الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الحدائق الناضرة - المحقق البحراني ج 9

الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 9


[ 1 ]

كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 هجرية حققه وعلق عليه محمد تقى الايروانى الجزء التاسع قام بنشره منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله اجمعين. المقصد الثاني في ما يلحق الصلاة من قواطعها وسهوها وشكوكها، وتفصيل الكلام فيه يتوقف على بسطه في مطالب: (الاول) - في قواطعها، ومنها ما يقطعها عمدا وسهوا على الخلاف الاتى ومنها ما لا يقطعها إلا عمدا، ومنها ما يكون الافضل تركه وان لم يقطعها، واطلاق القطع عليه تجوز باعتبار قطع فضلها، فههنا مقامات ثلاثة: (الاول) - في ما يقطعها عمدا وسهوا، لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بترك الطهارة عمدا أو سهوا، والظاهر ان الحكم المذكور اجماعي نصا وفتوى، وكذا لا خلاف في بطلانها بمبطلات الطهارة من حدث اكبر أو اصفر إذا كان عن عمد،، نقل الاجماع على ذلك جماعة من الاصحاب: منهم - العلامة. إلا ان الظاهر من كلام ابن بابويه - كما سيأتي ان شاء الله تعالى في مسألة من ترك ركعتين من الصلاتين ساهيا فانه يأتي بهما وان بلغ الصين - خلافه

[ 3 ]

ويمكن الحاق هذا الفرد بالسهو ايضا على نحو مسألة من تكلم في الصلاه عامدا بعد التسليم بناء على تمام صلاته ثم ظهر نقصانها فانه يتمها وتكون صلاته صحيحة فلا يخالف الاجماع المدعى في المقام. إنما الخلاف في ما لو احدث ساهيا، فاقول المشهور البطلان بل ادعى عليه العلامة في التذكرة الاجماع ففال انه مبطل للصلاة اجماعا. وقال في النهاية لو شرع متطهرا ثم احدث ذاكرا للصلاة أو ناسيا لها بطلت صلاته اجماعا إذا كان عن اختياره، ونسبه المحقق في المعتبر الى الخمسة. إلا ان كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا لا يخلو من اجمال، فان ظاهر كلامهم ان محل الخلاف في المسألة من أحدث في صلاته ساهيا، والمتبادر من هذا انه احدث بانيا على انه ليس في الصلاة بل سها عن كونه فيها، فهو في الحقيقة متعمد للحدث لكنه ساه عن الصلاة كمن تكلم في الصلاة ساهيا، فان كلامه وان كان عن تعمد إلا انه سها عن كونه في الصلاة، مع ان القول المنقول عن المرتضى والشيخ في هذا المقام وهو اعادة الوضوء والبناء إنما هو في من سبقه الحدث أي خرج منه من غير اختياره، قال في المنتهى اما الناسي إذا سبقه الحدث فان اكثر اصحابنا أو جبوا عليه الاستئناف بعد الطهارة، وقال الشيخ في الخلاف والسيد المرتضى في المصباح إذا سبقه الحدث ففيه روايتان وهكذا عبائر من نقل عنهما ذلك، والظاهر ان مرجع الجميع الى امر واحد وهو من أحدث غير متعمد لذلك في الصلاة اما بان يسبقه من غير اختياره أو بان يسهو عن كونه في الصلاة. وقد تقدم مذهب الشيخين في باب التيمم من تخصيص الحكم بالمتيمم إذا احدث في الصلاة لا عن عمد ثم وجد الماء فانه يتوضأ ويبنى. وكيف كان فالواجب الرجوع الى ما ورد في المسألة من الاخبار عنهم (عليهم السلام) وبيان ما يفهم منها في المقام: فنقول اما ما يدل على القول المشهور فمنه ما ذكره جملة من الاصحاب وهو ان الطهارة شرط في صحة الصلاة فيكون انتفاؤها موجبا لانتفاء الصلاة قضية للشرطية

[ 4 ]

ومنه - رواية ابى بكر الحضرمي عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (1) انهما كانا يقولان: " لا يقطع الصلاة إلا اربعة: الخلاء والبول والريح والصوت " رواه الكليني عنه في الموثق. وما رواه الشيخ عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال " سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع ؟ قال ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوءه، وان خرج متلطخا بالعذرة فعليه ان يعيد الوضوء وان كان في صلاته قطع الصلاة واعاد الوضوء والصلاة ". وما رواه الشيخ عن الحسن بن الجهم (3) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى الظهر أو العصر فاحدث حين جلس في الرابعة ؟ قال ان كان قال: " اشهد ألا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " فلا يعيد وان كان لم يتشهد قيل ان يحدث فليعد ". وما رواه في قرب الاسناد عن على بن جعفر (4) ونحوه في كتاب المسائل عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن رجل يكون في صلاته فيعلم ان ريحا قد خرجت منه ولا يجد ريحا ولا يسمع صوتا ؟ قال يعيد الوضوء والصلاة ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا ". ويعضده ايضا رواية ابى الصباح الكنانى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة فقال ان كان لا يحفظ حدثا منه ان كان فعليه الوضوء واعادة الصلاة وان كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا اعادة وما رواه في التهذيب عن الحسين بن حماد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7)


(1) و (3) و (4) و (5) و (7) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة. (2) الوسائل الباب 5 من نواقض الوضوء. (6) الوسائل الباب 3 من نواقض الوضوء.

[ 5 ]

قال: " إذا احس الرجل ان بثوبه بللا وهو يصلى فليأخذ ذكره بطرف ثوبه فيمسحه بفخذه فان كان بللا يعرف فليتوضأ وليعد الصلاة وان لم يكن بللا فذلك من الشيطان، اقول يجب حمله على ما إذا لم يستبرئ قبل وضوئه. واورد على الدليل الاول ان المعتبر عدم وقوع شئ من اجزاء الصلاة بدون الطهارة واما اشتراط عدم تخلل الحدث في الاثناء فممنوع. وفيه ان الصلاة ليست عباره عن تلك الاجزاء بالخصوص من قراءة وركوع وسجود ونحوها بل هي عبارة عن ذلك وعن ما بينها من الانتقالات لقولهم (عليهم السلام) في ما تقدم (1) من الاخبار، تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وجواز بعض الافعال الخارجة عنها في اثنائها لدليل كغسل الرعاف ونحوه لا يستلزم جواز ما لا دليل عليه. واورد على الاخبار الطعن بضعف السند وهو على ما عرفت من طريقتنا غير واضح ولا معتمد، وبالجمة فالروات المذكورة ظاهرة في القول المذكور تمام الظهور إلا انها معارضة بما هو اصح سندا واكثر عددا من اخبار القولين الاخرين وها أنا اسوق لك جمله ما وقفت عليه من اخبار المسالة زيادة على ما تقدم وابين الوجه فيها بما اتضح لى دليله وظهر لى سبيله. فاقول - وبالله التوفيق - من الاخبار المشار إليها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اكون في الصلاة فاجد غمزا في بطني أو اذى أو ضربانا ؟ فقال انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا، فان تكلمت ناسيا فلا شئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا. قلت فان قلب وجهه عن القبلة ؟ قال نعم وان قلب وجهه عن القبلة، قال المرتضى (رضى الله عنه) على ما نقل عنه: لو لم يكن الاذى والغمز ناقضا لم يأمره بالانصراف.


(1) ج 8 ص 478. (2) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

[ 6 ]

وما رواه الشيخ عن ابى سعيد القماط (1) قال: " سمعت رجلا يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول وهو في الصلاة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانيه أو الثالثة أو الرابعة ؟ قال فقال إذا أصاب شيئا من ذلك فلا بأس ان يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف الى مصلاه الذى كان يصلى فيه فيبنى على صلاته من الموضع الذى خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بكلام. قال قلت وان التفت يمينا وشمالا أو ولى عن القبلة ؟ قال نعم كل ذلك واسع إنما هو ينمزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه ان يبنى على صلاته ". وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع ان يصبر عليه أيصلى على تلك الحال أو لا يصلى ؟ قال فقال ان احتمل الصبر ولم يخف اعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر " ومفهومه انه لو لم يستطع الصبر فانه يجوز له القطع، واما انه بعد القطع ما حكمه فالخبر بحمل في ذلك. ونحو ذلك قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) " وان كنت في الصلاة فوجدت غمزا فانصرف إلا ان يكون شيئا تصبر عليه من غير اضرار بالصلاة ". ويعضد ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بمسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " قلت له رجل دخل في الصلاة وهو متيمم فصلى ركعة ثم احدث فاصاب الماء ؟ قال يخرج ويتوضأ ثم يبنى على ما مضى من صلاته التى صلى بالتيمم ". وفى الصحيح عن زرارة (5) قال: " قلت له رجل دخل في الصلاة وهو


(1) و (4) و (5) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة، والمسؤول في كتب الحديث هو أبو الحسن (ع). (3) ص 7.

[ 7 ]

متيمم فصلى ركعة واحدث فاصاب ماء ؟ قال يخرج ويتوضأ ويبنى على ما مضى من صلاته التى صلى بالتيمم ". وهذان الخبران وان كان موردهما التيمم خاصة إلا انهما دالان على ان وقوع الحدث في الصلاة غير مبطل كما هو القول المشهور. ويزيده تأييدا ايضا ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن بابراهيم ابن هاشم عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) " في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الاخيرة وقبل أن يتشهد ؟ قال ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع الى المسجد وان شاء ففى بيته وان شاء حيث شاء يقعد فيتشهد ثم يسلم، وان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته ". وما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (2) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الاخير ؟ قال تمت صلاته وانما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد ". وما رواه الكليني عن عبيد بن زرارة في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل صلى الفريضة فلما فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة احدث ؟ فقال اما صلاته فقد مضت وبقى التشهد وإنما التشهد سنة في الصلاة فليتوضأ وليعد الى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد ". وهذه الاخبار وان كان موردها خاصا بالحدث قبل التشهد الاخير إلا انه لا خلاف في وجوب التشهد وانه جزء من الصلاة وحينئذ فيكون الحدث واقعا في الصلاة وغير مبطل لها خلافا للمشهور كما عرفت. وظاهر الصدوق القول بهذه الاخبار الاخيرة حيث قال في الفقيه: ان


(1) و (3) الوسائل الباب 13 من التشهد. (2) الوسائل الباب 13 من التشهد. وفى الوسائل " عبيد بن زرارة " وفى التهذيب ج 1 ص 226 والوافى باب " الحدث والنوم في الصلاة " كما هنا.

[ 8 ]

رفعت رأسك من السجدة الثانية في الركعة واحدثت فان كنت قد قلت الشهادتين فقد مضت صلاتك وان لم تكن قلت ذلك فقد مضت صلاتك فتوضأ ثم عد الى مجلسك فتشهد. انتهى. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار: ويشمل ظاهر كلامه العمد ايضا ولا يخلو من قوة. انتهى. اقول - وبالله التوفيق والهداية الى سواء الطريق - لا يخفى ان الاخبار المتقدمة التى هي مستند القول المشهور وان ضعف سندها فانها هي الاوفق بالقبول والمطابقة للقواعد الشرعية والاصول مضافا الى الاحتياط المطلوب في الدين لذوى الالباب والعقول، وان ما سواها وان صح سندها بهذا الاصطلاح المحدث إلا انها لا تخلو من الخلل والقصور الزائد ذلك على ما فيها من المخالفة لاخبار القول المشهور. فاما صحيحة الفضيل بن يسار فلا دلالة فيها على محل البحث، فان ظاهرها إنما هو من وجد في بطنه تلك الاشياء من غمز أو أذى أو ضربان وشى، من هذه الاشياء ليس بحدث اصلا اتفاقا، وليس في سؤاله انه احدث فأمره (عليه السلام) بالانصراف عن الصلاة في تلك الحال وبقضاء الحاجة ثم الوضوء والبناء. واما جواب صاحب المدارك عن ذلك بان التعبير عن قضاء الحاجة بالانصراف شائع ليس في محله، فان هذا الكلام إنما هو من الامام (عليه السلام) ومحل الاشكال إنما هو في السؤال حيث لم يتضمن وقوع الحدث بالفعل وانما تضمن وقوع هذه الاوجاع الناشئة من حبس الغائط. ومثله في ما ذكرناه خبر القماط. نعم لقائل أن يقول انه يمكن حمل الخبرين المذكورين على من حصل له شئ، من هذه الامور المذكورة على وجه يخاف مبادرة الحدث وعدم امكان اتمام الصلاه فانه يجوز له قطع الصلاة وقضاء الحاجة والوضوء ثم البناء على ما فعل. ويشهد لذلك ما ذكرناه من صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وكلامه (عليه السلام) في الفقه فانهما وان كانا مطلقين بالنسبة الى العود والبناء الا أنه ممكن حمل اطلاقهما على ما دل عليه الخبران المذكوران من العود بعد القطوع والبناء وتكون هذه الروايات داله على

[ 9 ]

هذا الحكم وان لم يقل به أحد من الاصحاب. وكيف كان فالخبران المذكوران بناء على ما ذكرناه خارجان عن فرض المسألة نعم فيهما دلالة على بطلان الصلاة بتخلل الحدث، والاظهر عندي حملهما على التقية (1) التى هي في الاحكام الشرعية أصل كل بلية. على ان فيهما ايضا اشكالا من وجه آخر وهو ما تضمناه من الفرق بين الكلام متعمدا وبين الاستدبار وان الصلاة تبطل بالاول دون الثاني وهو خلاف ما دلت عليه الاخبار وكلمة الاصحاب من غير خلاف يعرف. واما صحيحتا زرارة الواردتان بالنسبة الى المتيمم فقد تقدم البحث فيهما في باب التيمم، وقد تقدم (2) في كلام المحقق الشيخ حسن في المنتقى حمل الخبرين المذكورين على معنى لا يخالف الاخبار المتقدمة، وملخصه ان المراد بالصلاة في قوله " يبنى على ما مضى من صلاته "، هي الصلاة التى صلاها بالتيمم تامة قبل هذه الصلاة التى احدث فيها، ومرجعه الى أن هذه الصلاة قد بطلت بالحدث وانه يخرج ويتوضأ من هذا الماء الموجود ولا يعيد ما صلى بهذا التيمم وان كان في الوقت، قال: ويكون قوله (عليه السلام) في آخر الكلام: " التى صلى بالتيمم " قرينة قوية على ارادة هذا المعنى، فيكون مفاد الخبرين حينئذ عدم وجوب اعادة الصلاة الواقعة بالتيمم بعد وجدان الماء، وهو معنى صحيح وارد في اخبار كثيرة مضى بعضها. انتهى. وهو جيد وبه ينطبق الخبران المذكوران على مقتضى الاصول الشرعية والقواعد المرعية مع قرب احتمال التقية (3). واما الاخبار الاخيرة الدالة على صحة الصلاة مع حصول الحدث بعد السجدة الاخيرة وقبل التشهد فقد تقدم البحث فيها في فصل التشهد.


(1) و (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 448 ج 8 والتعليقة 1 ص 387 ج 4. (2) ج 4 ص 392.

[ 10 ]

وبالجملة فان التمسك بذيل الاحتياط في أمثال هذه الاحكام طريق النجاة. والله العالم. (المقام الثاني) - في ما يبطلها عمدا، قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان كل من أخل بواجب من واجبات الصلاة عمدا أو جهلا من اجزاء الصلاة كالقراءة والركوع والسجود أو صفاتها كالطمأنينة في حال القراءة مثلا أو شرائطها كالوقت والاستقبال وستر العورة بطلت صلاته، قالوا وهذه كلية ثابتة في جميع مواردها عدا الجهر والاخفات فان الجاهل يعذر فيهما كما تقدم في فصل القراءة. وههنا اشياء قد صرح بها الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب لابد من ذكرها تفصيلا والكلام فيها تحقيقا ودليلا: (الاول) - وضع اليمين على الشمال حال القيام فوق السرة أو تحتها وهو المسمى بالتكتف والتكفير. وقد اختلف الاصحاب هنا في موضعين: (الموضع الاول) في حكمه فالمشهور بين الاصحاب التحريم بل نقل المرتضى والشيخ عليه اجماع الفرقة، ونقل عن ابن الجنيد انه جعل تركه مستحبا وعن أبى الصلاح انه جعل فعله مكروها واختاره المحقق في المعتبر. واستدل على القول المشهور بالاجماع المنقول، وبالاحتياط، وبان أفعال الصلاة متلقاة من الشرع ولا شرع هنا، وبانه فعل كثير خارج عن الصلاة. وبما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت الرجل يضع يده في الصلاة وحكى اليمنى على اليسرى، قال ذلك التكفير فلا تفعل ". وعن حريز عن رجل عن أبى جعفر (عليه السلام) (2) قال " لا تكفر إنما


(1) و (2) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة

[ 11 ]

يصنع ذلك المجوس، ونحوه قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة المتقدمة في صدر الباب (1) " ولا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس ". اقول: ويدل عليه ايضا ما رواه في الخصال عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يجمع المؤمن يديه في صلاته وهو قائم بين يدى الله عزوجل يتشبه بأهل الكفر يعنى المجوس ". وروى في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال: " إذا كنت قائما في الصلاة فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى ولا اليسرى على اليمنى فان ذلك تكفير أهل الكتاب ولكن ارسلهما ارسالا فانه احرى ان لا تشغل نفسك عن الصلاة ". وروى الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " قال على بن الحسين (عليه السلام) وضع الرجل احدى يديه على الاخرى في الصلاة عمل وليس في الصلاة عمل ". وروى على بن جعفر في كتابه عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته أيضع احدى يديه على الاخرى بكفه أو ذراعه ؟ قال لا يصلح ذلك فان فعل فلا يعود له. قال على قال موسى (عليه السلام) سألت ابى جعفر (عليه السلام) عن ذلك فقال اخبرني ابى محمد بن على عن ابيه على ابن الحسين عن ابيه الحسين بن على عن ابيه على بن ابى طالب (عليهم السلام) قال ذلك عمل وليس في الصلاة عمل ". قال بعض مشايخنا (قدس الله اسرارهم) " ليس في الصلاة عمل " أي لا ينبغى


(1) ج 8 ص 10 (2) و (4) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة (3) مستدرك الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة. (5) البحار ج 4 ص 155 وفى الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة.

[ 12 ]

أن يعمل في الصلاة عمل غير أفعال الصلاة أو هو بدعة ولا يجوز الابتداع فيها أو هو فعل كثير كما فهمه بعض الاصحاب. قال المحقق في المعتبر: الوجه عندي الكراهة أما التحريم فيشكل لان الامر بالصلاة لا يتضمن حال الكفين فلا يتعلق بها تحريم لكن الكراهة من حيث هي مخالفة لما دل عليه الاحاديث من استحباب وضعهما على الفخدين. واحتجاج علم الهدى بالاجماع غير معلوم لنا وخصوصا مع وجود المخالف من اكابر الفضلاء. والتمسك بانه فعل كثير في غاية الضعف لان وضع اليدين على الفخدين ليس بواجب ولم يتناول النهى وضعهما في موضع معين فكان للمكلف وضعهما كيف شاء، واما احتجاج الطوسى (قدس سره) بان أفعال الصلاة متلقاة (قلنا) حسن لكن كما لم يثبت تشريع وضع اليدين لم يثبت تحريم وضعهما فصار للمكلف وضعهما كيف شاء وعدم تشريعه لا يدل على تحريمه لعدم دلالة التحريم. وقوله الاحتياط يقتضى ترك ذلك (قلنا) متى ؟ إذ لم يوجد ما يدل على الجواز ام إذا وجد، لكن الاوامر المطلقة بالصلاة دالة باطلاقها على عدم المنع (قوله) عندنا تكون الصلاة باطلة (قلنا) لا عبرة بقول من يبطل إلا مع وجود ما يقتضى البطلان اما الاقتراح فلا عبرة به. وأما الرواية فظاهرها الكراهة لما تضمنت من قوله " يتشبه بالمجوس، وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بمخالفتهم ليس على سبيل الوجوب لانهم قد يفعلون الواجب من اعتقاد الالهية وانه فاعل الخير فلا يمكن حمل الحديث على ظاهره، فإذن ما قاله الشيخ أبو الصلاح من الكراهة اولى. انتهى. قال في المدارك بعد نقله: وهو جيد لكن في اقتضاء التشبيه ظهور الرواية في الكراهة نظر، مع أن رواية محمد بن مسلم المتضمنة للنهى خالية من ذلك. وبالجملة فحمل النهى على الكراهة مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة وهى منتفية فاذن المعتمد التحريم دون الابطال. انتهى. ومنه يعلم قول ثالث في المسألة ايضا وهو التحريم بغير ابطال، والى هذا القول أشار جده (قدس الله روحهما) في الروض

[ 13 ]

ورده بانه أحداث قول ثالث مخالف لما أجمع عليه الفريقان. وقال الشهيد في الذكرى بعد نقل كلام المحقق: قلت في بعض كلامه (قدس سره) مناقشة وذلك لانه قائل في كتبه بتحريمه وابطاله الصلاة، والاجماع وان لم لعله فهو إذا نقل بخبر الواحد حجة عند جماعة من الاصوليين. واما الروايتان فالنهى فيهما صريح وهو للتحريم على ما اختاره معظم الاصوليين، وخلاف العين لا يقدح في الاجماع، ولاتشبه بالمجوس فيما لم يدل دليل على شرعيته حرام واين الدليل الدال على شرعية هذا الفعل ؟ والامر بالصلاة مقيد بعدم التكفير الثابت في الخبرين المعتبرى الاسناد الذين عمل بهما الاصحاب (رضوان الله عليهم) فحينئذ الحق ما صار إليه الاكثر وان لم يكن اجماعا. انتهى. وجرى على نحوه الشهيد الثاني في الروض ايضا. اقول: ما ذكره الشهيدان (قدس الله سرهما) بالنسبة الى الاجماع هو الانسب بالقواعد الاصولية وما ذكره المحقق (قدس سره) هو الاوفق بالتحقيق. بقى الكلام في الروايات التى قدمناها مما ذكروه وما لم يذكروه ولا ريب ان مقتضى صيغة النهى فيها هو التحريم الى ان يقوم ما يوجب صرفه عن حقيقته، إلا ان عده في روايه حريز وصحيحة زرارة (1) في سياق جملة من المكروهات مما يثمر ظنا بكونه كذلك لقوله في الاولى، لا تكفر انما يصنع ذلك المجوس ولا تلثم ولا تحتفز ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك، وقوله في الثانية " إذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك منها ما اقبلت عليه ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثأب ولا تتمط ولا تكفر فانما يفعل ذلك المجوس، ولا تلثم ولا تحتفز ولا تفرج كما يتفرج البعير ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع اصابعك فان ذلك نقصان في الصلاة (2) الحديث، ولاظاهر ان قوله، نقصان في الصلاة، راجع الى كل من هذه


(1) ص 10 و 11 (2) لفظ الحديث في فروع الكافي ج 1 ص 82 والوافى باب (الاقبال على الصلاة) والوسائل هكذا " فان ذلك كله نقصان من الصلاة "

[ 14 ]

الاشياء المذكورة وهو مؤيد للحمل على الكراهة، والى ذلك ايضا يشير قوله (عليه السلام) في رواية على بن جعفر المنقولة من كتابه (1) بعد قوله " لا يصلح ذلك " " فان فعل فلا يعود له " فانه مؤذن بالكراهة ايضا. وبالجملة فان المسألة لا تخلو من شوب تردد وان كان القول بالتحريم كما ذهب إليه في المدارك لا يخلو من قوة. والله العالم. (الثاني) - في تفسيره، والتكفير في اللغة هو الخضوع وان ينحنى الانسان ويطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعله من يريد تعظيم صاحبه، ففى القاموس فسره بان يخضع الانسان لغيره. وفى النهاية الاثيرية هو أن ينحنى الانسان.. إلى آخر ما ذكر. وقد اختلف الاصحاب في تفسيره، فالفاضلان على انه عبارة عن وضع اليمين على الشمال وقيده العلامة في المنتهى والتذكرة بحال القراءة. وقال الشيخ لا فرق بين وضع اليمين على الشمال وبالعكس وتبعه ابن ادريس والشهيدان، ويدل على هذا القول ما تقدم من رواية صاحب كتاب دعائم الاسلام وهو ظاهر روايتي على بن جعفر المتقدمتين ايضا وبه يظهر قوة القول المذكور. قال بعض مشايخنا المتأخرين: والظاهر انه لا فرق في الكراهة أو التحريم بين أن يكون الوضع فوق السرة أو تحتها وبين أن يكون بينهما حائل أم لا وبين أن يكون الوضع على الزند أو على الساعد، وقد صرح بالجميع جماعة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) واستكشل العلامة في النهاية الاخير. انتهى. اقول: ويدل على الاخير ما تقدم (2) في رواية على بن جعفر الثانية من قوله " يضع احدى يديه على الاخرى بكفه أو ذراعه " وبه يضعف استشكال العلامة في ذلك.


(1) و (2) ص 11.

[ 15 ]

وكيف كان فلا ريب في جوازه حال التقية (1) بل وجوبه ان أدى تركه الى الضرر، ولو تركه حال التقية فالظاهر عدم البطلان لتوجه النهى الى أمر خارج عن العبادة. فائدة: روى العياشي في تفسيره عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له أيضع الرجل يده على ذراعه في الصلاة ؟ قال لا بأس ان بنى اسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى فانزل الله على


(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 14 " يبحث عن وضع احدى اليدين على الاخرى (اولا) عن اصله، قال به الحنفية والشافعي واحمد واسحاق وعامة اهل العلم وهو قول ابى هريرة والنخعي والثوري وسعيد بن جبير وابى مجلز وابي ثور وابى عبيد وابن جرير وداود. والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتبعين ومن بعدهم وحكاه ابن المنذر عن مالك. وقال ابن الزبير والحسن البصري وابن سيرين يرسلهما وهو المشهور عن مالك وقال الليث بن سعد ان طال عليه الارسال وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة. وقال الاوزاعي وهو مخير بين الوضع والارسال. و (ثانيا) في كيفيته وهى ان يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف، وقال الاسبيحاتى وعند ابى يوسف يقبض بيده المنى على رسغه اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف، وفى المفيد يأخذ الرسغ بالخنصر والابهام وهو المختار. وفى الدراية يضع باطن اصابعه على الرسغ طولا ولا يقبض. واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بان يضع باطن كفه اليمنى على كفه اليسرى ويحلق بالخنصر والابهام على الرسغ. و (ثالثا) في مكان الوضع فعندنا - الحنفية - تحت السرة وعند الشافعي على الصدر، وقال الترمذي العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وضع اليمين على الشمال وراى بعضهم فوق السرة وبعضهم تحت السرة وكل ذلك واسع. و (رابعا) وقت الوضع والاصل فيه كل قيام ذكر فيه مسنون فيعتمد بيده اليمنى على اليسرى فلا يعتمد في حال القنوت وصلاة الجنازة والقيام عن الركوع وبين تكبيرات العيد الزوائد، وهذا هو الصحيح، وعند ابى على النسفى والامام ابى عبد الله يعتمد في كل قيام سواه ذكر فيه مسنون اولا ". (2) مستدرك الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة.

[ 16 ]

نبيه، خذ ما آتيتك بقوة " (1) فإذا دخلت الصلاة فادخل فيها بجلد وقوة. ثم ذكرها في طلب الرزق فإذا طلبت الرزق فاطلبه بقوة ". اقول: الظاهر ان نفى البأس في الخبر المذكور خرج مخرج التقية وفيه اشارة الى ان التكفير يحصل بوضع اليد على الذراع كما قدمنا ذكره. وباقى الخبر لا يخلو من غموض واشكال فيحتمل أن يكون المراد بنبيه هنا هو موسى (عليه السلام) وما ذكر فيه من تماوت بنى اسرائيل يحتمل أن يكون راجعا الى تكفيرهم في الصلاة فان التكفير في هيئة التماوت وعلى هذا فالاية دالة على النهى عنه والامر بالدخول بقوة الذى هو عبارة عن وضع اليدين على الفخدين، وعلى تقدير كونه خطابا لنبينا (صلى الله عليه وآله) يكون المراد انه ينبغى لهذه الامة ان يأتوا بذلك من الارسال على الفخذين وعدم التكفير. والله العالم. (الثاني) - الكلام بحرفين فصاعدا مما ليس بقرآن ولا دعاء، ولا خلاف في ذلك بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد نقل اتفاقهم على ذلك جمع: منهم - الفاضلان والشهيدان وغيرهم. ويدل على ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصيحح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القئ في الصلاة كيف يصنع ؟ قال ينفتل فيغسل انفه ويعود في الصلاة وان تكلم فليعد الصلاة، ورواه الشيخ عن محمد بن مسلم باسناد آخر صحيح (3) وكذا رواه الكليني عنه باسناد صحيح (4) وزاد عليه " وليس عليه وضوء "، وما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن عبد الخالق (5) قال: " سألته عن الرجل يكون في جماعة من القوم يصلى المكتوبة فيعرض له رعاف كيف


(1) سورة البقرة الاية 63 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة (5) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة. وفى التهذيب ج 1 ص 229 " يصلى بهم المكتوبة " وفى الوسائل والوافى باب (الرعاف والقئ والدم) والاستبصار ج 1 ص 403 كما هنا

[ 17 ]

يصنع ؟ قال يخرج فان وجد ماء قبل أن يتكلم فليغسل الرعاف ثم ليعد فليبن على صلاته ". وما رواه الكليني والشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيبه الرعاف وهو في الصلاة ؟ فقال ان قدر على ماء عنده يمينا أو شمالا أو بين يديه وهو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصل ما بقى من صلاته وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته ". وقال في الفقيه: وفى رواية أبى بصير عنه (عليه السلام) (2) " ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فاعد الصلاة ". وقد تقدم قريبا (3) في صحيحة الفضيل بن يسار ورواية ابى سعيد القماط ما يدل على ذلك ايضا. وتمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على رسم مسائل: (الاولى) قد صرح بعضهم بان الكلام جنس لما يتكلم به سواء كان من حرف واحد أو اكثر إلا ان ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا تقييده بما تركب من حرفين فصاعدا، وظاهرهم الاجماع على ان الحرف الواحد الغير المفهم لا يسمى كلاما، نقل الاجماع على ذلك جمع: منهم - العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى. قال في المدارك: وقد قطع الاصحاب بعدم بطلان الصلاة بالكلام بالحرف الواحد لانه لا يسمى كلاما في العرف بل ولا في اللغة ايضا لاشتهار الكلام لغة في المركب من حرفين كما ذكره الرضى (رضى الله عنه) وان ذكر بعضهم انه جنس لما يتكلم به سواء كان على حرف واحد أو اكثر لان الاطلاق أعم من الحقيقة. انتهى ولا يخفى ما فيه فانه عدول عن ظاهر اللفظ المذكور إلا انه يمكن ان يقال


(1) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة. (2) الوسائل الباب 3 و 25 من قواطع الصلاة (3) ص 5 و 6

[ 18 ]

- كما تقدمت الاشارة إليه في غير موضع - ان الاحكام المودعة في الاخبار تبنى على ما هو الغالب المتكرر الذى يتبادر إليه الاطلاق وهو هنا إنما يصدق على ما كان من حرفين فصاعدا. ولعل إجماع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الحكم المذكور مبنى على ذلك. نعم يبقى الكلام في الحرف الواحد المفهم مثل " ق " من " وقى يقى " و " ع " من " وعى يعنى " ونحو هما من الافعال المعتلة الطرفين، وظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) دعوى صدق الكلام عليها لغة وعرفا بل هو كلام عند أهل العربية فضلا عن الكاملة لتضمنه الاسناد المفيد فيخدل في عموم الاخبار المتقدمة. ويمكن بناؤه على ان المحذوف في هذه الاوامر بمنزلة المذكور فيكون حرفين فصاعدا. (الثانية) حيث قد عرفت ان الكلام عندهم هو ما تركب من حرفين فصاعدا وهو أعم من أن يكون موضوعا أو مهملا فالتكلم بالالفاظ المهملة مبطل اجماعا بالترتيب المذكور. (الثالثة) الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في أن التنحنح والتأوه والانين والتنخم ونحوها مما لا يشتمل شئ منها على حرفين فانه غير مبطل لعدم صدق التكلم بذلك لغة ولا عرفا. ويدل عليه ما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق (1) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسمع صوتا بالباب وهو في الصلاة فيتنحنح لتسمع جاريته أو أهله لتأتيه فيشير إليها بيده ليعلمها من بالباب لتنظر من هو ؟ فقال لا بأس به ". وما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار عن رجل من بنى عجل (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكان يكون فيه الغبار فانفخه إذا اردت


(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة. والرواية رواها في الفقيه ج 1 ص 242 ولم ينقلها صاحبا الوسائل والوافى إلا عنه. (2) الوسائل الباب 7 من السجود

[ 19 ]

السجود ؟ فقال لا بأس " ورواه في الفقيه مرسلا نحوه (1). إنما الكلام في ما إذا اشتمل على حرفين والظاهر انه غير مبطلا لان الحكم دائر مدار التسمية فما لم يسم كلاما لا يحصل به الابطال والسامع إنما يقول تنحنح أو تأوه أو نحو ذلك، وظاهر جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) الابطال به لصدق الكلام عليه باعتبار تضمنه حرفين. وفيه ما عرفت من أنه وان تضمن حرفين لكنه لا يقال في العرف أنه تكلم وإنما يقال تنحنح أوتنخم إو نحو ذلك والى ما ذكرنا يميل كلام المحقق في المعتبر حيث انه استحسن جواز التأوه بحرفين للخوف من الله عند ذكر المخوفات، قال وقد نقل عن كثير من الصلحاء التأوه في الصلاة، ووصف إبراهيم (عليه السلام) بذلك (2) يؤذن بجوازه. واستحسنه في المدارك. وفيه ان جواز ذلك إن كان من حيث خصوص ما ذكره من خوف الله ففيه انه لا دليل عليه مع صدق الكلام عرفا، والكلام عندهم مبطلا إلا ما استثنى وليس هذا منه، وان كان من حيث عدم تسميته كلاما عرفا كما ذكرنا فلا وجه للتقييد بما ذكره. قال في المنتهى: لو تنحنح بحرفين وسمى كلاما بطل صلاته. قال بعض مشايخنا بعد نقل ذلك عنه: وهذا الفرض مستبعد بل يمكن ادعاء استحالته إلا ان ينضم إليه كلام آخر. انتهى. وهو جيد فان مع صدق التنحنح عرفا فصدق الكلام والحال كذلك مستبعد بل محال كما ذكره إلا ان يصل هذين الحرفين بكلام يخرج بهما عن صدق التنحنح فيكون خارجا عن محل الفرض. نعم روى الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3)


(1) الوسائل الباب 7 من السجود (2) في قوله تعالى " ان ابراهيم لحليم اواه منيب " في سورة هود الاية 77، وقوله تعالى " ان ابراهيم لاواه حليم " في سورة التوبة الاية 115 (3) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة. والسند في كتب الحديث هكذا " عن جعفر عن ابيه عن على (ع) "

[ 20 ]

ان عليا (عليه السلام) قال: " من أن في صلاته فقد تكلم " والاصحاب (رضوان الله عليهم) حملوه على الانين بحرفين والاظهر حمله على تأكيد الكراهة لما قلناه. ويمكن ايضا استثناء الانين من الحكم المذكور للخبر المشار إليه. ويؤيده ايضا ما رواه في الفقيه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: " ومن أن في صلاته فقد تكلم " ولعله الاجود فيكون الانين من جملة القواطع زائدا على الكلام ولا تعلق له به بوجه، ولا ضرورة الى تكلف اشتماله على المحرفين كما ذكروه. (الرابعة) ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في بطلان الصلاة بالكلام بين أن يكون الكلام لمصلحة الصلاة أم لا ولا بين أن يكون لمصلحة اخرى غير الصلاة كانقاذ الاعمى والصبى إذا خيف عليهما التردي في بئر أو الوقوع في نار ونحو ذلك، ويفهم من المعتبر والمنتهى ان الحكم اجماعي. ونقل عن العلامة في التذكرة انه غير مبطل. والظاهر الاول لما رواه الشيخ عن اسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (2) انه قال: " في رجل يصلى ويرى الصبى يحبوا الى النار أو الشاة تدخل البيت لتفسد الشئ ؟ قال فلينصرف وليحرز ما يتخوف ويبنى على صلاته ما لم يتكلم ". (الخامسة) قد تقدم انه يستثنى من الكلام المبطل ما إذا كان دعاء أو ذكرا أو قرآنا، ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق في تتمة الرواية المتقدمة عنه في المسألة الثالثة (3) " وعن الرجل والمرأة يكونان


(1) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة. والرواية - كما في الفقيه ج 1 ص 232 والوسائل والوافى باب (الالتفات والفرقعة والتكلم) مرسلة لم تسند الى ابى بصير (2) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة (3) ص 18 والرواية للصدوق لا للشيخ كما تقدم هناك

[ 21 ]

في الصلاة فيريدان شيئا أيجوز لهما أن يقولا " سبحان الله " ؟ قال نعم ويومئان الى ما يريدان، والمرأة إذا أرادت شيئا ضربت على فخذها وهى في الصلاة ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل يكون في صلاته والى جانبه رجل راقد فيريد أن يوقظه فيسبح ويرفع صوته لا يريد إلا ليستيقظ الرجل أيقطع ذلك صلاته أو ما عليه ؟ قال لا يقطع ذلك صلاته ولا شئ عليه. وسألته عن الرجل يكون في صلاته فيستأذن انسان على الباب فيسبح ويرفع صوته ويسمع جاريته فتأتيه فيريها بيده ان على الباب انسانا هل يقطع ذلك صلاته وما عليه ؟ قال لا بأس لا يقطع ذلك صلاته ". وروى ان عليا (عليه السلام) (2) قال: " كانت لى ساعة أدخل فيها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان كان في الصلاة سبح وذلك اذنه وان كان في غير الصلاة اذن ". والروايات الدالة على استحباب الدعاء في الصلاة لنفسه ولاخوانه اكثر من ان يحيط بها المقام. واما جواز قراءة القرآن في الصلاة فلا يحضرني من الاخبار إلا صحيحة معاوية بن وهب (3) الدالة على قراءة امير المؤمنين (عليه السلام) في جواب ابن الكواء لما قرأ " ولقد اوحى اليك والى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " (4) فانصت أمير المؤمنين (عليه السلام) الى ان كان


(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة. والسؤال الاول من الحديث ليس للشيخ وانما هو رواية قرب الاسناد وكتاب على بن جعفر راجع رقم 6 و 9 من الباب المذكور من الوسائل والوافى باب (ارادة الحاجة) والتهذيب ج 1 ص 230 (2) مستدرك الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة بادنى اختلاف في اللفظ (3) الوسائل الباب 34 من الجماعة (4) سورة الزمر الاية 65

[ 22 ]

في الثالثة فقرأ امير المؤمنين (عليه السلام) في جوابه " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " (1). وذكر بعض الاصحاب انه يجوز التنبيه بتلاوة القرآن كما لو أراد الاذن لقوم بقوله " ادخلوها بسلام آمنين " (2) أو لمن اراد التخطي على البساط بنعله " اخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى " (3) أو اراد اعطاء كتاب من اسمه يحيى " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " (4). اقول: والظاهر ان من هذا القبيل ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ذكر السورة من الكتاب ندعو بها في الصلاة مثل " قل هو الله احد " فقال إذا كنت تدعو بها فلا بأس، فان الظاهر ان المراد من الدعاء بها إنما هو بمعنى الطلب بمعنى يطلب بها الغير كما انه يطلب بالتسبيح كما تقدم. وبعض الاصحاب حمل الدعاء بها في الخبر على القنوت بالقرآن في الصلاة وجعله من قبيل التسبيح الذى ورد الاجتزاء به في القنوت. وبعض حمله على الدعاء وانه لا يشترط فيه الطلب بمعنى انه لا يشترط فيه أن يكون متضمنا للطلب. وقال في الوافى: لعل مراد السائل الرخصة في الاتيان بقراءة القرآن في غير محلها على وجه الدعاء والتمجيد طلبا لمعناها لا على وجه التلاوة. انتهى. والكل تكلف محض بل الظاهر ما ذكرناه فانه معنى صحيح لا يحتاج الى تكلف. وبما ذكرناه من الاخبار يعلم انه لو لم يقصد بالتسبيح أو القرآن سوى التفهيم فالظاهر صحة صلاته، ونقل عن العلامة في النهاية احتمال البطلان. ولو اتى بمفردات القرآن على غير الترتيب الذى هي عليه كان يقول " بسلام ادخلوها " فالظاهر - كما استظهر بعض الاصحاب - البطلان لانه ليس بقرآن فيكون كلاما اجنبيا.


(1) سورة الروم، الاية 59 (2) سورة الحجر، الاية 46 (3) سورة طه، الاية 12 (4) سورة مريم الاية 13 (5) الوسائل الباب 9 من القراءة

[ 23 ]

وقد صرح غير واحد بان اشارة الاخرس ليست بكلام. وفيه وجه ضعيف بالبطلان. (السادسة) المشهور انه لا تبطل الصلاة بالكلام سهوا بل نفى عنه الخلاف جمع من الاصحاب: منهم - الفاضلان وغيرهما. ويدل عليه ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول " اقيموا صفوفكم " قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعده ؟ قال بعده ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) " في الرجل يسهو في الركعتين ويتلكم ؟ قال يتم ما بقى من صلاته تكلم أو لم يتكلم ولا شئ عليه ". وقد تقدم (3) في صحيحة الفضيل بن يسار " فان تكلمت في الصلاة ناسيا فلا شئ عليك ". وروى في الفقيه باسناده عن عقبة (4) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دعاه رجل وهو يصلى فسها فاجابه بحاجته كيف يصنع ؟ قال يمضى على صلاته " اقول: وفى حكمه ما لو ظن الفراغ من الصلاة فتكلم على الاشهر الاظهر وذهب الشيخ في النهاية آلى البطلان. لنا - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) " في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى انه قد اتم الصلاه وقد تكلم ثم ذكر انه لم يصل غير ركعتين ؟ فقال يتم ما بقى من صلاته ولا شئ عليه ".


(1) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة (2) و (5) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (3) ص 5 (4) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة

[ 24 ]

وعن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) " في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم ؟ قال يتم ما بقى من صلاته تكلم أو لم يتكلم ولا شئ عليه " وعن زيد الشحام (2) قال: " سألته عن الرجل.. ثم ساق الخبر الى ان قال (عليه السلام) وان هو استيقن انه صلى ركعتين أو ثلاثا ثم انصرف فتكلم فلم يعلم انه لم يتم الصلاة فإنما عليه أن يتم الصلاة ما بقى منها فان نبى الله (صلى الله عليه وآله) صلى بالناس ركعتين ثم نسى حتى انصرف فقال له ذو الشمالين يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحدث في الصلاة شئ ؟ فقال ايها الناس أصدق ذو الشمالين ؟ فقالوا نعم لم تصل إلا ركعتين. فقام فاتم ما بقى من صلاته " ونحوه صحيحة سعيد الاعرج المتضمنة سهوه (صلى الله عليه وآله) (3). وما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن على بن النعمان الرازي (4) قال: " كنت مع اصحاب لى في سفر وانا امامهم فصليت بهم المغرب في الركعتين الاولتين فقال اصحابي إنما صليت بنا ركعتين فكلمتهم وكلموني فقالوا أما نحن فنعيد فقلت لكنى لا اعيد واتم بركعة فاتممت بركعة ثم سرنا فاتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت له الذى كان من أمرنا فقال لى أنت كنت أصوب منهم فعلا إنما يعيد الصلاه من لا يدرى ما صلى "، اقول: الظاهر ان تصويبه (عليه السلام) للامام دونهم إنما هو بالنسبة الى أصل الحكم في المسألة بمعنى انه من سلم ساهيا على ركعتين فان حكمه الاتمام ما لم يأت بمناف من خارج دون الاعادة من رأس وإلا فان اعادة المأمومين في الصورة المذكورة في محلها لانهم على يقين من عدم تمام الصلاة وقد تكلموا في اثنائها عمدا بقولهم للامام " إنما صليت بنا ركعتين " فالاعادة في محلها لذلك، وامام الامام ففى بنائه على ما فعل ايضا اشكالا لانه بعد العلم بما اخبروه قال: " لكنى لا اعيد واتم بركعة " وهذا كلام اجنبي قد وقع في اثناء الصلاة ايضا وهو موجب لاعادتها، اللهم


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة

[ 25 ]

إلا ان يراد به انه قال في نفسه من غير ان يتلكم بذلك. ونقل عن الشيخ انه حمل الخبر على جهل المسألة وقال بان الجاهل هنا في حكم الناسي. والشهيد في الذكرى حمل القول الاخير على مثل حديث النفس. وفيه انه لا يتم في المأمومين لانهم تكلموا اولا عالمين بكونهم في الصلاة. ثم الظاهر ان المراد بافعل التفضيل في قوله " أنت كنت أصوب منهم " إنما هو بمعنى أصل الفعل كما هو شائع الاستعمال لا بمعنى كون فعلهم ايضا صوابا فيدل على جواز الامرين والتخيير بينهما كما توهمه بعض متأخرى المحدثين. وأما ما ذهب إليه الشيخ هنا من البطلان فلا أعرف له دليلا إلا ان كان دخوله تحت إطلاق أخبار الكلام في الصلاة متعمدا وشمولها له. وفيه أن المتبادر من تلك الاخبار ان التعمد المبطل انما هو من علم انه في الصلاة وتكلم متعمدا بمعنى انه تعمد الكلام في الصلاة وأما من ظن انه أتم وان تعمد الكلام إلا انه بنى على خروجه من الصلاة وان لم يكن كذلك في الواقع فهو لم يتعمد الكلام في الصلاة ليلزم منه بطلان صلاته. (السابعة) - قال في المنتهى: لو تكلم مكرها ففى الابطال به تردد ينشأ من كون النبي (صلى الله عليه وآله) جمع بينه وبين الناسي في العفو (1) والاقرب البطلان لانه تكلم عامدا بما ليس من الصلاة، والاكراه لا يحرج الفعل عن التعمد. انتهى. وقال في الذكرى: لو تكلم مكرها ففى الابطال وجهان: نعم لصدق تعمد الكلام، ولا لعموم " وما استكرهوا عليه " (2) نعم لا يأثم قطعا. وقال في التذكرة يبطل لانه مناف للصلاة فاستوى فيه الاختيار وعدمه كالحدث. وهو قياس مع الفارق فان نسيان الحدث مبطل لا الكلام ناسيا قطعا. انتهى.


(1) و (2) في حديث الرفع المروى في الوسائل في الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس. وفى بعض رواياته " وما اكرهوا عليه ".

[ 26 ]

اقول: لا يبعد القول بالبطلان هنا لا لما ذكره في التكرة بل لشمول الاخبار المتقدمة للمكره لانها قد انفقت في الدلالة على ان من تكلم في صلاته فقد ابطلها، وظاهرها أعم من أن يكون ذلك عن عمد أو سهو أو اكراه وقيد التعمد إنما وقع في كلام الاصحاب، نعم قام الدليل على عدم البطلان بالنسبة الى الكلام ساهيا فوجب استثناؤه من اطلاق تلك الاخبار وبقى ما عداه. والاصحاب (رضوان الله عليهم) بالنظر الى قيام الادلة على استثناء الناسي وان صلاته صحيحة اطلقوا لفظ التعمد في جانب الاخبار الدالة على البطلان وقيدوها به وإلا فهى كما عرفت مطلقة شاملة باطلافها للعامد والناسى المكره. وهذا بحمد الله سبحانه واضح. ثم انه لو ورد في شئ من اخبار البطلان قيد التعمد لكان الظاهر حمله على ما قابل الناسي الذى دلت عليه الاخبار وبقى المكره داخلا تحتها ايضا. وأما خبر " وما استكرهوا عليه " فغايته رفع الاثم بمعنى انه إذا اكره على ارتكاب فعل محرم فلا اثم عليه في فعله وان بطلت الصلاة به في ما نحن فيه. وظاهره في الذكرى التوقف في الحكم المذكور وكذا في المدارك حيث قال: " وفى المكره وجهان احوطهما الاعاذة " مع ان ما ذكرناه من الابطال بالتقريب المذكور واضح لا سترة عليه. وكيف كان فانه وان كان ما ذكرناه هو الاقرب لما عرفت إلا ان الاحتياط لعدم النص الصريح في المقام مما لا ينبغى تركه. والله العالم. (الثالث) - الالتفات الى ما وراءه، وكلام الاصحاب وكذا اخبار الباب لا يخلو من المقام من اجمال واضطراب: قال في المعتبر: الالتفات يمينا وشمالا لا ينقض ثواب الصلاة والالتفات الى ما وراءه يبطلها لان الاستقبال شرط صحة الصلاة فالالتفات بكله مفوت لشرطها.. الى ان قال وأما كراهة الالتفات يمينا وشمالا بوجهه مع بقاء جسده مستقبلا فلرواية الحلبي (1).. إلى آخره


(1) ص 29

[ 27 ]

وظاهر هذا الكلام تخصيص الابطال بالالتفات الى ما وراءه بجميع البدن عامدا أو ساهيا والالتفات بكل البدن الى محض اليمين والشمال لا يوجب البطلان. وبذلك يظهر لك ما في نقل صاحب الذخيرة عنه يحث قال - بعد ان نقل عن اكثر عبارات الاصحاب (رضوان الله عليهم) تقييد الالتفات المبطل بما إذا كان الى ورائه وذكر ان هذا التقييد يوجب عدم بطلان الصلاة بالالتفات الى اليمين والشمال - ما لفظه: لكن صرح المحقق في المعتبر بان الالتفات بكل البدن مبطل وهو اعم من أن يكون الى الخلف أو الى اليمن أو اليسار بل يشمل ما بين الجانبين والقبلة ايضا. انتهى. وفيه ما عرفت من تصريحه في العبارة بما إذا كان الى ورائه. نعم لو خلينا وظاهر تعليله لامكن استفادة ذلك منه لصدق عدم الاستقبال وتفويت الشرط على ما إذا كان محض اليمين أو اليسار أو ما بين أحدهما وبين القبلة لكن قضية التقييد في المدعى يوجب التقييد في الدليل ليكون متطبقا على المدعى. الا ان ظاهر كلام المنتهى - وهو قد حذا حذو المعتبر في المقام - هو ما ذكره (قدس سره) من تخصيص الالتفات يمينا وشمالا الذى ينقض الصلاة بما إذا كان بالوجه. وبالجملة فان عبائرهم في المقام غير منقحة ولا ظاهرة بالظهور التام الحاسم لتطرق الاحتمال في تمييز تلك الاحكام. وقال في الذكرى: يحرم الانحراف عن القبلة ولو يسيرا، فلو فعل عمدا ابطلها، وان كان ناسيا وكان بين المشرق والمغرب فلا ابطال، وان كان الى المشرق والمغرب أو كان مستدبرا فقد اجرياه في المغنعة والنهاية مجرى الظان في الاعادة في الوقت إذا كان اليهما ومطلقا ان استدبر. وتوقف فيه الفاضلان.. الى ان قال واعلم ان الالتفات الى محض اليمين واليسار بكله كالاستدبار كما انه بحكمه في الصلاة مستدبرا على اقوى القولين فيجئ القول بالابطال ولو فعله ناسيا إذا تذكر في الوقت، وان فرقنا بين الالتفات وبين الصلاة الى اليمين واليسار فلا ابطال. انتهى

[ 28 ]

وهو ظاهر في بطلان الصلاة بتعمد الالتفات الى محض اليمين واليسار بجميع البدن كالاستدبار، وهو خلاف ما يفهم من كلام الاكثر من تخصيص الابطال بالالتفات الى ما وراءه كما سمعت من كلام المعتبر. واما الالتفات بالوجه خاصة فلا يخلو اما أن يكون الى الخلف أو الى احد الجانبين أو الى ما بينه وبين القبلة، وظاهر قولهم انه تبطل بتعمد الالتفات الى ما وراءه تخصيص الابطال في الوجه ايضا بالصورة الاولى، وظاهر عبارة المعتبر حيث خص الالتفات المبطل بكل البدن عدم الابطال وان استدبر به، وكلام العلامة في المنتهى والتذكرة والنهاية لا يخلو من اضطراب، وقال في الذكرى يكره الالتفات الى اليمين والشمال بحيث لا يخرج الوجه الى حد الاستدبار وكان بعض مشايخنا المعاصرين يرى ان الالتفات بالوجه قاطع للصلاة كما يقوله بعض الحنفية (1). هذا في صورة التعمد واما السهو فكلامهم فيه اشد تدافعا واضطرابا ليس في التعرض له كثير فائدة ومن أراد الاطلاق فليرجع في ذلك الى الدخيرة للفاضل الخراساني فانه قد اطال فيه بنقل تلك الاقوال. والواجب الرجوع الى الاخبار الواردة في المقام وبيان ما يظهر منها من الاحكام: الاول - ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمر بن اذينة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) انه سأله عن الرجل يرعف وهو في الصلاة وقد صلى بعض صلاته ؟ فقال ان كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير ان يلفت وليبن على صلاته، فان لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة. قال والقى مثل ذلك " الثاني - ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح (3) " انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله ". الثالث - ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه


(1) البحر الرائق ج 2 ص 21 (2) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة

[ 29 ]

السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يلتفت في الصلاة قال لا ولا ينقض اصابعه " الرابع - ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال: " ثم استقبل القبلة بوجهك ولا نقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله عزوجل يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله) في الفريضة: فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (3). الخامس - ما رواه الكليني والشيخ عته في الصحيح أو الحسن عن زراره عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: " إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله تعالى قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) في الفريضة: فول وجهك... (5)... الحديث ". السادس - ما رواه الكليني والشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فاعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا وان كنت قد تشهدت فلا تعد ". السابع - ما تقدم في مسألة الكلام في الصلاة عمدا (7) من قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي أو حسنته " وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته ". الثامن - ما رواه الصدوق عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: " ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فاعد الصلاة ". التاسع - ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (9)


(1) و (6) و (8) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 9 من القبلة (3) و (5) سورة البقرة الاية 139 و 145 (4) الفروع ج 1 ص 83 والتهذيب ج 1 ص 192 و 218 وفى الوسائل الباب 9 من القبلة (7) ص 17 (9) التهذيب ج 1 ص 235 وفى الوافى باب " السهو في اعداد الركعات "

[ 30 ]

قال: " سئل عن رجل دخل مع الامام في صلاته وقد سبقه بركعة فلما فرغ الامام خرج مع الناس ثم ذكر انه قد فانته ركعة ؟ قال يعيد ركعة واحدة يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة فإذا حول وجهه فعليه ان يستقبل الصلاة استقبالا ". العاشر - ما رواه في قرب الاسناد عن على بن جعفر (1) وكتاب المسائل لعلى بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته ؟ قال إذا كانت الفريضة والتفت الى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به وان كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود " الحادى عشر - ما رواه في مستطرفات السرائر من جامع البزنطى (3) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته ؟ قال إذا كانت الفريضة والتفت الى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به وان كانت نافلة فلا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود ". الثاني عشر - ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن ان ثوبه قد انخرق أو أصابه شئ هل يصلح له ان ينظر فيه أو يمسه ؟ فقال ان كان في مقدم ثوبه أو جانبيه فلا بأس وان كان في مؤخره فلا يتلفت فانه لا يصلح " ورواه على بن جعفر في كتابه (5) والحميري في قرب الاسناد (6). الثالث عشر - ما رواه الشيخ عن عبد الحميد بن عبد الملك (7) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الالتفات في الصلاة أيقطع الصلاة ؟ قال لا وما أحب أن يفعل ".


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) البحار ج 18 ص 210 (7) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة. وفى كتب الحديث هكذا: عن عبد الحميد عن عبد الملك. وفى جامع الرواة عند ذكر عبد الملك بن حكيم الخثعمي قال: حماد بن عثمان عن عبد الحميد عن عبد الملك عن ابى عبد الله " ع ". وهو مطابق لما نقلناه من كتب الحديث

[ 31 ]

الرابع عشر - ما رواه في الخصال باسناده عن على (عليه السلام) في حديث الاربعمائة (1) قال: " الالتفات الفاحش يقطع الصلاة وينبغى لمن فعل ذلك ان يبدأ الصلاة بالاذان والاقامة والتكبير ". اقول: هذا ما حضرني من الاخبار ولا يخفى ما فيها من الاختلاف والاضطراب ومن اجلها اختلفت كلمات الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب وتفصيل الكلام في هذا المقام ان يقال - بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام) - انه لا يخلو اما أن يكون الالتفات بالبدن كملا أو الوجه خاصة، وعلى الاول فاما أن يكون عمدا أو سهوا، وعلى كل منهما إما أن يكون الى ما بين اليمين واليسار أو الى محض اليمين واليسار أو الى دبر القبلة فههنا صور: (الاولى) - أن يكون الالتفات بالبدن عمدا الى ما بين اليمين واليسار، والظاهر الابطال لانه متعمد الصلاة الى غير القبلة، وعلى ذلك يدل الخبر الثاني والرابع والخامس والثامن والتاسع. (الثانية) - الصورة الاولى بحالها ولكن الالتفات الى محض اليمين واليسار والحكم فيها كذلك لما عرفت. (الثالثة) - الصورة بحالها ولكن الى دبر القبلة، وهو اولى بالبطلان للاخبار المتقدمة، ويدل على ذلك زيادة على ما تقدم الخبر السادس والعاشر والحادي عشر (الرابعة) - ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى ما بين اليمين والشمال، والظاهر الصحة لما تقدم في بحث القبلة من موثقة عمار (2) الدالة على ان " من صلى الى غير القبلة فعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ وكان متوجها الى ما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه حين يلعم... الحديث " وهو شامل باطلاقه للظان والساهى وصحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت


(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) ج 6 ص 430 وفى الوسائل الباب 10 من القبلة (3) الوسائل الباب 10 من القبلة

[ 32 ]

الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ؟ فقال له: قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة ". والتقريب فيها انه إذا صحت الصلاة بعد الاتيان بها كلا على تلك الحال في ما بين اليمين واليسار صح بعضها بطريق اولى لاشتراك الجميع في موجب الصحة وهو كون ما بين اليمين واليسار قبلة لغير المتعمد، بل ظاهر بعض الاخبار ايضا انه قبلة للمتعمد كما تقدم في بحث القبلة. وبما ذكرنا من هذه الاخبار يخص اطلاق الاخبار الدالة على الابطال في الصورة المتقدمة بحملها على العامد. وبذلك يظهر ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال بعد ايراد جملة من اخبار المسألة: إذا عرفت هذا فاعلم ان الصحيح ان الانحراف عن القبلة بكل البدن موجب لبطلان الصلاة مطلقا وان لم يصل الى حد التشريق والتغريب عملا بمنطوق صحيحة زرارة المذكورة (1) وعموم عدة من الاخبار المذكورة. انتهى. فان الظاهر ان مراده بالاطلاق يعنى اعم من ان يكون عن عمد أو سهو. وفيه ما عرفت والى ما ذكرنا من الصحة في هذه الصورة يشير كلامه في الذكرى كما قدمنا من قوله: وان كان ناسيا وكان ما بين المشرق والمغرب فلا ابطال. (الخامسة) - ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى محض اليمين واليسار والظاهر انه لا إشكال في وجوب الاعادة في الوقت لموثقة عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا صليت وانت على غير القبلة واستبان لك انك صليت على غير القبلة وانت في وقت فاعد وان فانك الوقت فلا تعد، ونحوها غيرها مما تقدم في بحث القبلة وهى شاملة باطلاقها للظان والساهى في الصلاة. ويدل عليه اطلاق جملة من الاخبار المتقدمة، خرج منه ما إذا كان الالتفات الى ما بين اليمين واليسار بالنصوص المتقدمة وبقى ما عداه.


(1) ص 28 (2) الوسائل الباب 11 من القبلة

[ 33 ]

إنما الاشكال في وجوب القضاء، ومنشأه من ظواهر الاخبار المشار إليها فان متقتضاها الابطال في الصورة المذكورة لما عرفت من عمومها لذلك وإنما خرج عنه حكم الصورة الرابعة بالنصوص المذكورة وبقى ما عداه، ومن دلالة موثقة عبد الرحمن المذكورة ونحوها على عدم الاعادة خارج الوقت. ومقتضى ما نقل في الذكرى عن المقنعة والنهاية هو الاعادة في الوقت خاصه حملا للالتفات على ظن الصلاة الى تلك الجهة وهو مقتضى موثقة عبد الرحمان المذكورة، ولا يخلو من قوة إلا ان الاحتياط في الاعادة. والى القول بعدم وجوب القضاء يميل كلام الشهيد في البيان وبه صرح ايضا في الروض، وكذا ظاهر عبارة الذكرى المتقدمة القول بوجوب القضاء في الوقت خاصة وقيل بوجوب القضاء مطلقا. (السادسة) - ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى دبر القبلة والمراد به ما بين اليمين واليسار من خلف لا خصوص دبر القبلة حقيقة، وظاهر الشهيد في الدروس ان المشهور عدم البطلان إلا انه اختار البطلان، ونقل ذلك عن ظاهر الشيخ في التهذيب، وهو ظاهر المحقق في ما تقدم من عبارته. قال في الذكرى: ويجوز ان يستدل على بطلان الصلاة بالاستدبار مطلقا بما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال قال: " الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله " فانه يشمل باطلاقه العامد والناسى إلا ان يعارض بحديث الرفع عن الناسي (2) فيجمع بينهما بحمله على العامد، انتهى. اقول: الظاهر ضعف هذه المعارضة فان المتبادر من الخبر المذكور إنما هو رفع المؤاخذة وهو لا ينافى البطلان. وبما ذكره هنا من القول بالصحة في الناسي اعتمادا على الخبر المذكور صرح العلامة


(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس

[ 34 ]

في المنتهى فقال: لو التفت الى ما وراءه ناسيا لم يعد صلاته لقوله (صلى الله عليه وآله) (1) " رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وفيه ما عرفت. ثم انه على تقدير البطلان فهل يختص بالوقت بمعنى وجوب الاعادة في الوقت خاصة أو يجب القضاء ايضا ؟ قولان وبالاول صرح في البيان، قال في تعداد المبطلات: وتعمد التحرف عن القبلة ولو يسيرا، ولو كان الى محض الجانبين أو مستدبرا بطلت وان كان سهوا إلا ان يستمر السهو حتى يخرج الوقت فلا قضاء فيهما على الاقرب. انتهى. وظاهر المقنعة والنهاية هو الاعادة مطلقا كما تقدم في عبارة الذكرى، والظاهر انه الاقرب لظواهر اطلاق اكثر الاخبار المقتدمة وخصوصا الخبر العاشر والحادي عشر. هذا كله في الالتفات في البدن. واما الالتفات بالوجه خاصة ففيه صور (الاولى) الالتفات الى محض اليمين واليسار، والمشهور بين الاصحاب جواز الالتفات على كراهية، وقد تقدم نقل كلام صاحب الذكرى عن بعض مشايخه المعاصرين - والظاهر إنه فخر المحققين ابن العلامة كما نقله غير واحد من الاصحاب - انه كان يرى ان الالتفات بالوجه قاطع للصلاة كما يقوله بعض الحنفية (2) قال لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال " لا تلتفتوا في صلاتكم فانه لا صلاة لملتفت " رواه عبد الله بن سلام (3) قال: ويحمل على الالتفات بكله. وروى زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) " الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله ". انتهى. قال في المدارك بعد أن نقل حكاية القول المذكور عن الشهيد: وربما كان مستنده اطلاق الروايات المتضمنة لذلك كحسنة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: " إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة


(1) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس (2) البحر الرائق ج 2 ص 21 (3) عمدة القارئ ج 3 ص 53 (4) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (5) ارجع الى التعليقة 4 ص 29

[ 35 ]

فتفسد صلاتك... الحديث " ثم قال: وحملها الشهيد في الذكرى على الالتفات بكل البدن لما رواه زرارة في الصحيح (1) " انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله " وقد يقال ان هذا المفهوم مقيد بمنطوق قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي (2) " أعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا " فان الظاهر تحقق التفاحش بالالتفات بالوجه خاصة الى أحد الجانبين. انتهى. اقول: فيه (اولا) ان الموجود في الذكرى هو ما قدمنا نقله عن الكتاب المذكور لا ما ذكره (قدس سره) من الاستدلال لذلك القول بصحيحة زرارة وجواب الشهيد عن الرواية المذكورة. والمناقشة في ذلك وان كانت سهلة إلا ان من لم يراجع الذكرى يتوهم ان الامر على ما ذكره فلذلك نبهنا عليه. و (ثانيا) - انه إنما يتم التقييد الذى ذكره بناء على ما ادعاه من حصول التفاحش بالالتفات بالوجه خاصة وهو بعيد، مع ان هذا المفهوم مؤيد بما دل عليه الخبر الثاني عشر (3). وظاهر السيد (قدس سره) الميل الى القول المذكور استنادا الى اطلاق الروايات المشار إليها وان كان صاحب القول المذكور انما استند الى تلك الرواية العامية. وهو جيد لظاهر حسنة زرارة المذكورة ونحوها الخبر الرابع (4) فان النظر بالوجه الى محض اليمين والشمال قلب الوجه عن القبلة، ونحوهما قوله في الخبر السابع (5) " وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه فقد قطع صلاته " وكذا الخبر الثامن والتاسع (6) وفى رواية ابى بصير الواردة في الرعاف (7) " ان تكلمت أو


(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الضلاة (2) و (4) و (5) و (6) ص 29 (3) ص 30 (7) الوسائل الباب 3 و 25 من قواطع الصلاة. وهذه الرواية ذكرها في الوافى في باب " الرعاف والقئ والدم " بعد صحيحة ابن اذينة المتقدمة ص 28 كما في الفقيه ج 1 ص 239 وليس فيها قرينة على ورودها في الرعاف إلا ذلك ولم يذكرها في باب الالتفات =

[ 36 ]

صرفت وجهك عن القبلة فاعد الصلاة " ومثلها صحيحة ابن اذينة (1) إلا أن ظاهر مفهوم صحيحة زرارة الدالة على ان الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله المؤيد بصحيحة على بن جعفر المذكورة (2) هو عدم البطلان، والمسألة لذلك موضع تردد. واما ما نقله في المدارك عن الذكرى من حمل حسنة زرارة على الالتفات بكل البدن فقد عرفت ان صاحب الذكرى لم ينقل الحسنة المذكورة وإنما ذكر هذا التأويل للخبر العامي وهو غير بعيد، اما بالنسبة الى الجسنة المذكورة فهو بعيد حيث انها اشتملت على استقبال القبلة بالوجه والنهى عن قلب الوجه. وحمل الوجه على مجموع البدن بعيد كما لا يخفى. والعجب من الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يظهر منهم من الاتفاق على عدم البطلان بالالتفات بالوجه الى محض اليمين واليسار إلا من فخر المحققين وقد اتفقوا على رد قوله مع ان الاخبار التى اشرنا إليها ظاهرة الدلالة على القول المذكور كالنور على الطور. وأما التفصيل - بالاتيان بشئ من الاقبال على تلك الحال فيعيد في الوقت وإلا فلا اعادة كما ذكره في المدارك واقتفاه غيره - فلا أعرف عليه دليلا بل ظاهر الاخبار التى ذكرناها دالة على الابطال في هذه الصورة الدلالة على البطلان مطلقا كما لا يخفى. هذا إذا كان عمدا اما لو وقع الالتفات كذلك سهوا فالظاهر الصحة لان الروايات الدالة على قطع الصلاة بالالتفات بالوجه ظاهرة في العمد والنهى في ما ورد بالنهي انما يتوجه الى العامد فلا شمول فيها للصورة المذكورة. (الصورة الثانية) ما بين اليمين واليسار والظاهر الصحة للخبر الثالث عشر (3)


= والتكلم بخلاف صاحب الوسائل فانه لم يذكرها في باب الرعاف وانما ذكرها في باب بطلان الصلاة بالاستدبار وباب بطلانها بالكلام. (1) ص 28 (2) و (3) ص 30

[ 37 ]

بحمله على هذه الصورة. وما رواه الصدوق في ثواب الاعمال عن الخضر بن عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قام العبد الى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه ولا يزال مقبلا عليه حتى يلتفت ثلاث مرات فإذا التفت ثلاث مرات اعرض عنه " بحمله على هذه المرتبة التى هي أقل مراتب الالتفات. ورواه البرقى في المحاسن (2). ونحوه ما رواه في قرب الاسناد عن ابى البخترى عن الصادق عن ابيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: " الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان فاياكم والالتفات في الصلاة فإن الله تبارك وتعالى يقبل على العبد إذا قام في الصلاة فإذا التفت قال الله تعالى يا ابن آدم عمن تلتفت ؟ (ثلاثا) فإذا التفت الرابعة اعرض عنه " وروى البرقى في المحاسين (4) قال وفى رواية ابن القداح عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) قال: " قال على (عليه السلام) للمصلى ثلاث خصال: ملائكة حافين به من قدميه الى اعنان السماء، والبر ينتثر عليه من رأسه الى قدمه، وملك عن يمينه وعن يساره، فإذا التفت قال الرب تبارك وتعالى الى خير منى تلتفت يا ابن آدم ؟ لو يعلم المصلى لمن يناجى ما انفتل ". وبهذه الاخبار بخص اطلاق الاخبار المتقدمة الدالة على قطع الصلاة بالانصراف بالوجه، فانه وان صدق الانصراف بالوجه في هذه الصورة في الجملة إلا ان هذه الاخبار قد دلت على مجرد الكراهة كما عرفت، وحينئذ فيخص الجواز على كراهة بهذه الصورة خلافا لما عليه الاصحاب من عمومها للصورة المتقدمة لما عرفت. هذا مع التعمد ومنه يعلم السهو بطريق اولى. (الصورة الثالثة) الاستدبار بالوجه والظاهر البطلان ان امكن وقوعه مع التعمد قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: واختار جماعة من الاصحاب: منهم - الشهيد البطلان مع بلوغ الوجه الى حد الاستدبار وان كان الفرض بعيدا، ويدل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 32 من قواطع الصلاة

[ 38 ]

عليه رواية الحلبي - واشار بها الحديث السادس (1) - قال إذ لا التفات افحش مما يصير الى حد الاستدبار. أقول: ونحوه الخبر الثالث عشر (2) ويدل عليه ايضا الاخبار التى أشرنا الى دلالتها على الابطال بالالتفات الى محض اليمين والشمال بطريق الاولى. قال في الروض: وإنما يبطل الالتفات في مواضعه لو وقع على وجه الاختيار أما لو وقع اضطرارا أو سهوا أو غيره ففى ابطاله نظر، من أن الاستقبال شرط فيبطل المشروط بفواته ولا فرق فيه بين الحالين كالطهاره إلا ما أخرجه النص، ومن العفو عما استكره الناس عليه للخبر (3) وهذا ههو الظاهر. انتهى. والله العالم. الرابع - القهقهة وهى لغة الترجيع في الضحك أو شدة الضحك كما في القاموس، وقال في الصحاح: القهقهة في الضحك معروف وهو أن يقول " قه قه ". قال في الروض بعد نقل كلام أهل اللغة وانه الترجيع في الضحك أو شدة الضحك: والمراد هنا مطلق الضحك كما صرح به المصنف في غير هذا الكتاب. والحكم يتحريم القهقهة وابطالها للصلاة مما لا خلاف فيه حكى اجماعهم عليه جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) كالفاضلين في المعتبر والمنتهى والتذكرة والشهيد في الذكرى وغيرهم. والاصل فيه الاخبار الواردة عنهم (علهيم السلام)، ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن سماعة (4) قال: " سألته عن الضحك هل يقطع الصلاة ؟ قال أما التبسم فلا يقطع الصلاة وأما القهقهة فهى تقطع الصلاة ". وما روياه ايضا في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة ". وروى في الفقيه مرسلا (6) قال: " قال الصادق (عليه السلام) لا يقطع


(1) ص 29 (2) ص 30 (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 34 (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 7 من قواطع الصلاة

[ 39 ]

التبسم الصلاة وتقطعها القهقهة ولا تنقض الوضوء ". وروى الصدوق في الخصال (1) عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يقطع الصلاة التبسم ويقطعها القهقهة ". أقول: ظاهر هذ الاخبار كما ترى هو ترتب القطع على القهقهة وقد عرفت معناها لغة، وظاهر كلام الروض المتقدم ان القاطع عند الاصحاب هو مطلق الضحك، وقال في الروضة في تفسير القهقهة هي الضحك المشتمل على الصوت وان لم يكن فيه ترجيع ولا شدة، وعلى هذا النحو كلام غيره ايضا. وبالجملة فان بعضهم فسر القهقهة بالضحك المشتمل على الصوت لوقوعها في الاخبار في مقابلة التبسم الخالى منه، ومنهم من فسرها بمطلق الضحك ظنا منهم ان التبسم ليس من افراد الضحك مع ان الظاهر من موثقة سماعة انه من افراد الضحك، وبذلك صرح في القاموس ايضا حيث قال فيه هو أقل الضحك واحسنه. وكيف كان فان ما ذكروه لا يخلو من الاشكال مخالفته للاخبار وكلام أهل اللغة. ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة عدم لفرق بين العمد والسهو إلا ان العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى ادعيا الاجماع على عدم الابطال بالواقعة سهوا. ولو وقعت على وجه لا يمكن دفعها لمقابلة لاعب ونحوه فاستقرب الشهيد في الذكرى البطلان وان لم يأثم لعموم الخبر. وهو جيد بل يظهر من التذكرة انه مجمع عليه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) والله العالم. الخامس - تعمد الفعل الكثير الخارج به عن الصلاة بلا خلاف بين الاصحاب بل كافة العلماء، حكى ذلك الفاضلان وغيرهما. قال في المنتهى: ويجب عليه ترك الفعل الكثير الخارج من أفعال الصلاة فلو فعله عامدا بطلت صلاته وهو قول أهل العلم كافة، لانه يخرج به عن كونه مصليا،


(1) ج 2 ص 166 وفى الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة رقم 16

[ 40 ]

والقليل لا يبطل الصلاة بالاجماع، قال ولم يحد الشارع القلة والكثرة فالمرجع في ذلك الى العادة وكل ما ثبت ان النبي والائمة (صلوات الله عليهم) فعلوه في الصلاة وامروا به فهو من جنس القليل كقتل البرغوث والحية والعقرب، وكما روى الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) انه كان يحمل امامة بنت أبى العاص فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها. أقول: لا يخفى ان الاخبار خالية من ذكر هذا الفرد والتعرض له في عداد ما يبطل الصلاة وإنما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولهذا اضطرب كلامهم في تحديد القلة والكثرة اضطرابا شديدا، فمنهم من حده بما سمى كثيرا عرفا، ومنهم من قال ما يخرج به فاعله عن كونه مصليا عرفا.


(1) قال في هامش محاضرات آية الله الخوئي في الفقه الجعفري قسم المعاملات ص 52: ولم يستشهد الائمة " ع " بقصة حمل النبي " ص " امامة ابنة زينب ولو كان لها عندهم " ع " عين أو اثر لاستشهدوا بها كما هي عادتهم ولكن اهل السنة في جوامعهم تعرضوا لهذه القصة ومع حرصهم الشديد عليها لم يذكروا إلا رواية واحدة عن ابى قتادة والراوي عنه عمرو بن سليم الزرقى وعنه عامر بن عبد الله بن الزبير وابو سعيد المقبرى ويزيد بن عتاب المجهول. وقد اختلفوا في النقل ففى صحيح البخاري ج 1 ص 87 قبل مواقيت الصلاة وصحيح مسلم ج 1 ص 205... الى ان قال بعد عد الجوامع وبيان الاختلاف بينها في المتن: وقد اضطرب فقهاؤهم لهذا الحديث الكاشف عن العمل الكثير المبطل وللخلاف في متن الحديث فمنهم من قال انه منسوخ ومنهم من قال انه في النافلة الجائز فيها ذلك، ثم قال راجع فيه نيل الاوطار للشوكاني ج 1 ص 102 وفتح الباري ج 2 ص 464 وعمدة القارئ ج 2 ص 501 وشرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد السارى ج 3 ص 198 يتجلى لك من اضطراب الفقهاء في توجيهه بعده عن الحقيقة... الى آخر كلامه. وفى النسخة المطوعة من الحدائق ادرجت العبارة الاتية في عبارة المنتهى وهى هذه: " وهذا الحديث من موضوعات العامة ارادوا به انحطاط منزلته " ص " ويأبى الله إلا ان يتم نوره ولو كره المشركون " مع انها غير موجودة في المنتهى لا في ما وقفنا عليه من نسخ الحدائق الخطية ولذا حذفت في هذه الطبعة.

[ 41 ]

وقال في السرائر ما يسمى في العادة كثيرا مثل الاكل والشرب واللبس وغير ذلك مما إذا فعله الانسان لا يسمى مصليا بل يسمى آكلا وشاربا ولا يسمى فاعله في العادة مصليا. وقال العلامة في التذكرة: اختلف الفقهاء في حد الكثرة فالذي عول عليه علماؤنا البناء على العادة فما يسمى في العادة كثيرا فهو كثير وإلا فلا، لان عادة الشرع رد الناس في ما لم ينص عليه الى عرفهم وبه قال بعض الشافعية. وقال بعضهم القليل ما لم يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة والكثير ما يسع. وقال بعضهم ما لا يجتاج الى فعل اليدين معا كرفع العمامة وحل الازرار فهو قليل وما يحتاج اليهما معا كتكوير العمامة وعقد السراويل فهو كثير. وقال بعضهم القليل ما لا يظن الناظر الى فاعله انه ليس في الصلاة والكثير ما يظن به الناظر الى فاعله الاعراض عن الصلاة (1) انتهى. واورد عليه ان ما ذكره من التعليل على احالة الحكم على العرف فهو متجه ان كان مستند أصل الحكم النص، وليس كذلك فانى لم اطلع على نص يتضمن ان الفعل الكثير مبطل ولا ذكر نص في هذا الباب في شئ من كتب الاستدلال، فاذن مستند الحكم هو الاجماع فيحب اناطة الحكم بمورد الاتفاق فكل فعل ثبت الاتفاق على كونه فعلا كثيرا كان مبطلا ومتى ثبت انه ليس بكثير فهو ليس بمبطل، ومتى اشتبه الامر فلا يبعد القول بعدم كونه مبطلا فان اشتراط الصحة بتركه يحتاج الى دليل بناء على ان الصلاة اسم للاركان المعين مطلقا فتكون هذه الامور خارجة عن حقيقتها. ويحتمل القول بالبطلان ووجوب الاعادة لتوقف البراءة اليقينية من التكليف الثابت عليه. انتهى. اقول - وبالله التوفيق الى هداية سواء الطريق - قد عرفت في غير مقام مما تقدم ما في بناء الاحكام الشرعية على الرجوع الى العرف من الفساد مضافا الى عدم


(1) الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 252 وبدائع الصنائع ج 1 ص 241 والمغنى ج 2 ص 249 والبحر الرائق ج 2 ص 12 ولم نعثر في ما وقفنا عليه من كتبهم بتحديد الفعل الكثير بما يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة.

[ 42 ]

الدليل عليه من سادات العباد. واما قول العلامة في ما قدمناه من كلامه - ان عادة الشرع رد الناس في ما لم ينص عليه الى عرفهم - فهو ممنوع أشد المنع بل المعلوم من الاخبار على وجه لا يعتريه غشاوة الانكار عند من جاس خلال الديار عند فقد النص إنما هو الوقوف والتثبت والاخذ بالاحتياط، وقد تقدمت في ذلك الاخبار في مقدمات كتاب الطهارة في مقدمة البراءة الاصلية وكذا في مواضع من مطاوى ابحاث الكتاب، ولا بأس بالاشار الى بعضها لازالة ثقل المراجعة على النظار: ومنها - قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) " إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا ". وقولهم (عليهم السلام) في جملة من الاخبار (2) " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة. إنما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع وامر بين غيه فيجتنب وامر مشكل يرد علمه الى الله تعالى والى رسوله (صلى الله عليه وآله) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من الهلكات ". وقوله (عليه السلام) في حديث حمزة بن الطيار " (3) كف واسكت انه لا يسعكم في ما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه والتثبت والرد الى ائمة الهدى (عليهم السلام) حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى ويعرفوكم فيه الحق، قال الله تعالى: فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " (4). وقوله (عليه السلام) (5) " ان وضح لك أمر فاقبله وإلا فاسكت تسلم ورد علمه الى الله تعالى فانك في أوسع مابين السماء والارض ". وقول الصادق (عليه السلام) في حديث ابى البريد المروى في الكافي (6)


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به. (4) سورة النحل، الاية 45. (6) الوسائل الباب 7 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به. وفيه - كما في اصول الكافي باب الضلال - هكذا (عن هاشم صاحب البريد) .

[ 43 ]

" اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا " الى غير ذلك من الاخبار التى يضيق عن نقلها المقام. واما الاعتماد على الاجماع واناطة الحكم به فهو وان كان مشهورا بينهم إلا انك قد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه وخافيه. والتحقيق عندي في المقام هو ان يقال لا ريب أن الصلاة عبادة شرعية موظفة محدودة بالتكبير الى التسليم تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (1) وانها عبارة عن الافعال المخصوصة وما بينها من الانتقالات إلا أنه قدرخص الشارع في الاتيان ببعض الافعال فيها مما هو خارج عنها، فيجب الوقوف على مواضع الرخص لانها جارية على خلاف الاصل، لانا لو خلينا وظاهر الامر بها وانها عبارة عما ذكرنا ولم يرد شئ من ما ذكرناه من الرخص لكنا نوجب الحكم ببطلانها مع الاتيان بتلك الاشياء البتة لخروجها عن الصلاة المبنية على التوقيف عن صاحب الشرع لكن لما وردت النصوص بها لم يسع الحكم بالابطال، وحينئذ فالواجب الاقتصار في الحكم بالصحة على موارد النصوص من تلك الاشياء ونحوها وما خرج عن ذلك سمى عرفا كثيرا أو لم يسم انمحت به صورة الصلاة أم لا فانه يجب الحكم فيه بالابطال وقوفا على ما ذكرناه عن الاصل. وبالجملة فانه حيث كانت النصوص خالية من هذا الحكم وما ادعوه من الاجماع في المقام وفرعوا عليه من الاحكام فهى لا توصل عدنا الى مقام فالواجب الوقوف على مقتضى الاصل في حكم الصلاة وما يقتضيه الامر بها وما ورد من النصوص المخصصة لذلك في هذا الباب. فالواجب ذكر جملة من تلك النصوص الواردة في ذلك لتكون انموذجا لا يتعداه السالك في هذه المسالك، فمن ذلك أخبار الرعاف وقد تقدم جمله منها في مسألة الكلام.


(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام و 1 من التسليم

[ 44 ]

ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة (1) انه قال: " لا بأس أن يعد الرجل صلاته بخاتمه أو بحصى يأخذ بيده فيعد به ". وما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (2) قال: " رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يسوى الحصى في موضع سجوده بين السجدتين ". وعن عبيد الله الحلبي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته أيمسح الرجل جبهته في الصلاة إذا لصق بها تراب ؟ فقال نعم قد كان أبو جعفر (عليه السلام) يمسح جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب ". وعن اسحاق بن عمار عن رجل من بنى عجل (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكان يكون فيه الغبار فانفخه إذا اردت السجود ؟ فقال لا بأس " وروى الكليني والشيخ عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (5) " في الرجل يمس انفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أينصرف ؟ قال إن كان يابسا فليرم به ولا بأس " وفى الكافي " دما كثيرا " (6). وروى الشيخ في الصحيح عن ابن ابى نصر عن ابى الوليد (7) قال: " كنت جالسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) فسأله ناجية أبو حبيب فقال له جعلني الله فداك ان لى رحى أطحن فيها فربما قمت في ساعة من الليل فاعرف من الرحى ان الغلام قد نام فاضرب الحائط لا وقظه ؟ فقال نعم أنت في طاعة الله تطلب رزقه " ورواه ابن بابويه بتفاوت في المتن (8) وفيه " فاقوم فاصلي... الى آخره ". وروى في الكافي والتهذيب في الحسن أو الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (9) في حديث قال: " والمرأة إذا ارادت الحاجة وهى


(1) الوسائل الباب 28 من الخلل في الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب 18 من السجود (4) الوسائل الباب 7 من السجود (5) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة (6) ليس في الكافي ج 1 ص 101 كلمة " كثيرا " (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة

[ 45 ]

تصلى تصفق بيديها ". وروى في الفقيه (1) قال: " وسأله حنان بن سدير أيومئ الرجل وهو في الصلاة ؟ قال نعم قد أومأ النبي (صلى الله عليه وآله) في مسجد من مساجد الانصار بمحجن كان معه. قال حنان ولا اعلمه الا مسجد بنى عبد الاشهل " وروى في الفقيه والتهذيب عن محمد بن بجيل اخى على بن بجيل (2) قال: " رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يصلى فمر به رجل وهو بين السجدتين فرماه أبو عبد الله (عليه السلام) بحصاة فاقبل إليه الرجل ". ورويا ايضا عن زكريا الاعور (3) قال " رأيت أبا لاحسن (عليه السلام) يصلى قائما والى جنبه رجل كبير يريد أن يقوم ومعه عصا له فاراد أن يتناولها فانحط أبو الحسن (عليه السلام) وهو قائم في صلاته فتاول الرجل العصا ثم عاد الى موضعه من الصلاة ". ورويا ايضا عن سعيد الاعرج (4) قال ": قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انى ابيت واريد الصوم فاكون في الوتر فاعطش فاكره أن اقطع الدعاء واشرب واكره أن أصبح وأنا عطشان وامامي قلة بينى وبينها خطوتان أو ثلاثة ؟ قال تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء ". وروى في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس ان تحمل المرأة صبيها وهى تصلى أو ترضعه وهى تتشهد ".


(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 10 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 12 من القيام. ولفظ التهذيب " ثم عاد الى صلاته " والفقيه " ثم عاد الى موضعه الى صلاته " (4) الوسائل الباب 23 من قواطع الصلاة. واللفظ للتهذيب وهو يختلف عن لفظ الفقيه وقد نقله في الوسائل عن كل منهما مستقلا. (5) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة

[ 46 ]

وروى في الفقيه (1) قال: " سأل الحلبي أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحتك وهو في الصلاة ؟ قال لا بأس ". وروى في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (2) انه قال: " في رجل يصلى ويرى الصبى يحبو الى النار أو الشاة تدخل البيت لتفسد الشئ ؟ قال فلينصرف وليحرز ما يتخوف ويبنى على صلاته ما لم يتكلم ". وروى الشيخ في الحسن عن مسمع (3) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت اكون اصلى فتمر بى الجارية فربما ضممتها الى ؟ قال لا بأس ". وعن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: " في الرجل يصلى في موضع ثم يريد ان يتقدم ؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم الى الموضع الذى يريد ثم يقرأ ". وما رواه في التهذيب والكافي عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت انك ان مشيت إليه رفع رأسه من قبل ان تدركه فكبر واركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف فان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف ". قال في الفقيه (6) " وروى انه يمشى في الصلاة يجر رجليه ولا يتخطى " وفى هذا الحكم اخبار عديدة بدلك. وروى في الفقيه والتهذيب في الموثق عن عمار قال: " سألت ابا عبد الله


(1) الوسائل الباب 28 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 22 من قواطع الصلاة. (4) الوسائل الباب 44 من مكان المصلى و 34 من القراءة (5) و (6) الوسائل الباب 46 من الجماعة (7) الوسائل الباب 19 من قواطع الصلاة

[ 47 ]

(عليه السلام) عن الرجل يكون في الصلاة فيرى حية بحياله يجوز له أن يتناولها فيقتلها ؟ فقال ان كان بينه وبينها خطوة واحدة فيلخط وليقتلها والا فلا ". ورويا في الحسن عن الحسين بن العلاء (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى الحية والعقرب وهو يصلى المكتوبة ؟ قال يقتلهما ". وفى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: " في رجل يرى العقرب والافعى والحية وهو يصلى أيقتلها ؟ قال: نعم ان شاء فعل " وروى في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا وجدت قملة وأنت تصلى فادفنها في الحصى " ومثلها رواية الحسين ابن ابى العلاء (4). وروى في كتاب قرب الاسناد وكتاب المسائل عن على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته فيرمى الكلب وغيره بالحجر ما عليه ؟ قال ليس عليه شئ ولا يقطع ذلك صلاته. وسألته عن الرجل هل يصلح له وهو في صلاته أن يقتل القملة أو النملة أو الفأرة أو الحلمة أو شبه ذلك ؟ قال أما القملة فلا يصلح له ولكن يرمى بها خارجا من المسجد أو يدفنها تحت رجليه. وسألته عن رجل رعف وهو في صلاته وخلفه ماء هل يصلح لن ان ينكص على عقبيه حتى يتناول الماء ويغسل الدم ؟ قال إذا لم يلتفت فلا بأس. وسألته عن المرأة تكون في صلاة الفريضة وولدها الى جنبها فيبكى وهى قاعدة هل يصلح لها أن تتناوله فتقعده في حجرها وتسكته وترضعه ؟ قال لا بأس ". وروى في المحاسن (6) عن ابن اذينة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من قواطع الصلاة (3) و (4) الوسائل الباب 20 من قواطع الصلاة (5) الوسائل الباب 10 و 20 و 2 و 24 من قواطع الصلاة بترتيب الاسئلة في المتن وقد نقل الاول والرابع من كتابه ايضا دون الثاني والثالث، وفى البحار ج 18 الصلاة ص 210 نقل الجميع من قرب الاسناد ومن كتابه. (6) ص 590

[ 48 ]

" لدغت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عقرب وهو يصلى بالناس فأخذ النعل وضربها ثم قال بعد ما انصرف: لعنك الله فما تدعين برا ولا فاجرا إلا آذيته. قال ثم دعا (صلى الله عليه وآله) بملح جريش فدلك موضع اللذعة ثم قال لو علم الناس ما في الملح الجريش ما احتاجوا معه الى ترياق وغيره ". وروى على بن جعفر في كتاب المسائل عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة تكون في صلاتها قائمة يبكى ابنا الى جنبها هل يصلح له ان تتناوله وتحمله وهى قائمة ؟ قال لا تحمل وهى قائمة ". قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) قوله " لا تحمل وهى قائمة " يمكن أن يكون ذلك لاستلزام زيادة الركوع بناء على عدم اشتراط النية في ذلك وظاهر بعض الاصحاب اشتراطها، ثم نقل كلام الذكرى الدال على ذلك ثم نقل رواية زكريا الاعور المتقدمة المتضمنة لهوى الامام لمناولة الشيخ عصاه (2) ثم قال: وهذا الخبر يدل على الجواز وعلى الاشتراط المذكور، ويمكن الجمع بينهما بحمل هذا الخبر على الفريضة أو الكراهة وخبر الاعور على النافلة أو على الجواز والاول اظهر. انتهى. وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب نوادر البزنطى في الصحيح عن الحلبي (3) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخطو امامه في الصلاة خطوتين أو ثلاثا ؟ قال نعم لا بأس. وعن الرجل يقرب نعله بيده أو رجله في الصلاة ؟ قال نعم ". وروى الشهيد في الذكرى عن البزنطى عن داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (4). في عد الاى بعقد اليد ؟ قال لا بأس هو احصى للقرآن ". وروى الصدوق في الفقيه عن على بن جعفر (5) " انه سأل اخاه موسى (عليه


(1) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة (2) ص 45 (3) و (4) الوسائل الباب 30 من قواطع الصلاة (5) الوسائل الباب 27 من قواطع الصلاة

[ 49 ]

السلام) عن الرجل يتحرك بعض أسنانه وهو في الصلاة هل ينزعه ؟ قال ان كان لا يدميه فلينزعه وان كان يدميه فلنصرف. وعن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه ؟ قال ان لم يتخوف ان يسيل الدم فلا بأس وان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعله. وعن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره هل يحكه وهو في صلاته ؟ قال: لا بأس. وقال لا بأس ان يرفع الرجل طرفه الى السماء وهو يصلى ". وروى الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى وفى كمه شئ من الطير ؟ قال: ان خاف عليه ذهابا فلا بأس. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يستدخل الدواء ويصلى وهو معه وهل ينقض الوضوء ؟ قال لا ينقض الوضوء ولا يصلى حتى يطرحه. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى وفى فيه الخرز واللؤلؤ ؟ قال إذا كان يمنعه من قراءته فلا وان كان لا يمنعه فلا بأس ". واما ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الموثق عن سماعة (2) - قال: " سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه ؟ قال يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة. قلت فيكون في الصلاة الفريضة فتفلت عليه دابة أو تفلت دابته فيخاف ان تذهب أو يصيب منها عنتا ؟ فقال لا بأس ان يقطع صلاته " وزاد في الفقيه (3) " ويتحرز ويعود في صلاته ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن حريز عن من اخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذ كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد ابق أو غريما لك عليه مال أو حية تخافها على نفسك فاقطع الصلاة واتبع الغلام


(1) الوسائل الباب 60 من لباس المصلى و 33 من قواطع الصلاة (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة

[ 50 ]

أو غريما لك واقتل الحية " - فيجب حمله على ما إذا استلزم فعل أحد المبطلات من الكلام والاستدبار، على ان الثاني منهما مطلق فيجوز حمله على ما تقدم من الاخبار. أقول: ومن هذه الاخبار يستفاد ان ما كان من الافعال مثل ما اشتملت عليه نوعا أو شخصا فلا بأس به وما زاد على ذلك وخرج عنه فهو محل الاشكال وان لم يسم كثيرا عرفا. هذا هو القدر الذى يمكن القول به في المقام. ثم ان المشهور بينهم ان ابطال الفعل الكثير مخصوص بصورة العمد كما صرح بذلك جمع منهم ونسبه في التكرة الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه. وقال الشهيد الثاني: لو استلزم الفعل الكثير ناسيا انمحاء صورة الصلاة رأسا توجه البطلان ايضا لكن الاصحاب اطلقوا الحكم بعدم البطلان. انتهى. وجزم سبطه في المدارك بالبطلان هنا حيث قال: ولم اقف على رواية تدل بمنطوقها على بطلان الصلاة بالفعل الكثير لكن ينبغى ان يراد به ما تنمحي به صورة الصلاة بالكلية كما هو ظاهر اختيار المصنف في المعتبر اقتصارا في ما خالف الاصل على موضع الوفاق وان لا يفرق في بطلان الصلاة بين العمد والسهو. انتهى. (السادس) - تعمد البكاء للامور الدنيوية من ذهاب مال أو فوت عزيز وان وقع بغير اختيار إلا انه لا يأثم به، وهذا الحكم ذكره الشيخ ومن تأخر عنه وظاهره عدم الخلاف فيه. واستدلوا عليه بانه فعل خارج عن حقيقة الصلاة فيكون قاطعا لها كالكلام، وما رواه الشيخ عن ابى حنيفة (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة ؟ قال ان بكى الذكر جنة أو نار فذلك هو أفضل الاعمال في الصلاة وان كان ذكر ميتا له فصلاته فاسدة ". ورد الاول في المدارك بانه قياس والثانى بضعف السند لاشتماله على عدة من


(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة

[ 51 ]

الضعفاء، قال فيشكل الاستناد إليها في اثبات حكم مخالف لاصل ثم نقل عن شيخه المعاصر التوقف في الحكم، قال وهو في محله. اقول: يمكن الجواب بناء على الاصلاح المحدث في تقسيم الاخبار بجبر الخبر بالشهرة بين الاصحاب لما عرفت من اتفاقهم على الحكم المذكور والامران اصطلاحيان وقال في الفقيه (1): وروى ان البكاء على الميت يقطع الصلاة والبكاء لذكر الجنة والنار من أفضل الاعمال في الصلاة. وقال شيخنا في الروض: واعلم ان البكاء المبطل للصلاة هو المشتمل على الصوت لا مجرد خروج الدمع مع احتمال الاكتفاء به في البطلان، ووجه الاحتمالين اختلاف معنى البكاء لغة مقصورا وممدودا والشك في ارادة ايهما من الاخبار قال: الجوهرى البكاء يمد ويقصر فإذا مددت اردت الصوت الذى يكون مع البكاء وإذا قصرت اردت الدموع وخروجها، قال الشاعر: بكت عينى وحق لها بكاها ولا يجدى البكاء ولا العويل. انتهى اقول: لا يخفى أن الموجود في النص الذى هو مستند هذا الحكم إنما هو بالفعل الشامل للامرين دون المصدر الذى هو مظهر لكل من المعنيين المذكورين وحينئذ فما اشتهر بين الاصحاب من تخصيص الابطال بما إذا اشتمل على الصوت دون مجرد خروج الدمع لا أعرف له وجها. وربما أيده بعضهم باستصحاب حكم الصحة في الصلاة والمتيقن هو الابطال بما اشتمل على الصوت. وهو ضعيف. واما ما ذكره في الذخيرة - من ان الظاهر من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ارادة الاعم - لعله مبنى على اطلاق بعضهم الكلام في البكاء وإلا فظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني المذكور ظاهر في اختياره التخصيص بالمشتمل على الصوت وإنما جعل الاخر احتمالا. وقال سبطه في المدارك: وينبغى ان يراد بالبكاء ما كان فيه انتحاب وصوت


(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة

[ 52 ]

لا مجرد خروج الدمع اقتصارا على موضع الوفاق ان تم. انتهى. وبعضهم علله بما قدمنا ذكره. ثم ان ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من حيث تعليقهم الابطال بالامور الدنيوية الذى هو اعم من ان يكون لفوتها أو لطلبها هو حصول الابطال بالبكاء لطلب ولد أو مال أو شفاء مريض أو نحو ذلك، وهو مشكل لانه مأمور به ومندوب إليه في الاخبار، مع ان ظاهر الخبر الذى هو مستند هذا الحكم إنما هو فواتها لا طلبها. وحينئذ فالظاهر انه لا تبطل بالبكاء لطلبها. ولا يعارض ذلك بمفهوم صدر الخبر لدلالته على انه ما لم يكن من الامور الاخروية يكون مبطلا، لانا نقول مفهوم صدر الخبر انه ما لم يكن كذلك ليس افضل الاعمال وعدم كونه افضل الاعمال لا يوجب البطلان. هذا. واما ما يدل من الاخبار على عدم الابطال بالبكاء للامور الاخروية - من الشوق الى الجنة أو الخوف من العذاب أو الندامة على الذنوب بل هو من افضل الاعمال عند ذى الجلال كما استفاضت به اخبار الال (صلوات الله وسلامه عليهم ما ترادفت الايام والليالي) وعضدته الايات الواردة في الكتاب العزيز كقوله عزوجل " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا " (1) - فمنها - ما صح عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " انه قال لعلى (عليه السلام) في جملة وصيته له: والرابعة كثرة البكاء لله يبنى لك بكل دمعة الف بيت في الجنة " وما رواه الصدوق (قدس سره) عن منصور بن يونس بزرج (3) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكى ؟ قال قرة عين والله. وقال إذا كان ذلك فاذكرني عنده ".


