك ان تقبلها فأبى ان يقبضها منى، وقد كنت مسستها قبل ان ابعث إليه بالثمن فقال: ارى ان تقوم الجارية قيمة عادلة، فان كان قيمتها اكثر مما بعثت إليه كان عليك ان ترد عليه ما نقص من القيمة، وان كان ثمنها اقل مما بعثت إليه فهو له. قلت: ارأيت ان اصبت بها عيبا بعد ما مسستها، قال: ليس لك ان تردها إليه، ولك ان تأخذ قيمة ما بين الصحة والعيب منه (1). وراواه الكليني عن العدة عن سهل واحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب مثله، وطريق الصدوق في المشيخة الى الحسن بن محبوب صحيح كما في الخلاصة. وطريق الكليني ظاهر الصحة، وطريق الشيخ الى الحسن بن محبوب حسن بابراهيم بن هاشم الذى هو في حكم الصحيح عندهم، بل هو من الصحيح على الاصطلاح الجديد.


(1) الوسائل ج 12 ص 271 حديث: 1 باب: 18

[ 461 ]

فالرواية من جهة السند لا يتطرق إليها طعن. وهى - كما ترى - ظاهرة في خلاف ما ذكروه، وقد اضطرب في التفصى عنها كلام جملة من المتأخرين. قال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد - بعد ذكر الرواية وبيان صحة سندها - ما صورته: وهى تدل على جواز الجهل في الثمن، وانه يقع البيع صحيحا، وينصرف الى القيمة السوقية إذا بيع بحكم المشترى. ولكن نقل العلامة في التذكرة الاجماع على اشتراط العلم مع عدم ظهور خلافه، يمنع القول بها، ولكن تأويلها مشكل، وكذا ردها، فيمكن ان يكون حكما في قضية، ولا تتعدى. انتهى. وقال الفاضل السيد حسين المشهور بخليفة سلطان، في حواشيه على كتاب الفقيه على هذا الخبر ما صورته: لا يخفى ان البيع بحكم المشترى أو غيره في الثمن باطل اجماعا، كما نقله الفاضل في التذكرة وغيره، لجهالة الثمن وقت البيع، فعلى هذا يكون بيع الجارية المذكورة باطلا، وكان وطى المشترى محمولا على الشبهة، واما جواب الامام عليه السلام للسائل فلا يخلو من اشكال، لان الظاهر ان الحكم حينئذ رد الجارية مع عشر القيمة أو نصف العشر، أو شراؤها مجددا بثمن يرضى به البائع مع احد المذكورين، سواء كان بقدر ثمن المثل ام لا، فيحتمل حمله على ما إذا لم يرض البائع باقل من ثمن المثل، ويكون حاصل الجواب حينئذ: انه تقوم بثمن المثل ان اراد، ويشترى به مجددا، وان كان المثل اكثر مما وقع، ندبا واستحبابا، بناء على انه اعطاه سابقا، وهذا الحمل وان كان بعيدا عن العبارة، مشتملا على التكلف لكن لابد منه لئلا يلزم طرح الحديث الصحيح بالكلية. انتهى. اقول: لا يخفى ان مدار كلامهم في رد الخبر المذكور على الاجماع الذى ادعى في التذكرة في هذه المسألة، فانه لا معارض له سواه. وانت خبير بان من لا يعتمد على مثل هذه الاجماعات المتناقلة في كلامهم، والمتكرر دورانها على رؤوس اقلامهم،

[ 462 ]

تبقى الرواية المذكورة سالمة عنده من المعارض، فيتعين العمل بها، خصوصا مع صحة السند واعتضاد ذلك برواية صاحب الفقيه، المشعر بقوله بمضمونها والعمل بها، بناء على قاعدته المذكورة في اول الكتاب، كما تكرر في كلامهم من عد مضامين اخباره مذاهب له، بناء على القاعدة المذكورة. وليس هنا بعد الاجماع المذكور الا العمومات التى اشاروا إليها، من حصول الغرر، وتطرق النزاع ونحو ذلك. وهذه العمومات - مع ثبوت سندها وصحته - يمكن تخصيصها بالخبر المذكور، بل من الجائز - ايضا - تخصيص الاجماع المذكور، مع تسليم ثبوته، بهذا الخبر الصحيح، كما يخصص عمومات الادلة من الايات والروايات، وهو ليس باقوى منها، ان لم يكن اضعف، بناء على تسليم صحته. وحينئذ فيقال باستثناء صورة حكم المشترى، وقوفا على ظاهر الخبر. وما المانع من ذلك ؟ وقد صاروا الى امثاله في مواضع لا تحصى، على انه سيأتيك ما يؤيد ما ذكرناه ويشيد ما اخترناه. واما ما ذكروه من عدم الصحة مع كون المبيع مجهول القدر، وان كان مشاهدا فقد تقدم ذكر خلاف الجماعة المتقدم ذكرهم في ذلك. قال في الدروس: ولا تكفي المشاهدة في الوزن، خلافا للمبسوط، وان كان مال السلم، خلافا للمرتضى، ولا القول بسعر ما بيعت مع جهالة المشترى، خلافا لابن الجنيد، حيث جوزه، وجعل للمشترى الخيار، وجوز ابن الجنيد بيع الصبرة مع المشاهدة جزافا بثمن جزاف مع تغاير الجنس ومال في المبسوط الى بيع الجزاف وفى صحيحة الحلبي كراهية بيع الجزاف. انتهى. اقول: صحيحة الحلبي المذكورة هي: ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح، عن الحلبي عن الصادق عليه السلام في رجل اشترى من رجل طعاما، عدلا بكيل معلوم، ثم ان صاحبه قال للمشترى: ابتع هذا العدل الاخر بغير كيل، فان فيه مثل ما في الاخر

[ 463 ]

الذى ابتعته. قال: لا يصلح الا ان يكيل وقال: وما كان من طعام سميت فيه كيلا فانه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام (1) وروى في الفقيه في الصحيح عن الحلبي، والشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام قال: ما كان من طعام.. الحديث كما تقدم. قال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد - بعد قول المصنف " ولو باع المكيل والموزون والعدد جزافا، كالصرة بطل وان شوهد " - ما لفظه: اعتبارهما فيهما هو المشهور بينهم، ولكن ما رأيت له دليلا صالحا، وادل ما رايته حسنة الحلبي في الكافي - ثم ساق الرواية الاولى - وناقش في السند بما لا طائل في نقله، الى ان قال: وبقى في المتن شئ لانها تدل بظاهرها على عدم الاعتبار بخبر البائع بالكيل، وهو خلاف ما هو المشهور بينهم وفى الدلالة على المطلب ايضا تأمل للاجمال، وللاختصاص بالكيل والطعام في قوله " ما كان من طعام سميت فيه كيلا " ولقوله " هذا مما يكره من بيع الطعام " وكأنه لذلك قال البعض بجواز بيع المكيل والموزون بدونها مع المشاهدة، ويمكن القول به مع الكراهة، ويؤيد الجواز الاصل، وعموم ادلة العقود، ويدل عليه بعض الاخبار، مثل ما ذكر في جواز بيع الطعام من غير قبض. انتهى. وظاهره الميل الى الجواز في الصورة المذكورة، وفاقا للجماعة المتقدمين وفيه - كما ترى - تأييد ظاهر لما قدمنا ذكره من البيع بحكم المشترى، وان ذلك مستثنى من عدم جواز البيع مع جهل الثمن، ان صح الدليل عليه للخبر الصحيح الصريح، واذا جاز البيع في هذه الصورة مع اختلال الشرط الذى ذكروه، استنادا الى عدم الدليل على ما ادعوه من الشرط المذكور، سوى هذه الرواية التى طعنوا فيها بما عرفت في كلام المحقق المذكور، ونحوه صاحب الكفاية، فلم لا يجوز فيما ذكرناه مع دلالة الصحيحة الصريحة على ذلك، وما ذكره المحقق المذكور


(1) الوسائل ج 12 ص 254 حديث: 2 باب: 4

[ 464 ]

من تأييد الجواز هنا بالاصل وعموم ادلة العقود، صالح للتأييد لما ذكرنا ايضا وبذلك يظهر لك ما في كلامه الذى قدمنا ذكره في تلك المسالة واستشكاله فيها فانه لا وجه له بعد ما عرفت من كلامه في هذه المسألة، والشرطان من باب واحد. ومما يؤيد جواز بيع المكيل والموزون بغير وزن ولا كيل - كما ذهب إليه اولئك المتقدم ذكرهم - ما رواه في الكافي والتهذيب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري، قال: سألت الصادق عليه السلام عن الرجل يشترى بيعا فيه كيل أو وزن بغيره (1) ثم يأخذه على نحو ما فيه: فقال: لا بأس به (2). قال في الوافى - بعد نقل هذا الخبر - أي بغير ما يكال ويوزن على نحو ما فيه، أي بغير كيل ولا وزن. ويشبه ان يكون يعيره بالمثناة التحتانية والعين المهملة من التعيير، فصحف. انتهى. ومما يؤيد ذلك ايضا الاخبار الدالة على جواز الاعتماد على اخبار البائع بكيله أو وزنه، والاخبار الدالة على وزن بعض الاحمال واخذ الباقي على نحو ذلك الموزون. روى الكليني في الكافي عن عبد الملك بن عمرو، قال: قلت للصادق عليه السلام اشترى مأة راوية من زيت، فاعترض راوية أو اثنتين وازنها، ثم آخذ سائره على قدر ذلك، قال: لا بأس (3) ورواه الصدوق عن عبد الملك بن عمرو، والشيخ عن ابى سعيد المكارى مثله. وروى الشيخ عن محمد بن حمران، قال: قلت للصادق عليه السلام: اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله فصدقناه واخذنا بكيله، فقال: لا بأس. فقلت: فيجوز ان ابيعه


(1) في نسخة " يعيره " (2) الوسائل ج 12 ص 255 حديث: 4 (3) الوسائل ج 12 ص 255 حديث: 1 باب: 5

[ 465 ]

كما اشتريته منه بغير كيل ؟ قال: اما انت فلا تبعه حتى تكيله (1). وفي الفقيه عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، انه سأل ابا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يشترى الطعام، اشتريه منه بكلية واصدقه ؟ فقال: لا بأس، ولكن لاتبعه حتى تكيله (2). وروى في الكافي والتهذيب عن سماعة في الموثق، قال: سألته عن شراء الطعام مما يكال أو يوزن، هل يصلح شراؤه بغير كيل ولاوزن ؟ فقال: اما ان يأتي رجلا في طعام قد كيل أو وزن فيشترى منه مرابحة فلا بأس ان انت اشتريته ولم تكله ولم تزنه، إذا كان المشترى الاول قد اخذه بكيل أو وزن، فقلت له عند البيع: انى اربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس به (3). اقول: ومن هذه الاخبار ونحوها يعلم ان ما ذكروه من الشرط المذكور ليس كليا، بل يجب الوقوف فيه على موارد النصوص، مما دل على الجواز في بعض الموارد والعدم في آخر، ومنه يعلم صحة ما قدمناه في الشرط الاول من الصحة بحكم المشترى في صورة الجهل بالثمن، لدلالة الصحيحة المتقدمة عليه فان الطعن فيها وردها بمجرد ما ادعوه من الاجماع غير الحقيق بالاتباع، مجازفة محضة. فان قيل: ان العلم بالقدر هنا حاصل باخبار البائع والتفاوت اليسير مغتفر، كما في تفاوت المكائيل والموازين. قلنا: دعوى حصول العلم باخبار البائع لاسيما على قواعدهم المعلومة البطلان حيث يمنعونه في اخبار العدل بل العدلين، وغاية ما يفيده اخبار العدلين عندهم مجرد الظن، كما صرحوا به في غير موضع، فكيف يمكن ان يدعى هنا حصول العلم باخبار


(1) الوسائل ج 12 ص 256 حديث: 3 (2) المصدر ص 257 حديث: 8 (3) المصدر حديث: 7

[ 466 ]

البائع، كائنا من كان. وهذه الدعوى انما وقعت هنا لضيق الخناق في المقام بسبب هذه الاخبار الظاهرة الدلالة على خلاف قواعدهم في هذه الاحكام. فالاخبار ظاهرة في تأييد ما ذكرناه كما لا يخفى على ذوى الافهام. ومن هذه الاخبار ايضا يظهر ان ما اشتملت عليه صحيحة الحلبي المتقدمة، من عدم صحة بيع العدل الثاني، بعد وزن الاول، وعدم تصديق البائع في ذلك، مما يحتاج الى ارتكاب التأويل فيه، والاخراج عن ظاهره. الموضع الثاني: لا يخفى انه متى قلنا بعدم الصحة في بعض الموارد لاختلال احد هذه الشرائط المذكورة، وقد قبض المشترى المبيع، مع ما عرفت من بطلان البيع، فانهم قد صرحوا بانه يكون مضمونا عليه، لما تقرر عندهم من ان " كل عقد يضمن بصحيحة يضمن بفاسده ". ويؤيد الخبر المشهور " على اليد ما اخذت حتى تؤدى " وكذا كل مأخوذ بالبيع الفاسد، عالما بالفساد كان أو جاهلا. ويظهر من المحقق الاردبيلى - في شرح الارشاد - المناقشة هنا في عموم الحكم قال - بعد قول المصنف " والمقبوض بالسوم أو البيع الفاسد مضمون على المشترى " - ما لفظه: ثم الذى يظهر من كلامهم: عدم الخلاف في ان المقبوض بالسوم أي المال الذى اخذ للبيع أو الشراء مضمون مثل الغصب، ولو تلف مطلقا فالقابض ضامن. ووجهه غير ظاهر مع الاصل، والذى يقتضيه النظر كونه امانة، ولعل لهم نصا أو اجماعا، كما هو الظاهر من تشبيه البيع الفاسد به في الضمان، فتأمل. وكذا المأخوذ بالبيع الفاسد كان القابض عالما بالفساد أو جاهلا، ودليلهم الخبر المشهور " على اليد ما اخذت حتى تؤدى " والقاعدة المشهورة " كل عقد يضمن يصحيحة يضمن بفاسده " و " مالا يضمن بصحيحة لا يضمن بفاسده " وصحتها غير ظاهرة. والاصل يقتضى العدم، وهو مع الجهل بالفساد قوى، ومع علم الاخر اقوى.

[ 467 ]

ومع ذلك قال في شرح الشرايع: لا اشكال في الضمان مع الجهل بالفساد، فتأمل ومع علمه بالفساد، وبعدم جواز التصرف وحفظه ووجوب رده الى مالكه معجلا كالمغصوب. وذلك قد يكون بعلمه بطلب من المالك، على تقدير الفساد وعدم رضاه بكونه عنده، وفتوى العلماء له بذلك، فهو ضامن للاصل. وما يتفرع عليه كما قيل في الغصب، حتى انه يضمن العين والمنفعة، وان لم ينفع بها، مثل اجرة الدابة في المدة التى كانت عنده، واما مع الجهل بالفساد لا سيما في امر غير ظاهر الفساد، وكذا بعد العلم به، ولكن مع عدم العلم بوجوب الرد في الحال، والضمان غير ظاهر. ولو ظن ان المالك رضى لهذا المال بالبدل المعلوم، فهو راض بأن يتصرف فيه عوضا عما في يده، فالاكل حينئذ ليس بالباطل، بل بالرضا، فانه رضى بالتصرف فيه بان يجوز له التصرف في بدله، وقد جوز صاحبه ذلك، وعرف كل واحد من صاحبه ذلك. فحينئذ يجوز تصرف كل واحد في بدل ماله وان لم يكن بسبب البيع، بل بسبب الاذن المفهوم مع البدل، وكأنه يرجع الى المعاطاة والاباحة مع العوض من غير بيع، ولا تجد منه مانعا، غاية الامر انه يكون لكل واحد الرجوع عن قصده الاول واخذ ماله عينا وزيادة. نعم إذا علم عدم الرضا الا بوجه البيع، أو اشتبه ذلك، يتوجه عدم جواز التصرف والضمان على تقدير فهم عدم الرضا بالمكث عنده، وكونه امانة على تقدير غيره ويحتمل جواز التصرف على تقدير التقابض ايضا في بعض المحال، بان غاب وامتنع الاطلاع عليه وايصاله إليه واخذ ماله منه. كما غير هذه الصورة. وبالجملة دليل حكم المشهور بينهم، وهو جعل حكم المقبوض بالسوم والعقد الفاسد مثل الغصب في اكثر الاحكام، حتى في الزامه بالايصال الى صاحبه فورا "، فلا يصح عباداته في اول وقتها، على تقدير القول بمنافاة حقوق الادمى، كما هو ظاهر كلامه غير ظاهر، فالحكم مشكل، ولا شك انه ينبغى ملاحظة ذلك مهما امكن.

[ 468 ]

فتأمل انتهى. وانما اوردناه بطوله لقوته وجودة محصوله. واما ما استظهر في آخر كلامه من عدم صحة العبادة في اول وقتها، مع منافاة حق الادمى، فهو مبنى على مذهبه في المسألة الاصولية، من ان الامر بالشئ يستلزم النهى عن ضده الخاص. والذى حققناه فيما تقدم من كتب العبادات من هذا الكتاب عدم ثبوت هذه القاعدة وما يترتب عليها من الفائدة. الموضع الثالث: لو تلف المبيع في يد المشترى في صورة يكون مضمونا عليه، فان كان قيميا فقيمته، الا انه قد وقع الخلاف هنا في القيمة. فقيل: قيمة يوم التلف لانه وقت الانتقال الى القيمة، واما قبل التلف فهو مخاطب برد العين وادائها لا بالقيمة، وجعله شيخنا الشهيد الثاني في الروضة هو الاقوى. وقيل: يوم القبض، لانه مضمون عليه من ذلك الوقت بسبب فساد البيع، وهو اختيار الشرايع. وقيل: الاعلى من يوم القبض الى يوم التلف، وهو منقول عن ابن ادريس، واستحسنه شيخنا الشهيد الثاني، ان كان التفاوت بسبب نقص في العين أو زيادة، لان زيادة العين مضمونة مع بقائها، وكذا مع تلفها فيرجع عليه باعلى القيمتين، اما لو كان التفاوت باختلاف السوق فان الواجب القيمة يوم التلف، كما هو القول الاول. فالاقوال في المسألة: اربعة. اقول: لا يخفى ان الاعتماد على هذه التعليلات الاعتبارية، لاسيما مع تضادها، لا يخلو من الاشكال، مع انه قد روى ثقة الاسلام في الوافى، والشيخ في التهذيب. عن ابى ولاد الحناط في الصحيح، قال: اكتريت بغلا الى قصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا، وكذا، وخرجت في طلب غريم لى، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت ان صاحبي توجه الى النيل، فلما اتيت النيل خبرت انه قد توجه الى بغداد، فاتبعته

[ 469 ]

فلما ظفرت به وفرغت عما بينى وبينه رجعت الى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما، فاخبرت صاحب البغل بعذري واردت ان اتحلل منه بما صنعت وارضيه، فبذلت له خمسة عشر درهما، فأبى ان يقبل، فتراضينا بابى حنيفة فاخبرته بالقضية واخبره الرجل. فقال لى: ما صنعت بالبغل ؟ قلت قد دفعته إليه سليما قال: نعم بعد خمسة عشر يوما قال: فما تريد من الرجل ؟ قال: اريد كرى بغلى، وقد حبسه على خمسة عشر يوما قال: ما ارى لك حقا، لانه اكتراه الى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه الى النيل والى بغداد، فضمن قيمة البغل وسقط الكرى، فلما رد الرجل البغل سليما وقبضته لم يلزمه الكرى. قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع. فرحمته مما افتى به أبو حنيفة فاعطيته شيئا وتحللت منه، وحججت في تلك السنة فاخبرت ابا عبد الله عليه السلام بما افتى به أبو حنيفة فقال لى: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء مائها وتمنع الارض بركتها. قال: فقلت لابي عبد الله عليه السلام: فما ترى انت ؟ قال: ان له عليك مثل كرى البغل ذاهبا من الكوفة الى النيل، ومثل كرى البغل راكبا من النيل الى بغداد، ومثل كرى البغل من بغداد الى الكوفة، توفيه اياه. قال: فقلت - جعلت فداك -: قد علفته بدراهم، فلى عليه علفه ؟ قال: لا، لانك غاصب. فقلت: ارأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمنى ؟ قال: نعم، قيمة البغل يوم خالفته. فقلت: فان اصاب البغل كسر أو دبر أو غمز ؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترد عليه. قلت: فمن يعرف ذلك ؟ قال: انت وهو اما ان يحلف هو على القيمة وتلزمك، وان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة فيلزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون ان قيمة البغل حين اكترى كذا وكذا، فيلزمك. فقلت: كنت اعطيته دراهم ورضى بها وحللنى.

[ 470 ]

فقال: انما رضى بذلك وحللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم. ولكن ارجع إليه فاخبره بما افتيتك به، فان جعلك في حل بعد معرفته فلا شئ عليك بعد هذا. قال أبو ولاد: فلما انصرفت من وجهى ذلك، لقيت المكارى فاخبرته بما افتانى أبو عبد الله عليه السلام، وقلت له: قل ما شئت حتى اعطيك. فقال: قد حببت الى جعفر بن محمد، ووقع في قلبى له التفصيل، وانت في حل. وان احببت ان ارد عليك الذى اخذت منك فعلت (1). وانت خبير بان ما نحن فيه - احد جزئيات مسألة الغصب، كما عرفته آنفا من كلام المحقق الاردبيلى، ونقل ذلك عن الاصحاب. ومن هذه الرواية يظهر قوة القول الثاني، وهو قيمة يوم القبض، لان ظاهره: انه عليه السلام اوجب عليه قيمة البغل يوم المخالفة، التى بها صار مغصوبا وصار في ذلك اليوم مضمونا عليه، الا ان في الخبر المذكور احتمالا آخر، وهو ان يكون قوله عليه السلام " يوم خالفته " ظرفا ؟ للزوم القيمة، بمعنى انه يلزم القيمة في ذلك اليوم، واما قدر القيمة فهو غير معلوم من الخبر، فيحتاج في تعيينه الى دليل آخر، والاستدلال بالخبر - كما ذكرنا - اولا مبنى على كون الظرف المذكور ظرفا للقيمة، يعنى قيمة ذلك اليوم. وتغائر الوجهين واضح. وبذلك بقيت المسألة في قالب الاشكال. * * * هذا ان كان قيميا، وان كان مثليا فالمعروف من مذهب الاصحاب: انه يضمنه بمثله، الا انه قد اضطرب عباراتهم في ضبط المثلى. فالمشهور بينهم: انه ما يتساوى قيمة اجزائه. وضبطه بعضهم بالمقدر بالكيل أو الوزن. وبعض بأنه ما يتساوى اجزاؤه في الحقيقة النوعية، وزاد آخرون: اشتراط جواز السلم فيه. وعرفه في الدروس بانه المتساوي الاجزاء المتقاربة الصفات. قيل: وهو اقرب التعريفات الى السلامة. فلو كان المثل موجودا ولم يسلمه حتى فقد - والمراد بفقدانه ان لا يوجد في


(1) الوسائل ج 13 ص 255 - 257 حديث: 1 باب: 17 ابواب احكام الاجازة.

[ 471 ]

تلك البلاد وما حولها مما يتعارف نقله عادة من الاماكن بعضها الى بعض - فاللازم القيمة. وفيها اوجه: اولها - وهو اشهرها عندهم - اعتبار قيمته حين تسليم البدل. وثانيها: اعتبارها وقت الاعواز. قال في المسالك: وهو الاقوى. وثالثها: اعتبار اقصى القيم من حين الغصب الى حين دفع العوض، وهو المعبر عنه بيوم الاقباض. ورابعها: اعتبار الاقصى من حينه الى حين الاعواز. وخامسها: اعتبار الاقصى من حين الاعواز الى حين دفع القيمة، ولم نجد لهم دليلا شرعيا على شئ من هذه الاقوال، الا مجرد اعتبارات ترجع بها الى ما ذكروه كما تقدم نقله عنهم في القيمى. الرابع: قد صرح الاصحاب بان المراد بالمكيل والموزون هو ما ثبت في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم وحكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيها، فكل ما كان مكيلا أو موزونا في بلد يباع كذلك والا فلا. وظاهر المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد المناقشة في ذلك، حيث قال - بعد نقل ذلك عنهم -: وفى تأمل، لاحتمال ارادة الكيل أو الوزن المتعارف عرفا عاما في اكثر البلدان أو في الجملة مطلقا أو بالنسبة الى كل بلد بلد كما قيل في المأكول والملبوس في السجدة، من الامر الوارد بها لو سلم، والظاهر هو الاخير. انتهى. اقول: لا ريب ان الواجب في معاني الالفاظ الواردة في الاخبار هو الحمل على عرفهم - عليهم السلام - فكلما علم كونه مكيلا أو موزونا في زمنهم - عليهم السلام - وجب اجراء الحكم بذلك عليه في الازمنة المتأخرة، وما لم يعلم فهو - بناء على قواعدهم - يرجع الى العرف العام، الى آخر ما ذكروه من التفصيل. ويمكن ان يستدل على الرجوع الى العرف بما تقدم في صحيحة الحلبي من قوله

[ 472 ]

عليه السلام " وما كان من طعام سميت فيه كيلا، فانه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام " فان ظاهره: ان الرجوع في كونه مكيلا الى تسميته كيلا عرفا، فكلما وقع التسمية عليه بانه مكيل فلا يجوز بيعه مجازفة. ويمكن ان يقيد بما إذا لم يعلم حاله في زمنهم - عليهم السلام - والا لوجب الاخذ به كما ذكرناه. وكيف كان فالخبر لا يخلو عن اجمال يمنع الاستناد إليه في الاستدلال. واما ما يفهم من كلامه من الرجوع الى العرف مطلقا وان علم كونه مكيلا أو موزونا أو علم عدمه في زمانهم - عليهم السلام - فالظاهر انه بعيد ومخالف لما صرح به الاصحاب في غير موضع، من تقديم العرف الخاص: اعني عرفهم - عليهم السلام - على العرف العام، أو عرف كل بلد بلد. وبالجملة فمحل الاشكال فيما يجهل حاله في زمنهم - عليهم السلام - من كونه مكيلا ام لا، وموزونا ام لا، فهل يكون المرجع فيه الى العرف العام، أو الى ما ذكره من الافراد، ووجه الاشكال ما تقدم التنبيه عليه في غير موضع، من ان العرف مع تسليم امكان الوقوف عليه في كل بلد بلد وقطر وناحية، لا انضباط له، فان لكل قطر عرفا وعادة بخلاف ما عليه غيرها من النواحى والاقطار، ومن الظاهر ان الاحكام الشرعية متحدة لا اختلاف فيها، فلا تناط بالامور غير المنضبطة. الخامس: انه متى ثبت الكيل أو الوزن في بعض الاشياء، فهل يجوز بيع المكيل وزنا وبالعكس ام لا ؟ أو يختص الجواز ببيع المكيل وزنا دون العكس ؟ احتمالات، بل اقوال. للاول: حصول الانضباط بهما. ورجحه في سلم الدروس، لرواية وهب. وللثاني: عدم الدليل على ذلك. وللثالث: ان الوزن اصل الكيل واضبط منه، وانما عدل الى الكيل تسهيلا.

[ 473 ]

اقول: قال في الدروس: ولو اسلم في الكيل وزنا أو بالعكس فالوجه الصحة لرواية وهب، عن الصادق عليه السلام. واشار بالرواية المذكورة الى ما رواه الشيخ عن احمد بن ابى عبد الله عن وهب عن جعفر عن ابيه عن على عليه السلام قال: لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن (1) ورواه في الفقيه عن وهب. وانت خبير بان الظاهر من قوله " لا بأس يسلف المكيل في الموزون وبالعكس " ان يكون احدهما ثمنا ولاخر مثمنا، لاما ذكره من كيل الموزون ووزن المكيل، كما هو المدعى. ويعضد ما ذكرناه ذكر الشيخ الرواية المذكورة في باب اسلاف السمن بالزيت واحتمال انه اشار بالرواية الى رواية اخرى غير هذه الرواية بعيد، إذ لم نقف في الباب على غيرها ويحتمل في عبارة الدروس ان يقال: ان وزنا بمعنى الموزون، فيوافق ظاهر الرواية، الا ان سياق كلامه يأبى الحمل على ذلك. وبذلك يظهر لك قوة القول الثاني. وبالجملة فان مقتضى القاعدة المتقدمة هو الوقوف في كل شئ على ما ورد، فالمكيل، لا يباع الا كيلا وكذا الموزون والمعدود، الا مع ورود دليل شرعى على جواز الاكتفاء باحدها عن الاخر، ومجرد هذه التعليلات التى يتداولونها في مثل هذه المقامات لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية. نعم قد روى المشايخ الثلاثة في الصحيح عن ابن مسكان والحلبي، عن ابى عبد الله عليه السلام انه سئل عن الجوز لا نستطيع ان نعده فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه، ثم يكال ما بقى على حساب ذلك العدد، فقال: لا بأس به (2). وهذا في الحقيقة لا يخرج عن بيعه عددا وان دل على اغتفار التفاوت اليسير


(1) الوسائل ج 13 ص 63 حديث: 1 (2) الوسائل ج 14 ص 259 حديث: 1 باب: 7

[ 474 ]

الحاصل بذلك، كما ورد مثله في رواية عبد الملك بن عمرو المتقدمة، في اشتراء مأة رواية من الزيت ووزن واحدة منها واخذ الباقي بذلك الوزن وقيد بعض الاصحاب جواز بيع كيل المعدود بتعذر عده، وبعض بتعسره، قال شيخنا الشهيد الثاني: ولو قيل بجوازه مطلقا، لزوال الغرر، وحصول العلم، واغتفار التفاوت، لكان حسنا. وفى بعض الاخبار دلالة عليه. اقول: الظاهر ان من شرط احد الامرين المذكورين في المعدود نظر الى قوله في الرواية " لا نستطيع ان نعده " وان الجواب انما بنى على ذلك، لكن ينافى ذلك رواية الزيت المذكورة، وهى التى اشار إليها شيخنا المتقدم ذكره، بقوله: وفى بعض الاخبار دلالة عليه. والى الجواز مطلقا - كما اختاره شيخنا المتقدم ذكره - مال في المفاتيح، قال: لورد مثله في الزيت من غير تقييد ولا قائل بالفرق بين المعدود والموزون مع ان الاول ادخل في الجهالة واقل ضبطا، ولانتفاء الغرر، وحصول العلم، واغتفار التفاوت اليسير، كما في اختلاف المكائيل والموازين كما يستفاد من المعتبرة، وتجويزهم اندار ما يحتمل الزيادة والنقيصة للظروف من الموزونات، وجواز بيعها مع الظروف من غير وضع، بناء على ان معرفة الجملة كافية، وللاخبار في الاندار، و في بعضها " إذا كان عن تراض منكم فلا بأس " (1) " وان كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه " (2) وكذا تجويزهم - بلا خلاف - الجمع بن شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد كبيع واجارة ونكاح، وان كان عوض كل منهما بخصوصه غير معلوم حال العقد. انتهى. وهو جيد الا انه يبقى الكلام في محمل تحمل عليه رواية الجوز المذكورة. السادس: قد صرحوا بأنه إذا كان العوضان من المكيل والموزون أو المعدود فلا بد من اعتبارهما بما هو المعتاد من الكيل والوزن والعدد، فلا يكفى المكيال المجهول


(1) الوسائل ج 12 ص 273 حديث: 1 باب: 20 (2) المصدر حديث: 4

[ 475 ]

كقصعة حاضرة وان تراضيا بها، ولا الوزن المجهول كالاعتماد على صخرة معينة وان عرفا قدرها تخمينا، ولا العدد المجهول بان عولا عليه ثم اعتبر العدد به، للغرر المنهى عنه في ذلك كله. اقول: ومما يدل على ما ذكروه: ما رواه الصدوق في الحسن عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام قال: لا يصلح للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر (1) ورواه الكليني في الحسن مثله. وما رواه في الكافي والتهذيب عن الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: لا يحل للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر. قلت: فان الرجل يستأجر الحمال في المكيل الكيال فيكيل له بمد بيته، لعله يكون اصغر من مد السوق، ولو قال هذا اصغر من مد السوق لم يأخذ به، ولكنه يحمله ذلك ويجعله في امانته،. فقال: لا يصلح الا مد واحد والامناء بهذه المنزلة (2) قوله: الامناء جمع منا مقصورا، وهو المن في اللغة المشهورة في ألسن الناس، وما ذكر في الخبر هو الافصح مما هو المشهور الان في الالسن. وتثنيته منوان. وما رواه الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد عن ابى الحسن عليه السلام، قال: سئل عن قوم يصغرون القفزان يبيعون بها. قال: اولئك الذين يبخسون الناس اشياءهم (3) وظاهر المحقق الاردبيلى: المناقشة في المقام، بحمل حسنة الحلبي - وهى الاولى - على المنع من البيع بغير صاع البلد بسعر البلد لاحتمال كونه ناقصا أو زائدا، ثم ايد ذلك برواية محمد الحلبي المذكورة بعدها، واستند فيما عدا ذلك الى الادلة العامة الكثيرة، الدالة على الوفاء بالعقود، وعلى هذا فلو حصل التراضي من البائع


(1) الوسائل ج 12 ص 258 حديث: 4 (2) الوسائل ج 12 ص 280 حديث: 2 (3) المصدر ص 258 حديث: 1 باب: 6

[ 476 ]

والمشترى على مكيال مجهول كقصعة ونحوها وحجر مخصوص مجهول، وقرر القيمة بناء على ذلك صح البيع بمقتضى ما اختاره. وفيه: ان اطلاق قوله عليه السلام في الخبرين " لا يصلح " كما في الاول، و " لا يحل " كما في الثاني " للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر " اعم من ان يكون البيع بسعر صاع المصر، وتقدير القيمة والسعر على ذلك المكيال المجهول. وورود ما ذكره في تتمة الرواية الثانية حكم آخر، فلا منافاة فيه، مع ان الجواب الصادر منه عليه السلام في الرواية الثانية باطلاقه شامل للمنع من الصورة التى ادعى جوازها، وخصوص السؤال لا يخصصه كما تقرر في كلامهم. وبالجملة فان عبارات هذه الاخبار شاملة باطلاقها لما ذكرنا، وتخصيصها يحتاج الى دليل، ومع ورود المنع في الصورة التى وافق عليها كما في صحيحة سعد بن سعد، فانها ظاهرة فيما ذكره، لا يوجب تخصيص ذلك الاطلاق. فان هذا احد فردي المطلق الذى دلت عليه تلك الاخبار. واما الاستناد الى عموم ادلة الوفاء بالعقد، فانه لا يخفى ان العقود، منها: ما هو صحيح ومنها ما هو باطل، ومن الظاهر ان وجوب الوفاء انما يترتب على العقد الصحيح، فلا بد - اولا - من النظر في العقد صحة وبطلانا، ليمكن ترتب وجوب الوفاء به عليه فالاستناد الى الاستدلال بهذا العموم قبل النظر في العقد - كما ذكرنا - مجازفة ظاهرة. ثم ان المحقق المشار إليه قال - في المقام -: ومنه يعلم البحث في المعدود والظاهر عدم الدليل على عدم جواز بيعه الا عدا، وعموم ادلة جواز العقود، والوفاء بها، يدل على الجواز، وعدم اشتراط العد، والاصل والعمومات، وحصول التراضي الذى هو العمدة في الدليل، دليل قوى. فاثبات خلافه مشكل، وان كان المشهور عدم الجواز، والاحتياط معه قبل وقوع العقد، نعم الاولى عدم ارتكابه، والترك لبائعه على

[ 477 ]

تقدير رضاه فتأمل انتهى اقول: لا ريب انه لم يرد هنا دليل واضح في الدلالة على ما ذكره الاصحاب، من عدم الجواز، الا ان صحيحة الحلبي وابن مسكان المتقدمة: الواردة في الجوز مؤيدة لما ذكروه، وان لم تكن الدلالة صريحة في ذلك، فان الظاهر من السؤال: ان الحكم في بيع الجوز هو العد، والسائل رتب سؤاله على ذلك، فقال: انه إذا كان مما لا يجوز بيعه الا عدا، والحال انه لا يستطيع عده لكثرته، فلو كيل على هذا النحو، فهل يجزى ام لا ؟ والامام عليه السلام قد قرره على ذلك، والا لكان يجيبه بأنه لا يحتاج الى ذلك بل يبيعه مجازفة، كما يدعيه المحقق المذكور وقد تقرر ان تقريره عليه السلام حجة كقوله وفعله. وحينئذ فيكون الخبر ظاهرا في تأييد ما ذكره الاصحاب، بل دالا عليه. وإذا ثبت هذا الحكم في الجوز يثبت في غيره مما يباع عددا، ويتعدى الى ما سواه بتنقيح المناط القطعي، كما في جل الاحكام، إذ لا خصوصية لذكر الجوز هنا الا من حيث وقوع السؤال عنه واما استناده الى ما ذكره من عموم ادلة الوفاء بالعقود، فقد عرفت ما فيه، واما الاصل فانه معارض بان الاصل بقاء كل ملك لمالكه حتى يقوم دليل شرعى على انتقاله عنه الى غيره. واما حصول التراضي الذى جعله العمدة، ففيه - اولا -: انه لا يطرد كليا، والا لجرى في الصرف والربا ونحوهما بمجرد التراضي، وسقط ما اشترط فيهما من الشروط. و - ثانيا - ان غاية ما يفيده التراضي مجرد الاباحة، والمدعى هو البيع الناقل عن الملك والمخرج له عن صاحبه. و - ثالثا - ما يتضمنه من الغرر المنهى عنه، كما علله به بعض الاصحاب، مع اعتضاد ذلك بالاحتياط كما اعترف به. وبالجملة فالاظهر ما ذكره الاصحاب.

[ 478 ]

السابع: قد صرحوا بأنه يجوز ابتياع جزء معلوم بالنسبة كالنصف والثلث - مثلا - مشاعا، تساوت اجزاؤه كالحبوب والادهان أو اختلفت كالجواهر والحيوان، إذا كان الاصل الذى بيع جزؤه معلوما بما يعتبر فيه من كيل أو وزن أو عد أو مشاهدة، فيصح بيع نصف الصبرة المعلومة المقدار والوصف، ونصف الشاة المعلومة بالمشاهدة أو الوصف. اقول: ودليل الجواز فيما ذكروه هنا ظاهر، وهو عموم ادلة البيع بشروطه المعتبرة فيه، فلو باع شاة غير معلومة من قطيع غنم معلوم العد مشاهد، وان تساوت اثمان ما اشتمل عليه من الشاة، لم يصح لمجهولية المبيع، ولو باع قفيزا من جرة مجهولة، فهل يعتبر العلم باشتمالها على المبيع، أو اخبار البائع بذلك، والا لم يصح، أو انه يصح البيع، فان نقصت تخير المشترى بين اخذ الموجود منها بحصته من الثمن، وبين الفسخ، لتبعض الصفقة قولان. والظاهر: ان المشهور الاول. والثانى اختيار الشهيد في اللمعة. ثم انه مع العلم باشتمالها على المبيع وصحة البيع - كما هو قول المشهور فهل يتنزل على الاشاعة، أو يكون المبيع فقيزا في الجملة، وجهان. قرب في المسالك الثاني. وتظهر الفائدة فيما لو تلف بعضها، فعلى الاول فيتلف من المبيع بالنسبة، وعلى الثاني يبقى المبيع ما بقى قدر المبتاع. اقول: والذى وقفت عليه من الاخبار، مما يتعلق بهذه المسألة: ما رواه الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية، عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في أنبار بعضه على بعض من اجمة واحدة، والانبار فيه ثلاثون الف طن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن، فقال المشترى. قد قبلت واشتريت ورضيت. فأعطاه من ثمنه الف درهم، ووكل المشترى من يقبضه، فاصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون الف طن، وبقى عشرة آلاف طن،

[ 479 ]

فقال: عشرة آلاف طن التى بقيت هي للمشترى. والعشرون التى احترقت من مال البائع (1). وهى ظاهرة في ان الجزء المباع من الجملة ليس على سبيل الاشاعة بحيث يلحقه جزء من النقص الواقع على المجهول، كما هو احد الوجهين المتقدمين، بل يعتبر ذلك القدر المبيع بعينه، كما قربه في المسالك. والطن - بالضم - الحزمة من حطب أو قصب. والجمع اطنان، مثل قفل واقفال. قالوا: ولو قال: بعتك كل فقيز منها بدرهم لم يصح، ولو قال: بعتكها كل فقيز منها بدرهم فالمشهور انه لا يصح ايضا مطلقا، خلافا للشيخ، ونفى عنه البعد في الكفاية فقال: وقول الشيخ غير بعيد. وظاهر هذا الكلام هو صحة هذه الاحكام، اعم من ان تكون الجملة مجهولة أو معلومة، وخص في الدروس البطلان في الصورة الثانية بما إذا كان المجموع مجهولا. قال: ولو كان قال " بعتكها كل قفيز بدرهم " بطل مع الجهالة. وظاهر الشيخ الصحة مطلقا. انتهى. قال في الروضة: واعلم ان اقسام بيع الصبرة عشرة، ذكر المصنف بعضها منطوقا وبعضها مفهوما وجملتها: انها اما ان تكون معلومة أو مجهولة، فان كانت معلومة صح بيعها اجمع، وبيع جزء منها معلوم مشاع، وبيع مقدار كقفيز تشتمل عليه، وبيعها كل فقيز منها بكذا لابيع كل فقيز منها بكذاو المجهولة. تبطل في جميع الاقسام الخمسة الا الثالث. انتهى. ومنه يعلم: ان بيعها كل فقيز بكذا يصح مع المعلومية، ويبطل مع المجهولية الا على قول الشيخ، حيث نقل عنه الصحة مطلقا.

[ 480 ]

واما بيع كل قفيز منها بكذا فهو باطل مطلقا، وبه يتبين ما في الكلام الاول من الاجمال. وقد صرحوا - ايضا - بأنه لا يجوز ابتياع شئ مقدر غير معين منه، إذا لم يكن متساوي الاجزاء، كالذراع من الثوب، والجريب من الارض، وعبد من عبيد، وشاة من قطيع. ولو عينه من جهة، كما لو قال: من هذا الطرف الى حيث ينتهى، ففى صحته قولان، اشهرهما: الصحة. ويجوز ذلك في المتساوي الاجزاء، كالقفيز من الكر. اقول: لا يبعد التفصيل في هذا المقام، بان يقال بعدم الصحة في نحو عبد من عبدين أو عبيد، وشاة من قطيع. والصحة في نحو ذراع من الثوب وجريب من الارض. لحصول المجهولية في الاول فيبطل البيع لذلك، لتفاوت افراد العبيد وافراد الشاة تفاوتا فاحشا، بخلاف اجزاء الثوب واجزاء الارض، إذ الغالب في الثوب المصنوع ان تكون صنعته من اوله الى آخره على نهج واحد. وكذلك الارض. وحينئذ فلا فرق بين ان يبيعه ذراعا معينا مشارا إليه - كما اعترفوا بالصحة فيه - ولا بين ان يبيعه ذراعا من أي طرف اراد المشترى. وهكذا في الارض. ويؤيده ما تقدم من الاكتفاء بالمعلومية في الجملة من المواضع. والى ما ذكرنا يشير كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد، حيث قال - بعد ان نقل عنهم المنع من عدم تعيين الموضع، والجواز مع تعيينه، كأن يقول - ابتداء -: الذرع من هذا الرأس وابتداء الجريب من هذا الجانب من الارض - ما لفظه: وفيه تأمل، إذا لم يقم دليل على اعتبار هذا المقدار من العلم فانهما إذا تراضيا على ذرع من هذا الكرباس، من أي رأس اراد المشترى، أو من أي جانب كان من الارض، فما المانع بعد العلم بذلك، مع ان الغالب هو التساوى في طول ثوب الكرباس - مثلا - وارض متصلة الاجزاء بمعنى عدم تفاوت بين اجزائها المستلزم لتفاوت في قيمته. فتأمل فيه. انتهى.

[ 481 ]

وهو جيد. وبالجملة فان ما ذكروه من القاعدة المذكورة بالنسبة الى غير متساوي الاجزاء ليس على اطلاقه، بل ينبغى التفصيل فيه بما ذكرنا. والله العالم. الثامن: قالوا: تكفى في بيع الثوب والارض المشاهدة وان لم يمسحا. ونقل في التذكرة الاجماع على ذلك، مع انه نقل في الدروس عن ظاهر الخلاف المنع. وينبغى ان يعلم: ان المراد بمشاهدة الثوب الكافية في صحة بيعه: مشاهدته منشورا، فلو كان مطويا لم يكف الا مع تقليبه على وجه يوجب معرفته، هذا بالنسبة الى غير المكيل والموزون والمعدود، والا فانه يجب مع ذلك الاستعلام باحد الثلاثة المذكورة ولا تكفى المشاهدة وحدها. ومن هنا ينقدح اشكال في هذا المقام، فانه متى اعتير احد هذه الثلاثة فيما كان كذلك، زيادة على المشاهدة، فكيف يقال بانه تكفى المشاهدة خاصة في الثوب، مع انه مذروع. وكما يشير إليه كلامهم فيما تقدم من قولهم: ذراع من هذا الثوب، ولان المتعارف في الثوب هو الذرع. الا ان يقال: المراد به هنا المخيط فقط. أو يقال: ان الذرع غير مشروط في المذروع. كما في الثلاثة المتقدمة، فان ذلك شرط فيها. ويؤيده اضافة الارض. فانها قد تكون مذروعة ايضا، مع انه يجوز بيعها مشاهدة وموصوفة بلا ذرع من غير خلاف. وتكفى مشاهدة المبيع عن وصفه، ولو غاب وقت الابتياع، بشرط ان لا يكون مما يتغير عادة، كالارض والاوانى والحديد والنحاس ونحوها، اولا تمضى مدة تتغير فيها عادة، ويختلف باختلافه زيادة ونقصانا، كالفاكهة والطعام والحيوان. فلو مضت مدة كذلك لم يصح البيع، لتحقق الجهالة المترتبة على تغيره عن تلك الحالة. وان

[ 482 ]

احتمل التغير كفى البناء على الاول، اعني المشاهدة السابقة، وصح البيع. فان ظهر التغير زيادة أو نقصانا فان كان مما يتسامح بمثله عادة فلا خيار، والا تخير المغبون منهما، وهو البائع ان ظهر زائدا والمشترى ان ظهر ناقصا. ولو اختلفا في التغير الموجب للخيار، وهو الذى يتسامح بمثله - كما عرفت - فقيل: ان قول المشترى بيمينه ان كان هو المدعى للتغير والبائع ينكره، لان البائع يدعى علمه بهذه الصفة، ويقول: انى بعتكه بهذه الصفة التى هو عليها الان، وهو ينكره. ولان الاصل عدم وصول حقه إليه، فيكون في معنى المنكر، ولاصالة بقاء يده على الثمن. وقيل بتقديم قول البائع لتحقق الاطلاع المجوز للبيع، واصالة عدم التغير. والمشهور الاول والمسألة عارية من النص. والركون الى امثال هذه التعليلات في تأسيس الاحكام الشرعية قد عرفت ما فيه في غير مقام. ولو باعه أرضا على انها جربان معينة فظهرت اقل من ذلك، فقيل بأن للمشترى الخيار بين فسخ البيع وبين اخذها بحصتها من الثمن. وقيل: بل بكل الثمن. وللشيخ قول ثالث، بان البائع ان كان له ارض بجنب تلك الارض تفى بالناقص فعليه الاكمال منها والا تخير المشترى بين الاخذ بحصتها من الثمن وبين الفسخ. ويدل على هذا القول ما رواه الصدوق والشيخ عن عمر بن حنظلة عن الصادق عليه السلام في رجل باع ارضا على انها عشرة اجربة، فاشترى المشترى ذلك منه بحدوده، ونقد الثمن ووقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الارض إذا هي خمسة اجربة، قال: ان شاء استرجع فضل ماله واخذ الارض، وان شاء رد البيع واخذ ماله كله، الا ان يكون له الى جنب تلك الارض - ايضا - ارضون فلتؤخذ ويكون البيع لازما له، وعليه الوفاء بتمام البيع، فان لم يكن له في ذلك المكان غير الذى باع، فان شاء المشترى اخذ الارض واسترجع فضل ماله وان شاء رد الارض واخذ المال كله (1)


(1) الوسائل ج 12 ص 361 حديث: 1 باب: 14

[ 483 ]

وربما طعن في الخبر بضعف السند. وهو غير مرضى عندنا ولا معتمد، والرواية لا معارض لها، وهى دالة على صحة القول الاول، مع عدم وجود الارض للبائع ثمة، فالعمل بها متعين. وفى الكفاية نقل عن الشيخ - هنا - مع عدم وجود الارض: انه يتخير المشترى بين الاخذ بجميع الثمن والفسخ. قال: ومستنده رواية عمر بن حنظلة عن الصادق عليه السلام لكنها غير نقية السند. وفيه: ان الرواية انما تدل على الاخذ بحصته من الثمن، وهو ما يخص المبيع كما هو القول الاول، لا بجميع الثمن كما هو القول الثاني. والظاهر ان ما ذكره سهو من قلمه. التاسع: يختبر ما يراد طعمه كالدبس، اوريحه كالمسك أو يوصف. ويدل على ذلك: ما رواه الشيخ عن محمد بن العيص قال: سألت ابا عبد الله - عليه السلام - عن رجل اشترى ما يذاق، يذوقه قبل ان يشترى ؟ قال: نعم، فليذقه، ولا يذوقن مالا يشترى (1) ورواه البرقى في المحاسن مثله. فلوا اشتراه من غير اختيار أو وصف بناء على الاصل - وهو الصحة - فالمشهور بين المتأخرين: الجواز مع العلم به من غير هذه الجهة، كالقوام واللون وغيرهما مما يختلف قيمته باختلافه. وقيل: لا يجوز بيعه الا بالاختيار أو الوصف للغرر المنهى عنه. وهو منقول عن الشيخين وسلار والتقى والقاضى وابن حمزة. والاول مذهب المحقق والعلامة ومن تأخر عنهما. ويرجح الاول: جواز البناء على الاصل احالة على مقتضى الطبع، فانه امر مضبوط عرفا لا يتغير غالبا الا لعيب، فيجوز الاعتماد عليه، لارتفاع الغرر به كالاكتفاء بروية ما يدل بعضه على باقيه غالبا كظاهر الصبرة، وينجبر النقص بالخيار،


(1) الوسائل ج 12 ص 279 حديث: 1

[ 484 ]

فان خرج معيبا تخير المشترى بين الرد والارش ان لم يتصرف فيه تصرفا زائدا على اختباره، والا تعين الارش لو تصرف كذلك، كما في غيره من انواع المبيع. وان كان المشترى المتصرف اعمى، لتناول الادلة خلافا لسلار حيث خير الاعمى بين الرد والارش وان تصرف. واولى بالجواز من غير اختبار ما يؤدى اختباره الى فساده كالجوز والبطيخ والبيض، فان شراءه جائز مع جهالة ما في بطونه، ويثبت للمشترى الارش بالاختبار مع العيب دون الرد. وفى بعض عبارات الاصحاب: جاز شراؤه بشرط الصحة. وفى عبارة الشيخ وجماعة: بشرط الصحة أو البراءة من العيوب. والاول اجود. ثم ان اطلق اقتضى الاطلاق الصحة ورجع بأرش العيب مع ظهوره بعد الكسر لا الرد كما عرفت، للتصرف. وان شرط البائع البراءة من العيوب صح ولا خيار لو ظهر معيبا. كذا اطلقه الجماعة. قال في المسالك - بعد نقل ذلك عنهم -: ويشكل فيما لو ظهر كله معيبا ولم يكن لمكسوره قيمة كالبيض، فان مقتضى الشرط رجوعه بالثمن كله لعدم وجود ما يقابله، وهو مناف لمقتضى العقد، إذ لا شئ في مقابلة الثمن فيكون اكلا للمال بالباطل فيتجه بطلان الشرط، وقد نبه على هذا في الدروس انتهى. وهو جيد. قالوا: ولو لم يكن لمكسوره قيمة كالبيض الفاسد رجع بالثمن اجمع، لبطلان البيع حيث لا يقابل الثمن مال. وهل يكون العقد مفسوخا من اصله ؟ نظرا الى عدم المالية من حين العقد فيقع باطلا ابتداء، أو يطرأ عليه لفسخ بعد الكسر وظهور الفساد، التفاتا الى حصول شرط الصحة حين العقد وانما تبين الفساد بالكسر، وجهان بل قولان. جزم في الدروس بالثاني وجعل الاول احتمالا. قال: ولو لم يكن له قيمة بطل البيع

[ 485 ]

من حينه ويحتمل من اصله. قال شيخنا الشهيد الثاني - بعد نقل ذلك عنه -: وهو ظاهر الجماعة، ورجح الاول. قال: ورجحان الاول واضح، لان ظهور الفساد كشف عن ظهور عدم المالية في نفس الامر حين البيع لا احداث عدمها حينه، والصحة مبنية على الظاهر. انتهى. والمسألة محل توقف وفرعوا على القولين الكلام في مؤنة النقل من الموضع الذى اشتراه فيه الى موضع الاختبار، فعلى الاول على البائع، وعلى الثاني على المشترى لوقوعه في ملكه. العاشر -: المشهور بينهم من غير خلاف يعرف -: انه يجوز بيع المسك في فأره وان لم يفتق، بناء على أصل السلامة، فان ظهر بعد الفتق، معيبا تخير المشترى، كما هو القاعدة في كل معيب. والفأر بالهمزة: الجلدة التى فيها المسك. قالوا: وفتقه بأن يدخل فيه خيط بأبرة ثم يخرج فيشم. والفأر في عبائرهم - كما في العبارة المذكورة -: جمع فأرة كتمر وتمرة، فهوفي العبارة مضاف الى ضمير المسك، وقد نص جملة من الاصحاب على انه بالهمزة في المفرد والجمع. وفى مجمع البحرين: انه يهمز ولا يهمز وهكذا في فارة البيوت. ولم اقف لهم في هذا الحكم على نص، قال المحقق الاردبيلى: قواعدهم تقتضي عدم جواز بيعه في الفأرة للجهالة، لانهم ما يجوزون في ظاهر، كلامهم بيع المشموم بالمشاهدة بل يوجبون الشم معها، وقد جوزوا بيعه مع مشاهدة الفأرة في المسك من دون مشاهدته وشمه. ولعله لاجماع ونص فهم ذلك من فحواه، ويؤيده عموم الادلة التى اشرنا إليها غير مرة مع الاصل وعدم مانع ظاهر يصلح لذلك، ووجود العلم الجملة، وعدم وجوب الاستقصاء مع عدم تفويت حق، إذ لو كان معيبا تخير،

[ 486 ]

وايضا قد يعلمه اهل الخبرة في الفأرة، وهذا مؤيد لعدم اشتراط العلم في كثير مما سبق فتذكر، ومؤيد ايضا لعدم نجاسة ما ينفصل من الحى، فانها طاهرة عندهم بالاجماع، مع انها جلدة رماها الغزال فتأمل. انتهى. ولا وجه لهذه التأييدات مع عدم نص على الحكم المذكور كما اعترف به، بل الجميع من قبيل الدعاوى العارية عن الدليل، وقد عرفت ان مقتضى القاعدة المذكورة المتقدمة هو المشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة، والكيل والوزن والعدد فيما كان من هذه الاقسام، واستثناء بعض الافراد عن مقتضى القاعدة يحتاج الى دليل بل لو ورد الدليل في بعض الموارد لردوه كما في مسألة البيع بحكم المشترى أو البائع أو اجنبي، فانهم قد ردوا الرواية المتقدمة الصحيحه الصريحة في جواز البيع بحكم المشترى، وهذا المحقق المذكور ممن وافقهم على ذلك كما تقدم في كلامه في تلك المسألة، فكيف مع عدم الدليل كما في هذه المسألة. ومجرد شهرة الحكم بينهم لا يوجب التخصيص لتلك القاعدة. على انه قد روى في التهذيب عن عبد الاعلى بن اعين، قال نبئت عن ابى جعفر عليه السلام انه كره شراء ما لم تره (1). وروى في الخصال عن محمد بن سنان مسندا إلى ابى جعفر عليه السلام انه كره بيعين: اطرح وخذ من غير تقليب، وشراء ما لم تر (2). واستعمال الكراهة بمعنى التحريم في الاخبار كثير كثير كما نبهنا عليه في غير موضع والخبران المذكوران مؤيدان لما ذكروه من القاعدة في هذا المقام، فالخروج عنها بغير دليل غير معقول، الا ان يقال - كما قدمنا الاشارة إليه -: انه لا ضابطة ولا قاعدة في ذلك، بل المرجع الى النصوص فيما دلت عليه جوازا ومنعا، والحال انه لانص


(1) الوسائل ج 12 ص 279 حديث: 1 (2) المصدر حديث: 3

[ 487 ]

في هذا المقام، فالاحتياط بعدم جواز البيع الا مع المعلومية بالفتق كما ذكروه - واجب، لاشتباه الحكم، وان وقع في كلامهم على جهة الاستحباب. والله العالم. الحادى عشر: المشهور انه لا يجوز بيع سمك الاجام مع ضميمة القصب أو غيره للجهالة، ولو في بعض المبيع. ولا اللبن في الضرع - وهو الثدى لكل ذى خف أو ظلف - لذلك وان ضم إليه شيئا ولو لبنا محلوبا. قالوا: لان ضميمة اللبن المعلوم الى المجهول تجعل المعلوم مجهولا، فاما عدم الجواز بدون الضميمة فموضع وفاق عندهم، وانما الخلاف معها. فالمشهور - كما عرفت - هو المنع. وقيل بالجواز. والظاهر: ان محل الخلاف هو المسك المملوك المقدور قبضه، فان غير المملوك ولا المقدور لا يجوز بيعه اتفاقا، وايضا المراد به غير المحصور ولا المشاهد، والا فلو كان كذلك فانه لا خلاف في جواز البيع، كما صرح به بعضهم في الموضعين، ومنه يعلم ان محل الخلاف انما هو السمك المملوك المقدور غير معلوم العدد ولا المشاهد مع الضميمة المعلومة. وقد ذهب الشيخ هنا الى الجواز ايضا. كما ذهب الى الجواز في بيع اللبن في الضرع إذا ضم إليه لبن محلوب، بل مع الضميمة الى ما يوجد في مدة معلومة. وفصل آخرون - والظاهر: انه المشهور بين المتأخرين - بأنه ان كان المقصود بالبيع هو الضميمة المعلومة وجعل ما عداها تابعا صح البيع، وان عكس أو كانا مقصودين لم يصح، وكذا القول في كل مجهول ضم إليه معلوم. والذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام: ما رواه الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب، عن سماعة في الموثق، قال: سألته عن اللبن يشترى وهو في الضرع ؟ فقال: لا، الا ان يحلب لك منه اسكرجة فيقول: اشتر منى هذا اللبن الذى في الاسكرجة وما بقى في ضرعها بثمن مسمى، فان لم يكن في الضرع شئ كان ما في

[ 488 ]

الاسكرجة (1) أي كان المبيع ما في سكرجة. واسكرجة - بضم الهمزة وسكون السين، وضم الكاف، والراء المشددة -: اناء صغير فارسي معرب. وهذه الرواية - كما ترى - ظاهرة فيما ذهب إليه الشيخ. والاصحاب ردوها بضعف السند، وهو عندنا غير معتمد. وظاهر هذه الرواية عدم اشتراط الكيل والوزن في اللبن. وما رواه في الكافي في الصحيح عن عيص بن القاسم، قال: سألت ابا عبد الله - عليه السلام - عن رجل له غنم يبيع ألبانها بغير كيل، قال: نعم، حتى تنقطع اوشئ، منها (2). قال المحدث الاسترابادي - عطر الله مرقده - في حواشيه على الكافي: قوله " يبيع البانها بغير كيل " يعنى اللبن في الضرع كالثمرة على الشجرة ليس مما يكال عادة، فهل يجوز بيعها بغير كيل ؟ قال: نعم. لكن لابد من تعيين ذلك، بأن يقال: الى انقطاع الالبان اوالى انفصال اللبن من الضرع، فيوافق الخبر الثاني. والله يعلم. انتهى. وقال المحدث الكاشانى في الوافى - ذيل الخبر المذكور -: أي يشترط ان ينقطع الالبان من الثدى، أي تحلب اما كلها أو بعضها، واما إذا كان كلها في الثدى ولم يحلب شئ منها بعد فلا يجوز بيعها ويشبه ان يكون " حتى " تصحيف " متى ". اقول: يأتي - على احتمال المحدث الاول - جواز بيعها في ضروعها كالثمرة على النخلة. وظاهره صحة ذلك من غير ضميمة، لكن لابد من التقييد بانقطاع الالبان، ونحوها مما ذكره وعلى كلام المحدث الثاني،: جواز بيع ما في الضروع مع انفصال بعضه كما دل عليه موثق سماعة، وان الممنوع منه انما هو البيع ما دام في الضرع


(1) الوسائل ج 12 ص 259 حديث: 2 باب: 8 (2) المصدر حديث: 1 باب 8

[ 489 ]

ولم يحلب منه شئ بالكلية فعلى كل من الاحتمالين فالخبر دال على خلاف ما هو المشهور من عدم الجواز كذلك. وكيف كان فظاهر هذا الخبر - ايضا - جواز بيع اللبن بغير كيل ولا وزن. وما رواه في الكافي والتهذيب عن البزنطى عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا كانت أجمة ليس فيها قصب، اخرج شئ من السمك، فيباع وما في الاجمة (1). وظاهر الخبر: انه لو كان فيها قصب فانه لا يحتاج الى ضميمة اخرى زائدة على القصب وسمك الاجمة، لان القصب معلوم بالمشاهدة. وما رواه الشيخ في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا بأس ان يشترى الاجام إذا كان فيها قصب (2). وهى كسابقتها بل اصرح. وعن ابى بصير عن ابى عبد الله في شراء الاجمة ليس فيها قصب انما هي ماء. قال: يصيد كفا من سمك، فنقول: اشترى منك هذا السمك وما في الاجمة بكذا وكذا (3). والاصحاب أيضا ردوا هذه الروايات بضعف السند. قال في المسالك -، في مسألة بيع الاجام -: والقول بالجواز مع الضميمة مذهب الشيخ استنادا الى اخبار ضعيفة ثم رجح ما اختاره المتأخرون من التفصيل الذى قدمنا نقله عنهم. وقال - في مسألة بيع اللبن في الضرع -: جوزه الشيخ مع الضميمة ولو الى ما يوجد في مدة معلومة استنادا الى رواية ضعيفة، والوجه المنع الا على التفصيل السابق. اقول: العجب منهم في مسألة بيع المسك في فأره يجوزونه مع الجهالة المطلقة


(1) الوسائل ج 12 ص 263 حديث: 2 باب: 12 (2) المصدر ص 264 حديث: 5 (3) المصدر حديث: 6

[ 490 ]

وعدم المعلومية بوجه، ويخرجون عن مقتضى قاعدتهم المتقدمة من غير دليل، ويمنعونه في هذا الموضع مع ورود الاخبار بجوازه وقوفا على تلك القاعدة وتمسكا بها، وردا للاخبار المذكورة لمخالفتها لها، مع حصول المعلومية في الجملة، وتأيد هذه الاخبار في موضع الحاجة إليها، وغض النظر عن ضعفها. وبالجملة فان الحق هنا ما ذهب إليه الشيخ فيما دلت عليه هذه الاخبار، والى ذلك يميل كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد، والفاضل الخراساني في الكفاية. الثاني عشر: المشهور انه لا يجوز بيع الجلود والاصواف والاشعار على الانعام وان ضم إليه غيره ايضا، لجهالة مقداره، مع كون غير الجلود موزونا، فلا يصح بيعه جزافا. قال في المسالك - بعد نقل ذلك عنهم -: والاقوى جواز بيع ما عدا الجلد منفردا أو منضما مع مشاهدته وان جهل وزنه، لانه غير موزون كالثمرة على الشجرة، وان كان موزونا لو قلع كالثمرة. وفي بعض الاخبار دلالة عليه. انتهى. وهو جيد. والظاهر ان الرواية التى اشار إليها هي: ما رواه الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب عن ابراهيم الكرخي، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل اشترى من رجل اصواف مأة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهما ؟ فقال: لا بأس ان لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف (1). والرواية - كما ترى - دالة على جواز بيع الصوف ونحوه من الاوبار والاشعار على ظهر الدابة وحدها وكذا صريحها يدل على ما قدمنا نقله عن المسالك من الجواز هنا. لكن قيده بما إذا كان المقصود بالذات هو ما على الظهور، وقوفا على القاعدة التى قدمناها عنهم. في ضم المعلوم الى المجهول. وبذلك صرح - ايضا - في الكتاب المذكور، حيث قال - بعد قول المصنف


(1) الوسائل ج 12 ص 261 حديث: 1

[ 491 ]

في تعداد ما لا يجوز بيعه " وكذا الجلود والاصواف والاوبار والشعر على الانعام، ولو ضم إليه غيره، وكذا ما في بطونها، وكذا لو ضمهما " - ما صورته: ضمير المثنى يعود الى النوعين السابقين، وهما ما في بطونها وما على ظهورها من الصوف الشعر والوبر، والمراد: انه لا يصلح بيع كل واحد منهما منفردا ولا منضما الى غيره، ولا احدهما منضما الى الاخر. وحيث عرفت ان بيع ما على الظهور من المذكورات صحيح، فيجوز ضم ما في البطن إليه إذا كان المقصود بالذات هو ما على الظهر، ما تقدم في القاعدة. انتهى. وفيه: ان روايات الضمائم - على تعددها - لا أشعار فيها بهذا التقييد الذى كروه، من ان المقصود بالذات هو الضميمة خاصة. وغاية ما تدل عليه هو: انه مع عدم حصول ذلك المجهول يصير الثمن في مقابل الضميمة المعلومة. واما كونها هي المقصودة بالبيع فلا. بل ربما اشعر ظاهرها: ان المقصود بالبيع انما هو ذلك المبيع المضموم إليه، وانما جعلت هذه الضميمة من قبيل الحيل الشرعية، لئلا يلزم اخذ الثمن بغير عوض يقابله ليخرج من باب البيع المبنى على المعاوضة. وقال في الدروس: والاقرب جواز بيع الصوف والوبر والشعر على ظهور الانعام منفردا إذا اريد جزه في الحال، أو بشرط بقائه الى أوان جزة. وانت خبير - بناء على ما حققناه كما دلت عليه الرواية المتقدمة واختاره في المسالك - انه لا ثمرة لهذا الشرط، إذ المبيع حينئذ مشاهد، والوزن غير معتبر فيه في تلك الحال، فيجوز بيعه. واشتراط جزه لا مدخل له في الصحة بوجه فالاظهر عدم اشتراطه. وغاية ما يلزم: انه ببقائه يمتزج بمال البائع وهو لا يقتضى بطلان البيع، إذ المرجع حينئذ الى الصلح كما سيأتي مثله انشاء الله في لقطة الخضر. ثم ان ظاهر عبارة المسالك المتقدمة - اولا -: هو عدم جواز بيع الجلد على ظهر الحيوان مطلقا. وكأنه اتفاقى بينهم، والا فما المانع من بيعه مع الضميمة كما

[ 492 ]

في الاشعار والاوبار مع مشاهدة الحيوان الذى عليه الجلد، فالمشاهدة مشتركة بين الجلد من الاشعار ونحوها وعموم الادلة والاكتفاء بالمعلومية الجملية كما في غير موضع مما عرفت وستعرف يقتضى الصحة كما لا يخفى. ثم ان رواية الكرخي (1) المتقدمة قد دلت على جواز بيع الحمل مع ضميمة الصوف كما عرفت، والاصحاب قد صرحوا بالعدم الا إذا ضم الحمل الى الام، وكانت الام هي المقصودة بالبيع، عملا بالقاعدة التى تقدم نقلها منهم. قال العلامة - في التذكرة -: لو باع الحمل مع امه جاز اجماعا سواء كان في الادمى أو غيره. ثم قال - بعد هذا -: لو قال: بعتك هذه الدابة وحملها لم يصبح عندنا، لما تقدم ان الحمل لا يصلح مبيعا ولا جزء منه. اقول: والاقرب هو الجواز مع الضميمة مطلقا للخبر المتقدم المعتضد بما صرحوا به في غير موضع من الاكتفاء بمعلومية المبيع في الجملة، ومنع الاصحاب من بيع الملاقيح - وهو: ما يلقحه الفحل وتحمله الناقة - منفردا أو منضما، وجهه ظاهر، لانه معدوم، ومن شرط المبيع ان يكون موجودا حال البيع. ويمكن ان يستدل عليه بما رواه الشيخ في الحسن - بابراهيم بن هاشم - عن محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: لاتبع راحلة عاجلة بعشر ملاقيح من اولاد جمل في قابل (2). والتقريب فيها: البناء على عدم الفرق بين الشراء والبيع. وروى الصدوق في معاني الاخبار عن محمد بن هارون الزنجانى عن على بن عبد العزيز عن القاسم بن سلام باسناد متصل الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه نهى عن المجر، وهو ان يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة. ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن الملاقيح والمضامين.


(1) الوسائل ج 12 ص 261 حديث: (2) المصدر ص 262 حديث: 3

[ 493 ]

فالملاقيح: ما في البطون، وهي الاجنة. والمضامين: ما في اصلاب الفحول وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضرب الفحل في عامه وفي اعوامه. ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع حبل الحبلة. ومعناه: ولد ذلك الجنين الذى في بطن الناقة، أو هو نتاج النتاج، وذلك غرر انتهى (1). الثالث عشر: قالوا: إذا كان المبيع في ظرف جاز وزنه وبيعه معه، وان يندر (2) للظرف ما جرت به العادة مما يحتمل كونه بذلك القدر أو ازيد قليلا أو انقص كذلك، فلو علم يقينا زيادة المسقط على وزنه لم يصح الا بتراضى المتبايعين، لان في ذلك تضييعا لمال احدهما، بخلاف ما إذا كان برضاهما. قيل: وكما لا يجوز وضع ما يزيد كذا ما ينقص لاشتراكهما في المعنى. قالوا: ويجوز بيعه مع الظرف بغير وضع، بمعنى جعل الموزون المجموع من الظرف والمظروف بسعر واحد، ولا يضر جهل وزن كل واحد، لان معرفة الجملة كافية كنظائره مما يباع منضما. وقيل: لا يصح حتى يعلم مقدار كل واحد منهما منفردا، لانها في قوة مبيعين. ورد بأنه ضعيف. اقول: والذى وقفت عليه هنا من الاخبار المتعلقة بهذا الحكم: ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب عن حنان في الموثق، قال: كنت جالسا عند ابى عبد الله عليه السلام فقال له معمر الزيات: انا نشترى الزيت في زقاقه فيحسب لنا النقصان فيه لمكان الزقاق. فقال له: ان كان يزيد وينقص فلا بأس، وان كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه (3). وروى في التهذيب عن على بن ابى حمزة قال: سمعت معمر الزيات يسأل ابا عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك، انى رجل ابيع الزيت - الى ان قال -: فانه


(1) الوسائل ج 12 ص 262 حديث: 2 (2) الاندار - بالدال المهملة -: الاسقاط (3) الوسائل ج 12 ص 273 حديث: 4

[ 494 ]

يطرح لظروف السمن والزيت لكل ظرف كذا وكذا رطلا، فربما زاد وربما نقص. قال: إذا كان عن تراض منكم فلا باس (1). وروى محمد بن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يشترى المتاع وزنا في الناسية والجوالق، فيقول: ادفع للناسية رطلا أو اكثر من ذلك. ايحل ذلك البيع ؟ قال: إذا لم يعلم وزن الناسية والجوالق فلا بأس إذا تراضيا (2). ويستفاد من الخبر الاول: انه مع احتمال الزيادة والنقصان في الظروف فانه لا بأس لوقوع احدهما موقع الاخر، الا ان الخبر الثاني قيده بالتراضى، وكذا ظاهر الخبر الثالث، وهو احوط ودل الخبر الاول على انه - مع معلومية الزيادة - فلا يجوز وظاهر الخبر: المنع وان حصل التراضي والاصحاب - كما عرفت - جوزوه مع التراضي، الا ان يحمل الخبر على ذلك، لان المدار في البيع على التراضي، الا ان يمنع عنه مانع من خارج في مواضع مخصوصة منصوصة. ثم ان ما قيل من قياس النقيصة على الزيادة في عدم الجواز الا مع التراضي - كما تقدم نقله - يمكن الخدشة فيه بان المراد من كلامهم المنقول - اولا - ان اندار المحتمل لا يحتاج الى المراضاة، وانما المحتاج إليها ما يزيد. ولعل الوجه: انه يجوز ذلك للمشترى لقلة التفاوت لو كان التسامح بمثله بين الناس غالبا، مع انه غير معلوم فيحمل على الغالب مع عدم اليقين. ولا يجوز له اندار الزيادة الا مع رضاء البائع، وحينئذ فلا يرد اشتراط ذلك في النقصان. وبالجملة فان الاندار انما هو حق المشترى، لانه قد اشترى - مثلا - مأة من من السمن في هذه الظروف، فالواجب دفع قيمة المأة المذكورة، وله اسقاط ما يقابل


(1) المصدر ص 272 حديث: 1 باب: 20 (2) المصدر ص 273 حديث: 3

[ 495 ]

الظروف من هذا الوزن المذكور، فمتى كانت الظروف فيها ما يزيد وينقص حمل زيادتها على نقيصتها - كما تقدم في الاخبار - واسقط ذلك، إذ فيها ما يحتمل الزيادة والنقيصة قليلا بحيث جرت العادة بالتسامح في مثله، فان له اسقاطه. اما لو كان معلوم الزيادة فليس له الاسقاط الا برضاء البائع لدخول النقص عليه بذلك، واما معلوم النقيصة فان البائع لا يندره ويدخل على نفسه الضرر بالنقصان. وبذلك يظهر لك ان قياس أحدهما على الاخر ليس في محله. والله العالم. وأما ما ذكروه من أنه يجوز بيعه مع الظروف من غير وضع، فانه وان جاز من حيث عدم ضرر الجهل بكل منهما على حدة، لان معرفة الجملة كافية كما ذكروه الا أنه يستلزم كون قيمة الظرف قيمة المظروف، والغالب التفاوت، وربما يكون فاحشا، فيلزم الضرر بالمشترى فالواجب تقييده برضاء المشترى، كما قيدوا به في صورة زيادة الظرف يقينا. والحكم المذكور غير منصوص ليتبع فيه اطلاق النص، الا ان يقال: ان اطلاق كلامهم يحمل على ذلك. * * * الى هنا تم الجزء الثامن عشر حسب تجزئتنا. وبه يكتمل أحكام المكاسب والبيوع. ويبتدئ الجزء التالى (19) باحكام الخيارات. ونسأل الله التوفيق في اكمال هذه الموسوعة الجليلة التى يفخر بها فقه الامامية على طول الزمان. والله ولى التوفيق 17 ربيع الاغر وأما ما ذكروه من أنه يجوز بيعه مع الظروف من غير وضع، فانه وان جاز من حيث عدم ضرر الجهل بكل منهما على حدة، لان معرفة الجملة كافية كما ذكروه الا أنه يستلزم كون قيمة الظرف قيمة المظروف، والغالب التفاوت، وربما يكون فاحشا، فيلزم الضرر بالمشترى فالواجب تقييده برضاء المشترى، كما قيدوا به في صورة زيادة الظرف يقينا. والحكم المذكور غير منصوص ليتبع فيه اطلاق النص، الا ان يقال: ان اطلاق كلامهم يحمل على ذلك. * * * الى هنا تم الجزء الثامن عشر حسب تجزئتنا. وبه يكتمل أحكام المكاسب والبيوع. ويبتدئ الجزء التالى (19) باحكام الخيارات. ونسأل الله التوفيق في اكمال هذه الموسوعة الجليلة التى يفخر بها فقه الامامية على طول الزمان. والله ولى التوفيق 17 ربيع الاغر 1397 ه‍.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية