الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 هجرية حققه وعلق عليه واشرف على طبعه محمد تقى الايروانى الجزء الثامن مؤسسة النشر الاسلامي (التابعه) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثاني في الصلوات اليومية وما يلحق بها من قواطعها وسهوها وشكوكها، والبحث فيه يقع في مقصدين: (الاول) - في الصلاة والواجب على عادتنا في الكتاب ان نذكر هنا جملة من الاخبار المشتملة على افعال الصلاة وآدابها: فمن ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الكافي والتهذيب والفقيه والمجالس وغيرها، رووا في الصحيح والحسن عن حماد بن عيسى (1) قال: " قال: لي أبو عبد الله (عليه السلام): يوما يا حماد تحسن ان تصلي ؟ قال فقلت يا سيدي انا احفظ كتاب حريز في الصلاة، قال لا عليك يا حماد قم فصل قال فقمت بين يديه متوجها الى القبلة فاستفتحت الصلاة فركعت وسجدت فقال يا حماد لا تحسن ان تصلي ما اقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة. قال حماد: فأصابني في نفسي الذل فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة، فقام أبو عبد الله
(1) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 3 ]
(عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه وقرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث اصابع منفرجات واستقبل باصابع رجليه جمعيا القبلة لم يحرفهما عن القبلة وقال بخشوع: " الله اكبر " ثم قرأ الحمد بترتيل و " قل هو الله احد " ثم صبر هنيهة بقدر ما يتنفس وهو قائم ثم رفع يديه حيال وجهه وقال " الله اكبر " وهو قائم ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه منفرجات ورد ركبتيه الى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره ومد عنقه وغمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل فقال: " سبحان ربي العظيم وبحمده " ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال " سمع الله لمن حمده " ثم كبر وهو قائم ورفع يديه حيال وجهه ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الاصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه وقال " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ثلاث مرات ولم يضع شيئا من جسده على شيئ منه وسجد على ثمانية اعظم: الكفين والركبتين وانامل ابهامي الرجلين والجبهة والانف، وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها وهي التي ذكرها الله عزوجل في كتابه وقال " وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " (1) وهي الجبهة والكفان والركبتان والابهامان، ووضع الانف على الارض سنة. ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال: " الله اكبر " ثم قعد على فخذه الايسر وقد وضع ظاهر قدمه الايمن على بطن قدمه الايسر فقال: " استغفر الله ربي واتوب إليه " ثم كبر وهو جالس وسجد السجدة الثانية وقال كما قال في الاولى ولم يضع شيئا من بدنه على شيئ منه في ركوع ولا سجود وكان مجنحا ولم يضع ذراعيه على
الارض، فصلى ركعتين على هذا ويداه مضمومتا الاصابع وهو جالس في التشهد فلما فرغ من التشهد سلم فقال يا حماد هكذا صل ". وروى ثقة الاسلام في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2)
(1) سورة الجن، الآية 18 (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 4 ]
قال: " إذا قمت في الصلاة فلا تلصق قدمك بالاخرى ودع بينهما فصلا اصبعا اقل ذلك الى شبر اكثره، واسدل منكبيك وارسل يديك ولا تشبك اصابعك وليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك وليكن نظرك الى موضع سجودك، فإذا ركعت فصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر وتمكن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، وبلع اطراف اصابعك عين الركبة وفرج اصابعك إذا وضعتها على ركبتيك فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك الى ركبتيك اجزأك ذلك، واحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل اصابعك في عين الركبة وتفرج بينها واقم صلبك ومد عنقك وليكن نظرك الى ما بين قدميك، فإذا اردت ان تسجد فارفع يديك بالتكبير وخر ساجدا وابدأ بيديك فضعهما على الارض قبل ركبتيك تضعهما معا ولا تفرش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه ولا تضعن ذراعيك على ركبتيك وفخذيك ولكن تجنح بمرفقيك ولا تلصق كفيك بركبتيك ولا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك ولكن تحرفهما عن ذلك شيئا وابسطهما على الارض بسطا واقبضهما اليك قبضا وان كان تحتهما ثوب فلا يضرك وان افضيت بهما الى الارض فهو افضل، ولا تفرجن بين اصابعك في سجودك ولكن ضمهن جميعا، قال وإذا قعدت في تشهدك فالصق ركبتيك بالارض وفرج بينهما شيئا وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الارض وظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى واليتاك على الارض وطرف ابهامك اليمنى على الارض، واياك والقعود على قدميك فتتأذى بذلك ولا تكن قاعدا على الارض فتكون انما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد والدعاء ". بيان: الظاهر ان انكار الصادق (عليه السلام) على حماد في صلاته وتعليمه انما هو بالنسبة الى سنن الصلاة وآدابها لا بالنسبة الى واجباتها وإلا لامره بقضاء ما مضى من صلواته، على ان مثل حماد (رضوان الله عليه) اجل قدرا من ان يجهل الواجب عليه كما يشير إليه قوله: " انا احفظ كتاب حريز في الصلاة " وبذلك يظهر لك
[ 5 ]
ما في كلام السيد المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) في مسألة معذورية الجاهل من دعواه جهل حماد بالاحكام الواجبة وان الامام (عليه السلام) لم يأمره بالقضاء من حيث معذورية الجاهل. وقد نقلنا كلامه في كتاب الدرر النجفية في الدرة التي في مسألة معذورية الجاهل. ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى، قال: والظاهر ان صلاة حماد كانت مسقطة للقضاء وإلا لامره بقضائها ولكنه عدل به الى الصلاة التامة. والظاهر ان صلاته (عليه السلام) لم تكن صلاة حقيقية بل كانت لمجرد التعليم للكلام في اثنائها كما حكاه الراوي إلا ان يحمل على ان الكلام انما كان بعدها ولكن حماد حكاه في اثنائها للبيان وربطه بما يتلعق به. قوله: " ما اقبح بالرجل منكم.. " قال شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين: فصل بين فعل التعجب وبين معموله وهو مختلف فيه بين النحاة فمنعه الاخفش والمبرد وجوزه المازني والفراء بالظرف ونقلا عن العرب انهم يقولون " ما احسن بالرجل ان يصدق " وصدوره من الامام (عليه السلام) من اقوى الحجج على جوازه، والجار في قوله (عليه السلام) " منكم " حال من الرجل أو وصف له فان المعرف بلام العهد الذهني في حكم النكرة، والمراد ما اقبح بالرجل من الشيعة أو من صلحائهم. قوله: " وقرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث اصابع منفرجات " هذا هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث صرحوا بانه يستحب ان يكون
بينهما ثلاث اصابع منفرجات الى شبر إلا ان ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة وقوله في صدرها " اصبعا اقل ذلك الى شبر " ربما نافى هذا الخبر. واجاب عنه شيخنا البهائي في الحبل المتين بانه لعل المراد به طول الاصبع لا عرضه. الظاهر من الصحيحة المذكورة ان التحديد بالاصبع الى قدر شبر انما هو في حال القيام واما حال الركوع فانه يكون بينهما قدر شبر، والمفهوم من كلام الاصحاب العموم.
[ 6 ]
قوله: " ثم قرأ الحمد بترتيل " الترتيل لغة التأني وتبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدها مأخوذ من قولهم " ثغر رتل ومرتل " إذا كان مفلجا وبه فسر قوله تعالى " ورتل القرآن ترتيلا " (1) وعن امير المؤنين (عليه السلام) (2) " انه حفظ الوقوف وبيان الحروف " اي مراعاة الوقف التام والحسن والاتيان بالحروف على الصفات المعتبرة من الهمس والجهر والاستعلاء والاطباق والغنة وامثالها، والترتيل بكل من هذين التفسيرين مستحب، ومن حمل الامر في الآية على الوجوب فسر الترتيل باخراج الحروف من مخارجها على وجه تتميز ولا يندمج بعضها في بعض. قوله " صبر هنيهة " في بعض نسخ الحديث " هنية " بضم الهاء وتشديد الياء بمعنى الوقت اليسير تصغير " هنة " بمعنى الوقت، وربما قيل " هنيهة " بابدال الياء هاء واما " هنيئة " بالهمزة فغير صواب نص عليه في القاموس، كذا افاد شيخنا البهائي في الحبل المتين إلا ان شيخنا المجلسي نقل ان اكثر النسخ هنا بالهمزة وفي المجالس وبعض نسخ التهذيب بالهاء. قوله " بقدر ما يتنفس " في بعض النسخ " بقدر ما تنفس " فيكون الضمير راجعا له (عليه السلام) وفى بعضها " يتنفس " بالمضارع المبني للمجهول، وفيه دلالة على استحباب السكتة بعد السورة وان حدها بقدر النفس، قال في الذكرى: من المستحبات السكوت إذا فرغ من الحمد والسورة وهما سكتتان لرواية اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) المشتملة على ان ابي بن كعب قال " كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) سكتتان: إذا فرغ من ام القرآن وإذا فرغ من السورة " وفي رواية حماد تقدير السكتة بعد السورة بنفس. وقال ابن الجنيد روى سمرة وابي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله) (4) ان السكتة الاولى بعد تكبيرة الافتتاح والثانية بعد
(1) سورة المزمل الآية 4 (2) الوافى باب سائر احكام القراءة (3) الوسائل الباب 46 من القراءة (4) تيسير الوصول ج 2 ص 229
[ 7 ]
الحمد، ثم قال والظاهر استحباب السكوت عقيب الحمد في الاخيرتين قبل الركوع وكذا عقيب التسبيح. انتهى. وسيجئ تمام الكلام في ذلك ان شاء الله تعالى في مستحباب القراءة. قوله " ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الاصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه " ربما نافاه قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة المتقدم " ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك ولكن تحرفهما عن ذلك شيئا " والجواب عن ذلك ما افاده شيخنا البهائي (عطرالله مرقده) قال: وقوله (عليه السلام) " ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك " اي لا تجعلهما في نفس قبلة الركبتين بل احرفهما عن ذلك قليلا. ولا ينافي هذا ما في حديث حماد من انه (عليه السلام) بسط كفيه بين يدي ركبتية لان المراد بكون الشيئ بين اليدين كونه بين جهتي اليمين والشمال وهو اعم من المواجهة الحقيقية والانحراف اليسير الى احد الجانبين ويستعمل ذلك في كل من المعنيين. فاستعمل في هذا الحديث في الاول وفى الآخر في الثاني، قال صاحب الكشاف في قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " (1) حقيقة قولهم: " جلست بين يدي فلان " ان يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا كما يسمى الشيئ باسم غيره إذا جاوره وداناه. انتهى قوله " فصلى ركعتين على هذا " قال شيخنا في البحار قال الشيخ البهائي (قدس
سره) هذا يعطي انه (عليه السلام) قرأ سورة التوحيد في الركعة الثانية ايضا وهو ينافي ما هو المشهور بين اصحابنا من استحباب مغايرة السورة في الركعتين وكراهة تكرار الواحدة فيهما إذا احسن غيرها كما رواه علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) ويؤيده ما مال إليه بعضهم من استثناء سورة الاخلاص من هذا الحكم وهو جيد
(1) سورة الحجرات الآية 1 (2) الوسائل الباب 6 من القراءة في الصلاة
[ 8 ]
ويعضده ما رواه زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) من " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى ركعتين وقرأ في كل منهما قل هو الله احد " وكون ذلك لبيان الجواز بعيد. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. قوله في صحيح زرارة " وبلع اطراف اصابعك عين الركبة " ضبطه شيخنا البهائي (زاده الله بهاء وشرفا) باللام المشددة والعين المهملة من البلع اي اجعل اطراف اصابعك بالعة عين الركبة، وقال: وهذا كما سيجيئ في بحث الركوع من قوله (عليه السلام) (2) " وتلقم باطراف اصابعك عين الركبة " اي تجعل عين الركبة كاللقمة لاطراف الاصابع. وربما يقرأ " وبلغ " بالغين المعجمة وهو تصحيف. انتهى. قوله في الحديث المذكور " واقبضهما اليك قبضا " قال شيخنا البهائي (قدس سره) ولعل المراد بقبض الكفين في قوله (عليه السلام) " واقبضهما اليك قبضا " انه إذا رفع رأسه من السجدة الاولى ضم كفيه إليه ثم رفعهما بالتكبير لا انه برفعهما بالتكبير وعن الارض برفع واحد، وفى كلام الشيخ الجليل علي بن بابويه (قدس سره) ما يفسر ذلك فانه قال: إذا رفع رأسه من السجدة الاولى قبض يديه إليه قبضا فإذا تمكن من الجلوس رفعهما بالتكبير. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. وفى نظري القاصر ان ما ذكره في معنى العبارة المذكورة لا يخلو من بعد وقياسه على عبارة الشيخ المذكور قياس مع الفارق فان سياق عبارة الخبر ان الامر بقبضهما إليه قبضا انما هو حال السجود فان ما قبل هذه الجملة وما بعدها كله في آداب حال السجود ولا تعلق له بالرفع من السجود، وحمل هذه الجملة من بين هذه الجمل التي قبلها وبعدها على
(1) الوسائل الباب 7 من القراءة في الصلاة (2) يشير " قدس سره " الى صحيح زرارة الذي سيذكره المصنف " قدس سره " في مستحبات الركوع والمروي في الوسائل في الباب 1 من ابواب الركوع وقد ضبطه هناك كذلك كما في التهذيب ج 1 ص 156.
[ 9 ]
المعنى الذي ذكره خروج عن ظاهر السياق والنظام بل من قبيل الالغاز الذي يبعد تصوره عن الافهام، ولا اشارة في هذه العبارة الى التكبير فضلا عن التصريح كما وقع التصريح به في عبارة الشيخ المذكور. واما عبارة الشيخ المذكور فانها صريحة في الرفع من السجود والتكبير بعده. ثم انه (قدس سره) كتب في الحاشية على هذا الموضوع: كان قدماء علمائنا (قدس الله ارواحهم) يحافظون على لفظ الرواية أو ما قرب منه في كتب الفروع. انتهى. اقول: مراده بهذا الكلام الاشارة الى ان الشيخ علي بن بابويه انما ذكر هذه العبارة اخذا من الحديث المذكور وان الشيخ المذكور فهم منه ما فهمه هو (قدس سره) وهو غلط محض (اما اولا) فلما ذكرناه. و (اما ثانيا) فلان كلام الشيخ المذكور انما اخذه من عبارة كتاب الفقه الرضوي على الطريقة التي عرفت في غير موضع مما تقدم حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1) " ثم ارفع رأسك من السجود واقبض اليك قبضا وتمكن من الجلوس.. الحديث " ومراده قبض يديه إليه قبضا بعد الرفع الى ان يجلس ولكنه لم يذكر التكبير بعد الجلوس كما ذكره الشيخ المذكور. والظاهر عندي من معنى الكلام المذكور في صحيحة زرارة انما هو قبض الكفين إليه حال السجود بمعنى ان لا يباعدهما عنه بل يدنيهما منه ويجعلهما محاذيين للمنكبين
كما تضمنته الرواية. وروى ثقة الاسلام (عطر الله مرقده) في الكافي عن زرارة (2) قال: " إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها ولا تفرج بينهما وتضم يديها الى صدرها لمكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تطأطئ كثيرا فترتفع عجيزتها، فإذا جلست فعلى الييها ليس كما يقعد الرجل، وإذا سقطت للسجود بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين ثم تسجد لاطئة بالارض، فإذا كانت في جلوسها ضمت فخذيها ورفعت
(1) ص 8 (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 10 ]
ركبتيها من الارض، واذ نهضت انسلت انسالالا لاترفع عجيزتها اولا " قال في الذكرى هذه الرواية موقوفة على زرارة لكن عمل الاصحاب عليها. انتهى. وروى في الكافي التهذيب عن ابن ابي يعفور في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا سجدت المرأة بسطت ذراعيها ". وعن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن جلوس المرأة في الصلاة ؟ قال تضم فخذيها ". وروى ابن بكير عن بعض اصحابنا (3) قال: " المرأة إذا سجدت تضممت والرجل إذا سجد تفتح ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (4): والمرأة إذا قامت الى صلاتها ضمت برجليها ووضعت يديها على صدرها من مكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها على فخذيها ولا تطأطئ كثيرا لئلا ترتفع عجيزتها، فإذا سجدت جلست ثم سجدت لاطئة بالارض فإذا ارادت النهوض تقوم من غير ان ترفع عجيزتها، فإذا قعدت للتشهد رفعت رجليها وضمت فخذيها. انتهى. اقول: قد ذكر الشيخ وجمع من الاصحاب ان حكم المرأة في الصلاة حكم الرجل إلا في الجهر والاخفات وفى مواضع اخرى مذكورة في صحيحة زراره. وروى في الكافي عن الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " إذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك منها ما اقبلت عليه ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثأب ولا تتمط ولا تكفر فأنما يفعل ذلك المجوس، ولا تلثم ولا تحتفز ولا تفرج كما يتفرج البعير ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع اصابعك فان ذلك كله نقصان من
(1) و (3) الوسائل الباب 3 من السجود (4) ص 9 (2) الوسائل الباب 1 من التشهد (5) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 11 ]
الصلاة، ولا تقم الى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا فانها من خلال النفاق فان الله تعالى نهى المؤمنين ان يقوموا الى الصلاة وهم سكارى (1) يعني سكر النوم. وقال للمنافقين: وإذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " (2). وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3): فإذا اردت ان تقوم الى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا ولا متناعسا ولا مستعجلا ولا متلاهيا ولكن تأتيها على السكون والوقار والتؤدة، وعليك بالخشوع والخضوع متواضعا لله عزوجل متخاشعا عليك خشية وسيماء الخوف راجبا خائفا بالطمأنينة على الوجل والحذر، فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه فصف قدميك وانصب نفسك ولا تلتفت يمينا ولا شمالا وتحسب كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك، ولا تعبث بلحيتك ولا بشيئ من جوارحك ولا تفرقع اصابعك ولا تحك بدنك ولا تولع بانفك ولا بثوبك، ولا تصل وانت متلثم، ولا يجوز للنساء الصلاة ومن متنقبات، ويكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما، واظهر عليك الجزع والهلع والخوف وارغب مع ذلك الى الله عزوجل ولا تنكئ مرة على رجلك ومرة على الاخرى، وتصلي صلاة مودع ترى انك لا تصلي ابدا واعلم انك بين يدي الجبار ولا تعبث بشي من الاشياء ولا تحدث لنفسك وافرغ قلبك
وليكن شغلك في صلاتك وارسل يديك الصقهما بفخذيك، فإذا افتتحت الصلاة فكبر وارفع يديك بحذاء اذنيك ولا تجاوز بابهاميك حذاء اذنيك، ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك ولا بأس بذلك في النافلة والوتر، فإذا ركعت فالقم ركبتيك راحتيك وتفرج بين اصابعك واقبض عليهما، وإذا رفعت رأسك من الركوع فانتصب قائما حتى ترجع مفاصلك كلها الى المكان ثم اسجد وضع جبينك على الارض وارغم على راحتيك واضمم اصابعك وضعهما مستقبل القبلة، وإذا جلست فلا تجلس
(1) سورة النساء الآية 46 (2) سورة النساء الآية 141 (3) ص 7
[ 12 ]
على يمينك لكن انصب يمينك واقعد على الييك، ولا تضع يديك بعضهما على بعض ولكن ارسلهما ارسالا فان ذلك تكفير اهل الكتاب، ولا تتمط في صلاتك ولا تتجشأ وامنعهما بجهدك وطاقتك، فإذا عطست فقل " الحمدالله " ولا تطأ موضع سجودك ولا تتقدم مرة ولا تتأخر اخرى، ولا تصل وبك شيئ من الاخبثين وان كنت في الصلاة فوجدت غمزا فانصرف إلا ان يكون شيئا تصبر عليه غير اضرار بالصلاة، واقبل على الله بجميع القلب وبوجهك حتى يقبل الله عليك، واسبغ الوضوء وعفر جبينيك في التراب، وإذا اقبلت على صلاتك اقبل الله عليك بوجهه وإذا اعرضت اعرض الله عنك. واروي عن العالم (عليه السلام) انه قال ربما لم يرفع من الصلاة إلا النصف أو الثلث أو السدس على قدر اقبال العبد على صلاته وربما لا يرفع منها شيئ ترد في وجهه كما يرد الثوب الخلق وتنادي ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني ولا يعطي الله القلب الغافل شيئا. وروى إذا دخل العبد في صلاته لم يزل الله ينظر إليه حتى يفرغ منها. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا احرم العبد في صلاته اقبل الله عليه بوجهه ويوكل به ملكا يلتقط القرآن من فيه التقاطا فان اعرض اعرض الله عنه ووكله الى الملك. انتهى كلامه في الكتاب المذكور. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصلاة تشتمل على الواجب والمستحب ونحن نذكر سياقها حسب ما ذكره اصحابنا (رضوان الله عليهم) من جعل مطرح البحث فيها الواجبات الثمانية المشهورة ونزيد بذكر القنوت في اثنائها وان كان مستحبا عندنا، وننبه على مستحباتها كل في موضعه من غير ان نفردها بعنوان على حدة كما فعله جملة من الاعلام فان هذا اليق بالترتيب والنظام، ونفرد ذكر الاخيرتين بالبحث على حدة لا كما ذكره اصحابنا من جعله في بحث القراءة والسبب في مخالفتنا لهم في ذلك هو ان الظاهر انهم انما جعلوه في بحث القراءة من حيث ان القراءة في الاخيرتين هي الاصل عندهم والتسبيح انما هو فرع عليها كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، ونحن لما كان الظاهر عندنا ان الواجب في الاخيرتين انما هو
[ 13 ]
التسبيح اما عينا كما هو اختيار بعض متأخري متأخرينا (رضوان الله عليهم) أو تخييرا مع كونه الافضل كما هو المقطوع به من اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) كان افراد ذلك بالبحث هو الاليق بالترتيب والنظام كما لا يخفى على الفطن الاريب وجملة ذوي الافهام، ولطول البحث في المقام كما سنشرحه لك ان شاء الله تعالى بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام، ولما يتعلق بذلك من الاحكام الخاصة التي لم تحم حولها الاقلام وحينئذ فالكلام في هذا المقصد يقع في فصول عشرة: الفصل الاول في النية وقد تقدم البحث فيها في كتاب الطهارة في نية الوضوء بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام بتحقيق وتدقيق - يكشف نقاب الاجمال عنها الابهام بجميع احكامها ومتعلقاتها - للنصوص مطابق وللاخبار موافق ولكن لا بأس بنقل بعض كلماتهم في هذا المقام وبيان ما فيها من الاختلال وعدم الانتظام في سلك ذلك النظام: فنقول قال السيد السند (قدس سره) في مدارك الاحكام - بعد قول المصنف وحقيقتها استحضار صفة الصلاة في الذهن والقصد بها الى امور اربعة: الوجوب أو الندب
والقربة والتعيين وكونها اداء أو قضاء - ما لفظه: اعلم ان النية عبارة عن امر واحد بسيط وهو القصد الى الفعل لكن لما كان القصد الى الشئ المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة احضار ذاتها في الذهن مطلقا وصفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد الى فعل هذا المعلوم طاعة لله وامتثالا لامره. وقد احسن شيخنا الشيهد في الذكرى حيث قال بعد ان ذكر نحو ذلك: وتحقيقه انه إذا اريد نية الظهر مثلا فالطريق إليها احضار المنوي بمميزاته عن غيره في الذهن فإذا حضر قصد المكلف الى ايقاعه تقربا الى الله تعالى، وليس فيه ترتيب بحسب التصور وان وقع ترتيب فانما هو بحسب التعبير عنه بالالفاظ إذ من ضرورتها ذلك، فلو ان مكلفا احضر في ذهنه الظهر الواجبة المؤداة
[ 14 ]
ثم استحضر قصد فعلها تقربا وكبر كان ناويا. إذا عرفت ذلك فنقول انه يعتبر في نية الصلاة القربة وهي الطاعة لله، ثم ساق الكلام في تلك الامور الاربعة التي ذكرها المصنف بنقض وإبرام، الى ان قال. وبالجملة فالمستفاد من الادلة الشرعية سهولة الخطب في امر النية وان المعتبر فيها قصد الفعل المعين طاعة لله تعالى خاصة، وهذا القدر امر لا يكاد ينفك عنه عاقل متوجه الى ايقاع العبادة ومن هنا قال بعض الفضلاء لو كلف الله تعالى بالصلاة أو غيرها من العبادات بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق. وقال بعض المحققين لولا قيام الادلة على اعتبار القربة وإلا لكان ينبغي ان يكون هذا من باب " اسكتوا عما سكت الله عنه " (1) وذكر الشهيد (قدس سره) في الذكرى ان المتقدمين من علمائنا ما كانوا يذكرون النية في كتبهم الفقهيه بل كانوا يقولون اول واجبات الوضوء غسل الوجه واول واجبات الصلاة تكبيرة الاحرام. وكأن وجهه ان القدر المعتبر من النية امر لا يكاد يمكن الانفكاك عنه وما زاد عليه فليس بواجب، ومما يؤيد ذلك عدم ورود النية في شئ من العبادات على الخصوص بل خلو الاخبار الواردة في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) وغسله وتيممه (2) من ذلك، وكذا الرواية المتضمنة لتعليم الصادق (عليه السلام) (3) لحماد الصلاة حيث قال فيها: انه (عليه السلام) قام واستقبل القبلة وقال بخشوع " الله اكبر " ولم يقل فكر في النية ولا تلفظ بها ولا غير ذلك من هذه الخرافات المحدثة، ويزيده بيانا ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.. " ثم ساق الرواية كما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى.
(1) الشهاب في الحكم والآداب ص 15 وارجع ايضا الى ج 1 ص 156 (2) الوسائل الباب 15 من الوضوء و 32 من الجنابة و 11 من التيمم (3) ص 2 (4) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام
[ 15 ]
اقول: لقد اجاد في هذا الكلام الاخير بما افاد وطابق السداد لكنة ناقض نفسه في ما صدر به الكلام وايده بما استحسنه من كلام الذكرى في ذلك المقام وكذا بما ذكره بعد ذلك في مسألة مقارنة النية حيث احتذى حذو اولئك الاعلام. وتوضيح ذلك ان مقتضى كلامه الاول الذي في صدر البحث انه لابد من احضار المنوي اولا في الذهن بجميع مميزاته عن غيره فإذا احضر قصد الى ايقاعه تقربا الى الله تعالى، ولا ريب في مدافعته لما ذكره اخيرا بقوله " وبالجملة فالمستفاد من الادلة الشرعية.. الى آخر الكلام " فان مقتضى الكلام الاول كما عرفت انه لابد لقاصد الصلاة عند التكبير من احضار ذاتها وتصورها وتصور صفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد بعد ذلك الى فعل هذا المعلوم طاعة لله، فلابد على هذا من زمان يحصل فيه هذا التصور والاستحضار وملاحظة المميزات وتخليصها من شباك وساوس ابليس وما يوقعه في ذلك الوقت من الوسوسة والتلبيس حتى يكبر بعده، واين هذا من مقتضى الكلام الاخير من ان النية امر جبلي لا ينفك عنه العاقل حتى لو كلف الله العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطلق، ثم ايد ذلك بعدم ذكر النية في كلام المتقدمين وكذا في الاخبار ؟
وعلى هذا فاين ما ذكره اولا من وجوب احضار المنوي في ذلك الوقت واين تصوره وتصور مميزاته ثم القصد إليه وانه لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بعد هذه التصورات ونحوها مما اعترف اخيرا بانه من الخرافات ؟ وبالجملة فان ظاهر كلامه الاخير يعطي ان ما ذكره اولا من جملة تلك الخرافات التي اشار إليها وان كانت اقل مما ذكره غيره. وتحقيق هذا المقام بما لا يحوم حوله النقض والابرام وان تقدم في كتاب الطهارة كما اشرنا إليه إلا انه ربما تعذر على الناظر في هذا المقام الرجوع إليه لعدم وجود الكتاب عنده مع ان ما ذكرناه هنا فيه مزيد ايضاح على ما تقدم: فنقول وبالله سبحانه الثقة والهداية لادارك المأمول ونيل المسؤول: لا ريب ان افعال العقلاء كلها من عبادات وغيرها لا تصدر إلا عن تصور الدواعي الباعثة على الاتيان
[ 16 ]
بها وهي المشار إليها في كلامهم بالعلل الغائية، مثلا - يتصور الانسان ان دخوله على زيد وزيارته له وخدمته له موجب لاكرامه له، وكتابة هذا الكتاب موجب لانتفاعه به، وتزويجه امرأة موجب لكسر الشهوة الحيوانية أو حصول النسل، ونحو ذلك من الدواعي الحاملة على الافعال، فإذا تصورت النفس هذه الاغراض انبعث منها شوق الى جذبها وتحصيلها فقد يتزايد هذا الشوق ويتأكد ويسمى بالارادة، فإذا انضم الى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك العضلات الى ايقاع تلك الافعال وايراد ها وتحركت الى اصدارها وايجادها لاجل غرضها الذي تصورته اولا، فانبعاث النفس وتوجهها وقصدها الى ما فيه غرضها هو النية، نعم قد يحصل بسبب تكرار الفعل والاعتياد عليه نوع ذهول عن تلك العلة الغائية الحاملة على الفعل إلا ان النفس بادنى توجه والتفات تستحضر ذلك كما هو المشاهد في جملة افعالنا المتكررة منا، وحينئذ فليست النية بالنسبة الى الصلاة إلا كغيرها من سائر افعال المكلف من قيامه وقعوده واكله وشربه ومغداه ومجيئه ونكاحه ونومه ونحو ذلك من الافعال التي تتكرر منه، ولا ريب ان كل عاقل غير غافل ولا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الافعال إلا بقصد ونية سابقة عليه مع انه لا يتوقف شئ من ذلك على هذا الاستحضار الذي ذكروه والتصوير الذي صوروه. وان اردت مزيد ايضاح لما قلناه فانظر الى نفسك إذا كنت جالسا في مجلسك ثم دخل عليك رجل عزيز حقيق بالقيام له تواضعا ففي حال دخوله قمت له اجلالا واكراما كما هو الجاري في رسم العادة فهل يجب عليك ان تتصور اولا في ذهنك وخيالك معنى من المعاني وقصدا من القصود بان تقصد اني اقوم لهذا الرجل اجلالا له واعظاما لقدره وإلا لكان قيامك وتواضعك بغير نية فلا يسمى تواضعا ولا تستحق عليه مدحا ولا ثوابا ام يكفي مجرد قيامك في تلك الحال وبصدق انه وقع منك التعظيم له والاجلال ؟ وهذا شأن الصلاة وان المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا وهو عالم بوجوب ذلك
[ 17 ]
الفرض عليه وعالم بكيفيته وكميته وكان الحامل له على الاتيان به هو التقرب الى الله عزوجل ثم قام من مكانه وسارع الى الوضوء ثم توجه الى مسجده ووقف في مصلاه واذن واقام ثم قال " الله اكبر " ثم استمر في صلاته فان صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية، وهذا هو الذي دلت عليه الاخبار كما اشار إليه في آخر كلامه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي اوقع الناس بالنسبة الى النية في شباك الوسواس الخناس هو ان جملة من المتأخرين عرفوا النية شرعا بانها القصد المقارن للفعل، قالوا فلو تقدمت عليه ولم تقارنه سمى ذلك عزما لانية، ثم اختلفوا في المقارنة فما بين من فسرها بامتداد النية بامتداد التكبير وما بين من فسرها بجعل النية بين الالف والراء وما بين من فسرها بان يأتي بالنية اولا ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل بينهما وهذا كله يعطي ان مرادهم بالنية انما هو الكلام النفسي والتصوير الفكري الذي يحدثه المكلف في نفسه ويتصوره في فكره بما يترجمه قوله " اصلي فرض الظهر - مثلا - اداء لوجوبه قربة الى الله تعالى " وقد عرفت ان النية ليست حقيقة إلا ما ذكرناه اولا، وبذلك يظهر لك
ما في كلامه الاول من قوله: " لكن لما كان القصد الى الشئ المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة احضار ذاتها.. الى آخره " من عدم الملازمة فانا لا نمنع من وجوب القصد ومعرفة المقصود بجميع ما يتوقف عليه ولكنا نقول ان الجميع قد صار معلوما للمكلف قبل ذلك فمتى دخل عليه الوقت وقام قاصدا للصلاة على الوجه الذي قدمناه فانه يكفي مجرد ذلك القصد والعلم الاولين لاستمراره عليهما وعدم تحوله عنهما فلا يتوقف على استحضار آخر كما في سائر افعال المكلف، ولافرق بين سائر افعاله، وبين عبادته إلا باعتبار اشتراط القربة في العبادة وهو لا يوجب هذا الاستحضار بل هو كاصل النية مستحضر من اول الامر مقارن له غير مفارق. وكأنهم توهموا انه ما لم يحصل الاستحضار المذكور والمقارنة بهذه النية التي ذكروها يصير الدخول في الصلاة عاريا عن النية لان النية السابقة غير كافية عندهم لا مكان
[ 18 ]
تجدد الغفلة بعدها فيصير الفعل بغير نية. وفيه - مع قطع النظر عن انه لا يكون كليا - انه ليس العبادة إلا كسائر افعال المكلف كما عرفت والقدر المعلوم فيها هو ما ذكرناه لا ما ذكروه، فانه لا يجب في جملة الافعال بعد تصور الدواعي الحاملة عليها ان يكون ذلك حاضرا في باله وجاريا على خياله لا يغيب عن تصوره في تلك المدة فانه وان زال لكن الذهن متى التفت إليه وجده كذلك وان اشتغل بفكر آخر أو كلام في البين فانه لا ينافي حضور ذلك في باله. قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين - ونعم ما قال - انه لما كانت النية عبارة عن القصد الى الفعل بعد تصور الداعي والحامل عليه - والضرورة قاضية بما نجده في سائر افعالنا بانه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد والداعي في اثناء الفعل بحيث انا لو رجعنا الى وجداننا لرأينا النفس باقية على القصد الاول ومع ذلك لا نحكم على انفسنا ولا يحكم عليكم علينا غيرنا بان ما فعلناه وقت الذهول والغفلة بغير نية وقصد بل المعلوم انه اثر ذلك القصد والداعي السابقين - كان الحكم في العبادة كذلك إذ ليس العبادة إلا كغيرها من الافعال الاختيارية للمكلف والنية ليست إلا عبارة عما ذكرناه. انتهى وهو جيد رشيق. هذا، واما باقي الابحاث المتعلقة بالنية في هذا المقام مما ذكره اصحابنا (رضوان الله عليهم) فقد تقدم الكلام فيه في بحث نية الوضوء مستوفى فليراجع. الفصل الثاني في تكبيرة الاحرام وفيه مسائل: (الاولى) لا خلاف بين الاصحاب بل اكثر علماء الاسلام في ان تكبيرة الاحرام جزء من الصلاة وركن فيها تبطل الصلاة بتركها عمدا وسهوا.
[ 19 ]
ويدل على ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد " وما رواه في الكافي عن ابي العباس البقباق وابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزئه تكبيرة الركوع ؟ قال لا بل يعيد صلاته إذا حفظ انه لم يكبر ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اقام الصلاة ونسى ان يكبر افتتح الصلاة ؟ قال يعيد الصلاة ". وعن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهم السلام) (4) " في الذي يذكر انه لم يكبر في اول صلاته ؟ فقال إذا استيقن انه لم يكبر فليعد ولكن كيف يستيقن ". وعن ذريح في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5): " سألته عن الرجل ينسى ان يكبر حتى قرأ ؟ قال يكبر ". وعن الحسن بن علي بن يقطين عن اخيه عن ابيه في الصحيح (6) قال: " سألت
ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يفتتح الصلاة حتى يركع ؟ قال يعيد الصلاة " وفى الموثق عن عمار (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة ؟ قال يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح.. الحديث " فهذه جملة من الاخبار الصريحة في الدلالة على المطلوب إلا انه قد ورد ايضا بازائها ما يدل على خلاف ذلك: ومنه - ما رواه الشيخ والصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) قال: " سألته عن رجل نسى ان يكبر حتى دخل في الصلاة ؟ فقال أليس
(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الاحرام
[ 20 ]
كان من نيته ان يكبر ؟ قلت نعم. قال فليمض في صلاته ". وما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: " الانسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح ". وما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح عن احمد بن محمد ابي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " قلت له رجل نسى ان يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع ؟ فقال اجزأه ". وما رواه الشيخ عن ابي بصير في الموثق أو الضعيف أو الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة ونسى ان يكبر فبدأ بالقراءة ؟ فقال ان ذكرها وهو قائم قبل ان يركع فليكبر وان ركع فليمض في صلاته ". وما رواه في الفقيه في الصحيح وكذا في التهذيب في الصحيح ايضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " قلت له الرجل ينسى اول تكبيرة من الافتتاح ؟ فقال ان ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع وان ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبيرة قبل القراءة أو بعد القراءة. قلت فان ذكرها بعد الصلاة ؟ قال فيلقضها ولا شئ عليه ". واجاب الشيخ عن هذه الاخبار بالحمل على من لا يتيقن الترك بل شك فيه. اقول: وهذا الحمل وان امكن في بعضها ولو على بعد إلا انه في بعض آخر لا يخلو من تعسف والوجه على ما ظهر في ذلك انما هو الحمل على التقية وان لم يعلم به قائل منهم كما حققناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، لان عمل الطائفة المحقة على الاخبار الاولة فيتعين ان يكون ذلك مذهبهم (عليهم السلام) ولا وجه لهذه الاخبار بعد ذلك إلا ما قلناه لانها متى ثبتت عنهم والمعلوم من مذهبهم خلافها فلا وجه لخروجها عنهم إلا
(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام. (2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الاحرام
[ 21 ]
مجرد القاء الخلاف بين الشيعة في ذلك لدفع الشنعة عنهم كما تقدم تحقيقه في المقدمة المذكورة، على ان القول بذلك منقول عن جملة من المخالفين: منهم - الزهري والاوزاعي وسعيد بن المسيب الحسن وقتادة والحكم (1) فعل لمذهب هؤلاء شهرة وصيتا في ذلك الوقت اوجب خروج هذه الاخبار موافقة لهم، وقد نقل عنهم في المنتهى انه إذا اخل المصلي بتكبيرة الاحرام عامدا اعاد صلاته ولو اخل بها ناسيا اجزأته تكبيرة الركوع وكيف كان فالحمل فيها على ما ذكرناه متعين إذ ليس مع عدم ذلك إلا طرحها وردها لما عرفت من اجماع الطائفة على العمل بتلك الاخبار. والله العالم. (المسألة الثانية) - المشهور نصا وفتوى استحباب التوجه في اول الصلاة بست تكبيرات مضافة الى تكبيرة الاحرام وهي واجبة كما تقدم، وكيفية التوجه بالجميع ان يكبر ثلاثا ثم يدعو بالمرسوم ثم اثنتين ثم يدعو اثنتين ثم يتوجه. والمشهور بين الاصحاب انه يتخير في السبع ايها شاء نوى بها تكبيرة الاحرام فيكون ابتداء الصلاة بها، قال في المدارك: والمصلي بالخيار ان شاء جعلها الاخيرة واتى
بالست قبلها وان شاء جعلها الاولى واتى بالست بعدها وان شاء جعلها الوسطى، والكل حسن لان الذكر والدعاء لا ينافي الصلاة. ثم نقل عن الشهيد في الذكرى ان الافضل جعلها الاخيرة ثم قال ولا اعرف مأخذه. اقول: ما نقله عن الذكرى من جعلها الاخيرة قد صرح به الشيخ في المصابح وتبعه في ذلك جمع: منهم - شيخنا الشهيد (قدس سره) وغيره، وربما كان منشأ ذلك كون دعاء التوجه بعدها. وفيه انه لا يصلح دليلا لذلك. ثم اقول: الظاهر عندي من التأمل في اخبار المسألة انها الاولى خاصة، وممن تفطن الى ذلك من محققي متأخرى المتأخرين شيخنا البهائي في حواشي الرسالة الاثنى عشرية والمحدث الكاشاني في الوافي والسيد الفاضل المحدث السيد نعمة الله الجزائري بل صرح بتعيين الاولى لذلك.
(1) عمدة القارئ ج 3 ص 2 عن الزهري الاكتفاء بنية التكبير وعن الباقين القول بالاستحباب
[ 22 ]
ومن الاخبار الدالة على ذلك صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.. الحديث ". والتقريب فيه ان الافتتاح انما يصدق بتكبيرة الاحرام والواقع قبلها من التكبيرات بناء على ما زعموه ليس من الافتتاح في شئ، وتسمية ما عدا تكبيرة الاحرام بتكبيرات الافتتاح انما يصدق بتأخيرها عن تكبيرة الاحرام التي يقع بها الافتتاح حقيقة والدخول في الصلاة وإلا كان من قبيل الاقامة ونحوها مما يقدم قبل الدخول في الصلاة. ومما يدل على ذلك باوضح دلالة صحيحة زرارة (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) الذي يخاف اللصوص والسبع يصلي صلاة المواقفة ايماء.. الى ان قال ولا يدور الى القبلة ولكن اينما دارت دابته غير انه يستقبل القبلة باول تكبيرة حين يتوجه ". ومما يدل على ذلك صحيح زرارة الوارد في علة استحباب السبع بابطاء الحسين (عليه السلام) عن الكلام (3) حيث قال فيه " فافتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلاة فكبر الحسين (عليه السلام) فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) تكبيره عاد فكبر وكبر الحسين (عليه السلام) حتى كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع تكبيرات وكبر الحسين (عليه السلام) فجرت السنة بذلك ". والتقريب فيه ان التكبير الذي كبره (صلى الله عليه وآله) هو تكبيرة الاحرام التي وقع الدخول بها في الصلاة لاطلاق الافتتاح عليها والعود الى التكبير ثانيا وثالثا انما وقع لتمرين الحسين (عليه السلام) على النطق كما هو ظاهر السياق.
(1) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف (3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 23 ]
وروى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس (عطر الله مرقده) في كتاب فلاح السائل هذه القصة عن الحسن (عليه السلام) (1) قال في الحديث الذي نقله: " فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) حامله على عاتقه وصف الناس خلفه واقامه عن يمينه فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وافتتح الصلاة فكبر الحسن (عليه السلام) فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) واهل بيته تكبير الحسن (عليه السلام) عاد فكبر وكبر الحسن حتى كبر سبعا فجرت بذلك سنة بافتتاح الصلاة بسبع تكبيرات " وهو اوضح من ان يحتاج الى بيان. ومما يدل على ذلك ايضا صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " قلت الرجل ينسى اول تكبيرة من الافتتاح.. الحديث المتقدم (2) في سابق هذه المسألة " وهو صريح في ان تكبيرة الاحرام هي الاولى. ولا ينافي ذلك اشتمال الخبر على ما لا يقول به الاصحاب كما عرفت فانه يجب
ارتكاب التأويل في موضع المخالفة كما في غيره، وقد صرحوا بان رد بعض الخبر لمعارض اقوى لا يمنع من العمل بما لا معارض له وما هو إلا كالعام المخصوص والمطلق المقيد في العمل بالباقي بعد التخصيص والتقييد. فائدة من الاخبار الواردة في قضية الحسين (عليه السلام) ايضا ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حفص - والظاهر انه ابن البختري - عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في الصلاة والى جانبه الحسين بن علي (عليهما السلام) فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يحر الحسين
(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من تكبيرة الاحرام (2) ص 20 (3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 24 ]
(عليه السلام) التكبير ثم كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يحر الحسين التكبير ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر ويعالج الحسين (عليه السلام) التكبير فلم يحر حتى أكمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع تكبيرات فاحار الحسين (عليه السلام) التكبير في السابعة فقال أبو عبد الله (عليه السلام) فصارت سنة " بيان: قال في الوافي المحاورة المجاوبة والتحاور التجاوب، يقال كلمته فما احار لي جوابا، ولعل المراد ان الحسين (عليه السلام) وان كبر في كل مرة إلا انه لم يفصح بها إلا في المرة الاخيرة، وبهذا يجمع بين الخبرين الاخيرين. انتهى. بقى الكلام في انهم (عليهم السلام) ينطقون ساعة الولادة كما وردت به الاخبار فكيف يمتنع عليهم النطق في هذه الصورة ؟ واجاب عنه في البحار بانه لعل ذلك كان عند الناس وان التخوف كان من الناس لا منه (صلى الله عليه وآله). اقول: وفيه بعد ويمكن ان يقال لا يخفى على المتأمل في اخبارهم والمتطلع في احوالهم انهم (عليه السلام) في مقام اظهار المعجز لهم حالات غير حالات الناس واما في غير ذلك فانهم يقدرون انفسهم بالناس في صحة ومرض وغناء وفقر ونزول بلاء ونحو ذلك، وهذا من جملته فانهم (عليهم السلام) لا ينطقون إلا إذا انطقهم الله تعالى كما ينطق سائر الصبيان ولا يطلبون منه إلا ما يقدره ويرده فليس لهم ارادة زائدة على ارادته تعالى بهم (عليهم السلام) وان كانوا لو شاءوا لفعلوا ما يريدون. وهذا هو الجواب الحق في المقام لا يعتريه نقض ولا ابرام. ثم ان من العلل الواردة في هذه التكبيرات الست المذكورة ما رواه في الفقيه عن هشام بن الحكم عن ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) وهي " ان النبي (صلى الله عليه وآله) لما اسرى به الى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل حجاب تكبيرة فاوصله الله تعالى بذلك الى منتهى الكرامة ".
(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 25 ]
قال في الفقيه (1) ايضا: وذكر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) لذلك علة اخرى وهي انه انما صارت التكبيرات في اول الصلاة سبعا لان اصل الصلاة ركعتان واستفتاحهما بسبع تكبيرات: تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع وتكبيرتي السجدتين وتكبيرة الركوع في الثانية وتكبيرتي السجديتن، فإذا كبر الانسان في اول صلاته سبع تكبيرات ثم نسى شيئا من تكبيرات الافتتاح من بعد أو سها عنها لم يدخل عليه نقص في صلاته. قال في الوافي: لعل المراد باستفتاح الركعتين بالسبع التكبيرات التي يستفتح بها كل فعل ولهذا لم يعد منها الاربع التي بعد الرفع من السجدات. انتهى. وهو جيد. قال في الفقيه بعد ذكر هذه الاخبار كملا: وهذه العلل كلها صحيحة وكثرة العلل للشئ تزيده تأكيدا ولا يدخل هذا في التناقض. انتهى. تتميم
من العجب في هذا المقام ما وقع لشيخنا المجلسي ووالده (عطر الله مرقديهما) من الكلام المنحل الزمام والمختل النظام حيث قال في كتاب البحار: وظاهر خبر الحسين (عليه السلام) ان النبي (صلى الله عليه وآله) جعلها الاولى ولهذا ذهب بعض المحدثين الى ان تعيين الاولى متعين. ويمكن المناقشة فيه بان كون اول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذا الحكم، مع ان العلل الواردة فيها كثيرة وسائر العلل لا يدل على شئ. وكان الوالد (قدس سره) يميل الى ان يكون المصلي مخيرا بين الافتتاح بواحدة وثلاث وخمس وسبع ومع اختيار كل منها يكون الجميع فردا للواجب المخير كما قيل في تسبيحات الركوع والسجود. وهذا اظهر من اكثر الاخبار كما لا يخفى على المتأمل فيها بل بعضها كالصريح في ذلك. وما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الافتتاح ان
(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 26 ]
ارادوا نية الصلاة فهي مستمرة من اول التكبيرات الى آخرها، مع انهم جوزوا تقديم النية في الوضوء عند غسل اليدين لكونه من مستحبات الوضوء فاي مانع من تقديم نية الصلاة عند اول التكبيرات المستحبة فيها ؟ وان ارادوا نية كونها تكبيرة الاحرام فلم يرد ذلك في خبر، وعمدة الفائدة التي تتخيل في ذلك جواز ايقاع منافيات الصلاة في اثناء التكبيرات، وهذه ايضا غير معلومة إذ يمكن ان يقال بجواز ايقاع المنافيات قبل السابعة وان قارنت نية الصلاة الاولى لان الست من الاجزاء المستحبة أو لانه لم يتم الافتتاح بعد بناء على ما اختاره الوالد (قدس سره) لكنهم نقلوا الاجماع على ذلك، وتخيير الامام في تعيين الواحدة التي يجهر بها يومى الى ما ذكروه إذ الظاهر ان فائدة الجهر علم المأمومين بدخول الامام في الصلاة، والاولى والاحوط رعاية الجهتين معا بان يتذكر النية عند كل واحدة منها ولا يوقع مبطلا بعد التكبيرة الاولى، ولولا ما قطع به الاصحاب من بطلان الصلاة إذا قارنت النية تكبيرتين منها لكان الاحوط مقارنة النية للاولى والاخيرة معا. انتهى. اقول: فيه من المناقشات الدالة على بطلانه وانهدام اركانه ما لا يحصى ولا يعد إلا انا نذكر ما خطر بالبال على سبيل الاستعجال. فنقول: اما قوله " ويمكن المناقشة فيه بان كون اول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذ الحكم " فان فيه انه لا ريب ان العبادات الشرعية مبنية على التوقيف عن صاحب الشريعة كما اعترف به هو وغيره فإذا علم من الشارع انه جعل الاولى من هذه التكبيرات للاحرام وابتداء الصلاة وافتتاحها فانه يلزم استمرار الحكم بذلك حتى يثبت النسخ لهذا الحكم ويقوم دليل اقوى على الخروج عنه. واما قوله: " مع ان العلل الواردة فيها كثيرة وسائر العلل لا يدل على شئ " ففيه (اولا) ان هذه العلل انما هي للتكبيرات الزائدة لا تعلق لها بتكبيرة الاحرام. و (ثانيا) ان خلوا الاخبار الدالة على بعض تلك العلل من هذا الحكم وكونها مجملة في
[ 27 ]
ذلك لا ينافي ما بين فيه الحكم المذكور كهذا الخبر، ومقتضى القاعدة حمل اجمال تلك الاخبار على هذا الخبر، على ان الدلالة على ما ذهب إليه القائل بالتعيين لا ينحصر في هذ الخبر كما توهمه بل هو مدلول اخبار عديدة كما عرفت. واما ما نقله عن ابيه - وان كان ظاهره تأييده وتشييده حمية لوالده - فهو في البطلان اظهر من ان يحتاج الى بيان كما لا يخفى على ذوي الافهام والاذهان إلا انا نشرح ذلك بوجه يظهر منه البطلان كالعيان لكل انسان: وذلك (اولا) ان كلامه مبني على التخيير كما هو المشهور في كلام الاصحاب وقد عرفت ان النصوص على خلافه. و (ثانيا) انه لا يخفى على من احاط خبرا بالاخبار وجاس خلال تلك الديار ان المستفاد منها على وجه لا يداخله الشك والانكار ان الافتتاح والدخول في الصلاة انما هو بتكبيرة واحدة لا باكثر وهي التي مضى عليها الناس في صدر الاسلام برهة من الازمان
والاعوام، وما عداها فانما يزيد استحبابا للعلل المذكورة في الاخبار وان استصحب استحبابها في جميع الادوار والاعصار فهي ليست من الافتتاح والتحريم حقيقة في شئ وان سميت بذلك مجازا للمجاورة بالتقريب المتقدم، وقد تقدم لك في صدر الفصل من الروايات الظاهرة في وحدة تكبيرة الاحرام قوله في صحيحة زرارة (1) " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد " وقوله (عليه السلام) (2) في مرسلة الفقيه " الانسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح " وقوله في صحيحة البزنطي (3) " رجل نسى ان يكبر تكبيرة الافتتاح " وفي صحيحة زرارة (4) " ينسى اول تكبيرة من الافتتاح " وفي جملة من الاخبار (5) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان اوجز الناس في الصلاة كان يقول الله اكبر بسم الله الرحمن الرحيم " الى غير ذلك من
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام (3) و (4) ص 20 (5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام
[ 28 ]
الاخبار فانها صريحة في كون الافتتاح انما هو بواحدة، وما اجمل في الاخبار فهو محمول على ذلك جريا على القاعدة المعلومة. و (ثالثا) ان ما ذكره تشريع ظاهر لان المعلوم مما قدمناه في الوجه الثاني وكذا عن النبي (صلى الله عليه وآله) قبل حصول هذه العلة الموجبة للزيادة انما هو تكبيرة واحدة يحرم بها وهي المشار إليها بقولهم (1) " تحريمها التكبير " ثم انه زاد هذه التكبيرات الست اخيرا للعلل المذكورة فصارت مستحبة في الصلاة كزيادة النوافل التي زادها لمولد الحسنين وفاطمة (صلوت الله عليهم) كما تقدم في بحث الاوقات (2) وجرت بذلك السنة ولا مدخل لها في التحريم والافتتاح بل هي اذكار مستحبة في هذا المكان، ويشير الى ذلك ما تقدم (3) في حديث الحسين (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) " فجرت السنة بذلك " ومثله في صحيحة حفص في قضية الحسين (عليه السلام) (4) إلا ان فيه ان الحسين لم يكبر إلا في السابعة، قال (عليه السلام) في تمام الحديث " فصارت سنة " ويعضده ما تقدم في الاخبار من الدلالة على وحدة تكبيرة الاحرام، وحينئذ فإذا كان المعلوم من صاحب الشريعة ان التكبير الواجب انما هو تكبيرة واحدة وهي التي تعقد بها الصلاة فالزيادة عليها تشريع محض، ومجرد استحباب هذه التكبيرات في هذا الموضع لا يوجب جعلها في هذه المرتبة بل تصريحهم (عليهم السلام) باستحبابها دليل على عدم وجوبها والاستفتاح في الصلاة بها كالتكبيرة الاصلية غاية الامر انه قد اشتبه على اصحابنا بعد زيادة هذه الست وصيرورة التكبيرات سبعا محل تكبيرة الاحرام منها هل هي اولا أو اخيرا أو وسطا ؟ فقالوا بالتخيير لذلك، وبالتأمل في اخبارهم (عليه السلام) يعلم انها الاولى وان الزيادة وقعت بعدها كما قدمنا بيانه واوضحنا برهانه. وبذلك يظهر لك ما في قياسه ذلك على تسبيح الركوع والسجود فانه قياس مع الفارق وتشبيه غير مطابق، فان التخيير ثمة ثابت ومعلوم نصا وفتوى واما هنا فقد
(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) ج 6 ص 58 (3) و (4) ص 22 و 23
[ 29 ]
عرفت على ما اخترناه قيام الدليل على التعيين في التكبيرة الاولى واما على ذكره الاصحاب فقد عرفت ان معناه التخيير في واحدة من هذه السبع ايها يريد جعلها تكبيرة الافتتاح لعدم معلومية محلها بعد شرع الست معها لا بمعنى التخيير بين ان يجعل الاحرام بواحدة أو ثلاث أو سبع كما ذكره فانه منه عجيب، واعجب منه قوله " وهذا اظهر من اكثر الاخبار وبعضها كالصريح في ذلك " والظاهر انه اشار بذلك الى حسنة الحلبي المتقدمة وقوله فيها " إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم انت الملك الحق.. الخبر " وفيه ان سياق الخبر انما هو في ذكر الادعية الموظفة بين التكبيرات السبع وبيان محالها، والحديث كما قدمنا ظاهر في كون التحريم وقع بالتكبيرة الاولى وهي التي افتتح بها والتكبيرتان اللتان بعدها انما ضما إليها لبيان وقوع الدعاء المذكور بعد الثلاث لانك قد عرفت من الاخبار المتقدمة وما حققناه آنفا وحدة تكبيرة الاحرام، فتوهم كون الثلاث هنا للاحرام كما ظنه توهم بارد وانما العلة
في ذلك هو ما ذكرناه. ولعل من مواضع الشبهة ايضا عنده ما في حسنة زرارة (1) من قوله (عليه السلام) " ادنى ما يجزئ من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة وثلاث تكبيرات احسن وسبع افضل " وقوله في صحيحة الحلبي (2): " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اخف ما يكون من التكبير في الصلاة ؟ قال ثلاث تكبيرات " وقوله (عليه السلام) في رواية ابي بصير (3) " إذا افتتحت الصلاة فكبر ان شئت واحدة وان شئت ثلاثا وان شئت خمسا وان شئت سبعا فكل ذلك مجزئك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة ". وانت خبير بان مطرح هذه الاخبار والغرض منها انما هو بيان الرخصة في هذه
(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام
[ 30 ]
التكبيرات الست المستحبة بتركها والاقتصار على تكبيرة الافتتاح أو الاتيان بثلاث منها تكبيرة الافتتاح ونحو ذلك من الاعداد المذكورة لا ان المعنى انه يحصل الافتتاح بكل من هذه الاعداد فيكون واجبا مخيرا كما زعمه، وبما ذكرناه صرح جملة من الاصحاب في الباب. واما قوله: " وما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الاحرام ان ارادوا نية الصلاة.. الخ " ففيه انا نختار الشق الثاني وهو نية كونها تكبيرة الاحرام، قوله " لم يرد ذلك في خبر " مردود بانه وان لم يرد بهذا العنوان ولكن مفاد الاخبار الدالة على الافتتاح بتلك التكبيرة وتسميتها تكبيرة الافتتاح كما تقدم ذلك بالتقريب الذي قدمناه، ومما يوضح ذلك انه من المعلوم اولا ان الشارع قد جعل التكبير محرما بقوله (1) " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " والتكبير من حيث هو لا يكون محرما ولا موجبا للدخول في الصلاة إلا إذا اقترن بالقصد الى ذلك فما لم ينو بالتكبير الاحرام ويقصد به الافتتاح للصلاة لا يصير محرما ولا موجبا للافتتاح، ويعضده ان العبادات موقوفة على القصود والنيات واما قوله: " ويمكن ان يقال بجواز ايقاع المنافيات قبل السابعة وان قارنت نية الصلاة الاولى لان الست من الاجزاء المستحبة " فعجيب من مثله (قدس سره) لما عرفت من انه متى قصد بالاولى الافتتاح والدخول في الصلاة فانه تحرم عليه المنافيات لما ورد عنهم (عليهم السلام) (2) " تحريمها التكبير " بمعنى انه يحرم عليه بالتكبير ما حل له قبله وليس الدخول في الصلاة متوقفا على ازيد من الواحدة كما عرفت، فكيف يجوز له ايقاع المنافيات وهو قد دخل في الصلاة بمجرد كونه في الست المستحبة ؟ وإلا لجاز ايقاع المنافيات في القنوت بناء على استحبابه وان كان في اثناء الصلاة. واما قوله: " أو لانه لم يتم الافتتاح بعد بناء على قول الوالد " ففيه ان ما نسبه
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام
[ 31 ]
للوالد بعيد شارد اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت ولو انه اخفاه ولم يظهر شيئا من هذا الكلام لكان اولى بالمحافظة على علو المقام. وبالجملة فان كلامه هنا مزيف لا يخفى ما فيه على الفطن اللبيب واضعف منه كلام ابيه، وانما اطلنا الكلام في نقض ابرامه وتمزيق سمط نظامه لئلا يغتر به من لم يعض على المسألة بضرس قاطع فان نور الحق بحمد الله سبحانه واضح ساطع. والله العالم. فروع (الاول) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بانه لو كبر ونوى الافتتاح ثم كبر ثانية ونوى الافتتاح بطلت صلاته فان كبر ثالثا بالنية المذكورة انعقدت الصلاة وهذا الحكم مبنى على ان زيادة الركن موجبة للبطلان كنقصانه. وهو على اطلاقه مشكل واخبار هذه المسألة قد دلت على البطلان بترك
التكبير عمدا أو سهوا واما بطلانها بزيادته فلم نقف له على نص. وكون الركن تبطل الصلاة بزيادته ونقيصته عمدا وسهوا مطلقا وان اشتهر ظاهرا بينهم إلا انه على اطلاقه مشكل لتخلف جملة من الموارد عن الدخول تحت هذه الكلية كما يأتي بيانه كله في محله، ومن ثم قال في المدارك في هذا المقام: ويمكن المناقشة في هذا الحكم اعني البطلان بزيادة التكبير ان لم يكن اجماعيا فان اقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصلاة بتركه عمدا وسهوا وهو لا يستلزم البطلان بزيادته. انتهى. (الثاني) - التكبير الواجب المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة الهدى (عليهم السلام) بصيغة " الله اكبر " فيتعين الاتيان بها لانها عبادة مبنية على التوقيف وهذا هو الذي ورد فيها، فلو زاد حرفا أو نقص حرفا أو عوض كلمة مكان كملة أو نحو ذلك مما يتضمن الخروج عن هذه الصيغة بطلت صلاته اتفاقا إلا من ابن الجنيد فانه نقل عنه في الذكرى القول بانعقادها بلفظ " الله اكبر " وان كان مكروها
[ 32 ]
وهو شاذ. وعلى هذا لا تجزى الترجمة للقادر على التعليم حتى يضيق الوقت فيحرم بترجمتها عند الاصحاب مراعيا الترتيب فيقول الاعجمي مثلا " خدا بزرگتر است " ولا خلاف بين اصحابنا بل واكثر العامة في ذلك، وقال بعض العامة يسقط التكبير عن من هذا شأنه كالاخرس (1) وهو محتمل. ولم اقف في المسألة على نص وان كان ما ذكروه لا يخلو من قرب. قالوا: والاخرس ينطق على قدر ما يمكنه فان عجز عن النطق بالكلية عقد قلبه بها مع الاشارة باصبعه كما يشير إليه خبر السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه " وربما احتج بعضهم ايضا بان تحريك اللسان كان واجبا مع القدرة على النطق فلا يسقط بالعجز عنه إذ لا يسقط الميسور بالمعسور (3) وفيه ما فيه، ولو لا اشعار الرواية المذكورة بذلك لامكن احتمال ما ذكره بعض العامة من سقوط الفرض بالعجز. وكيف كان فما ذكره الاصحاب هو الاولى. (الثالث) - لا ريب ان التكبير جزء من الصلاة فيعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في الصلاة من الطهارة والستر والاستقبال والقيام في موضعه ونحو ذلك فلو كبر قاعدا أو آخذا في القيام مع القدرة لم تنعقد صلاته، قال في الذكرى: فلو كبر وهو آخذ في القيام أو وهو هاو الى الركوع يتفق للمأموم فالاقرب البصلان لان الانحناء ليس قياما حقيقيا، وهل تنعقد نافلة ؟ الاقرب المنع لعدم نيتها، ووجه الصحة حصول التقرب والقصد الى الصلاة والتحريم بتكبيرة لا قيام فيها وهي من خصائص النافلة. انتهى. ولا يخفى ضعف ما ذكره من الوجه في الانعقاد فان القصد الى الصلاة مطلقا غير كاف في الانعقاد ما لم يقصد الفرض ان كان فرضا أو النافلة ان كان كذلك.