(1) سورة مريم الاية 59 (2) البحار ج 19 باب فضل البكاء وذم جمود العين (3) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة

[ 53 ]

وما رواه الشيخ (عطر الله مرقده) عن سعيد بياع السابرى (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيتباكى الرجل في الصلاة ؟ فقال بخ بخ ولو مثل رأس الذباب ". وما رواه ثقة الاسلام (نور الله ضريحه) عن محمد بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ما من شئ إلا وله كيل ووزن إلا الدموع فان القطرة تطفئ بحارا من نار فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق وجهها قتر ولا ذلة فإذا فاضت حرمه الله على النار، ولو ان باكيا بكى في امة لرحموا ". وعن محمد بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ما من عين إلا وهى باكية يوم القيامة إلا عين بكت عن خوف الله، وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله (عزوجل) إلا حرم الله عزوجل سائر جسده على النار ولا فاضت على خده فرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، وما من شئ إلا وله كيل ووزن إلا الدمعة فان الله عزوجل يطفئ باليسير منها البحار من النار فلو ان عهدا بكى في امة لرحم الله تلك الامة ببكاء ذلك العبد ". وعن ابى حمزة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: " ما من قطرة احب الى الله عزوجل من قطرة دموع في سواد الليل مخافة من الله لا يراد بها غيره ". وفى الحسن عن صالح بن رزين ومحمد بن مروان وغيرهما عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة: عين غضت عن محارم الله وعين سهرت في طاعة الله وعين بكت في جوف الليل من خشية الله " وعن ابن ابى عمير في الصحيح أو الحسن عن رجل من اصحابه (6) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) اوحى الله عزوجل الى موسى ان عبادي لم يتقربوا الى بشئ أحب الى من ثلاث خصال. قال موسى (عليه السلام) يا رب وما هن ؟ قال


(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 15 من جهاد النفس

[ 54 ]

يا موسى الزهد في الدنيا والورع عن المعاصي والبكاء من خشيتي. قال موسى يا رب فما لمن صنع ذا ؟ فأوحى الله عزوجل إليه يا موسى اما الزاهدون في الدينا ففى الجنة واما البكاءون من خشيتي ففى الرفيع الاعلى لا يشاركهم احد واما الورعون عن المعاصي فانى افتش الناس ولا افتشهم ". وعن على بن ابى حمزة (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لابي بصير ان خفت امرا يكون أو حاجة تريدها فابدا بالله فمجده واثن عليه كما هو اهله وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) واسأل حاجتك وتباك ولو مثل رأس الذباب، ان ابى كان يقول ان أقرب ما يكون العبد من الرب وهو ساجد باك ". (السابع) - تعمد الاكل والشرب إلا في الوتر لصائم أصابه عطش على المشهور وأصل الحكم المذكور ذكره الشيخ في الخلاف والمبسوط وادعى عليه الاجماع وتبعه عليه اكثر من تأخر عنه، ومنعه المحقق في المعتبر وطالبه بالدليل على ذلك. وهو جيد فانا لم نقف على ما يدل عليه من الاخبار، والى هذا مال جملة من أفاضل المتأخرين ومتأخريهم. قال في الذكرى: اما الاكل والشرب فالظاهر انهما لا يبطلان بمسماهما بل بالكثرة فلو ازدرد ما بين أسنانه لم يبطل اما لو مضغ لقمة وابتلعها أو تناول قلة فشرب منها فان كثر ذلك عادة ابطل وان كان لقمة أو شربة فقد قال في التذكرة يبطل لان تناول المأكور ومضغه وابتلاعه افعال معدودة. انتهى. وقال في المنتهى: لو ترك في فيه شيئا يذوب كالسكر فذاب فابتلعه لم تفسد صلاته عندنا وعند الجمهور تفسد (2) لانه يسمى أكلا. أما لو بقى بين اسنانه شئ من بقايا الغذاء فابتلعه في الصلاة لم تفسد صلاته قولا واحدا لانه لا يمكن التحرز عنه، وكذا لو كان في فيه لقمة ولم يبلعها إلا في الصلاة لانه فعل قليل. انتهى. اما لو وضع في فيه لقمة حال الصلاة ومضغها وابتلعها أو تناول قلة وشرب


(1) الوسائل الباب 29 من الدعاء (2) المغنى ج 2 ص 62

[ 55 ]

منها فقد صرح العلامة في النهاية والتذكرة على ما نقل عنهما بانه مبطل ابضا لان التناول والمضغ والابتلاع افعال كثيرة وكذا المشروب. وهذا القول جار على مذهب الشيخ المتقدم. وبالجملة فان من نازع في أصل الحكم إنما بنى فيه على حصول الكثرة وعدمها فجعل الابطال وعدمه دائرا مدار الكثرة وعدمها وإلا فالاكل والشرب من حيث هما غير مبطلين وهو الاظهر في المسألة، لنا - ان مجرد الاكل والشرب من قبيل الافعال التى تقدم في الاخبار تعدادها وما اشتملت عليه تلك الاخبار من الافراد المعدودة فيها إنما خرج مخرج التمثيل فتكون هي وما شابهها كذلك، وما زاد عليها يكون مبطلا لخروجه من الاخبار المذكورة وان علله الاصحاب بالكثرة التى عدوها من القواطع فالنزاع لفظي. وكيف كان فانه لا خلاف في استثناء الصورة المتقدمة بالشروط الواردة في الخبر الذى هو مستند الحكم المذكور وهو خبر سعيد الاعرج المتقدم (1) في جملة اخبار ما يجوز فعله في الصلاة. وهل يتعدى الحكم الى النافلة مطلقا ؟ صرح الشيخ بذلك والمشهور خلافه، قال في المعتبر: قال في المبسوط والخلاف لا بأس بشرب الماء في صلاة النافلة لان الاصل الاباحة وإنما منعناه في الفريضة بالاجماع، وقال الشافعي لا يجوز في نافلة ولا في فريضة (2). ثم استدل برواية سعيد الاعرج ثم ساق الرواية. ثم قال في المعتبر: وقوله " منعناه في الفريضة بالاجماع " لا نعلم أي اجماع اشار إليه والرواية المذكورة غير دالة على دعواه لانه ادعى الجواز في النافلة مطلقا والرواية تدل على الوتر خاصة بالقيود التى تضمنها الحديث وهى ارادة الصوم وخوف العطش وكونه في دعاء الوتر، ولا يلزم من جواز الشرب على هذا لا تقدير جوازه في النافلة


(1) ص 45 (2) الاقناع للخطيب الشربينى للشافعي ج 1 ص 123 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 254 فقد ذكرا ما يقتضى ذلك باطلاقه

[ 56 ]

مطلقا. انتهى. وهو جيد. اقول: وبغضهم لذلك تخطى عن عموم الوتر كما هو ظاهر المشهور الى تخصيص الجواز بدعائه كما هو مورد الرواية ولا ريب انه الاحوط. وأنت خبير بان هذا الاستثناء إنما يصح بناء على قول الشيخ واتباعه من الابطال بمسمى الاكل والشرب أو بناء على ان الشرب فعل كثير فيقتصر حينئذ على موضع النص والا فلا استثناء ولا قصر كما هو الاظهر وهو اختياره في المدارك ايضا المقام الثالث - في ما يكون الافضل تركه وان لم يقطعها وبعبارة اخرى ما يكره فيها: ومنها - الالتفات ييمنا وشمالا عند الاصحاب وذهب بعضهم الى انه محرم مبطل وقد تقدم تحقيق القول في ذلك قريبا. ومنها - العقص للرجل، قال في القاموس عقص شعره ضفره وفتله. والقول بالكراهة هو المشهور بين المتأخرين وذهب إليه سلار وابو الصلاح وابن ادريس وجمهور المتأخرين، وهو ظاهر عبارة الشيخ المفيد حيث قال: لا ينبغى للرجل إذا كان له شعر ان يصلى وهو معقوص حتى يحله وقد روى رخصة في ذلك للنساء. وقال الشيخ في التهذيب والمبسوط والخلاف إذا صلى الرجل وهو معقوص الشعر عامدا بطلت صلاته. واستدل عليه في الخلاف بالاجماع وبما رواه في التهذيب عن مصادف عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " في رجل الى صلى فريضة وهو معقوص الشعر ؟ قال يعيد صلاته " واجاب المتأخرون عن الاجماع بعدم ثبوته وهو جيد، وعن الرواية بضعف السند.


(1) الوسائل الباب 36 من لباس المصلى. والرواية للكليني كما في الفروع ج 1 ص 113 ورواها الشيخ عنه في التهذيب ج 1 ص 202

[ 57 ]

وفيه اولا - ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن الطعن بضعف السند لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم بل ولا على من لا يرى العمل به. وبالجملة فان رد الخبر من غير معارض مشكل ومن ثم مال المحدث الشيخ محمد ابن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل الى تحريمه وابطال الصلاة به. وروى في كتاب دعائم الاسلام عن على (عليه السلام) (1) انه قال: " نهانى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن اربع: عن تقليب الحصى في الصلاة وان اصلى وان عاقص رأسي من خلفي، وان احتجم وانا صائم، وان اخص يوم الجمعة بالصوم " وظاهر هذه الرواية الكراهة كما هو المشهور. ونفى البعد شيخنا المجلسي (قدس سره) عن حمل رواية مصادف على التقية (2). وكيف كان فالحكم مختص بالرجل واما النساء فلا كراهة فيهن اجماعا. ثم ان جمله من الاصحاب (رضوان الله عليهم) صرحوا بانه على تقدير التحريم لا يلزم البطلان، وعللوه بان النهى عن أمر خارج عن العبادة فلا يستلزم بطلانها. ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغفلة عن النص المذكور حيث انه قد اشتمل على الاعادة الصريحة في البطلان وليس في الباب غيره وليس هاهنا نص يتضمن النهى حتى يتجه ما ذكروه من التقريب. والله العالم. ومنها - التثاؤب والتمطى وفرقعة الاصابع والعبث بلحيته أو غيرها ونفخ موضع سجوده والتنخم والبصاق ونحو ذلك. والمستند في هذه الاشياء ونحوها عدة اخبار: منها - ما ورد في صحيح زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: " إذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك منها ما اقبلت عليه، ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا


(1) مستدرك الوسائل الباب 27 من لباس المصلى (2) في البحر الرائق ج 2 ص 23 استظهر التحريم للنهى بلا صارف (3) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة

[ 58 ]

بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثأب ولا تتمط ولا تكفر فانم ايفعل ذلك المجوس ولا تلثم ولا تحتفز ولا تفرج كما يتفرج البعير ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع اصابعك، فان ذلك كله نقصان من الصلاة، ولا تقم الى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا، فانها من خلال النفاق فان الله تعلى نهى المؤمنين أن يقوموا الى الصلاة وهم سكارى (1) يعنى سكر النوم، وقال للمنافقين: وإذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " (2). بيان: قال في النهاية: فيه " التثاؤب من الشيطان " التثاؤب معروف وهو مصدر تثاءب والاسم الثؤباء، وإنما جعله من الشيطان كراهية له لانه إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله الى الكسل والنوم، واضافة الى الشيطان لانه الذى يدعو الى اعطاء النفس شهوتها. واراد به التحذير من السبب الذى يتولد منه وهو التوسع في المطعم والشبع فيثقل عن الطاعات ويكسل عن الخيرات. انتهى. والتمطى معروف وقيل أصله من التمطط وهو التمدد. قال في المنتهى: يكره التثاؤب في الصلاة لانه استراحة في الصلاة ومغير لهيئتها المشروعة وكذا يكره التمطى ايضا لهذه العلة، ويؤيد ذلك ما رواه الشيخ في الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يتثأب في الصلاة ويتمطى ؟ قال هو من الشيطان ولن يملكه " ثم قال: وفى ذلك دلالة على رجحان الترك مع الامكان. انتهى. واما التكفير فقد تقدم الكلام فيه وكذا في اللثام. واما الاحتفاز فقال في النهاية: الحفز الحث والاعجال، ومنه حديث ابى بكرة " انه دب الى الصف راكعا وقد حفزه النفس " ومنه الحديث " انه (عليه السلام) اتى بتمر فجعل يقسمه وهو محتفز " أي مستعجل مستوفز يريد القيام، ومنه حديث على (عليه السلام) (4)


(1) سورة النساء الاية 46 (2) سورة النساء الاية 141 (3) الوسائل الباب 11 من قواطع الصلاة. (4) الوسائل الباب 3 من السجود

[ 59 ]

" إذا صلت المرأة فلتحتفز إذا جلست وإذا سجدت ولا تخوى كما يتخوى الرجل أي تتضام وتجتمع، انتهى. وقال في المجمع: في الحديث المصلى لا تلثم ولا تحتفز أي لا تتضام في سجودك بل تتخوى كما يتخوى البعير الضامر وهذا عكس المرأة فانها تحتفز في سجودها ولا تتخوى. انتهى. اقول: وقد علم من ذلك ان هذا اللفظ محتمل لمعنيين: (أحدهما) الجلوس غير متمكن ولا متورك بل يجلس مقعيا كالمريد للقيام سريعا. و (الثاني) بمعنى التضام في السجود أي لا تتضام في حال سجودك. وفى بعض النسخ " ولا تحتقن " والمراد به مدافعة الاخبثين. وروى في الكافي عن احمد بن محمد بن عيسى رفعه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قمت في الصلاة فلا تعبث بلحيتك ولا برأسك ولا تعبث بالحصى وانت تصلى إلا أن تسوى حيث تسجد فلا بأس ". وروى الشيخ في التهذيب عن ابى بصير (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت في الصلاة فاعلم انك بين يدى الله تعالى فان كنت لا تراه فاعلم انه يراك فاقبل قبل صلاتك ولا تمتخط ولا تبزق ولا تتقض أصابعك ولا تورك فان قوما قد عذبوا بنقض الاصابع والتورك في الصلاة... الحديث ". اقول: ان نقض الاصابع بالقاف بعد النون ثم الضاد المعجمة، قال في القاموس: انقض اصابعه ضرب بها لتصوت. وقال في مجمع البحرين: وانقاض الاصابع تصويتها وفرقعتها وانقض أصابعه ضرب بها لتصوت، ومنه الحديث لا ينقض الرجل أصابعه في الصلاة " انتهى. والتورك قسمان: منه هو سنة وهو ما تقدم في بحث السجود والتشهد، ومكروه وهو ان يضع يديه على وركيه في الصلاة وهو قائم، وهو المراد في الخبر، قال الصدوق في الفقيه (3): ولا


(1) الوسائل الباب 12 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة (3) ج 1 ص 198

[ 60 ]

تتورك فان الله عزوجل قد عذب قوما على التورك كان أحدهم يضع يديه على وركيه من ملالة الصلاة. وروى البزنطى في جامعه باسناده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قمت في صلاتك فاخشع فيها ولا تحذث نفسك ان قدرت على ذلك واخضع برقبتك ولا تلتفت فيها ولا يجز طرفك موضع سجودك وصف قدميك وارخ يديك ولا تكفر ولا تورك " قال البزنطى (رحمه الله) فانه بلغني عن ابى عبد الله (عليه السلام) ان قوما عذبوا لانهم كانوا يتوركون تضجرا بالصلاة. انتهى. قال الجزرى في النهاية: فيه " كره ان يسجد الرجل متوركا " هو ان يرفع وركيه إذا سجد حتى يفحش في ذلك. وقيل هو ان يلصق الييه بعقبيه في السجود. وقال الازهرى: التورك في الصلاة صربان سنة ومكروه، اما السنة فان ينحى رجليه في التشهد الخير ويلصق مقعدته بالارض، وهو من وضع الورك عليها والورك ما فوق الفخذ وهى مؤنثة، واما المكروه فان يضع يديه على وركيه في الصلاة وهو قائم وقد نهى عنه. انتهى كلام النهاية. وقال العلامة في المنتهى: يكره التورك في الصلاة وهو أن يعتمد بيديه على وركيه وهو التخصر روى الجمهور عن ابى هريرة (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن التخصر في الصلاة " ومن طريق الخاصة ما رواه ابى بصير، ثم ساق الرواية المتقدمة. والشهيد (قدس سره) في النفلية فسر التورك بالاعتماد على احدى الرجلين تارة وعلى الاخرى اخرى والتخصر بقبض خصره بيده، وحكم بكراهتهما معا. وروى في الكافي عن الحسن بن ابى الحسين الفارسى عن من حدثه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال. " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان


(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة عن البحارج 18 الصلاة ص 191 ومجموعة الشهيد (2) صحيح البخاري باب الخصر في الصلاة. (3) الوسائل الباب 12 من قواطع الصلاة

[ 61 ]

الله كره لكم ايتها الامة اربعا وعشرين خصلة ونهاكم عنها: كره لكم العبث في الصلاة... " وروى في الفقيه (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله تعالى كره لى ست خصال وكرهتهن للاوصياء من ولدى واتباعهم من بعدى: العبث في الصلاة والرفث في الصوم والمن بعد الصدقة واتيان المساجد جنبا والتطلع في الدور والضحك بين القبور ". وروى الكليني عن مسمع ابى سيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال " ان النبي (صلى الله عليه وآله) سمع خلفه فرقعة فرقع الرجل اصابعه في صلاته فلما انصرف قال النبي (صلى الله عليه وآله) اما انه حظه من الصلاة ". ومنها - مدافعة البول والغائط والريح، وعلل بما فيه من سلب الخشوع والتوجه والاقبال الذى هو روح العبادة. ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة وهو بمنزلة من هو في ثوبه ". بيان: الموجود في التهذيب والذى نقله جمله من الاصحاب هو ما ذكرناه من قوله " ولا لحاقنة " ونقله في الوافى " لحاقن ولا لحاقب " ثم قال: بيان - كلاهما بالحاء المهملة وفى آخر الاول نون وفى آخر الثاني باء موحدة: يعنى بالحاقن حابس البول وبالحاقب حاس الغائط. ثم نقل كلام النهاية بذلك... الى ان قال فما يوجد في بعض نسخ التهذيب، لا صلاة لحاقن ولا حاقنة " بالنون فيهما جميعا فلعله تصحيف. انتهى. اقول: والظاهر انه اجتهاد منه (قدس سره) بناء على ما نقله عن النهاية


(1) الوسائل الباب 63 من الدفن (2) الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة

[ 62 ]

وإلا فالموجود في التهذيب والذى نقله الاصحاب عنه في كتب الاستدلال إنما هو ما ذكرناه، ويؤيده ان البرقى في المحاسن (1) قد رواه ايضا كذلك فروى عن ابيه عن ابن ابى عمير عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " لا صلاة لحاقن ولا حاقنة وهو بمنزلة من هو في ثوبه ". قال في المنتهى بعد ايراد هذه الصحيحة: المراد بذلك نفى الكمال لا الحصة. ثم قال بعد ذلك: يكره مدافعة الاخبثين وهو قول من يحفظ عنه العلم، قال ولو صلى كذلك صحت صلاته ذهب إليه علماؤنا ونقل عن مالك وبعض العامة القول بالاعادة (2) وروى الشيخ عن ابى بكر الحضرمي عن ابيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا تصل وانت تجد شيئا من الاخبثين ". وروى في كتاب الخصال في الصحيح عن احمد بن ابى عبد الله البرقى رفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانيه لا يقبل الله لهم صلاة: العبد الابق حتى يرجع الى مولاه والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط ومانع الزكاة وتارك الوضوء والجارية المدركة تصلى بغير خمار وامام قوم يصلى بهم وهم له كارهون والزنين - قالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما الزنين ؟ قال الذى يدافع البول والغائط - والسكران، فهؤلاء الثمانية لا تقبل منهم صلاة ". بيان: قال في النهاية: فيه " لا يقبل الله صلاة الزبين " هو الذى يدافع الاخبثين وهو بوزن السجيل هكذا رواه بعضهم والمشهور بالنون كما روى " لا يصلين أحدكم وهو زنين " أي حاقن يقال زن فدن أي حقن فقطر. وقيل هو الذى يدافع الاخبثين معا. انتهى. وقال في القاموس في مادة " زبن " بالباء: وكسكين


(1) ص 83 (2) الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 259 (3) و (4) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة

[ 63 ]

مدافع الاخبثين أو ممسكهما على كره. ولم يتعرض في " زنن " بالنون الى ذلك. ونحوه في مجمع البحرين. وروى الصدوق في كتاب معاني الاخبار والمجالس عن اسحاق بن عمار (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا صلاة لحاقن ولا لحاقب ولا لحاذق فالحاقن الذى به البول والحاقب الذى به الغائط والحاذق الذى قد ضغطه الخف " وروى في كتاب المحاسن عن عيسى بن عبد الله العمرى عن ابيه عن جده عن على بن ابى طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) قال: " لا يصل أحدكم وبه احد العصرين يعنى البول والغايط " اقول: قال في القاموس: والعصر الحبس وفى الحديث " أمر بلالا أن يؤذن قبل الفجر ليعتصر معتصرهم " أراد قاضى الحاجة وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه أيصلى على تلك الحال أو لا يصلى ؟ قال فقال ان احتمل الصبر ولم يخف اعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر " وفيه دلالة على صحة الصلاة مع الحقن كما ادعى عليه الاجماع. وكيف كان فان الحكم المذكور مخصوص بما إذا عرض له ذلك قبل الدخول في الصلاة وإلا فلو كان بعد ذلك فلا كراهة اجماعا. مسائل (الاولى) - لا خلاف في جواز السلام على المصلى للاصل ولعموم قوله عزوجل " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا " (4). ولموثقة عمار السابطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) " انه سأله عن


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة (3) ارجع الى التعليقة 2 ص 6 (4) سورة النور، الاية 61 (5) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة

[ 64 ]

التسليم على المصلى فقال إذا سلم عليك رجل من المسلمين وانت في الصلاة فرد عليه في ما بينك وبين نفسك ولا ترفع صوتك ". وفى موثقة سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة ؟ قال يرد يقول سلام عليكم ولا يقل وعليكم السلام فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قائما يصلى فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه فرد النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا " هكذا رواه في الكافي عن عثمان بن عيسى عن سماعة (2) وفى التهذيب رواه عن عثمان بن عيسى عنه (عليه السلام) (3). وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " دخلت على ابى جعفر (عليه السلام) وهو في الصلاة فقلت السلام عليك فقال السلام عليك فقلت كيف اصبحت ؟ فسكت (عليه السلام) فلما انصرف قلت أيرد السلام وهو في الصلاة ؟ فقال نعم مثل ما قيل له ". ولا خلاف ايضا في جواز الرد من المصلى بل وجوبه، ويدل عليه موثقة عمار المذكورة وصحيحة محمد بن مسلم المذكورة ايضا. وما رواه في الفقيه في الصحيح (5) قال: " سأل محمد بن مسلم ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يسلم على القوم في الصلاة فقال إذا سلم عليك مسلم وانت في الصلاة فسلم عليه تقول الصلام عليك واشر باصبعك ".


(1) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة (2) الفروع ج 1 ص 102 في الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة (3) هكذا في النسخة المطبوعة ج 1 ص 29 إلا ان في هامشها علق على قوله " عثمان بن عيسى " هكذا " عن سماعة في نسخة ولعله هو الصواب لان عثمان لم ينقل عنه عليه السلام " وفى الوافى باب " رد السلام والتحميد للعطاس " نقل الرواية عن عثمان ابن عيسى عن سماعة من الكافي والتهذيب كليهما، وظاهر الوسائل ايضا ان عثمان يرويها عن سماعة، راجع الباب 16 من قواطع الصلاة (4) و (5) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة

[ 65 ]

اقول: ومن اخبار المسألة ما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذ سلم عليك الرجل وأنت تصلى قال ترد عليه خفيا كما قال ". وما رواه في الفقيه (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) سلم عمار على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في الصلاة فرد عليه ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) ان السلام اسم من اسماء الله تعالى ". وما رواه عبد الله بن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يكون في الصلاة فيسلم عليه الرجل هل يصلح له أن يرد ؟ قال نعم يقول السلام عليك فيشير إليه باصبعه ". وما رواه الصدوق في الخصال عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: " لا تسلموا على اليهود والنصارى... الى ان قال ولا على المصلى - لانه لا يستطيع أن يرد السلام لان التسليم من المسلم تطوع والرد فريضة - ولا على آكل الربا ولا على رجل جالس على غائط ولا على الذى في الحمام " وما رواه الشهيد في الذكرى (5) قال: روى البزنطى عن الباقر (عليه السلام) قال: " إذا دخلت المسجد والناس يصلون فسلم عليهم وإذا سلم عليك فاردد فانى أفعله، وان عمار بن ياسر مر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يصلى فقال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فرد عليه السلام ". وروى في الخصال (6) في الصحيح عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: " بينما امير المؤمنين (عليه السلام) في الرحبة والناس عليه متراكمون


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة (4) و (5) الوسائل الباب 17 من قواطع الصلاة (6) ج 2 ص 56 وفى الوسائل الباب 43 من احكام العشرة

[ 66 ]

فمن مستفت ومن مستعد إذ قام إليه رجل فقال السلام عليك يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فنظر إليه امير المؤمنين (عليه السلام) بعينيه هاتيك العظيمتين فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته... الخبر ". وروى في الكافي عن حماد الاحمسي (1) قال: " دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) وأنا أريد ان أسأله عن صلاة الليل فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال وعليك السلام أي والله انا لولده... الحديث ". وعن الحكم بن عتيبة (2) قال " بينا أنا مع ابى جعفر (عليه السلام) والبيت غاص باهله إذ اقبل شيخ يتوكأ على عنزة له حتى وقف على باب البيت فقال السلام عليك يا ابن رسول (صلى الله عليه وآله) ورحمة الله وبركاته فقال أبو جعفر (عليه السلام) وعليك السلام ورحمة الله وبركاته... ". وعن ابن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا سلم احدكم فليجهر بسلامه ولا يقول سلمت فلم يردوا على ولعله يكون قد سلم ولم يسمعهم، فادا رد أحدكم فليجهر برده ولا يقول المسلم سلمت فلم يردوا على، ثم قال كان على (عليه السلام) يقول لا تغضبوا ولا تغضبوا افشوا السلام واطيبوا الكلام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، ثم تلا عليهم قول الله تعالى: السلام المؤمن الميهمن " (4). وعن الحسن بن المنذر (5) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من قال السلام عليكم فهى عشر حسنات ومن قال سلام عليكم ورحمة الله فهى عشرون


(1) الفروع ج 1 ص 137 وفى الوسائل الباب 2 و 16 من اعداد الفرائض ونوافلها. والراوي - كما في الكافي والوافى باب " فضل الصلاة " والوسائل - عائذ الاحمسي لا حماد الاحمسي. (2) الوسائل الباب 43 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 38 و 34 من احكام العشرة (4) سورة الحشر الاية 23 (5) الوسائل الباب 39 من احكام العشرة

[ 67 ]

حسنة ومن قال سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهى ثلاثون حسنة ". وعن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " ثلاثة يرد عليهم رد الجماعة وان كان واحدا: عند العطاس يقال يرحمكم الله وان لم يكن معه غيره، والرجل يسلم على الرجل فيقول السلام عليكم والرجل يدعو للرجل فيقول عافاكم الله تعالى وان كان واحدا فان معه غيره " والضمير في " غيره " راجع للواحد المذكور في جميع هذه الصور، والمراد بالغير الملائكة الموكلون به الحافظون والكاتبون وغيرهم. وعن ابى عبيدة الحذاء عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " مر امير المؤمنين (عليه السلام) بقوم فسلم عليهم فقالوا عليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه. فقال لهم امير المؤمنين (عليه السلام) لا تجاوزوا بنا ما قالت الملائكة لابينا ابراهيم (عليه السلام) إنما قالوا رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ". وعن عنبسة بن مصعب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " القليل يبدأون الكثير بالسلام والراكب يبدأ الماشي وأصحاب البغال يبدأون اصحاب الحمير وأصحاب الخيل يبدأون أصحاب البغال ". وعن ابن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سمعته يقول يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد وإذا لقيت جماعة جماعة سلم الاقل على الاكثر وإذا لقى واحد جماعة سلم الواحد على الجماعة ". إذا عرفت ذلك فههنا فوائد شريفة ونكات لطيفة يحب التنبيه عليها في المقام ليكمل بها النظام: الاولى - لا خلاف في وجود الرد في الصلاة كان أم لا، والاصل فيه


(1) الوسائل الباب 41 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 43 من احكام العشرة (3) و (4) الوسائل الباب 45 من احكام العشرة

[ 68 ]

قبل الاخبار الاية الشريفة وهى قوله عزوجل: " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (1). والمراد بالتحية في الاية السلام أو ما هو اعم منه، والتحية لغة ايضا السلام، قال في القاموس: التحية السلام. وقال في المصباح المنير: وحياه تحية أصله الدعاء بالحياة، ومنه التحيات لله أي البقاء، وقيل الملك، ثم كثر حتى استعمل في مطلق الدعاء ثم استعمله الشارع في دعاء مخصوص وهو " سلام عليكم ". وفى المغرب حياه بمعنى احياه تحية كبقاه بمعنى ابقاه تبقية، هذا أصلها ثم سمى ما حيى به من سلام ونحوه تحية، قال الله تعالى: " تحيتهم يوم يلقونه سلام " (2) وحقيقة " حييت فلانا " قلت حياك الله أي عمرك الله. انتهى. وقال امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان: التحية السلام يقال حيى يحيي تحية إذا سلم. وقال في تفسير الاية امر الله المسلمين برد السلام على المسلم باحسن مما سلم ان كان مؤمنا وإلا فليقل " وعليكم " لا يزيد على ذلك، فقوله: " باحسن منها " للمسلمين خاصة وقوله: " اوردوها ": لاهل الكتاب، عن ابن عباس فإذا قال المسلم " السلام عليكم " فقلت " وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته " فقد حييته باحسن منها وهذا منتهى رد السلام. وقيل ان قوله " اوردوها " للمسلمين ايضا عن السدى وعطاء وابراهيم وابن جريح قالوا إذا سلم عليك فرد عليه باحسن مما سلم عليك أو بمثل ما قال. وهذا اقوى لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) انه قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ". وذكر على بن ابراهيم في تفسيره عن الصادقين (عليهم السلام) ان المراد بالتحية في الاية السلام وغيره من البر، وذكر الحسن ان رجلا دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال السلام عليك فقال النبي (صلى الله عليه وآله) وعليك السلام ورحمة الله فجاءه آخر فقال السلام عليك ورحمة الله فقال (صلى الله عليه وآله) وعليك السلام ورحمة الله وبركاته


(1) سورة النساء الاية 88 (2) سورة الاحزاب الاية 43 (3) صحيح مسلم ج 2 ص 138 كتاب السلام باب الرد على اهل الكتاب

[ 69 ]

فجاءه آخر فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال النبي (صلى الله عليه وآله) وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقيل يا رسول الله زدت للاول والثانى في التحية ولم تزد للثالث فقال انه لم يبق لى من التحية شيئا فرددت عليه مثله. انتهى كلامه زيد مقامه أقول: ومن الاخبار الواردة على العموم كما ذكره على بن ابراهيم في تفسيره ما رواه الصدوق في الخصال بسنده في حديث طويل عن ابى جعفر عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) (1) قال: " إذا عطس أحدكم فسمتوه قولوا يرحمكم الله ويقول هو يغفر الله لكم ويرحمكم قال الله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (2) وفى كتاب المناقب لابن شهر اشوب (3) " جاءت جارية للحسن (عليه السلام) بطاق ريحان فقال أنت حرة لوجه الله. فقيل له في ذلك فقال (عليه السلام) ادبنا الله تعالى فقال: " إذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (4) وكان أحسن منها عتقها ". ويؤيده ما رواه في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في الصحيح (5) من ان رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام. بقى هنا اشكال وهو انه على تقدير العموم في الاية يلزم وجوب تعويض كل بر واحسان والظاهر انه لا قائل به بل ربما دلت الاخبار على العدم، ويمكن حمل الاية على الرجحان المطلق الشامل للوجوب والاستحباب، وعلى هذا فالاستدلال بالاية المذكورة على وجوب الرد لا يخلو من الاشكال إلا ان يقال ان الواجب الحمل على مقتضى ظاهر الامر وقيام الدليل الصارف في بعض الافراد لا يستلزم القول بذلك في ما لا دليل عليه.


(1) الوسائل الباب 58 من احكام العشرة (2) و (4) سورة النساء الاية 88 (3) البحار ج 18 الصلاة ص 204 (5) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة

[ 70 ]

هذا. واما الاخبار الدالة على وجوب الرد فقد تقدمت الاشارة إليها الثانية - المفهوم من الاخبار التى قدمناها ان الرد من المصلى بمثل ما قيل له من " السلام عليكم " و " السلام عليك " ونحوهما، وقد تضمنت موثقة سماعة النهى عن الرد بقوله " وعليكم السلام " واما غير المصلى فانه يرد بقوله " وعليكم السلام " بتقديم الظرف. هذا هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولابن ادريس خلاف في موضعين، قال في الروض بعد ذكر وجوب الرد بالمثل في الصلاة وذكر بعض الاخبار الدالة عليه: وخالف ابن ادريس في اعتبار المثل فجوز الرد بقوله " عليكم السلام " خصوصا مع تسليم المسلم به لعموم الاية واستضعافا لخبر الواحد والاصحاب على خلافه. انتهى. والاظهر هو القول المشهور لما تقدم من الاخبار الصريحة في ذلك. ويظهر من العلامة في المختلف موافقة ابن ادريس في عدم وجوب الرد بالمثل ايضا. وخالف ابن ادريس ايضا بالنسبة الى غير المصلى فجوز الرد بالمثل ووافقه في ذلك بالنسبة الى غير المصلى الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث جوز الرد بالمثل استنادا الى ما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) في حديث قال: " إذا سلم عليكم مسلم فقولوا سلام عليكم وإذا سلم عليكم كافر فقولوا عليك ". وانت خبير بان الاخبار الكثيرة مما قدمنا ذكره وما لم نذكره كلها متفقة الدلالة على الرد بتقديم الظرف عكس ما يسلم به المسلم. ويمكن الجواب عن هذه الرواية بان الغرض من هذا اللفظ إنما هو بيان الفرق بين الرد على المسلم والكافر بان الكافر يقتصر في افرد عليه بقوله " عليك " من غير اردافه بالتسليم عليه بخلاف المسلم فانه يردفه بالتسليم عليه، وسياق الخبر إنما هو في ذلك وليس الخبر مسوقا


(1) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة

[ 71 ]

لبيان كيفية الرد كما في الاخبار التى قدمناها. ولا بأس بذكر الخبر كملا لتظهر للناظر قوة ما ذكرناه من الاجمال وهو ما رواه زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " دخل يهودى عى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة عنده ففال السام عليكم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليكم. ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد (صلى الله عليه وآله) عليه كما رد على صاحبه. ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه كما رد على صاحبيه فغضبت عائشة فقالت عليكم السام والغضب واللعنة يا معشر اليهود يا اخوة القردة والخنازير. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا عائشة ان الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء ان الرفق لم يوضع على شئ قط إلا زانه ولم يرفع عنه قط إلا شانه. قالت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما سمعت الى قولهم: السام عليكم ؟ فقال بلى اما سمعت ما رددت عليهم ؟ قلت عليكم، فإذا سلم عليكم مسلم... الحديث كما تقدم ". وسياق الخبر كما ترى إنما هو في ما ذكرناه لا في بيان كيفية الرد وحينئذ فالمراد منه إنما هو بيان زيادة لفظ السلام في الرد على المسلم دون الكافر وذكره بهذه الكيفية وقع تعليما لذلك، والاخبار المتقدمة صريحة في أن الكيفية الواجبة في الرد هي التى يقدم فيها الظرف كما عرفت. وبما ذكرناه صرح العلامة في التذكرة فقال: وصيغة الجواب " وعليكم السلام، ولو قال: " وعليك السلام " لا واحد جاز. ولو ترك العطف فقال: " عليكم السلام " فهو جواب خلافالبعض الشافعية (2) فلو تلاقى اثنان فسلم كل واحد منهما على الاخر وجب على كل واحد منهما جواب الاخر ولا يحصل


(1) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة (2) في فتح الباري ج 11 ص 29 باب " من رد فقال عليك السلام " عن النووي انه قال اتفق اصحابنا ان المجيب لو قال " عليك " بغير واو لم يجزئ وان قال بالواو فوجهان.

[ 72 ]

الجواب بالسلام. انتهى. وذهب بعض الى الجمع بين الاخبار بالتخيير والاظهر ما قدمناه. (الثالثة) - المفهوم من الاخبار ان صينة السلام التى يسلم بها لابد أن يبدأ فيها بلفظ السلام مثل " سلام عليكم أو عليك " أو " السلام " باحد الوجهين، فاما تقديم الظرف فانما هو في الجواب من غير المصلى كما عرفت. ونقل بعض المتأخرين عن ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان " عليك السلام أو عليكم السلام " صحيح يوجب الرد. وانكره في الذخيرة فقال ولم اطلق على ما نقله عن ظاهر الاصحاب إلا في كلام ابن ادريس مع انه قد صرح العلامة في التذكرة بخلافه فقال: ولو قال " عليك السلام " لم يكن مسلما إنما هي صيغة جواب. انتهى. وهو الموافق لما ورد في الاخبار كما أشرنا إليه وهو ظاهر لمن تتبع الاخبار وقد روى العامة عنه (صلى الله عليه وآله) (1) " انه قال لمن قال عليك السلام يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية الموتى، إذا سلمت فقل سلام عليك فيقول الراد عليك السلام ". واما كلام ابن ادريس في هذا المقام فانه قال في السرائر: ويرد المصلى السلام إذا سلم عليه قولا لا فعلا ولا يقطع ذلك صلاته سواء رد بما يكون في لفظ القرآن أو ما يخالف ذلك إذا أدى بالرد الواجب الذى تبرأ ذمته به. إذا كان المسلم عليه قال له " سلام عليك أو سلام عليكم أو السلام عليكم أو عليكم السلام " فله ان يرد عليه باى هذه الالفاظ كان لانه رد سلام مأمور به وينويه رد سلام لا قراءة قرآن إذا سلم الاول بما قدمنا ذكره، فان سلم بغير ما بيناه فلا يجوز للمصلى الرد


(1) في سنن ابى داود ج 4 ص 353 كتاب الادب باب " كراهة ان يقول وعليك السلام " عن ابى جري الهجيمى قال " اتيت النبي (ص) فقلت عليك السلام يارسول الله صلى الله عليه وآله فقال لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية لموتي "

[ 73 ]

عليه لانه ما تعلق بذمته الرد لانه غير سلام، وقد اورد شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه خبر عن محمد بن مسلم قال: دخلت على ابن جعفر (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما قدمناه (1) ثم قال اورد هذا الخبر ايراد راض به مستشهدا به محتجا على الخصم بصحته، فاما ما اورده في نهايته فخبر عثمان بن عيسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) وقد ذهب بعض اصحابنا (رضوان الله عليهم) الى خبر عثمان ابن عيسى فقال: ويرد المصلى السلام على من سلم عليه ويقول له في الرد " سلام عليكم " ولا يقول له: وعليكم " وان قال له المسلم " عليكم السلام " فلا يرد مثل ذلك بل يقول " سلام عليكم " والاصل ما ذكرناه لان التحريم يحتاج الى دليل. انتهى. اقول: لا يخفى ان موثقة سماعة وان دلت بظاهرها على تعين الجواب بقوله " سلام عليكم " لكنها محمولة على ما إذا كان المسلم عليه بهذه الصيغة عملا بما دل على وجوب الرد بالمثل حال الصلاة فان المستفاد منها انه يرد بمثل ما سلم عليه، ونحوها في ذلك رواية محمد بن مسلم المنقولة عن الفقيه (3) حيث قال فيها " إذا سلم عليك مسلم وأنت في الصلاة فسلم عليه تقول: السلام عليكم " فانها مبنية على كون المسلم يسلم بهذه الصيغة ايضا، وبالجملة فان اطلاق هذين الخبرين محمول على ما دل على وجوب الجواب بالمثل كما في صحيحة محمد بن مسلم لما سلم على ابى جعفر بقوله " السلام عليك " فاجابه بقوله " السلام عليك " ثم ذكر في آخر الرواية انه يرد بمثل ما قيل له. ونحو ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة منصور بن حازم (4) " ترد عليه خفيا كما قال " وما ذكرناه ظاهر من الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض لا ما توهمه من تعين الجواب ب‍ " سلام عليكم " وان سلم عليه بصيغة اخرى غيرها. واما ما ذكره في صيغ السلام التى يسلم بها - من انها " سلام عليكم أو سلام عليك أو السلام عليكم أو عليكم السلام " وان عدا هذه الصيغ الاربع لا يجب


(1) ص 64 (2) هو خبر سماعة المتقدم ص 64 وقد تقدم هناك منه (قدس سره) ان الشيخ رواه عن عثمان بن عيسى عنه (ع) (3) ص 64 وفيها " السلام عليك " (4) ص 65

[ 74 ]

رد الجواب فيها لانه ليس بسلام فلا يجوز للمصلى الرد عليه - ففيه (أولا) ان من جملة صيغ التسليم " السلام عليك " كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم حيث سلم به على الامام (عليه السلام) فاجابه بمثله. (وثانيا) ان صيغة " عليكم السلام " ليست من صيغ الابتداء بالسلام وإنما هي من صيغ الرد كما تقدم نقله عن العلامة في التذكرة. والاستناد الى إطلاق صدق التحية في الاية يجب تقييده بالاخبار، فان المفهوم منها ان صيغ الابتداء بالسلام هي ما ذكرناه فيجب حمل اطلاق الاية على ذلك. وبذلك ايضا يظهر لك ما في كلام العلامة في المختلف حيث ان ظاهره موافقة ابن ادريس في هذا المقام، حيث قال - بعد ان نقل عن الشيخ انه يرد مثل ما قيل له " سلام عليكم " ولا يقول " وعليكم السلام " وذكر انه احتج على ذلك بحديث عثمان ابن عيسى المتقدم نقله عن سماعة - وعندي في العمل بهذه الرواية نظر فان في طريقها عثمان بن عيسى وهو ضعيف. ثم نقل كلام ابن ادريس من قوله: واما ما أورده في نهايته... الخ. ثم قال: وهذا الكلام يشعر بتسويغ ذلك لو قال له المسلم وعليكم السلام. انتهى. ثم قال بعد ذلك: الخامس في الحديث الذى رواه محمد بن مسلم اشعار بالايتان بالمثل، والاقرب انه ليس واجبا بل لو أتى بمغايره من التحيات لم يكن عندي به يأس. انتهى. اقول: لا يخفى ان من تأمل الاخبار بعين الاعتبار ظهر له ما في كلامهما من القصور وإن المعتمد هو القول المشهور من وجوب الرد بالمثل في الصلاة بشرط ان يكون السلام من الصيغ الواردة في الاخبار وهى الاربع المقتدمة واما في غير الصلاة فيرد بايها شاء بتقديم الظرف. أما لو قال " سلام أو سلاما أو والسلام أو سلام الله عليك " أو نحو ذلك فتردد بعض الاصحاب في وجوب الرد من حيث صدق التحية عرفا وعدم ثبوت عموم الاية، وظاهر ابن ادريس كما عرفت العدم لخروج ذلك عن الصيغ التى ذكرها وهو الاقرب فان القدر المعلوم من الاخبار هو ما ذكرناه من الصيغ الاربع

[ 75 ]

المتقدمة والحكم باشتغال الذمة يحتاج الى دليل قاطع وليس فليس. وصدق التحية عرفا مقيد بالاخبار إذا الحكم شرعى لا عرفى ليكون مناطه العرف. الرابعة - لا خلاف في أن الرد واجب كفاية لا عينا وكدا استحباب الابتداء به كفاية لا عينا ونقل في التذكرة عليه الاجماع. ويدل عليه من الاخبار مضافا الى الاجماع ما رواه في الكافي في الموثق عن غياث ابن ابراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذ سلم من القوم واحد اجزأ عنهم وإذا رد واحد اجزأ عنهم ". وعن ابن بكير عن بعض اصحابه عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا مرت الجماعة بقوم اجزأهم ان يسلم واحد منهم وإذا سلم على القوم وهم جماعة اجزأهم ان يرد واحد منهم ". وبهذين الخبرين مضافا الى الاجماع المدعى في المسألة يحص اطلاق الاية. وايده بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه إنما سلم سلاما واحدا فليس له الاعوض واحد فإذا تحقق خرجوا عن العهدة. ثم الظاهر انه انما يسقط برد من كان داخلا في المسلم عليهم فلا يسقط برد من لم يكن داخلا فيهم. وهل يسقط برد الصبى المميز الداخل فيهم ؟ اشكال واستظهر في المدارك العدم وان قلنا ان عبادته شرعية، قال لعدم امتثال الامر المقتضى للوجوب. وقال في الذكرى: وجهان مبنيان على صحة قيامه بفرض الكفاية وهو مبنى على ان افعاله شرعية أو لا وقد سبقت الاشارة إليه، ونحوه في الروض إلا انه رجح ان افعاله تمرينية فلا يجزئ رد سلامه. وقد تقدم لنا تحقيق في المسألة يؤذن بجواز الاكتفاء برده وان كان الاحوط ما ذكر. ولا يخفى ان ظاهر الخبرين المذكورين حصول الاجزاء به إلا ان ظاهر الاية خلافه لتوجه الخطاب فيها الى المكلفين.


(1) و (2) الوسائل الباب 46 من احكام العشرة

[ 76 ]

ولو كان المسلم صبيا مميزا ففى وجوب الرد عليه وعدمه وجهان استظهر اولهما جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - السيد السند في المدارك وجده في الروض وغيرهما، ووجه قربه دخوله تحت عموم الاية. ولو رد بعض الجماعة فهل يجوز للمصلى الرد ايضا أم لا ؟ قال في الذكرى: لم يضر لانه مشروع في الجملة ثم توقف في الاستحباب من شرعيته خارج الصلاة مستحبا، ومن انه تشاغل بغير الصلاة مع عدم الحاجة إليه. واستجود في الروض جوازه واستحبابه لعموم الاوامر إذ لا شك انه مسلم عليه مع دخوله في العموم فيخاطب بالرد استحبابا ان لم يكن واجبا. وزوال الوجوب بالكفاية لا يقدح في بقاء الاستحباب كما في غير الصلاة فان استحباب رد الثاني متحقق اتفاقا ان لم يوصف بالوجوب معللا بالامر. انتهى. والمسألة محل توقف لان المسألة خالية من النص وقياس حال الصلاة على خارجها قياس مع الفارق الخامسة - قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بوجوب الاسماع تحقيقا أو تقديرا، قال في الذخيرة: ولم اجد أحدا صرح بخلافه في غير حال الصلاة. وقال في المدارك: وهل يجب على المجيب اسماع المسلم تحقيقا أو تقديرا ؟ قيل نعم لعدم صدق التحية عرفا ولا الرد بدونه، وقيل لا وهو ظاهر اختيار المصنف في المعتبر وقواه شيخنا المعاصر لرواية عمار المتقدمة (1) ورواية منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سلم عليك رجل... ثم ساق الرواية كما قدمنا (2) ثم قال: وفى الروايتين قصور من حيث السند فلا تعويل عليهما. انتهى. اقول، لا يخفى ما في كلامه هنا من النظر الظاهر للخبير الماهر وذلك فان رواية عمار هذه قد استدل بها سابقا على وجوب الرد في الصلاة ووصفها بكونها موثقة كما استدل ايضا بموثقة سماعة ووصفها بذلك. وحينئذ فان كانت الاخبار الموثقة من الادلة الشرعية صح ما ذكره أو لا وينبغى أن يجيب عن الموثقة المذكورة


(1) ص 63 (2) ص 65

[ 77 ]

بغير ضعف السند وإلا فلا وجه لاستدلاله اولا بها ولا بموثقة سماعة ولكن هذه قاعدته كما نبهنا عليه في غير مقام من استدلاله بالموثقات عند الحاجة إليها وردها بضعف السند عند اختياره خلاف ما دلت عليه كما تراه هنا قد وصف رواية عمار في مقام الاستدلال بكونها موثقة وفى مقام الاعراض عنها بكونها رواية عمار وهى طريقة غير محمودة، إلا أن ضيق المقام في هذا الاصطلاح الذى هو الفساد اقرب من الصلاح اوجب لهم انحلال الزمام وعدم الوقوف على قاعدة في المقام. واما صحيحة منصور بن حازم فليس في سندها من ربما يحصل الاشتباه به إلا محمد بن عبد الحميد الذى سبق الكلام معه فيه حيث توهم من ظاهر عبارة الخلاصة في ترجمته كما كتبه جده (قدس سرهما) على حواشيها ان التوثيق فيها انما يرجع الى ابيه وقد اوضحنا في ما سبق بطلانه ولهذا ان أصحاب هذا الاصطلاح يعدون حديثه في الصحيح وهو الحق كما لا يخفى على الممارس. نعم يبقى الكلام في مضمون الخبرين المذكورين فانهما ظاهران في ما ذهب إليه الفاضلان المتقدمان فينبغي الجواب عنهما عند من قال بوجوب الاسماع، وكان هذا هو الاولى بالتعرض في المقام إلا ان تلك الطريقة التى عكف عليها اسهل تناولا في الخروج عن ضيق الالزام. والتحقيق عندي في المقام ان يقال: الظاهر من كلام جل الاصحاب (رضوان الله علهيم) وجوب الاسماع تحقيقا أو تقديرا في الصلاة وغيرها والمخالف إنما اسند له الخلاف في الصلاة خاصة، ويدل على ما ذهب إليه الاصحاب اطلاق رواية ابن القداح المتقدمة (1) ويؤيدها ايضا ما رواه في معاني الاخبار عن عبد الله بن الفضل (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معنى التسليم في الصلاة قال التسليم علامة الامن وتحليل الصلاة. قلت وكيف ذاك جعلت فداك ؟ قال كان الناس في ما مضى إذا سلم عليهم وارد امنوا شره وكانوا إذا ردوا عليه امن شرهم


(1) ص 66 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم

[ 78 ]

وان يسلم لم يأمنوه وان لم يردوا على المسلم لم يأمنهم، وذلك خلق في العرب... الحديث، وقد اشتمل صحيح محمد بن مسلم (1) على اسماع ابى جعفر (عليه السلام) له وهو في الصلاة، وحينئذ فيمكن تأويل هذين الخبرين بحمل قوله " خفيا " في صحيحة منصور بن حازم و " بينك وبين نفسك " في موثقة عمار على ما يحصل به اسماع المسلم من غير اجهار يزيد على ذلك كما يشير إليه قوله في موثقة عمار: " ولا ترفع صوتك " بعنى الجهر المنهى عنه في الاية (2) ومثل هذا التجوز في الاخبار غير عزيز. واحتمل بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) حملهما على التقية، قال لان المشهور عند العامة عدم وجوب الرد نطقا (3) ولعله الاقرب، ويؤيده ما ذكره شيخنا في الذكرى في جملة المسائل التى عدها في المقام، قال: الثانية - لو كان في موضع تقية رد خفيا واشار وقد تحمل عليه الروايتان السابقتان. واشار بالروايتين الى روايتي منصور وعمار المذكورتين، وهو جيد وبه يزول الاشكال في المقام.


(1) ص 64 (2) سورة بنى اسرائيل، الاية 110 (3) في الهداية لشيخ الاسلام المرغينانى الحنفي ج 1 ص 43 " ولا يرد السلام بلسانه لانه كلام ولا بيده لانه سلام معنى حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته " وفى البحر الرائق ج 2 ص 8 عن الخلاصة: " السلام ورده مفسد للصلاة عمدا أو سهوا لانه من كلام الناس ويشمل ما إذا قال " السلام " فقط من غير ان يتبعه ب‍ " عليكم ". ثم قال واما رد السلام باليد أو بالراس أو بالاصبع فعن الخلاصة والفتاوى الظهيرية لا يفسد ونقل ابن امير الحاج عن بعض انه نسب الى ابى حنيفة فساد الصلاة بالرد باليد وصريح الطحاوي في شرح الاثار عدم الفساد عند ابى حنيفة وابى يوسف ومحمد. وقال ابن نجيم الحق ان الفساد غير ثابت في المذهب " وقال ابن حزم في المحلى ج 4 ص 46 " من سلم عليه وهو يصلى فليرد اشارة لا كلاما إما بيده أو برأسه " ولم ينقل خلافا من احد. وفى فتح الباري ج 11 ص 16 " يستحب ان يرد المصلى السلام بالاشارة وان رد بعد الفراغ من الصلاة لفظا فهو احب ".

[ 79 ]

السادسة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه إذا سلم عليه في الصلاة بقوله " سلام عليكم " يجب أن يكون الجواب مثله ولا يجوز الجواب ب‍ " عليكم السلام " ونسبه المرتضى (رضى الله عنه) الى الشيعة، وقال المحقق هو مذهب الاصحاب قاله الشيخ وهو حسن. وقد تقدم الكلام في ذلك ولم يخالف فيه الا ابن ادريس والعلامة في المختلف كما عرفت، والاصحاب انما نقلوا هنا خلاف ابن ادريس خاصة وكأنهم لم يطلعوا على كلام العلامة في المختلف وإلا فهو كذلك كما اوضحناه آنفا. وقال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض: ولا يقدح في المثل زيادة الميم في " عليكم " في الجواب لمن حذفه لانه ازيد دون العكس لانه ادون. انتهى. وفيه، إشكال ومثله ما لو زاد في الرد بما يوجب كونه أحسن، ووجه الاشكال تضمن الاخبار ان المصلى يرد بمثل ما قيل له كما في صحيحة محمد بن مسلم وكما قال في صحيحة منصور بن حازم (1) ويؤيده اقتصار ابن جعفر (عليه السلام) في الرد على محمد بن مسلم بمثل ما قال. والاية وان تضمنت التخيير بين المثل والاحسن إلا انها مخصوصة بالاخبار المذكورة ومحمولة على ما عدا المصلى. السابعة - إذا سلم عليه وهو في الصلاة وجب الرد عليه لفظا ولا خلاف فيه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ونسبه في التذكرة الى علمائنا، وقال في المنتهى: ويجوز له ان يرد السلام إذا سلم عليه نطقا ذهب إليه علماؤنا اجمع. وحمل كلامه على ان الظاهر ان مراده من الجواز نفى التحريم ردا لقول بعض العامة (2) وقال في الذكرى: يجب الرد عليه لعموم قوله تعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (3) والصلاة غير منافية لذلك وظاهر الاصحاب مجرد الجواز للخبرين الاتيين والظاهر انهم ارادوا به بيان شرعيته ويبقى الوجوب معلوما من


(1) ص 64 و 65 (2) ارجع الى التعليقة 3 ص 78 (3) سورة النساء الاية 88

[ 80 ]

القواعد الشرعية، وبالغ بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فقال تبطل الصلاة لو اشتغل بالاذكار ولما يرد السلام، وهو من مشرب اجتماع الامر والنهى في الصلاة كما سبق والاصح عدم البطلان بترك رده. اقول: لا ريب ان جل الاخبار التى قدمناها ظاهرة في المشروعية بل الوجوب، للامر بذلك الذى هو حقيقة في الوجوب في موثقة سماعة وصحيحة محمد ابن مسلم المروية في الفقيه (1) مضافا الى الاية، وباقى الاخبار تدل على المشروعية وكأنه اشار بالخبرين الاتيين الى موثقة عمار وصحيحة منصور (2) الدالتين على الرد خفيا لانه مع عدم الاسماع لا يتحقق الرد كما تقدم تحقيقه. الثامنة - قد تكاثرت الاخبار باستحباب الابتداء بالسلام وظاهرها افضليته على الرد وان كان الرد واجبا، وهذا أحد المواضع التى صرحوا فيها بافضلية المستحب على الواجب: روى في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) السلام تطوع والرد فريضة ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " البادئ بالسلام اولى بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله ". وعن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: " كان سليمان (عليه السلام) يقول افشوا سلام الله تعالى فان سلام الله لا ينال الظالمين ". اقول: المراد بافشاء السلام هو ان يسلم على كل من يلقاه من المسلمين ولو كان ظالما، وحيث كان السلام بمعنى الرحمة والسلامة من آفات الدنيا ومكاره الاخرة فانه لا ينفع الظالمين ولا ينالهم ونفعه انما يعود الى المسلم خاصة


(1) ص 64 (2) ص 65 (3) و (4) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة (5) الوسائل الباب 34 من احكام العشرة

[ 81 ]

وعن محمد بن قيس في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ان الله يحب افشاء السلام ". وعن معاوية بن وهب في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان الله عزوجل قال البخيل من بخل بالسلام " وعن هارون بن خارجة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من التواضع ان تسلم على من لقيت ". وقد تقدم (4) حديث الحسن بن المنذر الدال على ثواب المسلم وتزايده بتزايد الصيغة في التسليم. وروى في الكافي (5) بالسند الاول من هذه الاخبار قال: " من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه. وقال ابدأوا بالسلام قبل الكلام فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه " قال الشارح المحقق المازندرانى (قدس سره) في شرحه على الكتاب: لان ترك السنة المؤكدة والاستخفاف بها وبالؤمن خصوصا إذا كان بالتجبر يقتضى مقابلة التارك بالاستخفاف. التاسعة - الشمهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان وجوب الرد فورى، قالوا لانه المتبادر من الرد والفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة في الاية، وربما يمنع ذلك في الفاء الجزائية. والمسألة محل توقف لعدم الدليل الناص في ما ذكروه وان كان هو الاحوط. ثم انه يتفرع على الفورية ان التارك له ياثم، وهل يبقى في ذمته مثل سائر الحقوق ؟ تأمل فيه بعض الاصحاب قال إلا أن يكون اجماعيا. وقال بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم): الظاهر ان الفورية المعتبرة في رد السلام إنما هو تعجيله بحيث لا يعد تاركا له عرفا وعلى هذا لا يضر اتمام كلمة أو كلام لو وقع السلام في اثنائهما. انتهى. وهو جيد.


(1) و (3) الوسائل الباب 34 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة (4) ص 66 (5) الوسائل الباب 32 من احكام العشرة

[ 82 ]

العاشرة - قال في التذكرة: ولو ناداه من وراء ستر أو حائط فقال " السلام عليك يا فلان " أو كتب كتابا وسلم عليه فيه أو أرسل رسولا فقال: " سلم على فلان " فبلغه الكتاب والرسالة قال بعض الشافعية (1) يجب عليه الجواب لان تحية الغائب إنما تكون بالمناداة أو الكتاب أو الرسالة وقد قال الله تعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها " (2) والوجه انه ان سمع النداء وجب الجواب وإلا فلا. انتهى. قال في الذخيرة بعد نقله: وهو متجه لعدم ثبوت شمول الاية للصور المذكورة عدا صورة المناداة مع سماع النداء. اقول: روى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام، والبادئ بالسلام أولى بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله " وهذا الخبر دال بعمومه على وجوب رد السلام الذى كتب له في ذلك الكتاب لانه من جملة ما يتوقع صاحبه رده سيما إذا كان الكتاب إنما يشتمل على مجرد الدعاء والسلام وقد حكم (عليه السلام) بوجوب رده كرد السلام. وفى قوله " والبادئ بالسلام... الخ " اشارة الى ان البادئ بالكتاب أفضل كما تقدم الخبر بذلك في أفضلية الابتداء بالسلام، وبالجملة فان ظاهر الخبر ان حكم الكتاب في وجوب الرد كحكم السلام. وروى في الكافي ايضا عن ابى كهمش (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) عبد الله بن ابى يعفور يقرأك السلام قال وعليك وعليه السلام إذا اتيت عبد الله فاقرأه السلام وقل له... الحديث " وفى هذا الخبر دلالة على استحباب الارسال بالسلام وان الرد بصيغة الرد على الحاضر بتقديم الظرف.


(1) الاذكار للنووي ص 199 (2) سورة النساء الاية 88 (3) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة (4) الوسائل الباب 43 من احكام العشرة

[ 83 ]

الحادية عشرة - لو ترك المصلى الرد واشتغل باتمام الصلاة يا ثم وهل تبطل الصلاة ؟ قيل نعم للنهى المقتضى للفساد. وقيل ان اتى بشئ من الاذكار في زمان الرد بطلت. وقيل ان اتى بشئ من القراءة أو الاذكار في زمان وجوب الرد فلا يعتد بها بناء على ان الامر بالشئ بستلزم النهى عن ضده والنهى عن العبادة يقتضى الفساد، ولكن لا يستلزم بطلان الصلاة إذ لا دليل على ان الكلام الذى يكون من قبيل الذكر والدعاء والقرآن يبطل الصلاة وإن كان حراما، فان استمر على ترك الرد وقلنا ببقائه في ذمته لزم بطلان الصلاة لانه لم يتدارك القراءة والذكر على وجه صحيح. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين بعد نقل ذلك عنهم: والحق ان الحكم بالبطلان موقوف على مقدمات اكثرها بل كلها في محل المنع لكن الاحتياط يقتضى اعادة مثل تلك الصلاة. انتهى. وهو جيد. الثانية عشرة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) تحريم سلام المرأة على الأجنبي وعللوه بان صوتها عورة فاستماعه حرام وتوقف جملة من متأخرى المتأخرين إذ الظاهر من الاخبار عدم كون صوتها عورة. أقول: وهو الحق مضافا الى ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ربعى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورواه في الفقيه مرسلا قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسلم على النساء ويرددن عليه وكان امير المؤمنين (عليه السلام) يسلم على النساء وكان يكره ان يسلم على الشابة منهن ويقول اتخوف أن يعجبنى صوتها فيدخل على اكثر مما اطلب من الاجر " قال في الفقيه: إنما قال (عليه السلام) لغيره وان عبر عن نفسه وأراد بذلك ايضا التخوف من ان يظن انه يعجبه صوتها فيكفر، قال: ولكلام الائمة (صلوات الله عليهم) مخارج ووجوه لا يعقلها إلا العالمون.


(1) الوسائل الباب 48 من احكام العشرة

[ 84 ]

اقول: ونظيره في القرآن من باب " اياك اعني واسمعي يا جارة " كثير. وروى في الفقيه (1) قال: " سأل عمار الساباطى ابا عبد الله (عليه السلام) عن النساء كيف يسلمن إذا دخلن عن القوم ؟ قال المرأة تقول عليكم السلام والرجل يقول السلام عليكم ". واما ما رواه في الكافي عن غياث بن ابراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا تسلم على المرأة " فهو محمول على الكراهة جمعا. ثم ان على المشهور من التحريم على الأجنبي فهل يحب الرد عليها ؟ قيل يحتمل ذلك لعموم الدليل والعدم لكون المتبادر التحية المشروعة، وهو مختار التذكرة حيث قال: ولو سلم رجل على امرأة أو بالعكس فان كان بينهما زوجية أو محرمية أو كانت عجوزة خارجة عن مظنة الفتنة ثبت استحقاق الجواب وإلا فلا. قالوا: وفى وجوب الرد عليها لو سلم عليها اجبني وجهان فيحتمل الوجوب نظرا الى عموم الاية فيجوز اختصاص تحريم الاستماع بغيره، ويحتمل العدم كما اختاره العلامة ويحتمل وجوب الرد خفيا كما قيل. اقول: وهذا البحث لما كان على غير اساس كما عرفت فلا وجه للتشاغل بصحته وابطاله. الثالثة عشرة - قال العلامة في التذكرة: ولا يسلم على أهل الذمة ابتداء، ولو سلم عليه ذمى أو من يعرفه فبان ذميا رد بغير السلام بان يقول " هداك الله أو انعم الله صباحك أو اطال الله بقاءك " ولو رد بالسلام لم يزد في الجواب على قوله " وعليك " انتهى اقول: الذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما تقدم (3) من صحيحة زرارة أو حسنته في رد النبي (صلى الله عليه وآله) على اليهود، وما رواه في الكافي عن غياث بن ابراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال امير المؤمنين


(1) الوسائل الباب 39 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 130 من النكاح (3) ص 71 (4) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة

[ 85 ]

(عليه السلام) لابتدأوا أهل الكتاب بالتسليم وإذا اسلموا عليكم فقولوا وعليكم " وعن سماعة في الموثق (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليهودي والنصراني والمشرك إذا سلموا على الرجل وهو جالس كيف ينبغى ان يرد عليهم ؟ قال يقول عليكم ". وعن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا سلم عليك اليهودي والنصراني والمشرك فقل عليك ". وعن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " تقول في الرد على اليهودي والنصراني سلام ". وعن محمد بن عرفة عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال: " قيل لابي عبد الله (عليه السلام) كيف ادعو لليهودي والنصراني ؟ قال تقول بارك الله لك في دنياك ". اقول: المستفاد من الخبر الاول تحريم ابتداء أهل الكتاب بالسلام ونحوهم من المشركين بطريق الاولى، ولا ينافى ذلك ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج (5) قال: " قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) أرأيت ان احتجت الى متطبب وهو نصراني ان اسم وادعو له ؟ قال نعم ولا ينفعه دعاؤك " لانا نجيب عنه بالحمل عن حال الضرورة، وكذا ما تقدم ايضا (6) من حديث " افشوا سلام الله فان سلام الله لا ينال الظالمين " ونحوه، لانا نجيب عنه بان خبر غياث خاص وهذا عام والقاعدة تقديم العمل بالخاص وتخصيص العموم به. واكثر هذه الاخبار إنما اشتملت على الرد ب‍ " عليكم أو عليك " واما ما ذكره من الرد بتلك الالفاظ فلم نقف له على دليل، نعم ربما يقال في مقام الدعاء له كما يشعر به خبر محمد بن عرفة لا في مقام رد السلام كما ادعاه. نعم رواية زراره قد


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة (4) و (5) الوسائل الباب 53 من احكام العشرة (6) ص 80

[ 86 ]

تضمنت الرد ب‍ " سلام " والظاهر انه على تقدير الرواية بفتح السين من قبيل قوله عزوجل: " سلام عليك سأستغفر لك ربى " (1) وقوله سبحانه " وقل سلام فسوف يعلمون " (2) والوجه في جوازه انه لم يقصد به التحية وانما قصد به المباعدة والمتاركة قال امين الاسلام الطبرسي (قدس سره) في تفسير الاية الخيلاة: " وقل سلام " تقديره وقل امرنا وامركم سلام أي متاركة ". ثم قال في بيان معنى الاية: " وقل سلام " أي مداراة ومتاركة. وقيل سلام هجران ومجانبة لا سلام تحية وكرامة كقوله " سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين " (3) وقال في معنى الاية الاولى: وقال ابراهيم " سلام عليك " سلام توديع وهجر على الطف الوجوه وهو سلام متاركة ومباعدة عن الجبائى وابى مسلم، وقيل هذا سلام اكرام وبر فقابل جفوة ابيه بالبر تأدية لحق الابوة أي هجرتك على وجه جميل من غير عقوق. انتهى. ولم اقف لهذا المعنى في كتب اللغة على ذكر مع أن الايات كما ترى ظاهرة فيه. ثم ان اكثر هذه الروايات انما اشتملت على الرد ب‍ " عليكم السلام " و " عليك " بدون الواو ورواية غياث اشتملت على ذكر الواو، واخبار العامة ايضا مختلفة ففى بعضها بالواو ووفى بعض آخر بدونها (4) والمعنى بدون الواو ظاهر لان المقصود حينئذ ان الذى تقولون لنا مرود عليكم، وهم غالبا - كما سمعت عن صحيحة زرارة (5) - انما يسلمون بالسام الذى هو الموت، واما مع الواو فيشكل لان الواو تقتضي اثبات ما قالوه على نفسه وتقريره عليها حتى يصح العطف فيدخل معهم في ما دعوا به، ولهذا قال ابن الاثير في النهاية: قال الخطابى عامه المحدثين يروون " وعليكم " باثبات واو العطف وكان ابن عيينة يرويه بغير واو وهو الصواب لانه


(1) سورة مريم الاية 48 (2) سورة الزخرف الاية 89 (3) سورة القصص الاية 55 (4) فتح الباري ج 11 ص 35 كتاب الاستئذان باب كيفية الرد على اهل الذمة (5) ص 80

[ 87 ]

إذا حذف الواو صار قولهم الذى قالواه ننفسه مردودا عليهم خاصة وإذا اثبت الواو وقع الاشتراك معهم في ما قالوه لان الواو تجمع بين الشيئين. والمثبتون للواو اختلفوا فقال بعضهم انها للاستثناف لا العطف فلا تقتضي الاشتراك. وقال عياض: هذا بعيد والاولى ان يقال الواو على بابها من العطف غير انا نجاب فيهم ولا يجابون فينا كما دل عليه الحديث. ثم قال حذف الواو أصح معنى واثباتها أصح رواية واشهر. انتهى. وقال بعض أصحابنا بعد نقل ذلك: وهذا ليس باولى لان المفسدة قبول المجيب دعاءهم على نفسه وتقريره عليها وقبول المشاركة وهى باقية غير مدفوعة بما ذكره. ثم قال ثم اقول ويمكن ان يقال إذا علم المجيب انهم قالوا " السام عليك " يجيب ب‍ " عليكم " بدون واو كما فعله (صلى الله عليه وآله) وإذا علم انهم قالوا السلام عليك " كما هو المعروف في التحية يجيب بقوله " وعليكم " فيقبل سلامهم على نفسه ويقرره عليها ويأتى بلفظ يفيد المشاركة إلا ان ذلك لا ينفعهم وفائدته مجرد الرفق وتأليف القلوب، وذكا يصح ان يجيب ب‍ " عليك " بدون واو، وبذلك يتحقق الجمع بين الروايات. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما ذكره من الجمع جيد الا ان الظاهر ان الاجود منه حمل رواية غياث على التقية (1) لانه لم يرد لفظ الواو في غيرها من الروايات المتقدمة، ويعضده ان الراوى عامى بترى (2) فهو موافق لاكثر رواياتهم واصحها كما عرفت من كلامهم. ثم انه هل يجب الرد عليهم ؟ استشكله بعض الاصحاب ثم قال ولعل العدم اقوى. وقال الفاضل المازندرانى في حاشيته على الكتاب: ثم ان الامر بردهم على سبيل الرخصة والجواز دون الوجوب وان احتمل نظرا الى ظاهره كما نقل عن ابن عباس والشعبى و قتادة من العامة، واستدلوا بعموم الاية " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " حيث قال باحسن منها للمسلمين وقوله " أو ردوها "


(1) ارجع الى التعليقة 4 ص 86 (2) رجال المامقاى ج 2 ص 366

[ 88 ]

لاهل الكتاب. والحق ان كليهما للمسلمين لعدم وجوب الرد بالاحسن للمسلمين اتفاقا بل الواجب أحد الامرين اما الرد بالاحسن أو بالمثل. انتهى. وهو جيد. الرابعة عشرة - قد صرح الاصحاب بانه يكره ان يخص طائفة من الجمع بالسلام، وانه يستحب ان يسلم الراكب على الماشي والقائم على الجالس والطائفة القليلة على الكثيرة والصغير على الكبير وأصحاب الخيل على اصحاب البغال وهما على أصحاب الحمير. اقول وقد تقدم (1) في روايتي عنبسة بن مصعب وابن بكير عن بعض اصحابه الدلالة على ذلك، قال بعض شراح الحديث: اما بدأة الصغير على الكبير فلان للكبير على الصغير فضلا بالسن فحصل له بذلك مزية التقدم بالتحية، نعم لو كان للصغير فضائل نفسانية مثل العلم والادب دون الكبير لا يبعد القول بالعكس لان مراعاة الفضل البدني تقتضي مراعاة الفضائل النفسانية بالطريق الاولى، ولان العالم له نسبة مؤكدة الى النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة المعصومين (عليهم السلام) دون الجاهل، ومن اعتبر حال بعض الائمة والانبياء علم ان تقدمهم على غيرهم مع صغر سنهم انما كان لاجل كمالاتهم. وحمل الصغير والكبير على الصغير المعنوي والكبير المعنوي مستبعد. واما بدأة المار على القاعد فلان القاعد قد يقع في نفسه خوف من القادم فإذا ابتدأ القادم بالسلام امن، أو لان القاعد لو امر بالبدأة على المارين شق عليه لكثرة المارين بخلاف العكس. واما بدأة القليل على الكثير فلفضيلة الجماعة وايضا لو بدأت الجماعة على الواجد لخيف معه الكبير، ويحتمل غير ذلك. واما بدأة الراكب على الماشي فلان للراكب فضلا دنيويا فعدل الشرع بينهما فجعل للماشي فضيلة أن يبدأ بالسلام، أو لان الماشي قد يخاف من الراكب فإذا سلم الراكب عليه أمن، أو لانه لو ابتدأ الماشي بالسلام على الراكب خيف على الراكب الكبر. انتهى وهو جيد مستفاد من الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. والله العالم.


(1) ص 67

[ 89 ]

الخامسة عشرة - قد عرفت من جملة من الاخبار المتقدمة في صدر المسألة جواز التسليم على المصلى بل استحبابه وقد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يكره السلام على المصلى للعموم. وفيه ان رواية الخصال المتقدمة ثمة (1) - وهى من الموثقات عن مسعدة بن صدقة قال فيها: " لا تسلموا على اليهود ولا على النصارى ولا على المجوس ولا على عبدة الاوثان ولا على موائد شراب الخمر ولا على صاحب الشطرنج والنرد ولا على المخنث ولا على الشاعر الذى يقذف المحصنات ولا على المصلى... الى آخر ما تقدم ثمة " - ظاهرة في النهى عن ذلك، وقد عللها بما ذكره من ان المصلى لا يستطيع ان يرد السلام لان التسليم من المسلم تطوع والرد فريضة، والظاهر ان المقصود من التعليل المذكور انه لما كان الرد فريضة فلابد له أن يرد متى سلم عليه وفى ذلك شغل له عن التوجه والاقبال على صلاته، فمعنى كونه لا يستطيع أن يرد السلام أي من حيث استلزامه للشغل له. ويعضد هذه الرواية ايضا ما رواه في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال: " كنت اسمع ابى يقول إذا دخلت المسجد الحرام والقوم يصلون فلا تسلم عليهم وسلم على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم أقبل على صلاتك، وإذا دخلت على قوم جلوس يتحدثون فسلم عليهم ". وظاهر صاحب المدارك الميل الى القول بالكراهة لهذه الرواية الاخيرة حيث انه قال - بعد ان نقل عن جمع من الاصحاب انه لا يكره السلام على المصلى للعموم - ما لفظه: ويمكن القول بالكراهة لما رواه عبد الله بن جعفر في كتابه قرب الاسناد عن الصادق (عليه السلام)... الى آخر ما تقدم. اقول: الاظهر عندي حمل ما دل على المنع على التقية لما تقدم من ان


(1) ص 65 وفى الوسائل الباب 28 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 17 من قواطع الصلاة

[ 90 ]

مذهب جمهور العامة المنع من الرد وإنما يشير باصبعه، وابو حنيفة قد منع الرد والاشارة (1) مع ان الراوى عن ابى عبد الله في رواية قرب الاسناد إنما هو الحسين ابن علوان كما عرفت وهو عامى (2) والعجب من صاحب المدارك في اعتماده عليها والحال كما عرفت مع مناقشة الاصحاب في الروايات الصحيحة وتصلبه في الادلة كيف ركن الى هذه الرواية واسندها الى الصادق عليه السلام) ولم يذكر الراوى عنه لئلا يتطرق إليه المناقشة بما ذكرناه. وبالجملة فالاظهر عندي هو ما عرفت. والله العالم. المسألة الثانية - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يجوز للمصلى تسميت العاطس، والتسميت على ما نقل عن الجوهرى ذكر اسم الله تعالى على الشئ، وتسميت العاطس ان يقول له " يرحمك الله " بالسين والشين جميعا، قال ثعلب الاختيار بالسين لانه مأخوذ من السمت وهو القصد والمحجة. وقال أبو عبيد الشين أعلى في كلامهم وأكثر. وقال ايضا تسميت العاطس دعاء له وكل داع لاحد بخير فهو مسمت ومشمت. وقال في القاموس: التسميت ذكر الله على الشئ والدعاء للعاطس. وفى المجمل يقولون العاطس " يرحمك الله " فيقال التسميت. ويقال التسميت ذكر الله على الشئ. وفى النهاية التسميت بالسين والشين الدعاء بالخير والبركة والمعجمة اعلاهما. وقال في المصباح المنير للفيومي: المست الطريق والسمت القصد والسكينة والوقار وهو حسن السمت أي الهيئة، والتسميت ذكر الله تعالى على الشئ وتسميت العاطس الدعاء له، وبالشين المعجمة مثله. وقال في التهذيب سمته بالسين والشين إذا دعا له، وقال أبو عبيد الشين المعجمة أعلى وافشى. وقال ثعلب السين المهملة هي الاصل أخذا من السمت وهو القصد والهدى والاستقامة، وكل داع بخير فهو مسمت أي داع بالعود والبقاء الى سمته. انتهى. والمشهور في كلام الاصحاب جوازه للمصلى بل استحبابه، وظاهر المحقق في


(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 78 (2) رجال المامقانى ج 1 ص 335 واحتمل (قدس سره) كونه اماميا

[ 91 ]

المعتبر التوقف فيه إلا انه قال بعد ذلك: والجواز اشبه بالمذهب. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له اسمع العطسة وانا في الصلاة فاحمد الله تعالى واصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال نعم " وزاد في الكافي (2) " وإذا عطس اخوك وانت في الصلاة فقل الحمد لله ". وما رواه في الكافي عن جراح المدائني (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) للمسلم على اخيه من الحق ان يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض وينصح له إذا غاب ويسمته إذا عطس - يقول الحمد لله رب العالمين لا شريك له ويقول له يرحمك الله، فيجيبه يقول له يهديكم الله ويصلح بالكم - ويجيبه إذا دعاه ويشيمه إذا مات ". وعن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا عطس الرجل فسمتوه ولو من وراء جزيرة " وفى رواية اخرى (5) " ولو من وراء البحر ". وعن اسحاق بن يزيد ومعمر بن ابى زياد وابن رئاب (6) قالوا: " كنا جلوسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) إذا عطس رجل فما رد عليه أحد من القوم شيئا حتى ابتدأ هو فقال سبحان الله ألا سمتم ؟ من حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا اشتكى وان يحيبه إذا دعاه وان يشهده إذا مات وان يسمته إذا عطس ". وعن داود بن الحصين (7) قال: " كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة. وفى الفروع ج 1 ص 102 والوافى باب " رد السلام " والوسائل هكذا " فقل الحمد لله وصل على النبي وآله " وقد اثبت في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية. وقد اثبت ايضا فيها ما يشترك فيه الكافي والتهذيب والفقيه وهو قوله (ع) " وان كان بينك وبين صاحبك اليم " الا ان العبارة فيها توهم الاختصاص بالكافي حيث قال: وزاد في الكافي... الى ان قال " وصل على النبي واله وان كان... " (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 57 من احكام العشرة

[ 92 ]

فاحصيت في البيت اربعة عشر رجلا فعطس أبو عبد الله (عليه السلام) فما تكلم أحد من القوم فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ألا تسمتون ؟ من حق المؤمن على المؤمن إذا مرض ان يعوده وإذا مات ان يشهد جنازته وإذا عطس ان يسمته - أو قال أن يشمته - وإذا دعاه ان يجيبه ". والظاهر ان مستند الاصحاب في ما ذهبوا إليه من استحباب تسميت المصلى لغيره هو عموم هذه الاخبار فانها شاملة للمصلى وغيره، ويستفاد من هذه الاخبار استحباب الحمد لله والصلاه على النبي وآله (صلوات الله عليهم) للعاطس والسامع، قال في المنتهى: ويجوز للمصلى ان يحمد الله إذا عطس ويصلى على النبي وآله (صلوات الله عليهم) وان يفعل ذلك إذا عطس غيره وهو مذهب أهل البيت (ع) ويفهم من بعض الاخبار توقف استحباب التسميت على حمد الله سبحانه بل الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) من العاطس فلو لم يفعل لم يستحب تسميته كما سيأتي ان شاء الله. وهل يجب على العاطس الرد ؟ الاظهر ذلك، وصرح جمع: منهم - صاحب المدارك بالعدم قال: وهل يجب على العاطس الرد ؟ الاظهر لا لانه لا يسمى تحيه. اقول: قد روى في آخر كتاب الخصال في حديث طويل عن ابى جعفر عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) (1) مما علمه أصحابه في مجلس واحد من اربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه قال (عليه السلام) " إذا عطس أحدكم فسمتوه قولوا يرحمكم الله وهو يقول يغفر الله لكم ويرحمكم، قال الله عزوجل وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها " (2) وهو ظاهر الدلالة في المطلوب، والظاهر عدم وقوف هؤلاء القائلين على الخبر المشار إليه. وقد صرح جملة من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى


(1) الوسائل الباب 58 من احكام العشرة (2) سورة النساء الاية 88

[ 93 ]

في استحباب التسميت باشتراط كون العاطس مؤمنا، قال في الذخيرة: ويحتمل الجواز في المسلم مطلقا عملا بظاهر رواية جراح وغيرها مما اشتمل على ذكر المسلم. وهو ضعيف فان لفظ المسلم وان ذكر كما نقله إلا ان المراد به المؤمن واطلاقه عليه اكثر كثير في الايات والاخبار، ويؤيده عد التسميت في قرن تلك الاشياء المعدودة من حقوق الاخوان فانها مخصوصة بالمؤمنين كما لا يخفى، فما ذكره من الاحتمال لا وجه له بالكلية. ولا بأس بنقل جمله من الاخبار الواردة في العطس لما فيما من الفوائد والاحكام وان كانت خارجة من محل البحث في المقام: ومنها - ما رواه في الكافي عن صفوان في الصحيح (1) قال: " كنت عند الرضا (عليه السلام) فعطس فقلت له صلى الله عليك ثم عطس فقلت له صلى الله عليك ثم عطس فقلت له صلى الله عليك. وقلت جعلت فداك إذا عطس مثلك يقال له كما يقول بعضنا لبعض " يرحمك الله " لو كما نقول ؟ قال نعم، قال أو ليس تقول صلى الله على محمد وآل محمد ؟ قلت بلى. قال وارحم محمدا وآل محمد ؟ قال بلى وقد صلى عليه ورحمه وانما صلاتنا عليه رحمة لنا وقربة ". بيان: قوله " إذا عطس مثلك " أي من أهل العصمة ولعل الترديد من الراوى بناء على ان مثلكم مرحومون قطعا فلا فائدة في طلب الرحمة لكم كما يقول بعضنا لبعض لانه تحصيل حاصل. وقوله " كما نقول " اشارة الى قوله " صلى الله عليك " " قال نعم " يعنى كل من الامرين جائز لا بأس به. ثم اشار الى ان الفائدة في الترحم علينا لكم لا لنا. ثم قال له: أو ليس تقول صلى الله على محمد وآله محمد ؟ قلت بلى. وقال ارحم محمدا وآل محمد قال الامام بلى. يعنى انك تقول ذلك بعد الصلاة والحال ان الله سبحانه صلى عليه ورحمه فلا حاجة به الى صلاة مصل ولا ترحم مترجم وإنما فائدة ذلك راجعة الى المصلى. وبدلك صرح جمله من اصحابنا (رضوان الله عليهم) قال


(1) الوافى ج 3 باب العطاس والتسميت

[ 94 ]

شيخنا الشهيد الثاني في شرح اللمعة: وغاية السؤال بها أي بالصلاة عائدة الى المصلى لان الله سبحانه وتعالى قد اعطى نبيه من المنزلة والزلفى لديه مالا تؤثر فيه صلاة مصل كما نطقت به الاخبار وصرح به العلماء الاخيار. انتهى. ومنها - ما رواه في الكتاب المذكور عن ايوب بن نوح (1) قال: " عطس يوما وأنا عنده فقلت جعلت فداك ما يقال للامام إذا عطس ؟ قال يقول صلى الله عليك " بيان: قد عرفت من الحديث السابق جواز تسميتهم (عليهم السلام) بما يقول بعضنا لبعض من قوله " يرحمك الله " وسيأتى ما يدل عليه ايضا، ولعل التخصيص هنا بهذه الصلاوة لانها افضل الفردين. ومنها - ما رواه عن احمد بن محمد بن ابى نصر (2) قال: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: التثاؤب من الشيطان والعطسة من الله تعالى ". بيان: ثئب وتثأب أصابه كسل وفترة كفترة النعاس، قال عياض: التثأب بشد الهمزة والاسم الثؤباء، وقال ابن دريد واصله من " ثئب الرجل فهو مثؤوب " إذا استرخى وكسل. وقال في مجمع البحرين: التثأب فترة تعترى الشخص فيفتح عندها فاه يقال تثاءب على تفاعلت إذا فتحت فاك وتمطيت لكسل أو فترة والاسم الثؤباء. قال بعض الافاضل وانما نسبه الى الشيطان لانه من تكسيله وسببه. وقيل اضيف إليه لانه يرضيه. وقيل انما ينشأ من امتلاء البدن وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم ولذلك كرهه الله واحبه الشيطان (لعنه الله) والعطاس لما كان سببا لخفة الدماغ واستفراغ الفضلات وصفاء الروح وتقوية الحواس كان امره بالعكس ولكن التثأب من الشيطان. قيل انه ما تثأب نبى قط. انتهى. ومنها - ما رواه عن صلاح بن ابى حماد (3) قال: " سألت العالم (عليه السلام) عن


(1) الوافى ج 3 باب العطاس والتسميت (2) الوسائل الباب 60 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة

[ 95 ]

العطسة وما العلة في الحمد لله عليها ؟ فقال ان لله تعالى نعما على عبده في صحة بدنه وسلامة جوارحه وان العبد ينسى ذكر الله تعالى على ذلك وإذا نسى أمر الله تعالى الريح فجالت في بدنه ثم يخرجها من انفه فيحمد الله تعالى على ذلك فيكون حمده عند ذلك شكرا لما نسى ". بيان: يستفاد من هذا الخبر وجه ما تقدم في سابقه من قوله: " العطسة من الله تعالى " والظاهر انه أقرب مما ذكره الفاضل، وحاصل ذلك ان معنى كونها من الله تعالى انه هو الذى حمل عبده عليها بادخال الريح في بدنه واخراجها من انفه ليحمد الله تعالى عند ذلك. ومنها - ما رواه عن جابر (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) نعم الشئ العطسة تنفع في الجسد وتذكر بالله تعالى. قلت ان عندنا قوما يقولون ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في العطسة نصيب ؟ فقال (عليه السلام) ان كانوا كاذبين فلا نالهم الله شفاعة محمد صلى الله عليه وآله ". وعن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه (2) قال " عطس رجل عند ابى جعفر (عليه السلام) فقال الحمد لله فلم يسمته أبو جعفر (عليه السلام) وقال نقصنا حقنا، ثم قال إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وأهل بيته. قال فقال الرجل فسمته أبو جعفر عليه السلام ". بيان: نقصه ونقصه بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد، وفى الخبر دلالة على ما قدمنا الاشارة إليه من ان استحقاق التسميت موقوف على حمد العاطس وصلاته على محمد وآله (صلوات الله عليهم)، وهو مروى من طريق العامة ايضا لكن بالنسبه الى التحميد، روى مسلم عن انس بن مالك (3) قال: " عطس عند النبي (صلى الله عليه


(1) و (2) الوسائل الباب 63 من احكام العشرة (3) ج 8 كتاب الزهد باب تسميت العاطس، ورواه أبو داود في سننه ج 4 ص 309 آخر كتاب الادب باب " من يعطس ولا يحمد الله ".

[ 96 ]

وآله) رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الاخر فقال الذى لم يشمته عطس فلان فشمته وعطست انا فلم تشمتنى ؟ فقال ان هذا حمد الله وانك لم تحمد الله تعالى ". وعن الفضيل بن يسار (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ان الناس يكرهون الصلاة على محمد وآله في ثلاثة مواطن: عند العطسة وعند الذبيحة وعند الجماع ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما لهم ويلهم نافقوا لعنهم الله ". وعن سعد بن ابى خلف في الصحيح أو الحسن (2) قال: " كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا عطس فقيل له يرحمك الله قال يغفر الله لكم ويرحمكم، وإذا عطس عنده انسان قال له يرحمك الله ". بيان: هذا الحديث يشتمل على ما اشتمل عليه حديث الخصال في رد التسميت، قال في المدارك: والاولى في كيفية الرد الاعتماد على ما رواه الكليني في الحسن عن سعد بن ابى خلف، ثم ساق الرواية. وعن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " عطس غلام لم يبلغ الحلم عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال الحمد لله فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) بارك الله فيك " بيان: فيه دلالة على استحباب تسميت الغلام إذا حمد الله تعالى بمثل هذا القول وان لم يتعرض له الاصحاب في ما أعلم. وعن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: " إذا عطس الرجل فليقل الحمد لله لا شريك له، وإذا سمت الرجل فليقل يرحمك الله، وإذا رد فليقل يغفر الله لك ولنا، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن آية أو شئ فيه ذكر الله تعالى فقال كل ما ذكر الله فيه فهو حسن ".


(1) الوسائل الباب 64 من احكام العشرة (2) و (4) الوسائل الباب 58 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة

[ 97 ]

بيان: لا ينافى هذا الخبر ما تقدم في مرسلة ابن ابى عمير من عدم تسميت الامام للرجل حتى اردف التحميد بالصلاة، لان غاية هذا الخبر ان يكون مطلقا فيجب تقييده بالخبر المتقدم. ويحتمل - ولعله الاظهر - حمل الخبر الاول على التأديب وان جاز الاقتصار على مجرد التحميد. والمستفاد من اخبار المسألة بالنسبة الى العاطس انه يقول: " الحمد لله " فان اقتصر عليها فهو جائز وان زاد عليها " رب العالمين أو لا شريك له " أو نحو ذلك فهو أفضل وان زاد الصلاة فهو أفضل الجميع سيما مع ما ذكرناه من الالفاظ الزائدة على التحميد، وبالنسبة الى التسميت ان يقول " يرحمك الله أو يرحمكم الله " وفى الجواب ما ذكر في هذه الرواية، واحسن منه ما تقدم في روايتي الخصال وسعد بن ابى خلف، وان اتى بنحو ذلك فلا باس فان الظاهر حمل هذه الروايات على التمثيل في الدعاء لاخيه من الدعاء بالخير للعاطس وجوابه بما يناسب ذلك. واما قوله في آخر الخبر: " سئل عن آية عن آية أو شئ... الخ " وفى نسخة الفاضل المازندرانى - كما ذكره - " فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن آية تقال عند العطسة أو شئ فيه ذكر الله تعالى... الخ " والمعنى على كل من النسختين واضح فان حاصله ان النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن آية معينة أو ذكر معين يقال عند التسميت اورده فقال كل ما تضمن ذكر الله عزوجل المناسب لمقام التسميت ورده فهو حسن. فهو وعين ما اشرنا إليه آنفا. وعن مسمع (1) قال " عطس أبو عبد الله (عليه السلام) فقال " الحمد لله رب العالمين ": ثم جعل اصبعه على انفه فقال رغم الله انفي رغما داخرا ". بيان: هذا الحكم غير مذكور في ما حضرني من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وينبغى ان بعد في مستحباب العطس ايضا. وعن محمد بن مروان رفعه (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام)


(1) و (2) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة

[ 98 ]

من قال إذا عطس " الحمد لله رب العالمين على كل حال " لم يجد وجع الاذنين والاضراس " وعن ابن فضال عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " في وجع الاضراس ووجع الاذان إذا سمعتم من يعطس فابدأوه بالحمد لله ". وعن زيد الشحام (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من سمع عطسة فحمد الله تعالى وصلى على النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله) لم يشتك عينه ولا ضرسه. ثم قال ان سمعتها فقلها ولو كان بينك وبينه البحر ". وعن عبد الرحمن بن ابى نجران عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال. " عطس رجل نصراني عند ابى عبد الله (عليه السلام) فقال له القوم " هداك الله " فقال أبو عبد الله (عليه السلام) " يرحمك الله " فقالوا له انه نصراني ؟ فقال (عليه السلام) لا يهديه الله حتى يرحمه ". بيان: هذا الخبر بظاهره مناف لما تقدم نقله عن الاصحاب من اشتراط الايمان في تسميت العاطس كما دلت عليه الاخبار المتقدمة، ويمكن ان يقال بمعونة الاخبار المتقدمة الدالة على اشتراط الايمان ان قصده (عليه السلام) من التسميت ب‍ " يرحمك الله " انما هو المنع من تسميته بما ذكروه وبغيره وانه ليس اهلا للتسميت، لان تحاشيهم عن لفظ " يرحمك الله " الى ما ذكروه لا يغنى إذا الهداية مستلزمة لسبق الرحمة الموجبة لهدايته فالاولى ان لا يسمت بحال. وهذا معنى لطيف وان تسارع الفهم القاصر الى رده. وعن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا عطس المرء المسلم ثم سكت لعلة تكون به قالت الملائكة عنه " الحمد لله رب العالمين " فان قال " الحمد الله رب العالمين " قالت الملائكة " يغفر


(1) و (4) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 63 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 65 من احكام العشرة

[ 99 ]

الله لك: قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) العطاس للمريض دليل العافية وراحة البدن ". وعن حذيفة بن منصور (1) قال قال: " العطاس ينفع البدن كله ما لم يزد على الثلاث فإذا زاد على الثلاث فهو داء وسقم "، وعن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا عطس الرجل ثلاثا فسمته ثم اتركه ". وعن ابى بكر الحضرمي (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: ان انكر الاصوات لصوت الحمير (4) قال العطسة القبيحة ". بيان: العطسة القبيحة المشتملة على الصوت المستنكر يعنى انها مندرجة تحت الاية لا ان الاية مختصة بها. وفيه اشارة الى الامر بالاعتدال. وعن القاسم عن جده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " من عطس ثم وضع يده على قصبة انفه ثم قال " الحمد لله رب العالمين الحمد لله حمدا كثيرا كما هو اهله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم " خرج من منخره الايسر طائر اصغر من الجراد واكبر من الذباب حتى يصير تحت العرش يستغفر له الى يوم القيامة ". وعن محمد بن يحيى عن بعض اصحابه رواه عن رجل من العامة (6) قال " كنت اجالس أبا عبد الله (عليه السلام) فلا والله ما رأيت مجلسا انبل من مجالسه، قال فقال لى ذات يوم من اين تخرج العطسة ؟ فقلت من الانف. فقال لى اصبت الخطأ فقلت جعلت فداك من اين تخرج ؟ فقال من جميع البدن كما ان النطفة تخرج من


(1) و (3) الوسائل الباب. 6 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 61 من احكام العشرة (4) سورة لقمان الاية 18 (5) الوسائل الباب 63 من احكام العشرة (6) الاصول ج 2 ص 657 وفى الوسائل الباب 60 من احكام العشرة

[ 100 ]

جميع البدن ومخرجها من الاحليل، ثم قال اما رأيت الانسان إذا عطس نفض اعضاءه ؟ وصاحب العطسة يأمن الموت سبعة ايام ". وعن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تصديق الحديث عند العطاس ". وبهذا الاسناد (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان الرجل يتحدث بحديث فعطس عاطس فهو شاهد حق ". وعن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تصديق الحديث عند العطاس ". بيان: قال بعض المحدثين لعل السر فيه ان العطسة رحمة من الله تعالى للعبد ويستبعد نزول الرحمة في مجلس يكذب فيه خصوصا عند صدور الكذب فإذا قاربت الحديث دلت على صدقه. انتهى. وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن على بن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى عن غياث عن جعفر (عليه السلام) (4) " في رجل عطس في الصلاة فسمته رجل فقال فسدت صلاة ذلك الرجل ". بيان: قال ابن ادريس بعد ايراد الخبر: التسميت الدعاء للعاطس بالسين والشين معا، وليس على فسادها دليل لان الدعاء لا يقطع الصلاة. انتهى. وهو جيد وغير بعيد ان هذا الخبر خرج مخرج التقية لانه نسب الى الشافعي وبعض العامة القول بالتحريم (5) مع ان ظاهر الخبر بطلان صلاة العاطس وان لم يرد فانه هو الذى في الصلاة واما المسمت فغير ظاهر من الخبر كونه في الصلاة. وكيف ما كان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 66 من احكام العشرة (4) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة (5) تعرض لذلك النووي الشافعي في شرحه على صحيح مسلم عند شرحه حديث معاوية بن الحكم السلمى في باب تحريم الكلام

[ 101 ]

فبالحمل على ايهما كان لا يمكن القول بالبطلان لما تقدم. والله العالم. المسألة الثالثة - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف هو تحريم قطع الصلاة اختيارا وقيده جملة من الاصحاب: منهم - العلامة في بعض كتبه بالفريضة. واحتج عليه بوجهين (الاول) ان الاتمام واجب وهو ينافى القطع فيكون القطع محرما (الثاني) قوله تعالى: " ولا تبطلوا اعمالكم " (1). والاول منهما لا يخلو من مصادرة، والثانى لا يخلو من الاجمال المانع من الاستناد إليه في الاستدلال، ولهذا صرح جملة من محققى متأخرى المتأخرين بانهم لم يقفوا في المسألة على دليل يعتمد عليه وكان بعض المعاصرين يفتى لذلك بجواز قطع الصلاة اختيارا، ويجوز له في الشكوك المنصوصة قطع الصلاة والاعادة من رأس للخروج عما في بعض صورها من الخلاف. اقول: والحق ان الدليل على ذلك ما تقدم في الاخبار الكثيرة من ان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (2)، فانه لا معنى لكون تحريمها التكبير إلا تحريم ما كان محللا على المصلى قبل التكبير وانه بالدخول فيها بالتكبير تحرم عليه تلك الامور عن الاستدبار والكلام عمدا والحدث عمدا ونحو ذلك وان هذه الاشياء انما تحل عليه بالتسليم. وهذا المعنى من هذا العبارة اظهر من ان يخفى والروايات بهذا المضمون متكاثرة كما تقدمت في فصل التكبير والتسليم فلا مجال للتوقف في ذلك. وبذلك يظهر انه لا يجوز قطع الصلاة ولا الخروج منها الا بالتسليم. نعم يستثنى من ذلك ما دلت النصوص على جواز القطع له كما يأتي ان شاء الله تعالى. ويؤيده ما رواه الشيخ والكليني في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (3)


(1) سورة محمد الاية 35 (2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام و 1 من التسليم (3) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة. والمسؤول كما في الفروع ج 1 ص 101 والتهذيب ج 1 ص 228 والوافى باب " الحدث ومقدماته والنوم في الصلاة " والوسائل هو أبو الحسن (ع). =

[ 102 ]

قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع ان يصبر عليه أيصلى على تلك الحال أو لا يصلى ؟ فقال ان احتمل الصبر ولم يخف اعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر ". وقد تقدمت هذه الرواية (1) وتقدمت روايات اخر في معناها، والتقريب فيها ان الامر بالصلاة والصبر الذى هو حقيقة في الوجوب ظاهر في تحريم القطع في الصورة المذكورة مع ما عرفت (2) من الروايات الدالة على كراهة الصلاة مع المدافعة وانه يمنزله من هو في ثيابه، وإذا ثبت في هذه الصورة ثبت في ما سواها بطريق الاولى، ولو كان القطع جائزا في حد ذاته لما أمر باحتمالا الاذى ولربما تضرر به إلا ان يخاف سبق الحدث فانه يجوز له القطع من حيث خوف خروجه. ثم انه قد ذكر الاصحاب من غير خلاف يعرف انه يجوز قطع الصلاة لاشياء وعبر عنها بعض بالضرورة كقبض الغريم وحفظ النفس المحرمة من التلف والضرر وانقاذ الفريق وقتل الحية التى يخافها على نفسه واحراز المال - وربما قيد بما يضر ضياعه - وخوف ضرر الحديث مع امساكه، الى غير ذلك. والذى وقفت عليه من اخبار المسألة ما رواه الصدوق في الصحيح عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد ابق أو غريما لك عليه مال أو حية تتخوفها على نفسك فاقطع الصلاة واتبع غلامك أو غريمك واقتل الحية " ورواه في الكافي عن حريز عن من اخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (4). وعن سماعة (5) قال: " سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه ؟ قال يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة. قلت فيكون في الصلاة الفريضة فتفلت عليه دابة أو تفلت دابته فيخاف ان تذهب


(1) ص 6 و 63 (2) ص 61 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة

[ 103 ]

أو يصيب منها عنتا ؟ فقال لا بأس بان يقطع صلاته ويتحرز وبعود الى صلاته " اقول: والحديث الاول وان دل على قطع الصلاة إلا انه غير صريح ولا ظاهر في الاعادة من رأس بعد الاتيان بتلك الاشياء بل من الجائز بناؤه على ما مضى إلا مع وقوع احد المبطلات في البين من كلام عمدا أو استدبار أو نحو ذلك، وكذا آخر الحديث الثاني وقوله فيه: " ويعود الى صلاته " بل هو ظاهر في البناء على ما مضى كما لا يخفى، وعلى هذا يجب حمل صدر الخبر الثاني وقوله فيه " ثم يستقبل الصلاة " على ما إذا استلزم أحد المبطلات. وبالجملة فالخبر ان غير صريحين في ما ادعاه الاصحاب من ابطال الصلاة بهذه الاشياء إلا ان يدعى ان القطع إنما يطلق على الابطال خاصة ولهذا سموا مبطلات الصلاة قواطع في عباراتهم. وهو غير بعيد إذ هو المتبادر من ظاهر هذا اللفظ. وقسم الشهيدان القطع هاهنا الى الاقسام الخمسة، فقال في الذكرى بعد حكمه أو لا بتحريم القطع إلا في مواضع الضرورة: وقد يجب القطع كما في حفظ الصبى والمال المحترم من التلف وانقاذ الغريق والمحترق، وحيث يتعين عليه فلو استمر بطلت صلاته للنهى المفسد للعبادة، وقد لا يجب بل يباح كقتل الحيه التى لا يغلب على الظن اذاها واحراز المال الذى لا يضر فوته، وقد يستحب كالقطع لاستدارك الاذان والاقامة وقراءة الجمعة والمافقن في الظهر والجمعة والائتمام بامام الاصل وغيره، وقد يكره كاحراز المال اليسير الذى لا يبالى بفوته مع احتمال التحريم. انتهى اقول: ما ذكراه (قدس سرهما) في صورة وجوب القطع من الحكم ببطلان الصلاة لو تعين عليه واستمر في صلاته مبنى على استلزام الامر بالشئ النهى عن ضده الخاص والظاهر منه في غير موضع من كتابه المذكور عدم القول بذلك، وبالجملة فالحكم بالبطلان ضعيف بل غايته حصول الاثم. واما ما ذكراه في صورتي الاباحة والكراهة فمحل اشكال، لان الدليل قد دل على تحريم القطع كما قدمنا بيانه ولايجوز الخروج عنه إلا بدليل ظاهر الدلالة

[ 104 ]

على الجواز، وظهور ما ادعوه من الخبرين المذكورين محل منع. وما ذكر من التمثيل بالحية التى لا يغلب على الظن اذاها واحراز المال الذى لا يضر فوته لا دليل عليه، والقطع للحية في الخبر الاول وقع مقيدا بخوفها على نفسه، واما المال فان المفهوم من الروايتين كونه مما يعتد به ويضر بالحال فوته فيكون القطع في الموضعين داخلا تحت القطع الواجب. وقد وافقنا في هذا الموضع السيد السند (قدس سره) في المدارك إلا انه يرجع الى موافقة الجماعة تعدم الدليل على تحريم القطع، ونحوه الفاضل الخراساني (قدس سره) في الذخيرة، قال في المدارك بعد نقل التقسيم الى الاقسام الخمسة عن جده وعدها كما ذكره: ويمكن المناقشة في جواز القطع في بعض هذه الصور لانتفاء الدليل عليه إلا انه يمكن المصير إليه لما اشرنا إليه من انتفاء دليل التحريم. انتهى. وفيه انا قد اوضحنا بحمد الله دليل التحريم في المقام بما لا يتطرق إليه نقض ولا ابرام. ثم انه قال في الذكرى: وإذا اراد القطع فالاجود التحلل بالتسليم. والظاهر ضعفه إذا المتبادر من الخبر انما هو بالنسبة الى الصلاة التامة. والله العالم. المطلب الثاني في السهو وهو عبارة عن زوال الشئ عن القوة الذاكرة مع بقائه في القوة الحافظة ولهذا انه يحصل بالتذكر، والنسيان عبارة عن زواله عن القوتين معا ولهذا يحتاج الى المراجعة والتعلم ولا يحصل بمجرد التفكر والتذكر. وربما قيل بالمرادفة بينهما والظاهر الاول. والشك هو تساوى الطرفين، وقد يطلق السهو في الاخبار وكلام الاصحاب على الشك ايضا. وكيف كان فالكلام في هذا المطلب يقع في مسائل: (الاولى) لا خلاف بين الاصحاب في بطلان الصلاة بالاخلال بركن منها وان كان سهوا، وقد تقدم بيان

[ 105 ]

ذلك في المقصد الاول (1) المشتمل على تعداد افعال الصلاة وتفصيلها في فضول. نعم وقع الخلاف هنا في موضعين: (الاول) ان من أخل بالركوع ناسيا حتى سجد فهل تبطل صلاته ام لا ؟ قولان، المشهور الاول وهو مذهب الشيخ المفيد والمرتضى وسلار وابن ادريس وابى الصلاح وابن البراج وهو المحكى عن ظاهر ابن ابى عقيل وهو مذهب جمهور المتأخرين. وقال الشيخ في المبسوط في فصل الركوع: والركوع ركن من اركان الصلاة متى تركه عامدا أو ناسيا بطلت صلاته إذا كان في الركعتين الاولتين من كل صلاة وكذلك إذا كان في الثالثة من المغرب، وان كان من الركعتين الاخيرتين من الرباعية ان تركه متعمدا بطلت صلاته وان تركه ناسيا وسجد سجدتين أو واحدة منهما اسقط السجدة وقام فركع وتمم صلاته. انتهى. ونقل عنه ذلك ايضا في كتابي الاخبار وقال في فصل السهو من كتاب المبسوط بعد ان قسم السهو على خمسة أقسام وعد منها ما يوجب الاعادة، فقال في تعداد السهو الذى يوجب الاعادة: ومن ترك الركوع حتى سجد، وفى اصحابنا من قال يسقط السجود ويعيد الركوع ثم يعيد السجود. والاول احوط لان هذا الحكم مختص بالركعتين الاخيرتين. انتهى. ونحوه قال في الجمل والاقتصاد على ما ذكره في المختلف. وقال في النهاية: فان تركه ناسيا ثم ذكر في حالة السجود وجب عليه الاعادة فان لم يذكر حتى صلى ركعة اخرى ودخل في الثالثة ثم ذكر اسقط الركعة الاولى وبنى كأنه صلى ركعتين، وكذلك ان كان قد ترك الركوع في الثانية وذكر في الثالثة أسقط الثانية وجعل الثالثة ثانية وتمم الصلاة. وقال ابن الجنيد على ما نقله عنه في المختلف: ولو صحت له الاولى وسها في الثانية سهوا لم يمكنه استدراكه كأن ايقن وهو ساجد انه لم يركع فاراد البناء على الركعة الاولى التى صحت له رجوت أن يجزئه ذلك ولو اعاد إذا كان في الاولتين وكان


(1) ج 8 ص 18 و 57 و 91 و 234 و 273

[ 106 ]

الوقت متسعا كان احب الى، وفى الثانيتين ذلك يجزئه. ويقرب منه قول على بن بابوية، فانه قال: وان نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة الاولى فاعد صلاتك لانه إذا لم تثبت لك الاولى لم تثبت لك صلاتك وان كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين واجعل الثالثة ثانية والرابعة ثالثة. كذا نقله عنه في المختلف. أقول: ما ذكره الشيخ في فصل السهو من المبسوط عن بعض الاصحاب - من القول بالتلفيق مطلقا وان كان في الاوليين - حكاه العلامة في المنتهى عن الشيخ ايضا احتج القائلون بالقول المشهور من الابطال مطلقا بان الناسي للركوع حتى يسجد لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى تحت عهدة التكليف الى ان يتحقق الامتثال وما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل نسى ان يركع حتى يسجد ويقوم ؟ قال يستقبل ". وعن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا ايقن الرجل انه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة ". وعن اسحاق بن عمار في الموثق (3) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يركع ؟ قال يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه ". وخبر ابى بصير (4) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسى ان يركع ؟ قال عليه الاعادة " واعترض في المدارك على الدليل الاول فقال: ويتوجه على الاول ان الامتثال يتحقق بالاتيان بالركوع ثم السجود فلا يتعين الاستئناف، نعم لو لم يذكر إلا بعد السجدتين اتجه البطلان لزيادة الركن كما هو مدلول الروايتين الاوليين. والرواية الثالثة ضعيفة السند فلا تنهض حجة في اثبات حكم مخالف للاصل. انتهى. اقول: ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة من غير


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من الركوع

[ 107 ]

خلاف يعرف انه متى سها عن الركوع حتى دخل في السجود فانه تبطل صلاته وظاهر السيد (قدس سره) هنا المناقشة في هذا الحكم على عمومه ومنع البطلان في صورة ما لو ذكر ترك الركوع في السجدة الاولى أو بعدها قبل الدخول في الثانية وانه يعمل بالتلفيق بغير استثناف، إذ غاية ما يلزم منه زيادة الواجب وهو عير موجب للبطلان، وكأنه يجعله في حكم ما لو وقع سهوا. إلا ان ظاهر اطلاق الاصحاب - كما أشرنا إليه أولا - إنما يتم بناء على الابطال بزيادة الواجب هنا، ويعضده موثقة اسحاق بن عمار ورواية ابى بصير الثانية. ومما يؤيد كلام السيد السند (قدس سره) ان المفهوم من كلامهم من غير خلاف يعرف انه لو سها عن واجب يمكن تداركه ثم تداركه فانه يرتب عليه ما بعده ان كان ثمة واجب ايضا كمن سها عن الحمد حتى قرأ السورة فانه يجب عليه اعادة الحمد ثم السورة بعدها، وهكذا ما كان نحو ذلك. ويدل عليه ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1): " وان نسيت الحد حتى قرأت السورة ثم ذكرت قبل ان تركع فاقرأ الحمد واعد السورة " وقال في موضع آخر (2) " وان نسيت السجدة من الركعة الاولى ثم ذكرت في الثانية من قبل ان تركع فارسل نفسك واسجدها ثم قم الى الثانية واعد القراءة " وهو صريح في ما دل عليه كلام السيد السند (قدس سره). إلا انه يمكن خروج هذه المسألة التى نحن فيها عن القاعدة المذكورة بما ذكرنا من خبرى اسحاق بن عمار وابى بصير إذ لا معارض لهما في البين، ويمكن تقييدهما بصحيحة رفاعة ورواية ابى بصير الاولى، ولعله أقرب لما عرفت من ظاهر اتفاقهم على اغتفار زيادة الواجب في مثل ذلك. وكيف كان فالعمل بظاهر روايتي اسحاق ابن عمار وابى بصير الثانية طريق الاحتياط. احتج الشيخ (قدس سره) على ما تقدم نقله عنه، اما على البطلان في الركعتين


(1) ص 9 (2) ص 10

[ 108 ]

الاوليين وثالثة المغرب فيما ذكرناه من الاخبار، وعلى اسقاط الزائد والاتيان بالفائت في الركعتين الاخيرتين من الرباعية بما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) " في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع ؟ قال فان استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبنى على صلاته على التمام، وان كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ وانصرف فليقم فليصل ركعة وسجدتين ولا شئ عليه ". وفى الصحيح عن العيص بن القاسم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر انه لم يركع ؟ قال يقوم فيركع ويسجد سجدتي السهو ". اقول: قد روى في الفقيه رواية محمد بن مسلم بطريق صحيح ومتن أوضح مما نقله الشيخ، روى عن العلاء عن محمد بن مسلم - وطريقه في المشيخة الى العلاء صحيح - عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) " في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع ؟ فقال يمضى في صلاته حتى يستيقن انه لم يركع فان استيقن انه لم يركع فليلق السجدتين اللتين لا ركوع لهما ويبنى على صلاته على التمام، فان كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ وانصرف فليقم وليصل ركعة وسجدتين ولا شئ عليه " والظاهر ان هذه الزيادة التى في هذه الرواية قد سقطت من قلم الشيخ كما لا يخفى على من له انس بطريقته في التهذيب وقد نبهنا على ذلك في غير مقام مما تقدم. وروى هذه الرواية ايضا ابن ادريس في مستطرقات السرائر من كتاب الحسن بن محبوب عن العلاء عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) " في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع ؟ قال يمضى على شكه حتى يستيقن ولا شئ عليه وان استيقن لم يعتد بالسجدتين اللتين لا ركعة معهما ويتم ما بقى عليه من صلاته ولا سهو عليه ".


(1) و (2) الوسائل الباب 11 من الركوع (3) الفقيه ج 1 ص 228 وفى الوسائل الباب 12 و 11 من الركوع. (4) الوسائل الباب 13 و 11 من الركوع

[ 109 ]

واجاب المحقق في المعتبر عن رواية الشيخ بان ظاهرها الاطلاق وهو متروك وتخصيصها بالاخيرتين تحكم. وزاد في المدارك الطعن بضعف السند باشتماله على الحكم بن مسكين وهو مجهول، واورد على الرواية الثانية بانها غير دالة على مطلوبه وإنما تدل على وجوب الاتيان بالمنسى خاصة وهو لا يذهب إليه بل بوجب الاتيان بما بعده. انتهى. اقول. اما ما ذكره في المعتبر - من ان الرواية ظاهرها الاطلاق وهو متروك - ففيه ان من جملة الاقوال في المسألة كما عرفت القول بالتلفيق مطلقا كما نقله في المبسوط عن بعض الاصحاب ونقله العلامة في المنتهى عن الشيخ، وحينئذ فكيف يدعى انه متروك لا قائل به ؟ واما ما ذكره - من ان تخصيصها بالاخيرتين تحكم، ففيه انه لا يخفى ان الظاهران ما ذهب إليه الشيخ هنا إنما هو وجه جمع بين اخبار المسألة، وذلك لما اشتهر عنه وعن شيخه المفيد كما سيأتي ان شاء الله تعالى من ان كل سهو يلحق الاوليين في الاعداد والافعال فهو موجب للاعادة، فجمع بين هذه الاخبار بحمل اطلاقات الابطال على السهو في الاوليين وثالثة المغرب وما دل على التلفيق وصحة الصلاة على الاخيرتين. وهو وجه وجيه في الجمع بين الاخبار بناء على صحة ما ادعاه في تلك المسألة. نعم يبقى الكلام معه في ثبوت تلك المسألة وهو امر خارج عن ما نحن فيه. وبذلك يظهر ان طعنه على الشيخ في ما ذكره بانه تحكم غير جيد. واما ما ذكره في المدارك من الطعن في السند فقد عرفت ما فيه في غير موضع وانه على مذهب الشيخ وجملة المتقدمين غير متجه ولا معتمد. بقى الكلام في الجمع بين روايات المسألة، والشيخ قد جمع بينها بما عرفت وقد اوضحنا ان جمعه جيد بناء على ثبوت ما ادعاه في تلك المسألة، وبه يندفع اعتراض المتأخرين عليه كما سمعت من كلام صاحب المعتبر، وقال في المدارك بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم برواية الصدوق: ومقتضى الرواية وجوب الاتيان بالركوع واسقاط السجدتين مطلقا كما هو أحد الاقوال في

[ 110 ]

المسألة، ويمكن الجمع بينها وبين ما تضمن الاستئناف بذلك التخيير بن الامرين وافضلية الاستئناف. وقال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار: واما الصحيحة الاولى - واشار بها الى صحيحة محمد بن مسلم برواية الفقيه - فلا يمكن العمل بها، وترك سائر الاخبار الكثيرة الدالة على بطلان الصلاة بترك الركوع، إذ لا يتصور له حينئذ فرد يوجب البطلان لانها تتضمن انه لو لم يذكر ولم يأت به الى آخر الصلاة ايضا لا يوجب البطلان فلابد اما من طرحها أو حملها على الجواز وغيرها على الاستحباب، فالعمل بالمشهور اولى على كل حال. ويمكن حمله على النافلة لورود مثله فيها أو على التقية (1) والشيخ حمله على الاخيرتين، وكذا قال بالتفصيل مع عدم اشعار في الخبر به. انتهى. وهو جيد إلا ان ما اعترض به على الشيخ قد عرفت جوابه وان جمع الشيخ جيد ان ثبت ما ذكره في تلك المسألة. واما استدلال الشيخ بصحيحة العيص المقتدمة فقد اور عليه بانها غير دالة على مطلوبه وإنما تدل على وجوب الاتيان بالمنسى خاصة وهو لا يذهب إليه بل يوجب الاتيان بما يعده. وهو جيد. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحيتاط فيها مطلوب على كل حال. واما ما ذكره الشيخ عن ابن بابويه مما قدمنا نقله عنه فقد اعترضه من تأخر عنه بعدم وجود السند في ذلك. اقول: لا يخفى ان عبارته المتقدمة مأخوذة من عبارة كتاب الفقه الرضوي على النهج الذى قدمنا ذكره في غير مقام ومنه يعلم ان مستنده إنما هو الكتاب المذكور وكلامه (عليه السلام). قال في الكتاب المشار إليه (2): وان نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة


(1) البحر الرائق ج 2 ص 98 والمغنى ج 2 ص 27 (2) ص 9

[ 111 ]

الاولى فاعد صلاتك لانه إذا لم تصح لك الركعة الاولى لم تصح صلاتك، وان كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين واجعلها اعني الثانية الاولى والثالثة ثانية والرابعة ثالثة. انتهى. ولا يخفى ما فيه من الغرابة، فان المستفاد من النصوص والفتاوى ان ما ذكره من وجوب المحافظة على الاولى لتصح صلاته ثابت الركعتين الاوليين لا لخصوص الاولى وان الثانية كالثالثة والرابعة، وقد صرحت النصوص بان العلة في كون السهو في الاخيرتين دون الاوليين للفرق بين ما فرضه الله وبين ما فرضه رسوله (صلى الله عليه وآله) ولعل تخصيصه (عليه السلام) هذا الحكم بالاولى بناء على مزيد التأكيد في المحافظة عليها لما يظهر بعض الاخبار وقد تقدم في صدر هذا الكتاب (1) وهو ان الله عزوجل انما فرض الصلاة ركعتين لعله بعدم المحافظة على الركعة الاولى والاقبال عليها فوسع لهم بزيادة الثانية. وصورته ما رواه الصدوق في العيون والعلل في علل الفضل بن شاذان المروية عن الرضا (عليه السلام) قال: " انما جعل اصل الصلاة ركعتين وزيد على بعضها ركعة وعلى بعضها ركعتان ولم يزد على بعضها شئ لان أصل الصلاة انما هي ركعة واحدة لان أصل العدد واحد فإذا نقصت عن واحدة فليست هي صلاة، فعلم الله تعالى ان العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التى لا صلاة أقل منها بكمالها وتمامها والاقبال عليها فقرن إليها ركعة اخرى ليتم بالثانية ما نقص من الاولى ففرض الله أصل الصلاة ركعتين، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما امروا به وكماله فضم الى الظهر والعصر والعشاء الاخرة ركعتين ركعتين ليكون بهما تمام الركعتين الاوليين... الحديث ". الموضع الثاني - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان من نسى سجدتين الى ان ركع بعدهما بطلت صلاته وانه لا فرق في ذلك بين الركعتين الاوليين والاخيرتين، وهو قول الشيخ المفيد والشيخ في النهاية وابى الصلاح وابن ادريس


(1) ج 6 ص 11 وفى الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض

[ 112 ]

واليه ذهب جمهور المتأخرين وهو المختار. وقال الشيخ في الحمل والاقتصاد ان السجدتين إذا كانتا من الاخيرتين بنى على الركوع الاول واعاد السجدتين. ووافق المشهور في موضع من المبسوط، وقال في موضع آخر منه: من ترك سجدتين من ركعة من الركعتين الاوليين حتى يركع في ما بعدهما اعاد على المذهب الاول وعلى الثاني يجعل السجدتين في الثانية للاولة وبنى على صلاته. واشار بالمذهب الاول الى ما ذكره في الركوع من انه إذا ترك الركوع حتى سجد اعاد. حجة القول المشهور انه قد اخل بالركن حتى دخل في ركن آخر فان اوجبنا عليه الاتيان بالاول ثم الركوع بعده واتمام الصلاة لزم زيادة ركن وان اوجبنا عليه المضى في صلاته والحال هذه لزم نقصان ركن، وكلاهما مبطل. ويؤيده قوله (عليه السلام) (1): " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ". وقوله في رواية محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " ان الله عزوجل فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلاة ومن نسى القراءة فقد تمت صلاته ولا شئ عليه ". وموثقة منصور بن حازم (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انى صليت المكتوبة فنسيت ان اقرأ في صلاتي كلها ؟ فقال أليس قد أتممت الركوع والسجود ؟ قلت بلى. قال فقد تمت صلاتك إذا كان نسيانا ". ومفهوم الاول ان نسيان الركوع والسجود يوجب الاعادة بقرينة المقابلة ومفهوم الثاني انه بعدم اتمام السجود لا تتم الصلاة. هذا. واما القول الاخر فلم نقف له على دليل وبذلك اعترف جملة من المتأخرين ومتأخريهم، وغاية ما تكلفه في المختلف للاستدلال على ذلك هو ان السجدتين


(1) و (3) الوسائل الباب 29 من القراءة (2) الوسائل الباب 27 من القراءة

[ 113 ]

مساويتان للركوع في جميع الاحكام وقد ثبت جواز التلفيق فيه. وضعفه اظهر من ان يحتاج الى بيان وهل هو إلا قياس محض ؟ والله العالم. المسألة الثانية - لاظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بتعمد زيادة ركعة فيها انما الخلاف في صورة السهو، فالمشهور انه كذلك من غير فرق بين الرباعية وغيرها ولا بين ان يجلس عقيب الرابعة بقدر التشهد أم لا، أما إذا لم يجلس دبر الرابعة بقدر التشهد فالقول بالبطلان ايضا موضع اتفاق على ما حاكاه جمع: منهم - الفاضلان والشهيد وغيرهم، اما لو جلس القدر المذكور فقد اطلق الاكثر - ومنهم الشيخ في جملة من كتبه والسيد المرتضى وابن بابويه وغيرهم - البطلان ايضا. وقال في المبسوط: من زاد ركعة في صلاته اعاد وفى اصحابنا من قال ان كانت الصلاة رباعية وجلس في الرابعة مقدار التشهد فلا اعادة عليه. والاول هو الصحيح لان هذا قول من يقول ان الذكر في التشهد ليس بواجب. انتهى. ونحوه كلامه في الخلاف ايضا. وهذا القول الذى نقله الشيخ عن بعض اصحابنا اسنده في المختلف الى ابن الجنيد واليه ذهب المحقق في المعتبر والعلامة في التحرير والمختلف وجعله المحقق أحد قولى الشيخ ونسبه في المنتهى الى الشيخ في التهذيب، وفيه تأمل كما سيأتي وقال ابن ادريس في السرائر: من صلى الظهر اربع ركعات وجلس في دبر الرابعة فتشهد الشهادتين وصلى على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) ثم قام ساهيا عن التسليم وصلى ركعة خامسة، فعلى مذهب من أوجب التسليم فالصلاة باطلة، وعلى مذهب من لم يوحبه فالاولى ان يقال ان الصلاة صحيحة لانه ما زاد في صلاته ركعة لانه بقيامه خرج من صلاته. والى هذا القول ذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره ونعم ما قال. انتهى كلامه. واستدل على القول المشهور بما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة وبكير ابني اعين عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا استيقن انه زاد في صلاته


(1) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة. والشيخ يرويها عن الكليني

[ 114 ]

المكتوبة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا... ". وعن ابى بصير (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من زاد في صلاته فعليه الاعادة ". اقول: ونحوهما ما رواه الشيخ في التهذيب عن زيد الشحام (2) قال: " سألته عن الرجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات ؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد... الحديث ". احتج المحقق في المعتبر على ما ذهب إليه بان نسيان التشهد غير مبطل فإذا جلس قدر التشهد فقد فصل بين الفرض والزيادة. وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل صلى خمسا ؟ فقال ان كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته ". وعن محمد بن مسلم (4) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل استيقن بعد ما صلى الظهر انه صلى خمسا ؟ قال وكيف استيقن ؟ قلت علم. قال ان كان علم انه جلس في الرابعة فصلاة الظهر تامة وليقم فليضف الى الركعة الخامسة ركعة وسجدتين فتكونان ركعتين نافلة ولا شئ عليه ". اقول: ويدل عليه ايضا ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج عن الصادق (عليه السلام) (5) " انه قال في رجل صلى خمسا انه ان كان جلس في الرابعة مقدار التشهد فعبادته جائزة ". وعن العلاء عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن رجل صلى الظهر خمسا ؟ فقال ان كان لا يدرى جلس في الرابعة ام لم يجلس فليجعل اربع ركعات منها الظهر ويجلس ويتشهد ثم يصلى وهو جالس ركعتين واربع سجدات فيضيفهما الى الخامسه فتكون نافلة ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة

[ 115 ]

ولا يخفى ما في مضمون هذا الخبر من المخالفة لما عليه الاصحاب (اما اولا) فان ظاهر الرواية ان الشك في الجلوس وعدمه حكمه حكم الجلوس المحقق في صحة الصلاة على القول به، ولا قائل به في ما اعلم إلا انه ربما كان في ايراد الصدوق هذه الرواية اشعار بالقول بذلك بناء على قاعدته التى مهدها في صدر كتابه، وفيه تأمل كما لا يخفى على من راجع كتابه وعلم خروجه عن هذه القاعدة في مواضع عديدة. و (اما ثانيا) - فانه إذا جعل اربع ركعات من هذه الخمس الظهر فهذا التشهد المذكور في الخبر اما ان يكون للفريضة أو النافلة، فان كان للفريضة فهو لا يكون إلا على جهة القضاء لوقوعه بعد الركعة الزائدة، مع ان التشهد الاول مشكوك فيه والتشهد المشكوك فيه لا يقضى بعد تجاوز محله لانه في الخبر انه لا يدرى جلس بعد الرابعة ام لا فهو اما شك في التشهد أو في ما قام مقامه وهو الجلوس قدر التشهد، وان كان للنافلة فالانسب ذكره بعد الركعتين من جلوس، واحتمال كونه تشهدا لهذه الركعة الزائدة التى جعلها نفلا على قياس صلاة الاحتياط إذا كانت ركعة من قيام لا يخلو من الاشكال. ثم انه قد اورد على الحجة الاولى بان تحقق الفصل بالجلوس لا يتقضى عدم وقوع الزيادة في اثناء الصلاة. وعلى الروايات بان الظاهر ان المراد فيها من الجلوس بقدر التشهد التشهد بالفعل لشيوع هذا الاطلاق وندور تحقق جلوس بقدر التشهد من دون الاتيان به. كذا ذكره في المدارك قال: " وبذلك صرح الشيخ في الاستبصار فقال - بعد ذكر خبرى زرارة ومحمد بن مسلم الاول - ان هذين الخبرين لا ينافيان الخبرين الاولين يعنى روايتي ابى بصير وابنى اعين، لان من جلس في الرابعة وتشهد ثم قام وصلى ركعة لم يخل بركن من اركان الصلاة وإنما أخل بالتسليم والاخلال بالتسليم لا يوجب اعادة الصلاة حسبما قدمناه. وقريب منه في التهذيب ايضا. واستحسن هذا الحمل في الذكرى، قال: ويكون في هذه الاخبار دلالة على ندب التسليم. اقول: ومما يدل على ما ذكروه من ارادة التجوز في الاخبار المذكورة بحمل

[ 116 ]

الجلوس بقدر التشهد على وقوع التشهد بالفعل صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج البجلى (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام وهى له الاولى كيف يصنع إذا جلس الامام ؟ قال يتجافى ولا يتمكن من القعود فإذا كانت الثالثة للامام وهى له الثانية فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يتشهد ثم يلحق بالامام... الحديث " فانه لا اشكال في ان المراد من هذه العبارة ان اللبث وقع للتشهد بالفعل لا بقدره. وهذه الرواية هي مستند الاصحاب في ايجاب التشهد على المسبوق. ونحو ذلك ايضا ما في موثقة سماعة الواردة في من كان في الصلاة منفردا ثم دخل الامام المسجد (2) حيث قال (عليه السلام) فيها: " وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلى ركعة اخرى معه ويجلس قدر ما يقول " اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله " ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع... الحديث ". واجاب جملة من الاصحاب: منهم - الشيخ في الخلاف عن الاخبار المذكورة بحملها على التقية لموافقتها لمذهب كثير من العامة مثل ابى حنيفة وغيره (3) قال الشيخ في الخلاف في المقام: وإنما يعتبر الجلوس بمقدار التشهد أبو حنيفة بناء على ان الذكر في التشهد ليس بواجب عنده. اقول: ومن رواياتهم في المسألة ما رواه مسلم في صحيحه (4) عن عبد الله ابن مسعود " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى الظهر خمسا فلما سلم قيل له أزيد في الصلاة ؟ فقال وما ذاك ؟ قالوا صليت خمسا. فسجد سجدتين ". وقال في شرح السنة على ما نقله في البحار: اكثر أهل العلم على انه إذا صلى خمسا ساهيا فصلاته صحيحة يسجد للسهو وهو قول علقمة والحسن البصري وعطاء


(1) الوسائل الباب 47 من الجماعة (2) الوسائل الباب 56 من الجماعة. ارجع الى استدراكات ج 8 (33) (3) بدائع الصنائع ج 1 ص 178 (4) ج 2 باب السهو في الصلاة

[ 117 ]

والنخعي وبه قال الزهري ومالك والاوزاعي والشافعي واحمد واسحاق، وقال سفيان الثوري ان لم يكن قعد في الرابعة يعيد الصلاة. وقال أبو حنيفة ان لم يكن قعد في الرابعة فصلاته فاسدة يجب اعادتها وان قعد في الرابعة ثم ظهره والخامسة تطوع يضيف إليها ركعة اخرى ثم يتشهد ويسلم ويسجد للسهو (1) انتهى. ولا ريب ان الاخبار الدالة على البطلان ابعد من مذاهب العامة في هذه المسألة والاخبار الاخيرة موافقة لقول ابى جنيفة. وبالجملة فانه لا مناص من أحد الحملين المذكورين وظني ان الاول اقرب لما عرفت من شيوع هذا المجاز في الاخبار، وبذلك يظهر لك اجتماع الاخبار على وجه لا يعتريه الانكار، وبذلك يظهر صحة القول المشهور وانه المؤيد المنصور سيما مع اوفقيته بالاحتياط. نعم يبقى الكلام هنا في مواضع: (الاول) - قد روى الشيخ في الضعيف عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليهم السلام) (2) قال: " صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر خمس ركعات ثم انفتل فقال له بعض القوم يارسول الله (صلى الله عليه واله) هل زيد في الصلاة شئ ؟ قال وما ذاك ؟ قال صليت بنا خمس ركعات. قال فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ثم سحد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم وكان يقول هما المرغتان " وهو ضعيف لا يعول عليه وشاذ نادر من جهات عديدة فلا يلتفت إليه، وحمل على انه (صلى الله عليه وآله) تشهد ثم قام الى الخامسة. والاظهر عندي حمله على التقية فان مذهب العامة صحة الصلاة مع زيادة الخامسة سهوا جلس بعد الرابعة أو لم يجلس (3) وقد تقدمت روايتهم ذلك عنه (صلى الله عليه وآله) ومن رواياتهم في ذلك ايضا ما رووه عن ابن مسعود (4)


(1) و (3) شرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد السارى ج 3 ص 235 (2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة (4) صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة

[ 118 ]

" ان النبي (صلى الله عليه وآله) صلى بنا خمسا فلما اخبرناه انفتل فسجد سجدتين ثم سلم وقال انما انا بشر مثلكم انسى كما تنسون " نقله شيخنا الشهيد في الذكرى ثم قال بعده: وهذا الحديث لم يثبت عندنا مع منافاته للقواعد العقلية. انتهى. (الثاني) - لو ذكر الزيادة بعد السجود والحال انه قد جلس بعد الرابعة قدر التشهد أو تشهد بالفعل على القولين المتقدمين فالاولى ان يضيف الى الخامسة ركعة لتكون معها نافلة كما تضمنه خبر محمد بن مسلم المتقدم، ونحوه صحيحته المتقدمة ايضا وان كان متنا لا يخلو من قصور كما عرفت. ونقل عن العلامة انه احتمل التسليم وسجود السهو. وصرح في الروض بانه يتشهد ويسجد للسهو، وهو راجع الى كلام العلامة ايضا، والنصوص كما ترى خالية من ذلك. (الثالث) - لو ذكر الزيادة قبل الركوع فلا إشكال في الصحة لانه لم يزد إلا القيام وغاية ما يوجبه سجود السهو، ولو ذكر بعد الركوع وقبل السجود فنقل عن العلامة القول وبالابطال، قال: لانا ان امرناه بالسجود زاد ركنا آخر في الصلاة وان لم نأمره زاد ركنا غير متعهد به بخلاف الركعة الواحدة لامكان البناء عليها نفلا. وقيل بان حكمه حكم ما لو ذكر بعد السجود فيبنى صحة الصلاة على الجلوس بعد الرابعة بقدر التشهد أو التشهد بالفعل على القولين المتقدمين والبطلان مع عدم ذلك وهو اختيار الشهيد في الذكرى. (الرابع) - هل ينسحب الحكم الى زيادة اكثر من ركعة والى غير الرباعية من الثلاثية والثنائية إذا جلس آخرها بقدر التشهد على أحد القولين ؟ قال في الروض: وجهان من المساواة في العلة ومخالفة المنصوص الثابت على خلاف الاصل. واختار في الذكرى التعدية فيهما. واطلق جماعة من الاصحاب البطلان بالزيادة مطلقا لعموم قول الباقر (عليه السلام) (1) " إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها واستقبل صلاته ".


(1) في حسنة زرارة وبكير الواردة ص 113 وفى الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة

[ 119 ]

اقول: الظاهر انه لا إشكال على ما اخترناه من وقوع التشهد بالفعل في آخر الفريضة بناء على القول باستحباب التسليم أو كونه واجبا خارجا، فان هذه الزيادة بناء على القولين المذكورين قد وقعت خارجة من الصلاة، واما على القول بوجوب التسليم ودخوله فانه لا إشكال في بطلان الصلاة لكن هذه الاخبار باعتبار حملها على وقوع التشهد بالفعل كما كشفنا عنه نقاب الاجمال تدفع هدا القول وترده، وإنما الاشكال في مالو قلنا بالاكتفاء بمجرد الجلوس قدر التشهد بناء على الاخذ بظاهر الاخبار المقتدمة، فانها حيث كانت واردة على خلاف القواعد الشرعية والضوابط المرعية فالواجب قصرها على مورد المخالفة وهو الركعة الواحدة في الصلاة الرباعية والعمل بالقواعد المذكورة في ما عدا ذلك. والله العالم. المسألة الثالثة - ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بطلان الصلاة بزيادة ركن عمدا أو سهوا إلا ما استثنى مما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى. واحتجوا على ذلك (اولا) - باشتراك الزيادة والنقيصة في تغيير هيئة الصلاة. و (ثانيا) - بما قدمناه (1) في سابق هذا المسألة من حسنة زرارة وبكير المشتملة على ان من استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها واستقبل الصلاة، ورواية ابى بصير الدالة على ان من زاد في صلاته فعليه الاعادة. وانت خبير بان التعليل الاول عليل لا يبرد الغليل، واما الخبر ان المذكوان فظاهرهما حصول البطلان بكل زيادة ركنا كان أو غيره عمدا أو سهوا، ولا قائل به مع دلالة الاخبار على خلافه. وحملهما على الركن بخصوصه - مع خروج جملة من الافراد ومشاركة جملة من الواجبات المزادة عمدا - تخصيص بغير مخصص، على ان ما ذكروه من التسمية لهذه الواجبات المخصوصة بكونها اركانا ثم تفريع ما ذكروه من الاحكام على هذه التسمية يخدشه ان هذا الاسم لا وجود له في الاخبار وإنما ذلك اصطلاح منهم (رضوان الله عليهم) وإلا فبالنظر الى الاخبار بعين


(1) ص 113 و 118

[ 120 ]

التحقيق والتأمل بالفهم الصائب الدقيق لا تجد فرقا بين سائر الواجبات وبين هذه الواجبات التى سموها اركانا في أن زيادتها أو نقصانها في بعض المواضع قد يكون موجبا لبطلان الصلاة وقد لا يكون، وحينئذ فالواجب الرجوع في كل جزئي جزئي وفرد فرد من الاحكام الى النصوص وما دلت عليه من صحة أو ابطال في ركن كان أو واجب، ولا وجه لهذه الكلية التى زعموها قاعدة ثم استثنوا منها ما ستعرفه ولقائل ان يجرى مثل ذلك في مطلق الواجب ايضا ويجعل ما دلت النصوص على صحة الصلاة مع زيادته أو نقصانه عمدا أو سهوا مستثنى. وبالحملة ما ذكروه من هذه القاعدة فانى لا اعرف له وجها وجيها لما عرفت مضافا الى اختلافهم في بعض تلك الاركان كما سلف في الفصول المتقدمة كاختلافهم في الركن القيامى والركن السجودى. ثم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) بناء على ما ذكروه من هذه القاعدة استثنوا من ذلك مواضع اشار إليها شيخنا الشهيد الثاني في الروض: فمن المستثنى من قاعدة البطلان بزيادة الركن عمدا النية فان زيادتها غير مبطلة مع عدم التلفظ بها لان الاستدامة الفعلية اقوى من الحكمية. ومما يستثنى ايضا من بطلان الصلاة بالسهو عن الركن مواضع: (الاول) النية ايضا فان زيادتها سهوا غير مبطلة بطريق اولى. أقول: وعد النية في هذين الموضعين بناء على النية المتعارفة في كلامهم التى هي عبارة عن التصوير الفكري والكلام النفسي، واما على ما قدمنا تحقيقه فلا معنى لهذا الكلام. (الثاني) - القيام ان قلنا انه ركن كيف اتفق كما هو احد الاقوال في المسألة وهو اختيار العلامة ولذا صرح بالاستثناء كما تقدم ذلك في فصل القيام، واما على مذهب من يجعله قياما خاصا كالقيام المقارن للركوع مثلا فلا استثناء. (الثالث) - الركوع كما سيأتي ان شاء الله تعالى في باب صلاة الجماعة الحكم

[ 121 ]

بوجوب اعادة المأموم له لو سبق به الامام ساهيا فانه يعيده مع الامام، ونحوه ما تقدم في ما لو استدركه الشاك فيه ثم تبين له حال ركوعه انه قد اتى به فانه يرسل نفسه الى السجود على أحد القولين ولا يضره ما اتى به. (الرابع) - السجود إذا زاد سجدة وجلعنا الركن عبارة عن ماهية السجود كما هو اختياره في الذكرى، وان جعلنا الركن مجموع السجدتين كان عدم البطلان بنسيان الواجدة موجبا للاستثناء من قاعدة البطلان ينقصان الركن بناء على ان المجموع يفوت بفوات بعض اجزائه. (الخامس) - لو تبين للمحتاط ان صلاته كانت ناقصة وان الاحتياط متمم لها فانه يجزئه وان كان الذكر بعد الفراغ أو قبله على قول كما سيأتي ان شاء الله تعالى في موضع تحقيق المسألة، ويكون ما اتى به من الاركان من النية وتكبيرة الاحرام مغتفرا. وربما نوقش في ذلك بان جعله من هذا الباب انما يستقيم إذا لم يجعل الاحتياط صلاة برأسها وهو موضع تأمل، وسيأتى تحقيق الحال في ذلك ان شاء الله تعالى. (السادس) - لو زاد ركعة سهوا آخر الفريضة وقد جلس آخرها بقدر التشهد فان صلاته صحيحة على أحد القولين وان اشتملت على الاركان، وقد مضى تحقيق المسألة. (السابع) - لو اتم المسافر جاهلا بوجوب القصر اتفاقا أو ناسيا ولم يذكر حتى خرج الوقت على أصح القولين فان صلاته صحيحة والزيادة مغتفرة بالنصوص. (الثامن) - لو كان في الكسوف وتضيق وقت الحاضرة قطعها واتى بالحاضرة ثم بنى في صلاة الكسوف على موضع القطع على أصح القولين في المسألة. وفى جعل هذه الصورة من قبيل محل البحث تأمل وان كان قد عدها في الروض في هذا المقام، فان محل البحث هو زيادة ركن أو نقصانه من الصلاة وهنا ليس كذلك فان صلاة الكسوف المقطوعة اجنبية عن الصلاة اليومية والاتيان بالصلاة اليومية

[ 122 ]

في اثناتها لا يعد من قبيل زيادة الركان في صلاة الخسوف ولا مناسبة له بذلك كما لا يخفى (التاسع) - لو سلم على نقص من صلاته ساهيا أو ظن انه سلم ثم شرع في فريضة اخرى ولما يأت بينهما بالمنافى، فان المروى عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه) اتمام الصلاة الاولى بما شرع فيه من الصلاة الثانية واغتفار ما زيد من تكبيرة الاحرام: روى الطبرسي في الاحتجاج (1) في ما كتبه عبد الله بن جعفر الحميرى إليه (عليه السلام) " يسأله عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر فلما ان صلى من صلاته العصر ركعتين استيقن انه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع ؟ فأجاب (عليه السلام) ان كان احدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة اعاد الصلاتين، وان لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الاخيرتين تتمة لصلاة الظهر وصلى العصر بعد ذلك " والظاهر ان المراد بالحادثة ما يقطع الصلاة عمدا وسهوا كالحديث والاستدبار لا ما يقطعها عمدا كالكلام فانه في حكم الناسي. وظاهر الاخبار وفتاوى الاصحاب في هذه الصورة هو العدول عن العصر الى صلاة الظهر وانه ينوى بما مضى من الصلاة الظهر ويتم الصلاة ظهرا فلا زيادة على هذا التقدير، واما على تقدير ظاهر الخبر فانه يلزم زيادة الركعتين الاوليين بجميع ما اشتملتا عليه من الاركان. والى العمل بمضمون الرواية مال جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم). وقيل انه تبطل الثانية ويعود الى الاولى فيتمها. وقيل تبطل الاولى وتصح الثانية. قال العلامة في النهاية ولو نقص من عدد صلاته ناسيا وسلم ثم ذكر تدارك اكمال صلاته وسجد السهو سواء فعل ما يبطلها عمدا كالكلام اولا، اما لو فعل المبطل عمدا وسهوا كالحدث والاستدبار ان الحقناه به فانها تبطل، لعدم امكان الاتيان بالفائت


(1) الوسائل الباب 12 من الخلل في الصلاة

[ 123 ]

من غير خلل في هيئة الصلاة، ولقول احدهما (عليهما السلام) (1) " إذا حول وجه عن القبلة استقبل الصلاة استقبالا " ولو فعل البمطل عمدا ساهيا وتطاول الفصل فالاقرب عدم البطلان، ويحتمل لخروجه عن كونه مصليا فحينئذ يرجع في حد التطاول الى العرف. ولو ذكر بعد ان شرع في اخرى وتطاول الفصل صحت صلاته الثانية وبطلت الاولى وان لم يطل عاد الى الاولى واتمها، وهل يبنى الثانية على الاولى ؟ فيه احتمال فيجعل ما فعله من الثانية تمام الاولى ويكون وجود التسليم كعدمه لانه سهو معذور فيه والنية والتكبيرة ليستا ركنا في تلك الصلاة فلا تبطلها، ويحتمل بطلان الثانية لانها لم تقع بنية الاولى فلا تصير بعد عدمه منها. ولو كان ما شرع فيه ثانيا نفلا فالاقرب عدم البناء لانه لا يتأدى الفرض بنية النفل. انتهى. وقال شيخنا الشهيد في قواعده: لو ظن انه سلم فتوى فريضة اخرى ثم ذكر نقص الاولى فالمروى عن صاحب الامر (عجل الله فرجه) الاجزاء عن الفريضة الاولى، والسر فيه ان صحة التحريم بالثانية موقوف على التسليم من الاولى في موضعه أو الخروج منها ولم يحصلا فجرت التحريمة مجرى الاذكار المطلقة التى لا تخل بصحة الصلاة، ونية الوجوب في الثانية لغو لعدم مصادفته محلا. وحينئذ هل تجب نية العدول الى الاولى، الاقرب عدمه لعدم انعقاد الثانية فهو بعد في الاولى، نعم يجب القصد الى انه في الاولى من حين الذكر. انتهى. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض في عداد ما يستثنى من القاعدة المتقدمة: السادس - لو سلم على بعض من صلاته ثم شرع في فريضة أو ظن انه سلم فشرع في فريضة اخرى ولما يأت بينهما بالمنافى فان المروى عن صاحب الامر (عليه السلام) الاجزاء عن الفريضة الاولى واغتفار ما زيد من تكبيرة الاحرام، وهل


(1) في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في الوسائل في الباب 6 من الخلل في الصلاة، وقد تقدمت ص 29 رقم (9) وخرجناها من الوافى والتهذيب ولم نخرجها من الوسائل حيث لم نعثر عليها في الابواب المناسبة لها بالعنوان العام.

[ 124 ]

يفتقر الى العدول الى الاولى ؟ يحتمله لانه في غيرها وان كان سهوا كما لو صلى العصر ظانا انه صلى الظهر ثم تبين العدم في الاثناء، وعدمه وهو الاصح لعدم انعقاد الثانية لان صحة التحريم بالثانية موقوف على التسليم من الاولى في موضعه أو الخروج بغيره ولم يحصلا. نعم ينبغى ملاحظة كونه في الاولى من حين الذكر بناء على تفسير الاستدامة الحكية بامر وجودي، وعلى التفسير الاصح يكفى في الافعال الباقية عدم ايقاعها بنية الثانية. انتهى. اقول: ظاهر كلام الشيخين الشهيدين (عطر الله مرقديهما) القول بمضمون الخبر لما وجهناه به، ولا يخفى ان مورد الخبر المذكور هو من صلى الظهر ركعتين ثم ذكر بعد ان صلى من العصر ركعتين فأمره (عليه السلام) بان يجعل الركعتين الباقيتين من العصر للظهر ويتمها بهما ويكون ما أتى به من الركعتين الاولين للعصر الواقعتين في البين مغتفرا غير مضر مع اشتمالهما على تكبيرة الاحرام والركوع والسجود، فتخصيص الاغتفار بتكبيرة الاحرام في كلامهم خاصة لا اعرف له وجها، وكأنهم بنوا على ان الاتمام وقع بالركعتين الاوليين أو ان الحكم شامل لهما. والتحقيق ان الرواية المذكورة جارية على خلاف مقتضى الاصول الشرعية لما اشرنا إليه آنفا، فان مقتضى الاخبار وكلام الاصحاب انه لا فرق بين الاتيان بالظهر على وجه باطل وتركها بالكلية في انه متى ذكر بعد التلبس بصلاة العصر فانه يعدل إليها بنيته وينوى الظهر حين الذكر، وما تقدم من الفريضة ينصرف بهذه النية الى الظهر ايضا كما في ناوى الصوم قبل الظهر أو بعده. وما ذكراه (نور الله ضريحهما) من التعليلات لبطلان الثانية في هذه الصورة يجرى ايضا في صورة عدم الاتيان بالاولى بالكلية، فان صحة التحريم بالثانية ان اريد به باعتبار الواقع ونفس الامر فكما انه موقوف على التسليم من الاولى في محله كذلك موقوف على الاتيان بالاولى، وان اريد باعتبار نظر المكلف فكذلك ايضا إذا لا يجوز له الاتيان بالثانية ما لم يأت بالاولى. وبالجملة فانه لا فرق عندي بين الامرين فالواجب حينئذ

[ 125 ]

الاقتصار في العمل بالرواية على موردها وهو من صلى الظهر ركعتين وذكر بعد ان صلى من العصر ركعتين فانه ينوى بهاتين الركعتين الباقيتين من العصر الظهر ويتمها بهما ويغتفر له ما تقدم من الزيادات على اشكال في ذلك ايضا، والاحتياط بالاعادة بعد ذلك طريق السلامة. والله العالم. (المسألة الرابعة) - لو نقص المصلى من صلاته ركعة فما زاد فلا يخلو اما ان يذكر بعد التسليم وقبل فعل المنافى أو بعد فعله، وعلى الثاني فاما أن يكون ذلك المنافى مما يبطل الصلاة عمدا لا سهوا كالكلام أومما يبطلها مطلقا كالحدث ونحوه مما تقدم، فههنا صور ثلاث: (الاولى) - ان يذكر النقصان بعد تسليمه وقبل فعل المنافى مطلقا، والظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في وجوب اتمام الصلاة بدون اعادة تمسكا بالاصل السالم من المعارض وبجملة من الاخبار الصريحة في المقام: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحارث بن المغيرة النصرى (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انا صلينا المغرب فسها الامام فسلم في الركعتين فاعدنا الصلاة ؟ فقال ولم اعد تم أليس قد انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ركعتين فاتم بركعتين ألا اتممتم ؟ ". وعن على بن النعمان الرازي في الصحيح (2) قال: " كنت مع اصحابي في سفر وانا امامهم فصليت بهم المغرب فسلت في الركعتين الاولتين فقال اصحابي إنما صليت بنا ركعتين فكلمتهم وكلموني فقالوا اما نحن فنعيد فقلت لكنى لا اعيد واتم بركعة فاتممت بركعة ثم سرنا فانيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت له الذى كان من امرنا فقال لى انت كنت اصوب منهم فعلا انما يعيد من لا يدرى ما صلى " ورواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن على بن النعمان (3). وما رواه في التهذيب والكافي عن ابى بكر الحضرمي في الحسن (4) قال:


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة

[ 126 ]

" صليت باصحابي المغرب فلما ان صليت ركعتين سلمت فقال بعضهم انما صليت ركعتين فاعدت فاخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال لعلك اعدت فقلت نعم فضحك ثم قال إنما يجزئك ان تقوم وتركع ركعة " وزاد في التهذيب (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سها فسلم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذى الشمالين فقال ثم قام فاضاف إليها ركعتين ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر انه لم يركع ؟ قال يقوم فيركع ويسجد سجدتين " واوردها الشيخ في موضع آخر بتغيير في السند (3) وفيها " ويسجد سجدتي السهو ". وفى الحسن عن الحسين بن ابى العلاء عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت اجئ الى الامام وقد سبقني بركعة في الفجر فلما سلم وقع في قلبى انى قد اتممت فلم أزل اذكر الله تعالى حتى طلعت الشمس فلما طلعت الشمس نهضت فذكرت ان الامام قد سبقني بركعة ؟ قال فان كنت في مقامك فاتم بركعة وان كنت قد انصرفت فعليك الاعادة ". وفى الموثق عن عمار الساباطى (5) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن انها اربع فلما سلم ذكر انها ثلاث ؟ قال يبنى على صلاته متى ما ذكر ويصلى ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو وقد جازت صلاته " قال المحدث الكاشانى في الوافى - بعد ذكر الاخبار المتضمنة لاعادة الصلاة مثل صحيحتي على بن النعمان الرازي والحارث بن المغيرة ورواية ابى بكر الحضرمي - ما صورته. المستفاد من هذه الاخبار صحة اعادة الصلاة ايضا في مواضع السهو


(1) و (2) و (5) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 11 من الركوع (4) الوسائل الباب 6 من الخلل في الصلاة

[ 127 ]

والنسيان وان الجبران والاتمام رخصة وتسهيل وان الله تعالى يحب ان يؤخذ برخصه. انتهى. اقول: لا يخفى ان ظاهر كلامه ان الحكم الشرعي بالنسبة الى العالم بالمسألة وان من ترك ركعة ساهيا فانه يأتي بها ما لم يتخلل أحد المبطلات انما هو الاعادة من رأس وان الاتمام بالاتيان بتلك الركعة انما هو رخصة. والظاهر بعده والاعاده في هذه الاخبار انما وقعت من حيث الجهل بحكم المسألة وإلا فحكمها انما هو الاتمام بما نقصه، وهذا هو الحكم الشرعي فيها لا انه رخصة، ولكن اولئك لجهلهم بحكم المسألة لم يجدوا بدا من الاعادة من رأس ولهذا ان الامام انكر عليهم الاعادة، فقال في الخبر الاول " ولم اعدتم ؟ " ونحوه في الخبرين الاخرين، غاية الامر انه مع اعادة الصلاه من رأس وابطال الاولى لا يمكن الحكم ببطلان ما اتى به من الصلاة المعادة. على انك قد عرفت مما تقدم في غير موضع سيما في مقدمات كتاب الطهارة انه مع الجهل بالحكم الشرعي فالواجب في العمل هو الاخذ بالاحتياط وهو يتأتى بالاعادة البتة كما لا يخفى، وانما يبقى الكلام في ابطاله الاولى وتركه الاتمام لها وهذا مغتفر له لموضع الجهل. واما قوله (عليه السلام) في صحيحة على بن النعمان: " أنت كنت اصوب منهم فعلا " فهو محمول على ان أفعل التفضيل بمعنى أصل الفعل كما هو شائع في الكلام فلا يدل على ان ما فعلوه كان صوابا إلا ان يخص من حيث الجهل كما اشرنا إليه. وبالجملة فان مظهر الخلاف بين ما ذكرناه وبين ما ذكره انما هو في المتعمد العالم بان الحكم هو الاتمام هل يسوغ له ترك الاتمام والانتقال الى الاعادة أم لا ؟ ومقتضى كلامه المذكور الاول ومقتضى ما ذكرناه هو الثاني لان غاية ما دلت عليه الاخبار المذكورة وقوع الاعادة جهلا. الثانية - ان يذكر النقصان بعد فعل المنافى عمدا لا سهوا كالكلام، والمشهور عدم وجوب الاعادة، وقال الشيخ في النهاية تجب عليه الاعادة وهو منقول عن ابى الصلاح الحلبي، ونقل في المبسوط قولا عن بعض اصحابنا بوجوب الاعادة في

[ 128 ]

غير الرباعية، والمختار هو القول المشهور. وقد مر تحقيق المسألة في المسألة السادسة من المسائل الملحقة بالمقام الثاني من المطلب الاول (1). الثالثة - ان يذكر النقصان بعد فعل المنافى عمدا وسهوا كالحدث والفعل الكثير الذى تنمحي به صورة الصلاة، والمشهور الابطال ووجوب الاعادة، وقال ابن بابويه في المقنع على ما نقله غير واحد من أصحابنا: ان صليت ركعتين من الفريضة ثم قمت فذهبت في حاجة لك فاضف الى صلاتك ما نقص ولو بلغت الصين، ولا تعد الصلاة فان اعادة الصلاة في هذه المسألة مذهب يونس بن عبد الرحمن. والذى يدل على المشهور ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين ثم قام... قال يستقبل. قلت فما يروى الناس... ؟ فذكر له حديث ذى الشمالين فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يبرح من مكانه ولو برح استقبل ". وعن ابى بصير في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته ؟ قال يستقبل الصلاة. قلت فما بال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستقبل حين صلى ركعتين ؟ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ينفتل من موضعه ". وعن سماعة في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث قال: " قلت أرأيت من صلى ركعتين فظن انها اربع فسلم وانصرف ثم ذكر بعد ما ذهب انه انما صلى ركعتين ؟ قال يستقبل الصلاة من اولها. قال قلت فما بال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستقبل الصلاة وانما اتم بهم ما بقى من صلاته ؟ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يبرح من مجلسه، فان كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الاولتين ".


(1) ص 23 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة

[ 129 ]

وعن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سئل عن رجل دخل مع الامام في صلاته وقد سبقه بركعة فلما فرغ الامام خرج مع الناس ثم ذكر انه قد فاتته ركعة ؟ قال يعيد ركعة واحدة يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة فإذا حول وجهه عن القبلة فعليه ان يستقبل الصلاة استقبالا، وروى هذه الرواية في الفقيه عن محمد بن مسلم (2) الى قوله " ركعة واحدة ". ويعضد هذه الاخبار ما تقدم من الاخبار الدالة على فواطع الصلاة وبطلانها بالحدث ونحوه. وقال شيخنا الشهيد في الذكرى: وعد الكليني من مبطلات الصلاة عمدا وسهوا الانصراف عن الصلاة بكليته قبل أن يتمها. وهو مشعر بموافقة القول المشهور فنسبة الصدوق في المقنع هذا القول الى يونس بن عبد الرحمان خاصة مؤذنا بشذوذه ليس في محله مع انا لم نقف على موافق له في ما ذهب إليه لا من المتقدمين ولا من المتأخرين، نعم يدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر وهو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان انه لم يصل ركعتين ؟ قال يصلى ركعتين ". واجاب عنها الشيخ تاره بالمحل على صورة الظن دون اليقين وتارة بالحمل على النافلة دون الفريضة. وبعدها ظاهر. ومنها - ما رواه الشيخ عن محمد - وهو ابن مسلم - في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) ورواه الصدوق في الفقيه ايضا عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: سئل عن رجل دخل مع الامام في صلاته... الحديث المتقدم الى قوله:


(1) الوسائل الباب 6 من الخلل في الصلاة وقد تقدمت ص 29 برقم (9) وص 123 برقم (1) (2) و (3) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة رقم 1 و 12

[ 130 ]

" ركعة واحده " بدون الزيادة. وما رواه في الفقيه عن عبيد بن زرارة في الصحيح (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعة من الغداة ثم انصرف وخرج في حوائجه ثم ذكر انه صلى ركعة ؟ قال فليتم ما بقى ". وعن عبيد بن زرارة في الموثق بعبد الله بن بكير (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى الغداة ركعة ويتشهد ثم ينصرف ويذهب ويجئ ثم يذكر بعد انه انما صلى ركعة ؟ قال يضيف إليها ركعة ". ونقل عن الشيخ أنه حمل هذه الاخبار على ما إذا لم يحصل الاستدبار. ولا يخفى ما فيه. وما رواه الشيخ في الموثق عن عمار (3) في جملة حديث قال فيه " والرجل يذكر بعد ما قام وتكلم ومضى في حوائجه انه انما صلى ركعتين في الظهر والعصر والعتمة والمغرب ؟ قال يبنى في صلاته فيتمها ولو بلغ الصين ولا يعيد الصلاة " ورواه ابن بابويه ايضا (4) بتفاوت في المتن. وجمع في المدارك بين هذه الاخبار بحمل هذه الاخبار على الجواز وما تضمن الاستئناف على الاستحباب. وافتاه في هذا الحمل جملة من تأخر عنه من الاصحاب واحتمل جملة من المتأخرين: منهم - شيخنا المجلسي في البحار حمل هذه الاخبار على التقية. وهو جيد لما عرفت من ان الحمل على ذلك لا يتوقف على وجود القائل به من المخالفين، وانما الوجه في ذلك هو انه لما كان مذهب جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) من المتقدمين والمتأخرين هو الابطال والاعادة كما عرفت انه مذهب يونس من القدماء والكليني وبه صرح الشيخان ولم ينقل الخلاف في ذلك إلا عن ابن بابوية، ومن الظاهر ان شهرة القول بذلك بين المتقدمين مؤذن بكونه مذهب


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من الخلل في الصلاة (3) و (4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة

[ 131 ]

أئمتهم (عليهم السلام) ويعضده انه هو الاوفق بالاحتياط. وبالجملة فالعمل على القول المشهور والاحتياط بالاتمام ثم الاعادة اولى. والله العالم. فرع لو نسى التسليم ثم ذكر بعد فعل المنافى عمدا كالكلام فالمهشور - بل الظاهر انه لا خلاف فيه - عدم بطلان الصلاة. ولو ذكر بعد فعل المنافى عمدا وسهوا فالمشهور بطلان الصلاة بناء على القول بوجوبه كما هو المشهور لان المنافى حينئذ واقع في اثناء الصلاة بناء على القول المذكور ونقل في المدارك عن جده انه استشكله بان التسليم ليس بركن فلا تبطل الصلاة بتركه سهوا وان فعل المنافى، قال اللهم إلا ان يقال بانحصار الخروج من الصلاة فيه وهو في حيز المنع. ثم اعترضه بانه يمكن دعفه بان المقتضى للبطلان على هذا التقدير ليس هو الاخلال بالتسليم وإنما هو وقوع المنافى في اثناء الصلاة فان ذلك يتحقق بفعله قبل الفراغ من الافعال الواجبة وان لم يتعقبه ركن كما في حال التشهد. اقول: لا يخفى ان كلام جده المذكور مشعر بالجواب عن هذا الاعتراض، وذلك فان المفهوم منه ان الابطال لا يمكن استناده الى ترك التسليم لان التسليم ليس بركن فلا تبطل الصلاة بتركه سهوا ولا الى فعل المنافى في هذا المقام لانه مبنى على ان الخروج من الصلاة لا يتحقق إلا بالتسليم وهو ممنوع. ولا يخفى ان ما ادعاه السيد من وقوع المنافى في اثناء الصلاة انما يتم بناء على عدم الخروج من الصلاة إلا بالتسليم وإلا فمتى قيل بالخروج منها قبله كما يشير إليه كلام جده فان المنافى لم يقع في اثناء الصلاة لان الخصم يدعى انه قد خرج من الصلاة ولا توقف له على التسليم. نعم يبقى الكلام مع جده في ما ادعاه من منع انحصار الخروج من الصلاة في التسليم وهى مسألة اخرى. ثم قال السيد المشار إليه على اثر الكلام المتقدم: ومع ذلك فالاجود عدم

[ 132 ]

بطلان الصلاة بفعل المنافى قبله وان قلنا بوجوبه لما رواه الشيخ في الصحيح عن زراره عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصلى ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم ؟ قال تمت صلاته " وفى الصحيح عن زرارة ايضا عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) " عن الرجل يحدث بعد ان يرفع رأسه من السجدة الاخيرة وقبل ان يتشهد ؟ قال ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع الى المسجد وان شاء ففى بيته وان شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم، وان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته " انتهى. اقول " قد عرفت في فصل التسليم ان المختار الذى تجتمع عليه الاخبار في مسألة التسليم هو القول بكونه واجبا خارجا وهذه الاخبار التى ذكرها ونحوها انما خرجت بناء على هذا القول وان لم يهتد إليه هو ولا غيره من جمهور الاصحاب والا فانه متى كان التسليم واجبا داخلا كما هو المفروض في كلامه، فانه يلزم أن يكون الحدث الواقع بعد التشهد وقبل التسليم واقعا في اثناء الصلاة كما الزم به جده في ما قدمنا من كلامه، ولا يعقل هنا خصوصية لابطاله قبل التشهد ولا بعده قبل التسليم بناء على القول المذكور بل الحال في المقامين واحدة، إذا العلة الموجبة للابطال في الموضعين واحدة وهى وقوع الحدث في اثناء الصلاة. والعجب كل العجب انه (قدس سره) قد قال في مسألة التسليم في الاستدلال على استحبابه حيث انه اختار ذلك ما لفظه: ويدل عليه ايضا انه لو وجب التسليم لبطلت الصلاة بتخلل المنافى بينه وبين التشهد واللازم باطل فالمزوم مثله، اما الملازمة فاجماعية واما بطلان اللازم فلما رواه زرارة في الصحيح، ثم ساق هذه الروايات المذكورة. وحينئذ فمتى كانت هذه اللازمة اجماعية بمقتضى كلامه هذا - وليست هذه الملازمة إلا عبارة عن انه متى وجب التسليم لزم بطلان الصلاة بتخلل المنافى في الموضع المذكور - فكيف يقول هنا ان الاجود عدم بطلان الصلاة بفعل المنافى قبله وان قلنا بوجوبه ؟ ما هذا إلا تناقض ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر


(1) الوسائل الباب 3 من التسليم (2) الوسائل الباب 13 من التشهد

[ 133 ]

وبالجملة فهذه الروايات لا تنطبق إلا على القول بالاستحباب كما اختاره في المسألة أو القول بكونه واجبا خارجا كما اخترناه وإلا فالتزام القول بها مع القول بكونه واجبا داخلا - كما يشعر به كلامه هنا - سفسطه ظاهرة كما لا يخفى. والله العالم. المسألة الخامسة - إذا اخل بواجب سهوا فمنه ما تتم معه الصلاه من غير تدارك ومنه ما يتدارك من غير سجود ومنه ما يتدارك مع سجدتي السهو، فههنا صور ثلاث: الاولى - ما تتم معه الصلاة من غير تدارك ولا سجود للسهو، وتفصل القول فيها ان من سها عن واجب تداركه ما لم يدخل في ركن كما لو سها عن القراءة مثلا أو بعض واجباتها قبل الركوع فانه يتداركها ما لم يركع، فلو ركع مضى في صلاته لاستلزام تداركها زيادة ركن، أو يلزم من تداركه زيادة ركن كما إذا سها عن الذكر الواجب في الركوع أو الطمأنينة فيه حتى يرفع رأسه فان العود الى ذلك وتداركه مستلزم لزيادة الركن. ونحوه من سها عن الذكر في السجود أو السجود على الاعضاء السبعة أو الطمأنينة فيه حتى يرفع رأسه. نعم يستثنى من ذلك السجود على الجبهة حيث ان السجود لا يتحقق بدون وضعها فان الاخلال به في السجدتين يكون موجبا للابطال، وقد نبه على ذلك الشهيد في البيان. ومن الاخبار الدالة على صحة الصلاة مع نسيان أحد الواجبات ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ان الله عزوجل فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلاة ومن نسى القراءة فقد تمت صلاته ولا شئ عليه ". وعن منصور بن حازم في الموثق (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انى صليت المكتوبة فنسيت ان اقرأ في صلاتي كلها ؟ فقال أليس قد أتممت


(1) الوسائل الباب 27 من القراءة (2) الوسائل الباب 29 من القراءة

[ 134 ]

الركوع والسجود ؟ قلت بلى. قال تمت صلاتك إذا كان نسيانا ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت الرجل يسهو في القراءة في الركعتين الاولتين فيذكر في الركعتين الاخيرتين انه لم يقرأ ؟ قال أتم الركوع والسجود ؟ قلت نعم. قال انى اكره ان اجعل آخر صلاتي اولها " وعن ابى بصير في الموثق (2) قال: " إذا نسى ان يقرأ في الاولى والثانية اجزاه تسبيح الركوع والسجود وان كانت الغداة فنسى ان يقرأ فيها فليمض في صلاته " وعن الحسين بن حماد في القوى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له اسهو عن القراءة في الركعة الاولى ؟ قال اقرأ في الثانية. قلت اسهو في الثانية ؟ قال اقرأ في الثالثة. قلت اسهو في صلاتي كلها ؟ قال إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك ". وعن القداح عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان عليا (عليه السلام) سئل عن رجل ركع ولم يسبح ناسيا ؟ قال تمت صلاته ". وعن على بن يقطين (5) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن رجل نسى تسبيحة في ركوعه وسجوده ؟ قال لا بأس بذلك ". الى غير ذلك من الاخبار الواردة بنسيان السجدة والتشهد وان تضمن بعضها القضاء بعد الفراغ. ومما يدل على التدارك ما لم يدخل في ركن رواية بن بصير (6) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى ام القرآن ؟ قال ان كان لم يركع فليعد ام القرآن ".


(1) الوسائل الباب 30 و 51 من القراءة (2) الوسائل الباب 29 من القراءة (3) الوسائل الباب 30 من القراءة (4) و (5) الوسائل الباب 15 من الركوع. (6) الوسائل الباب 28 من القراءة

[ 135 ]

ثم انه ينبغى ان يستثنى من هذا الحكم الجهر والاخفات فانه لا يتداركه وان لم يدخل في ركن كما تقدم (1) في صحيحتي زرارة من انه متى فعل شيئا ناسيا أو ساهيا أو لا يدرى فلا شئ عليه. الثانية - ما يتدارك من غير سجود وذلك في مواضع: (منها) من نسى قراءة الحمد حتى قرأ السوة أو بعضها فانه يرجع الى الحمد ثم يقرأ سورة بعدها. وربما ظهر من بعض العبارات وجوب قراءة السورة الاولى بعينها. ويدل عليه قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه (2): وان نسيت الحمد حتى قرأت السورة ثم ذكرت قبل ان تركع فاقرأ الحمد واعد السورة وان ركعت فامض على حالتك. انتهى. قال في المدارك - بعد قول المصنف: الثاني من نسى قراءة الحمد حتى قرأ السورة استأنف الحمد وسورة - ما لفظه: انما نكر المصنف السورة للتنبيه عن انه لا يتعين قراءة السورة التى قرأها أو لا بل يتخير بعد الحمد أي سورة شاء. انتهى. ونحوه كلام جده في الروض حيث ان عبارة المصنف ظاهرة في اعادة السورة نفسها فاعترضه فقال: ويفهم من قوله: " اعادها " وجوب اعادة السورة التى قرأها بعينها وليس متعينا بل يتخير بين اعادتها وقراءة غيرها لوقوعها فاسدة فساوت غيرها. انتهى. وهو جيد إلا ان ظاهر الخبر المتقدم كما عرفت خلافه والاحتياط يقتضى الوقوف عليه. وممن صرح ايضا باعادة السورة بعينها الشهيد في الذكرى فقال: لو ترك الحمد حتى قرأ السورة وجب بعد قراءة الحمد اعادة السورة. انتهى. ومنها - من نسى السجدتين أو احداهما فانه يتلافاهما ما لم يركع ثم يقوم ويأتى بما يلزمه من قراءة أو تسبيح. وهذا الحكم في السجدة الواحدة موضع اتفاق كما نقله غير واحد، ويدل


(1) ج 8 ص 130 و 131 (2) ص 9

[ 136 ]

عليه من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " في رجل نسى ان يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم انه لم يسجد ؟ قال فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء ". وما رواه ابن بابويه في الصحيح عن ابن مسكان عن ابى بصير (2) - وهو ليث المرادى بقرينة الراوى عنه - قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى ان يسجد سجده واحدة فذكرها وهو قائم ؟ قال يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع فان كان قد ركع فليمض على صلاته فإذا انصرف قضاها وحدها وليس عليه سهو " وانما الخلاف في السهو عن السجدتين فالمشهور سيما بين المتأخرين انه كالاول في وجوب الرجوع ما لم يركع، ونقله في الذخيرة عن المفيد في الرسالة الغرية، ومنهم من صرح بوجوب سجدتي السهو للقيام الذى زاده، وذهب ابن ادريس الى ان نسيان السجدتين بعد قيامه الى الركوع يوجب اعادة الصلاة ونقل ايضا عن ابى الصلاح، وبه صرح الشيخ المفيد في المقنعة حيث قال: ان ترك سجدتين من ركعة واحدة اعاد على كل حال وان نسى واحدة منهما حتى ذكرها في الركعة الثانية قبل الركوع ارسل نفسه وسجدها ثم قام. احتج من ذهب الى القول الاول بان القيام ان كان انتقالا عن المحل لم يعد الى السجدة الواحدة والا عاد الى السجدتين. واستدل للقول الثاني بالروايات الدالة على بطلان الصلاة نسيان السجود (3) خرج منها ما دل على عدم البطلان بنسيان السجدة الواحدة بالخبرين المتقدمين وبقى ما عداه. والفرق بين السجدة والسجدتين بعد الركوع ظاهر للحكم بالصحة في الاول والبطلان في الثاني فيمكن ان يكون ما قبل الركوع كذلك ايضا.


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من السجود (3) الوسائل الباب 9 من الركوع

[ 137 ]

وايد القول المشهور في المدارك باطلاق صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذى فاتك سهوا " ورواية محمد بن مسلم الصحيحة المتضمنة لتدارك الركوع بعد السجدتين (2) قال: فانه إذا جاز تداركه مع تخلل السجدتين اللتين هما ركن في الصلاة جاز تدارك السجود مع تخلل القيام خاصة بطريق اولى. انتهى. ويمكن المناقشة في صحيحة ابن سنان المذكورة بما سيأتي ايضاحه قريبا ان شاء الله تعالى، وكذا في صحيحة محمد بن مسلم بان ما دلت عليه من الحكم المذكور خارج عن مقتضى القواعد الشرعية مع معارضتها بالاخبار الكثيرة، وقد تقدم الكلام فيها في المسألة الاولى. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، والاحتياط فيها مطلوب على كل حال بالرجوع والاتمام ثم الاعادة من رأس وان كان القول الاول لا يخلو من قوة. وتمام تحقيق البحث في المقام يتوقف على بيان امور: (الاول) لا كلام في انه لو كان المنسى مجموع السجدتين عاد اليهما من غير جلوس واجب قبلهما. اما لو كان المنسى أحداهما فان كان قد جلس عقيب الاولى واطمأن بنية الفصل أو لا بنيته فانه لا كلام في انه لا يجب الرجوع الى الجلوس قبل السجدة. اما لو لم يجلس أو جلس ولم يطمئن فقيل انه يجب الجلوس وبه صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض وسبطه السيد السند في المدارك، وعلله في المدارك بان الجلوس من افعال الصلاة ولم يأت به مع بقاء محله فيجب تداركه. قال في الذخيرة بعد نقل نحو ذلك عن الروض ايضا: ويمكن المنازعة فيه بان القدر الثابت الجلوس الفاصل بين السجدتين المتصل بهما وقد فات ولا يمكن تداركه لا مطلقا. انتهى. وظني ضعف هذه المنازعة فان ما ذكره من الخصوصيتين المذكورتين لا دخل لهما في وجوب الجلوس وان اتفق ذلك وإلا للزم اجراء ما ذكره في الاجزاء التى يجب تداركها مطلقا.


(1) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة (2) ص 108

[ 138 ]

وقيل بعدم الوجوب، قال في الذخيرة: وهو قول المصنف في المنتهى وهو المحكى عن الشيخ في المبسوط استنادا الى ان الفصل بين السجدتين تحقق بالقيام. ورد بان الواجب ليس هو مطلق الفصل بل الجلوس الفاصل ولم يحصل. وبالجملة فالظاهر هو قوة القول الاول سيما مع اوفقيته بالاحتياط. (الثاني) - قال في الروض بناء على ما اختاره من وجوب الجلوس في المسألة المذكورة: ولو شك هل جلس ام لا ؟ بنى على الاصل فيجب الجلوس وان كان حالة الشك قد انتقل عن محله لانه بالعود الى السجدة مع استمرار الشك يصير في محله فيأتى به. ومثله ما لو تحقق نسيان سجدة وشك في الاخرى فانه يجب عليه الاتيان بهما معا عند الجلوس وان كان ابتداء الشك بعد الانتقال. انتهى. وهو جيد. اما لو نوى بالجلوس الاستحباب لظنه انه قد اتى بالسجدتين وان ذلك الجلوس إنما هو جلسة الاستراحة فهل يكتفى به ؟ وجهان احدهما نعم، لاقتضاء نية الصلاة ابتداء كون كل فعل في محله وذلك يقتضى كون هذه الجلسة للفصل فلا تعارضها النية الطارئة سهوا بالاستراحة، وثانيهما العدم لتنافى وجهى الوجوب والندب فلا يجزئ احدهما عن الاخر، وقوله (عليه السلام) " انما لكل امرئ ما نوى " (1) والظاهر هو الاول لا لما ذكر من التعليل فانه عليل بل للاخبار الكثيرة الدالة على انه لو دخل في الصلاة بنية الفريضة ثم سها في اثنائها وقصد ببعض افعالها الندب وانها نافلة لم يضره ذلك بل يبنى على النية الاولى (2). وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الطهارة في باب الوضوء في المقامات التى في تحقيق النية ونقل جمله من الاخبار في المقام. ومن تلك الاخبار ما رواه الشيخ عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو


(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات (2) و (3) الوسائل الباب 2 من النية

[ 139 ]

ينوى انها نافلة ؟ قال هي التى قمت فيها ولها. وقال إذا قمت وانت تنوى الفريضة فدخلك الشك بعد فانت في الفريضة على الذى قمت له، وان كنت دخلت فيها وانت تنوى النافلة ثم انك تنويها بعد فريضة فانت في النافلة، وانما يحسب للعبد من صلاته التى ابتدأ في اول صلاته " ونحوها اخبار اخر تقدمت في المقام المشار إليه. (الثالث) - لا اشكال ولا خلاف في انه لو كان قد تشهد أو قرأ أو سبح ثم ذكر نسيان السجود فانه يجب اعادة ما اتى به أو لا رعاية لوجوب الترتيب. ولو فرض ان المنسى السجود الاخير وذكر بعد التشهد اعاده ثم تشهد وسلم وهذا على القول بوجوب التسليم واضح لذكره في محله قبل الخروج من الصلاة، واما على القول بندبه فهل يعود الى السجود أو تبطل الصلاة لو كان المنسى السجدتين ويقضى السجدة الواحدة لو كان المنسى واحدة ؟ إشكال ينشأ من ان آخر الصلوة على هذا التقدير التشهد فيفوت محل التدارك، ومن امكان القول بتوقف الخروج من الصلاة حينئذ على فعل المنافى أو التسليم فما لم يحصلا لا يتحقق الخروج من الصلاة. وربما قيل بمجئ الاشكال وان ذكر بعد التسليم، ووجه قضاء السجدة حينئذ أو بطلان الصلاة بنسيان السجدتين ظاهر للخروج من الصلاة بالتسليم قبل تذاركهما، ووجه التدارك عدم صحة التشهد والتسليم حيث وقعا قبل تمام السجود لان قضية الافعال الصحيحة وقوعها في محلها مرتبة. والكلام ايضا آت في نسيان التشهد الى ان يسلم. وعلى هذا الوجه ان ذكر قبل فعل المنافى تدارك المنسى واكمل الصلاة وان ذكر بعده بطلت الصلاة. واليه ذهب ابن ادريس في ناسى التشهد حتى يسلم. وقد صرح جملة من الاصحاب: منهم - العلامة بان فوات محل هذه الاجزاء بالتسليم مطلقا قوى فيقضى منها ما يقضى وتبطل الصلاة بما هو ركن. وهو جيد. ومنها - من نسى التشهد وذكر قبل ان يركع فانه يرجع له ويتلافاه ثم يأتي بما يلزمه بعده ويرتبه عليه، وهو مما لا خلاف فيه.

[ 140 ]

ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان ابن خالد (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى ان يجلس في الركعتين الاولتين ؟ فقال ان ذكر قبل ان يركع فليجلس وان لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم ويسجد سجدتي السهو ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما ؟ فقال ان كان ذكر وهو قائم في الثالثة فليجلس وان لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل ان يتكلم ". وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا قمت في الركعتين من الظهر أو غيرها ولم تتشهد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل ان تركع فاجلس وتشهد وقم فاتم صلاتك، وان انت لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك حتى تفرغ فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل ان تتكلم ". الى غير ذلك من الاخبار الاتية قريبا ان شاء الله تعالى. قال في المدارك: واعلم انه ليس في كلام المصنف (قدس سره) ما يدل على حكم نسيان السجود في الركعة الاخيرة والتشهد الاخير والاجود تدارك الجميع إذا ذكر قبل التسليم وان قلنا باستحبابه لاطلاق الامر بفعلهما وبقاء محلهما، ولو لم يذكر إلا بعد التسليم بطلت الصلاة ان كان المنسى السجدتين لفوات الركن وقضى السجدة الواحدة والتشهد لاطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (4) " إذا نسيت


(1) الوسائل الباب 7 من التشهد (2) الوسائل الباب 7 من التشهد. والراوي هو عبد الله بن ابى يعفور ولم نجد رواية بهذا اللفظ لعبد الله بن سنان (3) الوسائل الباب 9 من التشهد (4) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة

[ 141 ]

شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذى فاتك سهوا " وصحيحة محمد ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) " في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسى التشهد حتى ينصرف ؟ فقال ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهد وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه " انتهى. اقول: ما ذكره من قضاء التشهد في ما لو لم يذكر إلا بعد التسليم جيد لصحيحة محمد بن مسلم المذكورة فانها ظاهرة في التشهد الاخير. واما ما ذكره - من قضاء السجدة الواحدة في الصورة المذكورة استنادا الى صحيحة عبد الله بن سنان التى ذكرها - ففيه ان الصحيحة المذكورة على اطلاقها غير معمول عليها وكذا ما شابهها: كصحيحة حكم بن حكيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " في رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر بعد ذلك ؟ فقال يقضى ذلك بعينه. فقلت أيعيد الصلاة ؟ قال لا ". ورواية الحلبي عنه (عليه السلام) (3) قال: " إذا نسيت من صلاتك فذكرت قبل ان تسلم أو بعد ما تسلم لو تكلمت فانظر الذى كان نقص من صلاتك فأتمه ". فان الجميع قد اشتركت في الدلالة على قضاء ما نسيه من الافعال كائنا ما كان وان كان ركنا، ولم يقل بذلك أحد من الاصحاب وانما أوجبوا قضاء اشياء معينة مثل السجدة الواحدة والتشهد والقنوت وابطلوا الصلاة بنسيان الركن كالركوع


(1) الوسائل الباب 7 من التشهد (2) الوسائل الباب 11 من الركوع و 3 من الخلل في الصلاة (3) هذه الرواية ذكرها الشهيد في الذكرى في المسألة الرابعة من مسائل السهو ونقلها المجلسي في البحار ج 18 الصلاة ص 643 من الذكرى وكذا الفاضل الخراساني في الذخيرة في المسألة السابعة من المسائل التى حررها تعليقا على قول المصنف " ولو ذكر السجود والتشهد بعد الركوع قضاهما " ولم نقف عليها في الوافى والوسائل بعد الفحص عنها في مظانها

[ 142 ]

والسجدتين، وحينئذ فكيف يمكن الاستناد الى مجرد اطلاق الصحيحة المذكورة ؟ والاخبار المتقدمة الدالة على قضاء السجدة ظاهرة في ما عدا السجدة الاخيرة، وعلى هذا يبقى حكم السجدة الاخيرة خاليا من السمتند والدليل على وجوب قضائها. والاستناد في ذلك الى مجرد اطلاق هذه الرواية ونحوها مع كونهم لا يقولون به مجازفة محضة وإلا لزم القول ايضا بوجوب قضاء ما اشتملت عليه من الركوع والتكبير ونحوهما وهم لا يلتزمه ولا قائل به إلا ما يظهر من الذكرى من نقل ذلك عن صاحب البشرى، قال بعد ذكر الروايات الثلاث المذكورة: وابن طاووس في البشرى يلوح منه ارتضاء مفهومها. وبالجملة فانه وان كان ظاهر الاصحاب عدم الخلاف في القضاء إلا ان الدليل كما عرفت قاصر عن ذلك، إذ الروايات المتقدمة موردها انما هو ما عدا السجدة الاخيرة وهذه الرواية التى قد استند إليها في المدارك قد عرفت ما فيها. فائدتان الاولى - قال في المدارك بعد ذكر صحيحة حكم بن حكيم: والظاهر ان المراد بالركعة مجموعها لا نفس الركوع خاصة، وبالشئ منها القنوت والتشهد ونحو ذلك مما لم يقم دليل على سقوط تداركه. انتهى. اقول: بل الظاهر ان المراد بالركعة انما هي نفس الركوع كما صرحت به صحيحة ابن سنان المذكورة، ويؤيده ذكر السجدة بعدها، والمراد من الخبر المذكور إنما هو عد الافعال التى لو نسيها لوجب قضاؤها من ركوع أو سجود ونحوهما من افعال الصلاة المشار إليها بقوله " أو الشئ منها " ومما يستأنس به لذلك صحيحة منصور عن الصادق (عليه السلام) (1) " في رجل صلى فذكر انه زاد سجدة ؟ لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة "،


(1) الوسائل الباب 14 من الركوع

[ 143 ]

قال السيد المذكور بعد نقلها: والظاهر ان المراد بالركعة الركوع كما يظهر من مقابلته بالسجدة. الثانية - ظاهر اكثر الاصحاب انه لا فرق في تدارك التشهد بعد الصلاة بين كونه التشهد الاول والاخير تخلل الحدث بينه وبين الصلاة أم لا. وقال أبن ادريس: لو تخلل الحدث بين الصلاة والتشهد الاول لم تبطل الصلاة لخروجه منها بالتسليم، ولو تخلل بينها وبين التشهد الثاني بطلت صلاته لان قضية السلام الصحيح أن يكون بعد التشهد فوقوعه قبله كلا سلام فيكون حدثه قد صادق الصلاة. واعترضه المحقق في المعتبر فقال بعد نقل كلامه: وليس بوجه لان التسليم مع السهور مشروع فيقع موقعه ويقضى التشهد لما روى حكم بن حكيم عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه. قال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر: وهو حسن. اقول: لاظهر في الفرق بين التشهدين في الحكم المذكور بناء على مذهب ابن أدريس من استحباب التسليم هو أن يقال انه انما يخرج من الصلاة بالتشهد الاخير فإذا نسيه لم يتحقق الخروج فيكون قد أحدث قبل الخروج من الصلاة فتبطل صلاته وكان الاولى لابن ادريس التعليل بذلك. واما استدلال المحقق على وجوب قضاء التشهد الاخير برواية حكم بن حكيم المذكورة من حيث لفظ الشئ فيها الشامل فقد عرفت ما فيه وكان الاولى له الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. هذا. والتحقيق كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى انه لا دليل على وجوب قضاء التشهد الاول أحدث بعد الصلاة أو لم يحدث، ويجب قضاء التشهد الثاني لصحيحة محمد بن مسلم المذكورة احدث ام لم يحدث. ونقل في الذكرى عن العلامة في المختلف انه نازع في تخلل الحدث إذا نسى

[ 144 ]

التشهد الاول وحكم بابطاله الصلاة وحكم بان التسليم وقع في محله وان نسى التشهد الاخير فتكون الصلاة صحيحة. انتهى. وفيه ان ما حكم به من ابطال الصلاة في الصورة الاولى ممنوع ولو قلنا بوجوب قضاء التشهد لدلالة الاخبار وكلام الاصحاب على الصحة احدث أو لم يحدث وإنما الكلام في ما ادعوه من وجوب القضاء وعدمه. وقد تقدم في فصل التشهد نقل كلام ابن بابوية وحكمه بصحة الصلاة بالحدث بعد رفع رأسه من السجدة الاخيرة والاخبار الدالة على ذلك وبيان القول في ذلك فليراجع ثمة. فرع المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب قضاء الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الصلاة إذا سها عنها المصلى وفات موضع تداركها، ويتداركها كما يتدارك التشهد لو لم يفت محل تداركها اعني قبل الركوع فانه يعود إليها قالوا ولا يضر الفصل بينها وبين التشهد. وانكر ابن ادريس شرعية قضائها لعدم النص. ورده في الذكرى بان التشهد يقضى بالنص فكذا ابعاضه تسوية بين الجزء والكل. واحتج في المختلف على وجوب قضائها زيادة على الدليل المذكور بانه مأمور بالصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) ولم يأت به فيبقى في عهدة التكليف الى ان يخرج منه بفعله. واعترضه في المدارك بان الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) انما تجب في التشهد وقد فات والقضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدليل وهو منتف. قال على ان في وجوب الاداء خلافا بين الاصحاب كما تقدم تحقيقه. واعترض الدليل الاول ايضا بمنع الملازمة، قال مع انه لا يقول بالتسوية بين الكل والجزء مطلقا. اقول ويزيده ان الصلاة تقضى ولا تقضى اجزائها مطلقا. وانكر العلامة في المختلف كلام ابن ادريس وقال بعد استدلاله بالدليلين

[ 145 ]

المذكورين: وليس في هذه الادلة قياس وانما هو المقصور قوته المميزة حيث لم يجد نصا صريحا حكم بان ايجاب القضاء مستند الى قياس خاصة. انتهى. ولا يخفى ما فيه اقول: والظاهر في هذه المسألة هو قول ابن ادريس لما عرفت من كلام السيد السند (قدس سره) فان دعوى اثبات الاحكام الشرعية بهذه التعليلات العليلة مجرد مجازفة في احكامه سبحانه. نعم يمكن الاستدلال على القول المشهور باطلاق صحيحتي عبد الله بن سنان وحكم بن حكيم ورواية الحلبي (1) إلا انك قد عرفت انه لا قائل بذلك من الاصحاب سوى ما نقله في الذكرى عن ظاهر ابن طاووس في البشرى الثالثة - ما يتداركه بعد الصلاة مع سجود السهو عند الاصحاب (رضوان الله عليهم) وهو السجدة والتشهد المنسيان ولما يذكر إلا بعد الركوع فانه يقضيهما ويسجد للسهو كما صرحوا به، إلا انه لا يخلو من الاشكال في كل من الموضعين. وتحقيق الكلام في ذلك يتوقف على بسطه في مقامين: (الاول) في السجدة والمشهور في كلامهم ان من ترك سجدة من صلاته ولم يذكر حتى ركع فانه يقضيها بعد الصلاة من غير ان تجب عليه الاعادة وانه يجب عليه سجود السهو. وقد وقع الخلاف هنا في مواضع ثلاثة: (الموضع الاول) - في وجوب قضائها خاصة مع صحة الصلاة وهو الذى عليه الاكثر، وذهب الشيخ في التهذيب الى انه متى كان نسيان السجدة الواحدة من الركعتين الاوليين فانه بعيد الصلاة، وحكى في الذكرى عن الشيخ المفيد والشيخ في التهذيب ان كل سهو يلحق الاوليين موجب لاعادة الصلاة وكذلك الشك سواء كان في عددها أو افعالها. ونقل الشيخ هذا القول عن بعض علمائنا، وقد تقدم ايضا مذهب ابن ابى عقيل باعادة الصلاة بترك السجدة مطلقا من الاوليين أو الاخيرتين. والذى يدل على القول المشهور صحيحتا اسماعيل بن جابر وابى بصير المتقدمتان في الموضع الثاني من مواضع الصورة الثانية (2).


(1) ص 140 و 141 (2) ص 136

[ 146 ]

ونحوهما ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا نسى الرجل سجدة وايقن انه قد تركها فليسجدها بعد ما يقعد قبل ان يسلم وان كان شاكا فليسلم ثم يسجدها وليتشهد تشهدا خفيفا ولا يسميها نقرة فان النقرة نقرة الغراب ". والظاهر ان المراد بقوله " بعد ما يقعد " أي بعد ما يشتهد لما اسلفناه من الاخبار الدالة على وقوع مثل هذا التجوز في فصيح الكلام الوارد عنهم (عليهم السلام). واما السجود في صورة الشك فحعله بعض الاصحاب على الاحتياط والاستحباب لما تقرر من ان الشك بعد تجاوز المحل لا اثر له. والاظهر حمله على سجود السهو لانه الذى فيه التشهد الخفيف وانه لا يسمى نقرة وان كان في ذكر الضمير نوع منافرة لذلك. وما رواه الشيخ عن عمار بن موسى الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سئل عن الرجل ينسى سجدة فذكرها بعد ما قام وركع ؟ قال يمضى في صلاته ولا يسجد حتى يسلم فإذا سلم سجد مثل ما فاته. قلت فان لم يذكر الا بعد ذلك ؟ قال يقضى ما فاته إذا ذكره ". احتج الشيخ بما رواه عن احمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين ثم ذكر في الثانية وهو راكع انه ترك سجدة في الاولى ؟ فقال كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول إذا تركت السجدة في الركعة الاولى ولم تدر واحدة أو اثنتين استقبلت حتى يصح لك اثنتان، وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد ان تكون قد حفظت الركوع اعدت السجود ". ورواه الكليني في الصحيح ايضا بما هذه صورته (4) قال: " سألته عن رجل


(1) الوسائل الباب 16 من السجود (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 14 من السجود

[ 147 ]

صلى ركعة ثم ذكر وهو في الثانية وهو راكع انه ترك سجدة من الاولى ؟ فقال كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول إذا تركت السجدة في الركعة الاولى ولم تدر واحدة ام ثنتين استقبلت الصلاة حتى يصح لك انهما ثنتان " وعلى هذه الرواية لا ينطبق مدعى الشيخ (قدس سره) والظاهر ان الرواى روى الخبر مرتين مرة بنحو ما ذكره الشيخ واخرى بما نقله في الكافي. ويعضد رواية الشيخ ما رواه الحميرى في قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر... الحديث كما في التهذيب (1) الا انه قال: " بعد ان تكون قد حفظت الركوع والسجود ". وكيف كان فهذا الخبر لا يخلو من الاجمال بل الاشكال الموجوب لضعف الاستناد إليه في الاستدلال، وذلك ان قوله (عليه السلام) في الخبر المذكور " ولم تدر واحدة أو اثنتين " محتمل لان يكون المراد الركعة أو الركعتين أي شككت مع ترك السجدة بين الركعة والركعتين، وعلى هذا فلا اشكال في ما ذكره (عليه السلام) من الحكم بالاستقبال الا انه لا ينطبق حينئذ الجواب المذكور على ما ذكره من السؤال ويحتمل ان يكون المراد السجدة والسجدتين، والمعنى انه ترك سجدة وشك في انه هل سجد شيئا ام لا، وعلى هذا يدل على مراد الشيخ في الجملة إذا الشك بعد تجاوز المحل لا عبرة به فيكون البطلان انما هو لترك السجدة. ويحتمل ان يكون الواو في قوله " ولم تدر واحدة أو اثنتين " بمعنى " أو " وان الاصل انما هو " أو " ويكون قد سقطت الهمزة من قلم النساخ، وعلى هذا فيحتمل الوجه الاول اعني الحمل على الركعة والركعتين والثانى أي السجدة والسجدتين، فعلى الوجهين يدل على ما ذهب إليه الشيخ في السجود، وعلى الثاني يدل على ما قدمنا نقله عن الشيخين من ابطال مطلق الشك في الاولتين، وحننئذ فمع هذا الاجمال وتعدد الاحتمال يشكل العمل به في مقابلة تلك الاخبار الصحيحة الصريحة الدلالة في عدم الفرق بين الاوليين والاخيرتين.


(1) الوسائل الباب 14 من السجود

[ 148 ]

احتج من قال بان كل سهو يلحق الاوليين أو شك فان يوجب الاعادة بجملة من الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى في مسألة الشك في الاوليين: ومنها - رواية ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا سهوت في الركعتين الاولتين فاعدهما ". وحسنة الحسن بن على الوشاء (2) قال: " قال لى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الاعادة في الركعتين الاولتين والسهو في الركعتين الاخيرتين " ونحوهما. وسيأتى ان شاء الله تعالى تحقيق المسألة في الموضع المشار إليه. واما اما ذهب إليه ابن ابى عقيل من بطلان الصلاة بترك السجدة فقد تقدم القول فيه في فصل السجود منقحا. الموضع الثاني - في ان محل قضائها بعد الفراغ من الصلاة وهو الذى عليه الاكثر من الاصحاب، ويدل عليه صحيحتا اسماعيل بن جابر وابى بصير وصحيحة ابن ابى يعفور وموثقة عمار المتقدم جميع ذلك في المسألة (3). وقال الشيخ أبو الحسن على بن الحسين بن بابوية في رسالته على ما نقله عنه في الذكرى: فان نسيت سجدة من الركعة الاولى فذكرتها في الثانية من قبل ان تركع فارسل نفسك فاسجدها ثم قم الى الثانية وابتدئ القراءة فان ذكرت بعد ما ركعت فاقضها في الركعة الثالثة، وان نسيت سجدة من الركعة الثانية وذكرتها في الثالثة قبل الركوع فارسل نفسك واسجدها فان ذكرتها بعد الركوع فاقضها في الركعة الرابعة، وان كانت سجده من الركعة الثالثة وذكرتها في الرابعة فارسل نفسك واسجدها ما لم تركع وان ذكرتها بعد الركوع فامض في صلاتك واسجدها بعد التسليم. انتهى.


(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة. واللفظ في كتب الحديث هكذا " فاعدهما حتى تثبتهما " (2) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (3) ص 136 و 146

[ 149 ]

ونقل في الذكرى ايضا عن الشيخ المفيد (قدس سره) في الغرية انه قال: إذا ذكر بعد الركوع فليسجد ثلاث سجدات واحدة منها قضاء. ثم قال في الذكرى: وكأنهما عولا على خبر لم يصل الينا. اقول: اما ما ذكره الشيخ على بن بابويه فهو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على النهج الذى عرفته في غير موضع مما تقدم وان كان بحذف بعض الزوائد حيث قال (عليه السلام) (1): وان نسيت السجدة من الركعة الاولى ثم ذكرت في الثانية من قبل ان تركع فارسل نفسك واسجدها ثم قم الى الثانية واعد القرءة، فان ذكرتها بعد ما ركعت فاقضها في الركعة الثالثة، وان نسيت السجدتين جميعا من الركعة الاولى فاعد صلاتك فانه لا تثبت صلاتك ما لم تثبت الاولى، وان نسيت سجدة من الركعة الثانية وذكرتها في الثالثة فبل الركوع فارسل نفسك واسجدها فان ذكرت بعد الركوع فاقضها في الركعة الرابعة وان كانت سجدة من الركعة الثالثة وذكرتها في الرابعة فارسل نفسك واسجدها ما لم تركع فان ذكرتها بعد الركوع فامض في صلاتك واسجدها بعد التسليم. انتهى. ثم انه لا يخفى ما في افتاء الشيخ المزبور بعبارات هذا الكتاب والعدول عن مثل هذه الاخبار المعارضة لها والصريحة في خلافها مع كونها بمرأى منه ومنظر من مزيد اعتماده على الكتاب المذكور ووثوقه بكونه معلوما مقعوعا به عنه (عليه السلام) وهو مؤيد لما اخترناه من العمل باخبار الكتاب المذكور كغيره من كتب الاخبار المشهورة والاصول المأثورة. إلا ان الظاهر في هذه المسألة هو القول المشهور المعتضد بالاخبار المتقدمة الصحيحة الصريحة في القضاء بعد الفراغ ولا يحضرني وجه تأويل لهذه الرواية وهى مرجأة الى قائلها (عليه السلام). واما ما ذهب إليه الشيخ المفيد فلم اقف له على دليل، وصورة عبارته المحكية عن الرسالة الغرية على ما نقله الفاضل الخراساني في الذخيرة " ان ذكر بعد الركوع


(1) ص 10

[ 150 ]

فليسجد ثلاث سجدات واحدة منها قضاء والاثنتان للركعة التى هو فيها " وهى اظهر دلالة من العبارة المنقولة في الذكرى وكأنه في الذكرى قد اختصر العبارة " ولا يخفى ان مذهب الشيخ المفيد في المقنعة موافق للقول الشمهور. والله العالم. الموضع الثالث - في وجوب سجدتي السهو في قضاء السجدة، وهو المشهور كما عرفت بل نقل العلامة في المنتهى والتذكرة عليه الاجماع مع انه في المختلف حكى الخلاف في ذلك عن ابن ابى عقيل وابنى بابويه والشيخ المفيد في المسائل الغرية احتج القائلون بوجوبهما برواية سفيان بن السمط عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان... ". وانت خبير بان هذه الرواية (اولا) معارضة باخبار كثيرة دالة على عدم وجوب سجدتي السهو في كثير من مواضع الزيادة والنقصان (2). (وثانيا) - بصحيحة ابى بصير المتقدمة في الموضع الثاني من الصورة الثانية (3) لقوله (عليه السلام) فيها " قضاها وحدها وليس عليه سهو ". وموثقة عمار (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام)... وساق الخبر الى ان قال: " وسئل عن الرجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة هل عليه سجدتا السهو ؟ قال لا قد اتم الصلاة ". ورواية محمد بن منصور (5) قال: " سألته عن الذى ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها ؟ فقال إذا خفت ان لا تكون وضعت وجهك الا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة وتضع وجهك مرة واحدة وليس عليك سهو " واما ما ذكره الشيخ في تأويل رواية ابى بصير - من حمل قوله (عليه السلام)


(1) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 3 و 7 و 14 و 23 و 24 و 26 من الخلل في الصلاة (3) ص 136 (4) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة (5) الوسائل الباب 14 من السجود

[ 151 ]

" وليس عليه سهو " على معنى انه لا يكون في حكم السهاة بل يكون حكم القاطعين لانه إذا ذكر ماكان فاته وقضاه لم يبق شئ يشك فيه فخرج عن حد السهو - فبعده اظهر من ان يخفى. و (ثالثا) الاخبار الرواردة في المسألة كصحيحة اسماعيل بن جابر وصحيحة ابن ابى يعفور وموثقة عمار والتقريب فيها انه لو كان سجود السهو واجبا لا شار (عليه السلام) إليه لن المقام مقام البيان. و (رابعا) تأيد ذلك بموافقة الاصل فان الاصل براءة الذمة حتى يقوم الدليل الواضح. وبالجملة فالظاهر عندي من الاخبار هو القول الثاني وان كان الاحتياط في العمل بالقول المشهور. المقام الثاني - في التشهد والمشهور انه يجب قضاؤه ما لم يذكره الا بعد الركوع وتجب سجدتا السهو معه. وقد وقع الخلاف هنا في موضعين: (الموضع الاول) في وجوب القضاء وهو المشهور كما عرفت، وذهب الشيخ المفيد والصدوقان الى انه يجزئ التشهد الذى في سجدتي السهو عن القضاء، ونسب الشهيد في الذكرى هذا القول للشيخ المفيد في المسائل الغرية، وهو كذلك فانه في المقنعة قد صرح بموافقة القول المشهور ذكر ذلك في موضعين. احتج الاولون بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسى التشهد حتى ينصرف ؟ فقال ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهد والا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه ". وعن على بن ابى حمزة (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت


(1) الوسائل الباب 7 من التشهد (2) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة

[ 152 ]

في الركعتين الاولتين ولم تتشهد فذكرت قبل ان تركع فاقعد وتشهد وان لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما انت فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذى فاتك ". احتج جملة من الاصحاب للقول الثاني بالاخبار الكثيرة الدالة على ان ناسى التشهد حتى يركع يجب عليه سجدتا السهو من غير تعرض لذكر التشهد فيهما مثل صحاح سليمان بن خالد وعبد الله بن سنان والحلبي المتقدمات في الموضع الثالث من الصورة الثانية (1). ونحوها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل بن يسار عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) " في الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل ان يجلس بينهما ؟ قال فليجلس ما لم يركع وقد تمت صلاته، وان لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته وإذا سلم سجد سجدتين وهو جالس " ورواه الشيخ في التهذيب (3) وذكر محل " سجد سجدتين " " نقر نقرتين " وما في الكافي اصوب لما تقدم في صحيح ان ابى يعفور من النهى عن تسميتها نقرة. وما رواه في التهذيب في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة لا يجلس فيهما حتى يركع في الثالثة ؟ قال فليتم صلاته ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل ان يتكلم " وعن ابى بصير في الموثق (5) قال: " سألته عن الرجل ينسى ان يتشهد ؟ قال يسجد سجدتين يتشهد فيهما ". وعن ابى بصير في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته


(1) ص 140 وقد تقدم ان الصحيح عبد الله بن ابى يعفور بدل عبد الله بن سنان. (2) الوسائل الباب 9 من التشهد (3) ج 1 ص 234. ولفظه هكذا " نقر ثنتين ". (4) و (5) الوسائل الباب 7 من التشهد (6) الوسائل الباب 7 من التشهد. والراوي لهذا اللفظ هو ابن ابى يعفور ولم نعثر على رواية لابي بصير بهذا اللفظ

[ 153 ]

عن الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما ؟ فقال ان كان ذكر وهو قائم في الثالثة فليجلس وان لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل ان يتكلم ". وعن الحسن الصيقل عن ابى عبه الله (عليه السلام) (1) " في الرجل يصلى الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى ركع ويذكر وهو راكع ؟ قال يجلس من ركوعه ويتشهد ثم يقوم فيتم. قال قلت أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما يركع مضى ثم سجد سجدتين بعد ما ينصرف يتشهد فيهما ؟ قال ليس النافلة مثل الفريضة " اقول: وهذه الاخبار وان كانت كما ذكره المستدل من الدلالة على مجرد سجود السهو من غير تعرض للتشهد الا ان المدعى في كلام اولئك القائلين بهذا القول مركب من امرين (احدهما) عدم وجوب قضاء التشهد. و (ثانيهما) قيام تشهد سجدتي السهو مقام التشهد المنسى، وهذه الاخبار لا تفى إلا بالاول. والتحقيق والصواب وان لم يهتد إليه أحد من متأخرى الاصحاب ان اولئك الجماعة انما عولوا في هذا المقام على كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2) وان نسيت التشهد في الركعة الثانية فذكرت في الثالثة فارسل نفسك وتشهد ما لم تركع فان ذكرت بعد ما ركعت فامض في صلاتك فإذا سلمت سجدت سجدتي السهو وتشهدت فيهما ما قد فاتك انتهى. وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه فقال: وان نسيت التشهد في الركعة الثانية وذكرته في الثالثة فارسل نفسك وتشهد ما لم تركع فان ذكرت بعد ما ركعت فامض في صلاتك فإذا سلمت سجدت سجدتي السهو وتشهدت فيهما التشهد الذى قد فاتك. وهذا القول هو الظاهر عندي لظاهر خبر الكتاب المعتضد بتلك الاخبار الصحيحة الصريحة فانها على كثرتها إنما تضمنت مجرد سجود السهو مع انها واردة في مقام البيان فلو كان قضاء التشهد واجبا لذكر ولو في بعضها.


(1) الوسائل الباب 8 من التشهد (2) ص 10

[ 154 ]

واما ما استدل به للقول المشهور فهو بمحل من القصور، اما صحيحة محمد بن مسلم فان موردها التشهد الاخير ومحل البحث في الاخبار وكلام الاصحاب انما هو التشهد الاول للتفصيل الواقع في الاخبار وكلامهم بكون الذكر قبل الركوع أو بعد الركوع. واما رواية على بن ابى حمزة فهى وان كان موردها التشهد الاول إلا ان ظاهرها ان التشهد الذى بعد الفراغ انما هو تشهد سجدتي السهو وانه يقصد به التشهد الذى فاته، فهى بالدلالة على خلاف مرادهم انسب والى الدلالة على ما ندعيه اقرب، إذ مرجع ما دلت عليه الى ما صرحت به عبارة كتاب الفقه المذكورة، على ان المفهوم من كلامهم ان الواجب هو الاتيان بالاجزاء المنسية أو لا ثم سجود السهو لها ومقتضى هذه الرواية بناء ما يدعونه هو تقديم سجود السهو على قضاء الاجزاء فلا يتم الاستناد إليها من هذه الجهة. وكيف كان فينبغي بناء على ما اخترناه ان يقصد بتشهده في سجدتي السهو قضاء التشهد المنسى. واما ما رواه الشيخ عن محمد بن على الحلبي (1) - قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد ؟ قال يرجع فيتشهد. قلت أيسجد سجدتي السهو ؟ فقال لا ليس في هذا سجدتا السهو " - فمحمول على ما إذا ذكر ذلك قبل الركوع. الموضع الثاني - في وجوب سجدتي السهو في الموضع المذكور وقد عرفت تكاثر الاخبار بذلك، وهو الذى صرح به اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل بعض شراح الشرائع انه لا خلاف فيه بين الاصحاب. قال في الذخيرة: ونقل في المختلف والذكرى الخلاف فيه عن ابن ابى عقيل والشيخ في الجمل والاقتصاد ولم يذكره أبو الصلاح في ما يوجب سجدة السهو. اقول: انه ان كان مراده (قدس سره) انهما صرحا في الكتابين المذكورين


(1) الوسائل الباب 9 من التشهد

[ 155 ]

بنقل القول بنفى السجود في الموضع المذكور عن ابن ابى عقيل والشيخ في الكتابين المذكورين فالظاهر انه ليس كذلك لانى لم اقف عليه بعد المراجعة والتتبع، نعم نقل عنهما عدم عد ذلك في ما يجب له سجود السهو حيث حصراه في مواضع ليس هذا منها، فكان الاولى نسبة القول اليهما بما نقله عن ابى الصلاح. قال في الذخيرة بعد نقل جملة من الاخبار المتقدمة الدالة على وجوب سجدتي السهو في هذه الصورة: وهذه الاخبار وان كانت غير صريحة في الوجوب إذا لم يثبت كون الامر في اخبارنا حقيقة في الوجوب لكن لا يبعد ان يعول في الوجوب على هذه الاخبار بمعونة الشهرة لكن ذلك لا يخلو من شوب النطر والتأمل. انتهى. وهو من جملة تشكيكاته الواهية التى هي لبيت العنكبوت - وانه لاضعف البيوت - مضاهية، وقد اوضحنا في غير مقام مما تقدم فساده وان فيه خروجا عن الدين عن حيث لا يشعر قائله. واما ما رواه الشيخ في الموثق بابن بكير عن زرارة (1) قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل سجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سجدتي السهو قط ؟ فقال لا ولا يسجد هما فقيه، فأجاب عنها في الذخيرة بانه يمكن حملها على ان الفقيه يسعى في حفظ صلاته بالتوجه فيها بحيث لا يصدر منه السهو. قال: وفيه بعد لكن الرواية غير معمولة بين الاصحاب فيشكل التعويل عليها. انتهى، اقول: الاظهر في الجواب عنها هو حمل الفقيه على الامام (عليه السلام) فانه هو الفقيه الحقيقي بمعنى انه لم يسجدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعصمته عن السهو ولا يسجدها امام بعده للعلة المذكورة. وفى الخبر المذكور رد ظاهر للاخبار الدالة على سهوه (صلى الله عليه وآله) ولا سيما ما دل منها على انه سجد سجدتي السهو. (المسألة السادسة) - لو سها عن الركوع فله صور: (الاولى) ان يذكر


(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة

[ 156 ]

بعد الدخول في السجود، والاشهر الاظهر بطلان الصلاة، وقد تقدم تحقيق المسألة ونقل خلاف الشيخ في ذلك في المسألة الاولى. وقد صرح بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين بانه لا فرق في البطلان إذا ذكر بعد وضع الجبهة بين كون وضعها على ما يصح السجود عليه وما لا يصح، قال ولو ذكر بعد وضع الجبهة سواء كان على ما يصح السجود عليه ام لا فالمشهور حينئذ بطلان الصلاة. ثم نقل خلاف الشيخ المشار إليه. وعندي في ذلك اشكال فانه لا ريب في ان وضع الجبهة على ما لا يصح السجود عليه لغير تقية ولا ضرورة ليس بسجود شرعى بل هو في حكم العدم فكيف يمتنع العود منه الى الركوع ويحكم ببطلان الصلاة ؟ فان استندوا الى اطلاق الاخبار المتقدمة مثل صحيحة رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل ينسى ان يركع حتى يسجد ويقوم ؟ قال يستقبل " ونحوها، فانه لا ريب في ان المراد بالسجود فيها هو السجود الشرعي فانه هو المتبادر الذى ينصرف إليه الاطلاق وايضا فانهم صرحوا بانه متى سها عن ركن تداركه متى لم يدخل في ركن والدخول في الركن بالسجود على ما لا يصح السجود عليه ممنوع. وبالجملة فانه ان اعتد بهذا السجود في الصلاة وحكم بصحته فما ذكروه صحيح لكنهم لا يقولون به وإلا فلا معنى للحكم بالبطلان بل الواجب تدارك الركوع لبقاء المحل ثم الاتيان بالسجود الشرعي الثانية - ان يذكر بعد الهوى للسجود ولما يسجد بمعنى انه تجاوز قوس الراكع، وقد صرحوا بانه يجب عليه ان يقوم منتصبا لوجوب الهوى للركوع عن قيام، بل عد جملة منهم القيام المتصل بالركوع ركنا كما تقدم ذكره في فصل القيام وهو المشهور في كلامهم، وهو لا يتحقق إلا بقصد الهوى للركوع عنه وحينئذ فيجب القيام اولا ثم الركوع. ويدل على وجوب الاتيان بالركوع في الصورة المذكورة ان الذمة مشغولة


(1) الوسائل الباب 10 من الركوع

[ 157 ]

بفعله ولا مانع لعدم تجاوز المحل فيبقى الخطاب به في الحال المذكورة. ويعضده اطلاق صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذى فاتك سهوا " يحملها على صورة التذكر قبل فوات المحل بمعونة ما دل على ان نسيانه حتى يفوت المحل موجب لبطلان الصلاة. ويؤيده ما سيجئ ايضا من وجوب الاتيان به إذا شك في فعله قبل فوات محله ففى صورة النسيان اولى بمعونة الحكم بعدم البطلان استنادا الى الاصل. ومقتضى التعليلات المذكورة في هذه الصورة هو حصول النسيان في حال القيام وبه يفرق بينها وبين ما يأتي بعدها. الثالثة - هي الصورة الثانية بمعنى الذكر بعد الهوى للسجود وتجاوز قوس الراكع ولكن عروض السهو انما هو بعد الهوى الركوع وقبل الدخول في قوس الراكع، والحكم هنا عندهم هو الرجوع بان يقوم منحنيا الى قوس الراكع خاصة من غير انتصاب، لانه قد هوى بقصد الركوع وانما عرض له السهو بعد ذلك فلا يجب اعادة القيام حينئذ. الرابعة - هي الصورة بحالها ولكن عرض السهو بعد الدخول في قوس الراكع، وفى العود حينئذ اشكال لانه قد حصل الركن الركوعى بمجرد الدخول في قوس الراكع لان الركوع عبارة عن الانحاء على الكيفية المخصوصة وقد حصل، والذكر والطمأنينة واجبات خارجه عن حقيقته واستدراكها موجب لزيادة الركوع. ومقتضى ذلك انه يمضى في صلاته لحصول الركوع الشرعي والهوى له بعد القيام، ولم يحصل هنا غير الاخلال بالذكر والطمأنينة وقد عرفت انها واجبات خارجة لا يضر تركها سهوا والمحل غير قابل لاستداركها لما عرفت من ان ذلك موجب لزيادة ركن في الصلاة. والى ما ذكرناه يميل كلام السيد السند في المدارك والفاضل


(1) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة

[ 158 ]

الخراساني في الذخيرة وهو الظاهر لما عرفت. واما ما ذكره شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) في رسالته الصلاتية في هذه الصورة - حيث قال: ولو كان عروضه - يعنى السهو - بعد وصوله الى حد الراكع ففى تحريم العود نظر - فلا اعرف له وجها. ولتلميذه المحدث الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني (قدس سره) في شرحه على الرسالة المذكورة في توجيه ذلك وموافقته له على التوقف في هذه المسألة كلام لا يخلو من السهو والاشكال الناشئ عن الاستعجال. وبالجملة فالحق عندي في المسألة ما تقدم ذكره. تنبيه قد تقدم في الفصل الخامس في الركوع ان من جملة واجبات الركوع ان يقصد بهويه عن القيام إليه فلو هوى لا بقصده بل لغرض آخر لم يحصل بوصوله الى قوس الراكع ركوع، بل ولو نوى الركوع في تلك الحال فانه لا يجزئه بل يجب عليه ان يقوم منتصبا وينوى الهوى له. وظاهر الفاضل الخراساني التوقف في ذلك، قال في الذخيرة بعد ذكر وجوب القيام في الصورة الثانية من الصور المتقدمة: وربما يقال انه معلل باستدارك الهوى الى الركوع فانه واجب ولم يقع بقصد الركوع. ذكر ذلك غير واحد من الاصحاب وللنزاع في اثبات وجوب الهوى المذكور مجال إلا ان اليقين بالبراءة من التكليف الثابت يقتضيه. اقول: لا يخفى ان اللازم مما ذكره انه لو هوى في صلاته لتناول شئ حتى جاوز قوس الراكع هو بطلان صلاته لحصول الركوع إذ الركوع ليس إلا عبارة عن الانحناء حتى تصل يداه ركبتيه وقد حصل وان لم يصحل القصد إليه والذكر والطمأنينة انما هي واجبات خارجة، ولا اظنه يلتزمه، مع ان العبادات مشروطة بالقصود والنيات فلا ينصرف الفعل الى كونه عبادة إلا بالنية والقصد إليها وإلا فهو في حد

[ 159 ]

ذاته اعم من ذلك كما تقدم تحقيقه في باب الوضوء من كتاب الطهارة وعليه دلت الاخبار الكثيرة كقوله (عليه السلام) (1) " انما الاعمال بالنيات " ونحوه مما تقدم في الموضع المشار إليه. وقد روى الشيخ والصدوق عن زكريا الاعور (2) قال: " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) يصلى قائما والى جانبه رجل كبير يريد ان يقوم ومعه عصا له فاراد ان يتناولها فانحط أبو الحسن (عليه السلام) وهو قائم في صلاته فناول الرجل العصا ثم عاد الى صلاته " وهو مؤيد لما ذكرناه. نعم روى الثقة الجليل على بن جعفر في كتاب المسائل عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن المرأة تكون في صلاتها قائمة يبكى ابنها الى جنبها هل يصلح لها ان تتناوله وتحمله وهى قائمة ؟ قال: لا تحمل وهى قائمة ". قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل الخبر المذكور: " لا تحمل وهى قائمة " يمكن ان يكون ذلك لاستلزام زيادة الركوع بناء على عدم اشتراط النية في ذلك، وظاهر بعض الاصحاب اشتراطها. ثم نقل كلام الشهيد في الذكرى الدال على وجوب القصد بالهوى الى الركوع ثم نقل رواية زكريا الاعور، وقال بعدها: وهذا يدل على الجواز وعلى الاشتراط المذكور. ثم قال: وذكر العلامة والشهيد وغيرهما مضمون الرواية من غير رد، ويمكن الجمع بينهما بحمل هذا الخبر على الفريضة أو الكراهة وخبر الاعور على النافلة أو على الجواز، والاول اظهر. انتهى. اقول: لا يخفى ان خبر على بن جعفر غير ظاهر في المنافاة ليحتاج الى تكلف الجمع بينه وبين خبر الاعور، فانه (عليه السلام) انما نهى عن الحمل في الصلاة اعم من ان يكون بالتناول من الارض أو لا به، ولو كان المراد النهى من حيث استلزام


(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات (2) الوسائل الباب 12 من القيام (3) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة

[ 160 ]

حصول الركوع لكان الظاهر التعبير بقوله " لا تتناول " فانه هو المستلزم لحصول الانحناء الموجب لكونه ركوعا وان لم يكن مقصودا. بقى الكلام في النهى عن المحل مع ورود الاخبار الكثيرة بجواز مثله في الصلاة من الافعال التى لا تعد كثيرة وهى مسألة اخرى لا تتعلق بمحل البحث، ولعل النهى محمول على الكراهة من حيث الاخلال بوظائف القيام من وضع اليدين في الموضع الموظف أو بالنسبة الى القنوت أو نحو ذلك. ويعضد ما قلناه اطلاق موثقة عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس ان تحمل المرأة صبيها وهى تصلى أو ترضعه وهى تتشهد " وبالجملة فان الخبر غير ظاهر المنافاة، مع ما عرفت من ان الافعال في حد ذاتها لا تصلح لكونها عبادات يصح التقرب بها إلا باعتبار القصود إليها والنيات كما دلت عليه جملة من الاخبار المتقدمة في الموضع المشار إليه آنفا. وحينئذ فالظاهر ان ما ذكره شيخنا المزبور بمحل من البعد والقصور وكأنه جرى على ما جرى عليه الفاضل المتقدم ذكره فانه كثيرا ما يحذو حذوه في الاحكام ويعتمد كلامه في غير مقام كما لا يخفى على من له انس بطريقته في الكتاب المذكور. والله العالم. المطلب الثالث في الشك والمراد به في هذا المقام عند الاصحاب - كما صرح به غير واحد - هو تساوى الاعتقادين وتكافؤهما، والمفهوم من كلام اهل اللغة انه ما قابل اليقين وهو حينئذ اعم من الشك بهذا المعنى وما يشمل الظن، والتخصيص بهذا المعنى الذى ذكره الاصحاب اصطلاح اهل المعقول، فان العلم عندهم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، والظن عبارة عن الاعتقاد الراجح الغير المانع من النقيض ويقابله


(1) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة

[ 161 ]

الوهم، والشك عبارة عن تساوى الاعتقادين من غير ترجيح، والاصحاب قد جروا في اكثر هذه المعاني في ابواب الفقه وحل الاحكام على كلام أهل اللغة. والمفهوم من الاخبار ان العلم شرعا اعم مما ذكروه ومن الظن، فان يقين الطهارة والحلية المأمور بالاخذ بهما حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك انما هو عبارة عن عدم العلم بالرافع لا العلم بعدمه كما تقدم تحقيقه في الباب الخامس من كتاب الطهارة والظن لغة لمعان: منها - الشك واليقين، قال في كتاب بجمع البحرين نقلا عن بعضهم انه يقع لمعان اربعة: منها معنيان متضادان احدهما الشك والاخر اليقين الذى لا شك فيه، قال: فاما بمعنى الشك فاكثر من ان تحصى شواهده واما بمعنى اليقين فمنه قوله عزوجل " وانا ظننا ان لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا " (1) ثم اطال الى ان قال: والمعنيان الغير المتضادين احدهما الكذب والاخر التهمة... الى آخر كلامه زيد في مقامه. واما الوهم فكثيرا ما يطلق في الاخبار على الظن كما سيأتي ان شاء الله تعالى. واما الشك فقد فسر في الصحاح والقاموس بانه خلاف اليقين، وقال في كتاب المصباح المنير: قال أئمة اللغة الشك خلاف اليقين فقولهم خلاف اليقين هو التردد بين شيئين سواء استوى طرفاه أو رجح احدهما على الاخر، قال الله تعالى " فان كنت في شك مما انزلنا اليك " (2) قال المفسرون أي غير مستيقن وهو يعم الحالتين. وقال الازهرى في موضع من التهذيب الظن هو الشك وقد يجعل بمعنى اليقين. وقال في موضع آخر: الشك نقيض اليقين. ففسر كل واحد بالاخر، وكذلك قال جماعة. وقال ابن فارس الظن يكون شكا ويقينا، وقد استعمل الفقهاء الشك في الحالين على وفق اللغة نحو قولهم من شك في الطلاق ومن شك في الصلاة أي لم يستيقن سواء رجح احد الجانبين ام لا، وكذلك قولهم - من تيقن الطهارة وشك في الحدث وكعسه - انه يبنى على اليقين. انتهى ما ذكره في المصباح المنير.


(1) سورة الجن الاية 12 (2) سورة يونس الاية 94

[ 162 ]

وبالجملة فالواجب الرجوع في كل جزئي من جزئيات الشك الروايات في ذلك المقام وما تدل عليه من العموم أو الخصوص في هذه المعاني المذكورة كما سنشير إليه ان شاء الله تعالى في ما سيأتي منها. وكيف كان فالبحث في هذا المطلب يقع في مسائل: (الاولى) لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه متى شك في عدد الثنائية - كالصبح، وصلاة السفر وصلاة الجمعة والعيدين إذا كانت واجبة والكسوف - والمغرب فانه موجب لبطلانها ونقلوا الخلاف هنا عن ابن بابويه، قال في في المنتهى: انه قول علمائنا اجمع إلا ابن بابويه فانه جوز البناء على الاقل والاعادة. اقول: قد اشتهر في كلام الاصحاب من العلامة فمن دونه نقل الخلاف عن ابن بايويه في مواضع من الشكوك كما ستمر بك ان شاء الله تعالى مع انه لا اصل له وهذا من اعجب العجاب عند ذوى الالباب، والسبب في ذلك هو تقليد المتأخر لمتقدم من غير مراجعة لكلام ابن بابوية والنظر فيه بعين التأمل والتحقيق كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في ما نشرحه لك من البيان الرشيق، ومن جملتها هذا الموضع فان كلامه فيه جار على ما جرى عليه الاصحاب ودلت عليه الاخبار في الباب، فانه قال في كتاب الفقيه في باب احكام السهو في الصلاة: ومن شك في المغرب فعليه الاعادة ومن شك في الغداة فعليه الاعادة ومن شك في الجمعة فعليه الاعادة. وقال في كتاب المقنع: وإذا شككت في الفجر فاعد وإذا شككت في المغرب فاعد. وسيأتيك قريبا ان شاء الله تعالى التنبيه على بقية المواضع التى نسبوا إليه فيها الخلاف ثم انه مما يدل على الحكم المذكور الاخبار الكثيرة: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي وحفص بن البخترى وغير واحد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا شككت في المغرب فاعد وإذا شككت في الفجر فاعد ". وما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة

[ 163 ]

(عليه السلام) عن الرجل يصلى ولا يدرى واحدة صلى ام اثنتين ؟ قال يستقبل حتى يستيقن انه قد اتم، وفى المغرب وفى الصلاة في السفر ". وعن يونس عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ليس في المغرب والفجر سهو ". وما رواه في التهذيب عن ابى بصير في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " إذا سهوت في المغرب فاعد ". وعن سماعة في الموثق (3) قال: " سألته عن السهو في صلاة الغداة قال إذا لم تدر واحدة صليت ام ثنتين فاعد الصلاة من اولها، والجمعة ايضا إذا سها فيها الامام فعليه ان يعيد الصلاة " لانها ركعتان، والمغرب إذا سها فيها فلم يدركم ركعة صلى فعليه ان يعيد الصلاة " اقول: قوله " لانه ركعتان " كأنه ضابط كلى في وجوب الاعادة في الثنائية. وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن السهو في المغرب ؟ قال يعيد حتى يحفظ، انها ليست مثل الشفع ". وعن العلاء بن رزين في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يشك في الفجر ؟ قال يعيد. قلت المغرب ؟ قال نعم والوتر والجمعة، من غير ان اسأله ". وروى الصدوق في الخصال في القوى عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يكون السهو في خمس: في الوتر والجمعة والركعتين الاولتين من كل صلاة وفى الصبح والمغرب " وروى الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن العلاء عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن الرجل يصلى الفجر فلا يدرى أركعة صلى أو ركعتين ؟ قال يعيد. فقال له بعض اصحابنا وان احاضر: والمغرب ؟


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة

[ 164 ]

قال: والمغرب. فقلت له انا: والوتر ؟ قال نعم والوتر والجمعة ". وفى المقام فوائد يحسن التنبيه عليها: (الاول) قد روى الشيخ (قدس سره) عن عمار الساباطى في الموثق (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في المغرب فلم يدر ركعتين صلى ام ثلاثا ؟ قال يسلم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة. ثم قال هذا والله مما لا يقضى ابدا ". وعن عمار الساباطى (2) ايضا في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يدر صلى الفجر ركعتين أو ركعة ؟ قال يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلى ركعة فان كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا وان كان صلى ركعة كانت هذه تمام الصلاة. قلت فصلى المغرب فلم يدر اثنتين صلى ام ثلاثا ؟ قال يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلى ركعة فان كان صلى ثلاثا كانت هذه تطوعا وان كان صلى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة، وهذا والله مما لا يقضى ابدا ". وهذان الخبران كما ترى ظاهر ان في المنافاة لما استفاض في الاخبار المعتضدة باتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) والذى ينبغى ارجائهما الى قائلهما (عليه السلام) واجاب الشيخ (قدس سره) في التهذيب عنهما بانه يحتمل ان يكون المراد من شك ثم غلب على ظنه الاكثر وتكون اضافة الركعة على وجه الاستحباب. واجاب في الاستبصار بانهما شاذان مخالفان للاخبار كلها فان الطائفة قد اجتمعت على ترك العمل بهما. ثم احتمل حملهما على نافلتي الفجر والمغرب. ولا يخفى ما في هذا الحل من البعد فان الخبرين ظاهران في الفريضة، فان قوله " فيضيف إليها ركعة " في الاول وقوله: " فان كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا " في الثاني يناديان بان المراد بهما الفريضة، وكذا قوله في الخبر الثاني " كانت هذه تمام الصلاة ". قال في الوافى بعد استبعاد حمل الشيخ: اقول ويحتملان في المغرب الرخصة وذلاك لانه قد حفظ الركعنين وانما شك في الثالثة فلا يبعد الاتمام، وفى اطلاق حديث


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة

[ 165 ]

البقباق والخبر الاتى (1) اشعار بذلك. ثم قال: ولو كان الراوى غير عمار لحكمنا بذلك إلا ان عمارا ممن لا يوثق باخباره. وقال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل خبر عمار الثاني والكلام فيه: وبالجملة فيشكل التعويل على هذا الخبر الذى هو رواية عمار الذى قلما يكون خبر من اخباره خاليا من تشويش واضطراب في اللفظ أو المعنى وترك الاخبار الكثيره الصحيحة الدالة على البطلان وإلا كان يمكن القول بالتخيير. واما قوله (عليه السلام) في آخر الحديثين " وهذا والله مما لا يقضى ابدا " فلعل معناه ان هذا الحكم مما لا يقضى به العامة لانهم يرون ان مثل هذا الشك مما يوجب الاعادة. انتهى. اقول: والاظهر في الخبرين المذكورين هو ما قدمنا ذكره والحمل على التقية غير بعيد، واستقربه في الوسائل قال لموافقتهما لجميع العامة (2) وهو جيد واما قوله (عليه السلام) " انه لا يقضى به ابدا " فالظاهر انه اشارة الى ان هذا الكلام انما خرج منه (عليه السلام) مخرج التقية في المخالفة بين الاحكام كما قدمنا بيانه في المقدمة الاولى من مقدمات كتاب الطهارة بمعنى انه لا يقضى به العامة لما ذكره ولا الشيعة ايضا لما استفاض في اخبارهم من ابطال هذا الشك للصلاة ووجوب الاعادة الثانية - ان ما دلت عليه الاخبار المذكورة من بطلان الصلاة بالشك في


(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة رقم (13) و (3) (2) في المهذب للشيرازي ج 1 ص 88 " إذا شك هل صلى ركعة أو ركعتين أو صلى ثلاثا أو اربعا لزمه ان ياخذ بالاقل وياتى بما بقى " وفى شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري ج 3 ص 228 باب السهو في الصلاة " قال مالك والشافعي واحمد والجمهور متى شك في صلاته هل صلى ثلاثا ام اربعا مثلا لزمه البناء على اليقين فيجب ان ياتي بالرابعة ويسجد للسهو " وفى نيل الاوطار للشوكاني ج 3 ص 97 " استدل بحديث ابن عوف على البناء على الاقل الشافعي والجمهور " اقول: حديث ابن عوف ياتي في المسألة الثالثة - بعد نقل الاخبار الدالة على بطلان الصلاة بالشك في عدد الاوليين والاخبار المعارضة لها شاهدا على ورود الاخبار المعارضة للتقية.

[ 166 ]

المغرب هو المروف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد تقدم نقل ذلك عن الصدوق إلا ان العلامة في المختلف والشهيد في الذكرى نقلا عنه في المقنع انه قال: إذا شككت في المغرب فلم تدرأ في ثلاث انت ام في اربع وقد احرزت الثنتين في نفسك فانت في شك من الثلاث والاربع فاضف إليها ركعة اخرى ولا تعتد بالشك، وان ذهب وهمك الى الثالثة فسلم وصل ركعتين باربع سجدات وأنت جالس. قال في الذكرى بعد نقل ذلك: وهو نادر. وكتاب المقنع لا يحضرني في الان لاراجع ذلك منه فليلاحظ. ثم اعلم ان عموم النص والفتوى يقتضى عدم الفرق في وجوب الاعادة بين الشك في الزيادة والنقصان، ويعضده ما رواه الشيخ عن الفضيل (1) قال: " سألته عن السهو فقال في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث الى الاربع فاعد صلاتك ". الثالثة - لاظاهر من الروايات ان الشك في الفريضة الثنائية والثلاثية مبطل مطلقا واجبة بالاصل أو بالعارض كصلاة السفر والصبح والجمعة والعيدين الواجبين وصلاة الكسوف والصلاة المنذورة ثنائية أو ثلاثية وركعتي الطواف. وينبغى ان يعلم انه لو كان الشك في الصلاة الكسوف فان كان الشك بين الركعة الاولى والثانية أو بينهما وبين الثالثة بطلت لانها ثنائية، وان كان الشك انما هو في عدد الركوعات فان تضمن الشك في الركعتين كما لو شك هل هو في الركوع الخامس أو السادس ؟ فانه ان كان في السادس فهو في الركعة الثانية وان كان في الخامس فهو في الركعة الاولى بطلت ايضا، وان احرز ما هو فيه ولكن شك في عدد الركوع فالاشهر الاظهر البناء على الاقل لاصالة عدم فعله، فهو في الحقيقة شك في فعل شئ وهو في محله فيأتى به كركوع الصلاة اليومية. وفى المسألة قولان نادران: احدهما للقطب الراوندي والثانى للسيد جمال الدين ابن طاووس في البشرى قد نقلهما في الذكرى وردهما، من أحب الوقوف عليهما فليرجع الى الكتاب المذكور.


(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة

[ 167 ]

الرابعة - ظاهر خبرى الخصال وقرب الاسناد وكذا صحيح العلاء المنقول برواية الشيخ ان الشك في الوتر يوجب البطلان، ولا يخلو من الاشكال لانها نافلة والمعروف من كلام الاصحاب هو التخيير في النافلة متى شك فيها بين البناء على الاقل والاكثر وان كان البناء على الاقل افضل. وحملها على صلاة الوتر المنذورة وان امكن إلا انه لا يخلو من بعد. ويحتمل تخصيص عموم حكم النافلة بالاخبار المذكورة فيقال باستثناء الوتر من ذلك الحكم، وقد نقل بعض مشايخنا المحققين انه الى ذلك صار بعض المتأخرين. وقيل انه لما كان الوتر بطلق غالبا على الثلاث فيحمل على الشك بين الاثنتين والثلاث إذ الشك بين الواحدة والاثنتين شك في الشفع حقيقة والشك بين الثلاث والاربع نادر فيعود شكه الى انه علم ايقاع الشفع وشك في انه اوقع الوتر أم لا ولما كانت الوتر صلاة برأسها فإذا شك في ايقاعها يلزمه الاتيان بها وليس من قبيل الشك في الركعات. انتهى. الخامسة - ينبغى ان يعلم ان المراد بالشك في هذه المسألة ما هو اعم من الظن لمقابلة الشك فيها باليقين كما في صحيح محمد بن مسلم من قوله (عليه السلام) " حتى يستيقن انه قد اتم " والتعبير في جملة من الاخبار المتقدمة بالدراية التى هي بمعنى العلم كما صرح به أهل اللغة مثل قوله (عليه السلام) " إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين " أي إذا لم تعلم، ونحوها غيرها، فانه (عليه السلام) جعل مناط الابطال عدم العلم الشامل للظن. والمفهوم من كلام جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) حمل الشك على المعنى المشهور وحينئذ فلو ظن بنى على ظنه صحة وفسادا. والاخبار تدفعه: منها - ما اشرنا إليه ومنها - ما يأتي في المسألة الاتية بعد هذه المسألة. وسيأتى لهذه المسألة زيادة تحقيق ايضا في المسألة الخامسة ان شاء الله تعالى. المسألة الثانية - قد صرح جملة من الاصحاب بانه إذا شك في شئ من افعال الصلاة ركنا كان أو غيره فان كان في موضعه اتى به وان انتقل عنه الى غيره مضى

[ 168 ]

في صلاته، وانه لا فرق في ذلك بين الاولتين والاخيرتين. وتفصيل هذه الجملة يقع في مقامات: (المقام الاول) ان ما ذكروه من التلافى في محله والمضى بعده ركنا كان أو غيره مما لا اعرف فيه خلافا لا في كلام الاصحاب ولا في الاخبار. ويدل على الاول اصالة عدم فعله وبقاء الخطاب بفعله مضافا الى جملة من الاخبار: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمران الحلبي (1) قال: " قلت الرجل يشك وهو قائم فلا يدرى أركع ام لا ؟ قال فليركع ". وعن عبد الرحمان بن ابى عبد الله في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوى جالسا فلم يدر أسجد ام لم يسجد ؟ قال يسجد. قلت فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائما فلم يدر أسجد ام لم يسجد ؟ قال يسجد ". وعن ابى بصير باسنادين احدهما في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك وهو قائم فلا يدرى أركع ام لم يركع ؟ قال يركع ويسجد " وفى الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها فلم يدر سجد سجدة ام اثنتين ؟ قال يسجد اخرى وليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو ". وما رواه في الكافي عن ابى بصير (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر سجدة سجد ام سجدتين ؟ قال يسجد حتى يستيقن انهما سجدتان ". وعن الشحام عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) " في رجل شبه عليه فلم يدر واحدة سجد أو ثنتين ؟ قال فليسجد اخرى ".


(1) و (3) الوسائل الباب 12 من الركوع. (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 15 من السجود

[ 169 ]

وما رواه في التهذيب عن ابى بصير والحلبي (1) " في الرجل لا يدرى أركع أم لم يركع ؟ قال يركع ". وجملة من هذه الاخبار وان كانت مطلقة إلا انه يجب حملها على بقاء محل التدارك للاخبار المقيدة من قبيل حمل المطلق على المقيد، والاخبار الاتية الدالة على انه يمضى في صلاته متى دخل في غيره. واما ما رواه الشيخ عن الفضيل بن يسار في الصحيح (2) - قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا أدرى ركعت ام لا ؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلاتك فانما ذلك من الشيطان " - فحملها الشيخ (قدس سره) على انه اراد (عليه السلام) إذا استتم قائما من الركعة الرابعة فلا يدرى اركع في الثالثة أم لا ؟ ولا يخفى بعده. قال في الذخيرة بعد ذكر تأويل الشيخ ورده بانه بعيد ما صورته: والجمع بالتخيير ممكن إلا ان الظاهر انه لا قائل بمضمونه من الاصحاب. ويمكن أن يقال المراد بقوله " استتم قائما " القيام عن الانحناء وظاهر ذلك حصور الركوع منه فيكون من باب الظن بالركوع فلم يجب عليه الركوع. أو يقال انه شك في الركوع بعد الاشتغال بواجب آخر وهو القيام عن الركوع. ولعل هذا الوجه اقرب. ويمكن ايضا تأويل هذا الخبر بالمحل على كثرة السهو ويشعر به قوله: استتم " بصيغة الاستقبال الدالة على الاستمرار التجديدي، وقوله (عليه السلام) " انما ذلك من الشيطان " لا يخلو من ايماء إليه " وفيه بعد. انتهى. اقول: لا ريب ان ما ذكره من التأويل الاول والثالث وهو الذى قربه لا يخلو من بعد، اما الاول فلان الخروج عن مضمون تلك الاخبار بهذا الخبر المجمل المتشابه لا يخلو عن مجازفة. واما الثالث فانه متى علم انه واجب آخر وانه قيام عن


(1) الوسائل الباب 12 من الركوع (2) الوسائل الباب 13 من الركوع

[ 170 ]

الركوع فقد سقط البحث ولا معنى للسؤال حينئذ فكيف يقول " فلا ادرى أركعت ام لا ؟ " والظاهر هو الوجه الثاني أو الرابع وهو الذى يعضده قوله (عليه السلام) " فانما ذلك من الشيطان ". ويدل على الحكم الثاني جملة من الاخبار ايضا: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة ؟ قال يمضى. قلت رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبر ؟ قال يمضى. قلت رجل شك في التكبير وقد قرأ ؟ قال يمضى. قلت شك في القراءة وقد ركع ؟ قال يمضى. قلت شك في الركوع وقد سجد ؟ قال يمضى على صلاته. ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وعن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو ". وعن اسماعيل بن جابر في الصحيح (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " ورواه الشيخ ايضا بسند آخر عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (4).


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 13 من الركوع و 15 من السجود (4) هذه الرواية نقلها في الوافى في باب الشك في اجزاء الصلاة من التهذيب عن الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكا عن ابى بصير عن ابى عبد الله " ع " ولم نقف عليها في الوسائل والتهذيب بعد الفحص عنها في مظانه. ولا يخفى ان صحيحة اسماعيل ابن جابر المذكورة في التهذيب ج 2 ص 153 رقم 602 من الطبع الحديث تشتمل على فرعين (احدهما) وهو الصدر نسيان السجدة الثانية وذكرها حال القيام. و (ثانيهما) وهو العجز الشك في الركوع والسجود بعد تجاوز المحل وهو يشتمل على الضابطة الكلية. وقد =

[ 171 ]

وعن حماد بن عثمان في الصحيح (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اشك وانا ساجد فلا ادرى ركعت ام لا ؟ قال امض ". وعن حماد بن عثمان ايضا في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اشك وانا ساجد فلا أدرى ركعت ام لا ؟ فقال قد ركعت امضه ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال " سألته عن رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع ؟ قال يمضى في صلاته ". بقى الكلام في انه هل المراد بالشك في هذه المسألة ما هو عبارة عن تساوى الطرفين خاصة أو ما يشمل الظن ايضا ؟ ظاهر كلام الاصحاب الاول من غير خلاف يعرف وظاهر النصوص المتقدمة هو الثاني وهو المؤيد بكلام اهل اللغة الذى قدمناه في صدر المطلب. فان قولهم (عليهم السلام) في جملة من تلك الاخبار (4) " شك فلم يدر سجد ام لم يسجد " يعنى لم يعلم سجد ام لا، وهو شامل لظن السجود فان عدم العلم اعم من يكون مترددا أو مرجحا لاحدهما ترجيحا لا يبلغ حد العلم وهو الظن عندهم. واصرح من ذلك قولهم (عليهم السلام) في بعض تلك الاخبار (5) " يسجد ذكر مجموع الرواية في الوسائل بالتقطيع في الباب 14 من السجود رقم (1) والباب 15 منه رقم " 14 " كما صنع كذلك في الوافى فاورد الفرع الاول في باب السهو في السجود والثانى في باب الشك في الاجزاء. وقد روى الشيخ في التهذيب الفرع الاول عن الحسين ابن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قبل صحيحة اسماعيل بن جابر برقم 598 ولم يرد فيها ذكر الفرع الثاني اصلا وقد نقلها في الوسائل منه في الباب 14 من السجود برقم " 4 " واوردها في الوافى في باب السهو في السجود. وكيف كان فالذي اورده في الوافى في البابين المذكورين - من ان الشيخ روى في التهذيب عن ابى بصير الفرعين المتقدمين بالطريق المتقدم كما رواهما عن سعد عن احمد بن محمد عن ابيه عن عبد الله بن المغيرة عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله " ع " لم نقف عليه في التهذيب والوسائل وانما الموجود فيهما من طريق ابى بصير هو الفرع الاول فقط.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 13 من الركوع (4) و (5) ص 168

[ 172 ]

حتى يستيقن انهما سجدتان ". ومحل الاشكال المتفرغ على القولين انه لو شك قبل تجاوز المحل مع ظن الاتيان بما شك فيه فانه على تقدير كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) يمضى في صلاته وعلى تقدير ما قلناه يأتي بما شك فيه وان ظنه حتى يستيقن الاتيان به، وفى ما إذا تجاوز المحل لو ظن عدم الاتيان بما شك فيه فعلى كلام الاصحاب يجب الاتيان به وعلى ما قلناه يمضى بمجرد تجاوز المحل وان ظن عدم الاتيان به ولا يلتفت الى هذا الظن في الموضعين. وبالجملة فانك قد عرفت من كلام اهل اللغة ان الشك عبارة عما يشمل الظن (1) بل ظاهرهم الاتفاع عليه وظاهر هذه الاخبار يساعد ما ذكروه ولكن ظاهر الاصحاب كما عرفت. والمسألة لذلك محل اشكال فان الخروج عن ما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل وموافقتهم مع ظهور الادلة في خلاف ما ذهبوا إليه اشكل، والاحتياط يقتضى العمل بما قلناه ثم الاعادة من رأس. والله العالم. (المقام الثاني) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في الحكمين المتقدمين بين ان يكون في الاولتين والاخيرتين، وقال الشيخ المفيد في المقنعة: وكل سهو يلحق الانسان في الركعتين الاولتين من فرائضه فعليه الاعادة. وحكى المحقق في المعتبر عن الشيخ قولا بوجوب الاعادة لكل شك يتعلق بكيفية الاولتين كاعدادهما. ونقل في الذكرى عن الشيخين القول بالبطلان إذا شك في افعالهما كما إذا


(1) العبارة في الطبعة القديمة ظاهرة النقض وقد كتب في الهامش في المقام العبارة التالية " كذا في عدة نسخ عندنا لكن الظاهر بمعونة آخر العبارة انه سقط بعد قوله " الظن " مثل هذه العبارة: لكن المشهور بين الاصحاب ان المراد بالشك هو بمعنى تساوي الطرفين فمخالفة ما اشتهر عندهم... والله العالم " وفى ما وقفنا عليه من النسخ الخطية العبارة كما جاءت في هذه الطبعة، ويظهر ان الناسخ قد انتقل من كلمة " الاتفاق عليه " الاولى الى الثانية واسقط ما بينهما.

[ 173 ]

شك في اعدادهما، قال ونقله الشيخ عن بعض القدماء من علمائنا، ونقله في المختلف عن الشيخ وغيره، قال نقل الشيخ وغيره عن بعض علمائنا اعادة الصلاة بكل سهو يحلق الركعتين الاولتين سواء كان في افعالهما أو في عددهما وسواء كان في الاركان من الافعل أو غيرها. ويدل على المشهور ما تقدم من اطلاق الاخبار المتقدمة في كل ممن الحكمين فانها باطلاقها شاملة للاولتين والاخيرتين، وكذا اطلاق الاخبار الدالة على صحة الصلاة بنسيان السجدة وقضائها بعد الصلاة. واما ما ظاهره المعارضة كرواية المعلى ابن خنيس فقد تقدم الجواب عنها. واما ما يدل على قول الشيخين ومن قبلهما فجملة من الروايات الصحيحة التى لم يتنبه لها احد من الاصحاب في ما اعلم: ومنها - صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " كان الذى فرض الله على العباد من الصلاة عشر ركعات وفيهن القراءة وليس فيهن وهم - يعنى سهوا - فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا وفيهن الوهم وليس فيهن قراءة فمن شك في الاولتين اعاد حتى يحفظ ويكون على يقين، ومن شك في الاخيرتين عمل بالوهم ". واطلاقه شامل للاعداد والافعال وانه لابد في الاوليين من اليقين فيهما فلا يكفى البناء على الظن كما عليه جمهور الاصحاب من انه لو ترجح أحد طرفي ما شك فيه بنى عليه في الاوليين كان أو الاخيرتين. وظاهر هذا الخبر وكذا ما يأتي من قبيله تخصيص ذلك بالاخيرتين. ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " عشر ركعات " ركعتان من الظهر وركعتان من العصر


(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض

[ 174 ]

وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الاخرة لا يجوز الوهم فيهن ومن وهم في شئ منهن استقبل الصلاة استقبالا وهى الصلاة التى فرضها الله تعالى على المؤمنين في القرآن، وفوض الى محمد (صلى الله عليه وآله) فزاد النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة سبع ركعات هي سنة ليس فيهن قراءة انما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء، والوهم انما يكون فيهن ". وعن عبد الله بن سليمان العامري عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لما عرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بالصلاة عشر ركعات ركعتين ركعتين فلما ولد الحسن والحسين (عليهما السلام) زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع ركعات... الى ان قال وانما يجب السهو في ما زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن شك في أصل الفرض في الركعتين الاولتين استقبل صلاته ". وعن عمر بن اذينة في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) في بعض اخبار المعراج وهو طويل (2) قال (عليه السلام) في آخره: " ومن اجل ذلك صارت الركعتان الاولتان كلما حدث فيهما حدث كان على صاحبهما اعادتهما ". ونقل ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب حريز بن عبد الله (3) قال: " قال زرارة قال أبو جعفر (عليه السلام) كان الذى فرض الله من الصلاة عشرا فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا وفيهن السهو وليس فيهن قراءة فمن شك في الاولتين اعاد حتى يحفظ ويكون على يقين... الحديث "، ولا يخفى ما في هذه الاخبار من الظهور في ما ادعاه اولئك الاعلام. والمراد من الوهم المنفى فيها هو الظن كما تكرر في الاخبار من قولهم (عليهم السلام) (4) " وان ذهب وهمك " ونحوه.


(1) الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة (3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 7 و 10 و 11 و 15 من الخلل في الصلاة

[ 175 ]

ويدل على ذلك ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضل بن عبد الملك (1) قال: " قال لى إذا لم تحفظ الركعتين الاولتين فاعد صلاتك ". وعن الوشاء (2) قال: " قال لى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الاعادة في الركعتين الاولتين والسهو في الركعتين الاخيرتين ". وبهذين الخبرين استدل في المدارك للشيخين ثم اجاب عنهما بالحمل على حفظهما من الشك في العدد. وانت خبير بانه لو خلينا وظاهر هذه الروايات التى سردناها لامكن تخصيص اطلاق الاخبار التى استدل بها للقول المشهور بهذه الاخبار لانها خاصة والقاعدة تقتضي تقديم العمل بها. إلا انك قد عرفت من صحيحة زرارة المتقدمة في ادلة الحكم الثاني من المقام الاول الدلالة على ان " من شك في التكبير وقد قرأ قال يمضى ومن شك في القراءة وقد ركع قال يمضى " وهذا الشك لا يكون إلا في الاولتين مع انه (عليه السلام) حكم بصحة الصلاة والمضى فيها بعد تجاوز المحل، ومفهومه الرجوع لو لم يتجاوز المحل كما يدل عليه آخر الخبر وقد تقدم، وهو ظاهر في عدم بطلان الاوليين بالشك في الافعال. ونحوها في ذلك رواية محمد بن منصور (3) قال: " سألته عن الذى ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها ؟ فقال إذا خفت ألا تكون وضعت وجهك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة وتضع وجهك مرة واحدة وليس عليك سهو ". والشيخ اجاب عنها في التهذيب بان المراد بالركعة الثانية يعنى من الركعتين الاخيرتين، ولا يخفى ما فيه. وحينئذ فالواجب حمل اطلاق الاخبار المتقدمة على


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 14 من السجود

[ 176 ]

الاعداد خاصة واستثناء الشك في الافعال من عمومها بهذين الخبرين، وانه لابد في العمل بالاعداد من البناء على اليقين فلو شك في عددهما ثم غلب عليه ظن احد الطرفين فانه لا يكفى في البناء عليه خلافا لظاهر الاصحاب بل لابد من اليقين فيهما كما صرحت به هذه الاخبار. (المقام الثالث) - لا ريب في انه متى شك في فعل من الافعال وقد دخل في غيره فانه يمضى وقبل الدخول فيه يرجع لكن هذه الافعال التى يترتب عليها هذا الحكم هل هي عبارة عن افعال الصلاة المعدودة في كتاب الصلاة المفردة بالتبويب من النية وتكبيرة الاحرام والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد مثلا أو ما هو اعم منها ومن مقدماتها كالهوى للركوع والهوى للسجود ولما يركع ولما يسجد والنهوض للقيام ولما يستتم قائما والرفع من السجود لاجل التشهد مثلا ونحو ذلك ؟ ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض الاول وهو ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة في اول روايات الحكم الثاني من المقام الاول وصحيحة اسماعيل بن جابر (1) المروية ايضا عن ابى بصير (2). ويدل عليه صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوى جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ قال يسجد. قلت فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ قال يسجد " وهى كما ترى ظاهرة في انه بالدخول في مقدمات الفعل يجب عليه الرجوع، وهو ظاهر في تخصيص الغيرية التى يترتب عليها الحكم المذكور بنفس تلك الافعال دون مقدماتها. إلا انه قد روى ايضا هذا الراوى بعينه في الصحيح (4) قال: " قلت


(1) ص 170 (2) ارجع الى التعليقة 4 ص 170 (3) الوسائل الباب 15 من السجود (4) الوسائل الباب 13 من الركوع

[ 177 ]

لابي عبد الله (عليه السلام) رجل اهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع ؟ قال قد ركع " وهو ظاهر المنافاة لخبره الاول والعجب ان صاحب المدارك قد عمل بكل من الخبرين فقال في تعداد المواضع التى وقع الخلاف فيها في هذا المقام: الثاني - ان يشك في الركوع وقد هوى الى السجود، والاظهر عدم وجوب تداركه لصحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله، ثم أورد الصحيحة الثانية، ثم قال: وقد قوى الشارح وجوب العود ما لم يصر الى حد السجود وهو ضعيف... الى ان قال: الرابع - ان يشك في السجود وقد اخذ في القيام ولما يستكمله، والاقرب وجوب الاتيان به كما اختاره الشهيدان لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله، ثم ذكر الصحيحة الاولى. وانت خبير بما فيه وذلك فان مقتضى القاعدة المنصوصة في الاخبار وكلام الاصحاب من انه متى شك في شئ وقد دخل في غيره فلا يلتفت والا فانه يرجع هن ان مناط الرجوع الى المشكوك فيه وعدم الرجوع هو الدخول في ذلك الفعل الاخر وعدمه، وحينئذ فان صدق ذلك الغير على مقدمات الافعال فما اختاره في الثاني جيد للصحيحة المذكورة لكنه يرد عليه ان ما اختاره في الرابع ليس كذلك وان الصحيحة التى اوردها مما يجب تأويلها، وان لم يصدق ذلك الغير على المقدمات بل يختص بالافعال المعدودة أو لا كان الامر بالعكس. وبالجملة فان الروايتين المذكورتين قد تعارضتا في هذا الحكم فالقول بهما قول بالمتناقضين. واما ما اجاب به المحدث الكاشانى في الوافى - عن تعارض هاتين الروايتين حيث قال - بعد ذكر الصحيحة الاولى اولا لا ثم الثانية ثانيا - ما لفظه: (ان قيل) ما الفرق بين النهوض قبل استواء القيام والهوى للسجود قبل السقوط له ؟ حيث حكم في الاول في حديث البصري بالاتيان بالسجود المبنى على بقاء محله وحكم في الثاني هنا بالمضي المبتنى على تجاوز وقت الركوع (قلنا) الفرق بينهما ان الهوى للسجود مستلزم للانتصاب الذى منه اهوى له والانتصاب فعل آخر غير الركوع وقد

[ 178 ]

دخل فيه وتجاوز عن محل الركوع، بخلاف النهوض قبل ان يستتم قائما فانه بذلك لم يدخل بعد في فعل آخر. انتهى - فالظاهر ضعفه (اما اولا) فلاستلزامه انه لو شك في حال القيام قبل الهوى للسجود في انه ركع ام لا ان يمضى ولا يركع مع انه لا خلاف نصا وفتوى في انه يجب عليه الركوع في الصورة المذكورة فكيف يتم ما ادعاه من ان الانتصاب فعل آخر يمضى مع الذخول فيه وانه تجاوز وقت الركوع ؟ و (اما ثانيا) فان أخرية القيام وغيريته بالنسبة الى الركوع انما تثبت لو كان مرتبته التأخر عنه كما هو في سائر الافعال التى يجب المضى فيها بالشك في ما قبلها، وهو هنا غير معلوم لجواز ان يكون هذا القيام الذى اهوى عنه الى السجود انما هو القيام الذى يجب أن يركع عنه، وهذا هو السبب في وجوب الركوع لو شك وهو قائم كما هو مدلول الاخبار وكلام الاصحاب. وبالجملة فتوجيهه عندي غير موجه كما لا يخفى على التأمل. واما ما جرى عليه السيد السند (قدس سره) - من القول بالروايتين المذكورتين فافتى في صورة الشك في الركوع وقد اهوى الى السجود بان الاظهر عدم وجوب تداركه للصحيحة التى ذكرها وافتى في ما إذا شك في السجود وقد اخذ في القيام ولما يستكمله بان الاقرب وجوب الاتيان به - فقد عرفت ما فيه، وحينئذ فلا يخلو اما ان يخص ذلك الفعل الذى يتصل (1) بالدخول فيه تلك الافعال المعودة التى اشرنا إليها آنفا كما هو ظاهر الشهيدين، وحينئذ فجيب الرجوع بالدخول في مقدماتها، ولهذا ذهب جده كما نقل عنه في الموضع الثاني الى وجوب العود ما لم يصر الى حد السجود حيث انه يخص الفعل


(1) هكذا في النسخة المطبوعة، وفى ما وقفنا عليه من المخطوطة هكذا " الذي بالدخول فيه " من دون كلمة " يتصل " والظاهر سقوط كلمة " يمضى " ونحوها بان تكون العبارة هكذا " الذى يمضى بالدخول فيه ".

[ 179 ]

الموجب للمضي بتلك الافعال المعدودة، وعلى هذا فيجب تأويل صحيحة عبد الرحمان الدالة على المضى في الصورة المذكورة، أو انه يقول بالعموم لمقدمات تلك الافعال فيجب المضى في الصورتين، وحينئذ يجب تأويل صيحيحة عبد الرحمان الاخرى أو القول بها وتخصيصها بموردها والعمل في ما عدا هذا الموضع باطلاق الاخبار المتقدمة من صحيحتي زرارة واسماعيل بن جابر ونحوهما باعتبار صدق الغيرية في المقدمات. إذا عرفت هذا فاعلم ان الذى يقرب عندي هو القول بالفرق بين الافعال المشار إليها آنفا وبين مقدماتها وانه لا يجب عليه المضى إلا بالدخول في تلك الافعال وفاقا للشهيدين اما بالدخول في مقدماتها فانه يرجع عملا بصحيحة عبد الرحمان الاولى وما ذكروه - من عموم تلاك الاخبار المتقدمة مثل صحيحتي زرارة واسماعيل بن جابر ونحوهما باعتبار صدق الغيرية على مقدمات الافعال وقد جعل (عليه السلام) المناط في المضى هو الدخول في الغير والغيرية ثابتة في تلك المقدمات - فهو وان تم في بادئ النظر إلا انه بالتأمل في الاخبار المذكورة ليس كذلك، وذلك فان قوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر (1) " ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض " يدل بمفهومه الشرطي الذى هو حجة عند المحققين على عدم المضى قبل ذلك وانه ليس هنا حد يوجب المضى في الاول قبل السجود وفى الثاني قبل القيام، وحينئذ فقوله " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره " وان كان مطلقا كما تمسك به الخصم إلا انه يجب تقييده بما دل عليه صدر الخبر. وهذا المعنى قد وقع في صحيحة زرارة (2) على وجه ظاهر في ما ذكرناه حيث قال: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " فان عطف قوله " دخلت في غيره " ب‍ " ثم " الدالة على المهلة والتراخى يشعر بوجود واسطة بين الدخول والخروج كما هو موجود في تلك الافعال المعدودة في الرواية،


(1) و (2) ص 170

[ 180 ]

وإلا فالخروج عن الشئ مستلزم للدخول في غيره والتلبس به التبة فلا معنى لهذا التراخي والمهلة المدلول عليها ب‍ " ثم " لو كان المراد ما هو اعم من الافعال ومقدماتها ولعل الاجمال في الاخبار انما وقع بناء على معلومية الحكم يومئذ كما هو الان معلوم بين الفقهاء فانهم يعدون افعال الصلاة ويفسرونها بهذه الافعال المشار إليها آنفا المخصوصة بالبحث والتبويب في الكتب الفقهية وكذا في الاخبار. وبالجملة فصحيحة عبد الرحمن الاولى صريحة في هذا الحكم فيحمل عليها اجمال هذين الخبرين بالتقريب الذى ذكرناه. واما صحيحته الثانية الدالة على انه متى شك حال الهوى للسجود في انه ركع قال (عليه السلام) " قد ركع " فالذي يقرب عندي انها ليست من محل البحث في شئ بل هي محمولة على كثير السهو، ولعله (عليه السلام) علم ذلك من قرينة الحال والسؤال يومئذ أو ان ذلك مجرد وسواس. ومما يدفع الاستبعاد عما ذكرنا صحيحة الفضيل المتقدمة قريبا (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا ادرى ركعت ام لا ؟ قال بلى قد ركعت فامض في صلاتك فانما ذلك من الشيطان " فانه لا اشكال في ان من شك في الركوع وهو قائم انه يجب عليه الركوع كما دلت عليه الاخبار واتفقت عليه كلمة الاصحاب مع انه (عليه السلام) امره بالمضي وحكم بانه ركع ونسب شكه الى مجرد الوسواس. ومما يستأنس به لذلك ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضيل المذكورة " بلى قد ركعت " وفى صحيحة عبد الرحمان ايضا (2) قال: " قد ركع " مع ان الامر بالمضي بعد تجاوز الفعل المشكوك لا يستلزم التمام وانه انما امر بالتجاوز لانه قد فعله بل وقع الامر بذلك تسهيلا وتخفيفا في التكليف ودفعا لتسلط الشيطان، وفى هاتين الرواتين قد حكم بانه ركع وهو كناية عن عدم الالتفات الى الشك


(1) ص 169 (2) ص 176 و 177

[ 181 ]

بالكلية كما في كثير الشك. والله العالم. (المقام الرابع) - قد ذكر الاصحاب هنا مواضع وقع الخلاف فيها في البين: منها - ان يشك في قراءة الفاتحة وهو في السورة، والظاهر ان المشهور وجوب الاعادة لعدم تحقق التجاوز عن المحل فان القراءة الشاملة لكل من الفاتحة والسورة أمر واحد، ويعضده ما تقدم (1) في صحيحة زرارة من قوله " شك في القراءة وقد ركع "، ونقل عن ابن ادريس انه قال لا يلتفت، ونقله ايضا عن الشيخ المفيد في رسالته الى ولده، وهو الاقرب. واليه مال في المعتبر ايضا حيث قال بعد ان نقل عن الشيخ القول بوجوب الاعادة: ولعله بناء على ان محل القراءتين واحد وبظاهر الاخبار يسقط هذا الاعتبار واعترضه في المذارك بانه غير جيد، قال: فان الاخبار لا تدل على ما ذكره بل ربما لاح من قوله: " قلت شك في القراءة وقد ركع " انه لو لم يركع لم يمض. انتهى. اقول: من المحتمل قريبا ان صاحب المعتبر انما اراد بالاخبار الاخبار الواردة في القراءة مما يؤذن بمغايرة الحمد للسورة كالاخبار الدالة على وجوب الحمد وانه لا تصح الصورة إلا بها مع دلالة الاخبار على صحتها بترك السورة في مقام العذر والضرورة والنافلة، وكذا مع اختلافها في وجوبها واستحبابها في الفريضة وجواز تبعيضها، فان جميع ذلك مما يدل على المغايرة التى هي مناط المضى، وبالجملة فان التسمية منفردة والاوامر الواردة في كل منهما مؤيدة واحكامها المتعايرة شاهدة والى هذا القول يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة مستندا الى ثبوت الغيرية ودلالة الاخبار على انها هي المناط في المضى وعدم الرجوع. واختاره ايضا شيخنا المجلسي في البحار مستندا الى الدليل المذكور، وقبلهما المحقق الاردبيلى


(1) ص 170

[ 182 ]

(طاب ثراه) في شرح الارشاد. واما ما استند إليه في المذارك - من قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة " شك في القراءة وقد ركع " من دلالة مفهومه على عدم المضى لو لم يركع - ففيه اولا - انه معارض بما اشتملت عليه الصحيحة المذكورة وغيرها من جعل مناط المضى الغيرية وقد بينا ثبوتها بين الحمد والسورة. وثانيا - ما اجاب به في الذخيرة حيث قال: حجة القول الاول قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " قلت شك في القراءة وقد ركع " فان التقييد بالركوع يقتضى مغايرة حكم ما قبل الركوع له. وقد تعلق بهذا الوجه جماعة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وهو ضعيف، لان التقييد ليس في كلامه (عليه السلام) بل في كلام الراوى فلا يصلح للاحتياج، على انه ليس في كلام الراوى ايضا حكم على محل الوصف حتى يقتضى نفيه عما عداه بل سؤال عن حكم محل الوصف ولا دلالة في ذلك على شئ، سلمنا لكن دلالة المفهوم لا تعارض المنطوق. انتهى. وربما استدل بعضهم للقول الاول بل القراءة فعل واحد، وهو مردود بما ذكرناه من اثبات المغايرة، على انه يطلق على جميع الافعال اسم الصلاة ايضا مع انه غير مانع من المغايرة في افعالها اتفاقا. اقول: القول بالفصل في المقام بناء على ما قدمنا تحقيقه من حمل الغير الذى يجب المضى فيه على تلك الافعال المعدودة هو وجوب الرجوع في الصورة المذكورة وما استدل به في المدارك على ذلك صحيح والايراد علبه بحديث الغيرية قد عرفت جوابه. وجواب صاحب الذخيرة عن الخبر المذكور مدخول بان الاعتماد من الاستدلال ليس على كلام السائل بل انما هو على جواب الامام (عليه السلام) فانه في قوة قوله: " إذا شك في القراءة وقد ركع فليمض " ومفهومه الشرطي الذى هو حجة عند المحققين انه إذا لم يكن كذلك فلا يمضى. وبالجملة فان تقرير الامام السائل


(1) ص 170

[ 183 ]

على ما ذكره وجوابه عنه بالمضي في قوة قوله هو نفسه (عليه السلام) بذلك. وقوله - ان دلالة المفهوم لا تعارض المنطوق - مردود بما قدمنا تحقيقه من حمل الغير في الرواية على تلك الافعال المخصوصة جمعا بين الاخبار كما اوضحنا بيانه وشددنا اركانه وبه يتجه قوة القول المشهور. وما أبعد ما بين هذا القول الاخير وبين ما نقل عن العلامة من وجوب العود الى السجود عند الشك فيه بعد القراءة ما لم يركع، نقله عنه في الروض. بقى الكلام في الايات في كل من الفاتحة والسورة، والظاهر من المحقق الاردبيلى القول بالمضي ايضا لحصول المغايرة، وبه صرح ايضا الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال بعد نقل كلام في المقام: ومما ذكرنا يظهر ان الشك في ابعاض الحمد أو السورة بعد التجاوز عنه والدخول في بعض آخر حكمه عدم الالتفات. انتهى. ونفى عنه البعد شيخننا المجلسي (قدس سره) في البحار إلا انه قال: ويمكن ان يقال الرجوع هنا احوط إذ القرآن والدعاء غير ممنوع في الصلاة ودخول ذلك في القرآن الممنوع غير معلوم. انتهى. والمسألة لا تخلو من توقف إذ الظاهر ان الامر لا يبلغ الى هذا المقدار وإلا لجرى في الحروف في الكلمة الواحدة ايضا كأن يشك في اخراج الحرف الاول من الكلمة من مخرجه أو تشديده أو اعرابه بعد انتقاله الى آخرها، وهو بعيد لا أظن أحدا يلتزمه خصوصا على القول بتغيير الفعل الموجب للمضي فيه بتلك الافعال المعدودة خاصة كما هو ظاهر الشهيدين وتخصيص الغيرية به أو مع العموم لمقدمات تلك الافعال، واما البلوغ في الغيرية الموجبة للمضي الى هذا الحد من الايات في السورة الواحدة فمشكل والاخبار تقتضي الرجوع كما ذكره شيخنا المشار إليه آنفا. والله العالم. ومنها - الشك في السجود وهو في التشهد أو بعد ما تشهد وقبل الاستكمال قائما، ومقتضى ما قدمناه من التحقيق هو عدم الرجوع لان التشهد أحد افعال

[ 184 ]

الصلاة المعدودة مع ثبوت الغيرية بالدخول فيه، وبه صرح الشيخ في المبسوط وجملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم). وظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى هو الرجوع في الصورة المذكورة استنادا الى قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله المتقدمة (1) " رجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ قال يسجد " فانه مطلق في العود الى السجود قبل استكمال القيام فيشمل ما لو كان بعد السجود تشهد أم لم يكن. قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: لو شك في السجود وهو متشهد أو قد فرغ منه ولم يقم أو قام ولم يستكمل القيام يأتي به، وكذا لو شك في التشهد يأتي به ما لم يستكمل القيام لاصالة عدم فعل ذلك كله وبقاء محل استدراكه، ولرواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (2) " في رجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائم فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ فقال يسجد " انتهى. ورده جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بحمل الخبر المذكور على ما إذا كان النهوض بعد السجود من غير تشهد في البين، ولا ريب انه هو ظاهر الخبر المذكور لقلوله في الخبر: " رجل نهض من سجوده فشك " فان عطف الشك على النهوض بالفاء المقتضية للتعقيب بغى مهلة ظاهر في عدم مخلل التشهد بينهما، هذا مع دلالة صحيحة زرارة واسماعيل بن جابر على المضى بالدخول في الغير وغيرية التشهد للسجود امر ظاهر. وبالجملة فالظاهر بعد ما ذكره (قدس سره) والله العالم. ومنها - الشك في الركوع وهو هاو الى السجود ولم يسجد، وقد صرح في


(1) ص 176 وفى الوسائل الباب 15 من السجود (2) الوسائل الباب 15 من السجود. والراوي لهذه الرواية - كما في التهذيب ج 1 ص 189 والوافى باب الشك في اجزاء الصلاة والوسائل - هو عبد الرحمن بن ابى عبد الله لا عبد الرحمن بن الحجاج.

[ 185 ]

المدارك بان الاظهر عدم وجوب تداركه لصحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله المتقدمة (1) الواردة، في رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع ؟ قال قد ركع " وقد صرح جده في الروض بان الواجب هو العود ما لم يصر الى حد السجود، وهو الذى استظهرناه في ما تقدم وبينا حمل الرواية المذكورة على غير ما ادعاه السيد المشار إليه ههنا. ويزيده تأييدا قوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر (2) " ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض " فان مفهومه انه لو لم يسجد فلا يمضى بل يعود. ونحوه مفهوم صحيحتي حماد ومحمد بن مسلم المذكورتين آنفا (3) ومنها - الشك في السجود أو التشهد بعد ان قام واستكمل القيام، والاشهر الاظهر المضى لان القيام فعل آخر فيمضى بالدخول فيه حسبما دلت عليه الروايات المتقدمة. قال في الذكرى: وبه قال الشيخ في المبسوط. ثم نقل عنه انه قال في النهاية يرجع الى السجود والتشهد ما لم يركع إذا شك في فعله. وفى المدارك نقل هذا القول عن المبسوط حيث قال: وقال الشيخ في المبسوط يرجع الى السجود والتشهد ما لم يركع. وهو بعيد جدا. انتهى. اقول: وكل من النقلين لا يخلو من خلل وسهو، اما ما نقله في المدارك عن المبسوط فليس كذلك بل كلامه فيه صريح في موافقة القول المشهور كما ذكره في الذكرى، وهذه عبارته في المبسوط، وان شك في القراءة في حال الركوع أو في الركوع في حال السجود أو في السجود في حال القيام أو في التشهد الاول وقد قام الى الثالثة فانه لا يلتفت. واما ما نقله في الذكرى عن النهاية فهو كذلك بالنسبة الى السجود خاصة دون التشهد، حيث قال في الكتاب المذكور: فان شك في السجدتين وهو قاعد أو قد قام قبل أن يركع عاد فسجد السجدتين... الى ان قال: ومن شك في التششهد وهو


(1) ص 76 و 177 (2) ص 170 (3) ص 171

[ 186 ]

جالس فليتشهد فان كان شكه في التشهد الاول بعد قيامه الى الثالثة مضى في صلاته وليس عليه شئ. ثم انه في الذكرى بعد ان نقل عن النهاية القول المتقدم ذكره احتج له بحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) " في رجل سها فلم يدر سجد سجدة ام اثنتين ؟ قال يسجد اخرى... الحديث " وقد تقدم، قال وهو يشمل الشاك بعد القيام كما يشمل الشك في الجلوس. ثم قال: وجوابه الحمل على الشك ولما يقم توفيقا بين الاخبار. انتهى. وهو جيد، ونحن قد اشرنا الى هذا الحمل ذيل الرواية المذكورة في ما تقدم. ونقل العلامة في النهاية والشهيد في الذكرى عن القاضى انه فرق في بعض كلامه بين السجود والتشهد فاوجب الرجوع بالشك في التشهد حال قيامه دون السجود وفى موضع آخر سوى بينهما في عدم الرجوع. وحمل على انه اراد بالشك في التشهد تركه ناسيا لئلا يتناقض كلامه. وقد تقدم النقل عن العلامة انه اوجب العود الى السجود عند الشك فيه بعد القراءة ما لم يركع. ولو حمل كلامه على السهو واراد السهو كما حمل عليه كلام القاضى لكان وجها، ويدل صريحا على وجوب المضى بالشك في السجود بعد القيام قوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة (2) " وان شك في السجود بعد ما قام فليمض " والله العالم. ومنها - ما لو شك في القراءة وهو قانت، وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض الميل الى وجوب الرجوع بناء على تخصيص المضى بالافعال المعدودة المتقدمة التى هي واجبات الصلاة. قال (قدس سره): مقتضى الصحيحتين عدم وجوب العود ومفهوم قوله (عليه السلام) في خبر زرارة (3) " قلت شك في القراءة وقد ركع ؟ قال يمضى " انه لو لم يكن


(1) الوسائل الباب 15 من السجود (2) و (3) ص 170

[ 187 ]

ركع يعود فيدخل فيه ما لو كان قانتا، وخبر عبد الرحمان يقتضيه ايضا فان العود الى الفعل مع الشروع في واجب وان لم يكن مقصودا بالذات قد يقتضى العود مع الشروع في المندوب بطريق اولى. ويمكن أن يقال هنا ان القنوت ليس من أفعال الصلاة المعهودة فلا يدخل في الخبرين. ثم قال: ولا يكاد يوجد في هذا المجال احتمال أو اشكال إلا وبمضمونه قائل من الاصحاب. انتهى. اقول: اما ما ذكره من ان مقتضى الصحيحتين - يعنى صحيحتي زرارة واسماعيل ابن جابر - ذلك فهو جيد من حيث الغيرية ويعضده انه فعل آخر من افعال الصلاة وان لم يكن من الواجبات المعدودة. واما الاستناد الى صحيحة زرارة المذكورة في وجوب العود فهو غير ظاهر، وذلك فان الظاهر من سؤالات زرارة في هذا الخبر الترتيب فيها وان مراده بالقراءة والركوع انما هو باعتبار الركعة الاولى التى لا قنوت فيها، وادخال الركعة الثانية وان امكن باعتبار عموم الكلام أو اطلاقه لكن سياق الخبر يشعر بان المراد انما هو الركعة الاولى ولا أقل أن يكون ما ذكرناه احتمالا يسقط به الاستدلال في هذا المجال. واما الاستناد الى خبر عبد الرحمان بالتقريب الذى ذكره ففيه ان الاظهر ان يقال - باعتبار ما قدمه من الفرق بين الافعال وبين مقدماتها وهى التى اشار إليها هنا بانها غير مقصودة بالذات من انه بالدخول في الافعال يمضى وبالدخول في المقدمات يرجع - ان الواجب هنا هو المضى لان القنوت من جملة الافعال وان كان مستحبا على المشهور والرجوع مخصوص بالمقدمات والقنوت ليس كذلك، والرجوع والمضى ليس معلقا بالواجب وعدمه ليتجه هنا انه متى جاز الرجوع من الواجب وان لم يكن مقصودا ذاتيا جاز من المستحب بطريق اولى بل المناط فيه انما هو آخرية الفعل وكونه فعلا مستقلا ليس مقدمة لغيره واجبا كان أو مستحبا.

[ 188 ]

فروع الاول - لو تدارك ما شك فيه في محله ثم ذكر فعله فالمشهور انه ان كان ركنا اعاد للزوم زيادة ركن في الصلاة وان كان واجبا آخر فلا بأس سجدة كان أو غيرها وقال المرتضى (رضى الله عنه): ان شك في سجدة فاتى بها ثم ذكر فعلها اعاد الصلاة وهو قول ابى الصلاح وابن ابى عقيل، ولعله لقولهم بركنية السجدة الواحدة، إلا ان الدليل عليه غير ناهض بالدلالة. ويدل على عدم الابطال بزيادة السجدة صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة ؟ فقالا لا يعيد صلاة من سجدة ويعيدها من ركعة ". وموثقة عبيد بن زرارة (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد اخرى ثم استيقن انه قد زاد سجدة ؟ فقال لا والله لا تفسد الصلاة زيادة سجدة - وقال لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة ". الثاني - لو تلافى ما شك فيه بعد الانتقال فالظاهر البطلان كما صرح به جملة من الاصحاب ان تعمد ذلك، وعللوه بالاخلال بنظم الصلاة، ولان المأتى به ليس من افعال الصلاة. وقال في الذخيرة بعد نقل ذلك: وفيه تأمل نعم يتوقف تحصيل البراءة اليقينية من التكليف على ترك التدارك. انتهى. واحتمل الشهيد في الذكرى عدم البطلان بناء على ان ترك الرجوع رخصة. اقول: لا ريب ان الاخبار المتقدمة قد انفقت على الامر بالمضي فالواجب حينئذ هو المضى، وحمل ذلك على الرخصة تخرص لا دليل عليه بل هو خلاف ظاهر النصوص والعبادات توقيفية، وهذا هو الذى رسمه صاحب الشريعة (صلى الله


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من الركوع.

[ 189 ]

عليه وآله) فيها فالخروج عنه من غير دليل يدل عليه تشريع محض موجب لبطلان العبادة. والله العالم. الثالث - لو شك في الركوع وهو قائم فركع ثم ذكر في اثناء الركوع انه قد ركع سابقا فالمشهور بين المتأخرين بطلان الصلاة، وذهب الكليني في الكافي والشيخ والمرتضى وابن ادريس الى انه يرسل نفسه الى السجود ولا شئ عليه. حجة الاولين انه قد زاد ركوعا إذ ليس رفع الرأس جزء من الركوع. وقال في الذكرى بعد نقل القول الثاني: وهو قوى لان ذلك وان كان بصورة الركوع إلا انه في الحقيقة ليس بركوع لتبين خلافه، والهوى الى السجود مشتمل عليه وهو واجب فيتأدى الهوى الى السجود به فلا تتحقق الزيادة حينئذ بخلاف ما لو ذكر بعد رفع رأسه من الركوع فان الزيادة حينئذ متحققة لافتقاره الى هوى السجود قال في المدارك بعد نقله ذلك: ولا يخفى ضعف هذا التوجيه نعم يمكن توجيهه بان هذه الزيادة لم تقتض تغييرا لهيئة الصلاة ولا خروجا عن الترتيب الموظف فلا تكون مبطلة وان تحقق مسمى الركوع لانتفاء ما يدل على بطلان الصلاة بزيادته على هذا الوجه من نص أو اجماع. ولا يشكل ذلك بوجوب اعادة الهوى للسجود حيث لم يقع بقصده وانما وقع بقصد الركوع، لان الاظهر ان ذلك لا يقتضى وجوب اعادته كما يدل عليه فحوى صحيحة حريز المتضمنة لان من سها في الفريضة فاتمها على انها نافلة لا يضره (1) وقد ظهر بذلك قوة هذا القول وان كان الاتمام ثم الاعادة طريق الاحتياط. انتهى. اقول: ومرجع ما ذكره جملة منن المتأخرين في توجيه كلام المتقدمين مما نقلناه وما لم تنقله يرجع الى وجوه: (احدها) ان الانحناء الخاص مشترك بين الركوع والهوى الى السجود وانما يتميز الاول عن الثاني بالرفع منه ولم يثبت ان مجرد القصد يكفى في كونه ركوعا فإذا لا يلزم زيادة الركن. و (ثانيها) ما ذكره الشهيد في


(1) الوسائل الباب 2 من النية

[ 190 ]

الذكرى. و (ثالثها) ما ذكره في المدارك. و (رابعها) انه بعد تسليم تحقيق الزيادة فان المنساق الى الذهن مما دل على ان الزيادة في الصلاة مبطلة وكذا ما دل على ان زيادة الركوع مبطلة غير هذا النحو من الزيادة. ولا يخفى ما في الجميع من الوهن والضعف فان بناء الاحكام الشرعية التى استفاضت الايات والروايات بوجوب كونها عن علم ويقين بمثل هذه التخريجات الضعيفة والتقريبات السخيفة لا يخلو من المجازفة في احكام سبحانه. والظاهر ان الحامل لهم على ارتكاب هذه التكلفات في توجيه القول المذكور هو ذهاب صاحب الكافي إليه وافتاؤه به وإلا فانهم لا يعبأون باقوال الشيخ والمرتضى ونحوهما ولا يحافظون عليه أو يتكلفون تصحيحها ان لم يقابلوها بالرد والاعتراض. اقول: ان الله لا يستحيى من الحق، فان كان صاحب الكافي انما افتى بذلك لنص وصل إليه - وهو الظاهر لانه من أرباب النصوص - فان حكمنا في ذلك غير حكمه لعدم وصول النص الينا وعدم وجوب تقليده علينا، وان كان انما هو لمجرد استنباط كما ذهب إليه غيره فالامر أظهر من ذلك. نعم لو كان لهذه الفتوى شهرة في كلام غيره من المعاصرين له والمتقدمين عليه والمتأخرين عنه من المتقدمين لامكن الاعتماد عليها كما تقدم التصريح به في صدر كتاب الطهارة في المقدمة التى في الاجماع وكيف كان فكلام المتأخرين وما عللوا به الابطال لا يخلو من قوة كما اعترف به هؤلاء المخالفون في المسألة في غير موضع - إلا انه لعدم النص في المسألة فالواجب فيها الاحتياط بالاتمام كما ذكره القائلون بالصحة تم الاعادة كما ذكره الاخرون فان المسألة عندي من المتشابهات الواجب فيها الاحيتاط. والله العالم. الرابع - قد عرفت ان ضابط التجاوز عن المحل في الشك هو الشروع في فعل موضعه بعد ذلك الفعل ركنا كان أو غيره، بقى الكلام في التخصيص بافعال مخصوصة أو ما هو اعم وقد تقدم الكلام فيه.

[ 191 ]

وضابط التجاوز في السهو فوت المحل بان يدخل في ركن يكون بعد ذلك المنسى أو يكون تداركه مستلزما لتكرار ركن أو تكرار جزء من ركن، أما تكرار الركن فكنسيان ذكر الركوع حتى رفع رأسه منه وانتصب قائما، وكذا نسيان الطمأنينة فيه، فان تدارك ذلك موجب لتكرار الركوع. واما تكرار جزء من الركن فهو كنسيان ذكر احدى السجدتين وتذكره بعد الرفع، فان العود إليه وان لم يوجب تكرار الركن لكن يوجب تكرار جزء منه فان السجدة الواحدة جزء من الركن وهو السجدتان، وحينئذ فليس لناسى ذكر الركوع أو الطمأنينة فيه حتى ينتصب الرجوع فيه ولا لناسى الرفع من الركوع أو الطمأنينة في الرفع حتى يسجد الرجوع وكذا ناسى الذكر في السجدتين حتى رفع رأسه من السجدة الثانية أو الذكر في احدى السجدتين أو السجود على الاعضاء السبعة سوى الجبهة أو الطمأنينة فيهما أو في الجلوس بينهما أو اكمال الرفع من السجدة الاولى حتى سجد ثانيا. وكذا لو شك في شئ من ذلك فليس له الرجوع الى استدارك شئ من ذلك. ولا تبطل صلاته بتركها ولا يلزمه شئ سوى سجود السهو على القول بكونه لكل زيادة ونقيصة. والمستند في الجميع فوات محل التدارك وعدم الدليل على الرجوع إليها أو على بطلان الصلاة بتركها ناسيا، وقد وردت جملة من الروايات بخصوص بعض هذه المواضع. والله العالم. الخامس - لو شك بعد رفع رأسه من الركوع هل وصل الى حد الراكع ام لا ؟ مع جزمه بتحقق الانحناء في الجملة وكون هويه بقصد الركوع فالاقرب العود، لانه يرجع الى حكم الشاك في الركوع قائما وقد صرحت الاخبار بوجوب الرجوع عليه وكذا صرح الاصحاب. ومن الاخبار صحيحة عمران الحلبي (1) قال: " قلت الرجل يشك وهو قائم فلا يدرى أركع أم لا ؟ قال فليركع ".


(1) الوسائل الباب 13 من الركوع

[ 192 ]

واحتمل بعض مشايخنا عدم العود لرواية الفضيل بن يسار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا ادرى ركعت أم لا ؟ فقال بلى قد ركعت فامض في صلاتك فانما ذلك من الشيطان ". وقد قدمنا الكلام في هذا الخبر وانه لا يصلح لمعارضة تلك الاخبار الناصة على وجوب الرجوع المعتضدة بكلام الاصحاب وبينا ان الظاهر حمله على كثير الشك فان الغالب ان مثل هذا الشك لا يصدر الا منه، وقوله (عليه السلام) " فانما ذلك من الشيطان " ظاهر في التأييد لما قلناه. وربما حمل الخبر المذكور على القيام من السجود أو التشهد. وهو وان كان لا يخلو عن بعد إلا انه لضرورة الجمع بين الاخبار غير بعيد، وكم مثله بل ابعد منه في امثال هذه المقامات ولا سيما في كلام الشيخ (قدس سره) والله العالم. (المسألة الثالثة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بالشك في عدد الاوليين. وقد نقل الاصحاب من العلامة فمن بعده عن الصدوق هنا ايضا القول بجواز البناء على الاقل، قال العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى انه قول علمائنا أجمع الا ابا جعفر ابن بابوية فانه قال: " لو شك بين الركعة والركعتين فله البناء على الاقل " وتناقل هذه العبارة عن الصدوق جملة من تأخر عنهم كصاحب المدارك وغيره مع انا لم نقف عليها في كلامه بل الموجود فيه ما يخالفها ويطابق القول المشهور. وهذا الموضع الثاني من مواضع نقولاتهم المختلفة عنه (رضى الله عنه) في هذا المقام فانه قال في كتاب الفقيه: والاصل في السهو ان من سها في الركعتين الاولتين من كل صلاة فعليه الاعادة ومن شك في المغرب... الى آخر ما قدمناه عنه في صدر المسألة الاولى. ولا يخفى ان مراده بالسهو هنا - كما ذكره ايضا المحقق المشهور بخليفة سلطان


(1) الوسائل الباب 13 من الركوع

[ 193 ]

في حواشيه على الكتاب - انما هو الشك بقرينة ما بعد العبارة المذكورة، قال المحقق المذكور: الظاهر ان المراد الشك في العدد الاولتين لا كل سهو وقع فيهما فانه لو كان السهو فيهما عن غير الركن أو عن الركن وتمكن من استدراكه في محله فليس عليه اعادة الصلاة. انتهى. اقول: ويوضح ذلك قوله في آخر العبارة: ومعنى الخبر الذى روى (1) " ان الفقيه لا يعيد الصلاة " انما هو في الثلاث والاربع لا في الاولتين. وهو كما ترى صريح في حكمه بوجوب الاعادة بالشك في الاولتين. هذا كلامه في الكتاب المذكور وقال ايضا في كتاب المقنع: إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين فاعد الصلاة وروى ابن على ركعة. انتهى. وهو كما ترى صريح في الفتوى بوجوب الاعادة كما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) وانما نسب البناء على الاقل الى الرواية. ففى أي موضع هذه العبارة التى نقلوها عنه وتبع المتأخر فيها المتقدم ؟ وهذا كلامه في الكتابين صريح في موافقة الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجل الروايات الواردة في الباب، ما هذا إلا عجب عجاب من هؤلاء الفضلاء الاطياب. ونحوه ما سيأتي ان شاء الله تعالى ايضا في المقام. ونقل في الذكرى عن الشيخ على بن بابوية انه قال: إذا شك في الركعة الاولى والثانية اعاد، وان شك ثانيا وتوهم الثانية بنى عليها ثم احتاط بعذ التسليم بركعتين قاعدا، وان توهم الاولى بنى عليها وتشهد في كل ركعة، فان تيقن بعد التسليم الزيادة لم يضر لان التسليم حائل بين الرابعة والخامسة، وان تساوى الاحتمالان تخير بين ركعة قائما وركعتين جالسا. انتهى. ثم قال في الذكرى: واطبق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الاعادة ولم نقف له على رواية تدل على ما ذكره من التفصيل.


(1) الفقيه ج 1 ص 225 وفى الوسائل الباب 1 رقم (5) والباب 9 رقم (3) والباب 29 رقم (1) من الخلل في الصلاة.

[ 194 ]

أقول: والذى يدل على القول المشهور وهو المؤيد المنصور جملة من الاخبار المتكاثرة: ومنها - ما رواه الشيخ عن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (1) قال: " قال لى إذا لم تحفظ الركعتين الاولتين فاعد صلاتك ". وعن ابى بصير في الصحيح أو الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: إذا سهوت في الركعتين فاعدهما حتى تثبتهما ". وعن رفاعة في الصحيح (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لا يدرى أركعة صلى ام ثنتين ؟ قال يعيد ". وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: " قلت له رجل لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين ؟ قال يعيد ". وعن الحسن بن على الوشاء (5) قال: " قال لى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الاعادة في الركعتين الاولتين والسهو في الركعتين الاخيرتين ". وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (6) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل شك في الركعة الاولى ؟ قال يستأنف ". وعن عنبسة بن مصعب (7) قال: " قال لى أبو عبد الله (عليه السلام) إذا شككت في الركعتين الاولتين فاعد ". وعن سماعة في الموثق (8) قال قال: " إذا سها الرجل في الركعتين الاولتين من الظهر والعصر ولم يدر واحدة صلى أم ثنتين فعليه ان يعيد الصلاة ". وعن اسماعيل الجعفي وابن ابى يعفور عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (9) انهما قالا: " إذا لم تدر أواحدة صلى تأم ثنتين فاستقبل ". هذه جملة ما حضرني من الاخبار الدالة على القول المشهور وهى في دلالتها


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة

[ 195 ]

واضحة الظهور لا يعتريها خلل ولا قصور. إلا انه قد ورد بازائها بعض الاخبار الدالة على البناء على الاقل واستدل من نسب بزعمه الى ابن بابويه القول بالبناء على الاقل بهذه الاخبار وقد عرفت فساد النسبة وانها غلط بلا ريبة. ومن الاخبار المشار إليها ما رواه الشيخ في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أركعتين صلى أم واحدة ؟ قال يتم ". وعن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (2) قال: " في الرجل لا يدرى ركعة صلى أم ثنتين ؟ قال يبنى على الركعة ". وعن عبد الله بن ابى يعفور في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أركعتين صلى أم واحدة ؟ قال يتم بركعة ". واجاب الشيخ عن هذه الاخبار (اولا) بانها اخبار قليلة وما تضمن الاعادة كثير جدا ولا يجوز العدول عن الاكثر الى الاقل. و (ثانيا) بالحمل على النافلة إذ لا تصريح فيها بكون الشك في الفريضة. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وهذا الحمل وان كان بعيدا إلا انه لا بأس بالمصير إليه لضعف هذه الروايات من حيث السند ولو صح سندها لامكن القول بالتخيير بين البناء على الاقل ولا استثناف كما اختاره ابن بابويه. انتهى. اقول: بل الحق في ذلك انما هو حمل هذه الاخبار على التقية التى هي في اختلاف الاحكام الشرعية أصل كل بلية. ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (4) باسناده عن عبد الرحمان بن عوف


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (4) رواه الترمذي في صحيحه على هامش شرحه لابن العربي ج 2 ص 188 وحكاه العينى في عمدة القارئ ج 3 ص 749 عنه كما في تيسير الوصول ج 2 ص 260 ايضا ورواه =

[ 196 ]

قال: " سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة، وان لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليبن على اثنتين، وان لم يدر ثلاثا صلى أم اربعا فليبن على ثلاث ويسجد سجدتين قبل ان يسلم " قال البغوي في شرح السنة بعد نقل الخبر المذكور: هذا الحديث يشتمل على حكمين (أحدهما) انه إذا شك في صلاته فلم يدر كم ركعة صلى يأخذ بالاقل. و (الثاني) ان محل سجدتي السهو قبل السلام. اما الاول فاكثر العلماء على انه يبنى على الاقل ويسجد للسهو... الى آخر كلامه. وبذك يظهر بطلان ما ذكره من الاحتمال وان فرضنا صحة تلك الاخبار وان الحمل على التقية كما هو القاعدة المنصوصة عن اهل العصمة (عليهم السلام) مما لا ريب فيه ولا اشكال، وسيأتى ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد ايضاح وتأييد لذلك بتوفيق الملك المتعال. هذا. واما ما ذكره الشيخ أبو الحسن على بن بابويه واعترضه من وصل إليه كلامه بعدم الوقوف له على دليل فدليله انما هو كتاب الفقه الرضوي على الطريق التى عرفت وستعرف في غير مقام حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1) " وان شككت في الركعة الاولى والثانية فاعد صلاتك، وان شككت مرة اخرى فيهما وكان اكثر وهمك الى الثانية فابن عليها واجعلها ثانية فإذا سلمت صليت ركعتين من قعود بام الكتاب، وان ذهب وهمك الى الاولى جعلتها الاولى وتشهدت في كل ركعة، وان استيقنت بعد ما سلمت ان التى بنيت عليها واحدة كانت ثانية


= البيهقى في السنن ج 2 ص 332، ورواه ابن تيمية في المنتقى على هامش شرحه نيل الاوطار ج 3 ص 96 وذكر رواية احمد وابن ماجة والترمذي له ولم يذكر الشوكاني في الشرح رواية مسلم له كما لم يذكر ذلك في السنن، ولم نجده في صحيح مسلم في باب سجود السهو. ولكن في البحار ج 18 الصلاة ص 649 حكاه عن مسلم. (1) ص 10

[ 197 ]

وزدت في صلاتك ركعة لم يكن عليك شئ لان التشهد حائل بين الرابعة والخامسة وان اعتدل وهمك فانت بالخيار ان شئت صليت ركعتين من قيام وإلا ركعتين وانت جالس ". ثم انه نقل في الذكرى ايضا عن الشيخ على بن بابويه على اثر العبارة المتقدمة انه قال ايضا: فان شككت فلم تدر واحدة صليت أم اثنتين أم ثلاثا أم اربعا صليت ركعة من قيام وركعتين من جلوس. ثم قال: وربما استند الى صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) " عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أم صلاثا ؟ قال يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا " قال وظاهر الجزم الاحتياط بما ذكر لانه بناء على الاكثر ثم التدارك. انتهى. اقول: وهذا ايضا من قبيل ما قدمناه فان عبارة الشيخ المذكور عين عبارة الكتاب المشار إليه في هذا الموضع ايضا حيث قال (عليه السلام) (2): وان شككت فلم تدر ثنتين صليت أم ثلاثا أم أربعا فصل ركعة من قيام وركعتين وانت جالس، وكذلك ان شككت فلم تدر واحدة صليت ام ثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام وركعتين وأنت جالس. انتهى. وانت خبير بان اعتماد الشيخ المشار إليه على الافتاء بعبارة الكتاب المذكور - في المسألة التى هي محل البحث في مقابلة تلك الاخبار الصحاح الصراح المتكاثرة وترجيحه العمل بهذا التفصيل على ما دلت عليه تلك الاخبار - أظهر ظاهر في صحة نسبة هذا الكتاب إليه (عليه السلام) زيادة على نسبة تلك الاخبار إليهم (عليهم السلام) كما لا يفخى، ومنه يظهر قوة الاعتماد على الكتاب المذكور والرجوع إليه في الاحكام الشرعية لاعتماد هذا العمدة في رسالته من اولها الى آخرها عليه كما اوضحناه في غير مقام مما تقدم. وسيأتى مثاله في الابواب الاتية والكتب التالية. والله العالم (المسألة الرابعة) - لا خلاف بين الاصحاب (عطر الله مراقدهم) في انه لو لم


(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (2) ص 10

[ 198 ]

يدر كم صلى فانه يجب عليه الاعادة. وقد نسبوا الى الصدوق ايضا في هذه المسألة الخلاف السابق الذى زعموا قوله به، قال في المدارك بعد ذكر هذا الحكم: ومقتضى كلام ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه جواز البناء على الاقل في مثل هذه المسألة ايضا. ونحوه قال الفاضل الخراساني في الذخيرة. اقول: الظاهر انه اشار في المذارك بقوله " ومقتضى كلام ابن بابويه " الى ما قدمنا نقله عنه في المسألة السابقة من نقل تلك العبارة المتقدمة عن الصدوق مع انك قد عرفت انه لا عين لها ولا اثر بل المصرح به فيه خلاف ذلك، وكذلك في هذا الموضع فانه قد صرح فيه بما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث انه قال في الكتاب المذكور: ومن لم يدر كم صلى ولم يقع وهمه على شئ فليعد الصلاة. انتهى. وهو عين ما افتى به الاصحاب ودلت عليه أخبار الباب. ولا أدرى كيف اتفقوا على هذه النقولات الظاهرة الخلل واجتمعوا على الوقوع في هذا الخلل والزلل وكتاب الفقيه بمنظر منهم وسيأتى مثله ايضا. نعم ربما ظهرت المخالفة في هذه المسألة من كلام والده في الرسالة على ما تقدم نقله في الذكرى عنه من قوله: فان شككت فلم تدر واحدة صليت أم اثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام وركعتين من جلوس. وقد قدمنا ان ذلك مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي. وكيف كان فالمعتمد هو القول المشهور للادلة الاخبار المتكاثرة عليه، ومنها ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن صفوان عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: " ان كنت لا تدرى كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فاعد الصلاة ". وعن عبد الله بن ابى يعفور باسنادين احدهما في الصحيح أو الحسن عن ابى بعد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا شككت فلم تدرأ في ثلاث أنت أم في


(1) و (2) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة

[ 199 ]

اثنتين أم في واحدة أم في أربع فاعد ولا تمض على الشك ". وعن ابى بصير وزرارة باسنادين احدهما من الصحيح أو الحسن (1) قالا: " قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدرى كم صلى ولا ما بقى عليه ؟ قال يعيد. قلنا فانه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك ؟ قال يمضى في شكه... الحديث ". وعن على بن النعمان الرازي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " إنما يعيد من لا يدرى ما صلى ". ويعضده ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدرى صلى شيئا أم لا ؟ فقال يستقبل ". ويدل عليه ايضا ما تقدم من الاخبار الدالة على بطلان الصلاة مع عدم سلامة الاوليين (4). إلا انه قد ورد بازاء هذه الروايات ما يدل بظاهره على جواز البناء على الاقل واستدل بها الصدوق بناء على زعمهم قوله بذلك. ومن الاخبار المذكورة ما رواه الشيخ عن على بن يقطين في الصحيح (5) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أم ثلاثا ؟ قال يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا " وحملها الشيخ على ان المراد بالجزم استئناف الصلاة وحمل الامر بالسجود على الاستحباب. وأجاب العلامة عنها بالحمل على من كثر سهوه. والجميع بمحل من البعد وانما الوجه فيها الحمل على التقية كما قدمنا ذكره في سابق هذه المسألة (6)


(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 3 و 15 من الخلل في الصلاة (3) و (5) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (4) ص 194 (6) ص 195 و 196

[ 200 ]

فانك قد عرفت ان الحكم عندهم البناء على الاقل وسجود السهو. وعن عنبسة بن مصعب (1) قال: " سألته عن الرجل لا يدرى ركعتين ركع أو واحدة أو ثلاثا ؟ قال يبنى صلاته على ركعة واحدة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ويسجد سجدتي السهو ". وعن عبد الله بن المغيرة عن على بن ابى حمزة عن رجل صالح (2) قال: " سألته عن الرجل يشك فلا يدرى واحدة صلى أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته ؟ قال كل ذا ؟ قلت نعم. قال فليمض في صلاته ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فانه يوشك ان يذهب عنه ". قال في الفقيه (3) بعد نقل رواية على بن ابن حمزة المذكورة: وروى سهل بن اليسع في ذلك عن الرضا (عليه السلام) انه قال: " يبنى على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهد تشهدا خفيفا ". والوجه في هذه الاخبار ما عرفت من الحمل على التقية مع زيادة احتمال الحمل على كثرة السهو في رواية على بن ابى حمزة. واحتمل الشيخ فيها الحمل على السهو في النوافل ثم احتمل الحمل على من كثر سهوه. واحتمل جمله من المتأخرين الجمع بين الاخبار المختلفة في هذه المسألة بالحمل على التخيير، قال في الذخيرة: والاقرب في الجمع بين الاخبار الحمل على التخيير ولكن العدول عن الاخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة الى غيرها مشكل. وبالجملة لا ريب في ان الاحتياط في الاعادة. وقال في المدارك بعد رد تأويلي الشيخ والعلامة في المختلف بالبعد: وكيف كان فلا ريب ان الاستثناف اولى وأحوط. اقول: بل الظاهر الذى لا يكاد يختلجه الريب هو أن هذه الاخبار انما


(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة (3) ج 1 ص 230 وفى الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة

[ 201 ]

خرجت مخرج التقية كما سيأتيك ان شاء الله تعالى مزيد بيان لذلك، ولكنهم (رضوان الله علهم) حيث الغوا هذه القواعد بالكلية وكذا غيرها من القواعد المنصوصة في مقام اختلاف الاخبار وقعوا في ما وقعوا فيه من هذا الكلام وامثاله الناقص العيار، وربما ارتكبوا التأويلات الباردة والتمحلات الشاردة، والحق أحق أن يتبع. إذا عرفت ذلك فاعلم ان مما نقل عن الصدوق ايضا في احكام الشكوك جواز البناء على الاقل في الشكوك الاتية المتعلقة بالاخيرتين وجعلوه مخالفا للاصحاب والاخبار القائلين بالبناء على الاثكر في تلك الشكوك، وهنا موضع اشتباه في كلامه (قدس سره) في الفقيه ربما كان هو الحامل لهم على ما وقع لهم من الوهم وان كانت بعض نقولاتهم عنه يأبى ذلك مثل نقل العبارة المتقدمة عنه مع انه لا وجود لها في كلامه. وها انا اذكر لك ملخص كلامه (قدس سره) في الكتاب المذكور واشرح لك ما تضمنه ودل عليه ليظهر لك ما في كلامهم من القصور: قال (قدس سره) في احكام السهو في الصلاة قريبا من اول الباب (1) ما صورته: والاصل في السهو ان من سها في الركعتين الاولتين من كل صلاة فعليه الاعادة، ومن شك في المغرب فعليه الاعادة، ومن شك في الغداة فعليه الاعادة ومن شك في الجمعة فعليه الاعادة، ومن شك في الثانية والثالثة أو في الثالثة والرابعة أخذ بالاكثر فإذا سلم اتم ما ظن انه قد نقص. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) (2) لعمار بن موسى " يا عمار اجمع لك السهو كله في كلمتين متى شككت فخذ بالاكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك قد نقصت " ومعنى الخبر الذى روى (3) " ان الفقيه لا يعيد الصلاة " إنما هو في الثلاث والاربع لا في الاولتين. انتهى. وهذا الكلام كما ترى


(1) ج 1 ص 225 (2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 1 و 9 و 29 من الخلل في الصلاة

[ 202 ]

من أوله الى آخره موالق لما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) ودلت عليه أخبار تلك الابواب. ثم ساق الكلام بعد ما ذكرناه في جملة من مسائل السهو والشك الخارجة عن ما نحن فيه بما يقرب من ورقة كبرى الى أن قال: وروى الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا لم تدر اثنتين صليت ام أربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين... الروابه الى آخرها " وهذا الخبر هو مستند الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه الصورة التى اشتمل عليها الخبر، وظاهر روايته له وجموده عليه يؤذن بموافقته الاصحاب في ذلك. ثم ساق الكلام والاخبار في مسائل خارجة عما نحن فيه الى أن قال: وروى الحلبي عنه (عليه السلام) (2) انه قال: " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا... الحديث الى آخره " والتقريب فيه ما تقدم في سابقه. ثم ساق الكلام في امور خارجة الى أن قال: وروى عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (3) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا... الحديث " والتقريب فيه أيضا كما ذكرناه. ثم قال: وروى على بن ابى حمزة عن العبد الصالح (عليه السلام) ثم ساقها كما قدمناه (4) ثم قال: وروى سهل بن اليسع... الى آخر ما قدمنا نقله أيضا عنه (5) ثم قال: وقد روى انه يصلى ركعة من قيام وركعتين من جلوس (6) وليست هذه الاخبار مختلفة وصاحب السهو بالخيار بأى خبر أخذ منها فهو مصيب. وروى عن إسحاق بن عمار (7) انه قال " قال لى أبو الحسن (عليه السلام) إذا شككت فابن


(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (3) و (6) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة (4) و (5) ص 200 (7) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة

[ 203 ]

على اليقين. قال قلت هذا أصل ؟ قال نعم " ثم ساق الكلام في غير ما نحن فيه واطال الى أن قال: ومن لم يدر كم صلى ولم يقع وهمه على شئ فليعد الصلاة. هذا خلاصة ما ذكره في الكتاب المذكور بالنسبة الى المسائل التى نقلوها عنه. ومن المحتمل قريبا - بل هو الظاهر هو من كلام المحدث الكاشانى في الوافى - ان منشأ الشبهة في ما نقلوه عنه قوله هنا " وليست هذه الاخبار مختلفة وصاحب السهو بالخيار... " باعتبار ارجاع الاشارة الى جميع ما تقدم من تلك المسائل المتفرقة. وفيه (أولا) ان الظاهر - بل هو المقطوع به كما سنشرحه لك ان شاء الله تعالى - ان مراده بالاشارة انما هو الى هذه الاخبار الثلاثة المتصلة في هذا المقام المتضمنة للشك بين الواحدة والثنتين والثلاث والاربع، فانها كما ترى قد اختلفت في ذلك، فظاهر رواية على بن ابى حمزة وقوله فيها " فليمض في صلاته " انه يتمها بالبناء على الاكثر من غير احتياط، وظاهر رواية سهل بن اليسع في ذلك أيضا انه يبنى على الواحدة ويتم صلاته ويسجد سجدتي السهو، وظاهر قوله " وقد روى انه يصلى " انه يبنى على الاكثر ويحتاط بهذا الاحتياط المذكور. والظاهر ان مراده بقوله " روى " هو الاشارة الى كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي المتضمن لهذه الصورة وانه يحتاط فيها بما ذكر، وهى التى قدمنا نقلها عن ابيه في الرسالة بنقل صاحب الذكرى، وان هذه الروايات الثلاث مع كون موردها أمرا واحدا قد اختلفت في حكمه وهو قد جمع بينها بالتخيير بين العمل بأى الاخبار الثلاثة شاء، والظاهر من نقله رواية إسحاق بن عمار هو ان مراده تأييد البناء على الاقل. هذا هو ظاهر كلامه. و (ثانيا) انه كيف يصح حمل لاشارة بهذه الاخبار الى أخبار مسائل الشكوك التى نقلوا عنه الخلاف فيها ؟ والحال ان جمله من تلك المسائل التى قدمنا نقلها عنه في الكتاب المذكور انما ذكرها بطريق الفتوى المؤذن بالجزم بذلك لا بطريق الرواية كما عرفت من صدر عبارته التى قدمناها أول الكلام مثل مسألة الشك

[ 204 ]

في اولتى الرباعية ومسألة الشك في الثانية والثلاثية ومسألتي الشك بين الثنتين والثلاث والثلاث والاربع، فانه لم ينقل في شئ من هذه المسائل خبرا، ومثل مسألة " من لم يدر كم صلى " المتأخرة عن هذه الاشارة بكثير، فكيف يصح الاشارة الى هذه الفتاوى الغير المقرونة بخبر بالكلية بقوله " وليست هذه الاخبار " ؟ سيما مع تأخر بعضها عن الاشارة، ما هذا إلا تعسف صرف وتكلف بحت. و (ثالثا) انه مع الاغماض عن ذلك كيف يصح الاشارة الى هذه المسائل المتفرقة المتقدمة وفيها ما هو متقدم بورقة كبرى مع تفرقها بين الاخبار والاحكام الخارجة عما نحن فيه ؟ و (رابعا) انهم قد نقلوا عنه عبارات في بعض الخلافات التى نسبوها إليه مع ان تلك العبارات لا وجود لها في كتابه بل الموجود انما هو ما يدل على خلاف ذلك. وبالجملة فان حمل الاشارة في هذه العبارة - على الاشارة الى جميع ما تقدم وما تأخر من المسائل المذكورة والحال ما عرفت - تعسف ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر فضلا عن الخبير الماهر، بل كلامه المتقدم في أول الباب والاخبار التى نقلها في الاثناء كله صريح في مطابقة كلام الاصحاب ولم يورد له مناقضا في الباب وانما نقل هذه الاخبار الثلاثة المختلفة في خصوص هذه الصورة وجمع بينها بما ذكر. بقى الكلام في شئ آخر وهو انه قد دل صدر كلامه الذى قدمنا نقله على ان الشك متى تعلق بالاولتين كان مبطلا وفى هذه الصورة التى اختلفت فيها هذه الاخبار الامر كذلك، فكيف حكم بالصحة هنا وخير بين ما دلت عليه هذه الاخبار والواجب هو الحكم بالبطلان وتأويل هذه الاخبار ؟ ويمكن الجواب باستثناء هذه الصورة عنده بهذه الاخبار مما دلت عليه أخبار ذلك الحكم، وأما غيرها فهو جار على ما ذكره أولا لاتفاق الاخبار وعدم ذكره المخالف في شئ من تلك المسائل فلا منافاة حينئذ. ثم انه لا يخفى ان ما حملنا عليه كلامه ووجهناه به ان لم يكن متعينا ومتحتما

[ 205 ]

لما ذكرناه فلا أقل ان يكون هو الارجح والاظهر ومع التنزل فلا أقل ان يكون مساويا لما ذكروه، وبه يبطل ما زعموه من حمل كلامه على الخلاف في تلك المسائل فانه متى قام الاحتمال بطل الاستدلال كما هو بينهم مسلم في مقام البحث والجدال. والله العالم. (المسألة الخامسة) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بأن الشك انما يعتبر مع تساوى الطرفين واما مع الظن بأحدهما فانه يبنى على الظن، ومعناه تقدير الصلاة كأنها وقعت على هذا الوجه المظنون سواء اقتضى الصحة أو الفساد. وظاهر كلامهم انه لا فرق في حمل الشك على هذا المعنى بين ما إذا شك في الاعداد أو الافعال، وقد عرفت في ما تقدم انه في الافعال محل اشكال لما قدمناه في المسألة الثانية، وأما في الاعداد فانه لا اشكال فيه لدلالة الاخبار على البناء على الظن فيها فالمراد بالشك فيها ما هو عبارة عن تساوى طرفي ما شك فيه، فلو شك بين الاثنتين والثلاث وظن الثلاث بنى عليه من غير احتياط، ولو شك بين الاربع والخمس وظن الاربع بنى عليه من غير سجود السهو، ولو ظن كونها خمسا كان كمن زاد ركعة فيجئ فيه الخلاف المتقدم في هذه المسألة. وقد وقع في كثير من عبائر الاصحاب التعبير هنا بغلبة الظن وربما أشعر بعدم الاكتفاء بمطلق الظن مع انه خلاف النص والفتوى كقوله (عليه السلام) (1) " إذا وقع وهمك على الثلاث فابن عليه وان وقع وهمك على الاربع فسلم وانصرف " والمراد بالوهم هنا هو الظن وهو الطرف الراجح ويرجع الى مطلق ترجيح أحد النقيضين، ولا يمكن حمله على معناه المصرح به في كلام أهل المعقول فانه باطل اجماعا، وحينئذ فلا وجه لاعتبار ما زاد على مجرد الظن. قال في الروض: وكأن من عبر بالغلبة تجوز بسبب ان الظن لما كان غالبا بالنسبة الى الشك والوهم وصفه بما


(1) هذا المضمون ورد في رواية عبد الرحمن بن سيابة وابى العباس الواردة في الوسائل في الباب 7 من الخلل في الصلاة. واللفظ فيها الرأى بدل الوهم

[ 206 ]

هو لازم له وأضاف الصفة الى موصوفها بنوع من التكلف. والمشهور بين الاصحاب انه لا فرق في هذا الحكم بين الاوليين والاخيرتين ولا بين الرباعية والثلاثية والثنائية، فان حصل الشك في موضع يوجب البطلان كالثنائية وغلب الظن على أحد الطرفين بنى عليه وان تساويا بطلت حتى لو لم يدركم صلى وظن عددا معينا بنى عليه. وكذا لا فرق في ذلك بين الافعال والاعداد في الركعات. ونقل عن ابن ادريس ان غلبة الظن انما تعتبر فيما عدا الاوليين وان الاوليين تبطل الصلاة بالشك فيهما وان غلب الظن. قال في الذكرى: لو غلب على ظنه أحد طرفي ما شك فيه بنى عليه لان تحصيل اليقين عسر في كثير من الاحوال فاكتفى بالظن تحصيلا لليسر ودفعا للحرج والعسر وروى العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر احرى ذلك الى الصواب فليبن عليه " وعن الصادق (عليه السلام) (2) بعدة طرق " إذا وقع وهمك على الثلاث فابن عليه وان وقع وهمك على الاربع فسلم وانصرف " ولا فرق بين الشك في الافعال والاعداد ولا بين الاوليين والاخيرتين في ذلك. ويظهر من كلام ابن ادريس ان غلبة الظن تعتبر فيما عدا الاوليين وان الاوليين تبطل الصلاة بالشك فيهما وان غلب الظن، فان أراده فهو بعيد وخلاف فتوى الاصحاب وتخصيص لعموم الادلة. انتهى. واعترضه في المدارك بأن لقائل ان يقول ان مخالفته لفتوى المعلومين من الاصحاب لا محذور فيه إذا لم يكن الحكم اجماعيا. وما ادعاه من العموم غير ثابت فان الخبر الاول عامى وباقى الروايات مختص بالاخيرتين. نعم يمكن الاستدلال


(1) في صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة في حديث " إذا شك احدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين " وفى رواية ابن بشر " فلينظر احرى ذلك للصواب " وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 165 هكذا اورد الرواية " إذا شك احدكم في صلاته فليتحر اقربه الى الصواب وليبن عليه " (2) ص 205

[ 207 ]

على اعتبار الظن في الاولتين بما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن سعد بن سعد عن صفوان عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال " ان كنت لا تدرى كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة " ومقتضى الرواية اعتبار الظن في اعداد الاولتين. انتهى ملخصا. ونحوه ما ذكره في الذخيره أيضا. أقول: لقائل ان يقول ان مفهوم هذه الرواية الدال على انه إذا وقع وهمه على شئ فانه لا يعيد بل يبنى على ظنه الشامل لاوليين في اعدادهما وأفعالهما معارض بمنطوق جملة من الاخبار المتقدمة في المقام الثاني من المسألة الثانية من هذا المطلب (2) بتقريب ما بيناه في ذيل الرواية الاولى منها، إلا انك قد عرفت (3) معارضة صحيحة زرارة المذكورة ثمة ورواية محمد بن منصور لما دلت عليه وان وجه الجمع بين الجميع هو تخصيص الروايات المشار إليها بالشك في الاعداد كما هو المتفق عليه بين جملة علمائنا الامجاد، وحينئذ فالشك في الافعال فيها غير مبطل واما انه مع ترجح أحد الطرفين هل يبنى على الظن الحاصل له أم لا سواء كان قبل التجاوز أو بعده ؟ فهو راجع الى ما قدمناه من الاشكال المذكور في آخر المقام الاول من المسألة الثانيه. وبالجملة فانه يجب استثناء الشك في الافعال إذ لا تعلق للاخبار المشار إليها بالافعال بناء على مقتضى الجمع المذكور، نعم لا بد في الاعداد فيهما من اليقين فلو شك في عددهما ثم ترجح عنده أحد الاعداد بطريق الظن فانه لا يجوز البناء بمقتضى الاخبار المشار إليها على ذلك الظن لتصريحها باعتبار العلم واليقين كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (4) التى هي احدى تلك الروايات " فمن شك في الاولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين ومن شك في الاخيرتين عمل


(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (2) ص 173 (3) ص 175 (4) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة

[ 208 ]

بالوهم " فانه صريح كما ترى في ان البناء على الظن الذى عبر عنه بالوهم إنما هو في الاخيرتين وان الاولتين لا بد فيها من اليقين فما لم يحصل له اليقين تجب عليه الاعادة. وعلى هذا النحو جملة من الروايات الباقية فانها صريحة أو ظاهرة في اشتراط اليقين في الاولتين. وهى وان كانت باطلاقها شاملة للافعال والاعداد إلا انك قد عرفت تخصيصها بالاعداد جمعا بينها وبين صحيحة زرارة المتقدمة ورواية محمد بن منصور. ومما ذكرنا يظهر لك قوة كلام ابن ادريس في هذه المسألة بالنسبة الى اعداد الاولتين وان لا يجوز البناء فيهما على الظن، وان ما استدل به في المدارك للقول المشهور من مفهوم الرواية التى ذكرها ليس بجيد لمعارضة هذا المفهوم بمنطوق هذه الاخبار الصحاح الصراح في ما ذكرنا، وربما يظهر من كلام ابن ادريس (قدس سره) في سرائره ان حكم المغرب والغداة حكم الاولتين في وجوب البناء على اليقين حيث قال في جملة كلام له: والسهو المعتدل فيه الظن على ضروب ستة: فأولها ما يجب إعادة الصلاة على كل حال، وعد منه السهو في الركعتين والمغرب والغداة، وكلامه في الكتاب المشار إليه لا يخلو من نوع تشويش واضطراب كما لا يخفى على من راجعه. ويشير الى ذلك أيضا كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار حيث قال: الاولى ان الشك إنما يعتبر مع تساوى الطرفين ومع غلبة الظن يبنى عليه وهذا في الاخيرتين إجماعى واما في الاولتين والصبح والمغرب فالمشهور أيضا ذلك، ونسب الى ظاهر ابن ادريس تخصيص الحكم بالاخيرتين من الرباعية. ثم نقل الاحتجاج للمشهور برواية صفوان المتقدمة في كلام السيد السند (قدس سره) ثم قال: وبمفهوم الاخبار الواردة في انه إذا شككت في المغرب فاعدو إذا شككت في الفجر فأعد وإذا شككت في الركعتين الاولتين فأعد. أقول: أما الاستدلال للمشهور برواية صفوان المذكورة فقد عرفت ما فيه، وأما الاستدلال بالنسبة الى المغرب والفجر والركعتين الاوليين بالاخبار المشار

[ 209 ]

إليها فهو مبنى على ما تقرر في كلامهم من ان الشك عبارة عن تساوى الاعتقادين وتكافؤهما، ونحن قد قدمنا لك في صدر هذا المطلب ان الشك لغة - كما صرح به جمله من أئمة اللغة - أعم من هذا المعنى ومن الظن، وهم قد قرروا في غير مقام ان الواجب مع فقد الحقيقة الشرعية والعرفية الخاصة الرجوع الى الحقيقة اللغوية وكلام أهل اللغة كما ترى أعم، وحينئذ فكما يجوز حمل الشك في هذه الاخبار على المعنى الذى ذكروه يجوز حمله على الظن أيضا الذى هو أحد معنييه لغة، وحينئذ فلا تقوم هذه الاخبار حجة على ما ادعوه مع ما عرفت عن تصريح الاخبار المتقدمة باشتراط اليقين في الاوليين في صحة الصلاة فلا يبعد ان تكون الثنائية والثلاثية كذلك وبه يحصل الاشكال في هذا المجال لتشابه الدليل المذكور بتعدد الاحتمال. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من النصوص وكلام جل الاصحاب - كما أشرنا إليه آنفا - انه مع حصول الظن والبناء عليه فانه في قوة وقوع الصلاة كذلك عن علم ويقين ان أوجب صحة أو إبطالا وان لا احتياط مع ذلك. ولم يوجد الخلاف في هذا الحكم إلا في كلام الشيخ على بن بابوية (قدس سره) في الرسالة ومنه ما تقدم في المسألة الثالثة من قوله " وان شك ثانيا وتوهم الثانية بنى عليها ثم احتاط بعد التسليم بركعتين قاعدا " وما سيأتي ان شاء الله في مسألة الشك بين الاثنتين والثلاث من انه إذا حصل الظن بالثلاث يبنى عليه ويتم ويصلى صلاة الاحتياط ركعة قائما ويسجد سجدتي السهو، وهو شاذ وان كان مأخذه انما هو كتاب الفقه الرضوي كما عرفت وستعرف. ثم انه قد صرح شيخنا الشهيد الثاني بأن من عرض له الشك في شئ من أفعال الصلاة يجب عليه التروي فان ترجح عنده أحد الطرفين بنى عليه وان بقى الشك بلا ترجح لزمه حكم الشاك. وانت خبير بأن الاخبار خالية من ذلك وتقييد اطلاقها من غير دليل مشكل وان كان الاحوط ما ذكره (قدس سره) والله العالم.

[ 210 ]

(المسألة السادسة) إذا شك في الرباعية بين الاثنتين والثلاث فالاشهر الاظهر انه يبنى على الثلاث ويتم ثم يأتي بصلاة الاحتياط الاتية ان شاء الله تعالى. وفى المسألة أقوال اخر: منها - البناء على الاقل نقل، عن المرتضى في المسائل الناصرية حيث قال: من شك في الاولتين استأنف ومن شك في الاخيرتين بنى على اليقين. وفى الانتصار وافق المشهور. ومنها - قول الشيخ على بن الحسين بن بابويه حيث قال: وان ذهب وهمك الى الثالثة فأضف إليها رابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، وان ذهب وهمك الى الاقل فابن عليه وتشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتين بعد التسليم، فان اعتدل وهمك فأنت باخيار ان شئت بنيت على الاقل وتشهدت في كل ركعة وان شئت بنيت على الاكثر وعملت على ما وصفناه. انتهى. ومنها - ما نقلوه بزعمهم عن الصدوق من تجويزه البناء على الاقل. وفيه ما عرفت مما قدمنا تحقيقه في المسألة الرابعة فانه قد صرح في ما نقلناه عنه ثمة بأن من شك في الثانية والثالثة أو في الثالثة والرابعة أخذ بالاكثر فإذا سلم أتم ما ظن انه نقص. وهذا هو الذى عليه الاصحاب في هذه المسألة، ولم يصرح بما يخالفه الا بما أشرنا إليه ثمة من موضع الاشتباه الذى ربما كان سببا لارتكابهم لهذه الاوهام السخيفة والخيالات الضعيفة. ومنها - ما نسب إليه في كتاب المقنع من القول بالابطال متى عرض له هذا الشك حيث قال " سئل الصادق (عليه السلام) (1) عن من لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا ؟ قال يعيد. قيل فاين ما روى عن رسول الله (صلى إليه عليه وآله) الفقيه لا يعيد الصلوة ؟ قال انما ذلك في الثلاث والاربع " والتقريب فيه ان من عادته في هذا الكتاب الافتاء بمتون الاخبار ولهذا نقل جملة من الاصحاب القول بذلك عنه في الكتاب المذكور الا ان الفاضلين نقلا الاجماع على عدم الاعادة في صور الشك


(1) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة

[ 211 ]

في الاخيرتين، وهو المؤيد بالاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وتحقيق البحث في هذه المسألة يقع في مواضع: (الموضع الاول) - قال في الذكرى: وأما الشك بين الاثنتين ولا ثلاث فأجراه معظم الاصحاب مجرى الشك بين الثلاث والاربع ولم نقف فيه على رواية صريحة ونقل فيه ابن ابى عقيل تواتر الاخبار. انتهى. ونحوه الشهيد الثاني في الروض حيث قال: وليس في مسألة الشك بين الاثنتين والثلاث الان نص خاص ولكن الاصحاب أجروه مجرى الشك ين الثلاث والاربع. ثم نقل عن ابن ابى عقيل كما نقل في الذكرى. وظاهرهما - كما ترى - عدم الوقوف على نص صريح في المسألة مع ان الشيخ استدل في التهذيب بما رواه في الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت له رجل لا يدرى واحدة صلى ام اثنتين ؟ قال يعيد. قلت رجل لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا ؟ قال ان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى ولا شئ عليه ويسلم ". وعن عمار بن موسى الساباطى (2) قال " قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل ما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الاكثر، قال فإذا انصرفت فأتم ما ظننت انك نقصت ". إلا ان السيد السند (قدس سره) في المدارك اعترضه فقال: ويتوجه عليه ان الرواية الثانية ضعيفة السند باشتماله على جماعة من الفطحية فلا تنهض حجة، والرواية الاولى غير دالة على المطلوب وانما تدل على البناء على الاقل إذا وقع الشك بعد الدخول في الثالثة وهى الركعة المترددة بين الثالثة والرابعة حيث قال: " مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى ولا شئ " عليه " ولا يجوز حمل الثالثة على الركعة


(1) الوسائل الباب 1 و 9 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة

[ 212 ]

المترددة بين الثانية والثالثة لان ذلك شك في الاولتين وهو مبطل. انتهى. وقد تبعه على هذا التوجيه لمعنى الحسنة المذكورة من تأخر عنه من الفضلاء كما هي عادتهم غالبا كالفاضل الخراساني والمحدث الكاشانى والفاضل المجلسي وغيرهم. والتحقيق عندي ان ما ذكروه بمحل من القصور بل الرواية المذكورة واضحة الظهور في الدلالة على القول المشهور. وحاصل كلام السيد المزبور ان قوله (عليه السلام): " ان دخله الشك بعد الدخول في الثالثة يمضى فيها... الخ " يدل على أن الشك عرض له في أول الدخول في تلك الركعة المعبر عنها بالثالثة. وهذه الركعة التى سماها (عليه السلام) ثالثة اما ان تكون مترددة بين الثانية والثالثة فيلزم منه الشك قبل إكمال الاولتين وهو مبطل فلا يجوز حمل الخبر عليه، واما أن تكون مترددة بين الثالثة والرابعة كما هو ظاهر الخبر وحينئذ فلا يكون من محل الاستدلال في شئ لانه شك بين الثلاث والاربع وقد أمره (عليه السلام) بالبناء على الثلاث التى هي الاقل. أقول: والظاهر ان منشأ الشبهة الذى أوجب للسيد المذكور الطعن في الخبر وحمله على ما ذكره من وجهين: (أحدهما) - قوله (عليه السلام) " ثم صلى الاخرى " فانه حملها على الركعة الرابعة بمعنى انه بعد البناء على الثالثة وهى التى شك في حال القيام لها أردفها بالركعة الرابعة. وهذا وان توهم في بادئ النظر إلا انه ليس هو المراد بل المراد بالاخرى في الخبر إنما هي ركعة الاحتياط كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. و (ثانيهما) - قوله) عليه السلام): " فان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة " فان ظاهر كلام السيد حمل الالف واللام في الشك على العهد الذهنى أي شك ما من الشكوك وهو الشك في كون هذه الركعة ثالثة أو رابعة. والتحقيق ان الالف واللام إنما هي للعهد الخارجي والمراد انما هو الشك المسؤول عنه وهو الشك بين الاثنتين والثلاث فحكم (عليه السلام) بأنه يمضى في الثالثة التى هي الاكثر ويتمها

[ 213 ]

بعد البناء على الثلاث فتكون هذه رابعة ثم يصلى اخر وهى ركعة الاحتياط. وتوضيح ما قلناه انه لا يفخى على من تأمل روايات هذه المسائل المشتملة على البناء على الاكثر والتعبير عن الاحتياط فيها انها مختلفة في تأدية هذا المعنى والدلالة عليه، ففى بعضها جعل الاحتياط في عبارة الخبر موصولا كما هنا بمعنى انه لم يصرح في الرواية بأنه يتشهد ويسلم ثم يحتاط بل عبر عنه بمثل هذه العبارة الجملة الموهمة لدخوله في الصلاة الاصلية، وبعض منها قد صرحت بالفصل وان تفاوتت أيضا تأديته كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، وسنشير الى ذلك ان شاء الله تعالى ذيل الروايات الاتية في صورة الشكوك الباقية مذيلا ببيان ما قلناه وايضاح ما ادعيناه. وحينئذ فمعنى الخبر المذكور بناء على ما ذكرناه - وهو الذى فهمه من استدل به من علمائنا الاعلام - انه ان دخله الشك المسؤول عنه بعد اكماله الثنتين ودخوله في الثالثة المتيقنة المترددة بين كونها ثالثة أو رابعة مضى في الثالثة يعنى بنى على الثلاث وأتمها بهذه الركعة التى شك حال قيامها ثم أردفها بالركعة الاخرى التى هي صلاة الاحتياط، لانه بشكه حال القيام بكونها ثالثة أو رابعة قد حصل له الشك في ما تقدم من انه ركعتان فتكون هذه ثالثة أو ثلاث فتكون هذه رابعة فهو شاك حينئذ في ما قدمه هل هو ثلاث أو اثنتان فأمره (عليه السلام) بالمضي في الثالثة بالمعنى الذى ذكرناه، وفى العطف ب‍ " ثم " اشعار بذلك غاية الامر انه (عليه السلام) جعل صلاة الاحتياط هنا موصولة ولم يصرح بما يوجب الفصل بينها ويين الصلاة الاصلية مما يؤذن بكونها خارجة عن الصلاة الاصلية ومنه نشأ الاشتباه كما عرفت. ومما يوضح ما قلناه باظهر ايضاح ويفصخ عنه بانور افصاح (أولا) ان الشك في جميع الصور انما يطلق على ما تقدم من الصلاة لا ما يأتي فإذا قيل شك بين الاثنتين والثلاث فالمراد ان ما قدمه هل هو اثنتان أو ثلاث، وكذلك قولك شك بين الثلاث والاربع انما هو بمعنى ان ما قدمه هل هو ثلاث أو أربع، ولهذا صرح العلامة في القواعد والمنتهى والمختلف بأنه لو قال: لا أدرى قيامى هذا

[ 214 ]

للثالثة أو الرابعة فهو شك بين الاثنتين والثلاث وهو عين ما اشتملت عليه الرواية المذكورة لا انه شك بين الثلاث والاربع كما توهموه وبنوا عليه ما بنوا من الايراد وعدم دلالة الخبر على ما هو المطلوب والمراد. وقد صرح العلامة في المختلف وغيره أيضا بأنه لو قال: لا أدرى قيامى هذا للخامسة أو الرابعة فانه شك بين الثلاث والاربع وانه يجلس ويبنى على الاربع. ومما يبنبه على هذا الالف واللام في قوله: " فان دخله الشك " أي الشك المسؤول عنه وهو الشك بين الاثنتين والثلاث. و (ثانيا) - انه يلزم بناء على ما توهموه ان الامام (عليه السلام) لم يجب عن أصل السؤال بشئ بالكلية لان السائل انما سأله عن من لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فكيف يجيبه الامام بحكم الثلاث والاربع وانه يبنى على الثلاث التى هي الاقل ؟ وكيف سكت السائل وقنع بذلك وهو زرارة الذى من عادته تنقيح أجوبة المسائل وطلب الحجج فيها والدلائل ؟ وكيف ينسب الى الامام (عليه السلام) العدول عن ذلك ولا مانع في البين. و (ثالثا) ان البناء على الاقل في هذه الصور المنصوصة بل مطلقا لا مستند له ولا دليل عليه وان ظهر من جملة منهم - لعدم امعان النظر في الاخبار - الركون إليه، وأخباره كلها محمولة على التقية كما عرفت آنفا (1) وستعرف ان شاء الله تعالى، وحينئذ فلا يصح حمل هذه الرواية عليه بالكلية. وإذا ثبت بما ذكرناه ان مورد الرواية إنما هو الشك بنى الاثنتين والثلاث وانه (عليه السلام) أمره في ذلك بالبناء على الثلاث فانه يتحتم البتة حمل قوله (عليه السلام (2): " ثم صلى الاخرى " على ركعة الاحتياط وإلا لزم البناء على الاكثر في الصورة المذكورة مع عدم الاحتياط بالكلية وهو باطل إجماعا. وبالجملة فان الخبر المذكور بتقريب ما أوضحناه في هذه السطور ظاهر الدلالة


(1) ص 195 (2) ص 211

[ 215 ]

عار عن القصور. ومثله في ذلك ما رواه الحميرى في قرب الاسناد عن محمد بن خالد عن العلاء (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل صلى ركعتين وشك في الثالثة ؟ قال: يبنى على اليقين فإذا فرغ تشهد وقام قائما فصلى ركعة بفاتحة الكتاب ". والمراد باليقين هنا ما يحصل به يقين البراءة وهو البناء على الاكثر فانه ان ظهر التمام كان الاحتياط نافلة وان ظهر النقصان كان الاحتياط متمما. وأما حمل اليقين هنا على البناء على الاقل فانه ينافيه الاحتياط المذكور. وهذه الرواية من الاخبار التى صرح فيها بفصل الاحتياط بالتشهد الشامل للتسليم تجوزا. والله العالم. (الموضع الثاني) قال في المدارك على اثر الكلام المتقدم نقله عنه: وربما ظهر من هذه الرواية بطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين والثلاث إذا عرض الشك قبل الدخول في الثالثة، ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا ؟ قال: يعيد. قلت: أليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه ؟ قال: انما ذلك في الثلاث والاربع " وبمضمون هذه الرواية أفتى ابن بابويه (قدس سره) في كتاب المقنع، وأجاب عنها الشيخ في التهذيب بالحمل على صلاة المغرب. ويدفعه الحصر المستفاد من قوله (عليه السلام): " انما ذلك في الثلاث والاربع "... الى ان قال: والمسألة قوية الاشكال ولا ريب ان الاتمام والاحتاط مع الاعادة إذا عرض الشك قبل الدخول في الثالثة طريق الاحتياط. انتهى. أقول: لا يخفى ان مقتضى ما ذكره من انه بعروض الشك حال القيام في الثالثة المترددة بين كونها ثالثة أو رابعة وانه يصير من قبيل الشك بين الثلاث والاربع هو بطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين والثلاث، فان المفهوم من الخبر على هذا انه


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة

[ 216 ]

ان دخله الشك قبل الدخول في الثالثة لم يمض بل تبطل صلاته، وهو ظاهر في الابطال بالشك بين الاثنتين والثلاث، لانه متى شك بعد السجدة الثانية بين كون ما صلاه اثنتين أو ثلاثا فان الصلاة باطلة بمقتضى ظاهر التعليق، ولهذا استدل بصحيحة عبيد بن زرارة الظاهرة في بطلان الصلاة بالشك في الصورة المذكورة. واما على ما ذكرناه من ان هذا الشك الذ ى وقع منه بعد القيام الركعة المذكورة انما هو الشك بين الاثنتين والثلاث فانه لا فرق بين عروض هذا الشك في حال القيام أو قبله بعد إتمام الركعتين المتيقنتين بالسجدة الثانية فانه يجب العمل فيه بالبناء على الاكثر والاحتياط كما هو المشهور. وأما ما دل عليه الخبر بمفهومه - من انه لو دخله الشك قبل دخوله في الثالثة لم يمض بل تبطل صلاته كما ذكره - فانه يجب ارتكاب التأويل فيه، ولهذا ان جملة ممن تبع السيد السند في الطعن في الخبر بما تقدم ذكره أجابوا عن مفهوم ما دل عليه الخبر الموجب لبطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين والثلاث بحمل الدخول في الثالثة على ما هو أعم من الدخول فيها أو في مقدماتها والرفع من السجود من جملة مقدماتها. وأجاب بعضهم بتقييد المفهوم بما إذا وقع الشك قبل إكمال الاوليين. ولا يخفى ما في الجميع من البعد. والذي‍ يقرب عندي ان هذه العبارة إنما خرجت مخرج التجوز وان التعليق غير مراد منها بمعنى انه قوله (عليه السلام): " ان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة " إنما هو كناية عن إتمام الاولتين فكأنه قال: " إذ دخله الشك بعد إكمال الاولتين مضى... الخ " وباب المجاز في الكلام واسع، ولعل الاجمال في هذه الرواية في كل من هذا الحكم والحكم الاول مبنى على معلومية ذلك يومئذ عند أصحابهم (عليهم السلام) كما هو الان معلوم بين علمائنا. وبالجملة فانه متى ثبت مما حققناه آنفا من ان الرواية دالة عليه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث حسبما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد علم اتفاقا

[ 217 ]

نصا وفتوى ان المدار في العمل في الشك في الاخيرتين على اتمام الاوليين فلا معنى لصحته حال القيام وبطلانه قبله بعد اتمام الاوليين وايضا فان القاعدة الجارية في سائر الشكوك المنصوصة لا يفرق فيها بين عروض الشك جالسا أو قائما، وبه يظهر ان هذه العبارة انما خرجت مخرج التجاوز وكم مثلها وأمثالها في الكتاب العزيز والاخبار. وأما ما استند إليه في حجية هذا المفهوم - من صحيحة عبيد بن زرارة التى من أجلها استشكل في المسألة كما صرح به في آخر كلامه - فهو أيضا بمحل من الوهن والضعف: (أما أولا) فلما شرحناه من معنى حسنة زرارة وبيان دلالتها على حكم المسألة فتكون معارضة لهذه الرواية، وكذا رواية العلاء التى قدمنا نقلها عن كتاب قرب الاسناد. و (أما ثانيا) فلمعارضتها بالروايات الكثيرة الدالة باطلاقها على وجوب البناء على الاكثر في جميع الشكوك كموثقة عمار التى قدمنا نقلها عن الشيخ (1) وان كان السيد المذكور قد ردها بضعف السند بنا على هذا الاصطلاح الغير المعتمد مع ما جرى له من التمسك بالموثقات إذا احتاج إليها كما نبهنا عليه في غير موضع مما تقدم. و (أما ثالثا) فلمعراضتها بالاخبار الصحيحة الصريحة الدالة على ان الاعادة في الاوليين والسهو في الاخيرتين، وقد تقدمت في المقام الثاني من المسألة الثانية من هذا المطلب (2). وحينئذ فلا بد من تأويل هذه الرواية وإلا فارجائها الى قائلها ولكنه لما كان من عادته انه إنما يحوم حول الاسانيد في جميع الاحكام والمقامات ولا ينظر الى ما اشتمل عليه متن الرواية من المخالفات والمناقضات وقع في الاشكال الذى أشار إليه. ومن تأمل ما ذكرناه حق التأمل ظهر له ان ما ذكره الاصحاب (رضوان الله


(1) ص 211 (2) ص 173

[ 218 ]

عليهم) هو الحق الذى لا غشاوة عليه ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه. والاظهر في صحيحة عبيد بن زرارة المذكورة هو الحمل على الشك قبل إكمال الركعتين كما ذكره جملة من متأخرى الاصحاب في البين. والله العالم. (الموضع الثالث) قال في المدارك أيضا على اثر الكلام المتقدم في سابق هذا الموضع: ونقل عن السيد المرتضى في المسائل الناصرية انه جوز البناء على الاقل في جميع هذه الصور، وهو الظاهر من كلام ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه، ويدل عليه ما رواه في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: " قال لى أبو الحسن الاول (عليه السلام) إذا شككت فابن على اليقين. قلت: هذا أصل ؟ قال: نعم " وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج وعلى عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (2) " في السهو في الصلاة ؟ فقال: يبنى على اليقين ويأخذ بالجزم ويحتاط بالصلاة كلها " ثم نقل كلام الشيخ على بن بايويه حسبما قدمنا نقله عنه وقال بعده قال في الذكرى: ولم نقف على مأخذه. ثم قال: والمسألة قوية الاشكال... الى آخر ما قدمناه. أقول: وهذه الروايات أيضا هنا حيث ان فيها الصحيح باصطلاحه مما قوى هذا الاشكال عنده في هذا المجال ولكن قد عرفت وستعرف انه لا إشكال بحمد الملك المتعال. ولا بأس بالتعرض لبيان ما في كلامه (قدس سره) أيضا هنا من الاختلال ليظهر لك صحة ما ذكره وقوة ما قويناه: فنقول: أما ما نقله عن المرتضى (رضى الله عنه) من انه جوز البناء على الاقل فالمنقول عنه في الكتاب المذكور إنما هو تعين البناء على الاقل، وهذا هو الذى تنادى به عبارة الكتاب المشار إليه حيث ان جده الناصر قال: " ومن شك في الاولتين استأنف الصلاة ومن شك في الاخيرتين بنى على اليقين " فقال السيد


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة

[ 219 ]

" قدس سره ": هذا مذهبنا وهو الصحيح عندنا... الخ. وهو كما ترى صريح في تعين البناء على الاقل لا تجويزه، ولا ريب في ضعف هذا القول ان حمل اليقين على البناء على الاقل كما هو الظاهر من سياق عبارة جده لان فيه طرحا للاخبار المتكاثرة الصحيحة الصريحة في أحكام هذه الصور في البناء على الاكثر، ويشبه ان يكون قائله لم يراجع الاخبار في هذا المجال ولم يخطر له يومئذ بالبال. ولا يخفى ان الناصر جد السيد المذكور كان من كبراء الزيدية علما وشرفا وجاها (1)


(1) هو أبو محمد الحسن بن على بن الحسن بن على الاصغر بن عمر الاشرف بن الامام السجاد بن الحسين الشهيد بن على بن ابى طالب " عليهم السلام " قيل له الاطروش من ضربة سيف على راسه في حرب الداعي أذهبت سمعه، واشتهر بالناصر الكبير لظهور ناصر بعده من ائمة الزيدية. كان شريفا فاضلا كبيرا اماميا اثنى عشريا متفننا في العلوم له كتب في الامامة كبير وصغير وفى الطلاق وفى فدك والخمس وفضل الشهداء وفصاحة ابى طالب ومعاذير بنى هاشم في ما نقم عليهم ومواليد الائمة الى الحجة " عجل الله فرجه " خرج مع الداعي الكبير الحسن بن زيد واخيه محمد بن زيد واتصل بعماد الدولة الديلمى وفى سنة 301 ظهر بطبرستان وملك اكثر بلادها ولعدالته وحسن سيرته أثرت دعوته للحق في اولئك المجوس فدان بدين الاسلام اهل طبرستان وآمل فبنى المساجد وأسس مدرسة درس فيها الفقه والحديث. ورميه باعتناق المذهب الزيدى لا أساس له في قرارة نفسه والسر فيه إعتقاد الزبدية امامته من جهة خروجه بالسيف في وجه المنكر ورأيهم على امامة الناهض لذلك وزاد عليه تحره في فقه الزيدية فكان في مؤلفاته يوافقهم تارة ويرد عليهم اخرى فتخيل من لا خبرة له بحقيقته انه زيدي الطريقة التى لا تبتعد عن خلافة الشيخين وان كان علي " عليه السلام " افضل منهما، وفقه الزيدية يتفق مع الفقه السنى كثيرا كما يشهد به من كتهم البحر الزخار ونيل الاوطار والروض النضير في شرح فقه زيد والمجموع الفقهى لزيد، ومن هنا سجل المحققون في آثار الرجال إعتقادهم ببراءته من الانتساب الى الزيدية إشارة وتصريحا وان وردت النسبة إلى الزيدية في فهرست ابن النديم ومعالم العلماء لابن شهر اشوب وكامل ابن الاثير وعمدة الطالب، فهذا الشيخ الصدوق المعاصر له يقول عند ذكره: " قدس الله سره " ويترحم عليه النجاشي المتوفى سنة 450 سنة =

[ 220 ]

والزيدية قد جروا في فقههم غالبا على فقه العامة والسيد (قدس سره) قد جرى


= بعد اعترافه بأنه امامى المذهب ويقول سبطه علم الهدى الشريف المرتضى في مقدمة المسائل " الناصريات ": وانا بتشييد علوم هذا الفاضل البارع " كرم الله وجهه " احق واولى... الى أن يقول: والناصر كما تراه من ارومتى وغصن من أغصان دوحتي وهذا نسب عريق في الفضل والنجابة والرياسة... الى أن يقول: وأمام أبو محمد الناصر الكبير وهو الحسن بن علي ففضله في علمه وزهده وفقهه أظهر من الشمس الباهرة وهو الذي نشر الاسلام في الديلم حتى اهتدوا به بعد الضلالة وعدلوا بدعايته عن الجهالة، وسيرته الجميلة اكثر من ان تحصى وأظهر من أن تخفى. هذا رأي الشريف المرتضى في جده الناصر الاكبر ولو كان للزيدية في نفسه أثر لنبه عليه ولما اطراه وافتخر بالانتساب إليه وهو البعيد عن هذا المذهب المشلول والرأي المؤسس على كثيب رمل. ولوضاءة مذهبه الحق وسطوع رأيه الصريح في امامة أهل البيت من آل الرسول " ص " الى الحجة المنتظر " عجل الله فرجه " سجل اعتقاده فيه صاحب رياض العلماء فقال: الناصر الكبير من عظماء الامامية وان كان الزيدية يعتقدون انه من جملة أئمتهم فظن من ذلك انه زيدي المذهب وليس كذلك. وتابعه أبو على الحائري في منتهى المقال قال: لا غبار في مدحه والثناء عليه لانه من علماء الامامية ومصنفى الاثنى عشرية. وكلمة شيخنا البهائي في رسالة إثبات الحجة المنتظر " عليه السلام " تنادى بأعلى صوتها باعتدال طريقته وحسن سريرته وتباعده عما لا يلتئم مع المذهب الحق، قال: ان المحققين من علمائنا إعتقدوا انه ناصر الحق وتابع طريقة ابى عبد الله الصادق " عليه السلام " فرضوان الله عليه وتحياته. نعم لما اقتضت دعوته تأليف النفوس المائلة عن الصراط السوي والداعية الى عبادة النار أظهر بعض الامور التى تدين بها أهل المذاهب وان كانت نفسه نافرة عنها لئلا تفشل دعوته ويذهب جهاده سدى وارجاء تعديل ميلهم الى الظروف المناسبة كما هي طريقة آبائه المعصومين " عليهم السلام " فتراه يجمع في الوضوء بين الغسل والمسح وفى القنوت على مذهب الشيعة والشافعية ويتردد في تحليل المتعة، الى أمثالها مما اعتنقه أرباب المذاهب، والذى يشهد بذلك رأيه الذى سجله في كتابه المسترشد على طبق الحديث المروي عن على " عليه السلام " " لا تخلو الارض من قائم لله بحجة اما ظاهر مشهور أو خائف مغمور " وهذا كما يراه النابه نص في =

[ 221 ]

قلمه بذلك غفلة عن الاخبار المشار إليها. وأما ما نقله عن ابن بابويه فقد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه وخافيه. وأما ما نقله من الاخبار الدالة على البناء على الاقل التى هي معظم الشبهة له ولغيره في هذا المقام ونحوه فقد تقدم الجواب عنها، ونزيده هنا بيانا ببسط الكلام بما يرفع عن المسألة إن شاء الله تعالى غشاوة الابهام: فنقول: لا يخفى انه قد اختلفت الاخبار في البناء في مطلق الشك على الاقل والاكثر، فما يدل على البناء على الاقل ما نقله من موثقة إسحاق بن عمار وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج المذكورتين، مع انه قد رد موثقة عمار الدالة على البناء على الاكثر بضعف السند بكونها موثقة، فان كان الامر كما زعمه من ضعف الموثقات فكيف يستدل هنا بموثقة اسحاق بن عمار ؟ وإلا فلا وجه لطعنه في موثقة عمار. وأعجب من ذلك انه حيث اختار العمل بهذه الرواية عبر عنها بموثقة اسحاق بن عمار وحيث لم يختر موثقة عمار عبر عنها برواية عمار من غير أن


= إعتقاد إمامة الحجة المنتظر " عليه السلام ". واعتقاد اصحاب إمامته لا يستلزم رضاه به فقد ادعى جماعة الوهية امير المؤمنين " ع " ولم ينتهوا بزجره ولا بمجاهرته بالعبودية لله حتى أحرقهم بالنار، إذا فلا عجب من اعتقاد جماعة زيدية الناصر. إنتهى كلام الشيخ البهائي ملخصا. هذا ما افاده بعض المحققين الباحثين في ترجمة الناصر الكبير وعقيدته تلخيصا من المصادر، واليك أسماء من تعرض لترجمته مختصرا أو مفصلا: تاريخ الطبري وكامل ابن الاثير ومختصر ابى الفداء في حوادث سنة 301 وسنة 304 ومروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 553 وفهرست ابن النديم وعمدة الطالب ورجال الشيخ الطوسى وفهرست النجاشي ومنهج المقال للاسترابادى والتعليقة عليه للاقا البهبهانى ومنتهى المقال للحائري وروضات الجنات ورياض العلماء ومجالس المؤمنين للتستري وشرح النهج لابن ابى الحديد ومفاخرة بنى هاشم وبنى امية للجاحظ والمجدي للنسابة العمرى وتاريخ رويان والكنى والالقاب وأعيان الشيعة ج 22 ص 288، والنقل عن فهرست ابن النديم والمجدي وتاريخ رويان بواسطته.

[ 222 ]

يعبر عنها بلفظ " موثقة " إيذانا بمزيد الضعف، وكل ذلك خلاف قواعد الانصاف كما لا يخفى على ذوى المعرفة والعفاف. وما يدل على ذلك أيضا صحيحة على بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ؟ قال: يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا ". و رواية سهل بن اليسع المروية في الفقيه عن الرضا (عليه السلام) (2) في ذلك انه قال: " يبنى على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهد تشهدا خفيفا ". وروايته الاخرى (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أثلاثا صلى أم اثنتين ؟ قال: يبنى على النقصان ويأخذ بالجزم ". ومما يدل على البناء على الاكثر موثقة عمار المتقدمة في صدر الموضع الاول وموثقته الاخرى برواية صاحب التهذيب (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شئ من السهو في الصلاة ؟ فقال: الا أعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت انك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ ؟ قلت: بلى. قال: إذا سهوت فابن على الاكثر فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت انك نقصت فان كنت قد أتممت لم يكن في هذه عليك شئ وان ذكرت انك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت ". وموثقة ثالثة له أيضا برواية صاحب الفقيه (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعمار بن موسى: يا عمار أجمع للك السهو كله في كلتين: متى ما شككت فخذ بالاكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك قد نقصت ". ولا يخفى ان الترجيح لاخبار الاخيرة وذلك من وجوه: (أحدهما) الاعتضاد بالاخبار الصحاح الصراح الواردة في خصوصيات الصور المذكورة في


(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة

[ 223 ]

هذا المقام فانها متفقة الدلالة على البناء على الاكثر في جميع الصور كما سنشرحه إن شاء الله تعالى. ويعضدها زيادة على ذلك إجماع الطائفة سلفا وخلفا على العمل بمضمونها إلا الشاذ النادر وهم انما يتوهمون بخلاف المرتضى والصدوق وقد عرفت ما فيه. و (ثانيها) - صراحة هذه الاخبار في المدعى وتطرق وجوه الاحتمالات الى كثير من تلك الاخبار المخالفة كموثقة اسحاق بن عمار المشتملة على البناء على اليقين، فانه من المحتمل قريبا ان المراد انما هو البناء على ما يوجب اليقين أي يقين البراءة وذلك في البناء على الاكثر كما فصلته موثقة عمار الثانية، وقد عرفت من رواية قرب الاسناد المتقدمة اطلاق هذا اللفظ على هذا المعنى بحيث لا يحتمل غيره فلا يبعد ارادته هنا أيضا. ومثلها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) فانها محتملة لما ذكرناه ويؤيده قوله فيها: " يأخذ بالجزم ويحتاط بالصلاة كلها " فان الاحتياط وهو فعل ما يوجب براءة الذمة على جميع الوجوه والاحتمالات انما يحصل بالحمل على ما قلناه وإلا فمع البناء على الاقل والاتمام لو ذكر تمام الصلاة انه يلزم زيادة ما يوجب بطلانها فتجب الاعادة حينئذ. وبالجملة فانه لو لم يكن ما ذكرناه في هاتين الروايتين هو الاظهر فلا أقل ان يكون مساويا وبه يسقط الاستدلال بهما. ونحوهما في ذلك أيضا رواية سهل بن اليسع الاولى. وأما صحيحة على بن يقطين فهى معارضة بالاخبار الكثيرة الدالة على الابطال متى تعلق الشك بالاوليين المعتضدة باتفاق الاصحاب سلفا وخلفا على ذلك فلا تصلح للعمل عليها. وأما رواية سهل الثانية فهى معارضة بخصوص حسنة زرارة ورواية قرب الاسناد وعموم الروايات المتقدمة المعتضدة بعمل الطائفة. و (ثالثها) - وهو المعتمد ما قدمنا ذكره آنفا من ان هذه الروايات انما خرجت مخرج التقية لما عرفت من حديث مسلم المتقدم (2) وكلام البغوي في شرح السنة


(1) ص 218 (2) ارجع الى التعليقة 4 ص 195

[ 224 ]

ويؤيده اشتمال صحيحة على بن يقطين ورواية سهل الاولى على سجدتي السهو بعد الامر بالبناء على الاقل حسبما تضمنته الرواية العامية، وقد صرح المحقق في المعتبر بنسبة ذلك إليهم أيضا حيث نقل عن الشافعي البناء على اليقين وعن ابى حنيفة البناء على الظن فان فقده بنى على اليقين (1) محتجا على ذلك بأن الاصل عدم المشكوك فيه، ولما رووه عنه (صلى الله عليه وآله) (2) قال: " من لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليلق الشك وليبن على اليقين ". وممن أشار الى ما ذكرنا أيضا شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في كتاب روض الجنان حيث قال بعد نقل رواية ابن اليسع: ورواية ابن اليسع مطرحة لموافقتها لمذهب العامة. ورأيت في بعض الحواشى المنسوبة الى شيخنا المجلسي (قدس سره) استصواب الحمل على التقية، وبه صرح المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (طاب ثراه).


(1) في بدائع الصنائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 165: " إذا سها في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فان لم يكن السهو له عادة بأن لم يعرض له كثيرا فعند الشافعي يبنى على الاقل لحديث ابى سعيد الخدرى: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليلغ الشك وليبن على الاقل " وعندنا يستقبل الصلاة لحديث عبد الله بن مسعود: " إذا شك أحدكم في صلاته انه كم صلى فليستقبل الصلاة " وان كان السهو يعرض له كثيرا تحرى وبنى على ما وقع عليه التحرى في ظاهر الروايات. وروى الحسن عن ابى حنيفة انه يبنى على الاقل وهو قول الشافعي ولنا رواية ابن مسعود: إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر أقربه لى الصواب وليبن عليه " وفى البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 2 ص 108 و 110 " إذا شك انه كم صلى وكان عروض الشك له أول مرة استقبل العمل وان كان يعرض له كثيرا يتحرى وهو ما يكون اكبر رأيه عليه، وعبر عنه تارة بالظن واخرى بغالب الظن فان لم يترجح عنده شئ بنى على الاقل " ويرجع أيضا لى التعليقة 2 ص 165. (2) صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة إلا ان فيه " فليطرح كالشك وليبن على ما استيقن " وبدائع الصنائع ج 1 ص 165 وفيه " وليبن على الاقل "

[ 225 ]

ومما يستأنس به للحمل على التقية في هذه الاخبار انها كلها إنما خرجت عن الكاظم (عليه السلام) ولا يخفى على المتتبع للسير والاثار والعارف بالقصص والاخبار اضطرام نار التقية في وقته (عليه السلام) زيادة على غيره من الاوقات وما وقع عليه (عليه السلام) وعلى شيعته من المخافات. ومما يومئ الى ذلك التعبير بهذا اللفظ المجمل في جل تلك الاخبار، ولهذا تكاثرت الاخبار بالتقية بالنقل عنه (عليه السلام) بغير اسمه الشريف من العبد الصالح أو عبد صالح ونحو ذلك. وبالجملة فالحمل على التقية عندي مما لا ريب فيه ولا شك يعتريه عملا بالقاعدة المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) في عرض الاخبار عند اختلافها على مذهب العامة والاخذ بخلافه كما استفاضت به النصوص (1) ولكن أصحابنا (رضوان الله عليهم) لما الغوا العمل بهذه القواعد فاتهم ما يترتب عليها من الفائدة ووقعوا في ما وقعوا فيه من مشكلات هذه الاشكالات وارتكاب التمحلات والتكلفات. وأما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه في هذه المسألة - وقوله في الذكرى: انه لم يقف على مأخذه - فهو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على نحو ما عرفت من الطريقة المعروفة والسجية المألوفة حيث قال (عليه السلام) (2): وان شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا وذهب وهمك الى الثالثة فاضف إليها الرابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، وان ذهب وهمك الى الاقل فابن عليه وتشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتي السهو بعد التسليم، وان اعتدل وهمك فانت بالخيار ان شئت بنيت على الاقل وتشهدت في كل ركعة وان شئت بنيت على الاكثر وعملت ما وصفناه لك. إنتهى وكيف كان فالظاهر ان الترجيح للقول المشهور المؤيد بالاخبار الموافقة لمقتضى الاصول المعتضدة بعمل الطائفة، وهذه الرواية لا تبلغ قوة


(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به (2) ص 10

[ 226 ]

المعارضة فهى مفوضة الى قائلها (عليه السلام). وأنت خبير أيضا بما في عدول الشيخ المذكور عن القول المشهور المعتضد بالاخبار المشار إليها الى القول بعبارة الكتاب من الدلالة على مزيد الاعتماد على الكتاب المذكور وثبوت حجيته عنده. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه في هذه المواضع الثلاثة نقاب الابهام يظهر لك ان المسألة بحمد الله سبحانه ذى الجلال خالية من الاشكال كما وقع فيه صاحب المدارك ومن نسج معه على ذلك المنوال حيث لم يعطوا التأمل حقه في ما شرحناه في هذا المجال من واضح المقال. والله العالم. (الموضع الرابع) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) التخيير في احتياط هذه الصورة بين ركعة من قيام وركعتين من جلوس، ونقل عن ابن ابى عقيل والجعفى انهما لم يذكرا التخيير وانما ذكرا الركعتين من جلوس. والموجود في حسنة زرارة (1) التى هي مستند هذا الحكم كما عرفت إنما هو الركعة من قيام، وكذا في رواية قرب الاسناد (2) ونحوهما في عبارة كتاب الفقه على تقدير البناء على الاكثر وهو فتوى الشيخ على بن الحسين بن بابويه كما عرفت " والمعتمد ما دلت عليه هذه الاخبار. وأما القولان الاخران فلم أقف فيها على دليل. (الموضع الخامس) قال في المدارك في هذا المقام: واعلم ان ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان كل موضع تعلق فيه الشك بالاثنتين يشترط فيه إكمال السجدتين محافظة على ما سبق من اعتبار سلامة الاولتين، ونقل عن بعض الاصحاب الاكتفاء بالركوع لصدق مسمى الركعة وهو غير واضح " قال في الذكرى نعم لو كان ساجدا في الثانية ولما يرفع رأسه وتعلق الشك لم استبعد صحته لحصول مسمى الركعة. وهو غير بعيد. إنتهى. أقول: قد صرح بما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى.


(1) ص 211 (2) ص 215

[ 227 ]

وأنت خبير بأن هنا شيئين: (أحدهما) - ان ما يصدق عليه الركعة هل هو عباره عن ما يدخل فيه السجود أو يكفى مجرد الركوع ؟ قولان: المشهور الاول وبه صرح السيد السند هنا وفى ما تقدم في بحث المواقيت في شرح قول المصنف: " ولو زال المانع فان أدرك الطهارة وركعة... الخ " ونقله عن العلامة أيضا حيث قال: وتتحقق الركعة برفع الرأس من السجدة الثانية كما صرح به في التذكرة. واحتمل الشهيد في الذكرى الاجتزاء بالركوع للتسمية لغة وعرفا ولانه المعظم. وهو بعيد. أقول: ونحن قد حققنا في مقدمة المواقيت بأن حكمهم بكون الركعة عبارة عن ما ذكروه يوجب انقداح اشكال عليهم في مسألة الشك بين الاربع والخمس فيما إذا حصل الشك بعد الركوع وقبل السجود، حيث انهم قالوا بالصحة في هذه الصورة مع انه لم يأت بالركعة بزعمهم فلا يكون داخلا تحت النص الوارد في المسألة. والمحقق في أجوبة المسائل البغدادية إنما تخلص من هذا الاشكال بالتزام كون الركعة عبارة عن مجرد الركوع كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في المسألة المذكورة ونقل كلامه في ذلك. و (ثانيهما) - انه على تقدير القول المشهور هل تتحقق الركعة بمجرد إتمام ذكر السجدة الثانية أو يتوقف على رفع الرأس من السجود ؟ وجهان: جزم بالاول منهما شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قال: ويتحقق اكمالها بتمام السجدة الثانية وان لم يرفع رأسه منها على الظاهر لان الرفع ليس جزء من السجود وإنما هو واجب آخر. إنتهى. وهو جيد. والمشهور الثاني ولهذا انه في الذكرى انما أشار إليه إحتمالا في المقام. (المسألة السابعة) - إذا شك بين الثلاث والاربع فالمشهور انه يجب البناء على الاكثر ويحتاط بركعة قائما أو ركعتين جالسا، ونقل في المختلف ومثله السيد السند في المدارك ومن تبعهما عن ابن بابويه وابن الجنيد انهما قالا: يتخير الشك بين

[ 228 ]

الثلاث والاربع بين البناء على الاقل ولا احتياط والاكثر مع الاحتياط. وأنت خبير بما في هذا النقل عن ابن بابويه في هذا المقام فان على قياس ما قدمناه من النقولات المختلفة والحكايات المعتلة، حيث انه لا وجود لشئ من ذلك في كتابه بالمرة بل الموجود فيه انما هو ما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) كما عرفت من البناء على الاكثر من غير تردد ولا ذكر لفرد آخر، ونسبة هذه العبارة إليه - باعتبار التوهم الذى ينشأ من قوله: " وليست هذه الاخبار مختلفة " كما قدمنا ذكره - بعيد عن سياق الكلام وخارج عن سلك ذلك النظام. وبالجملة فان هذه النقولات في هذه المقامات محل عجب عجاب سيما مع متابعة الخلف للسلف في هذا الباب، والفقيه بمنظر منهم مطبقين على درسه وشرحه ومراجعته فكيف اتفق لهم هذا الامر الغريب ولم يتنبه أحد منهم الى هذا العجب العجيب ؟ وأما نقل ذلك عن ابن الجنيد فان كلامه لا يحضرني ولا أعلم صحته ولا بطلانه. وكيف كان فالمعتدم هو القول المشهور وهو المؤيد المنصور للاخبار الكثيرة ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمان بن سيابة وابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، وان وقع رأيك على الاربع فسلم وانصرف، وان اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " وان كنت لا تدرى ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فسلم ثم صل ركعتين وأنت جالس تقرأ فيهما بام الكتاب وان ذهب وهمك الى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو،


(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة

[ 229 ]

فان ذهب وهمك الى الاربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو ". قال في الوافى: لعل الامر بسجدتي السهو في الصورة الاخيرة لتدارك النقصان الموهوم وينبغى حمله على الاستحباب. أقول: وسيأتى تحقيق القول في ذلك في موجبات سجدتي السهو إن شاء الله تعالى. وعن جميل عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " في من لا يدرى أثلاثا صلى أم أربعا وهمه في ذلك سواء ؟ قال فقال: إذا اعتدل الوهم في الثلاث والاربع فهو بالخيار إن شاء صلى ركعة وهو قائم وان شاء صلى ركعتين واربع سجدات وهو جالس ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن الحسين بن ابى العلاء في الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إن استوى وهمه في الثلاث والاربع سلم وصلى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس يقصر في التشهد " قوله " يقصر في التشهد " أي يخففه. وربما وجد في بعض النسخ " يقصد " بالدال من القصد وهو بمعنى التوسط. وقال في كتاب الفقه الرضوي (3): " وان شككت فلم تدر ثلاثا صليت أم أربعا وذهب وهمك الى الثالثة فأضف إليها ركعة من قيام وان اعتدل وهمك فصل ركعتين وأنت جالس ". ومن أخبار المسألة التى لا تخلو من الاشكال ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " انما السهو ما بين الثلاث والاربع وفى الاثنتين والاربع بتلك المنزلة، ومن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا واعتدل شكه قال: يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد ويسلم ويصلى ركعتين واربع سجدات وهو جالس، وان كان اكثر


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (3) ص 10 (4) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة

[ 230 ]

وهمه الى الاربع تشهد وسلم ثم قرأ فاتحة الكتاب وركع وسجد ثم قرأ وسجد سجدتين وتشهد وسلم، وان كان اكثر وهمه الى الثنتين نهض فصلى ركعتين وتشهد وسلم ". وجه الاشكال فيه انه حكم في من شك بين الثلاث والاربع واعتدل شكه بأنه يقوم فيتم ثم يجلس فيتشد ويسلم ويصلى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس، وهو ظاهر في انه يبنى على الاقل ويتم صلاته ثم يحتاط مع ذلك بركعتين جالسا ولا قائل به. وأيضا فان الاحتياط إنما هو مع البناء على الاكثر لا مع البناء على الاقل. وكذا الاشكال في قوله: " وان كان أكثر وهمه الى الاربع تشهد وسلم ثم قرأ فاتحة الكتاب... الى آخره " فانه ظاهر في انه مع ظن الاربع وترجيحها يبنى عليها ويحتاط مع ذلك بركعتين جالسا مع انه لا خلاف ولا إشكال في انه مع ترجيح أحد الطرفين وظنه يبنى عليه زيادة أو نقصانا ولا احتياط بالكلية. وما ذكره في الوافى بالنسبة الى الاول - حيث قال: الظاهر ان " أو " بدل الواو في قوله: " ويصلى ركعتين " - لا يدفع الاشكال فان غايته انه مع تساوى طرفي الشك في الصورة المذكورة يتخير بين البناء على الاقل والاكثر ولا قائل به ايضا. وكيف كان فان الخبر المذكور لما لم يكن مسندا عن الامام (عليه السلام) وانما هو كلام محمد بن مسلم كان الخطب هينا. ومن ذلك - ما رواه في الكافي والتهذيب عن ابى بصير في الموثق (1) قال: " سألته عن رجل صلى فلم يدر أفى الثالثة هو أم في الرابعة ؟ قال: فما ذهب وهمه إليه، ان رأى انه في الثالثة وفى قلبه من الرابعة شئ سلم بينه وبين نفسه ثم يصلى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ". وظاهره انه مع غلبة ظنه انه في الثالثة يبنى على الاربع ويصلى صلاة الاحتياط وهو خلاف فتوى الاصحاب (رضوان الله عليهم) وخلاف ما عليه غير هذا الخبر من الاخبار. ويمكن تأويله بحمل جوابه (عليه السلام) على التفصيل بين ما ذهب


(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة

[ 231 ]

إليه وهمه فيبنى عليه وبين ما لم يكن كذلك فيعمل فيه بموجب الشك في المسألة. وقوله: " ان رأى انه في الثالثة وفى قلبه من الرابعة شئ " بمعنى مساواته لما رآه في الثالثة فيحمل على الشك الموجب لتساوي الطرفين. وأما ما ذكره المحدث الكاشانى - بعد نقله لهذه الرواية حيث قال: هذا برزخ بين الفصل والوصل لان سهوه برزخ بين الظن والشك. إنتهى - فلا أعرف له وجها وجيها لماعرفت من انه مع ظن أحد الطرفين فانه يجب البناء عليه ولا إحتياط كما ذكره الاصحاب (رحمهم الله) وعليه دلت صحيحة عبد الرحمان ابن سيابة وابى العباس وصحيحة الحلبي أو حسنته وغيرهما (1) وان تساوى الطرفان فالواجب البناء على الاكثر والاحتياط كما هو المشهور وهو الذى عبر عنه بالفصل، وعلى القول الاخر يتخير بينه وبين البناء على الاقل والاتمام وهو الذى عبر عنه بالوصل، وحينئذ فهذه الرواية ان حملت على المعنى الاول اشكل الامر فيها بالاحتياط المذكور وان حملت على المعنى الثاني - وان كان خلاف ظاهرها - فلا إشكال. والفصل والوصل الذى ذكره محله إنما هو في صورة الشك وتساوى الطرفين فانه عنده بتخير بين البناء على الاقل ولا إحتياط وهو المسمى بالوصل وبين البناء على الاكثر والاحتياط، وما في هذا الخبر لا يخرج عن أحد الفردين المتقدمين ليكون برزخا وواسطة في البين، فان زعم ان ذلك باعتبار قوله: " وفى قلبه من الرابعة شئ " فانه لا يخفى ان كل من رجح أحد الطرفين وظنه فان قلبه شيئا من الطرف الاخر وهو المسمى عندهم بالوهم ولكن لا عمل عليه في مقابلة الظن. وبالجملة فان كلامه غير موجه ولا واضح. وأما ما نقل عن ابن الجنيد - من القول بالتخيير، وعن الصدوق بزعمهم - فلم أقف له على خبر يدل عليه، إلا انه قال في المدارك: إحتج القائلون بالتخيير بأن فيه جمعا بين ما تضمن البناء على الاكثر وبين ما تضمن البناء على الاقل


(1) ص 228

[ 232 ]

كصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه... " وهذا القول لا يخلو من رجحان إلا ان الاول أجود. إنتهى. أقول - وبالله الثقة لادراك المأمول ونيل المسؤول - الظاهر ان هذا الدليل الذى نقله عن القائلين بالتخيير إنما هو من مخترعاته (قدس سره) بناء على ما توهمه من الصحيحة المذكورة وانها دالة على البناء على الاقل حسبما جرى له في حسنة زرارة المتقدمة، ويدل على ذلك (أولا) ان العلامة في المختلف إنما احتج لاصحاب هذا القول بدليل عقلي إقناعى ثم رده وابطاله. و (ثانيا) انه قد نسب هذا القول والاحتجاج بهذا الدليل الى ابن بابوية مع انه ليس له في كتابه عين ولا اثر كما عرفت، ولكنه (قدس سره) حيث فهم من الرواية المذكورة - وقوله فيها: " قام فأضاف إليها اخرى " يعنى بنى على الثلاث وقام فأضاف إليها رابعة - البناء على الاقل مع صراحة الاخبار المتقدمة في البناء على الاكثر جمع بينها بالتخيير وجعله دليلا لهذا القول، وكان الاولى على هذا ان يقول: ويدل على هذا القول ان فيه جمعا بين الاخبار لا انه ينسب ذلك الى أصحاب هذا القول والحال كما عرفت. وتحقيق القول في هذا المقام على وجه تنكشف به غشاوة الاشكال ويتضح به هذا الاجمال هو ان يقال: لا يخفى على المتأمل في اخبار الاحتياط التى وردت في هذه الصور المنصوصة بعين الانصاف ان الائمة (عليهم السلام) ربما أجملوا في التعبير عن ذلك الاحتياط إجمالا زائدا يوهم الناظر ما وقع فيه السيد المشار إليه ومن تبعه من توهم انه من نفس الصلاة الاصلية وربما أوضحوا ذلك إيضاحا تاما وبينهما مراتب متفاوتة في الوضوح والخفاء وكل ذلك بالنظر الى أحوال السامعين وزيادة الغباوة والبلادة والفهم والذكاء، ولهذا ان أصحابنا (رضوان الله عليهم)


(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

[ 233 ]

قديما وحديثا لم يزالوا يستدلون بهذه الاخبار على وجوب الاحتياط في كل صورة صورة من هذه الصور مجملها ومفصلها ومرصولها ومفصولها فيحملون المجمل على المفصل والموصول على المفصول حتى انهى النوبة الى السيد السند فوقع في هذا الاشكال وتبعه جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا مثل المحدث الكاشانى والفاضل الخراساني وغيرهما، حتى ان المحدث الكاشانى في الوافى عمد الى هذه الاخبار الغير المصرح فيها بالفصل فجعلها أصلا وقاعدة كلية وقابلها بالاخبار الصريحة في الفصل وجعلها قاعدة ثانية فأثبت هنا ضابطتين، وقوى الشبهة عنده في ذلك (أولا) ما ورد في الاخبار من الروايات الدالة على البناء على الاكثر بقول مطلق وما ورد منها دالا على البناء على الاقل مطلقا كما تقدم نقله في المسألة المتقدمة. و (ثانيا) توهم ذهاب الصدوق الى ما ذكروه واستدلاله بهذا الخبر كما سمعت من كلام صاحب المدارك. والجميع من قبيل البناء على غير أساس فلهذا عظم فيه الاشتباه والالتباس وهو عند التأمل في ما ذكرناه ظاهر الانهدام والانطماس. وقال المحدث المشار إليه في الكتاب المذكور بعد نقل صحيحة زرارة أو حسنته التى استند السيد السند هنا الى عجزها الوارد في حكم هذه الصورة، وصورتها كملا هكذا: زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت له من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز الثنتين ؟ قال: يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه " فقال المحدث المشار إليه بعد نقلها بطولها ما صورته: لم يتعرض في هذا الحديث لذكر فصل الركعتين أو الركعة المضافة للاحتياط ووصلها كما تعرض في الخبر السابق والاخبار في ذلك مختلفة وفى بعضها إجمال كما ستقف عليه، وطريق التوفيق بينها التخيير كما ذكره في الفقيه ويأتى كلامه فيه، وربما يسمى الفصل بالبناء على الاكثر والوصل


(1) الوسائل الباب 10 و 11 من الخلل في الصلاة

[ 234 ]

بالبناء على الاقل وما سمعت أحدا تعرض لهذه الدقيقة، وفى حديث عمار الاتى اشارة الى ذلك فلا تكونن من الغافلين. إنتهى. أقول: أشار بحديث عمار الى روايته التى قدمناها (1) وهى قوله (عليه السلام): " كل ما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الاكثر... الخ " فانه قد قال بعدها: هذه هي الضابطة الكلية المشتملة على أكثر أخبار هذا الباب وهى فذلكتها وفى مقابلتها ضابطة اخرى هي البناء على الاقل وإتمام الصلاة جملة واحدة. إنتهى. ولا بد في دفع هذه الاوهام التى وقع فيها هؤلاء الاعلام من نقل جملة من الروايات الواردة في المقام وبيان ما اشتملت عليه من المراتب في الايضاح والافهام عن ذلك المعنى الذى اضطربت فيه هذه الافهام. لكن ينبغى أن يعلم أو لا انه لما ثبت بما حققناه آنفا ان هذه الاخبار الصريحة في البناء على الاقل مطلقا إنما خرجت مخرج التقية (2) والعمل إنما هو على الاخبار الدالة على البناء على الاكثر مطلقا كان أو في خصوص هذه الصور فالواجب حمل ما دل من هذه الاخبار الواردة في هذه الصور المذكورة على التقية أيضا لو كان صريحا في البناء على الاقل والاعراض عن العمل به فكيف وهو قابل للحمل على تلك الروايات المفصلة بل بعضه ظاهر في ذلك. وهذه الجملة كافية في دفع شبهة هذا الخصم ولكنا مع ذلك نستظهر بنقل الروايات التى أشرنا إليها: فمن ذلك - الصحيحة التى ذكر المحدث المذكور هذا الكلام على أثرها فانه (عليه السلام) قد أجمل في صدرها وعجزها إلا ان صدرها أظهر في الدلالة على ما ندعيه لان ذكر فاتحة الكتاب قرينة على إرادة الاحتياط كما هو مصرح به في غيرها وان كانت القراءة في الاخيرتين جائزة من حيث التخيير بناء على المشهور لكنه لم يجر في هذه الاخبار ولا عبر به في شئ منها بل ذكر القراءة في روايات الاحتياط كلها إنما هو من حيث الفصل، وكأنهم (ع) قصدوا الى انها صلاة منفردة لا بد فيها


(1) ص 211 (2) ص 223

[ 235 ]

من فاتحة الكتاب كما ربما ذكروا أيضا فيها التشهد والتسليم. ومن ذلك - قوله (عليه السلام) في صحيحة البقباق (1): " وان اعتدل وهمك فانصرف وصل كعتين وأنت جالس " والاحتياط ههنا موصول لكن قرينة الامر بالجلوس دفع توهم دخوله في الصلاة. ومن ذلك - قوله (عليه السلام) في مرسلة جميل (2): " إذا اعتدل الوهم في الثلاث والاربع فهو بالخيار ان شاء صلى ركعة وهو قائم وان شاء صلى ركعتين واربع سجدات وهو جالس " وهذه الرواية أيضا لم يصرح فيها بالفصل وانما علم من حيث التخيير في الاحتياط بين الفردين المذكورين، ولو لم يذكر الركعتين من جلوس لسبق الى الوهم كون تلك الركعة من قيام متصلة داخلة في الصلاة الاصلية وكل ذلك انما جرى على التوسع في التعبير كما أشرنا إليه آنفا. ومن ذلك - قوله (عليه السلام) في رواية ابن ابى يعفور (3): " في رجل لا يدرى ركعتين صلى أم أربعا ؟ قال: يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين وأربع سجدات ". وفى صحيحة محمد بن مسلم (4): " في رجل صلى ركعتين فلا يدرى ركعتان هي أو أربع ؟ قال: يسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين بفاتحة الكتاب " وقد أفصح (عليه السلام) في هذين الخبرين أي افصاح وصرح بالفصل الصراح. وفى موثقة ابى بصير (5): " إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم واركع ركعتين ثم سلم واسجد سجدتين " وقد أجمل (عليه السلام) في هذا الخبر كمل أجمل في صدر صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة إلا أنه هناك صرح بفاتحة الكتاب التى هي قرينة على كونها صلاة الاحتياط كما قدمنا ذكره. وهذه كلها كما ترى في الشك بين الاثنتين والاربع والاحتياط فيها واحد


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة

[ 236 ]

لكن الاخبار اختلفت في الاجمال والتصريح، والاصحاب قد حملوا مجملها على مفصلها كما هو القاعدة في أمثال ذلك. وهؤلاء الاعلام باعتبار الروايات الدالة على جواز البناء على الاقل مطلقا ونسبتهم ذلك الى الصدوق عمدوا الى هذه الاخبار المجملة وألحقوها بتلك الروايات المطلقة. وأنت قد عرفت ما في أساسهم الذى بنوا عليه من الخراب والانهدام لوجوب حمل تلك الروايات على التقية وفساد ما نسبوه الى الصدوق في هذا المقام ومتى بطل الاصل الذى بنوا عليه بطل ما فرعوه وجعلوه راجعا إليه. هذا. وأما ما ذكره المحدث المذكور - وسجل به مما قدمنا نقله عنه وان ما ذكره دقيقة لم يتفطن لها غيره - ففيه (أولا) - ان هذه الدقيقة ان أراد بها ما فهمه من الاخبار المجملة من حيث عدم التصريح بالفصل بين الصلاة الاصيلة وبين صلاة الاحتياط فقال فيها بالبناء على الاقل وجعلها ضابطة كلية وقابلها بالاخبار الصريحة في الفصل الدالة على البناء على الاكثر فجعلها ضابطة اخرى، ففيه انه قد سبقه صاحب المدارك الى ذلك بل الصدوق أيضا بزعمهم. نعم ان السيد قد وقف على مورد تلك الاخبار المجملة وهو قد جعل ذلك قاعدة كلية في جميع الشكوك اعتضادا بعموم تلك الاخبار المطلقة. وأنت قد عرفت ان تلك الاخبار التى هي أصل الشبهة الحاملة له على جعل ذلك ضابطة كلية إنما خرجت مخرج التقية. واما هذه الاخبار المجملة في هذه الصور فيجب حمل إجمالها على الروايات المفصلة كما هي القاعدة الكلية. و (ثانيا) - ان ما زعمه من نسبة التخيير في جميع الشكوك الى الفقيه بناء على قوله: " وليست هذه الاخبار مختلفة وصاحب السهو بالخيار... الخ " وهو الذى أشار إليه في كلامه المتقدم بقوله " ويأتى كلامه فيه " فقد أوضحنا بطلانه بما لا مزيد عليه. والله العالم ورسوله وأولياؤه (عليهم السلام).

[ 237 ]

بقى الكلام في الاحتياط في هذه الصورة والمشهور ما قدمناه من التخيير ونقل عن ظاهر ابن ابى عقيل والجعفى تعين الركعتين من جلوس وهو الذى تضمنه اكثر أخبار المسألة المتقدمة إلا ان مرسلة جميل قد دلت على التخيير وعليها عمل الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبها قيدوا إطلاق تلك الاخبار. وصاحب المدارك ومن حذا حذوه بناء على الاصطلاح المحدث بينهم قد ردوا الرواية بضعف السند فلا تصلح لتخصيص تلك الاخبار، وهو جيد على ذلك الاصل الغير الاصل. وكيف كان فالاحتياط يقتضى الوقوف على ما تضمنه اكثر الاخبار من الركعتين من جلوس. والله العالم. (المسألة الثامنة) - لو شك بين الاثنتين والاربع فالمشهور هو البناء على الاكثر والاحتياط بركعتين من قيام. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين فلا يدرى ركعتان هي أو اربع ؟ قال يسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين بفاتحة الكتاب ويتشهد وينصرف وليس عليه شئ ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن والصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا لم تدر اثنتين صليت أم اربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين واربع سجدات تقرأ فيهما بام القرآن ثم تشهد وسلم. فان كنت إنما صليت ركعتين كانت هاتان تمام الاربع، وان كنت صليت الاربع كانت هاتان نافلة ". وما رواه في الكافي عن ابن ابى يعفور (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى ركعتين صلى أم اربعا ؟ قال يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين وأربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد ويسلم، فان كان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة

[ 238 ]

صلى أربعا كانت هاتان نافلة وان كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الاربع، وان تكلم فليسجد سجدتي السهو ". وعن زرارة في الصحيح (1) قال: " قلت له من لم يدر في اربع هو أو في ثنتين وقد احرز الثنتين ؟ قال يركع ركعتين واربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه... الحديث ". وعن جميل عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " في رجل لم يدر ركعتين صلى ام اربعا ووهمه يذهب الى الاربع والى الركعتين ؟ فقال يصلى ركعتين واربع سجدات... الحديث " قوله: " ووهمه يذهب الى الاربع والى الركعتين " أي من غير ترجيح ولا ظن احدهما ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (3) " وان شككت في الثانية أو الرابعة فصل ركعتينمن قيام بالحمد ". وروى الشيخ عن ابى بصير في الموثق عن ابى عبد اله (عليه السلام) (4) قال ": إذا لم تدر اربعا صليت ام ركعتين فقم واركع ركعتين ثم سلم واسجد سجدتين وانت جالس ثم سلم بعدهما " وحمل الشيخ والعلامة سجدتي السهو هنا على ما إذا تكلم ناسيا. ولا يخلو من البعد. وجملة من متأخرى المتأخرين حملوهما على الاستحباب. ومن المحتمل قريبا ان الامر بالسجود هنا انما هو من حيث البناء على الاقل وان الحديث يراد به البناء على الاقل ويكون حينئذ محمولا على التقية لما قدمنا (5) تحقيقه من ان العامة على البناء على الاقل وسجود السهو كما مر في خبر صحيح مسلم (6) عن عبد الرحمان بن عوف وبه صرح البغوي في شرح السنة. وحينئذ فلا يكون هذا الخبر من اخبار المسألة في شئ لخروجه مخرج التقية.


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة (3) ص 10 (5) ص 223 و 224 (6) ارجع الى التعليقة 4 ص 195

[ 239 ]

ونحوه في ذلك ما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقى في المحاسن عن بكير بن اعين في الحسن عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت له رجل شك فلم يدر اربعا صلى ام اثنتين وهو قاعد ؟ قال يركع ركعتين واربع سجدات ويسلم ثم يسجد سجدتين وهو جالس ". قال في المدارك في هذا المقام بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم والحلبي دليلا للقول المشهور: ويحتمل قويا الخيير في هذه المسألة بين ذلك وبين البناء على الاقل ولا إحتياط جمعا بين هذه الروايات وبين ما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة عن احدهما (عيهما السلام) قال: " قلت له من لم يدر... " ثم ساق الخبر المتقدم (2) اقول: هذا من جملة ما قدمنا ذكره من توهم وصل الاحتياط بالصلاة الاصلية في الاخبار لعدم ذكر الفصل بالتشهد والتسليم بينه وبين الصلاة الاصلية أو أحدهما، وهذه الرواية هي التى قدمنا الكلام عليها وبينا ان قوله فيها " بفاتحة الكتاب " قرينة على ان المراد صلاة الاحتياط لا كونهما اخيرتي الرباعية لما شرحناه آنفا، فان التعبير بذلك وقع في جملة من الروايات كصحيحة محمد بن مسلم المذكورة في هذه المسألة، وكذا صحيحة الحلبي المذكورة هنا ايضا، ومثلهما حسنة الحلبي المتقدمة في صورة الشك بين الثلاث والاربع، وعباره كتاب الفقه. وهو مع هذه القرينة الظاهرة تعسف في حملهما على الركعتين الاخيرتين وان قراءة الفاتحة انما هي لكونها أحد الفردين المخير بينهما. ولا يخفى عليك ما فيه من التعسف وبالجملة فانه إنما وقع في هذا الوهم من حيث انه ذكر في صحيحتي محمد بن مسلم والحلبي المذكورتين في كلامه الفصل بالتشهد والتسليم أو التسليم وفى هذه الرواية قال: " يركع ركعتين... الى آخره " ولم يذكر انه يتشهد أو يسلم، فهو يدل على كون هاتين الركعتين من الصلاة الاصلية بانه يكون قد بنى على الاقل. وفيه انه كيف يتم الاستناد الى مجرد هذه العبارة والحال انه قد وقع التعبير


(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة (2) ص 233

[ 240 ]

بها في جملة من الروايات التى علم الفصل فيها بقرائن آخر كما قدمنا ذكره، وغاية ما يلزم انها باعتبار عدم التصريح بالفصل وعدم وجود قرينة اخرى على ارادة الفصل مجملة محتلمة لكل من الامرين لا انها تكون صريحة أو ظاهرة في ما يدعيه ولهذا ان صاحب الذخيرة - بعد نقل رواية ابى بصير المتقدمة التى هي في الاجمال مثل هذه الرواية - قال يمكن ان يحمل على البناء على الاقل والاكثر ولا يبعد ادعاء ظهوره في الاول. انتهى. وادعاء ظهوره في الاول ممنوع لما عرفت. وبالجملة فانه مع هذا الاجمال لا يصح الاستناد إليها أو الى غيرها متى كان كذلك في اثبات حكم شرعى مخالف للاخبار الصحيحة الصريحة المتكاثرة المعتضدة بفتوى الاصحاب قديما وحديثا عدا من وقع في هذا الوهم من هؤلاء المذكورين ولا ريب ان هذا التعبير وهذا الاجمال انما نشأ من معلومية الحكم يومئذ وكم مثله في سعة التجوز في العبارات كما لا يخفى على من خاض بحور الاستدلالات وتتبع المقالات، بل الواجب حمل اجمالها على ما فصل في غيرها. وكيف كان فانك قد عرفت ان كلامهم في هذه الروايات انما نشأ من تلك الاخبار المطلقة في البناء على الاقل فانهم اتخذوها كالاساس، ونحن قد هدمنا بحمد الله سبحانه بنيانها و زعزعنا اركانها فزال الالتباس. ولم تر مثل هذا التحقيق الرشيق في غير زبرنا ومصنفاتنا فتأمله بعين البصيرة وانظره بمقلة عير حسيرة ليظهر لك ما في الزوايا من الخبايا. ونقل في المختلف عن ابن بابويه في كتاب المقنع انه يعيد الصلاة، وربما كان مستنده ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد (1) - وهو ابن مسلم على الظاهر - قال: " سألته عن الرجل لا يدرى صلى ركعتين ام اربعا ؟ قال يعيد الصلاة " والجواب عنها ما تقدم من الجواب عن صحيحة عبيد بن زرارة المذكورة في مسألة الشك ين الاثنتين والثلاث ويجب حملها على ما حملت تلك عليه. والشيخ حملها على الشك في


(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة

[ 241 ]

الصبح أو المغرب وبعده ظاهر. قيل: والصدوق قال بالتخيير لهذه الرواية. وهو ضعيف لما عرفت. وقال في البحار: واحتمل الشيهد في الذكرى والعلامة في النهاية كون البناء على الاكثر وصلاة الاحتياط للرخصة والتخفيف وتكون الاعادة ايضا مجزئة. ثم رده وقال لا يخفى بعد هذا الكلام عن ظواهر النصوص ولا داعى الى ذلك ولم يعلم قائل بذلك ايضا قبلهما انتهى. وهو جيد فان الخروج عن ظواهر تلك الاخبار بل صريحها الدال على وجوب البناء على الاكثر والاحتياط بما ذكر بهذا الخبر الشاذ النادر لا يخلو من مجازفة، وقد سبق نظيره في مسألة الشك بين الاثنتين والثلاث مع ان المعارض ثمة اقل مما هنا، وما ذكراه هنا انسب بتلك المسألة سيما مع دعوى جملة منهم عدم الدليل كما عرفت ثمة. والله العالم. (المسألة التاسعة) - لو شك بين الاثنتين والثلاث والاربع فالمشهور انه يبنى على الاكثر ويتم صلاته ثم يصلى ركعتين من قيام وركعتين من جلوس، وذهب الصدوقان وابن الجنيد الى انه يبنى على الاربع ويصلى ركعة من قيام وركعتين من جلوس. ونقل عن ابن الجنيد البناء على الاقل ما لم يخرج الوقت. ويدل على القول المشهور ما رواه الكليني والشيخ عن ابن ابى عمير في الصحيح عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " في رجل صلى فلم يدر اثنتين صلى ام ثلاثا ام اربعا ؟ قال يقوم فيصلى ركعتين من قيام ويسلم ثم يصلى ركعتين من جلوس ويسلم فان كان صلى اربع ركعات كانت الركعتان نافلة وإلا تمت الاربع ". وانت خبير بان هذه الرواية قد اشتملت على وصل الاحتياط بالفريضة مثل ما وقع في حسنتي زرارة المتقدمتين اللتين صارتا منشأ لتوهم السيد ومن تبعه ولكن لمعلومية الاحتياط هنا وانه لا يصلح الجزئية من حيث ركعتي الجلوس زال الوهم المذكور. إلا ان اللازم بمقتضى ما توهمه - لو كان صحيحا - ان يكون الحكم


(1) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة. والشيخ يرويه عن الكليني

[ 242 ]

في هذه الرواية هو البناء على الاقل ثم الاتمام بتلك الركعتين من قيام يجعلهما من الصلاة الاصلية ثم الاحتياط بركعتين جالسا وهو لا يقول به ولا يلتزمه. والظاهر انه لا خلاف هنا في البناء على الاكثر إلا ما يتوهمون به من قول الصدوق بالتخيير في جميع افراد الشكوك، وما تقدم من المرتضى في المسائل الناصرية من البناء على الاقل مطلقا وقد عرفت ما في الجميع. والخلاف المشهور هنا انما هو في الاحتياط وقد عرفت ما هو المشهور وما يدل عليه. واما القول الثاني من الاحتياط بركعة قائما وركعتين جالسا فقال في الذكرى انه قوى من حيث الاعتبار لانهما تنضمان حيث تكون الصلاة اثنتين ويجتزأ باحدهما حيث تكون ثلاثا إلا ان النقل والاشتهار يدفعه. وكأنه اشار بالنص الى مرسلة ابن ابى عمير المذكورة مع انه قد روى الصدوق عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل لا يدرى اثنتين صلى ام ثلاثا أم اربعا ؟ ففال يصلى ركعة من قيام ثم يسلم ثم يصلى ركعتين وهو جالس ". وفى كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): " وان شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا أم اربعا فصل ركعة من قيام وركعتني من جلوس ". وربما استشكل في الرواية المذكورة من حيث تضمنها لسؤال الكاظم من ابيه (عليهما السلام) كما اشار إليه في المدارك حيث قال - بعد رد مرسلة ابن ابى عمير بانها قاصرة من حيث الارسال وذكر الصحيحة المذكورة - ما لفظه: إلا ان ما تضمنته الرواية من سؤال الكاظم من ابيه (عليهما السلام) على هذا الوجه غير معهود والمسألة محل اشكال. انتهى. اقول: لا يخفى ان المعلوم من قاعدته - كما نبهنا عليه في غير موضع - انه متى صح سند الرواية جمد على القول بما تضمنته وان خالف مقتضى القواعد والاصول


(1) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة (2) ص 10

[ 243 ]

أو خالف ما هو المعلوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) أو نحو ذلك فلا وجه لهذا الاشكال باعتبار عدم معهودية رواية الكاظم عن ابيه (عليهما السلام) وقد اشتمل كتاب الفقه الرضوي على الرواية عن ابيه (عليهما السلام) في مواضع لا تخفى بقوله (1): " واروى عن العالم وكنت يوما عند العالم " ونحو ذلك ورواياتهم عن آبائهم (عليهم السلام) بعد الموت كثيرة. وبالجملة فان هذا ليس مما يوجب الطعن في السند باصطلاحه. إلا ان نسخ من لا يحضره الفقيه في هذا الخبر مختلفة ففى بعضها " يصلى ركعتين من قيام " وفى سند الرواية ايضا اختلاف ففى بعفها عن ابى ابراهيم (عليه السلام) قال: " قلت له... " إلا ان اكثر النسخ على ما ذكرناه في الخبر. ويؤيده بالنسبة الى الاول خبر كتاب الفقه. وكيف كان فالظاهر في الجمع بين الاخبار المذكورة هو القول بالتخيير وان لم يعلم به قائل من الاصحاب (رضوان الله عليهم). ثم انه على تقدير القول المشهور فهل يجوز ان يصلى بدل الركعتين جالسا ركعة قائما أم لا ؟ اقوال ثلاثة: (احدها) تحتمه ونسبه في الذكرى الى ظاهر الشيخ المفيد في الغرية وسلار. و (ثانيها) عدم الجواز ونسبه في الذكرى الى الاصحاب. و (ثالثها) التخيير لتساويهما في البدلية بل الركعة من قيام أقرب الى حقيقة المحتمل وهو قول العلامة والشهيدين. قال في الذخيرة والاوسط أقرب وقوفا على النص. أقول: ما ذكره جيد لو لم يكن في المسألة إلا رواية ابن ابى عمير المذكورة وأما بالنظر الى ما ذكرناه من صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية كتاب الفقه فالثالث هو الاصح لا باعتبار ما ذكروه من التعليل فانه عليل بل من حيث الجمع بنى الخبرين وان كان ما ذكر انما هو تفريع على القول المشهور. وهل يجب تقديم الركعتين من قيام ؟ فيه ايضا اقوال: (الاول) وجوب ذلك وهو قول الشيخ المفيد في المقنعة والمرتضى في احد قوليه (الثاني) التخيير ونقل


(1) من ص 45 الى ص 52

[ 244 ]

عن ظاهر المرتضى (قدس سره) في الانتصار. (الثالث) تحتم تقديم الركعتين جاسا وقد نقل بعض الاصحاب حكاية قول به. (الرابع) تحتم تقديم الركعة من قيام وهو قول الشيخ المفيد في الغرية. والصواب هو الاخذ بما دل عليه النص في الباب. فائدة قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض وانما خص المصنف واكثر الجماعة من مسائل الشك هذه الاربع لانها مورد النص على ما مر، ولعموم البلوى بها المكلفين فمعرفة حكمها واجب عينا كباقي واجبات الصلاة، ومثلها الشك بين الاربع والخمس وحكم الشك في الركعتين الاوليين والثنائية والثلاثية بخلاف باقى مسائل الشك المتشعبة فانها تقع نادرا ولا تكاد تنضبط لكثير من الفقهاء. وهل العلم بحكم ما يجب معرفته منها شرط في صحة الصلاة فتقع بدون معرفتها باطلة وان لم تعرض في تلك الصلاة ؟ يحتمله تسوية بينها وبين باقى الواجبات والشرائط التى لا تصح الصلاة بدون معرفتها وان اتى بها على ذلك الوجه، وعدمه لان الاتيان بالفعل على الوجه المأمور به يقتضى الاجزاء، ولان اكثر الصحابة لم يكونوا في ابتداء الاسلام عارفين باحكام السهو والشك مع مواظبتهم على الصلاه والسؤال عند عروضه. ولاصالة عدم عروض الشك وان كان عروضه اكثريا. وفى هذه الاوجه نظر واضح وللتوقف مجال. انتهى. اقول: والاصح ما ذكره اخيرا بقوله " وعدمه... الخ " لما حققناه في كتاب الدرر النجفية في درة الجاهل بالاحكام الشرعية وفى مطاوى ابحاث الكتاب من صحة العبادة بدون ذلك. وقد تقدم ايضا في كتاب الطهارة في المقام التاسع من مقامات البحث في النية ما فيه اشارة الى ذلك. (المسألة العاشرة) - لو شك بين الاربع والخمس فالمشهور انه يتم صلاته ويسجد سجدتي السهو.

[ 245 ]

وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار: منها - ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى بعد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت لا تدرى اربعا صليت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا لم تدر اربعا صليت ام خمسا أم نقصت ام زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا ". وعن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا لم تدر اربعا صليت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وانت جالس ثم سلم بعدهما ". ومما استدل به بعض الاصحاب في هذا المقام ايضا صحيحة زرارة أو حسنته (4) قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس وسماهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين ". والمفهوم من هذه الرواية انما هو ان من مواضع سجدتي السهو الشك في الزيادة والنقيصة كما هو ظاهر بعض الاخبار التى قبلها ايضا. واظهر منها في ذلك ما رواه الصدوق بطريقه الى الفضيل بن يسار (5) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السهو فقال من حفظ سهوه فاتمه فليس عليه سجدتا السهو وانما السهو على من لم يدر ازاد في صلاته أم نقص منها ". والمراد بالسهو الشك كما يطلق عليه في الاخبار في غير مقام، وسيأتى ان شاء الله تعالى ان من مواضع سجدتي السهو الشك في الزيادة والنقيصة لهذه الاخبار وبموجب ذلك يجب سجود السهو في جميع صور الشكوك المتقدمة وهو قول الصدوق


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة، وهذه الرواية رواها الكليني في الكافي ج 1 ص 98 ولم ينقلها في الوسائل من التهذيب نعم نقلها في الوافى عنهما.

[ 246 ]

إلا انه يجب تقييد هذه الاخبار بالاخبار الدالة على ابطال الشك المتعلق بالاولتين والثنائية والثلاثية فيخص بما عدا ذلك. والخلاف في هذه المسألة قد وقع في موضعين (احدهما) ما ذهب إليه الصدوق في المقنع من الاحتياط في هذه الصورة بركعتين جالسا حيث قال في الكتاب المذكور: إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهد وسلم وصل ركعتين باربع سجدات وانت جالس بعد تسليمك. وفى حديث آخر تسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة. انتهى. وقال في المختلف - بعد ذكر القول المشهور ونقل قول ابن بابويه المذكور والاستدلال للقول المشهور بصحيحة الحلبي المتقدمة - ما لفظه: ولان الاصل عدم الاتيان بالزيادة فلا يجب عليه شئ، ولان الركعتنى جعلتا تماما لما نقص من الصلاة والتقدير انه شك في الزيادة بعد حفظ الكمال فلا يجب عليه بدل المأتى به. نعم ان قصد الشيخ أبو جعفر ابن بابويه ان الشك إذا وقع في حالة القيام كأنه يقول قيامى هذا لا أدرى أنه لرابعة أو خامسة فانه يجلس إذا لم يكن قد ركع ويسلم ويصلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس ويسجد للسهو وان كان بعد ركوعه قبل السجود فانه يعيد الصلاة. انتهى. اقول: ما ذكره واورده على الصدوق جيد لو كان ما ذكره الصدوق هنا من نفسه وانما هو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على الطريقة التى قدمنا ذكرها، وهذه صورة عبارته (عليه السلام) في الكتاب المشار إليه: وان لم تدر اربعا صليت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهد وسلم وصل ركعتين باربع سجدات وانت جالس بعد تسليمك. وفى حديث آخر تسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة وتشهد فيهما تشهدا خفيفا. انتهى. وهى كما ترى طبق عبارة المقنع كلمة كلمة وحرفا وحرفا إلا في زيادة قوله " وتشهد فيهما تشهدا خفيفا " في عبارة كتاب الفقه. وهو (عليه السلام) قد افتى اولا بالاحتياط ونسب ما دلت عليه الاخبار المتقدمة

[ 247 ]

المعمول عليه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) الى الرواية مؤذنا بتضعيفه. وقد روى الشيخ عن زيد الشحام عن ابى اسامة (1) قال: " سألته عن رجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات ؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد وان كان لا يدرى أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد... الحديث، ورده بعضهم بضعف السند وانه غير معمول عليه بين الاصحاب. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور للاخبار المتقدمة المعتضدة بفتوى الاصحاب (رضوان الله عليهم) قديما وحديثا وهم (عليهم السلام) اعرف بما قالوه في الخبرين المذكورين. الموضع الثاني - ما ذهب إليه جملة من الاصحاب: منهم - الشيخ المفيد والشيخ في الخلاف والصدوق وسلار وابو الصلاح من عدم وجوب سجدتي السهو في هذا الموضع والاخبار المتقدمة كما ترى على خلافه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان للشك بين الاربع والخمس صورا انهاها بعضهم الى ثلاث عشرة صورة إلا انها ترجع عند التحقيق الى ثلاث صور: الاولى - ان يشك قبل الركوع والظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في انه يجلس وينقلب شكه الى الثلاث والاربع فيعمل فيه على ما تقدم في تلك المسألة ويزيد مع ذلك سجدتي السهو لمكان القيام، وقد تقدم ذلك في كلام العلامة في المختلف وهو مؤيد لما حققناه سابقا من انه إذا شك في حال قيامه بين كون قيامه لثالثة أو رابعة فانه لا يكون شكا بين الثلاث والاربع كما توهمه السيد واتباعه بل يكون شكا بين الثنتين والثلاث كما انه في هذه الصورة لا يكون شكا بين الاربع والخمس وانما هو


(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة. ولا يخفى ان " ابا اسامة " كنية زيد الشحام وفى التهذيب ج 1 ص 236 هكذا " عن زيد الشحام ابى اسامة " فكلمة " عن " يحتمل ان تكون من زيادة النساخ.

[ 248 ]

شك بين الثلاث والاربع. وقال شيخنا المحدث الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني في شرح رسالة شيخه الصلاتية - بعد ان ذكر هذه الصورة وذكر انه لا خلاف فيها بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) - انه لا مستند لها بالخصوص إلا ما روى انه " ما اعاد الصلاة فقيه يحتال فيها ويدبرها حتى لا يعيدها " كما في موثقة عمار المروية في الفقيه (1) انتهى اقول: لا يخفى ما فيه فان اخبار الشك بين الثلاث والاربع شاملة لهذه الصورة فانه ما لم يدخل في الركوع يرجع الى ما تقدم، إذ لا فرق بين ان يشك وهو جالس قبل القيام أو بعد القيام وقبل الركوع حسبما فصل في هذه الصورة. الثانية - ان يشك بعد رفع رأسه من السجود أو بعد تمام ذكر السجدة الثانية وان لم يرفع على القولين المقتدمين قريبا، فانه يبنى على الاربع ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو، وعلى ذلك دلت الاخبار المتقدمة في صدر المسألة. الثالثة - الشك بعد الركوع وقبل تمام السجود والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان حكمها كحكم سابقتها في الصحة والبناء على الاربع وسجود السهو. وقطع العلامة (قدس سره) في جملة من كتبه بالبطلان واقتفاه المحقق الشيخ على (قدس سره) على ما نقل عنه. واحتجوا على ذلك بلزوم التردد بين محذورين: الا كمال المعرض للزيادة والهدم المعرض للنقيصة. ورد بان المبطل إنما هو يقين الزيادة لا احتمالها ولو اثر ذلك


(1) هذا اللفظ ورد في رواية حمزة بن حمران المروية في التهذيب ج 1 ص 236 وفى الوسائل في الباب 29 من الخلل في الصلاة من التهذيب واما الصدوق فانه بعد ان ذكر في ج 1 ص 225 رواية عمار المتضمنة للبناء على الاكثر في كل شك المتقدمة ص 222 قال: ومعنى الخبر الذى روى " ان الفقيه لا يعيد الصلاة " انما هو في الثلاث والاربع لا في الاولتين. ويحتمل انه يريد بيان وجه الحيلة والتدبير في موثقة عمار.

[ 249 ]

لاثر في ما لو عرض الشك بعد السجود ايضا مع انهم اتفقوا هناك على الصحة. إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في الروضة نقل الاحتجاج للعلامة هنا بحجة اخرى وهو ان في القول بالصحة هنا خروجا عن مقتضى النصوص فانه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه انه شك بينها وبين ما قبلها، قال (قدس سره) - بعد قول المصنف: وقيل تبطل الصلاة لو شك ولما يكمل السجود إذا كان قد ركع - ما صورته: لخروجه عن المنصوص فانه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه انه شك بينهما. ثم نقل الحجة الثانية وهو تردده بين محذورين ثم ردها بما قدمنا ذكره. ولم يتعرض للجواب عن الحجة الاولى، والسبب فيه انه قد صرح هو وغيره بان الركعة عبارة عن الركوع والسجود فما لم يكملها بتمام السجود لا يصدق حصول الركعة ومتى لم يصدق لم يدخل تحت النصوص، وانما الكلام في تحقيق اتمامها بالرفع من السجود أو باتمام ذكر السجدة الثانية وقد تقدم، ولهذا اوجبوا في صحة الشك والعمل به اتمام الاوليين بالسجود وحينئذ فإذا ثبت ان الركعة عبارة عما ذكر فالشك قبل السجود شك قبل اكمال الركعة وتمامها فلا يدخل تحت النص، لان مرجع الشك بين الاربع والخمس الى انه لا يدرى اتى بخمس أو اربع فإذا لم يتمها فكيف يصدق الشك فيها ؟ وبذلك يظهر لك ان ما ذكروه في المقام - من الحكم بالصحة في ما إذا وقع الشك بين السجدتين وكذا بين الركوع والسجود - مدافع لما ذكروه من عدم تحقق الركعة إلا بالاتمام بالسجود بل بالرفع منه فكيف يصح شكه هنا ويبنى على الاربع ؟ وبالجملة فانه ما لم تتحقق الركعة وتتم بالسجود أو مع الرفع لا يتجه دخوله في الصورة المفروضة، ومن أجل ذلك ان شيخنا المشار إليه في الروضة اغمض النظر عن احتجاجه للعلامة أو لا بالخروج عن محل النص ولم يجب عنه بشئ لاتفاقهم على هذه المقالة المؤذنة بصحة الحجة المذكورة، ولا طريق الى الجواب عن ذلك والخروج من هذا الاشكال إلا بمنع ما ادعوه من ان الركعة عبارة عما ذكروه والقول بانها عبارة عن مجرد الركوع كما هو القول الاخر الذى تقدم ذكره وان تقدم رد صاحب

[ 250 ]

المدارك له بالضعف إلا انه ناشئ عن الغفلة عن هذا الاشكال. والى هذا القول مال المحقق في اجوبة المسائل البغدادية وجعله وجه الجواب عن الوقل بالصحة في المسألة حيث قال - بعد حكمه بالصحة وعدم البطلان في الصورة المذكورة - ما نصه: لان الركعة واحدة الركوع جنس كالسجدة والسجود والركبة والركوب. انتهى. وبذلك يظهران المدار هنا في الجواب عن الاشكال المذكور مبنى على بيان معنى الركعة شرعا وانها عبارة عماذا ؟ فان كانت عبارة عما ذكروه فالحكم بالصحة غير متجه لما عرفت وان كانت عبارة عن مجرد الركوع فما ذكروه من الحكم بالصحة جيد. والمفهوم من الاخبار انها تطلق تارة على مجرد الركوع واخرى على ما يدخل فيه السجود بل التشهد ايضا كقولهم: يتشهد في الركعة الثانية ويسلم في الركعة الرابعة ونحو ذلك. ولعل الكلام في ما عدا الاول انما خرج مخرج التجوز تسمية للكل باسم الجزء ومما يؤيده الاخبار الواردة في صلاة الكسوف حيث اشتملت على التعبير عن الركوع فيها بالركعة كما لا يخفى على من راجعها وهو اقوى حجة في ما ذكرناه. قال في الذكرى: واما الشك بين الاربع والخمس فالنص ان عليه سجدتي السهو كما يأتي، وفصل متأخر والاصحاب (رضوان الله عليه) بما حاصله ان ههنا صورا: (احدها) ان يقع بعد اكمال السجدتين والامر فيه ظاهر. و (ثانيها) ان يقع قبل رفع رأسه من السجدة الثانية والظاهر الحاقه به لان الرفع لا مدخل له في الزيادة. و (ثالثها) ان يقع بين السجدتين فيحتمل الحاقه بها تنزيلا لمعظم الركعة منزلة جميعها ويحتمل عدمه لعدم الاكمال وتجويز الزيادة. و (رابعها) ان يقع بين الركوع والسجود وهى اشكل مسائله، قطع الفاضل فيها بالبطلان لتردده بين محذورين اما القطع وهو معرض للاربع واما الاتمام وهو معرض للخمس. وقطع شيخه المحقق في الفتاوى بالصحة تنزيلا للركعة على الركوع والباقى تابع. وتجويز الزيادة لا ينفى ما هو ثابت بالاصالة، إذ الاصل عدم الزيادة، ولان تجويز الزيادة لو منع لاثر

[ 251 ]

في جميع صوره. و (خامسها) ان يقع في اثناء الركوع فحيتمل الوجهين وان يرسل نفسه فكأنه شاك بين الثلاث والاربع. و (سادسها) ان يقع بعد القراءة وقبل الركوع سواء كان قد انحنى ولم يبلغ حد الراكع أو لم ينحن اصلا. و (سابعها) ان يقع في اثناء القراءة. و (ثامنها) ان يقع قبل القراءة وقد استكمل القيام. و (تاسعها) ان يقع في اثناء القيام. وفى هذه الصور الاربع يلزم الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا لانه شك بين الثلاث والاربع ويرسل نفسه في جميعها ولا يترتب على التعدد فيها شئ سوى احتمال سقوط سجود السهو ما لم يستكمل القيام واحتمال تعدده إذا قرأ. وهذه الاحتمالات التسعة واردة في كل مسألة من المسائل الاربع المتقدمة فلو اريد تركيب مسائل الشك الخمسة تركيبا ثنائيا وثلاثيا ورباعيا حصل منه احدى عشرة مسألة: ست من الثنائي واربع من الثلائى وواحد من الرباعي، فإذا ضربت في الصور التسع كانت تسعا وتسعين مسألة تظهر بادنى تأمل. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: ومرجع هذه التسع التى ذكرها عند التحقيق والتأمل بالنظر الثاقب الدقيق الى ما قدمناه من الثلاث، اما الاربع الاخيرة فلما اعترف به بقوله " وفى هذه الصور الاربع... " من حيث انقلاب الشك الى ما بين الثلاث والاربع والخروج عن محل البحث، ومرجع هذه الاربع الى الصورة الاولى من الثلاث المتقدمة، واما الاول والثانية فمرجعهما الى ما ذكرناه من الصورة الثانية، وما ذكره من التعدد يرجع الى الخلاف في ما يتحقق به اتمام الثانية من الرفع أو مجرد اتمام ذكر سجود الثانية، وقد عرفت ان الذى اختاره ومثله الشهيد الثاني في الروض هو الثاني، واما الثالثة والرابعة والخامسة فمرجعها الى ما ذكرناه من الصورة الثالثة لاشتراك الصور الثلاث المذكورة في عدم الدخول تحت النصوص المتقدمة بالتقريب الذى تقدم تحقيقه لا لما ذكره من الاحتمالات. واما ما ذكره (قدس سره) من ورود هذه الاحتمالات التسعة في كل من المسائل الاربع المتقدمة فصحيح إلا انه يرجع على ما ذكرناه من التحقيق الى الثلاث المتقدمة.

[ 252 ]

واما ما ذكره - من تركيب مسائل الشكوك الخمس تركيبا ثنائيا... الخ - فتوضيحه ان الثنائي ما كان مشتملا على التردد بين طرفين منها وهى الشك بين الاثنتين والثلاث وبين الاثنتين والاربع وبين الاثنتين والخمس وبين الثلاث والاربع وبين الثلاث والخمس وبين الاربع والخمس، فهذه ست صور للثنائي، والثلاثى ما كان مشتملا على التردد بين اطراف ثلاثة وهى الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع وبين الاثنتين والثلاث والخمس وبين الاثنتين والاربع والخمس وبين الثلاث والاربع والخمس، والرباعى ما كان مشتملا على اربعة اطراف كالشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والخمس، فهذه احدى عشرة صورة حاصلة من تركيب الشكوك الخمسة وضم بضعها الى بعض إذا ضربت في ما ذكرناه من الثلاث المتقدمة تبلغ ثلاثا وثلاثين مسألة وان ضربت في ما ذكروه من الاحتمالات التسعة بلغت الى ما ذكره شيخنا المذكور. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد انهى جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) افراد الشكوك الى اعداد اكثرها لا يرع الى طائل لخلوه من الدلائل سوى مجرد التخريجات العقلية والاحتمالات الظنية، ولنشر الى جملة من ذلك ونبين ما هو الاصح لدينا باعتبار المدارك: فمنها - ما لو شك بين الاثنتين والاربع والخمس، وهذا الفرد يشتمل على شكين منصوصين فيلزم فيه ما يلزم فيهما فيبنى على الاربع حينئذ ويحتاط بركعتين قائما ثم يسجد للسهو. ومنها - ما لو شك بين الاثنتين والثلاث والاربع والخمس، ويزيد فيها على الاحتياط الذى في الصورة الاولى ركعتين جالسا لتضمنه الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والحكم فيها ركعتان من قيام وركعتان من جلوس. ومنها - الشك بين الثلاث والاربع والخمس، وهو ايضا يشتمل على شكين

[ 253 ]

منصوصين فيجب فيه ما يجب فيهما وهو الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا ثم السجود للسهو. وتنظر بعض افاضل متأخرى المتأخرين في الاحتياط في هذه الصور الثلاث بما قدمناه لخروجها عن النص فانه إنما تضمن حكم كل منها على حدة واختار في كل منها البناء على الاقل نظرا الى عموم ما دل على البناء على الاقل (1) وشموله لكل شك وفيه اولا - ان النصوص الواردة في احكام تلك الصور التى اسلفناها في المسائل المتقدمة مطلقة لا تقييد فيها بحال انفارد أو اجتماع وان كان الاكثر الانفراد فانها تضمنت ان من شك بين الثلاث والاربع مثلا فالحكم فيه كذا وكذا. وهو كما ترى مطلق شامل باطلاقه الحالين المذكورين فالشك بين الثلاث والاربع والخمس يصدق عليه انه شاك بين الثلاث والاربع فيدخل تحت عموم اخباره وانه شك بين الاربع والخمس فيدخل تحت عموم دليله ايضا. وثانيا - ان ما دل باطلاقه على البناء على الاقل قد أوضحنا في ما تقدم انه انما خرج مخرج التقية (2) وانه غير معمول عليه وان اشتهر في كلامهم الاخذ به والعمل عليه غفلة عما ذكرناه من التحقيق المتقدم في المسألة. ومنها - الشك بين الاثنتين والخمس والشك بين الاثنتين والثلاث والخمس والشك ين الثلاث والخمس. قالوا: وفيه وجه بالبناء على الاقل بناء على اصالة الصحة ولقوله (عليه السلام) (3) " ما اعاد الصلاة فقيه " ولعموم الروايات الدالة على البناء على الاقل (4) ووجه بالابطال لتعذر البناء على أحد الطرفين لاستلزامه التردد بين محذورين، فان البناء على الاكثر موجب الزيادة ومعرض للنقصان والبناء على الاقل معرض للزيادة. ورجح في الذخيرة الاول استنادا الى الادلة المذكورة.


(1) و (4) ص 218 و 221 و 222 (2) ص 223 (3) الوسائل الباب 29 من الخلل في الصلاة.

[ 254 ]

والاظهر البطلان لعدم النص الواضح في ذلك. وما ذكروه من اصالة الصحة كلام شعرى، ومن عموم تلك الروايات فقد عرفت ما فيه. واما حديث " ما اعاد الصلاة فقيه " فالعجب منهم في الاستدلال به في غير موضع مع ورورد النص بتخصيصه بالثلاث والاربع كما تقدم في صحيحة عبيد ابن زرارة الواردة بالابطال في صورة الشك بين الاثنتين والثلاث (1) حيث قال له الراوى: " أليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه ؟ قال انما ذلك في الثلاث والاربع ". ومثلها ايضا ما رواه الصدوق في معاني الاخبار (2) بسنده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: " كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل فسأله عن رجل لم يدر واحدة صلى أو اثنتين ؟ فقال له يعيد الصلاة. فقال له فاين ما روى ان الفقيه لا يعيد الصلاة ؟ قال انما ذلك في الثلاث والاربع ". وما قدمنا ذكره في المسألة السادسة (3) نقلا عن الصدوق في المقنع حيث قال: " وسئل الصادق (عليه السلام) عن من لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا ؟ قال يعيد الصلاة قيل فاين ما روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الفقيه لا يعيد الصلاة ؟ قال إنما ذلك في الثلاث والاربع ". فهذه جملة من الروايات الدالة على التخصيص فكيف يحسن مع ذلك الاستناد الى عموم الخبر المذكور كما صاروا إليه ؟ تتمة قال في المختلف: لو شك بين الاربع وما زاد على الخمس قال ابن ابى عقيل ما يقتضى انه يصنع كما لو شك بين الاربع والخمس، لانه قال تجب سجدتا السهو في موضعين: من تكلم ساهيا ودخول الشك عليه في اربع ركعات أو خمس فما عداها واستوى وهمه في ذلك حتى لا يدرى صلى اربعا أو خمسا أو ما عداها. ولم نقف


(1) ص 215 (2) ص 51 وفى الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (3) ص 210

[ 255 ]

لغيره في ذلك على شئ. وما قاله محتمل لان رواية الحلبي تدل عليه من حيث المفهوم ولانه شك في الزيادة فلا يكون مبطلا للصلاة لاحراز العدد ولا مقتضيا للاحتياط إذ الاحتياط يجب مع شك النقصان فلم يبق إلا القول بالصحة مع سجدتي السهو، مع انه يحتمل الاعادة لان الزيادة مبطلة فلا يقين بالبراءة. والحمل على المشكوك فيه قياس فلا يتعدى صوره المنصوص. انتهى. اقول: وما احتمله اولا قد مال إليه جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) منهم الشهيدان وغيرهما، قالا في الرسالة الصلاتية وشرحها: الثاني عشر - ان يتعلق الشك بالسادسة فما زاد وفيه وجه بالبطلان مطلقا لان زيادة الركن مبطلة اجماعا ومع احتمالها لا يتيقن البراءة من الصلاة التى قد اشتغلت الذمة بها بيقين. وضعفه ظاهر فان تجويز زيادة الركن لو اثر لبطل حكم كثير من الصور السابقة مع النص على صحتها والاجماع على صحة بعضها. واحتمال خروج تلك عن الحكم بالنص يندفع باصالة عدم الزيادة والشك في المبطل. ووجه آخر بالبناء على الاقل لاصالة عدم الزيادة والبناء على الاكثر أو الاربع موقوف على النص لخروجه عن الاصل وهو مفقود هنا والفساد غير معلوم. وفيه وجه ثالث اشار إليه بقوله: " أو يجعل حكمه حكم ما يتعلق بالخمس فيصح حيث يصح وببطل حيث يبطل ويجب سجود السهو في موضع الصحة ويلزمه الاحتياط مع السجود في موضع اجتماعهما " والى هذا الاحتمال ذهب ابن ابى عقيل من القدماء ومال إليه المصنف والعلامة ورجحه الشارح المحقق، وهو الظاهر تمسكا بظواهر النصوص الدالة على عدم بطلان الصلاة بمجرد احتمال الزيادة، ولعموم قوله تعالى " ولا تبطلوا اعمالكم " (1) وان الفقيه لا يعيد صلاته (2) واطلاق قول الصادق (عليه السلام) (3) في صحيحة الحلبي " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم زدت أم نقصت فتشهد وسلم واجسد سجدتي السهو " انتهى.


(1) سورة محمد، الاية 35 (2) في صحيح عبيد بن زرارة ص 215 (3) الوسائل الباب 14 و 20 من الخلل في الصلاة

[ 256 ]

اقول وبالله التوفيق للهداية الى سواء الطريق: لا يخفى ان ما استند إليه من الادلة في الحاق حكم تعلق الشك بالسادسة بتعلقه بالخامسة لا يخلو من شوب النظر والاشكال: اما تمسكه بظواهر النصوص الدالة على عدم بطلان الصلاة بمجرد احتمال الزيادة أي زيادة الركن، فان اريد بها النصوص الواردة في الشك بين الاربع والخمس مع البناء على الاربع المستلزم لاحتمال زيادة الخامسة فهو صحيح بالنسبة الى مورده، وحمل تعلقه بالسادسة على ذلك قياس محض، إذ ليس فيها ما يدل على ازيد من هذه الصورة، وان اراد النصوص الواردة في بقية صور الشكوك المتقدمة فليس فيها ما يدعيه فانه مع البناء على الاكثر والاحتياط بما ذكر فيها من اتمام الناقص على تقدير احتمال النقص لا يتضمن احتمال زيادة الركن، لانه مع بنائه على الاكثر فان كان الامر كذلك واقعا صار الاحتياط نافلة وإلا كان متمما فلا احتمال فيها لزيادة الركن وليس هنا نصوص واردة بوجه كلى حسبما ادعاه ليتم الاستناد إليها. واما تمسكه بعموم قوله تعالى " ولا تبطلوا اعمالكم " فقد تقدم ما فيه في غير موضع، والظاهر من سياق الاية انما هو ابطال الاعمال بالكفر لا ما يتناقلونه في كلامهم ويتداولونه على رؤوس اقلامهم من مثل هذا المقام ونحوه من الاحكام. واما التمسك بحديث " ان الفقيه لا يعيد صلاته " فقد عرفت ما فيه آنفا. واما صحيحة الحلبي فهى لا تلخو من الاجمال القابل لتعدد الاحتمال، والاستدلال بها هنا مبنى على ان المراد فيها بيان نوع واحد من الشك بين التام وبين الناقص والزائد بركعة وازيد كالشك بين الثلاث والاربع والخمس والست فيكون تقدير الكلام: إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت عن الاربع أم زدت على الخمس، فيكون شاملا للشك بين الاربع والخمس والازيد منهما والانقص، نعم يخرج ما اشتمل على الشك في الاوليين بالاخبار الدالة على الابطال ويبقى ما عدا ذلك. والاحتمال الثاني في الرواية المذكورة ان يكون " ام " في قوله " ام نقصت

[ 257 ]

أم زدت " بمعنى " أو " وهو المصرح به في روايتي المقنع وكتاب الفقه الرضوي وان كان الظاهر انهما رواية واحدة كما تقدم ذكره في صدر هذه المسألة، فيكون بيانا لنوع آخر من الشك وهو الشك في الزيادة والنقيصة وهو أحد موجبات سجود السهو. وهذا الاحتمال هو الاظهر لما تقدم في صدر المسألة من دلالة صحيحة زرارة أو حسنته وكذا صحيحة الفضيل بن يسار على هذا الفرد وانه احد موجبات سجدتي السهو، وان لم يكن هذا الاحتمال ارجح فلا اقل ان يكون مساويا وبه يبطل الاستدلال معتضدا ذلك بروايتي المقنع وكتاب الفقه. وزاد بعض مشايخنا المحدثين من متأخرين المتأخرين في الاستدلال على ما ذكره في شرح الالفية الاستدلال بقول الكاظم (عليه السلام) في موثقة اسحاق ابن عمار المروية في الفقيه (1) " إذا شككت فابن على اليقين. قال: قلت هذا أصل ؟ قال نعم ". وفيه ما عرفت آنفا من ان هذا الخبر ونحوه إنما خرج مخرج التقية لما قدمناه من بيان مذهب العامة (2) ومعارضته ونحوه بما هو أصح سندا واكثر عددا واصرح دلالة فلا يبقى للتمسك به وجه. ثم انه على تقدير ما ذكره هؤلاء الاعلام من تصحيح الشك المتعلق بالسادسة قالوا تكون الصور فيها خمس عشرة صورة: سبع منها مع ضميمة ما زاد على الخامسة إليها وادخال ما نقص عنها وسبع مع انفرادها عنها وواحدة مع اشك فيهما خاصة بان تحقق الزيادة على الاربع، فاربع من الجميع ثنائية وست ثلاثية واربع رباعية وواحدة خماسية. فالاولى اعني الاربع الثنائية الشك بين الاثنتين والست والشك بين الثلاث والست والشك بين الاربع والست والشك بين الخمس والست. والثانية اعني الست الثلاثية الشك بين الاثنتين والثلاث والست، والشك


(1) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة (2) ص 222 و 223

[ 258 ]

بين الاثنتين والاربع والست، والشك بين الاثنتين والخمس والست، والشك بين الثلاث والاربع والست، والشك بين الثلاث والخمس والست، والشك بين الاربع والخمس والست. والثالثة اعني الاربع الرباعية الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والست والشك بين الاثنتين والثلاث والخمس والست، والشك بين الاثنتين والاربع والخمس والست، والشك بين الثلاث والاربع والخمس والست. والرابعة اعني الواحدة الخماسية الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والخمس والست. قالوا: والمراد بالست في جميع ما ذكر الست فما فوقها لاشتراك الجميع في الوصف وهو الزيادة على الخامسة المشار إليها في صحيحة الحلبي بقوله " زدت " والاشتراك ايضا في الحكم بناء على ما قدمنا نقله عنهم. فهذه خمس عشرة صورة تضاف الى ما تقدم في كلام الشهيد في الذكرى من الصور الاحد عشر ثم تضرب في الاحوال التسعة المتقدمة ثمة ايضا والمجتمع مائتان واربعة وثلاثون هي مسائل الشك التى يقع البحث عنها من حيث الصحة والبطلان. وأنت خبير بانه على ما اخترناه من بطلان الشك المتعلق بالسادسة تسقط هذه الصور الخمس عشرة رأسا وعلى تقدير ما ذكروه من الصحة يصح منها ما صححوه في صور التعلق بالخمسة. والله العالم. - (المسألة الحادية عشرة) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا سهو في سهو. وهذه العبارة لا تخلو من الاجمال وتعدد الاحتمال في هذا المجال ابن البخترى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ليس على الامام سهو ولا على من خلف الامام سهو ولا على السهو سهو ولا على الاعادة اعادة ".


(1) الوسائل الباب 24 و 25 من الخلل في الصلاة

[ 259 ]

وما رواه الكليني في مرسلة يونس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) من قوله: " ولا سهو في سهو ". قال العلامة في كتاب المنتهى: ومعنى قول العلماء: " لا سهو في السهو " أي لا حكم للسهو في الاحتياط الذى يوجبه السهو كمن شك بين الاثنتين والاربع فانه يصلى ركعتين احتياطا فلو سها فيهماو لم يدر صلى واحدة أو اثنتين لم يلتفت الى ذلك. وقيل معناه ان من سها فلم يدر هل سها ام لا ؟ لا يعتد به ولا يجب عليه شئ. والاول أقرب. والظاهر ان مراده بعدم الالتفات الى ذلك البناء على الفعل المشكوك فيه كما هو ظاهر المحقق في المعتبر فانه يحذو في المنتهى حذوه في الاكثر حيث قال في المعتبر: ولا حكم للسهو في السهو لانه لو تداركه امكن ان يسهو ثانيا فلا يتخلص من ورطة السهو، ولان ذلك حرج فيسقط اعتباره، ولانه شرع لازالة حكم السهو فلا يكون سببا لزيادته. ثم انه ذكر جمع من أصحابنا المتأخرين (رضوان الله عليهم) انه يمكن أن يراد بالسهو في كل من الموضعين معناه المتعارف الذى هو عبارة عن نسيان بعض الافعال، ويمكن أن يراد به الشك فيحصل من ذلك صور اربع. أقول: وتفصيل الكلام في هذه المقام بوجه واضح لجميع الافهام لا يحوم حوله ان شاء الله تعالى نقض ولا ابرام هو انه لما كان السهو يطلق في الاخبار على الشك زيادة على معناه اللغوى وعلى ما هو اعم اطلاقا شائعا كما لا يخفى على من راجعها وتتبع مظانها ومواضعها فيحتمل هنا حمل كل من اللفظين على كل من المعنيين فتحصل من ذلك صور أربع وهى التى ذكرها الاصحاب، وهى السهو في السهو والشك في الشك والسهو في الشك والشك في السهو، إلا انه لما كان الثاني من اللفظين على أي كان من المعنيين محتملا للموجب بكسر الجيم والموجب بفتحها فانه يلزم انحلال هذه


(1) الوسائل الباب 25 من الخلل في الصلاة

[ 260 ]

الصور الاربع الى ثمان صور ناشئة من ضرب اربعة في اثنين. وها نحن نفصل الكلام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم الصلاة والسلام) وان طال به زمام الكلام لما فيه من عموم النفع والفائدة في المقام فنقول: (الصورة الاولى) - الشك في موجب الشك بكسر الجيم أي شك في انه هل شك في الفعل أم لا ؟ وقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا يتلفت إليه وفصل بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين (رضوان الله عليهم) فقال بعد ذكر ما نقلناه عن الاصحاب: والتحقيق انه ان كان الشكان في زمان واحد وكان محل الفعل المشكوك فيه باقيا ولا يترجح عنده في هذا الوقت الفعل أو الترك فهو شاك في أصل الفعل ولم يتجاوز محله فمقتضى عمومات الادلة وجوب الاتيان بالفعل ولا يظهر من النصوص استثناء تلك الصورة، ويشكل تخصيص العمومات ببعض المحامل البعيدة لقوله (عليه السلام): " ولا سهو في سهو " ولو ترجح عنده أحد طرفي الفعل والترك فهو جازم بالظن غير شاك في الشك، ولو كان بعد تجاوز المحل فلا عبرة به. ولو كان الشكان في زمانين - ولعل هذا هو المعنى الصحيح لتلك العبارة - بان شك في هذا الوقت في انه هل شك سابقا ام لا ؟ فلا يخلو اما ان يكون شاكا في هذا الوقت ايضا ومحل التدارك باق فيأتى به أو تجاوز عنه فلا يلتفت إليه، أو لم يبق شكه بل اما جازم أو ظان بالفعل أو الترك فيأتى بحكمهما. ولو تيقن بعد تجاوز المحل حصول الشك قبل تجاوز محله ولم يعمل بمقتضاه فلو كان عمدا بطلت صلاته ولو كان سهوا فيرجع الى السهو في الشك وسيأتى حكمه هذا إذا استمر الشك، ولو تيقن الشك واهمل حتى جاز محله عمدا بطلت صلاته ولو كان سهوا يعمل بحكم السهو، ولو تيقن الفعل وكان تأخير الفعل المشكوك فيه الى حصول اليقين عمدا بطلت صلاته ايضا ان جاوز محله وان كان سهوا فلا تبطل صلاته. وكذا الكلام لو شك في انه هل شك سابقا بين الاثنتين والثلاث أو بين الثلاث والاربع، فان ذهب شكه الان وانقلب باليقين أو الظن فلا عبرة به

[ 261 ]

ويأتى بما تيقنه أو ظنه، وإذا استمر شكه فهو شاك في هذا الوقت بين الاثنتين والثلاث والاربع. وكذا الكلام لو شك في أن شكه كان في التشهد أو في السجدة قبل تجاوز المحل أو بعده. وبالجملة الركون الى تلك العبارة المجملة وترك القواعد المقررة المفصلة لا يخلو من إشكال. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما فصله (قدس سره) من التحقيق جيد رشيق لكنه من مفهوم العبارة بمحل سحيق، فانه لا يخفى ان الشك في الشئ يقتضى تقدم زمان المشكوك فيه بمعنى انه لا يدرى الان ان هذا الفعل المشكوك فيه وقع في الزمان المتقدم أم لا غاية الامر انه بالنسبة الى الشك في الافعال قد يكون القوت الذى حصل فيه الشك مما يمكن التدارك فيه بان لم يدخل في فعل آخر وقد يكون مما لا يمكن التدارك فيه لدخوله في شئ آخر، فمعنى قوله: " انه شك بين الثنتين والثلاث " انه لا يدرى الان هل صلى قبل هذه الحالة التى عرض فيها الشك ثنتنى أو ثلاثا ؟ وكذا لو شك في التشهد والسجود بمعنى انه الان لا يدرى انه قد حصل منه سباقا سجود أو تشهد مثلا، هكذا في هذه العبارة ايضا بعين ما ذكرنا، ففرضه اجتماع الشكين مما لا وجه له في البين. وهذا المعنى هو الذى رتب عليه الفقهاء الحكم بعدم الالتفات ثم ان ظاهر عبائر الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو كون المشكوك فيه الشك بقول مطلق لا شك مقيد بكونه في سجدة أو تشهد أو بين الركعات أو نحو ذلك حتى يلزم فيه هذا التفصيل، فانه لا ريب انه يجب فيه لو كان كذلك ما رتبه من الاحكام ولا اظن احدا من الفقهاء يتجشم الخروج عن هذه الاحكام الظاهرة المتفق عليها بينهم نصا وفتوى بمثل هذا اللفظ المجمل كما ظنه (قدس سره) بل ظاهر عبائرهم إنما هو ما قلناه من الشك المطلق، ولهذا اتفقوا على عدم الالتفات إليه بقول مطلق، وكلامهم هنا إنما هو مجرد فرض احتملوه في ظاهر هذا اللفظ واسقطوه لعدم ترتب حكم شرعى عليه بالكلية. والله العالم. (الثانية) - الشك في موجب الشك بفتح الجيم بمعنى انه شك في ما اوجبه

[ 262 ]

الشك من صلاة إحتياط أو سجود سهو وله افراد: منها - ان يشك بعد الفراغ من الصلاة في انه هل اتى بالفعل الذى اوجبه الشك من صلاة احتياط أو سجود سهو أو لم يأت به ؟ والظاهر انه لا إشكال في وجوب الاتيان به لتيقن حصول السبب الموجب وتيقن اشتغال الذمة والشك في الخروج عن عهدة التكليف مع بقاء الوقت كما لو شك في الوقت هل صلى ام لا ؟ ومنها - ان يعلم بعد الصلاة حصول شك منه يجوب الاحتياط مثلا إلا انه شك في انه هل يوجب ركعتين من قيام أو ركعتين من جلوس ؟ والظاهر هنا هو وجوب الاتيان بهما معا لتوقف البراءة اليقينية على ذلك، ونظيره في الاحكام الشرعية غير عزيز، ومنه من فاتته فريضة وشك في كونها ظهرا أو صبحا مثلا فانه يجب على الاتيان بهما معا. ومنها - ما لو شك في ركعات الاحتياط أو في افعالها أو في عدد سجدتي السهو أو في افعالها، وهدا الفرد هو الذى ينطبق عليه مدلول الخبر المذكور، وأكثر الاصحاب خصوا الخبر بهذا الفرد وبصورة الشك في موجب السهو. وعلى هذا فلو شك في عدد ركعتي الاحتياط يبنى على الاكثر ويتم ما لم يستلزم الزيادة المبطلة وإلا بنى على الاقل فيبنى على الصحيح دائما ولا يلزمه احتياط ولا سجود سهو. ولو وقع شك في فعل من افعالهما لم يلتفت إليه وان كان في محله بل يبنى على وقوعه. وقيل يبنى على الاقل في اعداد الركعات ويأتى بالفعل المشكوك فيه لو لم يتجاوز محله، ونقل عن المحقق المولى الاردبيلى (قدس سره) الميل إليه معللا له بعدم صراحة النص في سقوط ذلك واصل بقاء شغل الذمة، ولعموم ما ورد في وجوب العود الى المشكوك فيه. وفى هذه الادلة مناقشات سيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى. والحكم وان كان ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه وكلام المحقق المذكور انما هو

[ 263 ]

على جهة الايراد والمناقشة للاصحاب وإلا فهو لم يجزم به إلا انه عندي لا يخلو من اشتباه والعمل فيه بالاحتياط عندي لازم فيأتى بالاحتياط على ما ذكره الاصحاب ثم يعيد الصلاة من رأس. وبالجملة فان ما ذكرناه من هذا الفرد الاخير هو الذى ينطبق عليه الخبر كما ذكرنا وإلا فالافراد المتقدمة من حيث وجوب التدارك فيها لا يمكن حمل الخبر عليها كما هو ظاهر، ويحتمل دخولها تحت الخبر المذكور باعتبار انه لم يترتب عليها في خصوص هذا الشك شئ زائد على ما تقرر في سائر المواضع والظاهر بعده. (الثالثة) - الشك في موجب السهو بكسر الجيم أي في نفس السهو كان شك في انه هل عرض له سهو أم لا ؟ وظاهر الاصحاب الاطلاق في انه لا يلتفت إليه. وفصل شيخنا المشار إليه آنفا هنا ايضا فقال بعد نقل كلام الاصحاب واطلاقهم عدم الالتفات فيه: والتحقيق انه لا يخلو اما ان يكون ذلك الشك بعد الصلاة أو في اثنائها، وعلى الثاني لا يخلو اما ان يكون محل الفعل باقيا بحيث إذا شك في الفعل يلزمه العود إليه أم لا ؟ ففى الاول والثالث لا شك انه لا يلتفت إليه لانه يرجع الى الشك بعد تجاوز المحل وقد دلت الاخبار الكثيرة على عدم الالتفات إليه، واما الثاني فيرجع الى الشك في الفعل قبل تجاوز محله وقد دلت الاخبار على وجوب الاتيان بالفعل المشكوك فيه، ولعل كلام الاصحاب ايضا مخصوص بغير تلك الصورة. انتهى. اقول: الظاهر ان كلام الاصحاب انما ابتنى على تعلق الشك بمطلق السهو من غير تقييد بعين ما قلنا في الصورة الاولى، ولهذا ان جملة منهم ممن صرح بعدم الالتفات ذكروا فروعا في المسألة بالنسبة الى السهو المقيد ورتبوا عليه احكام الشك كما لا يخفى على من راجع مطولاتهم. (الرابعة) - الشك في موجب السهو بفتح الجيم وله ايضا صور: منها - ان يقع منه سهو يلزمه تدارك ذلك بعد الصلاة كالتشهد والسجود مثلا أو سجدتي السهو

[ 264 ]

ثم يشك بعد الصلاة في انه هل اتى به ام لا ؟ والظاهر انه لا إشكال ولا خلاف في وجوب الاتيان به بعين ما قدمناه في الفرد الاول من افراد الصورة الثانية. ومنها - ان يشك في اثناء السجدة المنسية أو التشهد المنسى في التسبيح أو الطمأنينة أو بعض فقرات التشهد، ولا إشكال في انه يجب عليه الاتيان به متى كان المحل باقيا وأنت خبير بان شيئا من هذين الفردين لا يدخل في مصداق الخبر المذكور إلا على المعنى الذى احتملناه اخيرا في الصورة الثانية. ومنها - أن يشك في عدد سجدتي السهو أو افعالهما قبل تجاوز المحل فانه يبنى على وقوع المشكوك فيه إلا ان يستلزم الزيادة فيبنى على الصحيح. وهذا الفرد مصداق الخبر في هذه الصورة يقينا. (الخامسة) - السهو في موجب الشك بكسر الجيم أي في الشك نفسه، والظاهر انه غير داخل في مصداق النص المذكور. ويمكن فرضه في ما لو شك في فعل يجب تداركه كالسجدة قبل القيام وكان يجب عليه فعلها فسهاو لم يأت بها فلو ذكر الشك والمحل باق يأتي بها ولو ذكر بعد تجاوز المحل لا يلتفت إليه لانه يرجع الى الشك بعد تجاوز المحل. واستشكل فيه بعض الافاضل بانه يمكن ان يقال ان هذا الفعل الواجب بسبب الشك بمنزلة الفعل الاصلى في الوجوب، لان هذه السجدة صارت واجبة بالشك فيها في محل يجب تداركها فيه وهو قد سها عن ذلك الشك، فكما ان السجدة الاصلية إذا سها عنها وذكر قبل الركوع يأتي بها ولو ذكر بعد الركوع يقضيها بعد الصلاة فكذا هذه السجدة الواجبة يجب الاتيان بها لو ذكرها بعد القيام وقبل الركوع لانه خرج عن حكم الشك في أصل الفعل بسبب ما لزمه من السجدة بسبب الشك فقد تيقن ترك سجدة واجبة والوقت باق فيجب الاتيان بها. ويمكن ان يجاب بان شمول ادلة السهو في افعال الصلاة واجزائها لما نحن فيه غير معلوم ولا متيقن، فان المتبادر منها كون تلك الافعال التى عرض الشك فيها

[ 265 ]

اجزاء حقيقة الصلاة فان قولهم " من شك في سجدة فحكمه كذا ومن شك في الركوع فحكمه كذا " انما يتبادر الى الاجزاء الاصلية التى تركبت الصلاة منها لا مثل هذه السجدة التى إنما حصل وجوبها بالشك، وفى ما نحن فيه لم يحصل اليقين بترك الفعل الاصلى والجزء الحقيقي حتى يجب تداركه في الصلاة أو بعدها بتلك العمومات بل انما حصل اليقين بترك فعل وجب الاتيان به بسبب الشك ودخول مثله في العمومات غير معلوم فيرجع الى حكم الاصل وهو عدم وجوب قضاء الفعل. وبالجملة فانهم قد قرروا في غير مقام ان الاحكام المودعة في الاخبار إنما تنصرف الى الافراد الشائعة المتكررة الوقوع، ولا ريب ان هذه الفروض المذكورة نادرة اتم الندور والتكرار في احكام الشكوك والسهو إنما هو بالنسبة الى افعال الصلاة الاصلية. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحوط - لو اتفق ذلك - المضى في الشك ثم الاعادة. ومما يتفرع على هذا الاشكال ما لو شك في السجدتين معا في حال الجلوس فنسى ان يأتي بهما حتى قام فذكر في القيام أو بعد الركوع فعلى تقدير كونهما بحكم الاجزاء الاصلية يجب عليه العود في الاول وتبطل الصلاة في الثاني وعلى الوجه الاخر لا يلتفت إليه أصلا. (السادسة) - السهو في موجب الشك بفتح الجيم ويحصل فرض ذلك في مواضع: منها - ان يسهو عن فعل في صلاة الاحتياط أو في سجدتي السهو اللتين لزمتا بسبب الشك في الصلاة، والاشهر الاظهر انه لا يجب عليه لذلك سجود السهو لان الادلة الدالة على وجوب سجدتي السهو غير معلوم شمولها لمثل صلاة الاحتياط وسجود السهو بل الاظهر اختصاصها باصل الفرائض. ومنها - ان يسهو في فعل من افعال صلاة الاحتياط أو سجود السهو وذكر في محله الحقيقي، والظاهر انه لا إشكال في وجوب الاتيان به كما إذا نسى سجدة من

[ 266 ]

صلاة الاحتياط وذكرها قبل القيام أو قبل الشروع في التشهد، إذ ليس الاتيان بها من جهة السهو حتى يسقط بالسهو في السهو بل وجوب الاتيان بها إنما نشأ من أصل الامر بصلاة الاحتياط والامر بسجدتي السهو فان الامر بالشى يقتضى الامر بجميع اجزائه. هذا إذا كان في محل الفعل واما إذا جاز عنه ولم يجز عن محل تدارك الفعل المنسى إذا كان في أصل الصلاة فهل يكون الحكم هنا كالحكم في الصلاة في وجوب التدارك والسجود أم لا ؟ ظاهر جملة من المتأخرين: منهم - شيخنا الشهيد الثاني الاول، وتنظر فيه بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين معللا ذلك بانه بعد الشروع في فعل آخر فات محله المأمور به بالامر الاول والتدارك والعود يحتاج الى دليل وشمول دلائل العود الواردة في الصلاة لصلاة الاحتياط ممنوع. والمسألة لا تخلو من الاشكال. ومنها - ان يسهو عن صلاة الاحتياط وسجدتي السهو الواجبتين بسبب الشك فلا يأتي بشئ من ذلك بعد الصلاة ثم انه يذكر بعد ذلك فهذا السهو لا يترتب عليه حكم، فانه ان ذكر قبل عروض المبطل للصلاة فلا خلاف ولا إشكال في صحة الصلاة ووجوب الاتيان بهما كما سيأتي بيانه في المسألتين المذكورتين ان شاء الله تعالى ومع عروض المبطل فهو محل خلاف كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى وان الاظهر الصحة ايضا فلا يترتب على هذا السهو حكم. (السابعة) - السهو في موجب السهو بكسر الجيم أي في نفس السهو كأن يترك السجدة الواحدة أو التشهد سهوا ثم يذكر بعد القيام وكان الواجب عليه العود الى ما نسيه فنسى العود والسهو، وحينئذ فان ذكر قبل الركوع اتى به وان ذكر بعده تداركه بعد الصلاة مع سجدتي السهو على المشهور. ولو كان السهو عن السجدتين معا وذكرهما في حال القيام ولم يأت بهما سهوا ثم ذكرهما بعد الركوع بطلت صلاته. ومن ذلك يظهر انه لا يترتب على السهو هنا حكم جديد بل ليس حكمه إلا حكم السهو

[ 267 ]

في أصل الفعل. وكذا لو نسى ما يجب تداركه بعد الصلاة من الاجزاء المنسية التى يجب قضاؤها أو سجود السهو لها فانه يجب الاتيان بهما بعد الذكر إذ ليس لهما وقت معين ومع عروض المبطل فالاظهر ايضا وجوب الاتيان بهما كما عرفت في تلك المسألة (الثامنة) - السهو في موجب السهو بفتح الجيم، والهسو قد يوجب سجدتي السهو وقد يوجب قضاء السجدة والتشهد وقد يوجب الرجوع الى الفعل وتداركه في الصلاة ما لم يتجاوز محل التدارك. وفى جميع هذه الصور قد يتعلق السهو بنفس الفعل المتروك أو باجزائه، فإذا سها في الثلاثة الاول عن نفس الفعل بعد الغراغ من الصلاة ثم ذكر بعد ذلك وجب عليه الاتيان به بعد الذكر، وفى الرابع يأتي به ان ذكره في محل التدارك وإلا فان كان مما يقضى قضاه وإلا سقط، فالسهو في جميع هذه الافراد ليس فيه زيادة على الاحكام المقررة قبله. وعلى هذا تكون الصورة غير داخلة في مصداق الخبر كما ذكرنا سابقا. ويحتمل انه باعتبار عدم ترتب شئ على خصوص هذا السهو يصدق عليه انه لا سهو في سهو أي لا شئ يترتب عليه. إلا ان المتبادر من هذه العبارة المذكورة انه من حيث كونه سهوا في سهو لا يترتب عليه شئ بالكلية بل يكون حكمه حكم ما لو لم يكن ثمة سهو بالمرة وعدم الترتب هنا ليس من هذه الحيثية بل من حيثية اخرى. وقد يتعلق باجزء ذلك الفعل كأن يسهو في فعل من افعال الفعل الذى يقضيه بعد الصلاة وهو السجدة أو التشهد، وهل يلحقه ما يلحق افعال الصلاة من الاحكام ؟ ظاهر الاصحاب العدم الظاهر هذا الخبر. واحتمل بعض مشايخنا المحققين مساواته للصلاة في الاحكام وهو الاحوط. هذا. واما قوله في الخبر " ولا على الاعادة اعادة " فانه قد ذكر اصحابنا (رضوان الله عليهم) فيه احتمالين (احدهما) ما رجحه شيخنا المجلسي ونقله عن والده (طاب ثراهما) من انه إذا صدر منه شك أو سهو مبطل بحيث لزمته الاعادة ثم صدر في

[ 268 ]

الاعادة ما يوجب الاعادة ايضا فانه لا يلتفت إليه. و (ثانيهما) ان من صلى منفردا ثم وجد الامام فاعاد استحبابا فانه لا يعيد مع امام آخر. والظاهر رجحان الاول فان نظم هذه العبارة مع قوله " لا سهو في سهو " في محل واحد ومقام واحد قرينة على ذلك، إذا المعنى الثاني لا مناسبة له في المقام وان كان صحيحا في حد ذاته. إلا ان الاحوط الاعادة في الصورة الاولى ايضا لتشابه الخبر وعدم تيقن هذا المعنى منه. وفى الخبر ايضا احتمالات اخر لا تخلو من البعد. والله العالم. (المسألة الثانية عشرة) - لا يخفى ان ما تقدم في احكام السهو في سابق هذا المطلب وما تقدم في هذا المطلب من احكام الشك كله مخصوص بالانسان نفسه واما ما يتعلق بالامام والمأموم فلم يجر له ذكر في البين في شئ من الموضعين، فلابد من بيان ذلك هنا ان شاء الله تعالى في مقامين: (الاول) - في الشك الحاصل لهما، لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في رجوع كل من الامام والمأموم الى الاخر لو شك وحفظ عليه الاخر، وهو مقطوع به في كلامهم كما نقله غير واحد من المتأخرين. ويدل عيه زيادة على ما تقدم في سابق هذه المسألة من صحيحة حفص أو حسنته (1) ما رواه ثقة الاسلام (قدس سره) عن يونس عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الامام يصلى باربعة انفس أو خمسة انفس فيسبح اثنان على انهم صلوا ثلاثا ويسبح ثلاثة على انهم صلوا اربعا ويقول هؤلاء قوموا ويقول هؤلاء اقعدوا والامام مائل مع احدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه ؟ قال ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق منهم (3) وليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام، ولا سهو في سهو، وليس في المغرب والفجر سهو ولا في الركعتين الاولتين من كل صلاة ولا في نافلة، فإذا اختلف على الامام من خلفه فعليه وعليهم


(1) ص 258 (2) الفروع ج 1 ص 99 و 100 وفى الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (3) راجع التعليقة 1 و 2 ص 269

[ 269 ]

في الاحتياط الاعادة والاخذ بالجزم " وفى التهذيب (1) " بايقان " عوض لفظ " اتفاق ". وقال في من لا يحضره الفقيه (2): في نوادر ابراهيم بن هاشم " انه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن امام يصلى باربعة نفر أو خمسة فيسبح... الحديث " بدون قوله " ولا في نافلة ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (3) قال: " سألته عن رجل يصلى خلف الامام لا يدرى كم صلى هل عليه سهو ؟ قال ". وما رواه الصدوق في الفقيه عن محمد بن سهل عن الرضا عليه السلام (4) قال: " الامام يحمل اوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح ". ونحوه روى الكليني والشيخ عنه عن محمد بن يحيى رفعه عن الرضا عليه السلام (5) قال: " الامام يحمل اوهام من خلفه الا تكبيرة الافتتاح ". وتحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بيان امور (احدها) قد عرفت مما قدمنا ان السهو يطلق في الاخبار كثيرا على الشك وعلى ما يشمله والمعنى المشهور ولا ريب في شمول الاخبار المذكورة لكل منهما، ولا خلاف في رجوع كل من الامام والمأموم عند عروض الشك الى الاخر مع حفظه له في الجملة سواء


(1) ج 1 ص 261 وفى المطبوع من الكافي " بايقان " ايضا، نعم في الوافى عن الكافي " باتفاق " وسياتى في الامر الثاني ص 270 التصريح منه " قدس سره " باتفاق الكافي والتهذيب في لفظ " ايقان " وان كلمة " اتفاق " انما هي في الفقيه. وكذا في الصورة الرابعة ص 273. (2) ج 1 ص 231 وفى الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة. (4) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة. ورواه الشيخ عن محمد بن سهل ايضا كما في نفس الباب من الوسائل. (5) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام رقم 12

[ 270 ]

كان الشك في الركعات أو في الافعال، ولا فرق بين الشك الموجب للابطال لو كان منفردا أو الموجب للاحتياط كالشك بين الثلاث والاربع مثلا أو سجود السهو كالشك بين الاربع والخمس، والى الاول يشير قوله في صحيحة على بن جعفر " لا يدرى كم صلى " ونحوه قبل الركعتين وفى الفجر والمغرب. ومقتضى الاخبار المذكورة انه لا ابطال في الاول ولا إحتياط في الثاني ولا سجود للسهو في الثالث. و (ثانيها) - قال في المدارك: وكما يرجع الشك من الامام والمأموم الى المتيقن كذا يرجع الظان الى المتيقن والشك الى الظان. انتهى. وبنحو ذلك صرح غيره ايضا. اقول: ما ذكروه من رجوع الظان منهما الى المتيقن والشاك الى الظان وان كان ظاهر الاصحاب في هذا الباب إلا انه لا يخلو من الاشكال عند التأمل بعين الحق والصواب، وذلك فان غاية ما يستفاد من الدليل هو رجوع الشاك منهما الى المتيقن، واما رجوع الظان منهما الى المتيقن ففيه ما ذكره بعض افاضل متأخرى المتأخرين من عدم ثبوت الدليل عليه مع انه متعبد بظنه. وكون اليقين اقوى من الظن غير نافع هنا لان قوة اليقين الموجبة للترجيح مختصة بمن حصل له اليقين لا غيره. نعم ان حصل له ظن اقوى بسبب يقين الغير كان عليه العمل بمقتضاه إلا انه خارج عن محل المسألة. واما رجوع الشاك الى الظان فاستدلوا عليه بان الظن في باب الشك بمنزلة اليقين. وفيه (اولا) انه ان اريد انه بمنزلة اليقين لمن حصل له الظن فمسلم لان الانسان في باب الشكوك يبنى على ظنه كما يبنى على يقينه ولكن لا يجدى نفعا في المقام، وان اريد انه متى كان شاكا يبنى على ظن غيره فلا دليل عليه. و (ثانيا) قوله عليه السلام في المرسلة التى هي مستند الحكم " بايقان منهم " كما في التهذيب والكافي " وباتفاق منهم " كما في الفقيه (1).


(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 268 والتعليقة 1 و 2 ص 269

[ 271 ]

و (ثالثها) - المشهور في كلام الاصحاب انه لا فرق في رجوع الامام الى المأموم بين كون المأموم ذكرا أو انثى ولا بين كونه عدلا أو فاسقا ولا بين كونه واحدا أو متعددا مع اتفاقهم ولا بين حصول الظن بقولهم ام لا، لاطلاق النصوص المتقدمة في جميع ذلك وعدم التعرض للتفصيل في شئ منها. واما مع كون المأموم صبيا مميزا فقيل ان فيه اشكالا، وذهب جمع الى قبول قوله للاعتماد على قوله في كثير من الاحكام كقبول الهدية واذن الدخول وامثالهما. وفيه ما فيه. والاظهر التسمك في ذلك باطلاق النصوص المذكورة. وان حصل الظن بقوله فلا إشكال. وربما يستأنس لهذا الحكم بما روى عن الصادق عليه السلام (1) " في الرجل يتكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبى ؟ فقال نعم ألا ترى انك تأتم بالامام إذا صليت خلفه فهو مثله ". واما غير المأموم فلا تعويل عليه إلا ان يفيد الظن فيدخل في عمومات ما ورد في هذا الباب من التعويل على الظن. و (رابعها) - قوله عليه السلام في آخر مرسلة يونس " فإذا اختلف على الامام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الاعادة والاخذ بالجزم " وكذا في نسخ الكافي والتهذيب وبعض نسخ الفقيه، وفى اكثر نسخ الفقيه (2) " فعليه وعليهم في الاحتياط والاعادة الاخذ بالجزم " بتقديم العاطف في الاعادة، وظاهر الكلام على تقدير النسخة الاولى ان على الجميع في صورة اختلاف المأمومين خلف الامام ولا سيما في مخالفة الامام لكل من الفريقين الاعادة. وفيه منافاة لما ذكره الاصحاب في كثير من الصور الاتية في المقام ان شاء الله تعالى وكذا كثير من عمومات أحكام اليقين والشك. واما على النسخة الثانية من تقديم العاطف فالظاهر ان


(1) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (2) الفروع ج 1 ص 99 و 100 والتهذيب ج 1 ص 261 والفقيه ج 2 ص 231

[ 272 ]

معنى الكلام حينئذ ان على الامام وعلى كل من المأمومين في صورة اختلافهم ان يعمل كل منهم على ما يقتضيه شكه أو يقينه من الاحتياط أو الاعادة حتى يحصل له الجزم ببراءة الذمة. وهذا هو الموافق للقواعد الشرعية والضوابط المرعية وليس كلامه عليه السلام مقصورا على الحكم المنقول عنه حتى يقال انه لا تلزم الاعادة في الصورة المذكورة على أحد منهم بل هو حكم عام يشمل جميع صور الاختلاف بين الجميع فيشمل ما إذا شك الامام أو بعض المأمومين بين الواحدة والاثنتين فانه تلزمه الاعادة وكذا كل صورة تجب فيها الاعادة. و (خامسها) - لا يخفى انه متى كان الامام موقنا أو ظانا أو شاكا فالمأموم لا يخلو اما ان يكون موافقا له في المواضع الثلاثة فلا اشكال في الاولين واما الثالث فسيجئ حكمه على حدة، واما ان يكون مخالفا له في كل من الامور الثلاثة فههنا صور: (الاولى) ان يكون الامام موقنا والمأموم شاكا، والحكم هنا هو رجوع المأمومين الى الامام سواء كانوا متفقين في الشك أو مختلفين إلا ان يكونوا مع شكهم موقنين بخلاف يقين الامام فينفردون حينئذ. (الثانية) ان يكون المأموم موقنا والامام شاكا مع اتفاق المأمومين، ولا شك حينئذ في رجوع الامام الى يقينهم إلا ان يكون مع شكه موقنا بخلاف يقينهم فيرجع كل منهم الى يقينه، (الثالثة) ان يكون الامام موقنا والمأمومون موقنين بخلافه اتفقوا في يقينهم أو اختلفوا، ولا خلاف ايضا في انه يرجع كل منهم الى يقينه. (الرابعة) ان يكون الامام شاكا والمأمومون موقنين مع اختلافهم كما هو المفروض في مرسلة يونس، والمشهور في كلام الاصحاب وجوب انفراد كل منهم والعمل بما يقتضيه شكه أو يقينه، إذ لا يمكن رجوع المأمومين مع يقينهم الى شك الامام ولا رجوع الامام الى أحد اليقينين لانه ترجيح من غير مرجح. نعم لو حصل له بالقرائن ظن بقول احدهما عمل بمقتضى ظنه. وحينئذ فلا ينفرد عنه

[ 273 ]

الموقن الذى وافقه ظن الامام وينفرد الاخر. وربما احتمل تخير الامام في الرجوع الى أحد اليقينين مع عدم حصول الظن له لعموم قوله عليه السلام (1) " ليس على الامام سهو " وفيه ما يظهر من المرسلة المذكورة من عدم رجوع الامام الى المأمومين إلا مع اتفاقهم سيما على رواية الفقيه من قوله " باتفاق منهم ". نعم يبقى الكلام على تقدير نسخة تأخير العاطف فانك قد عرفت في الامر الرابع ان ظاهر الكلام على هذه النسخة وجوب الاعادة على الجميع وهو مخالف كما ترى لما ذكرناه من الحكم المشهور في هذه الصورة المؤيد بعمومات احكام المتيقن والشاك، فان حكم كل منهما البناء على ما يقتضيه شكه ويقينه، وتخصيص تلك العمومات بهذه الرواية سيما مع ضعفها وارسالها لا يخلو من الاشكال. والاحتياط بالعمل بكل من الامرين. (الخامسة) - ان يكون المأمومون متيقنين متفقين مع ظن الامام بخلافهم، والمشهور في كلام الاصحاب رجوع الامام إليهم. ومال المحقق الاردبيلى على ما نقل عنه في شرح الارشاد الى عمل الامام بظنه وانفراده عن الامومين. وقوى بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين الاول بان الظاهر من قوله عليه السلام (2) " لا سهو على الامام " عدم ترتب احكام السهو على سهوه، قال ولا يخفى على التتبع ان في الاخبار يطلق السهو على ما يشمل الظن كما يظهر من مرسلة يونس بل ومن صحيحة على بن جعفر (3) ايضا. انتهى. اقول قد عرفت في الامر الثاني ما يؤيد كلام المحقق المذكور وانه هو الاولى بالظهور. (السادسة) - تيقن المأمومين مع اختلافهم وظن الامام بخلافهم، والاشهر الاظهر الانفراد لكل منهم وعمل كل بظنه أو يقينه كما تقدم في الصورة الرابعة.


(1) و (2) في صحيحة حفص ص 258 ومرسلة يونس ص 268 (3) ص 269

[ 274 ]

ويأتى الاشكال المذكور ثمة هنا ايضا، والاحتياط في الاعادة بعد اتيان كل منهم بما يلزمه من ظنه ويقينه. (السابعة) - اختلاف المأمومين في اليقين وظن الامام باحدهما، والظاهر انه يعمل هنا بظنه ويتبعه الموافقون له في ذلك بيقين منهم وينفرد المخالفون، وظاهر المرسلة المتقدمة بناء على نسخة تأخير العاطف وجوب الاعادة على الجميع. والاحتياط كما عرفت في العمل بما ذكرنا ثم اعادة الجميع. (الثامنة) - يقين الامام مع ظن المأمومنن بخلافه متفقين أو مختلفين، والمشهور هنا رجوع المأمومين الى يقين الامام. وتوقف فيه المحقق الاردبيلى كما عرفت في الصورة الخامسة. ورد بما تقدم من عمومات الاخبار الدالة على وجوب متابعة الامام مطلقا خرج منه اليقين اجماعا فيبقى الظن. وفيه ما عرفت آنفا كما حققناه في الامر الثاني، والاخبار الدالة على وجوب متابعة الامام لا عموم فيها على وجه يشمل هذه الصورة، ولو سلم فكما خصت باليقين فلتخص بالظن ايضا لما تقرر عندهم ودلت عليه الاخبار من تعبد الانسان بظنه وانه لا دليل على التعبد بيقين الغير. واستدل شيخنا الشهيد الثاني على القول المشهور بما تقدم (1) في رواية محمد بن سهر ومرفوعة محمد بن يحيى من قول الرضا عليه السلام " الامام يحمل اوهام من خلفه " والتقريب ان الوهم يطلق في الاخبار على الظن كقوله عليه السلام (2) " ان ذهب وهمك الى الثلاث فابن عليها " ونحوه مما تقدم، فيدل الخبر ان المذكوران على ان الامام يحمل ظنون من خلفه فلا عبرة بظنهم مع يقين الامام. وفيه ان ما ذكره (قدس سره) من اطلاق الوهم على الظن في الاخبار وان كان كذلك إلا ان ارادته في الخبرين المذكورين غير معلوم بل الظاهر منهما إنما هو السهو أو الاعم منه ومن الشك وان احتمل ارادة الاعم منهما ومن الظن لكنه


(1) ص 269 (2) ص 205 و 206

[ 275 ]

يشكل الاستدلال به على ذك لما ذكرناه. (التاسعة) - ظن الامام أو المأموم مع شك الاخر، والمشهور في كلام الاصحاب انه يرجع الشاك منهما الى الظان. واستدل عليه بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين بعموم النصوص الدالة على عدم اعتبار شك الامام والمأموم، قال: وايضا عموم اخبار متابعة الامام تدل على عدم العبرة بشك المأموم مع ظن الامام ولا قائل بالفرق في ذلك بين الامام والمأموم، ولا معارض في ذلك إلا ما يترآى من مرسلة يونس من اشتراط اليقين في المرجوع إليه، وليس فيه شئ يكون صريحا في ذلك سوى ما في اكثر النسخ من قوله عليه السلام " بايقان " واتفاق نسخ الفقيه على قوله " باتفاق " مكانه ومخالفة مدلوله لما هو المشهور بين الاصحاب، مع ما عرفت من أن ضعف السند يضعف الاحتجاج به وسبيل الاحتياط واضح. انتهى. وما ذكره (قدس سره) من الاستدلال للقول المشهور بما تكلفه من الدليلين المذكورين لا يخلو من نظر وللمناقشة فيهما مجال والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. قال المحقق الاردبيلى (قدس سره): لا شك في رجوع احدهما الى الاخر مع شكه ويقين الاخر واما إذا ظن الاخر فهو ايضا محتمل لان الظن في باب الشك معمول به وانه بمنزلة اليقين. وظاهر قوله في المرسلة المتقدمة " مع ايقان " العدم وكأنه محمول على ما يجب لهم ان يعملوا به من الظن أو اليقين مع احتمال العدم والحمل على الظاهر إلا انها مرسلة. انتهى. (العاشرة) - كون كل من الامام والمأموم ظانا بخلاف الاخر، وظاهر الاصحاب هو عدم رجوع أحدهما الى الاخر وان كل واحد منهما ينفرد بحكمه، ويمكن ترجيحه بان المتبادر من النصوص الدالة على رجوع أحدهما الى صاحبه ان يكون بينهما تفاوت في مراتب ما اختلفا فيه بحيث ان المرجوع إليه ذو مرتبة زائدة ولا سيما المرسلة المذكورة حيث قال: " إذا حفظ عليه من خلفه ". وربما احتمل

[ 276 ]

هنا التمسك بوجوب متابعة الامام وهو ضعيف سيما مع ما عرفت. (الحادية عشرة) - يقين الامام ويقين بعض المأمومين بخلافه وشك آخرين فالشاك منهم يرجع الى يقين الامام للاخبار المتقدمة وينفرد الاخرون الموقنون بخلاف الامام. (الثانية عشرة) - شك الامام وبعض المأمومين مختلفين في الشك أو متفقين مع يقين بعض المأمومين، والاشهر الاظهر رجوع الامام الى الموقن من المأمومين ورجوع الشاك من المأمومين الى الامام، إلا ان مقتضى مرسلة يونس المتقدمة عدم رجوع الامام الى المأمومين مع اختلافهم وعدم متابعة المأموم للامام والحال كذلك، قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: ويمكن حملها على ان المراد بقوله عليه السلام " إذا حفظ عليه من خلفه بايقان " اعم من يقين الجميع بامر واحد ويقين البعض مع عدم معارضة يقين آخرين، وحمل قوله " فإذا اختلف على الامام من خلفه " على الاختلاف في اليقين. وبالجملة يشكل التعويل على المرسلة المزبورة لضعفها مع معارضة النصوص المعتبرة وان كان الاحتياط يقتضى العمل بما قلناه ثم اعادة الجميع لظاهر المرسلة لا سيما على نسخ الفقيه من قوله عليه السلام " باتفاق منهم ". (الثالثة عشرة) - ان يشترك الامام والمأموم في لاشك مع الاتفاق منهم في نوع الشك، والاشهر الاظهر انه يلزمهم جميعا حكم ذلك الشك. قال في الذخيرة بعد ذكر هذه الصورة أو لا ثم الصورة الاتية وان حكم هذه الصورة ما ذكرناه: ويحكى عن بعض المتأخرين وجوب الانفراد واختصاص كل منهما بشكه في الصورة الاولى مع الموافقة في الصورة الثانية، ولا وجه له. انتهى. وذكر بعضهم انه لا يبعد التخيير بين الائتمام والانفراد في ما يلزمهم من صلاة الاحتياط. (الرابعة عشرة) - اشتراكهما في الشك مع اختلافهما في نوعه ووجود رابطة

[ 277 ]

بين الشكين، والمشهور رجوعهما الى تلك الرابطة والعمل عليها، كما إذا شك أحدهما بين الاثنتين والثلاث والاخر بين الثلاث والاربع، فهما متفقان في تجويز الثلاث والامام موقن بعدم احتمال الاربع والمأموم موقن بعدم احتمال الثنتين، فإذا رجع كل منهما الى يقين الاخر تعين اختيار الثلاث وحينئذ فيبنون عليها ويتمون الصلاة من غير احتياط. وربما قيل في هذه الصورة بإنفراد كل منهما بشكه. ويمكن ان يتسأنس له بما يفهم من مرسلة يونس من عدم رجوع أحدهما الى الاخر مع شك الاخر وانما يرجع مع اليقين. إلا انه يمكن دفعه بانه ليس الرجوع هنا إلا الى ما ايقنا به. (الخامسة عشرة) - الصورة المقتدمة مع عدم الرابطة الجامعة بين الشكين كما إذا شك أحدهما بين الاثنتين والثلاث والاخر بين الاربع والخمس، والشمهور انه ينفرد كل منهما بحكم شكه. وربما كان وجهه عموم النصوص الدالة على حكم شك كل منهما وعدم دخوله ظاهرا في عموم نصوص رجوع أحدهما الى الاخر. ثم انه لا يخفى ان المشهور انه لا فرق في هاتين الصورتين بين الركعات والافعال وكذا لا فرق في صورة وجود الرابطة بين كون شك احدهما مبطلا أم لا، ولا بين كون الرابطة شكا ايضا ام لا، ولا بين اختلاف المأمومين ايضا في الشك الذى انفردوا به أو اتفاقهم. فان المدار على وجود الرابطة وعدمه، فالاول كما لو شك أحدهما بين الواحدة والثنتين والثلاث والاخر بين الثنتين والثلاث. فانهم يرجعون الى الشك بين الثنتين والثلاث والرابطة هنا شك، وبه يحصل المثال الثاني ايضا، والثالث كالمثال المتقدم من شك احدهما بين الثنتين والثلاث والاخر بين الثلاث والاربع فان الرابطة الثلاث يعملون عليها من غير احتياط. والرابع كما إذا شك أحدهم بين الواحدة والثنتين والثلاث والاخر بين الثنتين والثلاث والاربع والثالث بين الثنتين والثلاث والخمس والرابطة هنا هو الشك بين الاثنتين والثلاث فيرجع الجميع إليه ويعملون بمقتضاه. والخامس هو عدم وجود الرابطة مع التعدد كما لو

[ 278 ]

شك أحدهم بين الثنتين والثلاث الاخر بين الاربع والخمس وآخر بين الثنتين والاربع. (المقام الثاني) - في السهو ولنذكر اولا الاخبار المعلقة بذلك ثم نعطف الكلام على ما ذكره الاصحاب وما يفهم من الاخبار في هذا الباب مستمدين منه عز شأنه الهداية الى جادة الصواب: فمن الاخبار المشار إليها ما تقدم في المقام الاول، ومنها - ما رواه الكليني والشيخ (طيب الله تعالى مرقديهما) عن زرارة (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الامام يضمن صلاة القوم ؟ قال لا ". ومنها - ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) قال: " سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم اخبرهم انه لم يكن على وضوء ؟ قال يتم القوم صلاتهم فانه ليس على الامام ضمان ". وما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " قلت أيضمن الامام الصلاة ؟ قال لا ليس بضامن ". وما روياه ايضا في الكتابين المذكورين عن الحسين بن بشير كما في التهذيب وابن كثير كما في الفقيه - والرجلان مجهولان - عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " انه سأله رجل عن القراءة خلف الامام فقال لا ان الامام ضامن للقراءة وليس يضمن الامام صلاة الذين خلفه إنما يضمن القراءة ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن وهب (5) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام أيضمن الامام صلاة الفريضة فان هؤلاء يزعمون انه يضمن ؟ فقال لا يضمن أي شئ يضمن إلا ان يصلى بهم جنبا أو على غير طهر ".


(1) الوسائل الباب 30 من الجماعة. وفى الفروع ج 1 ص 105 والتهذيب ج 1 ص 329 و 330 والوافى باب " ضمان الامام... " والوسائل " سألت احدهما ع ". (2) و (5) الوسائل الباب 36 من الجماعة (3) و (4) الوسائل الباب 30 من الجماعة

[ 279 ]

وما رواه في التهذيب والفقيه عن عمار بن موسى الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل سها خلف امام بعد ما افتتح الصلاة فلم يقل شيئا ولم يكبر ولم يسبح ولم يتشهد حتى سلم ؟ فقال قد جازت صلاته وليس عليه شئ إذا سها خلف الامام ولا سجدتا السهو لان الامامن ضامن لصلاة من خلفه ". وما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل ينسى وهو خلف الامام ان يسبح في السجود أو في الركوع أو ينسى أن يقول بين السجدتين شيئا ؟ فقال ليس عليه شئ ". وعن عمار ايضا في الموثق (3) قال: " سألته عن الرجل يدخل مع الامام وقد سبقه الامام بركعة أو اكثر فسها الامام كيف يصنع ؟ فقال إذا سلم الامام فسجد سجدتي السهو فلا يسجد الرجل الذى دخل معه وإذا قام وبنى على صلاته واتمها وسلم سجد لرجل سجدتي السهو... الى ان قال: وعن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة ؟ قال يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح ". وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح (4) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول اقيموا صفوفكم ؟ قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد ؟ قال بعد ". وعن منهال القصاب (5) - في الصحيح إليه وهو مجهول - قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام اسهو في الصلاة وانا خلف الامام ؟ قال فقال إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع: (الاول) - ما اشتمل عليه بعضها من ضمان الامام وبعض آخر من عدم الضمان يمكن الجمع بينها بوجوه:


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة. والشيخ يرويه عن الكليني

[ 280 ]

(احدهما) - ما ذكره الصدوق (قدس سره) حيث قال بعد ايراد رواية ابى بصير: ليس هذا بخلاف خبر عمار وخبر الرضا عليه السلام (1) لان الامام ضامن لصلاة من صلى خلفه متى سها عن شئ منها غير تكبيرة الاحرام وليس بضامن لما يتركه المأموم متعمدا. و (ثانيها) - ما ذكره (طاب ثراه) ايضا حيث قال: ووجه آخر وهو انه ليس على الامام ضمان لاتمام الصلاة بالقوم فربما حدث به حادث قبل ان يتمها أو يذكر انه على غير طهر. ثم استشهد برواية زرارة المتقدمة. و (ثالثها) - ان يكون المراد بالضمان ضمان القراءة وبعدمه سائر الاذكار والافعال. واليه يشير خبر الحسين بن بشير أو ابن كثير المتقدم. و (رابعها) - ما ذكره بعض مشايخنا الكرام (رفع الله اقدارهم في دار السلام) وهو ان يكون المراد بالضمان الاثم والعقاب على الاخلال بالشرائط والواجبات من جهة المأمومين وبعدمه عدم الاثم إذا كان ذلك سهوا، أو عدم التأثير في بطلان صلاة المأمومين مطلقا كما يومئ إليه بعض الاخبار السالفة، أو عدم وجوب اعلامهم بذلك كما يشير إليه ايضا بعض الاخبار. انتهى. والظاهر بعده. و (خامسها) - وهو الاظهر حمل ما دل على الضمان على التقية واليه تشير صحيحة معاوية بن وهب ويعضده ما نقله في المنتهى من انه اطبق الجمهور إلا مكحول على انه لا سهو على المأموم (2). (الثاني) - لو اشترك الامام والمأموم في السهو فالظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في وجوب العمل عليهما بما يقتضيه حكم ذلك السهو اتفقا في خصوصه أو اختلفا، فالاول كما إذا تركا سجدة واحدة سهوا فذكراها بعد الركوع فانهما يمضيان في الصلاة ويقضيان السجود بعدها اتفاقا ويسجدان للسهو بناء على المشهور من وجوب


(1) ص 279 و 269 (2) المغنى ج 2 ص 41

[ 281 ]

سجود السهو في هذا الموضع، ولو ذكراها قبل الركوع فانهما يجلسان ويأتيان بها ثم يستأنفان الركعة. والثانى كما إذا ذكر الامام السجدة المنسية بعد الركوع والمأموم قبله فانه يأتي المأموم بها ثم يلحق الامام وأما الامام فانه يقضيها بعد صلاته كما تقدم وفى السجود للسهو ما مر. ولو كانا قد نسيا السجدتين معا وذكرهما الامام بعد الركوع والمأموم قبله بطلت صلاة الامام وأما المأموم فانه يأتي بهما ونيفرد ويتم صلاته. (الثالث) - لو اختص السهو بالمأموم فلا خلاف ولا إشكال في عدم وجوب شئ لذلك على الامام، إنما الخلاف بالنسبة الى المأموم في انه هل يجب عليه الاتيان بموجب ذلك السهو ام لا ؟ والاشهر الاظهر انه يحب عليه الاتيان بموجبه، وذهب الشيخ في الخلاف والمبسوط الى انه لا حكم لسهو المأموم هنا ولا يجب عليه سجود السهو بل ادعى عليه الاجماع، واختاره المرتضى (رضى الله عنه) ونقله عن جميع الفقهاء إلا مكحولا (1) ومال إليه الشهيد في الذكرى والمحقق في المعتبر على اختلاف بينهما في بعض الاحكام كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام. قال في الذكرى: ولا حكم لسهو المأموم الموجب لسجدتي السهو في حال الانفراد بمعنى انه لو فعل المأموم موجب سجدتي السهو كالتكلم ناسيا أو نسيان السجدة أو التشهد لم تجبا عليه وان وجب قضاء السجدة والتشهد، وكذا لو نسى ذكر الركوع أو السجود أو الطمأنينة فيهما لم يسجد لهما وان اوجبنا السجود للنقيصة وذلك كله ظاهر قول الشيخ في الخلاف والمبسوط واختاره المرتضى ونقله عن جميع الفقهاء إلا مكحولا (2) ورواه العامة عن عمر (3)... الى آخر كلامه (قدس سره) وقال المحقق في المعتبر - بعد نقل ذلك عن الخلاف وعلم الهدى وجميع الفقهاء إلا مكحولا والاستدلال عليه بالرواية العامية ورواية حفص بن البخترى والرواية المتقدمة عن الرضا عليه السلام في سابق هذا المقام (4) - ما لفظه: والذى أراه ان ما يسهو


(1) و (2) المغنى ج 2 ص 41 (3) سنن الدار قطني ص 145 (4) ص 258 و 269

[ 282 ]

عنه المأموم ان كان محله باقيا اتى به وان تجاوز محله وكان مبطلا استأنف وان كان مما لا يبطل فلا قضاء عليه ولا سجود سهو عملا بالاحاديث المذكورة. وظاهره كما ترى عدم وجوب القضاء في ما يقضى من الاجزاء المنسية لو كان منفردا وعدم سجود السهو في ما أوجب السجود كذلك، وظاهر كلام الشهيد المتقدم انما هو سقوط سجود السهو خاصة واما قضاء الاجزاء المنسية فانه يجب. استدل الشهيد في الذكرى على ما قدمنا نقله عنه فقال على اثر الكلام المتقدم: ورواه العامة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله " انه ليس عليك خلف الامام سهو الامام كافيه وان سها الامام فعيه وعلى من خلفه " وهذا الحديث رواه الدار قطني (1) وفى طريقه ضعف عند المحدثين (2) ولان معاوية بن الحكم تكلم خلف النبي صلى الله عليه وآله فلم يأمره بالسجود (3) وروينا في الحسن عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " ليس على الامام سهو ولا على من خلف الامام سهو ولا على السهو سهو ولا على الاعادة اعادة " وقال الفاضل لو انفراد المأموم بموجب السهو وجب عليه السجدتان كالمنفرد لقول احدهما (عليهما السلام) (5) " ليس على الامام ضمان " قلنا الخاص مقدم، ويعارض بما رواه عيسى الهاشمي عن ابيه عن جده على عليه السلام (6) انه قال: " الامام ضامن " وقد يحتج بما رواه في التهذيب عن منهال القصاب، ثم نقل الرواية


(1) ص 145 من سننه ولفظه الحديث فيه هكذا قال: " ليس على من خلف الامام سهو فان سها الامام فعليه وعلى من خلفه السهو وان سها من خلف الامام فليس عليه سهو والامام كافيه ". (2) قال في هامش سنن الدار قطني في التعليق على سند الحديث: والحديث اخرجه البيهقى والبزار كما في بلوغ المرام والكل من الروايات فيها خارجة بن مصعب وهو ضعيف. (3) سنن البيهقى ج 2 ص 250 واشرنا إليه في التعليقة 5 ص 100 (4) ص 258 وفى الوسائل الباب 24 و 25 من الخلل في الصلاة (5) ص 278 وفى الوسائل الباب 24 من الجماعة رقم 2 (6) الوسائل الباب 3 من الاذان والاقامة

[ 283 ]

كما قدمناه. ثم قال ويمكن حملها على الاستحباب. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: انت خبير بان ادلة هذا القول ترجع الى رواية حفص وحديث الرضا عليه السلام وموثقة عمار الاولى والثانية، والجميع لا يخلو من الاشكال فان منها ما هو في غاية الاجمال الموجب للقدح في الاستدلال ومنها ما هو ظاهر إلا ان تطرق الحمل على التقية إليه متوجه لما عرفت آنفا من أن ذلك مذهب الجمهور. فأما رواية حفص فلما تقدم من ان السهو فيها مجمل يحتمل شموله للسهو بالمعنى المشهور وعدمه، والظاهر من مرسلة يونس وصحيحة على بن جعفر هو حمل السهو على الشك فيمكن أن يكون في هذه الرواية كذلك. واما رواية الرضا عليه السلام فهى أشد اجمالا واكثر احتمالا وقد قيل فيها وجوه: (احدها) أن يكون المراد بالوهم الشك أو ما يشمله والظن، فان المأموم الشاك يرجع الى يقين الامام اتفاقا والى ظنه على الاشهر كما تقدم، والظان الى يقينه على الاشهر كما تقدم ايضا، فيصدق انه يحمل أو هام من خلفه. واما استثناء التكبير فيه فلانه مع الشك فيه لم يتحقق الدخول في الصلاة فضلا عن تحقق المأمومية فلا يرجع إليه. و (ثانيها) - ان يكون المراد بالوهم الاعم من الشك والسهو ويكون المقصود بيان فضيلة الجماعة وفوائدها وانه لا يقع من المأموم سهو وشك غالبا في الركعات والافعال لتذكير الامام له. ولا يخلو من بعد. و (ثالثها) - ان يكون المراد بالوهم ما يشمل الشك والظن والسهو أو يختص بالسهو كما فهمه جماعة، فيدل على عدم ترتب حكم السهو على سهو المأموم كما هو مطلوب المستدل. ومنه يظهر عدم بطلان صلاة المأموم بزيادة الركن سهوا في ما إذا ركع أو سجد قبل الامام أو رفع رأسه منهما قبله فانه يرجع في تلك الصور ولا يضره زيادة الركن. و (رابعها) - ان يكون المراد ما يسهو عنه من الاذكار غير تكبيرة الاحرام

[ 284 ]

إذ ليس فيها ركن غيرها، ولعل المراد انه يثاب عليها مع تركه لها سهوا واتيان الامام بها بخلاف المنفرد فان غايته انه لا يعاقب على تركها دون أن يثاب عليها وحينئذ فمع تعدد ما ذكرنا من الاحتمال فكيف يصلح للاستدلال. وأما موثقتا عمار فالاظهر حملهما على التقية، على ان الثانية منهما غير ظاهرة لان وجوب سجود السهو في الامور التى اشتملت عليها إنما يتجه على قول من قال بذلك لكل زيادة ونقيصة وهو خلاف المشهور ودليله لا يخلو من القصور كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى في تلك المسألة. هذا. واما ما يدل على القول المشهور من وجوب سجود السهو بعروض أحد اسبابه المروية فصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية منهال القصاب ومنها روايات نفى الضمان وقد تقدم جميع ذلك (1). واما احتمال حمل صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج على ان القائل كان منفردا كما قيل فبعيد جدا بل تعسف محض. واما حمل الشهيد (قدس سره) في ما تقدم من كلامه رواية منهال على الاستحباب ففيه ان الدليل ليس منحصرا فيها مع مما عرفت في هذا الحمل في غير مقام واما ما ذكره (قدس سره) ايضا - من ان نفى الضمان عام ونفى السجود خاص والخاص مقدم على العام مع المعارضة برواية عيسى بن عبد الله الهاشمي - ففيه ما عرفت في تلك الروايات من الاجمال وتعدد الاحتمال في بعض والحمل على التقية في آخر. وبالجملة فانه مع تسليم تعارض الاخبار يشكل ترك العمل بالاحكام الثابتة بالعمومات القوية عند عروض السهو مع انه الاوفق بالاحتياط ومؤيد بالاخبار الدالة عليه، فالاقوى والاحوط عدم ترك سجود السهو للمأموم متى عرض له احد اسبابه. والله العالم.


(1) ص 279 و 278

[ 285 ]

(الرابع) - لو اختص السهو بالامام كم لو تكلم ناسيا والحال ان المأموم لم يتابعه فالمشهور سيما بين المتأخرين اختصاصه بحكم السهو، وذهب الشيخ وجملة من اتباعه الى انه يجب على المأموم متابعته في سجدتي السهو وان لم يعرض له السبب وبهذا القول قال اكثر العامة (1). استدل الشيخ بوجوه: (احدها) وجوب متابعة الامام. ورد بانه انما تجب متابعته حال كونه اماما وسجدتا السهو إنما هما بعد الفراغ من الصلاة وانقضاء الائتمام على ان صلاة المأموم لا تبنى على صلاة الامام فقد تبطل صلاة الامام مع صحة صلاة المأموم كما لو تبين حدثه أو فسقه أو كفره فان ذلك لا يقدح في صحة صلاة المأموم فكذا مع حصول النقص فيها واستدراكه بالسجود مثلا فانه لا يستلزم تعدى ذلك أي المأموم. و (ثانيها) - ما رواه العامة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " ليس على من خلف الامام سهو الامام كافيه وان سها الامام فعليه وعلى من خلفه " رواه الدار قطني (2) ورد بان الخبر من روايات العامة فلا يقوم حجة مع انه عندهم ايضا ضعيف (3) و (ثالثها) - موثقة عمار المتقدمة وهى الثالثة من رواياته والجواب عنه بالحمل على التقية كما عرفت فان القول بذلك مذهب جمهور العامة (4). واما ما يشعر به كلام صاحب الذخيرة - من التردد هنا والميل الى مذهب الشيخ لما ذكره من الدليل الاول والثالث - فهو من تشكيكاته الواهية. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الشهيد في الذكرى قد ذكر فروعا على قول الشيخ في القاعدتين، قال (الاول) لو رأى المأموم الامام يسجد للسهو وجب عليه السجود وان لم يعلم عروض السبب حملا على ان الظاهر منه انه يؤدى ما وجب


(1) و (4) المغنى ج 2 ص 41 " إذا سها الامام فعلى المأموم متابعته في السجود سواء سها معه أو انفرد الامام بالسهو، قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم على ذلك وذكر اسحاق انه اجماع اهل العلم ". (2) ارجع الى التعليقة 1 ص 282 (3) ارجع الى التعليقة 2 ص 282

[ 286 ]

عليه، ولعدم شرعية التطوع بسجدتي السهو. واعترضه المحقق الاردبيلى (قدس سره) بانه يحتمل أن يكون عرض له السبب في صلاة اخرى وذكره في هذا الوقت فلا يجب على المأموم متابعته. وأورد عليه بعض مشايخنا المحققين ايضا بالنسبة الى ادعائه عدم مشروعية التطوع بهما انه في محل المنع، قال إذ الاصحاب كثيرا ما يحملون الاخبار الواردة بهما مع المعارض أو مخالفة المشهور على الاستحباب. اقول: يمكن دفع هذا الايراد بان الظاهر ان مراد الشيخ الشهيد إنما هو عدم مشروعية سجدتي السهو بدون أحد الاسباب المعدودة في الاخبار وكلام الاصحاب كما انه يستحب السجود مطلقا بل إنما يقع ويشرع مع أحد الاسباب المذكورة، وحينئذ فلا يرد عليه حمل الاصحاب لهما على الاستحباب باعتبار وجود أحد الاسباب. ومرجع كلام الاصحاب الى أصل السبب وصلوح للسببية لا الى نفس السجود فمن حيث عدم صلوحه للسببية لمعارض ونحوه يحملون السجود على الاستحباب وهذا لا ياباه كلام الشهيد بناء على ما فسرناه به. ثم ذكر جملة من الفروع التى ليس في إيرادها كثير فائدة مع ما عرفت من ضعف القول الذى فرعت عليه. (الخامس) - قوله عليه السلام في رواية منهال القصاب " فاسجد سجدتين ولا تهب " يحتمل أن يكون من المضاعف أي لا تقم من مكانك حتى تأتى بهما، قال في النهاية: فيه " لقد رأيت اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يهبون إليها كما يهبون الى المكتوبة " يعنى ركعتي المغرب أي ينهضون إليها. وفى القاموس الهب الانتباه من النوم ونشاط كل سائر وسرعته. ويحتمل أن يكون على بناء الاجوف وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد به عدم الخوف عليه من تشنيع الناس عليه بالسهو في الصلاة أو عدم الخوف من المخالفين للخلاف بينهم في ذلك. والله العالم. فائدة روى الصدوق في الفقية والشيخ في التهذيب عن سماعة عن ابى عبد الله

[ 287 ]

عليه السلام (1) " في رجل سبقه الامام بركعة ثم أوهم الامام فصلى خمسا ؟ قال يعيد تلك الركعة ولا يعتد بوهم الامام " كذا في التهذيب (2) وفى الفقيه (3) " يقضى تلك الركعة " عوض " يعيد ". قال في الوافى: " يعيد تلك الركعة " أي يصليها منفردا اسماها اعادة لانه قد فاتته مع الامام. انتهى. أقول: لعل المراد من كلامه ان السؤال وقع عن حكم المأموم قبل الاتمام مع الامام، بمعنى انه لما صلى ثلاثا وبقيت عليه ركعة واحدة ولكن الامام في تلك الحال سها فزاد رابعة فما حكم المأموم في حال قيام الامام للخامسة ؟ قال يأتي بما بقى عليه وهى الركعة التى فاتته. ولكنه عبر عن الاتيان بالاعادة، ولا يخلو من بعد فان ظاهر الخبر ان الرجل اكمل صلاته أربعا مع الامام وتابعه في الخامسة التى زادها الامام سهوا، وحينئذ فيشكل امره باعادة تلك الركعة التى تابع الامام فيها حال سهوه لانه يلزم أن تكون صلاته خمسا حينئذ، فان هذا ظاهر الخبر والاشكال فيه من جهة ما ذكرناه ظاهر ايضا، والاقرب على هذا ان قوله " يعيد تلك الركعة " وقع تصحيف " يعتد " بالتاء الفوقانية من الاعتداد عوض الياء التحتانية من الاعادة فانه لا معنى لاعادة الركعة هنا بالكلية، وحاصل المعنى انه يعتد بتلك الركعة التى تابع فيها الامام ولكن يجب حمله على نية الانفراد فيها أو مشاركته للامام في سهوه، فان بطلان صلاة الامام بزيادة تلك الركعة لا يوجب بطلان صلاة المأموم لعدم حصول الزيادة في صلاته والاقتداء به فيها على تقديره إنما وقع سهوا فلا اشكال. هذا على ما في التهذيب واما على ما في الفقيه من قوله " يقضى " فالمراد من القضاء مجرد الفعل كقوله " فإذا قضيت الصلاة " (4) لا المعنى المشهور، وحاصله أن يأتي بتلك الركعة ويتم صلاته ولا يعتد ببطلان صلاة


(1) الوسائل الباب 68 من الجماعة (2) ج 1 ص 331 (3) ج 1 ص 266 (4) سورة الجمعة، الاية 10

[ 288 ]

الامام، وهو اما بقصد الانفراد ان تابع الامام في خامسة أو انه إنفرد من اول الامر ولم يتابع فيها. والله العالم. (المسألة الثالثة عشرة) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بانه لا حكم للسهو مع الكثرة لكن ظاهر جملة منهم ان المراد بالسهو هنا الشك كما صرح به في المعتبر وهو ظاهر العلامة في المنتهى والتذكرة واختاره في المدارك ونقل بعض مشايخنا انه مذهب الاكثر، وظاهر آخرين - ومنهم الشيخ وابن زهرة وابن ادريس وغيرهم والظاهر انه المشهور - هو العموم للشك والسهو وبه صرح شيخنا الشهيد الثاني وغيره وهو الاظهر. والاصل في المسألة الاخبار، ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة وابى بصير (1) قالا: " قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدرى كم صلى ولا ما بقى عليه ؟ قال يعيد. قلنا فانه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك ؟ قال يمضى في شكه ثم قال لا تعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فان الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة فانه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة ثم قال انما يريد الخبيث ان يطاع فإذا عصى لم يعد الى احدكم ". وما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام (2) قال: " إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك فانه يوشك ان يدعك انما هو من الشيطان " وفى الفقيه (3) " فدعه " مكان " فامض في صلاتك ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان - والظاهر انه عبد الله الثقة - عن غير واحد عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك " وعن عمار الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (5) " في الرجل يكثر


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة (3) ج 1 ص 224

[ 289 ]

عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدرى أركع أم لا ويشك في السجود فلا يدرى أسجد أم لا ؟ يسجد ولا يركع ويمضى في صلاته حتى يستيقن يقينا " وروى الصدوق مرسلا عن الرضا عليه السلام (1) قال: " إذا كثر عليك السهو في الصلاة فامض على صلاتك ". وما رواه في الفقيه والتهذيب عن على بن ابى حمزة عن رجل صالح عليه السلام (2) قال: " سألته عن رجل يشك فلا يدرى أواحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو اربعا تلتبس عليه صلاته ؟ قال كل ذى ؟ قال قلت نعم. قال فليمض في صلاته ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فانه يوشك أن يذهب عنه " وهذا الخبر حمله الشيخ على النوافل اولا ثم حمله ثانيا على كثير الشك وهو الصواب ولذا اوردناه في اخبار الباب. إذا عرفت هذا فاعلم ان تحقيق الكلام في هذا المام يحتاج الى بسطه في موارد (الاول) - قوله عليه السلام في صحيحة زرارة وابى بصير المتقدمة أو حسنتهما " الرجل يشك كثيرا في صلاته " الظاهر ان المراد بالكثرة هنا كثرة اطراف الشك ومحتملاته واو كان شكا واحدا كأن يشك لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين أم ثلاثا أم اربعا ومن ثم أمره بالاعادة وليس المراد به كثرة افراد الشك الذى هو محل البحث فانه لا اعادة معه اتفاقا نصا وفتوى إلا ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام من بعض الاعلام، ثم انه لما راجعه السائل وقال: " انه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك " امره بما هو الحكم في كثير الشك من المضى في شكه وعدم الالتفات فانه بكثرة ذلك عليه قد دخل تحت كثير الشك فوجب عليه ما ذكرناه من حكمه. واحتمل المحقق الاردبيلى حمل قوله في صدر الخبر " يشك كثيرا " على كثرة افراد الشك أي يقع منه الشك كثيرا حتى يبلغ الى حد لا يعرف عدد ركعاته، ويدل الخبر على ما اختاره من التخيير في الحكم في كثير الشك بين ان يكون حكمه المضى وعدم الالتفات أو العمل بمقتضى الشك فهو عنده مخير بين العمل بالشك


(1) و (2) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

[ 290 ]

وعدم الالتفات إليه مستندا الى انه عليه السلام أمره أولا بالاعادة ثم لما بالغ في الكثرة أمره بعدم الالتفات إليه. وانت خبير بما فيه من البعد عن سياق الخبر المذكور كما لا يخفى على المتأمل البصير ولا ينبئك مثل خبير، فان نهيه عليه السلام عن تعويد الخبيث وامره بالمضي في الشك ونهيه عن اكثار نقض الصلاة وذكر التعليلات المذكورة لا يجامع شئ منها التخيير فضلا عن اجتماعها وصراحتها في المدعى. وبالجملة فان معنى الخبر انما هو ما قدمنا ذكره من حمل الكثرة في صدر الخبر على كثرة اطراف الشك ومحتملاته والكثرة بالمعنى المراد في المقام انما هي ما اشار إليه السائل بعد المراجعة بقوله: " فانه يكثر عليه ذلك... الخ " ومن ثم أمره عليه السلام بالاعادة في الاول والمضى في الثاني وبذلك يظهر لك ان ما ذكره المحقق المشار إليه غير موجه وان سبقه الى ذلك ايضا الشهيد الاول (طاب ثراه) في الذكرى حيث انه احتمل حمل الامر بالمضي في الشك على الرخصة. قال (قدس سره) في الكتاب المذكور لو اتى بعد الحكم بالكثرة بما شك فيه فالظاهر بطلان صلاته لانه في حكم الزيادة في الصلاة متعمدا إلا ان يقال هذا رخصة لقول الباقر عليه السلام (1) " فامض في صلاتك فانه يوشك ان يدعك الشيطان ". إذا الرخصة هنا غير واجبة. انتهى. ولا يخفى ما فيه سيما مع عدم دلالة الخبر على ما يدعيه ان لم يدل على خلافه كما لا يخفى على من يتدبر في ما ذكرناه ويعيه، فان الاصل في الاوامر الواردة في هذه الاخبار بالمضي هو الوجوب والنواهي المانعة عن تعويد الشيطان من نفسه وعن اكثار نقض الصلاة هو التحريم، وحملهما على المجاز يحتاج الى دليل لا بمجرد التشهى والظن. واما ما يظهر من خبر على بن ابى حمزة من ان كثرة الشك تحصل بتعدد


(1) في صحيح محمد بن مسلم ص 288

[ 291 ]

الاحتمالات في الشك الواحد - وقد اشرنا سابقا الى ان مثل هذا ليس من كثرة الشك في شئ - فينبغي حمله على علم الامام عليه السلام من حال السائل انه كان كثير الشك لا من مجرد هذا السؤال أو دلالة قرائن الاحوال يومئذ على انه لا يصدر عنه مثل هذا الشك إلا من حيث كونه كثير الشك دائما. (الثاني) - قد تقدمت الاشارة الى الخلاف في ان الحكم المذكور هنا هل هو مخصوص بالشك أو شامل له وللسهو ؟ وربما رجح الاول بنسبة ذلك الى الشيطان والذى يقع من الشيطان انما هو الشك واما السهو فهو من لوازم طبيعة الانسان. وفيه نظر لتصريح الايات والروايات بنسبة السهو ايضا الى الشيطان كقوله عزوجل " واما ينسينك الشيطان " (1) وقوله " وما انسانية إلا الشيطان " مع ان الشك انما يحصل من الشيطان فلا فرق بينهما في ان كلا منهما من الشيطان. والظاهر عندي هو العموم لان اخبار المسألة منها ما ورد بلفظ الشك ومنها ما ورد بلفظ السهو والقول بالعموم جامع للعمل بالاخبار كملا واما التخصيص بالشك فيحتاج الى التأويل في اخبار السهو بالحمل على الشك واخراجه عن ظاهر حقيقته اللغوية التى هي النسيان وهو يحتاج الى دليل مع انه لا ضرورة تلجئ إليه. ويؤيد ما قلناه ما تشير إليه الاخبار المذكورة من ان العلة في هذا الحكم هو رفع الحرج والتخفيف على المكلفين لان الاعادة موجبة للزيادة حيث ان ذلك من الشيطان وهو معتاد لما عود، وهذا مما يجرى في الشك والسهو. وممن وافقنا في المقام الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه اثر صاحب المدارك غالبا فقال: واعلم ان ظاهر عبارات كثير من الاصحاب التسوية بين الشك والسهو في عدم الالتفات اليهما بل شمول الحكم للسهو في كلامهم اظهر. وهو ظاهر النصوص. وفى عبارة المعتبر وكلام المصنف في عدة من كتبه اشعار باختصاص الحكم بالشك. والاول يقتضى عدم الابطال بالسهو في الركن وعدم


(1) سورة الانعام الاية 67 (2) سورة الكهف الاية 62

[ 292 ]

القضاء إذا كان السهو موجبا له، ولم اجد من الاصحاب من صرح بهما بل صرح جماعة منهم بخلافهما مع تصريح بعضهم بسقوط سجود السهو والفرق بينه وبين القضاء محل تأمل واحتمل الشارح الفاضل عدم وجوب القضاء. انتهى. وهو جيد وسيأتى في المقام ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد تحقيق لما اخترناه وتأييد لما ذكرناه. (الثالث) - قال في المدارك: ولو كثر السهو عن واجب يستدرك اما في محله أو في غير محله وجب الاتيان به، ولو كان عن ركن وتجاوز محله فلابد من الاعادة تمسكا بعموم ما دل على الحكمين المتناول لكثرة السهو وغيره السالم من المعارض. وهل تؤثر الكثرة في سقوط سجدات السهو ؟ قيل نعم وهو خيرة الذكرى دفعا للحرج، وقيل لا وهو الاظهر لان اقصى ما تدل عليه الروايات المتقدمة وجوب المضى في الصلاة وعدم الالتفات الى الشك فتبقى الاوامر المتضمنة للسجود بفعل موجبه سالمة من المعارض. انتهى. اقول: فيه ان هذا الكلام لا يلائم ما قدمه في صدر البحث من اختصاص الحكم بالشك، فان اللازم من ذلك ان كثرة السهو ليس من هذه المسألة في شئ حتى يستثنى منه هذين الفردين. أللهم إلا ان يقال ان غرضه بيان حكم هذين الفردين بناء على القول بالعموم. وفيه ان عبارته قاصرة عن افادة هذا المفهوم. وكيف كان فانه على تقدير القول بالعموم فهل يكون الحكم في هذين الفردين ما ذكره من عدم العمل بمجوب الكثرة فيهما وبقاء حكمهما على ما كان أو انه يجرى حكم الكثرة فيهما ؟ ظاهر كلامهم الاول كما تقدمت الاشارة إليه في كلام الفاضل الخراساني وبه صرح في الذكرى كما ذكره السيد السند هنا. وما استدل به السيد من التمسك بعموم ما دل على الحكمين المتناول لكثرة السهو وغيره معارض بعموم ما دل على المضى في الصلاة مع الكثرة والغاء السهو الشامل لهذين الفردين وغيرهما، وكيف استجاز تخصيص عموم اخبار السهو في غير هذين الموضعين واخبار الشك بهذه الاخبار ويمنعه في هذين الموضعين مع عدم ظهور

[ 293 ]

الفرق في البين وهل هو إلا تحكم محض ؟ واما ما دل على وجوب الاحتياط في افراد الشكوك فشامل باطلاقه لكثر السهو وغيره. وبالجملة فانه قد تعارض هنا عمومان عموم اخبار المضى مع كثرة الشك والسهو الشامل للسهو في ركن وغيره ولما كان في محله أو غير محله مما يقضى أو لا يقضى، وعموم ما دل على البطلان بالسهو عن الركن حتى تجاوز محله أو دل على التدارك في المحل والقضاء بعده الشامل لكثير السهو وغيره، فدعوى تخصيص العموم الاول بالثاني دون العكس ترجيح من غير مرجح بل الامر بالعكس لما ثبت في جملة افراد الشك وأفراد السهو في غير الموضعين المذكورين من تخصيص ادلة تلك الاحكام فليكن مثله في هذين الفردين مؤيدا بما اشتملت عليه التعليلات في الاخبار من مراعاة حال المكلف وتخفيف الامر عليه وتخليصه من شباك الوسواس الخناس. وبذلك يتبين لك ايضا ما في كلام شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) حيث انه من جملة من مال الى تخصيص حكم الكثرة بالشك تبعا لصاحب المدارك ومن تقدمه حيث قال - بعد الكلام في المقام واختيار حمل الاخبار كملا على الشك - ما صورته: بل الاصوب ان يقال شمول لفظ السهو في تلك الاخبار للسهو المقابل للشك غير معلوم وان سلم كونه بحسب أصل اللغة حقيقة فيه، إذ كثرة اسعتماله في المعنى الاخر بلغت حدا لا يمكن فهم أحدهما منه إلا بالقرينة، وشمولها للشك معلوم بمعونة الاخبار الصريحة، فيشكل الاستدلال على المعنى الاخر بمجرد الاحتمال، مع ان حمله عليه يوجب تخصيصات كثيرة تخرجه عن الظهور لو كان ظاهرا فهى، إذ لو ترك بعض الركعات أو الافعال سهوا يجب عليه الاتيان به في محله اجماعا، ولو ترك ركنا سهوا وفات محله تبطل صلاته اجماعا ولو كان غير ركن يأتي به بعد الصلاة لو كان مما يتدارك، فلم يبقى للتعميم فائدة إلا في سقوط سجود السهو وتحمل تلك التخصيصات الكثيرة أبعد من حمل السهو على خصوص الشك لو كان بعيدا، مع انه مدلول الروايات المضى في الصلاة وهو لا ينافى وجوب سجود السهو

[ 294 ]

إذ هو خارج عن الصلاة، فظهر ان من عمم النصوص لا تحصل له في التعميم فائدة. انتهى أقول: لا يخفى ان ما ذكره واورده وارد على من قال بهذه الاجماعات ووافق عليها وجعلها حججا شرعية ومع ذلك كله يقول بالعموم، واما من لا يعتبر هذه الاجماعات ولا يجعلها دليلا شرعيا وإنما يعتمد على الروايات ويجعل البحث منوطا بها ومعلقا عليها من غير نظر الى خلاف أو وفاق فلا ريب ان الحق عنده في المسألة هو ما قدمناه كما قدمناه في سابق هذا المورد واوضحناه. واما دعواه - ان كثرة استعمال السهو بمعنى الشك أوجبت الاشتراك بين المعنى الحقيقي للسهو وبين هذا المعنى المجازى لشيوعه وكثرته حتى انه لا يحمل على أحدهما إلا بالقرينة... الخ. - فان فيه مع غض النظر عن المناقشة انه وان كان الامر كما ذكره إلا ان التعليلات التى اشتملت عليها الاخبار ظاهرة في العموم، فان الغرض من المضى في السهو والشك وعدم الالتفات اليهما إنما هو رعاية حال المكلف وتخفيف الامر عليه بعدم استيلاء الشيطان وتطرقه إليه وهذا أمر مشترك بين الشك والسهو بل ربما كان أظهر في السهو كما يشعر به نقض الصلاة بمعنى ابطالها بالكلية الناشئ عن السهو في ركن حتى تجاوز محله ونحو ذلك. واما قوله - مع ان مدلول الروايات المضى في الصلاة... الى آخره - ففيه ان الظاهر من قولهم " يمضى في شكه وبمضى في صلاته " انما هو الكناية عن عدم الالتفات الى ما يوجبه الشك أو السهو من الاتيان بالمشكوك فيه أو الاحتياط أو الاتيان بما سها عنه في محله أو فوات محله أو ما اوجباه من سجود سهو ونحوه، وبالجملة فالمراد جعل ذلك في حكم العدم كأنه لم يمكن ثمة سهو ولا شك بالمرة، وهذا هو المعنى الملائم لتلك التعليلات المشار إليها آنفا من التخفيف على المصلى وان لا يطمع الشيطان في العود إليه وهو الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط مما لا ينبغى تركه بحال. والله العالم.

[ 295 ]

(الرابع) - اعلم ان ظاهر الاصحاب من غير خلاف يعرف ان حكم الشك مع الكثرة عدم الالتفات إليه بالكلية كما تقدمت الاشارة إليه، فلو اشتمل على ما يبطلها في غير تلك الحال من الاركان أو الافعال لم تبطل في صورة الكثرة بل يمضى في صلاته ويبنى على وقوع المشكوك فيه وان كان محله باقيا ركنا كان أو غيره ما لم يستلزم الزيادة فيبنى على الصحيح، وقد دلت موثقة عمار (1) على انه بالشك في الركوع والسجود وان كان في محله فانه يمضى ولا يركع ولا يسجد. وإذا ثبت ذلك في الاركان ثبت في غيرها من الافعال بطريق اولى، مضافا الى الامر بالمضي في الاخبار وهكذا يقال بالسنبة الى السهو على ما اخترناه من العموم. ومن جملة ذلك ايضا صلاة الاحتياط في صور الشك المتقدمة فانه لا يأتي بها، وتردد المحقق الاردبيلى (طاب ثراه) في سقوط صلاة الاحتياط. ولا يخفى ما فيه. وقد اشرنا في ما تقدم ايضا الى ان الحكم بما ذكرناه من عدم الالتفات الى الشك أو السهو حتمي لظواهر الاوامر والنواهي الواردة في الاخبار، ولم يظهر خلاف في ذلك إلا ما قدمناه عن المحقق الاردبيلى وقبله الشهيد في الذكرى. ومقتضى كلام الاصحاب ان من كثر شكه فانه يبنى على الاكثر وتسقط عنه صلاة الاحتياط لعلة الكثرة، واختار المحقق الاردبيلى (قدس سره) البناء على الاقل للاصل مع العمل بعدم اعتبار الشك مع الكثرة في الجملة. ولم أقف على قائل بذلك سواء. ولا يخفى على الناظر في الاخبار بعين التأمل والاعتبار انه ليس العلة في تغيير الحكم في كثير الشك عن ما كان عليه غيره إلا مراعاة جانبه والتخفيف عيه بدفع وساوس الشياطين عنه، والتخفيف إنما يحصل بما عليه الاصحاب من البناء على الاكثر وجعل المشكوك فيه كأنه فعله واتى به من غير ان يترتب على ذلك شئ زائد على اتمامه الصلاة على تلك الحال، إذ في البناء على الاقل يحصل زيادة تكليف موجب


(1) ص 288 وفى الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة

[ 296 ]

لاعادة الشيطان له ورغبته في تشكيكه. وبالجملة فان جميع ما ذكره هذا المحقق من الاقوال وخلاف الاصحاب كله خلاف ظواهر النصوص الدالة على تسهيل التكليف مضافا الى عموم النصوص الدالة على ان دينه صلى الله عليه وآله سمح سهل كما تمدح به صلى الله عليه وآله (1) من قوله " بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ". قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) بعد الكلام في الشك بنحو ما ذكرناه: واما السهو فقد عرفت ان المشهور بين الاصحاب عدم ترتب حكم على الكثرة فيه، وذهب الشهيد الثاني الى ترتب الحكم عليه مع موافقته لسائر الاصحاب في وجوب العود الى الفعل الذى سها فيه إذا ذكره مع بقاء محله، وقضائه بعد الصلاة مع تذكره بعد فوات محله، وبطلان الصلاة بترك الركن أو الركعة نسيانا مع مضى وقت التدارك وكذا زيادة الركن والركعة على التفصيل المقرر في احكام السهو، فلم يبق النزاع إلا في سجود السهو ويشكل الاستدلال بالنصوص على سقوطه فالاحوط الاتيان به. واحتمل الشهيد في الذكرى اغتفار زيادة الركن سهوا، من كثير السهو دفعا للحرج ولاغتفار زيادته في بعض المواضع. اقول طريق الاحتياط واضح. انتهى. اقول: اما ما ذكره من نسبة الاختصاص بالشك الى المشهور فهو اعرف به فانه لم ينقل ذلك إلا عن ظاهر المحقق والعلامة. وأما تخصيص العموم بالشهيد الثاني ففيه ما تقدم من ان ذلك مذهب الشيخ وابن زهرة وابن ادريس، نقل ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة. واما ما اورده على الشهيد الثاني فهو في محله كما تقدمت الاشارة إليه ولكن ظواهر الاخبار - كما قدمنا بيانه - تدفع ذلك لظهور عمومها للسهو والشك في ركن كان أو غيره في محله أو في غير محله كما تقدم تحقيقه.


(1) الوسائل الباب 48 من مقدمات النكاح وآدابه وفى نهج الفصاحة ص 219 " بعثت بالحنيفية السمحة ".

[ 297 ]

واما ذكره من الاشكال في الاستدلال بالنصوص على سقوط سجدتي السهو فقد تقدم الجواب عنه ايضا، وان العبارة المذكورة في النصوص إنما خرجت مخرج الكناية عن عدم الالتفات بالكلية الى ما يترتب على ذلك السهو والشك. والله العالم. (الخامس) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما تتحقق به الكثره الموجبة لسقوط الاحكام في هذا المقام، فظاهر المشهور بين المتأخرين ومتأخريهم هو ارجاع ذلك الى العرف، ذهب إليه الفاضلان والشيهدان ومن بعدهم، وقال الشيخ في المبسوط: واما ما لا حكم له ففى اثنى عشر موضعا: من كثر سهوه وتواتر وقيل ان حد ذلك ان يسهو ثلاث مرات متوالية. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: وهذا يدل على عدم الرضا بهذا القول. وقال ابن ادريس السهو الذى لا حكم له هو الذى يكثر ويتواتر، وحده ان يسهو في شئ واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات فيسقط بعد ذلك حكمه أو يسهو في اكثر الخمس فرائض اعني ثلاث صلوات من الخمس كل منهن قام إليها فسها فيها فيسقط بعد ذلك حكم السهو ولا يلتفت الى سهوه في الفريضة الرابعة. وقال ابن حمزة لا حكم له إذا سها ثلاث مرات متواليات واطلق في فريضة أو فرائض. وانكر المحقق ما ذكره ابن ادريس تمام الانكار وقال بعد نقل ذلك عنه انه يجب ان يطالب هذا القائل بماخذ دعواه فانا لا نلعم لذلك اصلا في لغة ولا شرع والدعوى من غير دلالة تحكم. انتهى. اقول: يمكن أن يكون الوجه في ما ذكره ابن ادريس هو ان النصوص تضمنت سقوط حكم السهو مع الكثرة ولم تحد هذه الكثرة في الاخبار بحد معين والكثرة لغة وعرفا تحصل بثلاث مرات، إلا انه يبقى الكلام في محلها وهو أعم من الشئ الواحد أو الفريضة الواحدة أو الفرائض الخمس حسبما ذكره، فلو سها أو شك في شئ واحد ثلاث مرات مضى في الرابعة ولم يلتفت، أو كان كذلك في فريضة واحدة شخصية فانه يمضى في الرابع ولا يلتفت، أو كان كذلك في

[ 298 ]

ثلاث فرائض متوالية فيسقط حكمه في الفريضة الرابعة. وهذا القول ليس بذلك البعيد إلا ان المحقق لما كان مولعا بتتبع سقطات الشيخ المزبور والتشنيع عليه سارع قله الى ما ذكره. والذي ورد في هذا المقام من الاخبار ما رواه الصدوق عن محمد بن ابى عمير عن محمد بن ابى حمزة في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) انه قال: " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو " ولا يخفى ما فيه من الاجمال الموجب لسعة دائرة الاحتمال. قال في الذخيرة بعد الحكم بترجيح القول المشهور وهو الرجوع الى العرف ثم نقل الخبر: انه يحتمل وجهين (احدهما) ان يكون المراد الشك في جميع الثلاث بان يكون المراد الشك في كل واحد واحد من اجزاء الثلاث أي ثلاث كان. و (ثانيهما) ان يكون المراد انه كلما صلى ثلاث صلوات يقع فيها الشك بحيث لا تسلم له ثلاث صلوات خالية من الشك ثبت له حكم الكثرة، وحينئذ يقع الاحتياج الى العرف ايضا إذ ليس المراد كل ثلاث صلوات تجب على المكلف عى التعاقب الى انقضاء التكليف وإلا يلزم انتفاء حكم الكثرة وسقوطه بالكلية. وترجيح أحد الاحتمالين على الاخر على وجه واضح لا يخلو من إشكال وان لم يبعد ترجيح الاخير ومع هذا فالثلاث مجمل فيحتمل أن يكون المراد الصلوات أو الفرائض أو الركعات أو الافعال مطلقا ولا يبعد ترجيح الاولين، ومع هذا فغاية ما يستفاد من الرواية حصول الكثرة بذلك وهو غير مناف للعرف لا حصرها فيه فاذن لا معدل عن الاحالة الى العرف. انتهى. اقول: ما ذكره من المعنى الاول فهو الذى فهمه المحقق الاردبيلى (نور الله مرقده) من الخبر المذكور، حيث قال: ويمكن ان يكون معنى رواية محمد بن ابى عمير ان السهو في كل واحدة واحدة من اجزاء الثلاث بحيث يتحقق في جميعه موجب


(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة

[ 299 ]

لصدق الكثرة وانه لا خصوصية له بثلاث دون ثلاث بل في كل ثلاث تحقق تتحقق كثرة السهو فتزول بواحدة واثنتين ايضا ويتحقق حكمها في المرتبة الثالثة فيكون تحديد التحقق وزوال حكم الشك معا، فتأمل انه قريب. انتهى كلامه (علا مقامه) والظاهر انه لا يخلو من البعد من لفظ الخبر. واما المعنى الثاني فالظاهر انه الاقرب الى لفظ الخبر وهو ان يسهو في كل ثلاث صلوات متواليات سهوا واحدا ولا تكو ثلاث صلوات متواليات خالية من السهو، كأن يسهو مثلا في الصبح ثم في المغرب ثم في الظهر وهكدا، فهو إنما يفيد تحديد انقطاع كثرة السهو بخلو ثلاث فرائض متواليات من السهو فيها لا تحديد حصول الكثرة، فان مقتضى لفظ " كل " هو الدوام، فان جعل ذلك باعتبار الاستمرار الى آخر عمره لزم ان لا يعلم كونه كثير السهو إلا بعد موته، وان جعل باعتبار اليوم والليلة أو الاسبوع أو الشهر فلا دلالة للخبر على شئ من ذلك، مع انه لا تتعدد الثلاث في اليوم والليلة وظاهر الخبر كون ذلك في زمان تتعدد فيه الثلاث، فلابد من الخروج عن ظاهر لفظ الخبر والرجوع الى العرف بمعنى انه تكررت تلك الحال منه بحيث يقال في العرف انه ليس له ثلاث صلوات خالية من الشك، فيصير الخبر من هذه الجهة خاليا من الفائدة إذ ظاهر سياقه انما هو لبيان حكم الانقطاع فقط ففى حصول الكثرة يرجع الى العرف وفى انقطاعها الى خلو ثلاث صلوات متوالية عن السهو. ثم اقول: لا يخفى انه لما كان من القواعد المقررة في كلامهم انه مع عدم وجود الحقيقة الشرعية أو العرفية الخاصة فانه يجب حمل اللفظ على الحقيقة اللغوية أو العرفية حيث كانت الحقيقة اللغوية أو العرفية، وحيث كانت الحقيقة اللغوية هنا غير معلومة حملو الفظ الكثرة على العرف والعادة. قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: والمرجع في الكثرة إلى العرف لعدم تقديرها شرعا، وقيل تتحقق بالسهو في ثلاث فرائض متوالية أو في فريضة واحدة

[ 300 ]

ثلاث مرات، والظاهر انه غير مناف للعرف. وفى حكمه السهو ثلاثا في فريضتين متواليتين، وربما خصها بعضهم بالسهو في ثلاث فرائض لقول الصادق عليه السلام في رواية ابن ابى عمير (1) " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن يكثر عليه السهو " وهى غير صريحة في ذلك فان ظاهرها ان المراد وجود الشك في كل ثلاث بحيث لا تسلم له ثلاث صلوات خالية من شك. ولم يقل أحد بانحصار الاعتبار في ذلك. انتهى. وانت خبير بما في حوالة الاحكام الشرعية على العرف من الاشكال كما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم: اما (اولا) قلنا علم اختلاف الناس والاقاليم والبلدان في العرف والعادات فان لكل بلد عرفا وعادة خاصة. و (ثانيا) انه ان اريد العرف الخاص بمعنى عرف كل بلد بالنسبة الى من فيها فانه موجب لاختلاف الحكم الشرعي باختلاف الناس في عرفهم وهو غير معهود من الشارع ولا دليل عليه بل الدليل على خلافه واضح السبيل، وان اريد العام فهو في تعذر الوقوف عليه والاطلاق أظهر من أن يحتاج الى البيان. ومن ذا الذى يدعى الاحاطة بعرف عامة البلدان في حكم واحد فضلا عن احكام عديدة مما ناطوه بالعرف. و (ثالثا) ان المفهوم من الاخبار انه مع تعذر الوقوف على المعنى المراد من اللفظ وما عنى به وقصده الشارع فان الواجب الوقوف عن الفتوى والعمل بالاحتياط متى احتيج الى العمل بذلك لدخول هذا الفرد في الشبهات المأمور فيها بذلك (2) والاحتياط في المقام بالعمل باحكام الشك و السهو ثم الاعادة من رأس.


(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة. وابن ابى عمير روى هذه الرواية عن محمد بن ابى حمزة عن الصادق " ع " وقد تقدمت ص 298 (2) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به

[ 301 ]

ثم انه على تقدير تخصيص الكثرة بالثلاث فهل الحكم بتعلق بالثالثة أو الرابعة ؟ قولان، قال في الروض: ومتى حكم بثبوتها بالثلاثة تعلق الحكم بالرابع ويستمر الى أن يخلو من السهو والشك فرائض يتحقق بها الوصف فيتعلق به حكم السهو الطارئ وهكذا. انتهى. وتمسك القائلون بذلك - على ما نقله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) - بان حصول الثلاث سبب لتحقق حكم الكثرة والسبب مقدم على المسبب. ويرد عليه ان تقدم السبب ذاتي ولا تنافيه المعية الزمانية. مع ان التقدم الزمانى لا يخل هنا بالمقصود وظاهر ما قدمنا نقله عن المحقق الاردبيلى تعلق الحكم بالثالث. واحتمل في الذكرى حصول الكثرة بالثانيه، قال: ويظهر من قوله عليه السلام في حسنة حفص بن البخترى (1) " ولا على الاعادة اعادة " ان السهو يكثر بالثانية. إلا أن يقال يختص بموضع وجوب الاعادة. انتهى. اقول: قد قدمنا ان الاظهر في معنى هذه العبارة هو انه لو صدر منه شك أو سهو موجب لاعادة الصلاة ثم حصل في الصلاة المعادة ما يوجب الاعادة ايضا فانه لا يعيد ويلتفت إليه بل يتم صلاته، ولا منافاة بينه وبين التحديد الواقع في صحيحة محمد بن ابى عمير (2) إذ لا يلزم ان يكون عدم الاعادة في الصلاة المعادة إنما هو لحصول الكثرة بل هما حكمان شرعيان بينهما عموم وخصوص من وجه، إذ السهو الموجب للكثرة لا ينحصر في ما كان سببا للاعادة، والسهو في المعادة لا يستلزم كثره السهو (3) وان اجتمع الحكمان في بعض الموارد ولا تنافى بينهما. وقد عرفت ان ظاهر كلام الذكرى ان الاعادة تستلزم الكثرة، ويظهر من المدارك موافقته على ذلك حيث قال بعد نقل عبارة الذكرى المتقدمة: وهو كذلك إلا انى لا أعلم بمضونها قائلا.


(1) ص 258 (2) راجع التعليقة 1 ص 300 (3) العبارة في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية هكذا " والاعادة لا تستلزم كثرة السهو "

[ 302 ]

قال شيخنا المجلسي بعد نقل ذلك عنه: أقول لما لم يعلم تحقق اجماع على خلافه والرواية المعتبرة دلت عليه فلا مانع من القول به ولذا مال إليه والدى العلامة (قدس الله روحه) والاحوط الاتمام والاعادة رعاية للمشهور بين الاصحاب. انتهى. أقول: ان كان مراده وكذا مراد السيد السند بتقوية ما ذكره في الذكرى ودلالة الرواية عليه بالنسبة الى عدم الاعادة في الصلاة المعادة لو حصل فيها موجب الاعادة فهو جيد إلا انه بعيد عن سياق كلام الذكرى، وان اراد بالنسبة الى حصول الكثرة وان عدم الاعادة في الصلاة المعادة إنما هو من حيث حصول الكثرة كما هو ظاهر كلام الذكرى وكلام السيد ايضا ففيه ان الرواية لا دلالة فيها على ذلك ومجرد نفى الاعادة لا دلالة فيه على ان ذلك لحصول الكثرة. وبالجملة فان الظاهر ان كلام شيخنا المشار إليه لا يخلو من غفلة. والله العالم. (المسألة الرابعة عشرة) - قد تقدم في صور الشكوك الاربعة وجوب صلاة الاحتياط ولم تتعرض ثمة للبحث عنها ولا عن احكامها وتحقيق ذلك هنا يقع في مواضع: (الاول) - الظاهر من كلام الاصحاب وجوب تكبيرة الاحرام في صلاة الاحتياط بل كاد ان يكون اتفاقا بينهم، إلا ان بعض متأخرى اصحابنا نقل عن القطب الرواندى في شرح النهاية الطوسية انه قال: من اصحابنا من قال انه لو شك بين الاثنتين والاربع أو غيرهما من تلك الاربعة فإذا سلم قام ليضيف ما شك فيه الى ما يتحقق قام بلا تكبيرة الاحرام ولا تجديد نية ويكتفى في ذلك بعلمه وارادته ويقول لا تصح نية مترددة بين الفريضة والنافلة على الاستئناف وان صلاة واحدة تكفيها نية واحدة وليس في كلامهم ما يدل على خلافه. وقيل ينبغى ان ينوى انه يؤدى ركعات الاحتياط قربة الى الله ويكبر ثم يصلى. انتهى. وهذا القول وان لم يشتهر نقله بين الاصحاب إلا ان اطلاق الاخبار المتقدمة في الامر بالاحتياط يعضده، فان اقصى ما تضمنته تلك الاخبار انه يقوم ويركع ركعة أو ركعتين من قيام أو جلسو، وليس فيها على تعددها وكثرتها تعرض

[ 303 ]

لذكر تكبيرة الاحرام كما لا يخفى على من راجعها مع اشتمالها على قراءة الفاتحة والتشهد والتسليم. والمقام فيها مقام البيان لانها مسوقة لتعليم المكلفين، فلو كان ذلك واجبا لذكر ولو في بعض كما ذكر غيره مما اشرنا إليه. والذى وقفت عليه من عبائر جملة من المتقدمين وجل المتأخرين خال من ذكر التكبير ايضا. نعم روى الشيخ في التهذيب عن زيد الشحام (1) قال: " سألته عن الرجل يصلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات ؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد، وان كان لا يدرى أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد ". فان ظاهره ان هاتين الركعتين إنما هما للاحتياط وان كان الاحتياط هنا غير مشهور في كلام الاصحاب إلا ان ظاهر الصدوق في المقنع القول بذلك، وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة، وحينئذ فيمكن أن تخصص تلك الاخبار بهذا الخبر. وكيف كان فالاحتياط يقتضى الوقوف على القول المشهور. (الثاني) - لو فعل المبطل قبل الاتيان بصلاة الاحتياط فهل تبطل الفريضة ويسقط الاحتياط أم تبقى على الصحة ويجب الاتيان بالاحتياط ؟ قولان يلتفتان الى ان صلاة الاحتياط هل هي جزء من الفريضة المتقدمة أم هي صلاة برأسها خارجة عن تلك الصلاة ؟ فالاول مبنى على الاول والثانى على الثاني. والقول بالبطلان منقول عن ظاهر الشيخ المفيد واختاره العلامة في المختلف والشهيد في الذكرى. والى الثاني ذهب جمع: منهم - ابن ادريس والعلامة في الارشاد والظاهر انه الاشهر في كلام المتأخرين. قال في الذكرى: ظاهر الفتاوى والاخبار وجوب تعقيب الاحتياط الصلاة من غير تخلل حدث أو كلام أو غيره حتى ورد وجوب سجدتي السهو للكلام قبله


(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة

[ 304 ]

ناسيا كما مر، وقال ابن ادريس لا تفسد الصلاة بالحدث قبله لخروجه عن الصلاة بالتسليم وهذا فرض جديد. وهو ضعيف لان شرعيته ليكون استدراكا للفائت من الصلاة فهو على تقدير وجوبه جزء من الصلاة فيكون الحدث واقعا في الصلاة فيبطلها. انتهى. واستدل العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من الابطال بتخلل الحدث بوجوه (احدها) ان الاحتياط معرض لان يكون تماما للصلاة فكما تبطل الصلاة بالحدث المتخلل بين اجزائها المحققة فكذا ما هو بمنزلتها. و (ثانيها) قوله عليه السلام في آخر رواية ابن ابى يعفور المتقدمة في مسألة الشك بين الاثنتين والاربع (1) " فان كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الاربع وان كان صلى اربعا كانت هاتان نافلة وان تكلم فليسجد سجدتي السهو ". و (ثالثها) قوله عليه السلام في رواية ابى بصير المتقدمة (2) " إذ لم تدر اربعا صليت أم ركعتين فقم واركع ركعتين " والفاء للتعقيب وايجاب التعقيب ينافى تسويغ الحدث. و (رابعها) قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة (3) " وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في اربع... قام فاضاف إليها اخرى " فان جعل القيام جزء يقتضى تعقيب فعله بالشرط. هذا حاصل ما استدلوا به على هذه القول وما يمكن تكلفه له من الادلة. ورده جملة من متأخرى المتأخرين (اما الاول) فلان شرعية فعل الاحتياط استدراكا للفائت لا يقتضى جزئيته من الصلاة، مع انه منفصل عنها بما يوجب الانفصال والانفراد من النية والتكبير والتسليم. و (اما الثاني) فمع عدم صحة الرواية فهى غير صريحة في المدعى لاحتمال ان يكون المراد سجود السهو للكلام الصادر في اثناء الصلاة أو اثناء صلاة الاحتياط لا الكلام المتخلل بين الصلاتين، على ان ترتب السجود عليه غير صريح في تحريمه، مع انه لو سلم تحريمه لا يلزم منه بطلان الصلاة به. و (اما الثالث) فبعد تسليم دلالة الفاء الجزائية على التعقيب مع - انه


(1) ص 237 و 238 (2) ص 238. (3) ص 233

[ 305 ]

قد منعه بعض العلماء، وان مجرد الحدث مناف للتعقيب الذى دلت عليه الفاء - فانا نقول ليس المراد بها هنا التعقيب بدلالة ذكر " ثم " في مثل هذا الموضع في بعض الاخبار كصحيحة محمد بن مسلم وحسنة الحلبي ورواية ابن ابى يعفور وعدم ذكر شئ منهما في بعض الاخبار ايضا كحسنة زرارة (1) وبالجملة فانه لا يخفى على المتتبع ان الفاء في امثال هذا المقام منسلخة عن معنى التعقيب وانم اامراد منها مجرد ترتب ما بعدها على السابق، ومع تسليم ذلك لا يلزم منه بطلان الصلاة بترك المبادرة وإنما اللازم منه وجوب المبادرة وهو غير محل البحث. و (اما الرابع) فانه لا يعتبر في الجزاء ان يكون بعد الشرط بلا فصل، مع ان ذلك لا يقتضى إلا مجرد الوجوب وهو غير محل البحث ايضا. أقول: والتحقيق ان هذه التعليلات المذكورة كما عرفت عليلة وقصارى ما تدل عليه اخبار الاحتياط هو وجوب المبادرة به بعد اتمام الصلاة وهو غير موجب لبطلان ما تقدم بالحدث المتجدد بينهما، مع ما ورد من ان تحليل الصلاة التسليم (2) وهو عام وتخصيصه بغير موضع النزاع يحتاج لى دليل وليس فليس، وبذلك يظهر قوة ما ذهب إليه ابن ادريس. ويؤيده ايضا ما ورد من الاخبار الدالة على صحة الصلاة مع تخلل الحدث قبل التسليم (3) بناء على استحباب التسليم كما هو أحد الاقوال أو كونه واجبا خارجا كما هو المختار، فانها شاملة باطلاقها لهذا الموضع وتخصيصها يحتاج الى مخصص وليس فليس. وكيف كان فانه وان كان الارجح لما ذكرناه هو القول بالصحة إلا ان المسألة لما كانت خالية من النصوص بالخصوص فالاحوط الاتيان بالاحتياط ثم اعادة الصلاة من رأس. ثم اعلم ان العلامة في المختلف أورد على ابن ادريس التناقض بين فتواه بعدم


(1) ص 237 و 233 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم (3) الوسائل الباب 13 من التشهد و 3 من التسليم و 1 من قواطع الصلاة

[ 306 ]

البطلان بالحدث المتخلل وقوله بجواز التسبيح، لان الاول يقتضى كونها صلاة منفردة والثانى يقتضى كونها جزء. قال في الذكرى: ويمكن دفعه بان التسليم جعل لها حكما مغايرا للجزء باعتبار الانفصال عن الصلاة ولا ينافى ذلك تبعية الجزء في باقى الاحكام. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو جيد لو ثبت التبعية بدليل من خارج لكنه غير ثابت بل الدليل قائم على خلافه. انتهى. وهو جيد. اقول: لا يخفى ان ظاهر الاخبار الدالة على انه مع ظهور تمام الصلاة فالاحتياط نافلة ومع ظهور النقصان فهو متمم هو أن هذه الصلاة ذات جهتين فهى من جهة صلاة مستقلة برأسها ومن جهة اخرى تكون سادة للنقص الواقع في الصلاة وبالنظر الى هذا الوجه الاخير جوز ابن ادريس إلا ان الاخبار كما ستعرف ان شاء الله تعالى تدفعه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر الاصحاب ترتب الوجهين المتقدمين في صلاة الاحتياط على الاجزاء المنسية فلو فاتته السجدة أو التشهد أو ابعاضه على القول بوجوب القضاء ففعل المنافى قبل الاتيان بها ففيه الوجهان المتقدمان في الاحتياط. قال في الذكرى: واولى بالبطلان عند بعضهم للحكم بالجزئية هنا يقينا، ولا خلاف في انه يشترط فيها ما يشترط في الصلاة حتى الاداء في الوقت، فان فات الوقت ولما يفعلها تعمدا بطلت صلاته عند بعض الاصحاب لانه لم يأت بالماهية على وجهها، وان كان سهوا لم تبطل عنده ونوى بها القضاء وكانت مترتبة على الفوائت قبلها ابعاضا كانت أو صلوات مستقلة. انتهى. اقول: اما ما نقله من الاولوية استنادا الى الحكم بالجزئية يقينا فلا يخلو من شئ، إذ لو تم ذلك لوجب الحكم ببطلان الصلاة وبتخلل الاركان بين محلها اولا ومحل تلافيها اخيرا على انه ليس كذلك، وبالجملة فانه لا ريب في خروجها عن محض الجزئية، ووجوب الاتيان بها بعد الصلاة حكم آخر. واما ما ذكره

[ 307 ]

من كونها مترتبة على الفوائت قبلها فلم نقف له على دليل بل اطلاق الادلة يقتضى انتفاءه. وبالجملة فحيث كانت المسألة كسابقتها خالية من النصوص فالاحتياط فيها مطلوب وان كان الظاهر هو القول بالصحة كما عرفت في تلك المسألة. والله العالم. (الثالث) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) تعين الفاتحة في صلاة الاحتياط، وذهب ابن ادريس الى التخيير بينها وبين التسبيح. والقول الاول هو المعتضد بالنصوص المتقدمة الصريحة في وجوب قراءة الفاتحة فهيا، ولا ينافى ذلك اطلاق بعض الاخبار بذكر ركعة أو ركعتين من غير تعرض لذكر الفاتحة، فانه محمول على تلك الاخبار حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المشهورة المنصوصة ايضا. واما ما ذكره في الذخيرة هنا - من احتمال حمل الاخبار الدالة على التعيين على الاستحباب حتى ادعى انه لا ترجيح لاحد التأويلين على الاخر - ففيه (اولا) ما عرفت من ان هذه القاعدة في الجمع بين الاخبار وان اشتهر العمل بها بين الاصحاب بل لا عمل لهم على غيرها في جميع الابواب إلا انه لا دليل عليها من سنة ولا كتاب بل ظاهر الادلة المذكورة ردها، فان الحمل على الاستحباب مجاز لا يجوز القول به إلا مع القرينة الصارفة عن الحمل على الحقيقة وليس فليس. و (ثانيا) ان اللازم بمقتضى ما ذكره انه يتخير بين القراءة وعدمها وان كانت القراءة افضل ولا قائل به ولا دلالة في ذلك على قول ابن ادريس. وبالجملة فان ما ذكره لا اعرف له وجها وجيها وانما التجأ الى موافقة القول المشهور لقوله صلى الله عليه وآله (1) " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " قال وان لم يصل الى حد الحقيقة فالحمل عليه أقرب. ولا يخفى عليك ما فيه من الوهن لما عرفت في غير مقام مما تقدم من ان اطلاق الاحكام في الاخبار إنما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة فانها هي التى يتبادر إليها الاطلاق دون الفروض النادرة، على انك قد عرفت


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 9 " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "

[ 308 ]

ان صلاة الاحتياط غير متمحضة للاستقلال والمتبادر من الخبر انما هو الصلاة المستقلة. وبالجملة فالاولى في الاستدلال على ذلك انما هو ما ذكرناه. ونقل عن ابن ادريس انه احتج بان الاحتياط قائم مقام الركعتين الاخيرتين فيثبت فيه ما يثبت في مبدله. وضعفه أظهر من ان يتصدى الى بيانه. والله العالم. (الرابع) - الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في صحة الصلاة لو ذكر تمامها بعد الاتيان بصلاة الاحتياط لدلالة الاخبار على ذلك وان الاحتياط هنا يكون نافلة. اما لو ذكر في حال الاحتياط والحال هذه فهل يقطع الاحتياط لظهور الاستغناء عنه ام يتمه ؟ الاظهر التخيير في ذلك وان كان الافضل الاتمام حيث انه بظهور الاستغناء عنه يكون نافلة ومن شأن النافلة ذلك. اما لو ذكر نقصان صلاته فلا يخلو اما ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة والاحتياط معا لو بعد الفراغ من الصلاة وقبل الاحتياط أو في اثناء الاحتياط فههنا صور ثلاث: (الاولى) - ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة والاحتياط معا والمشهور عدم الالتفات مطلقا، وعليه تدل ظواهر الاخبار المصرحة بانه متى اتى بالاحتياط فان كانت صلاته تامة كان احتياطه نافلة وان كانت ناقصة كان متمما. وذهب بعض الاصحاب الى البطلان في صورة المخالفة يعنى مخالفة الاحتياط للناقص الذى ظهر نقصه كما إذا كان الشك بين الثنتين والثلاث والاربع وقد احتاط بركعتين من قيام ثم ركعتين من جلوس ثم ظهر له بعد ذلك كون ما صلى ثلاث ركعات. ولعل وجه البطلان عنده من حيث لزوم اختلال نظم الصلاه حيث انه متى ذكر ان الناقص ركعة والمبدو به من الاحتياط انما هو الركعتان من قيام وهو مخالف للناقص والمطابق له انما هو الركعتان من جلوس وهى المتأخرة فيلزم اختلال نظم الصلاة. وفيه ان ذلك إنما يشكل إذا قلنا بان صلاة الاحتياط جزء لا صلاة مستقلة وقد عرفت في ما تقدم ان الاظهر هو الاستقلال فلا اشكال.

[ 309 ]

(الثانية) - ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة وقبل الاحتياط، وحينئذ فلا يخلو اما ان يكون قد فعل منافيا يبطل الصلاة أم لا، وعلى الثاني لا اشكال في وجوب الاتمام ثم السجود للسهو لما زاده من التشهد والتسليم، وعلى الاول يبنى على مسألة من فعل المنافى بعد تسليمه على ركعتين من كون ذلك المنافى مبطلا عمدا لا سهوا أو عمدا وسهوا أو غير مبطل. وقد تقدم تحقيق ذلك في المسألة المذكورة. (الثالثة) - ان يذكر النقص في اثناء الاحتياط، وحينئذ اما ان يكون ذلك الاحتياط مطابقا للناقص كما إذا شك بين الثنتين والثلاث فاتم وشرع في ركعة الاحتياط من قيام ثم ذكر في اثنائها النقصان، أو غير مطابق كما إذا شك بين الثنتين والثلاث والاربع ثم شرع في الركعتين من قيام وذكر في اثنائها نقصان ركعة. فعلى الاول هل تبطل الصلاة ويستأنف نظرا الى ان القدر المعلوم ثبوته من تلك الادلة ورودها بالنسبة الى الشك المستمر الى الفراغ من الاحتياط، فان هذا الترديد المتقدم في الاخبار انما هو بالنظر الى صلاته واقعا بمعنى انه ان كانت في الواقع صلاته تامة فاحتياطه نافلة وان كانت ناقصة فاحتياطه متمم لا بالنظر الى ظهور ذلك للمكلف وان امكن الجرى على ذلك في بعض المواضع ولهذا لم تجد لهذه الصور التى فرعها الاصحاب في هذا المقام في الاخبار اثرا، أو يجب الاتمام نظرا الى عموم الادلة ؟ قولان. وعلى الثاني فهل يتم الاحتياط ولا شئ عليه أو يقتصر على القدر المطابق ان لم يتجاوزه أو يبطل الاحتياط ويرجع الى حكم تذكر النقصان أو تبطل الصلاة ؟ احتمالات والاحتياط في مثل هذه المواضع المشتبهة الخالية من النصوص واجب. والله العالم. فروع (الاول) - قال في الذكرى: لو صلى قبل الاحتياط غيره بطل فرضا كان أو نفلا ترتب على الصلاة السابقة اولا، لان الفورية تقتضي النهى عن ضده

[ 310 ]

وهو عبادة. هذا إذا كان متعمدا ولو فعل ذلك سهوا وكانت نافلة بطلت، وكذا إذا كانت فريضة لا يمكن العدول فيها اما لاختلاف نوعها كالكسوف واما لتجاوز محل العدول، ويحتمل الصحة بناء على ان الاتيان بالمنافى قبله لا يبطل الصلاة وان امكن العدول يحتمل قويا صحته كما يعدل الى جميع الصلاة. (الثاني) - يترتب الاحتياط ترتب المجبورات، وهو بناء على انه لا يبطله فعل المنافى، وكذا الاجزاء المنسية تترتب، ولو فانته سجدة من الاولى وركعة احتياط قدم السجدة، ولو كانت من الركعة الاخيرة احتمل تقديم الاحتياط لتقدمه عليها وتقديم السجدة لكثرة الفصل بالاحتياط بنيها وبين الصلاة. (الثالث) لو اعاد الصلاة من وجب عليه الاحتياط لم يجزئ لعدم اتيانه بالمأمور به، وربما احتمل الاجزاء لاتيانه على الواجب وزيادة. كذا صرح بذلك في الذكرى. وفى كثير منها اشكال والاحتياط في امثال هذه المواضع مطلوب على كل حال كما عرفت في غير موضع مما تقدم. خاتمة في احكام سجدتي السهو اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في موجب سجدتي السهو على اقوال متعددة واراء متفرقة، فقال ابن ابى عقيل: الذى تجب فيه سجدتا السهو عند آل الرسول صلى الله عله وآله شيئان: الكلام ساهيا خاطب المصلى نفسه أو غيره، والاخر دخول الشك عليه في اربع ركعات أو خمس فما عداها. والشيخ المفيد في المقنعة قد عد ثلاثة مواضع تجب فيها سجدتا السهو أحدها - السهو عن سجدة حتى يفوت محلها، ونسى التشهد ولم يذكر حتى يركع في الثالثة، ومن تكلم ناسيا. ولم يذكر شيئا آخر ولم ينص على عدد. وقال في الرسالة الغرية: لو نسى التشهد الاول وذكره بعد الركوع مضى في صلاته فإذا سلم من الرابعة سجد سجدتي السهو، وكذلك ان تكلم ناسيا في صلاته فليسجد بعد التسليم سجدتي السهو، وان لم يدر أزاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد

[ 311 ]

ركوعا أو نقص ركوعا ولم يتيقن ذلك وكان الشك له فيه حاصلا بعد تقضى وقته وهو في الصلاة سجد سجدتي السهو، قال وليس لسجدتي السهو موضع في الشك في الصلاة إلا في هذه الثلاثة المواضع والباقى بين مطرح أو متدارك بالجبران أو فيه اعادة. وقال ثقة الاسلام في الكافي بعد تقسيمنه مواضع السهو الواردة في الاخبار الى ما يجب على الساهي فيه اعادة الصلاة وهى سبعة مواضع ثم عدها، وما لا يجب فيها اعادة الصلاة وتجب فيها سجدتا السهو: الذى يسهو فيسلم في الركعتين ثم يتكلم من غير ان يحول وجهه ويتصرف عن القبلة، قال فعليه أن يتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو، والذى ينسى تشهده ولا يجلس في الركعتين وفاته ذلك حتى يركع في الثالثة فعليه سجدتا السهو وقضاء تشهده إذا فرغ من صلاته، والذى لا يدرى اربعا صلى أو خمسا عليه سجدتا السهو، والذى يسهو في بعض صلاته فيتكلم بكلام لا ينبغى له مثل أمر ونهى من غير تعمد فعليه سجدتا السهو، فهذه اربعة مواضع تجب فيها سجدتا السهو... الى آخر كلامه. وقال الشيخ في المبسوط: واما ما يوجب الجبران بسجدتي السهو فخمسة مواضع: من تكلم في الصلاة ساهيا، ومن سلم في الاولتين ناسيا، ومن نسى التشهد الاول حتى يركع في الثالثة، ومن ترك واحدة من السجدتين حتى يركع في ما بعد، ومن شك بين الاربع والخمس، قال وفى اصحابنا من قال ان من قام في حال قعود أو قعد في حال قيام فتلافاه كان عليه سجدتا السهو. وقال في الجمل ما يوجب الجبران بسجدتي السهو أرقعة مواضع، وعد ما تقدم واسقط التشهد. وقال في الخلاف: وسجدتا السهو لا تحبان في الصلاة إلا في أربعة مواضع (احدها) إذا تكلم في الصلاة ناسيا. و (الثاني) إذا سلم في الصلاة في غير موضع السلام ناسيا. و (الثالث) إذا نسى سجدة واحدة ولا يذكر حتى يركع في الركعة التى بعدها. و (الرابع) إذا نسى التشهد الاول ولا يذكر حتى يركع في الثالثة، فان هذه المواضع يجب عليه المضى في الصلاة ثم سجدتا السهو بعد التسليم، قال واما

[ 312 ]

ما عدا ذلك فهو كل سهو يلحق الانسان ولا يجب عليه سجدتا السهو فعلا كان أو قولا زيادة كان أو نقصانا متحققة كانت أو متوهمة وعلى كل حال، قال وفى اصحابنا (رضوان الله عليهم) من قال عليه سجدتا السهو في كل زيادة ونقصان. وفى الاقتصاد مثل الجمل. وقال السيد المرتضى في الجمل: تجب سجدتا السهو في خمسة مواضع: في نسيان السجدة والتشهد ولم يذكر حتى يركع. وفى الكلام ساهيا، وفى القعود حالة القيام وبالعكس، وفى الشك بين الاربع والخمس. وقال أبو جعفر بن بابوية، ولا تجب سجدتا السهو إلا على من قعد في حال قيام أو قام في حال قعود أو ترك التشهد أو لم يدر أزاد أو نقص. ثم قال في موضع آخر: وان تكلمت في صلاتك ناسيا فقلت " اقيموا صفوفكم " فاتم صلاتك واسجد سجدتي السهو. وقال في المقنع: واعلم ان السهو الذى تجب فيه سجدتا السهو هو انك إذا أردت ان تقعد قمت وإذا أردت أن تقوم قعدت، قال وروى أنه لا يجب عليك سجدتا السهو إلا ان سهوت في الركعتين الاخيرتين لانك إذا شككت في الاولتين اعدت الصلاة، قال وروى ان سجدتي السهو تجب على من ترك التشهد. واوجب ابوه سجدتي السهو في نسيان التشهد وفى الشك بين الثلاث والاربع إذا ذهب وهمه الى الرابعة. واوجب سلار سجدتي السهو في نسيان التشهد والسجدة والكلام ناسيا والقعود في حالة القيام وبالعكس. وأوجبهما أبو الصلاح على من شك في كمال الفرض وزيادة ركعة عليه وفيلزمه أن يتشهد ويسلم ويسجد بعد التسليم سجدتي السهو وعلى من جلس ساهيا في موضع قيام وبالعكس وعلى من تكلم ساهيا وعلى الساهي عن سجدة وعلى من يسهو عن ركعة أو اثنتين ويسلم ثم يذكر ذلك قبل ان ينصرف فيلزمه التلافى وسجدتا السهو والتسليم. وابن البراج أوجبهما في ما اوجبهما السيد

[ 313 ]

المرتضى وزاد التسلم في غير موضعه، وكذا ابن حمزة إلا انه اسقط التسليم في غير موضعه وجعل عوضه السهو عن سجدتين من الاخيرتين. وقال ابن ادريس: اختلفت اصحابنا في ما يوجب سجدتي السهو فذهب بعضهم الى انها أربعة مواضع وقال آخرون في خمسة مواضع وقال الباقون الاكثرون المحققون في ستة مواضع، قال وهو الذى اخترناه لما فيه من الاحتياط لان العبادات يجب أن يحتاط لها ولا يحتاط عليها. والمواضع التى عدها نسيان السجدة والتشهد والكلام ناسيا والتسليم في غير موضعه والقعود حالة القيام وبالعكس والشك بين الاربع والخمس. وقال المحقق في المعتبر بوجوبهما في نسيان السجدة والتشهد والسلام والكلام والشك بين الاربع والخمس، وحكى القيام والقعود ورده برواية سماعة الاتية ان شاء الله تعالى، وحكى الزيادة والنقصان والخلاف فيه والمستمسك من الجانين ولم يرجح شيئا في البين. وقال ابن عمه نجيب الدين في الجامع بمقالته وحكى القيام والقعود. وقال العلامة في المنتهى بوجوبهما في الكلام سهوا والتسليم في غير موضعه كالاولتين من الرباعيات والثلاثية والاولية من الثنائية، والشك بين الاربع والخمس والقعود في حال قيام وبالعكس (1) والسهو عن السجدة الواحدة. وفى المختلف انهاه الى ستة مواضع: الكلام ناسيا والتسليم في غير موضعه وترك التشهد ناسيا وترك السجدة كذلك ومن شك بين الاربع والخمس و من شك فلا يدرى زاد أو نقص. هذا ما وقفت عليه من كلام الاصحاب واختلافهم في هذا الباب والواجب ان نبين من ذلك مما ذكره الاصحاب كلا أو بعضا ما اقترن بالاخبار عنهم (عليهم السلام) ودلت عليه الادلة في المقام وذلك في مواضع: (الاول) الكلام ناسيا، والمشهور بين الاصحاب وجوبهما بل نقل العلامة


(1) سيأتي في الموضع السابع حكاية عدم الوجوب فيهما عن المنتهى

[ 314 ]

في المنتهى اجماع الاصحاب عليه إلا انه نقل في الذخيرة عن المختلف والذكرى انهما نقلا خلاف ابني بابويه في ذلك. وانت خبير بانه قد تقدم النقل عن ابن بابويه بان قال: " وان تكلمت في صلاتك ناسيا فقلت " اقيموا صفوفكم " فاتم صلاتك واسجد سجدتي السهو " إلا ان يحمل كلامه على وجوب سجدتي السهو في خصوص هذا الكلام كما هو ظاهر عبارته لا مطلق الكلام كما فهمه الاصحاب من الخبر الوارد بهذه العبارة، نعم عبارة ابيه ظاهرة في عدم عد الكلام في ما يوجب سجود السهو حيث اقتصر على ذينك الموضعين. إلا انه يمكن القول بان كلامه غير دال على الحصر في الموضعين المذكورين وغايته أن يكون مطلقا بالنسبة الى غير ذينك الموضعين لما ستعرف ان شاء الله تعالى من دلالة الاخبار على جملة من المواضع الزائدة عليهما فيبعد منه الاقتصار على ذينك الموضعين والحصر فيهما. ويدل على المشهور ما رواه الشيخ في الصحيح عن بعد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول " اقيموا صفوفكم " ؟ قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد ؟ قال بعد " والظاهر فيه كما فهمه الاصحاب ان ذكر قوله " اقيموا صفوفكم " إنما خرج مخرج التمثيل فيكون الخبر دالا على السجود لمطلق الكلام لا التخصيص كما هو ظاهر عبارة الصدوق المقتدمة. ورواية عبد الله بن ابى يعفور المقتدمة في المسألة الثامنة (2) وقوله فيها: " وان تكلم فليسجد سجدتي السهو ". والظاهر انه لا فرق في وجوب السجود بين التكلم في الصلاة ناسيا أو ظانا الخروج من الصلاة. ويدل على ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن سعيد الاعرج (3)


(1) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة والشيخ يرويه عن الكليني (2) ص 237 و 238 (3) الفروع ج 1 ص 99 والتهذيب ج 1 ص 234 وفى الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة

[ 315 ]

قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول صلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سلم في ركعتين فسأله من خلفه يا رسول الله صلى الله عليه وآله أحدث في الصلاة شئ ؟ فقال وما ذلك ؟ قالوا إنما صليت ركعتين، فقال أكذلك يا ذا اليدين ؟ - وكان يدعى ذا الشمالين - فقال نعم. فبنى على صلاته فاتم الصلاة اربعا. وقال ان الله عزوجل هو الذى انساه رحمة للامة، ألا ترى لو ان رجلا صنع هذا لعير وقيل ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذلك قال قد سن رسول الله صلى الله عليه وآله وصارت اسوة. وسجد سجدتين لمكان الكلام ". إلا انه قد ورد في مقابلة هذا الخبر في خصوص السجدتين المذكورتين ما رواه الشيخ في الموثق بعبد الله بن بكير عن زرارة (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام هل سجد رسول الله صلى الله عليه وآله سجدتي السهو قط ؟ فقال لا ولا يسجدهما فقيه ". قال في التهذيب: الذى افتى به ما تضمنه هذا الخبر واما الاخبار التى قدمناها من ان النبي صلى الله عليه وآله سها فسجد فانها موافقة للعامة وانما ذكرناها لان ما تتضمنه من الاحكام معمول بها على ما بيناه. ثم ان مما يدل على عدم السجدتين في هذا الموضع عدة اخبار ايضا: منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (2) " في الرجل يسهو في الركعتين ويتلكم ؟ قال يتم ما بقى من صلاته تكلم أو لم يتكلم ولا شئ عليه ". وعن زيد الشحام (3) قال: سألته عن الرجل... ثم ساق الخبر كما في صحيح زرارة المذكور (4) الى ان قال: وان هو استيقن انه صلى ركعتين أو ثلاثا ثم انصرف وتكلم فلم يعلم انه لم يتم الصلاة فانما عليه ان يتم الصلاة ما بقى منها فان نبى الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس ركعتين ثم نسى حتى انصرف فقال له ذول الشمالين يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحدث


(1) و (2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة. (3) الوسائل الباب 3 و 14 من الخلل في الصلاة (4) ص 233 وخبر الشحام تقدم صدره في ص 247 و 303

[ 316 ]

في الصلاة شئ ؟ فقال ايها الناس أصدق ذو الشمالين ؟ فقالوا نعم لم تصل إلا ركعتين. فقام فاتم ما بقى من صلاته. وعن الفضيل بن يسار في الصحيح (1) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام اكون في الصلاة فاجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا ؟ فقال انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا وان تكلمت ناسيا فلا شئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا... الحديث ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (2) " في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى انه قد اتم الصلاة وتكلم ثم ذكر انه لم يصل غير ركعتين ؟ فقال يتم ما بقى من صلاته ولا شئ عليه ". وانت خبير بان هذه الاخبار غير صريحة بل ولا ظاهرة في المنافاة لاحتمال قوله " ولا شئ عليه " يعنى من اعادة الصلاة وصحيحة الفضيل ظاهرة في هذا المعنى، أو لا شئ عليه من الاثم. والاول أقرب. واما حمل الروايات المتقدمة على الاستحباب كما اختاره بعض الاصحاب فظني بعده لما عرفت ما في هذا الحمل في غير باب، ويعضد الاخبار المتقدمة شهرة العمل بها بين الاصحاب وانها الاوفق بالاحتياط وعدم ظهور الاخبار الاخيرة في المنافاة. واما ما ايد به بعضهم القول بالعدم - من حديث على بن النعمان الرازي (3) المشتمل على انه سلم في المغرب في الركعتين الاولتين سهوا وتكلم فاعاد اصحابه الصلاة وهو لم يعد بل اتم بركعة، حيث ان ظاهره انه لم يسجد سجدتي السهو وإلا لذكر والصادق عليه السلام صوب فعله - ففيه ما قدمنا بيانه في المقام الثاني في ما يبطل الصلاة من المطلب الاول في قواطع الصلاة (4) وبالجملة فالاظهر عندي هو القول المشهور لما عرفت. والله العالم.


(1) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة. (3) و (4) ص 24

[ 317 ]

(الثاني) - من سلم في غير موضعه ناسيا، والمشهور وجوب السجود فيه بل نقل العلامة في المنتهى الاتفاق على ذلك ونسبه المحقق الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه. وانت خبير بانه يظهر من عباثر جملة ممن قدمنا كلامهم سقوط السجود في هذا الموضع كابن ابى عقيل والشيخ المفيد والمرتضى وابن زهرة وسلار وابن حمزة. احتج العلامة في المختلف على ذلك بانه لما كان في غير موضعه كان كلاما غير مشروع صدر نسيانا من المصلى فيدخل في مطلق الكلام. واحتج على ذلك في بعض كتبه بصحيحة سعيد الاعرج المتقدمة بالتقريب الذى ذكره في المختلف. وفيه ان الظاهر من الصحيحة المذكورة ان المراد بالكلام فيها انما هو ما تكلم صلى الله عليه وآله به بعد التسليم وخاطب به القوم لا نفس التسليم. واحتج المحقق بما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " انه سأله عن رجل صلى ثلاث ركعات فظن انها اربع فسلم ثم ذكر انها ثلاث ؟ قال يبنى على صلاته متى ما ذكر ويصلى ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (2): " وكنت يوما عند العالم ورجل سأله عن رجل سها فسلم في ركعتين من المكتوبة ثم ذكر انه لم يتم صلاته ؟ قال فليتمها ويسجد سجدتي السهو " فان الظاهر ان المراد بالسهو في الركعتين يعنى التسليم على الركعتين لقوله " ثم ذكر انه لم يتم صلاته " وحينئذ فيكون ذلك دالا على وجوب سجدتي السهو للتسليم في غير موضعه. إلا انه يمكن تطرق القدح الى دلالة رواية عمار بانه يجوز ان يكون السجود لغير التسليم وذلك فانه قد جلس في الثالثة وتشهد وسلم وكل من الجلوس والتشهد صالح لان يكون سببا للسجود فيجوز ان يكون السجود لاجل الجلوس في موضع


(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (2) ص 10

[ 318 ]

القيام أو لزيادة التشهد فلا يكون الخبر ظاهرا في المدعى. وبنحو ذلك يمكن القول في عبارة كتاب الفقه (1). ويدل على عدم الوجوب في هذه الصورة صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في سابق هذا الموضع ورواية على بن النعمان الرازي المشار إليها ثمة ورواية زيد الشحام (2) وفيه ما عرفت مما قدمنا ذكره. نعم يمكن ان يستدل على ذلك بصحيحة الحارث بن المغيرة ورواية ابى بكر الحضرمي وحسنة الحسين بن ابى العلاء المتقدم جميع ذلك في صدر المسألة الرابعة من المطلب الثاني (3). إلا انه يمكن الجواب عن ذلك بان مساق الاخبار المذكورة انما هو في بيان صحة الصلاة وعدم بطلانها ومقام البيان فيها إنما تعلق بذلك، فغايتها ان تكون مطلقة بالنسبة الى وجوب سجدتي السهو. إلا ان صحة هذا الكلام يتوقف على وجوب المخصص وقد عرفت ان رواية عمار قاصرة عن ذلك. وإلاحتياط لا يخفى. قال في المدارك - بعد نقل الاتفاق في الصورة المذكورة على وجوب السجود عن العلامة في المنتهى - ما لفظه: واستدل عليه بصحيحة سعيد الاعرج الواردة في حكاية تسليم النبي صلى الله عليه وآله على ركعتين في الرباعية وتكلمه مع ذى الشمالين في ذلك حيث قال في آخرها: " وسجد سجدتين لمكان الكلام " وفى الدلالة نظر إذ من المحتمل ان يكون الموجب للسجود التكلم الواقع بعد التسليم كما هو مذهب الكليني رضى الله عنه ولا ينافى ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال لانا نجيب عنه بالحمل على نفى الاثم أو الاعادة كما تقدم ولو لا الاتفاق على هذا الحكم لامكن الجمع بين الروايتين بحمل الاولى على الاستحباب. انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه (اولا) ان جعله ما ذكره احتمالا في الرواية مشعر بكون الظاهر من


(1) سيأتي في موضعين من ص 319 تأييد ظهورهما (2) ص 316 و 125 و 315 (3) ص 125 و 126

[ 319 ]

الرواية هو ما ذكره العلامة من حمل الكلام على التسليم لان هذه العبارة إنما ترمى في هذا المقام، مع انه ليس الامر كذلك عند النظر في الخبر بعين التحقيق بل هذا الاحتمال الذى ذكره هو ظاهر الخبر بل ربما يدعى تعينه، فان المتبادر من الكلام إنما هو الكلام الأجنبي من الصلاة لا اجزاء الصلاة المعدودة منها وأما اجزاء الصلاة فانه لو اريد التعبير عنها فانما يعبر عنها بصورتها من سجود أو تسليم أو تشهد أو نحو ذلك مع التقييد بالسهو أو العمد، والمراد به في الخبر انما هو كلامه صلى الله عليه وآله مع ذى الشمالين أو مع الصحابة ومخاطبته لهم، فركونه (قدس سره) الى ما ذكروه من المعنى السحيق البعيد عن جادة التحقيق حتى انه يجعل ما قابله احتمالا مخالفا للظاهر ليس مما ينبغى، بل الرواية المذكورة ظاهرة الدلالة في ان المراد انما هو كلامه صلى الله عليه وآله مع المأمومين. والظاهر ان الحامل لهم على الاستدلال بهذه الرواية انما هو ضيق الخناق بعد دعوى الاتفاق في عدم الدليل من الاخبار مع ما عرفت من ظهور الدلالة في موثقة عمار إلا انها لم تجر يومئذ على خواطرهم فالتجأوا الى هذه الرواية بالتقريب المتقدم في كلام المختلف. و (ثانيا) - ان هذه الرواية قد تضمنت وقوع السهو منه صلى الله عليه وآله من اتفاقهم على عدم جوازه عليه صلى الله عليه وآله وردهم لاخباره أو حملهم لها على التقية وطعنهم على الصدوق وشيخه ابن الوليد حيث جوزا ذلك، فكيف قبلوها هنا واعتمدوا في الاستدلال عليها وحكموا انه صلى الله عليه وآله سها وسجد للسهو ؟ ما هذا إلا تناقض ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر. و (ثالثا) - دلالة موثقة عمار المتقدمة على الحكم المذكور وظهورها فيه تمام الظهور ولقد كانت هي الاولى بالايراد والاستدلال بها على المراد مع اعتضادها بكلامه عليه السلام في كتاب الفقه وقد قدمنا بيانه. و (رابعا) - قوله " ولولا الاتفاق على هذا الحكم " نظرا الى دعوى العلامة ذلك مع انه في غير موضع من شرحه طعن في امثال هذه الدعاوى وناقش في هذه

[ 320 ]

الاجماعات ولاسيما مع ظهور المخالف هنا كما اعترف به من ان مذهب ثقة الاسلام في المقام هو نفى السجود في هذه الصورة وهو من قدماء المحدثين ورؤساء اساطين الدين وهو أعرف من العلامة (رضوان الله عليهما) بمواقع الاحكام في تلك الايام لانه في عصرهم (عليهم السلام) فانه قال في الكتاب المذكور - في ضمن عده ما يجب فيه سجدتا السهو وما لا يجب - ما صورته: ومنها مواضع لا يجب لها سجدتا السهو... الى ان قال والذى يسلم في الركعتين الاولتين ثم يذكر فيتم قبل أن يتكلم فلا سهو عليه. وهو ظاهر الجماعة الذين قدمنا ذكرهم في صدر الكلام. و (خامسا) - ما ذكر من الحمل على الاستحباب الذى اتخذوه ذريعة في هذه الابواب مع ما فيه من الخروج عن جادة التحقيق والصواب. والله العالم. (الثالث) من شك بين الاربع والخمس، وقد تقدم تحقيق البحث في ذلك في المسألة العاشرة في بيان الخلاف في المسأله ونقل الاخبار الدالة على القول المشهور وقد عرفت من جملة من العبارات المتقدمة عدم ذكر هذا الموضع في موجبات سجود السهو. ولم نقف للنافين على دليل والعلامة في المختلف انما استدل لهم باصالة البراءة ثم رده بان الاصل يخرج عنه بالدليل المنافى. وهو جيد. وقد تقدم في المسألة الثامنة (1) رواية ابى بصير الدالة على سجود السهو في الشك بين الاثنتين والاربع وقد تقدم تحقيق القول في ذلك. (الرابع والخامس) - نسيان السجدة الواحدة وذكرها بعد تجاوز المحل ونسيان التشهد وذكره بعد تجاوز المحل، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة من مسائل المطلب الثاني من هذا المقصد (2). (السادس) - الشك بين الثلاث والاربع مع غلبة الظن بالاربع، قال الصدوق بوجوب سجدتي السهو في الموضع المذكور، ونسب في الذكرى الى الصدوقين القول بوجبهما في كل شك ظن الاكثر وبنى عليه، قال في الذكرى: لو ظن الاكثر


(1) ص 238 (2) في المسألة الخامسة ص 150 و 154

[ 321 ]

بنى عليه لما سلف ولا يجب معه سجدتا السهو للاصل ولعدم ذكرهما في احاديث الاحتياط هنا ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. واوجبهما الصدوقان ولعله لرواية اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا ذهب وهمك الى التمام ابدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع أفهمت ؟ قلت نعم " وحملت على الاستحباب. انتهى. أقول: روى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) في حديث قال: " وان كنت لا تدرى ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فسلم ثم صلى ركعتين وانت جالس تقرأ فيهما بام الكتاب وان ذهب وهمك الى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، فان ذهب وهمك الى الاربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو " وهذا الحديث كما ترى مع صحة سنده صريح في ما ذكره الصدوقان وبه يحصل الجواب عما ذكره في الذكرى من عدم ذكر السجدتين في هذا الموضع في احاديث الاحتياط فان هذا من احاديث الاحتياط وهو صريح في ذلك مع اعتضاده بخبر اسحاق بن عمار المذكور في كلامه. ثم ان الظاهر ان ما نقله عن الصدوقين في المقام انما استندا فيه الى كتاب الفقه الرضوي حيث انه افتى فيه بمضمون صحيحة الحلبي أو حسنته المذكورة كما هي عادتهما المعروفة وطريقتهما المألوفة كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى حث قال عليه السلام (3) " وان لم تدر ثلاثا صليت أم اربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فسلم ثم صل ركعتين واربع سجدات وانت جالس تقرأ فيهما بام القرآن، وان ذهب وهمك الى الثالثة فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، وان ذهب وهمك الى الاربع فتشهد وسلم واسجد سجدتي السهو ". انتهى.


(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (3) ص 10

[ 322 ]

وقد ظهر من ذلك انه قد تطابق على هذا الحكم صحيحة الحلبي أو حسنته ورواية اسحاق بن عمار وكلامه عليه السلام في هذا الكتاب فلا مجال للتوقف فيه مع عدم المنافى. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا المجلسي في البحار حيث قال - بعد ذكر رواية اسحاق وحسنة الحلبي أو صحيحته وان الحكم بذلك لا يخلو من قوة - ما لفظه: ولكن موثقة ابان عن ابى العباس ظاهرة في عدم الوجوب فيمكن حمله على الاستحباب. انتهى. والرواية التى اشار إليها هي ما رواه الراوى المذكور عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث وان وقع رأيك على الاربع فسم وانصرف وان اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وانت جالس ". وانت خبير بان غاية هذه الرواية ان تكون مطلقة بالنسبة الى الحكم المذكور فيجب تقييدها بالاخبار المتقدمة وحملها عليها من قبيل حمل المطلق على المقيد فلا منافاة. ولا يخفى على المتتبع ان احكام المسألة الواحدة لا تكاد تجتمع في خبر واحد وإنما تؤخذ من مجموع اخبارها بضم بعضها الى بعض وحمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها وعامها على خاصها ونحو ذلك. وبما حققناه يظهر قوة القول المذكور وان كان خلاف ما هو المشهور لاعتضاده بالدليل المأثور. والله العالم. (السابع) القيام في موضع قعود وبالعكس، صرح به الصدوق والمرتضى وسلار وابو الصلاح وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس والعلامة، وخالف فيه الشيخان والكليني والشيخ على بن بابويه وابن ابى عقيل وابن الجنيد والمحقق وابن عمه الشيخ نجيب الدين في الجامع وهو اختيار العلامة في المنتهى وقد تقدم ذلك في عبائر الجماعة المذكورة، والاخبار في المسألة ايضا ظاهرة الاختلاف. احتج في المختلف بانه زاد على صلاته وكل من زاد على صلاته وجب عليه


(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة

[ 323 ]

سجود السهو، اما الصغرى فظاهرة واما الكبرى فلان الشك في الزيادة والنقيصة يقتضى وجوب السجدتين كما تقدم فاليقين بهما اولى. انتهى. ومما يدل على الوجوب من الاخبار ما رواه الشيخ عن منهال القصاب (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام اسهو في الصلاة وانا خلف الامام ؟ فقال إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب ". قال في المختلف بعد ايراده دليلا على ذلك: وجه الاستدلال انه علق وجوب السجدتين على السهو المطلق وهو يتناول صورة النزاع. وعن عمار الساباطى في الموثق (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السهو ما يجب فيه سجدتا السهو ؟ فقال إذا أردت ان تقعد فقمت أو أردت ان تقوم فقعدت أو اردت ان تقرأ فسبحت أو أردت ان تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو وليس في شئ مما تتم به الصلاة سهو ". إلا ان في هذه الرواية ما يضعف الاحتجاج بها حيث قال بعد السؤال الاول وهو ما قدمناه (3) " وعن الرجل إذا اراد ان يقعد فقام ثم ذكر من قبل ان يقوم شيئا أو يحدث شيئا ؟ قال ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ " وهذه المناقضة في الخبر قد أوردها جملة من مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين. ويمكن الجواب عنها بانه لما استفيد من السؤال الاول ان سجود السهو انما هو بالاتيان بالقيام كملا في موضع القعود وبالعكس سأل ثانيا بانه لو ذكر قبل ان يأتي بشئ من القيام بالكلية أو يفعل شيئا مطلقا أجاب عليه السلام بانه لا سجود للسهو هنا إلا ان يتكلم بشئ. وهو معنى صحيح لا منافاة فيه للحكم الاول كما لا يخفى. بقى الكلام في ما ذكره عليه السلام من عد التسبيح في موضع القراءة أو القراءة في موضع التسبيح ساهيا من الموجبات، ويمكن حمله على ان السجود حينئذ لوقوع


(1) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة

[ 324 ]

القراءة أو التسبيح في غير محلهما وزيادتهما في الصلاة، هذا إذا كان الذكر في موضع السهو وتلافي ما أخل به وان كان بعد التجاوز فيكون لنقصان القراءة أو التسبيح، والجميع مبنى على وجوب السجدتين لكل زيادة ونقيصة كما سيأتي ان شاء الله تعالى. ثم ان القراءة في موضع التسبيح يمكن حمله على الاخيرتين بناء على تعين التسبيح كما هو ظاهر الاخبار المتقدمة في المسألة وبه قال بعض الاصحاب إلا انه خلاف المشهور من التخيير، وسجود السهو هنا متى حملنا الخبر على هذا الموضع لا يتجه إلا على ما ذكرناه إذ مع التخيير لا معنى لسجود السهو. ويحتمل على بعد الحمل على تسبيح الركوع والسجود بان يقرأ ساهيا في الموضعين أو احدهما. ووجوب سجدتي السهو هنا نقله في الخلاف عن الشافعي (1). ومنها - ما رواه ثقة الاسلام بسند فيه محمد بن عيسى عن يونس - وهو ضعيف عند جمع وصحيح عند آخرين - عن معاوية بن عمار (2) قال: " سألته عن الرجل يسهو فيقوم في حال قعود أو يقعد في حال قيام ؟ قال يسجد سجدتين بعد التسليم وهما المرغمتان ترغمان الشيطان ". ومما يدل على خلاف ما دلت على هذه الاخبار ما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق (3) قال: " من حفظ سهوه واتمه فليس عليه سجدتا السهو انما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " ورواه في الفقيه عن ابى عبد الله عليه السلام مثله (4).


(1) لم اقف عليه بالخصوص في ما الطلعت عليه من كتب العامة إلا انه يفهم من ما ذكره الشيرازي الشافعي في المهذب ج 1 ص 90 حيث قال " وان قرأ في غير موضع القراءة سجد لانه قول في غير موضعه فصار كالسلام " بضميمة ما تقدم ج 8 ص 271 التعليقة 1 من منع الجمهور من القراءة في الركوع والسجود، وكذا يفهم من عبارة الام ج 1 ص 114 " قال الشافعي سجود السهو كله عندنا في الزيادة والنقصان قبل السلام وهو الناسخ والاخر من الامرين " بالضميمة المتقدمة. (2) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة. (3) و (4) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة

[ 325 ]

وما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في رجل نسى ان يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم انه لم يسجد ؟ قال فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء " وفى مضمونها صحيحة ابى بصير مع اشتمالها زيادة على هذه الرواية على قوله: " وليس عليه سهو " فهى صريحة في نفى سجدتي السهو وقد تقدمتا في المسألة الرابعة من المطلب الثاني من هذا المقصد (2). وبالجملة فان جملة روايات نسيان السجدة وكذا روايات نسيان التشهد وانه يرجع اليهما ما لم يركع ما بين ظاهر وصريح في نفى السجدتين، وروايات السجدة وذكر انها بعد الركوع ظاهرة ايضا في قضاء السجدة خاصة من غير سجود وان كان المشهور في كلامهم وجوب السجود كما تقدم. واستدل العلامة في المنتهى على ما اختاره فيه من عدم السجود بما رواه الشيخ في الموثق عن الحلبي (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد ؟ فقال يرجع فيتشهد. فقلت أيسجد سجدتي السهو ؟ فقال لا ليس في هذا سجدتا السهو " قال: وهذا من صورة النزاع. اقول: الاستدلال بهذا الخبر إنما يتم مع الحمل على التشهد الاول اما مع الحمل على الثاني فلا، والاستدلال مستند هنا الى اطلاق الخبر. والجمع بين الاخبار في هذا المقام لا يخلو من الاشكال، وجملة من متأخرى المتأخرين جمعوا بين الاخبار هنا بحمل اخبار السجود على الاستحباب كما هي القاعدة المطردة عندهم في جميع الاحكام والابواب. ولا يبعد عندي حمل اخبار السجود على التقية فان القول بوجوب السجود هنا مذهب ابى حنيفة والشافعي واتباعهما (4) والله العالم.


(1) الوسائل الباب 14 من السجود (2) في المسألة الخامسة ص 136 (3) الوسائل الباب 9 من التشهد (4) البحر الرائق ج 2 ص 105 والمحلى ج 4 ص 160 والمبسوط ج 1 ص 220 =

[ 326 ]

الثامن - كل زيادة ونقيصة، وهذا القول نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الاصحاب كما تقدم في نقل عبارته، وظاهر الاكثر عدم عده في موجبات السجود و جملة عبائر من قدمنا نقل كلامه خالية من ذلك، وقال في الدروس انه لم يظفر بقائله ولا بمأخذه مع انه من القائلين به في اللمعة وجعله في الالفية احوط ونقله في الذكرى عن الفاضل واختاره بعذ ذلك من بين الاقوال، ونقله شيخنا الشهيد الثاني في شرح اللمعة عن الصدوق ايضا واختاره في كتاب الروض، ونقل هذا القول عن الصدوق قد وقع في التحرير للعلامة ثم قال: وهو الاقول عندي. ويمكن ان يستدل عليه بما رواه الشيخ عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابنا عن سفيان بن السمط عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " وردها جملة من متأخرى المتأخرين بضعف الاسناد وربما استدل على ذلك ايضا بصحيحة الحلبي الواردة في الشك بين الاربع والخمس (2) وقوله عليه السلام فيها " أم نقصت أم زدت " فانه إذا وجب السجود بالشك في الزيادة والنقيصة ففى صورة اليقين اولى. ويظهر من المبسوط ان قولهم بالسجود للزيادة والنقصان شامل للمستحبات وظاهر العلامة تخصيصه بالواجبات، وقال ابن الجنيد بوجوبهما في خصوص القنوت ان تركه، وعد أبو الصلاح من جملة موجباتهما لحن القراءة سهوا. وانت خبير بان جملة الاخبار المتقدمة الدالة على عدم سجدتي السهو في المواضع المتقدمة كلها دالة على عدم الوجوب، ومنها اخبار السجدة والتشهد وذكرهما قبل الركوع أو بعده، فان اخبارهما في الحالتين دالة على عدم الوجوب. نعم اخبار التشهد دلت على السجود لنقص التشهد لا لزيادة القيام الذى ذكره قبل ركوعه أو


= والمهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 90 ويفهم ايضا مذهب الشافعي في ذلك مما تقدم في التعليقة 1 ص 324. (1) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة. (2) ص 328

[ 327 ]

بعده، ومنها اخبار نسيان القراءة في الصلاة كصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة زرارة وموثقة منصور بن حازم ووراية معاوية بن عمار وغيرها من الاخبار الدالة على ذلك، ومنها اخبار الجهر والاخفات كصحيحة زرارة والاخبار الواردة في نسيان ذكر الركوع، الى غير ذلك من الاخبار الواردة في جملة من الاحكام مما تدل على عدم السجود في هذه المقامات، وبعض منها صريح في المطلوب وبعض باعتبار عمومه واطلاقه وبعض باعتبار السكوت عن سجدتي السهو في مقام البيان. ومنه يظهر قوة القول المشهور إلا ان الاحتياط يقتضى الاتيان بالسجود حيث لا محمل للخبر المذكور ظاهرا مع احتمال حمله على الزيادة والنقصان في الركعات لا مطلقا، وكيف كان فهو مردود الى قائله عليه السلام. والله العالم. التاسع - الشك في الزيادة والنقيصة. ذهب إليه العلامة كما تقدم في عبارته في المختلف، قيل وهو ظاهر ما نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الاصحاب. وفيه ما لا يخفى، وكلام الصدوق في الفقيه يحتمله وقد تقدم نقل عبارته في المقام. ويحتمل ان يكون مراده زيادة الركعة أو نقصانها. والى هذا القول مال شيخنا الشهيد الثاني في الروض وكذا الى ما قبله كما قدمنا ذكره. وذهب المفيد في الغرية كما قدمناه في عبارته الى وجوبهما ان لم يدر زاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد ركوعها أو نقص ركوعا ولم يتيقن ذلك وكان الشك بعد تقضى وقته. والمشهور بين الاصحاب هو عدم الوجوب في جميع ما ذكر. اقول: ويدل على هذا القول جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن الفضيل بن يسار (1) " انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن السهو فقال من حفظ سهوه فاتمه فليس عليه سجدتا السهو وانما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها ". وما رواه الكليني والشيخ عنه عن سماعة في الموثق (2) قال قال " من حفظ


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة

[ 328 ]

سهوه فاتمه فليس عليه سجدتا السهو إنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها ". وعن زرارة في الصحيح أو الحسن (1) قال: " سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس وسماهما رسول الله صلى الله عليه وآله المرغمتين " واطلاق هذه الاخبار شامل للافعال والاعداد. واحتج جملة من الاصحاب لهذا القول ايضا بصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا ". وانت خبير بان هذه الرواية محتملة لوجهين (أحدهما) حمل الزيادة والنقيصة على أن يكونا من أسباب سجدتي السهو كما دلت عليه الاخبار المتقدمة، وحينئذ فتكون الرواية مشتملة على سببين من الاسباب المذكورة وهى الشك بين الاربع والخمس والشك في الزيادة والنقيصة. و (ثانيهما) ان يكون المراد انما هو بيان نوع واحد من الاسباب المذكورة وهو الشك بين الاربع والخمس والنقيصة عن الاربع والزيادة عن الخمس، فيكون تقدير الكلام إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت من الاربع أم زدت على الخمس، وحينئذ فيشمل كل شك بين الاربع والخمس والازيد منهما والانقص كالشك بين الثلاث والاربع والخمس والست والشك بين الاثنتين والاربع والخمس والسبع مثلا. نعم لابد من استثناء ما تعلق به الشك في الاولتين بالاخبار الدالة على الابطال ويبقى ما سوى ذلك، وعلى هذا الاحتمال فلا تصلح الرواية هنا للاستدلال. والظاهر هو الاحتمال الاول المؤيد بالاخبار المذكورة، وعلى هذا فتجب سجدتا السهو في جميع صور الشكوك المتقدمة. وتمام الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مقامات (الاول) المشهور بين


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة

[ 329 ]

الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان موضع السجدتين المذكورتين بعد التسلم سواء كانتا لزيادة أو نقصان، ونقله في المختلف عن ابن ابى عقيل والشيخ في المبسوط والشيخ المفيد والسيد المرتضى، قال وهو الظاهر من كلام على بن بابوية وابى الصلاح وهو قول سلار والصدوق ابن بابويه. وقيل انهما ان كانتا للزيادة فمحلهما بعد التسليم وان كانتا للنقيصة فمحلهما قبله، ونسبه في المعتبر الى قوم من اصحابنا ونقله في المختلف عن ابن الجنيد، قال وقال ابن الجنيد ان كان السهو للزيادة كان محلهما بعد التسليم وان كان للنقصان كان قبل التسليم. والشهيد في الذكرى نقل كلام ابن الجنيد ولم يذكر هذه العبارة التى ذكرها في المختلف، ثم قال وليس في هذا كله تصريح بما يرويه بعض الاصحاب ان ابن الجنيد قائل بالتفصيل، نعم هو مذهب ابى حنيفة من العامة (1) والظاهر ان ذكر العلامة هذه العبارة انما وقع من كلامه بناء على اشتهار النقل بذلك عن ابن الجنيد. واحتمال ان يكون ابن الجنيد قال ذلك في غير الموضع الذى نقله عنه في الذكرى بعيد. ونقل المحقق في الشرائع قولا بان محلهما قبل التسليم مطلقا قال في المدارك والقول بانهما قبل التسليم منقول عن بعض علمائنا ولم نظفر بقائله. ثم انه مما يدل على القول المشهور وهو المؤيد المنصور جملة من الاخبار: منها - صحيحة ابن ابى يعفور الواردة في نسيان التشهد (2) حيث قال فيها " وان لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل ان يتكلم ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " إذا كنت لا تدرى


(1) المذكور في كتب العامة - كالمحلى ج 4 ص 171 وعمدة القارئ ج 3 ص 738 ونيل الاوطار ج 3 ص 135 وبدائع الصنائع ج 1 ص 172 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 350 وكذا كتب الخاصة كالمنتهى ج 1 ص 418 - نسبة التفصيل المذكور الى مالك وان ابا حنيفة يقول بان محله بعد السلام والشافعي يقول بانه قبل السلام. (2) الوسائل الباب 7 من التشهد (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة

[ 330 ]

أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". ورواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وانت جالس ثم سلم بعدهما ". وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: اقيموا صفوفكم " ؟ فقال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد ؟ قال بعد ". ورواية عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر بن محمد عن ابيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: " سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام ". الى غير ذلك من الاخبار المتقدمة في مواضع وجوب سجدتي السهو. ومما يدل على القول بالتفصيل ما رواه الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد الاشعري (4) قال: " قال الرضا عليه السلام في سجدتي السهو إذا نقصت قبل التسليم وإذا زدت فبعده " قال شيخنا الصدوق انى افتى به في حال التقية (5). واما القول بانهما قبل التسليم مطلقا فربما كان مستنده ما رواه الشيخ عن محمد ابن سنان عن ابى الجارود (6) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام من اسجد سجدتي السهو ؟ قال قبل التسليم فانك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك ". واجاب الشيخ في الاستبصار عن هذه الرواية ورواية سعد بن سعد بالحمل على ضرب من التقية، قال لانهما موافقان لمذهب كثير من العامة (7) ونقل عن ابن بابويه انه قال انما افتى بهما في حال التقية. وهو جيد. واما ما ذكره في الذخيرة - من قوله ويمكن الجمع بين الاخبار بالتخيير ايضا


(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 5 من الخلل في الصلاة (5) ارجع الى التعليقة 1 ص 329 (7) ارجع الى التعليقة 1 ص 339 والى الاستدراكات

[ 331 ]

إلا ان الترجيح للتأويل المذكور - فضعيف لان التخيير (اولا) فرع قيام المعارض بالمعارضة والامر هنا ليس كذلك كما عرفت. و (ثانيا) عدم وجود المحمل الشرعي وقد عرفت ان الحمل على التقية أحد المحامل الشرعية المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) فلا معدل عنه الى هذه الوجوه التخريجية. والله العالم. (الثاني) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب التكبير فيهما واستدلوا عليه بما رواه الصدوق في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح ؟ فقال لا إنما هما سجدتان فقط فان كان الذى سها هو الامام كبر إذا سجد وإذا رفع رأسه ليعلم من خلفه انه قد سها، وليس عليه ان يسبح فيهما ولا فيهما تشهد بعد السجدتين ". وانت خبير بما في الدلالة من القصور لاختصاص ذلك بالامام مضافا الى ما دلت عليه من نفى التسبيح فيهما والتشهد مع دلالة الاخبار على ذلك، وبالجملة فان ما يقولون به لا تدل عليه وما تدل عليه الرواية لا يقولون به فلا وجه للتعلق بها. (الثالث) - المشهور وجوب التشهد فيهما والتسليم، بل قال الفاضلان في المعتبر والمنتهى انه قول علمائنا اجمع، واستدلا على وجوب التشهد بقول الصادق عليه السلام (2) في صحيحة الحلبي " واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا " وعلى وجوب التسليم بقوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان (3) " إذا كنت لا تدرى أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". اقول: ومما يدل على ذلك موثقة ابى بصير (4) قال: " سألته عن الرجل ينسى ان يتشهد ؟ قال يسجد سجدتين يتشهد فيهما ". ورواية على بن ابى حمزة (5) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام إذا قمت في الركعتين


(1) الوسائل الباب 20 من الخلل في الصلاة (2) ص 328 (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 7 من التشهد (5) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة

[ 332 ]

الاولتين ولم تتشهد... الى ان قال: فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذى فاتك " والمعنى انه ينوى بتشهده في السجدتين قضاء ما فاته من التشهد كما قدمنا تحقيقه في المسألة. ورواية الحسن الصيقل عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في الرجل يصلى الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع ويذكر وهو راكع ؟ قال يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم. قال قلت أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى ثم سجد سجدتين بعد ما ينصرف بتشهد فيهما ؟ قال ليس النافلة مثل الفريضة ". وصحيحة على بن يقطين (2) قال: " سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ؟ قال: يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد خفيفا ". ورواية سهل بن اليسع عن الرضا عليه السلام انه قال: " يبنى على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهد تشهدا خفيفا ". وقال العلامة في المختلف: الاقرب عندي ان ذلك كله للاستحباب بل الواجب فيه النية لا غير، واستدل عليه باصالة البراءة ورواية عمار المتقدمة. قال في المدارك: ويؤيده انتفاء الامر بالتسليم في صحيحة الحلبي والامر بالتشهد في صحيحة ابن سنان مع ورودهما في مقام البيان. انتهى. وفيه ان اصل الدليل عليل لا اعتماد عليه ولا تعويل فلا ينفع هذا التأييد مع بطلان ما يبنى عليه، اما الاصل فانه يجب الخروج عنه بالدليل وقد عرفته مما اوردناه من الاخبار المذكورة. واما رواية عمار فهى مردودة بما اعترف به في المقام من ضعفها فلا تنهض حجة في مقابلة تلك الاخبار، مضافا الى ما في متنها


(1) الوسائل الباب 8 من التشهد (2) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة

[ 333 ]

من التهافت والمخالفات كما سيأتي ايضاحه ان شاء الله تعالى. ووجود هذه الاحكام في اخبار متفرقة وعدم اجتماعها في خبر واحد لا يمنع من العمل بها لوجود النظير في جملة من المسائل بان بضم بعض اخبار المسألة الى بعض فيجتمع من المجموع جملة الاحكام، وغاية ما فيها اطلاق بعض بالنسبة الى الاخر فيحمل المطلق على المقيد عملا بالقاعدة المقررة. وما ادعاه من ان المقام مقام البيان فيجب فيه ذكر جملة الاحكام ممنوع كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المقام. وبالجملة فان ما ذكره بمحل من الضعف وان كان قد تبعه في ذلك صاحب الذخيرة فقال - بعد الاشارة الى بعض الاخبار الدالة على وجوب ذكرهما وما دل على عدم ذكرهما مع وروده في مقام البيان - ما صورته: فيحصل الجمع بين الاخبار بحمل ما دل على التشهد والتسليم على الاستحباب فإذا قول المصنف في المختلف قوى. انتهى. (الرابع) - المشهور وجوب الذكر فيهما وتردد فيه المحقق في الشرائع، قال في المدارك منشأ التردد من اطلاق قوله عليه السلام (1) " فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " وقوله عليه السلام (2) " واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا " وغير ذلك من الاخبار الكثيرة المتضمنة لاطلاق الامر بالسجود من غير تعرض للذكر ولو كان واجبا لذكر في مقام البيان... ويدل على عدم الوجوب صريحا رواية عمار المتقدمة حيث قال: " وليس عليه ان يسبح فيهما " ومن رواية الحلبي الصحيحة عن الصادق عليه السلام (3) الدالة بظاهرها على الوجوب... الى ان قال وجزم المصنف في النافع والمعتبر بعدم وجوب الذكر مطلقا وهو غير بعيد وان كان العمل بمضمون هذه الرواية اولى واحوط. انتهى. وتبعه في ذلك في الذخيرة كما هي عادته غالبا فقال: وهل يجب فيهما الذكر مطلقا ؟ المشهور نعم خلافا للمحقق في المعتبر والمسنف في المنتهى وهو لا يخلو من قوة


(1) ص 329 و 330 (2) 328 (3) ص 334

[ 334 ]

نظرا الى اطلاق الامر بالسجود من غير تعرض للذكر في مقام البيان. اقول - وبالله التوفيق الى هداية الطريق - الاظهر عندي هو القول المشهور من وجوب الذكر في السجدتين المذكورتين وان المراد به الذكر المخصوص في هذا الموضع لا مطلق الذكر. والمستند في ما قلناه ما رواه في الكافي والتهذيب عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال " يقول في سجدتي السهو بسم الله وبالله اللهم صلى على محمد وآل محمد. قال الحلبي وسمعته مرة اخرى يقول فيهما بسم الله وبالله السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته " ورواه الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن الحلبي... الحديث إلا ان فيه " وصلى الله على محمد وآل محمد " وفى بعض نسخ الفقيه مثل ما نقلناه عن الكافي ايضا، ورواه الشيخ عن عبيد الله الحلبي في الحسن عن ابى عبد الله عليه السلام (3) مثل ما في الفقيه لكن فيه " والسلام " باضافة الواو ؟ والظاهر اجزاء الكل إلا ان تطرق السهو الى زيادة هذه الواو في رواية الشيخ غير بعيد لما علم من عدم محافظته على ضبط الاخبار فالاحوط ان لا يؤتى بها. وقال عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (4): " وقال يقول في سجدتي السهو بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد وسلم. وسمعته مرة اخرى يقول بسم الله وبالله السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته ".


(1) الفروع ج 1 ص 99 وفى الوسائل الباب 20 من الخلل في الصلاة، وقد سقط النقل عن الكافي في الطبع الحديث من الوسائل. والظاهر ان كلمة " التهذيب " في‍ المتن هنا من سهو القلم أو زيادة النساخ لان لفظ الحديث في التهذيب يختلف عن لفظه في الكافي وسينقله عن التهذيب مستقلا. (2) ج 1 ص 226 وفى الوسائل في الباب 20 من الخلل في الصلاة. (3) التهذيب ج 1 ص 191 ولفظه هكذا " قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول في سجدتي السهو... " وفى الوسائل في الباب 20 من الخلل في الصلاة. (4) ص 10

[ 335 ]

واما ما يتوهم - من اطلاق سجدتي السهو في تلك الاخبار التى استند إليها المحقق الذى هو منشأ هذا الخلاف فتبعه من تبعه فيه من الاسلاف والاخلاف استنادا الى انه لو كان الذكر واجبا فيهما لذكر لان المقام مقام البيان وحيث لم يذكر علم انه غير واجب - ففيه ان المقام وان كان مقام بيان إلا انه ليس لبيان سجدتي السهو وكيفيتهما واحكامهما كما توهموه وانما هو لبيان احكام اخر وذكر سجدتي السهو انما وقع استطرادا لبيان احكام تلك المسائل. وها انا اسوق لك جملة من اخبارهم التى استندوا إليها ليظهر لك صحة ما ذكرناه: ففى صحيحة الحلبي (1) " إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا ". وفى رواية عبد الله بن سنان (2) " فان كنت لا تدرى اربعا صليت ام خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". وفى حسنة زرارة (3) " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس... الحديث ". وفى موثقة اسحاق بن عمار (4) " إذا ذهب وهمك الى التمام ابدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع " الى غير ذلك من الاخبار التى ذكر فيها سجود السهو. فانه لا يخفى ان المقام انما هو في بيان تلك الموجبات للسجود وان من جملة ما يترتب على حصول تلك الاسباب سجود السهو، فذكر سجود السهو انما وقع استطرادا لما يترتب على الاسباب لا ان المقام مقام بيان السهو وما يترتب عليه ويتعلق به من الاحكام. نعم ربما عبروا (عليهم السلام) بمجرد الاتيان بالسجدتين وربما اضافوا الى ذلك بعض احكامهما من كونهما بعد التسليم وكونه يسلم فيهما وكونه يتشهد


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة. (4) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة

[ 336 ]

فيهما، وحينئذ فغاية الاخبار المذكورة ان تكون مطلقة بالنسبة الى احكام السجدتين حيث لم يتعرض لذكر شئ منها فيهما والقاعدة تقتضي حمل مطلقها على مقيدها. واما صحيحتا الحلبي الواردتان بالذكر فيهما فان المقام فيهما مقام البيان لسجدتي السهو وما يجب فيهما من الذكر وانما سيقتا لذلك فيجب تقييد اطلاق تلك الاخبار بهما. وبالجملة فانك إذا لاحظت روايات المسألة كملا وضممت مطلقها الى مقيدها ومجملها الى مفصلها ظهر لك صحة ما قلناه وقوة ما ادعيناه. واما رواية عمار (1) فهى لا تبلغ حجة في معارضة صحيحتي الحلبي ولا غيرهما من الاخبار المشار إليها آنفا، مضافا الى نفى التشهد فيها مع استفاضة الاخبار به كما عرفت، وما تضمنته من ايجاب التكبير على الامام إذا سها مع انهم لا يقولون به، مع ما في روايات عمار من الغرائب التى قد تقدم الطعن عليه بذلك من جملة من الاصحاب. وحملها بعض الاصحاب على التقية لموافقة ما اشتملت عليه لجملة من العامة (2) وهو جيد. على ان الرواية إنما تضمنت نفى التسبيح فيهما يعنى مثل تسبيح سجود الصلاة وهو كذلك، وهو لا يستلزم نفى غيره من الذكر الذى اشتملت عليه صصحيحتا الحلبي. وبالجملة فالاظهر عندي هو القول المشهور لما عرفت. ثم ان المحقق في المعتبر طعن في صحيحة الحلبي بانها منافية للمذهب من حيث تضمنها وفوع السهو من الامام، قال ثم لو سلمناه لما وجب فيهما ما سمعه لاحتمال ان يكون ما نقله على وجه الجواز لا اللزوم.


(1) ص 331 (2) اشتملت الرواية على متابعة المأموم للامام في السجود إذا كان السهو من الامام وقد تقدم في ص 285 انه مذهب العامة. وقد اختلفوا في التشهد والسلام لهما على اقوال كما في عمدة القارئ ج 3 ص 745 و 746 وفيه ايضا ج 3 ص 738 التكبير مشروع لسجود السهو بالاجماع.

[ 337 ]

ورد بان سماع ذلك من الامام لا يستلزم وقوع السهو عنه لجواز كونه اخبارا عما يقال فيهما بل الظاهر انه هو المراد لقوله عليه السلام في الرواية المتقدمة (1) بنقل صاحبي الكافي والفقيه قال: يقول في سجدتي السهو بسم الله... الحديث ". واما ما ذكره - من انه لو سلم وجوب الذكر فيهما فانه لا يتعين فيهما ما سمعه لاحتمال ان يكون على وجه الجواز لا اللزوم - ففيه ما حققناه في مسألة الابتداء بالاعلى في غسل الوجه من كتاب الطهارة من ان فعله عليه السلام إذا وقع بيانا للمجمل وجب اتباعه وتعين فعله والامر هنا كذلك. وقد تقدم تحقيق المسألة في الموضع المذكور. والله العالم. وقد تلخص مما حققناه في المقام ان الواجب فيهما هو الذكر المذكور في الاخبار - وجوز الشيخ في المبسوط فيهما ما شاء من الاذكار ولا اعرف له دليلا - والتشهد والتسليم، ونقل عن ابى الصلاح هنا انه ينصرف منهما بالسلام على محمد صلى الله عليه وآله ولم ينقلوا عليه دليلا. والمراد بالتشهد الخفيف فيهما هو الاقتصار على الواجب منه كما ذكره بعض الاصحاب. ويحتمل - ولعله الاقرب - الحمل على التشهد الخالى من الاذكار الطويلة المستحبة في التشهد وان اشتمل على بعض المستحبات. (الخامس) - قال في المدارك: ويجب فيهما السجود على الاعضاء السبعة ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه. لانه المعهود من لفظ السجود في الشرع فينصرف إليه اللفظ عند الاطلاق. وفى وجوب الطهارة والستر والاستقبال قولان احوطهما الوجوب. انتهى. اقول: لا يخفى ان دعوى ان المعهود من لفظ السجود ما ذكره لا يخلو من بعد، لان هذا انما يتم في سجود الصلاة حيث انه اشترط فيه ذلك لا مطلق السجود، كيف ؟ وهو قد قال في سجود التلاوة: وفى اشتراط وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه والسجود على الاعضاء السبعة واعتبار المساواة بين المسجد


(1) ص 334

[ 338 ]

والموقف نظر، ولا ريب ان اعتبار ذلك احوط. انتهى. وما نحن فيه كذلك ولو تم ما ذكره هنا لجرى في سجود التلاوة ايضا لان المسألتين من باب واحد وهو قد تنظر فيه وإنما تمسك بالاحتياط فكذا القول في هذه المسألة، لان المسألة خالية من النص ولفظ السجود من حيث هو لا يدل على ذلك. لكن يقين البراءة من التكليف الثابت بيقين يقتضى ما ذكره. واما ما ذكره من وجوب الطهارة والستر والاستقبال فالامر فيه كذلك ايضا لعدم النص إلا ان المفهوم من ظاهر النصوص الدالة على الفورية والمبادرة بهما بعد التسليم وقبل الكلام (1) ذلك بناء على ما هو الغالب من حال المكلف من بقائه على الحال التى كان عليها في الصلاة. وبالجملة فانه لا مستمسك في هذا المقام زيادة على الاحتياط ويقين البراءة من التكليف الثابت. والله العالم. (السادس) - المشهور بين الاصحاب انه لو تركهما عمدا لم تبطل صلاته ووجوب عليه الاتيان بهما وان طالت المدة، إذ غاية ما يفهم من الاخبار هو وجوبهما لا اشتراط صحة الصلاة بهما. ونقل عن الشيخ في الخلاف اشتراط صحة الصلاة بهما، قال في الذخيرة وهو احوط، ثم قال وتحقيق الامر مبنى على ان الصلاة اسم للاركان مطلقا أو مقيدا باستجماعها شرائط الصحة، وعلى الاول يقوى الاول وعلى الثاني الثاني لتوقف اليقين بالبراءة عليه. انتهى. وفيه انه لا ريب ان الصلاة اسم لهذه الافعال المخصوصة التى مفتاحها التكبير وتحليلها التسليم (2) وهو اتفاق نصا وفتوى. ولا ريب ان المكلف متى سلم فقد تمت صلاته ومضت على الصحة ما لم يعرض لها شئ من القواطع المتقدمة، وايجاب الشارع بعد ذلك بعض الافعال - تداركا لخلل واقع فيها غير مبطل لها مثل صلاة الاحتياط وقضاء السجدة أو التشهد على القول به أو سجود السهو مثلا - لا يدل على


(1) ص 330 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم

[ 339 ]

اشتراط صحتها به وانه ان لم يأت به بطلت صلاته لعدم الدليل على ذلك، ومجرد الامر بتلك الاشياء لا يدل عليه بل غايته التأثيم بالاخلال بذلك كما تقدم تحقيقه. ويدل على وجوب الاتيان بهما متى نسيهما ثم ذكر بعد ذلك ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل إذا سها في الصلاة فينسى ان يسجد سجدتي السهو ؟ قال يسجدهما متى ذكر ". والمفهوم من الاخبار كما تقدمت الاشارة إليه وجوبهما فورا لاشتمال الاخبار على ان محلهما بعد التسليم وقبل الكلام إلا انه قد روى الشيخ عن عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر ذلك حتى يصلى الفجر كيف يصنع ؟ قال لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها " والظاهر انه لا قائل به من الاصحاب (رضوان الله عليهم). (السابع) - قال في الذكرى: لو جلس في موضع قيام ناسيا ولما يتشهد كالجلوس على الاول أو الثالثة صرف الى جلسة الاستراحة ولا سجود عليه على الاقوى، وان تشهد وجب السجود للتشهد لا للجلوس على الاصح. وفى الخلاف ان كان الجلوس بقدر الاستراحة ولم يتشهد فلا سجود عليه وان تشهد أو جلس بقدر التشهد سجد على القول بالزيادة والنقيصة وفى المختلف ان جلس ليتشهد ولم يتشهد فالزائد على جلسة الاستراحة يوجب السجود والظاهر انه مراد الشيخ. ولكن في وجوب السجود للزائد عن قدرها للتشهد اشكال لان جلسة الاستراحة لا قدر لها بل يجوز تطويلها وتركه فان صرف الجلوس للتشهد إليها فلا يضر طولها وان لم يصرف فلا ينفع قصرها في سقوط سجود السهو. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: لا يخفى ان الافعال تابعة للقصود و النيات فهيا تصير عبادة تارة ولغوا اخرى، وهذا الجالس في أحد هذين الموضعين ان قصد بجلوسه جلسة الاستراحة خاصة طول أو قصر فلا اشكال، وان قصد به التشهد ولم يأت بالتشهد فالحق ما قاله


(1) و (2) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة

[ 340 ]

في المختلف من ان ما زاد على جلسة الاستراحة يوجب سجدتي السهو بناء على القول بانهما لكل زيادة ونقيصة لتحقيق حصول الزيادة. وقول شيخنا (قدس سره) هنا - ولكن في وجوب السجود للزائد عن قدرها للتشهد اشكال... الى آخره - مردود بانه انما قصد الجلوس للتشهد وبهذا الفصد يكون هذا الجلوس زيادة في الصلاة حيث انه غير محل التشهد، نعم استثنى منه قدر ما يحصل به جلوس الاستراحة حيث انه لا يشترط في الاتيان به قصد الاستراحة به بل يكفى الاتيان به كيف اتفق وبه تتحقق سنة الاستراحة ولو اتفق وقوعه سهوا. وقوله - فان صرف الجلوس للتشهد إليها... الى آخره - لا اعرف له وجها فان المفروض ان هذا الجلوس جميعه انما وقع بقصد التشهد مع زيادته على ما هو المتعارف من جلسة الاستراحة لا انه صرف جلوس التشهد الزائد الى جلسة الاستراحة ونوى به انه من الاستراحة والفرق بين الامرين واضح. والله العالم. (الثامن) - اختلف الاصحاب في ما لو تعدد الموجب للسجود فهل يتداخل مطلقا أو لا مطلقا أو التداخل ان تجانس السبب وإلا فلا ؟ اقوال: والى الاول ذهب في المبسوط وجعل التعدد احوط، والى الثاني ذهب العلامة في المختلف وجمع من المتأخرين، والى الثالث ذهب ابن ادريس، قال في كتابه: ان تجانس اكتفى بالسجدتين لعدم الدليل ولقولهم (عليهم السلام) (1) " من تكلم في صلاته ساهيا تجب عليه سجدتا السهو، ولم يقولوا دفعة واحدة أو دفعات، فاما إذا اختلف الجنس فالاولى عندي بل الواجب الاتيان عن كل جنس يسجدتى السهو لعدم الدليل على تداخل الاجناس بل الواجب اعطاء كل جنس ما يتناوله اللفظ لانه قد تكلم وقام في حال قعود وقالوا (عليهم السلام) " من تكلم تجب عليه سجدتا السهو (2) ومن قام في حال قعود تجب عليه سجدتا السهو " (2) وهذا قد فعل الفعلين فيجب عليه


(1) و (2) هذا مضمون ما يدل على ذلك راجع ص 314 (3) هذا مضمون ما استدل به لذلك راجع ص 323

[ 341 ]

امتثال الامر، ولا دليل على التداخل لان الفرضين لا يتداخلان بلا خلاف محقق. انتهى. واستدل العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من عدم التداخل واطال بما لا يرجع الى طائل، ومرجعه الى وجوب تعدد المسبب بتعدد السبب وإلا لزم تخلف المعول عن علته التامة لغير مانع أو تعدد العلل المستقلة على المعلول الواحد الشخصي وكل واحد منهما محال فالملزوم محال، ثم اطال في بيان هذه المقدمات. وانت خبير بان هذا انما يجرى في العلل العقلية لا العلل الشرعية فانها ليست من قبيل العلل العقلية التى يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي معرفات كما تقدم التصريح به في غير موضع، وهذا أمر ظاهر لمن تدبر الاخبار المنقولة في كتاب علل الشرائع وما اشتملت عليه من العلل لتلك الاحكام. وقال في الذكرى: والاقرب عدم التداخل لقيام السبب واشتغال الذمة، ولما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) قال: " لكل سهو سجدتان ". وفيه انه لو ثبت الخبر المذكور لكان حجة واضحة إلا ان الظاهر انه ليس من طرقنا وانما هو من طريق العامة. واما التعليل. واما التعليل بما ذكره فستعرف ما فيه مما يبين عن ضعف باطنه وخافيه. والاقرب - كما استقربه جمع من افاضل متأخرى المتأخرين - هو القول بالتداخل مطلقا لما روى عنهم (عليهم السلام) (2) باسانيد عديدة " إذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزأك عنها حق واحد " وما ذكره العلامة من وجوب تعدد المسببات بتعدد الاسباب انما هو في الاسباب الحقيقية التى يدور المسبب فيها مدار السبب وجودا وعدما، وكذا قولهم " انه لا يجوز اجتماع علتين على معلول واحد " انما هو في تلك العلل العقلية لا الشرعية، ألا ترى انه قد ورد في تعليل وجوب


(1) في سنن ابى داود ج 1 ص 374 " لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم " (2) الوسائل الباب 43 من الجنابة

[ 342 ]

العدة على المطلقة ان ذلك لاستبراء الرحم من الولد (1) مع وجوب العدة وان كان قد فارقها قبل الطلاق بعشر سنين مثلا، وورد علة استحباب غسل الجمعة ان الانصار كانت تحضر الصلاة وتأتى من نواضحها فيتأذى الناس بريح آباطهم فأمر صلى الله عليه وآله بالغسل لذلك (2) مع ما عرفت من عموما الاستحباب لمن كان ريحه اطيب من ريح المسك بل جواز تقديمه وقضائه، الى غير ذلك من العلل التى يقف عليها المتتبع. وقال في الذخيرة حيث اختار التداخل: لنا ان الامر مطلق فيحصل الامتثال بفرد واحد من المأمور به، فانهم (عليهم السلام) قالوا " إذا تكلم سجد للسهو (3) وإذا سلم في غير موضعه سجد للسهو " وليس في أحد النصين تقييد للسجود بكونه سجودا مغايرا لسجود يتدارك به خلل آخر بل النص مطلق فيحصل امتثال كل من التكليفين بكل ما كان فردا للسجود. ويمكن تطرق المناقشة إليه بان المتبادر من قوله " إذا تكلم سجد للسهو " مثلا هو ان ذلك السجود للكلام خاصة والاكتفاء به عن السلام وغيره يحتاج الى دليل ومجرد عدم التقييد للسجود بكونه سجودا مغايرا لسجود يتدارك به خلل آخر لا يكفى في الاكتفاء به، فانه متى انصرف هذا السجود الى الكلام مثلا بهذا الخبر وتعين ترتبه عليه فدخول غيره من الاسباب ومشاركته لهذا السبب يتوقف على الدليل. وبالجملة فالاظهر انما هو الاستناد الى ما ذكرنا من عموم النص المتقدم. ومما يستأنس به لذلك - بل يمكن أن يكون دليلا واضحا في المقام وان لم يخطر ببال أحد من علمائنا الاعلام رفع الله تعالى اقدارهم في دار السلام -


(1) الوسائل الباب 30 من العدد (2) الوسائل الباب 6 من الاغسال المسنونة (3) هذا مضمون ما يدل على ذلك راجع ص 314 (4) يمكن ان يكون ذكر هذا المضمون من باب المثال إذ ورود ما يدل على ذلك محل الكلام كما تقدم في الامر الثاني ص 317 وكما تقدم من صاحب الذخيرة في المسألة الثانية من المسائل التى عقدها تعليقا على بيان العلامة " قدس سره " اسباب سجود السهو.

[ 343 ]

موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " انه سأله عن رجل صلى ثلاث ركعات فظن انها اربع فسلم ثم ذكر انها ثلاث ؟ قال يبنى على صلاته ويصلى ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو ". والتقريب فيها انه جلس في موضع قيام وهو أحد موجبات سجود السهو كما تقدم ودلت عليه جملة من الاخبار، وتشهد وهو أحد الموجبات بناء على القول بالزيادة والنقصان (2) وسلم وهو كذلك، فهذه موجبات ثلاثة للسجود مع انه عليه السلام لم يأمره إلا بسجود واحد. ونحوها عبارة كتاب الفقه المتقدمة مع هذه الرواية في الموضع الثاني من صدر الخاتمة (3). إلا ان الاستدلال بهذين الخبرين انما يقوم دليلا واضحا مع اتفاق الاخبار على سببية هذه الاسباب الثلاثة وقد عرفت الاختلاف في كل واحد من المواضع الثلاثة. والله العالم. (التاسع) - قال شيخنا الشهيد (عطر الله مرقده) في الذكرى: ينبغى ترتيبه بترتيب الاسباب. ولو كان هناك ما يقضى من الاجزاء قدمه على سجدتي السهو وجوبا على الاقوى. ولو تكلم ونسى سجدة سجدها أو لا ثم سجد لسهوها وان كان متأخرا عن الكلام لا رتباطه بها، ويحتمل تقديم سجود الكلام لتقدم سببه. ولو ظن ان سهوه كلام فسجد له فتبين انه كان نسيان سجدة فالاقرب الاعادة بناء على ان تعيين السبب شرط وهو اختيار الفاضل. ولو نسى سجدات اتى بها متتاليا وسجد للسهو بعدها وليس له ان يخلله بينها على الاقرب صونا للصلاة عن الأجنبي. انتهى.


(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (2) الظاهر منه " قدس سره " عند تحريره لهذه المسألة ص 154 انه بنفسه موجب للسجود وان لم يجب لكل زيادة ونقصان. (2) ص 317

[ 344 ]

وفى اكثر هذه الاحكام تأمل سيما بعد ما عرفت من ان عمدة ما يقضى عندهم من الاجزاء المنسية هو السجدة والتشهد، وقد عرفت ان الروايات الواردة بقضاء السجدة ليس فيها ما يدل على سجود السهو بل الذى فيها انما يدل على عدمه، والروايات الواردة في التشهد لا دلالة فيها على قضاء التشهد كما يدعونه وانما تضمنت سجود السهو خاصة، ومع الاغماض عن ذلك والنظر الى استدلالهم فما اشتمل منها على قضاء التشهد ليس فيه تعرض للسجود بالكلية وما اشتمل منها على السجود ليس فيه تعرض لذكر القضاء بالكلية. (العاشر) - المشهور بين الاصحاب (عطر الله مراقدهم) ان وجوب السجدتين المذكورتين فورى مستندين الى كون الامر للفور. وفيه منع ظاهر لما صرح به محققو الاصوليين في المسألة من عدم ذلك كما لا يخفى على من راجع كتبهم. واستندوا ايضا الى الاخبار المتقدمة الدالة على ايقاعهمما جالسا قبل ان يتلكم وانهما بعد السلام وقبل الكلام (1). واورد عليه بان غاية ما تدل عليه كون ايقاعهما قبل الكلام ولا تلازم بينه وبين الفورية. اقول: لا يخفى انه وان كان هذا الوجه لا يصلح دليلا إلا ان اشعاره بافورية ظاهر، فان المتبادر - من كونه بعد السلام وقبل الكلام كما اشتمل عليه بعض الاخبار مع حمل البعدية على البعدية القريبة كما هو المتبادر من الاطلاق - هو الفورية به وظاهر الشهيد في الالفية جعل الفورية مستحبة فيهما حيث قال: ولا يجب فعلهما في الوقت ولا قبل الكلام والاولى وجوبه. قال شيخنا الشهيد الثاني في الشرح: لورود اخبار كثيرة وفيها اشعار بالفورية، ولما كانت الاخبار ليست سليمة من الطعن لم يكن التزام مدولها متعينا بل اولى. ثم نقل القول بالفورية عن الذكرى. وظاهر كلامه (قدس سره) ان سبب العدول الى استحباب الفورية


(1) ص 330

[ 345 ]

دون الوجوب إنما هو من حيث عدم سلامة الاخبار المشار إليها من الطعن. والظاهر ان مراده الطعن في الدلالة لما قدمنا ذكره وإلا فجملة من الاخبار المشار إليها لا طعن فيها من حيث السند. ثم انه على القولين المذكورين لا يقدح تأخيرهما في صحة الصلاة ويجب الاتيان بهما وان طالت المدة. ونقل ايضا عن ظاهر العلامة في النهاية استحباب الفورية. وظاهر جملة من الاصحاب تحريم سائر المنافيات قبلهما، وربما كان التفانهم الى ان الامر بهما بعد التسليم وقبل الكلام الذى هو من المنافيات وتخصيصه بالذكر حيث ان الغالب وقوعه بعد الفراغ وذكره انما خرج مخرج التمثيل لذلك. وبه يظهر ما في رد بعض المتأخرين لما ذكروه بانه غير مستفاد من الاخبار. وكيف كان فالاحتياط يقتضيه البتة. وذهب جماعة من الاصحاب الى وجوب اليقاعهما في وقت الصلاة التى لزمتا بسببها ولم يذكروا له دليلا معتمدا، وظاهر الالفية كما تقدم في عبارتها الاستحباب. وظاهر اكثر الاصحاب الاتفاق على انه لو اخل بالفور أو الوقت أو تكم عمدا أو سهوا لا تبطل الصلاة به ولا يسقط السجود إذ لا دليل يدل على اشتراط صحة الصلاة به كما تقدم ذكره، وتدل عليه رواية عمار المتقدمة في المقام السادس وكذا روايته الثانية المذكورة ثمة (1) إلا ان موردهما النسيان. وظاهر الثانية وقوع السهو في الصلاة السابقة على الفجر. تتمة تشتمل على فائدتين (الاولى) - الاظهر انه لا خلاف بين الاصحاب في التخيير في النافلة بين البناء على الاكثر أو الاقل لو عرض له الشك فيها مع افضلية البناء على الاقل، قال في المدارك: لا ريب في افضلية البناء على الاقل لانه المتيقن، واما جواز البناء على


(1) ص 339

[ 346 ]

الاكثر فقال المصنف في المعتبر انه متففق عليه بين الاصحاب، واستدل عليه بان النافلة لا تجب بالشروع فكان للمكلف الاقتصار على ما اراد. ثم قال في المدارك: وهو استدلال ضعيف إذ ليس الكلام في جواز القطع وانما هو في تحقيق الامتثال بذلك وهو يتوقف على الدليل إذ مقتضى الاصل عدم وقوع ما تعلق به الشك. انتهى. وهو جيد. اقول يمكن ان يستدل لافضلية البناء على الاقل هنا بما رواه ثقة الاسلام في الكافي مرسلا (1) قال " وروى انه إذا سها في النافلة بنى على الاقل " والظاهر من ايراده هذا الخبر هو التنبيه على الفرق بين الفريضة والنافلة، فان حكم الفريضة - كما قدمنا تحقيقه - هو البناء على الاكثر مطلقا وما ورد فيها من البناء على الاقل فقد بينا وجهه، واما النافلة فان الحكم فيها هو البناء على الاقل لهذا الخبر. واما ما ذكره اصحابنا من جواز البناء على الاكثر فالظاهر انه لا مستند له إلا ما يدعونه من الاتفاق كما سمعت من عبارة المعتبر. قال في المدارك: واعلم انه لا فرق في مسائل السهو والشك بين الفريضة والنافلة إلا في الشك في الاعداد فان الثنائية من الفريضة تبطل بذلك بخلاف النافلة، وفى لزوم سجود السهو فان النافلة لا سجود فيها بفعل ما يوجبه في الفريضة للاصل وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (علهيما السلام) (2) قال: " سألته عن السهو في النافلة ؟ قال ليس عليك سهو " انتهى. وهو جيد. والظاهر من صحيحة محمد بن مسلم المذكورة ان السهو في النافلة لا يوجب ما يوجبه السهو في الفريضة من سجدتي السهو أو غيرهما فمعنى قوله " ليس عليك سهو " رفع احكام السهو بالكلية. واما ما ورد في بعض الاخبار من الاعادة بالشك في الوتر فحمله الاصحاب


(1) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة، وفيه هكذا " ليس عليك شئ " وكذا في الفروع ج 1 ص 100 والتهذيب ج 1 ص 234 والوافى باب " من لا يعتد بشكه.. "

[ 347 ]

على الاستحباب دون البطلان وقد تقدم ذكره. وروى الشيخ في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (1) قال: " سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة ؟ قال يدع ركعة ويجلس ويتشهد ويسلم ثم يستأنف الصلاة بعد ". وهذا الخبر مؤيد لما ذكرناه في معنى صحيحة محمد بن مسلم من العموم فانه في هذه الصورة المفروضة قد صلى النافلة ثلاث ركعات ولم يذكر إلا في حال ركوعه في الثالثة فأمره عليه السلام بالغاء الركعة الثالثة والبناء على الركعتين الاولتين ولم يحكم ببطلان النافلة للزيادة كما حكموا به في الفريضة. وفى معناها رواية الحسن الصيقل المتقدمة في المقام الثالث (2) والله العالم. (الثانية) - روى ثقة إلاسلام والصدوق عن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله اشكو اليك ما القى من الوسوسة في صلاتي حتى لا ادرى ما صليت من زيادة أو نقصان ؟ فقال: إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك الايسر باصبعك اليمنى المسبحة ثم قل: بسم الله وبالله توكلت على الله اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. فانك تنحره وتطرده ". وروى الصدوق في الفقيه (4) عن عمر بن يزيد في الصحيح انه قال " شكوت الى ابى عبد الله (عليه السلام) السهو في المغرب فقال صلها بقل هو الله أحد وقل يا ايها الكافرون ففعلت ذلك فذهب عنى ". وعن ابى حمزة الثمالى عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " اتى النبي صلى الله عليه وآله رجل فقال يا رسول الله لقيت من وسوسة صدري شدة وانا رجل معيل مدين محوج ؟ فقال له كرر هذه الكلمات " توكلت على الحى الذى لا يموت والحمد لله الذى لم يتخذ


(1) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة (2) ص 332 (3) الوسائل الباب 31 من الخلل في الصلاة. (4) و (5) ج 1 ص 224

[ 348 ]

صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره وتكبيرا " قال فلم يلبث ان عاد إليه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله اذهب الله عنى وسوسة صدري وقضى دينى ووسع رزقي " نسأل الله ان يذهب عنا وسوسة الصدور وينجينا من عداوة الشيطان الرجيم في الورود والصدور ويقضى عناديون الدنيا والاخرة ويصلح لنا الامور ويوسع في ارزاقنا ويقينا كل محذور. الى هنا انتهى الكلام في المجلد الثالث (1) من كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة ويتلوه ان شاء الله تعالى المجلد الرابع في صلاة الجمعة وما يتبعها من الصلوات والملحقات وفق الله لاتمامه والفوز بسعادة ختامه ودفع عنا عوائق هذه الايام وما تبديه ولا سيما عروض الامراض والاسقام وبوائقها التى لا تنيم ولا تنام. وكان ذلك في الارض المقدسة التى على التقوى مؤسسة كربلاء المعلى على ساكنها واجداده وابنائه صلوات ذى العلا في اليوم الاول من الشهر المبارك شهر رمضان ختم بالخير والعافية والرضوان من السنة الثامنة والسبعين بعد المائة والالف من الهجرة النبوية على مهاجرها وآله افضل التحية. الباب الثالث في بقية الصلوات وفيه فصول (الفصل الاول) - في صلاة الجمعة وفيه مقدمة ومطالب: اما المقدمة ففى فضل يوم الجمعة وليلته، روى في الكافي عن ابى بصير (2) قال " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة ".


(1) هذا بحسب تقسيمه " قدس سره " واما بحسب تقسيمنا فهذا هو الجزء التاسع وينتهى - حفظا للتوازن بين الاجزاء - بنهاية المطلب الاول في بيان حكم صلاة االجمعة في زمن الغيبة، ويبتدئ الجزء العاشر من المطلب الثاني في شروط وجوب الجمعة. (2) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها

[ 349 ]

وعن احمد بن محمد عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (1) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله ان يوم الجمعة سيد الايام يضاعف الله تعالى فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات ويستجيب فيه الدعوات ويكشف فيه الكربات ويقضى فيه الحوائج العظام، وهو يوم المزيد لله فيه عتقاء وطلقاء من النار، وما دعا به أحد عن الناس وعرف حقه وحرمته إلا كان حقا على الله تعالى ان يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، فان مات في يومه وليلته مات شهيدا وبعث آمنا، وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقا على الله عزوجل ان يصليه نار جنهم إلا ان يتوب ". وعن ابان عن الصادق عليه السلام (2) قال: " ان للجمعة حقا وحرمة فاياك ان تضيع أو تقصر في شئ من عبادة الله تعالى والتقرب إليه بالعمل الصالح وترك المحارم كلها، فان الله يضاعف فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات. وذكر ان يومه مثل ليلته فان استطعت ان تحييها بالصلاة والدعاء فافعل فان ربك ينزل في اول ليلة الجمعة الى السماء الدنيا فيضاعف فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات وان الله واسع كريم " اقول: الظاهر كما استظهره في الوافى وقوع التقديم والتأخير في قوله في الخبر " يومه مثل ليلته " سهوا من بعض النقلة وانه انما كان " ليلته مثل يومه ". وعن ابن ابى يعفور عن الباقر عليه السلام (3) قال: " قال له رجل كيف سميت الجمعة ؟ قال ان الله عزوجل جمع فيها خلقه لولاية محمد صلى الله عليه وآله ووصيه في الميثاق فسماه يوم الجمعة لجمعه فيه خلقه ". وعن جابر عن الباقر عليه السلام (4) قال: " سئل عن يوم الجمعة وليلتها فقال ليلتها ليلة غراء ويومها يوم ازهر، وليس على وجه الارض يوم تغرب فيه


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (3) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها. والسند فيه هكذا: عن ابن ابى يعفور عن ابى حمزة عن ابى جعفر " ع " وكذا في الفروع ج 1 ص 115. وفى التهذيب ج 1 ص 246 عن الكليني كما في المتن وكذا في الوافى باب فضل يوم الجمعة وليلته.

[ 350 ]

الشمس اكثر معافى من النار، من مات يوم الجمعة عارفا بحق اهل البيت (عليهم السلام) كتب الله تعالى له براءة من النار وبراءة من عذاب القبر، ومن مات ليلة الجمعة أعتق من النار ". وعن ابراهيم ابن ابى البلاد عن بعض اصحابه عن الباقر أو الصادق (عليهما السلام) (1) قال: " ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة وان كلام الطير فيه إذا لقى بعضها بعضا سلام يوم صالح ". وعن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " قلت له بلغني ان يوم الجمعة اقصر الايام ؟ قال كذلك هو. قلت جعلت فداك كيف ذاك ؟ قال ان الله تعالى يجمع ارواح المشركين تحت عين الشمس فإذا ركدت الشمس عذب الله ارواح المشركين بركود الشمس ساعة فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود رفع الله تعالى عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة فلا يكون للشمس ركود ". وروى في الفقيه (3) مرسلا قال: " سئل الصادق عليه السلام عن الشمس كيف تركد كل يوم ولا يكون لها يوم الجمعة ركود ؟ قال لان الله تعالى جعل يوم الجمعة اضيق الايام. فقيل له ولم جعله أضيق الايام ؟ قال لانه لا يعذب المشركين في ذلك اليوم لحرمته عنده ". وروى في الفقيه والتهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " ان الله تبارك وتعالى لينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من اول الليل الى آخره ألا عبد مؤمن يدعوني لاخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فاجيبه ؟ ألا عبد مؤمن يتوب الى من ذنوبه قبل طلوع الفجر فاتوب عليه ؟ ألا عبد مؤمن قد قترت عليه


(1) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (2) الفروع ج 1 ص 116 وفى الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (3) ج 1 ص 145 وفى الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (4) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة وآدابها. والرواية عن ابى جعفر (ع)

[ 351 ]

رزقه يسألنى الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فازيده واوسع عليه ؟ ألا عبد مؤمن سقيم يسألنى أن أشفيه قبل طلوع الفجر فاعافيه ؟ ألا عبد مؤمن محبوس مغموم يسألنى ان اطلقه من حبسه واخلي سربه ؟ ألا عبد مؤمن مظلوم يسألنى ان آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر فانتصر له وآخذ له بظلامته ؟ قال فلا يزال ينادى بهذا حتى يطلع الفجر ". وروى في الفقيه عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى عن ابراهيم بن ابى محمود (1) قال: " قلت للرضا عليه السلام ما تقول في الحديث الذى يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال ان الله تبارك تعالى ينزل في كل ليلة جمعة الى السماء الدنيا ؟ فقال عليه السلام لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك انما قال ان الله تبارك وتعالى ينزل ملكا الى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الاخير وليلة الجمعة من اول الليل فيأمره فينادى هل من سائل فاعطيه ؟ هل من تائب فاتوب عليه ؟ هل من مستغفر فاغفر له ؟ يا طالب الخير أقبل ويا طالب الشر اقصر. فلا يزال ينادى بهذا حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر عاد الى محله من ملكوت السماء. حدثنى بذلك ابى عن جدى عن أبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ". اقول: يمكن ان يكون وجه الجمع بين هذا الخبر وما تقدم في حديث ابان بحمل تحريف الكلم عن مواضعه في هذا الخبر على فهم المخالفين من هذا الحديث الذى نقلوه عنه صلى الله عليه وآله التجسيم وان نزوله عزوجل انما هو باعتبار نزول من يأمره بذلك، فان هذا المجاز شائع في الكلام كما تقول " قتل الملك فلانا " باعتبار امره بذلك، ويكون الخبر الذ " نقله عليه السلام هنا انما هو عبارة عن معنى ذلك الخبر وان المراد به ذلك لا ما فهموه من التجسيم وجواز الانتقال عليه عزوجل كما هو مذهب الحنابلة (2).


(1) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة وآدابها (2) نسبه إليهم العلامة " قدس سره " في (نهج الحق وكشف الصدق) وانكر النسبة =

[ 352 ]

وروى في الفقيه (1) مرسلا قال: " وروى انه ما طلعت الشمس في يوم أفضل من يوم الجمعة وكان اليوم الذى نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله امير المؤمنين عليه السلام بغدير خم يوم الجمعة، وقيام القائم عليه السلام يكون في يوم الجمعة، وتقوم القيامة في يوم الجمعة يجمع الله تعالى فيه الاولين والاخرى، قال الله عزوجل: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " (2). وروى محمد عن الصادق عليه السلام في قول يعقوب لبنيه: سوف استغفر لكم ربى (4) قال: " اخرها الى السحر ليلة الجمعة ". وروى أبو بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: " ان العبد المؤمن ليسأل الله عزوجل الحاجة فيؤخر الله عزوجل قضاء حاجته التى سأل الى يوم الجمعة ليخصه بفضل يوم الجمعة ". وروى داود بن سرحان عن الصادق عليه السلام (6) في قول الله عزوجل: وشاهد ومشهود (7) قال " الشاهد يوم الجمعة ".


= ابن روزبهان وايد القاضى التستري في احقاق الحق نسبة المصنف إليهم بنسبة الفخر الرازي ذلك إليهم في رسالته في ترجيح مذهب الشافعي، راجع دلائل الصدق للحجة المظفر ج 1 ص 133. وفى كتاب السنة لاحمد بن حنبل ص 48 و 49 " والله تعالى سميع لا يشك.. الى ان قال: ويبصر ويضحك... قم قال وينزل تبارك وتعالى كل ليلة جمعة الى السماء الدنيا كيف يشاء " 42: 11 ليس كمثله شئ وهو السميع البصير " وقلوب العباد بين اصبعين من اصبع الرب وخلق الله عزوجل آدم " عليه السلام " بيده والسموات والارض يوم القيامة في كفه ويخرج قوما من النار بيده وينظر اهل الجنة الى وجهه ويرونه فيكرمهم ويتجلي لهم فيعطيهم ". (1) ج 1 ص 272 (2) سورة هود الاية 105 (3) و (5) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة وآداب (4) سورة يوسف الاية 99 (6) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (7) سورة البروج الاية 3

[ 353 ]

قال في مجمع البيان (1) في تفسير قوله تعالى " وشاهد ومشهود " فيه اقوال (احدها) - ان الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة عن ابى عباس وقتادة، وروى ذلك عن الباقر والصادق (عليهما السلام) وعن النبي صلى الله عليه وآله ايضا وسمى يوم الجمعة شاهدا لانه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وفى الحديث " ما طلعت الشمس على يوم ولا غرب على يوم أفضل منه وفيه ساعة لا يواففقها من يدعو فيها الله تعالى بخير إلا استجاب له ولا استعاذ من شر إلا اعاذه منه " ويوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحج وتشهده الملائكة. و (ثانيها) ان الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة عن ابراهيم. و (ثالثها) ان الشاهد محمد صلى الله عليه وآله والمشهود يوم القيامة عن ابن عباس في رواية اخرى وسعيد بن المسيب وهو المروى عن الحسن بن على (عليهما السلام) وروى ان رجلا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا رجل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال فسألته عن الشاهد والمشهود فقال: نعم الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. فجزته الى آخر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فسألته عن ذلك فقال نعم: اما الشاهد فيوم الجمعة واما المشهود فيوم النحر. فجزتهما الى غلام كأن وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فسألته عن ذلك فقال: نعم اما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وآله واما المشهود فيوم القيامة، اما سمعته سبحانه يقول " يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا " (2) وقال " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " (3) فسألت عن الاول فقالوا ابن عباس وسألت عن الثاني فقالوا ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا الحسن ابن على (عليهما السلام). و (رابعها) ان الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة، وعن ابى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " اكثروا الصلاة على يوم الجمعة فانه يوم مشهود تشهده الملائكة وان أحدا لا يصلى على إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها. قال


(1) ج 5 ص 466 (2) سورة الاحزاب الاية 44 (3) سورة هود الاية 105

[ 354 ]

فقلت وبعد الموت ؟ فقال ان الله تعالى حرم على الارض ان تأكل اجساد الانبياء فنبي الله حى يرزق " و (خامسها) ان الشاهد الملك يشهد على ابن آدم والمشهود يوم القيامة عن عكرمة، وتلا هاتين الايتين " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " (1) " وذلك يوم مشهود " (2) و (سادسها) ان الشاهد الذين يشهدون على الناس والمشهود هم الذين يشهد عليهم عن الجبائى. و (سابعها) الشاهد هذه الامة والمشهود سائر الامم لقوله " لتكونوا شهداء على الناس (3) " عن الحسن ابن الفضل. و (ثامنها) الشاهد اعضاء بنى آدم والمشهود هم لقوله تعالى " يوم تشهد عليهم السنتهم... الاية " (4) و (تاسعها) الشاهد الحجر الاسود والمشهود الحاج. و (عاشرها) الشاهد الايام والليالي والمشهود بنو آدم، وينشد للحسين بن على عليه السلام مضى امسك الماضي شهيدا معدلا * وخلفت في يوم عليك شهيد فان انت بالامس اقترفت اساءة * فقيد باحسان وانت حميد ولا ترج فعل الخير يوما الى غد * لعل غدا يأتي وأنت فقيد (الحادى عشر) الشاهد الانبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وآله لقوله سبحانه " واذ أخذ الله ميثاق النبيين... الى قوله فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين " (5) (الثاني عشر) الشاهد الخلق والمشهود الحق " وفى كل شئ له آية تدل على انه واحد " وقيل الشاهد الله والمشهود لا إله إلا الله لقوله تعالى: " شهد الله انه لا إله إلا هو... الاية " (6). انتهى. وروى الصدوق في الفقيه عن المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام (7) انه قال " من وافق منكم يوم الجمعة فلا يشتغلن بشئ غير العبادة فان فيه يغفر للعباد وتنزل عليهم الرحمة ".


(1) سورة ق الاية 20 (2) سورة هود الاية 105 (3) سورة البقرة الاية 137 (4) سورة النور الاية 24 (5) سورة آل عمران الاية 75 (6) سورة آل عمران الاية 16 (7) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها

[ 355 ]

قال: وروى الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين عليه السلام (1) انه قال: " ليلة الجمعة ليلة غراء ويومها يوم ازهر من مات ليلة الجمعة كتب الله له براءة من ضغطة القبر ومن مات يوم الجمعة كتب الله له براءة من النار ". وعن هشام بن الحكم في الصحيح عن الصادق عليه السلام (2) " في الرجل يريد ان يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو هذا ؟ قال يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة فان العمل يوم الجمعة يضاعف ". وروى في الخصال بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله (3) قال: " ان ليلة الجمعة ويوم الجمعة اربع وعشرون ساعة لله عزوجل في كل ساعة ستمائة الف عتيق من النار ". وعن ابن ابى عمير عن غير واحد عن الصادق عليه السلام (4) قال: " السبت لنا والاحد لشيعتنا والاثنين لاعدائنا والثلاثاء لبنى امية (لعنهم الله) والاربعاء يوم شرب الدواء والخميس تقضى فيه الحوائج والجمعة للتنظيف وهو عيد المسلمين وهو أفضل من الفطر والاضحى، ويوم غدير خم أفضل الاعياد وهو الثامن عشر من ذى الحجة. ويخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة وتقوم القيامة يوم الجمعة، وما من عمل أفضل يوم الجمعة من الصلاة على محمد وآله " الى غير ذلك من الاخبار وفى ما ذكرناه كفاية لذوى الاعتبار. المطلب الاول في بيان حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة ونقل الاقوال والاخبار وبيان ما هو المختار الظاهر من الاية واحاديث العترة الاطهار (صلوات الله عليهم آناء الليل والنهار " إلا انا قبل الخوض في المقام نقدم من التحقيق الظاهر لذوى الافهام ما عسى به تنكشف غشاوة الابهام وتنجلى به غياهب الظلام: فنقول: لا ريب ان الظاهر من الاخبار حتى كاد ان يكون كالشمس الساطعة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها

[ 356 ]

على جميع الاقطار هو الوجوب العينى الذى لا يختلجه الشك منها والانكار متى لوحظت في حد ذاتها بعين الانصاف والاعتبار إلا ان الشبهة قد دخلت على جل اصحابنا (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة من وجهين فاسقطوا بذلك فيها الوجوب العينى من البين: (احدهما) عدم جواز العمل بخبر الواحد فان بعضا منهم منع من العمل به وبعضا توقف في ذلك وتحقيق ذلك في الاصول. و (ثانيهما) من أخذ الاجماع مدركا شرعيا كالكتاب والسنة النبوية وجعله دليلا مرعيا يعتمد عليه في الاحكام الشرعية، فالكلام هنا يقع في مقامين: (الاول) - في العمل بخبر الواحد فانا نقول بتوفيق الله تعالى وهدايته وعنايته: ان اخبارنا المروية في كتب الاخبار المصنفة من علمائنا الابرار وان صدق عليها اخبار الاحاد باعتبار المقابلة المتواتر إلا انها قد اعتضدت بالقرائن الدالة على صحتها عن الائمة الطاهري كما صرح به جملة من علمائنا المحققين: منهم - شيخ الطائفة في صدر كتاب الاستبصار وكتاب العدة وغيره في غيرهما، بل صرح بذلك المرتضى (رضى الله عنه) الذى هو احد المنقول عنه تلك المقالة كما نقله عنه في المعالم. ولا يخفى ان عمل اصحابنا (رضوان الله عليهم) قديمهم وحديثم مجتهدهم واخباريهم إنما هو على هذه الاخبار وبناء مذهبهم إنما هو عليها، وقد قيض الله تعالى بلطيف حكمته ومنيف عنايته اقواما من الثقات الصادقين في زمن الائمة الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين) لجمع الاخبار المسموعة عنهم (عليهم السلام) وتدوينها في الاصول المشهورة وهى اربعمائة أصل كما صرح به جملة من الاصحاب وامروا من أهل البيت (صلوات الله عليهم اجمعين) بتدوينها وحفظها لعلهم بما يحدث من التقية والحيرة بعد غيبة قائمهم (عليهم السلام) وانسداد ابواب استفادة الاحكام التى كانت في زمانهم وزمان نواب قائمهم مشرعة لجملة الانام فالعمل والمدار في الايراد والاصدار إنما هو على هذه الاخبار كما لا يخفى على ذوى البصائر والابصار. ولنكتف هنا بنقل كلام المحقق المدقق صاحب المعالم في المقام ونذكره مع طوله لجودة محصوله وان طال به زمام الكلام فنقول:

[ 357 ]

قال المحقق المذكور بعد ان ذكر اولا ان خبر الواحد يفيد العلم مع انضمام القرائن إليه واحتجاجه بما ذكره من الحجج عليه، ثم ذكر ان ما عرى من خبر الواحد عن القرائن المفيدة للعلم يجوز التعبد به عقلا، وهل هو واقع أو لا ؟ خلاف بين الاصحاب، فذهب جمع من المتقدمين كالمرتضى وابن زهرة وابن البراج وابن ادريس الى الثاني وصار جمهور المتأخرين الى الاول وهو الاقرب، ثم استدل على ذلك بوجوه ثم ذكر الاول والثانى ثم قال ما صورته: الثالث - اطباق قدماء الاصحاب الذين عاصروا الائمة (عليهم السلام) وأخذوا منهم أو قاربوا عصرهم على رواية اخبار الاحاد وتدوينها والاعتناء بحال الرواة والتفحص عن المقبول والمردود والبحث عن الثقة والضعيف واشتهار ذلك بينهم في كل عصر من تلك الاعصار وفى زمان امام بعد امام ولم ينقل عن أحد منهم انكار لذلك أو مصير الى خلافه ولا روى عن الائمة (عليهم السلام) حديث يضاده مع كثرة الروايات عنهم في فنون الاحكام، قال العلامة في النهاية: اما الامامية فالاخباريون منهم لم يعولوا في اصول الدين وفروعه إلا على اخبار الاحاد المروية عن الائمة (عليهم السلام) والاصوليون منهم كأبى جعفر الطوسى وغيره وافقوا على قبول الخبر الواحد في الفروع ولم ينكره احد سوى المرتضى واتباعه لشبهة حصلت لهم. وحكى المحقق عن الشيخ سلوك هذا الطريق في الاحتجاج للعمل باخبارنا المروية عن الائمة (عليهم السلام) مقتصرا عليه فادعى الاجماع على ذلك وذكر ان قديم الاصحاب وحديثهم إذا طولبوا بصحة ما افتى به المفتى منهم عولوا على المنقول في اصولهم المعتمدة وكتبهم المدونة فيسلم له خصمه منهم الدعوى في ذلك، وهذه سجيتهم من زمن النبي صلى الله عليه وآله الى زمن الائمة (عليهم السلام) فلو لا ان العمل بهذه الاخبار جائز لانكروه وتبرأوا من العامل به. وموافقونا من أهل الخلاف احتجوا بمثل هذه الطريقة ايضا فقالوا ان الصحابة والتابعين اجمعوا على ذلك بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد وعملهم به في الوقائع المختلفة التى لا تكاد تحصى، وقد تكرر ذلك مرة بعد اخرى وشاع وذاع بينهم ولم ينكر عليهم أحد والا لنقل، وذلك يوجب العلم العادى

[ 358 ]

باتفاقهم كالقول الصريح. (الرابع) - ان باب العلم القطعي بالاحكام الشرعية التى لم تعلم بالضرورة من الدين أو من مذهب اهل البيت (عليهم السلام) في نحو زماننا منسد قطعا، إذ الموجود من ادلتها لا يفيد غير الظن لفقد السنة المتواترة وانقطاع طريق الاطلاع على الاجماع من غير النقل بخبر الواحد ووضوح كون اصالة البراءة لا تفيد غير الظن وكون الكتاب ظنى الدلالة، وإذا تحقق انسداد باب العلم في حكم شرعى كان التكليف فيه بالظن قطعا، والعقل قاض بان الظن إذا كانت له جهات متعددة تتفاوت بالقوة والضعف فالعدول عن القوى منها الى الضعيف قبيح، ولا ريب ان كثيرا من أخبار الاحاد يحصل بها من الظن ما لا يحصل بشئ من سائر الادلة فيجب تقديم العمل بها. ثم ساق الكلام في الذب عن ما ذكره في المقام ورد حجج اولئك الاعلام على ما ذهبوا إليه من ذلك القول الناقص العيار والقليل المقدار، الى ان قال: وقد اورد السيد على نفسه في بعض كلامه سؤالا هذا لفظه: فان قيل إذا سددتم طريق العمل بالاخبار فعلى أي شئ تعولون في الفقه كله ؟ واجاب بما حاصله ان معظم الفقه يعلم بالضرورة من مذهب أئمتنا (عليهم السلام) فيه بالاخبار المتواترة وما لم يتحقق ذلك فيه - ولعله الاقل - يعول فيه على اجماع الامامية. وذكر كلاما طويلا في بيان ما يقع فيه الاختلاف بينهم ومحصوله انه إذا امكن تحصيل القطع باحد الاقوال من طرق ذكرناها تعين العمل عليه وإلا كنا مخيرين بين الاقوال المختلفة لتعذر ذليل التعيين. ولا ريب ان ما ادعاه من علم معظم الفقه بالضرورة وباجماع الامامية امر ممتوع في هذا الزمان واشباهه والتكليف فيها بحصول العلم غير جائز والاكتفاء بالظن في ما يتعذر فيه العلم مما لا شك فيه ولا نزاع - وقد ذكره في غير موضع من كلامه ايضا - فتستوي حينئذ الاخبار وغيرها من الادلة المفيدة للظن في الصلاحية لاثبات الاحكام الشرعية في الجملة كما حققناه، مع ان السيد قد اعترف في جواب المسائل التبانيات بان اكثر اخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر واما بامارة وعلامة دلت على صحتها وصدق رواتها فهى موجبة للعلم مقتضية للقطع وان وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الاحاد.

[ 359 ]

الى هنا ما نقلناه من كلام المحقق المشار إليه آنفا وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه إلا ان جعله (قدس سره) الاخبار تبعا لما ذكره غيره من علمائنا الابرار من قبيل اخبار الاحاد العارية عن القرائن الموجبة للعلم بصحتها محل مناقشة بطول بذكرها الكلام. ثم ان مما يدل على الاعتماد على اخبار الاحاد وصحة العمل بها ما روى عنه صلى الله عليه وآله (1) في خطبة الغدير وغيرها من قوله " فليبلغ الشاهد الغائب " وقوله صلى الله عليه وآله في خطبته في مسجد الخيف المروية في الكافي وغيره عن الصادق عليه السلام (2) " رحم الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه... الحديث " وحديث (3) " من حفظ على امتى اربعين حديثا " وما علم من ارساله صلى الله عليه وآله وكذا امير المؤمنين عليه السلام بعده في وقت خلافته الى جباية الخراج والصدقات والمقاسمات بل غير ذلك من الولايات الى البلدان البعيدة آحاد الناس ممن لم يبلغ عددهم التواتر فان جيمع ذلك ونحوه مما يدل على ان المرجع في العمل بالاخبار ليس إلا الى ما يقتضى سكون النفس واطمئنان الخاطر لا الى ما يقتضى القطع واليقين بصحة المخبر به من عدد أو قرينة كما توهمه من لم يعض بضرس قاطع على تتبع السير


(1) الوسائل الباب 8 من صفات القاضى والغدير ج 1 ص 33 (2) الوسائل الباب 8 من صفات القاضى عن الكافي بطريقين ولفظ الاول هكذا: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه الى من هو افقه منه.. " والثانى بمعناه بادنى تفاوت في اللفظ. وفى مجمع البحرين نقل الحديث في مادة " نضر " هكذا " نضر الله امرأ " وفى مستدرك الوسائل الباب 8 من صفات القاضى نقله بلفظ " نضر " ايضا الا في رواية عوالي اللئالى فان فيها " رحم " وفى رسالة الاصول للشافعي في مقدمة كتاب الام ص 65 نقل الحديث كما في الوسائل (3) نقله في الوسائل بطرق متعددة في الباب 8 من صفات القاضى وفيها هكذا: " من حفظ من امتى... " أو " من حفظ من شيعتنا... " نعم اللفظ في رواية الخصال كما في المتن وكذا في المستدرك الباب 8 من صفات القاضى عن العوالي.

[ 360 ]

والاخبار ولم يعط التأمل حقه في الاثار. وبالجملة فان ما ذهب إليه اولئك المتقدم ذكرهم من المنع من العمل بخبر الواحد ودعوى كون اخبارنا المذكورة من جملة ذلك في البطلان اظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان، إذ ليس مع رد هذه الاخبار المدونة في كتب الاصحاب إلا الخروج من هذا الدين أو العمل على غير مذهب ودين، وذلك فانه ليس بعد هذه الاخبار عندهم إلا الكتاب والاجماع ودليل العقل، ولا ريب ان الكتاب لما هو عليه من الاجمال وقبول الاحتمال لا يفى بالمراد، واما الاجماع فقد عرفت وستعرف ما فيه من انه ليس في عده إلا تكثير السواد وتضييع المداد، واما دليل العقل فاضعف ومع تسليمه فهو لا يأتي على جميع الاحكام. ثم انه مما يزيد ما ذكرناه تأييدا ويعلى مناره تشييدا ما استفاض بل تواتر معنى بين الخاصة والعامة من قوله صلى الله عليه وآله (1) " انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتى لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " وهو مروى بطرق عديدة ومتون متقاربة، ونحوه خبر (2) " أهل بيتى كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق ".


(1) في الوسائل الباب 5 من صفات القاضى " قد تواتر بين العامة والخاصة عن النبي " ص " انه قال " انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " ورواه الترمذي في سننه ج 13 ص 200 و 201 باختلاف يسير في اللفظ ومسلم في صحيحه ج 7 ص 122 و 123 واحمد في مسنده ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 وج 4 ص 366 والدارمى في سننه ج 2 ص 432، وقد ذكر الشيخ قوام الدين الوشنوى في رسالته " حديث الثقلين " المطبوعة بالقاهرة باشراف دار التقريب ص 6 مصادر هذا الحديث من كتب العامة وهى كثيرة وذكر فيها اختلاف المتن ايضا. وقد روى الحديث ايضا في كتب العامة بلفظ الكتاب والسنة دون العترة وقد ذكر مصادر ذلك في مفتاح كنوز السنة ص 447. (2) الوسائل الباب 5 من صفات القاضى ونقله في الغدير ج 2 ص 301 =

[ 361 ]

والتقريب فيهما هو دلالتهما على ان النجاة والامن من الوقوع في مهاوى الضلال انما هو في التمسك بحبل الال (عليهم صلوات ذى الجلال) والاقتداء بهم في الاقوال والافعال، وحينئذ فاما ان يخص هذا بزمان وجودهم (صلوات الله عليهم) وما قاربه واللازم منه تضييع باقى الامة الى يوم القيامة، لانه صلى الله عليه وآله كان عالما بامتداد امته الى يوم القيامة وكان عالما بان زمان وجود الائمة (عليهم السلام) الى وقت الغيبة إنما هو زمان يسير، وعلى هذا فلو قصر الامر بالتمسك بهم على زمان وجودهم وما قاربه فاللازم ما ذكرناه وهو مما يقطع بفساده، واما ان يجعل هذا الخطاب للامه والامر لهم بالاتباع والتمسك الى يوم القيامة وهو لا يتم إلا بالعمل بهذه الاخبار المروية عن ابنائه الاطهار التى هي محل البحث، إذ لا طريق في مثل زماننا هذا وامثاله من ازمان الغيبة الى اتباعهم والاخذ بدينهم والتمسك بهم سواها. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. ثم لا يخفى ان ظاهر الخبرين المذكورين الاشارة الى سد باب التمسك بسوى الثقلين المذكورين حيث كان رفع الضلال على وجه الشمول لافراده وافراد زمانه والنجاة ليس مرتبا إلا على التمسك بهما، وبالجملة فان التمسك بهما طريق علم انها مخلصة من الضلال على كل حال واما غير مما فما اشد الاشكال فيه والاعضال سيما مع عدم ورود الاذن بالاخذ به في حال من الاحوال. (المقام الثاني) في الاجماع وقد تقدم في مقدمات الكتاب نزر من القول


= عن مستدرك الحاكم ج 3 ص 151 عن ابى ذر وصححه. ولفظه فيه " مثل اهل بيتى فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق " ونقله ايضا عن تاريخ الخطيب ج 12 ص 91 وكثير من غيرهما. قال واشار إليه الامام الشافعي بقوله المأثور عنه في رشفة الصادي ص 24 ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في ابحر الغى والجهل ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم اهل بيت المصطفى خاتم الرسل وامسكت حبل الله وهو ولاؤهم * كما قد امرنا بالتمسك بالحبل

[ 362 ]

في بيان بطلان القول به والاعتماد عليه في الاحكام الشرعية وعدم كونه مدركا لها وان اشتهر في كلامهم عده من المدارك القطعية كالكتاب العزيز والسنة النبوية، ونزيده هنا بمزيد من التحقيق الرشيق والتذقيق الانيق: فنقول: قد عرفت مما قدمنا في المقام الاول دلالة خبر الثقلين على ان ما يعمل به أو عليه من حكم فرعى أو مدرك أصلى يجب أن يكون متمسكا فيه بكتاب الله تعالى واخبار العترة على ما مر من البيان لتحقيق الامن من الضلال والنجاة من اهوال المبدأ والمال، والزاعم لكون ذلك مدركا شرعيا زائدا على ما ذكره صلى الله عليه وآله يحتاج الى اقامة البرهان والدليل وليس له الى ذلك سبيل إلا مجرد القال والقيل ومن الظاهر عند التأمل بعين الانصاف وتجنب المصبية للمشهورات الموجبة للاعتسافات ان عد اصحابنا (رضوان الله عليهم) الاجماع مدركا إنما اقتفوا فيه العامة العمياء لاقتفائهم لهم في هذا العلم المسمى بعلم اصول الفقه وما اشتمل عليه من المسائل والاحكام والابحاث وهذه المسألة من امهات مسائله، ولو ان لهذا العلم من اصله اصلا اصيلا لخرج عنهم (عليهم السلام) ما يؤذن بذلك، إذ لا يخفى على من لاحظ الاخبار انه لم يبق امر من الامور التى يجرى عليها الانسان في ورود أو صدور من اكل وشرب ونوم ونكاح وتزويج وخلاء وسفر وحضر ولبس ثياب ونحو ذلك إلا وقد خرجت الاخبار ببيان السنن فيه وكذا في الاحكام الشرعية نقيرها وقطميرها، فكيف غفلوا (عليهم السلام) عن هذا العلم مع انه كم زعموه مشتمل على اصول الاحكام الشرعية فهو كالاساس لها لابتنائها عليه ورجوعها إليه هذا، وعلماء العامة كالشافعي وغيره في زمانهم (عليهم السلام) كانوا عاكفين على هذه العلوم تصنيفا وتأليفا واستباطا للاحكام الشرعية بها وجميع ذلك معلوم للشيعة في تلك الايام فكيف غفلوا عن السؤال منهم عن شئ من مسائله ؟ ومع غفلة الشيعة كيف رضيت الائمة (عيلهم السلام) بذلك لهم ولم يهدوهم إليه ولم يوقفوهم عليه ؟ مع كون مسائله اصولا للاحكام كما زعمه اولئك الاعلام، ما هذا إلا عجب عجيب

[ 363 ]

كما لا يخفى على الموفق المصيب (1).


(1) اقول: ان توقف معرفة الاحكام الشرعية واستنباطها من ادلتها على الابحاث الاصولية من الوضوح بمكان لا مجال للشك فيه والارتياب، فانه بعد ما كان معظم الاحكام الشرعية نظريا تتوقف معرفته على البحث والاستدلال كما هو واضح ولم تكن دليلية ادلتها مستغنية عن الاثبات اصبح من الضرورى لمن يريد التفقه في الدين ومعرفة احكام سيد المرسلين " ص " ان يمهد الطريق لذلك بنحو يقطع بكونه طريقا بحكم الشارع تأسيسا أو امضاء ويبحث عن كل ما يأمن بسلوكه واتباعه مسؤولية مخالفة الحكم الشرعي المعلوم له اجمالا بالالتفات الى الشريعة الاسلامية والاعتقاد والتدين بها وان المسائل المتكفلة بالبحث عن ذلك هي مسائل اصول الفقه، ووجه التسمية مذكور في المتن. وان الامور التى يلزم ان يبحث عنها الفقيه في المسائل الاصولية اربعة: " الاول " الحجج فيبحث في كل ما يحتمل فيه الحجية والدليلية كالخبر الواحد والشهرة الفتوائية والاجماع وظواهر الكتاب المجيد، ومن ذلك بحث التعادل والترجيح لانه بحث عن الحجة في فرض التعارض " الثاني " ظواهر المواد والهيئات الافرادية والتركيبية التى تستعمل في الكتاب والسنة وغيرهما في مقام بيان الحكم بوجه كلى من دون اختصاص بمورد دون مورد كالامر والنهى والعام والمطلق وغير ذلك مما يبحث عنه في مباحث الالفاظ مما يلزم تشخيص مدلوله وظهوره بعد الفراغ عن حجية الظهور " الثالث " الملازمات العقلية كالملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته والملازمة بين وجوب الشئ وحرمة ضده والملازمة بين حرمة العبادة أو المعاملة وفسادها والملازمة بين وجوب الشئ وعدم حرمة مقارنه وملابسه وبين حرمة الشئ وعدم وجوب مقارنه، ويعبر عن البحث في الاخير ببحث اجتماع الامر والنهى، وكالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. ولا مناص للفقيه من البحث في هذه الملازمات لينتهى بالدليل القطعي الى الملازمة أو عدمها وبذلك يستكشف الحكم الشرعي " الرابع " الاصول العملية وهى القواعد التى ينتهى إليها الفقيه بعد فحصه وعجزه عن الظفر بالدليل على الحكم الشرعي فيبحث عن وظيفته في هذا الفرض من الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير حسب اختلاف الموارد. وهنا يقع البحث عن الوظيفة الشرعية اولا وعن الوظيفة العقلية ثانيا على تقدير عدم الانتهاء الى الوظيفة الشرعية. هذه هي مباحث =

[ 364 ]

ومما يعضد ما ذكرناه باوضح تأييد رسالة الصادق عليه السلام الى الشيعة وامره لهم


= الاصول التى تبتنى عليها معرفة الاحكام الشرعية ولا يستغنى الفقيه عن الاستعانة بها في استنباط الاحكام بنحو يكون معذورا وآمنا من المسؤولية في المخالفة ولا تكون فتواه مصداقا لعنوان التشريع، وما خرج عن هذه الامور فليس البحث فيه من المسائل الاصولية نعم قد تذكر في كتب الاصول بعض المباحث الخارجة عن العناوين الاربعة استطرادا لتشريح الاذهان ولا يوجب ذلك هدم البحث الاصولي وقلعه من اساسه بما اشتمل عليه من المسائل والاحكام والابحاث على حد تعبيره " قدس سره " وكيف كان فيندفع ما ذكره " اولا " بما تقدم. و " ثانيا " بالنقض بتحريره المسائل الاصولية في مقدمات كتابه وسيره عليها في الابحاث الفقهية. و " ثالثا " ان القواعد الاصولية - وان لم ترد في كلامهم " ع " بعنوانها الخاص - قد وردت متفرقة في الكتاب والسنة في ضمن الايات والروايات التى يستدل بها في المباحث الاصولية كالايات والروايات التى يستدل بها على حجية الخبر الواحد على تقدير تمامية الدلالة وكالاخبار العلاجية لتعارض الخبرين واخبار الاستصحاب على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية واخبار للبراءة والاحتياط وكقوله " ع " " علينا ان نلقى اليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا " المتقدم ج 1 ص 133 فانه شامل للقواعد الاصولية والفقهية وكالاخبار الامرة بطرح الخبر المخالف للكاتب وانه باطل وزخرف فانها تتضمن قاعدتين اصوليتين: احداهما عدم حجية الخبر المخالف للكتاب. الثانية - حجية ظواهر الكتاب كما يدل عليه قوله " ع " في رواية عبد الاعلى المتقدمة ج 1 ص 151 " يعرف هذا واشباهه من كتاب الله ". و " رابعا " ان علماء العامة - كما هو واضح - لم يرجعوا الى الائمة " ع " في شئ من الاحكام الشرعية ولم يعترفوا لهم بالمرجعية فيها واستقلوا في فهم الكتاب والسنة والتزموا بحجية القياس والاستحسان وعملوا بالمصالح المرسلة، الى غير ذك من الاستنباطات الظنية المتبعة عندهم، ولم يعملوا بمقتضى حديث الثقلين الذى اناط الامن من الضلال بالتمسك بالكتاب والعترة وجعل العترة عدل الكتاب في المرجعية في امر الدين، وقد وردت عنهم " ع " الاخبار الكثيرة في ذم هذه الطريقة والنهى عن الاستقلال في الفتوى وانهم هم المرجع في الاحكام الشرعية مع الكتاب، فهذا النحو من الاصول المبتنى على الاستقلال في الفتوى والاستغناء عن الائمة " ع " وعدم =

[ 365 ]


= الاخذ منهم " ع " قد منعوا عنه واسقطوه عن درجة الاعتبار بالكلية، واما علم الاصول المتبع عند فقهاء الامامية فمرجعه في الحجج والتعارض بينها وفى الاصول العملية الشرعية هو الكتاب والاخبار الواردة عن المعصومين " صلوات الله عليهم اجمعين " ولا يتخطى فيه قيد شعرة عن اقوالهم تصريحا أو امضاء، ومرجعه في الملازمات والاصول العقلية حكم العقل القطعي من حيث كشفه عن الحكم الشرعي أو من حيث المنجزية والمعذرية. ومن الواضح عدم توجه الاعتراض على هذا النحو اصلا لاختلافه تمام من حيث المدرك والدليل عن علم الاصول المتبع عند العامة وتقيده بالمتابعة لاقوال العترة " ع " والاستناد الى حديث الثقلين وتقيد ذاك بعدم المتابعة لهم، فكيف ينسب علم الاصول المدون على ضوء حديث الثقلين ونحون والمبتنى على اتباع الحجتين الى من لم يرجع في الاحكام الى العترة أصلا واستقل عنها تماما. وبذلك يتضح ايضا حال الاجماع المتبع عند الامامية وأنه لا يمت إلى اجماع العامة بصلة إذ بعد ان كان اعتباره عند الامامية من حيث كشفه عن قول المعصوم - وان اختلفوا في وجهه - ولم يكن له من حيث كونه اتفاقا اية قيمة عندهم كان مؤسسا على اساس التمسك بالعترة وسائرا على النهج الذي سنه حديث الثقلين وغيره مما يؤدى مؤداه. ولا ينحصر التمسك بالعترة بالعمل باخبارهم فان تعيين النبي " ص " المرجع بعده في شرعه والتأكيد الصادر منه " ص " في هذا الشأن في حديث الثقلين وغيره إنما هو في قبال من علم " ص " انهم يرومون عزل العترة بعده عن هذا المنصب والاستغناء عنهم والاكتفاء بكتاب الله تعالى بزعمهم كما جرى ذلك على لسان بعضهم عندما طلب النبي " ص " ما يكتب به كتابا يضمن سلامة الامة بعده من الضلال فحال بينه وبين ذلك وقال " يكفينا كتاب الله " ونسب إليه " ص " ما أوجب عدم الاثر في ما يكتبه بل اخلاله بمقام النبوة كما أشار إليه بقوله " ص " " أبعد الذي قلتم " راجع مفتاح كنوز السنة ص 445 فالمخالف لمدلول الحديث هم الذين لم يعترفوا للعترة بمقامها الشامخ ولم يرجعوا إليهم في أمر الدين واكتفوا بالكتاب بزعمهم واما من يرى ان العترة عدل الكتاب ويرجع في الدين اليهما معا ولا يرجع الى الكتاب إلا بعد الفحص عن ما ورد من العترة في بيانه ويأخذ اقوالهم " ع " مما ورد من الاخبار عنهم ويستكشفها ايضا من اتفاق أصحابهم وتابعيهم ولا يتخطاها اصلا فهو ليس مخالفا لحديث الثقلين =

[ 366 ]

بمدارستها والتعهد لها المروية في روضة الكافي (1) باسانيد ثلاثة ونحن ننقل موضع الحاجة منها: قال عليه السلام " ايتها العصابة المرحومة المفلحة ان الله عزوجل أتم لكم ما آتاكم من الخير، واعلموا انه ليس من علم الله تعالى ولا من امره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأى ولا مقاييس، قد انزل الله تعالى القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل القرآن ولتعلم القرآن اهلا، لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأى ولا مقاييس، اغناهم الله تعالى عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم كرامة من الله تعالى اكرمهم بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله تعالى هذه الامة بسؤالهم (2) وهم الذين قد سبق في علم الله تعالى ان من يتبعهم ويصدق اثرهم أرشدوه واعطوه من علم القرآن ما يهتدى به الى الله


= قطعا فكيف تنسب الى مثل هذا الشخص في استكشافه قول العترة من اتفاق اصحابهم وتابعيهم المتابعة لمن خالف النبي " ص " في شأن العترة ولم يرجع إليهم في امر الدين أصلا، وقد اعترف هو " قدس سره " بحجيته وكشفه عن قول المعصوم في موردين، راجع ج 1 ص 36. نعم استند الفقهاء في موارد كثيرة الى الاجماع وليس فيها اتفاق أو ليس الاتفاق فيها كاشفا عن قول المعصوم بنظر الاخرين كما انه قد يناقش بعض في كاشفية الاتفاق كلية، ولا يصحح شئ من ذلك هذه النسبة إليهم وانما تتوجه عليهم المناقشة بعدم تحقق الكاشف فقط. وقد وجه بعض الفقهاء هذه الدعاوى بما ذحكره " قدس سره " ج 1 ص 39 و 40. بما ذكرناه يتضح جليا ان ما ذكره " قدس سره " في شأن علم الاصول عموما والاجماع خصوصا لا يمكن المساعدة عليه بوجه من الوجوه. ولعله " قدس سره " كتب ذلك قبل ان يكتب المقدمة الثانية عشرة من مقدمات الكتاب التى عقدها لبيان الفرق بين المجتهد والاخباري فانها إذا كانت متأخرة عن ما ذكره في المقام يمكن ان تكون رجوعا عنه وبمراجعتها يظهر ذلك جليا. (1) ص 5 وفى الوسائل الباب 6 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به (2) سورة النحل الاية 45

[ 367 ]

باذنه والى جميع سهل الحق، وهم الذين لا يرغب عنهم ولا عن سألتهم وعن علمهم الذى اكرمهم الله تعالى به وجعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله تعالى الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة، فاولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر واولئك الذين يأخذون باهوائهم وآرائهم ومقاييسهم حتى دخلهم الشيطان، لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما وجعلوا ما حرم الله تعالى في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة اهوائهم، وقد عهد إليهم رسول الله صلى الله عليهم وآله قبل موته فقالوا نحن بعد ما قبض الله عزوجل رسوله صلى الله عليه وآله يسعنا ان نأخذ بما اجتمع عليه رأى الناس بعد قبض الله تعالى رسوله وبعد عهده الذى عهد الينا وأمرنا به مخالفا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله فما أحد على الله تعالى ولا ابين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه، والله ان لله تعالى على خلقه ان يطيعوه ويتبعوا امره في حياة محمد صلى الله عليه وآله وبعد موته... الحديث ". اقول: وكما يستفاد من هذا الخبر ان أصل الاجماع من مخترعات العامة وبدعهم يستفاد منه ان الرجوع الى القرآن وأخذ الاحكام منه يتوقف على تفسيرهم (عليهم السلام) وبيان معانيه عنهم، ومنه يعلم ان الاخبار كالاصل لمعرفة الكتاب وحل مشكلاته وبيان مفصلاته وتفسير مجملاته وتعيين المراد من احكامه وبيان ابهامه، وهو المشار إليه في خبر الثقلين بعدم الافتراق بين العترة والقرآن بمعنى ان القرآن لما كان المرجمع فيه إليهم واحكامه لا تؤخذ إلا منهم (عليهم السلام) فهو لا يفارقهم وانه لما كانت افعالهم وأقوالهم (عليهم السلام) مقتبسة من القرآن فهم لا يفارقونه. وكيف كان فهذا الخبر الشريف ظاهر في ما دل عليه خبر الثقلين من ان الاعتماد ليس الا على القرآن والاخبار وان ما عداهما فهو ساقط عن درجة النظر إليه والاعتبار.

[ 368 ]

ولا يخفى ان تكرر كلامه عليه السلام ومقابلته عدم الاخذ عنهم عليهم السلام بالرأى والهوى والمقايبس مما يشير الى ان الاستناد الى هذا الاجماع من جملة الهوى والرأى حيث انه لما لم يكن مستندا إليهم (عليهم السلام) حيث لم يأمروا به ولم يشيروا إليه بالكلية فهو إنما استند الى رأى ذلك القائل به وهواه، ولهذا ان اصحابنا لما اقتفوهم في جعله من مدارك الاحكام الشرعية عدلوا عن معناه عند العامة بانه عبارة عن اجماع الناس الى اعتبار دخول المعصوم عليه السلام فيه وكشفه عن دخوله وان الحجة في ذلك انما هو قول المعصوم عليه السلام. على ان التحقيق ان الذين هم الاصل في الاجماع كالشيخ والمرتضى قد كفونا مؤنة القدح فيه وبيان بطلانه بما وقع لهم من دعوى الاجماعات المتناقضة تارة ودعوى الاجماع على ما تفرد به أحدهما تارة أو تبعه عليه شذوذ من اصحابه كما لا يخفى على المطلع على اقوالهم، وقد وقفت على رسالة لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) قد عد فيها إلاجماعات التى ناقض الشيخ فيها نفسه في مسألة واحدة انتهى عددها الى نيف وسبعين مسألة، قال (قدس سره) فيها: افردناها للتنبيه عن ان لا يغتر الفقيه بدعوى الاجماع فقد وقع فيه الخطأ والمجازفة كثيرا من كل واحد من الفقهاء سيما من الشيخ والمرتضى، قال ومما ادعى الاجماع من كتاب النكاح دعواه في الخلاف... ثم ساق الكلام في تعداد تلك المسائل الى آخرها بما يقرب مما ذكرنا. قال شيخنا زين الملة والدين في رسالته التى في هذه المسألة: الاجماع عند اصحابنا إنما هو حجة بواسطة دخول قول المعصوم عليه السلام في جملة أقوال القائلين والعبرة عندهم إنما هي بقوله دون قولهم، وقد اعترفوا بان قولهم " الاجماع حجة " إنما هو مشى مع المخالف حيث انه كلا حق في نفسه وان كان حيثية الحجية مختلفة عندنا وعندهم على ما هو محقق في محله، وإذا كان الامر كذلك فلابد من العلم بدخول قول المعصوم عليه السلام في جملة اقوالهم حتى يتحقق حجية قولهم ومن اين لهم العلم في امثال هذه المواضع مع عدم وقوفهم على خبره فضلا عن قوله عليه السلام ؟ واما

[ 369 ]

ما اشتهر بينهم - من انه متى لم يعلم في المسألة مخالف أو علم مع معرفة أصل المخالف ونسبه يتحقق الاجماع ويكون حجة ويجعل قول الامام في الجانب الذى لا ينحصر ونحو ذلك مما بينوه واعتمدوه - فهو قول مجانب للتحقيق جدا ضعيف المأخذ، ومن اين يعلم ان قوله عليه السلام وهو بهذه الحالة من جملة اقوال هذه الجماعة المخصوصة دون غيرهم من المسلمين خصوصا في هذه المسألة فان قوله بالجانب الاخر اشبه وبه اولى لموافقته لقول الله تعالى ورسوله والائمة (صلوات الله عليهم) على ما قد عرفت. ثم متى بلغ قول أهل الاستدلال من اصحابنا في عصر من الاعصار السالفة حدا لا ينحصر و لا يعلم به بلد القائل ولا نسبه وهم في جميع الاعصار محصورون منضبطون بالاشتهار والكتابة والتحرير لاحوالهم على وجه لا يتخالجه شك ولا تقع معه شبهة، ومجرد احتمال وجود واحد منهم مجهول الحال مغمور في جملة الناس مع بعده مشترك من الجانبين، فان هذا ان اثر كان احتمال وجوده مع كل قائل ممكنا ومثل هذا لا يلتفت إليه أصلا ورأسا، وقد قال المحقق في المعتبر - ونعم ما قال - الاجماع حجة بانضمام المعصوم عليه السلام فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله عليه السلام فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعى الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهالة قول الباقين إلا مع العلم القطعي بدخول الامام عليه السلام في الجملة. انتهى. ومن اين يحصل العلم القطعي بموافقة قوله عليه السلام لاقوال الاصحاب مع هذا الانقطاع المحض والمفارقة الكلية والجهل بما يقوله على الاطلاق من مدة تزيد عن ستمائة سنة. انتهى ما اردنا نقله من كلامه زيد في مقامه. وقال في المسالك - في مسألة " ما لو اوصى له بابيه فقبل الوصية " بعد الطعن في الاجماع - ما هذا لفظه: وبهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التى ادعوا فيها الاجماع إذا قام عنده الدليل على ما يقتضى خلافهم وقد اتفق لهم ذلك كثيرا ولكن زلة المتقدم متسامحة بين الناس دون المتأخر. وقال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: ومن جملة ما عد مدركا من المدارك الاصلية لفروع الاحكام ما يسمونه إجماعا المفسر عند العامة

[ 370 ]

باتفاق فقهاء امة محمد صلى الله عليه وآله في عصر على امر شرعى وعند الخاصة باتفاق الفرقة المحقة منها فيه عليه. وقد حاولت العامة في استخراج مدرك حجيته من الكتاب بادلة (1) كلها مزيفة ومن السنة بخبر رووه عنه صلى الله عليه وآله (2) " لا تجتمع امتى على خطأ " وفيه من النقوض ما هو مذكور في محله ولا طائل في ذكره، واما اصحابنا الذين حذوا حذو العامة في عده مدركا فحاولوا في الاستدلال على حجيته بانه إذا تحقق اتفاق فقهاء الطائفة المحقة على أمر اقتضى دخول المعصوم عليه السلام فيهم لكونه من الفقهاء وعدم خلو عصر من معصوم يكون قوله حجة والحجة حينئذ قوله والاجماع كاشف عنه. وهذا اقرار بانه ليس دليلا وان كان كاشفا عنه وليس في عده من الادلة إلا تكثير العدد وأطالة الطريق وايهام جواز خلو العصر من معصوم حجة كما هو معتقد اولئك الذين هم عن الحق بمرمى سحيق، ولذا خلا ظاهر الكتاب وما وصل الينا من اخبار العترة الطاهرة عن ما يشعر بالامر بالعمل بما يسمى اجماعا. وقال (قدس سره) في موضع آخر: ثم انه على تقدير ما ذكروه في بيان الاجماع وحجيته ان الحجة انما هو دخول المعصوم فان علم دخوله فلا بحث ولا مشاحة في اطلاق اسم الاجماع عليه ثم اسناد الحجية إليه ولو تجوزا فيهما، وان لم


(1) استدلوا من الكتاب - كما في أصول الفقه لابي زهرة ص 193 و 140 بقوله تعالى " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " قال: وان هذا النص الكريم اثبت ان اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لان من يفعل ذلك يشاقق الله ورسوله ويصليه الله تعالى جهنم وساءت مصيرا وإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما فان اتباع سبيلهم واجب ومن يخالفهم ويقرر نقيض رأيهم لا يكون متبعا لسبيلهم. ونقل في الهامش عن الغزالي المناقشة في دلالة الاية وغيرها من ادلتهم واستدلوا من السنة بما دل على عدم اجتماع الامة على الضلال وان ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وبان عمل الصحابة على ان ما يجمعون عليه حجة، ونقل عن الشافعي وجها اعتباريا وهو في رسالته ص 65 في مقدمة كتاب الام. (2) مفتاح كنوز السنة ص 63 " ان امتى لا تجتمع على ضلالة "

[ 371 ]

يعلم فان ظن ولو بمعاضدة خبر واحد يحكى فعله أو قوله أو تقريره فكذلك وإلا فليس نقل الاجماع بمجرده موجبا للظن بدخول المعصوم ولا كاشفا عنه كما زعموه. ثم ان العلم بدخول المعصوم في زمان ظهوره وانحصار حملة الحديث في قوم معروفين أو بلدة محصورة ممكن اما في مثل زماننا هذا كزمان الغيبة الكبرى فالحق انه لا طريق الى العلم به - لانه إنما يكون بطريق التواتر بان ينقله في كل طبقة جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب مستندون الى الحس بمعاينة اعمال جميع من يتوقف انعقاد الاجماع عليه أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول والعمل على نوع من التقية ونحوها مع تشتتهم وانتشارهم في اقطار الارض وانزوائهم في الطوامير والسراديب وحرصهم على ان لا يطلع عليهم ولا على عقائدهم ومذاهبهم وهو كما لا يخفى ممتنع عادة - ولا الى ظنه بنقله بطريق الاحاد لما ذكرنا من التشتت والانزواء المانعين من إطلاع آحاد الناس. وقال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم - بعد ان اسلف انه يتجه ان يقال ان المدار في الحجية على العلم بدخول المعصوم عليه السلام من غير حاجة الى اشتراط اتفاق جميع المجتهدين أو الكثرهم ولا سيما معروفى النسب، ونقل عن المحقق في المعتبر ما تقدم نقله في كلام والده مما يتضمن التصريح باشتراط العلم القطعي بدخول المعصوم عليه السلام في حجية الاجماع - ما هذا لفظه: هنا فوائد (الاولى) الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الاجماع في زماننا وما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل الى العلم بقول الامام كيف وهو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم ويكون قوله مستورا بين اقوالهم وهذا مما يقطع بانتفائه، فكل اجماع يذكر في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) مما يقرب من عصر الشيخ الى زماننا هذا وليس مستندا الى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم فلابد ان يراد به ما ذكره الشهيد (قدس سره) من الشهرة، واما الزمان السابق على ما ذكرنا المقارب لعصر ظهور الائمة (عليهم السلام) وامكان الاطلاع على أقوالهم فيمكن فيه

[ 372 ]

حصول الاجماع والعلم بطريق التتبع، والى مثل هذا نظر بعض علماء أهل الخلاف حيث قال: والانصاف يقتضى ان لا طريق الى معرفة حصول الاجماع إلا في زمن الصحابة حيث كان المؤمنون قليلين لا يتعذر معرفتهم بالتفصيل. وقال الفاضل المولى محمد باقر الخراساني (قدس سره) صاحب الذخيرة والكفاية في رسالته في المسألة بعد الكلام في المسألة: (فان قلت) الاية والاخبار كما ذكرت دالة على الوجوب العينى إلا ان الاصحاب نقلوا الاجماع على انتفاء الوجوب العينى، وممن نقل ذلك العلامة في النهاية والتذكرة والشيخ على والشهيد الثاني في شرح اللمعة وشرح الالفية وهو ظاهر كلام المحقق والشهيد، والاجماع الذى نقله هؤلاء الاعيان من فضلاء اصحابنا حجة إذ التعويل في موارد الاجماع والخلاف على قولهم فاذن سقط القول بالوجوب العينى، واعترف جماعة منهم بان الكتاب والسنة دالان على الوجوب العينى لكن دعاهم الى عدم القول به اجماع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على انتفائه (قلت) هذا هو الداء العضال والشبهة التى بها زلت اقدام وعدلت عن الحق اقوام واخطأت التحقيق افهام لكنه عند الفحص الصحيح والنظر بمكان من الضعف، ثم اطال في بيان عدم تحققه وامكانه زمن الغيبة الى ان قال: (الثاني) نجد في كثير من المسائل ادعى بعضهم الاجماع عليه مع وجود الخلاف فيه بل من المدعى نفسه في كتاب آخر سابق عليه اولا حق به، وكذلك نجد بعض من ادعى الاجماع على حكم وادعى آخر الاجماع على خلافه حتى قد يتفق ذلك من المدعى نفسه، وحسبك في هذا الباب ما وقع للسيد المرتضى والشيخ ابى جعفر في الانتصار والخلاف مع كونهما امامى الطائفة ومقتدييها، ومن اغرب ذلك دعوى السيد المرتضى في الكتاب المذكور اجماع الامامية على وجوب التكبيرات الخمس في كل ركعة للركوع والسجود والقيام منهما، ثم ساق جملة من اجماعاته التى من هذا القبيل، ثم نقل ذلك عن العلامة وعن المحقق الشيخ على. ولهذا الفاضل المذكور في الذخيرة بحث طويل في الطعن في الاجماع في باب

[ 373 ]

غسل الجنابة في مسألة الوطء في الدبر وقد اشبع الكلام فيه ونفى كونه من الادلة الشرعية وإنما غايته الصلوح للتأييد. واما صاحب المدارك فانه نقل في الكتاب المذكور انه صنف رسالة في رد الاجماع وابطاله. فان قيل: ان هؤلاء المذكورين كثيرا ما يستندون إليه في جملة من المسائل. (قلنا) نعم ربما يستسلقونه مجازفة في مواضع وربما مما قيدوه بقولهم " ان تم " أو " ان ثبت " واما في مقام التحقيق فانهم يمزقونه تمزيقا ويجعلونه حريقا. وعلى هذا النهج كلام جملة من متأخرى المتأخرين. وبالجملة فان ملخص القول في ذلك هو انه غير متحقق الوقوع ولا الامكان لما عرفت من اتفاق كلمة هؤلاء الاعيان، وغاية ما ربما يتشبث به الخصم هو ان الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة وهو باطل من وجوه: الاول - انه حيث قد عرفت ما وقع لهم من الاختلاف والاضطراب في دعوى الاجماع كما قدمنا نقله عن رسالة شيخنا الشهيد الثاني من ضبط جملة من الاجماعات التى ادعى الشيخ فيها الاجماع على حكم وأدعى الاجماع على خلافه وهكذا دعاوى المرتضى الاجماع على ما يتفرد به ونحوه غيره، فانه لا وثوق حينئذ بنقلهم لهذا الاجماع في هذه المسألة فلعله من قبيل تلك الاجماعات التى نفاها عليهم من تأخر عنهم. الثاني - انه مع غض النظر عن ذلك فانه من المقرر في كلامهم والجارى في قواعدهم انهم لا يجمعون بين الدليلين متى تعارضا إلا مع التكافؤ في الصحة وإلا فتراهم يطرحون المرجوح أو يأولونه بما يرجع به الى الراجح، ولا ريب في ان هذا الاجماع المدعى إنما هو في قوة خبر مرسل بل اضعف فلا يقوم بمعارضة ما سنذكره ان شاء الله تعالى من الاخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة فالواجب طرحه من البين. الثالث - انه من القواعد المقررة عن أهل العصمة (عليهم السلام) عرض

[ 374 ]

الاخبار في مقام الاختلاف على الكتاب العزيز والاخذ بما وافقه وما خالفه يضرب به عرض الحائط (1) فإذا كانت اخبارهم الصحيحة الصريحة ترد مع مخالفة الكتاب العزيز فكيف هذا الاجماع الذى يرجع في التحقيق الى قول جماعة قليلة من الاصحاب ؟ الرابع - تحقق الخلاف في المسألة كما سيأتي ان شاء الله تعالى نقله عن جماعة من متقدمي الاصحاب كالشيخ المفيد والكليني والصدوق وابى الصلاح والكراجكي بل هو ظاهر غيرهم من المقتدمين كما ذكره شيخنا زين الدين في الرسالة وتلميذه الشيخ حسين بن عبد الصمد في كتاب العقد الطهماسى، وسيأتى نقل كلامهما ان شاء الله تعالى وحينئذ فكيف تتم دعوى الاجماع والحال كما عرفت ؟ الخامس - انهم عللوا هذا الاجماع بعلة ضعيفة روما لتقويته وزيادته على سائر الاجماعات كما سيأتي نقله عن المحقق في المعتبر، وسيأتى الكلام عليها وبيان ضعفها ان شاء الله تعالى عند نقل القول بالتخيير. السادس - ان ظاهر كلام اكثرهم ان هذا الشرط إنما هو عند حضور الامام عليه السلام والتمكن منه كما اومأ إليه المحقق (قدس سره) حيث شبهه بالقضاء، فان التعيين في القضاء عندهم إنما هو عند حضور الامام عليه السلام واما مع غيبته فيجب على الفقهاء القيام به مع تمكنهم منه. واظهر منها عبارة الشهيد في الذكرى حيث قال: التاسع - اذن الامام كما كان النبي صلى الله عليه وآله يأذن لائمة الجماعات وامير المؤمنين عليه السلام بعده وعليه اتفاق الامامية، هذا مع حضور الامام واما مع غيبته كهذا الزمان ففى انعقادها قولان... الى آخر كلامه وسيأتى نقله ان شاء الله تعالى بتمامه. ونحوه كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروضة وقال (قدس سره): ان الذى يدل عليه كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان موضع الاجماع المدعى انما هو


(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به

[ 375 ]

حال حضور الامام وتمكنه والشرط المذكور حينئذ انما هو امكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة، لانهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب ويدعون الاجماع عليه اولا ثم يذكرون حال الغيبة وينقلون الخلاف فيه ويختارون جوازها حينئذ أو استحبابها معترفين بفقد الشرط. هكذا عبروا به في المسألة وصرحوا به في الموضعين، فلو كان الاجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك بل اختيار جواز فعلها بدونه ايضا، فانهم يصرحون بانه شرط للوجوب ثم يذكرون الحكم حال الغيبة ويجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها حينئذ بالوجوب، وهو دليل بين على ان الوجوب الذى يجعلونه مشروطا بالامام وما في معناه إنما هو حيث يمكن أو في الوجوب العينى حال حضوره بناء منهم على ان ما عداه لا يسمونه واجبا وان امكن اطلاقه عليه من حيث انه واجب تخييري. وعلى هذا الوجه يسقط الاستدلال بالاجماع في موضع النزاع لو سلمنا تمامه في غيره، السابع - ان كلامهم في الاذن لا يخلو من تشويش لدلالة بعض عباراتهم على ان المراد الاذن لخصوص شخص بعينه لهذه الصلاة بخصوصها أو لما يشملها وبعض يدل على الاذن العام الشامل للفقيه، وبعضها على الاعم الاشمل لكل من يصلح للامامة وعلى هذا تسقط فائدة النزاع. قال الشيخ في الخلاف - بعد ان اشترط اولا في الجمعة الامام أو نائبه ونقل فيه الاجماع - ما هذا لفظه (فان قيل) أليس قد رويتم في ما مضى من كتبكم انه يجوز لاهل القرى والسواد من المؤمنين إذا اجتمعوا العدد الذى تتعقد بهم ان يصلوا جمعة ؟ (قلنا) ذلك مأذون فيه مرغب فيه فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلى بهم. انتهى. وظاهره ان الاذن الذى ادعى الاجماع على اشتراطه أو لا يشمل الاذن العام كما ينادى به قوله " فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلى بهم " وحينئذ فإذا قام الاذن العام مقام النصب الخاص فاى مانع من الوجوب العينى

[ 376 ]

ولهذا نسب الوجوب العينى الى الشيخ في الخلاف لظاهر هذه العبارة، قالوا: وقوله " مأذون ومرغوب " لا ينافى ذلك. اقول: فلينظر العاقل الفطن المنصف المتقيد بقيود الشريعة في هذا الاجماع المدعى في هذا المقام والمعول عليه عند هؤلاء الاعلام ما هو عليه من الضعف وتطرق الطعن إليه الظاهر لكل ناظر من الانام، وهل يستجيز مؤمن يخاف الله تعالى ان يخرج عن ظواهر الاخبار الساطعة الانوار المستفيضة الصحيحة الصريحة مضافا الى الاية الشريفة (1) بهذا الاجماع (2) الذى لماعرفت تمجه الطباع مضافا الى ما عرفت في أصل الاجماع. ثم انه كيف يشترط في العمل بالكتاب والسنة عمل الشيخ والمرتضى واتباعهما بذلك (3) واى فرق بين الشيخ ومن تبعه في هذه المسألة وبين الشهيد الثاني ومن تأخر عنه ؟ حيث تعتبر اقوال اولئك ولا تعتبر اقوال


(1) سورة الجمعة الاية 9 (2) قد ظهر بما تقدم ص 365 في التعليقة 1 ص 363 ان هذا الاجماع ان كان بنظر الفقيه كاشفا عن قول المعصوم فلا مناص له من رفع اليد عن ظهور الاخبار والاية في الوجوب التعييني ان تم ظهورهما فيه عنده لان قول المعصوم المستكشف بالاجماع يكون قرينة قطعية على عدم ارادة الظاهر منهما، وان لم يكن كاشفا عنه عنده فلا مسوغ لتقديمه على ظهور الاية والاخبار إلا إذا كان قائلا بحجية الشهرة الفتوائية وكانت الشهرة متحققة في جانب نفى الوجوب التعييني بنظره فانه يمكن القول بترجيحها على ظهور الادلة لكونها قرينة على عدم ارادة الظاهر منها كالخبر الصحيح الصريح في نفى الوجوب التعييني. (3) لم يعتبر فقيه من فقهاء الامامية عمل الشيخ والمرتضى واتباعهما بالكتاب في العمل به ولا وجه لتوهم ذلك وانما المعتبر فيه عند الفقهاء الرجوع الى ما ورد عن الائمة " ع " في بيانه فان ورد شئ عنهم " ع " يكون بيانا فهو المتبع وإلا كان ظاهره حجة خلافا لبعض حيث اوقف جواز العمل به في كل مورد على ورود البيان عنهم " ع " وقد تقدم الكلام منه " قدس سره " في هذا الموضوع في المقدمة الثالثة ج 1 ص 27 وان اردت تجلى الحقيقة في هذا البحث فارجع الى البيان لاية الله الخوئى ج 1 ص 182.

[ 377 ]

هؤلاء مع انه لا ريب عند كل ناظر وسامع ممن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ان هؤلاء ادق فهما واذكى ذهنا وأشد تيقظا واكثر تتبعا وأقرب الى الصواب (1) وابتداء الفحص والتحقيق وتر ك التقليد للسلف نشأ من زمن الشهيد الاول وان أحدث المحقق والعلامة شيئا من ذلك. قال شيخنا الشهيد الثاني في الدراية: ان اكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون وجدوا احكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء وما دروا ان مرجعها الى الشيخ (قدس سره) وان الشهرة إنما حصلت بمتابعته. ثم قال: وممن اطلع على هذا الذى تبينته وتحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصى والسيد رضى الدين بن طاووس وجماعة، قال السيد (قدس سره) في كتابه المسمى بالبهجة لثمرة المهجة: اخبرني جدى الصالح ورام بن ابى فراس (قدس الله تعالى روحه) ان الحمصى حدثه انه لم يبق للامامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك. وقال السيد عقيب ذلك: والان قد ظهران الذى يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدم