الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الحدائق الناضرة - المحقق البحراني ج 10

الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 10


[ 1 ]

كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 هجرية حققه وعلق عليه محمد تقي الايرواني الجزء العاشر منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المطلب الثاني في شروط وجوب الجمعة وهى امور: أحدها الامام، وثانيها العدد، وثالثها الخطبتان، ورابعها الجماعة وخامسها ان لا يكون هناك جمعة اخرى دون ثلاثة اميال، وسادسها الوقت، فالكلام في هذا المطلب يقتضى بسطه في مقاصد: (الاول) في الامام ويشترط فيه امور: (الاول) - البلوغ فلا تصح امامة الصبى وان كان مميزا، وقال العلامة في المنتهى انه لا خلاف فيه، مع ان المنقول عن الشيخ في الخلاف والمبسوط جواز امامة الصبى المراهق المميز العاقل في الفرائض وهو ظاهر في ثبوت الخلاف في المسألة، واماما اوله به في المدارك من الحمل على غير الجمعة - حيث قال: والظاهر ان مراده بالفرائض ما عدا الجمعة - فلا يظهر له وجه سيما مع دلالة ظواهر جملة من الاخبار على ذلك: ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الحسن أو الصحيح بابراهيم بن هاشم عن عبد الله بن المغيرة عن غياث بن ابراهيم البترى الثقة عن ابى عبد الله

[ 3 ]

(عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بالغلام الذى لم يبلغ الحلم ان يؤم القوم وان يؤذن ". وفى الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " تجوز صدقة الغلام وعتقه ويؤم الناس إذا كان له عشر سنين ". وفى رواية طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: " لا بأس ان يؤذن الغلام الذى لم يحتلم وان يؤم ". وهذه الاخبار كما ترى ظاهرة الدلالة في ما نقل عن الشيخ وبها يترجح ما ذهب إليه. قال في المدارك بعد تأويله كلام الشيخ بما قدمنا نقله عنه: وكيف كان فالاصح اعتبار البلوغ مطلقا لاصالة عدم سقوط التكليف بالقراءة بفعل الصبى، ولان غير المكلف لا يؤمن من اخلاله بواجب أو فعل محرم فلا يتحقق الامتثال، ويؤيده رواية اسحاق بن عمار عن الصادق عن ابيه عن آبائه عن على (عليهم السلام) (4) انه قال: " لا بأس ان يؤذن الغلام قبل أن يحتلم ولا يؤم حتى يحتلم " أقول: لا يخفى ان ما ذكره من التعليلات لا وجه له في مقابلة ما نقلناه من الروايات وهل هو إلا من قبيل الاجتهاد في مقابلة النص، واما ما ذكره من الاصل فيجب الخروج عنه بالدليل وقد عرفته. بقى الكلام في الخبر الذى نقله ويمكن حمله على غير المميز. وظاهر المحقق الاردبيلى (قدس سره) تقوية هذا القول لولا الاجماع المدعى من العلامة في المنتهى، قال: ولولا الاجماع المنقول في المنتهى لأمكن القول بصحة امامة الصبى المميز مع الاعتماد عليه لان عبادته شرعية، وقد صرح به في المنتهى في كتاب الصوم وغيره. انتهى. أقول: قد عرفت في المطلب المتقدم ما في هذه الاجماعات وانه ليس فيها إلا تكثير السواد واضاعة المداد ولا سيما في مقابلة الاخبار الظاهرة في المراد.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

[ 4 ]

ثم ان في هذه الرواية التى اعتمد عليها في المدارك زيادة مؤكدة لما اراده ولم ينقلها حيث قال بعد قوله: " ولا يؤم حتى يحتلم ": " فان ام جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه " ويمكن حملها ايضا على تأكد الكراهة جمعا بين الاخبار كما هي قاعدتهم في هذا المضمار. وبالجملة فالظاهر عندي هو قوة ما ذهب إليه الشيخ وان كان الاحتياط في ما ذهبوا إليه. والله العالم. الثاني - العقل فلا تنعقد امامة المجنون قولا واحدا لعدم الاعتداد بفعله. بقى الكلام في ما لو كان يعتريه الجنون ادوارا فهل تجوز امامته في حال الافاقة ؟ الظاهر ذلك وهو المشهور وبه صرح العلامة في باب الجماعة من التذكرة على ما نقل عنه إلا انه قطع في باب الجمعة من التذكرة على ما حكى عنه بالمنع من امامته مستندا إلى امكان عروضه حال الصلاة له، ولانه لا يؤمن احتلامه في حينه بغير شعوره فقدروى ان المجنون يمنى في حال جنونه (1) ولهذه العلة نقل عن العلامة في النهاية انه يستحب له الغسل بعد الافاقة. ولا يخفى ضعف ما استند إليه من التعليلين المذكورين الثالث - الايمان وهو عبارة عن الاقرار بالاصول الخمسة التى من جملتها امامة الائمة الاثنى عشر (عليهم السلام) ولا خلاف بين الاصحاب في اشتراطه. وعليه تدل الاخبار المتظافرة، ومنها ما رواه في الكافي عن زرارة باسنادين أحدهما من الصحاح أو الحسان بابراهيم بن هاشم (2) قال: " كنت جالسا عند ابى جعفر (عليه السلام) ذات يوم إذا جاءه رجل فدخل عليه فقال له جعلت فداك انى رجل


(1) علل في التذكرة في المسالة 3 من البحث الثاني في السلطان من صلاة الجمعة منع امامة الادواري بوجوه ثلاثة وهي الوجهان المتقدمان في المتن وانه ناقص عن المراتب الجليلة. واما الرواية فهي من كلام السبزواري في الذخيرة في شروط النائب ولم يستند إليها في التذكرة. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة.

[ 5 ]

جار مسجد لقومي فإذا انا لم أصل معهم وقعوا في وقالوا هو هكذا وهكذا ؟ فقال اما لئن قلت ذاك لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له. فخرج الرجل فقال له لا تدع الصلاة معهم وخلف كل امام. فلما خرج قلت له جعلت فداك كبر على قولك لهذا الرجل حين استفتاك فان لم يكونوا مؤمنين ؟ قال فضحك (عليه السلام) ثم قال ما اراك بعد إلا ههنا يا زرارة فاية علة تريد اعظم من انه لا يؤتم به ؟ ثم قال يا زرارة اما تراني قلت صلوا في مساجدكم وصلوا مع أئمتكم ؟ ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى عبد الله البرقى (1) قال " كتبت إلى ابى جعفر (عليه السلام) جعلت فداك أيجوز الصلاة خلف من وقف على ابيك وجدك (صلو ات الله عليهما) ؟ فأجاب لا تصل وراءه ". وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن اسماعيل الجعفي (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل يحب أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا يتبرأ من عدوه ويقول هو احب إلى ممن خالفه ؟ فقال هذا مخلط وهو عدو فلا تصل خلفه ولا كرامة إلا ان تتقيه ". وما رواه في التهذيب عن ابراهيم بن شيبة (3) قال: " كتبت إلى ابى جعفر (عليه السلام) اسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح ؟ فكتب ان جامعك واياهم موضع فلم تجدبدا من الصلاة فاذن لنفسك واقم فان سبقك إلى القراءة فسبح ". وما رواه الكليني في الحسن عن زرارة (4) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين ؟ فقال ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر ". وعن ابى على بن راشد (5) قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) ان مواليك قد اختلفوا فاصلي خلفهم جميعا ؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه ".


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة. (3) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.

[ 6 ]

وما رواه الكشى في كتاب الرجال عن يزيد بن حماد عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: " قلت له اصلى خلف من لا اعرف ؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة مما يدل على بطلان عبادة المخالفين وعدم الاعتداد بالصلاة خلفهم. الرابع - طهارة المولد وهو ان لا يعلم كونه ابن زنا، وهو مذهب الاصحاب من غير خلاف ينقل. ويدل عليه ما رواه في الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا ورواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلين احدكم خلف المجذوم والابرص والمجنون والمحدود وولد الزنا والاعرابي لا يؤم المهاجرين ". وما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن ابى بصير - والظاهر انه ليث المرادى بقرينة رواية عبد الله بن مسكان عنه - عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم والابرص والمجنون وولد الزنا والاعرابي ". وما رواه في الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) انه قال: " خمسة لا يؤمون الناس ولا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة: الابرص والمجذوم وولد الزنا والاعرابي حتى يهاجر والمحدود ". ولا عبرة بمن تناله الالسن وكذا لا تقدح ولادة الشبهة ولا كونه مجهول الاب كما صرح به جملة من الاصحاب، لاصالة عدم المانع مع وجود المقتضى. وربما قيل بالكراهة لنفرة النفس من من هذا شأنه الموجبة لعدم كمال الاقبال على العبادة،


(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة. (2) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة عن الكافي والفقيه وكذا في الوافي باب (صفة امام الجماعة...) ولم نعثر عليه في التهذيب في مظانه. (3) و (4) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.

[ 7 ]

قال في الذكرى: وفى كراهة الائتمام بهؤلاء قول لا بأس به لنقصهم وعدم كمال الانقياد إلى متابعتهم. انتهى. الخامس - الذكورة فلا تصح امامة المرأة ولا الخنثى لعدم جواز امامتهما للرجال كما سيأتي في باب الجماعة ان شاء الله تعالى، قال في التذكرة يشترط في امامة الرجال الذكورة عند علمائنا اجمع وبه قال عامة العلماء (1) ولا ريب في اشتراطها بناء على ان الجمعة لا تنعقد بالمرأة ولا بالخنثى. السادس - السلامة من البرص والجذام والحد الشرعي والاعرابية، أما الاول والثانى فاختلف الاصحاب في جواز امامتهما، فقال الشيخ في النهاية والخلاف بالمنع من ذلك مطلقا وهو اختيار العلامة في المنتهى والسيد السند في المدارك، وقال المرتضى في الانتصار وابن حمزة بالكراهة، وقال الشيخ في المبسوط وابن البراج وابن زهرة بالمنع من امامتهما إلا بمثلهما، وقال ابن ادريس يكره امامتهما في ما عدا الجمعة والعيد واما فيهما فلا يجوز. والذى وقفت عليه من اخبار المسألة ما تقدم (2) من صحيحتي زرارة وابى بصير ورواية محمد بن مسلم الدال جميعه على النهى عن الصلاة خلفهما. ومنها - ما رواه الشيخ عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال: لا يصلى بالناس من في وجهه آثار ". وما رواه الشيخ عن عبد الله بن يزيد (4) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المجذوم والابرص يؤمان المسلمين ؟ قال نعم قلت هل يبتلى الله بهما المؤمن ؟ قال نعم


(1) في المغني ج 2 ص 199 (لا يصح ان يأتم الرجل بالمرأة بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء) وفي بدائع الصنائع ج 1 ص 262 (المراة لا تصلح للامامة في سائر الصلوات ففي الجمعة اولى) وفي ص 227 صرح بعدم صلوح المرأة لامامة الرجال. وفي بداية المجتهد ج 1 ص 132 (الجمهور على انه لا يجوز ان تؤم المرأة الرجال). (2) ص 6 (3) و (4) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.

[ 8 ]

وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمن ". وما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقى في كتاب المحاسن في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المجذوم والابرص منا أيؤمان المسلمين ؟ قال نعم وهل يبتلى الله بهذا إلا المؤمن وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمنين ". وروى الصدوق في كتاب الخصال في الصحيح على الاظهر عن الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: " ستة لا ينبغى ان يؤموا الناس: ولد الزنا والمرتد والاعرابي بعد الهجرة وشارب الخمر والمحدود والاغلف " ولفظ " لا ينبغى " في الخبر المذكور مراد به التحريم كما هو شائع في الاخبار. وجملة من المتأخرين جمعوا بين الاخبار بحمل الاخبار الاولة على الكراهة. والشيخ حمل رواية عبد الله بن يزيد على الضرورة في الجماعة بان لا يوجد غيرهما أو يكونا امامين لامثالهما، ولا يخلو من بعد. وظاهر صاحب المدارك بل صريحه العمل بالروايات الاولة حيث ان فيها الصحيح وهو يدور مداره غالبا، وطعن في رواية عبد الله بن يزيد بضعف السند بجهالة الراوى، ثم قال بعد كلام في البين: نعم لو صح السند لامكن حمل النهى الواقع في الاخبار المتقدمة على الكراهة كما هو مذهب المرتضى (قدس سره). وقال في الذكرى بعد نقل الجمع بين الاخبار بحمل الاخبار الاول على الكراهة: ويلزم منه استعمال المشترك في معنييه لان النهى في ولد الزنا والمجنون محمول على المنع من النقيض قطعا فلو حمل على المنع لامن النقيض في غيرهما لزم المحذور. ويمكن ان يقال لا مانع من استعمال المشترك في معنييه، وان سلم فهو مجاز لا مانع من ارتكابه انتهى. اقول: والمسألة عندي لا تخلو من شوب التوقف فان الاخبار المتقدمة مع


(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة وفي المحاسن ص 326. (2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة (وهل كتب البلاء)

[ 9 ]

صحة سند اكثرها صريحة في التحريم والحمل على الكراهة مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة ولا قرينة فيها تؤذن بذلك، ووجود المخالف ليس قرينة إذ يحتمل الحمل على معنى آخر من تقية ونحوها. ويحتمل العكس ايضا. وبالجملة فانه لا يحضرني الان مذهب المخالفين في هذه المسألة (1) ولعل اخبار أحد الطرفين انما خرج مخرج التقية واما القولان الآخران فلم نقف لهما على دليل. والله العالم. واما الثالث وهو المحدود فان كان قبل التوبة فلا إشكال في عدم جواز الائتمام به لفسقه، وان كان بعدها فقد حكم الاكثر بكراهة امامته، وعلله في المعتبر بنقص رتبته عن منصب الامامة وان زال فسقه بالتوبة. ونقل عن ابى الصلاح انه منع من امامة المحدود بعد التوبة إلا بمثله. ورده الاكثر بان المحدود ليس اسوأ حالا من الكافر وبالتوبة واستجماع الشرائط تصح امامته. اقول: ومما ردوا به كلام ابى الصلاح يعلم الرد لما ذكروه من الكراهة ايضا فان الظاهر انهم لا يقولون بكراهة الائتمام بالكافر بعد الاسلام إذا استجمع شرائط الامامة فالمحدود بطريق اولى بمقتضى ما ذكروه والظاهر حمل الاخبار المتقدمة الدالة على النهى عن الائتمام به على ما قبل التوبة لظهور الفسق المانع من ذلك. واما الرابع وهو الاعرابي فالمراد به الاعرابي بعد الهجرة كما افصح به خبر الاصبغ بن نباتة وخبر محمد بن مسلم وعليهما يحمل ما اطلق في غيرهما، والوجه في المنع من امامته ظاهر لاخلاله بالواجب عليه وهو الهجرة واصراره على الترك بغير عذر شرعى، وسيأتى ان شاء الله تعالى في جملة من الاخبار الدالة على عدد الكبائر ان من جملتها التعرب بعد الهجرة إلا ان تحققه في مثل هذه الازمنة غير معلوم. والاصحاب في هذه المسألة منهم من أطلق المنع كالشيخ وجماعة ومنهم من أطلق الكراهة.


(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 156 (تجوز امامة العبد والاعرابي والاعمى وولد الزنا وعليه قول العامة لقوله صلى الله عليه واله: صلوا خلف من قال لا اله الا الله).

[ 10 ]

وفصل في المعتبر في ذلك بما يرجع إلى الفراق بين من لا يعرف محاسن الاسلام ولا وصفها فالامر كما ذكروه من المنع وبين من وصل إليه ما يكفيه اعتماده ويدين به ولم يكن تلزمه المهاجرة وجوبا جاز ان يؤم. وفيه ان ما ذكره لا اختصاص له بالاعرابي كما لا يخفى بل الاظهر كما عرفت انما هو ما قلناه لانه الذى دلت عليه الاخبار المذكورة. نعم قد روى الحميرى في كتاب قرب الاسناد باسناده عن جعفر بن محمد عن ابيه عن على (عليه السلام) (1) في حديث قال: " وكره ان يؤم الاعرابي لجفائه عن الوضوء والصلاة ". وملخص الكلام في ما يفهم من هذه الاخبار هو المنع والتحريم في من ترك الهجرة مع وجوبها عليه والجواز على كراهة في من لم يكن كذلك مع عدم كماله في معرفة احكام الطهارة والصلاة. ويحتمل حمل أخبار المنع على ما إذا كان يؤم بالمهاجرين كما يستفاد من صحيح زرارة المتقدم في اشتراط طهارة المولد. السابع - العدالة وهى مما طال فيها الكلام بين علمائنا الاعلام بابرام النقض ونقض الابرام وصنفت فيها الرسائل وتعارضت فيها الدلائل فلا جرم انا ارخينا للقلم عنانه في هذا الميدان واعطينا المسألة حقها من البينان بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعيان: والكلام فيها يقع في مقامات (الاول) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في اشتراط عدالة امام الجماعة مطلقا ونقل اجماعهم على ذلك جمع كثير منهم، بل نقل ذلك عن بعض المخالفين وهو أبو عبد الله البصري محتجا باجماع أهل البيت (عليهم السلام) (2) وان اجماعهم حجة.


(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة (2) ذكر ذلك الشيخ في الخلاف ص 82 نقلا عن السيد المرتضى ولم يتعرض له السيد في الانتصار والناصريات وابو عبد الله البصري كما في المنتظم لابن الجوزي ج 7.

[ 11 ]

واحتج الاصحاب على ذلك بقوله عز وجل " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " (1) والفاسق ظالم لقوله تعالى " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " (2) والائتمام ركون لان معنى الركون هو الميل القلبى. اقول: لا يخفى ان غاية ما يدل عليه هذا الدليل هو عدم جواز امامة الفاسق خاصة وهو أخص من المدعى إذا المدعى اعتبار العدالة باحد المعاني الآتية ان شاء الله تعالى المؤذن بعدم ثبوتها لمجهول الحال ايضا والدليل المذكور لا يشمله. والعمدة في الاستدلال على ذلك انما هي الاخبار الواضحة المنار، ومنها ما رواه الشيخ عن خلف بن حماد عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا تصل خلف الغالى وان كان يقول بقولك والمجهول والمجاهر بالفسق وان كان مقتصدا " ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا (4) وفى اوله " ثلاثة لا يصلى خلفهم... إلى آخر ما ذكر ". وما رواه الشيخ في الصحيح إلى سعد بن اسماعيل عن ابيه (5) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الامر اصلى خلفه ؟ قال لا " ومعنى " يقارف " أي يقارب، قال في النهاية: قارف الذنب وغيره إذا داناه ولا صقه وهو كناية عن فعل الذنوب. وما رواه الكليني والشيخ عن ابى على بن راشد (6) قال: " قلت لابي جعفر


= ص 107 يعرف بالجعل سكن بغداد وكان من شيوخ المعتزلة وصنف على مذاهبهم وانتحل في الفروع مذهب اهل العراق. وذكر المصنف (قدس سره) في لؤلؤة البحرين عند ذكر الشيخ المفيد نقلا عن الشيخ ورام ان الشيخ المفيد اشتغل بالعربية على الشيخ ابي عبد الله المروف بجعل. (1) سورة هود الاية 115 (2) سورة الطلاق الاية 1 (3) و (6) الوسائل باب 10 من صلاة الجماعة وكلمة (وامانته) في التهذيب (4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة وفي الخصال ج 1 ص 74. (5) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعه.

[ 12 ]

(عليه السلام) ان مواليك قد اختلفوا فاصلي خلفهم جميعا ؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه وامانته ". وما رواه الشيخ عن ابراهيم بن على المرافقى وابى أحمد عمرو بن الربيع البصري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) " انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال إذا كنت خلف الامام تولاه وتثق به فانه يجزئك قراءته، وان احببت ان تقرأ فاقرأ في ما يخافت فيه فإذا جهر فانصت قال الله تعالى: " وانصتوا لعلكم ترحمون " (2) قال فقيل له فان لم اكن اثق به فاصلي خلفه واقرأ ؟ قال لا صل قبله أو بعده... الحديث ". وما رواه في الفقيه عنه (صلى الله عليه واله) (3) " امام القوم وافدهم فقدموا افضلكم " قال وقال على (عليه السلام) (4) " ان سركم ان تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد في المواثق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (5) " ان النبي (صلى الله عليه واله) قال ان أئمتكم وفدكم إلى الله تعالى فانظروا من توفدون في دينكم وصلاتكم ". وعن ابى ذر (6) " ان امامك شفيعك إلى الله عز وجل فلا تجعل شفيعك سفيها ولا فاسقا، إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليها المتتبع. (المقام الثاني) - في بيان معنى العدالة وانها عبارة عماذا ونقل اقوال جملة من علمائنا الاعلام رفع الله تعالى اقدارهم في دار المقام: فنقول: اعلم ان العدالة لغة مأخوذة من العدل وهو القصد في الامور ضد الجور " وقيل من العدالة بمعنى الاستواء والاستقامة كما يقال " هذا عدل هذا " أي


(1) الوسائل الباب 31 و 6 من صلاة الجماعة. والراوي الثاني عنون في كتب الرجال في (عمر) بلا واو (2) سورة الاعراف الاية 203. (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. والحديث (4) عن النبي صلى الله عليه واله (6) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة

[ 13 ]

مساوله، واعتدل الشيئان أي تساويا، وفى اصطلاح ارباب الحكمة واهل العرفان عبارة عن تعديل قوى النفس وتقويم افعالها بحيث لا يغلب بعض على بعض. وتوضيح ذلك ان للنفس الانسانية قوة عاقلة هي مبدأ الفكر والتمييز والشوق إلى النظر في الحقائق والتأمل في الدقائق، وقوة غضبية هي مبدأ الغضب والجرأة لدفع المضار والاقدام على الاهوال والشوق إلى التسلط على الرجال، وقوة شهوية هي مبدأ طلب الشهوة واللذات من المآكل والمشارب والمناكح وسائر الملاذ البدنية والشهوات الحسية، وهذه القوى متباينة جدا فمتى غلب أحدها انقهرت الباقبات وربما أبطل بعضها فعل بعض، والفضيلة البشرية تعديل هذه القوى لان لكل من هذه القوى طرفي افراط وتفريط، فاما القوة العاقلة فالسفاهة والبلاهة والقوة الغضبية التهور والجبن والقوة الشهوية الشره وخمود الشهوة، فالقوة العاقلة تحصل من تعديلها فضيلة العلم والحكمة والغضبيية تحصل من تعديلها فضيلة الشجاعة والقوة الشهوية تحصل من تعديلها فضيلة العفة، وإذا حصلت هذه الفضائل الثلاث التى هي في حاق الاوساط وتعادلت حصل منها فضيلة رابعة وملكة راسخة هي ام الفضائل وهى المعبر عنها بالعدالة، فهى إذا ملكة نفسانية تصدر عنها المساواة في الامور الصادرة عن صاحبها، وتحت كل واحدة من هذه الفضائل الثلاث المتقدمة فضائل اخرى وكلها داخلة تحت العدالة فهى دائرة الكمال وجماع الفضائل على الاجمال. واما في اصطلاح أهل الشرع الذى هو المقصود الذاتي بالبحث فاقوال: (الاول) ما هو المشهور بين اصحابنا المتأخرين من انها ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى والمروة، واحترزوا بالملكة عما ليس كذلك من الاحوال المنتقلة بسرعة كحمرة الخجل وصفرة الوجل بمعنى ان الاتصاف بالوصف المذكور لابد ان يكون من الملكات الراسخة التى يعسر زوالها. واختلف كلامهم في معنى التقوى، فقيل هي اجتناب الكبائر والصغائر من المكلف العاقل، ونسبه شيخنا الشهيد الثاني إلى جماعة من اجلاء الاصحاب كالشيخ

[ 14 ]

المفيد والتقى ابى الصلاح الحلبي والقاضى عبد العزيز بن البراج الطرابلسي وابى عبد الله محمد بن منصور بن ادريس الحلى العجلى) (1) وابى الفضائل الطبرسي حاكيا ذلك عن


(1) بمناسبة تعرض المصنف (قدس سره) لذكر ابن ادريس بهذا النحو رايت ان اتعرض في المقام لما ذكره صاحب كشف الظنون عند تعرضه للكتب المؤلفة في الفقه على مذهب الامامية ج 2 ص 1286 فانه علق على هذا العنوان في ذيل الصفحة هكذا: يطلقون ابن ادريس على الشافعي. ثم قال في بيان الكتب هكذا: البيان والذكرى شرائع الاسلام وحاشيته القواعد النهاية. ثم قال: ومن اقوالهم الباطلة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة.. إلى اخر ما ذكره من الاحكام الباطلة بنظره، وعد منها استحباب غسل يوم الغدير وهو العاشر من ذي الحجة. وقال ج 2 ص 1281: والكتب المؤلفة على مذهب الامامية الذين ينتسبون إلى مذهب ابن ادريس اعني الشافعي كثيرة: منها شرائع الاسلام وحاشيته والبيان والذكرى والقواعد والنهاية. اقول ما ادرى من اين اتى هذا المتتبع المحقق بهذا التحقيق النفيس وكيف ادى تحقيقه وتتبعه إلى اغفال محمد بن ادريس العجلى الحلى من قائمة علماء الامامية واغفال كتابه السرائر من قادمة كتبهم حتى حكم بان المراد ب‍ (ابن ادريس) في كلامهم هو محمد بن ادريس الشافعي القرشي وليته رجع على الاقل إلى لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 5 ص 65 حيث يقول محمد بن ادريس العجلي الحلي فقيه الشيعة وعالمهم له تصنيف في فقه الامامية ولم يكن للشيعة في وقته مثله مات سنة سبع وتسعين وخمسمائة. انتهى. نعم ليس هذا بغريب ممن يكتب ويؤلف ويحكم بما تشتهيه نفسه ويقتضيه تعصبه ويتجنب ما يفرضه الوجدان والضمير من التتبع والتحقيق ليفهم من هو ابن ادريس في كلام الامامية وليفهم انه لا علاقة لمذهب الامامية بمذهب الشافعي الا التضاد كغيره من المذاهب فان اساسه ومنبعه هو ما خلفه النبي صلى الله عليه واله في الامة واوصى باتباعه والتمسك به وجعله المرجع في امور الدين واناط به الامن من الضلال من بعده وهو الكتاب والعترة كما هو نص حديث الثقلين الثابت من الطريقين راجع ج 9 ص 360 من الحدائق، فمذهب الامامية يستقى احكامه من منبع الكتاب والعترة ولا ارتباط له لمذهب الشافعي اصلا وانما يذكر قوله كغيره بعنوان (الشافعي) عند نقل الاقوال. ومما ذكرناه تظهر قيمة منقولانه الاخر كنسبة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة إلى الامامية الذي هو =

[ 15 ]

اصحابنا من غير تفصيل. وقيل باجتناب الكبائر كلها وعدم الاصرار على الصغائر أو عدم كونها أغلب فلا تقدح الصغيرة النادرة، والحقوا بها ما يؤول إليها بالعرض وان غايرها بالاصل كترك المندوبات المؤدى إلى التهاون بالسنن في اظهر الوجهين ونسبه شيخنان البهائي في كتاب الحبل المتين إلى الاصحاب. وكذا اختلفت اقوالهم في الكبائر وسيأتى الكلام فيها ان شاء الله تعالى في المقام الثالث مفصلا مشروحا. وفسروا المروة باتباع محاسن العادات واجتناب مساويها وما تنفر عنه النفس من المباحات ويؤذن بدناءة النفس وخستها كالاكل في الاسواق والمجامع والبول في الشوارع وقت سلوك الناس وكشف الرأس في المجامع وتقبيل زوجته وامته في المحاضر ولبس الفقيه لباس الجندي والمضايقة في اليسير الذى لا يناسب حاله ونقل الماء والاطعمة بنفسه ممن ليس أهلا لذلك إذا كان عن شح وظنة ونحو ذلك،


= افتراء محض عليهم وهذه كتب الشيعة منتشرة في البلاد، وكجعل الغدير الويم العاشر من ذي الحجة، كما يظهر انه لا قيمة لحكمه وحكم غيره ببطلان اقوالهم بعد ابتنائها على الاساس الذي اسسه مشرع الشريعة صلى الله عليه وآله والرجوع فيها إلى المرجع الذي عينه في حديث الثقلين وغيره. ولتزداد بصيرة في ما قلناه راجع ج 1 ص 452 من كشف الظنون حيث يقول: تفسير الطوسي هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي فقيه الشيعة الشافعي (كان ينتمي إلى مذهب الشافعي) المتوفى سنة ستين واربعمائة (561) سماه مجمع البيان لعلوم القرآن واختصر الكشاف وسماه جوامع الجامع وابتدأ بتأليفه في سنة 542 قال السبكى وقد احرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس. فانظر كيف صار مجمع البيان للشيخ الطوسي بدل التبيان وكيف صار فقيه الشيعة شافعيا، وراجع ج 2 ص 1602 منه حيث يقول مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ ابي علي فضل بن الحسين الطبرسي المشهدي الشيعي. ثم ان في ريحانة الادب ج 5 ص 246 ما ترجمته: ابن ادريس محمد بن احمد أو محمد بن منصور بن احمد بن ادريس بن حسين المكنى ب‍ (ابي عبد الله). وبالمراجعة لرجال الشيخ المامقاني (قدس سره) ج 2 باب (محمد) يتضح وجه الترديد في نسبه.

[ 16 ]

ويختلف ذلك بحسب اختلاف الاشخاص والاعصار والامصار والمقامات. والحق - كما ذكره جملة من افاضل متأخرى المتأخرين - انه لا دليل على اعتبار المروة في معنى العدالة، بل الظاهر ان تعريف العدالة بالملكة المذكورة لا مستند له من الاخبار ايضا ولذا لم يذكره القدماء وانما وقع ذلك في كلام العلامة ومن تأخر عنه والظاهر انه اقتفى في ذلك العامة حيث انهم عرفوها بذلك. قال في الذخيرة بعد ذكر التعريف المشار إليه: ولم اجد ذلك في كلام من تقدم على المصنف وليس في الاخبار منه اثر ولا شاهد عليه في ما أعلم وكأنهم اقتفوا في ذلك اثر العامة حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة ويوردونه في كتبهم. انتهى اقول: وما ذكروه في معنى المروة مع كونه لا دليل عليه من الاخبار يدفعه ما ورد عنه (صلى الله عليه واله) انه كان يركب الحمار العارى ويردف خلفه وانه كان يأكل ماشيا إلى الصلاة بمجمع من الناس في المسجد وانه كان يحلب الشاة ونحو ذلك. ولا يخفى انه قد ورد هنا جملة من الاخبار في معنى المروة وليس في شئ منها


(1) في المغني ج 9 ص 167 (العدل هو الذي تعتدل احواله في دينه وافعاله ففي الدين لا يرتكب كبيرة ولا يداوم على صغيرة واما المروءة فيجتنب الامور الدنيئة المزرية به كأن ينصب مائدة في السوق وياكل والناس ينظرون إليه أو يمد رجليه بحضرتهم أو يخاطب اهله بالخطاب الفاحش، ومن ذلك ارتكاب الصناعات الدنيئة كالكناسة وامثالها) وفي بدائع الصنائع ج 6 ص 268 ذكر خلافا في تعريفها فعند بعضهم العدل من لم يطعن عليه في بطن أو فرج وعند آخر من لم يعرف عليه جريمة في دينه وعند ثالث من غلبت حسناته سيئاته. (2) في اخلاق النبي صلى الله عليه واله ص 61 (كان رسول الله صلى الله عليه واله يركب الحمار بغير سرج) وفي ص 63 (عاد سعدا واردف خلفه اسامة بن زيد وكان يجلس على الارض وياكل على الارض) وفي المواهب اللدنية كما في شرحها للزرقاني ج 4 ص 246 (كان صلى الله عليه واله يحلب شاته وكان انس رديف رسول الله صلى الله عليه واله عند رجوعهم من خيبر) وقد اورد جميع ذلك في البحار ج 6 باب مكارم اخلاقه صلى الله عليه واله الا انا لم نعثر على ما ذكره من اكله ماشيا.

[ 17 ]

ما ذكروه، ومنها ما رواه الكليني في روضة الكافي (1) باسناده عن جويرية قال: " اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لى يا جويرية انه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم ما جاء بك ؟ قلت جئت اسألك عن ثلاث: عن الشرف وعن المروة وعن العقل ؟ قال: اما الشرف فمن شرفه السلطان واما المروة فاصلاح المعيشة واما العقل فمن اتقى الله عقل ". وما روى عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه واله) ستة من المروة ثلاثة منها في الحضر وثلاثة منها في السفر، فاما التي في الحضر فتلاوة كتاب الله وعمارة مساجد الله واتخاذ الاخوان في الله واما التى في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاج في غير معاصي الله تعالى ". وما رواه الصدوق في الفقيه في باب المروة في السفر عن الصادق (عليه السلام) (3) حيث قال فيه: " المروة والله ان يضع الرجل خوانه بفناء داره، والمروة مروتان مروة في الحضر ومروة في السفر، فاما التى في الحضر فتلاوة القرآن ولزوم المساجد والمشى مع الاخوان في الحوائج والنعمة ترى على الخادم انها تسر الصديق وتكبت العدو، واما التى في السفر فكثرة الزاد وطيبه وبذله لمن كان معك وكتمانك على القوم امرهم بعد مفارقتك اياهم وكثرة المزاح في غير ما يسخط الله " ثم انه لا يخفى انه قد ورد في بعض الاخبار ما يدل على اعتبار المروة في العدالة لكن لا بالمعنى الذى ذكروه وهو ما روى عن ابى الحسن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه واله) من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهوم من كملت مروته وظهرت عدالته ووجبت اخوته وحرمت غيبته " فان المروة هنا لم يعتبر فيها إلا الخصال الثلاث وهى اوجبة بناء على وجوب الوفاء كما هو الظاهر، وهو اختيار شيخنا أبى الحسن


(1) ص 241. (2) و (3) الوسائل الباب 49 من آداب السفر. (4) الوسائل الباب 1 من الشهادات.

[ 18 ]

الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني، وقد نقل انه كتب رسالة شريفة في وجوب الوفاء بالوعد ولم اقف عليها. وما ذكره (قدس سره) هو ظاهر الآية الشريفة اعني قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون " (1). ونقل شيخنا المشار إليه في رسالته الصلاتية عن بعض معاصريه - وكتب في الحاشية انه المحقق المدقق الشيخ احمد بن محمد بن يوسف البحراني - انه استدل على اعتبار المروة في معنى العدالة بقول الكاظم (عليه السلام) في حديث هشام بن الحكم المروى في الكافي (2) " لا دين لمن لا مروة له ولا مروة لمن لا عقل له، واعترضه بانه خفى عليه ان استعمال المروة بالمعنى الذى ذكره الاصحاب غير معروف في كلامهم (عليه السلام) وحينئذ فالاظهر حملها على بعض المعاني المروية عنهم (عليهم السلام) في تفسيرها. وهو جيد، واشار بالمعاني المروية عنه (عليه السلام) إلى ما قدمنا ذكره من الاخبار الواردة بتفسيرها. ثم قال، ويمكن حملها على كمال الانسانية وهو فعل ما يليق وترك ما لا يليق. اقول: ويؤيده ان المروة لا نعتبر في أصل الدين اجماعا فلا بد ان يحمل نفى الدين عن من لا مروة له على نفى الكمال فتحمل المروة على كمال الانسانية كما فسرها به بعض شارحي الكتاب. (الثاني) - القول بانها عبارة عن مجرد الاسلام مع عدم ظهور الفسق، ونقل هذا القول عن جماعة من المتقدمين كابن الجنيد والشيخ في الخلاف والشيخ المفيد في كتاب الاشراف بل ادعى في الخلاف الاجماع عليه ودلالة الاخبار، وقال (3) البحث عن عدالة الشهود ما كان في ايام النبي (صلى الله عليه واله) ولا ايام الصحابة


(1) سورة الصف الاية 2 و 3. (2) الاصول ج 1 ص 19 الطبع الحديث. (3) في كتاب آداب القضاء من الخلاف ص 231.

[ 19 ]

ولا ايام التابعين وانما هو شئ احدثه شريك بن عبد الله القاضى (1) ولو كان شرطا لما أجمع أهل الامصار على تركه. انتهى. اقول: وممن انتصر لهذا القول وبلغ في ترجيحه الغاية الشهيد الثاني في المسالك وتبعه فيه جملة ممن تأخر عنه سيما سبطه السيد السند في المدارك والمحدث الكاشانى والفاضل الخراساني صاحب الذخيرة والكفاية. اقول: وهذا القول وما قبله وقعا على طرفي الافراط والتفريط في المقام لان العدالة بالمعنى الاول لا تكاد توجد إلا في المعصوم أو من قرب من مرتبته كما لا يخفى على ذوى الافهام، مع انه لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد مدة مديدة ومخالطة اكيدة وتعمق شديد ولربما لا يتيسر ذلك وبه تنسد ابواب الامور المشروطة بالعدالة مثل الجمعات والجماعات والفتاوى والشهادات، واما العدالة بالمعنى الثاني فقد انجر الامر فيها إلى اثباتها للمخالفين واعداء الدين والنصاب الذين هم أشد نجاسة من الكلاب كما وردت به الرواية عن أهل بيت النبوة الاطياب (2) وسيظهر ذلك في ما يأتي قريبا ان شاء الله تعالى في المقام. وقال شيخنا المشار إليه في كتاب المسالك: إذا شهد عند الحاكم شهود فان عرف فسقهم فلا خلاف في رد شهادتهم من غير احتياج إلى بحث وان عرف عدالتهم قبل شهادتهم ولا حاجة إلى التعديل وان لم يعرف حالهم في الفسق والعدالة فان لم يعرف اسلامهم وجب البحث ايضا وهذا كله مما لا خلاف فيه، وان عرف اسلامهم ولم يعرف شيئا آخر من جرح وتعديل فهذا مما اختلف فيه الاصحاب والمشهور بينهم خصوصا المتأخرين منهم انه يجب البحث عن عدالتهم ولا يجوز


(1) ذكر صاحب الوسائل في عنوان الباب 6 من ابواب كيفية الحكم ان الحاكم إذا اشتبه عليه عدالة الشهود وفسقهم سأل عنهم حتى يعرفهم وذكر في الباب حديثا عن تفسير الامام العسكري عليه السلام يتضمن ان رسول الله صلى الله عليه واله كان يبحث عن عدالة الشهود إذا لم يعرفهم. (2) ج 5 ص 187.

[ 20 ]

الاعتماد على ظاهر الاسلام، ثم أورد الآية (1) ورواية ابن ابى يعفور بطريق الشيخ في التهذيب (2) دليلا لهم وطعن في دلالة الآية وسند الرواية، ثم نقل عن الشيخ في الخلاف وابن الجنيد والمفيد في كتاب الاشراف ظاهرا الاكتفاء بمجرد الاسلام ثم قال: وباقى المتقدمين لم يصرحوا في عباراتهم باحد الامرين بل كلامهم محتمل لهما، ثم أود جملة من الروايات الدالة بظاهرها على مجرد الاكتفاء بظاهر الاسلام وسننقلها جميعا ان شاء الله تعالى في المقام، ثم قال: وهذا القول امتن دليلا واكثر رواية وحال السلف يشهد به وبدونه لاتكاد تنتظم الاحكام للحكام خصوصا في المدن الكبيرة والقاضى القادم إليها من بعد لكن المشهور الآن بل المذهب خلافه. انتهى ملخصا اقول: فيه (اولا) - ما اشرنا إليه آنفا من أنه قدانجر الامر بناء على هذا القول من هذا القائل ومن تبعه فيه إلى الحكم بعدالة المخالفين والنصاب من ذوى الاذناب، وهذا من البطلان أظهر من ان يخفى على أحد من ذوى الايمان فضلا عن العلماء الاعيان كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى قريبا. و (ثانيا) - دلالة ظاهر الآية الشريفة على خلاف ما يدعيه اعني قوله عز وجل " واشهدوا ذوى عدل منكم " (3) فانها صريحة الدلالة في اعتبار أمر آخر وراء الاسلام لان الخطاب فيها للمسلمين وضمير " منكم " راجع إليهم فهى دالة على اسلام الشاهدين فيكون قوله " ذوى عدل " دالا على العدالة بعد حصول الاسلام فهى امر زائد على مجرد الاسلام. واما ما اجاب به (قدس سره) في المسالك - وان اقتفاه فيه من تبعه في ذلك من أن غاية ما تدل عليه الآية الاتصاف بامر زائد على مجرد الاسلام فنحمله على عدم ظهور الفسق - ففيه انه لا ريب ان المتبادر من لفظ العدالة لغة وعرفا وشرعا - كما سيظهر


(1) و (3) سورة الطلاق الاية 2 (2) ستأتي ص 25.

[ 21 ]

لك ان شاء الله تعالى من الاخبار عبارة عن امر وجودي وصفة ثبوتية ولا سيما صحيح ابن ابى يعفور فانه ظاهر في ذلك غاية الظهور لا مجرد أمر عدمي، فإذا قيل " فلان عدل أو ذو عدالة " فانما يراد به ان له اوصافا وجودية توجب صدق هذا العنوان عليه وهو كونه معروفا بالصلاح والتقوى والعفاف ونحو ذلك. ويؤيد ما ذكرناه ما روى في تفسير الامام العسكري (عليه السلام) بسنده عن النبي (صلى الله عليه واله) (1) قال في قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم (2) قال " ليكونا من المسلمين منكم فان الله تعالى انما شرف المسلمين العدول بقبول شهاداتهم وجعل ذلك من الشرف العاجل لهم ومن ثواب دنياهم ". وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) في قوله عزوجل: ممن ترضون من الشهداء (4) قال: " ممن ترضون دينه وامانته وصلاحه وعفته وتيقظه في ما يشهد به وتحصيله وتمييزه فما كل صالح مميز ولا كل محصل مميز ". وبالجملة فاطلاق العدالة على مجرد عدم ظهور الفسق امرلا يفهم من حاق اللفظ ولا يتبادر إلى فهم فاهم بالكلية فالحمل عليه انما هو من قبيل المعميات والالغاز الذى هو بعيد بمراحل عن الحقيقة بل المجاز، ولو قامت هذه التأويلات السخيفة البعيدة في مقابلة الظواهر المتبادرة إلى الافهام لم يبق دليل على حكم من الاحكام من اصول وفروع إذ لا لفظ إلا وهو قابل للاحتمال ولا قول إلا وللقائل فيه مجال، فبماذا يقيمون الحجج على المخالفين في الامامة بل منكري التوحيد والنبوة إذا قامت مثل هذه التأويلات الغثة وعورض بها ما يتبادر من الادلة ؟ و (ثالثا) ان ما طعن به على الرواية المذكورة بضعف السند مردود - بناء على صحة هذا الاصطلاح - بانه وان كان السند كذلك في التهذيب إلا ان الرواية المذكورة في الفقيه (5) صحيحة وهى صريحة في رد ما ذهب إليه فتكون


(1) و (3) الباب 41 من الشهادات (2) و (4) سورة البقرة الاية 282 (5) ستأتي ص 15.

[ 22 ]

من اقوى الحجج عليه. و (رابعا) ان ما نقله - من القول بالاسلام عن هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم وان ما عداهم من المتقدمين لم يصرحوا في عباراتهم باحد الامرين - مردود بان هؤلاء الثلاثة وان صرحوا بما ذكره في هذه الكتب التى اشار إليها إلا انهم صرحوا في غيرها بخلافه وقد تعارضت اقوالهم فتساقطت، وإلا فانه كما يتمسك هو باقوالهم في هذه الكتب كذلك يتمسك خصمه باقوالهم التى بخلافها في غير هذه الكتب. ودعوى ان غيرهم لم يصرحوا باحد الامرين مردود بما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في البين. وها نحن ننقل جملة من عبائر من وصل الينا كلامهم لتقف على حقيقة الحال وتكون ممن يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال. فنقول: قال الشيخ في النهاية: العدل الذى يجوز قبول شهادته للمسلمين وعليهم هو ان يكون ظاهره ظاهر الايمان ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكف عن البطن والفرج واليد واللسان ويعرف باجتناب الكبائر التى اوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك الساتر لجميع عيوبه ويكون متعاهد اللصلوات الخمس مواظبا عليهن حافظا لمواقيتهن متوفرا على حضور جماعة المسلمين غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة اوعذر. وقال الشيخ المفيد: العدل من كان معروفا بالدين والورع عن محارم الله تعالى. وقال ابن البراج: العدالة معتبرة في صحة الشهادة على المسلم وتثبت في الانسان بشروط وهى البلوغ وكمال العقل والحصول على ظاهر الايمان والستر والعفاف واجتناب القبائح ونفى التهمة والظنة والحسد والعداوة. وقال أبو الصلاح: العدالة شرط في قبول الشهادة على المسلم ويثبت حكمها بالبلوغ وكمال العقل والايمان واجتناب القبائح اجمع وانتفاء الظنة بالعداوة والحسد والمنافسة وقال ابن الجنيد: فإذا كان الشاهد حرا بالغا مؤمنا عاقلا بصيرا معروف النسب

[ 23 ]

مرضيا غير مشهور بكذب في شهادته ولا بارتكاب كبيرة ولا مقام على صغيرة حسن التيقظ عالما بمعاني الاقوال عارفا باحكام الشهادة غير معروف بحيف على معامل ولا بتهاون بواجب من علم أو عمل ولا معروف بمباشرة أهل الباطل ولا الدخول في جملتهم ولا بالحرص على الدنيا ولا بساقط المروة بريئا من اقوال أهل البدع التى توجب على المؤمنين البراءة من أهلها فهو من أهل العدالة المقبولة شهادتهم. وقال الشيخ في المبسوط: العدالة في اللغة أن يكون الانسان متعادل الاحوال متساويا، وفى الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروته عدلا في احكامه، فالعدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شئ من أسباب الفسق، وفى المروة أن يكون مجتنبا للامور التي تسقط المروة مثل الاكل في الطرقات ومد الارجل بين الناس ولبس الثياب المصبغة، والعدل في الاحكام أن يكون بالغا عاقلا، فمن كان عدلا في جميع ذلك قبلت شهادته ومن لم يكن عدلا لم تقبل شهادته. نقل جميع هذه الا قول العلامة في المختلف، قال: والتحقيق ان العدالة كيفية نفسانية راسخة تبعث المتصف بها على ملازمة التقوى والمروة وتتحقق باجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر. انتهى. وانت خبير بان هذه العبارات عدا عبارتي المبسوط والمختلف كلها ظاهرة الدلالة في القول الثالث الذى سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى وهو المختار من بين هذه الاقوال، وبه يظهر لك صحة ما ذكرناه من تعارض اقوال هؤلاء الثلاثة الذين تقدم النقل عنهم وتصريح جملة من غيرهم بما ذكرناه من العدالة التى هي امر زائد على مجرد الاسلام. و (خامسا) ان ما استند إليه من الاخبار معارض بما هو أوضح واصرح مع قبول ما ذكره للتأويل والرجوع إلى الروايات الدالة على ما ادعيناه كما سيأتي ذكر ذلك ان شاء الله تعالى مشروحا مبرهنا. (الثالث) من الاقوال في المسألة انها عبارة عن حسن الظاهر وهو قول اكثر متأخرى المتأخرين مستندين فيه صحيح ابن ابى يعفور الآتى ان شاء

[ 24 ]

الله تعالى (1) إلا أنهم اكتفوا من حسن الظاهر بما هو القشر الظاهر ولم يعطوا التأمل حقه في الرواية المذكورة وما تدل عليه مما سنكشف عنه نقاب الابهام ان شاء الله تعالى لكل ناظر. وظاهر كلامهم ان المراد بحسن الظاهر هو ان لا يظهر منه ما يوجب الفسق من ارتكاب الكبائر والاصرار على الصغائر. وانت خبير بان هذا المعنى لا يخرج عن القول الثاني فان القائلين بالاسلام اعتبروا عدم ظهور الفسق. ومن العجب انهم يستندون في هذا القول إلى صحيح ابن ابى يعفور مع انه بالتعمق في معناه - كما سنوضحه لك ان شاء الله تعالى - بعيد عن هذا المعنى الذى ذكروه بمراحل. ومن هذه الاقوال الثلاثة يظهر وجه الخلاف الذى ذكروه في أن الاصل في المسلم هل هو العدالة أو الفسق أو التوقف ؟ فذهب بعضهم إلى ان الاصل فيه العدالة، وهذا مما يتفرع على تفسير العدالة بمجرد الاسلام كما هو القول الثاني، ويعرف مستنده من الاخبار الواردة في ذلك وقد عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى الجواب عنها، وذهب آخرون إلى ان الاصل فيه الفسق استنادا إلى ان الاصل التكليف واشتغال الذمة بالعبادات والتكاليف، والاصل عدم خروجه عن عهدتها حتى يعلم قيامه بها. وهذا مناسب للقول الاول لان الاصل عدم حصول الملكة المذكورة حتى يحصل الاطلاع عليها ولكنه بمحل من الضعف لدلالة الاخبار على حسن الظن بالمؤمن وحمل افعاله على الصحة والمشروعية. والتحقيق في المسألة هو القول الثالث وهو التوقف حتى يعلم أحد الامرين من عدالة أو فسق، وهذا هو الانسب بالقول الثالث الذى اخترناه. وكيف كان فلنشتغل بنقل الاخبار الواردة في المقام ليظهر لك صحة ما ذكرناه من هذا الكلام فنقول:


(1) ص 25.

[ 25 ]

المقام الثالث - في نقل الاخبار الواردة، وها نحن ننقل ما وصل الينا منها مبتدئين بما يدل على ما اخترناه وينادى بما قلناه عاطفين الكلام على نقل الاخبار التى استند إليها اولئك الاعلام مذيلين لها بما يقبضيه المقام من نقض (وابرلم) بتوفيق الملك العلام وبركة أهل البيت (عليه السلام): فنقول: من الاخبار الدالة على ما اخترناه صحيحة عبد الله بن ابى يعفور وهذه الرواية رواها الصدوق في الصحيح والشيخ في التهذيب بطريق غير صحيح (1) وفى المتن في الكتابين تفاوت بالزيادة والنقصان ونحن ننقلها كما نقلها في الوافى (2) عن الكتابين معلما لموضع الاختصاص بعلامة وموضع الاشتراك بما يدل على ذلك: فرويا بسنديهما عن عبد الله بن ابى يعفور قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟ فقال ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، وتعرف باجتناب الكبائر التى أوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك، والدلالة على ذلك كله ان يكون ساتر الجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة (فقيه) فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا ما رأينا منه إلا خيرا مواظبا على الصلاة متعاهدا لاوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين (ش) (3) وذلك ان الصلاة ستر وكفارة للذنوب (فقيه) وليس يمكن الشهادة على الرجل بانه يصلى إذا كان لا يحضر مصلاه ويتعاهد جماعة المسلمين، وانما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة.


(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات (2) ج 9 ص 149. (3) اشارة إلى مورد الاشتراك بين الكتابين.

[ 26 ]

لكى يعرف من يصلى ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع (ش) ولولا ذلك لم يكن لاحد أن يشهد على آخر بصلاح لان من لا يصلى لا صلاح له بين المسلمين (يب) لان الحكم جرى من الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه واله) بالحرق في جوف بيته (فقيه) فان رسول الله (صلى الله عليه واله) هم بان يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين وقد كان فيهم من يصلى في بيته فلم يقبل منه ذلك وكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله ومن رسوله (صلى الله عليه واله) فيه بالحرق في جوف بيته بالنار (ش) وقد كان (صلى الله عليه واله) يقول لاصلاة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين إلا من علة (يب) وقال رسول الله (صلى الله عليه واله) لا غيبة إلا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه وإذا رفع إلى امام المسلمين انذره وحذره فان حضر جماعة المسلمين وإلا احرق عليه بيته ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم، اقول: لا يخفى ان هذه الرواية قد اشتملت على شيئين في حصول العدالة وانها عبارة عنهما (الاول) - انه لابد في ثبوتها من معرفته بالستر والعفاف وكف البطن والفرج.. إلى آخره، والعطف هنا من قبيل عطف الخاص على العام تفصيلا للاجمال في المقام، ولا ريب ان اشتراط معرفته بالكف عن هذه الاشياء يتوقف على نوع معاشرة واختبار مطلع على باطن الاحوال، وذلك انك لا تقول " فلان معروف بالشجاعة " إلا بعد أن تعرف حاله في ميدان القتال ومنازلة الابطال فإذا كان ممن يقتل الرجال ولا يولى الدبر في موضع النزال ويقاوم الشجعان ويصادم الفرسان صح وصفه بالشجاعة وان تفاوتت افرادها شدة وضعفا وهكذا لا تقول " فلان معروف بالطب والحكمة في الابدان " إلا إذا كان ممن علم تأثير ادويته وجودة قريحته في شفاء المرضى والاطلاع على معرفة العلل والادواء ونحو ذلك، وحينئذ فلا يقال فلان معروف بكف البطن والفرج واليد واللسان ونحو ذلك إلا بعد اختباره بالمعاملات والمحاورات الجارية بين الناس كما لو وقع في

[ 27 ]

يده مال لغيره امانة أو تجارة أو نحو ذلك، أو جرى بينه وبين غيره خصومة أو نزاع وان اعتدى عليه، فان كان ممن لا يتعدى في ذلك الحدود الشرعية والنواميس المرعية فهو هو وإلا فلا، واما من لم يحصل الاطلاع على باطن احواله بوجه وان رؤى ملازما على الصلاة أو الدرس أو التدريس والافتاء فضلا عن ان يكون من الغثاء فهو من قبيل مجهول الحال لا يصدق عليه انه يعرف بذلك بل يحتمل أن يكون كذلك وان لا يكون، وكم قد رأينا في زماننا من هو ملازم للصلاة والدعاء وسائر العبادات بل التصدر للتدريس والفتوى وامامة الجماعة حتى إذا صار بينه وبين أحد معاملة الدرهم والدينار أو وقع في يده مال طفل أو مسجد أو وقف أو نحو ذلك انقلب إلى حالة اخرى وصار همه التوصل بالغلبة والاستيلاء بكل وجه ممكن وان تفاوتت في ذلك افراد الناس باعتبار تفاوت المقامات، ونحو ذلك فيما إذا اعتدى عليه معتد باللسان أو سلب المال فربما قابله بازيد مما اعتدى عليه وربما استنكف عن ذلك حياء من الناس في الظاهر ولكن يتربص به الغوائل وينصب له شباك العداوة ولو انه قابل بالصفح والحلم والعفو لكان هو هو. وبالجملة فانه انما تعرف احوال الناس وما هم عليه من هذه الاشياء المذكورة في الخبر وحسن وقبح وعدالة وفسق بالابتلاء والامتحان في المعاملات والمحاورات والمخاصمات، فيجب ان ينظر حاله لو كان له على غيره مال في الاقتضاء ولو كان لغيره عليه مال في القضاء وكيف حاله في الغضب ان اعتدى احد عليه وما الذى يجرى منه لو اساء أحد إليه ونحو ذلك، فان كان في جميع ذلك انما يقابل بالرضا والانقضاء وحسن المعاملة في القضاء والاقتضاء والجرى على قواعد الشريعة المحمدية ولا يستفزه الغضب في الخروج عن تلك الطريقة العلية فهو هو وإلا فليس بذلك. وهذا هو الذى لحظه (عليه السلام) في الخبر وبه تشهد رؤية العيان وعدول الوجدان ولا سيما في هذا الزمان، وهذا هو الذى يتبادر من العبارة المذكورة اعني قولنا ان العدالة عبارة عن حسن الظاهر أي حسن ما يظهر منه بعد الابتلاء والامتحان

[ 28 ]

والاختبار بما ذكرنا ونحوه. واما مجرد رؤية الرجل على ظاهر الايمان عالما فاضلا أو جاهلا خاملا وان لم يظهر منه ما يوجب الفسق فهو مجهول الحال ولم يظهر منه ما يوجب وصفه بالعدالة المذكورة في هذا الخبر، فان عدم ظهور ما يوجب الفسق لا يدل على العدم والشرط كما عرفت من الرواية ظهور العدم لا عدم الظهور والفرق بين المقامين واضح. ومما يؤيد ما ذكرناه من الفحص والمعاشرة قوله (عليه السلام) " فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته.. إلى آخره "، فانه صريح كما ترى في وجوب السؤال، وتخصيص القبيلة والمحلة من حيث انهم أقرب إلى الاطلاع على احواله بالمعاشرة والمخالطة كما لا يخفى. (فان قيل) انه يصدق على من لم يظهر منه ما يوجب الفسق انه معروف بالتقوى والعفاف (قلنا) هذا كلام مجمل، فان اريد من لم يظهر منه في موضع تقضى العادة الجارية بين الناس بالاظهار فهو عين ما نقوله فمرحبا بالوفاق، فان من اعتدى عليه بيد أو لسان أو سلب مال وكف لسانه ويده عن الاعتداء ولم يتجاوز الحدود الشرعية في الاقتضاء أو وقع في يده شئ من الحطام الحرام فكف نفسه عنه فهذا هو الذى ندعيه واما من لم يكن كذلك بان لم تصل يده إلى شئ أو لم يحصل له من يعتدى عليه فلا يوصف بالكف لان الكف انما يقال في موضع يقتضى البسط ألا ترى انه لا يقال للزاهد في الدنيا من حيث انها زاهدة فيه انه زاهد حقيقة ويترتب عليه ما أعده الله للزاهدين وانما يقال لمن تمكن منها ووقعت في يده فكف يده عنها ومنع نفسه من الدخول فيها والتعرض لها ؟ ثم ألا ترى ان شر خلق الله الكلاب والسباع وانت إذا قابلتها باللطف والاكرام تكون معك في تمام الالفة والصحبة وإذا قابلتها بالتعدي ترى ما يظهر منها من الشر والجرأة ؟ (فان قيل) ان قوله (عليه السلام) في الخبر " والدلالة على ذلك أن يكون ساتر الجميع عيوبه " ظاهر في انه يكفى في الحكم بعدالته انه يظهر من حاله انه ساتر لعيوبه بمعنى انه لم يظهر منه فسق كما أشار إليه في المدارك، قال (قدس سره) في الكتاب

[ 29 ]

المذكور بعد ذكر الرواية: ويستفاد من هذه الرواية انه يقدح في العدالة فعل الكبيرة التى اوعد الله عليها النار وانه يكفى في الحكم بها ان يظهر من حال المكلف كونه ساترا لعيوبه ملازما لجماعة المسلمين. انتهى. اقول: كما انه يستفاد من الرواية قدح فعل الكبيرة في العدالة كذلك يستفاد منها قدح فعل الصغيرة فلا وجه لتخصيص الكبيرة بالذكر بل ربما أوهم ان فعل الصغيرة غير مخل بالعدالة وهو وان وافق مذهبه في اكتفائه في معنى العدالة بمجرد الاسلام إلا ان الخبر ظاهر في ما قلناه من قدح فعل الصغيرة، فان قوله (عليه السلام) " ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن.. إلى آخره " راجع إلى اجتناب الصغائر ثم عطف عليها اجتناب الكبائر، وملخصه انه يجب ان يعرف بالتقوى والعفاف عن كل صغيرة وكبيرة، ولا يخفى انه لا يمكن ذلك إلا بالمعاشرة والاطلاع على احواله كما قدمنا ذكره. واما ما ذكره - بقوله " ويكفى في الحكم ان يظهر من حال المكلف كونه ساترا لعيوبه " اشارة إلى ما يدعونه من ان حسن الظاهر عبارة عن ان لا يظهر منه عيب للناس ولا فسق - فقد عرفت ما فيه وانه كلام مجمل ولكنه ليس هو المراد هنا من كلامه وانما كلامه (عليه السلام) هنا وقع من قبيل الاجمال بعد التفصيل، فانه بعد أن فسر العدالة بانها عبارة عن ان يعرف بكذا وكذا الراجع إلى انه لابد من العلم بتقواه وكفه عن هذه الاشياء اجمل ذلك فقال: ومجمله ان لا يقف أحد على عيب يذم به بل يكون صلاحه وتقواه وما علم منه ساترا لعيوبه بغليته عليها واضمحلالها به فلا يجوز لهم بعد ذلك البحث والتفتيش عنه انه هل له عثرات وعيوب أم لا ؟ وانت إذا اعطيت التأمل حقه في معنى هذه الرواية كما شرحناه واوضحناه وجدتها قريبة من القول المشهور بين المتأخرين وانه لا فرق بينها وبين ما ذهبوا إليه إلا من حيث اعتبارهم كون التقوى ملكة وقد عرفت انه لا دليل عليه وإلا فاشتراط العلم بالصلاح والتقوى والعفاف وعدم الاخلال بالواجبات واجتناب

[ 30 ]

المحرمات مما لا شك فيه وهو الذي صرحت به ايضا عبائر المتقدمين التى قدمنا نقلها الثاني - التعاهد للصلوات الخمس بالحضور مع جماعة المسلمين، وهذا الشرط وان لم يذكره أحد من الاصحاب بل ربما صرحوا بان الاحلال بالمندوبات لا يقدح في وصف العدالة واستثنى بعضهم ما إذا كان على وجه يؤذن بالتهاون وعدم المبالاة بكمالات الشرع فجعله قادحا، إلا ان هذا الخبر كما عرفت قد تضمن هذا الشرط على ابلغ وجه واوكده فيجب القول به ويتعين العمل عليه ونحن تبع لاقوالهم (عليهم السلام) لا لاقوال الفقهاء إلا ان تعتضد باخبارهم في المقام. وبذلك ايضا صرح شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (نور الله مرقده) في بعض اجوبته. ثم ان الظاهر انه (عليه السلام) انما آثر الصلاة جماعة في كونها مظهرا للعدالة ودليلا عليها من حيث استقاضة الاخبار بان الصلاة عمود الدين (1) وان بقبولها تقبل سائر الاعمال وان كانت باطلة وبردها ترد سائر الاعمال وان كانت صحيحة (2) وانها معيار الكفر والايمان (3) وانها متى اتى بها في وقتها بحدودها كانت كفارة للذنوب الواقعة في ذلك اليوم (4) وانها كما قال عزوجل: " تنهى عن الفحشاء والمنكر " (5) واعتبار حضور الجماعة فيها ليعلم الاتيان بها ويمكن الحكم على الآتى بها بالعدالة كما صرح به في الخبر. ومن الاخبار الدالة على ما اخترناه زيادة على هذه الصحيحة الصريحة في المراد العارية عن وصمة الاعتراض والايراد ما ذكره الامام العسكري (عليه السلام)


(1) الوسائل الباب 6 و 8 من اعداد الفرائض ونوافلها (2) الوسائل الباب 8 من اعداد الفرائض ونوافلها (3) الوسائل الباب 11 من اعداد الفرائض ونوافلها. (4) الوسائل الباب 2 و 7 من اعداد الفرائض ونوافلها. (5) سورة العنكبوت الاية 44.

[ 31 ]

في تفسيره (1) في تفسير قوله تعالى " ممن ترضون من الشهداء " (2) قال: " يعنى ممن ترضون دينه وامانته وصلاحه وعفته وتيقظه في ما يشهد به وتحصيله وتمييزه فما كل صالح مميز ولا محصل ولا كل محصل مميز صالح، وان من عباد الله لمن هو أهل لصلاحه وعفته ولو شهد لم تقبل شهادته لقلة تمييزه، فإذا كان صالحا عفيفا مميزا محصلا مجانبا للعصبية والهوى والميل والتحامل فذلك الرجل الفاضل.. الحديث " وهو جار على ما تقدم في جملة من عبارات اصحابنا المتقدمين التى قدمناها والخبر المذكور ظاهر الدلالة واضح المقالة في ما ادعيناه. ويعضد ذلك جملة من الاخبار وان لم تكن مثل هذين في الوضوح والظهور السالم من الانكار. منها - ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن الرضا عن آبائه عن على (عليهم السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه واله) من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته وظهرت عدالته ووجبت اخوته وحرمت غيبته ". وما رواه فيه ايضا بسنده عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال " ثلاث من كن فيه أوجبت له اربعا على الناس: من إذا حدثهم لم يكذبهم وإذا وعدهم لم يخلفهم وإذا خالطهم لم يظلمهم، وجب أن تظهر في الناس عدالته وتظهر فيهم مروته وان تحرم عليهم غيبته وان تجب عليهم اخوته ". اقول: لا يخفى عليك ما في دلالة هذين الخبرين على ما ادعيناه زيادة على الصحيحة المتقدمة من اعتبار المعاشرة والمخالطة في معرفة العدالة لتصريحهما بان العدالة تثبت بهذه الامور المعدودة فيهما ومن الظاهر ان هذه الامور لا تحصل إلا


(1) تفسير الصافي في تفسير الاية وفي الوسائل في الباب 41 من الشهادات (2) سورة البقرة الاية 282 (3) و (4) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

[ 32 ]

بالمخالطة والمعاشرة حسبما قدمنا تحقيقه، وبالجملة فانهما واضحان كالخبرين السابقين في المراد عاريان عن وصمة الايراد إلا عند من اعمى الله بصر بصيرته بالعناد (واللداد). ومنها - ما رواه أبو بصير في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا ". ومنها - رواية العلاء بن سيابة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " في المكارى والملاح والجمال ؟ قال: وما بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء. ورواية عمار بن مروان (3) " في الرجل يشهد لابنه والابن لابيه والرجل لامرأته ؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان خيرا ". ورواية سماعة (4) قال: " سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث ؟ قال ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كانه فلا بأس ". والتقريب فيها - كما ذكره الاصحاب - ان هذا من الامور الحسبية الراجعة إلى الحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين وهو (عليه السلام) قد ناط ذلك بالثقة خاصة لامن اتصف بمجرد الاسلام. ورواية هشام بن سالم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث في الوكالة قال (عليه السلام) والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة " والتقريب بنحو ما تقدم حيث ان الوكيل لا ينعزل عن الوكالة إلا بعد العلم بالعزل كما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) وهو (عليه السلام) قد جعل خبر الثقة قائما مقام المشافهة، ولفظ الثقة هنا يساوق لفظ العدل في الاخبار المتقدمة فهى بمعنى العدل.


(1) و (3) الوسائل الباب 41 من الشهادات (2) الوسائل الباب 34 من الشهادات. وابو عبد الله يروى عن ابي جعفر (عليه السلام). (4) الوسائل الباب 88 من الوصايا. وفي نسخ الحدائق (رفاعة) (5) الوسائل الباب 2 من الوكالة.

[ 33 ]

وصحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لو كان الامر الينا لاجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس ". ورواية محمد بن مسلم (2) قال: " قدم رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة فقال انى طلقت امرأتي بعدما طهرت من محيضها قبل ان اجامعها ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) اشهدت رجلين ذوى عدل كما قال الله تعالى ؟ فقال: لا، فقال اذهب فان طلاقك ليس بشئ ". ورواية جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: " شهادة القابلة جائزة على انه استهل أو برز ميتا إذا سئل عنها فعدلت ". إلى غيرذلك من الاخبار الدالة على اعتبار عدالة الشاهد كما لا يخفى على من راجعها من مظانها مثل مسألة رؤية الهلال والطلاق والشهادات والدين ونحوها وان اختلفت في تأدية ذلك اجمالا وتفصيلا، فربما عبر في بعضها بالشاهدين بقول مطلق وربما عبر بالعدلين وربما عبر بالاوصاف التى هي شرط في حصول العدالة اجمالا أو تفصيلا. ولاريب ان ضم الاخبار بعضها إلى بعض وحمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها يقتضى ان العدالة أمر زائد على مجرد الاسلام أو الايمان. ولا يخفى ايضا ان مقتضى العمل بتلك الاخبار التى استندوا في الاكتفاء بمجرد الاسلام إليها طرح هذه الاخبار مع اعتضادها بالآية الشريفة حسبما قدمناه وعمل جملة من متقدمي الاصحاب كما قدمنا من نقل عباراتهم، على ان تلك الاخبار التى استندوا إليها غير واضحة الدلالة كما سنكشف عنه ان شاء الله تعالى نقاب الابهام في المقام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام).


(1) الوسائل الباب 14 من كيفية الحكم و 41 من الشهادات (2) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق وشرائطه (3) الوسائل الباب 24 و 41 من الشهادات.

[ 34 ]

وها نحن نسوقها لك على التفصيل مذيلين لها بما لا يخفى صحته وقوته على ذوى الفهم من ذوى التحصيل فنقول: (الاولى والثانية) صحيحة حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " في اربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران ؟ قال إذا كانوا اربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم جميعا واقيم الحد على الذى شهدوا عليه، انما عليهم ان يشهدوا بما ابصروا وعلموا وعلى الوالى ان يجيز شهادتهم إلا ان يكونوا معروفين بالفسق ". وما رواه الصدوق في كتاب المجالس باسناده عن صالح بن علقمة عن ابيه (2) قال: " قال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) وقد قلت له يا ابن رسول الله (صلى الله عليه واله) اخبرني عن من تقبل شهادته ومن لا تقبل ؟ فقال يا علقمة كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته. قال فقلت له تقبل شهادة المقترف للذنوب ؟ فقال يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الانبياء والاوصياء لانهم هم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنبا.. الحديث ". وهذان الخبران اظهر ما استدل به للقول المذكور وانت خبير بان الخبر الثاني ضعيف باصطلاحهم فلا يصلح للاستدلال ولا يمكنهم الاحتجاج به إلا انه حيث كان الامر عندنا خلاف ما اصطلحوا عليه أوردناه دليلا لهم وتكلفنا الجواب عنه حسما لمادة الشبهة. والجواب عنهما (اولا) انهما لا يبلغان قوة في معارضة الاخبار التى قدمناها المترجحة بالآية المتقدمة، وقد ورد عنهم (عليه السلام) في القواعد المقررة والضوابط المعتبرة التى قرروها انه مع اختلاف الاخبار يجب عرضها على كتاب


(1) و (2) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

[ 35 ]

الله تعالى والاخذ بما وافقه ورمى ما خالفه، ولاريب ان الروايات المتقدمة موافقة للآية في اشتراط العدالة التى هي امر زائد على مجرد الاسلام كما تقدم ايضاحه، وهذان الخبران على خلاف ما دلت عليه الآية فيجب طرحهما وردهما إلى قائلهما بمقتضى القاعدة المذكورة. و (ثانيا) - بالحمل على التقية التى هي في الاحكام الشرعية أصل كل بلية، ويعضده ما ذكره بعض أصحابنا من أن بعض العامة يذهب إلى ان الاصل في المسلم العدالة (1) ويعضده ايضا ما ذكره الشيخ في الخلاف من ان البحث عن عدالة الشهود ما كان في ايام النبي (صلى الله عليه واله) ولا أيام الصحابة ولا ايام التابعين وانما هو شئ أحدثه شريك بن عبد الله القاضى (2) ولو كان شرطا لما أجمع أهل الامصار على تركه. فانه دال باوضح دلالة على ان قضاة العامة من وقت الصحابة إلى وقت شريك المذكور كانوا على الحكم بالعدالة بمجرد الاسلام، ومن الظاهر ان القضاء والحكم بعد موت النبي (صلى الله عليه واله) إنما كان في ايديهم ومتى ثبت ذلك اتجه حمل ما دل من


في المغني ج 9 ص 64 في مسألة قبول شهادة مجهول الحال عن احمد ان ظاهر المسلمين العدالة فيحكم بشهادتهما إذا عرف اسلامهما بظاهر الحال، وقال عمر: المسلمون عدول بعضهم على بعض. ثم ذكر ان اعرابيا جاء إلى النبي (صلى الله عليه واله) فشهد برؤية الهلال فقال له النبي (صلى الله عليه واله) اتشهد ان لا اله الا الله ؟ فقال نعم. فقال اتشهد اني رسول الله ؟ قال نعم فصام وامر الناس بالصيام. ثم اختار ابن قدامة كون العدالة شرطا فيجب البحث عنها وبه قال الشافعي وابو يوسف ومحمد. وفي بدائع الصنائع ج 6 ص 27 ان ابا حنيفة يعتبر العدالة الظاهرة لا الحقيقية ودليله قوله تعالى (وكذلك جعلناكم امة وسطا) اي عدلا فوصف سبحانه مؤمنى هذه الامة بالوساطة وهي العدالة وقال عمر (عدول بعضهم على بعض) فصارت العدالة اصلا في المؤمنين وزوالها بعارض. وفي البحر الرائق ج 7 ص 69 عن ابي حنيفة يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم ولا يسأل حتى يطعن الخصم لقوله صلى الله عليه وآله الناس عدول بعضهم على بعض. (2) ارجع إلى التعليقة 3 ص 18 و 1 ص 19.

[ 36 ]

اخبارنا على مجرد الاكتفاء بالاسلام على التقية. واما ما يوجد في كلام متأخرى علمائهم من تفسير العدالة بالملكة فلعله حدث اخيرا من زمن شريك ونحوه كما حدث ذلك لمن تبعهم من متأخرى اصحابنا (رضوان الله عليهم) مع عدم وجوده في كلام متقدميهم. و (ثالثا) انه متى قيل بما دل عليه الخبران المذكوران ونحوهما من ان العدالة عبارة عن مجرد الاسلام فاللازم من ذلك طرح تلك الاخبار الصحيحة الصريحة في أن العدالة عبارة عن أمر زائد على مجرد الاسلام من التقوى والصلاح والعفاف ونحو ذلك من تلك الاوصاف وكذا مخالفة الآية وهو مما لا يلتزمه محصل، فالواجب حمل الخبرين المذكورين على ما ذكرناه من التقية وإلا فطرحهما بموجب تلك القاعدة المتقدمة الواضحة. و (رابعا) انه يحتمل تقييد الخبرين المذكورين بما قدمنا من الاخبار وذلك فان غاية هذين الخبرين أن يكونا مطلقين بالنسبة إلى اشتراط العدالة وطريق الجمع في مثل هذا المقام حمل المطلق على المقيد، والى ذلك يشير كلام المحدث الكاشانى في الوافى حيث انه نقل في اول الباب صحيحة ابن ابى يعفور المتقدمة (1) ثم نقل بعدها رواية اللاعب بالحمام المتضمنة لنفى الباس عن قبول شهادته إذا لم يعرف بفسق (2) ثم نقل خبر حريز المذكور ومرسلة يونس الآتية ان شاء الله تعالى ثم قال ما صورته: والجمع بين هذه الاخبار يقتضى تقييد مطلقها بمقيدها اعني تقييد ما سوى الاول بما في الاول من التعاهد للصلوات والمواظبة على الجماعات إلا من علة وانه الميزان في معرفة العدالة.. الخ. (الثالثة) مرسلة يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " خمسة اشياء يجب على الناس ان يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه ".


(1) ص 25 (2) الوسائل الباب 41 من الشهادات (3) الوسائل الباب 22 من كيفية الحكم.

[ 37 ]

والجواب (اولا) بضعف السند الذى به يضعف عن معارضة ما قدمنا من الآية والاخبار. و (ثانيا) بان قوله (عليه السلام) في آخر الخبر " فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته " بالدلالة على ما ندعيه اشبه، ولعله استدراك منه (عليه السلام) بالنسبة إلى الشهادة دون تلك الاشياء المعدودة، وذلك فانه انما يحكم على ظاهره بالمأمونية مع العلم بما يوجب ذلك من الصفات المتقدمة في تلك الروايات المكنى بها عن العدالة وإلا فمجهول الحال الذى انما رؤى حال الحضور عند الحاكم الشرعي للشهادة مثلا كيف يوصف بكون ظاهره مأمونا وهو مجهول، إذ مجرد الاسلام لا يكفي في المأمونية لان الظاهر الذى يوجب الحكم عليه بالمأمونية إنما هو معرفته في عباداته ومعاملاته ونحو ذلك لا الظاهر الذى هو عبارة عن رؤية شخصه وكونه مسلما. ولو قيل: ان المراد إنما هو ظاهر الاسلام لان الاصل في المسلم الستر والعفاف (قلنا) هذا الاصل ممنوع وضرورة العيان وعدول الوجدان في ابناء نوع الانسان ولا سيما في هذه الازمان أعدل شاهد في البيان بل الاصل انما هو مجهولية الحال حتى يظهر أحد الامرين من العدالة والفسق. و (ثالثا) ما ذكره المحدث الكاشانى في معنى الخبر المذكور حيث قال في كتاب الوافى بعد نقله ما صورته: بيان - يعنى ان المتولي لامور غيره إذا ادعى نيابته مثلا أو وصايته والمباشر لامرأة إذا ادعى زواجها والمتصرف في تركة الميت إذا ادعى نسبه وبائع اللحم إذا ادعى تذكيته والشاهد على امر إذا ادعى العلم به ولا معارض لاحد من هؤلاء تقبل اقوالهم ولا يفتش عن صدقهم حتى يظهر خلافه بشرط ان يكون مأمونا بحسب الظاهر. انتهى. وحاصله الرجوع إلى قبول قول من ادعى شيئا ولا معارض له وهى مسألة اخرى خارجة عن ما نحن فيه. (الرابعة) موثقة عبد الله بن ابى يعفور عن اخيه عبد الكريم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات


(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

[ 38 ]

بالستر والعفاف مطيعات للازواج تاركات للبذاء والتبرج إلى الرجال في انديتهم ". والجواب ان هذه الرواية لما ندعيه أقرب وبما ذهبنا إليه انسب فانه (عليه السلام) قد شرط في صحة شهادتهن امورا زائدة على الاسلام لابد ان يعرف اتصافهن بها وهى العفاف والتقوى وترك المعاصي والمحرمات التى ربما صدر منهن في تلك المقامات (الخامسة والسادسة) رواية عبد الرحيم القصير (1) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول إذا كان الرجل لا تعرفه يؤم الناس فقرا القرآن فلا تقرأ خلفه واعتد بصلاته ". ومرسلة ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة علموا انه يهودى ؟ قال لا يعيدون ". والجواب ان هذين الخبرين معارضان عموما بما تقدم من صحيحة ابن ابى يعفور وغيرها الدالة على اشتراط العدالة وموردها وان كان الشاهد إلا ان الظاهر كما صرح به جملة من الاصحاب ان العدالة المعتبرة باى معنى أخذت فانه لا فرق فيها بين الشاهد والامام ونحوهما، وخصوصا بجملة من الاخبار: منها رواية ابى على بن راشد ورواية خلف بن حماد ورواية ابراهيم بن على المرافقى وابى احمد عمرو بن الربيع البصري ونحوها من الروايات المتقدم جميع ذلك في المقام الاول. وبالجملة فما ذكرناه من الروايات عموما وخصوصا ان لم يكن أرجح ولا سيما مع اعتضادها بعمل الطائفة المحقة سلفا وخلفا في الامامة فلا اقل أن يكون معارضا لهما فلا يمكن التعلق بهما، وحملهما على التقية أقرب قريب لاتفاق العامة على جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر (3) فكيف المجهول الحال.


(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 37 من صلاة الجماعة (3) في المغني ج 2 ص 189 (الجمع والاعياد تصلى خلف كل بر وفاجر وقد كان احمد يشهدهما مع المعتزلة وكذلك العلماء الذين في عصره، ولان هذه الصلاة من شعائر

[ 39 ]

وبهذين الخبرين مع رواية عمر بن يزيد الآتية ان شاء الله تعالى استدل شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (قدس سره) في اجوبة المسائل الشوشترية على ما اختاره من أن العدالة عبارة عن حسن الظاهر، وهو مؤذن بصحة ما قدمنا نقله عنهم من انهم انما جمدوا على القشر الظاهر من هذا اللفظ ولم يعطوا التأمل حقه كما لا يخفى على الخبير الماهر، وان قولهم بذلك يرجع إلى مذهب المفسرين للعدالة بمجرد الاسلام، مع انهم زعموا كونه قولا ثالثا في المقام والحال كما ترى مما هو ظاهر لذوى الافهام، على انه ايضا يمكن تأويل رواية عبد الرحيم بان صلاة الناس خلفه بمنزلة الشهادة على عدالته سيما إذا كان فيهم من يعتقد عدالته وان كان ظاهر الاصحاب انه لا يجوز ذلك إلا بعد الفحص والسؤال وحمل مرسلة ابن ابى عمير على ان ذلك اليهودي اظهر لهم الصلاح حتى حصل لهم الاعتقاد بعدالته. (السابعة) رواية عمر بن يزيد (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امام لا بأس به في جميع اموره عارف غير انه يسمع ابويه الكلام الغيظ الذى يغيظهما اقرأ خلفه ؟ قال لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا ". والجواب انه لاريب ان هذا الخبر بظاهره دال على عدم ثبوت العقوق باسماع ابويه الكلام الغيظ الذى يغيظهما ولا شك ولا اشكال في ثبوت العقوق بذلك لان


= الاسلام الظاهرة وتليها الائمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية) وفي بدائع الصنائع ج 1 ص 156 (تجوز الصلاة خلف الفاسق في قول العامة لما روى من قوله (صلى الله عليه واله) (صلوا خلف كل بر وفاجر) والحديث وان ورد في الجمع والاعياد لتعلقهما بالامراء واكثرهم فساق لكنه بظاهره حجة في ما تحن فيه إذ العبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب) وفي البداية لابن رشد ج 1 ص 123 طبع سنة 1339 (اختلفوا في امامة الفاسق فردها قوم باطلاق واجازها قوم باطلاق وفرق قوم بين ان يكون فسقه مقطوعا به أو غير مقطوع له ففي مقطوع الفسق تعاد الصلاة خلفه واستحبت الاعادة في مظنون الفسق في الوقت..) (1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.

[ 40 ]

الآية الشريفة (1) دلت على تحريم التأفيف الذى هو كناية عن مجرد التضجر، وفى الخبر عنه (عليه السلام) " لو علم الله شيئا هو أدنى من اف لنهى عنه " رواه في الكافي (2) ورواه ايضا بطريق آخر (3) وزاد فيه " وهو من ادنى العقوق ومن العقوق ان ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر اليهما " وروى فيه ايضا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال " من نظر إلى ابويه ماقت وهما ظالمان له لم يقبل الله له صلاة ". وحينئذ فيجب الحكم بفسق الامام المذكور، وسيأتى ان شاء الله تعالى عد العقوق في الكبائر بل هو من اكبرها، وبذلك يظهران الخبر المذكور على ظاهره لا يجوز الاعتماد عليه ولا الاستناد في حكم شرعى إليه. ويمكن تأويله بان يكون المراد بقوله (عليه السلام) " ما لم يكن عاقا قاطعا " بمعنى مصرا على ذلك من غير توبة إلى ابويه وان يستر ضيهما ويصلحهما ويعتذر اليهما بحيث يرضيان عنه. وبالجملة فان الخبر المذكور لما عرفت مطرح ولا بأس بارتكاب التأويل فيه وان بعد تفاديا من طرحه. (الثامنة والتاسعة) ما رواه الصدوق باسناد ظاهره الصحة عن عبد الله بن المغيرة (5) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) رجل طلق امرأته واشهد شاهدين ناصبين ؟ قال كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته ". وحسنة البزنطى عن ابى الحسن (عليه السلام) (6) انه قال له " جعلت فداك كيف طلاق السنة ؟ فقال يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل ان يغشاها بشاهدين عدلين كما قال الله في كتابه فان خالف ذلك رد إلى كتاب الله. فقلت فان اشهد رجلين ناصبين على الطلاق


(1) (فلا تقل لهما اف) سورة بني اسرائيل الاية 24. (2) الاصول باب العقوق ولفظه هكذا (أدنى العقوق أف ولو علم الله شيئا اهون منه لنهى عنه) وفي آخر (ايسر) بدل (اهون) (3) الاصول باب العقوق واللفظ كما ذكر في المتن (4) الاصول باب العقوق (5) الوسائل الباب 41 من الشهادات (6) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق وشرائطه.

[ 41 ]

أيكون طلاقا ؟ فقال من ولد على الفطرة اجيزت شهادته على الطلاق بعد ان يعرف منه خير ". قال في المسالك بعد ايراد الخبر الثاني في كتاب الطلاق: وهذه الرواية واضحة الاسناد والدلالة على الاكتفاء بشهادة المسلم في الطلاق. ولا يرد ان قوله " بعد ان يعرف منه خير " ينافى ذلك لان الخير قد يعرف من المؤمن وغيره وهو نكرة في سياق الاثبات لا يقتضى العموم فلا ينافيه مع معرفة الخير منه بالذى اظهره من الشهادتين والصلاة والصيام وغيرها من اركان الاسلام ان يعلم منه مايخالف الاعتقاد الصحيح لصدق معرفة الخير منه معه. وفى الخبر - مع تصديره باشتراط شهادة العدلين ثم الاكتفاء بما ذكر - تنبيه على ان العدالة هي الاسلام فإذا اضيف إلى ذلك أن لا يظهر الفسق كان اولى. انتهى. واقتفاه في هذه المقالة سبطه السيد السند في شرح النافع فقال بعد نقل كلامه المذكور وذكر الرواية الاولى ما صورته: وهو جيد والرواية الاولى مع صحة سندها دالة على ذلك ايضا فان الظاهر ان التعريف في قوله (عليه السلام) فيها " وعرف بالصلاح في نفسه " للجنس لا للاستغراق، وهاتان الروايتان مع صحتهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما انتهى. واقتفاهما في ذلك المحدث الكاشانى في المفاتيح والفاضل الخراساني كما هي عادتهما غالبا. اقول: وهذا ما اشرنا إليه آنفا من انه قد انجر الامر من القول بمجرد الاسلام إلى الحكم بعدالة النصاب وذوى الاذناب. وكيف كان فهذا الكلام باطل ومردود من وجوه (الاول) ما قدمنا بيانه من الآية والاخبار المتقدمة الدالة على ان العدالة امر زائد على مجرد الاسلام مع دلالة جملة منها على ان ذلك عبارة عن التقوى والصلاح والعفاف ونحوها. وبذلك يظهر لك ما في قول سبطه السيد السند انهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما.

[ 42 ]

(الثاني) انه لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) من هؤلاء القائلين بهذا القول وغيرهم في كفر الناصب ونجاسته وحل دمه وماله وان حكمه حكم الكافر الحربى، وانما الخلاف في المخالف الغير الناصب هل يحكم باسلامه كما هو المشهور بين المتأخرين ام بكفره كما هو المشهور بين المتقدمين ؟ والروايتان قد اشتملنا على السؤال عن شهادة الناصبين على الطلاق فكيف يتم الحكم بالاسلام ثم صحة الطلاق فرعا على ذلك مع الاتفاق نصا وفتوى على الكفر كما عرفت ؟ إلا ان يريدوا بالاسلام مجرد الانتحال للاسلام وحينئذ فتدخل فيه الخوارج والمجسمة والمشبهة فتكون ظلمات بعضها فوق بعض. ثم لو تنزلنا عن ذلك وحملنا الناصب في الخبرين على المخالف كما ربما يدعيه الخصم حيث ان مذهبهم الحكم باسلام المخالفين فانا نقول ان قبول شهادة المخالف مخالف للادلة الشرعية كتابا وسنة الدالة على عدم قبول شهادة الفاسق والظالم (1) واى فسق وظلم أظهر من الخروج من الايمان والاصرار على ذلك الاعتقاد الفاسد المترتب عليه ما لا يخفى من المفاسد. واما ما أجاب به المحدث الكاشانى في المفاتيح تبعا للمسالك - من ان الفسق انما يتحقق بفعل المعصية مع اعتقاد كونها معصية لا مع اعتقاد كونها طاعة والظلم انما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به - فهو مردود بانه لو تم هذا الكلام المنحل الزمام المموه الفاسد الناشئ من عدم اعطاء التأمل حقه في هذه المقاصد لاقتضى قيام العذر للمخالفين وعدم استحقاق العذاب في الآخرة ولا اظن هؤلاء القائلين يلتزمونه، وذلك فان المكلف إذا بذل جده وجهده في طلب الحق وأتعب الفكر والنظر في ذلك واداه نظره إلى ما كان باطلا في الواقع لعروض الشبهة له فلا ريب في انه يكون


(1) امام الكتاب فقوله تعالى في سورة الحجرات الاية 6 (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..) وقوله تعالى في سورة هود الاية 115 (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) واما السنة فيرجع فيها إلى الوسائل الباب 30 من الشهادات.

[ 43 ]

معذورا عقلا ونقلا لعدم تقصيره في السعي لطلب الحق وتحصيله الذى امر به وكذا يقوم العذر لمنكري النبوات وأهل الملل والاديان وهذا في البطلان اظهر من أن يحتاج إلى بيان. وبالجملة فانه ان كان هذا الاعتقاد الذى جعله طاعة وعدم العلم بالحق الذى ذكره انما نشأ عن بحث ونظر يقوم بهما العذر شرعا عند الله فلا مناص عن ما ذكرناه وإلا فلا معنى لكلامه بالكلية كما هو الظاهر لكل ذى عقل وروية. (الثالث) انه قد استفاضت الروايات والاخبار عن الائمة الابرار (عليهم السلام) - كما بسطنا عليه الكلام في كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب - بكفر المخالفين ونصبهم وشركهم وان الكلب واليهودى خير منهم (1) وهذا مما لا يجامع الاسلام البتة فضلا عن العدالة، واستفاضت ايضا بانهم ليسوا من الحنيفية على شئ (2) وانهم ليسوا إلا مثل الجدر المنصوبة (3) وانه لم يبق في يدهم إلا مجرد استقبال القبلة (4) واستفاضت بعرض الاخبار على مذهبم والاخذ بخلافه (5) واستفاضت ايضا ببطلان اعمالهم (6) وامثال ذلك من ما يدل على خروجهم عن الملة المحمدية والشريعة النبوية بالكلية والحكم بعدالتهم لا يجامع شيئا من ذلك كما لا يخفى. (الرابع) انه يلزم من ما ذكره - من ان الخير نكرة في سياق الاثبات فلا يعم وكذا قول سبطه: ان التعريف في قوله (عليه السلام) " وعرف بالصلاح في نفسه " للجنس لا للاستغراق - دخول اكثر الفسقة والمردة في هذا التعريف إذ ما من فاسق في الغالب إلا وفيه صفة من صفات الخير فإذا جاز اجتماع العدالة مع فساد العقيدة


(1) ارجع إلى ج 5 ص 185 و 187. (2) و (5) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضي به. (3) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة. (4) في الفصول المهمة للحر العاملي ص 74 الباب 29 عن ابي عبد الله عليه السلام قال (والله ما بقي في ايديهم شئ من الحق الا استقبال القبلة). (6) الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.

[ 44 ]

جاز مع شرب الخمر والزنا واللواط ونحو ذلك بطريق أولى، بل يدخل في ذلك الخوارج والمرجئة وامثالها من الفرق التى لا خلاف في كفرها حيث ان الخير بهذا المعنى حاصل فيهم فتثبت عدالتهم بذلك وان كانوا فاسدي العقيدة نعوذ بالله من زلل الاقدام وطغيان الاقلام. (الخامس) قوله " ان الخير يعرف من المؤمن.. إلى قوله لصدق معرفة الخير منه " فان فيه زيادة على ما تقدم ان الاخبار الصحيحة الصريحة قد استفاضت ببطلان عبادة المخالفين لاشتراط صحة العبادة بالاقرار بالولاية بل ورد عن الصادق (عليه السلام) (1) " سواء على الناصب صلى أم زنى " والمراد بالناصب هو مطلق المخالف كما حققناه في كتاب الشهاب الثاقب وحينئذ فاى خيرته في أعمال من قام الدليل على بطلانها وانها في حكم العدم، وكونها في الظاهر بصورة العبادة لا يجدى نفعا لان خيرية الخير وشرية الشر انما هو باعتبار ما يترتب على كل منهما من النفع والضرر كما ينادى به الحديث النبوى (2) " لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذى ظهر لى في معنى الخبرين المذكورين انهما انما خرجا مخرج التقية، وتوضيح ذلك انه قد ظهر بما قدمناه من الوجوه ان المخالف ناصبيا كان بالمعنى الذى يدعونه أو غيره لا خير فيه بوجه من الوجوه فخرج من البين بذلك، ولو حمل الخير في الخبر على مطلق الخير كما ادعاه في المسالك لجامع الفسق البتة إذ لا فاسق متى كان مسلما إلا وفيه خير وهو باطل اجماعا نصا وفتوى لدلالة الآية (3) والرواية (4) على رد خبر الفاسق، فلا بد من حمل الخير على امر


(1) روضة الكافي ص 160 (لا يبالي الناصب صلى ام زنى). (2) المفردات للراغب مادة (خير) وفي تاج العروس مادة (خير) نقلا من المفردات للراغب والبصائر لصاحب القاموس. (3) قوله تعالى في سورة الحجرات الاية 6 (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..) (4) الوسائل الباب 30 من الشهادات.

[ 45 ]

زائد على مجرد الاسلام، ووجه الاجمال في هذه العبارة في الخبرين انما هو التقية التى هي في الاحكام الشرعية أصل كل بلية، وذلك ان السائل في الخبر الثاني لما سأله عن كيفية طلاق السنة اجاب (عليه السلام) بالحكم الشرعي الواضح وهو ان يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل ان يغشاها بشاهدين عدلين كما قال الله عزوجل في كتابه (1) فان خالف ذلك رد إلى الكتاب بمعنى انه يبطل ما اتى به من الطلاق لمخالفته الكتاب، ولا ريب ان الطلاق بشهادة الناصب باطل بمقتضى هذا التقرير عند كل ذى انس باخبار أهل البيت ومعرفة مذهبهم (عليه السلام) وما يعتقدونه في مخالفيهم من الكفر والشرك والعداوة والنصب فيجب رد من أشهدهما على طلاق إلى كتاب الله الدال على بطلان هذا الطلاق لاشتراط عدالة الشاهد بنص الكتاب لكن لما سأل السائل بعد ذلك عن خصوص ذلك وكان المقام لا يتقضى الافصاح بالجواب ب‍ " لا أو نعم " اجمل (عليهم السلام) في الجواب بما فيه اشارة إلى انه لا يجوز ذلك بعبارة موهمة للجواز فقال (عليه السلام) " كل من ولد على الفطرة الاسلامية وعرف فيه خير جازت شهادته " وهذا في بادئ النظر يعطى ما توهمه هؤلاء من كون الناصب تجوز شهادته لانه ولد على فطرة الاسلام وفيه خير إلا انه لما كان الناصب بمقتضى مذهبهم (عليه السلام) من أخبارهم وتتبع سيرهم لا خير فيه ولا صلاح بالكية لما اسلفنا ذكره وجب اخراجه في المقام وحمل العبارة المذكورة على من عداه. ومن ما ذكرنا يعلم الكلام في الرواية الاولى. وبذلك يظهر لك زيادة على ما قدمناه ما في كلام السيد السند وقوله ان الروايتين سالمتان من المعارض. وبالجملة فان الواجب في الاستدلال بالخبر في هذا الموضع وغيره النظر الى انطباق موضع الاستدلال على مقتضى القواعد المعتبرة والقوانين المقررة في الاخبار فمتى كان الخبر مخالفا لها وخارجا عنها وجب طرحه وامتنع الاستناد إليه وان كان صحيح السند صريح الدلالة لاستفاضة اخبارهم (عليهم السلام) بعرض


(1) قوله تعالى في سورة الطلاق الاية 2 (واشهدوا ذوى عدل منكم).

[ 46 ]

الاخبار على كتاب الله تعالى والسنة النبوية ولكن عادة أصحاب هذا الاصطلاح ولا سيما السيد صاحب المدارك الدوران مدار صحة السند فمتى كان السند صحيحا لم ينظر الى ما في متن الخبر من العلل كما قدمنا التنبيه عليه في غير موضع من ما تقدم. وبالجملة فكلام هؤلاء الاعيان في هذا المكان اظهر في البطلان من أن يحتاج إلى زيادة على ما ذكرنا من البيان. والله العالم. (المقام الرابع) في الكبائر وعددها وانها عبارة عماذا وانه هل جميع الذنوب كبائر أو بعضها صغائر وبعضها كبائر ؟ والكلام هنا يقع في موضعين (الاول) في الكبائر وعددها، اعلم انه قد اختلفت كلمة العلماء في تفسير الكبيرة على اقوال منتشرة، فقال قوم هي كل ذنب توعد الله تعالى عليه بالعقاب في الكتاب العزيز، وقال آخرون هي كل ذنب رتب عليه الشارع حدا أو صرح بالوعيد، وقال طائفة هي كل معصية تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين، وقال جماعة هي كل ذنب علمت حرمته بدليل قاطع، وقيل كل ما توعد عليه توعدا شديدا في الكتاب أو السنة، وقيل هي ما نهى الله عنه في سورة النساء من أولها إلى قوله تعالى " ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه.. الآية " (1) وقال قوم انها سبع: الشرك بالله وقتل النفس التى حرم الله وقذف المحصنة واكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين، وقيل انها تسع بزيادة السحر والالحاد في بيت الله أي الظلم فيه، إلى غير ذلك من الاقوال الكثيرة المنسوبة إلى العامة (2). والمختار من هذه الاقوال الاول والظاهر انه المشهور بين أصحابنا بل قال


(1) الاية 35. (2) في بدائع الصنائع ج 6 ص 268 (اختلف في ماهية الكبائر والصغائر فقال بعضهم ما فيه حد في كتاب الله فهو كبيرة وما ليس فيه حد فهو صغيرة، وقال بعضهم ما يوجب الحد كبيرة. وما لا يوجبه صغيرة، وقال بعضهم كل ما جاء مقرونا بوعيد فهو كبيرة.

[ 47 ]

بعض أفاضل متأخرى المتأخرين بعد نسبة هذا القول إلى الشهرة بينهم: ولم أجد في كلامهم اختيار قول آخر. ويدل على هذا القول جملة من الاخبار: منها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن الحسن بن محبوب (1) قال: " كتب معى بعض اصحابنا إلى ابى الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر كم هي وما هي ؟ فكتب الكبائر من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا، والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام وعقوق الوالدين واكل الربا والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة واكل مال اليتيم والفرار من الزحف " قال بعض مشايخنا المعاصرين قوله (عليه السلام): " والسبع الموجبات " معناه انها اكبر الكبائر واشدها حتى انها أوجبت النار لفاعلها، ومن المستبين ان الايجاب والحتم امر آخر فوق الابعاد لا يتطرق إليه الاخلاف بخلاف الوعيد المطلق فان اخلافه حسن كما تقرر في الكلام، فهذه السبع لعظمها كأنها اوجبت فلا ينافى ما تضمنه صدر الخبر من تفسيرها بما وعد الله عليه النار. ومنها - ما رواه في الكتاب المذكور عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " في قول الله عزوجل: ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ؟ قال: الكبائر التى أوجب الله عزوجل عليها النار " ومثله في تفسير العياشي عن كثير النواء عن الباقر (عليه السلام) (3). وما رواه في الفقيه عن عباد بن كثير النواء قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الكبائر فقال كل ما أوعد الله عليه النار ".


(1) و (4) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس (2) الوسائل الباب 44 من جهاد النفس. وفي الطبعة القديمة ورد هذا الحديث بهذا اللفظ عن ابي جميلة ايضا وهو تكرار له بهذا العنوان إذ لا حديث لابي جميلة وفي الكافي غير حديث الحلبي وانما يرويه أبو جميلة عن الحلبي. (3) مستدرك الوسائل الباب 46 من جهاد النفس.

[ 48 ]

ومنها - صحيحة ابن ابى يعفور المتقدمة (1) قوله (عليه السلام) فيها " وتعرف باجتناب الكبائر التى أوعد الله عليها النار من شرب الخمر.. إلى اخر ما تقدم ". وروى الثقة الجليل على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الكبائر التى قال الله عزوجل: ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ؟ قال التى أوجب عليها النار ". واما ما اشتمل على الحصر في عدد معين - مثل ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا وقذف المحصنة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة وأكل مال اليتيم ظلما واكل الربا بعد البينة وكل ما أوجب الله تعالى عليه النار ". وعن عبيد بن زرارة في الحسن (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكبائر فقال هن في كتاب على (عليه السلام) سبع: الكفر بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وأكل الربا بعد البينة واكل مال اليتيم ظلما والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة. قال فقلت فهذا اكبر المعاصي ؟ قال نعم. قلت فكل درهم من مال اليتيم ظلما اكبرام ترك الصلاة ؟ قال ترك الصلاة. قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر ؟ فقال اي شئ اول ما قلت لك ؟ قال قلت الكفر. قال فان تارك الصلاة كافر يعنى من غير علة ". وعن مسعدة بن صدقة (5) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الكبائر القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والامن من مكرا لله وقتل النفس التى حرم الله وعقوق الوالدين واكل مال اليتيم ظلما واكل الربا بعد البينة والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة والفرار من الزحف ". اقول: هذا الخبر قد اشتمل على عشر من الكبائر واحتمل بعض المحدثين.


(1) ص 25. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

[ 49 ]

ان عطف قوله: " اليأس " على القنوط عطف بيان، قال: لعدم التغاير بينهما في المعنى إذ لافرق بينابين اليأس والقنوط ولابين الروح والرحمة. انتهى. وعن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول: الكبائر سبعة منها قتل النفس متعمدا والشرك بالله العظيم وقذف المحصنة واكل الربا بعد البينة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة وعقوق الوالدين واكل مال اليتيم ظلما قال: والتعرب والشرك واحد ". اقول: قوله " والتعرب والشرك واحد " لعله اعتذار عن ما يتراءى من المخالفة بين قوله " سبعة " والتفصيل لكونها ثمانية - فيمكن دفع المنافاة بينه وبين ما تقدم بان مراتب الكبائر مختلفة وان السبع المذكورة في هذه الاخبار اكبر من ما عداها، ولا ينافى ذلك ان كل ما أوعد الله عليه النار كبيرة. ويحتمل حمل هذه الاخبار الاخيرة على التمثيل لا الحصر ويؤيده اختلافها في بعض الافراد المعدودة فيها. ويؤيد ما قلنا من أن ذكر هذه السبع ونحوها انما هو من حيث كونها اكبر ما رواه في التهذيب عن ابى الصامت عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " اكبر الكبائر سبع: الشرك بالله العظيم وقتل النفس التى حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل مال يتيم وعقوق الوالدين وقذف المحصنات والفرار من الزحف وانكار ما انزل الله عزوجل " هذا، وقد روى في الكافي والفقيه عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى (3) قال: " حدثنى أبو جعفر الثاني (عليه السلام) قال سمعت ابى (عليه السلام) يقول سمعت ابى موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على ابى عبد الله (عليه السلام) فلما سلم وجلس تلا هذه الآية " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش " (4) ثم امسك فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) ما اسكتك ؟ قال احب ان اعرف الكبائر من كتاب الله تعالى فقال نعم يا عمرو اكبر الكبائر الاشراك بالله يقول الله تعالى " من يشرك بالله فقدحرم الله عليه


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس (4) النجم الاية 33.

[ 50 ]

الجنة " (1) وبعده الاياس من روح الله لان الله تعالى يقول " لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " (2) ثم الامن لمكر الله لان الله تعالى يقول: " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " (3) ومنها عقوق الوالدين لان الله تعالى جعل العاق جبارا شقيا (4) وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق لان الله تعالى يقول " فجزاؤه جهنم خالدا فيها.. إلى آخر الآية " (5) وقذف المحصنة لان الله تعالى يقول " لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم " (6) واكل مال اليتيم لان الله تعالى يقول " إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " (7) والفرار من الزحف لان الله تعالى يقول: " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " (8) واكل الربا لان الله تعالى يقول: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس " (9) والسحر لان الله تعالى يقول: ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق " (10) والزنا لان الله تعالى يقول: " ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا " (11) واليمين الغموس الفاجرة لان الله تعالى يقول: " الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة " (12) والغلول لان الله تعالى يقول: " ومن يغلل يأت بماغل يوم القيامة " (13) ومنع الزكاة المفروضة لان الله تعالى يقول " فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم " (14)


(1) سورة المائدة الاية 76 (2) سورة يوسف الاية 87 (3) سورة الاعراف الاية 97 (4) سورة مريم الاية 33 (5) سورة النساء الاية 95 (6) سورة النور الاية 23 (7) سورة النساء الاية 11 (8) سورة الانفال الاية 16 (9) سورة البقرة الاية 276 (10) سورة البقرة الاية 96 (11) سورة الفرقان الاية 68 و 69 (12) سورة آل عمران الاية 71 (13) سورة آل عمران الاية 155 (14) سورة التوبة الاية 35.

[ 51 ]

وشهادة الزور وكتمان الشهادة لان الله يقول " ومن يكتمها فانه آثم قلبه " (1) وشرب الخمر لان الله تعالى نهى عنها (2) كما نهى عن عبادة الاوثان (3) وترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض الله تعالى لان رسول الله (صلى الله عليه واله) قال: " من ترك الصلاة متعمدا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسول الله (صلى الله عليه واله) ونقض العهد وقطيعة الرحم لان الله تعالى يقول: " اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار " (4) قال فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وهو يقول هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم " اقول: وهذه الرواية قد اشتملت من عدد الكبائر على احدى وعشرين والكلام فيها ينبغى أن يكون على نحو ما قدمناه من أن الكبائر كثيرة وايثار هذه الاعداد بالذكر لكونها اكبر من البواقى أو يحمل على ان وقوعها اكثر فوقع الاهتمام بذكرها ليحترز واعنها وان تفاوتت هذه الاعداد ايضا في ذلك بالشدة والضعف، مع ان في اكثرها اشارة اجمالية إلى غيرها لاشتراكها في العلة وهى الوعيد. ومن ما يعضده ما نقله جملة من اصحابنا عن ابن عباس ان الكبيرة ما نهى الله سبحانه عنه قيل، هي سبع قال: هي إلى السبعين اقرب. وفى رواية إلى السبعمائة. (الموضع الثاني) - قد اختلف اصحابنا (رضوان الله عليهم) في انه هل يكون كل معصية كبيرة وان اطلاق الصغيرة على بعضها انما هو مجاز بالاضافة إلى ما فوقها أو انها حقيقة في القسمين فمنها ما يكون كبيرة ومنها ما يكون صغيرة ؟ قولان ذهب إلى الاول جمع من الاصحاب ونقل عن الشيخ المفيد وابن البراج وابى الصلاح والشيخ في العدة والشيخ ابى على الطبرسي وابن ادريس، فكل ذنب عندهم كبيرة لاشتراكها في مخالفة أمر الله تعالى إلا أنه ربما أطلق الصغيرة على بعض الذنوب بالاضافة إلى ما فوقه كالقبلة مثلا بالنسبة إلى الزنا وان كانت كبيرة بالنسبة إلى مجرد النظر.


(1) سورة البقرة الاية 283 (2) سورة المائدة الاية 92 (3) سورة الحج الاية 31 (4) سورة الرعد الاية 25.

[ 52 ]

قال الشيخ أبو على المذكور في تفسيره مجمع البيان (1) بعد نقله هذا القول: والى هذا ذهب أصحابنا فانهم قالوا المعاصي كلها كبيرة لكن بعضها اكبر من بعض وليس في الذنوب صغيرة وانما يكون صغيرا بالاضافة إلى ما هو اكبر منه ويستحق العقاب عليه اكثر. وظاهر عبارته ان ذلك اتفاقى بين من تقدم عليه من أصحابنا وربما ظهر ذلك ايضا من كلام الشيخ في العدة وابن ادريس. قال شيخنا البهائي (زاده الله بهاء وشرفا) في كتاب الاربعين بعد نقل ذلك عنه: لا يخفى ان كلام الشيخ الطبرسي مشعر بان القول بان الذنوب كلها كبائر متفق عليه بين الامامية وكفى بالشيخ ناقلا: " إذا قالت حذام فصدقوها فان القول ما قالت حذام " قيل: ولهذا القول شواهد في الاخبار مثل ما دل على ان كل معصية شديدة (2) وما دل على ان كل معصية قد توحب لصاحبها النار (3) وما دل على التحذير من استحقار الذنب واستصغاره (4) وامثال ذلك. ويؤيده ما رواه الكليني عن عبد الله بن سنان باسناد يحتمل الصحة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ". وما رواه ابن بابويه باسناد ضعيف عن النبي (صلى الله عليه واله) (6) قال: " لا تحتقروا شيئا من الشر وان صغر في اعينكم ولا تستكثروا شيئا من الخير وان كثر في اعينكم فانه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الاصرار ". وجه التأييد ان المراد بالاصرار الاقامة على الذنب لعدم التوبة والاستغفار كما قال جماعة من المفسرين في قوله تعالى: " ولم يصروا على ما فعلوا " (7)


(1) ج 3 ص 38 (2) الوسائل الباب 38 من جهاد النفس. (3) الوسائل الباب 38 و 39 من جهاد النفس. (4) و (6) الوسائل الباب 42 من جهاد النفس (5) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس (7) سورة آل عمران 129. .

[ 53 ]

اقول: يمكن تطرق النظر إلى ما ذكره بان يقال (اولا) ان ما ذكره من هذه الادلة معارض بما سيأتي ان شاء الله تعالى في أدلة القول الآخر مما هو أوضح دلالة. و (ثانيا) انه يمكن ان يقال ان احتقار الذنب واستصغاره امر زائد على إصل الذنب فلعله لانضمام ذلك إلى أصل الذنب يكون كبيرة، ويؤيده ما يظهر من كلام أهل اللغة، قال الجوهرى " أصررت على الشئ أي اقمت ودمت " وقال ابن الاثير: " أصر على الشئ اصرارا إذا لزمه وداومه وثبت عليه " وفى القاموس " أصر على الامر لزمه " فان ظاهر هذا الكلام ان الاصرار عبارة عن العزم على المعاودة والمداومة على ذلك الذنب. وقال شيخنا الشهيد في قواعده على ما نقله بعض الاصحاب بعد تقسيمه الاصرار إلى فعلى وحكمي: الفعلى هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة أو الاكثار من جنسها بلا توبة والحكمى هو العزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، اما لو فعل الصغيرة ولم يخطر بباله بعدها توبة ولا عزم على فعلها فالظاهر انه غير مصر. انتهى. وهو ظاهر في ما قلناه وواضح في ما ادعيناه. إلا انه قد روى في الكافي عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) " (1) في قول الله تعالى: ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (2) قال الاصرار ان يذهب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الاصرار ". فان ظاهره ان الاصرار يتحقق بالذنب مع عدم التوبة والاستغفار وهو ظاهر في ان من لا يخطر بباله بعد الذنب توبة ولا عزم على فعلها يكون مصرا، وحينئذ تكون كبيرة بمقتضى الاخبار الدالة على انه لا صغيرة مع الاصرار (3) ويكون دليلا ظاهرا لهذا القول.


(1) و (3) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس (2) سورة آل عمران الاية 129.

[ 54 ]

وفيه انه وان كان الامر كذلك إلا انه مع ضعف سنده معارض بما سيأتي ان شاء الله تعالى من الادلة الدالة على القول الآخر الظاهرة في الرجحان عليه. هذا، ولهم في تفسير الاصرار اقوال مختلفة، فقيل انه عبارة عن الاكثار من الصغائر سواء كان من نوع واحدا ومن انواع مختلفة، وقيل انه عبارة عن المداومة على نوع واحد منها، ونقل بعضهم قولا بان المراد به عدم التوبة، قال في البحار بعد نقله: وهو ضعيف وقد تقدم في كلام شيخنا الشهيد في قواعده تقسيم الاصرار إلى فعلى وحكمي.. إلى آخر ما قدمناه من كلامه، قال في البحار وارتضاه جماعة من المتأخرين. وانت خبير بان النصوص خالية من بيان مخصوص ذلك صريحا إلا ما يفهم من رواية جابر وظاهر جملة من الاصحاب الاعراض عن ما دلت عليه والميل إلى ما اخترناه من المعنى المذكور المأخوذ فيه العزم على العود. قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين: وبالجملة ظاهر الجمع بين الروايات والاخبار الواردة في هذا الباب ان العدل واقعا من يكون ارتكابه للمعاصي على سبيل الندرة بحيث يكون عامة أو قامة متجانبا عنها بحيث ان صدر منه شئ تذكر واستغفر كما قال سبحانه " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " (1) فحينئذ ان صدر منه صغيرة ولو غير مرة وغفل عن توبته لا يضر " ذلك ولم يصر بذلك مصرا. انتهى. الثاني من القولين المذكورين هو ان الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، ونقل عن الشيخ في المبسوط وابن حمزة والفاضلين وجمهور المتأخرين، والظاهر انه الاقرب ويشهد له قوله تعالى " ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " (2) فانها ظاهرة في ان اجتناب الكبائر مكفر للصغائر. واما على مذهب من ذهب إلى ان الذنوب كلها كبائر فلا معنى للآية إذ ليس هنا ذنب غير الكبائر. واجيب عن ذلك بان من عن له ذنبان أحدهما اكبر من الآخر ودعت نفسه


(1) سورة آل عمران الاية 129 (2) سورة النساء الاية 35

[ 55 ]

اليهما بحيث لا يتمالك فترك الاكبر وفعل الاصغر فانه يكفر عنه الاصغر لما استحقه من الثواب على ترك الاكبر كمن عن له التقبيل والنظر بشهرة فكف عن التقبيل وارتكب النظر. وهذا الجواب ذكره في كنز العرفان واورده البيضاوى في تفسيره ونقله شيخنا البهائي في كتاب الاربعين وأمر بالتأمل فيه، ثم انه بين وجه التأمل في حاشية الكتاب بما هو ظاهر في بطلان هذا الجواب، حيث قال: انه يلزم منه ان من كف نفسه عن قتل شخص وقطع يده مثلا يكون مرتكبا للصغيرة وتكون مكفرة عنه، أللهم إلا ان يراد بالاصغر مالا أصغر منه وهو في هذا المثال أقل ما يصدق عليه الضرر لا قطع اليد. وفيه ما فيه فليتأمل. انتهى. وهو جيد وجيه. ويدل على ذلك ايضا ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: " قال الصادق (عليه السلام) من اجتنب الكبائر كفر الله عنه جميع ذنوبه وذلك قول الله عزوجل ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيأتكم وندخلكم مدخلا كريما " (2). ويشهد ايضا قوله تعالى: " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم " (3) واللمم عبارة عن الصغائر أو نوع خلص منها: ففى الكافي (4) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " هو الذنب يلم به الرجل فيمكث ما شاء الله ثم يلم به بعد ". وعنه (عليه السلام) (5) في تفسير الآية المذكورة قال: " الهنة بعد الهنة أي الذنب بعد الذنب يلبه العبد ". قال في كتاب مجمع البحرين ومطلع النيرين: قال ابن عرفة اللمم عند العرب ان يفعل الانسان الشئ في الحين لا يكون له عادة، ويقال اللمم هو ما يلم به العبد من


(1) الوسائل الباب 44 من جهاد النفس (29 سورة النساء الاية 35. (3) سورة النجم الاية 33. (4) و (5) الاصول ج 2 ص 441 باب اللمم. والحديث (5) عن احدهما (ع)

[ 56 ]

ذنوب صغار بجهالة ثم يندم ويستغفر ويتوب فيغفر له، وفى الحديث " (1) اللمم ما بين الحدين حد الدنيا و الآخرة " وفسر حد الدنيا بما فيه الحدود كالسرقة والزنا والقذف وحد الآخرة بما فيه العذاب كالقتل وعقوق الوالدين وأكل الربا، فاراد ان اللمم ما لم يوجب عليه حدا ولا عذابا، وقيل والاستثناء منقطع. ويجوز ان يكون إلا اللمم صفة أي كبائر الاثم والفواحش غير اللمم. انتهى كلامه زيد اكرامه. ويدل على هذا القول ايضا ما ورد في جملة من الاخبار في ثواب بعض الاعمال انه يكفر الذنوب ما عدا الكبائر، وتشهد له ايضا الاخبار الكثيرة الدالة على تفسير الكبائر وانها ما اوعد الله عليها النار وتفصيلها وعدها في اشياء مخصوصة وما ورد عنه (صلى الله عليه واله) في حديث " انما شفاعتي لاهل الكبائر من امتى " رواه الصدوق في الفقيه (3) مرسلا عنه (صلى الله عليه وآله) إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليها المتتبع. إذا عرفت ذلك فاعلم انه متى زالت العدالة بارتكاب بعض الذنوب فانه لا خلاف في انها تعود بالتوبة وكذا من حد في معصية ثم تاب فانه يرجع إلى العدالة ونقل عن بعض الاصحاب دعوى الاجماع على ذلك. وانما الخلاف في أن مجرد اظهار التوبة والندم هل يكفى في ذلك أم لا ؟ فالمشهور على ما نقله بعض الاصحاب انه لا يكفى في ذلك مجرد اظهار التوبة إذ لا يؤمن ان يكون له في الاظهار غرض فاسد بل لا بد من الاختبار مدة يغلب معها الظن بانه أصلح سريرته وانه صادق في توبته، وقيل انه يعتبر اصلاح العمل وانه يكفى في ذلك عمل صالح ولو ذكرا وتسبيح، وقيل انه يكفى في ذلك تكرير اظهار التوبة والندم ومجرد استمراره على التوبة. وذهب الشيخ في المبسوط إلى الاكتفاء في قبول الشهادة باظهار التوبة عقيب


(1) نهاية ابن الاثير مادة (لمم). (2) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس. (3) الوسائل الباب 46 من جهاد النفس.

[ 57 ]

قول الحاكم له " تب أقبل شهادتك " لصدق التوبة المقتضى لمعود العدالة. ورد بان المقتضى لعود العدالة التوبة المعتبرة شرعا لا مطلق التوبة. اقول: الظاهر من الاخبار الواردة في المقام هو قوة ما ذكره الشيخ: منها - ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحدود ان تاب تقبل شهادته ؟ فقال إذا تاب - وتوبته أن يرجع من ما قال ويكذب نفسه عند الامام وعند المسلمين فإذا فعل - فان على الامام ان يقبل شهادته بعد ذلك ". وعن ابى الصباح الكنانى بسند معتبر (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته ؟ قال يكذب نفسه " قلت أرأيت ان اكذب نفسه وتاب أتقبل شهاد ته ؟ قال نعم ". وما رواه الشيخ عن ابى الصباح ايضا (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القاذف إذا اكذب نفسه وتاب أتقبل شهادته ؟ قال نعم ". وما رواه في التهذيب والكافي عن يونس عن بعض اصحابه عن احدهما (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الذى يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب ؟ قال نعم. قلت وما توبته ؟ قال يجئ فيكذب نفسه عند الامام ويقول قد افتريت على فلانة ويتوب من ما قال ". وبالجملة فان هذا القول هو الظاهر من هذه الاخبار كما ترى وان كان الاحتياط سيما بالنظر إلى احوال ابناء الزمان هو القول المشهور. وقول ذلك للقائل - في رد كلام الشيخ " ان المقتضى لعود العدالة التوبة المعتبرة شرعا لا مجرد التوبة " مشيرا إلى ان التوبة المعتبرة شرعا هي ما ذكروه في القول المشهور من انه لابد من الاختبار مدة - جيد لو كان ما ذكروه مستندا الى دليل شرعى مع انالم نقف في الاخبار على


(1) الوسائل الباب 37 من الشهادات (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 36 من الشهادات

[ 58 ]

ما يدل عليه بل الذى نقلناه من الاخبار بخلافه كما رأيت. والله العالم. (المقام الخامس) - اعلم انه قد صرح جملة من اصحابنا: منهم - شيخنا العلامة المجلسي في كتاب البحار وشيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني وتلميذه المحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني بان العدالة المشترطة في الامامة والشهادة والقضاء والفتوى أمر واحد باى الاقوال الثلاثة المتقدمة فسرت كان جميع من ذكر مشتركين فيها، وقد جرينا على هذا القول سابقا في جملة من زبرنا ورسائلنا، والذى ظهر لنا الآن بعد التأمل في الاخبار بعين الفكر والاعتبار ان العدالة في الحاكم الشرعي من قاض ومفت أخص من ما ذكر من معنى العدالة باى المعاني المتقدمة اعتبرت لانه نائب عن الامام (عليه السلام) وجالس في مجلس النبوة والامامة ومتصدر للقيام بتلك الزعامة فلا بد فيه من مناسبة للمنوب عنه بما يستحق به النيابة وذلك بان يكون متصفا بعلم الاخلاق الذى هو السبب الكلى المقرب من الملك الخلاق وهو تحلية النفس بالفضائل وتخليتها من الرذائل وان كان هذا العلم الآن قد عفت مراسمه وانطمست في هذه الازمنة معالمه وانما المدار بين الناس الآن على العلم بهذه العلوم الرسمية المجامعة للفسق في جل من تسمى بها. ويكفيك في صحة ما ذكرناه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح " يا شريح جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبى أو وصى نبى أو شقى ". ويدل على ما ذكرناه جملة من الاخبار، ومنها ما رواه الثقة الجليل أبو منصور احمد بن ابى طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (2) بسنده إلى الامام العسكري (عليه السلام) - وهو موجود ايضا في تفسيره - عن الرضا (عليه السلام) قال: " قال على بن الحسين (عليه السلام) إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه وتماوت في منطقه وتخاضع في حركاته فرويدا لا يغرنكم فما اكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها لضعف


(1) الوسائل الباب 3 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به (2) ص 164.

[ 59 ]

نيته ومهانته وجبن قلبه فينصب الدين فحاله فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فان تمكن من حرام اقتحمه، فإذا وجدتموه يعف عن الحرام فرويدا لا يغرنكم فان شهوات الخلق مختلفة فما اكثر من ينبو عن المال الحرام وان كثر ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتى منها محرما، فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا ما عقله فما اكثر من ترك ذلك اجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله اكثر من ما يصلحه بعقله فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا مع هواه يكون على عقله أم يكون مع عقله على هواه وكيف محبته للرياسات الباطلة وزهده فيها فان في الناس من خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا ويرى ان لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذة الاموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرياسة حتى " إذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد " (1) فهو يخبط خبط عشواء يقوده اول باطل إلى أبعد غايات الخسارة ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه فهو يحل ما حرم الله تعالى ويحرم ما أحل الله لا يبالى بما فات من دينه إذا سلمت له رياسته التى قد شقى من أجلها " فاولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا " (2) ولكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذى جعل هواه تبعا لامر الله تعالى وقواه مبذولة في رضى الله يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الابد من العز في الباطل ويعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد وان كثير ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال، فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا والى ربكم به فتوسلوا فانه لا ترد له دعوة ولا تخيب له طلبة ".


(1) سورة البقرة الاية 202. (2) يمكن ان يكون من تطبيق الاية 83 و 84 من سورة البقرة عليه وهي قوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله.. إلى قوله وللكافرين عذاب مهين.

[ 60 ]

اقول: وقد اضطرب في التفصى عن هذا الخبر شيخنا الشيخ سليمان وتلميذه المحدث المتقدم ذكرهما بناء على ما قدمنا نقله عنهما من حكمهما باتحاد معنى العدالة في كل من اشترط اتصافه بها، فقال المحدث الصالح المذكور - في كتاب منية الممارسين في اجوبة الشيخ ياسين بعد الكلام في العدالة وما به تتحقق ونقل هذا الخبر - ما صورته: انه محمول على تعريف الامام والولى ومن يحذو حذوهما من خواص الصلحاء وخلص أهل الايمان الذين لا تسمح الاعصار منهم إلا بافراد شاذة وآحاد نادرة، ويرش إليه قوله (عليه السلام): " فذلكم الرجل فبه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا " بل لا يبعد أن يكون مراده الامام خاصة، ويرشد إليه قوله في آخر الحديث " فانه لاترد له دعوة ولا تخيب له طلبة " ويكون غرضه الرد على الزيدية ومن حذا حذوهم من القائلين بالاكتفاء في الامام بظهورا لصلاح والورع، كيف وما ذكر لا يتحقق إلا في الاولياء الكمل فلو اعتبر ذلك لعظم الخطب واختل النظام وانسد باب القضاء والفتيا والتقليد والشهادات والجمعة والجماعات والطلاق وغير ذلك. هكذا حققه شيخنا في الكتاب المذكور وهو متين جدا. اقول: اشار بذلك إلى ما نقله في اثناء كلامه المتقدم في المسألة عن شيخه المذكور في كتابه العشرة الكاملة. ثم قال (قدس سره) واقول: ان سياق الحديث دال بجملة على ان المراد تصعيب امر الامامة وتشديد أمرها وقرينة الرياسة عليه شاهدة كما لا يخفى وإلا فلا يستقيم حمله على غيره أصلا قطعا لما تقدم في رواية ابن ابى يعفور (1) من المعارضة الصريحة من قوله (عليه السلام) حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه يجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس وما تقدم في رواية علقمة وغيرها مما هو صريح في المعارضة واضح في المناقضة ولا يجوز التعارض في كلامهم (عليهم السلام) ولا التناقض مع ان هذه الرواية شاذة فالترجيح للاكثر


(1) ص 25.

[ 61 ]

المشهور بين الاصحاب المتلقاة بينهم بالقبول المعتمد عليها في الفتوى وقد اجمعوا على ترك العمل بظاهر هذه الرواية وقد قال الصادق (عليه السلام) (1) خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ الذى ليس بمشهور فان المجمع عليه لا ريب فيه والله الهادى. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: لاريب ان الذى أوجب لها (نور الله مرقديهما) ارتكاب هذه التأويلات البعيدة والتمحلات السخيفة الغير السديدة انما هو صعوبة المخرج من هذه الشروط المذكورة التى اشتمل عليها الخبر وعدم سهولة القيام بها كما امر سيمامع قولهم بعموم ذلك في امام الجماعة والشاهد وإلا فمع تخصيص الخبر بالنائب عنهم (عليهم السلام) في القضاء والفتوى لا استبعاد فيه عند من تأويل في غيره من الاخبار المؤيدة له كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. وصعوبة الامر بالنسبة إلى القضاء والفتوى اللذين هما من خواص النائب عنهم (عليهم السلام) لا يوجب طعنا في الخبر فانه انما نشأ من المكلفين باخلالهم بما أخذ عليهم في الجلوس في هذا المجلس الشريف والمحل المنيف فانه مقام خطير ومنصب كبير كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى واكد الشبهة المذكورة ما اشتهر بين الناس في اكثر الاعصار والامصار من ان النائب عنهم (عليهم السلام) هو كل من كانت له اليد الطولى والمرتبة العليا في هذه العلوم الرسمية وان لم يتصف بشئ من علم الاخلاق سيما ان هذا العلم اندرست مراسمه وانطمست معالمه كما اشرنا إليه آنفا. والذى يدل على ما قلناه من خروج هذا الخبر بالنسبة إلى النائب عنهم (عليهم السلام) (اولا) ما ذكره الامام العسكري (صلوات الله عليه) في التفسير المتقدم ذكره من الكلام قبل هذا الخبر ثم صب عليه هذا الخبر وصاحب الاحتجاج انما أخذه من الكتاب المذكور:


(1) في مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي.

[ 62 ]

قال (عليه السلام) (1): حدثنى ابى عن جدى عن ابيه عن رسول (صلى الله عليه واله) ان الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم ينزل عالم إلى عالم يصرف عنه طلاب حطام الدنيا وحرامها ويمنعون الحق أهله ويجعلونه لغير أهله واتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا واضلوا. وقال امير المؤمنين (عليه السلام) يا معشر شيعتنا المنتحلين لمودتنا اياكم واصحاب الرأى فانهم اعداء السنن تفلتت منهم الاحاديث ان يحفظوها واعيتهم السنة ان يعوها فاتخذوا عباد الله خولا وماله دولا فذلت لهم الرقاب وطاعهم الخلق اشباه الكلاب ونازعوا الحق اهله وتمثلوا بالائمة الصادقين (عليهم السلام) وهم من الكفار الملاعين فسئلوا فانفوا ان يعترفوا بانهم لا يعلمون فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا واضلوا اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أو لى بالمسح من ظاهرهما. وقال الرضا (عليه السلام) قال على بن الحسين (عليهما السلام): إذا رأيتم الرجل.. الحديث إلى آخره. وهو كما ترى واضح في ما ادعيناه وسياق كلامه (عليه السلام) وان كان بالنسبة إلى علماء العامة إلا انه شامل لمن حذا حذوهم في الاخلال بتلك الشروط سيمامع مافى الرواية المذكورة والدخول في هذا الامر خطير مع الاتصاف بتلك الامور المذكورة. و (ثانيا) ما رواه ثقة الاسلام في الكافي بسنده عن ابى عبد الله عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (2) انه كان يقول يا طالب العلم ان العلم ذو فضائل كثيرة فرأسه التواضع وعينه البراءة من الحسد واذنه الفهم ولسانه الصدق وحفظه الفحص وقلبه حسن النية وعقله معرفة الاشياء والامور ويده الرحمة ورجله زيارة العلماء وهمته السلامة وحكمته الورع ومستقره النجاة وقائده العافية ومركبه الوفاء وسلاحه لين الكلام وسيفه الرضا وقوسه المداراة وجيشه محاورة العلماء ومآله الادب وذخيرته اجتناب الذنوب وزاده المعروف ومأواه الموادعة ودليله الهدى


(1) مستدرك الوسائل الباب 10 رقم 6 والباب 6 رقم 33 من صفات القاضي (2) الاصول ج 1 ص 48.

[ 63 ]

ورفيقه محبة الاخيار. اقول: انظر ايدك الله تعالى إلى ما دل عليه هذا الخبر الشريف من جعله هذه الاخلاق الملكوتية اجزاء من العلم وآلات له واسبابا واعوانا فكيف يكتفى في علم العالم والرجوع إليه والاعتماد في الاحكام الشرعية عليه بمجرد اتصافه بالعلوم الرسمية وعدم اتصافه بهذه الاخلاق الملكوتية. قال المحقق المدقق ملا محمد صالح المازندرانى في شرحه على الكتاب ما صورته: نبههم على ان العلم إذا لم تكن معه هذه الفضائل التى بها تظهر آثاره فهو ليس بعلم حقيقة ولا يعد صاحبه عالما.. إلى ان قال - بعد شرح الفضائل المذكورة - ما لفظه: وهى اربعة وعشرون فضيلة من فضائل العلم فمن اتصف بالعلم واتصف علمه بهذه الفضائل فهو عالم ربانى وعلمه نور إلهى متصل بنور الحق مشاهد لعالم التوحيد بعين اليقين ومن لم يتصف با لعلم أو اتصف به ولم يتصف علمه بشئ من هذه الفصائل فهو جاهل ظالم لنفسه بعيد عن عالم الحق وعلمه جهل وظلمة يرده إلى اسفل السافلين وما بينهما مراتب كثيرة متفاوتة بحسب تفاوت التركيبات في القلة والكثرة وبحسب ذلك يتفاوت قربهم وبعدهم عن الحق والكل في مشيئة الله تعالى انشاء قربهم ورحمهم وان شاء طردهم وعذبهم. انتهى كلامه علت في الخلد اقدامه. وهو كما ترى صريح في ما قلناه واضح في ما ادعيناه. وروى في الكتاب المذكور (1) بسنده إلى ابى عبد الله (عليه السلام) قال: طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم باعيانهم وصفاتهم: فصنف يطلبه للجهل والمراء وصنف يطلبه للاستطالة والختل وصنف يطلبه للفقه والعقل فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار متعرض للمقال في اندية الرجال يتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع فدق الله تعالى من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه وصاحب الاستطالة والختل ذوخب وملق يستطيل على مثله من اشباهه ويتواضع للاغنياء


(1) الاصول ج 1 ص 49.

[ 64 ]

من دونه فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم فاعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء اثره وصاحب الفقه والعقل ذو كأبة وحزن وسهر قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه يعنل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه عارفا باهل زمانه مستوحشا من اوثق اخوانه فشد الله من هذا اركانه واعطاه يوم القيامة امانه " إلى غير ذلك من الاخبار المذكورة في الكتاب المذكور وغيره. اقول: حينئذ فإذا كانت العلماء كما ذكره (عليه السلام) من هذه الصفات الذميمة والاخلاق الغير القويمة فكيف يكتفى بمجرد ظاهر الاتصاف بهذه العلوم الرسمية وعدم استنباط احوالهم وتمييز الفرد الذى يجوز الاقتداء به ؟ وهل كلام الامام زين العابدين (عليه السلام) في ذلك إلا لاستعلام هذا الفرد المشار إليه في هذا الخبر من هذين الفردين المشابهين له في بادئ النظر ؟ ولاريب انه لاشتراكهم في بادئ الامر في الخضوع والخشوع والاتصاف بهذه العلوم الرسمية يدق الفرق ويحتاج إلى مزيد تلطف وتأمل. ويؤيد ما قلناه ما ذكره المحدث الكاشانى في بعض رسائله حيث قال: ان من أهل الشقاء لمن يبطن شقاءه فيلتبس امره على الذين لا يعلمون ثم انه ليتوغل في الخفاء لتوغله في الشقاء فيذهب على الالباء أولى الذكاء حتى انهم يحسبون انهم مهتدون لشدة الشبه بين الفريقين وكثرة الشبه بين النجدين ولبس النفاق بالاذعان لمكان النفاق في نوع الانسان وكلما كان أحر المتقابلين من الاخر أبعد كان الاشتباه أكثر وأشد فان أرباب الرياسة الدينية أمرهم في الاغلب غير مبين لمكان المرائين وهذه هي المصيبة الكبرى في الدين والفتنة العظمى لبيضة المسلمين وهى التى أوقعت الجماهير في الحرج واما لتهم عن سبيل المخرج إذ من الواجب اتباع الاذناب للرأس والرأس قد خفى في نفاق الناس ولذلك تقاتل الفئة التى تبغى حتى تفئ إلى امر الله. انتهى. وبالجملة فانه لما كان علم الاخلاق الذى هو عبارة عن تحلية النفس بالفضائل

[ 65 ]

وتخليتها من الرذائل أحد افراد العلوم بل هو أصلها واساسها الذى عليه مدارها بل هو رأيها وهو الممدوح في الايات والاخبار بقوله تعالى (انما يخشى الله من عباده العلماء) (1) وقوله (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.. الاية) (2) فان الخشية والانذار إنما يترتب على علوم الاخرة لا هذه العلوم الرسمية وكذلك الاخبار، وقد عرفت من الاخبار وكلام جملة من علمائنا الابرار ان من العلماء من هو خال من تلك العلوم أو متصف باضدادها مع تلبسه بلباس العلماء الابرار واظهار الخشوع والخضوع والانكسار وقد دلت الاخبار على الحث والتأكيد على المنع عن الركون إلى هؤلاء والانخداع بما يظهرونه والاغترار فالواجب حينئذ هو البحث والفحص عن احوال العلماء والتمييز بين الفسقة منهم والابرار كما نص عليه الخبر المشار إليه وغيره من الاخبار الجارية في هذا المضمار. وايضا فانه لا تتحقق نيابة هذا العالم وصحة تقليده ووجوب متابعته إلا بوجود شروطها ومن جملتها العلم باتصافه بتلك الصفات الجليلة والتخلى من كل منفصة ورذيلة والاخبار التى دلت على الاكتفاء في العدالة بحسن الظاهر كما هو الاظهر أو الاسلام انما موردها الشاهد والامام ولا دلالة فيها على التعرض للنائب عنهم (عليهم السلام) الذى هو محل البحث في المقام، وحينئذ فلا معارض لهذا الخبر وامثاله في ما ادعيناه ولا مناقض له في ما قلناه. وبذلك يظهر لك مافى كلام ذينك الفاضلين من القصور لعدم اعطائهما التأمل حقه في الاخبار وما أطال ذلك الشيخ الصالح بعد نقل كلام استاذه من المعارضة بصحيحة عبد الله بن ابى يعفور ونحوها وطعنه في الخبر المذكور بالشذوذ مع ما عرفت من تأيده بالاخبار الواضحة المنار وكلام جملة من علمائنا الابرار. ومن أراد الوقوف على صحة ما ذكرناه زيادة على ما رسمناه في هذا الكتاب فليرجع إلى كتابنا الدرر النجفية (3) فانه قد احاط باطراف الكلام بابرام النقض ونقض


(1) سورة الفاطر الاية 25 (2) سورة التوبة الاية 123 (3) سيأتي في الاستدراكات ما يتعلق بالمقم ان شاء الله تعالى

[ 66 ]

الابرام في هذا المقام ونقل جملة وافرة من اخبار هم (عليهم السلام) وجملة من كلمات علمائنا الاعلام الجارية على وفق تلك الاخبار المذكورة في المقام. والله الهادى لمن يشاء. (المقام السادس) إذا علم المكلف من نفسه الفسق مع كونه على ظاهر العدالة بين الناس فهل يجوز له الدخول في الامور المشروطة بالعدالة من الامامة في الجمعة والجماعة والشهادة والحكم بين الناس والفتوى ونحو ذلك أم لا ؟ ظاهر جملة من الاصحاب: منهم - شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الاول قال في الكتاب المذكور - في الكلام على شاهدى الطلاق بعد ان ذكر انه لا يقدح فسقهما واقعا مع ظهور عدالتهما بالنسبة إلى غيرهما - ما صورته: وهل يقدح فسقهما في نفس الامر بالنسبة اليهما حتى انه لا يصح لاحدهما ان يتزوج بها أم لا نظرا إلى حصول شرط الطلاق وهو العدالة ظاهرا ؟ وجهان، وكذا لو علم الزوج فسقهما مع ظهور عدالتهما ففى الحكم بوقوع الطلاق بالنسبة إليه حتى تسقط عنه حقوق الزوجية ويستبيح اختها والخامسة وجهان، والحكم بصحته فيها لا يخلو من قوة. وظاهر شيخنا أبو حسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني موافقته في ذلك حيث انه في بعض اجوبة المسائل سئل عن ذلك فأجاب بعد الاستشكال وقال بالنسبة إلى الحكم الاول الذى تقدم في عبارة المسالك: واما بالنسبة اليهما ففيه كلام والحكم بالصحة لا يخلو من قوة. وقال بعد الحكم الثاني: وللتوقف في المسألة مجال وان كانت الصحة غير بعيدة. وظاهر الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الكفاية موافقته في الاول دون الثاني. وانت خبير بان مقتضى كلامهم هنا جواز الامامة في الجمعة والجماعة والفتوى والحكم وجواز اقتداء من علم الفسق مع ظهور العدالة لان الجميع من باب واحد. وظاهر المحدث الصالح الشيخ عبد الله به صالح حيث انه من رؤوس الاخباريين

[ 67 ]

التوقف في المقام حيث قال: ولو نواها - يعنى الامامة - وعد نفسه من أحد الشاهدين وكان تائبا عن المعاصي جاز له ذلك اما لو كان مصرا على المعاصي مرتكبا للكبائر فاشكال وللاصحاب فيه قولان: أحدهما الجواز لان المدار انما هو على اعتقاد المؤتم أو المطلق وبناء الامور على الظاهر دون الباطن، ومن حيث انه اغراء بالقبيح لانه عالم بفسق نفسه فكيف يتقلد ما ليس له خصوصا في الجماعة الواجبة كالجمعة. والاحكام الشرعية انما جرت على الظاهر إذا لم يكن الاطلاع على الباطن وهو مطلع على حقيقة الامر. والاول اوفق بالقواعد الاصولية إلا انه لما لم يكن نص في المسألة واعتقادنا ان لا مناط في الاحكام الشرعية سواه وجب الوقوف عن الحكم والعمل بالاحتياط في العلم والعمل ورد ما لم يأتنا به علم من أهل العصمة (عليهم السلام لقول الصادق (عليه السلام) (1) " ارجه حتى تلقى امامك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " انتهى. اقول - وبالله سبحانه الاستعانة ومنه التوفيق لبلوغ كل مامول - لا يخفى ان ما ذكروه (قدس الله اسرارهم) من جواز تقلد العالم بفسق نفسه للامور المشروطة بالعدالة وان كان مما يتراءى في بادئ النظر صحته بناء على ما ذكره المحدث المذكور من ان المدار في الصحة والبطلان انما هو على اعتقاد المؤتم أو المطلق وان الامور انما بنيت على الظاهر، ويؤيده ايضا تحريم أو كراهة اظهار الانسان عيوب نفسه للنسان ووجوب أو استحباب سترها ووجوب ستر غيره عليه لو اطلع على معصية منه إلا ان الذى ظهر لى من التأمل في المقام ومراجعة اخبارهم (عليهم السلام) خلاف ذلك وتوضيح ذلك ان ظاهر الاية (2) والاخبار الدالة على النهى عن قبول خبر الفاسق (3) والنهى عن الصلاة خلفه (4) انما هو من حيث الفسق لان التعليق على


(1) في مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي (2) قوله تعالى (ان جاءكم فاسق بنبأ..) في سورة الحجرات الاية 6 (3) الوسائل الباب 30 من الشهادات (4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.

[ 68 ]

الوصف يشعر بالعلية وهو مشعر بان الفاسق ليس اهلا لهذا المقام ولا صالحا لتقلد هذه الاحكام، وإذا كان الشارع لم يره أهلا لذلك ولا صالحا لسلوك هذه المسالك فهو في معنى منعه له عن ذلك فادخاله نفسه في ما لم يره الله اهلا له وتعرضه له موجب لمخالفته له (عزوجل) ومجرد تدليس وتلبيس حمله عليه ابليس. وجواز اقتداء الناس به وقبول شهادته من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جواز الدخول لان حكم الناس في ذلك على حدة وحكمه وهو في نفسه على حدة والكلام انما هو في الثاني وأحدهما لا يستلزم الاخر. ونظره في الاحكام الشرعية غير عزيز فان لحم الميتة حكمه في حد ذاته الحرمة وعدم جواز أكله وبالنسبة إلى من لا يعلم بكونه ميتة جواز اكله. ويؤيد ما قلناه ظواهر جملة من الاخبار مثل صحيحة ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم والابرص والمجنون وولد الزنا والاعرابي ونحوها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) وقد تقدمت (2). والتقريب فيهما ان ظاهرهما توجه النهى إلى هؤلاء عن الامامة بالناس لانهم ليسوا من اهلها باعتبار ماهم عليه من الامور المذكورة المانعة من اهلية الامامة، وبعض الاخبار وان ورد ايضا في نهى الناس عن الائتمام بهم إلا انه انما يتوجه إلى المؤتمين واما في هذين الخبرين الصحيحين فانما هو متوجه إلى الامام بان لا يكون من أحد هؤلاء فلو فرضنا عدم علم الناس بما هم عليه من هذه الصفات المانعة من الائتمام مع اعتقادهم العدالة فيهم فانه يجوز لهم الاقتداء بهم بناء على الظاهر إلا انه بمقتضى هاتين الصحيحتين لا يجوز لهم الامامة لماهم عليه من الموانع المذكورة وان خفيت على الناس، ولا اظن احدا يخالف في ما قلناه. وهذا بعينه جار في الفاسق الذى هو محل البحث بان كان عالما بفسق نفسه وان خفى على الناس.


(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة (2) ص 6.