(1) المغنى ج 1 ص 463 والمهذب ج 1 ص 70 (2) الوسائل الباب 59 من القراءة (3) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على (ع)
[ 33 ]
ثم انه في الذكرى نقل عن الشيخ انه جوز ان يأتي ببعض التكبير منحنيا ثم قال: ولم نقف على مأخذه. وهو كذلك. وقال في المدارك: قال جدي (قدس سره) وكما يشترط القيام وغيره من الشروط في التكبير كذا يشترط في النية فإذا كبر قاعدا أو آخذا في القيام وقعت النية ايضا على تلك الحالة فعدم الانعقاد مستند الى كل منهما ولا يضر ذلك لان علل الشرع معرفات لا علل حقيقية. وفيه نظر لانتفاء ما يدل على اعتبار هذه الشرائط في النية على الخصوص كما تقدم تحقيقة إلا ان المقارنة المعتبرة للتكبير تدفع فائدة هذا الاختلاف. انتهى. اقول: لا ريب ان هذا الكلام مبني على النية المشهورة في كلامهم التي هي عبارة عن التصوير الفكري وهو ما يترجمه قول المصلي " اصلي فرض الظهر - مثلا - اداء قربة الى الله تعالى " ثم يقارن بها التكبير، وقد عرفت ان هذه ليست هي النية بل النية هي القصد
البسيط المصاحب له من حال قيامه الى الوضوء والاتيان به ثم توجهه الى مصلاه ثم صلاته الى ان يفرغ منها لا اختصاص له بوقت دون وقت لا حال دون حال حتى يأتي بالفعل ويفرغ كما في سائر الافعال التي تصدر عن المكلفين. (الرابع) - قد عرفت ان النية امر قلبي سواء كانت بالمعنى المشهور أو المعنى الذي ذكرناه لكن الاصحاب بناء على المعنى المشهور من التصوير الفكري على الوجه المتقدم قالوا لو تلفظ به بلسانه بان قال " اصلي فرض الظهر - مثلا - اداء لوجوبه قربة الى الله " ثم يقارن به التكبير فانه يلزم احد محذورين على تقدير الدرج الذي تحصل به المقارنة اما قطع همزة " الله " فليزم مخالفة القانون اللغوي لانها همزة وصل واما وصلها فيلزم مخالفة القانون الشرعي لان المنقول عن الشرع قطعها، ومن هنا قيل انه يحرم التلفظ بالنية لاستلزام احد المحذورين، قال في الذخيرة: ولو فرض تلفظ المصلي بها كان كلاما لغوا مخالفا للمعهود المنقول عن صاحب الشرع فلا عبرة بها فحينئذ وصل التكبير بها يوجب مخالفة المعهود من صاحب الشرع من القطع. ونقل عن بعض المتأخرين وجواز الوصل
[ 34 ]
حينئذ عملا بظاهر القانون العربي وفيه ان ايراد الكلام المتصل به امر مستحدث مبتدع لم يعهد من الشارع فلا يوجب سقوط التكليف بما ثبت وجوبه من قطع الهمزة كما لا يخفى. وظاهر هذا الكلام انه في الصورة المذكورة يقطع الهمزة مراعاة للجانب الشرعي. وفيه ان المقتضى للسقوط كونها في الدرج حيث انها همزة وصل ولا مدخل لكون ذلك الكلام معتبرا عند الشارع أو غير معتبر. اقول: ما ذكروه من ان المنقول عن صاحب الشرع قطع الهمزة لا اعرف له مستندا ولا به رواية إلا ما ذكروه هنا من حيث ان النية التي يقارن بها التكبير امر قلبي فليس ههنا كلام قبلها يوجب كونها في درج الكلام. وفيه ان حسنة الحلبي المشتملة على الادعية بين التكبيرات بان يكبر ثلاثا ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو مع قولهم بالتخيير في تكبيرة الاحرام بين هذه السبع موجب لوقوع كلام قبل تكبيرة الاحرام فمن الممكن الجائز قصد الاحرام باحدى التكبيرات المتوسطة مع درج الكلام فتسقط الهمزة لابد لنفيه من دليل. إلا ان يقال ان المعلوم من الشرع هو تعيين هذا اللفظ للاحرام وعقد الصلاة فكما لا يجوز الزيادة فيه لا يجوز النقيصة منه وبمتقضى ما ذكرتم يلزم سقوط الهمزة في الدرج فلا يكون آتيا بالمأمور به، وحينئد فالواجب الوقوف بعد تمام الدعاء ثم الابتداء بالتكبير، قال في الروض: واعلم ان الاخلال بحرف من التكبير يتحقق بوصل احدى الهمزتين في الكلمتين فان وصل الهمزة اسقاط لها بالكلية كما ذكره اهل العربية من ان همزة الوصل تسقط في الدرج. ووجه البطلان مع وصل همزة " اكبر " ظاهر لانها همزة قطع واما همزة " الله " فلانها وان كانت همزة وصل إلا ان سقوط همزة الوصل انما هو في الدرج في كلام متصل بها قبلها ولا كلام قبل التكبير لان النية ارادة قلبيه.. الى آخر كلامه زيد في مقامه. وفيه ما عرفت والجواب كما تقدم. وكما تبطل بالاخلال بحرف منها كذا تبطل بالزيادة ولو بحرف فيها كما تقدم، فلو مد همزة " الله " بحيث تصير استفهاما فمع القصد تبطل قطعا وبدونه على الاصح فان
[ 35 ]
الدلالة غير متوقفة على القصد وخروج ذلك عن المعهود من صاحب الشريعة. ويحتمل عدم البطلان من حيث ان الاشباع بحيث يحصل به الحرف شائع في كلام العرب. وتحصيل يقين البراءة يوجب الوقوف على الاول. وكذا الكلام في لفظ " اكبر " فلو اشبع الفتحة حتى صارت الفا فصار " اكبار " وهو الطبل ذو وجه واحد فانه يبطل مع القصد يقينا وكذا مع عدمه على الاصح لما عرفت. (الخامس) - صرح جملة من الاصحاب بانه يشترط القصد بالتكبير الى الافتتاح. ولا ريب فيه لما تقدم فلو قصد به تكبير الركوع لم تنعقد صلاته، ويدل عليه صحيح البقباق وابن ابي يعفور المتقدم (1) واما ما عارضه من صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر المتقدمة (2) فقد عرفت الوجه فيها وفي امثالها.
ولو قصدهما معا كما في المأموم فقيل بالاجزاء ذهب إليه ابن الجنيد والشيخ في الخلاف محتجا باجماع الفرقة ورواه الشيخ عن معاوية بن شريح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع " والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) العدم استنادا الى ان الفعل الواحد لا يتصف بالوجوب والاستحباب. قال في الذكرى: ويمكن حمل كلام الشيخ والرواية على ان المراد سقوط تكبير الركوع هنا ويكون له ثوابه لاتيانه بصورة التكبير عند الركوع لا على ان المصلي قصدهما معا لان الفعل لا يكون له جهتا وجوب وندب، ولو قلنا بوجوب تكبير الركوع - كما يجيئ وقد صرح به الشيخ هنا في الخلاف - لم تجزى الواحدة لان تداخل المسببات مع اختلاف الاسباب خلاف الاصل. وكذا لو نذر تكبير الركوع لم تجزى الواحدة، وحينئذ لو قصدهما معا فالاقرب عدم تحريمه بالصلاة لعدم تمحض القصد إليها ولا صلاته نفلا ايضا لعدم نيته ولان السبب الواحد لا يجزى عن السببين، فعلى هذا لو نوى المتنفل بالتكبيرة
(1) و (2) 19 و 20 (3) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الاحرام. والرواية عن معاوية بن شريح عن ابيه
[ 36 ]
الواحدة تكبيرة الاحرام والركوع لم تحصلا ولا احدهما. وعندي في هذه المسألة نظر لان الاسباب قد تتداخل وجوبا كما في اجزاء الغسل الواحد للجنب وماس الميت وندبا كما في اجزاء الغسل المندوب عن اسباب كثيرة، والفعل الواحد قد يحصل به الوجوب والندب كما في الجمع بين الصلاة على البالغ ستا والناقص عنها. انتهى. وانما نقلناه بطوله لاحاطته باطراف الكلام في المقام. والتحقيق عندي ما اختاره اخيرا وهو ظاهر الخبر المذكور، وتأويله بما ذكروه من غير معارض - إلا ما ذكروه من هذه التعليلات العليلة - مجازفة. ونظير هذا الخبر ايضا ما رواه البرقي في كتاب المحاسن في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " عن رجل جاء مبادرا والامام راكع فركع ؟ قال اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع ". وقد تقدم في مسألة تداخل الاغسال من كتاب الطهارة انه لا مانع من تداخل المسببات مع تعدد الاسباب فان العلل الشرعية معرفات لا علل حقيقة فلا يضر تواردها على امر واحد. (المسألة الثالثة) - يستحب في هذا المقام امور: (الاول) ان يسمع الامام من خلفه التكبير ويستحب للمأموم الاسرار بها وبغيرها ويتخير المنفرد، ونقل في الذكرى عن الجعفي انه اطلق استحباب رفع الصوت بها، قال في المدارك ولا نعرف مأخذه. والذى يدل على الحكم الاول من الاخبار صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا كنت اماما فانه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا ". وروى الصدوق في كتاب عيون الاخبار والخصال بسنده عن ابي علي الحسن ابن راشد (3) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تكبير الافتتاح
(1) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام
[ 37 ]
فقال سبع ؟ قلت روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه كان يكبر واحدة ؟ فقال ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يكبر واحدة يجهر بها ويسر ستا " وروى في الخصال عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) الحديث الاول (1). وقد تقدم قريبا (2) في رواية ابي بصير قوله (عليه السلام): " انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة ". ويدل على الحكم الثاني ما ورد في موثقة ابي بصير (3) من انه ينبغي للامام ان يسمع من خلفه كل ما يقول وللمأموم ان لا يسمع الامام شيئا مما يقول. ولا منافاة بين
ما دل عليه هذا الخبر من انه ينبغي للامام ان يسمع من خلفه كل ما يقول وبين ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من استحباب اسراره بما عدا تكبيرة الاحرام، لان عموم هذا الخبر مخصوص بما دلت عليه تلك الاخبار كما هو قضية اجتماع المطلق والمقيد والخاص والعام فلا تغتر بما يفعله من يدعي انه من اهل العلم في هذه الازمان وليس بذلك من الاجهار بمجموع تكبيرات الافتتاح عملا بعموم هذه الخبر اللازم منه الغاء ما دلت عليه تلك الاخبار من الاسرار. واما ما يدل على الثالث فاصالة البرائة من الامرين. و (الثاني) - ما ذكره جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) من انه يستحب ترك الاعراب في آخر التكبير لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (4)
(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام (2) ص 29 (3) الوسائل الباب 52 من الجماعة (4) في الاقناع للخطيب الشربينى ج 1 ص 107 " لو لم يجزم الراء من " اكبر " لم يضر خلافا لما اقتضاه كلام ابن يونس في شرح التنبيه، واستدل له الدميري بقوله (ص) " التكبير جزم " وقال الحافظ ابن حجر لا اصل له وانما هو قول النخعي وعلى تقدير وجوده معناه عدم التردد فيه " وفى تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 233: حديث -
[ 38 ]
انه قال: " التكبير جزم " اقول: الظاهر ان هذه الرواية عامية ذكرها اصحابنا في هذا المقام لعمومها. والذي وقفت عليه من الاخبار الدالة على جزم التكبير هو ما تقدم في اخبار الاذان ولا عموم فيها بحيث يشمل تكبيرات الافتتاح وغيرها. ولا بأس بمتابعتهم لكن لا باعتقاد الاستحباب لعدم الدليل الواضح عليه. و (الثالث) - استحباب التوجه - زيادة على التوجه بتكبيرة الاحرام - بست تكبيرات أو بما دونها مما دلت عليه الاخبار: ومنها - رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا افتتحت الصلاة فكبر ان شئت واحدة وان شئت ثلاثا وان شئت خمسا وان شئت سبعا فكل ذلك مجزئ عنك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة ". وصحيحة زيد الشحام (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الافتتاح ؟ قال تكبيرة تجزئك. قلت فالسبع ؟ قال ذلك الفضل ". وروى في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: " ادني ما يجزى من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة وثلاث تكبيرات احسن وسبع افضل ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا كنت اماما اجزأتك تكبيرة واحدة لان معك ذا الحاجة والضعيف والكبير ". وقال في الفقيه، وقد تجزئ في الافتتاح تكبيرة واحدة (5) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتم الناس صلاة واوجزهم كان إذا دخل في الصلاة قال الله اكبر بسم الله الرحمن الرحيم.
- " التكبير جزم " لا اصل له وعلى فرض صحته المراد منه عدم مده كما حملوا الخبر الصحيح " السلام جزم ". (1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام
[ 39 ]
وروى في التهذيب في الصحيح عن الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اخف ما يكون من التكبير في الصلاة ؟ قال ثلاث تكبيرات فإذا كانت قراءة قرأت مثل قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون، وإذا كنت اماما فانه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا ". وعن زرارة في الموثق (2) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) أو سمعته استفتح للصلاة بسبع تكبيرات ولاء ".
وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ادنى ما يجزئ في الصلاة من التكبير ؟ قال تكبيرة واحدة ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزئ والثلاث افضل والسبع افضل كله ". وربما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار - ونحوها كلام الفقيه الذي هو لا يكون إلا عن الرواية ايضا - عدم تأكد استحباب التكبيرات الزائدة على تكبيرة الاحرام للامام ولم اقف على من قال به من علمائنا الاعلام. و (الرابع) - الدعاء بين هذه التكبيرات فمن ذلك ما تضمنته صحيحة الحلبي أو حسنته كما رواه في الكافي عنه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم انت الملك الحق لا إله إلا انت سبحانك انى ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي انه لا يغفر الذنوب إلا انت. ثم تكبر تكبيرتين ثم قل لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس اليك والمهدي من هديت لا ملجأ منك إلا اليك سبحانك وحنانيك تباركت وتعاليت
(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام (3) و (4) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام (5) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام
[ 40 ]
سبحانك رب البيت. ثم تكبر تكبيرتين ثم تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض عالم الغيب والشهادة حنيفا مسلما وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا من المسلمين. ثم تعوذ من الشيطان الرجيم ثم اقرأ فاتحة الكتاب ". بيان: " لبيك وسعديك " قال في النهاية: لبيك اي اجابتي لك يا رب وهو مأخوذ من " لب بالمكان والب " إذا اقام به " والب على كذا " إذا لم يفارقه، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير اي اجابة بعد اجابة، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت " الب البابا بعد الباب " وقيل معناه اتجاهي وقصدي يا رب اليك من قولهم " داري تلب دارك " اي تواجهها. وقيل معناه اخلاصي لك من قولهم " حب لباب " إذا كان خالصا محضا ومنه لب الطعام ولبابه. انتهى. وزاد في القاموس معنى آخر قال: أو معناه محبتي لك من امرأة لبة محبة لزوجها. وفى النهاية " سعديك " اي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة أو اسعادا بعد اسعاد ولهذا ثنى وهو من المصادر المنتصبة بفعل لا يظهر في الاستعمال، قال الجوهري لم يسمع " سعديك " مفردا. انتهى. وروى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل بسنده فيه عن ابن ابي نجران عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " تقول بعد الاقامة قبل الاستفتاح في كل صلاة: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة بلغ محمدا (صلى الله عليه وآله) الدرجة والوسيلة والفضل والفضيلة، بالله استفتح وبالله استنجح وبمحمد رسول الله وآل محمد (صلى الله عليه وعليهم) اتوجه اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ". بيان: " الدعوة التامة " اي الاذان والاقامة فانهما دعوة الى الصلاة وتمامهما في افادة
(1) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام
[ 41 ]
ما وضعا له ظاهرا وهي الصلاة فالمصدر بمعنى المفعول. " والصلاة القائمة " اي في هذا الوقت اشارة الى قوله " قد قامت الصلاة " أو القائمة الى يوم القيامة، والدرجة المختصة به (عليه السلام) في القيامة هي الشفاعة الكبرى، والوسيلة هي المنبر المعروف الذي يعطيه الله في القيامة كما ورد في الاخبار. وروى في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1)
قال: " يجزئك في الصلاة من الكلام في التوجه الى الله سبحانه ان تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض على ملة ابراهيم حنيفا مسلما وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا من المسلمين. ويجزئك تكبيرة واحدة ". وروى السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل بسنده عن ابن ابي عمير عن الازدي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث انه قال: " كان امير المؤمنين (عليه السلام) يقول لاصحابه من اقام الصلاة وقال قبل ان يحرم ويكبر - يا محسن قد اتاك المسئ وقد امرت المحسن ان يتجاوز عن المسئ وانت المحسن وانا المسئ فبحق محمد وآل محمد صل على محمد وآل محمد وتجاوز عن قبيح ما تعلم مني - فيقول الله يا ملائكتي اشهدوا اني قد عفوت عنه وارضيت عنه اهل تبعاته ". وقال الشهيد في الذكرى انه قد ورد هذا الدعاء عقيب السادسة إلا انه لم يذكر فيه " فبحق محمد وآل محمد " وانما فيه " وانا المسئ فصل على محمد وآل محمد.. الى آخره " وروى الطبرسي في الاحتجاج (3) قال: " كتب الحميري الى القائم (عليه السلام) يسأله عن التوجه للصلاة ان يقول " على ملة ابراهيم ودين محمد صلى الله عليه وآله " فان بعض اصحابنا ذكر انه إذا قال " على دين محمد " فقد ابدع لانا لم نجده في
(1) و (3) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام (2) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام
[ 42 ]
شئ من كتب الصلاة خلا حديثا واحدا في كتاب القاسم بن محمد عن جده الحسن بن راشد ان الصادق (عليه السلام) قال للحسن كيف تتوجه ؟ قال اقول " لبيك وسعديك " فقال له الصادق (عليه السلام) ليس عن هذا اسألك كيف تقول " وجهت وجهي للذي فطر الساوات والارض حنيفا مسلما " ؟ قال الحسن اقوله: فقال له الصادق (عليه السلام) إذا قلت ذلك فقل: على ملة ابرهيم ودين محمد ومنهاج علي بن ابي طالب والائتمام بآل محمد حنيفا مسلما وما انا من المشركين ؟ فأجاب (عليه السلام) التوجه كله ليس بفريضة والسنة المؤكدة فيه التي هي كالاجماع الذي لا خلاف فيه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما على ملة ابراهيم ودين محمد (صلى الله عليه وآله) وهدى امير المؤمنين (عليه السلام) وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا من المسلمين اللهم اجعلني من المسلمين اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم. ثم تقرأ الحمد " قال الفقيه الذي لا يشك في علمه: الدين لمحمد (صلى الله عليه وآله) والهداية لعلي امير المؤمنين (عليه السلام) لانها له (صلى الله عليهما) وفي عقبة باقية الى يوم القيامة فمن كان كذلك فهو من المهتدين ومن شك فلا دين له ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. (والخامس) - رفع اليدين بالتكبير وقد وقع الخلاف هنا في مواضع: (الاول) الرفع فالمشهور الاستحباب ونقل عن المرتضى انه اوجب رفع اليدين بالتكبير في جميع الصلاة ونقل عنه انه احتج عليه باجماع الفرقة، قال في المدارك: وهو اعلم بما ادعاه. اقول: لو رجع السيد (رضي الله عنه) الى الآية والاخبار لوجدها ظاهرة الدلالة على ما ذهب إليه على وجه لا يتطرق إليه النقض ولا الطعن عليه ولكنه (رضي الله عنه) - كما اشرنا إليه في ما سبق - قليل الرجوع الى الاخبار وانما يعتمد على ادلة واهيه لا تقبلها البصائر والافكار من تعليل عقلي أو دعوى اجماع مع انه لا قائل به سواه كما
[ 43 ]
لا يخفى على من راجع مصنفاته (رضي الله عنه). وبيان صحة ما ذكرناه ان مما يدل على القول المذكور قوله تعالى " فصل لربك وانحر " (1) لورود الاخبار في تفسيرها كما سيأتي بان المراد بالنحر هنا انما هو رفع اليدين بالتكبير في الصلاة، والاوامر القرآنية عندهم على الوجوب إلا ما قام الدليل على خلافه
ومن ذلك الاخبار المتكاثرة ومنها - صحيحة الحلبي المتقدمة (2) وفيها " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.. ". ومنها - صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه ". وفي صحيحة اخرى له (4) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) حين افتتح الصلاة رفع يديه اسفل من وجهه قليلا ". وفى صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) " إذا قمت في الصلاة فكبرت فارفع يديك ولا تجاوز بكفيك اذنيك اي حيال خديك ". وفي صحيحة صفوان بن مهران الجمال (6) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه ". وفى صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) " في قول الله عزوجل: فصل لربك وانحر (8) قال هو رفع يديك حذاء وجهك ". وروى امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان في تفسير الآية المذكورة
(1) و (8) سورة الكوثر، الآية 2 (2) ص 39 (3) لم نقف في كتب الحديث على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ، نعم نسب في المدارك والذخيرة هذا النص الى معاوية بن عمار. (4) و (6) و (7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الاحرام (5) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الاحرام
[ 44 ]
عن عمر بن يزيد (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في قوله تعالى " فصل لربك وانحر " هو رفع يديك حذاء وجهك " قال وروى عنه عبد الله بن سنان مثله (2). وروى فيه ايضا عن جميل (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) " فصل لربك وانحر " ؟ فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذاء وجه القبلة في افتتاح الصلاة ". ثم روى فيه ايضا عن مقاتل بن حيان عن الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين (عليه السلام) (4) " لما نزلت هذه السورة قال النبي (صلى الله عليه وآله) لجبرئيل (عليه السلام) ما هذه النحيرة التي امرني بها ربي ؟ قال ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة ان ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فانه صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع فان لكل شئ زينة وان زينة الصلاة رفع الايدي عند كل تكبيرة " وراوه الشيخ الطوسي في مجالسه وكذا ابنه في مجالسه (5) فهذه الروايات الاربع تضمنت تفسير الآية. ومن اخبار المسألة ما في صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في وصية النبي لعلي (عليه السلام) " وعليك ان ترفع يديك في صلاتك.. الحديث " الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى. وانت خبير بان جملة منها قد دلت على حكاية فعلهم (عليهم السلام) وجملة قد دلت على الامر بذلك وجملة على تفسير الآية بذلك ولم نقف في الاخبار على ما يخالفها ويضادها. وغاية ما استدلوا به على عدم الوجوب كما ذكره بعض متأخري المتأخرين صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (7) قال: على الامام ان يرفع يده في الصلاة وليس على غيره ان يرفع يده في الصلاة " قالوا: والظاهر انه لا قائل بالفصل بين الامام
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الاحرام
[ 45 ]
وغيره فعدم وجوبه على غير الامام يوجب تعدي الحكم إليه، ولهذا ذكر الشيخ ان المعنى في هذا الخبر ان فعل الامام اكثر فضلا واشد تأكيدا وان كان فعل المأموم ايضا فيه فضل. انتهى.
ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من ظهور الاختلال ومنافاته لظاهر الخبر المذكور مضافا الى عدم الصراحة بل الظهور في محل ذلك الرفع ولعله في القنوت. وبالجملة معارضة تلك الاخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة بهذه الرواية المجملة المتهافتة الدلالة لا تخلو من تعسف. نعم لقائل ان يقول ان ايجاب الرفع في ما عدا تكبيرة الاحرام المتفق على وجوبها وتكبيري الركوع والسجود على القول بوجوبهما لا يخلو من اشكال إذ متى كان اصل التكبير مستحبا لزم ان يكون ما تعلق به من شرط وصفة ونحوهما مستحبا كما هو مقتضى القواعد العقلية والنقلية، وكيف كان فقول السيد (رضي الله عنه) بمحل من القوة والاحتياط يقتضي المحافظة عليه. واما ما اطال به في الذخيرة - انتصارا للقول المشهور ونقل معان متعددة للآية من كلام المفسيرين - فلا طائل تحته بعد ما عرفته، والاعتماد على كلام المفسرين في مقابلة تفسير اهل البيت (عليهم السلام) خروج عن الدين كما لا يخفى على الحاذق المسكين وقد تقدم ايضاحه في غير مقام مما تقدم. نعم ما ذكره من رواية حريز عن رجل عن ابي جعفر (عليه السلام) - (1) قال: " قلت له فصل لربك وانحر ؟ قال النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه ونحره " - مسلم إلا انه لا منافاة فيها لما دلت عليه تلك الاخبار حتى يعترض بها لا مكان تفسير الآية بالامرين وبه يجمع بين الاخبار، ومثله في القرآن غير عزيز فان القرآن ذلول ذو وجوه (2). (الثاني) - قد اختلفت عبارات الاصحاب في بيان حد الرفع، فقال الشيخ الرفع
(1) الوسائل الباب 2 من القيام (2) مجمع البيان طبع صيدا ج 1 ص 13 عن النبي (ص)
[ 46 ]
المعتبر في تكبيرة الاحرام وغيرها ان يحاذي بيديه شحمتي اذنيه. وعن ابن ابي عقيل يرفعهما حذو منكبيه أو حيال خديه لا يجاوز بها اذنيه. وقال ابن بابويه يرفعهما الى النحر ولا يجاوز بهما الاذنين حيال الخد. وقال الفاضلان في بحث الركوع من المعتبر والمنتهى في تكبير الركوع يرفع يديه حيال وجهه، وفى رواية الى اذنيه وبه قال الشيخ. وقال الشافعي الى منكبيه (1) وبه رواية عن اهل البيت (عليهم السلام). اقول: قد تقدم في الاخبار الواردة في هذا المقام في الموضع الاول صحيحة معاوية ابن عمار " وفيها يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه " (2) وفى صحيحته الثانية " اسفل من وجهه قليلا " وفى صحيحة زرارة " ولا تجاوز بكفيك اذنيك اي حيال خديك " وفى صحيحة صفوان مثل صحيحة معاوية بن عمار الاولى، وفي صحيحة عبد الله بن سنان " حذاء وجهك " ومثله في رواية جميل. هذا ما تقدم في المقام. وفى صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة (3) في تعليم الصادق (عليه السلام) في تكبيره للسجود " ورفع يديه حيال وجه ". وفى راوية ابي بصير (4) قال: أبو عبد الله (عليه السلام) إذا دخلت المسجد فاحمد الله واثن عليه وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز اذنيك ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك ". وعن منصور بن حازم (5) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه واستقبل القبلة ببطن كفيه ". وفي الصحيح عن ابن سنان (6) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) يصلى يرفع
(1) الام ج 1 ص 90 (2) تقدم عدم الوقوف على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ (3) ص 3 (4) الوسائل الباب 39 من المساجد و 9 من تكبيرة الاحرام (5) و (6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الاحرام
[ 47 ]
يديه حيال وجهه حين استفتح " وعن زرارة في الصحيح أو الحسن عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " ترفع يديك في افتتاح الصلاة قبالة وجهك ولا ترفعهما كل ذلك "
وفي كتاب الفقه الرضوي (2) " فإذا افتتحت الصلاة فكبر وارفع يديك بحذاء اذنيك ولا تجاوز بابهاميك حذاء اذنيك ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك ولا بأس بذلك في النافلة والوتر ". والمفهوم من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض هو ان اعلى مراتب الرفع الى ما سامت الاذنين كما يشير إليه قوله في صحيحة زرارة الاولى " ولا تجاوز بكفيك اذنيك " ومثله في رواية ابي بصير وعبارة كتاب الفقه، واقل مراتبه ان يكون اسفل من وجهه قليلا كما في صحيحة معاوية بن عمار الثانية، والظاهر انها هي التي اشار إليها ابن بابويه بقوله، " يرفعهما الى النحر " فانه اسفل من الوجه قليلا وإلا فلفظ النحر لم اقف عليه في شئ من الاخبار التي وصلت الي وهي جملة ما ذكرته هنا. وبهذا يجمع بين الاخبار المذكورة وما دل عليه خبر ابي بصير وكذا كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه من النهي عن رفع اليدين بالدعاء في المكتوبة حتى يجاوز بهما الرأس، والظاهر انه هو المراد من الخبر المروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) على ما ذكره جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم): قال في الذكرى: روى ابن ابي عقيل قال جاء عن امير المؤمنين (عليه السلام) (3) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) مر برجل يصلي وقد رفع يديه فوق رأسه فقال ما لي ارى اقواما يرفعون ايديهم فوق رؤوسهم كأنها آذان خيل شمس ؟ " انتهى. ونحوه روى في المعتبر والمنتهى عن علي (عليه السلام) (4)
(1) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الاحرام (2) ص 7 (3) مستدرك الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام (4) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الاحرام
[ 48 ]
قال شيخنا المجلسي (عطرالله مرقده) في كتاب البحار: روى المخالفون هذه الرواية في كتبهم فبعضهم روى " آذان خيل "، وبعضهم " اذناب خيل " قال في النهاية " ما لي اراكم رافعي ايديكم في الصلاة كأنها اذناب خيل شمس ؟ " هي جمع شموس وهي النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته. انتهى. والعامة حملوها على رفع الايدي في التكبير (1) لعدم قولهم بشرعية القنوت في اكثر الصلوات وتبعهم الاصحاب
(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 207: " واما رفع اليدين عند التكبير فليس بسنة في الفرائض عندنا الا في تكبيرة الافتتاح.. الى ان قال في ضمن الاستدلال: وروى انه صلى الله عليه وآله رأى بعض اصحابه يرفعون ايديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال ما لي اراكم رافعي ايديكم كأنها اذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة " وقال في نيل الاوطار ج 2 ص 191 في مبحث رفع الايدي عند التكبير: احتج من قال بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة عند مسلم وابى داود قال " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ما لي اراكم رافعي ايديكم كأنها اذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة " واجيب عن ذلك بانه ورد على سبب خاص فان مسلما رواه ايضا من حديث جابر بن سمرة قال " كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله قلنا السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله - واشار بيديه الى الجانبين - فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله علام تومؤن بايديكم كأنها اذناب خيل شمس ؟ انما يكفى احدكم ان يضع يده على فخذه ثم يسلم على اخيه من على يمينه وشماله " وفي هامش المنتقى ج 1 ص 461 في التعليق على الحديث باللفظ الثاني المنسوب الى احمد ومسلم وبلفظ آخر للنسائي وهو " كنا نصلى خلف النبي صلى الله عليه وآله فقال ما بال هؤلاء يسلمون بايديهم كأنها اذناب خيل شمس ؟ انما يكفى احدكم ان يضع يده على فخذه ثم يقول السلام عليكم السلام عليكم " قال قد احتج به الاحناف على ترك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، قال البخاري في جزء رفع اليدين: فاما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الاعمش عن المسيب ابن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن رافعو ايدينا الحديث فانما كان هذا في التشهد لا في القيام كان يسلم بعضهم على بعض فنهى النبي صلى الله عليه وآله عن رفع الايدي في التشهد ولا يحتج بهذا من له حظ من العلم.
[ 49 ]
فاستدلوا بها على كراهة تجاوز اليد عن الرأس في التكبير، ولعل الرفع للقنوت منها اظهر
ويحتمل التعميم ايضا والاحوط الترك فيهما معا. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. اقول: والظاهر هو ما استظهره من الحمل على القنوت، وينبغي ان يخص بالفريضة كما تضمنه الخبران المتقدمان ولا بأس بذلك في النافلة كما تضمنته عبارة كتاب الفقه. واما الحمل على رفع اليدين في التكبير كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) فالظاهر بعده عن سياق الخبر وان كان الحكم كذلك كما يدل عليه النهي عن الرفع في التكبير عما زاد على محاذاة الاذنين إلا ان الخبر المذكور ليس مرادا به ذلك بل المراد به ما اشتمل عليه خبر ابي بصير وكلامه (عليه السلام) في الكتاب المذكور. (الثالث) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يبتدئ في التكبير بابتداء رفع يديه وينتهي بانتهائه ويرسلهما بعد ذلك، قال في المعتبر: وهو قول علمائنا. ونحوه كلام العلامة في المنتهى. وعللوه بانه لا يتحقق رفعهما بالتكبير إلا بذلك وعلى هذا جرى في المدارك والذخيرة وغيرهما. مع ان في المسألة قولين آخرين (احدهما) انه يبتدئ بالتكبير حال ارسالهما. وقيل انه يبتدئ بالتكبير عند انتهاء الرفع فيكبر عند تمام الرفع ثم يرسل يديه. وهذا هو الظاهر من صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة (1) لقوله (عليه السلام) " إذا افتتحت الصلاة اي إذا اردت افتتاح الصلاة كما في قوله عزوجل " فادا قرأت القرآن " (2) و " إذا قمتم الى الصلاة " (3) فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات " واجاب العلامة عن هذه الرواية بحمل " ثم " على الانسلاخ عن معنى التراخي. واما ما تمسكوا به من ان الرفع بالتكبير لا يتحقق إلا بذلك فهو جيد لو وجدت هذه العبارة في شئ من اخبار المسألة وقد تقدم لك ذكرها وان وجد ذلك فانما هو في كلام الاصحاب ولا حجة فيه.
(1) ص 39 (2) و (3) سورة النحل والمائدة، الآية 100 و 9
[ 50 ]
وقريب من صحيحة الحلبي في ذلك صحيحة صفوان المتقدمة (1) وقوله: " إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه " فان المراد إذا اراد التكبير كما تقدم فيدل على ان الرفع متقدم على وقوع التكبير واقع عند ارادته واما كون التكبير عند انتهاء الرفع أو حال الارسال فهي مجلمة في ذلك فهي موافقة للقول المشهور ومحتملة للقولين الآخرين. وقال العلامة في التذكرة: قال ابن سنان (2) " رأيت الصادق (عليه السلام) يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح " وظاهره يقتضي ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع وانتهاءه مع انتهائه وهو احد وجهي الشافعية والثاني يرفع ثم يكبر عند الارسال وهو عبارة بعض علمائنا. وظاهر كلام الشافعي انه يكبر بين الرفع والارسال (3) انتهى. اقول: لا ريب ان ظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة ما عرفت من الدلالة على القول الثالث وقريب منها صحيحة صفوان بالتقريب الذي ذكرناه، وهذه الرواية ظاهرة ايضا في القول المشهور كما ذكره شيخنا المذكور وان امكن التأويل فيها بحمل قوله: " استفتح " على ارادة الاستفتاح كما في الخبرين الآخرين، وبذلك تنطبق على الخبرين المذكورين ويكون الجميع دليلا للقول الثالث. واما حملها على ظاهرها فيوجب المناقضة بينها وبين الخبرين الاولين، إلا ان يجاب عن صحيحة الحلبي بما ذكره العلامة من حمل " ثم " على الانسلاخ من معنى التراخي وعن صحيحة صفوان بان المراد بقوله " إذا كبر " اي إذا ابتدأ في التكبير فيصير ابتداء التكبير بابتداء الرفع كما هو القول المشهور، وبذلك تبقى المسألة في قالب الاشكال في البين لتصادم الاحتمال من الطرفين. (الرابع) ذهب جمع من الاصحاب الى استحباب ضم الاصابع حين الرفع ونقل الفاضلان عن المرتضى وابن الجنيد تفريق الابهام وضم الباقي، ونقله في الذكرى عن المفيد وابن البراج وابن ادريس وجعله اولى واسنده الى الرواية.
(1) و (2) ص 43 و 46 (3) شرح صحيح مسلم للنووي الشافعي على هامش ارشاد السارى ج 3 ص 4 والام للشافعي ج 1 ص 90
[ 51 ]
اقول: ظاهر كلامهم في هذا المقام ان ضم الاصابع بعضها الى بعض متفق عليه
في ما عدا الابهم والخلاف انما هو فيها ضما وتفريقا. ولم اقف لهم على دليل لا في موضع الوفاق ولا في موضع الخلاف. وظاهر صاحب المدارك الاستناد في اصل المسألة الى خبر حماد (1) حيث قال: ولتكن الاصابع مضمومة كما يستفاد من رواية حماد في وصف صلاة الصادق (عليه السلام). وانت خبير بان خبر حماد لم يشتمل على رفع اليدين في تكبيرة الاحرام فضلا عن كونها في حال الرفع مضمومة الاصابع ام لا، وقد صرح بالرفع في تكبير الركوع وتكبير السجود ولكنه ايضا غير متضمن لضم الاصابع، نعم ذكر في صدر الرواية قال: " فقام أبو عبد الله (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه " فضم الاصابع في الخبر وقع في حال الاسدال على الفخذين، وحينئذ فلا دلالة فيه على ما ادعوه إلا ان يدعى استصحاب تلك الحال الى حال الرفع. وفيه من البعد ما لا يخفى. وظاهر الشهيد في الذكرى وصول النص إليه بالتفريق في الابهام والضم حيث قال: ولتكن الاصابع مضمومة وفى الابهام قولان وفرقه اولى، واختار ابن ادريس تبعا للمفيد وابن البراج وكل ذلك منصوص. انتهى. نعم روى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) عن زيد النرسى في كتابه عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) " انه رآه يصلى فكان إذا كبر في الصلاة الزق اصابع يديه الابهام والسبابة والوسطى والتي تليها وفرج بينها وبين الخنصر ثم يرفع يديه بالتكبير قبالة وجهه ثم يرسل يديه ويلزق بالفخذين ولا يفرج بين اصابع يديه فإذا ركع كبر ورفع يديه بالتكبير قبالة وجهه ثم يلقم ركبتيه كفيه ويفرج بين الاصابع فإذا اعتدل لم
(1) ص 2 (2) ج 84 بحار الانوار ص 225 ج 12
[ 52 ]
يرفع يديه وضم الاصابع بعضها الى بعض كما كانت ويلزق يديه مع الفخذين ثم يكبر ويرفعهما قبالة وجهه كما هي ملتزق الاصابع فيسجد... الحديث " وهو وان تضمن ضم الاصابع إلا انه تضمن تفريق الخنصر دون الابهام فهو لا يصلح لان يكون دليلا في المقام، وظاهره ضم الاصابع كملا في تكبير السجود. (المسألة الرابعة) قد تقدم استحباب اضافة ست تكبيرات للافتتاح مع تكبيرة الاحرام وهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وانما الخلاف في عموم هذا الحكم للفرائض والنوافل أو لخصوص الفرائض أو بانضمام مواضع مخصوصة من النوافل لا جميعها كما هو القول الاول ؟ اقوال، وبالاول صرح المحقق في المعتبر والعلامة وابن ادريس واختاره السيد السند في المدارك والظاهر انه المشهور بين الاصحاب ونقل عن المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل المحمدية انه خصها بالفرائض دون النوافل وعن ابن الجنيد انه خصها بالمنفرد. وقال الشيخ المفيد (نور الله مرقده) يستحب التوجه بسبع تكبيرات في سبع صلوات. قال الشيخ في التهذيب ذكر ذلك علي بن الحسين في رسالته ولم اجد به خبرا مسندا وتفصيلها ما ذكره: اول كل فريضة واول ركعة من صلاة الليل وفي المفردة من الوتر وفي اول ركعة من ركعتي الزوال وفي اول ركعة من نوافل المغرب وفي اول ركعة من ركعتي الاحرام، فهذه الستة مواضع ذكرها علي بن الحسين (قدس سره) وزاد الشيخ يعني المفيد الوتيرة. انتهى. اقول: ينبغي ان يعلم ان ما ذكره علي بن الحسين (قدس سره) في رسالته انما اخذه من كتاب الفقه الرضوي على ما عرفت وستعرف في غير مقام مما تقدم وسيأتي حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور " ثم افتتح بالصلاة وتوجه بعد التكبير فانه من السنة الموجبة في ست صلوات وهي اول ركعة من صلاة الليل والمفردة من الوتر واول ركعة من نوافل المغرب واول ركعة من ركعتي الزوال واول ركعة من ركعتي
[ 53 ]
الاحرام واول ركعة من ركعات الفرائض " انتهى. ورواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا ومن الظاهر انه من هذا الكتاب كما عرفت. احتج السيد السند (قدس سره) في المدارك على ما اختاره من القول الاول باطلاق الاحاديث، قال وقد تقدم طرف منها في ما سبق ثم قال: وروى الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الافتتاح ؟ قال تكبيرة تجزئك. قلت: فالسبع ؟ قال ذلك الفضل " وروى ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) " انه خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الصلاة وقد كان الحسين (عليه السلام) ابطأ... الحديث " وقد تقدم قريبا (2) ثم نقل حسنة الحلبي أو صحيحته المتقدمة (3) المشتملة على التكبيرات السبع والادعية الثلاثة بينها. اقول: ما ذكره من اطلاق الاحاديث اشار به الى الاخبار التي قدمناها في الامر الثالث من المسألة الثالثة، وانت خبير بانه وان كان الامر كما ذكره بالنسبة الى اطلاق الاخبار إلا انه مدخول بانه من المحتمل قريبا حمل الاطلاق على الفريضة سيما اليومية التي هي الفرض المتكرر الشائع المتبادر الى الذهن عند الاطلاق كما صرحوا به في غير موضع سيما ان جملة منها ظاهرة كالصريح في الفريضة كاخبار العلل بزيادة هذه التكبيرات من احاديث الحسين (عليه السلام) واخبار الحجب فانها كلها ظاهرة كالصريح في الفريضة واخبار الامام فانها كذلك. وانت إذا راجعت الاخبار وتأملتها بعين التفكر والاعتبار وضممت بعضها الى بعض ظهر لك صحة ما قلناه وقوة ما اخترناه وبذلك يظهر لك قوة ما ذكره علي بن الحسين بن بابويه لاعتماده فيه على الكتاب المذكور. ويعضده ايضا ما رواه السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس
(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) ص 22 (3) ص 39
[ 54 ]
(رضوان الله عليه) في كتاب فلاح السائل عن التلعكبري عن محمد بن همام عن عبد الله ابن علاء المذاري عن ابن شمون عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال قال: " افتتح في ثلاثة مواطن بالتوجه والتكبير: في اول الزوال وصلاة الليل والمفردة من الوتر، وقد يجزئك في ما سوى ذلك من التطوع ان تكبر تكبيرة لكل ركعتين ". وظاهر الخبر ان المراد ثلاثة مواطن يعني بعد الفرائض كما يشير إليه قوله " قد يجزئك في ما سوى ذلك من التطوع " وقد حمله ابن طاووس في الكتاب المذكور على التأكيد في هذه الثلاثة بعد تخصيصه الاستحباب بسبعة مواضع بالحاق الفريضة واولى نافلة المغرب والوتيرة وركعتي الاحرام. وظاهره كما ترى موافقة الشيخ المفيد (قدس سره) في ضم الوتيرة الى الستة المتقدمة في كتاب الفقه الرضوي. وقال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقله كلام علي بن بابوية المطابق لعبارة كتاب الفقه كما عرفت: ويمكن حمله على تأكد الاستحباب في تلك المواضع لا نفيه عن غيرها. وفيه ان ذلك فرع الدليل الظاهر في العموم وقد عرفت ما فيه. (المسألة الخامسة) - قال شيخنا الشهيد في الذكرى: زاد ابن الجنيد بعد التوجه استحباب تكبيرات سبع و " سبحان الله " سبعا و " الحمد لله " سبعا و " لا إله الا الله " سبعا من غير رفع يديه ونسبه الى الائمة (عليهم السلام) وروى زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) " إذا كبرت في اول الصلاة بعد الاستفتاح احدى وعشرين تكبيرة ثم نسيت التكبير اجزأك " انتهى. اقول: ظاهر كلامه (قدس سره) في نقل مذهب ابن الجنيد انه يستحب سبع تكبيرات سوى التكبيرات الافتتاحية المشهورة ويمكن حمل التوجه على الكناية
(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 6 من تكبيرة الاحرام
[ 55 ]
عن تكبير الاحرام خاصة فتكون السبع المذكورة بعدها، وكيف كان فهو مخالف لما عليه الاصحاب. وقال في النفلية: وروى التسبيح بعده سبعا والتحميد سبعا. قال شيخنا الشهيد الثاني في شرحها: ذكره ابن الجنيد ونسبه إلى الائمة (عليهم السلام) ولم نقف عليه وكذا اعترف المصنف في الذكرى بذلك. انتهى. اقول: قد روى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) وذكر حديث تكبيرات الافتتاح ثم قال: " قال زرارة فقلت لابي جعفر (عليه السلام) فكيف نصنع ؟ قال تكبر سبعا وتحمد سبعا تسبح سبعا وتحمد الله وتثني عليه ثم تقرأ " ولعل هذا الخبر هو المستند لما ذكره ابن الجنيد إلا ان ابن الجنيد ذكر التهليل سبعا والخبر خال من ذلك ولعل الخبر عنده كان كذلك، ويؤيده ما نقله بعض مشايخنا عن بعض الثقات انه رأى هذا الخبر في بعض النسخ بعد قوله " وتسبح سبعا " و " تهلل سبعا " كما ذكره ابن الجنيد. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكره في النفلية بعيد الانطباق على مذهب ابن الجنيد وان كان شيخنا الشهيد الثاني قد فسره به، لان ابن الجنيد كما عرفت ذكر التسبيح سبعا والتهليل سبعا ومع فرض ان يكون المصنف فهم من التكبير سبع في كلام ابن الجنيد التكبيرات السبع باضافة تكبيرة الاحرام إليها فلم يذكره لموافقته لكلام الاصحاب وانما اراد التنبيه على ما لم يتعرضوا له إلا انه ينافيه حذف التهليل وعدم ذكره. ولعل المصنف اطلع على رواية زرارة المذكورة واشار بقوله " روى " إليها لا الى ما نقل عن ابن الجنيد دعوى الرواية به فانه بعيد عن ظاهر هذه العبارة، وكلامه الى الانطباق على ظاهر الصحيحة المذكورة - بحمله التكبير سبعا فيها على تكبيرات الافتتاح المشهورة فلم يذكره وانما
(1) الوسائل الباب 11 من تكبيرة الاحرام
[ 56 ]
ذكر التسبح والتحميد كما في الخبر اقرب - منه الى الانطباق على كلام ابن الجنيد كما فهمه الشارح. واما رواية زرارة التي ذكرها فصورتها على ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح الصدوق ايضا في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا انت كبرت في اول صلاتك بعد الاستفتاح باحدى وعشرين تكبيرة ثم نسيت التكبير كله ولم تكبر اجزأك التكبير الاول عن تكبير الصلاة كلها ". والخبر المذكور محمول على الرباعية والمراد بالاستفتاح الاحرام اي إذا كبرت بعدها احدى وعشرين تكبيرة وهي مجموع التكبيرات المستحبة في الرباعية، إذ في كل ركعة خمس تكبيرات واحدة للركوع ولكل سجدة اثنتان فيكون في الاربع الركعات عشرون تكبيرة وتكبيرة القنوت وهى تمام العدد المذكور فإذا نسيت جميع التكبيرات المستحبة في اماكنها اجزأك عنها التكبير الاول على ارادة الجنس اي الاحدى والعشرين المتقدمة اولا، فعلى هذا يكون في الثلاثية ست عشرة تكبيرة وفي الثنائية احدى عشرة كل ذلك سوى تكبيرة الافتتاح. ويؤكد ذلك وان كان واضحا ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " التكبير في صلاة الفرض - الخمس الصلوات - خمس وتسعون تكبيرة منها تكبيرات القنوت خمس " وراوه ايضا عن علي عن ابيه عن ابن المغيرة (3) وفسرهن: في الظهر احدى وعشرون تكبيرة وفي العصر احدى وعشرون تكبيرة وفي المغرب ست عشرة تكبيرة وفي العشاء الآخرة احدى وعشرون تكبيرة وفي الفجر احدى عشرة تكبيرة وخمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات.
(1) الوسائل الباب 6 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الاحرام
[ 57 ]
اقول: ظاهر هذه الاخبار طرح الست المستحبة الافتتاحية، ولعل طرحها في صحيحة زرارة محمول على الاكتفاء بتلك التكبيرات التي يقدمها وفى هذين الخبرين باعتبار تأكد هذه التكبيرات زيادة عليها فانها من اصل الصلاة قبل تلك الست التي تجددت لتلك العلل المذكورة. والله العالم. الفصل الثالث في القيام وفيه مسائل: (الاولى) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان القيام ركن في الصلاة متى اخل به مع القدرة عمدا أو سهوا بطلت صلاته، قال في المعتبر وعليه أجماع العلماء. وفى تعيين الموضع الركنى منه اقوال: فنقل عن العلامة الحكم بركنيته كيف اتفق وفى المواضع التي لا تبطل بزيادته يكون مستثنى بالنص كغيره. وقيل ان الركن منه ما اتصل بالركوع. ولم نقف لهما على دليل. وقيل انه تابع لما وقع فيه ومنقسم بانقسامه في الركنية والوجوب والاستحباب. وهذا القول الاخير نقل عن شيخنا الشهيد (قدس سره) قال ان القيام بالنسبة الى الصلاة على انحاء: فالقيام في النية شرط كالنية، والقيام في التكبير تابع له في الركنية والقيام في القراءة واجب غير ركن، والقيام المتصل بالركوع ركن فلو ركع جالسا بطلت صلاته وان كان ناسيا، والقيام من الركوع واجب غير ركن إذ لو هوى من غير رفع وسجد ناسيا لم تبطل صلاته، والقيام في القنوت تابع له في الاستحباب. واستشكل ذلك المحقق الشيخ علي بان قيام القنوت متصل بقيام القراءة فهو في الحقيقة كله قيام واحد فكيف يتصف بعضه بالوجوب وبعضه بالاستحباب ؟ ورد بان مجرد اتصاله به مع وجود خواص الندب فيه لا يدل على الوجوب والحال انه ممتد يقبل الانقسام الى الواجب والندب.
[ 58 ]
واعترض بان القيام المتصل بالركوع هو بعينه القيام في القراءة إذ لا يجب قيام آخر بعدها قطعا فكيف يجتمع فيه الركنية وعدمها ؟ واجيب بانه لا يلزم من اتصاله بالركوع كونه للقراءة بل قد يتفق لا معها كناسي القراءة فان القيام كاف وان وجب سجود السهو، وكذا لو قرأ جالسا ناسيا ثم قام وركع تأدى الركن به من غير قراءة، وعلى تقدير القراءة فالركن منه هو الامر الكلي وهو ما صدق عليه اسم القيام متصلا بالركوع وما زاد على ذلك موصوف بالوجوب لا غير، وهذا كالوقوف بعرفة من حيث هو كلي ركن ومن حيث الاستيعاب واجب لا غير. واعترض ايضا بانه على تقدير اتصاله بالركوع لا يتصور زيادته ونقصانه لا غير حتى ينسب بطلان الصلاة إليه، فان الركوع ركن قطعا وهواما مزيد أو ناقص وكل منهما مبطل من جهة الركوع، فلا فائدة في اطلاق الركنية على القيام. واجيب بان استناد البطلان الى مجموع الامرين غير ضائر فان علل الشرع معرفات للاحكام لا علل عقلية فلا يضر اجتماعها. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروضة انه لا مستند للركنية في القيام إلا الاجماع ولولاه لامكن القدح في ركنيته لان زيادته ونقصانه لا يبطلان إلا مع اقترانه بالركوع ومعه يستغنى عن القيام لان الركوع كاف في البطلان. انتهى. وقال في الروض: وحيث قد نقل المصنف الاتفاق على ركنية القيام ولم تتحقق ركنيته إلا بمصاحبة الركوع خصت بذلك إذ لا يمكن القول بعد ذلك بانه غير ركن مطلقا لانه لا يصح خلاف الاجماع، بل لو قيل بان القيام ركن مطلقا امكن وعدم بطلان الصلاة بزيادة بعض افراده ونقصها لا يخرجه عن الركنية فان زيادته ونقصانه قد اغتفرا في مواضع كثيرة للنص فليكن هذا منها بل هو اقوى في وضوح النص. انتهى. اقول: والتحقيق في المقام بتوفيق الملك العلام وبركة اهل الذكر (عليهم الصلاة
[ 59 ]
والسلام) ان يقال لا اشكال ولا ريب في ان القيام في الصلاة في الجملة مما دل على وجوبه الكتاب العزيز والسنة المطهرة. (اما الاول) فقوله عزوجل " الذين يذكرون الله قياما " (1) فروى الكليني في الحسن عن ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في هذه الآية قال " الصحيح يصلي قائما، وقعودا المريض يصلي جالسا، وعلى جنوبهم الذي يكون اضعف من المريض الذي يصلي جالسا ". وروى العياشي في تفسيره عن ابى حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول في قول الله تعالى الذين يذكرون الله... (4) قياما الاصحاء وقعودا يعني المرضى وعلى جنوبهم قال اعل ممن يصلي جالسا واوجع ". وفي تفسير النعماني بسنده عن علي (عليه السلام) (5) في حديث قال فيه: " واما الرخصة فهي الاطلاق بعد النهى... الى ان قال ومثله قوله عزوجل فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم (6) ومعنى الآية ان الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي قاعدا ومن لم يقدر ان يصلي قاعدا صلى مضطجعا ويومئ ايماء. فهذه رخصة جاءت بعد العزيمة ". و (اما الثاني) فمنه ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة (7) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: وقم منتصبا فان رسول لله (صلى الله عليه وآله) قال من لم يقم صلبه فلا صلاة له " ورواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة مثله (8). وروى في الكافي في الصحيح عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (9)
(1) و (4) سورة آل عمران، الآية 188 (2) و (5) الوسائل الباب 1 من القيام (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام (6) سورة النساء الآية 104 (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 2 من القيام
[ 60 ]
قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له " ورواه البرقي في المحاسن عن ابي بصير مثله (1). وظاهر هذين الخبرين الركنية لدلالتمها على وجوب الانتصاب في الصلاة بلا انحناء ولا انخناس فان الصلب هو عظم من الكاهل الى العجب وهو اصل الذنب واقامته تستلزم الانتصاب فالاخلال بذلك عمدا أو سهوا موجب لبطلان الصلاة (ولو قيل) ان لفظ " لا صلاة له " قد استعمل كثيرا في نفي الكمال دون نفي الصحة (قلنا) لاريب ان هذا الاستعمال مجاز خلاف حقيقة اللفظ المذكور، وقيام الدليل على المجاز في تلك المواضع لا يستلزم الخروج عن الحقيقة مطلقا بل الواجب حمل اللفظ على حقيقته الى ان يقوم صارف عن ذلك، سيما مع تأكد هذين الخبرين بالاخبار الكثرة الدالة على وجوب القيام كما ستعرف ان شاء الله تعالى. نعم يبقي الكلام في انه من المعلوم ان القيام ليس بركن في جميع الحالات لان من نسى القراءة أو ابعاضها أو جلس في موضع القيام لا يجب عليه اعادة الصلاة، ومن جلس في موضع قيام ساهيا أو زاده ساهيا لا تبطل صلاته، وحينئذ فيمكن ان يقال بتخصيص الركن بما قارن الركوع خاصة وهو الامر الكلي منه كما تقدم، ويجاب عن الايراد بامكان استناد البطلان الى الركوع بالجواب المتقدم من جواز الاستناد اليهما معا. ويمكن ان يقال ان القيام كيف اتفق ركن وعدم البطلان بزيادته ونقصانه مستثنى بالنص، فانه مع تصريحهم بل اتفاقهم على ركنية الركوع قد استثنوا مواضع منه لقيام الدليل عليها، كما لو سبق المأموم امامه سهوا بالركوع ثم تبين له انه لم يركع بعد فانه يعود ويركع معه ونحو ذلك مما يأتي ان شاء الله تعالى. أو يقال بالتفصيل الذي ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره). وبالجملة فالمفهوم من الادلة كما ذكرناه هو الركنية في الجملة واما تعيين موضع الركن منه فغير معلوم.
(1) الوسائل الباب 2 من القيام
[ 61 ]
والحق في المقام ان يقال لا ريب ان تسميتهم هذه الاشياء بالاركان وتفسيرهم الركن بانه ما تبطل به الصلاة عمدا وسهوا والواجب ما تبطل به عمدا لاسهوا انما هو امر اصطلاحي لا اثر له في النصوص مع انخرام هذه القاعدة عليهم في كثير من المواضع كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى، فالواجب الوقوف في جزئيات الاحكام على النصوص الواردة في كل منها بالعموم أو الخصوص والغاء هذه القاعدة التي لا ثمرة لها ولا فائدة. والله العالم. (المسألة الثانية) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الاستقلال في القيام بمعنى ان لا يستند الى شئ بحيث لو ازيل السناد سقط، ونقل عن ابي الصلاح انه ذهب الى جواز الاستناد على الوجه المذكور وان كان مكروها. استدل القائلون بالقول المشهور بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تمسك بخمرك وانت تصلي ولا تستند الى جدار إلا ان تكون مريضا " والخمر بالخاء المعجمة والميم المفتوحتين ما وراءك من شجر ونحوه. واضافوا الى ذلك ان ذلك هو المتبادر من معنى القيام ودليل التأسي، وصحيحة حماد بن عيسى المتقدمة في تعليم الصادق (عليه السلام) الصلاة. والذي يدل على القول الثاني ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يستند الى حائط المسجد وهو يصلي أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علة ؟ فقال لا بأس. وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الاوليين هل يصلح له ان يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علة ؟ قال لا بأس به ". وما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3)
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 10 من القيام
[ 62 ]
قال:، سألته عن الرجل يصلي متوكأ على عصا أو على حائط ؟ فقال لا بأس بالتوكؤ على عصا والاتكاء على الحائط ". وعن سعيد بن يسار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التكأة في الصلاة على الحائط يمينا وشمالا فقال لا بأس ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان من ذهب الى القول الاول حمل هذه الاخبار على الاستناد الذي لا يكون فيه اعتماد محتجين بان الاستناد والاتكاء في تلك الاخبار اعم مما فيه اعتماد اولا اعتماد فيه فيحمل على مالا اعتماد فيه جمعا بين الاخبار. ومن ذهب الى العمل بهذه الروايات الاخيرة حمل صحيحة عبد الله بن سنان على الكراهة. والظاهر هو الثاني ويؤيد حمل الاستناد في تلك الاخبار على ما فيه اعتماد قوله في صحيحة علي ابن جعفر " من غير مرض ولا علة " فان من شأن المريض والعليل الاعتماد لمزيد الضعف كما لا يخفى. ويؤيده باوضح تأييد لا يخفى على جملة الانام فضلا عن ذوي الاحلام والافهام - وان لم يتنبه له احد من علمائنا الاعلام - ان الاتكاء لغة يطلق على ما فيه اعتماد، قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: اتكأ وزن افتعل ويستعمل بمعنيين احدهما الجلوس مع التمكن والثانى القعود مع تمايل متعمدا على احد الجانبين، صرح بذلك في مادة " تكأ " وقال ايضا في مادة " وكأ " وتوكأ على عصاه اعمتد عليها، الى ان قال قال ابن الاثير والعامة لا تعرف الاتكاء إلا الميل في القعود متعمدا على احد الشقين وهو يستعمل في المعنيين جميعا، يقال اتكأ إذا اسند ظهره أو جنبه الى شئ متعمدا عليه وكل من اعتمد على شئ فقد اتكأ عليه. انتهى. وحينئذ فمتى كان الاتكاء حقيقة في الاعتماد فالواجب الحمل عليه حتى تقوم
قرينة المجاز الموجبة للخروج عنه، ومجرد وجود الخبر الدال على خلاف ذلك ليس من قرائن
(1) الوسائل الباب 10 من القيام
[ 63 ]
المجاز الموجب لحمل هذه الاخبار على خلاف معناها، وحينئذ فدعوى انه اعم مما فيه اعتماد اولا اعتماد فيه كما بنى عليه جوابهم عن تلك الاخبار ممنوعة لما عرفت من كلام اهل اللغة، وعلى هذا فالواجب في مقام التعارض الرجوع الى المرجحات ولا ريب انها في جانب هذه الروايات الثلاث فيجب جعل التأويل في تلك الرواية كما تقدم. فروع (الاول) - قد صرح جمع من الاصحاب: منهم - السيد السند في المدارك بوجوب الاعتماد على الرجلين معا في القيام ولم اقف له على دليل، والفاضل الخراساني في الذخيرة انما استند في ذلك الى كونه المتبادر من الامر بالقيام منتصبا. وفيه منع ظاهر وعلله في الذكرى بعدم الاستقرار وللتأسي بصاحب الشرع. وفيه منع ايضا فان الاستقرار لا يتوقف على الاعتماد عليهما معابل يحصل الاستقرار بالاعتماد على واحدة. واما التأسي فقد صرحوا في الاصول بانه لا يجوز ان يكون دليلا للوجوب فان فعلهم (عليهم السلام) اعم من ذلك، مع انه قد روى الكليني في الصحيح عن محمد بن ابي حمزة عن ابيه (1) قال: " رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) في فناء الكعبة في الليل وهو يصلي فاطال القيام حتى جعل يتوكأ مرة على رجله اليمنى ومرة اخرى على رجله اليسرى... الحديث " وهو كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة في ما ذكرناه ولا معارض له سوى ما ذكروه من تلك التعليلات العليلة. ثم انه لا يخفى ايضا حصول المدافعة بين القول بوجوب الاعتماد على الرجلين وبين القول بجواز الاعتماد اختيارا على الحائط ونحوه كما ذهب إليه في المدارك وكذا غيره ممن اختار القول بالجواز هناك واوجب الاعتماد على الرجلين هنا، فانهم قد فسروا الاعتماد ثمة بانه لو سقط السناد سقط المصلى ومن الظاهر في هذه الحال انه لا اعتماد على الرجلين. وايجابهم الاعتماد على الرجلين في القيام هنا لم يقيدوه بمادة مخصوصة بل ظاهرهم انه من
(1) الوسائل الباب 3 من القيام
[ 64 ]
جملة واجبات الصلاة مطلقا. وبالجملة فان التناقض بين القولين ظاهر كما ترى. نعم لو رفع احدى رجليه من الارض بالكلية وانما وضع واحدة واعتمد عليها فلا اشكال في البطلان لوقوعه على خلاف الوجه المتلقى من صاحب الشريعة امرا وفعلا إلا انه روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلي وهو قائم ورفع احدى رجليه حتى انزل الله تعالى: طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى (2) فوضعها ". والواجب حمله على النسخ بالآية المذكورة المصرحة بالنهي والاخبار الدالة على القيام على القدمين، قال امين الاسلام الطبرسي (قدس سره) (3) روى " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يرفع احدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فانزل الله تعالى الآية فوضعها " قال وروى ذلك عن ابي عبد الله (عليه السلام) ولعله اشار الى هذه الرواية وقد روى ايضا في تفسير الآية المذكورة (4) " انه (صلى الله عليه وآله) كان يقوم على اصابع رجليه في الصلاة حتى تورمت فانزل الله تعالى عليه طه - بلغة طى يا محمد (صلى الله عليه وآله) - ما انزلنا عليك القرآن لتشقى ". ويمكن ان يكون الصلاة كانت مشروعة على هذه الكيفيات ثم نسخ ذلك فوجب الاعتماد على الرجلين معا كما عليه اتفاق الاصحاب وغيرهم. والله العالم. (الثاني) - لو اخل بالاستقلال على تقدير القول المشهور فالظاهر من كلام الاصحاب بطلان الصلاة لو تعمد ذلك للنهي عن الصلاة كذلك والنهي في العبادة موجب للبطلان. ويمكن ان يقال ان النهى انما هو عن الاستناد وهو امر خارج عن الصلاة
وان كان مقارنا لها فلا يلزم من النهى عنه النهى عن الصلاة، فغاية ما يلزم من ذلك
(1) و (4) الوسائل الباب 3 من القيام (2) سورة طه الآية 1 (3) مجمع البيان ج 4 ص 2
[ 65 ]
الاثم خاصة وتصح صلاته نظير ما تقدم من البحث في الصلاة في الثوب والمكان المغصوبين واما ما اطال به في الذخيرة من الاستدلال على البطلان فظني انه لا يرجع الى طائل. وكيف كان فلا ريب ان الاحتياط في ما ذكروه. واما مع النسيان فالظاهر الصحة كما صرح به جملة من الاصحاب ايضا. (الثالث) - يجب مع الاستقلال نصب فقار الظهر بفتح الفاء وهو عظامه المنتظمة في النخاع التي تسمى خرز الظهر جمع فقرة بكسرها، ويحصل الاخلال بذلك بالانحناء والميل الى اليمين واليسار على وجه لا يعد منتصبا عرفا. ويدل على ذلك ما تقدم في خبر حماد من قوله " فقام أبو عبد الله (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا " وقد تقدم ان معنى الانتصاب اقامة الصلب، وان " من لم يقم صلبه فلا صلاة له " (1) وعدم اقامة الصلب يحصل بالميل الى احد الجانبين على الوجه المتقدم أو الانحناء أو الانخناس. والظاهر انه لا يخل بالانتصاب اطراق الرأس وان كان الافضل اقامة النحر كما تقدم (2) في مرسلة حريز من قوله (عليه السلام) في تفسير قوله عزوجل " فصل لربك وانحر " (3) " النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه ونحره ". ونقل عن ابي الصلاح استحباب ارسال الذقن الى الصدر. ويرد بعدم المستند بل هذا الخبر - كما ترى - ظاهر في رده. (الرابع) - قد صرح جملة من الاصحاب بانه لا يجوز تباعد ما بين الرجلين بما يخرج عن حد القيام. والظاهر ان مستندهم في ذلك العرف فان من افحش في التباعد بينهما لا يعد قائما عرفا. اقول: المفهوم من الاخبار كما تقدم في شرح صحيحة حماد ان نهاية التباعد بينهما الى قدر شبر والاحتياط يقتضي ان لا يزيد على ذلك فانه من المحتمل قريبا ان يكون
(1) الوسائل الباب 2 من القيام (2) ص 45 (3) سورة الكوثر، الآية 2
[ 66 ]
هذا غاية الرخصة في النباعد بينهما ويقين البراءة يقتضي الوقوف على ذلك. (الخامس) - الظاهر انه لا اشكال في جواز الاستعانة في حال النهوض والاعتماد على شئ ينهض به كما دلت عليه صحيحة علي بن جعفر المتقدمة. ونقل عن بعض المتأخرين - والظاهر انه المحقق الثاني في شرح القواعد انه جعل حكمه حكم الاستناد في حال القيام، وفيه انه لا دليل عليه بل الدليل كما ترى واضح في خلافه. (المسألة الثالثة) - لو عجز عن القيام على الوجه المتقدم فان امكن الصلاة قائما معتمدا في جميعها أو بعضها أو كيف امكن وجب اولا فان عجز عن ذلك انتقل الى الجلوس وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع: (الاول) الظاهر انه لا خلاف بينهم في انه لو امكنه القيام ولو في بعض الصلاة وجب ان يقوم بقدر المسكنة منتصبا أو منحنيا مستقلا أو متعمدا ولو مع تعذر الركوع والسجود فانه يجب عليه القيام في موضعه وان اومأ للركوع وكذا للسجود بعد الجلوس إذ لا يسقط وجوب احدهما مع امكانه بتعذر الآخر ويدل على بعض هذه الاحكام ما رواه الشيخ والكليني في الصحيح عن جميل (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ما حد المرض الذي يصلي صاحبه قاعدا ؟ فقال ان الرجل ليوعك ويحرج ولكنه اعلم بنفسه إذا قوى فليقم ". وايده بعضهم بقوله (صلى الله عليه وآله) (2) " إذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " وقوله (عليه السلام) (3) " لا يسقط الميسور بالمعسور ". وما ذكرناه - من انه مع امكان القيام وتعذر الركوع والسجود فانه يؤمى للركوع قائما وللسجود جالسا قد ادعى عليه في المنتهى الاجماع.
وعلى هذا لو قدر على الجلوس والانحناء للركوع والسجود ولم يقدر عليه قائما
(1) الوسائل الباب 6 من القيام (2) صحيح مسلم ج 1 ص 513 والنسائي ج 2 ص 1 (3) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على (ع)
[ 67 ]
اومأ في حال القيام ولا ينتقل الى الجلوس في الركوع. ويمكن ان يقال انه يجلس في الصورة المذكورة ويأتي بالركوع الذي هو الانحناء لان الركوع قد وردت به الآية وهو عبارة عن مطلق الانحناء ولا تخصيص فيه بكون الانحناء في حال القيام، قال في القاموس وكل شئ يخفض رأسه فهو راكع. وعلى هذا يكون الانحناء واجبا كما ان القيام واجب وحينئذ فيأتي بالقيام في موضعه فإذا اراد الركوع جلس وركع جالسا. وهذا هو الاوفق بالاصول والقواعد المقررة عندهم إلا ان المشهور هو الاول بل ظاهرهم كما عرفت الاتفاق عليه (الثاني) - لو عجز بالكلية ولو على بعض الوجوه المتقدمة انتقل الى الجلوس وهو اجماعي، نقل الاجماع على ذلك غير واحد: منهم - المحقق والعلامة. وتدل عليه الاخبار الكثيرة، ومنها صحيحة جميل المتقدمة قريبا وحسنة ابي حمزة المتقدمة في المسألة الاولى. وما رواه الشيخ عن محمد بن ابراهيم عن من اخبره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " يصلي المريض قائما فان لم يقدر على القيام صلى جالسا " واسنده في الفقيه الى الصادق (عليه السلام) (2). ونقل مرسلا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3) انه قال " المريض يصلى قائما فان لم يستطع صلى جالسا " الى غير ذلك من الاخبار. وانما الخلاف بين الاصحاب في حد العجز المسوغ للقعود فالمشهور ان حده العجز عن القيام اصلا وهو مستند الى علمه بنفسه " بل الانسان على نفسه بصيرة " (4) ونقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) ان حد العجز الذي ينتقل معه الى الجلوس ان لا يتمكن من المشي بمقدار زمان الصلاة. واستدل على القول المشهور بما تقدم من صحيحة جميل، وما رواه الشيخ في
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من القيام (4) سورة القيامة، الآية 14
[ 68 ]
الصحيح عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة عن من اخبره عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " انه سئل ما حد المرض " وروى الكليني في الصحيح أو الحسن عن ابن اذينة (2) قال: " كتبت الى ابي عبد الله (عليه السلام) اسأله ما حد المرض الذي يفطر فيه صاحبه والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة قائما ؟ قال: بل الانسان على نفسه بصيرة (3) ذاك إليه هو اعلم بنفسه ". والتقريب فيها انه لو كان للعجز حد معين كما هو مقتضى القول الثاني لبينه (عليه السلام) في الجواب ولم يجلعه راجعا الى العم بنفسه الذي هو عبارة عن القدرة على القيام وعدمها كما هو الظاهر. ونحوه ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن حد المرض الذي يفطر فيه الصائم ويدع الصلاة من قيام ؟ فقال: بل الانسان على نفسه بصيرة (5) وهو اعلم بما يطيقه ". ويدل على ما نقل عن الشيخ المذكور ما رواه الشيخ عن سليمان بن حفص المروزي (6) قال: " قال الفقيه المريض انما يصلى قاعدا إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها ان يمشي مقدار صلاته الى ان يفرغ قائما ". وردها في المدارك (اولا) بضعف السند بجهالة الراوي. و (ثانيا) بان ما تضمنته من التحديد غير مطابق للاعتبار فان المصلي قد يتمكن ان يقوم بمقدار صلاته ولا يتمكن من المشي بمقدار زمانها وقد يتمكن من المشي ولا يتمكن من الوقوف، قال
وربما كان ذلك كناية عن العجز عن القيام. انتهى. اقول: ما ذكره (قدس سره) من الطعن في الخبر بالضعف ورميه له من البين قد عرفت ما فيه (اولا) فيما تقدم من ان هذا الايراد غير وارد على المتقدمين الذين
(1) و (2) و (4) و (6) الوسائل الباب 6 من القيام (3) و (5) سورة القيامة، الآية 14
[ 69 ]
لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم ولا غيرهم ممن لا يرى العمل به ايضا. و (ثانيا) ان ما ذكره من رد الخبر هنا ايضا من متفرداته وان تبعه فيه من تبعه فان جملة ارباب هذا الاصطلاح من المتأخرين قد عملوا بالخبر وفزعوا عليه كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله تعالى. وفى الذكرى بعد ان اختار القول المشهور عملا بالاخبار المتقدمة حمل رواية المروزي على من يتمكن من القيام إذا قدر على المشي للتلازم بينهما غالبا، قال فلا يرد جواز انفكاكهما ثم قال: فرع لو قدر على القيام ولم يقدر على المشي وجب. ولو عجز عن القيام مستقرا وقدر على القيام ماشيا أو مضطربا من غير معاون ففي ترجيحه على القيام ساكنا بمعاون أو على القعود لو تعذر المعاون نظر اقربه ترجيحهما عليه، لان الاستقرار ركن في القيام إذ هو المعهود من صاحب الشرع. وقال الفاضل يجب المشي ولا يصلي قاعدا. انتهى. وما اختاره من تقديم الصلاة جالسا هو ظاهر المحقق الشيخ علي ايضا في شرح القواعد مستندا الى ان الطمأنينة اقرب الى حال الصلاة من الاضطراب عرفا وشرعا والخشوع الذي هو روح العبادة بها يتحقق. وفيه ان الاعتماد في تأسيس حكم شرعي على مثل هذه التعليلات مشكل كما اشرنا إليه في غير موضع. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: ولا يعتبر القدرة على المشي بل لو أمكن القيام من دونه وجب لانه المقصود الذاتي، وربما قيل باشتراطه لرواية سليمان المروزي عن الكاظم (عليه السلام) (1) " المريض انما يصلي قاعدا إذا صارالى الحال التي لا يقدر فيها على المشي مقدار صلاته " وحملها الشهيد على من يتمكن من القيام إذا قدر على المشي للتلازم بينهما غالبا، قال فلا يرد جواز انفكاكهما. وفيه نظر لانه تخصيص للعام من غير ضرورة، مع ان الرواية تدل على ان من قدر على القيام ماشيا لا يصلي جالسا بمعنى ان القيام غير مستقر مرجح على القعود مستقرا وهو اختيار المصنف، فلا يحتاج الى تكلف
(1) الوسائل الباب 6 من القيام
[ 70 ]
البحث عن التلازم بين القيام والمشي غالبا. ورجح في الذكرى الجلوس في هذه الصورة محتجا بان الاستقرار ركن في القيام إذ هو المعهود من صاحب الشرع. والخبر حجة عليه وكون الاستقرار واجبا في القيام لا يستلزم تقديم الجلوس على القيام بدونه فان المشي يرفع وصف القيام وهو الاستقرار والجلوس يرفع اصله وفوات الوصف خاصة اولى من فوات الموصوف، ومن ثم اتفق الجماعة على ان من قدر على القيام معتمدا على شئ وجب مقدما على الجلوس مع فوات وصف القيام وهو الاستقلال. نعم بالغ المصنف فرجح القيام ماشيا مستقلا عليه مع المعاون. ويضعف بان الفائت على كل تقدير وصف من القيام احدهما الاستقرار والآخر الاستقلال فلا وجه لترجيح الثاني، نعم يتجه ترجيح الاول لما تقدم في حجة ترجيح القعود على المشي إذ لا معارض لها هنا، ولانه اقرب الى هيئة المصلى، فظهر من ذلك ان التفصيل اجود من اطلاق المصنف ترجيح المشي عليهما واطلاق الشهيد القول بترجيحهما عليه. انتهى. وهو جيد وانما نقلناه بطوله لجودة محصوله واحاطته باطراف الكلام في المقام. إلا ان فيه ان ما ذكره من كون الاستقرار وصفا للقيام... الى آخر ما فرعه على ذلك يمكن خدشه بان الظاهر ان الاستقرار ليس من اوصاف القيام بل هو وصف من اوصاف المصلي معتبر في صحة صلاته قائما كان أو قاعدا مع الامكان فترجيح القيام عليه يحتاج الى دليل، ولانه يجتمع هو وضده مع القيام والقعود فلا اختصاص له بالقيام. نعم
جوابه يصلح الزاما للشهيد حيث ان ظاهره ذلك واما في التحقيق فلا، وعلى هذا فالاولى الرجوع الى دلالة الخبر على الحكم المذكور من تقديم الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا. اقول: والحق ان الخبر المذكور محتمل لمعنيين (احدهما) ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى من ان من يقدر على المشي بقدر الصلاة يقدر على الصلاة غالبا، وعلى هذا فلا يكون في الخبر منافاة للقول المشهور فان مرجعه الى انه انما يصلي قاعدا إذا لم يقدر
[ 71 ]
على القيام. و (ثانيهما) ما فهمه الاكثر من ان قدر على المشي مصليا ولم يقدر على القيام مستقرا فحكمه الصلاة ماشيا دون الصلاة جالسا، إلا ان الظاهر هو رجحان الاحتمال الثاني وبه يظهر قوة ما ذكره في الروض واختاره من القول بتقديم الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا كما هو المنقول عن الشسخ المفيد (قدس سره) وهو اختيار العلامة ايضا على ما نقله عنه في الذكرى كما تقدم في الروض إلا انه بالغ في ذلك ايضا فقال بتقديم الصلاة ماشيا على الصلاة قائما معتمدا، والمشهور بين الاصحاب هو تقديم القيام مطلقا مستقلا أو معتمدا وانما الخلاف في ما لو تمكن من الصلاة ماشيا هل بقدم على الجلوس مستقرا ام لا ؟ ومن ذلك ظهر ان في المسألة اقوالا ثلاثة (احدها) ما ذهب إليه الشيخ المفيد وشيخنا الشهيد الثاني من انه متى قدر على الصلاة ماشيا بعد تعذر الصلاة قائما معتمدا فانه يقدمه على الجلوس. و (ثانيها) ما نقل عن العلامة من ترجيح الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا وقائما مستقرا متعمدا. و (ثالثها) ما ذكره في الذكرى من ترجيح القيام معتمدا مستقرا ثم الجلوس مستقرا على الصلاة ماشيا وهو عكس ما ذهب إليه العلامة. (الثالث) - اعلم ان العجز المسوغ للقعود وكذا في سائر المراتب الآتية يتحقق بحصول الالم الشديد الذي لا يتحمل ولا يعتبر العجز الكلي، وبه صرح غير واحد من الاصحاب في جملة من الابواب، وهو المفهوم ايضا من ظاهر السنة والكتاب. وكما انه يجوز الانتقال الى المرتبة الدنيا مع العجز عن المرتبة العليا بحصول الالم الشديد كذلك يجوز الانتقال عنها باخبار الطبيب بالبرء في المرتبة الدنيا بعلاج ونحوه. كما يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل والمرأة يذهب بصره فيأتيه الاطباء فيقولون نداويك شهرا أو اربعين ليلة مستلقيا كذلك يصلي ؟ فرخص في ذلك وقال فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه (2) ".
(1) الوسائل الباب 7 من القيام (2) سورة البقرة، الآية 168
[ 72 ]
وموثقة سماعة (1) قال: " سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينزع الماء منها فيستلقي على ظهره الايام الكثيرة اربعين يوما أو اقل أو اكثر فيمتنع من الصلاة الايام وهو على حال ؟ فقال لا بأس بذلك وليس شئ مما حرم الله إلا وقد احله الله لمن اضطر إليه ". وما رواه الحسين بن بسطام في كتاب طب الائمة بسنده عن عبد الله بن المغيرة عن نزيع المؤذن (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني اريد ان اقدح عيني ؟ فقال استخر الله وافعل. فقلت هم يزعمون انه ينبغي للرجل ان ينام على ظهره كذاو كذا ولا يصلي قاعدا ؟ قال افعل ". قوله في الخبر الاول " كذلك يصلي " على الاستفهام بحذف الهمزة اي أكذلك يصلي ؟ وظاهر الاخبار جواز العمل بقول الاطباء في ترك القيام وان كانوا غير عدول بل فسقة أو كفارا، والظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في هذا الحكم ولا غيره من الاحكام. قال العلامة في التذكرة: لو كان به رمد وهو قادر على القيام فقال العالم بالطب إذا صلى مستلقيا رجى له البرء جاز ذلك، وبه قال أبو حنيفة والثوري وقال مالك والاوزاعي لا يجوز لان ابن عباس لم يرخص له الصحابة في الصلاة مستلقيا (3) انتهى وظاهره ان الخلاف انما هو بين العامة دون الخاصة.
وخبر ابن عباس المشار إليه في كلامه هو ما روى (4) من ان ابن عباس (رضي الله عنه) لما كف بصره اتاه رجل فقال له ان صبرت على سبعة ايام لا تصلي إلا مستلقيا داويت عينيك ورجوت ان تبرأ فارسل الى بعض الصحابة كأم سلمة وغيرها يستفتيهم في ذلك فقالوا لومت في هذه الايام ما الذي تصنع في الصلاة ؟ فترك المعالجة. اقول: والخبر المذكور عامي لا يعارض ما ذكرناه من اخبارهم (عليهم السلام) ومن البعيد بل الا بعد ان ابن عباس مع عدم علمه بالمسألة يستفتي الصحابة مع وجود الحسن والحسين
(1) و (2) الوسائل الباب 1 و 7 من القيام (3) و (4) المغنى ج 2 ص 147
[ 73 ]
(عليهما السلام) معه وهو عالم بامامتهما ووجوب الطاعة لهما. (الرابع) - انه مع الانتقال الى القعود فانه لا يختص بكيفية وجوبا بل يجلس كيف اتفق، نعم يستحب له ان يتربع قارئا ويثنى رجليه راكعا ويتورك بين السجدتين وعند التشهد. وفسروا التربع هنا بان ينصب فخذيه وساقيه كهيئة جلوس المرأة في الصلاة وقد تقدم وجه الاشكال في هذه المسألة في الفوائد الملحقة بالاخبار المذكورة في صدر المقدمة الاولى من المقدمات المتقدمة في الباب الاول (1) وفسروا تثنية رجليه بان يفترشهما تحته ويجلس على صدورهما بغير اقعاء والذي وقفت عليه الاخبار الجارية في هذا المضمار ما رواه الشيخ عن حمران ابن اعين عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " كان ابي إذا صلى جالسا تربع فإذا ركع ثنى رجليه ". وما رواه الصدوق عن معاوية بن ميسرة (3) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) قال أيصلي الرجل وهو جالس متربع ومبسوط الرجلين ؟ فقال لا بأس بذلك " وما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الله بن مغيرة وصفوان بن يحيى ومحمد بن ابي عمير عن اصحابهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " في الصلاة في المحل ؟ فقال صل متربعا وممدود الرجلين وكيف امكنك ". وما رواه في الكافي عن معاوية بن ميسرة (5) " ان سنانا سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمد احدى رجليه بين يديه وهو جالس ؟ قال لا بأس. ولا اراه إلا قال في المعتل والمريض " قال الكليني وفي حديث آخر (6) يصلي متربعا ومادا رجليه كل ذلك واسع " وتمام الكلام في هذا المقام قد تقدم في الموضع المشار إليه آنفا. (الخامس) - الظاهر انه لا خلاف في ان القاعد إذ تمكن من القيام للركوع فانه يجب عليه القيام ليركع عن قيام، لما تقدم من ان القيام المقارن للركوع ركن تبطل
(1) ج 6 ص 66 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 11 من القيام
[ 74 ]
الصلاة بتركه عمدا أو سهوا وحينئذ فمع القدرة عليه يجب الاتيان به. والظاهر انه لا تجب الطمأنينة في هذا القيام لان وجوبها انما كان لاجل القراءة وقد اتى بها، قال في الذكرى: ولو خف بعد القراءة وجب القيام للركوع وهل تجب الطمأنينة في هذا القيام قبل الهوى ؟ قال الفاضل لا تجب بناء على ان القيام انما تجب الطمأنينة فيه لاجل القراءة وقد سقطت. ويحتمل الوجوب (اما اولا) فلضرورة كون الحركتين المتضادتين في الصعود والهبوط بينهما سكون فينبغي مراعاته ليتحقق الفصل بينهما. و (اما ثانيا) فلان ركوع القائم يجب ان يكون عن طمأنينة وهذا ركوع قائم. (واما ثالثا) فلان معه يتيقن الخروج عن العهدة. اقول: فيه ما عرفت في غير مقام من عدم صلاحية امثال هذه التخريجات لتأسيس حكم شرعي، ويزيده بيانا ان الاول من هذه التعليلات خارج عن محل البحث، فان الكلام في وجوب ذلك من حيث ترتب صحة الصلاة عليه لا من حيث حصول الفصل بين الحركتين المتضادتين. والثاني على تقدير تسليمه انما يثبت في صلاة القائم واما في صلاة الجالس فيحتاج الى دليل، وقياس احدهما على الآخر قياس مع الفارق لان الصورة المقاس عليها حال اختيار والمقيسة حال اضطرار. والثالث غاية ما يفيده الاولوية والاستحباب دون الوجوب لانه نوع
احتياط. ثم قال في الذكرى: ولا يستحب اعادة القراءة هنا لعدم الامر بتكرارها في الركعة الواحدة وجوبا ولا ندبا. وهو جيد. ثم قال ولو خف في ركوعه قاعدا قبل الطمأنينة وجب اكماله بان يرتفع منحنيا الى حد الراكع وليس له الانتصاب لئلا يزيد ركوعا ثم يأتي بالذكر قائما لانه لم يكن اكمله، فان اجتزأنا بالتسبيحة الواحدة لم يجز البناء هنا لعدم سبق كلام تام إلا ان نقول هذا الفصل لا يقدح بالموالاة، وان اوجبنا التعدد اتى بما بقى قطعا. ولو خف بعد الطمأنينة قام للاعتدال من الركوع وجبت الطمأنينة في الاعتدال. ولو خف بعد الاعتدال من الركوع قبل الطمأنينة فيه قام ليطمئن. ولو خف بعد الطمأنينة في الاعتدال فالاقرب وجوب القيام ليسجد عن قيام كسجود القائم، وفي وجوب الطمأنينة في هذا القيام بعد إلا إذا
[ 75 ]
عللناه بتحصيل الفصل الظاهر بين الحركتين فتجب الطمأنينة. انتهى. وفى كثير من هذه المواضع اشكال لعدم الدليل الواضح فيها كما لا يخفى على المتأمل إلا انه يمكن اندراجها تحت القواعد المقررة في امثال هذه المقامات. والله العالم. (المسألة الرابعة) - لو عجز عن القعود مستقلا فانه يقعد معتمدا أو منحنيا ومع العجز عن ذلك فانه يصلي مضطجعا مقدما للجانب الايمن على الايسر وقيل بالتخيير بينهما، ومع العجز عن الجانبين يصلي مستلقيا. وتفصيل هذه الجملة انه لا خلاف بينهم في انه لو عجز عن القعود بجميع وجوهه المتقدمة فانه ينتقل الى الاضطجاع، ويدل عليه زيادة على الاتفاق عدة من الروايات: منها - ما تقدم (1) من الروايات التي في تفسير قوله عزوجل: " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ". ومنها - ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال: " سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس قال فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فانه يجزئ عنه ولن يكلف الله ما لا طاقة له به ". وعن عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا كيف قدر صلى اما ان يوجه فيومئ ايماء، وقال يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جنبه الايمن ثم يومئ بالصلاة فان لم يقدر ان ينام على جنبه الايمن فكيف ما قدر فانه له جائز ويستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة ايماء ". وروى المحقق في المعتبر قال: " روى اصحابنا عن حماد (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال " المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جابنه الايمن ثم يومئ بالصلاة فان لم يقدر على جابنه الايمن فكيف ما قدر فانه
(1) ص 59 (2) و (3) الوسائل الباب 1 من القيام (4) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام
[ 76 ]
جائز ويستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة ايماء " وهذا الخبر نقله ايضا الشهيدان في الذكرى والروض. وظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة ان هذه الرواية رواية عمار المذكورة وان المحقق في المعتبر اسندها الى حماد وتبعه الشهيدان، حيث قال بعد موثقة عمار المذكورة: وفي متن هذه الرواية اضطراب ونقلها في المعتبر بوجه آخر وتبعه على ذلك الشهيدان وهو هذا " المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده " وهي على هذا الوجه تسلم من الاضطراب واسندها الى حماد وهي كذلك في بعض نسخ التهذيب. انتهى وظني بعد ما تمحله وما ادري ما الحامل له على ذلك مع ان المحقق في المعتبر كثيرا ما ينقل اخبارا زائدة على ما في الكتب الاربعة من الاصول التي عنده. وما ذكره من التعلل بالاضطراب وانه برواية المحقق تسلم من الاضطراب فلا يخفى على المتتبع لروايات عمار ما في كثير منها من الغرائب والاضطراب كما نبهنا عليه في غير موضع مما تقدم. ونسخ المعتبر وكذا كتابي الشهيدين متفقة على حماد دون عمار. وبالجملة فالظاهر عندي انها رواية مستقلة متنا وسندا.
وروى الصدوق مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) قال: " قال رسول الله (صلى اله عليه وآله) المريض يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا فان لم يستطع صلى على جنبه الايمن فان لم يستطع صلى على جنبه الايسر فان لم يستطع استلقى واومأ ايماء وجعل وجهه نحو القبلة وجعل سجوده اخفض من ركوعه ". وروى في الكافي عن محمد بن ابراهيم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى قاعدا فان لم يقدر صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ فإذا اراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح ثم بفتح عينيه ويكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع فإذا اراد ان يسجد غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من القيام. والرواية (2) جارية على الوافى دون الوسائل والكافي
[ 77 ]
عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد وينصرف ". وروى في التهذيب بسنده عن محمد بن ابراهيم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) وراوه في الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا فان يقدر على ذلك صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ فإذا اراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع فإذا اراد ان يسجد غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد وينصرف ". وروى الصدوق في كتاب عيون اخبار الرضا عن عبد السلام بن صالح الهروي وبأسانيد ثلاثة اخرى عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا لم يستطع الرجل ان يصلي قائما فليصل جالسا فان لم يستطع فليصل مستلقيا ناصبا رجليه حيال القبلة يومئ ايماء ". وقال في كتاب دعائم الاسلام (3) " وروينا عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن صلاة العليل فقال يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا.. الى ان قال فان لم يستطع ان يصلي جالسا صلى مضطجعا لجنبه الايمن ووجهه الى القبله فان لم يستطع ان يصلي على جنبه الايمن صلى مستلقيا ورجلاه مما بلي القبلة يومئ ايماء ". وبالجملة فان الاخبار وكلام الاصحاب متفق على الانتقال الى الاضطجاع بعد تعذر القعود وانما الخلاف في الموضعين المذكورين في كيفية الاضطجاع التي ينتقل إليها فظاهر الاخبار كما عرفت وظاهر كلام جملة من الاصحاب التخيير بين الاضطجاع على الجانب الايمن الجانب الايسر وبه صرح الشيخ في موضع من المبسوط وهو ظاهر
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من القيام (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام
[ 78 ]
المحقق في الشرائع والنافع والعلامة في الارشاد. وقال في المعتبر: ومن عجز عن القعود صلى مضطجعا على جانبه الايمن مومئا وهو مذهب علمائنا، ثم قال: وكذا لو عجز عن الصلاة على جانبه صلى مستلقيا. ولم يذكر الجانب الايسر، ونحوه في المنتهى. وظاهر هما تعيين الجانب الايمن خاصة. وقال العلامة في التذكرة بعد ان ذكر الاضطجاع على الجانب الايمن: ولو اضطجع على شقه الايسر مستقبلا فالوجه الجواز. وظاهره التخيير ايضا وبه قطع في النهاية لكنه قال ان الايمن افضل. وجزم الشهيد ومن تأخر عنه بوجوب تقديم الايمن على الايسر وهو الاظهر بحمل مطلق الاخبار على مقيدها، ويدل على ما قلناه صريحا مرسلة الصدوق عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهو ظاهر روايتي عمار وحماد المتقدمتين، ودعوى الاتحاد بعيد كما عرفت، والتقريب فيهما قوله (عليه السلام) " فان لم يقدر على جانبه الايمن فكيف ما قدر " وان كان يقتضي استواء الاستلقاء والاضطجاع على الايسر عند تعذر
الايمن إلا ان قوله " ويستقبل بوجهه القبلة " يدل على الانتقال الى الايسر لان به يحصل الاستقبال بالوجه حقيقة دون الاستلقاء. واما ما في بقية رواية عمار من التهافت كما في كثير من رواياته فلا يضر بعد ظهور المطلوب منها. وبذلك يظهر ضعف القول بالتخيير استنادا الى اطلاق بعض اخبار المسألة، واضعف منه قوله من اقتصر على الجانب الايمن ثم الاستلقاء مع تعذره ولم يذكر الجانب الايسر كما هو ظاهر الفاضلين في المعتبر والمنتهى وان دل عليه الخبر المتقدم نقله عن كتاب دعائم الاسلام، إلا انه معارض بما نقلناه من الاخبار الثلاثة مضافا الى ما عرفت من عدم الاعتماد على اخبار الكتاب المذكور وان صلحت للتأييد. وبالجملة فان فيه الغاء لهذه الاخبار التي ذكرناها. بقى الكلام في الاخبار الدالة على الانتقال الى الاستلقاء بعد تعذر الجلوس،
[ 79 ]
قال في المعتبر بعد نقل رواية حماد المتقدمة: وفي رواية محمد بن ابراهيم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما قدمناه، ثم قال وهذه تدل على انتقاله بعد العجز عن الصلاة قاعدا الى الاستلقاء لكن الرواية الاولى اشهر واظهر بين الاصحاب لانها مسندة وهذه مجهولة الراوي. وقال في المدارك: وربما وجد في بعضها انه ينتقل الى الاستلقاء بالعجز عن الجلوس وهو متروك. انتهى. وبالجملة فان هذه الاخبار لا قائل بها ويؤيد ضعفها والاعراض عنها انها مخالفة لظاهر الآية اعني قوله سبحانه " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " (1) التي قدمنا تفسيرها بالاخبار الدالة على التفصيل بالصلاة قائما أو قاعدا ان ضعف عن القيام أو على الجنب ان ضعف عن القعود، ومن الظاهر عدم دخول المستلقى في ذلك. والاظهر حمل هذه الاخبار على التقية (2) كما صرح به شيخنا المجلسي في البحار وبذلك ايضا صرح الفاضل الخراساني في الذخيرة فقال بعد ذكر خبر عمار ومرسلة محمد ابن ابراهيم: والجمع بين الروايتين بحمل المرسلة المذكورة على التقية غير بعيد. انتهى وبذلك يظهر لك قوة ما اخترناه. وتمام التحقيق في المقام يتوقف على بيان امور: (الاول) المشهور انه يجب الايماء في حالتي الصلاة مضطجعا على جنبه أو مستلقيا بالرأس ان امكن وإلا فبالعينين لكل من الركوع والسجود.
(1) سورة آل عمران الآية 191 (2) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 605: فان عجز عن القعود يستلقى ويومئ ايماء.. الى ان قال وما ذكرناه هو المشهور من الروايات، ثم نقل رواية عن ابن عمر عن النبي (ص) تدل على ذلك وعلله بايماء المستلقى برأسه الى القبلة بخلاف ما إذا صلى على الجنب فانه ينحرف عنها ولا يجوز ذلك من غير ضرورة، ثم قال وروى عمران بن حفص قال: " مرضت فعادني رسول الله (ص) فقال صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنبك تومئ ايماء " وبه اخذ ابراهيم النخعي والشافعي.
[ 80 ]
ومتى كان الايماء بالرأس فليكن الايماء للسجود اخفض من الركوع كما تقدم في مرسلة الفقيه عنه (صلى الله عليه وآله). وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: " امير المؤمنين (عليه السلام) دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رجل من الانصار وقد شبكته الريح فقال يارسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف اصلي ؟ فقال ان استطعتم ان تجلسوه وإلا فوجهوه الى القبلة ومروه فليوم برأسه ايماء ويجعل السجود اخفض من الركوع وان كان لا يستطيع ان يقرأ فاقرأ واعنده واسمعوه ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود ؟ قال يومئ برأسه ايماء، وان يضع جبهته على الارض احب الي ".
وروى في الفقيه والتهذيب عن ابراهيم بن ابي زياد الكرخي (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شيخ كبير لا يستطع القيام الى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود ؟ فقال ليوم برأسه ايماء وان كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد فان لم يمكنه ذلك فليوم برأسه نحوه القبلة ايماء.. الحديث ". واما انه مع العجز عن الايماء بالرأس فبالعينين وهو عبارة عن تغميضهما حال الركوع والسجود كما تقدم في مرسلة محمد بن ابراهيم برواية المشايخ الثلاثة (4) إلا ان موردها الاستلقاء ومورد الايماء بالرأس في الروايات المتقدمة الاضطجاع على احد الجانبين والاصحاب قد رتبوا بينهما في كل من الموضعين، والوقوف على ظاهر الاخبار اولى إلا مع عدم امكان الايماء بالرأس من المضطجع فانه لا مندوحة عن الانتقال الى الايماء بالعينين. ولعل الاخبار انما خرجت مخرج الغالب من ان النائم على احد جنبيه لا يصعب عليه الايماء برأسه والمستلقى لمزيد الضعف لا يمكنه الايماء بالرأس.
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من القيام (4) هكذا العبارة في النسخ
[ 81 ]
(الثاني) - الظاهر انه لا خلاف بينهم في انه لو قدر المريض الذي فرضه الايماء بالرأس سواء كان جالسا أو مظطجعا على رفع موضع السجود والسجدة عليه وجب ذلك لصدق السجود عليه شرعا وان تعذر بعض شروطه للضرورة، قال في المدارك: وانما يجزئ الايماء إذا لم يمكن ان يصير بصورة الساجد بان يجعل مسجده على شئ مرتفع يضع جبهته عليه. وقال في الذكرى: ولو امكن تقريب مسجد إليه ليضع عليه جبهته ويكون بصورة الساجد وجب. ويدل عليه رواية الكرخي المتقدمة وكذا صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة فان قوله (عليه السلام) " وان يضع جبهته على الارض " انما هو برفع ما يسجد عليه، فان مورد الخبر من تعذر عليه السجود وكان حكمه الايماء، والمراد بالارض شئ منها يرفع إليه وما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة وتجزئه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شئ ويومئ في النافلة ايماء ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال " سألته عن المريض فقال يسجد على الارض أو على المروحة أو على سواك يرفعه وهو افضل من الايماء، انما كره من كره السجود على المروحة من اجل الاوثان التي كانت تعبد من دون الله وانا لم نعبد غير الله عزوجل قط فاسجد على المروحة أو على عود أو على سواك " وعن ابي بصير (3) قال: " سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا يسجد عليه ؟ قال لا إلا ان يكون مضطرا ليس عنده غيرها وليس شئ مما حرم الله إلا وقد احله لمن اضطر إليه ". (الثالث) - هل يجب ان يضع على جبهته شيئا حال الايماء أو يستحب ؟
(1) الوسائل الباب 14 من القبلة (2) الوسائل الباب 15 من ما يسجد عليه (3) الوسائل الباب 1 من القيام
[ 82 ]
قيل بالاول لظاهر ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (1) قال: " سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس ؟ قال فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فانه يجزئ عنه ولن يكلف الله ما لا طاقة له به ". وما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود ولا الايماء كيف يصلي وهو مضطجع ؟ قال يرفع مروحة الى وجهه ويضع على جبينه ويكبر هو.. الحديث ". قال في الذكرى بعد نقل موثقة سماعة: قلت يمكن ان يراد به مع اعتماده على ذلك الشئ وهذا لا ريب في وجوبه، ويمكن ان يكون على الاطلاق اما مع الاعتماد فظاهر
واما مع عدمه فلان السجود عبارة عن الانحناء وملاقاة الجبهة ما يصح السجود عليه باعتماد فإذا تعذر ذلك وملاقاة الجبهة ممكنة وجب تحصيله لان الميسور لا يسقط بالمعسور (3) فان قلنا به امكن انسحابه في المستلقى. انتهى. اقول: لا يخفى ان مورد الموثقة المذكورة وكذا الرواية الثانية انما هو وضع شئ على الجبهة لا وضع الجبهة على شي والاعتماد انما يتم مع الثاني لا الاول. وظاهر السيد في المدارك الاستحباب فانه قال بعد ان ذكر حسنة الحلبي المتقدمة المشتملة على قوله: " وان يضع جبهته على الارض احب الي " ما لفظه: ويستفاد من هذه الرواية استحباب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه حال الايماء، ويدل عليه ايضا صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ساق الرواية المتقدمة، ثم قال: وقيل بالوجوب لان السجود عبارة عن الانحناء، ثم ذكر تعليل الذكرى المتقدم ثم قال ويؤيده مضمرة سماعة، ثم قال وفى التعليل نظر وفى الرواية ضعف إلا ان العمل بما
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من القيام (3) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على (ع)
[ 83 ]
تضمنته احوط. انتهى. اقول: انت خبير بما ذكرناه ان الكلام هنا يقع في مقامين (احدهما) وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، و (الثاني) وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة كما اشرنا إليه في المقام من الصورتين المذكورتين، وان الصورة الاولى تتعين وتجب مع الامكان كما عرفت ومحل الخلاف انما هو الثانية، وحسنة الحلبي وصحيحة زرارة المذكورتان موردهما الصورة الاولى لا الثانية كما يظهر من كلامه غاية الامر انهما ليستا في الصراحة مثل رواية الكرخي وحسنة عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري. والظاهر ان السبب في حمله لهما على ما ذكره هو ما صرح به في صدر البحث كما قدمنا نقله عنه من انه متى امكن ان يرفع له شيئا يسجد عليه فلا يجوز له الايماء وهاتان الروايتان ربما ظهر منهما التخيير مع استحباب وضع الجبهة على الارض لقوله في الاولى " احب الي " وفى الثانية " وهو افضل من الايماء " وحينئذ فلا يصح حملهما على امكان رفع شئ يسجد عليه لان ذلك واجب البتة فيتعين حملهما على وضع شئ على الجبهة كما تضمنته موثقة سماعة. وفيه ان هذه العبارة كثيرا ما يرمى بها في مقام الوجوب كما قدمنا الاشارة إليه في مبحث الاوقات في معنى قولهم (عليهم السلام) (1) " ان الوقت الاول افضل " من انه لا يستلزم حصول فضل في الوقت الثاني، فمعنى كون الصلاة بهذه الكيفية احب إليه وافضل ليس على معنى التفضيل، وهو كثير في الكلام كقولهم " السيف امضى من العصا " وقوله تعالى: " ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة " (2) ولا ريب في كون الواجب احب وافضل. ويؤيد ما ذكرناه ان مورد الخبرين كما عرفت هو ان يضع جبهته على الارض ويسجد على الارض أو على مروحة أو سواك والوضع على الارض والسجود يقتضي
(1) الوسائل الباب 3 من المواقيت (2) سورة الجمعة الآية 11
[ 84 ]
الاعتماد غالبا، لا انه يضع الارض أو المروحة والسواك على جبهته كما هو مدلول موثقة سماعة واحدهما غير الآخر. وبالجملة فالظاهر من الخبرين انما هو ما قلناه من جعلهما من ادلة المسألة التي لا خلاف فيها هو وجوب رفع ما يسجد عليه إذا امكن كما هو ظاهرهما، وما يتوهم من منافاة تلك العبارة فيندفع بما ذكرناه ومثله في الاخبار غير عزيز. واما ما ذكره في الذكرى في موثقة سماعة اولا من احتمال حملها على الاعتماد على ذلك الشئ فبعيد جدا كما عرفت وانما معناها الظاهر هو وضع شئ على الجبهة. بقى الكلام في توجيه وجوب ذلك بالتقريب الذي ذكره فانه محل اشكال لعدم
ثبوت الخبر الذي ذكره، فانا لم نقف عليه مسندا في كتب الاخبار وانما يتناقله الفقهاء في كتب الفروع مع ما فيه من الاجمال المانع من الاستناد إليه في الاستدلال. وبالجملة فالواجب من السجود يقينا هو الانحناء الى ان يضع جبهته على الارض باعتماد ومع تعذر هذه الكيفية فايجاب غيرها يحتاج الى دليل. نعم قام الدليل في صورة ما إذا امكن ان يرفع إليه شئ يسجد عليه كما قدمنا ذكره في الاخبار وبقي الباقي وبذلك يظهر حمل الرواية على الاستحباب. والله العالم. (المسألة الخامسة) - قد صرح الاصحاب بانه لو تجدد عجز القائم قعد ولو تجددت قدرة العاجز عن القيام قام وتفصيل هذا الاجمال يقع في مقامين: (الاول) - ان من كان يصلي قائما فتجدد له العجز عن القيام قعد ومن كان يصلي قاعدا فتجدد له العجز عن القعود اضطجع، وبالجملة فكل من تجدد له العجز في مرتبة عليا انتقل الى ادناها. ثم انه متى كان تجدد العجز قبل القراءة فانه يقرأ قاعدا وان كان في اثناء القراءة فلا اشكال في انه يبنى على ما اتى به من القراءة حال القيام. وانما الاشكال في انه هل يقرأ في حال الانتقال ام لا ؟ وجهان بل قولان،
[ 85 ]
ظاهر المشهور الاول وعللوه بالمحافظة على القراءة في المرتبة العليا مهما امكن لان حالة الهوى اعلى من حالة القعود فتكون اولى بالقراءة لكونها اقرب الى ما كان عليه. وقيل بالثاني لاشتراط القراءة بالطمأنينة والاستقرار فيترك القراءة الى ان يستقر. والشهيد قد وافق المشهور في سائر كتبه إلا انه استشكل في الذكرى فقال: ويقرأ في انتقاله الى ما هو ادنى لان تلك الحال اقرب الى ما كان عليه. ويشكل بان الاستقرار شرط مع القدرة ولم يحصل وتنبه عليه رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) " في المصلى يريد التقدم ؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم ثم يقرأ " وقد عمل الاصحاب بمضون الرواية. انتهى. واجاب في الروض عن ذلك بان الاستقرار شرط في القراءة مع الاختيار لا مطلقا وحصوله بعد الانتقال الى الادنى يوجب فوات الحالة العليا بالكلية وعلى تقدير القراءة يفوت الوصف خاصة وهو الاستقرار وفوات الوصف اولى من فوات الموصوف والصفة أو الموصف وحده، وقد تقدم الكلام على نظيره في ما لو تعارض الصلاة قائما غير مستقر وجالسا مستقرا. واما الرواية فعلى تقدير الالتفات إليها لا حجة فيها على محل النزاع بوجه لان الحالتين متساويتان في الاختيار بخلاف المتنازع. انتهى. اقول: لا ريب ان المسألة خالية من النص واثبات الاحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم، إلا انا نقول على سبيل المجاراة معهم بناء على قواعدهم ان قول شيخنا في الروض بان الاستقرار شرط في القراءة مع الاختيار صحيح، وهو هنا كذلك ايضا فان الاضطرار انما تعلق هنا بالانتقال من حال القيام الى حال القعود والشارع قد جعل القعود بمنزلة القيام، واما بالنسبة الى القراءة فالواجب ان يراعى فيها شرطها وهو الاستقرار والطمأنينة فينبغي ان يترك القراءة بعد الانتقال حتى يستقر جالسا. وما عللوا به الوجوب في حال الانتقال - من ان حال الهوى اعلى من حال
(1) الوسائل الباب 34 من القراءة
[ 86 ]
القعود فيكون اولى بالقراءة - عليل إذ الواجب عندنا في تأسيس الاحكام الشرعية هو الاعتماد على النصوص الجلية دون التخريجات العقلية. وما ذكره ههنا في كلامه على الشهيد من ان الاستقرار وصف للقراءة حسبما قدمه في المسألة التي اشار إليها قد بينا ضعفه في تلك المسألة وقلنا ان الاستقرار واجب من واجبات الصلاة ان قارن القراءة أو القيام ونحوهما قالوا: وان كان بعد الفراغ من القراءة ركع جالسا وان كان في اثناء الركوع فان كان بعد الذكر جلس مستقرا للفصل بينه وبين السجود بدلا عن القيام من الركوع وان لم يمكنه رفع رأسه في حالة هويه، ولو كان قبل الذكر ففي الركوع جالسا أو الاجتزاء
بما حصل من الركوع وجهان مبنيان على ان الركوع هل يتحقق بمجرد الانحناء الى ان يصل كفاه ركبتيه والباقي من الطمأنينة والرفع افعال خارجة ؟ والاصح ان مسمى الركوع يتحقق بمجرد الانحناء المذكور فلا يركع جالسا مرة اخرى لئلا يلزم زيادة الركن، الى غير ذلك من الفروع التي رتبوها. وانما ذكرنا ما ذكرناه انموذجا من كلامهم ومن اراد مزيد تحقيق كلامهم والرجوع الى نقضهم في ذلك وإبرامهم فليرجع الى مطولاتهم (رضوان الله عليهم). (الثاني) ان من كان يصلي قاعدا مثلا فتجددت له القدرة على القيام أو مضطجعا فتجددت له القدرة على الجلوس وهكذا من كان في حالة دنيا وقدر على حالة عليا، قالوا انه ينتقل إليها تاركا للقراءة ان كانت القدرة في اثنائها أو قبلها لانتقاله الى الحالة العليا ويبنى على ما قرأ في الحالة الدنيا، وقيل يجوز الاستئناف بل هو افضل لتقع القراءة متتالية في الحالة العليا. يشكل باستلزامه زيادة الواجب مع حصول الامتثال وسقوط الفرض بما اتى به اولا. ولو خف بعد القراءة وجب القيام للهوى للركوع ليركع عن قيام لما تقدم من ان القيام الركني انما يتحقق مع اتصاله بالركوع. اقول: وقد تقدم الكلام في وجوب الطمأنينة في هذا القيام وعدمه وان الاظهر
[ 87 ]
العدم وخالف في ذلك الشهيد في الذكرى وقد نقلنا كلامه وبينا ما فيه. قالوا: ولو خف في الركوع قبل الطمأنينة وجب اكماله بان يرتفع منحنيا الى حد الراكع وليس له الانتصاب لئلا يزيد ركنا ثم يأتي بالذكر الواجب من اوله وان كان قد اتى ببعضه بناء على الاجتزاء بالتسبيحة الواحدة فلا يجوز البناء على بعضها لعدم سبق كلام تام، ويحتمل ضعيفا البناء بناء على ان هذا الفصل يسير لا يقدح في الموالاة. ولو اوجبنا تعدد التسبيح وكان قد شرع فيه فان كان اثناء تسبيحة استأنفها كما مر وان كان بين تسبيحتين اتى بما بقى واحدة كان أو اثنتين. ولو خف بعد الذكر فقد تم ركوعه فيقوم معتدلا مطمئنا. ولو خف بعد الاعتدال من الركوع قام ليسجد عن قيام ثم ان لم يكن قد اطمأن وجبت في القيام وإلا كفى ما يتحقق به الفصل بين الحركتين المتضادتين. اقول: واكثر ما ذكروه في هذا المقام لا يخرج عن القواعد الشرعية والضوابط المرعية ولا بأس بالعمل به. والله العالم. (المسألة السادسة) - من المستحبات في هذا المقام اما بالنسبة الى القائم فامور: (منها) ان يفرق الرجل بين قدميه من ثلاث اصابع الى شبر وقد تقدم الكلام في ذلك في البيان المتعلق برواية حماد في اول المقصد، واما المرأة فانها تجمع بين قدميها كما تقدم في رواية زرارة في الموضع المشار إليه. و (منها) ان يستقبل باصابع رجليه جميعا القبلة كما تضمنته رواية حماد المذكورة و (منها) ان يرسل يديه على فخذيه مضمومة الاصابع لقول حماد في خبره " فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه... الحديث " وظاهره ضم الابهام الى الاصابع، وفى صحيح زرارة المتقدم ثمة " واسدل منكبيك وارسل يديك ولا تشبك اصابعك وليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك " واما المرأة فانها تضم يديها الى صدرها لمكان ثدييها كما تقدم في رواية زرارة المشار إليها.
[ 88 ]
و (منها) اقامة نحره لما تقدم (1) في مرسلة حريز الواردة في تفسير قوله عزوجل " فصل لربك وانحر " قال: " النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه ونحره " ونقل عن ابي الصلاح انه يستحب ان يرسل ذقنه الى صدره حال القيام والخبر المذكور حجة عليه. و (منها) النظر الى موضع سجوده نظر تخشع وخضوع لا نظر تحديق إليه لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة في صدر المقصد، " وليكن نظرك الى موضع سجودك " وقوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) " ويكون بصرك في
موضع سجودك ما دمت قائما ". و (منها) ما ذكره الشهيد في النفلية وهو عدم التورك وهو الاعتماد على احدى الرجلين تارة وعلى الاخرى، وعد في الذكرى في المستحبات ان يثبت على قدميه ولا يتكئ مرة على هذه ومرة على الاخرى ولا يتقدم مرة ويتأخر اخرى قال قاله الجعفي. اقول: ويدل عليه قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) " ولا تتكئ مرة على رجلك ومرة على الاخرى ". ثم انه لا يخفى انه قد تقدم ان مذهب الاصحاب وجوب الاعتماد على الرجلين وظاهره ان الاتكاء على احداهما مناف للاعتماد عليهما إذا الاتكاء هو الاعتماد لغة وعرفا، فكيف حكموا هنا بالكراهة ومقتضى ما ذكروه ثمة هو التحريم لا الكراهة ؟ مع انه قد تقدم خبر ابي حمزة الدال على ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يطول القيام يتوكأ مرة على رجله اليمنى ومرة على رجله اليسرى. و (منها) لزوم السمت الذي يتوجه إليه فلا يلتفت الى احد الجانبين لما روى عنه (صلى الله عليه وآله) (4) من قوله " اما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة ان يحول الله وجهه وجه حمار ؟ " قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية ووجه التخويف العظيم ان الغرض من الصلاة الالتفات الى الله تعالى والملتفت فيها يمينا وشمالا ملتفت عن الله وغافل
(1) ص 65 (2) و (3) ص 7 (4) البحار ج 18 الصلاة ص 201
[ 89 ]
عن مطالعة انوار كبريائه ومن كان كذلك فيوشك ان تدوم تلك الغفلة عليه فيتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة غفله للامور العلوية وعدم اكرامه بشئ من العلوم والقرب من الله تعالى. و (منها) ما ذكره الصادق (عليه السلام) في خبر ابان ومعاوية بن وهب وهو ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن ابان ومعاوية بن وهب (1) قالا " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت الى الصلاة فقل اللهم اني اقدم اليك محمدا (صلى الله عليه وآله) بين يدي حاجتى واتوجه به اليك فاجعلني به وجيها عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين واجعل صلاتي به مقبولة وذنبي به مغفورا ودعائي به مستجابا انك انت الغفور الرحيم ". وروى في الكافي عن احمد بن محمد البرقي عن بعض اصحابنا رفعه (2) قال: " تقول قبل دخولك في الصلاة اللهم اني اقدم محمدا نبيك (صلى الله عليه وآله) بين يدي حاجتي واتوجه به اليك في طلبتي فاجعلني به وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين اللهم اجعل صلاتي بهم مقبولة وذنبي بهم مغفورا ودعائي بهم مستجابا يا ارحم الراحيمن " وروى الشيخ في التهذيب عن صفوان الجمال (3) قال: شهدت ابا عبد الله (عليه السلام) استقل القبلة قبل التكبير فقال اللهم لا تؤيسني من روحك ولا تقنطني من رحمتك ولا تؤمنى مكرك فانه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (4). قلت جعلت فداك ما سمعت بهذا من احد قبلك ؟ فقال ان من اكبر الكبائر عند الله اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والامن من مكر الله ". وروى في الكافي عن علي بن النعمان عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليهم السلام) (5) قال: " كان امير الؤمنين (عليه السلام) يقول من قال هذا القول كان
(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 15 من القيام. والرواية (3) للكليني لا للشيخ كما في الوسائل والوافى باب القيام الى الصلاة (4) سورة الاعراف، الآية 97 " فلا يأمن. "
[ 90 ]
مع محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) إذا قام من قبل ان يستفتح الصلاة: اللهم اني اتوجه اليك بمحمد وآل محمد واقدمهم بين يدي صلاتي واتقرب بهم اليك فاجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين انت مننت علي بمعرفتهم فاختم لي بطاعتهم ومعرفتهم وولايتهم فانها السعادة اختم لي بها انك على كل شئ قدير ثم تصلي... الحديث ". و (منها) ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) واسنده
في الذكرى الى الصدوق ومن الظاهر انه انما اخذه من الكتاب المذكور، قال (عليه السلام): " إذا اردت ان تقوم الى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا ولا متناعسا ولا مستعجلا ولا متلاهيا ولكن تأتيها على السكون والوقار والتؤدة وعليك بالخشوع والخضوع متواضعا لله عزوجل متخاشعا عليك خشية وسيما الخوف راجيا خائفا بالطمأنينة على الوجل والحذر فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه فصف قدميك وانصب نفسك ولا تلتفت يمينا وشمالا وتحسب انك تراه فان لم يكن تراه فانه يراك، ولا تعبث بلحيتك ولا بشئ من جوارحك ولا تفرقع اصابعك ولا تحك بدنك ولا تولع بانفك ولا بثوبك، ولا تصل وانت متلثم ولا يجوز للنساء الصلاة وهن متنقبات، ويكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما، واظهر عليك الجزع والهلع والخوف وارغب مع ذلك الى الله عزوجل، ولا تتكئ مرة على رجلك ومرة على الاخرى، وتصلي صلاة مودع ترى انك لا تصلي ابدا، واعلم انك بين يدي الجبار ولا تعبث بشئ من الاشياء ولا تحدث لنفسك وافرغ قلبك وليكن شغلك في صلاتك وارسل يديك الصقهما بفخذيك فإذا افتتحت الصلاة فكبر... الى آخره " واما بالنسبة الى القعود فقد تقدم في الموضع الرابع من المسألة الثالثة (2). والله العالم.
(1) ص 7 (2) ص 73
[ 91 ]
الفصل الرابع في القراءة والنظر في واجباتها ومستحباتها ولواحقها وحينئذ فيجب بسط الكلام فيها في بحوث ثلاثة (الاول) في واجباتها وفيه مسائل: (الاولى) لا خلاف نصا وفتوى في وجوب قراءة الحمد عينا في الصلاة الواجبة في ركعتي الصبح واوليي الصلوات الباقية، وعليه عمل النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) من بعده وبه استفاضت اخبارهم. انما الخلاف في الركنية وعدمها فالمشهور - بل ادعى عليه الشيخ (قدس سره) في الخلاف الاجماع - على العدم، ونقل في المبسوط عن بعض اصحابنا القول بركنيتها. ويدل على المشهور ما رواه الكليني في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " ان الله عزوجل فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلاة ومن نسى القراءة فقد تمت صلاته ولا شئ عليه " ورواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) مثله (2). وروى في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثم قال القراءة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الاوليين فيذكر في الركعتين الاخيرتين انه لم يقرأ ؟ قال اتم الركوع والسجود ؟ قلت نعم. قال اني اكره ان اجعل آخر صلاتي اولها ".
(1) و (2) الوسائل الباب 27 من القراءة (3) الوسائل باب 29 من القراءة (4) الوسائل الباب 30 من القراءة
[ 92 ]
وعن ابي بصير في الموثق (1) قال: " إذا نسى ان يقرأ في الاولى والثانية اجزأه تسبيح الركوع والسجود، وان كانت الغداة فنسى ان يقرأ فيها فليمض في صلاته " الى غير ذلك من الاخبار الدالة على صحة الصلاة مع نسيانها. وربما استدل على القول بالركنية بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته ؟ قال لا صلاة له إلا ان يقرأ بها في جهر أو اخفات " وحملها الاصحاب على ترك القراءة عمدا جمعا بينها وبين ما تقدم من الاخبار.
وعندي في المقام اشكال لم اعثر على من تنبه له ولا نبه عليه وهو ان الفرض الذي تجب اعادة الصلاة بتركه عمدا أو نسيانا هو ما ثبت وجوبه بالكتاب العزيز واما ما ثبت وجوبه بالسنة فهو واجب لا تبطل الصلاة بتركه سهوا، وبذلك صرح الاصحاب واليه تشير صحاح زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمات، مع انه قد ورد في القرآن العزيز ما يدل على الامر بالقراءة في الصلاة كقوله عزوجل " فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم ان سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه واقيموا الصلاة " (3) وهي ظاهرة في ما ذكرناه. وبعض الاصحاب استدل بالآية على وجوب القراءة في الصلاة من حيث دلالة الامر على الوجوب واجمعوا على انها لا تجب في غير الصلاة فتجب فيها. وبعض استدل بالتقريب المذكور على وجوب السورة حيث قالوا الامر للوجوب وما تيسر عام فوجب قراءة كل ما تيسر لكن وجوب الزائد على مقدار الحمد والسورة منفي بالاجماع فيبقى وجوب السورة سالما عن المعارض. وفيه ما سيأتي عند ذكر المسألة ان شاء الله تعالى.
(1) الوسائل الباب 29 من القراءة (2) الوسائل الباب 1 و 27 من القراءة (3) سورة المزمل، الآية 20
[ 93 ]
ويعضد هذه الآية ايضا قوله عزوجل " ورتل القرآن ترتيلا " (1) وقوله: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " (2) فانهم قد استدلوا على استحباب الاستعاذة في الصلاة بهذه الآية. وبذلك ينبغي ان تكون القراءة فريضة كالركوع والسجود، وهذه الآيات في دلالتها على ما قلناه لا تقصر عن آيات الركوع والسجود من قوله عزوجل " واركعوا مع الراكعين " (3) وقوله " يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا " (4) ونحوهما. وبالجملة فان دلالتها على ما ذكرناه اظهر من ان يذكر. ولعل من ذهب الى الركنية نظر الى دلالة هذه الآيات فتكون من قبيل الركوع والسجود وفرائض الصلاة. إلا ان الاخبار كما عرفت قد صرحت بانها ليست بفريضة وان الصلاة لا تبطل بتركها سهوا كالفرائض من الركوع والسجود، والامر في ذلك مرجوع إليهم (عليهم السلام) فليس لنا إلا الانقياد والتسليم بعد ثبوت الحكم عنهم (عليهم السلام). ثم ان من الاخبار الدالة على ما ذكرناه من وجوب القراءة صحيحة محمد بن مسلم الاخيرة ورواية ابي بصير (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى ام القرآن ؟ فقال ان كان لم يركع فليعد ام القرآن ". وعن سماعة في الموثق (6) قال: " سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب ؟ قال فليقل استعيذ بالله من الشيطان الرجيم انه هو السميع العليم ثم ليقرأها مادام لم يركع فانه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو اخفات ". وروى الصدوق باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (7) انه قال: " انما امر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا منسيا وليكون
(1) سورة المزمل، الآية 4 (2) سورة النحل، الآية 100 (3) سورة البقرة، الآية 40 (4) سورة الحج، الآية 76 (5) و (6) الوسائل الباب 28 من القراءة (7) الوسائل الباب 1 من القراءة
[ 94 ]
محفوظا مدروسا فلا يضمحل ولا يجهل، وانما بدئ بالحمد دون سائر السور لانه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد... الحديث " قال: وقال الرضا (عليه السلام) " انما جعل القراءة في الركعتين الاوليين والتسبيح في الاخيرتين للفرق بين ما فرض الله من عنده وبين ما فرضه الرسول (صلى الله عليه وآله). وروى محمد بن الحسين الرضي في كتاب المجازات النبوية عنه (صلى الله عليه وآله) (1)
" كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " الى غير ذلك من الاخبار. وتنقيح الكلام في المقام لئلا يتطرق إليه النقض والابرام يتوقف على بيان جملة من الاحكام: (الاول) قد عرفت بما ذكرنا من الاخبار مضافا الى اتفاق علمائنا الابرار وجوب الحمد في كل من الثنائية واوليي غيرها، وهل تتعين الفاتحة في النافلة ؟ الاشهر الاظهر ذلك لان الصلاة كيفية متلقاة من الشرع فيجب الوقوف فيها على ما ثبت نقله عن الشارع. ونقل عن العلامة في التذكرة انه لا يجب قراءة الفاتحة فيها للاصل. وقيل عليه انه ان اراد الوجوب بالمعنى المصطلح الشرعي فهو حق لان الاصل إذا لم يكن واجبا لم تجب اجزاؤه، وان اراد ما يعم الوجوب الشرطي بحيث تنعقد النافلة بدون القراءة - وهو الظاهر من كلامه - فهو ممنوع وسند المنع ما ذكرنا آنفا. اقول: ولو تم ما ذكره لجرى في جميع واجبات الصلاة من ذكر الركوع والسجود والتشهد ونحوها والظاهر انه لا يلتزمه. (الثاني) - قد صرح الاصحاب من غير خلاف يعرف في الباب بانه يجب قراءة الحمد اجمع ولا تصح الصلاة مع الاخلال ولو بحرف واحد منها عمدا حتى التشديد لان الاتيان بها انما يتحقق مع الاتيان بجميع اجزائها فيلزم من الاخلال بالجزء الاخلال بها، ومن الحروف التشديد في مواضعه فانه حرف وزيادة: احدهما الحرف والآخر ادغامه
(1) الوسائل الباب 1 من القراءة
[ 95 ]
في حرف آخر، والادغام بمنزلة الاعراب لا يجوز الاخلال به فالاخلال بالادغام اخلال بشيئين حينئذ، ولو فكه بطلت وان لم يسقط الحرف لزوال الادغام وعدم وقوع القراءة على الكيفية المنزلة. وكما تبطل بالاخلال بحرف تبطل ايضا بترك الاعراب والمراد به ما يشمل الحركات البنائية، ولا فرق في الاخلال بين كونه مغيرا للمعنى كضم تاء " انعمت " اولا كفتح دال " الحمد " وان كان قد ورد في الشواذ لان الاعراب كيفية للقراءة وكما وجب الاتيان بحروفها وجب الاتيان بالاعراب المتلقى من صاحب الشرع. وحكى في المعتبر عن بعض الجمهور انه لا يقدح في الصحة الاخلال بالاعراب الذي لا يغير المنعى لصدق القراءة معه، قال في المدارك وهو منسوب للمرتضى في بعض رسائله ثم قال ولا ريب في ضعفه. ثم قال ولا يخفى ان المراد بالاعراب هنا ما تواتر نقله في القرآن لا ما وافق العربية لان القراءة سنة متبعة، وقد نقل جمع من الاصحاب الاجماع على تواتر القراءات السبع (1) وحكى في الذكرى عن بعض الاصحاب انه منع من قراءة ابي جعفر ويعقوب وخلف وهي كمال العشر ثم رجح الجواز لثبوت تواترها كتواتر السبع. قال المحقق الشيخ علي بعد نقل ذلك وهذا لا يقصر عن ثبوت الاجماع بخبر الواحد فيجوز القراءة بها. وهو غير جيد لان ذلك رجوع عن اعتبار التواتر. وقد نقل جدي (قدس سره) عن بعض محققي القراء انه افرد كتابا في اسماء الرجال الذين نقلوا هذه القراءات في كل طبقة وهم يزيدون عما يعتبر في التواتر، ثم حكى عن جماعة من القراءة انهم قالوا ليس المراد بتواتر السبع والعشر ان كل ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار التواتر الآن في ما نقل من هذه القراءات فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن
(1) القراء السبعة هم عبد الله بن عامر وعبد الله بن كثير وعاصم وابو عمرو بن العلاء وحمزة بن زيات ونافع والكسائي.
[ 96 ]
غيرهم. وهو مشكل جدا لكن المتواتر لا يشتبه بغيره كما يشهد به الوجدان. وعلى هذا المنوال من الحكم بتواتر هذه القراءات عنه (صلى الله عليه وآله) جرى كلام غيره من علمائنا في هذه المجال، وهو عند من رجع الى اخبار الآل (عليهم صلوات ذي الجلال) لا يخلو من الاشكال وان اشتهر في كلامهم وصار عليه مدار نقضهم وإبرامهم حتى قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة الالفية مشير الى القراءات السبع:
فان الكل من عند الله تعالى نزل به الروح الامين على قلب سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) تخفيفا على الامة وتهوينا على اهل هذه الملة (1) انتهى. وفيه (اولا) ان هذا التواتر المدعى ان ثبت فانما هو من طريق العامة الذين
(1) قال آية الله الاستاذ السيد أبو القاسم الخوئى دام ظله في البيان ج 1 ص 92: ذهب جمع من علماء اهل السنة الى تواترها - القراءات - عن النبي (ص) ونقل عن السبكى القول بتواتر القراءات العشر، وافرط بعضهم فزعم ان من قال ان القراءات السبع يلزم فيها التواتر فقوله كفر، ونسب هذا الرأى الى مفتى البلاد الاندلسية (ابى سعيد فرج بن لب) والمعروف عند الشيعة انها غير متواترة بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ وبين ما هو منقول بخبر الواحد، واختار هذا القول جماعة من المحققين من اهل السنة وغير بعيد ان يكون هذا هو المشهور بينهم، وقد حقق - دامت بركاته - البحث تحقيقا وافيا بما لا مزيد عليه وبرهن على عدم تواترها - بعد بيان حال القراء - بما حاصله (1) ان استقراء حال القراء يورث القطع بان القراءات نقلت الينا باخبار الآحاد فليست هي متواترة عن القراء (2) وان التأمل في الطرق التى اخذ القراء عنها يدل بالقطع على انها انما نقلت إليهم بطريق الآحاد (3) وان اتصال الاسانيد بهم انفسهم يقطع التواتر حتى لو كان متحققا في جميع الطبقات فان كان قارئ انما ينقل قراءته بنفسه (4) وان احتجاج كل قارئ على صحة قراءته واعراضه عن قراءة غيره دليل قطعي على استنادها الى اجتهادهم دون التواتر عن النبي (ص) وإلا لم يحتج الى الاحتجاج (5) اضف الى ذلك انكار جملة من الاعلام على جملة من القراءات ولو كانت متواترة لما صح هذا الانكار. ومن اراد التفصيل فليرجع إليه.
[ 97 ]
هم النقلة لتلك القراءات والرواة لها في جميع الطبقات وانما تلقاها غيرهم عنهم واخذوها منهم، وثبوت الاحكام الشرعية بنقلهم وان ادعوا تواتره لا يخفى ما فيه. و (ثانيا) ما ذكره الامام الرازي في تفسيره الكبير حيث قال على ما نقله بعض محدثي اصحابنا (رضوان الله عليهم): اتفق الاكثرون على ان القراءات المشهورة منقولة بالتواتر، وفيه اشكال لانا نقول ان هذه القرءات منقوله بالتواتر، وان الله خير المكلفين بين هذه القراءات فان كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر فوجب ان يكون الذاهبون الى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق ان لم يلزمهم الكفر، كما ترى ان كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ويحمل الناس عليه ويمنعهم من غيره، وان قلنا بعدم التواتر بل ثبوتها من طرق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع وذلك باطل قطعا. انتهى. والجواب عن ذلك بما ذكره شيخنا الشهيد الثاني الذي هو احد المشيدين لهذه المباني وهو ما اشار إليه سبطه هنا من انه ليس المراد بتواترها ان كل ما ورد متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن في ما نقل الا من القرءات فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن غيرهم كما حققه جماعة من اهل هذا الشأن. انتهى - منظور فيه من وجهين (احدهما) ما ذكره سبطه في الجواب عن ذلك من ان المتواتر لا يشتبه بغيره كما يشهد به الوجدان فلو كان بعضها متواترا كما ادعاه لصار معلوما على حدة لا يشتبه بما هو شاذ نادر كما ذكره والحال ان الامر ليس كذلك. و (ثانيهما) ما ذكره في شرح الالفية مما قدمنا نقله عنه فان ظاهره كون جميع تلك القراءات مما ثبت عن الله عزوجل بطريق واحد وهو ما ادعوه من التواتر. وبالجملة فانه لو كان هنا شئ متواتر من هذه القراءات في الصدر الاول اعني زمن اولئك القراء أو كلها متواترة لم يجز هذا التعصب الذي ذكره الرازي بين اولئك القراء في حمل
[ 98 ]
كل منهم الناس على قراءته والمنع من متابعة غيره، وهذا كما نقل عن النحويين من التعصب من كل منهم في ما ذهب إليه ونسبة غيره الى الغلط مع انهم الواسطة في النقل عن الغرب ومذاهبهم في النحو كاشفة عن كلام العرب في تلك المسائل. والاشكال
الذي ذكره الرازي ثمة جار ايضا في هذا المقام كما لا يخفي على ذوي الافهام. و (ثالثا) وهو العمدة ان الوارد في اخبارنا يدفع ما ذكروه فروى ثقة الاسلام في الكافي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ان القرآن واحد نزل من عند الواحد ولكن الاختلاف يجيئ من قبل الرواة ". وروى فيه ايضا في الصحيح عن الفضيل بن يسار (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون نزل القرآن على سبعة احرف ؟ فقال كذبوا اعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد ". قال المحدث الكاشاني في كتاب الصافي بعد نقل الخبرين المذكورين والمقصود منهما واحد وهو ان القراءة الصحيحة واحدة إلا انه (عليه السلام) لما علم انهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القراءات جميعا مع اختلافها كذبهم. انتهى. ويقرب من ذلك ما رواه في الكافي ايضا في الصحيح الى المعلى بن خنيس (3) قال: " كنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) ومعنا ربيعة الرأي فذكر القرآن فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال فقال ربيعة الرأي ضال ؟ فقال نعم. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) اما نحن فنقرأ على قراءة ابي ". قال في كتاب الوافى: والمستفاد من هذا الحديث ان القراءة الصحيحة هي قراءة ابي وانها الموافقة لقراءة اهل البيت (عليهم السلام) إلا انها اليوم غير مضبوطة عندنا إذ لم تصل الينا قرائته في جميع الفاظ القرآن. انتهى. اقول: لعل كلامه (عليه السلام) في آخر الحديث انما وقع على سبيل التنزل
(1) و (2) و (3) الوافى ج 5 باب " اختلاف القراءات "
[ 99 ]
والرعاية لربيعة الرأي حيث انه معتمد العامة في وقته تلافيا لما قاله في حق ابن مسعود وتضليله له مع انه عندهم بالمنزلة العليا سيما في القراءة وإلا فانهم (عليهم السلام) لا يتبعون احدا وانما هم متبوعون لا تابعون. ثم اعلم ان العامة قد رووا في اخبارهم ان القرآن قد نزل على سبعة احرف كلها شاف واف (1) وادعوا تواتر ذلك عنه (صلى الله عليه وآله) واختلفوا في معناه الى ما يبلغ اربعين قولا اشهرها الحمل على القراءات السبع. وقد روى الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال (2) باسناده إليهم (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتاني آت من الله عزوجل يقول ان الله يأمرك ان تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت يا رب وسع على امتي فقال ان الله يأمرك ان تقرأ القرآن على سبعة احرف ". وفي هذا الحديث ما يوافق خبر العامة المذكورة مع انه (عليه السلام) قد نفى ذلك في الاحاديث المتقدمة وكذبهم في ما زعموه من التعدد، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الاخبار والحمل على التقية اقرب قريب فيه وان احتمل ايضا حمل السبعة الاحرف فيه على اللغات يعني سبع لغات كما قاله ابن الاثير في نهايتة في تفسير حديثهم المتقدم، قال اراد بالحرف اللغة اي سبع لغات من لغات العرب اي انها مفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وليس معناه ان يكون في الحرف الواحد سبعة اوجه، على انه قد جاء في القرآن ما قرئ بسبعة وعشرة... ومما يبين ذلك قول ابن مسعود اني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرأوا كما علمتم انما هو مثل قول احدكم هلم وتعال واقبل. وفيه اقوال غير ذلك هذا احسنها. انتهى. ثم ان الذي يظهر من الاخبار ايضا هو وجوب القراءة بهذه القراءات المشهورة لا من حيث ما ذكروه من ثبوتها وتواترها عنه (صلى الله عليه وآله) بل من حيث
(1) تفسير الطبري ج 1 ص 9 (2) ج 2 ص 11
[ 100 ]
الاستصلاح والتقية. فروى في الكافي بسنده الى بعض الاصحاب عن ابي الحسن (عليه السلام) (1)
قال: " قلت له جعلت فداك انا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن ان نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم ؟ فقال لا اقرأوا كما تعلمتم فسيجئ من يعلمكم " وروى فيه بسنده الى سالم بن سلمة (2) قال: " قرأ رجل على ابي عبد الله (عليه السلام) - وانا استمع - حروفا من القرآن ليس على ما يقرأها الناس ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم... الحديث " وبالجملة فالنظر في الاخبار وضم بعضها الى بعض يعطي جواز القراءة لنا بتلك القراءات رخصة وتقية وان كانت القراءة الثابتة عنه (صلى الله عليه وآله) انما هي واحدة والى ذلك ايضا يشير كلام شيخ الطائفة المحقة (قدس سره) في التبيان حيث قال: ان المعروف من مذهب الامامية والتطلع في اخبارهم ورواياتهم ان القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد غير انهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء وان الانسان مخير باي قراءة شاء قرأ، وكرهوا تجريد قراءة بعينها. انتهى ومثله ايضا كلام الشيخ امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان حيث قال: الظاهر من مذهب الامامية انهم اجمعوا على القراءة المتداولة بين القراء وكرهوا تجريد قراءة مفردة والشائع في اخبارهم (عليهم السلام) ان القرآن نزل بحرف واحد. انتهى. وكلام هذين الشيخين (عطر الله مرقديهما) صريح في رد ما ادعاه اصحابنا المتأخرون (رضوان الله عليهم) من تواتر السبع أو العشر، على ان ظاهر جملة من علماء العامة ومحققي هذا الفن انكار ما ادعى هنا من التواتر ايضا.
(1) و (2) الوسائل الباب 74 من القراءة. وقد صححنا الحديث على كتب الحديث ارجع الى الوافى باب " اختلاف القراءات " واصول الكافي باب " ان القرآن يرفع كما انزل " والنوادر.
[ 101 ]
قال الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن محمد الجزري الشافعي المقرئ في كتاب النشر للقراءات العشر (1) على ما نقله بعض مشايخنا المعاصرين: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت احد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل انكارها بل هي من الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الائمة السبعة ام العشرة ام غيرهم من الائمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الاركان الثلاثة اطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة ام عن من هو اكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك الامام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ونص عليه في غير موضع الامام أبو محمد مكي بن ابي طالب وكذلك الامام أبو العباس احمد بن عمار المهدوي وحققه الامام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمان بن اسماعيل المعروف بابي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن احد منهم خلافه، قال أبو شامة في كتابه (المرشد الوجيز): فلا ينبغي ان يغتر بكل قراءة تعزى الى واحد من هؤلاء الائمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وانها هكذا انزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف دون غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم بل ان نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة فان الاعتماد على استجماع تلك الاوصاف لا على من تنسب إليه فان القراءات المنسوبة الى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة الى المجمع عليه والشاذ غير ان هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس الى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. انتهى وهو - كما ترى - صريح في ان المعيار في الصحة انما هو على ما ذكروه من الضابط لا على مجرد وروده عن السبعة فضلا عن العشرة وان العمل على هذا الضابط المذكور
(1) ج 1 ص 9. واسم الكتاب في النسخة المطبوعة وفى كشف الظنون ج 2 ص 1952 " النشر في القراءات العشر "
[ 102 ]
مذهب السلف والخلف فكيف يتم ما ادعاه اصحابنا (رضوان الله عليهم) من
تواتر هذه السبع ؟ ويؤيد ذلك ما نقله شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني قال سمعت شيخي علامة الزمان واعجوبة الدوران يقول ان جار الله الزمخشري ينكر تواتر السبع ويقول ان القراءة الصحيحة التي قرأ بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما هي في صفتها وانما هي واحدة والمصلي لا تبرأ ذمته من الصلاة إلا إذا قرأ بما وقع فيه الاختلاف على كل الوجوه كمالك وملك وصراط وسراط وغير ذلك. انتهى. وهو جيد وجيه بناء على ما ذكرنا من البيان والتوجيه ولولا ما رخص لنا به الائمة (عليهم السلام) من القراءة بما يقرأ الناس لتعين عندي العمل بما ذكره. ثم اقول: ومما يدفع ما ادعوه ايضا استفاضة الاخبار بالتغيير والتبديل في جملة من الآيات من كلمة باخرى زيادة على الاخبار المتكاثرة بوقوع النقص في القرآن والحذف منه كما هو مذهب جملة من مشايخنا المتقدمين والمتأخرين (1). ومن الاول ما ورد في قوله عزوجل: " ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة " (2) ففي تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه قرأ أبو بصير عنده هذه الآية فقال (عليه السلام) ليس هكذا انزلها الله تعالى وانما نزلت وانتم قليل " وفى آخر " وما كانوا اذلة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانما نزل ولقد نصركم
(1) ذكر آية الله الاستاذ الخوئى دام ظله في البيان ج 1 ص 139 ان المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف وأنه ذهب إليه جماعة من المحدثين من الشيعة وجمع من علماء اهل السنة كما نسبه إليهم الرافعى في اعجاز القرآن ص 41. وقد اجاب عن الروايات التى تمسك بها القائلون به بنحو لا يبقى مجال للتشكيك ومن اراد فليرجع الى البيان ج 1 ص 175. (2) سورة آل عمران الآية 119 (3) تفسير الصافى في تفسير الآية
[ 103 ]
الله ببدر وانتم ضعفاء " وما ورد في قوله عزوجل " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار " (1) ففي الاحتجاج عن الصادق (عليه السلام) والمجمع عن الرضا (عليه السلام) (2) " لقد تاب الله بالنبي عن المهاجرين " والقمي عن الصادق (عليه السلام) " وهكذا انزلت " وفي الاحتجاج عنه (عليه السلام) (3) " واي ذنب كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تاب منه ؟ انما تاب الله به على امته ". وما ورد في قوله تعالى " وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض.. الآية " (4) ففي المجمع عن السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) (5) " انهم قرأوا خالفوا " والقمي عن العالم (عليه السلام) (6) والكافي والعايشي عن الصادق (عليه السلام) مثله (7) قال: " ولو كانوا خلفوا لكانوا في حال طاعة ". وما ورد في قوله عزوجل " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله " (8) ففي تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) (9) " ان هذه الآية قرئت عنده فقال لقارئها ألستم عربا فكيف تكون المعقبات من بين يديه ؟ وانما المعقب من خلفه فقال الرجل جعلت فداك كيف هذا ؟ فقال انما انزلت (له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله) ومن ذا الذي يقدر ان يحفظ الشئ من امر الله ؟ وهم الملائكة المقربون الموكلون بالناس " ومثله في تفسير العياشي (10). وانت خبير بان ظواهر هذه الآيات لا تنطبق على ما نطقت به هذه الروايات إلا بارتكاب التكلفات والتعسفات.
(1) سورة التوبة، الآية 118 (2) و (3) و (5) و (6) و (7) و (9) و (10) تفسير الصافى في تفيسر الآية (4) سورة التوبة، الآية 119 (8) سورة الرعد، الآية 12
[ 104 ]
ونحو ذلك ما ورد في قوله عزوجل " فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن " (1)
ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) (2) انما انزلت " فما استمتعتم به منهن الى اجل مسمى فآتوهن اجورهن " والعياشي عن الباقر (عليه السلام) (3) انه كان يقرأها كذلك. وروته العامة ايضا عن جمع من الصحابة (4). وما رواه الشيخ في التهذيب عن غالب بن الهذيل (5) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل " فامسحوا برؤوسكم وارجلكم الى الكعبين " (6) على الخفض هي ام على النصب ؟ قال بل هي على الخفض " مع ان قراءة النصب احدى القراءات السبع (7). ومثله ما ورد في قوله تعالى " سلام على آل ياسين " (8) فانها قراءة اهل البيت (عليهم السلام) وبها وردت اخبارهم (9) مع ان قراءة " الياسين " احدى القراءات السبع (10) الى غير ذلك من المواضع التي لا يسع المقام الاتيان عليها. واما اخبار القسم الثاني فهي اكثر واعظم من ان يأتي عليها قلم البيان في هذا المكان، واللازم اما العمل بما قالوه من ان كل ما قرأت به القراء السبعة وورد عنهم في اعرب أو كلام أو نظام فهو الحق الذي نزل به جبرئيل (عليه السلام) من رب العالمين على سيد المرسلين، وفيه رد لهذه الاخبار على ما هي عليه من الصحة والصراحة والاشتهار وهذا مما لا يكاد يتجرأ عليه المؤمن بالله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله) والائمة
(1) سورة النساء، الآية 24 (2) الوسائل الباب 1 من المتعة (3) تفسير الصافى في تفسير الآية (4) تفسير القرطبى ج 5 ص 139 (5) الوسائل الباب 25 من الوضوء (6) سورة المائدة، الآية 6 (7) وهى قراءة نافع وابن عامر والكسائي وعاصم كما في مجمع البيان ج 2 ص 163 (8) سورة الصافات، الآية 130 (9) تفسير الصافى في تفسير الآية (10) وهى قراءة ابن عامر ونافع كما في مجمع البيان ج 4 ص 456
[ 105 ]
الاطهار (عليهم السلام) واما العمل بهذه الاخبار وبطلان ما قالوه وهو الحق الحقيق بالاتباع لذوي البصائر والافكار. والله العالم. (الثالث) - لا خلاف بين الاصحاب في ان البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة تجب قراءتها معها ما عدا سورة براءة، وعليه تدل الاخبار المتكاثرة: فروى ثقة السلام في الكافي عن معاوية بن عمار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا قمت للصلاة اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن ؟ قال نعم. قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة ؟ قال نعم ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم هي الفاتحة ؟ قال نعم. قلت بسم الله الرحمن الرحيم من السبع ؟ قال نعم هي افضلهن ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا قمت الى الصلاة اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن ؟ قال نعم. قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة ؟ قال نعم ". وما رواه في الكافي عن يحيى بن ابي عمران الهمداني (4) قال: " كتبت الى ابي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في ام الكتاب فلما صار الى غير ام الكتاب من السورة تركها فقال العياشي ليس بذلك بأس ؟ فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم انفه يعني العياشي ". قوله " يعيدها " يعنى الصلاة وحمله على البسملة بعيد وقوله " مرتين " يتعلق بقوله " كتب " لا بقوله " يعيدها " إذ لا معنى لا عادة الصلاة مرتين. والعياشي ان حمل على الرجل المشهور صاحب التفسير المشهور هو محمد بن مسعود العياشي فينبغي تخصيصه بكون ذلك في اول امره فانه كان من فضلاء العامة ثم استبصر ورجع الى مذهب الشيعة فالحمل عليه بالتقريب
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 11 من القراءة والرواية (3) يرويها الشيخ عن الكليني
[ 106 ]
المذكور غير بعيد (1) ويحتمل غيره من المشهورين في ذلك الوقت. وروى العياشي في تفسيره عن يونس بن عبد الرحمان عن من رفعه (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " (3) قال هي سورة الحمد وهي سبع آيات منها بسم الله الرحمن الرحيم، وانما سميت المثاني لانها تثنى في الركعتين ". ومنه عن ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " سرقوا اكرم آية في كتاب الله: بسم الله الرحمن الرحيم ". ومنه عن صفوان الجمال (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما انزل الله من السماء كتابا إلا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم وانما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء للاخرى ". ومنه عن عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (6) قال: " بلغه ان اناسا ينزعون بسم الله الرحمن الرحيم فقال هي آية من كتاب الله انساهم اياها الشيطان ". ومنه عن خالد بن المختار (7) قال: " سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام)
(1) قال في ريحانة الادب ج 3 ص 142 في ترجمة العياشي: لم نظفر بتاريخ وفاته إلا انه يظهر من طبقته انه من اعلام اواخر القرن الثالث بل يحتمل انه تجاوزه الى القرن الرابع ايضا. وفى الذريعة ج 4 ص 195 عده من طبقة ثقة الاسلام الكليني. وقد عنونه الشيخ الطوسى في كتاب الرجال في باب من لم يرو عنهم " ع " وبهذا يبعد الحمل عليه لبعد كونه في اول امره معاصرا للجواد " ع " بحيث يكون مفتيا. وفى الطبعة الحديثة من فروع الكافي ج 1 ص 313 " العباسي " بالباء الموحدة والسين المهملة، وفى التعليقة " 2 " منه قال: هو هشام بن ابراهيم العباسي وكان يعارض الرضا والجواد " ع ". (2) مستدرك الوسائل الباب 1 من القراءة (3) سورة الحجر، الآية 87 (4) و (5) و (6) و (7) مستدرك الوسائل الباب 8 من القراءة
[ 107 ]
يقول ما لهم قاتلهم الله عمدوا الى اعظم آية في كتاب الله فزعموا انها بدعة إذا اظهروها ؟ وهي بسم الله الرحمن الرحيم ". ومنه عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " (2) فقال فاتحة الكتاب يثنى فيها القول. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله تعالى من علي بفاتحة الكتاب من كنز الجنة، فيها " بسم الله الرحمن الرحيم " الآية التي يقول الله تعالى فيها " وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ادبارهم نفورا " (3) و " الحمد لله رب العالمين " دعوى اهل الجنة حين شكروا لله حسن الثواب " مالك يوم الدين " قال جبرئيل ما قالها مسلم قط إلا صدقه الله واهل سماواته " واياك نعبد " اخلاص للعبادة " واياك نستعين " افضل ما طلب به العباد حوائجهم " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم " صراط الانبياء وهم الذين انعم الله عليهم " غير المغضوب عليهم " اليهود " ولا الضالين " النصارى " الى غير ذلك من الاخبار الآتي ذكر جملة منها ان شاء الله تعالى. وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في ان البسملة جزء من الفاتحة بل من كل سورة تجب قراءتها مع كل منها. والمشهور بين الاصحاب انها آية من كل سورة صرح به الشيخ في الخلاف والمبسوط وبه قطع عامة المتأخرين. ونقل عن ابن الجنيد انها في الفاتحة بعضها وفي غيرها افتتاح لها. وهو متروك واثباتها في المصاحف مع كل سورة مع محافظتهم على تجرده مما ليس منه دليل على ضعف ما ذهب إليه. ثم لا يخفي انه قد ورد جملة من الاخبار ايضا مما هو ظاهر المنافاة للاخبار المتقدمة ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 236 (2) سورة الحجر، الآية 87
(3) سورة بنى اسرائيل، الآية 46 (4) الوسائل الباب 12 من القراءة
[ 108 ]
السلام) عن الرجل يكون اماما فيستفتح بالحمد ولا يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال لا يضره ولا بأس " وهو محمول على التقية. ومنها - ما رواه عن زكريا بن ادريس القمي (1) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن الرجل يصلي بقوم يكرهون ان يجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال لا يجهر " وهو صريح في التقية وعليه يحمل الخبر الاول كما ذكرنا. ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي ومحمد بن علي الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " انهما سألاه عن من يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب قال نعم ان شاء سرا وان شاء جهرا. فقالا أفيقرأها مع السورة الاخرى ؟ فقال لا ". ومنها - ما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة أيقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ؟ قال نعم إذا افتتح الصلاة فليقلها في اول ما يفتتح ثم يكفيه ما بعد ذلك ". وعن مسمع في الحسن أو الموثق (4) قال: " صليت مع ابي عبد الله (عليه السلام) فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " ثم قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ، " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بسورة اخرى ". ولعل الصحيحين الاولين هما مستند ابن الجنيد في ما تقدم نقله عنه، والشيخ قد اجاب عنهما في التهذيب بالحمل على ما إذا كان في صلاة النافلة وقد قرأ من السورة الاخرى بعضها ويريد ان يقرأها فحينئذ لايقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " والظاهر بعده. وقال في المدارك: والحق ان هذه الروايات انما تدل على عدم وجوب قراءة البسملة عند قراءة السورة، وربما كان الوجه فيه عدم وجوب قراءة السورة كما هو
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 12 من القراءة
[ 109 ]
احد قولي الاصحاب. اقول: والظاهر عندي ان هذه الاخبار انما خرجت مخرج التقية كما صرح به في الاستبصار، والى ذلك تشير روايات العياشي المتقدمة وهي رواية ابي حمزة ورواية عيسى بن عبد الله ورواية خالد بن المختار. والله العالم. (الرابع) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان من لا يحسن الفاتحة يجب عليه التعلم فان ضاق الوقت وامكن الصلاة مأموما أو القراءة من مصحف ان احسن ذلك وجب. وقيل بجواز القراءة من المصحف مطلقا وهو ظاهر الخلاف والمبسوط وبه صرح الفاضلان معللين بان الواجب مطلق القراءة. ومنع ذلك الشهيد ومن تبعه للمتمكن من الحفظ. واستدل على الاول بما رواه الشيخ في الصحيح الى الحسن بن زياد الصيقل (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه ؟ فقال لا بأس بذلك ". إلا انه قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل والمرأة يضع المصحف امامه ينظر فيه ويقرأ ويصلى ؟ قال لا يعتد بتلك الصلاة ". واما ما اجاب به في الذخيرة عن هذا الخبر - من حمله على الكراهة حيث اختار القول الاول - ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم. على انه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الاول على النافلة والثاني على الفريضة، والى هل التفصيل ذهب شخينا الشيهد الثاني وجمع من الاصحاب في المسألة مع انه لم ينقلوا خبر علي بن جعفر المذكور وانما ذهبوا الى ذلك يجعله وجه جمع بين التعليلات التي
ذكروها من الطرفين وهي عليلة، وكان الاولى بكل من القائلين الاستناد الى ما يوافقه
(1) و (2) الوسائل الباب 41 من القراءة
[ 110 ]
من الروايتين. وبالجملة فان ما ذكرناه وجه حسن في الجمع بين الخبرين. ويمكن حمل خبر الصيقل ايضا على حال الضرورة كمحل المسألة وهو ظاهر الذكرى حيث انه بعد ان اختار المنع محتجا بان المأمور به القراءة على ظهر القلب إذ هو المتبادر الى الافهام ثم احتج بخبر عامي قدمه وهو ما رواه عبد الله بن ابي اوفى (1) " ان رجلا سأل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال اني لا استطيع ان احفظ شيئا من القرآن فماذا اصنع ؟ فقال له قل سبحان الله والحمد الله " فقال هنا في الاستدلال به: ولان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يأمر الاعرابي بالقراءة من المصحف، ثم قال: وروى الحسن الصيقل وساق الحديث المذكور. وظاهره حمله على الضرورة في الصورة المذكورة وإلا فالخبر باعتبار اطلاقه ظاهر المنافاة لما ذكره فيكون حجة عليه فالواجب الجواب عنه. ثم انه مع تعذر الائتمام والقراءة من المصحف فالمستفاد من كلامهم (رضوان الله عليهم) انه اما ان يحسن بعض الفاتحة أو لا يحسن شيئا بالكلية، وعلى الاول فاما ان يكون ما يحسنه آية تامة ام اقل، وعلى الثاني فاما ان يحسن غيرها من القرآن ام لا فههنا صور: (الاولى) - ان يحسن بعض الفاتحة وكان آية تامة الظاهر انه لا خلاف في قراءتها كما ذكره غير واحد منهم. وهل يقتصر على الآية التي يأتي بها أو يجب التعويض عن باقي الفاتحة بتكرار تلك الآية أو بغيرها من القرآن أو الذكر مع تعذر الاولين ؟ قولان، ظاهر الفاضلين في المعتبر والمنتهى الاول واختاره في المدارك تمسكا بمقتضى الاصل السالم من المعارض. واختار العلامة في بعض كتبه على ما نقل عنه التعويض، ونسبه شيخنا الشهيد الثاني في
(1) في سنن ابى داود ج 1 ص 220 عن عبد الله بن ابى اوفى قال " جاء رجل الى النبي " صلى الله عليه وآله " فقال انى لا استطيع ان آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر لا حول ولا قوة إلا بالله.. الحديث "
[ 111 ]
الروض الى المشهور بين المتأخرين، واحتج بعموم " فاقرأوا ما تسير من القرآن " (1) قال خرج منه ما اتفق على عدم وجوبه واخرجه الدليل فيبقى الباقي ولا دليل على الاكتفاء ببعض الفاتحة. انتهى. ثم انه على تقدير وجوب التعويض كما هو مقتضى هذا القول فلو علم غيرها من القرآن فهل يعوض عن الفائت بقراءة ما يعلمه من الفاتحة مكررا بحيث يساويها ام يأتي ببدله من سورة اخرى ؟ قولان، وعلل الاول بانه اقرب إليها من غيرها، والثاني بان الشئ الواحد لا يكون اصلا وبدلا. والتعليلان كما ترى. (الثانية) - ان يحسن بعض آية وفى وجوب قراءتها عليه هنا اقوال: الاول الوجوب لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " فان كان معك قرآن فاقرأ به " الثاني - عدمه استنادا الى ان النبي امر الاعرابي ان يحمد الله ويكبره ويهلله، وقوله " الحمد لله " بعض آية ولم يأمره بتكرارها. واستحسن هذا القول في المعتبر. الثالث - وجوب قراءتها ان كانت قرآنا وهو المشهور بين المتأخرين. (الثالثة) - ان لا يحسن شيئا من الفاتحة يحسن غيرها من القرآن، والمشهور انه يجب عليه ان يقرأ بدلها من غيرها، قيل انه يتخير بينه وبين الذكر وهو اختيار المحقق في الشرائع. ويمكن الاستدلال على الثاني بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان الله فرض من الصلاة الركوع السجود ألا ترى لو ان رجلا دخل في الاسلام ثم لا يحسن ان يقرأ القرآن اجزأه ان يكبر ويسبح ويصلي "
(1) سورة المزمل، الآية 19 (2) في المنتقى لابن تيمية على هامش نيل الاوطار ج 2 ص 188 عن رفاعة بن
رافع " علم رسول الله " صلى الله عليه وآله " رجلا الصلاة فقال ان كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع " (3) الوسائل الباب 3 من القراءة
[ 112 ]
ثم انه هل يجب مساواة ما يأتي به من غيرها لها في المقدار ام لا ؟ ظاهر الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر الثاني وظاهر المشهور بين المتأخرين الاول. وعلى هذا القول فهل تجب المساواة في الحروف أو الآيات أو فيهما ؟ اقوال. (الرابعة) - ان لا يحسن شيئا من القرآن والمشهور انه يسبح الله تعالى ويهلله ويكبره، وذكر الشيخ في الخلاف الذكر والتكبير وذكر بعضهم التحميد والتسبيح والتهليل والتكبير، الموجود في الرواية المتقدمة التي هي مستند هذا الحكم التكبير والتسبيح قال في الذكرى: ولو قيل بتعين ما يجزئ في الاخيرتين من التسبيح كان وجها لانه قد ثبت بدليته عن الحمد في الاخيرتين فلا يقصر بدل الحمد في الاوليين عنهما. انتهى. وجعله في المدارك احوط. وفيه منع ظاهر (اما اولا) فلان الرواية التي هي مستند هذا الحكم قد اشتملت على بيان الوظيفة القائمة مقال الحمد فالعدول عنها بمجرد هذه التخريجات لا يخرج عن الاجتهاد في مقابلة النص. و (اما ثانيا) فان ما بنى عليه من بدلية التسبيح عن الحمد في الاخيرتين - بمعنى ان الاصل في الاخيرتين انما هو القراءة والتسبيح انما جعل عوضا عنها - وان اشتهر بينهم إلا انه ممنوع اشد المنع لما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة من ان الامر انما هو بالعكس كما استفاضت به اخبار اهل الذكر (عليهم السلام). ثم انه هل يجب مساواة ما يأتي به من الذكر للفاتحة ام لا ؟ المشهور بين المتأخرين الاول ونفاه المحقق في المعتبر، قال: وقولنا " بقدر القراءة " نريد به الاستحباب لان القراءة إذا سقطت لعدم القدرة سقطت توابعها وصار ما تيسر من الذكر والتسبيح كافيا. انتهى. ولو لم يحسن الذكر قال في النهاية يقوم بقدر القراءة ثم يركع إذ لا يلزم من سقوط الواجب سقوط غيره. انتهى.
[ 113 ]
إذا عرفت ذلك فاعلم ان اكثر ما نقلناه من الاقوال خال من النصوص ولذا اقتصرنا في ذلك على مجرد النقل، والاحتياط في امثال هذه المواضع مما لا ينبغي تركه بل الظاهر انه الحكم الشرعي كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. فرع متى قلنا بوجوب القراءة من المصحف فلو توقف تحصيل المصحف على شراء أو استئجار أو استعارة وجب ذلك تحصيلا للواجب بقدر الامكان، وكذا لو احتاج الى مصباح للظلمة المانعة من القراءة. (الخامس) - اتفق الاصحاب على انه لا يجوز القراءة بغير العربية فلا تجزئ الترجمة لان الترجمة مغايرة للمترجم، ولقوله عزوجل " انا انزلناه قرآنا عربيا " (1) ووافقنا على ذلك أكثر العامة. وقال أبو حنيفة تجزئ الترجمة لقوله سبحانه " لانذركم به ومن بلغ " (2) وانما ينذر كل قوم بلسانهم (3). وفيه (اولا) ان اخبارنا دالة على ان المراد بمن بلغ الائمة (عليهم السلام) فهو عطف على الفاعل في قوله " لانذركم ". و (ثانيا) انه مع تسليم عطفه على المفعول فان الانذار بالقرآن لا يستلزم نقل اللفظ بعينه إذ مع ايضاح المعنى بالترجمة يصدق انه انذرهم بخلاف موضع البحث المطلوب فيه صورة المنزل. ولو عجز عن العربية في القراءة ولم يمكنه إلا الترجمة انتقل الى الذكر بالعربية، فان عجز ايضا قالوا وجبت الترجمة، وفي تقديم اي الترجمتين قولان، رجح بعض ترجمة
القرآن لانها اقرب إليه من ترجمة الذكر، ووجه القول الآخر فوات الغرض من القرآن
(1) سورة يوسف، الآية 2 (2) سورة الانعام، الآية 19 (3) المغنى ج 1 ص 486 وبدائع الصنائع ج 1 ص 112
[ 114 ]
وهو نظمه المعجز بخلاف الذكر. واتفقوا ايضا على وجوب الترتيب في كلماتها وآيها على الوجه المنقول. ولا ريب فيه لتعلق الاوامر بالقرآن على الكيفية التي نزلت واتى بها صاحب الشريعة، فلو خالف عامدا اعاد الصلاة على ما قطع به الاصحاب. قال في المدارك: وهو جيد ان لم يتداركها قبل الركوع لا مطلقا لان المقرو على خلاف الترتيب وان لم يصدق عليه اسم السورة لكن لا يخرج بذلك عن كونه قرآنا. انتهى. هو جيد. ولو كان ناسيا قالوا يستأنف القراءة ما لم يركع وهو على اطلاقه محل بحث فانه انما يتم إذا لم يمكن البناء على السابق لفوات الموالاة وإلا بنى عليه واتم القراءة كما لو قرأ آخر الحمد ثم قرأ اولها. (السادس) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان من واجباب القراءة اخراج الحروف من مخارجها المقررة، والظاهر ان الوجه فيه هو انه لما كان القرآن عربيا نزل بلغة العرب فكل ما اقتضته اللغة العربية وبنيت عليه من اخراج الحروف من مخارجها والتشديد في موضعه المقرر والادغام والمد على الوجوه المذكورة في محلها والاعراب ونحو ذلك مما بنيت عليه اللغة المذكورة وكان من اصولها المقررة فانه مما يجب الاتيان به، لان الواجب القراءة باللغة العربية فكل ما كان من اصولها التي لا تحقق لها إلا به فانه يجب وما ليس كذلك مثل الجهر والهمس والاستعلاء والاطباق والترتيل والوقف والتفخيم والترقيق ونحوها فانه لا يجب بل هو من المحسنات. قال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان في شرح قول المصنف: " ويجب اخراج الحروف من مواضعها " ما صورته: ويستفاد من تخصيص الوجوب بمراعاة المخارج والاعراب في ما تقدم عدم وجوب مراعاة الصفات المقررة في العربية من الجهر والهمس والاستعلاء والاطباق ونظائرها، وهو كذلك بل مراعاة ذلك مستحبة. انتهى. ونقله عنه المحقق الاردبيلي واستحسنه، ثم قال المحقق المشار إليه في موضع
[ 115 ]
آخر - في تعليل عدم اجزاء قراءة القرآن في الصلاة بالترجمة - ما صورته: يشعر بعدم اجزاء ترجمة القرآن مطلقا ومعلوم من وجوب القراءة بالعربية المنقولة تواترا عدم الاجزاء وعدم جواز الاخلال بها حرفا وحركة بنائية واعرابية وتشديدا ومدا واجبا وكذا تبديل الحروف وعدم اخراجها من مخارجها لعدم صدق القرآن فتبطل الصلاة.. الى آخر كلامه زيد في مقامه. وعلى هذا النهج كلام غيرهما ومرجعه الى الفرق بين ما كان من اصول القراءة التي بنيت عليه اللغة العربية وغيره وانه مع الاخلال بشئ من اصول القراءة تبطل الصلاة لعدم صدق الاتيان بالقرآن كما ذكره المحقق المذكور في آخر كلامه. ويزيد ذلك ايضاحا ان مع عدم اخراج الحروف من مخارجها المقررة ربما اختلف المعنى باختلاف المخرجين كما في " الضالين " بالضاد والظاء فانه على الاول من الضلال وعلى الثاني من باب " ظل يفعل كذا " إذا فعله نهارا. (المسألة الثانية) - اتفق الاصحاب من غير خلاف يعرف على انه يجوز الاقتصار على الحمد بغير سورة في النوافل وفى الفرائض في حال الاضطرار كالخوف وضيق الوقت بحيث ان قرأ السورة خرج الوقت وكذا مع عدم امكان التعلم. وانما الخلاف في وجوب السورة مع السعة والاختيار وامكان التعلم فالمشهور الوجوب وبه صرح الشيخ في كتابي الاخبار والخلاف والجمل وهو اختيار السيد المرتضى وابن ابي عقيل وابي الصلاح وابن البراج وابن ادريس وغيرهم عليه اكثر المتأخرين. وذهب الشيخ في النهاية الى الاستحباب وهو اختيار ابن الجنيد وسلار ومال إليه في المعتبر
والمنتهى وعليه جمع من متأخرى المأخرين كالسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة وغيرهما. والواجب اولا نقل الاخبار المتعلقة بالمقام وتذييلها بما يفهم من مضامينها من الاحكام ليتضح به الحال وما هو الاولى بالاختيار في هذا المجال:
[ 116 ]
فاقول وبالله سبحانه التوفيق لبلوغ المأمول: من الاخبار المذكورة التي استدل بها على الاستحباب ما رواه الشيخ عن علي بن رئاب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول ان فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة ". وفي الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان فاتحة الكتاب وحدها تجزئ في الفريضة ". اقول: وهاتان الروايتان من اقوى ادلة القول بالاستحباب وعليهما اعتمد في المدارك لصحتهما وصراحتهما بزعمه، قال والتعريف في الفريضة ليس للعهد لعدم تقدم معهود ولا للحقيقة لاستحالة ارادته ولا للعهد الذهني لانتفاء فائدته فيكون للاستغراق. انتهى والشيخ قد حمل هذين الخبرين في التهذيبين على حال الضرورة دون الاختيار وهو اقرب قريب في المقام لما رواه في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس بان يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الاوليين إذا ما اعجلت به حاجة أو تخوف شيئا " وبمضمونها اخبار اخر، وقضية اطلاق الخبرين الاولين وتقييد هذه الاخبار حمل الخبرين الاولين على هذه الاخبار كما هو القاعدة. وبما ذكرنا هنا صرح العلامة في المنتهى حيث نقل عن الشيخ الاحتجاج على الاستحباب بصحيحة الحلبي المذكورة في كلام السيد السند واجاب عنها بالحمل على حال الضرورة والاستعجال واورد الاخبار الدالة على جواز الاقتصار على الحمد في الحالين المذكورين. ومع الاغماض عن ذلك فاحتمال التقية فيهما مما لا ريب فيه ولا مرية تعترية، ومن ذلك يظهر لك ضعف الاستدلال بالخبرين المذكورين لقيام ما ذكرنا من الاحتمالين في البين ومنها - صحيحة سعد بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (4)
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من القراءة (4) الوسائل الباب 4 من القراءة
[ 117 ]
قال: " سألته عن رجل قرأ في ركعة الحمد ونصف سورة هل يجزئه في الثانية ان لايقرأ الحمد ويقرأ ما بقى من السورة ؟ قال يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقى من السورة ". وصحيحة زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أيدع المكان الذى غلط فيه ويمضي في قراءته أو يدع تلك السورة ويتحول عنها الى غيرها ؟ قال كل ذلك لا بأس به وان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع ". وصحيحة اسماعيل بن الفضل (2) قال: " صلى بنا أبو عبد الله أو أبو جعفر (عليه السلام) فقرأ بفاتحة الكتاب وآخر سورة المائدة فلما سلم التفت الينا فقال اما اني اردت ان اعلمكم " ونحو ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيقرأ الرجل السورة الواحدة في الركعتين من الفريضة ؟ قال لا بأس إذا كانت اكثر من ثلاث آيات ". وهي وان احتملت الحمل على تكرار السورة في الركعتين إلا ان التقييد باكثر من ثلاث آيات لا يظهر له معنى إلا حمل الخبر على قسمة السورة في الركعتين. واصرح منه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابان بن عثمان عن من اخبره عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته هل تقسم السورة في ركعتين ؟ فقال نعم اقسمها كيف شئت ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " انه سئل عن السورة أيصلي الرجل بها في ركعتين من الفريضة ؟ قال نعم إذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها
في الركعة الاولى والنصف الآخر في الركعة الثانية ". وهذه الرواية نقلها المحقق في المعتبر (6) عن حريز بن عبد الله عن ابي بصير
(1) و (4) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) و (5) الوسائل الباب 5 من القراءة (3) الوسائل الباب 6 من القراءة (6) ص 174
[ 118 ]
والظاهر انه نقلها من كتاب حريز. وصحيحة علي بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن تبعيض السورة فقال اكره ذلك ولا بأس به في النافلة ". وقد تقدم في ما يدخل في سلك هذه الاخبار صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة الحلبيين وحسنة مسمع أو موثقته السابقات في الحكم الثالث من المسألة المتقدمة. اقول: وهذه الاخبار وان دلت بحسب ما يترآى منها على ما ذكروه إلا ان باب الاحتمال فيها مفتوح، فان اطلاق جملة منها قابل للحمل على النافلة وما هو صريح في الفريضة أو ظاهر فيها فحمله على التقية اقرب قريب وكذلك باقي الاخبار. وبالجملة فان اتفاق العامة على استحباب السورة وجواز تبعيضها (2) مما اوهن الاستناد إليها واضعف الاعتماد عليها إلا ان اصحابنا (سامحهم الله تعالى بغفرانه) لما اطرحوا هذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (عليه السلام) ونبذوها وراء ظهورهم - كما قدمنا بيانه في غير مقام مما تقدم - اتسع لهم المجال في مثل هذه الاقوال. والله العالم بحقيقة الحال. وعلى هذا فالمراد بقوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن الفضل " انما اردت ان اعلمكم " يعني جواز التبعيض للتقية، وقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن يقطين " اكره ذك " انما هو بمعنى التحريم لا المعنى المصطلح فانه اصطلاح عرفي طارى وورود الكراهة بمعنى التحريم في الاخبار اكثر كثير كما اعترف به جملة من الاصحاب وقد تقدم بيانه في غير مقام. هذا ما يتعلق بالكلام على الاخبار الدالة على الاستحباب واما الادلة التي استدلوا بها على الوجوب منها الآية اعني قوله عزوجل " فاقرأوا ما تيسر من القرآن " (3) فان الامر حقيقة في الوجوب. ومنها - صحيحة منصور بن حازم (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام)
(1) و (4) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) المغنى ج 1 ص 491 وص 493 (3) سورة المزمل، الآية 20
[ 119 ]
لا تقرأ في المكتوبة باقل من سورة ولا باكثر ". واجاب في المدارك عن الآية بانه لا دلالة لها على المدعى بوجه لان موردها التهجد ليلا كما يدل عليه السياق، ولان الظاهر ان " ما " ليست اسما موصولا بل نكرة تامة فلا تفيد العموم بل يكون حاصل المعنى اقرأوا مقدار ما اردتم واحببتم. واما الرواية فلا تخلوا من ضعف في السند والدلالة لان في طريقها محمد بن عبد الحميد وهو غير موثق مع ان النهي فيها وقع عن قراءة الاقل من سورة والاكثر وهو في الاكثر محمول على الكراهة كما سنبينه فيكون في الاقل كذلك حذرا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. انتهى اقول: ما ذكره في معنى الآية وان امكن المناقشة فيه بما يطول به الكلام إلا ان الظاهر ان الآية لا تصلح هنا للاستدلال لما هي عليه من التشابه وقيام الاحتمال. واما ما ذكره في الجواب عن صحيحة منصور من الطعن في السند والدلالة فهو مردود، اما الطعن من جهة السند ففيه ان منعه من توثيق محمد بن عبد الحميد ممنوع، والظاهر انه اعتمد في ذلك على عبارة العلامة في الخلاصة وما كتبه جده (قدس الله ارواحهم) في حواشيها، حيث قال العلامة في الخلاصة: محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) وكان ثقة من اصحابنا الكوفيين. انتهى. فكتب شيخنا الشهيد الثاني في الحاشية: هذه عبارة النجاشي وظاهرها ان الموثق الاب لا الابن. انتهى.
وانت خبير بان ما ذكره في المدارك وان احتمل بالنبسة الى عبارة العلامة في الخلاصة إلا انه لا يتم في عبارة النجاشي التي اخذ منها العلامة هذه العبارة فان هذه العبارة بعينها في كتاب النجاشي وبعدها بلا فصل: له كتاب النوادر.. الى آخره. وحينئذ فمرجع ضمير " له " هو مرجع ضمير " كان " كما لا يخفى على العارف باسلوب الكلام من الاعيان، ولا معنى لرجوع الضمير الاولى الى الاب والثاني الى الابن للزوم التفكيك في الضمائر وهو معيب في كلام الفصحاء بل من قبيل التعمية والالغاز. ويؤيده ايضا ان محمد صاحب
[ 120 ]
الترجمة فجميع ما يذكر فيها يرجع إليه إلا مع قرينة خلافه، ولهذا عد العلامة في الخلاصة طريق الصدوق الى منصور بن حازم في الصحيح مع ان محمد المشار إليه في الطريق، وجزم بتوثيقه جملة من علمائنا الاعلام منهم الميرزا محمد صاحب كتاب الرجال وشيخنا المجلسي في الوجيزة وشيخنا أبو الحسن في البلغة وغيرهم. ومن مواضع الاشتباه في مثل ذلك ما ذكره النجاشي في ترجمة الحسن بن علي بن النعمان حيث قال الحسن بن علي بن النعمان مولى بني هاشم ابوه علي بن النعمان ثقة ثبت له كتاب نوادر صحيح الحديث كثير الفوائد.. الخ. والسيد السند صاحب المدارك كتب في حواشيه على الخلاصة على هذا الموضع حيث نقل العلامة فيها هذه العبارة ما صورته: استفاد منه بعض مشايخنا توثيقه وعندي في ذلك توقف والمصنف (قدس سره) جعل حديثه في الصحيح في المنتهى في بحث التخيير في المواضع الاربعة وكأنه ظهر له توثيقه ولا يبعد استفادته من هذه العبارة. انتهى. اقول: والذي وقفت عليه في كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) من علماء الرجال وغيرهم هو توثيق الحسن بن علي بن النعمان المذكور ولم يتوقف احد منهم في ذلك، وهو بناء منهم على انه إذا كانت الترجمة لرجل فجميع ما يذكر فهيا انما يعود إليه كما هو في كتب الرجال المعول عليها إلا مع قرينة خلافه كما اشرنا آنفا إليه، وحينئذ فما توهمه (قدس سره) في هذا المقام ظاهر السقوط عند علمائنا الاعلام. واما الطعن في الرواية من حيث الدلالة بان النهي عن الاكثر محمول على الكراهة ففيه ان ما وجه به الكراهة - وهو الذي اشار إليه بقوله " سنبينه " من قيام الدليل عنده على جواز القران في الفريضة فتحمل هذه الرواية ونحوها مما دل على النهي عن القران على الكراهة جمعا - مدفوع بما سيجئ تحقيقه ان شاء الله تعالى في المسألة من ان المستفاد من الاخبار هو التحريم. نعم يمكن توجيه ذلك بغير ما وجهه (قدس سره) وهو ان ظاهر الاخبار الكثيرة الدالة - كما قلنا - على تحريم القران هو انه عبارة عن الجمع
[ 121 ]
بين سورتين بعد الحمد لا مجرد الزيادة على سورة. ولو ادعى ايضا شمول القران لذلك بمجرد هذه الرواية كما ذهب إليه البعض فيمكن توجبه الكراهة حينئذ باستفاضة الروايات واتفاق الاصحاب على جواز العدول عن سورة الى اخري في الجملة وان اختلفوا في تحديده فانه يدل على جواز قراءة ما زاد على سورة فيجب حمل النهي هنا عما زاد على الكراهة البتة وبذلك يضعف الاعتماد في الوجوب عليها. ومنها - صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من غلط في سورة فليقرأ قل هو الله احد.. ثم ليركع " حتى انه يفهم من بعضهم وجوب قراءة " قل هو الله احد " في هذه الصورة. وفيه ان هذه الرواية معارضة بصحيحة زرارة (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أيدع المكان الذي غلط فيه ويمضي في قراءته أو يدع تلك السورة ويتحول منها الى غيرها ؟ فقال كل ذلك لا بأس به وان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع " والاحتمال المخرج عن الاستدلال قائم من الطرفين وجار في الروايتين. ومنها - صحيحة محمد بن اسماعيل (3) قال: " سألته قلت اكون في طريق مكة فننزل للصلاة في مواضع فيها الاعراب أنصلي المكتوبة على الارض فنقرأ ام الكتاب
وحدها ام نصلي على الراحلة فنقرأ فاتحة الكتاب والسورة ؟ فقال إذا خفت فصل على الراحلة المكتوبة وغيرها وإذا قرأت الحمد وسورة احب الي ولا ارى بالذي فعلت بأسا " وهذه الرواية مما استدل به المحدث الشيخ محمد بن الحسن العاملي في كتاب الوسائل على الوجوب حيث انه اختار فيه ذلك وهي بالدلالة على العدم اشبه، قال (قدس سره) بعد نقلها: اقول لولا وجوب السورة لما جاز لاجله ترك الواجب من القيام وغيره. انتهى.
(1) الوسائل الباب 43 من القراءة (2) و (3) الوسائل الباب 4 من القراءة
[ 122 ]
وفيه ان معنى الرواية انما هو ان السائل لما سأل انه إذا تعارضت الصلاة على الارض مع ترك السورة للخوف مع الصلاة في المحمل وقراءة السورة فايهما يختار ؟ اجاب (عليه السلام) بانك إذا خفت فالصلاة في المحمل اولى. وليس في ذلك دلالة على انه من حيث المحافظة على السورة وان كان ذلك هو مراد السائل ومفهوم السؤال إلا انهم (عليهم السلام) قد يجيبون بما هو اعم من السؤال بل قد يجيبون بقواعد كلية للمسؤول عنه وغيره ومن الظاهر بل الاظهر ان اولوية الصلاة في المحمل انما هو من حيث الاقبال على العبادة وفراغ البال الذي هو روحها. ويؤيد الاستحباب هنا قوله: " وإذا قرأت الحمد وسورة - يعني في صلاتك في المحمل - فهو احب الي " فان مرمى هذه العبارة انما هو الاستحباب. ومنها - جملة من الاخبار قد تضمنت نفى البأس عن الاقتصار على الفاتحة لمن اعجلت به حاجة، وهو يدل بمفهومه على ثبوت البأس لمن ليس كذلك. وفيه (اولا) ان ثبوت البأس اعم من التحريم. و (ثانيا) ان ما دل على الاستحباب - كما تقدم - صريح الدلالة على ذلك بمنطوقه والمفهوم لا يعارض المنطوق. وربما يستدل على الوجوب بالاخبار الدالة على النهي عن القران في الفريضة بان يقال النهي حقيقة في التحريم ولا وجه لتحريم ذلك إلا من حيث انه يلزم زيادة واجب في الصلاة عمدا وهو مبطل لها. وفيه (اولا) - ان ذلك مبني على تحريم القران فلا يقوم هذا الدليل حجة على من يحكم بالكراهة. و (ثانيا) - ان العبادة واجبة كانت أو مستحبة توقيفية من الشارع فمن الجائز كون السورة مستحبة والنهي عن الاتيان بها ثانية لكونه خلاف الموظف شرعا، وكما ان التشريع يحصل بزيادة الواجب باعتقاد انه واجب ومشروع كذلك يحصل باعتقاد زيادة المستحب باعتقاد توظيفه واستحبابه في ذلك المكان أو زمان من الازمان، واما
[ 123 ]
من حيث كونه قرانا فلا تبطل به سواء قلنا بوجوب السورة أو استحبابها. نعم ربما يمكن الاستدلال على ذلك بالاخبار الدالة على تحريم العدول من سورة التوحيد والجحد الى ما عدا سورتي الجمعة والمنافقين واتفاق جمهور الاصحاب على ذلك. ومن تلك الاخبار صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله احد وانت تريد ان تقرأ غيرها فامض فيها ولا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة.. الحديث ". وصحيحة ابن ابي نصر (2) قال: " يرجع من كل سورة إلا من قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون " الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى في موضعها وجه الاستدلال بها انه لولا وجوب السورة هنا لما حرم العدول عنها وليس وجوبها ناشئا عن مجرد الشروع فيها، إذ لا شئ من المستحب يجب بالشروع فيه إلا ما خرج بدليل خاص كالحج، ومتى حرم العدول عنها وجب اتمامها، ومتى ثبت الوجوب في هاتين السورتين ثبت في غيرها إذ لا قائل بالفصل، وجواز العدول في غيرهما مع الاتيان بسورة كاملة بعد ذلك لا ينافي اصل الوجوب بل يؤكده. وهذا اقوى ما يمكن ان يستدل به على الوجوب وان كان بعض مقدماته لا يخلو من المناقشة.
وبما قررناه واوضحناه يظهر لك ان المسألة محل توقف واشكال وان الاحتياط فيها لازم على كل حال، فان ما استدل به على الوجوب كما عرفت لا ينهض بالدلالة الواضحة التي يمكن بناء حكم شرعي عليها، وما استدل به على الاستحباب وان كان واضح الدلالة إلا ان اتفاق العامة على القول بمضمونها يضعف الاعتماد عليها والرجوع إليها لما استفاض في الاخبار من الامر بمخالفتهم ولو في غير مقام اختلاف الاخبار. والله العالم فروع (الاول) - يجب الترتيب بين الحمد والسورة بتقديم الحمد اولا ثم السورة
(1) الوسائل الباب 69 من القراءة (2) الوسائل الباب 35 من القراءة
[ 124 ]
فلو اخل اعاد السورة بعدها أو غيرها. وقد وقع الخلاف هنا في موضعين: (احدهما) انه لو قدم السورة عامدا فهل تبطل الصلاة ام يجب استئناف السورة أو غيرها وتصح صلاته ؟ قولان، صرح جماعة من الاصحاب بالاول: منهم - الشهيد في كتبه الثلاثة والشهيد الثاني في المسالك والعلامة في المنتهى والقواعد وهو ظاهر المحقق الشيخ علي في الشرح حيث علل ذلك بثبوت النهي في المأتي به جزء من الصلاة المقتضى للفساد، وبالجملة فالظاهر انه المشهور. وظاهر اطلاق عبارة المحقق في الشرائع الثاني واختاره في المدارك ولم اقف على مصرح به سواه حيث قال - بعد قول المصنف: ولو قدم السورة على الحمد اعادها أو غيرها - ما لفظه: اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين العامد والناسي وهو كذلك، وجزم الشارح (قدس سره) ببطلان الصلاة مع العمد وهو غير واضح. اقول: وتخصيصه المخالفة بالشارح فيه نوع اشعار بان الاكثر على خلافه مع ان الامر ليس كذلك فان ما ذكره جده هو الذي صرح به جملة من وقفت على كلامه في المسألة ولم اقف على من صرح بخلافه سواه في كتابه المذكور. بقى الكلام في الدليل على البطلان وقد عرفت ما ذكره المحقق الشيخ على من الدليل على ذلك، وعلله العلامة في المنتهى بان المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) وافعال الائمة (عليهم السلام) الترتيب وهذه الامور انما ثبتت توقيفا. انتهى. وكل من التعليلين لا يخلو من النظر الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر (اما الاول) فلان النهي هنا غير موجود إذ لا نص في المسألة إلا ان يبنى على المسألة الاصولية وهو ان الامر بالشي يستلزم النهي عن ضده الخاص وهو مأمور هنا بقراءة السورة بعد الحمد. والقول بمقتضى هذه القاعدة عندنا غير ثابت إذ لا دليل عليه كما تقدم تحقيقه. و (اما الثاني) فمرجعه الى انه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى تحت عهدة
[ 125 ]
التكليف، وفيه ان ذلك لا يستلزم بطلان الصلاة لامكان تداركه ما لم يركع فيجب عليه قراءة تلك السورة أو سورة اخرى بعد الحمد وتصح صلاته. ولو قيل - بانه مع اعتقاده الترتيب على الوجه الذي اتى به يكون مشرعا فتبطل صلاته مع تعمده للنهي عن ذلك القصد - فالجواب انه متى تدارك ذلك قبل الركوع كما ذكرنا فقد حصل امتثال الامر بالترتيب والنهي انما توجه الى امر خارج عن الصلاة وهو القصد فلا يكون موجبا لبطلانها. وربما قيل هنا بالتفصيل بين ما إذا كان عازما على اعادتها فتصح الصلاة اولا فتبطل، ووجهه غير ظاهر. الثاني - انه لو قدم السورة ساهيا فظاهرهم الاتفاق على عدم اعادة الصلاة وانه يجب اعادة السورة أو غيرها بعد الحمد وانما الخلاف في انه هل يجب اعادة الحمد ايضا ام لا ؟ قولان، قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف: " ونسيانا يستأنف القراءة " ما لفظه: ظاهر هذه العبارة وغيرها كعبارته في التذكرة والنهاية استئناف القراءة من اولها فيعيد الحمد والسورة معا. وهو بعيد لان الحمد
إذا وقعت بعد السورة كانت قراءتها صحيحة فلا مقتضى لوجوب اعادتها بل يبنى عليها ويعيد السورة خاصة. انتهى. وهو جيد. وظاهر عبارة المدارك في هذا المقام ان هذا الخلاف في صورة تقديم السورة عامدا، والظاهر انه غفلة منه (قدس سره) فان الموجود في كلامهم كما سمعت من كلام المحقق المذكور ان هذا الخلاف انما هو في صورة التقديم ناسيا واما في صورة التقديم عامدا فهو كما قدمنا بيانه. ثم انه قد صرح غير واحد منهم بان الجاهل هنا كالعامد. هذا كله على تقدير وجوب السورة كما لا يخفى. (الثاني) - قد صرح الاصحاب بانه لا يجوز ان يقرأ من السور ما يفوت بقراءته الوقت بان يقرأ سورة طويلة مع علمه بان الوقت لا يسع لها، قالوا فانه إذا كان عامدا تبطل صلاته لثبوت النهي عن فواتها المقتضى للفساد إذا خرج شئ من الصلاة وان قل عن وقتها، وان
[ 126 ]
كان ناسيا بان قرأ سورة طويلة بظن طول الوقت ثم تبين الضيق وجب العدول الى غيرها وان تجاوز النصف محافظة على فعل الصلاة في وقتها. ولا يخفى ان الحكم المذكور مبني على القول بوجوب السورة وتحريم ما زاد عليها وإلا فلا يتجه المنع، اما على القول بالاستحباب فظاهر لجواز قطعها اختيارا واما على القول بالوجوب مع تجويز الزيادة فلانه يعدل الى سورة قصيرة وما اتى به من القراءة غير مضر. ولم اقف في اصل المسألة على نص مضافا الى ما عرفت من الاشكال في وجوب السورة وعدمه. (الثالث) - يعتبر في السورة على تقدير القول بالوجوب ما قدمنا ذكره في الفاتحة من وجوب التعلم لو لم يحسن سورة، فلو تعلم بعضها وضاق الوقت فقد صرحوا بانه يأتي بما تعلمه. واما وجوب التعويض بالتكرار وغيره انما هو في ما لو جهل الفاتحة فانها الاصل في القراءة فلا يجوز خلو الصلاة منها أو بدلها اما لو علمها بتمامها وانما جهل السورة فانه يقرأ ما تيسر منها من غير تعويض عن الفائت بقرآن أو ذكر لسقوط اعتبارها مع الضرورة كما عرفت، والجهل بها مع ضيق الوقت قريب منها ان لم يكن اولى، ولان التعويض على خلاف الاصل فيقتصر فيه على موضع الوفاق. ومنه يعلم انه لو جهلها رأسا سقط اعتبارها مع ضيق الوقت واجزأت الفاتحة. وفي المنتهى ان الحكم اجماعي فلا مساغ للتوقف فيه. وكذا الكلام في الوجوب عن ظهر القلب وجواز ذلك من المصحف اختيارا أو اضطرارا على الخلاف الذي تقدم ذكره في الفاتحة. وكذا وجوب القراءة بالعربية فلا تجزئ الترجمة على ما تقدم ذكره والاعراب ايضا حسبما تقدم. (الرابع) - قال في الذكرى: قراءة الاخرس تحريك لسانه بها مهما امكن
[ 127 ]
وعقد قلبه بمعناها لان الميسور لا يسقط بالمعسور (1) وروى في الكافي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " تلبية الاخرس وتشهده وقراءته للقرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه " وهذا يدل على اعتبار الاشارة بالاصبع في القراءة كما مر في التكبير. ولو تعذر افهامه جميع معانيها افهم البعض وحرك لسانه به وامر بتحريك اللسان بقدر الباقي تقريبا وان لم يفهم مفصلا. وهذه لم ار فيها نصا. والتمتام والفأفاء والالثغ والاليغ يجب عليهم السعي في اصلاح اللسان ولا يجوز لهم الصلاة مع سعة الوقت مهما امكن التعلم فان تعذر ذلك صحت القراءة بما يقدرون عليه، والاقرب عدم وجوب الائتمام علهيم لان صلاتهم مشروعة. انتهى. اقول وبنحو ذلك صرح غيره. وانت خبير بانه لا اشكال في ما ذكروه من وجوب تحريك اللسان للنص المذكور ويعضده ان الواجب في القراءة شيئان احدهما تحريك اللسان والثاني القراءة على الوجه المخصوص فمع تعذر القراءة يبقى وجوب تحريك اللسان بحاله. واما وجوب عقد القلب بمعناها فهو وان كان مشهورا في كلامهم إلا انه خال من الدليل. ونقل في المنتهى عن الشيخ الاكتفاء بتحريك اللسان.
والمراد بعقد القلب بها على ما يستفاد من كلامه جمع: منهم - العلامة وغيره هو ان يقصد كون هذه الحركة حركة قراءة لتتميز بذلك عن حركته في غيرها، وكأنهم لحظوا ان حركة اللسان اعم من القراءة فلا تنصرف إليها إلا بالقصد والنية. والمفهوم من كلام الشهيد في الدروس والبيان - وهو صريحه في هذا الكلام المنقول هنا - ان المراد بعقد القلب قصد معاني الحمد والسورة وتصورها بقلبه حيث صرح في اثناء الكلام توضيحا لما قدمه اولا بانه لو تعذر افهامه جميع معانيها افهم البعض وحرك لسانه به وامر بتحريك اللسان بقدر الباقي وان لم يفهم معناه مفصلا. والظاهر بعده لعدم الدليل عليه كما اعترف به من انه لم
(1) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على " ع " (2) الوسائل الباب 59 من القراءة
[ 128 ]
يربه نصا بل لم يقم دليل على ذلك في الصحيح فضلا عن الاخرس. وبالجملة فهذا من قبيل " اسكتوا عما سكت الله عنه " كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب (1) وقد مر مزيد بيان له ايضا بقى هنا شئ وهو ان ظاهر النص اضافة الاشارة باصبعه الى تحريك لسانه الذي هو بدل عن قراءته وتكبيره وتشهده فيصير داخلا في البدلية. والخبر لا معارض له في ذلك وظاهر عبارة شيخنا المشار إليه ايضا ذلك ولا بأس به. واما ما ذكره بالنسبة الى التمتام والفأفاء والالثغ والاليغ فهو جيد، ويدل عليه ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة (2) قال: " سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح ولو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم انه يلزمه ويعمل به وينبغي له ان يقوم به حتى يكون ذلك منه بالنبطية والفارسية لحيل بينه وبين ذلك بالادب حتى يعود الى ما قد علمه وعقله، قال ولو ذهب من لم يكن في مثل حال الاعجم المحرم ففعل فعال الاعجمي والاخرس على ما قد وصفنا إذا لم يكن احد فاعلا لشئ من الخير ولا يعرف الجاهل من العالم ". اقول: في النهاية فيه " فارسل الى ناقة محرمة " اي التي لم تركب ولم تذلل. وفى الصحاح جلد محرم اي لم تتم دباغته وسوط محرم اي لم يلن بعد وناقة محرمة اي لم تتم رياضتها بعد، وقال كل من لا يقدر على الكلام اصلا فهو اعجم ومستعجم، والاعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه. انتهى. اقول: ومنه يعلم ان اطلاق المحرم في الخبر على من لا يمكنه الاتيان بالقراءة
(1) ج 1 ص 50 وقد رواه القاضى محمد بن سلامة المغربي الشافعي في كتابه الشهاب في الحكم والآداب في باب الالف المقطوع والموصول (2) الوسائل الباب 67 من القراءة
[ 129 ]
ونحوها على وجهها من اخراج الحروف من مخارجها اولا يفصح به لشبهه بالدابة ونحوها من الاشياء المعدودة في عدم لين لسانه وتذليله بالنطق. وحاصل معنى الخبر الفرق بين من يمكنه الاتيان بالقراءة والاذكار والادعية في صلاة أو غيرها على وجهها ولو بالتعلم وبين من لا يمكنه، وان القادر على الاتيان بذلك على وجهه ولو بالتعلم لا يجزئه غير ذلك وجهله مع امكان التعلم ليس بعذر شرعى. والمستفاد من بعض الاخبار ان من لا يقدر على اصلاح لسانه ويقرأ ويدعو على تلك الحال فان الله سبحانه بمزيد فضله وكرمه يوكل الملائكة باصلاحه فلا يرفع إليه إلا على الهيئة والكيفية المأمور بها: روى في الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) ان الرجل الاعجمي من امتي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته ". وقد ورد في الحديث المشهور عنه (صلى الله عليه وآله) (2) " ان سين بلال
عند الله شين ". (المسألة الثالثة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) من متقدميهم ومتأخريهم وجوب الجهر في الصبح اوليي المغرب والعشاء الاخفات في الباقي فان عكس عامدا عالما وجبت عليه اعادة الصلاة، ونقل عن ابن الجنيد انه يجوز العكس ولكن يستحب ان لا يفعله وهو قول السيد المرتضى في المصباح. والى هذا القول مال جملة من متأخرى المتأخرين: اولهم - على الظاهر السيد السند (قدس سره) في المدارك وتبعه فيه جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا. والاظهر عندي هو القول المشهور، ولنكتف هنا في بيان ما اخترناه بنقل ما ذكره
(1) الوسائل الباب 30 من قراءة القرآن (2) الشهاب في الحكم والآداب للقاضى محمد بن سلامة المغربي الشافعي المتوفى 454 باب الالف المقطوع والموصول
[ 130 ]
السيد المشار إليه والكلام على كلامه وبيان ضعفه في نقضه وإبرامه: قال (قدس سره) بعد نقل القولين المذكورين: احتج الشيخ (قدس سره) بما رواه زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت له رجل جهر بالقراءة في ما لا ينبغي ان يجهر فيه أو اخفى في ما لا ينبغي الاخفاء فيه ؟ فقال اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته عليه الاعادة، فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه " وجه الدلالة قوله (عليه السلام) " اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة " فان " نقض " بالضاد المعجمة كناية عن البطلان والاعادة انما تثبت مع اشتمال الاولى على نوع من الخلل. واحتج الشهيد في الذكرى على الوجوب ايضا بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) والتأسي به واجب. وهو ضعيف جدا فان التأسي في ما لا يعلم وجهه مستحب لا واجب كما قرر في محله. واحتج القائلون بالاستحباب باصالة البراءة من الوجوب، وقوله تعالى " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " (2) وجه الدلالة ان النهي لا يجوز تعلقه بحقيقة الجهر والاخفات لامتناع انفكاك الصوت عنهما بل المراد - والله اعلم - ما ورد عن الصادق (عليه السلام) (3) في تفسير الآية وهو تعلق النهي بالجهر العالي الزائد عن المعتاد والاخفات الكثير الذي يقصر عن الاسماع والامر بالقراءة المتوسطة بين الامرين وهو شامل للصلوات كلها. وما رواه علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يصلي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه ان لا يجهر ؟ قال ان شاء جهر وان شاء لم يجهر " واجاب عنها الشيخ بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب العامة (5) قال المصنف (قدس سره) وهو تحكم من الشيخ فان بعض
(1) الوسائل الباب 26 من القراءة (2) سورة بنى اسرائيل، الآية 110 (3) الوسائل الباب 33 من القراءة (4) الوسائل الباب 25 من القراءة (5) في البحر الرائق ج 1 ص 302 " الجهر في الصلاة الجهرية واجب على الامام فقط وهو افضل في حق المنفرد وهى صلاة الصبح والركعتان الاوليان من المغرب والعشاء.. "
[ 131 ]
الاصحاب لا يرى وجوب الجهر بل يستحبه مؤكدا. والتحقيق انه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الاول على الاستحباب أو حمل الثاني على التقية، ولعل الاول ارجح لان الثانية اوضح سندا واظهر دلالة مع اعتضادها بالاصل وظاهر القرآن. انتهى. اقول: وعدي فيه نظر من وجوه (احدها) - نقله رواية زرارة عارية عن وصف الصحة حيث انه نقلها عن الشيخ وهي وان كانت في كتابيه كذلك لكنها من روايات الصدوق في الفقيه وطريقه الى زرارة في اعلى مراتب الصحة فتكون الرواية صحيحة، وبه يظهر ضعف ما ذكره اخيرا من دعواه كون صحيحة علي بن جعفر اوضح سندا بناء على نقله لها عن الشيخ (قدس سره). و (ثانيها) - انه مما يدل على هذا القول ايضا صحيحة زرارة الاخرى عنه (عليه السلام) (1) قال: " قلت له رجل جهر بالقراءة في ما لا ينبغي الجهر فيه أو اخفى في ما لا ينبغي الاخفاء فيه، وترك القراءة في ما ينبغي القراءة فيه أو قرأ في ما لا ينبغي القراءة
فيه ؟ فقال اي ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شئ عليه ". وما رواه في الفقيه في علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (2) " ان الصلوات التي يجهر فيها انما هي في اوقات مظلمة فوجب ان يجهر فيها ليعلم المار ان هناك جماعة.. الحديث ". ومثله ما رواه الصدوق ايضا في حكاية صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) بالملائكة في ابتداء الصلاة (3) قال: " سأل محمد بن عمران ابا عبد الله (عليه السلام) قال لاي علة يجهر في صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الغداة وسائر الصلوات الظهر والعصر لا يجهز فيهما ؟ قال لان النبي (صلى الله عليه وآله) لما اسرى به الى السماء كان اول صلاة فرض الله عليه الظهر يوم الجمعة فاضاف إليه الملائكة تصلى خلفه وامر نبيه (صلى الله عليه وآله) ان يجهر بالقراءة ليبين لهم فضله ثم فرض عليه العصر ولم يضف إليه احدا
(1) الوسائل الباب 26 من القراءة (2) و (3) الوسائل الباب 25 من القراءة
[ 132 ]
من الملائكة وامره ان يخفى القراءة لانه لم يكن وراءه احد، ثم فرض عليه المغرب واضاف إليه الملائكة فأمره بالاجهار وكذلك العشاء الآخرة، فلما كان قرب الفجر نزل ففرض الله عليه الفجر فأمره بالاجهار ليبين للناس فضله كما بين للملائكة فلهذه العلة يجهر فيها.. الحديث ". والتقريب في خبر الفضل ظاهر لتصريحه بالوجوب وفى خبر محمد بن عمران لتضمنه الامر من الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله) بالجهر والاخفات في تلك الصلوات، واوامره ونواهيه عزوجل للوجوب والتحريم بلا خلاف، وانما الخلاف في الاوامر والنواهي التي في السنة " فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم " (1) ومتى ثبت الحكم في حقه (صلى الله عليه وآله) ثبت في امته بدليل استدلال الصادق (عليه السلام) بذلك على اصل الحكم المذكور، وهو بحمد الله سبحانه ظاهر لك ناظر. و (ثالثها) - استدلاله بالآية فانه وان كان الامر كما ذكره وقرره إلا ان هذا الاجمال الذي دلت الآية غير معمول عليه لاتفاق الاخبار وكلمة الاصحاب على انقسام الصلاة الى جهرية واخفاتية وتعيين الجهرية في صلوات مخصوصة والاخفاتية في صلوات مخصوصة، وقد دلت الاخبار المتقدمة على وجوب الجهر في الجهرية والاخفات في الاخفاتية فلا بد من تخصيص هذ الاجمال بهذه الاخبار المشار إليها، وحينئذ فيصير معنى الآية لا تجهر في الجهرية جهرا عاليا زائدا على المعتاد ولا تخافت في الاخفاتية اخفاتا لا تسمع نفسك. واللازم من ذلك الجهر في الجهرية بدون الحد المذكور والاخفات في الاخفاتية فوق الحد المذكور، ومنه يظهر عدم جواز الاستناد الى الآية في المقام لما هي عليه من الجمال المنافي لما فصلته اخبارهم (عليهم السلام). ومن الاخبار الواردة بتفسير الآية المذكورة ما رواه العياشي عن سماعة بن
(1) سورة النور، الآية 63
[ 133 ]
مهران عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في قول الله عزوجل: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها (2) ؟ قال المخافتة ما دون سمعك والجهر ان ترفع صوتك شديدا ". وما رواه الثقة الجليل علي بن ابراهيم في تفسيره عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في قوله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ؟ قال الجهر بها رفع الصوت والتخافت ما لم تسمع باذنك واقرأ ما بين ذلك ". وبهذا الاسناد عنه (عليه السلام) (4) قال: " الاجهار رفع الصوت عاليا والمخافتة ما لم تسمع نفسك ". وروى العياشي في سبب النزول عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) (5) " في قوله ولا تجهر بصلاتك.. الآية ؟ قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان بمكة جهر بصلاته فيعلم بمكانه المشركون فكانوا يؤذونه فانزلت هذه الآية عند ذلك " ونحوه روى الطبرسي عنهما (عليهما السلام) (6).
اقول: وهذه الاخبار وان كان فيها ايضا نوع اجمال بالنسبة الى الوسط الذي بين الجهر والاخفات المنهى عنهما إلا انه قد علم من الاخبار المشار إليها انفا ان هذا الحد الوسط له فردان: (احدهما) الجهر في الجهرية دون الحد المنهى عنه. و (ثانيهما) الاخفات في الاخفاتية فوق الحد المنهى عنه، لان الجهر والاخفات - كما سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيقه - حقيقتان متضادتان، وبالجملة فانك إذا ضممت اخبار المسألة كملا بعضها الى بعض فانه لا مندوحة عن التخصيص في كل من الموضعين بما ذكرنا. قال شيخنا المجلسي (قدس الله روحه) في كتاب البحار في معنى الآية: يحتمل ان يكون الغرض بيان حد الجهر في الصلاة مطلقا أو للامام، وهذا وجه قريب لتفسير الآية
(1) و (4) و (5) مستدرك الوسائل الباب 26 من القراءة (2) سورة بنى اسرائيل، الآية 110 (3) الوسائل الباب 33 من القراءة (6) ج 3 ص 446
[ 134 ]
اي ينبغي ان يقرأ في ما يجهر فيه من الصلوات بحيث لا يتجاوز الحد في العلو ولا يكون بحيث لا يسمعه من قرب منه فيكون اخفاتا أو لا يسمعه المأمومون فيكون مكروها. انتهى وبذلك يظهر لك ما في قوله اخيرا " وهو شامل للصلوات كلها " فانه ناشئ عن عدم ملاحظة الاخبار الواردة في المقام وما اشتملت عليه مما يوجب تقييد هذا الاجمال كما لا يخفى على ذوي الافهام. و (رابعها) ما ذكره من الوجهين في الجمع بين الخبرين المنقولين في كلامه واختياره الاستحباب منهما، فان فيه ما عرفت في غير مقام مما سبق انه (اولا) لم يقم عليه دليل وان اشتهر بينهم (رضوان الله عليهم) جيلا بعد جيل. و (ثانيا) ان الاستحباب حكم شرعي لا يصار إليه إلا بدليل واضح ومجرد اختلاف الاخبار ليس بدليل على ذلك و (ثالثا) ان الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة ومجرد اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، ومن المعلوم انه لولا وجود صحيحة علي بن جعفر في البين لما كان معدل عن الحكم بمقتضى صحيحة زرارة المذكورة والقول بالوجوب كما لا يخفى. و (رابعا) انه من الجائز بل هو المتعين ان يجعل التأويل في جانب صحيحة علي بن جعفر بان تحمل على التقية وهو مقتضى القاعدة المنصوصة عن اهل العصمة (عليهم السلام) في مقام اختلاف الاخبار فان العامة كلهم على الاستحباب كما هو مذهب ابن الجنيد على ما نقله في المعتبر، ولكنهم (رضوان الله عليهم) الغوا هذه القواعد الواردة عن أئمتهم (عليهم السلام) واتخذوا قواعد لا اصل لها في الشريعة. و (خامسا) تأيد صحيحة زرارة بالروايات التي قدمناها. و (خامسها) - ما ذكره من اظهرية دلالة صحيحة علي بن جعفر فانه في الضعف والبطلان اظهر من ان ينكر، وكيف وصحيحة زرارة دلت على ان الاخفاتية لا يجوز الجهر فيها والجهرية لا يجوز الاخفات فيها، وهذا وان كان في كلام السائل إلا ان الامام (عليه السلام) قرره عليه واجابه بما يطابقه ويدل عليه، ودلت ايضا على وجوب
[ 135 ]
الاعادة بعد حكمه بكون ذلك نقضا للصلاة إذا كانت المخالفة والاخلال عن عمد. وكل واحد من هذه الوجوه يكفي في الدلالة لو انفرد فكيف مع الاجتماع، وحينئذ فلا وجه لدعواه ان صحيحة علي بن جعفر اظهر دلالة، ومن المعلوم ان ترك المستحبات لا يوجب الاعادة من رأس. و (سادسها) - ما ذكره من الاعتضاد بالاصل وظاهر القران، فان في الاول منهما ان الاصل يجب الخروج عنه مع قيام الدليل على خلافه وقد عرفت الدليل من الصحيحة المذكورة وصحيحته الثانية والاخبار التي معها. وفى الثاني انه بمقتضى ما اوضحناه ان الآية لا دلالة لها على ما ادعاه. هذا. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة في هذا المقام - حيث انه ممن تبع السيد السند كما هي عادته في اغلب الاحكام فزاد في تأييد مقالته ما زعمه من الابرام
من ظهور لفظ " لا ينبغي " في الاستحباب ون " نقص " في الرواية بالصاد المهملة اي نقص ثوابه وانه يحتمل حمل الامر بالاعادة على الاستحباب فيكون المراد المبالغة في استحبابه - فهو من جملة تشكيكاته الضعيفة واحتمالاته السخيفة، ولو قامت مثل هذه التكلفات في الاخبار والتمحلات التي تبعد عن مذاق الافكار لم يبق دليل يعتمد عليه إلا وللقائل فيه مقال وان سخف وبعد ذلك الاحتمال، ومع هذا فانا نوضح بطلان ما اعتمده باوضح بيان: فنقول: اما ما ذكره من ظهور لفظ " لا ينبغي " في الاستحباب ان اراد في عرف الناس فهو كذلك ولكن لا ينفعه، وان اراد في عرفهم (عليهم السلام) فهو ممنوع اشد المنع كما لا يخفى على من غاص بحار الاخبار وجاس خلال تلك الديار، وبذلك اعترف جملة من علمائنا الابرار، وقد حضرني الآن من الاخبار التي استعمل فيها لفظ " ينبغي ولا ينبغي " في الوجوب التحريم ما ينيف على ثلاثين حديثا. والتحقيق في المقام هو ما قدمنا ذكره من ان هذا اللفظ من الالفاظ المتشابهة في كلامهم (عليهم السلام) فلا يحمل على احد معنييه
[ 136 ]
إلا بقرينة ظاهرة والقرينة في ما ندعيه من المعنى واضحة من الجواب كما لا يخفى على ذوي الالباب. واما ما ذكره من لفظ " نقص " وانه بالصاد فانه مع تسليم صحته فهو مؤيد لما ندعيه، وذلك فان المتبادر من النقص في الشئ انما هو عدم الاتيان به تاما فمعنى نقص الصلاة عدم الاتيان بها تامة، وهذا هو المعنى الذي ينطبق عليه الامر بالاعادة كما لا يخفى على من اتخذ الانصاف سجية وعادة. واما حمل النقص على نقص الثواب كما زعم فهو معنى مجازي خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا مع المعارض الراجح كما لا يخفى على الخبير الماهر. واما حمل الاعادة على الاستحباب فقد عرفت ما فيه. وبالجملة فانك إذا رجعت الى القواعد الشرعية الواردة عن الذرية المصطفوية (عليهم افضل الصلاة والتحية) يظهر لك ان القول المشهور هو المؤيد المنصور وان القول الآخر بمحل من الضعف والقصور. واما ما ذكره من المحقق - ردا على الشيخ في حمله صحيحة علي بن جعفر على التقية من انه تحكم لان بعض الاصحاب ذهب الى القول بمضمونها - ففيه ان ظاهر هذا الكلام يعطي انه لا يصح حمل الخبر على التقية إلا إذا كان ذلك الخبر مطرحا عند جميع الاصحاب بحيث لا يقول به قائل في ذلك الباب، وهذا غريب من مثل هذا المحقق النحرير وتحكم محض بل سهو في هذا التحرير، ولعله لهذا اطرحوا قاعدة عرض الاخبار في مقام الاختلاف على التقية مع انها في اختلاف الاخبار هي اصل كل بلية كما نبهنا عليه في مقدمات الكتاب، ولا يخفى ان الاخبار الخارجة عنهم (عليهم السلام) بالاختلاف في الاحكام لا وجه للاختلاف فيها سوى التقية كما حققناه في مقدمات الكتاب، ولكن العامل بذلك الخبر الخارج مخرج التقية انما عمل به من حيث ثبوته عنهم (عليهم السلام) ولا علم له بكونه خرج مخرج التقية، ولهذا وردت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالرخصة بالعمل بالاخبار الخارجة مخرج التقية حتى يعلم بانها انما خرجت كذلك فيكون حينئذ
[ 137 ]
مخاطبا بترك العمل بها إذا لم تلجئه التقية للعمل بها وما نحن فيه من هذا القبيل. وبالجملة فان الاخبار المستفيضة بالترجيع بمخالفة العامة في مقام اختلاف الاخبار اعم مما ذكره فانه متى ما وافق احد الخبرين العامة وخالفهم الآخر وجب تركه عمل به أو لم يعلم به ولهذا ترى الاصحاب في مقام البحث والترجيح يستدل احدهم بخبر ويجيب عنه الآخر بالحمل على التقية. والله العالم. تنبيهات (الاول) - قد صرح جملة من الاصحاب: منهم - المحقق وابن ادريس والعلامة والشهيد وغيرهم بان اقل الجهر ان يسمع القريب منه تحقيقا أو تقديرا واقل الاخفات ان يسمع نفسه لو كان سامعا، وادعى عليه الفاضلان في المعتبر والمنتهى الاجماع
وقال الشهيد في الذكرى: اقل الجهر ان يسمع من قرب منه إذا كان يسمع وحد الاخفات اسماع نفسه ان كان يسمع وإلا تقديرا، قال في المعتبر وهو اجماع العلماء ولان ما لا يسمع لا يعد كلاما ولا قراءة. وقال ابن ادريس في السرائر: وادنى حد الجهران تسع من على يمينك أو شمالك ولو علا صوته فوق ذلك لم تبطل صلاته، وحد الاخفات اعلاه ان تسمع اذناك القراءة وليس له حد ادنى بل ان لم تسمع اذناه القراءة فلا صلاة له وان سمع من على يمينه أو شماله صار جهرا فإذا فعله عامدا بطلت صلاته. انتهى. وقال السيد السند في المدارك بعد قول المصنف " واقل الجهر ان يسمعه القريب الصحيح السمع إذا استمع والاخفات ان يسمع نفسه ان كان يسمع ": هذا الضابط ربما اوهم بظاهره تصادق الجهر والاخفات في بعض الافراد وهو معلوم البطلان لاختصاص الجهر ببعض الصلوات والاخفات ببعض وجوبا أو استحبابا. والحق ان الجهر والاخفات حقيقتان متضادتان يمتنع تصادقهما في شئ من الافراد. ولا يحتاج في كشف مدلولهما الى شئ زائد على الحوالة على العرف انتهى.
[ 138 ]
والظاهر ان مبنى ما ذكره السيد (قدس سره) من الاعتراض على الضابط المذكور هو انه فهم من عبارة الفاضلين والشهيد عطف الاخفات في عبائرهم على المضاف إليه في قولهم " اقل الجهر ان يسمع القريب منه والاخفات " يعني اقل الاخفات واللازم من هذا تصادق الجهر والاخفات في اسماع القريب بان يكون ذلك اعلى مراتب الاخفات لان اقله اسماع نفسه واكثره اسماع القريب واقل مراتب الجهر كما صرحوا به، وحينئذ فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه وتصير هذه الصورة مادة الاجتماع والحال ان المفهوم من النصوص الدالة على انقسام الصلاة الى جهرية واخفاتية خلافه. وانت خبير بان كلام الجماعة المذكورين وان اوهم في بادئ النظر ما ذكره إلا ان الظاهر ان ما ذكروه من تعريف الاخفات ليس بيانا للمرتبة الدنيا منه بل انما هو بيان لمعنى حقيقة الاخفات وانه عبارة عما ذكروه وانه ليس معطوفا على المضاف إليه بل على المضاف والواو للاستئناف. وبالجملة فالظاهر انهم انما قصدوا بذلك بيان معنى الاخفات وانه عبارة عن اسماع الانسان نفسه حقيقة أو تقديرا واما ما زاد عليه فهو جهر تبطل الصلاة به كما هو صريح عبارة ابن ادريس واليه يشير آخر عبارة العلامة في المنتهى حيث قال بعد تحديد الاخفات بان يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سامعا: وانما حددناه بما قلنا لان ما دونه لا يسمى كلاما ولا قرآنا وما زاد عليه يسمى جهرا. انتهى. وهو ظاهر في ان اسماع القريب جهر عنده لا اخفات بل الاخفات خاص باسماع نفسه. وقال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: الجهر والاخفات حقيقتان متضادتان كما صرح به المصنف في النهاية عرفيتان يمتنع تصادقهما في شئ من الافراد ولا يحتاج في كشف مدلولهما الى شئ زائد على الحوالة على العرف.. الى ان قال - بعد ذكر تعريف المصنف له بان اقل الجهر اسماع القريب تحقيقا أو تقديرا - ما صورته: وينبغي ان يزاد فيه قيد آخر وهو تسميته جهرا عرفا وذلك بان يتضمن اظهار الصوت على الوجه المعهود.
[ 139 ]
ثم قال بعد قوله: " وحد الاخفات اسماع نفسه تحقيقا أو تقديرا " ولابد من زيادة قيد آخر وهو تسميته مع ذلك اخفاتا بان يتضمن اخفات الصوت وهمسه وإلا لصدق هذا الحد على الجهر، وليس المراد اسماع نفسه خاصة لان بعض الاخفات قد يسمعه القريب ولا يخرج بذلك عن كونه اخفاتا. انتهى. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: واعلم ان الجهر والاخفات كيفيتان متضادتان لا يجتمعان في مادة كما نبه عليه في النهاية، فاقل السر ان يسمع نفسه لا غير تحقيقا أو تقديرا واكثره ان لا يبلغ اقل الجهر، واقل الجهر ان يسمع من قرب منه إذا كان صحيح السمع مع اشتمال القراءة على الصوت الموجب لتسميته جهرا عرفا، واكثره ان لا يبلغ العلو المفرط
وربما فهم بعضهم ان بين اكثر السر واقل الجهر تصادقا وهو فاسدا لادائه الى عدم تعيين احدهما لصلاة لامكان استعمال الفرد المشترك حينئذ في جميع الصلوات وهو خلاف الواقع لان التفصيل قاطع للشركة. انتهى. وظاهر كلام هذين الفاضلين انه لابد في صدق الجهر وحصوله من اشتمال الكلام على الصوت وهذا هو منشأ الفرق بين الجهر والاخفات، فان اشتمل الكلام على الصوت سمى جهرا اسمع قريبا أو لم يسمع وان لم يشتمل عليه سمى اخفاتا كذلك. وبنحو ما ذكره الفاضلان المذكوران صرح المحقق الاردبيلى (قدس سره) والظاهر انه قول كافة من تأخر عنهما. وفيه من المخالفة لكلام اولئك الفضلاء ما لا يخفى فانهم - كما عرفت - جعلوا اقل مراتب الجهر ان يسمع من قرب منه اشتمل على صوت أو لم يشتمل وان الاخفات عبارة عن اسماع نفسه اشتمل على صوت أو لم يشتمل وادعى الفاضلان على ذلك الاجماع كما تقدم، واللازم من ذلك ان من قرأ في الصلوات الاخفاتية بحيث يسمعه من قرب منه وان لم يشتمل على صوت فان صلاته تبطل بذلك وهو صريح كلام ابن ادريس كما تقدم، مع ان صريح كلام هؤلاء المتأخرين وهو انه متى كان كذلك فان الصلاة صحيحة.
[ 140 ]
والعرف يساعد ما ذكره المتأخرون فان مجرد سماع القريب مع عدم الاشتمال على الصوت الظاهر انه لا يطلق عليه الجهر عرفا. وبالجملة فالمتبادر عرفا من الجهر هو ما اشتمل على هذا الجرس الذي هو الصوت وان كان خفيا وما لم يشتمل عليه فانما يسمى اخفاتا وان سمعه القريب. واما ما ذكره شيخنا المشار إليه في آخر كلامه بقوله: " وربما فهم بعضهم.. الخ " فقد عرفت وجهه مما تقدم. وكيف كان فانه لا يعتد في الاخفات بما دون اسماع نفسه لما عرفت من الاخبار المتقدمة من تفسير الاخفات المنهى عنه بما لا يسمع نفسه. ويؤيده ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لا يكتب من القرآن والدعاء إلا ما اسمع نفسه ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه ؟ قال لا بأس بذلك إذا اسمع اذنيه الهمهمة ". واما ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) - (3) قال: " سألته عن الرجل يصلح له ان يقرأ في صلاته ويحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير ان يسمع نفسه ؟ قال لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما " - فقد حمله الشيخ في التهذيب على من يصلى مع قوم لا يقتدي بهم واستدل عليه بما رواه عن محمد بن ابي حمزة عن من ذكره (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) يجزئك من القراءة معهم مثل حديث النفس ". اقول: وقريب منه ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (5) قال " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدي بصلاته
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 33 من القراءة (4) و (5) الوسائل الباب 52 من القراءة
[ 141 ]
والامام يجهر بالقراءة ؟ قال اقرأ لنفسك وان لم تسمع نفسك فلا بأس ". (الثاني) - المشهور في كلامهم انه لا جهر على النساء في موضع الجهر بل الحكم مختص بالرجال، وادعى عليه الفاضلان والشهيدان اجماع العلماء فيكفيها اسماع نفسها تحقيقا أو تقديرا. ولو جهرت ولم يسمعها الاجنبي فقد صرحوا بصحة صلاتها لحصول الامتثال اما لو سمعها فالمشهور عندهم البطلان للنهي في العبادة المستلزم للفساد. والظاهر ان مرادهم بالنهي هنا هو ان صوت المرأة عورة فهى منهية عن اسماعه الاجنبي وانت خبير بانه لم يقم عندنا ما يدل على ما ادعوه من كون صوتها عورة وانها منهية عن اسماعه الاجنبي بل ظاهر الاخبار الدالة على تكلم فاطمة (عليها السلام) مع الصحابة في مواضع عديدة ولا سيما في المخاصمة في طلب ميراثها والاتيان بتلك الخطبة الطويلة
المشهورة كما نقلناها لطولها في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد وتكلم النساء في مجلس الائمة (عليهم السلام) هو خلاف ما ذكروه. ثم انه مع تسليم صحة ما ذكروه فالنهى هنا انما توجه الى امر خارج عن الصلاة وان كان مقارنا كما تقدم البحث فيه في مسألة الصلاة في المكان والثوب المغصوبين. وبالجملة فان كلامهم هنا لا يخلو من ضعف لعدم الدليل عليه بل قيام الدليل على خلافه كما عرفت اقول: والذي وقفت عليه في هذا المقام من الاخبار ما رواه الشيخ في القوى عن علي بن يقطين عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير ؟ فقال بقدر ما تسمع ". وعن علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير ؟ قال قدر ما تسمع " وما رواه في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه مثله (3) وزاد قال: " وسألته عن النساء هل عليهن الجهر بالقراءة في الفريضة ؟ قال
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 31 من القراءة
[ 142 ]
لا إلا ان تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها ". اقول: ظاهر هذه الاخبار انه لا جهر على النساء كما ذكره الاصحاب إلا إذا كانت تؤم النساء فانها تجهر ولكن لا تجاوز بجهرها اسماع نفسها، واطلاق الاخبار الاولة يحمل على الخبر الاخير. وهذه المرتبة وان كانت في عبارات الفاضلين والشهيدين وابن ادريس كما تقدم من مراتب الاخفات وهي حد الاخفات عندهم إلا انه بالنظر الى كلام المتأخرين الذين جعلوا المدار في الفرق بين الجهر والاخفات هو وجود الصوت وعدمه لا مانع من جعلها من مراتب الجهر إذا اقترنت بالصوت وان كان خفيا. ويمكن حينئذ الفرق بين حال امامتها وغيرها باعتبار الصوت وعدمه بمعنى انها تقرأ في الموضعين بقدر ما تسمع نفسها إلا انه في حال الامامة يكون مقرونا بصوت خفي وفى غيرها بغير صوت، واما كون ذلك في مقام سماع الاجنبي أو عدمه فغير معلوم من الاخبار وانما هو من تكلفات الاصحاب في هذا الباب. بقى الكلام في انها لو اجهرت زيادة على ذلك فقضية الاصل جوازه وان كان خلاف الافضل كما صرحوا به في مقام عدم سماع الاجنبي لها. هذا بالنسبة الى الصلاة الجهرية. واما بالنبسة الى الصلاة الاخفاتية فالظاهر من كلام الاكثر وجوب الاخفات عليها في موضعه ولم اقف على مصرح به إلا انه يظهر من تخصيصهم استثناء النساء بصورة وجوب الجهر على الرجل. قيل وربما اشعر بعض عباراتهم بثبوت التخيير لها مطلقا. وقال المحقق الاردبيلي (قدس سره) انه لا دليل على وجوب الاخفات على المرأة في الاخفاتية، واختاره جملة ممن تأخر عنه: منهم - الفاضل الخراساني وشيخنا المجلسي، وكيف كان فالاحوط العمل بالقول المشهور لحصول البراءة اليقينية على تقديره (الثالث) - وجوب الجهر على تقدير القول به انما هو في القراءة خاصة ولا يجب في شئ من اذكار الصلاة لاصالة العدم. ولما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه
[ 143 ]
السلام) (1) قال: " سألته عن التشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت للرجل ان يجهر به ؟ قال ان شاء جهر وان شاء لم يجهر ". والظاهر ان ذكر هذه الاشياء في الرواية انما هو على وجه التمثيل فيكون الحكم شاملا لجميع اذكار الصلاة إلا ما خرج بالدليل، ومنه القراءة أو التسبيح في الاخيرتين فان الحكم فيها ذلك إلا ان ظاهر الاصحاب وجوب الاخفات فيه، وفى هذه الازمان اشتهر بين جملة من ابناء هذا الزمان القول بوجوب الجهر فيه والكل بمعزل عن الصواب وسيجئ ان شاء الله تحقيق المقام في الفصل الموضوع لهذه المسألة. وبالجملة فالظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في ما عدا هذا الموضوع في ان المصلي مخير بين الجهر والاخفات نعم يستحب للامام الجهر في هذه المواضع لما في موثقة ابي بصير (2) من انه ينبغي للامام
ان يسمع من خلفه كل ما يقول وللمأموم ان لا يمسع الامام شيئا مما يقول. (الرابع) - لا خلاف بين الاصحاب هنا في معذورية الجاهل وهذا احد الموضعين الذين خصوهما بالاستثناء في كلامهم، ويدل على ذلك ما تقدم في صحيحتي زرارة. ولو ذكر في الاثناء لم يجب عليه الاستئناف كما صرح به بعض الاصحاب، واطلاق الصحيحتين المذكورتين دال عليه. والناسي ايضا كذلك كما دل عليه الصحيحان المذكوران، فلو خافت في موضع الجهر أو جهر في موضع الاخفات جاهلا أو ناسيا فلا شئ عليه وصحت صلاته ولا يجب بالاخلال بهما سجود سهو لاطلاق الرواية. والظاهر انه لا خلاف في جميع هذه الاحكام. (الخامس) - حكم القضاء حكم الاداء في ذلك بلا خلاف كما ذكره في المنتهى
(1) الوسائل الباب 20 من القنوت، واللفظ كما في التهذيب ج 1 ص 163 والوسائل والوافى باب الجهر والاخفات هكذا: " سألت ابا الحسن الماضي " ع " عن الرجل هل يصلح له ان يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت ؟ قال.. " (2) الوسائل الباب 52 من صلاة الجماعة
[ 144 ]
سواء كان القضاء في ليل أو نهار، قال في المنتهى: قد اجمع اهل العلم على الاسرار في صلاة النهار إذا قضيت في ليل أو نهار وكذا صلاة الليل إذا قضيت بالليل جهر بها وإذا قضاها بالنهار جهر بها عندنا، وبه قال أبو حنيفة وابو ثور وابن المنذر، وقال الشافعي يسر بها (1).. الى آخره. بقى الكلام في ما لو كان يقضي عن غيره واختلف حكم القاضي والمقضي عنه كالرجل يقضي عن المرأة والمرأة تقضى عن الرجل، فان الرجل يجب عليه الجهر في الجهرية والمرأة يجب عليها الاخفات في الجهرية في مقام سماع الاجنبي عند الاصحاب، فلو أرادت المرأة القضاء عن الرجل صلاته الجهرية في مقام يسمع صوتها الاجانب فمقتضى القاعدة الاولة وجوب الجهر عليها كما فاتت ذلك الرجل، ومقتضى ما صرحوا به من عدم جواز الجهر لها بالنسبة الى صلاتها انه يكون الحكم كذلك بالنسبة الى هذه الصلاة التي تقضيها عن الغير، وكذا لو اراد الرجل ان يقضي عن المرأة صلاة جهرية وجب عليه الاخفات فيها أو استحب فان مقتضى القاعدة انه يقضيها اخفاتا لان الفائتة كانت كذلك، ومقتضى اطلاق الاخبار الدالة على وجوب الجهر في هذه الصلاة وان المرأة انما وجب عليها الاخفات أو استحب لخصوص مادة وهو تحريم اسماع صوتها الاجنبي أو كراهة ذلك مطلقا هو وجوب الجهر عملا بالاطلاق إذ المخصص المذكور غير موجود هنا. ولم اقف في هذا المقام على كلام لاحد من علمائنا الاعلام والاقرب الانسب بالقواعد هنا هو الاعتبار بحال القاضي لا المقتضي عنه لما عرفت في تعليل كل من المسألتين هذا كله بناء على قواعد الاصحاب في تحريم سماع صوت المرأة واما على ما ذكرناه واخترناه فلا اشكال. (السادس) - المستحب في نوافل النهار الاخفات وفي نوافل الليل الاجهار بالقراءة، قال في المنتهى: وهو مذهب علمائنا اجمع.
(1) المغنى ج 1 ص 570
[ 145 ]
اقول: ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ عن الحسن بن علي ابن فضال عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " السنة في صلاة النهار بالاخفات والسنة في صلاة الليل بالاجهار ". ومما يدل على جواز الجهر نهارا وان كان خلاف الافضل ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل هل يجهر بقراءته في التطوع بالنهار ؟ فقال نعم ". (المسألة الربعة) - اختلف الاصحاب في حكم القرآن بين السورتين في الفريضة فقال الشيخ في النهاية والمبسوط انه غير جائز بل قال في النهاية انه مفسد للصلاة ونحو منه
كلامه في الخلاف، واليه ذهب المرتضى في الانتصار ونقل اجماع الفرقة عليه واختاره في المسائل المصرية الثالثة ايضا، لكن نقل في التذكرة عن المرتضى القول بكراهة القرآن ولعله في موضع آخر من مصنفاته. والعلامة اختلف اختياره في هذه المسألة في كتبه فاختار التحريم في التحرير والقواعد والارشاد والمختلف ومال إليه الشهيد في رسالته واليه ذهب أبو الصلاح على ما رأيته في كتابه الكافي حيث قال: ولا يجوزان يقرأ مع فاتحة الكتاب بعض سورة ولا اكثر من سورة. انتهى. وممن صرح بذلك الصدوق في الفقيه حيث قال: ولا تفرق بين سورتين في فريضة فاما في النافلة فاقرن ما شئت. وذهب الشيخ في الاستبصار الى الكراهة واختاره ابن ادريس والمحقق وجمهور المتأخرين ومتأخريهم. والظاهر عندي هو القول بالتحريم، ومما يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة فقال لا لكل سورة ركعة ".
(1) و (2) الوسائل الباب 22 من القراءة (3) الوسائل الباب 8 من القراءة
[ 146 ]
وصحيحة منصور بن حازم (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تقرأ في المكتوبة باقل من سورة ولا باكثر ". والسيد السند في المدارك حيث اختار القول المشهور بين المتأخرين نقل هذه الصحيحة في ادلة القول بالتحريم عارية عن وصف الصحة ثم طعن فيها في آخر كلامه بانها ضعيفة الاسناد، وسند هذه الرواية قد اشتمل على محمد بن عبد الحميد وسيف بن عميرة. والظاهر ان طعنه فيها بالضعف لاشتمال سندها على محمد بن عبد الحميد كما عرفت من كلامه فيه آنفا وقد تقدم الجواب عنه منقحا. ويحتمل ايضا بالنظر الى سيف بن عميرة حيث نقل ابن شهر اشوب انه ثقة واقفي وعليه فتكون الرواية في الموثق والموثوق عندهم من قسم الضعيف إلا ان المشهور خلافه، وقد وثقه الشيخ والعلامة والشهيد في كتاب نكت الارشاد في بحث نكاح الامة باذن المولى، قال بعد ان نقل الطعن عليه بالضعف: والصحيح انه ثقة. وبه صرح خاتمة المحدثين المجلسي في وجيزته وشيخنا الشيخ سليمان في بلغته، فالحديث صحيح بلا شبهة ولا ريب. ومن الاخبار الدالة على ذلك ايضا موثقة زرارة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقرن بين السورتين في الركعة فقال ان لكل سورة حقا فاعطها حقها من الركوع والسجود ". اقول: وحق السورة من الركوع والسجود هو ان يأتي بهما بعد السورة بلا فصل فإذا قرن بين سورتين فقد ترك حق الاولى. وتوثيق هذا الخبر انما هو بعبد الله بن بكير الذي قد عد في من اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا يقصر خبره عن رتبة الصحيح بناء على اصطلاحهم. ومن ذلك ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اقرأ سورتين في ركعة ؟ قال نعم. قلت أليس يقال اعط كل سورة حقها من
(1) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) و (3) الوسائل الباب 8 من القراءة
[ 147 ]
الركوع والسجود ؟ فقال ذلك في الفريضة فاما في النافلة فليس به بأس ". ومن ذلك ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب حريز عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لا تقرن بين سورتين في الفريضة في ركعة فان ذلك افضل " ولا يتوهم من قوله " فان ذلك افضل " الدلالة على الاستحباب فان استعمال افعل التفضيل بمعنى اصل الفعل شائع. وما رواه في كتاب الخصال بسنده فيه الى علي (عليه السلام) في حديث الاربعمائة (2) قال: " اعطوا كل سورة حقها من الركوع والسجود ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه
السلام) (3) قال: " سألته عن رجل قرأ سورتين في ركعة ؟ قال إذا كانت نافلة فلا بأس واما الفريضة فلا يصلح ". وما رواه في آخر السرائر بالسند المتقدم عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " لا قران بين سورتين في ركعة ولا قران بين اسبوعين في فريضة ونافلة ولا قران بين صومين ". وما رواه في المعتبر والمنتهى من جامع البزنطي عن المفضل (5) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح والفيل ولايلاف ". وما رواه في كتاب الهداية للصدوق مرسلا (6) قال: " قال الصادق (عليه السلام) لا تقرن بين السورتين في الفريضة واما في النافلة فلا بأس ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (7) قال العالم (عليه السلام) لا تجمع بين
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 8 من القراءة (5) المعتبر ص 178 والمنتهى ص 276 والوسائل الباب 10 من القراءة (6) مستدرك الوسائل الباب 6 من القراءة (7) ص 11
[ 148 ]
السورتين في الفريضة ". اقول: هذا مجموع ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على التحريم وهي في الدلالة والظهور كالنور على الطور. احتج السيد السند في المدارك على القول بالكراهة حيث اختاره بالاصل والعمومات وما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن القران بين السورتين في المكتوبة والنافلة قال لا بأس " وفي الموثق عن زرارة (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) انما يكره ان يجمع بين السورتين في الفريضة فاما النافلة فلا بأس " ثم نقل كلام ابن ادريس بان الاعادة وبطلان الصلاة يحتاج الى دليل واصحابنا قد ضبطوا قواطع الصلاة وما يوجب الاعادة ولم يذكروا ذلك في جملتها والاصل صحة الصلاة والاعادة والبطلان يحتاج الى دليل، ثم نقل عن القائلين بالتحريم الاحتجاج بصحيحة محمد بن مسلم التي قدمناها في اول الاخبار ثم صحيحة منصور بن حازم معبرا عنها بلفظ رواية منصور، ثم قال والجواب الحمل على الكراهة جمعا بين الادلة. اما البطلان فاحتج عليه في المختلف بان القارن بين السورتين غير آت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. وهو ضعيف فان الامتثال حصل بقراءة السورة الواحدة والنهي عن الزيادة لو سلمنا انه للتحريم فهو امر خارج عن العبادة فلا يترتب عليه الفساد. انتهى. وفيه نظر من وجوه: (الاول) - ان ما احتج به من الاصل والعمومات وايده بنقل كلام ابن ادريس المذكور فهو مردود بما ذكرناه من الاخبار فانها في ما ادعيناه واضحة المنار مع تعددها وكثرتها وهم يخرجون عن الاصل باقل من ذلك كما لا يخفى على الخبير المنصف. (الثاني) - ان ما احتج به من صحيحة علي بن يقطين فهي محمولة على التقية
(1) و (2) الوسائل الباب 8 من القراءة
[ 149 ]
كما صرح به جملة من الاصحاب: منهم - شيخنا المجلسي في البحار وان رجح القول بالكراهة تبعا للجماعة، قال: ويمكن الجمع بين الاخبار بوجهين (احدهما) حمل اخبار المنع على الكراهة. و (ثانيهما) حمل اخبار الجواز على التقية والاول اظهر والثاني احوط. انتهى اقول: لا اعرف لهذه الاظهرية وجها سوى متابعة المشهور بين المتأخرين لما عرفت (اولا) مما حققناه في غير مقام مما سبق من ان الجمع بين الاخبار بالكراهة والاستحباب مما لا مستند له من سنة ولا كتاب مع خروجه عن القواعد الشرعية والضوابط المرعية، لان الحمل على ذلك مجاز لا يصار إليه إلا منع القرينة ولا قرينة هنا
سوى اختلاف اخبار المسألة وهذا ليس من قرائن المجاز سيما مع ظهور محمل سواه. و (ثانيا) ان القاعدة المنصوصة عن اصحاب العصمة (عليهم السلام) في امثال هذا المقام هو الترجيح بين الاخبار بالعرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه، والخروج عن قواعدهم (عليهم السلام) التي قرروها وضوابطهم التي ذكروها بمجرد التشهي رد عليهم في ما ذكروه. و (ثالثا) ان من ضوابطهم المقررة انهم يعلمون بالمرجحات ويجعلون التأويل في طرف الخبر المرجوح، ولا ريب ان ما ذكرناه من الاخبار وان لم يتفطنوا لها ولم ينقلوها اكثر عددا وظهور رجحانها على هذه الرواية ظاهر، فالواجب جعل التأويل في جانب هذه الرواية ووجه التأويل بالحمل على التقية ظاهر فيها كما اعترفت به، فاي اظهرية في ما ادعاه مع التأويل في ما ذكرناه ؟ ما هذه إلا مجازفات نشأت من الاستعجال وعدم اعطاء النظر حقه في هذا المجال. (الثالث) - ان ما احتج به من موثقة زرارة - مع قطع النظر عن كونه يرد الاخبار الموثقة ويرميها بالضعف ويطرحها كما لا يخفى على من عرف طريقته في الكتاب المذكور - مردود بانه مبني على كون الكراهة في عرفهم (عليهم السلام) بهذا المعنى المصطلح وهو قد اعترف في غير موضع من شرحه وصرح بكون استعمالها في الاخبار بمعنى
[ 150 ]
التحريم شائعا كثيرا بل ربما ترجح على المعنى الاصولي، فكيف يتم له الاستدلال بالخبر المذكور والحال كما ترى ؟ (الرابع) - ما اجاب به عن الروايتين المنقولين في كلامه حجة للقائلين بالتحريم من حملها على الكراهة فان فيه ما عرفت مما قدمنا ذكره على كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) ونزيده تأكيدا بان نقول انه إذا كان العمل عندهم في الجمع بين الاخبار في جميع الاحكام من اول ابواب الفقه الى آخرها انما هو على هذه القاعدة من حمل الاوامر على الاستحباب والنواهي على الكراهة كما لا يخفى على الخائض في كلامهم والناظر في نقضهم وإبرامهم فلمن خرجت هذه الاخبار المستفيضة بهذه القواعد المقررة عنهم (عليهم السلام) في الاخبار المتعارضة، أهنا شريعة غير هذه الشريعة أو خوطب بها احد غيرهم ؟ ما هذه إلا غفلة عجيبة سامحنا الله واياهم. (الخامس) - قوله في رد كلام العلامة " وهو ضعيف.. الى آخره " فان فيه ما كتبه عليه الفاضل الشيخ محمد بن الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في حاشية الكتاب حيث قال - ونعم ما قال - لا يخلو كلام شيخنا من نظر، لان الظاهر من القران قصد الجمع بين السورتين لان العدول لا ريب في جوازه مع الشرط المذكور فيه، وحينئذ فكلام العلامة متوجه لان قصد السورتين يقتضي عدم الاتيان بالمأمور به إذ المأمور به السورة وحدها. وقول شيخنا - ان النهي عن الزيادة نهى عن امر خارج - انما يتم لو تجدد فعل الزيادة بعد فعل الاولى قصدا للسورة الاولى منفردة واين هذا من القران ؟ انتهى. وبما حررناه واوضحناه يظهر لك قوة القول بالتحريم وان القول بالكراهة انما نشأ عن عدم اعطاء التأمل حقه في الاخبار والتتبع لها والنظر فيها بعين الفكر والاعتبار. والله العالم. وفى المقام فوائد يجب التنبيه عليها: (الاولى) قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: ويتحقق القران بقراءة ازيد من سورة وان لم يكمل الثانية بل بتكرار السورة الواحدة
[ 151 ]
أو بعضها ومثله تكرار الحمد. انتهى. وفيه (اولا) ان اخبار القران التي قدمناها كلها قد اشتملت على السورة بمعنى ان القران انما هو عبارة عن قراءة سورة ثانية تامة، وليس فيها ما ربما يحتمل ما ذكره إلا صحيحة منصور بن حازم لقوله (عليه السلام) (1) " باقل من سورة ولا باكثر " والواجب حمل اطلاقها على ما صرحت به تلك الاخبار العديدة من ان القران هو الجمع بين السورتين. و (ثانيا) انه لا خلاف في جواز العدول في الجملة ولا ريب في حصول
الزيادة على سورة مع انه لا قائل بالتحريم. وبالجملة فالظاهر ضعف ما ذكره (قدس سره) (الثانية) - الظاهر ان موضع الخلاف في القران جواز أو تحريما بالسورة تامة أو ما دونها هو ما إذا قصد بقراءته كونه جزء من القراءة الواجبة، فان الظاهر انه لا خلاف في جواز القنوت ببعض الآيات واجابة المسلم بلفظ القرآن والاذن للمتسأذن بقوله: " ادخلوها بسلام آمنين " (2) ونحو ذلك. (الثالثة) - ينبغي ان يعلم ان محل الخلاف بغير خلاف يعرف هو الفريضة واما النافلة فلا بأس بالقران فيها كما تقدم التصريح به في رواية عمر بن يزيد ورواية قرب الاسناد ومرسلة الصدوق في كتاب الهداية. ويزيد ذلك تأكيدا ما رواه الشيخ عن عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس ان تجمع في النافلة من السور ما شئت ". وعن محمد بن القاسم (4) قال: " سألت عبدا صالحا (عليه السلام) هل يجوز ان يقرأ في صلاة الليل بالسورتين والثلاث ؟ فقال ما كان من صلاة الليل فاقرأ بالسورتين والثلاث وما كان من صلاة النهار فلا تقرأ إلا بسورة سورة " وفيه دلالة على ترجيح ترك القران في النافلة النهارية.
(1) ص 146 (2) سورة الحجر، الآية 46 (3) و (4) الوسائل الباب 8 من القراءة
[ 152 ]
(الرابعة) - يجب ان يستثنى من الحكم بتحريم القران أو كراهة في الفريضة صلاة الآيات لما سيأتي ان شاء الله تعالى بيانه من جواز تعدد السورة فيها. والله العالم. (المسألة الخامسة) - المشهور بين الاصحاب تحريم قراءة العزائم الاربع في الفرائض بل نقل عليه الاجماع جملة من الاصحاب: منهم - المرتضى في الانتصار والشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية والعلامة في النهاية. وخالف في ذلك ابن الجنيد فقال لو قرأ سورة من العزائم في النافلة سجد وان كان في فريضة اومأ فإذا فرغ قرأها وسجد. ومن اخبار المسألة ما رواه ثقة الاسلام والشيخ عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم فان السجود زيادة في المكتوبة " وهذه الرواية كما ترى صريحة في القول المشهور. ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة قال يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثم يركع ويسجد ". ما رواه في الكافي والتهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان صليت مع قوم فقرأ الامام " اقرأ باسم ربك الذي خلق " أو شيئا من العزائم وفرغ من قراءته ولم يسجد فاومئ ايماء، والحائض تسجد إذا سمعت السجدة " ما رواه الشيخ في التهذيب عن سماعة (4) قال " من قرأ " اقرأ باسم ربك " فإذا ختمها، فليسجد فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب وليركع. قال وان ابتليت بها مع امام لا يسجد فيجزئك الايماء والركوع ولا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع ". عن وهب بن وهب عن ابي عبد الله عن ابيه عن علي (عليه السلام) (5) انه قال: " إذا كان آخر السورة السجدة اجزأك ان تركع بها ".
(1) الوسائل الباب 40 من القراءة (2) و (5) الوسائل الباب 37 من القراءة (3) الوسائل الباب 38 من القراءة (4) الوسائل الباب 37 و 40 من القراءة
[ 153 ]
عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد قال يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم " عن عمار بن موسى في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم ؟ فقال إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها وان احب ان يرجع فيقرأ سورة غيرها ويدع التي فيها السجدة فيرجع الى غيرها. وعن
الرجل يصلي مع قوم لا يقتدي بهم فيصلي لنفسه وربما قرأوا آية من العزائم فلا يسجدون فيها فكيف يصنع ؟ قال لا يسجد ". عن علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن امام قوم قرأ السجدة فاحدث قبل ان يسجد كيف يصنع ؟ قال يقدم غيره فيتشهد ويسجد وينصرف هو وقد تمت صلاتهم " وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد مثله (4) إلا انه قال: " يقدم غيره فيسجد ويسجدون وينصرف فقد تمت صلاتهم ". ما رواه الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله ابن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها ؟ قال يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة " ورواه علي بن جعفر في كتابه مثله (6) إلا انه قال: " فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع وذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة ". هذا ما حضرني من الاخبار في المسألة ولا يخفى ما هي عليه من التدافع الظاهر لكل ناظر، إلا انه يمكن ان يقال بتوفيق الملك المتعال وبركة الآل عليهم صلوات ذي الجلال:
(1) الوسائل الباب 39 من القراءة (2) الوسائل الباب 30 و 38 من القراءة (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 40 من القراءة
[ 154 ]
اما الخبر الاول فانه ظاهر - كما اشرنا إليه آنفا - في القول المشهور. واما الثاني فليس فيه تصريح بكون القراءة في الفريضة فيحمل على النافلة لما سيأتي ان شاء الله تعالى من جواز ذلك فيها. واما الثالث فيحمل على الصلاة خلف المخالف وانه مع الالجاء والضرورة يومئ ايماء، يؤيده ما في موثقة سماعة من الامر بالايماء في هذه الصورة، وما في آخر رواية عمار من الامر له في هذه الصورة بعدم السجود لا ينافيه الايماء كما في هذين الخبرين فيجب تقييد اطلاق خبر عمار بهذين الخبرين. واما الرابع فصدره كالخبر الثاني مطلق فيحمل على النافلة كما حملنا عليه ذلك الخبر وعجزه يحمل على ما عرفت في الخبر الثالث، وقوله في آخر الخبر " لا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع " صريح الدلالة على القول المشهور من النهى عن القراءة في الفريضة وصريح في جواز ذلك في النافلة كما اشرنا إليه آنفا. واما الخامس فقد حمله الشيخ (قدس سره) على ما إذا كان مع قوم لا يتمكن معهم من السجود. ولا بأس به في مقام الجمع. واما السادس فهو مطلق ايضا فيحمل على النافلة جمعا. واما السابع فيمكن حمله على من شرع في السورة ساهيا ثم ذكر قبل قراءة السجدة فان حكمه ان يقرأ سورة اخرى غيرها ان اوجبنا السورة وتغتفر له هذه الزيادة وان اكتفينا بالتبعيض في السورة فانه يكتفي بما قرأ ويتم صلاته. وفي الخبر بناء على ما ذكرنا ايماء الى عدم جواز قراءة السجدة في الصلاة ففيه تأييد للقول المشهور. واما الثامن فهو ظاهر في قراءة العزائم في الفريضة، وحمله على النافلة بعيد لعدم جواز الجماعة فيها إلا في مواضع نادرة. ويمكن الجواب عنه بالحمل على النسيان كما قدمناه في الخبر السابع أو على التقية وهو الاقرب. بقى الكلام في معنى الخبر وقد قال شيخنا (قدس سره) في البحار انه يحتمل وجوها:
[ 155 ]
(الاول) ان يكون فاعل التشهد والسجود والانصراف الامام الاول فيكون التشهد محمولا على الاستحباب للانصراف من الصلاة، والسجود للتلاوة لعدم اشتراط الطهارة فيه (الثاني) ان يكون فاعل الاولين الامام الثاني بناء على ان الامام قد ركع معهم فالمراد بقول المسائل " قبل ان يسجد " قبل سجود الصلاة لا سجود التلاوة. ولا يخفى بعده
(الثالث) ان يكون فاعل التشهد الامام الثاني اي يتم الصلاة بهم، وعبر عنه بالتشهد لانه آخر افعالها، ويسجد الامام الاول للتلاوة وينصرف. (الرابع) ان يكون فاعل الاولين الامام الثاني ويكون المراد بالتشهد اتمام الصلاة بهم وبالسجود سجود التلاوة اي يتم الصلاة بهم ويسجد للتلاوة بعد الصلاة. واما على ما في قرب الاسناد فالمعنى يسجد الامام الثاني بالقوم اما في اثناء الصلاة كما هو الظاهر أو بعدها على احتمال بعيد وينصرف اي الامام الاول بعد السجود منفردا أو قبله بناء على اشتراط الطهارة فيه وهو اظهر من الخبر. انتهى. واما الخبر التاسع فينبغي حمله على الناسي أو التقية، وفي خبر كتاب قرب الاسناد " ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة " وقوله في خبر الكتاب " وذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة " وهو مؤيد للقول المشهور، وخبر الكتاب اوضح دلالة في ذلك فانه لو كان قراءته لها لا عن احد الوجهين لم يكن لذكر هذا الكلام مزيد فائدة ان لم يكن منافيا. وعلى ما ذكرناه تجتمع الاخبار المذكورة في المقام ويظهر قوة القول المشهور بما لا يعتريه وصمة النقض والابرام عند من يعمل باخبار اهل البيت (عليهم السلام). واما ما ذكره في المدارك - بعد طعنه في روايتي زرارة وموثقة سماعة بضعف السند من القول بالجواز عملا بظاهر الصحاح المذكورة حيث انه ممن يدور مدار صحة الاسانيد ولا ينظر الى ما اشتملت عليه متون الاخبار من العلل كما بيناه غير مرة - فهو جيد على اصله الغير الاصيل، على ان صحيحة علي بن جعفر المنقولة في كتابه ظاهرة في ما
[ 156 ]
دلت عليه الروايتان المشار اليهما من النهي عن قراءة العزيمة في الفريضة مع اجماع المخالفين واتفاقهم على الجواز كما نقله في المعتبر. وبالجملة فانه مع العمل بجملة اخبار المسألة كما هو الحق الحقيق بالاتباع فالحكم في المسألة هو ما اوضحناه وشرحناه وعليه تجتمع الاخبار على وجه صحيح العيار واضح المنار إلا انه ينبغي الكلام هنا في مواضع: (الاول) - قال في المدارك - بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على انه لا يجوز ان يقرأ في الفرائض شيئا من سور العزائم - ما صورته: هذا هو المشهور بين الاصحاب واحتجوا عليه بان ذلك مستلزم لاحد محذورين: اما الاخلال بالواجب ان نهيناه عن السجود واما زيادة سجدة في الصلاة متعمدا ان امرناه به. ولا يخفى ان هذا مع ابتنائه على وجوب اكمال السورة وتحريم القران انما يتم إذا قلنا بفورية السجود مطلقا وان زيادة السجدة مبطل كذلك وكل من هذه المقدمات لا يخلو من نظر. انتهى. اقول: بل الظاهر ان النظر انما هو في كلامه (قدس سره) لا في كلام الاصحاب (اما اولا) فان ما ذكره من ابتناء ما ذكروه على وجوب اكمال السورة وتحريم القران مما لا اعرف له وجها وجيها وان كان قد تقدمه فيه المحقق في المعتبر، وذلك لان غاية ما دل عليه النهي - وهو ظاهر اطلاق الاصحاب - انه لا يجوز قراءة سورة العزيمة في الصلاة لاحد محذورين سواء اوجبنا السورة أو جعلناها مستحبة وذلك كما تقدم ان الاصحاب في السورة على قولين الوجوب والاستحباب، والمراد هنا ان هذه السورة التي تقرأ في هذا الموضع وجوبا أو استحبابا لا يجور ان تكون سورة من سور العزائم الاربع للزوم المحذور. هذا غاية ما يفهم من النص واطلاق كلامهم ولا ترتب لذلك على جواز القران ولا عدمه، فلو قلنا ان السورة مستحبة فان هذه السورة لا تصلح للاتيان بوظيفة الاستحباب للعلة المذكورة، وكذا لو قلنا بجواز القران فانه لا منافاة بالتقريب المذكور. وبالجملة فان الغرض انما هو التنبيه على ان هذه السورة لا يجوز قراءتها في الصلاة
[ 157 ]
كغيرها من سور القرآن باي كيفية كانت، وهذا معنى صحيح لا يترتب عليه شئ مما ذكره هو وغيره. بقى الكلام في انه لو قرأ منها ما عدا موضع السجدة فهل تصح صلاته ويمضي فيها ام لا ؟ وهي مسألة اخرى يترتب الكلام فيها على وجوب السورة وعدمه،
وكذا لو عدل الى سورة اخرى بعد ان قرأ منها بعضا فهل تصح صلاته ايضا ام لا ؟ وهي مسألة اخرى ايضا مبنية على تحريم القران وانه اعم من زيادة سورة كاملة أو بعض منها وقد تقدم الكلام فيه، وهذا هو مطمح نظره في اعتراضه على كلام الاصحاب والحق ان هذا شئ خارج عما نحن فيه كما عرفت. و (اما ثانيا) فان ما ذكره - من النظر في فورية سجود التلاوة وفي الابطال بزيادة السجدة - مردود، اما فورية السجود فلانه لا خلاف بين الاصحاب في الفورية مطلقا وهو ممن صرح بذلك فقال في بحث السجود وذكر سجدة التلاوة بعد قول المصنف: " ولو نسيها اتى بها في ما بعد " ما هذا لفظه: اجمع الاصحاب على ان سجود التلاوة واجب على الفور.. الخ. وقضية الوجوب فورا هو انه يجب عليه السجود بعد قراءتها في الصلاة البتة والاستثناء في هذا المكان يحتاج الى دليل وليس فليس، بل اعترف بذلك في هذا المقام في الرد على ابن الجنيد حيث نقل عنه انه يومئ ايماء فإذا فرغ قرأها وسجد، فقال في الرد عليه: وهو مشكل لفورية السجود. ولو تم ما ذكره من النظر الذي اورده على كلام الاصحاب في الفورية فاي اشكال هنا يلزم به كلام ابن الجنيد ؟ فانظر الى هذه المخالفات في مقام واحد ليس بين الكلامين إلا اسطر يسيرة. واما الابطال بالسجدة فقد صرحت به رواية زرارة المتقدمة بقوله " فان السجود زيادة في المكتوبة " أي زيادة مبطلة وإلا فالزيادات فيها كثيرة، وقوله في صحيحة علي بن جعفر المذكورة في كتابه " فان ذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة " ويشير إليه قوله في موثقة عمار " إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها.. الخ ". (الثاني) - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض تفريعا على القول بالتحريم مطلقا
[ 158 ]
ان قرأ العزيمة عمدا بطلت صلاته بمجرد الشروع في السورة وان لم يبلغ موضع السجود للنهى المقتضى للفساد. اقول: فيه ان الظاهر من الاخبار كما عرفت هو ان العلة في التحريم انما هو محذور السجود وعدمه فانه ان سجد لزم بطلان الصلاة بزيادة السجدة وان لم يسجد لزم الاخلال بالواجب الفوري وبذلك علله الاصحاب ايضا، وحينئذ فالنهى في الحقيقة لم يتوجه الى مجرد القراءة بل انما توجه الى قراءة السجدة. نعم يتجه ما ذكره لو اوجبنا السورة تامة وحرمنا الزيادة عليها لان اللازم من قراءتها باعتقاد كونها الواجب في هذا المكان مع عدم جواز السجود زيادة واجب ان اتى بسورة بعدها والاخلال بواجب ان اقتصر عليها (الثالث) - قال في الذكرى: لو قرأ العزيمة سهوا في الفريضة ففي الرجوع عنها ما لم يتجاوز النصف وجهان مبنيان على ان الدوام كالابتداء اولا ؟ والاقرب الاول، وان تجاوز ففي جواز الرجوع ايضا وجهان من تعارض عمومين احدهما المنع من الرجوع هنا مطلقا والثاني المنع من زيادة سجدة وهو اقرب، وان منعناه اومأ بالسجود ثم يقضيها ويحتمل وجوب الرجوع ما لم يتجاوز السجدة وهو قريب ايضا مع قوة العدول مطلقا مادام قائما. وابن ادريس قال: ان قرأها ناسيا مضى في صلاته ثم قضى السجود بعدها واطلق. انتهى. وقال في الروض: ان قرأها سهوا فان ذكر قبل تجاوز السجدة عدل الى غيرها وجوبا سواء تجاوز النصف ام لا مع احتمال عدم الرجوع لو تجاوز النصف لتعارض عمومي المنع من الرجوع بعده والمنع من زيادة سجدة فيومئ للسجود بها ثم يقضيها، وان لم يذكر حتى تجاوز السجدة ففي الاعتداد بالسورة وقضاء السجدة بعد الصلاة لانتفاء المانع أو وجوب العدول مطلقا ما لم يركع لعدم الاعتداد بالعزيمة في قراءة الصلاة فيبقى وجوب السورة بحاله لعدم حصول المسقط لها وجهان ومال في الذكرى الى الثاني، وعلى ما بيناه من ان الاعتماد في تحريم العزيمة على السجود يتجه الاجتزاء بها حنيئذ، وقال ابن ادريس
[ 159 ]
ثم نقل قوله المتقدم ذكره. اقول: لا يخفى ان المسألة المذكورة لما كانت عارية عن النص كثرت فيها
الاحتمالات قربا وبعدا واختلفت فيها الافهام نقضا وإبراما إلا ان الاقرب الى القواعد الشرعية والضوابط المرعية هو انا متى قلنا بوجوب سورة كاملة لا زيادة عليها وقلنا بالنهي عن العزائم وبطلان الصلاة بها لما عرفت فان الواجب على من قرأها ساهيا هو العدول عنها متى ذكر ولم يقرأ السجدة وان يقرأ غيرها، وهذه الزيادة مغتفرة لمكان السهو كسائر الزيادات الواقعة في الصلاة مما لا تبطل الصلاة به تجاوز النصف ام لم يتجاوز وهذا هو الذي اختاره في الروض. واما احتماله فيه عدم الرجوع لو تجاوز النصف - بناء على عموم الاخبار المانعة من جواز العدول من سورة الى اخرى مع تجاوز النصف - ففيه ان هذه الاخبار لا وجود لها وانما وقع ذلك في كلام الاصحاب كما سيأتي ذكره قريبا ان شاء الله تعالى في مسألة العدول. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك هنا ايضا ردا على جده حيث ان جده كما عرفت اختار ما اخترناه من العدول قبل بلوغ السجدة وان تجاوز النصف فاعترض عليه بانه مشكل لاطلاق الاخبار المانعة من جواز العدول من سورة الى اخرى مع تجاوز النصف. انتهى. وفيه انه قد اعترف في بحث صلاة الجمعة بعدم وجود النص المذكور في هذا المقام حيث ان المصنف ذكر انه يستحب العدول الى سورة الجمعة والمنافقين ما لم يتجاوز نصف السورة فقال (قدس سره): اما استحباب العدول مع عدم تجاوز النصف في غير هاتين السورتين فلا خلاف فيه بين الاصحاب، الى ان قال واما تقييد الجواز بعدم تجاوز النصف فلم اقف له على مستند واعترف الشهيد في الذكرى بعدم الوقوف عليه ايضا. انتهى. وحنيئذ فاين هذه الاخبار المانعة من جواز العدول مع تجاوز النصف التي اورد بها الاشكال على جده ؟ وبذلك يظهر لك ما في كلام الذكرى في هذا المقام.
[ 160 ]
وعلى ما ذكرناه هنا تحمل موثقة عمار كما اشترنا إليه آنفا من حملها على الساهي وانه يعدل الى سورة اخرى. هذا كله في ما لو ذكر قبل قراءة السجدة واما لو قرأ السجدة ايضا ساهيا ولم يذكر إلا بعد قراءتها فاشكال لما ذكره من الاحتمالين في المقام. والله العالم. (الرابع) - الظاهر انه لا خلاف في جواز قراءة العزائم في النوافل وعلى ذلك تدل موثقة سماعة المتقدمة حيث قال فيها " ولا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع " وهو مبني على اغتفار زيادة السجدة في التطوع، وحينئذ فإذا قرأها في اثناء القراءة سجد ثم قام واتم القراءة وركع، ولو كانت السجدة في آخر السورة فقد صرح بعضهم بانه بعد السجود يقوم ثم يقرأ الحمد استحبابا ليكون ركوعه عن قراءة واستند في ذلك الى رواية الحلبي المتقدمة بحملها على النافلة، ونقل عن الشيخ انه يقرأ الحمد وسورة أو آية معها. ولو نسى السجدة حتى ركع سجد إذا ذكر لصحيحة محمد بن مسلم بحملها على النافلة كما تقدم، وبذلك صرح العلامة من غير خلاف يعرف، ويعضده ان السجود واجب وسقوطه يحتاج الى دليل، ومجرد السهو عنه في محله لا يصلح لان يكون دليلا على السقوط ويخرج النص شاهدا على ذلك. (الخامس) - قال في المنتهى: يستحب له إذا رفع رأسه من السجود ان يكبر رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك ولكن تكبر حين ترفع رأسك، والعزائم اربعة.. الحديث ". وروى في المنتهى عن الشيخ انه روى في الموثق عن سماعة قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قرأت السجدة فاسجد ولا تكبر حتى ترفع رأسك "
(1) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن
[ 161 ]
وهذه الرواية لم اقف عليها في الوافى ولا في الوسائل في جملة اخبار العزائم (1) مع انها في التهذيب في باب كيفية الصلاة وصفتها والمفروض من ذلك والمسنون من الزيادات (2) والله العالم.
البحث الثاني في مستحباتها والمسنون في هذا المقام امور: منها - الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الاولى من كل صلاة، ويدل على ذلك ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) وذكر دعاء التوجه بعد تكبيرة الاحرام ثم قال: " ثم تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم اقرأ فاتحة الكتاب ". والكلام هنا يقع في مواضع: " (الاول) المشهور انها مستحبة ونقل فيه الشيخ في الخلاف الاجماع منا، وقال امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان: والاستعاذة عند التلاوة مستحبة غير واجبة بلا خلاف في الصلاة وخارج الصلاة. ونقل في الذكرى عن الشيخ ابي علي القول بالوجوب فيها، قال وللشيخ ابي علي بن الشيخ الاعظم ابي جعفر الطوسي قول بوجوب التعوذ للامر به وهو غريب، لان الامر هنا للندب اتفاقا وقد نقل فيه والده في الخلاف الاجماع، وقد روى الكليني عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " إذا قرأت بسم الله الرحمان الرحيم فلا تبالي ان لا تستعيذ ". انتهى. اقول ويؤيده ما ذكره الصدوق (5) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتم الناس صلاة واوجزهم، كان إذا دخل في صلاته قال الله اكبر بسم الله الرحمن الرحيم " انتهى. إلا انه يمكن ان يقال انه لما كان (صلى الله عليه وآله) ليس للشيطان عليه سبيل فلا يثبت
(1) رواها في الوافى في باب " سجدات القرآن وذكرها " وفى الوسائل في الباب 42 من قراءة القرآن (2) ج 1 ص 219 (3) الوسائل الباب 57 من القراءة (4) و (5) الوسائل الباب 58 من القراءة
[ 162 ]
الحكم المذكور بتركه الاستعاذة. وفيه ان الائمة (عليهم السلام) كذلك مع ان الاخبار دلت على وقوع الاستعاذة منهم في الصلاة، والغرض منها بالنسبة إليهم (عليهم السلام) انما هو تعليم الشيعة واقامة السنة. وبالجملة فالقول المشهور هو الظاهر كما لا يخفى. وقال شيخنا المجلسي في البحار - بعد نقل كلام شيخنا الشيهد في الذكرى بطوله المشتمل على بعض الاخبار - ما لفظه: ولولا الاخبار الكثيرة لتأنى القول بوجوب الاستعاذة في كل ركعة يقرأ فيها بل في غير الصلاة عند كل قراءة ولكن الاخبار الكثيرة تدل على الاستحباب وتدل بظواهرها على اختصاصه بالركعة الاولى والاجماع المنقول والعمل المستمر مؤيد، ومن مخالفة ولد الشيخ يعمل معنى الاجماع الذي ينقله والده (قدس الله روحيهما) وهو اعرف بمسلك ابيه ومصطلحاته. انتهى. اقول: الظاهر ان منشأ تقوية القول بالوجوب هو ورود ذلك في الآية مطلقا في الصلاة وغيرها واوامر القران للوجوب بلا خلاف إلا ما يخرج بدليل. واما ما ذكره من ان الاخبار الكثيرة تدل على خلاف ظاهر الآية فظني بعده بل ظاهرها انما هو التأييد لما دلت عليه الآية حيث تضمنت الامر بالاستعاذة كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى نعم الخبر الذي رواه عن الكافي وهو خبر فرات بن احنف عن ابي جعفر (عليه السلام) المذكور المؤيد بما نقلناه عن الصدوق الذي هو في قوة خبر مرسل والاجماع المدعى في المسألة مما يدافع ذلك. واما كون محله في الصلاة الركعة الاولى فتدل عليه صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة لكن لا دلالة فيها على الاختصاص كما ذكره (قدس سره) (الثاني) المشهور في كيفيتها انها " اعوذ بالله من الشيطان الرجيم " قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية بعد ذكر المصنف لها: وهذه الصيغة محل وفاق رواها أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى اله عليه وآله) (1) اقول: وهذه الرواية نقلها في
(1) في نيل الاوطار ج 2 ص 213 " عن ابى سعيد الخدري عن النبي " صلى الله عليه وآله " انه كان إذا قام الى الصلاة استفتح ثم يقول اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم =
[ 163 ]
الذكرى، قال في الاستدلال على استحباب الاستعاذة: ولما رواه أبو سعيد الخدري " ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقول قبل القراءة اعوذ بالله من الشيطان الرجيم (1) ثم قال بعد كلام في البين: وصورته ما روى الخدري. اقول الظاهر ان الرواية المذكورة
عامية كما لا يخفى، ونقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) " اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " نقله عنه في الذكرى، وعن ابن البراج " اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ان الله هو السميع العليم ". والذي وصل الي من الاخبار في هذا المقام ما رواه الشهيد في الذكرى عن البزنطي عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الاستعاذة ؟ قال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ". وروى الشيخ عن سماعة في الموثق (3) قال: " سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب ؟ قال فليقل استعيذ بالله من الشيطان الرجيم ان الله هو السميع العليم، ثم ليقرأها مادام لم يركع ". وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن حنان بن سدير في الموثق (4) قال: " صليت خلف ابي عبد الله (عليه السلام) المغرب فتعوذ باجهار: اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم واعوذ بالله ان يحضرون.. الحديث " وهذه الرواية نقلها في الذكرى ايضا عن حنان بن سدير مثله إلا انه لم يذكر لفظ " المغرب " والرواية الاولى موافقة لما نقل عن الشيخ المفيد. وقال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية (5) وروى هشام بن سالم عن ابي عبد الله
= من همزة ونفخه ونفثه. رواه احمد والترمذي. وقال ابن المنذر جاء عن النبي " ص " انه كان يقول قبل القراءة " اعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ثم قال في الشرح: حديث ابى سعيد اخرجه ايضا أبو داود والنسائي. (1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 57 من القراءة (5) ص 81
[ 164 ]
(عليه السلام) " استعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم اعوذ بالله ان يحضرون ان الله هو السميع العليم ". وفي كتاب تفسير الامام العسكري (1) قال (عليه السلام): " اما قولك الذي ندبك الله إليه وامرك به عند قراءة القرآن اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.. الحديث " وهو مثل رواية معاوية بن عمار المتقدمة في الدلالة على ما ذهب إليه الشيخ المفيد (قدس سره). وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) في سياق ذكر تكبيرات الافتتاح وادعيتها: " ثم افتتح الصلاة وارفع يديك، ثم ذكر تكبيرات الافتتاح الى ان قال اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " وهذه الرواية ايضا مطابقة لمذهب الشيخ المذكور كالروايتين المذكورتين. ويزيده تأييدا ما في رواية كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: " تعوذ بعد التوجه من الشيطان الرجيم تقول اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.. الحديث ". وبه يتبين قوة القول المذكور ان كان خلاف ما هو المشهور الذي قد عرفت انه لا مستند له إلا تلك الرواية العامية واما باقي روايات المسألة فلا بأس بالعمل بها إلا ان ما اخترناه ارجح. (الثالث) - المشهور بين الاصحاب - بل نقل عن الشيخ في الخلاف دعوى الاجماع عليه - هو استحباب الاخفات بالاستعاذة، قال شيخنا في الذكرى: يستحب الاسرار بها ولو في الجهرية، قاله الاكثر ونقل الشيخ فيه الاجماع منا، ثم قال وروى حنان بن سدير ثم ساق الرواية كما قدمنا ذكرها ثم قال ويحمل على الجواز.
(1) الوسائل الباب 14 من قراءة القرآن (2) ص 7 (3) مستدرك الوسائل الباب 43 من القراءة
[ 165 ]
وقال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل رواية حنان بن سدير المذكورة من كتاب قرب الاسناد ثم نقل كلام الذكرى المتعلق بهذا المقام: اقول لم ار مستندا للاسرار والاجماع
لم يثبت والرواية تدل على استحباب الجهر خصوصا للامام لا سيما في المغرب إذ الظاهر اتحاد الواقعة في الروايتين، ويؤيده عموم ما ورد في اجهار الامام في سائر الاذكار إلا ما اخرجه الدليل. نعم ورد في صحيحة صفوان (1) قال: " صليت خلف ابي عبد الله (عليه السلام) اياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب " بسم الله الرحمن الرحيم " فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم واخفى ما سوى ذلك " وانه يدل على استحباب الاخفات في الاستعاذة لان قوله " ما سوى ذلك " يشملها. ويمكن ان يقال لعله لم يتعوذ في تلك الصلوات والاستدلال موقف على الاتيان. بها وهو بعيد إذ تركه (عليه السلام) الاستعاذة في صلوات متوالية بعيد. لكن دخولها في " ما سوى ذلك " غير معلوم إذ يتحمل ان يكون المراد ما سوى ذلك من القراءة أو الفاتحة بل هو الظاهر من السياق وإلا فمعلوم انه (عليه السلام) كان يجهر بالتسبيحات والتشهدات والقنوتات وسائر الاذكار، والاستعاذة ليست بداخلة في القراءة ولا في الفاتحة بل هي من مقدماتها. والله العالم. انتهى. وهو جيد. (الرابع) - قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية بعد نقل الصورة المشهورة والصورة المذكورة في رواية هشام وهي " استعيذ بالله " ما صورته: والمعنى في " اعوذ واستعيذ " واحد قال الجوهري عذت بفلان واستعذت به اي لجأت إليه. وفي " استيعذ " موافقة لفظ القرآن إلا ان " اعوذ " في هذا المقام ادخل في المعنى واوفق لامتثال الامر الوارد بقوله " فاستعذ " (2) لنكتة دقيقة هي ان السين والتاء شأنهما الدلالة على الطلب فوردتا في الامر ايذانا بطلب التعوذ، فمعنى " استعذ " اي اطلب منه ان يعيذك وامتثال الامر ان يقول " اعوذ بالله " أي التجئ إليه لان قائله متعوذ قد عاذ والتجأ والقائل " اسعتيذ "
(1) الوسائل الباب 57 من القراءة (2) سورة النحل، الآية 98
[ 166 ]
ليس بعائذ انما هو طالب العياذ به كما يقول " استخير الله " اي اطلب خيرته " واستقيل " اي اطلب اقالته " واستغفر " اي اطلب مغفرته، لكنها هنا قد دخلت في فعل الامر وفي امتثاله بخلاف الاستعاذة، وبذلك يظهر الفرق بين الامتثال بقوله " استغفر الله " دون " استعيذ بالله " لان المغفرة انما تكون من الله فيحسن طلبها والالتجاء انما يكون من العبد فلا يحسن طلبه. فتدبر ذلك فانه لطيف، ويظهر منه ان كلام الجوهري ليس بذلك الحسن وقد رده جماعة من المحققين. واعترضه شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (عطر الله مرقده) في كتاب الفوائد النجفية فقال بعد نقل ذلك عنه: اقول لا يخفى على المتأمل بعين البصيرة ان ما افاده الشيخ (قدس سره) من النكتة التي سماها دقيقة ظاهرة الاختلاف كما لا يخفى على ارباب الكمال، لانه إذا كان معنى " استعذ " اطلب منه ان يعيذك فامتثال الامر بقوله " استعيذ " ظاهر لا سترة فيه لان معناه اطلب من الله ان يعيذني لان السين والتاء شأنهما الدلالة على الطلب كما لا يخفى. واما الامتثال بقوله " اعوذ بالله " فغير ظاهر إلا بجعل هذه الجملة مرادا بها الطلب والدعاء، واما إذا بقيت على ظاهرها من الاخبار بالاتجاء الى الله فظاهر عدم تحقق الامتثال بها لما علمت. ومن العجب قوله " لان قائله متعوذ قد عاذ والتجأ والقائل " استعيذ " ليس بعائذ وانما هو طالب العياذ به " فانه كلام متهافت مختل النظام إذ ظاهر ان القائل بللفظين اراد طلب الاعاذة منه سبحانه لكن دلالة اللفظ الثاني عليه ظاهرة قضية السين والتاء واما دلالة الاول فبناء على ارادة الانشاء لا الاخبار والامتثال في الاول اوضح قطعا، وكأنه بنى ما ذكره على ان معنى " استعيذ " اطلب اللجأ الى الله تعالى فان معنى " استعذ بالله " اي اطلب منه ان يعيذك فلا يكون الاول امتثالا للثاني. ولا يخفى ما فيه من التحكم والتمحل لظهور انه إذا كان معنى الامر ما ذكره انسحب مثله في " استعيذ " ضرورة. وما اعجب من يتحكم فيفصل بين الفعلين في المعنى المأخوذ فيهما ليترتب عليه ما تخيله من عدم صلاحية
[ 167 ]
الاول للامتثال. فتأمل في المقام وبالله سبحانه الاعتصام. انتهى كلام شيخنا المذكور.
ومنها - الجهر بالبسملة في مقام الاخفات وقد اختلف الاصحاب (رضون الله عليهم) في ذلك فالمشهور استحبابه في اول الحمد والسورة في الركعتين الاولتين والاخيرتين للامام والمنفرد، وقال ابن ادريس باختصاص ذلك بالركعتين الاولتين دون الاخيرتين فانه لا يجوز الجهر فيهما. ونقل عن ابن الجنيد اختصاص ذلك بالامام، وقال ابن البراج يجب الجهر بها في ما يخافت به واطلق، وقال أبو الصلاح يجب الجهر بها في اولتي الظهر والعصر في كل من الحمد والسورة. واختار السيد السند في المدارك القول الاول واحتج عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان (1) قال: " صليت خلف ابي عبد الله (عليه السلام) اياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب " بسم الله الرحمن الرحيم " فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم واخفى ما سوى ذلك " وفي الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي (2) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) في مسجد بني كاهل فجهر مرتين ببسم الله الرحمن الرحيم " قال وقد تقرر في الاصول استحباب التأسي في ما لا يعلم وجوبه بدليل من خارج. والظاهر عدم اختصاص الاستحباب بالامام وان كان ذلك مورد الروايتين، لان المشهور من شعار الشيعة الجهر بالبسملة لكونها بسملة حتى قال ابن ابي عقيل تواترت الاخبار عنهم (عليهم السلام) ان لا تقية في الجهر بالبسملة. وروى الشيخ في المصباح عن ابي الحسن الثالث (عليه السلام) (3) انه قال: " علامات المؤمن خمس صلاة الاحدى والخمسين وزيارة الاربعين والتختم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " انتهى. وهو جيد.
(1) و (2) الوسائل الباب 11 من القراءة (3) الوسائل الباب 56 من المزار والرواية فيه عن ابى محمد العسكري " ع " وكذا في البحار ج 85 الصلاة ص 349 والمصباح ص 551.
[ 168 ]
إلا ان ظاهر الخبرين الاولين مع اختصاصهما بالامام كما اعترف به ان الجهر انما هو في الاولتين خاصة، اما الاول فبتقريب قوله: " فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها " وقد عرفت ان انقسام الصلاة الى جهرية واخفاتية انما هو باعتبار القراءة في الاولتين. واما الثاني فبتقريب قوله " مرتين " يعني في الفريضة فمرة في الفاتحة ومرة في السورة. ويعضد ذلك عدم معلومية كون الامام (عليه السلام) يختار القراءة في الاخيرتين بل الظاهر من الاخبار - كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محلها مكشوفة النقاب مرفوعة الحجاب - انهم انما كانوا يسبحون وان القراءة في هذه المسألة مرجوحة واخبارها انما خرجت مخرج التقية (1) وان كان ذلك خلاف المشهور عندهم كما يستضح لك ان شاء الله تعالى في ذلك المجال. وبموجب ما ذكرناه فالخبران المذكوران لا دلالة لهما على عموم المدعى ولم يبق إلا ظاهر ما نقله من حديث علامات المؤمن وحديث شعار الشيعة، والاستدلال بهما على ذلك لا يخلو من نظر وان اوهم اطلاقهما ذلك، فان الاطلاق انما ينصرف الى الفرد الشائع المتكثر وهو القراءة في الاولتين دون الاخيرتين كما سيظهر لك من الاخبار وان كان القراءة ارجح في الدوران في كلامهم والاشتهار. ومن الاخبار في المقام ايضا ما رواه ثقة الاسلام في روضة الكافي (2) في الحسن أو الصحيح عن سليم بن قيس في خطبة طويلة يذكر فيها احداث الولاة الذين كانوا قبله فقال: " قد عملت الولاة قبلي اعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)
(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 111 في بيان محل القراءة المفروضة: محلها الركعتان الاوليان عينا في الصلاة الرباعية وهو الصحيح من مذهب اصحابنا، وعند الشافعي يقرأ في كل ركعة وعند مالك في ثلاث ركعات وعند الحسن البصري في ركعة واحدة. واما الاخيرتان فروى أبو يوسف عن ابى حنيفة انه مخير بين القراءة بفاتحة الكتاب والتسبيح والسكوت لما روى عن على " ع " وابن مسعود قالا " المصلى بالخيار في الاخيرتين ان شاء قرأ وان شاء سبح وان شاء سكت " (2) ص 59 الطبع الحديث
[ 169 ]
متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيرين لسنته.. أرأيتم لو امرت بمقام ابراهيم (عليه السلام) فرددته الى الموضع، ثم ساق جملة من بدع الثاني الى ان قال: والزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.. الحديث ". وما رواه في التهذيب عن ابي حمزة (1) قال: " قال علي بن الحسين (عليهما السلام) يا ثمالي ان الصلاة إذا اقيمت جاء الشيطان الى قرين الامام فيقول هل ذكر ربه ؟ فان قال نعم ذهب وان قال لا ركب على كتفيه وكان امام القوم حتى ينصرفوا. قال فقلت جعلت فداك أليس يقرأون القرآن ؟ قال بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي انما هو الجهر ببسم الرحمن الرحيم " والظاهر ايضا من هذه الرواية انما هو القراءة في الاولتين. قال في الوافى: المراد بقرين الامام الملك الموكل به. اقول بل الظاهر ان المراد انما هو الشيطان الموكل به فان لكل مكلف ملكا وشيطانا موكلين به هذا يهديه وهذا يغوية والانسب بسؤال الشيطان هو قرينه دون الملك. وما رواه في الكافي عن صفوان الجمال (2) قال: " صليت خلف ابي عبد الله (عليه السلام) اياما فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان يجهر في السورتين جميعا ". وروى الصدوق بسنده الى الاعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) (3) في حديث شرائع الدين قال " والاجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واجب ". وروى في كتاب عيون الاخبار باسانيد عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (4) " انه كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار ".
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 21 من القراءة (4) حديث الفضل بن شاذان المتضمن لكتاب الرضا " ع " الى المأمون في شرائع الدين هكذا " والاجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة " واما اللفظ المذكور في المتن فهو حديث رجاء بن ابى الضحاك عن الرضا " ع ". راجع الوسائل الباب 21 من =
[ 170 ]
وبالجملة فان بعض هذه الاخبار باطلاقه وان تناول الاخيرتين مع اختيار القراءة فيهما إلا ان الحمل على الفرد الشائع كما اشرنا إليه ممكن. احتج ابن الجنيد على ما نقل عنه بان الاصل وجوب المخافتة بالبسملة في ما يخافت به لانها بعض الفاتحة خرج الامام بالنص والاجماع فيبقى المنفرد على الاصل. وجوابه منع ان الاصل وجوب المخافتة فيها بل الاصل عدمه، ومع الاغماض عن ذلك فالاصل المذكور يجب الخروج عنه بالدليل وهو ما ذكرناه من الاخبار الزائدة على اخبار الامام واما قول ابن ادريس باختصاص الحكم بالاولتين فاعترض عليه بانه تحكم لا دليل عليه. قيل: وكأنه نظر الى ان الاصل في استحباب الجهر بالبسملة هو التأسي بهم (عليهم السلام) وذلك لا يتم في الاخيرتين إذ لم يثبت انهم يقرأون في الاخيرتين ام يسبحون فكيف يثبت جهرهم بالبسملة فيهما ؟ اقول: لا ريب انه بالنظر الى اطلاق جملة من هذه الاخبار فانه يضعف قول ابن ادريس إلا انه بالنظر إلى ما ذكرنا من حمل الاطلاق على الفرد المتكثر يقوى ما ذكره، وهو الاظهر لما سيجئ ان شاء الله تعالى في فصل ذكر الاخيرتين من مرجوحية القراءة وان العمل فيهما انما هو على التسبيح. احتج الموجبون بانهم (عليهم السلام) كانوا يداومون عليه ولو كان مسنونا لا خلوا به في بعض الاوقات. وضعفه ظاهر فانهم كانوا يداومون ايضا على المستحبات، مع ان صحيحة الحلبيين المتقدمة في الحكم الثالث من المسألة الاولى (1) ظاهرة في رد هذا القول لتضمنها التخيير بين السر والجهر. ومن الاخبار الدالة على القول المشهور والظاهرة فيه تمام الظهور على الوجه الذي قدمناه ما ورد في كتاب تأويل الآيات الباهرة نقلا من تفسير محمد بن العباس بن
= القراءة والبحار ج 85 الصلاة ص 349 و 350 والعيون ص 266 و 319. ولعله سقط من قلم النساخ شئ من عبارة الكتاب. (1) ص 108
[ 171 ]
ماهيار بسنده فيه الى ابي بصير (1) قال: " سأل جابر الجعفي ابا عبد الله (عليه السلام) عن تفسير قوله عزوجل " وان من شيعته لابراهيم " (2) فقال ان الله لما خلق ابراهيم كشف له عن بصره فنظر فرأى نورا الى جنب العرش فقال إلهي ما هذا النور ؟ فقال له هذا نور محمد (صلى الله عليه وآله) صفوتي من خلقي. ورأى نورا الى جنبه فقال إلهي وما هذا النور ؟ فقيل له هذا نور علي بن ابي طالب (عليه السلام) ناصر ديني. ورأى الى جنبهم ثلاثة انوار فقال إلهي وما هذه الانوار ؟ فقيل له هذا نور فاطمة (عليها السلام) فطمت محبيها من النار ونور ولديها الحسن والحسين (عليهما السلام) فقال إلهي وأرى انوارا تسعة قد حفوا بهم ؟ قيل يا ابراهيم هؤلاء الائمة (عليهم السلام) من ولد علي وفاطمة. فقال إلهي أرى انوارا قد احدقوا بهم لا يحصى عددهم إلا انت ؟ قيل يا ابراهيم هؤلاء شيعتهم شيعة علي (عليه السلام). فقال ابراهيم (عليه السلام) وبم تعرف شيعته ؟ قال بصلاة الاحدى والخمسين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والقنوت قبل الركوع والتختم باليمين. فعند ذلك قال ابراهيم اللهم اجعلني من شيعة امير المؤمنين (عليه السلام) قال فاخبر الله في كتابه فقال وان من شيعته لابراهيم ". وروى الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر نقلا من كتاب السيد حسن ابن كبش باسناده الى الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا كان يوم القيامة تقبل اقوام على نجائب من نور ينادون باعلى اصواتهم " الحمد الله الذى انجز لنا وعده الحمد لله الذي اورثنا ارضه نتبوأ من الجنة حيث نشاء " قال فتقول الخلائق هذه زمرة الانبياء فإذا النداء من عند الله عزوجل هؤلاء شيعة علي بن ابي طالب وهو صفوتي من عبادي وخيرتي. فتقول الخلائق إلهنا وسيدنا بم نالوا هذه الدرجة ؟ فإذا النداء من قبل الله عزوجل نالوها بتختمهم باليمين وصلاتهم احدى وخمسين واطعامهم المسيكن وتعفيرهم
(1) البحار ج 85 الصلاة من 80 (2) سورة الصافات، الآية 81 (3) البحار ج 85 الصلاة ص 81
[ 172 ]
الجبين وجهرهم في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم " وانما اطلنا بذكر هذين الخبرين لما فيهما من البشارة الفاخرة لشيعة العترة الطاهرة جعلنا الله تعالى منهم بمنه وفضله. ومنها - ترتيل القراءة وقد اجمع العلماء كافة على استحبابه في القراءة في الصلاة وغيرها لقوله عزوجل " ورتل القرآن ترتيلا " (1). وروى الشيخ باسناده في الصحيح عن ابي عبد الله البرقي وابي احمد يعني محمد بن ابي عمير جميعا عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ينبغى للعبد إذا صلى ان يرتل في قراءته فإذا مر بآية فيها ذكرا الجنة وذكر النار سأل الله الجنة وتعوذ بالله من النار، واذامر ب " يا ايها الناس ويا أيها الذين آمنوا " يقول لبيك ربنا ". قال في الصحاح: الترتيل في القراءة الترسل فيها التبيين من غير بغي. وفي النهاية التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل وهو المشبه بنور الاقحوان. وفى المغرب الترتيل في الاذان وغيره ان لا يعجل في ارسال الحروف بل يتثبت فيها ويبينها تبيينا ويوفيها حقها من الاشباع من غير اسراع من قولهم ثغر مرتل ورتل مفلج مستوى الثنية حسن التنضيد. وقال في القاموس رتل الكلام ترتيلا احسن تأليفه وترتل فيه ترسل. وقال في الكشاف ترتيل القرآن قراءته على ترسل وتؤده بتبيين الحروف واشباع الحركات حتى يجئ المتلو منه شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبهه بنور الاقحوان، وان لا يهذه هذا ولا يسرده سردا حتى يشبه المتلو في تتابعه الثغر الالص. انتهى. هذا ما قاله اهل اللغة. واما الفقهاء فقال المحقق في المعتبر: هو تبيينها من غير مبالغة، قال وربما كان واجبا إذا اريد به النطق بالحروف بحيث لا يدمج بعضها في بعض، ويمكن حمل الآية عليه لان الامر عند الاطلاق للوجوب. ونحوه قال العلامة في المنتهى وقال الشهيد في الذكرى هو حفظ الوقوف واداء الحروف. وقال العلامة في النهاية هو بمعنى بيان الحروف
(1) سورة المزمل، الآية 4 (2) الوسائل الباب 18 من القراءة
[ 173 ]
واظهارها ولا يمد بحيث يشبه الغناء. وقال امين الاسلام الطبرسي في مجمع البيان اي بينه بيانا واقرأه على هينتك. وقيل معناه ترسل فيه ترسلا، وقيل تثبت فيه تثبتا، وروى عن امير المؤمنين (عليه السلام) في معناه (1) انه قال: " بينه بيانا ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل ولكن اقرع به القلوب القاسية ولا يكونن هم احدكم آخر السورة " وروى أبو بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في هذا قال " هو ان تتمكث فيه وتحسن به صوتك " انتهى. وعده الشهيد في النفلية من المستحبات وقال هو تبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس والجهر والاستعلاء والطباق والغنة وغيرها والوقف التام والحسن وعند فراغ النفس مطلقا. وفسر الشهيد الثاني في شرحها التام بالذي لا يكون لما قبله تعلق بما بعده لفظا ولا معنى، والحسن بالذي يكون له تعلق من جهة اللفظ دون المعنى، ثم قال ومن هنا يعلم ان مراعاة صفات الحروف المذكورة وغيرها ليس على وجه الوجوب كما يذكره علماء فنه مع امكان ان يريدوا تأكيد الفضل كما اعترفوا به في اصطلاحهم على الوقف الواجب، ثم قال ولو حمل الامر بالترتيل على الوجوب كان المراد ببيان الحروف اخراجها من مخارجها على وجه يتميز بعضها عن بعض بحيث لا يدمج بعضها في بعض وبحفظ الوقوف مراعاة ما يخل بالمعنى ويفسد التركيب ويخرج عن اسلوب القرآن الذي هو معجز بغريب اسلوبه وبلاغة تركيبه. انتهى. وقال الشيخ البهائي في كتاب الحبل المتين: الترتيل التأني وتبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدها مأخوذ من قولهم ثغر رتل ومرتل إذا كان مفلجا، وبه فسر في قوله تعالى: " ورتل القرآن ترتيلا " (3) وعن امير المؤمنين (عليه السلام) (4) " انه حفظ الوقوف وبيان الحروف " اي مراعاة الوقف التام والحسن والاتيان بالحروف
(1) و (2) الوسائل الباب 21 من قراءة القرآن (3) سورة المزمل، الآية 4 (4) الوافى باب سائر احكام القراءة وباب ترتيل القرآن بالصوت الحسن
[ 174 ]
على الهيئات المعتبرة من الجهر والهمس والاستعلاء والاطباق والغنة وامثالها والترتيل بكل من هذين التفسيرين مستحب، ومن حمل الامر في الآية على الوجوب فسر الترتيل باخراج الحروف من مخارجها على وجه تتميز ولا يندمج بعضها في بعض. انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا ان المراد من الترتيل عند اهل اللغة هو الترسل والتأني وعليه حمل الآية جملة من اصحابنا وغيرهم، وهو ظاهر خبر البرقي وابن ابي عمير المتقدم ذكره وهو ايضا ظاهر الخبر المتقدم نقله عن امير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير الطبرسي لكن لما روى الخاص والعام عن امير المؤمنين (عليه السلام) (1) وكذا عن ابن عباس تفسيره بحفظ الوقوف واداء الحروف - وان كنت لم اقف على هذه الرواية مسندة في شئ من كتب الاخبار إلا انها في كلامهم وعلى رؤوس اقلامهم في غاية الاشتهار، وفي بعض الروايات " وبيان الحروف " - تمسك به اصحاب التجويد وفسروه بهذا الوجه الذي سمعته من كلام شيخنا الشهيد الثاني وشيخنا البهائي (عطر الله مرقديهما) وتبعهم الشيخان المذكوران وجمع ممن تأخر عن شيخنا الاول من الاصحاب في تفسيرهم الحديث بذلك حيث فسروه على قواعدهم ومصطلحهم. والاظهر عندي هو ما ذكره اهل اللغة لاعتضاده بالاخبار المتقدم ذكرها وعدم ثبوت الخبر الدال على ما ذكره اهل التجويد وان تبعهم فيه من تبعهم من اصحابنا (رضوان الله عليهم) ويحتمل ان يكون الخبر من طرق العامة وان استسلقه اصحابنا في هذا المقام. ولشيخنا محمد تقي المجلسي كلام جيد في المقام نقله عنه ابنه (رفع الله مقامهما في دار السلام) قال الترتيل الواجب هو اداء الحروف من المخارج وحفظ احكام الوقوف بان لا يقف على الحركة ولا يصل بالسكون فانهما غير جائزين باتفاق القراء واهل العربية، والترتيل المستحب هو اداء الحروف بصفاتها المحسنة لها وحفظ الوقوف التي استحبها القراء وبينوها في تجاويدهم، والحاصل انه ان حملنا الترتيل في الآية على
(1) الوافى باب سائر احكام القراءة وباب ترتيل القرآن بالصوت الحسن
[ 175 ]
الوجوب كما هو دأبهم في اوامر القران فليحمل على ما اتفقوا على لزوم رعايته من حفظ حالتي الوصل والوقف واداء حقهما من الحركة والسكون أو الاعم منه ومن ترك الوقف في وسط الكلمة اختيارا، ومنع الشهيد من السكوت على كل كلمة بحيث يخل بالنظم فان ثبت تحريمه كان ايضا داخلا فيه، ولو حمل الامر على الندب أو الاعم كان مختصا أو شاملا لرعاية الوقف على الآيات مطلقا كما ذكره جماعة من اكابر اهل التجويد، ويشمل ايضا على المشهور رعاية ما اصطلحوا عليه من الوقف اللازم والتام والحسن والكافي والجائز والمجوز والمرخص والقبيح، لكن لا يثبت استحباب رعاية ذلك عندي لان تلك الوقوف من مصطلحات المتأخرين ولم تكن في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) فلا يمكن حمل كلامه عليه، إلا ان يقال غرضه (عليه السلام) رعاية الوقف على ما يحسن بحسب المعنى على ما يفهمه القارئ ولا ينافى هذا حدوث تلك الاصطلاحات بعده. ويرد عليه ايضا ان هذه الوقوف انما وضعوها على حسب ما فهموه من تفاسير الآيات وقد وردت اخبار كثيرة كما سيأتي في ان معاني القرآن لا يفهمها إلا اهل البيت (عليهم السلام) الذين نزل عليهم القرآن، ويشهد له انا نرى كثيرا من الآيات كتبوا فيها نوعا من الوقف بناء على ما فهموه ووردت الاخبار المستفيضة بخلاف ذلك المعنى كما انهم كتبوا الوقف اللازم في قوله سبحانه " وما يعلم تأويله إلا الله " (1) على آخر الجلالة لزعمهم ان الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابهات وقد وردت الاخبار المستفيضة في ان الراسخين هم الائمة (عليهم السلام) وهم يعلمون تأويلها، مع ان المتأخرين من مفسري العامة والخاصة رجحوا في كثير من الآيات تفاسير لا توافق ما اصطحوا عليه في الوقوف. ولعل الجمع بين المعنيين - لورود الاخبار على الوجهين وتعميمه بحيث يشمل الواجب والمستحب من كل منهما حتى انه يراعى في الوقف ترك قلة المكث بحيث ينافي التثبت والتأني وكثرة المكث بحيث ينقطع الكلام ويتبدد النظام فيكره أو يصل الى حد يخرج عن كونه قارئا
(1) سورة آل عمران، الآية 5
[ 176 ]
فيحرم على المشهور - اولى واظهر تكثير للفائدة ورعاية لتفاسير العلماء واللغويين واخبار الائمة الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين) والله يعلم حقائق كلامه المجيد. انتهى كلامه زيد مقامه. وانما نقلناه بطوله لجودة معناه ومحصوله. وروى الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال " سألته عن الرجل يقرأ فاتحة الكتاب وسورة اخرى في النفس الواحد ؟ فقال ان شاء قرأ في نفس وان شاء في غيره ". وعن اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان رجلا من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب الى ابي بن كعب كم كانت لرسول الله من سكتة ؟ قال كانت له سكتتان: إذا فرغ من ام القرآن وإذا فرغ من السورة ". وروى في الكافي عن محمد بن يحيى باسناد له عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " يكره ان يقرأ قل هو الله احد في نفس واحد ". ومنها - ما ذكره جمع من الاصحاب من انه يستحب ان يقرأ في الصلاة بسور المفصل وهي من سورة محمد (صلى الله عليه وآله) الى آخر القرآن، فيقرأ مطولاته في الصبح وهي من سورة محمد الى " عم " ومتوسطاته في العشاء وهي من سورة " عم " الى " والضحى " وقضاره في الظهرين والمغرب وهي من الضحى الى آخر القرآن، وانه يستحب في غداة الخميس والاثنين بسورة " هل اتى " وفي المغرب والعشاء ليلة الجمعة والاعلى وفي الظهرين بالجمعة والمنافقين وفي نوافل النهار بالسور القصار ويسر بها وفي نوافل الليل بالسور الطوال ويجهر بها، وان يقرأ في اولتي صلاة الليل بقل هو الله احد ثلاثين مرة. وتفصيل هذه الجملة يتوقف على بسط الكلام في مقامات: (الاول) لا يخفى ان ما ذكروه (رضوان الله عليهم) من استحباب القراءة بسور المفصل على التفصيل المذكور
لم اجد له مستندا في اخبارنا بعد التتبع التام وبذلك اعترف جملة من محققي متأخرى
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 46 من القراءة
[ 177 ]
المتأخرين كالسيد السند في المدارك حيث قال بعد نقل ذلك: وليس في اخبارنا تصريح بهذا الاسم ولا تحديده وانما رواه الجمهور عن عمر بن الخطاب (1). انتهى. " ومن هنا يعلم ان الظاهر ان اصحابنا قد تبعوا في ذلك العامة، ولا يخفى ان كلام العامة ايضا هنا لا يخلو من اختلاف إلا ان المشهور بينهم هو ما ذكر هنا. قال في القاموس: المفصل كمعظم من القرآن من الحجرات الى آخرة في الاصح أو من الجاثية أو القتال أو (ق) عن النووي، أو الصافات أو الصف أو (تبارك) عن ابن ابي الصيف، أو (انا فتحنا) عن الدزماري، أو (سبح اسم ربك الاعلى) عن الفركاح أو الضحى عن الخطابي (2). انتهى. وقال في كتاب مجمع البحرين: وفي الحدث " فضلت بالمفصل " (3) قيل سمى به لكثرة ما يقع فيه من الفصول بالتسمية بين السور، وقيل لقصر سوره. واختلف في اوله فقيل من سورة (ق) وقيل من سورة محمد (صلى الله عليه وآله) وقيل من سورة الفتح، وعن النووي مفصل القرآن من سورة محمد (صلى الله عليه وآله) الى آخر القرآن وقصاره من الضحى الى آخره ومطولاته الى عم ومتوسطاته الى الضحى. وفى الخبر " المفصل ثمان وستون سورة " انتهى. اقول: ربما اشعر كلامه بان الاخبار المذكورة في كلامه مروية من طرفتا ولم اقف على من نقلها كذلك سواه والظاهر انها من طرق العامة وان تناقلها اصحابنا في كتب الفروع. نعم وقفت على ذلك في كتاب دعائم الاسلام إلا انه من كلامه ولم
(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 205 كتب عمر بن الخطاب الى ابى موسى الاشعري ان اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل وفى العصر والعشاء باوساط المفصل وفى المغرب بقصار المفصل. (2) فتح الباري ج 2 ص 170 (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 34.
[ 178 ]
يسنده الى رواية حيث قال (1) " ولا بأس بان يقرأ في الفجر بطوال المفصل وفى الظهر والعشاء الآخرة باوساطه وفى العصر والمغرب بقصاره ". وكيف كان فالواجب الرجوع في ذلك الى الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) وهي كثيرة لا بأس بذكر ما يسعه المقام منها: فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) القراءة في الصلاة فيها شئ موقت ؟ قال لا إلا الجمعة يقرأ فيها بالجمعة والمنافقين. قلت فاي السور يقرأ في الصلاة ؟ قال اما الظهر والعشاء الآخرة يقرأ فيهما سواء والعصر والمغرب سواء واما الغداة فاطول، فاما الظهر والعشاء الآخرة فسبح اسم ربك الاعلى والشمس وضحاها ونحوهما، واما العصر والمغرب فإذا جاء نصر الله والفتح والهاكم التكاثر ونحوهما، واما الغداة فعم يتساءلون وهل اتاك حديث الغاشية ولا اقسم بيوم القيامة وهل اتى على الانسان حين من الدهر ". وعن ابان في الصحيح عن عيسى بن عبد الله القمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي الغداة بعم يتساءلون وهل اتاك حديث الغاشية ولا اقسم بيوم القيامة وشبهها، وكان يصلي الظهر بسبح اسم والشمس وضحاها وهل اتاك حديث الغاشية وشبهها، وكان يصلي المغرب بقل هو الله احد وإذا جاء نصر الله والفتح وإذا زلزلت، وكان يصلي العشاء الآخرة بنحو ما يصلي في الظهر والعصر بنحو من المغرب ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (4) وقال العالم (عليه السلام) اقرأ في صلاة الغداة المرسلات وإذا الشمس كورت ومثلهما من السور، وفي الظهر إذا السماء انفطرت وإذا
(1) مستدرك الوسائل الباب 36 من القراءة (2) الوسائل الباب 70 و 48 من القراءة (3) الوسائل الباب 48 من القراءة (4) ص 11
[ 179 ]
زلزت ومثلهما، وفى العصر العاديات والقارعة ومثلهما، وفي المغرب والتين وقل هو الله احد ومثلهما، وفى يوم الجمعة وليلة سورة الجمعة والمنافقين. وقال شيخنا الصدوق في الفقيه: افضل ما يقرأ في الصلوات في اليوم والليلة في الركعة الاولى الحمد وانا انزلناه وفي الثانية الحمد وقل هو الله احد إلا في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة، الى ان قال وانما يستحب قراءة القدر في الاولى والتوحيد في الثانية لان القدر سورة النبي واهل بيته (عليهم السلام) فيجعلهم المصلي وسيلة الى الله لانه بهم وصل الى معرفته، واما التوحيد فالدعاء على اثرها مستجاب وهو قنوت. انتهى. ويشهد له جملة من الاخبار: منها - ما رواه الكليني عن ابي علي بن راشد (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك انك كتبت الى محمد بن الفرج تعلمه ان افضل ما يقرأ في الفرائض انا انزلناه وقل هو الله احد، وان صدري ليضيق بقراءتهما في الفجر ؟ فقال (عليه السلام) لا يضيقن صدرك بهما فان الفضل والله فيهما ". وفي حديث عمر بن اذنية وغيره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في كيفية الصلاة قال: " ان الله اوحى الى نبيه (صلى الله عليه وآله) ليلة الاسراء في الركعة الاولى ان اقرأ قل هو الله احد فانها نسبتى ونعتى ثم اوحى الله إليه في الثانية بعد ما قرأ الحمد ان اقرأ انا انزلناه في ليلة القدر فانها نسبتك ونسبة اهل بيتك الى يوم القيامة ". وروى الصدوق في الفقيه (3) قال " حكى من صحب الرضا (عليه السلام) الى خراسان انه كان يقرأ في الصلوات في اليوم والليلة في الركعة الاولى الحمد وانا انزلناه وفى الثانية الحمد وقل هو الله احد.. الحديث ". اقول: الظاهر انه اشارة الى ما رواه (قدس سره) في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن رجاء بن ابي الضحاك (4) قال: " كان الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان قرأته في جميع المفروضات في الاولى الحمد وانا انزلناه
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 23 من القراءة
[ 180 ]
وفي الثانية الحمد وقل هو الله احد إلا في صلاة الغداة والظهر والعصر يوم الجمعة فانه كان يقرأ فيها بالحمد وسورة الجمعة والمنافقين، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة في الاولى الحمد وسورة الجمعة وفي الثانية الحمد وسبح اسم ربك الاعلى، وكان يقرأ في صلاة الغداة يوم الاثنين ويوم الخميس في الاولى الحمد وهل اتى على الانسان وفي الثانية الحمد وهل اتاك حديث الغاشية.. الحديث ". وروى في كتاب العيون ايضا بسنده عن ابي الحسن الصائغ عن عمه (1) قال: " خرجت مع الرضا (عليه السلام) الى خراسان فما زاد في الفرائض على الحمد وانا انزلناه في الاولى والحمد وقل هو الله احد في الثانية ". وروى السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاووس (قدس سره) في كتاب فلاح السائل بسنده فيه عن محمد بن الفرج (2) " انه كتب الى الرجل (عليه السلام) يسأله عما يقرأ في الفرائض وعن افضل ما يقرأ فيها ؟ فكتب (عليه السلام) إليه ان افضل ما يقرأ في الفرائض انا انزلناه في ليلة القدر وقل هو الله احد ". وروى الشيخ في كتاب الغيبة والطبرسي في الاحتجاج (3) " انه كتب محمد ابن عبد الله بن جعفر الحميري الى صاحب الزمان (عليه السلام) في ما كتبه وسأله عما روى في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها ان العالم (عليه السلام) قال عجبا لمن يقرأ في صلاته انا انزلناه في ليلة القدر كيف تقبل صلاته، وروى ما زكت صلاة لم يقرأ فيها بقل هو الله احد. وروى من قرأ في فرائضه (الهمزة) اعطى من الثواب قدر الدنيا، فهل يجوز ان يقرأ (الهمزة) ويدع هذه السور التي ذكرناها مع ما قد روى انه لا تقبل صلاة ولا تزكو إلا بهما ؟ التوقيع: الثواب في السور على ما قد روى، وإذا ترك سورة مما فيها
الثواب وقرأ قل هو الله احد وانا انزلناه لفضلهما اعطى ثواب ما قرأ وثواب السورة التي ترك، ويجوز ان يقرأ غير هاتين السورتين وتكون صلاته تامة ولكنه يكون
(1) البحار ج 85 الصلاة ص 339 (2) مستدرك الوسائل الباب 19 من القراءة (3) الوسائل الباب 23 من القراءة
[ 181 ]
قد ترك الافضل ". ومن الاخبار الدالة على التأكيد في سورة التوحيد واستحباب قراءة الجحد ايضا ما رواه في الكافي عن يعقوب بن شعيب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " كان ابي يقول قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن وقل يا ايها الكافرون ربع القرآن " وعن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال " من مضى به يوم واحد فصلى فيه بخمس صلوات ولم يقرأ فيها بقل هو الله احد قيل له يا عبد الله لست من المصلين ". وروى الشيخ في التهذيب عن محمد بن ابي طلحة خال سهل بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قرأت في صلاة الفجر بقل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ". وروى الصدوق في كتاب ثواب الاعمال بسنده عن الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " من قرأ قل يا ايها الكافرون وقل هو الله احد في فريضة من الفرائض غفر الله له ولوالديه وان كان شقيا حي من ديوان الاشقياء واثبت في ديوان السعداء واحياه الله سعيدا واماته شهيدا وبعثه شهيدا " الى غير ذلك من الاخبار الدالة على جملة من السور. (المقام الثاني) - في ما يقرأ في مغرب وعشاء يوم الجمعة والغداة والظهر والعصر منه، اما المغرب والعشاء فالمشهور انه يقرأ الجمعة في الاولى والاعلى في الثانية في كل منهما، ذهب إليه الشيخ في النهاية والمسبوط والمرتضى وابن بابويه واكثر الاصحاب. ومستنده رواية ابي بصير (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) اقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة وسبح اسم ربك الاعلى وفي الفجر سورة الجمعة وقل هو الله احد.. ".
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 24 من القراءة (5) الوسائل الباب 49 من القراءة
[ 182 ]
ونحوه روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) " انه يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة وسبح اسم ربك الاعلى وفى الغداة الجمعة وقل هو الله احد " والمراد يعنى في كل من الفرضين. والخلاف هنا واقع في كل من الفرضين، اما في المغرب فمن الشيخ حيث قال في المصباح والاقتصاد تقرأ في ثانية المغرب قل هو الله احد: لما رواه أبو الصباح الكناني (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كان ليلة الجمعة فاقرأ في المغرب سورة الجمعة وقل هو الله احد وإذا كانت العشاء الآخرة فاقرأ سورة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى فإذا كانت صلاة الغداة يوم الجمعة فاقرأ سورة الجمعة وقل هو الله احد ". واما في العشاء الآخرة فمن ابن ابي عقيل حيث قال انه يقرأ في ثانية العشاء ليلة الجمعة سورة المنافقين، ومستنده ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز وربعي رفعاه الى ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " إذا كانت ليلة الجمعة يستحب ان يقرأ في العتمة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون وفي صلاة الصبح مثل ذلك وفى صلاة الجمعة مثل ذلك وفي صلاة العصر مثل ذلك " قال في الذكرى: والاول اظهر واشهر في الفتوى. اقول: لا يخفى ان المقام مقام استحباب فلا مشاحة. واما الصبح فالمشهور انه يقرأ بسورة الجمعة في الاولى والتوحيد في الثانية، وقال ابن بابويه والمرتضى في الانتصار يقرأ بالمنافقين في الثانية.
ويدل على الاول ما تقدم من رواية ابي بصير ورواية ابي الصباح الكناني وما روه الكليني في الصحيح عن الحسين بن ابي حمزة (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) بما اقرأ في صلاة الفجر في يوم الجمعة ؟ فقال اقرأ في الاولى بسورة الجمعة
(1) الوسائل الباب 70 من القراءة (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 49 من القراءة
[ 183 ]
وفى الثانية بقل هو الله احد ثم اقت حتى تكونا سواء ". ويدل على الثاني مرفوعة حريز وربعي المتقدمة وما رواه الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) في حديث طويل يقول " اقرأ سورة الجمعة والمنافقين فان قراءتهما سنة يوم الجمعة في الغداة والظهر والعصر ولا ينبغي لك ان تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر يعني يوم الجمعة اماما كنت أو غير امام ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (2) " اقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة سورة الجمعة في الاولى وفي الثانية المنافقين وروى قل هو الله احد ". وروى فيها الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى، رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال قال: " يا علي بم تصلي في ليلة الجمعة ؟ قلت بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون. فقال رأيت ابي يصلي ليلة الجمعة بسورة الجمعة وقل هو الله احد وفى الفجر بسورة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى وفى الجمعة بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون ". وظاهر هذه الرواية ان الجمعة والتوحيد ليلة الجمعة في كل من الفرضين ففيه دلالة على ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) في المصباح والاقتصاد في المغرب واما في العشاء فلم اقف على قائل به إذا الخالف كما عرفت في سورة الاعلى والمنافقين واما التوحيد فلم يقل به احد في ما اعلم. واما الظهر فالمشهور فيها استحباب الجمعة والمنافقين، وقال ابن بابويه في الفقيه لا يجوز ان يقرأ في ظهر يوم الجمعة بغير سورة الجمعة والمنافقين فان نسيتهما أو واحدة منهما في صلاة الظهر وقرأت غيرهما ثم ذكرت فارجع الى سورة الجمعة والمنافقين ما لم تقرأ نصف السورة فان قرأت نصف السورة فتمم السورة واجعلهما ركعتي نافلة وسلم فيهما واعد صلاتك بسورة الجمعة والمنافقين، وقد رويت رخصة في القراءة في صلاة الظهر بغير
(1) و (3) الوسائل الباب 49 من القراءة (2) ص 11
[ 184 ]
سورة الجمعة والمنافقين لا استعملها ولا افتى بها إلا في حال السفر والمرض وخيفة فوت حاجة. انتهى. ومراده بالظهر ما هو اعم من الجمعة والظهر لانه متى ثبت الحكم في الظهر ففي الجمعة بطريق الاولى ولا سيما ان اخباره التي استند إليها فانما هي في الجمعة. ومنشأ هذا الخلاف اختلاف الاخبار ظاهرا في هذه المسألة فروى الكليني والشيخ عنه في الصحيح أو الحسن عن عمر بن يزيد (1) قال " أبو عبد الله (عليه السلام) من صلى الجمعة بغير الجمعة والمنافقين اعاد الصلاة في سفر أو حضر " والثابت في السفر انما هو الظهر لا الجمعة. وروى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي اربعا اجهر بالقراءة ؟ قال نعم وقال اقرأ بسورة الجمعة والمنافقين في يوم الجمعة ". وروى الكليني ايضا في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " ان الله اكرم بالجمعة المؤمنين فسنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشارة لهم والمنافقين توبيخا للمنافقين لا ينبغى تركهما فمن تركهما متعمدا فلا صلاة له " وعن الحسين بن عبد الملك الاحول عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " من لم يقرأ في الجمعة الجمعة والمنافقين فلا جمعة له ". وقد تقدم في صحيحة زرارة المنقولة في كتاب العلل (5) " انه لا ينبغي ان يقرأ
بغير الجمعة والمنافقين في صلاة الظهر يعني في يوم الجمعة ". وروى الشيخ في الصحيح عن صباح بن صبيح (6) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل اراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله احد ؟ قال يتمها ركعتين
(1) و (6) الوسائل الباب 72 من القراءة (2) الوسائل الباب 73 من القراءة (3) و (4) الوسائل الباب 70 من القراءة (5) الوسائل الباب 49 من القراءة
[ 185 ]
ثم يستأنف " ورواه الكليني مرسلا (1). وروى ثقة الاسلام في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ليس في القراءة شئ موقت إلا الجمعة يقرأ بالجمعة والمنافقين " وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) القراءة في الصلاة فيها شئ موقت ؟ قال لا إلا الجمعة يقرأ فيها بالجمعة والمنافقين " وعن سليمان بن خالد في الصحيح (4) في حديث " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجمعة فقال القراءة في الركعة الاولى بالجمعة وفى الثانية بالمنافقين ". وروى الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (5) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا ؟ فقال لا بأس بذلك " وعن علي بن يقطين (6) قال " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الجمعة في السفر ما اقرأ فيهما ؟ قال اقرأهما بقل هو الله احد ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " سمعته يقول في صلاة الجمعة لا بأس بان تقرأ فيها بغير الجمعة والمنافقين إذا كنت مستعجلا " وعن محمد بن سهل عن ابيه (8) قال: " سألت ابا الحسن (صلوات الله عليه) عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا ؟ قال لا بأس ". وعن يحيى الازرق (9) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) قلت رجل صلى الجمعة فقرأ سبح اسم ربك الاعلى وقل هو الله احد ؟ قال اجزأه ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (10) " وتقرأ في صلواتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين وسبح اسم ربك الاعلى، وان نسيتهما أو واحدة منهما
(1) الوسائل الباب 72 من القراءة (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 70 من القراءة (5) و (6) و (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 71 من القراءة (10) ص 12
[ 186 ]
فلا اعادة عليك، فان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع الى سورة الجمعة وان لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك ". اقول: هذه جملة اخبار المسألة والصدوق قد حمل الاخبار الدالة على مطلق الامر بهاتين السورتين في الجمعة التي هي اعم - كما عرفت - من الواجبة أو الظهر على الوجوب مستندا الى صحيحة عمر بن يزيد الدالة على الاعادة لو اخل بهما، وصحيحة محمد بن مسلم الدالة على ان من تركهما متعمدا فلا صلاة له، ورواية الاحول عن ابيه الدالة على ان لم يقرأ هما فلا جمعة له، ورواية صباح بن صبيح الدالة على اتمام ركعتين ثم الاستئناف لو تركهما. ثم انه حمل الروايات الدالة بظاهرها على صحة الجمعة مع قراءة غير السورتين المذكورتين على السفر أو المرض أو الحاجة. وفيه ان بعض تلك الاخبار وان امكن فيه ما ذكره إلا ان صحيحة علي بن يقطين ورواية محمد بن سهل قد صرحتا بان من قرأ بغير السورتين المذكورتين متعمدا فلا بأس ومفاد التعمد هو عدم العذر، وحينئذ فلا يجري حمله المذكور فيهما مع امكان التأويل في ما استند إليه بالحمل على تأكيد الاستحباب وله نظائر في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. واما قوله (عليه السلام) " لا صلاة له أو لا جمعة له " فقد ورد نظيره " ان من تكلم في اثناء الخطبة فلا جمعة له " (1) و " لا صلاة لجار المسجد إلا فيه " (2) ونحو ذلك. واما الاعادة لو تركهما
فانه قد ورد نظيره في تارك الاذان والاقامة ونحو ذلك، على ان الاعادة في رواية صباح انما هي في صلاة الجمعة ومدعاه اعم منها ومن الظهر فلا تنهض دليلا له. وحمل الجمعة على الظهر وان امكن إلا انه مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة. وبالجملة فالظاهر هو القول المشهور وحمل هذه الاخبار على ما ذكرناه. واما العصر فالمشهور فيها استحباب السورتين المذكورتين والصدوق قد وافق هنا.
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة (2) الوسائل الباب 2 من احكام المساجد
[ 187 ]
على الاستحباب حيث قال: " ولا بأس ان تصلي العشاء والغداة والعصر بغير الجمعة والمنافقين إلا ان الافضل في ان تصليها بالجمعة والمنافقين " والمستند هنا في استحباب السورتين المذكورتين ما تقدم في مرفوعة حريز وربعي، وردها في المدارك بالضعف ثم قال إلا ان هذا المقام يكفي فيه مثل ذلك وفيه نظر قد تقدم ذكره مرارا مع انه قد تقدم في صحيحة زرارة المنقولة من كتاب العلل ما يدل على ذلك ايضا ولكنه لم يقف عليها، ونحو ذلك ما تقدم في رواية رجاء بن ابي الضحاك عن الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان. وقال في المدارك بعد نقل كلام الصدوق المتقدم: والمعتمد استحباب قراءتهما في الجمعة خاصة لما رواه الشيخ، ثم نقل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على انه ليس في الصلاة شئ موقت إلا الجمعة، الى ان قال واما الاستحباب في صلاة الظهر فلم اقف على رواية تدل بمنطوقها عليه اقول: قد تقدم في صحيحة زرارة المنقولة من كتاب العلل " اقرأ بالسورتين في ظهر الجمعة اماما كنت أو غير امام " وكذا في صحيحة الحلبي أو حسنته التصريح بذلك حيث قال: " إذا صليت وحدي اربعا اجهر بالقراءة ؟ قال نعم، وقال اقرأ بسورة الجمعة والمنافقين يوم الجمعة " فانها كما ترى صريحة في القراءة في الظهر. والعجب انه استدل بصدر الرواية على جواز الجهر. بقى هنا شئ يجب التنبيه عليه وهو ان المحقق (قدس سره) في الشرائع نقل قولا بوجوب السورتين في الظهر والعصر، والمنقول عن ابن بابويه كما تقدم انما هو الوجوب في الظهر خاصة، واستنكر هذا القول جملة من المتأخرين من حيث عدم الوقوف عليه إلا من عبارة المحقق المذكور، وحمله في المدارك على الغفلة بعد نقل كلام ابن بابويه في كتابه الكبير فتوهم من ظاهر اول العبارة العموم للظهر والعصر والحال ان آخرها صريح في الظهر خاصة.
[ 188 ]
(المقام الثالث) - في ما يقرأ في صبحي الاثنين والخميس والمشهور انه يستحب ان يقرأ فيهما " هل اتى على الانسان ". وقد تقدم في حديث رجاء بن ابي الضحاك المنقول من كتاب العيون " ان الرضا (عليه السلام) كان يقرأ في صلاة الغداة يوم الاثنين ويوم الخميس في الاولى الحمد وهل اتى على الانسان وفى الثانية الحمد وهل اتاك حديث الغاشية ". وقال الصدوق في الفقيه: في صلاة الغداة يوم الاثنين ويوم الخميس في الركعة الاولى الحمد وهل اتى على الانسان وفى الثانية الحمد وهل اتاك حديث الغاشية، فان من قرأهما في صلاة الغداة يوم الاثنين ويوم الخميس وقاه الله شر اليومين، وقد حكى من صحب الرضا (عليه السلام) الى خراسان لما اشخص إليها انه كان يقرأ في صلاته بالسور التي ذكرناها فلذلك اخترناها من بين السور بالذكر في هذا الكتاب. انتهى. واشار بذلك الى ما قدمه من افضلية سورتي التوحيد وانا انزلناه وما يقرأ في يوم الجمعة وليلتها وما يقرأ في غداة الخميس والاثنين وقد تقدم ذلك في الحديث المشار إليه. وروى الشيخ أبو علي بن شيخنا ابي جعفر الطوسي (قدس سره) في كتاب المجالس في الصحيح الى علي بن عمر العطار (1) قال: " دخلت على ابي الحسن العسكري (عليه السلام) يوم الثلاثاء فقال لم ارك امس ؟ قلت كرهت الحركة في يوم الاثنين. قال يا علي
من احب ان يقيه الله شر يوم الاثنين فليقرأ في اول ركعة من صلاة الغداة هل اتى على الانسان، ثم قرأ أبو الحسن (عليه السلام) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرروا (2) ". وروى في كتاب ثواب الاعمال بسنده عن عمرو بن جبير العزرمي عن ابيه عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " من قرأ هل اتى على الانسان في كل غداة خميس
(1) الوسائل الباب 4 من آداب السفر (2) سورة هل اتى، الآية 11 (3) الوسائل الباب 50 من القراءة
[ 189 ]
زوجه الله تعالى من الحور العين ثمانمائة عذراء واربعة آلاف ثيب من الحوراء من الحور العين وكان مع محمد صلى الله عليه وآله ". (المقام الرابع) - ما ذكروه بالنسبة الى نوافل الليل والنهار من القراءة بالسور الطوال والقصار والجهر والاخفات، فاما الاول فلم اقف له على مستند من الاخبار وبذلك اعترف في المدارك فقال: لم اقف على رواية تدل بمنطوقها عليه، ثم قال وربما امكن الاستدلال عليه بفحوى صحيحة محمد بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) هل يحوز ان يقرأ في صلاة الليل بالسورتين والثلاث... الخبر " وقد تقدم في مسألة حكم القران في الفريضة. واما الثاني فقال في المعتبر انه قول علمائنا اجمع ويدل عليه ما رواه الشيخ عن الحسن بن علي بن فضال عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " السنة في صلاة النهار بالاخفات والسنة في صلاة الليل بالاجهار " قال في المعتبر: والرواية وان كانت ضعيفة السند مرسلة لكن عمل الاصحاب على ذلك. انتهى. واما استحباب التوحيد ثلاثين مرة في الركعتين الاولتين من صلاة الليل فقد تقدم الكلام فيه مشروحا في المقدمة الاولى من مقدمات الباب الاول من هذا الكتاب. ومنها - استحباب الجهر بالظهر في يوم الجمعة اماما كان أو منفردا على الاشهر الاظهر، وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا بعد الاتفاق على استحباب الجهر في صلاة الجمعة، فقيل بالاستحباب كما ذكرنا وهو المشهور، قال الصدوق أبو جعفر ابن بابويه بعد نقل صحيحة عمران الحلبي الآتية (3) وهذه رخصة الاخذ بها جائز والاصل انه انما يجهر فيها إذا كانت خطبة فإذا صلاها الانسان وحده فهي كصلاة الظهر في سائر الايام يخفى فيها القراءة وكذك في السفر من صلى الجمعة جماعة بغير خطبة جهر بالقراءة
(1) الوسائل الباب 8 من القراءة وهى هكذا " سألت عبدا صالحا... " في المدارك والوسائل (2) الوسائل الباب 22 من القراءة (3) الوسائل الباب 73 من القراءة
[ 190 ]
وان انكر ذلك عليه. وقال السيد المرتضى في المصباح: والمنفرد بصلاة الظهر يوم الجمعة فقد روى انه يجهر بالقراءة استحبابا، وروى ان الجهر انما يستحب لمن صلاها مقصورة بخطبة أو صلاها اربعا ظهرا في جماعة ولا جهر على المنفرد. وقال ابن ادريس: وهذا الثاني هو الذى يقوى في نفسي واعتقده وافتي به، لان شغل الذمة بواجب أو ندب يحتاج الى دليل شرعى لا صالة براءة الذمة والرواية مختلفة فوجب الرجوع الى الاصل، ولان الاحتياط يقتضي ذلك لان تارك الجهر تصح صلاته اجماعا وليس كذلك الجاهر بالقراءة. ونقل المحقق في المعتبر عن بعض الاصحاب المنع من الجهر في الظهر مطلقا وقال ان ذلك اشبه بالمذهب. اقول: وتحقيق المسألة كما هو حقها بنقل اخبارها وبيان الجمع بنيها كما سيأتي ان شاء الله تعالى في باب صلاة الجمعة. ومنها - السكوت بعد القراءة كما تقدم في رواية حماد وحكايته صلاة الصادق (عليه السلام) تعليما له، قال فيه " ثم قرأ الحمد بترتيل وقل هو الله احد ثم صبر هنية بقدر ما يتنفس وهو قائم ثم قال الله اكبر ". قال شيخنا في الذكرى: يستحب السكوت إذا فرغ من الحمد والسورة فهما سكتتان
لرواية اسحاق بن عمار عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان رجلين من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) اختلفا في سكتة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكتب الى ابى بن كعب كم كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من سكتة ؟ قال كانت له سكتتان: إذا فرغ من ام القران وإذا فرغ من السورة " وفي رواية حماد تقدير السكتة بعد السورة بنفس. وقال ابن الجنيد روى سمرة وابي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " ان السكتة الاولى بعد تكبيرة الاحرام والثانية بعد الحمد " ثم قال (قدس سره) فرع - الظاهر استحباب السكوت عقيب الحمد في الاخيرتين قبل
(1) الوسائل الباب 46 من القراءة (2) تيسير الوصول ج 2 ص 229 وفيه " الثانية بعد الحمد وسورة "
[ 191 ]
الركوع وكذا عقيب التسبيح. انتهى. وروى الصدوق في كتاب الخصال عن الخليل عن الحسين بن حمدان عن اسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زريع عن سعيد بن ابي عروبة عن قتادة عن الحسن (1) " ان سمرة بن جندب وعمران بن حصين تذاكرا فحدث سمرة انه حفظ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سكتتين سكتة إذا فرغ من قراءته عند ركوعه ثم ان قتادة ذكر السكتة الاخيرة إذا فرغ من قراءة " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " اي حفظ ذلك سمرة وانكره عليه عمران بن حصين قال فكتبنا في ذلك الى ابي بن كعب وكان في كتابه اليهما أو في رده عليهما ان سمرة قد حفظ " قال الصدوق (قدس سره) ان النبي (صلى الله عليه وآله) انما سكت بعد القراءة لئلا يكون التكبير موصولا بالقراءة وليكون بين القراءة والتكبير فصل، وهذا يدل على انه لم يقل آمين بعد فاتحة الكتاب سرا ولا جهرا لان المتكلم سرا أو علانية لا يكون ساكتا وفي ذلك حجة قوية للشيعة على مخالفيهم في قولهم آمين بعد الفاتحة ولا قوة إلا بالله. انتهى. اقول: الذي يقرب عندي في هذا المقام ان السكوت المستحب انما هو ما دل عليه خبر حماد المشار إليه واما ما عدا ذلك من كونه بعد التكبير أو بعد الفاتحة فالظاهر انه قول الجمهور (2) وظاهر رواية الخصال انها عامية ورجالها من العامة، وحديث اسحاق بن عمار المنقول في الذكرى لا دلالة فيه على ذلك ان لم يكن فيه اشارة الى الدلالة على العدم، وذلك لان عدوله (عليه السلام) عن الافتاء بذلك كما في جملة الاحكام الشرعية التي تخرج عنه الى الاخبار بما نقل في الخبر نوع اشارة الى ما قلناه وان قصده (عليه السلام) حكاية ما عليه العامة حسب ما تضمنه حديث الخصال وان اختلف الحديثان في السكتة الاخرى من انها بعد الحمد أو بعد تكبيرة الاحرام. ثم ان ظاهر كلام الصدوق ايضا ان السكوت الذي اشتمل عليه خبر حماد ليس
(1) مستدرك الوسائل الباب 34 من القراءة (2) المغنى ج 1 ص 495
[ 192 ]
مستحبا من حيث هو بل من حيث استحباب اظهار همزة " الله " في التكبير ولو وصل لزم سقوطها لانها همزة وصل والنصوص دالة على قطعها والقطع لا يكون إلا مع السكوت قبلها. إلا ان كلامه (قدس سره) وقوله: " وهذا يدل على انه لم يقل آمين... الى آخره " لا اعرف له وجها وجيها لان ظاهر الحديث الذي نقله ان السكتتين احداهما بعد تكبيرة الاحرام والاخرى بعد تمام القراءة قبل الركوع وهذا هو الذي حفظه سمرة والتأمين انما هو بعد الفاتحة والسكتة بعد الفاتحة انما ذكرها قتادة. نعم كلامه يتم على تقدير رواية اسحاق بن عمار التي نقلها في الذكرى حيث اشتملت على ذلك إلا انه لم يلم بها ولم ينقلها. وقال في المنتهى: يستحب للمصلي ان يسكت بعد قراءة الحمد وبعد السورة وبه قال احمد والاوزاعي والشافعي وكرهه مالك واصحاب الرأي، وقال بعضهم يسكت عقيب الافتتاح وبعد الحمد خاصة (1) لنا ما رواه الجمهور، ثم ذكر رواية تدل على الاول ثم قال ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ عن غياث بن كلوب عن اسحاق بن عمار، ثم
نقل رواية اسحاق بن عمار المتقدمة. ومنها - ما تقدم في الفائدة العشرين من الفوائد الملحقة باخبار المقدمة الثانية من نقل جملة من السور التي يستحب قراءتها في النوافل فليرجع إليه من احب الوقوف عليه. البحث الثالث في الاحكام وفيه مسائل (الاولى) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان من واجبات القراءة الموالاة فلو قرأ خلالها من غيرها فان كان عمدا فظاهر الشهيد في الذكرى بطلان الصلاة ونقل عن الشيخ في المبسوط انه يستأنف القراءة ولا تبطل الصلاة، ولو كان ناسيا استأنف القراءة على ما صرح به في الذكرى، وفي المبسوط انه يبني على ما قرأ
(1) بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 113
[ 193 ]
اولا، وفى الدروس تبع الشيخ في استئناف القراءة في صورة العمد ونسب ما اختاره في الذكرى من البطلان الى لفظ " قيل " مؤذنا بتمريضه وضعفه واما في صورة النسيان فكما في الذكرى من اعادة القراءة، وبهذا يصير هذا قولا ثالثا في المسألة وهو ظاهر المحقق في الشرائع والعلامة في الارشاد واليه جنح في المدارك ايضا، وفى البيان كما في الذكرى من الحكم ببطلان الصلاة في صورة العمد ولم يتعرض لحكم الناسي. اقول: انت خبير بان الظاهر انه لا دليل لهم على وجوب الموالاة إلا دعوى ان ذلك هو المفهوم من القراءة، وزاد بعضهم الاستناد الى التأسي فانه (صلى الله عليه وآله) " وكذا الائمة (عليهم السلام) بعده كانوا يوالون في قراءتهم مع قوله (صلى الله عليه وآله) (1) " صلوا كما رأيتموني اصلي " ومعنى الموالاة عندهم هو ان لا يقرأ في خلالها ولا يسكت بحيث يخرج عن كونه قارئا، واستثنوا من ذلك الدعاء فانه جائز. ويشكل ذلك بان الظاهر من العرف ان نحو الكلمة والكلمتين لا يخل بالموالاة فلو قيد الحكم المذكور في المنع من القراءة في الاثناء بما يخل بالموالاة عرفا كما قيدوا بذلك في السكوت لكان اظهر. ثم ان الظاهر عندي ان ما حكم به في الذكرى والبيان من بطلان الصلاة بالاخلال بالموالاة عمدا لا يخلوا من اشكال لعدم الوقوف في المسألة على نص. وفي الذكرى انما علل ذلك بتحقق المخالفة المنهى عنها، وحاصله انه منهى عن تلك القراءة والنهى عن العبادة يوجب الفساد. وفيه ان النهي غير موجود لعدم النص في المسألة إلا ان يدعى انه مأمور بالموالاة التي هي - كما عرفت - عبارة عن عدم القراءة خلالها والامر بالشي يستلزم النهى عن ضده الخاص وهو القراءة خلالها. وتوجه المنع الى جملة من مقدمات هذا الدليل واضح، اما الامر بالموالاة فغير ظاهر إلا ما عرفت من دعوى انه المفهوم من القراءة، ومع الاغماض عن ذلك فدعوى فوات الموالاة بمجرد القراءة ولو بمثل كلمة أو كلمتين
(1) المغنى ج 1 ص 508
[ 194 ]
قد عرفت ما فيه، واما الاستناد الى قاعدة ان الامر بالشئ يسلتزم النهي عن ضده الخاص فقد عرفت ما فيه مما تقدم بيانه في اثناء مباحث الكتاب زيادة على ما تقدم في المقدمات من كتاب الطهارة، ومرجعه الى عدم ثبوت هذه القاعدة بل قيام النصوص على خلافها فلا ثمرة طاولا فائدة وان اطالوا فيها الكلام بابرام النقض ونقض الابرام إلا انه عند من يتمسك باخبار اهل العصمة (عليهم السلام) لا يصل الى محل ولا مقام وبذلك يظهر لك ان ما ذهب إليه الشيخ هو الاقرب في كل من صورتي العمد والنسيان قال السيد السند في المدارك بعد قول المصنف " الموالاة في القراءة شرط في صحتها فلو قرأ خلالها من غيرها استأنف القراءة " ما صورته: اما اشتراط الموالاة في القراءة فللتأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) فانه كان يوالي في قراءته، وقال (صلى الله عليه وآله) (1) " صلوا كما رأيتموني اصلي ". اقول: لا يخفى ما في هذا الدليل من الوهن لما صرح به هو في غير مقام من هذا الشرح وغيره من الاصحاب من ان التأسي في ما لا يعلم وجه وجوبه بدليل من
خارج مستحب لا واجب، وقد تقدم نحو ذلك في مسألة الجهر والاخفات في شرح قول المصنف " ويجب الجهر بالحمد أو السورة... الخ " حيث نقل ثمة عن الشهيد الاستدلال على الوجوب بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) والتأسي به واجب، فقال في رده: وهو ضعيف جدا فان التأسي في ما لا يعلم وجهه مستحب لا واجب كما قرر في محله. وعين ما اورده على الشهيد يرد عليه هنا. وبالجملة فان هذا الموضع من جملة المواضع التي اضطرب كلامه فيها في هذا الشرح كما نبهنا عليه في غير مقام ففي جملة من المواضع يستدل به وفي مواضع اخرى يرد على من استدل به. نعم يمكن ان يقال ان العبادات لما كانت مبنية على التوقيف والذي ثبت عن صاحب الشريعة انما هو الموالاة فيقين البراءة من التكليف الثابت في الذمة بيقين
(1) المغنى ج 1 ص 508
[ 195 ]
والخروج عن العهدة لا يحصل إلا بذلك. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة - من ان عموم ما دل على جواز قراءة القرآن في اثناء الصلاة يضعف التمسك بذلك - ففيه انا لم نقف بعد الفحص في شئ من الاخبار على ما يدل على هذا العموم وان اشتهر بين الاصحاب على وجه لا يكاد يوجد له فيه مخالف، فانهم جعلوا مما يستثنى في الصلاة الدعاء وقراءة القرآن، والاول موجود في الاخبار اما الثاني فلم اقف على ما يدل عليه بعد الفحص والتتبع بل ربما دل بعض الاخبار على خلافه مثل ما رواه الكليني والشيخ في الموثق عن عبيد بن زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ذكر السورة من الكتاب ندعو بها في الصلاة مثل (قل هو الله احد) فقال إذا كنت تدعو بها فلا بأس " ومفهومه حصول البأس مع عدم قصد الدعاء بها. ثم قال في المدارك: وقال الشيخ في المبسوط يستأنف القراءة مع العمد ويبنى على السابق مع النسيان. وهو مشكل ايضا لفوات الموالاة الواجبة مع العمد والنسيان فلا يتحقق الامتثال. اقول: فيه انه يمكن ان يقال ان مع القول بوجوب الموالاة فغاية ما يفيده الاخلال بها عمدا بطلان القراءة فمن ثم اوجب الشيخ الاعادة واستئناف القراءة لا بطلان الصلاة لتوقفه على الدليل، وقد عرفت مما تقدم في الكلام على كلام الذكرى انه لا دليل على الابطال. واما حال السهو فان ترك الواجب سهوا غير مبطل فيبنى كما ذكره الشيخ. ولو سكت في اثناء القراءة بما يزيد عن العادة فلهم فيه تفصيل، فان كن لانه ارتج عليه واراد التذكر لم يضر إلا ان يخرج عن كونه مصليا، وان سكت متعمدا لا لحاجة حتى خرج عن كونه قارئا اعاد قرائته ولو خرج عن كونه مصليا بطلت صلاته، ولو نوى قطع القراءة وسكت فنقل عن الشيخ الحكم بوجوب اعادة الصلاة حيث قال: " وان
(1) الوسائل الباب 9 من القراءة
[ 196 ]
نوى ان يقطعها ولم يقطعها بل قرأها كانت صلاته ماضية، وان نوى قطعها ولم يقرأ بطلت صلاته " والمشهور الصحة، واورد على الشيخ انه قد ذهب في المبسوط الى عدم بطلان الصلاة بنية فعل المنافي. واعتذر عنه في الذكرى بان المبطل هنا نية القطع مع القطع فهو في الحقيقة نية المنافي مع فعله. ورده في المدارك بانه غير جيد لان السكوت بمجرده غير مبطل للصلاة إذا لم يخرج به عن كونه مصليا. ثم قال: والاصح ان قطع القراءة بالسكوت غير مبطل لها سواء حصل معه نية القطع ام لا إلا ان يخرج بالسكوت عن كونه قارئا فتبطل القراءة أو مصليا فتبطل الصلاة. انتهى. وهو جيد. وبالجملة فالمسألة لما كانت عارية عن النص فالواجب فيها الوقوف على جادة الاحتياط وهو في ما ذكره السيد المشار إليه (افاض الله رواشح رضوانه عليه) ويعضده ان الاصل في الصلاة الصحة حتى يقوم دليل الابطال. والله العالم. (المسألة الثانية) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم التأمين
في الصلاة فقيل بتحريمه وبطلان الصلاة به وهو المشهور عندهم حتى انه نقل الشيخان والمرتضى وابن زهرة والعلامة في النهاية الاجماع عليه، وقال ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه: ولا يجوز ان يقال بعد فاتحة الكتاب (آمين) لان ذلك كان يقوله النصارى. ونقل عن ابن الجنيد انه يجوز التأمين عقيب الحمد وغيرها، وما إليه المحقق في المعتبر ونقله في المدارك عن شيخه المعاصر والظاهر انه المحقق الاردبيلي كما عبر عنه في غير موضع من الكتاب بذلك. واما الاخبار الواردة في المقام فمنها - ما روه الكليني والشيخ في الحسن أو الصحيح عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت خلف امام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها فقل انت الحمد لله رب العالمين ولا تقل آمين ".
(1) الوسائل الباب 17 من القراءة
[ 197 ]
وعن معاوية بن وهب في الصحيح (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اقول (آمين) إذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ قال هم اليهود والنصارى، ولم يجب في هذا ". وعن محمد الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) اقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين ؟ قال لا " وفي المعتبر (3) نقل هذه الرواية عن جامع البزنطي عن عبد الكريم عن محمد الحلبي المذكور. وعن جميل في الصحيح (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب آمين ؟ قال ما احسنها واخفض الصوت بها " وروى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن الفضيل بن يسار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا قرأت الفاتحة وقد فرغت من قراءتها وانت في الصلاة فقل الحمد لله رب العالمين ". وقال في كتاب دعائم الاسلام (6) " وروينا عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا يبتدأ بعد بسم الله الرحمن الرحيم في كل ركعة بفاتحة الكتاب، الى ان قال وحرموا ان يقال بعد قراءة فاتحة الكتاب (آمين) كما يقول العامة، قال جعفر بن محمد (عليهما السلام) انما كانت النصارى تقولها. وعنه عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تزال امتي بخير وعلى شريعة من دينها حسنة جميلة ما لم يتخطوا القلة باقدامهم ولم ينصرفوا قياما كفعل اهل الكتاب ولم تكن ضجة آمين ". هذا مجموع ما حضرني من اخبار المسألة والذي يدل منها على القول المشهور - وهو المؤيد المنصور - صحيحة جميل أو حسنته. وهذا الترديد الذي نذكره دائما في الاسانيد من حيث اشتمال السند على ابراهيم بن هاشم المعدود حديثه عند الاكثر في الحسن وعند
(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 17 من القراءة (3) ص 177 (6) مستدرك الوسائل الباب 13 من القراءة
[ 198 ]
جمع من اصحابنا في الصحيح، وهو الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح حيث اشتملت على النهي عن قولها وهو حقيقة في التحريم، ونحوها رواية الحلبي. اما صحيحة جميل فهي محمولة على التقية (1) ويعضد ذلك عدوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب عن جواب السؤال الى ما ذكره من تفسير " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " باليهود والنصارى. وقال المحقق في المعتبر: ويمكن ان يقال بالكراهة ويحتج بما رواه الحسين بن سعيد عن ابن ابي عمير عن جميل، ثم ذكر صحيحة جميل الثانية، ثم قال: ويطعن في الروايتين الاولتين - يعني روايتي الحلبي - بان احداهما رواية محمد بن سنان وهو مطعون فيه وليس عبد الكريم في النقل والثقة كابن ابي عمير فتكون رواية الاذن اولى لسلامة سندها من الطعن ورجحانها، ثم لو تساوت الروايتان في الصحة جمع بينهما بالاذن والكراهة توفيقا، ولان رواية المنع تحتمل منع المنفرد والمبيحة تتضمن الجماعة ولا يكون
المنع في احدهما منعا في الاخرى. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما اسلفناه، ويزيده بيانا ان راوي الرواية المبيحة وهو جميل قد روى المنع ايضا وهي الرواية الاولى من هذه الروايات المنقولة ولكنه لم ينقلها في كتابة وانما نقل رواية الحلبي المروية عن الشيخ بالطريق الذي فيه محمد بن سنان وعن جامع البزنطي بالطريق الذي فيه عبد الكريم وهو عبد الكريم بن عمرو وهو ثقة واقفي فردها بما ذكره، وحينئذ بناء على ما ذكرناه من رواية جميل المذكورة الدالة على النهي تكون معتضدة بالروايتين المذكورتين اللتين قد وجه الطعن اليهما فلا
(1) في البدائع ج 1 ص 207 " المستحب بعد الفاتحة ان يقول " آمين " اماما كان أو مقتدما وهو قول عامة العلماء، وقال بعض العلماء لا يؤتى بالتأمين اصلا، وقال مالك يأتي به المقتدي دون الامام والمنفرد. والصحيح قول العامة " وفى المحلى ج 3 ص 262 " قول آمين يقوله الامام والمنفرد سنة وندبا ويقوله المأموم فرضا ".
[ 199 ]
ترجيح لرواية الترخيص بل الترجيح لرواية المنع المعتضدة بالروايتين المذكورتين وغيرهما ولا سيما رواية كتاب دعائم الاسلام لما عرفت فيها من الصراحة، مضافا ذلك الى الشهرة بين الاصحاب حتى ادعى عليه الاجماع جملة منهم كما عرفت، ومخالفة العامة القائلين بالاستحباب، مع ان الرواية المبيحة التي اعتمدها وبنى النزاع في المسألة عليها لا نقبل ما حملها عليه من الكراهة فان استحسانها على سبيل التعجب ينفي الكراهة بل اقل مراتب الاستحسان الاستحباب فكيف يمكن حملها على الجواز على كراهة كما ذهب إليه ؟ بل المحمل الظاهر لها انما هو التقية، ويشهد له ما عرفت من صحيحة معاوية بن وهب. قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين: وقد تضمن الحديث السابع عشر عدم مشروعية قول " آمين " في الصلاة فان عدوله (عليه السلام) عن جواب السؤال عن قولها الى تفسير المغضوب عليهم ولا الضالين يعطى التقية وان بعض المخالفين كان حاضرا في المجلس فاوهمه (عليه السلام) ان سؤال معاوية انما هو عن المراد بالمغضوب عليهم ولا الضالين، وربما حمل قوله (عليه السلام) " هم اليهود والنصارى " على التشنيع على المخالفين والمراد ان الذين يقولون (آمين) في الصلاة هم يهود ونصارى اي مندرجون في عدادهم ومنخرطون في الحقيقة في سلكهم. انتهى. اقول لا يخفى ما في قوله: " وربما حمل قوله (عليه السلام).. الخ " من اللطف والحسن في المقام. وقال السيد السند في المدارك: احتج الشيخ في الخلاف على التحريم والابطال باجماع الفرقة فانهم لا يختلفون في ان ذلك مبطل للصلاة، وبقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين " وقول " آمين " من كلامهم لانها ليست بقرآن ولا دعاء وانما هي اسم للدعاء والاسم غير المسمى، وبما رواه في الحسن عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام)، ثم نقل رواية جميل وهي الاولى من الروايات المتقدمة ثم نقل رواية الحلبي بعدها، ثم قال: وفى كل من هذه
(1) المغنى ج 1 ص 548
[ 200 ]
الادلة نظر، اما الاجماع فقد تقدم الكلام فيه مرارا، واما ان " آمين " من كلام الآدميين لانها اصم للدعاء وليست بدعاء فلتوجه المنع الى ذلك بل الظاهر انها دعاء كقولك " اللهم استجب " وقد صرح بذلك المحقق نجم الائمة الرضي (رضي الله عنه) فقال: وليس ما قال بعضهم - من ان " صه " مثلا اسم للفظ (اسكت) الذي هو دال على معنى الفعل فهو علم للفظ الفعل لا لمعناه - بشئ لان العربي القح يقول " صه " مع انه ربما لا يخطر في باله لفظ " اسكت " وربما لم يسمعه اصلا، ولو قلت اسم لا صمت أو امتنع أو اكفف عن الكلام أو غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى لصح فعلمنا ان المقصود المعنى لا اللفظ. واما الروايتان فمع سلامة سندهما انما تضمنتها النهي عن هذا اللفظ فيكون محرما ولا يلزم كون ذلك مبطلا للصلاة، ولان النهي انما يفسد العبادة إذا توجه إليها أو الى جزء منها أو شرط لها وهو هنا انما توجه الى امر خارج عن الصلاة. ثم نقل احتجاج
ابن زهرة على التحريم والابطال ثم نقل كلام المحقق في المعتبر ورده.. الى ان قال وقد ظهر من ذلك كله ان الاجود التحريم دون الابطال وان كان القول بالكراهة محتملا لقصور لروايتين عن اثبات التحريم من حيث السند وكثرة استعمال النهى في الكراهة خصوصا مع مقابلته بامر الندب. انتهى. اقول: وبما اختاره في المسألة من التحريم دون الابطال يصير في المسألة اقوال ثلاثة بانضمام هذا القول الى القولين المتقدمين ثم ان كلامه (قدس سره) لا يخلو عندي من نظر (اما اولا) فان طعنه في الاجماع بما اشار إليه وان كان حقا ولكن لا يخفى على من لاحظ كتابه كثرة تمسكه بالاجماع في غير مقام وذبه عنه بجده وجهده في جملة من الاحكام وهو من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه في هذا الكتاب. و (اما ثانيا) فما ذكره - من توجه المنع الى ان " آمين " من كلام الآدميين مستندا الى ما ذكره المحقق المذكور - فان فيه (اولا) انه مع تسليمه انما يتم لو كان معنى (آمين) منحصرا في (اللهم استجب) لفظا أو معنى وليس كذلك بل لها معان اخر لا يتم على
[ 201 ]
تقديرها ما ذكره، قال في القاموس: آمين بالمد والقصر وقد يشدد الممدود ويمال ايضا عن الواحدي في البسيط اسم من اسماء الله أو معناه " اللهم استجب أو كذلك فليكن أو كذلك فافعل " انتهى. وقال ابن الاثير: هو اسم مبني على الفتح ومعناه " اللهم استجب لي " وقيل معناه (كذلك فليكن) يعني الدعاء. وقال في المغرب معناه " استجب " وقال صاحب الكشاف انه صوت سمي به الفعل الذي هو " استجب " كما ان " رويدا وحيهل وهلم " اصوات سميت بها الافعال التي هي " امهل واسرع واقبل " انتهى. وقال في كتاب المصباح المنير: وآمين بالقصر في لغة الحجاز والمد اشباع بدليل انه لا يوجد في العربية كلمة على " فاعيل " ومعناه " اللهم استجب " وقال أبو حاتم معناه (كذلك يكون) وعن الحسن البصري انه اسم من اسماء الله تعالى. اقول: هذه جملة من كلمات اساطين اللغة وارباب العربية الذين عليهم المعول وهي متفقة في ان احد معانيه " اللهم استجب أو استجب " أو غيرهما من الالفاظ المذكورة التي ليست بدعاء البتة وترجيح كلام المحقق المشار إليه على كلامهم محل نظر، على ان اللازم - مما ذكره المحقق المذكور لو تم - عدم وجود هذا القسم الذي هو اسم الفعل بالكلية فان كلامه هذا جار في جميع اسماء الافعال التي وضعت بازائها، فهي حينئذ بمقتضى ما ذكره من قبيل الالفاظ المترادفة مع انه لا خلاف بين اهل العربية في ان اسم الفعل قسم من الاقسام المذكورة في كلامهم والمبحوث عنها في كتبهم. و (ثانيا) ان الظاهر ان هذه الاخبار التي وردت بالمنع والنهي عن التأمين لاوجه لتصريحها بذلك إلا من حيث كونه كلاما اجنبيا خارجا عن الصلاة مبطلا لها متى وقع فيه وإلا فالنهي عنه - مع كونه دعاء كما ادعاء واستفاضة الاخبار بجواز الدعاء في الصلاة بل استحبابه - مما لا يعقل له وجه. و (اما ثالثا) فما طعن به على رواية جميل بقوله اولا " فمع سلامة سندها " وقوله ثانيا " لقصور الروايتين عن اثبات التحريم من حيث السند " وهذا الطعن انما هو من حيث اشتمال سندها على ابراهيم بن هاشم، وهو مناف لما صرح به في غير موضع من كتابه من
[ 202 ]
الاعتماد على روايته وعدها في الصحيح في جملة من المواضع، وهذا من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه ايضا كما تقدمت الاشارة إليه في غير موضع. وبذلك يظهر لك ان القول المشهور هو المؤيد المنصور. ثم انه نقل في المدارك عن المحقق في المعتبر والعلامة في جملة من كتبه انهما استدلا على ان التأمين مبطل للصلاة بان معناه " اللهم استجب " ولو نطق بذلك لبطلت صلاته فكذا ما قام مقامه، ثم رده بانه ضعيف جدا فان الدعاء في الصلاة جائز باجماع العلماء وهذا دعاء عام في طلب استجابة جميع ما يدعى به فلا وجه للمنع منه. انتهى. اقول: ما ذكره (قدس سره) جيد وفيه دلالة على صحة ما الزمناه به في ما اختاره من التحريم دون الابطال مع قوله بانه دعاء لا اسم لما يدل على الدعاء، فانه لا يعقل
لتحريمه وجه مع كونه دعاء كما عرفت. (المسألة الثالثة) - المشهور في كلام المتقدمين - وبه صرح الشيخان والصدوق والمرتضى (رضوان الله عليهم) - ان الضحى وألم نشرح وكذا الفيل ولايلاف سورة واحدة، والمشهور بين المتأخرين - ومنهم المحقق وربما كان اولهم - خلافه. قال في المعتبر بعد البحث في المسألة: ولقائل ان يقول لا نسلم انهما سورة واحدة بل لم لا يكونان سورتين وان لزم قراءتها في الركعة الواحدة على ما ادعوه ؟ ونطالب بالدلالة على كونهما سورة واحدة، وليس قراءتهما في الركعة الواحدة دالة على ذلك وقد تضمنت رواية المفضل تسميتهما سورتين، ونحن قد بينا ان الجمع بين السورتين في الفريضة مكروه فتستثنيان من الكراهة. انتهى. وقال في المدارك - بعد قول المصنف: روى اصحابنا ان الضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذا الفيل ولايلاف فلا يجوز افراد احداهما عن صاحبتها في كل ركعة ولا يفتقر الى البسملة بينهما على الاظهر - ما صورته: ما ذكره المصنف من رواية الاصحاب ان الضحى والم نشرح سورة واحدة وكذا الفيل والايلاف لم اقف عليه في شئ من
[ 203 ]
الاصول ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال. والذي وقفت عليه في ذلك روايتان - احداهما - رواية زيد الشحام في الصحيح (1) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرأ الضحى والم نشرح في ركعة " والاخرى رواية المفضل (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح وسورة الفيل ولايلاف " ولا دلالة لهما على ما ذكروه من الاتحاد بل ولا على وجوب قراءتهما في الركعة، اما الاولى فظاهر لانها تضمنت انه (عليه السلام) قرأهما في الركعة والتأسي في ما لا يعلم وجوبه مستحب لا واجب. واما الثانية فلانها مع ضعف سندها انما تضمنت استثناء هذه السورة من النهي عن الجمع بين السورتين في الركعة والنهي هنا للكراهة على ما بيناه في ما سبق فيكون الجمع بين هذه السور مستثنى من الكراهة. والذي ينبغي القطع بكونهما سورتين لاثباتهما في المصاحف كذلك كغيرهما من السور فتجب البسملة بينهما ان وجب قراءتهما معا، وهو ظاهر المصنف في المعتبر فانه قال بعد ان منع دلالة الروايتين على وجوب قراءتهما في الركعة: ولقائل، ثم ساق كلامه الذي ذكرناه. اقول: الظاهر ان منشأ الشبهة في هذه المسألة على المتأخرين (اولا) هو انه لما كان نظرهم غالبا مقصورا على الكتب الاربعة المشهورة وهي خالية من هذه الرواية التي اشار إليها المحقق حصل لهم الاشكال في ذلك. و (ثانيا) وجود البسملة في كل من السور المذكورة في المصاحف. و (ثالثا) حكمهم بكراهة القران دون تحريمه كما سيظهر لك من كلام صاحبي المعتبر والمدارك. والجميع محل بحث ونظر كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. وتحقيق المقام بما لا يحوم حوله النقض والابرام بتوفيق الملك العلام وبركة اهل الذكر (عليهم الصلاة والسلام) انك قد عرفت مما قدمنا في غير موضع ان كثيرا من
(1) و (2) الوسائل الباب 10 من القراءة
[ 204 ]
الاحكام التي يذكرها المتقدمون وهذه الكتب المشار إليها عارية عن ادلتها فيعترض عليهم المتأخرون بعدم وجود الدليل وربما تكلفوا لهم دليلا والحال ان ادلتها موجودة في مواضع اخر من كتب الاخبار، ومنها هذه المسألة فان دليلها موجود في مواضع: منها - كتاب الفقه الرضوي الذي قد اشرنا سابقا الى تفرده بامثال ذلك وبه صرح شيخنا المجلسي وولده (عطر الله مرقديهما) حيث قال (عليه السلام) (1) " ولا تقرأ في صلاة الفريضة والضحى وألم نشرح وألم تركيف ولايلاف، لانه روى ان والضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذلك ألم تر كيف ولايلاف سورة واحدة.. الى ان قال فان قرأت بعض هذه السور الاربع فاقرأ والضحى وألم نشرح ولا تفصل بينهما، وكذلك
ألم تر كيف ولايلاف " انتهى. ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه " وموسع عليك اي سورة قرأت في فرائضك إلا اربع وهي والضحى وألم نشرح في ركعة لانهما جميعا سورة واحدة ولايلاف وألم تر كيف في ركعة لانهما جميعا سورة واحدة، ولا تنفرد بواحدة من هذه الاربع سور في ركعة فريضة " وبهذه الرواية افتى في الفقيه من غير اسناد الى الرواية كما هي عادته غالبا من الافتاء بمضامين الاخبار. ومنها - ما نقله شيخنا امين الاسلام الطبرسي في مجمع البيان (3) قال: " روى اصحابنا ان الضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذا سورة ألم تر كيف ولايلاف قريش " قال وروى العياشي عن ابي العباس عن احدهما (عليهما السلام) قال: " ألم تر كيف فعل ربك ولايلاف قريش سورة واحدة " قال: " وروى ان ابي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه " انتهى.
(1) ص 9 (2) البحار ج 85 الصلوة ص 45 ح 34 (3) الوسائل الباب 10 من القراءة
[ 205 ]
وهذه الاخبار هي مستند شهرة الحكم بين المتقدمين بالاتحاد، ويؤيدها صحيحة زيد الشحام ورواية المفضل المتقدمتين بنقل صاحب المدارك، ورواية المفضل هذه رواها في المعتبر من جامع احمد بن محمد بن ابي نصر وعليهما اقتصر في المعتبر ايضا، وهاتان الروايتان ليستا بالدليل في المسألة على الحكم المذكور كما توهماه حتى انه بتأويلهما يسقط الدليل في المقام، بل الدليل الواضح انما هو ما نقلناه من الاخبار وهذان انما خرجا بناء على ما تضمنته هذه الاخبار من الاتحاد وإلا فهما في حد ذاتهما غير صريحين في ذلك. ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به الشيخ في الاستبصار من ان هاتين السورتين سورة واحدة عند آل محمد (عليهم السلام) وينبغي ان يقرأهما موضعا واحدا ولا يفصل بينهما ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في الفرائض. وقال في التهذيب: وعندنا انه لا يجوز قراءة هاتين السورتين إلا في ركعة واحدة. وكلامه في الاستبصار مشعر باتفاق الروايات على الاتحاد وانه مذهب اهل البيت (عليهم السلام) وكلامه في التهذيب مشعر باتفاق الاصحاب على الحكم المذكور. ثم ان من روايات المسألة مما لم يقف عليه صاحبا المعتبر والمدارك زيادة على الخبرين المنقولين في كلامهما ما رواه الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (1) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرأ بنا بالضحى وألم نشرح " وحملها الشيخ على انه قرأهما في ركعة واحدة كما في روايته المتقدمة. وروى الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (2) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرأ في الاولى والضحى وفي الثانية ألم نشرح لك صدرك " وحملها في التهذيبين على قراءتهما في النافلة. والاقرب عندي حمل الرواية الثانية على جواز التبعيض فيكون سبيلها سبيل ما دل على التبعيض في السورة كغيرها من الاخبار فبعين ما تحمل عليه تلك الاخبار عند من
(1) و (2) الوسائل الباب 10 من القراءة
[ 206 ]
اوجب السورة كاملة تحمل عليه هذه الرواية. وهذان الخبران كانا اولى بالاستدلال لصاحبي المعتبر والمدارك لو اطلعا عليهما. وبالجملة فالظاهر من الاخبار هو الاتحاد كما عليه متقدمو الاصحاب ويؤيده ارتباط المعنى بين السورتين. بقى الكلام في توسط البسملة بينهما في المصاحف وهذا من اعظم الشبهة في ذهاب المتأخرين الى خلاف ما عليه المتقدمون. وفيه (اولا) انك قد عرفت من عبارة كتاب الفقه عدم الفصل بينهما بالبسملة متى اراد قراءتهما معا، وما نقله في مجمع البيان عن ابي بن كعب من عدم اثباته البسملة في مصحفه.
و (ثانيا) ان الاستدلال باثباتها في المصاحف انما يتم لو كان هذا القرآن الموجود بايدينا جمع الامام (عليه السلام) وليس كذلك لاتفاق الاخبار وكلمة الاصحاب وغيرهم على انه جمع الخلفاء الثلاثة (1) واما القرآن الذي جمعه (عليه السلام) فلم يخرج ولم يظهر
(1) اورد المجلسي في الباب 7 ج 19 من البحار الاخبار الواردة في هذا الموضوع وقد وردت روايات من طريق العامة تتضمن ان جمع القرآن كان بعد النبي " ص " وان المتصدي لذلك هو زيد بن ثابت بامر ابى بكر، أو هو أبو بكر نفسه وانما طلب من زيد ان ينظر في ما جمعه من الكتب، أو هو زيد وعمر على اختلاف بين الروايات في ذلك، وقد اوردها في كنز العمال ج 2 ص 361 من الطبعة الثانية، وهناك روايات تدل على جمعه في زمن النبي " ص " كما في منتخب كنز العمال ج 2 ص 48 و 52 وصحيح البخاري ج 6 ص 102 والاتقان ج 1 ص 124، وقد اورد آية الله الاستاذ الخوئى ادام الله ظله الطائفتين من الروايات في البيان في بحث صيانة القرآن من التحريف من ص 136 الى 181 في الشبهة الثانية من شبه القائلين بالتحريف ص 156 التى ملخصها ان كيفية جمع القرآن مستلزمة في العادة لوقوع التحريف، وقد حقق البحث تحقيقا وافيا واثبت عدم صلوح هذه الروايات - من جهة كونها اخبار آحاد ومن جهة تناقضها في نفسها ومن جهة معارضاتها العديدة - لاثبات ذلك وان القرآن بمقتضى الادلة التى ذكرها كان مجموعا في زمن النبي " ص " فلا مجال لدعوى التحريف من هذه الجهة.
[ 207 ]
لاحد حتى يقوم القائم (عليه السلام) وتقرير الائمة (عليهم السلام) على هذا القرآن اعم من ذلك لما تقدم في القراءات السبع. وحينئذ إذا دلت الاخبار على انهما سورة واحدة كما عرفت وانهما تقرءان معا في ركعة واحدة مع تحريم القران بين السورتين كما قدمنا تحقيقه واوسعنا مضيقه فقد علم من ذلك ان وجود البسملة في المصاحف ليس بحجة - ويؤيده خلو مصحف ابي منها في هذين الموضعين دون غيرهما (1) - وان قراءتهما في ركعة واحدة انما هو من حيث الاتحاد إذ مع التعدد لا يجوز إلا على تقدير جواز القران وقد اثبتنا تخريمه، وهذا خلف. واما ما استند إليه في المعتبر من ان رواية المفضل قد تضمنت انهما سورتان ففيه - مع الاغماض عن المناقشة في السند بناء على اصطلاحهم - انه قد اجيب عنها بحمل الاستثناء على كونه منفصلا لا متصلا أو الحمل على التقية، والاظهر عندي ان ذلك انما خرج مخرج التجوز والمسامحة في التعبير من حيث انهما باثبات البسملة في المصاحف تسميان سورتين، ويؤيد ذلك ما في عبارة الصدوق في الفقيه ورواية كتاب الهداية حيث اطلق على كل منهما انهما سورة مع تصريحه بكونهما سورة واحدة، وحاصله انهما سورتان باعتبار الرسم في القرآن والشهرة على اللسان وإلا فهما في التحقيق سورة واحدة وبذلك يظهر لك قوة القول المشهور وانه المؤيد المنصور. والله العالم. (المسألة الرابعة) - المشهور بين الاصحاب جواز العدول من سورة الى اخرى
(1) قال الالوسى في روح المعاني ج 30 ص 238 في سورة " لايلاف " " قالت طائفة انها وما قبلها سورة واحدة واحتجوا عليه بان ابى بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفة بالبسملة، ثم ذكر جمعا اثبتوا الفصل في مصحف ابى والمثبت مقدم على النافي " وفيه ص 165 في سورة " ألم نشرح " " هي شديدة الاتصال بسورة الضحى حتى روى عن طاووس وعمر بن عبد العزيز انهما يقولان هما سورة واحدة ويقرآنها في ركعة واحدة ولم يفصلا بينهما بالبسملة وعلى ذلك الشيعة كما حكاه الطبرسي ".
[ 208 ]
ما لم يبلغ نصفها أو يتجاوز نصفها على الخلاف في ذلك وانه يحرم بعد بلوغ الحد المذكور إلا في سورتي التوحيد والجحد فانه يحرم العدول عنهما بمجرد الشروع فيهما أو يكره على الخلاف إلا الى الجمعة والمنافقين في يوم الجمعة فانه يعدل منهما الى السورتين المذكورتين ما لم يبلغ النصف أو يتجاوزه على الاشهر. وتفصيل هذه الجملة يقع في مقامات ثلاثة إلا ان الواجب اولا نقل الاخبار
المتعلقة بالمسألة فاقول: الاول - ما رواه الكليني والشيخ عن عمرو بن ابي نصر (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يقوم في الصلاة فيريد ان يقرأ سورة فيقرأ قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون ؟ فقال يرجع من كل سورة الا من قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون ". والثاني - ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل قرأ في الغداة سورة قل هو الله احد ؟ قال لا بأس، ومن افتتح بسورة ثم بدا له ان يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو الله احد فلا يرجع منها الى غيرها، وكذلك قل يا ايها الكافرون ". والثالث - عن عبيد بن زرارة في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اراد ان يقرأ في سورة فاخذ في اخرى ؟ قال فليرجع الى السورة الاخرى إلا ان يقرأ بقل هو الله احد. قلت رجل صلى الجمعة فاراد ان يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو الله احد ؟ قال يعود الى سورة الجمعة ". الرابع - عن عبيد بن زرارة في الموثق ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ غيرها فقال له ان يرجع ما بينه وبين ان يقرأ ثلثيها ".
(1) و (2) الوسائل الباب 35 من القراءة (3) الوسائل الباب 69 من القراءة (4) الوسائل الباب 36 من القراءة
[ 209 ]
الخامس - ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في الرجل يريد ان يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو الله احد ؟ قال يرجع الى سورة الجمعة " ورواه الشيخ عن احمد بن محمد بن ابي نصر في الصحيح مثله (2) السادس - ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله احد وانت تريد ان تقرأ بغيرها فامض فيها ولا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة فانك ترجع الى الجمعة والمنافقين منها ". السابع - ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (4) ورواه علي بن جعفر في كتاب المسائل ايضا عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن رجل اراد سورة فقرأ غيرها هل يصلح له ان يقرأ نصفها ثم يرجع الى السورة التي اراد ؟ قال نعم ما لم تكن قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون. وسألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ ؟ قال بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون وان اخذت في غيرها وان كان قل هو الله احد فاقطعها من اولها وارجع إليها " وعبارة كتاب المسائل في السؤال الاول هكذا " هل يصلح له بعد ان يقرأ نصفها ان يرجع.. الى آخر ما هنا ". الثامن - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي وابي الصباح الكناني وابي بصير كلهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " في الرجل يقرأ في المكتوبة بنصف السورة ثم ينسى فيأخذ في اخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل ان يركع ؟ قال يركع ولا يضره ". التاسع - ما رواه الشيخ في الصحيح عن صباح بن صبيح (7) قال: " قلت
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 69 من القراءة (4) و (5) الوسائل الباب 35 و 69 من القراءة الا انه لم ينقل السؤال الثاني من كتابه (6) الوسائل الباب 36 من القراءة (7) الوسائل الباب 72 من القراءة
[ 210 ]
لابي عبد الله (عليه السلام) رجل اراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله احد ؟ قال يتمها ركعتين ثم يستأنف " ورواه الكليني مرسلا (1). العاشر - ما رواه الشهيد في الذكرى نقلا من كتاب نوادر البزنطي عن ابي العباس (2) " في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ في اخرى ؟ قال يرجع الى التي يريد وان بلغ النصف " وهذه الرواية نقلها في البحار (3) عن الذكرى ايضا إلا ان فيها عن ابي العباس
عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل.. الى آخره " والذي وفقنا عليه من نسخ الذكرى التي عندنا هو ما نقلناه. الحادي عشر - ما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4) قال: " وقال العالم لا تجمع بين السورتين في الفريضة. وسئل عن رجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة ثم ينسى فيأخذ في الاخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل ان يركع ؟ قال لا بأس به.. وتقرأ في صلواتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين وسبح اسم ربك الاعلى وان نسيتها أو واحدة منها فلا اعادة عليك فان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع الى سورة الجمعة وان لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك " الثاني عشر - ما رواه علي بن جعفر في كتاب المسائل عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يفتتح السورة فيقرأ بعضها ثم يخطئ فيأخذ في غيرها حتى يختمها ثم يعلم انه قد اخطأ هل له ان يرجع في الذى افتتح وان كان قد ركع وسجد ؟ قال ان كان لم يركع فليرجع ان احب وان ركع فليمض ". الثالث عشر - ما رواه في كتاب دعائم الاسلام (6) قال: " وروينا عن جعفر بن
(1) الوسائل الباب 72 من القراءة (2) الوسائل الباب 36 من القراءة (3) ج 85 الصلاة ص 61 ح 49 (4) ص 11 و 12 (5) الوسائل الباب 28 من القراءة (6) مستدرك الوسائل الباب 51 من القراءة
[ 211 ]
محمد (عليهما السلام) انه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة ثم رأى ان يتركها ويأخذ في غيرها فله ذلك ما لم يأخذ في نصف السورة الاخرى إلا ان يكون بدأ بقل هو الله احد فانه لا يقطعها، وكذلك سورة الجمعة وسورة المنافقين في الجمعة لا يقطعهما الى غيرهما، وان بدأ بقل هو الله احد فقطعها ورجع الى سورة الجمعة أو سورة المنافقين في صلاة الجمعة يجزئه خاصة ". هذا ما حضرني من روايات المسألة، والكلام في هذه الاخبار وبيان ما اشتملت عليه من الاحكام يقع في مقامات ثلاثة: (الاول) - في جواز العدول من سورة الى اخرى ما عدا سورتي الجحد والتوحيد، فقيل بجواز العدول في الصورة المذكورة ما لم يبلغ النصف وبه قال ابن ادريس والشهيد في الذكرى والدروس وابن بابويه في الفقيه والجعفي وابن الجنيد واسنده في الذكرى الى الاكثر. وقيل ما لم يتجاوز النصف وظاهره جواز العدول وان بلغ النصف وهو قول الشيخين الفاضلين في المعتبر والمنتهى وغيره من كتبه وعليه جملة من الاصحاب بل قال في الذخيرة انه المشهور ومثله شيخنا المجلسي في البحار قال بانه المشهور. واعترف جملة من الاصحاب: منهم - الشهيدان في الذكرى والروض وكذا من تأخر عنهما بعدم وجود النص على شئ من هذين القولين، قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: واعترف جماعة من الاصحاب بان التحديد بمجاوزة النصف أو بلوغه غير موجود في النصوص وهو كذلك. انتهى. وانت خبير بان ما عدا روايتي كتاب الفقه وكتاب دعائم الاسلام من الروايات المذكورة لا دلالة في شئ منها على شئ من القولين بالكلية حسبما ذكره الاصحاب المشار إليهم آنفا وهذه هي الاخبار التي وصل نظرهم إليها من الكتب الربعة وغيرها، واما عبارة كتاب الفقه فانها دالة على القول الاول. والعجب هنا من شيخنا المجلسي (قدس سره) انه مع تصديه في كتاب البحار لنقل عبارات هذا الكتاب وشرحها
[ 212 ]
كلمة كلمة كيف لم ينبه على ذلك ؟ بل غاية ما ذكره هنا ان قال والجزء الاخير يدل على اعتبار مجاوزة النصف في الجملة. انتهى. واراد بالجزء الاخير آخر العبارة التي ذكرناها وهي كما ترى تدل على الاعتبار ببلوغ النصف لا بمجاوزته حيث انه (عليه السلام) قال " ان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع وان لم تذكر إلا بعد ما قرأت النصف
فامض " وهو صريح في ان المدار في جواز الرجوع وعدمه على بلوغ النصف وعدمه فان بلغه مضى في صلاته وإلا رجع. والصدوق الذي قد نسب إليه القول ببلوغ النصف انما استفيد ذلك من عبارته في الفقيه بهذه العبارة وان جعلها في الظهر خاصة ورتب عليها وجوب السورة في الظهر حيث قال: " ان نسيتهما - يعني سورة الجمعة والمنافقين - أو واحدة منهما في صلاة الظهر وقرأت غيرهما ثم ذكرت فارجع الى سورة الجمعة والمنافقين ما لم تقرأ نصف السورة فان قرأت نصف السورة فتمم السورة واجعلها ركعتين نافلة وسلم فيهما واعد صلاتك " ومرجع العبارتين الى معنى واحد وهو الاعتبار ببلوغ النصف وعدمه. واما عبارة كتاب دعائم الاسلام فهى صريحة في القول الثاني حيث رتب جواز الرجوع على عدم الدخول في النصف الآخر من السورة التي قرأها فلو دخل فيه مضى وهذا معنى ما عبروا به من تجاوز النصف. بقى الكلام في الاعتماد على الكتابين المذكورين، اما كتاب الفقه فقد تقدم الكلام فيه غير مرة وانه باعتماد الصدوقين عليه وافتائهما بعباراته لا يقصر عن غيره من كتب الاخبار، وقد نبهنا في غير موضع على ان كثيرا من الاحكام التي ذكرها المتقدمون ولم يصل دليلها الى المتأخرين فاعترضوا عليهم بعدم وجود الدليل قد وجدنا ادلتها في هذا الكتاب، وهذا منها فان عبارة الصدوق هنا كما ترى موافقة لعبارة الكتاب وان كان انما رتبها على الظهر خاصة بناء على مذهبه من وجوب السورتين فيها. واما كتاب دعائم الاسلام فاخباره صالحة للتأييد البتة والغرض هنا التنبيه على ما وصل الينا من اخبار المسألة. والعجب هنا ايضا من شخينا المجلسي مع تصديه لنقل اخبار الكتاب المذكور
[ 213 ]
والبحث فيها وبيانها وايضاحها اغمض النظر عن هذه العبارة ولم يتكلم فيها ولو بالاشارة وظاهره - كما عرفت من كلامه المنقول آنفا - الجمود على ما ذكره جملة ممن قدمنا نقل ذلك عنه وعنهم من عدم وجود نص على شئ من ذينك القولين. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما دلت عليه عبارة كتاب الفقه وكذا عبارة الصدوق معارض بما دلت عليه الرواية السابعة من حكمه (عليه السلام) بان من اراد قراءة سورة فقرأ غيرها فانه يجوز له الرجوع الى التي ارادها اولا وان قرأ نصف السورة التي شرع فيها وكذا الرواية العاشرة والرواية الرابعة، وفي هذه الرواية رد ايضا للقول بتجاوز النصف فان ما قبل الثلثين كما يشمل بلوغ النصف يشمل بلوغ ما زاد على النصف الى ان يبلغ الثلثين. ويدل على جواز الرجوع مطلقا في غير ما استثنى اطلاق الرواية الاولى والثانية والثالثة، واطلاق هذه الاخبار مع تصريح تلك الاخبار الاخر كما عرفت مما يدفع رواية كتاب الفقه، وبذلك يظهر ضعف العمل عليها والاستناد في الحكم المذكور إليها. وبالجملة فاني لا اعرف دليلا معتمدا لهذين القولين بل الاخبار كما ترى ظاهرة في خلافه رأى العين، والشيخ (قدس سره) لما حكى كلام الشيخ المفيد بالتحديد بمجاوزة النصف لم يذكر له دليلا إلا الرواية الثامنة، ومن الظاهر انها لا دلالة فيها على شئ من التحديدين بالكلية وانما غاية ما تدل عليه صحة الصلاة عند العدول بعد النصف في حال النسيان وهو مع كونه مخصوصا بالنسيان لا يقتضي عدم جواز العدول بعد مجاوزة النصف إلا بمفهوم اللقب وهو مما لا حجة فيه عند محققى الاصوليين. واحتمل الشهيد في الذكرى ارجاع قول الشيخ بمجاوزة النصف الى القول ببلوغ النصف ليطابق كلام الاكثر، قال - بعد نقل جملة من العبارات الدالة على بلوغ النصف - ما لفظه: فتبين ان الاكثر اعتبروا النصف والشيخ اعتبر مجاوزة النصف ولعل مراده بلوغ النصف. انتهى. وفيه (اولا) ان ما ذكره جيد بالنسبة الى ما ادعاه من ان الاكثر على القول ببلوغ
[ 214 ]
النصف والمخالف انما هو الشيخ خاصة أو مع الشيخ المفيد، اما على تقدير ما قدمنا نقله عن جملة من الاصحاب من ان المشهور انما هو مذهب الشيخ فلا وجه له. و (ثانيا) انه اي فائدة في ارجاع مذهب الشيخ الى قول الاكثر بناء على كلامه والحال انه لا دليل عليه
في المقام كما اعترف به في صدر كلامه. و (ثالثا) ان الشيخ كما عرفت قد اورد الرواية الثامنة دليلا على ما ادعاه وهي صريحة في العدول مع بلوغ النصف، وهل ما ذكره (قدس سره) إلا صلح مع عدم تراضي الخصمين ؟ والعلامة في النهاية قد وجه كلام الشيخين ومن تبعهما بالبناء على تحريم القران، قال: وكما لا يجوز القران بين سورتين فكذا لا يجوز بين السورة ومعظم الاخرى. ولا يخفى ما فيه. وشيخنا الشهيد الثاني في الروض لما اختار التحديد ببلوغ النصف استدل عليه وفاقا للمحقق الشيخ على بقوله تعالى " ولا تبطلوا اعمالكم " (1) فان الانتقال من سورة الى اخرى ابطال للعمل. وفيه منع ظاهر فان الانتقال المذكور من حيث هو انتقال ليس ابطالا للعمل وإلا لصدق على الانتقال قبل بلوغ النصف بل الظاهر من ابطال العمل انما هو اسقاطه عن درجة الانتفاع به وعدم ترتب الثواب عليه بالمرة بان يكون فعله كلا فعل، وعلى هذا لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا ثبت ان الانتقال عن السورة يوجب ارتفاع ثوابها بالكلية وهو غير واضح بل المعلوم خلافه. ويعضد ما ذكرناه ان بعض المفسرين حمل الابطال على ابطال الاعمال بالكفر والنفاق وعلى هذا يدل سياق الآية، وبعض على الابطال بالرياء والسمعة، وبعض على الابطال بالمعاصي والكبائر، وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها في مجمع البيان. وبالجملة فالقول المذكور بمحل من البعد والقصور. ثم انه لو سلم دلالتها على ما ادعاه لوجب تخصيصها بالنصوص المتقدمة الدالة عموما وخصوصا على الرجوع بعد بلوغ النصف
(1) سورة محمد، الآية 33
[ 215 ]
كما خصصت بالاجماع والاخبار قبل بلوغ النصف. نعم ادعى جماعة من الاصحاب: منهم - الشهيد الثاني في الروض المحقق الاردبيلي فشرح الارشاد الاجماع على عدم جواز العدول بعد تجاوز النصف فان تم كان هو الوجه لا ما ذكروه من هذه التخريجات الواهية، وحينئذ يجعل النهي عن ابطال العمل مؤيدا له والاخبار دليلا على جواز العدول في النصف فما دونه، وتحمل الرواية الرابعة الدالة على جواز العدول في ما بينه وبين ثلثي السورة على الشروع في النصف الثاني جمعا بين الاخبار كما ذكره بعض الاعلام. إلا ان تحقق الاجماع المذكور مشكل لما عرفت في مقدمات الكتاب. ومن ذلك يظهر لك قوة القول بجواز العدول مطلقا للاصل مضافا الى اطلاق الاخبار المتقدمة والاوامر المطلقة في القراءة لصدقها بعد العدول ايضا والاخبار المتقدمة الصريحة في جواز العدول ولو بعد مجاوزة النصف. والله العالم. (المقام الثاني) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز العدول عن سورتي التوحيد والجحد الى غيرهما سوى ما سيأتي بل متى شرع فيهما وجب اتمامهما، صرح به الشيخان والمرتضى وابن ادريس والعلامة وغيرهم ونقل المرتضى في الانتصار اجماع الفرقة عليه. وخالف المحقق في المعتبر فذهب الى الكراهة. وتوقف فيه العلامة في المنتهى والتذكرة، وظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة ايضا التوقف في ذلك. والذي يدل على على القول المشهور ما تقدم من الرواية الاولى والثانية والثالثة والسادسة والسابعة. وقال المحقق في المعتبر بعد ان نقل عن السيد المرتضى (قدس سره) القول بالتحريم: الوجه الكراهة لقوله تعالى " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " (1) قال ولا تبلغ الرواية قوة في تخصيص الآية.
(1) سورة المزمل، الآية 20
[ 216 ]
وضعفه ظاهر (اما اولا) فلاجمال الآية المذكورة وقد حققنا في مقدمات الكتاب عدم جواز الاستدلال بمجملات القرآن ومتشابهاته إلا بتفسير منهم (عليهم السلام)
و (اما ثانيا) - فانه مع تسليم دلالة الآية على ما ادعاه فان الروايات المذكورة لصحتها وصراحتها وتعددها موجبة لتخصيص الآية، وقد خصصوا آيات القرآن بما هو اقل عددا من هذه الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. و (اما ثالثا) فان الآية المذكورة مخصصة عندهم بما إذا لم يتجاوز النصف أو لم يبلغه فانهم يحرمون العدول بعد الحدين المذكورين على اختلاف القولين مع ان الدليل في ما نحن فيه اقوى واظهر. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة - حيث قال: والاصل في هذا الباب الروايتان السابقتان اعني رواية عمرو بن ابي نصر ورواية الحلبي ودلالتهما على التحريم ليس بواضح، الى ان قال والتوقف في هذا المقام في موضعه إلا ان مقتضاه عدم العدول تحصيلا للبراءة اليقينية. انتهى - فهو من جملة تشكيكاته الواهية لانه مبني على ما تفرد به مما نبهناك عليه مرارا من عدم دلالة الاوامر والنواهي في الاخبار على الوجوب والتحريم وقد اوضحناه في غير مقام مما تقدم. فرع لو قلنا بتحريم العدول كما هو الاشهر الاظهر فخالف وعدل الى غيرهما فهل تبطل صلاته ام غاية ما يترتب عليه الاثم خاصة ؟ لم اقف فيه على نص من الاخبار ولا تصريح لاحد من الاصحاب إلا على كلام للوالد العلامة (افاض الله عليه الكرامة) حيث قال - بعد ان اعترف ايضا بعدم الوقوف على نص من الاخبار ولا كلام لا حد من الاصحاب - ما لفظه: ولا يبعد القول ببطلان العبادة بذلك لان النهي حينئذ راجع الى جزء العبادة فيبطلها لان النهي عن الرجوع عنهما الى غيرهما نهى في الحقيقة عن قراءة غيرهما مع انه مأمور
[ 217 ]
باتمامهما فعند العدول عنهما وقراءة غيرهما يكون آتيا بما نهى عنه تاركا لما امر به فيكون باقيا تحت العهدة فتبطل عبادته حينئذ، فتأمل. انتهى. وهو جيد. (المقام الثالث) - المشهور جواز العدول من التوحيد والجحد الى الجمعة والمنافقين، وقال المحقق في الشرائع في احكام صلاة الجمعة: وإذا سبق الامام الى قراءة سورة فليعدل الى الجمعة والمنافقين ما لم يتجاوز نصف السورة الا في سورة الجحد والتوحيد. وظاهره عدم جواز العدول عنهما ولو الى الجمعة والمنافقين، وربما ظهر ذلك من كلام المرتضى (قدس سره) في الانتصار حيث قال: ومما انفردت به الامامية حظر الرجوع من سورة الاخلاص وروى قل يا ايها الكافرون ايضا إذا ابتدأ بها، ثم نقل الاجماع عليه. وظاهره عموم المنع حيث لم يستثن هاتين السورتين، قيل وهو ظاهر اطلاق ابن الجنيد ايضا. ويدل على القول المشهور الخبر الثالث من الاخبار المتقدمة والخبر الخامس والخبر السادس والسابع، وقد تقدم في الرواية التاسعة جواز العدول الى النفل كما ذهب إليه الصدوق في ظهر الجمعة وقد تقدم بيانه. والظاهر الجمع بينها وبين الاخبار المذكورة بالتخيير في مورد الرواية المذكورة وهو صلاة الجمعة. ومنع ابن ادريس من العدول الى النفل هنا بناء على اصله الغير الاصيل من عدم العمل بخبر الواحد مع تحريم قطع الصلاة الواجبة. ولا ريب ان ما ذكره احوط. واما القول الثاني فلعل مستنده اطلاق جملة من الاخبار المتقدمة الدالة على انه بالشروع في التوحيد والجحد فانه لا يجوز العدول عنهما كالرواية الاولى من الروايات المتقدمة والثانية والثالثة والسؤال الاول من الرواية السابعة. وفيه ان مقتضى القاعدة تقييد اطلاق هذه الاخبار بالاخبار المتقدمة فانها مفصلة والمفصل يحكم على المجمل. بقى الكلام هنا في مواضع: (الاول) ان النصوص المتقدمة المتعلقة بالمقام الثاني قد دلت على عدم جواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد الى غيرهما ونصوص هذا المقام انما دلت على جواز العدول الى سورتي الجمعة والمنافقين من التوحيد خاصة واما
[ 218 ]
سورة الجحد فلم يدل على جواز العدول عنها دليل، فبقى عموم الاخبار الدالة على عدم جواز العدول عنها على حاله لا مخصص له والتخصيص انما وقع في الاخبار المتعلقة بالتوحيد،
والاصحاب قد شركوا بين السورتين في جواز العدول عنهما الى سورتي الجمعة والمنافقين والدليل كما ترى لا ينهض بذلك. واستند بعضهم في الجواب عن هذا الاشكال الى التمسك بالاجماع المركب وهو ان كان من اجاز العدول من التوحيد اجازة من الجحد. وبعض استند الى طريق الاولوية. وضعف الجميع عني عن البيان. نعم ربما يستفاد ذلك من الرواية السابعة وقوله فيها " وان اخذت في غيرها وان كان قل هو الله احد فاقطعها من اولها وارجع إليها " وجه الدلالة دخول سورة الجحد في ذلك الغير المأمور بقطعه. إلا انه لا يخلو من شئ فان تقييد اطلاق تلك الاخبار باطلاق هذا الخبر ليس اولى من تقييد اطلاق هذا الخبر باطلاق تلك الاخبار، وبالجملة فههنا اطلاقان تعارضا وتقييد احدهما بالآخر لازم لكن لا بد لتعيين احدهما من ترجيح. وبذلك يظهر ان الاظهر عدم جواز العدول عن سورة الجحد مطلقا لا الى هاتين السورتين ولا الى غيرهما، ويؤيده انه الا وفق بالاحتياط. (الثاني) - انه قد صرح جملة من الاصحاب - بل الظاهر انه المشهور - بجواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد هنا الى سورتي الجمعة والمنافقين باشتراط عدم بلوغ النصف أو تجاوزه كما تقدم من القولين السابقين، وكثير من عباراتهم مجمل لا تقييد فيه بذلك والاخبار كما عرفت عارية عن هذا التقييد. واستدل شيخنا الشهيد الثاني ومثله المحقق الشيخ علي على ذلك بالجمع بين الرواية التاسعة الدالة على ان من صلى الجمعة وقرأ بقل هو الله احد فانه يتمها ركعتين ثم يستأنف وبين الروايات المتقدمة الدالة على العدول، قال في الروض: وانما اعتبروا فيهما عدم بلوغ
[ 219 ]
النصف جمعا بين ما دل على جواز العدول منهما كصحيحة محمد بن مسلم وغيرها وبين ما روى عن الصادق (عليه السلام) ثم ذكر الرواية التاسعة المشار إليها، قال فان العدول من الفريضة الى النافلة بغير ضرورة غير جائز لانه في حكم ابطال العمل المنهى عنه فحملت هذه الرواية على بلوغ النصف والاولى محمولة على عدمه. انتهى. وفيه (اولا) ان الجمع بين الروايات لا ينحصر في ما ذكره بل يمكن الجمع بينها بالتخيير كما قدمنا الاشارة إليه، وهو انما الجأه الى القول المذكور ضرورة الجمع والجمع يحصل بما ذكرنا. وما ذكر من الجمع بالتخيير ظاهر الكليني في الكافي حيث انه بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم الدالة على العدول قال (1) " وروى ايضا يتمها ركعتين ثم يستأنف " و (ثانيا) انك قد عرفت مما قدمنا انه لا دليل من الاخبار على هذا التقييد من اصله فالقول به كائنا ما كان قول بلا دليل. و (ثالثا) انه مخالف لما عليه الاصحاب فان العدول الى النافلة عندهم غير مقيد ببلوغ النصف بل يجوز مطلقا تبعا لاطلاق النص. و (رابعا) ان قوله - ان العدول الى النافلة بغير ضرورة غير جائز - مردود بما ذكروه ودلت عليه الاخبار من العدول لاستدراك الجماعة، وقطع الفريضة لتدارك الاذان والاقامة، فان كانت هذه الاشياء من الضرورات التي يجوز لاجلها القطع أو العدول فكذا في ما نحن فيه وإلا فاشتراط الضرورة في جواز العدول ممنوع. (الثالث) - انه قد صرح المحققان الفاضلان المحقق الشيخ علي وشيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقديهما) بان جواز العدول من التوحيد والجحد الى السورتين المذكورتين مشروط بكون قراءتهما على وجه السهو والنسيان، وحيئذ فلو كان عمدا فانه لا يجوز له الرجوع عملا باطلاق اخبار المقام الثاني. والظاهر مستندهم في ذلك قوله في الرواية الخامسة " في الرجل يريد ان يقرأ
(1) الوسائل الباب 69 من القراءة
[ 220 ]
سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو الله احد ؟ " ونحوها غيرها من روايات المسألة،
فان ظاهرها ان القصد كان لسورة الجمعة وان قراءة التوحيد انما وقع لا عن قصد بل سهوا وفيه ان هذه العبارة كما تحتمل ما ذكروه كذلك تحتمل الحمل على العامد ايضا بان يكون قد قصد اولا الى سورة الجمعة ثم بدا له فقصد الى التوحيد، على ان ظاهر الرواية السابعة شمول العامد لقوله بعد الامر بقراءة سورتي الجمعة والمنافقين " وان اخذت في غيرها.. الى آخره " فان الاخذ في الغير اعم من ان يكون عمدا أو سهوا ونحوها رواية كتاب دعائم الاسلام. والتحقيق ما ذكره العلامة الوالد (قدس سره) هنا حيث قال بعد الكلام في المسألة: وبالجملة فان المفهوم من الروايات ان المصلي إذا قرأ سورة التوحيد وكان في قصده قراءة غيرها فلا يرجع عنها إلا الى السورتين، وهذا المعنى لا خصوص له بالناسي بل ينطبق على العامد ويصح حمل اللفظ عليه، على ان رواية علي بن جعفر المذكورة آنفا لا وجه لقصرها على حال النسيان لظهور شمولها لحال العامد ايضا بل هي فيه اظهر. وبهذا يندفع ما يقال ان الخروج عن مقتضى الاخبار الصحيحة الصريحة في المنع عن العدول من سورة التوحيد بل والجحد ايضا بناء على ما مر بمجرد الاحتمال غير جيد بل ينبغي الاقتصار فيها على المتيقن من حال الناسي لانه متيقن الارادة منها ومتفق عليه بين الاصحاب، لان ذلك مبني على ظهور الاخبار في الناسي ليكون متيقن الارادة منها بخلاف العامد لكونه حينئذ خلاف الظاهر منها، اما من لا يسلم ظهورها فيه كما هو مقتضى كلام الاكثر فيكون اللفظ محتملا لهما على سواء والخروج فيهما عن مقتضى الاخبار الصحيحة الصريحة في المنع على حال واحدة، نعم لا يبعد ان الاخبار في الناسي اظهر منها في حال العامد وهو لا يقتضي إلا اولوية العدول فيه لا خصوصيته به والكلام فيه. فتأمل المقام فانه حري بالتأمل التام. انتهى كلامه رفع مقامه. (الرابع) - انه لا يخفى ان الاخبار المتعلقة بهذا المقام الدالة على القول المشهور
[ 221 ]
- كما قدمنا الاشارة إليها من العدول عن التوحيد والجحد الى سورتي الجمعة والمنافقين - موردها انما هو صلاة الجمعة وليس فيها مار بما يوهم خلاف ذلك إلا قوله في الرواية السادسة " إلا ان تكون في يوم الجمعة " ويجب حمله على صلاة الجمعة كما صرحت به بقية اخبار المسألة حمل المطلق على المقيد، ويعضد ذلك الروايات الدالة على تحريم العدول عن هاتين السورتين اعني التوحيد والجحد مطلقا فيجب الاقتصار في التخصيص على مورد النصوص والمتيقن بالخصوص وهو صلاة الجمعة خاصة. واما ما قيل هنا في تأييد ما ذكرنا - من ان استحباب قراءة السورتين انما ثبت بالروايات الصحيحة في صلاة الجمعة خاصة دون ما سواها وهو قرينة قوية على اختصاص العدول اليهما بها. انتهى - ففيه انه غلط محض نشأ من الركون الى ما ذكره في المدارك كما قدمنا نقله عنه واوضحنا فساده بالاخبار الدالة على استحباب السورتين المذكورتين في غير صلاة الجمعة من المواضع المذكورة في الاخبار المتقدمة ثمة. وبذلك يظهر لك ما في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في المقام من الخروج عن جادة اخبارهم (عليهم السلام) فانهم قد اختلفوا في مواضع العدول زيادة على صلاة الجمعة التي هي مورد الاخبار المذكورة كما عرفت، فبعض اثبت هذا الحكم في الظهر وعليه المحقق وابن ادريس والعلامة في المنتهى وقبلهم الصدوق في الفقيه كما تقدم نقل عبارته بذلك، وقال الجعفي بثبوته في صلاة الجمعة والصبح والعشاء، قال (قدس سره) على ما نقله عنه في الذكرى: وان اخذت في سورة وبدا لك في غيرها فاقطعها ما لم تقرأ نصفها إلا قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون، فان كنت في صلاة الجمعة والصبح يومئذ والعشاء الآخرة ليلة الجمعة فاقطعها وخذ في سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون. وقال الشهيد الثاني في الروض بثبوته في الجمعة وظهرها أو ظهريها. اقول: والظاهر ان ما ذهب إليه هؤلاء الفضلاء (قدس الله اسرارهم) قد بنوه على ما ثبت عندهم من المواضع التي يستحب فيها قراءة السورتين المذكورتين،
[ 222 ]
فكل موضع ثبت فيه استحباب قراءة هاتين السورتين حكموا بجواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد اليهما تحصيلا لفضليتهما في ذلك الموضع، وقد تقدم نقل مذاهبهم في محل السورتين المذكورتين ونقل مذهب الجعفي باستحبابهما في هذه المواضع التي نقلت عنه هنا، فكأنهم بنوا الحكم على عموم الاخبار الدالة على استحباب هاتين السورتين سواء كان ابتداء أو مع العدول عن سورتي الجحد والتوحيد. وفيه ان الاخبار الدالة على انه بالشروع في الجحد والتوحيد فانه لا يجوز العدول عنهما مطلقا شاملة بلاطلاقها لسورتي الجمعة والمنافقين وغيرهما، وقد وردت بازائها روايات مخصصة بالعدول منهما الى هاتين السورتين في هذا الموضع المخصوص اعني صلاة الجمعة خاصة، فالقول بالعدول وتخصيص تلك الاخبار في غير الجمعة يحتاج الى دليل، ومجرد استحباب هاتين السورتين في هذه المواضع لا يكفي في التخصيص كما لا يخفى. والله العالم. تنبيهات (الاول) - المشهور في كلام الاصحاب ولا سيما المتأخرين من العلامة ومن تأخر عنه انه مع العدول يجب ان يعيد البسملة لان البسملة آية من كل سورة وقد قرأها اولا بنية السورة المعدول عنها فلا تحسب من المعدول إليها، ولان البسملة لا يتعين كونها من سورة إلا بالقصد. وصرحوا ايضا بانه يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير ان يقصد بها سورة معينة بعد القصد، حيث ان البسملة صالحة لكل سورة فلا تتعين لاحدى السور إلا بالتعيين والقصد بها الى احداها وبدونه يعيدها بعد القصد. وجملة من المتأخرين فرعوا على هذا الاصل تفاصيل في كلامهم فقالوا لا يشترط في الحمد القصد ببسلمة معينة لتعينها ابتداء فيحمل اطلاق النية على ما في ذمته، وكذا لو عين له سورة معينة بنذر أو شبهه أو ضاق الوقت إلا عن اقصر سورة أو لا يعلم إلا تلك السورة فانه يسقط القصد كالحمد، لان السورة لما كانت متعينة بتلك الاسباب اقتضت
[ 223 ]
نية الصلاة ابتداء قراءتها في محلها كما اقتضت ايقاع كل فعل في محله وان لم يقصده عند الشروع فيه. قالوا: ومحل القصد حيث يفتقر إليه عند الشروع في قراءة السورة، وهل يكفى القصد المتقدم على ذلك في جملة الصلاة بل قبلها ؟ نظر، من ان السورة كاللفظ المشترك يكفي في تعيين احد افرادها القرينة وهي حاصلة في الجميع، ومن عدم المخاطبة بالسورة فلا يؤثر قصدها، والاقتصار على موضع اليقين طريق البراءة. واختار الشهيد في بعض فتاويه الاجزاء في الجميع ونفى عنه البعد في الروض. قالوا ولو كان معتادا لسورة مخصوصة فالوجهان، والاجزاء هنا ابعد. ولو جرى لسانه على بسملة وسورة فهل يجزئ المضي عليها ام تجب الاعادة ؟ نظر واستقرب الشهيد الاجزاء، واحتج عليه في الذكرى برواية ابي بصير وهي الثامنة من الروايات المتقدمة المنسوبة الى ثلاثة احدهم أبو بصير، الى غير ذلك من كلامهم في هذا المقام وما اوسعوا فيه من تفريع الاحكام وما وقع لهم فيه من النقض والابرام. وقد رده جملة من افاضل متأخرى المتأخيرين - اولهم في ما اظن المحقق الاردبيلي - بان ما ذكروه من انه يحتاج الى النية لاشتراك البسملة بين السور فلا تتعين للسورة إلا بالنية غير واضح، لان نية الصلاة تكفي لا جزائها بالاتفاق ولو فعلت مع الغفلة والذهول ويكفيه قصد فعلها في الجملة، واتباع البسملة بالسورة يعين كونها جزء لها وذلك كاف، وبالجملة فانا لا نسلم ان للنية مدخلا في صيرورة البسملة جزء من السورة بل متى اتى بمجرد البسملة فقد اتى بشئ يصلح لان يكون جزء لكل سورة فإذا اتى ببقية الاجزاء فقد اتى بجميع اجزاء هذه السورة المخصوصة ولا فساد في ذلك. و دعوى تميز بسملة كل سورة عن بسملة الاخرى يحتاج الى دليل وليس فليس. ولو تم ما ذكروه للزم ان يكون كل كلمة مشتركة بين سورتين تحتاج الى القصد مثل " الحمد لله " والظاهر انه لا يقولون به. والتحقيق عندي في امثال هذا المقام هو ان يقال لا ريب انهم لا يختلفون في اصالة العدم
[ 224 ]
وان الاصل عدم الوجوب في شئ إلا مع قيام الدليل عليه إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، وعدم الدليل دليل العدم. وما ادعوه هنا - من وجوب القصد بالبسملة الى سورة معينة فلو بسمل لا بقصد فانه يجب اعادتها بعد القصد - لم يأتوا عليه بدليل واضح سوى ما عرفت من التعليل العليل الذي لا يشفي العليل ولا ببرد الغليل مع استفاضة الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالسكوت عما سكت الله عنه (1) والنهي عن تكلف الدليل في ما لم يرد عنهم (عليهم السلام) فيه دليل واضح: ومن ذلك ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده فيه عن اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الامهات التي قد دخل بهن في الحجور كن وغير الحجور سواء، و الامهات مبهمات دخل بالبنات ام لم يدخل بهن فحرموا ما حرم الله وابهموا ما ابهم الله ". وما رواه الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) في كتاب المجالس (3) بسنده عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله حد لكم حدودا فلا تعتدوها وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وسن لكم سننا فاتبعوها وحرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها وعفا عن اشياء رحمة منه لكم من غير نسيان فلا تتكلفوها " وما رواه في الفقيه (4) من خطبة امير المؤمنين وقوله (عليه السلام) فيها " ان الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقصوها وسكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها ".
(1) روى القاضى محمد بن سلامة القضاعى المغربي في كتابه الشهاب في الحكم والآداب في باب الالف المقطوع والموصول عن النبي " ص " انه قال " اسكتوا عما سكت الله عنه، (2) الوسائل الباب 18 و 20 من ما يحرم بالمصاهرة (3) ص 94 من المطبوع بالمطبعة الحيدرية في النجف (4) باب " نوادر الحدود " وفى الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يقضى به
[ 225 ]
مضافا الى ما ورد في الآيات القرآنية والسنة النبوية من النهي عن القول بغير علم ولا اثر وارد من الكتاب أو السنة " أتقولون على الله ما لا تعلمون " (1) " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا (2) " ونحوهما من الآيات والاخبار الكثيرة الدالة على الوقوف والتثبت والرد إليهم (عليهم السلام) في ما لم يرد فيه امر منهم، وفى حديث ابي البريد المروي في الكافي عن الصادق (عليه السلام) (3) " اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا " ونحوه من الاخبار الواردة في هذا المضمار كما لا يخفى على ذوى البصائر والافكار، ولا ريب ان بناء الاحكام الشرعية على هذه التخريجات الفكرية خروج عن منهاج السنة النبوية لانحصار ادلة الاحكام في القرآن العزيز واخبارهم (عليهم السلام). (الثاني) - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض - بعد البحث في المسألة بنحو ما قدمناه في صدور المقام المتقدم اعتراضا على عبارة المصنف وهي قوله: ومع العدول يعيد البسملة وكذا يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة بعد القصد - ما صورته: بقى في المسألة اشكال وهو ان حكمه باعادة البسملة لو قرأها من غير قصد بعد القصد ان كان مع قراءتها اولا عمدا لم يتجه القول بالاعادة بل ينبغي القول ببطلان الصلاة للنهي عن قراءتها من غير قصد وهو يقتضي الفساد، وان كان قرأها ناسيا فقد تقدم القول بان القراءة خلالها نسيانا موجب لاعادة القراءة من رأس، فالقول باعادة البسملة وما بعدها لا غير لا يتم على تقديري العمد والنسيان، والذي ينبغي القطع بفساد القراءة على تقدير العمد للنهي، وهو الذي اختاره الشهيد في البيان وحمل الاعادة هنا على قراءتها ناسيا. انتهى. اقول فيه (اولا) ان ما ادعاه على تقدير القراءة عمدا - من بطلان الصلاة للنهي
(1) سورة الاعراف، الآية 27 (2) سورة الانعام، الآية 21 (3) الوسائل الباب 7 من صفات القاضى وما يقضى به. والراوي هاشم صاحب البريد
[ 226 ]
عن قراءتها من غير قصد - مردود بانه اي نهي هنا ورد بما ذكره واي حديث دل على ما سطره ؟ وغاية ما يمكن ان يقال بناء على اصولهم العديمة النوال انه مأمور بالقصد الى البسملة كما عرفت من كلامهم المتقدم آنفا والامر بالشي يستلزم النهي عن ضده الخاص. وقد عرفت مما حققناه آنفا انه لا دليل على هذه الدعوى إلا مجرد تخريجات لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، ومع تسليم صحة ذلك فان استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص وان ذهب إليه جمع منهم إلا ان مذهبه (قدس سره) العدم كما صرح به في كتابه المشار إليه، وبذلك يظهر فساد ما ذكره وبنى عليه. و (ثانيا) ان ما ذكره بناء على تقدير القراءة ناسيا - من انه تقدم القول بان القراءة خلالها نسيانا موجب لاعادة القراءة من رأس - غفلة عجيبة من مثله (قدس سره) فان محل البحث هنا انما هو الاتيان بالبسملة بعد الحمد والقراءة بتلك البسملة بغير قصد واللازم من البسملة والقراءة بغير قصد بناء على دعواه وجوب القصد هو اعادة ما قرأه بعد القصد، والذي تقدم في مسألة وجوب الموالاة انما هو القرءة في خلال آيات الحمد والسورة واين هذا من ذاك ؟ ولم يذكر في ما تقدم حكم القراءة بين سورة الحمد والسورة التي بعدها، وغاية ما يلزم هنا هو قراءة القرآن في الصلاة وهو مما لا خلاف بينهم في جوازه ولا تعلق له بمسألة وجوب الموالاة التي هي عبارة عن ان لا يقرأ خلال الفاتحة والسورة غيرهما، وجيمع ما فرعه انما هو من فروع وجوب الموالاة ومذهب الشهيد الذي نقله انما هو في الموالاة كما قدمنا نقله، وما نحن فيه ليس من مسألة الموالاة في شئ. وجيمع ما ذكرنا ظاهر بحمد الله لا سترة عليه. (الثالث) المستفاد من الاخبار المتقدمة انه لا فرق في جواز العدول حيث يصح بين ان يكون دخوله في السورة المعدول عنها بقصد أو بغيره، وعلى الاول فقد يكون عدوله عنها مقصودا لذاته بان يبدو له العدول الى غيرها فيعدل أو لنسيانها بان يحمله نسيانها على قصد غيرها أو غير مقصود بان يتمادى به السهو والنسيان الى ان يدخل في الثانية من غير قصد، وعلى الثاني لا فرق بين ان تكون السورة المعدول إليها مما سبق
[ 227 ]
قصدها ام لا، فهذه صور خمس كلها مستفادة من النصوص المتقدمة: اما الصورة الاولى - وهي ان يقصد سورة فيبدو له في قصد غيرها - فهي مستفادة من الرواية الثانية من الروايات المتقدمة. واما الصورة الثانية وهي ان يقصد سورة فينساها فيتعمد العدول الى غيرها، والثالثة - وهي ان يقصد سورة فينساها فينجر به الذهول والنسيان الى ان يدخل في غيرها من غير قصد - فهما مستفادتان من اطلاق الرواية الثامنة، فان قوله فيها " ثم ينسى فيأخذ في اخرى " يحتمل ان يكون المراد فينسى ما هو فيه فيعمد الى الدخول في اخرى أو ينسى ما هو فيه فيشرع بطريق السهو والنسيان في اخرى، والثانية من هاتين الصورتين مستفادة من الرواية الثانية عشرة، فان قوله فيها " ثم يلعم انه قد اخطأ " ظاهر في ان دخوله في الثانية انما كان عن سهو وخطأ لا عن تعمد، بمعنى انه استمر به السهو بعد شروعه في الاولى الى ان دخل في الثانية وفرغ منها ثم ذكر بعد ذلك. والصورة الرابعة - وهي ان يشرع في السورة لا بطريق القصد بل بعد القصد لسورة اخرى فيغفل عنها الى ان يدخل في الثانية سهوا فيعدل عنها الى الاولى المقصودة اولا - مستفادة من اكثر الاخبار كالرواية الاولى والثالثة والرابعة والتاسعة، لظهور شمولها لذلك بل هو اظهر من احتمالها لارادة قراءة سورة فينساها فيعمد الى قراءة غيرها لاجل النسيان ثم يذكر فيعدل الى السورة لا مقصودة اولا. وهذا الاحتمال الثاني قد تضمن كون المعدول عنه والمعدول إليه كلاهما مقصودين ولكن كان المعدول إليه مقصودا قبل المعدول عنه لكن عرض نسيانه فلا يبعد دخولها في الصورة الاولى لشمولها من حيث اطلاقها لذك، وتكون هذه الاخبار من حيث احتمالها لذلك شاهدة له وان حصلت صورة سادسة لان فيها زيادة اعتبار ليس في الاولى فلا بأس به. والصورة الخامسة - وهي ان يكون شروعه في السورة لا بطريق القصد فيبدوله في اثنائها العدول الى اخرى لم تكن مقصودة قبل - ربما تشملها الرواية الثانية، فان قوله
[ 228 ]
فيها " ومن افتتح بسورة " اعم من ان يكون بطريق القصد أو جرى ذلك على لسانه من غير قصد وان كان الظاهر هو الاول. وبالجملة ففي جميع هذه الصور يصح العدول بغير اشكال. والله العالم. (الرابع) - المستفاد من الاخبار المذكورة بمعونة ما تقدم تحقيقه انه لا يجب في الصلاة قصد سورة معينة قبل البسلمة خلافا للشمهور بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) وذلك لان نية الصلاة كافية لاجزائها اجماعا وان فعلت حال الغفلة والذهول، فلو جرى لسانه ابتداء على سورة اخرى من غير قصد أو قصد سورة فقرأ غيرها نسيانا صحت الصلاة ولم يجب عليه العدول الى سورة اخرى وان تذكر قبل الركوع، للاصل وحصول الامتثال المقتضى للاجزاء وهي الاخبار المتقدمة خصوصا الرواية الثامنة. وقال الشهيد (قدس سره) في الذكرى - بعد ما صرح بوجوب ان يقصد بالبسملة سورة معينة - ما نصه: اما لو جرى لسانه على بسملة وسورة فالاقرب الاجزاء لرواية ابي بصير السالفة ولصدق الامتثال، وروى البزنطي عن ابي العباس " في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ في اخرى... " الرواية العاشرة من الروايات المتقدمة (1) ثم قال: قلت وهذا حسن ويحمل كلام الاصحاب والروايات على من لم يكن مريدا غير هذه السورة، لانه إذا قرأ غير ما اراده لم يعتد به ولهذا قال " يرجع " فظاهره تعين الرجوع. انتهى كلامه. وحاصله الفرق بين الصورتين المذكورتين سابقا والاجزاء في الصورة الاولى لما ذكره دون الثانية اعني ما تعلق القصد بغيرها نسيانا، فان كلامه (قدس سره) يعطي وجوب العدول عنها لو ذكرها قبل الركوع لرواية البزنطي المذكورة حيث جعل ظاهرها تعين الرجوع، واظهر منها في الدلالة على ذلك موثقة عبيد بن زرارة الاولى لتضمنها الامر بالرجوع. وقد جعل (قدس سره) محل جواز العدول وعدمه في الروايات وكلام الاصحاب ما إذا تعلق قصده بغير السورة التي قرأها كما في الصورة الاولى من
(1) ص 210
[ 229 ]
الصور الخمس المتقدمة. وفي ما ذكره (قدس سره) من جميع ذلك نظر: (اما اولا) فلان ما دل على الاجزاء وعدم تعين الرجوع في الصورة الاولى قائم بعينه في الصورة الثانية لموافقة الاصل وحصول الامتثال ولرواية ابي بصير التي اوردها على الا جزء في الصورة الاولى وهي صحيحة الحلبي والكناني وابي بصير ومن حيث الاشتراك صح نسبتها الى كل من الثلاثة، فان ظاهرها بل صريحها تعلق القصد والارادة بغير ما قرأه ناسيا. والعجب منه كيف استدل بها على الاولى مع انها صريحة الدلالة على الثانية. و (اما ثانيا) فانه لو كان تعلق القصد بغير هذه السورة موجبا لعدم الاعتداد بها كما ذكره حتى وجب لاجله العدول عنها الى ما قصده اولا لم يكن فرق في ذلك بين بلوغ النصف وما قبله وما بعده بل ولو فرغ من السورة قبل الركوع، فانه يجب في جميع ذلك الرجوع مطلقا بمقتضى ما ذكره من عدم الاعتداد مع دلالة رواية البزنطي التي اوردها دالة على تعين الرجوع على عدم جواز الرجوع بعد تجاوز النصف ودلالة موثقة عبيد ابن زرارة الثانية على عدم جوازه بعد الثلثين كما هو ظاهر. و (اما ثالثا) فلدلالة الروايات على ان الرجوع في هذه الصورة على سبيل الجواز والتخيير دون الوجوب والتعيين كما هو ظاهر موثقة عبيد بن زرارة المذكورة، حيث قال فيها " له ان يرجع ما بينه وبين ثلثيها " ونحوه صحيحة علي بن جعفر الاولى فان مفادها الجواز دون الوجوب، وصحيحة الثانية صريحة في التخيير حيث قال: " فليرجع ان احب " وحينئذ فيحمل ما دل على الامر بالرجوع صريحا أو ظاهرا على الاستحباب دون الايجاب. و (اما رابعا) فلانه لو كان الحكم في هذه الصورة وجوب الرجوع لما ذكره من عدم الاعتداد لم يكن لاستثناء سورتي التوحيد والجحد من ذلك وجه لاشتراك الجميع
في عدم الاعتداد الموجب لتعيين المعدول إليه حينئذ، مع دلالة اكثر الروايات الدالة
[ 230 ]
على هذا الحكم على استثناء هاتين السورتين منه ووجوب المضي فيهما وعدم جواز الرجوع كما عليه الاصحاب. وبالجملة فالظاهر من الروايات استحباب العدول من كل سورة دخل فيها بغير قصد غير السورتين المذكورتين وان جاز له المضي فيها، إذ هو الظاهر مما تضمنته من الامر بالرجوع صريحا أو ظاهرا، وظاهر الاصحاب ايضا الاتفاق على جواز الرجوع هنا دون وجوبه. والله العالم. تتمة تشتمل على فوائد (الاولى) - نقل في الذكرى عن ابن ابي عقيل (قدس سره) انه قال لا يقرأ في الفريضة ببعض السورة ولا بسورة فيها سجدة مع قوله بان السورة غير واجبة. وقال ايضا من قرأ في صلاة السنن في الركعة الاولى ببعض السورة وقام في الركعة الاخرى ابتدأ من حيث بلغ ولم يقرأ بالفاتحة. قال في الذكرى: وهو غريب والمشهور قراءة الحمد وقد روى سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام) (1) " في من قرأ الحمد ونصف سورة هل يجزئه في الثانية ان لا يقرأ الحمد ويقرأ ما بقى من السورة ؟ فقال يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقى من السورة " والظاهر انه في النافلة. (الثانية) - اجمع علماؤنا واكثر العامة على ان المعوذتين من القرآن العزيز وانه يجوز القراءة بهما في الصلاة المفروضة، وروى منصور بن حازم (2) قال " امرني أبو عبد الله (عليه السلام) ان اقرأ المعوذتين في المكتوبة " وعن صفوان الجمال في الصحيح (3) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) المغرب فقرأ بالمعوذتين، ثم قال هما من القرآن " وعن صابر مولى بسام (4) قال " امنا أبو عبد الله (عليه السلام) في صلاة
(1) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) و (4) الوسائل الباب 47 من القراءة (3) الوسائل الباب 47 من القراءة. ولم تجد في شئ من كتب الاخبار قوله: " ثم قال هما من القرآن " وآخر الرواية هكذا " فقرأ بالمعوذتين في الركعتين "
[ 231 ]
المغرب فقرأ المعوذتين ثم قال: هما من القرآن ". قال في الذكرى: ونقل عن ابن مسعود انهما ليستا من القرآن وانما انزلتا لتعويذ الحسن والحسين (عليهما السلام) وخلافه انقرض واستقر الاجماع الآن من العامة والخاصة على ذلك (1) انتهى. اقول: روى الحسين بن بسطام في كتاب طب الائمة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سئل عن المعوذتين أهما من القرآن ؟ قال (عليه السلام) هما من القرآن. فقال الرجل انهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه ؟ فقال (عليه السلام) اخطأ ابن مسعود أو قال كذب ابن مسعود هما من القرآن. قال الرجل أفأقرأ بهما في المكتوبة ؟ قال نعم ". وروى علي بن ابراهيم في تفسيره بسنده عن ابي بكر الحضرمي (3) قال:
(1) في الدر المنثور للسيوطي ج 6 صى 416 وروح المعاني للالوسي ج 30 ص 279 " اخرج الامام احمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن مسعود انه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه انهما ليستا من كتاب الله انما امر النبي " ص " ان يتعوذ بهما. وكان ابن مسعود لا يقرأهما. وقال البزار لم يتابع ابن مسعود احد من الصحابة. وصح عن النبي " ص " انه قرأ بهما في الصلاة واثبتتا في المصحف " وفى ارشاد السارى ج 7 ص 442 " وقع الخلاف في قرآنيتهما ثم ارتفع الخلاف ووقع الاجماع عليه فلو انكر احد قرآنيتهما كفر " وفى عمدة القارئ ج 9 ص 298 مثله. وفى فتح الباري ج 8 ص 525 " وقد تأول القاضى أبو بكر الباقلانى في كتاب الانتصار وتبعه عياض وغيره فقال لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن وانما انكر اثباتهما في المصحف، فانه كان يرى ان لا يكتب في المصحف شيئا الا ان يأذن
النبي " ص " فيه وكأنه لم يبلغه الاذن فهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا. وهذا تأويل حسن الا ان الرواية الصحيحة جاءت عنه انهما ليستا من القرآن إلا ان يحمل القرآن على المصحف ". (2) و (3) الوسائل الباب 47 من القراءة
[ 232 ]
" قلت لابي جعفر (عليه السلام) ان ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف ؟ فقال كان ابي يقول انما فعل ذلك ابن مسعود برأيه وهما من القرآن ". وهذه الاخبار كما ترى متفقة الدلالة على ما عليه الاصحاب إلا ان كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي صريح الدلالة في ما نقل عن ابن مسعود حيث قال (عليه السلام) (1): وان المعوذتين من الرقية ليستا من القرآن ادخلوهما في القرآن، وقيل ان جبرئيل (عليه السلام) علمهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ان قال ايضا: واما المعوذتين فلا تقرأهما في الفرائض ولا بأس في النوافل. انتهى. والاقرب حمله على التقية. (الثالثة) - قال في الذكرى: لا قراءة عندنا في الاخيرتين زائدا على الحمد فرضا ولا نفلا وعليه الاجماع منا، وفى الجعفريات (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " انه كان يقرأ في ثالثة المغرب: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب " (3) قال: وهو محمول على ايرادها دعاء لا انه جزء من الصلاة. (الرابعة) - روى الشيخ في التهذيب عن زرارة (4) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اصلى بقل هو الله احد ؟ فقال نعم قد صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلتا الركعتين بقل هو الله احد لم يصل قبلها ولا بعدها بقل هو الله احد اتم منها " قال في الذكرى بعد نقل هذا الخبر: قلت تقدم كراهة ان يقرأ بالسورة الواحدة في الركعتين فيمكن ان يستثنى من ذلك " قل هو الله احد " لهذا الحديث ولاختصاصها بمزيد الشرف، أو فعله النبي (صلى الله عليه وآله) لبيان جوازه. اقول: المشهور في كلام الاصحاب كراهة قراءة السورة الواحدة في الركعتين استنادا الى رواية على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته
(1) ص 9 (2) ص 41 (3) سورة آل عمران الآية 8 (4) الوسائل الباب 7 من القراءة (5) الوسائل الباب 6 من القراءة
[ 233 ]
عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين من الفريضة وهو يحسن غيرها فان فعل فما عليه ؟ قال إذا احسن غيرها فلا يفعل وان لم يحسن غيرها فلا بأس " وجملة من الاصحاب قد استثنوا من هذا الحكم سورة التوحيد للخبر المذكور اولا، ونحوه صحيحة حماد بن عيسى الواردة في تعليم الصادق (عليه السلام) له الصلاة (1) حيث قال فيها: " ثم قرأ الحمد بترتيل وقل هو الله احد، وساق الكلام في حكاية صلاته (عليه السلام) الى ان قال: فصلى ركعتين على هذا ". (الخامسة) - روى السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " في الرجل يصلي في موضع ثم يريد ان يتقدم ؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم الى الموضع الذى يريد ثم يقرأ " قال في الذكرى: قلت هذا الحكم مشهور بين الاصحاب، وهل الكف واجب ؟ توقف فيه بعض المتأخرين، والاقرب وجوبه الظاهر الرواية، وان القرار شرط في القيام. انتهى. وقال العلامة في المنتهى إذا اراد الرجل ان يتقدم في صلاته سكت عن القراءة ثم تقدم لانه في تلك الحال غير واقف، ويؤيده ما رواه الشيخ (قدس سره)، ثم ذكر الرواية. (السادسة) - قد ورد في صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) " في المصلى خلف من لا يقتدى بصلاته والامام يجهر بالقراءة ؟ قال اقرأ لنفسك وان لم تسمع نفسك فلا بأس ". وفى مرسلة علي بن ابي حمزة عن الصادق (عليه السلام) (4) " يجزئك إذا
كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس ". قال في الذكرى: قلت هذا يدل على الاجتزاء بالاخفات عن الجهر للضرورة وعلى
(1) ص 2 (2) الوسائل الباب 34 من القراءة (3) الوسائل الباب 52 من القراءة (4) الوسائل الباب 52 من القراءة، والمرسل في كتب الحديث هو محمد بن ابى حمزة
[ 234 ]
الاجتزاء بما لا يسمعه عما يجب اسماعه نفسه للضرورة ايضا ولا يلزم فيها سقوط القراءة لان الميسور لا يسقط بالمعسور (1) انتهى. الفصل الخامس في الركوع وهو لغة الانحناء، يقال ركع الشيخ اي انحنى من الكبر، وفي الشرع انحناء مخصوص، قال في القاموس ركع المصلي ركعة وركعتين وثلاث ركعات محركة: صلى، والشيخ انحنى كبرا أو كبا على وجهه وافتقر بعد غنى وانحطت حاله، وكل شئ يخفض رأسه فهو راكع، والركوع في الصلاة ان يخفض رأسه بعد قومة القراءة حتى تنال راحتاه ركبتيه. انتهى. ووجوبه ثابت بالنص والاجماع في كل ركعة مرة إلا في صلاة الآيات كما سيجئ ان شاء الله تعالى في محله، وقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه ركن تبطل الصلاة بتركه عمدا وسهوا وكذا زيادته إلا ما استثنى. ومن الاخبار الدالة على ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان الله فرض من الصلاة الركوع والسجود ألا ترى لو ان رجلا دخل في الاسلام لا يحسن ان يقرأ القرآن اجزأه ان يكبر ويسبح ويصلي ؟ ". وفي الصحيح عن رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل ينسى ان يركع حتى يسجد ويقوم ؟ قال يستقبل ". وعن اسحاق بن عمار في الصحيح (4) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يركع ؟ قال يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه ".
(1) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على " ع " (2) الوسائل الباب 3 من القراءة (3) و (4) الوسائل الباب 10 من الركوع
[ 235 ]
وعن ابي بصير قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسى ان يركع ؟ قال عليه الاعادة ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا ايقن الرجل انه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " الصلاة ثلاثة اثلاث: ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " ان الله فرض الركوع والسجود... ". وروى الشيخ في الصحيح باسناده عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " ان الله فرض من الصلاة الركوع والسجود... الحديث ". وروى الصدوق في الصحيح عن زرارة عن احدهما (عليهم السلام) (6) قال: " ان الله فرض الركوع والسجود والقراءة سنة... الحديث ". وعن زرارة (7) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الفرض في الصلاة فقال الوقت والطهور والقبلة والتوجه والركوع والسجود والدعاء. قلت ما سوى ذلك ؟ قال سنة في فريضة ". وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام) (8) في حديث " ان امير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول ان اول صلاة احدكم الركوع
(1) و (2) الوسائل الباب 10 من الركوع
(3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 9 من الركوع (8) الوسائل الباب 9 من الركوع، والموجود في التهذيب ج 1 ص 161 هكذا " وكان يقول - يعنى امير المؤمنين " ع " - اول صلاة احدكم الركوع " من دون اضافة السجود ولا سؤال آخر، وكذا في الوافى والوسائل.
[ 236 ]
والسجود. قيل هل نزل في القرآن ؟ قال نعم قول الله عزوجل: يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا " (1). وعن سماعة في الموثق (2) قال: " سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن ؟ قال نعم قول الله عزوجل: يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (3)... الخبر " اقول: وهذان الخبران ظاهران في وجود الحقائق الشرعية ردا على من انكر ذلك. والقول بركنية الركوع في الصلاة في كل ركعة هو المهشور وذهب الشيخ في المبسوط الى انه ركن في الاولين وفي ثالثة المغرب دون غيرها، وسيجئ انشاء الله تعالى تحقيق البحث في المسألة في محلها. ثم انه لا يخفى ان الركوع يشتمل على الواجب والمستحب فتحقيق الكلام فيه حينئذ يحتاج الى بسطة في مقامين: (الاول) في الواجب والواجب فيه امور: (الاول) الانحناء بقدر ما تصل يداه ركتبه ويمكن وضعهما على الركبتين، اما وجوب الانحناء فلا شك فيه لان الركوع كما عرفت عبارة عن الانحناء لغة وشرعا فما لم يحصل الانحناء لا يصدق الاتيان بالركوع. واما التحديد بما ذكر فقد نقل الفاضلان في المعتبر والمنتهى والشهيدان عليه اجماع العلماء كافة إلا من ابي حنيفة (4) واستدلوا على ذلك بوجوه: (احدها) ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يركع كذلك فيجب التأسي به. و (ثانيها) - صحيحة حماد المتقدمة في اول الباب (5) وقوله فيها: " ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه منفرحات ورد ركبتيه الى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صب
(1) و (3) سورة الحج، الآية 76 (2) الوسائل الباب 5 و 9 من الركوع (4) في الفقيه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 231 " عند الحنفية يحصل الركوع بطأطأة الرأس بان ينحنى انحناء يكون الى حال الركوع اقرب " (5) ص 2، وليس في كتب الحديث " ثلاث مرات " بعد ذكر الركوع
[ 237 ]
عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره، ومد عنقه وغمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل فقال سبحان ربي العظيم وبحمده (ثلاث مرات).. الحديث ". و (ثالثها) - صحيحة زرارة المتقدمة ثمة ايضا (1) حيث قال (عليه السلام) فيها " وتمكن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى وبلع باطراف اصابعك عين الركبة وفرج اصابعك إذا وضعتها على ركبتيك، فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك الى ركبتيك اجزأك ذلك، واحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل اصابعك في عين الركبة وتفرج بينها، واقم صلبك ومد عنقك وليكن نظرك الى ما بين قدميك " قال في المدارك: وهذان الخبران احسن ما وصل الينا في هذا الباب. ونقل المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى عن معاوية بن عمار وابن مسلم والحلبي (2) قالوا: " وبلع باطراف اصابعك عين الركبة فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك الى ركبتيك اجزأك ذلك، واحب ان تمكن كفيك من ركبتيك فإذا اردت ان تسجد فارفع يديك بالتكبير وخر ساجدا " والظاهر ان هذه الرواية قد نقلها المحقق من الاصول التي عنده ولم تصل الينا إلا منه (قدس سره) وكفى به ناقلا. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف بين الاصحاب في ما اعلم انه لا يجب وضع اليدين على الركبتين وقد نقلوا الاجماع على ذلك، وانما المعتبر وصولهما بحث لو اراد الوضع لوضعهما والوضع انما هو مستحب. وانما الخلاف في القدر المعتبر في الوصول من اليد، فالمشهور على ما ذكره
شيخنا في البحار ان الانحناء الى ان تصل الاصابع الى الركبتين هو الواجب والزائد مستحب وقال الشيهد في البيان الاقرب وجوب انحناء تبلغ معه الكفان ركبتيه ولا يكفي بلوغ اطراف الاصابع وفى رواية " بكفي ". وبذلك صرح الشيهد الثاني في الروض والروضة
(1) ص 3، وكلمة (بلع) بالعين المهملة كما في الوافى باب الركوع (2) المعتبر ص 179 والمنتهى ج 1 ص 281
[ 238 ]
والمحقق الشيخ علي، وظاهر عبارة المعتبر وصول الكفين الى الركبتين، وفي عبارة العلامة في التذكرة وصول الراحتين وادعيا عليه الاجماع إلا من ابي حنيفة (1) وفي المنتهى تبلغ يداه الى ركبتيه، ونحوها عبارة الشيهد في الذكرى، وهو ظاهر في الاكتفاء بوصول جزء من اليد. ويمكن حمل عبارة المعتبر والتذكرة على المسامحة في التعبير لانه في المعتبر قد استدل - كما عرفت - بالرواية المنقولة عن الثلاثة المتقدمين وهي صريحة في الاكتفاء بوصول رؤوس الاصابع، وكذلك صحيحة زرارة المتقدمة هنا لقوله: " فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك الى ركبتيك اجزأك ذلك " وبذلك يظهر لك ما في كلام المشايخ الثلاثة المتقدم ذكرهم من ان وصول شئ من رؤوس الاصابع الى الركبتين غير كاف قال في الروض بعد نقل قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة " وتمكن راحتيك من ركبتيك ". والمراد بالراحة الكف ومنها الاصابع، ويتحقق بوصول جزء من باطن كل منهما لا برؤوس الاصابع. انتهى. وفيه ان سياق عبارة الرواية ينادي بان ما استند إليه هنا انما هو على جهة الافضلية لا انه الواجب الذي لا يجزئ ما سواه لتصريحه في الرواية بما ذكرناه اولا ثم قال بعده: " واحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك " وبذلك يظهر ان ما ذكره ناشئ عن الغفلة عن مراجعة الخبر. بقى هنا شئ وهو ان المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة ادعيا الاجماع إلا من ابي حنيفة (2) على ما ذكراه من وصول الكفين أو الراحتين الى الركبة، والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى ادعيا الاجماع على ما ذكراه من وصول اليد الصادق بوصول رؤوس الاصابع الى الركبة، والتدافع في نقل هذا الاجماع ظاهر من الكلامين فلابد من حمل احدى العبارتين على التساهل في التعبير وارجاعها الى العبارة الثانية، ونحن قد اشرنا الى ان التجوز والتساهل قد وقع في عبارتي المعتبر والتذكرة لما ذكرناه
(1) و (2) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 231 " عند الحنفية يحصل الركوع بطأطأة الرأس بان ينحنى انحناء يكون الى حال الركوع اقرب ".
[ 239 ]
من استدلال المحقق على ما ذكره بالرواية المنقولة عن الرواة الثلاثة المتقدمين وهى صريحة في خلاف ظاهر كلامه ونحوه صحيحة زرارة كما عرفت، فلو لم يحمل كلامه على ما ذكرناه لم يتم استدلاله بالخبر المذكور. والفاضل الخراساني في الذخيرة مال الى ان التجوز والمسامحة في عبارتي المنتهى والذكرى فيجب ارجاعهما الى عبارتي المعتبر والتذكرة مستندا الى ان الذي يقع في الخاطر من وضع اليد وصول شئ من الراحة، وتشعر بذلك الادلة التي في الكتابين سيما الذكرى، فانه قال فيه بعد نقل قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة " وتمكن راحتيك من ركبتيك " وهو دليل على الانحناء هذا القدر لان الاجماع على عدم وجوب وضع الراحتين. فاذن لا معدل عن العمل بما ذكره المدققان لتوقف البراءة اليقينية عليه، ولا تعويل على ظاهر الخبر إذا خالف فتاوى الفرقة. انتهى. وفيه (اولا) انك قد عرفت صراحة الروايتين المتقدمتين في الاكتفاء ببلوغ رؤوس الاصابع، ويؤكده تصريحه (عليه السلام) في صحيحة زرارة بالافضلية في وضع الكفين بقوله " واحب الي " والواجب هو العمل بالاخبار لا بالاقوال العارية عن الادلة وان ادعى فيها الاجماع. و (ثانيا) - ما ذكره - من ان الذي يقع في الخاطر من وضع اليد وصول شئ من الراحة - فانه ممكن لو كان عبارة المنتهى والذكرى كما ذكره من وضع اليد والذي
فيهما انما هو " الى ان تبلغ اليد " والفرق بين العبارتين ظاهر فان بلوغ اليد يصدق ببلوغ رؤوس الاصابع. و (ثالثا) - ان استدلال الشهيد في الذكرى بما ذكره من صحيحة زرارة وقوله: " وهو دليل على الانحناء هذا القدر " انما وقع في مقام الاستدلال على اصل الانحناء ردا على ابي حنيفة وإلا فالرواية المذكورة صريحة كما عرفت في ان هذه الكيفية انما هي على جهة الفضل والاستحباب.
[ 240 ]
و (رابعا) - ما ذكره من رد الخبر إذا خالف فتاوى الفرقة انما يتم مع الاغماض عما فيه إذا ثبت هنا اجماع على ما يدعيه، وهو لم ينقل إلا عبارتي المعتبر والتذكرة خاصة مع مخالفة ظاهر عبارتي المنتهى والذكرى لذلك، فاين فتاوى الفرقة التي ينوه بها والحال كما ترى ؟ على انك قد عرفت مما قدمنا نقله عن شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار ان المشهور انما هو ما اخترناه من الاكتفاء برؤوس الاصابع، ما هذه إلا مجازفات محضة ودعاوى صرفة. و (خامسا) - ان الشهيد الثاني وان صرح بما ذكره في الروض والروضة إلا انه قد صرح بما ذكرناه في المسالك، حيث قال: والظاهر الاكتفاء ببلوغ الاصابع، وفي حديث زرارة المعتبر " فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك الى ركبتيك اجزأك ذلك واحب الى ان تمكن كفيك " انتهى. وهو عدول عما ذكره في الروض والروضة ولا شك ان كلامه هنا هو المؤيد بالدليل كما عرفت. وكيف كان فالاحتياط في الانحناء الى وصول الكف والراحة. ثم لا يخفى ان ظاهر اخبار المسألة هو الوضع لا مجرد الانحناء بحيث لو اراد لوضع وان الوضع مستحب كما هو المشهور في كلامهم والدائر على رؤوس اقلامهم، فان هذه الاخبار ونحوها ظاهرة في خلافه ولا مخصص لهذه الاخبار إلا ما يدعونه من الاجماع على عدم وجوب الوضع. فوائد (الاولى) - اعتبار مقدار وصول اليد الى الركبتين بالانحناء احتراز عن الوصول بغير انحناء، فانه لا يكفي في صدق الركوع ولا يسمى ركوعا كالانخناس بان يخرج ركبتيه وهو مائل منتصب فانه لا يجزئه، وكذا لو جمع بين الانحناء والانخناس بحيث لولا الانخناس لم تبلغ اليدان لم يجزئ.
[ 241 ]
(الثانية) - الراكع خلقة يستحب ان يزيد الانحناء يسيرا ليفرق بين قيامه وركوعه، قاله الشيخ واختاره في المعتبر لان ذلك حد الركوع فلا يلزم الزيادة عليه، واليه مال في المدارك. وجزم المحقق في الشرائع والعلامة في جملة من كتبه بالوجوب ليكون فارقا بين حالة القيام وحالة الركوع فان المعهود افتراقهما. ورد بمنع وجوب الفرق على العاجز. والمسألة خالية من النص والاحتياط فيها مطلوب بالاتيان بانحناء يسير. (الثالثة) - يجب ان يقصد بهويه الركوع، فلو هوى لسجدة العزيمة في النافلة أو هوى لقتل حية أو لقضاء حاجة - فلما انتهى الى حد الراكع اراد ان يجعله ركوعا وكذا لو هوى للسجود ساهيا فلما وصل الى قوس الركوع ذكر فاراد ان يجعله ركوعا - فانه لا يجزئ ويجب عليه الرجوع والانتصاب ثم الهوى بقصد الركوع فان الاعمال بالنيات (1) كما تقدم تحقيقه في مبحث نية الوضوء من كتاب الطهارة. ولا يلزم من ذلك زيادة ركوع لان الاول ليس بركوع. والظاهر انه لا خلاف في الحكم المذكور. (الرابعة) - لو تعذر الانحناء للركوع اتى بالمقدور، ولا يسقط الميسور بالمعسور (2) و " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (3) ولو امكن ايصال احدى اليدين دون الاخرى لعارض في احدى الشقين وجب خاصة. ولو امكنه الانحناء الى احد الجانبين فظاهر المبسوط الوجوب. ولو افتقر الى ما يعتمد عليه في الانحناء وجب ولو تعذر ذلك اجزأ الايماء برأسه، لما رواه الشيخ عن ابراهيم الكرخي (4) قال: " قلت
لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شيخ لا يستطيع القيام الى الخلاء ولا يمكنه الركوع والسجود ؟ فقال ليومئ برأسه ايماء وان كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد فان لم يمكنه ذلك فليومئ برأسه نحو القبلة ايماء ".
(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات (2) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على " ع " (3) سورة البقرة، الآية 286 (4) الوسائل الباب 1 من القيام و 20 من السجود
[ 242 ]
(الخامسة) - لو كانت يداه في الطول بحيث تبلغ ركبتيه من غير انحناء - أو قصيرتين بحيث لا تبلغ مع الانحناء، ونحوهما المقطوعتان - انحنى كما ينحني مستوى الخلقة حملا لالفاظ النصوص على ما هو الغالب المتكرر كما عرفت في غير موضع. (السادسة) - لو لم يضع يديه على ركبتيه وشك بعد انتصابه هل اكمل الانحناء ام لا ؟ احتمالان ذكرهما العلامة والشهيدان (احدهما) العود لعموم رواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) " في رجل شك وهو قائم فلا يدري أركع ام لم يركع قال يركع " وكذا رواية عمران الحلبي (2) (ثانيهما) العدم لان الظاهر منه اكمال الركوع، ولانه في المعنى شك بعد الانتقال. اقول: الظاهر هو الوجه الثاني فان المتبادر من رواية ابي بصير المذكورة - وكذا رواية الحلبي وهي ما رواه في الموثق (3) قال: " قلت الرجل يشك وهو قائم فلا يدري أركع ام لا ؟ قال فليركع " - انما هو من لم يأت بالانحناء بالكلية وشك في ان قيامه هذا هل هو قيام قبل الركوع والانحناء فيجب الركوع عنه أو قيام بعده فيجب ان يسجد عنه ؟ فانه يصدق عليه انه شك في المحل فيجب الاتيان بالمشكوك فيه، واما من انحنى وشك بعد رفعه في بلوغه المقدار الواجب في الانحناء فانه يدخل تحت قاعدة الشك بعد الدخول في الغير وتجاوز المحل. (الثاني) - الطمأنينة بضم الطاء وسكون الهمزة بعد الميم وهي عبارة عن سكون الاعضاء واستقرارها في هيئة الراكع بقدر الذكر الواجب في الركوع، ووجوبها بهذا القدر مما لا خلاف فيه ونقل الاجماع عليه الفاضلان وغيرهما، وانما الخلاف في الركنية فذهب الشيخ في الخلاف الى انها ركن، والمشهور العدم وهو الاصح لما سيأتي ان شاء الله تعالى من عدم بطلان الصلاة بتركها سهوا. والاصحاب لم يذكروا هنا دليلا على الحكم المذكور من الاخبار وظاهر هم انحصار الدليل في الاجماع، مع انه قد روى ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 12 من الركوع. والرواية رقم (2) هي رقم (3)
[ 243 ]
ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال (صلى الله عليه وآله) نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني " ورواه البرقي في المحاسن عن ابن فضال عن عبد الله بن بكير عن زرارة نحوه (2). وفى الذكرى يجب الركوع بالاجماع ولقوله تعالى " واركعوا مع الراكعين " ولما روى (3) " ان رجلا دخل المسجد ورسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه فقال (صلى الله عليه وآله) وعليك السلام ارجع فصل فانك لم تصل فرجع فصلى ثم جاء فقال له مثل ذلك فقال له الرجل في الثالثة علمني يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال إذا قمت الى الصلاة فاسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " اقول: وهذا الخبر لم اقف عليه في ما وصل الي من كتب الاخبار حتي كتاب البحار إلا في كتاب الذكرى. ولو كان مريضا لا يتمكن من الطمأنينة سقطت عنه لان الضرورات تبيح المحظورات وما غلب الله عليه فهو اولى بالعذر (4) والحكم المذكور مما لا خلاف فيه ولا اشكال يعتريه، انما الخلاف في انه لو تمكن من مجاوزة الانحناء اقل الواجب والابتداء بالذكر
عند بلوغ حده واكماله قبل الخروج منه فهل يجب ذلك ؟ قيل نعم استنادا الى ان الذكر في حال الركوع واجب والطمأنينة واجب آخر ولا يسقط احد الواجبين بسقوط الآخر واستحسنه الفاضل الخراساني في الذخيرة وجعله في المدارك اولى. وقيل لا لاصالة العدم واليه ذهب الشهيد في الذكرى، قال (قدس سره) بعد ذكر الطمأنينة اولا: ويجب
(1) و (2) الوسائل الباب 3 من الركوع (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة عن عوالي اللئالى مثله (4) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات
[ 244 ]
كونها بقدر الذكر الواجب لتوقف الواجب عليها، ولا يجزئ عن الطمأنينة مجاوزة الانحناء القدر الواجب ثم العود الى الرفع مع اتصال الحركات لعدم صدقها حينئذ، نعم لو تعذرت اجزأ زيادة الهوى ويبتدئ بالذكر عند الانتهاء الى حد الراكع ينتهي بانتهاء الهوى، وهل يجب هذا الهوى لتحصيل الذكر في حد الراكع ؟ الاقرب لا للاصل فحينئذ يتم الذكر رافعا رأسه. انتهى. والمسألة لعدم النص محل اشكال والاحتياط يقتضي الاتيان بما ذكروه من الكيفية المذكورة وان لم يقم دليل واضح على الوجوب. ولو اتى بالذكر من دون الهوى أو رفع قبل اكماله فظاهر الشهيد الثاني في الروض بطلان صلاته ان كان عامدا قال لتحقق النهي، وان كان ناسيا استدركه في محله ان امكن. وظاهر الشهيد في الدروس والعلامة القول بمساواة العامد للناسي إذا استدركه في محله، قال في الروض وليس بجيد. ويتحقق التدارك في الاول بالهوى ثم الاتيان بالذكر وفى الثاني بالاتيان به مطمئنا قبل الخروج عن حد الراكع. (الثالث) - رفع الرأس منه حتى يقوم منتصبا فلا يجوز ان يهوى للسجود قبل الانتصاب إلا لعذر. ويدل عليه جملة من الاخبار ففي صحيحة حماد (1) بعد ذكر الركوع قال: " ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال: سمع الله لمن حمده.. الحديث ". وفي رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا رفعت رأسك من الركوع فاقم صلبك فانه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه " ومثلها روايته الاخرى (3) وفي كتاب الفقه الرضوي (4) " وإذا رفعت رأسك من الركوع فانتصب قائما حتى ترجع مفاصلك كلها الى المكان ثم اسجد ". (الرابع) - الطمأنينة قائما ولا حد لها بل يكفي مسماها وهو ما يحصل به الاستقرار والسكون، ولا خلاف في وجوبها بل نقل عليه الاجماع جمع منهم.
*) (1) ص 2 (2) و (3) الوسائل الباب 16 من القراءة (4) ص 7
[ 245 ]
وذهب الشيخ هنا الى الركنية ايضا، ورد بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ". والظاهر من الاخبار وكلام الاصحاب انه لا فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة ونقل جمع من الاصحاب عن العلامة في النهاية القول بانه لو ترك الاعتدال في الرفع من الركوع أو السجود في صلاة النفل عمدا لم تبطل صلاته لانه ليس ركنا في الفرض فكذا في النفل. وهو ضعيف مردود بان جميع ما يجب في الفريضة فهو شرط في صحة النافلة فلا معنى للتخصيص بهذا الموضع، إلا ان يمنع وجوبه في الفريضة وهو لا يقول به بل صرح في جميع كتبه بخلافه. نعم خرج من ذلك السورة على القول بوجوبها في الفريضة بدليل خاص وغيرها يحتاج الى دليل ايضا وليس فليس. وقوله - انه ليس ركنا.. الخ - كلام مزيف لا معنى له عند المحصل. (الخامس) - التسبيح وقد وقع الخلاف هنا في موضعين (احدهما) انه هل الواجب في حال الركوع والسجود هو التسبيح خاصة أو يجزئ مطلق الذكر ؟ قولان مشهوران (الثاني) انه على تقدير القول الاول من تعين التسبيح فقد اختلفوا في الصيغة الواجبة منه على اقوال، ونحن نبسط الكلام في المقامين بنقل الاخبار والاقوال وما سنح لنا من المقال في هذا المجال بتوفيق الملك المتعال وبركة الآل (عليهم
صلوات ذي الجلال): (الموضع الاول) - اعلم انه قد اختلف الاصحاب في ان الواجب في الركوع والسجود هل هو مطلق الذكر أو يتعين التسبيح ؟ قولان: والاول منهما مذهب الشيخ في المبسوط والجمل والحلبيين الاربعة، واليه ذهب جملة من المتأخرين: منهم - شيخنا الشهيد الثاني وسبطه في المدارك وغيرهما. والثاني مذهب الشيخ في باقي كتبه والشيخ المفيد والمرتضى وابنى بابويه وابي الصلاح وابن البراج وسلار وابن حمزة وابن الجنيد، وادعى
(1) الوسائل الباب 29 من القراءة و 10 من الركوع
[ 246 ]
عليه السيد المرتضى في الانتصار والشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية الاجماع. والظاهر انه المشهور بين المتقدمين ونسبه في الذكرى الى المعظم. وللشيخ في النهاية قول آخر يؤذن بكونه ثالثا في المسألة حيث جوز ان يقال بعد التسبيح في الفريضة " لا إله إلا الله والله اكبر " مع انه قال فيه: والتسبيح في الركوع فريضة من تركه عمدا فلا صلاة له. والذي يدل على الاول من الاخبار ما رواه ثقة الاسلام والشيخ في كتابيهما عن هشام بن سالم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته يجزئ عني ان اقول مكان التسبيح في الركوع والسجود: لا إله إلا الله والحمد لله والله اكبر ؟ قال نعم كل هذا ذكر الله " ولفظ " والحمد لله " ليس في رواية الكافي وانما هو في التهذيب. وما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له يجزئ ان اقول مكان التسبيح في الركوع والسجود: لا إله إلا الله والله اكبر ؟ قال نعم كل هذا ذكره الله ". ورواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن الحكم (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما من كلمة اخف على اللسان منها ولا ابلغ من " سبحان الله ". قال قلت يجزئنى في الركوع والسجود ان اقول مكان التسبيح: لا إله إلا الله والحمد لله والله اكبر ؟ قال نعم كل ذا ذكر الله " وروى هذا الخبر ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب عن احمد بن محمد عن ابن ابي عمير عن هشام بن الحكم نحوه (4) وايد هذا القول في المدارك بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي نجران عن مسمع ابي سيار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " يجزئك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا وليس له ولا كرامة ان يقول
(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 7 من الركوع. و " كل هذا ذكر الله " في الرقم 1 ليس في الكافي (3) الفروع ج 1 ص 91 وفى الوسائل الباب 7 من الركوع (5) الوسائل الباب 5 من الركوع
[ 247 ]
سبح سبح سبح ". والظاهر ان عده هذه الرواية من المؤيدات دون ان تكون دليلا اما من حيث ان الراوي لها مسمع ابي سيار وهو يطعن في حديثه في مواضع من شرحه وان عده حسنا تارة وصحيحا اخرى في مواضع اخر ولهذا وصف الحديث بالصحة الى عبد الرحمان ابن ابي نجران مؤذنا بانتهاء صحة الحديث إليه، ويحتمل ان يكون من حيث اجمال متنها بقوله " أو قدرهن " لاحتمال ان يكون قدرهن من الذكر، ويحتمل ان يكون قدرهن من تسبيحة واحدة كبرى. ومثلها حسنة اخرى لمسمع ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يجزئ الرجل في صلاته اقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهن " هذا ما يتعلق من الاخبار بالقول المذكور. واما ما يدل على القول الآخر فروايات عديدة تأتي ان شاء الله تعالى في المقام الآتى والذي يظهر لي في وجه الجمع بين اخبار القولين على وجه يندفع به التنافي في البين ان يقال ان المفهوم من الاخبار ان التسبيح هو الاصل والذكر وقع رخصة كما يشير إليه هنا ما تقدم في اخبار الهشامين من قولهما " يجزئ ان يقول مكان التسبيح " وحينئذ فتحمل روايات التسبيح على الافضلية وروايات الذكر على الرخصة والاجزاء، وهذا كما في غسل
الجنابة ترتيبا وارتماسا فان الاصل فيه هو الاول وهو الذي استفاضت به الاخبار وعليه عمل النبي (صلى الله عليه وآله) واهل بيته الاطهار والثانى ورد في خبرين رخصة كما اشرنا الى ذلك ثمة. ولعله على هذا بنى الشيخ (قدس سره) في عبارته في النهاية حيث صرح بان الفريضة التسبيح مع قوله بجواز ابداله بالذكر المذكور في كلامه، وبذلك يندفع ما اورده عليه المتأخرون من التناقض في كلامه. ولم اقف للقائلين بتعين التسبيح على جواب عن هذه الروايات الدالة على الاجتزاء بمطلق الذكر والله العالم.
(1) الوسائل الباب 5 من الركوع
[ 248 ]
(الموضع الثاني) - اعلم انه قد اختلف اصحاب القول بتعين التسبيح في ما يجب منه على اقوال: (احدها) القول بجواز التسبيح مطلقا وهو منقول عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) و (ثانيها) وجوب تسبيحة واحدة كبرى وهي " سبحان ربي العظيم وبحمده " وهو قول الشيخ في النهاية. و (ثالثها) تسبيحة واحدة كبرى أو ثلاث صغريات وهي " سبحان الله " ثلاثا، ونقل عن ظاهر ابني بابويه وهو ظاهر التهذيب كما ذكره في المدارك. و (رابعها) وجوب ثلاث مرات على المختار وواحدة على المضطر، وهو منقول عن ابي الصلاح، ونقل عنه في المختلف انه قال افضله " سبحان ربي العظيم وبحمده " ويجوز " سبحان الله " وهو ظاهر في تخيير المختار بين ثلاث صغريات أو كبريات و (خامسها) وجوب ثلاث تسبيحات كبريات، نسبه العلامة في التذكرة الى بعض علمائنا. هذا ما وقفت عليه من الاقوال في المسألة. واما الاخبار الجارية في هذا المضمار (فاحدها) ما رواه الشيخ في التهذيب عن هشام ابن سالم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التسبيح في الركوع والسجود فقال تقول في الركوع " سبحان ربي العظيم " وفى السجود " سبحان ربي الاعلى " الفريضة من ذلك تسبيحة والسنة ثلاث والفضل في سبع " الثاني - ما رواه عن عقبة بن عامر الجهني (2) قال: " لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم (3) قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت " سبح اسم ربك الاعلى " (4) قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجعولها في سجودكم ". الثالث - ما رواه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " قلت له ما يجزئ من القول في الركوع والسجود ؟ فقال ثلاث تسبيحات في
(1) و (5) الوسائل الباب 4 من الركوع (2) الوسائل الباب 21 من الركوع (3) سورة الواقعة، الآية 73 (4) سورة الاعلى، الآية 1
[ 249 ]
في ترسل وواحدة تامة تجزئ ". الرابع - ما رواه عن علي بن يقطين في الصحيح عن ابى الحسن الاول (عليه السلام) 1) قال: " سألته عن الركوع والسجود كم يجزئ فيه من التسبيح ؟ فقال ثلاثة وتجزئك واحدة إذا امكنت جبهتك من الارض ". قال في الوافي الظاهر ان المراد بالتسبيح " سبحان الله " ويحتمل التام. ولعل السر في اشتراط امكان الجبهة من الارض في الاجتزاء بالواحدة تعجيل اكثر الناس في ركوعهم وسجودهم وعدم صبرهم على اللبث والمكث فمن اتى منهم بواحدة فربما يصدر منه بعضها في الهوى أو الرفع، فلابد لمن هذه صفته ان يأتي بالثلاث ليتحقق لبثه بمقدار واحدة. الخامس - ما رواه عن الحسن بن علي بن يقطين عن اخيه الحسين بن علي بن يقطين في الصحيح عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يسجد كم يجزئه من التسبيح في ركوعه وسجوده ؟ فقال ثلاث وتجزئه واحدة ". السادس - ما رواه عن مسمع في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " يجزئك من القول.. الخبر " وقد تقدم في المقام الاول (3).
السابع - ما رواه عن سماعة في الموثق (4) قال: " سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن.. الخبر وقد تقدم، الى ان قال فقلت كيف حد الركوع والسجود ؟ فقال اما ما يجزئك من الركوع فثلاث تسبيحات تقول سبحان الله سبحان الله (ثلاثا).. الحديث " ويأتي ان شاء الله تعالى. الثامن - ما رواه عن معاوية بن عمار في الصحيح (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اخف ما يكون من التسبيح في الصلاة قال ثلاث تسبيحات مترسلا تقول سبحان
(1) و (2) الوسائل الباب 4 من الركوع (3) ص 246 (4) و (5) الوسائل الباب 5 من الركوع
[ 250 ]
الله سبحان الله سبحان الله ". التاسع - ما رواه عن مسمع في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يجزئ الرجل في صلاته اقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهن " العاشر - ما رواه عن ابي بصير (2) قال: " سألته عن ادنى ما يجزئ من التسبيح في الركوع والسجود ؟ فقال ثلاث تسبيحات ". الحادي عشر - ما رواه عن ابي بكر الحضرمي (3) قال قال أبو جعفر (عليه السلام): " أتدري اي شئ حد الركوع والسجود ؟ قلت لا. قال تسبح في الركوع ثلاث مرات " سبحان ربي العظيم وبحمده " وفى السجود " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ثلاث مرات، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته ومن نقص ثنتين نقص ثلثي صلاته ومن لم يسبح فلا صلاة له ". الثاني عشر - ما رواه عن ابان بن تغلب في الصحيح (4) قال: " دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) وهو يصلي فعددت له في الركوع والسجود ستين تسبيحة " الثالث عشر - ما رواه عن حمزة بن حمران والحسن بن زياد (5)، قالا " دخلنا على ابى عبد الله (عليه السلام) وعنده قوم فصلى بهم العصر وقد كنا صلينا فعددنا له في ركوعه " سبحان ربى العظيم " اربعا أو ثلاثا وثلاثين مرة. وقال احدهما في حديثه " وبحمده " في الركوع والسجود ". الرابع عشر - ما رواه في كتاب العلل بسنده عن هشام بن الحكم عن ابى الحسن
(1) و (2) الوسائل الباب 5 من الركوع (3) الوسائل الباب 4 من الركوع وما ذكره في المتن لفظ الكافي كما في نفس الباب من الوسائل وفى ج 1 من الفروع ص 91 واما لفظ التهذيب ج 1 ص 156 فهو هكذا " قلت لابي جعفر " ع " اي شئ حد الركوع والسجود ؟ قال تقول: سبحان ربى العظيم وبحمده " ثلاثا " في الركوع، وسبحان ربى الاعلى وبحمده " ثلاثا " في السجود فمن نقص.. الحديث " (4) و (5) الوسائل الباب 6 من الركوع
[ 251 ]
موسى (عليه السلام) (1) قال: " قلت لاي علة يقال في الركوع " سبحان ربى العظيم وبحمده " ويقال في السجود " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ؟ قال يا هشام ان الله تبارك وتعالى لما اسرى بالنبي (صلى الله عليه وآله) وكان من ربه كقاب قوسين أو ادنى رفع له حجابا من حجبه فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا حتى رفع له سبع حجب فلما ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه فابترك على ركبتيه واخذ يقول " سبحان ربى العظيم وبحمده " فلما اعتدل من ركوعه قائما ونظر إليه في موضع اعلى من ذلك الموضع خر على وجهه وجعل يقول " سبحان ربي الاعلى وبحمده " فلما قال سبع مرات سكن ذلك الرعب فلذلك جرت به السنة ". الخامس عشر - ما رواه ابراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات عن عباية (2) قال: " كتب امير المؤمنين (عليه السلام) الى محمد بن ابي بكر انظر ركوعك وسجودك فان النبي (صلى الله عليه وآله) كان اتم الناس صلاة واحفظهم لها وكان إذا ركع قال: " سبحان ربي العظيم وبحمده " ثلاث مرات، وإذا رفع صلبه قال: سمع الله لمن حمده
اللهم لك الحمد مل ء سمواتك ومل ء ارضيك ومل ء ما شئت من شئ، فإذا سجد قال: " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ثلاث مرات ". السادس عشر - ما رواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا (3) قال: " قال الصادق (عليه السلام) سبح في ركوعك ثلاثا: تقول " سبحان ربي العظيم وبحمده " ثلاث مرات، وفى السجود " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ثلاث مرات، فان الله عزوجل لما انزل على نبيه (صلى الله عليه وآله) " فسبح باسم ربك العظيم " (4) قال النبي (صلى
(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام و 21 من الركوع (2) مستدرك الوسائل الباب 13 و 16 من الركوع (3) مستدرك الوسائل الباب 16 و 4 من الركوع (4) سورة الواقعة، الآية 73
[ 252 ]
الله عليه وآله) اجعلواها في ركوعكم فلما انزل الله " سبح اسم ربك الاعلى " (1) قال اجعلوها في سجودكم، فان قلت سبحان الله سبحان الله سبحان الله اجزأك، وتسبيحة واحدة تجزئ للمعتل والمريض والمستعجل ". السابع عشر - ما رواه في كتاب العلل لمحمد بن علي بن ابراهيم بن هاشم (2) قال: " سئل امير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قوله: سبحان ربي العظيم وبحمده.. الحديث ". الثامن عشر - ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (3) قال: " فإذا ركعت فمد ظهرك ولا تنكس رأسك وقل في ركوعك بعد التكبير: اللهم لك ركعت.. ثم ساق الدعاء الى ان قال بعد تمامه: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم ساق الكلام في السجود كذلك الى ان قال: سبحان ربي الاعلى وبحمده ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر ان مستند القول الاول وهو القول بجواز التسبيح مطلقا هو العمل باخبار المسألة كملا والاكتفاء بكل ما ورد، ومرجعه الى التخيير بين جملة الصور الواردة في الاخبار، إلا ان ظاهره الاكتفاء ولو بتسبيحة صغرى لصدق التسبيح بها مع دلالة جملة من الاخبار على ان ادنى ما يجزئ ثلاث صغريات. وهذا القول قد اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة واستدل عليه بالرواية الرابعة والخامسة فانهما دالتان على جواز الاكتفاء بواحدة ويحمل الاخبار المعارضة لهما على الاستحباب جمعا بين الادلة. واراد بالاخبار المعارضة ما دل على ان اقل المجزئ ثلاث صغريات كالرواية السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة. وفيه ان الروايتين اللتين استند اليهما غير صريحتين بل ولا ظاهرتين في ما ادعاه لجواز ان يكون المراد بالواحدة تسبيحة كبرى، ومرجعه الى التخيير بين ثلاث