[ 69 ]

ويؤيد ما ذكرنا ما ورد في اخبار الفتوى والحكم مثل ما تقدم قريبا من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) لشريح يا شريح جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبى أو وصى نبى أو شقى وقول ابى عبد الله (عليه السلام) (2) (اتقوا الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبى أو وصى نبى) والاخبار المانعة من تقليد العلماء واتباعهم إلا بعد معرفة عدالتهم كحديث على بن الحسين (عليه السلام) المتقدم ذكره (3) ونحوه، فان الجميع ظاهر في النهى عن من لم يكن مستكملا لاسباب النيابة وشرائطها واهلية الحكم والفتوى ولاريب ان من اعظم الاسباب المانعة الفسق فهى ظاهرة في منع الفاسق من الجلوس في هذا المقام وان كان ظاهر العدالة بين الانام وعدم جواز تقلده للاحكام. وجواز تقليد الناس له من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جوازه له لانه عالم بان الشارع قد منع الناس من اتباع الفاسق وتقليده وليس الا من حيث فسقه، فالفسق صفة مانعة من تقلد هذه الامور عند الله جل شأنه فكيف يجوز له مخالفة ذلك وتقلد الامور بناء على ظن الناس العدالة فيه ؟ وقد عرفت ان حكم الناس غير حكمه في ذاته. وكلام من قدمنا كلامه وان كان مخصوصا بمسألة الشهادة والامامة إلا ان الحكم في المواضع الثلاثة واحد، فان مبنى الكلام هو انه هل يكتفى بظهور العدالة في جواز التقلد للامور المشروطة بها وان لم يكن كذلك واقعا أم لا بد من ثبوتها واقعا ؟ فالاشكال والكلام جار في جميع ما يشترط فيه العدالة وهذا احدها، وحينئذ فما ذكروه انما جرى مجرى التمثيل لا الحصر. ومن اظهر الادلة على ما قلناه ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب السيارى (4) قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) قوم من مواليك


(1) و (2) الوسائل الباب 3 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به (3) ص 58 (4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة

[ 70 ]

يجتمعون فتحضر الصلاة فيقدم بعضهم فيصلى بهم جماعة ؟ فقال ان كان الذى يؤم بهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل. وهو كما ترى ظاهر الدلالة صريح المقالة في انه لا يجوز الامامة لمن علم من نفسه الفسق حتى يتوب توبة نصوحا ويقلع عنه اقلاعا صحيحا. ومورد الخبر وان كان الامامة إلا انه جار في غيرها بالتقريب الذى تقدم ذكره. (فان قلت) انكم قد فسرتم العدالة في ما سبق بحسن الظاهر المجامع للفسق باطنا وكلامكم هنا يشعر بان العدالة لا يجوز مجامعتها للفسق باطنا لمنعكم له من الدخول في الامور المشروطة بالعدالة إذا علم من نفسه الفسق ؟ (قلت) لا يخفى ان العدالة بالنسبة إلى المكلف المتصف بها غيرها بالنسبة إلى غيره ممن يتبعه، فانها بالنسبة إليه عبارة عن عدم اتصافه بما يوجب الفسق والخروج عن العدالة وهو الذى اشار إليه صحيح ابن ابى يعفور من اتصافه بالستر والعفاف إلى آخر تلك الاوصاف كما تقدم ايضاحه، وبالنسبة إلى غيره عبارة عن عدم ظهور ما يوجب الفسق منضما إلى معرفته بتلك الاوصاف المذكورة في الخبر، وعلى هذا فمن ظهر منه ذلك مع كونه واقعا ليس كذلك يكون عدلا في الظاهر يجوز قبول شهادته والائتمام به وامتثال أوامره وأحكامه وفتاويه وان كان فاسقا في الباطن يحرم عليه الدخول في تلك الامور ويأثم ويؤاخذ بالدخول فيها وان صح اتباع الناس له فهو له حكم في حد ذاته وللناس معه حكم آخر، نظير من صلى بالناس على غير طهارة متعمدا مع اعتقاد الناس فيه العدالة فان صلاتهم تكون صحيحة لحصول شرطها المذكور وصلاته هو تكون باطلة لفوات شرطها بالنسبة إليه، وصحة صلاتهم خلفه لا توجب له جواز الامامة بهم بناء على اعتقادهم فيه العدالة فكذا ما نحن فيه. ومنشأ الوهم في كلام الجماعة المتقدم ذكرهم انهم رتبوا العدالة والاتصاف بها على اعتقاد الغير من مطلق مثلا ومؤتم ومستفت ونحوهم وغفلوا عنها بالنسبة إلى من يتصف بها، وقد عرفت من ما حققناه ان لها اعتبارا بالنسبة إلى من يتصف بها غيره

[ 71 ]

بالنسبة إلى غيره من هؤلاء المذكورين ونحوهم. ومما يؤيد ما ذكرنا ايضا صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (1) قال: مات رجل من اصحابنا ولم يوص فرفع امره إلى قاضى الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري فباع عبد الحميد المتاع فلما اراد بيع الجوارى ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه وصية وكان قيامه بهذا بامر القاضى لانهن فروج، قال فذكرت ذلك لابي جعفر (عليه السلام) فقلت له يموت الرجل من أصحابنا ولم يوص إلى أحد ويخلف جواري فيقيم القاضى رجلا منا ليبيعهن أو قال يوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لانهن فروج فما ترى في ذلك القيم ؟ فقال إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس فان المراد منه المماثلة في الوثاقة والعدالة. ورواية سماعة (2) قال: سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث ؟ قال ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس. ولاريب انما تضمنه هذان الخبران من جملة المواضع المشترط فيها العدالة باتفاق الاصحاب لان هذا من الامور الحسبية لتى صرحوا بانها ترجع إلى الفقيه الجامع للشرائط وهو النائب عنهم (عليهم السلام) ومع تعذره يقوم بها عدول المؤمنين، وهما ظاهران في اشتراط عدالة القائم بذلك في نفسه وحد ذاته لا بالنظر إلى الغير فانه انما رخص له الدخول بشرط اتصافه بذلك. ويؤيد ذلك باوضح تأييد ويشيده بارفع تشييد ان الظاهر المتبادر من الاية والاخبار المصرح فيها بالعدالة واشتراطها في الشاهد مثل قوله عزوجل (واشهدوا


(1) الوسائل الباب 16 من عقد البيع وشروطه. (2) الوسائل الباب 88 من الوصايا. والرواية في نسخ الحدائق (رفاعة) والصحيح ما هنا كما تقدم في ص 32.

[ 72 ]

ذوى عدل منكم) (1) وقولهم (عليهم السلام) (2) (يطلقها بحضور عدلين) و (إذا اشهد عدلين) ونحو ذلك هو اتصاف الشاهد بالعدالة في حد نفسه وذاته لا بالنظر إلى غيره إذا لا يخفى ان قولنا فلان عدل وفلان ثقة مثل قولنا فلان عالم وشجاع وجواد ونحو ذلك، ومن المعلوم ان المراد في جميع ذلك انما هو اتصافه بهذه الصفات في حد ذاته غاية الامر انه قد يتطابق علم المكلف والواقع في ذلك وقد يختلفان بان يكون كذلك في نظر المكلف وان لم يكن واقعا وحينئذ فيلزم كلا حكمه، فيلزم من اعتقد عدالته بحسب ما يظهر من حاله جواز الاقتداء به مثلا وقبول شهادته ويلزمه هو عدم جواز الدخول في ذلك وكذا يلزم من اطلع على فسقه عدم جواز الاقتداء به وحينئذ فإذا كان المراد من الاية والاخبار المشار إليها انما هو اتصافه في حد ذاته فكيف يجعل المناط في حصول العدالة باعتبار الغير كما توهموه وبنوا عليه ما بنوا من الفروع المذكورة ؟ ولا ريب انه متى كان ذلك انما هو بالنسبة إليه في حد ذاته فانه لا يجوز له الدخول في ما هو مشروط بالعدالة البتة. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المسالك ومن تبعه من الوهن والقصور ولا سيما في فرضه الثاني وهوما إذا علم الزوج فسقهما فطلق بحضورهما مع ظهور عدالتهما بين الناس فانه أوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، ومقتضى تجويزه الطلاق هنا جواز اقتداء من علم فسق الامام به في الصلاة مع ظهور عدالته بين الناس وهكذا قبول فتواه واحكامه، والجميع في البطلان أوضح من أن يحتاج إلى بيان عنده ذوى الافهام والاذهان. والعجب من شيخنا الشيخ سليمان المتقدم ذكره في تردده اولا ثم ميله إلى ما في المسالك من غير ايراد دليل متعمد ولا بيان مستند إلا مجرد التقليد لما في المسالك، ونحوه الفاضل الاخر. وبالجملة فالطلاق في الصورتين المفروضتين مما لا اشكال في بطلانه ولا سيما الثانية. والله العالم بحقائق احكامه. (المقصد الثاني) في العدد، لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم)


(1) سورة الطلاق الاية 2. (2) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق وشرائطه

[ 73 ]

- كما نقله غير واحد معتمديهم - في اعتبار العدد واشتراطه في صحة صلاة الجمعة ووجوبها، انما الخلاف في اقله وفيه قولان (احدهما) - وهو المشهور انه خمسة الامام وأربعة معه من المتصفين بالصفات الاتية ان شاء الله تعالى، وهو قول الشيخ المفيد والمرتضى وابن الجنيد وابن ادريس والمحقق والعلامة وغيرهم، و (ثانيهما) - انه سبعة في الوجوب العينى وخمسة في الوجوب التخييري ذهب إليه الشيخ وابن البراج وابن زهرة وهو المنقول عن الصدوق واليه مال الشهيد في الذكرى. واستدل للقول الاول بالاية (1) والتقريب فيها ان الامر للوجوب ثبت الاشتراط بالخمسة بالاتفاق عليها والاخبار الكثيرة (2) والزائد منتف لفقد الدليل وعندي ان الاستدلال بالاية في هذا المقام محل نظر: فان الآية مطلقة وليس فيها اشارة فضلا عن التصريح باشتراط العدد ولا كميته، وتقييدها باخبار الخمسة يرجع إلى الاستدلال باخبار الخمسة لا إلى الاية من حيث هي. والتحقيق ان المرجع في الاستدلال انما هو الاخبار وهى مختلفة ايضا كما ستقف عليها ان شاء الله تعالى: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد فان كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم. وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة (4) قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: لا تكون الخطبة صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط: الامام واربعة.


(1) قوله تعالى في سورة الجمعة الاية 9 (يا ايها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة..) (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.

[ 74 ]

وما رواه الشيخ في الموثق عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (لا تكون جمعة ما لم يكن القوم خمسة). وعن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (2) قال: (سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات فان كان لهم من يخطب بهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفر.. الحديث). وما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال في صلاة العيدين: (إذا كان القوم خمسة أو سبعة فانهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة) وعن زرارة في الصحيح (4) قال: (قلت لابي جعفر (عليه السلام) على من تجب الجمعة ؟ قال تجب على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة لاقل من خمسة من المسلمين احدهم الامام فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا امهم بعضهم وخطبهم). وما رواه في الخصال في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: (لا تكون الجمعة باقل من خمسة).. وما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم: الامام وقاضيه والمدعى حقا والمدعى عليه والشاهدان والذى يضرب الحدود بين يدى الامام. وعن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة. وما رواه الكشى في كتاب الرجل عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن ابن ابى عمير عن غير واحد من اصحابنا عن محمد بن حكيم وغيره عن محمد بن مسلم عن محمد بن على عن ابيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه وآله) (8) في الجمعة قال: إذا اجتمع خمسة أحدهم الامام فعليهم ان يجمعوا. اقول: الظاهر من مجموع هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض هو ما ذهب


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.

[ 75 ]

إليه الشيخ فانه الذى تجتمع عليه الاخبار، واما العمل بالقول المشهور فهو موجب لطرح اخبار السبعة من البين مع ما يشير إليه بعضها من أن أخبار الخمسة انما اريد بها التخيير مثل قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم تجب على سبعة نفر ولا تجب على اقل منهم يعنى انها تجب عينا على السبعة ولا تجب عينا على اقل منهم، لان هذا المعنى هو الذى يجتمع به مع الاخبار المتقدمة الدالة على الخمسة، وقوله في صحيحة زرارة تجب على سبعة نفر ولا جمعة لا قل من خمسة فان النفى هنا متوجه إلى كل من العينى والتخييري بمعنى ان الاقل من خمسة لا وجوب عليهم مطلقا ومفهومه ان الخمسة تجب عليهم مع حكمه أولا واخيرا بتخصيص الوجوب بالنسبة ولا وجه للجمع إلا باعتبار جعل الوجوب في جانب السبعة عينيا وفى جانب الخمسة تخييريا، ونحو ذلك التخيير بين الخمسة والسبعة في صحيحة الحلبي فانه لا وجه له إلا باعتبار ما ذكرناه. وصحيحة عمر بن يزيد قد اختصت بالسبعة ومفهوم الشرط فيها يدل على نفى الوجوب عن الاقل من سبعة مع دلالة الاخبار المتقدمة على الوجوب بالخمسة ولا وجه للجمع إلا ما ذكرناه. ولو جعل شرط الوجوب الخمسة خاصة كما هو المشهور لكان ذكر السبعة في جميع هذه الاخبار لغوا بل مفسدا لمعنى الاخبار المذكورة، على ان اخبار الخمسة لاظهور فيها فضلا عن الصراحة في الوجوب العينى كما لا يخفى. قال المحقق (قدس سره) في المعتبر - بعد نقل رواية محمد بن مسلم دليلا لقول الشيخ بالسبعة وصحيحة زرارة الاولى وموثقة ابن ابى يعفور دليلا للقول المشهور - ما صورته: ونحن نرى العمل على الوجوب مع الخمسة لانها اكثر ورودا ونقلة ومطابقة لدلالة القرآن. ولو قال - اخبار الخمسة لا تتضمن الوجوب وليس البحث في الجواز بل في الوجوب ورواية محمد بن مسلم تتضمن سقوط الوجوب عن من قل عددهم عن سبعة فكانت ادل على موضع النزاع - قلنا ما ذكرته وان كان ترجيحا لكن روايتنا دالة على الجواز ومع الجواز تجب للاية فلو عمل

[ 76 ]

برواية محمد بن مسلم لزم تقييد الامر المطلق المتيقن بخبر الواحد ولا كذا مع العمل بالاخبار التى اخترناها، على انه لا يمكن العمل برواية محمد بن مسلم لانه خص السبعة بمن ليس حضورهم شرطا فسقط اعتبارها. انتهى. وانت خبير بما فيه ما عرفت فان دليل السبعة غير منحصر في رواية محمد ابن مسلم المذكورة بل قد عرفت دلالة جملة من الروايات على ذلك بالتقريب الذى ذكرناه واللازم من ما ذهب إليه هو طرحها على كثرتها وصحة بعضها وهو بعيد عن جادة الانصاف والصواب سيما مع امكان الجمع بين الجميع بما ذكرناه. واما دعواه مطابقة اخبار الخمسة لظاهر القرآن فهو ممنوع لان الاية كما عرفت لا اشعار فيها باشتراط عدد فضلا عن كونه خمسة وانما هي مطلقة، وتقييدها بالاخبار يتوقف اولا على النظر في اخبار المسألة والجمع بينها على وجه يرفع التنافى بينها وتجتمع عليه في البين فيخصص بها اطلاق الاية حينئذ، وإلا فكما انه يدعى تقييدها باخبار الخمسة فللخصم أن يقيدها باخبار السبعة على الوجه الذى يقوله وهو الحق الحقيق بالاتباع لانه هو الذى تجتمع عليه اخبار المسألة ويندفع به عنها التنافى والتدافع. واما طعنه في رواية محمد بن مسلم بانه آحاد فهو وارد عليه في اخبار الخمسة ايضا واما طعنه - بانه خص السبعة بمن ليس حضورهم شرطا فسقط اعتبارها - فقد تقدم الجواب عنه بان ذكر هؤلاء انما وقع على سبيل التمثيل كما تقدم تحقيقه، على ان ذلك ايضا وارد عليه في استناد إلى هذه الرواية في اشتراط الوجوب العينى بحضور الامام فانه أحد السبعة ايضا كما تقدم تحقيقه. واجاب العلامة عن قوله (عليه السلام) في الرواية ولا تجب على أقل منهم تارة بالحمل على ماكان اقل من خمسة ولا يخفى تعسفه، وتارة باستضعاف السند بالحكم بن مسكين. والله العالم. قال شيخنا في الذكرى - ونعم ما قال - بعد نقل رواية زراره وصحيحة منصور الدالتين على القول المشهور ورواية محمد بن مسلم الدالة على القول الاخر

[ 77 ]

ما لفظه: وهذان الخبران كالمتعارضين فجمع الشيخ أبو جعفر الطوسى بالحمل على الوجوب العينى في السبعة والوجوب التخييري في الخمسة وهو حمل حسن ويكون معنى قوله (عليه السلام) ولا تجب على أقل منهم نفى الوجوب الخاص أي العينى لا مطلق الوجوب لئلا يتناقض الخبران المرويان بعدة اسانيد. والمحقق في المعتبر لحظ هذا ثم قال: هذا وان كان مرجحا لكن روايتنا دالة على الجواز ومع الجواز تجب لقوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله.. " فلو عمل برواية محمد بن مسلم.. " إلى آخر ما قدمناه من عبارته. ثم قال (قدس سره) قلت: الجواز لا يستلزم الوجوب وإلا لوجبت عينا حال الغيبة، والاحتجاج بعموم القرآن وارد فيه، والامر المطلق مسلم ولكن الاجماع على تقييده بعدد مخصوص حتى قال الشافعي واحمد اربعون وابو حنيفة أربعة أحدهم الامام ومصير الاصحاب إلى ذلك العدد مستند إلى الخبر وهو من الطرفين في حيز الاحاد فلابد من التقييد به. (فان قال) - صاحب السبعة موافق على الخمسة فاتفقا على التقييد بها فيؤخذ المتفق عليه - (قلنا) هذا من باب الاخذ باقل ما قيل وقد توهم بعض الاصوليين انه حجة بل اجماع وقد بينا ضعفه في الاصول. انتهى. وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه. فروع (الاول) مذهب الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف ان اشتراط العدد انما هو في الابتداء لا في الاستدامة فلو احرموا جميعا ثم انفضوا إلا الامام أو احد العدد المعتبر اتمها جمعة. وعللوه (اولا) بالنهي عن قطع العمل. و (ثانيا) بان اشتراط استدامة العدد منفى بالاصل وانه لا يلزم من اشتراطه ابتداء اشتراطه استدامة كالجماعة


(1) المغني لابن قدامة الحنبلي ج 2 ص 327 و 328 والبحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 2 ص 150.

[ 78 ]

وكعدم الماء في حق المتيمم. واعترف الشيخ في الخلاف بانه لانص لا صحابنا فيه، قال لكنه قضية المذهب لانه دخل في الجمعة وانعقدت بطريقة معلومة فلا يجوز ابطالها إلا بيقين. اقول: لا ريب ان ما ذكروه هو مقتضى الاحتياط فينبغي أن يجعل الدليل هو ذلك لا ما ذكروه من هذه التعليلات الواهية التى لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية. وقد تقدم في مقدمات الكتاب ان الاحتياط في مثل هذا المقام واجب فانه دليل شرعى كما عليه جملة من الاخبار مؤيدا باخبار الاحتياط العامة وتمام الاحتياط صلاة الظهر بعدها. ثم ان ظاهر عبارة شيخنا في الذكرى اعتبار احرام الجميع من الامام والمأمومين فلو حصل التفرق والانفضاض بعد ذلك وجب الاتمام جمعة على من بقى وان كان واحدا، وهو ظاهر كلام المحقق في الشرائع ايضا، وظاهره في المعتبر عدم اعتبار ذلك بل الاكتفاء باحرام الامام حيث قال: لو أحرم فانفض العدد المعتبر اتم جمعة لاظهرا. ثم استدل بان الصلاة انعقدت ووجب الاتمام لتحقق شرائط الوجوب ومنع اشتراط استدامة العدد. واليه مال في المدارك، وهو جيد لانسحاب الدليل المتقدم في هذا المواضع ايضا من ما ذكروه (رضوان الله عليهم) وما ذكرناه. واما اعتبار بقاء واحد مع الامام أو اثنين أو انفضاضهم بعد صلاة ركعة تامة في وجوب الاتمام أو اعتبار بقاء جميع العدد فهو منسوب إلى الشافعي (1) إلا ان العلامة في التذكرة وافقه في اعتبار الركعة في وجوب الاتمام لقول النبي (صلى الله عليه واله) (2)


(1) المغني ج 2 ص 333 وفتح الباري ج 2 ص 290 (2) في سنن ابن ماجة ج 1 ص 346 (قال رسول الله صلى الله عليه واله من ادرك من الجمعة ركعة فليصل إليها اخرى) وفي سنن البيهقي ج 3 ص 204 (إذا ادركت من الجمعة فاضف إليها اخرى..).

[ 79 ]

" من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها اخرى " ورده جملة ممن تأخر عنه بانه دلالة له على المطلوب، وهو جيد اذلا دلالة فيه على ان من لم يدرك ركعة قبل انفضاض العدد يقطع الصلاة. نعم لا عبرة بانفضاض الزائد على العدد المعتبر مع بقاء ذلك العدد سواء شرعوا في الصلاة أم لا اتفاقا. (الثاني) لو انفضوا قبل تلبس الامام بالصلاة أو انفض ما يسقط به العدد المعتبر سقطت الجمعة سقوطا مراعى بعدم عودهم أو عدم حصول من تنعقد به سواء كان في اثناء الخطبة أو بعدها قبل الدخول في الصلاة، فلو عادوا بعد انفضاضهم والوقت باق وجبت. قالوا ولو انقضوا في حال الخطبة بنى الامام على ما تقدم منها واتمها إذا لم يطل الفصل ومعه في أحد الوجهين لحصول مسمى الخطبة واصالة عدم اشتراط الموالاة، ولواتى غيرهم ممن لم يسمع الخطبة اعاد الخطبة من رأس. واستشكله في الذكرى بانه لا يؤمن انفضاضهم ثانيا لو اشتغل بالاعادة فيصير ذلك عذرا في ترك الجمعة. (الثالث) قال في الذكرى: لو حضر عدد آخر بعد التحريمة فتحرموا ثم انفض الاولون لم يضر لان الانعقاد قد تم بالواردين. قاله في التذكره، ويشكل بان من جملة الاولين الامام فكيف تنعقد بدونه إلا أن يقال ينصبون الان اماما أو يكون قد انفض من عدا الامام أو يكون ذلك على القول باعتبار الركعة لانه لو لم تعتبر الركعة في بقاء الصحة كان بقاء الامام وحده كافيا في الصحة ولا يكون في حضور العدد الاخر فائدة تصحح الصلاة. انتهى. اقول: لا يخفى ان هذا الاشكال انما يتجه لو قلنا بانه لو أحرم الامام مع العدد المعتبر ثم انفض الامام مع بعض العدد فانه لا يجب الاتمام جمعة لعدم الامام كما هو ظاهر الذكرى حيث قال في أول المسألة: العدد انما هو شرط في الابتداء لا في الاستدامة فلو تحرموا بها ثم انفضوا الا الامام اتمها جمعة للنهى عن ابطال العمل.. إلى آخره. ونحوها عبارته في الدروس، وربما كان فيه اشعار

[ 80 ]

بانه لو انفض الامام مع بعض العدد فانه لا يجب على الباقين الاتمام جمعة كما هو صريح كلامه هنا والفرق بين العدد الاول والثانى لا يظهر له وجه هنا. والمحقق في الشرائع قد صرح بوجوب الاتمام جمعة بعد انفضاض العدد وان لم يبق إلا واحد سواء كان اماما أو مأموما. وبالجملة فان استشكاله هنا ان كان مبنيا على الفرق بين العددين فلا اعرف له وجها في البين، وان كان لما يشعر به كلامه الذى ذكرناه من تخصيص الاتمام بالامام أو من بقى معه دون بعض المأمومين فهو محتمل إلا ان كلام المحقق في الشرائع كما ترى صريح في خلافه وكذا ظاهر كلامه في البيان، وكذلك شيخنا الشهيد الثاني في المسالك صرح بانه مع انفضاض الامام وبقاء العدد كلا أو بعضا فانهم يقدمون اماما يتم بهم ان امكن والا اتموا فرادى. وهو صريح في جواز الاتمام بغير امام مع تعذره. فائدة - يحسن التنبيه عليها في المقام بل هي من أهم المهام، وهى انه متى كان العدد المذكور شرطا في وجوب الجمعة عينا وبدونه لا يحصل الوجوب فاللازم من ذلك هو سقوط الجمعة رأسا لانه بموجب ذلك لا تجب على هؤلاء الخمسة أو السبعة الجمعة لعدم حصول الشراط المذكور ومتى لم تجب عليهم لم تجب على غيرهم لان الوجوب على غيرهم مشروط بحضورهم والحال ان الحضور غير واجب عليهم، هذا خلف. والجواب انه لاشك ان الوجوب العينى مشروط بحضورهم موضع الجمعة ولكن حضور العدد المذكور واجب وجوبا كفائيا على كافة المسلمين المتصفين بصفات المكلفين بوجوب الجمعة لا يختص به خمسة دون خمسة ولا سبعة دون سبعة فلو اخلوا جميعا بالحضور شملهم الاثم واستحقوا العقاب يترك الواجب المذكور ثم انه متى حضر العدد المذكور سقط بهم الوجوب الكفائي وتوجه الوجوب العينى إلى عامة المكلفين المتصفين بصفات التكليف بهذه الفريضة. وكذا القول في مالو تعددت الائمة فانه يجب على واحد منهم الحضور في موضع اقامة الجمعة وجوبا كفائيا مع بقية العدد فان اخلوا جميعا شملهم الاثم وان حضر واحد منهم صار

[ 81 ]

الوجوب عينيا بالنسبة إلى كافة المكلفين. (المقصد الثالث) في الخطبتين، وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في موارد (الاول) - اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) واكثر العامة (1) على ان الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة، قال في المدارك: لان النبي (صلى الله عليه واله) خطب خطبتين امتثالا للامر المطلق فيكون بيانا له، وقد ثبت في الاصول ان بيان الواجب واجب. اقول: فيه (اولا) انا لم نقف على الامر المطلق إذا ليس إلا القرآن العزيز وهو غير مشتمل على الامر بالخطبة كما لا يخفى، إلا أن يكون مراده الامر بالسعي في الاية والمراد السعي إلى الصلاة. وفيه ان دخول الخطبتين تحت الصلاة غير ظاهر واحتمال اطلاقها عليهما مجاز لا يترتب عليه البيان انما يرجع إلى ما دل عليه اللفظ حقيقة ويتبادر منه فهما. والاظهر الاستدلال على ذلك بما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطى عن داود بن الحصين عن ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا جمعة إلا بخطبة وانما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين ". و (ثانيا) ان هذا الكلام ينقض ما تقدم منه في باب الوضوء في مسألة وجوب غسل الوجه من الاعلى حيث قد ذهب إلى الاستحباب ثمة مع دلالة الوضوءات البيانية واشتمالها على الغسل من الاعلى فهى مفسرة لاجمال الاية ومبينة له مع انه منع من ذلك ثمة، قد وقد تقدم تحقيق الكلام معه في ذلك في المسألة المذكورة.


(1) في شرح النووي على صحيح مسلم ج 6 ص 150 (قال القاضي ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة وعن الحسن البصري واهل الظاهر ورواية ابن الماجشون عن مالك انها تصح بلا خطبة) وفي المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 111 (ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان). (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.

[ 82 ]

والتحقيق الرجوع في ذلك إلى الاخبار فانها ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في المطلوب، ومنها الرواية المذكورة وهى صريحة في المطلوب ويعضدها ما تقدم في الروايات التى قدمناها دليلا على وجوب صلاة الجمعة وهى الثالثه والخامسة والسادسة والثالثة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة (1).. وقد صرح الاصحاب بانه يجب فيهما امور (الاول) التقديم على الصلاة فلو بدأ بالصلاة لم تصح الجمعة، قال في المدارك: هذا هو المعروف من مذهب الاصحاب بل قال في المنتهى انه لا يعرف فيه مخالفا، والمستند فيه فعل النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) والصحابة والتابعين والاخبار المستفيضة الواردة بذلك كرواية ابى مريم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: سألته عن خطبة رسول الله (صلى الله عليه واله) أقبل الصلاة أو بعدها ؟ فقال قبل الصلاة ثم يصلى انتهى. اقول: العجب منه ومن صاحب المنتهى في دعواهما عدم الخلاف في المسألة مع ان الصدوق قد صرح في جملة من كتبه مثل الفقيه وعيون الاخبار والعلل بالخلاف في ذلك فاوجب تأخير الخطبة عن الصلاة وادعى ان تقديمها بدعة عثمانية. ومن كلامه في ذلك ما ذكره في كتاب عيون الاخبار (3) بعد ان نقل حديث علل الفضل بن شاذان الدال على وجوب تقديمهما في الجمعة وتأخيرهما في العيدين وبيان العلة في ذلك حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب جاء هذا الخبر هكذا، والخطبة في الجمعة والعيدين بعد الصلاة لانهما بمنزلة الركعتين الاخيرتين وأول من قدم الخطبتين عثمان بن عفان.. إلى آخر كلامه. وفى كتاب من لا يحضره الفقيه (4) روى حديثا عن الصادق (عليه السلام) بهذه الصورة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) اول من قدم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان لانه كان إذا صلى لم يقف الناس على خطبته وتفرقوا وقالوا ما نصنع بمواعظه


(1) ج 9 ص 409 إلى 413 (2) الوسائل الباب 15 من صلاة الجمعة (3) ص 258 (4) ج 1 ص 278 وفي الوسائل الباب 15 من صلاة الجمعة

[ 83 ]

وهو لا يتعظ بها وقد أحدث ما أحدث فلما رأى ذلك قدم الخطبتين على الصلاة. وقال المحدث الكاشانى في الوافى بعد نقل هذا الخبر: كذا وجدنا الحديث في نسخ الفقيه وكأنه قد وقعت لفظة الجمعة مكان لفظة العيد سهوا ثم صار ذلك سببا لايراد الصدوق الحديث في باب الجمعة وزعمه وروده فيه كما يظهر من بعض تصانيفه الاخر، وذلك لما ثبت وتقرر ان الخطبة في الجمعة قبل الصلاة وهذا من ما لم يختلف فيه أحد في ما أظن وقد مضت الاخبار في ذلك. ايضا انما ورد حديث عثمان في العيدين كما مر في هذا الباب مرتين. انتهى. وكيف كان فما ذكره الصدوق وهم صرف وغفلة محضة عن تدبر الاخبار المستفيضة بتقديمهما في صلاة الجمعة. ومنها زيادة على الروايتين المتقدمتين ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (1) قال: سألته عن الجمعة فقال اذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلى الناس مادام الامام على المنبر ثم يقعد الامام على المنبر قدر ما يقرأ قل هو الله أحد ثم يقوم فيفتتح خطبته ثم ينزل فيصلى بالناس ثم يقرأ بهم في الركعة الاولى بالجملة وفى الثانية بالمنافقين. وما روياه ايضا في الموثق عن سماعة (2) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) ينبغى للامام الذى يخطب الناس يوم الجمعة أن عمامة في الشتاء والصيف ويتردى ببرد يمنى أو عدني ويخطب وهو قائم: يحمد الله ويثنى عليه ثم يوصى بتقوى الله ويقرأ سورة من القرآن قصيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد الله ويثنى عليه ويصلى على محمد (صلى الله عليه واله) وعلى أئمة المسلمين (عليهم السلام) ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإذا فرغ من هذا قام المؤذن فاقام فصلى بالناس ركعتين يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفى الثانية بسورة المنافقين.


(1) الوسائل الباب 6 و 25 من صلاة الجمعة (2) الوسائل الباب 24 و 25 من صلاة الجمعة.

[ 84 ]

وما روياه في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: إذا خطب الامام يوم الجمعة فلا ينبغى لاحد أن يتكلم حتى يفرغ الامام من خطبته فإذا فرغ الامام من الخطبتين تكلم ما بينه وبين ان يقام للصلاة وان سمع القراءة ام لم يسمع اجزأه ونحوه صحيحة اخرى لمحمد بن مسلم بهذا المضمون (2). وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله به سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى الجمعة حين الجمعة تزول الشمس قدر شراك ويخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل فصل وانما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهى صلاة حتى ينزل الامام ". (الثاني) القيام حال الخطبة، ولا خلاف في وجوبه مع الامكان ونقل عليه في التذكرة الاجماع، والمستند فيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان أول من خطب وهو جالس معاوية واستأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه وكان يخطب خطبة وهو جالس وخطبة وهو قائم هم يجلس بينهما. ثم قال: الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل مابين الخطبتين. وعن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث قال: وليقعد قعدة بين الخطبتين ". وروى الثقة الجليل على بن ابراهيم في تفسيره في الصحيح عن ابن مسكان عن ابى بصير (6) " انه سأل عن الجمعة كيف يخطب الامام ؟ قال يخطب قائما ان الله تعالى يقول: وتركوك قائما (7)


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة. (3) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة (7) سورة الجمعة الاية 11. "

[ 85 ]

ولو منعه مانع فالظاهر جواز الجلوس كما صرح به جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وفى وجوب الاستنابة في هذه الحالة اشكال. قالوا: ولو خطب جالسا مع القدرة بطلت صلاته من علم بذلك من المأمومين، اما من لم يعلم بذلك فقد قطعوا بصحة صلاته بناء على ان الظاهر من حال المسلم خصوصا العدل أن يكون جلوسه في حال الخطبة لعذر ولم يفصلوا بين تجدد العلم بعد الصلاة وعدم تجدده، وجعلوه مثل صلاة الامام محدثا فان صلاة من لم يعلم بحدثه صحيحة وان تجدد العلم بعد الصلاة. وفيه ان قيام الدليل في المحدث في صورة ما إذا علم المأموم بعد الصلاة على صحة الصلاة لا يستلزم الصحة في ما نحن فيه لعدم الدليل كما في المحدث. قالوا: ويجب في القيام الطمأنينة كما في البدل لتوقف البراءة اليقينية عليه. وفيه إشكال. وقال في المدارك: ويجب في القيام الطمأنينة للتأسي ولانهما بدل من الركعتين. وفيه (اولا) ما صرح به هو وغيره من المحققين من أن التأسي لا يصلح دليلا للوجوب كما حققوه في الاصول لان فعلهم (عليهم السلام) أعم من ذلك. و (ثانيا) ان البدلية على تقدير صحة الاستدلال بها لا تقتضي أن تكون من كل وجه: وغابة ما يمكن أن يقال ان المسألة لما كانت عارية من النص فالاحتياط فيها واجب وهو لا يحصل إلا بما ذكروه من الطمأنينة. (الثالث) اتحاد الخطيب والامام على أظهر القولين وأشهرهما وهو اختيار الراوندي في أحكام القرآن: وقواه العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى واختاره السيد السند في المدارك، ونقل عن العلامة في النهاية القول بجواز المغايرة معللا بانفصال كل من العبادتين عن الاخرى، وبان غاية الخطبتين أن يكونا كالركعتين ويجوز الاقتداء بامامين في صلاة واحدة. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: ويتوجه على الاول منع الانفصال

[ 86 ]

شرعا، سلمنا الانفصال لكن ذلك لا يقتضى جواز الاختلاف إذا لم يرد فيه نقل على الخصوص لعدم تيقن البراءة مع الاتيان به. وعلى الثاني بعد تسليم الاصل انه قياس محض. واستشكل في الذخيرة في هذا المقام فقال: والمسألة محل اشكال ينشأ من أن المنقول من فعل النبي (صلى الله عليه واله) والائمة (عليهم السلام) الاتحاد فيجب عدم التعدي منه وقوفا في الوظائف الشرعية على القدر الثابت المتيقن، ومن اطلاق الامر بالصلاة في الاية والاخبار والاشتراط يتقدر بقدر الدليل والدليل لا يقتضى الخصوصية المذكورة في الخطبتين. والاحتياط واضع. وانتهى. اقول: اما ما ذكره في الوجه الثاني من اطلاق الاية فمسلم واما اطلاق الاخبار فممنوع فان بعضها وان كان مطلقا كما ادعاه إلا ان جملة منها ظاهرة في الاتحاد كالاخبار المتقدمة في الامر الاول، ونحوها ايضا صحيحة إلى ابى بصير المنقولة من تفسير على بن ابراهيم فانها قد اشتملت على ان الخطيب هو الامام وانه بعد الخطبة يصلى بالناس، وحينئذ فما اطلق من الاخبار ان وجد يحمل على هذه الاخبار حمل المطلق على المقيد وبذلك يقيد اطلاق الآية ايضا. ويدل على ما ذكرناه ما سيأتي ان شاء الله تعالى من الاخبار الدالة على النهى عن الكلام والامام يخطب ونحوها، فان المراد بالامام فيها هو امام الجماعة الذى يصلى بعد الخطبة وإلا فلا معنى للتعبير بلفظ الامام في المقام لو كان الخطيب غيره. وحمله على امام في الجملة وان لم يكن في تلك الصلاة لا يرتكبه إلا من لم يكن له ذوق ولا روية في فهم معاني الكلام كما لا يخفى على ذوى الافهام. وبالجملة فان ما ذكره من الاستشكال من الاوهام السخيفة بلا اشكال. (الرابع) الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة على الاشهر الاظهر، واستدل عليه في المدارك بالتأسي، وقد عرفت ما فيه قريبا. والاظهر الاستدلال على ذلك بالاخبار، ومنها ما تقدم قريبا في صحيحة

[ 87 ]

معاوية بن وهب (1) وهو قوله (عليه السلام) فيها " الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل مابين الخطبتين ". وتقدم ايضا في صحيحة عمر بن يزيد (2) قال: وليقعد قعدة بين الخطبتين وتقدم في موثقة سماعة (3) بعد ذكر الخطبة الاولى قال (عليه السلام) " ثم يجلس ثم يقوم فيحمد الله تعالى ". وفى صحيحة محمد بن مسلم المروية في الكافي في خطبة يوم الجمعة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال بعد ذكر الخطبة الاولى بطولها " ثم اقرأ سورة من القرآن وادع ربك وصل على النبي (صلى الله عليه واله) وادع للمؤمنين والمؤمنات ثم تجلس قدر ما تمكن هنيهة ثم تقوم فتقول الحمد لله " ثم ساق الخطبة الثانية. وفى صحيحة محمد بن النعمان أو غيره المروية في الكافي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) انه ذكر خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة " الحمدلله اهل الحمد.. ثم ساق الخطبة إلى أن قال: ثم جلس قيلا ثم قام فقال الحمد لله " ثم ساق الخطبة الثانية. وفى معناها ما رواه في الفقيه من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) (6) وفيها بعد ذكر الخطبة الاولى " ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيقول الحمدلله... إلى آخر الخطبة ". وهذه الاخبار ونحوها مابين ما تضمن حكاية فعلهم (عليهم السلام) ذلك وما بين ما تضمن الامر باللام وما تضمن الامر بالجملة الفعلية وهو ظاهر في الوجوب واشتمال الاخبار على بعض المندوبات لا يقدح في الدلالة لان ما قام الدليل على استحبابه يجب ارتكار التجوز في الامر به وما لم يقم على استحبابه دليل فيجب حمل الامر به على ظاهره من الوجوب وبه يتم المطلوب. واما ما ذكره المحقق في المعتبر من ما يؤذن بتردده في المقام - حيث قال: وهل الجلسة بين الخطبتين واجبة ؟ فيه تردد، وجه الوجوب فعل النبي والائمة


(1) و (2) ص 84. (3) ص 83 (4) و (6) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة (5) روضة الكافي ص 173 وفي الوافي باب خطبة صلاة الجمعة

[ 88 ]

(صلوات الله عليهم) بعده. وما روى عن أهل البيت (عليهم السلام) من طرق أحدها ما رواه معاوية بن وهب، ثم ذكرها كما ذكرناه: ثم قال ووجه الاستحباب انه فصل بين ذكرين جعل للاستراحة فلا يتحقق فيه معنى الوجوب، ولان فعل النبي (صلى الله عليه واله) كما يحتمل أن يكون تكليفا يحتمل أن يكون للاستراحة وليس فيه معنى التعبد، ولانا لا نعلم الوجه الذى أوقعه عليه فلا تجب المتابعة. انتهى. ولا يخفى ما فيه من النظر الظاهر في كل من الوجهين، أما الاول فمرجعه إلى التأسي وقد عرفت انه ليس بدليل على الوجوب، واليه اشار في آخر كلامه بقوله: ولانا لا نعلم الوجه الذى أوقعه عليه يعنى من وجوب واستحباب لان الاتيان به أعم منهما. واما الثاني فيرجع إلى العلة المستنبطة التى لا اعتماد عليها في الاحكام، والوجه في الوجوب انما هو ورود الامر بذلك في الاخبار المتقدمة ونحوها وان كان أمرا بالجملة الفعلية أو باللام، فان التحقيق انه لا فرق بين الامر بصيغة " افعل " ولا بين الصيغتين المذكورتين كما حققناه في مقدمات الكتاب وبه صرح جملة من محققى الاصحاب، ويدل على ذلك ايضا صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وقوله فيها يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب.. إلى آخره " فانه ظاهر في بيان الكيفية الواجبة ومن جملتها الجلوس بين الخطبتين. قالوا: ويجب في الجلوس الطمأنينة وينبغى أن يكون بقدر قراءة سورة " قل هو الله أحد " كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم المذكورة. قيل: ولو عجز عن القيام فخطب جالسا فصل بينهما بسكتة، واحتمال العلامة في التذكرة الفصل بالاضطجاع. وهل يجب السكوت حال الجلوس ؟ قيل نعم لما تقدم في صحيحة معاوية ابن وهب من قوله " جلسة لا يتكلم فيها " ورد باحتمال ان يكون المراد لا يتكلم فيها بشئ من الخطبة. والظاهر بعده.


(1) ص 83. (2) ص 84.

[ 89 ]

ثم ان ههنا اشياء اخر وقع الخلاف فيها وجوبا واستحبابا في الخطبتين سيأتي ان شاء الله تعالى التنبيه عليها. (المورد الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يجب اشتمال كل من الخطبتين عليه، فقال الشيخ في المبسوط: اقل ما تكون الخطبة أربعة أصناف: حمد الله تعالى والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) والوعظ وقراءة سورة خفيفة من القرآن. ومثله قال ابن حمزة. وقال في الخلاف: أقل ما تكون الخطبة ان يحمد الله تعالى ويثنى عليه ويصلى على النبي (صلى الله عليه واله) ويقرأ شيئا من القرآن ويعظ الناس. وابن ادريس وافق المبسوط في موضع من كتابه واوجب السورة الخفيفة وخالفه في آخر، وقال في وصف الخطبة: ويوشح خطبته بالقرآن ومواعظه وآدابه. ولم يذكر السورة. وقال أبو الصلاح: لا تنعقد الصلاة إلا بامام... إلى ان قال: وخطبة في اول الوقت مقصورة على حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله والصلاة على محمد والمصطفين من آله (صلوات الله عليهم) ووعظ وزجر. ولم يتعرض لشئ من القرآن بالكلية. وقال الشيخ في الاقتصاد: أقل ما يخطب به أربعة اشياء: الحمد والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) والوعظ وقراءة سورة خفيفة من القرآن بين الخطبتين. وقال في النهاية: ينبغى ان يخطب الخطبتين ويفصل بينهما بجلسة ويقرأ سورة خفيفة ويحمد الله تعالى في خطبته ويصلى على النبي (صلى الله عليه واله) ويدعو لائمة المسلمين (عليهم السلام) ويدعو ايضا للمؤمنين ويعظ ويزجر وينذر ويخوف. ومثله قال ابن البراج وابن زهرة. وقال القطب الراوندي في الرائع: الخطبة شرط في صحة الجمعة واقل ما يكون أن يحمد الله تعالى ويصلى على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) ويعظ الناس ويقرأ سورة قصيرة من

[ 90 ]

القرآن، وقيل يقرأ شيئا من القرآن. وقال ابن الجنيد عن الخطبة الاولى: ويوشحها بالقرآن. وعن الثانية: ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. إلى آخر الاية (1). وقال المرتضى في المصباح: يحمد الله ويمجده ويثنى عليه ويشهد لمحمد (صلى الله عليه واله) بالرسالة ويوشح الخطبة بالقرآن ثم يفتتح الثانية بالحمد والاستغفار والصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) والدعاء لائمة المسلمين. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذى يظهر من كلام الفاضلين ان وجوب الحمد والصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) والوعظ موضع وفاق بين علمائنا واكثر العامة (2) لعدم تحقق الخطبة عرفا بدون ذلك، واستدل عليه في المنتهى بامور واهية ليس في التعرض لها كثير فائدة. وقد وقع الخلاف هنا في مواضع: (الاول) - هل تجب القراءة في الخطبتين كما هو المشهور أم لا كما هو مذهب ابى الصلاح ؟ (الثاني) - انه على تقدير الوجوب هل الواجب سورة كاملة أو آية تامة الفائدة ؟ (الثالث) - انه على الاول اعني السورة الكاملة هل الواجب سورة كاملة فيها أو في الاولى


(1) سورة النحل الاية 92. (2) في المغني ج 2 ص 304 (يشترط لكل واحدة من الخطبتين حمد الله تعالى والصلاة على رسوله (صلى الله عليه واله) ويحتمل ان لا تجب الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) لان النبي (صلى الله عليه واله)، لم يذكر في خطبته ذلك) وفي ص 305 (وقال أبو حنيفة لو اتى بتسبيحة واحدة اجزأ) وفي شرح النووي على صحيح مسلم ج 6 ص 150 (قال الشافعي لا تصح الخطبتان الا بحمد الله والصلاة على رسول (الله صلى الله عليه وآله) فيهما والوعظ وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وقال مالك وابو حنيفة والجمهور يكفي من الخطبة ما يقع عليه السلام وقال أبو حنيفة وابو يوسف ومالك في رواية عنه تكفى تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة. وهذا ضعيف لانه لا يسمى خطبة) وفي المهذب ج 1 ص 111 (فرض الخطبة اربعة أشياء: يحمد الله تعالى ويصلى على النبي (صلى الله عليه واله) والوصية بتقوى الله وقراءة آية من القرآن).

[ 91 ]

خاصة ؟ وعلى الثاني اعني الاية التامة الفائدة فهل هي فيهما اوفى الاولى خاصة ؟ (الرابع) - هل تجب الشهادة لمحمد (صلى الله عليه واله) بالرسالة في الاولى كما هو ظاهر المرتضى أم لا ؟ (الخامس) - هل يجب الاستغفار والدعاء لائمة المسلمين كما هو ظاهر المرتضى ايضا ام لا ؟ هذا ما وصل الينا من كلام متقدمي الاصحاب في الباب. والواجب الرجوع إلى الاخبار إلا ان الظاهر انه ليس في شئ منها تصريح باقل الواجب كما وقع في عبائر الاصحاب بحيث لا يجزئ ما دونه. وكيف كان فمن تلك الاخبار موثقة سماعة (1) قال: قال " أبو عبد الله (عليه السلام) ينبغى للامام الذى يخطب الناس يوم الجمعة ان يلبس عمامة في الشتاء ويتردى ببرد أو ادنى ويخطب وهو قائم: يحمد الله ويثنى عليه ثم يوصى بتقوى الله ويقرأ سورة من القرآن قصيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد الله ويثنى عليه ثم يصلى على محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى أئمة المسلمين (عليهم السلام) ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات فإذا فرغ من هذا اقام المؤذن فصلى بالناس ركعتين.. الحديث. " ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم " ان ابا جعفر (عليه السلام) خطب خطبتين في الجمعة، ثم نقلهما بتمامهما، والاولى منهما قد اشتملت على حمد الله والشهادتين والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) والوعظ، قال ثم اقرأ سورة من القرآن وادع ربك وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) وادع للمؤمنين والمؤمنات ثم تجلس.. وتضمنت الثانية الحمد والشهادتين والوعظ والصلاة على محمد (صلى الله عليه واله) بقوله أللهم صل على محمد عبدك ورسولك سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين. قال: ثم تقول أللهم صل على امير المؤمنين ووصى رسول رب العالمين، ثم تمسى الائمة (عليهم السلام) حتى تنتهى إلى صاحبك، ثم تقول اللهم افتح له فتحا يسيرا وانصره نصرا عزيزا أللهم اظهر به دينك وسنة نبيك حتى


(1) الوسائل الباب 24 و 25 من صلاة الجمعة. (2) ج 1 ص 117 وفي الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.

[ 92 ]

لا يستخفى بشئ من الحق مخافة أحد من الخلف.. ثم ساق الدعاء لصاحب الامر إلى ان قال: ويكون آخر كلامه ان يقول ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. وذكر الاية كملا، ثم قال ثم يقول أللهم اجعلنا ممن تذكر فتنفعه الذكرى ثم ينزل. ومنها - ما رواه في الكافي (1) ايضا في الصحيح أو الحسن عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان أو غيره عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة، والاولى منهما طويلة مشتملة على التحميد والشهادتين والوعظ ثم سورة العصر ثم قال: ان الله وملائكته يصلون على ا لنبى (صلى الله عليه واله) ثم ذكر الاية واردفها بمزيد الصلاة والدعاء للنبى (صلى الله عليه واله) إلى ان قال: ثم جلس قليلا ثم قام فقال الحمد لله.. وذكر الخطبة الثانية وهى مشتملة على الحمد والاستعاذة وطلب العصمة من الذنوب ومساوئ الاعمال ومكاره الامال ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ومنها - ما رواه في الفقيه (2) مرسلا، قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجمعة فقال... ثم ساق الخطبة الاولى وهى مشتملة على التحميد والثناء على الله سبحانه والشهادتين والوعظ ثم سورة التوحيد أو " قل يا ايها الكافرون " أو " إذا زلزلت " أو " الهاكم التكاثر " أو " العصر " قال وكان من ما يدوم عليه " قل هو الله أحد " ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيقول.. ثم ذكر الخطبة الثانية وهى مشتملة على التحميد مختصرا وكذلك الشهادتان ثم الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) ثم الدعاء على أهل الكتاب ثم الدعاء بنصر جيوش المسلمين وسراياهم ثم الدعاء للمؤمنين ثم الاية " ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. إلى آخرها (3) ". اقول: قد اتفقت هذا الاخبار بالنسبة إلى الخطبة الاولى على اشتمالها على التحميد والوعظ وقراءة سورة كاملة وهى تمام ما اختصت به موثقة سماعة


(1) الروضة ص 173 وفي الوافي باب خطبة صلاة الجمعة (2) ج 1 ص 275 وفي الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة. (3) سورة النحل الاية 92.

[ 93 ]

واشتركت الروايات الثلاث التى بعدها في الاشتمال على الشهادتين زيادة على ذلك، وحينئذ فيخص بها اطلاق موثقة سماعة ويجب تقييدها بها، واختصت الرواية الثانية بزيادة الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) والاحوط اضافتها لذلك. واما بالنسبة إلى الخطبة الثانية فقد اتفق الجميع على التحميد خاصة واشترك ما عدا الرواية الثالثة في اضافة الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) واشتركت الاولى والثانية في اضافة ائمة المسلمين إلى الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) اجمالا في الاولى وتفصيلا في الثانية وبه يجب تقييدما خلا ذلك من الاخبار المذكورة، واشتركت الرواية الثانية والرابعة في اضافة الاية المتقدمة في آخر الخطبة وبه يقيد اطلاق الروايتين الخاليتين من ذلك، واتفق الجميع في عدم ذكر الوعظ في الثانية. ثم انه لا يخفى ما بين مادلت عليه هذه الاخبار وبين ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في المقام من المنافاة وعدم الالتئام ولا سيما بالنسبة إلى ايجابهم السورة في الخطبة الثانية كما هو ظاهر المشهور، قال في الذكرى قال ابن الجنيد والمرتضى: وليكن في الاخيرة قوله تعالى " ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. الاية ". واورده البزنطى في جامعه. وبالنسبة إلى ايجابهم الوعظ في الخطبة الثانية وكذا بالنسبة إلى عدم ذكرهم الشهادتين سوى المرتضى (رضى الله عنه) فانه ذكر الشهادة بالرسالة ولم يذكر الشهادة بالتوحيد والاخبار قد اشتملت عليهما ونحو ذلك. إلا ان بعض الاخبار الواردة في ذكر الخطبة غير ما أشرنا إليه اشتمل على الوعظ في الثانية ايضا. والاحتياط لا يخفى. وينبغى التنبيه على امور (الاول) قد صرح العلامة والشهيد وجماعة بانه يجب في الخطبتين التحميد بصيغة " الحمد لله " ورده جملة من تأخر عنهم بصدق الخطبة مع الاتيان بالتحميد كيف اتفق.


(1) تقدم الوعظ فيها في الصحيحة ص 91 (2) سورة النحل الاية 92.

[ 94 ]

اقول: لاريب ان موثقة سماعة وان اشتملت على مطلق التحميد لقوله " يحمد الله ويثنى عليه " إلا ان الثلاث التى بعدها كلها قد اشتملت على لفظ " الحمد لله " في أول كل من الخطبتين فلا يبعد ان يحمل عليها اطلاق موثقة سماعة المذكورة وبه يظهر قوة ما ذكره الاولون. (الثاني) ذكر جمع من الاصحاب انه يجب الترتيب في اجزاء الخطبة بتقديم الحمد ثم الصلاة ثم الوعظ ثم القراءة فلو خالف اعاد على ما يحصل به الترتيب، قال في المدارك: وهو أحوط وان كان في تعينه نظر. اقول: ما ذكروه (رضوان الله عليهم) مبنى على ما تكرر في عبائرهم من ايجاب هذه الاربعة في كل من الخطبتين وقد عرفت مابين كلامهم وبين الاخبار المتقدمة من المدافعة في البين، والذى يتلخص من الاخبار بتقريب ما قدمنا ذكره من ضم بعضها إلى بعض بالنسبة إلى الخطبة الاولى هو الاتيان بالتحميد أولا ثم الشهادتين بالتوحيد اولا ثم بالرسالة ثم اضافة الصلاة بعدهما احتياطا ثم الوعظ ثم قراءة كاملة، واما بالنسبة إلى الخطبة الثانية فالتحميد اولا ثم الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) ثم أئمة المسلمين تفصيلا ثم الاية المتقدمة. واما ان ذلك على جهة الوجوب أو الاستحباب فاشكال ينشأ من أن هذه الكيفية التى ورد بها النص فيقين البراءة يتوقف عليها ومن احتمال خروجها مخرج الاتفاق سيما ان الخطب المذكورة مشتملة على تكرار وزيادة اشياء اخر فيها. وبالجملة فا لاحتياط في الوقوف على مادلت عليه الاخبار وان كان لا اشعار فيها بالوجوب. (الثالث) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) المنع من الخطبة بغير العربية للتأسي، قال في المدارك: وهو حسن. اقول: قد عرفت ان التأسي لا يصلح لان يكون دليلا لحرمة ولا وجوب كما صرح به هو وغيره من المحققين ولكنه في امثال هذه المواضع يستسلقه وهو غير جيد. نعم يمكن ان يقال ان يقين البراءة موقوف على ذلك وانها عبادة

[ 95 ]

والعبادات توقيفية يتبع فيها ما رسمه صاحب الشريعة، وهذا هو الذى جاء عنهم (عليهم السلام). ولو لم يفهم العدد العربية ولا امكن التعلم قيل تجب العجمية لان مقصود الخطبة لا يتم بدون فهم معانيها. واحتمل في المدارك سقوط الجمعة لعدم ثبوت مشروعيتها على هذا الوجه. اقول: والاقرب وجوب العربية في الصورة المذكورة، والتعليل بان المقصود من الخطبة فهم العدد لمعانيها مع تسليم وروده لا يقتضى كونه كليا فان علل الشرع ليست عللا حقيقة يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي معرفات وتقريبات إلى الاذهان كما لا يخفى على من راجع كتاب العلل وما اشتملت عليه اخباره من العلل. على ان البلدان التى فتحت من العجم والروم ونحوهما وعينت فيها الائمة للجمعات والجماعات لم ينقل انهم كانوا يترجمون لهم الخطب ولو وقع لنقل ومنه زمان خلافة امير المؤمنين (عليه السلام) وكيف كان فالاحوط الخطبة بالعربية وترجمة بعض الموارد التى يتوقف عليها المقصود من الخطبة. (الرابع) قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار: والاولى والاحوط ان يراعى الخطيب احوال الناس بحسب خوفهم ورجائهم فيعظهم مناسبا لحالهم وللايام والشهور والوقائع الحادثة وامثال تلك الامور كما يومئ إليه بعض الاخبار ويظهر من الخطب المنقولة. انتهى. وهو جيد. (الخامس) روى الصدوق في كتاب العلل والعيون في علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: وانما جعلت خطبتين لتكون واحدة للثناء على الله تعالى والتمجيد والتقديس لله عزوجل، والاخر للحوائج والاعذار والانذار والدعاء ولما يريد ان يعلمهم من أمره ونهيه ما فيه الصلاح والفساد. انتهى. اقول: ظاهره ان احدى الخطبتين انما تشتمل على الثناء والتمجيد والتقديس


(1) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.

[ 96 ]

لله عزوجل والاخرى لما ذكره (عليه السلام) وانت خبير بانه لا ينطبق على ما قدمناه من الاخبار ولا كلام الاصحاب وصاحبه (عليه السلام) اعلم بذلك. (المورد الثالث) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) وفى وجوب الاصغاء للخطبه والطهارة فيهما من الحدث أو منه ومن الخبث وفى تحريم الكلام حل الخطبة من المأمومين والامام وكذا في وجوب رفع الصوت لا ستماع العدد. والكلام هنا يقع في مواضع (الاول) - في وجوب الاصغاء وعدمه ممن يمكن في حقه السماع والاصغاء والانصات لها والاستماع، والمشهور وجوبه وذهب الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر إلى انه مستحب. احتج الاولون بان فائدة الخطبة لا تحصل إلا به. قال في الذخيرة: وفيه منع واضح لمنع كون الفائدة منحصرة في استماع كل منهم جميع الخطبة، قال: ولو قصد بهذا الاستدلال على وجوب اصغاء الزائد على العدد كان اخفى دلالة. انتهى. اقول: والاظهر الاستدلال على القول المشهور بالاخبار الدالة على النهى عن الكلام والامام يخطب (1) فانه لاوجه للنهى في المقام إلا من حيث وجوب الاصغاء للخطبة والاستماع لها، ونقل غير واحد من أصحابنا عن البزنظى في جامعه انه قال إذا قام الامام يخطب وجب على الناس الصمت وهو من قدماء الاصحاب واجلاء الثقات من أصحاب الرضا (عليه السلام). والاصحاب ايضا قد اختلفوا في تحريم الكلام، فالمشهور التحريم فمنهم من عمم الحكم بالنسبة إلى المستمعين والخطيب ومنهم من خصه بالمستمعين، وذهب الشيخ في المبسوط وموضع من الخلاف والمحقق إلى الكراهة، وهو جار على نحو ما قدمناه عنهم من القول بعدم وجوب الاستماع، والى القول بالكراهة مال الفاضل الخراساني في الذخيرة ايضا. والاظهر عندي هو القول المشهور من وجوب الاستماع وتحريم الكلام


(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة (2) المعتبر ص 206

[ 97 ]

للاخبار المشار إليها، ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: إذا خطب الامام يوم الجمعة فلا ينبغى لاحد أن يتكلم حتى يفرغ الامام من خطبته فإذا فرغ الامام من الخطبتين تكلم ما بينه وبين أن تقام الصلاة ". ومنها - ما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال ": قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا كلام والامام يخطب ولا التفات إلا كما يحل في الصلاة، وإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين فهى صلاة حتى ينزل الامام ". وظاهر هذا الخبر كما ترى انه ما دام الامام يخطب فان الامام والحاضرين معه في صلاة حتى ينزل فلا يتكلم هو ولا هم ولا يلتفتون إلا كما يلتفتون حال الصلاة ومنه يفهم وجوب الطهارة ايضا على الامام وعليهم من الحدث والخبث. هذا مقتضى ظاهر الخبر المذكور. ومنها - ما رواه في الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس ان يتكلم الرجل إذا فرغ الامام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه وبين ان تقام الصلاة " فانه يشعر بالبأس قبل الفراغ. ومنها - ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " سألته عن الجمعة فقال اذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلى الناس مادام الامام على المنبر... الحديث " فانه إذا امتنعت الصلاة التى هي عبادة امتنع الكلام الذى هو لغو غالبا. ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب المجالس عن بكر بن محمد (5) ورواه ايضا عبد الله بن جعفر الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن بكر بن محمد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: " قال أمير المؤمنين (ع) الناس في الجمعة على ثلاثة


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة. (5) و (6) الوسائل الباب 58 من صلاة الجماعة.

[ 98 ]

منازل: رجل شهدها بانصات وسكون قبل الامام وذلك كفارة لذنوبه من الجمعة إلى الجمعة الثانية وزيادة ثلاثة أيام لقوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر امثالها) (1) ورجل شهدها بلغط وملق وقلق فذلك حظه، ورجل شهدها والامام يخطب فقام يصلى فقد اخطأ السنة وذلك ممن سأل الله عزوجل ان شاء اعطاه وان شاء حرمه ". وروى الصدوق في المجالس بسنده في مناهى النبي (صلى الله عليه واله) (2) (انه نهى عن الكلام يوم الجمعة والامام يخطب ومن فعل ذلك فقد لغى فلا جمعة له). وروى في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن ابى البخترى عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (3) (ان عليا (عليه السلام) كان يكره رد السلام ولامام يخطب). وفيه بهذا الاسناد عن على (عليه السلام) (4) قال: (يكره الكلام يوم الجمعة والامام يخطب وفى الفطر والاضحى والاستسقاء). قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل هذين الخبرين: بيان - كراهة رد السلام لعله محمول على التقية إذ لا يكون حكمها أشد من الصلاة. ويمكن حمله على مااذا رد غيره، قال العلامة في النهاية: ويجوز رد السلام بل يجب لانه كذلك في الصلاة ففى الخطبة اولى. وكذا يجوز تسميت العاطس، وهل يستحب ؟ يحتمل ذلك لعموم الامر به، والعدم لان الانصات أهم وانه واجب على الاقرب انتهى. والكراهة الواردة في الكلام غير صريحة في الكراهة المصطلحة لما عرفته مرارا. وظاهره شمول الحكم لمن لم يسمع الخطبة ايضا. قال العلامة في النهاية: وهل يجب الانصات على من لم يسمع الخطبة ؟ الاولى المنع لان غايته الاستماع فله ان


(1) سورة الانعام الاية 161. (2) ص 255 ورواه في الفقيه ايضا في المناهي، راجع الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة (3) و (4) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.

[ 99 ]

يشغل بذكر وتلاوة. ويحتمل الوجوب لئلا يرتفع اللغط ولا يتداعى إلى منع السامعين من السماع. انتهى كلام شيخنا المذكور وهو ظاهر في اختياره القول المشهور ومنها - ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن الامام إذا خرج يوم الجمعة هل يقطع خروجه الصلاة أو يصلى الناس وهو يخطب ؟ قال لا تصلح الصلاة والامام يخطب إلا ان يكون قد صلى ركعة فيضيف إليها اخرى ولا يصلى حتى يفرغ الامام من خطبته). ومنها - ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: (وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا كلام والامام يخطب يوم الجمعة ولا التفات وانما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين فهى صلاة حتى ينزل الامام). وفى كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه قال: (إذا قام الامام يخطب فقد وجب على الناس الصمت). وعن على (عليه السلام) (4) انه قال: (لا كلام والامام يخطب ولا التفات إلاكما يحل في الصلاة). وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (5) انه قال: (لا كلام حتى يفرغ الامام من الخطبة فإذا فرغ منها فتكلم ما بينك وبين افتتاح الصلاة ان شئت). وعن على (عليه السلام) (6) انه قال: (يستقبل الناس الامام عند الخطبة بوجوههم ويصغون إليه). وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) انه قال: (انما جعلت الخطبة


(1) الوسائل الباب 58 من صلاة الجمعة. (2) ص 11. (3) و (4) و (5) و (6) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة الجمعة. (7) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.

[ 100 ]

عوضا عن الركعتين اللتين اسقطتا من صلاة الظهر فهى كالصلاة لا يحل فيها إلا ما يحل في الصلاة). اقول: ومن هذه الاخبار يظهر قوة القول المشهور وضعف ما ذكره في الذخيرة في الجواب عن صحيحة محمد بن مسلم الاولى (1) من أن لفظ (لا ينبغى) ظاهر في الكراهة، فان فيه ان ظهوره في الكراهة انما هو باعتبار عرف الناس واما باعتبار عرفهم (عليهم السلام) فان ورود هذا اللفظ في التحريم ولفظ (ينبغى) في الوجوب مما لا يحصى كثرة في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، فهو وان كان في عرفهم (عليهم السلام) متشابها محتملا للامرين إلا انه بانضمام ما ذكرناه من الاخبار سيما ما دل على النهى وما دل على انه في صلاة حتى ينزل الامام ونحو ذلك - يتحتم حمله على التحريم. والظاهر تحريم الكلام أو كراهته على القولين المذكورين في مابين الخطبتين لما تقدم في صحيح محمد بن مسلم وغيره (2) من النهى حتى يفرغ من خطبته حتى إذا فرغ تكلم ما بينه وبين ان تقام الصلاة، والمراد من الفراغ من خطبة الفراغ من كلتا الخطبتين. والظاهر ان غاية النهى عن الكلام التحريم على تقدير القول به لا بطلان الصلاة أو الخطبة فانه لم يصرح أحد من القائلين بالتحريم بالبطلان في هذا الموضع في ما اعلم، وبذلك ايضا صرح بعض متأخرى متأخرين. والظاهر انه يجب الاصغاء ويحرم الكلام على من يمكن في حقه السماع فالبعيد الذى لا يسمع والاصم لا يجب عليهما ولا يحرم لعدم الفائدة، وقد تقدم في عبارة النهاية احتمال الوجوب وهو الاحوط. قيل: ولا يحرم غير الكلام من ما يحرم في الصلاة خلافا للمرتضى. اقول: ظاهر خبر الفقه الرضوي المتقدم نقله المانع من الالتفات موافقة المرتضى (رضى الله


(1) و (2) ص 97.

[ 101 ]

عنه) في ما ذهب إليه هنا ومثله اخبار كتاب دعائم الاسلام. ولا فرق في تحريم الكلام بين الامام والمأموم لظاهر الخبرين المتقدمين اعني صحيحة عبد الله بن سنان (1) ومرسلة الفقيه (2) وربما فرق بينهما وخص التحريم بغير الامام لتكلم النبي (صلى الله عليه واله) حال الخطبة (3). اقول: حديث تكلم النبي (صلى الله عليه واله) حال الخطبة انما هو من طريق العلامة كما ذكره اصحابنا في مطولاتهم فلا يقوم حجة ولكنهم (رضوان الله عليهم) امثال هذه الاحاديث ويستدلون بها في مقام المجازفة وهو غير جيد. (الثاني) في وجوب الطهارة وعدمه، اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب طهارة الخطيب من الحدث حال الخطبة فذهب الشيخ في المبسوط والخلاف إلى الوجوب ومنعه ابن ادريس والفاضلان. وبالاول صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض، وكذلك ظاهره القول بتحريم الكلام على الخطيب والمأمومين. واحتج على الثاني بان فائدة الخطبة لا تتم إلا بالاصغاء. وعلى الاول بصحيحة عبد الله به سنان عن الصادق (عليه السلام) (4) انما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهى صلاة حتى ينزل الامام قال فجعل (عليه السلام) الخطبتين صلاة وكل صلاة تجب فيها الطهارة ويحرم الكلام. ولا يرد ان ذلك في الصلاة الشرعية وليست مرادة هنا بل اما المعنى اللغوى أو التشبيه بحذف اداته فلا تتم كلية الكبرى. ثم اجاب بان اللفظ يجب حمله على المعنى الشرعي ومع تعذره يحمل على أقرب المجازات إلى الحقيقة المتعذرة وهو يستلزم المطلوب فتجب مساواتهما للصلاة في كل ما لا يدل على خلافه دليل يجب المصير إليه. وللتأسي في الطهارة


(1) و (4) الوسائل الباب 6 و 8 من صلاة الجمعة (2) ص 97. (3) في عمدة القارئ ج 3 ص 312 ذكر حديث جابر ان سليك الغطفاني دخل يوم الجمعة المسجد ورسول الله " صلى الله عليه وآله " على المنبر يخطب فقعد سليك قبل ان يصلى (تحية المسجد) فقال له النبي صلى الله عليه واله اصليت ركعتين ؟ قال لا. فقال قم فاركعهما.

[ 102 ]

بالنبي والائمة (صلوات الله عليهم) وهذا هو الاجود. انتهى. وبما قرره من التقريب في الاستدلال بالرواية يندفع ما أجاب به سبطه السيد السند عن الرواية المذكورة من ان وجوب التماثل بين الشيئين لا يستلزم ان يكون من جميع الوجوه، فان هذا الجواب لا يندفع به ما قرره جده. نعم يمكن الجواب عنه بما ذكره الشهيد في شرح الارشاد من ان المراد بالصلاة هنا الدعاء لاشتمالها على الدعاء وهو اولى من حمله على المجاز الشرعي لان الحقيقة اللغوية خير من المجاز الشرعي. انتهى. واماما أجاب به في الذخير عن الخبر المذكور - من ان المتبادر منه بقرائن المقام ان الخطبة كالصلاة في وجوب الاتيان بها أو غير ذلك - فانه وان تم له في صحيحة ابن سنان إلا انه لا يتم في رواية الفقيه المتقدم نقلها وكذا في رواية كتاب دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) المانعة من الالتفات إلا كما يحل في الصلاة معللا ذلك بان الخطبتين عوض عن الركعتين فهى صلاة ما دام الامام يخطب حسبما ذيلنا به الرواية المذكورة، وبه يظهر قوة القول المشهور. وكيف كان فاقتضاء الاحتياط له يوجب الوقوف عليه. قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: وقد علم من الدليل ان الطهارة من الحدث والخبث شرط وبذلك صرح الشهيد في البيان، وفى الذكرى والدروس خصها بالحدثية لا غير، ولعل الاقوال حينئذ ثلاثة. مقتضى الدليل ايضا وجوبها على الامام والمأموم لكن لم نقف على قائل بوجوبها على المأموم كما ذكروه في الكلام فلذلك قيدناه بالخطيب. انتهى. اقول: لا يخفى ان خبر الفقيه المتقدم مشعر بالوجوب على المأموم لما دل عليه من المنع عن الالتفات إلا على نحو الصلاة، فان منعه من الالتفات من حيث كونه في الصلاة ما دام الامام يخطب ظاهر في انه يجب ان يكون على طهارة بطريق اولى. ونحوه الخبر الاخير من اخبار دعائم الاسلام.

[ 103 ]

(الثالث) في وجوب الاسماع وعدمه، قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض وهل يجب اسماع من يمكن سماعه من غير مشقة وان زاد على العدم ؟ نظر من وجوب الاصغاء عليه كما سيأتي وهو لا يتم إلا باسماعه، ومن كون الوجوب بالنسبة إلى الزائد عن العدد مشروطا بامكان السماع كما سيأتي فلا منافاة. وربما قيل بعدم وجوب الاسماع مطلقل لاصالة البراءة وان وجب الا ستماع لتغاير محل الوجوبين فلا يستلزم وجوب الاصغاء على المأموم وجوب الاسماع على الخطيب، ولان وجوبه مشروط بامكان السماع كما مر. ووجوب الاصغاء غير مختص بالعدد لعدم الاولوية نعم سماع العدد شرط في الصحة ولا منافاة بينهما فيأثم من زاد وان صحت الخطبة كما ان الكلام لا يبطلها ايضا وان حصل الاثم. انتهى. وقال في المدارك بعد ذكر المصنف (قدس سره) التردد في المسألة: منشأه اصالة عدم الوجوب وان الغرض من الخطبة لا يحصل بدون الاسماع، والوجوب اظهر للتأسي وعدم تحقق الخروج عن العهدة بدونه، ويؤيده ماروى (ان النبي (صلى الله عليه واله) كان إذا خطب يرفع صوته كأنه منذر جيش) انتهى. وفيه مالا يخفى فان غاية ما تدل عليه ادلته هو الاستحباب لا الوجوب والاحتياط لا يخفى. (المورد الرابع) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وقت الخطبة فذهب جملة: منهم - المرتضى وابن ابى عقيل وابو الصلاح إلى ان وقتها بعد الزوال فلا يجوز تقديمها عليه واختاره العلامة ونسبه في الذكرى إلى معظم الاصحاب واليه مال في المدارك، وقال الشيخ في الخلاف يجوز ان يخطب عند وقوف الشمس فإذا زالت صلى الفرض. وقال في النهاية والمبسوط: ينبغى للامام إذا قرب من الزوال ان يصعد المنبر ويأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت


(1) في سنن البيهقي ج 3 ص 206 عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد فضبه حتى كأنه منذر جيش.

[ 104 ]

الشمس فإذا زالت نزل فصلى بالناس. واختاره ابن البراج. وذهب ابن حمزة إلى وجوب صعود الامام المنبر بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشمس وان يخطب قبل الزوال، واختاره المحقق واليه ذهب في الذخيرة قال: ومال إليه الشهيدان استدل القائلون بالاول بوجوه: منها - قوله تعالى: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله) (1) فاوجب السعي بعد النداء الذى هو عبارة عن الاذان اجماعا فلا يجب السعي قبله. ومنها - صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (2) قال: (سألته عن الجمعة فقال اذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلى الناس ما دام الامام على المنبر.. الحديث). قالوا: ويؤيده ان الخطبتين بدل الركعتين فكما لا يجوز ايقاع المبدل قبل الزوال فكذا البدل تحقيقا للبدلية، وانه يستحب صلاة ركعتين عند الزوال وانما يكون ذلك إذا وقعت الخطبة بعد الزوال لان الجمعة عقيب الخطبة فلو وقعت الخطبة قبل الزوال تبعتها صلاة الجمعة فينتفى استحباب صلاة ركعتين والحال هذه. اقول: ويدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الله بن ميمون عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون). واجاب الفاضل الخراساني في الذخيرة عن هذه الادلة، قال: والجواب عن الاول انه موقوف على عدم جواز الاذان يوم الجمعة قبل الزوال وهو ممنوع (لا يقال) قد مر سابقا ان عدم جواز ايقاع الاذان قبل دخول وقت الصلاة اتفاقى بين علماء الاسلام (لانا نقول) الخطبتان بمنزلة بعض الصلاة فإذا دخل وقت


(1) سورة الجمعة الاية 9. (2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة.

[ 105 ]

الخطبتين فكأنه دخل وقت الصلاة، وبالجملة القدر المسلم حصول الاتفاق على عدم جواز الاذان قبل وقت الخطبتين لاوقت الصلاة على ان هذا لازم على المانعين ايضا إذ على قولهم وقت الصلاة بعد الزوال بمقدار الخطبتين فإذا جاز الاذان في اول الزوال يلزم جوازه قبل دخول وقت الصلاة. وبما ذكرنا يعلم الجواب عن الثاني، على ان الخبر غير دال على وجوب ما اشتمل عليه بقرينة ذكر ما لا خلاف في استحبابه واما الاخيران فضعفها ظاهر لا يحتاج إلى الاطالة. انتهى. اقول: لا يخفى ما في هذا الجواب من التمحل البعيد والتكليف الغير السديد (اما أولا) فان ما ادعاه من أن الخطبتين بمنزلة بعض الصلاة فمسلم إلا ان ما ادعاه من أن لهما وقتا على حدة خارجا عن الاوقات المحدودة شرعا ممنوع أتم المنع، لان الاوقات ولا سيما وقت الظهر محدودة آية ورواية لقوله تعالى (اقم الصلاة لدلوك الشمس) (1) المفسر في صحيحة زرارة (2) بزوالها الشامل ليوم الجمعة وغيره صليت فيه الجمعة إم لا، ولو كان هنا وقت آخر للخطبة زائد على الاوقات المحدودة لوقعت الاشارة إليه في روايات الاوقات على كثرتها وتعددها سيما مع تكرر صلاة الجمعة في جميع الاعصار والامصار كالصلوات اليومية، والاستناد في هذا الوقت إلى هذا الخبر معارض بالاخبار (3) واتفاق الاصحاب على انه لا يجوز الاذان إلا بعد دخول الوقت كما اعترف به، والمراد بالوقت فيها هو الوقت المحدود آية ورواية وهو زوال الشمس بالنسبة إلى الظهر مثلا، فانه هو المتبادر الذى ينساق إليه الاطلاق دون هذا الفرد النادر لو سلمنا وجود دليل عليه. وكون الخطبتين صلاة لا يقتضى أن يجعل لها وقت آخر بل المراد انها يدخل وقتها بالزوال كما يدخل وقت الاربع الركعات لان الخطبتين فيها بمنزلة الاخيرتين من الاربع كما اشارت


(1) سورة بني اسرائيل الاية 80. (2) الوسائل الباب 2 من اعداد الفرائض ونوافلها. (3) الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة.

[ 106 ]

إليه الاخبار المستفيضة بان وقت صلاة الجمعة زوال الشمس (1) فان لفظ الصلاة هنا مراد به ما يعم الخطبتين، لما عرفت مما قدمنا من الاخبار من انهما صلاة ما دام الامام يخطب قد منع فيهما ما منع في الصلاة من الامور المتقدم ذكرها في الاخبار (2) وكلام الاصحاب. وما توهمه (قدس سره) - كما يشير إليه قوله على ان هذا لازم على المانعين ايضا.. إلى آخره من حمل لفظ الصلاة على مجرد الركعتين في هذه الاخبار - غلط محض، فان صلاة حيثما اطلقت في مثل هذه الاخبار وكلام الاصحاب إنما يتبادر منها ما يعم الخطبتين إلا مع القرينة الصارفة عن ذلك كما لا يخفى على المتأمل المنصف. و (اما ثانيا) فاما نقله ابن ادريس في كتاب السرائر (3) عن البزنطى في كتاب النوادر قال بعد ذكر حديث يتضمن الركعتين اللتين قبل الزوال (4): قال صاحب الكتاب وهو احمد بن محمد بن ابى نصر صاحب الرضا (عليه السلام): ومن اراد أن يصلى الجماعة فليأت بما وصفناه مما ينبغى للامام ان يفعل فإذا زالت الشمس قام المؤذن فاذن وخطب الامام وليكن من قوله في الخطبة.. واورد دعاء تركت ذكره. هذا كلام ابن ادريس في كتابه. وانت خبير بما فيه من الدلالة الظاهرة على صحة ما قلناه مما هو المعمول عليه عند كافة الاصحاب من ان الاذان في صلاة الجمعة وغيرها انما هو بعد الزوال وكلام هذا الثقة الجليل لا يقصر عن خبر لما علم من عدم اعتماد أمثاله من ثقات الاصحاب واجلائهم في الفتوى إلا على قول المعصومين (عليهم السلام). وبالجملة فان كلام هذا الفاضل عندي بمحل سحيق عن التحقيق وان تعبه فيه شيخنا المجلسي في البحار كما هي عادته غالبا. واستدل القائلون بالقول الثاني بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (2) ص 96 إلى 102 (3) ص 465 (4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة رقم 15.

[ 107 ]

سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال (كان رسول الله (صلى الله عليه واله) يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك ويخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل (عليه السلام) يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل فصل). وجه الاستدلال ان المستفاد من الظل الاول ماكان قبل حدوث الفيئ بقرينة قول جبرئيل يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل وتحديد الزوال في اول الخبر بقدر الشراك بناء على انه مقدار قيل لا يكاد يحصل اليقين بالزوال قبل ذلك. كذا ذكره في الذخيرة. وفيه انه كما يحتمل أن يكون الامر في الخبر المذكور ما ذكره كذلك يحتمل أن يكون المعنى فيه ما صرح به السيد السند في المدارك حيث قال - بعد نقل تأويل العلامة في المختلف للخبر المذكور ورده بالبعد والمخالفة لمقتضى الظاهر - ما لفظه: نعم يمكن القدح فيها بان الاولية أمر اضافي يختلف باختلاف المضاف إليه فيمكن أن يراد به أول الظل وهو الفيئ الحاصل بعد الزوال بغير فصل كما يدل عليه قوله (عليه السلام) (ان رسول الله (صلى الله عليه واله) كان يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك) فان اتيانه بالصلاة بعد زوال الشمس عن دائرة نصف النهار قدر شراك يستدعى وقوع الخطبة أو شئ منها بعد الزوال فيكون معنى قول جبرئيل يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل وصل انها قد زالت قدر الشراك فانزل وصل، وكيف كان فهذه الرواية مجملة المتن فلا تصلح معارضا لظاهر القرآن والاخبار المعتبرة. ا نتهى. وهو جيد وجيه. وبالجملة فان الرواية المذكورة بالنظر إلى ظاهر قوله (عليه السلام) (يخطب في الظل الاول) وقول جبرئيل (عليه السلام) (يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل) ظاهرة الدالة في ما ذهبوا إليه ومقتضاه ان الصلاة حينئذ تكون في اول الزوال كما يدعونه ايضا، إلا ان قوله (عليه السلام) في صدر الخبر (كان يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك)


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.

[ 108 ]

ظاهر المنافرة للمعنى المتقدم ولهذا أرتكبوا التأويل في صدر الخبر وبالنظر إلى صدر الخبر الظاهر في تأخير الصلاة عن أول الزوال بحيث تقع الخطبة أو بعض منها بعد الزوال يعضد القول الاول ومن ثم أرتكبوا التأويل في بقية الخبر. وكيف كان فهذه الرواية باعتبار ما هي عليه من هذا الاجمال وقبول الاحتمال لا تقوم بمعارضة ما قدمناه من الادلة للقول الاول آية ورواية. وما اجيب به عنها من جواز تقديم الاذان في صلاة الجمعة على الزوال يحتاج إلى دليل قاطع لمخالفته لاتفاق الاصحاب والاخبار على انه لا يجوز الاذان قبل الوقت المحدود شرعا إلا في صلاة الصبح خاصة كما تقدم في بحث الوقات (1) ولو كان الاذان في صلاة الجمعة كذلك كما يدعيه هذا القائل لكان اولى بالذكر من اذان صلاة الصبح الذى تكاثرت به الاخبار مع انه لم ترد به اشارة فضلا عن التصريح وبما ذكرنا يظهر لك قوة القول الاول مع تأيده بموافقة الاحتياط كما اعترف به أصحاب القول الثاني وجعلوه وجه الجمع بين الاخبار فحملوا مادل على التأخير إلى الزوال على الاولوية. وفيه منع ظاهر فانها صريحة في الوجوب آية ورواية. وفى حملهم الاخبار المذكورة على الاولوية اعتراف منهم بان الاذان فيها بعد الزوال ردا على ما تكلفه هذا الفاضل. ولا يبعد عندي حمل هذه الرواية على التقية (2) ومذهب العامة في المسألة


(1) ج 7 ص 394. (2) في البحر الرائق ج 2 ص 156 (الصحيح في المذهب ان الاذان الذي يجب ترك البيع به بعد الزوال إذا الاذان قبله ليس باذان) وفي عمدة القارئ ج 3 ص 279 (اجمع العلماء على ان وقت الجمعة بعد زوال الشمس الا ما روى عن مجاهد يجوز فعلها وقت صلاة العيد لانها عيد. وقال احمد تجوز قبل الزوال وقال الجرمي يجوز فعلها في الساعة السادسة) وفي البداية ج 1 ص 144 (الجمهور على ان وقت الجمعة وقت الظهر اعني وقت الزوال وانها لا تجوز قبل الزوال، وقال احمد تجوز قبل الزوال. واما الاذان فجمهور الفقهاء اتفقوا على ان وقته إذا جلس الامام على المنبر.

[ 109 ]

وان لم يكن معلوما إلا ان شيخنا الشهيد في الذكرى نقل بعد قول الشيخ والمحقق بالجواز قبل الزوال والاستدلال عليه بما رواه العامة عن انس (1) (ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يصلى إذا زالت الشمس) قال: وظاهره ان الخطبة وقعت قبل ميلها. ثم اردفها بصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2). ونقل العلامة في المنتهى من اخبار هم ايضا عن سلمة بن الاكوع (3) قال: (كنا نجمع مع رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيئ) والمراد نصلى معه جماعة كما هو ظاهر اللفظ، والصلاة معه إذا زالت الشمس مستلزمه لتقدم الخطبتين على الزوال. والعلامة في المنتهى حيث اختار فيه القول المشهور حمل الرواية على ما يوافق ما اختاره اعتضادا بها فقال: والجمعة انما هي الخطبتان والركعتان. والظاهر من اللفظ انما هو ما قلنا سيما مع اعتضاده بالرواية الاخرى. والله العالم (المورد الخامس) في امور اخر يجب التنبيه عليها: منها - انهم صرحوا بان حضور العدد شرط في صحة الخطبة كما هو شرط في صحة الصلاة، قال في الخلاف: ومن شرطها العدد كما هو شرط في الصلاة فلو خطب من دونه ثم أحرم مع العدد لم يصح وبه قال الشافعي ولم يشترطه أبو حنيفة (4). وقال في الذكرى: ولم اقف على مخالف فيه منا وعليه عمل الناس في سائر الاعصار والامصار، وخلاف ابى حنيفة (5) هنا مسبوق بالاجماع وملحوق به اعني الاجماع الفعلى بين المسلمين. ومنها - ان المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان اذان المؤذن يكون عند صعود الامام المنبر وجلوسه لرواية عبد الله بن ميمون التقدمة في سابق هذا المورد (6) وقوله (ع) (فيها كان رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا خرج إلى الجمعة قعد)


(1) في صحيح البخاري باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس عن انس (كان النبي صلى الله عليه وآله يصلى الجمعة حين تميل الشمس). (2) ص 106 و 107 (3) صحيح مسلم ج 3 ص 9 باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس. (4) و (5) المغني ج 2 ص 332 والمهذب ج 1 ص 111 (6) ص 104.

[ 110 ]

حتى المنبر حتى يفرغ المؤذنون. وقال أبو الصلاح: إذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالاذان فإذا فرغوا منه صعد المنبر وخطب. وعليه تدل مضمرة محمد بن مسلم المتقدمة ثمة (1) وقوله فيها (يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر..) ويؤيد الرواية الاولى ما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال في حديث: (وإذا صعد الامام جلس واذن المؤذنون بين يديه فإذا فرغوا من الاذان قام فخطب.. الحديث) ولم يحضرني الان وجه جمع بين الاخبار إلا القول بالتخيير بين الامرين أو حمل مضمرة محمد بن مسلم على الرخصة وان كان السنة أن يكون الاذان بعد جلوس الامام على المنبر، ويؤيده شهرة الحكم بذلك بين الخاصة والعامة (3). ومنها - انه يستحب للخطيب السلام بعد ركوبه المنبر عند اكثر الاصحاب لما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع رفعه عن على (عليه السلام) (4) انه قال: (من السنة إذا صعد الامام المنبر أن يسلم إذا استقبل الناس) قال في الذكرى: وعليه عمل الناس. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قال لا يستحب التسليم. قال في الذكرى: وكأنه لم يثبت عنده سند الحديث. وقال في الذخيرة: وكأنه نظر إلى ضعف سند الرواية. اقول: بل الظاهر انه لم تخطر الرواية المذكورة بخاطره يومئذ وإلا فانه يتمسك في جملة من الاحكام بالروايات العامية فضلا عن مثل هذه الرواية، وضعف السند بهذا الاصطلاح المحدث غير معمول عليه بين المتقدمين من الشيخ وغيره بل الاظهر هو ما ذكرناه.


(1) ص 104. (2) مستدرك الوسائل الباب 6 و 14 من صلاة الجمعة (3) المغني ج 2 ص 296 و 297 والبداية ج 1 ص 144. (4) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة.

[ 111 ]

ومنها - استحباب استقبال الناس بوجهه حال الخطبة واستقبال الناس له لما رواه في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه واله) كل واعظ قبلة. يعنى إذا خطب الامام الناس يوم الجمعة ينبغى للناس ان يستقبلوه) وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: (قال النبي (صلى الله عليه واله) كل واعظ قبلة وكل موعوظ قبلة للواعظ. يعنى في يوم الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء في الخطبة يستقبلهم الامام ويستقبلونه حتى يفرغ الامام من خطبته). ومنها - الاعتماد حال الخطبة على سيف أو قوس أو عصا لما في صحيحة عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) وفيها (وليلبس الامام البرد والعمامة ويتوكأ على قوس أو عصا.. الحديث). ومنها - التعمم شتاء كان أو قيظا والارتداء ببرد يمنى اوعدني أو غيرهما لما تقدم في صحيحة عمر بن يزيد، ولما رواه سماعة عن الصادق عليه السلام (4) في الموثق قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام ينبغى للامام الذى يخطب الناس يوم الجمعة ان يلبس عمامة في الشتاء والصيف وينزدى ببرد يمنى أو عدني.. الحديث). ومنها - ان يقوم على مرتفع من منبر ونحوه لما تقدم في جملة من الاخبار (5) ومنها - كونه بليغا بمعنى جمعه بين الفصاحة التى هي خلوص الكلام من التعقيد وضعف التأليف ومن كونها غريبة وحشية وبين القدرة على تأليف الكلام المطابق لمقتضى الحال مع الاحتراز عن الايجاز المخل والتطويل (الممل) ليكون كلامه اوقع في القلوب وبه يحصل الاثر المراد من الخطبة والمطلوب. ومنها - مواظبته على الطاعات والانزجار عن المحرمات بل المكروهات


(1) و (2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة. (3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 24 من صلاة الجمعة (5) ص 97 و 99 و 104 و 110.

[ 112 ]

ولا سيما المواظبة على الصلوات في اوقاتها والجماعات والجمعات واتصافه بما يأمر به وينهى عنه ليكون وعظه أبلغ تأثيرا في القلوب، وقد قيل ان ما خرج من اللسان لا يتجاوز الاذان وما خرج من القلب فموقعه القلب. (المقصد الرابع) - في الجماعة، واشتراطها بالجملة اجماعي نصا وفتوى، اما الثاني فلما نقله جملة من الاصحاب واما الاول فللاخبار المستفيضة: منها - قول أبى جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (1) في عد الروايات الدالة على الوجوب العينى منها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة وهى الجمعة وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عمر بن يزيد (2) (إذا كانوا سبعة فليصلوا في جماعة إلى غير ذلك من الروايات المتقدمة ثمة ونحوها، فلا يصح الانفراد بها وان حصل العدد بل لا بد من الارتباط الحاصل من صلاة الامام والمأمومين. وتتحقق الجماعة بنية اقتدا المأمومين بالامام فلو اخلوا بها أو بعضهم لم تنعقد الجمعة متى كان أحد العد المعتبر لانه يعتبر في الانعقاد نية العدد المعتبر ولم تصح صلاة المخل وان كان زائدا على العدد. قالوا: وهل يجب على الامام هنا نية الامامة ؟ نظر من حصول الامامة إذا اقتدى به، ومن وجوب نية كل واجب. انتهى. وهو ضعيف لما عرفت مما حققناه في معنى النية في غير مقام، وكلامهم هنا كما في غير هذا المواضع ايضا - مبنى على النية بالمعنى المشهور بينهم وهو الحديث النفسي والتصوير الفكري وليس هو النية حقيقة كما عرفت. ويجب التنبيه هنا على امور: الاول - قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لو بان للعدد ان الامام محدث فان كان العدد لا يتم بدونه فالاقرب انه لا جمعة لهم لانتفاء الشرط، وان كان العدد حاصلا من غيره صحت صلاتهم عندنا لما يأتي ان شاء الله تعالى في باب الجماعة. وربما افترق الحكم هنا وهناك لان الجماعة شرط في


(1) ج 9 ص 408 (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة

[ 113 ]

الجمعة ولم يحصل في نفس الامر بخلاف باقى الصلوات، فان القدوة إذا فاتت فيها يكون قد صلى منفردا وصلاة المنفرد هناك صحيحة بخلاف الجمعة. وقال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: اقول انه لا يخفى ضعف هذا الفرق لمنع صحة الصلاة هناك على تقدير الانفراد لعدم اتيان المأموم بالقراءة التى هي من وظائف المنفرد، وبالجملة فالصلاتان مشتركتان في الصحة ظاهرا وعدم استجاعهما الشرائط المعتبرة في نفس الامر، فما ذهب إليه أولا من الصحة غيد بعيد، بل لو قيل بالصحة مطلقا وان لم يكن العدد حاصلا من غيره لا مكن لصدق الامتثال واطلاق قول ابى جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) (وقد سأله عن قوم صلى بهم امامهم وهو غير طاهر أتجوز صلاتهم أم يعيدونها ؟ قال لا اعادة عليهم تمت صلاتهم عليه هو الاعادة وليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع انتهى. اقول: ما ذكرناه (قدس سره) جيد، ويعضده ان الاحكام الشرعية من وجوب وتحريم وصحة وبطلان ونحوها إنما نيطت بنظر المكلف وعلمه لا بالواقع ونفس الامر كما تقدم تحقيقه في غير مقام، لما علم عقلا ونقلا من ان الشارع لم يجعل نفس الامر مناطا للاحكام الشرعية وإلا لزم التكليف بما لا يطاق فان ذلك لا يعلمه إلا هو سبحانه والمناط إنما هو علم المكلف في تحليل أو تحريم أو صحة أو بطلان ونحو ذلك، وبه يتجه الحكم بالصحة في الصورة التى حكم ببطلان الجمعة فيها وهو ما إذا كان العدد لا يتم بدونه فان الصلاة صحيحة بالنظر إلى ظاهر الأمر وانتفاء الشرط بحسب الواقع غير ملتفت إليه لما عرفت ويخرج الخبر المذكور شاهدا على ذلك. (الثاني) - لو عرض للامام عارض من موت أو اغماء أو حدث لم تبطل الصلاة وجاز للمأمومين ان يقدموا من يتم بهم الصلاة، أما الاول فلان الاصل صحة الصلاة والحكم بالابطال يتوقف على دليل شرعى وليس فليس، وأما الثاني


(1) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.

[ 114 ]

فلثبوت ذلك في مطلق الجماعة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في باب صلاة الجماعة. وهل الاستخلاف هنا وجوبا أو استحبابا ؟ صرح العلامة في المنتهى بالاول وجزم ببطلان الصلاة بدونه محافظة على اعتبار الجماعة فيها استدامة كما تعتبر ابتداء. وفيه ان الظاهران الجماعة انما تعتبر ابتداء لا استدامة كما صرح به غير واحد من الاصحاب، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في فروع المقصد الثاني في العدد. وبه يعلم الوجه في الثاني وان كان الاحوط ما ذكره (قدس سره). ولو لم يتفق في الجماعة من هو بشروط الامامة اتموا فرادى جمعة لا ظهر أو وهل يشترط مع الاستخفاف استئناف نية القدوة ؟ الاظهر ذلك لانتفاء القدوة الاولى بما عرض للامام مما أوجب خروجه مع وجوب نية تعيين الامام كما سيجئ ان شاء الله تعالى في باب الجماعة. وقيل لا يشترط لتنزيل الخليفة منزلة الاول. فيه ما عرفت من وجوب نية التعيين. (الثالث) - لو ركع مع الامام في الاولى وزوحم عن السجود فليس له السجود على ظهر غيره بل ان امكنه السجود بعد قيام الصفوف وسجد والتحق بالامام في الركوع الثاني وجب واجزأه، وما حصل من الاخلال بالمتابعة في الركن مغتفر بالعذر كما سيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى. وان لم يمكنه السجود حتى ركع الامام ثانيا فليس له الركوع معه لئلا يلزم زيادة ركن في الصلاة فتبطل فإذا سجد سجد معه ونوى بسجدتيه الركعة الاولى ثم اتم صلاته بعد تسليم الامام فان صلاته تصح اجماعا. ولو لم ينو بسجدتيه الاولى بل نوى الثانية أم لم ينو شيئا فاقوال: أحدها - بطلان صلاته وعليه الشيخ في النهاية واكثر المتأخرين والظاهر انه المشهور، والظاهران وجهه - كما ذكره في المدارك - عدم الاعتداد بهما لعدم نيتهما للاولى استلزام اعادتهما زيادة الركن في الصلاة.

[ 115 ]

وقال في المبسوط انه ان لم ينوبهما الاولى لم يعتد بهما ويستأنف سجدتين للركعة الاولى ثم يستأنف بعد ذلك ركعة اخرى وقد تمت جمعة، قال وقد روى انه تبطل صلاته. ونحو قال في الخلاف على ما نقل عنه، وهو مذهب السيد المرتضى في المصباح. وقال ابن ادريس انما تبطل إذا نوى انهما للثانية لا بترك نية انهما للاولى. ورده العلامة بان افعال المأموم تابعة لامامه فالاطلاق ينصرف إلى ما نواه الامام وقد نوى الثانية فينصرف فعل المأموم إليه. وقال المحقق في المعتبر بعد ذكر رواية حفص الاتية ان شاء الله تعالى وردها بضعف السند وانه لا عبرة بها: فالأشبه ما ذكره في النهاية. وهو مؤذن باختيار مذهب الشيخ في النهاية من القول بالبطلان. وفى المعتبر علل البطلان الذى ذهب إليه الشيخ في النهاية متى لم ينو بالسجدتين الاولى بانه قد زاد ركنا وهو السجدتان فتبطل صلاته كما لو زاد ركعة، قال: ويؤيد ذلك ما رواه زرارة وبكير ابنا اعين عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: (إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا) ثم نقل نحوها رواية ابى بصير وعلل في المدارك وجه البطلان بما قدمنا نقله عنه، والظاهر ان المرجع إلى أمر واحد فانه متى كانتا غير معتد بهما لزم زيادة الركن. وظاهر الشهيد في الذكرى اختيار القول بالصحة كما ذهب إليه الشيخ في المبسوط فانه بعد ان نقل عن المعتبر رد الرواية بضعف السند قال ما لفظه: قلت ليس ببعيد العمل بهذه الرواية لاشتهارها بين الاصحاب وعدم وجودما ينافيها، وزيادة السجود مغتفرة في المأموم كما لو سجد قبل امامه، وهذا التخصيص يخرج الروايات الدالة على الابطال عن الدلالة. واما ضعف الراوى فلا يضر مع الاشتهار، على


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة

[ 116 ]

ان الشيخ في الفهرست قال ان كتاب حفص معتمد عليه. انتهى. واشار بالروايات الدالة على الابطال إلى ما أورده المحقق (قدس سره) من الروايات الدالة على ابطال الصلاة بزيادة الركن فيها. وقال في المدارك بعد أن رد الرواية بضعف السند وانه لا عبرة بها كما ذكره في المعتبر: والاصح البطلان ان نوى بهما الثانية كما اختاره المصنف امامع الذهول عن القصد فتنصر فان إلى الاولى. انتهى. وهو راجع إلى ما قدمنا نقله عن ابن ادريس. وظاهر القائلين بالبطلان هو العموم بمعنى انه متى لم ينوبهما الاولى بطلت صلاته أعم من أن ينوى بهما الثانية أو لم ينو بهما شيئا، ولهذا اعترض العلامة على مذهب ابن ادريس بما قدمنا ذكره. والظاهر ان ما ادعاه كل منهما من الانصراف إلى الاولى أو الثانية لا يخلو من نظر لما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقام، وحينئذ فتكون الاقوال في المسألة ثلاثة: البطلان مطلقا والصحة مطلقا والتفصيل الذى ذهب إليه ابن ادريس. والرواية المشار إليها في المقام ما رواه الشيخ وابن بابويه عن حفص بن غياث (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل أدرك الجمعة وقد ازدحم الناس وكبر مع الامام وركع ولم يقدر على السجود وقام الامام والناس في الركعة الثانية وقام هذا معهم فركع الامام ولم يقدر هذا على الركوع في الركعة الثانية من الزحام وقدر على السجود كيف يصنع ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اما الركعة الاولى فهى إلى عند الركوع تامة فلما لم يسجد لها حتى دخل في الركعة الثانية لم يكن له ذلك فلما سجد في الثانية فان كان نوى ان هذه السجدة هي للركعة الاولى فقد تمت له الاولى فإذا سلم الامام قام فصلى ركعة يسجد فيها ثم يتشهد ويسلم، وان كان لم ينوان تكون تلك السجدة للركعة الاولى لم تجزئ عنه الاولى ولا الثانية عليه ان يسجد سجدتين


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة.

[ 117 ]

وينوى انهما للركعة الاولى وعليه بعد ذلك ركعة ثانية يسجد فيها قال حفص: وسألت عنها ابن ابى ليلى فما طعن فيها ولاقارب.. انت خبير بان الرواية المذكورة لا معارض لها في البين واطراحها بمجرد ضعف السند بهذا الا صطلاح الغير المعتمد غير مرضى سيما مع ما ذكره شيخنا الشهيد من شهرة الرواية بين الاصحاب. إلا أن الرواية المذكورة غير صريحة الدلالة في ما يدعونه من الصحة مع زيادة سجدتين اخريين وذلك فانه مبنى على ان يكون قوله وعليه أن يسجد سجدتين.. الخ معطوفا على جواب الشرط بمعنى انه إذا لم ينو ان تكون تلك السجدة للركعة الاولى فانها لا تجزئ عن الاولى ولا عن الثانية والواجب عليه في الصورة المذكورة ان يسجد.. إلى آخره، وهذا المعنى غير متعين في الرواية بل من الممكن حمل قوله (عليه السلام) (وعليه ان يسجد.. الخ) على أن يكون كلاما مستأنفا مؤكدا لما تقدم، ويكون حاصل المعنى انه إذا لم ينو ان تكون تلك السجدة التى سجدها للركعة الاولى فانها لا تجزئ عنه للاولى ولا للثانية بل الواجب عليه من اول الامر انه متى حصلت له فرصة للسجود في الركعة الثانية ان ينوى بها الاولى وعليه بعد ذلك ركعة ثانية. وبذلك يظهر لك ان الاقوى في المسألة هو القول بالبطلان كما هو المشهور بين المتأخرين. فروع (الاول) - تقدم النقل عن ابن ادريس وصاحب المدارك بانه لو سجد وذهل عن نية كونهما للاولى أو الثانية فان ذلك ينصرف إلى الاولى وعلى هذا تصح صلاته في الصورة المذكورة، والى هذا القول مال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان ونقل ايضا عن المحقق الشيخ على. وعلله في الروض بحمل الاطلاق على ما في ذمته، قال: فانه لا تجب لكل فعل من افعال الصلاة نية وان كان المصلى مسبوقا وانما يعتبر للمجموع النية اولها وقد تقدم النقل عن العلامة بانه اختار البطلان معللا بانصراف الاطلاق إلى

[ 118 ]

الركعة الثانية لأن افعال المأموم تابعة لافعال امامه فالاطلاق ينصرف إلى مانواه الامام وقد نوى الثانية فينصرف فعل المأموم إليه. ورد بان وجوب المتابعة لا يصير المنوي للامام منويا للمأموم كما في كل مسبوق ولا يصرف فعله علما في ذمته والاصل يقتضى الصحة. اقول لا يخفى ان التعليل الاول ايضا لا يخلو من خدش فان قوله - لا تجب لكل فعل من افعال الصلاة نية - على اطلاقه ممنوع لان هذا انما يتم في مقام الاتيان بالفعل في محله على الترتيب الشرعي الذى وضعت عليه الصلاة، اما في ما نحن فيه من هذه الصورة التى صار السجود فيها في غير مقامه صالحا في حد ذاته لان يكون للركعة الاولى أو الثانية وان بطلت الصلاة على تقدير جعله للثانية فانه لا يتعين لاحدهما إلا مع النية، وانصرف الاطلاق إلى ما في ذمته لو تم لورد عليهم ايجاب القيود في النية كما صرحوا به من وجوب نية الاداء والقضاء والوجوب والاستحباب وكونها ظهرا أو عصرا ونية الرفع في الطهارة والاستباحة ونحو ذلك، فانه بمقتضى هذا الكلام لو نوى (اصلى قربة إلى الله أو اتوضأ قربة إلى الله) صح ذلك وانصرف الاطلاق إلى مافى ذمته وهم لا يقولون به كما لا يخفى على من وقف على كلامهم في بحث النية. هذا، والمفهوم من الرواية المتقدمة - حيث دلت على انه إذا لم ينو بتلك السجدة الركعة الاولى الذى هو اعم من نية الثانية وعدم النية بالكلية فانها لا تجزئ للاولى ولا للثانية - هو البطلان في الصورة المذكورة ولكن الجماعة المذكورين حيث اطرحوا الرواية لضعف سندها اعرضوا عن العمل بما دلت عليه مطلقا، والمتجه عندنا هو العمل بما دلت عليه لعدم تعويلنا على هذا الاصطلاح المحدث وعدم المعارض لها، ولو سلمت من الاحتمال الذى قدمنا ذكره لحكمنا بالصحة في اصل المسألة كما ذهب إليه في المبسوط ولكنها غير ظاهرة فيه لماعرفت. (الثاني) - لو سجد ولحق الامام راكعا في الثانية وجب عليه المتابعة وادرك

[ 119 ]

الجمعة واتم صلاته مع الامام بلا إشكال ولا خلاف، انما الخلاف في ما لو ادركه رافعا فقيل بوجوب الانفراد حذرا من مخالفة الامام في الافعال لتعذر المتابعة، وقيل بوجوب المتابعة وحذف الزائد كمن تقدم الامام سهوا في ركوع أو سجود، وقيل بالتخيير بين ان يجلس حتى يسجد الامام ويسلم ثم ينهض إلى الثانية وبين ان يقعد ويعدل إلى الانفراد. (الثالث) - لو لم يتمكن من السجود في ثانية الامام ايضا حتى قعد الامام للتشهد ففى فوات الجمعة عدمه اشكال من عدم ادراك الركعة الثانية، ومن ادراكها حكما. اقول: ويرجع الثاني إلى ما تقدم من ان الجماعة والعدد شرط في صحة صلاة الجمعة ابتداء لا استدامة. هذا إذا اتى بالسجود قبل تسليم الامام اما لو لم يأت به إلا بعده فقد قال في المنتهى ان الوجه هنا فوات الجمعة قولا واحدا لان ما يفعله بعد التسليم لم يكن في حكم صلاة الامام. وتنظر فيه بعض الافاضل قال: لمنع اشتراط الجماعة في صحة صلاة الجمعة إلا في الابتداء. ثم ان قلنا بفوات الجمعة فهل يعدل بنيته إلى الظهر أو يستأنف ؟ احتمالان وقرب العلامة الثاني، وربما يوجه بان كلا منهما صلاة منفردة عن الاخرى في الشرائط والاحكام والاصل عدم جواز العدول بالنية من فرض إلى آخر لقوله (عليه السلام) (1) (وإنما لكل امرئ ما نوى) وان النية انما تعتبر في اول العبادات لقوله (عليه السلام) (2): إنما الاعمال بالنيات.) وربما يوجه الاول بان الجمعة ظهر مقصورة فإذا جاز العدول من السابقة المغايرة فههنا اولى. وأنت خبير بما في هذه التعليلات والتوجيهات من عدم الصلاحية لتأسيس الاحكام الشرعية، والمسألة لا تخلوامن الاشكال لعدم الدليل في المقام. (الرابع) - لو زوحم عن الركوع والسجود معا صبر حتى يتمكن منهما ثم يلتحق بالامام، لما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن


(1). (2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات

[ 120 ]

ابى الحسن (عليه السلام) (1) (في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الامام الجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على ان يركع ولا يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أيركع ثم يسجد ثم يقوم في الصف ؟ قال لا بأس بذلك). وكذا الحكم في مالو زوحم عن ركوع الاولى فانه يصبر حتى يلتحق بالامام في ركوع الثانية فانه يركع معه وتصير له الاولى ثم يأتي بالثانية بعد تسليم الامام. اما لو لم يدركه إلابعد الرفع من الاخيرة ففى ادراك الجمعة بذلك وعدمه قولان ثانيهما للمحقق في المعتبر وأو لها لجمع من الصحاب: منهم - الشهيد في الذكرى والمحقق الشيخ على استنادا إلى عموم الرواية المذكورة. قال في الذكرى: ولو لحقه بعد رفعه من الثانية فالاقرب الاجزاء لانه أدرك ركعة مع الامام حكما وان لم يكن فعلا والرواية تشمله، ووجه المنع انه لم يلحق ركوعا مع الامام. انتهى. اقول: لا يخفى ضعف ما قربه، اما التعليل الاول فعليل كما لا يخفى، واما الرواية فان ظاهر (ثم يقوم في الصف) هو ادراك الركعة الثانية كملا والركوع مع الامام فيها. نعم يمكن توجيه ما ذكره بما تقدم من ان الجماعة شرط في الابتداء لا في الاستدامة وحينئذ فيمكن الاستناد إلى عموم ما دل على وجوب الجمعة وتعينها. والله العالم. (الامر الرابع) - انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه تدرك الجمعة بادراك ركعة مع الامام، نقل الاتفاق على ذلك جملة منهم. ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن العرزمى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا أدركت الامام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة فاضف إليها ركعة اخرى واجهر فيها وان ادركته وهو يتشهد فصل اربعا).


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة. ولفظ الرواية في الفقيه ج 1 ص 270 هكذا (اركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم ام كيف يصنع ؟ فقال يركع ويسجد ثم يقوم في الصف ولا بأس بذلك). (2) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة.

[ 121 ]

وعن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (1) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) من ادرك ركعة فقد ادرك الجمعة). وما رواه الكليني والشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن من ليدرك الخطبة يوم الجمعة فقال يصلى ركعتين فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل اربعا. وقال إذا: أدركت الامام قبل ان يركع الركعة الاخيرة فقد أدركت الصلاة وان انت أدركته بعد ما ركع فهى الظهر اربع ركعات) وما رواه الصدوق عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: (إذا ادركت الامام قبل أن يركع الركعة الاخيرة فقد ادركت الجمعة وان ادركته بعد ما ركع فهى أربع بمنزلة الظهر). وعن الفضل بن عبد الملك في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة وان فاتته فليصل أربعا). ولا ينافى ذلك ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: (لا تكون الجمعة إلا لمن أدرك الخطبين) فانه محمول على الفضل والاستحباب جمعا. وبالجملة فالحكم المذكور اتفاقى وانما الخلاف في ما به تدرك الركعة فالمشهور انه يتحقق بادراك الامام راكعا، واليه ذهب الشيخ في الخلاف والمرتضى وكافة


(1) و (4) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. (2) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. وفي نسخ الحدائق هكذا (عن من يدرك الجمعة) والصحيح ما هنا. وايضا في الفروع ج 1 ص 119 والتهذيب ج 1 ص 322 اللفظ هكذا (فهي الظهر اربع). (3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. وفي الفقيه ج 1 ص 270 هكذا (فقد ادركت الصلاة). (5) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة. وفي التهذيب ج 1 ص 323 هكذا (الجمعة لا تكون).

[ 122 ]

المتأخرين، وذهب الشيخان في المقنعة والنهاية وكتابي الاخبار إلى ان المعتبر إدراك تكبير الركوع. والاظهر الاول، ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: (إذا ادركت الامام وقد ركع فكبرت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد ادركت الركعة وان رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة). وما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد (2) ورواه الكليني في الصحيح أيضا عن سليمان بن خالد (3) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل إذا ادرك الامام وهو راكع فكبر وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل ان يرفع الامام رأسه فقد ادرك الركعة) وما رواه الصدوق في الفقيه عن ابى اسامة (4) (انه سأله (عليه السلام) عن رجل انتهى إلى الامام وهو راكع ؟ قال إذا كبر واقام صلبه ثم ركع فقد أدرك). وما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) (قال إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت انك ان مشيت إليه رفع رأسه قبل ان تدركه فكبر واركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف وان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف ورواه الشيخ عن عبد الرحمن بسند صحيح ايضا (6).


(1) الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة. وفيه هكذا (فكبرت وركعت) وفي الفقيه ج 1 ص 254 كما هنا. (2) الوسائل الباب 45 من الجماعة. واللفظ في التهذيب ج 1 ص 258 كما هنا وفي روايته الاخرى ص 330 اسقط لفظ الركعة. (3) الوسائل الباب 45 من الجماعة. وفي الفروع ج 1 ص 106 باسقاط لفظ الركعة ايضا. (4) الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة. (5) الوسائل الباب 46 من الجماعة. وليس في الفقيه ج 1 ص 254 (قبل ان تدركه) بعد قوله (رفع راسه) وانما هو في رواية التهذيب ج 1 ص 258. (6) الوسائل الباب 46 من الجماعة.

[ 123 ]

وما رواه الشيخ عن معاوية بن شريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع) وعن جابر الجعفي (2) قال: (قلت لابي جعفر (عليه السلام) انى أؤم قوما فاركع فيدخل الناس وانا راكع فكم انتظر ؟ فقال ما أعجب ما تسأل عنه انتظر مثلى ركوعك فان انقطعوا وإلا فارفع رأسك). وفى الفقيه (3) (قال رجل لابي جعفر (عليه السلام) انى امام مسجد الحى فاركع بهم واسمع خفقان نعالهم وانا راكع ؟ فقال اصبر ركوعك ومثل ركوعك فان انقطعوا وإلا فانتصب قائما). هذا ما حضرني من الروايات الدالة على المشهور. واما ما يدل على القول الثاني فهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال قال لى: (ان لم تدرك القوم قبل أن يكبر الامام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة). وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال قال: (لا تعتد بالركعة التى لم تشهد تكبيرها مع الامام). وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: (إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد أدركت الصلاة). وروى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (7) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل في تلك الركعة. وروى الشيخ في التهذيب عن يونس الشيباني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (8) قال: (إذا


(1) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الاحرام و 45 من الجماعة (2) الوسائل الباب 50 من الجماعة. (3) ج 1 ص 255 وفي الوسائل الباب 50 من الجماعة (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 44 من الجماعة. (8) الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة.

[ 124 ]

دخلت من باب المسجد فكبرت وانت مع امام عادل ثم مشيت إلى الصلاة اجزأك ذلك وإذا الامام كبر للركوع كنت معه في الركعة لانه إذا أدركته وهو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع. وجملة من الاصحاب جمعوا بين هذه الاخبار بحمل النهى في الصحيحة الاولى وعدم الاعتداد في الثانية على الكراهة ونفى الاعتداد في الفضيلة ويكون الغرض التحريض على كمال السعي في عدم التأخير. قالوا وانما حملنا هذه الاخبار على ذلك رعاية لقاعدة الجمع وابقاء للاخبار الكثيرة على ظاهرها فان هذه الاخبار الاصل فيها محمد بن مسلم وهو واحد بخلاف الاخبار الاولة. وانت خبير بان مرجع هذا الجمع إلى التخيير في الدخول بعد فوات التكبير وان الاولى عدمه لانه مكروه باعتبار النهى المتقدم، وهذا انما يتم في غير الجمعة مما جاز للمكلف الاتيان به جماعة وفرادى دون الجمعة التى قام الدليل على وجوبها عينا كما هو المختار الذى عليه جل علمائنا الابرار، إلا ان تحمل هذه الاخبار بكلا طرفيها من الاخبار الدالة على ادراك الركعة حال الركوع والاخبار الدالة على العدم إلا مع إدراك تكبيرة الاحرام على غير الجمعة، وهو مشكل لانه يلزم منه بقاء حكم الجمعة مبهما في الصورة المذكورة. ورجح بعض فضلاء متأخرى المتأخرين وجوب الدخول في الجملة حال الركوع نظر إلى ان الاخبار السابقة الدالة على وجوب ادراك صلاة الجمعة المتحقق بالدخول معهم في الصلاة في الصورة المذكورة أخص مطلقا من الاخبار المذكورة والخاص مقدم على العام. وفيه - مع غموض ما ذكره - انه ان اراد دلالتها على وجوب الدخول حال الركوع فان ظاهر صحيحتي الحلبي المتقدمتين (1) في عداد تلك الروايات انما هو العكس فان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيهما فان ادركته بعد ما ركع فهى الظهر انه متى ادركه


(1) ص 121.

[ 125 ]

حال الركوع فهى الظهر بمعنى عدم ادراك الركعة وفوات الجمعة بادراكه حال الركوع ولهذا ان بعضهم احتمل اختصاص الجمعة بذلك نظرا إلى هاتين الروايتين وان كان الحكم في غيرها ما دلت عليه تلك الاخبار من ادراك الركعة بادراك الامام راكعا وان احتمل حمل الروايتين المذكورتين على الادراك بعد فوات الركوع. ويمكن ترجيح هذا المعنى بالنظر إلى تلك الاخبار الكثيرة فتحمل هاتان الصحيحتان على ذلك جمعا بينها وبين تلك الاخبار. ويؤيده ان قوله (عليه السلام) (إذا أدركت الامام قبل أن يركع الركعة الاخيرة فقد أدركت الجمعة) أعم من أن يكون الادراك قبل تكبير الركوع أو بعده ومتى شمل الادراك بعده فانه لا ينطبق على القول الثاني. وبالجملة فالاحوط في صلاة الجمعة انه متى لم يدرك تكبير الركوع ويدخل معه قبل الركوع هو الاتمام جمعة ثم الاعادة ظهرا لما عرفت من ظاهر الصحيحتين المذكورتين هذا، وظاهر المحدث الكاشانى في الوافى - بعد نقل بعض الاخبار الدالة على ادراك الركعة بادراك الركوع واخبار محمد بن مسلم الدالة على العدم إلا مع ادراك التكبير - هو موافقة الشيخ في الجمع بين الاخبار بما ذكره في التهذيبين حيث قال: ولا تنافى بين هذه الاخبار الاربعة والخبرين الاولين لجواز سماع التكبير من بعيد قبل بلوغ الصف. كذا في التهذيبين، وتدل عليه الاخبار الواردة في ركوع المسبوق وسجوده قبل لحوقه الصف كما مرفى باب التقدم إلى الصف والتأخر عنه. انتهى. واشار بالاخبار الاربعة إلى اخبار محمد بن مسلم. وانت خبير بان حاصل هذا الجمع هو حمل ادراك تكبيرة الركوع في روايات محمد بن مسلم على مجرد سماعه وان دخل في الصلاة بعد ذلك حال الركوع لا توقف الدخول في الصلاة على كونه قبل تكبير الامام للركوع كما زعمه ذلك القائل، وحينئذ فتحمل الاخبار الاولة الدالة على ادراك الصلاة بادراك الركوع على سماع تكبيرة الركوع قبل الدخول في الصلاة، وعلى هذا فلو لم يسمع تكبيرة الركوع امتنع دخوله في حال الركوع. ولا يخفى ما فيه من البعد.

[ 126 ]

وما استند إليه من الاخبار التى احالها على الباب المذكور لا اشعار فيها بشئ مما ادعاه، فان منها صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله المتقدمة (1) مدلولها هو دخول المأموم والامام راكع وخاف من المشى إليه رفع رأسه من الركوع فانه يكبر في محله ثم يلحق بالصف، وليس فيها كما ترى اشارة فضلا عن التصريح بسماع تكبيرة الركوع بل هي بالدلالة على العدم أنسب والى ذلك أقرب حيث دلت على انه دخل والامام راكع وذلك بعد تكبير الركوع البتة، فظاهر انه لم يشهد تكبير الركوع كما لا يخفى. ومن اخبار الباب المذكور بالنسبة إلى هذه المسألة ما رواه في التهذيب والفقيه عن اسحاق بن عمار (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أدخل المسجد وقد ركع الامام فاركع بركوعه وأنا وحدي واسجد فإذا رفعت رأسي أي شئ أصنع ؟ فقال قم فاذهب إليهم فان كانوا قياما فقم معهم وان كانوا جلوسا فاجلس معهم والتقريب فيها كما في سابقتها. ومنها - ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) (انه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة ؟ فقال يركع قبل أن يبلغ القوم ويمشى وهو راكع حتى يبلغهم وهى كما ترى مجملة محتملة للامرين. وبالجملة فان هذه الاخبار التى زعم الاستناد إليها في هذا الجمع قد دلت على مادلت عليه روايات القول المشهور، وأنت خبير بان ظهور التدافع بين هذه الروايات وروايات محمد بن مسلم أمر ظاهر والتأويلات التى نقلناها عنهم قد عرفت ما فيها فلم يبق إلا الترجيح بينها والظاهر كونه في جانب اخبار القول المشهور لكثرتها، ومن جملة طرق الترجيح المروية في مقبولة عمر بن حنظلة (4) الترجيح بالشهرة يعنى


(1) ص 122 (2) و (3) الوسائل الباب 46 من الجماعة (4) الواردة في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به.

[ 127 ]

في الرواية لقوله (عليه السلام) (خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر) وهى في جانب تلك الاخبار لتعدد رواتها وانحصار أخبار القول المقابل في محمد بن مسلم ويونس الشيباني، وحينئذ فالواجب بمقتضى هذه القاعدة الشريفة هو العمل على تلك الاخبار وارجاء هذه الاخبار إلى قائلها. والله العالم. فرعان (الاول) اعلم انه قد صرح جملة من الصحاب (رضوان الله عليهم) بان المعتبر على تقدير القول المشهور في ادراك الركعة حال الركوع هو اجتماعهما في قوس الراكع بحيث يكبر ويركع ويجتمع في ذلك الحد، وعليه تدل صحيحة سليمان بن خالد وصحيحة الحلبي المتقدمتان (1). وهل يقدح فيه شروع الامام في الرفع مع عدم تجاوز ذلك الحد ؟ وجهان للاول ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدمة (2) (إذا ادركت الامام وقد ركع فكبرت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الركعة) ونحوها صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة (3) أيضا حيث إنه علق الحكم على رفع الرأس، وللثاني حمل الرفع في الخبرين على كماله أو على ما يخرجه عن حده لان ما دونه في حد العدم. وظاهر السيد السند في المدارك استظهار الاول. واشترط العلامة في التذكرة ذكر المأموم قبل رفع الامام، هكذا نقله عنه في المدارك ثم قال: ولم نقف على مأخذه. والذى نقله عنه جده في الروض انما هو اشتراط ادراك ذكر الركوع ثم قال: ولا شاهد له. وكتاب التذكرة لا يحضرني الان لا حقق منه الحال (4).


(1) و (2) و (3) ص 122. (4) قال في الفرع الرابع من فروع المسألة الثانية من مسائل البحث الرابع من مباحث صلاة الجمعة: لو كبر للاحرام والامام راكع ثم رفع الامام قبل ركوعه أو بعده قبل الذكر فقد فاتته تلك الركعة.

[ 128 ]

ثم ان مما يدل على ما ذكره في التذكرة بناء على ما نقله في الروض ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى عن صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه (1) (انه كتب إليه يسأله عن الرجل يلحق الامام وهو راكع فيركع معه ويحتسب بتلك الركعة فان بعض أصحابنا قال ان لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له إن يعتد بتلك الركعة ؟ فأجاب عليه السلام إذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وان لم يسمع تكبيرة الركوع) ونحوها رواية اخرى لا يحضرني الان محلها (2). (الثاني) - لو كبر وركع ثم شك هل كان الامام راكعا إو رافعا لم تكن له جمعة ووجب عليه صلاة الظهر ان كان ذلك في الركعة الثانية وإلا فجمعة ان كان في الركعة الاولى، والوجه فيه أن الشرط ادراك الامام راكعا ولم يحصل لمكان الشك ولتعارض اصلى عدم الادراك وعدم الرفع فيتساقطان ويبقى المكلف تحت عهدة التكليف وليس إلا الظهر لفوات الجمعة. والله العالم. (المقصد الخامس) - في وحدة الجمعة بمعنى أن لا تكون هناك جمعة اخرى دون ثلاثة أميال وهو اجماعي بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) خلافا لمخالفيهم حيث لم يعتبروا ذلك (3) وبه تظافرت اخبارهم (عليهم السلام):


(1) الوسائل الباب 45 من الجماعة (2) لم نعثر عليها بعد الفحص في مظانها (3) في بدائع الصنائع ج 1 ص 260 اختلفوا في تعددها في المصر الواحد فعن محمد لا بأس باقامتها في موضعين أو ثلاثة، وروى محمد عن ابي حنيفة انه يجوز الجمع في موضعين أو اكثر من ذلك، وفي رواية عن ابي يوسف لا يجوز الا إذا كان بين الموضعين نهر عظيم كدجلة ليكون بمنزلة المصرين وكان يأمر بقطع الجسر يوم الجمعة لينقطع الوصل وفي رواية يجوز في موضعين إذا كان المصر عظيما ولا يجوز في ثلاثة واما ان كان بينهما نهر صغير فلا يجوز فان ادوها في موضعين فالجمعة لمن سبق منهما وعلى الاخرين ان يعيدوا الظهر ومع الشك لا تجوز صلاتهم. اقول: وفي ايام المعز البويهي كانت تقام الجمعة في جامع الخليفة وجامع السلطان وجامع براثا وجامع الحنابلة في بغداد.

[ 129 ]

ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: (يكون بين الجماعتين ثلاثة اميال يعنى لا تكون جمعة إلا في ما بينه وبين ثلاثة اميال وليس تكون جمعة إلا بخطبة، قال فإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة اميال فلا بأس ان يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء). وما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: (إذا كان بين الجماعتين ثلاثة اميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء ولا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة اميال. وقد صرح بعض الاصحاب بانه يعتبر الفرسخ من المسجد ان صليت فيه وإلا فمن نهاية المصلين. ويشكل الحكم في ما لو يبلغ النصاب بين بعض المأمومين وبين الجمعة الاخرى ممن كان زائدا على العدد المشترط في وجوب الجمعة، فهل يختص البطلان بهم لاستجماع صلاة من عداهم لشرائط الصحة واختصاص فوات الشرط المذكور بهم أو تبطل صلاة الجميع لا نتفاء الشرط المعتبر في صحة الجماعتين بناء على أن المجموع جماعة واحدة ؟ وجهان، استقرب في المدارك الاول وفى الذخيرة الثاني، والمسألة محل تردد وان كان ما اختاره في المدارك لا يخلو من قوة. ولو اتفق وقوع جمعتين في مسافة فرسخ فههنا صور: الاولى - ان تسبق احداهما ولو بتكبيرة الاحرام ولاريب في صحة السابقة وبطلان اللاحقة لاستجماع الاولى لشرائط الصحة بسبقها واختلال اللاحقة بفوات الشرط المذكور، قال في التذكرة ان ذلك - أي صحة السابقة وبطلان اللاحقة - مذهب علمائنا اجمع. وحينئذ فيجب على اللاحقة الاءعادة ظهرا ان لم تدرك الجمعة مع الفرقة الاولى أو التباعد بما يصح به التعدد. واعتبر شيخنا الشهيد الثاني في صحة صلاة الاولى عدم العلم بصلاة الاخرى وإلا لم تصح صلاة كل منهما، قال: ويشترط ايضا عدم علم كل من الفريقين بصلاة


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الجمعة

[ 130 ]

الاخرى وإلا لم يصح كل منهما للنهى عن الانفراد بالصلاة عن الاخرى المقتضى للفساد واعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك عنه: ولمانع أن يمنع تعلق النهى بالسابقة مع العلم بالسبق، اما مع احتمال السبق وعدمه فيتجه ما ذكره لعدم جزم كل منهما بالنية لكون صلاته في معرض البطلان. انتهى. وهو جيد. ويعضده ان النهى إنما وقع عن التعدد في مسافة الفرسخ وهو لا يحصل بالنسبة إلى السابقة لانها حال وقوعها لم تقارنها جمعة في ذلك الوقت ليصح اطلاق التعدد عليها وانما حصل ذلك بعد انعقادها على الصحة وإنما يتجه التعدد بالنسبة إلى اللاحقة، نعم يجب ان يعتبر في السابقة العلم بالسبق كما هو المفروض أو الظن مع تعذره بان يعلم أو يظن انتفاء جمعة اخرى مقارنة لها أو سابقة عليها إذا مع تساوى احتمال السبق وعدمه لا يحصل العلم بامتثال التكليف، وهذا هو الذي يتجه فيه كلام شيخنا المتقدم ذكره لعدم جزم كل منهما بالنية لكون صلاته في معرض البطلان وهل يفرق في الحكم ببطلان اللاحقة بين علمهم بسبق الاولى وعدمه ؟ ظاهر عبارات الاصحاب العموم، ويشكل باستحالة توجه النهى إلى الغافل والاحكام الشرعية لم تجعل منوطة بالواقع ونفس الامر وانما نيطت صحة وبطلانا وتحليلا وتحريما ونحو ذلك بعلم المكلف، فإذا كان المكلف حال اقامة الجمعة لا يعلم سبق جمعة عليه وان كان كذلك واقعا فكيف يحكم ببطلان جمعة ؟ على ان شرطية الوحدة على هذا الوجه غير معلوم. (الثانية) - ان تقترنا وقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بالبطلان فيهما لامتناع الحكم بصحتهما من حيث الاخلال بالشرط المذكور ولا اولوية لاحداهما فيكون البطلان ثابتا لهما. وثبوت الاولوية لاحداهما بناء على المشهور بين المتأخرين من اعتبار الاذن أو الفقيه يتحقق بكون أحدهما مأذونا له أو فقيها دون الاخر، واما على ما اخترناه - كما عليه اكثر المتقدمين وجملة من متأخرى المتأخرين من عدم اعتبار شئ من ذلك - فلا وجه لما ذكر من الاولوية. وبالجملة

[ 131 ]

فانه لاريب ولا خلاف في الحكم ببطلانهما في الصورة المذكورة وحينئذ فتجب عليهما الجمعة مجتمعين أو متفرقين بالمسافة المذكورة ان بقى وقتها وإلا اعادا ظهرا. قالوا: ويتحقق الاقتران بتكبيرة الاحرام من الامامين دون غيرها من الافعال لان بها يحصل الدخول في الصلاة والتحريم بها. وهو جيد. واما ما ذكره في الذخيرة - بعد ان نقل ذلك عن علمائنا واكثر العامة (1) من ان الروايات التى هي الاصل في هذا الحكم غير ناهضة باثبات هذا التحديد فاذن التعويل على الاجماع ان ثبت - ففيه ان الامر وان كان كما ذكره لكن من الظاهران انعقاد الجمعة انما يتحقق بتكبيرة الاحرام والروايات قد دلت بمفهومها على النهى عن جمعتين في فرسخ فبضم تلك المقدمة التى قدمناها إلى مفهوم الاخبار المذكورة ينتج ان النهى انما يتوجه إلى اللاحقة ان حصل السبق بها كما في الصورة الاولى واليهما ان حصل الاتفاق فيها دفعة واحدة، فالاقتران والسبق انما يتحقق بها فان اتفقا فيها دفعة واحدة تحقق الاقتران وان تقدم احدهما بها حصل السبق. نعم هنا اقوال اخر للعامة في اعتبار السبق والاقتران فبعضهم ناط ذلك بالخطبتين لقيامهما مقام ركعتين وبعضهم ناط ذلك بالفراغ فان تساويا فيه بطلتا وان تقدمت احداهما بالسلام صحت وبطلت الاخيرة (2) وبالجملة فما ذكره الاصحاب في المقام جيد لا تعترية شبهة الابهام. قال في الذخيرة: واطلاق كلام الاصحاب وصريح بعضهم يقتضى عدم الفرق بين ما إذا علم كل فريق بالاحرام ام لا مع حصول العلم بالاقتران بعد الفراغ. ويشكل بان الاتيان بالمأمور به ثابت لكل من الفريقين لا ستحالة تكليف الغافل وعدم ثبوت شرطية الوحدة على هذا الوجه. انتهى. وهو جيد وقد تقدم في آخر الصورة المتقدمة ما يؤكده. وقال شيخنا في الروض بعد أن ذكر ان الاقتران يتحقق بتكبيرة الاحرام


(1) و (2) الوجيز للغزالي ج 1 ص 27.

[ 132 ]

ما لفظه: ويتحقق ذلك بشهادة عدلين ويتصور ذلك بكونهما غير مخاطبين بالجمعة وهما في مكان يسمعان التكبيرتين. اقول: لا يخفى ندرة هذا الفرض بل ربما يدعى عدم امكان وقوعه وبه يشكل ابتناء حكم شرعى عليه. (الثالثة) - الاشتباه وله صورتان: الاولى - أن تكون الجمعة السابقة متحققة لكن حصل الاشتباه فيها سواء علم حصول جمعة سابقة متعينة واشتبهت بان عرض له النسيان بعد العلم بالتعيين أو علم حصول جمعة سابقة في الجملة ولم تتعين، والوجه في وجوب الاعادة في الصورتين المذكورتين وجود الشك في حصول شرائط الصحة وهو موجب لبقاء المكلف تحت عهدة التكليف حتى يتحقق الامتثال واختلف الاصحاب هنا في انه هل الواجب على الفرقتين صلاة الظهر أو الجمعة ؟ فالاكثر على الاول، قالوا للعلم بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة اخرى عقيبها إلا انه حيث لم تكن متعينة في احدى الفرقتين وجبت الظهر عليهما لعدم حصول البراءة بدون ذلك. وذهب الشيخ في المبسوط إلى انهم يصلون جمعة مع اتساع الوقت والظهر مع تضيقه، وعلله بعض الاصحاب بان الحكم بوجوب الاعادة عليهما يقتضى عدم كون الصلاة الواقعة منهما مقبولة في نظر الشارع. قال في المدارك: وهذا متجه لان الامر بصلاة الجمعة عام وسقوطها بهذه الصلاة التى ليست مبرئة للذمة غير معلوم. وتوضيحه ان الذمة مشغولة بالجمعة بيقين إذ هي فرض المكلف فلا تبرأ الذمة منها إلا بيقين الاتيان بها، قولهم - ان العلم حصل بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة اخرى - مسلم لو علمت وعلم موضعها في أي الفريقين واما مع جهل موضعها فلا. بما ذكرناه يظهر قوة قول الشيخ (قدس سره). وعلى المشهور فلو تباعد الفريقان بالنصاب فان خرج أحدهما عن المصر واعادوا جميعا الجمعة لم تصح لامكان كون من تأخرت جمعة هم المتخلفون في المصر فلا تسوغ فيه

[ 133 ]

جمعة اخرى، اما لو خرجوا عنه جميعا وتباعدوا بالنصاب مع سعة الوقت تعين عليهم فعل الجمعة قطعا. الثانية - ان لا تكون الجمعة السابقة متحققة لحصول الاشتباه بالسبق والاقتران، واختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم هذه الصورة ايضا فذهب الشيخ في المبسوط ومن تبعه إلى وجوب الاعادة جمعة مع بقاء الوقت لعين ما تقدم في سابق هذه الصورة. وذهب العلامة في جملة من كتبه إلى وجوب الجمع بين الفرضين لان الواقع ان كان الاقتران فالفرض الجمعة وان كان السبق فالظهر فلا يحصل يقين البراءة بدونهما ويمكن خدشه بان ما ادعاه من أن السبق من حيث هو - يعنى بالنسبة إلى الواقع - يقتضى وجوب الظهر ممنوع وإنما يقتضى ذلك مع العلم به فان الاحكام الشرعية كما عرفت إنما تبنى على علم المكلف لا على نفس الامر والواقع، وحينئذ فلو سبقت أحداهما مع جهل موضعها لم يسقط عنه وجوب الجمعة لما عرفت آنفا. واحتمل العلامة في التذكرة وجوب الظهر خاصة لان الظاهر صحة أحداهما لندور الاقتران جدا فكان جاريا مجرى المعدوم، وللشك في شرط صحة الجمعة وهو عدم سبق اخرى وهو يقتضى الشك في المشروط. وفيه انا لا نسلم ان شرط صحة الجمعة عدم سبق اخرى بل يكفى في الصحة عدم العلم بسبق اخرى. وبما ذكرنا يظهر قوة ما ذهب إليه الشيخ هنا أيضا وان كان الاحتياط في ما ذكره من الجمع بين الفرضين. والله العالم. (المقصد السادس) - في الوقت، إختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وقت الجمعة أولا وآخرا، فاما الاول فالاظهر الاشهر انه زوال الشمس، وقال الشيخ في الخلاف: وفى أصحابنا من أجاز الفرض عند قيام الشمس، وقال واختاره علم الهدى. قال ابن ادريس بعد نقل ذلك عن الشيخ (قدس سره) ولعل شيخنا سمعه من المرتضى (قدس سره) مشافهة فان الموجود في مصنفات السيد موافق للمشهور من

[ 134 ]

عدم جواز ايقاعها قبل تحقق الزوال. اقول: ويدل على القول المشهور الاخبار المستفيضة الاتية ان شاء الله تعالى. واما الاخر فالمشهور بين المتأخرين انه يمتد إلى ان يصير ظل كل شئ مثله بل قال العلامة في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع. وقال أبو الصلاح إذا مضى مقدار الاذان والخطبة وركعتي الفريضة فقد فاتت ولزم اداؤها ظهرا. وقال الشيخ في المبسوط ان بقى من وقت الظهر قدر خطبتين وركعتين خفيفتين صحت الجمعة. وقال ابن ادريس يمتد وقتها بامتداد وقت الظهر، واختاره الشهيد في الدروس والبيان. وقال الجعفي وقتها ساعة من النهار. وانت خبير بما في جل هذه الاقوال من الانحراف عن جادة الاعتدال، أما القول المشهور فانا لم نقف له على دليل وبذلك اعترف في الذكرى فقال: انا لم نقف لهم على حجة إلا ان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلى في هذا الوقت، قال ولا دلالة فيه لان الوقت الذى كان يصلى فيه ينقض عن هذا المقدار غالبا ولم يقل أحد بالتوقيت بذلك الناقص. واما قول ابن ادريس فاظهر ضعفا لما فيه من اطراح الاخبار الصحاح الصراح الاتية ان شاء الله تعالى. واما عبارة الشيخ في المبسوط فهى غير خالية من الاجماع وتعدد الاحتمال، فانه ان اراد بوقت الفريضة هو الوقت الاختياري لها بناء على مذهبه إو الفضيلة بناء على قول الاكثر فهو يرجع إلى القول المشهور، وان اراد الوقت الذى هو أعم فهو يرجع إلى قول ابن ادريس وكيف كان فالواجب اولا نقل الاخبار المتعلقة بالمقام وبيان ما يظهر منها على وجه يكشف عن المسألة نقاب الابهام: فنقول: من الاخبار المذكورة ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة قال: (سمعت أبا جعفر (ع) يقول ان من الامور امورا مضيقة وامورا موسعة وان الوقت وقتان والصلاة مما فيه السبعة فربما عجل رسول الله صلى الله عليه وآله وربما اخر إلا


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.

[ 135 ]

صلاة الجمعة فان صلاة الجمعة من الامور المضيقة (1) انما لها وقت واحد حين تزول ووقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الايام. وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (وقت صلاة الجمعة عند الزوال ووقت العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر في غير يوم الجمعة ويستحب التبكير به). وعن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: (لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة). وعن ذريح في الصحيح (4) قال: (قال أبو عبد الله (ع) صل الجمعة باذان هؤلاء فانهم اشد شئ مواظبة على الوقت). وعن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (5) قال: سألته عن الزوال يوم الجمعة ماحده ؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت الشمس فصل الفريضة) وما رواه الصدوق عن عبيدالله الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) انه قال: (وقت الجمعة زوال الشمس ووقت صلاة الظهر في السفر زوال الشمس ووقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو من وقت الظهر في غيريوم الجمعة). وعن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (7) قال: (وقت صلاة الجمعة


(1) اللفظ المذكور مطابق لما في الوافي باب (وقت صلاة الجمعة وعصرها) وفي التهذيب ج 1 ص 249 والوسائل هكذا (من الامر المضيق). (2) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. والراوي في بعض النسخ (ابن مسكان) راجع التهذيب الطبع الحديث ج 3 ص 13. (3) و (6) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 3 من الاذان والاقامة (5) قرب الاسناد ص 98 وفي الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. (7) لم نقف في كتب الحديث على رواية لزرارة بهذا اللفظ وقد اوردها السبزواري في الذخيرة في هذه المسألة في اول مبحث صلاة الجمعة. وفي المقام صحيحة لربعي =

[ 136 ]

يوم الجمعة ساعة تزول الشمس). وما رواه الشيخ عن عبد الله بن عجلان (1) قال: (قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين وإذا استيقنت الزوال فصل الفريضة). وما رواه الكليني عن ابن ابى عمير (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة فقال نزل بها جبرئيل مضيقة إذا زالت الشمس فصلها. قال قلت إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اما انا إذا زالت الشمس لم ابدأ بشئ قبل المكتوبة قال القاسم (3) وكان ابن بكير يصلى الركعتين وهو شاك في الزوال فإذا استيقن الزوال بدأ بالمكتوبة في يوم الجمعة. وعن ابن سنان (4) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأوا بالمكتوبة). وعن الفضيل بن يسار في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال (ان من الاشياء اشياء موسعة واشياء مضيقة فالصلاة مما وسع فيها تقدم مرة وتؤخر اخرى والجمعة مما ضيق فيها فان وقتها يوم الجمعة ساعة تزول ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها).


= وموثقة لسماعة وردت في فروع الكافي ج 1 ص 117 والتهذيب ج 1 ص 248 وفي الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة رقم 8 و 14 باللفظ الاتي: (وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس) ولم يذكرها المصنف (قدس سره) في رويات المسألة فيمكن ان يكون قد حصل تصحيف في السند وتغيير في المتن فجاءت الرواية المذكورة باللفظ المذكور في المتن منسوبة إلى زرارة كما في الذخيرة. ولا يخفى ان الرواية المذكورة قد رويت في الكافي مسندة إلى ابي عبد الله عليه السلام من طريقن وفي التهذيب موقوفة على سماعة من طريقين ايضا. وفي الباب روايات اخر دالة على المطلوب لم ينقلها راجع الوافي باب (وقت صلاة الجمعة وعصرها) والوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة رقم 2 و 4 و 7 و 9 و 21 وسينقل (قدس سره) الرواية رقم 9. (1) و (4) و (5) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (2) الفروع ج 1 ص 117 وفي الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة. (3) وهو الراوي عن ابن ابي عمير.

[ 137 ]

وما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: (قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت صلاة الجمعة يوم الجمعة ساعة تزول الشمس ووقتها في السفر والحضر واحد وهو من المضيق وصلاة العصر يوم الجمعة في وقت الاولى في سائر الأيام). وروى فيه ايضا (2) قال: (قال أبو جعفر (عليه السلام) اول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى ان تمضى ساعة فحافظ عليها.. الخبر). وعن سفيان بن السمط (3) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت صلاة العصر يوم الجمعة فقال في مثل وقت الظهر في غير يوم الجمعة). وقال في الفقه الرضوي (4): (وقت الجمعة زوال الشمس ووقت الظهر في السفر زوال الشمس ووقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو وقت الظهر في غير يوم الجمعة). وروى الشيخ في كتاب المتهجد عن محمد بن مسلم (5) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الجمعة قال وقتها إذا زالت الشمس فصل الركعتين قبل الفريضة فان أبطأت حتى يدخل الوقت هنيئة فابدأ بالفريضة ودع الركعتين حتى تصليهما بعد الفريضة). وعن اسماعيل بن عبد الخالق (6) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت الصلاة فقال جعل الله لكل صلاة وقتين إلا الجمعة في السفر والحضر فانه قال وقتها إذا زالت الشمس وهى في ما سوى الجمعة لكل صلاة وقتان.. الحديث). وعن حريز عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (7) قال: (اول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضى ساعة فحافظ عليها فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا يسأل الله عبد فيها خيرا إلا اعطاه الله). وعن حريز (8) قال: (سمعته يقول اما انا إذا زالت الشمس يوم الجمعة


(1) و (2) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 9 من صلاة الجمعة (4) ص 11.

[ 138 ]

بدأت بالفريضة واخرت الركعتين إذا لم اكن صليتهما). وانت خبير بان هذه الاخبار على كثرتها واستفاضتها قد اشتركت في الدلالة على ان أول وقت الجمعة التى هي عبارة عن الخطبتين والركعتين كما تقدم تحقيقه هو الزوال وانه يجب المبادرة إليها فيه حتى ان الركعتين لا تزاحمها بل تقدم في وقت الشك في الزوال ومتى تحقق بدئ بالواجب، وان وقتها مضيق بهذا الوقت يعنى يجب الشروع فيها بعد تحقق الزوال بالاتيان بالاذان ثم الخطبتيين ثم الركعتين حتى يفرغ لا اتساع فيه كغيرها من الصلوات التى تقبل التأخير عن الاول، وهى صريحة في بطلان قولى الاكثر وابن ادريس فان وقت صلاة العصر في ذلك اليوم هو وقت الظهر في سائر الايام يعنى بالنسبة إلى التطوع، وقد تكاثرت الاخبار وعليه بنيت هذه الاخبار بان وقت الظهر في سائر الايام بعد القدمين وان اختزال القدمين من أول الظهر لمكان النافلة كما تقدم تحقيق جميع ذلك في مبحث الاوقات. وانت إذا ضممت هذه الامور بعضها إلى بعض ظهر لك ان وقت الجمعة من أول الزوال إلى مضى قدمين ومتى خرج هذا المقدار خرج وقتها ووجب الاتيان بها ظهرا، ومن هنا ثبت التضييق فيها وعدم الامتداد. ولا ينافى ذلك خبر الساعة فانها تطلق عرفا على الزمان القليل وهو المراد هنا لا الساعة النجومية أو الساعات التى ينقسم إليها النهار. وظني ان كلام ابى الصلاح والجعفى يرجعان إلى معنى واحد وهو مادلت عليه هذه الاخبار بالتقريب الذى أوضحناه، وان ما اوردوه على ابى الصلاح في هذا المقام لا ورود له عليه. واما ما ذكره المحقق - من أنه لو صح ما ذكره لما جاز التأخير عن الزوال بالنفس الواحد، وبان النبي صلى الله عليه وآله كان يخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل: (يا محمد صلى الله عليه وآله قد زالت الشمس فانزل وصل) وهو دليل على جواز تأخير الصلاة عن الزوال بقدر قول جبرئيل (ع) ونزوله ودعائه امام الصلاة ولو كان مضيقا لما

[ 139 ]

جاز ذلك - فضعفه أظهر من أن يحتاج إلى بيان، لان عبارته في المقان إنما خرجت مخرج التجوز والتوسع لا أن مراده الحصر الحقيقي في ما ذكره بحيث يخل به النفس أو قول جبرئيل، ومثله في كلام البلغاء والفصحاء وكلام الائمة (عليهم السلام) اكثر من أن يحصى. نعم قال في الذخيرة - في رد كلام ابى الصلاح بعد رد كلام المحقق بالضعف - ما لفظه: نعم يمكن دفعه بالاخبار الدالة على جواز ركعتي الزوال بعد دخول وقت الفريضة. وفيه ان اكثر الاخبار الواردة في ذلك - ومنها ما نقلناه هنا كرواية على بن جعفر ورواية عبد الله بن عجلان ورواية ابن ابى عمير ورواية محمد بن مسلم ورواية حريز قد صرحت بتأخير الركعتين متى تيقن الزوال، مضافا إلى الاخبار الدالة على توقيت الجمعة بالزوال وان وقتها مضيق فيه، وكذلك الاخبار الدالة على انه لا تطوع وقت الفريضة، وحينئذ فما دل على جواز الركعتين بعد الزوال لابد من ارتكاب التأويل فيه، ويمكن حملها على الرخصة في بعض الاوقات فلا ينافى توقيت الجمعة بالزوال كما في سائر الرخص لا ان ذلك يكون وقتا للركعتين دائما بحيث يجوز مزاحمة الفريضة بهما. ومما يدل على ما قلناه ايضا من عدم مزاحمتهما للفريضة زيادة على ما قدمناه من الاخبار ما رواه في التهذيب عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (1) قال: (سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الاذان أو بعده ؟ فقال قبل الاذان). وعن حسين بن عثمان عن ابن ابى عمير في الصحيح (2) قال: (حدثنى انه سأله عن الركعتين اللتين عند الزوال يوم الجمعة قال فقال اما انا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة).


(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (2) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.

[ 140 ]

وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام يظهر لك ضعف ما ذكره في المدارك ومثله في الذخيرة من أن المسألة قوية الاشكال فانه لاإشكال بحمدالله الملك المتعال بالنظر إلى ما سردناه من الاخبار وأوضحناه من البيان الظاهر لاولى الالباب والافكار. بقى الكلام هنا في مواضع: الاول - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - الشيخ وجماعة انه لو خرج الوقت وقد تلبس بها ولو بالتكبير فانه يجب اتمامها جمعة، واحتجوا عليه بان الوجوب متحقق باستكمال الشرائط فيجب اتمامها. واورد عليه بان جملة الشرائط الوقت فما لم يتحقق لم يتحقق التكليف بالفعل فان التكليف بالفعل يستدى زمانا يسعه. والظاهر انه لما ذكراعتبر الشهيد ومن تأخر عنه ادراك ركعة من الوقت لقوله (ع) (1) (من ادرك من الوقت ركعة فكأنما أدرك الوقت). قال السيد السند في المدارك - بعد قول المصنف (قدس سره) ولو خرج الوقت وهو فيها اتمها جمعة اماما كان أو مأموما - اطلاق العبارة يقتضى وجوب اكمالها بمجرد التلبس بها في الوقت ولو بالتكبير وبه صرح الشيخ وجماعة، واحتج عليه في المعتبر بان الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط فيجب اتمامها. ويتوجه عليه ان التكليف بفعل موقت يستدعى زمانا يسعه لامتناع التكليف بالمحال ولا يشرع


(1) لم نقف على الرواية بهذا اللفظ وانما المروى من طريق العامة عنه صلى الله عليه وآله هكذا: (ومن ادرك ركعة من الصلاة فقد ادرك الصلاة) وفي خصوص العصر ايضا، وقد ورد في خصوص الصبح ايضا من الطريقين، راجع الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة والحدائق ج 6 ص 275 و 277 وصحيح مسلم ج 2 ص 103 باب (من ادرك ركعة من الصلاة فقد ادرك الصلاة) وفيه في بعض الطرق (من ادرك ركعة من الصلاة مع الامام فقد ادرك الصلاة) وفي مجالس ابن الشيخ الطوسي عن ابي هريرة قال (قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن في السجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن ادرك الركعة فقد ادرك الصلاة) راجع الوسائل الباب 41 من الجماعة.

[ 141 ]

فعله في خارجه إلا ان يثبت من الشارع شرعية فعله في خارج الوقت، ومن ثم اعتبر العلامة ومن تأخر عنه ادراك الركعة في وقت كاليومية لعموم قوله (ع) (من ادرك من الوقت ركعة فكمن أدرك الوقت كله) وهو أولى. انتهى. وحذا حذوه في الذخيرة واختار ما اختاره. اقول: لا يخفى ما ذكره (قدس سره) وان تبعه من تبعه فيه منظور فيه من وجهين: احدهما - قوله ويتوجه عليه ان التكليف بفعل موقت.. إلى آخره فانه ينبغى ان يعلم ان هنا مقامين: (الاول) أن يدخل في الصلاة بانيا على امتداد الوقت وسعته ثم يظهر في الاثناء عدم ذلك. و (الثاني) ان يعلم قبل الدخول في الصلاة عدم سعة الوقت فهل يجب عليه الدخول فيها والحال هذه أم لا ؟ والظاهر من كلام المصيف (قدس سره) في هذه المقالة انما هو الاول فانه قد صرح بالثاني في المقالة الاتية بعد ذلك ان شاء الله تعالى، واعتراض الشارح عليه انما يتوجه بناء على الثاني ذلك فانه متى دخل في الصلاة بناء على سعة الوقت واستكمال شرائط الوجوب بحسب نظره كان دخوله مشروعا غاية الامر انه انكشف بعد ذلك ضيق الوقت عن اتمامها، وهذا لا يصلح للمانعية عن وجوب الاتمام كما في غير هذا الموضع ومنه مالو دخل في صلاة الكسوف وصلى بعضا ثم انجلى الكسوف فان صحيحة زرارة (1) قد صرحت بوجوب اتمام الصلاة وان كان المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو قصر الوقت عنها سقطت لاستحالة التكليف بشئ يقصر وقته عنه، والجمع بين كلامهم وبين الرواية لا يحصل إلا بالفرق بين الابتداء والاستدامة بمعنى انه لا تكليف بذلك قبل الشروع في الفعل اما لو شرع بناء على سعة الوقت وامتداده ثم ظهر ضيقه عن الاتيان بالصلاة فانه يجب التمام كما دلت عليه الصحيحة المذكورة فكذا في ما نحن فيه وحينئذ فيجب الاتمام. وقوله في الجواب - ان التكليف بفعل موقت يستدعى زمانا يسعه.. إلى آخره - انما يتجه


(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف والايات رقم 6.

[ 142 ]

في مالو علم ضيق الوقت قبل الدخول فان التكليف بالدخول والحال كذلك يستلزم ما ذكره، اما لو لم يعلم بل دخل بانيا على السعة فانه لا يتوجه عليه هذا الجواب للفرق عندهم بين اصل الدخول وبين الاستدامة كما تقدم التصريح به في مسألة العدد في ما لو انفض العدد بعد الدخول ولم يبق إلا واحد مثلا فانهم اوجبوا عليه الاتمام جمعة. وثانيهما - قوله: (من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله) فانه ربما يتسارع إلى الفهم ان هذا الخبر من جملة اخبارنا المروية في كتب الاخبار فيجوز الاستناد إليه في إثبات الاحكام الشرعية كما اختاره هنا بقوله بعد ذكر الخبر المذكور (وهو أولى) مع انا قدمنا في مبحث الاوقات ان الظاهر ان هذا الخبر إنما هو من طريق المخالفين، واليه يشير أيضا كلام السيد المذكور في شرح قول المصنف في مبحث الاوقات (ولو زال المانع فان أدرك الطهارة وركعة من الفريضة لزمه اداؤها) حيث انه نقل هذا الخبر مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) ثم آخر عنه صلى الله عليه وآله ايضا (1) ثم قال ومن طريق الاصحاب ثم نقل رواية الاصبغ بن نباتة وموثقة عمار الساباطى (2) الدالتين على أن من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة وقد تقدم منا (3) تحقيق الكلام في هذا المقام والبحث مع الاصحاب في تعميم الحكم مع اختصاص الاخبار المروية من طريقنا بصلاة الصبح نعم ظاهرهم دعوى الاجماع على ما ذكروه من العموم، وبه يظهر أن المسألة هنا لا تخلو من الاشكال لعدم النص المعتمد عليه في هذا المجال. والله سبحانه واولياؤه أعلم بحقيقة الحال. الثاني - لو تيقن أو غلب على ظنه قبل الدخول ان الوقت لا يسع للجمعة وجبت صلاة الظهر، صرح به جملة من الاصحاب: منهم المحقق في


(1) و (3) ج 6 ص 275. (2) الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة.

[ 143 ]

الشرائع وهو ما أشرنا إليه آنفا من أن المصنف صرح بالثاني في المقالة الاتية. والسيد السند هنا بناء على اعتراضه على العبارة المتقدمة قال هنا ايضا بعد ذكره عبارة المصنف المذكورة: هذا بظاهره مناف لما سبق من أن من تلبس بالجمعة في الوقت يجب عليه اتمامها فانه يقتضى باطلاقه جواز الشروع فيها مع ضيق الوقت واجيب عنه بان الشروع فيها انما يشرع إذا ظن ادراك جميعها.. إلى أن قال: ومن ثم ذهب جمع من الاصحاب إلى وجوب الدخول في الصلاة متى علم انه يدرك ركعة بعد الخطبتين لعموم (من تدرك..) بل صرح العلامة في النهاية بوجوب الدخول في الصلاة مع ادرك الخطبتين وتكبيرة الاحرام خاصة وهو بعييد. انتهى أقول: قد قدمنا لك ان مراد المصنف بالعبارة صريحها كما ترى انما هو من دخل في الصلاة بناء على سعة الوقت يقينا أو ظنا، وهذه العبارة صريحها كما ترى انما هو من علم أو ظن قبل الدخول ضيق الوقت عن الجمعة فانه تجب عليه الصلاة ظهرا، فموضوع تلك المسألة غير موضوع هذه المسألة، ويشير إلى ذلك كلامه في المعتبر الذى ذكره الشارح في المسألة المتقدمة، وصورته بتمامه هكذا: قال الشيخ إذا انعقدت الجمعة فخرج وقتها ولم يتم اتمها جمعة وبه قال مالك، وقال الشافعي بقاء الوقت شرط فإذا خرج اتمها ظهرا، وقال أبو حنيفة تبطل (1) لنا - ان الوجوب تحقق باستكمال الشرائط فيجب اتمامها. انتهى. فان هذا الخلاف انما يترتب على من تبين له ضيق الوقت بعد الدخول بناء على سعة لا من علم بضيقه أو لا ثم دخل والحال هذه، فدعوى الشارح منافاة هذا الكلام لما سبق - وان اطلاق عبارته الاولى يقتضى جواز الشروع فيه مع يقينه ضيق الوقت - ليس في محله. وكيف كان فحمل كلامه على ما يندفع به التنافى في عبارتيه أولى وأظهر سيما مع كونه وجها واضحا صحيحا. بقى الكلام في ما ذكره المصنف في هذه المقالة - من انه لو تيقن أو ظن عدم سعة الوقت فانه لا يشرع له الجمعة بل يجب أن يصلى ظهرا، وما أورده


(1) المغني ج 2 ص 318 والمدونة ج 2 ص 149.

[ 144 ]

الشارح عليه في ما طوينا ذكره من ان قوله (ع) (من أدرك ركعة من الوقت) يعمم الجميع.. إلى آخر الكلام - فان فيه (اولا) - ان ظاهر كلام الشارح في المقالة السابقة يعطى منع الدخول مع تيقن سعة الوقت أو ظنها وهو الذى رد به الخبر المذكور هنا حيث قال ثمة: ويشكل بان الواجب الموقت يعتبر وقوعه في الوقت فمع الشك فيه لا يحصل يقين البراءة بالفعل.. إلى آخره، فانه ظاهر في عدم جواز الدخول وان تيقن بقاء ركعة بل لا بد من وقت يسع الجميع كما هو ظاهر كلام الشافعي المتقدم. وثانيا - ما اشرنا إليه آنفا من ان هذا الخبر لم يثبت وروده من طريقنا (1) فلا يمكن الاعتماد عليه في هذا المحل ولا غيره وان كثر تناقله في كلامهم وتداوله على رؤوس اقلامهم، وبه يظهر لك ما في هذا الكلام من تكرار هذا الخبر وما يتفرع عليه من الاحكام وما ذكره من التعرض في المقام بالنقض والابرام، فانه بناء على ما عرفت نفخ في غير ضرام. وبه يتبين ان من ذهب إلى وجوب الدخول في الصلاة متى علم إدراك ركعة من الوقت ان استند إلى هذا الخبر فقد عرفت ما فيه، وان استند إلى الاجماع كما تقدم نقله عنهم في باب الاوقات فقد عرفت ايضا ما في باطنه وخافيه. الثالث - قال المحقق في الشرائع: ولو تيقن ان الوقت يتسع للخطبة وركعتين خفيفتين وجبت الجمعة. قال السيد السند بعد نقل العبارة المذكورة: الضابط في ذلك تيقن اتساع الوقت للمقدار الواجب من الخطبتين والصلاة دون المسنون منهما. قيل وكذا تجب الجمعة مع ظن اتساع الوقت أو الشك في السعة وعدمها لاصالة بقاء الوقت. ويشكل بان الواجب الموقت يعتبر وقوعه في الوقت فمع الشك فيه لا يحصل يقين البراءة بالفعل، والاستصحاب هنا انما يفيد ظن البقاء وهو غير كاف في ذلك. انتهى.


(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 140.

[ 145 ]

اقول: العجب منه (قدس سره) وتناقض كلامه في هذا المقام واضطرابه على وجه لا يمكن الاصلاح فيه والالتئام. فان مقتضى كلامه هنا كما سمعت انه لا يشرع الدخول في الصلاة إلا مع تيقن سعة الوقت للخطبة والصلاة وان كانتا مخففتين وجعل ذلك ضابطا كليا قانونا جليا، مع انه صرح في شرح قول المصنف (ولو خرج الوقت وهو فيها اتمها جمعة) بالاكتفاء بادراك ركعة كما قدمنا نقله عنه عملا بخبر (من أدرك من الوقت ركعة) ومثله ايضا في شرح قول المصنف (وان تيقن أو غلب على ظنه ان الوقت لا يتسع لذلك) فانه قال في ما طوينا ذكره من كلامه: واجيب عنه بان الشروع فيها انما يشرع إذا ظن إدراك جميعا لانها لا يشرع فيها القضاء وانما وجب الاكمال مع التلبس بها في الوقت للنهى عن ابطال العمل. وأورد عليه ان قوله (ع) (من أدرك من الوقت ركعة) يعم الجميع. واجيب بان هذا الحديث مقيد بقيد يستفاد من خارج وهو كون الوقت صالحا للفعل للقطع بان مالا يصلح للفعل يمتنع وقوعه فيه. وفيه نظر فانه ان اريد بصلاحية الوقت للفعل امكان ايقاعه فيه فهو متحقق هنا وان اريد غير ذلك فلا دليل عليه ومن ثم ذهب جمع من الاصحاب.. إلى آخر ما تقدم في الموضع الثاني. وفيه - كما ترى - خروج عن ذلك الضابط الكلى الذى قرره سابقا من انه لابد من تيقن اتساع الوقت للمقدار الواجب في صحة الدخول وانه لا يكفى الظن حيث انه هنا بعد أن أجاب عن الخبر بتقييده بهذا الضابط تنظر في ذلك واكتفى بمجرد امكان اتساعه. بالجملة فان اضطراب كلامه في هذه المقالات الثلاث لا يخفى على المتأمل. واما ما علل به هنا وجوب الاكمال مع التلبس بها في الوقت من النهى عن ابطال العمل فهو ضعيف والحق كما قدمناه وهو انه لا يشرع الدخول فيها إلا مع تيقن سعة الوقت أو ظنه. ثم انه لو ظهر الضيق بعد الدخول والحال هذه فوجوب الاتمام عليه انما هو من حيث ان اشتراط السعة إنما هو في الابتداء لا في الاستدامة، فمتى دخل بناء على السعة وجب الاتمام وان كان خارج الوقت لعين ما تقدم في اشتراط العدد وما قدمناه من مسألة صلاة الكسوف ونحو ذلك.

[ 146 ]

هذا هو التحقيق في المقام وهو الذى يرجع إليه كلام المحقق وغيره من الاعلام فعليه اعتمد ودع عنك فضول الكلام. والله سبحانه واولياؤه اعلم بحقائق الاحكام. الرابع - لو كان ممن تجب عليه الجمعة فصلى الظهر والحال هذه فالواجب عليه السعي إلى الجمعة فان ادركها وإلا اعاد ظهره ولم يجزئه ما صنع أولا، لانه في تلك الحال قد اتى بغير ما هو الواجب عليه والمخاطب به فلا تبرأ ذمته بل يبقى تحت عهدة التكليف إلى ان يأتي بالجمعة ان أمكن وإلا فالظهر لتعينها بعد فوات الجمعة. ولا فرق في ذلك بين العمد والنسيان ولا بين ان يظهر في نفس الامر الوجوب ام لا. نعم لو صلى الظهر ناسيا وظهر عدم التمكن من الجمعة فاشكال وظاهر المدارك والذخيرة امكان القول بالاجزاء والصحة. ولو لم تكن شرائط الجمعة مجتمعة لكن يرجو اجتماعها قبل خروجه فهل يجوز له تعجيل الظهر والاجتزاء بها وان اقيمت الجمعة بعد ذلك أم يجب الصبر إلى ان يظهر الحال ؟ وجهان واستجود في المدارك الثاني، قال: لان الواجب بالاصل هو الجمعة وانما يشرع فعل الظهر إذا علم عدم التمكن من الجمعة في الوقت. ونحوه في الذخيرة ايضا. ولقائل أن يقول ان هذا التعليل ربما امكن قلبه فيكون بالدلالة على الاول انسب وذلك لان اصالة الجمعة إنما يتم مع اجتماع شرائطها والحال انها حينئذ غير مجتمعة ومشروعية الظهر ظاهرة لانه مخاطب بها في ذلك الوقت فلو أوقعها فيه صحت لذلك وانتظار التمكن وعدمه إلى آخر الوقت لا دليل عليه إذ لعله يخترمه الموت في تلك الحال فيكون قد ضيع فرضا واجبا عليه. والله العالم. (المطلب الثالث) - في من تجب عليه الجمعة ويراعى فيه شروط تسعة، والاصل في هذه الشروط الاخبار المتكاثرة عن الائمة الاطهار (عليهم السلام): ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (ان الله عز وجل فرض في كل سبعة أيام خمسا


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة

[ 147 ]

ثلاثين صلاة: منها - صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها إلا خمسة: المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبى). وما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (ع) (1) انه قال: (انما فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة: منها - صلاة واحدة فرضها الله في جماعة وهى الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين) ورواه الكليني في الصحيح أو الحسن (2) ورواه ايضا الشيخ الفقيه أبو محمد جعفر بن احمد ابن على القمى في كتاب العروس باسناده عن زرارة (3) وقال بعد نقله: وروى مكان (المجنون) (الاعرج). ومنها - ما رواه الشيخ عن منصور عن ابى عبد الله (ع) (4) في حديث قال: (الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبى). ومنها - ما في بعض خطب أمير المؤمنين (ع) المروية في الفقيه (5) وفى المتهجد (6) وفيها (الجمعة واجبة على كل مؤمن إلا على الصبى والمريض والمجنون والشيخ الكبير والاعمى والمسافر والمرأة والعبد المملوك ومن كان على رأس فرسخين) اقول: وقد ظهر من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض ان الشروط المعتبرة في التكليف بالجمعة تسعة وضم إليها ايضا المطر لما سيأتي ان شاء الله تعالى فتكون عشرة:


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة. (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة. (5) ج 1 ص 276 وفي الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة (6) ص 268 وفي مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة. واللفظ فيه هكذا (الجمعة واجبة على كل مؤمن الا الصبي والمراة والعبد والمريض) وقد اورد تمام الخطبة في المستدرك عن المصباح في الباب 19 من صلاة الجمعة.

[ 148 ]

اولها وثانيها - البلوغ والعقل ويجمعها التكليف، ولا ريب في اشتراطه في هذه الصلاة وغيرها اتفاقا نصا وفتوى فلا تجب على المجنون والصبى وان كان مميزا نعم تصح من المميز تمرينا وتجزئه عن الظهر. ولو أفاق المجنون في وقت الصلاة خوطب بها خطابا مراعى ببقاء إلافاقة إلى آخر الصلاة. وثالثها - الذكورة وهى مما ادعى عليها الاجماع حتى من العامة ايضا (1) وعلى ذلك تدل الاخبار المتقدمة، ويخرج بقيد الذكورة المرأة والخنثى. ويمكن المناقشة في السقوط عن الخنثى لانتفاء ما يدل على اشتراط الذكورة وانما الموجود في الاخبار المتقدمة استثناء المرأة ممن تجب عليه الجمعة، والخنثى لا يصدق عليها انها امرأة ومن ثم وقع الخلاف فيها، فقيل بالسقوط عنها للشك في سبب الوجوب واختاره الشهيد، وقيل بالوجوب عليها لعموم الاوامر خرج من ذلك المرأة بالاخبار المتقدمة فتبقى الخنثى تحت عموم الاوامر. وقربه الشهيد الثاني وربما أورد عليه بان دخول الخنثى في المتثنى منه مشكوك فيه بمعنى انه غير معلوم شمول عموم الاوامر لها. ويمكن توجيه بان اطلاق الاخبار وعمومها انما ينصرف إلى الافراد المتكررة الوقوع الشائعة فانها هي المتبادر إلى الذهن من الاطلاق والخنثى فرد نادر بل غايته مجرد الفرض. وبالجملة فظاهر الاخبار المذكورة حيث خص السقوط بالمرأة وهى غير داخلة تحت هذا اللفظ هو الوجوب عليها إلا انه بالنظر إلى ما ذكرنا من التقريب في عدم دخولها ايضا في المستثنى منه يقرب السقوط عنها، وبه يظهر ان المسألة غير خالية من شوب الاشكال. ورابعها - الحرية فلا تجب على العبد باتفاق الاصحاب نقله جملة منهم كالمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى، ولا فرق في ذلك بين القن


(1) المغني ج 2 ص 327 والبداية ج 1 ص 143 والبدائع ج 1 ص 262.

[ 149 ]

والمدبر والمكاتب الذى لم يؤد شيئا لصدق المملوك على جميع هذه الافراد. وإنما الخلاف والاشكال في المبعض إذا هاياه مولاه واتفقت الجمعة في نوبته فالمشهور سقوط الوجوب عنه وذهب الشيخ في المبسوط إلى وجوبها عليه. وهذا الخلاف راجع إلى ما تقدم في الخنثى فان الاخبار هنا إنما دلت على استثناء العبد والمملوك ممن تجب عليه الجمعة وهذا العنوان لا يصدق على المبعض وحينئذ فلا تسقط عنه الجمعة لدخوله تحت عموم الخطاب وعدم المسقط في هذا الباب، واشتراط الحرية غير معلوم من الاخبار ليقال بعدم حصول الشرط المذكور فيه فيسقط عنه وبه يظهر قوة مذهب الشيخ في المبسوط ولذلك استحسنه في المدارك وكذا في الذخيرة، وهو كذلك لما عرفت. وهل تجب الجمعة على المملوك لو أمره مولاه ؟ فيه إشكال ينشأ من اطلاق الاخبار بالسقوط، ومن ان الظاهر ان الوجه في السقوط انما هو رعاية لحق مولاه فمتى أمره زال المانع. وخامسها - الحضر فلا تجب الجمعة على المسافر اتفاقا، تقله الفاضلان والشهيد والمشهور ان المراد به السفر الشرعي الموجب للقصر وعلى هذا فتجب الجمعة على ناوى الاقامة عشر أو المقيم في بلد ثلاثين يوما، ونقل في المنتهى الاجماع عليه. وكذا تجب على كثير السفر والعاصي به كما صرح به الشهيد في الذكرى وغيره في غيره وقال في المنتهى: لم أقف على قول لعلمائنا باشتراط الطاعة في السفر لسقوط الجمعة ثم قرب الاشتراط، قال بعض مشايخنا: والمسألة لا تخلو من الاشكال وان كان ما قربه قريبا. ومن حصل في أحد مواضع التخيير فالظاهر عدم وجوب الجمعة عليه كما استظهره جملة من مشايخنا لعموم ادلة المسافر وشمولها له وان جاز له الاتمام بدليل من خارج، ونقل عن العلامة في التذكرة القول بالوجوب، وقيل بالتخيير بين الفعل وتركه وهو اختيار الشهيد في الدروس.

[ 150 ]

وسادسها وسابعها - السلامة من العمى والمرض ونقل الفاضلان وغيرهما عليه اتفاق الاصحاب مضافا إلى ما دل على ذلك من الاخبار المتقدمة، ولا ينافيه سقوط الاعمى من اخبار الخمسة لامكان دخوله في المريض المذكور فيها، على ان غاية ما تدل عليه هو الاطلاق بالنسبة إلى الوجوب عليه وعدمه وهو مقيد بالاخبار الاخر من قبيل حمل المطلق على المقيد. واطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضى عدم الفرق في العمى والمرض بين ما يشق معهما الحضور وعدمه، وبهذا التعميم صرح العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، واعتبر شيخنا الشهيد الثاني فيهما تعذر الحضور أو المشقة التى لا يتحمل مثلها عادة أو خوف زيادة المرض. وهو تقييد للنص بغير دليل. واعلم ان الشيخ قد عد في جملة من كتبه العرج ايضا وجعله من جملة الاعذار المانعة من السعي إلى الجمعة وكذا العلامة في بعض كتبه حتى انه قال في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع لانه معذور بالعرج لحصول المشقة في حقه ولانه مريض فسقطت عنه. ولا يخفى ما في التعليلين المذكورين من الوهن. وقيده في التذكرة بالعرج البالغ حد الاقعاد ونقل اجماع الاصحاب عليه. ولم يذكره المفيد ولا المرتضى في جملة الاعذار إلا ان المرتضى في المصباح - على ما نقله عنه في المعتبر والذكرى - قال: وقد روى ان العرج عذر. قال في المعتبر: فان كان يريد به المقعد فهو اعذر من المريض والكبير لانه ممنوع من السعي فلا يتناوله الامر بالسعي وان لم يرد ذلك فهو في حيز المنع. اقول: هذا الكلام من المحقق لا يخلو من غرابة فان المرتضى (قدس سره) انما نسب ذلك إلى الرواية فتفصيله هذا وجعله ما عدا المقعد في حيز المنع ان قصد به الرد على المرتضى فهو ليس في محله لان المرتضى لم يذكر ذلك فتوى منه، وان قصد الرد على الرواية فهو يرجع إلى الرد الامام وهو ترى. نعم لو طعن في الخبر بالارسال وعدم ثبوته لكان في محله.

[ 151 ]

ويعضد ما ذكره المرتضى (قدس سره) من الرواية ما تقدم نقله من كتاب العروس من الرواية المرسلة ايضا (1). والظاهر - كما اختاره في التذكرة والذكرى - هو وجوب الحضور عليه مع الامكان لعموم ادلة الوجوب وعدم وجود ما يصلح للتخصيص سوى هاتين المرسلتين والظاهر انهما لا يبلغان قوة في تخصيص الادلة الدالة على شمول الوجوب لهذا الفرد سيما مع كونه الاوفق بالاحتياط. وثامنها - الكبر والشيخوخة والظاهر ان المراد من يشق عليه الحضور من جهة كبر السن وبلوغه حد الشيخوخة، قال في المنتهى: ولا تجب على الشيخ الكبير وهو مذهب علمائنا. وقيده في القواعد بالبالغ حد العجز أو المشقة الشديدة، ونحوه في الروض ايضا. وبعض الاصحاب عبر هنا بالهم كما في الشرائع وهو بكسر الهاء الشيخ الفاني، وبعضهم عبر بالكبير المزمن كما في الارشاد، قال في الروض بحيث يعجز عن السعي إليها أو تحصل له مشقة لا تتحمل عادة. والكل تقييد للنص من غير دليل فان النصوص مطلقة مترتبة على صدق الكبر كما في صحيحة زرارة (2) أو باضافة الشيخوخة كما في رواية الخطبة. وتاسعها - المطر قال في التذكرة انه لا خلاف فيه بين جملة العلماء. ويدل عليه صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (لا بأس ان تترك الجمعة في المطر). والحق العلامة ومن تأخر عنه بالمطر الوحل والحر والبرد الشديدين إذا خاف الضرر معها، ولا بأس به تفصيا من لزوم الحرج المنفى بالاية والرواية (4) واما ما لم يخف معه الضرر فيشكل الحاقه بالمطر لعدم صدقه عليهما.


(1) و (2) ص 147 (3) الوسائل الباب 23 من صلاة الجمعة. واللفظ في كتب الحديث (تدع) بدل (تترك). (4) ج 1 ص 151.

[ 152 ]

والحق به في الروض احتراق الخبر وفساد الطعام وغيره، قال في المدارك وينبغى تقييده بالمضر فوته. وعندي فيه نظر وبالجملة فالظاهر عدم الترك إلا بما ورد به النص من تلك الاعذار إلا مع خوف الضرر الشديد ولا سيما للامام. وقال في المعتبر: قال علم الهدى وروى ان من يخاف على نفسه ظلما أو ماله فهو معذور وكذا من كان متشاغلا بجهاز ميت أو تعليل والد ومن يجزى مجراه من ذوى الحرمات الاكيدة يسعه التأخر. وعاشرها - عدم البعد باكثر من فرسخين، وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحديد البعد المقتضى لسقوط السعي إلى الجمعة، فالمشهور ان حده ان يكون ازيد من فرسخين واليه ذهب الشيخان والسيد المرتضى وابو الصلاح وسلار وابن ادريس والفاضلان. وقال الشيخ أبو جعفر ابن بابويه في المقنع: وضعها الله تعالى عن تسعة.. إلى ان قال ومن كان على رأس فرسخين. ورواه في من لا يحضره الفقيه (1) وذكره في كتاب الامالى في وصف دين الامامية، وهو قول ابن حمزة، وهو ظاهر في السقوط عن من كان على رأس فرسخين فلا تجب إلا على من نقص عن الفرسخين، والاول صريح في الوجوب على من كان على رأس فرسخين وانما تسقط بالزيادة عنهما فتدافع القولين ظاهر. وقال ابن ابى عقيل: ومن كان خارجا من مصر أو قرية إذا غدا من أهله بعد ما يصلى الغداة فيدرك الجمعة مع الامام فاتيان الجمعة عليه فرض وان لم يدركها إذا غدا إليها بعد صلاة الغداة فلا جمعة عليه. وقال ابن الجنيد: ووجوب السعي إليها على من سمع النداء بها أو كان يصل إلى منزله إذا راح منها قبل خروج نهار يومه. وهو يناسب قول ابن ابى عقيل. ويدل على الاول ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة

[ 153 ]

مسلم عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (تجب الجمعة على من كان منها على رأس فرسخين) وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم ايضا (2) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الجمعة فقال تجب على كل من كان منها على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شئ) وروى هذه الرواية في المعتبر (3) والذكرى عن محمد بن مسلم وحريز عن الصادق (ع). وروى في كتاب دعائم الاسلام عن ابى جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) (4) انه قال: (تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين إذا كان الامام عدلا). ويدل على الثاني ما تقدم في صحيحة زرارة ورواية خطبة أمير المؤمنين (ع) (5) حيث جعل فيها من كان على رأس فرسخين من الاعذار الموجبة لسقوطها. ويدل على القولين الاخيرين صحيحة زرارة (6) قال: (قال أبو جعفر (ع) الجمعة واجبة على من إذا صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما يصلى العصر في وقت الظهر في سائر الايام كى إذا قضوا الصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجعوا إلى رحالهم قبل الليل وذلك سنة إلى يوم القيامة). واجاب عن هذه الرواية في الذكرى بالحمل على الفرسخين جمعا. واجاب الشيخ عنها بالحمل على الاستحباب. واليه مال في المدارك وتبعه جملة ممن تأخر عنه بقى الكلام في التعارض بين اخبار القولين المتقدمين، وجملة من الاصحاب قد ذكروا الجمع بينها وجهين (احدهما) ان يكون المراد بمن كان على رأس فرسخين في اخبار السقوط يعنى ازيد من فرسخين فاطلق رأس فرسخين على ما فيه زيادة يسيرة، قيل: ويؤيده ان الغالب حصول العلم بكون المسافة فرسخين عند العلم بكونها أزيد من غير انفكاك بينهما فان العلم بمقدار الفرسخين من غير زيادة نادر جدا. و (ثانيهما) حمل الوجوب في ما دل على الوجوب في الفرسخين على الاستحباب


(1) و (2) و (6) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة. (3) ص 5، 2 وفي الذكرى التنبيه العاشر من تنبيهات الامر الرابع من الشرط الثالث (4) مستدرك الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة (5) ص 147.

[ 154 ]

المؤكد. قيل ويرجح الاول كثرة الاخبار والشهرة وعموم الاية. أقول: لا يخفى ان هذا الخلاف قليل الجدوى فان محل الخلاف هو الحصول على رأس فرسخين بلا زيادة ولا نقصان ولاريب انه نادر جدا والا حتياط ظاهر. وتمام تحقيق الكلام في هذا المطلب يتوقف على بسطه في مقامين: المقام الاول - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان من لا تلزمه الجمعة من المكلفين الذكور إذا حضر موضع الجمعة جاز له فعلها تبعا واجزأته عن الظهر، واحترزوا بالمكلفين عن الصبى والمجنون فانها لا تجب عليهما ولا تنعقد بهما لعدم التكليف في حقهما، وبالذكر عن المرأة فلا تجب عليها ايضا وان حضرت وانما الكلام هنا في ما عدا ذلك. وظاهر كلامهم الاجماع على الحكم المذكور، قال في المنتهى: لا خلاف في ان العبد والمسافر إذا صليا الجمعة اجزأتهما عن الظهر. وحكى نحو ذلك في البعيد، وقال في المريض: لو حضر وجبت عليه وانعقدت به وهو قول اكثر أهل العلم. وقال في الاعرج: لو حضر وجبت عليه وانعقدت به بلا خلاف. وعنه ايضا في التذكرة انه قال لو حضر المريض والمحبوس بعذر المطر والخوف وجبت عليهم وانعقدت بهم اجماعا. وقال في النهاية من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها وصلاها انعقدت جمعة واجزأته. وعلله بتعليل ضعيف. ويدل على الحكم المذكور ما رواه الشيخ عن حفص بن غياث (1) قال: (سمعت بعض مواليهم يسأل ابن ابى ليلى عن الجمعة هل تجب على المرأة والعبد والمسافر ؟ فقال ابن ابى ليلى لا تجب الجمعة على واحد منهم ولا الخائف. فقال الرجل فما تقول ان حضر واحد منهم الجمعة مع الامام فصلاها معه هل تجزئه تلك الصلاة عن ظهر يومه ؟ فقال نعم. فقال له الرجل وكيف يجزئ ما لم يفرضه الله عليه عما فرضه الله عليه وقد قلت ان الجمعة لا تجب عليه ومن لم تجب الجمعة عليه فالفرض عليه


(1) التهذيب ج 1 ص 251 وفي الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة.

[ 155 ]

أن يصلى اربعا، ويلزمك فيه معنى ان الله فرض عليه أربعا فكيف اجزأ عنه ركعتان ؟ مع ما يلزمك أن من دخل في ما لم يفرضه الله عليه لم يجزئ عنه مما فرض الله عليه ؟ فما كان عند ابن ابى ليلى فيها جواب وطلب إليه أن يفسرها له فابى ثم سألته انا عن ذلك ففسرها لى فقال: الجواب عن ذلك ان الله عز وجل فرض على جميع المؤمنين والمؤمنات ورخص للمرأة والمسافر والعبدان لا يأتوها فلما حضروها سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الاول فمن أجل ذلك اجزأ عنهم. فقلت عن من هذا ؟ فقال عن مولانا ابى عبد الله (ع) وهذه الرواية كما ترى صريحة في دخول المرأة في الحكم المذكور خلافا لما هو المتكرر في كلامهم والمشهور كما سيأتي تحقيقه. ونحوها ايضا صحيحة ابى همام عن ابى الحسن (ع) (1) انه قال: (إذا صلت المرأة في المسجد مع الامام يوم الجمعة الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها وان صلت في المسجد أربعا نقصت صلاتها، لتصل في بيتها اربعا أفضل). والتقريب فيها ان نقص الصلاة بالصاد المهملة يقتضى اجزاءها في الجملة. كذا قوله (لتصل في بيتها أفضل) نعم لو كانت بالضاد المعجمة انتفت دلالتها على الاجزاء بل دلت على نقيضه. وربما اشكل ذلك نظرا إلى ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من سقوط الجمعة عن هؤلاء المعدودين وبها خصت الاية وعموم الاخبار الدالة على وجوب الجمعة عليهم لو لا هذه الاخبار، فالقول بعود الوجوب عليهم بعد الحضور يحتاج إلى دليل قاطع، والرواية الاولى من هاتين الروايتين ضعيفة السند بالراوي والمنقول عنه فلا تقوم حجة في تخصيص الاخبار المذكورة الدالة على السقوط، والثانية وان كانت صحيحة إلا انها أخص من المدعى، ومن ثم استشكل في المدارك ومثله الفاضل الخراساني في المسألة. نعم لو ثبت الاجماع المدعى في المقام تم البحث إلا


(1) الوسائل الباب 22 من صلاة الجمعة.

[ 156 ]

انك قد عرفت ما في دعوى هذه الاجماعات من المجافات. لكن قد ورد ما يعضد هذين الخبرين بالنسبة إلى المسافر ايضا كما رواه الصدوق في كتاب الامالى في المجلس الثالث بسنده عن الباقر (ع) (1) قال: (ايما مسافر صلى الجمعة رغبة فيها وحبا لها اعطاه الله اجر مائة جمعة للمقيم) ورواه في كتاب ثواب الاعمال في الموثق عن سماعة عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) مثله (2) وفيه تأييد ظاهر للقول بالوجوب وان كان اخص من المدعى ايضا. والاحتياط يقتضى اما عدم حضور هؤلاء موضع الجمعة أو الجمع بين الفرضين احتياطا ان حضروا. المقام الثاني - الظاهر انه لا خلاف بينهم في انعقاد الجمعة بما عدا المرأة والعبد والمسافر اما هؤلاء أو واحد منهم لو كان من جملة العدد الذى هو شرط الوجوب وهو السبعة أو الخمسة فهل تنعقد الجمعة به ويحصل شرط الوجوب أم لا ؟ أما المرأة فالظاهر انه لا خلاف في عدم انعقاد الجمعة بها وانما الخلاف في الوجوب عليها لو حضرت وعدمه. والذى يدل على الحكم الاول مضافا إلى الاجماع المذكور الاخبار، ففى صحيحة زرارة أو حسنته (3) (لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط) والرهط - على ما في الصحاح - ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة وفى صحيحة منصور (4) (يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة لا أقل) والقوم - على ما ذكره في الصحاح - الرجال دون النساء. وقوله (ع) في ثالثة (5) (جمعوا إذا كانوا خمسة نفر) قال في الصحاح:


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة. (4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وقوله (خمسة لا اقل) نقل بالمعنى كما يظهر بالرجوع إلى ص 73 (5) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة رقم 6.

[ 157 ]

النفر بالتحريك عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. وهذه الاخبار كما ترى بالنظر إلى ما نقلناه من كلام أهل اللغة متطابقة الدلالة على ان العدد المشترط في الجمعة لابد أن يكونوا من الرجال. واما الكلام بالنسبة إلى الحكم الثاني فظاهر الشيخين في المقنعة والنهاية هو الوجوب على المرأة لو حضرت، قال في المقنعة: وهؤلاء الذين وضع الله عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها وان يصلوها كغيرهم ويلزمهم استماع الخطبة وصلاة ركعتين، ومتى لم يحضروها لم تجب عليهم وكان عليهم الصلاة أربع ركعات كفرضهم في سائر الايام. ومقتضاه كما ترى وجوبها على الجميع مع الحضور من غير استثناء. واستدل عليه الشيخ في التهذيب برواية حفص المتقدمة، ونحوه في النهاية. وبه صرح ابن ادريس فقال بوجوبها على المرأة عند الحضور غير انها لا تحسب من العدد، وتدل عليه رواية حفص المتقدمة. وقال في المبسوط: اقسام الناس في الجمعة خمسة: من تجب عليه وتنعقد به وهو الذكر الحر البالغ العاقل الصحيح السليم من العمى والعرج والشيخوخة التى لا حراك معها الحاضر ومن بحكمه، ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به وهو الصبى والمجنون والعبد والمسافر والمرأة لكن يجوز لهم فعلها ألا المجنون، ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو المريض والاعمى والاعرج ومن كان على رأس اكثر من فرسخين، ومن تجب عليه ولا تنعقد به وهو الكافر لانه مخاطب بالفروع عندنا. والظاهر - كما ذكره بعض الاصحاب - ان مراده بنفى الوجوب في موضع جواز الفعل نفى الوجوب العينى لان الجمعة لا تقع مندوبة اجماعا. وقطع المحقق في المعتبر بعدم الوجوب على المرأة حيث قال: ان وجوب الجمعة عليها مخالف لما عليه اتفاق فقهاء الامصار. وطعن في رواية حفص المتقدمة بضعف حفض وجهالة المروى عنه. وظاهره عدم جواز الفعل ايضا. قال في المدارك: وهو متجه لو لا رواية ابى همام المتقدمة: ثم قال (قرس سره)

[ 158 ]

والحق ان الوجوب العينى منتف قطعا بالنسبة إلى كل من سقط عنه الحضور واما الوجوب التخييري فهو تابع لجواز الفعل فمتى ثبت الجواز ثبت الوجوب ومتى انتفى انتفى. انتهى. أقول: لا يخفى ان ظاهر كلمة الاصحاب وكذا ظاهر رواية حفص المتقدمة انما هو الوجوب العينى بعد الحضور لان ظاهر الجميع هو ان الساقط عن هؤلاء انما هو السعي فمتى تكلفوه وحضروا صار الوجوب عينيا وتعين عليهم الصلاة جمعة، وهذا الوجوب التخييري الذى اختاره لا اعرف له وجها، نعم يبقى الكلام في الافراد المختلف فيها وهو امر آخر. ومما ذكرنا ظهر أن المرأة عدم الجمعة بها وان وجبت عليها بالحضور كما ذكره الشيخان وابن ادريس. ويعضد ذلك ما رواه الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه الكاظم (ع) (1) قال: (سألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين وصلاة الجمعة ما على الرجال ؟ قال نعم) والظاهر حمله على الحضور في موضع الجمعة جمعا بينه وبين الاخبار الدالة على السقوط عنها. وانت خبير بان هذه الرواية مع ضمها إلى روايتي حفص وابى همام المتقدمتين لا تقصر عن تخصيص تلك الاخبار الدالة على السقوط، وتؤيدها رواية المجالس المتقدمة وان كانت بخصوص المسافر. واما العبد والمسافر لو حضرا فقال الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر وابن ادريس انها تنعقد بهما لان ما دل على اعتبار العدد مطلق فيتناولهما كما يتناول غيرهما. وهو جيد إلا انه لا يتم في ما إذا كان العدد منحصرا في المسافرين وان زعمه شيخنا الشهيد لما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المقام. وذهب جمع من الاصحاب: منهم - الشيخ في المبسوط كما تقدم في عبارته وابن


(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة

[ 159 ]

حمزة والعلامة في بعض كتبه إلى انها لا تنعقد بهما، لانهما ليسا من أهل فرض الجمعة كالصبى، ولان الجمعة انما تصح من المسافر تبعا لغيره فكيف يكون متبوعا ؟ ولانه لو جاز ذلك لجاز انعقادها بالمسافرين وان لم يكن معهم حاضر. واجيب بان الفرق بينهما وبين الصبى عدم التكليف في الصبى دون المسافر والعبد، وبمنع التبعية للحاضر، والالتزام بانعقاد ها بجماعة المسافرين. وفيه نظر كما اشرنا إليه. نعم يمكن منع الملازمة بجواز ذلك مع المنع من انعقادها بجماعة المسافرين وهذا هو المفهوم من الاخبار. واما ما ذكره في الذكرى - من ان الظاهر ان الاتفاق واقع على صحتها بجماعة المسافرين واجزائها عن الظهر - فان ظاهر الاخبار منعه لاستفاضتها بان المسافر فرضه في السفر انما هو الظهر دون الجمعة: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال لنا صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة). وعنه في الصحيح ايضا (2) قال: (سألته عن صلاة الجمعة في السفر قال تصنعون كما تصنعون في الظهر ولا يجهر الامام فيها بالقراءة وانما يجهر إذا كانت خطبة). وعن جميل في الصحيح (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ولا يجهر الامام انما يجهر إذا كانت خطبة). وما رواه الصدوق في الصحيح عن ربعى بن عبد الله وفضيل عن ابى عبد الله (ع) (4) انه قال: (ليس في السفر جمعة ولا فطر ولا اضحى) ورواه البرقى في المحاسن بسنده عن العلاء بن الفضيل عن ابى عبد الله (ع) ورواه بسند آخر عن ربعى


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 73 من القراءة في الصلاة. (4) الوسائل الباب 19 من صلاة الجمعة. (5) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.

[ 160 ]

عن ابى عبد الله (ع) (1). إلى غير ذلك من الاخبار الصريحة في أن فرض المسافر انما هو الظهر، وحينئذ فما ادعاه من انعقاد ها بالمسافرين مردود بهذه الاخبار. نعم لما دل خبر حفص على انه نع حضور المسافر لموضع الجمعة المنعقدة بالحاضرين تجب عليه صلاة الجمعة وكذا خبر كتاب الجالس وجب القول بالصحة في المواضع المذكور سواء كان الحاضر اماما أو مأموما فانه تجب عليه الصلاة كذلك وتنعقد به على القول بذلك كما هو الاظهر. ومما ذكرنا ظهر الوجوب على المرأة والعبد والمسافر لو حضروا وهو مورد رواية حفص المتقدمة، فيكون الاجزاء في غير هم بطريق أولى لانه متى ثبت ذلك في محل الخلاف ففى ما لم يحصل فيه خلاف سيما مع ادعاء العلامة في ما قدمنا نقله عنه الاجماع على الصحة والاجزاء عن الظهر بطريق أولى. وقد اشتمل النص المذكور على تعليل حكمة الوجوب بما يوجب اطراده في الباقين. ثم انه مما يدل على بطلان ما نقله في الذكرى من الاتفاق على الانعقاد بجماعة المسافرين ما صرح به الشيخ في المبسوط حيث قال: والمسافر يجوز ان يصلى الجمعة بالمقيمين وان لم يكن واجبا عليه إلا انه لا يصح منه ذلك إذا اتى بالخطبتين ويكون العدد قد تم بغيره. حيث انه اشترط في صحة صلاته مع كونه مسافرا ان يتم العدد بغيره من الحاضرين. وبالجملة فان كلام شيخنا المذكور المشار إليه هنا لا يخلو من غفلة. والله العالم. (المطلب الرابع) في اللواحق والكلام فيه ينتظم في مسائل (الاولى) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم السفر يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة، ونقل الاجماع على ذلك جماعة: منهم - العلامة في المنتهى والتذكرة واليه ذهب اكثر العامة (2).


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة (2) المغني ج 2 ص 362.

[ 161 ]

واستدل عليه في التذكرة بقوله صلى الله عليه وآله (1) (من سافر من دار اقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة لا يصحب في سفره ولا يعان على حاجته) قال: والوعيد لا يترتب على المباح. اقول: لا يخفى على من راجع الاخبار ما وقع لهم (عليهم السلام) من التأكيد في المكروهات بما يكاد يلحقها بالمحرمات وفى المستحبات بما يكاد يدخلها في حيز الواجبات، هذا مع تسليم ثبوت الخبر المذكور. ثم انهم استدلوا على ذلك ايضا بان ذمته مشغولة بالفرض والسفر مستلزم للاخلال به فلا يكون سائغا. وفيه ان صحة هذا الدليل مبنية على ان الامر بالشئ يستلزم النهى عن ضده الخاص وهو مما لم يقم عليه دليل بل الادلة على خلافه واضحة السبيل كما اوضحناه في بعض المباحث المتقدمة. واورد عليه ايضا انه على هذا التقدير يلزم من تحريم السفر عدم تحريمه وكل ما أدى وجوده إلى عدمه فهو باطل، اما الملازمة فلانه لا مقتضى لتحريم السفر إلا استلزامه لفوات الجمعة كما هو المفروض، ومتى حرم السفر لم تسقط الجمعة كما تقدم فلا يحرم السفر لانتفاء المقتضى، واما بطلان اللازم فظاهر. كذا ذكره في المدارك. وفيه ان هذا الايراد مختص بصورة امكان الجمعة في الطريق كما ذكره جده في كتاب الروض لا تحريم السفر مطلقا كما ذكره حيث قال في الروض: ولا فرق في التحريم بين أن يكون بين يديه جمعة اخرى يمكن ادراكها في الوقت وعدمه لاطلاق النهى مع احتمال عدم التحريم في الاول لحصول الغرض. ويضعف بان السفر ان ساغ أوجب القصر فتسقط الجمعة حينئذ فيؤدى إلى سقوطها فيحرم فلا تسقط عنه فيؤدى التحريم إلى عدمه وهو دور. انتهى.


(1) المغني ج 1 ص 362.

[ 162 ]

وبالجملة فان كلام السيد (قدس سره) وايراده ما ذكره على تحريم السفر مطلقا خلاف ما صرح به غيره كما سمعت من كلام جده، فانهم انما اوردوا ذلك على من جوز السفر إذا كان بين يدى المسافر جمعة يدركها قبل فوات الوقت كما هو ظاهر سوق الكلام المذكور. هذا وقد اجاب الفاضل الخراساني في الذخيرة عن الايراد المذكور بانا لا نسلم ان علة حرمة السفر استلزام السفر للفوات ولا ان علتها حصول الفوات في الواقع أو على تقدير السفر بل علة حرمة السفر استلزام جوازه لجواز تفويت الواجب وجواز تفويت الواجب منتف فيكون ملزومه وهو جواز السفر منتفيا فحرمة السفر ليست مستلزمة لانتفاء العلة المقتضية لحرمته. انتهى. وكلامه هذا متجه على تقدير ما اختاره في مسألة استلزام الامر بالشئ النهى عن ضده الخاص من القول بذلك، اما على ما اخترناه وهو اختيار جملة من المحققين: منهم - شيخنا الشهيد الثاني وسبطه صاحب المدارك وغير هما فلا وجه له وبالجملة فان المسألة خالية من النص الصريح في ذلك والركون إلى التعليلات العقلية قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم. نعم يمكن الاستدلال على ذلك بفحوى قوله تعالى: (وذروا البيع) (1) والتقريب ان الظاهر ان النهى عن البيع انما وقع لمنافاته السعي إلى الجمعة كما يشعر به التعليل المستفاد من قوله سبحانه: (ذلكم خير لكم) (2) فيكون السفر المنافى كذلك ايضا. ويعضد ذلك ما رواه الصدوق في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وانت في البلد فلا تخرج حتى تشهر ذلك العيد وإذا حرم السفر الموجب لتفويت صلاة العيد


(1) و (2) سورة الجمعة الاية 9. (3) الوسائل الباب 37 من صلاة العيد.

[ 163 ]

حرم السفر الموجب لتفويت صلاة الجمعة بطريق اولى. ويؤكده ايضا قول أمير المؤمنين (ع) في كتابه للحارث الهمداني على ما نقله الرضى (قدس سره) في كتاب نهج البلاغة (1) (لا تسافر في يوم الجمعة حتى تشهد الصلاة إلا ناضلا في سبيل الله أو في أمر تعذر به) وأصل المناضلة المراماة يقال ناضله إذا راماه (2) والمراد هنا الجهاد والحرب في سبيل الله. وما رواه الكفعمي في كتاب المصباح (3) عن الرضا (ع) قال: (ما يؤمن من سافر يوم الجمعة قبل الصلاة ان لا يحفظه الله تعالى في سفره ولا يخلفه في أهله ولا يرزقه من فضله). وما رواه في الفقيه والخصال عن السرى عن ابى الحسن على بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: (يكره السفر والسعى في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلاة فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به بحمل الكراهة فيها على التحريم كما هو شائع في الاخبار بقرينة خبرى المصباح ونهج البلاغة، والاطلاق في يوم الجمعة محمول على ما بعد الزوال مع احتمال العموم ايضا وان كان المشهور الكراهة بالمعنى الاصطلاحي الاصولي في اليوم. ومما يزيد ذلك تأكيدا ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في رسالة اكمال الجمعة كما نقله عنه في كتاب البحار (5) قال: وعن النبي صلى الله عليه وآله (من سافر يوم الجمعة دعا


(1) ج 3 ص 143 مطبعة الاستقامة وبهامشه شرح محمد عبده (2) قال المجلسي في البحار ج 18 الصلاه ص 726 بعد نقل الخبر: بيان فاصلا اي شاخصا قال تعالى (فلما فصلت العير) فضبطه بالفاء والصاد المهملة كما في نهج البلاغة ج 3 ص 143 المطبوع بمطبعة الاستقامة حيث ضبط كذلك وقال المعلق في الهامش: اي خارجا ذاهبا. (3) ص 184 (4) الوسائل الباب 52 من صلاة الجمعة (5) ج 18 الصلاة ص 731 وفي المستدرك في الباب 44 من صلاة الجمعة إلى قوله: (ولا تقضى له حاجة).

[ 164 ]

عليه ملكاه ان لا يصاحب في سفره ولا تقضى له حاجة) قال: وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب يوم الجمعة يودعه فقال لا تعجل حتى تصلى فقال اذن تفوتنى اصحابي ثم عجل فكان سعيد يسأل عنه حتى قدم قوم فاخبروه ان رجله انكسرت فقال سعيد انى كنت لاظن أن يصيبه ذلك. وروى ان صيادا كان يخرج في يوم الجمعة لا يمنعه مكان الجمعة من الخروج فخسف به وببغلته فخرج الناس وقد ذهبت بغلته في الارض فلم يبق منها اذناها وذنبها. وروى ان قوما خرجوا في سفر حين حضرت الجمعة فاضطرم عليهم خباؤهم نارا من غير نار يرونها. انتهى ما ذكره في الرسالة المذكورة. وبالجملة فاجماع الاصحاب قديما وحديثا على الحكم المذكور - حيث لم ينقل فيه مخالف مع تأيده بما ذكرناه من هذه الاخبار واعتضاده بالاحتياط في الدين - دليل قوى متين كما لا يخفى على الحاذق المكين، فلا ضرورة إلى ما ذكروه من تلك التعليلات العليلة مع عرفت فيها من المناقضات والمعارضات. والله العالم. بقى في المقام فوائد يجب التنبيه عليها: (الاولى) قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: ومتى سافر بعد الوجوب كان عاصيا فلا يترخص حتى تفوت الجمعة فيبتدئ السفر من موضع تحقق الفوات، قاله الاصحاب وهو يقتضى عدم ترخص المسافر الذى يفوت بسفره الاشتغال بالواجب من تعلم ونحوه أو يحصل في الحال الاقامة اكثر من حالة السفر لاستلزامه ترك الواجب المضيق فهو اولى من الجمعة خصوصا مع سعة وقتها ورجاء حصول جمعة اخرى أو لا معه واستلزامه الحرج، وكون اكثر المكلفين لا ينفكون عن وجوب التعلم فيلزم عدم تقصير هم وفوات اغراضهم التى يتم بها نظام النوع غير ضائر والاستبعاد وغير مسموع، ولان الكلام في السفر الاختياري الذى لا يتعارض فيه وجوبان. انتهى. واعترضه المحقق الاردبيلى على ما نقل تلميذه السيد السند في المدارك قال: واعترضه شيخنا المحقق بان هذا كله مبنى على ان الامر بالشئ يستلزم النهى عن

[ 165 ]

ضده الخاص وهو لا يقول به بل يقول ببطلانه. ثم أجاب عن هذا الاقتضاء مع تسليم تلك المقدمة بمنع منافاة السفر غالبا للتعلم إذ التعلم في السفر متيسر غالبا بل ربما كان أيسر من الحضر، وبانه ليس في الكتاب والسنة وما يدل على وجوب التعلم على الوجه الذى اعتبره المتأخرون بل المستفاد منهما خلاف ذلك كما يرشد إليه تيمم عمار (1) وطهارة أهل قبا (2) ونحو ذلك، ثم اطال الكلام في ذلك وقوى عدم الوجوب والاكتفاء في الاعتقادات الكلامية باصابة الحق كيف اتفق وان لم يكن عن دليل. ثم قال في المدارك بعد نقله: وهو قوى متين. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عنهما، وهو عند التأمل لا يوافق القواعد الصحيحة العدلية على ما اظن. اقول: اما ما اعترض به المحقق المذكور - من ان كلام شيخنا المتقدم ذكره مبنى على تلك القاعدة وهو لا يقول بها - فيمكن الجواب عنه بان هذا الكلام منه انما


(1) الوسائل الباب 11 من التيمم رقم 2 و 4 و 5 و 8 و 9. (2) في الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 278 في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة الاية 109 (لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه فيه رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المطهرين) ذكر تسعة عشر حديثا عن ابي هريرة وابن عباس ومجمع بن يعقوب بن مجمع وعويم بن ساعدة الانصاري وعبد الله بن سلام والشعبي وابي امامة وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعطاء وخريمة بن ثابت وابي ايوب الانصاري وابن عمر وسهل الانصاري وقتادة ان الطهور في هذه الاية الغسل بالماء من البول والغائط، ونص الحديث ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لاهل قبا ان الله قد اثنى عليكم خيرا وذكر الاية فما هذا الطهور ؟ فقالوا انا نغسل بالماء مخرج البول والغائط. وفي رواية ابي ايوب وجابر بن عبد الله وانس بن مالك قالوا له نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. قال فهل مع ذلك غيره ؟ قالوا لا غير ان احدنا إذا خرج إلى الغائط احب ان يستنجى بالماء قال (صلى الله عليه وآله) هو ذاك فعليكموه. وذكر الشيخ الطوسي في التبيان ج ؟ ص 858 طبع ايران الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وزاد عليه في مجمع البيان انه مروى عن السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام).

[ 166 ]

وقع الزاما للاصحاب القائلين بذلك مع قولهم بهذه القاعدة فلا يرد عليه ما أورده. واما قوله في جواب منع السفر عن التعلم - بان التعلم في السفر متيسر غالبا بل ربما كان أيسر - ففيه انه ان أراد تيسره في السفر بل ربما كان أيسر حال الاشتغال بالسفر والسير والسرى في الطريق فهو ممنوع كما هو ظاهر، وان اراد بعد الوصول والاستقرار في البلدة التى قصدها فهو كما ذكره ألا ان مراد شيخنا المذكور انما هو الاول فلا يرد عليه ايضا ما أورده. واما قوله - انه ليس في الكتاب والسنة.. إلى آخر ما ذكره مما يدل على الاكتفاء باصابة الحق كيف اتفق - فهو جيد. وقول الفاضل الخراساني من انه عند التأمل لا يوافق القواعد الصحيحة العدلية مردود بما حققناه في مقدمة الاوقات من هذا الكتاب في مسألة ما لو صلى جاهلا بالوقت فانا نقلنا كلامه في المسألة المذكورة وما أورده على المحقق المذكور مما يوضح ما ذكره هنا من هذا الاجمال وبينا ما فيه من الضعف والاختلال. وبالجملة فان ثبوت العصيان بالسفر المذكور الموجب لعدم الترخص انما يتم بناء على ثبوت القائدة المذكورة والحق عندي عدم ثبوتها كما تقدم تحقيقه في بعض مباحث هذا الكتاب. والله العالم. (الثانية) لو كان بين يدى المسافر جمعة اخرى يعلم ادراكها في محل الترخص فهل يكون السفر سائغا أم لا ؟ قد تقدم في كلام شيخنا الشهيد في الروض ما يدل على العدم لقوله: لا فرق في التحريم بين ان يكون بين يديه جمعة اخرى يمكن إدراكها في الوقت وعدمه. ونحوه كلامه في المسالك ايضا، واختاره سبطه السيد السند في المدارك. ونقل عن المحقق الشيخ على في شرح القواعد القول بالجواز، قال لحصول الغرض وهو فعل الجمعة بناء على ان السفر الطارئ على الوجوب لا يسقطه كما يجب الاتمام في الظهر على من خرج بعد الزوال. قال في المدارك: ويضعف باطلاق الاخبار المتضمنة لسقوط الجمعة عن المسافر وبطلان القياس مع ان الحق تعين القصر في صورة الخروج بعد الزوال كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى. انتهى

[ 167 ]

اقول: قد عرفت ان شيخنا الشهيد في الروض ومثله في المسالك ايضا انما استند في تحريم السفر في هذه الصورة إلى ما ذكره من لزوم توقف وجود الشئ على عدمه وان عبر عنه بالدور تجوزا، فان السفر ان ساغ أوجب القصر فتسقط الجمعة حينئذ لعدم وجوبها على المسافر، وحاصل كلام المحقق الشيخ على يرجع إلى منع هذه المقدمة اعني قوله إذا وجب القصر سقطت الجمعة بتخصيص السقوط بما إذا لم يكن السفر طارئا على الوجوب اما لو كان السفر طارئا على الوجوب فلا كما في المثال الذى نظر به. واما ما أجاب به في المدارك - من الاستناد إلى اطلاق الاخبار بسقوط الجمعة عن المسافر - فيمكن الجواب عنه بان الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد المتكررة المتكثرة الشائعة وهو السفر قبل حصول الوجوب دون هذا الفرد النادر الوقوع. وأما ما طعن به من بطلان القياس فالظاهر ان المحقق المذكور إنما قصد بذلك التنظير لدفع الاستبعاد. واما قوله - ان الحق تعين القصر في صورة الخروج بعد الزوال - ففيه انه وان كان ذلك هو الذى اختاره لكن الرواية الدالة عليه لا تخلو من العلة كما سيأتي توضيحه ان شاء الله تعالى في محله مع شهرة القول بما ذكره المحقق المذكور وتأيده بظواهر كثير من الاخبار كما سيأتي ان شاء الله تعالى بيان ذلك. والى القول بالجواز كما ذهب إليه المحقق المذكور ذهب الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا ونقله عن بعض الاصحاب غير المحقق المذكور آنفا قال لنا - ان مقتضى التحريم تفويت الجمعة وهو غير لازم في صورة التمكن إذا لا مانع من اقامة الجمعة في السفر (فان قلت) فعلى هذا يلزم أن تكون الجمعة في السفر واجبة عليه مع انه خلاف النصوص (قلت) التخصيص لازم في النصوص الدالة على عدم وجوب الجمعة على المسافر بان تخص بمسافر لم يتوجه إليه التكليف قبل السفر، بيان ذلك ان ههنا حكمين عامين (أحدهما) ان كان حاضر تجب عليه صلاة الجمعة. و (ثانيهما) ان كل مسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة، والمكلف قبل انشاء السفر داخل في موضوع

[ 168 ]

الحكم الاول ومقتضاه ايجاب الجمعة عليه سواء أوقعه في حال الحضور أو في حال السفر إذ لا تقييد بشئ منهما فإذا تركها في حال الحضور ثم سافر وجب عليه الاتيان بها في هذه الحالة، فالحكم الاول بعمومه اقتضى وجوب الجمعة عليه في حال السفر على ان يكون القيد قيدا للوجوب، ومقتضى عموم الحكم الثاني عدم الوجوب عليه في الصورة المذكورة فلا بد من ابقاء احدهما على المعمول والتخصيص في الاخر، والترجيح للتعميم الاول للاجماع على وجوب الجمعة على الحاضر مطلقا من غير أن يكون مشروطا بعدم صدق السفر عليه لاحقا. انتهى. اقول: مخلص كلامه قد رجع إلى ما ادعاه من الاجماع على التعميم الاول مع أنه معارض بالاجماع أيضا على التعميم الثاني كما عرفت مما قدمنا نقله عن الفاضلين والشهيد من دعوى الاجماع على اشتراط الحضر وانها لا تجب على المسافر، وهو أعم من أن يدخل عليه وقت الوجوب في الحضر أم لا، بل قد اعترف هو بذلك في صدر هذا الكلام حيث قال: ولو كان بين يدى المسافر جمعة اخرى يعلم إدراكها في محل الترخص جاز سفره كما ذهب إليه بعض الاصحاب واختاره المدقق الشيخ على، وذهب جماعة إلى عموم التحريم في الصورتين، والاجماع المنقول سابقا يعم الجميع. ثم قال: لنا.. إلى آخر ما قدمنا نقله. وبذلك يظهر لك ان ما اطال به الكلام تطويل بغير طائل وكلام لا يرجع إلى حاصل. ويبقى ما ذكره من تعارض العمومين المذكورين كتعارض الاجماعين المنقولين والاظهر في الجواب انما هو ما قدمنا ذكره من منع شمول اطلاق الاخبار الدالة على سقوط الجمعة عن المسافر لهذا الفرد. وكيف كان فالمسألة لخلوها عن النص الواضح لا تخلو من الاشكال والاحتياط فيها واجب على كل حال. والله العالم. (الثالثة) لو كان بعيدا عن الجمعة بفرسخين فما دون فخرج مسافرا في صوب الجمعة، فقيل يجب عليه الحضور عينا وان صار في محل الترخص، لانه لولاه

[ 169 ]

لحرم عليه السفر، ولان من هذا شأنه يجب عليه السعي قبل الزوال فيكون سبب الوجوب سابقا على السفر كما في الاتمام لو خرج بعد الزوال. واحتمل الشهيد في الذكرى عدم كون هذا المقدار محسوبا من المسافة لوجوب قطعه على كل تقدير ويجرى مجرى الملك في اثناء المسافة. ثم قال: ويلزم من هذا خروج قطعة من السفر عن اسمه بغير موجب مشهور. قال في المدارك بعد نقله عنه ذلك: ويضعف بان وجوب قطعه على كل تقدير لا يخرجه عن كونه جزء من المسافة المقصودة. ثم قال: ولو قيل باختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال وان وجوب السعي إلى الجمعة قبله للبعيد انما يثبت مع عدم انشاء المكلف سفرا مسقطا للوجوب لم يكن بعيدا من الصواب. انتهى. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة: والظاهر عندي انشاء السفر إذا كان قبل زمان تعلق وجوب السعي وهو زمان لا يدرك الجمعة ان اخر السعي سقطت الجمعة وإلا وجبت عليه وان صدق عليه اسم المسافر، ووجهه يعلم مما حققناه سابقا. انتهى. أقول. لا يخفى ان ظاهر القول الاول هو انه متى سافر قبل الزوال وجب عليه حضور الجمعة لما ذكره من التعليلين وهو راجع إلى المسألة المسابقة حتى بالغ في الذكرى في نفى السفر عنه ما دام في هذه المسافة. وظاهر ما ذكره في المدارك اختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال كما هو المفروض في أصل المسألة واما قبله فلا. واجاب عن التعليلين المذكورين في القول الاول بالمنع في هذه الصورة وتخصيص ذلك بما إذا لم ينشئ المكلف سفرا مسقطا للوجوب دون ما نحن فيه من انشاء السفر المسقط. وفيه ان عموم الادلة والروايات الواردة في وجوب الحضور على من كان على رأس فرسخين فما دون شامل لموضع البحث فانها أعم من ذلك اعترف به في المسألة المتقدمة. وظاهر كلام الذخيرة انه ان شاء السفر قبل زمان تعلق وجوب السعي

[ 170 ]

بالذمة وهو الزمان الذى يدرك فيه الجمعة بحيث لو اخر عنه فاتت فانه يسقط عنه وجوب حضورها وان وقع في ذلك الزمان وجب عليه الحضور. ووجهه بالنسبة إلى الاول انه حال انشاء السفر غير مكلف ولا مخاطب بالجملة فيكون سفره مشروعا كما لو سافر قبل الزوال في المسألة المتقدمة. ووجهه بالنسبة إلى الثاني ما قدمنا نقله عنه من انه لا مانع من اقامة الجمعة في السفر لانه قد تعلق به الخطاب فيجب عليه اقامتها وليس ثمة مانع إلا السفر وهو لايمنع من ذلك بالتقريب الذى قدمه، وقد عرفت ما فيه. وبالجملة فان المسألة لما كانت عارية من النص كثرت فيها الاحتمالات، وقد عرفت مما ذكرنا في غير موضع مما تقدم عدم صلوح أمثال هذه التعليلات لتأسيس الاحكام الشرعية، فالوقوف على جادة الاحتياط في أمثال هذه المقامات عندنا من الواجبات. والله العالم. (الرابعة) قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو كان السفر واجبا كالحج والغزو أو مضطرا إليه انتفى التحريم، قال في الروض: وانما يحرم مع الاختيار وعدم وجوبه فلو كان مضطرا إليه بحيث يؤدى تركه إلى فوات الغرض أو التخلف عن الرفقة التى لا يستغنى عنها أو كان سفر حج أو غزو يفوت الغرض منهما مع التأخر فلا يحرم. وعلى هذا المنوال كلام جملة منهم. ويدل عليه ما قدمنا نقله (1) عن كتاب نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (ع) في كتابه للحارث الهمداني (لا تسافر يوم الجمعة حتى تشهد الصلاة إلا ناضلا (2) في سبيل الله أو في أمر تعذر به). واما ما ذكره في الذخيرة هنا - حيث قال: لو كان السفر واجبا كالحج والغزو مع التضيق أو مضطرا إليه ارتفع التحريم على اشكال في السفر الواجب. انتهى - فلعل الوجه في هذا الاشكال الذى ذكره هو تعارض الواجبين من السفر والجمعة


(1) ص 163. (2) ارجع إلى التعليقة 2 ص 163.

[ 171 ]

فتقديم وجوب السفر على وجوب الجمعة يحتاج إلى دليل. (الخامسة) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يكره السفر يوم الجمعة بعد طلوع الفجر، والظاهر انه مجمع عليه بينهم بل واكثر العامة على ذلك أيضا (1) كما نقل عن التذكرة، وذكر فيها انه لا يكره ليلة الجمعة اجماعا. ويدل عليه مضافا إلى الاتفاق المذكور ما قدمنا نقله (2) من خبر السرى المنقول في الفقيه والخصال عن الهادى (ع) قال: (يكره السفر والسعى في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلاة فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به) مع احتمال حمل الكراهة فيه على التحريم كما قدمنا ذكره. ولم اقف على من استدل على الحكم المذكور بهذا الخبر وانما استندوا فيه إلى اطلاق الخبر النبوى الذى قدمنا نقله عن التذكرة (3) ونبهنا على ان الظاهر انه عامى وهو قوله (صلى الله عليه وآله): (من سافر من دار اقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة.. الخ) مع ان هذا الخبر الذى ذكرناه أوضح دلالة وسندا. واحتمل المحدث الكاشانى في المفاتيح التحريم في هذا المقام وهو ظاهر اطلاق ما قدمناه من رواية مصباح الكفعمي عن الرضا (ع) وخبر الحارث الهمداني (4) واحتمال حمل الكراهة على التحريم في الخبر المتقدم، وتعضده الرواية التى قدمنا نقلها عن رسالة شيخنا الثاني وان كان الظاهر انها من طرق العامة. وعلل الحكم المذكور في المفاتيح قال: لانه مأمور بالسعي إلى الجمعة من فرسخين فكيف يسعى عنها. وبذلك يظهر ان ما احتمله (طاب ثراه) قريب لا استبعاد فيه إلا من حيث مخالفة


(1) في شرح الزرقاني على مختصر ابي الضياء في فقه مالك ج 2 ص 64 (يكره السفر يومها لمن تلزمه بعد الفجر وجاز قبله وحرم بالزوال قبل النداء) ونقل الشوكاني في نيل الاوطار ج 3 ص 195 عن مالك واحمد والشافعي في القديم والاوزاعي جواز السفر من طلوع الفجر إلى الزوال، وحكاه ابن قدامة عن اكثر اهل العلم. (2) و (4) ص 163 (3) ص 161.

[ 172 ]

الشهرة وإلا فظواهر ما ذكرناه من الادلة تقتضيه. والله العالم. المسألة الثانية - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم البيع بعد النداء للصلاة يوم الجمعة بل نقل الاجماع عليه في المنتهى والتذكرة ويدل عليه قوله عز وجل (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (1) فان مفاده الامر بترك البيع بعد النداء فيكون حراما. وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: (وروى انه كان بالمدينة إذا اذن المؤذن يوم الجمعة نادى مناد (حرم البيع حرم البيع) لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة.. الاية). والظاهر ان المراد بالبيع في الاية ما هو أعم منه ومن الشراء لاطلاقه شرعا عليه، وبذلك صرح جملة من الاصحاب. وانما الخلاف والاشكال في هذا المقام في مواضع: الاول - المفهوم من كلام جملة من الاصحاب: منهم - العلامة في المنتهى والشيخ في الخلاف اناطة التحريم بالاذان وان تأخر عن الزوال اخذا بظاهر الاية فالبيع بعد الزوال وقبل الاذان غير محرم، قال في المنتهى: وإذا صعد الخطيب المنبر ثم أذن المؤذن حرم البيع وهو مذهب علماء الامصار.. إلى ان قال: ولا يحرم بزوال الشمس ذهب إليه علماؤنا أجمع بل يكون مكروها. ونسبه إلى جملة التابعين واكثر أهل العلم


(1) سورة الجمعة الاية 9. (2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة. (3) في المغني ج 2 ص 297 (النداء الذي كان على عهد رسول (الله صلى الله عليه واله) هو النداء عقيب جلوس الامام على المنبر فتعلق الحكم به دون غيره، ولا فرق بين ان يكون ذلك قبل الزوال أو بعده) وفي عمدة القارئ ج 3 ص 282 قال صاحب الهداية: المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع هو الاذان الاصلى الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين يدي المنبر، وفي فتاوى العتابي هو المختار وبه قال الشافعي واحمد واكثر فقهاء الامصار

[ 173 ]

ونسب إلى مالك وأحمد تحريم البيع بعد الزوال (1). وظاهره كما ترى دعوى الاجماع على الحكم المذكور مع انه في الارشاد علق الحكم على الزوال. وقال في الخلاف: يحرم البيع إذا جلس الامام على المنبر بعد الاذان ويكره بعد الزوال قبل الاذان. انتهى. أقول: والاقرب عندي ما ذكره شيخنا في الروض من اناطة ذلك بالزوال فان الظاهر ان التعليق في الاية على الاذان انما خرج مخرج الغالب المتكرر من وقوع الاذان متى تحقيق الزوال. قال (قدس سره) بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على تعليق الحكم على الزوال: وانما علقه المصنف على الزوال لانه السبب الموجب للصلاة، والنداء اعلام بدخول الوقت فالعبرة به فلو اتفق تأخير الاذان عن اول الوقت نادرا لم يؤثر في التحريم السابق لوجود العلة ووجوب السعي المترتب على دخول الوقت وان كان في الاية مترتبا على الاذان، إذا لو فرض عدم الاذان لم يسقط وجوب


(1) في المغني ج 2 ص 297 (حكى القاضي رواية عن احمد ان البيع يحرم بزوال الشمس وان لم يجلس الامام على المنبر) وحكاه في عمدة القارئ ج 3 ص 272 عن الضحاك والحسن وعطاء، وفي المدونة ج 1 ص 143 (قال أبو القاسم قال مالك إذا قعد الامام يوم الجمعة على المنبر فاذن المؤذن فعند ذلك يكره البيع والشراء وان اشترى رجل أو باع في تلك الساعة فسخ ذلك البيع) وفي ص 144 (قال مال إذا اذن المؤذن وقعد الامام على المنبر منع الناس من البيع والشراء وفي كفاية الطاب الرباني لرسالة القيرواني في مذهب مالك ج 1 ص 283 (يحرم حين الاذان بين يدي الامام البيع بين اثنين تلزمهما الجمعة أو احدهما فان وقع فسخ) وفي تفسير القرطبي ج 18 ص 108 (في وقت تحريم البيع قولان: الاول من بعد الزوال إلى الفراغ منها قاله الضحاك والحسن وعطاء. الثاني من وقت اذان الخطبة إلى وقت الصلاة قاله الشافعي، ومذهب مالك ان يترك البيع إذا نودى للصلاة ويفسخ عنده ما وقع من البيع في ذلك الوقت) فالقول المذكور لم ينسب إلى مالك بل نسب إليه القول المشهور.

[ 174 ]

السعي فان المندوب لا يكون شرطا للواجب، واكثر الاصحاب علقوا التحريم على الاذان لظاهر الاية بل صرح بعضهم بالكراهة بعد الزوال قبل الاذان وهو أوضح دلالة وان كان ما هنا اجود. انتهى. وهو جيد. ويميل إليه ايضا كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد حيث قال: والظاهر ان النداء كناية عن دخول الوقت فلو لم يناد يحرم ايضا ويجب السعي، فقول المصنف (بعد الزوال) اشارة إلى تفسير الاية أحسن من كلام غيره (بعد النداء) إذ دليل التحريم ظاهر الاية فانه إذا كان ترك البيع واجبا كما يدل عليه (وذروا) يكون الفعل حراما لان الامر بالسعي للفور لترتبه على (إذا).. إلى آخر كلامه زيد في مقامه وبذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال: ثم لا يخفى ان المذكور في عبارت الاصحاب تحريم البيع بعد الاذان حتى ان المصنف في المنتهى والنهاية نقل اجماع الاصحاب على عدم تحريم البيع قبل النداء ولو كان بعد الزوال. ثم نقل ما قدمنا نقله عن المنتهى إلى أن قال فما اختاره في هذا الكتاب من إناطة التحريم بالزوال واختاره الشارح الفاضل محل تأمل. انتهى، فان فيه انه لا مجال للتأمل هنا إلا ان كان باعتبار مخالفة الاجماع المنقول وفيه ما قد عرفت ولا سيما ما شرحناه آنفا من احوال هذه الاجماعات وبه صرح هو ايضا في كتابه في غير موضع، الا أن مقتضى النظر في الادلة وتحقيق ما هو الحق المستفاد منها إنما هو في ما ذكره هذان الفاضلان المحققان كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في ما ذكراه فانه جيد متين وجوهر ثمين كما لا يخفى على الحاذق المكين. الثاني - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في غير البيع من العقود والايقاعات كالصلح والاجارة والنكاح والطلاق ونحوها، فالحقها العلامة (قدس سره) وجماعة بالبيع للمشاركة في العلة المومأ إليها في قوله سبحانه تعالى (ذلك خير لكم) (1) وانما خص البيع بالذكر لان فعله كان أكثريا لانهم كانوا يهبطون إلى


(1) سورة الجمعة الاية 9.

[ 175 ]

المدينة من سائر القرى لاجل البيع واشراء. وأيضا فان ظاهر الآية يقتضى وجوب السعي بعد النداء على الفور لا من جهة الامر لعدم دلالته على الفورية كما تقرر في الاصول بل من جهة ان الامر بترك البيع والسعى إلى الصلاة قرينة ارادة المسارعة فيكون كل ما نافاها كذلك. أقول: ويعضد ذلك رواية السرى المتقدمة (1) وان كانت بلفظ الكراهة إلا انك قد عرفت ان حملها على التحريم غير بعيد وقد دلت على كراهة السعي في الحوائج الذى هو أعم من العقود أيضا كما ذهب إليه بعضهم في المقام. وقال المحقق في المعتبر: وهل يحرم غير البيع من العقود ؟ الاشبه في المذهب لا خلافا لطائفة من الجمهور (2) لاختصاص النهى بالبيع فلا يتعدى إلى غيره واستشكله العلامة في جملة من كتبه نظرا إلى العلة المومأ إليها في الاية كما قدمنا ذكره ومن ثم مال في جملة من كتبه إلى الالحاق بالبيع، وظاهره في المدارك الميل إلى ذلك، والظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين. وقال في الذكرى: ولو حملنا البيع على المعاوضة المطلقة الذى هو معناه الاصلى كان مستفادا من الاية تحريم غيره. ويمكن تعليل التحريم بان الامر بالشئ يستلزم النهى عن ضده ولا ريب ان السعي مأمور به فيتحقق النهى عن كل ما ينافيه من بيع وغيره وهذا أولى، وعلى هذا يحرم غير العقود من الشواغل عن السعي. انتهى وأورد عليه أما بالنسبة إلى الاولى فان حمل البيع على مطلق المعاوضة على الاعيان والمنافع خلاف المعنى الشرعي والعرفي. وعلى الثاني انه خلاف ما ذهب إليه في مواضع من كتابه من أن الامر بالشئ لا يقتضى النهى عن ضده الخاص. اقول: والحق في المقام أن يقال ان المسألة لما كانت خالية من النص الصريح كان الاحتياط فيها واجبا وهو في جانب القول بالتحريم ويخرج ما ذكرناه من الوجوه


(1) ص 163 (2) المغني ج 2 ص 298 وعمدة القارئ ج 3 ص 282.

[ 176 ]

المتقدمة الدالة على التحريم شاهدا. والله العالم. الثالث - لو كان أحد المتعاقدين ممن لا يجب عليه السعي ففى التحريم عليه خلاف فذهب جمع من المتأخرين إلى التحريم وآخرون إلى الجواز بالنسبة إليه وان حرم بالنسبة إلى الاخر، والى الثاني ذهب المحقق وفاقا للشيخ حيث انه كرهه. حجة الاولين انه معاونة على الحرام وقد نهى سبحانه عنها بقوله: (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (1). وقال في الذكرى: لو كان أحد المتبايعين ممن لا يخاطب بالسعي كان سائغا بالنظر إليه حراما بالنظر إلى من يجب عليه السعي، وقال الشيخ: يكره للاول لانه اعانة على الفعل المحرم. وقال الفاضل التعليل يقتضى التحريم لقوله تعالى (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (2) ثم قوى التحريم عليه ايضا وهو قوى. انتهى. اقول: والكلام في هذه المسألة كما في سابقتها فانها عارية عن النص والاحتياط فيها مطلوب لما عرفت. الرابع - لو أوقع البيع في الحال المنهى عنه فهل ينعقد البيع وان أثم أو يبطل ؟ قولان مبنيان على ان النهى في غير العبادات هل يقتضى الفساد أم لا ؟ فذهب العلامة وجملة من الاصحاب - والظاهر انه المشهور بين المتأخرين - إلى انعقاده بناء على ما تقرر عندهم في الاصول من أن النهى في غير العبادات لا يقتضى الفساد ونقله الشيخ عن بعض الاصحاب، وذهب جمع من الاصحاب: منهم - الشيخ في المسبوط والخلاف وابن الجنيد إلى عدم الانعقاد بناء على ان النهى مفسد مطلقا. أقول: والتحقيق عندي في هذا المقام كما اودعناه في جملة من زبرنا سابقا على هذا الكتاب هو أن يقال لا يخفى ان القاعدة التى بنوا عليها الكلام في المقام من ان النهى في غير العبادات لا يقتضى الفساد وان اشتهرت وتكررت في كلامهم وتداولتها رؤوس أقلامهم إلا انا نرى كثيرا من عقود المعاملات قد حكموا ببطلانها


(1) و (2) سورة المائدة الاية 3.

[ 177 ]

من حيث النهى الوارد عنها في الروايات، ومن تتبع كتاب البيع وكتاب النكاح عثر على كثير منها وذلك كبيع الخمر والخنزير والعذرة وبيع الغرر ونحو ذلك، والعقد على اخت الزوجة وابنتها وامها ونحو ذلك، وما ذكروه من القاعدة المشار إليها اصطلاح اصولي لا تساعد عليه الاخبار بحيث يكون اصلا كليا وقاعدة مطردة بل المفهوم منها كون الامر كذلك في بعض وبخلافه في آخر كما اشرنا إليه. ويخطر بالبال في الجمع بين الاخبار المتصادمة في هذا المجال ان يقال ان النهى الواقع في الاخبار كان باعتبار عدم قابلية المعقود عليه للدخول تحت مقتضى العقد فانه يبطل العقد رأسا كالاشياء التى ذكرناها، فان الظاهر ان النهى عنها إنما وقع من حيث عدم قابليتها للانتقال إلى ما اريد نقلها إليه. وان كان لا كذلك بل باعتبار أمر خارج من زمان أو مكان أو قيد خارج أو نحو ذلك مما لا مدخل له في أصل العوضين فالحكم فيه ما ذكروه من صحة العقد وان حصل الاثم باعتبار مخالفة النهى، ومنه البيع وقت النداء فان النهى عنه وقع من حيث الزمان فيقال بصحة البيع حينئذ لعدم تعلق النهى بذات شئ من العوضين باعتبار عدم قابليته للعوضية وإنما وقع باعتبار أمر خارج عن ذلك وان أثم باعتبار إيقاعه في ذلك الزمان المنهى عن الايقاع فيه. ويؤيد هذا التفصيل بعد أن هجر بالفكر الكليل والذهن العليل ما وقفت عليه في كلام شيخنا الشهيد الثاني (اعلى الله مرتبته ونور تربته) في كتاب المسالك في مسألة العقد على بنت الاخ أو الاخت وادخالها على العمة والخالة واختيارهما في فسخه حيث انه قال: قيل في المسألة المذكورة ببطلان العقد. وقيل بالصحة وان للعمة والخالة الخيار في فسخه وعدمه. وقد استدل القائل بالبطلان بالنهي عنه ورده في المسالك بان النهى لا يدل على الفساد في المعاملات. ثم قال بعد ذلك: (فان قيل) النهى في المعاملات وان لم يدل على الفساد بنفسه لكنه إذا دل على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فهو دال على الفساد من هذه الجهة كالنهي عن

[ 178 ]

نكاح الاخت وكالنهى عن بيع الغرر، والنهى في محل النزاع من هذا القبيل (قلنا) لا نسلم دلالته هنا على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فانها عند الخصم صالحة له ولهذا صلحت مع الاذن بخلاف الاخت وبيع الغرر فانها لا يصلحان أصلا، وصلاحية الاخت على بعض الوجوه كما لو فارق الاخت لا يقدح لانها حينئذ ليست اخت الزوجة بخلاف بنت الاخت ونحوها فانها صالحة للزوجية مع كونها بنت أخت الزوجة، والاخبار قد دلت على النهى عن تزويجها وقد عرفت انه لا يدل على الفساد، فصار النهى عن هذا التزويج من قبيل ما حرم لعارض كالبيع وقت النداء لا لذاته، والعارض هو عدم رضا الكبيرة فإذا لحقه الرضا زال النهى. انتهى وقد ظهر منه ما ذكرناه من التفصيل باعتبار رجوع النهى تارة إلى المعقود عليه من حيث عدم صلاحيته للدخول تحت مقتضى العقد فيكون العقد لذلك فاسدا وتارة من حيث أمر خارج فلا يلزم الفساد، ومنه ما نحن فيه من مسألة البيع بعد النداء ومسألة بنت الاخ والاخت كما اختاره (قدس سره) فان النهى إنما وقع باعتبار أمر خارج هو الزمان في الاول وعدم رضا العمة والخالة في الثاني، وحينئذ فيكون العقد صحيحا في الاول وان أثم وفى الثاني صحيحا مراعى بالرضا وعدمه. والله العالم. (المسألة الثالثة) - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان الاذان الثاني يوم الجمعة بدعة. وقد وقع الخلاف هنا في موضعين: الاول - في انه هل يكون حراما لكونه بدعة أو مكروها ؟ فقال الشيخ في المبسوط انه مكروه وتبعه المحقق في المعتبر، وذهب ابن ادريس إلى الاول وهو المشهور بين المتأخرين. احتج القائلون بالتحريم بان الاتفاق واقع على ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يفعله ولا أمر بفعله وهو عبادة يتوقف فعلها على المشروعية وإذا لم يشرع كان بدعة كالاذان

[ 179 ]

للنافلة وروى ان أول من فعله عثمان (1) ونقل عن الشافعي أنه قال ما فعله النبي (صلى الله عليه وآله وأبو بكر وعمر أحب الي (2) وقيل ان أول من فعله معاوية (3). واحتجوا أيضا برواية حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: (الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة) وسمى ثالثا بالنسبة إلى الاذان والاقامة الموظفين. قال في المعتبر: الاذان الثاني بدعة وبعض أصحابنا يسميه الثالث لان النبي (صلى الله عليه وآله) شرع للصلاة أذانا واقامة فالزيادة ثالث على تربيت الاتفاق، وسميناه ثانيا لانه يقع عقيب الاذان الاول وما بعده يكون اقامة والتفاوت لفظي، فمن قال بانه بدعة احتج برواية حفض بن غياث: ثم ذكر الرواية ثم قال لكن حفض المذكور ضعيف وتكرار الاذان غير محرم لانه ذكر يتضمن التعظيم للرب لكن حيث لم يفعله النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يأمر به كان أحق بوصف الكراهية وبه قال الشيخ في المبسوط. وقيل أول


(1) في البخاري باب الاذان يوم الجمعة عن السائب بن يزيد (كان النداء يوم الجمعة اوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه واله وابي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء) وفي عمدة القارئ ج 3 ص 290 عن سليمان بن موسى اول من زاد الاذان بالمدينة عثمان وعن ابن عمر الاذان الاول بدعة وعن الزهري اول من احدث الاذان الاول عثمان يؤذن لاهل السوق وعن معاذ بن عمر لما كانت خلافة عمر وكثر المسلمون امر مؤذنين ان يؤذنا للناس بالجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس الاذان وأمر ان يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين يدي ابي بكر ثم قال عمر اما الاذان الاول فنحن ابتدعناه لكثرة المسلمين فهو سنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ماضية. وقيل اول من احدث الاذان الاول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد، وانما سمى ثالثا باعتبار عدد الاقامة لانها اعلام مثله. (2) في الام للشافعي ج 1 ص 173 (الامر الذي على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) احب الي) (3) الام للشافعي ج 1 ص 173. (4) الوسائل الباب 49 من صلاة الجمعة.

[ 180 ]

من فعل ذلك عثمان وقال عطاه أول من فعله معاوية (1) قال الشافعي: ما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر وعمر أحب إلى (2) انتهى كلامه زيد مقامه. وأنت خبير بما فيه من الوهن الذى لا يخفى على الفطن النبيه فان مجرد كون الاذان ذكرا يتضمن التعظيم لا يوجب المشروعية فان الصلاة ايضا كذلك مع انه لو صلى انسان فريضة أو نافلة زائدة على الموظف شرعا بقصر انها مستحبة أو واجبة في هذا الزمان أو المكان أو على كيفية مخصوصة لم يرد بها الشرع فانه لا خلاف في البدعية والتشريع وانه فعل محرما، ولهذا خرجت الروايات بتحريم صلاة الضحى (3) مع انها عبادة تتضمن التعظيم لكن لما اقترنت بقصر التوظيف في هذا الوقت مع عدم ثبوته شرعا حصلت البدعية والتحريم فيها، وحينئذ فهذا الاذان الثاني كذلك، وعدم فعل النبي صلى الله عليه وآله ولا امره به مما يوجب التحريم كما قدمنا ذكره لا الكراهة، وبالجملة فان كلامه (قدس سره) هنا غير موجه كما عرفت. واما رده رواية حفص بضعف الراوى فقال في الذكرى بانه لا حاجة إلى الطعن في السند مع قبول الرواية للتأويل وتلقى الاصحاب لها بالقبول، بل الحق ان لفظ البدعة غير صريح في التحريم فان المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله ثم تجدد بعده وهو ينقسم إلى محرم ومكروه. انتهى. وفيه ان الظاهر المتبادر من لفظ البدعة سيما بالنسبة إلى العبادات إنما هو المحرم، ولما رواه الشيخ عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين (عليهما السلام) (4) (ان كان بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار). وبالجملة فالاظهر كما عرفت هو التحريم، واما رواية حفص فانه يحتمل حمل الثالث فيها على الاذان الواقع للعصر كما ذكره بعض أفاضل متأخرى المتأخرين.


(1) و (2) الام للشافعي ج 1 ص 173. (3) الوسائل الباب 31 من اعداد الفرائض ونوافلها (4) الوسائل الباب 10 من ابواب نافلة شهر رمضان.

[ 181 ]

الثاني - في تفسير الاذان الثاني فقيل هو ما وقع ثانيا بالزمان بعد اذان آخر واقع في الوقت من مؤذن واحد أو قاصد كونه ثانيا سواء كان بين يدى الخطيب أو على المنارة أو غيرهما. وقيل ما وقع ثانيا بالزمان والقصد لان الواقع أولا هو المأمور به والمحكوم بصحته فيكون التحريم متوجها إلى الثاني. وقيل انه ما لم يكن بين يدى الخطيب لانه الثاني باعتبار الاحداث سواء وقع أولا أو ثانيا بالزمان: لما رواه الشيخ عن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون). ورد بضعف سند الرواية ومعارضتها بحسنة محمد بن مسلم أو صحيحته قال: (سألته عن الجمعة فقال أذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر.. الحديث) وهو صريح في استحباب الاذان قبل صعود الامام المنبر فيكون المحدث غيره. وقال ابن ادريس الاذان الثاني ما يفعل بعد نزول الامام مضافا إلى الاذان الذى عند الزوال. وهو غريب فانه لم يقل أحد ولا ورد خبر بالاذان بعد نزول الامام اقول: قال شيخنا أمين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان في تفسير قوله تعالى (إذا نودى..) (3) أي إذا اذن لصلاة الجمعة وذلك إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لانه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله نداء سواه، قال السائب بن يزيد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذن واحد بلال فكان إذا جلس على المنبر اذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة ثم كان أبو بكر وعمر كذلك حتى إذا كان


(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة. (2) الوسائل الباب 6 و 25 من صلاة الجمعة. (3) سورة الجمعة الاية 9.

[ 182 ]

عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد اذانا فامر بالتأذين الاول على سطح دار له بالسوق يقال لها الزوراء وكان يؤذن له عليها فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه فإذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه (1) انتهى. وفيه دلالة على ان المراد بالثاني هو ما لم يكن بين يدى الخطيب بعد صعوده المنبر لانه هو المسنون الموظف فما عداه تقدم أو تأخر يكون بدعة كما هو القول الثالث من الاقوال المتقدمة. واما الايراد عليه بمضمرة محمد بن مسلم وان رواية القداح ضعيفة ففيه ان اشتهار الحكم بين الخاصة والعامة (2) بمضمون الرواية المذكورة جابر لضعفها بناء على القول بهذا الاصطلاح المحدث. وأما مضمرة محمد بن مسلم فتحمل على الرخصة. والله العالم. (المسألة الرابعة) إذا لم يكن امام الجمعة ممن يصح الاقتداء به تخير المكلف متى ألجأته التقية والضرورة إلى الصلاة معه بين الصلاة قبل الفريضة ثم يصلى معه نافلة وبين أن يصلى معه ثم يتمها بركعتين بعد فراغه وفى الافضل منهما تردد. ومما يدل على الاول من الاخبار ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بكر الحضرمي (3) قال: (قلت لابي جعفر (ع) كيف تصنع يوم الجمعة ؟ قال كيف تصنع أنت ؟ قلت اصلى في منزلي ثم اخرج فاصلي معهم. قال كذلك اصنع انا). وعن عبد الله به سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) قال: (مامن


(1) البخاري باب الاذان يوم الجمعة وباب التأذين عند الخطبة والام للشافعي ج 1 ص 173 وسنن ابي داود ج 1 ص 285 وسنن النسائي ج 1 ص 207 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 348 وسنن البيهقي ج 1 ص 192 وفيها هكذا (فثبت الامر على ذلك) وفي بعضها (فثبت حتى الساعة) وربما كان (فلم يعب ذلك عليه) نقلا بالمضمون. (2) ارجع إلى التعليقة 3 ص 110. (3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة عن الصدوق.

[ 183 ]

عبد يصلى في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلى معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمسا وعشرين درجة). ومما يدل على الثاني ما رواه في الكافي عن حمران بن اعين قال: (قلت لابي جعفر (ع) جعلت فداك انا نصلى مع هؤلاء يوم الجمعة وهم يصلون في الوقت فكيف نصنع ؟ فقال صلوا معهم. فخرج حمران إلى زرارة فقال له قد أمرنا أن نصلى معهم بصلاتهم فقال زرارة ما يكون هذا إلا بتأويل. فقال له حمران قم حتى تسمع منه قال فدخلنا عليه فقال له زرارة جعلت فداك ان حمران زعم انك امرتنا ان نصلى معهم فانكرت ذلك ؟ فقال لنا: كان على بن الحسين (عليهما السلام) يصلى معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فاضاف اليهما ركعتين). وما رواه في التهذيب في الحسن أو الموثق عن زرارة عن حمران قال: (قال لى أبو عبد الله (ع) ان في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، قال زرارة قلت له هذا ما لا يكون، اتقاك، عدوالله اقتدى به ؟ قال حمران كيف اتقانى وانا لم أسأله هو الذى ابتدأنى وقال في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم كيف يكون في هذا منه تقية ؟ قال قلت قد اتقاك وهذا مما لا يجوز حتى قضى انا اجتمعنا عند ابى عبد الله (ع) فقال له حمران أصلحك الله حدثت هذا الحديث الذى حدثنى به ان في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم فقال هذا ما لا يكون، عدو الله فاسق لا ينبغى لنا ان نقتدى به ولا نصلى معه. فقال أبو عبد الله (ع) في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلى ركعتين اخريين. قلت فاكون قد صليت اربعا لنفسي لم اقتد به ؟ فقال نعم. فسكت وسكت صاحبي ورضينا. وفى الصحيح أو الحسن عن زرارة (3) قال: (قلت لابي جعفر (ع) ان


(1) و (3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة. (2) التهذيب ج ؟ ص 253 وفي الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.

[ 184 ]

اناسا رووا عن أمير المؤمنين (ع) انه صلى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم ؟ فقال يا زرارة ان أمير المؤمنين (ع) صلى خلف فاسق فلما سلم وانصرف قام أمير المؤمنين (ع) فصلى أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم فقال له رجل إلى جنبه يا أبا الحسن صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن بتسليم فقال انهن أربع ركعات مشبهات فكست، فو الله ما عقل ما قال له وهذا الخبر يدل على وجه ثالث وهو الاتيان بالفرض بعد الصلاة معهم نافلة. هذا، وظاهر خبرى حمران المذكورين الاشارة إلى صحة القاعدة المشهورة في كلام الاصحاب من حمل المطلق على المقيد وتقييده به، حيث انه اخبره أولا بما يدل على جواز الصلاة معهم مطلقا وظاهره صحة الاقتداء بهم كما توهمه حمران ثم بعد المراجعة اخبرهم بالمخصص وهو انه لا يقوم من مقامه حتى يضيف إليها ركعتين اخريين، فدل على اختصاص جواز الصلاة معهم بهذا الوجه. ونحو هذين الخبرين في ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن الحسن بن الجهم (1) قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن رجل مات.. إلى ان قال: قلت ما تقول في الصبى لامه ان تحلل ؟ قال نعم ان كان لها ما ترضيه أو تعطيه. قلت فان لم يكن لها ؟ قال فلا. قلت فقد سمعتك تقول انه يجوز تحليلها ؟ فقال انما اعني بذلك إذا كان لها) ونحو ذلك في الاخبار كثير يقف عليه المتتبع. والله العالم. (المسألة الخامسة) في آداب الجمعة وما يستحب في يومها، ومنها - الغسل في هذا اليوم وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة في باب الاغسال منقحا موضحا. ومنها - التنفل في هذا اليوم وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا لاختلاف الاخبار في مواضع: الاول - في عدد النوافل فالمشهور انها عشرون ركعة، وقلا ابن الجنيد انها اثنتان وعشرون ركعة، وقال الصدوقان زيادة الاربع الركعات للتفريق فان قدمت


(1) الوسائل الباب 4 من الضمان.

[ 185 ]

النوافل واخرتها فهى ست عشرة ركعة. والواجب نقل الاخبار المتعلقة بذلك ليعلم بذلك مستند هذه الاقوال، فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يقطين عن العبد الصالح (ع) (1) قال: (سألته عن التطوع في يوم الجمعة قال إذا أردت أن تتطوع في يوم الجمعة في غير سفر صليت ست ركعات ارتفاع النهار وست ركعات قبل نصف النهار وركعتين إذا زالت الشمس قبل الجمعة وست ركعات بعد الجمعة). وعن أحمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح عن محمد بن عبد الله (2) قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن التطوع يوم الجمعة فقال ست ركعات في صدر النهار وست ركعات قبل الزوال وركعتان إذا زالت وست ركعات بعد الجمعة، فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة ورواه في الاستبصار (3) عن ابن ابى نصر قال: (سألت أبا الحسن... الحديث). واحتمال سقوط محمد بن عبد الله من هذا السند قائم كما ان احتمال زيادته في ذلك السند قائم ايضا إلا ان الامر في ذلك هين عندنا بل عند جملة من أهل هذا الاصطلاح حيث أن الطريق إلى ابن ابى نصر صحيح مع كونه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه وموافقة هذا الخبر لصحيح يعقوب المتقدم. وما رواه في الكافي عن احمد بن محمد بن ابى نصر (4) قال: (قال أبو الحسن


(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (2) التهذيب ج 1 ص 323 وفي الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (3) ج 1 ص 410 الطبع الحديث وفيه (إذا زالت الشمس) (4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 248 عن الكليني هكذا: (الصلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات صدر النهار وركعتان إذا زالت الشمس ثم صل الفريضة ثم صل بعدها ست ركعات) وفي الاستبصار ج 1 ص 409 الطبع الحديث رواه هكذا: (الصلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات صدر النهار وست ركعات عند ارتفاعه وركعتان إذا زالت الشمس ثم تصلى الفريضة ثم صل بعدها ست ركعات).

[ 186 ]

(ع) صلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات بكرة وست ركعات صدر النهار وركعتان إذا زالت الشمس ثم صل الفريضة وصل بعدها ست ركعات) وفى الفقيه (1) نسب مضمون هذا الحديث إلى رسالة ابيه إليه، وزاد: وفى نوادر أحمد بن محمد بن عيسى (وركعتين بعد العصر). وعن مراد بن خارجة (2) قال: (قال أبو عبد الله (ع) اما أنا فإذا كان يوم الجمعة وكانت الشمس من المشرق بمقدارها من المغرب في وقت صلاة العصر صليت ست ركعات فإذا انتفخ النهار صليت ستا فإذا زاغت أو زالت صليت ركعتين ثم صليت الظهر ثم صليت بعدها ستا) اقول: النفخ كناية عن ارتفاع النهار يعنى وقت الضحى، يقال انتفخ النهار إذا علا. وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز (3) قال: (قال أبو بصير قال أبو جعفر (ع) ان قدرت يوم الجمعة أن تصلى عشرين ركعة فافعل ستا بعد طلوع الشمس وستا قبل الزوال إذا تعالت الشمس - وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم - وركعتين قبل الزوال وست ركعات بعد الجمعة). وروى الشيخ في كتاب المجالس بسنده عن زريق عن ابى عبد الله (ع) (4) قال (كان أبو عبد الله (ع) ربما يقدم عشرين ركعة يوم الجمعة في صدر النهار فإذا كان عند زوال الشمس اذن وجلس جلسة ثم أقام وصلى الظهر وكان لا يرى صلاة عند الزوال إلا الفريضة ولا يقدم صلاة بين يدى الفريضة إذا زالت الشمس وكان يقول هي أول صلاة فرضها الله تعالى على العباد صلاة الظهر يوم الجمعة مع الزوال.


(1) ج 1 ص 267 و 268. (2) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. وفي التهذيب ج 1 ص 248 رواه عنه هكذا (ارتفع) بدل (انتفخ). وفي الاستبصار ج 1 ص 410 الطبع الحديث والفروع ج 1 ص 119 (فإذا زاغت الشمش أو زالت) (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. (4) الوسائل الباب 13 من صلاة الجمعة.

[ 187 ]

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكل صلاة اول وآخر لعلة يشغل سوى صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة الفجر وصلاة العيدين فانه لا يقدم بين يدى ذلك نافلة. قال وربما كان يصلى يوم الجمعة ست ركعات إذا ارتفع النهار وبعد ذلك ست ركعات اخر وكان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذن وصلى ركعتين فما يفرغ إلا مع الزوال ثم يقيم للصلاة فيصلى الظهر ويصلى بعد الظهر أربع ركعات ثم يؤذن ويصلى) ركعتين ثم يقيم ويصلى العصر. أقول: ما اشتمل عليه هذا الخبر من تقدم الاذان على الزوال وصلاة ركعتين غريب مخالف للاخبار وكلام الاصحاب وكذا الاذان للعصر في يوم الجمعة. وروى الصدوق في كتاب العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (1) قال: (انما زيد في صلاة السنة يوم الجمعة أربع ركعات تعظيما لذلك اليوم وتفرقة بينه وبين سائر الايام). اقول: هذا ما وقعت عليه من الاخبار الدالة على العشرين كما هو القول المشهور. واما ما يدل على انها ست عشرة فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان ابن خالد (2) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) النافلة يوم الجمعة ؟ قال ست ركعات قبل زوال الشمس وركعتان عند زوالها، والقراءة في الاولى بالجمعة وفى الثانية بالمنافقين وبعد الفريضة ثمان ركعات). وعن سعيد الاعرج في الصحيح (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة يوم الجمعة فقال ست عشرة ركعة قبل العصر ثم قال وكان على (ع) يقول ما زاد فهو خير. وقال ان شاء رجل أن يجعل منها ست ركعات في صدر النهار وست ركعات نصف النهار ويصلى الظهر ويصلى معها اربعة ثم يصلى العصر). وأما ما يدل على انها اثنتان وعشرون ركعة فهو ما رواه الشيخ في الصحيح


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.

[ 188 ]

عن سعد بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا (ع) (1) قال: (سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال ؟ قال ست ركعات بكرة وست بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، وست ركعات بعد ذلك، ثمانى عشرة ركعة، وركعتان بعد الزوال، فهذه عشرون ركعة، وركعتان بعد العصر، فهذه اثنتان وعشرون ركعة). قال في المعتبر: وهذه الرواية انفردت بزيادة ركعتين وهى نادرة. وقد تقدم كلام الفقيه نقلا عن نوادر احمد بن محمد بن عيسى بزيادة ركعتين بعد العصر زيادة على العشرين المذكورة في حديثه وهو مؤيد لهذه الرواية. واما ما يدل على ما ذكره الصدوقان من التفصيل المتقدم نقله عنهما من أنه مع التفريق يصلى عشرون ومع الجمع في وقت واحد يصلى ست عشرة ركعة فهو مأخوذ مما ذكره الرضا (ع) في كتاب الفقه (2) حيث قال: لا تصل يوم الجمعة بعد الزوال غير الفرضين والنوافل قبلهما أو بعدهما... وفى نوافل يوم الجمعة زيادة أربع ركعات يتمها عشرين ركعة يجوز تقديمهما في صدر النهار وتأخيرها إلى بعد صلاة العصر... فان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات وإذا انبسطت ست ركعات وقبل المكتوبة ركعتين وبعد المكتوبة ست ركعات فافعل، فان صليت نوافلك كلها يوم الجمعة قبل الزوال أو اخرتها إلى بعد المكتوبة اجزأك وهى ست عشرة ركعة، وتأخيرها أفضل من تقديمها، وإذا زالت الشمس يوم الجمعة فلا تصل إلا المكتوبة. بقى الكلام في الجمع بين هذه الاخبار المنقولة في المقام على وجه ويحصل به الالتئام والانتظام، والظاهر انه ليس إلا التخيير وحمل الزائد على الاقل على الفضل والاستحباب كما يشير إليه قوله (ع) في صحيحة سعيد الاعرج بعد ذكر الست عشرة ركعة (كان على (ع) يقول ما زاد فهو خير). الثاني - في وقت النوافل المذكورة فذهب الشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف


(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (2) ص 11 و 12.

[ 189 ]

والمصباح والشيخ المفيد في المقنعة وتبعهما جملة من المتأخرين إلى استحباب تقديم نوافل الجمعة كلها على الفريضة بان يصلى ستا عند انبساط الشمس وستا عند ارتفاعها وستا قبل الزوال وركعتين بعد الزوال، وقال المفيد حين تزول تستظهر بهما في تحقق الزوال، والظاهر من كلام السيد وابن ابى عقيل وابن الجنيد استحباب ست منها بين الظهرين، ونقل عن الصدوق استحباب تأخير الجميع وليس في كلامه ما يشير إليه كما ستطلع عليه ان شاء الله تعالى. ولا بأس بنقل جملة من عبارات الاصحاب في الباب ليزول به الشك عن ما نقلناه والارتياب فنقول: قال السيد المرتضى (قدس سره): يصلى عند انبساط الشمس ست ركعات فإذا انتفخ النهار وارتفعت الشمس صلى ستا فإذا زالت الشمس صلى ركعتين فإذا صلى الظهر صلى بعدها ستا. وقال الشيخ في النهاية: وتقدم نوافل الجمعة كلها قبل الزوال، هذا هو الافضل في يوم الجمعة خاصة، وان صلى ست ركعات عند انبساط الشمس وست ركعات عند ارتفاعها وركعتين عند الزوال وست ركعات بين الظهر والعصر لم يكن ايضا به بأس، وان اخر جميع النوافل إلى بعد العصر جاز له ذلك إلا ان الافضل ما قدمناه ومتى زالت الشمس ولم يكن قد صلى من نوافله شيئا اخرها إلى بعد العصر. وقال في الخلاف: يستحب يوم الجمعة تقديم نوافل الظهر قبل الزوال. وقال في المبسوط: تقديم النوافل يوم الجمعة خاصة قبل الزوال أفضل وفى غيرها من الايام لا يجوز، ويستحب أن يصلى ست ركعات عند انبساط الشمس وست ركعات عند ارتفاعها وست ركعات إذا قرب من الزوال وركعتين عند الزوال وان فصل بين الفرضين بست ركعات على ما ورد به بعض الروايات (1) كان ايضا جائزا، وان اخر جميع النوافل إلى بعد العصر جاز ايضا غير ان الافضل ما قلناه.


(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.

[ 190 ]

وقال الشيخ المفيد: وصل ست ركعات عند انبساط الشمس وستا عند ارتفاعها وستا قبل الزوال وركعتين حين تزول تستظهر بهما في تحقق الزوال. ثم قال في موضع آخر: وقت النوافل للجمعة في يوم الجمعه قبل الصلاه لا بأس بتأخيرها إلى بعد العصر. وقال ابن ابى عقيل: وإذا تعالت الشمس صلى ما بينها وبين الزوال اربع عشرة ركعة فإذا زالت الشمس فلا صلاة إلا الفريضة ثم يتنفل بعدها بست ركعات ثم يصلى العصر، كذالك فعله رسول الله (صلى الله عليه) وآله (1) فان خاف الامام إذا تنفل أن يتأخر العصر عن وقت الظهر في سائر الأيام صلى العصر بعد الفراغ من الجمعة ثم يتنفل بعدها بست ركعات، هكذا روى عن امير المؤمنين (ع) (2) انه ربما كان يجمع بين صلاة الجمعة العصر ويصلى يوم الجمعة بعد طلوع الشمس وبعد العصر. وقال أبو الصلاح: يستحب لكل مسلم تقديم دخول المسجد لصلاة النوافل بعد الغسل ويلزم من حضره قبل الزوال ان يقدم النوافل عدا ركعتي الزوال فإذا زالت الشمس صلاهما. وقال ابن الجنيد: الذى يستحب عند اهل البيت (عليه السلام) من نوافل الجمعة ست ركعات ضحوة النهار وست ركعات مابين ذلك وبين انتصاف النهار وركعتا الزوال وبعد الفريضة ثمان ركعات منها ركعتان نافلة العصر. وقال ابن البراج: يصلى ست ركعات عند انبساط الشمس وستا عند ارتفاعها وستا قبل الزوال وركعتين حين تزول الشمس استظهارا للزوال. وقال الشيخ على بن بابويه: فان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات وإذا انبسطت ست ركعات وقبل المكتوبة ركعتين وبعد المكتوبة ست ركعات فافعل، فان قدمت نوافلك كلها في يوم الجمعة قبل الزوال أو اخرتها إلى بعد المكتوبة فهى ست عشرة ركعة وتأخيرها أفضل من تقديمها. اقول: وهذه


(1) و (2) لم نقف في الاخبار بعد الفحص في مظانها على ما يدل على هذه النسبة.

[ 191 ]

عين عبارة الفقه الرضوي التى قدمناها. وقال ابنه في المقنع: ان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات وإذا انبسطت ست ركعات وقبل المكتوبة ركعتين وبعد المكتوبة ست ركعات فافعل، وان قدمت نوافلك كلها يوم الجمعة قبل الزوال أو اخرتها إلى بعد المكتوبة فهى ست عشرة ركعة، وتأخيرها أفضل من تقديمها في رواية زرارة بن اعين، وفى رواية ابى بصير (1) تقديمها أفضل من تأخيرها. وهو كما ترى يرجع إلى ما قدمناه من عبارة كتاب الفقه الرضوي ايضا إلا انه (ع) حكم في الكتاب بكون التأخير أفضل من التقديم وفى عبارة المقنع نسب أفضلية التأخير إلى رواية زرارة وأفضلية التقديم إلى رواية ابى بصير. وهاتان الروايتان وان لم تصلا الينا ولكن كفى بنقله لهما لانه هو الصدوق في ما يقول. ومما يدل على أفضلية التأخير ما رواه الشيخ عن عقبة بن مصعب (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) فقلت ايما أفضل اقدم ركعات يوم الجمعة أو اصليها بعد الفريضة ؟ فقال لا بل تصليها بعد الفريضة). وعن سليمان بن خالد (3) قال: (قلت لا بى عبد الله (عليه السلام) اقدم يوم الجمعة شيئا من الركعات ؟ قال نعم ست ركعات. قلت فايهما افضل اقدم الركعات يوم الجمعة أم اصليها بعد الفريضة ؟ قال تصليها بعد الفريضة أفضل). ومما يدل على أفضلية التقديم زيادة على رواية ابى بصير التى أشار إليها في المقنع رواية زريق المتقدم نقلها عن كتاب مجالس الشيخ (4). وما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين (5) قال: (سألت أبا الحسن


(1) نقل في الوسائل هذه العبارة من المقنع في الباب 13 من صلاة الجمعة. (2) و (3) الوسائل الباب 13 من صلاة الجمعة. (4) ص 186. (5) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.

[ 192 ]

(عليه السلام) عن النافلة التى تصلى يوم الجمعة قبل الجمعة أفضل أو بعدها ؟ قال قبل الصلاة). والشيخ قد جمع بين هذه الاخبار بناء على ما ذهب إليه من أفضلية التقديم بحمل الخبرين الاولين على ما إذا أدركه الوقت ولم يصلها بعد، وعلل الافضلية في خبر على بن يقطين بانه لا يأمن أن يخترم فيفوته ثواب النافلة. وهو جيد، ويعضده استحباب الجمع بين الفرضين يوم الجمعة وعدم الفصل بالنافلة وكذا الاخبار الدالة على ان وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الايام (1). الثالث - في وقت ركعتي الزوال هل هو حال الزوال كما تدل عليه التسمية أم لا بل يكون قبله أو بعده ؟ قولان ظاهر ما قدمناه من كلام السيد المرتضى وكلام الشيخ في النهاية والمبسوط وكلام ابن الجنيد وابى الصلاح هو الاول، وظاهر كلام ابن ابى عقيل الثاني، وظاهر كلام الشيخ المفيد وابن البراج الاول ايضا مع احتمال الحمل على الثاني بان تكون صلاة الركعتين في موضع الشك في الزوال وعدم تحققه. ومما يدل على الاول من الروايات المتقدمة في المقام صحيحة يعقوب بن يقطين ورواية محمد بن عبد الله ورواية احمد بن محمد بن ابى نصر ومراد بن خارجة وصحيحة سليمان بن خالد وصحيحة سعد بن سعد الاشعري. واما ما يدل على الثاني منها فرواية ابى بصير المنقولة من كتاب السرائر ورواية زريق المنقولة عن كتاب مجالس الشيخ وكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي ومنها - صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال:


(1) الوسائل الباب 8 و 9 من صلاة الجمعة (2) تقدمت هذه الرواية ص 135 ولم يصفها بالصحة كما لم يصفها بذلك السبزواري في الذخيرة عندما تعرض لها في وقت صلاة الجمعة في اول مبحث صلاة الجمعة وكذلك صاحب المدارك، وقد تقدم في التعليقة 5 ص 135 تخريجها من قرب الاسناد حيث لم نجدها في الوافي

[ 193 ]

(سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده ؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت الشمس فصل الفريضة). وما رواه الشيخ عن عبد الله به عجلان (1) قال: (قال أبو جعفر (ع) إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين وإذا استيقنت الزوال فصل الفريضة).. ما رواه الكليني عن ابن ابى عمير (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال نزل بها جبرئيل (ع) مضيقة إذا زالت الشمس فصلها. قال قلت إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها قال فقال أبو عبد الله (ع) اما أنا إذا زالت الشمس لم ابدأ بشئ قبل المكتوبة) قال القاسم: وكان ابن بكير يصلى الركعتين وهو شاك في الزوال فإذا استيقن الزوال بدأ بالمكتوبة في يوم الجمعة. وعن ابن سنان (3) قال: (قال أبو عبد الله (ع) إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة). ومنها - ما رواه الشيخ في المتهجد عن محمد بن مسلم وما رواه فيه عن حريز (4) وما رواه في التهذيب عن على بن جعفر (5) غير الرواية المتقدمة، وما رواه عن ابن ابى عمير في الصحيح (6) غير روايته المتقدمة، والكل قد تقدم في المقصد السادس في الوقت من مقاصد المطلب الثاني.


= في مظانها وقد نقلها في الوسائل في الباب 11 من صلاة الجمعة من السرائر وقرب الاسناد ولم نقف على نقلها من التهذيب كما هو ظاهره (قدس سره) في ما ياتي وكما هو ظاهر صاحب الذخيرة حيث عدها في سياق روايات الشيخ. (1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة وفي التهذيب ج 1 ص 248 والاستبصار ج 1 ص 412 عبد الرحمن بدل عبد الله. (2) الفروع ج 1 ص 117 وفي الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (3) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة (4) ص 137. (5) تقدمت ص 139 وظاهر كلامه ان الرواية المتقدمة من روايات التهذيب ويدل عليه نقلها في ما ياتي من قرب الاسناد وقد تقدم في التعليقة 2 ص 192 بيان خلاف ذلك. (6) تقدم ص 139.

[ 194 ]

ومنها - ما رواه في كتاب قرب الاسناد (1) عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: (سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده ؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت فصل الفريضة وإذا زالت الشمس قبل ان تصلى الركعتين فلا تصلهما وابدأ بالفريضة واقض الركعتين بعد الفريضة. قال: وسألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الاذان أو بعده ؟ قال قبل الاذان). وما رواه في مستطرفات السرائر نقلا من جامع البزنطى عن عبد الكريم بن عمرو بن سليمان بن خالد عن عبد الله (ع) (2) قال: (قلت له ايما أفضل اقدم الركعتين يوم الجمعة أو اصليهما بعد الفريضة ؟ قال تصليهما بعد الفريضة) وذكر ايضا عن رجل ابى عبد الله (ع) (3) قال: (سألته عن الركعتين اللتين قبل الزوال يوم الجمعة قال اما انا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة). ويؤيد هذه الاخبار وجوه (احدها) صراحتها في المدعى كما لا يخفى على من أمعن النظر في مضامينها بخلاف تلك الاخبار فانه من المحتمل قريبا حمل قولهم (وركعتين إذا زالت) أي قارب زوالها وهو وقت قيامها أو الشك في الزوال فان باب المجاز واسع. و (ثانيها) الاخبار المتكاثرة بان وقت الجمعة ساعة تزول وانه مضيق و (ثالثها) الاخبار الدالة على المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة وهى مستفيضة صحيحة صريحة كما قدمناها في بحث الاوقات (لا يقال) انه يجوز تخصيصها بهذه الاخبار الدالة على جواز هاتين الركعتين بعد الزوال (لا نا نقول) التخصيص بها انما يتم لو سلمت من المعارض ولا سيما مع ترجحه عليها بما ذكرنا. و (رابعا) انه الاوفق بالاحتياط في الدين. وبالجملة فالاقرب عندي هو القول الثاني اما عرفت. والله العالم. ومنها - المباكرة إلى المسجد للامام وغيره لما رواه الكليني والشيخ في الصحيح


(1) ص 98 وفي الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. (2) و (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.

[ 195 ]

عن عبد الله بن سنان (1) قال: (أبو عبد الله (ع) فضل الله يوم الجمعة على غيره من الايام وان الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن اتاها وانكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة وان ابواب اسماء لتفتح لصعود اعمال العباد). وعن جابر (2) قال: (كان أبو جعفر (ع) يبكر إلى المسجد يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك، وكان يقول ان لجمع شهر رمضان على جمع سائر الشهور فضلا كفضل شهر رمضان على سائر الشهور) وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (إذا كان يوم الجمعة نزل الملائكة المقربون معهم قراطيس من فضة وأقلام من ذهب فيجلسون على ابواب المساجد على كراسي من نور فيكتبون الناس على منازلهم الاول والثانى حتى يخرج الامام فإذا خرج الامام طووا صحفهم، ولا يهبطون في شئ من الايام إلا في يوم الجمعة يعنى الملائكة المقربين) ونحوه روى في الفقيه عن ابى جعفر (ع) مرسلا (4). وما رواه الصدوق في كتاب الامالى بسنده عن امير المؤمنين (ع) (5) انه قال: (إذا كان يوم الجمعة خرج احلاف الشياطين يزينون أسواقهم ومعهم الروايات وتقعد الملائكة على ابواب المساجد فيكتبون الناس على منازلهم حتى يخرج الامام، فمن دنا إلى الامام وانصت واستمع ولم يلغ كان له كفلان من الاجر: ومن تباعد عنه فاستمع وانصت ولم يلغ كان له كفل من الاجر، ومن دنا من الامام ولغى ولم يستمع كان عليه كفلان من الوزر، ومن قال لصاحبه (صه) فقد تكلم ومن


(1) الوسائل الباب 42 من صلاة الجمعة. والشيخ يرويه عن الكليني. (2) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة. ونقل فيه ان الشيخ رواه عن الكليني (4) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة إلى قوله (طووا صحفهم). (5) الوافي باب التبكير إلى الجمعة فانه بعد نقل اخبار من الباب قال: (بيان الاخبار في فضل الجمعة اكثر من ان تحصى) ثم ذكر عدة اخبار من الامالي منها هذا الخبر.

[ 196 ]

تكلم فلا جمعة له. ثم قال على (ع) هكذا سمعت نبيكم (صلى الله عليه وآله). وعن جابر عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (قلت له قول الله تعالى: (فاسعوا الى ذكر الله ؟ قال قال: اعلموا وعجلوا فانه يوم مضيق على المسلمين فيه وثواب اعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيق عليهم والحسنة والسيئة تضاعف فيه. قال وقال أبو جعفر (ع) والله لقد بلغني ان اصحاب النبي صلى الله عليه وآله كانوا يتجهزون للجمعة يوم الخمسين لانه يوم مضيق على المسلمين) إلى غير ذلك من الاخبار. ومنها - التطيب ولبس افخر الثياب وتسريح اللحية وقلم الاظفار واخذ الشارب والخروج على سكينة ووقار والدعاء حال الخروج إلى الجمعة وكثرة الصلاة على محمد وآله (صلوات الله عليهم) في ذلك اليوم: روى ثقة الاسلام في الكافي عن هشام بن الحكم (2) قال: (قال أبو عبد الله (ع) ليتزين أحدكم يوم الجمعة: يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته ويلبس انظف ثيابه وليتهيأ للجمعة وليكن عليه في ذلك اليوم السكينة والوقار وليحسن عبادة ربه وليفعل الخير ما استطاع فان الله يطلع على الارض ليضاعف الحسنات). وعن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: (قال أبو جعفر (ع) لا تدع الغسل يوم الجمعة فانه سنة وشم الطيب والبس صالح ثيابك وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم وعليك السكينة والوقار). وقال الرضا (ع) في كتاب الفقه الرضوي (4): وعليكم بالسنن يوم الجمعة وهى سبعة: اتيان النساء وغسل الرأس واللحية بالخطمى وأخذ الشارب وتقليم الاظفار وتغيير الثياب ومس الطيب، فمن اتى بواحدة من هذه السنن نابت عنهن وهى الغسل وأفضل أوقاته قبل الزوال. وقد قدمنا جملة من الاخبار المتعلقة بالغسل يوم الجمعة في فصل الاغسال من


(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجمعة. والرواية عن الكليني والشيخ (2) و (3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجمعة. (4) ص 11.

[ 197 ]

كتاب الطهارة (1) وجملة من الاخبار في استحباب التطيب واخذ الشارب وتقليم الاظفار والنورة في آخر كتاب الطهارة (2). وروى الشيخ في التهذيب (3) عن ابى حمزة الثمالى عن ابى جعفر (ع) قال: (ادع في العيدين ويوم الجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء: اللهم من تهيأ وتعبأ واعد واستعد لو فادة إلى مخلوق رجاء رفده طلب نائله وجوائزه وفواضله ونوافله فاليك يا سيدى وفادتى وتهيئتي واعدادي واستعدادى رجاء رفدك وجوائزك ونوافلك فلا تخيب اليوم رجائي يامن لا يخيب عليه سائل ولا ينقصه نا ئل، فانى لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته ولا شفاعة مخلوق رجوته ولكن اتيتك مقرا بالظلم والاسائة لا حجة لى ولا عذر فاسألك يا رب أن تعطيني مسألتي وتقلبنى برغبتي ولا تردني مجبوها ولا خائبا يا عظيم يا عظيم يا عظيم ارجوك للعظيم اسألك يا عظيم ان تغفر لى العظيم لاإله إلا أنت اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقني خير هذا اليوم الذى شرفته وعظمته وتغسلى فيه من جميع ذنوبي وخطاياى وزدنى من فضلك انك انت الوهاب. وروى في الكافي عن عمر بن يزيد (4) قال: (قال لى أبو عبد الله (ع) يا عمر انه إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر في ايديهم اقلام الذهب وقراطيس الفضة لا يكتبون إلى ليلة السبت إلا الصلاة على محمد وآل محمد فاكثر منها. وقال يا عمران من السنة ان تصلى على محمد وأهل بيته في كل جمعة الف مرة وفى سائر الايام مائة مرة). وروى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عنه (ع) (5) قال: (إذا كانت عشية الخميس ليلة الجمعة نزلت ملائكة من السماء معها اقلام الذهب وصحف


(1) ج 4 ص 217 (2) ج 5 ص 540 إلى 576 (3) ج 3 ص 142 الطبع الحديث وفي الوافي باب التبكير إلى الجمعة (4) و (5) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة.

[ 198 ]

الفضة لا يكتبون عشية الخميس وليلة ويوم الجمعة ويوم الجمعة إلى ان تغيب الشمس إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله. وروى في الكافي عن عبد الله بن ميمون القداح عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله اكثروا من الصلاة على في الليلة الغراء واليوم الازهر ليلة الجمعة ويوم الجمعة. فسئل إلى كم الكثير ؟ فقال إلى مائة وما زادت فهو افضل). وعن المفضل عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (ما من شئ يعبد الله به يوم الجمعة احب إلى من الصلاة على محمد وآل محمد). وعن سهل رفعه (3) قال قال: (إذا صليت يوم الجمعة فقل: اللهم صل على محمد وآل محمد الاوصياء المرضيين بافضل صلواتك وبارك عليهم بافضل بركاتك والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته. فانه من قالها في دبر العصر كتب الله له مائة الف حسنة ومحا عنه مائة الف سيئة وقضى له بها مائة الف حاجة ورفع له بها مائة الف درجة). وجملة من الاصحاب قد ذكروا في مستحبات يوم الجمعة حلق الرأس. وانكر جمع ممن تأخر عنهم الوقوف فيه على اثر، وعلله المحقق في المعتبر بانه يوم اجتماع الناس فيجتنب ما ينفر. اقول: ويمكن الاستدلال على ذلك بما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (ع) قال: (انى لاحلق في كل جمعة في مابين الطلية إلى الطلية والتقريب فيه ان المتبادر من الحلق هو حلق الرأس، والحمل على حلق العانة بعيد لان المستفاد من الاخبار انهم كانوا يطلونها بالنورة سيما مع ملازمتهم على النورة بعد ثلاثة ايام


(1) و (2) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة (3) الفروع ج 1 ص 119 وفي الوسائل الباب 48 من صلاة الجمعة. (4) الوسائل الباب 60 من آداب الحمام

[ 199 ]

ونحوها كما تقدم في الاستطابة من آخر كتاب الطهارة (1) فتكون العانة داخلة في الطلية المذكورة في الخبر. والله العالم. الفصل الثاني في صلاة العيدين وهما اليومان المعلومان واحدهما عيد وياؤه منقلبة عن (واو) لانه مأخوذ من العود إما لكثرة عوائد الله تعالى فيه عباده واما لعود السرور والرحمة بعوده، والجمع اعياد على غير القياس لان حق الجمع رد الشئ إلى أصله، قيل وانما فعلوا ذلك للزوم الياء في مفرده أو للفرق بين جمعه وجمع عور الخشب. وتفصيل الكلام في هذا المقام يقع في بحوث: الاول - في وجوبها وما يتبعه وفيه مسائل: الاولى - اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على وجوبها كما نقله جماعة: منهم - المحقق والعلامة في جملة من كتبه، والاصل في ذلك مضافا إلى الاجماع المذكور الكتاب والسنة، قال الله عزوجل: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (2) فقد ذكر جمع من المفسرين في معنى هذه الاية ان المراد بالزكاة زكاة الفطرة والصلاة صلاة العيد. ويدل عليه من الاخبار ما رواه في الفقيه مرسلا (3) قال: (وسئل الصادق (ع) عن قول الله عزوجل: قد افلح من تزكى ؟ قال من اخرج الفطرة. فقيل له وذكر اسم ربه فصلى ؟ قال خرج إلى الجبانة فصلى). وروى حماد بن عيسى عن حريز عن ابى بصير وزرارة (4) قالا: (قال أبو عبد الله (ع) ان من تمام الصوم اعطاء الزكاة يعنى الفطرة كما ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) من تمام الصلاة لانه من صام ولم يؤد الزكاة فلا صوم له تركها متعمدا ولا


(1) ج 5 ص 540 (2) سورة الاعلى الاية 14 و 15. (3) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد (4) الوسائل الباب 1 من زكاة الفطرة.

[ 200 ]

صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) ان الله عزوجل قد بدأ بها قبل الصلاة فقال: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى). وفى تفسير على بن ابراهيم (1) قوله: (قد أفلح من تزكى) ؟ قال زكاة الفطرة إذا اخرجها قبل صلاة العيد، وذكر اسم ربه فصلى ؟ قال صلاة الفطر والاضحى. واستدل جملة من الاصحاب: منهم - السيد السند في المدارك على ذلك بقوله عز وجل (فصل لربك وانحر) (2) قال قيل هي صلاة العيد ونحر البدن للاضحية. وقال في المعتبر قال اكثر المفسرين المراد صلاة العيد وظاهر الامر الوجوب. وبنحو ما ذكره في المدارك صرح في الذكرى ايضا. اقول: لم اقف في الاخبار على تفسير الاية بهذا المعنى وانما الذى ورد فيها التفسير بمطلق الصلاة والمراد بالنحر رفع اليدين حال التكبير حذاء الوجه، وقد تقدمت الاخبار بذلك في المسألة الثالثة من الفصل الثاني في تكبيرة الاحرام من كتاب الصلاة (3). واما السنة فمنها انه قد روى الصدوق والشيخ (عطر الله مرقديهما) في الصحيح عن جميل (4) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في العيدين قال سبع وخمس. وقال صلاة العيدين فريضة. قال سألته ما يقرأ فيهما ؟ قال والشمس وضحاها وهل اتاك حديث الغاشية واشباههما). وعن جميل في الصحيح عن الصادق (ع) (5) انه قال: (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة).


(1) ص 721 (2) سورة الكوثر الاية 2 (3) ج 8 ص 43. (4) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد، واللفظ من اوله إلى اخره للشيخ ولم يرو الصدوق منه الا قوله (صلاة العيدين فريضة) كما سيأتي في الرواية الاخرى فانها للصدوق. (5) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف.

[ 201 ]

وروى الشيخ في التهذيب عن ابى اسامة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة). قال في الفقيه بعد نقل صحيحة جميل الثانية: يعنى انهما من صغار الفرائض وصغار الفرائض سنن لرواية حريز عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (صلاة العيدين مع الامام سنة). ومراده بهذا الجمع بين الخبرين بانه لا منافاة بين كونها سنة وبين كونها فريضة. وفيه ما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. والشيخ في التهذيبين قد فسر السنة بما علم وجوبه بالسنة لئلا ينافى كونها فريضة يعنى واجبة. وفى كل من الجمعين نظر، أما ما ذكره الصدوق فانا لا نعرف له مستندا لان الفرض ان اريد به ما وجب بالكتاب ويقابله اطلاق السنة بمنى ما وجب بالسنة فانه لا فرق بين كبار الفرائض ولا صغارها في المعنى المذكور، واطلاق السنة على صغار الفرائض دون كبارها مع كون السنة بمعنى ما ثبت وجوبه بالنسبة لا معنى له ههنا لان هذه الفريضة مما ثبت وجوبها بالكتاب كما عرفت من الاخبار المتقدمة بتفسير قوله تعالى: (قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (3) فلا معنى لوجوبها بالسنة. واظهر منه بطلانا حمل السند على المتبادر منها وهو المستحب. واما كلام الشيخ فيدفعه دلالة الاية بمعونة الاخبار الواردة بتفسيرها بصلاة العيدين، وحينئذ فتكون الفريضة في خبر جميل بمعنى ما ثبت وجوبه بالكتاب لا بمعنى الواجب المقابل بالسند بمعنى المستحب. والظاهر في الجمع بين الخبرين المذكورين كما ذكره المحدث الكاشانى في الوافى - انما هو حمل الفريضة في الخبر المذكور على معنى ما ثبت وجوبه بالكتاب والسنة، وفى خبر حريز عن زرارة انما اريد بها ان السنة في فرض هذه الصلاة ان


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف. (2) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد. (3) سورة الاعلى الاية 14 و 15.

[ 202 ]

تكون مع الامام فمن صلاها بدون الامام معتقدا وجوبها فقد خالف السنة كما تدل عليه الاخبار الاتية من انه لا صلاة إلا مع امام يعنى واجبة. إلا ان لقائل ان يقول ان ما استدل به من الايتين المتقدمتين لا دلالة فيهما على الوجوب نصا بل ولا ظاهرا، اما الثانية فلعدم ورد نص فيها بما ذكروه كما عرفت واما الاولى فان غاية ما تدل عليه هو مدح المزكى والمصلى بانه قد افلح وهذا لا ظهور له في الوجوب وان افهمه افهاما ضعيفا، وحينئذ فيكون المراد بالفرض في الاخبار المتقدمة انما هو بمعنى الواجب كما هو أحد اطلاقيه، ويؤيده اضافة صلاة الكسوف وانها فريضة في صحيحة جميل الثانية ورواية ابى اسامة مع انها غير مذكورة في القرآن. وقال في كتاب الفقه الرضوي (1): ان الصلاة في العيدين واجبة... إلى ان قال: وان صلاة العيدين مع الامام مفروضة ولا تكون إلا بامام وخطبة... إلى ان قال ايضا: وصلاة العيدين فريضة واجبة مثل صلاة يوم الجمعة إلا على خمسة... إلى آخر ما سيأتي من نقل تتمة العبارة المذكورة ان شاء الله تعالى. (المسألة الثانية) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) - بل نقل جملة منهم الاجماع عليه - انه يشترط في صلاة العيد ما يشترط في الجمعة من الشروط المتقدمة وقد تقدم انها خمسة، إلا ان الخلاف هنا قد وقع في الخطبتين كما سيأتي ان شاء الله تعالى ذكره في المقام: احدها عندهم - السلطان العادل أو من نصبه، وظاهر العلامة في المنتهى دعوى الاجماع على هذا الشرط. واحتج عليه بصحيحة زرارة عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (ليس في الفطر والاضحى اذان ولا اقامة... إلى ان قال: ومن لم يصل مع امام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه).


(1) ص 12. (2) الوسائل الباب 2 و 7 من صلاة العيد.

[ 203 ]

صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: (سألته عن الصلاة يوم الفطر والاضحى فقال ليس صلاة إلا مع امام. ورواية معمر بن يحيى عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (لا صلاة يوم الفطر والاضحى إلا مع امام). اقول: من الاخبار بهذا المعنى ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبى جعفر (ع) (3) قال: (من لم يصل مع امام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له ولاقضاء عليه). وما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: (لا صلاة يوم الفطر والاضحى إلا مع امام عادل). وعن سماعة في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) (لا صلاة في العيدين إلا مع امام وان صليت وحدك فلا بأس). ونحوه كلام المحقق وتبعهما جماعة ممن تأخر عنهما. إلا ان جملة من متأخرى المتأخرين الذين جرت عادتهم بدقة النظر في الاحكام والتأمل التام في اخبارهم (عليهم السلام) قد طعنوا في هذا الشرط فمنهم من استشكله وصارت المسألة عنده في قالب الاشكال، ومنهم من خالفهم وجزم بمنع ما ذكروه. ومنشأ ذلك عند الاولين هو احتمال حمل الامام في الاخبار المذكورة على ما هو أعم من امام الاصل وامام الجماعة، والى هذا ذهب المحدث الكاشانى في الوافى والمفاتيح فانه جعل هذه الاخبار متشابهة باعتبار احتمال ارادة المعصوم منها وليست محكمة في أحد المعنيين، وعند الاخرين هو ان الظاهر منهما انما هو امام الجماعة خاصة. قال في المدارك بعد نقل الاستدلال عن العلامة بما قدمناه من الاخبار: وعندي في هذا الاستدلال نظر إذا الظاهر ان المراد بالامام هنا امام الجماعة لا امام


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.

[ 204 ]

الاصل كما يظهر من تنكير الامام لفظ الجماعة وقوله (عليه السلام) (1) في صحيحة ابن سنان (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده كما يصلى في الجماعة) وفى موثقة سماعة (2) (لا صلاة في العيدين إلا مع امام وان صليت وحدك فلا بأس) قال جدى (قدس سره) في روض الجنان: ولا مدخل للفقيه حال الغيبة في وجوبها في ظاهر الاصحاب وان كان ما في الجمعة من الدليل قد يتمشى هنا إلا انه يحتاج إلى القائل، ولعل السر في عدم وجوبها حال الغيبة مطلقا بخلاف الجمعة ان الواجب الثابت في الجمعة انما هو التخييري كما مر اما العينى فهو منتف بالاجماع والتخييري في العيد غير متصور إذ ليس معها فرد آخر يتخير بينها وبينه فلو وجبت لوجبت عينا وهو خلاف الاجماع. قلت: الظاهر انه اراد بالدليل ما ذكره في الجمعة من ان الفقيه منصوب من قبله عموما فكان كالنائب الخاص وقد بينا ضعفه في ما سبق. واما ما ذكره من السر فكلام ظاهري إذ لا منافاة بين كون الوجوب في الجمعة تخييريا وفى العيد عينيا إذا اقتضته الادلة. وبالجملة فتخصيص الادلة الدالة على الوجوب بمثل هذه الروايات لا يخلو من اشكال، وما ادعوه من الاجماع فغير صالح للتخصيص ايضا لما بيناه غير مرة من ان الاجماع انما يكون حجة مع العلم القطعي بدخول قول الامام في اقوال المجمعين وهو غير متحقق هنا، ومع ذلك فالخروج من كلام الاصحاب مشكل واتباعهم بغير دليل اشكل. انتهى. وقال في الذخيرة بعد ذكر نحو ما ذكره في المدارك اولا: ويؤيد الوجوب ما دل على وجوب التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) في ما علم كونه صدر عنه على جهة الوجوب وان كان لنا فيه نوع تأمل إذ الامر ههنا كذلك فان وجوبها عليه (صلى الله عليه وآله) ثابت باجماع الاصحاب، مع ان التمسك باصل عدم الوجوب في ما ثبت وجوبه عليه (صلى الله عليه وآله) محل اشكال، فاذن القول بعدم الوجوب في غاية الاشكال والاجتراء على الحكم بالوجوب


(1) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.

[ 205 ]

مع عدم ظهور مصرح به من الاصحاب لا يخلو من اشكال. وطريق الاحتياط واضح وقال شيخنا المجلسي في كتاب البحار - بعد نقل كلام الفاضلين بالاشتراط واستدلالهما بالاجماع وبعض الاخبار المتقدمة - ما لفظه: وفيه نظر إذ الظاهران المراد بالامام في هذه الاخبار امام الجماعة لا امام الاصل كما يشعر به تنكير الامام ولفظة الجماعة في بعض الاخبار ومقابلة ان صليت وحدك مما يعين هذا. وقوله (لا صلاة) يحتمل (كاملة) كما هو الشائع في هذه العبارة، وفى صحيحة عبد الله ابن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده كما يصلى في الجماعة) ويؤيد الوجوب ما دل على وجوب التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) في ما علم صدوره عنه على وجه الوجوب والامر هنا كذلك قطعا. وبالجملة ترك هذه الفريضة بمحض الشهرة بين الاصحاب جزأة عظيمة مع انه لا ريب في رجحانه، ونية الوجوب لا دليل عليها لعل القربة كافية في جميع العبادات كما عرفت سابقا. انتهى. اقول: معظم الاشكال عند هؤلاء بعد اجماع هذا الاخبار هو عدم تصريح أحد ممن ذهب إلى الوجوب العينى في الجمعة زمان الغيبة بالوجوب العينى هنا، وانت خبير بان مقتضى حكمهم في العيدين بانها جارية على نحو صلاة الجمعة في شروط الوجوب هو تبعية صلاة العيدين لصلاة الجمعة كيف كانت، فان هذا الكلام قد صرح به الجميع ممن حكم بالوجوب التخييري في الجمعة زمان الغيبة أو التحريم أو الوجوب العينى، وحينئذ فاللازم من ذلك ان كل من اشترط في الجمعة شرطا من حضور امام الاصل أو نائبه أو انعقادها بامام الجماعة أو وجوبها عينا به فانه يجريه في صلاة العيدين، وبه يظهر ان كل من قال بالوجوب العينى زمان الغيبة في الجمعة فهو قائل به في العيدين ايضا. قال شيخنا المفيد في المقنعة في باب صلاة العيدين: وهذه الصلاة فرض


(1) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.

[ 206 ]

لازم لجمع من لزمته الجمعة على شرط حضور الامام سنة على الانفراد عند عدم حضور الامام. وهو كما ترى صريح في ما قلناه واضح في ما ادعيناه فانه حكم بان صلاة العيدين فرض عينى لكل من لزمته الجمعة، وقد عرفت مذهبه في الجمعة وشرطها عنده انما هو امام الجماعة وهى واجبة عينية عنده باجتماع شرائطها المتقدمة التى من جملتها امام الجماعة، ومقتضى ذلك وجوب صلاة العيدين عينا متى حصلت تلك الشروط وقوله هنا (على شرط حضور الامام... إلى آخره) اراد به بيان التفرقة بين الجمعة والعيدين بحصول الاستحباب في هذه دون تلك فجعل مدار الوجوب والاستحباب على حضور الامام وعدم حضوره فمتى صلى مع الامام فهى واجبة عينا ومتى تعذر الصلاة معه فهى مستحبة فرادى بخلاف الجمعة فانه مع عدم الامام تسقط بالكلية. والمراد بالامام في كلامه هو امام الجماعة الذى تقدم تصريحه به في صلاة الجمعة. واما ما ذهب إليه بعض من الاستحباب جماعة فهو باطل كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى بل هي اما واجبة عينا ان وجد الامام وكملت باقى الشروط وإلا صليت فرادى استحبابا. وجميع ما ذكرنا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء عليه. واما توهم حمل الاخبار المتقدمة على امام الاصل فقد عرفت ما فيه من كلام مشايخنا المذكورين (رضوان الله عليهم) فانه جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه. ويؤيد ما ذكرناه من عدم اشتراط امام الاصل في هذه الصلاة ما نقله في كتاب البحار (1) عن الصدوق في كتاب ثواب الاعمال حيث انه نقل فيه خبرا عن سلمان الفارسى (رضى الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثواب صلاة اربع ركعات على كيفية مخصوصة بعد صلاة العيد ثم قال (قدس سره) هذا لمن كان امامه مخالفا فيصل معه تقية ثم يصلى هذه الاربع ركعات للعيد فاما من كان


(1) ج 18 الصلاة ص 861 والعبارة فيها تلخيص ونقل بالمضمون.

[ 207 ]

امامه موافقا لمذهبه وان لم يكن مفروض الطاعة لم يكن له ان يصلى بعد ذلك حتى تزول الشمس. انتهى. وهو صريح كما ترى في ان مذهبه (قدس سره) صحة الصلاة بامام الجماعة وعدم اشتراط امام الاصل، وبه يظهر لك ما في دعوى الاجماع على اشتراط هذه الصلاة بامام الاصل مع تصريح هذا العمدة الذى هو من أهل الصدر الاول الذين عليهم المعول بحوازها مع امام الجماعة كما سمعت. واما احتمال الحمل على صلاة مستحبة فغير جيد لما سنبين ان شاء الله تعالى من انه لا مستند له ولا دليل عليه وان ذكره جلهم. وبالجملة فان عدم ذكر قدماء اصحابنا للوجوب العينى في هذه الصلاة انما هو باعتبار احالتهم لاحكام هذه الصلاة على صلاة الجمعة فهو آت في هذه الصلاة، فلا يتوهم من سكوتهم عن التصريح به هنا نفيه عن هذه الصلاة وان قالوا به في الجمعة فهو غلط محض كما أوضحناه لك في عبارة المقنعة. ومما يؤيد ذلك الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى الدالة على تعليم الائمة (عليهم السلام) لاصحابهم كيفية الصلاة وآدابها وأحكامها وما يتعلق بالامام فيها فان جميع ذلك قرينة واضحة على انها يتأتى من اصحابهم ان يصلوها بغير المعصوم إذ مع الاختصاص بالمعصوم لا يظهر لهذا التعليم كثير فائدة كما لا يخفى على المتأمل المنصف. وثانيها - العدد وقد أجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على اعتباره هنا، ويدل عليه صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: (في صلاة العيدين إذا كان القوم خمسة أو سبعة فانهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة) وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه قال: (في صلاة العيدين إذا كان القوم خمسة فصاعدا مع امام في مصر فعليهم ان


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و 39 من صلاة العيد. (2) مستدرك الوسائل الباب 31 من صلاة العيد.

[ 208 ]

يجمعوا للجمعة والعيدين. ونقل عن ابن عقيل أنه ذهب إلى اشتراط السبعة هنا مع انه اكتفى في الجمعة بخمسة. ورده بعض الاصحاب بعدم المستند. اقول: الظاهر من كلام ابن ابى عقيل وصول المستند إليه بذلك وان لم يصل الينا حيث قال - على ما نقله عنه في المختلف - ولا عيد مع الامام ولا مع امرئة في الامصار باقل من سبعة من المؤمنين فصاعدا ولا جمعة باقل من خمسة، ولو كان إلى القياس سبيل لكانا جميعا سواء ولكنه تعبد من الخالق سبحانه. وهو كما ترى ظاهر في وصول المستند إليه، وثالثها - الجماعة وقد تقدمت جملة من الاخبار الدالة على ذلك (1). ورابعها - الوحدة قال في المدارك وظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراطها حيث أطلقوا مساواتها للجمعة في الشرائط، ونقل عن الحلبيين التصريح بذلك محتجين بانه لم ينقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه صلى في زمانه عيدان في بلد كما لم ينقل انه صليت جمعتان وبما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: (قال الناس لامير المؤمنين (عليه السلام) ألا تخلف رجلا يصلى في العيدين ؟ قال لا أخالف السنة) وهما لا يدلان على المنع ومن ثم توقف العلامة في التذكرة والنهاية في اشتراط ذلك وهو محله. انتهى. أقول: الظاهر ان مرجع التعليل المنقول عن الحلبيين إلى أن العبادات لما كانت توقيفية من الشارع وجوبا وندبا وتعددا واتحادا وكمية وكيفية ونحو ذلك فالواجب الوقوف على ما علم منهم (صلوات الله عليهم) بقول أو عمل، وغاية ما يفهم من الاخبار هو جواز صلاة واحدة في المصر وتوابعه إلى امتداد مسافة الفرسخ فثبوت الثانية ومشروعيتها في هذه المسافة يتوقف على الدليل. وهذا الكلام موجه صحيح دال على المدعى باوضح دلالة كما يخفى وبه يقيد اطلاق الاخبار


(1) ص 202 و 203. (2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.

[ 209 ]

الدالة على الوجوب فلا يمكن الاستناد إليها في المقام. واما الرواية فلا اشكال في أن ظاهرها هو انه لما كان (ع) يصحر بصلاة العيدين كما هو السنة فيها قالوا له أن يخلف في المصر من يصلى العيدين بمن تخلف من الضعفة والعجزة عن الخروج فأجاب بانى لا أخالف السند، والمراد بالسنة يعنى وحدة الصلاة في الفرسخ فانه واجب بالسنة النبوية واطلاق السنة على ما وجب بالسنة شائع في الاخبار كما قدمنا ذكره في مسألة غسل الجمعة من كتاب الطهارة، لا ان المراد بالسنة المستحب كما ربما يتوهم، وعلى هذا المعنى بنى الاستدلال بالرواية وهو معنى واضح لا غبار عليه. وبنحو هذه الرواية روى في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (1) انه (قيل له يا امير المؤمنين (ع) لو امرت من يصلى بضعفاء الناس يوم العيد في المسجد ؟ قال اكره أن أستن سنة لم يستنها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وروى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) نقلا من كتاب عاصم بن حميد عن محمد ابن مسلم قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول قال الناس لعلى (ع) ألا تخلف رجلا يصلى بضعفة الناس في العيدين ؟ قال فقال لا اخالف السنة. ونحوه بهذا المضمون روى في المحاسن عن رفاعة (3) قال: (سمعت أبا عبد الله (ع)... الحديث.) ومما يؤيد ذلك ما تقدم (4) في صحيحة زرارة من ان (من لم يصل مع امام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه) ونحوه في صحيحته الاخرى (5) وهو شامل باطلاقه لما لو لم يكن ثمة امام أو كان ولكن فاتته الصلاة معه. معنى (لا صلاة له) يعنى وجوبا وإلا فالاستحباب لاريب فيه نصا وفتوى، ففى الصحيح لابن سنان (6)


(1) مستدرك الوسائل الباب 14 من صلاة العيد. (2) ج 18 الصلاة ص 863. (3) البحار ج 18 الصلاة 860. (4) ص 202. (5) ص 203. (6) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.

[ 210 ]

(من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده) ونحوه غيره مما سيأتي ان شاء الله تعالى. والتقريب في هذه الاخبار انه لو شرعت الصلاة مرة اخرى في البلد لما حسن هذا الاطلاق في هذه الاخبار بان يقال (لا صلاة ولا قضاء عليه) أو يقال: (فليصل وحده) لامكان الاجتماع على جماعة اخرى كما لا يخفى. وأما ما ذكره الشهيد ومن تأخر عنه - من أن هذا الشرط انما يعتبر مع وجوب الصلاتين فلو كانتا مندوبتين أو احداهما لم يمنع التعدد - ففيه انه لم يقم لنا دليل على استحباب الجماعة في العيدين كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في مسألة على حدة والى ذلك أشار في المدارك ايضا حيث قال بعد نقل ذلك عن الشهيد: وليس في النصوص دلالة على شئ من ذلك. انتهى. وقال في الذكرى: مذهب الشيخ في الخلاف ومختار صاحب المعتبر ان الامام لا يجوز له أن يخلف من يصلى بضعفة الناس في البلد. ثم أورد صحيحة ابن مسلم (1) ثم قال ونقل في الخلاف عن العامة (ان عليا (ع) (2) خلف من يصلى بالضعفة) وأهل البيت (عليهم السلام) أعرف. انتهى. خامسها - الخطبتان وقد اختلف فيهما كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) فقال الشيخ في المبسوط في باب صلاة العيدين: وشرائطها شرائط الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك. وهو ظاهر في قوله بشرطيتهما في العيدين، وبه قال ابن ادريس والعلامة في المنتهى حيث قال: والخطبتان واجبتان كوجوبهما في الجمعة ولا نعرف خلافا بين المسلمين في كونهما بعد الصلاة إلا من بنى امية (3) ثم ذكر ايضا انه لا يجب حضورهما ولا استماعهما بغير خلاف. ونحو ذلك ذكر في التذكرة ايضا.


(1) ص 208. (2) المغني ج 2 ص 373 (3) المغني ج 2 ص 384.

[ 211 ]

وقال المحقق في المعتبر: والخطبتان مستحبتان فيهما بعد الصلاة ولا يجب حضورهما ولا استماعهما اما استحبابهما فعليه الاجماع. وقال الشهيد في الذكرى: المشهور بين الاصحاب في ظاهر كلامهم استحباب الخطبتين في صلاة العيدين وصرح به في المعتبر واوجبهما ابن ادريس والفاضل والروايات مطلقة. ونقل بعض الاخبار الدالة على الخطبة ثم قال والعمل بالوجوب أحوط نعم ليستا شرطا في صحة الصلاة بخلاف الجمعة. وقال السيد في المدارك - في شرح قول المصنف: وفى واجبة مع وجود الامام... إلى آخره - ان الشيخ صرح في المبسوط با شتراطهما في هذه الصلاة فقال شرائطها شرائطي الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك. ثم ذكرانه ان الظاهر من عبارة الشرائع حيث اطلق مساواتها للجمعة في الشرائط. ثم ذكر ان العلامة جزم في جملة من كتبه بعدم اعتبار هذا الشرط هنا. ثم قال وهو كذلك تمسكا بالاصل والتفاتا إلى كونهما متأخرتين عن الصلاة ولا يجب استماعهما اجماعا فلا تكونان شرطا فيها. وقال في موضع آخر - في شرح قول المصنف: الثالثة الخطبتان في العيد بعد الصلاة وتقديمهما بدعة - ولم يتعرض المصنف في هذا الكتاب لبيان حال الخطبتين من حيث الوجوب والاستحباب ونقل عنه في المعتبر انه جزم بالاستحباب وادعى عليه الاجماع، وقال العلامة في جملة من كتبه بالوجوب، واحتج عليه في التذكرة بورود الامر بهما وهو حقيقة في الوجوب. وكأنه أراد بالامر ما يستفاد من الجملة الخبرية فانا لم نقف في ذلك على امر صريح. والمسألة محل تردد وكيف كان فيجب القطع بسقوطهما حال الانفراد للاصل السالم من المعارض. وقال ايضا - في شرح قول المصنف: ولا يجب استماعهما بل يستحب - هذا الحكم مجمع عليه بين المسلمين حكاه في التذكرة والمنتهى مع تصريحه في الكتابين بوجوب الخطبتين وهو دليل قوى على الاستحباب وروى العامة عن عبد الله بن

[ 212 ]

السائب (1) قال: (شهدت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) العيد فلما قضى الصلاة قال انا نخطب فمن احب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب). والى القول بالاستحباب مال الفاضل الخراساني في الذخيرة والمحدث الكاشانى في المفاتيح. والاظهر عندي هو القول بالوجوب، ويدل عليه قول الرضا (ع) في كتاب الفقه الذى قد ظهر لك في غير موضع مما قدمنا وسيجئ امثاله اعتماد الصدوقين سيما الاول عليه وافتاؤهما بعبائر الكتاب كما كشفنا عنه النقاب في غير باب من الابواب حيث قال (ع) (2) (فان صلاة العيدين مع الامام فريضة ولا تكون إلا بامام وخطبة). مما يعضد ذلك ويؤيده باوضح تأييد ما رواه الصدوق في كتاب العلل والعيون من علل الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (3) قال: (انما جعلت الخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة لان الجمعة أمر دائم يكون في الشهر مرارا وفى السنة كثيرا فإذا كثر على الناس ملوا وتركوه وتفرقوا عنه والعيد إنما هو في السنة مرتان والزحام فيه اكثر والناس فيه أرغب وان تفرق بعض الناس بقى عامتهم). والتقريب فيه انه لو كان ما يدعونه من الاستحباب حقا لكان هو الاولى بان يذكر علة للفرق في الخبر بان يقال انما اخرت لان استماعها غير واجب حيث انها مستحبة فمن شاء جلس لاستماعها ومن شاء انصرف، وظاهر الخبر انما هو وجوبها في الصلاتين وان اختلفتا بالتقدم والتأخر للعلة المذكورة في الخبر. ويؤيده توقف يقين


(1) نيل الاوطار ج 3 ص 376 عن النسائي وابن ماجة وابي داود ونقله في الوسائل في الباب 30 من صلاة العيد من مجالس ابن الشيخ عن عبد الله بن السائب باختلاف في اللفظ. (2) ص 12. (3) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.

[ 213 ]

البراءة عليه لانه المعهود من فعلهم والمأثور من أوامرهم (عليهم السلام). وذكر الخطبتين في بيان كيفية الصلاة ايضا ظاهر في ذلك إذ قضية الذكر في بيان كيفية الواجب الوجوب في جميع ما اشتملت عليه الكيفية وخروج بعض الافراد التى قام الدليل من خارج على استحبابها لا يقتضى خروج ما لم يقم عليه دليل. هذا، وما ذكره في المدارك هنا لا يخلو من نوع تشويش واضطراب بل النظر الظاهر في ما ايد به ذلك من عدم وجوب استماعهما بل الاستحباب. أما الاول فلان مقتضى كلامه الاول هو اختيار الاستحباب صريحا وظاهر الثاني بل صريحه التردد والتوقف في المسألة. وايضا ظاهر كلامه الاول ان العلامة في جملة من كتبه جزم بالاستحباب وظاهر كلامه الثاني خلافه وانه جزم بالوجوب ثم أورد دليله، ومقتضى الدليل الذى نقله لازم له حيث انه صرح في مواضع من كتابه بانه لا فرق في دلالة الامر على الوجوب بين كونه بلفظ الامر أو بالجملة الخبرية، وحينئذ فالظاهر ان منشأ التردد عنده هو معارضة دعوى الاجماع الذى ذكره في المعتبر مع ما عرفت من طعنه في هذه الاجماعات. واما الثاني - وهو ما ذكره في كلامه الثالث من أن تصريح العلامة في الكتابين بالاجماع على عدم وجوب استماع الخطبتين دليل قوى على الاستحباب ففيه ان خطبة الجمعة مع الاتفاق على وجوبها وانها شرط في صحة الصلاة قد وقع الخلاف في وجوب استماعها فممن ذهب إلى عدم وجوب استماعها الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر مع قولهما بوجوبها وشرطيتها في صحة الصلاة وتردد في الشرائع، ولم نره في تلك المسألة بعد أن نقل قولهما المذكور رد عليهما بانه يلزم منه المناقضة لان القول بالوجوب يستلزم القول بوجوب الاستماع وعدم وجوب الاستماع يستلزم الاستحباب كما ذكره هنا. وبالجملة فانه كما ان اصل وجوب الخطبة متوقف على الدليل كذلك وجوب الاستماع يتوقف عليه ولا ملازمة بينهما، وما علل به وجوب الاستماع في خطبة الجمعة في مقام الرد على صاحب المعتبر من انتفاء فائدة الخطبة بدون الاستماع فهى علة مستنبطة ترجع إلى مجرد الاستعباد، ومع فرض

[ 214 ]

وجودها في نص فانه يمكن الجواب عنها بان علل الشرع ليست عللا حقيقية يجب اطرادها كالعلل العقلية التى يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي معرفات وموضحات لنوع مناسبة أو بيان حكمة أو نحو ذلك كما لا يخفى على من احاط خبرا بالعلل المذكورة في اخبار علل الشرائع والاحكام. واما ما ذكره في كلامه الثالث من الخبر العامي للتأييد به - ولعله من حيث ان الشيخ في كتاب المجالس (1) - فضعفه أظهر من أن يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعى به. وبالجملة فان مقتضى ظواهر الاخبار كما ذكره في التذكرة واعترف به في المدارك هو الوجوب مع اعتضاده بما ذكرناه من خبرى كتاب الفقه والعلل والعيون، وليس في الاخبار ما يدل على الاستحباب ولا يشير إليه إلا ما ربما يتوهم من كونهما بعد الصلاة وهو محض خيال قاصر. واما دعوى عدم اشتراطهما في صحة الصلاة -. كذا دعوى ما يلازمه ويقتضيه من عدم وجوب حضورهما واستماعهما - فلم نقف له على دليل ازيد من دعوى الاجماع، مع ما عرفت من دلالة ظاهر كلام الشيخ في المبسوط بل ظاهر كل من أطلق الحكم بكون شرائط العيد شرائط الجمعة من غير تعرض لعدم وجوب ما ذكروه على خلاف هذا الاجماع. قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين بعد ذكر نحو ما ذكرناه: انا لا نعرف لهم دليلا سوى الاجماع المسبوق بخلاف الشيخ صريحا بل سائر ارباب النصوص ايضا حيث لم يتعرضوا لاستثناء هذا من شرائط الجمعة لا صريحا ولا ضمنا سوى خبر عامى ضعيف السند نقله الشيخ اولا من كتب المخالفين في مجالسه (2) مع انه لم يعمل به على ما يظهر من كلامه ثم اشتهر بين من بعده فاستدلوا به من غير وجدان شاهد من روايات أهل البيت (عليهم السلام) ولا مؤيد، إذ لو كان


(1) و (2) الوسائل الباب 30 من صلاة العيد.

[ 215 ]

لنقلوه قطعا مع خلو الكتب عنه اليوم ايضا والخبر ما رواه من طريق العامة عن عطاء عن عبد الله بن السائب ثم ساق الخبر كما قدمنا نقله من المدارك. ثم قال: والذى يظهر من فحوى كلام اصحابنا ان أصل مناط حكمهم في جميع ما ذكروا من نفى الاشتراط وعدم وجوب الحضور والاستماع بل أصل استحباب الخطبتين هذا الخبر فان عليه مبنى الاجماع الذى ذكروه. انتهى كلامه (زيد مقامه) وهو جيد متين كما لا يخفى على الحاذق المكين. المسألة الثالثة - قد اشتهر في كلام متأخرى الاصحاب انه مع اختلال شرائط الوجوب أو بعضها فانه يستحب أن تصلى جماعة وفرادى، قال في المعتبر: وتستحب مع عدم الشرائط أو بعضها جماعة وفرادى في السفر والحضر وتصلى كما تصلى في الجماعة. وقال القطب الراوندي من اصحابنا من ينكر الجماعة في صلاة العيد سنة بلا خطبتين لكن جمهور الامامية يصلون هاتين الصلاتين جماعة وعملهم حجة. اقول: وتصريح المحقق ومن تأخر عنه بذلك معلوم من كتبهم وعليه العامة ايضا فانهم بين قائل بتعين الاستحباب جماعة وقائل بالتخيير بين الجماعة والانفراد وهو قول اكثرهم (1). وقال الشيخ المفيد بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه من انها فرض لجميع من لزمته الجمعة على شرط حضور الامام سنة عليا لافراد مع عدم حضور الامام: ومن فاتته صلاة العيد جماعة صلاها وحده كما يصلى في الجماعة ندبا مستحبا. وقال الشيخ في المبسوط: متى تأخر عن الحضور لعارض صلاها في المنزل منفردا ستة وفضيلة. ثم قال: ومن لا تجب عليه صلاة العيد من المسافر والعبد


(1) المذكور في المعتبر والتذكرة والمنتهى نسبة هذا القول إلى الشافعي واحمد في احدى الروايتين وفي الاخرى لا تصلى الا في جماعة وهو قول ابي حنيفة، واضاف في المنتهى الحسن البصري إلى الشافعي واحمد. راجع المهذب ج 1 ص 120 والانصاف ج 2 ص 426 وعمدة القارئ ج 3 ص 399 والبحر الرائق ج 2 ص 175.

[ 216 ]

وغيرهما يجوز لها اقامتها منفردين سنة. وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: هما سنة تصلى على الانفراد عنه فقد الامام أو اختلال بعض الشرائط. وانت خبير بان ظاهر عبارة الشيخ المفيد والشيخ في المبسوط والمرتضى هنا هو استحباب الصلاة منفردا بعد فوات الصلاة الواجبة ولم يتعرضوا للاستحباب جماعة. وقال أبو الصلاح: فان اختل شرط من شرائط العيد سقط فرض الصلاة وقبح الجمع فيها مع الاختلال وكان كل مكلف مندوبا إلى هذه الصلاة في منزله والاصحار بها أفضل. وقال ابن ادريس: معنى قول اصحابنا (على الانفراد) ليس المراد بذلك أن يصلى كل واحد منهم منفردا بل الجماعة ايضا عند انفرادها من دون الشرائط مسنونة مستحبة قال ويشتبه على بعض المتفقهة هذا الموضع بان يقول على الانفراد اراد مستحبة إذا صلاها كل واحد وحده قال لان الجمع في صلاة النوافل لا يجوز وإذا عدمت الشرائط صارت نافلة فلا يجوز الاجتماع فيها، قال محمد بن ادريس وهذا قلة بصيرة من قائله بل مقصود أصحابنا على الانفراد ما ذكرناه من انفرادها عن الشرائط. وقال العلامة في المختلف ونعم ما قال: وتأويل ابن ادريس بعيد مع انه روى النهى عمار بن موسى عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قلت له هل يؤم الرجل باهله في صلاة العيدين في السطح أو بيت ؟ قال لا يؤم بهن ولا يخرجن ولو كانت الجماعة مستحبة لا ستحبت هنا إذ المستحب في حق الرجل مستحب في حق المرأة إلا ما خرج بالدليل، إلا ان فعل الاصحاب في زماننا الجمع فيها. ثم نقل ملخص كلام الراوندي الذى قدمناه بتمامه. وقال الشهيد في الذكرى: وتفارق الجمعة عند الاصحاب بانها مع عدم الشرائط تصلى سنة جماعة وهو أفضل وفرادى، وكذلك يصليها من تجب عليه من المسافر


(1) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.

[ 217 ]

والعبد والمرأة ندبا ان لم يقم في البلد فرضها مع الامام. ثم نقل كلام السيد المرتضى وابى الصلاح وابن ادريس والراوندي. ثم قال ونص عليه الشيخ في الحائريات. ثم قال وقد روى عمار عن الصادق (ع) ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: وربما يفهم منه نفى الجماعة فيها وكذلك في رواية سماعة عنه (ع) (1) قال: (لا صلاة في العيدين إلا مع الامام فان صليت وحدك فلا بأس) وقد يجاب عن رواية عمار بنفى تأكيد الجماعة بالنساء، وعن الثانية ان المراد بها إذا كانت فريضة لا تكون إلا مع الامام كما قاله في التهذيب، وقد روى عبد الله بن المغيرة (2) قال: (حدثنى بعض أصحابنا قال سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الفطر والاضحى فقال صلهما ركعتين في جماعة وغير جماعة) وظاهر هذا عموم الجماعة. انتهى. أقول: لا يخفى ان ظاهر مرسل عبد الله بن المغيرة المذكور انما هو بيان ان صلاة العيد ركعتان صليت وجوبا في الجماعة أو ندبا بغير جماعة. وفيه اشارة للرد على من قال بالاربع ركعات متى فاتت الصلاة مع الامام. وان لم يكن ما ذكرناه هو الاظهر فلا أقل من أن يكون مساويا لما ذكره وبه يسقط الاستدلال بالخبر المذكور. ثم اقول: لا يخفى ان الاخبار قد تكاثرت بالصلاة منفردا مع عدم الامام بالكلية أو عدم ادراك الصلاة معه ولم نقف في الاخبار على ما يقتضى توظيف الجماعة في هذه الصورة بل ظاهر خبر عمار المتقدم كما عرفت هو التصريح بالمنع منها وأماما يدل على استحباب الصلاة وحده مع عدم الجماعة فمن ذلك موثقة سماعة المتقدمة (3) وصحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل في بيته وحده كما يصلى في الجماعة).


(1) و (3) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة العيد. (4) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.

[ 218 ]

وموثقة الحلبي (1) قال: (سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل لا يخرج في يوم الفطر والاضحى أعليه صلاة وحده ؟ قال نعم. وعن سماعة في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (قلت له متى نذبح ؟ قال إذا انصرف الامام. قلت فإذا كنت في ارض ليس فيها امام فاصلي بهم جماعة ؟ فقال إذا استقلت الشمس. وقال لا بأس أن تصلى وحدك ولا صلاة إلا مع امام) ومرسلة عبد الله بن المغيرة المتقدمة، وقد عرفت ان المراد بقوله فيها (في جماعة) انما هو حال الوجوب وحينئذ يكون غير الجماعة عبارة عن الانفراد وهو المستحب وصحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (مرض ابى يوم الاضحى فصلى في بيته ركعتين ثم ضحى). واحتمل في الوافى في هذا الخبر الوجوب مع اختصاص الحكم بالامام وايده بما رواه الشيخ عن الحلبي (4) قال: (سئل أبو عبد الله (ع) عن الامام لا يخرج يوم الفطر والاضحى أعليه صلاة وحده ؟ قال نعم واحتمل الاستحباب مع عموم الحكم كما تقدم في الاخبار المذكورة. وظني ان ما ذكره من الاحتمال الاول بعيد وتوهم الوجوب من قوله (ع) في رواية الحلبي (أعليه) معارض بما تقدم في موثقة الحلبي (5) من قوله (الرجل لا يخرج في يوم الفطر والاضحى أعليه صلاة وحده ؟ قال نعم) وحينئذ فالمراد بقوله (عليه) في كلتا الروايتين انما هو مطلق الثبوت الشامل للوجوب والاستحباب، على ان وجه الخصوصية هنا غير ظاهر، وحينئذ فالرواية منتظمة مع ما ذكرناه من الاخبار. ولا ينافى ذلك ما في رواية هارون بن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله (ع) (6) من قوله: (فقلت أرأيت ان كان مريضا لا يستطيع ان يخرج أيصلى في بيته ؟ قال لا) وفى رواية محمد بن قيس عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) قال: (انما الصلاة


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. والظاهر ان الرقم (4) عين الرقم (1) ولفظ (الامام) في الوافي (2) و (6) و (7) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.

[ 219 ]

يوم العيد على من خرج إلى الجبانة ومن لم يخرج فليس عليه صلاة. وفى صحيحة زرارة (1) حيث قال (ع) (ومن لم يصل مع امام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه) فان الوجه فيها الحمل على نفى الوجوب جمعا بين الاخبار. وفى هذه الاخبار رد على ما نقل عن الصدوق في المقنع حيث قال: ولا يصليان الا مع الامام جماعة. وابن ابى عقيل حيث قال: من فاتته الصلاة مع الامام لم يصلها وحده. ولعلهما قد استندا إلى ما ذكرناه من هذه الروايات الاخيرة. إلا انه يمكن تأويل كلامهما بما أو لنا به الاخبار المذكورة إذ من البعيد عدم اطلاعهما على الاخبار الدالة على الانفراد مع كثرتها وتعددها وأبعد منه الاطلاع عليها وطرحها من البين. إذا عرفت ذلك فاعلم انا لم نقف لما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من الاستحباب جماعة مع اختلال بعض شروط الوجوب على دليل. وغاية ما استدل به في ذكرى كما تقدم مرسلة عبد الله بن المغيرة وقد عرفت الجواب عنها، مع معارضتها - لو سلمت من الاحتمال الذى ذكرناه - بموثقة عمار المتقدمة (2) وان تأولها بالبعيد والاحتمال الغير السديد. وغاية ما تعلق به الراوندي هو عمل جمهور الامامية وصلاتهم لها جماعة استحبابا حال الغيبة. ولا يخفى ما فيه إذ رب مشهور لا أصل له ورب متأصل ليس بمشهور، سيما مع ورود الاخبار المتقدمة الدالة على التقييد بالوحدة والانفراد في الاتيان بها مع اختلال شرط الوجوب، مع عدم وجود المعارض الصريح بل وجود المؤيد الفصيح كما عرفت من موثقة عمار، فكيف يمكن التعلق بعملهم وفعلهم في مقابلة هذه الاخبار وخصوصا مع موافقة ما يفعلونه للعامة كما تقدمت الاشارة إليه (3) وأما ايقاع القدماء لها كذلك ان ثبت فلعله بناء على الوجوب كما هو ظاهر ما تقدم من عدم الدليل على اشتراط امام الاصل في وجوبها فتوهم من اشترطه


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد (2) ص 216 (3) ص 215.

[ 220 ]

ان فعلهم لها على جهة الاستحباب وسيأتى ما يؤيده. وبالجملة فالظاهر هو انحصار الاستحباب في الانفراد كما هو مفاد الاخبار المتقدمة مع كونه خلاف جميع العامة. وكيف كان فالاستحباب جماعة انما يتجه على ما هو المشهور من اشتراط وجوب العيدين وجوبا عينيا بامام الاصل، ولا ريب ان هذا الشرط مختل زمان الغيبة ولهذا نقل القطب الرواندى والعلامة في المختلف - على ما قدمنا نقله عنهما - ان عمل الاصحاب على الصلاة جماعة استحبابا زمان الغيبة، إلا انك قد عرفت انه لا مستند له. واما على ما هو الظاهر من كلام جملة من محققى متأخرى المتأخرين - وهو الظاهر ايضا ممن قال بالوجوب العينى حال الغيبة من المتقدمين حيث انهم يجعلون شرائط الجمعة ثابتة لصلاة العيد من أن صلاة العيد زمن الغيبة كصلاة الجمعة واجبة عينا والامام المشترط فيها انما هو امام الجماعة - فيشكل التعدد جماعة فيها في مسافة الفرسخ كما عليه علماء زماننا الان فانهم يصلون جماعات عديدة في البلد الواحد مع ترجيحهم هذا القول الذى اشرنا إليه قولهم باشتراط الوحدة فيها كما في الجمعة، لانه متى صليت في مسافة الفرسخ بناء على ما ذكرنا امتنعت الصلاة ثانيا لعين ما تقرر في صلاة الجمعة من عدم مشروعية الجمعة الثانية في المسافة المذكورة. وربما كان مستندهم في جواز التعدد في الصورة المذكورة ما تقدم نقله عن شيخنا الشهيد من أن شرط الوحدة في فرسخ انما يعتبر مع وجوب الصلاتين فلو كانتا مندوبتين أو إحداهما لم يمتنع التعدد. وفيه ان كلام شيخنا المذكورة مبنى على اشتراط المعصوم في الوجوب العينى فهى الان عنده مستحبة فلا يشترط فيها هذا الشرط إذ هو مخصوص بالواجبة، وأما عنده الوجوب زمن الغيبة عملا باطلاق الاخبار المتقدمة الدالة على الوجوب من غير ما يصلح لتقييدها بوجود امام الاصل كما يدعونه وقد حصل باقى الشروط فان الوجوب يكون عينيا عنده فلا بد من اعتبار الوحدة فيها كما في الجمعة

[ 221 ]

التى قد حملوها عليها، على ان ما ادعاه الشهيد من مشروعية الجماعة وان كانت مستحبة محل المنع كما عرفت. وبالجملة فان ما يفعله علماء زماننا كما حكيناه عنهم مما لا اعرف له وجه صحة على كل من القولين، اما على القول المشهور - من اشتراط الوجوب العينى بوجود امام الاصل فتكون في زمن الغيبة مستحبة - ففيه أنه مع تسليم ذلك فان غاية ما دلت عليه الاخبار هو استحبابها فرادى لا جماعة كما تقدم تحقيقه، سيما مع دلالة الاخبار المتكاثرة على عدم مشروعية الجماعة في صلاة النافلة إلا في مواضع مخصوصة وليس هذا منها، واما على القول المختار - من وجوبها حال الغيبة عينا انعقادها بامام الجماعة حسبما مر في الجمعة - فانها باستكمال الشروط من وجود الامام وامكان الخطبة والعدد والجماعة والكون في فرسخ تكون واجبة عينا فمتى اقيمت وجب على كل من في مسافة الفرسخ السعي إليها والحضور فيها وكيف يتجه صلاتها ثانيا ندبا بناء على الحال المذكورة. ثم لو فرضنا تخلف بعض عن الحضور لعذر أو لغير عذر فغاية ما دلت عليه الاخبار انه يصليها منفردا. وبالجملة فالحكم فيها كما في الجمعة إلا انها تزيد هنا باستحباب الصلاة فرادى مع عدم ادراك الجماعة أو تعذر حضورها، وأما الصلاة جماعة فكلما انه تحريم الجمعة الثانية بعد اقامتها أولا كذلك تحريم صلاة العيد ثانيا جماعة بعد الاتيان بها اولا، ولهذا انا نعجل الصلاة بها حال طلوع الشمس ليتوجه البطلان إلى من صلى بعدنا. والله العالم المسألة الرابعة - ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على سقوط صلاة العيدين عن كل من تسقط عنه صلاة الجمعة، قال في التذكرة انما تجب صلاه العيد على من تجب عليه الجمعة عند علمائنا أجمع. وقال في المنتهى لا نعرف فيه خلافا. قال في المدارك: ويدل عليه اصالة براءة الذمة من وجوب هذه الصلاة على من لا تجب عليه الجمعة السالمة عن ما يصلح للمعارضة لا نتفاء ما يدل على العموم في من تجب عليه.

[ 222 ]

وفيه نظر ظاهر وكيف لا والاخبار التى قدمناها في المسألة الاولى ظاهرة الدلالة في العموم فانه لا ريب ان الخطاب فيها راجع إلى جميع المكلفين فان قولهم (عليهم السلام) (1): (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة) يعنى على كل مكلف إلا ما خرج بدليل وارد عنهم (عليهم السلام) وإلا لزم مثله في صلاة الكسوف التى قرنها بها مع ان هذا القائل لا يلتزمه، وحينئذ فالواجب الوقوف على ما دل على خروجه من هذا العموم ويبقى ما عداه داخلا تحت خطاب التكليف. والذى وقفت عليه في الاخبار من الافراد المستثناة عن الدخول منها المسافر لصحيحة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: (انما صلاة العيدين على المقيم ولا صلاة إلا بامام). وصحيحة ربعى والفضيل بن يسار عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: ليس في السفر جمعة ولا فطر ولا اضحى. وما رواه البرقى في كتاب المحاسن بسنده عن العلاء بن الفضيل عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (ليس في السفر جمعة ولا أضحى ولا فطر) قال ورواه ابى عن خلف بن حماد عن ربعى عن ابى عبد الله (ع) مثله (5). وروى في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (6) انه قال: (ليس على المسافر جمعة ولا عيد). اقول: دلالة هذه الروايات على السقوط عن المسافر واضحة مضافا إلى الاجماع المتقدم نقله.


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف. (2) و (3) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد. (4) و (5) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة رقم 29. (6) مستدرك الوسائل الباب 5 من صلاة العيد.

[ 223 ]

وأما ما رواه في التهذيب والفقيه عن سعد بن سعد عن ابى الحسن الرضا (ع) (1) قال: (سألته عن المسافر إلى مكة وغيرها هل عليه صلاة العيدين الفطر والاضحى ؟ قال نعم إلا بمنى يوم النحر) فقد حمله الشيخ على الاستحباب، والظهر - كما ذكره في الوافى - ان يقيد الاستحباب بما إذا شهد المسافر بلدة يصلى فيها العيد فانه يستحب له حضوره كما في الجمعة لا انه ينشئ صلاة العيد في سفره. ونحو هذه الرواية ايضا موثقة سماعة (2) قال: (سألته عن صلاة العيد قال في الامصار كلها إلا في يوم الاضحى بمعنى فانه ليس يومئذ صلاة ولا تكبير). وإنت خبير بان هذه الرواية ليست نصا في عدم السقوط عن المسافر بل ربما كان استثناء الاضحى بمنى مشعرا بالسقوط عن المسافر فتكون منطبقة على الاخبار المتقدمة. ومنها - النساء لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (انما رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) للنساء العواتق في الخروج في العيدين للتعرض للرزق). وعن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (قلت له هل يؤم الرجل باهله في صلاة العيدين في السطح أو بيت ؟ فقال لا يؤم بهن ولا يخرجن وليس على النساء خروج. وقال اقلوا لهن من الهيئة حتى لا يسألن الخروج) وما رواه في كتاب معاني الاخبار عن محمد بن شريح (5) قال: (سألت إبا عبد الله (ع) عن خروج النساء في العيدين فقال لا إلا العجوز عليها منقلاها يعنى الخفين). ودلالة هذه الروايات ايضا على السقوط عن النساء واضحة مضافا إلى الاجماع المتقدم.


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.

[ 224 ]

إلا ان بازاء هذه الاخبار ما يدل بظاهره على وجوب الخروج عليهن مثل ما رواه في قرب الاسناد (1) عن على بن جعفر عن اخيه (ع) قال: (سألته عن النساء هل عليهن صلاة العيدين والتكبير ؟ قال نعم قال وسألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين والجمعة ما على الرجال ؟ قال نعم. قال وسألته عن النساء هل عليهن من التطيب والتزين في الجمعة والعيدين ما على الرجال ؟ قال نعم). وما رواه في كتاب الذكرى (2) قال روى ابن ابى عمير في الصحيح عن جماعة منهم حماد بن عثمان وهشام بن سالم عن الصادق (ع) انه قال: (لا بأس بان تخرج النساء في العيدين للتعرض للرزق). ومن الذكرى ايضا (3) قال روى ابراهيم بن محمد الثقفى في كتابه باسناده إلى علي (ع) قال: (لا تحبسوا النساء عن الخروج في العيدين فهو عليهن واجب)، وحملها الاصحاب على الاستحباب، والمشهور استحباب صلاة العيد لكل من سقطت عنه إلا الشواب وذوات الهيئة من النساء فانه يكره لهن الخروج إليها. قال في الذكرى: قال الشيخ لا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لهن من النساء في صلاة الاعياد ليشهدن الصلاة ولا يجوز ذلك لذوات الهيئات منهن والجمال. وفى هذا الكلام أمران (احدهما) ان ظاهره عدم الوجوب عليهن ولعله لما رواه ابن ابى عمير في الصحيح عن جماعة ثم ساق الرواية كما تقدمت. ثم قال إلا انه لم يخص فيها العجائز وقد روى عبد الله بن سنان قال: انما رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم ساق الخبر كما قدمناه (4) ثم قال والعواتق الجوارى حين يدركن. ولكنه معارض بما رواه أبو اسحاق ابراهيم الثقفى في كتابه باسناده إلى على (ع) ثم ذكره كما تقدم ثم قال ولان الادلة عامة للنساء (الامر الثاني) ان الشيخ منع خروج ذوات الهيئات


(1) ص 100 وفي الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة و 28 من صلاة العيد والثالث في الباب 47 من صلاة الجمعة. (2) و (3) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد. (4) ص 223.

[ 225 ]

والجمال والحديث دال على جوازه للتعرض للرزق اللهم إلا ان يريد به المحصنات أو المملكات كما هو ظاهر كلام ابن الجنيد حيث قال: وتخرج إليها النساء العواتق والعجائز ونقله الثقفى عن نوح بن دراج من قدماء علمائنا. انتهى كلامه في الذكرى ملخصا. ومنها - المريض لما رواه الشيخ والصدوق في الحسن بل الصحيح عن هارون ابن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (الخروج يوم الفطر والاضحى إلى الجبانة حسن لمن استطاع الخروج إليها. فقلت أرأيت ان كان مريضا لا يستطيع أن يخرج أيصلى في بيته ؟ قال لا) وقد تقدم ان المراد بقوله (لا) نفى الوجوب لما عرفت سابقا من استحبابها فرادى بالنصوص المتقدمة. ومنها - العبد ويدل عليه وعلى الافراد المتقدمة ايضا قول الرضا (ع) في كتاب الفقه (2) (وصلاة العيدين فريضة واجبة مثل صلاة الجمعة إلا على خمسة: المريض والمرأة والمملوك والصبى والمسافر). هذا ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على الاستثناء في هذه الصلاة وبموجبه يبقى ما عدا هؤلاء المذكورين داخلين تحت خطاب التكليف إلا ان يقال باستثنائها بالادلة العامة كالاعمى والكبير السن لحصول الحرج والمشقة في السعي عليهما. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد صرح الاصحاب باستحباب الصلاة لهؤلاء فرادى وجماعة بناء على ما يدعونه من مشروعية الجماعة استحبابا في هذه الصلاة، ويدل عليه فرادى بالنسبة إلى المسافر والمرأة ما تقدم من الاخبار المحمولة على الاستحباب وعلى المريض صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (3) في حكاية الصادق عن ابيه (عليهما السلام) انه مرض يوم الاضحى فصلى في بيته ركعتين ثم ضحى. قال في المدارك: وقد حكم الاصحاب باستحبابها ايضا لمن لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد والمرأة، وهو حسن وان أمكن المناقشة فيه بعدم الظفر بما يدل عليه بالخصوص. نعم روى سعد بن سعد الاشعري في الصحيح عن الرضا (ع) ثم ساق الرواية


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد (2) ص 12. (3) ص 218.

[ 226 ]

كما تقدمت في المقام ثم قال: وهى محمولة على الاستحباب جمعا بينها وبين قوله (ع) في صحيحة زرارة (1) (انما صلاة العيدين على المقيم) انتهى كلامه زيد مقامه. والعجب منه (قدس سره) انه مع اعترافه بعدم الظفر بما يدل عليه بالخصوص كيف حكم باستحسان ما ذكره الاصحاب وان كان بغير دليل مع مناقشاته للاصحاب في ما قامت الادلة عليه بزعم انها ضعيفة باصطلاحه وان كانت مجبورة بالشهرة بينهم فكيف يوافقهم هنا من غير دليل بالكلية ؟ وربما أوهم قوله: (ما يدل عليه بالخصوص) على وجود دليل بطريق العموم وليس كذلك. وبالجملة فان الذى وقفنا عليه من أخبار المسألة هو ما ذكرناه إلا ان ثبوت الاستحباب بها في المقام عندي لا يخلو من الاشكال لما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم من أن الاستحباب حكم شرعى يتوقف على الدليل الواضح، ومجرد اختلاف الاخبار ليس بدليل إذ مبنى القول بالاستحباب هنا على الجمع بين الاخبار وإلا فلو خلينا وأدلة الثبوت لكانت دالة على الوجوب إلا ان ضرورة الجمع بينهما وبين الاخبار الدالة على السقوط أوجب حملها على الاستحباب. وأيضا فان اخراج ما ظاهره الوجوب عن حقيقة يحتاج إلى القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. ومحل الاشكال في روايات النساء حيث أن ظاهر جملة منها الوجوب عليهن وإلا فروايات المسافر لا إشكال فيها متى حملنا صحيحة سعد بن سعد على ما قدمنا ذكره من أن المراد بها صلاة المسافر مع من يصليها من الحاضرين دون أن ينشئ صلاة وحده أو جماعة مسافرين. وأما رواية سماعة فقد عرفت انها غير ظاهرة الدلالة. ويمكن حمل ما دل على الوجوب في النساء على العجائز منهن فلا ينحصر الجمع في الاستحباب كما ادعوه والله العالم. المسألة الخامسة - أجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) - كما حكاه العلامة في التذكرة والنهاية - على ان وقت صلاة العيدين ما بين طلوع الشمس إلى الزوال.


(1) ص 221.

[ 227 ]

قال في المدارك بعد نقل ذلك: ومستنده حسنة زرارة (1) قال: (قال أبو جعفر (ع) ليس في الفطر والاضحى اذان ولا اقامة اذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا) وموثقة سماعة (2) قال: (سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر والاضحى فقال بعد طلوع الشمس) ثم نقل عن الشيخ في المبسوط ان وقتها إذا طلعت الشمس وارتفعت وانبسطت. ثم قال: وهو احوط. ومقتضى الروايتين ان وقت الخروج إلى المصلى بعد طلوع الشمس، وقال المفيد انه يخرج قبل طلوعها فإذا طلعت صبر هنيئة ثم صلى. انتهى. اقول: لا يخفى ان المدعى في كلامهم هو امتداد الوقت من طلوع الشمس إلى الزوال والخبران المذكوران اللذان جعلهما مستندا لهذه الدعوى انما يدلان على التوقيت بطلوع الشمس بمعنى انه إذا طلعت الشمس خرجوا إلى الصلاة ولا دلالة فيهما على ما يدعونه من الامتداد إلى الزوال فهما غير منطبقين على المدعى بتمامه. ومما يدل ايضا على ما دل عليه الخبران المذكوران ما رواه السيد العابد الزاهد المجاهد رضى الدين على بن طاووس (قدس سره) في كتاب الاقبال (3) باسناده إلى يونس بن عبد الرحمان عن عبد الله بن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج بعد طلوع الشمس). وروى فيه (4) بسنده إلى محمد بن هارون بن موسى باسناده إلى زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: (لا تخرج من بيتك إلا بعد طلوع الشمس). وفى حديث خروج الرضا (عليه السلام) إلى صلاة العيد بتكليف المأمون المروى في كتابي الكافي وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) (5) (فلما طلعت الشمس قام فاغتسل وتعمم ثم ساق الخبر في كيفية خروجه (عليه السلام).


(1) (2) الوسائل الباب 29 من صلاة العيد. (3) و (4) الوسائل الباب 18 من صلاة العيد. (5) الوسائل الباب 19 من صلاة العيد.

[ 228 ]

ولم اقف في الاخبار بعد التتبع التام على ما يدل على الامتداد إلى الزوال كما ذكروه ولا اعرف لهم مستندا غير الاجماع الذى ادعوه مع ظهور الخلاف من ظاهر عبارتي الشيخين المنقولتين. والعجب من السيد السند (طاب ثراه) انه مع مناقشاته الاصحاب وعدوله عن ما عليه اتفاقهم في جملة من الاحكام كما لا يخفى على من له انس بكتابه مع قيام الادلة على ما يدعونه بمناقشاته في اسانيد أدلتهم والجمود هنا على ما ذكروه من غير دليل. وأعجب منه استدلاله لهم بهذين الخبرين والحال كما عرفت. نعم ربما يشير إلى ما ذكروه من الامتداد صحيحة محمد بن قيس الدالة على قضاء صلاة العيد في الغد مع ثبوت الرؤية بعد الزوال (1) لقوله فيها (إذا شهد عند الامام شاهدان انهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بالافطار في ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس فان شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم واخر الصلاة إلى الغد. قال في الوافى: هكذا وجد في النسخ والظاهر سقوط (وصلى بهم) بعد قوله في (ذلك اليوم) اولا ويجوز انه قد اكتفى عنه بالظهور. انتهى. اقول: أنت خبير بانه مع تسليم صحة ما ذكره فغاية ما يدل عليه الخبر ثبوت الامتداد في هذه الصورة ولعله مقصور عليها من حيث الضرورة وعدم امكان الصلاة في ذلك الوقت المذكور في الاخبار لفواته فلا يثبت به الحكم كليا وإلا فمن المحتمل قريبا في الخبر المذكور ان جملة (واخر الصلاة إلى الغد) مستأنفة لا معطوفة على الجملة الجزائية، وحاصل الكلام انه أمر بالافطار مع ثبوت الرؤية قبل الزوال أو بعد الزوال وعلى كل منهما أخر الصلاة إلى الغد لفوات وقتها. ويؤيده اطلاق الخبر الذى معه وهو مرفوعة محمد بن احمد (2) قال: (إذا


(1) الوسائل الباب 9 من صلاة العيد. وتتمة الرواية هكذا (فصلى بهم). (2) الوسائل الباب 9 من صلاة العيد.

[ 229 ]

أصبح الناس صياما ولم يروا الهلال وجاء قوم عدول يشهدون على الرؤية فليفطروا وليخرجوا من الغد أول النهار إلى عيدهم) فانه كما ترى مطلق في كون ثبوت الرؤية قبل الزوال أو بعده. قال في الوافى بعد ذكر هذا الخبر ايضا: يعنى إذا شهدوا بعد فوات الوقت. ومراده يعنى بعد الزوال الذى هو آخر الوقت بقرينة كلامه الاول. ولا يخفى عليك ان صحة هذه التأويلات التى ذكرها في ذيل كل من هذين الخبرين موقوفة على قيام الدليل على ما ادعوه من الامتداد إلى الزوال وقد عرفت انه لا دليل عليه، وحينئذ فلا ثمرة لهذه التأويلات واخراج الاخبار عن ظاهرها من غير معارض. ويعضد ما ذكرناه ما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (1) (في القوم لا يرون الهلال فيصبحون صياما حتى يمضى وقت صلاة العيد من أول النهار فيشهد شهود عدول انهم رأوه من ليلتهم الماضية ؟ قال يفطرون ويخرجون من غد فيصلون صلاة العيد في اول النهار) فانها كما ترى ظاهرة الدلالة في أن وقت صلاة العيد أول النهار وهو بعد طلوع الشمس كما صرحت به الاخبار المتقدمة، وان الشهود إذا كانوا انما شهدوا بعد مضى ذلك الوقت افطر الناس واخروا صلاة العيد إلى الغد وبالجملة فانه لا يظهر لما ذكروه (رضوان الله عليهم) دليل غير الاجماع الذى ادعوه، وطرح هذه الاخبار التى قدمناها مع صحة بعضها صراحة الجميع في مقابلة هذا الاجماع مما لا يتجشمه ذو دين سيما مع ظهور القدح في اجماعاتهم كما تقدم في صلاة الجمعة وفى هذا الاجماع بخصوصه بمخالفة الشيخين المذكورين كما اشرنا إليه. وحمل تلك الاخبار على معنى تتفق به مع الاجماع المذكور غير ظاهر. وانت خبير بان البحث في هذه المسألة نظير ما تقدم في وقت صلاة الجمعة حيث ان اكثر الاصحاب على الامتداد فيه إلى المثل ومنهم من زاد على ذلك وجعله


(1) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة العيد.

[ 230 ]

ممتدا بامتداد وقت الظهر ومنهم من خصه بساعة الزوال، وهذا هو المؤيد بالاخبار كما قدمنا بيانه وشيدنا أركانه. وظاهر صاحب المدارك في تلك المسألة الميل إلى ما دلت عليه تلك الاخبار المخالفة للقول المشهور وهنا الميل إلى القول المشهور مع عدم الدليل عليه بل قيام الدليل على خلافه، وسؤال الفرق متجه. والله العالم. المسألة السادسة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في قضاء صلاة العيد وعدمه لو زالت الشمس ولم تصل بالكلية وكذا لو صليت ولكن فات ذلك بعض المكلفين، ثم على تقدير القول بالقضاء في الصورة الثانية فهل تقتضي ركعتين أم أربعا ؟ والكلام هنا يقع في مقامين: (الاول) في القضاء وعدمه لو لم تصل بالكلية قال في المختلف: لو لم تثبت رؤية الهلال إلا بعد الزوال أفطر وسقطت الصلاة فرضا ونفلا، وقال ابن الجنيد ان تحققت الرؤية بعد الزوال افطروا وغدوا إلى العيد، لنا ان الوقت قد فات والاصل عدم القضاء فانه انما يجب بامر متجدد ولم يثبت بل قد ورد ان من فاتته مع الامام فلا قضاء عليه (1) ولان شرطها شرط الجمعة ومن شرائط الجمعة بقاء الوقت فكذا ما ساواها. احتج القائلون بالقضاء بما ورد من أن من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته (2) والجواب المراد بذلك الصلاة اليومية لظهورها عند الاطلاق. انتهى. وقال الشهيد في الذكرى: لو ثبت الرؤية من الغد فان كان قبل الزوال صليت العيد وان كان بعده سقطت إلا على القول بالقضاء. وقال ابن الجنيد ان تحققت الرؤية بعد الزوال أفطروا وغدوا إلى العيد لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) انه قال: (فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون عرفتكم يوم تعرفون) وروى (4) (ان ركبا


(1) ص 203. (2) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات. (3) كنز العمال ج 4 ص 302 والمهذب للشيرازي ج 1 ص 121. (4) سنن البيهقي ج 4 ص 249.

[ 231 ]

شهدوا عنده (صلى الله عليه وآله) انهم راوا الهلال فامر هم ان يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم) وهذه الاخبار لم تثبت من طرقنا. انتهى. وعلى هذا النهج كلام غيرهم من المتأخرين بل ظاهر العلامة في المنتهى كون ذلك متفقا عليه عندنا. أقول: العجب منهم (رضوان الله عليهم) في ما ذكروه في هذا المقام مع وجود الادلة على القضاء في الصورة المذكورة وهو ما قدمناه في سابق هذه المسألة من صحيحة محمد بن قيس ومرفوعة محمد بن احمد ورواية كتاب الدعائم، وظاهر الكليني والصدوق ايضا القول بذلك حيث انه في الكافي (1) قال: (باب ما يجب على الناس إذا صح عندهم بالرواية يوم الفطر بعدما أصبحوا صائمين) ثم أورد الخبرين المتقدمين. وأما الصدوق فانه قال أيضا (2): باب ما يجب على الناس إلى آخر ما ذكره الكليني ثم أورد رواية محمد بن قيس ثم قال وفى خبر ثم أورد مرفوعة محمد بن أحمد المذكورة مؤيدا ذلك بما قدمه في صدر كتابه. (الثاني) في القضاء لو لم تدرك الصلاة مع الجماعة، وقد اضطرب كلامهم في هذا المقام والمشهور عدم القضاء قال في المدارك بعد قول المصنف (ولو فاتت لم تقض) ما صورته: اطلاق العبارة يقتضى عدم الفرق في الصلاة بين كونها فرضا أو نفلا وفى الفوات بين أن يكون عمدا أو نسيانا، وبهذا التعميم صرح في التذكرة وقال ان سقوط القضاء مذهب اكثر الاصحاب. وقال الشيخ في التهذيب من فاتته الصلاة يوم العيد لا يجب عليه القضاء ويجوز أن يصلى ان شاء ركعتين وان شاء أربعا من غير أن يقصد بها القضاء وقال ابن ادريس يستحب قضاؤها. وقال ابن حمزة إذا فاتت لا يلزم قضاؤها إلا إذا وصل في حال الخطبة وجلس مستمعا لها. وقال ابن الجنيد من فاتته ولحق الخطبتين صلاها أربعا مفصولات يعنى بتسليمتين. ونحوه قال على بن بابويه إلا انه قال يصليها بتسليمة. والاصح السقوط مطلقا. ثم استدل على ذلك بان القضاء


(1) الفروع ج 1 ص 210. (2) الفقيه ج 2 ص 109.

[ 232 ]

فرض مستأنف فيتوقف على الدلالة ولا دلالة، وبصحيحة زرارة (1) الدلالة على ان من لم يصل مع الامام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له ولا قضاء عليه. ثم نقل عن القائلين بانها أربع الاحتجاج برواية ابى البخترى عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: (من فاتته صلاة العيد فليصل اربعا ثم أجاب بالطعن في السند وبمنع الدلالة فان الاربع لا يتعين كونها قضاء. انتهى. اقول: لا يخفى ما في كلامهم هنا من الاجمال بل الاختلال وذلك انك قد عرفت في سابق هذه المسألة انهم اجمعوا على ان وقت صلاة العيد ممتد إلى الزوال وحينئذ فالقضاء الذى هو عبارة عن فعل العبادة في خارج وقتها لا يصدق إلا على ما كان بعد الزوال مع ان ظاهر كلامهم واختلافهم هنا يعطى ان المراد بالقضاء انما هو ما بعد فوات الجماعة كما يعطيه مذهب ابن حمزة وابن الجنيد وابن بابويه من فرضهم المسألة في من لحق الخطبة واستمع لها فانه يصلى بعدها ركعتين أو اربعا على الخلاف، وهذا لا يسمى قضاء وانما يرجع إلى ما قدمناه من ان من لم يدرك الجماعة أو كان له عذر عن حضورها فانه يستحب له أن يصلى صلاة العيد ركعتين، وهذا هو الذي دلت عليه الاخبار المتقدمة واتفقت عليه كلمات الاصحاب، وانما وقع الخلاف والاشكال في كون ذلك الاستحباب مخصوصا بالفرادى أو يشمل الجماعة ايضا، وحينئذ فذكر هذه المسألة هنا ونقل هذه الاقوال مما لا وجه له ولا معنى بالكلية إذ القضاء كما يدعونه غير متجه كما عرفت. (فان قيل) يمكن حمل القضاء في كلامهم هنا على مجرد الاتيان بها فالقضاء بمعنى الفعل كما في قوله سبحانه وتعالى (فإذا قضيت الصلاة) (3). (قلنا) الحمل على هذا المعنى ينافيه مقابلة هذه الاقوال بسقوط القضاء الذى


(1) ص 203. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة العيد. والسند هكذا (عن ابيه عن علي قال). (3) سورة الجمعة الاية 9.

[ 233 ]

هو المشهور، إذ ليس المراد بالقضاء هنا إلا الاتيان بها خارج الوقت كما عرفت من احتجاج صاحب المدارك، مع ان المشهور استحباب الاتيان بها مع اختلال الشرائط فرادى وجماعة كما تقدم، فلو كان مرادهم بالقضاء انما هو مجرد الفعل لكان معنى القول المشهور بانه لا قضاء يعنى لا تفعل بعد ذلك مع ان المشهور هو فعلها كما عرفت. وبالجملة فان كلامهم هنا لا يخلو من تشويش واجمال كما أوضحناه بحمد الملك المتعال. نعم هذا الخلاف انما يتجه على ما اخترناه وصرحنا به آنفا من أن وقت صلاة العيد هو طلوع الشمس إلى أن يأتي بها جماعة فلو فات هذا الوقت وانقضت صلاة الجماعة فيه صدق القضاء لخروج الوقت الذى ذكرناه، وهذا هو الذى دلت عليه صحيحة زرارة المذكورة (1) فاطلاق القضاء فيها مؤيد لما اخترناه من تخصيص الوقت بما قلناه، ففيها تأييد ظاهر لما ذكرناه من الوقت وان خالف المشهور فان ذلك هو مقتضى الادلة كما عرفت وهذا الخبر من جملتها. بقى الكلام هنا في أشياء: أحدها - ان ظاهر كلام المدارك عدم وجود دليل لا بن حمزة في ما نقله عنه من تخصيصه وجوب القضاء بما إذا وصل حال الخطبة وجلس مستمعا، حيث ذكر الدليل للقول المشهور ولمذهب ابن الجنيد وابن بابويه ولم يتعرض لدليل ابن حمزة، وقد استدل له في المختلف برواية زرارة عن عبد الله (ع) (2) قال قال: (إذا ادركت الامام على الخطبة تجلس حتى يفرغ من خطبته ثم تقوم فتصلى.. الحديث) وهى ظاهرة الدلالة على القول المذكور. وثانيا - في ما دل على الصلاة أربع ركعات والمروى في كتب الاخبار المشهورة هو ما قدمناه من رواية ابى البخترى ونحوها في كتاب دعائم الاسلام حيث روى فيه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) (انه سئل عن الرجل لا يشهد العيد


(1) ص 219 (2) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد. والرواية كما في المختلف ايضا هكذا قال: (قلت ادركت الامام علي الخطبة ؟ قال تجلس حتى يفرغ من خطبته ثم تقوم فتصلي) (3) مستدرك الوسائل الباب 2 و 3 من صلاة العيد.

[ 234 ]

هل عليه ان يصلى في بيته ؟ قال نعم ولا صلاة إلا مع امام عدل، ومن يشهد من رجل أو امرأة صلى أربع ركعات ركعتين للعيد وركعتين للخطبة، وكذلك من لم يشهد العيد من أهل البوادى يصلون لا نفسهم أربعا). والاظهر عندي حمل ما دل على الاربع التقية لما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين من ان جمعا من العامة ذهبوا إلى ذلك مع اختلافهم ايضا في انها تقضى بسلام واحد أو سلامين، ورووا عن ابن مسعود مضمون هذا الخبر (1) بل رووا عن على (ع) في حديث هذه صورته (2) (قيل لعلى (ع)


(1) في البداية لابن رشد ج 1 ص 201 (اختلفوا في من تفوته صلاة العيد مع الامام فقال قوم يصلى اربعا قال به احمد، وقال قوم يقضيها على صفة صلاة الامام وبه قال الشافعي وابو ثور، وقال قوم بل ركعتين لا يجهر فيهما ولا يكبر تكبيرة العيد، وقال قوم ان صلى الامام في المصلى صلى ركعتين وان صلى في غير المصلى صلى اربع ركعات، وقال قوم لا قضاء عليه وبه قال مالك واصحابه) وفي المغني ج 2 ص 390 (من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه لانها فرض كفاية وقام بها من حصلت به الكفاية فان احب قضاءها فهو مخير ان شاء صلاها اربعا اما بسلام واحد واما بسلامين، روى هذا عن ابن مسعود وهو قول الثوري ثم ذكر رواية هزيل بن شرحبيل انه قيل لعلي عليه السلام (لو امرت رجلا يصلى بضعفة الناس هونا في المسجد الاكبر قال ان امرت رجلا يصلى بهم امرت ان يصلى بهم اربعا) وروى انه استخلف ابا مسعود فصلى بهم في المسجد وقال احمد انها قضاء صلاة عيد فكان اربعا كالجمعة. وان شاء صلى ركعتين كصلاة التطوع وهذا قول الاوزاعي، وان شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير، نقل ذلك عن احمد واختاره الجوزجاني وهو قول النخعي ومالك والشافعي وابي ثور وابن المنذر) وفي الانصاف في الفقه الحنبلي ج 2 ص 433 ذكر ان اشهر الروايات عن احمد قضاؤها على صفة صلاة العيد، ثم ذكر رواية عنه انه يقضيها اربعا بلا تكبير بسلام واحد ورواية اخرى قضاءها اربعا بلا تكبير بسلام أو سلامين. (2) المغني ج 2 ص 372 قال: وروينا عن علي انه قيل له... ولم ينسبه إلى مصدر من مصادر الحديث.

[ 235 ]

قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد فقال اخالف السنة اذن ولكن نخرج إلى المصلى واستخلف من يصلى بهم في المسجد أربعا) وقد عرفت مما قدمناه (1) من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) انكار استخلافه (ع) ردا لهذا الخبر. وثالثها - ان الروايات المتقدمة في المقام الاول صريحة كما عرفت وجوب القضاء لو فات وقت الصلاة، وصحيحة زرارة المذكورة في هذا المقام صريحة في العدم والذى يظهر لى من الجمع بينهما هو حمل الروايات الاولة على فوات الصلاة من أصلها بحيث لم تصل بالكلية فانه يجب القضاء على عامة المكلفين بها اداء من الامام والمأمومين كما هو موردها، والصحيحة المذكورة على الاتيان بالصلاة وفواتها بالنسبة إلى بعض المكلفين كما هو مورد أيضا، فيحمل كل منهما على مورده. ورابعها - انه مع وجوب القضاء كما دلت عليه الاخبار الاولة فما السبب في التأخير إلى الغد ولم لا يقع في ذلك اليوم بعينه ؟ فان القضاء لا يختص بوقت بل ربما تعين ساعة الذكر كما تقدم في قضاء اليومية، ولعل الوجه في ذلك هو تحصيل مثل الوقت الموظف الذى هو عبارة عن أول النهار من اليوم الثاني كما صرحت به تلك الاخبار. وبالجملة فانه بعد ورود الاخبار عنهم (عليهم السلام) بذلك يجب القول بها ولا يجب علينا طلب العلة وهو مرجوع إليهم (عليهم السلام). وظاهر كلام شيخنا المجلسي في البحار كونها في الصورة المذكورة اداء، قال وظاهر الروايات كونها اداء. اقول وعلى هذا يزول الاشكال. ثم نقل عن العامة انهم اختلفوا في ذلك فذهب بعضهم إلى انه يأتي بها في الغد قضاء وبعضهم اداء وبعضهم نفوها مطلقا (2) ثم قال ولعل الاحوط إذا فعلها ان لا ينوى الاداء ولا


(1) ص 208 و 209. (2) عمدة القارئ ج 3 ص 399 ونيل الاوطار ج 3 ص 163 والانصاف ج 2 ص 420 و 426.

[ 236 ]

القضاء. انتهى. والله العالم. (المسألة السابعة) لو اتفق العيد والجمعة فقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، فقال الشيخ في جملة من كتبه أنه يتخير من صلى العيد في حضور الجمعة وعدمه، ونحوه قال الشيخ المفيد في المقنعة ورواه ابن بابويه في كتابه، واختاره ابن ادريس، واليه ذهب اكثر المتأخرين بل نسبة العلامة في المنتهى إلى من عدا ابى الصلاح وفى الذكرى إلى الاكثر، ونقل عن ابن الجنيد في ظاهر كلامه اختصاص الترخيص بمن كان قاضى المنزل، واختاره العلامة في بعض كتبه. وقال أبو الصلاح قد وردت الرواية إذا اجتمع عيد وجمعة ان المكلف مخير في حضور أيهما شاء، والظاهر في المسألة وجوب عقد الصلاتين وحضورهما على من خوطب بذلك. وقريب منه كلام ابن البراج وابن زهرة. والذى وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن الحلبي (1) (انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الفطر والاضحى إذا اجتمعا يوم الجمعة قال اجتمعا في زمان على (ع) فقال من شاء أن يأتي الجمعة فليأت ومن قعد فلا يضره وليصل الظهر. وخطب على (ع) خطبتين جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة). وما رواه في الكافي عن سلمة عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين (ع) فخطب الناس هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل ومن لم يفعل فان له. رخصة يعنى من كان متنحيا). وما رواه في التهذيب عن اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (3) (ان على بن ابى طالب (ع) كان يقول إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فانه ينبغى للامام ان يقول للناس في خطبته الاولى انه قد اجتمع لكم


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 15 من صلاة العيد.

[ 237 ]

عيدان فانا اصليهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فاحب أن ينصرف عن الاخر فقد أذنت له. وما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (1) (انه اجتمع في خلافته عيدان في يوم واحد جمعة وعيد فصلى بالناس صلاة العيد ثم قال قد اذنت لمن كان مكانه قاصيا - يعنى من أهل البوادى - أن ينصرف ثم صلى الجمعة بالناس في المسجد). واختار في المدارك القول الاول واستدل عليه بصحيحة الحلبي المذكورة ثم نقل احتجاج ابن الجنيد برواية اسحاق بن عمار ونحوها رواية سلمة، ثم قال والجواب بعد تسليم السند منع الدلالة على اختصاص الرخصة بالنائى فان استحباب اذن الامام في الخطبة للنائى في عدم الحضور لا يقتضى وجوب الحضور على غيره. ثم قال احتج القائلون بوجوب الصلاتين بان دليل الحضور فيهما قطعي وخبر الواحد المتضمن لسقوط الجمعة والحال هذه انما يفيد الظن فلا يعارض القطع. وأجاب عنه في الذكرى بان الخبر المتلقى بالقبول المعمول عليه عند معظم الاصحاب في قوة المتواتر فيلحق بالقطعي، وبان نفى الحرج والعسر يدل على ذلك ايضا فيكون الخبر معتضدا بالكتاب العزيز. هذا كلامه (قدس سره) وفيه بحث طويل ليس هذا محله. انتهى. أقول ومنه يعلم أدلة الاقوال في المقام وما يتعلق بها من النقض والابرام والتحقيق عندي في هذه المسألة ان يقال لا ريب ان من يرى العمل بهذا الاصطلاح فان الاظهر من هذه الاقوال عنده هو القول الاول للصحيحة المذكورة وضعف ما عارضها من الروايات المذكورة، وأما ما عارضها من الادلة الدالة على وجوب الجمعة كتابا وسنة فالظهر انها تخصص بها كما وقع لهم في غير موضع من تخصيص عموم ادلة الكتاب والسنة بالخبر الصحيح، وأما من لا يرن العمل به بل يحكم بصحة جميع الاخبار الواردة ولكن يحكم بالحاقه بالصحيح لشهرته بين الاصحاب وتلقيه بالقبول كما سمعت من كلام الذكرى فانه يجب ان يكون الاظهر عنده


(1) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.

[ 238 ]

هو ما ذكره ابن الجنيد. وتوضيحه ان صحيحة الحلبي وان دلت باطلاقها على السقوط عن كل من حضر العيد من أهل المصر وغيرهم من أهل القرى إلا ان الروايات الاخر قد خصت الرخصة بالنائى من أهل القرى، فيجب حمل اطلاق الصحيحة المذكورة على ما فصلته هذه الروايات حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المسلمة بينهم. وأما قوله في المدارك - في منع دلالة الروايتين المذكورتين في كلامه: ان اذن الامام للنائى في عدم الحضور لا يقضى وجوب الحضور على غيره - فهو مغالطة لان أحدا لا يدعى ذلك وانما الوجه في ذلك هو ان الادلة من الكتاب والسنة قد دلت على وجوب الجمعة فسقوطها يحتاج إلى دليل، والروايات هنا مع صحتها كما هو المفروض قد دل بعضها على السقوط مطلقا وبعضها على تخصيص السقوط بالنائى، ومقتضى الجمع حمل مطلقها على مقيدها وبها حينئذ يخص عموم الكتاب والسنة، واللازم من ذلك هو ما قلناه من تخصيص الرخصة بالنائى خاصة. وبذلك يظهر لك ضعف قول من ذهب إلى السقوط مطلقا كما هو القول الاول لما فيه من اطراح هذه الاخبار مع امكان الجمع بينها وبين الصحيحة المذكورة بما ذكرناه، وضعف قول من ذهب إلى الوجوب مطلقا كما هو قول ابى الصلاح ومن معه لما ذكرنا من تخصيص تلك الادلة بهذه الاخبار بعد جمعها على ذلك الوجه الواضح المنار وأماما ذكره في الذكرى - من ان البعد والقرب من الامور الاضافية فيصدق القاضى على من بعد بادنى بعد فيدخل الجميع إلا من كان مجاورا للمسجد، وجعل هذا وجه جمع بين الاخبار ومن ثم قال بالقول الاول مع ما ذكره من الاعتماد على روايتي اسحاق وسلمة - فبعده اظهر من أن يخفى، إذ المتبادر عرقا من القاضى هنا انما هو من كان خارجا عن المصر وهم أصحاب القرى الخارجة كما صرح به صاحب كتاب الدائم، وهذا هو المعنى الذى فهمه عامة الاصحاب لانه هو المتبادر المنساق إلى الفهم في هذا الباب، وقد اعترف هو نفسه بذلك ايصافقال بعد ذكر

[ 239 ]

ما قدمنا نقله عنه: وربما صار بعض إلى تفسير القاصي باهل القرى دون أهل البلد لانه المتعارف. انتهى. وتخصيصه بالبعض المؤذن بوجود بعض آخر قائل بما ذهب إليه لا وجه له فان من أمعن النظر في كلام الاصحاب لا يخفى عليه ان ما ذكره (قدس سره) مخصوص به. ثم على تقدير القول المشهور من تخيير الجميع المؤذن بسقوط الوجوب عنهم فهل يجب الحضور على الامام أم لا ؟ قطع جمع من الاصحاب: منهم - المرتضى في المصباح على ما نقل عنه بوجوب الحضور عليه فان اجتمع معه العدد صلى الجمعة وإلا سقطت وصلى الظهر. قال في المدارك وربما ظهر من الشيخ في الخلاف تخيير الامام ايضا ولا بأس به. انتهى. اقول: لا يخفى ثبوت البأس في ما نفي عنه البأس (اما أولا) فللادلة العامة في وجوب الحضور للجمعة وهى قطعة لا معارض لها هنا. و (اما ثانيا) فلقوله (ع) في خبر اسحاق به عمار (1) (فانا اصليهما جميعا) وقوله (ع) في خبر سلمة (ان يجمع معنا) وفي خبر الدعائم (2) (قد أذنت لمن كان مكانه قاصيا). وبالجملة فان المفهوم من هذه الاخبار ان التخيير إنما هو للمأمومين كما تشعر به الصحيحة المذكورة أو لخصوص القاصي كما تشعر به الروايات الاخر. قال في الذكرى: تنبيه - ظاهر كلام الشيخ في الخلاف تخيير الامام ايضا وصرح المرتضى بوجوب الحضور عليه وهو الاقرب لوجود المقتضى مع عدم المنافى، ولما مر في خبر اسحاق (وانا اصليهما جميعا) انتهى. وهو جيد. ونقل في الذخيرة القول بالوجوب على الامام عن ابى الصلاح وابن البراج والمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى وهو الحق في المسألة.


(1) ص 236 (2) ص 237.

[ 240 ]

ثم انهم صرحوا بانه يستحب للامام الاعلام بذلك في الخطبة تأسيا بامير المؤمنين (ع) (1) وهو جيد. وهو العالم. البحث الثاني - في الكيفية وكيفيتها أن يكبر تكبيرة الاحرام ويقرأ الحمد وسورة ثم يكبر بعد القراءة على الاظهر ثم يقنت بالمرسوم حتى يكبر خمسا ثم يكبر ويركع فإذا سجد السجدتين قام وقرأ الحمد وسورة ثم يكبر أربعا ويقنت بعد كل تكبيرة ثم يكبر خامسة للركوع ويركع، فيكون الزائد على المعتاد تسع تكبيرات خمس في الاولى واربع في الثانية. والاصل في هذه الكيفية الاخبار الواردة عن أهل العصمة (عليهم السلام) ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن معاوية بن عمار (2) قال: (سألته عن صلاة العيدين فقال ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ وليس فيهما اذان ولا اقامة، يكبر فيهما اثنتى عشرة تكبيرة: يبدأ فيكبر يفتتح الصلاة ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقرأ (والشمس وضحاها) ثم يكبر خمس تكبيرات ثم يكبر ويركع فيكون يركع بالسابعة ثم يسجد سجدتين ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب (وهل اتاك حديث الغاشية) ثم يكبر أربع تكبيرات ويسجد سجدتين ويتشهد ويسلم. قال: وكذلك صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والخطبة بعد الصلاة وانما أحدث الخطبة قبل الصلاة عثمان... الحديث). ومنها - ما رواه عن على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله (ع) (3) (في صلاة العيدين قال يكبر ثم يقرأ ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر السابعة ويركع بها، ثم يسجد ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعا ويقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر ويركع بها). ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (4) (1) كما دلت عليه صحيحة الحلبي ورواية سلمة المتقدمتان ص 236 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.

[ 241 ]

قال: (التكبير في الفطر والاضحى اثنتا عشرة تكبيرة: يكبر في الاولى واحدة ثم يقرأ ثم يكبر بعد القراءة خمس تكبيرات والسابعة يركع بها، ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر اربعا والخامسة يركع بها... الحديث). وعن يعقوب بن يقطين في الصحيح (1) قال: (سألت العبد الصالح (ع) عن التكبير في العيدين أقبل القراءة أو بعدها ؟ وكم عدد التكبير في الاولى وفى الثانية والدعاء بينهما وهل فيهما قنوت أم لا ؟ فقال تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ويكبر خمسا ويدعو بينهما ثم يكبر اخرى ويركع بها فذلك سبع تكبيرات بالتى افتتح بها، ثم يكبر في الثانية خمسا: يقوم فيقرأ ثم يكبر أربعا ويدعو بينهن ثم يكبر التكبيرة الخامسة). وعن اسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (ع) (2) (في صلاة العيدين قال يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ام الكتاب وسورة ثم يكبر خمسا يقنت بينهن ثم يكبر واحدة ويركع بها، ثم يقوم فيقرأ ام القرآن وسورة، يقرأ في الاولى (سبح اسم ربك الاعلى) وفى الثانية (والشمس وضحاها) ثم يكبر أربعا ويقنت بينهن ثم يركع بالخامسة). وعن محمد بن مسلم (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في الفطر والاضحى فقال ابدأ فكبر تكبيرة ثم تقرأ ثم تكبر بعد القراءة خمس تكبيرات ثم تركع بالسابعة، ثم تقوم فتقرأ ثم تكبر اربع تكبيرات ثم تركع بالخامسة. وعن سماعة في الموثق (4) قال: (سألته عن الصلاة يوم الفطر فقال ركعتين بغير اذان ولا اقامة، وينبغى للامام أن يصلي قبل الخطبة، والتكبير في الركعة الاولى يكبر ستا ثم يقرأ يكبر السابعة ثم يركع بها فتلك سبع تكبيرات، ثم يقوم في الثانية فيقرأ فإذا فرغ من القراءة كبر أربعا ثم يكبر الخامسة ويركع بها... الحديث) إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.

[ 242 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد وقع الخلاف هنا في مواضع: (الاول) في التكبيرات الزائدة وهى التكبيرات التسع هل هي واجبة أو مستحبة ؟ فالذي عليه الاكثر - ومنهم السيد المرتضى وابن الجنيد وابو الصلاح وابن ادريس - الوجوب وقال الشيخ المفيد في المقنعة: من أخل بالتكبيرات التسع لم يكن مأثوما إلا انه يكون تاركا سنة ومهملا فضلة. وهو صريح في الاستحباب. واستدل له الشيخ في التهذيب بصحيحة زرارة (1) قال: (ان عبد الملك بن اعين سأل أبا جعفر (ع) عن الصلاة في العيدين فقال الصلاة فيهما سواء: يكبر الامام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة ثم يزيد في الركعة الاولى ثلاث تكبيرات وفى الاخرى ثلاثا سوى تكبيرة الصلاة والركوع والسجود، وان شاء ثلاثا وخمسا وان شاء خمسا وسبعا بعد ان يلحق ذلك إلى وتر) قال الشيخ: ألا ترى انه جوز الاقتصار على الثلاث تكبيرات وعلى الخمس تكبيرات وهذا يدل على ان الاخلال بها لا يضر الصلاة. والى هذا القول مال جملة من المتأخرين: منهم - المحقق في المعتبر وغيره. وأجاب في الاستبصار عن هذه الرواية وما في معناها بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب كثير من العامة (2) قال ولسنا نعمل به واجماع الفرقة المحقة على ما قدمناه. واستدل في المدارك للقول المشهور - حيث اختاره وجعله الاصح - بالتأسي وظاهر الامر. وانت خبير بان استدلاله بالتأسي هنا لا وجه له وان وقع منه مثله في غير موضع كما وقع منه رد ذلك ايضا في غير موضع، وهذا من جملة المواضع التى اضطرب فيها كلامه كما تقدمت الاشارة إليه في مواضع من الكتاب. والتأسى انما يمكن الاستدلال به على الوجوب في ما علم وجوبه على المعصوم (ع) لا مطلقا كما


(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد. (2) نيل الاوطار ج 3 ص 253 والبحر الرائق ج 2 ص 160.

[ 243 ]

صرحوا به في الاصول. نعم الاستدلال بظاهر الامر جيد. ثم ان مما يؤيد ما ذكره الشيخ من صحيحة زرارة ما رواه عن هارون بن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (سألته عن التكبير في الفطر والاضحى قال خمس واربع فلا يضرك إذا انصرفت على وتر) قوله (خمس واربع) يعنى خمس في الاولى وأربع في الثانية من غير اضافة تكبيرة الاحرام ولا تكبيرة الركوع. وقوله (فلا يضرك إذا انصرفت على وتر) يعنى ان السنة في التكبيرات هو ذكرنا من التسع على الوجه المذكور إلا انه لا يضرك الاقتصار على ما دون ذلك مع كون اتمام التكبير على وتر فيهما معا كما في الخبر أو في كل واحدة كما في صحيحة زرارة المذكورة. وقال في كتاب الفقه الرضوي (2) بعد أن ذكر أولا كيفية الصلاة على نحو ما قدمناه في الاخبار: وروى ان أمير المؤمنين (ع) صلى بالناس صلاة العيد فكبر في الركعة الاولى بثلاث تكبيرات وفى الثانية بخمس تكبيرات وقرأ فيهما (سبح اسم ربك الاعلى وهل اتاك حديث الغاشية) وروى انه كبر في الاولى بسبع وكبر في الثانية بخمس وركع بالخامسة، وقنت بين كل تكبيرتين. وكيف كان فالاقرب هو القول المشهور مع تأيده بالاحتياط وتوقف الخروج عن عهدة التكليف على الاتيان بذلك وتعين حمل ما خالفه على التقية (3) كما صرح به في الاستبصار. والله العالم. الثاني - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في التكبير في الركعتين هل هو بعد القراءة فيهما معا أو في الثانية خاصة وأما الاولى فقبلها أو يفرق في الثانية فتجعل واحدة قبل القراءة والباقى بعدها ؟ على اقوال، والمشهور الاول ونقله في المدارك عن معظم الاصحاب، قال: ومنهم - الشيخ والمرتضى وابن بابويه وابن


(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد. (2) ص 12. (3) التعليقة 2 ص 242.

[ 244 ]

ابى عقيل وابن حمزة وابن ادريس، وقال ابن الجنيد التكبير في الاولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها، وقال الشيخ المفيد يكبر للقيام إلى الثانية قبل القراءة ثم يكبر بعد القراءة ثلاثا ويقنت ثلاثا. وهذا القول نقله في المختلف عن السيد المرتضى والشيخ المفيد وابى الصلاح وابن البراج وابن زهرة. قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: مسألة - قال الشيخ يبدأ بعد تكبيرة الاحرام بالقراءة ثم يكبر التكبيرات للقنوت في الركعة الاولى وفى الثانية يكبر ايضا بعد القراءة، وهو قول السيد المرتضى وابن ابى عقيل وابن حمزة وابن ادريس وابن بابويه والمفيد وابى الصلاح وابن البراج وابن زهرة، ألا ان السيد المرتضى قال: فإذا نهض إلى الثانية كبر وقرأ ثم كبر الباقي بعد القراءة. وكذا قال المفيد وأبو الصلاح وابن البراج وابن زهرة. والظاهر ان مرادهم بالتكبير السابق على القراءة في الركعة الثانية هو تكبيرة القيام إليها. ثم نقل مذهب ابن الجنيد. اقول: وظاهره انه قول مشهور بين المتقدمين فاقتصاره في المدارك على نقل ذلك عن الشيخ المفيد خاصة غفلة منه عن ملاحظة ما في المختلف بل عده ابن بابويه والمرتضى من جملة القائلين بالقول المشهور مع ان الامر ليس كذلك، أما المرتضى فلما عرفت من عبارة المختلف واما ابن بابويه فلما ذكره في الفقيه حيث قال: يبدأ الامام فيكبر واحدة ثم يقرأ الحمد (وسبح اسم ربك الاعلى) ثم يكبر خمسا يقنت بين كل تكبيرتين ثم يركع بالسابعة ويسجد سجدتين فإذا نهض إلى الثانية كبر وقرأ (الحمد والشمس وضحاها) ثم كبر تمام أربع تكبيرات مع تكبيرة القيام ثم يركع بالخامسة. بقى الكلام في مستند هذا القول حيث انه خلاف ما صرحت به اخبار المسألة مما تقدم وسيأتى ان شاء الله تعالى، وعدم وصول المستند الينا لا يدل على العدم فان هؤلاء الاجلاء لا يقولون بذلك إلا مع وصول النص إليهم إلا انا غير مكلفين به مع عدم وصوله الينا. واما مستند القول المشهور فهو ما قدمناه من الاخبار.

[ 245 ]

واما ما ذهب إليه ابن الجنيد فيدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (التكبير في العيدين في الاولى سبع قبل القراءة وفى الاخيرة خمس بعد القراءة). وعن اسماعيل بن سعد الاشعري في الصحيح عن الرضا (ع) (2) قال: (سألته عن التكبير في العيدين قال التكبير في الاولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفى الاخيرة خمس تكبيرات بعد القراءة). وعن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله وحماد عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (3) (في صلاة العيدين قال تصل القراءة بالقراءة، وقال تبدأ بالتكبير في الاولى ثم تقرأ ثم تركع بالسابعة). وعن سماعة في الموثق (4) قال: (سألته عن الصلاة يوم الفطر فقال ركعتين بغير اذان ولا اقامة... الخبر وقد تقدم في البحث. ومنها - ما رواه الصدوق في الفقيه عن ابى الصباح الكنانى قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في العيدين فقال اثنتا عشرة سبع في الاولى وخمس في الاخيرة، فإذا قمت في الصلاة فكبر واحدة وتقول اشهد ان لا إله إلا الله... ثم ساق التكبيرات والادعية بعدها إلى أن قال وتقرأ الحمد (وسبح اسم ربك الاعلى) وتكبر السابعة وتركع وتسجد وتقوم وتقرأ الحمد (والشمس وضحاها) وتقول الله اكبر اشهد أن لا إله إلا الله... ثم ساق التكبيرات وادعيتها. وأجاب الشيخ في التهذيبين عن هذه الروايات بانها موافقة لمذهب بعض العامة (6) قال في المعتبر بعد نقل ذلك عنه: وليس هذا التأويل بحسن فان ابن بابويه ذكر ذلك في كتابه بعد أن ذكر في خطبته انه لا يودعه إلا ما هو حجة، قال


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد. (5) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد. (6) نيل الاوطار ج 3 ص 253.

[ 246 ]

والاولى ان يقال فيه روايتان أشهرهما بين الاصحاب ما اختاره الشيخ. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو حسن. اقول - وبالله سبحانه التوفيق إلى هدايته سواء الطريق - ما ذكره هذان الفاضلان محل مظر عندي من وجوه: الاول - انه لا يخفى على من تأمل كتاب من لا يحضره الفقيه ونظره ولا حظه بعين التدبر والتفكر انه لم يبق مصنفه على هذه القاعدة التى ذكرها في صدر كتابه (1) أو انه اراد بها معنى غير ما يتسارع إليه فهم الناظر فيها، حيث انه اورد في الكتاب جملا من الاخبار الظاهرة التناقض من غير تعرض للجمع بينهما وجملا من الاخبار الشاذة النادرة الظاهرة في الموافقة للعامة وجملا من الاخبار المخالفة لما عليه كافة علماء الفرقة سلفا وخلفا مثل خبر الوضوء والغسل بماء الورد (2) وخبر نقض الطهارة بمجرد مس الذكر (3) وخبر طهارة جلد الميتة (4) وامثال ذلك مما مر بنا حال قراءة


(1) ج 1 ص 6. (2) الوسائل الباب 3 من الماء المضاف عن الكليني ورواها الشيخ في التهذيب ج 1 ص 62 عن الكليني وكذا في الاستبصار ج 1 ص 14 والصدوق لم يورد ذلك في الفقيه بنحو الرواية وانما ذكره ج 1 ص 6 بنحو الفتوى. هذا على تقدير ان تكون العبارة كما نقلها المصنف (قدس سره) ج 1 ص 394 هكذا (ولا بأس بالوضوء والغسل من الجنابة والاستياك بماء الورد) واما على تقدير ان تكون العبارة كما هي في الفقيه هكذا (ولا بأس بالوضوء منه والغسل من الجنابة والاستياك بماء الورد) فلا دلالة لها على جواز الوضوء والغسل بماء الورد اصلا وانما تتعرض للاستياك بماء الورد فقط إذ هي واردة عقيب خبر بلوغ الماء القلتين وانه لا ينجسه شئ فهي ناظرة إلى جواز الوضوء والغسل من الماء البالغ قلتين وضمير (منه) راجع إليه. (3) الوسائل الباب 9 من نواقض الوضاء عن الشيخ ولم يورده في الفقيه بنحو الرواية وانما ذكره ج 1 ص 39 بنحو الفتوى. (4) الوسائل الباب 34 من النجاسات.

[ 247 ]

بعض الاخوان في الكتاب علينا. وبالجملة فانا قد صار الامر عندنا في عبارته المذكورة بناء على ما وقفنا عليه في كتابه مما لا شك في عدم العمل بها على ظاهرها كما يقف عليه المتتبع البصير ولا ينبئك مثل خبير. الثاني - ان ما ذكروه - من حجية ما ذكره ابن بابويه في كتابه بناء على ما قدمه في صدره - لا نراهم يقفون عليه دائما ولا يجعلونه كليا وانما يدورون فيه مدار اغراضهم ومقاصدهم، فتارة يحتجون بما في الكتاب بناء على القاعدة المذكورة في صدره وتارة يرمون اخباره بضعف السند إذا لم تكن صحيحة باصطلاحهم ويغمضون النظر عن هذه القاعدة ويلغون ما فيها من الفائدة كما يخفى على من تتبع كتاب المدارك في غير مقام. ومقتضى الوقوف على هذه القاعدة هو الجواب عن اخباره بغير ضعف السند كما لا يخفى. الثالث - ان مرجع كلام هذا القائل إلى التخيير، وفيه انه لا يخفى ان التخيير حكم شرعى يتوقف على ثبوت الدليل الواضح كغيره من الاحكام الشرعية، ومجرد اختلاف الاخبار لا يصلح لان يكون دليلا على ذلك والا لكان ذلك قاعدة كلية في مواضع اختلاف الاخبار ولا اظن هذا القائل يلتزمه، والاخبار المذكورة عارية عن الاشارة فضلا عن الدالة الظاهرة على ما ادعاه. الرابع - ان الائمة (عليهم السلام) قد قرروا لنا قواعد لا ختلاف الاخبار وأمروا بالرجوع إليها في الترجيح بينها واخذ بالراجح في هذا المضمار ومنها العرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه (1). والعامة وان كانوا في هذه المسألة مختلفين ايضا إلا ان جملة منهم - كما نقله في المنتهى - على التقديم مطلقا وجملة منهم على التقديم على القراءة في الاولى والتأخير في الثانية كما هو مذهب ابن الجنيد، ونقل الاول في المنتهى عن الشافعي قال: وهو المروى عن ابى هريرة والفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهرى ومالك والليث


(1) الوسائل الباب من 9 صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به

[ 248 ]

واحمد في احدى الروايتين، ونقل الثاني عن احمد في الرواية الاخرى وابن مسعود وحذيفة وابى موسى والحسن وابن سيرين والثوري، قال وبه قال اصحاب الرأى (1) ومنه يظهر ان اخبار القول المشهور سالمة من تطرق احتمال التقية بالكلية حيث لا قائل منهم بالتأخير في الركعتين معا وهذه الاخبار موافقة لاهل القول الثاني الذين من جملتهم أبو حنيفة واتباعه وهم المشار إليهم باصحاب الرأى، ولا ريب ان مذهب ابى حنيفة في عصره كان في غاية القوة والشيوع كما لا يخفى على من لاحظ السير والاخبار فيتعين حملها على التقية. ولكن بعض المتصلفين من اصحاب هذا الاصطلاح كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم يتهافتون على صحة الاسانيد فإذا كان الخبر صحيحا باصطلاحهم جمدوا عليه وان كان مضمونه مخالفا للقواعد الشرعية ومشتملا على العلل الظاهرة غير الخفية، ومتى كان الخبر ضعيفا باصطلاحهم اعرضوا عنه وان اعتضد بموافقة الاصول والكتاب والشهرة بين الاصحاب إلا ان تلجئهم الحاجة إليه فيغمضون عن ذلك. ومما يعضد ما ذكرناه اتفاق الاصحاب على العمل بمضمون ما قدمناه من الاخبار والاعراض عن هذه الاخبار قديما وحديثا سوى ابن الجنيد الذى قد طعنوا عليه بموافقته للعامة في جملة فتاواه بل عمله بالقياس الذى هو من اصول العامة. وبالجملة فالحق هو القول المشهور. وقد وافقنا في هذا المقام الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه اثر صاحب المدارك في جل الاحكام والجمود على اقواله وأدلته وتشييدها، فقال بعد نقل الجمع بين الاخبار بحمل اخبار ابن الجنيد على التقية: وهو حسن. وقال بعد نقل كلام المعتبر الذى استحسنه صاحب المدارك: وفيه تأمل لا يخفى على المتدبر. وبالجملة فالجمع بما ذكره الشيخ (قدس سره) بين الاخبار جيد لا يعتريه عند


(1) نيل الاوطار ج 3 ص 253.

[ 249 ]

الانصاف شبهة الانكار. والله العالم. الثالث - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في القنوت بعد التكبيرات السبع هل هو واجب أو مستحب ؟ فالاكثر على الاول وهو الذى عليه المعول ونص المرتضى كما ذكره في الذكرى على انه مما انفرد به الامامية، وقال الشيخ في الخلاف انه مستحب لان الاصل براءة الذمة من الوجوب. وظاهر صاحب المدارك الميل إلى ذلك فانه بعد ان احتج للقول الاول بروايتي يعقوب بن يقطين واسماعيل بن جابر (1) نقل عن الشيخ في الخلاف القول بالاستحباب والاحتجاج عليه باصالة براءة الذمة من الوجوب. قال وجوابه ان الاصل يصار إلى خلافه لدليل وقد بيناه. ثم قال: وقد يقال ان هاتين الروايتين لا تنهضان حجة في اثبات حكم مخالف للاصل خصوصا مع معارضتهما بعدة اخبار واردة في مقام البيان خالية من ذكر القنوت. وأنت خبير بما فيه كما لا يخفى على الفطن النبيه (اما اولا) فلانه قد حكم بصحة رواية يعقوب بن يقطين في صدر هذه المقالة في الاستدلال على بيان الكيفية والامر كذلك وان ذكرها هنا عارية عن وصف الصحة، وحينئذ فتمسكه بالاصل في مقابلة الخبر الصحيح الصريح الذى هو دليل شرعى عنده خروج عن قاعدته في هذا الكتاب بل القاعدة المتفق عليها بين الاصحاب. و (أما ثانيا) فان الفضل بالقنوت والامر به هنا ليس منحصرا في هاتين الروايتين بل هو موجود في جملة من الاخبار: ففى صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: (سألته عن الكلام الذى يتكلم به في ما بين التكبيرتين في العيدين فقال ما شئت من الكلام الحسن).


(1) ص 241. (2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.

[ 250 ]

وفى رواية على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال في الركعة الاولى: (ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين... إلى ان قال في الثانية: ثم يكبر أربعا فيقنت بين كل تكبيرتين). وفى رواية بشر بن سعيد عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربى... إلى آخره). وفى رواية محمد بن عيسى بن ابى منصور عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء...) وفى رواية جابر عن ابى جعفر (ع) (4) قال: (كان امير المؤمنين (ع) إذا كبر في العيدين قال بين كل تكبيرتين: اشهد ان لا إله إلا الله.. إلى آخره.) وفى موثقة سماعة (5) (وينبغى ان يتضرع بين كل تكبيرتين ويدعو الله) ولفظ (ينبغى) في الاخبار كما قدمنا بيانه مشترك بين الوجوب والاستحباب. وفى رواية الكنانى (6) (فكبر واحدة وتقول أشهد ان لا إله إلا الله.. إلى آخره) ثم ساق التكبيرات والادعية على أثرها. وفى كتاب الفقه الرضوي (7) (تكبير في الركعة الاولى سبع تكبيرات وفى الثاية خمس تكبيرات تقنت بين كل تكبيرتين، والقنوت أن تقول.. إلى آخره). و (أما ثالثا) فان ما ذكره - من المعارضة بعدة من الاخبار الواردة في مقام البيان خالية من ذكر القنوت - مردود بان غايتها ان تكو مطلقة بالنسبة إلى الاتيان بالقنوت وعدمه لا انها دالة على نفيه، ومقتضى الجمع بينها وبين ما ذكرنا من الاخبار هو حمل اطلاقها على هذه الاخبار المقيدة كما هو مقتضى القاعدة المطردة على انه يمكن ان يقال - بل هو الظاهر لا على طريق الاحتمال - ان كون المقام في تلك الاخبار مقام البيان انما هو بالنسبة إلى التكبيرات كما وكيفا لا ختلاف ا لاخبار


(1) و (5) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد (7) ص 12.

[ 251 ]

- كما عرفت آنفا في ذلك وكون بعضها انما خرج مخرج التقية كما قدمنا ذكره في روايات ابن الجنيد الدالة على ان التكبير في الاولى قبل القراءة (1) وكما تقدم نقله (2) عن الشيخ في الاستبصار في الجواب عن رواية عبد الملك بن اعين الدالة في التكبير على التخيير (ان شاء ثلاثا وخمسا وسبعا بعد ان يلحق ذلك إلى وتر) ونحوها مما قدمنا ذكره، وحينئذ فإذا كان الاختلاف في التكبير على هذا الوجه يكون الغرض من هذه الاخبار البيان بالنسبة إلى الوجه المذكور لا بالنسبة إلى كيفية الصلاة، ويعضد ذلك ان هذه الروايات التى زعم ورودها في مقام البيان انما تضمنت التكبير خاصة دون غيره مما يتعلق بكيفية الصلاة. ومن ذلك يظهر لك ان الظاهر هو القول المشهور من الوجوب في القنوت لوقوع الامر به في جملة من هذه الاخبار وان كان بالجملد الفعلية ويعضده توقف يقين البراءة عليه. وبذلك يتبين لك ايضا ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث انه تبع صاحب المدارك في الاستناد إلى مقام البيان في تلك الاخبار الخالية من ذكر القنوت كما هي عادته غالبا. والله العالم. الرابع - أجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على وجوب قراءة سورة بعد الحمد وانه لا يتعين في ذلك سورة مخصوصة قاله في التذكرة، وانما اختلفوا في الافضل، فنقل عن الشيخ في الخلاف والمفيد والسيد المرتضى وابى الصلاح وابن البراج وابن زهرة انه الشمس في الاولى والغاشية في الثانية، وقال الشيخ في المبسوط والنهاية انه يقرأ في الاولى الاعلى وفى الثانية الشمس، وهو قول ابن بابويه في المقنع ومن لا يحضره الفقيه. وقال في الذكرى: يجب قراءة الحمد وسورة معها كسائر الفرائض، ولا خلاف في عدم تعين سورة وانما الخلاف في الافضل، فذهب جماعة إلى انه يقرأ


(1) ص 245. (2) ص 242.

[ 252 ]

الاعلى في الاولى والشمس في الثانية، وقال آخرون الشمس في الاولى والغاشية في الثانية، وهذان القولان مشهوران، وقال على بن بابويه يقرأ في الاولى الغاشية وفى الثانية الاعلى، وقال ابن ابى عقيل يقرأ في الاولى الغاشية وفى الثانية والشمس. وقال في المدارك بعد ذكر القول الاول: وعليه دلت صحيحة جميل (1) لانه قال: (سألته ما يقرأ فيهما ؟ قال والشمس وضحاها وهل اتاك حديث الغاشية واشباههما) ثم نقل القول الثاني وذكر انه رواه اسماعيل بن جابر عن الباقر (ع) (2) ثم رد الرواية بضعف السند وقال: والعمل على الاول لصحة مستنده. انتهى. اقول: لا يخفى ان هذه الصحيحة التى نقلها دليلا للقول الاول واختاره لاجلها لا دلالة فيها على ذلك إذ لا اشعار فيها فضلا عن التصريح أو الظهور بما ذكره هؤلاء المشار إليهم، فان المدعى في كلامهم هو أفضلية الشمس في الاولى والغاشية في الثانية. وغاية ما تدل عليه هذه الرواية هو انه يقرأ في صلاة العيدين هاتين السورتين واشباههما في الطول من غير تعرض لا فضلية هاتين السورتين على غيرهما ولا تعرض لو ظيفة الركعة الاولى والثانية من هذه السور، وانما الدليل على هذا القول ما رواه في الكافي بطريق فيه محمد بن عيسى عن يونس عن معاوية ابن عمار وقد تقدمت في صدر البحث (3) وهذه الرواية هي الرواية الصريحة في هذا القول وهى التى اعتمد عليها القائلون به، والظاهر انه انما عدل عنها لضعف سندها ولم ير في هذا الباب رواية صحيحة السند إلا هذه الرواية فالتجأ إلى الاستدلال بها على القول المذكور، وهى عن الدلالة بمعزل لما عرفت من انها لا خصوصية فيها لهاتين السورتين بل هما وما شابههما ومن الظاهر دخول سورة الاعلى ونحوها في ذلك المشابه، ولا تعرض فيها لبيان وظيفة كل ركعة والمدعى ذلك وهو محل الخلاف إذ لا خلاف ولا نزاع في اجزاء هذه السور كيف اتفق انما الخلاف في بيان الفضيلة في التوظيف وتخصيص كل ركعة بسورة فكيف تصلح هذه الرواية للمدعى والحال


(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد (2) ص 241 (3) ص 240.

[ 253 ]

كما عرفت ؟ ولكن ضيق الخناق في هذا الاسطلاح أوجب لهم الوقوع في امثال ما قلناه من المجازفات التى تتطرق إليها المناقشات، والواجب بمقتضى العمل باصطلاحه هو ضرب الصفح عن الكلام في هذه المسألة وترجيح شئ من القولين لان اخبار القولين كلها ضعيفة باصطلاحه، وهذا أحد مفاسد هذا الاصطلاح الذى هو إلى الفساد أقرب من الصلاح. وكيف كان فالذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما عرفته من رواية معاوية بن عمار (1) وفيها والشمس وضحاها في الاولى والغاشية في الثانية، ورواية اسماعيل بن جابر (2) وفيها سبح اسم ربك الاعلى في الركعة الاولى وفى الثانية والشمس وضحاها، والاولى دليل القول الاول والثانية دليل القول الثاني كما عرفت، ورواية ابى الصباح الكنانى المتقدم نقلها عن الفقيه (3) وفيها سبح اسم ربك الاعلى في الركعة الاولى والشمس وضحاها في الركعة الثانية وهى موافقة لرواية اسماعيل بن جابر فتكون دليلا للقول الثاني. وقال (ع) في كتاب الفقه الرضوي (4): واقرأ في الركعة الاولى هل أتاك حديث الغاشية وفى الثانية والشمس وضحاها أو سبح اسم ربك الاعلى.. إلى ان قال وروى ان امير المؤمنين (ع) صلى بالناس صلاة العيد فكبر في الاولى بثلاث تكبيرات وفى الثانية بخمس تكبيرات وقرأ فيهما بسبح اسم ربك الاعلى وهل اتاك حديث الغاشية. وفى صحيحة جميل المذكورة آنفا ان الذى يقرأ فيهما الشمس وضحاها وهل أتاك حديث الغاشية وأشباههما. وانت خبير بانه من المحتمل قريبا ان تعيين بعض هذه السور في الركعة الاولى والثانية انما وقع على جهة التمثيل لا الاختصاص على جهة الافضلية كما ادعوه فانه لا قرينة في شئ من هذه الاخبار تؤنس بهذه الافضلية ولا اشعار بالكلية وانما غاية ما تدل عليه انه يقرأ فيها سورة كذا، ويعضد ذلك اطلاق صحيحة جميل واطلاق


(1) ص 240. (2) ص 241. (3) ص 245. (4) ص 12.

[ 254 ]

ما نقله في كتاب الفقه عن أمير المؤمنين (ع) ويشير إليه قوله (ع) في كتاب الفقه وفى الثانية والشمس وضحاها أو سبح اسم ربك الاعلى. ومن كلامه (ع) في الفقه يعلم مستند الشيخ على بن بابويه وابن ابى عقيل في ما تقدم نقله عنهما حيث انهما اتفقا على الغاشية في الاولى واختلفا في الثانية فاحدهما ذكر سورة الشمس والاخر سورة الاعلى، والرواية المذكورة قد دلت على التخيير في الثانية بين هاتين السورتين. والله العالم. الخامس - المشهور انه لا يتعين في القنوت لفظ مخصوص للاصل، وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال (سألته عن الكلام الذى يتكلم به في مابين التكبيرتين في العيد فقال ما شئت من الكلام الحسن) ويعضده اختلاف الروايات في القنوت المرسوم عنهم (عليهم السلام). وربما ظهر من عبارة الشيخ ابى الصلاح قصر الوجوب بما ورد عنهم (عليهم السلام) فانه قال: فليزمه أن يقنت بين كل تكبيرتين فيقول: اللهم أهل الكبرياء والعظمة.. إلى آخره. قال في الذكرى فان إراد به الوجوب تخييرا والافضلية فحق وان أراد به الوجوب عينا فممنوع. وهو جيد. أقول: ومن الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في القنوت في هذه الصلاة ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن عيسى بن ابى منصور عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء والعظمة، واهل الجود والجبروت وأهل العفو والرحمة وأهل التقوى والمغفرة اسألك في هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا أن تصلى على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت على عبد من عبادك وصل على ملائكتك ورسلك واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات، اللهم انى اسألك من خير ما سألك عبارك المرسلون واعوذ بك من شر ما عاذ بك


(1) و (2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.

[ 255 ]

منه عبادك المرسلون). وعن جابر عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (كان أمير المؤمنين (ع) إذا كبر في العيدين قال بين كل تكبيرتين: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله اللهم أهل الكبرياء...) وذكر الدعاء المتقدم إلى آخره وعن بشر بن سعيد عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربى أبدا والاسلام دينى ابدا ومحمد نبيى ابدا والقرآن كتابي ابدا والكعبة قبلتى أبدا وعلى وليى إبدا والاوصياء أئمتي ابدا - وتسميهم إلى آخرهم - ولا أحد إلا الله). وما رواه في التهذيب والفقيه عن محمد بن الفضيل عن ابى الصباح الكنانى (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في العيدين فقال اثنتى عشرة سبع في الاولى وخمس في الاخيرة فإذا قمت في الصلاة فكبر واحدة وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله أللهم أنت أهل الكبرياء والعظمة وأهل الجود والجبروت والقدرة والسلطان والعزة اسألك في هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا أن تصلى على محمد وآل محمد وان تصلى على ملائكتك المقربين وانبيائك المرسلين وان تغفر لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات، اللهم انى اسألك من خير ما سألك عبادك المرسلون وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك المخلصون، الله اكبر أول كل شئ وآخره وبديع كل شئ ومنتهاه وعالم كل شئ ومعاده ومصير كل شئ ومرده ومدبر الامور وباعث من في القبور قابل الاعمال مبدى الخفيات معلن السرائر، الله اكبر عظيم الملكوت شديد الجبروت حى لا يموت دائم لا يزول إذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون: الله اكبر خشعت لك الاصوات وعنت لك الوجوه وحارت دونك الابصار وكلت الالسن عن عظمتك


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.

[ 256 ]

والنواصى كلها بيدك ومقادير الامور كلها اليك لا يقضى فيها غيرك ولا يتم منها شئ دونك، الله اكبر أحاط بكل شئ حفظك وقهر كل شئ عزك ونفذ كل شئ أمرك وقام كل شئ بك وتواضع كل شئ لعظمتك وذل كل شئ لعزتك واستسلم كل شئ لقدرتك وخضع كل شئ لملكك الله اكبر، وتقرأ الحمد وسبح اسم ربك الاعلى وتكبر السابعة وتركع وتسجد وتقوم وتقرأ الحمد والشمس وضحاها وتقول الله اكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، اللهم انت أهل الكبرياء والعظمة... تتمه كله كما قلت أول التكبير يكون هذا القول في كل تكبيرة حتى تتم خمس تكبيرات). وقال الرضا (ع) في كتاب الفقه (1) (تقنت بين كل تكبيرتين والقنوت ان تقول: اشهد ان لاإله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمد صلى الله عليه وآله عبده ورسوله أللهم أنت أهل الكبرياء والعظمة وإهل الجود والجبروت وأهل العفو والمغفرة وأهل التقوى والرحمة اسألك في هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا ان تصلى على محمد وآل محمد واسألك بهذا اليوم الذى شرفته وكرمته وعظمته وفضلته بمحمد صلى الله عليه وآله ان تغفر لى ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات انك مجيب الدعوات يا ارحم الراحمين). وقال الشيخ في المجتهد (2) في القنوت: ثم يرفع يديه بالتكبير فإذا كبر قال اللهم اهل الكبرياء والعظمة واهل الجود والجبروت واهل العفو والرحمة واهل التقوى والمغفرة اسألك بحق هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد (ص ذخرا ومزيدا ان تصلى على محمد وآل محمد وان تدخلني في كل خير أدخلت فيه محمدا وآل محمد وان تخرجني من كل سوء اخرجت منه محمدا وآل محمد صلواتك عليه وعليهم اللهم انى اسألك خير ما سألك عبادك الصالحون واعوذ بك مما استعاذ منه عبادك الصالحون.


(1) ص 12 (2) ص 454 وفي اخره (عبادك المخلصون).

[ 257 ]

قال شيخنا المجلسي في البحار: واما ما ذكره الشيخ في المصباح فلم اره في رواية والظاهر انه مأخوذ من رواية معتبرة عنده اختاره فيه إذ لا سبيل إلى الاجتهاد في مثل ذلك. انتهى. اقول: ويعضده ما ذكره السيد الزاهد العابد رضى الدين بن طاووس (عطر الله مرقده) في كتاب الاقبال حيث قال: واعلم انا وقفنا على عدة روايات في صفات صلاة العيد باسنادنا إلى ابن ابى قرة والى ابى جعفر بن بابويه والى ابى جعفر الطوسى وها نحن نذكر رواية واحدة، ثم ذكر رواية المتهجد كما ذكرنا من القنوت وغيره مما لم نذكره. بقى الكلام هنا فوائد تتعلق بالمقام وبها يتم ما يتعلق به من الاحكام: الاولى - لا يخفى ان ظاهر الروايات المتقدمة ان القنوتات في الركعة الاولى انما هي أربعة وفى الثانية انما هي ثلاثة لنصها على ان القنوت بين التكبيرات وقضية البينية انه لا قنوت بعد التكبير الخامس في الركعة الاولى ولا بعد الرابع في الركعة الثانية، وبذلك عبر الشيخ في النهاية والمبسوط والصدوق في الفقيه وغيرهما، والمعروف من كلام جل الاصحاب ان القنوت بعدد التكبيرات وانه بعد كل تكبير قنوت فتكون القنوتات في الاولى خمسة وفى الثانية أربعة، وقد تقدم في كلام الشيخ المفيد ومن تبعه ان التكبيرات في الركعة الثانية بعد القراءة ثلاث ومعها ثلاثة قنوتات. ويمكن حمل البينية في الاخبار على الاغلب بمعنى انه لما كان اكثر القنوتات واقعا بين التكبيرات - إذ لا يتخلف عن ذلك إلا القنوت الذى بعد التكبيرة الخامسة في الركعة الاولى والذى بعد الرابعة في الركعة الثانية - صح اطلاق البينية على الجميع تجوزا وباب المجاز واسع. وعلى ذلك يحمل كلام من عبر بهذه العبارة من الاصحاب، قال في المدارك بعد قول المصنف (ثم يكبر أربعا ويقنت بينها أربعا) ما لفظه: واعلم ان في قول المصنف - ثم يكبر أربعا ويقنت بينها أربعا - تجوزا لانه إذا كانت التكبيرات اربعا لم يتحقق

[ 258 ]

كون القنوت بينها أربعا بل ثلاثا وكان الاظهر ان يقول بعد كل تكبيرة. ثم ذكر ان المستفاد من الروايات سقوط القنوت بعد الخامسة والرابعة. إلا انه يمكن خدشه بان الحمل على خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا مع المعارض ولا معارض هنا من الاخبار والمعارضة انما هي في كلام الاصحاب. وربما يستعان على ما ذكرنا من الحمل برواية الكنانى المتقدمة (1) المشتملة على خمسة قنوتات بعد خمس تكبيرات في الركعة الاولى واربعة في الثانية وان كانت الرواية قد اشتملت على تقديم التكبيرات والقنوتات على القراءة كما تقدم، واشتملت على تكبير سادس بعد التكبيرات الخمس وادعيتها والجميع خلاف ما عليه جل الاصحاب والاخبار إلا ان ذلك أمر خارج عن ما نحن فيه. وبالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال والاحوط هو الاتيان بالقنوت الخامس والرابع من غير ان يعتقد به الوجوب. الثانية - قال في الذكرى: يستحب التوجه بالتكبيرات المستحب تقديمها في اليومية ودعواتها سواء قلنا بان تكبير العيد قبل القراءة أو بعدها، وربما خطر لبعضهم سقوط دعاء التوجه ان قلنا بتقديم التكبير، ولا ارى له وجها لعدم المنافاة بين التوجه والقنوت بعده. انتهى. أقول: ما ذكره هنا من استحباب التكبيرات المستحبة للتوجه في اليومية في هذه الصلاة زيادة على التكبيرات الموظفة فيها لم اقف عليه في كلام غيره من الاصحاب بل ظاهر كلامهم وكذا ظاهر الاخبار الواردة في بيان الكيفية - كما قدمنا شطرا منها - انما هو انه يكبر تكبيرة الاحرام ثم يقرأ ثم يأتي بالتكبيرات الموظفة كما هو أحد القولين أو يأتي بعد تكبيرة الاحرام بالتكبيرات الموظفة لهذه الصلاة مقدمة على القراءة ثم يقرأ بعدها كما هو القول الاخر، ففى رواية معاوية بن عمار المتقدمة في صدر البحث (2) (يبدأ فيكبر ويفتتح الصلاة ثم يقرأ فاتحة الكتاب...)


(1) ص 255. (2) ص 240.

[ 259 ]

وفى رواية على بن ابى حمزة (يكبر ثم يقرأ ثم يكبر خمسا) وفى رواية ابى بصير (يكبر في الاولى واحدة ثم يقرأ ثم يكبر بعد القراءة خمس تكبيرات) وفى صحيحة يعقوب بن يقطين يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ويكبر خمسا وفى رواية اسماعيل الجعفي (يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ام الكتاب وسورة ثم يكبر خمسا) وعلى هذا النهج جملة روايات المسألة كما لا يخفى على من راجعها، وهذه الروايات المذكورة كلها قد تقدمت في صدر البحث (1) ونحوها الروايات الواردة بتقديم التكبيرات على القراءة وهى متفقة في عدم ذكر هذه التكبيرات التى ادعى استحبابها في هذه الصلاة. نعم قد تقدم في الفصل الثاني في تكبيرة الاحرام من الباب الثاني في الصلوات اليومية (2) ان من جملة الاقوال في استحباب هذه التكبيرات هو استحبابها في الفرائض مطلقا وكذا في النوافل مطلقا ولعله هنا بنى على ذلك ونحن قد أوضحنا المسألة في المقام المشار إليه وبينا ان الاخبار الواردة بهذه التكبيرات وان كانت مطلقة إلا ان اطلاقها محمول على الفريضة اليومية لانها المتبادرة من الاطلاق، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك مستوفى. وكيف كان فمن الظاهر بل الصريح في عدم استحباب هذه التكبيرات في هذه الصلاة ما رواه الصدوق في كتابي العلل والعيون عن عبد الواحد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) في العلل التى رواها عنه (ع) قال في الخبر: فان قال فلم جعل سبع في الاولى وخمس في الاخيرة ولم يسو بينهما ؟ قيل لان السنة في صلاة الفريضة ان يستفتح بسبع تكبيرات فلذلك بدئ هنا بسبع تكبيرات وجعل في الثانية خمس تكبيرات لان التحريم من التكبير في اليوم والليلة خمس تكبيرات وليكون التكبير في الركعتين جميعا وترا وترا... الحديث وهو ظاهر كما ترى في ان هذه السبع الموظفة في هذه الصلاة


(1) ص 240 و 241. (2) ج 8 ص 52 (3) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد

[ 260 ]

انما جعلت سبعا في الركعة الاولى عوضا عن السبع الافتتاحية التى في الصلوات اليومية وقضية ذلك عدم الاتيان بتلك السبع الافتتاحية الموظفة في اليومية، وإلا لزم الجمع بين العوض والمعوض عنه، فكيف يجمع بينهما كما ذكره (قدس سره) والمراد بالفريضة في هذا الخبر الصلاة اليومية، وفيه اشعار بما قدمنا ذكره من ان اطلاق تلك الاخبار الدالة على استحباب التكبيرات الافتتاحية محمول على الصلوات اليومية. والله العالم. الثالثة يستحب رفع اليدين في كل تكبيرة كما في تكبيرات الصلاة اليومية وبه صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم). ويدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب عن يونس (1) قال: (سألته عن تكبير العيدين أيرفع يده مع كل تكبيرة أم يجزئه أن يرفع في اول تكبيرة ؟ فقال يرفع مع كل تكبيرة). الرابعة - قال في المدارك: لو نسى التكبيرات أو بعضها حتى ركع مضى في صلاته ولا شئ عليه لانها ليست اركانا ولعموم قوله (ع) في صحيحة زرارة (2) (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود وهل تقضى بعد الصلاة ؟ أثبته الشيخ لقوله (ع) في صحيحة ابن سنان (3) (إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذى فاتك سهوا) ونفاه المصنف في المعتبر ومن تأخر عنه لانه ذكر تجاوز محله فيسقط للاصل السالم من المعارض. انتهى. وظاهره التوقف في المسألة حيث اقتصر على نقل القولين وما استدل به كل منهما في البين ولم يرجح شيئا منهما. وقال في الذكرى: لو نسى التكبيرات أو بعضها حتى يركع مضى في صلاته


(1) الوسائل الباب 30 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 29 من القراءة في الصلاة. (3) الوسائل الباب 12 من الركوع و 23 و 26 من الخلل.

[ 261 ]

ولا شئ عليه إذ ليست اركانا وهل تقضى بعد الصلاة ؟ أثبته الشيخ ولعله لما سبق من الرواية في باب السهو المتضمنة لقضاء الفائت من الصلاة بعدها، ونفاه في المعتبر وتبعه الفاضل لانه ذكر تجاوز محله فيسقط بالنافى السليم من المعارض. وكأنه عنى بالنافى دلالة الاصل على عدم القضاء وان الفائت لا يجب قضاؤه وعنى بالمعارض الامر الجديد الدال على القضاء فانه منفى، وللشيخ أن يبدى وجود المعارض وهى الرواية المشار إليها. انتهى. اقول: ومنه يعلم ذكر صاحب المدارك صحيحة ابن سنان دليلا للشيخ انما هو منه (قدس سره) لا ان الشيخ استدل بها كما يوهمه ظاهر كلامه، ومنه يعلم ايضا ان توقفه في المسألة كما حكيناه عنه لاوجه له بعد استدلاله بالصحيحة المذكورة والواجب عليه حينئذ أن يجيب عن كلام المحقق الذى نقله عنه - من سقوط القضاء بالاصل السالم من المعارض - بان المعارض موجود وهو هذه الصحيحة كما هو ظاهر كلام الذكرى. هذا، ويمكن أن يقال ان المحقق انما نفى وجوب القضاء هنا بنا على ما يختاره في هذه التكبيرات من الاستحباب كما تقدم نقله عنه في الموضع الاول وان كان تعليله ربما أشعر بان ذلك بناء على القول بالوجوب. وأما صحيحة ابن سنان التى استدلوا بها هنا للشيخ فقد تقدم الكلام عليها وعلى امثالها مما دل على ذلك ايضا في المسألة الخامسة من المطلب الثاني في السهو من كتاب الصلاة (1) فان جميع الاخبار المشار إليها قد اشتركت في الدلالة على قضاء ما نسيه من الافعال كائنا ما كان وان كان ركنا، ولم يقل به أحد منهم وانما أوجبوا قضاء أشياء معينة كالتشهد والسجدة الواحدة والقنوت بالادلة الخاصة المتعلقة بذلك وأبطلوا الصلاة بنسيان الركن كالركوع والسجدتين، وبالجملة فانها على اطلاقها غير معمول عليها فلا يمكن الاستناد إليها، ومن ذلك يعلم قوة ما ذهب إليه المحقق وغيره


(1) ج 9 ص 141.

[ 262 ]

من عدم وجوب القضاء لعدم الدليل الواضح على ذلك مضافا إلى اصالة العدم. والله العالم وهل تجب سجدتا السهو لنسيان التكبير هنا كلا أو بعضا ؟ صرح ابن الجنيد بذلك فقال على ما نقله عنه في المختلف: ولو نسى بعض التكبير رجع فتممه ما لم يركع وان تجاوز الركوع وايقن بالترك سجد س جدتى السهو. انتهى. وجعله في الذكرى احتمالا فقال: ويحتمل ايضا وجوب سجدتي السهو بناء على تناول أدلة الوجوب في اليومية لهذه الصورة وهو قول ابن الجنيد. انتهى. الخامسة - لو قلنا بتقديم التكبير على القراءة في الاولى كما هو أحد القولين فنسى التكبير حتى قرأ قال في المعتبر: لم يعد إليه لفوات محله. وقال في الذكرى وليس ببعيد وجوب استدراكه أو ندبه على اختلاف القولين لانه محل في الجملة ولهذا كان التكبير في الثانية واقعا فيه، ولان الروايات المتضمنة لتأخره عن القراءة في الركعتين أقل أحوالها ان يقتضى استدراكه إذا نسى. وفى التذكرة أوجب استدراكه وتوقف في اعادة القراءة من حيث عدم وقوعها في محلها وصدق القراءة. قال في الذكرى والاولى اعادتها، ثم قال ولو ذكر في اثنائها قطعها واتى به ثم استأنف القراءة، ولا يقتضى التكبير عندنا في الركوع لما فيه من تغيير هيئة الصلاة وإذا قلنا بقضاء التكبير أو استدراكه فالقنوت تابع. والظاهر وجوب الاستقبال فيهما لانهما جزء ان مما يجب فيه الاستقبال وكذا يعتبر بقية شرائط الصلاة. انتهى كلامه زيد مقامه. السادسة - لو أدرك بعض التكبيرات مع الامام دخل معه فإذا ركع الامام فان امكنه الاتيان به وبالقنوت مخففا واللحوق بالامام في الركوع فلا اشكال، وإلا فان قلنا بالاستحباب في التكبير والقنوت فانه يركع الامام حينئذ إذ لا يجوز له ترك المتابعة الواجبة لاجل أمر مندوب، وان قلنا بالوجوب فيهما كما هو المختار فعلى قول الشيخ بالقضاء في ما تقدم فانه يتابع هنا ويقتضى بعد الفراغ، واما مع عدم العمل بهذا القول فانه يحتمل المنع من الاقتداء في هذه الصورة اعني إذا علم

[ 263 ]

عدم اللحوق به، فلو اقتدى ولما يعلم ولم يمكنه الجمع بين المتابعة وبين التكبير فانه ينوى الانفراد. ويحتمل جواز الاقتداء ويسقط القنوت ويأتى بالتكبير ولاء. ويشكل بان الاصل عدم سقوط فرض المكلف بفعل غيره إلا في ما دل عليه الدليل. والعلامة مع قوله بوجوبهما اسقطه مع عدم امكان الاتيان به ولم يوجب قضاءه بعد التسليم حتى لو أدرك الامام راكعا كبر ودخل معه واجتزأ بالركعة عنده ولا يجب القضاء. وفيه ما عرفت، ويعضده ايضا ان المتابعة وان كانت واجبة إلا ان وجوبها ليس جزء من الصلاة من حيث هي صلاة بخلاف التكبير والقنوت فانهما واجبان ومن جملة اجزاء الصلاة الواجبة لان كلامنا مبنى على القول بالوجوب فكيف تصح الصلاة مع فوات بعض واجباتها عمدا ؟ وسقوطه بفعل الغير قد عرفت انه متوقف على الدليل. والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لعدم الدليل الواضح في هذا المجال. والله العالم. السابعة - قال في الذكرى: لا يتحمل الامام هذا التكبير ولا القنوت وإنما يتحمل القراءة، ويحتمل تحمل الدعاء ويكفى عن دعاء المأمومين، وهذا لم اقف فيه على نص ولو قلنا بالتحمل فيه فدعا المأموم فلا بأس سواء كان بدعاء الامام أو غيره. وعدم تحمل الامام القنوت في اليومية يدل بطريق اولى على عدم تحمله هنا. انتهى. اقول: قد عرفت آنفا ان سقوط الواجب عن المكلف بفعل غيره يتوقف على الدليل وهو قد اعترف بعدم الوقوف هنا على نص، فما ذكره من احتمال تحمل الامام القنوت بعيد جدا سيما مع ما ذكره من الاولوية في آخر كلامه. الثامنة - قال في الذكرى ايضا: لو شك في عدده بنى على الاقل لانه المتيقن، وفى انسحاب الخلاف في الشك في الاولتين المبطل للصلاة هنا احتمال ان قيل بوجوبه، ولو تذكر بعد فعله انه كان قد كبر لم يضر لعدم ركنيته. وكذا الشك في القنوت. انتهى.

[ 264 ]

وهو جيد إلا ان ما ذكره من احتمال في انسحاب الخلاف في الشك في الاولتين المبطل للصلاة هنا محل نظر، لما قدمنا تحقيقه من أن الشك المبطل في الاولتين انما هو الشك في اعداد الركعات لا في سائر الواجبات، وحينئذ فلا وجه لهذا الاحتمال في المقام. والله العالم. البحث - في سنن هذه الصلاة وما يلحق بها، فمنها الاصحار بها إلا في مكة المعظمة وعليه اجماع علمائنا واكثر العامة (1). ومستنده التأسي به (ص) فانه كان يصحر بها، لما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (2) ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخرج حتى ينظر إلى آفاق السماء وقال لا يصلين يومئذ على بساط ولا بارية). وما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (السنة على أهل الامصار ان يبرزوا من امصارهم في العيدين إلا أهل مكة فانهم يصلون في المسجد الحرام ورواه في الفقيه عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) مثله (4). وما رواه في الكافي عن ليث المرادى عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله يوم فطر أو يوم اضحى لو صليت في مسجدك ؟ فقال انى لاحب ان ابرز إلى آفاق السماء.


(1) الام للشافعي ج 1 ص 207 والمغني ج 2 ص 372 وعمدة القارئ ج 3 ص 370 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 313. وفي البحر الرائق ج 2 ص 159 عن التجنيس (الصحيح عند عامة المشايخ السند في صلاة العيد الخروج إلى الجبانة وان كان يسعهم المسجد الجامع) ولم يستثن مكة. (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. (4) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. وفي النسخ هكذا (عن حفص بن غياث عن ابيه عن جعفر عن ابيه) وحيث ان كلمة (عن ابيه) الاولى زائدة حذفناها واللفظ في الفقيه ج 1 ص 321 هكذا (وروى حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن ابيه).

[ 265 ]

وما رواه في الفقيه عن ابن رئاب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (لا ينبغى أن تصلى صلاة العيدين في المسجد مسقف ولا في بيت انما تصلى في الصحراء أو في مكان بارز). وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الفضيل عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (اتى ابى بالخمرة يوم الفطر فامر بردها ثم قال: هذا يوم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب ان ينظر فيه إلى آفاق السماء ويضع جهته على الارض). وما رواه في الفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (3) (انه كان إذا خرج يوم الفطر والاضحى ابى ان يؤتى بطنفسة يصلى عليها يقول هذا يوم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج فيه حتى يبرز لآفاق السماء ثم يضع جبهته على الارض). وروى في كتاب الاقبال (4) قال: (روى محمد بن ابى قرة في كتابه باسناده إلى سليمان بن حفص عن الرجل (ع) قال: (الصلاة يوم الفطر بحيث لا يكون على المصلى سقف إلا السماء). وألحق ابن الجنيد بمسجد مكة شرفها الله تعالى مسجد المدينة. وصحيحة معاوية ابن عمار وكذا رواية ليث المرادى (5) وصحيحة الحلبي (6) صريحة في رده. ولو كان هناك عذر من مطرأ وخوف أو وحل أو نحوها فلا بأس بصلاتها في المسجد دفعا للمشقة اللازمة من الخروج. ومنها - السجود على الارض دون غيرها مما يصح السجود عليه اظهارا لمزيد التذلل فيها، وعليه يدل ما تقدم من صحيحة الحلبي (7) وصحيحة الفضيل (8). ويظهر من صحيحة معاوية بن عمار (9) استحباب الصلاة على الارض بحيث لا يكون تحته بساط ولا بارية ولا نحوهما بل يكون مباشرا للارض في قيامه وجلوسه


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. (5). (9) ص 264.

[ 266 ]

ونحوها ما رواه في الكافي عن معاوية عن ابى عبد الله (ع) (1) في حديث (انه سأله عن صلاة العيدين فقال ركعتان... إلى ان قال: ويخرج إلى البر حيث ينظر إلى آفاق السماء ولا يصلى على حصير ولا يسجد عليه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج إلى البقيع فيصلى بالناس). وما رواه في كتاب الاقبال عن محمد بن الحسن بن الوليد باسناده عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخرج حتى ينظر إلى آفاق السماء وقال لا تصلين يومئذ على بارية أو بساط. يعنى في صلاة العيدين). وقال في كتاب الفقه الرضوي (3) (وإذا أردت الصلاة فابرز تحت السماء وقم على الارض ولا تقم على غيرها... إلى آخره). وقل من نبه على هذا الحكم من أصحابنا (رضوان الله عليهم). ومنها - ان يقول المؤذن عوض الاذان والاقامة - فانه لا أذان ولا أقامة لغير الخمس - الصلاة (ثلاثا). ويدل على ذلك ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (قلت له أرأيت صلاة العيدين هل فيهما اذان واقامة ؟ قال ليس فيهما اذان ولا اقامة ولكن ينادى الصلاة (ثلاث مرات) وليس فيهما منبر، المنبر لا يحرك من موضعه ولكن يصنع للامام شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب الناس ثم ينزل). والاخبار بانه ليس فيها اذان ولا اقامة كثيرة قد تقدم جملة منها. قال في الذكرى: لا اذان لصلاة العيد بل يقول المؤذن الصلاة (ثلاثا) ويجوز رفعها باضمار خبر أو مبتدأ ونصبها باضمار (احضروا أو ائتوا) وقال ابن ابى عقيل يقول (الصلاة جامعة). ولم نقف على مستنده.


(1) و (2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. (3) صلاة البحار ص 862. (4) الفقيه ج 1 ص 322 وفي الوسائل الباب 7 و 33 من صلاة العيد.

[ 267 ]

وظاهر الاصحاب كما ذكره في الذكرى ان النداء بذلك ليعلم الناس بالخروج إلى المصلى، لانه اجرى مجرى الاذان الذى يحصل به الاعلام بالوقت، ومقتضى ذلك أن يكون قبل القيام للصلاة بل في أول الخروج إليها، ولا ينافى ذلك ما ورد في صحيحة زرارة عن الباقر (ع) (1) من قوله (ليس فيهما اذان ولا اقامة اذانهما طلوع الشمس فإذا طلعت خرجوا) لجواز الجمع بينهما بحصول ذلك بكل من الامرين استظهارا، وتعدد العلل الشرعية لمعلول واحد كثير في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار حتى قال الصدوق في بعض تلك المواضع ان هذا مما يزيد تأكيدا وتقوية. ويحتمل ايضا حمل خبر زرارة على من كان عالما بان وقتها الذى يخرج فيه طلوع الشمس يعنى عالما بالوقت الشرعي لها وخبر اسماعيل بن جابر على من ليس كذلك ليحصل له العلم بالخروج لها. ونقل عن ابى الصلاح ان محله بعد القيام إلى الصلاة فإذا قال المؤذن ذلك كبر الامام تكبيرة الاحرام ودخل بهم في الصلاة، والى هذا مال بعض محققى متأخرى المتأخرى. ومنها - الخروج بعد الغسل متطيبا لا بسا أحسن اثوابه متعمما شتاء كان أو قيظا. أما الغسل فلما تقدم من الاخبار في باب الاغسال من كتاب الطهارة، ومن ذلك ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى يصلى قال ان كان في وقت فعليه ان يغتسل ويعيد الصلاة فان مضى الوقت فقد جازت صلاته.


(1) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد. واللفظ كما في الفروع ج 1 ص 128 والتهذيب ج 1 ص 289 هكذا (ليس في يوم الفطر والاضحى اذان ولا اقامة اذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا...). (2) الوسائل الباب 16 من الاغسال المسنونة.

[ 268 ]

ومن ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (من لم يشهد جماعة الناس يوم العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده كما يصلى في الجماعة، وقال: خذوا زينتكم عند كل مسجد (2) قال العيدان والجمعة). وروى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابى جعفر (ع) (3) في قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) أي خذوا ثيابكم التى تتزينون بها للصلاة في الجمعات والاعياد). وقال الرضا (ع) في كتاب الفقه (4) (وإذا أصبحت يوم الفطر اغتسل وتطيب وتمشط والبس انظف ثيابك واطعم شيئا قبل أن تخرج إلى الجبانة فإذا اردت الصلاة فابرز تحت السماء وقم على الارض ولا تقم على غيرها واكثر من ذكر الله تعالى). ومنها - خروج الامام ماشيا حافيا مشمرا ثيابه داعيا بالمأثور عليه السكينة والوقار معتما شاتيا كان أو قائظا ببرد أو حلة. ويدل على هذه الاحكام حديث خروج الرضا (ع) (5) إلى صلاة العيد بامر المأمون له (ع) وهو مشتمل على سنن عديدة وهو مروى في الكافي وغيره من كتب الصدوق وفيه لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (ع) يسأله ان يركب ويحضر العيد ويصلى... إلى أن قال فقال يا امير المؤمنين ان اعفيتني من ذلك فهو احب الي وان لم تعفنى خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين (ع) فقال المأمون اخرج كيف شئت، وأمر المأمون القواد والناس أن يركبوا (6) إلى باب ابى الحسن (ع) قال فحدثني ياسر الخادم انه قعد الناس لابي الحسن (عليه السلام) في الطرقات والسطوح الرجال والنساء والصبيان واجتمع القواد والجند على باب ابى الحسن


(1) و (3) الوسائل الباب 14 من صلاة العيد (2) سورة الاعراف الاية 29. (4) صلاة البحار ص 862 (5) الاصول ج 1 ص 489 وفي الوسائل الباب 19 من صلاة العيد. (6) (يبكروا) خ ل.

[ 269 ]

(عليه السلام) فلما طلعت الشمس قام فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا منها على صدره طرفا بين كتفيه وتشمر ثم قال لجميع مواليه افعلوا مثل ما فعلت ثم أخذ بيده عكازا ثم خرج ونحن بين يديه وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثبات مشمرة فلما مشى ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات فخيل الينا ان السماء والحيطان تجاوبه، والقود والناس على الباب قد تهيأوا ولبسوا السلاح وتزينوا باحسن زينة، فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة وطلع الرضا (عليه السلام) وقف على الباب وقفة ثم قال: الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما أبلانا. نرفع بها أصواتنا، قال ياسر فتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج والصياح لما نظروا إلى ابى الحسن (عليه السلام) وسقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما رأوا أبا الحسن (عليه السلام) حافيا وكان يمشى ويقف في كل عشر خطوات ويكبرثلاث تكبيرات، قال ياسر فتخيل الينا ان السماء والارض والجبال تجاوبه وصارت مرو ضجة واحدة من البكاء، وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين يا امير المؤمنين ان بلغ الرضا (عليه السلام) المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس والرأى ان تسأله أن يرجع فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن (عليه السلام) خفه فلبسه وركب ورجع). وفى هذا الخبر الشريف جملة من الفوائد: منها - ان رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا (عليه السلام) كانا يخرجان بهذه الكيفية. ومنها - استحباب التشمير للثياب والسراويل لكل من الامام والمأموم والمشى حافيا للكل ايضا والتعمم على النحو المذكور، وهذا هو السنة في التعمم لا ما اشتهر من التحنك كما قدمنا تحقيقه في بحث اللباس من كتاب الصلاة ومنها - أن تكون العمامة بيضاء من القطن.


(1) ج 7 ص 127 و 128.

[ 270 ]

ومنها - مشى الامام وبيده عكاز وقد روى نحوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: روى في الفقيه عن اسماعيل بن مسلم عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال (كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله عنزة في أسفلها عكاز يتوكأ عليها ويخرجها في العيدين يصلى إليها). وفى صحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث في احوال النبي صلى الله عليه وآله إلى ان قال: وكان له عنزة يتكئ عليها ويخرجها في العيدين فيخطب بها والظاهر الاختصاص بالامام فقط وظاهر الخبرين استحباب العنزة مطلقا. ومنها - الاشتغال بالتكبير والدعاء في طريقه مما ذكر هنا وغيره مما تقدم ويأتى ان شاء الله تعالى، ومنها الوقوف حال التكبير. وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال: (وينبغى لمن خرج إلى العيد أن يلبس أحسن ثيابه ويتطيب باحسن طيبه وقال عز وجل (يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (4) قال ذلك في العيدين والجمعة، قال ينبغى للامام أن يلبس يوم العيد بردا وان يعتم شاتيا كان أو صائفا. وعن على (عليه السلام) انه كان يمشى في خمس مواطن حافيا ويعلق نعليه بيده اليسرى وكان يقول انها مواطن لله تعالى واحب أن اكون فيها حافيا: يوم الفطر ويوم النحر ويوم الجمعة وإذا عاد مريضا وإذا شهد جنازة) انتهى ما نقلناه من كتاب الدعائم. وفى صحيحة محمد بن مسلم (5) (لا بد من العامة والبرد يوم الاضحى والفطر فاما الجمعة فانها تجزئ بغير عمامة وبرد). وفى صحيحة الحلبي (6) (قلت تجوز صلاة العيدين بغير عمامة ؟ قال نعم والعمامة


(1) و (2) و (5) و (6) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد. (2) مستدرك الوسائل الباب 11 و 8 و 15 من صلاة العيد (4) سورة الاعراف الاية 29.

[ 271 ]

أحب الي) وظاهره العموم للامام والمأموم. وفى صحيحة معاوية (1) (وينبغى للامام أن يلبس يوم العيدين بردا ويعتم شاتيان كان أو قائظا. وفى تفسير العياشي بسنده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) (في قول الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد ؟ قال الاردية في العيدين والجمعة). وفى صحيحة عبد الله بن سنان عنه (ع) (3) قال: (سمعته يقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعتم في العيدين شاتيا كان أو قائظا ويلبس درعه وكذلك ينبغى للامام، ويجهر بالقراءة كما يجهر في الجمعة. وفى صحيحة ابى بصير (4) (ينبغى للامام أن يلبس حلة ويعتم) ولعل المراد بالحلة هنا الرداء حيث ان الحلة المشهورة لا تكون إلا من الحرير كما صرحوا به. ومنها - الذهاب إلى المصلى من طريق والعود منه من آخر، بل الظاهر من الاخبار الاستحباب مطلقا: روى الصدوق في الفقيه عن السكوني (5) (ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا خرج إلى العيدين لم يرجع في الطريق الذى بدأ فيه ياخذ في طريق غيره). وروى في الكافي عن موسى بن عمر بن بزيع (6) قال: (قلت للرضا (ع) ان الناس رووا ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره فهكذا كان ؟ قال فقال. نعم فانا أفعله كثيرا ثم قال: أما انه ارزق لك. وروى ابن طاووس في كتاب الاقبال باسناده عن ابى محمد هارون بن موسى التلعكبرى باسناده عن الرضا (ع) (7) قال (قلت له يا سيدى انا نروى عن النبي


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد (2) مستدرك الوسائل الباب 11 من صلاة العيد. (5) و (6) الوسائل الباب 36 من صلاة العيد. (7) ص 283 وفي الوسائل الباب 36 من صلاة العيد.

[ 272 ]

صلى الله عليه وآله انه كان إذا أخذ في طريق لم يرجع فيه وأخذ في غيره، فقال هكذا كان نبى الله صلى الله عليه وآله يفعل وهكذا أفعل انا وهكذا كان ابى يفعل وهكذا فافعل فانه ارزق لك ؟ وكان النبي صلى الله عليه وآله يقول هذا ارزق للعباد). وروى في كتاب دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) (انه كان إذا انصرف من المصلى يوم العيد لم ينصرف على الطريق الذى خرج عليه). منها - أن يطعم قبل خروجه يوم الفطر وبعد رجوعه في يوم الاضحى والافضل في الاول أن يكون افطاره على حلو والمروى التمر، وفى الافطار على التربة الحسينية كلام، والافضل في الثاني الاكل من أضحيته. فههنا مقامات: الاول في الفرق بين العيدين بالافطار في الاول قبل الخروج وفى الثاني بعد الرجوع. ويدل عليه صحيحة حريز عن زرارة المروية في الفقيه عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (لا تخرج يوم الفطر حتى تطعم شيئا ولا تأكل يوم الاضحى إلا من هديك واضحيتك ان قويت عليه وان لم تقو فمعذور. قال وقال أبو جعفر (ع) كان امير المؤمنين (ع) لا يأكل يوم الاضحى شيئا حتى يأكل من اضحيته ولا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ويؤدى الفطرة. قال وكذلك نفعل نحن). وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (اطعم يوم الفطر قبل ان تخرج إلى المصلى). وروى فيه وفى الفقيه عن جراح المدائني عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (اطعم يوم الفطر قبل أن تصلى ولا تطعم يوم الاضحى حتى ينصرف الامام). وروى في الفقيه مرسلا (5) قال (كان على (ع) يوم يأكل يوم الفطر قبل ان يغدو


(1) مستدرك الوسائل الباب 29 من صلاة العيد. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.

[ 273 ]

إلى المصلى ولا يأكل يوم الاضحى حتى يذبح) وروى في التهذيب في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (الاكل قبل الخروج يوم العيد وان لم تأكل فلا بأس) اقول: يعنى عيد الفطر كما تقدم في الاخبار. المقام الثاني - في ما يستحب الافطار عليه في الفطر، فروى الشيخان في الكافي والفقيه عن على بن محمد النوفلي (2) قال: (قلت لابي الحسن (ع) انى افطرت يوم الفطر على طين وتمر ؟ فقال لى جمعت بركة وسنة). وقال في كتاب الاقبال: روى ابن ابى قرة باسناده عن الرجل (ع) (3) قال: (كل تمرات يوم الفطر فان حضرك قوم من المؤمنين فاطعمهم مثل ذلك). وفى كتاب الفقه الرضوي (4) (والذى يستحب الافطار عليه يوم الفطر الزبيب والتمر، واروى عن العالم (ع) الافطار على السكر، وروى أفضل ما يفطر عليه طين قبر الحسين (ع). قال في المدارك: ويستحب يوم الفطر الافطار على الحلو لما روى (5) (ان النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل قبل خروجه تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو اكثر) ولا يجوز الافطار على التربة الحسينية إلا بقصد الاستشفاء لمن كان به علة كغيره من الايام. انتهى. وقال في الذكرى: قال كثير من الاصحاب يستحب الافطار يوم الفطر على الحلو لما روى (6) (ان النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل قبل خروجه في الفطر تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو اكثر) ولو افطر على التربة الحسينية (على مشرفها الصلاة والسلام) لعلة به فحسن وإلا فالاقرب التحريم، والافضل الافطار على الحلاوة وأفضلها


(1) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد. (2) و (3) الوسائل الباب 13 من صلاة العيد (4) ص 25 (5) و (6) مستدرك الحاكم ج 1 ص 294.

[ 274 ]

السكر، وروى تربة الحسين (ع) والاول اظهر لشذوذ الرواية وتحريم الطين على الاطلاق إلا ما خرج بالدليل من التربية للاستشقاء. انتهى. اقول: اما ما ذكروه من الافطار على الحلو بقول مطلق فلم اقف فيه على خبر والذى وقفت عليه ما قدمت من الاخبار الدالة على التمر وزاد في كتاب الفقه الزبيب، واما السكر فقد ذكره الشهيد كما عرفت، ولعله استند فيه إلى رسالة على بن الحسين ابن بابويه الذى قد عرفت انه يفتى فيها غالبا بعبارات هذا الكتاب، ولعله كان في الرسالة المذكورة أو انه ذكره أحد من المتقدمين فذكره الشهيد كذلك، وكيف كان فالمستند فيه هو هذا الكتاب وبه يظهر ما في اعتراض بعض متأخرى المتأخرين على الشهيد بعدم وجود المستند فيه. ولعل من عبر بالحلو بقول مطلق حمل ما ذكر من التمر ونحوه هنا على التمثيل. واما الرواية التى نقلوها عن النبي صلى الله عليه وآله فالظاهر انها من طريق العامة التجأوا إلى الاستدلال بها حيث لم تحضرهم هذه الروايات التى ذكرناها فانى بعد التتبع لم اقف عليها في كتب اخبارنا، وايضا فان بعض محققى متأخرى اصحابنا (رضوان الله عليهم) اسندها إلى العامة (1). المقام الثالث - في الكلام على التربة الحسينية (على مشرفها أفضل الصلاة والتحية) والظاهر اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على جواز الاكل منها لقصد الاستشفاء وعليه تدل جملة من الاخبار، انما الخلاف في الاكل للتبرك فظاهر جملة من الاخبار المنع إلا انه روى الجواز في العيد كما عرفت من رواية النوفلي المتقدمة ورواية كتاب الفقيه (2) وروى في افطار يوم عاشوراء ايضا. قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: واما الاكل بمحض التبرك فالظاهر عدم الجواز للتصريح به في بعض الاخبار وعموم بعضها، لكن ورد في بعض الاخبار جواز افطار العيد به وافطار يوم عاشوراء ايضا وجوزه فيهما بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) ويخلو من قوة، والاحتياط في الترك إلا


(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 294. (2) ص 273.

[ 275 ]

أن يكون به مرض يقصد الاستشفاء. وقال المحقق الاردبيلى (قدس سره) بعد ذكر المسألة: ولا بد إن يكون بقصد الاستشفاء وإلا فيحرم ولم يحصل له الشفاء كما في رواية ابى يحيى (1) ويدل عليه غيرها ايضا، وقد نقل اكله يوم عاشوراء بعد العصر وكذا الافطار به في يوم العيد ولم تثبت صحته فلا يؤكل إلا للشفاء. وظاهر كلامه (قدس سره) رد خبرى الجواز في هذين الموضعين لضعف السند بناء على هذا الاصطلاح حيث انه (قدس سره) من القائلين به والعاكفين عليه، وظاهر كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) القول بمضمون الخبرين والظاهر انه لكونهما خاصين وتلك الاخبار مطلقة فالعمل بهما مقدم كما هو القاعدة، وكلامه (قدس سره) مبنى على الغاء هذا الاصطلاح كما هو المعروف من طريقته. والظاهر ان الرواية المشار إليها في الجواز يوم عاشوراء هو ما ذكره الشيخ في المتهجد (2) قال: ويستحب صوم هذا العشر فإذا كان يوم عاشوراء امسك عن الطعام والشراب إلى بعد العصر ثم يتناول شيئا يسيرا من التربة. ولم يذكر شيخنا المجلسي في كتاب البحار دليلا سواها في هذا الحكم. ومن الاخبار الواردة في المسألة ما رواه في كتاب كامل الزيارات (3) عن احدهما (عليهما السلام) قال: قلت له ما تقول في طين قبر الحسين (عليه السلام) ؟ قال يحرم على الناس أكل لحومهم ويحل لهم أكل لحومنا ولكن الشئ اليسير منه مثل الحمصة) وظاهر الخبر الجواز بهذا المقدار وان لم يكن بقصد الاستشفاء. ومنها - ما رواه فيه ايضا بسنده عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (كل طين حرام على بنى آدم ما خلا طين قبر ابى عبد الله (عليه


(1) ص 276. (2) ص 538 (3) ص 285 و 286 وفي الوسائل الباب 74 من المزار عن الشيخ عن ابن قولويه (4) الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة .

[ 276 ]

السلام) من أكله من وجع شفاء الله) وظاهره يشير إلى الجواز بقصد الشفاء إلا انه غير صريح بل ولا ظاهر في المنع من غيره. ومنها - ما رواه في كتاب دعوات الراوندي عن سدير عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال (من أكل من طين قبر الحسين (عليه السلام) غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا وهو صريح في التحريم إلا بقصد الاستشفاء ويمكن تقييده بالاخبار المتقدمة. ومنها - ما رواه في كتاب العلل (2) عن ابى يحيى الواسطي عن رجل قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) الطين حرام أكله كلحم الخنزير ومن أكله ثم مات فيه لم اصل عليه إلا طين القبر، فمن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء). ورواه الكليني في الكافي (3) وابن قولويه في كتاب الزيارات (4) عن الكليني وفيهما (حرام أكله... إلى قوله إلا طين القبر فان فيه شفاء من كل داء ومن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء وليس فيه دلالة صريحة بل ولا ظاهرة على التحريم بقصد التبرك كما هو محل الخلاف. والظاهر ان جملة (فان فيه شفاء من كل داء) سقطت من قلم صاحب العلل أو من بعض الرواة حيث انها الانسب بسياق الخبر ورواية الشيخين المذكورين لها وهذه هي الرواية التى اشار إليها المحقق الاردبيلى (نور الله مرقده) وادعى دلالتها على التحريم إلا بقصد الاستشفاء والحال فيها كما ترى. وبالجملة فالاخبار المدعى دلالتها على التحريم مطلقا وان كان للتبرك لا بقصد الشفاء لا صراحة فيها ولا ظاهرية بذلك كما عرفت إلا رواية سدير وقد عرفت قيام الاحتمال بتقييدها، وروايتا النوفلي وكتاب الفقه الرضوي صريحتان


(1) البحار ج 14 ص 323. (2) ص 179 وفي الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة (3) الفروع ج 2 ص 156 وفي الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة (4) ص 286 وفي الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة.

[ 277 ]

في الجواز للتبرك ورواية المصباح في يوم عاشوراء. وقضية الجمع بين اخبار المسألة تقييد ما يدعى دلالته على التحريم باطلاقه وقصر الحكم بالتحريم على ما عدا المواضع الثلاثة المذكورة في ما قدمناه من الاخبار. والاحتياط لا يخفى. والله العالم ومنها - التكبير في الفطر عقيب أربع صلوات أولها المغرب وآخرها صلاة العيد، وضم الصدوق إلى هذه الصلوات الاربع صلاة الظهرين، وضم ابن الجنيد النوافل ايضا، وفى الاضحى عقيب خمس عشرة صلاة أولها ظهر يوم النحر لمن كان بمنى وفى الامصار عقيب عشر صلوات أولها ما تقدم. وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع: (الاول) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب هذا التكبير واستحبابه في عيد الفطر فنقل عن المرتضى (رضى الله عنه) القول بالوجوب والمشهور الاستحباب. ويدل على ما ذهب إليه المرتضى من الوجوب في الفطر الاية اعني قوله عز وجل: (ولتكبروا الله على ما هداكم) (1). وروى الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال باسناده عن الاعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) في حديث شرائع الدين قال: (والتكبير في العيدين واجب أما في الفطر ففى خمس صلوات يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر من يوم الفطر، وهو ان يقال: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا. لقوله عز وجل (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم... الحديث). والتقريب فيه انه قد فسر (ع) الاية بهذا التكبير الواقع في الفطر، والاوامر القرآنية للوجوب اجماعا إلا ما قام الدليل على خلافه، ويعضده تصريح الخبر بالوجوب ايضا.


(1) سورة البقرة الاية 181. (2) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.

[ 278 ]

ونحوه ما رواه الصدوق في كتاب عيون الاخبار عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (1) (انه كتب إلى المأمون: والتكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات ويبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر) ورواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول مرسلا (2). وقال في المدارك - بعد نقل القول بالاستحباب عن اكثر الاصحاب والوجوب عن المرتضى ما لفظه: والذى وقفت عليه في هذه المسألة رواية سعيد النقاش (3) قال: (قال أبو عبد الله (ع) اما ان في الفطر تكليرا ولكنه مسنون. قال قلت واين هو ؟ قال في ليلة الفطر في المغرب والعشاء الاخرة وفى صلاة الفجر وصلاة العيد ثم يقطع. قال قلت كيف اقول ؟ قال تقول: الله اكبر الله اكبر لا إله الا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا. وهو قول الله سبحانه: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) (4) وهى صريحة في الاستحباب وينبغى العمل بها في كيفية التكبير ومحله وان ضعف سندها لانها الاصل في هذا الحكم. انتهى. ولا يخفى عليك ما فيه (أما أولا) فلما أدعاه من أن الذى وقف عليه انما هو هذه الرواية وانها الاصل في هذا الحكم مع ما عرفت مما قدمناه من الروايتين في هذه المسألة. ومن رواياتها ايضا ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (تكبر ليلة الفطر وصبيحة الفطر كما تكبر في العشر). اقول: الظاهر ان المراد بالعشر يعنى عشر صلوات في الامصار في الاضحى والمراد استحباب التكبير أو وجوبه في هذا الموضع كما في ذلك الموضع، ولا يلزم منه اتحاد الكيفية. و (اما ثانيا) فان ما ذكره - من ان هذه الرواية هي الاصل في هذا الحكم


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد (4) البقرة الاية 181.

[ 279 ]

وانه ينبغى العمل بها وان ضعف سندها - انما الجأه إليه ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذى هو إلى الفساد أقرب من الصلاح وذلك فان الخبر الضعيف عنده ليس بدليل شرعى ومن عادته وقاعدته رد الاخبار الضعيفة في كتابه، وبموجب ذلك انه لا يصلح لتأسيس الاحكام الشرعية ولا يجوز بناؤها عليه ومن قاعدته تقديم العمل بالبراءة الاصلية على الاخبار الضعيفة، فكيف خرج عن قاعدته هنا واحتج بهذه الحجة الواهية التى هي لبيت العنكبوت - وانه لاوهن البيوت - مضاهية ؟ على انك قد عرفت وجود الاخبار في الحكم المذكور غير هذه الرواية كرواية معاوية بن عمار، فانها قد تضمنت الامر بالتكبير وان لم تدل على كيفية، ورواية الاعمش وان اشتملت على كيفيته الا ان في رواية الاعمش زيادة على ما نقله ورواية النقاش في آخر التكبير (والحمد لله على ما أبلانا) وهذه الزيادة ايضا موجودة في رواية النقاش بنقل الصدوق لها في الفقيه (1) وأما على نقل الشيخ في التهذيب (2) وهو الذي أخذ منه فهو كما نقله هنا. وبالجملة فهو معذور في ما ذكره حيث لم يعط التأمل حقه في تتبع الاخبار والوقوف عليها في مظانها وان لم يكن معذورا حقيقة لما ذكرناه. وكيف كان فان ظاهر رواية النقاش هو الاستحباب، إذ الظاهر من قوله (مسنون) انما هو المستحب لا ما ثبت وجوبه بالسبة كما يدل عليه السياق، وعلى ذلك تحمل الاية المذكورة في الخبر، لانه لو اريد بها الوجوب لكان حق العبارة في الخبر ان يقال انه مفروض أي واجب بالكتاب، ويؤيد ذلك ما يأتي في صحيحة علي بن جعفر (3) وأما لفظ الوجوب في الخبرين المتقدمين ففيه ما عرفت مما قدمناه في غير موضع من مباحث الكتاب من ان هذا اللفظ من الالفاظ المتشابهة، فانه وان كان في إصطلاح ارباب الاصول بمعنى ما يترتب العقاب على تركه لكنه في الاخبار اعم


(1) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد. (2) ج 1 ص 290 عن الكليني. (3) ص 281.

[ 280 ]

من ذلك كما لا يخفى على من تدبر الاخبار وجاس خلال الديار. الثاني - في وجوبه أو استحبابه في عيد الاضحى، والمشهور الاستحباب ايضا ونقل عن المرتضى وابن الجنيد والشيخ في الاستبصار الوجوب. قال في المدارك بعد ذكر المصنف تكبير الاضحى: المشهور بين الاصحاب ان ذلك على سبيل الاستحباب ايضا، وقال المرتضى وابن الجنيد والشيخ في الاستبصار بالوجوب لما رواه محمد بن مسلم في الحسن (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل: واذكروا الله في أيام معدودات (2) قال التكبير في ايام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث وفى الامصار عشر صلوات فإذا نفر الناس النفر الاول امسك أهل الامصار انتهى. ثم نقل الاختلاف في الكيفية. اقول: ظاهر كلامه (زيد في مقامه) - حيث ذكر ان المشهور هو الاستحباب ولم ينقل عليه دليلا ثم نقل القول بالوجوب وأورد له دليلا الحسنة المذكورة ثم تجاوز عن المقام إلى نقل الاختلاف في الكيفية، ولم يرجح شيئا من القولين ولم يتكلم بشئ في البين - هو التوقف في الحكم بل ربما اشعر بالميل إلى الوجوب حيث نقل ما يدل عليه ولم يطعن فيه بشئ كما هي عادته إذا لم يرتض القول بالخبر، مع عدم تعرضه لنقل دليل مقابله. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة الحسنة التى ذكرها، ولا يخفى ان وصفه لها بالحسن انما هو بابراهيم بن هاشم الذى قد عرفت اضطراب كلامه فيه ما بين ان يرد روايته بالضعف وما بين ان يصفها بالحسن كما هنا وما بين أن يصفها


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. وفيه كما في الفروع ج 1 ص 306 (فإذا نفر بعد الاولى) وفي التهذيب ج 1 ص 523 عن الكليني والوافي باب التكبير في ايام التشريق من الحج كما هنا. (2) سورة البقرة الاية 199.

[ 281 ]

بالصحة كما اشرنا إليه في الابحاث المتقدمة. ومنها - موثقة عمار عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (التكبير واجب في دبر كل صلاة فريضة إو نافلة ايام التشريق). ومنها - صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن التكبير ايام التشريق أواجب هو ؟ قال يستحب وان نسى فلا شئ عليه... الحديث). ومنها - صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) (في قول الله عز وجل: واذكروا الله في ايام معدودات (4) قال هي ايام التشريق كانوا إذا اقاموا بمنى بعد النحر تفاخروا فقال الرجل منهم كان ابى يفعل كذا وكذا فقال الله عز وجل: فإذا افضتم من عرفات فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا (5) قال والتكبير: الله اكبر الله اكبر لاإله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام). وجملة من الاخبار انما تضمن السؤال عنه أو بيان كيفية من غير اشعار بوجوب أو استحباب. وانت خبير بانه وان كان ظاهر ما عدا صحيحة على بن جعفر من هذه الاخبار هو الوجوب إلا ان ظاهر الصحيحة المذكورة بل صريحها هو الاستحباب لانه لا مجال للتأويل هنا في لفظ الاستحباب فيها فيجب حمل ما عداها من الاخبار عليها، وكذلك الاية المذكورة في حسنة محمد بن مسلم وصحيحة منصور. ومما يؤيد القول بالاستحباب صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (6) قال: (سألته عن التكبير بعد كل صلاة فقال كم شئت انه ليس شئ


(1) و (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (2) الوسائل الباب 21 و 23 من صلاة العيد (4) سورة البقرة الاية 199. (5) سورة البقرة الاية 196 (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله...) (6) الوسائل الباب 24 من صلاة العيد.

[ 282 ]

موقت. يعنى في الكلام) وظاهر هذه الرواية العموم لكل من تكبير الفطر والاضحى وأظهر منه قوله في هذا الحديث على ما نقله في مستطرفات السرائر من جامع البزنطى بسنده صحيح ايضا (1) عوض هذه العبارة قال: (كم شئت انه ليس بمفروض) ويشعر به ايضا قوله (ع) في موثقة عمار المتقدمة (2) (واجب في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة) مع دلالة رواية داود بن فرقد (3) على انه ليس في النافلة تكبير. والله العالم. الثالث - في كيفيته وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فقال ابن ابى عقيل ان كيفية: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله ما أولانا. ولم يذكر تكبير الفطر. وقال ابن الجنيد في كيفية تكبير الفطر: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد لله اكبر على ما هدانا. وفى الاضحى الله اكبر الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله والله اكبر ولله الحمد لله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما أولانا. وروى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (4) عن على (ع) انه كان يقول في دبر كل صلاة في عيد الاضحى: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد. ولم يذكر تكبير الفطر. وفى المقنع (5) في صفة تكبير الاضحى: الله اكبر الله اكبر لاإله إلا الله والله اكبر ولله الحمد والله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا والله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام.


(1) الوسائل الباب 24 من صلاة العيد. (2) ص 281. (3) ص 288. (4) ج ؟ ص 308 وفي الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (5) مستدرك الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.

[ 283 ]

وقال الشيخ المفيد في تكبير الفطر: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا. وفى الاضحى الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله على ما رزقنا من بهيمة الانعام. وقال الشيخ في النهاية في صفة تكبير الفطر: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الحمد لله على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا. وفى الاضحى كذلك إلا انه يزيد فيه (ورزقنا من بهيمة الانعام) وكذلك في المبسوط وقال في الخلاف: صفة التكبير ان يقول الله اكبر والله اكبر ولا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد. ولم يفصل بين العيدين. هذا ما وقفت عليه من الاقوال المنقولة في المختلف، واقوال من تأخر عنه أيضا مختلفة في ذلك كما يخفى على من راجعها. واما الاخبار الواردة في ذلك فاما بالنسبة إلى عيد الفطر فالذي وقفت عليه ما تقدم في رواية الاعمش المنقولة من كتاب الخصال ورواية سعيد النقاش (1). والذى في الاولى: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما ابلانا. والذى في الثانية برواية الصدوق (2) مثل هذه الرواية وأما برواية الكليني والشيخ عنه (3) فانهما اسقطا قوله في آخر الرواية: (والحمد لله على ما ابلانا) كما أشرنا إليه آنفا. وروى في كتاب الاقبال (4) قال: روينا باسنادنا إلى ابى محمد هارون بن موسى التلعكبرى باسناده إلى معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول ان في الفطر تكبيرا. قلت متى ؟ قال في المغرب ليلة الفطر والعشاء وصلاة الفجر وصلاة العيد ثم ينقطع وهو قول الله تعالى: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم (5) والتكبير


(1) ص 277 و 278 (2) و (3) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد (4) ص 271 (5) سورة البقرة الاية 181.

[ 284 ]

ان يقول: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد على ما هدانا اقول: وهذه كيفية اخرى ايضا. والعمل بالصورة التى اتفقت عليها رواية الاعمش ورواية النقاش بناء على نقل الصدوق لها هو الاحوط وان كان القول بالتخيير بين ما ورد هو الوجه في الجمع بين الاخبار. وانت خبير بان ما قدمنا نقله عن ابن الجنيد والشيخ المفيد وكذلك الشيخ في النهاية والمبسوط من صورة تكبير الفطر مع اختلافه لا ينطبق شئ منه على ما دل عليه الخبران المذكوران، وحمله على وصول اخبار لهم مما ذكره كل منهم مع عدم وصول شئ منها لنا وان امكن لكنه بعيد، وابعد منه أن يكون ما قاله كل منهم عن اجتهاد في المسألة إذ لا مسرح للاجتهاد في مثل ذلك. واما بالنسبة إلى عيد الاضحى فالاخبار فيه اشد اختلافا وابعد ائتلافا، قال المدارك: واختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في كيفية التكبير في الاضحى والاجود العمل بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (والتكبير ان يقول: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما أبلانا) انتهى. اقول: لا أعرف لهذه الاجودية وجها إلا من حيث صحة سند هذه الرواية باصطلاحه، وقد عرفت ان صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (2) قد تضمنت التكبير في الاضحى بوجه آخر، وفى صحيحة زرارة أو حسنته بابراهيم بن هاشم الذى قدمنا قريبا عنه عد حديثه في الحسن عن ابى جعفر (ع) (3) (يقول فيه: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام) وهذه ايضا كيفية ثالثة. وبذلك يظهر لك انه لا وجه لهذه الاجودية وترجيح تلك الرواية لاجلها


(1) و (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (2) ص 281.

[ 285 ]

إلا من حيث غفلته وقت التصنيف عن هذين الروايتين كما يشعر به قوله في رواية النقاش (انه لم يقفت في تلك المسألة إلا عليها) مع وجود الاخبار التى ذكرناها ثمة. ثم ان في صحيحة على بن جعفر المروية في كتابه وهى مروية في كتاب قرب الاسناد (1) عن اخيه (ع) قال: (تقول الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام وهذه الكيفية مطابقة لما ورد في صحيحه زرارة أو حسنته المتقدمة (2). وفى رواية الاعمش المنقولة من كتاب الخصال التى قدمنا ذكرها في تكبير الفطر (3) قال في آخرها. (وبالاضحى في الامصار في دبر عشر صلوات.. إلى ان قال ويزاد في هذا التكبير: والله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام) وهذه ايضا كيفية رابعة وما يأتي نقله من كتاب الفقه الرضوي وهى كيفية خامسة ايضا. والعمل بكل ما ورد حسن ان شاء الله تعالى. فائدة قد تقدم في كلام ابن الجنيد ذكر التكبير في صدر التكبير المسنون في الاضحى ثلاث مرات والموجود في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وكذا في الاخبار انما هو مرتان، وأخبار المسألة على كثرتها وتعدد في الكتب الاربعة وغيرها لم تشتمل إلا على المرتين، قال المحقق في الشرائع بعد قوله الله اكبر مرتين، وفى الثالثة تردد. والظاهر انه اشارة إلى ما نقلناه عن ابن الجنيد كما تقدم تصريحه به في عبارته المتقدمة. وكيف كان فانه لا وجه لهذا التردد بمجرد وجود القائل بذلك مع عدم وجود ما يدل عليه من الاخبار، اللهم إلا أن يكون وصل إليه لم يصل الينا وهو بعيد. الرابع - ما تقدم نقله عن الصدوق من زيادة فريضتين على الاربع المشهورة


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (2) ص 284 (3) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.

[ 286 ]

قد صرح به في المقنع حيث قال بانه عقيب ست صلوات اخيرتها صلاة العصر يوم الفطر. والاصحاب لم يذكروا له مستندا بل صرح الشهيد في الذكرى بعدم وقوفه على مأخذه. قال بعض الاصحاب بعد نقل ذلك من الذكرى: الظاهر ان مأخذه ما اشار إليه في الفقيه عند نقل رواية سعيد (1) حيث قال وفى غير رواية سعيد وفى الظهر والعصر أقول: بل الظاهر ان مأخذه انما هو كتاب الفقه الرضوي الذى قد عرفت في غير مقام مما تقدم اعتماده وكذا ابوه في الرسالة على أخذ عبارات هذا الكتاب والافتاء بها. قال (ع) في الكتاب المذكور (2) (وكبر بعد المغرب والعشاء الاخرة والغداة وصلاة العيد والظهر والعصر كما تكبر أيام التشريق: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما اولانا وابلانا والحمد لله بكرة واصيلا). وقد تقدم (3) في رواية الاعمش المنقولة من الخصال انه في خمس صلوات يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر. والظاهر ان مراده بالخمس مع لزوم كونها ستا يعنى من اليومية فلا ينافى كونها ستا مع صلاة العيد. ويشير إلى هذا القول ايضا ما رواه في عيون الاخبار في حديث عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (ع) (4) في كتابه إلى المأمون (والتكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات ويبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر) واجمال هذه الرواية يعلم من رواية الخصال. ويدل على هذا القول ايضا ما رواه العياشي في تفسيره عن سعيد، والظاهر انه النقاش المتقدم حيث نقل عنه تلك الرواية المتقدمة في تفسيره (5) ثم قال وعن


(1) و (4) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد (2) ص 25 (3) ص 277. (5) مستدرك الوسائل الباب 16 من صلاة العيد.

[ 287 ]

سعيد عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (ان في الفطر تكبيرا. قال قلت ما تكبير إلا في يوم النحر ؟ قال فيه تكبير ولكنه مسنون: في المغرب والعشاء والفجر والظهر والعصر وركعتي العيد). وبذلك يظهر لك ما في كلام من رد على الصدوق هنا بعدم وجود المستند، لعدم اعطاء التأمل حقه في تتبع الاخبار. ولم اقف على من تعرض للجواب عن هذه الاخبار حيث ان الاكثر كما عرفت لم يطلعوا عليها بالكلية، وغاية ما أجاب به بعض محققى متأخرى المتأخرين بعد أن ذكر رواية الاعمش المنقولة في الخصال ان قال: ولا يخفى ان الاستناد إلى ما هو المنجبر بعمل الاصحاب والمروى في الكتب الاربعة اولى. ولا يخفى ما فيه سيما بعد ما عرفت من تعدد الرواية بذلك. واما ما ذكره ابن الجنيد من ضم النوافل فان العلامة في المختلف نقل عنه القول بالوجوب عقيب الفرائض المذكورة والاستحباب عقيب النوافل، ونقل عنه انه احتج بانه تكبير مستحب وذكر مندوب إليه فيكون مشروعا، ثم أجاب عنه بما حاصله انا نسلم ان التكبير مستحب لكن من حيث انه تكبير اما من حيث انه تكبير العيد فنمنع مشروعيته. وظاهره في المنتهى انكار القول المذكور ونسبه للشافعي (2) ونقل استدلاله عليه بما نقله في المختلف عن ابن الجنيد ثم رده بمثل ما رده في المختلف. اقول: لا يخفى ان جملة من الروايات قد صرحت بالاستحباب بعد النوافل مثل


(1) مستدرك الوسائل الباب 16 من صلاة العيد. (2) في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 122 (وهل يكبر خلف النوافل ؟ فيه طريقان، من اصحابنا من قال يكبر قولا واحدا لانها صلاة راتبة فاشبهت الفرائض، ومنهم من قال لا يكبر لان النفل تابع للفرض والتابع لا يكون له تبع) وفي الام ج 1 ص 214 (ويكبر خلف النوافل وخلف الفرائض وعلى كل حال) وفي المغني ج 2 ص 395 (وقال الشافعي يكبر عقيب كل صلاة فريضة كانت أو نافلة منفردا صلاها أو في جماعة).

[ 288 ]

ما في صحيحة على بن جعفر عن اخيه (ع) (1) قال: (سألته عن النوافل ايام التشريق هل فيها تكبير ؟ قال نعم وان نسى لا بأس). وفى موثقة عمار المتقدمة في الموضع الثاني (2) (واجب في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة أيام التشريق). وفى رواية حفص بن غياث باسناده إلى على (ع) الاتية قريبا ان شاء الله تعالى (3) (وعلى من صلى تطوعا). إلا ان في صحيحة داود بن فرقد (4) - قال: (قال أبو عبد الله (ع) التكبير في كل فريضة وليس في النافلة تكبير أيام التشريق) - ما يدل على نفى ذلك. والجمع بين هذه الصحيحة الروايات المتقدمة لا يخلو من اشكال إلا ان يحمل هذه الصحيحة على نفى الوجوب والاخبار المتقدمة على تأكيد الاستحباب إلا ان ذلك لا يوافق مراد الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث أن التكبير عندهم بعد الفريضة أو نافلة انما هو على جهة الاستحباب وبموجبه يكون النفى في الصحيحة المذكورة متوجها إلى نفى التوظيف مطلقا وان كان ما ذكرناه من الجمع موافقا لما نقله في المختلف عن ابن الجنيد. وجملة من اصحابنا نقلوا الاخبار المذكورة مع ما هي عليه من التعارض ولم يتعرضوا لوجه الجمع بينها. وبالجملة فالظاهر من الاخبار هو ما ذكره ابن الجنيد من الاستحباب عقيب النافلة، وحينئذ يحمل النفى في صحيحة داود بن فرقد على نفى تأكد الاستحباب مثل الفريضة. وأما على القول المشهور من تخصيص الاستحباب بالفريضة فيشكل الجمع بين اخبار المسألة كما عرفت. هذا، والظاهر الاستحباب في هذا التكبير للرجال والنساء والمصلى جماعة


(1) الوسائل الباب 25 من صلاة العيد عن كتاب علي بن جعفر. (2) ص 28. (3) ص 289. (4) الوسائل الباب 25 من صلاة العيد.

[ 289 ]

أو منفردا، قال في الذكرى: هذا التكبير مستحب للمنفرد والجامع والحاضر والمسافر والبلدى والقروى والذكر والانثى والحر والعبد للعموم. انتهى. وهو كذلك. ومن الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه الشيخ في التهذيب عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: (قال على (ع) الرجال والنساء أن يكبروا أيام التشريق في دبر الصلوات وعلى من صلى وحده وعلى من صلى تطوعا) وعن على بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (ع) (2) قال: (سألته عن النساء هل عليهن التكبير أيان التشريق ؟ قال نعن ولا يجهرن. قال: وسألته عن الرجل يصلى وحده أيام التشريق هل عليه تكبير ؟ قال نعم وان نسى فلا بأس. قال: وسألته عن التكبير أيام التشريق هل يرفع فيه اليدين أم لا ؟ قال يرفع يده شيئا أو يحركها) وروى هذا الخبر بكماله الحميرى في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه موسى (ع) في الصحيح مثله (3). ولو نسيه حتى قام من موضعه سقط الاتيان به لما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (سألته عن الرجل ينسى أن يكبر أيام التشريق قال ان نسى حتى قام من موضعه فليس عليه شئ). الخامس - المعروف من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) بحيث لم يظهر فيه مخالف ان أول التكبير في الاضحى ظهر يوم النحر إلى تمام خمس عشرة صلاة وهو غداة اليوم الثالث عشر لمن كان بمنى ناسكا أو غير ناسك، وعشر صلوات اخيرتها غداة اليوم الثاني عشر لمن كان من أهل الامصار أو نفر اليوم الثاني عشر من منى.


(1) و (3) الوسائل الباب 22 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 22 من صلاة العيد عن كتاب علي بن جعفر والسؤال الاول نقله من التهذيب ايضا في نفس الباب رقم (1). (4) التهذيب ج ؟ ص 523 وفي الوسائل الباب 23 من صلاة العيد.

[ 290 ]

قال بعض محققى متأخرى المتأخرين: هذا مما تفردنا به ايضا ولم يقل به أحد من العامة، فان أحدا منهم لم يفرق بين من بمنى ومن بغيرها (1) ومع هذا أوله عند اكثرهم من صلاة الفجر يوم عرفة وآخره عند الشافعي وجماعة العصر من آخر أيام التشريق، وعند ابى حنيفة وجمع منهم العصر من يوم النحر، وفى قول آخر للشافعي يكبر من المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، وقال جمع منهم من الظهر يوم النحر إلى الظهر من يوم النفر، ولهم اقوال اخر شاذة (2) انتهى. وبالجملة فان المتفق عليه عندنا هو تحديد الوقت أولا وآخرا بما قدمنا ذكره إلا ان بعض الاخبار الواردة في المسألة ربما ظهر منه المنافاة فلا بأس ببسط اخبار المسألة الواردة في ذلك عنهم (عليه السلام) ما كان موافقا أو مخالفا ليحصل به الوقوف على ما تضمنته من الاحكام فلا نحتاج إلى اعادته في كتاب الحج وان كان هو الانسب بالمقام فنقول: من الاخبار الواردة في ذلك ما رواه ثقة الاسلام والشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة (3) قال: (قلت لابي جعفر (ع) التكبير أيام التشريق في دبر الصلوات ؟ فقال التكبير بمنى في دبر خمس عشرة صلاة وفى سائر الامصار في دبر عشر صلوات، واول التكبير في دبر صلاة الظهر يوم النحر يقول فيه: الله اكبر... إلى آخر ما تقدم في الموضع الثالث. ثم قال (ع) وانما جعل في سائر الامصار في دبر عشر لانه إذا نفر الناس في النفر الاول أمسك أهل


(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 383 (حكى ابن المنذر عن ابن عيينة واستحسنه احمد ان اهل منى يبدأون من ظهر يوم النحر واهل الامصار من صبح يوم عرفة واليه مال أبو ثور). (2) المغني ج 2 ص 393 وفتح الباري ج 2 ص 316 وعمدة القارئ ج 3 ص 283 (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. والرواية عن ابي جعفر (عليه السلام) كما في الفروع ج 1 ص 306 والتهذيب ج 1 باب الرجوع إلى منى والوافي باب التكبير في العيدين، الا انها في الوسائل عن ابي عبد الله (عليه السلام).

[ 291 ]

الامصار عن التكبير وكبر أهل منى ما داموا بمنى إلى النفر الاخير). وما رواه ثقة الاسلام (عطر الله مرقده) في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل: واذكروا الله في أيام معدودات (2) قال التكبير في ايام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث وفى الامصار عشر صلوات، فإذا نفر الناس النفر الاول أمسك أهل الامصار ومن أقام بمنى فصلى بها الظهر والعصر فليكبر) وهذه الرواية قد دلت على انه من أقام بمنى في اليوم الثالث عشر وصلى بها الظهر والعصر فليكبر، وفيه زيادة فريضتين هي الظهر والعصر على الخمس عشرة المحدودة وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (التكبير أيام التشريق من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق ان أنت أقمت بمنى وان أنت خرجت فليس عليك التكبير، والتكبير ان يقول الله اكبر... الحديث) وقد تقدم في الموضع الثالث في كلام صاحب المدارك. وهذه الرواية بهذه الصورة في الكافي (4) والظاهر ان لفظ (الظهر) الاخير تحريف الفجر كما هو الموجود في التهذيب (5) ولهذا ان صاحب الوافى انما نقلها (6) برواية التهذيب، وعليه فلا اشكال في الخبر المذكور.


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. وقوله (فإذا نفر الناس النفر الاول) مطابق لرواية التهذيب ج 1 ص 523 عن الكليني، وفي الفروع ج 1 ص 306 (فإذا نفر بعد الاولى) (2) سورة البقرة الاية 199. (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. (4) الموجود في الكافي ج 1 ص 306 هكذا (إلى صلاة العصر من آخر ايام التشريق وكذا في الوسائل. (5) ج 1 ص 523. (6) في باب التكبير ايام التشريق من افعال العمرة والحج.

[ 292 ]

وما رواه الشيخ في التهذيب عن غيلان (1) قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن التكبير في أيام الحج من أي يوم يبتدئ به وفى أي يوم يقطعه ؟ وهو بمنى وسائر الامصار سواء أو بمنى اكثر ؟ فقال التكبير بمنى يوم النحر عقيب صلاة الظهر إلى صلاة الغداة من يوم النفر فان أقام الظهر كبر وان أقام العصر كبر وان أقام المغرب لم يكبر، والتكبير بالامصار يوم عرفة صلاة الغداة إلى النفر الاول صلاة الظهر وهو وسط أيام التشريق). وهذه الرواية فيها من الاشكال مثل ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم من زيادة فريضتين. قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين في الجواب عن الخبرين المذكورين: يحتمل أن يكون المرادان من نفر في النفر الاول من غير أن يصلى الظهرين بمنى فاخيرتها الفجر، وان أقام إلى أن صلاهما فليكبر بعدهما ايضا ولا سيما إذا كان مراده البيتوتة الاخيرة. ويحتمل أن يكون هذا في النفر الاخير أي من لم ينفر في الاخير إلى صلاة الظهرين فليكبر بعدهما ايضا إما تقية لكونه مذهب جمع منهم واما لاستحبابه بالنسبة إلى هذا واقعا. انتهى. اقول: والظاهر هو الحمل على التقية كما أشار إليه (قدس سره) فانه لا وجه لهذه المخالفة مع اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الحكم المذكور سلفا وخلفا كما تقدمت الاشارة إليه المعتضد بالاخبار الكثيرة إلا التقية ويؤيده التتمة التى في رواية غيلان (والتكبير بالامصار يوم عرفة... إلى آخره) فانه موافق لمذهب جمع من العامة (2) ولهذا ان الشيخ (قدس سره) قال في الجواب عن هذا الخبر انه موافق للعامة ولسنا نعمل به. السادس قال تعض المحققين من مشايخنا من متأخرى المتأخرين: واعلم ان


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. (2) ارجع إلى التعليقة 1 ص 290.

[ 293 ]

ظاهر ما رواه الصدوق عن على (ع) (انه كان إذا صلى كل صلاة يبدأ بهذا التكبير) أي مقدما على سائر التعقيب (1) وكذا يظهر من ما مر من تكبير على (ع) في أول خطبته (2) وكذا من ما نقل من حكاية الرضا (ع) من انه حين ما خرج من بيته نادى بالتكبير وكلما مشى عشر خطوات وقف فنادى بالتكبير (3) وكذا يظهر من غيرهما ايضا عدم اختصاص هذا التكبير بتعقيب الصلاة بل الظاهر استحبابه في (؟ ذينك) الوقتين ايضا ولا سيما وقت الذهاب إلى المصلى. انتهى. ولا يخفى ما فيه فانه وان أمكن احتماله إلا ان ظواهر الاخبار تعطى ان التكبير الذى وقع الاختلاف في كيفية نصا وفتوى انما هو التكبير المخصوص باعقاب الصلوات، وقد تقدم ان من جملة احكامه انه متى نسيه حتى قام من مكانه فلا قضاء عليه، ولو كان التكبير المذكور انما هو الموقت كما زعمه (قدس سره) لما حسن نفى القضاء مع بقاء الوقت، ومثله نفى البأس عن من نسى وقد صلى وحده كما تقدم في صحيحة على بن جعفر (4) فانه لو كان الاستحباب لهذا الوقت لما حسن نفى البأس عن من نسيه دبر الصلاة إلى غير ذلك من المؤيدات لما ذكرناه كما لا يخفى على المتأمل. وجميع ما عده من المواضع المشتملة على تكبيرهم (عليهم السلام) فالظاهر انها وظائف أخر ومستحبات على حدة كما لا يخفى، خصوصا مع عدم انطباق التكبير في هذه المواضع التى ذكرها على شئ من الكيفيات الواردة في الاخبار المتضمنة لكيفية ذلك التكبير المخصوص وتفسيره مافى الاية الشريفة بهذه الكيفية الواردة عقيب الصلوات. والله العالم. ومنها - كراهة التنفل قبلها وبعدها إلى الزوال إلا بمسجد النبي صلى الله عليه وآله فانه يصلى فيه ركعتين قبل خروجه إلى المصلى. والاصل في ذلك الاخبار المتكاثرة وقد مر طرف منها، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (صلاة العيدين مع


(1) و (2) الفقيه ج 1 ص 328 (3) ص 268 (3) ص 289 (5) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.

[ 294 ]

الامام سنة وليس قبلها ولا بعدها صلاة ذلك اليوم إلى الزوال). وفى صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) (صلاة العيدين ركعتان بلا اذان ولا اقامة ليس قبلها ولا بعدهما شئ). وفى صحيحة حريز المروية في التهذيب عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (لا تقض وتر ليلتك ان كان فاتك حتى تصلى الزوال في يوم العيدين) وفى الفقيه رواها عن حريز عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) مثله (3). وروى الشيخ في التهذيب عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (صلاة العيدين مع الامام سنة وليس قبلها ولا بعدها صلاة ذلك اليوم إلى الزوال فان فاتك الوتر في ليلتك قضية بعد الزوال) ومطلق هذه الاخبار يحمل على مقيدها. وروى الشيخان ثقة الاسلام والصدوق (عطر الله مرقديهما) في الكافي والفقيه من محمد بن الفضل الهاشمي عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (ركعتان من السنة ليس تصليان في موضع إلا بالمدينة قال تصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في العيد قبل أن يخرج إلى المصلى ليس ذلك إلا بالمدينة لان رسول الله صلى الله عليه وآله فعله). وقد وقع الخلاف هنا في مواضع (أحدها) ان المشهور كما عرفت هو الكراهة ونقل في الذكرى عن ابن زهرة وابن حمزة انهما قالا لا يجوز التنفل قبلها ولا بعدها. وظاهرهما التحريم كما ترى. وقال أبو الصلاح لا يجوز التطوع ولا القضاء قبل صلاة العيد ولا بعدها حتى تزول الشمس. وظاهره كما ترى التحريم ايضا، وربما أشعر بتحريم قضاء الفريضة ايضا إلا ان يحمل على قضاء النافلة كما دل عليه الخبران المتقدمان.


(1) و (3) و (5) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد (2) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد، والسند مطابق للوافي باب آداب العيدين، وفي التهذيب ج 1 ص 214 والوسائل عن حريز عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام. (4) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.

[ 295 ]

وقال في المختلف بعد نقل العبارة المذكورة: وهذه عبارة ردية فانها توهم المنع من قضاء الفرائض إذ قضاء النوافل داخل تحت التطوع، فان قصد بالتطوع ابتداء النوافل وبالقضاء ما يختص بقضاء النوافل فهو حق في الكراهة، وان قصد المنع من قضاء في الفرائض فليس كذلك وتصير المسألة خلافية. ثم احتج على وجوب القضاء في الفرائض بعموم الامر بالقضاء وقوله (ع) (1) (من فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها) ثم قال فان احتج بما رواه زرارة في الحسن عن الباقر (ع) (2) (وليس قبلها ولا بعدها صلاة) اجبنا بان المراد بذلك النوافل جمعا بين الادلة وما أظنه يريد سوى ما قصدناه. انتهى. وهو جيد. ثانيها - قد عرفت استثناء الركعتين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله من الكراهة حيث انهما تستحبان فيه قبل الخروج، وهو المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ونقل في المختلف والذكرى عن الصدوق في المقنع والشيخ في الخلاف اطلاق الكراهة وعدم الاستثناء، ونقل فيالذكرى استنادهما إلى حسنة زرارة المتقدمة ورده بان اطلاق الرواية المذكورة محمول على الروايات المقيدة الدالة على استثناء الركعتين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله. وهو كذلك. وثالثها - انه نقل في المختلف والذكرى عن ابن الجنيد انه قال: ولا يستحب التنفل قبل الصلاة ولا بعدها للمصلى في موضع التعبد، فان كان الاجتياز بمكان شريف كمسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فلا أحب اخلاءه من ركعتين قبل الصلاة وبعدها، وقد روى عن ابى عبد الله (ع) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك في البدأة والرجعة في مسجده) انتهى. وانت خبير بان كلامه هذا يشعر بالمخالفة في مقامين (احدهما) - في الحاق


(1) هذا المضمون يستفاد مما ورد من الاحاديث في الوسائل في الباب 63 من مواقيت الصلاة و 1 من قضاء الصلوات. (2) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.

[ 296 ]

المسجد الحرام وكل مكان شريف بمسجد النبي صلى الله عليه وآله وقد عرفت ان الاستثناء نصا وفتوى مقصور على مسجد النبي صلى الله عليه وآله. و (ثانيهما) - استحباب الركعتين بعد الرجوع، والموجود في النص وعليه اتفقت كلمة الاصحاب انما هو قبل الخروج. ونقل عنه في المختلف انه احتج بمساواة المسجد الحرام لمسجد الرسول صلى الله عليه وآله في اكثر الاحكام فيساويه في هذا الحكم، والابتداء كالرجوع فيتساويان. ثم اجاب عنه بالمنع من التساوى في المقامين للحديث. وأشار بالحدث إلى ما قدمه من رواية محمد بن الفضل الهاشمي التى ذكرناها. اقول: الظاهر ان ما ذكره من مستند ابن الجنيد انما هو من كلامه كما هي قاعدته في الكتاب المذكور غالبا، والذى يقرب عندي ان مستنده بالنسبة إلى الالحاق انما هو شرف المكان كما يشير إليه قوله الاجتياز بمكان شريف) وفيه ان هذه العلة مستنبطة فالعمل بها قياس محض، وبالنسبة إلى استحباب الركعتين بعد انما هو الخبر الذى نقله عن ابى عبد الله (ع) من أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل في البدأة والرجعة في مسجده، وحينئذ فان ثبت الخبر المذكور فلا اعتراض عليه في ذلك ويبقى محل الايراد على كلامه بالنسبة إلى الاول. ورابعها - ما ذكره في الذكرى عن الفاضلين من جواز صلاة التحية إذا صليت في مسجد لعموم الامر بالتحية، ثم أجاب عنه بان الخصوص مقدم على العموم. أقول: التحقيق ان هنا عمومين قد تعارضا وهو صلاة التحية فان ظاهر النصوص استحبابها مطلقا في يوم العيد وغيره، وكراهية الصلاة يوم العيد قبل صلاة العيد وبعدها أعم من أن تصلى في مسجد أو غيره، فقول شيخنا المذكور ان الخصوص مقدم على العموم لا أعرف له وجها، فانه كما يحتمل العمل بعموم الامر بالتحية الشامل ليوم العيد وغيره وتقييد الكراهة في العيدين بما عدا صلاة التحية كما ذكره الفاضلان يمكن ايضا العمل بعموم ما دل على كراهية التنفل يوم العيد الشامل لصلاة التحية وغيرها وتخصيص عموم صلاة التحية بغير يوم العيد. وبالجملة تخصيص

[ 297 ]

أحد العامين بالاخر يحتاج إلى دليل من خارج وإلا فالاحتمال قائم من الطرفين كما عرفت. وخامسها - ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب ثواب الاعمال عن محمد بن ابراهيم عن عثمان بن محمد وابى يعقوب القزاز معا عن محمد بن يوسف عن محمد بن شعيب عن عاصم بن عبد الله عن اسماعيل بن ابى زياد عن سليمان التيمى عن ابى عثمان النهدي عن سلمان (رضى الله عنه) (1) قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من صلى اربع ركعات يوم الفطر بعد صلاة الامام يقرأ في أولاهن (سبح اسم ربك الاعلى) فكأنما قرأ جميع الكتب كل كتاب انزله الله تعالى، وفى الركعة الثانية (والشمس وضحاها) فله من الثواب ما طلعت عليه الشمس، وفى الثانية (والضحى) فله من الثواب كمن أشبع جميع المساكين ودهنهم ونظفهم، وفى الرابعة (قل هو الله احد) ثلاثين مرة غفر الله ذنوب خمسين سنة مستقبلة وخمسين سنة مستدبرة). وهذا الخبر كما ترى مخالف لما تكاثرت به الاخبار واجتمعت عليه كلمة جل الاصحاب (رضوان الله عليهم) من عدم الصلاة في هذا الوقت، ولهذا قال الصدوق (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد نقله ما صورته: اقول - وبالله التوفيق - ان هذا الثواب هو لمن كان امامه مخالفا لمذهبه فيصلى معه تقية ثم يصلى هذه الاربع ركعات للعيد ولا يعتد بما صلى خلف مخالفه، فاما من كان امامه يوم العيد اماما من الله تعالى عز وجل واجب الطاعة على العباد فصلى خلفه صلاة العيد لم يكن له ان يصلى بعد ذلك صلاة حتى ترول الشمس، وكذا من كان امامه موافقا لمذهبه وان لم يكن مفروض الطاعة وصلى معه العيد لم يكن له ان يصلى بعد ذلك صلاة حتى تزول الشمس. انتهى. وانت خبير بما فيه من البعد عن سياق الخبر المذكور سيما مع ما قدمناه من أن استحباب الاتيان بها مع اختلال الشرائط انما هو بالاتيان بركعتين كما تصلى في


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة العيد. وفيه (شبيب) بدل (شعيب).

[ 298 ]

الجماعة لا باربع كما دل عليه الخبر المذكور وان كان قد قيل بالاربع ايضا ودل عليه بعض الاخبار الضعيفة التى قدمنا ان الاظهر حملها على التقية، ولو صح سند الخبر المذكور لامكن تخصيص تلك الاخبار به إلا انه لضعفه وشذوذه وندوره لا يمكن التعلق به، ولا اعرف جوابا عنه إلا الارجاء فيه إلى قائله لو ثبت عنه صلى الله عليه وآله إلا ان الظاهر ان الخبر عامى ورجاله انما هم من العامة وحينئذ فلا حاجة إلى تكلف الجواب عنه. واما ما ذكره الصدوق من الجواب عنه فبعيد إلا ان مذهبه في القضاء مع اختلال الشروط هو الصلاة اربعا كما ذكره في الهداية، ومن أجل ذلك حمل الاربع المذكورة هنا على انها صلاة العيد المقضية بعد فوات شرطها. والله العالم. ومنها - كراهة نقل المنبر من المسجد بل يعمل له شبه المنبر من طين، ونقل عليه في الذكرى الاجماع. ويدل عليه ما رواه الصدوق عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قلت له أرأيت صلاة العيدين هل فيهما اذان واقامة ؟ قال ليس فيهما أذان ولا اقامة ولكن ينادى: الصلاة ثلاث مرات وليس فيهما منبر، المنبر لا يحرك من موضعه ولكن يصنع للامام شئ شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب الناس ثم ينزل). ومنها - كراهة الخروج بالسلاح، قال في الذكرى: لمنافاته الخضوع والاستكانة، ولو خاف عدوا لم يكره لما روى عن السكوني عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام) (2) انه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وآله ان يخرج السلاح في العيدين إلا أن يكون عدو ظاهر). ومنها - كراهة السفر بعد الفجر من يوم العيد، وتردد المحقق في الشرائع في


(1) الوسائل الباب 7 و 33 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 16 من صلاة العيد.

[ 299 ]

التحريم ثم قال الاشبه الجواز. قال في المدارك: منشأ التردد اصالة الجواز السالمة عن معارضة الاخلال بالواجب، وقوله (ع) في رواية ابى بصير (1) (إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت بالبلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد قال في الذكرى: ولما لم يثبت الوجوب حمل، النهى عن السفر على الكراهة. ويشكل بعدم المنافاة بين الامرين حتى يتوجه الحمل لكن الراوى وهو أبو بصير مشترك بين الثقة والضعيف فلا يصح التعليق بروايته والخروج بها عن مقتضى الاصل. انتهى ما ذكره في المدارك. اقول: لا إشكال في أن ظاهر النهى في الرواية المذكورة هو التحريم، وجواب صاحب الذكرى - بانه لما لم يدخل وقت الصلاة ولم يتحقق وجوبها والخطاب بها يحمل النهى على الكراهة - فيه ما ذكره السيد (قدس سره) من ان التحريم لا يتوقف على دخول وقتها إذ لا منافاة بين التحريم وبين عدم وجوبها إذ يجوز ان يكون التحريم لامر آخر. وجواب صاحب المدارك بضعف الرواية مردود بان الراوى عن ابى بصير هنا عاصم بن حميد، وقد تقرر في كلامهم انه متى كان الراوى عن ابى بصير عاصم بن حميد أو عبد الله بن مسكان فهو ليث المرادى الثقة الجليل القدر، والراوي هنا عنه عاصم بن حميد فتكون الرواية صحيحة، ولهذا ان صاحب الذخيرة وصفها بالصحة ولكن أجاب عنها بعدم انتهاض الدلالة على التحريم خصوصا إذا لم يكن القول بذلك مشهورا بين الاصحاب. ولا يخفى ما فيه إذ لا أعرف لهذا الجواب وجها إلا من حيث ما تكرر في كلامه - كما نبهنا عليه في غير مقام - من أن الاوامر والنواهي عنده في الاخبار لا تدل على الوجوب والتحريم إلا باعتبار اعتضادها بالشهرة بين الاصحاب. وقد أوضحنا ما فيه من الوهن والبطلان في غير مما تقدم.


(1) الوسائل الباب 27 من صلاة العيد.

[ 300 ]

وبالجملة فانه لا خلاف كما ذكره في التذكرة في الجواز السفر قبل الفجر، ولا خلاف ايضا بينهم في ما اعلم في التحريم بعد طلوع الشمس، والبحث هنا يجرى على حسب ما تقدم في تحريم السفر بعد الزوال يوم الجمعة على من وجبت عليه الجمعة وانما الاشكال في ما بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وقد عرفت الكلام في ذلك والاحتياط لا يخفى. الفصل الثالث في صلاة الايات والكلام فيها يقع في بيان سببها وكيفيتها واحكامها فههنا بحوث ثلاثة: الاول - في السبب وفيه مسائل (الاولى) اجمع علماؤنا (رضوان الله عليهم) على وجوب الصلاة بكسوف الشمس وخسوف القمر، حكاه الفاضلان في المعتبر والمنتهى، واضاف في التذكرة الزلزلة فادعى دخولها تحت الاجماع المذكور، ونقل المحدث الكاشانى في المفاتيح انه قيل باستحبابها في الزلزلة، ولم نقف على قائل بذلك بل صريح عبارة التزكرة كما ذكرنا دعوى الاجماع على وجوب الصلاة لها، وقريب منه عبارة المحقق في المعتبر حيث نسبه إلى الاصحاب، نعم ذكر في المختلف ان أبا الصلاح لم يتعرض لغير الكسوفين، وقال في الذكرى ان ابن الجنيد لم يصرح بالوجوب هنا ولكن ظاهر كلامه ذلك حيث قال: تلزم الصلاة عند كل مخوف سماوي وكذا ابن زهرة. ولعل المحدث المذكور بنى على ذلك. ومن الاخبار الدالة على وجوب هذه الصلاة ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة). وما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (ع) (2) قال


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف (2) الوسائل الباب 4 و 1 من صلاة الكسوف.

[ 301 ]

(وقت صلاة الكسوف في الساعة التى تنكسف... إلى ان قال: وقال أبو عبد الله (ع) هي فريضة). وروى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (1) قال: (وروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال صلاة الكسوف فريضة). (وروى الشيخ عن محمد بن حمران في حديث صلاة الكسوف (2) قال: (وقال أبو عبد الله (ع) هي فريضة) وباسناده عن ابى اسامة عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (صلاة الكسوف فريضة) وباسناده عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (صلاة الكسوف فريضة). وروى في الكافي عن على بن عبد الله (5) قال: (سمعت أبا الحسن موسى (ع) يقول انه لما قبض ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله جرت فيه ثلاث سنن، أما واحدة فانه لما مات انكسفت الشمس فقال الناس انكسف الشمس لفقد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: يا ايها الناس ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يجريان بامره مطيعان له لا ينكسفان لموت احد ولا لحياته فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف). وروى الصدوق عن سليمان الديلمى عن ابى عبد الله (ع) (6) قال: (إذا اراد الله ان يزلزل الارض أمر الملك ان يحرك عروقها فتحرك باهلها. قلت فإذا كان ذلك فما اصنع ؟ قال صل صلاة الكسوف) ونحو ذلك ما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى في صحيحة الرهط. واما غير هذه الاسباب الثلاثة المتقدمة فان المشهور هو الوجوب لجميع الاخاويف السماوية وبه قال الشيخ في الخلاف والمفيد والمرتضى وابن الجنيد وابن


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف. (6) الفقيه ج 1 ص 343 والعلل ص 186 وفي الوسائل الباب 2 و 13 من صلاة الكسوف.

[ 302 ]

ابى عقيل وابنا بابويه وسلار وابن البراج وابن ادريس وجمهور المتأخرين، ونقل الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة عليه. وقال الشيخ في النهاية: صلاة الكسوف والزلازل والرياح المخوفة والظلمة الشديدة فرض واجب لا يجوز تركها على حال. ونحوه قال في المبسوط. وقال في كتاب الجمل: صلاة الكسوف فريضة في أربعة مواضع: عند كسوف الشمس وخسوف القمر والزلازل والرياح السوداء المظلمة. ونحوه قال ابن حمزة. وقد تقدم النقل عن ابى الصلاح انه لم يتعرض لغير الكسوفين. وقال المحقق في الشرائع بعد ذكر كسوف الشمس وخسوف القمر والزلزلة: وهل تجب لما عدا ذلك من ريح مظلمة وغيرها من أخاويف السماء ؟ قيل نعم وهو المروى، وقيل لا بل تستحب، وقيل تجب للريح المخوفة والظلمة الشديدة حسب. انتهى. وقال في المعتبر بعد ذكر الكسوفين والزلزلة: وهل تصلى لاخاويف السماء كالظلمة الشديدة والصحيحة والرياح ؟ قال الشيخ في الخلاف نعم وبه قال علم الهدى وابن الجنيد والمفيد وسلار، واقتصر الشيخ على الرياح الشديدة والظلم الشديدة وقال في الذكرى بعد ذكر الكسوفين والاستدلال عليهما بالاجماع والاخبار: واما باقى الايات فلها صور تجب الصلاة ايضا للزلزلة نص عليه الاصحاب، وابن الجنيد لم يصرح به ولكن ظاهر كلامه ذلك حيث قال تلزم الصلاة عند كل مخوف سماوي وكذا ابن زهرة، وأما أبو الصلاح فلم يتعرض لغير الكسوفين، لنا فتوى الاصحاب وصحاح الاخبار كرواية عمر بن أذينة عن رهط ثم ساق الرواية كما ستأتي (1) ان شاء الله تعالى، إلى ان قال: (الثانية) - الرجفة وقد تضمنته الرواية وصرح به ابن ابى عقيل وهو ظاهر الاصحاب أجمعين (الثالثة) - الرياح المخوفة ومنهم من قال الرياح العظيمة، وقال المرتضى الرياح العواصف، اطلق المفيد الرياح


(1) في اول البحث الثاني في الكيفية.

[ 303 ]

(الرابعة) - الظلمة الشديدة ذكره الشيخ وابن البراج وابن ادريس. (الخامسة) الحمرة الشديدة ذكرها الشيخ في الخلاف. (السادسة) - باقى الايات المخوقة ذكره الشيخ والمرتضى في ظاهر كلامه، وصرح ابن ابى عقيل بجميع الايات وابن الجنيد على ما نقلناه عنه وابن البراج وابن ادريس وهو ظاهر المفيد، ودليل الوجوب في جميع ما قلناه - مع فتوى المعتبرين من الاصحاب - ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم... ثم ساق الرواية كما سنذكره ان شاء الله تعالى (1). اقول: ومن هذه العبارات التى نقلناها يظهر ان ما نقله في الشرائع من القول بالاستحباب في ما عدا الكسوفين والزلزلة - من الريح المظلمة والاخاويف السماوية أو تخصيص الوجوب بالريح المخوفة والظلمة الشديدة وان ما عداها يستحب الصلاة فيه - انما نشأ من حيث عدم عد هذه الاشياء في ما تجب له الصلاة كما وقع للشيخ في النهاية حيث اقتصر على عد الكسوفين والزلزلة والريح المخوفة والظلمة الشديدة، وهو الذى أشار إليه في عبارته في الشرائع بقوله: وقيل تجب للريح المخوفة والظلمة الشديدة حسب. يعنى زيادة على الكسوفين والزلزلة. واليه أشار في المعتبر بقوله: واقتصر الشيخ على الرياح الشديدة. وكما وقع لابي الصلاح من حيث الاقتصار على الكسوفين ولم يتعرض لغيرهما. وأنت خبير بان مجرد ذكر بعض الاسباب وعدم ذكر غيرها لا يستلزم القول بالانحصار لا سيما مع التصريح الذى وقع منه في الخلاف مقرونا بدعوى الاجماع كما عرفت، فانا لم نجد قولا صريحا بالاستحباب ولا مصرحا بالانحصار اللازم منه ذلك بل ولا مستندا لشئ مما هنالك، فالقول بالاستحباب في تلك المواضع بمجرد ذلك لا يخلو من مسامحة. ومما ذكرنا يظهر أن ما ذكره المحدث الكاشانى في المفاتيح - تبعا لظاهر عبارة الشرائع مما يوهم الناظر وجود القول بالاستحباب صريحا - مما لا ينبغى.


(1) ص 304.

[ 304 ]

وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (1) قالا: (قلنا لابي جعفر (ع) أرأيت هذه الرياح والظلم التى هل يصلى لها ؟ فقال كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن) وما رواه في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله (2) (انه سأل الصادق (ع) عن الريح والظلمة تكون في السماء والكسوف ؟ فقال الصادق (ع) صلاتهما سواء). وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عمر بن اذينة عن رهط عن كليهما (عليهما السلام) ومنهم من رواه عن أحدهما (عليهما السلام) (3) (ان صلاة كسوف الشمس والقمر والرجفة والزلزلة عشر ركعات.. الخبر) كما سيأتي ان شاء الله تعالى تمامه قريبا (4) إلى أن قال في آخر الخبر: والرهط الذين رووه الفضيل وزرارة وبريد ومحمد بن مسلم. وعن محمد بن مسلم وبريد بن معوية في الصحيح عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (5) قالا: (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الايات فصلها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة). وفى كتاب الفقه الرضوي (6) (وإذا هبت ريح صفراء أو سوداء أو حمراء فصل لها صلاة الكسوف، وكذلك إذا زلزلت الارض فصل صلاة الكسوف). وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) قال: (يصلى في الرجفة والزلزلة والريح العظيمة والاية تحدث وما كان


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف (3) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف (4) في اول البحث الثاني في الكيفية. (5) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف (6) ص 12. (7) مستدرك الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.

[ 305 ]

مثل ذلك كما يصلى في صلاة كسوف الشمس والقمر سواء). وقال في الذخيرة: والامر وان لم يكن واضح الدلالة على الوجوب في اخبارنا إلا ان عمل الاصحاب وفهمهم مما يعيننا على الحكم به. اقول: قد عرفت في غير موضع مما تقدم ما في مثل هذا الكلام الواهي الذى هو لبيت العنكبوت - وانه لاوهن البيوت - مضاهى، فانه مؤذن بان اعتماده في الاحكام الشرعية إنما هو على تقليد الاصحاب حيث ان الادلة قاصرة عنده عن اثبات الاحكام في جميع الابواب، وحينئذ فلا معنى لمناقشاته لهم في جملة من المواضع ورده عليهم كما لا يخفى على من راجع الكتاب. والظاهر ان المراد بالاخاويف يعنى ما يحصل منه الخوف لعامة الناس، قال في المدارك: ولو كسف بعض الكواكب أو كسف بعض الكواكب لاحد النيرين كما يقال ان الزهرة رؤيت في جرم الشمس كاسفة لها فقد استقرب العلامة في التذكرة والشهيد في البيان عدم وجوب الصلاة بذلك، لان الموجب لها الاية المخوفة لعامة الناس واغلبهم لا يشعرون بذلك، واحتمل في الذكرى الوجوب لانها من الاخاويف والاجود إناطة الوجوب بما يحصل منه الخوف كما تضمنته الرواية. انتهى. وهو جيد، وأشار بالرواية إلى صحية زرارة ومحمد بن مسلم (1). المسألة الثانية - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن أول وقت هذه الصلاة في الكسوفين هو ابتداؤه بل قال المنتهى انه قول علماء الاسلام. ومستنده من الاخبار قول الصادق (ع) في صحيحة جميل المتقدمة (2) (وقت صلاة الكسوف في الساعة التى تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها.. الحديث كما تقدم). ويدل عليه جملة من الاخبار الدالة على تعليق الوجوب على حصول الانكساف


(1) ص 304. (2) ص 300 و 301.

[ 306 ]

مثل قولهما (عليهما السلام) في صحيحة محمد بن مسلم وبريد (1) (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الايات فصلها). وقول ابى عبد الله (ع) في صحيحة ابى بصير (2) (إذا انكسف القمر والشمس فافزعوا إلى مساجدكم). وقوله (ع) في رواية ابن ابى يعفور (3) (إذا انكسفت الشمس والقمر فانكسف كلها فانه ينبغى للناس أن يفزعوا إلى امام يصلى بهم) ونحوها غيرها. وانما الخلاف في آخره والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) الاخذ في الانجلاء واليه ذهب الشيخان وابن حمزة وابن ادريس والمحقق في النافع والعلامة في جملة من كتبه. وذهب المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى إلى ان آخره تمام الانجلاء واختاره الشهيد والسيد في المدارك ونقل ايضا عن ظاهر المرتضى وابن ابى عقيل وسلار وهو الظاهر من الاخبار فانه وان لم يرد التصريح فيها بالتحديد أولا وآخرا إلا ان مقتضى ما قدمنا ذكره من تعليق الوجوب في الاخبار على وجود الكسوف انه ممتد بامتداده وثابت بثبوته. ودعوى كونه يفوت الوجوب بمجرد الاخذ في الانجلاء تخصيص للاخبار المذكورة من غير مخصص فيستمر إلى تمام الانجلاء. ويعضده ما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (4) قال قال: (ان صليت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فان ذلك أفضل وان (؟ اجبت) أن تصلى فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز). والتقريب فيه انه دل على التخيير بين أن يطول في صلاته بقدر مدة الكسوف ويفرغ بانجلائه كملا وهو أفضل وبين ان يفرغ قبل الانجلاء، وقضية جعل الغاية


(1) ص 304. (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الكسوف. (3) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف (4) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف.

[ 307 ]

الذهاب الذى هو عبارة عن الانجلاء التام هو كون ما قبله وقتا للصلاة الذى من جملته الاخذ في الانجلاء وما بعده إلى ان ينجلى بتمامه. ويزيده تأييدا ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: (قال أبو عبد الله (ع) صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلى فاعد) ولو خرج الوقت بالاخذ في الانجلاء كما ادعوه لما استحبت الاعادة كما هو المشهور كما انها لا تستحب بعد تمام الانجلاء أو وجبت كما هو القول الاخر، وهو في غاية الوضوح والظهور. ولم اقف للقول الاخر على دليل غير مجرد الشهرة، وجملة من المتأخرين تكلفوا له الاستدلال بما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (ذكروا عنده انكساف الشمس وما يلقى الناس من شدته فقال إذا انجلى منه شئ فقد انجلى). قال في المعتبر: فان احتج الشيخ بما رواه حماد... ثم ساق الرواية المذكورة إلى أن قال: فلا حجة في ذلك لاحتمال ان يكون اراد تساوى الحالين في زوال الشدة لا بيان الوقت. انتهى. قالوا: وتظهر الفائدة في نية القضاء أو الاداء لو شرع في الانجلاء، وكذا في ضرب زمان التكليف الذى يسع الصلاة وفى ادراك ركعة.


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف. (2) الوسائل الباب 4 من صلاة الكسوف. والرواية في التهذيب ج 3 ص 291 الطبع الحديث هكذا (ذكرنا انكساف القمر وما يلقى الناس من شدته قال فقال أبو عبد الله عليه السلام إذا انجلى منه شئ فقد انجلى) وفي الفقيه ج 1 ص 347 هكذا (ذكروا عنده انكساف القمر وما يلقى الناس من شدته فقال عليه السلام إذا انجلى منه شئ فقد انجلى) راجع الوافي ايضا باب فرض صلاة الكسوف.

[ 308 ]

فرع قالوا: لو غابت الشمس أو القمر بعد الكسوف وقبل الانجلاء وجبت الصلاة اداء إلى أن يتحقق الانجلاء، وكذا لو سترها غيم أو طلعت الشمس على القمر، صرح بذلك جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وهو كذلك عملا باطلاق الامر وعدم العلم بانقضاء الوقت المقتضى لفوات الاداء. وعلله في الذكرى بالعمل بالاستصحاب، والظاهر ان مرجعه إلى ما ذكرنا من استصحاب عموم الدليل إلى أن يقوم الرافع. وقال في الذكرى: ولو اتفق اخبار رصديين عدلين بمدة المكث أمكن العود اليهما، ولو اخبرا بالكسوف في وقت مترقب فالاقرب انهما ومن اخبراه بمثابة العالم، وكذا لو اتفق العلم بخبر الواحد للقرائن. وقال في المدارك بعد نقله عنه: ولا ريب في الوجوب حيث يحصل العلم للسامع أو يستند اخبار العدلين إليه. المسألة الثالثة - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو لم يتسع وقت الكسوف للصلاة ولو اخف صلاة لم تجب الصلاة لاستحالة التكليف بعبادة موقتة في وقت لا يسعها. كذا قال في المدارك وتبعه غيره في ذلك. ومقتضى ذلك ان المكلف لو اتفق شروعه في الصلاة في ابتداء الوقت فتبين ضيقه عنها وجب القطع لانكشاف عدم الوجوب. وعندي في كل من الحكمين اشكال، أما الاول ففيه (أولا) ان ما ذكروه من القاعدة التى بنوا عليها في هذا الموضع وغيره مما لم يقم عليه دليل شرعى وان كانت هذه القاعدة عندهم من الادلة العقلية التى يوجبون تقديمها على الادلة السمعية إلا ان الامر عندنا بالعكس، وبالجملة فالاعتماد على هذه القواعد الاصولية سيما مع معارضة الاخبار لها كما سيظهر لك في هذا المقام مما لا معول عليه عندنا. و (ثانيا) - انه ان تم ما ذكروه فانه انما يتم في التكليف بالموقت، وكون ما ذكروه غير الزلزلة لا سيما ما سوى الكسوفين من قبيل الوقت لتلك الصلاة ممنوع، لاحتمال

[ 309 ]

كون ما سوى الكسوفين بل هما ايضا من قبيل السبب كالزلزلة عندهم فتكون الصلاة حينئذ واجبة وان قصر الوقت. وبالجملة فالظاهر هو الرجوع إلى ما يستفاد من الاخبار الواردة في المقام من هذا المكان وغيره من الاحكام، ولعل ظاهر الاخبار حيث وردت بوجوب الصلاة بالكسوف على الاطلاق من غير تقييد بقصر المدة وطولها مشعر بكون الكسوف سببا للايجاب لا وقتا، وغيره بالطريق الاولى لا سيما مع اشتراكها معه في اطلاق اخبارها ايضا. ومن تأمل في مضامين الاخبار التى قدمناها لا يخفى عليه قوة ما ذكرناه، مثل قوله (ع) في صحيحة محمد بن مسلم وبريد (1) (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الايات فصلها.. الحديث) ونحوها غيرها مما علق فيه وجوب الصلاة على مجرد حصول تلك الاية من غير تقييد فيها بقصر ولا طول. والى ما اخترناه من عدم التوقيت في سائر الايات غير الكسوفين مال الشهيد. في الدروس بل جزم به واختاره العلامة في جملة من كتبه نظرا إلى اطلاق الامر. وتزدد المحقق في المعتبر هنا والظاهر ان وجهه ما ذكر من القاعدة المذكورة ومن اطلاق الاخبار المذكورة في المقام. ويميل إلى ما اخترناه كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال: والظاهر ان الادلة غير دالة على التوقيت بل ظاهرها سببية الكسوف لايجاب الصلاة. انتهى وأما ما ربما يدل على التوقيت واليه استند القائل بذلك - من قوله (ع) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة (2) (: كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن) بناء على ان (حتى) هنا إما أن تكون لانتهاء الغاية أو للتعليل، وعلى الاول يثبت التوقيت صريحا وعلى الثاني يلزم التوقيت ايضا لاستلزام انتفاء العلة انتفاء المعلول -


(1) و (2) ص 304.

[ 310 ]

فيمكن الجواب عنه محل النزاع هو التوقيت الذى يقتضى السقوط بقصر الوقت لا ما يقتضى لزوم الاطالة إذا طال والفرق بين الامرين ظاهر للناظر المنصف. وبذلك يظهر ما في كلامه في المدارك حيث قال - بعد ذكر الخلاف في الرياح والاخاويف وانه هل يترتب وجوبها على سعة الاية للصلاة أم لا، ونقل القول بالثاني عن الشهيد في الدروس والعلامة في جملة من كتبه كما قدمنا ذكره - ما لفظه: والاصح الاول لقوله (ع): (كل اخاويف السماء...) إلى آخر ما قدمناه من الرواية وبيان وجه الدلالة، وقد عرفت ما فيه. وبالجملة فان ما ذكرناه من اطلاق الاوامر بذلك ظاهر لا ينكر وبه يتم الاستدلال على الوجه الاظهر. والرواية المذكورة قاصرة عن افادة الدلالة على ما ادعوه لما بيناه في معناها. والله العالم. واما الثاني فانه لا يخفى انه قد روى زرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (ع) في حديث يأتي بكماله ان شاء الله تعالى في المقام الاتى (1) قال: (فان انجلى قبل أن تفرغ من صلاتك فاتم ما بقى) وهذا كما ترى ظاهر في رد ما ذكروه من هذا التفريع، وبذلك صرح العلامة في المنتهى ايضا حسبما دلت عليه الصحيحة المذكورة. ويعضده ايضا قول الرضا (ع) في كتاب الفقه الرضوي (2) (وان انجلى وأنت في الصلاة فخفف). وعلى هذا فيمكن الفرق بين ما إذا تبين ضيق الوقت قبل الشروع في الصلاة وبين ما إذا دخل بانيا على اتساعه وتبين الضيق في الاثناء ويخص كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) بالاول بل الظاهر انه هو مرادهم، وحينئذ فلا منافاة في الصحيحة المذكورة لما صرحوا به لان موردها تبين ذلك في الاثناء. وبالجملة فانه


(1) البحث الثاني في الكيفية وفي الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف (2) ص 12.

[ 311 ]

يفرق بين الابتداء والاستدامة فسعة الوقت انما تكون شرطا في الابتداء لا في الاستدامة، وقد مر نظائره في فصل صلاة الجمعة. وبما ذكرنا يظهر عدم صحة هذا التفريع الذى ذكره السيد السند وان تبعه فيه غيره كما هي عادتهم غالبا. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قال في المعتبر: الخامس - لو ضاق وقت الكسوف عن ادرك ركعة لم تجب، وفى وجوبها مع قصور الوقت عن اخف صلاة تردد. ونحوه في المنتهى حيث قال: الخامس تضيق وقت الكسوف حتى لا يدرك ركعة لم تجب، ولو ادركها فالوجه الوجوب لان ادراك الركعة بمنزلة ادراك الصلاة. ثم قال: السادس - لو قصر الوقت عن أقل صلاة يمكن لم تجب على اشكال. اقول: لا يخفى ان ما ذكراه (عطر الله مرقديهما) من التردد كما في عبارة المعتبر والاشكال كما في عبارة المنتهى فان الظاهر ان وجهه هو ما أشرنا إليه آنفا من أن هذه الايات من كسوف وغيره هل هي من قبيل الاوقات فيعتبر فيها ما يعتبر في الوقت من سعة لايقاع الفريضة أم من قبيل الا سباب فيكفى وجوده في الجملة ؟ وقد عرفت ان مقتضى القاعدة المتقدمة بناء على الاول عدم الوجوب ومقتضى اطلاق الاخبار بناء على الثاني الوجوب، فلحصول التعارض بين القاعدة المذكورة واطلاق الاخبار حصل التردد والاشكال. إلا ان قولهما بوجوبها بادراك ركعة وعدمه مع عدم ادراكها انما يتجه على القول بالتوقيت وصريح كلامهما في المقام التردد والتوقف في ذلك كما أوضحناه، والجمع بين هذين الكلامين لا يخلو من غفلة. على ان ما ذكراه من التعليق على ادراك ركعة استنادا إلى ما اشتهر بينهم من قوله صلى الله عليه وآله (من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت) مع الاغماض عن المناقشة في صحة وثبوته كما تقدم الكلام فيه (1) انما ينصرف إلى الصلاة اليومية كما هو مورد الخبر المذكور، وانسحابه إلى غيرها لا يخلو من الاشكال. والله العالم.


(1) ص 14 و 142.

[ 312 ]

المسألة الرابعة - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان وقت الزلزلة مدة العمر وانه يصليها اداء وان سكنت وهو قول المعظم منهم، وحكى الشهيد في البيان قولا بانها تصلى بعد سكونها بينة القضاء. وللاول اطلاق الامر الخالى من التقييد الدال على ان مجرد حصولها سبب لوجوب الفعل من غير أن يكون موقتا بزمانها. وبذلك يظهر ما في شك العلامة في ذلك على ما نقله عنه في الذكرى حيث قال: وشك فيه الفاضل لمنافاته للقواعد الاصولية من امتناع التكليف بفعل في زمان لا يسعه. فان هذا الشك انما يتجه لو قلنا بان الزلزلة وقت للصلاة واما على تقدير جعلها سببا كما هو الظاهر من كلامهم فلا وجه له. قال في المدارك: وألحق العلامة في التذكرة بالزلزلة الصحيحة ثم قال: وبالجملة كل آية يقصر وقتها عن العبادة يكون وقتها دائما اما ما ينقص عن فعلها وقتا دون وقت فان وقتها مدة الفعل فان قصر لم تصل. ثم أورد عليه بانه يشكل بانه لا يلزم من عدم قصور زمان الاية عن مقدار الصلاة كونها موقتة بل الحق ان التوقيت انما يثبت إذا ورد التصريح بتحديد زمان الفعل وبدونه يكون وقته العمر. انتهى. وهو جيد. وبه يظهر ان كلماتهم في هذه المسألة لا تخلو من نوع غفلة أو تساهل، منه ما قدمنا نقله عنهم من قولهم ان وقت الزلزلة العمر ويصليها اداء وان سكنت، فان مقتضى كون وقتها العمر ان الزلزلة انما هي من قبيل الاسباب فمتى حصلت طالت أو قصرت وجب الاتيان بها واشتغلت الذمة بها إلى ان يأتي بها لا تقدير لها بوقت ولا تحديد لها بحد، ومقتضى قولهم يصليها اداء وان سكنت انها من قبيل الاوقات لان الاداء والقضاء انما يطلقان في مقام التوقيت فمتى اتى بالفريضة في الوقت سمى اداء وفى خارجه قضاء فصدر العبارة وعجزها لا يخلو من مدافعة. وأجاب المحقق الشيخ على (قدس سره) عن ذلك في بعض حواشيه بما يحقق

[ 313 ]

ما ذكرناه من المقال بل يزيد في الاشكال، فقال: وانما كانت هذه الصلاة اداء لان الاجماع واقع على كون هذه الصلاة موقتة والتوقيت يوجب نية الاداء، ولما كان وقتها لا يسعها وامتنع فعلها فيه وجب المصير إلى كون ما بعده صالحا لا يقاعها فيه حذرا من التكليف بالمحال وبقى حكم الاداء مستصحبا لانتفاء الناقل عنه، وروعي فيها الفورية من حيث ان فعلها خارج وقت السبب انما كان بحسب الضرورة فاقتصر في التأخير على قدرها. وفى ذلك جمع بين القواعد المتضادة وهى توقيت هذه الصلاة مع قصر وقتها واعتبار سعة الوقت لفعل العبادة. انتهى. وليت شعرى باى دليل ثبت التوقيت في هذه الصلاة وأى خبر دل عليه ؟ بل اطلاق الاخبار كما عرفت على خلافه، فانه مؤذن بالسببية وان الزلزلة من قبيل الاسباب لهذه الصلاة كما عرفت مما قدمناه، واعجب من ذلك دعواه الاجماع على التوقيت مع اتفاقهم على انها تمتد بامتداد العمر. والاعتذار بما ذكره من هذا الكلام المنحل الزمام لا يسمن ولا يغنى من جوع، فان ظاهره ان الغرض من ارتكاب هذا التكلف هو الجمع بين القواعد المتضادة، وقد عرفت انه لا مستند لهذه القواعد إلا مجرد اصطلاحهم على ذلك في الاصول التى بنوا عليها ودونوها، فان ما ذكره من قاعدة توقيت هذه الصلاة مع قصر وقتها لا دليل عليه بل الدليل واضح في خلافه كما أشرنا إليه آنفا، إذ ظاهر اطلاق الاخبار انما هو السببية دون التوقيت. وما ذكره من قاعدة اعتبار سعة الوقت بناء على ما ذكروه من امتناع التكليف في زمان لا يسعه فقد عرفت ايضا انه لا دليل عليه. ونظير هذه القاعدة مسألة من استطاع الحج ثم بادر في عام الاستطاعة ومات في الطريق، فان المشهور بينهم سقوط القضاء لعدم استقرار الحج في ذمته وظهور كون هذا الزمان الذى بادر فيه إلى ان مات لا يسع الحج ولا يصح وقوع التكليف فيه لذلك، فهو راجع إلى هذه المسألة، مع ان ظواهر الاخبار - وبه قال الشيخان

[ 314 ]

وغيرهما - هو وجوب القضاء، وهم انما منعوا القضاء استنادا إلى هذه القاعدة العقلية مع ان النصوص على خلافها واضحة جلية، وهو مؤيد لما ذكرناه من عدم جواز الاعتماد على هذه القواعد الاصولية وانما المدار على النصوص المعصومية والسنة النبوة وان كان المشهور بينهم تقديم الادلة العقلية على الادلة السمعية كما نقلناه في مقدمات الكتاب، والله الهادى إلى جادة الصواب. وقال الشهيد في الذكرى: وحكم الاصحاب بان الزلزلة تصلى اداء طول العمر لا بمعنى التوسعة فا الظاهر كون الامر هنا على الفور بل على معنى نية الاداء وان أخل بالفورية لعذر أو غيره. انتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وما ذكره احوط وان امكن المناقشة فيه بانتفاء ما يدل على الفورية هنا على الخصوص، والامر المطلق لا يقتضى الفورية كما بيناه مرارا. انتهى. اقول: والتحقيق ان النزاع في كونها تصلى بينة الاداء أو القضاء لا ثمرة فيه لعدم قيام دليل على ذلك كما سلف مرار في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة وغيره، وأما الفورية فالامر فيها على ما ذكره السيد السند (قدس سره) والله العالم. المسألة الخامسة - لو لم يعلم بالاية المخوفة إلا بعد انقضائها لم يجب القضاء إلا في الكسوف إذا احترق القرص كله، وأما مع العلم فان ترك عامدا أو ناسيا وجب القضاء فههنا مقامات ثلاثة: المقام الاول - ان لا يعلم بتلك الاية المخوفة التى هي غير الكسوف إلا بعد انقضائها وخروج وقتها، والظاهر انه لا خلاف في سقوط القضاء. قال في المدارك بعد ذكر الحكم المذكور: وهذا مذهب الاصحاب لا أعلم فيه مخالفا، ثم قال ويدل عليه ما اسفلناه مرارا من ان القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدليل وبدونه يكون منفيا بالاصل، وتشهد له الروايات المتضمنة لسقوط

[ 315 ]

القضاء في الكسوف إذا لم يستوعب الاحتراق (1) مع انه أقوى للاجماع على انه موجب للصلاة واستفاضة النصوص به. انتهى. اقول: ما ذكره من الدليل الاول جيد، واما الاستشهاد بالروايات التى ذكرها بالتقريب المذكور فلا يخفى ما فيه كما قدمناه في غير مقام من ان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات عليل. واحتمل شيخنا الشهيد الثاني في الروض وجوب القضاء هنا لوجود السبب وعموم قوله (ع) (2) (من فاتته فريضة...) قال في المدارك: وهو ضعيف لان السبب انما وجد في الاداء خاصة وقد سقط بفوات محله، والفريضة لا عموم فيها بحيث يتناول موضع النزاع بل المتبادر منها اليومية اقول: قد عرفت مما قدمنا تحقيقه ان الظاهر من اطلاق الاخبار بالنسبة إلى جملة الايات حتى الكسوفين انما هو السببية دون التوقيت وان كلامهم هنا والتعبير بالاداء والقضاء مشعر بالتوقيت، فمن المتحمل قريبا ان يكون مراد شيخنا الشهيد الثاني بالقضاء هنا مجرد الفعل وان هذه الايات من قبيل الاسباب لا الاوقات كما يشير إليه قوله (لوجود السبب) وحاصل كلامه انه متى وجد السبب ثبت الفعل لعين ما ذكروه في الزلزلة. وبالجملة فانه على تقدير القول بانها أسباب كما هو ظاهر اطلاق الاخبار فانه تجب الصلاة مطلقا من غير تقييد بوقت لوجود السبب، إلا ان دليله الثاني ربما نافر ما قلناه. وكيف كان فما ذكرناه جيد بالنظر إلى الاخبار واما بالنظر إلى كلامهم وهو الذى بنى الايراد عليه في المدارك فالامر فيه كما ذكره. وأما منع العموم في الفريضة ودعوى تبادر اليومية فلا يخلو من الاشكال. وقال في المدارك في شرح قول المصنف وفى غير الكسوف لا يجب القضاء:


(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف. (2) هذا مضمون ما دل على وجوب القضاء وقد ورد في الوسائل في الباب 1 و 2 و 6 من قضاء الصلوات.

[ 316 ]

واعلم انه ليس في العبارة دلالة على حكم صلاة الزلزلة إذا لم يعلم المكلف بحصولها حتى انقضت، وقد صرح العلامة في التذكرة بسقوطها فقال: أما جاهل غير الكسوف مثل الزلزلة والرياح والظلمة الشديدة فالوجه سقوطها عنه عملا بالاصل السالم من المعارض. وهو غير بعيد وان كان الاتيان بالصلاة هنا أحوط. انتهى. اقول: ما ذكره - من انه ليس في العبارة دلالة على حكم صلاة الزلزلة - فيه ان اطلاق العبارة وقوله (غير الكسوف) شامل للزلزلة كغيرها، والعبارة ظاهرة بالنظر إلى ما قلناه في سقوط القضاء مع الجهل بالزلزلة، ولا فرق بين هذه العبارة وما نقله عن العلامة في التذكرة إلا باعتبار الاتيان بالامثلة لهذا الاطلاق في عبارة العلامة وعدم الاتيان بها في هذه العبارة، بل عبارة العلامة وتمثيله بهذه الاشياء قرينة ظاهرة في العموم كما ادعيناه، إذ لو لم تكن العبارة بمقتضى اطلاقها عامة لما صح التمثيل. وفى الذخيرة اعتراض كلام التذكرة هنا فقال: وفيه نظر لان المعارض موجود وهو عموم ما دل على وجوب الصلاد للزلزلة من غير توقيت ولا تقييد بالعلم المقارن لحصولها، ولهذا قال في النهاية: ويحتمل في الزلزلة قويا الاتيان بها لان وقتها العمر. انتهى كلامه. اقول: فيه ان ما ذكره من هذه المعارضة في الزلزلة جار ايضا في غيرها، فان أدلة الايات والاخبار الواردة بها كذلك مطلقة غير مقيدة بوقت ولا بالعلم المقارن لحصولها مثل قولهما (عليهما السلام) في صحيحة محمد بن مسلم وبريد (1) (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الايات فصلها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة) وما تقدم من عبارة كتاب الفقه الرضوي وغيرها مما هو مطلق كما ذكرناه، فالواجب عليه حينئذ القول بوجوب القضاء في جميع الايات بالتقريب الذى ذكره. وبالجملة فان كلماتهم في هذه المقامات لا تخلو من التشويق والاضطراب


(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف.

[ 317 ]

والتحقيق كما عرفته انه ان قلنا بالتوقيت وان هذه الايات من قبيل الاوقات اتجه ما ذكروه هنا من سقوط القضاء مطلقا في الزلزلة وغيرها، إلا أن تستثنى الزلزلة من ذلك بناء على ظاهر اتفاقهم على الخروج من قاعدة التوقيت فيها كما عرفت، وان قلنا فيها بالسببية كما هو ظاهر اطلاق الاخبار فالواجب هو الصلاة متى حصلت الاية ولفظ الاداء والقضاء في كلامهم هنا لا معنى له بناء على ذلك، لكن توجه الخطاب إلى الجاهل بعد العلم لا يخلو من اشكال. والله العالم. المقام الثاني - ان لا يعلم بالكسوف حتى خرج الوقت وزال السبب، والحكم فيه انه ان لم يستوعب الاحتراق فالحكم فيه كما تقدم من عدم القضاء وان احترق القرص كله وجب القضاء قال في المدارك: هذا قول معظم الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل قال في التذكرة انه مذهب الاصحاب عدا المفيد (قدس سره) انتهى. اقول: تخصيص الخلاف بالشيخ المفيد مؤذن بعدم المخالف سواه والحال ان الخلاف في ذلك منقول عن جمع من مشاهير المتقدمين: منهم - الشيخ على ابن بابويه في الرسالة وابنه في المقنع والسيد المرتضى في الجمل واجوبة المسائل المصرية وابو الصلاح. قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة: إذا احترق القرص كله ولم تكن علمت به حتى أصبحت صليت صلاة الكسوف جماعة، وان احترق بعضه ولم تعلم به حتى أصبحت صليت القضاء فرادى. قال في المدارك: ولم نقف لهذا التفصيل على مستند. انتهى. وقال الشيخ على بن بابويه (نور الله ضريحه) على ما نقله عنه في الذكرى بعد نقل كلام الشيخ المفيد المذكور: إذا انكسفت الشمس أو القمر ولم تعلم فعليك ان تصليها إذا علمت به، وان تركتها متعمدا حتى تصبح فاغتسل وصلها، وان لم يحترق كله فاقضها ولا تغتسل. ثم قال في الذكرى: وكذا قال ابنه في المقنع. ثم قال

[ 318 ]

(قدس سره) وظاهر هؤلاء وجوب القضاء على الجاهل وان لم يحترق جميع القرص ولعله لرواية لم نقف عليها. ومثل ذلك نقل في المختلف عن المرتضى وابى الصلاح وتحقيق الكلام هنا يقع في موضعين: الاول - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) عدم وجوب القضاء على الجاهل بالكسوف إلا مع الاحتراق فانه يجب، وذهب هؤلاء الفضلاء إلى القضاء مع عدم احتراق القرص كله، وقد اعتراضهم جملة ممن تأخر عنهم بعدم الوقوف على دليله بل دلالة الاخبار على خلافه وفيه ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من الدليل على القول المذكور. والذى يدل على ما هو المشهور من وجوب القضاء مع الاحتراق كملا وعدمه مع عدمه ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (إذا انكسفت الشمس كلها واحترقت ولم تعلم وعلمت بعد ذلك فعليك القضاء وان لم يحترق كلها فليس عليك قضاء). قال في الكافي (2) بعد نقل هذه الرواية: وفى رواية اخرى (إذا علم بالكسوف ونسى ان يصلى فعليه القضاء وان لم يعلم به فلا قضاء عليه هذا إذا لم يحترق كله). وما رواه ابن بابويه عن محمد بن مسلم والفضيل بن يسار في الصحيح (3) (انهما قالا قلنا لابي جعفر (ع) أيقضى صلاة الكسوف من إذا أصبح فعلم وإذا امسى فعلم ؟ قال ان كان القرصان احترقا كلهما قضيت وان كان انما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه). وما رواه الشيخ عن حريز (4) قال: (قال أبو عبد الله (ع) إذا انكسف القمر ولم تعلم به حتى أصبحت ثم بلغك فان كان احترق كله فعليك القضاء وان لم يكن احترق كله فلا قضاء عليك. واما ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (5) - قال (انكسفت الشمس وانا في الحمام فعلمت بعد ما خرجت فلم اقض).


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.

[ 319 ]

وعن الحلبي (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الكسوف تقضى إذا فاتتنا ؟ قال ليس فيها قضاء، وقد كان في ايدينا انها تقضى). وعن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) في الصحيح (2) قال: (سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء ؟ قال إذا فاتتك فليس عليك قضاء). ورواها على بن جعفر في كتاب المسائل والحميري في قرب الاسناد عنه عن اخيه (ع) (3) وابن ادريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطى عن الرضا (ع) (4). وما رواه الشيخ عن حريز عن من اخبره عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل ان يصلى فليغتسل من غد وليقض الصلاة وان لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل) - فهى محمولة على ما تقدم من التفصيل في الروايات المتقدمة، فاما الثلاث الاول فهى محمولة على عدم استيعاب الاحتراق القرص والرابعة على الاستيعاب. واما ما يدل على القول الاخر فهو ما وقفت عليه في كتاب الفقه الرضوي ولا يخفى ان عبارة الشيخ على بن بابويه التى ذكرها في الذكرى كما قدمنا ذكره ومثله العلامة في المختلف عين عبارة الفقه الرضوي، وبه يظهر ان دليله في المسألة انما هو الكتاب المذكور على ما عرفت سابقا في غير مقام وستعرف امثاله ان شاء الله تعالى في جملة من الاحكام. إلا ان كلامه (ع) في الكتاب في هذا المقام غير خال من الاشكال، وذلك فانه (ع) صرح قبل هذه العبارة بيسير بما يدل على عدم القضاء في الصورة المذكورة وهذه العبارة التى نقلوها عن الشيخ على بن بابويه قبلها كلام يمكن ارتباطها به وبه تنتفى دلالتها على ما ذكروه. وها أنا اسوق لك عبارة الكتاب المتعلقة بالمقام قال (ع) (6): وان علمت


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف. (6) ص 12.

[ 320 ]

بالكسوف فلم يتيسر لك الصلاة فاقض متى شئت، وان انت لم تعلم بالكسوف في وقته ثم علمت بعد ذلك فلا شئ عليك ولا قضاء. ثم ذكر (ع) كلاما آخر اجنبيا لا تعلق له بالمسألة إلى ان قال: وإذا احترق القرص كله فاغتسل، وان انكسفت الشمس أو القمر ولم تعلم به فعليك ان تصليها إذا علمت، فان تركتها متعمدا حتى تصبح فاغتسل وصل، وان لم يحترق القرص فاقضها ولا تغتسل. انتهى. وصدر كلامه (ع) كما ترى ظاهر في عدم القضاء مع عدم العلم، وهو ان كان مطلقا بالنسبة إلى الاحتراق وعدمه إلا انه يجب حمله على عدم الاحتراق بقرينة العبارة الاخيرة، والظاهران معنى العبارة الثانية هو انه متى احترق القرص كله فعليه الغسل وانه مع الانكساف في صورة الاحتراق وعدم العلم عليه القضاء متى علم، وان علم وتركها حينئذ متعمدا مع الاحتراق حتى يصبح اغتسل وصلى، وان تركها عندا والحال انه لم يحترق القرص فعليه القضاء بغير غسل، وحينئذ فقوله: (وان لم يحترق القرص راجع إلى الترك عمدا يعنى ان الترك عمدا موجب للقضاء لكن مع الاحتراق يضم إليه الغسل ومع عدم الاحتراق لا يضم إليه. وعلى هذا فلا منافاة في العبارة لما تقدم من كلامه (ع) ولا دلالة فيها على ما نقلوه عن ابن بابويه، لان صدر العبارة التى نقلوها مبنى على قوله (ع) قبل ذلك (وإذا احترق القرص كله فاغتسل) وهم لم ينقلوا عن ابن بابويه هذه الجملة المتقدمة ومن حذفها نشأ الاشكال، ولو اعتبر انقطاع العبارة عن هذه الجملة المتقدمة كما هو ظاهر نقلهم للزم المنافاة المناقضة في كلامه (ع) لان صدر هذا الكلام الذى نقلوه يدل بظاهره على وجوب القضاء مع عدم العلم احترق أم لم يحترق، والكلام الاول الذى نقلناه يدل على عدم وجوب القضاء في صورة الجهل احترق أم لم يحترق، والجمع بين الكلامين لا يتم إلا بما ذكرناه من ارتباط هذه الجملة بالعبارة التى نقلوها. ولا ادرى ان حذف هذه الجملة وقع من الشيخ المذكور أو ممن نقل عنه حيث اقتطع هذه العبارة من كلامه بناء على ظن استقلالها وتمامها كما يتراءى في بادئ النظر

[ 321 ]

ورسالة الشيخ المذكور غير موجودة الان، إلا ان الاقرب ان ذلك انما وقع ممن نقل كلامه حيث ان عبارات رسالته عين عبارات الكتاب غالبا في كل مقام. وبما ذكرنا يتأكد كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم الوقوف على مستند هذا القول. والله العالم. الموضع الثاني - ان ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) - من التفصيل مع عدم العلم بين احتراق القرص فيصلى جماعة وعدم الاحتراق فيصلى فرادى - الظاهر انه مبنى على وجوب القضاء على الجاهل، وحينئذ فيرجع إلى مذهب ابني بابويه المنقول عنهما في الذكرى والمختلف من انه إذا احترق القرص كله صلى في جماعة وان احترق بعضه صلاها فرادى. واستدل لهم في المختلف برواية ابن ابى يعفور عن الصادق (ع) (1) قال: (إذا انكسفت الشمس والقمر فانكسف كلها فانه ينبغى للناس ان يفزعوا إلى امام يصلى بهم وايهما كسف بعضه فانه يجزئ الرجل أن يصلى وحده) وستأتى تتمة الكلام في هذه المسألة في استحباب الجماعة في هذه الفريضة. والظاهر ان الشيخ المفيد (قدس سره) وكلامه في القضاء انما بنى على ما بنى عليه ابنا بابويه وان كان كلامهما في الاداء من الرواية المذكورة أو غيرها لا من حيث خصوصية الجاهل في الصورة المذكورة، ومرجع الجميع إلى ان صلاة الكسوف مع وجوبها اداء أو قضاء تصلى جماعة في صورة الاحتراق والاستيعاب وفرادى مع عدم ذلك. المقام الثالث - ان يعلم الاية الموجبة للصلاة ويترك الصلاة عامدا أو ناسيا والمشهور وجوب القضاء عليه، وقال الشيخ في النهاية والمبسوط لا يقضى الناسي ما لم يستوعب الاحتراق وهو اختيار ابن حمزة وابن البراج، ونقل عن ظاهر المرتضى في المصباح عدم وجوب القضاء ما لم يستوعب وان تعمد الترك، وعن


(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف.

[ 322 ]

ابن ادريس ايجاب القضاء مع احتراق القرص وعدمه عند احتراق البعض، وهو يرجع إلى قول السيد. احتج الاولون بوجوه: منها - الاخبار الدالة على قضاء ما فات من الصلوات من غير استفصال. ومن هذه الاخبار قول ابى جعفر (ع) في صحيحة زرارة (1) (اربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك متى ذكرتها اديتها... الحديث). وقوله (ع) في صحيحة اخرى لزرارة (2) (وقد سأله عن رجل صلى بغير طهور أو نسى صلاة أو نام عنها: يقضيها إذا ذكرها). واعترض هذه الروايات في المدارك بانه لا عموم لها على وجه يتناول صورة النزاع، قال ولهذا لم يحتج بها الاصحاب (رضوان الله عليهم) على وجوب القضاء مع انتفاء العلم بالسبب، ومرجع كلامه إلى ما ذكرناه في غير موضع مما تقدم من ان اطلاق الاخبار انما ينصرف إلى الافراد الشائعة المتكررة دون الافراد النادرة الوقوع سيما إذا لم يكن العموم مستندا إلى الاداة الموضوعة له. ومنها مرسلة حريز وقد تقدمت في سابق هذا المقام (3) وموثقة عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (وان اعلمك أحد وأنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل فعليك قضاؤها). ورد في المدارك الاولى بانها قاصرة بالارسال واطباق الاكثر على ترك العمل بظاهرها واما رواية عمار فباشتمالها على جماعة من الفطحية. ثم قال ومن ذلك يظهر قوة ما ذهب إليه الشيخ من عدم وجوب القضاء على الناسي إذا لم يستوعب الاحتراق بل رجحان ما ذهب إليه المرتضى (قدس سره) من عدم وجوب القضاء


(1) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات. (2) الوسائل الباب 1 و 2 من قضاء الصلوات (3) ص 319. (4) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.

[ 323 ]

مطلقا إلا مع الاستيعاب، ويدل عليه مضافا إلى الاصل ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر (انه سأل أخاه موسى (ع)... الخبر) وقد تقدم في سابق هذا المقام (1) ثم قال بعدها: دلت الرواية على سقوط قضاء صلاة الكسوف مع الفوات مطلقا خرج من ذلك ما إذا استوعب الاحتراق فانه يجب القضاء بالنصوص الصحيحة فيبقى الباقي مندرجا في الاطلاق. انتهى. اقول: لما كان نظر السيد السند (قدس سره) في الاستدلال مقصورا على صحاح الاخبار اختار هنا مذهب السيد المرتضى (رضى الله عنه) لدلالة ظاهر صحيحة على بن جعفر المذكورة عليه. ومثلها ما رواه البزنطى صاحب الرضا (ع) على ما نقله ابن ادريس في مستطرفات السرائر (2) قال: (سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء ؟ قال إذا فاتتك فليس عليك قضاء). ويدل على هذا القول ايضا رواية الحلبي (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الكسوف تقضى إذا فاتتنا ؟ قال ليس فيها قضاء، وقد كان في ايدينا انها تقضى). وما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) انه سئل عن الكسوف والرجل نائم ولم يدر به أو اشتغل عن الصلاة في وقته هل عليه أن يقضيها ؟ قال لا قضاء في ذلك وانما الصلاة في وقته فإذا انجلى لم تكن صلاة). ومما يدل على القول المشهور موثقة عمار الساباطى المذكورة (5) وما في كتاب الفقه الرضوي (6) من قوله (ع) (وان علمت بالكسوف فلم يتيسر لك الصلاة


(1) ص 319. (2) و (3) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف. (4) مستدرك الوسائل الباب 9 من صلاة الكسوف. (5) ص 322. (6) ص 12.

[ 324 ]

فاقض متى شئت) وقال ايضا: (إذا احترق القر ص كله فاغتسل.. إلى آخر ما تقدم) (1) فانه واضح الدلالة في وجوب القضاء في الصورة المذكورة. وأما الاستدلال للقول المشهور بمرسلة حريز (2) كما ذكره جملة من الاصحاب فظني بعده، إذا الاقرب حمل هذه الرواية على صورة الاحتراق الموجب للقضاء مطلقا علم أو لم يعلم وانه مع العلم والتفريط يضم الغسل إلى القضاء ومع العلم يقضى بلا غسل. وانت خبير بان من يحكم بصحة الاخبار كملا ولا يلتفت إلى هذا الاصطلاح فالواجب عنده الجمع بين هذه الاخبار، وذلك بتقييد اطلاق الاخبار الدالة على نفى القضاء بصورة عدم العلم مع عدم الاستيعاب فانه لا قضاء في هذه الصورة كما دريت من الاخبار المتقدمة المفصلة) وبالجملة فان رواية عمار ورواية كتاب الفقه مفصلة وتلك الروايات مجملة والمفصل يحكم على المجمل، ولعل في عدوله (ع) في صحيحتي على بن جعفر والبزنطي المتقدمتين عن لفظ الراوى في سؤاله إلى التعبير بلفظ الفوات اشعارا بما ذكرنا. وأما الجمع بين الاخبار - بحمل ما دل على القضاء على الاستحباب وبقاء تلك الاخبار على اطلاقها كما احتمله بعض فضلاء الاصحاب - ففيه (أولا) ان مقتضى القاعدة المشهورة انما هو ما قلناه من حمل المطلق على المقيد والمجمل على المفصل، والى هذه القاعدة تشير جملة من الاخبار ايضا وبها صرح الصدوق في كتاب الاعتقادات. و (ثانيا) - ما قدمناه في غير مقام من أن هذه القاعدة وان اشتهرت بينهم وعكف عليها أولهم وآخرهم إلا انه لا مستند لها من سنة ولا كتاب بل ظواهر الادلة ردها وابطالها، فان الحمل على الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز الموجبة لا خراج اللفظ عن حقيقته.


(1) ص 319 و 320 (2) ص 319.

[ 325 ]

ومما يؤيد القول المشهور هو انه قد علم اشتغال الذمة بيقين العلم بالسبب واهمال المكلف، ومن هنا استدل الاصحاب بالاخبار العامة في وجوب القضاء، ويقين البراءة لا يحصل إلا بالقضاء. والله العالم البحث الثاني في الكيفية وهى ان يحرم ثم يقرأ الحمد وسورة ثم يركع ثم يرفع رأسه ويقوم ويقرأ الحمد وسورة ثم يركع، يفعل هكذا خمس مرات، ثم يسجد بعد القيام من الركوع الخامس سجدتين ثم يقوم فيصلى الركعة الثانية كذلك ويتشهد ويسلم، ويجوز أن يقرأ بعد الحمد بعض سورة فيقوم من الركوع ويتم تلك السورة بغير قراءة الحمد، وان شاء وزع السورة على الركعات أو بعضها. والمستند في هذه الكيفية جمل ء من النصوص: منها - ما رواه الشيخ عن عمر بن اذينة عن رهط في الصحيح عن الباقر والصادق، ومنهم من رواه عن أحدهما (عليهما السلام) (1) (ان صلاة كسوف الشمس والقمر والرجفة والزلزلة عشر ركعات واربع سجدات صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله والناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها، ورووا أن الصلاة في هذه الايات كلها سواء وأشدها وأطولها كسوف الشمس: تبدأ فتكبر بافتتاح الصلاة ثم تقرأ أم الكتاب وسورة ثم تركع ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ ام الكتاب وسورة ثم تركع الثانية ثم ترفع رأسك من الركوع فيقرأ ام الكتاب وسورة ثم تركع الثالثة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ ام الكتاب وسورة ثم تركع الرابعة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ ام الكتاب وسورة ثم تركع الخامسة فإذا رفعت رأسك قلت (سمع الله لمن حمده) ثم تخر ساجدا فتسجد سجدتين، ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الاولى. قال قلت وان هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات ففرقها بينها ؟ قال اجزأه ام القرآن في أول مرة، وان قرأ خمس سور فمع كل سورة أم الكتاب. والقنوت في الركعة الثانية قبل الركوع إذا فرغت من القراءة ثم تقنت


(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.

[ 326 ]

في الرابعة مثل ذلك ثم في السادسة ثم في الثامنة ثم في العاشرة والرهط الذين رووه الفضيل وزرارة وبريد بن معاوية ومحمد بن مسلم. ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (1) قالا: (سألنا أبا جعفر (ع) عن صلاة الكسوف كم هي ركعة وكيف نصليها ؟ فقال هي عشر ركعات واربع سجدات: تفتتح الصلاة بتكبيرة وتركع بتكبيرة وترفع رأسك بتكبيرة إلا في الخامسة التى تسجد فيها وتقول (سمع الله لمن حمده) وتقنت في كل ركعتين قبل الركوع وتطيل القنوت والركوع على قدر القراءة والركوع والسجود فان فرغت قبل أن ينجلى فاقعة وادع الله حتى ينجلى، فان انجلى قبل أن تفرغ من صلاتك فاتم ما بقى، وتجهر بالقراءة. قال قلت كيف القراءة فيها ؟ فقال ان قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب وان نقصت من السورة شيئأ فاقرأ من حيث نقصت ولا تقرأ فاتحة الكتاب. قال وكان يستحب ان يقرأ فيها الكهف والحجر إلا أن يكون اماما يشق على من خلفه. وان استطعت أن تكون صلاتك بارزا لا يجنك بيت فافعل. وصلاة كسوف الشمس اطول من صلاة كسوف القمر وهما سواء في القراءة والركوع والسجود). ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح (2) قال: (سأل الحلبي أبا عبد الله (ع) عن صلاة الكسوف كسوف الشمس والقمر قال عشر ركعات واربع سجدات: تركع خمسا ثم تسجد في الخامسة ثم تركع خمسا ثم تسجد في العاشرة، وان شئت قرأت سورة في كل ركعة وان شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة، فإذا قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، وان قرأت نصف سورة اجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلا في أول ركعة حتى تستأنف اخرى، ولا تقل (سمع الله لمن حمده) في رفع رأسك من الركوع إلا في الركعة التى تريد أن تسجد فيها. قال في الفقيه (3) وروى عمر بن اذينة ان القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.

[ 327 ]

ثم في الرابعة ثم في السادسة ثم في الثامنة ثم في العاشرة. ثم قال (1) وان لم تقنت إلا في الخامسة والعاشرة فهو جائز لورود الخبر به. وما رواه الشيخ عن ابى بصير (2) قال: (سألته عن صلاة الكسوف فقال عشر ركعات واربع سجدات: تقرأ في كل ركعة منها مثل ياسين والنور ويكون ركوعك مثل قراءتك وسجودك مثل ركوعك. قلت فمن لم يحسن ياسين واشباهها ؟ قال فليقرأ ستين آية في كل ركعة فإذا رفع رأسه من الركوع فلا يقرأ بفاتحة الكتاب. قال فان أغفلها أو كان نائما فليقضها). ومنها - ما ذكره الرضا (ع) في كتاب الفقه (3) قال: (اعلم يرحمك الله ان صلاة الكسوف عشر ركعات باربع سجدات: تفتتح الصلاة بتكبيرة واحدة ثم تقرأ الفاتحة وسورا طوالا وطول في القراءة والركوع والسجود ما قدرت فإذا فرغت من القراءة ركعت ثم رفعت رأسك بتكبير ولا تقول (سمع الله لمن حمده) تفعل ذلك خمس مرات ثم تسجد سجدتين، ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الركعة الاولى، ولا تقرأ سورة الحمد إلا إذا انقضت السورة فإذا بدأت بالسورة بدأت بالحمد، وتقنت بين كل ركعتين وتقول في القنوت: ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب أللهم صل على محمد وآل محمد اللهم لا تعذبنا بعذابك ولا تسخط بسخطك علينا ولا تهلكنا بغضبك ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا واعف عنا واغفر لنا واصرف عنا البلاء يا ذا المن والطول. ولا تقول (سمع الله لمن حمده) إلا في الركعة التى تريد أن تسجد فيها. وتطول الصلاة حتى ينجلى، وان انجلى وانت في الصلاة فخفف، وان صليت وبعد لم ينجل فعليك الاعادة أو الدعاء والثناء على الله وأنت مستقبل القبلة).


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف. (3) ص 12.

[ 328 ]

ومنها - ما رواه في كتاب دعائم الاسلام (1) قال: وعن جعفر بن محمد (ع) قال: (صلاة الكسوف في الشمس والقمر وعند الايات واحدة وهى عشر ركعات واربع سجدات: يفتتح الصلاة بتكبيرة الاحرام ويقرأ بفاتحة الكتاب وسورة طويلة ويجهر فيها بالقراءة ثم يركع ويلبث راكعا مثل ما قرأ ثم يرفع رأسه ويقول عند رفعه (الله اكبر) ثم يقرأ كذلك فاتحة الكتاب وسورة طويلة ثم كبر وركع الثانية (2) فاقام راكعا مثل ما قرأ ثم رفع رأسه وقال الله اكبر ثم قرأ بفاتحة الكتاب وسورة طويلة ثم كبر وركع الثالثة فاقام راكعا مثل ما قرأ ثم رفع رأسه وقال (الله اكبر) ثم قرأ بفاتحة الكتاب وسورة طويلة فإذا فرغ منها قنت ثم كبر وركع الرابعة فاقام راكعا مثل ما قرأ ثم رفع رأسه وقال الله اكبر ثم قرأ فاتحة الكتاب وسورة طويلة فإذا فرغ منها كبر وركع الخامسة فاقام مثل ما قرأ فإذا رفع رأسه منه قال: (سمع الله لمن حمده) ثم يكبر ويسجد فيقيم ساجدا مثل ما ركع ثم يرفع رأسه فيكبر ويجلس شيئا بين السجدتين يدعو ثم يكبر ويسجد سجدة ثانية يقيم فيها ساجدا مثل ما أقام في الاولى، ثم ينهض قائما ويصلى اخرى على نحو الاولى يركع فيها خمس ركعات ويسجد سجدتين ويتشهد تشهدا طويلا، والقنوت بعد كل ركعتين كما ذكرنا في الثانية والرابعة والسادسة والثامنة والعاشرة ولا يقول:


(1) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الكسوف. (2) كتب في هامش الطبعة القديمة في هذا الموضع هكذا: (كذا في بعض النسخ وفي بعضها (الثالثة) بدل (الثانية) وكذا وجدنا الرواية في البحار ولم يحضرني كتاب دعائم الاسلام حتى اراجعه لكن الظاهر انه سقط بعد لفظ (الثانية) بيان القيام بعد الركوع الثاني والركوع الثالث والله العالم) اقول: العبارة في البحار ج 18 الصلاة ص 908 كما ذكر المعلق وهكذا هي ايضا في مستدرك الوسائل ولكنها في دعائم الاسلام ج 1 ص 240 طبعة مصر تامة وقد جرينا في هذه الطبعة على ذلك، الا ان بين المستدرك وكتاب الدعائم المطبوع بمصر اختلافا في بعض الفاظ هذا الحديث في غير المورد الساقط من المستدرك وقد اوردناها في طبق المستدرك الا في ما نرى خلافه مناسبا.

[ 329 ]

(سمع الله لمن حمده) إلا في الركعتين اللتين يسجد عنهما وما سوى ذلك يكبر كما ذكرنا. فهذا معنى قول ابى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) في صلاة الكسوف في روايات شئ عنه (ع) حذفنا ذكرها اختصارا. وان قرأ في صلاة الكسوف بطوال المفصل ورتل القرآن فذلك أحسن وان قرأ بغير ذلك فليس فيه توقيت ولا يجزئ غيره، وقد روينا عن علي (ع) (1) (انه قرأ في الكسوف سورة المثانى وسورة الكهف وسوة الروم وسورة ياسين وسورة والشمس وضحاها. وروينا عن على (ع) (2) (انه صلى صلاة الكسوف فانصرف قبل ان ينجلى فجلس في مصلاه يدعو ويذكر الله وجلس الناس كذلك يدعون ويذكرون حتى انجلت). واما ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى البخترى عن ابى عبد الله (ع) - (3) (ان عليا (ع) صلى في كسوف الشمس ركعتين في اربع سجدات واربع ركعات: قام فقرأ ثم ركع ثم رفع رأسه فقرأ ثم ركع ثم قام فدعا مثل ركعته ثم سجد سجدتين ثم قام ففعل مثل ما فعل في الاولى في قراءته وقيامه وركوعه وسجوده). وعن يونس بن يعقوب (4) قال: (قال أبو عبد الله (ع) انكسف القمر فخرج ابى وخرجت معه إلى المسجد الحرام فصلى ثمانى ركعات كما يصلى ركعة وسجدتين) - فقد حملهما الشيخ على التقية قال لموافقتهما لمذهب بعض العامة (5).


(1) مستدرك الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف. (2) مستدرك الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف. (3) و (4) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف. (5) في عمدة القارئ ج 3 ص 468 اول باب الكسوف (عند الليث بن سعد ومالك والشافعي واحمد وابي ثور صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان فتكون الجملة اربع ركوعات واربع سجدات في ركعتين. وعند طاووس وحبيب بن ابي ثابت وعبد الملك بن جريح ركعتان في كل ركعة اربع ركوعات وسجدتان فتكون الجملة ثمان ركوعات واربع سجدات ويحكى هذا عن علي وابن عباس. وعند قتادة وعطاء بن =

[ 330 ]

وروى الشيخ في التهذيب عن روح بن عبد الرحيم (1) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الكسوف تصلى جماعة ؟ قال جماعة وغير جماعة). وعن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (إذا انكسفت الشمس والقمر فانكسف كلها فانه ينبغى للناس ان يفزعوا إلى امام يصلى بهم وايهما كسف بعضه فانه يجزئ الرجل ان يصلى وحده... الحديث). وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من جامع البزنطى صاحب الرضا (ع) (3) قال: (سألته عن القراءة في صلاة الكسوف قال تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب. قال وإذا ختمت سورة وبدأت باخرى فاقرأ فاتحة الكتاب وان قرأت سورة في ركعتين أو ثلاث فلا تقرأ فاتحة الكتاب حتى تختم السورة


= ابي رباح واسحاق وابن المنذر ركعتان في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان فتكون الجملة ست ركوعات واربع سجدات. وعند سعيد بن جبير واسحاق بن راهويه في رواية ومحمد بن جرير الطبري وبعض الشافعية لا توقيت فيها بل يطيل ابدا ويسجد إلى ان تنجلي الشمس. وعند ابراهيم النخعي وسفيان الثوري وابي حنيفة وابي يوسف ومحمد ركعتان في كل ركعة ركوع واحد وسجدتان كسائر صلاة التطوع. ويروى عن ابي حنيفة ان شاءوا صلوها ركعتين وان شاءوا اربعا، وفي البدائع وان شاءوا اكثر من ذلك. وعند الظاهرية ان كسفت الشمس ما بين طلوعها إلى صلاة الظهر صلاها ركعتين وما بين الظهر إلى الغروب صلاها اربعا وفي خسوف القمران كان بعد صلاة المغرب إلى العشاء الاخرة صلى ثلاث ركعات كالمغرب وان كان بعد العتمة إلى الصبح صلى اربعا) وفي سنن البيهقي ج 3. ص 321 نقل رواية عائشة المتضمنة ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى ركعتين جملتها اربع ركوعات واربع سجدات. وفي ص 315 نقل رواية جابر المتضمنة انه صلى الله عليه وآله صلى ركعتين جملتها ست ركوعات واربع سجدات وفي ص 329 نقل رواية ابي بن كعب المتضمنة انه صلى الله عليه وآله صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات وسجدتان. ثم نقل عن الحسن البصري ان عليا (عليه السلام) صلى في كسوف الشمس خمس ركعات واربع سجدات. وفي ص ؟ 33 نقل رواية حنش بن ربيعة المتضمنة ان عليا (عليه السلام) صلى ركعتين في ثمان ركوعات واربع سجدات (1) و (2) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف (3) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.

[ 331 ]

ولا تقل (سمع الله لمن حمده) في شئ من ركوعك إلا الركعة التى تسجد فيها). وعن على بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى (ع) مثله (1) ونحوه في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه (ع) (2). اقول: الكلام في هذه الاخبار وما اشتملت عليه من الاحكام يقع في مواضع: الاول - المستفاد من هذه الاخبار التخيير بين قراءة سورة كاملة بعد الحمد في كل قيام بين تفريق سورتين على العشر بان يكون في كل خمس سورة وان كان الاول أفضل وان يفرق سورتين على الخمس. وكيف كان فانه متى أتم السورة وجب قراءة الحمد، وهذا هو المشهور بين الاصحاب. وقال ابن ادريس انه يستحب له قراءة الحمد في الصورة المذكورة محتجا بان الركعات كركعة واحدة. واعترضه المحقق في المعتبر بانه خلاف فتوى الاصحاب والمنقول عن أهل البيت (عليهم السلام). وهو جيد. وقال الشهيد في الذكرى (3): فان احتج ابن ادريس برواية عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) - قال: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى ركعتين قام في الاولى فقرأ سورة ثم ركع فاطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع فاطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع فاطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع، فعل ذلك خمس مرات قبل أن يسجد ثم سجد سجدتين، ثم قام في الثانية ففعل مثل ذلك، فكان له عشر ركعات واربع سجدات والتوفيق بينها وبين باقى الروايات بالحمل على استحباب قراءة الفاتحة مع الاكمال - فالجواب ان تلك الروايات اكثر وأشهر وعمل الاصحاب بمضمونها فتحمل هذه الرواية على ان الراوى ترك ذكر الحمد للعلم به لتوافق تلك الروايات الاخرى. انتهى. وهو جيد.


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف. (3) في النظر الثاني من صلاة الايات في الاشارة إلى المدارك.

[ 332 ]

أقول: لم اقف على هذه الرواية إلا في كتاب الذكرى فانه لم ينقلها صاحب الوافى الجامع لاخبار الكتب الاربعة ولا صاحب الوسائل مع جمعه لما زاد عنها ولا شيخنا المجلسي في البحار مع تصديه فيه لنقل جملة الاخبار، والظاهر انه غفل عنها وإلا لنقلها عن الذكرى كما هو مقتضى قاعدته من التصدى لنقل جميع الاخبار وان كانت من كتب الفروع. ويظهر من اطلاق صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة (1) جواز التفريق بان يبعض سورة واحدة في احدى الركعتين ويقرأ في الاخرى خمسا والجمع في الركعة الواحدة بين الاتمام والتبعيض بان يتم سورة مثلا في القيام الاول ويبعض سورة في الاربعة الباقية، وعلى ذلك تدل صحيحة البزنطى المنقولة في مستطرفات السرائر ونحوها صحيحة على بن جعفر المتقدمتان (2) ايضا. وبالجملة فالذي يظهر من الاخبار هو جواز التبعيض في القيامات الخمسة أو بعضها مع الاتمام في بعض وانه يتخير في ذلك وان كان الافضل قراءة خمس سور في كل ركعة. وأما ما ذكره في المدارك - من قوله: ولا ريب ان الاحتياط يقتضى الاقتصار على قراءة خمس سور في كل ركعة أو تفرق سورة على الخمس - فالظاهر انه بنى على ما احتمله الشهيد في الذكرى هنا حيث قال: ويحتمل ان ينحصر المجزئ في سورة واحدة أو خمس سور لانها ان كانت ركعة وجبت الواحدة وان كانت خمسا فالخمس فيمكن استناد ذلك إلى تجويز الامرين وليس بين ذينك واسطة. انتهى. اقول: انت خبير بانه لا وجه له بعد ما عرفت من دلالة صحيحة البزنطى وعلي بن جعفر (3) على جواز التفريق في ركعتين أو في ثلاث إلا انه يمكن الاعتذار عنهما بعدم وقوفهما على الخبرين المذكورين، على ان اطلاق غيرهما من الاخبار المتقدمة ظاهر في ذلك ايضا سيما قوله (ع) في صحيحة الحلبي وان شئت قرأت


(1) ص 326 (2) و (3) ص 330 و 331.

[ 333 ]

سورة في كل ركعة وان شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة... الحديث) وقد تقدم (1). وظاهر الاخبار وكلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب اتمام سورة في الخمس لصيرورتها بمنزلة ركعة فتجب الحمد وسورة. بقى الكلام في ما لو جمع في ركعة بين الاتمام والتبعيض فاتم في القيام الاول مثلا وبعض في البواقى فهل يجوز أن يسجد قبل اتمام السورة ؟ فيه وجهان، قال في الذخيرة: ولعل الاقرب الجواز. اقول: يمكن توجيه الاقربية باطلاق الاخبار المتقدمة الدالة على جواز التبعيض اعم من أن يتم السورة في ركعة واحدة أم لا. وقال العلامة: الاقرب انه يجوز أن يقرأ في الخمس سورة وبعض اخرى فإذا قام في الثانية فالاقرب وجوب الابتداء بالحمد لانه قيام من سجود فوجب فيه الفاتحة قال: ويحتمل ضعيفا أن يقرأ من الموضع الذى انتهى إليه أولا من غير أن يقرأ الفاتحة لكن يجب أن يقرأ الحمد في الثانية بحيث لا يجوز الاكتفاء بالحمد مرة في الركعتين. انتهى. اقول: ويمكن ترجيح ما استضعفه بقوله (ع) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2) (وان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت ولا تقرأ فاتحة الكتاب) وقوله (ع) في كتاب الفقه الرضوي (3) (ولا تقرأ سورة الحمد إلا إذا انقضت السورة) وقوله (ع) في صحيحتي البزنطى وعلى بن جعفر (4) (فلا تقرأ فاتحة الكتاب حتى تختم السورة) فان الجميع كما ترى ظاهر في انه ما لم يتم السورة التى بعضها فلا يقرأ فاتحة الكتاب وانه يجب القراءة من موضع القطع، والاخبار المذكورة بعمومها شاملة لموضع المسألة. وذكر الشهيدان (طاب ثراهما) انه متى ركع عن بعض سورة تخير في القيام


(1) و (2) ص 326 (3) ص 327 (4) ص 330 و 331.

[ 334 ]

بعده بين القراءة من موضع القطع وبين القراءة من أي موضع شاء من السورة متقدما أو متأخرا وبين رفضها وقراءة غيرها. واحتمل في الذكرى امرا رابعا وهو ان له اعادة البعض الذى قرأه من السورة بعينه، قال فحينئذ هل يجب قراءة الحمد ؟ يحتمل ذلك لابتدائه بسورة ويحتمل عدمه لان قراءة بعضها مجزئ فقراءة جميعها أولى، هذا ان قرأ جميعها وان قرأ بعضها فاشد إشكالا. قال في المدارك بعد نقل ذلك: اقول ان في اكثر هذه الصور اشكالا، فان مقتضى قوله (ع) (فان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت) تعين القراءة من موضع القطع فلا يكون العدول إلى غيره من السورة والقراءة من غيرها جائزا. انتهى. وهو جيد لما عرفت من الاخبار. والله العالم. الثاني - قد تضمنت صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (1) الامر بالجلوس والدعاء حتى ينجلى الكسوف متى فرغ من الصلاة ولم ينجل، وعبارة كتاب الفقه (2) الاعادة أو الدعاء في الصورة المذكورة، ورواية كتاب دعائم الاسلام (3) الجلوس والدعاء وقد روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: (قال أبو عبد الله (ع) صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلى فاعد). والمستفاد من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو وجوب الجلوس والدعاء أو الاعادة حتى ينجلى مخيرا بينهما وهو صريح عبارة كتاب الفقه. والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام انه يستحب له الاعادة متى فرغ ولم ينجل، ونقل عن ظاهر المرتضى وابى الصلاح وسلار وجوب الاعادة، وعن ابن ادريس انه منع الاعادة وجوبا واستحبابا. قال في المدارك: لنا على الاستحباب ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية ابن عمار... ثم ساق الرواية المذكورة إلى ان قال: لنا على انتفاء الوجوب قوله (ع)


(1) ص 326. (2) ص 327 (3) ص 328 (4) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف.

[ 335 ]

في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (1) (وان فرغت قبل أن ينجلى فاقعد وادع الله حتى ينجلى) وقد يقال ان الجمع بين الروايات يقتضى القول بوجوب الاعادة والدعاء تخييرا إلا انى لا اعلم به قائلا. انتهى. وتبعه في الذخيرة في هذا المقام. وانت خبير بان ظاهر كلام الصدوق في الفقيه هو القول بالوجوب فيهما تخييرا حيث قال: وإذا فرغ الرجل من صلاة الكسوف ولم تكن انجلت فليعد الصلاة وان شاء قعد ومجد الله تعالى حتى ينجلى. انتهى. ثم انه لا يخفى عليك ما في استدلاله بصحيحة معاوية بن عمار على الاستحباب وان كان قد جرى على هذه الطريقة في غير باب، فان الرواية قد تضمنت الامر بالاعادة وهو حقيقة في الوجوب كما صرح به في غير موضع من هذا الكتاب فكيف تكون دالة على الاستحباب ؟ وكان الاولى في التعبيران يجعل مستند الاستحباب الجمع بين الروايتين المذكورتين. وزاد في الذخيرة بعد اختيار الاستحباب كما ذكره في المدارك التأييد بموثقة عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (ان صليت الكسوف إلى ان يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فان ذلك أفضل، وان أحببت ان تصلى فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز). وانت خبير بان غاية ما تدل عليه الرواية هو اطلاق جواز الفراغ قبل الانجلاء، ولا ينافيه وجوب الاعادة أو الجلوس حتى يحصل تمام الانجلاء حسبما دلت عليه الاخبار المتقدمة. وبالجملة فعبارة كتاب الفقه صريحة في الوجوب تخييرا والظاهر انها مستند الصدوق كما عرفت في غير مقام، ورواية كتاب الدعائم المروية عن على (ع) ايضا ظاهرة في وجوب الجلوس، والصحيحتان الاخرتان (3) لا وجه للجمع بينهما إلا بما


(1) ص 326. (2) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف (3) ص 334.

[ 336 ]

ذكرناه من الوجوب تخييرا، فرد هذه الروايات - على ما هي عليه من الصحة والصراحة في بعض والظاهرية في آخر بهذه الرواية مع قبولها التأويل بما ذكرناه - مما لا يلتزمه محصل. والله العالم. الثالث - ما ذكره (ع) في كتاب الفقه الرضوي (1) من قوله (وتطول الصلاة حتى ينجلى) مما يصلح لان يكون مستندا للاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث صرحوا بان من جملة مستحبات هذه الصلاة ان يطول بقدر الكسوف وهم قد استدلوا على ذلك بموثقة عمار المتقدمة (2) ويمكن الاستدلال عليه ايضا بقوله (ع) في صحيحة الرهط المتقدمة (3) في حكاية صلاته صلى الله عليه وآله ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها). وقيل ان الاستدلال بهذا الخبر لا يخلو من شوب التأمل لجواز ان يكون ذلك من باب الاتفاق. وفيه ان الظاهر من نقله (ع) ذلك انما هو العمل بما تضمنه النقل إذ لا معنى لنقل الامور الاتفاقية مع عدم ترتب شئ عليها من الاحكام الشرعية، ويمكن استناد ذلك إلى علمه صلى الله عليه وآله بوقت تمام الانجلاء فاطال الصلاة على حسب علمه وفرغ بتمام الانجلاء. بقى هنا شئ وهو ان الحكم باستحباب الاطالة على الوجه المذكور لا يتم إلا مع العلم بذلك أو الظن الحاصل باخبار رصدي اما بدونه فلا، وحينئذ فلا يبعد ان يكون التخفيف في الصلاة اولى وجبت الاعادة أو الجلوس لو فرغ قبل الانجلاء على أحد القولين أو استحبت على القول المشهور حذرا من خروج الوقت قبل الاتمام. كذا قيل وهو مبنى على انه مع خروج الوقت قيل الاتمام يجب القطع وقد بينا سابقا ضعفه وان الواجب هو الاتمام في الصورة المذكورة. والله العالم. الرابع - ظاهر قوله (ع) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (4) (وكان يستحب ان يقرأ فيها الكهف والحجر إلا أن يكون اماما يشق على من خلفه) استحباب التطويل في الصلاة بقراءة السور الطول إلا في الجماعة إذا كان يشق ذلك


(1) ص 327. (2) ص 335. (3) ص 325. (4) ص 326.

[ 337 ]

على من خلفه، وبكل من الحكمين صرع الاصحاب (رضوان الله عليهم). أما الاول فيدل عليه مضافا إلى هذا الخبر ما تقدم من كلام الرضا (ع) في كتاب الفقه ورواية كتاب دعائم الاسلام ورواية ابى بصير المتقدم ذلك كله (1) وقد دلت رواية ابى بصير المذكورة ايضا على استحباب التطويل في ركوعه مثل قراءته وسجوده مثل ركوعه، واليه يشير ايضا قوله (ع) في كتاب الفقه (وطول في القراءة والركوع والسجود ما قدرت) ونحوه في رواية كتاب الدعائم. وينبغى تقييد ذلك بسعة الوقت كما صرح به بعضهم ايضا. وأما الثاني فيدل عليه مضافا إلى الرواية المذكورة اخبار صلاة الجماعة فانها استفاضت بالامر بالتخفيف والاسراع رعاية لحال المأمومين فان فيهم الضعيف وصاحب الحاجة ونحوهما (2). إلا انه قد روى الصدوق في الفقيه مرسلا (3) قال: (انكسفت الشمس على عهد أمير المؤمنين (ع) فصلى بهم حتى كان الرجل ينظر إلى الرجل قد ابتلت قدمه من عرقه). وروى الشيخ في التهذيب بسنده عن القداح عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: (انكسفت الشمس في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بالناس ركعتين وطول حتى غشى على بعض القوم ممن كان وراءه من طول القيام). وظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل العمل بهذين الخبرين حيث قال: استحباب اطالة الكسوف بقدره حتى للامام (5) ثم أورد الخبرين المذكورين ولم يجب عن صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم بشئ بل لم ينقل منها الموضع المتعلق بهذا الحكم في كتابه بالكلية وانما ذكر منها ما يتعلق بكيفية الصلاة في باب كيفية صلاة الكسوف (6) وهو غفلة من (طاب ثراه).


(1) ص 327 و 8 ؟ 3 (2) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة. (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 9 من صلاة الكسوف (6) ذكرها هناك بتمامها.

[ 338 ]

وبالجملة فالجمع بين الروايات هنا لا يخلو من اشكال سيما مع اعتضاد صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم باخبار الجماعة المستفيضة بالامر بالتخفيف وعدم الاطالة رعاية لحال المأمومين، إلا أن يقال باختصاص ذلك بهما (صلوات الله عليهما) في هذه الصلاة بخصوصها لاجل بسطها على مقدار زمان الكسوف. وفيه ما فيه. والله العالم الخامس - انه يستفاد من الاخبار المتقدمة استحباب التكبير عند الرفع من كل ركوع إلا الخامس والعاشر فانه يقول (سمع الله لمن حمده) وهذا التكبير من خصوصيات هذه الصلاة، وانه يقنت خمس قنوتات، والجميع مما خلاف فيه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم). إلا ان الشهيد في البيان قال انه يجزئ القنوت على الخامس والعاشر واقله على العاشر. قال في المدارك ولم نقف على مأخذه. اقول: ان كان مراده انه لم يقف على مأخذه ولو بالنسبة إلى الخامس والعاشر ففيه ما قدمنا نقله عن الصدوق من قوله (وان لم تقنت إلا في الخامسة والعاشرة فهو جائز لورود الخبر به) وان اراد من حيث الاكتفاء بالعاشر خاصة فهو كذلك ولعله لمجرد اعتبار كون هذه الصلاة في الحقيقة ركعتين فالقنوت انما هو في الثانية. ومن مستحبات هذه الصلاة ايضا الجهر بالقراءة، قال في المنتهى انه مذهب علمائنا واكثر العامة (1) وقد تقدم ذلك في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2)


(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 501 حكى الترمذي عن مالك والشافعي واحمد واسحاق الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وفي شرح مسلم للنووي مذهبنا ومذهب مالك وابي حنيفة والليث بن سعد وجمهور الفقهاء انه يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن واحمد واسحاق يجهر فيهما. وحكى الرافعي عن الصيدلاني مثله عند ابي حنيفة. وقال محمد بن جرير الطبري الجهر والاسرار سواء قال العيني وما حكاه النووي عن مالك هو المشهور عنه، وقال ابن العربي روى المصريون عنه انه يسر وروى المدنيون عنه انه يجهر والجهر عندي اولى. (2) ص 6 ؟ 3.

[ 339 ]

ومن مستحباتها ايضا أن يكون بارزا تحت السماء لما في الصحيحة المشار إليها من قوله (ع) (فان استطعت أن تكون صلاتك بارزا لا يحبك بيت فافعل). إلا ان جملة من الاخبار قد دلت على الفزع إلى المساجد كما في صحيح ابى بصير (1) قال: (انكسف القمر وأنا عند ابى عبد الله (ع) في شهر رمضان فوثب وقال انه كان يقال إذا انكسف القمر والشمس فافزعوا إلى مساجدكم). وفى كتاب المجالس باسناده عن محمد بن عمارة عن ابيه عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: (ان الزلازل والكسوفين والرياح الهائلة من علامات الساعة فإذا رأيتم شيئا من ذلك فتذكروا قيام الساعة وافزعوا إلى مساجدكم). ويمكن الجمع بان الفزع إلى المساجد لا يستلزم الصلاة تحت سقوف المساجد بل يمكن إن تصلى على سطوح المساجد وفى فضائها البارز من غير سقف، هذا إذا كانت مسقفة كما هو الان صار معمولا واما على ما هو السنة في المساجد من جعلها مكشوفة فلا اشكال. وينبغى أن يعلم ان جملة هذه الاحكام وان كان موردها صلاة الكسوف إلا ان المفهوم من الاخبار ان صلاة الكسوف هي الصلاة في سائر الايات فجميع الاحكام المترتبة على صلاة الكسوف تترتب على الصلاة لغير الكسوف من الايات إلا التطويل فان ظاهر الاخبار اختصاصه بالكسوفين كما مر. ومما يدل على ان صلاة الايات هي صلاة الكسوف صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (3) قالا (قلنا لابي جعفر (ع) أرأيت هذه الرياح والظلم التى تكون هل يصلى لها ؟ فقال كل اخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل لها صلاة الكسوف حتى تسكن). وروى في كتاب الدعائم عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) انه قال:


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الكسوف (2) و (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف. (4) مستدرك الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف.

[ 340 ]

(يصلى في الرجفة والزلزلة والريح العظمة والاية تحدث وما كان مثل ذلك كما يصلى في صلاة كسوف الشمس والقمر سواء). ومن مستحبات هذه الصلاة ايضا الجماعة، قال في التذكرة انه قول علمائنا اجمع ويدل عليه ما تقدم (1) في صحيحة الرهط من قوله (ع) (صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله والناس خلفه). وما تقدم (2) في الموضع الرابع من خبرى الصدوق والقداح في صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى (ع) بالناس وقد غشى على بعض القوم وابتلت اقدامهم من العرق. وقد تقدمت (3) رواية روح بن عبد الرحيم الدالة على انها تصلى جماعة وغير جماعة. ونحوها رواية محمد بن يحيى الساباطى عن الرضا (ع) (4) قال: سألته عن صلاة الكسوف تصلى جماعة أو فرادى ؟ قال أي ذلك شئت). وقد دلت رواية ابن ابى يعفور المتقدمة (5) على تأكد استحباب الجماعة مع الاحتراق. وقال الصدوقان: إذا احترق القرص كله فصلها في جماعة وان احترق بعضه فصلها فرادى. ويمكن حمل كلامهما على ما حملت عليه رواية ابن ابى يعفور من تأكد الجماعة مع الاحتراق وعدمه مع العدم. قال في الذكرى: انهما ان ارادا نفى تأكد الاستحباب مع احتراق البعض فمرحبا بالوفاق، وان أرادا نفى استحباب الجماعة وترجيح الفرادى طولبا بدليل المنع وصرح الشهيد في البيان بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل في هذه الصلاة وبالعكس كاليومية. قال في المدارك ومثله في الذخيرة: وهو حسن.


(1) ص 325 (2) ص 347. (3) و (5) ص ؟ 33 (4) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف.

[ 341 ]

اقول: الظاهر ان مرادهم اجراء حكم اليومية في ما لو صليت فرادى فانه يستحب اعادتها جماعة لو وجدت الجماعة اماما كان أو مأموما في هذه الصلاة، فانها هي الصورة التى يمكن فيها اقتداء المفترض بالمتنفل وبالعكس. وانت خبير بانه مع قطع النظر عن القاعدة المشهورة في كلامهم - من ان اطلاق الاخبار انما ينصرف إلى الافراد المتكثرة المتكررة دون النادرة، وصلاة الايات بالنسبة إلى الصلاة اليومية من هذا القبيل - فان لقائل أن يقول ان جملة من اخبار تلك المسألة ظاهرة في اليومية بخصوصها مثل صحيحة سليمان بن خالد (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل دخل المسجد وافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلى إذ اذن المؤذن وأقام الصلاة قال فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام... الحديث) وفى جملة من تلك الاخبار (تقام الصلاة) و (اقيمت الصلاة) والاقامة انما تكون في اليومية. وبالجملة فسياق اكثر تلك الاخبار ظاهر في اليومية حمل ما اطلق على الباقي ممكن، وبه يظهر ان دعوى شمولها لهذه الصلاة لا يخلو من اشكال. تفريع لو أدرك المأموم الامام قبل الركوع الاول أو في اثنائه أدرك الركعة بغير اشكال. انما الاشكال في مالو لم يدركه حتى رفع رأسه من الركوع الاول، والذى صرح به جمع من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر والعلامة في جملة من كتبه والشهيد في الذكرى هو فوات تلك الركعة المشتملة على الركوعات الخمسة فلا يجوز له الدخول فيها بل يصبر إلى ان يسجد ويقوم ويدخل معه في اول قيامه، والوجه في ذلك هو لزوم أحد محذورين مع الدخول بعد فوات الركوع الاول، وهو إما تخلف المأموم عن الامام ان تدارك الركوع بعد سجود الامام واما تحمل الامام الركوع ان رفض الركوع وسجد بسجود الامام.


(1) الوسائل الباب 56 من صلاة الجماعة. وهي اجنبية عن المورد.

[ 342 ]

ونقل عن العلامة انه احتمل في التذكرة جواز الدخول معه في هذه الحالة فإذا سجد الامام لم يسجد هو بل ينتظر الامام إلى أن يقوم فإذا ركع الامام اول الثانية ركع معه عن ركعات الاولى فإذا انتهى إلى الخامس بالنسبة إليه سجد ثم لحق بالامام ويتم الركعات قبل سجود الثانية. قال في المدارك: ويشكل بان فيه تخلف المأموم عن الامام في ركن وهو السجدتان من غير ضرورة ولا دليل على جوازه. أقول: لا يخفى على من تأمل كلامهم ما وقع لهم فيه من النقض والابرام وما هو عليه من الاختلاف والتناقض الظاهر لذوى الافهام. والتحقيق ان الكلام في هذه المسألة وجواز الدخول في الصورة المفروضة وعدمه مبنى على مسألة اخرى وهو انه هل يجوز للمأموم التخلف عن الامام لغير عذر بركن أو ركنين أم لا يجوز ذلك ؟ والذى صرح به جملة منهم في باب صلاة الجماعة هو الجواز. وممن صرح بذلك الشهيد في الذكرى حيث قال: ولا يتحقق فوات القدوة بفوات ركن ولا اكثر عندنا، وفى التذكرة توقف في بطلان القدوة بالتأخير بركن، والمروى بقاء القدوة رواه عبد الرحمان عن ابى الحسن (ع) (1) في من لم يركع ساهيا حتى انحط الامام للسجود انه يركع ويلحق به. انتهى ومثل ذلك كلامه في الدروس. وظاهر قوله (عندنا) مؤذن بدعوى الاتفاق على الحكم المذكور. وقال المحقق الشيخ على في رسالته الجعفرية: ولو تخلف المأموم بركن أو اكثر لم تنقطع القدوة. وقال الشارح الجواد - في شرح الرسالة المذكورة تعليلا للحكم المذكور - ما لفظه: لثبوتها وان زوالها بعد ذلك يحتاج إلى دليل والاصل عدمه ولرواية عبد الرحمان... ثم ساق الرواية المذكورة ثم نقل التوقف عن العلامة في التذكرة واستبعده بناء على ما ذكره من الدليل.


(1) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة.

[ 343 ]

وانت خبير بانه يأتي على ما ذكره هؤلاء ان المأموم يجوز له الدخول في صلاة الكسوف بعد مضى ركوع بل ركوعين أو اكثر ثم يتابع الامام حتى إذا سجد الامام اتم ما بقى عليه من الركوعات وان فاتته المتابعة في السجود ثم يلتحق به في الركعة الثانية بعد السجود، وكذا يفعل في الركعة الثانية إذا فاته شئ من ركوعاتها. والسيد السند في المدارك لما كان مذهبه عدم جواز التخلف عن الامام بركن منع هنا من الدخول فيها في الصورة المذكورة إلا انه انما علل ذلك بعدم الدليل على جواز التخلف، وللخصم ان يقابله بان الاصل الجواز وعدم الابطال بالتخلف حتى يقوم دليل على خلافه كما سمعت من كلام الشارح الجواد في شرح الرسالة. والاظهر عندي في المسألة المفرع عليها هو وجوب المتابعة وعدم جواز التخلف بركن لغير عذر فضلا عن الاكثر. (أما أولا) فلان الرواية التى استندوا إليها موردها العذر وهو سهو المأموم وهذا غير محل النزاع، فالاستناد إليها في عموم الحكم لا يخلو من مجازفة. و (اما ثانيا) فان صحيحة زرارة (1) - الواردة في حكم المسبوق وانه يقرأ في كل ركعة مما أدرك بام الكتاب وسورة فان لم يدرك السورة تامة اجزأته ام الكتاب، وصحيحة معاوية بن وهب (2) في من أدرك الامام في آخر صلاته وهى اول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ هل يقضى القراءة في آخر صلاته ؟ قال نعم - تمنع ما ذكروه فانهما ظاهرتان في وجوب المتابعة وعدم جواز التخلف عن الركوع وان كان للاشتغال بواجب كالقراءة المفروضة فيهما، فان الاجتزاء بام الكتاب كما تضمنته الرواية الاولى وعدم امهال الامام كما تضمنته الثانية انما هو لخوف رفع الامام رأسه من الركوع قبل اتمام القراءة والدخول معه في الركوع، والثانية قد تضمنت انه يترك القراءة بالكلية ويقضيها في آخر الصلاة محافظة على ادراك الركوع معه، وحينئذ فإذا امتنع التخلف وان كان لاجل الاشتغال بواجب


(1) و (2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة

[ 344 ]

فكيف يجوز ذلك مطلقا كما ادعوه ؟ وبذلك يظهر ان ما ذكروه لا يخلو من غفلة عن اعطاء التأمل حقه في ملاحظة الادلة. و (أما ثالثا (فان شيخنا الشهيد قد خالف قوله وناقض نفسه في ما قدمنا نقله عنه مما ظاهره دعوى الاجماع عليه كما أشرنا إليه آنفا في باب الجماعة بما ذكره هنا في صلاة الايات، حيث صرح بالمنع من الدخول تبعا للفاضلين كما قدمنا ذكره في الصورة المفروضة حذرا من لزوم التخلف عن الامام بركن أو اكثر، فقال بعد ذكر صورة المسألة ما ملخصه: فان قلنا بالمتابعة فالاصح عدم سلامة الاقتداء لاستلزامه محذورين اما التخلف عن الامام أو تحمل الامام الركوع، لانه ان اتى بما بقى عليه قبل أن يسجد مع الامام لزم المحذور الاول، وان رفض الركوعات وسجد بسجود الامام لزم الثاني... إلى ان قال (فان قيل) لم لا يأتي المأموم بما بقى عليه ثم يسجد ثم يلحق الامام في ما بقى من الركوعات ؟ وليس في هذا الا تخلف عن الامام لعارض وهو غير قادح في الاقتداء لما سيأتي (قلنا) ان من قال ان التخلف عن الامام يقرح فيه فوات الركن فعلى مذهبه لا يتم هذا ومن اغتفر ذلك فانما يكون عند الضرورة كالمزاحمة ولا ضرورة هنا فحينئذ يستأنف المأموم النية... إلى آخر كلامه فانظر إلى صراحته في المخالفة لما قدمنا نقله عنه من كلامه في باب الجماعة الدال على جواز التخلف بركن أو اكثر وان كان لا لعذر، وقوله هنا ان التخلف بركن منحصر في قولين اما الجواز مع الضرورة أو البطلان. وأشار بالمزاحمة إلى ما ورد في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى الحسن (1) (في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الامام الجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على أن يركع ولا أن يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أيركع ثم يسجد ثم


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة. واللفظ في الفقيه ج 1 ص 270 هكذا (ايركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم ام كيف يصنع ؟ فقال يركع ويسجد ثم يقوم في الصف ولا بأس بذلك).

[ 345 ]

يقوم في الصف ؟ قال بأس) وهذا كما ترى مثل صحيحة المتقدمة في ان موردها العذر وبما أوضحناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام ظهر انه لا يجوز الدخول مع الامام بعد فوات شئ من الركوعات في الركعة الاولى خوفا من الوقوع في المحذور المذكور بل يصبر إلى أن يسجد ويقوم للركعة الثانية. ولو أدركه كذلك في الثانية لم يدخل معه وعدل إلى الانفراد. والله العالم. البحث الثالث في الاحكام وما يتبعها في المقام، أقول: قد قدمنا اكثر الاحكام في البحثين المتقدمين وبقى الكلام في ما يتعلق بهذه الصلاة في مواضع: الاول - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه إذا حصل الكسوف في وقت فريضة حاضرة، فان تضيق وقت إحداهما تعينت للاداء اجماعا ثم يصلى بعدها ما اتسع وقتها، وان تضيقا معا قدمت الحاضرة، قالوا لانها أهم في نظر الشارع، وقال في الذكرى انه لا خلاف فيه، وان اتسع الوقتان فالمشهور انه مخير في الاتيان بايهما شاء. وقال في من لا يحضره الفقيه: لا يجوز ان يصليها في وقت فريضة حتى يصلى الفريضة، وإذا كان في الصلاة الكسوف ودخل عليه وقت الفريضة فليقطعها وليصل الفريضة ثم يبنى على ما فعل من صلاة الكسوف. انتهى. وهو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية حيث قال: ان بدأ بصلاة الكسوف ودخل عليه وقت الفريضة قطعها وصلى الفريضة ثم رجع وتمم صلاته. ومثله في المبسوط إلا انه قال فيه باستئناف صلاة الكسوف، كذا نقله في المختلف، ونقل هذا القول فيه عن ابني بابويه وابن البراج. واختار في المدارك القول المشهور قال: لنا انهما واجبان اجتمعا ووقتهما موسع فيتخير المكلف بينهما. ولنا ايضا ان فيه جمعا بين ما تضمن الامر بتقديم

[ 346 ]

الفريضة الحاضرة كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: (سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة فقال ابدأ بالفريضة) وبين ما تضمن الامر بتقديم الكسوف كصحيحة محمد بن مسلم وبريد بن معاوية عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالا: (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الايات صليتها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة فان تخوفت فابدأ بالفريضة واقطع ماكنت فيه من صلاة الكسوف فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت واحتسب بما مضى) انتهى. اقول لا يخفى ان ما قدمناه من عبارة الصدوق في من لا يحضره الفقيه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي وان كان بادنى تغيير في اللفظ حيث قال (ع) (3) (ولا تصلها في وقت الفريضة حتى تصلى الفريضة فإذا كنت فيها ودخل عليك وقت الفريضة فاقطعها وصل الفريضة ثم ابن على ما صليت من صلاة الكسوف ومن ذلك يعلم ان مستند الصدوق وكذا ابوه في الرسالة انما هو الكتاب المذكور على ما عرفت سابقا وستعرف امثاله لاحقا ان شاء الله تعالى. ومن اخبار المسألة زيادة على ما ذكرنا قوله في صحيحة محمد بن مسلم المتقدم نقلها عن صاحب المدارك تتمة لما ذكره منها: (فقيل له في وقت صلاة الليل فقال صل صلاة الكسوف قبل صلاة الليل). ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ايوب ابراهيم بن عثمان عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (سألته عن صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس ونخشى فوت الفريضة فقال اقطعوها وصلوا الفريضة وعودوا إلى صلاتكم). وعن محمد بن مسلم في الصحيح (5) قال: قلت لابي عبد الله (ع) جعلت فداك ربما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الاخرة فان صلينا الكسوف


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف. (3) ص 12 ؟

[ 347 ]

خشينا ان تفوتنا الفريضة ؟ فقال إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك واقض فريضتك ثم عد فيها. قلت فإذا كان الكسوف آخر الليل فصلينا صلاة الكسوف فاتتنا صلاة الليل فبأيتهما نبدأ ؟ فقال صل صلاة الكسوف واقض صلاة الليل حين تصبح) وقال في كتاب دعائم الاسلام: وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) انه قال: (في من وقف في صلاة الكسوف حتى دخل عليه وقت الصلاة ؟ قال يؤخرها ويمضى في صلاة الكسوف حتى يصير إلى آخر الوقت فان خاف فوت الوقت قطعها وصلى الفريضة. وكذلك إذا انكسفت الشمس أو انكسف القمر في وقت صلاة الفريضة بدأ بصلاة الفريضة قبل صلاة الكسوف). اقول: ويستنبط من هذه الاخبار احكام: منها - انه لا يخفى ان ظاهر صحيحة محمد بن مسلم الاولى هو وجوب تقديم الفريضة في حال سعة الوقت، وكذا ظاهر كلامه (ع) في كتاب الفقه الرضوي حيث نهى اولا عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة واوجب قطعها متى دخل عليه وقت الفريضة وهو فيها وان يصلى الفريضة أولا وهو عين مذهب الصدوق كما علمت وظاهر صحيحة محمد بن مسلم وبريد بن معاوية هو تقديم صلاة الكسوف في حال سعة الوقتين إلى ان يتضيق وقت الحاضرة. والعجب ان الصدوق قد نقل هذه الصحيحة في كتابه ثم عقبها بهذه الفتوى ووجه التدافع بينهما ظاهر، ولم يجب عن الرواية المذكورة بشئ مع ظهورها في خلاف ما افتى به. ولهذا ان صاحب المدارك اعترضه في هذا المقام فقال بعد نقل كلامه: ومقتضاه جواز القطع بل وجوبه إذا دخل وقت الفريضة وهو بعيد جدا، فان الرواية التى أوردها في كتابه في هذا المعنى عن بريد ومحمد بن مسلم صريحة في الامر بصلاة الكسوف ما لم يتخوف ان يذهب وقت الفرضية، وإذا جاز ابتداء صلاة


(1) مستدرك الوسائل الباب 4 من صلاة الكسوف.

[ 348 ]

الكسوف والحال هذه فلا وجه لوجوب قطعها بدخول الوقت بل ولا لجوازه. اقول: قد عرفت ان مستند الصدوق (قدس سره) في هذه الفتوى انما هو كتاب الفقه الرضوي، نعم جمعه في كتابه بين هذه الفتوى وهذه الرواية مع ما عرفت لا يخلو من مدافعة لما قرره في صدر كتابه من القاعدة. ويخطر بالبال العليل والفكر الكليل في الجمع بين هذه الاخبار على وجه تندفع به هذه المناقضة عن الصدوق (قدس سره) ويزول به التنافى بين اخبار المقام ان يقال لا ريب في دلالة صحيحة محمد بن مسلم وعبارة كتاب الفقه الرضوي على ما ذهب إليه الصدوق من وجوب تقديم الحاضرة في حال السعة، واما صحيحة محمد بن مسلم الاخيرة وصحيحة ابى ايوب فظاهرهما انه مع خوف فوات فضيلة اول الوقت يقطع صلاة الكسوف لو شرع فيها ويبدأ بالفريضة، وهو ظاهر في تأييد ما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم الاولى وعبارة كتاب الفقه الرضوي. قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد ايراد هذين الخبرين الاخيرين اعني خبرى محمد بن مسلم وابى ايوب: ولعل الجماعة يتمسكون بهاتين الروايتين على التقديم مع السعة وعلى القطع مع دخول الوقت والبناء، وهما صحيحتان إلا ان دلالتهما على ذلك غير صريحة. انتهى. أقول: بل متمسك الجماعة خصوصا الصدوقين (قدس سرهما) انما هو عبارة كتاب الفقه الصريحة بل هي عين عبارة الصدوقين كما عرفت. وكيف كان فان كلا منهما مؤذن بما ذكرنا من التأييد وان لم تكونا صريحتين في الحكم المذكور إلا ان رواية محمد بن مسلم الاولى وعبارة كتاب الفقه صريحتان في ذلك، وحينئذ فلم يبق في المقام إلا صحيحة محمد بن مسلم وبريد لانحصار المخالفة ظاهرا فيها، وتطبيقها على هذه الاخبار ممكن بحمل وقت الفريضة فيها على وقت الفضيلة كما صرحت به صحيحة الثانية وصحيحة ابى ايوب جمعا بين الاخبار، ووجهه ما قدمنا بيانه وشيدنا اركانه وبنيانه في مبحث الاوقات من اطلاق الوقت

[ 349 ]

في كثير من الاخبار على وقت الفضيلة خاصة لا ما يشمل وقت الاجزاء. وبالجملة فان عبارة كتاب الفقه الرضوي قد صرحت بالنهي عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة حتى يصلى الفريضة والنهى حقيقة في التحريم، وصحيحة محمد بن مسلم الاولى قد صرحت بالامر بالبدأة بالفريضة في الصورة المذكورة والامر حقيقة في الوجوب، وايد ذلك الصحيحتان الاخريان لدلالتهما على قطع صلاة الكسوف محافظة على تحصيل فضيلة أول الوقت بلفظ الامر الظاهر في الوجوب فحمل هذه الصحيحة الباقية على ما ذكرنا لتجتمع به مع باقى اخبار المسألة على معنى واحد ليس ببعيد بل هو أقرب قريب، والاستبعاد في ذلك ان حصل فانما هو من حيث الالف بالمشهورات وإلا فما ذكرنا في مقام الجمع بين الاخبار شائع ذائع في كلامهم. وبه يظهر قوة ما ذهب إليه الصدوق ومن حذا حذوه في المقام وتزول عنه غشاوة الاشكال والابهام. ومنها - ان ما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم الاولى من الامر بتقديم صلاة الكسوف على صلاة الليل فهو مما لا خلاف فيه، قال في المنتهى انه قول علمائنا أجمع. ويدل عليه زيادة على هذه الصحيحة صحيحته الاخرى مع بريد بن معاوية المتقدمة ايضا. وفى معنى صلاة الليل غيرها من النوافل المرتبة. قال في الذكرى: لو كانت صلاة الليل منذورة فكالفريضة الحاضرة في التفصيل السالف، وهل ينسحب فيها قول البناء وكذا في كل صلاة منذورة تزاحم صلاة الكسوف ؟ الظاهر لا اقتصارا على موضع النص مع المخالفة للاصل. انتهى. أقول: لا يخفى ان لفظ الفريضة في اخبار الكسوف المتقدمة انما ينصرف إلى اليومية إذ هي المتبادرة من الاطلاق لا كل واجب، وحينئذ فكون صلاة الليل المنذورة أو غيرها من الصلوات المنذورة كالفريضة الحاضرة محل اشكال كما لا يخفى لعدم الدليل في المقام زيادة على الاخبار المذكورة التى قد عرفت اختصاصها باليومية ومنها - انه مع القطع والرجوع إلى صلاة الفريضة فهل يبنى على ما قطع

[ 350 ]

ويتم ما مضى من صلاة الكسوف أو يعيد صلاة الكسوف من رأس ؟ قولان المشهور الاول وعليه تدل الاخبار المتقدمة كصحيحة محمد بن مسلم وبريد وصحيحة محمد بن مسلم الثانية وصحيحة ابى ايوب وعبارة كتاب الفقه الرضوي (1). وذهب الشيخ في المبسوط إلى ان من قطع صلاة الكسوف لخوف فوات الفريضة وجب عليه استئنافها من رأس، واختاره في الذكرى قال لان البناء بعد تخلل الصلاة الاجنبية لم يعهد من الشارع تجويزه في غير هذا الموضع. والاعتذار - بان الفعل الكثير مغتفر هنا لعدم منافاته للصلاة - بعيد فانا لم نبطلها بالفعل الكثير بل بحكم الشارع بالابطال والشروع في الحاضرة فإذا فرع منها فقد اتى بما يخل بنظم صلاة الكسوف فيجب اعادتها من رأس تحصيلا ليقين البراءة. انتهى. وظاهر المحقق في المعتبر التردد في ذلك وهو اجتهاد محض في مقابلة النصوص وهو غير جيد سيما منهما على الخصوص. وفيه زيادة على ما قلناه انه قد تقدم في المسألة الثالثة من المطلب الثاني في السهو من كتاب الصلاة (2) رواية عبد الله بن جعفر الحميرى عن الناخية المقدسة الصاحبية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية (انه سأله عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر فلما ان صلى من صلاته العصر ركعتين استيقن انه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع ؟ فأجاب (ع) ان كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاتين اعاد الصلاتين، وان لم يكن احدث حادثة جعل الركعتين الاخيرين تتمة لصلاة الظهر وصلى العصر بعد ذلك) وقد قدمنا في المسألة المذكورة ان جمعا من الاصحاب ذهبوا إلى القول بمضمون الخبر المذكور ومنهم الشهيد وكذلك الشهيد الثاني (عطر الله مرقديهما). وانت خبير بان ما أورده في هذه المقام جار في العمل بمضمون هذا الخبر بل العمل بمضمون هذا الخبر اشكل والامر فيه أشد واعضل، فان القطع والبناء في


(1) ص 346. (2) ج 9 ص 122.

[ 351 ]

صلاة الكسوف في الصورة المذكورة مستند إلى الاخبار الصحيحة الصريحة المسألة عن المعارض، والعمل بهذا الخبر - مع استلزامه لتخلل الركعتين المشتملتين على عدة من الاركان المتفق على ابطالها الصلاة عمدا وسهوا من النية وتكبيرة الاحرام والركوع والسجود - معارض بالاخبار الكثيرة الدالة على ان الحكم في مثل ذلك انما هو النقل إلى الظهر بان ينوى بالركعتين الاولين الظهر ويتم الركعتين الباقيتين بهذه النية ثم يصلى العصر، ولم يعهد من الشارع اغتفار زيادة هذه الاركان المتعددة في اثناء الصلاة الواحدة. وبالجملة فانه لا مستمسك لما ذكره إلا مجرد الاستبعاد وهو مردود بهذه الرواية التى ذهب هو نفسه إلى القول بمضمونها، ولا فرق بين الصورتين إلا ان الشارع حكم في تلك الصورة بالابطال ثم العود وفى هذه الصورة الابطال ايضا متحقق في ما اتى به من الظهر ركعتين إذ لا خلاف ولا إشكال في بطلانهما، مع انه (ع) جوز اتمامها بما بقى عليه من ركعتي العصر التى ذكر النقصان في اثنائها، فمرجع الصورتين إلى أمر واحد كما لا يخفى. والله العالم. ومنها - ان ما دلت عليه رواية كتاب دعائم - من ان من وقف في صلاة الكسوف حتى دخل عليه وقت صلاة فانه يتم صلاة الكسوف أولا إلى ان يضيق وقت الفريضة - وان وافق كلام جمهور الاصحاب وصحيحة محمد بن مسلم وبريد المتقدمة إلا انه خلاف ظاهر باقى أخبار المسألة، والتأويل الذى ذكرناه في صحيحة محمد بن مسلم وبريد بعيد في هذه الرواية، وكيف كان فهى لا تبلغ قوة في معارضة ما ذكرناه من الاخبار مع ما عرفت آنفا من عدم صلوح اخبار هذا الكتاب لتأسيس الاحكام وان صلحت للتأييد. الموضع الثاني - قال في المعتبر: لو اشتغل بالحاضرة مع ضيق وقتها فانجلى الكسوف ولم يحصل تفريط فالاشبه انه لا قضاء لعدم استقرار الوجوب. انتهى أقول: الظاهر ان مراده انه لو وقع تأخير الفريضة إلى آخر وقتها واتفق

[ 352 ]

الكسوف في ذلك الوقت وانجلى مدة اشتغاله بالفريضة، فان كان تأخير الفريضة إلى آخر وقتها لم ينشأ من تفريط واعمال في تأخيرها بل كان ذلك لعذر شرعى من حيض أو اغماء أو جنون أو نحو ذلك من الاعذار فلا قضاء لصلاة الكسوف لعدم استقرار الوجوب، وان كان عن تفريط فالاشبه القضاء لاستناد الفوات إلى تفريطه بتأخير الفريضة إلى آخر وقتها. وفيه أنه يمكن ان يقال ان التأخير إلى ذلك الوقت كان مباحاله له ثم تعين عليه بسبب التضيق ولزم من ذلك الفوات، فهو في هذه الحال غير متمكن من فعل الكسوف فلا يجب الاداء لعدم التمكن ولا القضاء لعدم الاستقرار، لانه لم يمض عليه بعد وقوع الكسوف زمان يمكن الاداء فيه ليحصل به استقرار الوجوب. وتؤيده الاخبار المتقدمة الدالة على انه بعد زوال السبب فلا قضاء مثل رواية الحلبي (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الكسوف تقضى إذا فاتتنا ؟ قال ليس فيها قضاء) ونحوها صحيحة البزنطى المنقولة في السرائر ورواية كتاب دعائم الاسلام المتقدم جميعه في المقام الثالث من المسألة الخامسة من البحث الاول (2) ونحوها صحيحة على بن جعفر المتقدمة في المقام الثاني. إلا انه قد تقدم حمل هذه الروايات على صورة الجهل بالكسوف وعدم استيعاب الاحتراق جمعا بينها وبين ما دل على الامر بالقضاء. وكيف كان فالقضاء هو الاحوط سيما مع ما قدمناه من حمل الاخبار على السببية دون التوقيت. الثالث - قال في الذكرى: لو جامعت صلاة العيد بان تجب بسبب الايات المطلقة أو بالكسوفين نظرا إلى قدرة الله تعالى وان لم يكن معتادا. على انه قد اشتهر ان الشمس كسفت يوم عاشوراء لما قتل الحسين (ع) كسفة بدت الكواكب نصف


(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف (2) ص 323 (3) ص 319

[ 353 ]

النهار فيها، رواه البيهقى وغيره (1) وقد قدمنا (2) ان الشمس كسفت يوم مات ابراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله وروى الزبير بن بكار في كتاب الانساب انه توفى في العاشر من شهر ربيع الاول (3) وروى الاصحاب ان من علامات المهدى (ع) كسوف الشمس في النصف الاول من شهر رمضان (4) فحينئذ إذا اجتمع الكسوف والعيد فان كانت صلاة العيد نافلة قدم الكسوف وان كانت فريضة فكما مر من التفصيل في الفرائض، نعم تقدم على خطبة العيدين ان قلنا باستحبابها كما هو المشهور. انتهى الرابع - قال في الذكرى ايضا: هل يشترط في وجوب صلاة الكسوف اتساع الوقت لجميعها أم يكفى ركعة بسجدتيها أم يكفى مسمى الركوع لانه يسمى ركعة لغة وشرعا في هذه الصلاة أم لا ؟ احتمالات، من تغليب السبب فلا يشترط شئ من ذلك فتكون كالزلزلة. إلا ان هذا الاحتمال مرفوض بين الاصحاب، ومن اجرائها مجرى اليومية فتعتبر الركعة، ومن خروج اليومية بالنص فلا يعتدى إلى غيرها. انتهى أقول: لا يخفى ان الاحتمال الاخير وان كان مرفوضا بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) إلا انه هو الظاهر من اطلاق اخبار الباب كما تقدم نبذة من الكلام فيه في المسألة الثالثة من البحث الاول (5). الخامس - قال في الذكرى ايضا: لو اجتمعت آيتان فصاعدا في وقت واحد كالكسوف والزلزلة والريح المظلمة فان اتسع الوقت للجميع تخير في التقديم، ويمكن وجوب تقديم الكسوف على الايات لشك بعض الاصحاب في وجوبها،


(1) في مجمع الزوائد ج 9 ص 197 (لما قتل الحسين بن علي عليه السلام انكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار وظننا انها هي). (2) تقدم ص 301. (3) في عمدة القاري ج 3 ص 472 (كانت وفاة ابراهيم (عليه السلام) يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الاول سنة 10 ودفن بالبقيع) وفي المواهب اللدنية كما في شرحها للزرقاني ج 3 ص 212 نحوه. (4) البحار ج 13 ص 61 و 162 (5) ص 308.

[ 354 ]

وتقديم الزلزلة على الباقي لان دليل وجوبها أقوى. ولو اتسع لصلاتين فصاعدا وكانت الصلوات اكثر مما يتسع له احتمل قويا هنا تقد يم الكسوف ثم الزلزلة ثم يتخير في باقى الايات، ولا يقضى ما لا يتسع له إلا على احتمال عدم اشتراط سعة الوقت للصلاة في الايات. ولو وسع واحدة لا غير فالاقرب تقديم الكسوف للاجماع عليه، وفى وجوب صلاة الزلزلة هنا اداء وقضاء وجهان، وعلى قول الاصحاب بان اتساع الوقت ليس بشرط يصليها من بعد قطعا. وكذا الكلام في باقى الايات. انتهى. فائدة بها التمام والختام قال في من لا يحضره الفقيه في العلل التى ذكرها الفضل بن شاذان النيشابوري عن الرضا (ع) (1) قال: (انما جعلت للكسوف صلاة لانه من آيات الله تعالى لا يدرى الرحمة ظهرت أم لعذاب ؟ فاحب النبي صلى الله عليه وآله ان تفزع امته إلى خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرها ويقيهم مكروهها كما صرف عن قوم يونس (ع) حين تضرعوا إلى الله عز وجل، وانما جعلت عشر ركعات لان أصل الصلاة التى نزل فرضها من السماء أولا في اليوم والليلة انما هي عشر ركعات فجمعت تلك الركعات ههنا، وانما جعل فيها السجود لانه لا تكون صلاة فيها ركوع إلا وفيها سجود ولان يختموا صلاتهم ايضا بالسجود والخضوع، وانما جعلت اربع سجدات لان كل صلاة نقص سجودها من اربع سجدات لا تكون صلاة، لان أقل الفرض من السجود في الصلاة لا يكون إلا اربع سجدات، وانما لم يجعل بدل الركوع سجود لان الصلاة قائما أفضل من الصلاة قاعدا، ولان القائم يرى الكسوف والاعلى والساجد لا يرى، وانما غيرت عن أصل الصلاة التى افترضها الله لانها تصلى لعلة تغير أمر من الامور وهو الكسوف فلما تغيرت العلة تغير المعلول).


(1) الفقيه ج 1 ص 342 وفي الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف

[ 355 ]

وروى ثقة الاسلام في الكافي والصدوق في الفقيه والشيخ على بن ابراهيم في تفسيره (1) باسانيدهم عن على بن الحسين (ع) قال: (ان من الاوقات التى قدرها الله للناس مما يحتاجون إليه البحر الذي خلقه الله بين السماء والارض، قال وان الله قد قدر فيها مجارى الشمس والقمر والنجوم والكواكب وقدر ذلك كله على الفلك ثم وكل بالفلك ملكا معه سبعون الف ملك فهم يديرون الفلك فإذا أداروه دارت الشمس والقمر والنجوم والكواكب معه فنزلت في منازلها التى قدرها الله تعالى فيها ليومها وليلتها، فإذا كثرت ذنوب العباد واراد الله ان يستعتبهم بآية من آياته امر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك الذى عليه مجارى الشمس والقمر والنجوم والكواكب فيأمر الملك اولئك السبعين الف ملك أن يزيلوه عن مجاريه فيزيلونه فتصير الشمس في ذلك البحر الذى يجرى في الفلك، قال فيطمس ضوؤها ويتغير لونها فإذا أراد الله أن يعظم الاية طمس الشمس في البحر على ما يحب الله ان يخوف خلقه بالاية قال وذلك عند انكساف الشمس، قال وكذلك يفعل بالقمر، قال فإذا أراد الله ان يجليها أو يردها إلى مجراها أمر الملك الموكل بالفلك ان يرد الفلك إلى مجراه فيرد الفلك فترجع الشمس إلى مجراها، قال فتخرج من الماء وهى كدرة، قال والقمر مثل ذلك، قال ثم قال على بن الحسين (ع) اما انه لا يفزع لهما ولا يرهب بهاتين الايتين إلا من كان من شيعتنا، فإذا كان كذلك فافزعوا إلى الله تعالى ثم ارجعوا إليه). ولصاحب الوافى هنا كلام بعد ذكر هذا الخبر في كتاب الروضة يجزى على مذاقة ومذاق امثاله من أراده فليراجعه. ولله در شيخنا المجلسي (قدس سره) حيث أشار إليه معرضا عنه بقوله في كتاب البحار: وربما يأول البحر بكل الارض والقمر والاحوط في امثاله ترك


(1) الروضة ص 83 والفقيه ج 1 ص 340 وفيه (الايات) بدل (الاوقات وفي الروضة (الاقوات) وفي الوسائل الباب 1 رقم 4 من صلاة الكسوف.

[ 356 ]

الخوض فيها وعدم انكارها ورد علمها إليهم (عليهم السلام) كما ورد ذلك في اخبار كثيرة. انتهى. وقال الصدوق في الفقيه بعد نقل خبر على بن الحسين (ع): ان الذى يخبر به المنجمون من الكسوف فيتفق كما يذكرونه ليس من هذه الكسوف في شئ وانما يجب الفزع إلى المساجد والصلاة عند رؤيته لانه مثله في المنظر وشبيه له في المشاهدة كما ان الكسوف الواقع مما ذكره سيد العابدين (ع) انما وجب الفزع فيه إلى المساجد والصلاة لانه آية تشبه آيات الساعة، وكذلك الزلازل والرياح والظلم وهى آيات تشبه آيات الساعة فأمرنا بتذكر القيامة عند مشاهدتها والرجوع إلى الله تعالى ذكره. انتهى. قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل ذلك عنه: وما ذكره متين إذا رئى وقوع الكسوفين غير الوقت الذى يمكن وقوعهما عند المنجمين كالكسوف والخسوف في يوم شهادة الحسين (ع) وليلته، وما روى انه يقع عند ظهور القائم (ع) من الكسوفين في غير اوانهما (1) ويحتمل ايضا أن يتفق عندما يخبره المنجمون ما ورد في الخبر. ونحوه قول والده (طاب ثراه) في حاشيته على الفقيه حيث قال يحتمل ان يكون غيره كما يقع في بعض الاوقات على خلاف قول المنجمين وشاهدناه مرارا. ويحتمل أن يكون ما ذكره (ع) هو ما ذكره المنجمون، ولا استبعاد في أن يقدر الله حركتهما بحيث تصير الشمس تجتمع مع القمر محاذاة والقمر مع الارض ويحصل الكسوف والخسوف ليخاف العباد ويرجعوا إلى ربهم ويتذكروا بها آيات الساعة كما قال الله تعالى (إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت) (2) انتهى. اقول: ما ذكره (قدس سره) من مشاهدة الكسوف والخسوف مرارا على خلاف قول المنجمين لا يخلو من غرابة فانه لم ينقل مثل ذلك إلا في مقام


(1) ارجع إلى التعليقة 1 و 4 ص 353. (2) سورة التكوير الاية 2 و 3.

[ 357 ]

المعاجز الغريبة كشهادة الحسين (ع) (1) وقيام القائم (ع) (2) ونحوهما كما وقع في كلام ابنه وتقدم في كلام الشهيد في الذكرى. والله العالم. وروى في الكافي عن عبد الصمد بن بشير عن ابى عبد الله (ع) (3) قال (ان الحوت الذى يحمل الارض اسر في نفسه انه انما يحمل الارض بقوته فارسل الله إليه حوتا أصغر من شبر واكبر من فتر (4) فدخل في خياشيمه فصعق فمكث بذلك أربعين يوما ثم ان الله تعالى رؤف به ورحمه وخرج، فإذا اراد الله تعالى بارض زلزلة بعث ذلك الحوت إلى ذلك الحوت فإذا رآه اضطرب فتزلزلت الارض). وروى في الفقيه (5) مرسلا قال: (قال الصادق (ع) ان الله خلق الارض فامر الحوت فحملتها فقالت حملتها بقوتى فبعث الله إليها حوتا قدر فتر فدخلت في منخرها فاضطربت اربعين صباحا، فإذا أراد الله تعالى ان يزلزل أرضا تراءت لها تلك الحوتة الصغيرة فتزلزلت الارض خوفا). وروى الصدوق في الفقيه (6) مرسلا قال: (قال الصادق (ع) ان ذا القرنين لما انتهى إلى السد جاوزه فدخل في الظلمات فإذا بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع فقال له الملك يا ذا القرنين أما كان خلفك مسلك ؟ فقال له ذوالقرنين من أنت ؟ فقال أنا ملك من ملائكة الرحمان موكل بهذا الجبل وليس من جبل خلقه الله تعالى إلا وله عرق متصل بهذا الجبل فإذا أراد الله عز وجل ان يزلزل مدينة أوحى إلى فزلزلتها. ورواه الشيخ في التهذيب عن جميل عن ابى عبد الله (ع) (7) قال: (سألته


(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 353 (2) ارجع إلى التعليقة 4 ص 353. (3) الروضة ص 255. (4) الفتر سعة ما بين السبابة والابهام إذا فتحتهما. (5) ج 1 ص 342 وفيه (فرقا) بدل (خوفا) (6) ج 1 ص 342 (7) ج 3 ص 290 الطبع الحديث.

[ 358 ]

عن الزلزلة قال اخبرني ابى عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله... الحديث). وروى في الفقيه (1) مرسلا قال: (قال الصادق (ع) ان الله تبارك وتعالى أمر الحوت بحمل الارض وكل بلد من البلدان على فلس من فلوسه فإذا أراد الله تعالى ان يزلزل ارضا أمر الحوت ان يحرك ذلك الفلس فيحركه ولو رفع الفلس لا نقلبت الارض باذن الله تعالى). وروى فيه (2) قال: (وسأل سليمان الديلمى أبا عبد الله (ع) عن الزلزلة ماهى ؟ فقال آية. فقال وما سببها ؟ قال ان الله تعالى وكل بعروق الارض ملكا فإذا اراد الله إن يزلزل ارضا أوحى إلى ذلك الملك ان حرك عرق كذا وكذا قال فيحرك ذلك الملك عرق تلك الارض التى أمر الله تعالى فتتحرك باهلها. قال قلت فإذا كان ذلك فما اصنع ؟ قال صل صلاة الكسوف فإذا فرغت خررت لله ساجدا وتقول في سجودك: يا من يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من أحد من بعده انه كان حليما غفورا يا من يمسك السماء ان تقع على الارض إلا باذنه امسك عنا السواء انك على شئ قدير). قال في الفقيه (3) بعد نقل هذه الاخبار: والزلزلة تكون من هذه الوجوه الثلاثة وليست هذه الاخبار مختلفة. وقال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل جملة من هذه الاخبار: يمكن الجمع بين هذه الاخبار باجتماع تلك العلل عند الزلزلة أو بانها تكون على هذه الوجوه مرة لعلة ومرة اخرى لاخرى كما ذكره في الفقيه. ويمكن أن يكون ترائى الحوات للزلزلة الشاملة لجميع الارض ورفع الفلس للزلزلة الشديدة الخاصة ببعض البلاد وتحريك العرق للخاصة الغير الشديدة.


(1) ج 1 ص 343. (2) ج 1 ص 343 وفي الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف (3) ج 1 ص 343.

[ 359 ]

وقال والده (طاب ثراه) في شرحه على الفقيه: اعلم ان الصدوق ذكر طرق هذه الاخبار وفيها جهالة وارسال ولما كانت مختلفة ظاهرا جمع بينها بان الزلزلة تكون لهذه الاسباب حتى لا تكون بينهما منافاة. ويمكن الجمع بينها على تقدير صحتها بوجه آخر بان تكون عروق البلدان بيد الملك الذى على جبل قاف المحيط بجميع الارض ويكون كل بلد على فلس من فلوس الحوت الحامل لها بقدرة الله تعالى وإذا أراد الله تعالى أن يزلزل أرضا أمر الملك أن يحرك عرق تلك الارض وامر الحوتة الصغيرة أن تتراءى للحوت الكبير حتى يفزع لها فيحرك الفلس الذى وقعت عليه الارض التى أراد الله زلزلتها. انتهى. وروى في الفقيه (1) عن على بن مهزيار قال: (كتبت إلى ابى جعفر (ع) وشكوت إليه كثرة الزلازل في الاهواز وقلت ترى لى التحويل عنها ؟ فكتب لا تتحولوا عنها وصوموا الاربعاء والخميس والجمعة واغتسلوا وطهروا ثيابكم وابرزوا يوم الجمعة وادعوا الله تعالى فانه يرفع عنكم. قال ففعلنا فسكنت الزلازل). الفصل الرابع في صلاة الاموات والبحث في من يصلى عليه ومن يصلى والكيفية والأحكام المتعلقة بالمقام، وحينئذ فتحقيق الكلام في هذا الفصل يتوقف على بسطه في مطالب اربعة: المطلب الاول - في من يصلى عليه وفيه مسائل (الاولى) لا خلاف في وجوب الصلاة على المؤمن وهو المسلم المعتقد لامامة الائمة الاثنى عشر (عليهم السلام) كما انه لا خلاف ولا إشكال في عدم الوجوب بل عدم الجواز إلا للتقية على الخوارج والنواصب والغلاة والزيدية ونحوها ممن يعتقد خلاف ما علم من الدين ضرورة.


(1) ج 1 ص 343 وفي الوسائل الباب 13 من صلاة الكسوف.

[ 360 ]

وانما الخلاف في غير من ذكرنا من المخالفين الذين قد اشتهر بين متأخرى إصحابنا الحكم باسلامهم، فقال الشيخ في جملة من كتبه وابن الجنيد والمحقق واكثر المتأخرين بالوجوب. وقال الشيخ المفيد (قدس سره): ولا يجوز لاحد من أهل الايمان أن يغسل مخالفا للحق في الولاية ولا يصلى عليه إلا ان تدعو ضرورة إلى ذلك من جهة التقية. وظاهر الشيخ في التهذيب موافقته في ذلك حيث انه احتج له بان المخالف لاهل البيت كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل، وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أن يكون غسل المخالف ايضا غير جائز. وأما الصلاة عليه فتكون على حد ما كان يصلى النبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) على المنافقين. والى هذا القول ذهب أبو الصلاح وابن ادريس وسلار، وهو الحق الظاهر بل الصريح من الاخبار لاستفاضتها وتكاثرها بكفر المخالف ونصبه وشركه وحل ماله ودمه كما بسطنا عليه الكلام بما لا يحوم حوله شبهة النقض والابرام في كتاب الشهاب الثاقب في بان معنى الناصب وما يترتب عليه من المطالب. والقول بالكفر هو المشهور بين الاصحاب من علمائنا المتقدمين (رضوان الله عليهم اجمعين) كما نقله الشيخ ابن نوبخت من متقدمي اصحابنا في كتابه فص الياقوت حيث قال: دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، ومن اصحابنا من يحكم بفسقهم... إلى آخره. وقال العلامة في شرحه على الكتاب المذكور المسمى بانوار الملكوت: اما دافعوا النص على امير المؤمنين (ع) بالامامة فقد ذهب اكثر اصحابنا إلى كفرهم لان النص معلوم بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وآله فيكون ضروريا أي معلوما من دينه صلى الله عليه وآله بالضرورة فجاحده يكون كافرا كمن يجحد وجوب الصلاة وصوم رمضان. ثم نقل الاقوال الاخر. وبذلك صرح في باب الزكاة من كتاب المنتهى وهو ظاهر الكليني في الكافي والمرتضى واختاره جملة من افاضل متأخرى المتأخرين

[ 361 ]

ولا بأس بذكر جملة من الاخبار الدالة على ما ادعيناه من الكفر والنصب والشرك وحل المال والدم ليعلم ان ما ذهب إليه المتأخرون - من الحكم باسلامهم حتى فرعوا عليه هنا وجوب الصلاة عليهم ونحوه من أحكام الاسلام - نفخ في غير ضرام وغفلة عن النظر بعين التحقيق في اخبارهم (عليهم السلام). فمن ذلك ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر (1) في ما استطرفه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا ابى الحسن الهادى (ع) في جملة مسائل محمد ابن على بن عيسى قال: كتبت إليه اسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه إلى اكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بامامتها ؟ فرجع الجواب: من كان على هذه فهو ناصب). ومعنى الخبر هو انه لما استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بكفر الناصب وشركه ونجاسته وحل ماله ودمه كتب إليه يسأله عن معنى الناصب ومظهر النصب بما يعرف حتى تترتب عليه الاحكام المذكورة وانه هل يحتاج إلى شئ زائد على مجرد تقديم الجبت والطاغوت واعتقاده امامتهما ؟ فرجع الجواب ان مظهر النصب والعداوة لاهل البيت (عليهم السلام) هو مجرد التقديم والقول بامامة الاولين. وهو ظاهر الدلالة في الرد على ما اشتهر بين متأخرى اصحابنا من جعلهم الناصب اخص من المخالف. نعم يجب أن يستثنى من عموم هذا الخبر المستضعف الذى دلت الاخبار على اسلامه ووجوب اجراء احكام الاسلام عليه في دار الدنيا وانه في الاخرة من المرجأين لامر الله تعالى. ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب العلل (2) بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال: (ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت (عليهم السلام) لانك لا تجد رجلا يقول انا ابغض محمدا وآل محمد صلى الله عليه وآله ولكن الناصب من نصب لكم


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس و 68 من القصاص في النفس.

[ 362 ]

وهو يعلم انكم تتولونا وانكم من شيعتنا). ومنها - ما رواه في كتاب معاني الاخبار بسند معتبر عن المعلى بن خنيس (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت (عليهم السلام) لانك لا تجد أحدا يقول أنا ابغض محمدا وآل محمد صلى الله عليه وآله ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وتتبرأون من أعدائنا). وحاصل معنى الخبرين انه لا ينحصر الناصب في من أظهر بغضنا بلسانه وجاهر بعداوتنا لانه لو كان كذلك لم يوجد ناصب بالكلية لانك لا تجد احدا ويتظاهر بعداوتنا ويعلن ببغضنا وانما الناصب لنا والعدو هو من ابغضكم وهو يعلم انكم من شيعتنا تتولونا وتتبرأون من اعدائنا، وعلى هذا فالنصب والعداوة للشيعة من حيث التشيع مظهر للنصب لهم (عليهم السلام). ويدل على ذلك باوضح دلالة ما رواه الصدوق في كتاب الامالى (2) عن امير المؤمنين (ع) قال: (من سره أن يعلم أمحب لنا أم مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض وليا لنا فليس بمحب لنا... الحديث) ونحوه اخبار عديدة. ومن هذه الاخبار يعلم ان مظهر النصب والعداوة لهم (عليهم السلام) منحصر في امرين: تقديم الجبت والطاغوت واظهار العداوة للشيعة. وقد وافقنا في هذا المقام من متأخرى علمائنا الاعلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض في باب السؤر حيث قال - بعد قول المصنف وسؤر الكافر والناصب - ما هذا لفظه: والناصب من نصب العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) أو لاحدهم وأظهر البغضاء لهم صريحا أو لزوم ككراهة ذكرهم ونشر فضائلهم والاعراض عن مناقبهم من حيث انها مناقبهم والعداوة لمحبيهم من حيث محبتهم، وروى الصدوق ابن بابويه عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) ثم ساق الخبر الاول ثم قال وفى بعض الاخبار


(1) الوسائل الباب 68 من القصاص في النفس (2) ارجع إلى الاستدراكات

[ 363 ]

ان كل من قدم الجبت والطاغوت فهو ناصب. واختاره بعض الاصحاب إذ لا عداوة اكثر ممن قدم المنحط عن مراتب الكمال وفضل المنخرط في سلك الاغبياء والجهال على من تسنم أوج الجلال حتى شك في انه الله المتعال. انتهى كلامه (زيد مقامه) وهو الحق الذى لا تعتريه شبة ولا اشكال وان خالفه في مواضع من كلامه في امثال هذا المجال. ومنها - ما رواه في الكافي عن ابى جعفر (ع) (1) قال (ان الله تعالى نصب عليا (ع) علما بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا ومن جهله كان ضالا) وبهذا المضمون أخبار عديدة في الكتاب المذكور وغيره. ونحوه ما رواه في الكافي ايضا عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (اهل الشام شر من أهل الروم وأهل المدينة شر من أهل مكة وأهل مكة يكفرون بالله جهرة) وعنه (ع) (3) (ان أهل مكة ليكفرون بالله جهرة وان أهل المدينة أخبث من اهل مكة اخبث منهم سبعين ضعفا). وعن ابى مسروق (4) قال: (سألني أبو عبد الله (ع) عن أهل البصرة فقلت مرجئة وقدرية وحرورية فقال لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التى لا تعبد الله على شئ) إلى غير ذلك من الاخبار. وقد ساعدتها على ذلك جملة من الايات القرآنية وما ورد في تفسيرها عن الائمة المعصومين (عليهم السلام) بتفسير الكفر فيها بانكار ولاية على (ع) رواها في الكافي (5). ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الموثق عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (ع) (6) في حديث قال فيه بعد ان ذكر اليهودي والنصراني


(1) الاصول ج 1 ص 437 الطبع الحديث وفي الوسائل الباب 6 من حد المرتد (2) و (4) الاصول ج 2 ص 409 الطبع الحديث (3) الاصول ج 2 ص 410 الطبع الحديث (5) باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية من كتاب الحجة (6) الوسائل الباب 11 من الماء المضاف.

[ 364 ]

والمجوسي قال: (والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم ان الله لم يخلق خلقا انجس من الكلب وان الناصب لنا أهل البيت لانجس منه) وفى معناه اخبار عديدة تقدمت في باب النجاسات من كتاب الطهارة (1). ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا الخمس). وما رواه عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (3) في حديث قال: (ولو لا انا نخاف عليكم ان يقتل رجل منكم برجل منهم - ورجل منكم خير من الف رجل منهم ومائة الف منهم - لامرناكم بالقتل لهم ولكن ذلك إلى الامام). وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلى (4) قال: (سألت أبا جعفر (ع) عن مؤمن قتل ناصبا معروفا بالنصب على دينه غضبا لله ورسوله صلى الله عليه وآله أيقتل به ؟ قال أما هؤلاء فيقتلونه به ولو رفع إلى امام عادل ظاهر لم يقتله. قلت فيطل دمه ؟ قال لا ولكن ان كان له ورثة فعلى الامام أن يعطيهم الدية من بيت المال لان قاتله انما قتله غضبا لله ولامام المسلمين) وفى معناه غيره ومن أراد استقصاء الوقوف على جملة هذه الاخبار وما يتعلق بها من البحث والنقض والابرام فليرجع إلى كتابنا الشهاب الثاقب المتقدم ذكره فانه شاف واف بالمراد عار عن تطرق وصمة النقض والايراد. والله الهادى إلى الرشاد. إذا عرفت ذلك فاعلم ان من أوجب الصلاة على هؤلاء بناء على الحكم باسلامهم احتج على ذلك بما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (5) قال: (صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله).


(1) ج 5 ص 187 (2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس (3) الوسائل الباب 95 من ما يكتسب به (4) الوسائل الباب 68 من القصاص في النفس، ويرجع فيه إلى الاستدراكات (5) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.

[ 365 ]

وما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه آبائه (عليهم السلام) (1) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله صلوا على المرجوم من امتى وعلى القاتل نفسه من امتى لا تدعوا أحدا من امتى بلا صلاة). والجواب عن ذلك - مع الاغماض عن ضعفهما وعدم قيامهما بالمعارضة لا يسر يسير مما قدمناه من الاخبار مما ذكرناه وما لم نذكره - ان هذا المستدل لا يقول بهما على اطلاقهما لشمولهما للفرق التى قدمنا سابقا الاتفاق على كفرها فلابد من تخصيصهما بغيرهم، وليس تخصيصهما بما ذكروه من الادلة الدالة على كفر تلك الفرق أولى من تخصيصهما بما قدمنا ذكر بعضه من الاخبار الدالة على نصب المخالف وكفره وشركه ونحو ذلك، واحتمال الخروج مخرج التقية فيهما ظاهر لا ينكر إلا ممن صد عن قبول الحق في ما ذكرناه من الاخبار واستكبر. قال في المدارك في هذا المقام - بعد نقل القول المشهور والاستدلال له بالروايتين المذكورتين ثم نقل قول الشيخ المفيد ومن تبعه - ما لفظه: وهو غير بعيد لان الاجماع انما انعقد على وجوب الصلاة على المؤمن، والروايات التى استدل بها على العموم لا تخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة، والوجوب التمسك بمقتضى الاصل إلى ان يقوم على الوجوب دليل يعتد به. انتهى. اقول: قد سبق له نظير هذا الكلام المنحل الزمام في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة حيث قال بعد نقل كلام الشيخ المفيد المنقول هنا: والمسألة قوية الاشكال وان كان الاظهر عدم وجوب تغسيل غير المؤمن. انتهى. وفيه (أولا) ان مقتضى الحكم باسلامهم كما هو مذهبه في المسألة تبعا لجده والمحقق قبله وامثالهم هو ترتب احكام الاسلام واجراؤها عليهم مما يتعلق بالحياة والممات، فكما يجوز الحكم بمناكحتهم وموارثتهم وطهارتهم وحقن دمائهم واموالهم بل عدالتهم كما عرفت مما تقدم في مسألة العدالة من باب صلاة الجمعه المترتب جميع ذلك على الاسلام، فكذا يجب الحكم بغسلهم والصلاة عليهم فان جميع ذلك من


(1) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.

[ 366 ]

توابع الاسلام واحكامه المترتبة عليه، وتوقفه هنا على الدليل بخصوص هذين الحكمين لا معنى له، لان تلك الاحكام التى أجروها عليهم في حال الحياة أنما اجروها تبعا للاسلام وتفريعا عليه لا لخصوص أدلة دلت عليها بالنسبة إلى المخالف وان زعموا ورود ذلك في بعض هذا الاشياء المعدودة، والذى دلت عليه هذه الادلة الواردة عنهم (عليهم السلام) انما هو خلاف ما يدعونه من تلك الاحكام. و (ثانيا) ان الاصحاب في هذه المسألة على قولين (أحدهما) القول بالكفر وعدم جواز تغسيلهم والصلاة عليهم، و (ثانيهما) القول بالاسلام ووجوب الحكمين المذكورين، والقول بالاسلام وعدم جواز الحكمين المذكورين خرق للاجماع المركب وقد عرفت انه في غير موضع من كتابه يراعى الاجماع ويتشبث به وان خالف نفسه في مواضع اخر. وظاهر قوله هنا - ان الاجماع انما انعقد على وجوب الصلاة على المؤمن - هو الاعتماد على الاجماع فكيف يخرج عنه باحداث القول باسلامهم بل عدالتهم مع عدم جواز تغسيلهم والصلاة عليهم ؟ وبالجملة فالبناء لما كان على غير اساس تطرق إليه الانتقاض والانطماس فان كفرهم من المشهورات في اخبارهم (عليهم السلام) بل وربما يدعى انه من ضروريات مذهبهم كما لا يخفى على من إطلع على ما أوردناه في كتابنا المشار إليه آنفا من الاخبار وجاس خلال الديار. والله الهادى لمن يشاء. بقى الكلام في مادل عليه خبر السكوني (1) من حيث تضمنه الصلاة على القاتل نفسه مع ما ورد في جملة من الاخبار انه من أهل النار (2) ويمكن أن يقال انه بقتل نفسه لا يخرج عن الاسلام بل غايته أن يكون من أهل الكبائر المستحقين للنار ايضا، وقد دل صحيح هشام بن سالم المروى في الفقيه (3) على ان شارب


(1) ص 365 (2) الوسائل الباب 5 من القصاص في النفس (3) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة. ورواه في التهذيب ج 1 ص 345.

[ 367 ]

الخمر والزانى والسارق يصلى عليهم إذا ماتوا. وبالجملة من حيث عدم الخروج عن الايمان تدركهم الشفاعة ويكونون بذلك من أهل الجنة كما دل عليه قوله صلى الله عليه وآله (1) (انما شفاعتي لاهل الكبائر من امتى) هذا مع عدم حصول التوبة وإلا فيسقط البحث. والله العالم. المسألة الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الحد الذى يجب فيه الصلاة على الطفل، فالاشهر الاظهر هو بلوغ ست سنين، ذهب إليه الشيخ وابن البراج وابن حمزة وابن زهرة وسلار والمتأخرون ونقل المرتضى فيه الاجماع وكذا العلامة في المنتهى، وقال الشيخ المفيد في المقنعة لا يصلى على الصبى حتى يعقل الصلاة. ونحوه قال الجعفي والصدوق في المقنع، والظاهر ان هذا القول يرجع إلى الاول. وقال ابن الجنيد تجب على المستهل يعنى من رفع صوته بالبكاء. وقال ابن ابى عقيل لا تجب على الصبى حتى يبلغ. ويدل على القول الاول وهو المختار ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن زرارة (2) قال: (مات ابن لابي جعفر (ع) فاخبر بموته فامر به فغسل وكفن ومشى معه وصلى عليه وطرحت خمرة فقام عليها ثم قام على قبره حتى فرغ منه ثم انصرف وانصرفت معه حتى انى لامشى معه فقال اما انه لم يكن يصلى على مثل هذا - وكان ابن ثلاث سنين - كان على (ع) يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه ولكن الناس صنعوا شيئا (3) فنحن نصنع مثله. قال قلت فمتى تجب عليه الصلاة ؟ فقال


(1) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس (2) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة (3) في المغني ج 2 ص 522 (السقط وهو الولد تضعه المراة ميتا أو لغير تمام فاما ان خرج حيا واستهل فانه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف، وقال ابن المنذر اجمع اهل العلم على ان الطفل إذا عرفت حياته واستهل يصلى عليه وان لم يستهل قال احمد إذا اتى له اربعة اشهر غسل وصلى عليه وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين واسحاق، وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتا، وقال الحسن وابراهيم والحكم وحماد ومالك والاوزاعي =

[ 368 ]

إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين... الحديث). وما رواه الصدوق في الصحيح عن عبيدالله الحلبي وثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (1) (انه سئل عن الصلاة على الصبى متى يصلى عليه ؟ فقال إذا عقل الصلاة. قلت متى تجب الصلاة عليه ؟ قال إذا كان ابن ست سنين والصيام إذا اطاقه). قلت: والمراد بالوجوب هنا ليس المعنى الشرعي بل مجرد الثبوت فان صلاة الصبى مستحبة تمرينا، والمعنى انه متى يعقل الصلاة بحيث يؤمر بها تمرينا ؟ فقال إذا كان ابن ست سنين. والذى يكشف عن هذا المعنى ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهم السلام) (2) (في الصبى متى يصلى عليه ؟ قال إذا عقل الصلاة. قلت متى يعقل الصلاة وتجب عليه ؟ قال لست سنين). اقول: ومن هذه الروايات علم صحة ما حملنا عليه كلام الشيخ المفيد من رجوعه إلى القول المشهور خلافا لمن زعم المغايرة فعده في مقابلة القول المشهور وعده قولا برأسه. وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (3) قال: (صلى أبو جعفر (ع) على ابن له له صبى صغير له ثلاث سنين ثم قال لولا ان الناس يقولون ان بنى هاشم لا يصلون على


= واصحاب الراي لا يصلى عليه حتى يستهل، وللشافعي قولان كالمذهبين. واما من لم يأت له اربعة اشهر فانه لا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن ولا نعلم فيه خلافا الا عن ابن سيرين فانه قال يصلى عليه إذا علم انه نفخ فيه الروح، وحديث الصادق المصدق يدل على انه لا ينفخ فيه الا بعد اربعة اشهر وقبل ذلك لا يكون نسمة) ونحو ذلك في البدائع ج 1 ص 302 والمهذب ج 1 ص 34 وبداية المجتهد ج 1 ص 22 والمدونة ج 1 ص 162. (1) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 3 من اعداد الفرائض ونوافلها. (3) الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.

[ 369 ]

الصغار من اولادهم ما صليت عليه) قال (1): (وسئل (ع) متى تجب الصلاة عليه ؟ قال إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين). وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (2) قال: (سألته عن الصبى أيصلى عليه إذا مات وهو ابن خمس سنين ؟ قال إذا عقل الصلاة صلى عليه). اقول: قد عرفت من الاخبار السابقة ما يكشف اجمال هذا الخبر فانها قد فسرت من يعقل الصلاة بانه من كان ابن ست سنين. وقال الرضا في كتاب الفقه (3) (واعلم ان الطفل لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة) ويدل على ما ذهب إليه الجنيد ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (لا يصلى على المنفوس وهو المولود الذى لم يستهل ولم يصح ولم يورث من الدية ولامن غيرها، وإذا استهل فصل عليه وورثه) وعن على بن يقطين في الصحيح (5) قال: (سألت أبا الحسن (ع) لكم يصلى على الصبى إذا بلغ من السنين والشهور ؟ قال يصلى عليه على كل حال إلا ان يسقط لغير تمام). وعن احمد بن محمد رجل عن ابى الحسن الماضي (ع) (6) قال: قلت لكم يصلى على الصبى ؟... الحديث مثله. وعن السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (7) قال: (يورث للصبى ويصلى عليه إذا سقط من بطن امه فاستهل صارخا وإذا لم يستهل صارخا لم يورث ولم يصل عليه).


(1) و (2) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة. (3) ص 19. (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.

[ 370 ]

وأجاب الشيخ ومن تبعه من الاصحاب عن هذه الاخبار بالحمل على الاستحباب أو التقية (1). وفى الاول ما عرفت في غير مقام، مع انه لا وجه للحمل على ذلك بعد قول الباقر (ع) في صحيحة زرارة السابقة صدر الاخبار اما انه لم يكن يصلى على مثل هذا وان عليا (ع) كان يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه). ويدل على ذلك ايضا ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة (2) قال: (رأيت ابنا لابي عبد الله (ع) في حياة ابى جعفر (ع) يقال له عبد الله فطيم قد درج فقلت له يا غلام من ذا الذى إلى جنبك ؟ لمولى لهم فقال هذا مولاى فقال له المولى يمازحه لست لك بمولى. فقال ذلك شر لك. فطعن في جنان الغلام (3) فمات فاخرج في سفط إلى البقيع، فخرج أبو جعفر (ع) وعليه جبة خز صفراء وعمامة خز صفراء ومطرف خز اصفر فانطلق يمشى إلى البقيع وهو معتمد على والناس يعزونه على ابن ابنه فاما انتهى إلى البقيع تقدم أبو جعفر (ع) فصلى عليه وكبر عليه أربعا ثم أمر به فدفن، ثم أخذ بيدى فتنحى بى ثم قال انه لم يكن يصلى على الاطفال انما كان أمير المؤمنين (ع) يأمر بهم فيدفنون من وراء ولا يصلى عليهم وانما صليت عليه من أجل أهل المدينة كراهية أن يقولوا لا يصلون على اطفالهم) (4). والعجب انه مع صراحة الخبرين في التقية وعدم مجال للحمل على هذا الاستحباب


(1) و (4) ارجع إلى التعليقة 3 ص 367. (2) الفروع ج 1 ص 56 وفي الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة (3) كذا في التهذيب ج 1 ص 311 والوافي ج 13 ص 75، وفي فروع الكافي ج 1 ص 56 والاستبصار ج 1 ص 479 الطبع الحديث هكذا (فطعن في جنازة الغلام) وفي هامش الكافي المطبوع بايران هكذا: قوله (فمات) تفسير لقوله (فطعن في جنازة الغلام) والعرب تقول طعن فلان في جنازته ورمى في جنازته إذا مات (المغرب).

[ 371 ]

يحتملونه هنا جريا على قاعدتهم في جميع الابواب وحرصا عليه مع ما عرفت انه لا دليل عليه من سنة ولا كتاب. ويزيد ذلك تأكيد ما رواه في الكافي عن على بن عبد الله (1) قال: (سمعت ابا الحسن موسى (ع) يقول لما قبض ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله جرت فيه ثلاث سنن، أما واحدة فانه لما مات انكسفت الشمس فقال الناس انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال يا ايها الناس ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بامره مطيعان لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف فلما سلم قال يا على قم فجهز ابني فقام على (ع) فغسل ابراهيم وحنطه وكفنه ثم خرج به ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى به إلى قبره فقال الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله نسى أن يصلى على ابراهيم لما دخله من الجزع عليه فانتصب قائما ثم قال يا ايها الناس اتانى جبرئيل بما قلتم زعمتم انى نسيت أن اصلى على ابني لما دخلنى من الجزع ألا وانه ليس كما ظننتم ولكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة وامرني أن لا اصلى إلا على من صلى... الحديث). قال في المدارك - بعد ايراد اخبار ابن الجنيد صحيحة زرارة الواردة في موت ابن ابى جعفر (ع) ورواية موت ابراهيم - والمسألة محل اشكال إلا ان المقام مقام استحباب والامر فيه هين. اقول: قد عرفت انه لا إشكال بحمد الملك المتعال بعد ما عرفت من حمل اخبار ابن الجنيد على التقية ووضوح صحيحتي زرارة في ذلك، قد عرفت ان من القواعد المأثورة التى استفاضت بها الاخبار عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافه، وحينئذ فاى اشكال يبقى في هذا المجال ؟ والظاهر ان منشأ هذا الاشكال عنده انما هو من حيث صحة مستند ابن الجنيد في ما ذهب إليه


(1) الفروع ج 1 ص 57 وفي الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة

[ 372 ]

وهو بناء على شدة تمسكه بهذا الاصطلاح المحدث يحوم حول الاسانيد ويدور مدارها صحة وضعفا ولا ينظر إلى متن الخبر ومخالفته القواعد الشرعية والسنة المحمدية أم لا ؟ وأما قوله إلا ان المقام مقام استحباب والامر فيه هين - فانه ليس في محله لان الاستحباب انما صاروا إليه جمعا بين الاخبار بزعمهم وإلا فمذهب ابن الجنيد انما هو القول بالوجوب واخباره ظاهرة في الوجوب وهى صحيحة صريحة فكيف يكون المقام مقام استحباب والامر فيه هين ؟ على انه لا منافاة بين صحة الخبر عنهم (عليهم السلام) وخروجه مخرج التقية حتى يحصل الاشكال عنده، فانهم انما وضعوا هذا الاصطلاح للتحرز من العمل بالاخبار المكذوبة بزعمهم، ومتى ثبت كون سندها صحيحا علم انها صدق، وحينئذ فصحة الاخبار انما تنافى كونها مكذوبة لا كونها خرجت مخرج التقية. وبالجملة فكلامه (قدس سره) هنا لا اعرف له وجه استقامة. والذى يدل على ما ذهب إليه ابن ابى عقيل على ما نقله عنه ان الصلاة استغفار للميت ودعاء له ومن لم يبلغ لا حاجة له إلى ذلك. وما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (1) (انه سئل المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلى عليه ؟ قال لا انما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليها القلم). قال في المدارك: واجيب عن الاول بالمنع من كون الصلاة لاجل الدعاء للميت أو لحاجته إلى الشفاعة لوجوبها على النبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) ونحن محتاجون إلى شفاعتهم. وعن الرواية بالطعن في السند باشتماله على جماعة من الفطحية ولا تنهض حجة في معارضة الاخبار الصحيحة، قال في الذكرى: ويمكن أن يراد يجرى القلم مطلق الخطاب الشرعي والتمرين خطاب شرعى. انتهى. اقول: ومما يدل على هذا القول زيادة على الموثق المذكورة ما رواه في


(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.

[ 373 ]

الكافي عن هشام (1) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) ان الناس يكلمونا ويردون علينا قولنا انه لا يصلى على الطفل لانه لم يصل، فيقولون لا يصلى إلا على من صلى ؟ فنقول نعم. فيقولون أرأيتم لو أن رجلا نصرانيا أو يهوديا أسلم ثم مات من ساعته فما الجواب فيه ؟ فقال قولوا لهم أرأيتم لو أن هذا الذى أسلم الساعة افترى على انسان ما كان يجب عليه في فريته ؟ فانهم سيقولون يجب عليه الحد فإذا قالوا هذا قيل لهم فلو ان هذا الصبى الذى لم يصل افترى على انسان هل كان يجب عليه الحد ؟ فانهم سيقولون لا فيقال لهم صدقتم انما يجب أن يصلى على من وجبت عليه الصلاة والحدود ولا يصلى على من لم تجب عليه الصلاة ولا الحدود) وظاهر الخبر المذكور شهرة الحكم بما تضمنه يومئذ حتى عند المخالفين حيث أن ظاهره انهم كانوا يطعنون على الشيعة بذلك. وجمع المحدث الكاشانى في الوافى بين هذين الخبرين وبين اخبار القول المشهور بحمل تلك الاخبار على الاستحباب، قال في الكتاب المذكور بعد ذكر هذا الخبر: لا منافاة بين هذا الخبر والذى قبله لان الاول محمول على جواز الصلاة واستحبابها على من عقلها والثانى على حتمها ووجوبها على من أدرك، فمتى تستحب الصلاة للصبى تستحب عليه ومتى تجب تجب ومتى لا يعقلها وتجب عليه ولا تستحب. انتهى. ولا يخفى بعده إلا ان الظاهر انه لا مندوحة عنه في هذا المقام حيث ان هذين الخبرين كالصريحين في التخصيص بالبلوغ. وأما حمل موثقة عمار على بلوغ ست سنين وان المراد يجرى القلم يعنى جريه بالتكليف التمريني كما نقله في المدارك عن الذكرى وعليه جمد في المختلف وتبعهما صاحب الوسائل - فظني بعده بل عدم صحته، لانه (ع) عبر بالحصر في الرجل والمرأة وانه لا يصلى عليهما إلا إذا جرى عليهما القلم، ولا يخفى ان المفهوم من تتبع الاخبار وعليه يساعد العرف ان الرجل والمرأة لا يطلقان إلا على البالغ، وعلى


(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.

[ 374 ]

هذا فقوله (إذا جرى عليهما القلم) بعد ذكر الرجل والمرأة إما احتراز عن المجنون بعد البلوغ حيث انه مرفوع عنه القلم أو يكون في مقام البدل من الرجل والمرأة. وبالجملة فان من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث فلا ريب ولا اشكال عنده في ترجيح القول المشهور واما من لا يعمل عليه فالحكم لا يخلو عنده من الاشكال والاحتياط فيه مطلوب على كل حال. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله ابن بكير عن قدامة بن زائدة (1) قال: (سمعت أبا جعفر (ع) يقول ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على ابنه ابراهيم فكبر عليه خمسا). ولا يخفى ما فيه من المدافعة للاخبار المتقدمة الدالة على القول المشهور ولا سيما رواية على بن عبد الله (2) الواردة في موت ابراهيم صريحة في انه صلى الله عليه وآله لم يصل عليه. وحمل هذه الرواية على التقية كما حملنا عليها روايات ابن الجنيد غير ممكن هنا لعدم جواز التقية في حقه صلى الله عليه وآله مع منافاة التكبير خمسا لذلك، والحمل على التقية في النقل وان امكن لكن ذكر التكبير خمسا في الخبر ينافر ذلك. واما ما ذكره في الوسائل من الاحتمالات في الجمع بين الخبرين المذكورين - من انه يحتمل في الخبر الاول نفى الوجوب ويحتمل النسخ وانه صلى الله عليه وآله صلى بعد قولهم أو لعله صلى عليه غيره بامره ولم يصل عليه هو فيصدق النفى حقيقة والاثبات مجازا عقليا - فلا يخفى ما فيه لان الخبرين تصادما في وقوع الصلاة وعدمها لا في الامر حتى يحتمل نفى الوجوب والنسخ. وبالجملة فوجه الجمع عندي غير ظاهر والاول منهما هو المعتضد بالاخبار الكثيرة مضافا إلى اتفاق جمهور الاصحاب على القول بها، وانما يبقى الاشكال في هذا الخبر الاخير وهو مردود إلى قائله وهو أعلم بما قال. والله العالم. (المسألة الثالثة) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو


(1) الوسائل الباب 5 و 14 من صلاة الجنازة (2) ص 371.

[ 375 ]

وجد بعض الميت فان كان فيه الصدر أو وجد الصدر وحده غسل وكفن وصلى عليه ودفن ذكره الشيخ وجملة من الاصحاب بل صرح العلامة في جملة من كتبه بان صدر الميت كالميت في جميع احكامه واطلق. والاخبار في هذه المسألة مع كثرتها لا تخلو من التنافر والاضطراب: ومنها ما رواه الشيخ والصدوق عن الفضل بن عثمان الاعور عن ابى عبد الله (ع) (1) (في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة ووسطه وصدره ويداه في قبيلة والباقى منه في قبيلة ؟ فقال ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه) قوله (ووسطه إلى قوله في قبيلة) ليس في التهذيب والظاهر انه سقط سهوا من قلمه كما لا يخفى على من له ادنى انس بطريقته في الكتاب المذكور. وبهذا الخبر والخبر الاتى بنقل المحقق في المعتبر عن جامع البزنطى استدل العلامة على ما ذكره من أن صدر الميت كالميت في جميع احكامه، مع انهما لم يشتملا على ازيد من الصلاة فلا دلالة فيهما على وجوب الغسل والتكفين، إلا ان يدعى استلزام الصلاة لوجوب الغسل والتكفين. قال في المدارك: وهو ممنوع. ومنها - ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحسح عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (2) (انه سأله عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به ؟ قال يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن وزاد في الكافي والتهذيب (3) (وإذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذى فيه القلب ومثلها مع الزيادة رواية القلانسى عن ابى جعفر (ع) مثله (4). وظاهر هذين الخبرين بالنسبة إلى مجموع العظام هو المساواة للميت إلا في الحنوط وهو ظاهر لفوات محله، واما بالنسبة إلى النصف الذى فيه القلب على رواية الشيخين المذكورين وكذا ورواية القلانسى ان الصدر ليس كالميت في ما يدعونه من جميع الاحكام، لانهما (عليهما السلام) أوجبا في العظام الخالية من اللحم - حيث


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. والحديث (1) في الوسائل والفقيه ج 1 ص 104 عن الصادق عن ابيه (عليه السلام).

[ 376 ]

انها مجموع بدن الميت كما تفيده اضافة الجمع - الاحكام الاربعة المذكورة. واما الصدر فلم يتعرض فيه إلا إلى الصلاة، والدفن وان لم يذكر إلا انه معلوم من الاخبار الاخر ومنها - حسنة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (إذا قتل قتيل فلم يوجد إلا لحم بلا عظم لم يصل عليه وان وجد عظم بلا لحم صلى عليه) وظاهرها انه يصلى على العظم مجردا مطلقا ولا قائل به ومن أجل ذلك حملت على الاستحباب والاظهر عندي هو حمل هذه الرواية على سابقتها بمعنى انه ان وجد من هذا القتيل بعد قتله جميع لحمه إلا انه لاعظم فيه فانه لا يصلى عليه، وان وجدت عظامه كملا خالية من اللحم صلى عليها، وبه تنطبق على الرواية المتقدمة. ولا استبعاد في ذلك إلا من حيث اطلاق العظم على المجموع ومثله في باب التجوز الواسع كثير. ومنها - رواية عبد الله بن الحسين عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (إذا وسط الرجل نصفين صلى على الذى فيه القلب) هكذا في رواية الكليني. وفى الفقيه (3) عن الصادق (ع) قال: (إذا وسط الرجل بنصفين صلى على النصف الذى فيه القلب وان لم يوجد منه إلا الرأس لم يصل عليه وهذه الزيادة قد رواها في الكافي مرسلا (4) بعد نقل حسنة محمد بن مسلم فقال: (وروى انه لا يصلى على الرأس إذا افرد من الجسد). وهذه الرواية مثل روايتي الفضل الاعور وعلى بن جعفر المتقدمتين في الدلالة على وجوب الصلاة على الصدر أو ما فيه الصدر من غير تعرض فيه لغير الصلاة. ومنها. رواية محمد بن خالد عن من ذكره عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (إذا


(1) و (4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (2) الفروع ج 1 ص 58 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (3) ج 1 ص 104 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (5) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. والسند هكذا: (عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله عليه السلام.

[ 377 ]

وجد الرجل قتيلا فان وجد له عضو تام صلى عليه ودفن وان لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن) وهذه الرواية نقلها في الكافي مسندة كما ذكرنا، وروى في الفقيه مرسلا عن الصادق (ع) مثله (1). وهذه الرواية بالنظر إلى ظاهرها لم يقل بها أحد إلا الصدوق بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه. وربما حمل العضو هنا على ما فيه القلب، وبعده ظاهر وبعض القائلين بالقول المشهور اطرح هذا الخبر وبعض حمله على الاستحباب وهو الاحوط. ومنها - رواية اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (2) (ان عليا (ع) وجد قطعا من ميت فجعت ثم صلى عليها ثم دفنت) رواها الصدوق والشيخ ويمكن تقييد اطلاقها بوجود العضو الذى فيه القلب في جملة تلك القطع. ومنها - ما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (ع) (انه سئل عن رجل قتل ووجد اعضاؤه متفرقة كيف يصلى عليه ؟ قال يصلى على الذى فيه قلبه). ويمكن الاستدلال بهذا الخبر للقول المشهور من وجوب الصلاة على الصدر لانه محل القلب فيكون هو العضو الذى فيه القلب، ومنه يظهر التأييد لما احتملناه في سابق هذا الخبر. ومنها - رواية طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (لا تصل على عضو رجل من رجل أو يد أو رأس منفردا فإذا كان البدن فصل عليه وان كان ناقصا من الرأس واليد والرجل. ووجوب الصلاة على البدن وان لم تكن معه هذه الاعضاء ظاهر بعد ما عرفت من تصريح الاخبار بوجوب الصلاة على ما فيه القلب. واما النهى عن الصلاة على


(1) الفقيه ج 1 ص 104 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. (2) و (3) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (4) التهذيب ج ؟ ص 345 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.

[ 378 ]

تلك الاعضاء منفردة فهو المعروف بين الاصحاب إلا انه ينافيه ما تقدم من رواية محمد بن خالد (1) وما يأتي من رواية ابن المغيرة (2). ومنها ما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطى عن احمد بن محمد بن عيسى عن بعض اصحابه رفعه (3) قال: (المقتول إذا قطع اعضاؤه يصلى على العضو الذى فيه القلب). وهذا الخبر ظاهر في القول المشهور لان العضو الذى فيه القلب هو الصدر أعم من أن يكون معه اعضاء اخر من رأس ويد ونحو ذلك أم لا، ومنه يعلم - وكذا من مرسلة عبد الله بن الحسين المتقدم نقلها عن صاحب الكافي ومثلها مرسلة الفقيه - ان ذكر اليد في رواية الفضل بن عثمان الاعور مع كونها في كلام السائل لا توجب تقييدا بانه لا بد في الصلاة على الصدر من كون اليد معه كما توهمه صاحب المعتبر وغيره. ومنها - ما رواه في الكتاب المذكور ايضا عن ابن المغيرة (4) قال: (بلغني عن ابى جعفر (ع) انه يصلى على كل عضو رجلا كان أو يدا أو الرأس جزء فما زاد، فإذا نقص عن رأس أو يد أو رجل ام يصل عليه). وهذا الخبر مما يوافق ظاهر رواية محمد بن خالد المتقدمة من الصلاة على العضو التام، قال الذكرى بعد نقلهما: وهذان الخبران مطرحان مع ارسالهما. وقد قدمنا ان حملهما على الاستحباب طريق الاحتياط، إلا ان رواية طلحة بن زيد المتقدمة قد دلت على النهى عن الصلاة على هذه الاعضاء الثلاثة، وايدها بالنسبة إلى الرأس رواية الصدوق ومرسلة الكافي المتقدمتان في انه لو لم يوجد إلا الرأس فلا يصلى عليه، وبه يشكل الحكم بالاستحباب إذ اقل مراتب النهى الكراهة وهى لا تجامع الاستحباب، واما مجرد الجواز فلا وجه له في العبادات.


(1) ص 376 و 377. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.

[ 379 ]

وقد تلخص مما ذكرنا ذيل هذه الاخبار ان الواجب الصلاة على العظام كملا كما تضمنته صحيحة على بن جعفر وكذا على النصف الذى فيه القلب، والقول بوجوب الصلاة على الصدر كما هو المشهور ليس ببعيد ايضا كما اشرنا إليه آنفا، واما الرأس واليد والرجل كل منها على حدة فقد عرفت تصادم الاخبار فيها على وجه لا يمكن الجمع بينها. والله العالم. فروع الاول قال في الذكرى: إذا صلى على الصدر أو قلنا بالصلاة على العضو التام فالشرط فيه موت صاحبه اجماعا، وهل ينوى الصلاة عليه خالية أو على الجملة ؟ قضية المذهب الصلاة عليه خاصة إذ لا صلاة على الغائب، فلو وجد الباقي وجبت الصلاة على ما لم يصل عليه. انتهى. الثاني - قال في الذكرى ايضا: لو اشتبه المسلم بالكافر فالاقرب الصلاة على الجميع بنية الصلاة على المسلمين لتوقف الواجب عليه، وروى حماد بن يحيى عن الصادق (ع) (1) (ان النبي صلى الله عليه وآله في يوم بدر أمر بمواراة كميش الذكر أي صغيره وقال انه لا يكون إلا في كرام الناس) واورده الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط عن على (ع) فحينئذ يمكن العمل به في الصلاة في كل مشتبه لعدم تعقل معنى في اختصاص الشهيد. وفى المبسوط أورد الرواية في اشتباه قتلى المسلمين بالمشركين وبنى عليها الصلاة ثم قوى ما قلناه أولا واحتاط بان يصلى على كل واحد واحد بشرط اسلامه قال في المعتبر: ولو قيل بمواراة الجميع ترجيحا لجانب حرمة المسلم كان صوابا. وهذا فيه طرح للرواية لضعفها والصلاة على الجميع حينئذ بطريق الاولى. الثالث - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة على ولد الزنا تفريعا على الخلاف في اسلامه وكفره، فكل من حكم بالاسلام كالشيخ واتباعه - وهو المشهور بين المتأخرين - أوجبوا الصلاة عليه، ونقل الشيخ فيه في الخلاف


(1) الوسائل الباب 39 من الدفن (2) ص 109.

[ 380 ]

الاجماع، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وآله (1) (صلوا على من قال لا إله إلا الله) وبرواية طلحة بن زيد عن الصادق (ع) المتقدمة في المسألة الاولى (2). ومنع ابن ادريس من الصلاة عليه واحتج بانه كافر بالاجماع. ورده في المختلف بانه أي اجماع حصل على كفر ولد الزنا بل أي دليل دل على ذلك ؟ قال في الذكرى بعد نقل قول الشيخ في الخلاف ودعواه الاجماع: ويشكل قبل بلوغه إذ لا إلحاق له باحد الابوين، ويمكن تبعية الاسلام هنا للغة كالتحريم، ويؤيد الاسلام تبعية الفطرة. اقول: ونحن قد اشبعنا الكلام في مسألة ابن الزنا في الفصل السابع من المقصد الاول في النجاسات من كتاب الطهارة (3) وذكرنا ان جملة من الاصحاب كالمرتضى والصدوق قالوا بكفره، وقضية القول بالكفر المنع من الصلاة كما صرح


(1) في كنز العمال ج 8 ص 83 عن حلية الاولياء والطبراني عن ابن عمر عنه صلى الله عليه واله (صلوا على من قال الا اله الا الله وصلوا وراء من قال لا اله الا الله) ورواه في مجمع الزوائد ج 2 ص 67 عن الطبراني في الكبير ثم قال فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب. وفي سنن البيهقي ج 4 ص 19 (قال الشيخ قد روى في الصلاة على كل بر وفاجر والصلاة على من قال لا اله الا الله احاديث كلها ضعيفة غاية الضعف) وفي نيل الاوطار ج 3 ص 139 حديث (صلوا خلف من قال لا اله الا الله وصلوا على من قال لا اله الا الله) اخرجه الدار قطني وفي اسناده عثمان بن عبد الرحمن كذبه يحيى بن معين ورواه ايضا من وجه آخر عنه وفي اسناده خالد بن اسماعيل وهو متروك ورواه ايضا من وجه آخر عنه وفي اسناده أبو الوليد المخزومي وقد خفي حاله على الضياء المقدسي وتابعه ابوالبختري وهب بن وهب وهو كذاب. ورواه ايضا والطبراني من طريق مجاهد عن ابن عمر وفيه محمد بن الفضل وهو متروك وله طريق آخر عند ابن عمر وفيه عثمان بن عبد الله بن العاص وقد رماه ابن عدي بالوضع. انتهى وهذا الحديث استدل به ابن قدامة في المغني ج 2 ص 559 في الصلاة على سائر المسلمين من اهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيره. ونحوه في بداية المجتهد ج 1 ص 219 والمحلى ج 5 ص 171 (2) ص 364. (3) ج 5 ص 190.

[ 381 ]

به ابن ادريس، إلا انى لم اقف على مذهبهم في هذه المسألة. وقد حققنا ثمة ان المستفاد من الاخبار الواردة فيه ان له حالة غير حالتى الايمان والكفر الحقيقيين لانه بالنسبة إلى احكامه في الدنيا - من الحكم بنجاسته وكون ديته دية اليهود والنصارى وعدم قبول قبول شهادته وعدم جواز امامته في الصلاة كما دلت على جميع ذلك الاخبار - لا يمكن الحكم بايمانه لان سلب هذه الاحكام عنه لا يجامع الايمان، ولا يمكن الحكم بكفره بالنظر إلى انه متدين بظاهر الايمان كما هو المفروض، ومن ذلك يعلم أن الحكم بوجوب الصلاة عليه لا يخلو من الاشكال لعدم الوقوف على خبر نفيا أو اثباتا في ذلك يتضح به الحال. الرابع - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يلحق بالمسلم الواجب الصلاة عليه الطفل البالغ ست سنين، ولا خلاف ولا اشكال فيه إذا كان متولدا من مسلم كما تقدم الكلام فيه. فاما إذا كان لقيطا في دار الاسلام أو دار الكفر وفيها مسلم يمكن تولده منه ذكرا كان الملحق بالمسلم أو اثنى حرا كان أو عبدا فظاهر كلام الاصحاب انه كذلك ايضا تغليبا للاسلام، بل صرح جملة منهم بالحاق الطفل المسبى المتولد من كافر بالسابي إذا كان مسلما فيتبعه في الطهارة والحكم بالاسلام، ومقتضاه وجوب الصلاة عليه ايضا وقد قدمنا في آخر المسألة الثالثة من المسائل الملحقة بالفصل السابع في الكافر من المقصد الاول في النجاسات من كتاب الطهارة ضعف ما ذهبوا إليه من الحكم بالطهارة والاسلام بالنسبة إلى المسبى ولحوقه بالسابي. وأما حكم اللقيط في دار الاسلام أو دار الحرب وفيها من يمكن تولده منه من المسلمين فلا يحضرني الان دليل من الاخبار يدل عليه، والشهيدان في الذكرى والروض انما عللاه بتغليت الاسلام، وانت خبير بما في هذا التعليل من عدم الصلاح لتأسيس الاحكام. والله العالم. المطلب الثاني - في من يصلى والكلام فيه يقع في ايضا في مسائل: الاولى - لا خلاف

[ 382 ]

بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما اعلم في أن أولى الناس بالميت يعنى الاحق بالقيام باحكامه من غسل. صلاة ونحوهما أولاهم بميراثه يعنى ان من يرث من الاقرباء أولى ممن لا يرث بالكلية، وأما تقدم بعض الورثة على بعض فسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى. قال في المدارك: وهذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب وظاهر هم انه مجمع عليه، واستدلوا عليه بقوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) (1) وما رواه الكليني عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب) وعن احمد بن محمد بن ابى نصر عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب) وفى الجميع نظر اما الاية الشريفة فلا نتفاء العموم فيها على وجه يتناول موضع النزاع. واما الروايتان فضعيفتا السند بالارسال واشتمال سند الثانية على سهل بن زياد وهو عامى، ومع ذلك فليس فيها تصريح بان المراد الاولوية في الميراث، مع ان مقتضى ما ذكروه من تقدم بعض الوراث على بعض كالاب على الابن وان كان أقل نصيبا منه كون المراد بالاولى ذلك البعض لا مطلق الوارث. ولو قيل ان المراد بالاولى هنا امس الناس بالميت رحما وأشدهم به علاقة من غير اعتبار لجانب الميراث لم يكن بعيدا. انتهى. اقول: فيه (اولا) انه قد تقدم منه نظير هذا الكلام في مسألة غسل الميت في كتاب الطهارة وقد قدمنا ثمة (4) تحقيق الكلام في المقام وبينا ضعف ما توهمه وان تبعه فيه جملة من الاعلام، وملخصه ان المراد بالاولى في جميع احكام الميت من غسل وصلاة وتلقين وقضاء عبادات ونحوها انما هو الولى المالك للتصرف والتدبير كولى الطفل وليس المراد به الجرى على صيغة التفضيل كما توهمه، واما


(1) سورة الانفال الاية 76. (2) و (3) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة (4) ج 3 ص 378.

[ 383 ]

كون الولى المشار إليه هو من كان اولى بالميراث فقد دلت عليه صحيحة حفص التى قدمناها ثمة (1) ومن اراد تحقيق الحال في صحة ما ذكرنا من المقال فليرجع إلى الموضع المشار إليه من كتاب الطهارة. ثم ان من قبيل الروايتين المذكورتين قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) (ويصلى عليه أولى الناس به). وثانيا - ان ما ذكره من عدم العموم في الاية على وجه يتناول موضع النزاع ممنوع لو كان المراد من الاية العموم كما توهمه إلا ان الامر ليس كذلك بل الذى دلت عليه اخبار أهل البيت (عليهم السلام) - الذى نزل ذلك القرآن فيه فهم أعرف الناس بباطنه وخافيه - ان مورد الاية انما هو بالنسبة إلى الميراث بمعنى ان من كان أقرب إلى الميت في النسب فهو أولى بميراثه، وقد عرفت مما قدمناه سابقا من التحقيق وأشرنا إليه هنا ان ولى الميت المالك للتصرف في اموره هو الاولى بميراثه فتكون الاية بمعونة الاخبار الدالة على ما ذكرنا دالة ايضا على الاولوية في الاحكام المذكورة وان كان بطريق الاشعار والفحوى لانها قد دلت على ان الاقرب من أولى الارحام هو الاولى بالميراث وكل من كان أولى بالميراث فهو الاولى بالميت في جميع احكامه بالاخبار المشار إليها. وأما الاخبار الواردة في معنى الاية فمنها - ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السلام (3) قال (كان علي (صلوات الله عليه) إذا مات مولى له وترك ذا قرابة لم يأخذ من ميراثه شيئا ويقول: واولو الارحام بعضهم أولى ببعض) (4). وما رواه فيه عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: (قضى امير المؤمنين (ع) في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل فقرأ هذه الاية: واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) (6).


(1) ج 3 ص 378 (2) ص 20 (3) و (5) الوسائل الباب 1 من ميراث ولاء العتق (4) و (6) سورة الانفال الاية 76.

[ 384 ]

وفى تفسير العياشي عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: (الخال والخالة يرثون إذا لم يكن معهم احد غيرهم ان الله يقول (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) (2) إذا التقت القرابات فالسابق احق بالميراث من قرابته، والمراد بالسابق يعنى الاقرب إليه. وروى فيه عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (3) (في قول الله عزوجل: واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) (4) ان بعضهم اولى بالميراث من بعض لان اقربهم إليه رحما اولى به). وفى تفسير الثقة الجليل على بن ابراهيم بن هاشم (5) ان هذه الاية نسخت قوله تعالى: والذين عقدت ايمانكم فاتوهم نصيبهم) (6). وبمثل ذلك صرح شيخنا امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان (7) ونقله عن ابن عباس والحسن وجماعة من المفسرين، قال: قالوا صار ذلك نسخا لما قبله من التوارث بالمعاقدة والهجرة وغير ذلك من الاسباب فقد كانوا يتوارثون بالمواخاة وان النبي صلى الله عليه وآله كان اخى بين المهاجرين والانصار. انتهى. ومما يزيد ذلك ايضاحا وتاكيدا ان ثبوت الميراث بالقرابة وهم غير اصحاب الفروض انما استندوا فيه إلى هذه الاية باجماع الاصحاب والاخبار إلى ذكرنا بعضها في اصل المسألة. ويمكن ان يقال ان المراد بالاية انما هو العموم وورود هذا الفرد في هذه الاخبار لا يقتضى قصر الحكم عليه إذ لا دلالة في شئ منها على ذلك وانما غايتها الدلالة على دخول هذا الفرد تحت هذه الاية.


(1) الوسائل الباب 5 من ميراث الاعمال والاخوال. (2) و (4) سورة الانفال الاية 76. (3) الوسائل الباب 8 من موجبات الارث (5) تفسير الصافي عنه ص 121. (6) سورة النساء الاية 37 (7) ج 3 - 4 ص 563

[ 385 ]

ويويد ما قلناه ورود بعض الاخبار في استدلال على (ع) على استحقاق الامامة وراثة من ابراهيم (على نبينا واله وعليه السلام) في مقام الرد على معاوية كما نقلناه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد. ومما يزيد ما ذكرناه في اصل المسألة تأييدا ويعلى مناره تشييدا ما رواه في الكافي في الصحيح عن بريد الكناسى عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (ابنك اولى بك من ابن ابنك وابن ابنك أولى بك من اخيك. قال واخوك لابيك وامك اولى بك من اخيك لابيك. قال واخوك لابيك أولى بك من اخيك لامك. قال وابن اخيك لابيك وامك أولى بك من ابن اخيك لابيك. قال وابن اخيك من ابيك أولى بك من عمك. قال وعمك اخو ابيك من ابيه وامه أولى بك من عمك اخى ابيك من ابيه قال وعمك اخو ابيك لابيه أولى بك من عمك اخى ابيك لامه. قال وابن عمك اخى ابيك من ابيه وامه اولى بك من ابن عمك اخى ابيك لابيه. قال وابن عمك اخى ابيك من ابيه أولى بك من ابن عمك اخى ابيك لامه) فان الاولوية في الخبر كما ترى دائرة مدار الارث فمن كان الوارث فهو الاولى من غير الوارث. وفيه دلالة ايضا على ان الاكثر إرثا أولى من الاقل كما صرح به لاصحاب (رضوان الله عليهم). و (ثالثا) ان ما طعن به على الخبرين المذكورين لا يقوم حجة على المتقدمين ممن لا أصل لهذا الاصطلاح عندهم ولا على من لا يقول به من المتأخرين بل ولا على من قال به منهم ايضا حيث ان ضعفهما مجبور بالاتفاق الذى قد حكاه في ما قدمناه من كلامه، على انه قد وافقهم في مواضع عديدة مما تقدم في العمل بالاخبار الضعيفة المجبورة باتفاق الاصحاب كما نبهنا عليه ثمة، بل تبعهم في بعض المواضع


(1) الوسائل الباب 1 من موجبات الارث والباب 13 من ميراث الاخوة والاجداد و 4 من ميراث الاعمام والاخوال، ويرجع في ضبط اسم الراوي إلى ج 1 ص 82.

[ 386 ]

مع اعترافه بعدم الدليل لهم وقال انه لا خروج عن ما عليه الاصحاب، ولكنه (رضوان الله عليه) ليس له قاعدة يقف عليها ولا قاعدة يرجع إليها. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: واعلم ان ظاهر الاصحاب ان اذن الولى انما تتوقف عليها الجماعة لا أصل الصلاة لوجوبها على الكفاية فلا تناط برأى أحد من المكلفين فلو صلوا فرادى بغير اذن اجزأ. وقال في المدارك بعد نقل ذلك: وقد يقال انه لا منافاة بين كون الوجوب كفائيا وبين اناطته برأى بعض المكلفين على معنى انه ان قام به سقط الفرض عن غيره، وكذا ان اذن لغيره وقام به ذلك الغير، وإلا سقط اعتباره وانعقدت الصلاة جماعة وفرادى بغير اذنه، ومع ذلك فلا بأس بالمصير إلى ما ذكره قصرا لما خالف الاصل على موضع الوفاق ان تم وحملا للصلاة في قوله (ع) (1) (يصلى على الجنازة أولى الناس بها) على الجماعة لانه المتبادر. انتهى. اقول: حيث قد اشتهر في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف أن احكام الميت واجبة كفائية على كافة المسلمين ممن علم بالموت وظاهر الخبرين المتقدمين اعني بهما مرسلة ابن ابى عمير والبزنطي اختصاص ولاية الصلاة بالولي حصل هذا الاشكال في المقام واحتيج إلى التفصى في الجواب عن ذلك، وظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض الجمع بين الاخبار بتخصيص اخبار الولى ومن يأمره بالامامة خاصة لا أصل الصلاة، وظاهر كلام السيد السند هو تخصيص للوجوب كفاية بالولي بمعنى انه يجب على الولى أو من يأمره القيام بذلك، فان قام به سقط الفرض عن الغير والا سقط اعتبار الولى ووجب على الكافة صلاة كان أو غيرها. وأنت خبير بان منشأ الاشكال كما عرفت من دعوى كون احكام الميت واجبة كفائية على جميع من علم بذلك، وهذه الدعوى لم نجد لها مستندا في الاخبار كما


(1) و (2) ص 382.

[ 387 ]

قدمنا ذكره واوسعنا نشره في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة سوى ما يظهر من كلامهم من الاتفاق على هذا الحكم حتى من متأخرى المتأخرين الذين عادتهم المناقشة في طلب الدليل، فانه لم يناقش أحد منهم في هذا الحكم بل تلقوه بالقبول والتسليم، والمفهوم من الاخبار الواردة في احكام الاموات هو توجه الخطاب إلى الولى من غسل وصلاة وتكفين وتلقين ونحوها، ولو كان الامر على ما ذكروه من الوجوب كفائيا على كافة المسلمين فكيف تخرج الاخبار في هذه الاحكام بما ذكرناه ؟ وهم لما نظروا إلى هذين الخبرين في مسألة الصلاة الدالين على اختصاص الولى بها أوردوا هذا الاشكال وأجابوا عنه بما عرفت، والحال ان الامر ليس مختصا باصلاة كما لا يخفى على المتتبع بل هو عام لجملة احكام الميت وحينئذ فقول شيخنا الشهيد الثاني في الجواب هنا بما ذكره وان تم بالنسبة إلى الصلاة الا انه لا يحسم مادة الاشكال بالنسبة إلى غيرها من الاحكام التى ورد الخطاب فيها للولى خاصة، وما ذكره السيد السند جيد لو قام الدليل على الوجوب الكفائي الذى يدعونه. نعم يمكن أن يقال بالوجوب على سائر المسلمين كفاية مع تعذر الولى أو اخلاله بالقيام بذلك كما تدل عليه اخبار العراة الذين مروا بميت قذفه البحر إلى الساحل فانهم امروا بالصلاة عليه ودفنه (1) ونحوها ما تقدم في صحيحة على بن جعفر في اكيل السبع تبقى عظامه (2) قال: (يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن) فانها تدل باطلاقها على ذلك وقوله صلى الله عليه وآله (3) (لا تدعوا أحدا من امتى بغير صلاة) وقول الباقر (ع) (4) (صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله تعالى). ثم انه مع وجود الولى فان كان متصفا بشرائط الامامة جاز له التقدم والاستنابة والا تعين عليه الاستنابة وليس لاحد أن يتقدم بدون اذنه. بقى هنا شئ وهو ان ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط العدالة في امام


(1) الوسائل الباب 36 من صلاة الجنازة. (2) ص 375 (3) في رواية السكوني ص 365 (4) في رواية طلحة ص 364.

[ 388 ]

هذه الصلاة كالصلاة اليومية وغيرها من الصلوات، ويظهر من العلامة في المنتهى الاتفاق على ذلك. وقال في الذخيرة: ولولا ذلك - يعنى دعوى الاتفاق - لكان للمنازعة فيه محال لعموم النص وعدم كونها صلاة حقيقة فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة الحقيقية كما يستفاد من بعض الاخبار السابقة. انتهى. اقول: وما ذكره لا يخلو من قرب لما تكرر في الاخبار من قولهم (عليهم السلام) (1) (انما هو تكبير وتسبيح كما تسبح في بيتك من غير طهر) ونحو ذلك مضافا الى عدم ما يدل على ما يدل على ما ذكروه في شئ من اخبار هذه الصلاة، وكأنهم نظروا إلى مجرد صدق الصلاة عليها. المسألة الثانية - قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان الاب أولى من الابن، والوالد أولى من الجد والاخ والعم، والاخ من الاب والام أولى ممن يتقرب باحدهما. والاول متفق عليه كما نقله في المدارك، واستدل عليه بان الاب اشفق على الميت من الابن وارق عليه فيكون دعاؤه اقرب إلى الاجابة. ورد بان ذلك انما يصلح توجيها للنص لا دليلا برأسه. وعلل الثاني بما تقدم من الاولوية في الميراث ونقل عن ابن الجنيد انه جعل الجد هنا أولى من الاب والابن محتجا بان منصب الامامة أليق بالاب من الولد والجد اب الاب فكان أولى من الاب. ورده في المختلف بان الاولى بالميراث أولى لعموم الاية (2). قال في المدارك بعد نقل كلام المختلف: وقد عرفت ما فيه. وعلى ما احتملناه من معنى الاولوية يقرب ما ذكره ابن الجنيد. اقول: قد عرفت مما قدمناه صحة الاستدلال بالاية على ما ذكره الاصحاب


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. (2) (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) سورة الانفال الاية 76

[ 389 ]

(رضوان الله عليهم) بمعونة الاخبار المتقدمة، وقد عرفت ان ما احتمله في معنى الاولى ساقط لا اعتماد عليه، وان ما ذكره الاصحاب من أن الولى هو الاولى بالميراث هو الظاهر من الاخبار. على ان ما احتمله لا ينطبق على مذهب ابن الجنيد لانه فسر الاولى - كما تقدم - بمن كان امس الناس بالميت رحما وأشدهم به علاقة، ولا ريب ان ابا الميت أشد به علاقة وامس به رحما. وعلل تقديم الاخ من الابوين على الاخ من الاب خاصة بانه لا يرث معه واما على الاخ من الام فعلله في المنتهى بانه اكثر نصيبا في الميراث، وبان الام لا ولاية لها في الصلاة فمن يتقرب بها أولى. اقول: والوجه هو التعليل الاول كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام والثانى وان قال في المدارك انه لا بأس به فالبأس فيه أظهر من أن يخفى على ذوى الافهام، فان ما ذكره من الاولوية لا وجه له مع عدم صحة بناء الاحكام الشرعية على امثال هذه التعليلات العليلة. ونقل في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه قال: الاب أولى الاقارب ثم الولد ثم ولد الولد ثم الجد من قبل الاب ثم الاخ من قبل الاب والام ثم الاخ من قبل الاب ثم الاخ من قبل الام ثم العم ثم الخال ثم ابن العم ثم ابن الخال، ثم قال وبالجملة من كان أولى بميراثه كان أولى بالصلاة عليه. قال في المدارك: ومقتضى ذلك ان ترتب الاولياء على هذا الوجه لاولوية الارث وهو مشكل فانه ان اراد بالاولوية ان من يرث أولى ممن لا يرث لم يلزم منه اولوية بعض الورثة على بعض كالأب على الابن والجد على الاخ والعم على الخال، وان اراد بها كثرة النصيب انتقض بالاب فانه أولى من الابن مع انه اقل نصيبا منه، وكذا الجد فانه أولى من الاخ مع تساويهما في الاستحقاق. إلا ان يقال ان التخلف في هاتين الصورتين لعارض وهو قوة جانب الاب والجد باختصاصهما بزادة الحنو والشفقة وحصول النسل منهما، لكن في ذلك خروج

[ 390 ]

عن اعتبار الارث. ولو حمل الاولى هنا على المعنى الذى ذكرناه وجب الرجوع في تحقيق الاولوية إلى العرف وسقط جانب الارث مطلقا. انتهى كلامه (زيد مقامه) اقول: لا يخفى على من تأمل في ما حققناه في المقام مما دلت عليه اخبارهم (عليهم السلام) ولا سيما صحيحة بريد الكناسى (1) ان ولى الميت هو الاولى بميراثه بمعنى من يرث دون من لا يرث. ويستفاد من صحيحة بريد المذكورة انه مع تعدد الوارث فمن كان اكثر نصيبا فهو الولى كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبه صرح في المنتهى في ما قدمنا نقله عنه، واشرنا إلى انه هو الوجه في ما علل به الحكم المتقدم لهذه الصحيحة الصريحة في ذلك. واما مع تساوى الورثة في الميراث فالمفهوم من صحيحة محمد بن الحسن الصفار المروية بطرق المشايخ الثلاثة (2) - قال: (كتبت إلى ابى محمد الحسن رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة ايام وله وليان هل يجوز لهما ان يقضيا عنه جميعا خمسة ايام الوليين وخمسة ايام الاخر ؟ فوقع عليه السلام: يقضى عنه اكبر ولييه عشرة ايام ولاء ان شاء تعالى) ونحوه قول الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (3) (وإذا كان للميت وليان فعلى اكبر هما من الرجلين أن يقضى عنه فان لم يكن له ولى من الرجال قضى عنه وليه من النساء) - ان الولى شرعا هو الاكبر. كما انه مع تعددهم ذكورة وانوثة فالولاية للذكر دون الانثى كما تشعر به صحيحة حفص الواردة في القضاء ايضا (4) لقوله فيها: (قلت ان كان أولى الناس به امرأة


(1) ص 385. (2) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان. وفي الفروع ج 1 ص 197 والتهذيب ج 1 ص 421 كما في الوسائل ايضا هكذا (كتبت إلى الاخير ع) نعم في الفقيه ج 2 ص 98 التصريح بالاسم المبارك. (3) ص 25. (4) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان.

[ 391 ]

فقال لا إلا الرجال، فانها شاملة باطلاقها لما لو اختصت بالولاية أو شاركها رجل، والتقريب فيها ان ولى الميت المخاطب بوجوب القضاء عنه هو الذى جعل إليه احكام الميت من غسل وتكفين وتلقين وصلاة نحوها كما تقدم تحقيقه. بقى الاشكال في ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من صورة اجتماع الاب والابن فانهم جزموا بان الولاية للاب إلا انهم لم يأتوا عليه بدليل سوى ما عرفت من ذلك التخريج العليل، وهو كما ترى مخالف لمقتضى القاعدة المستفادة من الصحيحة المتقدمة (1) من حيث انه يفهم منها ان الاكثر نصيبا من الوراث هو الولى للميت وبموجبه تكون الولاية للولد دون الاب. وبالجملة فانه لا مستند لهذا الحكم مع مخالفته لظاهر الصحيحة المذكورة إلا مجرد كلام الاصحاب وفيه ما لا يخفى على ذوى الافهام والالباب. ويعضد ما ذكرناه تصريح النص بسقوط ولاية الاب مع الزوج وعليه الاصحاب من غير خلاف يعرف، فيمكن أن يكون مع الولد كذلك. والله العالم. المسألة الثالثة - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الزوج أولى بزوجته من جميع قراباتها، قال في الذكرى لا أعرف فيه مخالفا من الاصحاب. وقال في المدارك: هذا هو المعروف من مذهب الاصحاب. اقول: والذى يدل عليه من الاخبار ما رواه المشايخ الثلاثة في الكتب الثلاثة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: (قلت له المرأة تموت من أحق الناس بالصلاة عليها ؟ قال زوجها. قلت الزوج أحق من الاب والولد والاخ ؟ قال نعم ويغسلها). ويعضد هذه الرواية ما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال (الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها). واعترض في المدارك هنا بان الرواية ضعيفة السند لاشتراك راويها وهو


(1) ص 385. (2) و (3) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة.

[ 392 ]

أبو بصير بين الثقة والضعيف، بل الظاهر انه الضعيف الضرير بقرينة ان الراوى عنه قائده وهو على بى ابى حمزة البطائني، وقال النجاشي انه كان أحد عمد الواقفية، وفى الطريق القاسم بن محمد وهو واقفى ايضا، قال وروى الشيخ في الصحيح عن حفص ابن البخترى عن ابى عبد الله (ع) (1) (في المرأة تموت ومعها اخوها وزوجها ايهما يصلى عليها ؟ فقال اخوها أحق بالصلواة عليها) وعن عبد الرحمان بن ابى عبد الله (2) قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة على المرأة الزوج احق بها أو الاخ ؟ قال الاخ) ثم اجاب عنهما بالحمل على التقية (2) وهو يتوقف على وجود المعارض. انتهى اقول: لا يخفى ان المعارض عند الشيخ وامثاله من المتقدمين ممن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح موجود، وكذا عند من يعمل به بالنظر إلى جبر الخبر باتفاق الاصحاب على العمل بمضمونه، ولا سيما ان الرواية قد رواها المشايخ الثلاثة باسانيد عديدة، وهو من اقوى المرجحات لصحتها وثبوتها ولا سيما صاحب الفقيه بناء على ما قدمه في صدر كتابه من القاعدة التى قد احتج بها السيد المذكور في جملة من المواضع لجبر الخبر الضعيف الذى يتمسك به، وما تضمنته الرواية متفق عليه بين الاصحاب سلفا وخلفا كما يشير إليه كلامه المتقدم نقله، ولكنه لما رأى صحة سند رواية حفص المذكورة جمد عليها كما هي عادته من دورانه مدار صحة السند وان اشتمل المتن على خلل وعلل، وقد تقدم منه في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة المناقشة في ذلك ايضا استنادا إلى الصحيحة المذكورة بعد أن أورد دليلا للقول المشهور رواية اسحاق بن عمار المتقدمة ثم نقل عن المعتبر ان مضمون الرواية متفق عليه. ثم قال: قلت ان كانت المسألة اجماعية فلا بحث وإلا أمكن المناقشة فيها بضعف السند. ونحن قد قدمنا في غير مقام ان هذه المناقشات الواهية لا تقوم حجة على المتقدمين لعدم الدليل على هذا الاصطلاح، واما المتأخرون فضعف هذه الاخبار عندهم مجبور بالاتفاق على القول بمضمونها، والحكم بما دلت


(1) و (2) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة. (3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 393.

[ 393 ]

عليه الصحيحة التى جمد عليها معمول عليه عند العامة (1) وقد تقرر في القاعدة المنصوصة عن أهل البيت (عليه السلام) عرض الاخبار على مذهبهم والاخذ بخلافه (2) ومقتضاه حمل الصحيحة المذكورة على التقية كما ذكره الشيخ. وكيف كان فاطلاق الاخبار التى هي مستند الحكم المذكور دال على انه لا فرق بين الدائم والمستمتع بها ولا بين الحرة والمملوكة، فعلى هذا يكون الزوج أولى من سيد المملوكة لو كانت لغيره. ولا يلحق بالزوج الزوجة في هذا الحكم لعدم النص، وذهب بعض الأصحاب إلى مساواتها للزوج لشمول اسم الزوج لها لغة كما قال الله تعالى (واصلحنا له زوجه) (3) ويضعف بان ذلك انما يتم مع اطلاق ولاية الزوج لا مع التصريح بانه أحق بامرأته كما تضمنه الخبر ان اللذان هما مستند الحكم المذكور (4). المسألة الرابعة - لو حضر امام الاصل فانه أولى من الولى كائنا من كان لقيامه مقام النبي صلى الله عليه وآله الذى هو أولى بالمؤمنين من انفسهم (5). وقوله صلى الله عليه وآله (6) في خطبة الغدير (ألست أولى بكم من انفسكم ؟ قالوا بلى


(1) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 481 (عند الحنفية والحنابلة الزوج يتأخر في الصلاة على الميت عن ذوي الارحام، وعند الشافعية يتقدم الاولى فالاولى في الميراث وعند المالكية بعد ان ذكر الترتيب في من يصلى عليه من السلطان وغيره قال لا حق لزوج الميت في التقدم) وفي المغني ج 2 ص 483 (اما زوج المرأة وعصبتها فظاهر كلام الخرقي تقديم العصبات وهو اكثر الروايات عن احمد وهو قول سعيد بن المسيب والزهري وبكير ابن الاشبح ومذهب ابي حنيفة ومالك والشافعي الا ان ابن حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها، وروى عن احمد تقديم زوج المراة على العصبات لان ابا بكرة صلى على امرأته ولم يستأذن اخوتها). (2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يقضى به (3) سورة الانبياء الاية 9. (4) ص 391. (5) لقوله تعالى في سورة الاحزاب الاية 6: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم) (6) الغدير لاية الله الاميني ج 1 ص 11 وص 294 إلى 313.

[ 394 ]

يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلى مولاه). وما رواه في الكافي والتهذيب عن طلحة بن زيد عن الصادق (ع) (1) قال: (إذا حضر الامام الجنازة فهو أحق الناس بالصلاة عليها). وما رواه الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن ابائه (عليهم السلام) (2) قال: (قال امير المؤمنين (ع) إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو احق بالصلاة عليها ان قدمه ولى الميت والا فهو غاصب فان الظاهر ان المراد بالسلطان هنا هو الامام المعصوم لان سلطنته من جهة الله تعالى على عباده سلطنة حقيقية. وظاهر اطلاق الخبر الاول عدم التوقف على اذن الولى، وهو ظاهر ابى الصلاح حيث قال: الامام أولى فان تعذر حضوره واذنه فولى الميت. إلا ان ظاهر الخبر الثاني التوقف على الاذان فان لم يأذن له الولى فانه يكون غاصبا لحق الامام (ع) وهذا هو المنقول عن الشيخ في المبسوط استنادا إلى الخبر المذكور وبه صرح العلامة في المنتهى. وظاهر الشهيد في الذكرى العمل على الخبر الاول وتأول الخبر الثاني بالحمل على غير امام الاصل، قال لان تنكيره مشعر بالكثرة وفيه اشعار باستحباب تقديم الولى اياه. انتهى. والظاهر بعده فان نسبة السلطنة إلى كونها من الله عزوجل لا تتبادر إلا إلى امام الاصل، والاخبار المتقدمة قد عرفت صراحتها مع كثرتها واستفاضتها في أن الاولى بالميت هو الاولى بميراثه من غير تقييد إلا ان قضية أولويته (ع) مطلقا بالناس من انفسهم تمنع من توقف تقديمه على الاذن. وبذلك يظهر ان المسألة لا تخلو من شوب الاشكال. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض عدم التوقف على اذن الولى في الصورة


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة

[ 395 ]

المذكورة كما اختاره في الذكرى. وكيف كان فالكلام في هذه المسألة تكلف مستغنى عنه الان إلى ان يظهر صاحب الزمان عجل الله فرجه. ونقل عن ابن الجنيد ان الاولى الامام ثم خلفاؤه ثم امام القبيلة كباقي الصلوات اقول: وفى هذا اسقاط لولاية الولى المنصوص عليه إلا ان يخص بفقده أو طفوليته وعدم لياقته للصلاة والاذن فيها. المسألة الخامسة - قال الشيخ المفيد: إذا حضر الصلاة رجل من بنى هاشم كان اولى بالتقديم للصلاة عليه بتقديم وليه له، ويجب على الولى تقديمه وان لم يقدمه لم يجز له التقدم. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: فان اراد المفيد (قدس سره) بالرجال الذى اشار إليه امام الاصل فهو حق وإلا فهو ممنوع بل الاولى للولى التقديم اما الوجوب فلا، لنا عموم الاية (1) انتهى. وقال في الذكرى: قال ابن بابويه والشيخان والجعفى واتباعهم الهاشمي أولى وبالغ المفيد (قدس سره) فاوجب تقديمه، وربما حمل كلامه على امام الاصل وهو بعيد لانه قال: (وان حضر رجل من فضلاء بنى هاشم) وهو صريح في كل واحد من فضلائهم، ولم اقف على مستنده، والصدوق عزاه إلى ابيه في رسالته، ولم يذكر في التهذيب عليه دليلا، وفى المعتبر احتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (2) (قدموا


(1) (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) سورة الانفال الاية 76. (2) في الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 85 عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله (قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها) وفيها عن عبد الله بن السائب (قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا من قريش ولا تعلموها، ولو لا ان تبطر قريش لا خبرتها ما لخيارها عند الله تعالى) وفيه عن علي عليه السلام (قدموا قريشا ولا تقدموها ولولا ان تبطر قريش لاخبرتها بما لها عند الله تعالى) قال المناوى في شرح الجامع الصغير ج 4 ص 512 استدل بهذه الاحاديث على تقديم قول الشافعي على غيره ورده عياض بان =

[ 396 ]

قريشا ولا تقدموها) ولم نستثبته في رواياتنا مع انه اعم من المدعى. انتهى. اقول: قال الصدوق في الفقيه: وقال ابى في رسالته إلى: إعلم يا بنى ان أولى الناس بالصلاة على الميت من يقدمه ولى الميت، فان كان في القوم رجل من بنى هاشم فهو أحق بالصلاة عليه إذا قدمه ولى الميت فان تقدم من غير أن يقدمه ولى الميت فهو غاصب. انتهى. وهذه العبارة عين عبارة كتاب الفقه الرضوي بتغيير ما حيث قال (ع) (1) واعلم ان أولى الناس بالصلاة على الميت الولى أو من قدمه الولى، فان كان في القوم رجل من بنى هاشم فهو أحق بالصلاة عليه إذا قدمه الولى فان تقدم من غير ان يقدمه الولى فهو غاصب. انتهى. ومن ذلك علم ان مستند على بن بابويه في ما ذكره في الرسالة والشيخ المفيد في ما تقدم نقله عنه انما هو هذا الكتاب كما اشرنا إليه في غير مقام، إلا ان الكتاب المذكور حيث لم يصل إلى المتأخرين انكروا الوقوف على المستند. ولعل السبب في عدم اشتهار هذا الكتاب ووصوله إلى الشيخ الطوسى (قدس سره) ومن كان في عصره هو ان نسخة الكتاب في الصدر الاول لعلها كانت عزيزة الوجود ولم تصل إلا إلى الشيخ على بن بابويه وابنه الصدوق، ولما كان كل منهما قد أخذ عبائر الكتاب وافتى بها كما حكيناه في غير موضع مما تقدم وسيأتى في هذا الكتاب وفى كتاب الزكاة والحج والصوم ونحو ذلك ايضا اخفيا الكتاب فلم ينتشر ولم يشتهر إلى هذا العصر الاخير كما ذكره شيخنا غواص بحار الانوار في مقدمة كتاب البحار وكذا ابوه (قدس سره) كما وجدته بخطه من حكاية أصل الوقوف على الكتاب المذكور، ولذا لم تر لنقل عبائره والاستدلال بها اثرا في غير كلام الصدوقين وان وجد قيلا في عبائر الشيخ المفيد (قدس سره) ايضا، ولعله


= المراد منها الخلافة وقد قدم النبي صلى الله عليه وآله ابن حذيفة في الصلاة وخلفه قريش. (1) ص 19

[ 397 ]

للاخذ عنهما. والله العالم. المسألة السادسة - لو اوصى الميت إلى شخص بان يعليه فالمنقول عن ابن الجنيد وجوب تقديمه، قال في المختلف: قال ابن الجنيد الموصى إليه اولى بالصلاة من القرابات. ولم يعتبر علمائنا ذلك، لنا عموم قوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) (1) احتج بعموم قوله (فمن بدله بعد ما سمعه) (2) والجواب الوجوب مختص بالحقوق لقوله (ان ترك خيرا) انتهى. ونقل عنه في الذكرى الاستدلال باشتهار ذلك بين السلف كوصية الاول بصلاة الثاني ووصية الثاني بصلاة صهيب ووصية عائشة بصلاة ابى هريرة ووصية ابن مسعود بصلاة الزبير ووصية ابن جبير بصلاة انس ووصية ابى شريحة بصلاة زيد ابن أرقم فجاء عمرو بن حريث امير الكوفة ليتقدم فاعلمه بوصيته فقدم زيدا (3) ولان ايصاءه إليه لظنه فيه مزيد فلا ينبغى منعه منها. ثم قال في الذكرى: والفاضل (قدس سره) قال الوارث أولى وهو أقرب للاية والخبر (4) وفعل المذكورين ليس حجة وجاز أن يكون برضاء الوارث ونحن لا نمنعه لذا رضى بل يستحب له انفاذه مع الاهلية. انتهى. وهو جيد. والاظهر التمسك في ذلك بالاخبار الدالة على اختصاص الصلاة بمن هو الاولى بالميراث كما تقدم تحقيقه في المسألة الاولى، وتخصيصها يحتاج إلى دليل واضح. وعموم آية (فمن بدله بعد ما سمعه) (5) معارض بعموم (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) (6).


(1) و (6) سورة الانفال الاية 76 وسورة الاحزاب الاية 6. (2) و (5) سورة البقرة الاية 177 (3) ذكر ذلك كله في المغني ج 2 ص 48. (4) امام الاية فقوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) في سورة الانفال الاية 76، وامام الخبر فروايتا ابن ابي عمير والبزنطي المتقدمتان ص 382

[ 398 ]

وشيخنا الشهيد الثاني في الروض اقتصر على نقل القولين ودليلهما ولم يرجح شيئا في البين. المسألة السابعة - لو تساوى الاولياء في مرتبة الولاية قال الشيخ في المبسوط والخلاف يقدم الاقرأ فالافقه فالاسن، وتبعه الفاضلان في المعتبر والتذكرة لعموم قوله صلى الله عليه وآله (1) (يؤمكم اقرؤكم) وزاد في المبسوط بعد الاسن قال: فان تساووا اقرع بينهم. وقال فيه ايضا ان الحر أولى من العبد والذكر أولى من الانثى إذا كان ممن يعقل الصلاة. وتبعه ابن ادريس. وهو يشعر بان التمييز كاف في الامامة كما افتى به في المبسوط والخلاف في جماعة اليومية. اقول: أما أولوية الذكر على الانثى فقد صرح به جملة منهم (رضوان الله عليهم) بل قال في المنتهى انه لا خلاف فيه، وحكى بعض المتأخرين قولا باشتراك الورثة في الولاية. واستدل في المدارك للقول الاول قال وربما كان مستنده قوله (ع) (2) (يصلى على الجنازة أولى الناس بها) ومع وجود الذكر يصدق كونه أولى فيتعلق به الحكم. وفيه ان ما ذكره نوع مصادرة فانه عين الدعوى، فان أراد باعتبار كون الذكر اكثر ميراثا فهو لا يتم كليا لتخلفه في ما لو نحصرت الولاية في الاخ من قبل الام مع الاخت من قبل الابوين فانها اكثر ميراثا بموجبه تكون الولاية لها دونه. نعم يمكن استفادة ما ذكره من صحيحة حفص بالتقريب الذى ذكرناه فيها كما تقدم في المسألة الثانية (3). هذا إذا كانت الانثى في طبقة الذكر كما هو المفروض وان كانت جملة من عبائر الاصحاب مطلقة في ذلك. أما لو لم يكن في طبقتها ذكر فالظاهر اختصاصها بالولاية لما رواه الصدوق


(1) في سنن ابي داود ج 1 ص 159 عنه صلى الله عليه واله (يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله). (2) ص 382 (3) ص 390

[ 399 ]

والشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (قلت المرأة تؤم النساء ؟ قال لا الا على الميت إذا لم يكن احد اولى منها تقوم وسطهن في الصف فتكبر ويكبرن) ورواه الشيخ بسنده آخر في الموثق وبسند ثالث في الضعيف (2). وأما أولوية الحر على العبد وان كان العبد أقرب فالظاهر انه لا خلاف فيه لانه لا يرث مع الحر، ويعضده انه محجور من التصرف في نفسه فكذا في غيره. وأما ما ذكروه - من تقديم الاقرأ فالافقه فالاسن كما قدمناه وهو خيرة الاكثر أو تقديم الافقه ثم الاقرأ ثم الاسن كما هو خيرة العلامة في القواعد والتحرير والمحقق في الشرائع - فلم نقف له على نص في هذا المقام، وكأنهم بنوا الحكم هنا على ما ذكروه في جماعة اليومية. قال في الذكرى بعد نحو ما ذكرنا: ولم نقف لهم على مأخذ ذلك في خصوصية الجنازة، وظاهرهم الحاقها بجماعة المكتوبة وهى مرجحة بهذه الاوصاف كلها، ولكن ذكر العبد هنا مشكل لانه لا ارث له فيخرج عن الولاية. والمحقق في الشرائع قدم الافقه على الاقرأ، وهو متوجه لان القراءة هنا ساقطة إلا انه خلاف فتوى الاصحاب بتقديم الاقرأ في الجماعة على الاطلاق وخلاف فتواه وفتوى الشيخ في هذه المسألة. انتهى. وما علل به توجه تقديم الافقه على الاقرأ من أن القراءة هنا ساقطة قد أورد عليه بان مرجحات القراءة معتبرة في الدعاء ولو لا ذلك لسقط الترجيح بالقراءة مطلقا، وانتقل جماعة: منهم - الشيخ إلى القرعة بعد التساوى في السن كما تقدم ذكره، واعتبر بعضهم بعد الاسن الاقدم هجرة ثم الاصبح وجها، لما سيأتي ان شاء الله تعالى في باب الجماعة منقحا موضحا. المسألة الثامنة - قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو كان المؤتم في صلاة الجنازة واحد وقف خلف الامام ولم يقف إلى جنبه كما في جماعة اليومية،


(1) و (2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجنازة و 20 من صلاة الجماعة.

[ 400 ]

وإذا اقتدى النساء بالرجل وقفن خلفه ولو كان فيهن حائض انفردت عن صفهن استحبابا، ولو اجتمع الرجال والنساء وقفن النساء خلف الرجال. والذى يدل على الحكم الاول ما رواه ثقة الاسلام والصدوق عن اليسع بن عبد الله القمى (1) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل يصلى على الجنازة وحده ؟ قال نعم. قلت فاثنان يصليان عليها ؟ قال نعم ولكن يقوم الاخر خلف الاخر ولا يقوم بجنبه). وعلى الحكم الثاني ما سيأتي في باب الجماعة من أن مواقف النساء خلف الرجال وعدم جواز محاذاة المرأة للرجال. وعلى الحكم الثالث ما رواه الشيخ في الحسن عن محمد بن مسلم (2) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الحائض تصلى على الجنازة ؟ قال نعم ولا تقف معهم وتقف مفردة). وعلى ا حكم الرابع ما رواه الكليني عن السكوني عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله خير الصفوف في الصلاة المقدم وخير الصفوف في الجنائز المؤخر. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ؟ قال صار سترة للنساء). اقول: مادلت عليه هذه الرواية بظاهرها - من ان أفضل الصفوف في صلاة الجماعة اليومية الصف الاول وهو الاقرب إلى القبلة وفى صفوف صلاة الجنائز هو الصف الاخير - هو الذى عليه جملة الاصحاب استنادا إلى هذه الرواية. إلا ان شيخنا المجلسي في كتاب البحار قد استظهر من الخبر معنى آخر وطعن في المعنى المشهور بوجوه ذكرها ثمة. قال: والذى يفهم من الرواية وهو الظاهر منها لفظا ومعنى ان المراد بالصفوف


(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجنازة.

[ 401 ]

في الصلاة صفوف جميع الصلوات الشاملة لصلاة الجنازة وغيرها، والمراد بصفوف الجنائز انما هو الجنائز المختلفة إذا وضعت بين يدى الامام للصلاة عليها، وان المراد خير الصفوف في الصلاة الصف المقدم أي ماكان أقرب إلى القبلة وخير الصفوف في الجنائز المؤخر أي ما كان أبعد من القبلة واقرب إلى الامام، ولما كان الاشرف في جميع المواضع متعلقا بالرجال صار كل من الحكمين سببا لسترة النساء لان تأخرهن في الصفوف سترة لهن وتأخر جنائزهن لكونه سببا لبعدهن عن الرجال المصلين سترة لهن، فاستقام التعليل في الجزءين وسلم الكلام عن ارتكاب الحذف والمجاز وصار الحكم مطابقا لما دلت عليه الاخبار. والعجب من الاصحاب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال الظاهر وذهبوا إلى ما يحتاج إلى تلك التكلفات البعيدة الركيكة، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. انتهى. وهو جيد كما لا يخفى على الفطن النبيه. إلا انه قال (ع) في كتاب الفية الرضوي (1) (وأفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الاخير) وهو كما ترى موافق لما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) وفهموه من خبر السكوني. وقال الصدوق في الفقيه: وأفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الاخير والعلة في ذلك ان النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الجنائز فقال النبي صلى الله عليه وآله (أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الاخير) فتأخرن إلى الصف الاخير فبقى فضله على ما ذكره (ع). وصدر عبارته كما ترى عين عبارة كتاب الفقه. ومن الظاهر ان العلة التى ذكرها انما أخذها من نص وصل إليه بذلك لانه من أرباب النصوص الذين لا يعولون إلا عليها بالخصوص دون التخريجات العقلية وحينئذ فتكون هذه رواية ثانية مطابقة لما في كتاب الفقه، وما ذكره شيخنا المشار إليه وان تم رواية السكوني إلا انه لا يتم في هذين الخبرين.


(1) ص 19.

[ 402 ]

ويمكن الجمع بين ما ذكره وذكرناه بان ما ذكره المتقدمون من هذا الحكم لا ينحصر دليله في الرواية المذكورة، لما عرفت في غير موضع انه كثيرا ما يذكرون الاحكام التى لم تصل أدلتها إلى المتأخرين فيعترضونهم تارة بعدم وجود الدليل - ودليله موجود في هذا الكتاب كما مر بيانه في غير مقام - وربما يتكلفون لهم الاستدلال بخبر أو دليل عقلي، ومن المحتمل ان الامر هنا من هذا القبيل فان المتأخرين حيث لم يصل إليهم إلا هذا الخبر استدلوا به ظنا منهم انه الدليل والحال ان الدليل شئ غيره مما ذكرناه، والخبر المذكور انما خرج على الوجه الذى ذكره شيخنا المشار إليه. والله العالم. المطلب الثالث - في الكيفية وهى على ما تضمنه كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان يكبر تكبيرة الاحرام ثم يتشهد عقيبها الشهادتين ثم يكبر ثانية ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم يكبر ثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ثم يكبر رابعة ويدعو للميت ان كان مؤمنا ثم خامسة وينصرف. والمستند في هذه الكيفية ما رواه ثقة السلام في الكافي عن محمد بن مهاجر عن امه ام سلمة (1) قالت (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبر وتشهد ثم كبر وصلى على الانبياء ودعا ثم كبر ودعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة ودعا للميت ثم كبر وانصرف، فلما نهاه الله عن الصلاة على المنافقين كبر وتشهد ثم كبر وصلى على النبيين ثم كبر ودعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة وانصرف) ورواه الصدوق في العلل (2) بوجه أبسط وفيه في التكبير الثاني على المؤمن (فصلى على النبي صلى الله عليه وآله عوض قوله في رواية الكافي (على الانبياء) ومثلها في الصلاة على المنافق. وفى الفقيه (3) نقل متن الخبر قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت... وساق الخبر، وفيه في التكبير الثاني وفى الموضعين (ثم كبر


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة. وفي آخر الرواية هكذا (ولم يدع للميت) (2) ص 109. (3) ج 1 ص 100.

[ 403 ]

فصلى على النبي صلى الله عليه وآله. وفى معنى هذه الرواية ما رواه الشيخ في التهذيب عن اسماعيل بن همام عن ابى الحسن (ع) (1) قال: (قال أبو عبد الله (ع) صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على جنازة فكبر عليه خمسا وصلى على آخر فكبر عليه اربعا، فاما الذى كبر عليه خمسا فحمد الله ومجده في التكبيرة الاولى ودعا في الثانية للنبى صلى الله عليه وآله ودعا في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات ودعا في الرابعة للميت وانصرف في الخامسة. واما الذى كبر عليه اربعا فحمد الله ومجده في التكبيرة الاولى ودعا لنفسه وأهل بيته صلى الله عليه وآله في الثانية ودعا للمؤمنين والمؤمنات في الثالثة وانصرف في الرابعة ولم يدع له لانه كان منافقا). وتحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع: (الاول) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الدعاء بين التكبيرات، بل قال في الذكرى ان الاصحاب باجمعهم يذكرون ذلك في كيفية الصلاة كانبى بابويه والجعفى والشيخين واتباعهما وابن ادريس ولم يصرح أحد منهم بندب الاذكار، والمذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب. وذهب المحقق في الشرائع صريحا وفى النافع ظاهرا إلى الاستحباب. والاظهر الاول لوقوع الامر به في الاخبار المتكاثرة الاتية في المقام ووقوع ذلك في بيان كيفية الواجب كما في رواية ابى بصير (2) (انها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات). ولم نقف لما ذكره المحقق على مستند واضح إلا انه قال السيد السند في المدارك: وربما كان مستنده اطلاق الروايات المتضمنة لان الصلاة على الميت خمس تكبيرات الواردة في مقام البيان الدالة بظاهرها على عدم وجوب ما عدا ذلك. انتهى. اقول: ومن الاخبار المشار إليها ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عن


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة رقم 12.

[ 404 ]

ابى عبد الله (ع) (1) قال: (التكبير على الميت خمس تكبيرات) وفى معناها غيرها. وانت خبير بان اطلاق هذه الاخبار يجب تقييده بما اشرنا إليه من تلك الاخبار حملا للمطلق على المقيد كما هي القاعدة المسلمة بينهم. وما ذكره من كون هذه الاخبار واردة في مقام البيان يمكن أن يجاب عنه بعد الاغماض عما ذكرنا بانه من الجائز ان المراد انما هو بيان كمية التكبير لوقوع الاختلاف فيه بين الخاصة والعامة (2) لا بيان كيفية الصلاة كما ادعاه. وظاهر صاحب المدارك حيث نقل الحجة المذكورة للمحقق ولم يطعن فيها بشئ الجمود عليها، وفيه ما عرفت. الثاني - انه على تقدير القول بالوجوب فهل يتعين فيها شئ مخصوص أم لا ؟ ظاهر المشهور بين المتأخرين الاول، فانه قد صرح العلامة ومن تأخر عنه


(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة. (2) في بدائع الصنائع ج 1 ص 312 (اختلفت الروايات في فعل رسول الله صلى الله عليه وآله فروى عنه الخمس والسبع والتسع واكثر من ذلك الا ان آخر فعله صلى الله عليه وآله كان اربع تكبيرات، وعمر جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبير وقال انكم اختلفتم في عدد التكبير ومن ياتي بعدكم يكون اشد منكم اختلافا فانظروا آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله على جنازة فخذوا به فوجدوه انه صلى الله عليه وآله صلى على امراة فكبر اربعا فاتفقوا على ذلك فكان هذا دليلا على كون التكبيرات في صلاة الجنازة اربعا) وفي شرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد السارى ج 4 ص 284 (كان النبي صلى الله عليه وآله يكبر اربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا حتى مات النجاشي فكبر عليه اربعا وثبت على ذلك. واختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع، وروى عن علي عليه السلام انه كان كبر على اهل بدر ستا وعلى سائر الصحابة خمسا وعلى غيرهم اربعا. وانعقد الاجماع بعد ذلك على الاربع، ولا نعلم احدا من فقهاء الامصار يخمس الا ابن ابي ليلى) وفي عمدة القارئ ج 4 ص 26 (فرقة تكبر سبعا وفرقة تكبر ثلاثا وقيل ست، وقال القاضي أبو محمد اكثره سبع تكبيرات واقله ثلاث. وذهبت الشيعة وابن ابي ليلى وزيد بن ارقم إلى الخمس وتبعهم الظاهرية وابو يوسف من اصحاب ابي حنيفة).

[ 405 ]

بوجوب التشهد في الاولى والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله في الثانية والدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثالثة والدعاء للميت في الرابعة. ونقل عن ابن الجنيد انه ليس في الدعاء بين التكبيرات شئ موقت لا يجوز غيره، والى هذا مال جماعة من متأخرى المتأخرين، وهو ظاهر الشهيد في الذكرى ايضا، وهو الاظهر. ويدل عليه ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم وزرارة في الصحيح (1) (انهما سمعا ابا جعفر (ع) يقول ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت إلا أن تدعو بما بدا لك، وأحق الاموات ان يدعى له ان يبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله. وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم وزرارة ومعمر ابن يحيى واسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت تدعو بما بدا لك، وأحق الموتى أن يدعى له المؤمن وان يبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله. ويؤيده ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الجنازة أيصلى عليها على غير وضوء ؟ فقال نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل... الحديث). الثالث - انه على تقدير القول المشهور من وجوب الاذكار الاربعة المتقدمة لا يتعين فيها لفظ مخصوص وبه صرح كثير من الاصحاب، قال شيخنا الشهيد في الذكرى: والمشهور توزيع الاذكار على ما مر ونقل الشيخ فيه الاجماع. ولا ريب انه كلام الجماعة إلا ابن ابى عقيل والجعفى فانهما أوردا الاذكار الاربعة عقيب كل تكبيرة وان تخالفا في الالفاظ، قال الفاضل وكلاهما جائز. قلت لاشتمال ذلك على الواجب والزيادة غير منافية مع ورود الروايات بها وان كان العمل بالمشهور أولى، وينبغى


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. والرواية للكليني والشيخ يرويها عنه

[ 406 ]

مراعاة هذه الالفاظ تيمنا بما ورد عنهم (عليهم السلام). انتهى. اقول: والاخبار الواردة في المسألة مع كثرتها وتعددها لا تجد فيها خبرا يوافق الاخر في تعيين الاذكار وتشخيصها، ولنورد منها جملة في المقام لتحيط خبرا بما اشتملت عليه من الكلام: فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ولاد ورواه ثقة الاسلام باسنادين أحدهما من الصحيح أو الحسن عنه (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير على الميت فقال خمس: تقول في اولاهن أشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له اللهم صل على محمد وآل محمد. ثم تقول: اللهم ان هذا المسجى قدامنا عبدك وابن عبدك وقد قبضت روحه اليك وقد احتاج إلى رحمتك وانت غنى عن عذابه اللهم انا لا نعلم من ظاهره إلا خيرا وأنت أعلم بسريرته اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. ثم تكبر الثانية وتفعل ذلك في كل تكبيرة). ومنها - ما رواه في الكافي عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تكبر ثم تشهد ثم تقول انالله وانا إليه راجعون الحمد لله رب العالمين رب الموت والحياة صل على محمد وأهل بيته جزى الله عنا محمدا صلى الله عليه وآله خير الجزاء بما صنع بامته وبما بلغ من رسالات ربه. ثم تقول اللهم عبدك ابن عبدك ابن امتك ناصيته بيدك خلا من الدنيا واحتاج إلى رحمتك وانت غنى عن عذابه اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وانت اعلم به منا، اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وتقبل منه وان كان مسيئا فاغفر له ذنبه وارحمه وتجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الاخرة، اللهم اسلك بنا وبه سبيل الهدى اهدانا واياه صراطك المستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تكبر الثانية وتقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات). ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى عبد الله


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.

[ 407 ]

(ع) (1) (في الصلاة على الميت ؟ قتل تكبرثم تصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم تقول اللهم عبدك ابن عبدك ابن امتك لا اعلم منه إلا خيرا وانت أعلم به منى، اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وتقبل منه وان كان مسيئا فاغفر له ذنبه وافسح له في قبره واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم تكبر الثانية وتقول، اللهم ان كان زكيا فزكه وان كان خاطئا فاغفر له. ثم تكبر الثالثة وتقول: اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده. ثم تكبر الرابعة وتقول: اللهم اكتبه عندك في عليين واخلف على عقبه في الغابرين واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم كبر الخامسة وانصرف). ومنها - ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن سماعة (2) قال: (سألته عن الصلاة على الميت فقال تكبر خمس تكبيرات تقول أول ما تكبر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد وعلى الائمة الهداة واغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم، اللهم اغفر لاحيائنا وامواتنا من المؤمنين والمؤمنات والف قلوبنا على قلوب أخيارنا واهدانا لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم. فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك تقول: اللهم عبدك ابن عبدك وابن امتك أنت أعلم به منى افتقر إلى رحمتك واستغنيت عنه اللهم فتجاوز عن سيئاته وزد في احسانه واغفر له وارحمه ونور له في قبره ولقنه حجته وألحقه بنبيه صلى الله عليه وآله ولا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده. تقول هذا حتى تفرغ من خمس تكبيرات وزاد في التهذيب (3) (فإذا فرغت سلمت عن يمينك). قال في الوافى ذيل هذا الخبر: قوله (ع) (فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك) كأنه اريد به انك ان كنت مأموما لمخالف فكبر الامام الثانية قبل فراغك من هذا الدعاء أو بعده وقبل الاتيان بما يأتي فلا يضرك ذلك القطع بل تأتى بتمامه


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.

[ 408 ]

أو بما يأتي بعد الثانية بل الثالثة والرابعة حتى تتم الدعاء. وقوله (ع) (تقول اللهم) أي تقول هذا بعد ذاك سواء قطع عليك باحد المعنيين أولم يقطع، وفى التهذيب (فقل) بدل (تقول) وقوله في آخر الحديث (تقول هذا) يعنى تكرر المجموع أو هذا الاخير ما بين كل تكبيرتين. وفى التهذيب (حين تفرغ) مكان (حتى تفرغ) وعلى هذا يكون معناه أن تأتى بالدعاء الاخير بعد الفراغ من الخمس. وفيه بعد والظاهر انه تصحيف. والتسليم شاذ ولهذا ترك في الكافي ما تضمنه من الاخبار رأسا ولم يورده في هذا الخبر، وحمله في التهذيب على التقية (1) وينافيه ذكر الخمس في عدد التكبيرات. انتهى. ومنها - ما رواه في التهذيب عن كليب الاسدي (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير على الميت فقال بيده: خمسا. قلت كيف اقول إذا صليت عليه ؟ قال تقول: اللهم عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فاغفر له). اقول: الظاهر ان المراد هو الاتيان بهذا الدعاء بين كل تكبيرتين واما احتمال انه بعد الرابعة بالخصوص بعد الاتيان بما هو الموظف في روايتي أم سلمة واسماعيل بن همام (3) فالظاهر بعده. ومنها - ما رواه في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (سألته عن الصلاة على الميت فقال تكبر ثم تقول انا لله وانا إليه راجعون، ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا


(1) في المهذب ج 1 ص 133 (في الام يكبر في الرابعة ويسلم مثل تسليم الصلاة، وهل يسلم تسليمة أو تسليمتين ؟ على ما ذكرناه في الصلاة) وفي المغني ج 2 ص 491 (يسلم تسليمة واحدة عن يمينه بعد التكبير للرابعة) وفي البدائع ج 1 ص 313 (يكبر للرابعة ويسلم تسليمتين). (2) و (4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة (3) ص 403.

[ 409 ]

تسليما، اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما صليت وباركت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وعلى أئمة المسلمين اللهم صل على محمد وعلى امام المسلمين، اللهم عبدك فلان وأنت أعلم به اللهم ألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وافسح له في قبره ونور له فيه وصعد روحه ولقنه حجته واجعل ما عندك خيرا له وارجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده، اللهم عفوك عفوك. تقول هذا كله في التكبيرة الاولى ثم تكبر الثانية وتقول: اللهم عبدك فلان اللهم ألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وافسح له في قبره ونور له فيه وصعد روحه ولقنه حجته واجعل ما عندك خيرا له وارجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم عفوك اللهم عفوك. تقول هذا في الثانية والثالثة والرابعة فإذا كبرت الخامسة فقل: اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والف بين قلوبهم وتوفنى على ملة رسولك صلى الله عليه وآله اللهم اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم، اللهم عفوك اللهم عفوك. وتسلم). قال في الوافى في ذيل هذا الخبر: وما ذكر من الدعاء بعد الخامسة والتسليم شاذ وكذا في الخبر الاتى كما أشرنا إليه من قبل. ومنها - ما رواه في التهذيب عن يونس عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (الصلاة على الجنائز التكبيرة الاولى استفتاح الصلاة والثانية يشهد أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والثالثة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته والثناء على الله تعالى والرابعة له والخامسة يسلم ويقف مقدار ما بين التكبيرتين ولا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه). ومنها - ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (ع) (2): (وارفع يديك


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة. (2) ص 19.

[ 410 ]

بالتكبير الاول وقل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وان الموت حق والجنة حق والنار حق والبعث حق وان الساعة آتية لاريب فيها وان الله يبعث من في القبور. ثم كبر الثانية وقل: اللهم صل على محمد وآل محمد أفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت وسلمت على ابراهيم وآل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد. ثم تكبر الثالثة وتقول: اللهم اغفر لى ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات تابع اللهم بيننا وبينهم في الخيرات انك مجيب الدعوات وولى الحسنات يا ارحم الراحمين. ثم تكبر الرابعة وتقول: اللهم ان هذا عبدك وابن عبدك وابن امتك نزل بساحتك وأنت خير منزول به اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته واغفر لنا وله، اللهم احشره مع من يتولاه ويحبه وابعده ممن يتبرأه ويبغضه، اللهم ألحقه بنبيك وعرف بينه وبينه وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين. ثم تكبر الخامسة وتقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الاخرة حسنة وقنا عذاب النار. ولا تسلم ولاتبرح من مكانك حتى ترى الجنازة على ايدى الرجال). وقال (ع) في مواضع آخر (1): (إذا أردت أن تصلى على الميت فكبر عليه خمس تكبيرات، يقوم الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة، ويرفع اليد بالتكبير الاول ويقنت بين كل تكبيرتين، والقنوت ذكر الله والشهادتان والصلاة على محمد وآله والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، هذا في تكبيرة بغير رفع اليدين ولا تسليم لان الصلاة على الميت انما هو دعاء وتسبيح واستغفار.. وساق الكلام إلى ان قال: وتقول في التكبيرة الاولى في الصلاة على الميت: أشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله انا لله وانا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين رب الموت والحياة وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته وجزى الله محمدا


(1) ص 20.

[ 411 ]

صلى الله عليه وآله عنا خير الجزاء بما صنع لامته وما بلغ من رسالات ربه. ثم تقول اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك ناصيته بيدك تخلى من الدنيا واحتاج إلى عندك نزل بك وأنت خير منزول به افتقر إلى رحمتك وأنت غنى من عذابه، اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وتقبل منه وان كان مسيئا فاغفر له ذنبه وارحمه وتجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك وثبته بالقول الثابت في الدنيا والاخرة، اللهم اسلك بنا وبه سبيل الهدى واهدنا وإياه صراطك المستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تكبر الثانية وتقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات. وقال ليس فيها تسليم... إلى آخره. وقال ايضا في الكتاب المذكور (1): باب آخر في الصلاة على الميت قال: تكبر ثم تصلى على النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته، ثم تقول اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك لا اعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به، اللهم ان كان محسنا فافسح له في قبره واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم تكبر الثانية فقل: اللهم ان كان زاكيا فزكه وان كان خاطئا فاغفر له. ثم تكبر الثالثة فقل: اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده. ثم تكبر الرابعة وقل: اللهم اكتبه عندك في عليين واخلف على أهله في الغابرين واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم تكبر الخامسة وتنصرف. اقول: ما ذكره (ع) في هذا الباب الاخير هو رواية زرارة المتقدم نقلها عن الكافي وهى الثالثة من الروايات المتقدمة، وما ذكره في سابق هذه الكيفية هو مضمون حسنة الحلبي المتقدم نقلها عن الكافي ايضا وهى الثانية بتغيير يسير، ولعله من قلم النساخ في احدى النسختين واما الاولى مما ذكره (ع) فهو من خصوصيات الكتاب وهى راجعة إلى الرواية المشهورة إلا ان تلك مجملة وهذه مفصلة فتكون مؤيدة لها وعاضدة لما دلت عليه من التوزيع على النحو المخصوص. وذكره (ع) هذه الكيفيات الثلاث مشعر بان الامر في ذلك موسع وانه ليس فيه


(1) ص 21.

[ 412 ]

تعيين لفظ مخصوص كما يفهم من الروايات الاخر التى سردناها ايضا وان كان الافضل العمل بالرواية المشهورة المعتضدة بعمل الاصحاب بمضمونها سلفا وخلفا. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك هنا حيث قال بعد ان نقل عن المصنف ان أفضل ما يقال في صلاة الجنازة ماروه محمد بن مهاجر عن امه ام سلمة (1): وكأن وجه الدلالة على أفضلية ما تضمنته الرواية قوله (ع): (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبر وتشهد فان لفظ (كان) يشعر بالدوام واقل مراتب مواظبة النبي صلى الله عليه وآله على ذلك الرجحان.. إلى ان قال: والاولى والافضل اعتماد ما تضمنته الروايات المعتبرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ثم نقل صحيحة ابى ولاد وحسنة الحلبي وحسنة زرارة. اقول: لا يخفى ان وجه هذه الافضلية عنده انما نشأت من حيث اعتبار اسانيد هذه الاخبار باصطلاحه فان فيها الصحيح والحسن بخلاف رواية ابن المهاجر المعتضدة برواية اسماعيل بن همام حيث انهما ضعيفتا السند باصطلاحه. وفيه انهما وان ضعف سندهما بهذا الاصطلاح إلا ان عمل الطائفة سلفا وخلفا بما اشتملتا عليه هو المرجح لهما، فانه لم ينقل عن أحد القول بما دلت عليه هذه الاخبار التى نوه بها وان صح سندها حتى من أصحاب هذا الاصطلاح بل الكل متفقون على القول بمضمون الروايتين المذكورتين، وكم من رواية صحيحة قد اعرض عنها الاصحاب حتى مثل هذا القائل إذا اعوزتهم الحيلة فيها، ومنه يعلم انه ليس المدار على الصحة بهذا المعنى المحدث وانما المدار على الصحة بالمعنى القديم المعمول عليه بين جمهور القدماء الذين ليس لهذا الاصطلاح عندهم اثر. على ان هذه الاخبار التى استند إليها غير متفقة على نمط واحد بل هي مختلفة كما عرفت. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور وحمل هذه الاخبار على الرخصة والتوسعة كما يشير إليه ايراده (ع) في كتاب الفقه هذه الكيفيات الثلاث. والله العالم.


(1) ص 402.

[ 413 ]

الرابع - ظاهر خبرى ام سلمة واسماعيل بن همام المتقدمين (1) انه صلى الله عليه وآله في صلاته على المنافق انصرف بعد التكبير الرابع ولم يدع له ولا عليه، وعلى هذا فالمراد بقوله (ع) في حديث أم سلمة (فلما نهاه الله عن الصلاة على المنافقين) انما هو بمعنى الدعاء لهم لا ان النهى عن أصل الصلاة، لان الخبرين صريحان في انه صلى الله عليه وآله صلى عليهم بعد النهى انما ترك الدعاء لهم بعد الرابعة خاصة. وبالجملة فظاهر الخبرين المذكورين انه ينصرف بمجرد التكبير الرابع في الصلاة على المنافق كما ينصرف بالخامس في الصلاة على المؤمن. وما احتمله بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين - من أن المراد الانصراف باتمام دعاء الرابعة جمعا بينه وبين مادل على الدعاء على المنافق كما سيأتي في الاخبار - فلا يخفى بعده وركاكته بالنظر إلى ظاهر سياق الخبرين المذكورين. وبما ذكرنا صرح شيخنا الشهيد في الذكرى فقال: والظاهر ان الدعاء على هذا القسم غير واجب لان التكبير عليه اربع وبها يخرج من الصلاة. قال في المدارك: وهو غير جيد فان الدعاء للميت أو عليه لا يتعين وقوعه بعد الرابعة كما بيناه. أقول: أشار بما بينه إلى ما اختاره - كما قدمنا نقله عنه - من العمل بتلك الروايات الصحيح بعضها والحسن بعضها وطرح روايتي ام سلمة واسماعيل بن همام. وفيه ان كلام شيخنا الشهيد مبنى على العمل بهذين الخبرين الذين هنا مستند الاصحاب في تفريق الادعية وتوزيعها على التكبيرات كما هو القول المشهور بين كافة الاصحاب سلفا وخلفا. والاخبار التى أشار إليها لم يقل بها أحد سواه ومن تبعه، ولا ريب ان الخبرين المذكورين واضحا الدلالة في ما ذكره الشهيد من الانصراف بمجرد التكبير الرابع وعدم الدعاء مطلقا. نعم يبقى الكلام في الجمع بين هذين الخبرين وبين الاخبار الدالة على الدعاء على المنافق كما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد عرفت بعد ما احتمله بعض


(1) ص 402 و 403.

[ 414 ]

المحققين في الجمع بين هذه الاخبار كما أشرنا إليه آنفا. ويمكن التوفيق بينها بان يقال لا يخفى ان ما دل على الانصراف بعد الرابعة انما ورد في صلاته صلى الله عليه وآله على منافقي زمانه وحكاية صلاته عليهم، وما ورد في الدعاء عليهم انما ورد في الصلاة على النصاب والمخالفين من أهل السنة وان عبر عنهم بالمنافقين ايضا في بعض الاخبار. وها انا أسوق ما وقفت عليه من الاخبار في ذلك لتطلع على صحة ما هنالك، فمن ذلك ما رواه في الكافي عن عامر بن السمط عن ابى عبد الله (ع) (1) (ان رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين بن على (عليهما السلام) يمشى معه فلقيه مولى له فقال له الحسين (ع) أين تذهب يا فلان ؟ فقال له مولاه افر من جنازة هذا المنافق أن اصلى عليها. فقال له الحسين (ع) انظر ان تقوم على يمينى ما تسمعني اقول فقل مثله. فلما ان كبر عليه وليه قال الحسين (ع): الله اكبر العن فلانا عبدك الف لعنة مؤتلفة غير مختلفة اللهم أخز عبدك في عبادك وبلادك واصله حر نارك واذقه أشد عذابك فانه كان يتولى اعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك صلى الله عليه وآله وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (إذا صليت على عدو الله فقل: اللهم ان فلانا لا نعلم منه إلا انه عدولك ولرسولك صلى الله عليه وآله اللهم فاحش قبره نارا واحش جوفه نارا وعجل به إلى النار فانه كان يتولى اعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك اللهم ضيق عليه قبره. وإذا رفع فقل اللهم لا ترفعه ولا تزكه). وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: (ان كان جاحدا للحق فقل: اللهم املا جوفه نارا وقبره نارا وسلط عليه الحيات والعقارب وذلك قاله أبو جعفر (ع) لامرأة سوء من بنى امية صلى عليها ابى، وقال هذه المقالة واجعل الشيطان لها قرينا).


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجنازة.

[ 415 ]

وقال في كتاب الفقه الرضوي (1) في تتمة العبارة الاولى مما قدمنا نقله عنه: وإذا كان الميت مخالفا فقل في تكبيرك الرابعة: اللهم اخز عبدك وابن عبدك هذا اللهم اصله حر نارك اللهم اذقه اليم عذابك وشديد عقوبتك وأورده نارا واملا جوفه نارا وضيق عليه لحده فانه كان معاديا لاوليائك ومتواليا لاعدائك. اللهم لا تخفف عنه العذاب واصبب عليه العذاب صبا. فإذا رفع جنازته فقل اللهم لا ترفعه ولا تزكه). وهذه الروايات كلها كما ترى ظاهرة في المخالف من أهل السنة، وحينئذ فيجب ان يقصر كل من هذه الاخبار والخبرين المتقدمين على مورده. ولا ينافى ذلك ما ورد في حديث عبد الله بن ابى وهو ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (ع) (2) قال (لما مات عبد الله بن ابى بن سلول حضر


(1) ص 19. (2) الوسائل الباب ب 4 من صلاة الجنازة وقد ورد مضمون هذا الحديث في روايات العامة. ففي البخاري باب الكفن في القميص (ان ابنه عبد الله جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وطلب منه قميصه والصلاة عليه والاستغفار له فاجابه رسول الله صلى الله عليه واله إلى ما اراد فلما قام ليصلى عليه جذبه عمر وقال اليس نهاك الله ان تصلى على المنافقين ؟ فقال انا بين خيرتين قال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم فصلى عليه) وفي تفسير ابن كثير ج 2 ص 378 (قال عمر بن الخطاب لما قام النبي صلى الله عليه وآله ليصلى عليه تحولت حتى قمت في صدره وقلت اعلى عدو الله القائل يوم كذا وكذا تصلى ؟ ورسول الله صلى الله عليه واله يتبسم حتى إذا اكثرت عليه قال اخر عنى يا عمر اني خيرت فاخترت ولو اعلم اني زدت على السبعين يغفر له لفعلت. ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه. قال عمر فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وآله والله ورسوله اعلم) وفي تفسير السراج المنير ج 1 ص 612 للخطيب الشربيني واسباب النزول للواحدي ص 193 وروح المعاني للالوسي ج 10 ص 154 (لما اكثر عليه عمر بن الخطاب قال له رسول الله (ان قميصي لا يغني عنه من الله شيئا واني اؤمل ان يدخل في الاسلام سببه كثير) فيروى انه اسلم الف من الخزرج. وقد اوردوا هذه القصة في تفاسيرهم في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة الاية 85 (ولا تصل على احد منهم).

[ 416 ]

النبي صلى الله عليه وآله جنازته فقال عمر لرسول الله يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألم ينهك الله ان تقوم على قبره ؟ فسكت فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟ فقال له ويلك وما يدريك ما قلت ؟ انى قلت: اللهم احش جوفه نارا واملا قبره نارا واصله نارا. قال أبو عبد الله (ع) فابدى من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان يكره) فانه يمكن تخصيص الخبر به حيث انه كان رأس النفاق (1) على ان الخبر غير ظاهر في كونه (صلى الله عليه وآله) صلى عليه وانما فيه انه حضر جنازته ومجرد الحضور لا يستلزم الصلاة. ومما يعضد الاول اعني تخصيص الخبر به ما صرح به شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في كتاب المقنعة (2) حيث قال: روى عن الصادقين (عليهم السلام) انهم قالوا (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى على المؤمنين ويكبر خمسا ويصلى على أهل النفاق سوى من ورد النهى عن الصلاة عليهم فيكبر اربعا) فانه يدل على


(1) في تفسير الخازن ج 3 ص 108 نقلا عن شرح مسلم للقرطبي (كان ابن ابي راسا في المنافقين واعظمهم نفاقا واشدهم وكان المنافقون كثيرين بلغوا ثلثمائة رجل ومائة وسبعين امراة وانتهب إليه رئاسة الخزرج فلما ظفر النبي صلى الله عليه وآله) وانصرف الخزرج إليه حسد رسول الله صلى الله عليه وآله وبالغ في العداوة له. وكان ولده عبد الله من خيار الصحابة واصدقهم اسلاما واكثرهم عادة واشرحهم صدرا بارا بابيه مع كفره ونفاقه، قال للنبي صلى الله عليه وآله انك لتعلم اني ابر الناس بابي وان امرتني لاتيك براسه فعلت واخشى ان تأمر احدا بقتله فلا تدعني نفسي ان انظر إلى قاتل ابي فاقتله فاكون قد قتلت مؤمنا بكافر ؟ فقال نبي الحنان صلى الله عليه وآله لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه بل احسن صحبته وبر به وترفق به ما صحبنا) وفي اسد الغابة ج 3 ص 197 (ان الخزرج اجمعوا على ان يتوجوه ويملكوه امرهم قبل الاسلام فلما جاء صلى الله عليه واله رجعوا عن ذلك فحسد رسول الله صلى الله عليه وآله واخذ به. العزة واضمر النفاق وهو القائل في غزوة بني المصطلق (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل) سورة المنافقين الاية 8. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.

[ 417 ]

ان النهى انما هو عن اناس مخصوصين، ولا ريب ان رأس المنافقين الذى نزلت فيه سورة المنافقين هو عبد الله المذكور. على ان حديث الحسين (ع) غير صريح ولا ظاهر في كونه صلى عليه الصلاة المعهودة وانما تضمن انه دعا عليه، فان قوله (فلما ان كبر عليه وليه قال الحسين (ع) الله اكبر اللهم العن فلانا... إلى آخره) ظاهر في انه دعا عليه في أول تكبيرة ثم لم يزل يكرر ذلك في كل تكبيرة. وبالجملة فانك قد عرفت مما قدمنا ذكره في المطلب الاول ان المخالف لا يصلى عليه إلا ان تجلئ التقية إلى ذلك، وحينئذ فمتى صلى عليه فهو مخير بين الدعاء عليه بعد كل تكبيرة - كما هو ظاهر خبر الحسين (ع) بالتقريب الذى ذكرناه، وعليه يحمل ما بعده ايضا من خبرى الحلبي ومحمد بن مسلم فانهما ظاهران في الاطلاق - وبين الدعاء بعد الرابعة كما هو صريح عبارة كتاب الفقه الرضوي. وأما روايتا ام سلمة واسماعيل بن همام (1) فقد عرفت انهما مخصوصتان بمنافقى أهل زمانه صلى الله عليه وآله لاجل تألف الناس، مع الخبرين ليس فيهما دعاء له ولا عليه. والله العالم. الخامس - روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابى بصير (2) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) لاى علة تكبر على الميت خمس تكبيرات ويكبر مخالفونا اربع تكبيرات ؟ قال لان الدعائم التى بنى عليها الاسلام خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية لنا أهل البيت، فجعل الله للميت من كل دعامة تكبيرة، وانكم اقررتم بالخمس كلها واقر مخالفوكم باربع وانكروا واحدة، فمن ذلك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات وتكبرون خمسا). وروى في كتاب عيون الاخبار بسنده عن الحسن بن النضر (3) قال: (قال الرضا (ع) ما العلة في التكبير على الميت خمس تكبيرات ؟ قلت رووا انها


(1) ص 402 و 403. (2) و (3) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.

[ 418 ]

اشتقت من خمس صلوات. فقال هذا ظاهر الحديث فاما في وجه آخر فان الله فرض على العباد خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصوم الحج والولاية فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة واحدة، فمن قبل الولاية كبر خمسا ومن لم يقبل الولاية كبر اربعا، فمن أجل ذلك تكبرون خمسا ومن خالفكم يكبر أربعا). اقول: المعنى في هذين الخبرين ان العلة في فرض الله سبحانه خمس تكبيرات في الصلاة على الميت المؤمن هو فرض هذه الفرائض الخمس عليه في حال الحياة فجعل له بعد الموت من كله فريضة تكبيرة، ولما كانت الشيعة الامامية ممن وفق في الحياة للقيام بالفرائض الخمس المذكورة كان الواجب عندهم في التكبير على الميت هذا العدد فحصل لهم التوفيق بالفرضين حياة وموتا، والمخالف لما سلب التوفيق للقيام بالفريضة الخامسة وهى الولاية في الحياة سلب التوقيق لتكبيرها بعد الموت، فحصل لهم من الشبهة في الحالين الناشئة عن الخذلان وسلب التوقيق ما أوجب لهم ترك الولاية في الحياة وترك التكبير بعد الموت. ولعل الشبهة الموجبة لتركهم التكبير الخامس ما ورد في بعض الاخبار عنه صلى الله عليه وآله انه كان يكبر اربعا على بعض الاموات ولم يتفقهوا إلى ان ذلك انما هو في ما إذا كان الميت منافقا كما صرحت به أخبار أهل البيت (عليهم السلام) من انه صلى الله عليه وآله كان يصلى على بعض خمس تكبيرات وعلى اناس اربعا وانه إذا كبر اربع تكبيرات اتهم بالنفاق. وربما اكد ذلك عندهم اصرار الشيعة على الخمس حيث انهم يتعمدون مخالفتهم وان اعترفوا بان السنة النبوية في ما عليه الشيعة، بل قد صرح بهذا الوجه بعض شراح صحيح مسلم على ما نقله بعض اصحابنا (رضوان الله عليهم) حيث قال نقلا عنه: انما ترك القول بالتكبيرات الخمس في صلاة الجنازة لانه صار علما للتشيع. وقال عبد الله المالكى المغربي في كتابه المسمى بفوائد مسلم (1) - كما نقله بعض اصحابنا


(1) لم نعثر على هذين الكتابين ولكنه غير بعيد بعدما ذكر الغزالي في الوجيز ج 1 =

[ 419 ]

ايضا - ان زيدا كبر خمسا على جنازة، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبرها، وهذا المذهب الان متروك لانه صار علما على القول بالرفض. وقد أوردنا في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد جملة من مخالفاتهم التى من هذا القبيل. قال شيخنا الشهيد في الذكرى يجب فيها خمس تكبيرات لخبر زيد بن ارقم انه كبر على جنازة خمسا وقال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبرها، أورده مسلم (1) واكثر المسانيد، ولفظ (كان) يشعر بالدوام، والاربع وان رويت فالاثبات مقدم على النفى وجاز أن يكون راوي الاربع لم يسمع الخامسة أو نسيها، قال بعض العامة الزيادة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله والاختلافات المنقولة في العدد من جملة الاختلاف في المباح والكل شائع. وفى كلام بعض شراح مسلم انما ترك القول بالخمس لانه صار علما للقول بالتشيع وهذا عجيب. انتهى. هذا، وأما الاخبار الدالة على انه صلى الله عليه وآله كان يكبر على المنافقين أربعا فانه لا منافاة فيها لهذه العلة المذكورة في هذين الخبرين، لان هذه العلة انما ذكرت بالنسبة إلى من دخل في الاسلام وصدق به ودان به من الانام دون من لم يصدق به من المنافقين في زمنه (صلى الله عليه وآله) وحينئذ فصلاته عليهم أربعا الظاهر انها انما وقعت للتمييز بينهم وبين المؤمنين واظهار بغضهم ونفاقهم بين العالمين، والمخالفون لخذلانهم وسلب توفيقهم للولاية قد دخلوا في زمرتهم والتحقوا بهم. والله العالم. السادس - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الواجب في الصلاة على الميت المؤمن خمس تكبيرات وبه استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام)


= ص 47 ان تسنيم القبور افضل من التسطيح مخالفة لشعار الروافض. (وفي المهذب ج 1 ص 107 (قال أبو علي الطبري في زماننا يسنم القبر لان التسطيح من شعار الرافضة) ويرجع في ذلك إلى التعليقة 2 ص 466 ج 8. (1) ج 1 ص 352 باب الصلاة على القبر من كتاب الجنائز، واورده البيهقي في السنن وابن ماجة والنسائي وابو داود.

[ 420 ]

وقد مر جملة منها في المباحث المتقدمة ولا سيما الاخبار المتضمنة لعلة الخمس المذكورة ومنها - ما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) انه قال: (لما مات آدم فبلغ إلى الصلاة عليه فقال هبة الله لجبرئيل تقدم يا رسول الله فصلى على نبى الله فقال جبرئيل ان الله أمرنا بالسجود لابيك فلسنا نتقدم ابرار ولده وانت من أبرهم فتقدم فكبر عليه خمسا عدة الصلوات التى فرضها الله على امة محمد (صلى الله عليه وآله) وهى من السنة الجارية في ولده إلى يوم القيامة). وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (التكبير على الميت خمس تكبيرات). وعن اسماعيل بن سعد الاشعري في الصحيح عن ابى الحسن الرضا (ع) (3) قال: (سألته عن الصلاة على الميت فقال أما المؤمن فخمس تكبيرات واما المنافق فاربع، ولا سلام فيها). وعن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) (4) قال: (كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسا). وعن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (التكبير على الميت خمس تكبيرات). وما رواه في الكافي عن ابى بكر الحضرمي (6) قال: (قال أبو جعفر (ع) يا أبا بكر هل تدرى كم الصلاة على الميت ؟ قلت لا. قال خمس تكبيرات. فتدرى من اين اخذت الخمس ؟ قلت لا. قال اخذت الخمس تكبيرات من الخمس صلوات من كل صلاة تكبيرة). وعن سليمان بن جعفر الجعفري عن ابيه عن ابى عبد الله (ع) (7) قال (قال


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.

[ 421 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله فرض الصلاة خمسا وجعل للميت من كل صلاة تكبيرة). وما رواه الشيخ عن قدامة بن زائدة (1) قال: (سمعت ابا جعفر (ع) يقول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على ابنه ابراهيم فكبر عليه خمسا) إلى غير ذلك من الاخبار. ومقتضى ذلك انه لا يجوز الزيادة على ذلك بقصد انها من الصلاة لانه تشريع محض. وهل تبطل الصلاة بالزيادة ؟ قيل لا لخروجه بالخامسة من الصلاة. ولا يجوز النقيصة عن ذلك إلا مع امكان التدارك. واما ما يدل على خلاف ذلك - مثل ما رواه الشيخ عن جابر (2) قال: (سألت أبا جعفر (ع) عن التكبير على الجنازة هل فيه شئ مؤقت ؟ فقال لا كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) احد عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا واربعا) - فقد أجاب الشيخ عنه فقال: ما تضمن هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالاجماع، ويجوز أن يكون (ع) اخبر عن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك لانه كان يكبر على جنازة واحدة أو اثنتين فكان يجاء بجنازة اخرى فيبتدئ من حيث انتهى خمس تكبيرات فإذا اضيف إلى ما كان كبر زاد على الخمس تكبيرات، وذلك جائز على ما سنبينه في ما بعد ان شاء الله تعالى. واما ما يتضمن من الاربع تكبيرات فمحمول على التقية لانه مذهب المخالفين (3) أو يكون اخبر عن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) مع المخالفين والمتهمين بالاسلام لانه (صلى الله عليه وآله) كذا كان يفعل. انتهى. وربما حمله بعض الاصحاب على الاستحباب إذا التمس اهل الميت ذلك وفى


(1) الوسائل الباب 5 و 14 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (3) ارجع إلى التعليقة 2 ص 404.

[ 422 ]

بعض الاخبار اشارة إليه. وبالجملة فالمفهوم من الاخبار هو وجوب الخمس في الصلاة على المؤمن وأما المنافق والمخالف فالاربع كما تقدم. والله العالم. السابع - لا يخفى ان لهذه الصلاة واجبات ومندوبات، وتحقيق الكلام في ذلك يقع في مقامين (الاول) في ما يجب فيها: ومنها - النية وهى قصد الفعل طاعة لله، قالوا: ولا يجب فيها التعرض للوجه ولا للاداء والقضاء. اقول: والامر في النية - كما عرفت في المباحث المتقدمة - مفروع عنه عندنا ونعنى بها النية الحقيقية لا هذه النية الافتعالية كما تقدم تحقيقه. ومنها - وجوب الاستقبال من المصلى ولا خلاف فيه، واستدلوا على ذلك بانه هو المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) فيجب تحصيلا للبراءة اليقينية لعدم ثبوت شرعيتها على وجه آخر. ومثل هذا التعليل وان جرت لهم فيه مناقشات في غير هذا الموضع إلا انه في هذا الموضع مسلم الثبوت بين اصحاب تلك المناقشات. قال في الذكرى: يجب فيها استقبال المصلى الحاقا لها بسائر الصلوات. ولا يخفى ما فيه كيف كان فيقين البراءة يقتضيه. نعم انما يجب ذلك مع الامكان فلو تعذر من المصلى أو الجنازة كالمصلوب الذى يتعذر انزاله سقط الوجوب. وروى الكليني في الصحيح إلى ابى هاشم الجعفري (1) قال: (سألت الرضا (ع) عن المصلوب فقال اما علمت ان جدى صلى على عمه ؟ قلت أعلم ذلك ولكني لا أفهمه مبينا. قال ابينه لك: ان كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الايمن وان كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الايسر فان بين المشرق والمغرب قبلة وان كان منكبه الايسر إلى القبله فقم على منكبه الايمن وان كان منكبه الايمن إلى القبلة


(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجنازة.

[ 423 ]

فقم على منكبه الايسر، وكيف كان منحرفا فلا تزايلن مناكبه وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب ولا تستقبله ولا تستدبره البتة. قال أبو هاشم وقد فهمته ان شاء الله تعالى فهمته والله). قال في الذكرى: وهذه الرواية وان كانت غريبة نادرة كما قال الصدوق واكثر الاصحاب لم يذكروا مضمونها في كتبهم إلا انه ليس لها معارض ولا راد، وقد قال ابو الصلاح وابن زهرة يصلى على المصلوب ولا يستقبل وجهه الامام في التوجه فكأنهما عاملان بها، وكذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين بن سعيد، والفاضل في المختلف قال ان عمل بها فلا بأس، وابن ادريس نقل عن بعض الاصحاب انه ان صلى عليه وهو على خشية استقبل بوجهه وجه المصلى عليه ويكون هو مستدبر القبلة، ثم حكم بان الاظهر انزاله قد بعد الثلاثة والصلاة عليه. قلت هذا النقل لم اظفر به وانزاله قد يتعذر كما قضية زيد (ع). انتهى. وقال في المختلف بعد ذكر الحكم المذكور: ويحمل الصلب على من وجب عليه قودا وفى حق المحارب إذا قتل فانه يقتل ويصلب بعد ان يؤمر بالغسل والكفن. ومنها - القيام مع القدرة اجماعا ومع العجز يصلى بحسب الامكان، قال في الذكرى بعد دعوى الاجماع على وجوبه: بل هو الركن الاظهر لان النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) والصحابة صلوا عليها قياما والتأسى واجب خصوصا في الصلاة لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) (صلوا كما رأيتموني أصلى) ولان الاصل بعد شغل الذمة عدم البراءة إلا بالقيام فيتعين. انتهى. والكلام فيه كما عرفت في الاول لانه مسلم الصحة بينهم لا راد ولا مناقش فيه. وفى الاكتفاء بصلاة العاجز مع وجود من يمكنه القيام اشكال، من صدق الصلاة الواجبة بالنسبة إلى ذلك المصلى، ومن نقصها ووجود من يأتي بالصلاة الكاملة. ورجح في المدارك الثاني معللا بان الاصل عدم السقوط بغير الصلاة الكاملة


(1) مسند احمد ج 5 ص 53.

[ 424 ]

وجعل الاول احتمالا. وظاهره في الذكرى وكذا الفاضل الخراساني في الذخيرة التوقف، وهو كذلك لعدم الدليل الواضح في المقام. ومنها - وجوب الستر مع الامكان على خلاف فيه، فجزم العلامة (قدس سره) بعدم اعتباره، قال لانه دعاء. وقال في الذكرى: الاقرب وجوب ستر العورة مع الامكان الحاقا لها بسائر الصلوات وبحكم التأسي. ثم قال: وقال الفاضل ليس الستر شرطا في صلاة الجنازة لانها دعاء. وثم أجاب عنه وقال: قلت لاريب انها تسمى صلاة وان اشتملت على الدعاء فتدخل تحت عموم الصلاة، ويعارض بوجوب القيام والاستقبال فيها. انتهى. اقول: لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من الوهن وتطرق المناقشة إليه بان الاطلاق أعم من الحقيقة، والاستدلال على الوجوب بالالحاق بسائر الصلوات والتأسى مجازفة محضة في الاحكام الشرعية المطلوب فيها الثبوت بالادلة القطعية دون مجرد التخمينات الظنية وإلا كان قولا على الله بغير علم، وقد استفاضت الايات والروايات بالنهي عنه، ومن ذلك يظهر لك ان لا مستند لهم في جميع هذه الاحكام أزيد من الاتفاق الاجماع الذى يدعونه، فان جميع ما ذكروه من هذه التعليلات العليلة وان جرى الخلف فيها على ما جرى عليه السلف لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، وليس في المقام دليل شرعى يمكن التمسك به سوى الاحتياط فانه في مواضع الاشتباه واجب كما قدمنا تحقيقه في غير مقام. قال في الذكرى: وفى وجوب ازالة الخبث عنه وعن ثوبه نظر من الاصل وانها دعاء واخفية الخبث بالنسبة إلى الحدث ومن ثم صحت الصلاة مع الخبث لا مع بقاء حكم الحدث، ومن اطلاق التسمية بالصلاة التى يشترط فيها ذلك والاحتياط. ولم اقف في هذا على نص ولا فتوى. انتهى. اقول: ضعف الوجه الثاني أظهر من أن يحتاج إلى بيان، سيما بعد ما عرفت في ما قدمناه مما ظاهرهم الاتفاق عليه في هذا المكان، ويزيده تأييدا ما في موثقة

[ 425 ]

يونس بن يعقوب (1) (في الصلاة على الجنازة من غير وضوء ؟ قال نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبح كما تكبر وتسبح في بيتك) وما في صحيحة الحلبي الواردة في جواز الصلاة حين تغيب الشمس وحين تطلع (2) قال (انما هو استغفار). ومنها - وجوب الاستقبال بالميت بان يوضع رأسه عن يمين المصلى مستلقيا ورجلاه إلى يسار المصلى، قال ابن حمزة بحيث لو اضطجع على يمينه لكان بازاء القبلة وعللوه بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) وعدم يقين الخروج من العهدة بدونه. والاظهر الاستدلال عليه بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (ع) (3) (انه سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الامام فإذا الميت مقلوب رجلاه إلى موضع رأسه قال: يسوى وتعاد الصلاة عليه وان كان قد حمل ما لم يدفن فان دفن فقد مضت الصلاة ولا يصلى عليه وهو مدفون). والحكم المذكور مما لا خلاف فيه بينهم، لكن ينبغى أن يعلم ان ذلك انما يعتبر بالنسبة إلى غير المأموم ولا بد ايضا من تقييده بصورة الامكان، فلو تعذر كالمصلوب الذى يتعذر انزاله سقط كما تقدم (4) في صلاة الصادق (ع) على عمه زيد مصلوبا. ومنها - انهم صرحوا بانه لا يجوز الصلاة عليه إلا بعد تغسيله وتكفينه إلا ان يتعذر الكفن فانه يجعل في قبره وتستر عورته ويصلى عليه. والحكم الاول مما ظاهرهم الاتفاق عليه، قال المدارك: هذا قول العلماء كافة لان النبي صلى الله عليه وآله هكذا فعل وهكذا الصحابة والتابعون فيكون الاتيان بخلافه تشريعا محرما.


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة (2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجنازة (4) في حديث ابي هاشم ص 422.

[ 426 ]

والاظهر في الاستدلال على عدم الجواز في الصورة المذكورة هو وجوب الاحتياط في مقام الاشتباه (حلال بين وحرام بين شبهات بين ذلك) (1) والحكم الشرعي في الشبهات هو الوقوف عن الفتوى والعمل بالاحتياط في مقام العمل وفعل ذلك الشئ، وحينئذ فالاحوط وجوبا أن لا يصلى عليه إلا بعد الغسل والتكفين واما الحكم الثاني فيدل عليه ما رواه الشيخ والصدوق في الموثق عن عمار بن موسى الساباطى (2) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه لبحروهم عراة وليس عليهم إلا ازار كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم ثوب يكفنونه به ؟ قال يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته فتستر عورته باللبن وبالحجر ثم يصلى عليه يدفن. قلت فلا يصلى عليه إذا دفن... الحديث). وما رواه في التهذيب عن محمد بن اسلم عن رجل من أهل الجزيرة (3) قال: (قلت لابي الحسن الرضا (ع) قوم كسر بهم مركب في بحر فخرجوا يمشون على الشط فإذا هم برجل ميت عريان والقوم ليس عليهم إلا مناديل متزرين بها وليس عليهم فضل ثوب يوارون به الرجل فكيف يصلون عليه وهو عريان ؟ فقال إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا قبره ويضعوه في لحده ويوارون عورته بلبن أو إحجار أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره. قلت ولا يصلون عليه وهو مدفون بعد ما يدفن ؟ قال لا لو جاز ذلك لاحد لجاز لرسول الله صلى الله عليه وآله فلا يصلى على المدفون ولا على العريان) ومقتضى اطلاق الامر بالستر اناطته عدم بوجود الناظر. وذكر الشهيد في الذكرى انه ان امكن ستره بثوب صلى عليه قبل الوضع في اللحد وتبعه الشهيد الثاني مصرحا بالوجوب، والرواية الثانية دالة عليه وان كان اطلاق


(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به (2) و (3) الوسائل الباب 36 من صلاة الجنازة

[ 427 ]

الاولى يدفعه والظاهر انه كذلك. قال في المدارك بعد نقل كلام الذكرى: ولا ريب في الجواز نعم يمكن المناقشة في الوجوب. المقام الثاني في المستحبات: ومنها - ان يقف الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة على المشهور، وقال الشيخ في الاستبصار انه يقف عند رأس المرأة وصدر الرجل. ويدل على الاول ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الله بن المغيرة عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال أمير المؤمنين علية السلام من صلى على امرأة فلا يقوم في وسطها ويكون مما يلى صدرها وإذا صلى على الرجل فليقم في وسطه). وعن جابر عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (كان رسول الله يقوم من الرجل بحيال السرة ومن النساء ادون من ذلك قبل الصدر). ويدل على ما ذهب إليه الشيخ ما رواه هو وقبله الكليني عن موسى بن بكر عن ابى الحسن (ع) (3) قال: (إذا صليت على المرأة فقم عند رأسها وإذا صليت على الرجل فقم عند صدره، والشيخ في التهذيب حمل الصدر في هذا الخبر على الوسط والرأس على الصدر، قال لانه يعبر عن الشئ باسم ما يجاوره، والاظهر الجمع بين الاخبار بالتخيير. ومنها - استحباب الطهارة والظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم اشتراط الطهارة من الحدث في الصلاة على الميت، نقل اتفاقهم عليه العلامة في التذكرة. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: (سألته عن الرجل نفجأه الجنازة وهو على غير طهر ؟ قال فليكبر معهم). وما رواه الكليني والشيخ في الموثق وابن بابويه باسناد فيه ضعف عن يونس


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجنازة. (4) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.

[ 428 ]

ابن يعقوب (1) قال: (سألت ابا عبد الله علية السلام عن الجنازة اصلى عليها على غير وضوء ؟ فقال نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تسبح وتكبر في بيتك على غير وضوء). وعن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن (2) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الحائض تصلى على الجنازة ؟ قال نعم ولا تقف معهم تقف مفردة كذا في التهذيب، وفي الكافي (3) (ولا تصف معهم). وعن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (قلت تصلى الحائض على الجنازة ؟ قال نعم ولا تصف معهم وتقوم مفردة). وما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (5) (عن المرأة الطامث إذا حضرت الجنازة ؟ قال تتيمم وتصلى عليها وتقوم وحدها بارزة عن الصف) وعن عبد الله بن المغيرة غن رجل عن ابى عبد الله (ع) (6) قال: (سألته عن الحائض تصلى على الجنازة ؟ فقال نعم. ولا تقف معهم والجنب يصلى على الجنازة) وقال (ع) في الفقه الرضوي (7): ولا بأس ان يصلى الجنب على الجنازة والرجل على غير وضوء الحائض إلا ان الحائض تقف ناحية ولا تختلط بالرجال وان كنت جنبا وتقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ وصل عليها، وقد اكره ان يتوضأ انسان عمدا للجنازة لانه ليس بالصلاة انما هو التكبير، والصلاة هي التى فيها الركوع والسجود. انتهى. اقول: ما دل عليه جملة من هذه الاخبار من تأخر الحائض يحتمل أن يكون المراد تأخرها ولو عن من تكون بصفها من النساء كما هو ظاهر الاصحاب، قال في


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة. (7) ص 19.

[ 429 ]

التذكرة: وإذا صلوا جماعة ينبغى أن يتقدم الامام والمؤتمون خلفه صفوفا، وان كان فيهم نساء وقفن اخر الصفوف، وان كان فيهم حائض انفردت بارزة عنهم وعنهن. ونحوه قال في المنتهى. ويحتمل أن يكون المراد تأخرها عن صف الرجال فلا اختصاص له بالحائض بل هذا حكم مطلق النساء، ويؤيده لفظ الرجال في عباره كتاب الفقه الرضوي وتذكير ضمير (معهم) في الروايات المتقدمة، ومن ثم قال في الذكرى: وفي انفراد الحائض هنا نظر، من خبر محمد بن مسلم فان الضمير يدل على الرجال واطلاق الانفراد يشمل النساء، وبه قطع في المبسوط وتبعه ابن ادريس والمحقق. انتهى. والاستدلال بهذه الاخبار على تأخرها عن النساء كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا يخلو من الاشكال ولم اقف على غيرها في هذا المجال. واما ما اشتملت عليه عبارة كتاب الفقه الرضوي من الوضوء للجنب فلم اقف عليه الا في الكتاب دون غيره من الاخبار وكلام الاصحاب وانما المذكور التيمم للمحدث وان امكن الغسل والوضوء. واما قوله: (واكره أن يتوضأ انسان عمدا للجنارة) فالظاهر ان المراد بقوله عمدا يعنى بنية الوجوب إذ لا خلاف في الاستحباب نصا وفتوى. والله العالم. واما ما يدل على الحكم الاول فمنه ما رواه الكليني والشيخ عنه عن صفوان بن يحيى عن عبد الحميد بن سعد (1) قال: (قلت لابي الحسن الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فان ذهبت ا توضأ فاتتني الصلاة أيجزئنى أن اصلى عليها وانا على غير وضوء ؟ قال تكون على طهر احب إلى). وقد تقدم في باب التيمم جوازه مع وجود الماء في صلاة الجنارة إذا خاف فوت الصلاة محافظة على الطهارة بالممكن.


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.

[ 430 ]

ويدل عليه ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن (1) قال: (سئل أبو عبد الله عن الرجل تدركه الجنازة وهو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة عليها ؟ قال يتيمم ويصلى). وأطلق الشيخ وجماعة جواز التيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء لموثقة سماعة (2) قال (سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع ؟ قال يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمم). اقول: يمكن تقييد اطلاقها بما دلت عليه رواية الحلبي المذكورة من خوف فوت الصلاة فلا يحتاج إلى الطعن فيها بضعف السند كما ذكره في المدارك. ومنها - استحباب نزع النعلين حال الصلاة وهو مذهب الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا يعلم فيه مخالف كما ذكره غير واحد منهم. والاصل فيه ما رواه الشيخ عن سيف بن عميرة عن ابى عبد الله (ع) (3) قال (لا يصلى على الجنازة بحذاء ولا بأس بالخف) وهو مؤذن بتخصيص النهى بالنعل خاصة كما هو المصرح به في كلام الاصحاب لان الحذاء هو النعل، قال في النهاية الحذاء بالمد النعل. واستحب المحقق في المعتبر الحفاء، قال لانه موضع اتعاظ فناسب التذلل بالحفاء ولقول النبي صلى الله عليه وآله (4) (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار وقال الصدوق في الفقيه: وقال ابى في رسالته إلى (لا تصل على الجنازة بنعل حذو ولا تجعل ميتين على جنازة). اقول: هذه العبارة عين كلام الرضا (ع) في كتاب الفقه الرضوي وكذا


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. والراوي هو الحلبي (2) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجنازة. (4) الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 164.

[ 431 ]

ما ذكره في الفقيه بعدها ايضا حيث قال: ولا تصل على الجنازة بنعل حذو ولا تجعل ميتين على جنازة واحدة... إلى آخره. قيل اراد بالنعل الانتعال وهو لبس النعل، وفي الصحاح: نعلت وتنعلت إذا احتذيت. واضافته إلى الحذو لعله بمعنى الحذاء للتوضيح. وقيل يحتمل أن يكون مرادهم بنعل الحذو والحذاء غير العربية من النعال الهندية والعجمية الساترة لظهر القدم أو اكثره بغير ساق. وقال الصدوق في المقنع على ما نقله في الذكرى: وروى انه لا يجوز للرجل أن يصلى على الجنازة بنعل حذو، وكان محمد بن الحسن يقول: كيف تجوز صلاة الفريضة ولا تجوز صلاة الجنازة. وكان يقول لا نعرف النهى عن ذلك إلا من رواية محمد بن موسى الهمداني (1) وكان كذابا، وقال الصدوق: وصدق في ذلك إلا انى لا اعرف عن غيره رخصة واعرف النهى وان كان من غير ثقة ولا يرد الخبر بغير خبر معارض. قال في الذكرى بعد نقل ذلك: قلت: وروى الكليني عن عدة عن سهل ابن زياد عن اسماعيل بى مهران عن سيف بن عميرة ما قلناه (2) وهذا طريق غير طريق الهمداني إلا ان يفرق بين الحذاء ونعل الحذو. انتهى. اقول: لا يخفى ان ظاهر كلام الصدوق في عدوله عن مذهب شيخه هنا ان الخبر وان كان ضعيفا عنده فانه يعمل به إذا لم يكن معارض اقوى وأما مع وجود المعارض الاقوى فانه يطرح ولا يجب تحصيل وجه يحمل عليه، وهو خلاف ما عليه ظهر الاصحاب قديما وحديثا، فان الظاهر من كلامهم - كما دلت عليه الاية والرواية (3) - ان خبر الفاسق من كذاب وغيره لا يثبت به حكم شرعى فكيف


(1) الرواية المشار إليها لم نقف عليها في كتب الحديث. والعبارة المنقولة عن المقنع لم نجدها في المقنع المطبوع في مظانها. (2) ص 430 (3) اما الاية فقوله تعالى في سورة الحجرات الاية 6 (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) واما الرواية فيمكن ان يستفاد ذلك من ما ورد في الباب 11 من صفات القاضي وما يجوز =

[ 432 ]

يتوقف رده على خبر معارض ؟ واعجب من ذلك عدم تنبه شيخنا الشهيد (قدس سره) لما قلناه. والعجب ايضا من شيخنا الصدوق ان عبارة ابيه في الرسالة إليه المأخوذة كما عرفت من كتاب الفقه الرضوي الذى اعتمد عليه هو وابوه في جميع ابواب الفقه مما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى قد دلت على النهى عن ذلك فكيف لم يستند إلى ذلك واستند إلى رواية الهمداني مع اعترافه بان راويها كذاب. اللهم إلا ان يقال ان عبارة كتاب الفقه لا صراحة فيها في الدلالة على التحريم كما هو ظاهر عبارته في المقنع من قوله (لا يجوز) والكلام انما هو في التحريم كما تؤذن به هذه العبارة وحينئذ يكون هذا بحثا آخر خارجا عن ظاهر كلام الاصحاب. والله العالم. ومنها - استحباب ترتيب الجنائز متى تعددت بالذكورة والانوثة والصغر والكبر والحرية والمملوكية. وينبغى أن يعلم أولا انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كما نقله في المنتهى في جواز الصلاة الواحدة على الجنائز المتعددة. واستشكل جمع من الاصحاب الصلاة الواحدة في صورة اجتماع الصبى الذى لم يبلغ الست مع غيره ممن تجب الصلاة عليه لاختلاف الوجه، والحق انه لا اشكال بحمد الملك المتعال كما سيأتي بيانه في المقام ان شاء الله تعالى. وقد صرح جملة من الاصحاب بان الافضل التفريق بان يصلى على كل جنازة على حيالها قال في الذكرى: والتفريق أفضل ولو كان على كل طائفة لما فيه من تكرار ذكر الله وتخصيص الدعاء الذى هو أبلغ من التعميم، إلا أن يخاف حدوث أمر على الميت فالصلاة الواخدة أولى فيستحب إذا اجتمع الرجل والمرأة محاذاة


= ان يقضي به من الوسائل من الاحاديث الظاهرة في اناطة اخذ الحكم من الراوى بكونه ثقة ومأمونا، وتعضده الاخبار الوادرة في عدم قبول شهادة الفاسق في الباب 30 من الشهادات من الوسائل.

[ 433 ]

صدرها لوسطه ليقف الامام موقف الفضيلة وان يلى الرجل الامام ثم الصبى لست ثم العبد ثم الخنثى ثم المرأة ثم الطفل لدون ست ثم الطفلة، وجعل ابن الجنيد الخصى بين الرجل والخثى، ونقل في الخلاف الاجماع على تقديم الصبى الذى تجب عليه الصلاة إلى الامام على المرأة، ثم قال: واطلق الصدوقان تقديم الصبى إلى الامام. وفي النهاية اطلق تقديم الصبى إلى القبلة. انتهى. اقول: ما ذكره من تقييد الطفل بكونه لدون ست سنين مبنى على ما قدمنا نقله عنهم مما اشتهر بينهم انه يستحب الصلاة عليه حيث انهم جعلوا ذلك وجه جمع بين اخبار المسألة، ومن أجل ذلك استشكل بعضهم - كما قدمنا ذكره - في الصلاة الواحدة في هذه الحال لاختلاف الوجه. قال في المدارك - بعد قول المصنف ولو كان طفلا جعل وراء المرأة - ما لفظه المراد بالطفل هنا من لا تجب الصلاة عليه كما نص عليه في المعتبر، واستدل على استحباب جعله وراء المرأة بان الصلاة لا تجب عليه وتجب على المرأة ومراعاة الواجب أولى فتكون مرتبتها أقرب إلى الامام. وقال ابنا بابويه يجعل الصبى إلى الامام والمرأة إلى القبلة واسنده المصنف في المعتبر إلى الشافعي (1) واستحسنه لما رواه الشيخ عن ابن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (توضع النساء مما يلى ا لقبلة والصبيان دونهن والرجال دون ذلك) قال: وهذه الرواية وان كانت ضعيفة لكنها سليمة من المعارض ولا بأس به. واستشكل جمع من الاصحاب الاجتزاء بالصلاة الواحدة هنا لاختلاف الوجه، وصرح العلامة في التذكرة بعدم


(1) في الام ج 1 ص 244 (إذا اجتمعت جنائز رجال ونساء وصبيان خناثى جعل الرجال مما يلي الامام وقدم إلى الامام افضلهم ثم الصبيان يلونهم ثم الخناثى يلونهم ثم النساء خلفهم مما يلي القبلة) وفي الوجيز ج 1 ص 46 (إذا اجتمعت الجنائز يقرب من الامام الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة). (2) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.

[ 434 ]

جواز جمع الجميع بنية واحدة متحدة الوجه. ثم قال ولو قيل باجزاء الواحدة المشتملة على الوجهين بالتقسيط امكن. وهو مشكل لان الفعل الواحد الشخصي لا يتصف بوصفين متنافيين. وقال في الذكرى انه يمكن الاكتفاء بنية الوجوب لزيادة الندب تأكيدا. وهو مشكل ايضا لان الوجوب مضاد للندب فلا يكون مؤكدا له. والحق انه ان لم يثبت الاجتزاء بالصلاة الواحدة بنص أو اجماع وجب نفيه لان العبادة كيفية متلقاة من الشارع فيقف اثباتها على النقل، وان ثبت الاجتزاء بذلك كان الاشكال مندفعا بالنص كما في تداخل الاغسال الواجبة والمستحبة، وعلى هذا فيكون المراد ان الغرض المطلوب من الصلاة على الطفل يتأدى بالصلاة الواجبة على هذا الوجه كما تتأدى وظيفة غسل الجمعة بايقاع غسل الجنابة في ذلك اليوم. انتهى. وانما اطلنا الكلام بنقله بالتمام لتطلع بذلك على كلامهم في المقام وما وقع لهم من النقض والابرام وان كان نفخا في غير ضرام كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في اخبارهم (عليهم السلام). وذلك ان منشا الشبهة التى أوجبت لهم هذا الاضطراب والوقوع في هذا الاشكال الذى اختلفت في المخرج عنه كلمة الاصحاب هو الاخبار الدالة على مذهب ابن الجنيد وهو وجوب الصلاة على من استهل وان لم يبلغ ست سنين، وهم قد جمعوا بينها وبين الاخبار المقيدة للوجوب بست سنين بالحمل على الاستحباب كما هي القاعدة عندهم في جميع الابواب، ونحن قد أوضحنا في ما تقدم (1) خروجها مخرج التقية بغير شك ولا ارتياب، والصبيان الذين قد تضمنتهم مرسلة ابن بكير المذكورة انما اريد بهم من تجب الصلاة عليه ممن بلغ ست سنين فصاعدا لا الاطفال الذين لم يبلغوا ذلك. ومع فرض التصريح بالاطفال الذين لم يبلغوا هذا المبلغ فانه يجب حمل الرواية على التقية لو كان الامر كذلك كما حملت عليه تلك الاخبار. وأما ما نقله عن ابن بابويه من قوله: (يجعل الصبى إلى الامام والمرأة إلى


(1) ارجع إلى التعليقة 3 ص 367 وص 370.

[ 435 ]

القبلة) فانما أراد به الصبى الذى تجب الصلاة عليه لا الطفل الذى هو محل البحث وكيف لا وهو قد روى في الكتاب صحيحة زرارة وعبيدالله بن على الحلبي (1) الدالة على (ان الصبى تجب عليه الصلاة إذا عقل الصلاة. قلت متى تجب الصلاة عليه ؟ قال إذا كان ابن ست سنين ثم قال وصلى أبو جعفر عليه السلام على ابن له صبي صغير له ثلاث سنين. ثم قال لولا ان الناس يقولون ان بنى هاشم لا يصلون على الصغار من أولادهم ما صليت عليه، وهذا مضمون صحيحة زرارة التى قدمناها في تلك المسألة (2) ومن هنا يعلم ان مذهبه موافق للمشهور في تخصيص الوجوب بمن بلغ ستا وان من نقص عن ذلك انما يصلى عليه تقية، وحينئذ فكيف ينظم عبارته بمجرد تضمنها لفظ الصبى في هذه المسألة المخصوصة ويخصها بمن لم يبلغ هذا المقدار. وبالجملة فان نقل الرواية المذكورة وكلام الصدوق المذكور هنا مغالطة أو غفلة ظاهرة. وبذلك يظهر لك ما في قوله: واسنده المصنف في المعتبر إلى الشافعي واستحسنه لما رواه.. إلى آخره. ثم قال ولا بأس به، فان فيه ان قول الشافعي (3) بذلك انما هو لوجوب الصلاة عندهم على الاطفال الذين لم يبلغوا الست (4) كما هو مذهب ابن الجنيد فهو صحيح على مذهبهم وأما عندنا فلا، والخبر الذى قد استند إليه قد عرفت الوجه فيه، وبه يظهر ان نفيه البأس عن ذلك محل البأس بلا شبهة ولا التباس. على انه لم يقم لنا دليل على اعتبار نية الوجه لا في هذا الموضع ولا في غيره، فالاشكال بسبب ذلك كما ذكروه ليس في محله كما لا يخفى على من راجع ما حققناه في بحث النية في كتاب الطهارة. ثم انه مما يدل على تقديم الرجل إلى الامام وتأخير المرأة اخبار عديدة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: (سألته عن الرجال


(1) (2) ص 367 و 368 (3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 433 (4) ارجع إلى التعليقة 3 ص 367. (5) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.

[ 436 ]

والنساء كيف يصلى عليهم ؟ قال الرجال امام النساء مما يلى الامام يصف بعضهم على اثر بعض). وصحيحة زرارة والحلبي عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (في الرجل والمرأة كيف يصلى عليهما ؟ قال يجعل الرجل والمرأة ويكون الرجل مما يلى الامام). وقال في كتاب الفقه الرضوي (2): فإذا اجتمع جنازة رجل وامرأة وغلام ومملوك فقدم المرأة إلى القبلة واجعل المملوك بعدها واجعل الغلام بعد المملوك والرجل بعد الغلام مما يلى الامام ويقف الامام خلف الرجل في وسطه ويصلى عليهم جميعا صلاة واحدة. ومما يدل على تقديم الحر على العبد والكبير على الصغير رواية طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (كان إذا صلى على المرأة والرجل قدم المرأة وأخر الرجل، وإذا صلى على العبد والحر قدم العبد وأخر الحر، وإذا صلى على الصغير والكبير قدم الصغير وأخر الكبير)، بحمل التقديم فيها على التقديم إلى القبلة جمعا بينها وبين الاخبار المتقدمة. ويحتمل أن يكون هذا الخبر على وجه الجواز والتخيير بين الامرين، ويؤيده ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبيدالله الحلبي (4) قال: (سألته عن الرجل والمرأة يصلى عليهما قال يكون الرجل بين يدى المرأة مما يلى القبلة فيكون رأس المرأة عند وركى الرجل مما يلى يساره ويكون رأسها ايضا مما يلى يسار الامام ورأس الرجل مما يلى يمين الامام) فان هذا الخبر كما ترى ظاهر بل صريح في خلاف الصورة المتقدمة، ولا طريق إلى الجمع بينه وبين ما قدمناه من الاخبار إلا بالقول بالتخيير كما هو ظاهر الشيخ في الاستبصار. ومما يدل على كون الترتيب المذكور على وجه الاستحباب دون الوجوب صحيحة هشام بن سالم عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (لا بأس بان يقدم الرجل


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة (2) ص 19.

[ 437 ]

وتؤخر المرأة ويؤخر الرجل وتقدم المرأة يعنى في الصلاة على الميت) ويحتمل ما عرفت من التخيير ايضا، وبالاول قال في التهذيب وبالثانى في الاستبصار، والظاهر انه الاقرب لما عرفت من صحيحة عبيدالله الحلبي المذكورة. ثم ان اطلاق اكثر الاخبار الواردة في المقام دال على وضع الجنائز مع الاختلاف قدام الامام بان تكون في صف واحد إلى جهة القبلة كل ميت بجنب الاخر، إلا انه يقدم من حقه التقديم إلى الامام ويؤخر من حقه التأخير على ما تقدم في عبارة الذكرى. وظاهر موثقة عمار انه متى تعددت الجنائز جعلت صفا واحدا مثل الدرج بحيث يحمل رأس الثاني عند الية الاول، ولو كان فيها جنائز النساء جعلت في الصف ايضا ولكن بعد تمام صف الرجال فيجعل رأس المرأة عند الية الرجل الاخير وهكذا، وان الامام يقوم وسط الرجال. وهى ما رواه في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (1) (في الرجل يصلى على ميتين أو ثلاثة موتى كيف يصلى عليهم ؟ قال ان كان ثلاثة أو اثنين أو عشرة أو اكثر من ذلك فليصل عليهم صلاة واحدة، يكبر عليهم خمس تكبيرات كما يصلى على ميت واحد وقد صلى عليهم جميعا: يضع ميتا واحدا ثم يجعل الاخر إلى الية الاول ثم يجعل رأس الثالث إلى الية الثاني شبه المدرج حتى يفرغ منهم كلهم ما كانوا، فإذا سواهم هكذا قام في الوسط فكبر خمس تكبيرات يفعل كما يفعل إذا صلى على ميت واحد سئل فان كان الموتى رجالا ونساء ؟ قال يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني إلى الية الاول حتى يفرغ من الرجال كلهم ثم يجعل رأس المرأة إلى الية الرجل الاخير ثم يجعل رأس المرأة الاخرى إلى الية المرأة الاولى حتى يفرغ منهم كلهم، فإذا سوى هكذا قام في الوسط وسط الرجال فكبر وصلى عليهم كما يصلى على ميت واحد). قال في الذكرى: لو اجتمع الرجال صفوا مدرجا يجعل رأس الثاني إلى


(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.

[ 438 ]

الية الاول وهكذا ثم يقوم الامام في الوسط، ولو كان معهم نساء جعل رأس المرأة الاولى إلى الية الرجل الاخير ثم الثانية إلى الية الاولى وهكذا، ثم يقوم الامام في وسط الرجال ويصلى عليهم صلاة واحدة، روى ذلك كله عمار عن الصادق (ع) (1). انتهى. اقول: رواية عمار قد رواها الكليني في الكافي (2) والشيخ في التهذيب (3) وهى في الكافي كما نقلناه وذكره شيخنا المذكور، وأما في التهذيب فان فيه (ثم يجعل رأس المرأة الاخرى إلى رأس المرأة الاولى) ومثله في المنتهى، والظاهر انه اخذه من التهذيب، ولا يبعد انه سهو من قلم الشيخ فان الموافق لسياق الرواية انما هو ما في الكافي. وظاهر كلام شيخنا الشهيد في الذكرى تخصيص اطلاق تلك الروايات بهذه الرواية. وكيف كان فعندي في العمل برواية عمار اشكال، فانه متى طال الصف وقام الامام في وسط الرجال فان قرب الامام إلى الجنازة التى يقوم بحذائها كما هو السنة في الصلاة قلى الجنازة لزم تأخر ميمنة الصف خلفه وان بعد على وجه تكون الميمنة قدامه لزم خلاف السنة في الصلاة. ولم أر من تعرض لهذا الاشكال في هذا المجال. والله العالم. ومنها - استحباب كثرة المصلين، قال في الذكرى: يستحب كثرة المصلين لرجاء مجاب الدعوة فيهم وفي الاربعين بلاغ، ففى الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله (4) (ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته اربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه) وروينا عن عمر بن يزيد عن الصادق (ع) (5) (إذا مات المؤمن فحضر جنازته


(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة. (2) الفروع ج 1 ص 48. (3) ج 1 ص 344. (4) صحيح مسلم ج 1 ص 351 وسنن البيهقي ج 4 ص 30. (5) الوسائل الباب 90 من الدفن.

[ 439 ]

اربعون رجلا من المؤمنين فقالوا: اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وانت اعلم به منا قال الله تعالى قد اجزت شهادتكم وغفرت له ما عملت مما لا تعلمون) والمائة أبلغ لما في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله (1) (ما من ميت يصلى عليه امة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه. أقول: ومما يدل على ذلك من طريقنا ما نقله شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار (2) عن كتاب الزهد للحسين بن سعيد عن ابراهيم بن ابى البلاد عن سعد الاسكاف عن ابى جعفر قال: (كان في بنى اسرائيل عابد فاعجب به داود (ع) فأوحى الله تعالى إليه لا يعجبك شئ من امر فانه مراء، قال فمات الرجل فانى داود (ع) فقيل له مات الرجل فقال ادفنوا صاحبكم قال فانكرت ذلك بنو اسرائيل وقالوا كيف لم يحضره ؟ قال فلما غسل قام خمسون رجلا فشهدوا بالله ما يعلمون إلا خيرا فلما صلوا عليه قام خمسون رجلا فشهدوا بالله انهم ما يعلمون إلا خيرا قال فأوحى الله عزوجل إلى داود (ع) ما منعك أن تشهد فلانا ؟ قال الذى اطلعتني عليه من امره، قال انه كان كذلك ولكن شهده قوم من الاحبار والرهبان فشهدوا انهم ما يعلمون إلا خيرا فاجزت شهادتهم عليه وغفرت له مع علمي فيه). ثم قال شيخنا المذكور في تتمة كلامه المتقدم: وأقل الفضل اثنان لما في الصحاح عنه صلى الله عليه وآله (3) (ايما مؤمن شهد له اربعة بخير أدخله الله الجنة. قلناو ثلاثة ؟ قال وثلاثة. قلنا واثنان ؟ قال واثنان. ثم لم نساله عن الواحد) وعنه صلى الله عليه وآله من الصحاح (4) (انهم مروا بجنازة فاثنوا عليها خيرا فقال النبي وجبت ثم مروا باخرى فاثنوا عليها شرا فقال وجبت فقليل له صلى الله عليه وآله ما وجبت ؟ فقال هذا اثنيتم عليه خيرا فوجبت له


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 350 وسنن البيهقي ج 4 ص 30. (2) ج 18 الطهارة ص 280. (3) صحيح البخاري باب ثناء الناس على الميت كتاب الجنائز. (4) صحيح مسلم ج 1 ص 351 باب من يثنى عليه خير أو شر

[ 440 ]

الجنة وهذا اثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، المؤمنون شهداء الله في الارض) قال الفاضل: وليكونوا ثلاثة صفوف لما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب قلت: الخبر عامى ولكن فضائل الاعمال ربما تثبت بالخبر الضعيف. انتهى. أقول: لا يخفى ما في اعتراضه على الفاضل بان الخبر عامى مع ان جل اخباره التى أوردها في المقام عامية، والاعتذار الذى ذكره مما لا يسمن ولا يغنى من جوع كما تقدم تحقيقه. والله العالم. ومنها - استحباب رفع اليدين بالتكبيرات كملا، أما استحباب الرفع في التكبير الاول فهو مجمع عليه كما نقله غير واحد من الاصحاب وانما الخلاف في البواقى والاظهر انه كذلك، وهو اختيار الفاضلين وظاهر الشيخ في كتابي الاخبار واليه يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة، والمشهور العدم وانه غير مستحب وذهب إليه الشيخ المفيد والمرتضى والشيخ في النهاية والمبسوط وابن ادريس وغيرهم ويدل على الاول ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان العرزمى عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (صليت خلف ابى عبد الله على جنازة فكبر خمسا يرفع يده في كل تكبيرة). وعن يونس (3) قال: (سألت الرضا قلت جعلت فداك ان الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الاولى ولا يرفعون في ما بعد ذلك فاقتصر على التكبيرة الاولى كما يفعلون أو ارفع يدى في كل تكبيرة ؟ فقال ارفع يدك في كل تكبيرة). وعن محمد بن عبد الله بن خالد مولى بنى الصيداء (4) (انه صلى خلف جعفر بن محمد على جنازة فرآه يرفع يديه في كل تكبيرة).


(1) سنن ابي داود ج 3 ص 202 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة

[ 441 ]

ويدل على الثاني ما رواه الشيخ عن غياث بن ابراهيم عن ابى عبد الله عن على (عليهما السلام) (1) (انه كان لا يرفع يده في الجنازة إلا مرة واحدة يعنى في التكبير). وعن اسماعيل بن اسحاق بن ابان الوراق عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: (كان امير المؤمنين على بن ابى طالب (ع) يرفع يده في أول التكبير على الجنازة ثم لا يعود حتى ينصرف). وحملهما الشيخ في التهذيبين تارة على الجواز ورفع الوجوب واخرى على التقية، قال لموافقته لمذهب كثير من العامة (3). اقول: واليه يشير قوله في رواية يونس (ان الناس يرفعون ايديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الاولى). وقال المحقق في المعتبر بعد ايراد اخبار الطرفين: ما دل على الزيادة أولى ولان رفع اليدين مراد الله في أول التكبير وهو دليل الرجحان فيسوغ في الباقي تحصيلا للارجحية، ولانه فعل مستحب فجاز ان يفعل مرة ويخل به اخرى فلذلك اختلفت الروايات فيه. واعترضه في الذكرى فقال بعد نقل كلامه: قلت رواية النقيصة ندل على نفى الزائد صريحا فهما متعارضان في الاثبات والثانى مرغوب عنه، والثالث لا بأس به لو لا ان (كان) تشعر بالدوام. ثم قال ولو حملت رواية عدم الرفع على التقية كما قاله الشيخ امكن لان بعض العامة يرى ذلك (4) وبالجملة الخروج عن جمهور الاصحاب بخبر الواحد فيه ما فيه. انتهى. ولا يخفى ما فيه فان ترجيح العمل بالشهرة التى هي عبارة عن الشهرة في


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة. (3) و (4) في المغني ج 2 ص 490 (اجمع اهل العلم على ان المصلى على الجنائز يرفع يديه في اول تكبيرة يكبرها، وكان يرفع عند كل تكبيرة ابن عمر وسالم وعمر بن عبد العزيز وعطاء وقيس بن ابي حازم والزهري واسحاق وابن المنذر والاوزاعي والشافعي، وقال مالك والثوري وابو حنيفة لا يرفع يده الا في الاولى لان كل تكبيرة مقام ركعة ولا ترفع الايدى في جميع الركعات).

[ 442 ]

الفتوى لم يقم عليه دليل، والمرجحات المنصوصة عن اصحاب العصمة (عليهم السلام) وان تضمنت الترجيح بها لكن المراد انما هو الشهرة في الرواية، وهو في جانب الروايات الدالة على الاستحباب في الجميع لا سيما مع صحة سند الرواية الاولى، مضافا إلى الترجيح بالعرض على مذهب العامة والعامة وان كانوا هنا على قولين ايضا إلا ان العدم مذهب ابى حنيفة ومالك والثوري (1) ولا يخفى قوة مذهب ابى حنيفة وشيوعه في الصدر الاول وإلى ذلك تشير رواية يونس كما عرفت. وايضا فان من القواعد المنصوصة (2) - وان كان الاصحاب قد اعرضوا عنها كملا كما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم - انه متى ورد خبر عن أولهم (عليهم السلام) وخبر عن آخرهم فانه يؤخذ بالاخير، وروايتا العدم قد وردتا عن الباقر والصادق (عليهم السلام) ورواية الاستحباب قد وردت عن الرضا فيكون الترجيح بمقتضى هذه القاعدة في جانب الاستحباب. والله العالم. ومنها - استحباب ان لا يبرح من مكانه حتى ترفع الجنازة اماما كان أو مأموما كما صرح به جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وخصه الشهيد بالامام تبعا لابن الجنيد، وقال في الروض: ويستحب لكل مصل تأسيا به (ع) نعم لو فرض صلاة جميع الحاضرين استثنى منهم أقل ما يمكن به رفع الجنازة. والاقرب القول الاول، فروى الشيخ عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (ان عليا كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مصلاه حتى يراها على ايدى الرجال). وفي رواية يونس المتقدمة (4) في الموضع الثالث (ولا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه).


(1) ارجع إلى التعليقة (3) و (4) ص 441. (2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجنازة (4) ص 409.

[ 443 ]

وفى كتاب الفقه الرضوي (1) بعد ذكر الصلاة: ولا تبرح من مكانك حتى ترى الجنازة على ايدى الرجال. ومنها - استحباب الدعاء له عقيب الرابعة ان كان مؤمنا وعليه ان كان مخالفا وبدعاء المستضعف ان كان كذلك وبدعاء المجهول ان كان مجهولا وبدعاء الاطفال ان كان طفلا. وفسر ابن ادريس المستضعف بمن لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب ولا يبغض أهل الحق على اعتقادهم. وعرفه في الذكرى بانه الذى لا يعرف الحق ولا يعاند فيه ولا يوالى أحدا بعينه. وحكى عن المفيد في الغرية انه عرفه بانه الذى يعرف بالولاء ويتوقف عن البراء. وهذه التعريفات متقاربة في المعنى. والمفهوم من الاخبار ان المستضعف هو من لا يعرف الولاية ولم ينكر، ففى الخبر (2) (قلت هل يسلم الناس حتى يعرفوا ذلك ؟ قال لا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (3) قلت من هو ؟ قال أرأيتم خدمكم ونساءكم ممن لا يعرف... الحديث) وقد ورد في تفسير الاية المذكورة (4): لا يستطيعون حيلة إلى الكفر فيكفرون ولا يهتدون سبيلا إلى الايمان فيؤمنوا. واما المجهول فالمراد به من جهل دينه ومذهبه. واما الاخبار الدالة على ما ذكرنا من هذه الاحكام فاما بالنسبة إلى المستضعف والمجهول فما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: (الصلاة على المستضعف والذى لا يعرف: الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله والدعاء للمؤمنين والمؤمنات يقول: ربنا اغفر للذين تابوا وا تبعوا سبيلك


(1) ص 19. (2) و (4) تفسير البرهان ج 1 ص 406 الطبع الثاني نقلا بالمعنى (3) سورة النساء الاية 100. وكلمة (الذين) ليست في الاية. (5) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة

[ 444 ]

وقهم عذاب الجحيم... إلى آخر الايتين) (1) والمراد بالذى لا يعرف يعنى مذهبه كما سيأتي التصريح به في الخبر الاتى. والاية الثانية هكذا: (ربنا وادخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم انك انت العزيز الحكيم). وما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) (2) انه قال: (الصلاة على المستضعف والذى لا يعرف مذهبه: يصلى على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو للمؤمنين وللمؤمنات ويقول: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم). وما رواه في الكافي في الصحيح عن عمر بن اذينة عن الفضيل بن يسار عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (إذا صليت على المؤمن فادع له واجتهد له في الدعاء وان كان واقفا مستضعفا فكبرو قل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم). والظاهر ان المراد بقوله (واقفا) أي متحيرا في دينه، وهو يرجع إلى المستضعف بالمعنى الذى قدمنا دلالة الاية عليه وتفسيرها به. واما الحمل على الوقف على أحد الا ئمة (عليهم السلام) فبعيد، وأبعد منه ما وقع من تبديل لفظ (واقفا) ب‍ (منافقا) كما وقع في كلام بعض اصحابنا. وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن وفي الفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (ان كان مستضعفا فقل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، وإذا كنت لا تدرى ما حاله فقل: اللهم ان كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه، وان كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية).


(1) سورة المؤمن الاية 7 و 8. والاية الاولى: (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين...) (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.

[ 445 ]

قال في الوافى: بيان - (منك بسبيل) أي له عليك حق، ويعنى بالولاية ولاية أهل البيت (عليهم السلام) يعنى حق من لا ولاية له عليك لا يوجب أن تدعو له كما تدعو لاهل الولاية بل يكفى لذلك ان تستغفر له على وجه الشفاعة. انتهى ولا يخفى من تكلف وبعد. والظاهر - والله سبحانه وقائله أعلم - ان المراد بقوله (ان منك بسبيل) أي قريبا منك في النسب، والمراد بالولاية انما هي الاخوة الايمانية فان المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والمراد انه ان كان قريبا لك في النسب فاستغفر له على وجه الشفاعة والالتماس لا على جهة الاخوة الايمانية الموجبة لمزيد الجد والاجتهاد في الدعاء له كما يشير إليه قوله في حديث الفضيل المتقدم (1) (إذا صليت على المؤمن فادع له واجتهد له في الدعاء) ولعل السر في ذلك هو ان المستضعف لما كان من المرجأين لأمر الله إما يتوب عليه واما يعذبه كما دلت عليه الاخبار فلا ينبغى الحتم عليه سبحانه والالحاح في الدعاء بل ينبغى أن يكون بطريق الالتماس والشفاعة. وما رواه في الكافي عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول: اشهد أن لا إله إلا الله واشهد ان محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل شفاعته وبيض وجهه واكثر تبعه اللهم اغفر لى وارحمني وتب على اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. فان كان مؤمنا دخل فيها وان كان ليس بمؤمن خرج عنها). وعن ثابت بن ابى المقدام (3) قال (كنت مع ابى جعفر (ع) فإذا بجنازة لقوم من جيرته فحضرها وكنت قريبا منه فسمعته يقول: اللهم انك انت خلقت هذه النفوس وأنت تميتها وأنت تحييها وأنت أعلم بسرائرها وعلانيتها منا ومستقرها ومستودعها، اللهم وهذا عبدك ولا أعلم منه سوء وانت أعلم به وقد جئناك شافعين له


(1) ص 444 (2) و (3) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة

[ 446 ]

بعد موته كان مستوجبا فشفعنا فيه واحشره مع من كان يتولاه). قال في الوافى في الحاشية: هذا الخبر أورده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن (1) والانسب أن يورد في هذا الباب كما فعلناه لان الدعاء المذكور من قبيل دعاء المستضعفين والمجهولين كما لا يخفى. اقول: الظاهر ان مبنى ما ذكره في الكافي من حمل هذا الخبر على المؤمن هو قوله في الخبر (من جيرته) أي جيرانه ويبعد على هذا أن يكون داخلا في المجهول الذى لا يعرف مذهبه ولا دينه، نعم ظاهر الدعاء المذكور انه ليس بمؤمن على اليقين والظاهر انه من المستضعفين الذين هم اكثر الناس يومئذ كما يفهم من الاخبار، والمراد به كما قدمنا ذكره من لا يعرف ولا ينكر. وانت خبير بان المفهوم من هذه الاخبار على كثرتها هو ان الصلاة على هذا الصنف هو مجرد التكبير وقول هذا المذكور في هذه الاخبار وان اختلفت فيه زيادة ونقصانا لا ما يفهم من كلام الاصحاب من كون ذلك بعد التكبيرة الرابعة كما قدمنا ذكره في صدر هذا الكلام وكذا في ما يأتي من الاخبار الصلاة على المخالف فانها كذلك، والاخبار المتقدمة في بيان كيفية الصلاة - منهت ما اشتمل على توزيع الاذكار بين التكبيرات الخمس ومنها ما اشتمل على جمع الاذكار بينها - موردها انما هو المؤمن ولم يتعرض في شئ منها الذكر المخالف والمستضعف والمجهول، نعم في خبر ام سلمة واسماعيل


(1) هذا الخبر اورده في الكافي ج 1 ص 51 باب الصلاة على المستضعف وعلى من لا يعرف، وحاشية الوافي ليست على هذا الخبر وانما هي على خبر اسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربه، فان صاحب الوافي قد ذكره آخر باب الصلاة على المستضعف بعد حديث ثابت ابن ابي المقدام، وقد اورده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن وفي الوسائل في الباب 2 من صلاة الجنازة رقم 4 ولم يذكره المصنف (قدس سره) هنا. واحتمال سقوطه من قلم النساخ ينفيه ما في المتن ففي توجيه ايراده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن من الاستفادة من لفظ (جيرته) الوارد في حديث ابن ابي المقدام فان هذا اللفظ لا وجود له في حديث اسماعيل.

[ 447 ]

ابن همام (1) نقل صلاة الرسول صلى الله عليه وآله على المنافق بتوزيع الاذكار الثلاثة خاصة من غير ذكر دعاء للمنافق أو عليه، وقد تقدم الكلام في ذلك. وظاهر كلام الاصحاب الاتفاق على ما قدمنا ذكره في صدر المسألة من أن الادعية المختصة بهذه الاصناف محلها بعد التكبيرة الرابعة، وفى فهمه من الاخبار كما عرفت اشكال إلا ما ربما يظهر من عبارة كتاب الفقه الرضوي الاتية في المقام ان شاء الله تعالى. وأما بالنسبة إلى الطفل فهو ما رواه الشيخ عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليهم السلام) (2) (في الصلاة على الطفل انه كان يقول: اللهم اجعله لابويه ولنا سلفا وفرطا واجرا) أقول (الفرط) بفتح الراء هو من يتقدم القوم ليصلح لهم ما يحتاجون إليه مما يتعلق بالمراد، قال النبي صلى الله عليه وآله (3) (انا فرطكم على الحوض) قال ابن الاثير: أي متقدمكم إليه يقال فرط يفرط فهو فارط وفرط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهئ لهم الدلاء والارشية، ومنه الدعاء للطفل الميت (اللهم اجعله لنا فرطا) أي اجرا يتقدمنا. انتهى. ومن ذلك ما سيأتي في عبارة الفقه ايضا ان شاء الله تعالى. واما بالنسبة إلى المخالف فمنها ما تقدم في الموضع الرابع من حديث عامر بن السمط وصحيحة الحلبي وصحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (4). ومنها - ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (ع) في الموضع الاول (5) من المواضع الثلاثة التى قدمنا نقلها عنه في الموضع الثالث بعد ذكر الصلاة على المؤمن بالتكبيرات الخمس والادعية بينها موزعة (وإذا كان الميت مخالفا فقل في تكبيرك الرابعة اللهم اخز عبدك... إلى آخر ما تقدم في الموضع المذكور، إلى أن قال: واعلم ان


(1) ص 402 و 403 (2) الوسائل الباب 12 من صلاة الجنازة (3) كنز العمال ج 7 ص 221 كتاب القيامة باب الحوض (4) ص 414. (5) ص 415.

[ 448 ]

الطفل لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة فإذا حضرت مع قوم يصلون عليه فقل: اللهم اجعله لابويه ولنا ذخرا ومزيدا وفرطا وأجرا، وإذا صليت على مستضعف فقل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، وإذا لم تعرف مذهبه فقل: اللهم هذه النفس التى أنت احييتها وأنت امتها دعوت فاجابتك اللهم ولها ما تولت واحشرها مع من أحبت وأنت أعلم بها). وظاهر هذا الكلام محتمل لكون هذه الادعية بعد الرابعة كما صرح به في المخالف، ويحتمل أن تكون صورة الصلاة هكذا مستقلة كما هو ظاهر الاخبار المتقدمة وقال (ع) في الصورة الثالثة (1) من الكيفيات التى ذكرها بعد التكبيرات الاربع والادعية بينها المختصة بالصلاة على المؤمن (ثم تكبر الخامسة وتنصرف وإذا كان ناصبا فقل: اللهم انا لا نعلم إلا انه عدولك ولرسولك اللهم فاحش جوفه نارا وقبره نارا وعجله إلى النار فانه كان يتولى اعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك صلى الله عليه وآله اللهم ضيق عليه قبره. وإذا رفع فقل: اللهم لا ترفعه ولا تزكه وان كان مستضعفا فقل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، وإذا لم تدر ما حاله فقل: اللهم ان كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه) والكلام هنا كما تقدم من ظهور كون الصلاة على هؤلاء بهذا النحو من غير التكبيرات الخمس التى في الصلاة على المؤمن والاحتياط في ما قاله الاصحاب والله العالم ومنها - استحباب الصلاة في المواضع المعتادة، ذكره جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وعللوه بانه ليكون طريقا إلى تكثير المصلين لان السامع بموته يقصدها للصلاة عليه فيها فيكون ذلك طريقا إلى تكثير المصلين الذى قد قدمنا انه من مستحبات هذه الصلاة ايضا. ولم اقف في ذلك على نص. نعم وقع الخلاف في الصلاة في المسجد كراهة وعدمها والمشهور الكراهة في جميع المساجد إلا مكة المشرفة.


(1) ص 21.

[ 449 ]

استنادا إلى الجمع بين ما رواه الشيخ عن ابى بكر بن عيسى بن احمد العلوى (1) قال: (كنت في المسجد وقد جيئ بجنازة فاردت ان اصلى عليها فجاء أبو الحسن الاول (ع) فوضع مرفقه في صدري فجعل يدفعني حتى اخرجني من المسجد ثم قال يا أبا بكر ان الجنائز لا يصلى عليها في المسجد). وبين ما رواه في الصحيح عن الفضل بن عبد الملك (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) هل يصلى على الميت في المسجد ؟ قال نعم) ورواه في الفقيه ايضا عن الفضل في الصحيح (3). وما رواه عن الفضل بن عبد الملك ايضا (4) قال: (سألته عن الميت هل يصلى عليه في المسجد ؟ قال نعم وما رواه ايضا عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) مثله (5). واما استثناء مسجد مكة فقد ذكره الشيخ في الخلاف واحتج عليه باجماع الفرقة عقيب ذكر الكراهة والاستثناء. وعلله العلامة في المنتهى بان مكة كلها مسجد فلو كرهت الصلاة في بعض مساجدها لزم التعميم فيها أجمع وهو خلاف الاجماع. وتبعه الشهيد في ذلك. وأورد عليه بان مسجدية ما خرج عن المسجد الحرام منها ليس على حد المساجد لجواز تلويثه بالنجاسة واللبث فيه للجنب ونحو ذلك بخلاف المسجد. والله العالم. المطلب الرابع - في الاحكام، وقد تقدم جملة منها في ما قدمناه من الابحاث المتقدمة وبقى الكلام هنا في مسائل: الاولى - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تكرار الصلاة على الميت فالمشهور الكراهة، وقال ابن ابى عقيل لا بأس بالصلاة على من صلى عليه مرة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 30 من صلاة الجنازة.

[ 450 ]

فقد صلى أمير المؤمنين (ع) على سهل بن حنيف خمس مرات (1) وقال ابن ادريس تكره جماعة وتجوز فرادى لتكرار الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله (2) وقال الشيخ في الخلاف من صلى على جنازة يكره له أن يصلى عليها ثانيا. وهو مشعر باختصاص الكراهة بالمصلى المتحد. وقال الشهيد في الذكرى ظاهر هم اختصاص الكراهة بمن صلى على الميت لما تلوناه عنهم من جواز الصلاة ممن فاتته على القبر أو يريدون بالكراهة قبل الدفن حتى ينتظم الكلام. واحتمل الشيخ في الاستبصار استحباب التكرار من المصلى الواحد وغيره، وللعلامة قول بكراهة تكرار الصلاة إذا خاف على الميت، وله ايضا قول بكراهة التكرار عند الخوف عليه أو مع منا فاته التعجيل وقيد شيخنا الشهيد الثاني الكراهة بكون التكرار من المصلى الواحد أو يكون منافيا للتعجيل. هذا ما وقفت عليه من اقوال الاصحاب المتعلقة بهذه المسألة. وأما الاخبار فهى مختلفة في ذلك ومنها نشأ الاختلاف بين الاصحاب في هذا الباب: وها انا اسوق ما وقفت عليه منها مذيلا لها بما رزقني الله سبحانه فهمه منها فمنها - ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابى مريم الانصاري عن ابى جعفر (ع) (3) (انه سأله كيف صلى على النبي صلى الله عليه وآله ؟ قال سجى بثوب وجعل وسط البيت فإذا دخل قوم داروا به وصلوا عليه ودعوا له ثم يخرجون ويدخل آخرون ثم دخل على (ع) القبر... الحديث). وما رواه في الكافي عن ابى مريم الانصاري عن ابى جعفر (ع) (4) قال: (قلت له كيف كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ؟ قال لما غسله امير المؤمنين (ع) وكفنه سجاه ثم ادخل عليه عشرة فداروا حوله ثم وقف امير المؤمنين (ع) في وسطهم فقال ان الله وملائكته يصلون على النبي صلى الله عليه وآله يا ايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (5) فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي).


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 ه من صلاة الجنازة. (4) الاصول ج 1 ص 450 باب مولد النبي (صلى الله عليه واله) ووفاته. (5) سورة الاحزاب الاية 56.

[ 451 ]

وما رواه في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (ع) قال: (اتى العباس امير المؤمنين (ع) فقال يا على ان الناس قد اجتمعوا ان يدفنوا رسول الله صلى الله عليه وآله في بقيع المصلى وان يؤمهم رجل منهم فخرج اميرا المؤمنين (ع) إلى الناس فقال: يا ايها الناس ان رسوال الله صلى الله عليه وآله امام حيا وميتا، وقال انى ادفن في البقعة التى اقبض فيها. ثم قام على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ثم يخرجون). وما رواه في الكتاب المذكور (2) عن جابر عن ابى جعفر (ع) قال (لما قبض النبي صلى الله عليه وآله صلت عليه الملائكة والمهاجرون والانصار فوجا فوجا. قال وقال أمير المؤمنين (ع) سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في صحته وسلامته: انما انزلت هذه الاية على في الصلاة على بعد قبض الله لى: ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (3). وما رواه الثقة الجليل احمد بن ابى طالب الطبرسي في كتاب الاحتاج عن سليم بن قيس عن سلمان الفارسى في حديث يصف فيه تغسل على (ع) له صلى الله عليه وآله (4) قال فيه (فلما غسله وكفنه أدخلني وادخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الانصار فيصلون ويخرجون حتى لم يبق أحد من المهاجرين والانصار إلا صلى عليه). وانت خبير بانه ربما ظهر من التأمل في هذه الاخبار الواردة في صلاة الناس على النبي صلى الله عليه وآله فوجا فوجا انما هو بمعنى الدعاء خاصة وانه لم يصل عليه الصلاة المعهودة إلا على (ع) مع هؤلاء النفر الذين تضمنهم حديث الاحتجاج، واليه


(1) الاصول باب مولد النبي صلى الله عليه واله ووفاته وفي الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (2) الاصول باب مولد النبي صلى الله عليه وآله ووفاته (3) سورة الاحزاب الاية 56. (4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.

[ 452 ]

تشير ايضا صحيحة الحلبي أو حسنته (1) وقوله فيها: (ثم قام على (ع) على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس... إلى آخره) فان ظاهر صحيح ابى مريم الاول (2) وقوله فيه (فإذا دخل قوم داروا به وصلوا ودعوا له انهم يحيطون به من جميع الجهات ويدعون له وهكذا من يدخل بعدهم. وكذا قوله في حديثه الثاني (ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله - يعنى بعد ما صلى عليه أمير المؤمنين (ع) كما دل عليه خبر الاحتجاج - ثم وقف امير المؤمنين (ع) في وسطهم فقال... الحديث) فانه ظاهر في ان الصلاة كانت بهذه الكيفية كما يدل عليه قوله (فيقول القوم كما يقول) واليه يشير قوله في حديث جابر (انه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في حال صحته ان هذه الاية نزلت عليه في الصلاة عليه بعد الموت) ولا ريب ان الصلاة في الاية انما هي بمعنى الدعاء. ولم اقف على من تنبه لهذا الاحتمال الذى ذكرناه إلا الفاضل محمد تقى المجلسي في حواشى التهذيب حيث على كتب على حديث ابى مريم الانصاري الاول منهما ما صورته: يمكن أن يكون المراد طافوا به احتراما له صلى الله عليه وآله ثم صلوا عليه بعد اوانهم جعلوه قبلة وتوجهوا إليه من كل جانب عند الصلاة عليه. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة هنا الدعاء وكان صلاة الناس عليه هكذا وانما صلى عليه الصلاة المخصوصة أمير المؤمنين (ع) وخواصه كما دل عليه خبر أورده فيكتاب الاحتجاج (3). انتهى. اقول: وما احتمله (قدس سره) غير بعيد للتقريب الذى قدمناه في جملة من اخبار الصلاة عليه (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل الطاهرين) وعلى هذا يسقط الاستدلال بهذه الاخبار على جواز التكرار. ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (2) ص 450. (3) 451.

[ 453 ]

(ع) (1) قال: (كبر امير المؤمنين (ع) على سهل بن حنيف وكان بدريا خمس تكبيرات ثم مشى ساعة ثم وضعه وكبر عليه خمسة اخرى فصنع ذلك حتى كبر عليه خمسا وعشرين تكبيرة). وعن عمرو بن شمر (2) قال: (قلت لجعفر بن محمد (عليهما السلام) جعلت فداك انا نتحدث بالعراق ان عليا (عليه السلام) صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستا ثم التفت إلى من كان خلفه فقال انه كان بدريا ؟ قال فقال جعفر (عليه السلام) انه لم يكن كذا ولكنه صلى عليه خمسا ثم رفعه ومشى به ساعة ثم وضعه فكبر عليه خمسا ففعل ذلك خمس مرات حتى كبر عليه خمسا وعشرين تكبيرة). وعن عقبة (3) قال: (سئل جعفر (عليه السلام) عن التكبير على الجنائز فقال ذاك إلى أهل الميت ما شاءوا كبروا. فقيل انهم يكبرون اربعا ؟ فقال ذاك إليهم ثم قال أما بلغكم ان رجلا صلى عليه على (عليه السلام) فكبر عليه خمسا حتى صلى عليه خمس صلوات يكبر في كل صلاة خمس تكبيرات ؟ قال ثم قال انه بدرى عقبى احدى وكان من النقباء الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وآله من الاثنى عشر نقيبا وكانت له خمس مناقب فصلى عليه لكل منقبة صلاة). اقول: والمذكور في الخبر في تعداد المناقب انما هو اربع مناقب مع قوله (عليه السلام) ان له خمس مناقب وان تعداد الصلاة خمسا كان بازاء المناقب الخمس ولعل المنقبة الخامسة هو اخلاص الرجل في التشيع والولاء لامير المؤمنين وأهل بيته (عليهم السلام) وانه كان من السابقين الذين رجعوا إليه بعد ارتداد الناس. واما ما تضمنه الخبر من عدم التحديد في التكبير وان ذلك إلى أهل الميت يكبرون ما شاء وافترده الاخبار المستفيضة المتقدمة في الموضع التاسع (4) وقد مر نظير هذا الخبر في عدم التوقيت في التكبير، وحمل الجميع على التقية متعين.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (4) ص 419 وهو الموضع السادس.

[ 454 ]

قال في المنتهى: وهى خمس تكبيرات بينها أربعة ادعية وعليه علماؤنا أجمع وبه قال زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان، وقال الشافعي يكبر أربعا وبه قال الاوزاعي والثوري وابو حنيفة ومالك وداود وابو ثور، وقال محمد بن سيرين وابو السقيا جابر بن زيد يكبر ثلاثا، ورواه الجمهور عن ابن عباس، وقال عبد الله بن مسعود يكبر ما كبر الامام أربعا وخمسا وسبعا وتسعا، وعن احمد روايات إحداها يكبر أربعا والاخرى يتابع الامام إلى خمس والاخرى يتابعه إلى سبع (1) وبذلك يظهر انه لم يوافق الامامية في هذه المسألة إلا زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان من الصحابة وأما علماؤهم فكما عرفت من الاختلاف. وبالجملة فان كلمة الاصحاب قديما وحديثا متفقة على الخمس في المؤمن وقد عضدها الاخبار المستفيضة المتقدم كثير منها في الموضع المشار إليه واقوال العامة كما ترى، وحينئذ فلا وجه لما دل على خلاف ما قلناه إلا التقية. ثم لا يخفى ان خبر عقبة المذكور وان لم يصرح فيه باسم سهل بن حنيف المذكور لكنه هو المراد قطعا من الخبر المذكور بقرينة الاخبار الاخر. ومنها - ما رواه في الكافي عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) (2) قال (كبر رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة سبعين تكبيرة، وكبر على (ع) عندكم على سهل بن حنيف خمسا وعشرين تكبيرة، قال كبر خمسا خمسا كلما أدركه الناس قالوا يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى إلى قبره خمس مرات). وعن زرارة عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة سبعين صلاة). ومنها - قول أمير المؤمنين (ع) على ما نقله في كتاب نهج البلاغة (4) (ان قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل حتى إذا استشهد شهيدنا قيل


(1) عمدة القارئ ج 4 ص 26 و 129 ونيل الاوطار ج 4 ص 51 وشرح المهذب ج 5 ص 231 (2) و (3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة (4) ج 3 ص 35.

[ 455 ]

سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه). ونحوه ما نقله شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار (1) عن كتاب الهداية للحسين بن حمدان الحصينى بسنده عن سيدنا ابى محمد العسكري (ع) في حديث طويل يتضمن قتل حمزة (ع) وحزن النبي صلى الله عليه وآله له قال فيه: (وامره الله أن يكبر عليه سبعين تكبيرة ويستغفر له ما بين كل تكبيرتين منها فأوحى الله تعالى إليه انى قد فضلت عمك حمزة بسبعين تكبيرة لعظمته عندي وكرامته على... الحديث) وما رواه الصدوق في كتاب عيون الاخبار (2) عن الرضا عن آبائه عن الحسين ابن على (عليهم السلام) قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله كبر على حمزة خمس تكبيرات وكبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات فلحق حمزة سبعون تكبيرة). ورواه في صحيفة الرضا (ع) باسناده إلى امير المؤمنين (ع) (3) قال (رأيت النبي صلى الله عليه وآله كبر على عمه حمزة خمس تكبيرات وكبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات فلحق حمزة بسبعين تكبيرة ووضع يده اليمنى على اليسرى). اقول: ومن هذين الخبرين يظهر ان السبعين تكبيرة على حمزة وقعت في صلوات متعددة كل صلاة منها خمس تكبيرات ويعضده الاتفاق كما عرفت، وعليه دلت النصوص المستفيضة ان صلاة الميت لا تزيد على خمس تكبيرات، وحينئذ تكون هذه السبعون عبارة عن اربع عشرة صلاة، ويمكن أن يكون الوجد في ذلك هو انه لما صلى على حمزة بخمس تكبيرات جيئ بجماعة بعد جماعة فكان يصلى على كل جماعة بخمس تكبيرات وكان يشركهم في الصلاة وحمزة مع كل جماعة حتى إذا انتهت الصلاة عليهم صارت الصلوات اربع عشرة صلاة ولحق حمزة من الجميع سبعون تكبيرة. إلا ان ظاهر كلام أمير المؤمنين (ع) في كتاب النهج وكذا ظاهر خبر


(1) ج 18 الطهارة ص 285. (2) ص 210 وفي الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (3) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.

[ 456 ]

الحصينى يدل على وقوع ذلك في صلاة واحدة وان ذلك فضيلة ومزية اختص بها حمزة (رضى الله عنه) دون غيره، فلا منافاة فيه للاخبار التى وقع الاتفاق عليها من أن صلاة الميت لا تزيد على خمس تكبيرات. ومنها ما رواه في التهذيب عن جابر عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (قلت له أرأيت ان فاتتني تكبيرة أو اكثر ؟ قال تقضى ما فاتك. قلت استقبل القبلة ؟ قال بلى وانت تتبع الجنازة فان رسول صلى الله عليه وآله خرج إلى جنازة امرأة من بنى النجار فصلى عليها فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجئ قوم إلا قال لهم صلوا عليها). وعن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (2) قال (الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وان كان قد صلى عليه). وعن يونس بن يعقوب في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (سألته عن الجنازة لم ادركها حتى بلغت القبر اصلى عليها ؟ قال ان ادركتها قبل ان تدفن فان شئت فصل عليها). اقول: هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على جواز التكرار. واما الاخبار الدالة على العدم فمنها - ما رواه الشيخ عن وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاءه اناس فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله لم ندرك الصلاة عليها فقال لا يصلى على جنازة مرتين ولكن ادعوا لها. وعن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم فقالوا فاتتنا الصلاة عليها فقال ان الجنازة لا يصلى عليها مرتين ادعوا له وقولوا خيرا.


(1) الوسائل الباب 17 و 6 من صلاة الجنازة (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.

[ 457 ]

وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم لم يكونوا أدركوها فكلموا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعيد الصلاة عليها فقال لهم قد قضيت الصلاة عليها ولكن ادعوا لها). إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ورد في الاخبار من التعدد في الصلاد على سهل ابن حنيف فهو محمول على خصوصية الرجل المذكو لما صرحت به رواية عقبة المتقدمة، وبه يظهر ضعف ما ذكره في المدارك من تخصيصه استحباب الاعادة بمن لم يصل للتأسي وانتفاء ما ينهض حجة على اختصاص الحكم بذلك الشخص. وهو غفلة منه عن هذه الرواية حيث انه انما اورد حسنة الحلبي وما ورد من الاخبار بالنسبة إلى حمزة (سلام الله عليه) فان حملنا السبعين على كونها في صلاة واحدة كما هو الظاهر من كلام امير المؤمنين (ع) في كتاب نهج البلاغة وخبر الحصينى المتقدم لم تكن هذه الاخبار من محل البحث في شئ، لان الكلام في تعداد الصلاة وتكررها وهذه صلاة واحدة غاية الامر انه زيد في تكبيراتها الموظفة لمزية هذا الشخص واظهار فضله كما صربه خبر الحصينى، وان حملنا السبعين على كونها في صلوات متعددة كما هو ظاهر خبر كتاب عيون الاخبار وخبر الصحيفة الرضوية فالظاهر حمل التكرار هنا ايضا على المزية والفضيلة. وأما اخبار الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله فاظهر في الفضيلة والمزية، وان حملناها على الاحتمال الذى قدمنا ذكره خرجت عن محل البحث. وبالجملة فان حمل الاخبار في هذه المواضع الثلاثة على الاختصاص لمزيد الفضيلة مما لا يمكن انكاره سيما خبر سهل بن حنيف الصريح في ان كل صلاة بازاء منقبة من مناقبه وحديث حمزة، وحينئذ فلا يمكن الاستناد إليها في عموم الحكم وشموله لجميع الاموات.


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.

[ 458 ]

بقى الكلام في الاخبار والجمع بينها وهو ممكن باحد وجهين: (الاول) حمل الاخبار الدالة على التكرار على ان الصلاة فيها بمعنى الدعاء لا الصلاة المعهودة، ويؤيده ما يأتي ان شاء الله تعالى في مسألة الصلاة على القبر. و (الثاني) حمل الاخبار الدالة على النهى عن التكرار على التقية فان العلامة في المنتهى نقل القول بالكراهة عن ابن عمر وعائشة وابى موسى والاوزاعي واحمد والشافعي ومالك وابى حنيفة واسنده ايضا إلى علي (ع) (1) ولعله الاقرب ويعضده ان اكثر روايات النهى من العامة. ومما ذكرنا يظهر ضعف الاقوال المتقدمة، اما القول بالكراهة مطلقا كما هو المشهور عملا بالاخبار الدالة على النهى فينا فيه ظاهر أمر النبي صلى الله عليه وآله بالصلاة لمن اتى في رواية جابر (2) وكذلك التزام أمير المؤمنين (ع) في الصلاة على سهل بن حنيف بالامر المكروه خمس مرات، وأظهر منه صلاة النبي صلى الله عليه وآله على عمه (رضى الله عنه) ومثله صلاة الناس على النبي صلى الله عليه وآله. واما ما ذكره ابن ادريس من كراهة الصلاة جماعة فترده اخبار سهل بن حنيف وتكرار أمير المؤمنين (ع) الصلاة عليه جماعة خمس مرات وكذا أخبار حمزة (سلام الله عليه) (3) وأما تخصيص الكراهة بالمصلى نفسه كما نقل عن الشيخ في الخلاف فينافيه مورد الاخبار الثلاثة الدالة على النهى، فان موردها من لم يصل. وأما تخصيص الكراهة بما خيف على الميت أو بضم منافاة التعجيل فلم نقف له على مستند، وربما كان المستند حمل اخبار النهى على ذلك، وأنت خبير بانه لا اشعار في شئ منها بذلك فضلا عن التصريح


(1) عمدة القارئ ج 4 ص 135 وشرح المهذب ج 5 ص 249 وفي المغني ج 2 ص 512 (من صلى مرة فلا يسن له اعادة الصلاة عليها، وإذا صلى على الجنازة مرة لم توضع لاحد يصلى عليها، قال القاضي لا يحسن بعد الصلاة عليه ويبادر بدفنه، وقال ابن عقيل لا ينتظر به احد، فاما من ادرك الجنازة فمن لم يصل فله ان يصلى عليها فعل ذلك علي عليه السلام وانس وسلمان بن ربيعة وابو حمزة ومعمر بن سمير) وفي المهذب ج 1 ص 134 نحوه. (2) ص 456. (3) ص 454 و 455.

[ 459 ]

به أو ظهوره فيه. وبالجملة فالظاهر عندي من اخبار المسألة هو ما ذكرته. والله العالم. المسألة الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة على القبر، فقال الشيخان (عطر الله مرقديهما) من لم يدرك الصلاة على الميت صلى على القبر يوما وليلة فان زاد على ذلك لم تجز الصلاة عليه، وهو اختيار ابن ادريس وابن البراج وابن حمزة وبه صرح المحقق في الشرائع والعلامة في الارشاد. واطلاق كلامهم يقتضى جواز الصلاة عليه وان كان قد صلى عليه. ولم يقدر ابن ابى عقيل وعلى بن بابويه لها وقتا بل قالا من لم يدرك الصلاة على الميت صلى على القبر، وقربه الشهيد في البيان وقال ابن الجنيد يصلى عليه ما لم تتغير صورته، وقال سلار يصلى عليه إلى ثلاثة ايام وجعله الشيخ في الخلاف رواية، وقال في المختلف: والاقرب عندي انه ان لم يصل على الميت اصلا بل دفن بغير صلاة صلى على قبره وإلا فلا. وحكم المحقق في المعتبر بعدم وجوب الصلاة بعد الدفن مطلقا قال ولا امنع الجواز. واستدل في المعتبر على عدم الوجوب بان المدفون خرج بدفنه من أهل الدنيا فساوى من فنى في قبره، وعلى الجواز بالاخبار الواردة بالاذن في الصلاة على القبر كصحيحة هشام بن سالم ثم ساق الخبر كما يأتي ان شاء الله تعالى (1) وقال في المدارك: والاصح ما اختاره المصنف من عدم الوجوب بعد الدفن مطلقا لكن لا يبعد اختصاص الجواز بيوم الدفن. انتهى. والى ما ذكره المحقق في المعتبر مال العلامة في المنتهى. هذا ما حضرني من اقوالهم. واما الاخبار الواردة في هذه المسألة فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام ابن سالم عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (لا بأس أن يصلى الرجل على الميت بعد ما يدفن). وما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن مالك مولى الجهم عن ابى عبد الله (ع) والصدوق في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه وقد دفن).


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.

[ 460 ]

وما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر). وعن محمد بن أسلم عن رجل من أهل الجزيرة (2) قال: (قلت للرضا (ع) يصلى على المدفون بعد ما يدفن ؟ قال لا لو جاز لاحد لجاز لرسول الله صلى الله عليه وآله قال بل لا يصلى على المدفون ولا على العريان). وما رواه في الكافي والتهذيب عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال (سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الامام إذا الميت مقلوب رجلاه إلى موضع رأسه ؟ قال يسوى وتعاد الصلاة عليه وان كان قد حمل ما لم يدفن، فان كان قد دفن فقد مضت الصلاة ولا يصلى عليه وهو مدفون). وقد تقدم (4) في المسألة المتقدمة في موثقة يونس بن يعقوب (ان أدركتها قبل أن تدفن فان شئت فصل عليها). وفى موثقة عمار (5) (الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وان كان قد صلى عليه). وما رواه الكافي والتهذيب في تتمة حديث عمار المتقدم في الموضع السابع من البحث المتقدم (6) قال: (قلت فلا يصلى عليه إذا دفن ؟ قال لا لا يصلى على الميت بعد ما يدفن ولا يصلى عليه وهو عريان حتى توارى عورته). وما رواه في التهذيب في الصحيح عن حريز عن محمد بن مسلم أو زرارة قال: (الصلاة على الميت بعد ما يدفن انما هو الدعاء. قال قلت فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال لا انما دعا له). وعن جعفر بن عيسى (8) قال (قدم أبو عبد الله (ع) مكة فسألني عن عبد الله


(1) و (2) و (7) و (8) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجنازة (4) و (5) ص 456 (6) ص 426.

[ 461 ]

ابن اعين فقلت مات. فقال مات ؟ أفتدرى موضع قبره ؟ قلت نعم. قال فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلى عليه قلت نعم. فقال لا ولكن نصلى عليه ههنا، فرفع يديه واجتهد في الدعاء وترحم عليه). وقال في كتاب الفقه الرضوي (1) (فان لم تلحق الصلاة على الجنازة حتى يدفن الميت فلا بأس بان تصلى بعد ما دفن). هذه جملة ما حضرني من اخبار المسألة وهى ظاهرة الاشكال لما بينها من التدافع في هذا المجال، وما ذهب إليه الاصحاب في وجوه الجمع بينها لا يخلو من الاشكال والاختلال: اما ما ذكره الشيخان ومن تبعهما فلعدم وجود المستند لما ذكروه من التقدير باليوم والليلة، وكذا قول سلار إلى ثلاثة أيام وقول ابن الجنيد، فان الجميع خال من الدليل، وقد اعترف بذلك الفاضلان في المعتبر والمنتهى. واما ما ذكره العلامة في المختلف - من حمل اخبار المسألة على من دفن بغير صلاة فاوجب الصلاة عليه وحمل اخبار المنع على من صلى عليه - ففيه ان ظاهر موثقة عمار الواردة في الصلاة على المقلوب رأسه إلى موضع رجليه (2) يدل على المنع وان لزم دفنه بغير صلاة، لان من صلى عليه صلاة باطلة كمن لم يصل عليه بالكلية مع المعارضة باحتمال حمل الصلاة في اخبار الجواز على مجرد الدعاء كما تدل عليه مضمرة زرارة ورواية جعفر المذكورتان (3). واما ما ذكره بعضهم - من حمل اخبار المنع على الكراهة وحينئذ تجوز الصلاة عليه على كراهة إذا كان الميت قد صلى عليه وإلا فتجب الصلاة عليه عملا بالاخبار العامة الدالة على وجوب الصلاة على الميت مطلقا من غير استثناء (4) وان المعارض المذكور يضعف عن المعارضة.


(1) ص 19 (2) (3) ص 460. (4) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.

[ 462 ]

ففيه ما قد عرفت مرارا من أن الاحكام المودعة في الاخبار انما تحمل على الافراد المتكررة الشائعة وهل التى يتبادر إليها الاطلاق دون الفروض النادرة الشاذة التى ربما لا توجد إلا بطريق الاحتمال. وأما ما ذكره في المعتبر - ومال إليه في المدارك من عدم الوجوب بعد الدفن وان جاز ذلك - فليس فيه تعرض لاخبار المنع ولا بيان الوجه فيه مع كونها ظاهرة بل بعضها صريحا في المنع، وحينئذ فقوله بالجواز مع معارضتها باخبار المنع من غير أن يجب عنها لا وجه له. نعم ربما كان التفاتهم إلى ان اخبار المنع ضعيفة السند لا تعارض الصحيحة التى ذكروها، ولعله لهذا الوجه جمد في المدارك على ما ذهب إليه صاحب المعتبر، على ان ما علل به في المعتبر عدم الوجوب في هذا المقام عليل لا يعتمد عليه، وان كان الاولى التمسك باصالة العدم حتى يقوم دليل الوجوب، لان أخبار الصلاة المطلقة لا عموم فيها على وجه يشمل محل البحث لما عرفت. وبالجملة فان حمل روايات الجواز على مجرد الدعاء غير بعيد لما عرفت من الخبرين المتقدمين. إلا ان المسألة بعد لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط يقتضى ترك الصلاة على من صلى عليه والاقتصار على مجرد الدعاء على من لم يصل عليه بل على من صلى عليه ايضا. والله العالم. المسألة الثالثة - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو فات المأموم بعض التكبيرات اتم بعد فراغ الامام ولاء، وانه لو سبق الامام ببعض التكبيرات استحب له الاعادة مع الامام، فالكلام هنا يقع في موضعين: الاول - من فاته بعض التكبيرات مع الامام، والحكم فيه كما ذكروه (رضوان الله عليهم). ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق الشيخ في الصحيح عن

[ 463 ]

الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (إذا أدرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقى متتابعا). وما رواه في التهذيب في الصحيح عن عيص بن القاسم (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة قال يتم ما بقى). وعن خالد بن ماد القلانسى عن رجل عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (سمعته يقول في الرجل يدرك مع الامام في الجنازة أو تكبيرة أو تكبيرتين ؟ فقال يتم التكبير وهو يمشى معها فإذا لم يدرك التكبير كبر عند القبر، فان كان أدركهم وقد دفن كبر على القبر). أقول: ربما أشعر هذا الخبر بجواز الصلاة على الميت بعد الدفن وان كان قد صلى عليه، إذ الظاهر من قوله كبر على القبر يعنى التكبير المعهود في الصلاة وهو كناية عن الصلاة الكاملة كما وقع التعبير به في جملة من الاخبار. ولا مجال لحمل الصلاة هنا على مجرد الدعاء كما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فان هذا الاحتمال انما يجرى لو كان التعبير بلفظ الصلاة التى معناها لغة انما هو الدعاء لا في لفظ التكبير وفى الخبر على ما ذكرناه رد على ما ذهب إليه في المختلف من تخصيص الصلاة بعد الدفن بمن لم يصل عليه واما من صلى عليه فانه لا يصلى عليه. حيث ان الظاهر ان هؤلاء الذين دفنوه انما يدفنونه بعد الصلاة عليه البتة. واما احتمال كون التكبير على القبر في الصورة المذكورة ولاء كما في صورة فوات بعض التكبيرات مع الامام فالظاهر بعده. وعن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (إذا ادرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقى متتابعا). وعن زيد الشحام (5) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة على الجنائز


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة. والحديث (4) عين (1).

[ 464 ]

إذا فات الرجل منها التكبيرة أو الثنتان أو الثلاث قال يكبر ما فاته). وحمل مطلق هذه الاخبار على مقيدها يقتضى الاتيان بالتكبير الفائت ولاء من غير الاذكار الموظفة. وفى كتاب الفقه الرضوي (1) (فإذا فاتك مع الامام بعض التكبير ورفعت الجنازة فكبر عليها تمام الخمس وانت مستقبل القبلة). وروى الثقة الجليل على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتاب المسائل عن اخيه موسى بن جعفر (ع) (2) قال: (سألته عن الرجل يدرك تكبيرة أو ثنتين على ميت كيف يصنع ؟ قال يتم ما بقى من تكبيره ويبادره دفعة ويخفف). وأما ما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (3) (ان عليا (ع) كان يقول لا يقضى ما سبق من تكبير الجنائز) وفى بعض النسخ (ما بقى) - فقد حمله الشيخ في التهذيبين على القضاء مع الدعاء، قال لانه انما يقضى متتابعا من دون فصل بالدعاء كما كان يبتدأ به. وقال في الوافى: وفيه بعد والاولى ان يحمل على عدم الوجوب. انتهى. اقول: ويؤيده الاتفاق على الوجوب الكفائي ولا ريب انه قد سقط الوجوب حينئذ عن هذا المصلى بصلاة القوم على الجنازة. وقال في الذكرى ببعد ذكر الخبر: وحمله الشيخ على القضاء الخاص وهو القضاء مشفوعا بالدعاء لا القضاء المتتابع. قلت يريد به نفى وجوب الدعاء لحصوله من السابقين ولانه موضع ضرورة لا نفى جوازه لدلالة ما يأتي عليه، بل يمكن وجوبه مع الاختيار لعموم أدلة الوجوب وعموم قول النبي صلى الله عليه وآله (4) (ما أدركتم فصلوا


(1) ص 19. (2) و (3) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة (4) في المغني ج 2 ص 495 قوله صلى الله عليه واله (ما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا) وفي لفظ (فاقضوا).

[ 465 ]

وما فاتكم فاقضوا) فحينئذ تحمل رواية اسحاق على غير المتمكن من الدعاء بتعجيل رفعها، وعليه يحمل قول الصادق (ع) في رواية الحلبي (فليقض ما بقى متتابعا) إلى أن قال: بعد ذكر رواية القلانسى: وهذا يشعر بالاشتغال بالدعاء إذ لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن. انتهى. اقول: ظاهر كلامه (قدس سره) تخصيص التكبير ولاء بصورة عدم التمكن من الاذكار بينها، ونقل ذلك عن العلامة في بعض كتبه بل نسبه شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار إلى الاكثر حيث قال: وقال الاكثر ان امكن الدعاء يأتي باقل المجزئ وإلا يكبر ولاء من غير دعاء. انتهى. وربما يشير إلى ذلك قوله (ع) في صحيحة على بن جعفر المتقدم نقلها عن كتابه (ويبادره دفعة ويخفف). ويشكل بان ظاهر الاخبار المذكورة بالنظر إلى حمل مطلقها على مقيدها هو التكبير ولاء امكن الاتيان بالاذكار قبل وقوع ما ينافى ذلك من العبد والانحراف عن الميت والقبلة أم لم يمكن، والتخصيص بما ذكروه يحتاج إلى دليل واضح. وما استند إليه من العموم على وجه يشمل محل البحث ممنوع. والحديث الذى نقله غير معلوم كونه من طرقنا بل الظاهر انه من الاخبار العامية التى يستسلقونها في امثال هذه المقامات، ويعضد ذلك ما أشرنا إليه آنفا من ان قضية الوجوب الكفائي سقوط الوجوب في الصورة المذكورة، وبه يظهر انه لا شمول لادلة الوجوب لموضع البحث كما ذكرنا. وأما دعواه اشعار رواية القلانسى بالاشتغال بالدعاء ففيه ان الظاهر من الرواية بعد التأمل فيها ان التكبير على القبر بعد الدفن انما هو في صورة ما لو لم يدرك التكبير مع الامام بالكلية كما أوضحناه آنفا، لا أنه أدرك بعضها وقضى البعض الباقي بعد الدفن حتى يدعى انه لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن وكيف كان فالا حتياط في ما ذكروه (رضوان الله عليهم) والله العالم.

[ 466 ]

الثاني - قال في الذكرى: لو سبق المأموم بتكبيرة فصاعدا متعمدا اثم واجزأ، ولو كان ناسيا أو ظانا فلا اثم واعادها معه ليدرك فضيلة الجماعة، وفى اعادة العامد تردد من حيث المساواة لليومية في عدم اعادة العامد ولانها اركان زيادتها كنقصانها ومن انها ذكر الله تعالى فلا تبطل الصلاة بتكرره. وقال في كتاب الروض: ويستحب للمأموم اعادة ما سبق به من التكبير على الامام ظانا أو ناسيا ليدرك فضيلة الجماعة كما يرجع إليه في اليومية لو ركع أو رفع قبله ولا تنقطع بذلك القدوة، ولو كان متعمدا ففى الاعادة اشكال من ان التكبير ركن فزيادته كنقصانه ومن كونه ذكر الله تعالى. ولا ريب ان عدم العود هنا أولى. وهو راجع إلى ما في الذكرى إلا انه هنا رجح في العامد عدم العود وفى الذكرى ظاهره التوقف حيث اقتصر على ذكر الوجهين الموجبين للاشكال. وقال في المسالك - بعد قول المصنف: إذا سبق المأموم بتكبيرة أو ما زاد استحب له اعادتها مع الامام - ما لفظه: ان سبقه سهوا أو ظنا انه كبر أما لو تعمد استمر متأنيا حتى يلحقه الامام ويأثم في الاخير. أقول. وهذا احتمال ثالث زائد على ما في الذكرى والروض. وقال في المدارك - بعد ذكر حكم الساهي والظان وانهما يعييدان مع الامام وحكم العامد وانه يستمر متأنيا حتى يلحقه الامام كما في المسالك - ما لفظه: وفى الحكمين معا اشكال خصوصا الثاني، لان التكبير الواقع في هذا الموضع على هذا الوجه منهى عنه والنهى في العبادة يقتضى الفساد، بل لو قيل بوجوب الاعادة مع العمد كان جيدا ان لم تبطل الصلاة بذلك. انتهى. اقول: لا يخفى ان المسألة خالية من النص، وجميع ما ذكر فيها من التعليلات معلول لا يمكن الاعتماد عليه، واستشكال صاحب المدارك في محله، ومن ثم ان الفاضل الخراساني في الذخيرة اقتصر على نقل الاقوال. والله العالم. المسألة الرابعة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو حضرت

[ 467 ]

جنازة في اثناء الصلاة على اخرى تخير بين قطع الصلاة الاولى واستئناف صلاة واحدة عليهما وبين ان يتم الصلاة على الاولى ويستأنف على الثانية، ذكره الصدوقان والشيخ واتباعه وهو المشهور. وقال ابن الجنيد على ما نقل عنه يجوز للامام جمعهما إلى أن يتم الثانية خمسا وان شاء ان يومئ إلى أهل الاولى ليأخذوها ويتم على الثانية خمسا. استدل المتأخرون على القول الاول بما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) (1) (في قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين ووضعت معها اخرى ؟ قال ان شاءوا تركو ا الاولى حتى يفرغوا من التكبير على الاخيرة وان شاءوا رفعوا الاولى واتموا ما بقى على الاخيرة كل ذلك لا بأس به). قال في الذكرى: والرواية قاصر الدلالة عن افادة المدعى إذ ظاهرها ان ما بقى من تكبير الاولى محسوب للجنازتين فإذا فرغ من تكبير الاولى تخيروا بين تركها بحالها حتى يكملوا التكبير على الاخيرة وبين رفعها من مكانها والاتمام على الاخيرة وليس في هذا دلالة على ابطال الصلاة على الاولى بوجه. هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة. اقول: ما ذكره (قدس سره) في بيان معنى ظاهر الرواية جيد وقد اقتفاه في ذلك جملة من متأخرى المتأخرين. والتحقيق عندي في هذا المقام وان غلفت عنه علماؤنا الاعلام ان المتقدمين سيما الصدوقين انما اعتمدوا في هذا الحكم واستندوا إلى عبارة كتاب الفقه الرضوي حيث انه (ع) قد صرح بذلك وقد عرفت في غير موضع مما قدمناه وستعرف ان شاء الله تعالى امثاله في ما يأتي أن كثيرا من الاحكام التى ذكرها المتقدمون واعترضهم المتأخرون بعدم وجود المستند لها فان مستنداتها قد ظهرت من هذا الكتاب ومن جملة ذلك


(1) الوسائل الباب 34 من صلاة الجنازة.

[ 468 ]

هذه المسألة إلا ان المتأخرين لما نقلوا الحكم المذكور عن كلام المتقدمين ولم يصل إليهم مما يظن دلالته عليه إلا هذه الصحيحة جعلوها دليلا للمتقدمين في ما نقلوه عنهم واعترضوها بما عرفت. والحق ان دليلهم ليس إلا عبارة الكتاب المذكور حيث قال (ع) (1) (وان كنت تصلى على الجنازة وقد جاءت اخرى فصل عليها صلاة واحدة بخمس تكبيرات وان شئت استأنف على الثانية). والصدوق في الفقيه قد أخذ معنى العبارة المذكورة فقال: ومن كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين فوضعت جنازة اخرى معها فان شاء كبر الان عليهما خمس تكبيرات وان شاء فرغ من الاولى واستأنف الصلاة على الثانية. انتهى نعم صحيحة على بن جعفر المذكورة ظاهرة في مذهب ابن الجنيد ومنطبقة عليه فهى دليله ودليل المشهور انما هي العبارة المذكورة. وظاهر كلام الشيخ في كتابي الاخبار القول بالتشريك ايضا كما هو مذهب ابن الجنيد حيث انه - بعد ان نقل رواية جابر المتقدمة (2) عن ابى جعفر (ع) الدالة على التكبير على الميت احدى عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا وأربعا - قال ما تضمنه هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالاجماع ويجوز ان يكون عليه السلام اخبر عن فعل النبي صلى الله عليه وآله بذلك لانه كان يكبر على جنازة واحدة أو اثنتين فكان يجاء باخرى فيبتدى من حيث انتهى خمس تكبيرات فإذا اضيف إلى ما كان كبر زاد على الخمس تكبيرات وذلك جائز على ما سنبينه في ما بعد ان شاء الله تعالى. انتهى ومما حررناه في المقام يظهر لك ان في المسألة قولين: (أحدهما) - القول بالتشريك كما ذهب إليه ابن الجنيد وهو ظاهر الشيخ كما عرفت، وعليه تدل صحيحة علي بن جعفر المذكورة (الثاني) - القول بالتخيير بين القطع والاستئناف عليهما والاتمام على الاولى ثم الصلاة على الثانية كما هو القول المشهور، ومستنده ما عرفت


(1) ص 19. (2) ص 421.

[ 469 ]

من كلامه في كتاب الفقه. والقول بالتخيير بين الامرين المذكورين في هذين الخبرين جمع بين الدليلين. ثم انه على تقدير القول بالتشريك فان قلنا بالاكتفاء بمجرد الاذكار والادعية كيف اتفق من غير توظيف شرعى فلا اشكال، وان قلنا بالقول المشهور من التوظيف لكل تكبيرة بوظيقة مخصوصة فانه يجب الاتيان بعد كل تكبيرة من التكبيرات المشتركة بوظيفة الصلاتين من الادعية والاذكار، فلو اتى بالجنازة الثانية بعد تكبيرتين ووقع التشريك في الثالثة دعا بعدها لوظيفة الاولى بدعاء المؤمنين ولوظيفة الثانية بالشهادتين وهكذا. هذا. وما ذكره الشهيد في الذكرى في آخر عبارته المتقدمة من قوله (هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة) فقد اعترض عليه في الذخيرة فقال: واما ما ذكره - من تحريم قطع العبادة الواجبة ووافقه غير واحد من المتأخرين فحكموا بتحريم القطع هنا إلا لضرورة - فغير مسلم إذ عمدة ما يعول عليه في هذا الباب هو الاجماع وهو غير تام في موضع النزاع. واما الاستناد إلى قوله تعالى: (ولا تبطلوا) (1) فغير تام كما بيناه في المباحث السالفة. انتهى. اقول: ويعضد ما ذكره (قدس سره) عبارة كتاب الفقه التى هي مستند القول المشهور من جواز القطع كما عرفت، وبالجملة فان دعواهم تحريم قطع الواجب مطلقا ممنوع لعدم الدليل عليه، نعم قام الدليل عندي على ذلك في الصلاة اليومية فانه يحرم قطعها كما تقدم تحقيقه في كتاب الصلاة (2) وما عدا ذلك فلا اعرف له دليلا بل الدليل على خلافه - كما عرفت في هذا المقام - واضح السبيل. والله العالم. المسألة الخامسة - قد صرح غير واحد من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا قراءة عندنا في هذه الصلاة ولا تسليم. والكلام هنا يقع في مقامين (الاول) بالنسبة إلى القراءة والذى يدل على


(1) سورة محمد الاية 35 (2) ج 9 ص 101.

[ 470 ]

عدمها من الاخبار ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة ومعمر بن يحيى واسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت تدعو بما بدالك... الحديث) وقد تقدم. وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة (2) (انهما سمعا ابا جعفر (ع) يقول ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت.. الحديث) وقد مر ايضا ويؤيده ما في كثير من الاخبار (3) (انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل). وقد ورد بازاء هذه الاخبار ما ظاهره المعارضة كما رواه الشيخ عن عبد الله ابن ميمون القداح عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) (ان عليا (ع) كان إذا صلى على ميت يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلى على النبي صلى الله عليه وآله. وعن على بن سويد عن الرضا (ع) (5) في ما نعلم قال: (في الصلاة على الجنائز تقرأ في الاولى بام الكتاب وفى الثانية تصلى على النبي صلى الله عليه وآله... الحديث) وقد تقدم ايضا (6). وهذان الخبران محمولان عند الاصحاب على التقية (7) قال الشيخ بعد ذكر خبر على بن سويد: أول ما فيه ان الراوى شاك في كونه الرضا (ع) وكما يكون شاكا يجوز أن يكون قدوهم في القراءة، ولانه رواه بطريق آخر عن الكاظم (ع) واضطراب النقل دليل الضعف، وان صح حمل على التقية. ثم انه حمل ايضا خبر القداح على التقية (8).


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة. (3) هذا المضمون لم نقف عليه في غير موثقة يونس بن يعقوب الواردة في الوسائل في الباب 7 و 9 و 17 من صلاة الجنازة، نعم ورد في بعض الاخبار التعبير عن صلاة الميت بانها شفاعة وليست بصلاة فيها ركوع وسجود كما في الباب 5 و 8 أو انها دعاء ومسألة كما في الباب 21 أو انها استغفار كما في الباب 20 من صلاة الجنازة (6) لم يتقدم. (7) و (8) في المغني ج 2 ص 485 (قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الاولى وبه قال الشافعي واسحاق وروي عن ابن عباس، وقال الثوري والاوزاعي =

[ 471 ]

قال في الذكرى: فرع - قال الشيخ في الخلاف تكره القراءة. وكأنه نظر إلى انه تكليف لم يثبت شرعيته. ويمكن ان يقال بعدم الكراهة لان القرآن في نفسه حسن ما لم يثبت النهى عنه والاخبار خالية من النهى وغايتها النفى وكذا كلام الاصحاب لكن الشيخ نقل الاجماع بعد ذلك وقد يفهم منه الاجماع على الكراهية ونحن لم نر أحدا ذكر الكراهة فضلا عن الاجماع عليها. انتهى. ولا يخفى ما فيه على الفطن النبيه وذلك فان البحث ليس في جواز قراءة القرآن من حيث هو قرآن حتى انه يحتج بان القرآن في نفسه حسن، بل محل البحث في انه هل القراءة هنا جزء من الصلاة من واجباتها أو مستحباتها كما هو عند العامة أم لا ؟ والاتفاق من الاصحاب على عدم ذلك كما يفهم من شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروض حيث قال: ولا قراءة فيها واجبة ولا مندوبة اجماعا. واما قوله - والاخبار خالية من النهى وغايتها النفى - فانه مردود بان اثبات القراءة في هذه الصلاة هو المحتاج إلى الدليل لا نفيها حتى يدعى ان الاخبار لا تدل على النهى. وبالجملة فان العبادات الشرعية توقيفية من الشارع فبأى كيفية علمت من الشارع يجب الوقوف عليها، وحيث ان اجماع الاصحاب كما عرفت على عدم توظيفها لا وجوبا ولا استحبابا وقد تأيد بالاخبار المتقدمة الدالة على نفيها، فالمعلوم هو عدم دخولها في الكيفية المذكورة. بقى ما دل على ثبوتها من الخبرين المتقدمين فحيث كانا مخالفين لما عليه الاصحاب والاخبار وكانا موافقين لكثير من العامة تعين حملهما على التقية بغير اشكال. والعجب من صاحب الذخيرة حيث نقل كلامه وجمد عليه ولم يتعرض لما فيه مما ذكرنا من التنبيه، والسبب في ذلك هو ما قدمنا ذكره في غير موضع من


= وابو حنيفة لا يقرأ فيها شئ من القرآن لان بان مسعود قال ان النبي صلى الله عليه وآله لم يوقت فيها قولا ولا قراءة) وفي بداية المجتهد ج 1 ص 215 (قال مالك وابو حنيفة ليس فيها قراءة انما هو الدعاء).

[ 472 ]

الغائهم الاعتماد على هذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (عليه السلام) واتخذوا لهم قواعد اخر عكفوا عليها في جميع ابواب الفقه. والله العالم. الثاني - بالنسبة إلى التسليم والذى يدل على عدمه في هذه الصلاة من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا (ع) (1) قال: (سألته عن الصلاة على الميت قال اما المؤمن فخمس تكبيرات واما المنافق فاربع ولا سلام فيها). وما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي وزرارة عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالا: (ليس في الصلاة على الميت تسليم). وعن الحلبي (3) قال: (قال أبو عبد الله ليس في الصلاة على المت تسليم). وما رواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (ع) (4) في كتابه إلى المأمون قال: (والصلاة على الجنازة خمس تكبيرات وليس في صلاة الجنازة تسليم لان التسليم في صلاة الركوع والسجود وليس لصلاة الجنازة ركوع ولا سجود). وفي كتاب الفقه الرضوي نحو ذلك في الموضع الاول والثانى وقد تقدم جميع ذلك في الموضع المشار إليه (5) إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليه المتتبع وبازاء هذه الروايات مما يدل على التسليم موثقة عمار المتقدمة في المطلب الثالث في الكيفية ومثلها رواية يونس المتقدمة ثمة ايضا (6) وغيرهما والجميع محمول عند اصحابنا على التقية (7). قال في الذكرى: اجمع الاصحاب على سقوط التسليم فيها وظاهر هم عدم مشروعيته فضلا عن استحبابه قال في الخلاف وليس فيها تسليم واحتج عليه


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة (5) ص 410 و 411 (6) ص 409. (7) ارجع إلى التعليقة 1 ص 473.

[ 473 ]

الفرقة ونقل عن العامة التسليم على اختلافهم في كونه فرضا أو سنة (1) وقال ابن الجنيد: ولا يستحب التسليم فيها فان سلم الامام فواحدة عن يمينه. وهذا يدل على شرعيته للامام وعدم استحبابه لغيره أو على جوازه للامام من غير استحباب بخلاف غيره. واحتج المرتضى بعد الاجماع بان مبناها على التخفيف ولهذا حذف فيها الركوع والسجود فغير منكر ان يحذف التسليم. وقال ابن ابى عقيل لا تسليم لان التسليم في الصلاة التى فيها الركوع والسجود ولذلك لا تسليم في صلاة الخوف التى ليس فيها ركوع ولا سجود. لنا على عدمه في الجملة اطباق الاصحاب على تركه علما وعملا، وخبر الحلبي عن الصادق (ع) (2) (ليس في الصلاة على الميت تسليم) وعن الحلبي بطريق آخر وعن زرارة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (3) (ليس في الصلاة على الميت تسليم) وعن اسماعيل بن سعد الاشعري عن الرضا (ع) (4) (لا سلام فيها) وفي خبر ام سلمة (5) (ثم كبر وانصرف) ولم يذكر التسليم وكذا في اكثر الاخبار وقد أورد في التهذيب التسليم في أربعة اخبار: مضمر سماعة (6) (فإذا فرغت سلمت عن يمينك) وهو يعطى التسليم مطلقا وخبر الحسن بن احمد المنقرى عن يونس عن الصادق (ع) (7) (والخامسة يسلم ويقف مقدار ما بين التكبيرتين ولا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه) وخبر عمار عن الصادق (ع) (8) (سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الامام فإذا الميت


(1) في المغني ج 2 ص 491 (اختار القاضي ان المستحب تسليمتان وتسليمة واحدة تجزئ وبه قال الشافعي واصحاب الرأي قياسا على سائر الصلوات) وفي ص 492 قال: (الواجب في صلاة الجنازة النية والتكبيرات والقيام وقراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وادنى دعاء للميت وتسليمة واحدة) وفي بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 216 (الجمهور على ان التسليم واحد وسبب الخلاف في الواحدة والاثنتين هو اختلافهم في التسليم في الصلاة المكتوبة فمن قال بالواحدة هناك قال به هنا ومن قال بالاثنتين قال به هنا). (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة. (5) ص 402. (6) 407. (7) ص 409. (8) ص 425.

[ 474 ]

مقلوب) وهذان يدلان على تسليم الامام والثانى منهما حكاية فعل الامام إلا انه لم يذكر انكار المعصوم (ع) اياه وخبر عمار عنه (عليه السلام) (1) قال (سألته عن الصلاة على الميت فقال يكبر... إلى قوله عفوك عفوك وتسلم) وهذا كالاول في اطلاق التسليم. وهى باسرها ضعيفة الاسناد معارضة للمشهور محمولة على التقية (2) واما شرعية التسليم استحبابا أو جواز فالكلام فيه كالقراءة إذ الاجماع المعلوم انما هو على عدمه وجوبه ومع التقية لا ريب فيه. انتهى كلامه زيد مقامه. وانما نقلناه بطوله لجودة محصولة واحطته باطراف الكلام من نقل الاقوال والاخبار ومجمل القول فيه - كما قدمنا ذكره في القراءة - ان العبادات مبنية على التوقيف من الشارع والاخبار هنا وان كانت قد تعارضت فيه إلا ان مقتضى القاعدة المأثورة عن اصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) في اختلاف الاخبار وعرضها على مذهب العامة والاخذ بما خافه هو نفى التسليم في هذه الصلاة وجوبا واستحبابا واما الجواز فانه لا معنى له هنا لان التسليم عبادة فان شرعت فهى لا تخرج عن الوجوب أو الاستحباب والا فالاتيان بها بقصد كونها جزء من الصلاة مع عدم ثبوت الوجوب والاستحباب تشريع محض كما نبه عليه في صدر كلامه. وقال في الروض: ولا تسليم ايضا واجبا ولا مندوبا باجماع الاصحاب قال في الذكرى: وظاهر هم عدم مشروعيته وما ورد باثباته من الاخبار محمول على التقية لانه مذهب العامة (3) مع كونها ضعيفة. اقول: وبذلك يظهر لك ضعف ما ذهب إليه ابن الجنيد فانه موافق لاقوال العامة. المسألة السادسة - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز ايقاع صلاة الجنازة الاوقات ما لم تزاحم صلاة فريضة حاضرة ولا كراهة


(1) ص 408. (2) (3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 473.

[ 475 ]

ايضا لها وان كان في الاوقات المكروهة. قال في المعتبر: يصلى على الجنازة في الاوقات الخمسة المكروهة ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة، وبه قال الشافعي واحمد وقال الاوزاعي تكره في الاوقات الخمسة وقال أبو حنيفة ومالك لا يجوز عند طلوع الشمس وغروبها وقيامها (1) وقال العلامة في التذكرة: ويصلى على الجنازة في الاوقات الخمسة المكروهة ذهب إليه علماؤنا اجمع. وقال في الذكرى لا كراهة في فعلها في الاوقات الخمسة في أشهر الاخبار لانها دعاء مجرد وواجبة وذات سبب. اقول: أما ما يدل من الاخبار على عدم الكراهة في الاوقات الخمسة المشار إليها مضافا إلى ما نقل من الاجماع فمنه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى عبيدالله بن على الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغيب الشمس وحين تطلع انما هو استغفار). وما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: (يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع ولا سجود وانما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التى فيها الخشوع والركوع والسجود ولانها تغرب بين قرنى شيطان وتطلع بين قرنى شيطان) ورواه الشيخ ايضا مثله.


(1) في المغني ج 2 ص 554 (قال احمد تكره الصلاة على الميت عند طلوع الشمس ونصف النهار وعند غروب الشمس، وعن ابن عمر وعطاء والنخعي والاوزاعي والثوري واسحاق واصحاب الرأي جواز الصلاة على الميت في هذه الاوقات الثلاث، وحكى عن احمد جوازها في هذه الاوقات وهو قول للشافعي) وفي بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 222 (قال قدم لا يصلى على الجنازة في الاوقات الثلاثة وقت المغرب والطلوع والزوال، وقال قوم لا يصلى في الغروب والطلوع فقط، وقال قوم لا يصلى عليها في الاوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وبه قال عطاء والنخعي وابو حنيفة، وقال الشافعي يصلى عليها في كل وقت لان النهي انما هو خارج على النوافل لا على السنن) (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.

[ 476 ]

وعن محمد بن مسلم (1) قال: (سألت أبا عبد الله هل يمنعك شئ من هذه الساعات عن الصلاة على الجنائز ؟ قال: لا). وما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (2) قال: (لا بأس بالصلاة على الجنازة حين تطلع الشمس وحين تغرب وفى كل حين انما هو استغفار). وروى الصدوق في كتاب عيون الاخبار وفي كتاب العلل باسناده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (ع) (3) قال: (فان قال فلم جوزتم الصلاة عليه قبل المغرب وبعد الفجر ؟ قيل ان هذه الصلاة انما تجب في وقت الحضور والعلة وليست هي موقتة كسائر الصلوات وانما هي صلاة تجب في وقت حدوث الحدث وليس للانسان فيه اختيار وانما هو حق يؤدى وجائز أن تؤدى الحقوق في أي وقت كان إذا لم يكن الحق موقتا). وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (يكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع) فقد حمل الشيخ وجه الكراهة على التقية لموافقة الخبر مذهب العامة (5) وهو جيد لما عرفت. وأما لو زاحمت صلاة الميت فريضة حاضرة فقال في المعتبر انه يتخير ما لم يخف على الميت أو يخف فوت الحاضرة جمعا بين رواية جابر عن الباقر (ع) (6) (وسأله عن الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فقال فجل الميت إلى قبره إلا ان تخاف فوت الفريضة) ورواية هارون بن حمزة عن الصادق (ع) (7) (إذا دخل وقت المكتوبة فابدا بها قبل الصلاة على الميت إلا أن يكون مبطونا أو نفساء أو نحو


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة. (2) مستدرك الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة (5) التعليقة 1 ص 475 (6) و (7) الوسائل الباب 31 من صلاة الجنازة.

[ 477 ]

ذلك) قال ومع التعارض يتعين التخيير. اقول: ويعضد الرواية الثانية ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه (ع) (1) قال: (سألته عن صلاة الجنائز إذا احمرت الشمس أتصلح أو لا ؟ قال لا صلاة في وقت صلاة. وقال: إذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنائز). وظاهر المحدث الكاشانى في الوافى حمل الخبر الاول على وقت الفضيلة فمعنى قوله: إلا ان يخاف ان يفوت وقت الفريضة) أي وقت فضيلتها ومعناه انه يبدأ بالصلاة على الميت إلا أن يخاف فوت وقت الفضيلة والخبرين الآخرين على ما إذا ضاق وقت الفضيلة فانه يقدم الحاضرة. وقال في الذكرى بعد نقل كلام المعتبر: قلت الاقرب استحباب تقدم المكتوبة ما لم يخف على الميت لا فضليتها وعموم احاديث فضلية أول الوقت. وقال الشيخ في المبسوط: إذا تضيق وقت فريضة بدأ بالفرض ثم الصلاة على الميت إلا أن يكون الميت يخاف من ظهور حادثة فيه فحينئذ يبدأ بالصلاة عليه. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: وهذا كلام غير معتمد لان مع تضيق وقت الحاضرة تتعين ولا يجوز الاشتغال بغيرها سواء خيف على الميت أو لا. انتهى. وظاهر كلام ابن ادريس انه مع تضيق وقت الحاضرة تكون مقدمة على الاطلاق كما جزم به في المختلف. اقول: من المحتمل قريبا ان مراد الشيخ هنا وقت الفريضة يعنى وقت فضيلتها فان اطلاق الوقت عليه بقول مطلق غير عزيز في الاخبار كما تقدم ذكره في باب الاوقات وحينئذ فمعناه ما قدمناه نقله سابقا عن المحدث الكاشانى وهو انه تقدم الصلاة على الميت إلا إذا ضاق وقت الفضيلة فانه تقدم الفريضة الحاضرة إلا ان يخاف على الميت من حادثة فانه تقدم صلاة الميت ويكون هذا


(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجنازة.

[ 478 ]

من قبيل الاعذار في التأخير عن وقت الاختيار إلى الوقت الثاني الذى هو وقت اصحاب الاعذار ولعل هذا من جملة الاعذار عنده وحينئذ فلا يرد عليه ما ذكره في المختلف. والله العالم. الفصل الخامس في الصلوات المندوبة وقد تقدم الكلام في الرواتب منها في محلها وبقى ما عداها وهو مما لا حصر له لقوله صلى الله عليه وآله (1) (الصلاة خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر) إلا انا نذكر هنا ما ذكره اصحابنا (رضوان الله عليهم) من مهمات هذه الصلوات جريا على وتيرتهم في ما قعدوا فيه وقاموا واسامة لسرح اللحظ حيث اساموا وذلك يقع في مطالب: المطلب الاول - في صلاة الاستسقاء وهو طلب السقيا من الله عزوجل يعنى نزول المطر عند الحاجة إليه. وقد كان مشروعا في الزمن الاول والملل السابقة قال الله تعالى: (واذ استسقى موسى لقومه) (2). وروى الصدوق (عطر الله مرقده) عن الصادق (ع) (3) قال: (ان سليمان بن داود (ع) خرج ذات يوم مع اصحابه يستسقى فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها إلى السماء وهى تقول: اللهم انا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بنى آدم. فقال سليمان (ع) لاصحابه ارجعوا فقد سقيتم بغيركم). وهى مستحبة عند غور الانهار وفتور الامطار لكون ذلك علامة غضب


(1) الوسائل الباب 42 من احكام المساجد والمستدرك الباب 10 من اعداد الفرائض (2) سورة البقرة الاية 57. (3) الفقيه ج 1 ص 333 وفي الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.

[ 479 ]

الله تعالى على عباده كما رواه الشيخ في التهذيب مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله (1) قال: (إذا غضب الله تعالى على امة ثم لم ينزل بها العذاب غلت اسعارها وقصرت اعمارها ولم تربح تجارها ولم تزك ثمارها ولم تعذب انهارها وحبس عنها امطارها وسلط عليها اشرارها) وعن عبد الرحمن بن كثير عن الصادق (ع) (2) قال: (إذا فشت اربعة ظهرت أربعة: إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل وإذا امسكت الزكاة هلكت الماشية وإذا جار الحكام في القضاء امسك القطر من السماء وإذا خفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين). واستحبابها ثابت بالاجماع والنصوص أما الاول فقد نقله العلامة في التذكرة والمنتهى قال: اجمع كل من يحفظ عنه العلم على استحباب صلاة الاستسقاء إلا أبا حنيفة فانه قال ليس له صلاة بل مجرد الدعاء (3). وها انا اذكر اولا ما وقفت عليه من الاخبار في المقام ثم اعطف ان شاء الله تعالى الكلام على ما دلت عليه وصرحت به علماؤنا الاعلام: الاول - ما رواه في الكافي عن مرة مولى محمد بن خالد (4) قال: (صاح اهل المدينة إلى محمد بن خالد في الاستسقاء فقال لى: انطلق إلى ابى عبد الله (ع) فاسأله ما رأيك ؟ فان هؤلاء قد صاحوا إلى فاتيته فقلت له فقال لى قل له فليخرج قلت له متى يخرج جعلت فداك ؟ قال يوم الاثنين. قلت كيف يصنع ؟ قال يخرج المنبر ثم يخرج يمشى كما يمشى يوم العيدين وبين يديه المؤذنون في ايديهم عنزهم حتى إذا انتهى إلى المصلى يصلى بالناس ركعتين بغير اذان ولا اقامة ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه فيجعل الذى على يمينه على يساره والذى على يساره على يمينه ثم يستقبل القبلة فيكبر الله


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستسقاء. (3) في المغني ج 2 ص 430 (قال أبو حنيفة لا تسن الصلاة للاستسقاء ولا الخروج لها... إلى ان قال: وخالفه أبو يوسف ومحمد بن الحسن فوافقا سائر العلماء) (4) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.

[ 480 ]

مائة تكبيرة رافعا بها صوته ثم يلتفت الناس عن يمينه فيسبح الله مائة تسبيحة رافعا بها صوته ثم يلتفت إلى الناس عن يساره فيهلل الله مائة تهليلة رافعا بها صوته ثم يستقبل الناس فيحمد الله مائة تحميدة ثم يرفع يديه فيدعو ثم يدعون فانى لارجو ا ان لا يخيبوا. قال ففعل فلما رجعنا قالوا هذا من تعليم جعفر) وفي رواية يونس (1) (فما رجعنا حتى اهمتنا انفسنا). الثاني - ما رواه في الكتاب المذكور في الصحيح أو الحسن عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (سألته عن صلاة الاستسقاء فقال مثل صلاة العيدين: يقرأ فيها ويكبر كما يقرأ ويكبر فيها يخرج الامام ويبرز إلى مكان نظيف في سكينة ووقار وخشوع ومسكنة ويبرز معه الناس فيحمد الله ويمجده ويثنى عليه ويجتهد في الدعاء ويكثر من التسبيح والتهليل والتكبير ويصلى مثل صلاة العيدين ركعتين في دعاء ومسألة واجتهاد فإذا سلم الامام قلب ثوبه وجعل الجانب الذى على المنكب الايمن على المنكب الايسر والذى على الايسر على الايمن فان النبي صلى الله عليه وآله كذلك صنع). الثالث - ما رواه عن محمد بن يحيى رفعه عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (سألته عن تحويل النبي صلى الله عليه وآله رداءه إذا استسقى فقال علامة بينه وبين اصحابه يحول الجدب خصبا) ورواه في الفقيه مرسلا (4) والشيخ في التهذيب مسندا عن ابن محبوب عن على بن السندي عن محمد بن عمرو بن سعيد عن محمد بن يحيى الصيرفي عن محمد بن سفيان عن رجل عن ابى عبد الله مثله (5). الرابع - ما ذكره في الكافي (6) قال: (وفي رواية ابن المغيرة قال (يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في العيدين في الاولى سبعا وفي الثانية خمسا ويصلى قبل الخطبة ويجهر بالقراءة ويستسقى وهو قاعد).


(1) و (4) و (6) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من صلاة الاستسقاء.

[ 481 ]

الخامس - ما رواه في الكافي (1) عن ابى العباس عن ابى عبد الله (ع) قال: (اتى قوم رسول الله فقالوا له ان بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا فادع الله يرسل السماء علينا فامر رسول الله بالمنبر فاخرج واجتمع الناس فصعد رسول الله ودعا وامر الناس ان يؤمنوا... الحديث). السادس - ما رواه في التهذيب عن حماد السراج (2) قال: (ارسلني محمد بن خالد إلى ابى عبد الله (ع) اقول له ان الناس قد اكثروا على في الاستسقاء فما رأيك في الخروج غدا ؟ فقلت ذلك لابي عبد الله (ع) فقال لى قل له ليس الاستسقاء هكذا فقل له يخرج فيخطب الناس ويأمرهم بالصيام اليوم وغدا ويخرج بهم اليوم الثالث وهم صيام. قال فاتيت محمدا فاخبرته بمقالة ابى عبد الله (ع) فجاء فخطب الناس وامرهم بالصيام كما قال أبو عبد الله (ع) فلما كان في اليوم الثالث أرسل إليه ما رأيك في الخروج ؟) وفي غير هذه الرواية (3) انه امره (ع) ان يخرج يوم الاثنين فيستسقى. السابع ما رواه في التهذيب في الموثق عن عبد الله بن بكير (4) قال (سمعت ابا عبد الله (ع) يقول في الاستسقاء قال يصلى ركعتين ويقلب رداءه الذى على يمينه فيجعله على يساره والذى على يساره على يمينه ويدعو الله فيستسقى). الثامن - ما رواه عن ابى البخترى عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (5) انه قال: (مضت السنة انه لا يستسقى إلا بالبرارى حيث ينظر الناس إلى السماء ولا يستسقى في المساجد إلا بمكة) ورواه في الفقيه مقطوعا مرسلا (6). التاسع - ما رواه عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (7)


(1) الروضة ص 207 وفي الوسائل الباب 1 و 9 من صلاة الاستسقاء (2) و (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستسقاء (4) الوسائل الباب 3 من صلاة الاستسقاء (5) الوسائل الباب 4 من صلاة الاستسقاء. وفي التهذيب ج 1 ص 297 والوسائل (عن ابيه عن علي) وفي الوافي كما هنا. (6) ج 1 ص 334 (7) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستسقاء.

[ 482 ]

(ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى للاستسقاء ركعتين وبدأ بالصلاة قبل الخطبة وكبر سبعا وخمسا وجهر بالقراءة). العاشر - ما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: (قال أبو جعفر (ع) كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلى للاستسقاء ركعتين ويستسقى وهو قاعد. وقال بدأ بالصلاة قبل الخطبة وجهر بالقراءة). الحادى عشر - ما رواه في التهذيب عن اسحاق بن عمار في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة ويكبر في الاولى سبعا وفي الاخرى خمسا). الثاني عشر - ما رواه في عيون الاخبار عن الحسن بن على العسكري عن الرضا (عليهم السلام) (3) في حديث (ان المطر احتبس فقال له المأمون لو دعوت الله عزوجل فقال الرضا نعم. قال: فمتى تفعل ذلك ؟ وكان يوم الجمعة فقال يوم الاثنين فان رسول الله اتانى البارحة في منامي ومعه امير المؤمنين (ع) فقال يا بنى انتظر يوم الاثنين وابرز إلى الصحراء واستسق فان الله عزوجل سيسقيهم بك. قال فلما كان يوم الاثنين خرج إلى الصحراء ومعه الخلائق). الثالث عشر - ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر ان ابيه عن على (عليهم السلام) (4) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر في العيدين والاستسقاء في الاولى سبعا وفي الثانية خمسا ويصلى قبل الخطبة ويجهر بالقراءة). الرابع عشر - ما ذكره الرضا (ع) في كتاب الفقه (5) حيث قال: اعلم يرحمك الله ان صلاة الاستسقاء ركعتان بلا اذان ولا اقامة: يخرج الامام يبرز


(1) و (4) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستسقاء (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستسقاء (5) ص 15.

[ 483 ]

إلى تحت السماء ويخرج المنبر والمؤذنين امامه فيصلى بالناس ركعتين ثم يسلم ويصعد المنبر فيقلب رداءه الذى على يمينه على يساره والذى على يساره على يمينه مرة واحدة ثم يحول وجهه إلى القبلة فيكبر مائة تكبيرة يرفع بها صوته ثم يلتفت عن يمينه ويساره إلى الناس فيهلل مائة تهليلة رافعا صوته ثم يرفع يديه إلى السماء فيدعو الله ويقول: اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم اسقنا غيثا مغيثا مجلجلا طبقا مطبقا جللا مونقا راجيا غدقا مغدقا طيبا مباركا هاطلا مهطلا متهاطلا رغدا هنيئا مريئا دائما رويا سريعا عاما مسبلا نافعا غير ضار تحيى به العباد والبلاد وتنبت به الزرع والنبات وتجعل فيه بلاغا للحاضر منا والباد اللهم انزل علينا من بركات سمائك ماء طهورا وانبت لنا من بركات ارضك نباتا مسيغا وتسقيه مما خلقت انعاما واناسي كثيرا اللهم ارحمنا بالمشايخ ركعا وصبيان رضع وبهائم رتع وشبان خضع قال وكان امير المؤمنين يدعو عند الاستسقاء بهذا الدعاء يقول: يا مغيثنا ومعيننا على ديننا ودنيانا بالذى تنشر علينا من الرزق نزل بنا عظيم لا يقدر على تفريجه غير منزله عجل على العباد فرجه فقد اشرفت الابدان على الهلاك فإذا هلكت الابدان هلك الدين يا ديان العباد ومقدر امورهم بمقادير ارزاقهم لا تحل بيننا وبين رزقك وهبنا ما أصبحنا فيه من كرامتك معترفين قد اصيب من لا ذنب له من خلقك بذنوبنا ارحمنا بمن جعلته اهلا لاستجابة دعائه حين يسالك يا رحيم لا تحبس عنا ما في السماء وانشر علينا نعمك وعد علينا برحمتك وابسط علينا كنفك وعد علينا بقبولك واسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ولا تهلكنا بالسنين ولا تؤاخذنا بما فعل المبطلون وعافنا يا رب من النقمة في الدين وشماتة القوم الكافرين يا ذا النفع والنصر انك ان اجبتنا فبجودك وكرمك ولاتمام ما بنا من نعمائك وان ترددنا فبلا ذنب منك لنا ولكن بجنايتنا على انفسنا فاعف عنا قبل ان تصرفنا واقلبنا بانجاح الحاجة يا الله. انتهى. هذا مجموع ما حضرني من الاخبار في هذا المقام والكلام فيها يقع في مواضع:

[ 484 ]

الاول: ان ما دل عليه الخبر الثاني من أن كيفية هذه الصلاة مثل كيفية صلاة العيدين في القراءة والتكبيرات والقنوتات مما اتفقت عليه كلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) وحكى الاجماع عليه في المنتهى إلا انهم قالوا يجعل مواضع القنوت الذى في العيدين الدعاء هنا بالرحمة واستعطاف الله عز وجل بارسال الغيث. بقى الكلام في انه هل يدخل الوقت في اطلاق المماثلة أو يخص بمجرد الكيفية دون الامور الخارجة ؟ قولان. وبالاول صرح جملة من الاصحاب: منهم - شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قال بعد قول المصنف (كالعيد) ما لفظه: في كونها ركعتين بين طلوع الشمس والزوال يقرأ فيهما ما مر ويكبر فيهما التكبيرات الزائدة ويقنت بعد كل تكبيرة منها. انتهى. والظاهر انه اقتفى أثر الشهيد في البيان حيث قال: ووقتها وقت العيد. ونقل في الذكرى عن ظاهر كلام الاصحاب ان وقتها وقت صلاة العيدين ونقل عن ابن ابى عقيل التصريح بان الخروج في صدر النهار وعن ابى الصلاح عند انبساط الشمس وابن الجنيد بعد صلاة الفجر قال: والشيخان لم يعينا وقتا إلا انهما حكما بمساواتها للعيد. وبالثانى صرح الفاضلان بل قال في النهاية وفي أي وقت خرج جاز وصلاها إذ لا وقت لها اجماعا. ونحوه قال في التذكرة ثم قال: والاقرب عندي ايقاعها بعد الزوال لان ما بعد العصر اشرف قال في الذكرى: ونقله ابن عبد البر عن جماعة العلماء من العامة. وقال في البيان بعد قوله المتقدم نقله عنه: وربما قيل بعد الزوال وهو مشهور بين العامة (1).


(1) في المغني ج 2 ص 432 (ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين الا انها لا تفعل في وقت النهى بغير خلاف والاولى فعلها في وقت العيد. ثم قال وقال ابن عبد البر الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء الا ابا بكر بن حزم وهذا على سبيل الاختيار، وفي بداية المجتهد ج 1 ص 198 (قال جماعة العلماء ان الخروج لها عن الخروج لصلاة العيدين الا ابا بكر بن محمد بن عمر بن حزم قال الخروج لها عند الزوال).

[ 485 ]

اقول: لا ريب في أن الاخبار المتقدمة مطلقة لا اشارة فيها فضلا عن التصريح إلى وقت معين واستفادة التوقيف من المماثلة للعيدين لا يخلو من بعد لوقوع المخالفة بينهما في مواضع عديدة وما ذكره كل من هؤلاء من تعيين وقت مخصوص بان يكون بعد الفجر كما نقل عن ابن الجنيد أو صدر النهار كما عن ابن ابى عقيل أو انبساط الشمس عند ابى الصلاح فلم نقف له على مستند وبذلك يظهر ارجحية القول الثاني. وأما ايقاعها بعد الزوال فقد عرفت انه مذهب العامة كما ذكره ابن عبد البر من علمائهم. والله العالم. الثاني - قد دلت الرواية الاولى والثانية عشرة على استحباب الخروج يوم الاثنين وبه صرح الصدوق والشيخ وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس وغيرهم والظاهر ان المشهور في كلام المتأخرين التخيير بين يوم الاثنين ويوم الجمعة بل نقل عن الشيخ المفيد وابى الصلاح انهما لم يذكر سوى الجمعة وعن ابن الجنيد وابن ابى عقيل وسلار انهم لم يعينوا يوما ونقله في الذكرى عن الشيخ المفيد ايضا ولعله في غير المقنعة. وعلل جملة من الاصحاب اضافة الجمعة إلى الاثنين والتخيير بينهما بشرف الجمعة وكونه محلا لاجابة الدعاء وقد ورد (1) (ان العبد يسئل الله الحاجة فيؤخر اجابتها إلى يوم الجمعة) وهو حسن. ولعل من عين الجمعة خاصة وكذا من لم يعين يوما مع ورود النص بيوم الاثنين نظر إلى ما ورد من الاخبار في ذم يوم الاثنين وانه يوم نحس لا تطلب فيه الحوائج وان بنى امية تتبرك به وتتشأم به آل محمد صلى الله عليه وآله لقتل الحسين (ع) فيه حتى ورد ان من صامه أو طلب الحوائج فيه متبركا به حشر مع بنى امية (2) وان


(1) الوسائل الباب 41 من صلاة الجمعة. (2) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب و 4 و 6 و 7 من آداب السفر.

[ 486 ]

هذه الاخبار ظاهرة الرجحان على الخبرين على الخبرين المذكورين. والحق انه لو لا النص ولا سيما الخبر الثاني عشر المشتمل على امر النبي صلى الله عليه وآله للرضا (ع) بالخروج فيه لكان ينبغى المنع من الخروج فيه لما عرفت إلا انه بعد الخبرين المذكورين المعتضدين بفتوى الاصحاب بذلك لابد من التسليم لامكان وجود خصوصية فيه لا نعلمها. والله العالم. الثالث - قد تضمنت الرواية السادسة انه يستحب للامام ان يخطب الناس ويأمرهم في جملة خطبته بالصيام ثلاثة أيام ويكون الثالث هو يوم الخروج واطلاق غيرها من الاخبار يكون محمولا عليها ويمكن حمل هذه الرواية على الفضل والاستحباب وان جاز الاستسقاء بدون صيام إلا ان الظاهر من كلام الاصحاب هو الاول. الرابع - من مستحبات هذه الصلاة ان يصحر بها كما في العيدين وادعى على ذلك الاجماع جمع منا ويدل عليه مضافا إلى الاجماع المذكور والتأسى بالنبي صلى الله عليه وآله الرواية الثامنة والثانية عشرة صريحا واكثر الروايات ظاهرا فان المراد من الخروج فيها سيما مع نقل المنبر وخروج المؤذنين بين يدى الامام انما هو إلى الصحراء وعلى ذلك يحمل قوله في الخبر الثاني (إلى مكان نظيف) وفى الرابع عشر (يبرز إلى تحت السماء). نعم دلت الرواية الثامنة على استثناء مكة وانه يصلى في مسجدها ومنه يعلم ان أهل مكة يستسقون في مسجدها قال في المنتهى وهو قول علمائنا أجمع واكثر أهل العلم لا والحق ابن الجنيد به مسجد المدينة ولم نقف على مستنده بل ظاهر الخبر الخامس يرده. وجمع من الاصحاب كالمفيد وابن ابى عقيل لم يستثنوا المسجد الحرام على ما حكاه الشهيد في الذكرى. الخامس - يستحب ان يكونوا حال الخروج حفاة بالسكينة والوقار كما ذكره الاصحاب إلا ان الحفاء غير مذكور في الاخبار وانما عللوه بانه أقرب إلى الخشوع

[ 487 ]

والتذلل المطلوب في هذا المقام. واما الخروج بالسكينة والوقار فقد دل عليه الخبر الثاني ويشير إليه قوله في الخبر الاول (ثم يخرج يمشى كما يمشى يوم العيدين) مع ما تقدم من استحباب ذلك في الخروج إلى العيد. السادس - ومن المستحبات التى ذكرها الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا مع خلو النصوص منها انهم يخرجون معهم الشيوخ والاطفال والعجائز والبهائم. قالوا: لانه أقرب إلى الرحمة واسرع إلى الاجابة استنادا إلى ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) انه قال (لو لا اطفال رضع وشيوخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا). وزاد بعضهم انه يفرق بين الاطفال وامهاتهم ليكثروا من الضجيج والبكاء ويكون سببا لادراك الرحمة. اقول: وربما يؤيد ما ذكروه من اخراج هؤلاء بما تقدم في الخبر الرابع عشر من قوله: (اللهم ارحمنا بالمشايخ ركعا... الخ) وما ورد في الخطب من قوله (ع) (2) (اللهم ارحم انين الآنة وحنين الحانة أرحم تحيرها في مراتعها وانينها في مرابضها). ويعضده ايضا خبر استسقاء سليمان بن داود (ع) المتقدم (3) وقول النملة ما قالت إلا ان الحكم لا يخلو من شوب الاشكال. قال في المنتهى: ويمنع أهل الذمة والكفار من الخروج معهم لقوله تعالى (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (4) ثم ذكر ما روى عن الصادق (ع) (5)


(1) في الجامع الصغير ج 2 ص 132 والسنن الكبرى ج 3 ص 245 عنه صلى الله عليه واله (لو لا شباب خشع وبهائم رتع وشيوخ ركع واطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا). (2) التهذيب ج 3 ص 151 والفقيه ج 1 ص 335 الطبع الحديث. (3) ص 478 (4) سورة الرعد الاية 15 (5) ص 488.

[ 488 ]

في حكاية دعاء فرعون حين غار ماء النيل. ورجح عدم المنع. اقول: ومما يؤيد عدم المنع خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وآله فانهم اكثر الناس أو كثير منهم يؤمئذ وكذا خروج المخالفين مع الرضا (ع) كما تضمنه الخبر الثاني عشر فانهم الاكثر يومئذ بغير شك. ويعضده ايضا ما ورد في بعض الاخبار (1) من ان الله عز وجل ربما حبس الاجابة عن المؤمن لحب سماع دعائه وتضرعه والحاحه ويعجل الاجابة للكافر لبغض سماع صوته على انهم يطلبون ما ضمنه الله لهم من رزقهم وهو سبحانه لا يخلف الميعاد. واما خبر فرعون المشار إليه فهو ما رواه الصدوق عن الصادق (ع) انه جاء اصحاب فرعون إليه فقالوا غار ماء النيل وفيه هلاكنا فقال انصرفوا اليوم فلما كان من الليل توسط النيل ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم انك تعلم انى لا علم انه لا يقدر على أن يجئ بالماء إلا انت فجئنا به. فاصبح الماء يتدفق. السابع - ومن المستحبات هنا ايضا ان يقلب الامام رداءه إذا صعد المنبر بعد الصلاة فيجعل الذى على يمينه على يساره وبالعكس وقد تقدم في الخبر الاول والثانى والثالث والسابع والرابع عشر. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة: ولو جعل مع ذلك اعلاه اسفله وظاهره باطنه كان حسنا ويترك محولا حتى ينزع. انتهى. وفيه ما لا يخفى على المتأمل. والظاهر من الاخبار ان التحويل انما هو من الامام مرة واحدة بعد الصلاة وصعود المنبر إلا ان في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا نوع تشويش واضطراب فان بعضهم ذكر ان هذا التحويل بعد الفراغ من الخطبة. ولعل هذا القائل نظر إلى الظاهر الخبر الثالث وقوله (تحويل النبي صلى الله عليه وآله رداءه إذا استسقى) يعنى إذا فرغ من الخطبة.


(1) الوسائل الباب 21 من الدعاء (2) الفقيه ج 1 ص 334.

[ 489 ]

وفيه - مع كونه من كلام السائل - ان المراد به انما هو إذا أراد الاستسقاء كما يظهر من الاخبار الباقية. وقال الشيخ المفيد وسلار وابن البراج: يحول الامام رداءه ثلاث مرات: بعد الفراغ من الصلاة وبعد الصعود على المنبر وبعد الفراغ من الخطبة. وفيه ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من أن هذا وان توهم في بادئ الرأى قبل اعطاء التأمل حقه في الاخبار إلا انه يرجع عند التأمل إلى أمر واحد كما ستقف عليه. وفي المبسوط اثبته للمأموم وفي الخلاف خصه بالامام وقال في الروض: ولا فرق في ذلك بين الامام وغيره ومن ثم اطلقه المصنف وللشيخ قول باختصاصه بالامام وتبعه المحقق في الشرائع والعلتان توجبان الاشتراك. انتهى. اقول: وتحقيق المقام اما بالنسبة إلى وقت التحويل فان المستفاد من الاخبار انه بعد الفراغ من الصلاة وصعود الامام المنبر قبل الخطبة. ومن الاخبار الواضحة في ذلك الخبر الاول وقوله (ع) فيه (فإذا انتهى إلى المصلى صلى بالناس ركعتين بغير اذان ولا اقامة ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه... الخ) وقوله (ع) في الخبر الرابع عشر (يصلى بالناس ركعتين ثم يسلم ويصعد المنبر فيقلب رداءه). واما قوله (ع) في الخبر الثاني (إذا سلم الامام قلب ثوبه... الخ) فالمراد منه بعد صعود المنبر وان كان صعود المنبر غير مذكور في الخبر إلا ان اطلاقه محمول على الخبرين المفصلين المذكورين حمل المطلق على المقيد. ولا يخفى ان الخبر المذكور في حد ذاته لا يخلو من اجمال بالنسبة إلى ما فصلته باقى الاخبار. واما قوله (ع) في الحديث السابع (يصلى ركعتين ويقلب رداءه) فالحكم فيه كما ذكرنا في سابقه من تقييد اطلاقه بالخبرين المتقدمين بمعنى انه بعد أن يصلى ركعتين ويصعد المنبر يقلب رداءه.

[ 490 ]

وبالجملة فان ذكر القلب بعد الصلاة لا ينافى صعود المنبر بعد الصلاة والقلب بعد الصعود إذ البعدية المذكورة صادقة بذلك وليس هنا مدة بين الفراغ وصعود المنبر حتى يلزم أن يقال ان المتبادر من البعدية البعدية القريبة فانها في ما ذكرناه قريبة غير بعيدة كما لا يخفى. واما بالنسبة إلى اختصاص الامام بذلك أو شمول الحكم للمأموم فلا يخفى انه بناء على ما ذكرنا من حمل مطلق الاخبار على مقيدها يكون ذلك مختصا بالامام واثباته للمأموم يحتاج إلى دليل وليس فليس. ومع العمل باطلاق هذين الخبرين وعدم تقييدهما بالخبرين الاخيرين يلزم استحباب القلب مرتين: إحداهما بعد الصلاة اماما كان أو مأموما وثانيتهما بعد صعود المنبر بالنسبة إلى الامام. الا ان مقتضى القاعدة المعمول عليها انما هو الاول. والله العالم. الثامن - ما دل عليه الخبر الاول - من تكبير الامام إلى القبلة مائة مرة ثم يسبح عن يمينه مائة تسبيحة وعن يساره يهلل مائة تهليلة ثم يستقبل الناس فيحمد الله مائة تحميدة - هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبه قال الشيخ واتباعه. وقال الشيخ المفيد يكبر إلى القبلة مائة ويسبح إلى اليمين مائة ويحمد إلى اليسار مائة ويستغفر عند استقبال الناس مائة ونقل ذلك في المختلف عن ابى الصلاح وسلار وابن البراج. والشيخان قد اتفقا في التكبير والتسبيح واختلفا بعد ذلك فالشيخ الطوسى جعل التهليل إلى اليسار مائة ثم التحميد عند استقبال الناس مائة كما هو المشهور والشيخ المفيد جعل عند الالتفات إلى اليسار التحميد وعند استقبال الناس الاستغفار ولم يذكر التهليل بالكلية. والصدوق وافق الشيخين في التكبير والتسبيح إلى القبلة واليمين وخالف الشيخ الطوسى في التهليل والتحميد فعكس فيهما حيث ان الشيخ جعل التهليل إلى اليسار

[ 491 ]

والتحميد عند استقبال الناس وهو جعل التحميد إلى اليسار والتهليل عند استقبال الناس. وأنت خبير بانا لم نقف في هذا المقام إلا على الرواية الاولى وهى صريحة في القول المشهور وعبارة كتاب الفقه الرضوي ونسخة الكتاب لا تخلو من الغلط وما نقلناه هنا صورة ما في النسخة التى تحضرني والظاهر انها غير خالية من الغلط والظاهر ان ما ذهب إليه الصدوق انما أخذه من الكتاب على النهج الذى عرفته غالبا. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور. ثم ان الاصحاب قد ذكروا متابعة المأمومين للامام في هذه الاذكار ومنهم الشيخ المفيد في المقنعة وغيره ممن تأخر عنه واما انهم يلتفتون معه إلى هذه الجهات كما يلتفت فلم أقف عليه في كلامهم وظاهر هم انما هو المتابعة في هذه الاذكار وكذا في رفع الصوت بها وعن ابن الجنيد انهم يتابعونه في التكبير بدون رفع الصوت والنص الذى هو مستند هذا الحكم وهو الخبر الاو ل وكذا الخبر الرابع عشر خال من ذلك بل ظاهره الاختصاص بالامام. التاسع - ما اشتملت عليه الرواية الاولى - من انه بعد الاذكار المذكورة يرفع يديه فيدعو ثم يدعون - الظاهر انه هو المراد بالاستسقاء في الاخبار وكذا التعبير بالخطبة فان المراد انما هو هذا الدعاء والابتهال والتضرع إليه سبحانه ولهذا وقع في عبائر الاصحاب (رضوان الله عليهم): ثم يخطب ويبالغ في السؤال. إلا ان خطبة على (ع) المشهورة في الاستسقاء (1) تدل على استحباب الخطبة بالمعنى المشهور والظاهر ان كلا من الامرين جائز ومنه يفهم تقديم الذكر على الخطبة وهو مذهب ابن ابى عقيل والشيخ وابن حمزة وهو المشهور بين المتأخرين. ونسب في الذكرى القول بان الذكر بعد الخطبة إلى المشهور قال في الكتاب المذكورة: والمشهور ان هذا الذكر يكون بعد الخطبتين وقال ابن ابى عقيل والشيخ وابن حمزة قبلهما وفي تعليم الصادق (ع) (2) محمد بن خالد انه يصعد المنبر فيقلب


(1) التهذيب ج 3 ص 151 والفقيه ج 1 ص 335 الطبع الحديث (2) ص 479.

[ 492 ]

رداءه ثم بالاذكار قال (ثم يرفع يديه ويدعو) ولم يذكر الخطبة بعد ذلك وظاهره ان هذه الاذكار تفعل على المنبر فكأنها من جملة الخطبة ولو فعل ذلك جاز. انتهى. وفي البيان ان كلا الامرين جائزان. ثم ان ظاهر الخامس الاكتفاء بتأمين الناس دون المتابعة في الدعاء كما دل عليه الخبر الاول ولعل الوجه التخيير جمعا بين الخبرين المذكورين. وقد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان الافضل في الخطبة والدعاء هو المأثور عن اصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) وهو كذلك وقد مر ما اشتمل عليه كلامه (ع) في كتاب الفقه إلا ان نسخة الكتاب المنقول منه لا تخلو من الغلط. وقال شيخنا المفيد في المقنعة بعد ذكر الاذكار التى إلى الجهات الاربع: ثم حول وجهه إلى القبلة فدعا ودعا الناس معه فقال: اللهم رب الارباب ومعتق الرقاب ومنشئ السحاب ومنزل القطر من السماء ومحيى الارض بعد موتها يا فالق الحب والنوى ويا مخرج الزرع والنبات ومحيى الاموات وجامع الشتات اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدقا هنيئا مريئا تنبت به الزرع وتدر به الضرع وتحيى به الارض بعد موتها وتسقى به مما خلقت أنعاما واناسي كثيرا. العاشر - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو استحباب الخطبة بعد الصلاة بل قال في التذكرة انه قول علمائنا اجمع وعليه تدل الرواية التاسعة والعاشرة والرابعة عشرة وأما ما دلت عليه الرواية الحادية عشرة من كون الخطبة قبل فقد ردها الشيخ في التهذيب بانها غير معمول عليها لان الاخبار تضمنت ان هذه الصلاة كالعيدين وقد بينا ان صلاة العيدين الخطبة بعدها فيجب ان تكون هذه الصلاة جارية مجراها. انتهى. وهو جيد. قال في المختلف: المشهور ان الامام يصلى ركعتي الاستسقاء ثم يصعد المنبر ويخطب وقال ابن ادريس في بعض الروايات ان هذه الخطبة تكون قبل الصلاة

[ 493 ]

وقال ابن الجنيد ويصعد الامام قبل الصلاة وبعدها ثم قال: لنا - حديث مرة مولى خالد... ثم ساق الحديث (1) ثم ذكر رواية اسحاق بن عمار التى تضمنت تقديم الخطبة على الصلاة وردها بما ذكره الشيخ. ثم قال: واحسن حديث بلغنا في هذا الباب ما رواه هشام بن الحكم (2) وساق الخبر ثم قال وهذا الحديث وان دل بقوله (مثل صلاة العيدين) على ما قلناه لكن دلالة على ما اختاره ابن الجنيد اقوى. انتهى ملخصا اقول: لا ريب انه وان كان هذا الخبر صحيح السند لكن دلالته على ما ذكره لا تخلو من اجمال واشكال لعدم التعرض لذكر الخطبة فيه صريحا ويمكن فهمها من قوله (ع) (فيحمد الله ويمجده... إلى آخره) بناء على ان الخطبة عبارة عن ذلك وان قدم في اللفظ إلا ان عطف الصلاة عليه بالواو التى هي لمطلق الجمع وطريق الجمع بينه وبين باقى الاخبار هو حمل هذه الاذكار على الخطبة وجعلها مؤخرة عن الصلاة من قبيل حمل المجمل على المبين والمطلق على المقيد فلا منافاة في الخبر المذكور ولا دلالة فيه على كون الخطبة قبل الصلاة ولا صعود المنبر قبل الصلاة كما لا يخفى. هذا. وقد قدمنا ان المراد بالخطبة هنا ما هو أعم من المعنى المشهور فيها أو مجرد الدعاء والتضرع والابتهال. وقال في الذكرى: يستحب ان يخطب بالمأثور عن أهل البيت (عليهم السلام) وقد ذكر في التهذيب (3) خطبة بليغة لامير المؤمنين (ع) (الحمد لله سابغ النعم... إلى آخرها) ولو خطب بغير ذلك مما يتضمن حمدا وثناء ووعظا جاز. والظاهر ان الخطبة الواحدة غير كافية بل يخطب اثنتين تسوية بينها وبين صلاة العيد. ويستحب المبالغة في التضرع والالحاح في الخطبتين وخصوصا الثانية. انتهى. اقول: لا يخفى ان ما علل به تثنية الخطبتين من التسوية بين هذه الصلاة


(1) تقدم ص 479 (2) ص 480. (3) ج 3 ص 151 وفي الفقيه ج ؟ ص 335 الطبع الحديث.

[ 494 ]

وصلاة العيد لا يخلو من نظر فان المشابهة لا تقتضي المساواة من جميع الوجوه سيما مع دلالة جملة من النصوص كما عرفت على الاكتفاء بمجرد الدعاء عن الخطبة المؤذن بان المراد بالخطبة ذلك. الحادى عشر - من وظائف هذه الصلاة اخراج المنبر إلى الصحراء كما دل عليه الخبر الاول والخامس والرابع عشر وقد صرح المرتضى وجماعة بانه يخرج ويحمل بين يدى الامام إلى الصحراء ونسب ابن ادريس إلى بعض اصحابنا انه قال: المنبر لا يخرج بل يستحب أن يكون مثل منبر العيد معمولا من الطين. ثم قال انه الاظهر في الرواية (1) والقول بثبوت هذه الصلاة كصلاة العيد. وهو اجتهاد في مقابلة النصوص اللهم إلا أن يكون لم يطلع على الاخبار المذكورة. ومنها - خروج المؤذنين بين يديه ايضا وفي ايديهم عنزهم كما دل عليه الخبر الاول. الثاني عشر - ما دل عليه الخبر الاول والربع عشر من عدم الاذان والاقامة مما دل عليه اجماع الاصحاب (رضوان الله عليهم) كما ذكره الفاضلان في المعتبر والمنتهى بل قال في المنتهى: وعليه اجماع كل من يحفظ عنه العلم. وصرحوا بانه يقول المؤذن: الصلاة (ثلاثا) وكأنه مأخوذ من التشبيه بصلاة العيد التى يقال فيها ذلك فان اخبار المسألة التى قدمناها خالية من ذلك ولا اعرف غيرها اللهم إلا أن يكون وصل إليهم ما لم يصل الينا. الثالث عشر - من وظائف هذه الصلاة استحباب الجهر بالقراءة كما دل عليه الخبر الرابع والتاسع والعاشر والثالث عشر وبه صرح الاصحاب ايضا واضافوا إلى ذلك الجهر بالقنوت كما في صلاة العيدين ولا بأس به تحقيقا للمشابهة. الرابع عشر - قال في الذكرى: يجوز الاستسقاء بغير صلاة اما في خطبة


(1) يمكن ان يكون نظره إلى حديث هشام ص 480 المتضمن للمماثلة بين الصلاتين.

[ 495 ]

الجمعة والعيدين أو في اعقاب المكتوبات أو يخرج الامام إلى الصحراء فيدعو والناس يتابعونه. اقول: ويدل على ما ذكره من الفرد الاخير ظاهر الخبر الخامس فانه لم يشتمل على ازيد من صعود رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر بعد اجتماع الناس والاستسقاء بالدعاء وامر الناس أن يؤمنوا. الخامس عشر - قد صرح جملة الاخبار من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان هذه الصلاة تصلى جماعة وفرادى وان كان الجماعة أفضل. وانت خبير بان ظواهر جملة الاخبار التى قدمناها وهى اخبار المسألة التى وقفنا عليها متفقة على الجماعة ولم أقف على خبر ظاهر في جواز صلاتها فرادى كما ذكروه اللهم إلا ان يكون قاسوها على العيدين لقضية التشبيه. وفيه ما فيه. السادس عشر - قد تضمن الخبر الرابع انه يستسقى وهو قاعد والحديث العاشر ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يستسقى وهو قاعد مع ان أحدا من الاصحاب لم يعدوا ذلك من مستحبات هذه الصلاة بل ظاهر كلامهم انما هو الوقوف حال الاستسقاء والدعاء والخطبتين، ولم اطلع في كلامهم على من تعرض لما دل عليه هذان الخبران من القعود حال الاستسقاء والكلام فيه نفيا أو اثباتا. وحمل ذلك على العذر في بعض الاوقات ينافيه لفظ (كان) في الحديث العاشر الدال على استمرار ذلك في جميع الاوقات أو اكثرها. السابع عشر - ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يستحب ان يكرر الخروج لو تأخرت الاجابة وربما ادعى عليه الاجماع ولم اقف عليه في النصوص إلا انه ربما امكن الاستناد فيه إلى العمومات الدالة على الحث على الدعاء وتكراره وان الله سبحانه ربما اخر الاجابة لحب سماعه صوت عبده المؤمن فلا ينبغى اليأس والقنوط بعدم الاجابة اول مرة (1) على ان حديث سليمان (ع) (2) قد دل على تكرار


(1) الوسائل الباب 21 من الدعاء (2) 478 ولم يذكر فيه تكرار الخروج.

[ 496 ]

الخروج ثلاث مرات وان قول النملة ما قالت كما قدمنا انما هو في المرة الثالثة. فائدة قد ورد الدعاء لدفع المطر مع كثرة وخوف ضرره كما ورد لقلته وحصول الضرر بذلك: روى في الكافي (1) بسنده عن رزيق ابى العباس عن ابى عبد الله (ع) قال: (اتى قوم رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا فادع الله تعالى يرسل السماء علينا فامر رسول الله صلى الله عليه وآله بالمنبر فاخرج واجتمع الناس فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا وامر الناس ان يؤمنوا فلم يلبث ان هبط جبرئيل (ع) قال يا محمد صلى الله عليه وآله اخبر الناس ان ربك قد وعدهم ان يمطروا يوم كذا وكذا وساعة كذا وكذا فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم وتلك الساعة حتى إذا كانت تلك الساعة اهاج الله تعالى ريحا فأثارت سحابا وجللت السماء وارخت عزاليها فجاء أولئك النفر باعيانهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله ادع الله لنا أن يكف السماء عنا فا نا كدنا أن نغرق فاجتمع الناس ودعا النبي صلى الله عليه وآله وامر الناس أن يؤمنوا على دعائه فقال له رجل من الناس يارسول الله صلى الله عليه وآله اسمعنا فان كل ما تقول ليس نسمع فقال قولوا: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم صبها في بطون الاودية وفي منابت الشجر وحيث يرعى أهل الوبر اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا). المطلب الثاني في صلاة التسبيح وها نحن نذكر الاخبار المتعلقة بهذا المقام ونذيلها ان شاء الله تعالى بما يفهم منها من الاحكام: الاول - ما رواه في الكافي عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (قال


(1) الروضة ص 217 وفي الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء. (29 الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.

[ 497 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله لجعفر يا جعفر ألا امنحك ألا اعطيك ألا احبوك ؟ فقال له جعفر (ع) بلى يارسول الله صلى الله عليه وآله قال فظن الناس انه يعطيه ذهبا أو فضة فتشوف الناس لذلك فقال له انى اعطيك شيئا ان أنت صنعته في كل يوم كان خيرا لك من الدنيا وما فيها وان صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما تصلى اربع ركعات: تبتدئ فتقرأ وتقول إذا فرغت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر. تقول ذلك خمس عشرة مرة بعد القراءة فإذا ركعت قلته عشر مرات فإذا رفعت رأسك من الركوع قلته عشر مرات فإذا سجدت قلته عشر مرات فإذا رفعت رأسك من السجود فقل بين السجدتين عشر مرات فإذا سجدت الثانية فقل عشر مرات فإذا رفعت رأسك من السجدة الثانية قلت عشر مرات وانت قاعد قبل ان تقوم فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة: ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات: الف ومأتا تسبيحة وتهليلة وتكبيرة وتحميدة. ان شئت صليتها بالنهار وان شئت صليتها بالليل). الثاني - ما رواه في الفقيه عن ابى حمزة الثمالى - في القوى وقيل في الصحيح كما عده العلامة - عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجعفر بن ابى طالب (ع) يا جعفر ألا أمنحك ألا اعطيك ألا احبوك ألا اعلمك صلاة إذا أنت صليتها لو كنت فررت من الزحف وكان عليك مثل رمل عالج وزبد البحر ذنوبا غفرت لك ؟ قال بلى يارسول الله صلى الله عليه وآله قال تصلى اربع ركعات إذا شئت ان شئت كل ليلة وان شئت كل يوم وان شئت فمن جمعة إلى جمعة وان شئت فمن شهر إلى شهر وان شئت فمن سنة إلى سنة تفتتح الصلاة ثم تكبر خمس عشرة مرة: تقول الله اكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ثم تقرأ الفاتحة وسورة وتركع وتقولهن في ركوعك عشر مرات ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولهن عشر مرات وتخر ساجدا وتقولهن عشر مرات في سجودك ثم ترفع رأسك من


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.

[ 498 ]

السجود فتقولهن عشر مرات ثم تخر ساجدا فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تنهض فتقولهن خمس عشرة مرة ثم تقرأ الفاتحة وسورة ثم تركع فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولهن عشر مرات ثم تخر ساجدا فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تسجد فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تتشهد وتسلم، ثم تقوم وتصلى ركعتين اخراوين تصنع فيهما مثل ذلك ثم تسلم. ثم قال أبو جعفر (ع) فذلك خمس وسبعون مرة في كل ركعة ثلاثمائة تسبيحة تكون ثلاثمائة مرة في الاربع الركعات: الف ومائتا تسبيحة يضاعفها الله تعالى ويكتب لك بها اثنى عشرة الف حسنة، الحسنة منها تكون مثل أحد واعظم). الثالث - ما رواه الشيخ عن صفوان عن بسطام في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال له رجل جعلت فداك ايلتزم الرجل اخاه ؟ فقال نعم ان رسول الله صلى الله عليه وآله يوم افتتح خيبر اتاه الخبر ان جعفرا قد قدم فقال والله ما أدرى بايهما أنا اشد سرورا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر، قال فلم يلبث ان جاء جعفر (ع) قال فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله فالتزمه وقبل ما بين عينيه، قال فقال له الرجل: الاربع ركعات التى بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر جعفرا ان يصليها ؟ فقال لما قدم عليه قال له يا جعفر ألا اعطيك ألا امنحك ألا احبوك ؟ قال فتشوف الناس ورأوا انه يعطيه ذهبا أو فضة قال بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله قال صل اربع ركعات متى ما صليتهن غفر الله لك ما بينهن، ان استطعت كل يوم وإلا فكل يومين أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة فانه يغفر لك ما بينهما. قال كيف اصليها ؟ قال تفتتح الصلاة ثم تقرأ ثم تقول خمس عشرة مرة وأنت قائم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر. فإذا ركعت قلت ذلك عشرا وإذا رفعت رأسك فعشرا وإذا سجدت فعشرا وإذا رفعت رأسك فعشرا وإذا سجدت الثانية فعشرا وإذا رفعت رأسك فعشرا،


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.

[ 499 ]

فذلك خمس وسبعون تكون ثلاثمائة في اربع ركعات فهن الف ومائتان. وتقرأ في كل ركعة بقل هو الله أحد وقل يا ايها الكافرون. الرابع - ما في الكافي والتهذيب: وفى رواية ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (ع) (1) (يقرأ في الاولى إذا زلزلت وفى الثانية والعاديات وفى الثالثة إذا جاء نصر الله وفى الرابعة بقل هو الله احد. قلت فما ثوابها ؟ قال لو كان عليه مثل رمل عالج ذنوبا غفر له. ثم نظر إلى فقال: انما ذلك لك ولاصحابك). الخامس - ما رواه في الكافي عن ذريح عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تصليها بالليل وتصليها بالنهار وتصليها في السفر بالليل والنهار، فان شئت فاجعلها من نوافلك). السادس - ما في الفقيه (3) قال: وفى رواية ابن المغيرة ان الصادق (ع) قال: اقرأ في صلاة جعفر بقل هو الله أحد وقل يا ايها الكافرون). السابع - ما رواه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (4) قال قال: (صل صلاة جعفر أي وقت شئت من ليل أو نهار، وان شئت حسبتها من نوافل الليل وان شئت حسبتها من نوافل النهار تحسب لك من نوافلك وتحسب لك من صلاة جعفر.) الثامن - ما رواه في التهذيب مسندا عن ابراهيم بن ابى البلاد (5) قال: (قلت لابي الحسن (ع) - وفى الفقيه مرسلا (6) عن ابراهيم عن ابى الحسن (ع) يعنى موسى بن جعفر - أي شئ لمن صلى صلاة جعفر ؟ قال لو كان عليه مثل رمل عالج وزبد البحر ذنوبا لغفرها الله له. ثم قال قلت هذه لنا ؟ قال فلمن هي إلا لكم خاصة. قال قلت فاى شئ اقرأ فيها قال وقلت اعترض القرآن ؟ قال لا إقرأ فيها إذا زلزلت الارض وإذا جاء نصر الله وانا انزلناه في ليلة القدر وقل هو الله أحد).


(1) و (3) و (5) و (6) الوسائل الباب 2 من صلاة جعفر. (2) و (4) الوسائل الباب 5 من صلاة جعفر.

[ 500 ]

التاسع - ما رواه في الكافي عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قلت له من صلى صلاة جعفر هل يكتب له من الاجر مثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجعفر ؟ قال أي والله) ورواه في الفقيه مرسلا (2). العاشر - ما رواه في التهذيب في الصحيح عن ذريح عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (ان شئت صل صلاة التسبيح بالليل وان شئت بالنهار وان شئت في السفر وان شئت جعلتها من نوافلك وان شئت جعلتها من قضاء صلاة). الحادى عشر - ما رواه في الكافي والتهذيب عن على بن سليمان (4) قال: (كتبت إلى الرجل (ع) اسأله ما تقول في صلاة التسبيح في المحل ؟ فكتب إذا كنت مسافرا فصل). الثامن عشر - ما رواه في التهذيب عن سعد عن عبد الله بن جعفر عن على بن الريان، وفى الفقيه عن على بن الريان (5) انه قال: (كتبت إلى الماضي الاخير (ع) اسأله عن رجل صلى صلاة جعفر ركعتين ثم تعجله عن الركعتين الاخيرتين حاجة أو يقطع ذلك بحادث يحدث أيجوز له أن يتمها إذا فرغ من حاجته وان قام عن مجلسه أم لا يحتسب بذلك إلا ان يستأنف الصلاة ويصلى الاربع ركعات كلها في مقام واحد ؟ فكتب: بلى ان قطعه عن ذلك أمر لابد منه فليقطع ثم ليرجع فليبن على ما بقى منها ان شاء الله تعالى. الثالث عشر - ما رواه في الكافي عن ابان (6) قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من كان مستعجلا يصلى صلاة جعفر مجردة ثم يقضى التسبيح وهو ذاهب في حوائجه).


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر (3) و (4) الوسائل الباب 5 من صلاة جعفر. (5) الوسائل الباب 6 من صلاة جعفر. (6) الوسائل الباب 8 من صلاة جعفر.

[ 501 ]

الرابع عشر - ما رواه في الفقيه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (1) قال (إذا كنت مستعجلا فصل صلاة جعفر مجردة ثم اقض التسبيح). الخامس عشر - ما رواه في الكافي عن الحسن بن محبوب رفعه (2) قال: (تقول في آخر سجدة من صلاة جعفر: يا من لبس العز والوقار يا من تعطف بالمجد وتكرم به يامن لا ينبغى التسبيح إلا له يا من احصى كل شئ علمه يا ذا النعمة والطول يا ذا المن والفضل يا ذا القدرة والكرم اسألك بمعاقد العز من عرشك وبمنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الاعظم الاعلى وكلماتك التامات ان تصلى على محمد وآل محمد وان تفعل بى كذا وكذا). السادس عشر - ما رواه الثقة الجليل احمد بن ابى طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (3) مما ورد عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه) إلى محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميرى في جواب مسائله حيث سأله عن صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود وذكر في حالة اخرى قد صار فيها من هذه الصلاة هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التى ذكره أم يتجاوز في صلاته ؟ التوقيع: إذا سها في حالة عن ذلك ثم ذكر في حالة اخرى قضى ما فاته في الحالة التى ذكره) ورواه الشيخ في كتاب الغيبة باسناده فيه (4). السابع عشر - ما رواه في الكتاب المذكور ايضا عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه) (5) (انه كتب إليه يسأله عن صلاة جعفر بن ابى طالب في أي وقت أفضل ان تصلى فيه ؟ وهل فيها قنوت ؟ وان كان كان ففى أي ركعة منها ؟ فأجاب أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة ثم في أي


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة جعفر (2) الوسائل الباب ب 3 من صلاة جعفر (3) و (4) الوسائل الباب 9 من صلاة جعفر (5) الوسائل الباب 4 من صلاة جعفر.

[ 502 ]

الايام شئت وأى وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز. والقنوت فيها مرتان في الثانية قبل الركوع وفى الرابعة بعد الركوع. وسألته عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز ان تصلى أم لا ؟ فأجاب يجوز ذلك). الثامن عشر - ما ذكره الرضا (ع) في كتاب الفقه الرضوي (1) قال: (عليك بصلاة جعفر بن ابى طالب فان فيها فضلا كثيرا، وقد روى أبو بصير عن ابى عبد الله (ع) انه من صلى صلاة جعفر كل يوم لا تكتب عليه السيئات وتكتب له بكل تسبيحة فيه حسنة وترفع له درجة في الجنة فان لم يطق كل يوم ففى كل جمعة فان لم يطق ففى كل شهر فان لم يطق ففى كل سنة فانك ان صليتها محى عنك ذنوبك ولو كانت مثل رمل عالج أو مثل زبد البحر، وصل أي وقت شئت من ليل أو نهار ما لم يكن في وقت فريضة، فإذا شئت حسبتها من نوافلك، وان كنت مستعجلا صليت مجردة ثم قضيت التسبيح. فإذا أردت أن تصلى فافتتح الصلاة بتكبيرة واحدة ثم اقرأ في أولها بفاتحة الكتاب والعاديات وفى الثانية إذا زلزلت وفى الثالثة إذا جاء نصر الله وفى الرابعة قل هو الله أحد وان شئت كلها بقل هو الله أحد، وان نسيت التسبيح في ركوعك أو سجودك أو في قيامك فاقض حيث ذكرت على أي حال تكون. تقول بعد القراءة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر خمس عشرة مرة وتقول في ركوعك عشر مرات وإذا استويت قائما عشر مرات وفى سجودك وبين السجدتين عشرا عشرا فإذا رفعت رأسك تقول عشرا قبل أن ننهض فذلك خمس وسبعون مرة، ثم تقوم في الثانية وتصنع مثل ذلك ثم تشهد وتسلم وقد مضى لك ركعتان، ثم تقوم وتصلى ركعتين اخريين على ما وصفت لك، فيكون التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير في أربع ركعات الف مرة ومائتي مرة. وتصلى بها متى شئت ومتى ما خف عليك فان في ذلك فضلا كثيرا. فإذا فرغت تدعو بهذا الدعاء... ثم ساق الدعاء.


(1) ص 15.

[ 503 ]

التاسع عشر - ما رواه الصدوق في كتاب عيون الاخبار عن رجاء بن ابى الضحاك (1) انه حكى في حديث له صلاة الرضا (ع) ونقل فيه انه كان يصلى في آخر الليل اربع ركعات بصلاة جعفر (ع) يسلم في كل ركعتين ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد التسبيح ويحتسب بها من صلاة الليل... الخبر. هذا ما حضرني من الروايات المتعلقة بهذه الصلاة. والكلام فيها يقع في مواضع: الاول - ان اكثر الاخبار المذكورة في المقام دلت على ان التسبيح حال القيام بعد القراءة وان صورته (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) وهو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ذهب إليه الشيخان وابن الجنيد وابن ادريس وابن ابى عقيل والمتأخرون، وقد دل الخبر الثاني على كونه قبل القراءة وانه الله اكبر إلى آخر ما هو مذكور في الخبر. وظاهر الصدوق في الفقيه العمل بالخبر المذكور في الموضعين حيث قال في الكتاب المذكور (2) بعد نقله الخبر المشار إليه: وقد روى ان التسبيح في صلاة جعفر بعد القراءة وان ترتيب التسبيح (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) فبأى الحديثين أخذ المصلى فهو مصيب وجائز له. انتهى. وظاهره الجمع بين الاخبار بالتخيير في الموضعين، وهو جيد إلا ان الاحوط والاولى العمل بالقول المشهور لتكاثر الاخبار بتأخير التسبيح عن القراءة وانه بالصورة المشهورة دون هذه الصورة التى نقلها في خبر الثمالى. الثاني - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في قراءتها فالمشهور انه يقرأ في الاولى بعد الحمد الزلزلة وفى الثانية والعاديات وفى الثالثة النصر وفى الرابعة التوحيد، وهو اختيار السيد المرتضى وابن الجنيد والصدوق وابى الصلاح وابن البراج وسلار، وقال ابن بابويه: يقرأ في الاولى والعاديات وفى الثانية الزلزلة وفى


(1) الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض رقم 24 (2) ج 1 ص 348 وفي الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.

[ 504 ]

الباقيتين كما تقدم، قال وان شئت صلها كلها بالتوحيد. وقال الصدوق في المقنع بالتوحيد في الجميع وعن ابن ابى عقيل في الاولى الزلزلة وفى الثانية النصر وفى الثالثة والعاديات وفى الرابعة قل هو الله أحد. اقول: والذى يدل على المشهور من الاخبار المتقدمة الخبر الرابع وما سيأتي ان شاء الله تعالى في خبر المفضل بن عمر عن ابى عبد الله (ع) (1) في نوافل شهر رمضان وفيه (تقرأ في صلاة جعفر في الركعة الاولى الحمد وإذا زلزلت وفى الثانية الحمد والعاديات وفى الثالثة الحمد وإذا جاء نصر الله وفى الرابعة الحمد وقل هو الله احد... الحديث) والذى يدل على ما ذهب إليه الشيخ على بن الحسين بن بابويه الخبر الثامن عشر كما هي قاعدته المطردة ومنه أخذ عبارته في هذا الموضع غيره. واما القولان الباقيان فلم نقف لهما على مستند والذى وردت به الاخبار هو ما عرفت من القول المشهور وقول على بن بابويه. وفى الخبر الثالث: يقرأ في كل ركعة بقل هو الله أحد وقل يا ايها الكافرون ونحوه في الخبر السادس، والظاهر انه على جهة التخيير بين هاتين السورتين أو قراءة احداهما في موضع والاخرى في آخر. وفى الخبر الثامن انه يقرأ فيها إذا زلزلت الارض وإذا جاء نصر الله وانا انزلناه وقل هو الله احد، والظاهر ان المراد الترتيب في هذه السور وان كان العطف بالواو لا يدل عليه إلا انه كثير الوقوع في الاخبار. والعمل بكل ما روى حسن ان شاء الله تعالى. الثالث - قال في الذكرى: وهى بتسليمتين على الاظهر ويظهر من الصدوق في المقنع انه يرى انها بتسليمة واحدة وهو نادر. انتهى. وتبعه في هذه المقالة جملة ممن تأخر عنه. اقول: صورة عبارة المقنع على ما نقله في البحار هكذا: تبدأ فتكبر ثم


(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.

[ 505 ]

تقرأ فإذا فرغت من القراءة فقل (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) خمس عشرة مرة فإذا ركعت قلتها عشرا فإذا رفعت رأسك من الركوع قلتها عشرا فإذا سجدت قلتها عشرا فإذا رفعت رأسك من السجود قلتها عشرا فإذا سجدت قلتها عشرا فإذا رفعت رأسك من السجود الثاني قلتها عشرا وأنت جالس قبل ان تقوم فذلك خمس وسبعون تسبيحة وتحميدة وتكبيرة وتهليلة في كل ركعة: ثلاثمائة في اربع ركعات فذلك الف وماتان، وتقرأ فيها قل هو الله احد وروى: اقرأ في الركعة الاولى من صلاة جعفر الحمد وإذا زلزلت وفى الثانية الحمد والعاديات وفى الثالثة الحمد وإذا جاء نصر الله وفى الرابعة الحمد وقل هو الله احد. انتهى وانت خبير بانه لا دلالة في هذه العبارة على ما ادعاه من ان الاربع بتسليمة واحدة، إذ الظاهر ان الغرض من سياق هذا الكلام انما هو بيان مواضع التسبيح وقدره كما يشير إليه قوله (فذلك خمس سبعون... إلى آخره) ومن ثم انه لم يتعرض لذكر الركعة الثانية ولا للتشهد ولا للقنوت، واما لما ذكرناه من أن الغرض من سياق الكلام انما هو ما ذكرناه أو من حيث ظهور ذلك فاكتفى بظهوره عن ذكره. ويؤيد ما قلناه ان سياق عبارته المذكورة وقعت على نحو عبارة الخبر الاول والثالث فان السياق في الجميع واحد، فان كانت عبارة المقنع بهذه الكيفية دالة على ما قاله فكذلك عبارة كل من الخبرين المذكورين تدل على ذلك. وبالجملة فان ما ذكره (قدس سره) وان تبعه فيه من تبعه لا يخلو من قصور تأمل في العبارة المذكورة. وبما ذكرنا من عدم ظهور ما ادعاه في الذكرى من هذه العبارة صرح شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار ايضا حيث قال بعد نقل عبارة المقنع التى قدمناها نقلا عنه وذكر كلام الذكرى - ما صورته: واقول لا دلالة في عبارة المقنع إلا من حيث انه لم يذكر التسليم ولعله احاله على الظهور كالتشهد والقنوت وغيرهما والعمل على المشهور. انتهى. إلا ان العلامة في المختلف قال: قال أبو جعفر بن بابويه (قدس سره) في

[ 506 ]

كتاب المقنع: وروى انه بتسليمتين. وهو يشعر انه يقول بانها بتسليمة واحدة والمشهور الاول. انتهى. وعلى هذا فالظاهر ان كلام شيخنا في الذكرى انما ابتنى على هذا الكلام الذى نقله في المختلف إلا ان شيخنا المجلسي كما عرفت انما عزاه إلى العبارة التى نقلها عنه في البحار. وبالجملة فان كتاب المقنع لا يحضرني الان ليمكن معرفة صحة أحد النقلين وفساد الاخر في البين. الرابع - المشهور انه يستحب العشر بعد السجدة الثانية من الركعة الاولى قبل القيام إلى الثانية وكذا من الركعة الثالثة قبل القيام إلى الرابعة، وذهب إليه الشيخان والمرتضى وابن بابويه وابو الصلاح وابن البراج وسلار وغيرهم. وقال ابن ابى عقيل: ثم يرفع رأسه من السجود وينهض قائما ويقول ذلك عشرا ثم يقرأ. ولم نقف له على دليل لان ما قدمناه من الاخبار ما بين صريح الدلالة وظاهرها على القول الشهور، ففى الرواية الاولى فإذا رفعت رأسك من السجدة الثانية قلت عشر مرات وانت قاعد قبل أن تقوم وفى الرواية الثانية (ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تنهض فتقولهن خمس عشرة مرة) وهاتان الروايتان صريحتان كما ترى في المدعى، وفى الرواية الثالثة (وإذا رفعت رأسك فعشرا فذلك خمس وسبعون) وهى ظاهرة لانه رتب ذلك على رفع الرأس ولم يذكر النهوض، وفى الرواية الثامنة عشرة (فإذا رفعت رأسك تقول عشرا قبل إن تنهض وهى صريحة في المدعى كما ترى. ولعله وصل إليه في ذلك ما لم يصل الينا حيث انه من قدماء الاصحاب. الخامس - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز احتسابها من النوافل الراتبة الليلية والنهارية، صرح به الشيخ على بن بابويه وابن ابى عقيل وغيرهما. وقال ابن الجنيد: ولا احب احتسابها من شئ من التطوع الموظف

[ 507 ]

عليه ولو فعل وجعلها قضاء للنوافل اجزأه. وانت خبير بان جملة من الاخبار المتقدمة ظاهرة في الدلالة على القول المشهور كالخبر الخامس والسابع والعاشر والثامن عشر والتاسع عشر، وقد تضمن الخبر العاشر جواز جعلها قضاء للنوافل وهو الذى رخصه ابن الجنيد، وحينئذ فلا وجه لمنع ابن الجنيد من احتسابها من النوافل اداء. وحمله على الغفة عن هذه الاخبار وعدم اطلاعه عليها بعيد، وعلى الاطلاع عليها والقول بخلافها ابعد. وقال في الذكرى: ويظهر من بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز جعلها من الفرائض ايضا إذ ليس فيه تغيير فاحش. اقول: ربما أشعر نقله (قدس سره) للقول المذكور وعدم تعرضه لرده اختياره القول بجوازه، واليه يميل كلام بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين، وهو محل اشكال وأى تغيير افحش مما عليه هذه الصلاة بالنسبة إلى غيرها من الصلوات الخالية من هذه الاذكار. وبالجملة فان العبادات توقيفية فإذا كان المرسوم عن صاحب الشرع هو ايقاع الفريضة على النحو الذى وردت عنه صلى الله عليه وآله فتغييرها إلى كيفية اخرى - ولو بزيادة اذكار وادعية وتسبيحات خارجة من الموظف فيها سيما مع كثرته وتفاحشه كما في هذه الصلاة - يتوقف على الدليل. ويعضد ما قلناه عدم حصول يقين البراءة إلا بما ذكرناه. ويعضده ايضا المقابلة بالنوافل الحاضرة فان قوله في الخبر المذكور (وان شئت جعلتها من نوافلك) أي الحاضرة المؤداة فيكون قوله وان شئت جعلتها من قضاء صلاة يعنى قضاء النوافل وحاصله التخيير بين جعلها من النوافل المؤداة والمقضية. والله العالم. السادس - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان فيها قنوتين في الثانية من الركعتين الاولتين والثانية من الركعتين الاخيرتين وانه بعد القراءة وقبل الركوع فيهما، ويدل على ذلك صريحا الخبر التاسع عشر مضافا إلى

[ 508 ]

الاخبار العامة في قنوت سائر الصلوات (1). والمستفاد من الخبر السابع عشر ان قنوت الركعتين الاولتين قبل الركوع وقنوت الركعتين الاخيرتين بعد الركوع، ولم اقف على من تنبه له من الاصحاب، ولعله من حيث عدم رواية الخبر في كتب الحديث الاربعة التى مدار استدلالهم عليها ورجوعهم إليها. وبالجملة فان الاظهر هو ما دلت عليه الاخبار العامة وخصوص الخبر التاسع عشر، وهذا الخبر مرجوع إلى قائله (ع). السابع - قد اشتملت جملة من الاخبار المتقدمة على احكام عديدة لذوى الاعذار في هذه الصلاة: أحدها - ما اشتمل عليه الخبر الثالث عشر والرابع عشر من جواز الصلاة مجردة عن التسبيح إذا اعجلت به حاجة ثم يقضى التسبيح وهو ذاهب. وثانيها - ما اشتمل عليه الخبر الثاني عشر من انه لو صلى منها ركعتين ثم اعجلته الحاجة أو احدث حدثا فانه يبنى على ما صلى اولا بعد زوال العارض ويتم بالركعتين الباقيتين، والاحوط ان يفرق فيها إلا لعذر وقوفا على ظاهر الخبر وان كان الظاهر الجواز مطلقا. وثالثها - ما دل عليه الخبر السادس عشر من انه إذا سهاعن التسبيحات في بعض احوال هذه الصلاة قضاها في الحال التى يذكرها فيها، فان كان يفوته سهوا في حال القيام ثم يذكره في حال الركوع أو سجود فانه يقضى ما فاته كلا إو بعضا في تلك الحال. الثامن - قد تكرر في الاخبار المتقدمة ان وقتها أي وقت شاء من ليل أو نهار وانها جائزة سفرا وحضرا، إلا ان الخبر السابع عشر قد صرح بان أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، ويحتمل أن يكون بعده في الفضل جعلها من نوافل الليل كما يشعر به الخبر التاسع عشر من مداومة الرضا (ع) على جعلها منها كما ينبئ عنه لفظ (كان).


(1) الوسائل الباب 3 من القنوت.

[ 509 ]

فائدة قال في الذكرى: زعم بعض متعصبي العامة ان الخطاب بهذه الصلاة وتعليمها كان للعباس عم النبي صلى الله عليه وآله ورواه الترمذي (1) ورواية اهل البيت (عليهم السلام) اوفق إذ اهل البيت أعلم بما في البيت، على انه يمكن أن يكون قد خاطبهما بذلك في وقتين ولا استبعاد فيه. انتهى. اقول - بل الظاهر ان هذا الخبر انما هو من مخترعات الاموية بغضا لعلى (ع) ومن يمت به ولا سيما اخيه المذكور، ونسبوه للعباس ليكون أدخل في العقول وتلقيه بالقبول. وقد ذكرنا في كتاب سلاسل الحديد بحثا رشيقا في اختراعهم الاحاديث الكاذبة في زمان معاوية تقربا إليه. والله العالم. المطلب الثالث في نافلة شهر رمضان والكلام فيها يقع في مقامين: الاول - استحباب هذه النافلة مذهب اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل نقل عن سلار دعوى الاجماع عليه. ونقل في المعتبر قال وقال بعض اصحاب الحديث منا لم يشرع في شهر رمضان زيادة نافلة عن غيره، وذكر بعض الاصحاب ان على بن بابويه وابن ابى عقيل لم يتعرضا لها بنفى ولا اثبات وان الصدوق وقال لا نافلة فيه زيادة على غيره. ورد هذا النقل عن الصدوق جمع من محققى متأخرى المتأخرين بان كلامه في الفقيه لا يدل على نفى المشروعية بل الظاهر انه انما ينفى تأكد الاستحباب لصراحته بانه لا يرى بأسا بالعمل بما ورد فيها من الاخبار، ولهذا قال في المدارك: والظاهر انه لا خلاف في جواز الفعل وانما الكلام في التوظيف. اقول: صورة ما ذكره الصدوق في الكتاب المذكور انه قال - في باب


(1) سنن الترمذي مع شرحه لابن العربي ج 2 ص 267. وقد ضعف السيوطي في اللئالئ المصنوعة ج 2 ص 21 احاديث هذه الحبوة في العباس.

[ 510 ]

الصلاة في شهر رمضان من كتاب الصوم بعد ذكره الاخبار الاتية الدالة على عدم الزيادة في شهر رمضان - ما لفظه: وممن روى الزيادة في التطوع في شهر رمضان زرعة عن سماعة وهما واقفيان، قال سألته.. وساق الحديث الدال على ذلك (1) ثم قال قال مصنف هذا الكتاب (رحمة الله) انما أوردت هذا الخبر في هذا الباب مع عدولى عنه وتركي لاستعماله ليعلم الناظر في كتابي هذا كيف يروى ومن رواه وليعلم من اعتقادي فيه انى لا ارى بأسا باستعماله. انتهى والظاهر ان مرجعه إلى ما ذكروه من عدم تأكد الاستحباب. واما قوله في المدارك - انه لا خلاف في جواز الفعل وانما الكلام في التوظيف - فلا يخلو من الاشكال الظاهر، وذلك لان الجواز هنا لا معنى له فانها عبادة فان ثبت شرعيتها وتوظيفها ترتب عليه الاستحباب وإلا كانت محرمة وغير مشروعة، الا ترى ان صلاة الضحى لما لم تثبت شرعيتها صرحت الاخبار ببدعيتها وتحريمها (2) وليست من الامور المباحة التى تتصف بالجواز. ثم ان مما يدل على عدم توظيف هذه النافلة ما رواه الصدوق عن عبد الله بن سنان بسندين صحيحين ورواه الشيخ عنه ايضا بسند صحيح (3) (انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في شهر رمضان فقال ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتان قبل صلاة الفجر، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلى ولو كان فضلا لكان رسول الله صلى الله عليه وآله اعمل به وأحق). وما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي والشيخ عنه ايضا في الصحيح (4) بتفاوت ما في المتن قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الصلاة في شهر رمضان فقال ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الصبح قبل الفجر، كذلك كان رسول الله


(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان. (2) الوسائل الباب 31 من اعداد الفرائض ونوافلها (3) و (4) الوسائل الباب 9 من نافلة شهر رمضان.

[ 511 ]

صلى الله عليه وآله يصلى وانا كذلك اصلى ولو كان خيرا لم يتركه رسول الله صلى الله عليه وآله. وما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم (1) باسناد لا يبعد الحاقه بالموثقات قال: (سمعت ابا عبد الله (ع) يقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى العشاء الاخرة آوى إلى فراشه لا يصلى شيئا إلا بعد انتصاف الليل لا في شهر رمضان ولا في غيره). ونقل المحقق في المعتبر (2) الاحتجاج للنافين بما رواه الاصحاب عن محمد ابن مسلم قال: (سمعت ابراهيم بن هشام (3) يقول هذا شهر رمضان فرض الله صيامه وسن رسول الله صلى الله عليه وآله قيامه. فذكرت ذلك لابي جعفر (ع) فقال كذب ابن هشام كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلى بالليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتان قبل الفجر في شهر رمضان وغيره). واما الاخبار الدالة على استحباب هذه الصلاة فهى كثيرة جدا تفصيلا واجمالا. ومن الثاني ما رواه الشيخ في الموثق - وعده في المنتهى في الصحيح - عن ابى بصير (4) (انه سأل ابا عبد الله (ع) أيزيد الرجل الصلاة في رمضان ؟ قال نعم ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد زاد في رمضان في الصلاة). ونحوها صحيحة البقبان وعبيد بن زرارة عنه (ع) (5) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يزيد في صلاته في شهر رمضان: إذا صلى العتمة صلى بعدها فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم ثم يخرج ايضا فيجيئون ويقومون خلفه فيدخل ويدعهم (مرارا)


(1) الوسائل الباب 9 من نافلة شهر رمضان. (2) ص 225. (3) لم يذكره الذهبي في ميزان الاعتدال وابن حجر في تهذيب التهذيب والبخاري في التاريخ الكبير وابن ابي حاتم الرازي في الجرح والتعديل. نعم في لسان الميزان ج 1 ص 122 وميزان الاعتدال ج 1 ص 34 ابراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني مات سنة 238. فلا ينطبق على المذكور في هذه الرواية. (4) و (5) الوسائل الباب 2 من نافلة شهر رمضان.

[ 512 ]

قال وقال لا تصل بعد العتمة في غير شهر رمضان وبهذا النحو رواية جابر ورواية محمد بن يحيى ورواية ابى خديجة (1). ومن الاول رواية المفضل بن عمر عن ابى عبد الله (ع) (2) انه قال: (يصلى في شهر رمضان زيادة الف ركعة. قال قلت ومن يقدر على ذلك ؟ قال ليس حيث تذهب إليس يصلى في شهر رمضان زيادة الف ركعة: في تسع عشرة منه في كل ليلة عشرين ركعة وفى ليلة تسع عشرة منه مائة ركعة وفى ليلة احدى وعشرين مائة ركعة وفى ليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة ويصلى في ثمان ليال منه في العشر الاواخر ثلاثين ركعة ؟ فهذه تسعمائة وعشرون ركعة. قال: قلت جعلني الله فداك فرجت عنى لقد كان ضاق بى الامر فلما ان اتيت لى بالتفسير فرجت عنى فكيف تمام الالف ركعة ؟ قال تصلى في كل جمعة في شهر رمضان اربع ركعات لامير المؤمنين (ع) وتصلى ركعتين لابنة محمد صلى الله عليه وآله وتصلى بعد الركعتين اربع ركعات لجعفر الطيار (ع) وتصلى في ليلة في العشر الاواخر لامير المؤمنين (ع) عشرين ركعة وتصلى في عشية الجمعة ليلة السبت عشرين ركعة لابنة محمد صلى الله عليه وآله. ثم قال اسمع وعه وعلم ثقات اخوانك هذه الاربع والركعتين فانهما افضل الصلوات بعد الفرائض... إلى آخرها) إلى غير ذلك من الاخبار التى يضيق عن نشرها المقام. والشيخ بعد ذكر الاخبار المتقدمة عدا خبر المعتبر قال: فالوجه في هذه الاخبار وما جرى مجراها انه لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يصلى صلاة النافلة جماعة في شهر رمضان ولو كان فيه خير لما تركه صلى الله عليه وآله ولم يرد انه لا يجوز ان يصلى على الانفراد. واحتج على هذا التأويل بما رواه عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل في الصحيح (3) قالوا: (سألناهما عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة ؟


(1) الوسائل الباب 2 من نافلة شهر رمضان. (2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان (3) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.

[ 513 ]

فقالا ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى العشاء الاخرة انصرف إلى منزله ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلى، فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلى كما كان يصلى فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله واثنى عليه ثم قال: ايها الناس ان الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة وصلاة الضحى بدعة ألا فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلوا صلاة الضحى فان ذلك معصية، ألا وان كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار. ثم نزل وهو يقول قيل في سنة خير من كثير في بدعة) ألا ترى انه لما انكر الصلاة في شهر رمضان انكر الجماعة فيها ولم ينكر نفس الصلاة ولو كان نفس الصلاة منكرا مبتدعا لا نكره كما انكر الجماعة فيها. ورد هذا التأويل جملة من افاضل متأخرى المتأخرين بالبعد وهو كذلك. وفيه ايضا ان الرواية التى أوردها موردها انما هو الجماعة في صلاة الليل لا في الصلاة التى هي محل البحث حتى يتم قوله (انكر الجماعة فيها ولم ينكر الصلاة) فان الصلاة التى اجتمعوا خلفه فيها انما هي صلاة الليل كما هو ظاهر سياق الخبر، وحينئذ فلا حجة في ما أورده كما لا يخفى. والعلامة في المختلف قد أجاب عن صحيحة عبد الله بن سنان بجواز ان يكون السؤال وقع عن النوافل الراتبة هل تزيد في شهر رمضان أو لا ؟ فأجاب (ع) بعدم الزيادة، فانه نقل عن ابن الجنيد انه قال: وقد روى عن أهل البيت (عليهم السلام) زيادة في صلاة الليل على ما كان يصليها الانسان في غيره اربع ركعات تتمة اثنتى عشرة ركعة. وهذا التأويل ايضا لا يخلو من بعد وان كان أقل من الاول. وقال المحدث الكاشانى (طاب ثراه) في الوافى بعد نقل اخبار الطرفين: اقول من حاول أن لا يبعد في التأويل كثيرا ولا يرد احد الحديثين فالصواب ان يحمل حديث الاثبات على التقية (1) أو حديث النفى كونها سنة موقوفة


(1) ارجع إلى التعليقة 2 ص 514.

[ 514 ]

موظفة لا ينبغى تركها كالرواتب اليومية بل ان كانت فهى من التطوعات التى من احبها وقوى عليها فعلها كما يشعر به حديث سماعة وغيره. وهو وان كان بعيدا ايضا إلا انه أقل بعدا مما تقدم، وجه البعد أما بالنسبة إلى اخبار القول المشهور فان تكاثرها واستفاضتها - بل ربما يدعى تواترها معنى اجمالا وتفصيلا كما لا يخفى على من راجعها - يبعد خروجها كملا مخرج التقية سيما مع اقترانها بفتوى الطائفة قديما وحديثا إلا الشاذ. وأما بالنسبة إلى حمل اخبار القول بنفيها على نفى التأكيد ففيه ان الاخبار قد تصادمت في فعل النبي صلى الله عليه وآله لها وعدمه، فهذه الاخبار ظاهرا ان النبي صلى الله عليه وآله لم يفعل ذلك مدة حياته وتلك الاخبار قد تكاثرت وتعاضدت بانه كان يصليها، ولا معنى هنا للجمع بالتأكيد وعدمه بل ليس إلا الترجيح لاخبار أحد الطرفين ورمى الاخر من البين. وبالجملة فان المسألة من مشكلات المسائل واليه يميل كلام صاحب المدارك وان كان قد قوى بعد ذلك القول المشهور بما ذكره من الوجوه. وبعض المحققين من متأخرى المتأخرين القائلين بالقول المشهور حمل الاخبار الدالة على نفى هذه النافلة على التقية، قال لانها موافقة لبعض ما روته العامة كما في صحيح البخاري (1) (انه قيل لعائشة كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر رمضان ؟ فقالت ما كان يزيد في شهر رمضان ولا في غيره على احدى عشرة ركعة يصلى اربع ركعات ثم يصلى أربعا ثم يصلى ثلاثا قال ولهذا جعل ابن طاووس من جملة محامل هذه الاخبار التقية متأيدا بما تقدم في رواية ابن مطهر من تكذيب الراوى والدعاء عليه، وربما يؤيده ايضا ما مر سابقا من حديث جابر، واما تلك الاخبار فهى مع كثرتها ليست بهذه المثابة لان العامة انما يقولون بالتراويح وهى عند اكثرهم كما ذكرنا سابقا ستمائة ركعة في كل ليلة عشرون ركعة بعد العشاء وعند مالك في كل ليلة ست وثلاثون ركعة بعد العشاء ايضا (2) وكلاهما مخالفان لما


(1) ج 1 ص 175 باب القيام بالليل في رمضان وغيره. (2) المغني ج 2 ص 167 وعمدة القارئ ج 3 ص 598.

[ 515 ]

ذكر في تلك الاخبار، مع ان في مفصلات تلك الاخبار ذكرت اشياء مباينة لمذاهب العامة كما هو واضح على من تأمل فيها فلا يناسب حملها على التقية، ومن احتمل ذلك فيها لم يلاحظها حق ملاحظتها. انتهى. واشار برواية ابن مطهر إلى ما رواه الشيخ عن احمد بن محمد بن مطهر (1) قال (كتبت إلى ابى محمد (ع) ان رجلا روى عن ابائك (عليهم السلام) ان رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان يزيد من الصلاة في شهر رمضان على ما كان يصليه في سائر الايام ؟ فوقع كذب فض الله فاه صلى في كل ليلة من شهر رمضان عشرين ركعة إلى عشرين من الشهر... الحديث) وسيأتى تمامه ان شاء الله تعالى، وقد روى الكليني هذا الخبر ايضا (2) بهذا اللفظ في تكذيب الراوى ومتنه أبسط. إلا ان ما دل عليه هذا الخبر معارض بمثله مما تقدم نقله (3) عن المحقق في المعتبر من تكذيب ابى جعفر (ع) لمن نقل عن النبي صلى الله عليه وآله انه سن هذه الصلاة ثم ذكر (ع) انه صلى الله عليه وآله انما كان يصلى الليل خاصة. وبذلك يظهر لك قوة الاشكال الذى اشرنا إليه آنفا. وأما حديث جابر الذى اشار إليه فهو ما رواه عن ابى عبد الله (ع) (4) انه قال له: (ان اصحابنا هؤلاء ابوا ان يزيدوا في صلاتهم في شهر رمضان وقد زاد رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاته في شهر رمضان اقول: لا يبعد ان حصول المخالفة من اصحابه (ع) يومئذ انما كان لعدم ثبوت المشروعية عندهم، ويحمل كلامه (ع) في قوله (وقد زاد رسول الله صلى الله عليه وآله على الخروج مخرج التقية في النقل وإلا فلا معنى لكونهم اصحابه (ع) مع عدم علمهم بقوله (ع). ومن المحتمل قريبا في خبر احمد بن محمد بن مطهر الحمل على ما ذكرنا من أن تكذيب الراوى والدعاء عليه انما وقع تقية لاظهار


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان. (3) ص 511. (4) الوسائل الباب 2 من نافلة شهر رمضان.

[ 516 ]

ذلك الرجل ما هو مأمور باظهار خلافه. وبالجملة فذيل الكلام واسع في المقام وباب الاحتمال غير منغلق كما لا يخفى على ذوى الافهام، والامر هنا باعتبار تعارض الاخبار متردد بين الاستحباب والتحريم وطريق الاحتياط في مثله الترك لذلك، إلا انه يشكل بشهرة عمل الاصحاب باخبار الاستحباب. والله العالم. المقام الثاني - في كيفية هذه الصلاة وقد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) لها صورتين (الاولى) - ان يصلى في عشرين ليلة من الشهر كل ليلة عشرين ركعة ثمان منها بعد المغرب واثنتا عشرة بعد العشاء الاخرة، هذا هو المشهور بين الاصحاب وخير الشيخ في النهاية بين ذلك وبين جعل اثنتى عشرة ركعة بين العشاءين وثمان بعد العشاء، واختاره المحقق في المعتبر. ويدل على القول المشهور رواية ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (1) وفيها (فصل يا أبا محمد زيادة في رمضان فقال كم جعلت فداك ؟ فقال في عشرين ليلة تمضى في كل ليلة عشرين ركعة ثمانى ركعات قبل العتمة واثنتي عشرة ركعة بعدها سوى ما كنت تصلى قبل ذلك... الحديث). وفى رواية محمد بن احمد بن مطهر المروية في الكافي عن ابى محمد (ع) (2) (صل في شهر رمضان في عشرين ليلة في كل ليلة عشرين ركعة ثمانى بعد المغرب واثنتي عشرة بعد العشاء الاخرة). وفى رواية مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله... إلى ان قال منذ اول ليلة إلى تمام عشرين ليلة في كل ليلة عشرين ركعة ثمانى ركعات منها بعد المغرب واثنتي عشرة بعد العشاء الاخرة... الحديث). وفى رواية ابى بصير الاخرى عن ابى عبد الله (ع) (4) (صل في العشرين من شهر رمضان ثمانيا بعد المغرب واثنتي عشرة ركعة بعد العتمة) ونحو ذلك في رواية


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.

[ 517 ]

محمد بن سليمان عن عدة من الاصحاب (1) ورواية الحسن بن على عن ابيه (2). والذى يدل على عكس ذلك موثقة سماعة (3) قال: (سألته عن رمضان.. إلى ان قال: كان يصلى قبل ذلك من هذه العشرين اثنتى عشرة ركعة بين المغرب والعتمة وثماني ركعات بعد العتمة... الحديث). واصحاب القول الثاني قالوا بالتخيير جمعا بين الاخبار الاولة وبين هذه الموثقة والاظهر العمل بالاخبار الكثيرة لترجحها بالكثرة وقول جمهور الاصحاب بها واحتمال حمل الموثقة المذكورة على وجه آخر غير التخيير. هذا بالنسبة إلى ما يفعل في العشرين ليلة. واما ما يصلى في العشر الباقية فهى ثلاثون ركعة في كل ليلة وقد اختلف هنا في تقسيم هذه الثلاثين، فالمشهور انه يصلى منها ثمان بعد المغرب والباقى بعد العشاء الاخرة، صرح به العلامة في المنتهى، ونقل عن ابى الصلاح وابن البراج انه يصلى اثنتى عشرة ركعة بعد المغرب والباقى بعد العشاء الاخرة، وخير المحقق بين الصورتين والذى يدل على الاول وهو المشهور قول الصادق (ع) في رواية ابى بصير وهى الاول من روايتيه المتقدمتين (4) (فإذا دخل العشر الاواخر فصل ثلاثين ركعة في كل ليلة ثمانى ركعات قبل العتمة واثنتين وعشرين ركعة بعدها... الخبر). وقول ابى جعفر (ع) في خبر الحسن بن على عن ابيه (وفى العشر الاواخر ثمانى ركعات بين المغرب والعتمة واثنتين وعشرين ركعات بعد العتمة). وقول ابى الحسن (ع) في رواية محمد بن سليمان عن عدة من اصحابنا (6) (فلما كان في ليلة اثنتين وعشرين زاد في صلاته فصلى ثمانى ركعات بعد المغرب واثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الاخرة. وأما ما يدل على القول الثاني فمنه قول ابى محمد (ع) في رواية محمد بن احمد


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان. (4) ص 516.

[ 518 ]

ابن مطهر في الكافي (1) (وصل فيها ثلاثين ركعة اثنتى عشرة بعد المغرب وثماني عشرة بعد العشاء الاخرة). وقول ابى عبد الله (ع) في رواية مسعدة (2) (ويصلى في العشر الاواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة اثنتى عشرة منها بعد المغرب وثماني عشرة بعد العشاء الاخرة ومن هنا جمع المحقق بين هذه الاخبار بالتخيير. والحاصل مما ذكرناه سبعمائة ركعة. ثم انه يصلى ثلاثمائة ركعة تمام الالف منها مائة ركعة في الليلة التاسعة عشرة ومائة في ليلة احدى وعشرين ومائة في ليلة ثلاث وعشرين. هذه احدى الصورتين المشار اليهما آنفا، ونسب القول بهذه الصورة في الذكرى إلى طائفة من اصحابنا وفى المنتهى إلى اكثر الاصحاب. والصورة الثانية نسبها في الذكرى إلى اكثر الاصحاب، وعلى هذه الصورة رتب الشيخ الدعوات المختصة بالركعات في المصباح وهى انه يقتصر في ليالى الافراد على المائة في كل ليلة منها، وعلى هذه فتبقى عليه ثمانون ركعة وظائف هذه الثلاث على تقدير الصورة الاولى، قالوا ويفرقها على الشهر بهذه الكيفية: يصلى في كل جمعة عشر ركعات اربعا منه بصلاة على (ع) وركعتين بصلاة فاطمة (عليها السلام) واربعا بصلاة جعفر (رضوان الله عليه) وفى ليلة آخر جمعة من الشهر يصلى عشرين ركعة بصلاة على (ع) وفى عشيتها ليلة السبت عشرين بصلاة فاطمة (عليها السلام) والمستند في هذه الصورة رواية المفضل بن عمر المتقدمة (3). إذا عرفت ذلك فاعلم انا لم نقف في الروايات الواردة في هذا الباب على ما يقتضى هذه الكيفية على التفصيل الذى ذكره الاصحاب لمزيد اختلافها وعدم ائتلافها إلا انه يمكن حصول ذلك من مجموعها باعتبار ضم بعضها إلى بعض. قال الشهيد في الذكرى: والمشهور انها الف ركعة زيادة على الراتبة رواه


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان. (3) ص 512.

[ 519 ]

جميل بن صالح عن الصادق (ع) (1) وعلى بن ابى حمزة ايضا (2) واسحاق بن عمار عن ابى الحسن (ع) وسماعة بن مهران عن الصادق (ع) (3). وربما اشعر هذا الكلام بان هؤلاء قد رووا الالف على الوجه الذى ذكره الاصحاب مع ان الامر ليس كذلك، فان رواية جميل بن صالح انما تضمنت استحباب الاكثار من الصلاة في شهر رمضان وغيره في اليوم والليلة وان عليا (ع) كان يصلى الف ركعة في اليوم والليلة، ورواية على بن ابى حمزة (4) عارية عن زيادة المئات في ليالى الافراد، ورواية اسحاق بن عمار انما تضمنت ذكر المئات خاصة في ليالى الافراد (5) وروايتا ابن مطهر المنقولتان في الكافي والتهذيب (6) تضمنتا اسقاط المائة من ليلة تسع عشرة، وفى موثقة لسماعة (7) صلاة مائة ركعة لكل من ليلتى تسع عشرة وثلاث وعشرين ولم يتعرض لزيادة على ذلك، ورواية مسعدة مثل روايتي ابن مطهر في ذكر جملة النوافل الموظفة كما ذكره الاصحاب إلا انه اسقط مائة ركعة من ليلة تسع عشرة، ومثل ذلك ايضا موثقة اخرى لسماعة (8) وفى رواية لابي بصير ايضا ذكر العشرين ركعة إلى تمام عشرين يوما من الشهر ومائة ركعة في الليلة التى يرجى فيها ما يرجى ولم يذكر فيها سوى ذلك، وفى رواية محمد بن سليمان عن العدة اسقاط وظيفة ليلة تسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث وعشرين من العدد المتقدم ذكره والاقتصار في كل منها على مائة ركعة، وبموجبه قد نقص من الالف ثمانون ركعة ولم يتعرض لها كما تعرض لها في خبر المفضل المتقدم. واما رواية المفضل المذكورة (9)


(1) الوسائل الباب 5 من نافلة شهر رمضان. (2) و (3) و (4) و (8) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان. (5) ان كان المراد من رواية اسحاق رواية محمد بن سليمان عن العدة ومنهم اسحاق ابن عمار وسماعة فسيأتي التعرض منه (قدس سره) لها بعد اسطر وان كان غيرها فلم نقف عليها في كتب الحديث. (7) الوسائل الباب 1 من نافلة شهر رمضان وليس فيها تسع عشرة وانما جاء فيها ليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين. (9) ص 512.

[ 520 ]

فانها ظاهرة في الصورة الثانية كما قدمنا ذكره إلا انها مجملة في تقسيم العشرين والثلاثين وقد عرفت الخلاف في الموضعين نصا وفتوى. هذا مجمل الكلام في روايات المسألة وما اشتملت عليه، وبه يظهر ما ذكرناه من عدم وجود المستند لما ذكره الاصحاب من الكيفية في الصورة الاولى، واما الثانية فليس في مستندها إلا الاجمال الذى ذكرناه وإلا فالعدد تام كما لا يخفى. قال السيد الزاهد العابد المجاهد رضى الدين بن طاووس (عطر الله مرقده) في كتاب الاقبال نقلا عن الرسالة الغرية للشيخ المفيد (طيب الله مضجعه) قال يصلى في العشرين ليلة كل ليلة عشرين ركعة ثمانى بين العشاءين واثنتي عشرة بعد العشاء الاخرة ويصلى في العشر الاواخر كل ليلة ثلاثين ركعة ويضيف إلى هذا الترتيب في ليلة تسع عشرة وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين كل ليلة مائة ركعة وذلك تمام الالف ركعة، قال: وهى رواية محمد بن ابى قرة في كتاب عمل شهر رمضان في ما اسنده عن على بن مهزيار عن مولانا الجواد (ع) (1). وظاهر هذا الكلام كما ترى ورود الخبر بهذه الكيفية. ونحو ذلك ما ذكره شيخنا المفيد (روح الله تعالى روحه) في كتاب مسار الشيعة (2) قال: (أول ليلة من شهر رمضان فيها الابتداء بصلاة نوافل شهر رمضان وهى الف ركعة من أول الشهر إلى آخره بترتيب معروف في الاصول عن الصادقين (عليهم السلام)... إلى آخره. فوائد الاولى - المشهور ان الوتيرة تصلى بعد وظيفة العشاء من تلك النوافل لتكون خاتمة النوافل، ونقل عن سلار انها مقدمة على الوظيفة المذكورة، وقد تقدم في آخر المسألة الثانية من المقصد الثاني في مواقيت الرواتب من المقدمة الثالثة في المواقيت من كتاب الصلاة (3) نبذة من الكلام في هذا المقام.


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان. (3) ج 6 ص 223.

[ 521 ]

ويدل على ما ذكره سلار هنا قوله (ع) في رواية محمد بن سليمان عن عدة من اصحابنا (1) (فلما صلى العشاء الاخرة وصلى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد العشاء الاخرة وهو جالس في كل ليلة قام فصلى اثنتى عشرة ركعة... إلى ان قال في الخبر المذكور: فلما اقام بلال لصلاة العشاء الاخرة خرج النبي صلى الله عليه وآله فصلى بالناس فلما انفتل صلى الركعتين وهو جالس كما كان يصلى في كل ليلة ثم قام فصلى مائة ركعة). أقول: وهذا الخبر قد جاء على خلاف ما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) من جعل الوتيرة خاتمة صلاته في تلك الليلة كما انه اشتمل على خلاف مادلت عليه الاخبار الكثيرة - كما قدمنا ذكره في المقدمة الثانية من مقدمات كتاب الصلاة - من انه صلى الله عليه وآله ما كان يصلى الوتيرة معللا في بعضها بانه يعلم انه يعود ولا يموت في تلك الليلة مع دلالة ظاهر هذا الخبر على المداومة عليها. وبالجملة فهو لا يخلو من الاشكال في الموضعين المذكورين. والله سبحانه وقائله أعلم. وقال في الذكرى: وأما الوتيرة فالمشهور انها تفعل بعد وظيفة العشاء لتكون خاتمة النوافل، وقال سلار بل الوتيرة مقدمة على الوظيفة وهى في رواية محمد بن سليمان عن الرضا (ع) والظاهر ايضا جواز الامرين. انتهى. الثانية - لاريب ان الجماعة في هذه النافلة محرمة عند اصحابنا (رضوان الله عليهم) وقد تكاثرت به اخبارهم (عليهم السلام): ومنها - ما رواه في التهذيب والفقيه عن زرارة ومحمد بن مسلم الفضيل عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالوا (سألناهما عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا ان النبي صلى الله عليه وآله... الحديث) وقد تقدم في المقام الاول (3) إلا ان مورد الخبر كما ذكرناه ثمة انما هو الجماعة في صلاة الليل.


(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان (2) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان (3) ص 512.

[ 522 ]

وما رواه في الكافي (1) عن سليم بن قيس في خطبة لامير المؤمنين (ع) قال: فيها (قد علمت الولاة قبلى اعمالا خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها... لتفريق عنى جندي حتى ابقى وحدي أو مع قليل من شيعتي... إلى ان قال: والله لقد أمرت الناس إلا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة واعلمتهم ان اجتماعهم في النوافل بدعة فنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معى: يا أهل الاسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا... الحديث). وما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (سألته عن الصلاة في رمضان في المساجد فقال لما قدم امير المؤمنين (ع) الكوفة امر الحسن بن على (ع) ان ينادى في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة. فنادى في الناس الحسن بن على (ع) بما امره به امير المؤمنين (ع) فلما سمع الناس مقالة الحسن بن على (ع) صاحوا واعمراه واعمراه فلما رجع الحسن إلى امير المؤمنين (ع) قال له ما هذا الصوت ؟ فقال يا امير المؤمنين الناس يصيحون واعمراه واعمراه فقال أمير المؤمنين (ع) قل لهم صلوا). وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب ابى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (3) قالا لما كان أمير المؤمنين (ع) بالكوفة اتاه الناس فقالوا له اجعل لنا اماما يؤمنا في شهر رمضان فقال لا، ونهاهم ان يجتمعوا فيه، فلما امسوا جعلوا يقولون ابكوا شهر رمضان واشهر رمضاناه، فاتى الحارث الاعور في أناس فقال يا امير المؤمنين (ع) ضج الناس وكرهوا قولك قال فقال عند ذلك دعوهم وما يريدون ليصل بهم من شاءوا. ثم قال: ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) ورواه العياشي

[ 523 ]

في تفسيره عن حريز عن بعض اصحابنا عن احدهما (عليهما السلام) مثله (1). وما رواه الحسن بن على بن شعبة في تحف العقول عن الرضا (ع) (2) قال: (ولا يجوز التراويح في جماعة). اقول: وسيأتى تمام الكلام في ذلك في بحث صلاة الجماعة ان شاء الله تعالى. الثالثة - قال في الذكرى: لو فات شئ من هذه النوافل ليلا فالظاهر انه يستحب قضاؤها نهارا لعموم قوله تعالى (وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة) (3) وما ورد في تفسيره مما اسلفناه من قبل، وبذلك افتى ابن الجنيد قال: وكذا لو فاتته الصلاة في ليلة الشك ثم ثبتت الرؤية. انتهى. وقال في المدارك: قال الشهيد في الذكرى ولو فات شئ من هذه النوافل ليلا فالظاهر انه يستحب قضاؤها نهارا. وهو غير واضح. انتهى اقول: لا يخفى ان الشهيد كما نقلناه من عبارته قد استدل على ذلك بعموم الاية وما ورد في تفسيرها من الاخبار كما قدمه، ولا ريب ان ظاهر الاية دال على ما ذكره والاخبار الواردة في تفسيرها تساعده. ومنها - قول الصادق (ع) في ما رواه الفقيه (4) (كل ما فاتك بالليل فاقضه بالنهار قال الله تعالى: وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر أو اراد شكورا. يعنى ان يقضى الرجل ما فاته بالليل بالنهار وما فاته بالنهار بالليل) وفى معنى هذه الرواية غيرها. وبذلك يظهر لك ما في قوله (وهو غير واضح) وكان الواجب عليه ذكر الجواب عن دليله المذكور ليندفع عنه مافى كلامه من القصور. والجواب بحمل ذلك على غير هذه النافلة من الصلاة اليومية والنافلة الراتبة يحتاج إلى مخصص، فان عموم


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان. (3) سورة الفرقان الاية 63. (4) الوسائل الباب 57 من المواقيت.

[ 524 ]

الاية والخبر المذكور شامل لموضع البحث. الرابعة - ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في استحباب هذه الصلاة بين الصائم وغيره عملا بمقتضى العموم، وزاد في الروض التعليل بانها عبادة زيدت لشرف الزمان فلا تسقط بسقوط الصوم عن المسافر ونحوه. ثم نقل ان في كلام بعض الاصحاب ما يدل على اختصاصه بالصائم، قال في الذخيرة: وهو ظاهر ابى الصلاح. الخامسة - ما ذكر في خبر المفضل (1) - في تفريق الثمانين الباقية من الصلاة في كل جمعة عشر ركعات - الظاهر انه مبنى على الغالب من اشتمال الشهر على اربع جمعات، فلو اتفق فيه خمس جمع ففى كيفية بسط الثمانين احتمالات اقربها - كما استظهره في الذخيرة - سقوط العشر في الجمعة الاخيرة لاعطاء كل جمعة حقها. المطلب الرابع في جملة من الصلوات الاولى - صلاة الاستخارة وينبغى ان يعلم أولا ان الاستخارة هي طلب الخيرة من الله تعالى قاله في القاموس النهاية وغيرهما. وقال ابن ادريس: الاستخارة في كلام العرب الدعاء، وقال ايضا معنى (استخرت الله) استدعيت ارشادى، قال وكان يونس بن حبيب اللغوى يقول ان معنى (استخرت الله) استفعلت الله الخير أي سألت الله ان يوفقني خير الاشياء التى اقصدها. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من الاخبار انها قد جاءت فيها على معان عديدة: منها - ما ورد بمعنى طلب الخيرة من الله تعالى كما قدمنا نقله عن القاموس والنهاية بمعنى انه يسأل الله في دعائه ان يجعل له الخير ويوفقه في الامر الذى يريده. وعلى هذا المعنى يحمل ما رواه في الكافي عن عمرو بن حريث في الصحيح على الاظهر (2) قال: (قال أبو عبد الله (ع) صل ركعتين واستخر الله فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار له البتة).


(1) ص 512. (2) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستخارة.

[ 525 ]

وفى رواية اخرى عنه (ع) (1) (من استخار الله راضيا بما صنع الله خار الله له حتما وفى معناهما اخبار اخر ايضا. ومنها - ما ورد بمعنى طلب تيسر ما فيه الخيرة كما في حسنة مرازم المروية في الفقيه (2) قال: (قال لى أبو عبد الله (ع) إذا أراد أحدكم شيئا فليصل ركعتين ثم ليحمد الله وليثن عليه ويصلى على محمد صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته ويقول: اللهم ان كان هذا الامر خيرا لى في دينى ودنياى فيسره لى وقدره وان كان غير ذلك فاصرفه عنى. فسألته أي شئ اقرأ فيهما ؟ فقال اقرأ فيهما ما شئت وان شئت قرأت فيهما قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون... الخبر) وبمضمونه بتفاوت يسير رواية جابر عن ابى جعفر (ع) (3) وهذا المعنى قريب من المعنى الاول بل الظاهر ان مالهما غالبا إلى واحد بحيث تحمل الاخبار الاول على هذا. ومنها - ما ورد بمعنى طلب العزم على ما فيه الخير كما في موثقة ابن اسباط (4) قال: (قلت لابي الحسن الرضا (ع) جعلت فداك ما ترى آخذ برا أو بحرا فان طريقنا مخوف شديد الخطر ؟ فقال اخرج برا ولا عليك ان تأتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وتصلى ركعتين في غير وقت فريضة ثم تستخير الله مائة مرة ومرة ثم تنظر فان عزم الله لك على البحر... الخبر). وموثقة الحسن بن على بن فضال (5) قال: (سأل الحسن بن الجهم أبا الحسن (ع) لابن اسباط فقال ما ترى له - وابن اسباط حاضر ونحن جميعا - يركب البحر أو البر إلى مصر ؟ واخبره بخير طريق البر فقال البر، وأت المسجد في غير وقت صلاة الفريضة فصل ركعتين واستخر الله مائة مرة ثم انظر أي شئ يقع في قلبك فاعمل به). وهذه الثلاثة المعاني تكون بالصلاة والدعاء وربما تكون بالدعاء خاصة كما


(1) الوسائل الباب 1 و 7 من صلاة الاستخارة. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستخارة.

[ 526 ]

روى في الفقيه عن معاوية بن ميسرة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (ما استخار الله عبد سبعين مرة بهذه الاستخارة إلا رماه الله بالخيرة يقول: يا ابصر الناظرين ويا اسمع السامعين ويا اسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين ويا أحكم الحاكمين صل على محمد وأهل بيته وخر لى في كذا وكذا). وفى صحيحة حماد عن ناجية عن الصادق (ع) (2) انه كان إذا اراد شراء العبد أو الدابة أو الحاجة الخفيفة أو الشئ اليسير استخار الله عز وجل فيه سبع مرات فإذا كان امرا جسيما استخار الله فيه مائة مرة. إلا انه يحتمل ايضا تقييد هذه الاخبار بما تقدم بان يكون هذا الدعاء مضافا إلى الصلاة. ومنها - ما ورد بمعنى طلب تعرف ما فيه الخيرة، وهذا هو المعروف الان بين الناس، ولكن لابد هنا من انضمام شئ آخر إلى الصلاة والدعاء معا أو الدعاء وحده من الرقاع أو البنادق أو فتح المصحف أو أخذ السبحة أو القرعة أو الاخذ من لسان المشاور. فمن الاخبار الواردة بذلك ما رواه الكليني والشيخ عن هارون بن خارجة عن ابى عبد الله (ع) (3) ورواه الشيخ المفيد وابن طاووس ورواية ابن طاووس بعدة طرق انه قال (ع) (إذا أردت امرا فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة افعل. وفى ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل. ثم ضعها تحت مصلاك ثم صل ركعتين فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرة: استخير الله برحمته خيرة في عافية. ثم استو جالسا وقل: اللهم خر لى واختر لى في جميع اموري في يسر منك وعافية. ثم اضرب بيدك إلى الرقاع فشوشها واخرج


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستخارة. (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستخارة.

[ 527 ]

واحدة واحدة فان خرج ثلاث متواليات (افعل) فافعل الامر الذى تريده، وان خرج ثلاث متواليات (لا تفعل فلا تفعله، وان خرجت واحدة (افعل) والاخر (لا تفعل) فاخرج من الرقاع إلى خمس فانظر اكثرها فاعمل به ودع السادسة لا تحتاج إليها). ومنها - ما رواه الكليني والشيخ عن على بن محمد رفعه عنهم (عليهم السلام) (1) (انه قال لبعض اصحابه وقد سأله عن الامر يمضى فيه ولا يجد أحدا يشاوره كيف يصنع ؟ قال شاور ربك قال فقال له كيف ؟ قال انو الحاجة في نفسك ثم اكتب رقعتين في واحدة (لا) وفى واحدة (نعم) واجعلهما في بندقتين من طين ثم صل ركعتين واجعلهما تحت ذيلك وقل: يا الله انى اشاورك في امرى هذا وأنت خير مستشار ومشير فاشر على بما فيه صلاح وحسن عاقبة. ثم ادخل يدك فان كان فيها (نعم) فافعل وان كان فيها (لا) فلا تفعل هكذا شاور ربك). وقد ذكر السيد الزاهد العابد المجاهد رضى الدين على بن طاووس (عطر الله مرقده) في رسالة الاستخارات انواعا عديدة في الاستخارة بالرقاع والبنادق والقرعة وانكرها ابن ادريس تمام الانكار وقال انها من اضعف اخبار الاحاد وشواذ الاخبار لان رواتها فطحية ملعونون مثل زرعة وسماعة وغيرهما فلا يلتفت إلى ما اختصا بروايته، قال: والمحصلون من اصحابنا ما يختارون في كتب الفقه إلا ما اخترناه ولا يذكرون البنادق والرقاع والقرعة إلا في كتب العبادات دون كتب الفقه، وذكر ان الشيخين وابن البراج لم يذكروها في كتبهم الفقهية. ووافقه المحقق هنا فقال: واما الرقاع وما يتضمن (افعل ولا تفعل) ففى حيز الشذوذ فلا عبرة بها. قال في الذكرى: وانكار ابن ادريس الاستخارة بالرقاع لا مأخذ له مع اشتهارها بين الاصحاب وعدم راد لها سواه ومن حذا حذوه كالشيخ نجم الدين، قال وكيف تكون شاذة وقد دونها المحدثون في كتبهم والمصنفون في مصنفاتهم وقد


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستخارة. والشيخ يرويه عن الكليني.

[ 528 ]

صنف السيد العالم العابد صاحب الكرامات الظاهرة والماثر الباهرة رضى الدين ابو الحسن على بن طاووس الحسينى (قدس سره) كتابا ضخما في الاستخارات واعتمد فيه على روايات الرقاع وذكر من آثارها عجائب وغرائب اراه الله تعالى اياه، وقال إذا توالى الامر في الرقاع فهو خير محض وان توالى النهى فذلك الامر شر محض وان تفرقت كان الخير والشر موزعا بحسب تفرقها على ازمنة ذلك الامر بحسب ترتبها. انتهى ومن الاستخارات الاستخارة بالعدد، قال في الذكرى: ولم تكن هذه مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضى الدين محمد بن محمد الاوى الحسينى المجاور بالمشهد المقدس الغروى (رضى الله عنه) وقد رويناها عنه وجميع مروياته عن عدة من شايخنا عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين بن المطهر عن والده (رضى الله عنهما) عن السيد رضى الدين عن صاحب الامر (عليه الصلاة والسلام) (1) يقرأ الفاتحة عشرا واقله ثلاث مرات ودونه مرد ثم يقرأ القدر عشرا ثم يقول هذا الدعاء ثلاثا: اللهم انى استخيرك لعلمك بعاقبة الامور واستشيرك لحسن ظنى بك في المأمول والمحذور، اللهم ان كان الامر الفلاني مما قد نيطت بالبركة اعجازه وبواديه وحفت بالكرامة ايامه ولياليه فخر لى اللهم فيه خيرة تزد شموسه ذلولا وتقعض ايامه سرورا، اللهم اما امر فأئتمر واما نهى فانتهى، اللهم انى استخيرك برحمتك خيرة في عافية. ثم يقبض على قطعة من السبحة ويضمر حاجته ان كان عدد تلك القطعة زوجا فهو افعل وان كان فردا لا تفعل أو بالعكس. ثم قال في الذكرى وقال ابن طاووس (قدس سره) في كتاب الاستخارات وجدت بخط اخى الصالح الرضى الاوى محمد بن محمد الحسينى ضاعف الله سيادته وشرف خاتمته ما هذا لفظ: عن الصادق (ع) (2) من اراد أن يستخير الله تعالى فليقرأ الحمد عشر مرات وانا انزلناه عشر مرات ثم يقول... وذكر الدعاء إلا انه قال عقيب (والمحذور): اللهم ان كان امرى هذا قد نيطت. وعقيب (سرورا): يا الله اما


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من صلاة الاستخارة.

[ 529 ]

امر فأئتمر واما نهى فانتهى، اللهم خر لى برحمتك خيرة في عافية ثلاث مرات ثم يأخذ كفا من الحصى أو سبحة. انتهى. بيان: قوله في الدعاء المذكور (نيطت) من ناط الشئ بالشئ علقه به وربطه، واعجاز الشئ اواخره جمع عجز، وبواديه أوله جمع بادية، وبادئ الرأى أوله، وحفه يحفه إذا احاطه قال الله عزوجل (حافين من حول العرش) (1) أي مستديرين، والكرامة مصدر كرم، و (خر لى) بمعنى اجعل لى فيه الخير (وخيرة) بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء اسم مصدر من قولك (خار الله لك كذا) واما (خيرة) بكسر الخاء وفتح الياء كعنبة فهو اسم مصدرمن قولك (خار الله اختاره الله) كما ورد في زيارته صلى الله عليه وآله (السلام عليك يا خيرة الله) و (ترد) أي تغير وتحول ومن ثم تعدى إلى مفعولين، و (شموس) على وزن فعول كصبور للمبالغة والماضي شمس بفتح الميم يشمس على مثال كتب يكتب، وشمس الفرس يشمس شماسا بكسر الشين وشموسا بضمها بمعنى حزن ومنع ظهره أن يركب، والذلول خلافه من الذل بالذال المعجمة مكسورة ومضمومة ضد الصعوبة، تقول ذل يذل ذلا فهو ذلول، والمعنى فخر لى خيرة تسهل صعبه تيسر عسيره، و (تقعض) بالقاف والعين المهملة والضاد المعجمة على وزن يكتب مضارع (قعض) مثال كتب بمعنى عطف، قال في الصحاح قعضت العود عطفته كما تعطف عروش الكرم والهودج. اقول: وفى هذا الباب استخارة غريبة لم اقف عليها إلا في كلام والدى (قدس سره) قال (طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه) في كتاب السعادات: خيرة مروية عن الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق (ع) (يقرأ الحمد مرة والاخلاص ثلاثا ويصلى على محمد وآله خمس عشرة مرة ثم يقول: اللهم انى اسألك بحق الحسين وجده وابيه وامه واخيه والائمة التسعة من ذريته ان تصلى على محمد وآل محمد وان تجعل لى الخيرة في هذه السبحة وأن ترينى ما هو أصلح لى في الدين والدنيا، اللهم


(1) سورة الزمر الاية 75.

[ 530 ]

ان كان الاصلح في دينى ودنياى وعاجل أمرى وآجله فعل ما أنا عازم عليه فأمرني وإلا فانهنى انك على كل شئ قدير. ثم يقبض قبضة من السبحة ويعدها (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) إلى آخر القبضة. فان كان الاخر (سبحان الله) فهو مخير بين الفعل والترك وان كان (الحمد لله) فهو أمر وان كان (لاإله إلا الله) فهو نهى). ثم قال (قدس سره) اقول: لا يخفى على المتأمل بعين الصيرة ان هذه الاستخارة الشريفة ايضا تضمنت تقسيم الامر المستخار فيه إلى امر ونهى ومخير والاكثر في الاستخارات انما تضمنت الامر والنهى، بل هذه الرواية ايضا تضمنت ما يقتضى الانحصار فيهما لقوله (ع) (وإلا فانهنى) ولم يذكر التخيير في الدعاء وذكره في آخر الرواية، والذى ينبغى ان يقال في وجه الجمع ان الامر والنهى هنا ليس على نحوهما في العبادات من البلوغ إلى حد الوجوب والتحريم بل انه لمجرد الارشاد والاستصلاح، إذ الغرض من الاستخارة طلب ما هو الاصلح والانجح لما في الدخول في الامور والتهجم عليها من غير استخارة من احتمال تطرق المهالك وعدم الامن من المعاطب في جميع المسالك، واقله احتمال حرمان المطلوب وعدم الظفر بالامر المحبوب كما جاء في الخبر (1) (من شقاء عبدى أن يعمل الاعمال فلا يستخيرنى) ولانه بعد الاستخارة يكون آمنا من تطرق اسباب الحرمان وسالما من آفات العطب والخذلان، فكان العمل بالاستخارة امرا راجحا وطريقا واضحا عند كل من له عقل سليم وذهن قويم، وحيث كان راجحا بترتب المنافع واندفاع المكاره ومرجوحا بالعكس من ذلك أو متساوي الطرفين بان يكون الامر ان الفعل والترك سواء في ترتب الامرين كالامر الذى يتخير فيه الانسان لا يخلو من الثلاثة الاقسام كما دلت عليه الرواية الشريفة وأما الروايات المنحصرة في الامر والنهى فالظاهر ان الامر فيها ما يشتمل الراجح والمساوي بان يراد به القدر الاعلم اعني الامن من الضرر سواء كان فيه مصلحة أو عدم مشقة أو انتفاء المفسدة فقط.


(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.

[ 531 ]

وبالجملة ان الامر الخارج في هذه الاستخارة نص في رجحان الفعل المأمور به واشتماله على المصلحة والمنفعة، والتخيير فيها بمعنى مساواة الفعل والترك بلا رجحان لاحدهما على الاخر، والنهى نص في مرجوحية ذلك الامر وعدم حصول مصلحة فيه ووجود مفسدة، واما الامر في ذات الوجهين فقد عرفت انه القدر الاعم اعني الامن من الضرر سواء حصلت فيه مصلحة أو لا، ومن ثم يجوز نظرا إلى ذلك أخذ خيرة اخرى على مقابل ذلك الامر المأمور به، فان خرجت امرا كذلك دل على تساوى الامرين والتخيير بينهما، وان خرجت نهيا دل على رجحان ذلك الامر المأمور به أو لا. وأما بالنظر إلى هذه الرواية المشتملة على الشقوق الثلاثة فلا ينبغى معاودة الخيرة في مقابل ما خرج مطلقا لاشتمالها على التفصيل القاطع للاحتمال. والله العالم. انتهى كلامه طيب الله مرقده واعلى في جوار الائمة مقعده فائدتان الاولى - المستفاد من الاخبار استحباب الاستخارة لكل شئ وتأكدها حتى في المستحبات، وان الافضل وقوعها في الاوقات الشريفة والاماكن المنيفة والرضا بما خرجت به وان كرهته النفس. ومما يؤكد هذا ما رواه ابن طاووس باسانيد عن الصادق (ع) (1) قال (كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن. ثم قال ما (؟ انالى) إذا استخرت الله على أي جنبى وقعت) وفى رواية اخرى (على أي طريق وقعت). وروى البرقى في المحاسن عن محمد بن مضارب (2) قال: (قال أبو عبد الله (ع) من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلى لم يؤجر ورواه ابن طاووس باسانيد عديدة (3) وفيه دلالة على ذم تارك الاستخارة في الامور التى يأتي بها. وروى في المحاسن ايضا عنه (ع) (4) انه قال (قال الله عزوجل من شقاء


(1) الوسائل الباب 1 و 7 من صلاة الاستخارة. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.

[ 532 ]

عبدى أن يعمل الاعمال فلا يستخيرنى). وروى في المحاسن ايضا باسناده عن عثمان بن عيسى عن بعض اصحابه (1) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) من اكرم الخلق على الله ؟ قال اكثرهم ذكرا لله واعملهم بطاعته. قلت من ابغض الخلق إلى الله ؟ قال من يتهم الله. قلت واحد يتهم الله ؟ قال نعم من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فسخط فذلك الذى يتهم الله) وروى الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده عن على (عليه السلام) (2) قال: (قال الله عزوجل ان عبدى يستخيرنى فاخير له فيغضب) الثانية - المفهوم من ظواهر الاخبار الواردة في الاستخارة ان صاحب الحاجة هو المباشر للاستخارة ولم اقف على نص صريح أو ظاهر في الاستنابة فيها إلا ان من عاصرناهم من العلماء كلهم على العمل بالنيابة. ولم اقف ايضا في كلام أحد من أصحابنا على من تعرض للكلام في ذلك إلا على كلام المحقق الشريف ملا ابى الحسن العاملي المجاور بالنجف الاشرف حيا وميتا في شرحه على المفاتيح وشيخنا ابى الحسن الشيخ سليمان البحراني في كتاب القوائد النجفية. أما الاول منهما فانه قال في بحث صلاة الاستخارة: ثم لا يخفى ان المستفاد من جميع ما مر ان الاستخارة ينبغى أن تكون ممن يريد الامر بان يتصداها هو بنفسه، ولعل ما اشتهر من استنابة الغير على جهة الاستشفاع، وذلك وان لم نجد له نصا إلا ان التجربات تدل على صحته. وأما الثاني منهما فانه قال: فائدة في جواز النيابة عن الغير في الاستخارة، لم اقف على نص في جواز النيابة ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه، ثم ذكر وجوها عشرة اكثرها عليلة قد اعترف بالطعن فيها واقربها إلى الاعتبار وجوه اربعة (احدها) ما ذكره من قوله: من القواعد ان كل ما يصح مباشرته يصح


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.

[ 533 ]

التوكيل فيه إلا في مواضع مخصوصة ذكره العلماء واختلفوا في اشياء منها وليس هذا الموضع من تلك المواضع. و (ثانيها) ما ذكره من أن العلماء في زماننا مطبقون على استعمال ذلك ولم نجد احدا من مشايخنا الذين عاصرناهم يتوقف فيه ونقلوا عن مشايخهم نحو ذلك. ولعله كاف في مثل ذلك. و (ثالثها) - ان الاستخارة مشاورة لله تعالى كما ورد به النص عن مولانا الصادق (ع) (1) ولا ريب ان المشاورة تصح النيابة فيها، فان من استشار أحدا فقد يستشير بنفسه وقد يكلف من يستشير له كما في استشارة على بن مهزيار للجواد (ع) (2) و (رابعها) ان مشاورة المؤمن نوع من انواع الاستخارة وقد ورد في رواية على بن مهزيار ما هو صريح في النيابة فيها ولا فرق بين هذا النوع وغيره.. إلى ان قال (قدس سره) فهذه عشرة وجوه ومجموعها يصلح مدركا لمثل هذا الامر ومسلكا لهذا الشأن وان تطرق على بعضها المناقشة. والله العالم. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ومما خطر على البال في هذه الحال انه لا ريب ان الاستخارة باى المعاني المتقدمة ترجع إلى الطلب منه سبحانه، ولا ريب انه من المتفق عليه بين ذوى العقول وساعدت عليه النقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله هو أن من طلب حاجة من سلطان عظيم الشأن فان الانجح في قضائها والارجح في حصولها وامضائها هو ان يوسط بعض مقربى حضرة ذلك السلطان في التماسها منه بحيث يكون نائبا عن صاحب الحاجة في سؤالها من ذلك السلطان، والنيابة في الاستخارة منه سبحانه من هذا القبيل، وهذا بحمد الله أوضح برهان على ذلك ودليل. والله العالم. الثانية - صلاة يوم الغدير والعيد الكبير وهو اليوم الثامن عشر من ذى الحجة الحرام.


(1) الوسائل الباب 4 و 5 من صلاة الاستخارة وتقدم ص 527 حديث علي بن محمد (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستخارة.

[ 534 ]

رواها الشيخ في التهذيب (1) بسند فيه محمد بن موسى الهمداني - وهو مجروح عند علماء الرجال - عن على بن الحسين العبدى قال: سمعت ابا عبد الله الصادق (ع) يقول صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا عاش انسان ثم صام ما عمرت الدنيا لكان له ثواب ذلك، وصيامه يعدل عند الله عز وجل في كل عام مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات، وهو عيد الله الاكبر، وما بعث الله عزوجل نبيا قط إلا وتعيد في هذا اليوم وعرف حرمته، واسمه في السماء يوم العهد المعهود وفى الارض يوم الميثاق المأخوذ والجمع المشهود، ومن صلى فيه ركعتين - يغتسل عند زوال الشمس من قبل ان تزول مقدار نصف ساعة يسأل الله عزوجل يقرأ في كل ركعة سورة الحمد وعشر مرات قل هو الله أحد وعشر مرات آية الكرسي وعشر مرات انا انزلناه - عدلت عند الله عز وجل مائة الف حجة ومائة الف عمرة، وما سأل الله عز وجل حاجة من حوائج الدنيا والاخرة إلا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة وان فاتتك الركعتان والدعاء قضيتهما بعد ذلك: ومن فطر فيه مؤمنا كان كمن اطعم فئاما وفئاما... فلم يزل يعد إلى أن عقد بيده عشرا، ثم قال وتدرى كم الفئام ؟ قلت لا. قال مائة الف كل فئام كان له ثواب من أطعم بعددها من النبيين والصديقين والشهداء في حرم الله عز وجل وسقاهم في يوم ذي مسغبة، والدرهم فيه بالف الف درهم. قال لعلك ترى ان الله عز وجل خلق يوما أعظم حرمة منه لا والله لا والله لا والله. ثم قال وليكن من قولكم إذا التقيتم أن تقولوا: الحمد لله الذى اكرمنا بهذا اليوم وجعلنا من الموفين بعهده الينا وميثاقه الذى واثقنا به من ولاية ولاة امره والقوام بقسطه ولم يجعلنا من الجاحدين والكذبين بيوم الدين. ثم قال وليكن من دعائك في دبر هاتين الركعتين ان تقول ربنا اننا سمعنا مناديا... الدعاء إلى آخره) وهو مذكور في المصباح (2).


(1) ج 3 ص 143 الطبع الحديث وفي الوسائل الباب 3 من بقية الصلوات المندوبة (2) ص 521.

[ 535 ]

ويعضد هذا الخبر ما رواه الشيخ في المصباح (1) والشيخ المفيد وغيره عن داود بن كثير عن ابى هارون العبدى قال: (دخلت على ابى عبد الله (ع) في اليوم الثامن عشر من ذى الحجة فوجدته صائما فقال لى هذا يوم عظيم... إلى أن قال فقيل له ما ثواب صوم هذا اليوم ؟ قال انه يوم عيد وفرح وسرور ويوم صوم شكرا لله وان صومه يعدل صوم ستين شهرا من الاشهر الحرم، ومن صلى فيه ركعتين أي وقت شاء وأفضله قرب الزوال وهى الساعة التى اقيم فيها أمير المؤمنين (ع) بغدير خم علما للناس... فمن صلى في ذلك الوقت ركعتين ثم سجد يشكر الله مائة مرة ودعا بعقب الصلاة اجابه). وكذا يؤيده ما رواه ايضا (2) عن زياد بن محمد عنه (ع) وذكر الحديث في فضل هذا اليوم إلى أن قال (ع) (ينبغى لكم ان تتقربوا فيه إلى الله عز وجل بالبر والصدقة والصلاة وصلة الرحم... الخبر). وكذا ما رواه فرات بن ابراهيم في تفسيره (3) باسناده عن فرات بن احنف عنه (ع) انه قال في فضل هذا اليوم (انه يوم عبادة وصلاة وشكر لله... الخبر). وما رواه ابن طاووس في كتاب الاقبال (4) عن المفضل عنه (ع) انه قال في فضل هذا اليوم انه ليوم صيام وقيام اطعام وصلة الاخوان). والظاهر ان ما ذكرناه من هذه الاخبار مع ما اشتهر من التسامح في ادلة السنن صار سببا في اشتهار هذه الصلاة بين قدماء الاصحاب ومتأخريهم، ولم يعبأوا بما ذكره الصدوق وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد على ما نقله عنه في باب صوم التطوع حيث انه بعد ان روى ثواب صوم الغدير قال: واما خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه فان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (قدس سره) كان لا يصححه ويقول انه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة


(1) ص 513 وفي الوسائل الباب 3 من بقية الصلوات المندوبة. (2) ص 512 وفيه بدل الصدقة الصوم (3) ص 12. (4) ص 466.

[ 536 ]

وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح. واعترضه المحقق في المعتبر بانه قد وردت في هذه الصلاة روايات منها رواية داود بن كثير. وفيه انك قد عرفت ان الرواية المذكورة لم تشتمل على هذه الصلاة كما ادعاه وانما دلت على صلاة ركعتين مطلقا، لكن ربما يشير إلى ذلك افضلية قرب الزوال كما تضمنته رواية العبدى: نعم هي من المؤيدات كما ذكرناه. إذا عرفت ذلك فاعلم انه نقل في المختلف عن ابى الصلاح انه قال في صفة صلاة الغدير: ومن وكيد السنة الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله في يوم الغدير وهو الثامن عشر من ذى الحجة الحرام بالخروج إلى ظاهر المصر وعقد الصلاة قبل أن تزول الشمس بنصف ساعة لمن تتكامل له صفات امامة الجماعة بركعتين، يقرأ في كل ركعة منهما الحمد وسورة الاخلاص عشرا وسورة القدر عشرا وآية الكرسي عشرا ويقتدى به المؤتمون وإذا سلم دعا بدعاء هذا اليوم ومن صلى خلفه. وليصعد المنبر قبل الصلاة فيخطب خطبة مقصورة على حمد الله والثناء عليه والصلاة على محمد وآله الطاهرين والتنبيه على عظم حرمة يومه وما أوجب الله فيه من امامة أمير المؤمنين (ع) والحث على امتثال امر الله سبحانه ورسوله، ولا يبرح أحد من المأمومين والامام يخطب فإذا انقضت الخطبة تصافحوا وتهانأوا وتفرقوا. انتهى. اقول: وهذا الكلام قد دل على جملة من الاحكام منها ما ذكر في كلام علمائنا الاعلام ومنها ما لم يذكر في هذا المقام ولا علم من نصوصهم (عليهم السلام) فمنها - الفراءة والظاهر انه لا خلاف في تقديم التوحيد بعد الحمد وانما الخلاف في آية الكرسي و (انا انزلناه) وتقديم أحداهما على الاخرى، والنص وان كان العطف فيه بالواو التى هي لمطلق الجمع إلا ان الترتيب الذكرى وقع بتقديم آية الكرسي على (انا انزلناه) وبه صرح ابن ادريس، ثم نقل ان بالعكس ايضا رواية قال على ما نقله عنه في المختلف: يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة و (قل هو الله أحد) عشر مرات وآية الكرسي عشر مرات و (انا انزلناه) عشر مرات وروى

[ 537 ]

ان آية الكرسي تكون اخيرا وقبلها (انا انزلناه) قال في المختلف: وهذا يدل على ان الواو قصد بها هنا الترتيب. والشيخ رتب كترتيبه بالواو وكذا سلار. وأما أبو الصلاح وابن البراج وكذا الشيخ المفيد فانهم قالوا يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة وسورة الاخلاص عشر مرات و (انا انزلناه) عشر مرات وآية الكرسي عشر مرات. قال في المختلف: فان قصدوا بالواو هنا الترتيب صارت المسألة خلافية وإلا فلا. وكيف كان فالاحوط الاتيان بالترتيب الذى اشتملت عليه الرواية لاحتمال كون الترتيب الذكرى فيه منظورا لحكمه لا نعلمها وان عبر فيه بالواو فان مثله في كلامهم (عليهم السلام) غير عزيز. ومنها - ذكر الجماعة في هذه الصلاة والخطبة والخروج إلى الصحراء، ولهذا قال العلامة في المختلف بعد نقل عبارته المذكورة: ولم يصل الينا حديث يعتمد عليه يتضمن الجماعة فيها ولا الخطبة بل الذى ورد صفة الصلاة والدعاء بعدها. اقول: من المحتمل قريبا انه أخذ الخطبة من فعل النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير خم فانه خطب في ذلك اليوم أمرهم بالتصافح وان يهئ بعضهم بعضا (1) وأخذ الصحراء من كونه صلى الله عليه وآله كان ذلك اليوم في الصحراء. واما ذكره الصلاة جماعة فلا نعرف له مستندا أصلا بل سيأتي في باب صلاة الجماعة ان شاء الله تعالى ما يظهر منه كونها بدعة محرمة. واما ما تشبث به بعض المتأخرين - من الاستدلال على الجماعة في هذه الصلاة بامره صلى الله عليه وآله ان ينادى في الناس (الصلاة جامعة) ففيه اولا - أن الاخبار الواردة في يوم الغدير خالية من ذكر هذه الصلاة في ذلك الموضع.


(1) لم يذكر في الاحاديث تهنئة بعض المسلمين لبعضهم وانما الموجود فيها تهنئتهم لعلي عليه السلام لما افرد له النبي صلى الله عليه واله خيمة ودخلوا عليه يهنئونه بالولاية ومن جملتهم عمر راجع الغدير ج 1 ص 245.

[ 538 ]

وثانيا - ان النداء بهذه العبارة كان متعارفا في طلب اجتماع الناس واعلامهم بذلك ليحضروا وان لم تكن ثمة صلاة كما لا يخفى على من جاس خلال الديار وتصفح الاخبار. ومن المحتمل ان مذهب ابى الصلاح القول بجواز الجماعة في غير الفريضة مطلقا فذكرها في هذه الصلاة بناء على ذلك. والله العالم. الثالثة صلاة اول ذى الحجة كذا ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولا يخفى انه محتمل لامرين (أحدهما) أن يكون المراد به ما ذكره الشيخ في المصباح (1) حيث قال: ويستحب فيه - يعنى في أول ذى الحجة - صلاة فاطمة (عليها السلام). ثم روى انها اربع ركعات مثل صلاة أمير المؤمنين (ع) كل ركعة بالحمد مرة وخمسين مرة (قل هو الله أحد) إلا ان الشيخ نقل قبل كلامه هذا ان ذلك اليوم يوم تزويج فاطمة (عليها السلام) فمن المحتمل قريبا أن نقل الشيخ هذه الصلاة لاجل التناسب لا لرواية تدل عليه، وهذا فهمه الكفعمي حيث قال (2): وفى أول يوم من ذى الحجة تزوج على بفاطمة (عليهما السلام) فصل فيه صلاة فاطمة (عليها السلام). وعلى هذا فلا وجه لذكر هذه الصلاة سيما ان كثيرا منهم عد صلاة فاطمة (عليها السلام) مع هذه الصلاة. وثانيهما - أن يكون المراد به ما نقله شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في البحار من ورود بعض الاخبار بصلاة ركعتين في هذا اليوم قبل الزوال بنصف ساعة بكيفية صلاة الغدير، ولعل هذا الاحتمال أوفق بالعد في هذا المقام وان كان لم يذكر هذه الصلاة اكثر علمائنا الاعلام (رضوان الله عليهم). الرابعة - صلاة يوم المبعث وصلاة ليلته، أما صلاة اليوم فقد رواها ثقة الاسلام في الكافي عن على بن محمد رفعه (3) قال: (قال أبو عبد الله (ع) يوم سبعة


(1) ص 465 وفي الوسائل الباب 10 من بقية الصلوات المندوبة. (2) ص 659. (3) الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة.

[ 539 ]

وعشرين من رجب بنئ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله من صلى فيه أي وقت شاء اثنتى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بام القرآن وسورة ما تيسر فإذا فرغ وسلم جلس مكانه ثم قرأ ام القرآن اربع مرات والمعوذات الثلاث كل واحدة اربع مرات فإذا فرغ وهو في مكانه قال: (لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله وسبحان الله ولاحول ولا قوة إلا بالله) اربع مرات ثم يقول: الله ربى لا اشرك به شيئا (اربع مرات) ثم يدعو فلا يدعو بشئ إلا استجيب له... الخبر). وقد روى هذه الرواية الشيخ (1) نقلا من الكافي والشيخ المفيد في المقنعة وكتاب مسار الشيعة لكن بدون قوله (والمعوذات الثلاث كل واحدة اربع مرات) وكأنه سقط من القلم، لان الشيخ روى هذه الصلاة بعينها في المصباح (2) مع ما يقرأ بعدها عن الريان بن الصلت عن ابى جعفر الثاني (ع) بما هذه صورته قال: صام أبو جعفر (ع) لما كان ببغداد يوم النصف من رجب ويوم سبع وعشرين منه وصام معه جميع حشمه وأمرنا أن نصلى هذه الصلاة التى هي اثنتا عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد وسورة فإذا فرغت قرأت الحمد أربعا و (قل هو الله احد) أربعا والمعوذتين أربعا وقلت: لا إله إلا الله والله اكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم (اربعا) الله الله ربى لا اشرك به شيئا (أربعا) لا اشرك بربي احدا (أربعا). ومن هذه الرواية يعلم ان المراد بالمعوذات الثلاث في الرواية المتقدمة هي التوحيد مع المعوذتين. واما صلاة ليلة المبعث فهى ايضا اثنتا عشرة ركعة، والظاهر ان المستند فيها ما ذكره الشيخ في المصباح (3) في ليلة النصف من رجب حيث روى عن داود بن سرحان عن ابى عبد الله (ع) قال (تصلى ليلة النصف من رجب اثنتى عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد وسورة فإذا فرغت من الصلاة قرأت بعد ذلك الحمد والمعوذتين وسورة


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة. (3) الوسائل الباب 5 من بقية الصلوات المندوبة.

[ 540 ]

الاخلاص وآية الكرسي اربع مرات وتقول بعد ذلك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر (اربع مرات) ثم تقول: الله الله ربى لا أشرك به شيئا ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلى العظين. وتقول في ليلة سبع وعشرين مثله). قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: والظاهر ان قوله (وتقول... إلى آخره) من تتمة الحديث وان المراد مجموع الصلاة والاقوال، وعلى هذه فهى كصلاة يومه والتفاوت اليسير في الذكر وكذا زيادة آية الكرسي غير مناف في امثال هذه الاشياء. انتهى. وفيه ان ظاهر هذه العبارة بناء على تسليم كونها من الحديث انما هو قول هذه الاذكار لا نفس الصلاة. والاظهر ان المراد بصلاة الليلة المذكورة انما هو ما رواه الشيخ في المصلاح ايضا (1) مرسلا عن ابى جعفر (ع) انه قال (ان في رجب ليلة هي خير مما طلعت عليه الشمس وهى ليلة سبع وعشرين من رجب نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله في صبيحتها وان للعامل فيها من شيعتنا اجر عمل ستين سنة. قيل له وما العمل فيها اصلحك الله ؟ قال إذا صليت العشاء الاخرة واخذت مضجعك ثم استيقظت أي ساعة شئت من الليل إلى قبل الزوال صليت اثنتى عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد وسورة من خفاف المفصل إلى الجحد فإذا سلمت في كل شفع جلست بعد التسليم وقرأت الحمد سبعا والمعوذتين سبعا (وقل هو الله أحد) و (قل يا ايها الكافرون) سبعا سبعا (وانا انزلناه) وآ ية الكرسي سبعا سبعا، وقل بعقب ذلك الدعاء...) وذكر الدعاء. وروى الشيخ في المصباح ايضا (2) عن صالح بن عقبة عن ابى الحسن موسى ابن جعفر (ع) انه قال: (صل ليلة سبع وعشرين من رجب أي وقت شئت من الليل اثنتى عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد والمعوذتين وقل هو الله أحد (أربع مرات) فإذا فرغا قلت وانت في مكانك اربع مرات: لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله


(1). (2) ص 566 وفي الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة.

[ 541 ]

وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم ادع بعد ذلك بما شئت والعمل بكل من الروايتين حسن ان شاء الله تعالى. الخامسة - صلاة ليلة النصف من شعبان، وقد ورد في هذه الليلة صلوات عديدة: منها ما رواه الكليني مرفوعا عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (إذا كان ليلة النصف من شعبان فصل اربع ركعات تقرأ في كل ركعة الحمد مرة و (قل هو الله أحد) مائة مرة فإذا فرغت فقل: اللهم انى اليك فقير... الدعاء) ورواه الشيخ المفيد في كتاب مسار الشيعة مرسلا (2) ورواه الشيخ في التهذيب عن الكليني وفى المصباح عن ابى يحيى الصنعانى عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (3) ثم قال ورواه عنهما ثلاثون رجلا ممن يوثق بهم. ومنها - ما رواه الشيخ في المصباح عن ابى يحيى عن ابى عبد الله ورواه ايضا ابنه في اماليه باسناد متصل عن ابى يحيى عنه (ع) (4) قال: (سئل الباقر (ع) عن فضل ليلة النصف من شعبان، وذكر فضائل تلك الليلة إلى ان قال أبو يحيى فقلت لسيدنا الصادق (ع) واى شئ أفضل الادعية ؟ فقال إذا أنت صليت العشاء الاخرة فصل ركعتين تقرأ في الاولى الحمد وسورة الجحد واقرأ في الركعة الثانية الحمد وسورة التوحيد فإذا انت سلمت قلت: (سبحان الله) ثلاثا وثلاثين مرة و (الحمد لله) ثلاثا وثلاثين مرة و (الله اكبر) اربعا وثلاثين مرة ثم قل... وذكر الدعاء وهو مذكور في المصباح. ومنها - ما رواه الشيخ في المصباح ايضا عن عمرو بن ثابت عن محمد بن مروان عن الباقر (ع) (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من صلى ليلة النصف من شعبان مائة ركعة وقرأ في كل ركعة الحمد مرة و (قل هو الله أحد) عشر مرات لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أو يرى له). ومنها - ما رواه ايضا في المصباح عن محمد بن صدقة العنبري (6) قال حدثنا


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.

[ 542 ]

موسى بن جعفر عن ابيه (عليهم السلام) قال: (الصلاة ليلة النصف من شعبان اربع ركعات تقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد مائتين وخمسين مرة ثم تدعو بعد التسليم... وذكر الدعاء) (1) ثم روى الصلوات آخر من طرق العامة (2) والعمل بكل من هذه الروايات حسن والجمع أحسن. السادسة - صلاة الهدية وهى التى تجعل هدية للمعصومين (عليهم السلام) يعنى النبي صلى الله عليه وآله والزهراء والائمة (صلوات الله عليهم اجمعين). والظاهر ان المراد بها ما رواه الشيخ في المصباح (3) حيث قال: روى عنهم (عليهم السلام) انه يصلى العبد في يوم الجمعة ثمانى ركعات: اربعا يهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله واربعا يهدى إلى فاطمة الزهراء (عليها السلام) ويوم السبت اربع ركعات تهدى إلى امير المؤمنين (ع) ثم كذلك كل يوم إلى واحد من الائمة (عليهم السلام) إلى يوم الخميس أربع ركعات تهدى إلى جعفر بن محمد (عليهما السلام) ثم في يوم الجمعة ايضا ثمانى ركعات أربع ركعات تهدى إلى رسول الله وأربع ركعات إلى فاطمة (عليها السلام) ثم يوم السبت أربع ركعات تهدى إلى موسى بن جعفر (ع) ثم كذلك إلى يوم الخميس أربع ركعات تهدى إلى صاحب الزمان (ع). ويحتمل أن يكون مرادهم بها ما رواه السيد رضى الدين بن طاووس في كتاب جمال الاسبوع (4) قال: حدثنا أبو محمد الصيمري عن احمد بن عبد الله البجلى باسناده يرفعه إليهم (عليهم السلام) قال: (من جعل ثواب صلاته لرسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين (ع) والاوصياء من بعده (عليهم السلام) ضعف الله ثواب صلاته اضعافا مضاعفة حتى ينقطع النفس ويقال له قبل أن تخرج روحه من جسده يا فلان هديتك الينا والطافك لنا فهذا يوم مجازاتك ومكافاتك فطب نفسا وقر عينا بما أعد الله لك وهنيئا لك بما صرت إليه. فقلت كيف يهدى صلاته ويقول ؟ قال


(1) المصباح ص 582. (2) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة. (3) و (4) الوسائل الباب 44 من بقية الصلوات المندوبة.

[ 543 ]

ينوى ثواب صلاته لرسول الله صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) ولو أمكنه أن يزيد على صلاة الخمسين شيئا ولو ركعتين في كل يوم ويهديها إلى واحد منهم: يفتتح الصلاة في الركعة الاولى مثل افتتاح صلاة الفريضة بسبع تكبيرات أو ثلاث مرات أو مرة في كل ركعتين ويقول بعد تسبيح الركوع والسجود ثلاث مرات: (صلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين) في كل ركعة فإذا تشهد وسلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام... إلى آخر الدعاء). السابعة - صلاة الحاجة، وصلاة الحاجة كثيرة مذكورة في الكتب الاربعة وغيرها لاسيما مصباحي الشيخ والكفعمي، ولنذكر منها واحدة مشتملة على صلاة الهدية لرسول الله صلى الله عليه وآله. وهى ما رواه ثقة الاسلام والصدوق (عطر الله مرقديهما) بسند موثق عن عبد الرحيم القصير (1) وهو مجهول قال: (دخلت على ابى عبد الله (ع) فقلت له جعلت فداك انى اخترعت دعاء قال دعني من اختراعك إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصل ركعتين تهديهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. قلت كيف أصنع ؟ قال تغتسل وتصلى ركعتين تستفتح بهما افتتاح الفريضة وتشهد تشهد الفريضة فإذا فرغت من التشهد وسلمت قلت: اللهم أنت السلام ومنك السلام واليك يرجع السلام اللهم صل على محمد وآل محمد وبلغ روح محمد منى السلام وأرواح الائمة الصادقين سلامى واردد على منهم السلام والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته، اللهم ان هاتين الركعتين هدية منى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأثبني عليهما ما املت ورجوت فيك وفى رسولك يا ولى المؤمنين. ثم تخر ساجدا وتقول: يا حى يا قيوم ياحى لا يموت يا حى لا إله إلا أنت يا ذا الجلال والاكرام يا أرحم الراحمين (اربعين مرة) ثم ضع خدك الايمن فتقولها اربعين مرة ثم ضع خدك الايسر فتقولها أربعين مرة ثم ترفع رأسك وتمد يدك وتقول ذلك اربعين مرة ثم ترد يدك إلى رقبتك


(1) الوسائل الباب 28 من بقية الصلوات المندوبة.

[ 544 ]

وتلوذ بسبابتك وتقول ذلك اربعين مرة ثم خذ لحيتك بيدك اليسرى وابك اوتباك وقل: يا محمد يا رسول الله صلى الله عليه وآله اشكو إلى الله واليك حاجتى وإلى أهل بيتك الراشدين حاجتى وبكم اتوجه إلى الله في حاجتى. ثم تسجد وتقول: يا الله يا الله - حتى ينقطع نفسك - صل على محمد وآل محمد وافعل بى كذاوكذا. قال أبو عبد الله (ع) فانا الضامن على الله ان لا يبرح حتى تقضى حاجته). وقد ورد في اخبار عديدة الاكتفاء بمطلق الصلاة والدعاء في طلب الحاجة كما في موثقة الحارث بن المغيرة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (إذا اردت حاجة فصل ركعتين وصل على محمد وآل محمد وسل تعطه). ويظهر من بعضها استحباب ان يكون ذلك في الاماكن المشرفة كما في صحيحة الحلبي (2) قال: (شكى رجل حاله إلى ابى عبد الله (ع) فأمره ان ياتي مقام رسول الله صلى الله عليه وآله بين القبر والمنبر فيصلى ركعتين... الخبر) وفى رواية اخرى (3) (وان شئت ففى بيتك) وفى روايات عديدة (4) الامر بدخول المسجد والصلاة والدعاء. ويظهر من بعضها اشتراط الاقلاع من الذنوب كما في رواية يونس بن عمار (5) قال (شكوت إلى ابى عبد الله (ع) رجلا كان يؤذيني فقال لى ادع عليه فقلت قد دعوت عليه فقال ليس هكذا ولكن اقلع عن الذنوب وصم وصل وتصدق فإذا كان آخر الليل فاسبغ الوضوء ثم قم فصل ركعتين وادع... الخبر) ومنه يظهر استحباب كون ذلك في الاوقات الشريفة وبعد الصوم والصلاة، ويؤيده غيره من الاخبار ايضا. الثامنة - صلاة الشكر وهى التى تستحب عند تجدد النعمة ومن ذلك لبس الثوب الجديد:


(1) الوسائل الباب 28 من بقية الصلوات المندوبة. (2) الوسائل الباب 22 من بقية الصلوات المندوبة. (3) و (5) الوسائل الباب 33 من بقية الصلوات المندوبة. (4) الوسائل الباب 22 و 28 و 29 من بقية الصلوات المندوبة.

[ 545 ]

روى ثقة الاسلام والصدوق في الخصال عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال أمير المؤمنين (ع) إذا كسا الله المؤمن ثوبا جديدا فليتوضأ وليصل ركعتين يقرأ فيهما ام الكتاب وآية الكرسي و (قل هو الله أحد) و (انا انزلناه) ثم ليحمد الله الذى ستر عورته وزينه في الناس، وليكثر من قول (لاحول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم) فانه لا يعصى الله فيه وله بكل سلك فيه ملك يقدس له ويستغفر ويترحم عليه). وروى الكليني عن هارون بن خارجة الثقة عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (قال في صلاة الشكر اذا انعم الله عليك بنعمة فصل ركعتين تقرأ في الاولى بفاتحة الكتاب و (قل هو الله أحد) وتقرأ في الثانية بفاتحة الكتاب (وقل يا ايها الكافرون) وتقول في الركعة الاولى في ركوعك وسجودك: الحمد لله شكرا شكرا وحمدا، وتقول في الركعة الثانية في ركوعك وسجودك: الحمد لله الذى استجاب دعائي واعطاني مسألتي). ومن الروايات الواردة في الصلاة عند لبس الثوب الجديد ما رواه الصدوق في المجالس وفى ثواب الاعمال وما في امالي الشيخ (قدس سره) وفي كتاب كشف الغمة (3). التاسعة - صلاة تحية المسجد وهى ما رواه الصدوق في الفقيه عن الصادق (ع) (4) في حديث المناهى قال: (قال رسول الله لا تجعلوا المساجد طرقا حتى تصلوا فيها ركعتين). وما رواه في معاني الاخبار والخصال باسناده عن ابى ذر (رضى الله عنه (5)


(1) و (3) الوسائل الباب 26 من احكام الملابس (2) الوسائل الباب 35 من بقية الصلوات المندوبة (4) الوسائل الباب 67 من احكام المساجد (5) الوسائل الباب 42 من احكام المساجد.

[ 546 ]

قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في المسجد جالس فقال يا ابا ذر ان للمسجد تحية. قلت وما تحية ؟ قال ركعتان تركعهما... الخبر) ورواه الشيخ ايضا في كتاب المجالس باسناده عن ابى ذر (رضى الله عنه) في وصية النبي صلى الله عليه وآله (1). والمشهور ان هذه الصلاة قبل الجلوس استحبابا، وهو الظاهر من فحاوي الاخبار وان لم تدل عليه صريحا. قالوا ويكفى فيها الفريضة أو نافلة غيرها. العاشرة - صلاة هدية الميت ليلة الدفن وهذه الصلاة لم نظفر بها في كتب الاخبار مسندة عن أحد الائمة الابرار (صلوات الله عليهم) وانما رواها الكفعمي في مصباحه (2) مكتاب الموجز لابن فهد وهو نقلها عن النبي صلى الله عليه وآله. قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يأتي على الميت أشد من أول ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة فان لم تجدوا فليصل أحدكم ركعتين: يقرأ في الاولى الحمد وآية الكرسي وفي الثانية الحمد والقدر عشرا فإذا سلم قال: اللهم صل على محمد وآل محمد وابعث ثوابهما إلى قبر فلان. فانه تعالى يبعث من ساعته الف ملك إلى قبره مع كل ملك ثوب وحلة... الخبر). قال وفى رواية اخرى (3) (يقرأ بعد الحمد التوحيد مرتين في الاولى وفى الثانية بعد الحمد التكاثر عشرا ثم الدعاء المذكور) ثم نقل الكفعمي عن والده رواية ثالثة (4) مثل الرواية الثانية لكن بزيادة آية الكرسي مرة في الركعة الاولى. وروى هذه الصلاة السيد رضى الدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وآله بالرواية الثانية. وأما ما اشتهر الان بين الناس من استحباب اربعين رجلا يصلون هذه الصلاة ليلة الدفن فلم أقف له على مستند ولا قول معتمد.


(1) الوسائل الباب 42 من احكام المسجد. (2) و (3) الوسائل الباب 44 من بقية الصلوات المندوبة. (4) ارجع إلى الاستدراكات رقم (37).

[ 547 ]

والذى يقرب عندي ان أخبار هذه الصلاة انما هي من روايات العامة (1) واليه يشير كلام بعض مشايخنا المعاصرين حيث قال: وهذه الصلاة وان لم يظهر كونها مروية من طريق أهل البيت (عليهم السلام) لكن يعضدها ما ورد من الاخبار الدالة على انتفاع الميت من الاعمال الصالحة بفعل غيره (2) وعلى التأكيد في ذلك، وهى متفرقة في ابواب الوقوف والصدقات والصلاة والحج والصوم والجنائز، ثم ذكر من ذلك ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمر بن يزيد الثقة الجليل (3) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) أيصلى عن الميت ؟ قال نعم حتى انه يكون في ضيق فيوسع الله عليه ذلك الضيق ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان اخيك عنك) ثم نقل جملة من الاخبار التى من هذا الباب وستأتى ان شاء الله تعالى في باب القضاء عن الميت. اقول: والحكم عندي لا يخلو من نوع اشكال، فان ما ذكره وان كان كذلك من حيث الاهداء للميت لكن شرعية هذه الصلاة على هذا الوجه المخصوص من الكيفية والزمان وكمية العدد المشهور فيها ونحو ذلك لما لم يثبت من طريق أهل البيت (عليهم السلام) فهو لا يخلو من احتمال البدعية وعدم المشروعية، فان العبادة وان كانت من حيث كونها عبادة راجحة ومستحبة لكن لو انضم إلى ذلك امر آخر من التخصيص بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو نحو ذلك من المشخصات مع عدم ثبوت ذلك شرعا فانه يكون تشريعا، ألا ترى ان الاخبار قد استفاضت بتحريم صلاة الضحى (4) مع كونها صلاة والصلاة خير موضوع (5) إلا انه لما انضم إلى


(1) لم نقف عليها في كتبهم بعد الفحص حتى ان ابن قدامة في المغني ج 2 ص 567 ذكر ما ينتفع به الميت من دعاء واستغفار وغير ذلك ولم يذكر هذه الصلاة. (2) و (3) الوسائل الباب 28 من الاحتضار. (4) الوسائل الباب 31 من اعداد الفرائض ونوافلها. (5) ارجع إلى التعليقة 1 ص 478.

[ 548 ]

ذلك تخصيص استحبابها بهذا الوقت المخصوص والعدد المخصوص ونحو ذلك من الخصوصيات مع عدم ثبوت ذلك شرعا حصلت الحرمة وصارت بدعة، والحكم كذلك في هذه الصلاة مع عدم ثبوت مشروعيتها على هذا الوجه المذكور عن أهل البيت (عليهم السلام) واحتمال كون تلك الاخبار من طرق العامة كما لا يخفى. والله العالم. الحادية عشرة - صلاة الاستطعام أي الصلاة له عند الجوع رواها الكليني والشيخ عن شعيب العقرقوفى (1) قال: (قال أبو عبد الله (ع) من جاع فليتوضأ وليصل ركعتين ثم يقول: يا رب انى جائع فاطعمني. فانه يطعم من ساعته). الثانية عشرة - صلاة الحبل بمعنى أن يطلب ان يحبل له رواها الشيخ والكليني عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) (2) قال: من أراد أن يحبل له فليصل ركعتين بعد الجمعة يطيل فيهما الركوع والسجود ثم يقول: اللهم انى اسألك بما سألك به زكريا اذ قال رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، اللهم هب لى ذرية طيبة انك سميع الدعاء اللهم باسمك استحللتها وفي امانتك اخذتها فان قضيت لى في رحمها ولدا فاجعله غلاما ولا تجعل للشيطان فيه نصبيا ولا شركا). إلى غيرذلك من الصلوات المذكورة في كتب الدعاء كالمصباح للشيخ ومصباح الكفعمي وغيرهما ومن أرادها فليرجع إليها، والاشتغال بغيرها مما هو اهم في المقام اولى من التطويل بذكرها زيادة على ما ذكرنا. والله العالم. تم الجزء العاشر من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ويتلوه الجزء الحادى عشر والحمد لله أولا وآخرا.


(1) الوسائل الباب 25 من بقية الصلوات المندوبة. (2) الوسائل الباب 38 من بقية الصلوات المندوبة. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية