الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الحدائق الناضرة - المحقق البحراني ج 5

الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 5


[ 1 ]

الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 هجرية حققه وعلق عليه واشرف على طبعه محمد تقي الايرواني الجزء الخامس مؤسسة النشر الأسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الباب الخامس في الطهارة من النجاسات وما يتبعها من ذكر النجاسات واحكامها واحكام الاواني والجلود، فالبحث في هذا الباب يقع في مقاصد ثلاثة: المقصد الاول في النجاسات، وتحقيق الكلام فيها في فصول عشرة: (الاول والثاني) البول والغائط، المشهور - بل ادعى عليه في المعتبر والمنتهى اجماع العلماء كافة عدا شذوذ من العامة - هو نجاسة البول والغائط مما لا يؤكل لحمه إذا كان ذا نفس سائلة، والمراد بالنفس السائلة الدم الذي يجتمع في العروق ويخرج بقوة ودفع إذا قطع شئ منها، وهو احد معاني النفس كما ذكره اهل اللغة، ومقابله ما لا نفس له وهو الذي يخرج لا كذلك بل رشحا كدم السمك. اقول: اما ما يدل على نجاسة البول والعذرة من الانسان فاخبار مستفيضة: منها - صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن البول يصيب الثوب ؟ فقال اغسله مرتين " وصحيحة ابن ابي يعفور (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الثوب ؟ فقال اغسله مرتين " وحسنة الحسين


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب النجاسات.

[ 3 ]

ابن ابي العلاء (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء. قال وسألته عن الثوب يصيبه البول ؟ قال اغسله مرتين... الحديث " وحسنة الحلبي (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بول الصبي ؟ قال تصب عليه الماء وان كان قد اكل فاغسله غسلا... الحديث " وحسنة ابي اسحاق النحوي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين " ورواية الحسن بن زياد (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول فيصيب بعض فخذه نكتة من بوله فيصلي ثم يذكر بعد انه لم يغسله ؟ قال يغسله ويعيد صلاته " وصحيحة محمد بن مسلم (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول ؟ قال اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " واكثر هذه الأخبار وان كان مطلقا إلا ان المتبادر منه انما هو بول الانسان واما الغائط فيدل على نجاسته اخبار الاستنجاء وقد تقدمت في بابه (6) وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته ؟ قال ان كان لم يعلم فلا يعيد " ومفهومه وجوب الاعادة مع العلم وهو دليل النجاسة، وهذا المفهوم حجة عند المحققين وقد مر ما يدل عليه من الأخبار في مقدمات الكتاب (8) وفي الصحيح عن موسى بن القاسم عن علي بن محمد (9) قال: " سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام واشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل ؟ قال ان كان استبان من اثره شئ


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب النجاسات (4) المروية في الوسائل في الباب 19 و 42 من ابواب النجاسات. (5) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب النجاسات (6) ج 2 ص 26 (7) رواه في الوسائل في الباب 40 من ابواب النجاسات (8) ج 1 ص 58. (9) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات.

[ 4 ]

فاغسله وإلا فلا بأس " وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة واشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا إلا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء.. الحديث " وفي باب البئر في رواية ابن مسكان عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن العذرة تقع في البئر ؟ فقال ينزح منها عشرة دلاء " وفي رواية علي بن ابي حمزة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن العذرة تقع في البئر ؟ قال ينزح منها عشرة دلاء فان ذابت فأربعون أو خمسون " وفي صحيح زرارة (4) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه وهل يجب عليه غسلها ؟ قال لا يغسلها إلا ان يقذرها ولكنه يمسحها حتى يذهب اثرها ويصلي " ورواية حفص بن ابي عيسى عن الصادق (عليه السلام) (5) " في من وطأ عذرة بخفه فمسحه حتى لم ير فيه شيئا ؟ فقال: لا بأس " ورواية موسى بن اكيل عن بعض اصحابه عن الباقر (عليه السلام) (6) " في شاة " شربت بولا ثم ذبحت ؟ قال يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به وكذلك إذا اعتلفت بالعذرة ما لم تكن جلالة... الحديث " وحسنة محمد بن مسلم (7) قال " كنت مع ابي جعفر (عليه السلام) إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليها فاصابت ثوبه فقلت جعلت فداك قد وطأت على عذرة فاصابت ثوبك ؟ قال أليس هي يابسة ؟ فقلت بلى. فقال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا " ورواية الحلبي في الكافي عن الصادق (عليه السلام) (8) " في الرجل يطأ في العذرة أو البول أيعيد الوضوء ؟ قال لا ولكن يغسل ما اصابه ".


(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الماء المطلق. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 20 من الماء المطلق. وهما متفقان في المتن (4) و (8) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب نواقض الوضوء. (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب 32 من ابواب النجاسات. (6) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 5 ]

واما ما يدل على بول غيره وغائطه مما لا يؤكل لحمه زيادة على الاجماع المتقدم وعموم جملة من الأخبار المتقدمة ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الله بن سنان (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه " وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله المتقدمة، ورواية ابي يزيد القسمي عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) " انه سأله عن جلود الدارش التي يتخذ منها الخفاف ؟ فقال لا تصل فيها فانها تدبغ بخرء الكلاب " وما رواه سماعة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان اصاب الثوب شئ من بول السنور فلا تصلح الصلاة فيه حتى تغسله " ويؤيد ذلك ما رواه زرارة في الحسن (4) " انهما قالا لا تغسل ثوبك من بول شئ يؤكل لحمه " وما رواه في قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (5) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لا بأس ببول ما اكل لحمه " وفي الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " وما رواه علي بن جعفر في المسائل عن اخيه (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن الدقيق يقع فيه خرء الفأر هل يصلح اكله إذا عجن مع الدقيق ؟ قال إذا لم تعرفه فلا بأس وان عرفته فاطرحه " اقول: قوله (عليه السلام) " إذا لم تعرفه " اي لم تعلم دخوله في الدقيق وانما تظن ظنا فلا بأس وان علمته وجب عليك طرحه واخراجه، ويوضح ما ذكرناه ما رواه في دعائم الاسلام (8) قال: " سئل الصادق (عليه السلام) عن خرء الفأر يكون في الدقيق ؟ قال ان علم به اخرج منه وان لم يعلم به فلا بأس "


(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب 71 من ابواب النجاسات. (4) و (5) (6) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات. (7) البحار ج 4 ص 155. (8) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 4 من ابواب النجاسات

[ 6 ]

وروى العلامة في المختلف نقلا من كتاب عمار بن موسى الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه ولكن كره اكله لانه استجار بك واوى إلى منزلك وكل طير يستجير بك فاجره ". قال في المدارك بعد الاستدلال بحسنة عبد الله بن سنان المذكورة على نجاسة ابوال ما لا يؤكل لحمه: " وجه الدلالة ان الامر حقيقة في الوجوب واضافة الجمع تفيد العموم، ومتى ثبت وجوب الغسل في الثوب وجب في غيره إذ لا قائل بالفصل، ولا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له بل سائر الاعيان النجسة انما استفيد نجاستها من امر الشارع بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها مضافا إلى الاجماع المنقول في اكثر الموارد كما ستقف عليه في تضاعيف هذه المباحث " انتهى وهو جيد. واما قوله في الذخيرة بعد نقل هذا الكلام " وفيه تأمل " فالظاهر انه بناء على ما تكرر في كلامه من عدم دلالة الامر في الاخبار على الوجوب وقد اوضحنا ضعفه في غير مقام. ثم قال في المدارك: " اما الارواث فلم اقف فيها على نص يقتضي نجاستها من غير المأكول على وجه العموم ولعل الاجماع في موضع لم يتحقق فيه المخالف كاف في ذلك " انتهى. وهو جيد. والعجب ان المحقق في المعتبر بعد ان ادعى الاجماع المشار إليه آنفا نقل خلاف الشيخ في المبسوط في رجيع الطير كما سيأتي. وبالجملة فالمفهوم من كلام البناء على قاعدتين كليتين: الاولى - ان كل ما يؤكل لحمه فبوله وروثه طاهر، والثانية ان كل ما لا يؤكل لحمه فبوله وروثه نجس، والخلاف قد وقع في الكليتين، وها انا اذكر مواضع الخلاف فاقول: (الاول) رجيع الطير وهذا من الكلية الثانية، فذهب الصدوق إلى طهارته مطلقا حيث قال في الفقيه: " ولا بأس بخرء ما طار وبوله " وهو ظاهر في اطلاق القول بالطهارة، ونقله الاصحاب ايضا عن ابن ابي عقيل والجعفي، وهو قول الشيخ في


(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات.

[ 7 ]

المبسوط إلا انه استثنى منه الخشاف قال: بول الطيور وذرقها كله طاهر إلا الخشاف. وقال في الخلاف: ما اكل فذرقه طاهر وما لم يؤكل فذرقه نجس. وبه قال جمهور الاصحاب. ويدل على القول بالطهارة موثقة ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كل شئ يطير فلا بأس بخرئه وبوله " ونقل شيخنا المجلسي في البحار قال: وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي نقلا من جامع البزنطي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " خرء كل شئ يطير وبوله لا بأس به ". ولم اقف على خبر يدل على المشهور من التفصيل في الطير بين المأكول وغير المأكول إلا ان المحقق في المعتبر استدل على ذلك بما دل على نجاسة العذرة مما لا يؤكل لحمه واضاف إلى ذلك دعوى ترادف الخرء والعذرة، قال بعد الاشارة إلى قول الشيخ في المبسوط: لعل الشيخ استند إلى رواية ابي بصير، ثم ساقها ثم احتج لما ذهب إليه من مساواة الطير لغيره في التفصيل المذكور بان ما دل على نجاسة العذرة مما لا يؤكل يتناول موضع النزاع لان الخرء والعذرة مترادفان، ثم اجاب عن رواية ابي بصير بانها وان كانت حسنة لكن العامل بها من الاصحاب قليل. واعترضه في هذا المقام المحققان السيد في المدارك والشيخ حسن في المعالم، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: " وهو غير جيد لما بينا من انتفاء ما يدل على العموم، ولان العذرة ليست مرادفه للخرء بل الظاهر اختصاصها بفضلة الانسان كما دل عليه العرف ونص عليه اهل اللغة، قال الهروي العذرة اصلها فناء الدار وسميت عذرة الانسان بها لانها كانت تلقى في الافنية فكني عنها باسم الفناء " انتهى. اقول: فيه (اولا) انه يمكن ان يكون صاحب المعتبر اشار بما دل على نجاسة العذرة مما لا يؤكل لحمه إلى ما ورد عنهم (عليهم السلام) من النهي عن الوضوء والشرب


(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب النجاسات (2) ج 18 ص 26.

[ 8 ]

من الماء الذي دخلته الحمامة والدجاجة وفي رجلها العذرة. وامرهم (عليهم السلام) بغسل الثوب الذي وطأته الدجاجة وفي رجلها العذرة، والامر بغسل الرجل التي وطئت بها العذرة، وقد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك وامثال ذلك مما دل على نجاسة العذرة بقول مطلق فانه باطلاقه شامل لعذرة الانسان وغيره. و (ثانيا) انه ورد في الروايات اطلاق العذرة على فضلة غير الانسان صريحا كما تقدم في رواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله، وروى الشيخ بسنده الى محمد بن مضارب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس ببيع العذرة " وعن سماعة بن مهران في الموثق (2) قال: " سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر فقال اني رجل ابيع العذرة فما تقول ؟ قال حرام بيعها وثمنها، وقال لا بأس ببيع العذرة " ولا ريب ان المراد بالعذرة في الحديث الأول وآخر الثاني منهما انما هو عذرة غير الانسان لتحريم بيع عذرة الانسان اتفاقا. و (ثالثا) ان صاحب القاموس والصحاح فسرا الخرء بالعذرة وهو يؤذن بالمرادفة، ويؤيده ايضا ما صرحوا به من تفسير الخرء بالغائط الذي هو في ظاهر كلامهم مخصوص بفضلة الانسان، قال في المجمع: الخرء الغائط. ومثله في المصباح المنير قال: خرئ بالهمزة يخرأ من باب تعب إذا تغوط. مع انهم قالوا في الغائط انه مخصوص بفضلة الانسان لما ذكروه في سبب التسمية من ان اصل الغائط المكان المنخفض من الارض وكانوا إذا ارادوا قضاء الحاجة اتوا في تلك الامكنة فكني بها عن الحدث. وبذلك يظهر ان كلام المعتبر لا يخلو من قوة وان ما اورده عليه غير وارد. إلا انه يمكن ان يقال ان لفظ العذرة وان كان عاما بحسب اللغة والعرف الشرعي لكن لا يبعد ادعاء انه في الروايات حال الاطلاق وعدم القرينة مخصوص بعذرة الانسان أو انه يعمها وغيرها لكن لا على وجه يشمل خرء الطير، لما اشرنا إليه في غير موضع


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 69 من ابواب ما يكتسب به.

[ 9 ]

وصرح به جملة من المحققين من ان الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد المتكثرة المتعارفة وبما ذكرنا ايضا يسقط كلام صاحب المعالم واعتراضه كلام المحقق حيث انه حذا حذو صاحب المدارك في الايراد عليه واغرب في كلامه بما اسداه إليه، قال (قدس سره) بعد نقل كلام المعتبر: " ولي في كلامه ههنا تأمل لأن الاجماع الذي ادعاه على نجاسة البول والغائط من مطلق الحيوان غير المأكول ان كان على عمومه فهو الحجة في عدم التفرقة بين الطير وغيره. وان كان مخصوصا بما عدا الطير فاين الادلة العامة على نجاسة العذرة مما لا يؤكل ؟ والحال انا لم نقف في هذا الباب إلا على حسنة عبد الله بن سنان ولا ذكر احد من الاصحاب الذين وصل الينا كلامهم في احتجاجهم لهذا الحكم سواها، وهي - كما ترى - واردة في البول ولم يذكرها هو في بحثه للمسألة بل اقتصر على نقل الاجماع كما حكيناه عنه فلا ندري لفظ العذرة اين وقع معلقا عليه الحكم ليضطر إلى بيان مرادفة الخرء له ويجعلها دليلا على التسوية التي صار إليها ؟ ما هذا إلا عجيب من مثل المحقق " انتهى. وفيه ما عرفت من الأخبار التي قدمناها دالة على نجاسة العذرة الشاملة باطلاقها لعذرة الانسان وغيره مع ان صريح صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله اطلاق العذرة على فضلة غير الانسان، ومما يدل ايضا على اطلاق العذرة على فضلة غير الانسان رواية محمد بن مضارب المتقدمة، فانكاره وجود العذرة في الأخبار معلقا عليها الحكم لا وجه له بعدما عرفت. واحتمال حمل كلامه على منع العموم في تلك الاخبار مع بعده عن سياق كلامه مدفوع بما صرح به هو وغيره من ان ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يدل على عموم المقال، مع ان المحقق ذهب الى ان المفرد المحلي باللام في المقامات الخطابية حيث لا عهد يكون للعموم ويقوم مقام الالفاظ العامة. وهو في المعالم قد ساعد على ذلك وقال به وتبعه فيه، والحال ان ما نحن فيه كذلك حيث لا عهد فيكون للعموم، وحينئذ فلا عجب من المحقق فيما نسبه إليه انما العجب منه (قدس سره) في تشنيعه. نعم يمكن

[ 10 ]

تطرق المناقشة من الوجه الذي اشرنا إليه من حيث بعد شمول هذا العموم لخرء الطير. واستدل في المختلف للقول المشهور بحسنة عبد الله بن سنان المتقدمة وقوله (عليه السلام) فيها: " اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه " وهي كما ترى انما تضمنت حكم البول مع ان البول من الطير غير معلوم. وما ذكره بعضهم في تقريب الاستدلال بها من انها لما تضمنت حكم البول ودلت على نجاسته وجب القول بذلك في الخرء لعدم القائل بالفرق فهو وان اشتهر مثله في كلامهم من الضعف عندي بمكان لا يحتاج إلى بيان كما ستعرفه ان شاء الله تعالى في مسألة ابوال الدواب الثلاث. ثم ان القائلين بالقول المشهور اختلفوا في الجواب عن رواية ابي بصير التي اسلفنا ذكر دلالتها على خلاف القول المشهور، فأجاب عنها في المختلف بانها مخصوصة بالخشاف اجماعا فتختص بما شاركه في العلة وهو عدم كونه مأكولا. واعترضه في المدارك بان فساده واضح (اما اولا) فلمنع الاجماع على تخصيص الخشاف فانه (قدس سره) قد حكى في صدر المسألة عن ابن بابويه وابن ابي عقيل القول بالطهارة مطلقا ونقل استثناء الخشاف عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط خاصة. و (اما ثانيا) فلخروج الخشاف من هذا العموم بدليل لا يقتضي كون العلة فيه انه غير مأكول اللحم بل هذه هي العلة المستنبطة التي قد علم من مذهب الامامية انكار العمل بها والتشنيع على من اعتبرها. انتهى. وهو جيد. واجيب ايضا عن الرواية المذكورة بالحمل على المأكول خاصة جمعا بينها وبين حسنة عبد الله بن سنان المذكورة من حيث دلالتها على نجاسة ابوال ما لا يؤكل لحمه من الطير وغيره. وفيه (اولا) ان الحسنة المذكورة كما عرفت انما تضمنت حكم البول خاصة والمدعى اعم من ذلك. ونجاسة البول لا تستلزم نجاسة الذرق بوجه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في مسألة ابوال الدواب الثلاث.

[ 11 ]

و (ثانيا) انه لو فرض تضمنها لحكم الذرق لامكن الجمع بحمل الحسنة المذكورة على غير الطير وابقاء عموم " كل شئ يطير " على حاله، وترجيح احد الجمعين على الاخر يحتاج إلى دليل، بل الأظهر هو جعل التأويل في جانب الحسنة المذكورة لو فرض دلالتها وابقاء عموم تلك الكلية على حاله من حيث ترجيحه بمطابقة الاصل والتأييد بالعمومات الدالة على الطهارة مثل قولهم (عليهم السلام) (1): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " ومن جهة اظهرية " كل شئ يطير " في العموم للطير الغير المأكول اللحم من قوله: " ما لا يؤكل لحمه " وذلك مناط التخصيص. و (ثالثا) تأيد رواية ابي بصير بالرواية التي نقلناها من جامع البزنطي بنقل شيخنا المشار إليه فترجح بذلك على ما عارضها ويصير التأويل في الجانب المرجوح. وبذلك يظهر لك قوة القول بالطهارة في ذرق الطير مطلقا إلا انه يبقى التردد في بوله ان فرض له بول، والاظهر ايضا ترجيح الطهارة لما ذكرناه في الجمع بين روايتي ابي بصير والبزنطي وبين حسنة ابن سنان من جعل التأويل في جانب الحسنة المذكورة بالحمل على غير الطير للوجوه التي ذكرناها. وبالقول بالطهارة هنا صرح في المدارك واختاره في المعالم إلا انه قيده بشرط ان لا يكون الاجماع المدعى مأخوذا على جهة العموم وإلا كان هو الحجة والمخرج عن الاصل. وفيه نظر إذ لم يقم على حجية مثل هذه الاجماعات سيما في مقابة الروايات وظهور الخلاف في المسألة من جملة من اجلاء الاصحاب دليل يعتد به. إذا عرفت ذلك فاعلم ان السيد في المدارك استدل للقول بالطهارة هنا بما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) " انه سأله


(1) قد تقدم في ج 1 ص 42 التعليقة رقم (1) وص 149 التعليقة رقم (4) ما يرجع إلى المقام (2) رواه في الوسائل في الباب 27 من قواطع الصلاة.

[ 12 ]

عن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره هل يحكه وهو في صلاته ؟ قال لا بأس " قال: وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يفيد العموم. اقول: فيه (اولا) ان هذه الرواية ليست من روايات الشيخ كما يدل عليه كلامه لعدم وجودها في كتابيه وانما هي من روايات الصدوق في الفقيه رواها عن علي ابن جعفر (رضي الله عنه) وطريقه إليه في المشيخة صحيح. و (ثانيا) ان ما ذكره من تقريب الاستدلال بها من ان ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يفيد العموم ليس على وجهه هنا إذ ذاك انما يتم بالنسبة إلى الغرض المقصود من سياق الكلام، وما ذكره يتم لو كان الغرض من سوق الكلام بيان حكم الطير وخرئه وانه يجب الاجتناب عنه ام لا وقيل في الجواب عن ذلك " لا بأس " من دون تفصيل فان الظاهر حينئذ هو العموم لما قرروه، واما إذا لم يكن الغرض متعلقا بذلك كما فيما نحن فيه فلا إذ الظاهر ان الغرض من السؤال انما هو عن حك شئ من الثوب وانه هل ينافي الصلاة ام لا ؟ وذكر خرء الطير انما وقع من قبيل التمثيل في الجملة فإذا اجيب حينئذ بانه لا بأس به ولم يفصل في الطير بانه مما يؤكل لحمه ام لا لا يدل على العموم اصلا، وما قلناه ظاهر لمن تأمل وتدبر في اساليب الكلام، ويؤيده انه قال وفي الرواية المذكورة بعد ذلك: " وقال لا بأس ان يرفع الرجل طرفه إلى السماء وهو يصلي " ويؤكد ذلك ايراد الاصحاب الرواية المذكورة في مسألة ما يجوز للمصلي فعله في الصلاة وما لا يجوز حيث دلت على انه يجوز للمصلي ان يحك خرء الطير من ثوبه وهو في الصلاة. و (ثالثا) ان لفظ " غيره " في كلام السائل سواء جعل عطفا على الطير أو الخرء عام مع ان الامام (عليه السلام) لم يفصل فيه فلو كان العموم على ما ذكره ملحوظا لجرى في لفظ الغير ولزم من ترك الاستفصال فيه جواز الصلاة في النجاسة عمدا بالتقريب الذي ذكره في خرء الطير، فلو اجيب بانه لعل الاجمال هنا انما كان من حيث معلومية

[ 13 ]

الحكم فلم يفصل، قلنا ذلك في خرء الطير ايضا من غير تفاوت. ويعضد ما ذكرناه ما صرح به شيخنا البهائي في الحبل المتين حيث قال: " وقد احتج بعض الاصحاب بالحديث السابع على طهارة خرء مطلق الطير، وظني انه لا ينهض دليلا على ذلك فان نفي البأس فيه لا يتعين ان يكون عن الخرء لاحتمال ان يكون عن حكه في الصلاة عن الثوب ويكون سؤال علي بن جعفر انما هو عن ان حكه في اثناء الصلاة هل هو فعل كثير لا يجوز في الصلاة ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس عنه فيها ؟ ولفظة " غير " يجوز قراءتها بالنصب والجر وعلى التقديرين ففيها تأييد تام لهذا الاحتمال إذ لو لم يحمل عليه لم يصح اطلاقه (عليه السلام) نفي البأس عما يراه المصلي في ثوبه من خرء الطير وغيره، وايضا فاللام في الطير لا يتعين كونها للجنس لجواز كونها للعهد والمراد المأكول اللحم ومع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال " انتهى. والظاهر ان مراده ببعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) انما هو السيد المذكور فانه لم يتعرض غيره لذكر هذه الرواية في المقام. وبالجملة فالاستدلال بهذه الرواية بعيد من مثله (قدس سره) والمتناقل في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) انما هو الاستدلال برواية ابي بصير خاصة. فروع: (الاول) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في طهارة رجيع ما لا نفس له كالذباب ونحوه، وفي التذكرة انما نسب الخلاف إلى الشافعي وابي حنيفة وابي يوسف (1) ولم ينسبه إلى احد من علمائنا وهو مؤذن بعدم الخلاف فيه عندنا واستدل عليه في المنتهى باصل الطهارة، وبان التحرز عنه متعذر وفيه حرج فيكون منفيا


(1) لم نجد المسألة فيما وقفنا عليه من المصادر بهذا العنوان نعم في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 62 تعليل نجاسة الارواث كلها بان معنى النجاسة موجود فيها وهو الاستقذار في الطبائع السليمة لاستحالتها إلى نتن وخبث رائحة مع امكان التحرز عنه. وفي المحلى لابن حزم ج 1 ص 191 تعليل وجوب غسل خرء الذباب والبراغيث والنحل وبول الخفاش فيما إذا لم يكن حرج في ذلك بانه بول ورجيع

[ 14 ]

واحتج في التذكرة بان دم ما لا نفس له وميتته طاهر فرجيعه ايضا كذلك. اقول: اما الاستدلال باصالة الطهارة فجيد، واما تعذر التحرز عنه فكذلك فيما لا يمكن التحرز عنه، واما ما ذكره في التذكرة فهو قياس محض لا يجري في مذهبنا وقال المحقق في المعتبر: " واما رجيع ما لا نفس له كالذباب والخنافس ففيه تردد اشبهه انه طاهر لان ميتته ودمه ولعابه طاهر فصارت فضلاته كعصارة النبات " وظاهر كلامه يؤذن باحتمال تناول الادلة على نجاسة فضلة الحيوان غير المأكول له، ولهذا قال في المدارك بعد ذكر عبارة الشرائع المشتملة على التردد ايضا: " ربما كان منشأ التردد في البول عموم الامر بغسله من غير المأكول وان ما لا نفس له طاهر الميتة والدم فصارت فضلاته كعصارة النبات ". اقول: والظاهر عندي ضعف هذا التردد فان المتبادر من مأكول اللحم وغير مأكول اللحم في اخبار المسألة بل مطلقا انما هو ذو النفس السائلة فلا يدخل مثل الذباب والخنافس والنمل ونحوها. واما تعليله الطهارة بما ذكره ففيه ما عرفت مما اوردناه على كلام التذكرة. والعجب من جمود صاحب المدارك عليه وتعليله الطهارة بذلك. وبالجملة فاصالة الطهارة اقوى متمسك في المقام حتى يقوم ما يوجب الخروج عنها، والاستناد الى عموم الأمر بغسله من غير المأكول مدفوع بما عرفت. (الثاني) قد عرفت ان المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو نجاسة رجيع الطير الغير المأكول اللحم ومنه الخشاف، والشيخ مع قوله بطهارة رجيع الطير مطلقا في المبسوط استثنى الخشاف من ذلك، ويأتي على قول من ذهب الى الطهارة مطلقا طهارته. والذي يدل على المشهور رواية داود الرقي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فاطلبه فلا اجده ؟ قال اغسل ثوبك " وهذه الرواية هي مستند الشيخ في استثناء الخشاف في المبسوط.


(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب النجاسات.

[ 15 ]

قال في المدارك بعد نقله عن الشيخ انه احتج بهذه الرواية: " والجواب انها مع ضعف سندها معارضة بما رواه غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " وهذه الرواية اوضح سندا واظهر دلالة من الرواية السابقة، واجاب عنها في التهذيب بالشذوذ والحمل على التقية، وهو مشكل " انتهى. اقول: انت خبير بما فيه فاني لا اعرف لهذه الا وضحية سندا ولا الاظهرية دلالة وجها بل الروايتان متساويتان سندا ومتنا كما لا يخفى، ويمكن ترجيح الرواية الثانية بما رواه شيخنا المجلسي في البحار (2) عن الراوندي في كتاب النوادر انه روى بسنده فيه عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: " سئل علي بن ابي طالب (عليه السلام) عن الصلاة في الثوب الذي فيه ابوال الخفافيش ودماء البراغيث فقال لا بأس " وحينئذ فيمكن القول بالطهارة للروايتين المذكورتين، ويؤيدهما عموم موثقة ابي بصير مع رواية البزنطي المتقدمتين لدلالتهما على ان كل شئ يطير فلا بأس بخرئه وبوله، وقد عرفت طريق الجمع بينهما وبين حسنة ابن سنان بحملها على غير الطير. بقي الكلام فيما تحمل عليه رواية داود المذكورة، وجمع من الاصحاب حملوها على الاستحباب، ولا يحضرني الان مذهب العامة (3) إلا ان الشيخ كما عرفت حمل رواية غياث على التقية فان ثبت كونهم كلا أو بعضا اكثريا على ذلك وجب طرح هاتين


(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب النجاسات (2) ج 18 ص 26 (3) في بدائع الصنائع للكاشاني الحنفي ج 1 ص 62 " بول الخشاف وخرؤه ليس بنجس " وفي الفروع لابن مفلح الحنبلي " لا يعفى عن يسير بول الخفاش " وفي المحلى لابن حزم ج 1 ص 191 فصل في خرء الذباب والبراغيث والنحل وبول الخفاش بين ما إذا كان في التحفظ منه وفي غسله حرج فلم يوجب غسله وما إذا لم يكن فيه حرج فاوجبه لانه بول ورجيع.

[ 16 ]

الروايتين للتقية وتخصيص موثقة ابي بصير مع الرواية الثانية برواية داود فيستثنى الخشاف من عموم الطير كما ذهب إليه الشيخ. إلا ان ما ذكره من الحمل على التقية غير معلوم عندي وبه يظهر ان الاظهر هو الطهارة، والاحتياط بالعمل بالمشهور مما لا ينبغي اهماله. ومورد الاخبار المذكورة وان كان هو البول مع عدم معلوميته يقينا من الخشاف ولا غيره من الطيور إلا ان الذرق يكون حكمه ايضا كذلك بل هو اولى بالقول بالطهارة لدخوله تحت عموم موثقة ابي بصير مع الرواية الاخرى وعدم المعارض سوى الاجماع المدعى في المسألة. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المعالم حيث قال بعد ذكر رواية داود ورميها بالضعف ثم رواية غياث وردها بذلك ما صورته: " فان تحقق للخشاف بول وعملنا بالحديث الحسن تعين اطراح هذا لدلالة حسنة عبد الله بن سنان على نجاسة البول من كل حيوان غير مأكول اللحم فتتناول بعمومها الخشاف وتقصر هذه عن تخصيصها وكذا ان ثبت عموم محل الاجماع، وإلا فالاصل يساعد على العمل بهذه وان ضعفت ويكون ذكر البول فيها محمولا على التجوز " انتهى. اقول: الاشارة بهذه في كلامه راجع الى رواية غياث وهي الاخيرة من الروايتين وفيه انه على تقدير ثبوت البول للخشاف فان المنافاة لا تختص برواية غياث حتى انها تقصر عن تخصيص الحسنة المذكورة بل موثقة ابي بصير المذكورة في كلامه سابقا وهو ان عمل بالحسنة فالموثقة ايضا مثلها في قوة العمل، وبالجملة فانه لابد له من الجمع بين الحسنة المذكورة والموثقة المشار إليها لتصادمهما في البول، ووجه الجمع هو ما قدمناه من حمل الحسنة المذكورة على غير الطيور وابقاء الموثقة على عمومها، وحينئذ فيبقى التعارض بين رواية غياث ورواية داود مع تأيد رواية غياث بعموم موثقة ابي بصير والرواية التي معها وخصوص رواية الراوندي فيترجح العمل بها، واما على تقدير عدم ثبوت البول والحمل على الرجيع تجوزا فالامر كما ذكره لما عرفت آنفا.

[ 17 ]

(الثالث) لا فرق في غير المأكول الذي تقدم الكلام في خرئه وبوله بين ان يكون تحريمه اصالة كالسباع والانسان ونحوهما وبين ان يكون لعارض كالجلال ما لم يستبرأ وموطوء الانسان وشارب لبن الخنزير حتى يشتد عليه لحمه وعظمه، ويظهر من العلامة في التذكرة انه اجماعي، قال فيها: رجيع الجلال من كل الحيوان وموطوء الانسان نجس لانه حينئذ غير مأكول اللحم ولا خلاف فيه. وفي المختلف ادعى الاجماع على نجاسة ذرق الدجاج الجلال، والاصل في ذلك اطلاق الأخبار المتقدمة. (الموضع الثاني) بول الرضيع وهذا من الكلية الثانية ايضا، والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في نجاسة بول الانسان بين الصغير منه والكبير وعن المرتضى دعوى الاجماع عليه، وفي المختلف عن ابن الجنيد انه قال: بول البالغ وغير البالغ من الناس نجس إلا ان يكون غير البالغ صبيا ذكرا فان بوله ولبنه ما لم يأكل اللحم ليس بنجس. ويدل على القول المشهور مضافا إلى عموم الروايات المتقدمة في صدر الباب خصوص صحيحة الحلبي (1) أو حسنته قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بول الصبي ؟ قال تصب عليه الماء فان كان قد اكل فاغسله غسلا... " واحتج في المختلف لابن الجنيد بما رواه السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي (عليه السلام) (2) انه قال لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم لان لبنها يخرج من مثانة امها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " وقد اجيب عن الرواية المذكورة (اولا) بالطعن في السند. و (ثانيا) بالقول بموجبها فان انتفاء الغسل لا ينافي الحكم بالصب ونحن انما نقول بالثاني لا الاول. وفيه نظر سيظهر ان شاء الله تعالى. اقول: وهذه الرواية قد نقلها مولانا الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب النجاسات.

[ 18 ]

بعد ان افتى فيه بمضمون صحيحة الحلبي حيث قال (عليه السلام) (1): " وان اصابك بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرة ومن ماء راكد مرتين ثم اعصره، وان كان بول الغلام الرضيع فصب عليه الماء صبا وان كان قد اكل الطعام فاغسله، والغلام والجارية سواء، وقد روي عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال لبن الجارية يغسل منه الثوب قبل ان تطعم وبولها لان لبن الجارية يخرج من مثانة امها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من المنكبين والعضدين " انتهى. وبهذه العبارة من اولها إلى آخرها عبر الصدوق في الفقيه بتغيير ما. وانت خبير بان كلامه في الكتاب المذكور وفتواه بما ذكره اولا ظاهر في خلاف الرواية المذكورة ولم يتعرض (عليه السلام) لبيان الوجه فيها، ولعل الوجه فيه هو كون هذه الرواية من مرويات العامة عنه (عليه السلام) فاقتصر على نقلها وعدم ردها تقية وايهاما لجواز القول بها فانه (عليه السلام) كثيرا ما يروى في هذا الكتاب امثال ذلك كما نبه عليه ايضا شيخنا المولى محمد تقي المجلسي، وقد تقدم ذكر ذلك في الكتاب، والظاهر من الرواية المذكورة هو طهارة البول مثل اللبن لان ظاهر الجمع بينهما في عدم الغسل ذلك، إذ الحكم بعدم الغسل انما تعلق اولا باللبن الذي لا خلاف في طهارته عندهم ثم عطف البول عليه فهو يقتضي كونه كذلك، وتأويلهم الرواية بان انتفاء الغسل لا يستلزم نفي الصب انما يتم لو لم يذكر في هذه العبارة سوى البول ونفي الغسل انما وقع في الرواية عن اللبن والبول انما عطف عليه بعد ذلك، والقول بالتأويل المذكور لا يصح إلا بادخال اللبن في هذا الحكم وهم لا يقولون به، وبالجملة فان التأويل المذكور لا يقبله سياق الخبر. ثم انه مما يدل بظاهره على ما دل عليه الخبر المشار إليه ما رواه شيخنا المجلسي في البحار (2) عن كتاب النوادر للقطب الراوندي باسناده فيه عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال علي (عليه السلام) بال الحسن والحسين على ثوب


(1) ص 6 (2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 2 من ابواب النجاسات.

[ 19 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل ان يطعما فلم يغسل بولهما من ثوبه " والتأويل بكونه لم يغسله وان صب عليه الماء وان احتمل لكن الظاهر بعده عن السياق، ولو كان كذلك لكان الظاهر ان يقول (عليه السلام) " بل صب عليه الماء " أو نحو ذلك، إلا انه قد روى في البحار ايضا (1) عن كتاب الملهوف على قتلى الطفوف للسيد رضي الدين بن طاووس بسنده عن ام الفضل زوجة العباس " انها جاءت بالحسين (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبال على ثوبه فقرضته فبكى فقال مهلا يا ام الفضل فهذا ثوبي يغسل وقد اوجعت ابني " والظاهر ان المراد بالغسل الصب. وكيف كان فالعمل على ادلة القول المشهور لارجحيتها بوضوح الصحة فيها والظهور مع اعتضادها بعمل الطائفة قديما وحديثا وارجاع ما عارضها إلى قائله حسبما ورد به الأمر عنهم (عليهم السلام). (الموضع الثالث) خرء الدجاج غير الجلال وهذا من الكلية الأولى، فالمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) طهارته وعن الشيخين القول بنجاسته وظاهر الشيخ في التهذيب والاستبصار الموافقة على الطهارة فينحصر الخلاف في الشيخ المفيد والمعتمد القول بالطهارة للاصل وقوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدمة في صدر الباب (2) " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " وقول الصادق (عليه السلام) في موثقة زرارة الواردة في الصلاة في الجلود والاوبار (3) " ان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه والبانه وكل شئ منه جائزة... الحديث " وخصوص رواية وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) " انه قال لا بأس بخرء الدجاج والحمام يصيب الثوب ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب النجاسات (2) ص 5 (3) المروي في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات. (4) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب النجاسات.

[ 20 ]

ويدل على قول الشيخين ما رواه الشيخ في التهذيب عن فارس (1) قال: " كتب إليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج تجوز الصلاة فيه ؟ فكتب لا " وردها الاصحاب بالطعن في الراوي فانه مذموم جدا فان فارسا المذكور هو ابن حاتم القزويني كما يظهر من كتب الرجال، قال الشيخ فيه انه غال ملعون، وقال العلامة في الخلاصة انه فسد مذهبه وقتله بعض اصحاب ابي محمد العسكري (عليه السلام) وله كتب كلها تخليط ونقل عن الفضل بن شاذان انه ذكر ان من الكذابين المشهورين الفاجر فارس بن حاتم القزويني. وحينئذ فيجب اسقاط روايته، ومن العجب هنا ان العلامة في المختلف عد روايته في الحسن والحال فيه ما عرفت، هذا مع ان المكاتب فيها ايضا غير معلوم. واصحابنا (رضوان الله عليهم) لم يوردوا دليلا للقول المشهور سوى رواية وهب بن وهب وردوها بضعف السند ايضا مع ان الموثقتين المذكورتين ظاهرتا الدلالة وان كان بطريق العموم على المدعى، قال المحقق في المعتبر بعد الطعن في الروايتين المذكورتين: " وبتقدير سقوط الروايتين يكون المرجع إلى الأصل وهو الطهارة ما لم يكن جلالا، ولو قيل الدجاج لا يتوقى النجاسة فرجيعه مستحيل عنه فيكون نجسا، قلنا: بتقدير ان يكون ذلك محضا يكون التنجيس ثابتا اما إذا كان يمزج علفه فانه يستحيل اما عنهما أو عن احدهما فلا تتحقق الاستحالة عن النجاسة إذ لو حكم بغلبة النجاسة لسرى التحريم إلى لحمها، ولما حصل الاجماع على حلها مع الارسال بطل الحكم بغلبة النجاسة على رجيعها " انتهى. اقول: ما ذكره هنا من انه متى كان رجيعه مستحيلا عن عين النجاسة فانه نجس احد القولين في المسألة وهو مذهبه في كتاب الأطعمة من الشرائع على تردد فيه، مع انه قد صرح هنا في نجاسة الدم بان الدم يطهر باستحالته قيحا ولبنا ولحما، والمشهور هو الطهارة كما سيأتي تحقيقه في الباب ان شاء الله تعالى. (الموضع الرابع) في ابوال الدواب الثلاث الخيل والبغال والحمير وارواثها


(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب النجاسات.

[ 21 ]

فالمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) القول بالطهارة على كراهية، ونقل عن ابن الجنيد والشيخ في النهاية القول بالنجاسة فيهما، قال الشيخ في المبسوط: ما يكره لحمه يكره بوله وروثه مثل البغال والحمير والدواب وان كان بعضه اشد كراهة من بعض، وفي اصحابنا من قال بول البغال والحمير والدواب وارواثها نجس يجب ازالة قليله وكثيره. والمستفاد من الأخبار الصحيحة الصريحة - كما ستمر بك ان شاء الله تعالى - هو القول الثاني لكن بالنسبة إلى الابوال دون الارواث. ولا يخفى على من راجع كتب الاصحاب كالمعتبر والمنتهى ونحوهما من الكتب المبسوطة في الاستدلال ما وقع لهم في هذه المسألة من المجازفة وعدم اعطاء المسألة حقها من التحقيق كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، وظاهر صاحب المدارك هنا التوقف مع اعترافه بصحة الروايات الدالة على النجاسة وصراحتها وعدم صلاحية المعارض للمعارضة رعاية لشهرة القول بالطهارة بين الاصحاب مع انه في شرحه في غير موضع انما يدور مدار الروايات الصحيحة وان استلزم مخالفة الاصحاب كما لا يخفى على من له انس بطريقته في ذلك الكتاب. هذا وممن اختار ما اخترناه المحقق الاردبيلي كما ذكره في المدارك وكنى عنه بشيخنا المعاصر وبه صرح ايضا الفاضل المحقق الشيخ جواد الكاظمي في شرحه على الدروس وشيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني. وها انا اذكر ادلة القول المختار عندي ثم اعطف الكلام على نقل ادلة القول المشهور وابين ما فيها من الوهن والقصور فاقول وبالله سبحانه الاستعانة لبلوغ المأمول: من الأخبار الدالة على النجاسة ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يمسه بعض ابوال البهائم أيغسله ام لا ؟ قال يغسل بول الحمار والفرس والبغل فاما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " وفي الصحيح عن الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ابوال الخيل والبغال ؟ قال اغسل ما اصابك منه " وفي الحسن عن محمد بن مسلم


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات.

[ 22 ]

عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن ابوال الدواب والبغال والحمير ؟ فقال اغسله فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله فان شككت فانضحه " وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس بروث الحمير واغسل ابوالها " ورواية عبد الأعلى بن اعين (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ابوال الجمير والبغال ؟ قال اغسل ثوبك. قال قلت فارواثها ؟ قال هو اكبر من ذلك " ورواية ابي مريم (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في ابوال الدواب وارواثها ؟ قال ابوالها فاغسل ما اصابك واما ارواثها فهي اكثر من ذلك " وموثقة سماعة (5) قال: " سألته عن بول السنور والكلب والحمار والفرس. قال كابوال الانسان " ورواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه بعض ابوال البهائم أيغسله ام لا ؟ قال: يغسل بول الفرس والبغل والحمار وينضح بول البعير والشاة، وكل شئ يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " وصحيحة علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد عن اخيه موسى (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن الدابة تبول فيصيب بولها المسجد أو حائطه أيصلي فيه قبل ان يغسل ؟ قال إذا جف فلا بأس " وصحيحته الاخرى عنه (عليه السلام) (8) قال: " سألته عن الثوب يوضع في مربط الدابة على بولها أو روثها ؟ قال ان علق به شئ فليغسله وان اصابه شئ من الروث أو الصفرة التي تكون معه فلا يغسله من صفرته " وروايته الثالثة في كتابه (9) قال: " سألته عن الثوب يقع في مربط الدابة على بولها وروثها كيف يصنع ؟ قال ان علق به شئ فليغسله وان كان جافا فلا بأس " وما رواه الشيخ


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب النجاسات (2) و (3) و (4) و (6) و (7) و (8) و (9) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات (5) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب النجاسات.

[ 23 ]

عن ابي بصير عنه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الماء النقيع تبول فيه الدواب ؟ فقال ان تغير الماء فلا تتوضأ منه وان لم تغيره ابوالها فتوضأ منه، وكذلك الدم إذا سال في الماء واشباهه " وصحيحة محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب ؟ قال إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " وصحيحته الاخرى عنه (عليه السلام) (3) قال: " قلت له الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب... الحديث المتقدم " وزاد في آخره: " والسكر ستمائة رطل " ورواية ابي بصير (4) قال: " سألته عن كر من ماء مررت به وانا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو انسان، قال لا تتوضأ منه ولا تشرب ". هذا ما حضرني من الروايات الدالة على المدعى، والاصحاب لم يذكروا دليلا للقول بالنجاسة إلا رواية واحدة كما في المعتبر حيث اقتصر على حسنة محمد بن مسلم ثم اولها بالحمل على الاستحباب، وفي المدارك اقتصر على الثلاث الاول، وفيه ما اشرنا إليه آنفا، وربما زاد بعضهم كصاحب المعالم والفاضل الخراساني في الذخيرة، واما روايات المياه فانه لم يلم بها احد بالكلية في هذا المقام مع انهم يستدلون بها على نجاسة القليل بالملاقاة والكثير بالتغيير في باب المياه ويذهلون عن حكمهم هنا بالطهارة. واما ادلة القول المشهور فها انا اذكرها واحدا واحدا مذيلا كلا منها بالجواب الكاشف عن حقيقة الحق والصواب. فاقول: الاول الأصل استدل به في المعالم حيث قال: " ويدل على الطهارة وجوه: احدها الأصل فان ايجاب ازالتها تكليف والأصل يقتضي براءة الذمة منه " انتهى. والجواب عن الأصل يجب الخروج عنه بالدليل وقد قدمنا من الادلة الصحيحة الصريحة في النجاسة ما يشفي العليل ويبرد الغليل، وسيظهر لك ضعف ما عارضها ان شاء


(1) و (4) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب الماء المطلق (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 9 من الماء المطلق.

[ 24 ]

الله تعالى وبطلان ما ناقضها وبه يضمحل هذا الاصل من البين. الثاني رواية ابي الاغر النخاس (1) " سأل ابا عبد الله (عليه السلام) فقال اني اعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فتضرب احداها بيدها أو برجلها فينضح على ثوبي ؟ فقال لا بأس به " ورواية المعلى بن خنيس وعبد الله بن ابي يعفور (2) قالا: " كنا في جنازة وقدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا فدخلنا على ابي عبد الله (عليه السلام) فاخبرناه فقال ليس عليكم بأس " وقد جمعوا بين هذين الخبرين وما يوردونه من اخبار النجاسة بحمل الأمر بالغسل على الاستحباب، واستندوا في ذلك تبعا للشيخ إلى رواية زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (3) " في ابوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت أليس لحومها حلالا ؟ قال بلى ولكن ليس مما جعله الله للاكل " قال الشيخ في التهذيب والاستبصار بعد نقل جملة من الأخبار الدالة على النجاسة: هذه الأخبار كلها محمولة على ضرب من الكراهة والذي يدل على ذلك ما اوردناه من ان ما يؤكل لحمه لا بأس ببوله وروثه، وإذا كانت هذه الاشياء غير محرمة اللحوم لم يكن ابوالها وارواثها محرما. قال ويدل على ذلك ايضا ما رواه احمد بن محمد، ثم ساق رواية زرارة المذكورة، ثم قال: فجاء هذا الخبر مفسرا لهذه الاخبار ومصرحا بكراهية ما تضمنته ويجوز ان يكون الوجه في هذه الاحاديث ايضا التقية لانها موافقة لمذهب بعض العامة. انتهى. والجواب عن ذلك (اولا) بما ذكرناه في غير موضع مما تقدم من انه لا دليل على هذه القاعدة التي عكفوا عليها ولا مستند لها وان استندوا في غير باب إليها ؟ فان حمل هذه الاوامر الواردة في الأخبار التي هي حقيقة في الوجوب على الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، وايضا فالاستحباب حكم شرعي كالوجوب والتحريم يحتاج إلى دليل واضح.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات.

[ 25 ]

و (ثانيا) انه من القواعد المقررة عندهم انهم لا يجمعون بين الأخبار مع تعارضها إلا مع التكافؤ في الصحة وإلا فتراهم يطرحون المرجوح ويرمون بالخبر الضعيف في مقابلة الصحيح، فكيف خرجوا عن هذه القاعدة في هذا المقام ؟ ولهذا ان السيد السند في المدارك بعد نقل روايتي القول المشهور المذكورتين ثم نقل الروايات الثلاث التي صدرنا بها الأخبار المتقدمة نقل عن الاصحاب حمل هذه الروايات على الاستحباب واعترضهم بان ذلك مشكل لانتفاء ما يصلح للمعارضة، وكأنه لذلك تفطن جده (قدس سره) حيث انه لم يستدل بهذين الخبرين وانما استدل بالادلة الاتية دون هذين الخبرين، و (ثالثا) ان قوله في التهذيب بعد دعواه حمل اخبار النجاسة على ضرب من الكراهة: " والذي يدل على ذلك... الخ " مردود بان ما اورده من ان ما يؤكل لحمه لا بأس ببوله عام وهذه الأخبار خاصة وطريق الجمع المعروف في امثال هذا المقام حمل العام على الخاص لا ما ذكره. و (رابعا) انه من القواعد المقررة في اخبار اهل البيت (عليهم السلام) في مقام تعارض الأخبار الأخذ بالاعدل والاوثق وكذا الاخذ بالاشهر يعني في الرواية لا في الفتوى كما نبه عليه جملة من المحققين، ولا ريب انه بمقتضى هاتين القاعدتين يجب ترجيح اخبار النجاسة كما لا يخفى على الخبير المنصف. واما ما ذكره الشيخ (قدس سره) من حمل اخبار النجاسة على التقية لموافقتها لقول بعض العامة ففيه ان الحمل على التقية فرع المرجوحية وللخصم ان يحمل خبريه على التقية ايضا بل هو الظاهر لمرجوحيتهما الموجبة لطرحهما فيحملان على التقية لقول جملة من العامة بالطهارة تفاديا من طرحهما. ولا يخفى على المنصف الخبير انه من البعيد بل الابعد ارتكاب التأويل في هذه الاخبار في مقابلة ذينك الخبرين الضعيفين مع ما عرفت من كثرتها وتعددها وورودها في مقامات متعددة واحكام متفرقة مع صحة اسانيد كثير منها وقوة الباقي وصراحتها

[ 26 ]

ولا سيما موثقة سماعة الدالة على انها كابوال الانسان، ويقرب منها حسنة محمد بن مسلم الدالة على الأمر بغسله اولا ومع جهل موضعه غسل الثوب كله ومع الشك بنضحه، فهل يبلغ الأمر في الاستحباب المؤذن بالطهارة إلى هذه المرتبة ؟ بل نظير ذلك انما جاء في النجاسة المحققة المعلومة كما في حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه فان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء وان استيقن انه قد اصابه ولم ير مكانه فليغسل ثوبه كله فانه احسن ". ومن العجيب ما ذكره في المعالم هنا حيث انه ايد حمل الأمر في حسنة محمد بن مسلم على الاستحباب بالأمر بالنضح فيها حيث انه للاستحباب، قال بعد نقل كلام الشيخ الذي قدمناه: " وحاصله ان الأخبار متعارضة في هذا الباب وحمل روايات النجاسة على استحباب الازالة طريق الجمع سيما بقرينة الرواية التي رواها اخيرا وامره في حسنة محمد بن مسلم بالنضح مع الشك وهو للاستحباب باعتراف الخصم، مع انه وقع في الحديث مجردا عن القرينة الدالة على ذلك فلا بعد في كون الأوامر الواقعة في صحبته مثله، بل المستبعد من الحكيم سوق الكلام على نمط يعطي الاتفاق في الحكم والحال على الاختلاف " انتهى. اقول: انت خبير بما فيه من التمحل الظاهر والتكلف الذي لا يخفى على الخبير الماهر، فان القرينة على الاستحباب في النضح ظاهرة وهو يقين الطهارة وان الأصل ذلك كما هو القاعدة المسلمة التي لا يجوز الخروج عنها إلا مع يقين النجاسة، وانما امر بالنضح لدفع توهم الوسوسة كما في جملة من موارد النضح مع يقين الطهارة، ولو تم ما ذكره للزم مثله في حسنة الحلبي التي ذكرناها وهو لا يقول به، وما ذكره من انه يستبعد من الحكيم.. الخ مسلم لو لم تكن هنا قرينة والقرينة ظاهرة كما عرفت، واما قوله


(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب النجاسات.

[ 27 ]

في تأييد الحمل على الاستحباب وانه طريق الجمع: " لا سيما بقرينة الرواية التي رواها اخيرا " مشيرا إلى رواية زرارة فستعرف ما فيه ان شاء الله تعالى. (الثالث) ان لحومها حلال وان كان مكروها وكل ما كان كذلك فبوله وروثه طاهر، اما الصغرى فاتفاقية نصا وفتوى، واما الكبرى فلما رواه زرارة في الحسن (1) " انهما قالا لا تغسل ثوبك من بول شئ يؤكل لحمه " وما رواه عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " كل ما اكل فلا بأس بما يخرج منه ". والجواب ان المستفاد من الاخبار على وجه لا يعتريه بعد التأمل الانكار ان المراد بمأكول اللحم في هذا المقام انما هو بمعنى ما كان مخلوقا للاكل لا ما كان حلالا كما توهموه وصار منشأ الشبهة لهم في هذه المسألة، فان هذه الدواب الثلاث انما خلقت لاجل الركوب والزينة كما دلت عليه الاية الشريفة " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " (3) ومن اوضح الادلة واصرحها فيما قلناه ما رواه العياشي في تفسيره عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (4) " انه سأله عن ابوال الخيل والبغال والحمير ؟ قال فكرهها فقال أليس لحمها حلالا ؟ فقال أليس قد بين الله تعالى لكم: والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون (5) وقال: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة. فجعل للاكل الانعام التي نص الله تعالى في الكتاب وجعل للركوب الخيل والبغال والحمير ليس لحومها بحرام ولكن الناس عافوها " ومن هذه الرواية يتضح معنى الرواية التي تمسك بها الشيخ (قدس سره) واتباعه فقال في كلامه المتقدم: " فجاء هذا الخبر مفسرا لهذه الاخبار " والمراد بالكراهة في الروايتين انما هو النجاسة، وبيانه انه لما سأله عن ابوال هذه الدواب فكرهها يعني نجسها وحكم بنجاستها استبعد زرارة ذلك لما تقرر عنده من انها مأكولة اللحم وان كل ما كان مأكول اللحم فبوله وروثه طاهر فراجع في الجواب فقال:


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 90 من ابواب النجاسات (3) سورة النحل، الاية 8 (4) البحار ج 18 ص 26 (5) سورة النحل. الاية 5.

[ 28 ]

أليس لحومها حلالا وكل ما كان كذلك فبوله وروثه طاهر ؟ فقال له بلى ولكن ليس المراد بمأكول اللحم الذي حكم الشارع بطهارة ما يخرج منه ما كان حلالا بل انما هو ما خلق لاجل الاكل وهذه الدواب الثلاث انما خلقت لشئ آخر كما اوضحه (عليه السلام) في رواية العياشي. ومن هذا القبيل ايضا ما في صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري من قوله (عليه السلام): (1) " يغسل بول الحمار والفرس والبغل واما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " فانه لا مجال لحمل ما يؤكل لحمه في الرواية على ما يحل اكله بقوله مطلق وإلا لزم منه عدم جواز اكل لحوم تلك الدواب الثلاث لانها وقعت في مقابلة ما يؤكل لحمه بل لابد من حمله على ما خلق للاكل، ومثلها روايته الاخرى (2) حيث قال فيها: " يغسل بول الحمار والفرس والبغل وينضح بول البعير والشاة وكل شئ يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " اما بعطف " كل شئ " على " الشاة " ويجعل قوله: " فلا بأس به " مستأنفا وفيه تعليل لذلك، ويصير حاصل المعنى حينئذ انه ينضح بول البعير والشاة وبول كل شئ يؤكل لحمه اي ما خلق لاجل الأكل كهذه المعدودات ولا يجب غسله فانه لا بأس به، واما بجعل قوله: " وكل شئ " مبتدأ وخبره " لا بأس به " والجملة في مقام التعليل، وحاصله انه ينضح بول هذا الحيوانات ولا يجب غسله فان كل شئ يؤكل لحمه فانه لا بأس ببوله، وكيف كان فانه لا يصح حمل قوله: " يؤكل لحمه " على ما يحل اكل لحمه بحيث يدخل فيه تلك الدواب الثلاث، والامر بالنضح قد ورد في امثال ذلك في كثير من الاخبار مثل المذي وعرق الجنب وملاقاة الكلب الثوب يابسا وامثال ذلك مما هو معلوم الطهارة يقينا. (الرابع) الاجماع المركب وهو ان كل من قال بنجاسة الابوال قال بنجاسة الارواث ومن قال بطهارة الابوال قال بطهارة الارواث فالقول بالنجاسة في الابوال مع طهارة الارواث خرق للاجماع المركب. وهذا الدليل وان لم يصرحوا به في كلامهم ويعدوه دليلا


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات.

[ 29 ]

برأسه إلا انه مستنبط منه حيث انهم عمدوا إلى جملة من روايات المسألة المشتملة على الامر بغسل البول وطهارة الروث فجعلوها من ادلة القول بالطهارة بتقريب حمل الامر بغسل البول على الاستحباب لما اشتملت عليه الرواية من طهارة الروث، حيث انه لا قائل بذلك إذ الخلاف في المسألة منحصر في القولين المتقدمين، فالقول بما دل عليه ظاهر هذه الاخبار خرق للاجماع المركب فلا يجوز القول به. قال المحقق الشيخ حسن بعد الاستدلال للقول بالطهارة بالروايتين المتقدمتين (1) وما رواه الشيخ باسناده الصحيح عن احمد بن محمد ثم ساق صحيحة الحلبي المتقدمة (2) وهي الثانية من روايتيه المشتملة على الامر بغسل الابوال ونفي البأس عن الارواث، ثم قال: وجه الدلالة في هذا الحديث نفي البأس عن الروث فيكون الامر بغسل البول للاستحباب إذ لا قائل بالفصل فيما يظهر، ثم عطف عليها رواية ابي مريم ورواية عبد الاعلى، وجرى على ذلك ايضا الفاضل الخراساني في الذخيرة. والجواب انه لا يخفى ما في هذا الاستدلال من المجازفة في احكام الملك المتعال والبناء على اساس ظاهر الاضمحلال: (اما اولا) فلما حققه غير واحد من محققيهم في بطلان هذا الاجماع الشائع في كلامهم ومن المصر حين هذان القائلان، اما الشيخ حسن فقد قدمنا عبارته المنقولة من المعالم في المقام الثاني من المقدمة الثالثة من مقدمات الكتاب فارجع إليه ليظهر لك صحة ما اوردناه عليه هنا، واما الفاضل الخراساني فانه قد تكلم في الاجماع واطال في مسألة الوطء في الدبر وكونه موجبا للغسل ام لا من الذخيرة وقدح في ثبوته الى ان قال في آخر كلامه: " والغرض التنبيه على حقيقة الحال ومع هذا فلا انكر حصول الظن به في بعض الأخبار ولكن في حجيته على الاطلاق نظر فهو من القرائن التي توجب التقوية والتأكيد ولا يصلح لتأسيس الاحكام الشرعية " انتهى. وحيئنذ


(1) ص 24 (2) ص 22.

[ 30 ]

فكيف يخالف نفسه هنا ويبني عليه الأحكام باي تعسف وتكلف في المقام لا يخفى بعد ما حققناه على ذوي الألباب والافهام، وبالجملة فان مناقضة بعضهم بعضا بل الواحد نفسه في هذه الاجماعات ولا سيما الشيخ والمرتضى اللذين هما الاصل في الاجماع قد كفانا مؤنة القدح فيه، وقد كان عندي رسالة لشيخنا الشهيد الثاني قد تصدى فيها لنقل جملة من المسائل التي ناقض الشيخ بها نفسه بدعواه الاجماع على الحكم في موضع ثم يدعيه على خلافه في موضع آخر وفيها ما ينيف سبعين مسألة. والحق ان هذه الاجماعات المتناقلة لا تخرج عن مجرد الشهرة كما حققه شيخنا الشهيد في صدر الذكرى واليه اشار المحقق الشيخ حسن في كلامه المتقدم الذي اشرنا إليه. و (اما ثانيا) فانه اي مانع عقلي أو شرعي يمنع من الفتوى في المسألة إذا قام الدليل على ذلك وان لم يقل به قائل من السابقين ؟ واشتراط القول بوجود قائل من المتقدمين وان قال به شذوذ منا إلا ان المحققين على خلافه، كيف ولو اشترط ذلك لم تتسع دائرة الخلاف في المسائل والاحكام ولا انتشر فيها النزاع والخصام إلى ما عليه الان من الاختلاف حتى انك لا تجد حكما من الاحكام إلا وقد تعددت فيه اقوالهم إلى ثلاثة أو اربعة أو خمسة فزائدا وهي تتجدد بتجدد العلماء لانحصار الفتوى في الشيخ في زمنه، وقد نقل بعض الاصحاب انحصار الفتوى فيه (قدس سره) وانه لم يبق بعده إلا ناقل أو حاك حتى انتهت النوبة إلى ابن ادريس ففتح باب الطعن على الشيخ والمخالفة له في كثير من المسائل ثم اتسع الباب شيئا فشيئا وانتشر الخلاف إلى ما ترى، على انه قد صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك - وهو القدوة لكل داخل في هذا الباب وسالك - بانه متى قام الدليل للفقيه على حكم في مسألة من المسائل جاز له الافتاء فيها بما قام الدليل عليه عنده وان ادعى فيه الاجماع قبله فضلا عن انه لم يقل بها قائل من المتقدمين، قال (قدس سره) في الكتاب المشار إليه في مسألة ما لو اوصى له بابيه بعد الطعن في الاجماع ونعم ما قال ما هذه صورته: " وبهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره

[ 31 ]

من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا فيها الاجماع إذا قام الدليل على ما يقتضي خلافهم وقد اتفق ذلك لهم كثيرا، ولكن زلة المتقدم متسامحة بين الناس دون المتأخر " انتهى. وهو جيد وجيه، فإذا كان الامر كذلك فكيف استجاز هذان الفاضلان المنع من القول بما دلت عليه هذه الاخبار من نجاسة البول وطهارة الروث لانه لم يقل به احد ممن تقدم، ويا لله والعجب الظاهر للموفق المصيب ومن اخذ من الانصاف بادنى نصيب ان الائمة (عليهم السلام) يفرقون بين البول والروث فيصرحون بنجاسة الاول ويأمرون بغسله مع تصريحهم في كتبهم الاصولية بان الامر حقيقة في الوجوب، ويحكمون (عليهم السلام) بطهارة الثاني وهم يتعمدون مخالفتهم ويرتكبون هذه التأويلات الغثة في كلامهم فيحكمون بالطهارة فيهما معا ميلا الى الاخذ بهذا الاجماع الغير الحقيق بالاتباع ولا الاستماع، ما هو إلا اجتهاد محض في مخالفة النصوص وجرأة تامة على اهل الخصوص، فاشرب بكأس هذا الرحيق وارتع في رياض هذا التحقيق المنجي بحمد الله من لجج المضيق، فانك لا تجده في كلام غيرنا من علمائنا الاعلام ولا حام حوله غيرنا احد في المقام، والله سبحانه العالم بالاحكام. (الفصل الثالث) في المني وهو اما ان يكون من الانسان أو غيره من الحيوان ذي النفس السائلة أو من غير ذي النفس السائلة ان ثبت وقوع المني منه فههنا اقسام ثلاثة: (الاول) مني الانسان، ولا خلاف نصا وفتوى في نجاسته. والاصل فيه بعد الاجماع الاخبار المستفيضة كصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في المني يصيب الثوب ؟ قال ان عرفت مكانه فاغسله فان خفي عليك فاغسله كله " وحسنة عبد الله بن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المني يصيب الثوب ؟ قال ان عرفت مكانه فاغسله وان خفي عليك مكانه فاغسله كله " وموثقة


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب النجاسات.

[ 32 ]

سماعة (1) قال: " سألته عن المني يصيب الثوب ؟ قال اغسل الثوب كله إذا خفي عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا " وصحيحة الحلبي أو حسنته على المشهور عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه. وان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء، وان استيقن انه قد اصابه مني فلم ير مكانه فليغسل ثوبه كله فانه احسن " وحسنة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: ذكر المني فشدده وجعله اشد من البول، ثم قال: " ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة، فان انت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك، وكذلك البول " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي لا حاجة إلى التطويل بنقلها مع الاتفاق على الحكم المذكور، واكثر هذه الاخبار ما ذكر منها وما لم يذكر وان وقع لفظ المني فيها مطلقا إلا ان تبادر التخصيص بارادة مني الانسان امر ظاهر منها كالعيان لا يحتاج إلى بيان، وبذلك صرح جملة من علمائنا الاعيان. (الثاني) مني غير الانسان مما له نفس سائلة، وحكمه حكم مني الانسان عند الاصحاب من غير خلاف يعرف، بل ادعى العلامة في التذكرة الاجماع على نجاسته مع مني الانسان وجعله الحجة في الحكم المذكور. وفي المعتبر والمنتهى ان الحجة على نجاسته عموم الاخبار المتقدمة ولم يذكروا الاجماع. ولا يخفى ما في هذا الاحتجاج من البعد السحيق عن ساحة تلك الاخبار، قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهما " وعندي في تحقق العموم بحيث يتناول غير الادمي نظر، ويمكن ان يحتج له بجعله اشد من البول في صحيح محمد بن مسلم، فانه وان شهدت القرينة الحالية في مثله بارادة مني الانسان إلا ان فيه اشعارا بكونه اولى بالتنجيس من البول فكل ما حكم بنجاسة بوله ينبغي ان تكون لمنيه هذه الحالة، وربما كان هذا القدر كافيا مع الاجماع المنقول وعدم ظهور مخالف


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب النجاسات.

[ 33 ]

فيه " انتهى. اقول: من المحتمل قريبا بل الظاهر انه المراد من الخبر ان التشديد انما هو بالنسبة إلى الازالة لا إلى النجاسة إذ النجاسة لا تقبل الشدة والضعف إلا بنوع من الاعتبار الذي لا يصلح لبناء حكم شرعي عليه، واما الازالة فالامر فيها ظاهر فان المني لمزيد ثخانته ولزوجته يحتاج في الغسل إلى مزيد كلفة بخلاف البول الذى هو كالماء. ويمكن الاستدلال على الطهارة بعموم موثقة عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " وموثقة عبد الله بن بكير (2) " ان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه والبانه وكل شئ منه جائزة " إلا ان في الخروج عما ظاهرهم الاجماع عليه سيما مع اوفقيته بالاحتياط بهذين الخبرين مع ما هما عليه من الاجمال اشكالا، إذ المتبادر من الأول انما هو البول والروث كما فهمه الاصحاب ولذلك نظموه في سلك الاخبار الدالة على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، وقد تقدم مع جملة منها كذلك في اول الباب، واما الثانية فالمراد منها انما هو الاشعار والاوبار والجلود ونحوها ويدل على ذلك سياق الخبر المذكور كما لا يخفى على من راجعه. وظاهره ان الفرق في صحة الصلاة وعدمها في المأكول وغير المأكول انما هو من حيث كونه مأكول اللحم وغير مأكول اللحم. وهذا لا يتمشى في المني إذ الحكم بالنجاسة وعدم جواز الصلاة فيه أو الطهارة وجواز الصلاة فيه لا يفرق فيهما بين مأكول اللحم وعدمه كما لا يخفى، وبالجملة فالاحوط الوقوف على ما ذكروه وان لم اقف له على دليل شاف. (الثالث) مني غير ذي النفس السائلة، والظاهر من كلام جملة من الاصحاب هو القول بالطهارة، وتردد فيه المحقق في المعتبر ونحوه العلامة في المنتهى مع ميلهما الى الطهارة، والظاهر ان وجه التردد هو ما اشرنا إليه آنفا من استدلالهما باخبار المني المتقدمة على نجاسة مني غير الانسان من ذوات النفس السائلة وشمولها له بعمومها، وحينئذ فيحتمل دخول ما لا نفس له تحت عموم تلك الأخبار إذ لا تصريح في تلك الاخبار


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات.

[ 34 ]

بالتخصيص بذي النفس السائلة. ولا يخفى ما فيه من البعد بل هو مما يقطع بعدمه، فان شمول الاخبار المذكورة لما عدا مني الانسان مما يكاد يقطع بعدمه ايضا فكيف ما لا نفس له، إذ حمل السؤالات المذكورة في الاخبار عن اصابة الثوب والبدن على مني غير الانسان من الحيوانات اندر نادر واشذ شاذ، سيما مع تصريحهم في غير موضع بان الاطلاقات في الاخبار انما تنصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة الوقوع دون الفروض النادرة، فإذا كان الامر كذلك في مني ما له نفس فكيف في مني ما لا نفس له ؟ وبالجملة فالظاهر ان القول بالطهارة ما لا يحوم حوله شبهة الاشكال ولا يداخله النقض والاختلال. تنبيهات (الاول) قد عرفت اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على نجاسة مني الانسان وتظافر الأخبار به إلا ان هنا جملة من الأخبار لا تخلوا في ذلك من اشكال ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله ؟ فقال نعم لا بأس به إلا ان تكون النطفة رطبة فان كانت جافة فلا بأس " وحمله الشيخ في الاستبصار على ما إذا لم يتجفف بالموضع الذي فيه المني لئلا يصيبه المني. وفيه انه لا يظهر على هذا فرق بين الرطبة والجافة لاشتراكهما في حصول البأس مع الاصابة رطبا كان أو يابسا مع رطوبة بدنه وانتفائه مع عدم اصابتها مع انه فرق بينهما. اقول: قد وقفت في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا البهائي على الجواب عن هذا الاشكال الوارد على جواب الشيخ عن هذه الرواية، حيث قال: " ظاهر هذا الحديث مشكل فانه يشعر بطهارة المني إذا كان جافا كما هو مذهب بعض العامة وإلا فلا فرق هنا بين ما إذا كان المني رطبا وجافا إذا لم يماس البدن حال تنشيفه. ويمكن ان


(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.

[ 35 ]

يقال ان من عرف موضع المني في ثوبه ثم نزعه فطرحه عنه ليغتسل فمعلوم ان اجزاء الثوب حال النزع وبعد الطرح يماس بعضها بعضا فيقع بعض الاجزاء الطاهرة منه على ذلك المني، فان كان جافا لا تتعدى نجاسته حال النزع وبعد الطرح الى ما يماسه من الاجزاء الطاهرة من الثوب فللمغتسل إذا اراد التنشيف ان يتنشف باي جزء شاء من اجزائه سوى الجزء الذي تنجس بالمني، وإذا كان رطبا فان اجزاء الثوب التي تماسه غالبا في حال النزع وبعد الطرح تنجس به لا محالة وربما جفت في مدة الاشتغال بالغسل ولا يميز عند ارادة التنشيف عن الاجزاء الطاهرة التي لم تماسه فيشتبه الطاهر من الثوب بالنجس منه فلذلك جوز الامام (عليه السلام) التنشيف إذا كان جافا ولم يجوزه إذا كان رطبا " انتهى وهو جيد. اقول: ويمكن حمل الخبر ايضا على التقية لما اشار إليه شيخنا المذكور من ان ذلك مذهب لبعض العامة (1). ومنها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن على المشهور عن ابي اسامة (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) تصيبني السماء وعلي ثوب فتبله وانا جنب فيصيب بعض ما اصاب جسدي من المني أفاصلي فيه ؟ قال نعم " ويمكن حمله على التقية لان القول بطهارة المني مذهب جماعة من العامة (3) ويحتمل ايضا تأويله بان البلل جاز ان لا يعم الثوب باسره ويكون اصابة الثوب للمني ببعض ليس فيه بلل أو جاز ان يكون البلل قليلا بحيث لا تتعدى معه النجاسة وان كان شاملا للثوب باسره، كذا افاد والدي في بعض تحقيقاته.


(1) و (3) في المغني ج 2 ص 92 " المشهور عن احمد طهارة المنى وعنه انه نجس ويعفى عن يسيره وعنه لا يعفى عن يسيره، ويجزئ الفرك على كل حال، والرواية الاولى هي المشهورة في المذهب وهو قول سعد بن ابي وقاص وابن عمر وابن عباس، وقال ابن المسيب إذا صلى فيه لم يعد، وهو مذهب الشافعي وابى ثور وابن المنذر " وفي البدائع ج 1 ص 60 " المني نجس وعند الشافعي طاهر " (2) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.

[ 36 ]

ومنها ما رواه في الكافي ايضا في الموثق عن ابي اسامة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب تكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل علي ؟ قال لا بأس " ويمكن اجراء الحملين المتقدمين فيه ايضا. واحتمل بعضهم ايضا ان يحمل على اصابة المطر الثوب بحيث طهره قال: وليس ببعيد. اقول: بل هو في غاية البعد حيث ان نجاسة المني لما فيه من الثخانة والزوجة تحتاج إلى مزيد كلفة في الازالة فمجرد اصابة المطر لا يكفي في طهارة الثوب منها إلا ان يحمل على نجاسة لا توجد عين المني في الثوب وان كان بعيدا من لفظ الجنابة حيث ان المراد منها المني مجازا. قال في الوافي بعد نقل خبري ابي اسامة المذكورين " والوجه في الخبرين انه لن يتيقن بلة ذلك الموضع بعينه بحيث يسري معها المني إليه سراية تنجسه، ومجرد الاحتمال غير كاف وان كان قويا. ومنها ما رواه في الكافي والشيخ في التهذيب عن علي بن ابي حمزة (2) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن رجل اجنب في ثوبه فيعرق فيه ؟ قال لا ارى به بأسا. قال انه يعرق حتى انه لو شاء ان يعصره عصره ؟ قال فقطب أبو عبد الله (عليه السلام) في وجه الرجل وقال ان ابيتم فشئ من ماء فانضحه به " ويحتمل الحملين المتقدمين، ويحتمل ايضا ان يكون المراد من قوله: " اجنب في ثوبه " يعني جامع فيه لا بمعنى امني فيه ويكون السؤال باعتبار توهم نجاسة بدن الجنب فتتعدى إلى الثوب بالعرق. ولعله الاقرب فان كثيرا من السؤالات في الاخبار وردت بناء على هذا التوهم (الثاني) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه ليس شئ مما يخرج من الذكر بنجس سوى البول والمني، وعن ابن الجنيد انه قال ما كان من المذي ناقضا لطهارة الانسان غسل منه الثوب والجسد ولو غسل من جميعه كان احوط، وفسر الناقض للطهارة بما كان خارجا عقيب شهوة، قال في المختلف بعد ذكر المسألة ونقل خلاف ابن الجنيد: لنا - اجماع الامامية على طهارته، وخلاف ابن الجنيد غير معتد به


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.

[ 37 ]

فان الشيخ لما ذكره في كتاب فهرست الرجال واثنى عليه قال إلا ان اصحابنا تركوا خلافه لانه كان يقول بالقياس. اقول: ويدل على القول المشهور جملة من الأخبار الصحيحة الصريحة، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن غير واحد من اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ليس في المذي من الشهوة ولا من الانعاظ ولا من القبلة ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد ". وعن حريز في الصحيح (2) قال: " حدثني زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال ان سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء انما ذلك بمنزلة النخامة.... الحديث ". وعن اسحاق بن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن المذي فقال ان عليا (عليه السلام) كان رجلا مذاء واستحيى ان يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكان فاطمة (عليها السلام) فامر المقداد ان يسأله وهو جالس فسأله فقال له ليس بشئ ". وعن زيد الشحام في الحسن (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المذي ينقض الوضوء ؟ قال لا ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد انما هو بمنزلة البزاق والمخاط " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المعتضدة باصالة الطهارة واجماع من عدا ابن الجنيد على القول بها. ومما يدل على القول بالنجاسة ما رواه الحسين بن ابي العلاء (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب ؟ قال ان عرفت مكانه فاغسله وان


(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من نواقض الوضوء. (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 12 من نواقض الوضوء. (5) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب النجاسات.

[ 38 ]

خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله ". وروايته الاخرى ايضا (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب فيلتزق به ؟ قال يغسله ولا يتوضأ ". واجاب الشيخ عن هذين الخبرين بالحمل على الاستحباب جمعا بينهما وبين الاخبار المتقدمة، ثم قال ويزيد ذلك بيانا ما رواه هذا الراوي بعينه وهو الحسين بن ابي العلاء (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب ؟ قال لا بأس به فلما رددنا عليه قال ينضحه بالماء ". اقول: والاظهر عندي حمل الخبرين المذكورين على التقية كما قدمنا ذكره في الباب الثاني في الوضوء (3) ورواية الحسين الثالثة خرجت مخرج الروايات المتقدمة في الدلالة على الطهارة ولكنه حيث انه (عليه السلام) فهم من السائل حصول النفرة منه امره بالنضح المأمور به في جملة من الأخبار في امثال ذلك. (الثالث) قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان كل رطوبة تخرج من القبل والدبر فهي طاهرة ما عدا البول والغائط والدم والمني تمسكا بالاصل السالم عن المعارض، ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابراهيم بن ابي محمود (4) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة وليها قميصها أو ازارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب أتصلي بها ؟ قال إذا اغتسلت صلت فيهما " قوله " وليها " اي ولي جسدها مع رطوبته ببلل الفرج. ولا اعلم خلافا في الحكم المذكور وانما يحكى من بعض العامة القول بنجاستها، وذكر المحقق في المعتبر ان القائل المذكور يتشبث بكون الرطوبة جارية من مجرى النجاسة. ورده بان النجاسة لا يظهر حكمها إلا بعد خروجها من المجرى. وهذا واضح لا ريب فيه.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 17 من ابواب النجاسات (3) ج 2 ص 110 (4) رواه في الوسائل في الباب 55 من ابواب النجاسات.

[ 39 ]

(الفصل الرابع) في الدم اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) عدا ابن الجنيد وظاهر الصدوق في الفقيه على نجاسة الدم قليله وكثيره إذا كان من ذي نفس سائلة، قال العلامة في التذكرة: الدم من ذي النفس السائلة نجس وان كان مأكولا بلا خلاف. وقال في المنتهى: قال علماؤنا الدم المسفوح من كل حيوان ذي نفس سائلة اي يكون خارجا بدفع من عرق نجس، وهو مذهب علماء الاسلام. وقال المحقق في المعتبر: الدم كله نجس عدا دم ما لا نفس له سائلة قليله وكثيره، وهو مذهب علمائنا عدا ابن الجنيد فانه قال إذا كان سعته دون سعة الدرهم الذي سعته كعقد الابهام الاعلى لم ينجس الثوب. انتهى. ويدل على نجاسة الدم مضافا إلى اتفاق معظم الأصحاب روايات عديدة: منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت اثره إلى ان اصيب له الماء فاصبت وحضرت الصلاة ونسيت ان بثوبي شيئا وصليت ثم اني ذكرت بعد ذلك ؟ قال تعيد الصلاة وتغسله. قلت فان لم اكن رأيت موضعه وعلمت انه قد اصابه فطلبت فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته ؟ قال تغسله وتعيد. قلت فان ظننت انه قد اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فرأيت فيه ؟ قال تغسله ولا تعيد الصلاة. قلت لم ذلك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا. قلت فاني قد علمت انه قد اصابه ولم ادر اين هو فاغسله ؟ قال تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارته. قلت فهل علي ان شككت في انه اصابه شئ ان انظر فيه ؟ قال لا ولكنك انما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك. قلت ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة ؟ قال تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك "


(1) رواه في الوسائل مقطعا في الباب 7 و 37 و 41 و 42 و 44 من ابواب النجاسات.

[ 40 ]

وانما اوردنا هذه الرواية بطولها وان كان الغرض يتم بنقل صدرها لما فيها من الاحكام العديدة وسيأتي ان شاء الله تعالى التنبيه على كل حكم في محله، وهذه الرواية وان كانت مضمرة في التهذيب بل ربما توهم انها مقطوعة إلا انها متصلة بالباقر (عليه السلام) في علل الشرائع (1) مع ان سوق الرواية يدل باظهر دلالة على ان الخطاب فيها مع الامام (عليه السلام). وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (2) قال: " قلت له الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة ؟ قال ان رأيت وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم. وما كان اقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه ". وما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى ان يغسله حتى يصلي ؟ قال يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه. قلت فكيف يصنع من لم يعلم أيعيد حين يرفعه ؟ قال لا ولكن يستأنف ". وعن عبد الله بن سنان في الحسن (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اصاب ثوبه جنابة أو دم ؟ قال ان كان علم انه اصاب ثوبه جنابة أو دم قبل ان يصلي ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه ان يعيد ما صلى... الحديث ".


(1) ص 127 (2) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات (3) رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب النجاسات. (4) رواه في الوسائل في الباب 43 من ابواب النجاسات.

[ 41 ]

وعن علي بن جعفر في الصحيح (1) " انه سأل اخاه موسى (عليه السلام) عن رجل عريان وحضرت الصلاة فاصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم يصلي فيه أو يصلي عريانا ؟ قال ان وجد ماء غسله وان لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا ". وما رواه الصدوق في الصحيح عن ابن اذينة عن الصادق (عليه السلام) (2) " انه سأله عن الرجل يرعف وهو في الصلاة وقد صلى بعض صلاته ؟ قال ان كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله... الحديث " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الاتية ان شاء الله تعالى في المقصد الثاني في احكام النجاسات. واما ما ورد في جملة من شذوذ الاخبار مما ظاهره الطهارة فالظاهر حمله على التقية وان لم اقف على قائل بذلك من العامة، لأن الحمل على ذلك لا يتوقف عندي على وجود القائل وان كان المشهور بين اصحابنا ذلك كما عرفت في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، وتوضيح ذلك انه لما اتفقت الأخبار الصحاح الصراح كما عرفت من بعض ما قدمناه وستعرف مما ياتي قريبا ان شاء الله تعالى وكذا كلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) قديما وحديثا على النجاسة إذ خلاف من خالف منهم انما هو في مادة مخصوصة ليست داخلة في هذه الأخبار، فالواجب البتة طرح ما خالف ذلك والاعراض عنه، بقي بيان الوجه في صدوره عنهم (عليهم السلام) فانه لا يكون ذلك عبثا بغير فائدة وليس وراء ذلك إلا ما ذكرناه من ايقاعهم الاختلاف بين الشيعة في الاحكام لدفع الشنعة عنهم كما تقدم تحقيقه في المقدمة المشار إليها. ومن الأخبار المذكورة ما رواه الشيخ في التهذيب والاستبصار عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول لو رعفت زورقا ما زدت على ان امسح


(1) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 2 من قواطع الصلاه. (3) رواه في الوسائل في الباب 7 من نواقض الوضوء.

[ 42 ]

مني الدم واصلي ". وعن الحسن بن علي الوشاء في الحسن قال: " سمعت ابا الحسن (1) (عليه السلام) يقول كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول في الرجل يدخل يده في انفه فيصيب خمس اصابعه الدم، قال ينقيه ولا يعيد الوضوء " ويمكن هنا حمل الانقاء على الانقاء بالغسل لا مطلق الانقاء فلا منافاة وان الغرض بيان عدم نقض الوضوء بخروج الدم. وعن عبد الاعلى عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الحجامة أفيها وضوء ؟ قال لا ولا يغسل مكانها لان الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا " والحمل على ان الحجام ينظفه يعني بالغسل بعيد جدا لان النهي عن الغسل متناول للمحتجم نفسه ولمن يقوم مقامه، فالحديث ظاهر في طهارة دم الحجامة بمجرد ازالة عينه المشار إليها بالتنظيف. وعن ابي حمزة (3) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) ان ادخلت يدك في انفك وانت تصلي فوجدت دما سائلا ليس برعاف ففته بيدك " ولا يخفى ما في الخبر المذكور من الحزازة زيادة على ما دل عليه من طهارة الدم، ولعله وقع فيه تحريف من قلم الشيخ أو من النساخ لان الفت انما يستعمل في الدم اليابس لا السائل، ولعل الذي كان في الخبر " غير سائل "، وايضا فان كون الدم السائل ليس برعاف لا معنى له، ومع احتمال كونه من قرح أو جرح لا يفرق بينه وبين دم الرعاف في تعدي النجاسة الى اليد وان قلنا بالعفو عن دم القروح والجروح ما لم ترقأ.


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من نواقض الوضوء. (2) رواه في الوسائل في الباب 56 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من قواطع الصلاة.

[ 43 ]

وما رواه في الكافي في باب " الثوب يصيبه الدم " عن الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه ؟ فقال لا وان كثر، ولا بأس ايضا بشبهه من الرعاف ينضحه ولا يغسله ". وما رواه في الزيادات عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الدمل يكون في الرجل فينفجر وهو في الصلاة ؟ قال يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة " واحتمال تخصيص ما يخرج من الدمل بالقيح الخالي من الدم خلاف ما يشهد به الوجدان، والعفو عن دم القرح لا يتعدى نجاسة اليد به حتى انه يجوز مسه ولا يجب غسله إذ العفو مقصور عليه وعلى ما يتعدى إليه بنفسه كما سيأتي بيانه في المسألة ان شاء الله تعالى. وما رواه الشيخ عن داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (3): " في الرجل يصلي فابصر في ثوبه دما ؟ قال يتم " وحمله الشيخ على ما إذا كان اقل من درهم، ولا بأس به. ولم نقف على خلاف لاحد من اصحابنا في المسألة إلا على خلاف ابن الجنيد والصدوق في الفقيه، اما ابن الجنيد فقد تقدم نقل خلافه كما صرح به المحقق في المعتبر وحكاه من عبارته إلا ان عبارته المنقولة من كتابه المختصر كما نقله في المختلف وغيره عامة في نجاسة الدم وغيره، حيث قال: " كل نجاسة وقعت على ثوب وكانت عينها مجتمعة أو متفشية دون سعة الدرهم الذي يكون سعته كعقد الابهام الاعلى لم ينجس الثوب بذلك إلا ان تكون النجاسة دم حيض أو منيا فان قليلهما وكثيرهما سواء " انتهى. وهو مردود بالأخبار الدالة على نجاسة البول قليله وكثيره والغائط والمني ونحوهما ووجوب


(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات.

[ 44 ]

غسلها وانما استثناء الدرهم أو الأقل منه في الدم خاصة، واما الصدوق فانه قال في الفقيه " وان كان الدم دون حمصة فلا بأس بان لا يغسل إلا ان يكون دم الحيض فانه يجب غسل الثوب منه ومن البول والمني قليلا كان أو كثيرا وتعاد منه الصلاة علم به أو لم يعلم " انتهى. وهذه العبارة مأخوذة من الفقه الرضوي بتغيير ما وكذا ما قبلها، حيث قال (عليه السلام) (1): " وان كان الدم حمصة فلا بأس بأن لا تغسله إلا ان يكون دم الحيض فاغسل ثوبك منه ومن البول والمني قل أو كثر واعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم " انتهى. والظاهر ان لفظ " دون " سقط من النسخة حيث ان الكتاب لا يخلو من الغلط إلا ان الموجود في البحار حيث انه ينقل فيه عبائر الكتاب المذكور كما هنا، وحينئذ فيكون الصدوق بعد اخذه العبارة من اولها إلى آخرها من الكتاب عدل في هذا الموضع إلى العمل برواية مثنى بن عبد السلام الواردة في المسألة وهي ما رواه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له اني حككت جلدي فخرج منه دم ؟ فقال ان اجتمع قدر الحمصة فاغسله وإلا فلا " وسيأتي تمام الكلام ان شاء الله تعالى في ذلك المقصد الثاني. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الدم اما ان يكون دم حيوان ذي نفس سائلة أو غير ذي نفس سائلة والاول اما مسفوح أو غير مسفوح وغير المسفوح اما ما يتخلف في اللحم بعد الذبح الشرعي أو غيره والمتخلف في اللحم بعد الذبح اما من حيوان مأكول اللحم أو غيره، وغير ذي النفس السائلة اما ان يكون من السمك أو غيره، فهذه ستة اقسام يحتاج إلى التحقيق فيها والكلام على وجه يرفع غشاوة الابهام: (الاول) المسفوح وهو لغة المصبوب اي الذي انصب من العرق بكثرة يقال سفح الرجل الدمع والدم من باب منع: صبه، وسفحت دمه إذا سفكته، والظاهر انه لا خلاف بين علمائنا في نجاسته سوى ما ينقل من الخلاف في دم رسول الله (صلى الله


(1) ص 6 (2) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات.

[ 45 ]

عليه وآله) حيث استشكل فيه العلامة في المنتهى، فقال: في نجاسة دم رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشكال ينشأ من انه دم مسفوح ومن ان ابا طيبة الحجام شربه ولم ينكر عليه (1) وكذا في بوله (صلى الله عليه وآله) حيث انه بول ومن ان ام ايمن شربته (2). وهذا الخلاف مما لا ثمرة له الان، ويدل على نجاسة الدم المسفوح اطلاق جملة من الأخبار المتقدمة زيادة على الاجماع المدعى في المقام كما في المعتبر والمنتهى وغيرهما. (الثاني) ما يتخلف في اللحم بعد الذبح من حيوان مأكول اللحم، وهو طاهر حلال من غير خلاف يعرف، ولم اقف على نص يدل على طهارته بخصوصه أو حله إلا ان اتفاق الاصحاب على كلا الحكمين من غير خلاف ينقل - مضافا إلى حصر المحرمات في الايات المستلزم للطهارة لانه متى كان حلالا كان طاهرا، والروايات الدالة على عد محرمات الذبيحة ولم تذكره منها وان كانت الدلالة لا تخلو من ضعف، مع اعتضاد ذلك باصالة الطهارة - الظاهر انه كاف في المقام. واستثني من المتخلف ما يجذبه الحيوان بنفسه الى باطن الذبيحة فانه نجس حرام لا يدخل فيما نحن فيه. وهو كذلك لعدم شمول الادلة له. (الثالث) المتخلف في الحيوان الغير المأكول اللحم مما يقع عليه الذكاة، والظاهر من الاصحاب نجاسته لحصرهم الدم الطاهر في افراد ولم يعدوا هذا منها، قال في المعالم: وتردد في حكمه بعض من عاصرناه من مشايخنا، ومنشأ التردد من اطلاق الاصحاب الحكم بنجاسة الدم مما له نفس مدعين الاتفاق عليه وهذا بعض افراده،


(1) كما في شرح الزرقاني على المواهب اللدنية لابن حجر ج 4 ص 233. (2) في الاصابة لابن حجر ج 4 ص 432 ترجمة ام ايمن " قالت كانت للنبي صلى الله عليه وآله فخارة يبول فيها بالليل فكنت إذا اصبحت صببتها فنمت ليلة وانا عطشانة فغلطت فشربتها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله قال انك لا تشتكي بطنك بعد يومك هذا ".

[ 46 ]

ومن ظاهر قوله تعالى " أو دما مسفوحا " (1) حيث دل على حل غير المسفوح وهو يدل على طهارته، ثم قال: ويضعف الثاني بان ظاهرهم الاطباق على تحريم ما سوى الدم المتخلف في الذبيحة ودم السمك على ما فيه، وقد قلنا ان المتبادر من الذبيحة ما يكون من مأكول اللحم فدم ما لا يؤكل لحمه حرام عندهم مطلقا، وعموم ما دل على تحريم الحيوان الذي هو دمه يتناوله ايضا إذ اكثر الادلة غير مقيدة باللحم وانما علق التحريم فيها بالحيوان فيتناول جميع اجزائه، ولا يرد مثله في المحلل لقيام الدليل هناك على تخصيص التحليل باللحم واجزاء اخر معينة، وبالجملة فحل الدم مع حرمة اللحم امر مستبعد جدا لا سيما بعد ما قررناه من ظهور الاتفاق بينهم فيه وتناول الادلة بظاهرها له، وإذا ثبت التحريم هنا لم يبق للآية دلالة على طهارته كما لا يخفى. انتهى. وهو جيد. وبالجملة فالاية مخصصة وظواهر الادلة الدالة على تحريم ما لا يؤكل لحمه شاملة للدم وغيره، مضافا جميع ذلك الى اطلاق جملة من اخبار نجاسة الدم المتقدمة ونحوها، فلم يبق للتوقف في النجاسة وجه. (الرابع) ما عدا المذكورات من الدماء التي لا تخرج بقوة من عرق ولا لها كثرة وانصباب وليس مما تخلف بعد الذبح كدم الشوكة والعثرة ونحو ذلك من ذي النفس مطلقا، وظاهر الاصحاب ايضا الاتفاق على نجاسته. ويدل عليه اخبار نجاسة دم الرعاف والامر بغسله كما تقدم بعض منها واطلاق الأخبار المتقدمة ونحوها، وربما اوهم كلام العلامة في جملة من كتبه الطهارة في هذا القسم وسابقه حيث انه قيد في المنتهى وجملة من كتبه الدم المحكوم بنجاسته بالمسفوح وظاهره حصر النجس في المسفوح. وكذا كلامه في المختلف حيث قال فيه محتجا على طهارة المتخلف في الذبيحة: هو طاهر اجماعا لانتفاء المقتضى للتنجيس وهو السفح. ولصاحب المعالم (قدس سره) في هذا المقام كلام طويل على عبارة العلامة (قدس سره) في المنتهى اورده في الكتاب


(1) سورة الانعام، الآية 146.

[ 47 ]

المذكور ومناقشات فيه للفاضل الخوانساري في شرح الدروس ليس للتعرض لها كثير فائدة مع الاتفاق على الحكم المذكور. والظاهر كما استظهر جملة من الاصحاب ان الحامل للعلامة على التقييد بالمسفوح في عباراته انما هو الاحتراز عن الدم المتخلف في الذبيحة حيث انه طاهر اجماعا وكذا غيره مما حكموا بطهارته، فانه لا ريب ولا شك في نجاسة هذا القسم المذكور الذي نحن في صدد الكلام عليه، لا ان قصده اخراج شئ من اصناف دم ذي النفس على الاطلاق. (الخامس) دم السمك، ولا ريب في طهارته تمسكا بالاصل السالم من المعارض ويعضده فقد شرط التنجيس عند الاصحاب وهو وجود النفس السائلة، وقد نقل الاجماع على الطهارة جمع من محققي الاصحاب: منهم الشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية وابن ادريس في السرائر والمحقق في المعتبر والعلامة في المختلف والشهيد في الذكرى، وقد ذكر في المختلف ان ظاهر تقسيم الشيخ للدم في المبسوط والجمل يعطي حكمه بنجاسة دم السمك والبق والبراغيث مع انه لا يجب ازالة قليله ولا كثيره، وتخطى المتأخرون عن العلامة فنسبوا الى الشيخ في الكتابين القول بنجاسة الدماء المذكورة جزما مع ان العلامة انما نسب ذلك الى ظاهر كلامه بمعنى ان اللازم منه ذلك لا انه قائل به حقيقة. اقول: والسر في ذلك انه قال في الجمل: النجاسات على ضربين دم وغيره، والدم على ثلاثة اضرب: ضرب يجب ازالة قليله وكثيره وهي كذا وكذا، فعد انواعه، وضرب لا يجب ازالة قليله ولا كثيره وهي خمس اجناس: دم البق والبراغيث والسمك والجراح اللازمة والقروح الدامية. وهكذا عبارة المبسوط، واجاب في المعالم بان ذلك انما نشأ من سوء تعبير الشيخ في هذا المقام وإلا فانه غير مراد له قطعا، وينبه على ذلك انه في الخلاف ذكر نظير هذا الكلام المنقول عن الجمل والمبسوط بعدما نقل الاجماع على الطهارة بسطر واحد، وذلك فانه بعد ان حكى خلاف الشافعي في هذه الدماء قال دليلنا اجماع الفرقة، وايضا فان النجاسة حكم شرعي ولا دلالة في الشرع على نجاسة هذه الدماء، ثم

[ 48 ]

قال بعد سطر واحد: جميع النجاسات يجب ازالتها عن الثياب والبدن قليلا كان أو كثيرا إلا الدم فان له ثلاثة احوال دم البق والبراغيث ودم السمك وما لا نفس له سائلة ودم الجروح اللازمة لا بأس بقليله وكثيره، وهذا الكلام الاخير يرجع في المعنى الى ما نقلنا عن الجمل والمبسوط في الدلالة على نجاسة الدماء الثلاثة المذكورة مع انه جمع بينه وبين الاجماع على الطهارة في مقام واحد وعبارة واحدة. ولا ريب انه بناء على التوسع في التعبير لظهور طهارة هذه الدماء اتفاقا أو انه اراد بالنجاسة التي جعلها مقسما معنى خلاف الظاهر اعتمادا على القرينة الحالية وهي معلومية الطهارة فعلى هذا يحمل كلامه ايضا في ذينك الكتابين، وقد جرى مثل ذلك لسلار وابن حمزة ايضا حيث ذكرا مثل هذا التقسيم الذي نقلناه عن الشيخ في الجمل ولم يظهر منهما ما يوجب الخروج عن ظاهرها كما اتفق للشيخ بنقل الاجماع في الخلاف إلا ان الظاهر الحمل على ما ذكرناه في عبارة الشيخ من التجوز، هذا مع ان السهو والنسيان كالطبيعة الثانية للانسان والمعصوم من عصمه الله تعالى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان العلامة في المنتهى قد استدل على طهارة دم السمك بوجوه: منها قوله تعالى: " احل لكم صيد البحر وطعامه " (1) وقوله سبحانه: " قل لا اجد فيما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا " (2) ووجه الدلالة في الاولى بان التحليل يقتضي الاباحة من جميع الوجوه وذلك يستلزم الطهارة، وفي الثانية بان دم السمك ليس بمسفوح فلا يكون نجسا. واعترض عليه بعض افاضل المتأخرين بان الاستدلال بالاية محل تأمل. اقول: الظاهر ان وجه التأمل هو ان المتبادر من الحل هو حل ما يعهد اكله منه كاللحم ونحوه لا الدم، اما الاية الثانية فهي ظاهرة في الحل الموجب للطهارة، ومنه يظهر قوة القول بحل دم السمك، وظاهر كلام جملة من الاصحاب بل الظاهر انه المشهور هو التحريم واختصاص التحليل في افراد


(1) سورة المائدة، الاية 97. (2) سورة الانعام، الاية 146.

[ 49 ]

الدماء بالمتخلف في الذبيحة، والظاهر انه لا دليل لهم ازيد من دعوى الاستخباث مع ان الظاهر هنا من جملة من الاصحاب الذين استدلوا بهاتين الايتين على الطهارة في هذا المقام هو الحل، ومنهم ابن زهرة في الغنية وابن ادريس. وفي المعتبر استدل على طهارة دم السمك بان دم السمك لو كان نجسا لتوقفت اباحة اكله على سفح دمه بالذبح كحيوان البر لكن الاجماع على خلاف ذلك وانه يجوز اكله بدمه. وهو - كما ترى - صريح في قوله بالحل. قال في المعالم بعد كلام في المقام: وبالجملة فعباراتهم ظاهرة في تخصيص التحليل في دم الذبيحة وتعميم التحريم في غيره من الدماء، ووقع التصريح بذلك ايضا في كلام بعضهم والتنصيص على تحريم دم السمك بالخصوص، وليس لهم عليه حجة غير الاستخباث وهو موضع نظر، وإذا لم يثبت تحريمه تكون الاية دليلا قويا على طهارته. انتهى. اقول لا يخفى ان ظواهر الأخبار دالة على حل السمك باخراجه من الماء حيا الذي هو عبارة عن ذكاته والشارع لم يعتبر فيه الذبح والتذكية كما في الحيوانات البرية بل ذكاته اخراجه من الماء حيا، ومقتضى ذلك جواز اكله حينئذ حيا أو ميتا بغير ذبح ثانيا بغير طبخ أو مطبوخا، إلا انه يمكن ان يقال انه لا ريب في ذلك ما لم يخرج منه دم في تلك الحال لانا غير مخاطبين بما تحت جلده من الدم المخالط للحمه بل عموم تحليله في تلك الحال شامل للجميع اما لو خرج منه دم في تلك الحال فلا مانع من القول بحرمته للادلة الدالة على تحريم الدماء من غيره حيث لم يستثن منها إلا المتخلف في الذبيحة، وبالجملة فالحكم يكون تابعا للاسم فمع وجود الدم يتعلق به حكم الدماء ومع عدم وجوده فانا غير مخاطبين به، والاحتياط يقتضي الوقوف على هذا الوجه الى ان يقوم دليل واضح على احد الحكمين. والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا


(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب النجاسات.

[ 50 ]

بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل يعني دم السمك " اقول: قوله " ما لم يذك " اي ما لم يدخله التذكية وهو مما لا نفس له ففيه دلالة على طهارة ما لا نفس سائلة لا، إلا ان قوله اخيرا " يعني دم السمك " ان كان من كلامه (عليه السلام) فيحتمل ان يكون تقييدا لعموم " ما لم يذك " ويحتمل ان يكون تمثيلا يعني دم السمك وامثاله، والاول انسب بسياق الخبر والثاني انسب بالقواعد المقررة، وكيف كان فهو ظاهر في طهارة دم السمك (السادس) دم غير السمك مما لا نفس له، وقد نقل الاجماع على طهارته جملة من الاصحاب: منهم الشيخ في الخلاف فانه بعد ان ذكر طهارة الدم من كل حيوان لا نفس له احتج لذلك باجماع الفرقة وعدم الدلالة في الشرع على النجاسة وهي حكم شرعي لا يثبت بدون الدليل. وممن ادعى الاجماع على ذلك الشهيد في الذكرى والعلامة في المنتهى والتذكرة، ويظهر من المحقق في المعتبر حيث ذكر ان طهارة دم السمك مذهب علمائنا اجمع وقال بعده: وكذا كل دم ليس لحيوانه نفس سائلة كالبق والبراغيث. اقول ويعضد ذلك الأصل، واما ما يوهم خلافه من ظاهر التقسيم المتقدم نقله عن الجمل والمبسوط وسلار فقد عرفت الوجه فيه، ويزيد ذلك تأكيدا صحيحة عبد الله ابن ابي يعفور (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في دم البراغيث ؟ قال ليس به بأس. قلت انه يكثر ويتفاحش ؟ قال وان كثر " ورواية الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة ؟ قال لا وان كثر " ورواية محمد بن الريان (3) قال: " كتبت الى الرجل (عليه السلام) هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث وهل يجوز لاحد ان يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه وان يقيس على نحو هذا فيعمل به ؟ فوقع (عليه السلام) يجوز الصلاة والطهر منه افضل " وقد تقدم في حديث غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف ".


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 23 من ابواب النجاسات.

[ 51 ]

فروع: (الاول) قال في الخلاف العلقة نجسة، واحتج على ذلك باجماع الفرقة وبان ما دل على نجساسة الدم على نجاسة العلقة. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: وفي هذا نظر لا يخفى وجهه بعد الاحاطة بما حققناه في دليل نجاسة الدم. انتهى. وقال في المعتبر: العلقة التي تستحيل إليها نطفة الادمي نجسة لانها دم حيوان له نفس سائلة وكذا العلقة التي توجد في بيض الدجاج وشبهه وقال في الذكرى بعد نقل ذلك عن المحقق: وفي الدليل منع وتكونها في الحيوان لا يدل على انها منه. مع انه قال في الدروس في تعداد النجاسات: والدم من ذي نفس سائلة وان كان بحريا كالتمساح أو كان علقة في البيضة وغيرها. قال في المعالم بعد نقل كلام الذكرى: وهو متجه لا سيما بالنظر الى ما يوجد في البيضة مع ان كونه علقة ليس بمعلوم ايضا فالاجماع الذي ادعاه الشيخ لو ثبت على وجه يكون حجة لكان في تناوله نظر ومقتضى الأصل طهارته. ويعضده ظاهر قوله تعالى: " أو دما مسفوحا " حيث انه دال على حل غير المسفوح مطلقا خرج من ذلك ما وقع الاتفاق على تحريمه فيبقى الباقي، واثبات الحل مقتض لثبوت الطهارة كما مر غير مرة. وكتب في الحاشية قال بعض الاصحاب ما يوجد في البيضة احيانا من الدم لا يعلم كونه من دم ذلك الحيوان فالعلم بكونه علقة له اشد بعدا. والامر كما قال. انتهى اقول: لقائل ان يقوم ان ما دل على نجاسة الدم كالاخبار التي قدمناها ونحوها لا تخصيص فيها بما كان من حيوان بل هي مطلقة في نجاسة الدم اعم من ان يكون من حيوان أو من استحالة شئ إليه كالمني مثلا وما في البيضة فانه يكون علقة فيكون داخلا تحت عموم ما دل على نجاسة الدم بقول مطلق. الا ان فيه ان الظاهر ان العموم المدعى من الاخبار لا يشمل مثل هذا الفرد لما قررناه في غير مقام مما تقدم من ان الاطلاق انما ينصرف الى الافراد الشايعة المتكثرة وهي هنا دم الانسان وكل ذي نفس سائلة أو غير سائلة دون الفروض النادرة مثل دم العلقة. واما اجماع الاصحاب على نجاسة الدم فهو ايضا مخصوص بدم ذي النفس السائلة فلا يدخل هذا الدم تحت الاجماع

[ 52 ]

ولا الروايات، نعم الشيخ ادعى في الخلاف الاجماع على نجاسة العلقة والعلقة لغة هي القطعة من الدم، والمراد منها هنا ما ذكره في المعتبر وهو المشار إليه في الاية وهي القطعة من الدم التي يستحيل إليها المني ثم تصير هي مضغة. فتكون نجاسة العلقة انما تستند الى هذا الاجماع المدعى من الشيخ في الخلاف وفي شمول العلقة للدم الموجود في البيضة اشكال كما ذكره في المعالم، وحينئذ فلا يدخل تحت الاجماع المدعى من الشيخ ولم يبق إلا صدق الدم عليه، وقد عرفت انه لا دليل على نجاسة الدم بحيث يشمل هذا الفرد سواء تمسك بالاجماع أو الروايات. وبالجملة فقد ظهر مما ذكرنا ان الاقوى هو الطهارة ولا سيما في ما في البيضة. ومن ذلك يظهر ان الأقرب حله لعدم دليل الحرمة كما يظهر من كلام صاحب المعالم ايضا في تمسك بالاية على تخصيص الدم المحرم بالمسفوح الدال على حل غير المسفوح خرج من ذلك ما وقع الاتفاق على تحريمه فيبقى الباقي، والاحتياط في الموضعين لا يخفى. (الثاني) لو اشتبه الدم المرئي في الثوب أو البدن فلم يعلم كونه من الدماء الطاهرة أو النجسة فمقتضى الدليل طهارته لقوله (عليه السلام) في موثقة عمار (1) " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " وقول علي (عليه السلام) (2) فيما رواه عنه في الفقيه " لا ابالي أبول اصابني ام ماء إذا لم اعلم " ولا خلاف في ذلك بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وهكذا الكلام في كل شئ له افراد بعضها طاهر وبعضها نجس فانه بمقتضى الدليل المذكور يحكم بالطهارة حتى يعلم ان ذلك الفرد من الافراد النجسة حتى الجلود كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله وان كان المشهور بينهم خلافه في الاخير. وكذا يجري الحكم المذكور فيما لو اشتبه دم معفو عنه كدم الحجامة الاقل من


(1) المروية في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات واللفظ " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر ". (2) المروي في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات.

[ 53 ]

درهم بدم الحيض الغير المعفو عن قليله وكثيره فانه يحكم بالعفو حتى يعلم خلاف ذلك. (الثالث) قال المحقق في المعتبر بعد ان نقل عن الشيخ الحكم بطهارة الصديد: وعندي في الصديد تردد اشبهه النجاسة لانه ماء الجرح يخالطه يسير دم، ولو خلا من ذلك لم يكن نجسا، وخلافنا مع الشيخ فيه يؤول الى العبارة لانه يوافق على هذا التفصيل اما القيح ان مازجه دم نجس بالممازجة وان خلا من الدم كان طاهرا (لا يقال): هو مستحيل عن الدم (لانا نقول): لا نسلم ان كل مستحيل من الدم لا يكون طاهرا كاللحم واللبن وحجتنا في الطهارة وجوابنا كما تقدم. اما ما عدا ذلك كالعرق والبصاق والدموع فقد اتفق الجميع على الطهارة. انتهى. اقول: ما ذكره في الجواب عن المستحيل من الدم جيد إلا ان قوله هنا بطهارة المستحيل عن الدم ينافي ما قدمه في مسألة ابوال الدواب الثلاث وارواثها من كلامه في ذرق الدجاج مما يدل على ان المستحيل عن عين النجاسة يكون نجسا على الاطلاق، وسيأتي تحقيق المسألة في محلها ان شاء الله تعالى. (الرابع) قال في المدارك: المسك طاهر اجماعا قاله في التذكرة والمنتهى للاصل ولما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " انه كان يتطيب به وكان احب الطيب إليه " (1) واما فأرته فسيأتي الكلام فيه قريبا ان شاء الله تعالى في الفصل الاتي. (الفصل الخامس) في الميتة، قد اجمع الاصحاب على نجاسة الميتة من ذي النفس السائلة نقله جمع: منهم المحقق في المعتبر حيث قال الميتات مما له نفس سائلة نجس وهو اجماع الناس. وقال في المنتهى: الميتة من الحيوان ذي النفس السائلة نجسة سواء كان آدميا أو غير آدمي وهو مذهب علمائنا اجمع. ونحو ذلك في كلام الشهيد


(1) الوسائل في الباب 95 من آداب الحمام عن ابي البختري عن الصادق عن ابيه (ع) قال " ان رسول الله (ص) كان يتطيب بالمسك حتى يرى وبيصه في مفارقه " وفيه ايضا " كان النبي (صلى الله عليه وآله) يتطيب بذكور الطيب وهو المسك والعنبر ".

[ 54 ]

وابن زهرة وغيرهم، قال في المعالم: وقد تكرر في كلام الأصحاب ادعاء الاجماع على هذا الحكم وهو الحجة فيه إذ النصوص لا تنهض باثباته وجملة ما وقفنا عليه من الروايات في هذا الباب حسنة الحلبي، ثم ساق الرواية الاتية واردفها برواية ابراهيم بن ميمون الآتية ايضا ثم قال وقصور هذين الحديثين عن افادة هذا الحكم بكماله ظاهر مع ان الصحة منتفية عن سنديهما، وورد في عدة روايات معتبرة الاسناد المنع من اكل السمن والزيت إذا ماتت فيه الفأرة وظاهره الحكم بنجاسته، وهذا الحكم خاص ايضا كما لا يخفى فلا يمكن جعله دليلا على العموم، وحيئنذ فالعمدة في اثبات التعميم هو الاجماع المدعى في كلام الجماعة. انتهى ملخصا، وفيه ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقام. وكيف كان فالميتة اما ان تكون من ذي النفس أو غيره والاول اما آدمي أو غيره فههنا اقسام ثلاثة، وبيان الكلام فيها يقتضي بسطه في مواضع ثلاثة: (الاول) ميتة غير الادمي من ذي النفس السائلة، وقد عرفت فيما تقدم دعوى الاجماع على النجاسة فيما يشمل هذه المسألة. ولصاحب المدارك في هذه المسألة مناقشتان: (الاولى) في وجود الدليل الدال على النجاسة في هذه المسألة كما سبق ذكره في كلام المحقق الشيخ حسن وان كان الكلام هنا فيما هو اخص مما ذكره المحقق المشار إليه. و (الثانية) في نجاسة جلد الميتة وهي في الحقيقة راجعة الى الاولى، وها انا اسوق كلامه بطوله وابين ما يكشف عن فساد محصوله وبه يظهر تحقيق الحال وينجلي عنه غياهب الاشكال، فاقول: قال السيد المذكور: " واحتج عليه في المنتهى بان تحريم ما ليس بمحرم بالاصل ولا فيه ضرر كالسم يدل على نجاسته. وفيه منع ظاهر. نعم يمكن الاستدلال عليه بالروايات المتضمنة للنهي عن اكل الزيت ونحوه إذا ماتت فيه الفأرة لكنه غير صريح في النجاسة وبما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لزرارة


(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 55 ]

ومحمد بن مسلم " اللبن واللبأ والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ ينفصل من الشاة والدابة فهو ذكي وان اخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه " وجه الدلالة ان الظاهر ان الأمر بغسل ما يؤخذ من الدابة بعد الموت انما هو لنجاسة الاجزاء المصاحبة له من الجلد. ويتوجه عليه ان الأمر بالغسل لا يتعين كونه للنجاسة بل يحتمل ان يكون لازالة الاجزاء المتعلقة به من الجلد المانعة من الصلاة فيه كما يشعر به قوله " وصل فيه " وبالجملة فالروايات متظافرة بتحريم الصلاة في جلد الميتة بل الانتفاع به مطلقا واما نجاسته فلم اقف فيها على نص يعتد به، مع ان ابن بابويه روى في اوائل الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) " انه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والسمن والماء ما ترى فيه ؟ فقال لا بأس بان تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتوضأ منه واشرب ولكن لا تصل فيها " وذكر قبل ذلك من غير فصل يعتد به انه لم يقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، قال بل انما قصدت الى ايراد ما افتى به واحكم بصحته واعتقد انه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته، والمسألة قوية الاشكال " انتهى كلامه. اقول: والكلام هنا يقع في مقامين: (الاول) فيما ذكره من المناقشة الاولى في عدم الدليل على نجاسة الميتة من ذي النفس غير الانسان، وها انا اورد ما وقفت عليه من الروايات المتعلقة بذلك وان طال به زمام الكلام فانه اهم المهام. واقول: من ذلك روايات ما يقع في البئر والامر بالنزح لها مع التغير وعدمه وقد اشتملت تلك الروايات على ميتة الانسان والدابة والفأرة والطير والحمار والبقرة والجمل والسنور والحمام والدجاجة ونحو ذلك، ولا ينافي ذلك القول بطهارة البئر فان ذلك ليس من حيث كون هذه الاشياء غير نجسة بل انما هو من حيث عدم انفعالها بالنجاسة ولهذا لو تغير الماء بها فلا خلاف في النجاسة. ومنها اخبار الدهن والزيت ونحوهما وهي كثيرة، ومنها صحيحة زرارة

[ 56 ]

أو حسنته بابراهيم بن هاشم على المشهور عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فان كان جامدا فالقها وما يليها وكل ما بقي وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك " ومنها صحيحة الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه ؟ فقال ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا - فانه ربما يكون بعض هذا - فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله وان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به، وان كان بردا فاطرح الذي كان عليه ولا تترك طعامك من اجل دابة ماتت عليه " ومنها صحيحة سعيد الاعرج (3) قال " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حيا ؟ فقال لا بأس باكله. وعن الفأرة تموت في السمن والعسل ؟ فقال قال علي (عليه السلام) خذ ما حولها وكل بقيته. وعن الفأرة تموت في الزيت ؟ فقال لا تأكله ولكن اسرج به " ومنها - رواية معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (4) قال " قلت له جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل ؟ فقال اما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، واما الزيت فيستصبح به. وقال في بيع ذلك تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به " ومنها - رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (5) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة ؟ قال يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " ومنها رواية سماعة (6) قال " سألته عن السمن تقع فيه الميتة ؟ فقال ان كان جامدا فالق ما حوله وكل الباقي. فقلت الزيت ؟ فقال اسرج به " ومنها - صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (7) " سألته عن آنية اهل الذمة ؟ فقال


(1) و (2) و (4) و (6) المروية في الوسائل في الباب 43 من الاطعمة المحرمة (3) المروية في الوسائل في الباب 43 و 45 من الاطعمة المحرمة (5) المروية في الوسائل في الباب 44 من الاطعمة المحرمة. (7) المروية في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة.

[ 57 ]

لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير " ومنها رواية جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) قال " اتاه رجل فقال له وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في اكله ؟ قال فقال له أبو جعفر (عليه السلام) لا تأكله فقال له الرجل الفأرة اهون علي من ان اترك طعامي من اجلها. قال فقال له أبو جعفر (عليه السلام) انك لم تستخف بالفأرة وانما استخففت بدينك " ان الله تعالى حرم الميتة من كل شئ ". اقول: المراد بلفظ التحريم هنا النجاسة ليصح التعليل المذكور وإلا فالحرمة بمجردها بمعناها المتعارف لا توجب عدم اكل الزيت الذي ماتت فيه الفأرة، ومما يؤيد ورود هذا اللفظ بمعنى النجاسة لا بالمعنى المتبادر ما رواه في التهذيب والكافي عن الحسن ابن علي (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) فقلت جعلت فداك ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها ؟ فقال هي حرام. قلت جعلت فداك فنصطبح بها ؟ فقال أما تعلم انه يصيب اليد والثوب وهو حرام ؟ " إذ لا ريب بمقتضى سياق الخبر ان الحرام هنا انما هو بمعنى النجس. اقول: ظاهر رواية الحسن بن علي المذكورة عدم جواز الانتفاع باليات الميتة أو المبانة من حي مطلقا حتى ولو بالاسراج، وهو المشهور بين الاصحاب وبه صرح جملة: منهم الشهيد الثاني في المسالك، قال بعد قول المصنف: " ويجوز بيع الادهان النجسة ويحل ثمنها.. الخ ": المراد بها الادهان النجسة بالعرض كما هو المفروض اما النجسة بالذات كاليات الميتة يقطعها من حي أو ميت فلا يجوز بيعها ولا الانتفاع بها مطلقا اجماعا لاطلاق النهي عنه، وانما جاز بيع الدهن النجس لبقاء منفعته بالاستصباح. انتهى. ونقل الشهيد عن العلامة جواز الاستصباح به تحت السماء ثم قال: وهو ضعيف.


(1) المروية في الوسائل في الباب 5 من ابواب الماء المضاف (2) رواه في الوسائل في الباب 30 من الذبائح و 32 من الاطعمة المحرمة.

[ 58 ]

اقول: قد روي ابن ادريس في السرائر عن جامع البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من الياتها وهي احياء أيصلح له ان ينتفع بما قطع ؟ قال نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها " قال ابن ادريس بعد نقله " لا يلتفت الى هذا الحديث لانه من نوادر الأخبار والاجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها بكل حال إلا اكلها للمضطر غير الباغي ولا العادي. وهو جار على ما قدمنا ذكره عنهم، وروى هذه الرواية ايضا في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) مثله (2). وظاهر شيخنا المجلسي في البحار الميل الى العمل بهذه الرواية حيث قال بعد نقل الخلاف في المسألة: والجواز عندي اقوى لدلالة الخبر الصحيح المؤيد بالاصل على الجواز وضعف حجة المنع إذ المتبادر من تحريم الميتة تحريم اكلها كما حقق في موضعه والاجماع ممنوع. انتهى. اقول: ما ذكره بالنسبة الى الاية من ان التحريم انما يتبادر الى الاكل دون سائر الوجوه جيد إلا ان جملة من الأخبار صرحت بان الميتة لا ينتفع بشئ منها. ومنه ما رواه في الكافي والفقيه بطريقه الى الكاهلي في حديث عن الصادق (عليه السلام) (3) " سئل عن اليات الغنم قال ان في كتاب علي (عليه السلام) ان ما قطع منها ميتة لا ينتفع به " ونحوه غيره كما سيأتي في المقام ان شاء الله تعالى، وليس حجة المانع منحصرة فيما ذكره مع امكان حمل الرواية التي اعتمدها على التقية، ولتحقيق المسألة موضع آخر ولكن الحديث ذو شجون فلنعد الى ما نحن فيه: ومنها صحيحة زرارة (4) قال: " إذا كان الماء اكثر من رواية لم ينجسه


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب ما يكتسب به (3) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الذبائح (4) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الماء المطلق.

[ 59 ]

شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلا ان يجئ له ريح يغلب على ريح الماء " ومنها موثقة عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الفأرة التي يجدها في انائه وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا وغسل ثيابه واغتسل وقد كانت الفأرة متسلخة ؟ فقال ان كان رآها في الاناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه ان يغسل ثيابه ويغسل كل ما اصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة... الحديث " ومنها صحيحة حريز عن الصادق (عليه السلام) (2) انه قال: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب " ورواية عبد الله بن سنان (3) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) عن غدير اتوه وفيه جيفة ؟ فقال إذا كان الماء قاهرا ولا يوجد فيه الريح فتوضأ " وموثقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد انتنت ؟ قال ان كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ ولا تشرب " ورواية ابي خالد القماط عن الصادق (عليه السلام) (5) " في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه... الحديث " وفي فقه الرضوي (6) " وان مسست ميتة فاغسل يديك وليس عليك غسل انما يجب عليك ذلك في الانسان وحده " ومنها موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما اشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه ؟ قال كل ما ليس له دم فلا بأس به " ورواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليه السلام) (8) قال: " لا يفسد الماء إلا ما كان له


(1) المروية في الوسائل في الباب 4 ابواب الماء المطلق (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الماء المطلق (6) ص 18 (7) و (8) المروية في الوسائل في الباب 35 من ابواب النجاسات

[ 60 ]

نفس سائلة " وموثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث طويل قال فيه: " اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات " الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع وهذا ما حضرني منها. وانت خبير بانه لا مجال للتوقف في الحكم المذكور بعد الوقوف على هذه الاخبار مع تعليق الحكم في كثير منها على مطلق الميتة والجيفة والشئ والدابة والمراد بها ما يدب على وجه الارض لا ذات القوائم الاربع من غير مخصص بين الاصحاب ولا مقيد، ولا يخفى على من اعطى النظر حقه ان اكثر الاحكام الشرعية التي صارت بين الاصحاب قواعد كلية انما حصلت من تتبع جزئيات الأحكام وضم بعضها الى بعض كالقواعد النحوية المبنية على تتبع كلام العرب وإلا فوجود الاحكام بقواعد مسورة بسور الكلية لا تكاد يوجد إلا نادرا. وما ذكره في المدارك مما قدمنا نقله عنه بعد اشارته الى روايات الزيت الذي ماتت فيه الفأرة انه غير صريح في النجاسة مردود بانهم انما حكموا بالنجاسة في جل المواضع بل كلها من حيث النهي عن الصلاة فيها أو الامر بغسلها أو النهي عن اكل ما وقعت فيه أو النهي عن شربه ونحو ذلك مما هو اعم من المراد حتى انه لو ورد لفظ النجاسة لتأولوه بالحمل على المعنى اللغوي لعدم الحقيقة الشرعية فيه كذلك، وهو ممن صرح بما ذكرناه ايضا في نجاسة البول فقال بعد كلام في المقام والاحتجاج على النجاسة بالامر بالغسل: " ولا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له بل سائر الاعيان النجسة انما استفيد نجاستها من امر الشارع بغسل الثوب والبدن من ملاقاتها " انتهى. والحكم في الغسل والاكل واحد باعتبار النجاسة العارضة للمأكول فكما ان النهي عن الاكل اعم من النجاسة كذلك الامر بالغسل اعم من ذلك. وبالجملة فان ما ذكره المحققان المذكوران انما نشأ من الغفلة عن تتبع الروايات في هذا المقام وقصر النظر على ما خطر ببالهما من الاخبار المشار إليها في كلامهما ومن اعطى النظر حقه في هذه الأخبار


(1) المروية في الوسائل في الباب 53 من ابواب النجاسات.

[ 61 ]

التي سردناها لا يخفى على انطباقها على ما ذكرناه من عموم الحكم. (المقام الثاني) فيما ذكره من المناقشة الثانية في حكم جلد الميتة وانه لم يقم على نجاسته عنده دليل معتضدا بما نقله عن الفقيه، ففيه انه لا ريب ان الروايات هنا مختلفة في جلد الميتة طهارة ونجاسة والقول بطهارته منقول عن ابن الجنيد لكن بشرط الدباغ وانها تطهر بذلك. فمما يدل على الطهارة ما نقله عن الفقيه ومثله ما رواه الشيخ في الصحيح الى الحسين ابن زرارة وهو وان كان في كتب الرجال مهملا إلا انه يمكن استفادة مدحه من دعاء الصادق (عليه السلام) له ولاخيه الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) " في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فاشرب منه واتوضأ ؟ قال نعم، وقال يدبغ فينتفع به ولا يصلي فيه " وظاهر الرواية التي نقلها عن الفقيه وان كان اعم إلا ان الظاهر انه يجب تقييدها بالدباغ، ولعله انما اطلق الحكم فيها بناء على ما هو المتعارف من الدباغ وانه لا يستعملونه إلا بعد ذلك، وحينئذ يكون الجميع مستندا لما ذهب إليه ابن الجنيد في المسألة واظهر من هذين الخبرين في ذلك ما صرح به (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) حيث قال: " وان كان الصوف والوبر والشعر والريش من الميتة وغير الميتة بعد ان يكون مما احل الله تعالى اكله فلا بأس به، وكذلك الجلد فان دباغته طهارته " وقال بعد هذا الكلام باسطر قليلة: " وذكاة الحيوان ذبحه وذكاة الجلود الميتة الدباغ " ومما يدل على المشهور وهو المؤيد المنصور من النجاسة ما رواه في الكافي عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " كتبت إليه اسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ان ذكي ؟ فكتب لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب.. الحديث اقول: " ان ذكي " يحتمل ان يكون قيدا لاكل اللحم بمعنى ان مأكول اللحم مع التذكية ما حكم جلده


(1) رواه في الوسائل في الباب 34 من الاطعمة المحرمة (2) ص 41. (3) رواه في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة

[ 62 ]

بعد الموت ؟ ويحتمل ان يكون راجعا الى الجلود بالنظر الى ان دباغته تذكيته كما دل عليه خبر كتاب الفقه. وما رواه في الكافي في الصحيح عن علي بن ابي المغيرة (1) وهو ثقة قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ ؟ قال لا. قلت بلغنا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بشاة ميتة فقال ما كان على اهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا باهابها ؟ قال تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان على اهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا باهابها اي تذكى " وجه الدلالة (اولا) انه (عليه السلام) ذكران الميتة لا ينتفع منها بشئ وهو ظاهر الدلالة فيما نحن فيه. و (ثانيا) انه لما سأله عن حديث الشاة الذي هو احد مستندات العامة فيما ذهبوا إليه من طهارة جلد الميتة حيث انهم رووا الحديث وحملوا كلامه (صلى الله عليه وآله) على انه ينبغي ان يسلخوا جلدها بعد الموت وينتفعوا به وان لم ينتفعوا بلحمها لكونها ميتة (2) فأجاب (عليه السلام) بان الوجه في


(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب النجاسات و 34 من الاطعمة المحرمة (2) في المغني ج 1 ص 66 " المشهور في المذهب نجاسة الجلد بعد الدبغ وهو احدى الروايتين عن مالك، وعن احمد برواية اخرى انه يطهر جلد ما كان طاهرا حال الحياة. ومذهب الشافعي طهارة الحيوانات كلها الا الكلب والخنزير فيطهر عنده كل جلد الا جلدهما، وقال أبو حنيفة يطهر كل جلد بالدبغ الا جلد الخنزير، وحكى عن ابي يوسف انه يطهر كل جلد وهو رواية عن ملك. ومذهب من حكم بطهارة الحيوانات كلها قوله صلى الله عليه واله " إذا دبغ الاهاب فقد طهر " ولانه صلى الله عليه وآله وجد شاة لميمونة فقال: هل انتفعتم بجلدها ؟ فقالوا انها ميتة قال انما حرم اكلها " وفي صحيح مسلم ج 1 ص 145 عن ابن عباس قال: " تصدق لمولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه واله فقال هلا اخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ قالوا انها ميتة قال انما حرم اكلها " وفيه عن ابن عباس قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول إذا دبغ الاهاب فقد طهر ".

[ 63 ]

الخبر ليس ما توهموه وظنه السائل بناء على شهرة الخبر بينهم بل المعنى فيه والذي اراده (صلى الله عليه وآله) انما هو ان ان تذكى قبل الموت وينتفعوا باهابها وان لم ينتفعوا بلحمها لهزالها، وهو صريح في عدم الانتفاع بجلود الميتة المؤذن بنجاستها، وينبغي تقييد قوله (عليه السلام): " الميتة لا ينتفع منها بشئ " بما كان تحله الحياة ثم عرض له الموت جمعا بين الخبر المذكور والاخبار الدالة على طهارة ما لا تحله الحياة من الميتة. ومنها ما رواه الشيخ في الموثق عن ابي مريم (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) السخلة التي مر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي ميتة فقال: ما ضر اهلها لو انتفعوا باهابها ؟ قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لم تكن ميتة يا ابا مريم ولكنها كانت مهزولة فذبحها اهلها فرموا بها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان على اهلها لو انتفعوا باهابها " اقول: الظاهر ان مورد هذا الخبر غير سابقه. والتقريب في سؤال السائل هو ما ذكرناه من التقريب في الخبر الاول ولكن الجواب وقع عنها بان السخلة انما رماها اهلها بعد الذبح فهي مذكاة فمن اجل ذلك قال (صلى الله عليه وآله) انها بعد التذكية وان لم ينتفعوا بلحمها لهزاله إلا ان جلدها مما ينتفع به فكيف لم يأخذوه ؟ ومنها ما رواه في التهذيب في الموثق عن سماعة (2) قال: " سألته عن جلود السباع ينتفع بها ؟ قال إذا رميت وسميت فانتفع بجلده واما الميتة فلا ". ومنها ما رواه في الكافي وكذا في التهذيب عن قاسم الصيقل (3) قال: " كتبت الى الرضا (عليك السلام) اني اعمل اغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي أفأصلي فيها ؟ فكتب الي اتخذ ثوبا لصلاتك. فكتبت الى ابي جعفر (عليه السلام) كنت كتبت الى ابيك بكذا وكذا فصعب ذلك علي فصرت اعملها من جلود الحمر


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 34 من الاطعمة المحرمة (3) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب النجاسات

[ 64 ]

الوحشية الذكية ؟ فكتب الي كل اعمال البر بالصبر يرحمك الله فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس ". ومنها ما رواه في التهذيب عن ابي القاسم الصيقل وولده (1) قال: " كتبوا الى الرجل (عليه السلام) جعلنا الله فداك انا قوم نعمل اغماد السيوف وليس لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها وانما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمر الاهلية لا يجوز في اعمالنا غيرها فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها بايدينا وثيابنا ونحن نصلي في ثيابنا ؟ ونحن محتاجون الى جوابك في المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها، فكتب (عليه السلام) اجعلوا ثوبا للصلاة.. الحديث ". هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على القول المشهور، ووجه الجمع بينها وبين ما عارضها هو حمل المعارض على التقية لموافقته لمذهب بعض العامة كما اشرنا إليه في ذيل حديث الشاة، ويدل على ذلك ما رواه في التهذيب عن عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني ادخل سوق المسلمين اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها أليست هي ذكية فيقول بلى فهل يصلح لي ان ابيعها على انها ذكية ؟ فقال لا ولكن لا بأس ان تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية. قلت وما افسد ذلك ؟ قال استحلال اهل العراق الميتة وزعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وفى التهذيب بسنده الى ابي بصير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء ؟ فقال كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا فلا تدفئه فراء الحجاز لان دباغها بالقرظ فكان يبعث الى العراق


(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب ما يكتسب به (2) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب لباس المصلى.

[ 65 ]

فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة القاه والقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فيقول ان اهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون ان دباغها ذكاتها " وبما اوضحناه وشرحناه يظهر لك انه لا اشكال في صحة القول المشهور كما وقع فيه لعدم التدبر في اخبار المسألة سيدنا المحقق المذكور. ثم ان ما ذكره (قدس سره) في تأييد مرسلة الفقيه من قول مصنفه في صدر كتابه ما قاله مع الاغماض عن الطعن في ذلك بمخالفة مصنفه لهذه القاعدة في مواضع عديدة من كتابه كما لا يخفى على من تتبعه ففيه انه في شرحه قد اضطرب كلامه في هذا المقام ايضا كاضطرابه في غيره فتراه تارة يعمل بمرويات الفقيه الضعيفة ويعتذر بهذا الكلام وتراه يرد رواياته اخرى من غير التفات الى ما ذكره في هذا المقام كما لا يخفى على من تتبع شرحه المشار إليه، وهي طريقة غير جيدة ناشئة من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي تمسك به وبالغ في نصرته كما اوضحناه في مواضع من شرحنا على الكتاب. (الموضع الثاني) ميتة الادمي، وقد اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على ما نقله غير واحد منهم على نجاستها بعد برده وقبل تطهيره بالغسل، قال في المعتبر: وعلماؤنا مطبقون على نجاسته نجاسة عينية كغيره من ذوات الانفس السائلة. ويدل على ذلك مضافا الى الاجماع المذكور ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد ابن الحسن الصفار (1) قال: " كتبت إليه: رجل اصاب يديه أو بدنه ثوب الميت الذي بلي جسده قبل ان يغسل هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه ؟ فوقع (عليه السلام): إذا اصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل " وحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت ؟ فقال يغسل ما اصاب الثوب " ورواية ابراهيم بن ميمون (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه


(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من غسل مس الميت (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 34 من ابواب النجاسات.

[ 66 ]

السلام) عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميت ؟ فقال ان كان غسل الميت فلا تغسل ما اصاب ثوبك منه وان كان لم يغسل الميت فاغسل ما اصاب ثوبك منه " وروى الطبرسي في الاحتجاج والشيخ في كتاب الغيبة التوقيع الخارج عن الناحية المقدسة في اجوبة مسائل محمد بن عبد الله الحميري (1) فانه كتب " روي لنا عن العالم انه سئل عن امام صلى بقوم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه ؟ قال يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه ؟ التوقيع ليس على من مسه إلا غسل اليد " وعنه (2) قال: " كتبت إليه وروي عن المعالم (عليه السلام) ان من مس ميتا بحرارته غسل يده ومن مسه وقد برد فعليه الغسل وهذا الميت في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارته والعمل في ذلك على ما هو ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه فكيف يجب عليه ؟ التوقيع: إذا مسه في هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده " وفي الفقه الرضوي (3) " وان مس ثوبك ميتا فاغسل ما اصاب ". بقي الكلام في انها هل هي عينية محضة مطلقا فعلى هذا ينجس ما يلاقي الميت برطوبة كان أو بيبوسة وتتعدى نجاسة ذلك الملاقي الى ما لاقاه برطوبة، أو مع الرطوبة خاصة وإلا فحكمية بمعنى انها مع اليبوسة انما ينجس بها ذلك الملاقي خاصة دون ما لاقاه ولو برطوبة. أو عدم تعديها مطلقا وان وجب غسل الملاقي تعبدا، أو انها عينية محضة مع الرطوبة خاصة واما مع اليبوسة فلا اثر لها كغيرها من النجاسات، اقوال اربعة: الاول ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض وقواه شيخنا المحقق الشيخ حسن على تقدير القول بالتعدي مع اليبوسة، والثاني للعلامة في المنتهى، والثالث ظاهر كلام ابن ادريس حيث قال على ما نقل عنه في المدارك: إذا لاقى جسد الميت اناء وجب غسله ولو لاقى ذلك الاناء مائعا لم ينجس المائع لانه لم يلاق جسد الميت، وحمله على ذلك قياس، والاصل في الاشياء الطهارة الى ان يقوم دليل. والرابع مختار المحقق الشيخ علي.


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من غسل مس الميت (3) ص 18.

[ 67 ]

وانت خبير بان ظاهر اطلاق الأخبار المذكورة الدلالة على القول الاول. وهذا القول ايضا ظاهر الصدوق في الفقيه حيث انه عبر فيه بمضمون حسنة الحلبي فقال: ومن اصاب ثوبه جسد الميت فليغسل ما اصاب الثوب منه. وبذلك يظهر قوة القول المذكور إلا ان قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الله بن بكير (1) " كل شئ يابس ذكى " المعتضد بجملة من الأخبار الدالة في جملة من المواضع على عدم تعدي النجاسة مع اليبوسة مما يدافع العمل باطلاق هذه الأخبار، وايضا ان تقييد المطلق اقرب من تخصيص العام وحينئذ فالاظهر حمل الملاقاة الموجبة للغسل على الملاقاة برطوبة من احدهما، ومما يستأنس له بذلك قوله في رواية ابراهيم بن ميمون ؟ " ما اصاب ثوبك منه " في الموضعين فانه ظاهر في ان اصابة الثوب هو لرطوبة أو قذر على الميت، إلا ان هذا الحمل بعيد في التوقيع المذكور. ويمكن حمله على الاستحباب سيما مع اشتماله على ما لا يقول به جمهور الاصحاب من النجاسة قبل البرد، ومن ذلك يعلم قوة القول الرابع، ويؤيده ايضا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (2) " عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله ؟ قال ليس عليه غسله وليصل فيه ولا بأس به ". واما ما ذهب إليه المحدث الكاشاني من حمل اخبار النجاسة في الميت والكافر ونحوهما مما ذكره على مجرد الخبث الباطني دون المعنى الشرعي الموجب لغسل الملاقي له برطوبة - فهو من متفرداته الواهية التي هي لبيت العنكبوت - وانه لاوهن البيوت - مضاهية وكيف لا والأخبار المتقدمة ظاهرة في وجوب غسل الملاقي له هو مظهر النجاسة، والظاهر ان منشأ الشبهة عنده هو انه لو كان نجسا كالاعيان النجسة لم يقبل التطهير بالغسل كما يدل عليه كلامه في المفاتيح، وهذا دليل الشافعي على ما ذهب إليه من عدم نجاسة


(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من احكام الخلوة (2) والمروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب النجاسات.

[ 68 ]

الانسان بالموت (1) قال: إذ لو كان نجسا لما قبل التطهير كسائر النجاسات. وعارضه جماعة من الاصحاب: منهم العلامة في المنتهى والشهيدان في الذكرى والروض بانه لو لم يكن نجسا لما امر بالغسل. وفيه انه يمكن ان يكون الغسل انما هو للنجاسة الحكمية كنجاسة بدن الجنب بالجنابة والحائض بالحيض لا العينية، بل هذا هو الظاهر من الأخبار المتقدمة في باب غسل الجنابة الدالة على ان العلة في غسل الميت انما هو خروج النطفة التي خلق منها حال الموت فهو جنب ولذلك امر بتغسيله غسل الجنابة. والجواب الحق انما هو المنع من كون النجاسات والمطهرات منحصرة في قاعدة كلية بل هي تابعة للدليل الشرعي وليس للعقل فيها مسرح، فلا منافاة بين كون نجاسة الميت بعد البرد وقبل الغسل كسائر النجاسات العينية وان كان تطهيرها يقع بالغسل وغيرها لا يقبل التطهير إلا بالمطهرات الاتية، ألا ترى ان العصير يطهر بالنقص دون غيره وآلات النزح وجوانب البئر تطهر عندهم بتمام النزح وآلات الخمر بعد انقلابه ونحو ذلك فالاستبعاد مدفوع بما ذكرناه، وبالجملة فالظاهر من الأخبار ان نجاسة الميت بعد البرد وقبل التطهير بالغسل حكمية من جهة عينية من اخرى، فمن الجهة الاولى يجب الغسل على كل من مس الميت في تلك الحال ومن الجهة الثانية يجب غسله وغسل ما لاقاه على الخلاف المتقدم، ولا منافاة في كون الغسل رافعا للنجاسة العينية والحدثية التي في الجنب ايضا كما دلت عليه الاخبار المشار إليها إذا اقتضته الادلة الشرعية.


(1) في المغني ج 1 ص 45 " الآدمي في صحيح المذهب طاهر حيا وميتا لقوله صلى الله عليه وآله " المؤمن لا ينجس " متفق عليه، وعن احمد في بئر مات فيها انسان ينزح ماؤها حتى يغلبهم، وهو مذهب ابي حنيفة قال انه ينجس بالموت ويطهر بالغسل، وللشافعي قولان كالروايتين " واخرج الشافعية كالشيرازي في المهذب ج 1 ص 46 والغزالي في الوجيز ج 1 ص 4 والنووي في المنهاج ص 5 الميت الآدمي من عداد النجاسات، ويظهر ذلك من الام ج 1 ص 235 قال: احب لمن غسل ميتا ان يغتسل وليس بالواجب عندي وجاءت احاديث في ترك الغسل: منها " لا تنجسوا موتاكم ".

[ 69 ]

(الموضع الثالث) ميتة ما لا نفس له سائلة، وقد نقل الاجماع في المعتبر والمنتهى على طهارتها، قال في المنتهى اتفق علماؤنا على ان ما لا نفس سائلة له من الحيوانات لا ينجس بالموت ولا يؤثر في نجاسة ما يلاقيه، وذكر في المعتبر ان عدم نجاسة ما هذا شأنه وانتفاء التنجيس به مذهب علمائنا اجمع. وقال الشيخ في النهاية: كل ما ليس له نفس سائلة من الاموات فانه لا ينجس الثوب ولا البدن ولا الشراب إذا وقع فيه سوى الوزغ والعقرب. وفي المختلف عن ابن البراج انه قال إذا اصاب شيئا وزغ أو عقرب فهو نجس واوجب أبو الصلاح النزح لها من البئر ثلاث دلاء. وما ذكره الشيخ (قدس سره) هنا من استثناء الوزغ الظاهر انه مبني على ما سيأتي ان شاء الله تعالى من حكمه بنجاسة الوزغ عينا وانه عنده كالكلب، واما العقرب فلا نعلم لاستثنائه وجها. ونقل في المختلف عنه الاستدلال عليه برواية ابي بصير عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضأ منه ؟ قال نعم لا بأس به. قلت فالعقرب ؟ قال ارقه " واجاب عنها بانها غير دالة على ذلك لجواز استناد الاراقة الى وجود السم في الماء لا الى نجاسة العقرب. وهو جيد، وبمثل ذلك ايضا يجاب عما رواه سماعة في الموثق (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن جرة وجد فيها خنفساء قد ماتت ؟ قال القه وتوضأ منه وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من غيره ". وكيف كان فالمعتمد هو القول المشهور للاصل والاخبار الكثيرة، ومنها موثقة عمار ورواية حفص المتقدمتان في الموضع الاول وموثقة ابي بصير أو صحيحته عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الذباب يقع في الدهن والسمن والطعام ؟


(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الآسئار. (2) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب 46 من الاطعمة المحرمة.

[ 70 ]

فقال لا بأس " ورواية ابن مسكان (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس واشباه ذلك فلا بأس " ومرفوعة محمد بن يحيى عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا يفسد الماء إلا ما كان له نفس سائلة " وفي قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر (3) " انه سأل اخاه موسى (عليه السلام) عن العقرب والخنفساء واشباه ذلك يموت في الجرة والدن يتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا بأس ". وتنقيح البحث في المقام يتوقف على رسم مسائل: (الاولى) قد تقدم نقل المحقق والعلامة الاجماع على نجاسة ميتة ذي النفس السائلة مطلقا من غير استثناء فرد وظاهره اعم من ان يكون الحيوان بريا أو بحريا وقال في الخلاف ان مات في الماء القليل ضفدع أو ما لا يؤكل لحمه مما يعيش في الماء لا ينجس الماء وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي ان قلنا انه لا يؤكل فانه ينجسه (4) دليلنا ان الماء على اصل الطهارة والحكم بنجاسته يحتاج الى دليل، وروي عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا: " إذا مات فيما فيه حياته لا ينجسه " وهو يتناول هذا الموضع. وقد حكى المحقق في المعتبر صدر هذه العبارة عن الخلاف ولم يتعرض لما فيه الاحتجاج منها واختار التنجيس بما له نفس من الحيوان المائي كالتمساح واحتج له بانه حيوان له نفس سائلة فكان موته منجسا ثم قال: ولا حجة لهم في قوله (صلى الله عليه وآله) (5) في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " لان التحليل مختص بالسموك. قال في المعالم بعد نقل ما ذكرناه عن المحقق. وكأنه اشار بقوله ولا حجة لهم الى القائلين بالطهارة هنا من العامة وفاقا للشيخ وهم الحنفية. وقد نبه على ذلك الشيخ


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 35 من ابواب النجاسات. (4) كما في بدائع الصنائع ج 1 ص 79 والام ج 1 ص 4 والمغني ج 1 ص 45 (5) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الماء المطلق.

[ 71 ]

في الكلام الذي حكيناه عنه وعزاه البهم العلامة في المنتهى وحكى عنهم الاحتجاج بقوله (صلى الله عليه وآله) " هو الطهور ماؤه. الحديث " وفساد هذه الحجة عندنا اظهر من ان يبين والعجب من المحقق في عدوله عن حكاية الحجة التي تمسك بها الشيخ الى حجة المخالف الواهية مع كونه في مقام البحث مع الشيخ إذ لم يذكر خلاف غيره ولولا جمع الضمير في نسبة الاحتجاج لم يختلج في خاطر غير الواقف على كلام الشيخ شك في ان الحجة له ولا يخفى ما فيه على ان احتمال مشاركة الشيخ لغيره في الاحتجاج بها ليس بمندفع عن غير العارف بالحال ولعل العذر عدم الوقوف على عين كلام الشيخ في نفس الكتاب هذا وفي تمسك الشيخ هنا بالاصل قوة إلا ان يثبت تناول ما يدعيه الأصحاب من الاجماع في اصل المسألة لموضع النزاع. انتهى. اقول: والكلام هنا يقع في مواضع: (الاول) لا يخفى ما في نقل المحقق والعلامة الاجماع في اصل المسألة على النجاسة ثم نقلهما خلاف الشيخ في المقام من التدافع إلا ان يحمل ذلك على عدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب كما هو احد قواعدهم أو لشهرة القول بالخلاف في الحيوان المائي فيكون الاجماع المدعى انما هو على غير الحيوان المائي ولعله الأقرب. (الثاني) ان ما استند إليه الشيخ من التمسك بالاصل فالجواب عنه ان الأصل يجب الخروج عنه بالدليل وهو ما قدمناه من الأخبار المتقدمة في المقام الاول من الموضع الاول الدالة على نجاسة الميتة من ذي النفس غير الانسان مطلقا وحيث ان صاحب المعالم في ما قدمنا نقله عنه لم يقم عنده دليل على ذلك الا الاجماع قوي تمسك الشيخ بالأصل هنا إلا ان يثبت تناول ما يدعيه الاصحاب من الاجماع لموضع النزاع. وانت خبير بعد الاحاطة بما قدمناه من الأخبار انه لا حاجة الى التمسك بهذا الاجماع هنا إلا انه يبقى الكلام في دخول الحيوان المائي تحت اطلاق تلك الاخبار أو عمومها حيث ان الذي ينصرف إليه الاطلاق انما هو الافراد الكثيرة الوقوع مثل تلك الاشياء

[ 72 ]

المعدودة في الروايات وشمولها لمثل الضفدع والتمساح ونحوهما الظاهر بعده، وكذلك شمول الاجماع خصوصا على الوجه الثاني مما اجبنا به عن التدافع الواقع في كلامهم، وحينئذ يقوى تمسك الشيخ بالأصل. (الثالث) ما نقله الشيخ عنهم (عليه السلام) من الرواية لم نقف عليها في شئ من كتب الاخبار ولا نقلها غيره غيره فيما اعلم، وقد اعترضه بذلك ايضا بعض افاضل المحققين من متأخري المتأخرين فقال: واما الرواية فلم نجدها في موضع مسندة حتى ننظر في صحتها وضعفها. وبالجملة فان قول الشيخ بالنظر الى ما ذكرنا من عدم شمول الأخبار المتقدمة لمثل هذه الافراد النادرة لا يخلو من قوة، والاحتياط لا يخفى. (المسألة الثانية) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان كل ما ينجس بالموت مما له نفس سائلة فما قطع من جسده حيا كان أو ميتا فهو نجس قال في المدارك انه مقطوع به في كلام الاصحاب. وقال في المعالم لا يعرف فيه خلاف بين الاصحاب. قال في المدارك: " واحتج عليه في المنتهى بان المقتضى لنجاسة الجملة الموت وهذا المقتضى موجود في الاجزاء فيتعلق بها الحكم. وضعفه ظاهر إذ غاية ما يستفاد من الأخبار نجاسة جسد الميت وهو لا يصدق على الاجزاء قطعا. نعم يمكن القول بنجاسة القطعة المبانة من الميت استصحابا لحكمها حال الاتصال. ولا يخفى ما فيه " انتهى. اقول: الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة عدة روايات فيها الصحيح وغيره. ومنها ما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابان عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما اخذت الحبالة فقطعت منه


(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب الصيد.

[ 73 ]

فهو ميتة وما ادركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه " ورواه الشيخ في التهذيب والكليني في الكافي لكن بطريق غير صحيح ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن ابراهيم بن هاشم عن محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) ما اخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه فانه ميت وكلوا ما ادركتم حيا وذكرتم اسم الله عليه " ومنها ما رواه ايضا عن الوشاء عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ما اخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت وما ادركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه " وليس في التهذيب " ثم كل منه " ومنها ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ما اخذت الحبالة فانقطع منه شئ أو مات فهو ميتة " ومنها ما رواه عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " ما اخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت وما ادركت من سائر جسده فذكه ثم كل منه " ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ايوب بن نوح رفعه الى الصادق (عليه السلام) (5) قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة " ومنها ما رواه في الكافي عن الحسن ابن علي الوشاء (6) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) فقلت جعلت فداك ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها ؟ فقال حرام وهي ميتة. فقلت جعلت فداك فنصطبح بها ؟ فقال اما علمت انه يصيب اليد والثوب وهو حرام " وعن الكاهلي (7) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن قطع اليات الغنم فقال لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال ان في كتاب علي (عليه السلام) ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به " وعن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (8) قال:


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب الصيد (5) رواه في الوسائل في الباب 1 من غسل المس و 62 من ابواب النجاسات. (6) و (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الذبائح.

[ 74 ]

" في اليات الضأن تقطع وهي احياء ؟ انها ميتة ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكره في المدارك من اعتراضه على كلام المنتهى بان ضعفه ظاهر منظور فيه من وجوه: (الاول) انه لا يخفى ان ما نقلناه من الأخبار المذكورة صريحة الدلالة واضحة المقالة في نجاسة الاجزاء المقطوعة من الحي وانها ميتة فقوله: " إذ غاية ما يستفاد من الأخبار نجاسة جسد الميت " ليس في محله بل كما يستفاد منها نجاسة جسد الميت بالموت كذلك يستفاد منها نجاسة ما تحله الحياة بالابانة منه حيا. وبذلك يظهر ما في كلام صاحب المعالم ايضا حيث انه اورد في المقام روايات الاليات الثلاث خاصة وقال: في الاولى اشعار بالنجاسة لكن في طريقها ضعف، وقال في الاخيرتين انه لو تم سنداهما لاحتاجا في الدلالة على النجاسة الى وجود دليل عام في نجاسة الميتة ليكون اثبات كون المنقطع ميتة مقتضيا لدخوله في عموم الدليل على نجاسة الميتة، وقد علم ان العمدة في التعميم الاجماع المدعى في كلام الاصحاب، وحينئذ فالتمسك به موقوف على كونه متناولا لهذا المنقطع ومعه لا حاجة إلى توسيط الاحتجاج بما دل على انه ميتة، وعلى كل حال فالحكم هنا ليس بموضع خلاف. انتهى فان فيه ان الروايات الدالة على ما ذكرنا هنا ليست منحصرة في الثلاث التي ذكرها بل فيها الصحيح باصطلاحه والحسن الذي لا يقصر عن الصحيح عندهم ولكنه معذور حيث لم يقف على ذلك، واما المستند في اصل نجاسة الميتة فهو الأخبار التي قدمناها لا الاجماع الذي زعمه حسبما تقدم ايضاحه، ولكنهم حيث لم يعطوا النظر حقه في التتبع لادلة المسألة واخبارها خصوصا مع تفرقها في ابواب شتى وقعوا فيما وقعوا فيه من هذه المناقشات كما لا يخفى. (الثاني) ان تنظره في القطعة المبانة من الميت وقوله: لا يخفى ما فيه مردود بان النجاسة إذا تعلقت بجملة تعلقت باجزائها وليس تعلقها بالمجموع من حيث كونه مجموعا وكيف لا وهو (قدس سره) قد استدل على نجاسة ما لا تحله الحياة من الكلب والخنزير

[ 75 ]

بانه داخل في مسماه ولا شك ان الكلب والخنزير اسم للجملة. (الثالث) لا يخفى ان المستفاد من الاخبار ان الطهارة والنجاسة دائرة مدار حلول الحياة وعدمه ولهذا كما وردت الأخبار المتقدمة بنجاسة القطعة المبانة من الحى وانها ميتة قد وردت الأخبار ايضا باستثناء تلك العشرة التي لا تحلها الحياة وحكم بطهارتها من الميتة من حيث انها لا تحلها الحياة، وقد صرح بذلك في صحيحة الحلبي الاتية ان شاء الله تعالى (1) فقال: " ان الصوف ليس فيه روح " قد اومأ هو (قدس سره) في تلك المسألة الى ما ذكرناه حيث قال بعد ذكره هذا الكلام من الصحيحة المذكورة: " ومقتضى التعليل طهارة كل ما لا روح فيه " وبما اوضحنا يظهر لك قوة ما ذكره العلامة وضعف ما اورده عليه. تذنيب قال العلامة في المنتهى: الاقرب طهارة ما ينفصل من بدن الانسان من الاجزاء الصغيرة مثل البثور والثالول وغيرهما لعدم امكان التحرز عنها فكان دفعا للمشقة. واعترضه في المعالم فقال: " ويظهر من تمسكه بعدم امكان التحرز انه يرى تناول دليل نجاسة المبان من الحي لها وان المقتضى لاستثنائها من الحكم بالتنجيس والقول بطهارتها هو لزوم الحرج والمشقة من التكليف بالتحرز عنها، وهذا عجيب فان الدليل على نجاسة المبان من الحي كما علمت اما الاجماع أو الاخبار التي ذكرناها أو الاعتبار ان اللذان حكيناهما عن بعض الاصحاب اعني مساواة الجزء للكل ووجود معنى الموت فيه والاجماع لو كان متناولا لما نحن فيه لم يعقل الاستثناء منه، والأخبار على تقدير صحتها ودلالتها وعمومها انما تقتضي نجاسة ما انفصل في حال وجود الحياة فيه لا ما زالت عنه الحياة قبل الانفصال كما في موضع البحث، والنظر الى ذينك الاعتبارين يقتضي ثبوت


(1) ص 77.

[ 76 ]

التنجيس وان لم تنفصل تلك الاجزاء لتحقق معنى الموت فيها قبله ولا ريب في بطلانه. والتحقيق انه ليس لما يعتمد عليه من ادلة نجاسة الميتة وابعاضها وما في معناها من الاجزاء المبانة من الحي دلالة على نجاسة نحو هذه الاجزاء التي يزول عنها اثر الحياة في حال اتصالها بالبدن فهي على اصل الطهارة، وإذا كان للتمسك بالاصل مجال فلا حاجة الى تكلف دعوى لزوم الحرج " انتهى كلامه (قدس سره) وهو جيد رشيق. واستدل في المدارك على الطهارة ايضا مضافا الى اصالة الطهارة السالمة من المعارض بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال سألته عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له ان يقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه ؟ قال ان لم يتخوف ان يسيل الدم فلا بأس وان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعل " قال: وترك الاستفصال عقيب السؤال يفيد العموم. واورد على ذلك ان الظاهر من صحيحة علي بن جعفر ان السؤال فيها ليس عن طهارة ما يقطع من الثالول أو نجاسته بل عن كون هذا الفعل في الصلاة من المنافيات لها ام لا فانه سأله ايضا قبل هذا السؤال فقال: " وسألته عن الرجل يتحرك بعض اسنانه وهو في الصلاة هل يصلح له ان ينزعه ويطرحه ؟ قال ان كان لا يجد دما فلينزعه وليرم به وان كان دمي فلينصرف " ثم قال: " وسألته عن الرجل يكون به الثالول.. الخ " وحينئذ فالغرض من السوال انما هو استعلام كون هذا الفعل في الصلاة مما ينافيها ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) بانه لا ينافيها لانه ليس بفعل كثير تنمحي به الصلاة، نعم ان استلزم خروج الدم كالضرس في السؤال الاول ابطل من حيث الدم. انتهى. والجواب ان الامر وان كان كما ذكره من ان السؤال انما هو عن كون الفعل المذكور قاطعا للصلاة ام لا إلا ان ظاهر اطلاق نفي البأس عن مس هذه الاجزاء في الصلاة ونتفها اعم من كون المس برطوبة أو يبوسة مما يشهد بالطهارة، إذ المقام مقام


(1) المروية في الوسائل في الباب 27 من قواطع الصلاة.

[ 77 ]

تفصيل كما يدل عليه اشتراط نفي البأس بانتفاء تخوف سيلان الدم، فلو كان مس تلك الاجزاء مقتضيا للتنجيس ولو على بعض الوجوه لم يحسن هذا الاطلاق بل كان اللائق البيان كما وقع في خوف السيلان، وحينئذ فظاهر الاطلاق الطهارة في الحالين وبه يتم الاستدلال وبالجملة فالظاهر انه لا خلاف في القول بالطهارة وان اختلفوا في الدليل على ذلك، والتمسك باصالة الطهارة سيما مع الاعتضاد بظاهر الصحيحة المذكورة بالتقريب المذكور اقوى متمسك في المقام، والاحتياط لا يخفى. والله العالم. (المسألة الثالثة) اتفق الاصحاب من غير خلاف يعرف على طهارة مالا تحله الحياة من الميتة، وهي عشرة: العظم والظفر والظلف والقرن والحافر والشعر والوبر والصوف والريش والبيض إذا اكتسى القشر الاعلى، وكذا نقله في المدارك بعد ان ذكر انه حصر ذلك في عشرة اشياء ثم عد العشرة المذكورة، وفي المعالم وكذا في المنتهى ذكر العشرة ولكن ذكر الانفحة مكان الظفر، وفي المدارك بعد ان عد العشرة المذكورة ونقل بعض اخبار المسألة قال ويستفاد من صحيحة زرارة استثناء الانفحة ايضا وهو مقطوع به في كلام الاصحاب وظاهر المنتهى انه مجمع عليه بين الاصحاب. وفيه انه كان الواجب بمقتضى هذا الكلام جعل الانفحة من جملة الافراد التي عدها اولا وان زادت على العشرة مع انه ادعى في صدر كلامه الحصر في العشرة التي ذكرها وهل هذا إلا تدافع ظاهر ؟ وكيف كان فالواجب ذكر اخبار المسألة كملا مما وصل الينا نقله ثم تذييلها بما تضمنته من الاحكام المتعلقة بذلك: فاقول: من الأخبار المذكورة ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن الصادق عليه السلام (1) قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ان الصوف ليس فيه روح وفي هذا الخبر ما يدل على طهارة ما لا روح فيه مطلقا إذ الظاهر ان قوله عليه السلام: ان الصوف ليس فيه روح وقع تعليلا لنفي البأس عن الصلاة فيه


(1) رواه في الوسائل في الباب 68 من ابواب النجاسات.

[ 78 ]

وما رواه الشيخ ومثله الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت ؟ قال لا بأس به. قلت اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت ؟ قال لا بأس به. قلت والصوف والشعر وعظام الفيل والجلد والبيضة تخرج من الدجاجة ؟ قال كل هذا لا بأس به " والجلد في الخبر ليس في الفقيه وهو الاصح، والظاهر انه من سهو قلم الشيخ (قدس سره) كما لا يخفى. وما رواه الشيخ في الحسن عن حريز (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن واللبأ والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ ينفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وان اخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه " وعن اسماعيل بن مرار عن يونس عنهم (عليه السلام) (3) قال: " خمسة اشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الانفحة والبيض والصوف والشعر والوبر، ولا بأس باكل الجبن كله مما عمله مسلم أو غيره وانما يكره ان يؤكل سوى الانفحة مما في آنية المجوس واهل الكتاب لانهم لا يتوقون الميتة والخمر ". وعن الحسين بن زرارة في الموثق أو الحسن (4) قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) وابي يسأله عن السن من الميتة واللبن من الميتة (5) والبيضة من الميتة وانفحة الميتة ؟ فقال كل هذا ذكي " قال في الكافي: وزاد فيه علي بن عقبة وعلي بن الحسن بن رباط قال: " والشعر والصوف كله ذكي " وقال في الكافي ايضا: وفي رواية صفوان عن الحسين بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " الشعر والصوف والوبر والريش وكل نابت لا يكون ميتا. قال وسألته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة ؟ فقال تأكلها ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) رواه في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة (5) جاء في رواية الكال (اللبن) وفي رواية التهذيب (السن) وجمع بينهما في الوافي.

[ 79 ]

وما رواه في الكافي عن ابى حمزة الثمالي عن الباقر (عليه السلام) (1) في حديث طويل قال فيه: " قال قتادة فاخبرني عن الجبن فتبسم أبو جعفر (عليه السلام) ثم قال رجعت مسائلك الى هذا ؟ قال ضلت عني. فقال لا بأس به. فقال انه ربما جعلت فيه انفحة الميت ؟ قال ليس بها بأس ان الانفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم انما تخرج من بين فرث ودم، ثم قال وان الانفحة بمنزلة دجاجة ميتة خرجت منها بيضة فهل تأكل البيضة ؟ قال لا ولا آمر باكلها، فقال أبو جعفر (عليه السلام) ولم ؟ قال لانها من الميتة. قال له فان حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها ؟ قال نعم. قال فما حرم عليك البيضة واحل لك الدجاجة ؟ ثم قال (عليه السلام) فكذلك الانفحة مثل البيضة فاشتر الجبن من اسواق المسلمين من ايدي المصلين ولا تسأل عنه الا ان يأتيك من يخبرك عنه ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال قال الصادق (عليه السلام): " عشرة اشياء من الميتة ذكية: القرن والحافر والعظم والسن والانفحة واللبن والشعر والصوف والريش والبيض " ورواه في الخصال مسندا عن محمد بن ابي عمير رفعه الى الصادق (عليه السلام) مثله (3) منع مخالفة في الترتيب. وما رواه الشيخ عن غياث بن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (4) " في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة ؟ قال ان كانت البيضة اكتست الجلد الغليظ فلا بأس بها " وما رواه في الكافي عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال " كتبت إليه اسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ان ذكي ؟ فكتب لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب وكل ما كان من السخال من الصوف ان جز والشعر والوبر والانفحة والقرن ولا يتعدى إلى غيرها ان شاء الله تعالى " قال بعض المحدثين من المحققين " هكذا وجد هذا الحديث في نسخ الكافي والتهذيبين وكأنه سقط منه شئ " انتهى. وهو كذلك


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة.

[ 80 ]

وما رواه في التهذيب في باب الذبائح والاطعمة في الحسن عن صفوان عن الحسين بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (1) " في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فاشرب منه واتوضأ ؟ قال نعم، وقال يدبغ فينتفع به ولا يصلي فيه. قال الحسين: وسأله ابي عن الانفحة تكون في بطن العناق أو الجدي وهو ميت ؟ فقال لا بأس به. قال الحسين: وسأله ابي وانا حاضر عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن انسان ميت فيجعله مكانه ؟ فقال لا بأس. وقال عظام الفيل تجعل شطرنجا ؟ فقال لا بأس بمسها. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) العظم والشعر والصوف والريش وكل نابت لا يكون ميتا. قال وسألته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة ؟ فقال لا بأس باكلها " اقول عجز هذه الرواية هو الذي تقدم نقل صاحب الكافي له بقوله: وفي رواية صفوان عن الحسين بن زرارة.. الخ إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع في مواضع: (الاول) انه لا يخفى على من لاحظ الاخبار التي قدمناها في نجاسة الميتة دلالتها على الحكم المذكور الشامل لجميع اجزاء الميتة من هذه العشرة وغيرها، وان هذه العشرة انما استثنيت وخرجت عن الحكم المذكور بهذه الاخبار المذكورة هنا الصريحة في طهارتها المعبر عنها في جملة من هذه بانها ذكية اي طاهرة وفي بعض بانها لا تحلها الروح كما اشير إليه في صحيحة الحلبي وفي حديث ابي حمزة الثمالي من قوله (عليه السلام) في الانفحة " انها ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم " فان الظاهر من سياق هذا الكلام الاستدلال على نفي البأس عن الانفحة انما هو من حيث ما ذكرناه الموجب لطهارتها، والوجه فيه ان العرق مما تحله الحياة واما الدم فهو مادة الحياة ولذا يطلق عليه النفس كما صرح به اهل اللغة ووقع التعبير به في كلام الفقهاء من قولهم ذي النفس السائلة اي الدم الجاري من العرق بعد قطعه بقوة ودفع، واما العظم فانه وان لم تحله الحياة في حد ذاته لكنه مستلزم لكون ما وقع فيه مما


(1) رواه في الوسائل في الباب 34 و 33 من الاطعمة المحرمة.

[ 81 ]

تحله الحياة البتة ومتعلقا للروح، ألا ترى انه يجب في القطعة المشتملة على العظم غسلها وتكفينها وان لم يجب ذلك في العظم وحده فوجوده مؤكد لتعلق الروح فيما نحن فيه. وبما ذكرنا يظهر لك ما في كلام المحقق الخوانساري في شرح الدروس من المناقشة هنا في دلالة الأخبار المذكورة على الاستثناء والاستناد في طهارة هذه الاشياء الى الأصل والاتفاق على الحكم المذكور، حيث قال في بيان الدليل على طهارة هذه الاشياء: " واما الثاني فالدليل على طهارتها اصالة الطهارة إذ عموم دلالة نجاسة الميتة بحيث يشمل هذه الاجزاء غير ظاهر كما عرفت، والاتفاق ظاهرا، وعدم صدق اسم الميتة عليها لان الموت فرع الحياة. لا يخفى انه لو كان نص يدل على ان الميتة نجسة فلا يبعد ان يقال ان الظاهر ان جميع اجزائها كما يقولون ان جميع اجزاء الكلب مثلا نجس باعتبار انه وجد النص بنجاسة الكلب وهو ظاهر في نجاسة جميع اجزائه، وكون بعض اجزائها مما لا تحله الحياة لا يقدح فيه. فالعمدة عدم وجود النص الدال على تعليق الحكم بالنجاسة على الميتة كما يقولون لا عدم حلول الحياة، وكيف وظاهر ان زوال الحياة ليس سببا للنجاسة وإلا لزم ان يكون الحيوان الذكي ايضا نجسا بل عدم التذكية يصير سببا لنجاسة الحيوان، ولا استبعاد في ان يصير سببا لنجاسة جميع اجزائه سواء حلته الحياة اولا " انتهى. اقول: فيه ما عرفت من وجود الدليل على نجاسة الميتة وانه عام لجميع اجزائها بالتقريب الذي ذكره في الكلب، وانما خرجت هذه العشرة المذكورة هنا بهذه الأخبار فهي مخصصة لعموم تلك الأخبار ومقيدة لاطلاقها كما هي القاعدة المطردة في مقام اجتماع العام والخاص والمطلق والمقيد. واما قوله انه مع عموم تلك الأخبار فكون بعض اجزائها مما لا تحله الحياة لا يقدح في العموم فمردود بان القادح في العموم انما هو اشتمال جملة من هذه الأخبار على كون هذه الاشياء ذكية وجملة منها على نفي البأس الظاهر كل منهما في الطهارة وان كان الاول اشد ظهورا وان وقع التعبير في بعضها

[ 82 ]

بكونه مما لا تحله الحياة إلا ان المنافاة الموجبة لتقييد اطلاق تلك الأخبار انما هو من حيث دلالة هذه الأخبار على الطهارة بهذه الالفاظ الدالة على ذلك ومقتضى القاعدة كما عرفت تقييد اطلاق تلك الاخبار بهذه، وحينئذ فما ادعاه من انه مع وجود النص الدال على نجاسة الميتة فانه يشمل جميع هذه الاشياء المذكورة وان هذه الأخبار لا تفيد تخصيصا ولا تقييدا لها لعدم ظهور الدلالة على الطهارة حتى انه انما التجأ الى اصالة الطهارة والاتفاق ظاهرا وعدم صدق الميتة عليها غلط محض حيث انه غفل عما اشتملت عليه هذه الأخبار من الالفاظ الظاهرة وانما تعلق باشتمال بعضها على عدم حلول الحياة ورتب عليه ما ذكره من المناقشة، وما ذكرناه بحمد الله سبحانه ظاهر لاسترة عليه. (الثاني) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) عدم الفرق في الحكم بطهارة الصوف والشعر والريش والوبر بين كونها مأخوذة من الميتة بطريق الجز أو القلع إلا انه يحتاج في صورة القلع الى غسل موضع الاتصال من حيث ملاقاة الميتة بالرطوبة. ويدل على ذلك (اولا) اطلاق الاخبار المتقدمة إذ لا تصريح فيها بالجز ولا غيره. و (ثانيا) حسنة حريز المتقدمة في صدر المسألة حيث اشتملت على الامر بغسل هذه الاشياء بعد اخذها من الميتة، ومن الظاهر انه لا وجه للامر بالغسل مع الجز بل الظاهر ان المراد انما هو قلعها والخبر المذكور قد صرح بانه ذكي في الصورة المذكورة اي طاهر فالخبر ظاهر الدلالة على الطهارة في صورة القلع. وذهب الشيخ في النهاية الى اشتراط الجز وخص الطهارة بذلك، ونقل عنه انه علل ذلك بان اصولها المتصلة باللحم من جملة اجزائه وانما يستكمل استحالتها الى احد المذكورات بعد تجاوزها عنه. ورد (اولا) بالمنع لانه يصدق على المجموع من المتصل باللحم والمتجاوز عنه اسم هذه الاشياء وهو لا يجامع كون شئ منها جزء من اللحم. و (ثانيا) ما قدمنا من اطلاق الأخبار والتقييد يحتاج الى دليل وليس فليس، مضافا الى ما عرفت مما دلت عليه حسنة حريز المشار إليها.

[ 83 ]

قال المحقق الخوانساري في شرح الدروس: " ثم ان حكم الاصحاب بالغسل في صورة القلع فبناء على عموم نجاسة الملاقي للنجس بالرطوبة والميتة نجسة واصول هذه الاشياء ملاقية لها بالرطوبة فيجب غسلها، ويدل عليه ايضا حسنة حريز المذكورة مع معاضدة الاحتياط. ولا يذهب عليك ان الاحوط عدم الاكتفاء بغسل موضع الاتصال بل غسل جميعها بل على تقدير الجز ايضا لان الرواية المذكورة المتضمنة للامر بالغسل مطلقة لا تقييد فيها بموضع الاتصال وحالة القلع " انتهى. ولا يخلو من غرابة اما (اولا) فلتصريح الاخبار المذكورة بطهارة هذه الاشياء وانها ذكية، مضافا الى اتفاق الاصحاب واصالة الطهارة وعدم صدق الميتة عليها كما تقدم في كلامه الذي قدمنا ذكره في سابق هذا الموضع. و (اما ثانيا) فان غسل موضع الملاقاة للميتة وجهه ظاهر واما ما عدا موضع الملاقاة وكذا ما اخذ جزا فما وجه الاحتياط في غسله مع الوجوه المذكورة ؟ والرواية التي اشار إليها وان كانت مطلقة لكنها معارضة فيما عدا موضع الملاقاة بالادلة المذكورة الدالة على الطهارة فلابد من تخصيصها بموضع الملاقاة كما ذكرناه جمعا بينها وبين تلك الادلة، ولو قام مثل هذا الاحتياط في المقام لجرى في جميع الاشياء المحكوم بطهارتها، وبالجملة فان ما ذكره (قدس سره) لا اعرف له وجها بالكلية. هذا، وظاهر حسنة حريز المشار إليها ان حكم القرن والناب والحافر ومثلها الظلف والظفر حكم ما ذكر في الصوف والشعر والريش والوبر من انها متى اخذت بالقلع من الميتة فانه يغسل موضع الملاقاة منها بالتقريب المتقدم في الشعر واشباهه وانها لو اخذت بالكسر أو البري بسكين ونحوها فانه يكون كالجز بالنسبة الى تلك الاشياء وخلاف الشيخ يجري هنا في القلع ايضا بالتقريب الذي قدمنا نقله عنه إلا اني لم اقف على من ذكر ذلك من الاصحاب ومقتضى ظاهر الحسنة المشار إليها وكذا تعليل الشيخ المتقدم هو ما ذكرناه.

[ 84 ]

(الثالث) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في الحكم بطهارة هذه الاشياء من الميتة بين كون الميتة مما يؤكل لحمه لو ذكي ولا غيره، وقال العلامة في النهاية: اما بيض الجلال وما لا يؤكل لحمه مما له نفس سائلة فالاقوى فيه النجاسة، ونحوه ذكر في المنتهى ايضا، نقل ذلك في المعالم وقال بعد نقل الحكم المذكور لا نعرف فيه خلافا إلا من العلامة ثم نقل كلامه في الكتابين المذكورين. وقال: ولا نرى لكلامه وجها ولا عرفنا له عليه موافقا وقد نص الشهيد في الذكرى على عدم الفرق واما الانفحة من غير المحلل كالموطوء ففي طهارتها احتمالان منشأهما من كون اكثر الاخبار الدالة على طهارتها واردة بالحل أو مسوقة لبيانه ومنه استفيدت الطهارة وذلك مفقود في غير المحلل، ومن عدم الدليل العام على نجاسة الميتة بحيث يتناول امثال هذه الاجزاء كما اشرنا إليه ومقتضى الاصل هو الطهارة الى ان يقوم الدليل على خلافها ولا دليل، ولم اقف لاحد من الاصحاب في ذلك على كلام وربما يكون اطلاقهم الحكم بالطهارة قرينة على عدم التفرقة. ولا يخفى ان فرق العلامة في حكم البيض يقتضي الفرق هنا ايضا. انتهى. اقول: فيه ان ما ذكره بالنسبة الى الانفحة في الاحتمال الثاني من عدم الدليل العام على نجاسة الميتة مردود بما قدمنا ذكره من الاخبار الدالة على ذلك وما ذيلناها به من التقريب الدال على النجاسة، ومتى ثبت ذلك استلزم القول بنجاسة جميع اجزائها بالتقريب المتقدم في الكلب ونحوه من نجس العين كما سيجئ تحقيقه ايضا ان شاء الله تعالى في المقام والاعتراف بذلك من جملة من علمائنا الاعلام. واما قوله: " وربما يكون اطلاقهم الحكم بالطهارة قرينة على عدم الحكم بالتفرقة " فهو معارض بان اتفاقهم على الحكم بنجاسة الميتة كما اعترف به سابقا من انه لا مستند لهذا الحكم إلا اتفاقهم المستلزم كما عرفت للحكم بنجاسة كل جزء جزء من اجزاء الميتة موجب للحكم بالنجاسة في الانفحة فيبقى الوجه الاول من الاحتمالين المذكورين في كلامه سالما عن

[ 85 ]

المعارض وينتفي ما ادعاه من التمسك بمقتضى الاصل فانه يجب الخروج عنه بالدليل، وقد دل على نجاسة الميتة الشامل ذلك للانفحة وغيرها خرج من ذلك ما دلت عليه الاخبار الدالة على طهارتها من حيث الحل كما ذكره وبقي ما كان من غير المحلل على النجاسة، على ان ما ذكره من كون اكثر الاخبار الدالة على طهارتها واردة بالحل أو مسوقة لبيانه محل نظر. فان ظاهر سياقها انما هو بالنسبة الى الطهارة والنجاسة لا الحل والحرمة كما ادعاه، والذي قدمناه من الروايات المشتملة على الانفحة صحيحة زرارة وفيها نفي البأس إلا ان موردها الجدي الذي هو مأكول اللحم، ورواية يونس وهي مطلقة بالنسبة الى الحيوان المأكول وغيره وذكر الانفحة فيها في سياق الصوف والشعر والوبر والحكم فيها بانها ذكية اظهر ظاهر في ان المراد انما هو الطهارة لا الحل فان ما ذكره معها من الصوف وما بعده ليس من المأكولات، ونحوها موثقة الحسين بن زرارة حيث ذكر فيها انها ذكيه اي طاهرة، سيما باضافة الزيادة المنقولة من الكافي عن علي بن عقبة وعلي بن رباط باضافة الشعر والصوف، ومرسلة الصدوق في الفقيه المسندة في الخصال المشتملة على عد العشرة كملا بالحكم بكونها من الميتة ذكية فانه ظاهر في الطهارة لا في الحل، وكذلك رواية الجرجاني، فاين اكثر الاخبار الواردة بالحل أو المسوقة لبيانه ؟ نعم ذكر الحل وقع في حديث الثمالي إلا ان ظاهر سياقه ان الكلام في الحل والحرمة انما وقع تفريعا على الطهارة والنجاسة، حيث انه (عليه السلام) لما نفى البأس عن الجبن واحل اكله عارضه السائل بانه تجعل فيه الانفحة وهي نجسة لاخذها من الميتة فأجاب (عليه السلام) بان الانفحة طاهرة لانها ليست مما تحله الحياة بالتقريب الذي قدمنا ذكره في الموضع الاول ثم نظر له بالبيضة المأخوذة من الميتة، فذكر الحل في الخبر انما وقع بطريق العرض والا فاصل الكلام انما هو في الطهارة والنجاسة، ومثلها تتمة حديث يونس بالتقريب المذكور، على ان لفظ الحل في الاخبار ربما استعمل في حل الاستعمال وهو شائع سيما في هذا المقام في كلام الفقهاء فانهم يعبرون في هذا المقام عن

[ 86 ]

طهارة الصوف والشعر ونحوها من القرن والظلف وغيرهما بالحل وانها تحل من الميتة وليس المراد إلا حل استعمالها كما لا يخفى على من راجع عباراتهم. والعجب ايضا من متابعة الفاضل الخراساني في الذخيرة له على ذلك حيث انه جرى على ما جرى عليه وذكر ذلك وان لم يسنده إليه. (الرابع) قد اختلف كلام اهل اللغة في معنى الانفحة والظاهر انه بسبب ذلك اختلف كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) في ذلك، فعن الصحاح ان الانفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة كرش الحمل والجدي ما لم يأكل. وقال في القاموس: " الانفحة بكسر الهمزة وتشديد الحاء وقد تكسر الفاء والمنفحة والتنفحة: شئ يستخرج من بطن الجدي الراضع اصفر فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن فإذا اكل الجدي فهو كرش، وتفسير الجوهري الانفحة بالكرش سهو " وقال الفيومي في المصباح المنير: " والانفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء وتثقيل الحاء اكثر من تخفيفها قال ابن السكيت وحضرني اعرابيان فصيحان من بني كلاب فسألتهما عن الانفحة فقال احدهما لا اقول إلا انفحة يعني إلا بالهمزة وقال الاخر لا اقول إلا منفحة يعني إلا بميم مكسورة ثم افترقا واتفقا على ان يسألا جماعة من بني كلاب فاتفقت جماعة على قول هذا وجماعة على قول هذا فهما لغتان، والجمع انافح ومنافح، قال الجوهري الانفحة هي الكرش، وفي التهذيب لا تكون الانفحة إلا لكل ذي كرش، وهو شئ يستخرج من بطنه اصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ولا يسمى انفحة إلا وهو رضيع فإذا رعى قيل استكرش اي صارت انفحته كرشا. ونقل ابن الصلاح ما يوافقه فقال الانفحة ما يؤخذ من الجدي قبل ان يطعم غير اللبن فان طعم غيره قيل مجبنة. وقال بعض الفقهاء ويشترط في طهارة الانفحة ان لا تطعم السخلة غير اللبن وإلا فهي نجسة واهل الخبرة بذلك يقولون إذا رعت السخلة وان كان قبل الفطام استحالت إلى البعر " انتهى كلام صاحب المصباح. وقال في مجمع البحرين: والانفحة بكسر

[ 87 ]

الهمزة وفتح الفاء مخففة وهي كرش الحمل والجدي ما لم يأكل فإذا اكل فهو كرش حكاه الجوهري عن ابي زيد، وفي المغرب انفحة الجدي بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء وتشديدها وقد يقال منفحة ايضا وهو شئ يخرج من بطن الجدي اصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ولا يكون إلا لكل ذي كرش، ويقال انها كرشه إلا انه ما دام رضيعا سمي ذلك الشئ انفحة فإذا فطم ورعى العشب قيل استكرش انتهى. وقال ابن ادريس في السرائر: والانفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء كرش الحمل والجدي ما لم يأكل فإذا اكل فهو كرش وفسرها العلامة على ما نقله في المعالم في جملة من كتبه بما يوافق كلام القاموس فقال انها لبن مستحيل في جوف السخلة. وانت خبير بانه قد علم من ذلك الاختلاف في الانفحة بين كونها عبارة عن الكرش أو عن ذلك الشئ الاصفر الذي يعصر في صوفة مبتلة فيغلظ، ويمكن ترجيح الثاني بقوله (عليه السلام) في رواية الثمالي " انما تخرج من بين فرث ودم " فان الظاهر انه اشارة الى قوله عزوجل: " وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين " (1) قال في مجمع البيان نقلا عن ابن عباس قال: " إذا استقر العلف في الكرش صار اسفله فرثا واعلاه دما واوسطه لبنا فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو " انتهى. ومقتضى ذلك ان اللبن الذي تشربه السخلة يصير بعد وصوله الى الكرش الى هذه الاقسام الثلاثة ثالثها هو هذا الشئ الاصفر الذي ذكره اهل اللغة وان كان بعد رعيه العلف يضمحل ذلك ولا يصير كذلك وانما يبقى الفرث وهو التفل والدم خاصة. ويمكن ايضا ان يقال وهو الانسب بكلام اهل اللغة القائلين بان الانفحة عبارة عن ذلك الشئ الاصفر ما دام يغتذي باللبن وإذا اغتذى بالعلف صار كرشا انه في حال الاغتذاء باللبن ليس له كرش وانما الذي يتحول إليه لبنه الذي يشربه هذا الشئ الاصفر مع التفل والدم وبعد رعيه يصير هذا الشئ الاصفر


(1) سورة النحل، الاية 68.

[ 88 ]

كرشا، وبه ينطبق الخبر المذكور على كلام اهل اللغة انطباقا ظاهرا. هذا، وقد اضطرب كلام جملة من افاضل المتأخرين في هذا المقام في الحمل على اي المعنيين المذكورين، من جهة انهم حكموا في الصوف والشعر ونحوهما مما يؤخذ قلعا من الميتة بوجوب الغسل كما تقدم من حيث ملاقاة الميتة برطوبة بناء على القاعدة المقررة بينهم من ان ملاقي النجس مع الرطوبة ينجس، وحينئذ فبعضهم رجح تفسير الانفحة بالكرش دون ذلك الشئ الاصفر لان ذلك الشئ الاصفر ان كان طاهرا بمقتضى ظاهر الاخبار على تقدير تفسير الانفحة به إلا انه ينجس بملاقاة الجلد الذي يحويه فيمنع من الانتفاع به ويحكم بنجاسته، واما الكرش فانه مع تفسير الانفحة به يكون طاهرا بمقتضى الاخبار المذكورة. وهل يحتاج ظاهره الى تطهير من حيث الملاقاة لباطن الميتة وان كانت ذاته طاهرة ؟ احتمالان نقل في المعالم عن والده في بعض فوائده انه اختار الاول ثم نقل عنه انه توقف في الروضة. قال ولا نعلم من الاصحاب مصرحا بالثاني وربما كان في اطلاقهم الحكم بالطهارة اشعار به. وقال في الذكرى الاولى تطهير ظاهرها من الميتة للملاقاة. انتهى وقال في المدارك: في وجوب غسل الظاهر من الانفحة والبيضة وجهان اظهرهما العدم للاصل واطلاق النص، وظاهر كلام المنتهى يعطي الوجوب وهو احوط، انتهى. وقال الفاضل الخوانساري في شرح الدروس بعد نقل الخلاف في المسألة: " والظاهر تفسير العلامة لانه يظهر من الروايات المذكورة ان الانفحة شئ يصنع به الجبن، والظاهر ان الجبن انما يعمل من الشئ الذي في جوف السخلة مثل اللبن لا من كرشها الذي هو للحيوان بمنزلة المعدة للانسان، وما في رواية الثمالي من انها تخرج من بين فرث ودم يشعر ايضا بانه مثل اللبن، وعلى هذا فالظاهر ان الكرش محلها " انتهى. وفيه انه متى فسر الانفحة بذلك الشئ الاصفر فهب انها طاهرة للنصوص إلا ان هذا الكرش الذي جعله محلها نجس البتة فيعود الاشكال كما تقدم ذكره وبالجملة فانه لا يخفى ان مقتضى تصريحهم بتعدي النجاسة للصوف المقلوع ونحوه

[ 89 ]

مضافا الى القاعدة المتقدمة هو النجاسة ووجوب التطهير من حيث الملاقاة وان كانت طاهرة في حد ذاتها باي المعنيين اعتبرت، إلا ان يقال بان مقتضى الوقوف على ظواهر النصوص المذكورة هو التطهير بالنسبة الى الصوف ونحوه حيث دلت على ذلك حسنة حريز المتقدمة، ولا منافاة في الحكم بطهارة الانفحة باي المعنيين المذكورين اعتبرت واستثناء ذلك من حكم ملاقاة النجاسة كما سيأتي مثله في اللبن في ضرع الميتة، ولعل وجه الاستثناء هو حكم الضرورة بالحاجة الى الانفحة كما يشعر به خبر يونس (1) من قوله (عليه السلام): " خمسة اشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الانفحة والبيض والصوف والشعر والوبر " وحينئذ فيزول الاشكال من هذا المجال. بقي الكلام هنا في بعض ما يتعلق بالمقام وهو امران: (الاول) ان ظاهر كلام اهل اللغة الذي قدمناه هو ان الانفحة مخصوصة بما إذا لم يرع وإلا فلو رعى لم يسم انفحة وانما يقال كرش مع ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: والانفحة طاهرة من الميتة والمذبوحة وان اكلت السخلة غير اللبن. ولا ريب في ضعفه حيث ان كلامهم متفق على تخصيص ذلك بما إذا كان اعتياده على اللبن ومع اكل غيره انما يقال كرش لا انفحة (الثاني) قال في المدارك بعد ذكر الانفحة: " واختلف كلام اهل اللغة في معناها فقيل انه كرش السخلة قبل ان تأكل، وقيل انها شئ اصفر يستخرج من بطن الجدي، ولعل الثاني اولى اقتصارا على موضع الوفاق وان كان استثناء نفس الكرش ايضا غير بعيد تمسكا بمقتضى الاصل " انتهى. وانت خبير (اولا) بان ما علل به اولوية الثاني من الاقتصار على موضع الوفاق لا اعرف له وجها ظاهرا مع ما عرفت من الخلاف في المسألة وتقابل القولين فيها نعم لو كان القائل بان الانفحة عبارة عن الكرش يعني الكرش وما فيه ومن جملته ذلك الشئ الاصفر فيكون القول بالكرش اعم مطلقا فانه يتم ما ذكره لكن لم اقف


(1) ص 78.

[ 90 ]

على من صرح بذلك من الاصحاب ولا من اهل اللغة بل ظاهر الجميع تباين القولين. و (ثانيا) ان ما ذكره من التمسك بالاصل مردود بما عرفت من عموم نجاسة الميتة الموجب لتنجيس ما لاقاها برطوبة، والكرش وان كان طاهرا بالذات من حيث استثناء الروايات إلا انه نجس بالعرض، إلا ان يجاب عن الاشكال المذكور بما ذكرناه. (الخامس) ان جملة من الأخبار المتقدمة قد دلت على استثناء البيضة كجملة ما ذكر من العشرة. وظاهر اطلاقها الحكم بالطهارة وان لاقت الميتة بالرطوبة مع مخالفة ذلك لما عرفت في الصوف ونحوه من انه متى اخذ بالقلع فانه يجب تطهير موضع الملاقاة كما قال به الاصحاب (رضوان الله عليهم) ودلت عليه حسنة حريز، ومن اجل ذلك اختلفت كلمة الاصحاب في البيضة ايضا، فظاهر بعض الحكم بالطهارة نظرا إلى اطلاق النصوص والظاهر انه قول الاكثر كما نقله في المعالم، حيث انهم اطلقوا الحكم بطهارة البيضة ولم يتعرضوا لحكم ظاهرها مع معلومية ملاقاتها بالرطوبة للميتة النجسة، والمفهوم من كلام العلامة النجاسة كما صرح به في النهاية حيث قال: البيضة من الدجاجة الميتة طاهرة ان اكتست الجلد الفوقاني الصلب لانها صلبة القشر لاقت نجاسة فلم تكن نجسة في نفسها بل بالملاقاة، ونحوه في المنتهى ايضا. ويمكن تأييد ما ذهب إليه العلامة بان حسنة حريز التي استدل بها على غسل موضع القلع من الصوف ونحوه قد تضمنت البيضة في جملة تلك الافراد المعدودة فيها والامر بغسل تلك الاشياء المعدودة إذا اخذت بعد الموت فتدخل البيضة في ذلك، غاية الامر انها قد اشتملت ايضا على اللبن واللبأ وهذان الفردان يجب اخراجهما من حيث عدم امكان الغسل فيهما فلا ينصرف الامر المذكور اليهما، واشتملت بعد الأمر بالغسل على الأمر بالصلاة وهذا ربما يشعر بظاهره خروج البيضة ايضا حيث انه لا يصلى فيها. ويمكن ان يقال ان الامر بالغسل لا يستلزم الأمر بالصلاة فيحمل الأمر بالصلاة على ما يصلى فيه من تلك الافراد كالصوف والشعر، إذ لا يخفى ان الرواية قد اشتملت في جملة

[ 91 ]

المعدودات ايضا على القرن والحافر والناب ومن الظاهر ان هذه لا يصلى فيها، وتمحل الحمل على بعض الافراد النادرة الشاذة ان اتفق إلا انه لا يعمل عليه ولا ينبغي ان يصغى إليه إذ اطلاق الأخبار انما ينصرف الى الافراد المتكثرة كما سمعته غير مرة، وبالجملة فان الرواية المذكورة صرحت بعد تعداد تلك الافراد المذكورة فيها بان كل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي وان اخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه، وحينئذ فكما استثني اللبن واللبأ من حيث عدم صلاحيتهما للغسل ينبغي ان يستثنى من الصلاة ما لا تقع الصلاة فيه ولا يكون مما يصلي فيه ويبقى الغسل عاما للجميع عدا اللبن واللبأ، فكأنه قيل: وكل شئ من هذه الاشياء متى اخذ من الميتة فاغسله من حيث ملاقاة الميتة وصل فيه ان كان مما يصلى فيه. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. وعلى هذا فيحمل اطلاق باقي الروايات على هذه الرواية فيجب حينئذ غسل البيضة، ويؤيد ذلك بموافقة القاعدة الكلية في ملاقاة النجاسة برطوبة وغسل اصل الصوف ونحوه واوفقيته بالاحتياط في الدين. بقي الكلام ايضا في موضعين آخرين: (احدهما) ان اكثر الاخبار التي قدمناها خالية من التعرض لاشتراط اكتساء البيضة القشر الاعلى نعم ذلك في رواية غياث خاصة، وظاهر الاصحاب الاتفاق على هذا الشرط وكأنهم حملوا اطلاق الاخبار المذكورة على هذه الرواية وطعن فيها في المدارك بضعف السند وظاهره العمل باطلاق الأخبار المذكورة حيث ان فيها الصحيح مثل صحيحة زرارة، وظاهر صاحب المعالم ايضا العمل بالاطلاق المذكور لضعف الخبر مع طعنه في الأخبار الاخر ايضا بناء على اصطلاحه الذي تفرد به من توقف الوصف بالصحة على اخبار اثنين من علماء الرجال، إلا انه عضدها بموافقة الاصل وكثرتها وان الصدوق في المقنع لم يتعرض لهذا الشرط بل اطلق القول كما في اكثر الاخبار، وجمهور الاصحاب على خلاف ما ذهب إليه وضعف الخبر المذكور مجبور عندهم بالشهرة وعمل الاصحاب على ما تضمنه، وهو الظاهر الذي عليه

[ 92 ]

العمل حيث انا لا نرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث. و (ثانيهما) ان كلام الاصحاب قد اختلف في التعبير عن هذا الشرط الذي ذكر لطهارة البيضة، فبعض المتقدمين اقتصر على نقل الحديث فعبر بالجلد الغليظ واقتفاه الشيخ في النهاية كما هي عادته غالبا من التعبير بمتون الاخبار، وبعض عبر بالجلد ولكن بدلوا لفظ الغليظ بالفوقاني، وعبر جماعة: منهم المحقق والشهيد بالقشر الاعلى وفي كلام العلامة في جملة من كتبه الصلب كما تقدم في عبارة النهاية ومثله في المنتهى، وتبعه على التقييد بالصلابة بعض المتأخرين، والظاهر ان مرجع الجميع الى امر واحد والاختلاف انما هو بحسب اللفظ، اما فيما عدا عبارة العلامة بالصلب فظاهر، واما في التعبير بالصلب فيمكن ان يكون خرج مخرج الغالب، وبيان ذلك ان هذا القشر الذي يجمع البياض والصفرة اول ما يكون رقيقا ثم يغلظ حتى يصير صلبا، والمراد بالقشر الاعلى والجلد الغليظ والفوقاني في عباراتهم هو هذا الغشاء الرقيق الذي يصلب بعد ذلك إذا آن رمي الدجاجة للبيضة واخراجها، فالاعتبار في طهارة البيضة بحصوله وان لم يصلب على الوجه الذي تخرج عليه البيضة عادة، وتقييد العلامة بالصلابة ربما ينافي ذلك الا ان يحمل على الخروج مخرج الغالب كما ذكرنا، نعم حكى العلامة في بعض كتبه عن بعض الجمهور انه ذهب الى طهارة البيضة وان لم تكتس القشر الاعلى محتجا بان عليها غاشية رقيقة تحول بينها وبين النجاسة، ثم قال: والاقرب عندي انها ان كانت قد اكتست الجلد الاعلى وان لم يكن صلبا فهي طاهرة لعدم الملاقاة والا فلا، وربما اشعر هذا الكلام بمنافاة ما ذكرناه الا انه يمكن ارجاعه إليه بان يحمل كلامه على ان المراد انه ان كانت هذه الغاشية الرقيقة هي الجلد الاعلى الذى يجمع البياض والصفرة وهو الذي يصلب بعد ذلك فانه يصلب عليه الجلد الاعلى الذي هو المناط في الطهارة وان لم يكن صلبا والا فلا، وهذا يرجع الى ما قدمنا ذكره. (السادس) اختلف اصحابنا في طهارة اللبن في ضرع الشاة الميتة ونجاسته،

[ 93 ]

فعن الصدوق في المقنع والشيخ في الخلاف والنهاية وكتابي الحديث وكثير من الاصحاب الطهارة حتى نقل عن الشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية دعوى الاجماع على ذلك، وقال ابن ادريس في السرائر: اللبن نجس بغير خلاف عند المحصلين من اصحابنا لانه مائع في ميتة ملامس لها، وما اورده شيخنا في نهايته رواية شاذة مخالفة لاصول المذهب لا يعضدها كتاب الله ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع وتبعه على القول بذلك جماعة من الاصحاب: منهم الفاضلان، قال في المنتهى المشهور عند علمائنا ان اللبن من الميتة المأكولة للحم بالذكاة نجس وقال بعضهم هو طاهر، ثم قال في الاستدلال على النجاسة: لنا على التنجيس انه مائع في وعاء نجس فكان نجسا كما لو احتلب في وعاء نجس، ولانه لو اصاب الميتة بعد حلبه تنجس فكذا لو انفصل قبله لان الملاقاة ثابتة في البابين. والى القول بالطهارة مال من المتأخرين ومتأخريهم الشهيد في الذكرى والسيد السند في المدارك والمحقق الشيخ حسن في المعالم والفاضل الخوانساري في شرح الدروس والفاضل الخراساني في الذخيرة، وهو المختار لما تقدم من الاخبار وهي صحيحة زرارة وحسنة حريز وموثقة الحسين بن زرارة أو حسنته ومرسلة الفقيه المسندة في الخصال. ولا يخفى ان ما استندوا إليه في الحكم بالنجاسة من حيث كونه مائعا ملامسا للميتة وكل ما كان كذلك فهو نجس فهو لا يخلو من مصادرة، والعموم الدال على نجاسة الملاقي للنجاسة برطوبة وهو دليل الكبرى مخصوص بالاخبار المذكورة فانها صالحة للتخصيص فلا مانع من القول بها واستثناء هذا الفرد من العموم المذكور. واما ما احتجوا به زيادة على الدليل المتقدم من رواية وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن فقال علي (عليه السلام) ذلك الحرام محضا " فهي لا تقوم بمعارضة الاخبار المذكورة، وقد اجاب عنها الشيخ في التهذيب بانها رواية شاذة لم يروها غير وهب بن وهب وهو ضعيف جدا


(1) المروية في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة.

[ 94 ]

عند اصحاب الحديث (1) ولو كان صحيحا لجاز ان يكون الوجه فيه ضربا من التقية لانها موافقة لمذهب العامة لانهم يحرمون كل شئ من الميتة ولا يجيزون استعماله على حال (2) انتهى. واما ما اجاب به في المختلف عن صحيحة زرارة وحسنة حريز بانهما محمولان على ما إذا قاربت الشاة الموت فلا يخفى ما فيه من التمحل البعيد ولو كان كذلك لم تصلح الروايتان دليلا على طهارة الاشياء المعدودة مع اللبن من الميتة مع انه وغيره يستدلون بهما على ذلك، وتخصيص هذا القيد باللبن مع عده في قرن تلك الاشياء باطل على ان ارتكاب التأويل ولا سيما مثل هذا التكلف السحيق بالنظر الى قواعدهم انما يسوغ مع حصول التعارض بين الدليلين، واي منصف يدعي صلاحية معارضة هذه الرواية الضعيفة لتلك الاخبار الصحيحة الكثيرة ؟ قال في المعالم ونعم ما قال والعجب من العلامة بعد تفسيره الانفحة باللبن المستحيل وحكمه بطهارتها للاخبار الدالة على ذلك مع تحقق وصف المائعية فيها كيف يجعل اعتبار الملاقاة مع المائعية هنا معارضا للخبر. انتهى. واما ما اجاب به الفاضل الخوانساري في شرح الدروس حيث قال بعد نقل هذا الكلام: " وكأنه لا عجب على ما ذكرناه سابقا من ان الانفحة كأنها ليست مائعة على الاطلاق بل هي لبن منجمد " ففيه ان ما قدمنا نقله عن اهل اللغة من ان الانفحة شئ يستخرج من بطنه اصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ظاهر في كونه في بطن السخلة مائعا وانه بعد اخذه من بطن السخلة يعصر على الوجه المذكور فيعرض له الجمود بعد ذلك فلا يتم ما ذكره على كلام المحقق المشار إليه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان عبارة العلامة التي قدمناها عن المنتهى تدل على ان محل النزاع لبن الميتة المأكولة اللحم بالذكاة ولم يتعرض لغير المأكولة، وظاهر كلام غيره وكذا ظاهر الأخبار هو العموم وعدم الفرق، وصاحب المعالم مع تعرضه في الانفحة لكونها من المأكول وغيره وتردده في غير المأكول كما تقدم الكلام فيه لم يتعرض هنا


(1) راجع التعليقة 1 ج 2 ص 81 (2) تأتي تعليقة المورد في الاستدراكات

[ 95 ]

للفرق ولا لعدمه، وبالجملة فالاحتياط في امثال ذلك مما ينبغي المحافظة عليه. (السابع) قال في المنتهى: فأرة المسك إذا انفصلت من الظبية في حياتها أو بعد التذكية طاهرة وان انفصلت بعد موتها فالأقرب النجاسة. وقال في الذكرى المسك طاهر اجماعا وفأرته وان اخذت من غير المذكى. وبهذا القول صرح العلامة في النهاية ايضا فقال: فأرة المسك ان انفصلت من الظبية في حياتها أو بعد التذكية طاهرة وان انفصلت بعد موتها فالاقرب ذلك ايضا للاصل. وفي التذكرة ايضا حكم بالطهارة مطلقا سواء انفصلت من الظبي حال حياته أو بعد موته وهو خلاف ما ذكره في المنتهى. قال في المدارك: والاصح طهارتها مطلقا كما اختاره في التذكرة للاصل وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن فأرة المسك تكون مع الرجل وهو يصلي وهي معه في جيبه أو ثيابه ؟ فقال لا بأس بذلك " ثم قال: ولا ينافي ذلك ما رواه عبد الله بن جعفر في الصحيح (2) قال: " كتبت إليه يعني ابا محمد (عليه السلام) هل يجوز للرجل ان يصلي ومعه فأرة مسك ؟ قال لا بأس بذلك إذا كان ذكيا " لجواز ان يكون للراد بالذكي الطاهر مع ان المنع من استصحابها في الصلاة لا ينحصر وجهه في النجاسة. انتهى. اقول: فيه ان ما ذكره من اختيار القول بالطهارة عملا بصحيحة علي بن جعفر وحمل الصحيحة الاخرى على ما ذكره فلقائل ان يقول بما ذهب إليه في المنتهى من القول بالنجاسة عملا بصحيحة عبد الله بن جعفر المذكورة، بان يقال ان المراد من قوله: " إذا كان ذكيا " اما الحمل على رجوع ضمير " كان " الى الظبي المدلول عليه بالفأرة بمعنى ان يكون مذكى لا ميتة والمراد بالمذكى ما هو اعم من حال الحياة أو التذكية بالذبح، وربما يستأنس لذلك بتذكير الضمير، واما الرجوع الى الفأرة باعتبار ما ذكرناه ايضا اي إذا كانت ذكية بالاخذ من احد هذين الفردين، والظاهر قرب ما ذكرناه على ما ذكره من ان المراد كونها


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب لباس المصلى.

[ 96 ]

طاهرة لم تعرض لها نجاسة من الخارج كما احتمله في الذكرى ايضا واجاب به عن الحديث المذكور إذ لا خصوصية لذلك بالفأرة. واما صحيحة علي بن جعفر فلعل منشأ السؤال فيها عن فأرة المسك انما هو من حيث توهم نجاسة المسك باعتبار ان اصله الدم كما قيل " ان المسك بعض دم الغزال " وحينئذ فنفي البأس يرجع الى طهارته بالاستحالة التي هي من جملة المطهرات الشرعية، واما من حيث فأرة المسك واحتمال كونها ميتة المستلزم لنجاستها كما هو ظاهر صحيحة عبد الله بن جعفر المذكورة التي قد عرفت انها مستند العلامة فيما ذهب إليه في المنتهى، وحينئذ فنفي البأس من حيث وجوب البناء على اصالة الطهارة لقولهم (عليهم السلام) (1) " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " وفأرة المسك لما كان منها ما هو طاهر ونجس كما عرفت دخلت تحت الكلية المذكورة، ويمكن بناء على الثاني حمل نفي البأس من حيث انها لا تتم فيها الصلاة وقد عفي عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه فهي وان كانت نجسة بالموت إلا انها مما لا تتم الصلاة فيه. لكن يدفع هذا الوجه ظاهر صحيحة عبد الله بن جعفر فانها قد دلت على النهي عن الصلاة فيها من حيث كونها غير ذكية يعني ميتة وهي ظاهرة في عدم جواز الصلاة في الميتة وان كانت مما لا تتم الصلاة فيه، وعلى ذلك ايضا تدل جملة من الأخبار فتكون الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه من الميتة الموجب لبطلانها مستثنى من جواز الصلاة في النجس الذي لا تتم الصلاة فيه. وبالجملة فالاحتمالان المذكوران متعارضان، وربما يرجح الاحتمال الذي صار إليه في المدارك وبه صرح اكثر الاصحاب بمطابقة الاصل، الا ان المسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال. بقي هنا شئ وهو انه قد تقدم في المسألة الثانية تصريح الاصحاب بان ما تحله


(1) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات، واللفظ في موثقة عمار هكذا " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " وسيأتي منه (قدس سره) التصريح بذلك في التنبيه الثاني من تنبيهات المسالة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات.

[ 97 ]

الحياة من الحيوان ذي النفس السائلة نجس متى انفصل عنه في حال الحياة أو الموت، والاكثر كما عرفت على ما صرح به العلامة في التذكرة والنهاية من القول هنا بطهارة الفأرة مطلقا وان انفصلت من الحية أو الميتة، وهو مدافع لما ذكروه ثمة، والجواب عن ذلك هو تخصيص الحكم في تلك المسألة بروايات هذه المسألة الدالة على الطهارة واستثناء هذا الفرد بهذين الخبرين من الحكم المتقدم. والله العالم. (الثامن) ان ما اشتملت عليه رواية ابي حمزة الثمالي من قوله (عليه السلام): " فاشتر الجبن من اسواق المسلمين من ايدي المصلين ولا تسأل عنه إلا ان يأتيك من يخبرك عنه " بعد قوله (عليه السلام): ان الانفحة ليس بها بأس.. الى آخر الكلام المؤذن بان توهم التحريم في الجبن انما هو من حيث الانفحة لانها ميتة كما هو اعتقاد السائل المذكور ونفيه (عليه السلام) ذلك المقتضى لحل الجبن لا يخلو من اشكال، والظاهر ان الوجه فيه احد امرين: اما حمل الكلام الاخير على ما إذا حصل سبب آخر يوجب التحريم فيكون حكما مستأنفا لا تعلق له بجواب السائل، واما حمل الكلام على الرجوع عن الجواب الاول حيث انه (عليه السلام) فهم من السائل عدم قبوله من حيث حكمه بان الانفحة ميتة موجبة لتنجيس الجبن إذا لاقته فعدل الى الجواب بالتي هي احسن من انه مع تسليم ما يدعيه فان الاصل في الاشياء الطهارة فاشتر من سوق المسلمين وكل حتى تعلم انه خالطه الانفحة، وبهذا الوجه صرح في الوافي حيث قال: " ولما استفرس (عليه السلام) من قتادة عدم قبوله ولا قابليته لمر الحق عدل به عن الحق إلى الجدال بالتي هي احسن وقال: اشتر الجبن من اسواق المسلمين ولا تسأل عنه " انتهى. اقول: واخبار الجبن جلها أو كلها قد اشتملت على تعليل تحليل الجبن بهذه القاعدة المنصوصة، والظاهر ان السر فيه هو ما ذكرناه في الوجه الاول أو الثاني، ومنها ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الجبن ؟


(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة.

[ 98 ]

قال: كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان ان فيه ميتة " وهذا الخبر اقرب انطباقا على الوجه الثاني، ومنها صحيحة ضريس (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين بالروم اناكله ؟ فقال اما ما علمت انه خلطه الحرام فلا تأكل واما ما لم تعلم فكل حتى تعلم انه حرام " وهي محتملة للوجهين المتقدمين. ورواية عبد الله بن سليمان (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الجبن ؟ قال سألتني عن طعام يعجبني ثم اعطى الغلام درهما فقال يا غلام ابتع لنا جبنا ودعى بالغداء فتغدينا معه فاتى بالجبن فاكل واكلنا فلما فرغنا من الغداء، قلت ما تقول في الجبن ؟ فقال اولم ترني اكلته ؟ قلت بلى ولكني احب ان اسمعه منك. فقال سأخبرك عن الجبن وغيره: كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه " وهذا الخبر اظهر انطباقا على المعنى الثاني حيث ان ظاهره ان الجبن من الاشياء التي فيها الحلال والحرام كاللحم من المذكى والميتة وليس ذلك إلا باعتبار ما يعمل بالانفحة وما لا يعمل بها والاول منه حرام لمكان الانفحة لانها ميتة، وحينئذ فمخرج هذه الاخبار كلها انما هو على التقية من حيث اشتهار الحكم بنجاسة الانفحة عند العامة كما عرفته من كلام قتادة الذي هو من رؤوسهم (3) والله العالم. (الفصل السادس) في الخمر وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في نجاسته، فالمشهور بين اكثر علمائنا بل اكثر اهل العلم هو القول بالنجاسة حتى انه حكي عن المرتضى (رضي الله عنه) انه قال لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم. وعن الشيخ انه قال: الخمر نجسة بلا خلاف وكل مسكر عندنا حكمه


(1) المروية في الوسائل في الباب 64 من الاطعمة المحرمة. (2) المروية في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة. (3) في المغني ج 1 ص 74 " لبن الميتة وانفحتها نجسة في ظاهر المذهب وهو قول مالك والشافعي، وروي انها طاهرة وهو قول ابي حنيفة وداود.

[ 99 ]

حكم الخمر والحق اصحابنا الفقاع بذلك. وعن ابن زهرة الخمر نجسة بلا خلاف ممن يعتد به، ونقل ابن ادريس اجماع المسلمين عليه، وقال الصدوق في الفقيه والمقنع لا بأس بالصلاة في ثوب اصابه خمر لان الله تعالى حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب اصابته. وهو ظاهر كالتصريح في القول بالطهارة مع انه حكم بنزح ماء البئر اجمع بانصباب الخمر فيها، واصرح منه ما نقل عن ابن ابي عقيل حيث قال: من اصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما لأن الله تعالى انما حرمهما تعبدا لا لانهما نجسان. وعزى في الذكرى الى الجعفي وفاق الصدوق وابن ابي عقيل وكذا في الدروس، قال في المعالم: بعد نقل القول بالطهارة عن هؤلاء الثلاثة ولا يعرف هذا القول لسواهم من الاصحاب. احتج القائلون بالنجاسة بوجوه: (الاول) الاجماع المتقدم ذكره بناء على ما تقرر عندهم من ان الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة. (الثاني) قوله عزوجل: " انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (1) فان الرجس هو النجس على ما ذكره بعض اهل اللغة والاجتناب عبارة عن عدم المباشرة ولا معنى للنجس إلا ذلك. (الثالث) الروايات والذي وقفت عليه من ذلك ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال: " قرأت في كتاب عبد الله بن محمد الى ابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك روى زرارة عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل انهما قالا لا بأس بان يصلي فيه انما حرم شربها. وروى غير زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله وان صليت فيه فاعد صلاتك.


(1) سورة المائدة، الاية 90. (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات.

[ 100 ]

فاعلمني ما آخذ به ؟ فوقع (عليه السلام) وقرأته: خذ بقول ابي عبد الله (عليه السلام) ". وما رواه في الكافي عن يونس عن بعض من رواه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله فان صليت فيه فاعد صلاتك ". وعن خيران الخادم (2) قال: " كتبت الى الرجل اسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه ام لا ؟ فان اصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم صل فيه فان الله تعالى انما حرم شربها وقال بعضهم لا تصل فيه. فكتب (عليه السلام) لا تصل فيه فانه رجس " ورواه في التهذيب ايضا مثله، وقال في الكافي بعد نقل خبر خيران قال (3): " وسألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجري أو يشرب الخمر فيرده أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال لا يصل فيه حتى يغسله " ولا يخفى ما في هذا السند من الاشتباه لان الظاهر ان ضمير " قال " يرجع الى خيران وفي رؤيته ابا عبد الله (عليه السلام) وسؤاله منه بعد لانه من موالي الرضا (عليه السلام) واصحابه. وعن ابي جميلة البصري (4) قال: " كنت مع يونس ببغداد وانا امشي في السوق ففتح صاحب الفقاع فقاعه فقفز فاصاب ثوب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس فقلت له يا ابا محمد ألا تصلي ؟ قال فقال لي ليس اريد ان اصلي حتى ارجع الى البيت فاغسل هذا الخمر من ثوبي. فقلت له هذا رأي رأيته أو شئ ترويه ؟ فقال اخبرني هشام بن الحكم انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفقاع فقال لا تشربه فانه خمر مجهول وإذا اصاب ثوبك فاغسله ".


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات (3) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات. (4) رواه في الوافي ج 4 ص 33 وقطعة منه في الوسائل في الباب 27 من الاشربة المحرمة.

[ 101 ]

وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر لان الملائكة لا تدخله " ولا تصل في ثوب قد اصابه خمر أو مسكر حتى تغسله ". وما رواه في الكافي عن زكريا بن آدم (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير ؟ قال يهراق المرق أو تطعمه اهل الذمة أو الكلب واللحم اغسله وكله. قلت فانه قطر فيه دم ؟ قال الدم تأكله النار ان شاء الله تعالى. قلت فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم ؟ قال فقال فسد. قلت ابيعه من اليهود والنصارى وابين لهم ؟ قال نعم فانهم يستحلون شربه. قلت والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شئ من ذلك ؟ فقال اكره ان آكله إذا قطر في شئ من طعامي ". وعن عمار بن موسى الساباطي في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه الخل أو ماء كامخ أو زيتون ؟ قال إذا غسل فلا بأس. وعن الابريق يكون فيه خمر أيصلح ان يكون فيه ماء ؟ قال إذا غسل فلا بأس. وقال في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر ؟ قال تغسله ثلاث مرات. سئل يجزيه ان يصب فيه الماء ؟ قال لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " ورواه الشيخ في التهذيب مثله. وما رواه الشيخ في الصحيح عن فضالة عن عبد الله بن سنان (4) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال لا يصلى فيه حتى يغسله " اقول: قد حمله الشيخ


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 51 من النجاسات و 30 من الاشربة المحرمة (4) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات.

[ 102 ]

على الاستحباب، قال لان الاصل في الاشياء الطهارة ولا يجب غسل شئ من الثياب إلا بعد العلم بان فيها نجاسة، وقد روى هذا الراوي بعينه خلاف هذا الخبر ثم اورد الخبر الاتي: وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه ". وعن عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الاناء يشرب فيه النبيذ ؟ قبل ان تغسله سبع مرات ". وموثقة عمار ايضا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر واغسله ان عرفت موضعه فان لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كله فان صليت فيه فاعد صلاتك ". وصحيحة الحلبي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن دواء عجن بالخمر ؟ فقال لا والله ما احب ان انظر إليه فكيف اتداوى به انه بمنزلة شحم الخنزير


(1) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 30 و 35 من الاشربة المحرمة. (3) لم نعثر في كتب الحديث على رواية لعمار بهذا اللفظ وانما الوارد فيها هكذا " لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر حتى تغسله " وقد رواه في الوسائل في الباب 38 من النجاسات. نعم ورد هذا المضمون في رواية غير زرارة التي يرويها علي بن مهزيار وفي رواية يونس المتقدمتين وسيأتي في التنبيه الاول التعرض لموثقة عمار بالنص المتقدم (4) المروية في الوسائل في الباب 30 من الاشربة المحرمة.

[ 103 ]

أو لحم الخنزير " وفي بعض الروايات " انه بمنزلة الميتة ". وفي رواية ابي بصير (1) وهي طويلة عن الصادق (عليه السلام) في النبيذ وسؤال ام خالد العبدية عن التداوي به قال: " ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا ". وفي الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن آنية اهل الذمة والمجوس ؟ قال لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر ". وعن عمر بن حنظلة (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره، فقال لا والله ولا قطرة تقطر منه في حب إلا اهريق ذلك الحب ". وعن هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (عليه السلام) (4) " في رجل اشتكى عينيه فنعت له كحل يعجن بالخمر ؟ فقال هو خبيث بمنزلة الميتة فان كان مضطرا فليكتحل به ". ومنها الأخبار الواردة في نزح البئر من صب الخمر فيه (5) مع كثرتها وصحة اسانيد كثير منها. هذا ما حضرني مما يدل على القول بالنجاسة كما هو القول المشهور والمؤيد المنصور. واما ما يدل على القول الاخر بعد الاصل فجملة من الاخبار ايضا: منها ما رواه الحسن بن ابي سارة في الصحيح (6) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان


(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من الاشربة المحرمة (2) رواه في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة (3) رواه في الوسائل في الباب 18 من الاشربة المحرمة (4) رواه في الوسائل في الباب 21 من الاشربة المحرمة (5) رواها في الوسائل في الباب 15 من ابواب الماء المطلق (6) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات

[ 104 ]

اصاب ثوبي شئ من الخمر اصلي فيه قبل ان اغسله ؟ قال لا بأس ان الثوب لا يسكر ". وما رواه عبد الله بن بكير في الموثق (1) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب ؟ فقال: لا بأس به ". وما رواه الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد في الصحيح عن علي بن رئاب (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي اغسله أو اصلي فيه ؟ قال صل فيه إلا ان تقذره فتغسل منه موضع الاثر ان الله تبارك وتعالى انما حرم شربها ". ورواية الحسين بن موسى الحناط (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي ؟ فقال لا بأس ". ورواية ابي بكر الحضرمي (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اصاب ثوبي نبيذ اصلي فيه ؟ قال نعم. قلت له قطرة من نبيذ قطرت في حب ماء اشرب منه ؟ قال نعم ان اصل النبيذ حلال وان اصل الخمر حرام " قال في الذخيرة: وجه الدلالة ان الظاهر عدم القائل بالفصل وحمل الشيخ النبيذ في هذه الرواية على النبيذ الحلال. وهو جيد ورواية الحسن ابن ابي سارة (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون فيمر ساقيهم فيصب على ثيابي الخمر ؟ قال: لا بأس به إلا ان تشتهي ان تغسله لاثره ". ورواية حفص الاعور (6) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل ؟ قال نعم ". وروى ابن بابويه مرسلا (7) قال: " سئل أبو جعفر وابو عبد الله (عليهما


(1) و (2) و (4) و (5) و (7) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 39 من ابواب النجاسات. (6) المروية في الوسائل في الباب 51 من النجاسات و 30 من الاشربة المحرمة.

[ 105 ]

السلام) فقيل لهما انا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها انصلي فيها قبل ان نغسلها ؟ فقال نعم لا بأس انما حرم الله تعالى اكله وشربه ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه " ورواه الصدوق في علل الشرائع بطريق صحيح عن بكير عن الباقر (عليه السلام) وعن ابي الصباح وابي سعيد والحسن النبال عن الصادق (عليه السلام). وروى الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) " انه سأله عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فاصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل ان يغسله ؟ فقال لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس " ورواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل مر في ماء المطر قد صب فيه الخمر.. الحديث ". ورواية علي الواسطي (3) قال: " دخلت الجويرية وكانت تحت عيسى بن موسى على ابي عبد الله (عليه السلام) وكانت صالحة فقالت اني اتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التي اتمشط بها الخمر واجعله في رأسي ؟ قال لا بأس ". وفي الفقه الرضوي (4) " لا بأس ان تصلي في ثوب اصابه خمر لأن الله تعالى حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب اصابته ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان جملة من افاضل متأخري المتأخرين كالسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة والمحقق الخوانساري وغيرهم قد اختاروا القول بالطهارة واجابوا عن الاجماع بعدم ثبوته بعد تحقق الخلاف في المسألة من هؤلاء الاجلاء، واما الاية فأجابوا عنها ايضا باجوبة واسعة نقضا وإبراما ليس في التعرض لها مزيد فائدة. والحق هو الرجوع على الاخبار في هذا المقام خاصة، اما الاجماع فلما عرفت في مقدمات


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الماء المطلق (3) المروية في الوسائل في الباب 37 من الاشربة المحرمة (4) ص 38.

[ 106 ]

الكتاب، واما الاية فلا دلالة لها ظاهرا إلا بارتكاب تكلفات بعيدة كما يظهر من بحثهم جوابا وسؤالا. وهؤلاء الافاضل المشار إليهم بعد بحثهم في المسألة حملوا اخبار النجاسة على الاستحباب وجمعوا به بين الاخبار في هذا الباب كما هي قاعدتهم المستمرة في جميع الابواب حسبما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم في الكتاب، قال السيد السند في المدارك الذي هو الاصل في ذلك بعد ذكر القول بالنجاسة ونقل بعض اخباره ثم القول بالطهارة ونقل بعض اخباره: واجاب الاولون عن هذه الاخبار بالحمل على التقية جمعا بينها وبين ما تضمن الأمر بغسل الثوب منه، وهو مشكل لان اكثر العامة قائلون بالنجاسة (1) نعم يمكن الجمع بينهما بحمل ما تضمن الأمر بالغسل على الاستحباب لان استعمال الامر في الندب مجاز شائع انتهى. ونحوه في الذخيرة بزيادة تأييد لذلك بوجوه لفقها، ملخصها بعد الحمل على التقية وان حمل الاوامر والنواهي في اخبارنا على الاستحباب والكراهة شائع ذائع كأنه الحقيقة كما اشرنا إليه مرارا. اقول: لا يخفى ان الكلام في الجمع بين هذه الاخبار دائر بين هذين الوجهين، وهؤلاء الافاضل قد اختاروا الحمل على الاستحباب في الجمع بين هذا الاخبار، وها انا ابين ما فيه من البعد بل الفساد وعدم انطباق اخبار المسألة عليه، وبه يتعين حمل اخبار الطهارة على التقية إذ لم يبق بعد بطلان حمل اخبار النجاسة على الاستحباب إلا رميها بالكلية متى عملنا باخبار الطهارة، وفيه من البطلان ما هو غني عن البيان لكثرتها واستفاضتها وصحة جملة منها باصطلاحهم وعمل الطائفة قديما وحديثا عليها إلا هؤلاء الثلاثة


(1) كما في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 70، وذكر ابن قدامة في المغني ج 1 ص 72 والشيرازي في المهذب ج 1 ص 48 طهارة الخمر بالاستحالة الى الخل، وفي بدائع الصنائع ج 1 ص 76 " ينزح ماء البئر كله إذا وقع فيه من الابحاس كالبول والدم والخمر ".

[ 107 ]

المذكورين والثلاثة المتقدمين، أو حمل اخبار الطهارة على التقية وبه يتم المطلوب. فاما ما يدل على بطلان الحمل على الاستحباب فوجوه: (الاول) انه وان اشتهر ذلك بينهم في جميع ابواب الفقه إلا انه لا مستند له من سنة ولا كتاب، وقد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بوجوه الجمع بين الاخبار والترجيح في مقام اختلاف الاخبار، ولو كان لهذا الحمل والجمع بين الأخبار اصل في الشريعة لما اهملوه (عليهم السلام) سيما انهم (رضوان الله عليهم) قد اتخذوه قاعدة كلية في مقام اختلاف الاخبار في جميع ابواب الفقه واحكامه. (الثاني) ان الحمل على الاستحباب مجاز باعترافهم والمجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة الصارفة عن الحقيقة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. واما قوله في الذخيرة: " ان حمل الاوامر والنواهي في اخبارنا على الاستحباب والكراهة شائع ذائع كأنه الحقيقة " ففيه انه ان كان ذلك مع وجود القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي فلا بحث فيه وإلا فهو اول المسألة ومحل منع. (الثالث) ان الاستحباب حكم شرعي كالوجوب والتحريم فيتوقف الحكم به على دليل واضح وإلا كان قولا على الله تعالى من غير علم، وقد استفاضت الايات القرآنية والسنة النبوية بالنهي عنه، واختلاف الأخبار ليس من الادلة التي توجب الحكم بالاستحباب. (الرابع) ان صحيحة علي بن مهزيار ورواية خيران الخادم قد دلتا على وقوع هذا الخلاف بين اصحاب الائمة (عليهم السلام) في وقتهم وانهم رجعوا في ذلك الى امام ذلك العصر وسألوه عن الاخذ باي القولين فامرهم بالعمل باخبار النجاسة ولو كانت الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) بالنجاسة انما هي بمعنى استحباب الازالة وليس المراد منها النجاسة كما زعمه هؤلاء الافاضل وانه طاهر والصلاة فيه صحيحة وان كان على كراهة، لما خفي على اصحاب الائمة (عليهم السلام) يومئذ حتى انهم يسألون

[ 108 ]

عن ذلك، ولكان الامام (عليه السلام) يجيبهم بان هذه الأخبار لا منافاة بينها فان الأمر بغسل الثوب منه انما هو على جهة الاستحباب وإلا فهو طاهر لا انه يقرهم على الاختلاف ويجيبهم بقوله " لا تصل فيه فانه رجس " فيأمرهم بالأخذ باخبار النجاسة كما في خبر خيران وبقول ابي عبد الله (عليه السلام) كما في صحيحة علي بن مهزيار. واما ما ذكره الفاضل الخوانساري من انه يمكن ان يكون المراد بقول ابي عبد الله (عليه السلام) قوله الذي مع ابي جعفر (عليه السلام) ويكون التعبير بهذه العبارة المشتبهة للتقية فهو مما لا يروج إلا على الصبيان العادمي الافهام والاذهان. (الخامس) ان جملة من الروايات الدالة على النجاسة لا تلائم هذا الحمل مثل صحيحة علي بن مهزيار المتضمنة ان غير زرارة روى عن الصادق (عليه السلام) في نجاسة الخمر " انه يغسل الثوب كملا مع جهل موضعه ويعيد الصلاة لو صلى فيه " ومثلها مرسلة يونس المتقدمة نقلا من الكافي، فانه لم يعهد في الأخبار التشديد في الأمور المستحبة والمبالغة فيها الى هذا المقدار وانما وقع نظيره في الاخبار في النجاسات المقطوع بها لا الاشياء الطاهرة، ومثل ذلك في رواية ابي جميلة البصري وحكايته عن يونس فانه لو كان طاهرا كما يدعونه وان ازالته عن الثوب انما هو على طريق الاولوية والاستحباب لما خفي ذلك على يونس وهو من اجلاء اصحاب الائمة (عليهم السلام) وسياق الخبر كما عرفت ظاهر بل صريح في ان يونس انما فهم من خبر هشام النجاسة وصار اعتقاده القول بالنجاسة، فان غمه بملاقاة الفقاع له وتوقفه عن المبادرة للصلاة في اول وقتها وسؤال الراوي له ان هذا رأي رأيته أو شئ ترويه كلها ظاهرة الدلالة في حكمه بالنجاسة، ومثل حديث العبدية وقوله (عليه السلام): " ما يبل الميل ينجس حبا من ماء " كيف يحمل على الاستحباب ؟ واي مجال لهذا الاستحباب الذي لا دليل عليه من سنة ولا كتاب ؟ وكأن هذا القائل ظن انحصار دليل النجاسة فيما دل غسل الثوب أو البدن كما هو ظاهر عبارة المدارك.

[ 109 ]

(السادس) انه قد ورد عنهم (عليهم السلام) من القواعد انه إذا جاء خبر عن اولهم وخبر آخر عن آخرهم فانه يجب الأخذ بالاخير (1) وهذه القاعدة قد صرح بها الصدوق في الفقيه في باب " الرجل يوصي الى الرجلين " حيث قال: ولو صح الخبران لكان الواجب الأخذ بقول الاخير كما امر الصادق (عليه السلام). ولا ريب ان صحيحة علي بن مهزيار ورواية خيران قد تضمنتا ذلك، فالواجب بمقتضى هذه القاعدة الرجوع الى قول الامام الاخير وهو الحكم بالنجاسة. (السابع) ترجح اخبار النجاسة بعمل الطائفة قديما وحديثا الموجب للظن المتاخم للعلم بكون ذلك هو مذهب اهل البيت (عليهم السلام) فان صاحب كل مذهب انما يعلم بعد موته بمذهب مقلديه وشيعته الاخذين باقواله والمقتفين لاثاره ولا سيما الشيعة المتهالكين على متابعة مذهب ائمتهم المانعين من الاخذ من غيرهم، مضافا ذلك الى الاحتياط في الدين الذي هو احد المرجحات الشرعية في مقام اختلاف الاخبار كما دلت عليه رواية زرارة الواردة في طرق الترجيح (2). والشيخ قد استند في حمل اخبار الطهارة على التقية الى صحيحة علي بن مهزيار المتقدمة حيث قال: وجه الاستدلال من هذا الخبر على ان تلك الأخبار يعني اخبار الطهارة وردت على جهة التقية انه (عليه السلام) امر بالاخذ بقول ابي عبد الله (عليه السلام) على الانفراد والعدول عن قوله مع قول ابي جعفر (عليه السلام) فلولا ان قوله مع قول ابي جعفر (عليهما السلام) خرج مخرج التقية لكان الاخذ بقولهما معا اولى واحرى. قال في المعالم: وهذا الكلام حسن لولا ما اشرنا إليه من نقل الاصحاب عن اكثر اهل الخلاف الموافقة على القول بالنجاسة، وكيف كان فلا ريب في ان


(1) وردت في ذلك روايات ثلاث رواها في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي وما يقضي به وقد تقدمت في ج 1 ص 96. (2) المروية في مستدرك الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي وما يقضى به.

[ 110 ]

ما تضمنه هذا الخبر من الاخذ بقول ابي عبد الله (عليه السلام) بعد ما تقرر في السؤال دلالة على ان الحكم في ذلك هو النجاسة وان الطهارة لا تعويل عليها، وهذا القدر من الدلالة في الحديث الصحيح كاف في الاستدلال لاعتضاده بما تقدم من الاخبار وباتفاق اكثر علماء الاسلام مع ما في التنزه عنه من الاحتياط للدين كما ذكره المحقق (قدس سره) فإذا القول بالنجاسة هو المعتمد. انتهى. اقول: ما ذكره من استشكاله في حسن ما ذكره الشيخ بما نقله الاصحاب عن اكثر اهل الخلاف سيأتي الجواب عنه في المقام ان شاء الله تعالى وبما ذكرناه من الوجوه الظاهرة البيان الغنية عن اقامة الحجة والبرهان كما لا يخفى على اهل الانصاف من ذوي الاذهان يظهر بطلان حمل اخبار النجاسة على الاستحباب ويتعين العمل بها في هذا الباب فتبقى اخبار القول بالطهارة ويتعين حملها على التقية التي هي في اختلاف الاحكام الشرعية اصل كل بلية. بقي الكلام فيما ذكروه من ان اكثر العامة قائلون بالنجاسة، وفيه ما ذكره بعض المحققين من اصحابنا المتأخرين من ان التقية لا تنحصر في القول بما يوافق علماءهم بل قد يدعو لها اصرار جهلائهم من اصحاب الشوكة على امر وولوعهم به فلا يمكن اشاعة ما يتضمن تقبيحه والازراء بهم على فعله، وما نحن فيه من هذا القبيل فان اكثر امراء بني امية وبني العباس ووزرائهم وارباب الدولة كانوا مولعين بشرب الخمر ومزاولتها واستعمالها وعدم التحرز عن مباشرتها، بل ربما نقل ان بعضهم يأم الناس وهو سكران فضلا عن ان يكون ثوبه متلوثا بالخمر (فان قيل) انهم (عليهم السلام) لو كانوا يتقون في ذلك لكان تقيتهم في الحكم بالحرمة اوجب واهم مع ان المعلوم من اخبارهم انهم كانوا يبالغون في ذلك تمام المبالغة حتى ورد في اخبارهم (عليهم السلام) " ان مدمن الخمر كعابد الوثن " (1) ونحو ذلك من التهديد والتشديد في تحريمها ولم يرو عنهم ما يتضمن اباحتها (قلت) يمكن الجواب عن ذلك بانه لما كان صريح القرآن تحريمها كان


(1) رواه في الوسائل في الباب 16، 13، 12 من الاشربة المحرمة.

[ 111 ]

التحريم من ضروريات الدين والحكم به لا مجال لانكاره ولا فساد فيه. وربما اجيب عما ذكرنا بان حرمتها وان كان بصريح القرآن إلا ان التشديد الذي ورد عنهم (عليهم السلام) ليس في القرآن ولا من ضروريات الدين فكان ينبغي ان يتقوا فيه فترك التقية في ذلك والتقية في النجاسة بعيد جدا. وفيه انه متى كان صريح القرآن التحريم فالتشديد لازم له إذ من المعلوم عند كل عالم عاقل ان مخالف صريح القرآن راد لضروري الدين وكل من كان كذلك فهو في زمرة المرتدين فافترق الامران، وبالجملة فالتحريم لما كان صريح الكتاب العزيز الموجب لكونه من ضروريات الدين فهو معلوم لكافة المسلمين فلا تدخله التقية سواء اخبروا بمجرد التحريم أو شددوا لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): " ثلاثة لا اتقي فيهن احدا: شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج " بل لو افتوا فيه بالتقية لربما نسبوهم الى الجهل ومخالفة الكتاب العزيز، واما الحكم بالنجاسة فلما لم يكن بتلك المثابة حيث لم يدل عليه دليل من القرآن وانما استفيد من السنة فالتقية جائزة فيه وغير مستنكرة. وبما حققناه في المقام ورفعنا عنه نقاب الابهام ظهر لك ان الحق في المسألة هو القول المشهور وان ما عداه ظاهر القصور. الله العالم. تنبيهات (الاول) المفهوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان حكم جميع الانبذة المسكرة حكم الخمر في التنجيس قال في المعالم: ولا نعرف في ذلك خلافا بين الاصحاب. والظاهر ان مراده من قال من الاصحاب بنجاسة الخمر وإلا فقد عرفت مذهب الصدوق وابن ابي عقيل والجعفي في قولهم بالطهارة. واستدل في المعتبر على الحكم المذكور فقال: والانبذة المسكرة عندنا في التنجيس كالخمر لان المسكر خمر فيتناوله حكم الخمر، اما انه خمر فلان الخمر انما سمي بذلك لكونه


(1) المروية في الوسائل في الباب 22 من الاشربة المحرمة.

[ 112 ]

يخمر العقل ويستره فما ساواه في المسمى يساويه في الاسم، ولما رواه علي بن يقطين عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (1) قال: " ان الله سبحانه لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته الخمر فهو خمر " وروى عطاء بن يسار عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام وكل مسكر خمر " انتهى. واعترضه جملة من محققي متأخري المتأخرين كالسيد في المدارك والشيخ حسن في المعالم والسبزواري في الذخيرة وغيرهم ممن حذا حذوهم بان هذا الاحتجاج منظور فيه، قال في المعالم: لان الظاهر من كلام جماعة من أئمة اللغة ان الخمر حقيقة في المسكر من عصير العنب والعرف يساعده، وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في معنى لم يدل استعماله بعد ذلك في غيره على كونه حقيقة في ذلك الغير ايضا، وكون الاصل في الاستعمال الحقيقة انما هو مع عدم استلزام الاشتراك أو النقل لكونهما على خلاف الاصل، فتعارض اصالة عدمهما اصالة الحقيقة واحدهما لازم بعد ثبوت الحقيقة للفظ، وحينئذ فمجرد اطلاق لفظ الخمر على مطلق المسكر لا يدل على كونه حقيقة فيه والاعتبار الذي ذكره من جهة التسمية ليس بشئ، وإذا لم يثبت كون اللفظ حقيقة في الجميع لم يتجه الاستدلال على تعميم الحكم في الكل بما دل على نجاسة الخمر، والاشتراك في التحريم لا دلالة فيه وانما هو وجه علاقة صح من اجله استعمال لفظ الخمر في غير ما وضع له على جهة المجاز. انتهى. وعلى هذا النهج كلام غيره ممن اشرنا إليه. وعندي فيه نظر، وتوجيهه انهم ان ارادوا بكونه حقيقة في عصير العنب يعني الحقيقة الشرعية ففيه ان الحقيقة الشرعية عبارة عن استعمال اللفظ في كلام الله تعالى أو رسوله مجردا عن قرينة المجاز، وهذا اللفظ وان وقع في القرآن العزيز مجملا الا ان


(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من الاشربة المحرمة. (2) رواه في الوسائل في الباب 15 من الاشربة المحرمة.

[ 113 ]

الاخبار قد فسرته بالمعنى الاعم وكذلك وقوعه في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) انما وقع بالمعنى الاعم كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى وحينئذ فيكون حقيقة شرعية في المعنى الاعم، وان ارادوا به الحقيقة اللغوية كما يفهم من كلام المحقق المذكور ومن تبعه في ذلك ففيه (اولا) انه لا يصار الى الحمل على الحقيقة اللغوية إلا مع تعذر الحمل على الحقيقة الشرعية والعرفية الخاصة كما قرروه في غير موضع. و (ثانيا) ان كلام اهل اللغة ايضا ظاهر في المعنى الاعم كما سيظهر لك في المقام. فاما ما يدل على كونه حقيقة شرعية في المعنى الاعم من كلام الله عزوجل فقوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر.. الاية " (1) روى الثقة الجليل علي بن ابراهيم في تفسير هذه الاية عن ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (2) في قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام.. " اما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا اخمر فهو خمر، وما اسكر كثيره فقليله حرام. وذلك ان ابا بكر شرب قبل ان تحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر ويبكي على قتلى المشركين من اهل بدر فسمع النبي (صلى الله عليه وآله) فقال اللهم امسك على لسانه فامسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فانزل الله تحريمها بعد ذلك، وانما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر والتمر فلما انزل الله تعالى تحريمها خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فاكفأها كلها وقال هذه كلها خمر وقد حرمها الله تعالى، وكان اكثر شئ اكفئ في ذلك اليوم من الاشربة الفضيخ ولا اعلم انه اكفئ يومئذ من خمر العنب شئ إلا اناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، واما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ، وحرم الله تعالى الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشراءها والانتفاع بها.. الحديث " وهو كما ترى صريح في المراد عار عن وصمة الشبهة والايراد. ونقل في مجمع البيان عن ابن عباس في تفسير


(1) سورة المائدة، الاية 9 (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من الاشربة المحرمة.

[ 114 ]

هذه الاية قال: " يريد بالخمر جميع الاشربة التي تسكر وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من تسع: من البتع وهو العسل ومن العنب ومن الزبيب ومن التمر ومن الحنطة ومن الذرة ومن الشعير والسلت ". واما ما يدل على ذلك من كلامه (صلى الله عليه وآله) فمنه ما تقدم في رواية عطاء بن يسار المنقولة في كلام المحقق، وما نقله في مجمع البيان عن ابن عباس عنه (صلى الله عليه وآله) ومن ذلك صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من خمسة: العصير من الكرم والنقيع من الزبيب والبتع من العسل والمرز من الشعير والنبيذ من التمر " ورواية علي بن اسحاق الهاشمي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من خمسة.. الحديث المتقدم " وما رواه الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الطوسي في الامالي بسنده فيه عن النعمان بن بشير (3) قال: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ايها الناس ان من العنب خمرا وان من الزبيب خمرا وان من التمر خمرا وان من الشعير خمرا الا ايها الناس انهاكم عن كل مسكر " وروى الكليني في الصحيح الى الحسن الحضرمي عن من اخبره عن علي بن الحسين (عليه السلام) (4) قال: " الخمر من خمسة اشياء: من التمر والزبيب والحنطة والشعير والعسل " وروى العياشي في تفسيره عن عامر بن السمط عن علي بن الحسين (عليه السلام) (5) قال: " الخمر من ستة اشياء.. " ثم ذكر الخمسة المذكورة في حديث الحضرمي وزاد الذرة، فقد ظهر لك بما نقلناه من الأخبار تطابق كلام الله تعالى ورسوله على ان الخمر اعم مما ذكروه من التخصيص بالمتخذ من العنب فيكون حقيقة شرعية في ذلك بلا اشكال ويجب الحمل على ذلك حيثما اطلق هذا اللفظ إلا مع القرينة الصارفة عنه كما هو المقرر بينهم في الحقائق الشرعية وغيرها.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 1 من الاشربة المحرمة.

[ 115 ]

واما كلام اهل اللغة في هذا المقام فالذي يستفاد منه تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى ان الخمر حقيقة فيما قلناه دون عصير العنب كما زعموه، قال في القاموس: الخمر ما اسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة وقد يذكر، والعموم اصح لانها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البسر والتمر، سميت الخمر خمرا لانها تخمر العقل وتستره أو لانها تركت حتى ادركت واختمرت أو لانها تخامر العقل اي تخالطه.. الى آخر كلامه. وفي الصحاح سميت الخمر خمرا لانها تركت واختمرت واختمارها تغير رائحتها، ويقال وجدت خمرة الطيب اي رائحته. وفي كتاب الغريبين للهروي قوله تعالى: " ويسألونك عن الخمر والميسر " الخمر ما خامر العقل اي خالطه وخمر العقل ستره وهو المسكر من الشراب. وفي المصباح المنير للفيومي الخمر معروفة، الى ان قال ويقال هي اسم لكل مسكر خامر العقل اي غطاه. وفي مجمع البحرين بعد ذكر قوله سبحانه " انما الخمر والميسر " الخمر معروف وعن ابن الاعرابي انما سمي الخمر خمرا لانها تركت واختمرت واختمارها تغير رائحتها، الى ان قال والخمر فيما اشتهر بينهم كل شراب مسكر ولا يختص بعصير العنب، ثم نقل كلام القاموس وقال بعده ويشهد له ما روي عن الصادق (عليه السلام) وساق صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج المتقدمة. وبذلك يظهر لك تطابق الاخبار المتقدمة وكلام اهل اللغة على ما اخترناه في المقام ويظهر ضعف ما ذكره اولئك الاعلام، وبذلك يظهر ما في كلام المحقق صاحب المعالم من قوله: والاعتبار الذي ذكره من جهة التسمية ليس بشئ. ونحوه قوله في المدارك والذخيرة ان اللغات لا تثبت بالاستدلال، فان فيه ان كلام أئمة اللغة كما سمعت كله متطابق على تعليل التسمية الموجب لدوران حكم التحريم ونحوه مدار صدق الاسم وقد وقع نحوه في الاخبار ايضا كما رواه في الكافي عن علي ابي حمزة عن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الله تعالى لما اهبط آدم امره بالحرث والزرع


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.

[ 116 ]

وطرح عليه غرسا من غرس الجنة فاعطاه النخل والعنب والزيتون والرمان فغرسها لعقبه وذريته فاكل هو من ثمارها، فقال ابليس ائذن لي ان آكل منه شيئا فابى ان يطعمه فجاء عند آخر عمر آدم، وساق الحديث الى ان قال: ثم ان ابليس بعد وفاة آدم ذهب فبال في اصل الكرم والنخلة فجرى الماء في عودهما ببول عدو الله تعالى فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله تعالى على ذرية آدم كل مسكر لان الماء جرى ببول عدو الله في النخلة والعنب وصار كل مختمر خمرا لان الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله تعالى " فانظر الى قوله (عليه السلام): " صار كل مختمر خمرا " من دلالته على دوران التسمية مدار حصول الاختمار كما هو الظاهر من كلام اهل اللغة ايضا وهو الذي اراده المحقق في المعتبر ولكن اولئك الفضلاء لم يعطوا التأمل حقه لا في الاخبار ولا في كلام اهل اللغة فوقعوا فيما وقعوا فيه. (فان قيل) ان جملة من الاخبار ظاهرة في اطلاق الخمر على المعنى الاخص لعطف المسكر أو النبيذ عليه ونحو ذلك من العبارات الظاهرة بل الصريحة في الاختصاص وعدم صحة الحمل على المعنى الاعم، وربما اشعر بكونه حقيقة في هذا الفرد في عرفهم (عليهم السلام) فيكون حقيقة عرفيه خاصة. مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة علي ابن مهزيار (1) " إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر.. " وقوله (عليه السلام) في رواية عمار (2): " لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر حتى تغسله " وقوله (عليه السلام) في رواية يونس (3): " إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله " ونحو ذلك، وعلى هذه الروايات اعتمد في المعالم في الحكم بنجاسة كل مسكر بعد اعتراضه على كلام المحقق (قدس سره) بما قدمنا نقله. (قلت): الذي يظهر لي من تتبع الاخبار في هذا المقام ان الخمر قبل نزول التحريم انما كان يطلق عرفا على عصير العنب واطلاقه على المعنى الاعم انما وقع في كلام


(1) ص 99 (2) راجع التعليقة 3 ص 102 (3) ص 100.

[ 117 ]

الله تعالى وكلام رسوله (صلى الله عليه وآله) باعتبار الاحكام التي رتبوها عليه من حرمة أو نجاسة كما عرفت من الاحاديث المتقدمة فهي حقيقة شرعية في المعنى الاعم وان كانت عرفا انما تطلق على العصير العنبي، وهم (عليهم السلام) ربما اطلقوها على المعنى الشرعي كما تقدم في الحديثين المنقولين عن علي بن الحسين (عليه السلام) وربما اطلقوها على المعنى العرفي الدائر بين الناس كما في الاخبار المذكورة. هذا، والظاهر اتفاق كلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) على تخصيص الحكم بالنجاسة في المسكر بما كان مائعا بالاصالة وان عرض له الجمود دون الجامد بالاصالة كالحشيشة وان عرض له الميعان، والظاهر ان المستند في ذلك هو ان المتبادر من لفظة المسكر والنبيذ ونحوهما في الأخبار انما هو الاشربة المتخذة من تلك الاشياء المعدودة في الأخبار المتقدمة فيبقى ما عداها على حكم الاصل، واما ثبوت النجاسة لها بعد الجمود فهو من حيث توقف الطهارة بعد ثبوت النجاسة على الدليل ولم يثبت كون الجمود مطهرا فيبقى على حكم الاصل. والله العالم. (الثاني) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ممن قال بنجاسة الخمر في ان حكم الفقاع حكمه، ونقل العلامة في النهاية والمنتهى اجماع علمائنا على ذلك، وذكر المحقق في المعتبر عن الشيخ انه قال وألحق اصحابنا الفقاع بالخمر يعني في التنجيس وهذا انفراد الطائفة. ثم قال المحقق: ويمكن ان يقال الفقاع خمر فيلحقه احكامه اما انه خمر فلما ذكره علم الهدى (رضي الله عنه) قال: قال احمد حدثنا عبد الجبار بن محمد الخطابي عن ضمرة قال الغبيراء التي نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عنها هي الفقاع قال وعن ابي هاشم الواسطي الفقاع نبيذ الشعير فإذا نش فهو خمر، قال وعن زيد بن اسلم الغبيراء التي نهى النبي عنها هي الاسكركة (1) وعن ابي موسى انه قال الاسكركة خمر الحبشة، ومن طريق الاصحاب ما رواه سليمان بن جعفر (2) قال: " قلت للرضا


(1) في كتب اللغة (سكركة). (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من الاشربة المحرمة.

[ 118 ]

(عليه السلام) ما تقول في شرب الفقاع ؟ فقال هو خمر مجهول.. " وعن الوشاء (1) قال: " كتبت إليه يعني الرضا (عليه السلام) اسأله عن الفقاع ؟ فقال حرام وهو خمر " وعنه (عليه السلام) (2) قال: " هي خمرة استصغرها الناس " وقال ابن الجنيد وتحريمه من جهة نشيشه ومن ضراوة انائه إذا كرر فيه العمل. (لا يقال) الخمر من الستر وهو ستر العقل ولا ستر في الفقاع (لانا نقول) التسمية ثابتة شرعا والتجوز على خلاف الاصل فيكون حقيقة في المشترك وهو مائع حرم لنشيشه وغليانه، وإذا ثبت ان الفقاع خمر وقد بينا حكم الخمر فاطلب حكم الفقاع هناك. انتهى كلامه. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: ويرد على احتجاجه باخبارنا لادخاله في حقيقة الخمر نحو ما ذكرناه في احتجاجه السابق لادخال المسكرات. واما ما حكاه عن المرتضى فغير كاف في اثبات مثله، فالعمدة إذا على الاجماع المدعى، ويؤيده ما رواه الكليني (قدس سره) عن محمد بن يحيى ثم اورد رواية ابي جميلة البصري المتقدمة. اقول: ما اورده عليه هنا في الاحتجاج باخبارنا لادخال الفقاع في حقيقة الخمر بما ذكره سابقا قد بينا ضعفه وان هذا الاطلاق حقيقة شرعية، ومن الاخبار الدالة على ما دلت عليه هاتان الروايتان المذكورتان في كلام المحقق (قدس سره) قول ابي الحسن (عليه السلام) في جواب مكاتبة ابن فضال (3) " هو الخمر وفيه حد شارب الخمر " وقول الصادق (عليه السلام) (4) في موثقة عمار: " هو خمر " وقوله (عليه السلام) في رواية الحسين القلانسي (5) " لا تقربه فانه من الخمر " وفي رواية محمد بن سنان (6) " هو الخمر بعينها " وفي رواية زرارة عن الصادق (عليه السلام) (7) " لو ان لي سلطانا على اسواق المسلمين لرفعت عنهم هذه الخمرة " وفي بعضها (8) " هو خمر مجهول وفيه حد شارب الخمر " ومن اجل هذه الاخبار رجع صاحب الذخيرة في هذا المقام


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 27 من الاشربة المحرمة (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من الاشربة المحرمة.

[ 119 ]

عما ذكره سابقا مما قدمنا نقله عنه، حيث قال بعد ايراد جملة من هذه الأخبار: لا يخفى انه وان امكن ايراد السابق هنا لكن الانصاف ان من هذه الاخبار يستفاد انه مثل الخمر في جميع الاحكام ويؤيده رواية ابي جميلة البصري، ثم ساق الرواية كما قدمناه. واما صاحب المدارك فانه قال: والحكم بنجاسته مشهور بين الاصحاب وبه رواية ضعيفة السند جدا نعم ان ثبت اطلاق الخمر عليه حقيقة كما ادعاه المصنف في المعتبر كان حكمه حكم الخمر، وقد تقدم الكلام فيه. انتهى. وقوله: " وقد تقدم الكلام فيه " اشارة الى مناقشة التي اشرنا إليها آنفا في عموم اطلاق الخمر، فظاهره هنا التوقف أو عدم القول بالنجاسة لعدم صدق الاطلاق عنده وحكمه بضعف الخبر الدال على النجاسة، والعجب منه (قدس سره) حيث لم يقف على ضابطة ولم يرجع الى رابطة فان الخبر الذي طعن عليه بالضعف وان كان كذلك لكن اتفاق الاصحاب على الحكم المذكور جابر لضعفه إذ لا مخالف في المسألة، ولهذا ان المحقق الشيخ حسن فيما قدمنا نقله عنه انما اعتمد على الاجماع وايده بالرواية، وهو (قدس سره) في غير موضع من كتابه قد جرى على هذه الطريقة وقد ذكر في مسألة الدم الاقل من حمصة بعد ان نقل الروايات الدالة على نجاسته وطعن فيها بضعف السند مع كونها مطابقة لمقتضى الاصل كما ذكره: " إلا انه لا خروج عما عليه معظم الاصحاب " انتهى. وعلى هذا فقس. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من كلام الاصحاب ان الحكم بالتحريم والنجاسة تابع للاسم فحيث ما صدق الاسم تعلقت به الاحكام، قال في المسالك بعد ذكر المصنف الفقاع: " الاصل فيه ان يتخذ من ماء الشعير كما ذكره المرتضى (رضي الله عنه) في الانتصار لكن لما كان النهي عنه معلقا على التسمية ثبت له ذلك سواء عمل منه ام من غيره، فما يوجد في اسواق اهل الخلاف مما يسمى فقاعا يحكم بتحريمه تبعا للاسم إلا ان يعلم انتفاؤه قطعا " ونحوه كلام سبطه في المدارك حيث قال بعد نقل كلام المرتضى في

[ 120 ]

الانتصار: وينبغي ان يكون المرجع فيه الى العرف لانه المحكم فيما لم يثبت فيه وضع شرعي ولا لغوي. اقول: المفهوم من الاخبار ان الفقاع على قسمين: منه ما هو حلال طاهر وهو ما لم يحصل فيه الغليان والنشيش ايام نبذه، ومنه ما هو حرام نجس وهو ما يحصل فيه الغليان، والى ذلك اشار ابن الجنيد فيما نقله عنه في المعتبر فيما قدمناه من عبارته، وجملة من الاصحاب قد عدوا كلام ابن الجنيد خلافا في المسألة حيث ان ظاهرهم القول بالتحريم مطلقا، والحق في المسألة هو مذهب ابن الجنيد وعليه تدل صحيحة ابن ابي عمير عن مرازم (1) قال: " كان يعمل لابي الحسن (عليه السلام) الفقاع في منزله، قال ابن ابي عمير ولم يعمل فقاع يغلى " ورواية عثمان بن عيسى (2) قال: " كتب عبد الله بن محمد الرازي الى ابي جعفر (عليه السلام) ان رأيت ان تفسر لي الفقاع فانه قد اشتبه علينا امكروه هو بعد غليانه ام قبله ؟ فكتب (عليه السلام) لا تقرب الفقاع إلا ما لم تضر آنيته أو كان جديدا. فاعاد الكتاب إليه اني كتبت اسأل عن الفقاع ما لم يغل فأتاني ان اشربه ما كان في اناء جديد أو غير ضار ولم اعرف حد الضراوة والجديد وسأل ان يفسر ذلك له وهل يجوز شرب ما يعمل في الغضارة والزجاج والخشب ونحوه من الاواني ؟ فكتب يجعل الفقاع في الزجاج وفي الفخار الجديد إلى قدر ثلاث عملات ثم لا يعد منه بعد ثلاث عملات إلا في اناء جديد والخشب مثل ذلك " والمستفاد منها ان الفقاع الذي يتعلق به التحريم وخرجت الاخبار بالمنع عنه وانه خمر هو الذي يغلي وغليانه عبارة عن هيجانه واغتلامه وان من الفقاع ما لا يكون كذلك وهو حلال، وحينئذ فاطلاق اصحابنا القول بالتحريم وجعلهم التحريم دائرا مدار صدق اسم الفقاع ليس في محله. ثم ان ظاهرهم كما تقدم في عبارة المحقق انه لا يشترط فيه بلوغ حد الاسكار وظاهر الاخبار ايضا ان المدار في الفرق بين الحلال والحرام من قسميه انما هو الغليان


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 39 من الاشربة المحرمة.

[ 121 ]

وعدمه، اللهم إلا ان يدعى انه بالغليان يكون مسكرا كما في سائر الاشربة المسكرة، ولم اقف هنا على دليل قاطع يظهر منه حكم المسألة إلا الخبران المذكوران وهما غير خاليين من الاجمال كما عرفت ولكن ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو ما ذكرناه كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، واصرح من عبارة المحقق فيما قلنا ما ذكره في مجمع البحرين للشيخ التقي الزاهد الشيخ فخر الدين بن طريح " والفقاع كرمان شئ يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط وليس بمسكر ولكن ورد النهي عنه. قيل سمي فقاعا لما يرتفع في رأسه من الزبد ". هذا، واما ما ذكره في المدارك من انه ينبغي ان يكون المرجع فيه الى العرف لانه المحكم فيما لم يثبت فيه وضع شرعي ولا عرفي ففيه انه وان اشتهر ذلك بينهم وجعلوه من جملة القواعد التي يبنون عليها الأحكام إلا ان فيه (اولا) ان المفهوم من الأخبار على وجه لا يعتريه الانكار عند من رجع إليها وتأمل فيها بعين الاعتبار ان الواجب في صورة عدم العلم بالمعنى المراد من الخطاب الشرعي هو الفحص والبحث من اخبارهم (عليهم السلام) عن تحصيل المعنى المراد منه ومع عدم الوقف عليه هو الرجوع والوقوف على جادة الاحتياط. و (ثانيا) ان الحوالة على العرف مع ما علم يقينا من ان العرف الذي عليه الناس مختلف باختلاف البلدان والاقطار فكل قطر لهم عرف واصطلاح ليس لغيرهم من سائر الاقطار، ومن المعلوم ان الأحكام الشرعية مضبوطة معينة فكيف تناط بما هو مختلف متعدد ؟ مضافا ذلك الى ان تتبع جميع الاقطار في الاطلاع على ذلك العرف امر عسر بل متعذر كما لا يخفى، واما فيما نحن فيه من هذه المسألة فقد عرفت الحكم فيها مما نقلناه من الخبرين المذكورين حسبما ذكرنا. والله العالم (الثالث) الحق جمع من الاصحاب بالمسكرات في النجاسة العصير العنبي إذا على واشتد ولم يذهب ثلثاه وبعض علق الحكم على مجرد الغليان وبعضهم على الاشتداد. قال المحقق في المعتبر: " وفي نجاسة العصير بغليانه قبل اشتداده تردد اما التحريم

[ 122 ]

فعليه اجماع فقهائنا، ثم منهم من اتبع التحريم بالنجاسة والوجه، الحكم بالتحريم مع الغليان حتى يذهب الثلثان ووقوف النجاسة على الاشتداد " والمراد بالغليان انقلابه وصيرورة اسفله اعلاه وبالاشتداد الغلظ والثخانة. ولا ريب ان التحريم يترتب على مجرد الغليان بلا خلاف نصا وفتوى وانما الخلاف في النجاسة هل تترتب على ذلك ايضا أو تتوقف على الاشتداد ؟ والظاهر من كلام الشهيد في الذكرى وكذا المحقق الشيخ علي ان الاشتداد مسبب عن مجرد الغليان فالتحريم والنجاسة متلازمان. والذي عليه الأكثر هو ما صرح به المحقق هنا من تأخر الاشتداد وان بينهما زمانا متحققا كما هو المشاهد بالوجدان خصوصا في الذي يغلي من نفسه أو في الشمس. ثم ان الظاهر من كلامهم ان القول بالنجاسة هو المشهور، فممن صرح بالنجاسة المحقق في المعتبر وقال في الشرائع بعد ان ذكر المسكرات وحكم بنجاستها: وفي حكمها العصير العنبي إذا غلا واشتد والمراد بالغليان انقلابه وصيرورة اعلاه اسفله وباشتداده حصول الغلظ والثخانة فيه، وبذلك صرح العلامة في المنتهى والارشاد فعلق الحكم على الغليان والاشتداد ايضا، وفي التذكرة: والعصير إذا غلى حرم حتى يذهب ثلثاه، وهل ينجس بالغليان أو يقف على الشدة ؟ اشكال. وهو صريح في جزمه بالنجاسة وانما توقف في حصولها بمجرد الغليان أو تتوقف على الاشتداد، وفي المختلف " الخمر وكل مسكر والفقاع والعصير إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس، ذهب إليه اكثر علمائنا كالمفيد والشيخ ابي جعفر والمرتضى وابي الصلاح وسلار وابن ادريس " ثم نقل خلاف ابن ابي عقيل والصدوق حسبما تقدم في الخمر " وظاهر كلامه نسبة القول بالنجاسة في جميع هذه الاشياء المعدودة في كلامه التي من جملتها العصير الى الاكثر ومنهم هؤلاء المذكورون، وبالجملة فالظاهر ان القول المذكور مشهور ولا سيما بين المتأخرين، وبذلك صرح الشهيد الثاني في الروض ايضا، والذي يظهر من الذكرى ان القائل به قليل حيث قال: وفي حكمها العصير إذا غلى واشتد في قول ابن حمزة وفي

[ 123 ]

المعتبر يحرم، ثم نقل ملخص عبارة المعتبر ثم قال وتوقف الفاضل في نهايته، الى ان قال ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة. مع انه ممن قال بذلك ايضا في الرسالة الالفية. وبالجملة فان من ذكر العصير في هذا المقام فانما صرح فيه بالنجاسة ولكن جملة من المتأخرين اعترضوهم بعدم الدليل على ذلك، ولهذا قال الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح الالفية ان تحقق القولين في المسألة مشكوك فيه بمعنى انه لا قائل إلا بالنجاسة، وفيه رد لما ذكره الشهيد في الذكرى من انه لم يقف لغير من ذكره على القول بالنجاسة، نعم قال في المدارك انه نقل عن ابن ابي عقيل التصريح بطهارته ومال إليه جدي (قدس سره) في حواشي القواعد وقواه شيخنا المعاصر سلمه الله تعالى وهو المعتمد تمسكا بمقتضى الاصل السالم عن المعارض. انتهى. والظاهر ان النقل عن ابن ابي عقيل انما هو بسبب خلافه في الخمر وقوله بطهارته المستلزم لطهارة ما حمل عليه. نعم قول المتأخرين بالطهارة لا ضير فيه ولا منافاة لما ذكرناه. وكيف كان فانا لم نقف لهم فيما ذهبوا إليه من القول بالنجاسة على دليل ولم ينقل احد منهم دليلا في المقام، قال في الذكرى على اثر الكلام المتقدم: ولا نص على نجاسة غير المسكر وهو منتف هنا. وقال في البيان ايضا انا لم نقف على نص يقتضي تنجيسه إلا ما دل على نجاسة المسكر لكنه لا يسكر بمجرد غليانه واشتداده. ونقل في المعالم عن والده في المسالك ان نجاسته من المشاهير بغير اصل. اقول: قد صرح الامين الاسترابادي في تعليقاته على المدارك باختياره القول بالنجاسة واستدل بصحيحة محمد بن عمار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من اهل المعرفة يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وانا اعرف انه يشربه على النصف ؟ فقال خمر لا تشربه " قال واطلاق الخمر عليه يقتضي لحوق حكمه به.


(1) المروية في الوسائل في الباب 7 من الاشربة المحرمة، والراوي معاوية بن عمار كما في المتن.

[ 124 ]

اقول: هذه الرواية بهذا المتن رواها في الكافي وفي التهذيب عن معاوية بن عمار واما ما ذكره عن محمد بن عمار فالظاهر انه من سهو قلمه، وايضا في سند الرواية يونس ابن يعقوب وحديثه عندهم معدود في الموثق لتصريح جملة منهم بكونه فطحيا وان وثقه آخرون، وهذا المتن الذي نقله هو الذي في التهذيب واما المتن المنقول في الكافي فهو عار عن لفظ الخمر وهذه صورته: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من اهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وانا اعلم انه يشربه على النصف أفاشربه بقوله وهو يشربه على النصف ؟ فقال لا تشربه " وعلى هذه الرواية فلا دلالة في الخبر، والعجب من صاحبي الوافي والوسائل قد نقلا الرواية بالمتن الذي في الكافي في الكتابين المذكورين ولم يتنبها لما في البين من الاشكال المذكور، وكيف كان فالاعتماد على ما ذكره الشيخ مع خلو الكافي عنه لا يخلو من اشكال لما عرفت من احوال الشيخ وما وقع له من التحريف والزيادة والنقصان في الأخبار، ومع اغماض النظر عن ذلك فاثبات النجاسة بذلك لا يخلو من توقف إذ لعل الغرض من التشبيه انما هو بالنسبة إلى التحريم المتفق عليه، وبالجملة فاصالة الطهارة اقوى متمسك حتى يقوم الدليل على ما يوجب الخروج عنه، ونحن انما خرجنا عنه في الفقاع لاستفاضة الروايات بكونه خمرا كما عرفت، وترتب هذا المعنى على مجرد هذه الرواية مع ما عرفت من العلة محل توقف. والله العالم. (تذنيب) يشتمل على الكلام في حل عصير التمر والزبيب، وهذه المسألة وان كانت خارجه عن محل البحث وان الانسب بها كتاب الاطعمة والاشربة إلا انها لما كانت من الضروريات التي تلجئ الحاجة إلى معرفة حكمها لابتلاء الناس بها ووقوع الخلاف في هذه الازمنة المتأخرة فيها ولهذا كثر السؤال عنها وربما صنف فيها الرسائل واكثر القائلون فيها بالتحريم من الدلائل التي لا تصل عند التأمل إلى طائل سوى ايقاع الناس في المشاكل والمعاضل، فرأيت ان اكشف عن وجه تحقيقها نقاب الابهام واحيط

[ 125 ]

فيها باطراف النقض والابرام على وجه لم يسبق إليه سابق من الاعلام مذيلا باخبار اهل الذكر (عليهم السلام) وتحقيقات تلذها الافهام وان طال بذلك زمام الكلام فانه لما ذكرنا من اهم المهام، فاقول وبالله التوفيق ان الكلام هنا في الطهارة والنجاسة والحل والحرمة في كل من الفردين المذكورين: اما عصير الزبيب فالظاهر انه لا خلاف في طهارته وعدم نجاسته بالغليان فاني لم اقف على قائل بالنجاسة هنا، وبذلك صرح في الذخيرة ايضا فقال بعد الكلام في نجاسة العصير العنبي: وهل يلحق به عصير الزبيب إذا غلى في النجاسة ؟ لا اعلم بذلك قائلا واما في التحريم فالاكثر على عدمه. انتهى. ويلوح من كلام شيخنا الشهيد الثاني وقوع الخلاف هنا حيث قال بعد الكلام في نجاسة عصير العنب: ولا يلحق به عصير التمر وغيره حتى الزبيب على الاصح ما لم يحصل فيه خاصية الفقاع، للاصل وخروجه عن مسمى العنب وذهاب ثلثيه بالشمس. وقال في شرح الرسالة: ولا يلحق به عصير التمر وغيره اجماعا ولا الزبيب على اصح القولين للاصل وضعف متمسك القائل بالالحاق. انتهى. وهو جيد. ومن ذلك علم ان الخلاف انما هو في الزبيب واما التمر وغيره فقد عرفت نقل شيخنا المشار إليه الاجماع على عدم النجاسة فيه. بقي البحث في التحريم في كل منهما وعدمه، والبحث في ذلك يتوقف على تقديم مقدمة تشتمل على فوائد يظهر الحق منها لكل طالب وقاصد ويتضح بها ما في المسألة من المقاصد: (الفائدة الاولى) لا يخفى ان المستفاد من اخبار اهل العصمة (عليهم السلام) ان العصير في عرفهم اسم لما يؤخذ من العنب خاصة وان ما يؤخذ من التمر انما يسمى بالنبيذ وما يؤخذ من الزبيب يسمى بالنقيع وربما اطلق النبيذ ايضا على ماء الزبيب، وهذا هو الذي يساعده العرف ايضا فانه لا يخفى ان العصير انما يطلق على الاجسام التي فيها مائية لاستخراج الماء منها كالعنب مثلا والرمان والبطيخ بنوعيه ونحو ذلك، واما الاجسام الصلبة التي فيها حلاوة أو حموضة ويراد استخراج حلاوتها أو حموضتها بالماء مثل التمر والزبيب

[ 126 ]

والسماق والزرشك ونحوها فانه انما يستخرج ما فيها من الحلاوه أو الحموضة اما بنبذها في الماء ونقعها فيه زمانا يخرج حلاوتها أو حموضتها إلى الماء أو انها تمرس في الماء من اول الامر من غير نقع أو انها تغلي بالنار لاجل ذلك، والمعمول عليه في الصدر الأول انما هو النبذ في الماء والنقع فيه كما ستطلع عليه ان شاء الله تعالى، وهذا ظاهر يشهد به الوجدان في جميع البلدان، وبهذا ايضا صرح كلام اهل اللغة، قال الفيومي في المصباح المنير في مادة عصر: عصرت العنب ونحوه عصرا من باب ضرب: استخرجت ماءه وقال في مادة نقع انقعت الدواء وغيره انقاعا: تركته في الماء حتى انتقع وهو نقيع فعيل بمعنى مفعول، إلى ان قال ويطلق النقيع على الشراب المتخذ من ذلك فيقال نقيع التمر والزبيب وغيره إذا ترك في الماء حتى ينتقع من غير طبخ. انتهى. فانظر إلى وضوح هذا الكلام في المقصود والمراد من الفرق بين القسمين والتغاير في الاسمين بجعل ما يتخذ من الاجسام المائية عصيرا وما يتخذ من التمر والزبيب ونحوهما نقيعا، وقال في باب مرس: مرست التمر مرسا من باب قتل: دلكته في الماء حتى تتحلل اجزاؤه. انتهى. وقال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث الكرم يتخذونه زبيبا ينقعونه اي يخلطونه بالماء ليصير شرابا، الى ان قال والنقيع شراب يتخذ من زبيب أو غيره ينقع في الماء من غير طبخ. وقال في القاموس في مادة عصر: عصر العنب ونحوه يعصره فهو معصور وعصير: استخرج ما فيه، إلى ان قال وعصيره ما يحلب منه. وقال في مادة نقع: والنقيع البئر الكثيرة الماء الجمع انقعة، وشراب من زبيب أو كل ما ينقع تمرا أو زبيبا أو غيرهما. انتهى. وهي صريحة ايضا في المراد، وقال في مجمع البحرين في مادة عصر: والعصير من العنب يقال عصرت العنب عصرا من باب ضرب: استخرجت ماءه، واسم الماء العصير فعيل بمعنى مفعول. وقال في مادة نقع: والنقيع شراب يتخذ من زبيب ينقع في الماء من غير طبخ وقد جاء في الحديث كذلك. وقال في مادة نبذ: والنبيذ ما يعمل من الاشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك. انتهى. وهو ظاهر

[ 127 ]

في المطلوب على الوجه المحبوب، وعلى هذا فقد اتفق على صحة ما ذكرناه الشرع والعرف واللغة. وبذلك يظهر انه حيثما يذكر العصير في الاخبار فانما يراد به ماء العنب إلا مع قرينة تدل على العموم وان ماء التمر والزبيب لا مدخل لهما في اطلاق هذا اللفظ (فان قيل): ان التمر والزبيب بعد نقعهما في الماء وخروج حلاوتهما يعصران فيصدق عليهما العصير بذلك (قلنا) نعم انهما يعصران كما ذكرت ويطلق عليهما العصير لغة بمعنى المعصور إلا ان مبنى ما ذكرنا من الفرق والتسمية انما هو بالنسبة الى استخراج ما في تلك الاشياء من المياه أو غيرها من اول الامر فان المعصورات يستخرج ماؤها من اول الأمر بالعصر ولا يحتاج الى امر آخر غيره، واما هذه ونحوها فانها تحتاج اولا الى اضافة الماء إليها ثم نقعها أو غليها أو مرسها حتى يخرج ما فيها ثم تعصر بعد ذلك وتصفى ومن الاخبار الصريحة فيما فصلناه الدالة على ما ادعيناه صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من خمسة: العصير من الكرم والنقيع من الزبيب والبتع من العسل والمرز من الشعير والنبيذ من التمر " ونحوها ما في الكافي عن علي بن اسحاق الهاشمي وقد تقدمت قريبا، وحينئذ فما ورد في الاخبار بلفظ العصير مطلقا مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان (2): " كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه " وقوله (عليه السلام) في حسنة حماد بن عثمان (3): " لا يحرم العصير حتى يغلي " وقوله (عليه السلام) في رواية حماد ايضا (4) لما سأله عن شراب العصير فقال: " اشربه ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه " وفي رواية ذريح (5) " إذا نش العصير أو غلا حرم " وفي رواية محمد بن الهيثم عن رجل عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن العصير


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من الاشربة المحرمة. (2) و (6) المروية في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة. (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من الاشربة المحرمة.

[ 128 ]

يطبخ في النار حتى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه ؟ قال إذا تغير عن حاله فغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " وامثال ذلك فانه يجب حمله على العصير العنبي حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المشهورة والمتكررة الغير المنكورة. ومما يزيدك بيانا وايضاحا لهذا الحمل المذكور ورود جملة من الاخبار الدالة على العلة في تحريم العصير بعد غليانه وقبل ذهاب ثلثيه وحله بعد ذلك فان موردها هو العنب خاصة دون غيره من الاشربة: فمن ذلك ما رواه في الكافي عن ابي الربيع الشامي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اصل الخمر كيف كان بدء حلالها وحرامها ومتى اتخذ الخمر ؟ فقال ان آدم (عليه السلام) لما اهبط من الجنة اشتهى من ثمارها فانزل الله سبحانه قضيبين من عنب فغرسهما آدم فلما ان اورقا واثمرا وبلغا جاء ابليس لعنه الله فحاط عليهما حائطا فقال آدم ما حالك يا ملعون ؟ فقال له ابليس انهما لي فقال كذبت فرضيا بروح القدس فلما انتهيا إليه قص عليه آدم قصته فاخذ روح القدس ضغثا من نار ورمى به عليهما والعنب في اغصانهما حتى ظن آدم انه لم يبق منهما شئ وظن ابليس مثل ذلك، قال فدخلت النار حيث دخلت وقد ذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث، فقال الروح اما ما ذهب فحظ ابليس واما ما بقي فلك يا آدم " وعن الحسن بن محبوب عن خالد بن نافع عن الصادق (عليه السلام) (2) مثله ورواه الصدوق في العلل نحوه (3). وما رواه في الكافي ايضا في الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " لما هبط نوح (عليه السلام) من السفينة غرس غرسا فكان فيما غرس الحبلة ثم رجع إلى اهله فجاء ابليس لعنه الله فقلعها، ثم ان نوحا عاد إلى غرسه فوجده على حاله ووجد الحبلة قد قلعت ووجد ابليس عندها فاتاه جبرئيل فاخبره ان ابليس لعنه الله قلعها، فقال نوح لابليس ما دعاك الى قلعها ؟ فوالله ما غرست غرسا احب الي منها


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.

[ 129 ]

ووالله لا ادعها حتى اغرسها. فقال ابليس وانا والله لا ادعها حتى اقلعها، فقال له اجعل لي منها نصيبا، فجعل له الثلث فابى ان يرضى فجعل له النصف فابى ان يرضى فابى نوح ان يزيده فقال جبرئيل لنوح يا رسول الله احسن فان منك الاحسان فعلم نوح انه قد جعل له عليها سلطان فجعل نوح له الثلثين، فقال أبو جعفر (عليه السلام) إذا اخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان وكل واشرب حينئذ فذاك نصيب الشيطان " اقول: الحبلة بالضم الكرم أو اصل من اصوله على ما صرح به اهل اللغة. وروى في الكتاب المذكور ايضا في الموثق عن سعيد بن يسار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان ابليس لعنه الله نازع نوحا في الكرم فاتاه جبرئيل فقال ان له حقا فاعطه فاعطاه الثلث فلم يرض ابليس لعنه الله فاعطاه النصف فلم يرض فطرح جبرئيل نارا فاحرقت الثلثين وبقي الثلث فقال ما احرقت النار فهو نصيبه وما بقي فهو لك يا نوح حلال ". وروى الصدوق في العلل بسنده عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " كان ابي يقول ان نوحا حين امر بالغرس كان ابليس الى جانبه فلما اراد ان يغرس العنب قال هذه الشجرة لي فقال له نوح كذبت فقال ابليس فما لي منها ؟ فقال نوح لك الثلثان. فمن هنا طاب الطلاء على الثلث ". وروى فيه ايضا بسنده عن وهب بن منبه (3) قال: " لما خرج نوح من السفينة غرس قضبانا كانت معه من النخل والاعناب وسائر الثمار فاطعمت من ساعتها وكانت معه حبلة العنب وكان آخر شئ اخرج حبلة العنب فلم يجدها نوح وكان ابليس قد اخذها فخبأها فنهض نوح ليدخل السفينة فيلتمسها، الى ان قال فقال له الملك ان لك فيها شريكا في عصيرها فاحسن مشاركته فقال نعم له السبع ولي ستة اسباع فقال له الملك احسن فانت محسن فقال نوح له سدس ولي خمسة اسداس فقال له الملك احسن فانت


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.

[ 130 ]

محسن فقال له خمس ولي اربعة اخماس فقال له الملك احسن فانك محسن فقال نوح له الربع ولي ثلاثة ارباع فقال له الملك احسن فانك محسن فقال له النصف ولي النصف فقال احسن فانت محسن فقال لي الثلث وله الثلثان فرضى فما كان فوق الثلث من طبخها فلابليس وهو حظه وما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح وهو حظه فذلك هو الحلال الطيب فيشرب منه ". اقول: وقد دلت هذه الأخبار باوضح دلالة لا يعتريها الانكار ان الشراب الذي يحرم بغليانه ولا يحل إلا بذهاب ثلثيه انما هو ماء العنب لان النزاع من آدم ونوح ومن ابليس لعنه الله انما وقع في شجرة العنب خاصة دون سائر الاشجار. وحينئذ فما ورد في الأخبار من ان العصير يحرم بالغليان ولا يحل إلا بذهاب الثلثين انما اريد به عصير العنب خاصة لاكل عصير كما توهمه غير واحد من قاصري النظر وان ارتكب تخصيصه بافراد اخر، وبالجملة فاختصاص العلة الموجبة للحرمة بما اخذ من الكرم يوجب بقاء ما اخذ من غيره على اصل الحلية والاباحة، نعم يحرم المسكر منها بالنصوص المستفيضة الدالة على ان ما اسكر كثيره فكثيره وقليله حرام ويبقى ما عداه غلى بالنار أو لم يغل على اصل الحلية، ويؤيد ذلك ما ورد في جملة من اخبار العصير الذي يحرم بالغلي ويحل بذهاب ثلثيه من التعبير عنه تارة بالعصير كما عرفت فيما تقدم من الروايات وتارة يعبر عنه بالطلاء وهو ما طبخ من عصير بالعنب وتارة يعبر عنه بالبختج بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة ثم التاء المثناة من فوق وفي آخره جيم وهو العصير من العنب المطبوخ وهو معرب پخته ". وبالجملة فانه لا يخفى على من تأمل في الأخبار الواردة بلفظ العصير في ابواب البيوع وابواب الاشربة سؤالا وجوابا ان العصير كان شيئا معينا مخصوصا معلوما يسأل عنه تارة بجواز شربه وعدمه فيجاب بجواز شربه ما لم يغل وبعد الغلي فانه يحرم حتى يذهب ثلثاه، ويسأل عمن يشربه ذهاب ثلثيه فيجاب بانه فعل محرم، ويسأل عن جواز بيعه فيجاب بجواز بيعه

[ 131 ]

بالنقد خاصة، ونحو ذلك من الاحكام المجراة عليه في الأخبار، ولو كان المراد بالعصير انما هو المعنى اللغوي وهو كل ما يعصر وهو امر كلي شامل لافراد عديدة لا تكاد تحصى كثرة لما اطردت هذه الاحكام ولا كانت كلية في كل مقام، فان افراد العصير بهذا المعنى الذي بنوا عليه غير متفقة كما لا يخفى على ذوي الافهام فانه ليس كل شئ يعصر فانه يحرم بمجرد غليه ولا يحرم بيعه بالنسيئة ولا يتغير بتأخيره حتى يصير محرما. وها نحن نسرد لك جملة من الأخبار الواردة في ابواب البيع زيادة على ما قدمناه من الأخبار الواردة في باب الشراب، ففي صحيحة البزنطي (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن ؟ قال فقال لو باع ثمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس واما إذا كان عصيرا فلا يباع إلا بالنقد " وفي رواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن ثمن العصير قبل ان يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا ؟ قال إذا بعته قبل ان يكون خمرا وهو حلال فلا بأس " وفي رواية يزيد بن خليفة (3) قال: " كره أبو عبد الله (عليه السلام) بيع العصير بتأخير " قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر: لا يؤمن ان يصير خمرا قبل قبض الثمن فيأخذ ثمن الخمر. وصحيحة رفاعة بن موسى (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره ؟ قال حلال ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا ؟ " الى غير ذلك من الاخبار الواردة من هذا القبيل، ولا يخفى على المتأمل فيها انه انما اريد بالعصير فيها فرد خاص من المعصورات لا كل ما يعصر كما توهمه من لا تأمل له في الاخبار ولم يعط النظر حقه من التدبر والاعتبار، وان المراد انما هو عصير العنب بالخصوص لان الخمر كما عرفته فيما تقدم حقيقتة في ماء العنب المسكر وان كان قد اطلق شرعا على ما هو اعم منه ومن سائر المسكرات، ومن ذا الذي يدعي انه كل معتصر يصير خمرا بتأخيره زمانا وان كل معتصر فانه يحرم بمجرد غليانه حتى يتم له دعوى


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 88 من ابواب ما يكتسب به.

[ 132 ]

الكلية في لفظ العصير من هذه الأخبار ؟ وبالجملة فجميع الأخبار الواردة بلفظ العصير مطلقا غاية ما يتوهم منها الاطلاق بمعنى الفرد المنتشر فيصير كالنكرة المراد بها فرد شائع في جنسه، وهذا الاطلاق قد عرفت انه مقيد بالصحيحة المتقدمة والأخبار التي معها ونحوها مما دل على اختصاص العصير بماء العنب خاصة، واما الحمل على الكلية بمعنى ان المراد منها كل ما يعتصر فهو لا يمكن توهمه ممن له ادنى روية وتمييز في الأحكام فضلا عن ان يكون من ذوي الاذهان والافهام، نعم ذلك التوهم انما يتجه في صحيحة عبد الله بن سنان المسورة بكل (1) وسيأتي تحقيق الحال في ايضاحها وبيانها ان شاء الله تعالى، على ان جملة من الأخبار الواردة بالعصير في باب البيع وابواب الشراب منها ما اضيف فيها الى العنب ومنها ما اطلق ونحن هنا قد اقتصرنا على نقل ما اطلق الذي هو محل الشبهة، ولا ريب انه مع ملاحظة مطلقها والضم الى مقيدها يجب حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المطردة (الفائدة الثانية) قد عرفت في الفائدة الاولى ان النبيذ اسم مخصوص بما يؤخذ من التمر وربما اطلق ايضا على ما يؤخذ من الزبيب، وهذه جملة من الأخبار نسردها عليك في هذه الفائدة صريحة الدلالة في ذلك ويستفاد منها ايضا ان النبيذ على قسمين: حلال وهو ما لم يسكر طبخ أو لم يطبخ، وحرام وهو ما اسكر طبخ أو لم يطبخ فمدار الحل والحرمة فيه انما هو على الاسكار وعدمه: فمن تلك الأخبار رواية الكلبي النسابة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ ؟ فقال حلال. فقلت انا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك ؟ فقال شه شه تلك الخمرة المنتنة.. الحديث ". ورواية حنان بن سدير قال: " سمعت رجلا وهو يقول لابي عبد الله (عليه


(1) ص 127. (2) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب الماء المضاف (3) المروية في الوسائل في الباب 22 من الاشربة المحرمة.

[ 133 ]

السلام) ما تقول في النبيذ فان ابا مريم يشربه ويزعم انك امرته بشربه ؟ فقال صدق أبو مريم سألني عن النبيذ فاخبرته انه حلال ولم يسألني عن المسكر، قال ثم قال (عليه السلام): ان المسكر ما اتقيت فيه احدا سلطانا ولا غيره، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام وما اسكر كثيره فقليله حرام. فقال له الرجل جعلت فداك هذا النبيذ الذي اذنت لابي مريم في شربه اي شئ هو ؟ فقال اما ابي فانه كان يأمر الخادم فيجئ بقدح ويجعل فيه زبيبا ويغسله غسلا نقيا ثم يجعله في اناء ثم يصب عليه ثلاثة مثله أو اربعة ماء ثم يجعله بالليل ويشربه بالنهار ويجعله بالغداة ويشربه بالعشي وكان يأمر الخادم بغسل الاناء في كل ثلاثة ايام لئلا يغتلم فان كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ " دلت هذه الرواية باطلاقها على اباحة النبيذ بجيمع انواعه عدا المسكر منه فانه (عليه السلام) اقر ابا مريم على تحليل النبيذ بقول مطلق ولم يستثن منه إلا المسكر، ومثلها رواية الكلبي المتقدمة فانه اجابه اولا بانه حلال ومراده هذا الفرد الذي ذكره (عليه السلام) وقد صرح به ايضا في آخر الخبر المذكور فلما اخبره بانه يجعل فيه العكر ونحوه مما يصير به مسكرا اجاب بانه يصير خمرا محرما. ورواية ايوب بن راشد (1) قال: " سمعت ابا البلاد يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ فقال لا بأس به. فقال انه يوضع فيه العكر ؟ فقال بئس الشراب ولكن انبذوه غدوة واشربوه بالعشي.. الحديث ". وحسنة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " استأذنت على ابي عبد الله (عليه السلام) لبعض اصحابنا فسأله عن النبيذ فقال حلال فقال اصلحك الله انما سألتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي حتى يسكر ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر حرام ".


(1) المروية في الوسائل في الباب 30 من الاشربة المباحة. (2) المروية في الوسائل في الباب 24 من الاشربة المحرمة.

[ 134 ]

ورواية ابراهيم بن ابي البلاد (1) قال: " دخلت علي ابي جعفر بن الرضا (عليه السلام).. فدعى بطبق فيه زبيب فاكلت ثم اخذ في الحديث فشكا الي معدته وعطشت فاستقيت ماء فقال يا جارية اسقيه من نبيذي فجائتني بنبيذ مريس في قدح من صفر فشربته فوجدته احلى من العسل، فقلت له هذا الذى افسد معدتك. قال فقال لي هذا تمر من صدقة النبي (صلى الله عليه وآله) يؤخذ غدوة فيصب عليه الماء فتمرسه الجارية واشربه على اثر الطعام لسائر نهاري فإذا كان الليل اخذته الجارية فسقته اهل الدار. فقلت له ان اهل الكوفة لا يرضون بهذا. قال وما نبيذهم ؟ قال قلت يؤخذ التمر فينقع ويلقى عليه القعوة. قال وما القعوة ؟ قلت الداذي. قال وما الداذي. قلت حب يؤتى به من البصرة فيلقى في هذا النبيذ حتى يغلي ثم يسكن ثم يشرب. فقال هذا حرام " وفي رواية اخرى لهذا الراوي عنه (عليه السلام) ايضا في وصف نبيذ اهل الكوفة (2) قال في آخر الخبر: " وما الداذي ؟ قلت ثقل التمر يصرى به في الاناء حتى يهدر النبيذ ويغلي ثم يسكن ويشرب. فقال هذا حرام " وحكمه (عليه السلام) بالتحريم في هذين الخبرين من حيث الاسكار وصيرورته خمرا بما يوضع فيه كما تكرر في الأخبار مما تقدم ويأتي ان شاء الله تعالى من اضافة المسكر الى النبيذ في حال نضحه وغليانه وتصريحهم (عليه السلام) بانه يصير خمرا مسكرا. وموثقة سماعة (3) قال " سألته عن التمر والزبيب يطبخان للنبيذ ؟ فقال لا وقال كل مسكر حرام. وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما اسكر كثيره فقليله حرام. وقال لا يصلح في النبيذ الخميرة وهي العكرة " اقول: انما منع (عليه السلام) من طبخها للنبيذ لكون المعمول يومئذ هو الطبخ الذي تكرر في الاخبار المنع من وضع العكر فيه حتى يصير مسكرا كما يدل عليه تتمة الخبر المذكور.


(1) و (2) رواها في الوسائل في الباب 24 من الاشربة المحرمة. (3) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة.

[ 135 ]

ورواية يزيد بن خليفة (1) وهو رجل من بني الحارث بن كعب قال: " اتيت المدينة وزياد بن عبيدالله الحارثي عليها فاستأذنت على ابي عبد الله (عليه السلام) فدخلت عليه وسلمت عليه وتمكنت من مجلسي فقلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني رجل من بني الحارث بن كعب قد هداني الله تعالى الى محبتكم ومودتكم اهل البيت. قال فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف اهتديت الى مودتنا اهل البيت فوالله ان محبتنا في بني الحارث بن كعب لقليل ؟ قال: فقلت له جعلت فداك ان لي غلاما خراسانيا وهو يعمل القصارة وله همشهريجون اربعة وهم يتداعون كل جمعة فتقع الدعوة على رجل منهم فيصب غلامي في كل خمس جمع جمعة فيجعل لهم النبيذ واللحم، قال ثم إذا فرغوا من الطعام واللحم جاء باجانة فملأها نبيذا ثم جاء بمطهرة فإذا ناول انسانا منهم قال لا تشرب حتى تصلي على محمد وآل محمد، واهتديت الى مودتكم بهذا الغلام. قال فقال لي استوص به خيرا واقرأه مني السلام وقل له يقول لك جعفر بن محمد (عليه السلام) انظر الى شرابك هذا الذى تشربه فان كان يسكر كثيره فلا تقربن قليله فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال كل مسكر حرام.. الحديث " فانظر الى ظهور هذا الخبر في عموم تحليل النبيذ مطلقا عدا المسكر منه فان المقام مقام البيان والحاجة وقصده (عليه السلام) هداية ذلك الغلام الى الحلال دون الحرام، فلو كان هنا فرد آخر من النبيذ غير المسكر حراما لنبه عليه ولمنعه من شربه. ورواية الفضيل بن يسار عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن النبيذ فقال حرم الله تعالى الخمر بعينها وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الاشربة كل مسكر " والتقريب ان السائل سأل عن النبيذ وما يحل منه وما يحرم فأجاب (عليه السلام) بان الذي حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأشربة هو ما اسكر


(1) المروية في الوافي ج 11 ص 83 وقطعة منها في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة (2) المروية في الوسائل في الباب 15 من الاشربة المحرمة.

[ 136 ]

خاصة، خرج منه العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه بالنصوص وبقى ما عداه تحت الأطلاق. ورواية يونس بن عبد الرحمان عن مولى حر بن يزيد (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) فقلت له اني اصنع الاشربة من العسل وغيره وانهم يكلفوني صنعها أفاصنعها لهم ؟ قال فاصنعها وادفعها إليهم وهو حلال من قبل ان يصير مسكرا " وفيه كما ترى دلالة على انه لا يحرم من الاشربة إلا المسكر وما عداه فهو حلال لان المقام مقام البيان فلو كان ثمة فرد آخر لذكره (عليه السلام). وصحيحة صفوان (2) قال: " كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لابي عبد الله (عليه السلام) اصف لك النبيذ ؟ فقال بل انا اصفه لك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام وما اسكر كثيره فقليله حرام. فقلت هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة ؟ فقال لي ليس هكذا كانت السقاية انما السقاية زمزم أفتدري من اول من غيرها ؟ قلت لا. قال العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة أفتدري ما الحبلة ؟ قلت لا. قال: الكرم كان ينقع الزبيب غدوة ويشربه بالعشي وينقعه بالعشي ويشربه من الغد يريد ان يكسر غلظ الماء عن الناس وان هؤلاء قد تعدوا فلا تشربه ولا تقربه " والتقريب فيها انه (عليه السلام) اضرب عن وصف السائل الى الوصف بالاسكار الموجب للتحريم فلو كان للنبيذ قسم آخر محرم وهو ما غلى وان لم يسكر لما حسن هذا الاضراب الى المسكر بخصوصه كما لا يخفى. وصحيحة معاوية بن وهب (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان رجلا من بني عمي وهو من صلحاء مواليك أمرني ان اسألك عن النبيذ فاصفه لك فقال انا اصفه لك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر حرام وما اسكر كثيره فقليله


(1) المروية في الوافي ج 11 ص 91. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة.

[ 137 ]

حرام.. الحديث " والتقريب كما تقدم في سابقه. ورواية كليب الاسدي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب الناس فقال في خطبته ايها الناس ألا ان كل مسكر حرام ألا وما اسكر كثيره فقليله حرام ". ورواية محمد بن مسلم (2) قال: " سألته عن نبيذ قد سكن غليانه ؟ فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام " الى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا المضمار. وكلها كما ترى واضحة المقالة متطابقة الدلالة على انه لا يحرم من النبيذ غير المسكر لان السؤالات في هذه الأخبار كلها عن النبيذ ما الذي يحل منه وما الذى يحرم منه ؟ فأجابوا (عليهم السلام) في بعض بان الحلال منه هو النقيع الذي لم يكثر مكثه وفي جملة ان جميع ما يطبخ ويغلى بالنار فانه يصير مسكرا وذلك بما اعتاد عليه الناس في تلك الازمان من وضع العكر فيه المعبر عنه بالخميرة والداذي، والظاهر انه من المسكر القديم الذي يضعونه في هذا الماء الجديد الذي يطبخونه حتى يسرع باسكاره فيكون مثل الخمير الذي يوضع في العجين وعلى هذا كانت عادتهم في النبيذ المطبوخ، فلذا خرجت الاخبار عنهم (عليهم السلام) مستفيضة بتحريمه والتصريح بكونه مسكرا، ولو كان مجرد الغليان يوجب التحريم وان لم يبلغ حد الاسكار لجرى له ذكر أو اشارة في بعض هذه الاخبار وما ادعاه بعض فضلاء المعاصرين من انه بمجرد الغليان يحصل منه السكر أو مبادئه باعتبار بعض الامزجة أو بعض الامكنة والاهوية وصنف في القول بتحريم عصير التمر رسالة اكثر فيها بزعمه من الدلائل وهي تطويل بغير طائل. ومن جملته دعواه في الجواب عن هذه الاخبار بحصول الاسكار في ماء التمر بمجرد الغليان اشتد أو لم يشتد


(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة. (2) المروية في الوسائل في الباب 25 من الاشربة المحرمة.

[ 138 ]

فلا يخفى ما فيه على العارف النبيه فضلا عن الحاذق الفقيه، وهذه عامة الناس في جميع الاقطار يطبخون الاطعمة بعصير التمر والدبس بل يطبخونها خاصة ويأكلونها ولم يدع احد منهم حصول الاسكار، وبالجملة فبطلان هذا الكلام اظهر من ان يحتاج الى تطويل في المقام ولا شاهد ابلغ من ضرورة العيان وعدول الوجدان. ومن اظهر الاخبار في الباب واوضحها دلالة عند ذوي الالباب ما رواه في الكافي بسنده عن محمد بن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اليمن قوم فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم باجمعهم فلما ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض نسينا ان نسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عما هو اهم الينا ثم نزل القوم ثم بعثوا وفدا لهم فاتى الوفد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا يا رسول الله ان القوم بعثوا بنا اليك يسألونك عن النبيذ ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما النبيذ صفوه لي ؟ فقالوا يؤخذ من التمر فينبذ في اناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ويوقد تحته حتى ينطبخ فإذا انطبخ اخذوه فالقوه في اناء آخر ثم صبوا عليه ماء ثم يمرس ثم صفوه بثوب ثم يلقى في اناء ثم يصب عليه من عكر ما كان قبله ثم يهدر ويغلى ثم يسكن على عكره. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا هذا قد اكثرت أفيسكر ؟ قال نعم. قال فكل مسكر حرام. قال فخرج الوفد حتى انتهوا الى اصحابهم فاخبروهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال القوم ارجعوا بنا الى رسول الله حتى نسأله عنها شفاها ولا يكون بيننا وبينه سفير فرجع القوم جميعا فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ارضنا ارض دوية ونحن قوم نعمل الزرع ولا نقوى على العمل إلا بالنبيذ ؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) صفوه لي فوصفوه كما وصف اصحابهم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفيسكر ؟ فقالوا نعم. قال كل مسكر حرام.. الحديث " وقد جاء هذا الخبر مفصلا باوضح تفصيل لا يعتريه القال والقيل وهو صريح في المطلوب


(1) رواه في الوافي ج 11 ص 87 وفي الوسائل في الباب 24 من الاشربة المحرمة.

[ 139 ]

والمراد عري عن وصمة الشك والايراد. وهذا الخبر ظاهر في الرد على ذلك الفاضل المتقدم ذكره المدعي لحصول الاسكار بالغليان، فانه لو كان الأمر كما توهمه لم يكن لسؤال النبي (صلى الله عليه وآله) عن الاسكار معنى فان الرجل قد ذكر في حكايته عن صفة النبيذ انه غلى مرتين وفي الغلية الثانية وضع فيه العكر ولو كان السكر يحصل بمجرد الغليان لحرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمجرد الغليان الأول، وبالجملة فالحديث المذكور واضح الظهور ساطع النور إلا على من اعترى فهمه وذهنه نوع فتور وقصور، والله الهادى لمن يشاء. (الفائدة الثالثة) المستفاد من الاخبار المتقدمة في الفائدة الاولى ان العصير العنبي على قسمين منه ما يغلي ومنه ما لا يغلي، والاول منه ما يكون محرما وهو ما غلى قبل ذهاب ثلثيه وما يكون حلالا وهو قبل الغلي وما بعد ذهاب الثلثين، والقسم الثاني ايضا منه ما يكون محرما وهو ما طال مكثه حتى اختمر وصار مسكرا ومنه ما هو حلال وهو ما لم يبلغ الحد المذكور. واما النبيذ كما صرحت به الاخبار في الفائدة الثانية فليس إلا قسمان غلى أو لم يغل: ان اسكر فهو حرام وان لم يسكر فهو حلال، والاسكار يقع فيه تارة بطول مكثه في الاناء حتى يختمر ويصير مسكرا كما يشير إليه حديث السقاية وقوله (عليه السلام) بعد ذكر ما كان العباس يفعله لكسر غلظة الماء: " وان هؤلاء قد تعدوا فلا تشربه " يعني انه لما وصلت النوبة الى هؤلاء المستحلين لشرب النبيذ المسكر تعدوا في الزيادة في التمر والزبيب الذي ينبذونه وطول مكثه في الاواني حتى صار مسكرا، واليه يشير ايضا قوله (عليه السلام) في حديث حنان بن سدير: " وكان يأمر الخادم بغسل الاناء في كل ثلاثة ايام لئلا يغتلم " والاغتلام لغة الاشتداد والمراد الكناية عن بلوغ حد الاسكار، وتارة بالغلي ووضع العكر فيه كما صرحت به الاخبار المتقدمة. وبالجملة فانه قد علم من هذه الاخبار كملا ان المحرم من العصير العنبي قسمان احدهما ما على ولم يذهب ثلثاه والثاني ما اسكر، واما المحرم من النبيذ فليس إلا المسكر خاصة فلو كان

[ 140 ]

ثمة قسم آخر يكون محرما وهو ما غلى ولم يذهب ثلثاه من غير عصير العنب لوصلت الينا به الاخبار ودلت عليه الاثار وهي كما دريت خالية من ذلك، وروايات نزاع ابليس مع آدم ونوح المصرحة بعلة التحريم بعد الغليان حتى يذهب الثلثان موردهما انما هو العنب خاصة. (فان قيل) ان ابليس قد نازع آدم في النخل ايضا لما رواه في الكافي بسنده عن علي بن ابي حمزة عن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الله تعالى لما اهبط آدم من الجنة امره بالحرث والزرع وطرح إليه غرسا من غروس الجنة فاعطاه النخل والعنب والزيتون والرمان فغرسها ليكون لعقبه وذريته واكل هو من ثمارها، فقال له ابليس لعنه الله يا آدم ما هذا الغرس الذي لم اكن اعرفه في الارض وقد كنت فيها قبلك ؟ فقال ائذن لي آكل منها فابى آدم ان يطعمه فجاء ابليس عند آخر عمر آدم وقال لحواء انه قد اجهدني الجوع والعطش فقالت له حواء فما الذي تريد ؟ فقال اريد ان تذيقني من هذه الثمار. فقالت حواء ان آدم عهد الي ان لا اطعمك شيئا من هذا الغرس لانه من الجنة ولا ينبغي لك ان تأكل منها شيئا ؟ فقال لها فاعصري في كفي شيئا منه فابت عليه فقال ذريني امصه ولا آكله فاخذت عنقودا من عنب فاعطته فمصه ولم يأكل منه لما كانت حواء قد اكدت عليه فلما ذهب بعضه جذبته حواء من فيه فأوحى الله تعالى إلى آدم ان العنب قد مصه عدوي وعدوك ابليس لعنه الله وقد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس ابليس فحرمت الخمر لان عدو الله ابليس مكر بحواء حتى مص العنب ولو اكله لحرمت الكرمة من اولها الى آخرها وجميع ثمارها وما يخرج منها، ثم انه قال لحواء لو امصصتني شيئا من هذا التمر كما امصصتني من العنب فاعطته تمرة فمصها وكان العنب والتمر اشد رائحة واذكى من المسك الاذفر واحلى من العسل، فلما مصهما عدو الله ابليس ذهبت رائحتهما وانتقصت حلاوتهما، قال أبو عبد الله (عليه


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.

[ 141 ]

السلام) ثم ان ابليس الملعون ذهب بعد وفاة آدم فبال في اصل الكرمة والنخلة فجرى الماء في عروقهما من بول عدو الله فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله تعالى على ذرية آدم كل مسكر لان الماء جرى ببول عدو الله في النخل والعنب. وصار كل مختمر خمرا لان الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله تعالى ابليس ". (قلت): هذا الخبر بحمد الله تعالى ان لم يكن حجة لنا لا يكون علينا وذلك ان سياق الخبر كما تقدمت الاشارة إليه انما هو في بيان العلة في تحريم المسكر من العنب والتمر وغيرهما، ألا ترى إلى قوله (عليه السلام): " فأوحى الله تعالى إلى آدم ان العنب قد مصه عدوي وعدوك ابليس لعنه الله وقد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس ابليس فحرمت الخمر لان عدو الله.. الخ "، والى قوله (عليه السلام) بعد حكاية بول ابليس لعنه الله في اصل الكرمة والنخلة: " فجرى الماء في عروقهما من بول عدو الله فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله على ذرية آدم كل مسكر.. الخ " ولا دلالة فيه ولا اشارة الى التحريم في التمر بمجرد الغليان كما تقدم في اخبار العصير العنبي. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه المسألة يقع في مقامات ثلاثة: (الاول) في ماء التمر إذا غلى ولم يذهب ثلثاه، والمشهور بل كاد ان يكون اجماعا بل هو اجماع هو القول بحليته فانا لم نقف على قائل بالتحريم ممن تقدمنا من الاصحاب وانما حدث القول بذلك في هذه الاعصار المتأخرة، فممن ذهب إليه شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني والمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي على ما يظهر من الوسائل ثم اشتهر ذلك الان بين جملة من الفضلاء المعاصرين حتى صنفوا فيه الرسائل واكثروا من الدلائل التي لا ترجع إلى طائل، وهذا هو الذي حدانا على تطويل الكلام في هذه المسألة في هذا المقام وان كانت خارجة عن محل البحث إلا بنوع مناسبة تقتضي الدخول في سلكه والانتظام.

[ 142 ]

وربما توهم وقوع الخلاف في الحكم المذكور من بعض عبارات الاصحاب مثل عبارة المحقق في كتاب الحدود من الشرائع حيث قال: " واما التمري إذا غلى ولم يبلغ حد الاسكار ففي تحريمه تردد والاشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ الشدة المسكرة " انتهى ومثله عبارة الشهيد في الدروس حيث قال بعد الكلام في عصير الزبيب وحكمه بتحليل المعتصر منه: " واما عصير التمر فقد احله بعض الاصحاب ما لم يسكر، وفي رواية عمار.. الخ ". (1) وانت خبير بان العبارة الاولى لا دلالة فيها بوجه على وجود القول بالتحريم لان التردد في الحكم لا يستلزم وجود الخلاف فيه بل قد يكون منشأه تعارض الادلة فيه أو ضعف المستند دلالة أو سندا أو تعارض احتمالين في ذلك كما هو دأب العلماء في كثير من عبائرهم ومن ثم قال الشهيد الثاني في المسالك في شرح هذه العبارة: وجه التردد في عصير التمر أو هو نفسه إذا غلى، من دعوى صدق اسم النبيذ عليه حينئذ ومشابهته لعصير العنب، ومن اصالة الاباحة ومنع صدق اسم النبيذ المحرم عليه حقيقة ومنع مساواته لعصير العنب في الحكم لخروج ذلك بنص خاص فيبقى غيره على اصل الاباحة وهذا هو الاصح. انتهى. ويؤيد ما قلناه ايضا ما صرح به الفاضل الشيخ احمد بن فهد (قدس سره) في المهذب حيث قال: كل حكم مستفاد من لفظ عام أو مطلق أو من استصحاب يسمى بالاشبه لان ما كان مستند الترجيح التمسك بالظاهر والاخذ بما يطابق ظاهر المنقول يكون اشبه باصولنا، فكل موضع يقول فيه: " الاشبه " يريد هذا المعنى، والاصح ما لا احتمال فيه عنده، والتردد ما احتمل الامرين، ثم قال بعد ذلك: وربما كان النظر والتردد في المسألة من المصنف خاصة لدليل انقدح في


(1) المروية في الوسائل في الباب 37 من الاشربة المحرمة، واللفظ هكذا: " سألته يعنى ابا عبد الله " عليه السلام " عن النضوح ؟ قال يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يمتشطن " وسيأتي التعرض لها ص 149.

[ 143 ]

خاطره. انتهى وفيه كما ترى دلالة واضحة على ان المحقق (قدس سره) بل غيره من الفقهاء ايضا قد يقولون على الاصح أو يترددون أو ينتظرون في المسألة وان كانت اجماعية. واغرب من ذلك ان المحقق في كتاب المختصر في مسألة كثير السفر قال: وضابطه ان لا يقيم في بلدة عشرة ايام ولو اقام في بلده أو غيره ذلك قصر، وقيل هذا يختص بالمكاري فيدخل الملاح والاجير. انتهى. قال في المهذب: ولم نظفر بقائله ولعله سمعه من معاصر له في غير كتاب مصنف فقال " قيل ". وقال في التنقيح: لم نسمع من الشيوخ قائله ولكن قال بعض الفضلاء كأنه هو نفسه القائل. ونقل عن الشهيد (قدس سره) انه قال انه احتمال عنده. وبذلك يظهر ان العبارة المذكورة وان توهم منها في بادئ النظر حصول الخلاف في المسألة إلا انه عند التأمل الدقيق لا ينبغي الالتفات إليه، وبه يظهر ايضا ما في كلام شيخنا المشار إليه آنفا حيث قال: وما يقال ان النزاع انما هو في العصير الزبيبي كما يفهم من شرح الشرائع في الاطعمة والاشربة واما التمري فلا نزاع في اباحته وقد ادعى الاجماع عليه بعض الفضلاء مردود بان الظاهر من كلام المحقق في الشرائع في كتاب الحدود خلافه وان المسألة ليست اجماعية كما قد يظن، فانه قال: واما التمري إذا غلى ولم يبلغ الاسكار ثم ساق العبارة المتقدمة، ثم قال ودلالته على المدعى واضحة. انتهى. اقول: قد عرفت ما فيه. واما عبارة الدروس فغاية ما تدل عليه هو اسناد التصريح بالحلية الى بعض الأصحاب وهذا لا يستلزم ان البعض الاخر قائل بالتحريم بل الظاهر ان مراده ان بعض الاصحاب نص على الحلية وصرح بها والبعض الاخر لم يصرح بشئ نفيا ولا اثباتا، وهو كذلك فان كثيرا منهم لم يتعرضوا لذكر ماء التمر المغلى بالكلية ومن ذكره منهم فانما وصفه بالحلية دون التحريم، وكيف كان فغاية ما يشعر به كلامه هنا هو التوقف في الحكم لرواية عمار المشار إليها في كلامه وسيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى، ومما يساعد على ما ادعيناه المسالك في كتاب الاطعمة والاشربه وهي المشار إليها في

[ 144 ]

كلام شيخنا المتقدم، حيث قال في الكتاب المذكور بعد البحث في عصير العنب: والحكم مختص بعصير العنب فلا يتعدى إلى غيره كعصير التمر ما لم يسكر للاصل ولا إلى العصير الزبيب على الاصح.. الخ. ونحوه في الروض وشرح الرسالة، واعتراض شيخنا المتقدم عليه بما ذكره قد عرفت بطلانه. واياما كان فالاعتماد عندنا في الاحكام على الأدلة الواردة في المقام لا على الخلاف أو الوفاق من العلماء الاعلام: ومما يدل على الحلية في هذه المسألة الاصل والايات والاخبار كقوله سبحانه: ".. خلق لكم ما في الارض.. " (1) وقوله عزوجل: " قل لا اجد فيما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا.. الاية " (2) وقوله تعالى: " انما حرم عليكم الميتة والدم.. " (3) وقوله: " يسألونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات.. الاية إلى وطعامكم حل لهم " (4) وقوله ".. لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم.. " (5) وغيرها خرج ما خرج بدليل فيبقى الباقي تحت العموم، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (6): " انما الحرام ما حرم الله تعالى ورسوله في كتابه " عقيب الامر بقراءة " قل لا اجد.. الاية " وقول احدهما (عليهما السلام) في صحيحة زرارة (7) " وانما الحرام ما حرم الله في كتابه " وقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (8): " انما الحرام ما حرم الله في القرآن " وفي صحيحة محمد بن مسلم (9): " ليس الحرام إلا ما حرم الله تعالى في كتابه " ثم قال: " اقرأ هذه الاية: قل لا


(1) سورة البقرة. الاية 29 (2) سورة الانعام. الاية 146 (3) سورة البقرة. الاية 173 (4) سورة المائدة. الاية 4 (5) سورة المائدة. الاية 87 (6) المروية في الوسائل في الباب 9 من الاطعمة المحرمة (7) المروية في الوسائل في الباب 6 من الاطعمة المحرمة. (8) المروية في الوسائل في الباب 4 من الاطعمة المحرمة. (9) المروية في الوسائل في الباب 5 من الاطعمة المحرمة.

[ 145 ]

اجد.. الاية " ويدل على ذلك ما قدمناه من الاخبار في الفائدة الثانية المصرحة بان المحرم من النبيذ هو المسكر خاصة ولا سيما رواية الوفد. استدل شيخنا أبو الحسن المشار إليه آنفا على التحريم في العصير التمري والزبيبي بصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " قال وروى ايضا في الحسن عنه (عليه السلام) (2): " اي عصير اصابته النار فهو حرام " وكلمتا " كل واي " صريحتان في العموم فمقتضاهما تحريم الزبيبي والتمري إلا ان يثبت كون العصير حقيقة شرعية أو عرفية في عصير العنب خاصة كما ادعاه جماعة، وانت خبير بان هذه الدعوى في حيز المنع إذ لم نظفر لها بمستند يعتمد عليه واستسلاقها في هذا المقام مجازفة محضة وعباراتهم طافحة بتسميتهما عصيرا ومع هذا الاطلاق لا يليق منهم انكاره فيبقى عموم النص شاملا له، مع ان رواية زيد النرسي (3) بالنون والراء والسين المهملتين شاهدة به وفي رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) اشعار ما به كما لا يخفى على العارف باساليب الكلام وان لم تدل عليه صريحا. انتهى كلامه. اقول: فيه زيادة على ما عرفت نظر من وجوه: (الاول) ان ما ذكره من رواية ابن سنان وجعله لها روايتين وان احدهما صحيحة والاخرى حسنة وان احداهما بلفظ " كل " والاخرى بلفظ " اي " لا وجود له في كتب الاخبار ولا نقله ناقل من علمائنا الابرار، والموجود فيها رواية واحدة وهي الاولى إلا انها صحيحة في التهذيب وحسنة


(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة (2) سيتعرض المصنف (قدس سره) في الوجه الاول من وجوه النظر لعدم وجود رواية لابن سنان بهذا اللفظ. (3) المروية في مستدرك الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة وستأتي في المقام الثاني (4) المروية في الوسائل في الباب 8 من الاشربة المحرمة وستأتي في المقام الثاني.

[ 146 ]

في الكافي، واما الثانية فلم اقف عليها ولم يذكرها في الوافي الجامع لكتب الاخبار الاربعة ولا في الوسائل الجامع للكتب الاربعة وغيرها. (الثاني) ان ما ادعاه من العموم في العصير مردود بما اوضحناه في الفوائد المتقدمة بما لا مزيد عليه وهو ان العصير مخصوص بما يؤخذ من العنب وان ما يؤخذ من التمر والزبيب انما يطلق عليه النقيع والنبيذ، فهذه الاسماء قد صارت حقائق عرفية في زمانهم وعرفهم (عليه السلام) كما اطلقوا ايضا على عصير العنب الطلاء تارة والبختج اخرى، وعاضد على ذلك كلام اهل اللغة ايضا كما سمعت من عبائرهم، ولكنه لقصور تتبعه (قدس سره) للاخبار وعدم مراجعته لكلام اهل اللغة في هذا المضمار وقع فيما وقع فيه. بقي الكلام هنا في التعبير في هذه الصحيحة بلفظة " كل " المشعر بوجود افراد متعددة لذلك، ويمكن ان يكون الوجه في ذلك ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرين المتأخرين من ان ذلك باعتبار كون المراد منه ما هو اعم من ان يسكر كثيره ام لا اخذ من كافر أو مسلم مستحل لما دون الثلث ام لا عارف ام لا. اقول: ويؤيده ورود الاخبار في حل المعصرات المأخوذة من ايدي هؤلاء وعدمه بالفرق في بعضها بين العارف وغيره وفي بعض بين من يستحله على الثلث وغيره ممن يشربه على النصف وكذا بالنسبة إلى المسلم وغيره، وبهذا يتم معنى الكلية في الخبر المذكور ويندفع عنه النقص والقصور. (الثالث) انه منع العدول عن حمل العصير في الخبر على ما ذكرناه من عصير العنب فليس إلا الحمل على المعنى اللغوي الذي هو عبارة عن كل معصور، والحمل على هذا المعنى مما لا يخفى بطلانه على محصل إذ يلزم من الحكم بصحة هذا المعنى الحكم بتحريم كل عصير إذا غلى ولا ريب انه مخالف لما علم ضرورة من مذهب الاسلام من اباحة الاشربة ومياه العقاقير والادوية التي تطبخ ومياه الفواكه والبقول ونحو ذلك،

[ 147 ]

ولو رجع الى تخصيصها بالنصوص فالذي صرحت به النصوص بان يتم له تخصيص هذا الخبر به انما هو السكنجبين ورب التوت والرمان والتفاح والسفرجل والجلاب وهو العسل المطبوخ بماء الورد حتى يتقوم، وحينئذ فما عدا هذه المعدودة الموجودة في النصوص يبقى داخلا في عموم الخبر على زعمه ولا اظنه يلتزمه ويقول به، والتخصيص بالعنبي والتمري تحكم محض مع انه ارتكاب للتخصيص البعيد الذي قد منع صحته جماعة من الاصوليين، وبالجملة فصدور هذه الكلية عنهم (عليهم السلام) مع خروج اكثر افراد الموضوع عن الحكم بعيد جدا بل مما يكاد يقطع ببطلانه سيما مع كون الخروج بغير دليل ولا مخصص وبهذا يظهر انه لا يجوز ان تكون الكلية والعموم في الخبر المذكور باعتبار المعنى اللغوي الذي توهمه. (الرابع) قوله: " إلا ان يثبت كون العصير حقيقة.. الخ " فان فيه انه قد ثبت ذلك على وجه لا يعتريه الاشكال ولا يحوم حوله الاختلال إلا لمن لم يعط التأمل حقه في هذا المجال ولم يسرح بريد النظر كما ينبغي في اخبار الال عليهم صلوات ذي الجلال كما اوضحناه باوضح مقال وكشفنا عنه نقاب الاجمال بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الابدال، وايده ايضا مضي العلماء عليه سلفا وخلفا فان احدا منهم لم يتوهم هذا المعنى الذي تفرد به وذهب إليه، والقائلون بتحريم العصير الزبيبي انما استندوا الى صحيحة علي بن جعفر الاتية مع ان صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة بمرئى منهم ومنظر وهي بالاستدلال لو كانوا يفهمون من العصير هذا المعنى الذي توهمه اوضح واظهر، وانما فهموا منه انه عبارة عن ماء العنب خاصة فهو اجماع أو كالاجماع منهم (رضوان الله عليهم)، وقد عرفت ايضا مساعدة كلام اهل اللغة لهم باعتبار تخصيصهم لما يتخذ من التمر والزبيب بالنقيع أو النبيذ. واما ما ذكره من ان عباراتهم طافحة بتسميتهما عصيرا فلا يليق منهم انكاره ففيه ان عبارات اكثرهم خالية من هذا وان ذكره بعضهم فهو على نوع من مجاز المشاكلة، واما انكاره فمتعلقه الحكم لا التسمية

[ 148 ]

واحدهما غير الاخر، وبذلك يظهر لك ان المجازفة انما هو في البناء على هذه الاوهام من غير اعطاء التأمل حقه في المقام والخروج عما عليه كافة العلماء الاعلام والمخالفة لنصوص اهل الذكر عليهم افضل الصلاة والسلام. (الخامس) ما ذكره بقوله: " مع ان رواية زيد النرسي.. الخ " فان فيه ان رواية زيد النرسي التي موردها مخصوص بالزبيب وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى ضعيفة فان زيد النرسي مجهول في الرجال واصله المنقول منه هذا الخبر مطعون فيه كما ذكره الشيخ في الفهرست، حيث قال في الطعن على اصل زيد النرسي: انه لم يروه محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، ونقل عنه في فهرسته ايضا انه لم يروه محمد بن الحسن بن الوليد وكان يقول انه موضوع وضعه محمد بن موسى الهمداني. وقال العلامة في الخلاصة بعد نقل كلام الشيخ وابن الغضائري في زيد الزراد وزيد النرسي: والذي نقله الشيخ عن ابن بابويه وابن الغضائري لا يدل على طعن في الرجلين وان كان توقف ففي رواية الكتابين، ولما لم اجد لاصحابنا تعديلا لهما ولا طعنا فيهما توقفت عن قبول روايتهما. انتهى. ومن هذا القبيل تمسكه برواية علي بن جعفر وقناعته بما فيها من قوله " اشعار ما " والعجب منه (قدس سره) في استناده الى هاتين الروايتين المتهافتتين مع ان ههنا روايات اخر مروية في الاصول المعتبرة التي عليها المدار وهي اوضح دلالة واصرح مقالة واصح سندا واكثر عددا فيما ادعاه بالنسبة الى الزبيب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام الاتي، وهذا مما يدلك اوضح دلالة على صحة ما قلنا من ان كلامه (قدس سره) في هذا المضمار لم يكن ناشئا عن تحقيق ورجوع الى الأخبار وتأمل فيها بعين الفكر والاعتبار، وكذا بالنسبة الى العصير التمري كان ينبغي ان يستدل بموثقة عمار التي اشار إليها في الدروس وكأنه اعتمد على ما فهمه من صحيحة عبد الله بن سنان من صدق العصير على هذه الاشياء ولم يبحث عن دليل سواها، ولو انه تمسك في ماء التمر بموثقتي عمار الاتيتين وفي الزبيب بالروايات التي سنتلوها عليك

[ 149 ]

ان شاء الله تعالى في المقام الاتي لكان اظهر في مطلوبه ومراده وان قابله من خالفه في ذلك باعتراضه وايراده. هذا، وربما استدل للقول بالتحريم في ماء التمر بموثقة عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) (1): " انه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل ؟ قال خذ ماء التمر فاغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر " وموثقته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن النضوح ؟ قال يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يمتشطن " وهذه الرواية الثانية هي التي ذكرها في الدروس وظاهره التوقف في الحكم من اجلها، والنضوح لغة على ما ذكره في النهاية ضرب من الطيب تفوح رائحته، ونقل الشيخ فخر الدين ابن طريح في مجمع البحرين. ان في كلام بعض الافاضل النضوح طيب مائع ينقعون التمر والسكر والقرنفل والتفاح والزعفران واشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من الماء ويشد رأسها ويصبرون اياما حتى ينش ويختمر وهو شائع بين نساء الحرمين الشريفين، وكيفية تطيب المرأة به ان تحط الازهار بين شعر رأسها ثم ترش به الازهار لتشتد رائحتها قال: وفي احاديث اصحابنا انهم نهوا نساءهم عن التطيب به بل امر باهراقه في البالوعة. انتهى اقول: الظاهر انه اشار بحديث الامر بالاهراق الى رواية عيثمة (3) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) وعنده نساؤه قال فشم رائحة النضوح فقال ما هذا ؟ قالوا نضوح يجعل فيه الضياح قال فامر به فاهريق في البالوعة " اقول: الضياح لغة اللبن الخاثر يجعل فيه الماء ويمزج به، والظاهر بناء على ما ذكره هذا البعض المنقول عنه كيفية عمل النضوح المؤيد بخبر عيثمة المذكور ان امره (عليه السلام) باهراق النضوح انما هو لكونه خمرا وانه نجس كما هو احد القولين المعتضد بالاخبار كما تقدم تحقيقه، فيكون وضعه في الرأس موجبا لنجاسته والصلاة في النجاسة حينئذ، وعلى هذا فتحمل


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب 32 من الاشربة المحرمة. (2) المروية في الوسائل في الباب 37 من الاشربة المحرمة.

[ 150 ]

رواية عمار على ان الغرض من طبخه حتى يذهب ثلثا ماء التمر انما هو لئلا يصير خمرا ببقائه مدة لان غليه الذي يصير به دبسا يذهب الاجزاء المائية التي يصير بها خمرا لو مكث مدة كذلك، لانه انما يصير خمرا بسبب ما فيه من تلك الاجزاء المائية فإذا ذهبت امن من صيرورته خمرا، ويؤيد هذا قوله: " النضوح المعتق " على صيغة اسم المفعول اي الذي يراد جعله عتيقا بان يحفظ زمانا حتى يصير عتيقا، ويؤيده قوله ايضا " ثم يمتشطن " من ان الغرض منه التمشط والوضع في الرأس، فالمراد من السؤال في الروايتين عن كيفية عمله هو التحرز عن صيرورته خمرا نجسا يمتنع الصلاة فيه إذا تمشطن به وإلا فهو ليس بمأكول ولا الغرض من السؤال عن كيفية عمله هو حل اكله حتى يكون الامر بغليه على مثل هذه الكيفية لحل اكله، فلو فرضنا انه طبخ على النصف مثلا وتمشطن به في الحال فانه وان فرضنا تحريم اكله كما يدعيه الخصم إلا انه لا قائل بنجاسته اجماعا ولا دليل عليها اتفاقا، ولكن لما كان الغرض هو حفظه وتبقيته زمانا كما عرفت فلو لم يعمل بهذه الكيفية لصار خمرا نجسا فامر (عليه السلام) بطبخه على هذه الكيفية لهذه العلة، وكيف كان فدلالة الخبرين المذكورين انما هو بطريق المفهوم وهو مع تسليمه انما يكون حجة إذا لم يظهر للتعليق فائدة سوى ذلك وإلا فلا حجة فيه، وبما شرحنا من معنى الخبرين المذكورين وهو ان الغرض ان لا يكون خمرا مسكرا تظهر فائدة التعليق المذكور فلا يكون حجة فيما يدعيه الخصم، وهذا بحمد الله سبحانه واضح لا سترة عليه ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه. بقي هنا شيئان ينبغي التنبيه عليهما (الاول) ان اطلاق الاخبار وكلام الاصحاب دال على تحريم العصير بالغليان وتوقف حله على ذهاب الثلثين اعم من ان يطبخ وحده أو مع شئ آخر غيره، وقد روى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب مسائل الرجال عن ابي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) (1) " ان محمد بن علي بن عيسى كتب إليه عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم وربما يجعل فيه العصير من العنب وانما هو لحم يطبخ به وقد روي عنهم في العصير


(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من الاشربة المحرمة.

[ 151 ]

انه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وان الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة وقد اجتنبوا اكله الى ان يستأذن مولانا في ذلك ؟ فكتب لا بأس بذلك " وهو ظاهر في ان حكم العصير مطبوخا مع غيره حكمه منفردا. وكأن السائل توهم اختصاص الحكم المذكور بالعصير منفردا وشك في جريان ذلك فيه إذا طبخ مع غيره، لان ظاهر قوله: " الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة " يعني يذهب ثلثاه كما روى فاجابه (عليه السلام) بنفي البأس مع ذهاب الثلثين اشارة الى ان هذا الحكم ثابت له مطلقا منفردا أو مع غيره. (الثاني) انه لو وقع في قدر ماء يغلي على النار حبة أو حبات عنب فان كان ما يخرج منها من الماء يضمحل في ماء القدر فالظاهر انه لا اشكال في الحل لعدم صدق العصير حينئذ لان الناظر إذا رآه انما يحكم بكونه ماء مطلقا وان ادت إليه الحلاوة مثلا. لان الأحكام الشرعية تابعة لصدق الاطلاق والتسمية فإذا كان لا يسمى عصيرا وانما يسمى ماء فلا يلحقه حكم العصير البتة، نعم لو كان الواقع في الماء انما هو شئ من العصير المحرم وهو ما بعد غليانه وقبل ذهاب ثلثيه وكان ذلك ايضا على الوجه الذي ذكرناه من القلة والاضمحلال في جانب الماء فهل يكون الحكم فيه كما تقدم في الصورة الاولى ام لا ؟ الظاهر الاول لعين ما ذكرناه وبذلك صرح المحقق المولى الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد حيث قال بعد قول المصنف (قدس سره) في كتاب الاطعمة والاشربة " ان ما مزج بشئ من هذه يحرم " وتفسير العبارة المذكورة بان تحريم ما مزج بهذه المذكورات مع نجاستها ظاهر فان الملاقي للنجس رطبا نجس وكل نجس حرام، واحتماله ايضا انه يريد بيان حكم الممتزح على تقدير عدم النجاسة ايضا ما حاصله: والحكم بتحريم الممتزج حينئذ ان كان الامتزاج بحيث غلب الحرام وصار من افراده ظاهر وكذا المساوي بل ما علم انه فيه بحيث لم يضمحل بالكلية، فاما ما يضمحل فيمكن الحكم بكونه حلالا مثل قطرة عرق أو بصاق حرام في حب ماء أو قدر بل في كوز كبير للاضمحلال. ولا يبعد

[ 152 ]

ان يكون ذلك مدار الحكم، فان كان بحيث إذا اخذ واكل وشرب لم يعلم بوجود الحرام فيه يكون حلالا وان كان يعلم وجوده فيه يكون حراما. ويدل عليه ما تقدم من العمومات والاصل وحصر المحرمات وصحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: " قال الصادق (عليه السلام) كل شئ يكون فيه حلالا وحرام فهو لك حلال حتى تعلم انه حرام " ثم قال: ويحتمل التحريم خصوصا المسكر للروايات مثل حسنة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) ما اسكر كثيره فقليله حرام " ثم نقل رواية عمر بن حنظلة الدالة على ان ما قطرت قطرة من المسكر في حب الا اهريق ذلك الحب (3) ثم قال فتأمل فان المسألة مشكلة والاجتناب احوط. انتهى كلامه: وفيه ان ما استند إليه في احتمال التحريم من الروايتين المذكورتين لا دلالة لهما على ما ادعاه. فان مقتضى حسنة عبد الرحمان تعلق التحريم بعين القليل ومتفرع على وجوده والمفروض اضمحلاله كما ذكره سابقا وحينئذ فلا يكون من محل البحث في شئ، ومقتضى رواية عمر بن حنظلة ان الاراقة انما تترتب على التنجيس وحكمه (عليه السلام) بنجاسة المسكر كما هو اشهر الروايات واظهرها حسبما مر تحقيقه في موضعه لا على التحريم كما توهمه (قدس سره) وبالجملة فاظهرية الحلية في الصورة المذكورة مما لا ينبغي ان يعتريه الاشكال. والله العالم. (المقام الثاني) في ماء الزبيب إذا غلى ولم يذهب ثلثاه، المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كونه حلالا وقيل بتحريمه كما تقدمت الاشارة إليه في كلام شيخنا الشهيد الثاني واليه مال من قدمنا ذكره من متأخري المتأخرين وجملة من المعاصرين، ويدل على القول المشهور ما تقدم في المقام الاول من الاصل والعمومات في الايات والروايات المتقدمة ثمة، واستدل بعض مشايخنا المعاصرين على ذلك أيضا بانحصار النزاع بين آدم


(1) المروية في الوسائل في الباب 64 من الاطعمة المحرمة (2) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة (3) المروية في الوسائل في الباب 18 من الاشربة المحرمة.

[ 153 ]

ونوح وبين ابليس لعنه الله في العنب خاصة وان الحرام هو عصير العنب، والزبيب خارج عن اسم العنب فلا يحرم ماؤه كالحصرم انتهى. اقول: يمكن للخصم المناقشة في هذا الاستدلال بان ظاهر الاخبار التي اشار إليها (قدس سره) ان النزاع كان في ثمرة شجرة الكرم مطلقا ولا دلالة لها على الاختصاص بالعنب كما في موثقة زرارة الدالة على ان نوحا لما غرس الحبلة وهي شجرة العنب وقلعها ابليس لعنه الله فتنازع معه وقال له ابليس اجعل لي نصيبا فجعل له الثلث إلى ان استقر الامر على الثلثين، فانها دالة على انه جعل له نصيبا في الشجرة يعني ما يخرج منها من الثمرة ولا اختصاص له بالعنب، ومثل ذلك ايضا موثقة سعيد بن يسار وباقي الاخبار المنقولة من العلل. واستدل الشهيد الثاني في المسالك بعد ان صرح بان الحكم مختص بالعنب فلا يتعدى إلى غيره كعصير التمر ما لم يسكر ولا إلى عصير الزبيب على الاصح لخروجه عن اسم العنب بذهاب ثلثيه وزيادة بالشمس، ومثل ذلك في الروض وشرح الرسالة، واعترضه في المفاتيح بان ما ذكره من ذهاب ثلثيه بالشمس انما يتم لو كان قد نش بالشمس أو غلى حتى يحرم ثم يحل بعد ذلك بذهاب الثلثين، والغليان بالشمس غير معلوم فضلا عن النشيش وهو صوت الغليان. واما ما جف بغير الشمس فلا غليان فيه فلا وجه لتحريمه حتى يحتاج إلى التحليل بذهاب الثلثين، على ان اطلاق العصير على ما في حبات العنب كما ترى. انتهى كلامه. وهو جيد. واما ما اجاب به بعض مشايخنا المعاصرين وهو الذي تقدمت الاشارة إليه في صدر المقام من ان الموضوع في الشمس لاجل ان يصير زبيبا قد يحصل فيه القلب أو النشيش اعني النقص فإذا ذهب منه الثلثان فقد حل، وان الحكم في العنب انما تعلق بمائه وان لم يخرج من الحب، والتعبير في الأخبار بالعصير انما هو جريا على الغالب لا تخصيصا للحكم والمراد ما من شأنه ان يؤخذ بالعصر، ومن ثم لو طبخ حب العنب في ماء أو طبيخ حرم ذلك المطبوخ اجماعا. انتهى فظني بعده لان دعوى حصول القلب

[ 154 ]

والغليان في ماء حب العنب إذا وقع في الشمس غير معلوم يقينا اصالة الحل لا يخرج عنها إلا بيقين، ويلزم على ما ذكره انه لو وضع العنب في الشمس يوما أو يومين أو ثلاثة مثلا لم يبلغ الى حد الزبيب فانه يحرم لحصول الغليان ولم يذهب ثلثاه بعد ولا اظنه يلتزمه فان اصالة الحلية لا يخرج عنها بمجرد ذلك. واما دعواه ان الحكم في العنب انما تعلق بمائه وان لم يخرج من الحب فانه خروج عن ظواهر الأخبار وبناء على مجرد الاعتبار. واما قوله: " ومن ثم لو طبخ حب العنب.. الخ " ففيه ان ارتكاب المجاز في اطلاق العصير على ما يخرج بالطبخ لا يستلزم انسحابه الى ما في العنب قبل ان يخرج بالكلية، فان اراد ثبوت التحريم لحب العنب وان لم يخرج ماؤه بالطبخ منعنا هذه الدعوى. وبالجملة فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه الاعتبارات التخمينية لا يخلو من مجازفة. وبمثل ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني صرح الشهيد في الدروس فقال ولا يحرم المعتصر من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش فيحل طبخ الزبيب على الاصح لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا وخروجه عن مسمى العنب. وحرمه بعض مشايخنا المعاصرين وهو مذهب بعض فضلائنا المتقدمين لمفهوم رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) ثم ساق متن الرواية كما سيأتي. وانت خبير بان ما ذكراه (قدس سرهما) من تعليل حلية ماء الزبيب بذهاب ثلثيه بالشمس لا يوافق القائلين بالحلية ولا القائلين بالحرمة، فان من قال بحل ماء الزبيب بعد الغلي وقبل ذهاب ثلثيه كما هو المشهور قال به مطلقا سواء ذهب ثلثاه بالشمس ام لم يذهب لانه انما يتمسك باصالة الحلية ويدعى ان ما ورد من التحريم بمجرد الغليان والحل بذهاب الثلثين مخصوص بالعنب والزبيب لا يصدق عليه العنب، ومن قال بالتحريم انما استند الى مفهوم رواية علي بن جعفر الاتية وهي التي ذكرها في الدروس فهو قائل ايضا بتحريمه مطلقا سواء علم ذهاب ثلثيه في حبه بالشمس ام لا. فكلامهما (قدس سرهما) لا يوافق شيئا من المذهبين في البين.

[ 155 ]

واستدل ايضا في المسالك على الحلية بصحيحة ابي بصير (1) قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) تعجبه الزبيبة " قال: وهذا ظاهر في الحل لان طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب كما لا يخفى انتهى. واقتفاه في هذه المقالة المولى الاردبيلي في شرح الارشاد فقال بعد نقل الرواية المذكورة مثل ما ذكره هنا. وقال بعض مشايخنا المعاصرين بعد الاستدلال بهذه الرواية ايضا: لان الظاهر ان المراد الطعام الذي يطبخ معه الزبيب أو يطبخ معه ماء الزبيب وهو لا يستلزم ذهاب ثلثي ماء الزبيب غالبا كما هو واضح. اقول: والاستدلال بهذه الرواية لا يخلو عندي من اشكال لعدم العلم بكيفية ذلك الطعام، ومن المحتمل قريبا الحمل على الاشربة الزبيبية التي يأتي ذكرها في الاخبار، ولكن استدلال شيخنا الشهيد الثاني بالخبر المذكور وقوله بعده ما ذكر وكذا المولى الاردبيلي ربما يؤذن بكونهما عالمين بكيفية ذلك على الوجه الذي ذكراه ولعله وصل إليهم ولم يصل الينا. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد استدل على القول بالتحريم كما عرفت برواية علي ابن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الزبيب هل يصلح ان يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث ثم يرفع ويشرب من السنة ؟ قال لا بأس به " وطعن في هذه الرواية جملة من المتأخرين ومتأخريهم بضعف السند (اولا) لاشتماله على سهل بن زياد. و (ثانيا) ان دلالتها بالمفهوم في كلام السائل وهو ضعيف ومع تسليم صحته فدلالة المفهوم انما تكون حجة ما لم يظهر للتعليق فائدة اخرى من الجائز بل الظاهر ان هذا العمل المخصوص انما هو لمن اراد بقاءه عنده ليشرب منه فتكون فائدة التقييد بذهاب الثلثين ليذهب مائيته فيصلح للمكث والبقاء


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من الاطعمة المباحة (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من الاشربة المحرمة.

[ 156 ]

ولا يصير مسكرا ويدل عليه قوله في عجز الرواية: " ويشرب منه السنة ". هذا، وقد روى ثقة الاسلام في الكافي روايات ربما تدل بظاهرها على التحريم: ومنها موثقة عمار الساباطي (1) قال: " وصف لي أبو عبد الله (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا ؟ فقال تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه ثم تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان ايام الصيف وخشيت ان ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش ثم تنزع الماء منه كله حتى إذا اصبحت صببت عليه من الماء بقدر ما يغمره، الى ان قال تغليه بالنار ولا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث.. الحديث ". ومنها موثقته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا ؟ فقال تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان من الغد نزعت سلافته ثم تصب عليه من الماء قدر ما يغمره ثم تغليه بالنار غلية ثم تنزع ماءه فتصبه على الماء الاول ثم تطرحه في اناء واحد جميعا ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث وتحته النار ثم تأخذ رطلا من عسل فتغليه بالنار غلية وتنزع رغوته ثم تطرحه على المطبوخ ثم تضربه حتى يختلط به واطرح فيه ان شئت زعفرانا.. الحديث ". ومنها رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي (3) قال: " شكوت الى ابي عبد الله (عليه السلام) قراقر تصيبني في معدتي وقلة استمرائي الطعام، فقال لي لم لا تتخذ نبيذا نشربه نحن وهو يمرئ الطعام ويذهب بالقراقر والرياح من البطن ؟ قال فقلت له صفه لي جعلت فداك فقال تأخذ صاعا من زبيب، الى ان قال ثم تطبخه طبخا رقيقا حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، الى ان قال في آخر الخبر: وهو شراب لا يتغير إذا بقى ان شاء الله تعالى " اقول: يمكن الجواب عن هذه الروايات بانه لا يلزم من الامر بطبخه على الثلث


*) (1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 5 من الاشربة المحرمة.

[ 157 ]

ان يكون ذلك لاجل حليته بعد ان حرم بالغليان بل يجوز ان يكون لئلا يصير مسكرا بمكثه كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في آخر رواية اسماعيل بن الفضل: " وهو شراب لا يتغير إذا بقي ان شاء الله تعالى " ويجوز ان يكون الخاصية والنفع المترتب عليه لا يحصل إلا بطبخه على الوجه المذكور كما ورد مثله في رواية خليلان بن هشام (1) قال " كتبت الى ابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك عندنا شراب يسمى الميبة نعمد الى السفرجل فنقشره ونلقيه في الماء ثم نعمد الى العصير فنطبخه على الثلث ثم ندق ذلك السفرجل ونأخذه ماءه ثم نعمد الى ماء هذا الثلث وهذا السفرجل فنلقي عليه المسك والافاوي والزعفران والعسل فنطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه أيحل شربه ؟ فكتب لا بأس به ما لم يتغير " فان الطبخ على الثلث هنا انما هو لما قلناه من حصول الخاصية وتوقف النفع على ذلك لا للتحليل، فانه ليس هنا شئ قد حرم بمجرد الغليان حتى يحتاج في حليته الى ذهاب الثلثين، ولعله لهذا الوجه اعرض متأخرو اصحابنا عن هذه الأخبار ولم يلتفتوا إليها وان كانت موهمة للتحريم في بادئ النظر كما اشار إليه الفاضل الخراساني في الذخيرة، حيث قال: واعلم ان في الكافي في باب صفة الشراب الحلال بعض الأخبار الموهمة للتحريم لكن لا دلالة لها عليه عند التأمل الصحيح فارجع وتدبر. انتهى. لكن ربما يلوح التحريم من بعض الفاظ هذه الأخبار مثل قوله: " كيف يطبخ حتى يصير حلالا " وقوله (عليه السلام) ايضا: " فإذا كان ايام الصيف وخشيت ان ينش جعلته في تنور مسجور حتى لا ينش " فان النشيش هو صوت الغليان والظاهر من المحافظة عليه بان لا ينش ليس إلا لخوف تحريمه بالغليان، وقوله في موثقته الثانية " حتى يشرب حلالا " إلا انه يمكن ان يقال ان قوله: " كيف يطبخ حتى يصير حلالا " انما هو من كلام الراوي في سؤاله فلا حجة فيه، وما ذكر من الاستناد الى قوله " حتى لا ينش فان فيه انه بعد ذلك امر بغليانه حتى يذهب ثلثاه فهو وان حرم


(1) المروية في الوسائل في الباب 29 من الاشربة المحرمة.

[ 158 ]

بالنشيش فلا مانع منه لتعقبه بالغليان الموجب للتحليل بعد ذلك. وحينئذ فلعل المحافظة عليه من النشيش انما هو لغرض آخر لا لأنه يحرم بعد ذلك، فانه وان حرم لا منافاة فيه لانه لم يجوز استعماله وشربه بعد ذلك وانما امره بعد ذلك بغلي ذلك الماء الموجب لحرمته الى ان يذهب ثلثاه الموجب لحله، وحينئذ فلا فرق في حصول التحريم فيه في وقت النشيش ولا في وقت الغليان اخيرا، مع انه يمكن الطعن في هذين الخبرين ايضا من حيث الراوي وهو عمار لتفرده بروايات الغرائب ونقل الاحكام المخالفة لاصول الشريعة كما طعن عليه في الوافي في مواضع عديدة، وكيف كان فالخروج بمثل هاتين الروايتين على ما عرفت فيها من المخالفة عن حكم الاصل وعموم الايات والروايات الواردة بتفسيرها كما عرفت مشكل. ومما استند شيخنا أبو الحسن فيما قدمناه من كلامه حديث الزيدين زيد النرسي وزيد الزراد عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الزبيب يدق ويلقي في القدر ويصب عليه الماء ؟ قال حرام حتى يذهب ثلثاه. قلت الزبيب كما هو يلقى في القدر ؟ قال هو كذلك سواء إذا ادت الحلاوة الى الماء فقد فسد كلما غلى بنفسه أو بالنار فقد حرم إلا ان يذهب ثلثاه " وقد تقدم ما في هذه الرواية من الطعن في الراوي والاصل المروي منه هذا الخبر. وكيف كان فالحكم في ماء الزبيب عندي لا يخلو من توقف والاحتياط في تجنبه مما لا ينبغي تركه ولا سيما ان ظاهر الكليني (قدس سره) ربما اشعر بالميل الى العمل بظاهر هذه الأخبار حيث انه عنون الباب بباب صفة الشراب الحلال وذكر الأخبار المذكورة، وظاهر المفاتيح الميل الى التحريم هنا حيث قال على اثر الكلام الذي قدمنا نقله عنه ما هذا لفظه: " نعم ان صب على الزبيب الماء وطبخ بحيث ادت الحلاوة الى الماء فيمكن الحاقه بالعصير في التحريم بالغليان كما في الخبر " انتهى. والله العالم


(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.

[ 159 ]

(المقام الثالث) في ماء الحصرم، لا ريب في ان مقتضى الاصل والعمومات من الايات والروايات المتقدمة هو حل ماء الحصرم وان طبخ ولم يذهب ثلثاه، وروايات العصير قد عرفت في الفائدة الاولى اختصاصها بماء العنب خاصة والحصرم ليس بعنب اتفاقا والاحكام الشرعية تابعة للتسمية العرفية، وانت إذا امعنت النظر في روايات العصير المطبوخ والتعبير عنه في الأخبار تارة بالعصير مطلقا الذي قد عرفت انه محمول على عصير العنب تارة بعصير العنب وتارة بالطلاء الذي قد عرفت آنفا انه ما طبخ من عصير العنب وتارة بالبختج وهو العصير المطبوخ كما عرفت ايضا وتارة اتى بشراب يزعم انه على الثلث وتارة إذا كان يخضب الاناء فاشربه المكنى به عن كونه دبسا وامثال ذلك وجدت ان الحصرم لا يدخل في شئ من ذلك فان الحصرم لا يعمل كذلك والمتعارف طبخه قديما وحديثا انما هو عصير العنب لما فيه من الحلاوة التي يصير بها ذا قوام وغلظ ويشرب وتترتب عليه المنافع المطلوبة منه، وماء الحصرم لا يطبخ على حدة وانما يطبخ في اللحم احيانا كما يدل عليه بعض الاخبار، وبالجملة فالامر في ذلك اظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان بعد شهادة عدول الوجدان في جميع الازمان، ومع فرض ان ماء الحصرم ربما يطبخ على حدة فاطلاق الاخبار لا يشمله فان الاطلاق انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتعارفة الجارية بين الناس دون الفروض النادرة كما يحمل احدنا كلام من يخاطبه على ما هو المتعارف الجاري في العادة، ولو تكلف حمله على غير المتعارف المتعاد لعنف بين العباد، وكذا الخطاب الوارد عنهم (عليهم السلام) يجب حمله على ما هو المتعارف المتكرر المشهور. وقد وقفت في هذا المقام على كلام لشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني (قدس سره) لا يخلو من نظر واشكال، حيث قال في جواب سائل يسأله: ما القول في خل العنب إذا طبخ أو لم يطبخ وفي ماء الحصرم إذا غلى وفي الزبيب إذا طبخ معه الطعام ؟ فكتب ما هذه صورته: اقول في هذه المسألة ثلاث مسائل، اما

[ 160 ]

خل العنب فلا بأس به إذا لم يطبخ كالحصرم والزبيب اما مع الطبخ ففيها عندي قلقلة واني احتاط في الفتوى والعمل، فالاحتياط في اجتناب ذلك للخبر الصحيح " اي عصير مسته النار فهو حرام ما لم يذهب ثلثاه " والعصير وان كان المشهور اطلاقه على عصير العنب فقط إلا ان اطلاقه في الاخبار على ما ذكرناه محتمل لورود تفسير العصير في الأخبار بانه من الكرم والكرم يطلق على العنب وعلى شجره، فان كان انما يطلق على الاول فلا كلام وان كان يطلق على الثاني فهذا منه، فيكون الدليل متشابها فتشمل الشبهة كل ما اتخذ من الكرم من حصرم وزبيب ونحوهما مع الغليان، وان كان ظاهر الاصل الاباحة وعدم التحريم إلا ان في هذا الاصل كلاما والاحتياط اولى. الى ان قال: وبالجملة فالدليل على التحريم غير قاطع وكذا التحليل فالاجتناب اولى. انتهى كلامه اقول: لا يخفى عليك ما فيه من الاجمال بل الاختلال الناشئ من الاستعجال وعدم اعطاء التأمل حقه في هذا المجال (اما اولا) فلأن الخبر الصحيح الذي استند إليه تبعا لشيخه الشيخ ابي الحسن المتقدم ذكره قد عرفت ما فيه. (واما ثانيا) فلان قوله: " وان كان المشهور اطلاقه على عصير العنب فقط " مما يؤذن بكون مستند هذا الاطلاق انما هو مجرد الشهرة مردود بما عرفت في الفائدة الاولى من دلالة الأخبار وكلام اهل اللغة على اختصاص العصير بماء العنب (واما ثالثا) فان ما ادعاه بعد اعترافه بورود الأخبار بتفسير العصير بانه من الكرم من ان الكرم يطلق على العنب وعلى شجره مردود بانه قد نص اهل اللغة على ان الكرم هو العنب، قال في القاموس: والكرم العنب. وقال الفيومي في المصباح المنير: والكرم وزان فلس: العنب. ومثله في مجمع البحرين، وفي النهاية الاثيرية قال: وفيه لا تسموا على العنب الكرم فانما الكرم الرجل المسلم، قيل سمى الكرم كرما لان الخمر المتخذة منه تحث ؟ السخاء والكرم فاشتقوا له منه اسما فكره ان تسمى باسم مأخوذ من الكرم وجعل المؤمن اولى به، يقال رجل كرم اي كريم وصف بالمصدر كرجل عدل

[ 161 ]

وضيف، وقال الزمخشري اراد ان يقرر ويسدد ما في قوله عزوجل: " ان اكرمكم عند الله اتقاكم " (1) بطريقة انيقة ومسلك لطيف وليس الغرض حقيقة النهي عن تسمية العنب كرما.. الخ ومثله في كتاب الغريبين للهروي وفي كتاب شمس العلوم: الكرم العنب. فهذه كلمات جملة من اساطين اهل اللغة متفقة في اختصاص اطلاقه بالعنب، وحينئذ فلو سلم اطلاقه في بعض المواضع على الشجر تجوزا فانه لا يصح ان يترتب عليه حكم شرعي، ويزيده بيانا موثقة عمار المروية في الكافي والتهذيب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الكرم متى يحل بيعه ؟ قال إذا عقد وصار عقودا " والعقود اسم الحصرم بالنبطية، وحيث قد ثبت اختصاص الكرم بالعنب خاصة في المقام ارتفع الاشتراط في قوله: " فان كان انما يطلق على الاول فلا كلام " وثبت الحكم وهو الحلية في هذه الاشياء وان طبخت كما لا يخفى على ذوي الافهام وزالت الشبهة وبطل قوله: " وان كان يطلق على الثاني " وآل الى الانعدام، وبالجملة فروايات العصير لما كانت مختصة بالعنب وهذه خارجة عنه لان الحصرم كما عرفت غير العنب والخل المتخذ من العنب قد خرج عنه إلى حقيقة اخرى كما في الخمر الذي يصير خلا والعصير الذي يصير خمرا ونحوهما فلا يلحقهما حينئذ حكم العصير من التحريم بالغليان حتى يحتاج في حليته الى ذهاب ثلثيه. (ولو قيل): ان روايات نزاع ابليس لعنه الله لادم ونوح (عليهما السلام) في شجر الكرم واعطائهما له الثلثين منه يعني مما يخرج من هذا الشجر مما يدل على عموم ذلك للعنب والزبيب والحصرم وخل العنب (قلنا): ان الحكم وان اجمل في تلك الاخبار كما ذكرت إلا ان الأخبار المستفيضة الواردة في عصير العنب كما عرفت يحكم بها على ذلك المجمل، ويؤيده ما في بعض تلك الأخبار وهو موثقة زرارة (3) من قوله بعد


(1) سورة الحجرات. الاية 13. (2) المروية في الوسائل في الباب 1 من بيع الثمار (3) ص 128.

[ 162 ]

نقل القصة في النزاع بين نوح وابليس: " فقال أبو جعفر (عليه السلام) إذا اخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان وكل واشرب حينئذ فذاك نصيب الشيطان وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم المنقولة من العلل (1) " فمن هنا طاب الطلاء على الثلث " والطلاء كما عرفت هو المطبوخ من عصير العنب، وقوله (عليه السلام) في رواية وهب بن منبه (2): " ان لك فيها شريكا في عصيرها " ولان هذا الفرد هو الذي يتعارف طبخه ويستعمل دائما في الازمنة السابقة واللاحقة فهو الذي يتبادر إليه الاطلاق. والله العالم. وقد اطلنا البحث في هذا المقام واحطنا باطراف الكلام لما عرفت من ان المسألة من اهم المهام سيما بعد وقوع الخلاف فيها في هذه الايام ودخول الشبهة فيها على جملة من الاعلام، والله الهادي لمن يشاء، فلنرجع الى ما نحن فيه: (الفصل السابع) في الكافر، قالوا: وضابطه من خرج من الاسلام وباينه أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة. والاول شامل للكافر كفرا اصليا أو ارتداديا كتابيا أو غير كتابي، والثاني كالغلاة والخوارج والنواصب. وقد حكي عن جماعة دعوى الاجماع على نجاسة الكافر بجميع انواعه المذكورة كالمرتضى والشيخ وابن زهرة والعلامة في جملة من كتبه. إلا ان المفهوم من كلام المحقق في المعتبر الاشارة الى الخلاف في بعض هذه المواضع، حيث قال: الكفار قسمان يهود ونصارى ومن عداهما، اما القسم الثاني فالاصحاب متفقون على نجاستهم، واما الاول فالشيخ في كتبه قطع بنجاستهم وكذا علم الهدى والاتباع وابنا بابويه، وللمفيد قولان، احدهما النجاسة ذكره في اكثر كتبه، والاخر الكراهة ذكره في الرسالة الغرية. قال في المعالم: وعزى غير المحقق الى الشيخ في النهاية وابن الجنيد الخلاف في هذا المقام ايضا، اما الشيخ فلانه قال في النهاية: يكره ان يدعو الانسان احدا من الكفار الى طعامه فيأكل معه فان دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه ان شاء. واما ابن الجنيد


(1) و (2) ص 129.

[ 163 ]

فانه قال في مختصره: ولو تجنب من اكل ما صنعه اهل الكتاب من ذبائحهم وفي آنيتهم وكل ما صنع في اواني مستحلي الميتة ومواكلتهم ما لم يتيقن طهارة اوانيهم وايديهم كان احوط. ثم قال: وعندي في نسبة الخلاف الى الشيخ باعتبار عبارته المحكية نظر قال لانه قال قبلها باسطر: ولا يجوز مواكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال اوانيهم إلا بعد غسلها بالماء. ثم قال وكل طعام تولاه بعض الكفار بايديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز اكله لانهم انجاس ينجس الطعام بمباشرتهم اياه. وهذا الكلام صريح في الحكم بنجاستهم فلا بد من حمل الكلام الاخر على خلاف ظاهره، إذ من المستبعد جدا الرجوع عن الحكم في هذه المسافة القصيره وابقاؤه مثبتا في الكتاب، ولعل مراده المواكلة التي لا تتعدى معها النجاسة كأن يكون الطعام جامدا أو في اواني متعددة ويكون وجه الامر بغسل يديه ارادة تنظيفهما من آثار القذارات التي لا ينفك عنها الكافر في الغالب فمواكلته على هذه الحالة بدون غسل يديه مظنة حصول النفرة. وقد تعرض المحقق في نكت النهاية للكلام على هذه العبارة فذكر على جهة السؤال: انه ما الفائدة في الغسل واليد لا تطهر به ؟ واجاب بان الكفار لا يتورعون عن كثير من النجاسات فإذا غسل يده فقد زالت تلك النجاسة، ثم قال ويحمل هذا على حال الضرورة أو على مواكلة اليابس وغسل اليد لزوال الاستقذار النفساني الذي يعرض من ملاقاة النجاسات العينية وان لم يفد طهارة اليد، ثم قال وروى العيص بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن مواكلة اليهودي والنصراني ؟ فقال لا بأس إذا كان من طعامك. وسألته عن مواكلة المجوسي ؟ فقال إذا توضأ فلا بأس " قال المحقق: والمعنى بتوضؤه هنا غسل اليد. انتهى كلامه. وهو كما ترى صريح في ان كلام الشيخ محمول على خلاف ظاهره وان ليس بمخالف لما حكم به اولا، وان الحامل له على ذكر هذه المسألة ورود مضمونها في الرواية، وحينئذ فلا ينبغي ان يذكر الشيخ في عداد


(1) رواه في الوسائل في الباب 53 من الاطعمة المحرمة.

[ 164 ]

من عدل عن المشهور هنا. واما عبارة ابن الجنيد فظاهرها القول بطهارة اهل الكتاب وله في بحث الاسآر عبارة اخرى تقرب من هذه حكيناها هناك. وقد تحرر من هذا ان نجاسة من عدا اهل الكتاب ليست موضع خلاف بين الاصحاب معروف بل كلام المحقق يصرح بالوفاق كما رأيت، واما اهل الكتاب فابن الجنيد يرى طهارتهم على كراهية والمفيد في احد قوليه يوافقه على ذلك في اليهود والنصارى منهم على ما حكاه عنه المحقق، والباقون ممن وصل الينا كلامه على نجاستهم. انتهى ما ذكره في المعالم في المقام وهو جيد، وانما اطلنا بنقله بطوله لعظم نفعه وجودة محصوله. اقول: الظاهر ان من ادعى الاجماع من اصحابنا في هذه المسألة على النجاسة بنى على رجوع المفيد باعتبار تصريحه فيما عدا الرسالة المذكورة من كتبه بالنجاسة وعدم الاعتداد بخلاف ابن الجنيد لما شنعوا عليه به من عمله بالقيام إلا انه نقل القول بذلك في باب الاسآر عن ابن ابي عقيل (قدس سره) ثم العجب ان الشيخ (قدس سره) في التهذيب نقل اجماع المسلمين على نجاسة الكفار مطلقا مع مخالفة الجمهور في ذلك (1) حتى ان المرتضى (رضي الله عنه) جعل القول بالنجاسة من متفردات الامامية. وكيف كان فالواجب الرجوع الى الادلة في المسألة وبيان ما هو الظاهر منها فنقول احتج القائلون بالنجاسة بالاية والروايات، اما الاية فهي قوله عزوجل: " انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " (2) واورد عليه (اولا) ان


(1) في المغني ج 1 ص 49 " الآدمى طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا عند عامة اهل العلم " وفي عمدة القارئ للعيني الحنفي ج 2 ص 60 " الآدمي الحي ليس بنجس العين ولا فرق بين الرجال والنساء " وفي المحلى لابن حزم ج 1 ص 183 " الصوف والوبر والقرن والسن من المؤمن طاهر ومن الكافر نجس " ونسب الشوكاني في نيل الاوطار نجاسة الكافر الى مالك، واغرب القرطبى في نسبة نجاسة الكافر الى الشافعي. (2) سورة التوبة. الاية 28.

[ 165 ]

النجس مصدر فلا يصح وصف الجثة به إلا مع تقدير كلمة " ذو " ولا دلالة في الاية معه، لجواز ان يكون الوجه في نسبتهم الى النجس عدم انفكاكهم عن النجاسات العرضية لانهم لا يتطهرون ولا يغتسلون، والمدعى نجاسة ذواتهم. و (ثانيا) عدم افادة كلام اهل اللغة كون معنى النجس لغة هو المعهود شرعا وانما ذكر بعضهم انه المستقذر وقال بعضهم هو ضد الطاهر، ومن المعلوم ان المراد بالطهارة في اطلاقهم معناها اللغوي، فعلى هذين التفسيرين لا دلالة لها على المعنى المعهود في الشرع فتتوقف ارادته على ثبوت الحقيقة الشرعية أو العرفية المعلوم وجودها في وقت الخطاب، وفي الثبوت نظر. و (ثالثا) انه على تقدير التسليم فالاية مختصة بمن صدق عليه عنوان الشرك والمدعي اعم منه. اقول: والجواب عن الاول انه لا ريب في صحة الوصف بالمصدر إلا انه مبني على التأويل، فمنهم من يقدر كلمة " ذو " ويجعل الوصف بها مضافا الى المصدر فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه وعلى هذا بنى الايراد المذكور، ومنهم من جعله واردا على جهة المبالغة باعتبار تكثر الفعل من الموصوف حتى كأنه تجسم منه. وهذا هو الارجح عند المحققين من حيث كونه ابلغ، وعليه حمل قول الخنساء " فانما هي اقبال وادبار " كما ذكره محققوا علماء المعاني والبيان، وعليه بنى الاستدلال بالاية المذكورة. وعن الثاني بان النجس في اللغة وان كان كما ذكره إلا انه في عرفهم (عليهم السلام) كما لا يخفى على من تتبع الأخبار وجاس خلال تلك الديار انما يستعمل في المعنى الشرعي، والحمل على العرف الخاص مقدم على اللغة بعد عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، وتنظر المورد في ثبوت الحقيقة العرفية في زمن الخطاب بمعنى ان عرفهم (عليهم السلام) متأخر عن زمان نزول الاية عليه (صلى الله عليه وآله) فلا يمكن حمل الاية عليه مردود بان عرفهم (عليهم السلام) في الاحكام الشرعية وفتاويهم وامرهم ونهيهم في ذلك راجع في الحقيقة إليه (صلى الله عليه وآله) فانهم نقلة عنه وحفظة

[ 166 ]

لشرعه وتراجمة لوحيه كما استفاضت به اخبارهم. وعن الثالث بصدق عنوان الشرك على اهل الكتاب بقوله سبحانه: " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله.. إلى قوله سبحانه عما يشركون " (1) وبالجملة فان دلالة الاية على النجاسة كنجاسة الكلاب ونحوها مما لا اشكال فيه كما عليه كافة الاصحاب إلا الشاذ النادر في الباب، ومناقشة جملة من افاضل متأخري المتأخرين كما نقلنا عنهم مردودة بما عرفت. واما الاخبار فمنها ما رواه الصدوق في الموثق عن سعيد الاعرج (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر اليهود والنصارى ايؤكل ويشرب ؟ قال لا " ورواه الكليني والشيخ في الحسن عن سعيد عنه (3) لكن باسقاط قوله " ايؤكل ويشرب ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن رجل صافح مجوسيا ؟ قال يغسل يده ولا يتوضأ ". وعن ابي بصير عن الباقر (عليه السلام) (5) " انه قال في مصافحة المسلم لليهودي والنصراني قال من وراء الثياب فان صافحك بيده فاغسل يدك ". وصحيحة محمد بن مسلم (6) قال: " سألت ابا جعفر عن آنية اهل الذمة والمجوس ؟ فقال لا تأكلوا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن فراش اليهودي والنصراني أينام عليه ؟ قال لا بأس ولا يصلى في ثيابهما، وقال لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه. قال وسألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق ليس يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه ؟ قال


(1) سورة التوبة. الاية 30. (2) رواه في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات.

[ 167 ]

ان اشتراه من مسلم فليصل فيه وان اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله " وما رواه في الكافي عن علي بن جعفر عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن مواكلة المجوسي في قصعة واحدة وارقد معه على فراش واحد واصافحه ؟ فقال لا " ورواية هارون بن خارجة (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني اخالط المجوس وآكل من طعامهم فقال لا " ورواية سماعة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن طعام اهل الكتاب ما يحل منه ؟ قال الحبوب " ومنها صحيحة علي بن جعفر (4) " انه سأل اخاه موسى (عليه السلام) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام ؟ فقال إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام إلا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل. وسألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا إلا ان يضطر إليه ". اقول: الظاهر ان المعنى في صدر هذا الخبر انه سأله عن النصراني والمسلم يجتمعان في الحمام لاجل الغسل والمراد بالحمام ماؤه الذي في حياضه الصغار التي هي اقل من كر فقال (عليه السلام) ان علم انه نصراني وقد وضع يده فيه أو يريد ذلك اغتسل بغير ذلك الماء من الحمام أو غيره إلا ان يكون بعد اغتسال النصراني ويريد الاغتسال وحده فانه يغسل الحوض لنجاسته بملاقاة النصراني له واخذه الماء منه ثم يجري عليه الماء من المادة، وهو يشعر بعدم اتصال المادة حال اغتسال النصراني منه. واما ما ذكره في آخر الخبر من قوله: " إلا ان يضطر إليه " فالظاهر حمل الاضطرار على ما توجبه التقية. قال في المعالم بعد ذكر الرواية المذكورة: والمعنى في صدر هذه الرواية لا يخلو


(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 51 من الاطعمة المحرمة.

[ 168 ]

من خفاء وكأن المراد به ان اجتماع المسلم والنصراني حال الاغتسال موجب لاصابة ما يتقاطر من بدن النصراني لبدن المسلم فينجسه. ولازم ذلك عدم صحة الغسل بماء الحمام حينئذ وتعين الاغتسال بغيره، واما إذا اغتسلا منفردين فليس بذلك بأس ولكن مع تقدم مباشرة النصراني للحوض يغسل المسلم الحوض من اثر تلك المباشرة ثم يغتسل منه، وبهذا يظهر ان الحكم مفروض في حوض لا يبلغ حد الكثير وتكون المادة فيه منقطعة حال مباشرة النصراني له ويكون للمسلم سبيل الى اجرائها ليتصور امكان غسل الحوض كما لا يخفى، ولانه مع كثرة الماء واتصال المادة به لا وجه للحكم بالتنجيس اللهم إلا ان يراد نجاسة ظاهر الحوض بما يتقاطر من بدن النصراني، وعلى كل حال لابد ان يراد من الاغتسال ما يكون بالاخذ من الحوض وإلا فمع كونه بالنزول الى الماء لا سبيل الى النجاسة مع الكثرة أو اتصال المادة ولا معنى لغسل الحوض مع القلة، وقوله في الرواية: " يغتسل على الحوض " مشعر بذلك ايضا وإلا لأتى ب‍ " في " بدل " على " واما استثناء حال الاضطرار في الحكم بالمنع من الوضوء مما يدخل اليهودي والنصراني يده فيه كما وقع في عجز الرواية فربما كان فيه دلالة على الطهارة وان المنع محمول على الاستحباب فلا يتم الاحتجاج به على النجاسة، وقد اشار الى ذلك في المعتبر على طريق السؤال عن وجه الاحتجاج به واجاب بانه لعل المراد بالوضوء التحسين لا رفع الحدث، قال ويلزم من المنع منه للتحسين المنع من رفع الحدث بل اولى. ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف. ويمكن ان يقال ان استثناء حال الضرورة اشارة الى تسويغ استعماله في غير الطهارة عن الاضطرار. انتهى كلامه. وفي بعض مواضعه نظر يعلم مما قدمناه. هذا ما حضرني من الأخبار الدالة على القول بالنجاسة وربما وقف المتتبع على ما يزيد على ذلك ايضا.

[ 169 ]

واما ما استدل به على القول بالطهارة فوجوه: (الاول) اصالة الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة. (الثاني) قوله عزوجل ".. وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم.. " (1) فانه شامل لما باشروه وغيره، وتخصيصها بالحبوب ونحوها مخالف للظاهر لاندراجها في الطيبات، ولان ما بعدها: " وطعامكم حل لهم " شامل للجميع قطعا، ولانتفاء الفائدة في تخصيص اهل الكتاب بالذكر فان سائر الكفار كذلك. (الثالث) الاخبار، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن مواكلة اليهودي والنصراني ؟ فقال لا بأس إذا كان من طعامك. وسألته عن مواكلة المجوسي ؟ فقال إذا توضأ فلا بأس " وهذه الرواية قد تقدمت في كلام المحقق مستشهدا بها لما ذكره الشيخ (قدس سره) في النهاية. وفي الصحيح عن ابراهيم بن ابي محمود (3) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) الجارية النصرانية تخدمك وانت تعلم انها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة ؟ قال لا بأس تغسل يديها ". وصحيحة ابراهيم بن ابي محمود ايضا (4) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) الخياط أو القصار يكون يهوديا أو نصرانيا وانت تعلم انه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله ؟ قال لا بأس ". وصحيحة اسماعيل بن جابر (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام)


(1) سورة المائدة، الاية 7. (2) رواه في الوسائل في الباب 53 من الاطعمة المحرمة. (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات (4) المروية في الوافي في باب (التطهير من مس الحيوانات) من ابواب الطهارة من الخبث (5) المروية في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة.

[ 170 ]

ما تقول في طعام اهل الكتاب ؟ فقال لا تأكله، ثم سكت هنيئة ثم قال لا تأكله، ثم سكت هنيئة ثم قال لا تأكله ولا تتركه تقول انه حرام ولكن تتركه تنزها عنه، ان في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " قال شيخنا الشهيد الثاني على ما نقله عنه ولده في المعالم: تعليل النهي في هذه الرواية بمباشرتهم النجاسات يدل على عدم نجاسة ذواتهم إذ لو كانت نجسة لم يحسن التعليل بالنجاسة العرضية التي قد تتفق وقد لا تتفق. وحسنة الكاهلي (1) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن قوم مسلمين حضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم ؟ قال اما انا فلا ادعوه ولا اواكله واني لاكره ان احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم ". ورواية زكريا بن ابراهيم (2) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقلت اني رجل من اهل الكتاب واني اسلمت وبقى اهلي كلهم على النصرانية وانا معهم في بيت واحد لم افارقهم فآكل من طعامهم ؟ فقال لي يأكلون لحم الخنزير ؟ فقلت لا ولكنهم يشربون الخمر، فقال لي كل معهم واشرب ". وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) " وقد سأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا إلا ان يضطر إليه " وقد تقدمت في ادلة القول بالتنجيس وتقدم الجواب عنها. ورواية عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (4) قال " سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو اناء غيره إذا شرب منه على انه يهودي ؟ فقال نعم. قلت من ذلك الماء الذي يشرب منه ؟ قال نعم ". اقول: اما الاستدلال بالاصل كما ذكروه فيجب الخروج عنه بالدليل وهو


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 53 من الاطعمة المحرمة. (3) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات. (4) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الاسآر.

[ 171 ]

ما قدمناه من الاية والروايات. واما الاستدلال بالاية فان الظاهر من الأخبار المؤيدة بكلام جملة من افاضل اهل اللغة هو تخصيص ذلك بالحنطة وغيرها من الحبوب اما حقيقة أو تغليبا بحيث غلب استعماله فيها. فاما الأخبار. فمنها صحيحة هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) " في قول الله عزوجل: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم ؟ قال العدس والحمص وغير ذلك " اقول: قوله وغير ذلك يعني من الحبوب كما يدل عليه الخبر الاتي، ومنها صحيحة قتيبة (2) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) فقال له الرجل: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ؟ فقال كان ابي يقول انما هي الحبوب واشباهها " وموثقة سماعة (3) وفيها " العدس وغير ذلك " وموثقة اخرى له ايضا (4) قال: " سألته عن طعام اهل الذمة ما يحل منه ؟ قال الحبوب " وفي رواية ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (5) " الحبوب والبقول " وبذلك يعلم ان ما ذكره بعض افاضل متأخري المتأخرين من الاشكال في حمل الطعام في الاية على الحبوب كما نقله في المعالم لا يلتفت إليه بعد ورود الأخبار بتفسير الاية بذلك كما سمعت، مع اعتضادها بكلام جملة من افاضل اهل اللغة، فمن ذلك ما نقل عن صاحب مجمل اللغة انه قال بعض اهل اللغة ان الطعام البر خاصة، وذكر حديث ابي سعيد (6) " كنا نخرج صدقة الفطرة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاعا من طعام أو صاعا من كذا.. " وقال صاحب الصحاح ربما خص اسم الطعام بالبر. وقال في المغرب: الطعام اسم لما يؤكل وقد غلب على البر ومنه حديث ابي سعيد. ونقل ابن الاثير في النهاية عن الخليل ان الغالب في كلام العرب ان الطعام هو البر خاصة. وقال الفيومي في المصباح المنير: وإذا اطلق اهل الحجاز لفظ الطعام عنوا به البر خاصة، وفي العرف الطعام اسم لما يؤكل مثل الشراب اسم لما يشرب.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 51 من الاطعمة المحرمة (6) تيسير الوصول ج 2 ص 130 " واللفظ كنا نخرج زكاة الفطرة.. "

[ 172 ]

وقال في شمس العلوم بعد ان ذكر ان الطعام الزاد المأكول: وقال بعضهم الطعام البر خاصة واحتج بحديث ابي سعيد " كنا نخرج صدقة الفطرة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) صاعا من طعام أو صاعا من شعير.. " انتهى. فهذه جملة من كلمات اهل اللغة متطابقة الدلالة على ما دلت عليه الأخبار المذكورة. بقى الكلام هنا في الأخبار ومعارضتها بالأخبار المتقدمة، والحق عندي هو الترجيح لاخبار النجاسة وذلك من وجوه: (الاول) اعتضادها بظاهر القرآن بالتقريب الذي قدمنا بيانه في معنى الاية وهي قوله سبحانه: " انما المشركون نجس.. " وقد عرفت الجواب عما اوردوه على الاستدلال بالاية المذكورة، وهذا احد وجوه الترجيحات المروية عن اهل العصمة (عليهم السلام) في مقام تعارض الأخبار في الاحكام الشرعية. (الثاني) كون اخبار الطهارة موافقة لمذهب العامة بلا خلاف ولا اشكال كما صرح به جملة من الاصحاب حتى ان المرتضى كما قدمنا ذكره جعل القول بالنجاسة هنا من متفردات الامامية، ومما يشير الى التقية قوله (عليه السلام) في حسنة الكاهلي المسوقة في جملة ادلة القول بالطهارة: " اما انا فلا ادعوه ولا اواكله واني لاكره ان احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم " فان مرمى هذه العبارة ان ذلك حرام شرعا ولكنه يكره ان يأمرهم به لما يخاف عليهم من لحوق الضرر بهم في ذلك، وإلا فلو كان حلالا شرعا فانه لا معنى لاختصاص ذلك بهم (عليهم السلام) وهذا ايضا احد وجوه الترجيحات المنصوصة من عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافهم. (الثالث) اعتضاد اخبار النجاسة باتفاق الاصحاب إلا الشاذ النادر الذي لا يعبأ بمخالفته، قال في المعالم: ثم ان مصير جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) الى القول بالتنجيس مقتض للاستيحاش في الذهاب الى خلافه بل قد ذكرنا ان جماعة

[ 173 ]

ادعوا الاجماع على عموم الحكم بالتنجيس لجميع الاصناف، وكلام العلامة في المنتهى ظاهر فيه، وكأنهم لم يعتبروا الخلاف المحكي في ذلك، اما من جهة المفيد فلانه موافق في احد قوليه ولعلهم اطلعوا على انه المتأخر، واما ابن الجنيد فلأن المشهور عنه العمل بالقياس فلا التفات الى خلافه. انتهى. وقال في الذخيرة: والتحقيق انه لولا الشهرة العظيمة بين العلماء وادعاء جماعة منهم الاجماع على نجاسة اهل الكتاب لكان القول بالطهارة متجها لصراحة الأخبار الدالة على الطهارة على كثرتها في المطلوب وبعد حمل الكلام على التقية وقرب التأويل في اخبار النجاسة بحملها على الاستحباب والكراهة فانه حمل قريب. انتهى. اقول: اما ما ذكره من التأييد بالشهرة العظيمة فجيد كما ذكرنا ومؤيد لما اخترناه. واما ما ذكره من اتجاه القول بالطهارة لولا ما ذكره لبعد الحمل على التقية وقرب التأويل في اخبار النجاسة بحملها على الاستحباب والكراهة فهو وان سبقه إليه السيد في المدارك إلا انه اجتهاد محض في مقابلة النصوص وجرأة تامة على اهل الخصوص، لما عرفت من انهم (عليهم السلام) قد قرروا قواعد لاختلاف الاخبار ومهدوا ضوابط في هذا المضمار ومن جملتها العرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه، والعامة هنا كما عرفت متفقون على القول بالطهارة أو هو مذهب المعظم منهم (1) بحيث لا يعتد بخلاف غيرهم فيه، والأخبار المذكورة مختلفة باعترافهم، فعدولهم عما مهده أئمتهم الى ما احدثوه بعقولهم واتخذوه قاعدة كلية في جميع ابواب الفقه بآرائهم من غير دليل عليه من سنة ولا كتاب جرأة واضحة لذوي الألباب، وليت شعري لمن وضع الأئمة (عليهم السلام) هذه القواعد المستفيضه في غير خبر من اخبارهم إذا كانوا في جميع ابواب الفقه انما عكفوا في الجمع بين الأخبار في مقام الاختلاف على هذه القاعدة والغوا العرض على الكتاب العزيز والعرض على مذهب العامة كما عرفت هنا ؟ وهل وضعت لغير هذه الشريعة أو ان المخاطب بها غير العلماء الشيعة ؟ ما هذا إلا عجب


(1) راجع التعليقة 1 ص 146.

[ 174 ]

عجاب من هؤلاء الفضلاء الاطياب. فرع الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في عموم النجاسة من الكافر لما تحله الحياة منه وما لا تحله الحياة إلا ما يأتي من كلام المرتضى (رضي الله عنه) في الفصل الثامن والتاسع من حكمه بطهارة ما لا تحله الحياة من نجس العين. وظاهر صاحب المعالم المناقشة في هذا المقام والميل إلى الطهارة حيث قال: نص جمع من الأصحاب على عدم الفرق في نجاسة الكافر بين ما تحله الحياة وما لا تحله الحياة، وظاهر كلام العلامة في المختلف عدم العلم بمخالف في ذلك سوى المرتضى فانه حكم بطهارة ما لا تحله الحياة من نجس العين، وقد مرت حكاية خلافه آنفا وبينا ان الحجة المحكية عنه في ذلك ضعيفة، ولكن الدليل المذكور هناك للحكم بالتسوية بين جميع الاجزاء لا يأتي هنا لخلو الأخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم كما وقع هناك، وقد نبهنا على ما في التمسك بالايتين من الاشكال فلا يتم التعلق بهما في هذا الحكم، حيث وقع التعليق فيهما بالاسم، وحينئذ يكون حكم ما لا تحله الحياة من الكافر خاليا من الدليل، فيتجه التمسك فيه بالاصل الى ان يثبت المخرج عنه. انتهى. اقول: فيه (اولا) ان الأخبار التي قدمناها دالة على نجاسة اليهود والنصارى قد علق الحكم فيها على عنوان اليهودي والنصراني الذي هو عبارة عن الشخص أو الرجل المنسوب الى هاتين الذمتين، ولا ريب ان الشخص والرجل عبارة عن هذا المجموع الذي حصل به الشخص في الوجود الخارجي، ولا ريب في صدق هذا العنوان على جميع اجزاء البدن وجملته كصدق الكلب على اجزائه، ومتى ثبت الحكم بالعموم في اهل الكتاب ثبت في غيرهم ممن يوافق على نجاستهم بطريق اولى. و (ثانيا) انه قد روى الكليني في الحسن عن الوشاء عمن ذكره عن الصادق

[ 175 ]

(عليه السلام) (1) " انه كره سؤر ولد الزنا واليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام. وكان اشد ذلك عنده سؤر الناصب " ولا اشكال ولا خلاف في ان المراد بالكراهة هنا التحريم والنجاسة، وقد وقع ذلك معلقا على هذه العناوين المذكورة ومنها المشرك ومن خالف الاسلام. وكل من هذه العنوانات اوصاف لموصوفات محذوفة قد شاع التعبير بها عنها من لفظ الرجل أو الشخص أو الذات أو نحو ذلك، ولا ريب في صدق هذه الموصوفات على جملة البدن وجميع اجزائه كصدق الكلب على جملته كما اعترف به فكما ان الكلب اسم لهذه الجملة فالرجل ايضا كذلك ونحوه الشخص. و (ثالثا) انا قد اوضحنا سابقا دلالة احدى الايتين المشار اليهما في كلامه على النجاسة في المقام وبينا ضعف ما اورد عليها من الالزام وبه يتم المطلوب والمرام. والله العالم. وتمام تحقيق القول في هذا الفصل يتوقف على رسم مسائل: (الاولى) المشهور بين متأخري الاصحاب هو الحكم باسلام المخالفين وطهارتهم، وخصوا الكفر والنجاسة بالناصب كما اشرنا إليه في صدر الفصل وهو عندهم من اظهر عداوة اهل البيت (عليهم السلام) والمشهور في كلام اصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم وهو المؤيد بالروايات الامامية، قال الشيخ ابن نوبخت (قدس سره) وهو من متقدمي اصحابنا في كتابه فص الياقوت: دافعوا النص كفرة عند جمهور اصحابنا ومن اصحابنا من يفسقهم.. الخ. وقال العلامة في شرحه اما دافعوا النص على امير المؤمنين (عليه السلام) بالامامة فقد ذهب اكثر اصحابنا الى تكفيرهم لان النص معلوم بالتواتر من دين محمد (صلى الله عليه وآله) فيكون ضروريا اي معلوما من دينه ضرورة فجاحده يكون كافرا كمن يجحد وجوب الصلاة وصوم شهر رمضان. واختار ذلك في المنتهى فقال في كتاب الزكاة في بيان اشتراط وصف المستحق بالايمان ما صورته: لان الامامة


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من الاسآر.

[ 176 ]

من اركان الدين واصوله وقد علم ثبوتها من النبي (صلى الله عليه وآله) ضرورة والجاحد لها لا يكون مصدقا للرسول في جميع ما جاء به فيكون كافرا. انتهى. وقال المفيد في المقنعة: ولا يجوز لاحد من اهل الايمان ان يغسل مخالفا للحق في الولاية ولا يصلي عليه. ونحوه قال ابن البراج. وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل عبارة المقنعة: الوجه فيه ان المخالف لاهل الحق كافر فيجب ان يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل. وقال ابن ادريس في السرائر بعد ان اختار مذهب المفيد في عدم جواز الصلاة على المخالف ما لفظه: وهو اظهر ويعضده القرآن وهو قوله تعالى: " ولا تصل على احد منهم مات ابدا.. " (1) يعني الكفار، والمخالف لاهل الحق كافر بلا خلاف بيننا. ومذهب المرتضى في ذلك مشهور في كتب الاصحاب إلا انه لا يحضرني الان شي ء من كلامه في الباب. وقال الفاضل المولى محمد صالح المازندراني في شرح اصول الكافي: ومن انكرها يعني الولاية فهو كافر حيث انكر اعظم ما جاء به الرسول واصلا من اصوله. وقال الشريف القاضي نور الله في كتاب احقاق الحق: من المعلوم ان الشهادتين بمجردهما غير كافيتين إلا مع الالتزام بجميع ما جاء به النبي (صلى الله على وآله) من احوال المعاد والامامة كما يدل عليه ما اشتهر من قوله (صلى الله عليه وآله) (2) " من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية " ولا شك ان المنكر لشئ من ذلك ليس بمؤمن ولا مسلم لان الغلاة والخوارج وان كانوا من فرق المسلمين نظرا إلى الاقرار بالشهادتين إلا انهما من الكافرين نظرا الى جحودهما ما علم من الدين وليكن منه بل من اعظم اصوله امامة امير المؤمنين (عليه السلام). وممن صرح بهذه المقالة ايضا


(1) سورة التوبة، الاية 85. (2) رواه الكليني في اصول الكافي ج 1 ص 376 الطبع الحديث بطرق متعددة عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله واللفظ في بعضها " من مات وليس عليه امام... " وفي آخر " من مات وليس له امام.. " وفي ثالث " من مات لا يعرف امامه. ".

[ 177 ]

الفاضل المولى المحقق أبو الحسن الشريف ابن الشيخ محمد طاهر المجاور بالنجف الاشرف حيا وميتا في شرحه على الكفاية حيث قال في جملة كلام في المقام في الاعتراض على صاحب الكتاب حيث انه من المبالغين في القول باسلام المخالفين: وليت شعري اي فرق بين من كفر بالله تعالى ورسوله ومن كفر بالائمة (عليهم السلام) مع ان كل ذلك من اصول الدين ؟ الى ان قال: ولعل الشبهة عندهم زعمهم كون المخالف مسلما حقيقة وهو توهم فاسد مخالف للاخبار المتواترة، والحق ما قاله علم الهدى من كونهم كفارا مخلدين في النار، ثم نقل بعض الأخبار في ذلك وقال والاخبار في ذلك اكثر من ان تحصى وليس هنا موضع ذكرها وقد تعدت عن حد التواتر. وعندي ان كفر هؤلاء من اوضح الواضحات في مذهب اهل البيت (عليهم السلام) انتهى. هذا، والمفهوم من الأخبار المستفيضة هو كفر المخالف الغير المستضعف ونصبه ونجاسته، وممن صرح بالنصب والنجاسة ايضا جمع من اصحابنا المتأخرين: منهم شيخنا الشهيد الثاني في بحث السؤر من الروض حيث قال بعد ذكر المصنف نجاسة سؤر الكافر والناصب ما لفظه: والمراد به من نصب العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) أو لأحدهم واظهر البغضاء لهم صريحا أو لزوما ككراهة ذكرهم ونشر فضائلهم والاعراض عن مناقبهم من حيث انها مناقبهم والعداوة لمحبيهم بسبب محبتهم، وروى الصدوق ابن بابويه عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لا تجد احدا يقول انا ابغض محمدا وآل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وانكم من شيعتنا ".. وفي بعض الاخبار (2) " ان كل من قدم الجبت والطاغوت فهو ناصب " واختاره بعض الاصحاب إذ لا عداوة اعظم من تقديم المنحط عن مراتب الكمال وتفضيل المنخرط في سلك الاغبياء والجهال


(1) عقاب الاعمال ص 4 وفي البحار عنه ج 3 من المجلد 15 ص 13. (2) رواه في البحار عن مستطرفات السرائر ج 3 من المجلد 15 ص 14 وسيأتي ص 185.

[ 178 ]

على من تسنم اوج الجلال حتى شك في انه الله المتعال. انتهى. ونحوه في شرحه على الرسالة الالفية. وممن صرح بالنصب جماعة من متأخري المتأخرين: منهم السيد نعمة الله الجزائري في كتاب الانوار النعمانية حيث قال: واما الناصبي واحواله واحكامه فانما يتم ببيان امرين: (الاول) في بيان معنى الناصب الذي وردت الروايات انه نجس وانه شر من اليهودي والنصراني والمجوسي وانه كافر باجماع الامامية، والذي ذهب إليه اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان المراد به من نصب العداوة لال محمد (صلى الله عليه وآله) وتظاهر ببغضهم كما هو الموجود في الخوارج وبعض ما وراء النهر، ورتبوا الاحكام في باب الطهارة والنجاسة والكفر والايمان وجواز النكاح وعدمه على الناصبي بهذا المعنى، وقد تفطن شيخنا الشهيد الثاني من الاطلاع على غرائب الاخبار فذهب إلى ان الناصبي هو الذي نصب العداوة لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) وتظاهر في القدح فيهم كما هو حال اكثر المخالفين لنا في هذه الاعصار في كل الامصار.. إلى آخر كلامه زيد في مقامه. وهو الحق المدلول عليه باخبار العترة الاطهار كما ستأتيك ان شاء الله تعالى ساطعة الانوار. إذا عرفت ذلك فاعلم ان من جملة من صرح بطهارة المخالفين بل ربما كان هو الاصل في الخلاف في هذه المسألة في القول باسلامهم وما يترتب عليه المحقق في المعتبر حيث قال: اسآر المسلمين طاهرة وان اختلفت آراؤهم عدا الخوارج والغلاة، وقال الشيخ في المبسوط بنجاسة المجبرة والمجسمة، وصرح بعض المتأخرين بنجاسة من لم يعتقد الحق عدا المستضعف، لنا ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يجتنب سؤر احدهم وكان يشرب من المواضع التي تشرب منها عائشة وبعده لم يجتنب علي (عليه السلام) سؤر احد من الصحابة مع مباينتهم له، ولا يقال ان ذلك كان تقية لانه لا يصار إليها إلا مع الدلالة، وعنه (عليه السلام) (1) " انه سئل أيتوضأ من فضل جماعة المسلمين احب اليك


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من الماء المضاف.

[ 179 ]

أو يتوضأ من ركو ابيض مخمر ؟ فقال بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فان احب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة " ذكره أبو جعفر بن بابويه في كتابه. وعن العيص ابن القاسم عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يغتسل هو وعائشة من اناء واحد " ولان النجاسة مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة، اما الخوارج فيقدحون في علي (عليه السلام) وقد علم من الدين تحريم ذلك، فهم بهذا الاعتبار داخلون في الكفر لخروجهم عن الاجماع وهم المعنيون بالنصاب. انتهى كلامه زيد مقامه وقال في الذخيرة بعد نقل ملخصه انه يمكن النظر في بعض تلك الوجوه لكنها بمجموعها توجب الظن القوي بالمطلوب. اقول: وعندي فيه نظر من وجوه: (الاول) انه لا يخفى انه انما المراد بالمخالف له في هذه المسألة الذي اشار إليه بقوله: " وصرح بعض المتأخرين " ابن ادريس، ولا ريب ان مراد ابن ادريس بالحق الذي صرح بنجاسة من لم يعتقده انما هو الولاية كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى في الاخبار فانها معيار الكفر والايمان في هذا المضمار، ويؤيد ذلك استثناء المستضعف كما سيأتيك التصريح به في الاخبار ايضا، ولا ريب ايضا ان الولاية انما نزلت في آخر عمره (صلى الله عليه وآله) في غدير خم والمخالفة فيها المستلزمة لكفر المخالف انما وقع بعد موته (صلى الله عليه وآله) فلا يتوجه الايراد بحديث عائشة والغسل معها في اناء واحد ومساورتها كما لا يخفى، وذلك لانها في حياته (صلى الله عليه وآله) على ظاهر الايمان وان ارتدت بعد موته كما ارتد ذلك الجم الغفير المجزوم بايمانهم في حياته (صلى الله عليه وآله) ومع تسليم كونها في حياته من المنافقين فالفرق ظاهر بين حالي وجوده (صلى الله عليه وآله) وموته حيث ان جملة المنافقين كانوا في وقت حياته على ظاهر الاسلام منقادين لاوامره ونواهيه ولم يحدث منهم ما يوجب الارتداد، واما بعد موته فحيث ابدوا تلك الضغائن البدرية واظهروا


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من الاسآر.

[ 180 ]

الاحقاد الجاهلية ونقضوا تلك البيعة الغديرية التي هي في ضرورتها من الشمس المضيئة فقد كشفوا ما كان مستورا من الداء الدفين وارتدوا جهارا غير منكرين ولا مستخفين كما استفاضت به اخبار الائمة الطاهرين (عليهم السلام) فشتان ما بين الحالتين وما ابعد ما بين الوقتين، فاي عاقل بزعم ان اولئك الكفرة اللئام قد بقوا على ظاهر الاسلام حتى يستدل بهم في هذا المقام والحال انه قد ورد عنهم عليهم الصلاة والسلام (1) " ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم: من ادعى امامة من الله ليست له ومن جحد اماما من الله ومن زعم ان لهما في الاسلام نصيبا " ؟ نعوذ بالله من زلات الافهام وطغيان الاقلام. (الثاني) ان من العجب الذي يضحك الثكلى والبين البطلان الذي اظهر من كل شئ واجلي ان يحكم بنجاسة من انكر ضروريا من سائر ضروريات الدين وان لم يعلم ان ذلك منه عن اعتقاد ويقين ولا يحكم بنجاسة من يسب امير المؤمنين (عليه السلام) واخرجه قهرا مقادا يساق بين جملة العالمين وادار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه وضرب الزهراء (عليها السلام) حتى اسقطها جنينها ولطمها حتى خرت لوجهها وجبينها وخرجت لوعتها وحنينها مضافا إلى غصب الخلافة الذى هو اصل هذه المصائب وبيت هذه الفجائع والنوائب، ما هذا إلا سهو زائد من هذا النحرير وغفلة واضحة عن هذا التحرير، فيا سبحان الله كأنه لم يراجع الاخبار الواردة في المقام الدالة على ارتدادهم عن الاسلام واستحقاقهم القتل منه (عليه السلام) لولا الوحدة وعدم المساعد من اولئك الانام، وهل يجوز يا ذوي العقول والاحلام ان يستوجبوا القتل وهم طاهرو الاجسام ؟ ثم اي دليل دل على نجاسة ابن زياد ويزيد وكل من تابعهم في ذلك الفعل الشنيع الشديد ؟ واي دليل دل على نجاسة بني امية الارجاس وكل من حذا حذوهم من كفرة بني العباس الذين قد ابادوا الذرية العلوية وجرعوهم كؤوس الغصص


(1) رواه في اصول الكافي ج 1 ص 373 الطبع الحديث.

[ 181 ]

والمنية ؟ واي حديث صرح بنجاستهم حتى يصرح بنجاسة أئمتهم، واي ناظر وسامع خفي عليه ما بلغ بهم من أئمة الضلال حتى لا يصار إليه الا مع الدلالة ؟ ولعله (قدس سره) ايضا يمنع من نجاسة يزيد وامثاله من خنازير بني امية وكلاب بني العباس لعدم الدليل على كون التقية هي المانعة من اجتناب اولئك الارجاس. (الثالث) ان ما استند إليه من الاستدلال بحديث افضلية الوضوء من سؤر المسلمين لا يخلو من نوع مصادرة، فان الحكم باسلام المخالفين اول البحث والحاكم بالنجاسة انما حكم بذلك لثبوت الكفر والنصب المستلزمين للنجاسة، على انا لا نسلم ان المراد بالاسلام هنا المعنى الاعم كما استند إليه بل المراد انما هو المعنى المرادف للايمان كما فسره به بعض علمائنا الاعيان حيث قال: والوجه في التعليل كون الوضوء بفضل جماعة المسلمين اسهل حصولا، إلى ان قال مع ما فيه من التبرك بسؤر المؤمن وتحصيله الالفة بذلك. (الرابع) ان ما فسر به النواصب من انهم الخوارج خاصة مما يقضى منه العجب العجاب لخروجه عن مقتضى النصوص المستفيضة في الباب وعدم موافق له في ذلك لا قبله ولا بعده من الاصحاب. وبالجملة فان كلامه في هذا المقام لا اعرف له وجها وجيها من اخبارهم (عليه السلام) بل هي في رده وبطلانه اظهر من البدر ليالي التمام. هذا، واما الاخبار الدالة على كفر المخالفين عدا المستضعفين فمنها ما رواه في الكافي (1) بسنده عن مولانا الباقر (عليه السلام) قال: " ان الله عزوجل نصب عليا (عليه السلام) علما بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا ومن جهله كان ضالا.. ". وروى فيه (2) عن ابي ابراهيم (عليه السلام) قال: " ان عليا (عليه السلام) باب من ابواب الجنة فمن دخل بابه كان مؤمنا ومن خرج من بابه كان كافرا ومن لم يدخل


(1) الاصول ج 1 ص 437 الطبع الحديث (2) الاصول ج 2 ص 389.

[ 182 ]

فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين لله عزوجل فيهم المشيئة ". وروى فيه (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: ".. من عرفنا كان مؤمنا ومن انكرنا كان كافرا ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترضه الله عليه من طاعتنا الواجبة فان مات على ضلالته يفعل الله به ما يشاء ". وروى الصدوق في عقاب الاعمال (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) " ان الله تعالى جعل عليا (عليه السلام) علما بينه وبين خلقه ليس بينهم وبينه علم غيره فمن تبعه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ومن شك فيه كان مشركا " ورواه البرقي في المحاسن مثله (3). وروى فيه ايضا عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " ان عليا (عليه السلام) باب هدى من عرفه كان مؤمنا ومن خالفه كان كافرا ومن انكره دخل النار " وروى في العلل بسنده إلى الباقر (عليه السلام) قال: " ان العلم الذي وضعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند علي (عليه السلام) من عرفه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ". وروى في كتاب التوحيد وكتاب اكمال الدين واتمام النعمة عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " الامام علم بين الله عزوجل وبين خلقه من عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا ". وروى في الامالي بسنده فيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) (6) انه قال لحذيفة اليماني " يا حذيفة ان حجة الله عليكم بعدي علي بن ابي طالب (عليه السلام) الكفر


(1) الاصول ج 1 ص 187 الطبع الحديث (2) ص 5 (3) ص 89. (4) المحاسن ص 89 واللفظ: " علي باب الهدى من خالفه كان كافرا ومن انكره دخل النار ". (5) رواه في البحار ج 7 ص 27 (6) رواه في البحار عنه ج 9 ص 283.

[ 183 ]

به كفر بالله سبحانه والشرك به شرك بالله سبحانه والشك فيه شك في الله سبحانه والالحاد فيه الحاد في الله سبحانه والانكار له انكار لله تعالى والايمان به ايمان بالله تعالى لانه اخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيه وامام امته ومولاهم. وهو حبل الله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها.. الحديث ". وروى في الكافي (1) بسنده إلى الصحاف قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " (2) فقال عرف الله تعالى ايمانهم بموالاتنا وكفرهم بها يوم اخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم ". وروى فيه بسنده (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: " اهل الشام شر من اهل الروم واهل المدينة شر من اهل مكة واهل مكة يكفرون بالله تعالى جهرة ". وروى فيه بسنده عن احدهما (عليهما السلام) (4) " ان اهل المدينة ليكفرون بالله جهرة واهل المدينة اخبث من اهل مكة، اخبث منهم سبعين ضعفا ". وروى فيه (5) عن ابي مسروق قال: " سألني أبو عبد الله (عليه السلام) عن اهل البصرة ما هم ؟ فقلت مرجئة وقدرية وحرورية. قال لعن الله تعالى تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شئ " إلى غير ذلك من الاخبار التي يضيق عن نشرها المقام ومن احب الوقوف عليها فليرجع إلى الكافي ولا سيما في تفسير الكفر في جملة من الايات القرآنية. وانت خبير بان التعبير عن المخالفة في الامامة في جملة من هذه الاخبار بالانكار في بعض والجحود في بعض دلالة واضحة على كفر هؤلاء المخالفين من قبيل كفر الجحود والانكار الموجب لخروجهم عن جادة الاسلام بكليته واجراء حكم الكفر عليهم برمته


(1) الاصول ج 1 ص 426 الطبع الحديث. (2) سورة التغابن، الاية 2. (3) و (5) الاصول ج 2 ص 409 الطبع الحديث. (4) الاصول ج 2 ص 410 الطبع الحديث.

[ 184 ]

وان مخالفتهم في ذلك انما وقع عنادا واستكبارا لقيام الادلة عليهم في ذلك وسطوع البراهين فيما هنالك لديهم، لان الجحود والانكار انما يطلقان في مقام المخالفة بعد ظهور البرهان كما صرح به علماء اللغة الذين إليهم المرجع في هذا الشأن. وبذلك يظهر ما في جواب شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني حيث انه ممن تبع المشهور بين المتأخرين في الحكم باسلام المخالفين، فانه اجاب عن اطلاق الكفر عليهم في الاخبار بالحمل على الكفر الحقيقي وان كانوا مسلمين ظاهرا فهم مسلمون ظاهرا فتجري عليهم احكام الاسلام من الطهارة وجواز المناكحة وحقن المال والدم والموارثة ونحو ذلك وكفار حقيقة وواقعا فيخلدون في النار يوم القيامة، ثم احتمل حمل كفرهم على احد معاني الكفر وهو كفر الترك فكفرهم بمعنى ترك ما امر الله تعالى به كما ورد " ان تارك الصلاة كافر " (1) و " تارك الزكاة كافر " (2) و " تارك الحج كافر " (3) و " مرتكب الكبائر كافر " (4). وفيه ان ما ذكره من الكفر بالمعنى الاول من انهم مسلمون ظاهرا وكفار حقيقة بمعنى اجتماع الكفر والاسلام بهذين المعنيين لم يقم عليه دليل في غير المنافقين في وقته (صلى الله عليه وآله) وانكاره بمجرد دعوى الاسلام لاولئك المخالفين اول البحث، ومن المعلوم ان المتبادر من اطلاق الكفر حيث يذكر انما هو ما يكون مباينا للاسلام ومضادا له في الاحكام إذ هو المعنى الحقيقي للفظ، وهكذا كل لفظ اطلق فانما يحمل على معناه الحقيقي إلا ان يصرف عنه صارف ولا صارف هنا إلا مجرد هذه الدعوى وهي ممنوعة بل هي اول البحث لعدم الدليل عليها بل قيام الادله المتعاضدة في دفعها وبطلانها كما اوضحناه في كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب وما يترتب


(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من اعداد الفرائض ونوافلها. (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ما يجب فيه الزكاة. (3) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب وجوب الحج. (4) رواه في الوسائل في الباب 2 من مقدمة العبادات.

[ 185 ]

عليه من المطالب. واما ما ذكره من الحمل على ترك ما امر الله تعالى فانه لا يخفى على من تأمل الاخبار التي اوردناها ان الكفر المنسوب إلى هؤلاء انما هو من حيث الامامة وتركها وعدم القول بالامامة. ولا يخفى ان الترك لشئ من ضروريات الدين ان كان انما هو ترك استخفاف وتهاون فصاحبه لا يخرج عن الايمان كترك الصلاة والزكاة ونحوهما وان اطلق عليه الكفر في الاخبار كما ذكره تغليظا في المنع من ذلك، وان كان عن جحود وانكار فلا خلاف في كفر التارك كفرا حقيقيا دنيا وآخرة ولا يجوز اطلاق اسم الاسلام عليه بالكلية كمن ترك الصلاة ونحوها كذلك، والاخبار المتقدمة كما عرفت قد صرحت بكون كفر هؤلاء انما هو من حيث جحود الامامة وانكارها لا ان ذلك استخفاف وتهاون مع اعتقاد ثبوتها وحقيتها كالصلاة ونحوها فانه لا معنى له بالنسبة الى الامامة كما لا يخفى، وحينئذ فليختر هذا القائل اما ان يقول بكون الترك هنا ترك جحود وانكار فيسقط البحث ويتم ما ادعيناه واما ان يقول ترك استخفاف وتهاون فمع الاغماض عن كونه لا معنى له فالواجب عليه القول بايمان المخالفين لان الترك كذلك لا يوجب الخروج عن الايمان كما عرفت ولا اراه يلتزمه. واما ما يدل على نصبهم فمنه ما تقدم نقله في كلام شيخنا الشهيد الثاني من حديث عبد الله بن سنان (1) ونحوه ايضا ما رواه الصدوق في معاني الاخبار (2) بسند معتبر عن معلى بن خنيس قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لا تجد احدا يقول انا ابغض آل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وتتبرأون من اعدائنا " وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر مما استطرفه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا ابي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى (3) قال: " كتبت إليه


(1) ص 177 (2) ص 104. (3) رواه عنه في البحار ج 3 من المجلد 15 ص 14 وفي الوافي ج 2 ص 56.

[ 186 ]

اسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى اكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بامامتهما ؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب ". والمستفاد من هذه الاخبار ان مظهر النصب المترتب عليه الاحكام والدليل عليه اما تقديم الجبت والطاغوت أو بغض الشيعة من حيث التشيع فكل من اتصف بذلك فهو ناصب تجري عليه احكام النصب، نعم يجب ان يستثنى من خبر تقديم الجبت والطاغوت المستضعف كما عرفت من الاخبار المتقدمة وغيرها ايضا فيختص الحكم بما عداه، وعموم ذلك لجميع المخالفين بعد اخراج هذا الفرد مما لا يعتريه الريب والشك بالنظر إلى الاخبار المذكورة كما عليه اكثر اصحابنا المتقدمين الحاكمين بالكفر وكثير من متأخري المتأخرين كما قدمنا نقل كلام بعضهم. واما ما اجاب به الشيخ المحدث الصالح المتقدم ذكره من ان الناصب يطلق على معان: (احدها) من نصب العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) وعلى هذا يحمل ما ورد من حل مال الناصب ونحوه، و (ثانيها) من قدم الجبت والطاغوت كما تضمنه خبر السرائر. و (ثالثها) من نصب للشيعة فهو ناشئ من ضيق الخناق وانا لم نجد لهذا المعنى الاول دليلا ولم نجد لهم دليلا على هذا التقسيم سوى دعواهم اسلام المخالفين فارادوا الجمع بين الحكم باسلامهم وبين هذه الاخبار بحمل النصب على ما ذكروه في المعنى الاول وهو اول البحث في المسألة فان الخصم يمنع اسلامهم ويقول بكفرهم. وبالجملة فانه لا خلاف بيننا وبينهم في ان الناصب هو العدو لاهل البيت والنصب لغة هو العداوة وشرعا بل لغة ايضا على ما يفهم من القاموس هو العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) انما الخلاف في ان هولاء هل يدخلون تحت هذا العنوان ام لا ؟ فنحن ندعي دخولهم تحته وصدقه عليهم وهم يمنعون ذلك، ودليلنا على ما ذكرنا الاخبار المذكورة الدالة على ان الامر الذي يعرف به النصب ويوجب الحكم به على من اتصف به هو تقديم الجبت والطاغوت أو بغض الشيعة ولا ريب في صدق ذلك على

[ 187 ]

هؤلاء المخالفين، وليس هنا خبر يدل على تفسير الناصب بانه المبغض لاهل البيت (عليهم السلام) كما يدعونه بل الخبران المتقدمان صريحان في انك لا تجد احدا يقول ذلك. وبالجملة فانه لا دليل لهم ولا مستند ازيد من وقوعهم في ورطة القول باسلامهم فتكلفوا هذه التكلفات الشاردة والتأويلات الباردة، على انا قد حققنا في الشهاب الثاقب بالاخبار الكثيرة بغض المخالفين المقدمين للجبت والطاغوت غير المستضعفين لاهل البيت (عليهم السلام) واليه يشير كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم نقله من الروض. ومن اظهر ما يدل على ما ذكرناه ما رواه جملة من المشايخ عن الصادق (عليه السلام) قال: " الناصبي شر من اليهودي. فقيل له وكيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال ان الناصبي يمنع لطف الامامة وهو عام واليهودي لطف النبوة وهو خاص " فانه لا ريب ان المراد بالناصبي هنا مطلق من انكر الامامة كما ينادي به قوله " يمنع لطف الامامة " وقد جعله (عليه السلام) شرا من اليهودي الذي هو من جملة فرق الكفر الحقيقي بلا خلاف. ومن اراد الاحاطة باطراف الكلام والوقوف على صحة ما ادعيناه من اخبار اهل البيت (عليهم السلام) فليرجع إلى كتابنا المشار إليه آنفا فانه قد احاط باطراف المقال ونقل الاقوال والادلة الواردة في هذا المجال. واما ما يدل على نجاسة الناصب الذي قد عرفت انه عبارة عن المخالف مطلقا إلا المستضعف منه فمنه ما رواه في الكافي بسنده عن عبد الله بن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر الى سبعة آباء وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وان الناصب اهون على الله تعالى من الكلب " وما رواه فيه ايضا عن خالد القلانسي (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) القى الذمي


(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف. (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات.

[ 188 ]

فيصافحني ؟ قال امسحها بالتراب أو بالحائط. قلت فالناصب ؟ قال اغسلها " وعن الوشاء عن من ذكره عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه كره سؤر ولد الزنا وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام، وكان اشد ذلك عنده سؤر الناصب " ورواية علي ابن الحكم عن رجل عنه (عليه السلام) (2) وفيها " لا تغتسل من ماء غسالة الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " وما رواه الصدوق في العلل في الموثق عن عبد الله ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه بعد ان ذكر اليهودي والنصراني والمجوسي قال: " والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم، ان الله لم يخلق خلقا انجس من الكلب وان الناصب لنا اهل البيت لا نجس منه " ولجملة من اصحابنا في هذا المقام حيث نقلوا عن ابن ادريس القول بنجاسة من لم يعتقد الحق عدا الستضعف وعن المرتضى (رضى الله عنه) القول بنجاسة غير المؤمن وزيفوا لهما حججا واهية كلام واه في الجواب عن ذلك لا يستحق النظر إليه كما لا يخفى على من تأمل فيما ذكرناه وتدبر ما سطرناه فانه هو الحجة في المقام لا ما زيفه اولئك الاعلام فرعان (الاول) لا يخفى انه على تقدير القول بالنجاسة كما اخترناه فلو الجأت ضرورة التقية إلى المخالطة جازت المباشرة دفعا للضرر كما اوجبته شرعية التقية في غير مقام من الاحكام إلا انه يتقدر بقدر الضرورة فيتحرى المندوحة مهما امكن. بقي الكلام في انه لو زالت التقية بعد المخالطة والمباشرة بالبدن والثياب فهل يجب تطهيرها ام لا ؟ اشكال ينشأ من حيث الحكم بالنجاسة وانما سوغنا مباشرتها للتقية وحيث زالت التقية فحكم النجاسة باق على حاله فيجب ازالتها إذ لا مانع من ذلك، ومن حيث


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من الاسآر (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف.

[ 189 ]

تسويغ الشارع المباشرة وتجويزه لها اولا فما اتى به من ذلك امر جائز شرعا وهو حكم الله تعالى في حقه تلك الحال وعود الحكم بالنجاسة على وجه يوجب التطهير بعد ذلك يحتاج إلى دليل، وبالجملة فالمسألة لا تخلو عندي من نوع توقف لعدم الدليل الظاهر في البين والاحتياط فيها ظاهر. والله العالم. (الثاني) ينبغي ان يعلم ان جميع من خرج عن الفرقة الاثنى عشرية من افراد الشيعة كالزيدية والواقفية والفطحية ونحوها فان الظاهر ان حكمهم كحكم النواصب فيما ذكرنا لان من انكر واحدا منهم (عليهم السلام) كان كمن انكر الجميع كما وردت به اخبارهم، ومما ورد من الاخبار الدالة على ما ذكرنا ما رواه الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال باسناده عن ابن ابي عمير عن من حدثه (1) قال: " سألت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) عن هذه الاية " وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " (2) قال وردت في النصاب، والزيدية والواقفية من النصاب " وما رواه فيه بسنده إلى عمر بن يزيد (3) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فحدثني مليا في فضائل الشيعة ثم قال ان من الشيعة بعدنا من هم شر من النصاب. فقلت جعلت فداك اليس ينتحلون مودتكم ويتبرأون من عدوكم ؟ قال نعم. قلت جعلت فداك بين لنا لنعرفهم فلعلنا منهم. قال كلا يا عمر ما انت منهم انما هو قوم يفتنون بزيد ويفتنون بموسى " وما رواه فيه ايضا (4) قال: " ان الزيدية والواقفية والنصاب بمنزلة واحدة " وروى القطب الراوندي في كتاب الخرائج والجرائح عن احمد بن محمد بن مطهر (5) قال: " كتب بعض اصحابنا إلى ابي محمد (عليه السلام) من اهل الجبل يسأله عن من وقف على ابي الحسن موسى (عليه السلام) اتولاهم ام اتبرأ منهم ؟ فكتب لا تترحم على عمك لا رحم الله عمك وتبرأ منه، انا الى الله برئ منهم فلا تتولهم ولا تعد مرضاهم ولا تشهد جنائزهم ولا تصل على احد منهم مات ابدا سواء، من جحد اماما من الله تعالى أو زاد اماما ليست امامته من الله


(1) و (4) ص 149 (2) سورة الغاشية الاية 2 و 3 (3) ص 286 (5) كشف الغمة ص 309.

[ 190 ]

أو قال ثالث ثلاثة، ان الجاحد امر آخرنا جاحد امر اولنا والزائد فينا كالناقص الجاحد امرنا " وكأن هذا السائل لم يعلم ان عمه كان منهم فاعلمه بذلك. وهي كما ترى ظاهرة في المراد عارية عن وصمة الايراد، ولهذا نقل شيخنا البهائي (قدس سره) في مشرق الشمسين ان متقدمي اصحابنا كانوا يسمون تلك الفرق بالكلاب الممطورة اي الكلاب التي اصابها المطر مبالغة في نجاستهم والبعد عنهم. والله العالم. (المسألة الثانية) المشهور بين الاصحاب سيما المتأخرين القول بطهارة ولد الزنا والحكم باسلامه ودخول الجنة، وعن ابن ادريس القول بكفره ونجاسته، ونقل العلامة في المختلف القول بالكفر عن المرتضى وابن ادريس، ونقل جملة منهم عن الصدوق ايضا القول بالنجاسة والكفر، قال في المختلف في باب السؤر: قال الشيخ أبو جعفر بن بابويه لا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وجعل ولد الزنا كالكافر، وهو المنقول عن المرتضى وابن ادريس، وباقي علمائنا حكموا باسلامه، وهو الحق وسيأتي بيان ذلك. وقال المحقق في المعتبر وربما تعلل المانع يعني من سؤر ولد الزنا بانه كافر ونحن نمنع ذلك ونطالبه بدليل دعواه، ولو ادعى الاجماع كما ادعاه بعض الاصحاب كانت المطالبة باقية فانا لا نعلم ما ادعاه. قال في المعالم بعد نقل الاقوال المذكورة: إذا عرفت ذلك فاعلم ان المعتمد عندي هو القول بالطهارة لكونها مقتضى الاصل والمخرج عنه غير معلوم. وقال في الذخيرة: ويدل على الطهارة الاصل وكونه محكوما عليه بالاسلام ظاهرا وان سؤره لما اشرنا إليه من العمومات فيلزم العموم لعدم القائل بالفصل. انتهى. واحتج في المنتهى للقول بكفره بمرسلة الوشاء المتقدمة (1) قال: ووجهه انه لا يريد بلفظ " كره " المعنى الظاهر له وهو النهي عن الشئ نهي تنزيه لقوله " واليهودي " فان الكراهة فيه تدل على التحريم فلم يبق المراد إلا كراهة التحريم،


(1) ص 188.

[ 191 ]

ولا يجوز ان يرادا معا وإلا لزم استعمال المشترك في كلا معنييه أو استعمال اللفظ في معنيين الحقيقة والمجاز وذلك باطل، ثم انه اجاب عن الاحتجاج بالمنع من الحديث فانه مرسل، سلمنا لكن قول الراوي " كره " ليس اشارة الى النهي بل الكراهة التي في مقابلة الارادة وقد تطلق على ما هو اعم من المحرم والمكروه، سلمنا لكن الكراهة قد تطلق على النهي المطلق فيحمل عليه. انتهى. وقال شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني في بعض تحقيقاته وقد سأل عن ولد الزنا: هل يحتمل ان يدخل الجنة مع امكان ان يكون مؤمنا متشرعا ؟ فأجاب (قدس سره) بما ملخصه ان جواز ايمانه وامكان تدينه عقلا مما لا خلاف فيه كيف ولو لم يكن كذلك لزم التكليف بالمحال وهو باطل عقلا ونقلا، وانما الخلاف في الوقوع هل يقع منه الايمان والتدين ام يقطع بعدم وقوع ذلك ؟ والمنقول عن رئيس المحدثين ابي جعفر محمد بن على بن بابويه والمرتضى علم الهدى وابي عبد الله ابن ادريس الحلي روح الله ارواحهم وقدس اشباحهم هو الثاني وهو انه لا يكون إلا كافرا بمعنى انه لا يختار إلا الكفر، وهم لا ينكرون انه لو فرض ايمانه وتدينه امكن دخول الجنة بل وجب وان كان عندهم ان هذا الفرض غير واقع لانه لا بد وان يختار من قبل نفسه الكفر، وفي ظواهر الاخبار ما يشهد بهذا القول مثل قوله (عليه السلام) (1) " ولد الزنا شر الثلاثة " ومثل قوله (عليه السلام) (2) " لا يبغضك يا علي الا ولد الزنا " ثم نقل خبرا عن الكافي (3) يتضمن قوله: " ان الله حرم الجنة على كل فحاش بذي قليل الحياء لا يبالي بما قال ولا ما قيل له فانك ان فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان. فقيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي الناس شرك شيطان ؟ فقال اما تقرأ قول الله عزوجل:


(1) البحار ج 8 ص 212 وسفينة البحار ج 1 ص 560. (2) سفينة البحار ج 1 ص 560 و 561 (3) الاصول ج 2 ص 323 الطبع الحديث.

[ 192 ]

وشاركهم في الاموال والاولاد " (1) قال فان ظاهره تحريم الجنة على الصنف المذكور تحريما مؤبدا، إلى ان قال: ولا يخفى انه يمكن حمل الخبر على تحريم الجنة عليهم زمانا طويلا أو تحريم جنة خاصة معدة لغير هذا الصنف كما احتمله شيخنا البهائي في شرح الاربعين، ثم ذكر جملة من الاخبار الدالة على كون حب علي (عليه السلام) علامة على طيب الولادة وبغضه علامة على الزنا، إلى ان قال وبالجملة الاخبار المشعرة بهذا المعنى كثيرة إلا انها قابلة للتأويل غير خالية عن قصور في سند أو دلالة والقائل بمضمونها قليل نادر، واكثر اصحابنا على اسلامه وطهارته وامكان تدينه وعدالته وصحة دخوله الجنة، وانا في هذه المسألة متوقف وان كان القول الثاني لا يخلو من قوة ومتانة. وهو فتوى الشيخين والفاضلين والشهيدين وكافة المتأخرين، ويعضده الاصل والنظر إلى عموم سعة رحمة الله تعالى وتفضله بالالطاف الربانية والعنايات السبحانية على كافة البرية. انتهى ملخصا. اقول: ونحن نبسط الكلام في الايراد على كلام شيخنا المذكور ونبين ما فيه من القصور وبه يتضح ايضا ما في القول المشهور، فنقول: لا يخفى ان شيخنا قد دخل في هذه المسألة من غير الطريق وعرج على الاستدلال فيها من واد سحيق ولم يمعن النظر فيها بعين التحقيق ولا الفكر الصائب الدقيق ولم يورد شيئا من اخبارها اللائقة بها حسبما يراد فلذا صار كلامه معرضا للايراد، وبيان ذلك يظهر من وجوه النظر التي تتوجه على كلامه الظاهرة في تداعي ما بنى عليه وانهدامه. فاحدها جعله محل الخلاف في المسألة انه هل يقع من ابن الزنا الايمان والتدين ام يقطع بعدمه ؟ وحمله القول بكفره على معنى انه لا يقع منه إلا الكفر وإلا فانهم لا ينكرون انه لو فرض ايمانه وتدينه امكن دخوله الجنة بل وجب، فانه ليس في محله بل هؤلاء القائلون بكفره يقولون به وان اظهر الايمان وتدين به كما هو ظاهر النقل عنهم، وبه صرح جملة من اصحابنا: منهم شيخنا خاتمة المحدثين غواص بحار الانوار


(1) سورة بني اسرائيل، الاية 64.

[ 193 ]

حيث قال فيه: ونسب إلى الصدوق والمرتضى وابن ادريس (قدس الله اسرارهم) القول بكفره وان لم يظهره، ثم قال: وهذا مخالف لاصول العدل إذ لم يفعل باختياره ما يستحق به العقاب فيكون عقابه ظلما وجورا وليس بظلام للعبيد. انتهى. اقول: وهذا الذي نقله عن المشايخ الثلاثة هو الذي تدل عليه الاخبار وهي التي اوجبت مصيرهم إليه كما ستمر بك ان شاء الله تعالى فانها صريحة في حرمانه الجنة وان اظهر التدين والايمان، نعم ما ذكره من القول بالكفر انما هو وجه تأويل حيث حمل القائلون باسلام ولد الزنا الاخبار الدالة على عدم دخوله الجنة على انه لكونه يظهر الكفر فجعلوه جوابا عن الاخبار المذكورة مع انها صريحة في رده ايضا كما سيظهر لك لا ان ذلك مذهب القائلين بكفره. وثانيها ما نقله من الادلة للقائلين بالكفر وقوله في آخر الكلام: وبالجملة فالاخبار المشعرة بهذا المعنى كثيرة إلا انها قابلة للتأويل. فانه مسلم بالنسبة إلى اخباره التي اوردها لكنها ليست هي ادلة هذا القول كما توهمه بل ادلته ما سنذكره من الروايات الصحيحة الصريحة المستفيضة الغير القابلة للتأويل، والعجب منه (قدس سره) مع سعة دائرته في الاطلاع وكونه ممن لا يجاري في سعة الباع كيف غفل عن الوقوف عليها مع كثرتها وانتشارها وتكررها واشتهارها حتى اعتمد في الاستدلال على هذه الاخبار البعيدة عن المقام بمراحل لا تنطبق عليه إلا بمزيد تكلف كما لا يخفى على الخبير الكامل. وثالثها ما ذكره من قوله: ان اكثر اصحابنا على اسلامه وطهارته وامكان تدينه وعدالته وصحة دخوله الجنة، وميله إلى هذا القول بعد توقفه وقوله انه لا يخلو من من قوة ومتانة، ومن الكلام على هذا الوجه يظهر لك ما في القول المشهور ايضا من القصور فان فيه ان ما صاروا إليه هنا في هذه المواضع مخالف لجملة الاخبار الواردة عن العترة الطاهرة في جملة من موارد الاحكام:

[ 194 ]

فمنها دعوى الطهارة مع ان ظواهر الاخبار تدل على النجاسة، ومنها ما تقدم في آخر المسألة المتقدمة وهي رواية عبد الله بن ابي يعفور (1) الدالة على النهي عن الاغتسال من البئر الذي يجتمع فيه غسالة الحمام فان فيه غسالة ولد الزنا مع اشتمالها على المبالغة في نجاسته بانه لا يطهر إلى سبعة آباء، ومرسلة الوشاء (2) وان تمحل في المنتهى لتأويلها بما قدمنا ذكره إلا انه انما يصار إليه مع تسليم صحته مع وجود المعارض، ورواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه: " ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " وليس في الاخبار ما يعارض هذه الاخبار سوى مجرد دعواهم الاسلام وسيظهر لك ما فيه في المقام، ورواية علي بن الحكم، فهذه جملة من الاخبار ظاهرة في نجاسته مع تأيدها بما يأتي من الاخبار في تلك الاحكام. ومنها دعوى العدالة ولا يخفى ان المواضع التي يشترط فيها العدالة هي الامامة في الصلاة وقد اتفقت كلمة الاصحاب والاخبار على اشتراط طهارة المولد فيها وانها لا تنعقد بابن الزنا وان تدين بالاسلام وكان منه في اعلى مقام، والشهادة وقد استفاضت الاخبار بانه لا تقبل شهادته، والقضاء وقد اتفقت كلمة الاصحاب على انه لا يجوز له تولي القضاء، وحينئذ فاي ثمرة لهذه العدالة التي ادعاها في المقام ؟ والاخبار الواردة في هذه المواضع التي اشرنا إليها معلومة لمن وقف على الاخبار ومن لم يقف فليراجع، فلا ضرورة إلى التطويل بنقلها وكذا نقل كلام الاصحاب في هذه الابواب. ومما يؤيد الحكم بكفره ما ورد في ديته وانها كدية اليهود والنصارى ثمانمائة درهم كما ورد في رواية عبد الرحمان بن عبد الحميد (4) ومرسلة جعفر بن بشير (5) ورواية ابراهيم بن عبد الحميد (6) وفي رواية عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (7)


(1) و (2) ص 187 و 188 (3) المروية في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف (4) و (5) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب 15 من ديات النفس.

[ 195 ]

قال: " سألته كم دية ولد الزنا ؟ قال يعطي الذي انفق عليه ما انفق عليه " وقد حكم بمضمون هذه الاخبار الصدوق والمرتضى وابن ادريس بناء على مذهبهم في المسألة، والمشهور بناء على الحكم باسلامه ان ديته دية المسلم مع انه لا معارض لهذه الاخبار في المقام. ومنها دعوى دخول الجنة فان الاخبار مستفيضة بردها، ومنها ما رواه الصدوق في العلل بسنده عن سعد بن عمر الجلاب (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الله عزوجل خلق الجنة طاهرة مطهرة فلا يدخلها إلا من طابت ولادته، وقال أبو عبد الله (عليه السلام) طوبى لمن كانت امه عفيفة " وروى في الكتاب المذكور (2) بسنده فيه إلى محمد بن سليمان الديلمي عن ابيه رفع الحديث إلى الصادق (عليه السلام) قال: " يقول ولد الزنا يا رب فما ذنبي ؟ فما كان لي في امري صنع، قال فيناديه مناد فيقول انت شر الثلاثة اذنب والداك فنبت عليهما وانت رجس ولن يدخل الجنة إلا طاهر " اقول: انظر إلى صراحة هذا الخبر في ان منعه وطرده عن الجنة انما هو من حيث كونه ابن زنا حيث انه احتج بان لا ذنب لي يوجب بعدي وطردي من الجنة فلو كان كافرا لم يحتج بهذا الكلام ولو احتج به لاتاه الجواب بان طرده من الجنة لكفره، وما رواه في الكافي وغيره بسنده عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لو كان احد من ولد الزنا نجا لنجا سائح بني اسرائيل. فقيل له وما سائح بني اسرائيل ؟ قال كان عابدا فقيل له ان ولد الزنا لا يطيب ابدا ولا يقبل الله تعالى منه عملا، قال فخرج يسيح في الجبال ويقول ما ذنبي ؟ " وروى البرقي في المحاسن بسنده عن سدير الصيرفي (4) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) من طهرت ولادته دخل الجنة " وروى فيه ايضا بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " خلق الله تعالى الجنة طاهرة مطهرة لا يدخلها إلا من طابت ولادته " وهذه الاخبار كما ترى صريحة في ان منع ابن الزنا من الجنة انما هو من حيث خبث الولادة لا من


(1) و (2) ص 188 (3) المحاسن ص 108 (4) و (5) ص 139.

[ 196 ]

حيث الكفر الذي زعموا حمل الاخبار عليه كما قدمنا الاشاره إليه، وروى في المحاسن ايضا بسنده عن ايوب بن الحر عن ابي بكر (1) قال: " كنا عنده ومعنا عبد الله بن عجلان فقال عبد الله بن عجلان معنا رجل يعرف ما نعرف ويقال انه ولد زنا ؟ فقال ما تقول ؟ فقلت ان ذلك ليقال فقال ان كان ذلك كذلك بني له بيت في النار من صدر يرد عنه وهج جهنم ويؤتى برزقه " قال بعض مشايخنا بعد نقل هذا الخبر: قوله من صدر اي يبني له ذلك في صدر جهنم واعلاه، والظاهر انه تصحيف الصبر بالتحريك وهو الجمد، وروى في الكافي بسنده عن ابن ابي يعفور (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ولد الزنا يستعمل ان عمل خيرا جزي به وان عمل شرا جزي به " اقول هذا الخبر موافق للقول المشهور من ان ولد الزنا كسائر الناس يجزى بما يعمل الا انه مع اجماله لا يعارض الاخبار المتقدمة، ومما يؤكد هذا ايضا ما رواه الصدوق في عقاب الاعمال والبرقي في المحاسن بسنديهما عن ابي بصير ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان نوحا حمل في السفينة الكلب والخنزير ولم يحمل فيها ولد الزنا وان الناصب شر من ولد الزنا " وما رواه في ثواب الاعمال في الموثق عن زرارة (4) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول لا خير في ولد الزنا ولا في بشره ولا في شعره ولا في لحمه ولا في دمه ولا شئ منه يعني ولد الزنا " وبالجملة فالمفهوم من الاخبار التي سردناها ان ابن الزنا له حالة ثالثة غير حالتي الايمان والكفر، لان ما تقدم من الاخبار الدالة على احكامه في الدنيا من النجاسة وعدم العدالة مع الاتصاف بشروطها وحكم ديته وكذا اخبار عدم دخوله الجنة وكذا الاخبار الاخيرة لا يجامع الحكم بالايمان بوجه، واسباب الكفر الموجبة للحكم بكونه كافرا غير موجودة لان الفرض انه متدين بظاهر الايمان كما عرفت من ظاهر الاخبار المذكورة.


(1) ص 149 (2) رواه في الوافي ج 12 ص 218 (3) المحاسن ص 185 (4) عقاب الاعمال ص 38.

[ 197 ]

وكيف كان فالحق عندي في المسألة ما افاده شيخنا غواص بحار الانوار ومستخرج ما فيها من لئالئ الاخبار، حيث قال بعد نقل جملة من الاخبار الدالة على عدم دخوله الجنة ما صورته " اقول يمكن الجمع بين الاخبار على وجه يوافق قانون العدل بان يقال لا يدخل ولد الزنا الجنة لكن لا يعاقب في النار إلا بعد ان يظهر منه ما يستحقه ومع فعل الطاعة وعدم ارتكاب ما يحبطه يثاب في النار على ذلك ولا يلزم على الله تعالى ان يثيب الخلق في الجنة، ويدل عليه خبر عبد الله بن عجلان ولا ينافيه خبر عبد الله بن ابي يعفور إذ ليس فيه تصريح بان جزاءه يكون في الجنة، واما العمومات الدالة على ان من يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله الله الجنة فيمكن ان تكون مخصصة بتلك الاخبار " انتهى كلامه زيد مقامه. والذي يقرب عندي ان مقتضى هذه الاخبار الكثيرة المستفيضة التي تلوناها في احكامه دنيا واخرة سيما الاخبار الاخيرة الدالة على انه شر من الكلب والخنزير وانه لا خير في شعره ولا بشره.. الخ. انه في الغالب والاكثر لا يطيب ولا يكون مؤمنا وان كان مؤمنا فايمانه يكون مستعارا وان ثبت على ايمانه وكان مستقرا يكون ثوابه في النار على الوجه الذي ذكره شيخنا المشار إليه. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام يظهر لك ما في كلام علمائنا الاعلام في المسألة لعدم وقوفهم على ما ورد من اخبارهم (عليهم السلام) والله الهادي لمن يشاء. (المسألة الثالثة) قال في المعالم: " ظاهر كلام جماعة من الاصحاب ان ولد الكافرين يتبعهما في النجاسة الذاتية بغير خلاف لانهم ذكروا الحكم جازمين به غير متعرضين لبيان دليله كما هو الشأن في المسائل التي لا مجال للاحتمال فيها، وممن ذكر الحكم كذلك العلامة في التذكرة ولكنه في النهاية اشار إلى نوع خلاف أو احتمال فيه فقال: الاقرب في اولاد الكفار التبعية لهم. وانت إذا احطت خبرا بما قررناه في نجاسة الكافر وجدت للتوقف في الحكم بالنجاسة هنا على الاطلاق مجالا ان لم يثبت انعقاد الاجماع عليه. وربما استدل له بانه حيوان متفرع من حيوانين نجسين فيثبت له

[ 198 ]

حكمهما كالكلب والخنزير. ويشكل بان الظاهر كون المقتضي لثبوت الحكم في المتولد من الحيوانين النجسين هو صدق اسم الحيوان النجس عليه لا مجرد التولد، وبهذا صرح العلامة في اثناء كلام له في المنتهى فقال ان ولد الكلب ليس نجسا باعتبار تولده من النجس بل باعتبار صدق اسم الكلب عليه. وقد عرفت استشكاله في جملة من كتبه للحكم بنجاسة المتولد من الكلب والخنزير إذا كان مباينا لهما، وحينئذ يكون الحكم في ولد الكافر موقوفا على صدق عنوان الكفر عليه " انتهى. اقول: يمكن الاستدلال للقول المشهور من تبعية ولد الكافر لابويه في الكفر بما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن جعفر بن بشير وطريقه إليه في المشيخة صحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث ؟ قال كفار والله اعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم " وروى فيه عن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " قال علي (عليه السلام) اولاد المشركين مع آبائهم في النار واولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة ". ولا ينافي ذلك ما ورد من الاخبار الدالة على انه تؤجج لهم نار ويؤمرون بدخولها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما وكان من اهل الجنة ومن امتنع كان في النار كما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن هشام عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ثلاثة يحتج عليهم: الابكم والطفل ومن مات في الفترة، فترفع لهم نار فيقال لهم ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن ابى قال الله تعالى هذا قد امرتكم فعصيتموني " وروى فيه ايضا عن سهل عن غير واحد رفعوه (4) " انه سئل عن الاطفال


(1) و (2) باب (حال من يموت من اطفال المشركين والكفار) من كتاب النكاح (3) الفروع ج 1 ص 249 الطبع الحديث (4) الفروع ج 1 ص 248.

[ 199 ]

فقال إذا كان يوم القيامة جمعهم الله تعالى واجج لهم نارا وامرهم ان يطرحوا انفسهم فيها فمن كان في علم الله تعالى انه سعيد رمى بنفسه فيها وكانت عليه بردا وسلاما ومن كان في علمه سبحانه انه شقي امتنع فيأمر الله تعالى بهم إلى النار فيقولون يا ربنا تأمر بنا إلى النار ولم تجر علينا القلم ؟ فيقول الجبار قد امرتكم مشافهة فلم تطيعوني فكيف لو ارسلت رسلي بالغيب اليكم ؟ " ثم قال في الكافي وفي حديث آخر " اما اطفال المؤمنين فانهم يلحقون بآبائهم واولاد المشركين يلحقون بآبائهم، وهو قول الله تعالى بايمان الحقنا بهم ذريتهم ". لانا نقول لا ريب ان مقتضى الخبرين المتقدمين وكذا الخبر المرسل من الكافي اخيرا الدلالة على اللحوق بالاباء من كل من اولاد المؤمنين والمشركين، والجمع بينهما وبين ما ذكر من اخبار تأجيج النار ممكن باحد وجهين، اما بحمل اخبار تأجيج النار على ان الذين يدخلون النار ويطيعون هم اولاد المؤمنين والذين يمتنعون هم اولاد الكفار والمشركين وحينئذ فيلحق كل من الفريقين بالاباء في الجنة أو النار بعد الامتحان المذكور، واما بحمل اخبار تأجيج النار على غير الاطفال المؤمنين والكفار بناء على ما ثبت بالاخبار الصحيحة من تقسيم الناس إلى مؤمن ومسلم وكافر فاهل الوعدين وهم المؤمنون والكفار لا يقفون في الحساب ولا تنشر لهم الدواوين ولا تنصب لهم الموازين وانما يساقون بعد البعث إلى الجنة ان كانوا مؤمنين والنار ان كانوا كافرين، وهذان الفريقان يلحق بهم اولادهم في الجنة والنار كما صرحت به تلك الاخبار، واما المسلمون وهم اهل المحشر الذين يقفون في الحساب وتنشر لهم الدواوين وتنصب لهم الموازين فهؤلاء الذين تأجج لاولادهم النار، ومما يشير إلى هذا الوجه تصريح اخبار الالحاق بالمؤمنين والكافرين واجمال اخبار التأجيج بالاطفال بقول مطلق فيحمل على هذا الفرد الذي ذكرنا، ومما يؤكده قول صاحب الكافي بعد نقل خبر التأجيج المتضمن للاطفال بقول مطلق: وفي حديث آخر " اما اطفال المؤمنين واولاد المشركين " فان فيه ايماء إلى ان

[ 200 ]

خبر التأجيج انما هو لغير اطفال المؤمنين والمشركين وهم اطفال المسلمين الذين هم اصحاب الحساب. واما جمع صاحب الوافي بين الأخبار بحمل اخبار اللحوق على البرزخ واخبار التأجيج على يوم القيامة فالظاهر بعده فان ظاهر الاخبار المذكورة ان ما ذكر في كل من اخبار الطرفين انما هو يوم القيامة ولا سيما ان صحيحة عبد الله بن سنان قد صرحت بالكفر، ثم انه مع تسليم الجمع بما ذكره فانه لا ينافي اعتضادنا بالاخبار المذكورة لان حاصله هو الحكم بالكفر على اولاد المشركين والايمان على اولاد المؤمنين إلى يوم القيامة حتى انهم في البرزخ يلحقون بهم في الجنة والنار ممتدا ذلك إلى يوم القيامة فيقع التكليف لهم والامتحان بالنار، وبذلك يتميز اصحاب الجنة الاخروية الموجبة للخلود والنار كذلك، وحينئذ فالاستدلال بهذه الاخبار على ما ادعيناه حاصل على جميع الاحتمالات، على انه لا خلاف بينهم في الحكم بايمان اولاد المؤمنين واجراء احكامه عليهم من الطهارة ونحوها وجواز الاعطاء من الزكاة التي لا يجوز دفعها إلا إلى المؤمن، وبذلك صرحت الاخبار من غير خلاف لا في الاخبار ولا في كلام الاصحاب، ولا وجه للحكم هنا بالايمان إلا مجرد الالحاق لان ترتب ذلك على العقائد غير ظاهر حيث لا تكليف قبل البلوغ فكذلك اولاد المشركين والكفار فانه يحكم بكفرهم إلحاقا لهم بالآباء بعين ما ثبت في اولاد المؤمنين وتخرج الاخبار المذكورة شاهدة على ذلك. وإذا قد ثبت بما ذكرنا من الاخبار صدق عنوان الكفر على اولاد الكفار كصدق عنوان الايمان على اولاد المؤمنين ظهر لك ما في قول صاحب المعالم في آخر كلامه المتقدم من قوله: " وحينئذ يكون الحكم في ولد الكافر موقوفا على صدق عنوان الكفر عليه " فانه قد ثبت ذلك من هذه الاخبار بما لا يداخله الشك ولا يتطرق إليه. ثم قال في المعالم على اثر الكلام المتقدم ذكره من غير فاصل: إذا عرفت هذا فاعلم ان بعض الاصحاب استثنى من الحكم بنجاسة ولد الكافر هنا ما إذا سباه المسلم

[ 201 ]

واستشكل ذلك في بحث الجهاد بعدم الدليل عليه واقتضاء الاستصحاب بقاءه على النجاسة إلى ان يثبت المزيل، ثم ذكر ان ظاهر الاصحاب عدم الخلاف بينهم في طهارته والحال هذه انما اختلفوا في تبعيته للمسلم في الاسلام بمعنى ثبوت احكام المسلم له وهذا امر آخر زائد على الحكم بالطهارة كما لا يخفى، وصرح الشهيد في الذكرى ببناء الحكم بطهارته أو نجاسته على الخلاف في تبعيته للمسلم وعدمها حيث قال: ولد الكافر نجس ولو سباه مسلم وقلنا بالتبعية طهر وإلا فلا. والتحقيق ان احتمال بقاء النجاسة بعد سبي المسلم له ضعيف لما قد ظهر من انحصار المقتضي للتنجيس قبله في الاجماع ان ثبت ولا ريب في انتفائه بالنظر إلى ما بعده، والتمسك باستصحاب النجاسة مردود بمنع العمل بالاستصحاب في مثله كما بيناه في محله من مقدمة الكتاب، وبه يظهر جودة احتجاج العلامة وجماعة للحكم بطهارته حينئذ باصالة الطهارة السالمة عن معارضة يقين النجاسة، وضعف مناقشة بعض الاصحاب فيه بان الامر بالعكس لان النجاسة تحققت بمجرد الولادة فيجب استصحابها وهو اصل سالم عن معارضة يقين الطهارة، وتوضيح وجه الجودة والضعف انه لا ريب في ان الاصل في الاشياء كلها الطهارة إلى ان يقوم على خلافها دليل وحيث ان الدليل المخرج عن حكم الاصل في موضع النزاع مخصوص بالحالة السابقة على السبي فالقدر المتحقق من المخالفة لاصالة الطهارة هو ذاك وما عداه باق على حكم لعدم قبول الاستصحاب إذا كان دليل الحكم المستصحب مقيدا بحال كما مر. انتهى. اقول: ما ذكره واختاره وقبله صاحب المدارك من القول بالطهارة بعد السبي بناء على عدم عموم دليل الكفر وشموله لما بعد السبي جيد بناء على ما ذكروه من عدم الدليل على الكفر إلا الاجماع وهو غير شامل لموضع النزاع، واما على ما ذكرناه من الاخبار الواضحة المنار فانه لا يصح هذا الكلام ولا ما ابتنى عليه في المقام فان ظاهر الاخبار كما ترى تبعية الولد لابويه في الكفر إلى يوم القيامة فيخلد معه في النار أو يمتحن بتأجيج نار له، وبه يضمحل هذا البحث الذي اكثروا فيه من القيل والقال والجواب

[ 202 ]

والسؤال ويزول الاشكال من هذا المجال، ويبطل ما ذكروه من التبعية للمسلم السابي له في الاسلام أو الطهارة خاصة لعدم الدليل الشرعي، ودليل النجاسة الذي ذكرناه واضح الدلالة طافح المقالة على عموم النجاسة وبقائها سبي ام لا إلى يوم القيامة فضلا عن ايام الدنيا، ولكنهم (رضوان الله عليهم) معذورون لعدم حضور هذه الاخبار لهم بالبال بل ولا مرت لهم بالخيال، والله الهادي لمن يشاء والعالم بحقيقة الحال. (المسألة الرابعة) نقل المحقق في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه حكم بنجاسة المجبرة والمجسمة من فرق المسلمين ولم يرتضه بل ذهب إلى الطهارة محتجا بان النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة، وادعى دلالة ظواهر بعض الاخبار على الطهارة. ووافق الشيخ في المجسمة جماعة من الاصحاب: منهم المحقق الشيخ علي والشهيد الثاني في شرح الرسالة. واختلف كلام العلامة في ذلك، فقال في المنتهى بعد ان ذكر ان حكم الناصب والغالي حكم الكافر لانكارهما ما علم ثبوته من الدين ضرورة: وهل المجسمة والمشبهة كذلك ؟ الاقرب المساواة لاعتقادهم انه تعالى جسم وقد ثبت ان كل جسم محدث. وصرح بهذا القول في التحرير والقواعد ايضا، واستقرب في التذكرة والنهاية القول بالطهارة. ومثل ذلك وقع للشهيد فانه في الذكرى استضعف كلام الشيخ وفي البيان عد المجسمة بالحقيقة والمشبهة كذلك في اقسام الكافر المنتحل للاسلام وهو جاحد لبعض ضرورياته بعد ان حكم بنجاسة الكافر بجميع انواعه، وفي الدروس اطلق نجاسة المجسم ولم يقيده بالحقيقي وبذلك جزم. وقال الشهيد الثاني في الروض بعد ان عد المجسمة: وهم قسمان مجسمة بالحقيقة وهم اللذين يقولون ان الله تعالى جسم كالاجسام ولا ريب في كفر هذا القسم وان تردد فيه بعض الاصحاب، ومجسمة بالتسمية المجردة وهم القائلون بانه جسم لا كالاجسام، وفي نجاسة هذا القسم تردد وكأن الدليل الدال على نجاسة الاول دال على الثاني فان مطلق الجسمية توجب الحدوث وان غاير بعضها بعضا. انتهى. وجزم في شرح الرسالة بالعموم فقال: ومن ضروب الكفار المجسمة

[ 203 ]

ولو بالتسمية. وما ذكره في الروض من الدليل الدال على النجاسة في المجسم الحقيقي جار في المجسم بالمعنى الثاني فان مطلق الجسمية توجب الحدوث، واعترضه ابنه في المعالم فقال: وعندي في الدليل نظر لان ظاهره كون المقتضي للنجاسة هو القول بالحدوث لا مجرد التجسيم ومن البين ان المجسم ينفي الحدوث قطعا فكأنه يتخيل برأيه الفاسد عدم المنافاة بين الجسمية والقدم. انتهى. وحينئذ فلا يلزم من القول بالجسمية الحدوث. واما المجبرة فانه قد نقل غير واحد عن الشيخ القول بنجاستهم واعترضوه بالضعف ولم ينقلوا له دليلا على ذلك، وقال في المنتهى في باب الاسآر: يمكن ان يكون مأخذ الشيخ في حكمه بنجاسة سؤر المجبرة والمجسمة قوله تعالى: ".. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " (1) والرجس النجس، ثم قال: وتنجيس سؤر المجبرة ضعيف، وفي المجسمة قوة. ورد هذا الاستدلال للشيخ بالاية جملة ممن تأخر عنه بالضعف، قال في المعالم: ولعل نظر الشيخ إلى ما ذكره بعض المفسرين من دلالة قوله تعالى: " سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم.. الاية " (2) على كفر المجبرة. اقول: الظاهر انه اشار ببعض المفسرين إلى صاحب الكشاف حيث انه من المعتزلة واستدل بهذه الاية على كفر المجبرة من الاشاعرة فلعل الشيخ هنا استند إلى هذه الاية، وتوجيه الاستدلال بها على ما ذكره في الكشاف انها اخبار عما سوف يقوله المشركون ثم لما قالوه قال سبحانه " وقال الذين اشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ " (3) يعنون بكفرهم وتمردهم ان شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما احل الله بمشيئة الله وارادته ولولا مشيئة الله لم يكن شئ من ذلك كمذهب المجبرة بعينه، قال ومعنى قوله سبحانه: " كذلك كذب الذين من قبلهم " جاءوا بالتكذيب المطلق لان الله تعالى ركب في العقول وانزل في الكتب ما دل على


(1) سورة الانعام، الاية 125 (2) سورة الانعام، الاية 149. (3) سورة النحل. الاية 35.

[ 204 ]

غناه وبراءته من مشيئة القبائح وارادتها والرسل اخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وارادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله عزوجل وكتبه ورسله ونبذ ادلة العقل والسمع وراء ظهره. قال في الذخيرة بعد الكلام في المقام ونقل الخلاف وذكر نحو مما ذكرناه: واذ قد عرفت ان العمدة في اثبات نجاسة الكفار على اصنافها هو الاجماع وهو غير جار في محل النزاع كان القول بالنجاسة هنا عاريا عن الدليل، ولا يبعد القول بالطهارة تمسكا بظاهر ما رواه ابن بابويه في كتابه (1) حيث قال: " سئل علي (عليه السلام) أيتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين احب اليك أو يتوضأ من ركو ابيض مخمر ؟ فقال لا بل من فضل جماعة المسلمين فان احب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة " إذ هذه الرواية معتضدة بالاصل سالمة عن المعارض أو الظاهر ان المسلم شامل لمن اظهر الشهادتين إلا من خرج بالدليل، إذ يلزم منه طهارة سؤرهم ثم يلزم عموم الحكم إذ الظاهر عدم القائل بالفصل. انتهى. اقول: الظاهر ان هذه الرواية هي التي اشار إليها المحقق فيما قدمنا نقله عنه صدر المسألة من انه ادعى دلالة ظواهر بعض الاخبار على الطهارة وقد تقدمت ايضا في كلامه الذي قدمناه في المسألة الاولى. ثم اقول: لا يخفى ان ما طول به الاصحاب المقال في هذا المجال وتعسفوه من الاستدلال وكثرة الاقوال مع ما فيه من الاشكال بل الاختلال كله انما نشأ من القول باسلام المخالفين وإلا فانه على القول بكفرهم ونصبهم ونجاستهم كما اوضحناه فيما تقدم لا ثمرة لهذا البحث ولا خصوصية لهذه الفرق في البحث دون غيرهم من ذوي الخلاف، وما ذكره صاحب الذخيرة جريا على مذهبه وتصلبه ومبالغته في القول باسلام المخالفين فهو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، وقد تقدم تحقيق البحث في المسألة الاولى مستوفى بحمد الله تعالى وتقدم الكلام في خبره المذكور في الكلام على كلام المحقق الذي هو الاصل في هذا القول المنكور. والله هو العالم.


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من الماء المضاف.

[ 205 ]

(الفصل الثامن والتاسع) الكلب والخنزير ولا خلاف في نجاستهما عينا، قال الشيخ في الخلاف ان الكلب نجس العين نجس اللعاب نجس السؤر باجماع الفرقة وان الخنزير نجس بلا خلاف. وقال المحقق في المعتبر إذا لاقى الكلب والخنزير ثوبا أو جسدا وهو رطب غسل موضع الملاقاة وجوبا وهو مذهب علمائنا اجمع. وقال العلامة في المنتهى والتذكرة الكلب والخنزير نجسان عينا عن علمائنا. إلى غير ذلك من كلامهم الذي على هذا المنوال، وقد وافقنا على ذلك ايضا اكثر العامة (1). والاصل في الاخبار المستفيضة، ومنها صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل ؟ قال يغسل المكان الذي اصابه " وصحيحة الفضل ابي العباس (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا اصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله وان مسه جافا فاصبب عليه الماء " وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (موسى عليه السلام) (4) قال " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغلسه فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال ان كان دخل في صلاته فليمض وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه إلا ان يكون فيه اثر فيغسله. قال وسألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به ؟ قال يغسل سبع مرات قوله في الخبر " ان كان دخل في صلاته فليمض.. إلى قوله فلينضح " المراد به ما إذا كانت الاصابة بغير رطوبة بقرينة قوله " إلا ان يكون


(1) في المغنى ج 1 ص 52 " النجاسة قسمان نجاسة الكلب والخنزير والمتولد منهما فهذا لا يختلف المذهب في انه يجب غسلها سبعا احداهن بالتراب " وفي بدائع الصنائع ج 1 ص 74 " اختلف المشايخ في كون الكلب نجس العين فمنهم من قال انه نجس العين ومنهم من قال ليس بنجس العين وهذا اقرب القولين إلى الصواب " وفي الام للشافعي ج 1 ص 7 " جلد الكلب والخنزير لا يطهر بالدباغ لان النجاسة فيهما وهما حيان قائمة وانما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسا حيا والكلب والخنزير لا يطهران بحال ابدا " (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب النجاسات (4) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب النجاسات.

[ 206 ]

فيه اثر فيغسله " وسيجئ تحقيق الكلام فيه ان شاء الله تعالى قريبا في مسألة الصلاة في النجاسة، وفي الصحيح عن حريز عن من اخبره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا مس ثوبك كلب فان كان يابسا فانضحه وان كان رطبا فاغسله " وعن الحسين ابن سعيد عن القاسم عن علي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الكلب يصيب الثوب ؟ قال انضحه وان كان رطبا فاغسله " وعن صفوان بن يحيى عن معاوية بن شريح (3) قال: " سأل عذافر ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن سؤر السنور إلى ان قال قلت له الكلب ؟ قال لا. قلت أليس هو سبع ؟ قال لا والله انه نجس لا والله انه نجس " وصحيحة ابي الفضل البقباق (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة، إلى ان قال حتى انتهيت إلى الكلب ؟ فقال رجس نجس.. الحديث " وفي الصحيح عن حريز عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء ؟ قال اغسل الاناء ". وقد ورد من الاخبار هنا ما ظاهره المنافاة في الحكم المذكور، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الوضوء بماء ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك أيتوضأ منه أو يغتسل ؟ قال نعم إلا ان تجد غيره فتنزه عنه " وحمل الشيخ على ما إذا كان الماء بالغا مقدار الكر واستشهد له برواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (7) وفيها " ولا تشرب من سؤر الكلب إلا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه " اقول: ما ذكره الشيخ جيد فان ظاهر الخبر ان هذا الماء من


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب النجاسات (3) و (4) و (7) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاسآر (5) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب النجاسات. (6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الاسآر.

[ 207 ]

مياه الطرق المشاعة وقد اوضحنا في بحث الماء القليل انها لا تنقص عن كر فضلا عن كرور وما قدر الكر فانه لا يأتي على شرب جمل كما ذكر في الخبر، ومنها ما رواه في الصحيح عن ابن ابي عمير عن ابي زياد النهدي عن زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به ؟ قال لا بأس " وحمله الشيخ ايضا على قصد استعمال الماء في سقي الدواب أو شبهه لا في نحو الوضوء والشرب وهو جيد، وعلى هذا فيكون نفي البأس متوجها إلى الماء الذي يستقى به وانه لا بأس باستعماله ويحمل على ما ذكره الشيخ. ويحتمل عندي والظاهر انه الاقرب ان نفي البأس انما هو بالنسبة إلى البئر وانها لا تنجس بذلك فيكون هذا الخبر من الاخبار الدالة على طهارة البئر وعدم انفعالها بالملاقاة بوقوع جلد الخنزير فيها، ويؤيد هذا المعنى موثقة الحسين بن زياد عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها ؟ قال لا باس " فانها ظاهرة في نفي البأس عن ماء البئر لان السؤال انما تعلق بذلك ويصير معنى الرواية لا بأس به اي بماء البئر والشرب والوضوء منه وانها لا تنجس بذلك، ولا بأس بالاستقاء بجلد الخنزير على ماء البئر، وحينئذ فلا دلالة فيه على طهارة الجلد ان لم يكن اظهر في الدلالة على النجاسة لان السؤال عن ماء البئر وبقائه على الطهارة انما يتجه مع النجاسة لا مع الطهارة.


(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب الماء المطلق. (2) لم نعثر على هذه الرواية بهذا السند والمتن في كتب الحديث وانما الموجود فيها موثقة الحسين بن زرارة في " شعر الخنزير يعمل حبلا يستقى به " وستاتي في الصفحة 210 وقد رواها في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق. وقد اثبت المحقق الهمداني (قده) في مصباح الفقيه للحسين بن زرارة روايتين احداهما في شعر الخنزير والاخرى في جلده، ويحتمل انه اعتمد في رواية الجلد على الحدائق مع ابدال زياد بزرارة.

[ 208 ]

فروع (الاول) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل لا نعلم فيه خلافا سوى ما ذهب إليه المرتضى في المسائل الناصرية نجاسة الكلب والخنزير بجميع اجزائهما ما تحله الحياة منها وما لا تحله، وفرق المرتضى في الكتاب المذكور بينهما فحكم بطهارة ما لا تحله الحياة، قال في الكتاب المشار إليه بعد قول جده الناصر: شعر الميتة طاهر وكذا شعر الكلب والخنزير ما صورته: هذا صحيح وهو مذهب اصحابنا وهو مذهب ابي حنيفة واصحابه وقال الشافعي ان ذلك كله نجس (1) دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره قوله تعالى: " ومن اصوافها.. " (2) إلى ان قال: وايضا فان الشعر لا حياة فيه الا ترى ان الحيوان لا يألم باخذه منه، إلى ان قال: وإذا ثبت ان الشعر والصوف والقرن لا حياة فيه لم يحله الموت، وليس لهم ان يتعلقوا بقوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " فان اسم الميتة يتناول الجملة بسائر اجزائها وذلك ان الميتة اسم لما يحله الموت والشعر لا يحله الموت كما لا تحله الحياة ويخرج عن الظاهر، وليس لاحد ان يقول ان الشعر والصوف من جملة الخنزير والكلب وهما نجسان، وذلك انه لا يكون من جملة الحي إلا ما تحله الحياة وما لا تحله الحياة ليس من جملته وان كان متصلا به. انتهى ملخصا. وظاهره كما ترى دعوى الاجماع على هذه الدعوى مع انه لم يقل بها احد


(1) في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 1 ص 232 " المختار جلد الكلب نجس وشعره طاهر " وفي المغنى ج 1 ص 57 " لا فرق بين النجاسة من ولوغ الكلب أو يده أو رجله أو شعره أو غير ذلك من اجزائه، وحكم الخنزير حكم الكلب لان النص وقع في الكلب والخنزير شر منه " وفي ص 82 " اختلفت الرواية عن احمد في الخزر بشعر الخنزير فروى عنه وعن ابن سيرين والحكم وحماد واسحاق والشافعي كراهته لانه استعمال العين النجسة ولا يسلم من التنجيس بها " (2) سورة النحل، الاية 80.

[ 209 ]

من الامامية سواه. واما ما تمسك به من الدليل فهو اوهن من بين العنكبوت وانه لاوهن البيوت. وذلك فان ما ذكره مخالف لما هو المعلوم لغة وعرفا وشرعا من صدق الاسم على جميع ما تركب منه ذلك الحيوان وكان من جملته، اما العرف واللغة فظاهر واما الشرع فلما ذكروه فيه في باب الديات من الدية في الجناية على الشعر كالجناية على سائر اجزاء البدن من رأسه وعنقه وسائر اعضائه فلو لم يكن الشعر جزء منه وداخلا في جملته لما ترتب على الجناية عليه دية، على ان الاخبار التي قدمناها في تعدي النجاسة مع الرطوبة شاملة بعمومها لما كان الملاقاة لما تحله ولما لا تحله الحياة بل الغالب في الملاقاة ان الاصابة انما تحصل بالشعر كما هو ظاهر. ونقل في المدارك ان المرتضى استدل هنا بدليل آخر زيادة على ما ذكره وهو ان ما لا تحله الحياة من نجس العين كالمأخوذة من الميتة، ثم اجاب عنه بانه قياس مع الفارق فان المقتضى للتنجيس في الميتة صفة الموت وهي غير حاصلة فيما لا تحله الحياة بخلاف نجس العين فان نجاسته ذاتية. وانت خبير بان كلام المرتضى (رضي الله عنه) في هذا المقام انما يدور على الدليل الأول وهو ان ما لا تحله الحياة ليس من جملته وان كان متصلا به حيا أو ميتا، واما كلامه المتقدم فانما هو في شعر الميتة كما هو احد المسألتين المذكورتين في كلام جده الناصر، والظاهر ان هذا الدليل متكلف له كما ينبئ عنه ظاهر كلامهم حيث انهم لم يرجعوا الى الكتاب المذكور فعبروا عنه بانه نقل عنه القول بكذا ونقل عنه الاستدلال بكذا. قال في المعالم: واما السيد فيعزى إليه القول بطهارة ما لا تحله الحياة، الى ان قال وحجة المرتضى على ما ذكره جماعة وذكر مثل ما ذكر في المدارك من الدليلين المتقدمين ورد الاول بان المرجع في صدق الاسم الى اللغة والعرف وهما متفقان على عدم اعتبار التفرقة المذكورة، والتشبيه بعظم الميتة وشعرها لا وجه له كما لا يخفى. انتهى.

[ 210 ]

اقول: لا يخفى ما في تخصيص الرجوع في صدق الاسم باللغة والعرف دون الشرع مع دلالة ما قلناه عليه من الغفلة فانه لولا صدق الاسم عليه ودخوله في مسمى الانسان لما كان في ايجاب الدية في الجناية على الشعر معنى مع انه لا خلاف بينهم فيه وورود الأخبار به. ويؤيده ما رواه في الكافي عن السياري في حكاية ابن ابي ليلى مع محمد بن مسلم في جارية ليس على عانتها شعر (1) حيث " سئل ابن ابي ليلى عنها فلم يكن عنده فيه شئ فسأل عنها محمد بن مسلم فقال اي شئ تروون عن ابي جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعر أيكون ذلك عيبا ؟ فقال له محمد بن مسلم اما هذا نصا فلا اعرفه ولكن حدثني أبو جعفر عن ابيه عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: كل ما كان في اصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب. فقال له ابن ابي ليلى حسبك ثم رجع الى القوم فقضى لهم بالعيب " والتقريب ظاهر. وبالجملة فما ذهب إليه المرتضى ضعيف لا يعول عليه وما احتج به لا يلتفت إليه، نعم روى الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتؤضأ من ذلك الماء ؟ قال لا بأس " وفي الموثق عن الحسين بن زرارة عنه (عليه السلام) (3) قال: " قلت فشعر الخنزير يعمل حبلا يستقى به من البئر التي يشرب منها ويتوضأ منها ؟ قال لا بأس به " وكان الاولى بالمرتضى التمسك بهذين الخبرين الموهمين لطهارة شعر الخنزير ثم يتمسك بعدم القائل بالفرق بين الكلب والخنزير بناء على قواعدهم، ووجه الايهام فيهما من حيث اطلاق نفي البأس عن استعمال الحبل في الاستقاء مع بعد الانفكاك عن الملاقاة بالرطوبة لليد أو الماء فانه لذلك يكون مشعرا بطهارة شعر الخنزير. والتحقيق عندي في ذلك ان نفي البأس انما توجه هنا إلى ماء البئر وعدم نجاستها


(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من احكام العيوب (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق.

[ 211 ]

بالحبل مع وقوعه فيها كما هو الغالب بقرينة ذكر الوضوء منها في الخبر الاول واضافة الشرب في الخبر الثاني فهما من ادلة القول بعدم نجاستها بالملاقاة كما هو الاظهر في المسألة. بقي الكلام في ملاقاة اليد بالرطوبة للحبل مثلا أو الثياب أو نحو ذلك والخبران مطلقان في ذلك وحكم ذلك معلوم من غير هذين الخبرين مما دل على نجاسة شعر الخنزير كما سنتلوه عليك ان شاء الله تعالى. وبالجملة فمحل الاشكال في الخبرين انما هو من حيث ذكر نفي البأس فيهما وتوهم توجهه الى جواز ملاقاه الحبل بالرطوبة ونحو ذلك وعلى ما ذكرناه من توجه نفي البأس الى ماء البئر يزول الاشكال ويبطل الاستناد اليهما في ذلك الاستدلال، نعم يحصل الاشكال فيهما عند من يقول بنجاسة البئر بالملاقاة، فالشيخ بناء على ذلك اجاب عن الخبر الأول بعدم وصول الحبل الى الماء، والعلامة في المنتهى تأول الخبر الثاني بعد حمله نفي البأس على ملاقاة الحبل بالحمل على ملاقاة الحبل باليبوسة وان كان خلاف الغالب فيحمل على النادر جمعا بين الادلة. ولا يخفى ما في الكلامين من البعد وما ذكرناه هو الاقرب كما لا يخفى على المتأمل. ومن الاخبار الدالة على ما اشرنا إليه من نجاسة شعر الخنزير ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن سعيد عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن سليمان الاسكاف (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخرز به ؟ قال لا بأس به ولكن يغسل يده إذا اراد ان يصلي " وفي الصحيح عن الحسين بن سعيد عن ايوب بن نوح عن عبد الله بن المغيرة عن برد الاسكاف (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك انا نعمل بشعر الخنزير فربما نسي الرجل فصلى وفي يده شئ منه ؟ فقال لا ينبغي له ان يصلي وفي يده شئ منه، وقال خذوه فاغسلوه فما كان له دسم فلا تعملوا به وما لم


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من النجاسات و 65 من الاطعمة المحرمة (2) رواه في الوسائل في الباب 57 من ما يكتسب به و 65 من الاطعمة المحرمة.

[ 212 ]

يكن له دسم فاعملوا به واغسلوا ايديكم منه " وما رواه عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " قلت له ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير ؟ قال إذا فرغ فليغسل يده " ورواية برد الاسكاف (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شعر الخنزير يعمل به ؟ قال خذ منه فاغله بالماء حتى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة فان جمد فلا تعمل به وان لم يجمد ليس عليه دسم فاعمل به واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة. قلت ووضوء قال لا اغسل اليد كما تمس الكلب " وحينئذ فيجب تقييد اطلاق الروايتين المتقدمتين بناء على التقريب الذي حققناه في معناهما بهذه الاخبار. والله العالم. (الثاني) قال الشهيد الثاني في الروض بعد ذكر نجاسة الكلب والخنزير واجزائهما وان لم تحلها الحياة حتى المتولد بينهما وان باينهما في الاسم: اما المتولد من احدهما وحيوان طاهر فانه يتبع في الحكم الاسم سواء كان احدهما ام لغيرهما وان لم يصدق عليه اسم احدهما ولا غيرها مما هو معلوم الحكم فالاقوى فيه الطهارة والتحريم. انتهى. اقول: اما ما ذكره من نجاسة المتولد منهما فقد صرح في الذكرى بنحوه فقال: المتولد من الكلب والخنزير نجس في الاقوى لنجاسة اصليه. وظاهره التبعية لهما في النجاسة وان باينهما في الاسم لانه مقتضى التعليل المذكور. واستشكل العلامة في الحكم في صورة المباينة في المنتهى والنهاية، قال في النهاية المتولد منهما يعني الكلب والخنزير نجس لان بعضهما وان لم يقع عليه اسم احدهما على اشكال منشأه الاصالة السالمة عن معارضة النص، وتوقف في التذكرة ايضا فقال الحيوان المتولد منهما يحتمل نجاسته مطلقا واعتبار اسم احدهما. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه ولا يخفى قوة وجه الاشكال فالتوقف في محله غير ان الخطب في مثله سهل إذ البحث فيه لمجرد الفرض. انتهى. وجزم في المدارك بالطهارة مع المباينة عملا باصالة الطهارة، قال بعد ان نقل عن الشهيدين تعليل


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 57 من ابواب ما يكتسب به.

[ 213 ]

النجاسة ولو مع المباينة بنجاسة اصليه ما صورته: وهو مشكل إذ النجاسة معلقة على الاسم فمتى انتفى تعين الرجوع إلى ما يقتضيه الاصل من طهارة الاشياء، والاصح عدم نجاسته إذ لا يصدق عليه اسم نجس العين. انتهى. وهو جيد لو ثبت الاصل الذي استند إليه إلا ان فيه ما عرفت في المقدمة الحادية عشرة من مقدمات الكتاب، والحكم لعدم النص الذي هو المعتمد عندنا في الاحكام الشرعية محل اشكال وتوقف، نعم لو كان المفروض في صورة المباينة كونه مما يصدق عليه اسم احد الحيوانات الطاهرة فالظاهر انه لا اشكال في الحكم بالطهارة من حيث تبعيتها للاسم انما الاشكال فيما لو لم يكن كذلك. واما ما ذكره من المتولد بين احدهما وطاهر وانه يتبع الاسم فذكر في المعالم انه قاله كثير من الاصحاب ولم ينقلوا فيه خلافا وقال ربما لاح من عبارتي المنتهى والنهاية وجود الخلاف حيث قال في احدهما: الاقرب فيه عندي اعتبار الاسم وفي الاخر الوجه عندي اعتبار الاسم. اقول: الظاهر انه لا اشكال في الحكم بتبعية الاسم كما هو المذكور لما علم من الشرع من ترتب الاحكام على ما يصدق عليه الاسم، انما الاشكال فيما لو لم يصدق عليه اسم بالكلية وقد حكم فيه بالطهارة والتحريم، وقال في الروضة في الصورة المذكورة: فان انتفى المماثل فالاقوى طهارته وان حرم لحمه للاصل فيهما. انتهى اقول: اما الاصل في الاول فظاهر وهو اصالة الطهارة عندهم في جميع الاشياء حتى يقوم دليل النجاسة، وفيه ما اشرنا إليه آنفا. واما الاصل في الثاني فلا اعرف له وجها إلا ان بعض المحشين على الروضة ذكر ان مراده باصالة التحريم هو ما علله في تمهيد القواعد بان المحرم غير منحصر لكثرته على وجه لا ينضبط. وفيه ما لا يخفى فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذا الاصل الغير الاصيل مجازفة محضة. والله العالم. (الثالث) المشهور بين الاصحاب طهارة كلب الماء، وعن ابن ادريس المخالفة في ذلك والقول بنجاسته لصدق الاسم، وهو ضعيف لما تقرر في غير مقام وبه

[ 214 ]

صرح جملة من علمائنا الاعلام من ان الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة دون الافراد النادرة، ولا ريب ولا اشكال بل من المتيقن الذي لا يداخله الاحتمال ان الاخبار المتقدمة كلها انما خرجت في الكلب والخنزير البريين دون البحريين فاحتمال ارادة هذين الفردين من الاخبار المذكورة مما يقطع بعدمه، هذا مع تسليم كونه حقيقة في النوعين وإلا فان قلنا انه حقيقة في البري لا غير فاطلاقه على الاخر مجاز كما هو صريح عبارة العلامة في النهاية والتحرير حيث قال: ان لفظ الكلب حقيقة في المعهود مجاز في غيره. وهو ظاهره في التذكرة ايضا حيث قال بعد ان نقل عن ابن ادريس المخالفة في الحكم المذكور: ولا يجوز حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز بغير قرينة ووجه الدفع حينئذ ما ذكره في التذكرة من منع كونه حقيقة في النوعين وارادة الحقيقة والمجاز تتوقف على القرينة، وربما ظهر من كلام المنتهى انه مشترك بين النوعين بالاشتراك اللفظي والاكثر على الاول. وكيف كان فخلاف ابن ادريس هنا ضعيف لا يلتفت إليه. (الفصل العاشر) في جملة من المواضع قد وقع الخلاف فيها بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) زيادة على ما تقدم في تلك الابواب: فمنها عرق الجنب من الحرام، قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه في رسالته: ان عرقت في ثوبك وانت جنب وكانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة فيه وان كانت من حرام فحرام الصلاة فيه ونحوه ذكر ابنه في الفقيه، وقال المفيد في المقنعة: لا يجب غسل الثوب من عرق الجنب إلا ان تكون الجنابة من حرام فيغسل ما اصابه عرق صاحبها من جسد وثوب. وقال ابن الجنيد في مختصره: وعرق الحائض لا ينجس الثوب وكذلك عرق الجنب من حلال وان كان اجنب من حرام غسل الثوب منه. وقال الشيخ في الخلاف: عرق الجنب إذا كانت الجنابة من حرام حرام الصلاة فيه. وفي النهاية لا بأس بعرق الحائض والجنب في الثوب واجتنابه افضل إلا ان تكون الجنابة من حرام فانه يجب غسل الثوب

[ 215 ]

إذا عرق فيه. وعزى العلامة في المختلف إلى ابن البراج موافقة الجماعة. وقال ابن زهرة ان اصحابنا الحقوا بالنجاسات عرق الجنب إذا اجنب من الحرام. ونحوه سلار حيث نسب ايجاب ازالة هذا العرق الى اصحابنا إلا انه اختار كونه على جهة الندب، ونقل عن ابن ادريس القول بالطهارة وهو اختيار الفاضلين وجمهور المتأخرين، ومما ذكرنا يعلم ان المشهور بين المتقدمين هو القول بالنجاسة. واستند المتأخرون فيما حكموا به من القول بالطهارة الى الاصل والروايات، ومنها ما رواه الشيخ في الحسن عن ابي اسامة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يعرق في ثوبه أو يغتسل فيعانق امرأته ويضاجعها وهي حائض أو جنب فيصيب جسده من عرقها ؟ قال هذا كله ليس بشئ " قبل وعدم الاستفصال في مثله يشعر بالعموم لو لم يكن في اللفظ ما يدل عليه. وعن حمزة بن حمران عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا يجنب الثوب الرجل ولا يجنب الرجل الثوب " وعن ابي بصير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص ؟ فقال لا بأس وان احب ان يرشه بالماء فليفعل " ونحو ذلك من الروايات. واحتج الشيخ في الخلاف باجماع الفرقة وطريقة الاحتياط والاخبار ولم يتعرض لنقلها بل احالها على كتابي الحديث، قال في المعالم بعد الكلام في المسألة ونقل الخلاف فيها واختياره الطهارة والاحتجاج على ذلك بجملة من الاخبار التي قدمناها ما هذا لفظه: وجملة من وقفنا عليه في الكتابين من الروايات التي تخيل فيها الدلالة على هذا المعنى حديثان: احدهما رواه عن محمد الحلبي في الصحيح (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل اجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره ؟ قال يصلي فيه وإذا وجد الماء غسله " قال في التهذيب لا يجوز ان يكون المراد بهذا


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.

[ 216 ]

الخبر إلا من عرق في الثوب من جنابة إذا كانت من حرام لانا قد بينا ان نفس الجنابة لا تتعدى إلى الثوب وذكرنا ايضا ان عرق الجنب لا ينجس الثوب فلم يبق معنى يحمل عليه الخبر إلا عرق الجنابة من حرام فحملناه عليه، ثم قال على انه يحتمل ان يكون المعنى فيه ان يكون اصاب الثوب نجاسة فحينئذ يصلي فيه ويعيد. وجعل هذا الاحتمال في الاستبصار اشبه. والحديث الثاني رواه في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابي بصير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يجنب فيه الرجل ويعرق فيه ؟ قال اما انا فلا احب ان انام فيه وإذا كان الشتاء فلا بأس ما لم يعرق فيه " قال الشيخ الوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية وهو صريح فيه، ويمكن ان يكون محمولا على انه إذا كانت الجنابة من حرام. ثم قال في المعالم: ولا يخفى عليك ما في الاستناد إلى هذين الخبرين في اثبات الحكم من التعسف، فان الاول ظاهر في كون المقتضي لغسل الثوب هو اصابة المني له وقد رأيت اعتراف الشيخ في الاستبصار بانه اشبه. وظاهر الخبر الثاني ان المقتضي لثبوت البأس مع العرق في الثوب هو احتمال سريان النجاسة الحاصلة بالمني، والعجب من الشيخ (قدس سره) كيف احتمل في هذا الحديث ارادة الجنابة من الحرام مع قول الامام (عليه السلام) فيه: اما انا فلا احب ان انام فيه. انتهى. وقال في المدارك بعد نقل الخلاف في المسألة واختياره القول بالطهارة والاستدلال عليه برواية ابي اسامة المتقدمة ما صورته: احتج الشيخ في التهذيب على النجاسة بما رواه في الصحيح عن محمد الحلبي ثم نقل الصحيحة المتقدمة ثم قال: قال الشيخ ولا يجوز ان يكون المراد بهذا الخبر ثم ذكر عبارة الشيخ المتقدمة إلى آخرها، ثم قال ولا يخفى ما في هذا الحمل البعيد إذ لا اشعار في الخبر بالعرق بوجه.. إلى آخره. اقول: لا يخفى ان مجرد ايراد الشيخ الخبر المذكور وحمله على ذلك لا يسمى استدلالا حتى انه يطعن فيه بالبعد ثم ينفي الدلالة، بل الوجه في ذلك ان هذا الحكم لما كان ثابتا عند


(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.

[ 217 ]

الشيخ بالادلة التي وصلت إليه حمل هذا الخبر عليه وان كان بعيدا فبعد حمل الخبر المذكور على ذلك لا يوجب انتفاء الحكم غاية الامر ان الشيخ لم يورد دليلا من الاخبار ولا غيره ممن قال بذلك في هذه المسألة. والتحقيق في المقام بتوفيق الملك العلام ان يقال انه لما كانت اخبار هذه المسألة الصريحة الدلالة ليست في شئ من الكتب المشهورة بين المتأخرين عدلوا فيها عما افتى به المتقدمون من القول بالنجاسة حيث لم تصل إليهم الادلة في ذلك، وما تكلفوه من الروايات في الاستدلال للقول بالنجاسة كما قدمنا نقله عن المعالم ليس هو الدليل ولكن في روايات الكتب الاربعة ما يشير إلى الحكم المذكور ايضا وكان هو الاولى بالنقل في الاستدلال للقول المذكور مثل ما رواه في الكافي عن علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا.. الحديث " وقد قدم قريبا في نجاسة المخالفين، وما رواه فيه ايضا عن محمد بن علي ابن جعفر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) في حديث قال " قلت لابي الحسن (عليه السلام) ان اهل المدينة يقولون ان فيه شفاء من العين ؟ فقال. كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما ثم ثكون فيه شفاء من العين.. الحديث " واما الاخبار الصريحة في الحكم بالنجاسة فمنها قول مولانا الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي (3) " ان عرقت في ثوبك وانت جنب وكانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه وان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل " ومن هذه العبارة اخذ علي بن الحسين بن بابويه عبارته المتقدمة وكذا ابنه في الفقيه كما عرفت في غير موضع مما تقدم لكنه هنا غير تغييرا ما. ومنها ما نقله في الذكرى قال روى محمد بن همام باسناده إلى ادريس بن يزداد


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف (3) ص 4.

[ 218 ]

الكفرثوثي (1) " انه كان يقول بالوقف فدخل سر من رأى في عهد ابي الحسن (عليه السلام) فاراد ان يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلي فيه ؟ فبينما هو قائم في طاق باب الانتظار إذ حركه أبو الحسن (عليه السلام) بمقرعة وقال مبتدئا ان كان من حلال فصل فيه وان كان من حرام فلا تصل فيه " اقول: ادريس بن يزداد المذكور غير مذكور في كتب الرجال والموجود فيها ادريس بن زياد الكفرثوثي ثقة ولم ينقل فيه القول بالوقف واحتمال انه هو قريب. واما ما ذكره في المعالم بعد نقل الخبر عن الذكرى من انه لم يقف عليه بعد التتبع بقدر الوسع في كتب الحديث الموجودة يومئذ عنده ثم قال فحال اسناده غير واضح ولا يبعد ضعفه وإلا لذكره بكماله أو نبه على صحته. انتهى اقول: ان الاصول السابقة كانت موجودة عند مثل شيخنا الشهيد والمحقق والعلامة وابن ادريس وفيها اخبار عديدة قد خلت منها هذه الكتب المشهورة كما لا يخفى على من راجع ما استطرفه ابن ادريس من الاصول التي كانت عنده، فمن الظاهر ان شيخنا الشهيد انما اخذ الرواية من تلك الاصول. واما طعنه وامثاله بضعف السند فهو باب آخر قد تقدم الكلام فيه في مقدمات الكتاب. ومنها ما نقله شيخنا المجلسي في البحار (2) من كتاب المناقب لابن شهراشوب نقلا من كتاب المعتمد في الاصول قال: " قال علي بن مهزيار وردت العسكر وانا شاك في الامامة فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلا انه صائف والناس عليهم ثياب الصيف وعلى ابي الحسن (عليه السلام) لباد وعلى فرسه تجفاف لبود وقد عقد ذنب فرسه والناس يتعجبون منه ويقولون الا ترون إلى هذا المدني وما قد فعل بنفسه ؟ فقلت في نفسي لو كان هذا اماما ما فعل هذا، فلما خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا إلا ان ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق احد إلا ابتل حتى غرق بالمطر


(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات. (2) ج 12 ص 139.

[ 219 ]

وعاد (عليه السلام) وهو سالم من جميعه، فقلت في نفسي يوشك ان يكون هو الامام ثم قلت اريد ان اسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب فقلت في نفسي ان كشف وجهه فهو الامام فلما قرب مني كشف وجهه ثم قال: ان كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه وان كانت جنابته من حلال فلا بأس فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة " وقال شيخنا المشار إليه في الكتاب المذكور ايضا وجدت في كتاب عتيق من مؤلفات قدماء اصحابنا رواه عن ابي الفتح غازي بن محمد الطرايفي عن علي بن عبد الله الميموني عن محمد بن علي بن معمر عن علي بن مهزيار بن موسى الاهوازي (1) عنه (عليه السلام) مثله وقال: " ان كان من حلال فالصلاة في الثوب حلال وان كان من حرام فالصلاة في الثوب حرام ". اقول: والى هذه الاخبار استند متقدموا الاصحاب فيما ذهبوا إليه من القول بالنجاسة ولا سيما كتاب الفقه الرضوي الذي قد عرفت في غير موضع ان كثيرا من الاحكام التي اشتهرت بين المتقدمين ولم يصل دليلها إلى المتأخرين حتى اعترضوهم بعدم الدليل أو تكلفوا لهم دليلا قد وجدت ادلتها في هذا الكتاب وافتى بها ابن بابويه في رسالته، ويعضد هذه الاخبار ما عرفت ايضا من اخبار الحمام المتقدمة، وبذلك يظهر لك قوة ما ذهبوا إليه، وحينئذ فما دل بعمومه على ما ادعوه من الطهارة مخصص بهذا الاخبار فروع (الاول) قال العلامة في المنتهى تفريعا على القول بالنجاسة. ولا فرق بين ان يكون الجنب رجلا أو امرأة ولا بين ان تكون الجنابة من زنا أو لواط أو وطئ بهيمة أو ميتة وان كانت زوجة وسواء كان من الجماع انزال ام لا، والاستمناء باليد كالزنا، اما لو وطئ في الحيض أو الصوم فالاقرب طهارة العرق فيه. وفي المظاهرة اشكال، ثم قال ولو وطئ الصغير اجنبية والحقنا به حكم الجنابة بالوطئ ففي نجاسة عرقه اشكال ينشأ من عدم التحريم في


(1) في البحار ج 12 ص 143 (علي بن يقطين بن موسى الاهوازي).

[ 220 ]

حقه. انتهى. ولا يخفى ان ما قربه في الوطئ في الحيض والصوم لا يخلو من بعد بعد شمول الاخبار المتقدمة لذلك كما لا يخفى. (الثاني) نقل في المعالم عن ابن الجنيد انه قال في مختصره بعد ان حكم بوجوب غسل الثوب من عرق الجنب من حرام: وكذلك عندي الاحتياط ان كان جنبا من حلم ثم عرق في ثوبه. ثم قال في المعالم بعد نقله: ولا نعرف لهذا الكلام وجها ولا رأينا له فيه رفيقا. انتهى. وهو جيد. (الثالث) قال في المعتبر: الحائض والنفساء والمستحاضة والجنب من الحلال إذا خلا الثوب من عين النجاسة فلا بأس بعرقهم اجماعا. ويدل على ما ذكره مضافا إلى ما ذكره من الاجماع ما تقدم في صدر المسألة من الاخبار الواردة في الجنب، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تعرق في ثيابها أتصلي فيها قبل ان تغسلها ؟ قال نعم لا بأس " وما رواه في التهذيب عن زيد بن علي عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (2) قال: " سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما ؟ فقال ان الحيض والجنابة حيث جعلهما الله عزوجل ليس في العرق فلا يغسلان ثوبهما " وعن عمار الساباطي في الموثق (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه " فقال ليس عليها شئ إلا ان يصيب شئ من مائها أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذى اصابه بعينه " وعن سورة بن كليب (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض أتغسل ثيابها التي تلبسها في طمثها ؟ قال تغسل ما اصاب ثيابها من الدم وتدع ما سوى ذلك. قلت له وقد عرقت فيها ؟ قال ان العرق ليس من الحيض " وفي الموثق عن علي بن يقطين عن


(1) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب النجاسات (2) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.

[ 221 ]

ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الحائض تعرق في ثوبها ؟ قال ان كان ثوبا تلزمه فلا احب ان تصلي فيه حتى تغسله " واما ما رواه الشيخ في الموثق عن اسحاق بن عمار (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المرأة الحائض تعرق في ثوبها ؟ فقال تغسله. قلت فان كان دون الدرع ازار وانما يصيب العرق ما دون الازار ؟ قال لا تغسله " فالظاهر حمله على الاستحباب من حيث احتمال مباشرة موضع الدم بالعرق كما يدل عليه عدم الغسل مع وضع الازار تحت الثوب وان اصابه العرق. والله العالم. ومنها عرق الابل الجلالة وقد اختلف فيه كلام الاصحاب، فقال المفيد في المقنعة: يغسل الثوب من عرق الابل الجلالة إذا اصابه كما يغسل من سائر النجاسات. وذكر الشيخ في النهاية نحوه فقال: إذا اصاب الثوب عرق الابل الجلالة وجب عليه ازالته. وحكى العلامة في المختلف عن ابن البراج انه وافقهما في ذلك، وقال ابن زهرة ألحق اصحابنا بالنجاسات عرق الابل الجلالة. وقال سلار: عرق جلال الابل اوجب اصحابنا ازالته وهو عندي ندب. وحكم العلامة في المختلف بطهارته وادعى انه المشهور ونقله عن سلار وابن ادريس، ونقله في المدارك عن سائر المتأخرين. اقول: ويدل على ما ذهب إليه الشيخان واتباعهما صحيحة هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا تأكلوا اللحوم الجلالة وان اصابك من عرقها فاغسله " وعن حفص بن البختري في الحسن على المشهور والصحيح عندي عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " لا تشرب من البان الابل الجلالة وان اصابك شئ من عرقها فاغسله ". احتج العلامة في المختلف لما ذهب إليه من الطهارة بان الاصل الطهارة وان الابل الجلالة ليست نجسة فلا ينجس عرقها كغيرها من الحيوانات. الطاهرة وكالجلال من


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب النجاسات (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب النجاسات.

[ 222 ]

غيرها. وقال المحقق في المعتبر قال الشيخان عرق الابل الجلالة نجس يغسل منه الثوب وقال سلار غسله ندب وهو مذهب من خالفنا، وربما يحتج الشيخ برواية هشام بن سالم ثم ساق الرواية، ثم قال واستناد سلار إلى الاصل وانه يجري مجرى عرق الحيوانات الطاهرة وان لم يؤكل لحمها كعرق السنور والنمر والفهد، وتحمل الرواية على الاستحباب. انتهى وبذلك اجاب في المختلف عن الخبرين بالحمل على الاستحباب. وانت خبير بما في كلاميهما من النظر الظاهر والمجازفة التي لا تخفى على الخبير الماهر (اما اولا) فلان الاصل لا يصلح للتمسك إلا مع عدم النص الموجب للخروج عنه وهو هنا موجود. و (اما ثانيا) فلان الحمل على الاستحباب انما يصار إليه بمقتضى قواعدهم المتفق عليها مع وجود المعارض لتصريحهم في الاصول بان الامر حقيقة في الوجوب. و (اما ثالثا) فلان البناء على التشبيه بهذه الاشياء المشار إليها في كلاميهما لا يصلح لان يكون مستندا شرعيا تبني عليه الاحكام الشرعية، ومع الاغماض عن ذلك فانه لا معنى مع وجود النص الصحيح الصريح المقتضي للفرق والتخصيص بهذا الفرد. والظاهر انه لما ذكرنا رجع في المنتهى إلى قول الشيخين فقال بعد حكمه بالطهارة في اول المسألة واحتجاجه بالاصل وجوابه عن حجة الشيخ بما يقرب من كلامه في المختلف ما صورته: الحديثان قويان ولاجل ذلك جزم الشيخ في المبسوط بوجوب ازالة عرقها وعليه اعمل. انتهى. وظاهر السيد في المدارك التوقف هنا حيث نقل الخلاف في المسألة ونقل الخبرين المذكورين دليلا للقول بالنجاسة ونقل الجواب من طرف القائلين بالطهارة عنهما بالحمل على الاستحباب، ثم قال: وهو مشكل مع عدم المعارض. ولم يجزم بشئ في البين وهو لا يخلو من غرابة عند من له انس بطريقته في الكتاب من التمسك بالاخبار الصحيحة والاخذ بها وان خرج عما عليه الاصحاب. والعجب ايضا من المحدث الحر في الوسائل حيث وافق المشهور وعنون الباب

[ 223 ]

بالكراهة حملا للخبرين المذكورين على ذلك، وهو من جملة سقطاته لما عرفت من ان الخبرين مع صحتهما لا معارض لهما يوجب ارتكاب التأويل فيهما مع قول جملة من فضلاء الاصحاب بمضمونهما. والله العالم. ومنها المسوخ، والمشهور بين الاصحاب القول بطهارتها ونقل عن الشيخ في الخلاف القول بنجاستها وعزى العلامة في المختلف موافقته إلى سلار وابن حمزة، ونقل في المعالم عن ابن الجنيد انه استثناها مما حكم بطهارة سؤره مع حكمه بطهارة سؤر السباع وقرنها في الاستثناء بالكلب والخنزير، وظاهر ذلك القول بنجاستها أو نجاسة لعابها. والظاهر الاول فان الحكم بنجاسة اللعاب مع طهارة العين بعيد وان نقل ايضا عن بعض الاصحاب، وعدها في قرن الكلب والخنزير مؤيد لما ذكرنا. ويدل على القول المشهور وهو المعتمد مضافا إلى اصالة الطهارة ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضل ابي العباس (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم اترك شيئا إلا سألته عنه فقال لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال رجس نجس.. الحديث " وفي المختلف وغيره ان الشيخ احتج على النجاسة بتحريم بيعها ولا مانع من البيع سوى النجاسة. وربما استدل على تحريم بيعها برواية مسمع عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن القرد ان يشترى أو يباع " واجيب بالمنع من تحريم البيع (اولا) فان الرواية الدالة على ذلك مع كونها ضعيفة السند مختصة بالقرد خاصة. و (ثانيا) بالمنع من كون المقتضي لحرمة البيع هو النجاسة فلابد من اقامة الدليل على انحصار المقتضي فيها. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الروايات قد اختلفت في انواع المسوخ زيادة ونقصا ووجودا وفناء


(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب ما يكتسب به.

[ 224 ]

ومنها ما رواه الشيخ عن الحلبي في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الضب والفأرة والقردة والخنازير مسوخ ". وما رواه في الصحيح عن احمد بن محمد عن محمد بن الحسن الاشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " الفيل مسخ كان ملكا زناء والذئب كان اعرابيا ديوثا والارنب مسخ كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيضها، والوطواط مسخ كان يسرق تمور الناس، والقردة والخنازير قوم من بني اسرائيل اعتدوا في السبت، والجريث والضب فرقة من بني اسرائيل لم يؤمنوا حين نزلت المائدة على عيسى بن مريم فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر، والفأره هي الفويسقة، والعقرب كان نماما، والدب والوزغ والزنبور كان لحاما يسرق في الميزان ". وما رواه في الكافي عن الحسين بن خالد (3) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) أيحل اكل لحم الفيل ؟ فقال لا فقلت لم ؟ قال لانه مثلة وقد حرم الله تعالى لحوم المسوخ ولحم ما مثل به في صورها ". وعن ابي سهل القرشي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن لحم الكلب ؟ فقال هو مسخ. قلت هو حرام ؟ قال هو نجس، اعيدها ثلاث مرات كل ذلك يقول هو نجس ". وعن سليمان الجعفري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (5) قال: " الطاووس مسخ كان رجلا جميلا كابر امرأة رجل مؤمن تحبه فوقع بها ثم راسلته بعد فمسخهما الله تعالى طاووسين انثى وذكرا فلا تأكل لحمه ولا بيضه ". وعن الكلبي النسابة (6) قال " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجري ؟ فقال ان الله تعالى مسخ طائفة من بني اسرائيل، فما اخذ منهم بحرا فهو الجري والزمير


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 225 ]

والمار ماهي وما سوى ذلك، وما اخذ منهم برا فالقردة والخنازير والوبر والورل وما سوى ذلك ". وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: " روي ان المسوخ لم تبق اكثر من ثلاثة ايام وان هذه مثل لها فنهى الله عزوجل عن اكلها ". وفي العلل بسند معتبر عن علي بن مغيرة عن الصادق عن ابيه عن جده (عليهم السلام) (2) قال: " المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفا: منهم القردة والخنازير والخفاش والضب والفيل والدب والدعموص والجريث والعقرب وسهيل والقنفذ والزهرة والعنكبوت " قال الصدوق سهيل والزهرة دابتان من دواب البحر المطيف بالدنيا. وروى في الكتاب المذكور ايضا بسند قوي عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " المسوخ ثلاثة عشر: الفيل والدب والارنب والعقرب والضب والعنكبوت والدعموص والجري والوطواط والقرد والخنزير والزهرة وسهيل. فسئل يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان سبب مسخ هؤلاء ؟ فقال اما الفيل فكان رجلا جبارا لوطيا لا يدع رطبا ولا يابسا، واما الدب فكان رجلا مؤنثا يدعو الرجال إلى نفسه، واما الارنب فكانت امرأة قذرة لا تغتسل من حيض ولا من جنابة ولا غير ذلك، واما العقرب فكان رجلا همازا لا يسلم منه احد، واما الضب فكان رجلا اعرابيا يسرق الحاج بمحجته، واما العنكبوت فكانت امرأة سحرت زوجها، واما الدعموص فكان رجلا نماما يقطع بين الاحبة، واما الجري فكان رجلا ديوثا يجلب الرجال على حلائله، واما الوطواط فكان رجلا سارقا يسرق الرطب على رؤوس النخل، واما القردة فاليهود اعتدوا في السبت، واما الخنازير فالنصارى حين سألوا المائدة فكانوا بعد نزولها اشد ما كانوا تكذيبا، واما سهيل فكان رجلا عشارا باليمن، واما الزهرة فكانت امرأة تسمى ناهيد وهي التي يقول الناس انه افتتن بها هاروت


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاطعمة المحرمة.

[ 226 ]

وماروت) إلى غير ذلك من الاخبار المروية في العلل، وفيما ذكرناه كفاية لمن احب الاطلاع على عدها واسباب مسخها. والله العالم. ومنها الارنب والثعلب والفأرة والوزغة، فاوجب الشيخ في النهاية غسل ما يصيب الثوب أو البدن منها برطوبة وقرنها في هذا الحكم مع الكلب والخنزير، مع انه في باب المياه من الكتاب المذكور نفى البأس عما وقعت فيه الفأرة من الماء الذي في الآنية إذا خرجت منه وكذا إذا شربت، وقال ان الافضل ترك استعماله على كل حال. واقتصر المفيد في المقنعة على الفأرة والوزغة فجعلهما كالكلب والخنزير في غسل الثوب إذا مساه برطوبة واثرا فيه. وحكى في المختلف عن ابي الصلاح انه افتى بنجاسة الثعلب والارنب، وهو قول السيد ابي المكارم ابن زهرة ايضا كما نقله في المعالم، وفي المعالم ايضا عن ظاهر الصدوقين القول بنجاسة الوزغ، وحكى في المختلف ايضا عن ابن البراج انه اوجب غسل ما اصابه الثعلب والارنب والوزغة وكره الفأرة، وعن سلار انه حكم بنجاسة الفأرة والوزغة، وعن ابن بابويه انه قال: إذا وقعت الفأرة في الماء ثم خرجت ومشت على الثياب فاغسل ما رأيت من اثرها وما لم تره فانضحه بالماء. وعن ابن ادريس انه حكم بطهارة ذلك اجمع، ثم قال والوجه عندي طهارة ذلك اجمع، وهو اختيار والدي وشيخنا أبو القاسم بن سعيد. وعزى المحقق في المعتبر القول بالطهارة إلى السيد المرتضى في بعض كتبه. وعلى هذا القول جمهور المتأخرين ومتأخريهم. اقول: ومنشأ هذا الاختلاف هنا اختلاف ظواهر الاخبار في هذا المقام وها انا اورد ما وصل الي منها على التمام وابين ما ظهر لي من الحكم فيها بتوفيق الملك العلام: فمنها صحيحة الفضل ابي العباس وقد تقدمت قريبا، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن العظاية والحية والوزغ تقع في الماء فلا تموت أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا بأس به. وسألته عن


(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب النجاسات.

[ 227 ]

فأرة وقعت في حب دهن فاخرجت منه قبل ان تموت أيبيعه من مسلم ؟ قال نعم ويدهن منه ". وفي الصحيح عن سعيد الاعرج (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حية ؟ فقال لا بأس باكله ". وفي الصحيح عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الاناء ان يشرب منه ويتوضأ منه ". ورواية هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الفأرة والعقرب واشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه ؟ قال يسكب منه ثلاث مرات وقليله وكثيره بمنزلة واحدة ثم يشرب منه ويتوضأ منه غير الوزغ فانه لا ينتفع بما يقع فيه ". وروى الحميري في قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان عليا (عليه السلام) قال لا بأس بسؤر الفأرة ان يشرب منه ويتوضأ ". وهذه الاخبار كما ترى ظاهرة بل صريحة في الدلالة على الطهارة واليها استند القائل بالطهارة في الفأرة والوزغة، واما صحيحة ابي العباس فعمومها صالح للدلالة على الجميع ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أيصلي فيها ؟ قال اغسل ما رأيت من اثرها وما لم تره فانضحه بالماء ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة (2) و (3) و (4) في الوسائل في الباب 9 من ابواب الاسآر (5) رواه في الوسائل في الباب 33 من النجاسات.

[ 228 ]

وما رواه في الصحيح عنه ايضا عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الفأرة والكلب إذا اكلا من الخبز أو شماه أيؤكل ؟ قال يطرح ما شماه ويؤكل ما بقي " ورواه علي بن جعفر في كتابه ايضا (2). وروى في قرب الاسناد باسناده عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الفأرة والكلب إذا اكلا من الخبز وشبهه أيحل اكله ؟ قال يطرح منه ما اكل ويؤكل الباقي ". وما رواه في الصحيح عن احمد بن محمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن يونس ابن عبد الرحمان عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته هل يجوز ان يمس الثعلب والارنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا ؟ قال لا يضره ولكن يغسل يده ". وما رواه عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (5) في حديث طويل قال: " سئل عن الكلب والفأرة إذا اكلا من الخبز وشبهه ؟ قال يطرح منه ويؤكل الباقي. وعن العظاية تقع في اللبن ؟ قال يحرم اللبن، وقال ان فيها السم " اقول قال في القاموس: العظاية دويبة كسام ابرص. وما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة والوزغة تقع في البئر قال ينزح منها ثلاث دلاء ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب النجاسات. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 45 من الاطعمة المحرمة (4) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب النجاسات. (5) التهذيب ج 1 ص 80 وروى صاحب الوسائل المسألة الاولى في الباب 36 من ابواب النجاسات. (6) رواه في الوسائل في الباب 19 من الماء المطلق.

[ 229 ]

وما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1) " ان وقع في الماء وزغ اهريق ذلك الماء وان وقع فيه فأرة أو حية اهريق الماء وان دخلت فيه حية وخرجت منه صب من ذلك الماء ثلاث اكف واستعمل الباقي وقليله وكثيره بمنزلة واحدة " هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة. وقد اجاب القائلون بالطهارة عما دل على نجاسة الفأرة والوزغة بانه معارض بما دل على الطهارة وطريق الجمع حمل اخبار النجاسة على التنزيه والاستحباب فانه مع العمل باخبار النجاسة يلزم طرح اخبار الطهارة مع صحتها وصراحتها وكثرتها، قال المحقق في المعتبر بعد نقل صحيحة علي بن جعفر الدالة على غسل ما لاقته الفأرة برطوبة ومعارضتها بصحيحة سعيد الاعرج ما لفظه: ومن البين استحالة ان ينجس الجامد ولا ينجس المائع ولو ارتكب هنا مرتكب لم يكن له في الفهم نصيب، واما خبر يونس فقد رده بالارسال اولا وبكون الراوي فيه محمد بن عيسى عن يونس، وقد حكى النجاشي عن ابي جعفر بن بابويه عن ابن الوليد انه قال ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه وقال الشيخ انه ضعيف استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال نوادر الحكمة وقال لا اروي ما يختص بروايته. وتحقيق الكلام في المقام بما ادى إليه الفهم القاصر، اما بالنسبة إلى الاخبار المتعارضة في الفأرة فلا يخفى ان الترجيح فيها لاخبار الطهارة لاعتضادها باصالة الطهارة وكثرتها وصحة اكثرها وصراحتها، وليس في الاخبار المقابلة لها ما هو ظاهر في النجاسة سوى صحيحة علي بن جعفر الدالة على غسل اثرها إذا مشت على الثياب برطوبة وإلا فغيرها من الروايات الدالة على الاكل من الخبز أو شمه لا ظهور لها في النجاسة، فان الحكم بالنجاسة انما يكون مع تعدي رطوبة فم الفأرة إلى الخبز والتمسك باصالة الطهارة يدفع ذلك حتى يعلم، ومجرد الاكل والشم لا يستلزم وجود رطوبة


(1) ص 5.

[ 230 ]

وتعديها، وحينئذ لا يثبت الحكم بالنجاسة فتعين الحمل على التنزيه والاستحباب كما ذكره الاصحاب، واما بالنسبة إلى الكلب فان علم ايضا تعدي لعابه إليه وإلا فالحكم فيه كذلك، وبالجملة فالتمسك باصالة الطهارة اقوى متمسك حتى يظهر ما يوجب الخروج عنه، وحينئذ فلم يبق إلا تلك الرواية فتعين التأويل فيها البتة اما بالحمل على ما ذكره الاصحاب من الاستحباب أو الحمل على التقية فان القول بنجاسة الفأرة مذهب بعض العامة كما ذكره في المنتهى، على انه لا يشترط عندنا في الحمل على التقية وجود القائل كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. واما بالنسبة إلى الوزغة فقد عرفت دلالة صحيحة علي بن جعفر الاولى على الطهارة فيها مع اعتضادها بالاصل وان الوزغة ليست بذي نفس وميتتها طاهرة اجماعا، والحكم بالنجاسة في حال الحياة والطهارة بعد الموت غير معقول ولا معهود من الشرع وانما المعهود العكس، ومجرد النزح المذكور لا يستلزم النجاسة كما وقع في اخبار نزح سبع دلاء لدخول الجنب واغتساله مع اتفاقهم على اعتبار طهارة بدنه من المني وإلا لوجب له بقدر المني، على انه يمكن حمل الخبر على رجوع ذلك إلى الفأرة بالخصوص باعتبار ان السؤال وقع عن وقوع الفأرة والوزغة معا لا كل بانفراده، والتأويل بذلك تفاديا من الطرح غير بعيد ومثله غير عزيز. واما بالنسبة إلى الثعلب والارنب كما اشتملت عليه مرسلة يونس فهي ايضا معارضة بالاصل وبما دل من الاخبار على قبول هذا الاشياء مثل الثعلب والسباع للتذكية، ومن المعلوم ان نجس العين كالكلب والخنزير لا يقبل التذكية ولا يطهر بها، فمما ورد في الثعلب ما رواه الشيخ عن صفوان عن جميل عن الحسن بن شهاب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن جلود الثعالب إذا كانت ذكية ايصلي فيها ؟ قال نعم " وعن عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " سألته عن اللحاف من الثعالب أو الجرز منه أيصلي


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 7 من لباس المصلى.

[ 231 ]

فيها ؟ قال ان كان ذكيا فلا بأس به " وعن جميل في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الصلاة في جلود الثعالب ؟ قال ان كانت ذكية فلا بأس " ولا ينافي ذلك ما دل من الاخبار على عدم جواز الصلاة في الجلود المذكورة فان الاختلاف في ذلك انما نشأ من حيث اشتراط كون ما يصلى فيه لابد ان يكون مما يوكل لحمه ام لا، ولهذا ان جمعا من الاصحاب ذهبوا إلى القول بجواز الصلاة فيها لهذه الاخبار وما ذلك إلا للحكم بثبوت التذكية وطهارة الجلود، والمانع انما يمنع من حيث الاشتراط المذكور لا من حيث النجاسة وعدم قبول التذكية، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر. ومما يدل على ذلك في السباع ايضا التي قرنت في هذه الرواية بالثعلب المستلزم لنجاستها ايضا فهو ما رواه الشيخ والصدوق عن سماعة في الموثق (2) قال: " سألته عن لحوم السباع وجلودها ؟ فقال اما لحوم السباع من الطير والدواب فانا نكرهه واما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه " وروى في المحاسن عن علي بن اسباط عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ركوب جلود السباع ؟ فقال لا بأس ما لم يسجد عليها " وعنه عن عثمان بن عيسى عن سماعة (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن جلود السباع فقال اركبوها ولا تلبسون شيئا منها تصلون فيه " قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل هذين الخبرين: يدلان على كون السباع قابلة للتذكية بمعنى افادتها جواز الانتفاع بجلودها لطهارتها كما هو المشهور بين الاصحاب، بل قال الشهيد انه لم يعلم القائل بعدم وقوع التذكية عليها سوى الكلب والخنزير. واستشكال الشهيد الثاني وبعض المتأخرين في الحكم بعد ورود النصوص المعتبرة وعمل القدماء والمتأخرين مما لا وجه له. انتهى. على ان ظاهر الخبر المذكور بناء على ما ذكروه لا يخلو من تدافع فان المتبادر من قوله " لا يضره " ليس إلا بمعنى لا ينجسه إذ لا معنى للضرر في هذا المقام إلا التنجيس كما


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من لباس المصلى. (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 5 من لباس المصلى.

[ 232 ]

لا يخفى، وحينئذ فحمل " لكن يغسل يده " على النجاسة مدافع لذلك، واما إذا اريد التنزيه والاستحباب امكن مجامعته للعبارة المتقدمة وتم الكلام باحسن نظام والله العالم. ومنها لبن الجارية والمشهور طهارته. ونقل عن ابن الجنيد القول بنجاسته لرواية السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) قال لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم لان لبنها يخرج من مثانة امها.. الحديث " وقد تقدم الكلام في ذلك في الموضع الثاني من الفصل الاول والثاني في مسألة بول الرضيع، وربما ظهر من كلام الصدوق في الفقيه القول بذلك حيث ذكر الرواية فيه مع قوله في اول كتابه انه لا يورد فيه إلا ما يفتى به ويحكم بصحته سيما مع قرب هذه الرواية مما ذكره من الكلام المشار إليه، ولم ار من تنبه لنسبة ذلك إلى الصدوق والحال كما ذكرناه إلا المحقق الشيخ حسن في المعالم فانه اشار إلى ذلك كما ذكرناه، ونقل في المعالم ايضا عن والده انه ذكر الرواية في رسالته لكن لم يظهر منه التزام ما التزمه ولده من التقييد في ذكر الاخبار بما يفتي به مع التصريح بكونه خبرا. اقول: قد تقدم في الموضع المشار إليه آنفا ان هذه الرواية قد ذكرها مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه فقال بعد فتواه بمضمون صحيحة الحلبي الواردة في بول الرضيع: وقد روى عن امير المؤمنين (عليه السلام) " انه قال لبن الجارية.. الحديث) والاصحاب قد اجابوا عن خبر السكوني بضعف الاسناد وهو مشكل بعد اعتضاده بالخبر المذكور في الكتاب المشار إليه، والاظهر كما قدمناه في الموضع المشار إليه حمل الخبر ؟ على التقية ولا سيما ان راويه من العامة. ويعضده نقله (عليه السلام) الخبر في كتاب الفقه بعد افتائه بخلاف ما تضمنه بالنسبة إلى بول الرضيع، وجمع من الاصحاب حملوا الرواية على الاستحباب كما هي قاعدتهم في جملة الابواب. والله العالم. ومنها القئ قد صرح جملة من الاصحاب: منهم المحقق في المعتبر بان القئ


(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من النجاسات.

[ 233 ]

والقلس والنخامة وكل ما يخرج من المعدة إلى الفم أو ينزل من الرأس طاهر عدا الدم. وقال الشيخ في المبسوط القئ طاهر وقال بعض اصحابنا نجس، قال والصديد والقيح حكمهما حكم القئ. اقول: ويدل على الطهارة مضافا إلى الاصل موثقة عمار الساباطي (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن القئ يصيب الثوب فلا يغسل ؟ قال لا بأس به " وعن عمار ايضا (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتقيأ في ثوبه أيجوز ان يصلي فيه ولا يغسله ؟ قال لا بأس به " فاما ما رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى عن ابي هلال (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) أينقض الرعاف والقئ ونتف الابط الوضوء ؟ فقال وما تصنع بهذا ؟ هذا قول المغيرة بن سعيد لعن الله المغيرة، ويجزيك من الرعاف والقئ ان تغسله ولا تعيد الوضوء " فانه يمكن ان يجعل دليلا للقول بالنجاسة بتقريب الامر فيه بالغسل، وفيه ان الامر بالغسل اعم، وطريق الجمع بينه وبين ما تقدم حمل الغسل على ازالة الاستقذار الحاصل منه لا النجاسة فان الغسل مطلوب في امثال ذلك كما ورد في جملة من المواضع من الامر بالصب والرش في مواضع لزوال النفرة ومظنة النجاسة، والقئ لا يزول بمجرد الرش فامر فيه بالغسل لازالة عينه عن الثوب أو البدن ولم اقف على من تعرض لنقل حجة القول بالنجاسة سوى العلامة في المختلف فانه تكلف لذلك دليلا واهيا لا يستحق ان يسطر ولا يلتفت إليه ولا ينظر. ومنها الحديد وان لم اقف على قائل بنجاسته إلا انه ربما يفهم من بعض الاخبار ذلك حتى ان بعض المتورعين كان يجتنب اكل مثل البطيخ ونحوه إذا قطع بالحديد. ومن الاخبار الدالة على ذلك موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (4)


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 48 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 7 من نواقض الوضوء. (4) المروية في الوسائل في الباب 83 من ابواب النجاسات.

[ 234 ]

" عن الرجل إذا قص اظفاره بالحديد أو اخذ من شعره أو حلق قفاه فان عليه ان يمسحه بالماء قبل ان يصلي. سئل فان صلى ولم يمسح من ذلك بالماء ؟ قال يمسح بالماء ويعيد الصلاة لان الحديد نجس، وقال ان الحديد لباس اهل النار والذهب لباس اهل الجنة " وعن عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال " الرجل يقرض من شعره باسنانه أيمسحه بالماء قبل ان يصلي ؟ قال لا بأس انما ذلك في الحديد " ويعضده ما رواه في الكافي في باب الخواتيم في حديث عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا تختموا بغير الفضة فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ما طهرت كف فيها خاتم من حديد " وفي الفقيه مرسلا (3) قال: " قال (صلى الله عليه وآله) ما طهر الله يدا فيها حلقة حديد ". ويدل على الطهارة مضافا إلى اجماع الاصحاب على الحكم قديما وحديثا ما رواه في الفقيه (4) عن اسماعيل بن جابر " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يأخذ من اظفاره وشاربه أيمسحه بالماء ؟ فقال لا هو طهور " وما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (5) انه قال له: " الرجل يقلم اظفاره ويجز شاربه وياخذ من شعر لحيته ورأسه هل ينقض ذلك وضوءه ؟ فقال يا زرارة كل هذا سنة، إلى ان قال وان ذلك ليزيده تطهيرا " وما رواه الشيخ في الصحيح عن سعيد بن عبد الله الاعرج (6) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) آخذ من اظفاري ومن شاربي واحلق رأسي فاغتسل ؟ قال لا ليس عليك غسل. قلت فاتوضأ ؟ قال لا ليس عليك وضوء. قلت فامسح على اظفاري الماء ؟ قال هو طهور ليس عليك مسح " وعن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) " ان عليا عليه السلام) قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه ما لم تر فيه


(1) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 83 من ابواب النجاسات (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 32 من لباس المصلى (4) رواه في الوافي ج 4 ص 37.

[ 235 ]

دما " وما رواه في الكافي في الموثق عن الحسن بن الجهم (1) قال: " اراني أبو الحسن (عليه السلام) ميلا من حديد ومكحلة من عظام فقال كان هذا لابي الحسن (عليه السلام) فاكتحل به فاكتحلت " ومن الظاهر ان الميل بالاكتحال لا يخلو من ملاقاة الرطوبة غالبا، والاخبار في هذا الباب كثيرة كما يأتي في كتاب الحج ان شاء الله تعالى في اخبار الحلق والتقصير، ومن الظاهر المعلوم اطباق كافة الناس على حلق الرأس من وقته (صلى الله عليه واله) إلى يومنا هذا بآلة الحديد ولم ينقل في شئ منها الامر بالتطهير. وبالجملة فهذه الروايات الدالة على النجاسة مطرحة باجماع الاصحاب وهذه الاخبار مضافا ذلك إلى ان الراوي عمار المتفرد بالغرائب في رواياته كما طعن به عليه في غير موضع المحدث الكاشاني في الوافي، ومن الاخبار في ذلك ايضا ما رواه الشيخ في التهذيب عن موسى بن اكيل النميري عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الحديد انه حلية اهل النار والذهب حلية اهل الجنة وجعل الله تعالى الذهب في الدنيا زينة النساء فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه وجعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن والشياطين فحرم على الرجل المسلم ان يلبسه في الصلاة إلا ان يكون قبال عدو فلا بأس به، إلى ان قال وفي غير ذلك لا يجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ ". ورأيت في بعض الحواشي المنسوبة إلى الامين الاسترابادي ما صورته: قوله (عليه السلام) " نجس ممسوخ " اقول: اهل الكيمياء زعموا ان المعدنيات المنطبعة كلها في الاصل قابلة للذهب فاصاب بعضها الجذام فصار حديدا وبعضها البرص فصار نحاسا وبعضها البهق فصار فضة وذكروا ان حقيقة الكيمياء انما هي ازالة ما اصابها من المرض وانه كما لا يمكن معالجة جذام الانسان كذلك لا يمكن معالجة جذام المعدنيات بالاكسير،


(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 30 من لباس المصلى.

[ 236 ]

وقوله (عليه السلام): " نجس ممسوخ " اشارة إلى ذلك أو إلى انه قذر، وحمل النجس على نجس العين توهم صرف يكذبه حلق رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في المروة وقطعه (عليه السلام) البطيخ بالحديد ولبسه الدرع يوما وليلة في حرب احد وهو يصلي فيه وعدم اجتنابهم (عليهم السلام) من السيف واشباه ذلك من الامور التي يعم بها البلوى، وفي الكافي حديث صريح في صحة الكيمياء وفيه نوع اشارة إلى ما ذكرناه. انتهى. وبالجملة فالعمل على القول بالطهارة، بقي الكلام في روايات عمار المتقدمة والاصحاب قد حملوها على الاستحباب ولا بأس به كما يدل عليه ما رواه في الكافي عن محمد الحلبي في الصحيح (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون على طهر فيأخذ من اظفاره أو شعره أيعيد الوضوء ؟ فقال لا ولكن يمسح رأسه واظفاره بالماء. قلت فانهم يزعمون ان فيه الوضوء ؟ فقال ان خاصموكم فلا تخاصموهم وقولوا هكذا السنة ". المقصد الثاني في الاحكام وفيه بحوث: (الاول) في بيان ما به يتحقق التنجيس وما يلحق ذلك ويتعلق به وفيه مسائل: (الاولى) الظاهر ان كل نجاسة عينية فهي مؤثرة في تنجيس ما تلاقيه برطوبة إلا الماء على تفصيل تقدم فيه في باب المياه بين ما ينفعل بمجرد الملاقاة وما لا ينفعل واما مع اليبوسة فلا، وكل ما حكم بنجاسته شرعا فهو مؤثر للتنجيس في غيره مع الرطوبة ايضا، وقد وقع الخلاف في كل من الكليتين فهنا مقامان: (الاول) في بيان الخلاف في الكلية الاولى وهي عدم تعدي النجاسة مع


(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من نواقض الوضوء.

[ 237 ]

اليبوسة فانه قد وقع الخلاف في تعدي نجاسة الميتة مع اليبوسة، فظاهر جملة من الاصحاب التعدي فان لهم في ذلك اقوالا متعددة، فقيل بتأثيرها مطلقا قال في المعالم وهو صريح كلام العلامة في النهاية وظاهره في مواضع اخر من كتبه وفي بعض عبارات المحقق اشعار به. اقول: وهو صريح والده في الروض بالنسبة إلى نجاسة الميت من الانسان حيث قال بعد ذكر خبري الحلبي وابراهيم الاتيين وكلام في البين ما لفظه: ودلا ايضا على ان نجاسة الميت تتعدى مع رطوبته ويبوسته للحكم بها من غير استفصال، وقد تقرر في الاصول ان ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يدل على العموم في المقال وإلا لزم الاغراء بالجهل. انتهى. وقيل بعدم تأثيرها بدون الرطوبة مطلقا كغيرها من النجاسات، قال في المعالم صرح به بعض المتأخرين. اقول: الظاهر انه المحقق الشيخ علي (قدس سره) فانه صرح بذلك. وقيل بالتفصيل بموافقة الاول في ميتة الادمي والثاني في ميتة غيره، اختاره جماعة من الاصحاب: منهم العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى، وقيل بموافقة القول الاول في الادمي مطلقا وموافقة الثاني في ايجاب غسل ما تلاقيه ميتة غير الادمي لا في نجاسته، ويظهر ذلك من المنتهى. وقد تلخص من ذلك بالنسبة إلى ميتة الادمي ان في نجاسته قولين: (احدهما) كون نجاسته عينية محضة مطلقا مع الرطوبة أو اليبوسة فعلى هذا ينجس ما يلاقي الميت برطوبة كان أو يبوسة، وهذا هو المشهور كما عرفت من ذهاب جماعة من فضلاء الاصحاب إليه كالعلامة في النهاية والتذكرة والمنتهى والشهيدين في الروض والذكرى والمحقق كما تقدم نقله عن المعالم وغيرهم. و (ثانيهما) كونها عينية محضة مع الرطوبة خاصة كغيرها من النجاسات واما مع اليبوسة فلا تتعدى نجاستها، وهو اختيار المحقق الشيخ علي كما عرفت. ثم انه على القول الاول فهل تكون نجاسة الملاقي عينية محضة كسائر النجاسات التي لا تتعدى إلا مع الرطوبة خاصة دون اليبوسة أو انها حكمية لا تتعدى إلى الملاقي لها مطلقا وانما توجب غسل ذلك الذي لاقى بدن الميت خاصة ؟ والاول ظاهر الاكثر.

[ 238 ]

وهو اختيار المحقق الشيخ علي بناء على القول المذكور حيث قال في شرح القواعد بعد البحث في المسألة: " والتحقيق ان نجاسة الميت ان قلنا انها تتعدى ولو مع اليبوسة فنجاسة الماس عينية بالنسبة إلى العضو الذي وقع به المس حكمية بالنسبة إلى جميع البدن فلابد من غسل العضو ثم الغسل ان قلنا انها انما تتعدى مع الرطوبة وهو الاصح فمعها تثبت النجاستان وبدونها تثبت نجاسة واحدة وهي الشاملة لجميع البدن ". انتهى. والثاني ظاهر العلامة في المنتهى حيث قال في احكام ميت الادمي: " لو مسه رطبا ينجس بنجاسة عينية لما يأتي من ان الميت نجس ولو مسه يابسا فالوجه ان النجاسة حكمية فلو لاقى ببدنه بعد ملاقاته الميت رطبا لم يؤثر في تنجيسه لعدم دليل التنجيس وثبوت الاصل الدال على الطهارة " انتهى. وهو ظاهر ابن ادريس ايضا كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. واما بالنسبة إلى غير الادمي من ذوات النفس فقولان ايضا (احدهما) الاقتصار في تعدي نجاستها على حال الرطوبة فلا تتعدى مع اليبوسة. وهو قول المحقق الشيخ علي والشهيد في الذكرى والعلامة في التذكرة. و (الثاني) التعدي مع اليبوسة ايضا وبه صرح العلامة في المنتهى. ثم انه على تقدير هذا القول فهل تكون نجاسه الملاقي عينية أو حكمية ظاهره في المنتهى الثاني على اشكال، قال في الكتاب المذكور بعد ذكر ميتة غير الادمي: لا فرق بين ان يمس الميتة برطوبة ام لا في ايجاب غسل اليد خاصة. ثم قال بعد ذلك باسطر يسيرة: هل تنجس اليد لو كانت الميتة يابسة ؟ فيه نظر ينشأ من كون النجاسات العينية يابسة غير مؤثرة في الملاقي ومن عموم وجوب الغسل وانما يكون مع التنجيس، وحينئذ تكون نجاستها عينية أو حكمية ؟ الاقرب الثاني فلو لامس رطبا قبل غسل يده لم يحكم بنجاسته على اشكال. انتهى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان حجة الاول القول وهو تعدي نجاسة ميت الادمي مطلقا ما قدمناه من الاخبار في الفصل الخامس في نجاسة الميتة فانها دالة باطلاقها على تعدي نجاسته مع الرطوبة كان أو اليبوسة بالتقريب الذي تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض

[ 239 ]

وحجة القول الثاني وهو عدم تعديها مع اليبوسة مع الاصل قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الله بن بكير (1): " كل شئ يابس ذكي " المؤيد بجملة من الاخبار الدالة على عدم تعدي النجاسة مع اليبوسة والظاهر ان تقييد المطلق اقرب من تخصيص العام وحينئذ فالظاهر حمل اطلاق تلك الاخبار على الملاقاة بالرطوبة من احدهما، ومما يستأنس به لذلك قوله (عليه السلام) في رواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة (2) " ما اصاب ثوبك منه " في الموضعين فان فيه اشارة إلى تعدي رطوبة أو قذر من الميت، والى هذا القول يميل كلام المفاتيح، وظاهر المدارك التوقف في الحكم، وظاهر المعالم ترجيح القول المشهور لحسنة الحلبي (3) وعدم نهوض موثقة ابن بكير بالمعارضة لقصورها من حيث السند، والمسألة لا تخلو من اشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال وان كان القول بالطهارة لا يخلو من قوة. واما حجة القول في ميتة غير الآدمي باختصاص التعدي بالرطوبة فلنجاسة الميتة ودلالة الاخبار الكثيرة في مواضع متفرقة على ان ملاقاة النجاسة بالرطوبة موجب لتعديها والحكم مجمع عليه كما تقدم نقله، وتوقف التعدي مع اليبوسة على الدليل والذي ثبت على تقدير تسليمه مخصوص بميت الانسان واما غيره فالحكم فيه كسائر النجاسات العينية لا تتعدى نجاستها إلا مع الرطوبة، ويدل على ذلك ايضا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله. قال ليس عليه غسله وليصل فيه ولا بأس " وحجة القول بالتعدي في نجاسة غير الادمي مع اليبوسة كما ذكره العلامة في المنتهى على ما نقله بعض الاصحاب مرسلة يونس المتقدمة قريبا في مسألة الخلاف في نجاسة الارنب والثعلب (5) قيل وتقريب الدلالة في الامرين واحد وهو ترك الاستفصال عن كون الاصابة والمس برطوبة أو غيرها وهو دليل على تعميم الحكم


(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من احكام الخلوة. (2) و (3) ص 65 (4) المروية في الوسائل في الباب 26 من النجاسات. (5) ص 228.

[ 240 ]

وانتفاء الفرق والحق ان الرواية المذكورة بناء على ما حققناه سابقا في الموضع المشار إليه وبينا معارضتها بالاخبار المستفيضة لا تصلح مستندا في المقام. (تذنيب) يشتمل على فائدتين: (الاولى) اعلم ان النجاسة العينية تطلق في كلام الفقهاء على معان وتقابلها الحكمية في كل منها (فاحدها) ان يراد بها ما تتعدى نجاسته مع الرطوبة وهو مطلق الخبث وهو الاكثر دورانا في كلامهم. وتقابلها الحكمية بمعنى ما لا تتعدى بان يكون المحل الذي قامت به معها طاهرا لا ينجس الملاقي له ولو مع الرطوبة ويحتاج زوال حكمها إلى مقارنة النية كنجاسة بدن الجنب والحائض ونحوها المتوقف على الغسل. و (ثانيها) ما إذا كانت عين النجاسة محسوسة مع قبول الطهارة كالدم والغائط والبول قبل جفافه ونحوها، وتقابلها الحكمية بهذا الاعتبار وهو ما لا يكون له جرم ولا عين يشار إليها كالبول اليابس في الثوب. و (ثالثها) ما يكون عينا غير قابل للتطهير كالكلب والخنزير وتقابلها الحكمية بهذا الاعتبار وهو ما يقبل التطهير كالميت بعد برده وقبل تطهيره بالغسل، وعلى هذا فتكون نجاسة الميت عينية بالمعنى الاول والثاني حكمية بالمعنى الثالث فهي عينية من جهة وحكمية من جهة، واما نجاسة الماس له فانها حكمية بالمعنى الاول برطوبة كان المس أو يبوسة وعينية بالنسبة إلى العضو الذي وقع المس به بالرطوبة اجماعا ومع اليبوسة يبني على الخلاف المتقدم. (الثانية) قد صرح جمع من الاصحاب بان المعتبر من الرطوبة التي يتوقف تأثير النجاسة عليها ما يتعدى منها شئ إلى الملاقي فاما القليلة البالغة في القلة إلى حد لا يتعدى منها شئ فهي في حكم اليبوسة. وهو جيد ويدل عليه اخبار موت الفأرة في الدهن الجامد ونحوه (1) وانه يؤخذ ما حولها خاصة والباقي طاهر، والتقريب فيها ان الجمود في الدهن لا يبلغ إلى حد اليبس بل الرطوبة فيه في الجملة موجودة كما لا يخفي. (المقام الثاني) في بيان الخلاف في الكلية الثانية وهي ان كل ما حكم


(1) رواها في الوسائل في الباب 43 من ابواب الاطعمة المحرمة، وقد تقدمت ص 56.

[ 241 ]

بنجاسته شرعا فهو مؤثر في تنجيس ما يلاقيه برطوبة، والخلاف هنا وقع من العلامة وابن ادريس والمحدث الكاشاني: اما العلامة فلما صرح به في المنتهى في نجاسة ميت الادمي كما قدمنا نقله من انه لو مسه يابسا ولاقى ببدنه بعد ملاقاته للميت رطبا لم يؤثر في تنجيسه لعدم دليل التنجيس وثبوت الاصل الدال على الطهارة. وانت خبير بما فيه فان النصوص المشار إليها آنفا قد دلت على وجوب غسل الملاقي لبدن الميت مطلقا وما ذاك إلا لنجاسته لان اكثر النجاسات انما استفيد الحكم بنجاستها من الامر بغسلها وازالتها ونحوه مما تقدم ذكره في غير مقام، ومن حكم النجس تعدي نجاسته لملا يلاقيه برطوبة كما هو المستفاد من الاخبار في غير مقام، ولعله بنى على ان الامر بالغسل لا يستلزم حصول التنجيس إذ هو اعم من ذلك، وفيه ما عرفت. ثم العجب من العلامة فيما قدمنا من كلاميه في ميتة الادمي وميتة غيره في المنتهى حيث جزم بكون النجاسة في الاول في صورة الملاقاة باليبوسة حكمية واستشكل في الثاني في الصورة المذكورة في كونها حكمية أو عينية، مع انه في ميتة الادمي لم يتوقف في حصول التنجيس بها بين كون الملاقاة برطوبة أو يبوسة وفي ميتة غير الادمي توقف في النجاسة مع اليبوسة كما عرفت. واما ابن ادريس فانه قال في السرائر بعد الكلام في التغسيل: " ثم ينشفه بثوب نظيف ويغتسل الغاسل فرضا واجبا في الحال أو فيما بعد فان مس مائعا قبل اغتساله وخالطه لا يفسده ولا ينجسه، وكذلك إذ لاقى جسد الميت من قبل غسله اناء ثم افرغ في ذلك الاناء قبل غسله مائع فانه لا ينجس ذلك المائع وان كان الاناء يجب غسله لانه لاقى جسد الميت وليس كذلك المائع الذي حصل فيه لانه لم يلاق جسد الميت، وحمله على ذلك قياس وتجاوز في الاحكام بغير دليل، والاصل في الاشياء الطهارة إلى ان يقوم دليل قاطع للعذر وان كنا متعبدين يغسل ما لاقى جسد الميت لان هذه نجاسات حكميات وليست عينيات والاحكام الشرعية نثبتها بحسب الادلة الشرعية. ولا خلاف ايضا بين الامة كافة ان المساجد يجب ان تنزه وتجنب النجاسات

[ 242 ]

العينيات، وقد اجمعنا بلا خلاف في ذلك بيننا على ان من غسل ميتا له ان يدخل المسجد ويجلس فيه فضلا عن مروره وجوازه ودخوله إليه فلو كان نجس العين لما جاز ذلك وادى إلى تناقض الادلة. وايضا فان الماء المستعمل في الطهارة على ضربين ما استعمل في الصغرى والاخر في الكبرى، فالماء المستعمل في الصغرى لا خلاف بيننا انه طاهر مطهر، والماء المستعمل في الطهارة الكبرى الصحيح عند محققي اصحابنا انه ايضا طاهر مطهر وخالف فيه من اصحابنا من قال انه طاهر تزال به النجاسات العينيات ولا ترفع به الحكميات، فقد اتفقوا جميعا على انه طاهر. ومن جملة الاغسال والطهارات الكبرى غسل من غسل ميتا فلو نجس ما يلاقيه من المائعات لما كان الماء الذي قد استعمله في غسله وازالة حدثه طاهرا بالاتفاق والاجماع الذين اشرنا اليهما " انتهى. واعترضه المحقق في هذا المقام واستوفى الكلام في الرد عليه بما هذا لفظه: فرع إذا وقعت يد الميت بعد برده وقبل تطهيره في مائع فان ذلك المائع ينجس ولو وقع ذلك المائع في آخر وجب الحكم بنجاسة الثاني، وخبط بعض المتأخرين فقال إذا لاقى جسد الميت، ثم ساق كلامه ملخصا ثم قال: والجواب عما ذكره ان نقول لا نسلم ان الاناء ينجس بملاقاة الميت أو اليد الملامسة للميت بعد برده ولو لاقت مائعا لم ينجس. قوله لان الحكم بنجاسة المائع قياس على نجاسة ما لاقى الميت، قلنا هذا الكلام ركيك لا يصلح دليلا على دعواه بل يصلح جوابا لمن يستدل على نجاسة المائع الملاقي لليد بالقياس على نجاسة اليد الملاقية للمائع، لكن احدا لم يستدل بذلك بل نقول لما اجمع الاصحاب على نجاسة اليد الملاقية للميت واجمعوا على نجاسة المائع إذا وقعت فيه نجاسة لزم من مجموع القولين نجاسة ذلك المائع لا بالقياس على نجاسة اليد، فاذن ما ذكره لا يصلح دليلا ولا جوابا. قوله لا خلاف ان المساجد يجب ان تجنب النجاسات ولا خلاف ان لمن مس ميتا ان يجلس في المسجد ويستوطنه، قلنا هذه دعوى عرية عن البرهان ونحن نطالبك بتحقيق الاجماع على هذه الدعوى ونطالبك اين وجدتها ؟ فانا لا نوافقك على ذلك بل نمنع

[ 243 ]

الاستيطان كما نمنع من على جسده نجاسة ويقبح اثبات الدعوى بالمجازفات. قوله الماء المستعمل في الطهارة الكبرى طاهر، قلنا هذا حق. قوله فيكون ماء المغتسل من ملامسة الميت طاهرا، قلنا هذا الاطلاق ممنوع وتحقيق هذا ان الملامس للميت تنجس يده نجاسة عينية ويجب عليه الغسل وهو طهارة حكمية فان اغتسل قبل غسل يده نجس ذلك الماء بملاقاة يده التي لامس بها الميت اما لو غسل يده ثم اغتسل لم يحكم بنجاسة ذلك الماء، وكذا نقول في جميع الاغسال الحكمية لان ماء الغسل من الجنابة طاهر وان كان الغسل يجب لخروج المني وينجس موضع خروجه ولو اغتسل قبل غسل موضع الجنابة كان ماء الغسل نجسا بالملاقاة لمخرج النجاسة اجماعا، وكذلك غسل الحيض يجب عند انقطاع دم الحيض ويكون المخرج نجسا فلو اغتسلت ولما تغسل المخرج كان ماء الغسل نجسا ولو ازالته ثم اغتسلت كان ماء الغسل طاهرا، وكذا جميع الاغسال، فقد بان ضعف ما ذكره المتأخر. اللهم إلا ان يقول ان الميت ليس بنجس وانما يجب الغسل تعبدا كما هو مذهب الشافعي (1). لكن هذا مخالف لما ذكره الشيخ أبو جعفر فانه ذكر انه نجس باجماع الفرقة وقد سلم هذا المتأخر نجاسته ونجاسة ما يلاقي بدنه. ولو قال انا اوجب غسل ما لاقى بدنه ولا احكم بنجاسة ذلك الملاقي، قلنا فحينئذ يجوز استصحابه في الصلاة والطهارة به لو كان ماء، ثم يلزم ان يكون الماء الذي يغسل به الميت طاهرا ومطهرا، ويلزمك حينئذ ان تكون ملاقاته مؤثرة في الثوب منعا وغسلا وغير مؤثرة في الماء القليل وهو باطل. انتهى. قال في المعالم بعد نقله هنا كلام المحقق (قدس سره): " وكأنه اراد من النجاسة التي ادعى الاجماع على تنجيس المائع بوقوعها فيه ما يشمل المتنجس لينتظم الدليل مع الدعوى وإلا فالاجماع على تأثير عين النجاسة لا يدل على تأثير المتنجس كما هو واضح، وإذا ثبت انعقاد الاجماع على تأثير المتنجس مع الرطوبة كالنجاسة واندفع به قول ابن


(1) راجع التعليقة 1 ص 68.

[ 244 ]

ادريس فكذا يندفع به قول العلامة، وربما نازعا في تحقق هذا الاجماع انتهى، وظاهره انه لا دليل على تعدي النجاسة من المتنجس مع ملاقاته بالرطوبة غير الاجماع مع انه قد ورد في كثير من الاخبار الامر بغسل الثوب والبدن واعادة الصلاة من ملاقاة الماء المتنجس كما في احاديث البئر وغيرها وهي كثيرة متفرقة في الاحكام. واما المحدث الكاشاني فانه قد تفرد بالقول بان المتنجس بعد ازالة عين النجاسة عنه بالتمسح لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه برطوبة، وقد تقدم البحث معه في ذلك في صدر الباب الثاني في الوضوء إلا انا لم نعط المسألة فيه حقها من التحقيق، وحيث كان الانسب بها هو هذا المقام فلا بد من ذكرها واعادة البحث فيها بما يحيط باطراف الكلام بابرام النقض ونقض الابرام، وسيأتي البحث فيها هنا في مسألة على حدة قريبا ان شاء الله تعالى. (المسألة الثانية) لا ريب في الحكم بالتنجيس متى حصل العلم بملاقاة النجاسة على الوجه الذي بينا كونه مؤثرا في التنجيس، اما لو استند ذلك إلى الظن فقد اختلف في ذلك كلام الاصحاب على اقوال: (الاول) القول بعدم تأثير الظن مطلقا وان استند إلى سبب شرعي بل لابد من القطع واليقين، وهو المنقول عن ابن البراج الشيخ عبد العزيز الطرابلسي. (الثاني) الاكتفاء بالظن وقيامه مقام العلم مطلقا استند إلى سبب شرعي كشهادة العدلين واخبار المالك ام لا، وهو المنقول عن الشيخ ابي الصلاح تقي بن نجم الحلبي. (الثالث) انه ان استند إلى سبب شرعي من شهادة العدلين واخبار ذي اليد وان لم يكن عدلا قبل وإلا فلا، وهو قول جماعة من الاصحاب: منهم العلامة في المنتهى وموضع من التذكرة، قال في المنتهى: لو اخبر عدل بنجاسة الماء لم يجب القبول اما لو شهد عدلان فالاولى القبول. وقال في موضع آخر: لو اخبر العدل بنجاسة انائه فالوجه القبول ولو اخبر الفاسق بنجاسة انائه فالاقرب القبول ايضا. واحتج لقبول العدلين بان شهادتهما معتبرة في نظر الشارع قطعا ولهذا لو كان الماء مبيعا

[ 245 ]

فادعى المشتري فيه العيب بكونه نجسا وشهد له عدلان ثبت جواز الرد. وقال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: وما فصله في المنتهى هو المشهور بين المتأخرين وقد ذكر نحوه في موضع من التذكرة. (الرابع) انه ان استند إلى سبب كقول العدل فهو كما لو علم وان لم يستند إلى سبب كما في ثياب مدمني الخمر والقصابين والصبيان وطين الشوارع والمقابر المنبوشة لم يحكم بالتنجيس اختاره العلامه في موضع من التذكرة، وجزم المحقق في المعتبر بعدم القبول مع اخبار العدل الواحد، ونقل عن ابن البراج القول بعدم القبول ايضا في العدلين، ثم قال والاظهر القبول لثبوت الاحكام بشهادتهما عند التنازع كما لو اشتراه وادعى المشتري نجاسته قبل العقد فلو شهد شاهدان لساغ الرد وهو مبني على ثبوت العيب. ونفى عنه البأس في المعالم بعد نقله، ونسبه العلامة في المختلف إلى ابن ادريس ايضا، وربما قد قيد بعضهم قبول خبر العدلين في ذلك بذكر السبب. قال لاختلاف العلماء في المقتضى للتنجيس إلا ان يعلم الوفاق فيكتفى بالاطلاق، ونقله في المعالم عن بعض الاصحاب واستحسنه قال وهذا الاشتراط حسن ووجهه ظاهر، ثم نقل فيه انه قيد جماعة الحكم بقبول اخبار الواحد بنجاسة مائه بما إذا وقع الاخبار قبل الاستعمال فلو كان بعده لم يقبل بالنظر إلى نجاسة المستعمل له فان ذلك في الحقيقة اخبار بنجاسة الغير فلا يكفي فيه الواحد وان كان عدلا، ولان الماء يخرج بالاستعمال عن ملكه إذ هو في معنى الاتلاف أو نفسه، قال وبهذا التقييد صرح في التذكرة. اقول: هذا ملخص ما حضرني من الاقوال في المسالة، وقد روى المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) باسانيدهم المعتبرة عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: " الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر " وروى الشيخ عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " ما ابالي أبول اصابني ام ماء إذا لم اعلم "


(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من الماء المطلق. (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات

[ 246 ]

والظاهر ان من اعتبر القطع واليقين كما تقدم نقله عن ابن البراج حمل العلم هنا على ذلك كما هو اصطلاح اهل المعقول، ولهذا نقل عنه الاحتجاج على ما ذهب إليه بان الطهارة معلومة بالاصل وشهادة الشاهدين لا تفيد إلا الظن فلا يترك لاجله المعلوم. ومن اعتبر الظن الشرعي مطلقا كابي الصلاح حمل العلم هنا على ما هو اعم من اليقين والظن مطلقا ولهذا نقل عنه الاحتجاج على ما ذهب إليه بان الشرعيات كلها ظنية وان العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل. ومن اعتبر الظن المستند إلى سبب شرعي حمل العلم على ما هو اعم من اليقين أو العلم الشرعي، ويقرب منه القول الرابع كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اجاب في المعالم عن حجة ابن البراج بان شهادة العدلين في معنى العلم شرعا، وبان معلومية الطهارة بالاصل ان اراد بها تيقن عدم عروض منجس فهو ممنوع وان اراد حكم الشارع بالطهارة قطعا استنادا إلى الاصل فكذلك شهادة الشاهدين. انتهى. اقول: وتحقيق ذلك بوجه اوضح وببيان افصح هو ان يقال: (اولا) ان اشتراطه اليقين والعلم في الحكم بالنجاسة ان كان مخصوصا بالنجاسة دون ما عداها من الطهارة والحلية والحرمة فهو تحكم محض، وان كان الحكم في الجميع واحدا فيقين الطهارة الذي اعتمده ليس إلا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة وهو اعم من العلم بالعدم ومثله يقين الحلية. و (ثانيا) انه قد روى الشيخان الكليني والطوسي في الكافي والتهذيب بسنديهما عن الصادق (عليه السلام) في الجبن (1) قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة " ورويا ايضا بسنديهما عنه (عليه السلام) (2) " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، إلى ان قال والاشياء


(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب الاطعمة المباحة (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب ما يكتسب به.

[ 247 ]

كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " والحكم في المسألتين من باب واحد بل الخبران وان كان موردهما الحل والحرمة إلا ان التحريم في الخبر الاول انما نشأ من حيث النجاسة والخبران صريحان في الاكتفاء بالشاهدين في ثبوت كل من النجاسة والحرمة. ومما يؤيد الاكتفاء بشهادة العدلين في الحكم بالنجاسة ان الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في انه لو كان الماء مبيعا فادعى المشتري فيه العيب بكونه نجسا واقام شاهدين عدلين بذلك فانه يتسلط على الفسخ وما ذاك إلا لثبوت النجاسة والحكم بها كما قد تقدم ذكره في عبارتي المحقق والعلامة. وما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين من امكان المناقشة في ذلك بان اعتبار شهادتهما في نظر الشارع مطلقا بحيث يشمل ما نحن فيه ممنوع وقبول شهادتهما في الصورة المفروضة لا يدل على ازيد من ترتب جواز الرد أو اخذ الارش عليه واما ان يكون حكمه حكم النجس في سائر الاحكام فلا بل لا بد له من دليل. انتهى مما لا ينبغي ان يصغى إليه، كيف واستحقاق جواز الرد أو اخذ الارش انما هو فرع ثبوت النجاسة وحكم الشارع بها ليتحقق العيب الذي هو سبب لذلك ومتى ثبتت النجاسة شرعا ترتبت عليها احكامها التي من جملتها هنا العيب الموجب للرد والارش. واما ما احتج به أبو الصلاح فانه قد اجاب عنه في المعالم بالمنع من العمل بمطلق الظن شرعا، قال وثبوته في مواضع مخصوصة لدليل خاص لا يقتضي التعدية إلا بالقياس. وهو جيد، ويؤكده ان المستفاد من الاخبار ان يقين الطهارة ويقين الحلية لا يخرج عنه إلا بيقين مثله كالاخبار الواردة في من تيقن الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث في ثوبه أو بدنه فانه لا يخرج عن ذلك إلا بيقين مثله، ومن تلك الاخبار صحيحة عبد الله بن سنان (1) في الثوب إذا اعير الذمي وهو يعلم انه يشرب الخمر


(1) المروية في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات.

[ 248 ]

ويأكل لحم الخنزير حيث قال (عليه السلام): " صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه " وما ورد في الجبن من قوله (عليه السلام) (1): " ما علمت انه ميتة فلا تأكله وما لم تعلم فاشتر وبع وكل، إلى ان قال والله اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والسمن والجبن والله ما اظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان " وما ورد في موثقة عمار (2) " في الرجل يجد في انائه فأرة وكانت متفسخة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا واغتسل وغسل ثيابه، حيث قال (عليه السلام) ليس عليه شئ لانه لا يعلم متى سقطت، ثم قال لعله انما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها " ولا يخفى انه لو جاز العمل بالظن مطلقا لكان الوجه هو النجاسة والحرمة في جميع ما دلت عليه هذه الاخبار وامثالها على طهارته وحليته ولا سيما موثقة عمار لظهورها في سبق موت الفأرة لمكان التفسخ مع انه (عليه السلام) عملا بسعة الشريعة لم يلتفت إلى ذلك وقال: " لعلها انما سقطت تلك الساعة " ومنها ما ورد في صحيحة زرارة (3) في اصابة المني للثوب من انه " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه وان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء.. الحديث " وهو صريح في المطلوب والنضح فيه محمول على الاستحباب كما في نظائره. والتحقيق عندي في هذا المقام بما لا يحوم للناظر حوله نقض ولا ابرام هو ان كلا من الطهارة والنجاسة والحل والحرمة ليست امورا عقلية بل هي امور شرعية مبنية على التوقيف من صاحب الشرع ولها اسباب معينة معلومة منه تدور مدارها، والمعلوم


(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة. (2) المروية في الوسائل في الباب 4 من الماء المطلق. (3) لم نعثر في كتب الحديث على رواية لزرارة بهذا اللفظ وابما الوارد بهذا اللفظ حسنة الحلبي المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات وقد تقدمت ج 1 ص 138.

[ 249 ]

منه ان حصول الطهارة والحلية هي عبارة عن عدم علم المكلف بالنجس والمحرم لا عبارة عن عدم ملاقاة النجاسة وحصول السبب المحرم واقعا، وحصول النجاسة عبارة عن مشاهدة المكلف لذلك أو اخبار المالك بنجاسة مائه وثوبه مثلا أو شهادة الشاهدين وهكذا في ثبوب الحرمة، وليس ثبوت النجاسة لشئ واتصافه بها عبارة عن مجرد ملاقاة عين احد النجاسات في الواقع ونفس الامر خاصة وان كان هو المشهور حتى انه يقال بالنسبة الى غير العالم بالملاقاة ان هذا نجس في الواقع وطاهر بحسب الظاهر بل هو نجس بالنسبة إلى العالم بالملاقاة أو احد الاسباب المتقدمة طاهر بالنسبة إلى غير العالم، والشارع لم يجعل شيئا من الاحكام الشرعية منوطا بالواقع ونفس الامر. وحينئذ فلا يقال ان اخبار المالك وشهادة العدلين انما يفيدان ظن النجاسة لاحتمال ان لا يكون كذلك في الواقع كيف وهما من جملة الاسباب التي رتب الشارع الحكم بالنجاسة عليها، وبالجملة فحيث حكم الشارع بقبول شهادة العدلين واخبار المالك في ذلك فقد حكم بثبوت الاحكام بهما فيصير الحكم حينئذ معلوما من الشارع ولا معنى للنجس شرعا كما عرفت إلا ذلك وان فرض عدم ملاقاة النجاسة في الواقع، ألا ترى انه وردت الاخبار وعليه اتفاق كلمة الاصحاب ان الاشياء كلها على يقين الطهارة ويقين الحلية حتى يعلم النجس والحرام بعينه مع ان هذا اليقين كما عرفت ليس إلا عبارة عن عدم العلم بالنجاسة والحرمة وعدم العلم لا يدل على العدم، فيجوز ان تكون تلك الاشياء كلا أو بعضا بحسب الواقع ونفس الامر على النجاسة والحرمة لو كان كل من النجاسة والحرمة من الامور النفس الامرية الواقعية بدون علم المكلف بذلك، وكذا القول في حكم الشارع بقبول قول المالك في طهارة ثوبه وانائه وطهارة ما في اسواق المسلمين وحليته لعين ما ذكرنا، وبالجملة فالعلم واليقين المتعلق بهذه الاحكام ليس عبارة عما توهموه من الاناطة بالواقع ونفس الامر وان لم يظهر للمكلف وان متيقن النجاسة ليس إلا عبارة عما وجد فيه النجاسة حتى انه يصير ما عدا هذا الفرد مما اخبر به المالك أو شهد به العدلان مظنون النجاسة، إذ لو كان كذلك للزم مثله في جانب الطهارة إذ الجميع من

[ 250 ]

باب واحد فانها احكام متلقاة من الشارع فيختص الحكم بالطهارة يقينا حينئذ بما باشر المكلف تطهيره ولم يغب عنه بعد ذلك وإلا لكان مظنون الطهارة أو مرجوحها، مع ان المعلوم من الشرع كما عرفت خلافه فانه قد حكم بان الاشياء كلها على يقين الطهارة حتى يعلم المزيل عنها. ويؤكد ما صرنا إليه في هذا المقام وان غفل عنه جملة من علمائنا الاعلام ما نقله في المعالم عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) وارتضاه جملة ممن تأخر عنه من ان وجوب الحكم على القاضي بعد شهادة العدلين ليس من حيث انها توجب الظن بل من حيث ان الشارع جعلها سببا لوجوب الحكم على القاضي كما جعل دخول الوقت سببا لوجوب الصلاة. وايده بعض من تأخر عنه بانه كثيرا ما لا يحصل الظن بشهادتهما لمعارضة قرينة حالية مع وجوب الحكم على القاضي. انتهى. ومثله يأتي فيما ذكرنا من الاسباب كما لا يخفى على ذوي الالباب. ومما ذكرناه من هذا التحقيق الرشيق يظهر لك ان اظهر الاقوال هو القول المشهور وان الخبر المتقدم اعني قوله (عليه السلام): " الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر " ظاهر الانطباق عليه، والتقريب فيه ان المراد بالعلم فيه ما هو المتبادر من اللفظ وهو اليقين والقطع لكن لا بالنظر إلى الواقع ونفس الامر من حيث هو إذ لا مدخل له كما عرفت في الاحكام الشرعية بل بالنظر إلى الاسباب التي جعلها الشارع مناطا للنجاسة وعلم المكلف بها، فيقين الطهارة والنجاسة انما يدور على ذلك وجودا وعدما فالطاهر شرعا هو ما لم يعلم المكلف بملاقاة النجاسة له لا ما لم تلاقه النجاسة مطلقا والنجس هو ما علم المكلف بنجاسته باحد الاسباب لا ما لاقته النجاسة مطلقا. ولم اقف على من تنبه لما ذكرنا من هذا التحقيق في المقام من علمائنا الاعلام إلا الفاضل المحقق السيد نعمة الله الجزائري في رسالة التحفة، حيث قال بعد ان نقل عن بعض معاصريه من علماء العراق وجوب عزل السؤر عن الناس، ونقل عنهم ان من اعظم

[ 251 ]

ادلتهم قولهم انا قاطعون بان في الدنيا نجاسات وقاطعون ايضا بان في الناس من لا يتجنبها والبعض الاخر لا يتجنب ذلك البعض فإذا باشرنا احدا من الناس فقد باشرنا مظنون النجاسة أو مقطوعها، إلى ان قال فقلنا لهم يا معشر الاخوان ان الذي يظهر من اخبار الائمة الاطهار (عليهم السلام) التسامح في امر الطهارات وان الطاهر والنجس هو ما حكم الشارع بطهارته ونجاسته لا ما باشرته النجاسة والطهارة فالطاهر ليس هو الواقع في نفس الامر بل ما حكم الشارع بطهارته وكذا النجس وليس له واقع سوى حكم الشارع بطهارة المسلمين فصاروا طاهرين، إلى ان قال وبهذا التحقيق.. إلى آخر ما سيأتي نقله في المقام ان شاء الله تعالى. واما ما ذكره العلامة في التذكرة من ثبوت النجاسة بالعدل الواحد فقد تقدم رد المحقق له في المعتبر وانكار العلامة في المنتهى له ايضا، قال في المعالم واما ما ذهب إليه في التذكرة فلم يتعرض للاحتجاج عليه فيها ولكنه في النهاية احتمل قبول اخبار العدل الواحد بنجاسة اناء معين ان وجد غيره، ووجهه بان الشهادة في الامور المتعلقة بالعبارة كالرواية والواحد فيها مقبول فيقبل بشبهها من الشهادة. وربما كان التفاته في كلام التذكرة إلى نحو هذا التوجيه، وحاله لا يخفى. انتهى. اقول: الحق عندي ان قبول قول العدل الواحد في هذا المقام لا يخلو من قوة لا لما ذكر من هذا التعليل السخيف بل لدلالة جملة من الاخبار على افادة قوله العلم، ومنها ما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضا فقال لي ان حدث بي حدث فاعط فلانا عشرين دينارا واعط اخي بقية الدنانير فمات ولم اشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي انه امرني ان اقول لك انظر الدنانير التي امرتك ان تدفعها إلى اخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين ولم يعلم اخوه ان عندي شيئا ؟ فقال ارى ان


(1) رواه في الوسائل في الباب 97 من كتاب الوصايا.

[ 252 ]

تتصدق منها بعشرة دنانير كما قال " وفيه دلالة على ثبوت الوصية بقول الثقة. وما رواه الشيخ في التهذيب والصدوق عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قال فيه: " ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض ابدا والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة " والاصحاب قد صرحوا في هذه المسألة بانه لا ينعزل الوكيل إلا مع العلم، ومنه يعلم ان نظم اخبار الثقة في سلك المشافهة الموجبة للعلم ظاهر في انه مثله في افادة العلم المشترط في المسألة ونحو ذلك من الاخبار الدالة على جواز وطء الامة بغير استبراء إذا كان البائع عدلا قد اخبر بالاستبراء، والاخبار الدالة على الاعتماد في دخول الوقت المشروط فيه العلم على اذان الثقة، إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، وبذلك يظهر قوة القول المذكور كما قدمنا الاشارة إليه وان لم تخطر هذه الادلة ببال صاحبه. تنبيهات (الاول) ظاهر الاصحاب الاتفاق على قبول قول المالك في طهارة ثوبه وانائه ونحوهما ونجاستهما، وناقش فيه المحقق الخوانساري في شرح الدروس حيث قال: واما قبول قول المالك عدلا كان أو فاسقا فلم نظفر له على حجة وقد يؤيد بما رواه في التهذيب عن اسماعيل بن عيسى (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من اسواق الجبل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف ؟ قال عليكم انتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " وجه التأييد ان ظاهره ان قول المشركين يقبل في اموالهم انها ذكية وإلا فلا فائدة في السؤال عنهم وإذا قبل قول المشركين فقول المسلمين بطريق اولى. لكن


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من كتاب الوكالة. (2) رواه في الوسائل في الباب 50 من ابواب النجاسات.

[ 253 ]

سند الرواية غير نقي ما ان في الظهور المذكور تأملا. انتهى. اقول: ما ذكره من الرواية المذكورة وزعم دلالتها على قبول المشرك فالظاهر ان المعنى فيها ليس على ما فهمه وان كان قد سبقه فيه إلى ذلك المحدث الكاشاني في الوافي ايضا حيث قال بعد نقل الخبر المذكور: وانما يجب السؤل إذا كان البائع مشركا لغلبة الظن حينئذ بانه غير ذكي إلا ان يخبر هو بانه من ذبيحة المسلمين فيصير بالسؤال مشكوكا فيه فجاز لبسه حينئذ حتى يعلم كونه ميتة. انتهى. ولا يخفى انه يرد على هذا التفسير (اولا) انه لا مناسبة في ارتباط الجواب بالسؤال إذ السائل انما سأل عن الاشتراء من المسلم فكيف يجاب على تقدير الاشتراء من المشترك ؟ و (ثانيا) انه لا معنى لقوله في آخر الخبر: " وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " والاظهر عندي في معنى الخبر المذكور هو انه لما سأل السائل عن حكم الشراء من السوق المذكورة إذا كان البائع مسلما وانه هل يسأل عن ذكاته ام لا ؟ اجاب (عليه السلام) بالتفصيل بانه ان كان في تلك السوق من يبيع من المشركين فعليكم السؤال من ذلك المسلم إذ لعله اخذه من المشركين وإذا رأيتم المسلم يصلي فيه فلا تسألوا لان صلاته فيه دليل على طهارته عنده، ويفهم من الخبر بمفهوم الشرط انه مع عدم من يبيع من المشركين فليس عليهم السؤال. ومما يدل على عدم السؤال اطلاق صحيحة البزنطي (1) قال: " سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي ام غير ذكية أيصلي فيها ؟ قال نعم ليس عليكم المسألة ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، ان الدين اوسع من ذلك " وانت خبير بان الظاهر من الصحيحة المذكورة حيث تضمنت نفي المسألة المؤكد بالرد على الخوارج ونسبتهم إلى تضييق الدين بالمسألة أو ما هو نحوها ان مع السؤال يقبل قول المسؤول وإلا لما حصل الضيق في الدين بالسؤال كما لا يخفى، إذ الظاهر ان المراد من الخبران جميع الاشياء بمقتضى سعة الدين المحمدي


(1) المروية في الوسائل في الباب 50 من النجاسات و 55 من لباس المصلى

[ 254 ]

على ظاهر الحل والطهارة، والسؤال والفحص عن كل فرد فرد بانه حلال أو حرام أو طاهر أو نجس تضييق لها ورفع لسهولتها التي قد من الشارع بها على عباده، ومعلوم ان حصول الضيق انما يتم بقبول قول المالك بالنجاسة والحرمة. ومما يدل على المنع من السؤال ايضا بعض الاخبار الواردة في الجبن حيث انه (عليه السلام) اعطى الخادم درهما وامره ان يبتاع به من مسلم جبنا ونهاه عن السؤال (1) وحينئذ ففي هذه الاخبار ونحوها دلالة على قبول قول المالك عدلا كان أو غيره. ومما يدل على ذلك ايضا ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن بكير (2) قيل: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه ؟ قال لا يعلمه. قلت فان اعلمه ؟ قال يعيد " وهي كما ترى صريحة في قبول قول المالك في طهارة ثوبه ونجاسته لحكمه (عليه السلام) باعادة الصلاة على المستعير لو صلى بعد الاعلام، ويدل على ذلك ايضا موثقة معاوية بن عمار (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من اهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وانا اعلم انه يشربه على النصف افاشربه بقوله وهو يشربه على النصف ؟ فقال لا تشربه. قلت فرجل من غير اهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه نشرب منه ؟ قال نعم " ورواية علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يصلي إلى القبلة لا يوثق به اتى بشراب زعم انه على الثلث أيحل شربه ؟ قال لا يصدق إلا ان يكون مسلما عارفا " وموثقة عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) (5) " انه سأل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول هذا مطبوخ على الثلث ؟ فقال ان كان


(1) وهو خبر بكر بن حبيب المروي في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة (2) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب النجاسات (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 7 من الاشربة المحرمة.

[ 255 ]

مسلما ورعا مأمونا فلا بأس ان يشرب " وقد دلت هذه الاخبار على قبول قول المالك إلا في مقام الريبة وحصول الظن بكذبه وهو امر خارج عن موضع البحث. (الثاني) قد عرفت ما تقدم ان الاصل الطهارة في كل شئ حتى يقوم الدليل الشرعي على النجاسة ولا يكفي مجرد الظن، وهذا الاصل وان لم يرد بقاعدة كلية فيما سوى الماء الا ما يتناقله الفقهاء في كتب الاستدلال من قوله (عليه السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " مع عدم وجوده في كتب الاخبار فيما اعلم إلا ان هذه مستفادة من جملة من الاخبار بضم بعضها إلى بعض بل ظاهرة من بعضها ايضا. ومنها ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قال: " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك " وهذا الخبر في معنى الخبر المشهور المشار إليه إذ المراد بالنظافة انما هو الطهارة. وعن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن علي (عليه السلام) (2) قال قال: " ما ابالي ابول اصابني ام ماء إذا لم اعلم ". ومنها صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: " سأل ابي أبا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه ". وفي الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام)


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات (4) رواه في الوسائل في الباب 73 من النجاسات.

[ 256 ]

عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم اخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال البسها ولا اغسلها واصلي فيها ؟ قال نعم. قال معاوية فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له ازرارا ورداء من السابري ثم بعثت بها إليه (عليه السلام) في يوم الجمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما اريد فخرج فيها إلى الجمعة ". ورواية ابي جميلة عن الصادق (عليه السلام) (1): " انه سأله عن ثوب المجوسي البسه واصلي فيه ؟ قال نعم قال قلت يشربون الخمر ؟ قال نعم نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها ". وروى عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بالصلاة بأسا في الثوب الذي يشترى من النصارى واليهود والمجوس قبل ان يغسل يعني الثياب التي تكون في ايديهمم فينجسونها وليس ثيابهم التي يلبسونها " قوله " يعني الثياب.. الخ " من كلام الراوي تفسيرا لما ذكره من الخبر، والظاهر ان مراده انها مظنة للنجاسة وانها لا تخلو منها غالبا. وفي الصحيح عن زرارة (3) قال: " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، ثم ساق الخبر إلى ان قال قلت: فان ظننت انه اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فيه فرأيت فيه ؟ قال تغسله ولا تعيد الصلاة. فقلت لم ذاك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا " وهذا الخبر وان كان مضمرا في التهذيب الا انه مروي عن ابي جعفر (عليه السلام)


(1) المروية في الوسائل في الباب 73 من ابواب النجاسات (2) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات (3) رواه في الوسائل في الباب 7 و 37 و 41 و 42 و 44 من النجاسات بنحو التقطيع.

[ 257 ]

كما صرح به في كتاب العلل (1) وهو صريح في الدلالة على كلية الحكم المذكور وانه لا ينصرف عن يقين الطهارة بالظن بل لابد من اليقين الشرعي. وفي الصحيح عن ضريس الكناسي (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين بالروم انأكله ؟ فقال اما ما علمت انه خلطه الحرام فلا تأكله واما ما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام " والمراد بالحرام هنا النجس فانه كثيرا ما يطلق على ذلك كما قدمنا ذكره في الكتاب. وصحيحة الحلبي المروية في الكافي (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الخفاف عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها ؟ فقال صل فيها حتى يقال لك انها ميتة بعينها ". وصحيحته الاخرى المروية في التهذيب (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق ؟ فقال اشتر وصل فيها حتى تعلم انه ميتة بعينة ". ورواية الحسن بن الجهم (5) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) اعترض السوق فاشترى خفا لا ادري أذكي هو ام لا ؟ قال صل فيه. قلت فالنعل ؟ قال مثل ذلك. قلت اني اضيق من هذا، قال أترغب عن ما كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله ؟ " وصحيحة البزنطي المتقدمة في سابق هذا التنبيه ومثلها رواية سليمان بن جعفر الجعفري (6) " انه سأل العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل ياتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي ام غير ذكية أيصلي فيها ؟ قال نعم ليس عليكم المسألة ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين اوسع من ذلك ".


(1) ص 127 (2) رواه في الوسائل في الباب 64 من ابواب الاطعمة المحرمة (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب 50 من النجاسات.

[ 258 ]

ورواية المعلى بن خنيس (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا بأس بالصلاة في الثياب التي يعملها المجوس والنصارى واليهود ". وروى في قرب الاسناد عن احمد بن عيسى عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الخفاف يأتي الرجل السوق فيشترى الخف لا يدري أذكي هو ام لا ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري ؟ قال نعم انا اشتري الخف من السوق واصلي فيه وليس عليكم المسألة ". وبهذا الاسناد (3) قال: " سألته عن الجبة الفراء يأتي الرجل السوق من اسواق المسلمين فيشترى الجبة لا يدري أذكية هي ام لا يصلي فيها ؟ قال نعم ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين اوسع من ذلك ان علي بن ابي طالب (عليه السلام) كان يقول ان شيعتنا في اوسع ما بين السماء إلى الارض انتم المغفور لكم ". إلا انه قد ورد بازاء هذه الاخبار ما ظاهره المنافاة والبناء على الظن ولعله مستند ابي الصلاح فيما تقدم نقله عنه من الاكتفاء في ثبوت النجاسة بمجرد الظن: ومنها صحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده عليه أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال لا يصل فيه حتى يغسله ". ورواية ابي بصير (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء فقال كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا لا يدفئه فراء الحجاز لان


(1) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات (2) رواه في الوسائل في الباب 50 من النجاسات (3) قرب الاسناد ص 171 (4) المروية في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات (5) المروية في الوسائل في الباب 61 من لباس المصلى.

[ 259 ]

دباغها بالقرظ وكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة القاه والقى القميص الذي يليه وكان يسأل عن ذلك فيقول ان اهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته ". وروى في مستطرفات السرائر من كتاب البزنطي (1) قال: " وسألته عن رجل يشتري ثوبا من السوق لللبس لا يدري لمن كان يصلح له الصلاة فيه ؟ قال ان كان اشتراه من مسلم فليصل فيه وان كان اشتراه من نصراني فلا يلبسه ولا يصل فيه حتى يغسله " ومثلها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق اللبس لا يدري لمن كان هل يصلح الصلاة فيه ؟ قال ان اشتراه من مسلم صلى فيه وان اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله ". ورواية محمد بن الحسين الاشعري (3) قال: " كتب بعض اصحابنا إلى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) ما تقول في الفرو يشترى من السوق ؟ فقال ان كان مضمونا فلا بأس " اقول: يعني إذا ضمن البائع ذكاته واخبر بها عن علم. ومن ذلك رواية عبد الرحمان بن الحجاج (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني ادخل سوق المسلمين اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام فاشترى منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها أليس هي ذكية ؟ فيقول بلى، فهل يصلح لي ان ابيعها على انها ذكية ؟ فقال لا ولكن لا بأس ان تبيعها وتقول قد شرط الذي اشتريتها منه انها ذكية. قلت وما افسد ذلك ؟ قال استحلال اهل العراق للميتة وزعموا ان دباغ جلود الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ". والشيخ (قدس سره) لم يذكر في الاستبصار سوى خبري عيد الله بن سنان وقال بعدهما: هذان الخبران راويهما جميعا عبد الله بن سنان والحكاية فيهما عن مسألة ابيه


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 50 من النجاسات. (4) المروية في الوسائل في الباب 61 من النجاسات.

[ 260 ]

ابا عبد الله (عليه السلام) ولا يجوز ان يتناقض بان يقول تارة " صل فيه " وتارة " لا تصل فيه " إلا ان يكون قوله (عليه السلام) " لا تصل فيه " على وجه الكراهية دون الحظر. انتهى وبالجملة فان كل من ذكر خبرا من هذا الاخبار فانما يحمله على الاستحباب لاجماعهم على العمل بالاخبار الاول التي هي مستند القاعدة المتفق عليها بينهم قديما وحديثا ولا بأس به، ويدل عليه رواية ابي علي البزاز عن ابيه (1) قال: " سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الثوب يعمله اهل الكتاب اصلي فيه قبل ان اغسله ؟ قال لا بأس وان يغسل احب الي " وصحيحة الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي ؟ قال يرش بالماء " والتقريب في الاولى ظاهر واما الثانية فلما علم من الاخبار المتكاثرة كما سيأتي ان شاء الله تعالى ان الامر بالرش الذي هو النضح انما هو في مقام زوال النفرة في الاشياء الطاهرة كملاقاة الكلب باليبوسة ونحوه وإلا فالنجس بنجاسة عينية انما يؤمر فيه بالغسل كما لا يخفى. والله العالم. (الثالث) قال في المعالم: قال بعض الاصحاب لو وجد عدلان في ثوب الغير أو مائه نجاسة امكن وجوب الاخبار لوجوب تجنب النجاسة وهو يتوقف على الاخبار المذكور فيجب، والعدم لان وجوب التجنب مع العلم لا بدونه لاستحالة تكليف الغافل، قال وابعد منه ما لو كان عدلا وابعد منهما ما لو كان فاسقا ثم قال ولا ريب ان الاخبار اولى. ثم قال في المعالم وما ذكره في توجيه احتمال الوجوب ظاهر الضعف ولا ريب ان العدم هو مقتضى الاصل فيجب التمسك به إلى ان يدل دليل واضح على الوجوب وقد روى الشيخان في الكافي والتهذيب بسند يعد في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي ؟ قال لا يؤذنه حتى ينصرف " وهذا ربما اشعر بعدم الوجوب. انتهى.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.

[ 261 ]

اقول: وجدت منسوبا إلى بعض الفضلاء مسألة مذيلة بالجواب بما هذه صورته مسألة لو رأى المأموم في اثناء الصلاة في ثوب الامام نجاسة غير معفو عنها فهل يجوز له الاقتداء في تلك الحال ام لا ؟ وهل يجب عليه اعلامه ام لا ؟ ولو لم يجز له الاقتداء فهل يبني بعد نية الانفراد على ما مضى ام يعيد من رأس ؟ الجواب: الاولى عدم الائتمام ويجب الاعلام ويجب الانفراد في الاثناء ويبني على قراءة الامام. انتهى. اقول: ما ذكره هذا الفاضل المجيب من وجوب الاعلام قد صرح به العلامة في اجوبة مسائل السيد السعيد مهنا بن سنان المدني محتجا على ذلك بكونه من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانت خبير بما في (اما اولا) فلان الاصل عدمه كما تقدم في كلام المحقق الشيخ حسن، وادلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تشمله لعدم توجه الخطاب للجاهل والناسي كما ذكروه فلا منكر بالنسبة اليهما ولا معروف. و (اما ثانيا) فلان المفهوم من تتبع الاخبار انه لا يجب الاعلام بمثل، ذلك فمن ذلك صحيحة محمد بن مسلم المذكورة، ومن ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1): " ان ابا جعفر (عليه السلام) اغتسل وبقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فقيل له فقال ما كان عليك لو سكت ؟ ومن ذلك رواية عبد الله بن بكير المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه ؟ قال لا يعلمه. قلت فان اعلمه ؟ قال يعيد " والمستفاد من هذه الاخبار كراهة الاخبار فضلا عن الجواز فكيف بالوجوب الذي ذكروه ؟ والظاهر ان الوجه في ذلك هو انه لما كان بناء الاحكام الشرعية انما هو على الظاهر في نظر المكلف دون الواقع ونفس الامر تحقيقا لبناء الشريعة على السهولة والسعة فان الفحص والسؤال عن امثال ذلك تضييق لها كما استفاضت به الاخبار الدالة على النهي عن السؤال، نهى عن الاخبار بذلك والاعلام لعين ما ذكرناه في المقام.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.

[ 262 ]

وما ذكره من عدم الائتمام ووجوب الانفراد على المأموم فقد نقل شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان البحراني في رسالته في الصلاة عن المحقق الشيخ علي نحوه ثم نقل عن بعض المتأخرين الجواز ثم تنظر في الجواز اولا ثم قال بعد نقل القول به: ولا يخلو من قوة. ولم ينقل دليلا في المقام نفيا ولا اثباتا. اقول: وتحقيق القول في ذلك مبني على مسألة اخرى وهي ان من صلى في النجاسة جاهلا بها هل صلاته والحال هذه صحيحة واقعا وظاهرا أو تكون صحيحة ظاهرا باطلة واقعا إلا انه غير مؤاخذ لمكان الجهل بالنجاسة ؟ ظاهر الاصحاب كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية هو الثاني حيث قال في مسألة ما لو تطهر بالماء النجس جاهلا وان ذلك مبطل لصلاته ما صورته: حتى لو استمر الجهل به حتى مات فان صلاته باطلة غايته عدم المؤاخذة عليها لامتناع تكليف الغافل، هذا هو الذي يقتضيه اطلاق العبارة وكلام الجماعة، ولا يخفى ما فيه من البلوى فان ذلك يكاد يوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة لكثرة النجاسات في نفس الامر وان لم يحكم الشارع ظاهرا بفسادها. فعلى هذا لا يستحق عليها ثواب الصلاة وان استحق اجر الذاكر المطيع بحركاته وسكناته ان لم يتفضل الله تعالى بجوده عليه. انتهى. وحينئذ فان قلنا بما ذكره شيخنا المذكور ونقله عن الاصحاب فانه يتجه كلام هؤلاء القائلين بتعين الانفراد ومنه الاقتداء، والظاهر ان ما ذكروه في المسألة مبني على ذلك لظهور بطلان صلاة الامام عند المأموم العالم بالنجاسة فلا يجوز له الاقتداء بصلاة باطلة وان كانت صحيحة في نظر الامام لجهله بالنجاسة، وربما احتمل على هذا وجوب الاعلام واندرج تحت الامر بالمعروف كما ذكره العلامة ايضا. إلا ان الاظهر عندي هو الاول لوجوه: (احدها) ما قدمنا تحقيقه من ان الشارع لم يجعل الحكم بالطهارة والنجاسة منوطا بالواقع ونفس الامر وانما رتبه على الظاهر في نظر المكلف فاوجب عليه الصلاة في الثوب الطاهر اي ما لم يعلم بملاقاة

[ 263 ]

النجاسة له وان لاقته واقعا لا ما لم تلاقه النجاسة لانه تكليف بما لا يطاق وهو مردود عقلا ونقلا، وحينئذ فإذا صلى المصلي في الثوب المذكور فقد امتثل امر الشارع وصارت صلاته صحيحة شرعية إذا خلت من سائر المبطلات. و (ثانيها) ما اسلفناه من الاخبار الدالة على المنع من الاخبار بالنجاسة وان كان في اثناء الصلاة، ولو كان الامر كما يدعونه من كون النجاسة والطهارة ونحوهما انما هو باعتبار الواقع ونفس الامر وان تلبس المصلي بالنجاسة جاهلا موجب لبطلان صلاته واقعا فكيف يحسن من الامام (عليه السلام) المنع من الايذان بها في الصلاة كما في صحيح محمد بن مسلم أو قبلها كما هو احد الوجهين في رواية ابن بكير وهل هو بناء على ما ذكروه إلا من قبيل التقرير على تلك الصلاة الباطلة والمعاونة على الباطل ؟ ولا ريب في بطلانه. و (ثالثها) انه يلزم على ما ذكروه عدم الجزم بصحة شئ من العبادات إلا نادرا كما اعترف به شيخنا الشهيد الثاني فيما قدمنا من عبارته في شرح الرسالة، وبنحوه صرح المحدث السيد نعمة الله الجزائري على اثر الكلام الذي قدمنا نقله عنه في اصل المسألة حيث قال: وبهذا التحقيق يظهر لك بطلان ما ذهب إليه جماعة من الاصحاب من ان من تطهر بماء نجس فاستمر الجهل به حتى مات فصلاته باطلة غايته عدم المؤاخذة عليها لامتناع تكليف الغافل، ولو صح هذا الكلام لوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة لكثرة النجاسة في نفس الامر. انتهى. وبذلك يظهر لك ان الاصح هو صحة صلاة المصلي بالنجاسة جهلا ظاهرا وواقعا واستحقاق الثواب عليها، وبه يتضح انه لا وجه للانفراد في اثناء الصلاة بسبب رؤية النجاسة كما ذكره المجيب والمحقق الشيخ علي. (فان قيل): ما ذكرتموه متجه على تقدير حمل الامام على كونه بالنجاسة اما مع احتمال العلم بها ونسيانها وقت الصلاة فالمشهور بين الاصحاب وجوب الاعادة في الوقت وقيل في خارجه ايضا، وعليه فلا يتم ما ذكرتم لان وجوب الاعادة كاشف عن البطلان

[ 264 ]

(قلنا) فيه (اولا) انه قد تقرر في كلامهم وعليه دلت الاخبار ايضا حمل افعال المسلمين على الصحة وان الفعل متى احتمل الصحة والبطلان فانه يحمل على الوجه المصحح حتى يظهر دليل البطلان، وهذا اصل عندهم قد بنوا عليه احكاما عديدة في العبادات والمعاملات كما لا يخفى على المتدرب، وحينئذ فنقول لما ثبت صحة الصلاة في النجاسة جهلا فعلى تقدير القول ببطلان الصلاة نسيانا فمقتضى القاعدة المذكورة في هذه النجاسة المرئية المحتملة لكونها مجهولة أو منسية الحمل على الوجه الصحيح إذ الاصل هو الصحة، والناس في سعة مما لم يعلموا (1) فلا يكون مجرد الرؤية موجبا للحكم ببطلان الصلاة. و (ثانيا) ان مقتضى اطلاق صحيحة محمد بن مسلم الدالة على المنع من الاعلام بالنجاسة شمول الجهل والنسيان ولعل وجهه ان الناسي في حال نسيانه كالجاهل في حال جهله غير مخاطب بما اخل به فتكون صلاته صحيحة على التقديرين. والله العالم. (الرابع) ربما دلت الروايات المتقدمة من حيث الدلالة على كراهة الاخبار بالنجاسة على انه يجوز للانسان إذا كان عنده طعام نجس ان يبيعه ممن لا يعلم بالنجاسة أو يطعمه اياه وانه لا اثم عليه ولا حرج سيما رواية عبد الله بن بكير الدالة على جواز اعارة الثوب الذي لا يصلي فيه من حيث النجاسة لمن يصلي فيه من غير ان يعلمه (2) والتقريب فيها انه ان لم يكن امر الصلاة اشد والمنع فيها آكد فلا يكون اقل من الاكل أو البيع، ويؤيد ذلك ما قدمنا من انه طاهر في نظر المشتري والاكل والطهارة والنجاسة ليست منوطة بالواقع وانما هي منوطة بعلم المكلف وعدمه وهذا المفروض وان كان نجسا بالنسبة إلى المالك إلا انه طاهر بالنسبة إلى الاخر. والقول بذلك لا يخلو من قوة إلا ان ظواهر جملة من الاخبار تدفعه مثل صحيحة


(1) لم نجد في كتب الحديث خبرا بهذا اللفظ وقد ورد في حديث السفرة (هم في سعة حتى يعلموا " وقد رواه في الوسائل في الباب 50 من النجاسات و 38 من الذبائح و 23 من اللقطة، وقد تقدم الحديث في التعليقة 2 ص 43 ج 1. (2) ص 261.

[ 265 ]

ابن ابي عمير عن بعض اصحابه (1) قال وما احسبه إلا حفص بن البختري قال: " قيل لابي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن بالماء النجس كيف يصنع به ؟ قال يباع ممن يستحل اكل الميتة " وفي الصحيح عن ابن ابي عمير ايضا عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " يدفن ولا يباع " وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا اختلط الذكي بالميتة باعه ممن يستحل الميتة واكل ثمنه " ومثلها حسنته ايضا (4) وقد تقدم ايضا في صدر الفصل الخامس (5) في رواية معاوية بن عمار (6) المتضمنة للسؤال عن جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل انه قال: " تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به ". والمسألة لذلك غير خالية من الاشكال، والتأويل في الاخبار الاولة بالحمل على اخبار الغير بنجاسة ثوبه أو بدنه أو نحوهما وان امكن في صحيحة محمد بن مسلم كما هو مورد الرواية المذكورة فلا منافاة بينها وبين هذه الاخبار إلا ان رواية عبد الله بن بكير لا تقبل ذلك لكون النهي فيها بالنسبة إلى المالك وانه يجوز ان يعير ثوبه النجس ولا يخبر بنجاسته وهو ظاهر المنافاة لهذه الاخبار ومؤيد بما ذكرناه من القاعدة في الباب، وفي معنى رواية ابن بكير المذكورة صحيحة العيص بن القاسم (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل اياما ثم ان صاحب الثوب اخبره انه لا يصلي فيه ؟ قال لا يعيد شيئا من صلاته " والتقريب فيها تقريره (عليه السلام) السائل على اعارته ثوبه النجس لمن يصلي فيه إذ من المعلوم ان صلاة ذلك الرجل فيه انما تكون باذن صاحبه واعارته اياه، وتقريره (عليه السلام) حجة كما تقرر في موضعه.


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب الاسآر (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الاطعمة المحرمة (5) ص 56 (6) هكذا فيما وقفنا عليه من النسخ والصحيح (معاوية بن وهب) كما في كتب الحديث. (7) المروية في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.

[ 266 ]

(فان قيل) ان الخبرين المذكورين لا دلالة فيهما على نجاسة الثوب المعار فلعل عدم الصلاة فيه كما في رواية ابن بكير والاخبار بانه لا يصلي فيه كما في الصحيحة المذكورة انما هو لامر آخر كالغصب ونحوه من الموانع. (قلنا اولا) انه قد تقرر عندهم ان عدم الاستفصال في مقام الاحتمال دليل على العموم في المقال فيكفي دلالة الخبرين على ما ذكرنا بعمومهما. و (ثانيا) ان الاصحاب انما فهموا من الروايتين النجاسة ولهذا نظموا صحيحة العيص المذكورة في روايات من صلى في النجاسة جاهلا ومن ذكر منهم رواية ابن بكير فانما ذكرها في مقام الصلاة في النجاسة ايضا. (المسألة الثالثة) قد تفرد المحدث الكاشاني بالقول بان المتنجس إذا ازيلت عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه فانه لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه في موضعها ولو مع الرطوبة وبالغ في نصرته وشنع على من خالفه، قال في المفاتيح: انما يجب غسل ما لاقى عين النجاسة واما ما لاقى الملاقي لها بعد ما ازيل عنه بالتمسح ونحوه بحيث لا يبقى فيه شئ منها فلا يجب غسله كما يستفاد من المعتبرة (1) على انا لا نحتاج إلى دليل على ذلك فان عدم الدليل على وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا حكم إلا بعد البرهان، إلا ان هذا الحكم مما يكبر في صدور الذين غلب عليهم التقليد من اهل الوسواس الذين يكفرون بنعمة الله تعالى ولا يشكرون سعة رحمة الله سبحانه وفي الحديث (2) " ان الخوارج ضيقوا على انفسهم وان الدين اوسع من ذلك " انتهى. اقول: ان عبارته وكلامه لا يخلو من اجمال واختلال (اما الاول) فان مقتضى قوله: " انما يجب غسل ما لاقى عين النجاسة " هو ان تعدي النجاسة يدور مدار الملاقاة لعين النجاسة وجودا وعدما دون الملاقاة للمتنجس اعم من ان تكون عين النجاسة


(1) سيأتي التعرض لها في الصفحة 268 وما بعدها (2) وهو صحيح البزنطى المتقدم ص 253 ورواية الجعفري ص 257 ورواية قرب الاسناد ص 258.

[ 267 ]

مصاحبة له ام لا إذا لم يستلزم ملاقاة العين، وعلى هذا يستفاد منه الحكم بطهارة كل ما لم يلاق عين النجاسة سواء لاقى المحل بعد زوال عين النجاسة عنه كما ذكره أو لاقاه والعين باقية فيه لكن على وجه لا تصل إلى الملاقي، ومقتضى قوله: " واما ما لاقى الملاقي لها بعد ما ازيل عنه العين.. الخ " ان تعدي النجاسة لا يدور مدار ملاقاة العين بخصوصها بل هو اعم من الملاقاة لها وللمحل الذي هي فيه بشرط كونه مائعا مصاحبا للنجاسة، وعلى هذا فيستفاد منه تخصيص الطهارة بما لاقى محل النجاسة بعد ما ازيل عنه العين اعم من ان يكون محل النجاسة مائعا كالدهن المائع ونحوه أو غير مائع كالبدن والخشب والثوب ونحوها. و (اما الثاني) فان كلامه على كلا الاحتمالين مردود، اما على تقدير الاحتمال الاول من دوران الطهارة والنجاسة مدار الملاقاة للعين وجودا وعدما ففيه انه معلوم البطلان لاستفاضة الروايات بما ينافيه كروايات نجاسة الدهن والدبس المائعين بوقوع الفأرة وموتها فيه ونجاسة الاواني لنجاسة مياهها. واما على تقدير الاحتمال الثاني ولعل مراده ذلك ولعل في تصريحه بذلك الفرد الخاص اشعارا به ففيه ان المفهوم من كلامه كما اشرنا إليه آنفا هو عدم تعدي نجاسة ذلك المحل الذي فيه النجاسة بعد زوال العين منه اعم من ان يكون مائعا أو جامدا، مثلا لو وضعت اصبعا في دهن نجس بعد رفع عين النجاسة فانه لا يقتضي نجاسة الاصبع، وهذا في البطلان اظهر من ان يحتاج إلى بيان لدلالة الاخبار على نجاسة الدهن ونجاسة ما تعدى إليه ولهذا حرم اكله والانتفاع به إلا في الاسراج ونحوه، اللهم إلا ان يخص الدعوى بغير المائع كالخشب والثوب والبدن ونحوها كما هو مورد المعتبرة التي استند إليها. وفيه (اولا) ان الظاهر من كلامه في مفاتيح النجاسات انما هو ما ذكرنا من المعنى الاعم الشامل للمائع والجامد حيث انه بعد ذكر النجاسات العشرة في مفاتيح متعددة قال ما صورته: مفتاح كل شئ غير ما ذكر

[ 268 ]

فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة للاصل السالم عن المعارض، وللموثق (1) " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر " فان تخصيصه الاستثناء بما يلاقي شيئا من النجاسات خاصة دون المتنجس ظاهر في طهارة ما لاقى المتنجس صلبا كان أو مائعا بعد ازالة عين النجاسة أو قبلها ما لم يلاقها. و (ثانيا) انه مع تسليم ما ذكر فانه معارض باستفاضة الاخبار بغسل الاواني والفرش والبسط ونحوها متى تنجس شئ منها إذ من المعلوم ان الامر بغسلها ليس إلا لمنع تعدي نجاستها إلى ما يلاقيها برطوبة مما يشترط فيه الطهارة، ولو كان مجرد زوال العين كافيا في جواز استعمال تلك الاشياء لما كان للامر بغسلها فائدة بل كان عبثا لان تلك الاشياء انفسها لا تستعمل فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة ونحوها حتى يقال ان الامر بغسلها لذلك، وبالجملة لا يظهر وجه حسن لهذا التكليف لو كان ما ادعاه حقا سيما مع بناء الدين على السهولة والتخفيف في التكاليف ونفى العسر والحرج، هذا. واما المعتبرة التي اشار إليها واعتمد في المقام عليها وهي موثقة حنان بن سدير (2) قال: " سمعت رجلا يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) فقال اني ربما بلت فلا اقدر على الماء ويشتد ذلك علي ؟ فقال إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك " فهي غير صريحة بل ولا ظاهرة فيما ادعاه بل هي بالدلالة على خلافه اقرب وبما ندعيه انسب، وتوضيح ذلك انه بعد ان نقل هذه الرواية في الوافي نبه على احتمالها لمعنيين (احدهما) وهو الذي يظهر عندنا من لفظ الرواية وسياقها هو ان السائل شكا إليه انه ربما بال وليس معه ماء ويشتد ذلك عليه بسبب عرق ذكره وبعد ذلك أو بلل يخرج من ذكره فيلاقي مخرج البول فيتنجس به ثوبه وبدنه، فأمره (عليه السلام) لذلك بحيلة شرعية يتخلص بها من ذلك وهو ان يمسح غير المخرج من الذكر اعني المواضع


(1) المروي في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء.

[ 269 ]

الطاهرة منه بعد ما ينشف المخرج بشئ حتى لو وجد بللا بعد ذلك لقدر في نفسه انه يجوز ان يكون من بلل ريقه الذي وضعه وليس من العرق ولا من المخرج فلم يتيقن النجاسة من ذلك البلل حينئذ (الثاني) وهو الذي بنى عليه ان تكون شكاية ذلك السائل انما هي من انتقاض وضوئه بالبلل الذي يجده بعد المسح لاحتمال كونه بولا، وقوله: " انه لا يقدر على الماء " يعني لازالة ذلك البلل المحتمل كونه بولا فانه قد تعدى من المخرج إلى ثوبه وبدنه، فأمره (عليه السلام) ان يمسح ذكره يعني مخرج البول بعدما مسح البول عنه بريقه حتى لو خرج بعد ذلك بلل صار مشكوكا فيه من حيث الريق الموضوع على طرف الذكر لاحتمال كونه منه، هذا حاصل كلامه، ثم قال وهذا المعنى اوفق بالاخبار الاخر. ثم قال: وهذان الامران اعني عدم الحكم بالنجاسة إلا بعد التيقن وعدم تعدي النجاسة من المتنجس بابان من رحمة الله الواسعة فتحهما الله لعباده رأفة بهم ونعمة لهم ولكن اكثرهم لا يشكرون فينتقم الله منهم بابتلائهم بالوسواس واتباعهم الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما في قوله: " وعدم تعدي النجاسة من المتنجس " من الدلالة على العموم للمائع والجامد كما قدمنا ذكره. ثم اقول لا يخفى ان ما ذكره من هذا الاحتمال الذي بنى عليه الاستدلال مردود من وجوه: (اولها) انه قد ذكر الاحتمالين في معنى الرواية كما قدمنا نقله عنه وهو لم يذكر مرجحا لهذا الاحتمال الذي استند إليه وقد عرفت ان الاحتمال الاخر لا يجري فيما ذهب إليه، وقد تقرر بينهم انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال. و (ثانيها) انه لا دلالة في الخبر على هذا الوضوء الذي بنى عليه هذه المباني المتعسفة وارتكب لاجله هذا التمحلات المتكلفة وان كان قد سبقه إلى هذا الاحتمال السيد السند في المدارك ايضا حيث قال بعد نقل خبر حنان: لانا نجيب عنه اولا بالتقية أو على ان

[ 270 ]

المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا. انتهى. و (ثالثها) ان الوضوء الذي ذكره لا يكون إلا بعد البول فلم لا غسل مخرج البول اولا لدفع هذه الحيرة التي شكاها لانه واجد للماء بزعمه وازالة البول التي يكفي فيها مثلا ما على الحشفة لا يحتاج إلى كثير ماء حتى ربما يقال انه لا زيادة فيه على الوضوء، فالواجب حينئذ هو ازالة البول اولا ولا سيما على مذهب الصدوق القائل بابطال الوضوء ووجوب اعادته مع نسيان غسل مخرج البول كما دلت عليه اخباره التي استند إليها. و (رابعها) انه لو كانت شكاية السائل إليه انما هو من حيث خوف انتقاض وضوئه بالبلل الخارج من جهة احتمال كونه بولا لكان الاولى جوابه بالامر بالاستبراء بعد البول، فان قضية الاستبراء البناء على طهارة ما يخرج بعده وعدم نقضه للوضوء. و (خامسها) انه لو كانت الحكمة في الامر بوضع الريق على مخرج البول انما هو عدم انتقاض الطهارة بان ينسب ذلك البلل الذي يجده إلى الريق ليكون غير ناقض ولا ينسبه إلى الخروج من الذكر فيكون ناقضا فاي فرق في ذلك بين الحكم بتعدي النجاسة من المخرج بعد مسحها وعدم تعديها ؟ فان وجه الحكمة يحصل على كلا التقديرين فلو قلنا بالتعدي ومسح المخرج بريقه لقصد هذه الحكمة وكون الخارج غير ناقض امكن وان كان نجسا، وبالجملة فانه لا منافاة بين حصول هذه الحكمة وبين القول بتعدي النجاسة. وبذلك يظهر ان الوجه الصحيح في معنى الخبر انما هو المعنى الاول المشتمل على حكمة ربانية لدفع الوساوس الشيطانية، ويظهر ايضا بطلان ما ذهب إليه ويكون الخبر بناء على ما اخترنا ظاهرا في الرد عليه، وذلك فانه لو كان الملاقي للمتنجس بعد ازالة العين بالتمسح ونحوه لا ينجس لما حسن امره بوضع الريق لان المفروض ان المخرج قد ازيلت عنه عين النجاسة ولم يبق إلا محلها ومحلها لا تتعدى نجاسته كما يدعيه، فاي وجه لهذه الحكمة بوضع الريق ؟ وهو (عليه السلام) انما امر بوضعه لدفع احتمال تعدي النجاسة

[ 271 ]

من المحل بالعرق أو خروج شئ من الذكر فينجس بملاقاة المحل بان ينسب ذلك إلى الريق الذي وضعه، ولو صح ما ذكره لم يكن لهذا الاحتمال مجال بالكلية مع انه قد اعترف به وعلى تقديره يبطل به اصل قاعدته. وبما ذكرناه من هذا التحقيق واوضحناه من البيان الواضح الرشيق يظهر لك ايضا ما في كلام شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال: وخبر حنان " يمسحه بريقه فإذا وجد بللا فمنه " متروك. انتهى إذ لا وجه لتركه مع وجود معنى صحيح يحمل عليه كما اوضحناه، والظاهر انه فهم من الخبر كون مسحه بالريق مطهرا من البول عند فقد الماء ولا ريب انه بهذا المعنى متروك اجماعا، ولو كان صريح الدلالة في ذلك لامكن حمله على التقية كما احتمله في المدارك لموافقته لمذهب ابي حنيفة من جواز ازالة النجاسة بكل مائع، هذا. واما الاخبار التي ادعى اوفقية هذا التأويل بها فهي غير ظاهرة فيما ادعاه، فمنها صحيح العيص بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه ؟ قال يغسل ذكره وفخذيه " وهي بالدلالة على ما ندعيه اقرب وبالرد عليه فيما ذهب إليه انسب. وذلك فان الظاهر ان جملة " وقد عرق ذكره " معطوفة على ما تقدمها دون ان تكون حالا كما سيأتي توضيحه، وحينئذ فتدل الرواية على ان العرق انما وقع بعد البول ومسح الذكر فامر (عليه السلام) بغسل الذكر والفخذين لذلك العرق المتعدى من مخرج البول بعد مسحه. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل حيث قال في الكتاب بعد نقل خبر حنان المذكور ثم موثقة سماعة الاتية وتأويلهما ما هذا لفظه " ولبعض المعاصرين هنا كلام غريب هو ان المحل النجس إذا ازيل عنه عين النجاسة بغير المطهر الشرعي فلا


(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من احكام الخلوة و 26 من ابواب النجاسات.

[ 272 ]

تتعدى نجاسته إلى الملاقي ولو مع الرطوبة لان النجس انما هو عين النجاسة لا المتنجس وجعل هذين الخبرين شاهدا على ذلك، وهو كلام متين ان لم يقم الاجماع على خلافه ولم يكن ما دل عليه موافقا للعامة وقابلا للتأويل بما ذكرناه، وايضا ففي دلالة الخبر الاول على ما ادعاه تأمل، ويمكن ان يستدل له بما هو اوضح سندا ومتنا وهو صحيح العيص بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه ؟ قال يغسل ذكره وفخذيه. وسألته عن من مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فاصاب ثوبه يغسل ثوبه ؟ قال لا " بان يقال الفرق بين الذكر والفخذ عند عرقهما قبل التطهير الشرعي وبين الثوب عند اصابته لعرق اليد الماسحة للذكر قبله بالامر بغسلهما دونه لا وجه له ظاهرا سوى الفرق بين ما يلاقي المتنجس وما يلاقي عين النجاسة، فان غسلهما انما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر كما يرشد إليه واو الحال، وذلك يقتضي تعديها من المحل إلى ما يجاوره ويلاصقه من بقية اجزاء الذكر والفخذ بخلاف الثوب فان ملاقاته انما وقعت بالمتنجس وهي اليد الماسحة بعد زوال عين النجاسة عن الماسح والممسوح. انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه (اولا) انه لا يخفى ان مفاد عطف مسح الذكر على البول بالفاء التي مقتضاها الترتيب بلا مهلة هو كون المسح وقع عقيب البول بلا مهلة، ويؤيده ايضا انه هو المتعارف فان الانسان متى بال ولم يكن معه ماء مسح ما بقي على طرف ذكره من البول لئلا يتعدى إلى ثوبه أو بدنه فينجسه ولا يعقل انه يتركه بغير مسح حتى يتردد في المغدى والمجئ على وجه يعرق ذكره وفخذاه وعين البول باقية ضمن تلك المدة حتى انه بسبب العرق تتعدى نجاسة البول إلى فخذيه مثلا ثم بعد ذلك يمسح ذكره، بل من المعلوم انه بمجرد المغدى والمجيئ تتعدى نجاسة البول من غير حصول عرق إلى سائر


(1) رواه في الوسائل مقطعا في الباب 6 و 26 من ابواب النجاسات.

[ 273 ]

بدنه وثيابه، أو يعقل انه يعرق في محله ذلك من غير تردد على وجه يسيل العرق من مخرج البول إلى سائر اجزاء الذكر والفخذين ؟ وبالجملة فمعنى الرواية المتبادر منها انما هو ما ذكرناه اولا وهو انه سأله عن رجل بال فمسح مخرج بوله في وقته ذلك وعرق ذكره وفخذاه بعد ذلك فأمره (عليه السلام) بغسل ذكره وفخذيه لملاقاة ذلك المحل المتنجس برطوبة، وحينئذ فجملة " وقد عرق " معطوفة لا حالية كما اشرنا إليه آنفا، وحينئذ فتكون هذه الرواية مع رواية حنان دليلا على ما ندعيه من تعدي نجاسة المتنجس بعد ازالة عين النجاسة ومسحها. و (اما ثانيا) فلان آخر صحيح العيص المذكور غير صريح ولا ظاهر في كون المسح المذكور وقع بمجموع اليد ولا في كون الجزء الماسح منها بعينه هو الذي اصاب الثوب بالعرق بل هو محتمل لذلك ومحتمل لان تكون الملاقاة بجزء من اليد غير الجزء المتنجس منها كما سيأتي تحقيقه. ومنها رواية سماعة (1) قال: " قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) اني ابول ثم اتمسح بالاحجار فيجيئ مني البلل ما يفسد سراويلي ؟ قال ليس به بأس " قال شيخنا صاحب رياض المسائل بعد ذكر خبر حنان ورواية سماعة المذكورة انه لا يدل ذلك على طهر المحل بالمسح بوجه من الوجوه وانما يدل على ان وجدان شئ من البلل وان افسد السراويل من كثرته مع عدم القطع بخروجه من مخرج البول الباقي على النجاسة أو ملاقاته له لا بأس به خصوصا مع مسح ما سوى المخرج من الذكر بالريق فانه ينسبه إلى الريق، ثم ذكر الكلام الذي قدمنا نقله عنه بقوله: ولبعض المعاصرين.. إلى الاخر. ومنها رواية حكم بن حكيم (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ابول فلا اصيب الماء وقد اصاب يدي شئ من البول فامسحه بالحائط أو التراب ثم تعرق


(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من نواقض الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب النجاسات.

[ 274 ]

يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي ؟ قال لا بأس به " فانه لا دلالة فيها على كون اصابة الثوب ومسح الوجه أو بعض الجسد بذلك الموضع النجس ولا على كون النجاسة شاملة لليد كملا حتى تستلزم الاصابة ببعض منها ذلك بل هي اعم من ذلك، ونفي البأس انما هو لاجل ذلك لانه ما لم يعلم وصول عين النجاسة أو المتنجس إلى شئ ومباشرته له بالرطوبة فلا يحكم بالنجاسة عملا باصالة الطهارة وتمسكا بها إلى ان يعلم الرافع لها، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. قال المحقق الشيخ حسن في المنتقى بعدما اورد هذين الخبرين ما نصه " والخبران كما ترى مخالفان لما هو معروف من مذهب الاصحاب ويمكن تأويلهما بالحمل على عدم تيقن اصابة الموضع المتنجس من الكف للثوب والوجه والجسد أو على توهم سريان النجاسة إلى سائر الكف بتواصل رطوبة العرق " انتهى. اقول: وقد اعترف بذلك في الوافي فقال بعد ذكر الرواية: الوجه في ذلك امران (احدهما) ان بالمسح بالحائط والتراب زال العين ولم يبق من البول شئ فما يلاقيه برطوبة انما يلاقي اليد المتنجسة لا النجاسة العينية والتطهير لا يجب إلا من ملاقاة عين النجاسة. و (الثاني) انه لم يتيقن اصابة البول جميع اجزاء اليد ولا وصول جميع اجزاء اليد إلى الوجه أو الجسد أو الثوب ولا شمول العرق كل اليد فلا يخرج شئ من الثلاثة عما كان عليه من الطهارة باحتمال ملاقاة البول فان اليقين لا ينقض بالشك ابدا وانما ينقض بيقين مثله كما يأتي في باب التطهير من المني النص عليه. انتهى. اقول: ولا استبعاد في حمل الخبرين المذكورين على ما ذكرناه وان لهما نظائر في الاخبار توهم بظاهرها المخالفة وتحتاج في تطبيقها إلى نوع تأويل قريب أو بعيد، مثل صحيحة زرارة (1) قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله ؟ فقال: نعم لا بأس به إلا ان تكون النطفة فيه رطبة فان كانت جافة فلا بأس " فانه يوهم


(1) المروية في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.

[ 275 ]

طهارة المني وقد تقدم القول فيه في الفصل الثالث في نجاسة المني ومثلها صحيحة ابي اسامة (1) وقد تقدم الكلام فيها في الموضع المشار إليه ايضا، ومثل ذلك في الاخبار كثير كما لا يخفى من تتبع الاخبار، والغرض هنا انما هو التنبيه على قبول ما يستدل به على ما ذهب إليه التأويل كما في نظائره التي من هذا القبيل فلا يحتج بها إذا على خلاف النهج الواضح السبيل الذي عليه عامة العلماء جيلا بعد جيل. وقد وافقنا في هذا المقام بعض الفضلاء من تلامذته الناسجين على منواله في جل مذاهبه واقواله حيث قال في حواشيه على الوافي في هذا المقام: ما استدل به الحبر العلامة (طاب ثراه) من الاخبار على ان المتنجس لا ينجس الظاهر انه لا يتم لان ليس فيها ان لهم ان يصلوا على تلك الحال بل سألوا عن كراهة ما فعلوا فأجابهم (عليه السلام) بعدم البأس فإذا ارادوا الصلاة تطهروا وطهروا وصلوا، وان سلمنا هذا فخبر ابن حكيم وعجز خبر العيص الاول لا يدل إلا على ان ما لم يعلم وصول المتنجس إلى شئ رطبا متعديا رطوبته إليه لم يحكم بالنجاسة، ثم ذكر تأويل خبر حنان بن سدير بنحو آخر غير ما ذكرناه، إلى ان قال وخبر سماعة ان كان المراد بعدم البأس ان يصلي في السعة والحال هذه فهو باطل بالاتفاق بل لا بد من تطهير مخرج البول ولا يبعد وجوب تطهير ثوبه ايضا، فالمراد اما عدم البأس من فعله واما ان يكون في موضع ليس فيه ماء فبال وتمسح وتيمم ثم وجد البلل فسأل عن انتقاض التيمم به فاجابه (عليه السلام) بعدم الانتقاض والحال هذه. انتهى. قال في الوافي ذيل هذه الاخبار التي نقلنا استناده إليها وتعويله عليها ما نصه: لا يخفى على من فك رقبته عن ربقة التقليد ان هذه الاخبار وما يجري مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شئ قبل تطهيره وان كان رطبا إذا ازيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه وانما المنجس للشئ عين النجاسة لا غير، على انا لا نحتاج إلى


(1) ص 35.

[ 276 ]

دليل في ذلك فان عدم الدليل على وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب إذ لا تكليف إلا بعد البيان. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما فيه بعد ما عرفت من التحقيق الكاشف عن ضعف باطنه وخافيه. اما قوله ان هذه الاخبار صريحة فيما ادعاه فهو ظاهر البطلان، كيف وهو قد ذكر كما قدمنا نقله في معنى موثقة حنان بن سدير معنيين وكلامه انما يتم على تقدير احدهما وكذا في رواية حكم بن حكيم، فكيف تكونان صريحتين فيما ادعاه مع اعترافه بالاحتمالين الاخرين الموجبين لخروج الرواية من قالب الاستدلال ؟ ما هذا إلا سهو ظاهر من هذا المحدث الماهر، واما باقي الاخبار فيما اوضحناه وذكره الاصحاب من وجوه المعاني المحتملة فيها فكيف يدعى صراحتها ؟ واما قوله: " ان عدم الدليل على وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب " ففيه انا قد اوضحنا بحمد الله سبحانه وتوفيقه دلالة موثقة حنان وصدر صحيحة العيص على ما ندعيه من وجوب الغسل في الصورة المذكورة، مضافا إلى ما اشرنا إليه من اخبار تطهير الاواني والفرش والبسط والجلود ونحوها، هذا ان خصصنا محل النزاع بالاجسام الصلبة وان عممنا الحكم في المائع كما عرفت من انه ظاهر كلامه كان ما ذكره في الضعف والبطلان اظهر من ان يخفى على الصبيان فضلا عن العلماء الاعيان، والله الهادي لمن يشاء (المسألة الرابعة) لا خلاف بين الاصحاب فيما اعلم في انه متى علمت الملاقاة الموجبة للتنجيس واشتبه محلها فان كان موضع الاشتباه محصورا وجب اجتناب ما حصل فيه الاشتباه وهكذا في الاشتباه بالمحرم، وان كان موضع الاشتباه غير محصور لم يظهر للنجاسة اثر وبقي كل واحد من الافراد والاجزاء التي وقع فيها الاشتباه على اصل الطهارة والحلية في الاختلاط بالنجس والحرام، وحينئذ فالكلام هنا يقع في مقامين: (الاول) بالنسبة إلى المحصور فان الحكم فيه ما ذكرناه كما عليه كافة الاصحاب إلى ان انتهت النوبة إلى السيد السند السيد محمد والمحقق الشيخ حسن وقبلهما

[ 277 ]

شيخهما المحقق الاردبيلي فنازعوا في الحكم المذكور وتبعهم جمع ممن تأخر عنهم، وقد سبق البحث معهم في مسألة الاناءين لكنا نورد كلامي السيد والشيخ حسن في ذلك في هذا المقام ونبين ما يتعلق به من النقض والابرام: فنقول قال في المدارك بعد قبول المصنف: وإذا كانت النجاسة في موضع محصور كالبيت وشبهه وجهل موضع النجاسة لم يسجد على شئ منه ما هذا نصه: هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) واحتجوا عليه بان المشتبه بالنجس قد امتنع فيه التمسك باصالة الطهارة للقطع بحصول النجاسة فيما وقع فيه الاشتباه فيكون حكمه حكم النجس في انه لا يجوز السجود عليه ولا الانتفاع به في شئ مما يشترط فيه الطهارة. وفيه نظر من وجوه: (اما اولا) فلان اصالة الطهارة انما امتنع التمسك بها بالنسبة إلى مجموع ما وقع فيه الاشتباه لا في كل جزء من اجزائه فان اي جزء فرض من الاجزاء التي وقع فيها الاشتباه مشكوك في نجاسته بعد ان كان متيقن الطهارة واليقين انما يخرج عنه بيقين مثله، وقد روى زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) انه قال: " ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا " (1) و (اما ثانيا) فلان ذلك آت بعينه في غير المحصور فلو تم لاقتضى عدم جواز الانتفاع به فيما يفتقر إلى الطهارة وهو معلوم البطلان، إلى ان قال وبالجملة فالمتجه جواز السجود على ما لا يعلم نجاسته بعينه وعدم نجاسة الملاقي له تمسكا بمقتضى الاصل السالم من المعارض. انتهى. وفيه (اولا) انه متى جاز التمسك باصالة الطهارة في كل جزء جزء فانه ينتج من ذلك الحكم بالطهارة في الجميع البتة، مثلا - في مسألة الاناءين التي هي احد جزئيات هذه المسألة متى لوحظ هذا الاناء على حدة فان الاصل فيه الطهارة فيجب الحكم بطهارته وترتب احكام الطاهر عليه من شربه والوضوء به ونحو ذلك ومتى لوحظ الاخر على حدة كان كذلك، فاللازم من ذلك هو طهارتهما وجواز استعمالهما وهذا عين السفسطة للزوم سقوط


(1) تقدمت هذه الجملة من الرواية ص 256.

[ 278 ]

حكم النجاسة المحققة بالكلية، والسيد (قدس سره) انما التجأ في دفع ذلك كما تقدم في مسألة الاناءين إلى انه مجرد استبعاد لا يلتفت إليه وانه قد وجد نظيره في حكم واجدي المني في الثوب المشترك، ونحن قد اوضحنا ثمة بطلانه وهدمنا اركانه. و (ثانيا) ان النصوص الواردة في جملة من جزئيات هذه المسألة صريحة في ابطال هذا الكلام المزيف، ومنها مسألة الثوب الذي قد تنجس بعض منه غير معلوم وقد اشتبه موضعه في الثوب كملا، فان النصوص اوجبت تطهير الثوب كملا ويأتي بمقتضى كلامه هنا انه يكفي تطهير جزء من الثوب بقدر الموضع النجس والنصوص تأباه، وقد اعترف هو نفسه بذلك في المسألة المشار إليها. ومنها مسألة الثوب النجس المشتبه بثوب آخر طاهر فان الشارع اوجب الصلاة في كل منهما ومقتضى كلامه انه يكفي الصلاة في واحد منهما والنص يدفعه، ومنها - مسألة قطع اللحم المشتبه ذكيه بميته فان النصوص دلت على حرمة الجميع ومقتضى كلامه هنا حل كل قطعة قطعة منه، ومنها مسألة الاناءين، وهذه المسائل كلها متفق عليها بين الاصحاب سلفا وخلفا والنصوص ايضا متفقة فيها على ما ذكرناه والسيد ومن حذا حذوه انما نازعوا في مسألة الاناءين من حيث ضعف السند باصطلاحه وان كان موثقا لعده عنده في قسم الضعيف متى اعرض عنه، وجملة اصحاب هذا الاصطلاح عملوا به وجبروا ضعفه باتفاق الاصحاب على العمل بمضمونه مع اعترافهم في تلك المسائل الباقية بما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة وان خالف مقتضى قاعدتهم، والجميع كما ترى اظهر شئ في رد كلامهم واختلال نظامهم فانه لو كان ما ذكروه حكما كليا بناء على ما توهموه من صحيحة زرارة المذكورة في كلامه لما خرجت الاخبار المعتضدة باتفاق الاصحاب في تلك الجزئيات المذكورة بخلافه، والمعنى في صحيحة زرارة ليس كما توهموه كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله تعالى. و (ثالثا) انه يلزم بما ذكره هنا ايضا انه لو اشتبهت امه أو اخته أو احدى محارمه بامرأة اخرى أو اثنتين مثلا فانه يجوز له نكاح اي تلك النساء شاء لاصالة الحل

[ 279 ]

في كل واحدة واحدة ولا يحكم بتحريم الام والاخت ونحوهما إلا إذا كانت متشخصة ولا اظنه يتفوه به. وبالجملة فالقول الفصل والتحقيق الجزل في المقام هو ان يقال لا ريب انه قبل وقوع النجاسة فان الطهارة متيقنة في كل جزء من اجزاء الارض مثلا وكل فرد من افراد الاواني المحصورة وبعد وقوع النجاسة ومعلوميتها في موضع مخصوص أو فرد مخصوص فانه يحكم بنجاسته يقينا، واما وقوعها في جزء من تلك الاجزاء أو فرد من تلك الافراد واشتباهه بالباقي فانه قد حصل لهذه الاجزاء وهذه الافراد حالة ثالثة بين يقين الطهارة ويقين النجاسة فكل منها ليس بمتيقن الطهارة ولا متيقن النجاسة، والمعلوم من الشارع انه الحق هذا القسم بالقسم الاول وهو المتيقن النجاسة كما عرفت من الجزئيات التي ذكرناها وكذا بالنسبة إلى اختلاط الحلال بالحرام، ووجه الفرق بين هذا القسم وما دلت عليه صحيحة زرارة المذكورة ونحوها ان في هذا القسم الذي ذكرناه قد علم وجود النجاسة قطعا ولكن اشتبه علينا موضعها من تلك الافراد والاجزاء ومورد الصحيحة المشار إليها وامثالها انما هو حصول الظن والشك بالنجاسة، فالمقابل ليقين الطهارة انما هو الظن أو الشك فمن اجل ذلك امر (عليه السلام) باستصحاب يقين الطهارة وانه لا يخرج عنه بمجرد الظن والشك، وفرض الشارح هذا بالنسبة إلى كل جزء جزء من الاجزاء المحصورة ليس في محله لما يلزم منه من رفع حكم النجاسة المعلومة يقينا بالكلية ومن اجل ذلك دلت النصوص على اعطاء حكم المشتبه بالنجس أو المحرم في المحصور حكم ما اشتبه به، فان قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " (1) و " حرمت عليكم امهاتكم.. الاية " (2) شامل لما لو كان ذلك المحرم متعينا متشخصا أو مشتبها بافراد مخصوصة متعينة، فانه كما يقطع بوجود النجس والحرام مع التشخص بقطع ايضا بوجوده في صورة الاشتباه في الافراد المعينة فتشمله الاوامر المذكورة، غاية الامر انه لما لم


(1) سورة المائدة، الاية 4 (2) سورة النساء، الاية 23.

[ 280 ]

يمكن الوصول إلى الاجتناب عن ذلك النجس أو المحرم إلا بالاجتناب عن الجميع وجب اجتناب الجميع من باب ان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ونظيره في الاحكام غير عزيز فان من فاتته صلاة فريضة واشتبهت بباقي الخمس وجب عليه الاتيان بالجميع نصا وفتوى بالتقريب المذكور، واما لو لم يكن محصورا كالموجود بايدي الناس وفي الاسواق فانه لا يقطع بوجود المحرم ولا النجس فيما يراد استعماله منه وان علم وجوده في الواقع ونفس الامر، ومن هنا حكم الشارع بحل ما في ايدي المسلمين واسواقهم وطهارته وجواز شرائه وان علم وجود الحرام والنجس في ايدي بعض الناس الغير المعلومين، وهذا هو الذي وردت فيه صحيحة زرارة المذكورة في كلامه ونحوها وورد فيه " ان كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) وورد " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر " (2) فهذه الاخبار انما وردت في غير المحصور دون المحصور بمعنى ان كل شئ له افراد بعضها طاهر وبعضها نجس أو بعضها حلال وبعضها حرام فان الحكم فيها الطهارة والحلية حتى يعلم كونه من الافراد المحرمة أو النجسة، ومن هنا دخلت الشبهة على جملة من افاضل متأخري المتأخرين حيث اجروا هذه الاخبار في قسم المحصور ومنهم السيد المذكور ونحوه ممن حذا حذوه في مسألة الطهارة والنجاسة والمحدث الكاشاني والفاضل الخراساني في مسألة اختلاط الحلال بالحرام فحكموا بحل الجميع في المحصور، وهذا غلط نشأ من عدم التأمل في الاخبار، وقد اشبعنا الكلام معهما في الدرر النجفية. ومما يوضح ما قلناه موثقة مسعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك وهو حر


(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب ما يكتسب به (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات.

[ 281 ]

ولعله قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، وامرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " ورواية ابي الجارود المروية في المحاسن (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت له اخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة ؟ فقال أمن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين ؟ ما علمت انه ميتة فلا تأكل وما لم تعلم فاشتر وبع وكل، والله اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والسمن والجبن والله ما اظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان " إلى غير ذلك من الاخبار، ومورد الخبرين وان كان الحل والحرمة إلا ان المسألتين من باب واحد فبعين ما قيل هنا يقال في " كل شئ طاهر حتى يعلم انه قذر " بمعنى انا نحكم على كل شئ نراه في ايدي الناس واسواقهم بالطهارة وان كان نجسا في الواقع ونستصحب هذا الحكم إلى ان يعلم الرافع له لا ان مورده المحصور كما في مسألة الاناءين ونحوها لمعلومية النجاسة الموجبة للخروج عن ذلك الاصل. والله العالم. وقال المحقق الشيخ حسن في المعالم: وإذا علمت الملاقاة على الوجه المؤثر واشتبه محلها فان كان موضع الاشتباه غير محصور لم يظهر للنجاسة اثر وبقي كل واحد من الاجزاء التي وقع فيها الاشتباه على اصل الطهارة لا نعرف في ذلك خلافا، وان كان محصورا فظاهر جماعة من الاصحاب انه لا خلاف حينئذ في وجوب اجتناب ما حصل فيه الاشتباه كما مر في اشتباه الاناء من الماء الطاهر بالنجس، ولم يذكروا على الحكم هنا حجة وقد بينا في مسألة الاناءين ان العمدة في الحكم بوجوب اجتنابهما على الاجماع المدعى هناك وان ما عداه من الوجوه التي احتجوا بها ضعيفة مدخولة ولعل اعتمادهم في الحكم هنا ايضا على الاجماع لا على تلك الوجوه. انتهى. اقول: اما ما ذكره بالنسبة إلى المحصور من انه ظاهر جماعة من الاصحاب المؤذن بعدم الاتفاق على ذلك فهو مردود بانه لم يوجد المخالف في هذه المسألة بكل من طرفيها اعني


(1) المروية في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة

[ 282 ]

المحصور وغير المحصور سواه ومن في طبقته ومن تأخر عنه، ولهذا انه في المدارك كما قدمنا في عبارته قال هذا الحكم اشارة إلى المحصور مقطوع به في كلام الاصحاب واما ما ذكره من انه ليس عليه دليل ولا حجة سوى الاجماع فهو مردود بما عرفت من الجزئيات الداخلة تحت هذه القاعدة الثابتة بالنصوص، ولا يخفى ان القواعد الكلية في الاحكام الشرعية كما تثبت بورود النص في الحكم مسورا بسور الكلية كذلك تثبت بتتبع الجزئيات المتفقة على ذلك الوجه، ونحن قد تتبعنا الاخبار بالنسبة إلى المحصور فوجدناها قد وردت في جملة من الاحكام متفقة النظام ملتئمة تمام الالتئام على الدخول تحت هذه القاعدة التي ذكرها الاصحاب وهو اعطاء المشتبه بالنجس والحرام حكمهما في المحصور كما مرت إليه الاشارة، والقواعد الكلية كما تثبت بورودها مسورة بسور الكلية تثبت ايضا بتتبع الجزئيات واتفاقها على نهج واحد في الحكم كالقواعد النحوية المبنية على تتبع جزئيات كلام العرب، واكثر القواعد في الاحكام الشرعية انما هو من هذا القبيل كما لا يخفى على المتتبع من ذوي التحصيل، ويعضد ذلك الاجماع المدعى في المسألة والوجوه التي ذكروها وقد بينا وجه صحتها في مسألة الاناءين. والله العالم. (المقام الثاني) بالنسبة إلى غير المحصور وقد عرفت اجماع الاصحاب هنا ايضا على ارتفاع حكم النجاسة، بقي الاشكال في انه لم يرد في الاخبار في هذا المقام التعبير بالمحصور وغير المحصور وترتب كل من حكمي المحصور وغير المحصور على وجود هذا العنوان وانما المستفاد من تتبعها كما قدمنا بيانه انه متى وقع الاشتباه في افراد معلومة مشاهدة كمسألة الاناءين واللحم المختلط ذكيه بميته والثياب المختلط نجسها بطاهرها ونحو ذلك فانه يجب عليه اجتناب الجميع وان الشارع قد اعطى المشتبه هنا حكم ما اشتبه به في النجاسة والحرمة، واما ما يوجد في ايدي المسلمين واسواقهم فالحكم فيه هو الطهارة والحلية وان علم النجس والحرام في الجملة لا في تلك العين بخصوصها متحدة أو متعددة، والاصحاب هنا قد عبروا عن الحكمين المذكورين بالمحصور وغير المحصور وكلامهم في بيان المراد من ذلك

[ 283 ]

لا يخلو من اضطراب. فجملة من الاصحاب جعلوا المرجع في الحصر إلى ما يصدق عليه العرف إذ لم يثبت له حقيقة في غيره ومثلوا له في الارض بالبيت والبيتين ولغير المحصور فيها بالصحراء. وقال المحقق الشيخ علي في حاشية الشرائع: المراد بالمحصور وغير المحصور ما كان كذلك في العادة لان الحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية عند فقد الشرعية، ولانه لولا ارادة العرفية هنا لامتنع تحقق الحكم فان كل ما يوجد من المعدودات فهو قابل للعد والحصر والمراد به ما يعسر حصره وعده عرفا باعتبار كثرة آحاده، وطريق ضبطه وضبط امثاله انك إذا اخذت مرتبة من مراتب العدد عليا تقطع بانها مما لا يحصر ولا يعد عادة لعسر ذلك في الزمان القصير كالالف مثلا تجعلها طرفا ثم تأخذ مرتبة اخرى دنيا كالثلاثة مما يقطع بكونها محصورة ومعدودة لسهولة عدها في الزمان القصير فتجعلها طرفا مقابلا للاول ثم تنظر فيما بينهما من الوسائط فكل ما جرى مجرى الطرف الاول تلحقه به وما جرى مجرى الطرف الثاني تلحقه به وما وقع فيه الشك يعرض على القوانين والنظائر ويراجع فيه القلب فان غلب على الظن الحاقه باحد الطرفين فذاك وإلا عمل فيه بالاستصحاب إلى ان يعلم الناقل، وهذا ضابط لما ليس بمحصور شرعا في ابواب الطهارة والنكاح وغيرهما، فمتى اشتبه الذكي بغيره والطاهر بالنجس في الثياب والمكان والاواني والمياه وغير ذلك والمحرمة بالاجنبية وكان غير محصور لم يجب الاجتناب وإلا وجب، إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشتبه بالنجس من الامكنة كالبيت والبيتين له حكمه على معنى وجوب اجتناب الجميع فلا يجوز ان يجعل شئ منه مسجد الجبهة لما تقرر من ان مسجد الجبهة يشترط فيه الطهارة وقد تكافأ في المشتبه بالنجس كل من طرفي الطهارة والنجاسة، وكذا استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة كالتعفير في اناء الولوغ والتيمم، اما لو باشر بعضه برطوبة فان المحل الملاقي لا ينجس إذا كان مملوكا لطهارته قبل ذلك لعدم القطع بملاقاة النجاسة فيستصحب حكم الطهارة

[ 284 ]

والثابت قبل الملاقاة، وما وقع في كلامهم من ان المشتبه بالنجس له حكم النجس لا يريدون به من جميع الوجوه للقطع بانه في الاصل طاهر قطعا ولم يعرض له تنجيس وما كان كذلك فهو في نفسه على طهارته فقد خالف حكم النجس من هذا الوجه، وغاية ما هناك ان الاشتباه صيره بحيث يمتنع استعماله فيما يشترط فيه الطهارة فصار كالنجس من هذه الجهة، على ان تشبيه شئ بآخر لا يقتضي المساواة من كل وجه كما تقرر بين الاصوليين. انتهى كلامه علا مقامه. اقول: ومما يمكن ان يؤيد ما ذكره في غير المحصور بانه ما يعسر حصره عرفا باعتبار كثرة آحاده موثقة حنان بن سدير عن الصادق (عليه السلام) (1) " في جدي رضع من خنزيرة حتى شب واشتد عظمه استفحله رجل في غنم له فخرج له نسل ما تقول في نسله ؟ فقال اما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه واما ما لم تعرفه فانه بمنزلة الجبن " والتقريب فيه انه لكثرة تلك الغنم على وجه يعسر عدها فالحكم فيه الحلية لكل فرد فرد منها، ويمكن ولعله الاقرب ان الوجه فيه انما هو عدم معلومية بقاء ما خرج من نسله في تلك الغنم لكثرتها فلعله قد ذهب منها باحد وجوه الذهاب كما يشير إليه التنظير بالجبن من حيث عدم معلومية الحرام منه بعينه. واما ما ذكره بالنسبة إلى ملاقي ذلك المشتبه برطوبة وانه لا يتعدى إليه حكم ما لاقاه فهو احد القولين في المسألة وقد تقدم تحقيق القول فيه في مسألة الاناءين. وجمع من المتأخرين جعلوا المرجع في صدق الحصر وعدمه إلى حصول الحرج والضرر بالاجتناب وعدمه، قال في المعالم: وهذا الكلام ناظر إلى ما يوجد في عبارات كثير من تعليل عدم وجوب الاجتناب في غير المحصور بلزوم المشقة والعسر. وليس بشئ فان الغرض من هذا التعليل كما يظهر تقريب الحكم لا الاستدلال له إذ لا يعقل الاعتماد في مثل التفرقة والبناء في تأسيس هذا الحكم على نحو هذه القاعدة كما هو


(1) المروية في الوسائل في الباب 25 من ابواب الاطعمة المحرمة

[ 285 ]

واضح، ولو قدر بناء الحكم على ذلك لانهار من اصله إذ المشقة قد تنتفى في كثير مما ليس بمحصور وربما وجدت في بعض افراد المحصور فاي معنى حينئذ لجعل الحصر مناطا للحكم وقد كان الواجب على هذا ان يناط بعدم المشقة ووجودها. وبالجملة فالاشكال في التفرقة هنا بين ما يجب فيه الاجتناب وما لا يجب قوي جدا إذ ليس لها شاهد من جهة النص يعول في حكمها عليه وانما هي من عبارات الفقهاء، والرجوع إلى القاعدة المقررة في الالفاظ التي لم يثبت لها حقيقة من جهة الشرع يتوقف على وجدان غيرها، ولا يكاد يظهر من اللغة ولا من العرف معنى مشخص لهذا اللفظ يطابق ما هو غرضهم منه، مع ان في كلامهم اختلافا في التمثيل للمحصور فالمحقق والفاضل مثلا له بالبيت وقد حكينا عن جماعة التمثيل بالبيت والبيتين ومثل بعض بالبيتين والثلاثة، وربما فسر غير المحصور بما يعسر حصره وعده لكثرة آحاده، والظلام يلوح على الكل انتهى، وهو جيد وانما اطلنا الكلام بنقل كلماتهم في المقام لتطلع على ان النفخ في غير ضرام. وبالجملة فالمستفاد من الاخبار هو ما قدمنا ذكره فكل ما دخل في افراد القسم الاول الحق به وما دخل في افراد الثاني الحق به وما اشتبه الامر فيه فالاحتياط طريق السلامة. والله العالم. (المسألة الخامسة) قال في المعالم ان حكم بنجاسة شئ لعروض احد الاسباب المقتضية لذلك توقف في عوده إلى الطهارة على العلم بحصول احد الوجوه التي ثبت كونها مفيدة للتطهير أو ما يقوم مقام العلم وهو شهادة العدلين، ويحتمل الاكتفاء باخبار العدل الواحد لعموم مفهوم قوله تعالى: ".. ان جاءكم فاسق بنبأ.. الاية " (1) ولا اعتبار باخبار غير العدل إلا ان ينضم إليه القرائن المفيدة معه للعلم، ولو افادته منفردة كفت في الحكم بالطهارة ايضا. انتهى. اقول: لم اقف على من تعرض لهذا الحكم غيره بنفي أو اثبات إلا الفاضلان


(1) سورة الحجرات، الاية 6.

[ 286 ]

الامين الاسترابادي والمحقق السيد نعمة الله الجزائري فانهما نقلا عن جملة من علماء عصريهما انهم كانوا لاجل هذه الشبهة يهبون ثيابهم للقصارين أو يبيعونها عليهم ثم يشترونها منهم مستندين إلى ما قدمنا نقله عن المحقق المذكور، ثم ردا ذلك بان المستفاد من الاخبار ان كل ذي عمل فهو مؤتمن على عمله ما لم يظهر منه خلافه، قال الامين الاسترابادي في الفوائد المدنية في عد جملة من اغلاط الفقهاء: ومن جملتها ان جمعا من ارباب التدقيق منهم زعموا انه إذا علمنا نجاسة ثوب مثلا لا نحكم بطهارته إلا إذا قطعنا بازالتها أو شهد عندنا شاهدان عدلان لان اليقين لا ينقض إلا بيقين أو بما جعله الشارع في حكم اليقين وهو شهادة العدلين في الوقائع الجزئية. وانا اقول: لنا على بطلان دقتهم دليلان: (الاول) ان اللبيب الذي تتبع احاديثنا بعين الاعتبار والاختبار يقطع بانه يستفاد منها ان كل ذي عمل مؤتمن على عمله ما لم يظهر خلافه، وان شئت ان تعلم كل ما علمنا فانظر إلى الاحاديث الواردة في القصارين والجزارين وحديث تطهير الجارية ثوب سيدها (1) والحديث الصريح في ان الحجام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة (2) لكن لابد من قريحة قويمة وفطنة مستقيمة وإلا لاتعبت نفسك وغيرك فان كلا ميسر لما خلق له. و (الدليل الثاني) ان هذه المسألة مما يعم به البلوى فلو كان مضيقا كما زعموا لظهر عندنا منه اثر واضح بين، ولم يظهر منهم (عليهم السلام) إلا ما يدل على التوسعة وقد بلغني ان جمعا من فحول علمائهم المتورعين يهبون الثياب النجسة للقصارين ثم يسترجعونها ومن المعلوم عند الفقيه الحاذق ان هذه الحيلة غير نافعة. انتهى كلامه. اقول: ومن الاخبار التي اشار إليها ما ورد في صحيحة الفضلاء (3) " انهم سألوا ابا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحم من الاسواق ولا يدرون ما صنع القصابون ؟


(1) المروي في الوسائل في الباب 18 من ابواب النجاسات وسيأتي ص 287 (2) المروي في الوسائل في الباب 56 من النجاسات وسيأتي ص 287 (3) المروية في الوسائل في الباب 29 من الذبائح.

[ 287 ]

فقال كل إذا كان في سوق المسلمين ولا تسأل عنه " وفي رواية سماعة (1) قال: " سألته عن اكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكيمخت والغراء ؟ فقال لا بأس به ما لم تعلم انه ميتة " وفي صحيحة ابراهيم بن ابي محمود (2) " انه قال للرضا (عليه السلام) الخياط والقصار يكون يهوديا أو نصرانيا وانت تعلم انه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله ؟ قال لا بأس " وفي صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهو اخباث.. " وقد تقدمت قريبا، وفي رواية عبد الاعلى عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الحجامة أفيها وضوء ؟ قال لا ولا يغسل مكانها لان الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا " إلى غير ذلك من الاخبار الواردة من هذا القبيل، والتقريب فيها ان اصالة الطهارة والحلية التي قد صارت قاعدة انما بنيت على ائتمانهم على اعمالهم المذكورة، ويؤيد ذلك ما ورد في كثير من اخبار الصناع والمستأجرين على الاعمال إذا افسدوا من انه لا يضمنه إلا ان يتهمه فمتى كان مأمونا لا يتهمه فلا يضمنه ولا يغرمه ما افسد، وليس الوجه فيه إلا انه مؤتمن وموثوق بعمله وانه لا يخالف صاحب العمل إلا ان يكون بغير اختياره وهو ظاهر في التأييد. واما الرواية التي اشار إليها المحدث المذكور بحديث تطهير الجارية ثوب سيدها فهي رواية ميسر (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فاصلي فيه فإذا هو يابس ؟ فقال اعد صلاتك اما انك لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " وهذا الخبر ربما استند إليه من ذهب إلى


(1) المروية في الوسائل في الباب 38 من الذبائح (2) المروية في الوافي في باب (التطهير من مس الحيوانات) من ابواب الطهارة من الخبث. (3) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات وتقدمت ص 255 (4) المروية في الوسائل في الباب 56 من النجاسات. (5) المروية في الوسائل في الباب 18 من ابواب النجاسات.

[ 288 ]

التمسك باصالة النجاسة حتى يظهر الرافع حيث امره (عليه السلام) باعادة الصلاة لما لم يكن هو الغاسل بنفسه لقوله (عليهم السلام): " اما لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " وهو غلط فان ظاهر الخبر ان الامر باعادة الصلاة انما هو لبقاء المني لا لكون الجارية قد غسلته وغسلها غير معتبر ولا مطهر حتى لو فرض انه ازالته عن الثوب ولم يجده فيه كان عليه اعادة الصلاة وغسل الثوب لعدم الاعتداد بغسلها فانه توهم محض، بل الامر في الاعادة والغسل انما ابتنى على وجود المني، وبهذا التقريب يكون الخبر من ادلة المسألة كما ذكره المحدث المذكور فان مفهوم الخبر انه لو لم يجد المني لم يأمره (عليه السلام) باعادة الصلاة، وفيه حينئذ دلالة على الاكتفاء بغسل الجارية كما هو المدعى (فان قيل) انه لو كان غسل الجارية معتبرا شرعا وموجبا لطهارة الثوب لم تجب الاعادة وان وجد المني بعد ذلك لانه وان علم بالمني فيه سابقا إلا انه قد بنى على طهارة الثوب طهارة شرعية موجبة لجواز الصلاة كجاهل النجاسة فلا تتعقبه الاعادة (لانا نقول) ان غسل الجارية انما يكون غسلا شرعيا معتدا به لو لم يظهر فساده واما بعد ظهور فساده فلا مجال للحكم بكونه شرعيا وقوله (عليه السلام): " اما لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " يعني انك لو غسلت انت لبالعت في ازالة النجاسة ولم يبق منها اثر فلم يكن عليك اعادة. ومما يؤيد ما ذكرناه ايضا ان الظاهر من الاخبار ان الناس في الصدر الاول كانوا يدفعون ثيابهم للغسال لاجل غسلها من الاوساخ والنجاسات ويسترجعونها ويلبسونها ويصلون فيها من غير تناكر ولو كان ما ذكروه حقا من انه لا يتم الحكم بالطهارة إلا بتمليكه اياها لنقل ذلك. وايضا فمن المعلوم وجود الاطفال في بيوت الائمة (عليهم السلام) وبيوت اصحابهم ولا ريب في حصول النجاسات ايضا في ثيابهم منهم أو من غيرهم ولو كان ما ذكروه حقا لورد في خبر من الاخبار أو نقله ناقل في عصر من الاعصار وليس فليس.

[ 289 ]

والى هذا الوجه اشار المحدث المتقدم ذكره بالدليل الثاني وهو عموم البلوى بذلك ومرجعه إلى العمل بالبراء فالاصلية في مثل هذا الموضع كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب، وقد وجهه في موضع آخر من كتابه المتقدم ذكره قال: فان جمعا غفيرا من اصحابهم (عليهم السلام) منهم الاربعة آلاف رجل الذين هم اصحاب الصادق (عليه السلام) وتلامذته كانوا ملازمين لهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة وكان همهم وهم الائمة (عليهم السلام) اظهار الدين وترويج الشريعة وكانوا لحرصهم على ذلك يكتبون كل ما يسمعونه خوفا من عروض النسيان لهم وكان الائمة (عليهم السلام) يحثونهم على ذلك وليس الغرض منه إلا العمل بذلك بعدهم، ففي مثل ذلك يجوز التمسك بالبراءة الاصلية إذ لو كان ثمة دليل والحال كذلك لظهر. على ان ما اعتمده هذا القائل من ان يقين النجاسة لا يرتفع إلا بيقين الطهارة على اطلاقه ممنوع: (اما اولا) فلعدم الدليل عليه والنصوص انما وردت بذلك بالنسبة إلى اصالة الطهارة والحلية لبناء الاحكام الشرعية على السهولة والسماحة، وقياس النجاسة على ذلك قياس مع الفارق. و (اما ثانيا) فانه منقوض بما ذهب إليه جمع من المحققين: منهم المحدث المذكور من الحكم بطهارة الانسان بمجرد الغيبة لان معلومية الحدث من المكلف في اليوم والليلة بالبول والغائط مما لا سبيل إلى انكاره فالحكم بنجاسته يقيني البتة فلو توقف الحكم بطهارته على يقين وجود ذلك لم يمكن الحكم بطهارة احد من الناس بالكلية ولو اكتفى باخباره بالطهارة. فانه لا يجوز الصلاة خلف الامام حتى يسأله عن ذلك، وكذا لو رأى في ثوب احد نجاسة مثلا ثم رآه بعد ذلك خاليا من تلك النجاسة فانه لا يجوز له استعماله والصلاة فيه وان يقتدي بامام يصلي فيه حتى يسأله عن ذلك، واللوازم كلها باطلة إذ لا قائل بها ولا دليل عليها بل الادلة على خلافها ظاهرة.

[ 290 ]

و (اما ثالثا) فلانه قد ورد في جملة من المواضع الخروج عن اليقين بمجرد الظن كما في صورة اخبار المرأة بموت الزوج واخبارها بالطلاق واخبارها بالخروج من العدة والنقاء من الحيض، فان الشارع قد جوز قبول خبرها في هذه المواضع كلها وغاية ما يفيده هو الظن مع ان الامور التي اخبرت بالخروج عنها متيقنة معلومة تترتب عليها احكام شرعية وتنتفي تلك الاحكام بقبول خبرها، وحينئذ فقول ذلك القائل ان يقين النجاسة لا يخرج عنه إلا بيقين الطهارة ان اراد من حيث خصوص النجاسة فقد عرفت انه لا دليل عليه، وان اراد انه حيثما كان اليقين وفي اي موضع كان فانه لا يجوز الخروج عنه إلا بما يوجب اليقين فهذه جملة من المواضع قد جوز الشارع فيها الخروج عن اليقين بمجرد الظن، ونحو ذلك ما ورد في حسنة زرارة والفضيل (1) من انه متى شك في الصلاة وانه اتى بها أو لم يأت بها بعد خروج الوقت فانه لا يلتفت، مع ان اشتغال الذمة متيقن ومجرد خروج الوقت لا يوجب يقين البراءة، بل ورد في القاعدة المتفق عليها من ان يقين الطهارة لا يجوز الخروج عنه إلا بيقين النجاسة ما اوجب الخروج في بعض الجزئيات بمجرد الشك كمن تطهر بعد ان بال ولم يستبرئ أو اغتسل ولم يبل ثم خرج منه بلل مشتبه فان ينقض وضوءه وغسله مع انه غير متيقن كونه بولا أو منيا، إلى غير ذلك من المواضع التي من هذا القبيل. ولا يخفى انه ولو امكن تطرق المناقشة إلى بعض ما ذكرناه من الادلة إلا انها باجتماعها مما تفيد دلالة قوية على ما ذكرناه والله العالم. البحث الثاني فيما تجب ازالته من النجاسات وما يعفى عنه وفيه مسائل: (الاولى) اتفق الاصحاب عدا ابن الجنيد على انه تجب ازالة النجاسات عن الثوب والبدن للصلاة والطوافين الواجبين عدا الدم على التفصيل الاتي فيه ان شاء الله تعالى، وكذا ما تتم


(1) المروية في الوسائل في الباب 60 من ابواب مواقيت الصلاة.

[ 291 ]

الصلاة فيه من الثياب إذا لم يمكن ابداله بطاهر. وقال ابن الجنيد في مختصره: كل نجاسة وقعت على ثوب وكانت عينها فيه مجتمعة أو متفشية دون سعة الدرهم الذي تكون سعته كعقد الابهام الاعلى لم ينجس الثوب بذلك إلا ان تكون النجاسة دم حيض أو منيا فان قليلهما وكثيرهما سواء. انتهى. وظاهر هذا الكلام انه قصر الحكم بوجوب ازالة النجاسات كلها عدا دم الحيض والمني على ما بلغ منها مقدار سعة الدرهم فصاعدا وسوى في دم الحيض والمني بين القليل والكثير، وظاهره طهارة الناقص عن الدرهم من النجاسات التي ذكرها، والمشهور في كلام الاصحاب ان خلافه انما هو في العفو فلعل الكلام في عبارته خرج مخرج التجوز والتوسع، ومن العجب انه في المعتبر عزى إليه القول بالعفو هنا كما هو المعروف في كلام غيره وفي حكم الدم نسب إليه القول بطهارة القليل منه، ولا يخلو من تدافع فان عبارته المحكية عنه هنا ظاهرة في تساوي الدم وغيره في عدم نجاسة ما دون سعة الدرهم أو العفو عنه اللهم إلا ان يكون ما نقله في مسألة الدم من كتاب آخر أو قول آخر نسب إليه. ويدل على القول المشهور الاخبار الكثيرة المتضمنة للغسل من النجاسات، إذ من الظاهر ان الغسل ليس واجبا لنفسه وانما هو لاجل العبادة ونحوها، وقد وقع التصريح في جملة من الاخبار الصحيحة باعادة الصلاة بنجاسة الثوب بالبول والمني والمسكر وقدر الدرهم من الدم وعذرة الانسان والسنور والكلب ورطوبة الخنزير، وهي مطلقة في القليل من النجاسات المذكورة والكثير، وجملة من الاخبار الدالة على ما ذكرنا قد تقدمت في اصناف النجاسات، وسيأتي طرف منها في المباحث الاتية وطرف في الخلل الواقع في الصلاة ان شاء الله تعالى. فرع قد صرح جماعة من الاصحاب بان اعتبار الطهارة في ملبوس المصلي ومحموله

[ 292 ]

الذين تتم فيهما الصلاة انما هو فيما يقله منهما ولو في بعض احوال الصلاة فلو تنجس طرف الثوب الذي لا يقله على حال منها كالعمامة لم يضر لانتفاء الحمل واللبس عن موضع النجاسة. واستحسنه المحقق الشيخ حسن في المعالم معللا له بان اصالة البراءة تقتضيه والادلة الدالة على اشتراط الطهارة وايجاب الازالة لا تصلح لتناول مثله، قال وممن تعرض لهذه المسألة الشيخ في الخلاف فقال: إذا ترك على رأسه طرف عمامة وهو طاهر وطرفها الاخر على الارض وعليه نجاسة لم تبطل صلاته، وحكي عن بعض العامة القول بالبطلان به، وقال بعد ذلك دليلنا ان الاصل براءة الذمة فمن حكم ببطلان هذه الصلاة فعليه الدلالة. انتهى. وهو جيد واما ما ذهب إليه ابن الجنيد فلم نقف له على مستند وقد اعترف بذلك جملة من الاصحاب ايضا، والعلامة في المختلف احتج له بالقياس على الدم واجاب عنه بان نجاسة المذكورات اغلظ من نجاسة الدم فقياس حكمها على المني اولى. انتهى. وكل من الاحتجاج والجواب بمكان من الضعف. ثم انه قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تعداد المواضع التي تجب فيها الازالة بعد الثوب والبدن مسجد الجبهة، وعلله الشهيد في الذكرى بالنص فقال: وتجب ازالة النجاسات عن مسجد الجبهة ايضا للنص. ولم اقف على هذا النص ولا نقله ناقل فيما اعلم بل ربما ظهر من النصوص خلافه كما سيأتي في بحث المكان من كتاب الصلاة. وعن مكان المصلي باسره عند المرتضى والمساجد السبعة عند ابي الصلاح، وسيأتي الكلام فيها في الموضع المشار إليه. وعن المأكول والمشروب واوانيهما مع الملاقاة برطوبة لتحريم النجس، وهو جيد وعليه تدل الاخبار الاتية الدالة على الامر بتطهير الاواني فانه ليس ذلك إلا لاجل الاكل والشرب. وعن ما امر الشارع بتعظيمه كالمصحف والضرائح المقدسة، وهو حسن للامر بتعظيم شعائر الله.

[ 293 ]

وعن المساجد وقد نقل الاجماع عليه جمع من الاصحاب: منهم الشيخ في الخلاف فانه قال: لا خلاف في ان المساجد يجب ان تجنب النجاسة. وعن ابن ادريس انه نقل اجماع الامة، وظاهر جمع: منهم الفاضلان انه لا فرق في ذلك بين النجاسة المتعدية وغيرها حتى قال في التذكرة: لو كان معه خاتم نجس وصلى في المسجد لم تصح صلاته واستدلوا على ذلك بقوله عزوجل: ".. انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام.. " (1) حيث رتب النهي على النجاسة فيكون تقريبها حراما ومتى ثبت التحريم في المسجد الحرام ثبت في غيره إذ لا قائل بالفصل. وقول النبي (صلى الله عليه وآله) " جنبوا مساجدكم النجاسة " (2). واعترض عليه بانه يتوجه على الاول ان النجاسة لغة المستقذر والواجب الحمل عليه إلى ان تثبت الحقيقة الشرعية ولم يثبت كون المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء حقيقة شرعية. سلمنا الثبوت لكن النهي انما ترتب على نجاسة المشرك خاصة فالحاق غيرها بها يحتاج إلى دليل وهو منتف هنا. سلمنا ذلك لكن النهي انما تعلق بقرب المسجد الحرام خاصة وعدم الظفر بالقائل بالفرق بينه وبين غيره لا يدل على العدم فيحتمل الفرق. وعلى الثاني الطعن في الرواية بعدم الوقوف على المستند والمراسيل لا تنهض حجة في اثبات حكم مخالف للاصل، وايضا فان مجانبة النجاسة المساجد تتحقق بعدم تعديها إليها فيحصل به الامتثال ولا يلزم من ذلك تحريم ادخالها مع عدم التعدي، ومن ثم ذهب جمع من المتأخرين إلى عدم تحريم ادخال النجاسة الغير المتعدية إلى المسجد أو فرشه وآلته. انتهى. وهو جيد. ويؤيد ما ذكره اخيرا من عدم تحريم ادخال النجاسة الغير المتعدية ما نقله الشيخ في الخلاف من الاجماع على جواز عبور الحيض من النساء في المساجد مع عدم انفكاكهن من


(1) سورة التوبة، الاية 28. (2) رواه في الوسائل في الباب 24 من احكام المساجد.

[ 294 ]

النجاسة غالبا، وقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الواردة في المستحاضة " (1).. وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء.. " وربما لاح منه تحريم ادخال النجاسة المتعدية حيث خص دخولها المسجد بصورة ما إذا لم يثقب الكرسف، وظاهرهم الاتفاق على تحريم ادخال النجاسة المتعدية ولا اعرف لهم دليلا سواه الا ما لاح من الرواية المشار إليها، الا انه قد روى عمار في الموثق ايضا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الدمل يكون في الرجل، فينفجر وهو في الصلاة، قال يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة " فان اطلاقها شامل لما لو كانت الصلاة في المسجد بل هو الغالب، والعفو عن هذا الدم انما ثبت بالنسبة إلى المصلي خاصة كما يأتي ان شاء الله ذكره، وبالجملة فاصالة الجواز اقوى دليل في المقام إلى ان يثبت المخرج عنها. بقي الكلام في ان المفهوم من كلامهم القطع بوجوب الازالة على الفور كفاية بناء على التحريم فلو اخل بالازالة اثم، ولو صلى والحال هذه فان كان في ضيق الوقت فلا خلاف في الصحة واما في السعة فقولان مبنيان على ان الامر بالشئ هل يستلزم النهي عن ضده الخاص ام لا ؟ ولهم في هذه المسألة ابحاث طويلة الذيل نقضا وإبراما في الاصول وفي مواضع من كتب الفروع، والذي اقوله في ذلك واعتمد عليه في امثال هذه المسالك هو الثاني، وتوضيحه ان يقال: التحقيق عندي وان اباه من الف بالقواعد الاصولية انا متى رجعنا إلى الادلة العقلية في الاحكام الشرعية فهي لا تقف على حد ولا ساحل ولهذا كثرت في هذه المسألة الابحاث وتصادمت من الطرفين الدلائل وصنفت فيها الرسائل واضطربت فيها افهام الافاضل. والجواب الحق عما ذكروه ان يقال (اولا) ان الاحكام الشرعية توقيفية


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة (2) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات.

[ 295 ]

من الشارع فلو كان لهذه المسألة اصل مع عموم البلوى بها لخرج عنهم (عليهم السلام) ما يدل عليها أو يشير إليها وحيث لم يخرج عنهم فيها شئ سقط التكليف بها إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، وهذا يرجع في التحقيق إلى ما قدمنا ذكره في غير موضع وبه صرح المحدث الامين الاسترابادي من الاستدلال بالبراءة الاصلية والعمل بها فيما يعم به البلوى من الاحكام. و (ثانيا) ان القول بذلك موجب للحرج والضيق المنفيين بالاية والرواية والاجماع (1) إذ لا يخفى انه لا يكاد احد من المكلفين فارغ الذمة من واجب من الواجبات البدنية أو المالية ويأتي بناء على هذا القول بطلان عباداته وصلواته في غير ضيق الوقت وعدم ترخصه في اسفاره وتأثيمه في جملة افعاله من اكله وشربه ومغداه ومجيئه ونومه ونكاحه ونحو ذلك لان الفرض انه منهي عن هذه الاضداد الخاصة والنهي حقيقة في التحريم، واي ضيق وحرج اعظم من ذلك ؟ و (ثالثا) الاخبار الدالة على عدم التكليف بامثال هذه الامور التي لم يرد فيها شئ بنفي ولا اثبات مثل قول الصادق (عليه السلام) في رواية اسحاق بن عمار (2) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول ابهموا ما ابهمه الله " وما رواه الشيخ المفيد عن امير المؤمنين علي (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله حد لكم حدودا فلا تعتدوها وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وسن لكم سننا فاتبعوها وحرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها وعفا لكم عن اشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها " وما رواه في الفقيه (4) في خطبة لامير المومنين (عليه السلام) قال فيها: " ان الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقضوها وسكت عن اشياء لم يسكت عنها


(1) تقدم ما يدل على ذلك ج 1 ص 151 (2) رواه في البحار في الباب 33 من كتاب العلم رقم 5 (3) رواه في البحار في الباب 32 من كتاب العلم رقم 11 (4) باب (نوادر الحدود).

[ 296 ]

نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها " ولا ريب ان هذه المسألة داخلة فيما سكت الله عنه فتكلف البحث فيها كما ذكره اصحابنا (رضوان الله عليهم) تبعا للمخالفين في كتبهم الاصولية ناشئ من عدم ملاحظة هذه الاخبار، وكم لهم مثل ذلك كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. والله العالم. فروع (الاول) قد صرح المحقق والعلامة في المعتبر والمنتهى والشهيد في الذكرى بانه إذا تعذر غسل مخرج البول وجب مسحه بحجر ونحوه، واحتج له المحقق ومثله العلامة بان الواجب ازالة العين والاثر فإذا تعذرت ازالة الاثر بقيت ازالة العين، وفهم من هذا الحكم جملة من المتأخرين بانهم يرون وجوب تخفيف مطلق النجاسة عند تعذر ازالتها وان ذلك بدل اضطراري للطهارة من النجاسات كبدلية التيمم للطهارة من الاحداث، ونحن قد قدمنا ما في هذا الكلام من تطرق المناقشة إليه في الفصل الاول في آداب الخلوة في التنبيه الخامس من التنبيهات الملحقة بذلك البحث، ونزيده تأييدا هنا بما ذكره بعض المحققين من متأخرى المتأخرين حيث قال بعد نقل ما ذكرناه: وعندي في هذا الكلام من اصله نظر لان وجوب ازالة العين والاثر حكم واحد مستفاد من دليل واحد ومن البين ان الامر بالمركب انما يقتضي الامر باجزائه على الاجتماع لا مطلقا، وحينئذ فلابد في اثبات التكليف بجزء منها على الانفراد من دليل غير الامر بالمركب وهو مفقود في المتنازع، بل ظاهر الاخبار المسوغة للصلاة مع النجاسة عند تعذر الازالة نفي التكليف بامر آخر سوى الازالة بأعتبار اطلاق الاذن من غير تعرض للتخفيف بوجه، وما ورد في بعض الاخبار من ذكر المسح للبول عن المخرج عند تعذر غسله لا يصلح شاهدا على العموم لان الوجه فيه منع النجاسة عن التعدي إلى غير محلها من الثوب أو البدن وهو امر آخر غير التخفيف. انتهى. وهو جيد. (الثاني) المستفاد من النصوص وعليه ظاهر اتفاق كلمة الاصحاب ان

[ 297 ]

زوال حكم النجاسة متوقف على زوال عينها أو استحالتها كما سيأتي تفصيل ذلك في مواضع مخصوصة ولا عبرة بما يبقى من اللون والرائحة وحكى المحقق في المعتبر على ذلك اجماع العلماء، ومن الاخبار في ذلك ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن المغيرة عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " قلت له للاستنجاء حد ؟ قال لا حتى ينقى ما ثمة ؟ قلت فانه ينقى ماثمة ويبقى الريح ؟ قال الريح لا ينظر إليها " والخبر وان كان مورده الاستنجاء إلا انه لا خلاف ولا اشكال في تعدية الحكم إلى جملة النجاسات بطريق تنقيح المناط القطعي المتقدم ذكره في مقدمات الكتاب، وما رواه على بن ابي حمزة عن العبد الصالح (عليه السلام) (2) قال: " سألته ام ولد لابيه فقالت جعلت فداك اني اريد ان اسألك عن شئ وانا استحيي قال سليني ولا تستحي قالت اصاب ثوبي دم الحيض فغسلته فلم يذهب اثره ؟ قال اصبغيه بمشق حتى يختلط ويذهب اثره " وعن عيسى بن ابي منصور (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) امرأة اصاب ثوبها من دم الحيض فغسلته فبقي اثر الدم في ثوبها ؟ قال: قل لها تصبغه بمشق حتى يختلط " والمشق بالكسر المغرة، قاله في الصحاح والقاموس. (الثالث) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في الاكتفاء في ظهر البواطن بزوال العين، وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار: منها ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يسيل من انفه الدم هل عليه ان يغسل باطنه يعني جوف الانف ؟ فقال انما عليه ان يغسل ما ظهر منه " وما رواه في الكافي في الصحيح عن ابراهيم بن ابي محمود (5) قال: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول يستنجي


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 و 35 من احكام الخلوة و 25 من النجاسات (2) الفروع ج 1 ص 18 وفي الوسائل في الباب 52 من ابواب الحيض (3) رواه في الوسائل في الباب 25 من النجاسات (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 24 من النجاسات.

[ 298 ]

ويغسل ما ظهر منه على الشرج ولا يدخل فيه الانملة " وعن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في الرجل يمس انفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أينصرف ؟ قال ان كان يابسا فليرم به ولا بأس " وبالاسناد المتقدم في الحديث الاول عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال: " انما عليه ان يغسل ما ظهر منها يعني المقعدة وليس عليه ان يغسل باطنها " وما رواه الشيخ عن عبد الحميد بن ابي الديلم (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل يشرب الخمر فيبصق فاصاب ثوبي من بصاقه ؟ فقال ليس بشئ " ويؤيده ايضا ما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنة انما عليك ان تغسل ما ظهر ". وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المعالم في هذا المقام حيث انه بعد ذكر الحكم المذكور انما استدل برواية عمار الاولى ثم ردها بضعف السند وقال انها لا تصلح بمجردها دليل على الحكم، ثم قال: وضم إليها بعض الاصحاب التعليل برفع الحرج والاشكال بحاله والحق انه يكفي في الاستدلال له التمسك باصالة البراءة فانها ملزومة للطهارة ولا، وجه لعدم الاعتداد بها في نحو هذا الموضع إلا توهم كون انواع النجاسات اسباب مؤثرة فيما تلاقيه برطوبة مطلقا، وقد اسلفنا في مسألة تطهير الشمس ان ذلك بعيد عن التحقيق. انتهى. ولا يخفى ما فيه من النظر الظاهر فان الاعتماد على اصالة البراءة بعد استفاضة الروايات التي تقدمت في فصول النجاسات بتعديها إلى ما لاقته بالرطوبة امر من الشمس اظهر ومن البدر انور كما تقدم تحقيقه، هذا بناء على ما ذكر من تلك الرواية خاصة وإلا فالناظر في جميع ما اوردنا من الاخبار التي فيها الصحيح باصطلاحه فلا مجال للتوقف في الحكم المذكور. واما ما اشار إليه واحال عليه من التحقيق الذي زعمه في مسألة تطهير الشمس فسيأتي نقله ان شاء الله تعالى في مسألة تطهير الشمس وبيان ما فيه.


(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 24 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب النجاسات.

[ 299 ]

تذنيب قد نقل جملة من الاصحاب عن المرتضى (رضي الله عنه) الحكم بطهارة الصقيل بمجرد زوال عين النجاسة وظاهرهم انحصار القول بذلك في المرتضى، وظاهر الشيخ في الخلاف تقدم القول بذلك عليه حيث ذكر ان في اصحابنا من قال بان الجسم الصقيل كالسيف والمرآة والقوارير إذا اصابته نجاسة كفى في طهارته مسح النجاسة، وعزى إلى المرتضى اختياره ثم قال ولست اعرف به اثرا، وذكر ان عدم طهارته بدون غسله بالماء هو الظاهر، واحتج له بان حصول النجاسة في هذا الجسم معلوم والحكم بزوالها يحتاج إلى شرع وليس في الشرع ما يدل على زوال هذا الحكم بما قالوه. وظاهره كما ترى عدم انحصار القول بالطهارة في المرتضى (رضي الله عنه) ثم ان الفاضلين وغيرهما اقتفوا اثر الشيخ في هذا الاحتجاج على بقائه النجاسة واستصحابها وزاد الفاضلان الاستدلال بان النجاسة الرطبة يتعدى حكمها إلى الملاقي فلا يزول بزوال عين النجاسة. وعلى هذا كلام من تأخر عنهما في هذا المقام وغيره مما لاقته النجاسة برطوبة فانه يجب استصحاب حكم النجاسة حتى يقوم الدليل على الطهارة، إلى ان انتهت النوبة إلى صاحب المعالم فخالف الاصحاب في ذلك بقول انفرد به وهو ان هذا الحكم اعني توقف الطهارة بعد زوال عين النجاسة على مطهر مخصوص بالثوب والبدن والانية واما غير هذه الثلاثة فانه يطهر بزوال العين. وسيجئ نقل كلامه في مسألة تطهير الشمس، ومن ثم قال في هذا المقام بعد ان نقل عن الاصحاب ما قدمنا ما صورته: وقد تكرر القول في امر الاستصحاب وذكرنا في المباحث الاصولية ان السيد لا يعول عليه في مثل هذا المقام والعجب من غفلة الجماعة عن رأي السيد فيه وان كلامه مبني على اصله فلا يحسن ان يحتج عليه بما لا يقبله. انتهى. اقول: لا يخفى ان الاستصحاب في هذا المقام عند الاصحاب وهو التحقيق ليس من قبيل الاستصحاب الذي هو محل النزاع ومطرح البحث بين السيد وغيره، فان هذا الاستصحاب انما هو من قبيل العمل بعموم الدليل

[ 300 ]

واطلاقه حتى يحصل الرافع، ونظائره في احكام الفقه اكثر من ان تحصى كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب، ولا خلاف في العمل به في الاحكام الشرعية فان النجاسة قد ثبتت بملاقاة عين النجاسة برطوبة فالحكم بطهارة ما لاقته يحتاج إلى دليل سواء كانت باقية أو زالت بغير مطهر شرعي وهو مما لا خلاف فيه نصا وفتوى، وسيأتي مزيد تحقيق للمقام في مسألة تطهير الشمس ان شاء الله تعالى. ثم ان ممن اختار القول بالطهارة ايضا بمجرد زوال العين عن الصقيل المحدث الكاشاني في المفاتيح وقد سلف البحث معه في ذلك في الباب الاول في آخر مسألة جواز رفع الخبث بالمضاف وعدمه فليراجع. والله العالم. (المسألة الثانية) لا خلاف بين الاصحاب فيما اعلم في اصل العفو عن دم الجروح والقروح قليلا كان أو كثيرا والاخبار به متظافرة، وانما الخلاف بينهم في حد العفو فمنهم من جعل الحد في ذلك البرء ومنهم من جعله الانقطاع واصحاب هذا القول بين مطلق لذلك ومقيد بكونه في زمان يتسع لاداء الصلاة، فالاطلاق للعلامة في بعض كتبه والشهيد فيما سوى الذكرى والتقيد للمحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى، وناط العلامة في القواعد العفو بحصول المشقة بالازالة وهو ظاهره في النهاية ومثله المحقق في الشرائع، وجمع في المنتهى والتحرير بينه وبين عدم وقوف جريانها فجعلهما المناط في العفو، واستشكل في النهاية وجوب ازالة البعض إذا لم يشق واوجب فيها وفي المنتهى ابدال الثوب مع الامكان معللا بانتفاء المشقة فينتفي الترخيص لانتفاء المعلول عند انتفاء علته. واعترضه في المعالم فقال بعد نقل ذلك: وانت خبير بانه مع وجوب ازالة البعض حيث لا يشق ووجوب ابدال الثوب ان امكن لا يبقى لهذا الدم خصوصية فان ايجاب ازالة البعض مع عدم المشقة يقتضي وجوب التحفظ من كثرة التعدي ايضا مع الامكان كما لا يخفى، واغتفار ما دون ذلك ثابت في مطلق الدم بل في مطلق النجاسات. وظاهر جماعة من الاصحاب ان الخصوصية هنا ثابته عند الكل وان اختلفوا في مقدارها

[ 301 ]

وذكر الفاضل الشيخ علي في بعض مصنفاته ان الشيخ نقل الاجماع على عدم وجوب عصب الجرح وتقليل الدم بل يصلي كيف كان وان سال وتفاحش إلى ان يبرأ، قال وهذا بخلاف المستحاضة والسلس والمبطون إذ يجب عليهم الاحتياط في منع النجاسة وتقليلها بحسب الامكان، واطلق الشيخ في النهاية وغيرها من كتبه التي رأيناها الحكم بعدم وجوب ازالة دم القروح الدامية والجروح اللازمة قل أو كثر، وهو ظاهر في موافقة القول الاول اعني التحديد بالبرء. واعلم انه قد اتفق للعلامة في الارشاد التعبير هنا بعبارة الشيخ فقال فيه: وعفي في الثوب والبدن عن دم القروح والجروح اللازمة. وحيث انه لم يظهر من العلامة في شئ من كتبه اطلاق العفو بل اشترطه تارة بعدم انقطاع سيلان الدم وتارة بحصول المشقة وثالثة بهما حمل الشهيد الثاني في الروض كلامه هنا على ان المراد بالوصف باللازمة استمرار الخروج، والمحقق الشيخ علي فسرها بالتي لم تبرأ، واعترضه في الروض بانه ليس مذهبا للمصنف حتى يفسر كلامه به. وفيه ما ذكر ابنه في المعالم وان لم يصرح بنسبة التفسير الاول إلى ابيه بل عبر عنه ببعض الاصحاب فقال والحق مع الثاني فان الظاهر من هذا الوصف ارادة كون الجرح باقيا غير مندمل، ومجرد كون العلامة لم يصرح بهذا القول في غير ذلك الكتاب لا يسوغ حمل اللفظ على خلاف ظاهره والمصير إلى المعنى الاول سيما مع ما هو معلوم من حال العلامة من عدم الالتزام بالقول الواحد في الكتاب الواحد فضلا عن الكتب المختلفة وبعد ظهور انتشار رأيه في هذه المسألة، وحينئذ تكون اقواله في هذه المسألة اربعة. اقول: وكيف كان فاظهر الاقوال واصحها هو القول الاول ويدل عليه الاخبار الكثيرة: ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل تخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي ؟


(1) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات.

[ 302 ]

فقال يصلي وان كانت تسيل ". وفي الصحيح عن ليث المرادي (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دما وقيحا وثيابه بمنزلة جلده ؟ قال يصلي في ثيابه ولا شئ عليه ولا يغسلها " وفي الحسن عن ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) نحوه (2) إلا انه لم يذكر في متنه " وثيابه بمنزلة جلده ". وما رواه في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (3) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي ؟ فقال دعه فلا يضرك ان لا تغسله ". وعن سماعة بن مهران في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " إذا كان بالرجل جرح سائل فاصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم ". ورواية ابي بصير (5) قال: " دخلت على ابي جعفر (عليه السلام) وهو يصلي فقال لي قائدي ان في ثوبه دما فلما انصرف قلت له ان قائدي اخبرني ان بثوبك دما ؟ قال (عليه السلام) ان بي دماميل ولست اغسل ثوبي حتى تبرأ ". وموثقة عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الدمل يكون في الرجل فينفجر وهو في الصلاة ؟ قال يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة ". وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب البزنطي عن عبد الله ابن عجلان عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن الرجل به القرح لا يزال يدمى كيف يصنع ؟ قال يصلي وان كانت الدماء تسيل ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 12 من النجاسات (7) السرائر نوادر البزنطي الحديث 12.

[ 303 ]

ومن الكتاب المذكور عن البزنطي عن العلاء عن محمد بن مسلم (1) قال: " قال ان صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم اكثر من مرة ". ورواية سماعة (2) قال: " سألته عن الرجل به القرح أو الجرح فلا يستطيع ان يربطه ولا يغسل دمه ؟ قال يصلي ولا يغسل ثوبه إلا كل يوم مرة فانه لا يستطيع ان يغسل ثوبه كل ساعة ". هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة وهي ظاهرة الدلالة على امتداد العفو إلى البرء وبه صرح في موثقة سماعة ورواية ابي بصير ويقرب منه قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: " يصلي وان كانت الدماء تسيل " ونحوها رواية عبد الله بن عجلان، فان الظاهر من هذه العبارة ان المفهوم اولى بالحكم من المنطوق فيكون حالة عدم السيلان اولى بالعفو، وربما يسبق إلى الفهم من قوله في الصحيحة المشار إليها: " فلا تزال تدمي " ان الحكم مفروض في استمرار الجريان والعفو معلق عليه، وهو باطل (اما اولا) فان هذا الكلام مفروض في استمرار السائل ومقتضى جوابه انما هو ما ذكرناه والعبرة لا بكلام السائل. و (اما ثانيا) فان الظاهر انه ليس معنى " لا تزال تدمي " ان جريانها متصل لا ينقطع بل معناه تكرر الخروج وان كان دفعة بعد دفعة وحينا بعد حين، ومن الظاهر ان ذلك هو مقتضى العرف من هذه العبارة فانه إذا قيل فلان لا يزال يتكلم بكذا وكذا ولا يزال يتردد إلى كذا وكذا ونحو ذلك فانه يراد منه انه يفعله حينا بعد حين لا انه مستمر على فعله على وجه لا انقطاع ولا انفصال فيه، وبذلك يظهر ان ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من اعتبار المشقة وابدال الثوب مع الامكان واعتبار التقييد بعدم الانقطاع مطلقا أو مقيدا كما تقدم لا دليل عليه بل


(1) السرائر نوادر البزنطي الحديث 13. (2) المروية في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات.

[ 304 ]

الادلة واضحة ظاهرة في رده، فان المستفاد منها هو العفو عن هذا الدم شقت ازالته ام لا وسواء كانت له فترة ينقطع فيها بقدر الصلاة أو مطلقا ام لا، وانه لا يجب ابدال الثوب ولا تخفيف النجاسة ولا تعصيب موضع الجرح أو القرح بحيث يمنعه من الخروج، قال اطلاق الامر بالصلاة وان كانت الدماء تسيل والنهي عن الغسل والحال هذه اظهر ظاهر في ذلك. فروع (الاول) قد صرح العلامة في جملة من كتبه كالنهاية والمنتهى والتحرير انه يستحب لصاحب القروح والجروح غسل ثوبه في كل يوم مرة، واحتج له في المنتهى والنهاية بان فيه تطهيرا غير مشق فكان مطلوبا وبرواية سماعة المتقدمة. اقول: ومثلها صحيحة محمد بن مسلم المنقولة من مسطرفات السرائر عن نوادر البزنطي. والسيد في المدارك بعد ان نقل عن العلامة الاستدلال برواية سماعة اعترضه بان في السند ضعفا. والعجب منه ان في غير موضع من شرحه المذكور بعد الطعن في الخبر بضعف السند وعدم نهوضه بالدلالة على الوجوب أو التحريم يحمله على الاستحباب أو الكراهة تفاديا من طرحه وهكذا قاعدة غيره من اصحاب هذا الاصطلاح، فكيف خالف قاعدته هنا مع ان صحيحة محمد بن مسلم كما عرفت صريحة في ذلك ؟ فلا يتوجه الطعن المذكور. ثم ان ما ذكره العلامة ومن تبعه من حمل الرواية على الاستحباب انما نشأ من حيث ضعف سندها عندهم كما اشرنا إليه من ان قاعدتهم حمل الاخبار على ذلك متى ضعف سندها تفاديا من طرحها، وانت قد عرفت وجود الرواية الصحيحة بذلك وبموجب ذلك يجب العمل بالخبرين المذكورين في وجوب الغسل مرة واحدة في اليوم كما دلا عليه وتقييد تلك الاخبار بهما وان لم يوجد به قائل منهم، ولا ريب انه الاحوط مع الامكان واما ما ذكره العلامة من التعليل الاول فانه عليل لا يعول عليه ولا يصح اسناد حكم

[ 305 ]

شرعي إليه، نعم يصلح توجيها للنص المذكور. (الثاني) لو تعدى الدم عن محل الضرورة من الجروح والقروح في الثوب والبدن فهل يسري العفو ام لا ؟ وجهان صرح بثانيهما في المنتهى فقال: لو تعدى الدم عن محل الضرورة في الثوب‍ أو البدن بان لمس بالسليم من بدنه دم الجرح أو بالطاهر من ثوبه فالاقرب عدم الترخيص فيه. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: وما استقربه حسن. وقال في المدارك: لو تعدى الدم عن محل الضرورة في الثوب احتمل بقاء العفو تمسكا بالاطلاق وعدمه لانتفاء المشقة بازالته، وهو خيرة المنتهى. اقول: لا يبعد التفصيل هنا بين ما إذا تعدى الدم بنفسه إلى سائر اجزاء البدن أو الثوب الطاهر وبين ما إذا عداه المكلف بنفسه بان وضع يده الطاهرة على دم الجرح أو طرف ثوبه الطاهر عليه، والقول بالعفو في الاول دون الثاني، والظاهر من عبارة المنتهى انما هو الثاني إلا ان موثقة عمار المتقدمة ظاهرة في العفو في الثاني ايضا وبه يظهر ضعف ما قربه في المنتهى واستحسنه في المعالم، ولو لم يرد هذا الخبر في اخبار المسألة لكان ما ذكرناه من التفصيل جيدا فان المتبادر منها انما هو القسم الاول خاصة إلا انه يمكن ان يقال بحمل الموثقة المذكورة على خروج القيح من الدمل دون الدم فانه بعد نضجه متى انفجر فانما يخرج منه القيح الابيض خاصة وربما خالطه لون الدم، وبالجملة فان حمل الخبر على ذلك غير بعيد وبه يظهر قوة ما ذكرناه من التفصيل. (الثالث) قال في المدارك: لو لاقى هذا الدم نجاسة اخرى فلا عفو، وان اصابه مائع طاهر كالعرق ونحوه فالاظهر سريان العفو إليه لاطلاق النص ومس الحاجة واستقرب في المنتهى العدم قصرا للترخيص على موضع النص وهو الدم ولا ريب انه احوط. انتهى. وهو جيد (الرابع) إذا لاقى هذا الدم جسم برطوبة ثم لاقى الجسم بدن صاحب الدم وثوبه فهل يثبت فيه العفو كاصله أو لا ؟ احتمالان استقرب ثانيهما العلامة في النهاية والمنتهى،

[ 306 ]

ولم نقف لغيره على كلام في هذا الفرع إلا انهم ذكروا نظيره في الملاقي للدم القليل المعفو عنه كالاقل من درهم، واختار جمع منهم ثبوت العفو في الملاقي ايضا مستندين إلى ان المتنجس بشئ لا يزيد حكمه عنه وغايته ان يساويه فإذا ثبت العفو عن عين النجاسة فما هو اضعف منه حكما اولى بالعفو، وهذا التوجيه جار فيما نحن فيه، وبهذا التقريب رجح في المعالم هنا الاحتمال الاول. والمسألة عندي محل توقف. (المسألة الثالثة) الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في ان ما نقص عن سعة الدرهم من الدم المسفوح الذي ليس من احد الدماء الثلاثة ولا دم الجروح والقروح معفو عنه وان ما زاد على الدرهم فلا يعفى عنه. ويدل على الاول بعد الاجماع المدعى من جمع من الاصحاب كالمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والنهاية والتذكرة والمختلف الاخبار الاتية، وعلى الثاني مضافا إلى الاجماع المدعى ايضا الاخبار الدالة على نجاسة الدم كما تقدم والاخبار الاتية الدالة على العفو عن الناقص، وانما الخلاف والاشكال في قدر سعة الدرهم، فذهب الاكثر ومنهم الصدوقان والشيخان والفاضلان والشهيدان وغيرهم إلى ايجاب ازالته، وعن المرتضى وسلار عدم الوجوب. وها انا ابسط ما وقفت عليه من اخبار المسألة واذيلها بما رزقني الله تعالى فهمه منها في الجمع بين مختلفاتها وتأليف متفرقاتها: ومنها صحيحة عبد الله بن ابي يعفور (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في دم البراغيث ؟ قال ليس به بأس. قال قلت انه يكثر ويتفاحش ؟ قال وان كثر. قال قلت فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى ان يغسله فيصلي ثم يذكر بعدما صلى أيعيد صلاته ؟ قال يغسله ولا يعيد صلاته إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة ".


(1) المروية في الوسائل بالتقطيع في الباب 20 و 23 من النجاسات.

[ 307 ]

وحسنة محمد بن مسلم (1) قال: " قلت له الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة ؟ قال ان رايته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان اقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه " هكذا في رواية الكافي، وفي التهذيب هكذا: " وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ " بزيادة الواو وحذف " وما كان اقل " وفي الاستبصار حذفه ايضا ولم يزد الواو، وفي الفقيه رواه عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) كما في الكافي وزاد في آخره " وليس ذلك بمنزلة المني والبول ثم ذكر المني فشدد فيه.. الحديث " كما تقدم في الفصل الثالث في نجاسة المني. ورواية اسماعيل الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " في الدم يكون في الثوب ان كان اقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة وان كان اكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته وان لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة " ورواية جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (3) انهما قالا: " لا بأس بان يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح وان كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم ". وقال الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي (4) " ان اصاب ثوبك دم فلا بأس بالصلاة فيه ما لم يكن مقدار درهم واف، والوافي ما يكون وزنه درهما وثلثا، وما كان دون الدرهم الوافي فلا يجب عليك غسله ولا بأس بالصلاة فيه، وان كان الدم حمصة فلا بأس بان لا تغسله إلا ان يكون دم الحيض فاغسل ثوبك منه ومن البول والمني قل ام


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات (4) ص 6.

[ 308 ]

كثر واعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم " انتهى كلامه وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه بادنى تغيير. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع في مواضع: (الاول) لا يخفى ان مورد الاخبار المذكورة انما هو الثوب خاصة وظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على ضم البدن إليه ايضا، قال في المنتهى: حكم البدن حكم الثوب في هذا الباب ذكره اصحابنا ويؤيده رواية مثنى بن عبد السلام (1) ولان المشقة موجودة في البدن كالثوب بل ابلغ لكثرة وقوعها إذ لا تتعدى غالبا إلى الثوب إلا منه. انتهى. وقال في المعالم بعد ذكر ملخصه: ولا بأس به. وقال في المدارك: مورد الروايات المتضمنة للعفو تعلق النجاسة بالثوب، وقال في المنتهى انه لا فرق في ذلك بين الثوب والبدن واسنده إلى الاصحاب لاشتراكهما في المشقة اللازمة من وجوب الازالة، وهو جيد لمطابقته لمقتضى الاصل السالم عما يصلح للمعارضة، ويشهد له رواية مثنى بن عبد السلام عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له اني حككت جلدي فخرج منه دم ؟ فقال إذا اجتمع منه قدر حمصة فاغسله وإلا فلا " والظاهر ان المراد بقدر الحمصة قدرها وزنا لا سعة وهي تقرب من سعة الدرهم. انتهى. اقول: لا يخفى ما في كلامهم هنا من المجازفة الظاهرة (اما اولا) فلان التعليل في الحاق البدن بالثوب بالمشقة انما يتم على تقدير تسليمه لو كان وجوب الازالة عن الثوب معللا بالمشقة، مع ان هذه العلة غير موجودة في شئ من الاخبار المتقدمة وانما هي علة مستنبطة والعلة الحقيقية في وجوب الازالة عن الثوب انما هي الاخبار الدالة على ذلك ولا اشعار لها بشئ من هذه العلة، ثم اي مشقة في ازالة الدم وحده مع وجوب الازالة فيما عداه من النجاسات قل أو كثر بل في غيره من الدماء ؟ وبالجملة فان هذا التعليل عليل لا يصلح لبناء حكم شرعي ".


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات.

[ 309 ]

و (اما ثانيا) فان ما ذكره في المدارك من الاستناد إلى مطابقة الاصل غير متأصل إذ الظاهر ان مراده من هذا الاصل هنا هو اصالة براءة الذمة من وجوب الازالة، وهو مردود بما عرفت من استفاضة النصوص بنجاسة الدم ووجوب ازالته في الصلاة قليلا كان أو كثيرا خرج ما خرج بدليل وبقي ما بقي وهو ما يوجب الخروج عن هذا الاصل. و (اما ثالثا) فان ما ذكره من خبر الحمصة وتأوله به من ان المراد بالحمصة قدرها وزنا لا سعة مدخول بانه يمكن ان يلطخ بقدر الحمصة وزنا من الدم تمام الثوب، وحينئذ لا معنى لقوله " وهو يقرب من سعة الدرهم " فانا لا ندري اي شئ اراد بهذا القرب والحال كما ذكرنا، والظاهر من الرواية المذكورة انما هو قدرها في السعة وانه لا يعفى عنه وانما يعفى عما دونه، فالرواية بالدلالة على خلاف ما يدعونه اشبه. وربما اشعرت الرواية بعدم نجاسة هذا المقدار اليسير من الدم كما هو ظاهر عبارة الصدوق في الفقيه حيث قال: " وان كان الدم دون حمصة فلا يغسل " ويؤيده ايضا ما في رواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) حيث " سأله عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة ؟ قال لا وان كثر ولا بأس ايضا بشبهه من الرعاف بنضحه ولا يغسله " والتقريب ان المتفرق من الرعاف غالبا انما يكون اقل من الحمصة فلو كان نجسا لكان النضح انما يزيده نجاسة، ولكن لا اعلم قائلا بذلك إلا ما يظهر من اطلاق عبارة ابن الجنيد المتقدمة في صدر المسألة الاولى. هذا ما اقتضاه البحث بحسب النظر إلى الدليل وان كان الاحتياط فيما ذهبوا إليه سيما مع ظاهر اتفاقهم على ذلك ولا اعرف لهم دليلا سواه. واما ما تضمنه كتاب الفقه كما قدمنا في عبارته من نفي البأس عن قدر الحمصة من الدم فمشكل والصدوق (قدس سره) مع اخذ عبارته في الفقيه من عبارة الكتاب


(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات.

[ 310 ]

المذكور قد عدل في هذا المقام عن ذلك كما قدمنا من عبارته، ويمكن حمل عبارة كتاب الفقه كما هو ظاهر سياقها على ان مقدار الحمصة الذي نفى عن البأس انما في الثوب وحينئذ فنفي البأس من حيث السعة فتدخل تحت عموم قوله: " وما كان دون الدرهم " فانها من حيث السعة دون الدرهم المذكور وانما محل الاشكال في البدن باعتبار احتمال الوزن كما ذهب إليه في المدارك. (الموضع الثاني) قد اتفقت هذه الروايات على ما قدمنا ذكره في العفو عما نقص من قدر الدرهم وعدم العفو عما زاد وانما اختلفت في العفو عن قدر الدرهم وعدمه وبذلك اختلفت كلمة الاصحاب، والمشهور الثاني كما قدمنا ذكره. واستدل عليه بوجوه: (اولها) ان مقتضى الدليل وجوب ازالة قليل النجاسة وكثيرها لقوله (عليه السلام) " انما يغسل الثوب من البول والمني والدم " (1) ونحو ذلك من الاخبار التي قدمناها في الفصل الرابع في نجاسة الدم مما دل على وجوب تطهير الثوب من الدم واعادة الصلاة بالصلاة فيه ناسيا ونحو ذلك، فان اطلاقها يقتضي وجوب ازالة الدم كيف كان خرج منه ما وقع الاتفاق على العفو عنه وهو الاقل من درهم وبقي الباقي وعلى هذا الوجه اقتصر المحقق في المعتبر وان كان كلامه فيه بوجه مختصر، وهو جيد وجيه كما لا يخفى على العارف النبيه. و (ثانيها) قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (2) قال العلامة في المختلف وهو عام تركناه فيما نقص عن الدرهم للمشقة وعدم الانفكاك منه فيبقى ما زاد على عموم الامر بازالته. اقول: وفيه عندي نظر تقدم ذكره قريبا وهو ان الاخبار الواردة بتفسير الاية قد


(1) الظاهر ان هذا مضمون الاخبار الواردة في نجاسة هذه الامور وليس لفظا واردا في حديث خاص وقد اورده كذلك المحقق في المعتبر وصاحبا المدارك والمعالم ومرجعه إلى التمسك بالاطلاقات. (2) سورة المدثر، الاية 4.

[ 311 ]

اتفقت على تفسير التطهير هنا بتشمير الثياب فلا وجه للاستدلال بها هنا بعد ورود التفسير لها بنوع خاص. و (ثالثها) صحيح ابن ابي يعفور المتقدم ورواية جميل بن دراج ودلالتهما على ذلك ظاهرة بل صريحة، ومثلهما عبارة كتاب الفقه، وهذا القول هو المعتمد عندي لما عرفت. واما ادلة القول الاخر فوجهان: (احدهما) ما حكاه في المختلف عن المرتضى فقال: قال المرتضى (رضي الله عنه) ان الله اباح الصلاة في قوله تعالى: ".. إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا.. " (1) عند تطهير الاعضاء الاربعة فلو تعلقت الاباحة بغسل نجاسة لكان ذلك زيادة لا يدل عليها الظاهر لانه بخلافها، ولا يلزم على ذلك ما زاد على الدرهم وما عدا الدم من سائر النجاسات لان الظاهر وان لم يوجب ذلك فقد عرفناه بدليل اوجب الزيادة على الظاهر وليس ذلك في يسير الدم. ثم اجاب في المختلف عن هذه الحجة بان الاية لا تدل على الاباحة عند تطهير الاعضاء الاربعة بل على اشتراط تطهيرها في الصلاة. اقول: ومع تسليم ما ذكره فانه كما خصص الاية بالادلة الدالة على وجوب ازالة ما زاد على الدرهم وما دل على ازالة سائر النجاسات فليكن مثلها صحيحة ابن ابي يعفور ورواية جميل وكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه لدلالتها على وجوب ازالة قدر الدرهم وعدم العفو عنه. و (ثانيهما) حسنة محمد بن مسلم بطريق الشيخ المتقدم ذكره ورواية اسماعيل الجعفي المتقدمتان. واجاب في المختلف عن الحسنة المذكورة بان محمد بن مسلم لم يسنده إلى الامام (عليه السلام) قال وعدالته وان كانت تقتضي الاخبار عن الامام إلا ان ما ذكرناه لا لبس فيه يعني حديث ابن ابي يعفور. ولله در المحقق الشيخ حسن في المعالم حيث رد ذلك فقال: واما جوابه عن الثاني


(1) سورة المائدة، الاية 6.

[ 312 ]

فمنظور فيه وذلك لان الممارسة تنبه على ان المقتضي لنحو هذا الاضمار في الاخبار ارتباط بعضها ببعض في كتب روايتها عن الائمة (عليهم السلام) فكان يتفق وقوع اخبار متعددة في احكام مختلفة مروية عن امام واحد ولا فصل بينها يوجب اعادة ذكر الامام (عليه السلام) بالاسم الظاهر فيقتصرون على الاشارة إليه بالمضمر. ثم انه لما عرض لتلك الاخبار الاقتطاع والتحويل إلى كتاب آخر تطرق هذا اللبس ومنشأه غفلة المقتطع لها وإلا فقد كان المناسب رعاية حال المتأخرين لانهم لا عهد لهم بما في الاصول، واستعمال ذلك الاجمال انما ساغ لقرب البيان وقد صار بعد الاقتطاع في اقصى غاية البعد ولكن عند الممارسة والتأمل يظهر انه لا يليق بمن له ادنى مسكة ان يحدث بحديث في حكم شرعي ويسنده إلى شخص مجهول بضمير ظاهر في الاشارة إلى معلوم فكيف باجلاء اصحاب الائمة (عليهم السلام) كمحمد بن مسلم وزرارة وغيرهما، ولقد تكثر في كلام المتأخرين رد الاخبار بمثل هذه الوجوه التي لا يقبلها ذو سليقة مستقيمة، هذا وقد كان الاولى للعلامة (قدس سره) في الجواب عن الاحتجاج بهذا الحديث بعد حكمه بصحة حديث ابن ابي يعفور ورجوع كلامه في جوابه إلى ان حديث ابن ابي يعفور ارجح في الاعتبار من خبر ابن مسلم ان يجعل وجه الرجحان كون ذلك من الصحيح وهذا من الحسن. انتهى. اقول: ومن العجب هنا كلامهم في الرواية المذكورة فيما اشتملت عليه من الارسال اعتراضا وجوابا مع ان الصدوق رواها في الفقيه عن محمد بن مسلم انه قال للباقر (عليه السلام) كما قدمنا ذكره في عد الروايات فكيف غفل الجميع عن ملاحظة ذلك واحتاجوا إلى هذا التكلف سؤالا وجوابا ؟ إذا عرفت ذلك فاعلم ان في المدارك بعد ان استدل للمرتضى بحسنة محمد بن مسلم المروية في التهذيب ورواية الجعفي قال: وجه الدلالة انه (عليه السلام) رتب الاعادة على كون الدم اكثر من مقدار الدرهم فينتفي بانتفائه عملا بالشرط وهو منتف مع المساواة، ولا يعارض بالمفهوم الاول لاعتضاد الثاني باصالة البراءة. انتهى.

[ 313 ]

اقول: لا يخفى ان هذين المفهومين الحاصلين من الشرطيتين انما هما في رواية الجعفي حيث قال: " ان كان اقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة وان كان اكثر فليعد صلاته " واما حسنة محمد بن مسلم بناء على نقله لها من التهذيب فليس فيها إلا ان " وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ " وهو يرجع إلى الشرطية الثانية من رواية الجعفي، واما على روايتي الكافي والفقيه فهي مشتملة على الشرطيتين معا. بقي الكلام معه في ترجيح احد المفهومين على الاخر فان مفهوم الشرطية الاولى انه لو لم يكن اقل من درهم بل كان درهما فصاعدا فانه يعيد، وعلى هذا المفهوم بنى الاستدلال للقول المشهور، ومفهوم الشرطية الثانية انه لو لم يكن اكثر من الدرهم فلا يعيد، وعليه بنى استدلال المرتضى (رضي الله عنه) واختاره في المدارك ورجحه باعتضاده باصالة البراءة. ولا يخفى ما فيه فان اصالة البراءة لا معنى لها بعد استفاضة الاخبار بنجاسة الدم بقول مطلق ووجوب الطهارة منه في الصلاة ووجوب اعادتها بالصلاة فيه ناسيا خرج ما خرج بدليل وبقي ما بقي، ومع تسليم ما ذكره فهذا الاصل هنا مخصوص بصحيحة ابن ابي يعفور وما شابهها مما دل على القول المشهور وبه يظهر وجه رجحان مفهوم الشرطية الاولى، وبذلك يظهر ان حمله لروايات القول المشهور على الاستحباب غير جيد لظهورها في وجوب الاعادة وصحة بعضها وكثرتها واعتضادها بالاخبار المطلقة التي اشرنا إليها وقبول ما قابلها للتأويل، مع ما عرفت في غير موضع من انه لا دليل على الجمع بين الاخبار بالاستحباب والكراهة وان كان مشهورا بينهم. قال في المعالم بعد البحث في المقام: وبالجملة فحديث ابن ابي يعفور اقرب إلى القبول من خبر ابن مسلم فمع التعارض يكون الترجيح للاول، وبتقدير المساواة فخبر ابن مسلم اقرب إلى التأويل إذ يمكن حمل الزيادة عن مقدار الدرهم فيه على كونها اشارة إلى ان اتفاق كون الدم بمقدار الدرهم فحسب بعيد جدا فان الغالب فيه الزيادة أو النقصان ومما يرشد إلى هذا قوله في رواية اسماعيل الجعفي: " ان كان اقل من قدر الدرهم فلا يعيد

[ 314 ]

الصلاة وان كان اكثر فليعد صلاته " ولم يتعرض لحال مساواته للدرهم، والظاهر انه لا وجه لتركه إلا بعد وقوعه، وحينئذ فيكون مفهوم الشرط الاول في هذه الرواية مخصصا لعموم مفهوم الشرط الثاني بمعونة ملاحظة الجمع بينه وبين حديث ابن ابي يعفور. انتهى. وهو جيد إلا ان استشهاده برواية اسماعيل الجعفي على ما ذكره مبني على نقله حسنة محمد بن مسلم من التهذيب وإلا فهي في الكافي والفقيه قد اشتملت على ما اشتملت عليه رواية الجعفي من الشرطيتين المذكورتين فيها كما قدمنا نقله لانه قال: " ولا اعادة عليك ما لم يرد على مقدار الدرهم وما كان اقل من ذلك يعني من الدرهم فليس بشئ " إلا ان للتأويل فيها مدخلا بارجاع اسم الاشارة إلى الازيد وهو غلط كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، والظاهر انه وكذا قبله صاحب المدارك لم يلاحظوا الكافي والفقيه في تحقيق هذه الرواية. اقول: والذي يقرب عندي ويدور في خلدي في معنى حسنة محمد بن مسلم هو انه لما كان فرض الدرهم نادر الوقوع بل الغالب اما الزيادة عليه أو النقيصة عنه عبر عن الدرهم فصاعدا بما زاد على الدرهم كأنه قيل ما لم يكن درهما فزائدا كما قالوه في قوله عزوجل: " فان كن نساء فوق اثنتين " (1) اي اثنتين فما فوق، والتعبير بمثل ذلك عن ارادة المعنى الذي ذكرناه شائع في الاخبار، ويؤيده ترك التعرض لمقدار الدرهم في الخبر والاقتصار على ذكر الاكثر والاقل والظاهر انه مطوي في جانب الاكثر، وقد تتبعت في الاخبار ما جرى هذا المجرى إلا انه لا يحضرني الان منه إلا رواية واحدة وهي رواية يونس عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم ؟ قال ايما مكار اقام في منزله أو البلد الذي يدخله اقل من عشره ايام وجب عليه الصيام والتمام، وان كان له مقام في منزله أو البلد الذى يدخله اكثر من عشرة


(1) سورة النساء، الاية 12. (2) المروية في الوسائل في الباب 12 من صلاة المسافر

[ 315 ]

ايام فعليه التقصير والافطار " فان حكم العشرة التي هي الحد الشرعي في وجوب القصر غير مذكور وما ذاك إلا انه من حيث ندرة الاقتصار على العشرة من غير زيادة ولا نقصان فادرجها في جانب الاكثر، فالمعنى في قوله (عليه السلام) " اكثر من عشرة ايام " اي عشرة فاكثر، وبالجملة رمي هذه العبارة بهذا المعنى في هذا المقام كثير يعرفه المتتبع المتأمل في الاخبار، وحينئذ فقوله في الحسنة المذكورة بناء على روايتي الكافي والفقيه " وما كان اقل من ذلك " لا دلالة فيه فان الاشارة فيه انما هي إلى الدرهم يعني اقل من درهم حسبما وقع في رواية الجعفي. والله العالم. (الموضع الثالث) اختلف الاصحاب في الدم المتفرق في الثوب أو البدن الذي لو جمع لبلغ قدر الدرهم هل تجب ازالته ام لا ؟ على اقوال، فقيل ان حكمه حكم المجتمع ان بلغ درهما وجبت ازالته وإلا فلا وبه قال سلار من المتقدمين واكثر المتأخرين، وظاهر الشيخ في النهاية انه لا تجب ازالته مطلقا إلا ان يتفاحش، ويحكى عنه في المبسوط انه قال ما نقص عن الدرهم لا تجب ازالته سواء كان في موضع واحد من الثوب أو في مواضع كثيرة بعد ان يكون كل موضع اقل من مقدار الدرهم، وان قلنا إذا كان جميعه لو جمع لكان مقدار الدرهم وجب ازالته كان احوط للعبادة. ونقل عن ابن ادريس اطلاق القول بعدم وجوب الازالة واختاره المحقق في النافع، وظاهره في المعتبر وفاق الشيخ في النهاية. وقد ظهر من ذلك ان الاقوال في المسألة ثلاثة: (احدهما) التفصيل بين بلوغ الدرهم وعدمه فتجب الازالة على الاول دون الثاني، وهو المشهور بين المتأخرين. (الثاني) عدم وجوب الازالة مطلقا إلا ان يتفاحش وهو قول الشيخ في النهاية والمحقق في المعتبر. (الثالث) عدم وجوب الازالة مطلقا وهو مذهب ابن ادريس والمحقق في النافع والشرائع ايضا والشيخ في المبسوط واختاره السيد في المدارك.

[ 316 ]

وهو الاقرب وتدل عليه صحيحة ابن ابي يعفور المتقدمة وقوله فيها " إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا ". واجاب عنها في المختلف بان " مجتمعا " كما يحتمل ان يكون خبرا ل‍ " يكون " يحتمل ان يكون حالا مقدرة واسمها ضمير يعود إلى " نقط الدم " و " مقدار " خبرها والمعنى إلا ان تكون نقط الدم مقدار الدرهم إذا قدر اجتماعها. ورد (اولا) بان تقدير الاجتماع مما لا يدل عليه اللفظ. وفيه ان صدر الحديث مفروض في نقط الدم والفرض ان الضمير عائد إلى نقط الدم. و (ثانيا) بانه لو كانت الحال مقدرة وكان الحديث المذكور مخصوصا بما قدر فيه الاجتماع لا ما حقق لما صلح دليلا للمجتمع حقيقة مع استدلال الاصحاب به قديما وحديثا على ذلك. و (ثالثا) انه مع كونه حالا لا خبرا فالظاهر انه حال محققة وهو الظاهر من الخبر، ويصير المعنى إلا ان يكون الدم بمقدار الدرهم حال كونه مجتمعا. و (رابعا) ان الحال المقدرة كما ذكروه هي التي زمانها غير زمان عاملها ولها مثال مشهور وهو قولهم " مررت برجل معه صقر صائدا به غدا " اي مقدرا فيه الصيد، وما نحن فيه ليس كذلك إذ كون الدم قدر الدرهم انما هو حال اجتماعه فزمانهما واحد، وكيف كان فالظاهر من الخبر المذكور انما هو كون " مجتمعا " خبرا أو حالا محققة وعلى كل منهما فالاستدلال بالرواية على المدعى ظاهر. واظهر منها في الدلالة على اعتبار الاجتماع في الدم المتفرق مرسلة جميل المتقدمة لتصريحه (عليه السلام) بنفي البأس عن الصلاة في الدم المتفرق ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم احتج القائلون بالقول المشهور بوجوه: (منها) ان الحكم معلق على مقدار الدرهم في حسنة محمد بن مسلم وقريب منها رواية اسماعيل الجعفي، وهو اعم من المجتمع والمتفرق.

[ 317 ]

و (منها) رواية عبد الله بن ابي يعفور المتقدمة فان الحكم فيها مفروض في نقط الدم الذي هو عبارة عن الدم المتفرق. و (منها) ان الاصل وجوب الازالة بقوله تعالى: " وثيابك فطهر " (1) خرج ما نقص عن الدرهم فيبقى الباقي مندرجا تحت الاطلاق. و (منها) ان النجاسة البالغة قدرا معينا لا يتفاوت الحال باجتماعها وتفرقها في المحل. والجواب عن الاول بان مقدار الدرهم في الخبر مخصوص بالمجتمع لقيام المخصص كما هو ظاهر روايتي ابن ابي يعفور ومرسلة جميل كما تقدم تحقيقه. وعن الثاني بان الرواية المذكورة وان كانت مفروضة في نقط الدم كما ذكر إلا ان الظاهر كون السؤال عن النقط باعتبار مجموعها أو باعتبار كل نقطة منه مكانها، فعلى تقدير كون " مجتمعا " خبرا ل‍ " يكون " و " مقدار " اسمها فكأنه (عليه السلام) قال في الجواب: لا يعيد صلاته باعتبار شي من ذلك إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا بان يكون الشي من تلك النقط بمقدار الدرهم. وعلى تقدير كون " مجتمعا " حالا محققة يكون المعنى لا يعيد صلاته إلا ان تكون تلك النقط المتفرقة مقدار الدرهم حال كونها مجتمعة، فافادة اشتراط الاجتماع حاصل على كل من التقديرين. وعن الثالث بما تقدم ذكره من ان مورد الاية كما دلت عليه الاخبار الواردة بتفسيرها انما هو التشمير لا الطهارة بمعنى ازالة النجاسة، وقد تقدم في مقدمات الكتاب ان اللفظ المتشابه في القرآن لا يجوز الاستدلال به إلا بعد ورود تفسيره عن اهل البيت (عليهم السلام) بمعنى من المعاني والوارد عنهم في تفسير هذا اللفظ هو ما ذكرناه. واما ما اجاب به عنه في المدارك من ان الخطاب في الاية مخصوص بالنبي (صلى الله عليه وآله) فتناوله للامة يتوقف على الدلالة ولا دلالة فهو ضعيف لا يلتفت


(1) سورة المدثر، الاية 4.

[ 318 ]

إليه فان الظاهر ان كلامه هذا مبني على ما حقق عندهم في الاصول من ان خطابات القرآن انما هي متوجهة إلى الحاضرين زمن الخطاب وانسحاب الحكم إلى من سيوجد بعد ذلك مستند إلى الاجماع، وحيث ان المسألة محل خلاف والاجماع غير محقق منع عموم الخطاب في الاية المذكورة. وفيه انه لا حاجة بنا في اثبات العموم إلى الاجماع بل الاخبار بحمد الله سبحانه بذلك مكشوفة القناع وهي الاحرى والاحق في ذلك بالاتباع، ومنها ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: " لو كانت إذا نزلت آية في رجل ثم مات الرجل ماتت الاية مات الكتاب والسنة ولكنه حي يجري في من بقي كما جرى في من مضى " وهو صريح الدلالة واضح المقالة في المراد. وما رواه في الكافي والتهذيب عن ابي عمرو الزبيري عن الصادق (عليه السلام) (1) حين سأله عن احكام الجهاد، وساق الخبر إلى ان قال (عليه السلام): " فمن كان قد تمت فيه شرائط الله الذى وصف بها اهلها من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد كما اذن لهم لان حكم الله في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء إلا من علة أو حادث يكون والاولون والاخرون ايضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة يسأل الاخرون عن اداء الفرائض كما يسأل الاولون ويحاسبون كما يحاسبون " وما رواه الصدوق في العلل (2) عن الرضا عن ابيه (عليهما السلام) " ان رجلا سأل الصادق (عليه السلام) ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة ؟ فقال ان الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة " إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع، وبذلك يظهر لك ان المرجع في عموم تلك الخطابات انما هو إلى هذه الاخبار ونحوها، على ان الاخبار الواردة بتفسير هذه


(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من كتاب الجهاد واصول الكافي ج 1 ص 192. (2) عيون اخبار الرضا ص 239.

[ 319 ]

الاية ظاهرة في العموم إلا انها مخصوصة بما قدمنا ذكره. ولو اجيب بضعف هذه الاخبار بهذا الاصطلاح الجديد، قلنا ان هذه الاصول بل الفضول التي مهدوا فيها هذه القاعدة اضعف إذ هي مجرد اصطلاحات اتفاقية أو خلافية وعن الادلة النبوية خالية عرية. وعن الرابع بانه مجرد مصادرة فانه محل البحث. وكيف كان فانه وان كان مقتضى البحث وتحقيق الحال في المسألة هو ما ذكرناه من عدم وجوب الازالة إلا ان الاحتياط بالعمل بالقول المشهور مما ينبغي المحافظة عليه فان احتمال ذلك من الادلة المذكورة ايضا غير بعيد. والله العالم. فروع (الاول) اعلم ان التفاحش قدمنا ذكره عن الشيخ في النهاية والمحقق في المعتبر وعلقوا وجوب الازالة عليه لم نقف له على مستند ولم يبينوا ايضا مقداره، وقد ذكر المحقق في المعتبر انه ليس له تقدير شرعي وان قول الفقهاء فيه مختلف فبعض قدره بالشبر وبعض بما يفحش في القلب قال وقدره أبو حنيفة بربع الثوب، ثم قال والمرجع فيه إلى العادة لانها كالامارة الدالة على المراد باللفظ إذا لم يكن له تقدير شرعا ولا وضعا. انتهى. اقول: والظاهر انهم اخذوا هذا الفرع من كتب العامة واختلفوا فيه كاختلافهم واخبارنا خالية منه كما عرفت. وقال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر كما ذكرناه: وهو جيد لو كان لفظ التفاحش واردا في النصوص. انتهى. وفيه ما عرفت في غير موضع من ان الحوالة على العرف والعادة في الاحكام الشرعية غير جيد لعدم انضباطها في جميع الاعصار والامصار وتعذر الاحاطة بها والاطلاع عليها لو سلمنا انضباطها ولم يعهد من الشارع اناطة الاحكام الشرعية بذلك، وقد تقدم في مباحث الكتاب ما ينبغي العمل عليه في مثل ذلك. (الثاني) قال الشهيد الثاني في الروض بعد الكلام في هذه المسألة: هذا حكم الدم

[ 320 ]

المتفرق في الثوب الواحد اما المتفرق في الثياب المتعددة أو فيها وفي البدن فهل الحكم فيها كذلك بمعنى تقدير جمع ما فيها أو لكل واحد من الثوب والبدن حكم بانفراده فلا يضم احدهما إلى الاخر أو لكل ثوب حكم كذلك فلا يضم بعضها إلى بعض ولا إلى البدن ؟ اوجه واعتبار الاول اوجه واحوط. انتهى. اقول: اما الدم المتفرق في البدن فقد عرفت فيما قدمنا بيانه ان النصوص خالية منه، اما المتفرق في الثياب فيمكن ترجيح ما ذكره واستوجهه (قدس سره) بحمل الثوب في النصوص المتقدمة على ما هو اعم من الثوب الواحد بارادة الجنس فيه وقوته ظاهرة. (الثالث) قال السيد في المدارك: لو اصاب الدم المعفو عنه مائع طاهر ولم يبلغ المجموع الدرهم ففي بقائه على العفو قولان اظهرهما ذلك، لاصالة البراءة من وجوب ازالته، ولان المتنجس بشئ لا يزيد حكمه عنه بل غايته ان يساويه إذ الفرع لا يزيد على اصله واستقرب العلامة في المنتهى وجوب ازالته لانه ليس بدم فوجب ازالته بالاصل السالم عن المعارض، ولان الاعتبار بالمشقة المستندة إلى كثرة الوقوع وذلك غير موجود في صورة النزاع لندوره. وضعف الوجهين ظاهر. ولو ازال عين الدم بما لا يطهرها فلا ريب في بقاء العفو لخفة النجاسة حينئذ. انتهى. اقول: والى ما رجحه هنا من البقاء على العفو ذهب الشهيد في الذكرى قال: لان المتنجس بشئ لا يزيد عليه. واستظهره في المعالم ايضا، والى ما استقربه العلامة من وجوب الازالة وعدم العفو صار في البيان. اقول: كما يمكن ان يعلل العفو وعدم وجوب الازالة بما ذكروه فلقائل ان يقول ايضا بانه إذا كان مورد الاخبار في هذه المسألة على خلاف الاصل المستفاد من الاخبار المستفيضة المجمع على القول بمضمونها من نجاسة الدم ووجوب ازالته عن الثوب والبدن للصلاة وكذا نجاسة ما يتعدى إليه نجاسة احد اعيان النجاسات برطوبة ووجوب الازالة للعبادة فالواجب الاقتصار في ذلك على مورد النص كما قرروه في غير موضع اخذا بالمتيقن المتفق عليه وهو العفو عن ذلك الدم خاصة فتعديته إلى ذلك المائع المتصل به خروج

[ 321 ]

عن موضع النص، واصالة البراءة التي استند إليها ممنوعة لما عرفت من قيام الادلة على النجاسة واشتراط ازالتها في صحة الصلاة خرج ما خرج بدليل واضح وبقي الباقي. وقولهم ان المتنجس بشئ لا يزيد حكمه عنه مجرد تعليل عقلي لا يصلح لان يكون مستندا لتأسيس حكم شرعي فان بناء الاحكام الشرعية طهارة ونجاسة وصحة وفسادا على ما علم من الشرع وثبت لا على الادلة العقلية. والى ما ذكرنا في المقام يميل كلام صاحب الذخيرة مع اقتفائه اثر صاحب المدارك غالبا كما لا يخفى على من تتبعه. (الرابع) اطلق جماعة من الاصحاب انه إذا اصاب الدم وجهي الثوب فان كان من التفشي من جانب إلى آخر فهو دم وإلا فدمان، وفصل الشهيد في البيان فقال: لو تفشى الدم في الرقيق فواحد وفي الصفيق اثنان، ونحو ذلك في الذكرى واستحسنه في المدارك، ونص العلامة في المنتهى والتحرير على ان التفشي موجب للاتحاد في الصفيق، وقال في المعالم بعد نقل الاقوال المذكورة: والتحقيق تحكيم العرف في ذلك إذ ليس له ضابط شرعي ولا سبيل إلى استفادة حكم اللغة في مثله فالمرجع حينئذ إلى ما يقتضيه العرف. اقول: قد عرفت ما في حوالة الاحكام الشرعية على العرف من الاشكال في غير مقام مما تقدم بل الحق كما نطقت به اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) هو الوقوف في كل قضية لم يعلم حكمها من الاخبار بعد التتبع والفحص عن الفتوى فيها والاخذ بالاحتياط ان احتيج إلى العمل بها. (الخامس) قال العلامة في النهاية: لو كان الدم اليسير في ثوب غير ملبوس أو في متاع أو آنية أو آلة فاخذ ذلك بيده وصلى وهو حامل له احتمل الجواز لعموم الترخيص والمنع لانتفاء المشقة. وذكر نحوه في المنتهى، قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: وفي كلا الوجهين نظر، اما الاول فلان ادلة الترخص ليس فيها ما يتناول مثل هذا واما الثاني فلان اعتبار المشقة لو اخذ دليلا على الحكم لانتفت الرخصة في كثير من الصور لعدم المشقة فيها، قال والحق ان الحكم بالعفو في موضع النزاع غير محتاج إلى

[ 322 ]

تكلف تناول دليل العفو في اصل المسألة له بل يكفي فيه كونه مقتضى الاصل فان ايجاب الازالة والاجتناب تكليف والاصل براءة الذمة منه وانما احتاجوا في حكم الثوب الملبوس والبدن إلى التمسك بغير هذا الوجه لقيام الدليل على منافاة النجاسة فيهما لصحة الصلاة كما مرت الاشارة إليه فيتوقف استثناء بعض النجاسات على الحجة، ولولا ذلك لكان الاصل دليلا قويا في الجميع. انتهى. وهو جيد، ويؤيده ان المتبادر من قولهم (عليهم السلام) (1) " لا يجوز الصلاة في النجاسة " و " لا تصح الصلاة في الذهب " (2) انما هو ما كان ملبوسا من هذه الاشياء تحقيقا للظرفية فلا يدخل فيه المحمول ومرجع كلامه (قدس سره) إلى ما ذكرناه، وعلى هذا فلا وجه لتخصيص الكلام بالدم اليسير بل ولو كان اكثر من درهم والحال انه محمول غير ملبوس، وإلا فلو لم يلحظ ما ذكرناه لكان للمناقشة فيه مجال فانه ان اسلم صدق الصلاة فيه في تلك الحال دخل تحت عموم الادلة المانعة من الصلاة في النجاسة كالثوب الملبوس والبدن النجسين فيحتاج الاستثناء إلى دليل ولا يمكنه التمسك هنا بالاصل، وان منع ذلك كما ذكرنا تم ما ذكره من الاستناد إلى الاصل لعدم دخوله تحت عموم الادلة المانعة فيبقى على الاطلاق ويصح التمسك فيه بالاصل وتوقف الاجتناب على الدليل، وبه يظهر لك انه لا فرق في المقام بين كون النجاسة المحمولة اقل من الدرهم واكثر وكذا سائر ما دلت الاخبار على عدم صحة الصلاة فيه من الذهب والحرير ونحوهما إذا كان محمولا فانه تصح الصلاة معه بالتقريب المذكور، إلا ان كلامهم بالنسبة إلى المحمول وصحة الصلاة معه إذا كان مما لا تصح الصلاة فيه لا يخلو من اضطراب كما سيمر بك ان شاء الله تعالى.


(1) هذا مضمون الاخبار الدالة على عدم جواز الصلاة مع النجاسة وليس حديثا خاصا واردا بهذا اللفظ. (2) هذا مضمون ما دل على مانعية الذهب من صحة الصلاة ولم نقف على حديث بهذا اللفظ.

[ 323 ]

(السادس) قال الشهيد في الدروس: لو اشتبه الدم المعفو عنه بغيره كدم الفصد بدم الحيض فالاقرب العفو، ولو اشتبه الدم الطاهر بغيره فالاصل الطهارة. ولم يتعرض لبيان الوجه في الحكمين المذكورين، وقد وجهه بعض بانه مبني على القاعدة المقررة في اشتباه الشئ بين المحصور وغيره وهي الالحاق بغير المحصور من حيث ان الحصر على خلاف الاصل وفي موضع البحث لا حصر في دم المعفو عما نقص عن الدرهم منه ولا في الدم الطاهر. قال في المعالم: وهذا الكلام متجه بالنظر إلى الحكم الاول حيث ان ما لا يعفى عن قليله من الدماء منحصر وما يعفى عنه غير منحصر كما ذكره، واما في الحكم الثاني فواضح الفساد لان كلا من الدم الطاهر والنجس غير منحصر، ثم نقل عن بعض من عاصره من مشايخه بانه وجهه بان اصالة الطهارة لم ترد في نفس الدم بل فيما لاقاه على معنى ان طهارته إذا علمت قبل ملاقاة هذا الدم المشتبه فالاصل بقاؤها إلى ان يعلم المقتضى لنجاسته ومع الاشتباه لا علم، ثم قال وله وجه غير ان لنا في المقام توجيها احسن منه وهو انه لا فرق للنجس إلا ما امر الشارع بازالته واجتنابه ولا للطاهر إلا ما لا تكليف فيه باحد الامرين فإذا حصل الاشتباه كان مقتضى الاصل هو الطهارة بمعنى براءة الذمة من التكليف بواحد من الامرين. انتهى. وانت خبير بانه يمكن تطرق المناقشة إلى مواضع من هذا الكلام: (منها) الاستناد في الطهارة والعفو في التوجيه الاول إلى القاعدة المذكورة المثمرة للظن بناء على ان الحاق الفرد المذكور بالاغلب مظنون كما قيل، وبناء الاحكام الشرعية الموقوفة على التوقيف من الشارع التي قد استفاضت الايات والروايات بالمنع فيها عن القول بغير علم على مثل هذه القواعد التي لم يثبت لها مستند من الشرع مجازفة محضة وقول على الله عزوجل بلا حجة ولا بينة، والبناء على مثل هذا الظن الغير المستند إلى آية أو رواية مشكل

[ 324 ]

و (منها) التوجيه الثالث فان ما ذكره معارض بانه قد قام الدليل على اشتراط صحة الصلاة بطهارة الثوب والبدن إلا ما استثنى فلابد من العلم بالطهارة ويقين البراءة موقوف على ذلك، والمشتبه المحتمل لكل من الامرين لا يحصل فيه ذلك. واما ما ذكره في المعالم من معنى النجس والطاهر فهو غير معلوم ولا ظاهر وانما معنى الطاهر هو ما لم يعلم نجاسته اي كونه من احد الاعيان النجسة ولا ملاقاة النجاسة له على الوجه الموجب لذلك والنجس هو ما علم فيه احد الامرين، وما ذكره من اللوازم لا انه معنى النجس والطاهر. والتحقيق عندي في المقام اما بالنسبة إلى الدم فهو يرجع إلى ما قدمنا من معنى المحصور وغير المحصور، وذلك فانه ان وقع الاشتباه في دمين أو ثلاثة مثلا بعضها طاهر وبعضها نجس كما لو افتصد مثلا وباشر دم السمك فرأى في ثوبه دما لا يدري هو من دم ايهما مع عدم احتمال غيرهما فان هذا يكون من قبيل المحصور يلحق حكم الطاهر منهما حكم ما اشتبه به من النجس، وهكذا لو كان معفوا عنه والاخر غير معفو فانه يلحق حكم المعفو عنه هنا حكم غير المعفو عنه، ولو وقع اشتباه في الدماء مطلقا كأن وجد ثوبا أو شيئا عليه دم مع احتمال تطرق الدماء الطاهرة والنجسة إليه فهذا يكون من قبيل غير المحصور ويكون الاصل فيه الطهارة عملا بالقاعدة المنصوصة الكلية " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر " (1) و " لا ابالي أبول اصابني ام ماء إذا لم اعلم " (2) وقول ذلك القائل في الوجه الثاني ان اصالة الطهارة لم ترد في نفس الدم ليس في محله فان كل شئ له افراد بعضها طاهر وبعضها نجس ووجد منه فرد لا يعلم انه اي القسمين هو يجب فيه الحكم باصالة الطهارة دما كان أو غيره، هذا بالنسبة إلى الدم واما بالنسبة إلى الثوب أو البدن الذى لاقى ذلك الدم فان كان ذلك الدم من قسم غير المحصور فلا اشكال في طهارة الملاقي للحكم بطهارة الدم كما عرفت، وان كان من القسم الاول بني على الخلاف المتقدم في مسألة الاناءين بان


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات.

[ 325 ]

ما لاقى المشتبه في المحصور هل يحكم فيه بحكمه ام يكون باقيا على اصل الطهارة ؟ قولان قد تقدم البحث فيهما ثمة. والله العالم (الموضوع الرابع) اطلاق النصوص المتقدمة بالعفو عن الاقل من الدرهم أو العفو عن الدرهم على القول الاخر شامل لدم الحيض وغيره من الدماء إلا ان المشهور بين الاصحاب من غير خلاف يعرف استثناء دم الحيض حيث قطعوا بعدم العفو عنه واوجبوا ازالة قليله وكثيره عن الثوب والبدن للصلاة لرواية ابي سعيد عن ابي بصير (1) قال: " لا تعاد الصلاة من دم لم يبصره إلا دم الحيض فان قليله وكثيره في الثوب ان رآه وان لم يره سواء ". قال المحقق في المعتبر بعد الاستدلال بالرواية المذكورة: لا يقال الراوي له عن ابي بصير أبو سعيد وهو ضعيف والفتوى موقوفة على ابي بصير وليس قوله حجة، لانا نقول الحجة عمل الاصحاب بمضمونه وقبولهم له فان ابا جعفر بن بابويه قاله والمرتضى والشيخان واتباعهما، ويؤيد ذلك ان مقتضى الدليل وجوب ازالة قليل الدم وكثيره عملا بالاحاديث الدالة على ازالة الدم لقوله (صلى الله عليه وآله) لاسماء (2) " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " وما رواه سورة بن كليب عن الصادق (عليه السلام) (3) " عن الحائض قال تغسل ما اصاب ثيابها من الدم " لكن ترك العمل بذلك في بعض


(1) المروية في الوسائل في الباب 21 من ابواب النجاسات (2) في سنن ابن ماجة ج 1 ص 217 عن اسماء بنت ابي بكر قالت: " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن دم الحيض يكون في الثوب، قال اقرصيه واغسليه وصلى فيه " وفي سنن البيهقي ج 1 ص 13 عنها ايضا انه صلى الله عليه وآله قال: " لتحته ثم لتقرصه بالماء ثم لتنضحه ثم لتصل فيه " وفي سنن ابي داود ج 1 ص 99 عنها ايضا انه صلى الله عليه وآله قال: " حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه ". (3) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب النجاسات.

[ 326 ]

الدماء لوجود المعارض فلا يجب العمل به في الباقي. انتهى. وفيه انه ما ذكره في هذه الرواية من ان الفتوى موقوفة على ابي بصير وان تبعه فيه جملة ممن تأخر عنه كصاحبي المدارك والمعالم حيث انهم لم يقفوا في الرواية إلا على هذا الطريق إلا ان الشيخ قد رواها في موضع آخر وكذا صاحب الكافي عن ابي بصير عن الباقر والصادق (عليهما السلام) واما ما ذكره من جبر ضعفها بعمل الاصحاب فهو جيد إلا انه لم يقف عليه في غير موضع من كتابه كما قدمنا ذكره في غير مقام. واما ما ذكره من حديث اسماء فالظاهر انه من طريق العامة حيث انه لم يذكر في كتب اخبارنا فيما اعلم وبذلك صرح في المعالم ايضا، واما قوله: ان مقتضى الدليل وجوب ازالة الدم قليله وكثيره.. الخ فجيد. واما مناقشة صاحب المعالم هنا بانه ليس فيما وصل الينا ونقله الاصحاب في كتبهم من الاخبار المعتمدة حديث مطلق في ايجاب ازالة الدم بحيث يصلح لتناول القليل من دم الحيض بل هي اما ظاهرة في الكثير أو مفروضة في غير دم الحيض فهو مردود بما قدمناه في الفصل الرابع في نجاسة الدم من الاخبار الدلة باطلاقها على نجاسة الدم قليلا كان أو كثيرا دم حيض كان أو غيره فارجع لها وتدبر، على انه يكفي في المقام ان يقال وبه اعترف ايضا في آخر كلامه انه وردت الاخبار المعتبرة المعتضدة باتفاق الاصحاب بانه يشترط في صحة الصلاة الطهارة من الدم في ثوب المصلي وبدنه وانه بالصلاة فيه عالما أو ناسيا يجب عليه الاعادة، ومن البين ان دم الحيض وان قل موجب للنجاسة وبالجملة فالحكم باستثناء دم الحيض من البين مما لا اشكال فيه وانما الاشكال فيما الحق به حيث عزى إلى الشيخ الحاق دم الاستحاضة والنفاس بدم الحيض في وجوب ازالة قليه وكثيره، قال المحقق في المعتبر بعد نقل ذلك عن الشيخ: ولعله نظر إلى تغليظ نجاسته لانه يوجب الغسل واختصاصه بهذه المزية يدل على قوة نجاسته على باقي الدماء فغلظ حكمه في الازالة، ثم قال وألحق بعض فقهاء قم دم الكلب والخنزير ولم يعطنا العلة، ولعله

[ 327 ]

نظر إلى ملاقاته جسدهما ونجاسة جسدهما غير معفو عنها. انتهى. وقد حكى العلامة في المختلف إلحاق دم الكلب والخنزير والكافر بالدماء الثلاثة عن القطب الراوندي وابن حمزة وحكي عن ابن ادريس المنع من ذلك مدعيا انه خلاف اجماع الامامية، ثم اختار العلامة الالحاق ووجهه بان المعفو عنه انما هو نجاسة الدم والدم الخارج من الكلب والخنزير والكافر يلاقي اجسامها فتتضاعف نجاسته ويكتسب بملاقاة الاجسام النجسة نجاسة اخرى غير نجاسة الدم وتلك لم يعف عنها، كما لو اصاب الدم المعفو عنه نجاسة غير الدم فانه يجب ازالته مطلقا، قال وابن ادريس لم يتفطن لذلك فشنع على قطب الدين بغير الحق. انتهى. وظاهره في المعالم الميل إلى ما ذكره العلامة في هذا المقام حيث قال بعد نقل كلام العلامة المذكور: قلت العجب من غفلة ابن ادريس عن ملاحظة هذا الاعتبار الذي حرره العلامة ونبه عليه المحقق مع تنبهه لمثله في ظاهر كلامه السابق في البحث عما ينزح لموت الانسان في البئر حيث فرق في ذلك بين المسلم والكافر وانكر عليه الجماعة فيه اشد الانكار ونحن صوبنا رأيه هناك واوضحنا المقام بما لا مزيد عليه، فكيف انعكست القضية هنا فصار هو إلى الانكار ورجعوا هم إلى الاعتراف والمدرك في المقامين واحد ؟ وربما كان مراد ابن ادريس هنا خلاف ما افهمه ظاهر كلامه الذي حكوه عنه، وعلى كل حال فالحق ان الحيثية مرعية في جميع هذه المواضع والحكم منوط بها فان العفو الثابت في مسألتنا هذه على ما سيأتي بيانه متعلق بنجاسة الدم من حيث هي فإذا انضم إليها حيثية اخرى كملاقاة جسم نجس كان لتلك الحيثية المنضمة إليها حكم نفسها لو انفردت. انتهى. اقول: لا يخفى ان صحة ما ذكره مبني على امرين (احدهما) اعتبار الحيثية التي ادعاها في المقام ولا دليل عليه ظاهرا فان اطلاق الدم اعم من ذلك والحكم مترتب عليه. و (ثانيهما) استفادة النجاسة بملاقاة نجاسة اخرى زيادة نجاسة على ما كانت عليه

[ 328 ]

وهو محل غموض لا مدرك له من الاخبار وان كان جاريا في كلامهم، وبذلك يظهر الاشكال فيما ذكره ووجه به كلام العلامة. والذي يقرب عندي في هذا المقام اما بالنسبة إلى دم الاستحاضة والنفاس فالظاهر دخولهما في عموم اخبار العفو، وما ذكروه من استثنائهما الحاقا بدم الحيض نظرا إلى تساويهما في ايجاب الغسل فان النفاس حيض في المعنى والاستحاضة مشتقة منه لا يخرج عن القياس، وبناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العليلة مجازفة محضة كما اشرنا إليه في غير مقام. واما دم الكافر واخويه فالظاهر انه لا عموم في الاخبار المتقدمة على وجه يشمله إذ لا يخفى ان المتبادر من الدم فيها انما هو الافراد الشائعة المتكاثرة المعتادة المتكررة الوقوع كما صرحوا به في غير مقام من ان اطلاق الاخبار انما ينصرف إلى الافراد المتكثرة الوقوع دون الفروض النادرة التي ربما لا تقع مدة العمر ولو مرة واحدة. فالواجب هو الحمل على الافراد المتعارفة من دم الانسان أو الحيوانات التي يتعارف ذبحها أو نحو ذلك، وحينئذ يبقى على وجوب الازالة وعدم الدخول تحت عموم اخبار العفو ولا ريب ان الاحتياط يقتضيه. ويلحق بدم الحيض هنا في وجوب ازالة قليله وكثيره دم الغير لمرفوعة البرقي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " دمك انظف من دم غيرك إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، وان كان دم غيرك قليلا أو كثيرا فاغسله " ولم اقف على من تنبه على هذا الكلام إلا الامين الاسترابادي فانه ذكره واختاره، والى هذه الرواية اشار ايضا في كتاب الفقه الرضوي (2) فقال: " واروي ان دمك ليس مثل دم غيرك " والله العالم. (الموضع الخامس) قد اشتملت الاخبار المتقدمة على تحديد القدر المعفو عنه من الدم وغير المعفو عنه بالدرهم، وهي مجملة في ذلك تفسيرا وتقديرا إلا ان ظاهر


(1) المروية في الوسائل في الباب 21 من النجاسات (2) البحار ج 18 ص 21.

[ 329 ]

الاصحاب الاتفاق على انه البغلي وهو المشار إليه بالدرهم الوافي في كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي الذي وزنه درهم وثلث. قال المحقق في المعتبر: الدرهم هو الوافي الذي وزنه درهم وثلث وسمي البغلي نسبة إلى قرية بالجامعين. وفي كلام جماعة من الاصحاب انه على هذا التفسير مفتوح الغين مشدد اللام. وقال ابن ادريس في السرائر: فهذا الدم نجس إلا ان الشارع عفى عن ثوب وبدن اصابه منه دون سعة الدرهم الوافي وهو المضروب من درهم وثلث، وبعضهم يقولون دون قدر الدرهم البغلي وهو منسوب إلى مدينة قديمة يقال لها بغل قريبة من بابل بينها وبينها قريب من فرسخ متصلة ببلدة الجامعين يجد فيها الحفرة والغسالون دراهم واسعة شاهدت درهما من تلك الدراهم، وهذا الدرهم اوسع من الدينار المضروب بمدينة السلام المعتاد تقرب سعته من سعة اخمص الراحة، وقال بعض من عاصرته ممن له علم باخبار الناس والانساب ان المدينة والدراهم منسوبة إلى ابن ابي البغل رجل من كبار اهل الكوفة اتخذ هذا الموضع قديما وضرب هذا الدرهم الواسع فنسب إليه الدرهم البغلي. وهذا غير صحيح لان الدراهم البغلية كانت في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) قبل الكوفة. انتهى كلامه. وقال الشهيد في الذكرى: عفى عن الدم في الثوب والبدن عما نقص عن سعة الدرهم الوافي وهو البغلي باسكان الغين وهو منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية وزنته ثمانية دوانيق، والبغلية كانت تسمى قبل الاسلام الكسروية فحدث لها هذا الاسم في الاسلام والوزن بحاله وجرت في المعاملة مع الطبرية وهي اربعة دوانيق فلما كان زمن عبد الملك جمع بينهما واتخذ الدرهم منهما واستقر امر الاسلام على ستة دوانيق، وهذه التسمية ذكرها ابن دريد، وقيل منسوب إلى بغل قرية بالجامعين كان يوجد فيها دراهم تقرب سعتها من اخمص الراحة لتقدم الدراهم على الاسلام، قلنا لا ريب في

[ 330 ]

تقدمها وانما التسمية حادثة والرجوع إلى المنقول اولى. انتهى. ومراده بالمنقول ما نقله عن ابن دريد. ونقل في مجمع البحرين عن بعضهم انه كانت الدراهم في الجاهلية مختلفة فكان بعضها خفافا وهي الطبرية وبعضها ثقالا كل درهم ثمانية دوانيق وكانت تسمى العبدية وقيل البغلية نسبت إلى ملك يقال له رأس البغل فجمع الخفيف والثقيل وجعلا درهمين متساويين فجاء كل درهم ستة دوانيق، ويقال ان عمر هو الذى فعل ذلك لانه لما اراد جباية الخراج طلب بالوزن الثقيل فصعب على الرعية فجمع بين الوزنين واستخرجوا هذا الوزن. هذا ما ذكروه بالنسبة إلى تفسيره. واما بيان سعته فقد تقدم في كلام ابن الجنيد ان سعته كعقد الابهام الاعلى، وفي كلام ابن ادريس المذكور هنا ما يقرب سعته من اخمص الراحة، ونقل في المعتبر عن ابن ابي عقيل انه ما كان بسعة الدينار، قال في المعتبر بعد تفسيره له بالوافي الذي وزنه درهم وثلث كما قدمنا نقله عنه ونقل قولي ابن ابي عقيل وابن الجنيد: والكل متقارب والتفسير الاول اشهر، هذه عبارته. قال في المعالم: وقال بعض الاصحاب انه لا تناقض بين هذه التقديرات لجواز اختلاف افراد الدرهم من الضارب الواحد كما هو الواقع واخبار كل واحد عن فرد رآه، ثم قال بعد نقل ذلك: وهذا الكلام انما يتم لو لم يكن في التفسير خلاف وإلا فمن الجائز استناد الاختلاف في التقدير إلى الاختلاف في التفسير ولم يعلم من حال الذين حكى كلامهم في التقدير انهم متفقون على احد التفسيرين، فان ابن الجنيد لم يتعرض في كلامه الذي رأيناه لذكر البغلي فضلا عن تفسيره ولم ينقل عنه احد من الاصحاب في ذلك شيئا، والكلام الذي حكاه المحقق عن ابن ابي عقيل خال من التعرض للفظ البغلي ايضا، واما ابن ادريس فقد عزى إليه المصير إلى التفسير الثاني وبناء التقدير عليه، والعجب من جماعة من الاصحاب انهم بعد اعترافهم بوقوع الاختلاف هنا قالوا ان

[ 331 ]

شهادة ابن ادريس في قدره مسموعة مريدين بذلك الاعتماد على التقدير الذي ذكره، وكيف يستقيم ذلك وفرض كون كلامه شهادة مقتض لتوقف الحكم بمضمونها على التعدد كما هو شأن الشهادة، ومع التنزل فهو مبني على تفسيره كما قلناه فلابد من ثبوت التفسير اولا ولم يظهر من حال الجماعة الذين ذكروا هذا الكلام انهم معتمدون على هذا التفسير، وبالجملة فالمصير إلى شئ من التفسيرين والبناء على واحد من التقديرين مع عدم ظهور الحجة وانما هي دعاو مجردة عن الدليل دخول في ربقة التقليد، والوقوف مع القدر الاقل هو الاولى ولعل القرائن الحالية تشهد بنفي ما دونه. انتهى كلامه. اقول: لا يخفى ان هذا البعض الذي اشار إليه بقوله: وقال بعض الاصحاب انه لا تناقض.. الخ انما هو والده في الروض حيث قال بعد ذكر المصنف التقدير بسعة الدرهم البغلي ما صورته: باسكان الغين وتخفيف اللام منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية فاشتهر به وقيل بفتحها وتشديد اللام منسوب إلى بغل قرية بالجامعين كان يوجد فيها دراهم تقرب سعتها من اخمص الراحة وهو ما انخفض من باطن الكف ذكر ابن ادريس انه شاهده كذلك وشهادته في قدره مسموعة، وقدر ايضا بعقد الابهام العليا وهو قريب من اخمص الكف وقدر بعقدة الوسطى، والظاهر انه لا تناقض بين هذه التقديرات لجواز اختلاف افراد الدراهم من الضارب الواحد كما هو الواقع واخبار كل واحد عن فرده رآه. انتهى. ثم اقول: لا يخفى ان ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على ان المراد بالدرهم في الاخبار المذكورة هو الدرهم الوافي الذي وزنه درهم وثلث كما اشتملت عليه عبارة ابن ادريس والمحقق والشهيد في الذكرى وبه صرح الصدوق في الفقيه والمفيد في المقنعة حيث قال: فان اصاب ثوبه دم وكان مقداره في سعة الدرهم الوافي الذي كان مضروبا من درهم وثلث وجب عليه غسله بالماء ولم يجز له الصلاة فيه.. إلى آخره، والعلامة في جملة من كتبه والشهيد الثاني في الروض وغيرهم

[ 332 ]

لان ظاهر جملة من علماء الخاصة والعامة ان غالب الدراهم التي في صدر الاسلام هي الدرهم البغلي الذي وزنه ثمانية دوانيق والطبري الذي وزنه اربعة دوانيق، والاصحاب احترزوا هنا بقيد الوافي وان وزنه درهم وثلث عن الدرهم الاخر وهو الطبري، وكلام ابن الجنيد وابن ابي عقيل ليس فيه ظهور في مخالفة ذلك وانما غاية ما فيه انه مطلق بالنسبة إلى تعيين الدرهم فيحمل على كلام الاصحاب المذكور جمعا وان المراد به الدرهم الوافي الذي هو البغلي، والاخبار التي قدمناها وان كانت مطلقة ايضا إلا ان كلام الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي صريح في ارادة الدرهم الذي ذكره الاصحاب، وحينئذ فالواجب حمل مطلق الاخبار عليه، وبما ذكرنا يحصل اتفاق الاخبار وكلمة الاصحاب على ان المراد بالدرهم هو الدرهم الوافي الذي وزنه درهم وثلث دون الدرهم الطبري الذي هو الدرهم الاخر ودون الدرهم الذي استقر عليه امر الاسلام اخيرا وهو الذي وزنه ستة دوانيق، وعلى هذا فلا اشكال ولا خلل فيما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في الروض من انه لا تناقض بين هذه التقديرات.. إلى آخر ما تقدم نقله عنه، فانه متى ثبت ان المراد بالدرهم في الاخبار هو الدرهم الذي بهذا الوزن المخصوص فسعته الحاصلة من ضربه ربما اختلفت كما هو المشاهد من الدراهم والدنانير المضروبة في هذه الازمنة، واما ما يظهر من بعض عباراتهم من ان التفسير بكونه عبارة عن الوافي الذي هو درهم وثلث مناف للتقدير باخمص الراحة وسعة عقد الابهام الاعلى فهو غلط محض لان التقدير الاول انما هو تقدير للوزن والتقديرين الاخيرين انما هو تقدير للمساحة والسعة فاي منافاة هنا كما توهموه ؟ نعم يبقى الاشكال هنا في مقامين: (الاول) ان ظاهر الاخبار وكلام الاصحاب كما عرفت هو ان المراد بهذا الدرهم هو الدرهم الوافي الذي كان في زمنه (صلى الله عليه وآله) دون الدرهم الاخر الناقص وانه كما ذكره في الذكرى ونقله عن ابن دريد يسمى بالبغلي للعلة التي ذكرناها، ومن المتفق عليه بين الخاصة والعامة ان الدرهم المذكور قد غير مع الدرهم الاخر واستقر امر الاسلام على الدرهم الذي وزنه ستة

[ 333 ]

دوانيق في زمن عبد الملك كما في الذكرى أو زمن عمر كما في النقل الاخر، وحينئذ فما ذكره المحقق في المعتبر وابن ادريس من ان الدرهم البغلي هو المنسوب إلى هذه القرية المذكورة وان ابن ادريس شاهد بعضا منها ربما اوهم المنافاة لما تقدم من حيث كون الدرهم المذكور ضرب اخيرا وجرى في المعاملة كذلك مع ما علم من اختصاص ذلك بعصره (صلى الله عليه وآله) وما قبله وما قرب منه اخيرا. ويمكن ان يقال في الجواب عن ذلك ان النسبة إلى هذه القرية وضربه بها يمكن ان يكون في زمنه (صلى الله عليه وآله) وقبله لان بابل وما قرب منها من البلدان القديمة وبقاء بعض منها إلى ذلك الوقت لا يدل على المعاملة وانما يدل على انها بعد نسخها وهجرها وبطلان المعاملة بها بقيت في تلك القرية الخربة حتى انهم كانوا يلتقطونها منها، وانما تبقى المنافاة في سبب التسمية والنسبة بين ما ذكره في الذكرى من ان السبب في تسميتها بغلية هو ضرب ذلك الرجل المسمى برأس البغل لها وبين ما ذكروه هنا من النسبة إلى هذه القرية، والامر في ذلك سهل لا يترتب على اختلافه حكم شرعي بعد الاتفاق على الدرهم المعلوم. و (الثاني) ان اكثر هذه الاخبار المتقدمة قد وردت عن الباقر والصادق ومن بعدهما (عليهم السلام) والدرهم الذي استقر عليه امر الاسلام في زمانهم (عليهم السلام) انما هو الذي وزنه ستة دوانيق فاطلاق الاخبار انما ينصرف إليه وهذا الاشكال قد تنبه له في المدارك فقال بعد نقل ملخص كلام الذكرى: ومقتضاه ان الدرهم كان يطلق على البغلي وغيره وان البغلي ترك في جميع العالم زمان عبد الملك وهو متقدم على زمان الصادق (عليه السلام) قطعا فيشكل حمل النصوص الواردة عنه (عليه السلام) عليه والمسألة قوية الاشكال. انتهى. والجواب عن ذلك ما قدمنا ذكره من ان الاخبار وان كانت مطلقة بذكر الدرهم إلا ان عبارة الفقه الرضوي قد اشتملت على تقييده بما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيجب حمل اطلاق الاخبار الباقية عليها، ويؤيده ان الظاهر ان التحديد بهذا الدرهم انما ذكره الائمة (عليهم السلام)

[ 334 ]

بيانا عن الرسول (صلى الله عليه وآله) فالواجب حمله على زمانه لانهم نقلة لاحكامه وحفظة لشريعته وبيان معالم حلاله وحرامه، ولكن العذر للسيد المزبور واضح حيث لم يقف على الكتاب المذكور، وكم كشف الله تعالى بهذا الكتاب الميمون من اشكل في امثال هذا المجال كما عرفت فيما مضى وستعرف ان شاء الله تعالى فيما يأتي بتوفيق الملك المتعال. والله العالم. (المسألة الرابعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان كل ما لا تتم فيه الصلاة وحده كالتكة والقلنسوة والخف والنعل يعفى عن نجاسته كائنة ما كانت ولو كدم الحيض ونجس العين، وانما الخلاف هنا في تعميم الحكم فيما تعلقت به وعدمه كما سيأتي تفصيله في المقام ان شاء الله تعالى. ويدل على اصل الحكم مضافا إلى الاتفاق المشار إليه جملة من الاخبار: منها ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " كل ما كان لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس ان يكون عليه الشئ مثل القلنسوة والتكة والجورب " وعن عبد الله بن سنان عن من اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس ان يصلي فيه وان كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما اشبه ذلك " وعن حماد بن عثمان في الصحيح عن من رواه عن الصادق (عليه السلام) (3) " في الرجل يصلي في الخف الذي قد اصابه قذر ؟ قال: إذا كان مما لا تتم الصلاة فيه فلا بأس " وعن ابراهيم بن ابي البلاد عن من حدثهم عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " لا بأس بالصلاة في الشئ الذي لا تجوز الصلاة فيه وحده يصيبه القذر مثل القلنسوة والتكة والجورب " وعن زرارة (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان قلنسوتي وقعت في بول فاخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت ؟


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 31 من النجاسات.

[ 335 ]

فقال لا بأس " وعن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الابريسم والقلنسوة والخف والزنار يكون في السراويل ويصلى فيه ". وطعن جمع من اصحاب هذا الاصطلاح في هذه الاخبار بضعف الاسناد: منهم السيد السند في المدارك والمحقق الشيخ حسن في المعالم وانما اعتمدوا في الحكم على الاصل مضافا إلى اتفاق الاصحاب وايدوا ذلك بهذه الاخبار، ولا يخفى ما فيه من الضعف عند النظر بعين التحقيق والتأمل بالفكر الصائب الدقيق ولكن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد اقرب منه إلى الصلاح اوجب لهم التشبث بهذه العلل العليلة والوجوه الضئيلة. وقال في الفقه الرضوي (2): " ان اصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه وذلك ان الصلاة لا تتم في شئ من هذه وحده ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاصحاب مع اتفاقهم على اصل الحكم المذكور كما تقدمت الاشارة إليه اختلفوا فيه من جهة المتعلق فذهب جمع من متأخري الاصحاب: منهم المحقق والشهيد في اكثر كتبه والشهيد الثاني وغيرهم إلى تعميم الحكم في كل ما لا تتم الصلاة فيه من ملبوس ومحمول في محلها كانت تلك الملابس ام لا، وخصه ابن ادريس بالملابس وتبعه العلامة في ذلك، فقال في النهاية والمنتهى لو كان معه دراهم نجسة أو غيرها لم تصح صلاته، وتبعه الشهيد في البيان، وزاد العلامة في اكثر كتبه ايضا اعتبار كون الملابس في محالها فصرح في المنتهى بانه لو وضع التكة على رأسه والخف في يده وكانا نجسين لم تصح صلاته. ووافقه على ذلك في البيان ايضا، ونقل عن القطب الراوندي


(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من لباس المصلى (2) ص 6.

[ 336 ]

قصر الحكم ايضا على الملابس وزاد تخصيصها بخمسة اشياء: القلنسوة والتكة والجورب والخف والنعل. والظاهر هو القول الاول لاطلاق الاخبار المتقدمة فانها شاملة بعمومها للملبوس بنوعيه في محله وغير محله وكذا المحمول، ورواية عبد الله بن سنان قد صرحت بالعفو عن المحمول بالخصوص من الملابس كان أو من غيرها. ولم نقف لشئ من هذه الاقوال المخصصة على دليل إلا ان العلامة في المختلف نقل عن الراوندي الاحتجاج على ما قدمنا نقله عنه بالاجماع على هذه الخمسة وما عداه لم يثبت فيه النص فيبقى على المنع ثم اجاب بانا قد بينا الثبوت والمشاركة في الجواز، واشار بذلك إلى ما استدل به على العموم حيث اختاره في الكتاب المذكور فقال لنا على التعميم الاشتراك في العلة المبيحة للصلاة وهي كونه ملبوسا لا تتم الصلاة فيه منفردا، وما رواه حماد ثم نقل مرسلة حماد المتقدمة، ورواية عبد الله بن سنان. وهو جيد. وما ذكره في المنتهى والنهاية وكذا في البيان من عدم صحة الصلاة لو كان معه دراهم نجسة أو غيرها لا اعرف له وجها ولا عليه دليلا فان غاية ما يفهم من الادلة اشتراط صحة الصلاة بطهارة ثوب المصلي يعني ملبوسه شاملا كان للبدن أو غير شامل واما محموله سيما مثل الدراهم ونحوها فاي دليل دل على اشتراط صحة الصلاة بطهارته ؟ وبما ذكرنا صرح السيد في المدارك ونقله عن المعتبر حيث قال: وغاية ما يستفاد من النص والاجماع اشتراط طهارة الثوب والبدن اما المنع من حمل النجاسة في الصلاة إذا لم تتصل بشئ من ذلك فلا دليل عليه كما اعترف به المصنف في المعتبر. انتهى. فروع (الاول) قد صرح الصدوق في الفقيه والمقنع بعد العمامة في جملة ما يعفى عنه ونقله عن ابيه في الرسالة ايضا، قال في الفقيه " ومن اصاب قلنسوته أو عمامته أو تكته أو جوربه أو خفه مني أو دم أو بول أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه. وذلك

[ 337 ]

لان الصلاة لا تتم في شئ من هذا وحده " انتهى. والاصحاب قد استشكلوا في عده العمامة في جملة هذه المذكورات ونحوها، قال شيخنا المجلسي في حواشيه على الكتاب: ظاهر الصدوق جواز الصلاة في العمامة وان كانت نجسة، والظاهر انه وجد فيها نصا وإلا فيشكل الجزم بجواز الصلاة باعتبار انها بهذه الهيئة لا يتمكن من ستر العورتين بها فيلزم جواز الصلاة في كل ثوب مطوي مع نجاسته والظاهر ان التزامه سفسطة، وعلى اي حال فالعمل في خلافه. انتهى. اقول: العجب من شيخنا المذكور ان كتاب الفقه الرضوي عنده وهذه العبارة عين كلامه (عليه السلام) في الكتاب المذكور بتغيير يسير فكيف لم يطلع على ذلك مع تنبيهه في غير موضع على امثال ذلك ؟ ونقل المحقق في المعتبر عن القطب الراوندي حمل العمامة في كلام الصدوق على عمامة صغيرة كالعصابة، قال لانها لا يمكن ستر العورة بها وربما حملت على اعتبار كونها على تلك الكيفية. قال في المدارك: ولعل المراد ان الصلاة لا تتم فيها وحدها مع بقائها على تلك الكيفية المخصوصة، ثم نقل تأويل الراوندي وقال وهذا اولى وان كان الاطلاق محتملا لما اشرنا إليه سابقا من انتفاء ما يدل على اعتبار طهارة ما عدا الثوب والجسد والعمامة لا يصدق عليها اسم الثوب عرفا مع كونها على تلك الكيفية المخصوصة. انتهى. واقتفاه في ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة فقال: والمسألة محل اشكال للشك في صدق اسم الثوب على العمامة عرفا وإذا لم يصدق عليها الثوب كان القول بالالحاق متجها لان الدليل الدال على وجوب تطهير لباس المصلي مختص بالثوب فيبقى غيره على الاصل، لكن في عدم التمثيل بالعمامة في الاخبار والتمثيل بالقلنسوة وغيرها اشعار بان الحكم فيها ليس ذلك وإلا لكانت العمامة احق بالتمثيل كما لا يخفى على المتأمل. انتهى. وانت خبير بان دعوى عدم صدق الثوب عليها عرفا مع كونها على تلك الكيفية

[ 338 ]

لا اعرف له وجها إذ الثوب عرفا كما يطلق على المنشور يطلق على المطوي ايضا، وبالجملة فان الخبر المذكور وان دل على استثناء العمامة ايضا وقال بمضمونه الشيخان المشار اليهما إلا انه غير خال من شوب الاشكال إلا مع الحمل على ما ذكره الراوندي، وهو لا يخلو من البعد ايضا والله العالم. (الثاني) قال المحقق في المعتبر: لو حمل حيوانا طاهرا غير مأكول اللحم أو صبيا لم تبطل صلاته لان النبي (صلى الله عليه وآله) حمل امامة وهو يصلي (1) وركب الحسين (عليه السلام) على ظهره وهو ساجد (2) وفي المنتهى ذكر نحوه ايضا


(1) ذكر العلامة المقرم في تعليقه على محاضرات الفقه الجعفري لفقيه العصر آية الله السيد أبو القاسم الخوئي ادام الله ظله ص 51 ان قصة حمل النبي صلى الله عليه وآله امامة في الصلاة لم ترد من طرقنا وانها مروية في جوامع اهل السنة كصحيح مسلم ج 1 ص 205 وموطأ مالك ج 1 ص 183 وسنن البيهقي ج 2 ص 263 وغيرها وان الاحاديث تنتهى إلى واحد وهو أبو قتادة والمروي عنه واحد وهو عمرو بن سليم الزرقي، وقد قرب ان القصة من الموضوعات وحقق الموضوع تحقيقا وافيا راجع التعليقة 4 ص 51 تقف على المسألة مفصلا (2) قصة ركوب الحسن والحسين عليهما السلام على ظهر النبي صلى الله عليه وآله من مرويات العامة رواها ابن حجر في الاصابة ج 1 ص 329 ترجمة الحسن (ع) عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب الزبيري وفيه ص 330 عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود ورواها ابن عساكر في تاريخه ج 4 ص 202 عن مصعب بن عمير عن عبد الله بن الزبير والذهبي في ميزان الاعتدال ج 2 ص 352 عن ابي هريرة وابن حجر في الصواعق المحرقة ص 82 عن ابي بكرة وفي كنز العمال ج 6 ص 109 عن ابي بكرة. وقد يترجح في نظر بعض ان هذه القصة من موضوعاتهم وان الله قد اعطى الامام العلم واوقفه على اسرار التكوين منذ كان حملا في بطن امه، فقد ورد في احاديث كثيرة رواه الصفار في بصائر الدرجات والكليني في اصول الكافي عن اهل البيت عليهم السلام " إذا ولد المولود منا رفع له عمود نور يرى به اعمال العباد وما يحدث في البلدان " اشارة إلى القوة القدسية المودعة في نفوس الائمة عليهم السلام فالامام يعرف ماهية الصلاة ومن الذي يسجد له نبي الاسلام صلى الله عليه وآله ولم يفته ان هذا الحال هو =

[ 339 ]

وزاد في حكاية ركوب الحسين (عليه السلام) ظهر جده ان الجمهور كافة نقلوه، واضاف إلى هذه الرواية وجها آخر وهو ان النجاسة في المحمول في معدته كالحامل. ونقل عن بعض الاصحاب انه احتج لجواز ذلك بالاصل السالم عن معارضة ما يقتضي المنافاة. وهو كذلك. اقول: ومفهوم هذا الكلام انه لو كان المحمول حيوانا نجسا نجاسة ذاتية أو عارضية بطلت صلاته، وهو مبني على اشتراط الطهارة في المحمول ايضا وقد عرفت ما فيه. (الثالث) قال الشيخ في الخلاف: إذا حمل قارورة مسدودة الرأس بالرصاص وفيها بول أو نجاسة ليس لاصحابنا فيه نص والذي يقتضيه المذهب انه لا ينقض الصلاة، وبه قال ابن ابي هريرة من اصحاب الشافعي غير انه قاسه على حيوان طاهر في جوفه نجاسة ثم عزى إلى غيره من العامة القول بالبطلان (1) وقال بعد ذلك: دليلنا ان قواطع


= اقرب احوال النبي صلى الله عليه وآله مع مولاه عن شأنه فكيف يشغله الامامان على الامة ان قاما وان قعدا بنص الرسول صلى الله عليه وآله عن مخاطبة حبيبه سبحانه ؟ والامام لا يلهو ولا يلعب كما في الحديث راجع (وفاة الامام الجواد) للعلامة المقرم ص 73، على ان رواة هذه القصة لا يعتمد على نقلهم فان آل الزبير اكثروا فيما يحط بكرامة اهل البيت عليهم السلام وقد اخرجهم علماء الرجال عن صف من يوثق به من الرواة راجع كتاب (السيدة سكينة بنت الحسين) للعلامة المقرم ص 38 الطبعة الثالثة. واما عاصم فهو ابن بهدلة ابن ابي النجود احد القراء وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ج 5 ص 38 كان عثمانيا سئ الحفظ كثير الخطأ مضطرب الحديث وفيه نكرة. واما أبو بكرة فهو اخو زياد لامه كان منحرفا عن امير المؤمنين (ع) ويخذل الناس عن نصرته يوم الجمل وهو الذي رد الاحنف بن قيس عن نصرته يوم الجمل باقتعاله الحديث " ستكون بعدي فتنة القاتل والمقتول في النار قلت يارسول الله صلى الله عليه وآله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال لانه اراد قتل صاحبه " واما أبو هريرة فان احاديثه كلها لا تساوي فلسا لان دنيا معاوية اعمته عن ابصار الحق فلم يبال بالكذب. (1) في المغني ج 2 ص 67 " لو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته وقال بعض اصحاب الشافعي لا تفسد صلاته " وفي المهذب ج 1 ص 61 " إذا حمل قارورة فيها =

[ 340 ]

الصلاة طريقها الشرع ولا دليل في الشرع على ان ذلك يبطل الصلاة ثم قال: ولو قلنا انه يبطل الصلاة لدليل الاحتياط كان قويا، ولان على المسألة الاجماع وخلاف ابن ابي هريرة لا يعتد به. انتهى. وقال المحقق في المعتبر بعد نقل مجمل هذا الكلام ثم نقل عن الشيخ في المبسوط انه جزم بالبطلان ما صورته: والوجه عندي الجواز وما استدل به الشيخ ضعيف لانه سلم ان ليس على المسألة نص لاصحابنا وعلى هذا التقدير يكون ما استدل به من الاجماع هو قول جماعة من فقهاء الجمهور وليس في ذلك حجة عندنا ولا عندهم ايضا، والدليل على الجواز انه محمول لا تتم الصلاة به منفردا فيجوز استصحابه في الصلاة بما قدمناه من الخبر، ثم نقول الجمهور عولوا على انه حامل نجاسة فتبطل صلاته كما لو كانت على ثوبه ونحن نقول النجاسة على الثوب منجسة له فتبطل لنجاسة الثوب لا لكونه حاملا نجاسة ونطالبهم بالدلالة على ان حمل النجاسة مبطل للصلاة إذا لم تتصل بالثوب والبدن. انتهى وهو جيد متين. وقال في المعالم بعد نقل كلام المحقق المذكور: وهذه المناقشة متوجهة وما اختاره المحقق هو الحق واحتجاجه له مع جوابه عما عول الجمهور عليه في غاية الجودة، وقد ذكر الشهيد في الذكرى بعد حكايته لكلام المحقق هنا انه لا حاجة على قوله إلى سد رأس القارورة إذا امن تعدي النجاسة منها، قال ومن اشترطه من العامة لم يقل بالعفو عما لا تتم الصلاة فيه وحده بل مأخذه القياس على حمل الحيوان. اقول: ما ذكره (قدس سره) من الاستدراك على المحقق الظاهر انه لا وجه له، فان المحقق قد اشار في آخر كلامه إلى ما ذكره الشهيد هنا من قوله ونطالبهم بالدلالة على ان حمل النجاسة مبطل إذا لم تتصل بالثوب والبدن، وسد الرأس انما ذكره


= نجاسة وقد شد رأسها فيه وجهان احدهما يجوز لان النجاسة لا تخرج منها والمذهب انه لا يجوز لانه حمل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فاشبه ما إذا حمل النجاسة في كمه ".

[ 341 ]

اولا مشيا في كلامه على اثر الشيخ (قدس سره) في فرض المسألة والشيخ قد اقتفى اثر العامة في الفرض المذكور. إذا عرفت هذا فاعلم ان ابن ادريس والعلامة في اكثر كتبه قد اختارا ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط من عدم الجواز، واحتج له في المختلف بانه حامل نجاسة فتبطل صلاته كما لو كانت النجاسة على ثوبه وبدنه، وبان ايجاب تطهير الثوب والبدن لاجل الصلاة ووجوب تحريز المساجد التي هي مواطن الصلاة عن النجاسة يناسب البطلان هنا، وبان الاحتياط يقتضي ذلك. وانت خبير بما في هذه الوجوه من التعسف: اما الاول فمع كونه مصادرة على المطلوب قد عرفت جوابه من كلام المحقق. واما استشهاده بوجوب التحرز من ادخال النجاسة إلى المساجد فهو مبني على رأيه من عدم جواز ادخال النجاسة إلى المساجد مع عدم التعدي وقد تقدم ما فيه. واما الاحتياط فهو ليس بدليل شرعي عنده. وقال في المدارك بعد رد كلامه بنحو ما ذكرناه: ونحن نطالبه بالدليل على ان حمل النجاسة مبطل للصلاة إذا لم تتصل بالثوب والبدن، وعلى ما ذكرناه فلا حاجة إلى سد رأس القارورة بل يكفي الامن من التعدي كما نبه عليه في الذكرى، ثم نقل عبارته المتقدمة اقول: في كلام هؤلاء الاعلام في هذا المقام تأييد لما قدمناه من صحة الصلاة في المحمول مما لا يجوز الصلاة فيه ملبوسا كالنجاسة في الثوب والحرير والذهب ونحو ذلك (الرابع) ذكر الشيخ في النهاية بعد نفي البأس عن الصلاة فيما اصابه نجاسة مما لا تتم الصلاة فيه ان ازالة النجاسة عنه افضل، وبنحو ذلك صرح السيد أبو المكارم ابن زهرة، وقال المفيد في المقنعة: لا بأس بالصلاة في الخف وان كانت فيه نجاسة وكذلك النعل والتنزه عن ذلك افضل. ولم اقف على من صرح بذلك غير هؤلاء (رضوان الله عليهم) والذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك انما يدل على ما ذهب إليه الشيخ المفيد، وهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق

[ 342 ]

(عليه السلام) (1) قال: " إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فانه يقال ذلك من السنة " وعن عبد الله بن المغيرة في الحسن (2) قال: " إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فان ذلك من السنة " وربما كان التفات الشيخ وابن زهرة إلى الخبرين المذكورين وانه متى ثبت ذلك في النعل فغيره بطريق اولى وإلا فلم اقف على ما يدل على ما ذكراه من العموم. (الخامس) ذكر جماعة من الاصحاب انه إذا جبر عظمه بعظم نجس كعظم الكلب والخنزير والكافر وجب قلعه ما لم يخف التلف أو المشقة وادعى في الدروس عليه الاجماع، واحتمل في الذكرى عدم الوجوب إذا اكتسى اللحم لالتحاقه بالباطن واستوجهه في المدارك، وجزم الشيخ في المبسوط ببطلان الصلاة لو احل بالقلع مع الامكان لانه حامل لنجاسة غير معفو عنها، واستشكله في المدارك بخروجها عن حد الظاهر ولانها نجاسة متصلة كاتصال دمه فتكون معفوا عنها. اقول: الظاهر هو ما صرح به الاكثر من وجوب القلع مع الامكان وعدم المشقة، وما اختاره في المدارك وفاقا لما في الذكرى من التحاقه بالباطن وكذا ما ذكره في رد كلام الشيخ من خروجه عن الظاهر وانها نجاسة متصلة كاتصال دمه لا يخفى ما فيه وان تبعه عليه صاحب الذخيرة، فان غاية ما يستفاد من الادلة هو عدم تعلق التكليف بما في باطن البدن من النجاسات الخلقية كدمه الذي تحت جلده والغائط في البطن ونحو ذلك ما لم يظهر إلى فضاء البدن لما في التكليف بذلك من العسر والحرج وتكليف ما لا يطاق، وحمل ما ذكروه على ذلك قياس مع الفارق من حيث تعذر الازالة في الاول وامكانها في الثاني كما هو المفروض في كلام الاصحاب لانهم انما يوجبون الازالة مع الامكان وعدم المشقة، وبالجملة فمجرد الصيرورة في الباطن كيف اتفق لا دليل على اسقاطه وجوب الازالة. ويؤيده ما صرحوا به في غير موضع من ان


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب لباس المصلى

[ 343 ]

الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة الوقوع دون الفروض النادرة ومثل هذه الفروض النادرة الشاذة لا تدخل تحت اطلاق البواطن التي رتب عليها العفو عن الازالة إذ المتبادر منها ما كان من اصل الجسد واجزائه الخلقية. ومثل ما ذكرناه يأتي ايضا في المسألة الاتية ان شاء الله تعالى من ادخال الدم النجس تحت جلده فان الاظهر فيها ايضا وجوب الازالة مع عدم الضرر، ومما يؤكد ما ذكرناه ويؤيد ما اردناه انه الاحوط في الدين والموجب للبراءة بيقين. (فان قيل) ان الاحتياط ليس بدليل شرعي (قلنا) هذا الكلام على اطلاقه ممنوع وان زعموا صحته بناء على العمل بالبراءة الاصلية إلا ان المستفاد من الاخبار خلافه وهو ان الاحتياط في موضع اشتباه الحكم واجب كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب، ولا ريب ان المسألة عارية عن النصوص بالعموم والخصوص والحكم فيها لذلك محل اشتباه والحكم عندنا في الشبهات كما تقدم تحقيقه هو الوقوف فيها عن الفتوى والعمل بالاحتياط. والله العالم. (السادس) قال العلامة في التذكرة: لو ادخل دما نجسا تحت جلده وجب عليه اخراجه مع عدم الضرر واعادة كل صلاة صلاها مع ذلك الدم. قال في المدارك: ويشكل بخروجه عن حد الظاهر وبصيرورته كجزء من دمه واولى بالعفو ما لو احتقن دمه بنفسه تحت الجلد قال في الذخيرة بعد ذكره هذا الاستشكال: وبالجملة لقدر الثابت وجوب تطهير ظواهر البدن واما البواطن فليس في الادلة ما يقتضي وجوب تطهيرها بل فيها ما يدل على العفو عنها فيكون اصالة البراءة على حاله، واطلاق الصلاة غير مقيد بشرط لا يدل عليه الدليل فيحصل الامتثال، فظهر ضعف القول بوجوب اعادة الصلاة. انتهى. اقول: فيه زيادة على ما عرفت في سابقه ان الادلة الدالة على نجاسة البدن بما لاقاه من الدم والمني ونحوهما من النجاسات لا تخصيص فيها بباطن ولا ظاهر وان كان الغالب انما يقع بالظاهر خاصة والمتبادر كما عرفت من الباطن انما هو بالنسبة إلى ما كان

[ 344 ]

من اصل الجسد وخلقته لا إلى ما يطرح فيه من غيره، وكيف كان فالمسألة لما كانت عارية عن النصوص فهي داخلة تحت الشبهات التي يجب فيها الاحتياط كما سلف تحقيقه في مقدمات الكتاب. بقي هنا شئ وهو ان الدم لو خرج من الجسد لكن لم يبرز إلى فضاء البدن بل احتقن تحت الجلد فالظاهر العفو عنه لان الخطاب بوجوب غسله مرتب على خروجه على الجلد، ونقل عن الشهيد في البيان انه جزم بوجوب اخراجه وجعل حكمه حكم الدم الذي هو محل البحث وهو غير جيد، إلا ان عندي في حمل عبارته على ما ذكروه نوع تأمل بل الظاهر انه انما اراد احتقان دم اجنبي تحت جلده وقد صرح بذلك في الدروس ايضا، وعبارته في الدروس اظهر فيما قلناه فانه قال في البيان: ولو شرب نجسا فالاقوى وجوب استفراغه ان امكن، وكذا لو احتقن في جلده دم أو جبر عظمه بعظم نجس أو خاط جرحه بخيط نجس، ولو خيف الضرر سقط. وقال في الدروس: ولو شرب خمرا أو منجسا أو اكل ميتة أو احتقن تحت جلده دم نجس احتمل وجوب الازالة مع امكانها ولو عللت القارورة بانها من باب العفو احتمل ضعيفا اطراده هنا ولانه التحق بالباطن. انتهى. ولا يخفى ان تقييده الدم في هذه العبارة بالنجس ظاهر في كونه غير دم البدن، والظاهر ان عبارته في البيان ايضا من هذا القبيل وان حصل الاشتباه فيها من ترك هذا القيد، ويؤيده انه لم يتعرض لذكر دم الغير تحت جلده كما هو الدائر في كلام الاصحاب في هذا المقام. (السابع) قال العلامة في المنتهى: لو شرب خمرا أو اكل ميتة ففي وجوب قيئه نظر الاقرب الوجوب لان شربه محرم فاستدامته كذلك. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو احوط وان كان في تعينه نظر، وقال: ولو اخل بذلك لم تبطل صلاته وربما قيل بالبطلان كما في القارورة المشتملة على النجاسة وهو ضعيف. انتهى. اقول: يمكن الاستدلال هنا على وجوب القئ بما رواه في الكافي في الموثق

[ 345 ]

عن عبد الحميد بن سعيد (1) قال: " بعث أبو الحسن (عليه السلام) غلاما يشتري له بيضا فاخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بهما فلما اتى به اكله فقال مولى له ان فيه من القمار قال فدعا بطشت فتقيأ فقاءه " بقي الكلام في بطلان الصلاة لو اخل بقيئه وعدمه والاظهر الثاني لعدم الدليل عليه. (المسألة الخامسة) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف العفو عن نجاسة ثوب المربية للصبي ذات الثوب الواحد إذا غسلته في اليوم مرة، واستدل الفاضلان في المعتبر والمنتهى على ذلك بما رواه الشيخ عن ابي حفص عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع ؟ قال تغسل القميص في اليوم مرة " وان تكرار بول الصبي يمنع التمكن من ازالته فجرى مجرى دم القرح الذي لا يمنع من استصحاب الثوب في الصلاة، قال المحقق فكما يجب اتباع الرواية هناك دفعا للحرج فكذا هنا لتحقق الحرج في الازالة. وقال في المعالم بعد نقل ذلك: وهذه الحجة بينة الوهن فان الرواية ضعيفة السند فلا تصلح لتأسيس حكم شرعي، واعتبار الحرج يقتضي اناطة الحكم بما يندفع معه لا بالزمان المعين والالحاق بدم القرح قياس، ووجوب اتباع الرواية هناك ليس باعتبار الحرج وانما هو لصلاحيتها لاثبات الحكم وجهة الحرج مؤيدة لها، وحيث ان الصلاحية هنا منتفية فلا معنى لكون وجوب الاتباع هناك موجبا لوجوبه هنا. انتهى. وهو جيد وجيه بالنسبة إلى تعليل المحقق المذكور بعد الرواية فان الاولى يجعله وجها للنص لا علة مستقلة لما ذكره في المعالم. واما رد النص فهو مبني على تصلب هذا القائل في هذا الاصطلاح ومثله صاحب المدارك حيث قال بعد الطعن في سند الرواية: والاولى وجوب الازالة مع الامكان وسقوطها مع المشقة الشديدة دفعا للحرج. والعجب منهما


(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب ما يكتسب به (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب النجاسات.

[ 346 ]

(قدس سرهما) انهما في غير موضع قد وافقا الاصحاب في العمل بالخبر الضعيف متى كان اتفاق الاصحاب على العمل به ويتعللان بان المعتمد انما هو على اتفاق الاصحاب، والحكم هنا كذلك فانه لا مخالف فيه ولا راد له، وكيف كان فالاظهر ما عليه الاصحاب من قبول الخبر المذكور والعمل بما دل عليه. نعم يبقى الكلام هنا في مواضع (الاول) ظاهر الخبر المذكور شمول الحكم للصبي والصبية حيث عبر فيه بلفظ المولود الشامل لهما، وبذلك ايضا صرح جملة من الاصحاب، ونقله في المعالم عن الشهيدين واكثر المتأخرين. اقول: وبه جزم في المدارك وهو الظاهر، والذي صرح به المحقق في المعتبر والشرائع والنافع هو الصبي خاصة وكذا العلامة في المنتهى والارشاد والشهيد في البيان، وفي الدروس بعد ذكر الصبي ذكر الصبية الحاقا كما ذكر المربي الحاقا بالمربية، نعم ظاهر كلامه في الذكرى العموم من حيث التعبير بلفظ المولود الوارد في النص، ونقل في المعالم عن بعض الاصحاب انه قال المتبادر من المولود هو الصبي، ثم قال ولا يخلو من قرب. وكلام العلامة في النهاية مشعر بذلك ايضا حيث قال بعد ذكر الرواية: ان الحكم مخصوص بالذكر اقتصارا في الرخصة على المنصوص، وللفرق فان بول الصبي كالماء وبول الصبية اصفر ثخين وطبعها احر فبولها الصق بالمحل. انتهى. (الثاني) مورد النص المذكور البول فلا يتعدى إلى غيره اقتصارا فيما خالف الاصل على مورد النص، وهو اختيار الشهيد الثاني في الروض وسبطه السيد السند في المدارك وابنه المحقق في المعالم، واستشكل ذلك العلامة في النهاية والتذكرة، والظاهر من كلام شيخنا الشهيد عدم الفرق وقربه بانه ربما كني عن الغائط بالبول كما هو قاعدة لسان العرب في ارتكاب الكناية فيما يستهجن التصريح به. وفيه ان مجرد هذا الاحتمال لا يكفي في اخراج اللفظ عن معناه المتبادر منه واثبات التسوية بينه وبين الغائط، والتجربة شاهدة بعسر التحرز من اصابة البول لتكرره فالحاق الغائط به بعيد.

[ 347 ]

وابعد منه غيره من النجاسات كالدم كما يفهم من اطلاق بعض العبارات. (الثالث) مورد الرواية المذكورة المربية والحق بعض الاصحاب بها المربي ايضا للاشتراك في العلة وهو وجود المشقة فيهما، وانكره آخرون وقوفا على مورد النص والتعليل المذكور في كلامهم ليس منصوصا وانما هو علة مستنبطة وعلى هذا يكون الالحاق قياسا، وهذا هو الاظهر، وبالاول صرح العلامة في التذكرة والنهاية وتبعه الشهيد في كتبه الثلاثة، وبالثاني جزم في المدارك وهو الذي عليه اقتصر المحقق في كتبه. (الرابع) الحق بعض الاصحاب بالمولود الواحد المتعدد للاشتراك في العلة وهي المشقة وزيادة فلا معنى لزواله. وفيه انه يمكن ان يكون التعدد لكونه مقتضيا لكثرة النجاسة وقوتها فمن الجائز اختصاص العفو بالقليل الضعيف منها دون الكثير القوي فلا وجه للالحاق المذكور، وبالاول جزم الشهيد في الذكرى والدروس، ونقله في المعالم عن والده ايضا في بعض كتبه ثم قال وله وجه. اقول: ما نقله عن والده من الحاق المتعدد قد صرح به في المسالك واما في الروض فظاهره التوقف للوجهين المذكورين (الخامس) لو كان لها اكثر من ثوب واحد فان احتاجت إلى لبس الجميع لبرد ونحوه فالظاهر كما صرح به في الروض ان الجميع في حكم الثوب الواحد وإلا فلا تلحقها الرخصة لزوال المشقة بابدال الثياب ووقوفا مع ظاهر النص، ولو امكن ذات الثوب الواحد تحصيل غيره بشراء أو استئجار أو استعارة ففي وجوب ذلك عليها تردد ينشأ من اطلاق النص المتقدم فان ظاهره ان الحكم فيها مع وحدة الثوب ما ذكر وان امكنها ذلك، ومن انتفاء المشقة بتكرير الغسل. وظاهر الروض التوقف في ذلك، ونقل في المعالم عن جماعة من المتأخرين انهم استقربوا الثاني وكتب في الحاشية في تفسير الجماعة المشار إليهم: السيد حسن بن جعفر وشيخنا السيد علي ابن الصائغ، ثم قال هو (قدس سره) وكأن الاول اقرب. وهو جيد وقوفا على ظاهر النص ونظرا إلى ان هذه العلة التي يكررون الاشارة إليها ليست منصوصة كما قدمنا ذكره بل هي مستنبطة.

[ 348 ]

(السادس) قد صرح جماعة من الاصحاب بان الحكم المذكور مختص بالثوب اما البدن فيجب غسله مع المكنة لعدم النص والمشقة الحاصلة في الثوب الواحد بسبب توقف لبسه على يبسه. قال في المعالم وربما صار بعض من تأخر إلى تعدية الرخصة إليه نظرا إلى عسر الاحتراز عن الثوب النجس ومشقة غسل البدن في كل وقت. ثم قال وليس بشئ وكتب في الحاشية في بيان ذلك البعض: السيد حسن. اقول: وهذا السيد احد مشايخ شيخنا الشهيد الثاني وله (قدس سره) اقوال غريبة مثل قوله في هذه المسألة وقوله في تطهير المطر ولو بالقطرة الواحدة ونحو ذلك. (السابع) قد دل الخبر المذكور على تعيين الغسل مع انه كما سيأتي ان شاء الله تعالى قريبا ان الحكم في بول الصبي الذي لم ينفطم انما هو الصب والمغايرة بينهما ظاهرة، وبه يظهر المنافاة بين الحكمين مع اتفاق الاصحاب على كل منهما وبه يعظم الاشكال، قال العلامة في النهاية: الاقرب وجوب عين الغسل فلا يكفي الصب مرة واحدة وان كفى في بوله قبل ان يطعم الطعام عند كل نجاسة. ومرجعه إلى وجه جمع بين الامرين بان يقال ان الاكتفاء بالصب في بول الرضيع على ما سيأتي انما هو مع تكرير الازالة كلما حصل منه البول بحسب الحاجة إلى الدخول في العبادة واما مع الاقتصار على المرة في اليوم في هذه الصورة فلابد من الغسل عملا بالخبر. ومرجعه إلى تخصيص تلك الاخبار الدالة على الصب بهذا الخبر في هذه المادة المخصوصة وهي اتحاد الثوب، ويؤيده الاعتبار وان كان العمل انما هو على النص من حيث ان تكرر حصول النجاسة من دون تخلل الازالة بينهما يقتضي قوتها وتزايدها فيجوز اختلاف الحكم مع تحقق هذا المعنى وبدونه. (الثامن) - قد ذكر كثير من الاصحاب ان المراد باليوم في الخبر ما يشمل الليل ايضا اما لاطلاقه لغة على ما يشمل الليل أو لالحاق الليل به والحكم موضع توقف لاحتمال ما ذكروه واحتمال اختصاص اليوم بالنهار خاصة والخروج عنه يحتاج إلى دليل

[ 349 ]

(التاسع) قد صرح جمع من الاصحاب بان الافضل ان تجعل غسل الثوب آخر النهار لتوقع الصلوات الاربع على طهارة، ولا بأس به، والعلامة في التذكرة بعد ان ذكر افضلية التأخير لذلك قال: وفي وجوبه اشكال ينشأ من الاطلاق ومن اولوية طهارات اربع على طهارة واحدة. وفي دلالة هذا التوجيه على الوجوب تأمل، والاظهر الاستحباب. وهل يجب ايقاع الصلاة عقيب غسل الثوب والتمكن من لبسه متى اقتضت العادة نجاسته بالتأخير ؟ فيه توقف. قيل ولو اخلت بالغسل فالظاهر وجوب قضاء آخر الصلوات لجواز تأخير الغسل إلى وقته. والله العالم. (المسألة السادسة) الظاهر انه لا اشكال ولا خلاف في العفو عما يتعذر ازالته من النجاسة التي في البدن من اي نوع كانت، وكأنه لما علم من اباحة الضرورات المحظورات لم يتعرض الاصحاب هنا للاستدلال على ذلك. ويمكن ان يستدل على ذلك بالاخبار الواردة في السلس والمبطون وقد تقدمت في المسائل الملحقة بالوضوء فانها صريحة في الصلاة بالنجاسة لمكان الضرورة، وفي حسنة منصور (1) " إذا لم يقدر على حبسه فالله تعالى اولى بالعذر " وفي موثقة سماعة (2) " فليتوضأ وليصل فانما ذلك بلاء ابتلى به " ونحو ذلك. وايد ذلك بعضهم بان الادلة الدالة على شرطية الطهارة من الخبث في الصلاة غير متناولة لحال الضرورة فيبقى عموم الاوامر سالما عن معارضة ما يقتضي الاشتراط والتخصيص. وهو جيد. وانما الخلاف في نجاسة الثوب فذهب جمع من الاصحاب: منهم الشيخ وابن البراج وابن ادريس والعلامة في اكثر كتبه وغيرهم والظاهر انه المشهور كما في المدارك إلى عدم العفو ووجوب الصلاة عاريا إلا ان يضطر إلى لبسه فيجوز للضرورة ويصير مناط العفو انما هو الضرورة. وانفرد الشيخ من بينهم بايجاب اعادة الصلاة فيه


(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من نواقض الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب 7 من نواقض الوضوء

[ 350 ]

حال الضرورة، وذهب الفاضلان في المعتبر والمنتهى والشهيدان وجماعة من المتأخرين إلى ان العفو ثابت اضطر إلى لبسه ام لم يضطر وان المصلي مخير بين الصلاة فيه والصلاة عاريا، وزاد الشهيدان وجماعة ان الصلاة فيه افضل، وبهذا القول صرح ابن الجنيد من المتقدمين في كتابه المختصر فقال: ولو كان مع الرجل ثوب فيه نجاسة لا يقدر على غسلها كانت صلاته فيه احب الي من صلاته عريانا. واوجب مع ذلك اعادة الصلاة إذا وجد ثوبا طاهرا فقال في موضع آخر من الكتاب: والذي ليس معه إلا ثوب واحد نجس يصلي فيه ويعيد في الوقت إذا وجد غيره ولو اعاد إذا خرج الوقت كان احب الي. اقول: والاصل في هذا الخلاف اختلاف الاخبار الواردة في المسألة كما ستقف عليه احتج الشيخ على ما ذهب إليه من عدم العفو ووجوب الصلاة عاريا مع عدم الضرورة باجماع الفرقة ذكره في الخلاف، وبان النجاسة ممنوع من الصلاة فيها ومن يجيزها فيها فعليه الدلالة، وبما رواه سماعة (1) قال: " سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض ليس عليه إلا ثوب واحد واجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال يتيمم ويصلي عريانا قاعدا ويومئ " هكذا في الكافي والتهذيب وفي الاستبصار " ويصلي عريانا قائما ويومئ ايماء " وما رواه محمد بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2): " في رجل اصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد فاصاب ثوبه مني ؟ قال يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا ويصلي ويومئ ايماء ". واحتج على ما ذهب إليه من جواز الصلاة فيه بالنجاسة مع الضرورة ووجوب الاعادة حينئذ بما رواه عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع ؟ قال يتيمم ويصلي فإذا اصاب ماء غسله واعاد الصلاة ".


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 46 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب النجاسات.

[ 351 ]

وانت خبير بان هذه الرواية وان دلت على الاعادة إلا انها لا دلالة لها على الضرورة، إلا ان يكون الحمل على ذلك لاجل الجمع بينها وبين الروايتين المتقدمتين وهو خلاف الظاهر من مدعاه، ومع هذا فهي انما تدل على الاعادة في صورة التيمم دون الوضوء والمدعى اعم من ذلك. ومما يدل على العفو مطلقا كما هو القول الاخر صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فاصاب ثوبا نصفه دم أو كله أيصلي فيه أو يصلي عريانا ؟ فقال ان وجد ماء غسله وان لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا ". وصحيحة محمد بن علي الحلبي برواية الصدوق (2) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله ؟ قال يصلي فيه " وفي الصحيح عن محمد الحلبي عنه (عليه السلام) (3) " انه سأل عن رجل اجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره ؟ قال يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله " قال في الفقيه بعد ذكر الخبر: وفي خبر آخر " واعاد الصلاة ". وفي الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوب ليس معه غيره ولا يقدر على غسله ؟ قال يصلي فيه " قال في الفقيه بعد ذكر هذا الخبر ايضا: وفي خبر آخر " يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله واعاد الصلاة " اقول: ان كان مراد الصدوق بالرواية الدالة على الاعادة هي رواية عمار المتقدمة فقد عرفت ما فيها واما غيرها فلم نقف عليه. هذا ما وصل الينا من اخبار المسألة المذكورة، والشيخ قد جمع بينها بحمل هذه الاخبار الاخيرة على الضرورة من برد أو نحوه أو على صلاة الجنازة، والثاني منهما بعيد لا ينبغي النظر إليه، اما الاول فقد عرفت انه استدل عليه بموثقة عمار وقد عرفت


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 45 من ابواب النجاسات.

[ 352 ]

ما فيه. نعم ربما يمكن الاستدلال له برواية الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره ؟ قال يصلي فيه إذا اضطر إليه " إلا ان الخبر غير صريح ولا ظاهر في المدعى إذ يمكن حمل الاضطرار إليه على معنى عدم وجود غيره كما هو محل السؤال، وحاصل الجواب حينئذ انه يجوز له في الصورة المفروضة لمكان الضرورة بعدم وجود غيره، وحينئذ فلا يمكن تخصيص اطلاق تلك الاخبار به، والاخرون قد جمعوا بين الاخبار بالتخيير، وبعضهم كما عرفت صرح بافضلية الصلاة في الثوب النجس على الصلاة عاريا، ويؤيده زيادة على صحة الاخبار الدالة على الجواز انه مع الصلاة في الثوب لا يلزم إلا فوات شرط واحد وهو طهارة الساتر ومع الصلاة عاريا يلزم فقد شروط وهو الساتر وترك القيام والركوع والسجود لانه يصلي قاعدا بايماء كما صرحت به روايتا الصلاة عريانا إلا على رواية الاستبصار لحديث سماعة حيث صرح فيه بالقيام فانه يبقى الاشكال بترك الركوع والسجود، وبالجملة فرجحان هذا القول اظهر من ان يخفى. وظاهر السيد السند في المدارك النظر في الجمع بين الاخبار بالتخيير مستندا إلى انه فرع حصول التعارض وهو خلاف الواقع لان روايات الصلاة في الثوب متعددة صحيحة الاسناد وتلك بالعكس من ذلك، وهو جيد بناء على اصله المعتمد عليه عنده من العمل بهذا الاصطلاح الجديد، إلا ان جملة اصحاب هذا الاصطلاح لم يعملوا على ذلك لاعتضاد تلك الاخبار بالشهرة بين الاصحاب حتى ادعى الشيخ في الخلاف الاجماع على ما دلت عليه، ويؤيده ظاهر كلام العلامة في المنتهى فان ظاهره الاجماع على جواز الصلاة عاريا حيث قال فيه: لو صلى عاريا لم يعد الصلاة قولا واحدا. واقتصر البعض على التمسك بهذا الوجه في الخروج عن ظاهر هذه الاخبار قائلا انه لولاه لم يكن عن القول بتعين الصلاة في الثوب معدل واعترضه في المعالم بعدم صحة شئ من الاخبار الاولة


(1) المروية في الوسائل في الباب 45 من النجاسات.

[ 353 ]

وعدم ثبوت الاجماع وان ادعاه الشيخ والعلامة قال واحتجاج الشيخ بالمنع من الصلاة في النجاسة وطلبه للدلالة ممن يجيزها فيها واضح الجواب، فان الاخبار التي ذكرناها صالحة للدلالة متنا واسنادا فالمتجه العمل بما دلت عليه. انتهى. اقول: وهو ظاهر الصدوق في الفقيه حيث اقتصر في الكتاب على نقل الروايات الدالة على الصلاة في الثوب ولم يتعرض لنقل شئ من روايات الصلاة عاريا وهو بناء على قاعدته التي ينسبون بها المذاهب إليه في هذا الكتاب ظاهر في اختياره تعين الصلاة في الثوب كما جنح إليه في المعالم. وكيف كان فان ملخص الكلام في المقام ان مقتضى العمل بهذا الاصطلاح الجديد هو ما ذكره في المعالم وقبله السيد في المدارك إلا ان ظاهره في المدارك التوقف ولم يجزم بذلك كما في عبارة المعالم حيث قال بعد رد تأويلات الشيخ بالبعد: ويمكن الجمع بينها بالتخيير بين الامرين وافضلية الصلاة في الثوب كما اختاره ابن الجنيد إلا ان ذلك موقوف على تكافؤ السند وهو خلاف الواقع، وكيف كان فلا ريب ان الصلاة في الثوب اولى. انتهى. وهو ظاهر في التوقف حيث لم يجزم بشئ وانما جعل الصلاة في الثوب اولى، ومقتضى العمل بجملة الاخبار هو القول بالتخيير جمعا بينها دون ما ذكره الشيخ (قدس سره) واما ما ذكره الشيخ من الاعادة وكذا ما ذكره ابن الجنيد ففيه ما تقدم في غير موضع من ان وجوب الاداء والقضاء مما لا يجتمعان بمقتضى الاصول الشرعية والقواعد المرعية كما تقدم تحقيقه في باب التيمم والله العالم. فروع (الاول) نقل في المعالم انه ذكر بعض اصحابنا المتأخرين ان لكل من البدن والثوب بالنظر إلى تعذر الازالة حكما برأسه فإذا تعددت النجاسة فيهما واختص التعذر باحدهما وجبت الازالة عن الآخر، قال ولو اختصت بأحدهما وكانت متفرقة

[ 354 ]

وامكن ازالة بعضها وجبت، وبتقدير اجتماعها فان كانت دما وامكن تقليله بحيث ينقص عن مقدار الدرهم وجب ايضا وإلا ففي الوجوب نظر، ثم قال وهذا التفصيل حسن ولا بأس به. اقول: ظاهر هذا الكلام التفرقة في صورة اختصاص النجاسة باحدهما بين المتفرقة التي يمكن ازالة بعضها فانه تجب الازالة وبين المجتمعة التي إذا كانت غير الدم وامكن تقليلها وازالة بعضها فانه لا تجب بل هو محل نظر عنده، ولا اعرف لهذه التفرقة وجها. (الثاني) قد عرفت ان الظاهر من الصدوق هو اختيار القول بالصلاة في الثوب إلا انه قد اشار كما عرفت في ذيل صحيحتي الحلبي وعبد الرحمان إلى رواية عمار الدالة على الاعادة، ومنافاتها للاخبار المذكورة ظاهرة والاصحاب قد حملوها على الاستحباب جمعا، وهو لم يتعرض للجواب عنها ولا الجمع بينها وبين تلك الاخبار، وربما اشعر ذلك بقوله بمضمونها وتقييد اطلاق تلك الاخبار بها والظاهر بعده، وبما احتمل التوقف حيث اقتصر على نقل الجميع ولم يتعرض لوجه الجمع ولعله الاقرب، وقد وقع له امثال ذلك في غير موضع: منها خروج البلل المشتبه بعد الوضوء. (الثالث) انه على تقدير القول المشهور من وجوب الصلاة عاريا فهل يصلي جالسا مومئا برأسه للركوع والسجود مطلقا أو قائما مطلقا مومئا كذلك أو يفرق بين امن المطلع وعدمه فيصلي على الاول قائما وعلى الثاني جالسا ؟ اقوال اشهرها الثالث، وسيجئ تحقيق المسألة المذكورة في محلها ونقل اخبارها ان شاء الله تعالى وبيان المختار منها (الرابع) لا خلاف في انه لو نظر إلى الصلاة فيه لبرد ونحوه فان صلاته صحيحة وانما وقع الخلاف في وجوب الاعادة، والظاهر ان مستنده موثقة عمار المذكورة وقد عرفت ما فيها من الاشتمال على التيمم اولا فيجوز ان تكون الاعادة مستندة إلى ذلك كما تقدم في باب التيمم، واما مع ظهور كون ذلك من حيث الصلاة في النجاسة فقد عرفت ما فيه من المخالفة لمقتضى الاصول الشرعية فيجب تأويلها البتة والله العالم.

[ 355 ]

(المسألة السابعة) قد ذهب جمع من الاصحاب: منهم الشهيد في الذكرى والدروس إلى العفو عن نجاسة ثوب الخصي الذي يتواتر بوله إذا غسله في النهار مرة، واحتجوا لذلك بالحرج والمشقة مع ما رواه الشيخ في الصحيح إلى سعدان بن مسلم عن عبد الرحيم القصير (1) قال: " كتبت إلى ابي الحسن الاول (عليه السلام) اسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل ؟ فقال يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة " واعترضهم بعض المحققين من متأخري المتأخرين بان في طريقها ضعفا لجهالة سعدان وعبد الرحيم، وقال المحقق في المعتبر بعد نقل الخبر المذكور: والراوي المذكور ضعيف فلا اعمل على روايته وربما صير إليها دفعا للحرج. وظاهر قوله " صير " بالبناء للمجهول وجود قائل بمضمونها إلا ان العلة في ذلك هو الحرج دون الخبر، ويحتمل ان يكون كناية عن ميله هو إلى ذلك وتعليل الحكم بالحرج. واعترض عليه بان الاستناد في الحكم إلى الحرج يقتضي جعل المناط في العفو ما تندفع معه المشقة والحرج ككثير من الاحكام التي يستندون فيها إلى دفع الحرج دون الخصوصية المذكورة فانها موقوفة على نهوض الرواية بها، مع ان الرواية انما تضمنت الصب لا الغسل كما ذكروه فالفرق بينهما ظاهر. والعلامة في المنتهى قد اقتصر على العمل بمضمون الرواية من غير تعرض للغسل فقال بعد ذكرها: وفى الطريق كلام لكن العمل بمضمونها اولى لما فيه من الرخصة عند المشقة. واستوجه في التذكرة بعد بيان ضعف الرواية وجوب تكرار الغسل فان تعسر عمل بمضمون الرواية دفعا للمشقة، وهو كما ترى. والصدوق في الفقيه قد ذكر هذه الرواية مرسلة وظاهره العمل بها. اقول: وتحقيق الكلام في المقام ان يقال ان هذه الرواية لا تخلو من الاجمال فالاستناد إليها فيما ذكروه لا يخلو من الاشكال، وذلك فانه يحتمل ان يكون ذلك البلل بولا فأمره بالوضوء يعني غسل البول الذي


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من نواقض الوضوء.

[ 356 ]

يخرج معتدلا والنضح مرة واحدة في نهاره لاجل هذا البلل، وعلى هذا فيكون من قبيل المرأة المربية للمولود ذات الثوب الواحد، وحينئذ فيجب حمل الصب على الغسل ويجب تقييده بانه ليس له إلا ثوب واحد. والظاهر بعده فانه على هذا التقدير يكون من قبيل صاحب السلس وحكمه شرعا كما تقدم في محله انه يضع ذكره في خريطة محشوة بالقطن ويصلي بعد التطهير من النجاسة. ويحتمل ان يكون هذا البلل غير معلوم كونه بولا بل يكون مظنونا أو موهوما فيكون النضح على ظاهر معناه الشرعي ونظيره في الاخبار غير عزيز، فان من جملة مواضع النضح كما سيأتي ان شاء الله ما شك في نجاسته. ويحتمل انه امر بالنضح وجعل الثوب رطبا ليمكن استناد البلل إليه ولا يتيقن كونه خارجا من الذكر ولا نجسا ويكون من قبيل الحيل الشرعية كما تقدم نظيره. ولا يخفى ان كلام الجماعة مبني على الاحتمال الاول وقد عرفت ما فيه، فالاظهر هو طرح هذه الرواية لاشتباهها وعدم ظهور المعنى المراد منها والرجوع إلى الاصول المقررة والقواعد المعتبرة في النجاسات وازالتها. والله العالم. البحث الثالث في ما تزال به النجاسات المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان المطهرات عشرة: الماء والشمس والارض والنار والاستحالة والاسلام واستبراء الحيوان الجلال ونقص العصير والانقلاب والانتقال، فالكلام هنا يقع في مطلبين: (الاول) في تطهير الماء وازالة النجاسة به وكيفية الازالة وما يتعلق بذلك ويلحق به، وفيه مسائل: (الاولى) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب المرتين في ازالة نجاسة البول عن الثوب والبدن في غير بول الرضيع بل ظاهر المحقق في المعتبر

[ 357 ]

انه اجماع حيث قال بعد ذكر الحكم المذكور: وهذا مذهب علمائنا. إلا ان الشهيد في الذكرى بعد ان اختار التثنية عزى إلى الشيخ في المبسوط عدم مراعاة العدد في غير الولوغ وهو ظاهر في المخالفة، وما عزاه إلى الشيخ قد جزم به في البيان فقال ولا يجب التعدد إلا في اناء الولوغ. ونقل في المعالم عن العلامة انه اكتفى فيه بالمرة صريحا إذا كان جافا وانه يظهر من فحوى كلامه في جملة من كتبه الاكتفاء بها مطلقا حيث قال: ان الواجب هو الغسل المزيل للعين، قال ومن البين ان زوال العين معتبر على كل حال وان مسمى الغسل يصدق بالمرة. انتهى. ومن ذلك يظهر ان الخلاف في المسألة والقول باجزاء المرة مطلقا متحقق في كلام الاصحاب. والاظهر ما هو المشهور من اعتبار المرتين في ازالة نجاسة البول عن الثوب والبدن للاخبار الصحيحة الصريحة: ومنها ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء. وسألته عن الثوب يصيبه البول ؟ قال اغسله مرتين. وسألته عن الصبي يبول على الثوب ؟ قال تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره " وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي يعفور (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الثوب ؟ قال اغسله مرتين ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول ؟ قال اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " قال الجوهري: المركن الاجانة التي يغسل فيها الثياب. وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته


(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 1 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من النجاسات.

[ 358 ]

عن البول يصيب الثوب ؟ قال اغسله مرتين ". وعن ابي اسحاق النحوي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين ". وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب الجامع لاحمد بن محمد بن ابي نصر (2) قال: " سألته عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء. وسألته عن الثوب يصيبه البول قال اغسله مرتين ". وفي الفقه الرضوي (3) " وان اصابك بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرة ومن ماء راكد مرتين ثم اعصره ". وما تضمنه جملة من هذه الاخبار من وجوب المرتين في البدن مما لم يظهر فيه خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) إلا من صاحبي المدارك والمعالم لمزيد تصلبهما في هذا الاصطلاح الجديد فردا روايتي الحسين بن ابي العلاء وابي اسحاق النحوي بضعف السند واكتفيا بالمرة في البدن لذلك. وفيه ان الاولى حسنة والثانية صحيحة أو حسنة ويعضدهما رواية ابن ابي نصر المنقولة في السرائر وهي صحيحة لانها منقولة من اصله المشهور بلا واسطة وبذلك يظهر ضعف ما ذهبا إليه. واما ما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح (4) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن رجل يبول بالليل فيحسب ان البول اصابه فلا يستيقن فهل يجزيه ان يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف ؟ قال يغسل ما استبان انه اصابه وينضح ما يشك فيه من جسده أو ثيابه.. الحديث " فغايته ان يكون مطلقا فيجب تقييده بما ذكرناه من الاخبار. واعتضد في المعالم فيما ذهب إليه من اجزاء المرة في البدن بان العلامة في المنتهى قد اقتصر على الثوب في العبارة التي حكم فيها بوجوب المرتين وكذلك صنع في التحرير.


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب النجاسات (3) ص 6 (4) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات.

[ 359 ]

وفيه ان عدم تعرضه لحكم البدن بالكلية لا يدل على حكمه بعدم التعدد والقول بالمرة فيه بل هو اعم من ذلك. واعتضد ايضا بانه جزم في بحث الاستنجاء من المنتهى والنهاية بالاكتفاء فيه بالمرة إذا زالت العين وكذا في المختلف وحكي القول به عن ابي الصلاح وابن ادريس وقال انه الظاهر من كلام ابن البراج وهو قول سلار ايضا. وفيه انه من الجائز بل الظاهر ان مسألة الاستنجاء لها حكم غير هذه المسألة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وكيف كان فان المدار عندنا على النصوص وقد عرفت دلالتها على المدعى لا على القائل قل أو كثر فانه محجوج مع المخالفة بما ذكرناه من النصوص ايضا. واما من ذهب إلى الاكتفاء بالمرة مطلقا كما تقدم نقله عن المبسوط والبيان فلم نقف له على دليل في الاخبار ولا في كلام الاصحاب بل الدليل كما عرفت على خلافه مكشوف الحجاب. إلا ان العلامة في المنتهى قد احتج على ما ذهب إليه من الاكتفاء بالمرة مع الجفاف بوجهين: (احدهما) ان المطلوب من الغسل انما هو ازالة العين والجاف ليس له عين فيكتفى فيه بالمرة. و (الثاني) ان الماء غير مطهر عقلا لانه إذا استعمل في المحل جاورته النجاسة فينجس وهكذا دائما وانما عرفت طهارته بالشرع بتسميته طهورا بالنص فإذا وجد استعمال الطهور مرة عمل عمله من الطهارة. وانت خبير بما فيه من الوهن والضعف الذي لا يحتاج إلى تنبيه فان النصوص المتقدمة مطلقة شاملة باطلاقها للبول بقسميه يابسا ورطبا وتخصيصها بمجرد هذه التعليلات مجازفة محضة. وما ذكره من ان المطلوب من الغسل ازالة العين والاثر دعوى لا دليل عليها في نص ولا خبر، إلا ان في الذكرى نقل ذلك رواية فقال اما البول فيجب تثنيته لقول الصادق (عليه السلام) " في الثوب يصيبه البول اغسله مرتين: الاولى للازالة والثانية للانقاء " وقد تقدمه في ذلك المحقق في المعتبر وذكر هذه الزيادة في رواية الحسين بن ابي العلاء فقال بعد قوله: وعن الثوب يصيبه البول قال: " اغسله مرتين الاولى للازالة والثانية للانقاء " والظاهر انها من كلام صاحب المعتبر وتبعه من تبعه في ذلك ظنا انها من اصل الخبر، وهذه الزيادة

[ 360 ]

لا وجود لها في شئ من كتب الاخبار وقد صرح بذلك ايضا في المعالم فقال: بعد نقل ذلك عن الذكرى والمعتبر: ولم ار لهذه الزيادة اثرا في كتب الحديث الموجودة الان بعد التصفح بقدر الوسع، ولو ثبت لامكن تقييد اطلاق تلك الاخبار بها فيخص ما دل على المرتين بما له عين لكن الكلام في ثبوتها. تنبيهات (الاولى) اطلاق روايات الحسن بن ابي العلاء وابي اسحاق النحوي وابن ابي نصر المنقولة من السرائر شامل لمخرج البول فيجب فيه المرتان بمقتضى ذلك، إلا انهم قد اختلفوا ايضا في مسألة الاستنجاء وقد تقدم البحث فيها في محله، وقد بينا ان الظاهر من الاخبار المذكورة في تلك المسألة هو وجوب المرة خاصة كما هو اختيار جملة من الاصحاب، وذكرنا وجه الجمع بين اخبار تلك المسألة على تقدير هذا القول الذي اخترناه والاخبار المذكورة هنا، وذلك لان اخبار تلك المسألة بناء على ما اخترناه مطلقة بالنسبة إلى الغسل ومقيدة بالنسبة إلى المغسول واخبار هذه المسألة مطلقة بالنسبة إلى المغسول من كونه مخرج البول أو غيره من الجسد ومقيدة بالنسبة إلى الغسل بالمرتين، فوجه الجمع بينها اما بتخصيص عموم اخبار هذه المسألة باخبار الاستنجاء فيقال بوجوب المرتين في غير موضع الاستنجاء أو بتقييد اخبار الاستنجاء بهذه الاخبار فيقال بوجوب المرتين في الاستنجاء، لكن الظاهر ان الترجيح للاول لمنع شمول اخبار المرتين لموضع النزاع بل الظاهر منها انما هو ما عداه من سائر الجسد فان المتبادر من هذه الروايات انما هو عروض النجاسة من خارج وتطرقها إلى الثوب أو الجسد. وكلام الاصحاب في هذا الباب غير منقح في كون المسألتين من باب واحد أو متعددتين وكما اختلفوا هنا فقد اختلفوا هناك ايضا، والمحقق في المعتبر قد ادعى الاجماع في هذه المسألة على التعدد كما قدمنا ذكره ولم يدعه هناك وانما استدل برواية

[ 361 ]

نشيط بن صالح الدالة على المثلين (1) مع ما في دلالتها من الاجمال في البين، وايدها بما روى من ان البول إذا اصاب الجسد يصب عليه الماء مرتين، ولقد كانت هذه الروايات اصرح واوضح واولى في الاستدلال لو كانت هذه المسألة من قبيل ما اشتملت عليه دون ان تجعل مؤيدة وغيره لم يشر إليها بالكلية، وقد عرفت مما تقدم في كلام صاحب المعالم ان المسألتين عنده من باب واحد وانه يكتفي بالمرة فيهما. وفيه ما عرفت فان الاظهر هو وجوب المرة في الاستنجاء والمرتين فيما عداه عملا بالظاهر من اخبار كل من المسألتين. (الثاني) الظاهر كما صرح به جماعة: منهم الشهيد الثاني اعتبار الفصل بين المرتين ليتحقق العدد وصدق المرتين المأمور بهما في الاخبار، واكتفى الشهيد في الذكرى باتصال الماء بقدر الغسلتين، قال في المدارك: وهو مشكل نعم لو كان الاتصال بقدر زمان الغسلتين والقطع امكن الاكتفاء به فيما لا يعتبر تعدد العصر فيه لان اتصال الماء في زمان القطع لا يكون اضعف حكما من عدمه. وفيه ان صدق التعدد في الصورة المذكورة مشكل والظاهر انه لا يصدق إلا مع القطع الحسي لا التقديري. وقال في المعالم: ذكر جماعة من الاصحاب انه يكفي في المرتين التقدير فلو اتصل الصب على وجه لو انفصل لصدق التعدد حسا اجزأ، ووجهه البعض بدلالة فحوى الاكتفاء بالحسي عليه. وهو على اطلاقه مشكل لان دلالة الفحوى موقوفة على العلم بعلة الحكم في المنطوق وكونها في المفهوم اقوى وليست العلة هنا بواضحة. انتهى. اقول: الظاهر ان الاشارة بالبعض المذكور في كلامه إلى صاحب المدارك وما نقلناه عنه هنا. ثم قال في المعالم بعد كلام في البين: والذي يقوى في نفسي اعتبار صدق المرتين عرفا مع التراخي لان المقتضى للفرق بين التراخي وعدمه ملاحظة تحقق المرتين المأمور بهما


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من احكام الخلوة.

[ 362 ]

والتراخي بمجرده غير كاف في صدقهما. انتهى. وهو يرجع إلى ما قدمناه بعد نقل كلام صاحب المدارك من عدم صدق التعدد في الصورة المفروضة وانما يحصل بالقطع الحسي. نعم لو صحت الرواية التي ذكرها في الذكرى من تعليل المرتين بان الاولى للازالة والثانية للانقاء امكن ما ذكره في المدارك وسقط ما اورده عليه في المعالم لوجود العلة في المنطوق وحينئذ فان اكتفى بذلك مع القطع الحسي فمع حصول الغسل بقدر زمان القطع ان لم يكن اولى بالاكتفاء لا اقل ان يكون مساويا لكن الخبر كما عرفت آنفا غير ثابت وانما المعلوم كون ذلك تعبدا شرعا فيقين البراءة لا يحصل إلا به، ومن ذلك علم ان في المسألة اقوالا ثلاثة. والشهيد (قدس سره) مع تصريحه هنا بالاكتفاء باتصال الماء بقدر الغسلتين صرح في الاستنجاء بانه لابد في حصول التعدد من الفصل حسا وبين الكلامين تناقض ظاهر، وقد تقدم الجواب عنه في مسألة الاستنجاء من البول فليلحظ. (الثالث) قد صرحت صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وكذا عبارة كتاب الفقه بالاكتفاء بالمرة في الغسل في الجاري، وبذلك صرح جملة من الاصحاب كالشهيدين والعلامة في التذكرة والنهاية والشيخ علي وصاحب المدارك واضافوا إلى الجاري الراكد الكثير، وهو جيد. ويمكن ان يكون ذكر الجاري في الخبرين المذكورين انما هو من قبيل التمثيل لا من قبيل الحصر. واما قوله في كتاب الفقه " ومن ماء راكد مرتين " فينبغي حمله على الاقل من كر لينطبق على ظواهر الاخبار وكلام الاصحاب، والصدوق في الفقيه قد عبر بعين عبارة كتاب الفقه. وقال في المنتهى في احكام الاواني: الجسم النجس إذا وقع في الكثير من الراكد احتسب بوضعه في الماء ومرور الماء على اجزائه غسلة وان خضخضه وحركه بحيث تمر عليه اجزاء غير الاجزاء التي كانت ملاقية له احتسب بذلك غسلة ثانية كما لو مرت عليه جريات من الجاري. ومقتضى هذا الكلام اعتبار التعدد في الجاري والراكد الكثير، ونقل عن الشيخ نجيب الدين في الجامع

[ 363 ]

التعدد في الراكد دون الجاري، وصرح المحقق في المعتبر في مسألة الولوغ باعتبار التعدد في الكثير مطلقا إلا انه اكتفى في تحقق المرتين في الجاري بتعاقب الجريتين عليه، واطلاق عبارته في الشرائع حيث قال: " ويغسل الثوب والبدن من البول مرتين يقتضي اعتبار التعدد في قليل كان أو كثير راكد أو جار. والظاهر هو القول الاول للخبرين المذكورين ولا معارض لهما إلا اطلاق اخبار المرتين المتقدمة، والظاهر تقييدها بالقليل كما هو الظاهر منها للتصريح بالصب في جملة منها والغسل في المركن في بعض. بقي الكلام في ان مورد صحيحة محمد بن مسلم وعبارة كتاب الفقه الدالتين على المرة في الجاري انما هو الثوب خاصة وظاهر الاصحاب العموم للبدن ايضا فلو اراد ازالة نجاسة البول عنه في الجاري كفت المرة وكأنه لمفهوم الموافقة فانه إذا ثبت ذلك في الثوب المتوقف على العصر لو كان الغسل في القليل ثبت في البدن بطريق اولى. وفيه ما فيه فتأمل. (الرابع) قد عرفت الخلاف في البول بالنسبة إلى الثوب والبدن بقي الكلام بالنسبة إليه في غيرهما وغيره في غير الاواني، وقد اختلف الاصحاب في ذلك ففي الذخيرة عن ظاهر جمع من الاصحاب طرد الحكم بالمرتين من نجاسة البول في غير الثوب والبدن مما يشبههما فتعتبر الغسلتان في ما يمكن اخراج الغسالة منه بالعصر من الاجسام الشبيهة بالثوب والصب مرتين فيما لا مسام له بحيث ينفذ فيه الماء كالخشب والحجر، قال ولعلهم نظروا في هذه التعدية إلى المشابهة الصرفة أو مع ادعاء الاولوية في الفرع، والاول قياس غير معتبر واثبات الثاني مشكل، فاذن الاقتصار على مورد النص غير بعيد كما نقل التصريح به عن بعض الاصحاب. انتهى. اقول: قد ذهب الشهيد في اللمعة والرسالة والمحقق الشيخ علي إلى وجوب المرتين مطلقا من نجاسة البول وغيرها في الثوب والبدن وغيرهما عدا الاواني، وذهب شيخنا الشهيد الثاني في الروضة إلى وجوب المرتين من نجاسة البول خاصة في الثوب والبدن وغيرهما والمرة الواحدة في غيره والنقل المذكور عن جمع من الاصحاب انما ينطبق على مذهب شيخنا الشهيد الثاني القائل بوجوب التثنية

[ 364 ]

من نجاسة البول مطلقا كائنة ما كانت، إلا ان ما ذكره من التقييد بما يشبههما لم اقف عليه في كلامه بل ظاهره القول بوجوب التثنية من نجاسة البول مطلقا، وما ذكره في توجيه التعدية فالظاهر بعده بل الظاهر ان الوجه في ذلك انما هو احتمال خروج الثوب والبدن في الاخبار مخرج التمثيل بناء على انه الفرد الغالب في ملاقاة النجاسة فلا يقتضي قصر الحكم عليهما وان خصوص السؤال عنهما لا يخصص. وقيل بوجوب المرة مطلقا وقد تقدم نقله عن الشيخ في المبسوط وبه جزم في البيان، واعتبر في المعتبر المرة بعد ازالة العين اخذا بالاطلاق، واوجب العلامة في التحرير المرتين فيما له قوام وثخن كالمني دون غيره، وقال في المنتهى النجاسات التي لها قوام وثخن كالمني اولى بالتعدد في الغسلات. اقول: وتحقيق القول في هذا المقام بما يصل إليه الفهم القاصر من اخبارهم (عليهم السلام) هو وجوب المرتين من نجاسة البول في الثوب والبدن كما تقدم للاخبار المتقدمة ووجوب المرة فيما عدا ذلك لاطلاق الامر بالغسل إذ لا ذكر للتعدد إلا في البول في الموضعين المذكورين والاواني على بعض الوجوه كما يأتي ونحن قد استثنيناها في صدر الكلام، إذ الامر بالماهية يصدق بالمرة والاصل يقتضي براءة الذمة من الزائد. نعم يبقى الكلام فيما له قوام وثخن كما ذكره العلامة فان ظاهر قوله (عليه السلام) في حسنة الحسين بن ابي العلاء: " صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء " يدل بمفهومه على ان غير الماء اكثر عددا ويدل على انه اضعف حكما بالنظر إلى الازالة مما له قوام وثخن، ويؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ذكر المني فشدده وجعله اشد من البول " وهو ظاهر في ثبوت الاولوية في المني (لا يقال): ان مقتضى ما ذكرتم هو كون البول اضعف نجاسة من الدم إذ البول ماء كما ذكرتم والدم له ثخن وقوام، مع ان الامر بالعكس حيث انه قد عفي عن الدم في مواضع كما تقدم والبول لم يعف عن قليله ولا كثيره بل تجب ازالته كيف كان


(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب النجاسات.

[ 365 ]

(لانا نقول) الاحكام الشرعية لا مسرح للعقل فيها بالكلية بل هي تابعة للنصوص الشرعية واثبات القوة والضعف موقوف على الدلالة الشرعية. ولا ريب ان مقتضى الخبرين المذكورين ان البول اضعف حكما بالنسبة إلى الازالة مما له قوام وثخن وان كان بالنسبة إلى العفو اقوى إذ لا منافاة مع اختلاف الحيثية، وحينئذ فيتجه المصير إلى ما ذكره العلامة من التعدد في ما له قوام وثخن. إلا انه يمكن ان يقال ايضا ان ما ذكر في الخبرين المذكورين من الدلالة على اشدية نجاسة ما له ثخن وقوام لا يستلزم التعدد وانما غاية ما يلزم منه المبالغة في غسله وازالته، إذ لا يخفى ان الظاهر من الاخبار الدالة على التطهير من النجاسات ان الغرض من الغسل انما هو ازالة النجاسة من المحل وانه بالازالة منه وقلعها يطهر المحل ولو بدفعة مشتملة على ماء كثير يقلعها، والامر بالتعدد في بعض النجاسات وان حصلت الازالة قبل تمام العدد انما هو تعبد شرعي إذ لا يظهر له وجه سواه وحينئذ فمتى غسل المني دفعة بماء كثير يقلعه ويزيله وجب الحكم بالطهارة ولا يشترط فيه دفعة اخرى بعد زوال النجاسة لعدم الدليل على ذلك، وشدته وقوته زيادة على البول انما هو باعتبار احتياجه إلى مزيد فرك وزيادة ماء على غيره مما لا قوام له والتعدد في البول كما عرفت انما هو تعبد كغيره فلا يستلزم ان يحمل عليه ما لم يرد فيه تعدد لان الغرض الازالة وقد حصلت بما ذكرناه. نعم لو صح الخبر الذي ذكره في الذكرى من ان العلة في التعدد ان الاولى للازالة والثانية للانقاء يعني الطهارة لربما امكن الحكم بما ذكره من التعدد ولكن الشأن في ثبوته. وبالجملة فالظاهر ما عليه المشهور من المرة في غير البول في الثوب والبدن. والله العالم. (المسألة الثانية) المعروف من كلام الاصحاب من غير خلاف يعرف وجوب العصر في الثوب ونحوه مما يرسب فيه الماء فلو غسله ولم يعصره حتى جف بالهواء أو الشمس فهو باق على نجاسته كما صرح به جملة منهم. إلا انهم اختلفوا هنا في موضعين: (الاول) في مدرك وجوب العصر حيث لم

[ 366 ]

يقفوا على دليل يدل عليه من الاخبار كما ذكره بعض الاصحاب. فبين من علل ذلك بانه لا يتيقن خروج النجاسة إلا به وبين من علله بانه مأخوذ في حقيقة الغسل وبين من علله بان الغسالة نجسة فيجب اخراجها. واحتج المحقق في المعتبر بان النجاسة ترسخ في الثوب فلا تزول إلا بالعصر، وبان الغسل انما يتحقق في الثوب ونحوه بالعصر وبدونه يكون صبا لا غسلا. واستدل عليه في التذكرة والنهاية يكون الغسالة نجسة فلا تحصل الطهارة مع بقائها. وجمع في المنتهى بين ما ذكره المحقق وما ذكره هو في الكتابين المذكورين. وعلله الشهيد في الذكرى بوجوب اخراج النجاسة وتبعه جمع من المتأخرين، وربما اضاف إليه بعضهم الوجه المذكور في التذكرة والنهاية. وكيف كان فلا يخفى ما في بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العليلة من المجازفة سيما مع ما هي عليه من تطرق الايراد وعدم الاطراد: (اما الاول) فانه اخص من المدعى لاختصاصه بصورة العلم بتوقف خروج النجاسة عليه والمدعى اعم من ذلك. و (اما الثاني) فلتطرق المنع إليه لغة وعرفا إذ الظاهر ان الغسل لغة وعرفا انما هو عبارة عما يحصل به الجريان والتقاطر في ثوب كان أو بدن أو غيرهما، ويقابله الصب الذي هو عبارة عن وصول الماء خاصة من غير جريان ولا انفصال ويسمى بالرش ايضا كما وقع التعبير بهما معا في ملاقاة الكلب بيبوسة، ومقتضى هذا الوجه وجوب العصر سواء قلنا بنجاسة الغسالة أو طهارتها وان القدر المعتبر منه ما يصدق معه مسمى الغسل في العرف حتى لو بقيت فيه اجزاء يمكن اخراجها بغير مشقة لم تضر إذا كان مفهوم الغسل قد تحقق بدون خروجها. و (اما الثالث) فلتطرق المنع إلى نجاسة الغسالة، ومع تسليم ذلك فنمنع انحصار طريق الازالة في العصر فانه يحصل بالجفاف ايضا، على ان العصر لا يشترط فيه اخراج جميع الرطوبة التي في الثوب، وقد اعترف الاصحاب بطهارة المتخلف بعد العصر وان امكن اخراجه بعصر اشد من الاول. والتحقيق عندي في المقام وان لم يهتد إليه اولئك الاعلام ان اكثر الاخبار

[ 367 ]

المتقدمة وان خلا من ذكر العصر إلا ان كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) قد اشتمل عليه وبه يخص اطلاق تلك الاخبار، وبه يظهر ان العلة انما هو النص دون ما ذكروه من هذه التخريجات، والظاهر ان من ذكر العصر من المتقدمين ولا سيما الصدوقين الذين عبارتهما عين عبارة الكتاب في هذا المقام كما بيناه في شرحنا على كتاب الفقيه انما اعتمدوا على هذا الكتاب والمتأخرون قد اخذوا الحكم بذلك من كلام المتقدمين ولما خفي عليهم الدليل رجعوا إلى هذه التعليلات العليلة فكل منهم علله بما ادى إليه نظره في المقام وبذلك يزول الاشكال في هذا المجال، وقد تقدم نظير ذلك في غير مقام ويأتي مثله وامثاله من الاحكام الجارية على هذا المنوال. (الموضع الثاني) انهم اختلفوا في تعدد العصر وعدمه فاوجب المحقق في المعتبر العصر مرتين فيما يجب غسله كذلك، واكتفى بعضهم بعصر بين الغسلتين وبه صرح الشهيد في اللمعة، وصرح الصدوق في الفقيه وكذا ابوه في الرسالة على ما نقله في المعالم بالعصر بعد المرتين وهو المذكور في الفقه الرضوي كما عرفت من عبارته المتقدمة والصدوقان انما اخذاه منها كما اشرنا إليه من ان عبارتيهما هنا عين عبارة كتاب الفقه بتغيير يسير، ومتأخرو المتأخرين بناء على خفاء النص عليهم في المسألة قد اطالوا في تفريع هذا الخلاف على الخلاف المتقدم في الموضع الاول وتطبيقه عليه، قال في المدارك بعد نقل هذه الاقوال الثلاثة: ويمكن بناء الاقوال الثلاثة على الوجه المقتضي لاعتبار العصر فان قلنا انه دخوله في مسمى الغسل وعدم تحققه بدونه كما ذكره المصنف في المعتبر وجب تعدده بتعدد الغسل قطعا، وان قلنا انه زوال اجزاء النجاسة الراسخة في الثوب به اتجه اعتباره في الغسل الاول خاصة إذا حصلت به الازالة، وان قلنا انه نجاسة الماء بملاقاة الثوب كما ذكره في المنتهى اتجه الاكتفاء بعصر بعد الغسلتين لحصول الغرض منه وانتفاء الفائدة في فعله قبل الغسلة الثانية لبقاء النجاسة مع العصر وبدونه. ولا ريب


(1) ص 6.

[ 368 ]

ان ما ذهب إليه المصنف من التعدد احوط وان كان الاكتفاء بالعصر الواحد بعد الغسلتين اقوى. انتهى. وما اختاره اخيرا من قوة الاكتفاء بالعصر الواحد بعد الغسلتين جيد لا لما ذكره بل لما ذكرناه من النص، وما ذكره ايضا من الاحوطية لا بأس به وان كان للنظر فيه مجال. فوائد: (الاولى) قال في التذكرة: لو جف الثوب من غير عصر ففي الطهارة اشكال ينشأ من زوال النجاسة بالجفاف والعدم لانا نظن انفصال اجزاء النجاسة في صحبة الماء بالعصر لا بالجفاف. وقال الشهيد في البيان: لو اخل بالعصر في موضعه فالاقرب عدم الطهارة لانا نتخيل خروج اجزاء النجاسة به. وفي الذكرى الاولى الشرطية يعني في العصر لظن انفصال النجاسة مع الماء بخلاف الجفاف المجرد. وقال في المعالم بعد نقل ذلك عنهم: وانت إذا احطت خبرا بما قلناه في المسألة يتضح لك الحال في هذا الفرع لان العصر ان اخذ قيدا في ماهية الغسل أو توقف عليه خروج النجاسة لم يغن عنه الجفاف وان اعتبر لاخراج الغسالة فلا ريب في كون الجفاف مخرجا لها وما ذكراه من الظن والتخيل ليس بشئ كيف وهذا الظن في اكثر الصور لا يأتي والنخيل في الاحكام الشرعية لا يجدي. انتهى. اقول: لا يخفى ان الظاهر ان هذا الاشكال الذي ذكره في التذكرة ونحوه ما ذكره في البيان والذكرى انما نشأ من التردد في الدليل على وجوب العصر وتردده بين الوجوه المتقدمة، وايراده في المعالم عليهم انما يتم مع اختيار دليل بخصوصه وكلامهم ليس مبنيا عليه فلا وجه لايراد ما اورده. وكيف كان فقد ظهر لك مما اوضحناه سابقا سقوط هذا البحث من اصله فلا وجه للتفريع عليه لان النص قد دل على وجوب العصر فلا تحصل الطهارة إلا به. (الثانية) قال في المدارك في شرح قول المصنف: ويعصر الثوب من النجاسات كلها: " اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في اعتبار العصر مرتين بين القليل

[ 369 ]

والكثير وربما كان الوجه فيه ما ادعاه المصنف (قدس سره) من عدم تحقق الغسل بدونه وهو ضعيف جدا. وجزم العلامة في التذكرة والنهاية ومن تأخر عنه باختصاص الحكم بالقليل وسقوطه في الكثير ووجهه معلوم مما قررناه " انتهى. اقول: لا ريب ان الحكم بالعصر مرتين في الكثير يترتب على امرين: (احدهما) وجوب تعدد الغسل في الكثير ليكون العصر بعد كل غسلة و (ثانيهما) كون العلة في العصر هو انه مأخوذ في معنى الغسل، وكل من الاصلين المذكورين لهذا الفرع قد صرح بهما المحقق المذكور، وحينئذ فالحكم بالضعف في هذا الحكم يرجع إلى ضعف ما بنى عليه من الحكمين المذكورين. وكيف كان فالحق ما ذكره من اختصاص العصر بالقليل لا لما اشار إليه بقوله: " ووجهه معلوم مما قررناه " بل لما دل عليه كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) من انه ان غسل في ماء جار كفت المرة من غير عصر وان غسل في ماء راكد فمرتان بعدهما عصر واحد. وقد اشرنا سابقا إلى ان مراده (عليه السلام) بالراكد ما كان اقل من الكر. (الثالثة) اعتبر العلامة في النهاية والتحرير في طهارة الجسد ونحوه من الاجسام الصلبة دلكه، لما فيه من الاستظهار في ازالة النجاسة، ولقوله (عليه السلام) في رواية عمار (2) وقد سأله عن القدح الذي يشرب فيه الخمر: " لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " ولا يخفى ما فيه من تطرق القدح فان الاستظهار مع تسليمه انما يصلح دليلا للاستحباب لا للوجوب، وقياس البول على الخمر في القدح قياس مع الفارق فانه يمكن ان يكون الامر بالدلك في الخبر المذكور لخصوصية النجاسة المذكورة كما اختصت بالثلاث أو لخصوصية المحل أو لهما معا، إذ لا يخفى ان القدح الذي من الخشب مظنة لعلوق بعض اجزاء الخمر به فتحتاج طهارته إلى الزيادة على مجرد الصب وربما كان الخمر اشد لصوقا بمحله من البول كما هو ظاهر، فمن المحتمل قريبا بل هو الظاهر ان


(1) ص 6. (2) رواه في الوسائل في الباب 51 من ابواب النجاسات.

[ 370 ]

الامر بالدلك لعدم العلم بزوال العين بدونه، وبذلك يظهر ضعف الالحاق بالخمر في القدح والقياس عليه، هذا مع ان الرواية المذكورة معارضة بما رواه هذا الراوي ايضا عن الصادق (عليه السلام) من الاكتفاء في غسل الاناء من الخمر بالمرة الخالية من الدلك (1) كما سيأتي ذكر ذلك في محله ان شاء الله تعالى. ويظهر من المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى الميل إلى الاستحباب. وكلام جماعة من الاصحاب خال من التعرض لذلك بالكلية. وكيف كان فلو توقفت الازالة على الدلك وجب قطعا. (الرابعة) قد نص جملة من الاصحاب القائلين بوجوب العصر على ان ما يتعذر فيه العصر يكتفي فيه بالدق والتغميز، وفي بعض عبارات العلامة التقليب والدق قال في المنتهى: ولو كان المتنجس بساطا أو فراشا يعسر عصره غسل ما ظهر في وجهه، وان سرت النجاسة في اجزائه غسل الجميع واكتفى بالتقليب والدق عن العصر للضرورة. وظاهره ان العلة فيما ذكره من التقليب والدق هو ضرورة عدم امكان العصر فجعل ذلك قائما مقامه للضرورة. ووقع في كلام جماعة من المتأخرين تبعا للشهيد في الذكرى تعليل ذلك بالرواية. والذي وقفت عليه مما يتعلق بهذا المقام روايات ثلاث: احداها ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن ابراهيم بن ابي محمود (2) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) الطنفسة والفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما وهو


(1) ليس في كتب الحديث خبر لعمار يدل على كفاية المرة في غسل الاناء من الخمر ويمكن ان يكون نظره إلى موثقه الوارد في كيفية غسل الاناء وانه يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه هكذا ثلاث مرات، ولم يتعرض في مقام البيان للدلك، فيكون مراده بالاكتفاء بالمرة الخالية من الدلك الاكتفاء بالغسلة الخالية من الدلك في كل من الغسلات الثلاث وقد رواه في الوسائل في الباب 53 من النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب النجاسات.

[ 371 ]

ثخين كثير الحشو ؟ قال يغسل ما ظهر منه في وجهه ". والثانية ما رواه في الكافي عن ابراهيم بن عبد الحميد في الصحيح أو الموثق (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الاخر وعن الفرو وما فيه من الحشو ؟ قال اغسل ما اصاب منه ومس الجانب الاخر فان اصبت مس شئ منه فاغسله وإلا فانضحه بالماء ". والثالثة ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن علي بن جعفر ورواه علي بن جعفر ايضا في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الفراش يكون كثير الصوف فيصيبه البول كيف يغسل ؟ قال يغسل الظاهر ثم يصب عليه الماء في المكان الذي اصابه البول حتى يخرج من جانب الفراش الاخر ". وهذه الروايات كما ترى لا تعرض في شئ منها لما ذكروه من الدق والتغميز والتقليب، وغاية ما تدل عليه الاولى هو غسل ما ظهر في وجهه من غير تعرض لما بطن منه، وغاية ما تدل عليه الثانية هو غسل الجانبين مع نفوذ النجاسة، إلا ان الظاهر ان المراد هو غسل الجانبين وما بينهما في الباطن من الحشو كما تدل عليه رواية علي بن جعفر (عليه السلام) وكيف كان فغاية ما تدل عليه الاخبار المذكورة هو غسل الجميع ولا تعرض فيها لذكر الدق ولا غيره مما ذكروه بل ظاهرها هو صب الماء عليه بحيث ينفذ منه ويجري مع تعدي النجاسة إلى الطرف الاخر والعلم بوصولها إلى الباطن، وإلا فانه يكتفي بمجرد الرش على الطرف الاخر إذا لم يصب فيه النجاسة التي وقعت في ذلك الطرف. ولا يخفى ما في هذه الاخبار من الدلالة على السعة في تطهير النجاسات وظهورها في طهارة الغسالة، وبذلك يظهر ان نسبة الشهيد (قدس سره) ومن تبعه المستند في هذا الحكم إلى الرواية ليس في محله، ولعل السبب في نسبة الشهيد ذلك إلى الرواية هو ما ذكره في المنتهى حيث انه بعد ذكر خبر ابراهيم بن ابي محمود اولا قال انه محمول على


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 5 من النجاسات.

[ 372 ]

ما إذا لم تسر النجاسة في اجزائه واما مع سريانها فيغسل جميعه ويكتفى بالتقليب والدق عن العصر. وجعل الخبر الثاني شاهدا على هذا التفصيل، هذا حاصل كلامه في المقام، فكأن الشهيد من هذا الكلام اخذ الاحتجاج بالرواية وإلا فليس في المسألة رواية غير ما ذكرناه. والله العالم. (المسألة الثالثة) اعلم ان ههنا اشياء لا تنفصل عنها الغسالة بنفسها ولا بالعصر ولا الدق ولا الغمز الذي اوجبوه وقد وقع الخلاف والاشكال في تطهيرها، وذلك مثل الصابون والفواكه والخبز والحبوب وما جرى هذا المجرى ومثل الصابون ايضا إذا انتقع في الماء النجس والسمسم والحنطة إذا انتقعا ايضا فيه ومثل المائع من الدهن المتنجس ونحوه ومثل التراب، وظاهر كلام جملة من الاصحاب اختصاص الطهارة على القول بها بالكثير فلا تقع بالقليل من حيث عدم خروج ماء الغسالة عن المحل وانفصاله عنه فلا تحصل الطهارة إلا بالكثير ونحوه. والكلام في هذه المسألة يقع في مقامات: (الاول) في الصابون والفواكه وما الحق بهما، نقل في المدارك عن جمع من الاصحاب ان ما لا تنفصل عنه الغسالة كالصابون والورق والفواكه والخبز والحبوب وما جرى هذا المجرى لا يطهر بالغسل في القليل بل تتوقف طهارته على غسله في الكثير، ثم قال: وهو مشكل (اما اولا) فللحرج والضرر اللازم من ذلك. و (اما ثانيا) فلان ما يتخلف في هذه المذكورات من الماء ربما كان اقل من المتخلف في الحشايا بعد الدق والتغميز وقد حكموا بطهارتها بذلك. و (اما ثالثا) فلعدم تأثير مثل ذلك في المنع مع اطلاق الامر بالغسل المتحقق بالقليل والكثير. انتهى. وهو جيد، ويؤيده ما قدمنا من الروايات الدالة على حكم الفرش والحشايا فانها باطلاقها انما دلت على الغسل الذي هو كما حققناه سابقا عبارة عن كثرة الماء بحيث يجري وينفصل عن محل النجاسة. واما ما اورده في الذخيرة على الوجه الثالث حيث قال بعد نقل كلامه:

[ 373 ]

وفي الاخير نظر لانه ليس في الادلة فيما اعلم ما دل على الامر بالغسل في كل مادة بحيث يشمل مورد النزاع لاختصاصها بالبدن والثوب وبعض الموارد الخاصة فتعدية الحكم إلى غيرها يحتاج إلى دليل. انتهى ففيه ان اللازم مما ذكره احد امرين وهو اما بقاء تلك الاشياء على النجاسة وعدم قول التطهير أو طهارتها من غير ماء، وبطلان الامرين اظهر من ان يخفى على ذي روية. والتحقيق ان الطهارة بالغسل لا خصوصية لها بهذه الجزئيات التي وردت بها النصوص حتى يحتاج فيها إلى طلب الدليل ويقال انه لابد في طهارة كل جزئي من الاشياء المتنجسة من نص عليه بخصوصه فانه مجرد سفسطة ظاهرة بل التحقيق ان تلك الجزئيات الواردة في النصوص انما خرجت مخرج التمثيل لا على جهة الاختصاص وحينئذ فيصير الحكم كليا، وهذا البحث لا يختص بهذا الموضع بل هو جار في جميع الاحكام الشرعية من طهارة ونجاسة وصحة العبادة وبطلانها بالمبطلات ونحو ذلك ولا قائل به البتة. ولا يخفى على المتأمل في الاحكام والمتدبر في القواعد المقررة بين علمائنا الاعلام ان الاحكام الشرعية لم ترد عنهم (عليهم السلام) بقواعد كلية إلا نادرا وانما صارت قواعد كلية بينهم بتتبع الجزئيات الواردة عنهم كالقواعد النحوية المبنية على تتبع كلام العرب كما لا يخفى. (المقام الثاني) في ما انتقع في الماء النجس، قال العلامة في المنتهى: الصابون إذا انتقع في الماء النجس والسمسم والحنطة إذا انتقعا كان حكمها حكم العجين، ثم نقل عن بعض العامة انه قال: الحنطة والسمسم إذا تنجسا بالماء واللحم إذا كان مرقه نجسا يطهر بان يغسل ثلاثا ويترك حتى يجف في كل مرة فيكون ذلك كالعصر، ثم قال وهو الاقوى عندي لانه قد ثبت ذلك في اللحم مع سريان اجزاء الماء النجسة فيه فكذا ما ذكرناه. انتهى. والظاهر من قوله: كان حكمها حكم العجين يعني في عدم قبول التطهير بالماء فان ذلك مذهبه في العجين كما هو المشهور. بقي الكلام في تقويته لما نقله عن بعض العامة من الغسل ثلاثا والتجفيف بعد كل

[ 374 ]

غسلة لقيامه مقام العصر، فانه محل اشكال حيث انه لم يعهد ذلك من مذهبه في كل من الموضعين، وتأول كلامه بعض محققي متأخرى المتأخرين بانه ليس مراده إلا اثبات القبول للتطهير واما اعتبار التعدد والجفاف فغير منظور إليه. وايده بتعليل الحكم بحال اللحم مع ان الحكم فيه كما ذكره هو وغيره انما هو طهارته بالغسل إذا وقع في مرقه وما يقتضي تنجيسه فلو اراد تقوية ما زاد على الغسل لم يكن التعليل وافيا باثبات المدعى، وايده ايضا بانه اقتصر في النهاية على الحكم بقبولها التطهير فقال بعد ان حكم بعدم طهارة الصابون والعجين بالغسل: اما السمسم والحنطة إذا انتقعا في النجس فالاقوى قبولهما للطهارة وكذا اللحم إذا تنجست مرقته. اقول: ما ذكره (قدس سره) من التأويل وان كان لا يخلو من قوة إلا انه لا يخفى على من له انس باختلاف اقوال العلامة في المسألة الواحدة في كتبه بل في كتاب واحد انه لا يبعد حمل كلامه هنا على ظاهره. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي دل على حكم اللحم المذكور هنا روايتان احداهما رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة ؟ قال يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " والاخرى رواية زكريا بن آدم (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير ومرق كثير ؟ قال يهراق المرق أو يطعمه اهل الذمة أو الكلاب واللحم اغسله وكله " وظاهر الاصحاب من غير خلاف يعرف القول بمضمونهما وعندي في ذلك على اطلاقه اشكال وذلك فانه ان كانت النجاسة قد رفعت بعد وقوعها بحيث لم تسر النجاسة إلا إلى المرق وظاهر اللحم فلا اشكال وان كانت قد بقيت في القدر مدة بحيث على بها القدر وسرت نجاسة المرق إلى باطن اللحم كما هو ظاهر عبارة العلامة المتقدمة فكيف يطهر بمجرد غسل ظاهره والنجاسة قد سرت إلى


(1) المروية في الوسائل في الباب 5 من الماء المضاف و 44 من الاطعمة المحرمة (2) المروية في الوسائل في الباب 38 من النجاسات و 26 من الاشربة المحرمة

[ 375 ]

باطنه كما هو المفروض ؟ نعم لو علم وصول الماء المطهر إلى الباطن وكان في ماء كثير فالقول بالطهارة متجه، ولا فرق حينئذ بين اللحم ولا غيره مما انتقع في ماء نجس وسرت النجاسة إلى باطنه. والى ما ذكرنا يشير كلام الشهيد في الذكرى حيث قال: والظاهر طهارة الحنطة واللحم وشبهه مما طبخ بالماء النجس بالكثير إذا علم التخلل. وبذلك يظهر لك ما في كلام العلامة الاخير الدال على التطهير مطلقا. واما العجين الذي عجن بالماء النجس فظاهر كلامه الاول عدم قبوله التطهير ومثله كلامه في النهاية، وذلك لانه قد عجن بالماء النجس وقد سرت النجاسة إلى جميع اجزائه فطهره لا يكون إلا باستيلاء الماء الطاهر عليه ووصوله إلى كل جزء والظاهر انه لا يحصل ذلك الا بذهاب عين العجين، الا انه في التذكرة قد صرح بقبوله التطهير فقال: العجين النجس إذا مزج بالماء الكثير حتى صار رقيقا وتخلل الماء جميع اجزائه طهر. وظاهر الذكرى اختيار ذلك واستحسنه ايضا في المعالم، وهو جيد ان علم استيعاب المطهر لجميع الاجزاء إلا ان في العلم بذلك اشكالا ومجرد صيرورته رقيقا لا يدل على ذلك وكيف كان فطهره بصيرورته رقيقا كما ذكروه لا يتم إلا في الجاري أو الكثير كما لا يخفى. وقال في الذكرى: وفي صحاح ابن ابي عمير المرسلة عن الصادق (عليه السلام) " طهره بالخبز والبيع والدفن " (1) وهي مشعرة بسد باب طهارته بالماء إلا ان يقيد بالمعهود من القليل. واعترضه في المعالم فقال: ولا ارى لهذا الكلام وجها فان ما دل من الاخبار على طهره بالنار خال من الاشعار قطعا، وما دل على بيعه أو دفنه فالسر فيه توقف تطهيره بالماء على الممازجة والنفوذ في اجزائه بحيث يستوعب كل ما اصابه الماء النجس، إذ المفروض في الاخبار عجنه بماء نجس وفي ذلك من المشقة والعسر ما لا يخفى


(1) اما ما تضمن الطهر بالخبز فقد رواه في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق برقم 18 واما روايتا البيع والدفن فهما مرسلتاه المرويتان في الوسائل في الباب 11 من الاسآر.

[ 376 ]

فلذا وقع العدول عنه إلى الوجهين المذكورين. انتهى. اقول: لا يخفى ان مراد شيخنا الشهيد (قدس سره) بما ذكره انما هو انه لما كان العجين المذكور من المأكولات المتعارفة وحيث عجن بالماء النجس لم يرد عنهم (عليهم السلام) ما يدل على قبوله التطهير بالماء وانما ورد ما يدل على قبوله التطهير بالخبز وورد ما يشعر بعدم قبوله التطهير مطلقا من بيعه على مستحل الميتة أو دفنه، ولا ريب في اشعار الجميع بعدم قبوله التطهير بالماء كما ذكره شيخنا المشار إليه، ولو كان ثمة صورة يمكن فيها تطهيره بالماء من ترقيقه كما ذكروه لم يكن للاضراب عنها مع الحاجة إليه إلى هذه الصورة المذكورة في الاخبار وجه وهو كلام جيد كما لا يخفى. والتحقيق ان الخبر الوارد بالخبز لا دلالة فيه على النجاسة كما لا يخفى فايراده ليس في محله والخبران الباقيان ظاهران في الاشعار بما ذكرناه، واما ما ذكره من السر في العدول إلى بيعه ودفنه وهو المشقة في تطهيره فهو ممنوع واي مشقة تلزم من ذلك حتى توجب رفع اليد عنه بالكلية ؟ فان وضعه في الكثير جاريا أو راكدا على وجه يصير رقيقا كما يدعونه امر سهل لا مشقة فيه توجب رفع اليد عنه وإلا لاستلزم حصول المشقة ورفع اليد عن كل ما توقف تطهيره على الكثير ولا اراه يقول به. وبالجملة فكلام شيخنا المذكور عندي جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه ومن تأمل فيما ذكرناه من التوجيه. (المقام الثالث) في المائع من مثل الدهن ونحوه فقال جماعة ان غير الماء من المائعات مطلقا لا يقبل التطهير مادام باقيا على حقيقته، وظاهر كلام العلامة في التذكرة قبولها الطهارة حيث قال: انما يطهر بالغسل ما يمكن نزع الماء المغسول به عنه دون ما لا يمكن كالمائعات والكاغد والطين وان امكن ايصال الماء إلى اجزائها بالضرب ما لم تطرح في كر فما زاد أو في جار بحيث يسري إلى جميع اجزائها قبل اخراجها منه، فلو طرح الدهن في ماء كثير وحركه حتى تخلل جميع الماء اجزاء الدهن باسرها طهر. وقال في المنتهى: الدهن النجس لا يطهر بالغسل نعم لو صب في كر ماء ومازجت

[ 377 ]

اجزاء الماء اجزاءه واستظهر على ذلك بالتصويل بحيث يعلم وصول الماء إلى جميع اجزائه طهر قال في المدارك بعد نقل ذلك: قلت لا ريب في الطهارة بعد العلم بوصول الماء إلى كل جزء من اجزاء المائع إلا ان ذلك لا يكاد يتحقق في الدهن لشدة اتصال اجزائه ولا في غيره من المائعات إلا مع خروجه عن تلك الحقيقة وصيرورته ماء مطلقا. انتهى. وهو جيد. وقال الشهيد في الذكرى: ولا تطهر المائعات والقرطاس والطين ولو ضربت بالماء إلا في الكثير، وفي طهارة الدهن في الكثير وجه اختاره الفاضل في تذكرته. انتهى وظاهره الموافقة للتذكرة فيما ذكره من المائعات غير الدهن والكاغد والطين وتوقفه في الدهن، ولا وجه لاقتصاره في نسبة الحكم بذلك إلى التذكرة خاصة بل هو اختياره ايضا في المنتهى كما عرفت وكذا في النهاية حيث قال: لو صب الدهن النجس في كر فما زاد ومازجت اجزاؤه اجزاء الماء بالتصويل فالاقرب الطهارة. وربما توهم بعض الاصحاب من اقتصاره في النهاية والمنتهى على ذكر الدهن وعدم التعرض فيهما لغيره مغايرة ذلك لما ذكره في التذكرة من العموم، وليس بشئ لانه لا يخفى انه متى ثبت ذلك في الدهن ثبت في غيره بطريق اولى فان شهادة الوجدان ظاهرة في ان الدهن ابعد المائعات عن قبول الطهارة من حيث الدهنية والزوجة وشدة اتصال اجزائه بعضها ببعض المانع جميع ذلك من نفوذ الماء في اجزائه، فالقول بامكان الطهارة فيه يقتضي القول بذلك في سائر المائعات. إلا ان الحق هو ما ذكره في المدارك من الفرق بين الدهن وغيره بعدم قبول الدهن للتطهير بالكلية وقبول ما عداه من المائعات لكن على وجه لا يبقى لها اثر، وتسمية ذلك تطهيرا ليس في محله. ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به في المعالم حيث قال ما ملخصه: ان غير الدهن من المائعات إذا خالطها الماء على الوجه المشترط في الممازجة تخرج عن الصلاحية للانتفاع بها

[ 378 ]

في الغالب بخلاف الدهن فان مخالطة الماء له غير مستقرة إذ يسرع انفصاله منه فتبقى الصلاحية للانتفاع بحالها وهو ظاهر، ثم قال وقد ناقشه يعني العلامة جماعة بان العلم بوصول الماء إلى جميع اجزاء الدهن غير ممكن بل قد يعلم خلافه لان الدهن يبقى في الماء مودعا فيه غير مختلط به وانما يصيب سطحه الظاهر. وهذا الكلام جيد بل التحقيق ان العيان شاهد باستحالة مداخلة الماء لجميع اجزاء الدهن وانه مع الاختلاط لا يحصل له إلا ملاقاة سطوح الاجزاء المنقطعة بالضرب ولا سبيل إلى نفوذ الماء في بواطنها، ولهذه العلة يبقى على الصلاحية للانتفاع إذ اختلاطه بالماء انما حصل على جهة التفرق في خلاله فإذا ترك ضربه سارع إلى الانفصال واستقر لخفته على وجه الماء وهذا من الامور الواضحة التي لا تحتاج إلى كثير تأمل. واما غير الدهن من سائر المائعات فانما يعقل حصول الطهارة لها مع اصابة الماء لجميع اجزائها انما يتحقق بشيوعها في الماء واستهلاكها فيه بحيث لا يبقى شئ من اجزائها ممتازا إذ مع الامتياز يعلم عدم نفوذ الماء في ذلك الجزء الممتاز، وإذا حصل الاستهلاك على الوجه المذكور يخرج المائع عن الحقيقة التي كان عليها كما تخرج عين النجاسة بشيوعها في الماء الكثير عن حكمها ومثل هذا لا يسمى تطهيرا في الاصطلاح. انتهى. وهو جيد متين، والمراد بقوله في الدهن انه يبقى على الصلاحية للانتفاع يعني في الجملة لا ان المراد الانتفاع فيما يشترط فيه الطهارة فانه قد صرح بعدم قبوله التطهير وعدم قبوله انما هو لما ذكره من بقاء تلك الاجزاء التي يحصل بها الانتفاع وعدم دخول الماء فيها كما لا يخفى. والله العالم. (المقام الرابع) الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في ان الارض متى تنجست بالبول ونحوه فانه يحصل تطهيرها بالقاء الكثير عليها أو الجاري أو المطر أو الشمس إذا جففت النجاسة على المشهور، واما بالماء القليل فعلى تقدير القول بطهارة الغسالة فلا اشكال ايضا وانما محل الكلام والاشكال على تقدير القول بالنجاسة. والشيخ مع قوله بنجاسة الغسالة قد صرح في الخلاف بالطهاة فقال فيه: إذا

[ 379 ]

بال على موضع من الارض فتطهيره ان يصب الماء عليه حتى يكاثره ويغمزه ويقهره ويزيل لونه وطعمه وريحه، فإذا زال حكمنا بطهارة المحل وطهارة الماء الوارد عليه ولا يحتاج إلى نقل التراب ولا قلع المكان وبه قال الشافعي (1) وقال أبو حنيفة ان كانت الارض رخوة فصب عليها الماء فنزل الماء عن وجهها إلى باطنها طهرت الجلدة العليا دون السفلى التي وصل الماء والبول إليها وان كانت الارض صلبة فصب الماء على المكان فجرى عليه إلى مكان آخر طهر مكان البول لكن نجس المكان الذي انتهى الماء إليه فلا يطهر حتى يحفر التراب ويلقى عن المكان (2) ثم ان الشيخ احتج لما صار إليه بان في التكليف بما زاد على ذلك حرجا منفيا بقوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) وبالرواية العامية المشهورة المتضمنة امر النبي (صلى الله عليه وآله) باهراق الذنوب من الماء على بول الاعرابي لما بال في المسجد وقوله لهم بعد ذلك " علموا ويسروا ولا تعسروا " (4) وابن ادريس قد وافق الشيخ في هذا المقام على جميع هذه الاحكام، وهو جيد على اصله من اختياره طهارة الغسالة. والمحقق في المعتبر بعد ان اورد كلام الشيخ المذكور قال: وما ذكره الشيخ مشكل لان الرواية المذكورة عندنا ضعيفة الطريق ومنافية للاصل لانا قد بينا ان الماء المنفصل عن محل النجاسة نجس تغير أو لم يتغير لانه ماء قليل لاقى نجاسة، ثم عارض الرواية برواية عامية مثلها إلى ان قال: الوجه ان طهارتها بجريان الماء عليها أو المطر حتى يستهلك النجاسة أو يزال التراب النجس على اليقين أو تطلع عليها الشمس حتى تجف بها أو تغسل بما يغمرها ثم يجري إلى موضع آخر فيكون ما انتهى إليه نجسا. انتهى. اقول: ينبغي حمل كلامه الاخير اعني قوله: " أو تغسل بما يغمرها ثم يجري.. إلى آخره " على ما إذا كانت الارض صلبة كما تقدم في كلام ابي حنيفة وإلا عاد


(1) كما في الام ج 1 ص 80 وتابعه أبو اسحاق في المهذب ج 1 ص 49. (2) كما في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 89 والبحر الرائق ج 1 ص 226 (3) سورة الحج، الاية 78 (4) راجع التعليقة 1 ص 309 ج 1.

[ 380 ]

الاشكال لانه مع كون الارض رخوة تنفذ الغسالة فيها ولو بعضها، والقول باغتفاره رجوع إلى مذهب الشيخ وهو قد رده إذ لا فرق بين البعض والجميع فاعتذار البعض عنه بذلك لا يجدي في المقام نفعا. وبالجملة فالظاهر هو ما ذكره في المعتبر من رد هذا الخبر والبناء على مقتضى الاصول المقررة في ازالة النجاسات. وقال الشهيد في الذكرى: تطهر الارض بما لا ينفعل من الماء بالملاقاة، وفي الذنوب قول لنفي الحرج ولامر النبي (صلى الله عليه وآله) به في الحديث المقبول. اقول: لا يخفى ما فيه فانهم ما بين ان يردوا الاخبار الصحيحة المستفيضة في الاصول بهذا الاصطلاح المتأخر وان يعتمدوا في حكم مخالف للاصول على هذه الرواية العامية، وليت شعري باي وجه دخلت هذه الرواية في حيز القبول أمن جهة راويها ابي هريرة الذي قد اعترف أبو حنيفة بكذبه ورد رواياته ؟ ونقل بعضهم انهم لا يقبلون رواياته في معالم الحلال والحرام وانما يقبلونها في مثل اخبار الجنة والنار ونحو ذلك (1)


(1) في نوادر الاثار للعلامة المقرم عن شرح النهج لابن ابي الحديد ج 1 ص 360 طبعة مصر " كان أبو جعفر الاسكافي يقول: أبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية ضربه عمر بالدرة، وروى سفيان الثوري عن ابراهيم التيمي انهم لا ياخذون عن ابي هريرة الا ما كان من ذكر الجنة والنار. وكان أبو حنيفة يقول الصحابة عدول الا رجال: منهم أبو هريرة وانس بن مالك " وفي مختلف الحديث للابن قتيبة ص 27 " قال النظام كذب ابا هريرة عمر وعثمان وعلي وعائشة " وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي الحنفي ج 8 ص 23 " قال أبو حنيفة: النصوص والاصول تأبى حديث ابي هريرة في المصراة وابو هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة وقد انكر عليه عمر بن الخطاب اشياء " وفي شرح السير الكبير للسرخسي ج 3 ص 73 طبعة حيدر آباد " استعمل عمر ابا هريرة على البحرين فجاء بمال فقال يا عدو الله سرقت واخذه منه " وفي تاريخ آداب العرب للرافعي ج 1 ص 282 " كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون على ابي هريرة احاديثه ويتهمونه وهو اول راوية اتهم في الاسلام ".

[ 381 ]

ام من حيث اعتضادها بالاصول الشرعية والقواعد المرعية ؟ ما هذه إلا مجازفة محضة، ولا اعرف لهذه المقبولية وجها إلا مجرد قول الشيخ بها في هذا الكتاب. وفيه ما لا يخفى على ذوي الافهام والالباب. وبالجملة فان الطهارة والنجاسة احكام شرعية يتوقف ثبوتها على الدليل الشرعي الواضح وثبوت النجاسة في موضع البحث مما لا خلاف فيه فالحكم برفعها وزوالها يتوقف على الدليل الشرعي الواضح وامثال هذه التخريجات لا تصلح لاثبات الاحكام الشرعية. واما ما ذكره في المعالم حيث قال: وقد روى عبد الله بن سنان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس ؟ فقال رش وصل " وروى أبو بصير (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في بيوت المجوس فقال رش وصل " وفي هذين الخبرين نوع اشعار بالاكتفاء في زوال النجاسة عن الارض بصب الماء عليها وإلا لم يكن للرش في المواضع المذكورة فائدة كما لا يخفى اقول: فيه انه من الجائز بل هو الظاهر ان الامر بالرش في هذا المقام وكذا في امثاله من ملاقاة الكلب بيبوسة ونحوه من المواضع الاتية انما هو تعبد شرعي وجوبا أو استحبابا، ويمكن حمل ذلك على طهارة الغسالة كما هو احد الاقوال في المسألة وقد تقدم في محله، إذ من الظاهر انه على تقدير القول بنجاسة الغسالة انما يحصل بالرش زيادة النجاسة وتضاعفها، وقد ورد الامر بالرش في مشكوك النجاسة من الثوب والبدن ايضا كما سيأتي ان شاء الله تعالى في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وحسنة الحلبي (3) ولو لم يحمل النضح على احد الامرين الذين ذكرناهما للزم


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من مكان المصلى (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من مكان المصلى (3) في المسألة الخامسة في الثوب والبدن الذي شك في نجاسته.

[ 382 ]

البتة ما ذكرناه من زيادة النجاسة وتضاعفها لا زوالها بالنضح. ولا يبعد ايضا ان الوجه في الامر بالنضح في هذه المواضع انما هو زوال النفرة ولا تعلق له بنجاسة ولا طهارة كما ورد في جملة من المواضع الظاهرة في ذلك ايضا كما سيأتي ان شاء الله تعالى. ثم قال في المعالم ايضا على اثر الكلام المتقدم: وكذا صحيح هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) " في السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب ؟ قال لا بأس به ما اصابه من الماء اكثر منه " ووجه الاشعار فيه تعليل نفي البأس بكون الماء الذي اصاب المحل اكثر من البول فانه ليس بالبعيد كون اداة التعريف في الماء للعهد الذهني لا الخارجي فتأمل. انتهى. اقول: لا يخفى ان صحة التطهير بالماء القليل بناء على المشهور من نجاسة الغسالة مشروطة بأمرين (احدهما) غلبة المطهر وكونه قاهرا للنجاسة وهذا مما لا خلاف فيه ولا اشكال واليه يشير جملة من الاخبار: منها هذا الخبر وخبر الاستنجاء المتقدم في باب الاستنجاء نقله من العلل (2) حيث قال فيه: " ان الماء اكثر من القذر " و (ثانيهما) انفصال الغسالة عن المحل بعصر ونحوه كما هو المشهور أو بغير ذلك، والجريان في المطر على السطح كما اشتمل عليه الخبر امر معلوم والسؤال لم يتعلق به وانما تعلق بتقاطر المطر على الثوب بعد اصابته السطح النجس، فأجاب (عليه السلام) بان المطر قد طهر السطح لتدافعه وتكاثره بالوقوع عليه لانه في حكم الجاري كما تقدم بيانه في محله فلا بأس حينئذ بما يتقاطر منه فاللام في الماء انما هي للعهد الخارجي وهو ماء المطر لا الذهني بمعنى اي ماء كان. تذنيب قال في المعالم: الثوب المصبوغ بالمتنجس المائع يتوقف طهره قبل الجفاف على


(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من الماء المطلق. (2) ج 1 ص 468 وفي الوسائل في الباب 13 من الماء المستعمل.

[ 383 ]

استهلاك الماء للاجزاء المائعة من الصبغ وكذا القول في ليقة الحبر المتنجس، اما بعد التجفيف فيمكن طهارة الثوب مع بقاء اجزاء الصبغ فيه وذلك إذا علم نفوذ الماء في جميع تلك الاجزاء. واما طهارة الليقة فموضع نظر من حيث ان الاجتماع الحاصل في اجزائها موجب لعدم نفوذ الماء إلى الاجزاء الداخلة إلا بعد المرور على الخارجة والحال يشهد غالبا بان تكرر مرور الماء على اجزاء الحبر يقتضي تغيره وخروجه عن الاطلاق وحصول الطهارة موقوف على نفوذ الماء باقيا على اطلاقه، ولو فرض تفريق اجزائها بحيث علم النفوذ قبل التغير المخرج عن الاطلاق طهرت كالثوب، ولو اتفق في الثوب اجتماع اجزائه على وجه يتوقف النفوذ إلى باطنها على تكرر المرور باجزاء الصبغ فهو في معنى الليقة المجتمعة. انتهى. اقول: ينبغي ان يعلم ان صبغ الثوب انما يقع بنقع الثوب في ماء الصبغ أو غليه به مدة ليدخل الصبغ في اجزاء الثوب. وحينئذ فإذا كان ماء الصبغ نجسا وقد صبغ الثوب فمتى اريد تطهيره قبل جفافه فالظاهر انه لا يمكن ذلك إلا في الماء الكثير على وجه يضمحل ماء الصبغ فيه، ولو اريد تطهيره بالقليل والحال كذلك فانه لا ريب في حصول الاضافة في ما يصل إلى باطن الثوب وخروجه عن الاطلاق بعين ما فرضه في الليقة ونجاسته ايضا بملاقاة ماء الصبغ فلا يفيد الثوب تطهيرا. وبالجملة فالتطهير بالقليل في هذه الصورة لا يخلو من الاشكال، واما بعد الجفاف فانه يذهب الماء النجس من الثوب ولا يبقى إلا نجاسة الثوب خاصة. وحينئذ فإذا اريد تطهيره بالقليل فان كان ما فيه من الصبغ لا ينفصل عنه في الماء على وجه يغيره ويسلبه الاطلاق فلا اشكال في حصول الطهارة به وإلا ففي الطهارة اشكال لعين ما تقدم، فانه باول ملاقاته للثوب يتغير به ولا يداخله إلا متغيرا فلا يحصل التطهير به، وبذلك يظهر ما في قوله (قدس سره): " فيمكن طهارة الثوب مع بقاء اجزاء الصبغ " وبالجملة فان علم التغير في حال الغسل به فلا اشكال في صحة ما ذكره وإلا فالاشكال ظاهر، ولعله يشير إلى ذلك قوله " ويمكن " فان التعبير

[ 384 ]

بهذا اللفظ مشعر بنوع تردد وتوقف كما لا يخفى إذ لا وجه له إلا ما ذكرناه. (المسألة الرابعة) مذهب الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا نعلم فيه مخالفا انه يكفي صب الماء في بول الرضيع من غير غسل ونقل عليه الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة. والمستند فيه بعد الاجماع الاصل السالم من المعارض وما رواه الشيخ في الحسن على المشهور بابراهيم بن هاشم الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح عندي وعند جملة من المحققين عن الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بول الصبي ؟ قال تصب عليه الماء فان كان قد اكل فاغسله غسلا، والغلام والجارية شرع سواء " وايد بعضهم هذه الرواية برواية السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) قال: لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم لان لبنها يخرج من مثانة امها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " وفيه اشكال يعلم مما قدمنا من الكلام في هذه الرواية، وفي الفقه الرضوي (3) " وان كان بول الغلام الرضيع فصب عليه الماء صبا وان كان قد اكل الطعام فاغسله والغلام والجارية سواء ". إلا انه قد روى الشيخان الكليني والطوسي في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصبي يبول على الثوب ؟ قال تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره " وروى الشيخ في الموثق عن سماعة (5) قال: " سألته عن بول الصبي يصيب الثوب ؟ فقال اغسله. قلت فان لم اجد مكانه ؟ قال اغسل الثوب كله " وظاهر الخبرين المذكورين كما ترى المنافاة لما تقدم. وقد اجاب الشيخ في الاستبصار عن الخبر الثاني بحمل الغسل على الصب أو على


(1) و (2) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 3 من النجاسات. (3) ص 6.

[ 385 ]

ان المراد بالصبي من اكل الطعام والثاني منهما لا بأس به في مقام الجمع، واما الاول فيحتاج إلى مزيد تكلف. واما حسنة الحسين بن ابي العلاء فردها في المدارك (اولا) بعدم توثيق الراوي و (ثانيا) بالحمل على الاستحباب: و (ثالثا) بحمل العصر على ما يتوقف عليه اخراج عين النجاسة من الثوب فان ذلك واجب عند من يرى نجاسة هذا البول. اقول: والثالث منها جيد في مقام الجمع فلا بأس به، واما الاولان فقد تقدم الكلام عليهما مرارا، وربما يؤيد الوجه المذكور بقوله في السؤال: " يبول على الثوب " فانه يشعر بذلك، وايضا فان الحمل على الغسل بقرينة العصر يدافعه قوله: " تصب عليه الماء قليلا " فان ظاهره عدم ارادة الغسل فلا بد من التأويل في جانب العصر بالحمل على ما ذكرناه من اخراج عين النجاسة. بقي الكلام هنا في مواضع: (الاول) ان ظاهر كلام الاكثر اختصاص الحكم هنا بالصبي واما بول الصبية فيجب فيه الغسل عندهم كالكبير، ونقل في المعالم عن ظاهر كلام ابن بابويه في رسالته عدم الفرق بين الصبي والصبية حيث فرض الحكم اولا في بول الصبي ثم قال والغلام والجارية فيه سواء. اقول: ونحوه ابنه في الفقيه حيث قال: وان كان بول الغلام الرضيع صب الماء صبا وان كان قد اكل الطعام غسل، والغلام والجارية في هذا سواء وهذا عين عبارة الفقه الرضوي التي قدمنا نقلها ومثلها ما في رسالة ابيه، ومنه يعلم ان مستندهما في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور وان كانت صحيحة الحلبي أو حسنته دالة عليه ايضا. والعجب من الاصحاب مع اعتمادهم في اصل الحكم على الحسنة المذكورة كيف عدلوا عما تضمنته من التسوية بين الغلام والجارية، فقال الشيخ في الاستبصار قوله: " الغلام والجارية شرع سواء " معناه بعد اكل الطعام. ولا يخفى ما فيه وقال المحقق في المعتبر بعد الاشارة إلى دلالة حسنة الحلبي على ما ذكره الشيخ علي بن بابويه: والاشبه

[ 386 ]

اختصاص التخفيف ببول الصبي والرواية محمولة على التسوية في التنجيس لا في حكم الازالة مصيرا إلى ما افتى به اكثر الاصحاب. انتهى. وقال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وهو بعيد جدا. اقول: وفيه مع بعده انه قد خالف الاصحاب في غير موضع من كتابه مع وجود الدليل على كلامهم بزعمه ضعفه والطعن فيه فكيف يوافقهم هنا فيما دل الدليل على خلافه ؟ واما صاحب المعالم فانه بعد ان اورد حسنة الحلبي قال: وهذه الرواية نص في الحكم فليت اسنادها كان صحيحا، ثم قال ولعل انضمام عدم ظهور المخالف إليها يجبر هذا الوهن مضافا إلى ان حسنها بواسطة ابراهيم بن هاشم وبعض الاصحاب يرى الاعتماد على روايته لشهادة القرائن بحسن حاله، إلى ان قال بعد ذكر مذهب علي بن بابويه في المساواة بين الصبي والجارية ما لفظه: ولا يخفى عليك ان عبارته المذكورة موجودة بمعناها واكثر الفاظها في الخبر الذي هو العمدة في مستند الحكم فكان اللازم من التمسك به عدم الفرق ولكن حيث ان التعلق بها مراعى بضميمة ما يظهر من الوفاق على الحكم وهو مفقود في الصبية فلا جرم كان الاقتصار في الحكم على محل الوفاق هو الانسب، ثم نقل كلام المحقق والشيخ المتقدمين. وانت خبير بان كلامه هذا جيد بناء على اصله من رد الاخبار الحسنة بل الصحيحة التي ليست جارية على حسب اصطلاحه الذي هو بالضعف اولى واحرى حيث انه قد زاد على الطنبور نغمة اخرى، واما من يعمل بالاخبار الحسنة كما هو المشهور بين اصحاب هذا الاصطلاح وغيرهم بل يعد حديث ابراهيم بن هاشم من بين افراد الحسن في الصحيح كما صرح به في الذخيرة والمدارك وغيرهما فانه لا يحتاج في العمل بالخبر المذكور إلى جبر باتفاق الاصحاب ولا غيره لانه دليل صحيح شرعي صريح فلا معنى لاحتياجه إلى جابر، وبذلك يظهر صحة التزامنا لكلام الاصحاب في المسألة بما قدمنا ذكره وبالجملة فان الخبر المذكور قد اشتمل على حكمين ولا معارض له فيهما في البين فالقول

[ 387 ]

باحدهما دون الاخر تحكم كما لا يخفى. هذا مع قطع النظر عن اعتضاد الخبر المذكور بكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه. والعجب من صاحب الذخيرة هنا حيث جرى على ما جرى عليه صاحب المعالم مع مباينته له في اصطلاحه وعده حسنة ابراهيم في الصحاح في شرحه المذكور في غير موضع بل اعتماده على سائر الاخبار الضعيفة بالقرائن المؤيدة للصحة كما لا يخفى على من مارس كتابه. (الثاني) ان المفهوم من كلام جملة من متأخري الاصحاب: منهم شيخنا الشهيد الثاني في الروض ان المراد بالرضيع من لم يغتذ بغير اللبن كثيرا بحيث يزيد على اللبن أو يساويه ولم يتجاوز الحولين. وانت خبير بان لفظ الرضيع غير موجود في رواياتهم وانما هو موجود في عبارة كتاب الفقه ولهذا انه في المدارك جعل الحكم معلقا بالمولود الذي لم يأكل لا الرضيع. وكيف كان فظاهر الخبرين هو تعليق الحكم على الاكل وعدمه والظاهر من الاكل كما ذكره في المنتهى هو ما استند إلى شهوته وارادته فان اكل على الوجه المذكور كان الواجب الغسل في بوله وإلا فالصب، واما كونه يزيد على اللبن أو ينقص عنه أو يساويه فلا اشعار في شئ من الخبرين به. وابن ادريس هنا قد علق الحكم ببلوغ الحولين فقال في سرائره: بول الصبي الرضيع وحده من لم يبلغ سنتين نجس إذا اصاب الثوب يكفي ان يصب عليه الماء من غير عصر له وقد طهر وبول الصبية لا بد من عصره مرتين مثل البالغين وان كان للصبية دون الحولين، فإذا تم للصبي حولان وجب عصر الثوب من بوله. ورده جملة من تأخر عنه، وهو كذلك لعدم وجود دليل على ما ذكره إذ الاخبار الواردة في المسألة كما عرفت لا تعرض في شئ منها لذلك وانما الحكم وقع فيها معلقا على الاكل وعدمه. قال المحقق في المعتبر: والمعتبر ان يطعم ما يكون غذاء ولا عبرة بما يلعق دواء أو من الغذاء في الندرة ولا تصغ إلى من يعلق الحكم بالحولين فانه مجازف بل لو استقل

[ 388 ]

بالغذاء قبل الحولين تعلق ببوله وجوب الغسل. انتهى. وقال العلامة في المنتهى بعد تحقيق المسألة: وهذا التخفيف متعلق بمن لم يأكل، وحده ابن ادريس بالحولين وليس شيئا إذ روايتا الحلبي والسكوني دلتا على الاكل والطعم سواء بلغ الحولين أو لم يبلغ ولا اعلم علته في ذلك بل الاقرب تعلق الحكم بطعمه مستندا إلى ارادته وشهوته وإلا لتعلق الغسل بساعة الولادة إذ يستحب تحنيكه بالتمر. انتهى. وهو جيد. وانت خبير بما في كلام المحقق والعلامة هنا من المنافاة لما قدمنا نقله عن الجماعة المشار إليهم حيث ان كلامهما ظاهر في ان الضابط هو صدق الاغتذاء لا على سبيل الندرة وهذا هو الاوفق باخبار المسألة ولم يعتبرا زيادة الاكل على اللبن ومساواته له كما وقع في كلامهم. واما قوله في المعتبر في آخر كلامه: " بل لو استقل بالغذاء.. الخ " فلا ينافي ما في صدر كلامه من ان الغسل يترتب على ان يطعم ما يكون غذاء وان لم يستقل به، لان كلامه الاخير انما وقع مبالغة في توجيه المجازفة التي عزاها إلى ابن ادريس بمعنى ان اطلاق ابن ادريس تعلق الحكم بالحولين يتناول صورة الاستقلال بالغذاء وترك الرضاع رأسا قبل مضيهما مع ان تسميته في تلك الحال رضيعا مجازفة واضحة. وبالجملة فان كلام هذين الفاضلين هو المرتبط بالدليل دون ما ذكره الجماعة. (الثالث) ان لفظ الخبر المذكور قد ورد بالصب وجملة من الاصحاب قد فرقوا بينه وبين الغسل في الثوب ونحوه بأخذ العصر في حقيقة الغسل دون الصب، والذى قدمنا تحقيقه ان الفرق بينهما انما هو باعتبار الانفصال والتقاطر وعدمه، والصب بهذا المعنى مرادف للرش والنضح الوارد في الاخبار في جملة من المواضع كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى، وربما ظهر من العلامة في التذكرة في هذه المسألة مغايرة الرش للصب، ومما يدل على ترادف النضح والصب الاخبار الواردة في ملاقاة الكلب مع

[ 389 ]

اليبوسة، فان اكثر الاخبار قد عبر فيها بالنضح وصحيحة ابي العباس (1) قد تضمنت الصب. قال في المدارك في هذه المسألة: ويعتبر في الصب الاستيعاب لما اصابه البول لا الانفصال على ما قطع به الاصحاب ودل عليه اطلاق النص إلا ان يتوقف عليه زوال عين النجاسة، مع احتمال الاكتفاء به مطلقا لاطلاق النص، وحكى العلامة في التذكرة قولا بالاكتفاء فيه بالرش قال فيجب فيه التعميم ولا يكفي اصابة الرش بعض موارد النجاسة وبه قطع في النهاية إلا انه اعتبر في حقيقة الرش الاستيعاب وجعله اخص من النضح وفرق بينه وبين الغسل باعتبار السيلان والتقاطر في الغسل دون الرش وهو بعيد لنص اهل اللغة على ان للنضح والرش بمعنى وصدقهما لغة وعرفا بدون الاستيعاب. انتهى. اقول: ما يظهر منه من ان الصب لابد فيه من الاستيعاب وان النضح والرش يصدقان عرفا بدون الاستيعاب لا يخفى ما فيه بل الظاهر هو ترادف الثلاثة على معنى واحد من الاستيعاب بدون الانفصال والتقاطر فانه يكون بذلك غسلا، ويدل على ما ذكرناه ما اشرنا إليه من اخبار ملاقاة الكلب باليبوسة وورود الاخبار بالنضح تارة وبالصب اخرى. بقي الكلام في ان المفهوم من كلام اهل اللغة هو ترادف الرش والنضح حيث قال في الصحاح: النضح الرش وقال في القاموس نضح البيت رشه واما الصب لغة فهو بمعنى الاراقة والسكب وهو بعيد من معنى الرش والنضح قال الله تعالى: " انا صببنا الماء صبا " (2) اي سكبناه سكبا اشارة إلى ماء المطر، ويقال دم صبيب اي كثير، وحينئذ فالحكم بالمرادفة له مع الفردين المذكورين لا يخلو من اشكال إلا ان يستعان بالاخبار الواردة في الكلب والتعبير في بعضها بالصب وفي آخر بالنضح، ويؤيدها خبر بول


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاسآر (2) سورة عبس، الاية 25.

[ 390 ]

الصبي المعلوم منه مغايرة الصب للغسل، فيكون الحكم بالمرادفة من حيث الشرع لا من جهة اللغة. واما ما ذكره في النهاية مما يؤذن بالفرق بين النضح والرش حيث قال: مراتب ايراد الماء ثلاثة النضح المجرد ومع الغلبة ومع الجريان، قال ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة قطعا وهل يحتاج إلى الثانية ؟ الاقرب ذلك ثم قال ويفترق الرش والغسل بالسيلان والتقاطر ففيه ما ذكره في المعالم حيث قال ونعم ما قال في جعل الرش مغايرا للنضح ان المستفاد من كلام اهل اللغة ترادفهما والعرف ان لم يوافقهم فليس بمخالف لهم ولا نعلم الفرق الذي استقربه من اين اخذه ؟ مع انه في غير النهاية كثيرا ما يستدل على الرش بما ورد بلفظ النضح وبالعكس، والظاهر من كلامهم وكلامه في غيره ترادف الصب والرش والنضح. انتهى. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك من الفرق بين الصب وبين الفردين الاخرين. ثم لا يخفى ان الظاهر ان المراد بقوله في النهاية النضح المجرد ومع الغلبة انما هو غلبة الماء المنضوح به زيادة على البلل اليسير الذي يحصل به النضح عنده لا باعتبار استيعاب المحل وعدمه كما ذكره في المدارك وفسر به كلامه في النهاية ليتم له الاعتضاد به في ما ذهب إليه من الفرق. (المسألة الخامسة) قد تفرد الصدوق فيما اعلم بعدم وجوب الغسل في ملاقاة كلب الصيد برطوبة واكتفى فيها بالرش ونفاه مع اليبوسة، فقال في الفقيه: ومن اصاب ثوبه كلب جاف ولم يكن بكلب صيد فعليه ان يرشه بالماء وان كان رطبا فعليه ان يغسله وان كان كلب صيد وكان جافا فليس عليه شئ وان كان رطبا فعليه ان يرشه بالماء. ولم اقف له على موافق ولا على دليل بل الاخبار وكلام الاصحاب متفقة على وجوب الغسل بملاقاة الكلب برطوبة والرش مع اليبوسة من غير فرق بين كلب الصيد وغيره وقد تقدمت الاخبار الدالة على ذلك في الفصل الثامن والتاسع في نجاسة

[ 391 ]

الكلب والخنزير وهي حجة عليه فيما صار إليه هنا في كل من الغسل والرش. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ههنا جملة من المواضع قد وردت الاخبار بالامر بالنضح فيها وجملة منها قد وقع الخلاف فيه بكونه على جهة الوجوب أو الاستحباب. (فمنها) مس الكلب جافا فان الاخبار المشار إليها آنفا قد دلت على الامر بالنضح وقد اختلف الاصحاب في كونه على جهة الوجوب أو الاستحباب، والمشهور الثاني، وظاهر الشيخ في المبسوط الحكم بالاستحباب في جميع النجاسات إذا لاقاها بيبوسة حيث قال: كل نجاسة اصابت الثوب وكانت يابسة لا يجب غسلها وانما يستحب نضح الثوب. وفي استفادة هذا العموم من الاخبار نظر كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى ونقل عن ابن حمزة القول بالوجوب هنا استنادا إلى الاوامر الواردة به فانها حقيقة في الوجوب. ورده العلامة في المختلف بان النجاسة لا تتعدى مع اليبوسة اجماعا وإلا لوجب غسل المحل فيتعين حمل الامر على الاستحباب. وفيه (اولا) ان الحمل على الوجوب لا ينحصر بالنجاسة لجواز كونه تعبدا شرعيا. و (ثانيا) ان ما ذكره من ان تعدي النجاسة موجب للغسل ليس كليا ليتم ما ذكره بل هو اكثري وكيف لا وقد اكتفى في بول الرضيع كما تقدم مع الاتفاق على نجاسته بالرش فلا مجال هنا للاستبعاد. هذا. والظاهر من كلام جملة من الاصحاب هنا ايضا هو الوجوب مثل عبارة الصدوق المتقدمة وقوله " فعليه ان يرشه بالماء " في الموضعين منها، وقال الشيخ في النهاية: إذا اصاب ثوب الانسان كلب أو خنزير أو ثعلب أو ارنب أو فأرة أو وزغة وكان يابسا وجب ان يرش الموضع بعينه فان لم يتعين رش الثوب كله. وقال المفيد في المقنعة: وإذا مس ثوب الانسان كلب أو خنزير وكانا يابسين فليرش موضع مسهما منه بالماء وكذا الحكم في الفأرة والوزغة. ونقل عن سلار انه صرح في رسالته بوجوب الرش من مماسة الكلب والخنزير والفأرة والوزغة وجسد الكافر باليبوسة. والقول بالوجوب تعبدا لا يخلو من قوة لاتفاق الاخبار عليه من غير معارض

[ 392 ]

واتفاق كلمة هؤلاء الفضلاء الذين هم اساطين المذهب ويرجحه اعتضاده بالاحتياط، واكثر الاصحاب انما عبروا هنا بالرش والموجود في الاخبار كما اشرنا إليه آنفا التعبير بالنضح في بعض والصب في آخر وكأنه بناء منهم على فهم ترادف الالفاظ الثلاثة، وقد عرفت في آخر المسألة المتقدمة ما في كلام النهاية وصاحب المدارك من المخالفة في ذلك وبينا ما فيه. و (منها) ملاقاة الخنزير جافا والمشهور هنا ايضا بين المتأخرين الاستحباب وقد تقدم نقل القول بالوجوب عن الجماعة المتقدم ذكرهم، ويدل على الحكم هنا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال ان كان دخل في صلاته فليمض وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه إلا ان يكون فيه اثر فيغسله " والرواية المذكورة قد اشتملت على النضح وقد تقدم الكلام في مرادفته للرش وعدمها وان الاظهر المرادفة، واحتمال الوجوب أو الاستحباب هنا في الامر جار على ما تقدم إلا ان الظاهر هنا ان الامر على تقدير الوجوب لا يكون مستندا إلى النجاسة وانما هو تعبد كما ذكرنا آنفا، وذلك لانه قد امره بالمضي في الصلاة إذا كان دخل فيها وهذا لا يجامع النجاسة، ولا ينافي ذلك الامر بالغسل إذا كان فيه اثر لان سياق الرواية انما هو الاصابة بقول مطلق ولم يعلم كونها برطوبة أو عدمها وقد دخل في الصلاة والحال كذلك. فامر (عليه السلام) بالمضي في الصلاة استصحابا لاصالة الطهارة، لان الاصابة بيبوسة غير موجبة للتنجيس والرطوبة غير معلومة فيتم البناء على اصالة الطهارة ويتم الامر بالمضي فيها وان كان ذلك قبل دخوله في الصلاة فلينضحه إلا ان يكون فيه اثر فيغسله، وظاهر الخبر الدلالة على عدم وجوب الفحص بعد دخوله في الصلاة وانه يكفي البناء على اصالة الطهارة عند الشك كما يدل عليه صحيح زرارة الطويل


(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من النجاسات.

[ 393 ]

الوارد في المني (1) وقد تقدم وروى الشيخ في الصحيح عن موسى بن القاسم عن علي ابن محمد (2) وهو مشترك قال: " سألته عن خنزير اصاب ثوبا وهو جاف هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله ؟ قال نعم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه.. " وفي قرب الاسناد (3) عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: " سألته عن خنزير اصاب ثوبا وهو جاف أتصلح الصلاة فيه قبل ان يغسل ؟ قال نعم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه ". و (منها) بول الرضيع وقد تقدم الكلام فيه مستوفى. و (منها) الفأرة ففي صحيح علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أيصلي فيها ؟ قال اغسل ما رأيت من اثرها وما لم تره فانضحه بالماء " ومورد الخبر كما ترى هو نضح ما لا يرى من اثر الفأرة الرطبة في الثوب واما ما يرى منه فحكم فيه بالغسل وجوبا أو استحبابا كما تقدم من الخلاف في الفأرة نجاسة وطهارة، وحينئذ فما وقع في عبارة جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) من اطلاق القول بالنضح في الفأرة الرطبة ليس بجيد، والمشهور بين الاصحاب حمل النضح في الخبر المذكور على الاستحباب وقد تقدم كلام الاصحاب الظاهر في الوجوب، وانت خبير بان الكلام في ذلك يتفرع على الخلاف في طهارة الفأرة ونجاستها فان حكمنا بطهارتها كما هو الاشهر الاظهر تعين الحكم بحمل النضح على الاستحباب وان حكمنا بالنجاسة كما هو احد القولين في المسألة جرى الكلام فيها كما في الكلب والخنزير من احتمال الوجوب تعبدا. و (منها) ثوب المجوسي ففي صحيحة الحلبي (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي ؟ فقال يرش بالماء " وينبغي حملها على عدم


(1) ص 256 (2) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب النجاسات (3) ص 89 (4) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب النجاسات (5) المروية في الوسائل في الباب 73 من ابواب النجاسات.

[ 394 ]

معلومية ملاقاة المجوسي له برطوبة وإلا لكان نجسا يجب غسله، وبذلك يعلم ان اطلاق القول بالنضح في ثوب المجوسي ليس بجيد، ويجب حمل الامر في الخبر بالنضح بناء على ما ذكرنا على الاستحباب لصحيحة معاوية بن عمار عنه (عليه السلام) (1) " في الثياب السابرية يعملها المجوس.. ألبسها ولا اغسلها واصلي فيها ؟ قال نعم.. الحديث " وقد تقدمت في التنبيه الثاني من التنبيهات الملحقة بالمسألة الثانية من المقصد الثاني في الاحكام، ولم اقف على من ذهب إلى الوجوب في هذا المقام. و (منها) الثوب والبدن الذي حصل الشك في نجاسته، ففي صحيحة عبد الرحمان ابن الحجاج (2) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يبول بالليل فيحسب ان البول اصابه فلا يستيقن فهل يجزيه ان يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف ؟ قال يغسل ما استبان انه اصابه وينضح ما يشك فيه من جسده وثيابه ويتنشف قبل ان يتوضأ ". وفي حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه فان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء.. ". وفي حسنة عبد الله بن سنان (4) في ثوب اصابه جنابة أو دم وفيها " وان كان يرى انه اصابه شئ فنظر فلم ير شيئا اجزأه ان ينضحه بالماء ". وفي حسنة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن


(1) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 37 من النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب النجاسات (4) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات (5) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات.

[ 395 ]

ابوال الدواب والبغال والحمير ؟ فقال اغسله فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله فان شككت فانضحه ". ومن هذا الباب رواية ابراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في تطهير الفرش ونحوها من الحشايا (1) حيث قال: " اغسل ما اصاب منه ومس الجانب الاخر فان اصبت مس شي منه فاغسله وإلا فانضحه بالماء " ومورد هذه الاخبار وان كان نجاسات مخصوصة لكن ظاهر الاصحاب العموم قال الشيخ في النهاية: ومتى حصل في الثوب شئ من النجاسات التي يجب ازالتها وجب غسل الموضع، إلى ان قال وان كان حصولها مشكوكا فيه فانه يستحب ان يرش الثوب. وقال المفيد في المقنعة: وإذا ظن الانسان انه قد اصاب ثوبه نجاسة ولم يتيقن ذلك رشه بالماء. وصريح عبارة النهاية الحكم باستحباب الرش وبذلك صرح العلامة في المنتهى والنهاية لكنه عبر عن الحكم بالنضح كما هو مورد الاخبار المتقدمة وقد عرفت الترادف فيهما فلا مشاحة حينئذ في التعبير خلافا لنهاية العلامة كما تقدم ذكره، وظاهر عبارة المفيد المذكورة احتمال كل من الاستحباب والوجوب لاطلاقها، ونقل عن سلار انه اوجب الرش إذا حصل الظن بنجاسة الثوب ولم يستيقن، والمفهوم من الاخبار النضح في الثوب والبدن في مقام الشك أو الظن كما عرفت، وحينئذ فما ذكره من ايجاب الرش مع الظن ان استند فيه إلى ظاهر لفظ الامر ففيه ان مثل ذلك ايضا قد ورد في مقام الشك كما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج المذكورة وحسنة محمد بن مسلم فلا وجه لتخصيصه بصورة الظن وان استند إلى دليل آخر فلم نقف عليه، والظاهر ان الاصحاب انما حكموا هنا بالاستحباب لمعارضة اصالة الطهارة، وفيه ما اشرنا إليه آنفا من احتمال كونه وجوبا وان وجهه التعبد بذلك لا النجاسة. و (منها) وقوع الثوب على الكلب الميت يابسا لما رواه علي بن جعفر عن


(1) المروية في الوسائل في الباب 5 من ابواب النجاسات.

[ 396 ]

اخيه موسى (عليه السلام) (1) في الصحيح قال " " سألته عن رجل وقع ثوبه على كلب ميت ؟ قال ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس ". و (منها) المذي لصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " سألته عن المذي يصيب الثوب ؟ قال ينضحه بالماء ان شاء.. " وهي صريحة في الاستحباب. و (منها) بول البعير والشاة لرواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه ابوال البهائم أيغسله ام لا ؟ قال يغسل بول الفرس والبغل والحمار وينضح بول البعير والشاة.. " ولم اقف في هذا الموضع على مصرح بوجوب النضح. و (منها) عرق الجنب في الثوب لرواية ابي بصير (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص ؟ فقال لا بأس وان احب ان يرشه بالماء فليفعل " ورواية على بن ابي حمزة (5) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن رجل اجنب في ثوبه فيعرق فيه ؟ قال لا ارى به بأسا. قال انه يعرق حتى انه لو شاء ان يعصره عصره ؟ قال فقطب أبو عبد الله (عليه السلام). في وجه الرجل فقال ان ابيتم فشئ من ماء فانضحه به " والرواية الاولى ظاهرة بل صريحة في الاستحباب والثانية مشعرة بعدم الاستحباب، والذي يلوح منها الاباحة ونفى البأس بالكلية والامر بالنضح انما وقع مماشاة للسائل حيث فهم (عليه


(1) رواه في الوسائل في الباب 26 من النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 17 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 27 من النجاسات.

[ 397 ]

السلام) منه الامتناع عن ذلك والميل إلى التنزه عن العرق المذكور كما ينادي به تقطيب وجهه وقوله " ان ابيتم ". و (منها) ذو الجرح في مقعدته بجد الصفرة بعد الاستنجاء لصحيحة البزنطي (1) قال: " سأل الرضا (عليه السلام) رجل وانا حاضر فقال ان بي جرحا في مقعدتي فاتوضأ واستنجي ثم اجد بعد ذلك الندى والصفرة من المقعدة أفأعيد الوضوء ؟ فقال وقد انقيت ؟ فقال نعم. قال لا ولكن رشه بالماء ولا تعد الوضوء " وهذا الموضع قل من ذكره من الاصحاب والظاهر من كلام من ذكره هو استحباب الرش كما هو مورد الخبر وقد تقدم نحوه في ثوب المجوسي وعرق الجنب وبه يتضح ما ذكره الاصحاب من الترادف مع النضح. و (منها) ما ورد في رواية عبد الرحيم القصير (2) قال: " كتبت إلى ابي الحسن الاول (عليه السلام) اسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل ؟ فقال يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة " ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا عنه (عليه السلام) (3) وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه الرواية في فروع المسألة السادسة من البحث الثاني فيما يجب ازالته من النجاسات وما يعفى عنه (4). اقول: وسيأتي جملة من المواضع ان شاء الله تعالى في امكنة الصلاة قد امر فيها بالنضح والرش نذكرها في محالها. تذنيب قد اشتهر في كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) مسح اليد بالتراب من ملاقاة بعض النجاسات باليبوسة، قال الشيخ في النهاية وان مس الانسان بيده كلبا أو خنزيرا أو ثعلبا أو ارنبا أو فأرة أو وزغة أو صافح ذميا أو ناصبا معلنا بعداوة


(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من نواقض الوضوء (4) ص 355. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 13 من نواقض الوضوء.

[ 398 ]

آل محمد (صلى الله عليه وآله) وجب غسل يده ان كان رطبا وان كان يابسا مسحه بالتراب. وقال المفيد: ان مس جسد الانسان كلب أو خنزير أو فأرة أو وزغة وكان يابسا مسحه بالتراب، ثم قال وإذا صافح الكافر ولم يكن في يده رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب. وحكى العلامة في المختلف عن ابن حمزة ايجاب مسح البدن بالتراب إذا اصابه الكلب أو الخنزير أو الكافر بغير رطوبة. وحكى المحقق في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه قال كل نجاسة اصابت البدن وكانت يابسة لا يجب غسلها وانما يستحب مسح اليد بالتراب. وقد ذكر جمع من الاصحاب انهم لم يعرفوا للمسح المذكور وجوبا أو استحبابا وجها ولا دليلا. وقد ذكر العلامة في المنتهى استحبابه ايضا من ملاقاة البدن للكلب أو الخنزير باليبوسة بعد حكمه بوجوب الغسل مع كون الملاقاة برطوبة، ثم ذكر الدليل على ايجاب الغسل وقال بعد ذلك اما مسح الجسد فشئ ذكره بعض الاصحاب ولم يثبت. (المسألة السادسة) قال في المدارك اعتبر المرتضى (رضي الله عنه) على ما نقل عنه في ازالة النجاسة بالقليل ورود الماء على النجاسة فلو عكس نجس الماء ولم يفد المحل طهارة، وبه قطع العلامة في جملة من كتبه. انتهى. اقول: قال في المنتهى إذا اراد غسل الثوب بالماء القليل ينبغي ان يورد الماء عليه، ولو صبه في الاناء ثم غمسه فيه لم يطهر، قاله السيد وهو جيد، وفرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء عليها. وبذلك صرح ايضا الشهيد في الدروس فقال ويشترط الورود حيث يمكن. ونحوه في البيان فقال ويشترط ورود الماء على النجاسة فلو عكس نجس الماء القليل ولم يطهره إلا في نحو الاناء فانه يكفي الملاقاة ثم الانفصال. وقال في الذكرى الظاهر اشتراط ورود الماء على النجاسة لقوته إذ الوارد عامل. وللنهي عن ادخال اليد في الاناء، فلو عكس نجس الماء ولم يطهر، وهذا ممكن في غير الاواني وشبهها مما لا يمكن فيه الورود إلا ان يكتفى باول وروده، ثم قال مع ان عدم اعتباره مطلقا متوجه لان امتزاج الماء بالنجاسة

[ 399 ]

حاصل على كل تقدير والورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة. انتهى. وانت خبير بان هذا القول من المرتضى بناء على مذهبه في نجاسة الماء القليل كما تقدم في ابواب المياه من الفرق بين ورود النجاسة على الماء وعكسه وانه انما يكون نجسا في الاول دون الثاني جيد لان الماء عنده في حال وروده على النجاسة باق على الطهارة فيحصل التطهير به قطعا، واما على مذهب الجماعة من نجاسة القليل بالملاقاة مطلقا فمشكل إذ الملاقاة حاصلة على كل من الحالين، واليه اشار في الذكرى في آخر كلامه بقوله مع ان عدم اعتباره مطلقا متوجه.. إلى آخره، وبه يشكل الحكم بالطهارة بالماء القليل لانه متى ثبت القول بنجاسة الماء القليل مطلقا وثبت القول بالتطهير بالماء القليل فاللازم من ذلك حصول الطهارة بالماء النجس، ولا يخرج عن ذلك إلا باحد وجوه ثلاثة ذهب إلى كل منها ذاهب: (احدها) القول بطهارة الغسالة واستثناؤها من نجاسة الماء القليل بالملاقاة و (ثانيها) تخصيص النجاسة بالانفصال عن المحل المغسول. و (ثالثها) ان النجاسة المانعة من التطهير هي ما ثبتت قبل التطهير لا ما كانت حال التطهير إذ لا مانع من التطهير بما حصلت نجاسته بذلك التطهير. وتحقيق هذه الاقوال وما يتعلق بها من الابحاث في هذا المجال قد تقدم منقحا في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد من الباب الاول وفي مسألة الغسالة من ختام الباب المذكور. ثم لا يخفى ان ممن نقل عنه ايضا القول باشتراط الورود في التطهير الشيخ والمحقق حيث قال في الخلاف: إذا ولغ الكلب في اناء ثم وقع في ماء قليل تنجس ولم يجز استعماله ولا يعتد بذلك في غسل الاناء. وقال في المعتبر: لو وقع اناء الولوغ في ماء قليل نجس الماء ولم يتحصل من الغسلات شئ. اقول: يمكن ان يكون عدم الاعتداد بهذه الغسلة انما هو من حيث تقدمها على التعفير لما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة من ان الواجب اولا التعفير ثم الغسل فلو تقدم الغسل لم يحسب من ذلك لا من حيث ورود النجاسة على الماء.

[ 400 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكروه من اعتبار الورود لا يتم لهم في الاواني ونحوها ولهذا استثناها في الذكرى وتأول الورود فيها بالحمل على اول الورود، وقال بعض الاصحاب بعد ان حكى كلام الذكرى وقوله فيها بالاكتفاء في الاواني وشبهها باول وروده: الحق انه لا يراد بالورود اكثر من هذا وإلا لم يتحقق الورود في شئ مما يحتاج فصل الغسالة عنه إلى معونة شئ آخر. قال في المعالم: والذي ينبغي تحصيله في هذا المقام ان مبنى اعتبار الورود على ان انتفاءه يقتضي نجاسة الماء ومن المستبعد صلاحية ما حكم بنجاسته لرفع حكم النجاسة عن غيره، ومن امعن نظره في دليل انفعال القليل بالملاقاة رأى انه مختص بما إذا وردت النجاسة على الماء، فيجب حينئذ ان يكون المعتبر هنا هو عدم ورود النجاسة على الماء لا ورود الماء على النجاسة إذ بين الامرين فرق واضح، وإذا ثبت ان المعتبر ما ذكرناه لم يحتج إلى استثناء نحو الاواني ولا لتكلف حمل الورود على ما يقع اولا فان ورود النجاسة في جميع ذلك منتف والمحذور انما يأتي من جهته. انتهى. اقول: مبني هذا الاشكال وهذه التكلفات كلها في دفعه انما نشأ مما قدمنا ذكره من لزوم نجاسة الماء مع الورود كما ذكره ونحن قد حققنا سابقا في الموضع المشار إليه آنفا انه لا مانع من النجاسة الحاصلة آن التطهير بذلك الماء وانما قام الدليل على منع التطهير بما تنجس سابقا قبل التطهير، وبذلك اعترف ايضا صاحب المعالم في هذا المقام بعد هذا الكلام فقال بعد ان ذكر بانه على رأي القائلين بنجاسة الماء القليل تعويلا على ان الماء القليل ينفعل بملاقاة النجاسة باي وجه فرض وان اعتبار ذلك مشكل إذ نجاسة الماء حاصلة على كل حال ومسمى الغسل المأمور به يصدق وان كان الوارد هو النجاسة ما هذا لفظه: والفرق بينه وبين استعمال ما حكم بنجاسته بغير هذا الوجه من مقتضيات التنجيس قيام الدليل على عدم صلاحية ذك للاستعمال وانتفاؤه في هذا، فان دليل نجاسته انما يقتضي المنع من استعماله في مغسول آخر واما نفس المغسول الاول الذي

[ 401 ]

منه نشأ الحكم بالتنجيس فليس في الدليل ما يقتضي المنع من استعماله فيه بالنظر إلى ازالة ذلك الحكم عنه. انتهى. واما عدوله بعد ذلك عن هذا الكلام إلى ما نقله عن العلامة من تخصيصه حصول النجاسة بما بعد الانفصال وما تكلفه من استثناء ذلك للضرورة فيحتاج إلى بيان القدح فيه وبيان ابطاله بدليل شاف وإلا فلا وجه للعدول عنه إلى ما ذكره لظهور صحته واستقامته كما حققناه فيما تقدم. والله العالم. (المسألة السابعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه إذا علم موضع النجاسة في ثوب ونحوه غسل ذلك الموضع خاصة وان اشتبه غسل ما وقع فيه الاشتباه من الثوب كله أو بعض نواحيه وبالجملة كل موضع يحتمل كون النجاسة فيه. قال في المعتبر انه مذهب علمائنا وفي المنتهى انه مذهب علمائنا اجمع وانما خالف فيه جماعة من العامة. وإذا حصل الاشتباه في ثوبين بحيث لا يدري ايهما النجس وجب تطهيرهما معا ولو تعذر صلى الصلاة الواحدة فيهما مرتين. والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: (الاول) فيما إذا حصل الاشتباه في الثوب الواحد، ويدل على الحكم المذكور عدة روايات: منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال في المني يصيب الثوب: " ان عرفت مكانه فاغسله فان خفي عليك مكانه فاغسله كله ". وصحيحة زرارة الطويلة (2) وفيها قال: " قلت فاني قد علمت انه اصابه ولم ادر اين هو فاغسله ؟ قال تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك ". واعترض هذا الخبر العلامة في المنتهى بان زرارة لم يسنده إلى الامام (عليه السلام) فلا حجة فيه. وفيه ان الشيخ وان رواه في الصحيح كما ذكره إلا ان الصدوق قد


(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات. (2) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 37 و 41 و 42 و 44 من النجاسات.

[ 402 ]

رواه في العلل (1) في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) على انه من الظاهر البين الظهور ان مثل زرارة لا يعتمد في احكام دينه على غير امام سيما مع ما اشتمل عليه الخبر من الاسئلة العديدة والمراجعة مرة بعد اخرى فان صدور مثل هذا من غير الامام لا يقبله الفهم السليم. ومنها حسنة الحلبي أو صحيحته عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه فان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء وان استيقن انه قد اصابه مني ولم ير مكانه فليغسل الثوب كله فانه احسن ". وفي الحسن أو الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ابوال البغال والدواب والحمير فقال اغسله فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله " وعن سماعة (4) قال: " سألته عن المني يصيب الثوب ؟ قال اغسل الثوب كله ان خفي عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا ". قال في المدارك بعد ان نقل عن المحقق في المعتبر انه استدل على هذا الحكم بان النجاسة موجودة على اليقين ولا يحصل اليقين بزوالها إلا بغسل جميع ما وقع فيه الاشتباه ما هذا لفظه: ويشكل بان يقين النجاسة يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه يساوي قدر النجاسة وان لم يحصل القطع بغسل ذلك المحل بعينه. انتهى. اقول: ما ذكره من الاشكال هنا مبني على ما قدمنا نقله عنه في مسألة الاناءين من حكمه بالطهارة في احدهما، وقد اوضحنا ثمة بطلانه وبطلان ما توهمه من الاشكال وانه مجرد وهم نشأ من عدم التأمل في ادلة المسألة وتتبعها من جملة مواردها، وبالجملة فانه لو كان ما ادعاه حقا بناء على قاعدته التي بنى عليها في امثال هذا المقام والاخبار التي توهم


(1) ص 127 (2) و (4) المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات (3) رواه في الوسائل في الباب 9 من النجاسات.

[ 403 ]

دلالتها على ما صار إليه لكان الحكم في هذا الموضع ما ذكره من الاكتفاء بغسل جزء مما يظن فيه الاشتباه لانه احد جزئيات المسألة مع ان الاخبار كما ترى متفقة على وجوب غسل الجميع وانه لا يطهر إلا بذلك وهو اظهر ظاهر في بطلان ما بنى عليه، ومثل هذا الموضع غيره من المواضع التي نبهنا عليها ثمة في دلالة اخبارها على خلاف ما بنى عليه مع موافقته على العمل بما دلت عليه كما اعترف به هنا. ثم قال ايضا (قدس سره) في المقام المذكور بعد ايراد اخبار المسألة: ولا يخفى ان الحكم بوجوب غسل الجميع لتوقف الواجب عليه أو للنص لا يقتضي الحكم بنجاسة كل جزء من اجزائه فلو لاقى بعض المحل المشتبه جسم طاهر برطوبة فالاظهر بقاؤه على الطهارة استصحابا للحكم قبل الملاقاة إلى ان يحصل اليقين بملاقاته للنجاسة، وفي خبر زرارة المتقدم (1) " ليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك ابدا " انتهى. اقول: قد حققنا سابقا في مسألة الاناءين ان المستفاد من اخبار المسألة هو اعطاء المشتبه بالنجس في المحصور حكم النجس والمشتبه بالحرام كذلك حكم الحرام واحد لم يقل بنجاسة المشتبه ويجزم بالحكم عليه بالنجاسة وانما يدعى انه في حكم النجس في اجراء احكامه، ولا ريب انه هو المستفاد من الاخبار كاخبار هذا الموضع فان الظاهر من الامر فيها بتطهير الثوب كملا هو ترتب حكم النجس عليه قبل التطهير من عدم جواز الصلاة فيه ومن تعدي النجاسة منه برطوبة ونحو ذلك من احكام النجس المتيقن النجاسة واما خبر زرارة الذي ذكره هنا هو غيره فقد تقدم القول فيه ثمة وبينا انه ليس من محل المسألة في شئ فلا نعيده. تذنيب قال الشيخ في الخلاف: إذا اصاب الثوب نجاسة فغسل نصفه وبقي نصفه فان


(1) تقدم ص 256.

[ 404 ]

المغسول يكون طاهرا ولا تتعدى نجاسة النصف الاخر إليه، ثم حكي عن بعض العامة انه قال لا يطهر النصف المغسول لانه مجاور لاجزاء نجسة فتسري إليه النجاسة فينجس (1) قال الشيخ وهذا باطل لان ما يجاوره اجزاء جافة لا تتعدى نجاستها إليه، قال ولو تعدت لكان يجب ان يكون إذا نجس جسم ان ينجس العالم كله لان الاجسام كلها متجاورة وهذا تجاهل، ثم قال وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن أئمتنا (عليهم السلام) (2) انه إذا وقع الفأر في سمن جامد أو في زيت القى وما حوله واستعمل الباقي، ولو كانت النجاسة تسري لوجب ان ينجس الجميع وهذا خلاف النص. وما ذكره (قدس سره) هنا جيد، وقد اقتفاه في هذه المقالة جمع ممن تأخر " منهم الفاضلان في المعتبر والمنتهى والشهيد في الذكرى فاوردوا محصول كلامه ودليله، واستجوده في المعالم ثم قال: ولا يخفى ان ما ذكره من لزوم نجاسة العالم بنجاسة جسم فيه يحتاج إلى التقييد بحال كونه باجمعه رطبا ولظهور ذلك لم يتعرض له وكذا الجماعة بعده. (المقام الثاني) فيما إذا حصل الاشتباه في الثوبين والاشهر الاظهر هو ما قدمناه من وجوب تطهيرهما معا ووجوب الصلاة الواحدة في كل منهما، ونقل في الخلاف عن بعض الاصحاب انه يطرحهما ويصلي عاريا وجعله في المبسوط رواية واختاره ابن ادريس بعد نقله عن بعض الاصحاب. والذي يدل على وجوب الصلاة فيهما ما رواه الصدوق في الصحيح أو الحسن


(1) في المهذب ج 1 ص 50 " قال أبو العباس بن القاص إذا كان ثوبه كله نجسا فغسل بعضه في جفنة ثم عاد فغسل ما بقى لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة لانه إذا صب على بعضه ماء ورد جزء من البعض الاخر على الماء نجسه وإذا نجس الماء نجس الثوب " (2) في سنن البيهقى ج 9 ص 354 " ان رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن فأرة سقطت في سمن فماتت فقال النبي صلى الله عليه وآله خذوها وما حولها وكلوا سمنكم " والاحاديث المروية عن ائمتنا (عليهم السلام) في ذلك تقدمت ص 56.

[ 405 ]

عن صفوان عن ابي الحسن (عليه السلام) (1): " انه كتب إليه يسأله عن رجل كان معه ثوبان فاصاب احدهما بول ولم يدر ايهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال يصلي فيهما جميعا " قال الصدوق يعني على الانفراد. واستدل على ذلك في المدارك ايضا بانه متمكن من الصلاة في ثوب طاهر من غير مشقة فيتعين عليه، وبان الصلاة في الثوب المتيقن النجاسة سائغة بل ربما كانت متعينة على ما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى فالمشكوك فيه اولى، ومتى امتنعت الصلاة عاريا ثبت وجوب الصلاة في احدهما أو في كل منهما إذ المفروض انتفاء غيرهما والاول منتف إذ لا قائل به فيثبت الثاني، ويدل عليه ما رواه صفوان ثم اورد الرواية المذكورة. اقول: ما ذكره من ان الاول منتف إذ لا قائل به فيه انه وان كان لا قائل به كما ذكره إلا ان مقتضى قاعدته التي بنى عليها النزاع في مسألة الاناءين ونحوها هو صحة الصلاة في واحد منهما كما ذكره في مسألة الاناءين حيث قال ان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه إلا مع تحققه لا مع الشك، وما ذكره ايضا في مسألة حصول النجاسة في المكان المحصور من انه لا مانع من الانتفاع بالمشتبه فيما يفتقر إلى الطهارة إذا لم يستوعب المباشرة، وحينئذ فاللازم من ذلك في هذا الموضع لو كان ما ذكره صحيحا هو وجوب الصلاة في احدهما فنفيه له هنا مناقض لما اختاره في تلك المسائل مع ان الجميع من باب واحد، ومن الظاهر ان النص الوارد في هذه المسألة كالنصوص الواردة في سابقتها اظهر ظاهر في رد كلامه وابطاله من اصله لان هذه من جزئيات المسألة المذكورة. وقال ابن ادريس في السرائر: وإذا حصل معه ثوبان احدهما نجس والاخر طاهر ولم يتميز له الطاهر ولا يتمكن من غسل احدهما، قال بعض اصحابنا يصلي في كل واحد منهما على الانفراد وجوبا، وقال بعض منهم ينزعها ويصلي عريانا، وهذا الذي يقوى في نفسي وبه افتى لان المسألة بين اصحابنا خلافية ودليل الاجماع فيه منفي


(1) رواه في الوسائل في الباب 64 من النجاسات.

[ 406 ]

فإذا كان كذلك فالاحتياط يوجب ما قلناه، فان قال قائل بل الاحتياط يوجب الصلاة فيهما على الانفراد لانه إذا صلى فيهما جميعا تبين وتيقن بعد فراغه من الصلاتين معا انه قد صلى في ثوب طاهر، قلنا المؤثرات في وجوه الافعال يجب ان تكون مقارنة لها لا متأخرة عنها والواجب عليه عند افتتاح كل فريضة ان يقطع على ثوبه بالطهارة وهذا يجوز عند افتتاح كل صلاة من الصلاتين انه نجس ولا يعلم انه طاهر عند افتتاح كل صلاة فلا يجوز ان يدخل في الصلاة إلا بعد العلم بطهارة ثوبه وبدنه ولا يجوز ان تكون صلاته موقوفة على امر يظهر فيما بعد، وايضا كون الصلاة واجبة وجه يقع عليه الصلاة فكيف يؤثر في هذا الوجه ما يأتي بعده ومن شأن المؤثر في وجوه الافعال ان يكون مقارنا لها لا يتأخر عنها على ما بيناه. انتهى. وفيه انه مع كونه محض اجتهاد صريح في مقابلة النص الصحيح مردود بما ذكره جملة ممن تأخر عنه، اما ما ذكره من وجوب اقتران ما يؤثر في وجوه الافعال فبالمنع لانتفاء ما يدل عليه. ثم لو سلم ذلك فنقول انه مقيد بحال التمكن لا مطلقا. ثم مع تسليم هذا ايضا فيمكن ان يقال بحصول ذلك فانه يقصد وجوب كل واحدة من الصلاتين فان ستر العورة بالساتر الطاهر لما كان واجبا وكان تحصيله موقوفا على الاتيان بالصلاتين تعين فتكون الصلاتان واجبتين من باب المقدمة، قال في المختلف بعد حكمه بوجوب الصلاتين من باب المقدمة: وهو يعني ابن ادريس لم يتفطن لذلك وحسب ان احدى الصلاتين واجبة دون الاخرى ثم يعلم المكلف بعد فعلهما انه قد فعل الواجب في الجملة، وليس كذلك. واما ما ذكره من ان الواجب عليه عند افتتاح كل فريضة ان يقطع بطهارة ثوبه فبالمنع من ذلك فانه شرط مع القدرة لا مع الاشتباه، وانما اوردنا لك كلامه بطوله وما ينبه على ضعف محصوله لتطلع على مزيد ضعف ما ذهب إليه وإلا فذكر جميع ذلك بعد ما عرفت من النص الواضح تطويل بغير طائل وتحصيل لغير حاصل.

[ 407 ]

فروع (الاول) ما ذكر من الحكم المذكور لا يختص بالثوبين بل لو وقع الاشتباه في ثلاثة وقد علم كون واحد منها نجسا يقينا فانه يصلي الفريضة الواحدة في اثنين منها خاصة، اما لو تعدد النجس كما لو كان ثوبان نجسان اشتبها بثوب طاهر فانه يصلي الفريضة الواحدة فيما زاد عن النجس بواحد لتصادف الصلاه الزائدة الطاهر، فان كان النجس واحدا صلى الفريضة مرتين في ثوبين وان كان اثنين صلاها ثلاثا وهكذا مراعيا للترتيب، فيصلي من وجبت عليه الظهر والعصر مثلا الظهر اولا في كل منهما ثم العصر في كل منهما لو كان الاشتباه بواحد نجس، ولو صلى الظهر والعصر في احدهما ثم نزعه وصلى الفرضين ايضا في الاخر فقد صرح الاصحاب بالصحة لتحقق الترتيب واستشكل ذلك بعض للنهي عن الشروع في الثانية حتى تتحقق البراءة من الاولى. وهو جيد. ولو صلى الظهر في احدهما ثم صلى العصر في الاخر ثم صلى الظهر فيما صلى فيه العصر ثم صلى العصر فيما صلى فيه الظهر صحت الظهر لا غير ووجب اعادة العصر فيما صلى فيه العصر اولا لجواز ان يكون الطاهر هو ما وقعت فيه العصر الاولى. (الثاني) لو تعددت الثياب وضاق الوقت عن التكرار مطلقا فقيل بالصلاة عاريا لتعذر العلم بالصلاة في الطاهر بيقين. وقيل بتعين الصلاة في احدها، لامكان كونه الطاهر، ولاغتفار النجاسة عند تعذر ازالتها، ولان فقد وصف الساتر اسهل من فقده نفسه. ولما ورد من النصوص الدالة على الصلاة في الثوب النجس يقينا فالمشتبه اولى، وهو الاقرب. (الثالث) قال في المنتهى: لو كان معه ثوب متيقن الطهارة تعين الصلاة فيه ولم يجز له ان يصلي في الثوبين لا متعددة ولا منفردة. قال في المدارك بعد نقله: وهو حسن إلا ان وجهه لا يبلغ حد الوجوب وحو جيد.

[ 408 ]

(الرابع) قال في المنتهى: ولو كان احدهما طاهرا والاخر نجسا معفوا عنه تخير في الصلاة في ايهما كان والاولى الصلاة في الطاهر، قال وكذا لو كان احدى النجاستين المعفو عنهما في الثوب اقل من الاخرى كان الاولى الصلاة في الاقل. اقول: اما حكمه بالاولوية في الصورة الاولى فجيد وعليه يدل بعض الاخبار بالتقريب المذكور ذيلها. وقد تقدمت في بعض فروع المسألة الرابعة من البحث الثاني فيما يجب ازالته من النجاسات من المقصد الثاني في الاحكام. واما في الصورة الثانية فمحل توقف لانه مع بقاء النجاسة وصحة الصلاة معها لا يظهر لاولوية نقصانها وجه كما لا يخفى. (الخامس) قيل لو فقد احد المشتبهين صلى في الاخر وعاريا، وقيل بالاكتفاء بالصلاة في الباقي لجواز الصلاة في متيقن النجاسة. اقول: وهو جيد بناء على القول بذلك كما هو الاظهر واما على قول من يوجب الصلاة عاريا فالمتجه هنا هو القول الاول. والله العالم. (المسألة الثامنة) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيما لو لم يجد إلا الثوب النجس ولا ضرورة تلجئ إلى لبسه من برد ونحوه ولا يقدر على غسله فهل تجوز الصلاة فيه والحال كذلك أو تجب عليه الصلاة عاريا ؟ وقد تقدم تحقيق البحث في هذه المسألة في المسألة السادسة من البحث الثاني فليرجع إليها من احتاج إليها. (المسألة التاسعة) لو صلى في النجاسة فلا يخلو اما ان يكون قد علم بها وصلى فيها عامدا أو لم يعلم بالكلية أو علم ونسى حال الدخول في الصلاة ولم يعلم إلا بعد الفراغ أو رآها في حال الصلاة. وتحقيق الكلام في ذلك يتوقف على بسطه في مقامات اربعة (الاول) ان يصلي فيه عالما عامدا، ولا خلاف بين الاصحاب في بطلان صلاته ووجوب الاعادة عليه وقتا وخارجا، قال في المعتبر وهو اجماع ممن جعل طهارة البدن والثوب شرطا. واطلاق كلام كثير من الاصحاب وصريح بعضهم انه لا فرق في العالم بالنجاسة بين

[ 409 ]

ان يكون عالما بالحكم الشرعي أو جاهلا فانه كالعالم في البطلان، لان شرط التكليف امكان العلم فيكون مكلفا بما يشترط في الصلاة وعدم معرفة ذلك تقصير منه مستند إلى تفريطه فيكون قد ضم تفريطا إلى جهل فلا يكون معذورا، لانه بعد ان وصل إليه وجوب الصلاة واشتراطها بامور لزمه الفحص والتحقيق عما تصح معه وتفسد فتركه ذلك اخلال به عمدا، ونقل في المدارك عن العلامة وغيره انهم صرحوا بان جاهل الحكم عامد لان العلم ليس بشرط للتكليف، ثم اعترضه بانه مشكل لقبح تكليف الغافل قال والحق انهم ان ارادوا بكون الجاهل كالعامد انه مثله في وجوب الاعادة في الوقت مع الاخلال بالعبادة فهو حق لعدم حصول الامتثال المقتضي لبقاء التكليف تحت العهدة وان ارادوا انه كالعامد في وجوب القضاء فهو على اطلاقه مشكل لان القضاء فرض مستأنف ويتوقف على الدليل فان ثبت مطلقا أو في بعض الصور ثبت الوجوب وإلا فلا، وان ارادوا انه كالعامد في استحقاق العقاب فمشكل لان تكليف الجاهل بما هو جاهل به تكليف بما لا يطاق، نعم هو مكلف بالبحث والنظر إذا علم وجوبهما بالعقل والشرع فيأثم بتركهما لا بترك ذلك المجهول كما هو واضح انتهى كلامه. وعليه جرى جملة ممن تأخر عنه. والتحقيق عندي في المقام هو التفصيل بالنسبة إلى افراد المكلفين وان كلام كل من القائلين بعدم المعذورية والقائلين بالمعذورية ليس على اطلاقه، وذلك لما حققناه في المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب من ان الجهل على قسمين: (احدهما) ان يراد به الغفلة عن الحكم الشرعي بالكلية وهو الجهل الساذج وهذا هو الذي يجب القول بمعذوريته في جميع الاحكام لان تكليف الغافل الذاهل مما منعت منه الادلة العقلية والنقلية وعليه يجب ان تحمل الاخبار المستفيضة بمعذورية الجاهل و (ثانيهما) ان يراد به الغير العالم وان كان شاكا أو ظانا وهذا هو الذي يجب ان يقال بعدم معذوريته وعليه تحمل الاخبار الدالة على عدم معذورية الجاهل كما تقدمت في المقدمة المذكورة،

[ 410 ]

وقد بينا ثمة ان الحكم في ذلك مختلف باختلاف الناس في انسهم بالاحكام والتمييز بين الحلال والحرام وعدمه وقوة افهاهم وعقولهم وعدمها، وبالجملة فتحقيق المسألة كما هو حقه قد تقدم في المقدمة المذكورة موضحا ومبرهنا عليه بالاخبار الواردة عن الائمة الاطهار (عليهم السلام) فليرجع إليه من احب تحقيق الحال وازاحة الاشكال، واوضح منه وابسط ما في كتابنا الدرر النجفية. وبذلك يظهر ان الجاهل بالمعنى الاول لا اعادة عليه لا وقتا ولا خارجا لعدم توجه الخطاب إليه بالكلية نعم لو علم في الوقت لزمه الاعادة حيث ان وقت الخطاب باق واما القضاء فلا لتوقفه على امر جديد، وهذا هو الذي يتم فيه كلام صاحب المدارك وتفصيله، واما الجاهل بالمعنى الثاني فتجب عليه الاعادة وقتا وخارجا وذلك لتوجه التكليف إليه وعدم ثبوت المعذورية بالجهل على هذا الوجه لانه عالم في الجملة ويتمكن من الفحص والتحقيق في الاحكام كما يشير إليه قولهم في حجة المشهور: لانه بعد ان وصل إليه وجوب الصلاة واشتراطها بامور لزمه الفحص والتحقيق عما تصح معه وتفسد. فانه جيد وجيه في الجاهل بهذا المعنى وعليه تدل الاخبار كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وحسنة بريد الكناسي وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الواردة في التزويج في العدة كما تقدم جميع ذلك في المقدمة المذكورة (1) ويزيدها تأكيدا ما رواه الكليني عن الفضل بن اسماعيل الهاشمي عن ابيه (2) قال: " شكوت إلى ابي عبد الله (عليه السلام) ما القى من اهل بيتي من استخفافهم بالدين فقال يا اسماعيل لا تنكر ذلك من اهل بيتك فان الله تبارك وتعالى جعل لكل اهل بيت حجة يحتج بها على اهل بيته في القيامة فيقال لهم ألم تروا فلانا فيكم ألم تروا هديه فيكم ألم تروا صلاته فيكم ألم تروا دينه فهلا اقتديتم به ؟ فيكون حجة الله عليهم في القيامة " وعن معاوية بن عمار (3) قال: " سمعت ابا عبد الله


(1) ج 1 ص 73 و 82 (2) روضة الكافي ص 83 الطبع الحديث (3) روضة الكافي ص 84 الطبع الحديث.

[ 411 ]

(عليه السلام) يقول ان الرجل منكم ليكون في المحلة فيحتج الله تعالى يوم القيامة على جيرانه به فيقال لهم ألم يكن فلان فيكم ألم تسمعوا كلامه ألم تسمعوا بكاءه في الليل ؟ فيكون حجة الله عليهم " والتقريب فيهما هو الدلالة على ان الله عزوجل يحتج على الجهال وما يأتونه لجهلهم من عبادة وغيرها بالصلحاء الذين بين اظهرهم وعباداتهم ونسكهم فينبغي لهم الاقتداء بهم والسؤال والفحص منهم، ومنه يعلم ان الجهال متى علموا بوجوب الصلاة وان لها شروطا مصححة وامورا مبطلة في الجملة ورأوا المصلين وما هم عليه من القيام بالشروط المصححة واجتناب الامور المبطلة فانه يجب عليهم الفحص والسؤال عن تلك الاحكام والاقتداء بهم كما دلت عليه الاخبار المشار إليها آنفا، ويعضدها ايضا الاخبار المستفيضة بالامر بالتثبت والتوقف عند الجهل بالحكم وعدم وجود من يسأل عنه كقول الصادق (عليه السلام) في رواية حمزة بن الطيار (1) " لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه والتثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى ويعرفوكم فيه الحق.. الحديث " واما من لم يصل إليه العلم بهذه الاشياء كمن نشأ في البادية مثلا واخذ الصلاة من امثاله من الجهال أو الرساتيق الغالب عليها الجهل وامثالهم من النساء والبله فهؤلاء من القسم الاول كما لا يخفى. اقول: وممن حام حول هذا التفصيل في معنى الجاهل ولكن لم يهتد للدخول فيه الفاضل المحقق الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد حيث قال في هذا المقام: وان كان جاهلا بالمسألة فقيل حكمه حكم العامد وفيه تأمل إذ الاجماع غير ظاهر والاخبار ليست صريحة في ذلك، والنهي الوارد بعدم الصلاة مع النجاسة أو الامر الوارد بالصلاة مع الطهارة المستلزم له غير واصل إليه فلا يمكن الاستدلال بالنهي المفسد للعبادة لعدم علمه به فكيف يكون منهيا عنه ؟ ولما هو المشهور من الخبر " الناس في سعة ما لم يعلموا أو مما لم يعلموا " (2)


(1) المروية في الوسائل في الباب 4 و 8 و 12 من صفات القاضي. (2) راجع التعليقة 2 ج 1 ص 43.

[ 412 ]

وما علم شرطية الطهارة في الثوب والبدن للصلاة مطلقا حتى ينعدم بانعدامه مع ان الاعادة تحتاج إلى دليل جديد. إلا ان يقال انه وصل إليه وجوب الصلاة واشتراطها بامور فهو بعقله مكلف بالفحص والتحقيق والصلاة مع الطهارة وقالوا شرط التكليف هو امكان العلم فهو مقصر ومسقط عن نفسه بانه لم يعلم فلو كان مثله معذورا للزم فساد عظيم في الدين، فتأمل فان هذا ايضا من المشكلات، انتهى كلامه. اقول: لا اشكال بحمد الله الملك المتعال بعدما اوضحناه من التفصيل في معنى الجاهل في هذا المجال، واما قوله فهو بعقله ففيه انه مكلف بالاخبار ايضا كما عرفت من الاخبار الدالة على وجوب الفحص والسؤال على الجاهل بالمعنى الثاني وان ايدتها الادلة العقلية ايضا، وعليك بالتوثق بهذا التحقيق لتنجو به في جملة من الاحكام من لجج المضيق، هذا. واما الاخبار الدالة على بطلان صلاة العالم العامد فهي كثيرة، ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة وان انت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك، وكذلك البول ". وحسنة عبد الله بن سنان (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اصاب ثوبه جنابة أو دم ؟ قال ان كان علم انه اصاب ثوبه جنابة قبل ان يصلي ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه ان يعيد ما صلى وان كان يرى انه اصابه شئ فنظر فلم ير شيئا اجزأه ان ينضحه بالماء ". وصحيحة اسماعيل الجعفي عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " في الدم يكون في الثوب إلى ان قال وان كان اكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد


(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات.

[ 413 ]

صلاته وان لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة ". (المقام الثاني) ان يصلي فيها جاهلا بها والاشهر الاظهر صحة صلاته، وقال الشيخ في المبسوط يعيد قي الوقت لا في خارجه ونقل عنه انه اختاره في باب المياه من النهاية ايضا وقال في الدروس بعد نقل هذا القول: وحملناه في الذكرى على من لم يستبرئ بدنه وثوبه عند المظنة للرواية. وظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم وجوب القضاء لو لم يعلم حتى خرج الوقت، ونقل ابن ادريس في السرائر وابن فهد في المهذب الاجماع عليه، ونسبه في المنتهى إلى اكثر علمائنا مؤذنا بالخلاف فيه، وهو الظاهر ايضا من الخلاف حيث قال فيه: مسألة - إذا صلى ثم رأى على ثوبه نجاسة أو بدنه يتحقق انها كانت عليه حين الصلاة ولم يكن علمها قبل اختلف اصحابنا في ذلك واختلفت رواياتهم، فمنهم من قال تجب الاعادة على كل حال، وقال بعد ذلك ومنهم من قال ان علم في الوقت اعاد وان لم يعلم إلا بعد خروج الوقت لم يعد. انتهى. والعجب انه اقتصر على القولين المخالفين في المسألة ولم ينقل القول المشهور وهو عدم الاعادة مطلقا. وكيف كان فالظاهر هو القول الاول للاخبار الكثيرة، ومنها صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة الجعفي المتقدمتان. ومنها صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (1) " عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته ؟ قال ان كان لم يعلم فلا يعد ". ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل صلى وفي ثوبة جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم ؟ قال قد مضت صلاته ولا شئ عليه " وصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) الطويلة (3) وفيها " قلت فان ظننت


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات. (3) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 37 و 41 و 42 و 44 من النجاسات.

[ 414 ]

انه قد اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فيه فرأيت فيه ؟ قال تغسله ولا تعيد الصلاة ". ورواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان اصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا اعادة عليه.. الحديث ". وحسنة عبد الله بن سنان المتقدمة إلا ان ما تقدم برواية الشيخ واما برواية الكليني (2) فقل فيها بعد قوله " فعليه ان يعيد ما صلى " " وان كان لم يعلم فليس عليه اعادة.. إلى آخر ما تقدم ". وصحيحة علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد عن اخيه (عليه السلام) (3) وستأتي ان شاء الله تعالى في المطلب الاتي وفيها " وان كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله ". ويؤيده ايضا صحيحة محمد بن مسلم (4) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي ؟ قال لا يؤذنه حتى ينصرف ". وصحيحة العيص بن القاسم (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل اياما ثم ان صاحب الثوب اخبره انه لا يصلي فيه ؟ قال لا يعيد شيئا من صلاته ". هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة وكلها كما ترى ظاهرة الدلالة على صحة القول المشهور. بقي الكلام فيما ذكره في الدروس من الكلام بالنسبة إلى النجاسة المظنونة والفرق بينها وبين المجهولة جهلا ساذجا حيث انه فصل في صورة الظن بين الاجتهاد بالنظر وعدمه فاوجب الاعادة على الثاني دون الاول. قال في الذكرى بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المتضمنة لقوله: " وان انت نظرت في ثوبك.. الخ " ما صورته:


(1) و (2) (3) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.

[ 415 ]

ولو قيل بعدم الاعادة على من اجتهد قبل الصلاة ويعيد غيره امكن لهذا الخبر ولقول الصادق (عليه السلام) (1) في المني تغسله الجارية ثم يوجد: " اعد صلاتك اما انك لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " ان لم يكن احداث قول ثالث. انتهى. واعترضه في ذلك جملة من المتأخرين: منهم السيد في المدارك. اقول: ان ظاهر الشيخين والصدوق القول بذلك وان لم يعثر عليه شيخنا المشار إليه، ولهم في الاستدلال عليه ما هو اصرح من دليله، اما الشيخ المفيد (قدس سره) فانه قال بعد ان ذكر وجوب الاعادة على من ظن انه صلى على طهارة ثم انكشف فساد ظنه ما صورته: وكذلك من صلى في الثوب وظن انه طاهر ثم عرف بعد ذلك انه كان نجسا ففرط في صلاته من غير تأمل له اعادة الصلاة. وظاهر الشيخ موافقته حيث استدل له بما رواه عن منصور الصيقل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له رجل اصابته جنابة بالليل فاغتسل وصلى فلما اصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة ؟ فقال الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وقد جعل له حدا ان كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا اعادة عليه وان كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة " واما الصدوق فانه روى في الفقيه مرسلا (3) قال: وقد روى في المني " انه ان كان الرجل حين قام نظر وطلب فلم يجد شيئا فلا شئ عليه وان كان لم ينظر ولم يطلب فعليه ان يغسله ويعيد صلاته " ويعضد ما دلت عليه هاتان الروايتان قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: " وان انت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك " الدال بمفهومه على انك إذا لم تنظر فعليك الاعادة، ويشير إليه قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة وان كان في كلام الراوي: " قلت فان ظننت انه اصابه ولم يتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فيه فرأيت فيه ؟ قال تغسله ولا تعيد


(1) المروى في الوسائل في الباب 18 من النجاسات. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 41 من النجاسات.

[ 416 ]

الصلاة " فان الجواب بعدم اعادة الصلاة قد ترتب هنا على ظن الاصابة مع النظر وعدم الرؤية فيفهم منه ترتب الاعادة مع الظن المذكور وعدم النظر. وبالجملة فظاهر الروايات المذكورة ولا سيما الاوليين هو ما ذكره اولئك الاجلاء (رضوان الله عليهم) إلا انه ربما يشكل ذلك باعتبار بناء المصلي على يقين الطهارة فان الظاهر انه لا يجب عليه الفحص في الثوب ولا طلب النجاسة متى ظنها أو شك فيها لما يفهم من جملة من الاخبار وقد تقدمت من النهي عن السؤال عما يشترى من اسواق المسلمين وان ذلك تضييق للدين (1) وما يستفاد من صحيحة زرارة الطويلة وفيها بعد ما قدمنا نقله هنا منها من قوله: " قلت فان ظننت انه اصابه. الخ " " قلت لم ذلك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا.. إلى ان قال فهل علي ان شككت في انه اصابه شي ان انظر فيه ؟ قال لا ولكنك انما تريد ان تذهب عنك الشك الذي في نفسك.. الحديث " وهي صريحة كما ترى في البناء على يقين الطهارة كما هي القاعدة المطردة المتفق عليها وان النظر في مقام الظن أو الشك انما هو مستحب لاذهاب وسوسة الشيطان، والمراد بالشك في الخبر ما يشمل الظن كما حققناه في محل اليق، والمراد بالشك هنا ما يقابل اليقين الشامل للظن والشك بالمعنى المصطلح، وحينئذ فيمكن حمل الاعادة في تلك الاخبار على الاستحباب. اللهم إلا ان يقال انه لا منافاة بين عدم وجوب النظر عليه من اول الامر ووجوب الاعادة لو ظهرت النجاسة في الصورة المذكورة لعدم فحصه عنها وطلبه لها وتظهر الفائدة في صحة صلاته مع استمرار الاشتباه، ونظيره في الاحكام غير عزيز فان من صلى مع اشتباه الوقت بانيا على ظن دخوله ثم ظهر خلاف ظنه بان كانت صلاته قبل الوقت فانه يعيد وان كانت صلاته صحيحة مع استمرار الاشتباه، وظاهر رواية منصور ان هذا التفصيل حد شرعي للنجاسة في هذه الصورة فالمتعدي عنه داخل تحت


(1) ص 257 و 258.

[ 417 ]

قوله تعالى: " ومن يتعد حدود الله.. " (1) وتحت قولهم (عليه السلام) (2) " ان الله عزوجل جعل لكل شئ حدا ولمن تعدى ذلك الحد حدا " وهذه الروايات لا معارض لها بحسب الظاهر إلا اطلاق الروايات الدالة على عدم وجوب الاعادة على الجاهل وقضية الجمع توجب تقييد اطلاقها بهذه الروايات لكونها اخص، وعلى هذا فتكون الاخبار مخصوصة بالجهل الساذج الخالي من حصول الظن بالكلية، وبذلك يظهر قوة القول المذكور ويعضده انه الاوفق بالاحتياط. بقي شي وهو ان مورد الاخبار المذكورة انما هو نجاسة المني إلا ان ظاهر عبارة الشيخ المفيد مطلق النجاسة وكذا كلام الشهيد، وهو كذلك إذ لا خصوصية للمني بذلك. وظاهر الاخبار المذكورة ايضا الاعادة وقتا وخارجا وهو ظاهر القائلين بذلك ايضا، هذا. واما ما ذهب إليه الشيخ من الاعادة في الوقت فنقل عنه انه استدل عليه بانه لو علم النجاسة في اثناء الصلاة وجب عليه الاعادة فكذا إذا علم في الوقت بعد الفراغ. واجيب عنه بمنع الملازمة إذ لا دليل عليها. وبالجملة فضعفه اظهر من ان يبين بعد ورود تلك الاخبار الصحاح والحسان. واضعف منه القول بالاعادة بعد الوقت. بقي هنا في المقام روايتان احداهما ما رواه الشيخ في الصحيح عن وهب بن عبد ربه عن الصادق (عليه السلام) (3) " في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد ذلك ؟ قال يعيد إذا لم يكن علم " والثانية ما رواه عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة ؟ فقال علم به أو لم يعلم فعليه اعادة الصلاة إذا علم " وظاهرهما الدلالة على القول بالاعادة مطلقا، والشيخ قد اجاب عن الاولى في التهذيب بالحمل على انه إذا لم يعلم في حال الصلاة وكان قد سبقه العلم بحصول النجاسة في الثوب. ولا يخفى بعده. وحملها بعض على


(1) سورة البقرة، الاية 229. (2) اصول الكافي ج 1 ص 59 الطبع الحديث (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب النجاسات.

[ 418 ]

الاستحباب وبعض على الاستفهام الانكاري بحذف الهمزة وبعض على زيادة حرف النفي وتوهم الراوي. والثانية حملها الشيخ على عدم العلم حال الاشتغال بالصلاة وبعض على الاستحباب. اقول وكيف كان فهما لا يبلغان قوة المعارضة لما سردناه من الاخبار الصحيحة الصريحة المعتضدة بعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا فهما من المرجأة إلى قائلها (عليه السلام) حسب ما ورد عنهم من الرد إليهم فيما اشتبه علينا. والله العالم. (المقام الثالث) ان يصلي فيها ناسيا وقد اختلف في ذلك كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) على اقوال: ثالثها ان يعيد في الوقت لا في خارجه وهو المشهور بين المتأخرين، ورابعها استحباب الاعادة واليه ذهب جملة من متأخري المتأخرين كصاحب المدارك وغيره. وينبغي ان يعلم اولا ان ظاهر كلام الاصحاب في هذا المقام الفرق بين نجاسة الاستنجاء وغيرها من افراد النجاسات، وذلك فانهم قد صرحوا بانه لو صلى ناسيا الاستنجاء فالمشهور وجوب الاعادة وقتا وخارجا، وقال ابن الجنيد: إذا ترك غسل البول ناسيا تجب الاعادة في الوقت وتستحب بعد الوقت. وقال أبو جعفر بن بابويه: ومن صلى وذكر بعد ما صلى انه لم يغسل ذكره فعليه ان يغسل ذكره ويعيد الوضوء والصلاة ومن نسي ان يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة. كذا نقله العلامة في المختلف. واما الصلاة في النجاسة بغير ذلك فالمشهور بين المتقدمين هو وجوب الاعادة وقتا وخارجا حتى ادعى ابن ادريس عليه الاجماع وذكر بانه لولا الاجماع لما صار إليه كذا نقل عنه في المدارك، والذي وقفت عليه من كلامه في السرائر في هذا المقام خلاف ذلك حيث انه بعد ذكر المسألة ادعى فيها عدم الخلاف إلا من الشيخ في الاستبصار، وما ذكره عنه من قوله لولا الاجماع لما صار إليه ليس له اثر في الموضع المذكور واحتمال نقل صاحب المدارك عنه من غير السرائر أو منه في غير موضع المسألة بعيد كما

[ 419 ]

لا يخفى فينبغي التنبيه لامثال ذلك. وحكى العلامة في التذكرة عن الشيخ في بعض اقواله عدم الاعادة مطلقا. وفصل الشيخ في الاستبصار بين الوقت وخارجه وتبعه المتأخرون وصار المشهور بينهم هذا القول، وبذلك يظهر ان ما ذكره في المدارك في باب الاستنجاء وحكم الصلاة مع نسيانه من انها من جزئيات هذه المسألة التي نحن فيها على اطلاقه لا يخلو من نظر، فانه ان اراد عند الاصحاب فهو ليس كذلك لما عرفت وان اراد باعتبار الدليل فيمكن، وقد تقدم الكلام في الاخبار المتعلقة بالاستنجاء وبسط البحث فيها في صدر الباب الثاني من الابواب التي رتب عليها الكتاب. بقى الكلام في اخبار هذه المسألة التي نحن بصدد الكلام عليها وتحقيق البحث فيها: فنقول وبالله الثقة لكل مأمول من الاخبار الدالة على الاعادة مطلقا فيها حسنة محمد بن مسلم الواردة في الدم (1) حيث قال (عليه السلام) " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوات كثيرة فاعد ما صليت فيه ". ورواية ابي بصير في الدم ايضا (2) قال فيها: " وان هو علم قبل ان يصلي فنسى وصلى فيه فعليه الاعادة ". ورواية سماعة (3) " عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى ان يغسله حتى يصلي ؟ قال يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه " وصحيحة الجعفي في الدم ايضا (4) قال: " وان كان اكثر من قدر الدرهم وكان رآه ولم يغسله حتى صلى فليعد صلاته ". ورواية جميل بن دراج في الدم ايضا (5) قال: " وان كان قد رآه صاحبه قبل


(1) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب 40 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 42 من النجاسات.

[ 420 ]

ذلك فلا بأس ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم ". وصحيحة ابن ابي يعفور (1) " في نقط الدم يعلم به ثم ينسى ان يغسله فيصلي فيه ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته ؟ قال يغسله ولا يعيد صلاته إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد صلاته ". وصحيحة زرارة (2) قال: " قلت له اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت اثره إلى ان اصيب له الماء فاصبت وحضرت الصلاة ونسيت ان بثوبي شيئا وصليت ثم اني ذكرت بعد ذلك ؟ قال تعيد الصلاة وتغسله. قلت فان لم اكن رأيت موضعه وعلمت انه قد اصابه فطلبته فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته ؟ قال تغسله وتعيد ". ورواية ابن مسكان (3) قال: " بعثت بمسألة إلى ابي عبد الله (عليه السلام) مع ابراهيم بن ميمون قلت اسأله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلي فيه ثم يذكر انه لم يغسله ؟ قال يغسله ويعيد صلاته ". وصحيحة علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد وكتاب المسائل عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل احتجم فاصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع ؟ قال ان كان رآه ولم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شئ، وان كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ". ومما يدل على عدم الاعادة في هذه الصورة صحيحة العلاء عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ فينجسه فينسى ان يغسله فيصلي فيه ثم يذكر انه لم يكن غسله أيعيد الصلاة ؟ قال لا يعيد قد مضت الصلاة وكتبت


(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات (2) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 37 و 40 و 42 و 44 من النجاسات (3) و (5) المروية في الوسائل في الباب 42 من ابواب النجاسات. (4) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات.

[ 421 ]

له " وظاهرها عدم الاعادة في الوقت وخارجه بتقريب التعليل المذكور فيها المشعر بكونها بعد الفراغ منها قد كتبت له لكونها على ظاهر الصحة. ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى العمل بمضمونها حيث قال: وعندي ان هذه الرواية حسنة والاصول تطابقها لانه صلى صلاة مشروعة مأمورا بها فيسقط الفرض بها. ومراده بالحسن هنا يعني بالنسبة إلى متنها وما تضمنته من الحكم لا الحسن باعتبار السند لان هذا الاصطلاح في التقسيم للاقسام المشهورة انما وقع بعده وان كان وقع التحدث به في زمانه كما يشعر به طعنه في الاخبار في المعتبر بضعف الاسناد إلا ان استقرار الاصطلاح المذكور انما وقع من تلميذه العلامة فلا يتوهم المنافاة في كلامه. بقى الكلام في اختياره العمل بهذه الرواية مع ان بازائها من الاخبار ما عرفت والترجيح في جانب تلك الاخبار لكثرتها وتعددها واعتضادها بالشهرة بين المتقدمين كما عرفت والمخالف مجهول القائل كما تقدم، والشيخ وان خالف في الاستبصار إلى ما ذكره من التفصيل بين الوقت وخارجه إلا انه في جميع كتبه قد وافق الاصحاب كما نقله ابن ادريس في السرائر حيث انه كما عرفت ادعى الاجماع إلا من الشيخ في الاستبصار، وبالجملة فاني لا اعرف لاختياره العمل بهذه الرواية وعدم الجواب عن ما بازائها وجها. والشيخ في الاستبصار قد جمع بين الاخبار بحمل روايات الاعادة على ما إذا ذكر في الوقت ورواية العلاء على ما إذا ذكر خارج الوقت، واستدل على هذا الجمع بصحيحة علي بن مهزيار (1) قال: " كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل وانه اصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك انه اصابه ولم يره وانه مسحه بخرقة ثم نسي ان يغسله وتمسح بدهن ومسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى ؟ فاجابه بجوابه قرأته بخطه: اما ما توهمت مما اصاب يدك فليس بشئ إلا


(1) المروية في الوسائل في الباب 42 من النجاسات.

[ 422 ]

ما تحقق فان حققت ذلك كنت حقيقا ان تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل ان الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لان الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك ان شاء الله تعالى " وجل المتأخرين قد تبعوه في ذلك. واعترض هذه الرواية في المدارك فقال وهي مع تطرق الضعف إليها من حيث السند بجهالة الكاتب مجملة المتن ايضا، بل ربما افادت بظاهرها عدم اعتبار طهارة محال الوضوء وهو مشكل إلا ان يحمل قوله: " فان تحققت ذلك " على ان المراد ان تحققت وصول البول إلى بدنك على وجه لا يكون في اعضاء الوضوء. انتهى. اقول وفي ما ذكروه من الجمع المذكور عندي نظر من وجهين: (احدهما) ان من جملة اخبار وجوب الاعادة حسنة محمد بن مسلم المتقدمة وقوله فيها " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوات كثيرة فاعد ما صليت فيه " وظاهرها كما ترى انه صلى في النجاسة صلوات كثيرة، ومن المعلوم ان هذه الصلوات بلفظ الجمع ووصف الكثرة فأكثرها انما يقع خارج الوقت فالاعادة تقع خارج الوقت البتة فلا يتم ما ذكروه، ونحوها صحيحة علي بن جعفر المتقدم نقلها من الكتابين المشار اليهما ثمة، فان ظاهرها عموم الحكم للعامد والناسي في الوقت وخارجه لان فرضه (عليه السلام) رؤيته وعدم غسله اعم من ان يكون سابقا أو حال الصلاة ووقوع الامر بلفظ القضاء والتعبير عن المقضى بقوله: " جميع ما فاته " يعطي ان ذلك في خارج الوقت وان الفائت صلوات متعددة، ويؤكده ان فرض الرؤية للنجاسة انما وقع من الغد بعد مضي تلك الصلوات في اليوم السابق، وما عدا هذين الخبرين وان كان مطلقا يقبل التقييد بما ذكروه إلا ان هذين الخبرين لا يقبلان ذلك، وحينئذ فلا تنطبق اخبار المسألة على ما ذكروه وبه يظهر بطلانه وابقاء الاخبار المطلقة على اطلاقها كما هو المشهور المأثور

[ 423 ]

و (ثانيهما) ان ما استندوا إليه في حمل تلك الاخبار على وجوب الاعادة في الوقت من صحيحة علي بن مهزيار المذكورة فانه على غاية من الاشكال المانع من الاستناد إليها في الاستدلال، فانه لا يخفى على من تأمل في الرواية المذكورة بعين التحقيق ما فيها من الاشكالات العديدة والاحتمالات البعيدة بل الغير السديدة وبذلك صرح جملة من الاصحاب في الباب (الاول) انها تقتضي عدم اشتراط طهارة اعضاء الوضوء قبل ورود مائه عليها وهو موجب لتنجسه حينئذ فكيف يصح رفع الحدث به ؟ (الثاني) ان ذلك الوضوء الذي قد توضأه اما ان يكون صحيحا ام لا وعلى كلا التقديرين فالمنافاة حاصلة في البين، اما على الاول فان ظاهر امره (عليه السلام) باعادة الصلاة التي صلاها بذلك الوضوء بعينه مشعر بان منشأ الاعادة فساد الوضوء، واما على الثاني فلان آخر الخبر دل على ان فساد الوضوء يقتضي قضاء الفوائت مع انه حكم فيه بان ما فات وقتها فلا اعادة عليه. وقد حمل بعضهم الوضوء في قوله (عليه السلام) " بذلك الوضوء بعينه " على التمسح والتدهن قال فانه معنى لغوي. ولا يخفى ما فيه من البعد التام (الثالث) ان اليد الماسحة للرأس لا ريب في تنجسها بملامسة الرأس لنجاسته فتنجس الرطوبة التي عليها (الرابع) قوله: " كنت حقيقا ان تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء " يعطي انه لو احدث عقيب ذلك الوضوء وتوضأ وضوء آخر وصلى صلوات فانه لا يعيدها مع ان العلة مشتركة. واجاب بعضهم عن الاشكال الاول بالتزام ذلك قال: لانه لم يقم لنا دليل تام على بطلان الوضوء حينئذ فلنا ان نلتزم عدم الاشتراط والاكتفاء في ازالة الخبث ورفع الحدث بورود ماء واحد. انتهى. وفيه مع تسليم صحة ما ادعاه ان المفهوم من الروايات الواردة في تطهير الثوب والبدن من نجاسة البول وجوب المرتين وهذا القائل من جملة القائلين بذلك فكيف يتم ما ذكره هنا ؟ واما ما اجاب به في المدارك مما قدمنا نقله عنه وقوله: " إلا ان يحمل قوله فان

[ 424 ]

تحققت. الخ " ففيه ان السؤال قد تضمن انه اصاب كفه لم يشك في انه اصابه إلا ان الامام (عليه السلام) في الجواب لاجل بيان شقوق المسألة واستيفاء احكامها ردد له بين التوهم والتحقيق في اصابة البول اليد فقال ان كان على جهة التوهم فليس بشئ وان حققت ذلك يعني اصابة البول اليد فالتحقيق راجع إلى اصابة البول اليد فكيف يتم الحمل على تحقيق اصابة البدن على وجه لا يصيب امضاء الوضوء كما زعمه (قدس سره) ؟ واجيب ايضا عن الاشكال الثالث بانه ليس في كلام السائل ما هو نص في استيعاب الرأس بمسح الدهن فلعل مقدار ما يقع عليه مسح الوضوء لم ينجس بذلك الدهن وهو (عليه السلام) قد اطلع على ذلك ولا يخفى ما فيه من التكلف والخروج عن الظاهر إلى اقصى غايات البعد. واجاب شيخنا البهائي في الحبل المتين عن الاشكال الرابع فقال: ولمتكلف ان يقول لعله اراد بذلك الوضوء بعينه الوضوء النوعي الخاص اعني الواقع بعد التدهن وقبل تطهير البدن، وهذا التفصي وان كان كما ترى إلا انه محمل صحيح في ذاته. انتهى وبالجملة فمعنى الخبر المذكور على غاية من الخفاء وعدم الظهور وارتكاب هذه التمحلات في دفع هذه الاشكالات لا يجدي نفعا في مقام الاستدلال، ولقد اجاد المحدث الكاشاني في الوافي حيث قال بعد نقل الرواية المذكورة: معنى هذا الحديث غير واضح وربما يوجه بتكلفات لا فائدة في ايرادها ويشبه ان يكون قد وقع فيه غلط من النساخ. انتهى. وبعض فضلاء المتأخرين جعل بعض هذه الاشكالات المذكورة منشأ الاضطراب الموجب لرد الحديث. هذا، واما ما قدمنا نقله عن المدارك في اعتراضه على سند الرواية فهو منظور فيه بان الاعتماد في صحة الخبر المذكور انما هو على كلام الثقة الجليل علي بن مهزيار وقوله: " فاجابه بجواب قرأته بخطه " ويحتمل ان يكون مراده الطعن بجهالة المكتوب إليه كما طعن به جده في الروض على الرواية المذكورة فحرف قلمه فانصرف إلى الكاتب،

[ 425 ]

وفيه ايضا ان علي بن مهزيار في جلالة شأنه لا ينسب مثل هذه العبارة إلى غير الامام (عليه السلام) بل ولا يعتمد على غيره في شئ من الاحكام كما صرحوا به (رضوان الله عليهم) في امثال هذا المقام. وصار جماعة من فضلاء متأخري المتأخرين لما رأوا ما في جمع الشيخ من الاختلال إلى الجمع بين الاخبار بحمل اخبار الاعادة على الاستحباب والظاهر انهم قد اقتفوا في ذلك المحقق (قدس سره) في المعتبر حيث اختار القول بعدم وجوب الاعادة فجعلوا التأويل في جانب اخبار الاعادة بحملها على الاستحباب، قال في المدارك بعد كلام في المسألة: والاظهر عدم وجوب الاعادة لصحة مستنده ومطابقته لمقتضى الاصل والعمومات وحمل ما تضمن الامر بالاعادة على الاستحباب. انتهى. وفيه (اولا) ما قدمنا ذكره في غير موضع من انه لا مستند لهذا الجمع وان تكرر منهم في جميع ابواب الفقه بل ظواهر القواعد الاصولية المبتنى عليها عندهم تقتضي رده فان ظواهر الاخبار الوجوب بلا خلاف والحمل على الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، ولان الاستحباب حكم شرعي يحتاج ثبوته إلى الدليل الواضح ومجرد اختلاف الاخبار لا يوجب ذلك. و (ثانيا) ان الامر بالاعادة قد ورد في اخبار متعددة ونجاسات متفرقة ومقامات متباينة وفيها الصحيح والحسن والموثق وغيرها كما تقدم لك ذكره وما استند إليه رواية واحدة وان صح سندها، ومن القواعد المقررة في كلام اهل العصمة (عليهم السلام) الترجيح بالشهرة يعني في الرواية سيما مع اعتضادها بالشهرة في الفتوى فكيف يصح الحكم بترجيح تلك الرواية على هذه الاخبار والحال كما عرفت ؟ ولا يخفى ان ترجيحها على هذه الاخبار والحال ان فيها الصحيح باصطلاحه خلاف قاعدته التي بنى عليها في اكثر المواضع من شرحه، واعتضاد تلك الرواية بالعمومات ومطابقة مقتضى الاصل غير مجد هنا فان الاصل يجب الخروج عنه بمقتضى الدليل والعمومات يجب تخصيصها،

[ 426 ]

وبالجملة فانه لما تعارضت هذه الرواية وباقي اخبار المسألة وكان الترجيح في جانب الاخبار المذكورة لما ذكرناه من الوجوه فانه لا يبقى للتمسك بهذا الاصل ولا بالعمومات وجه كما لا يخفى. و (ثالثا) ان موثقة سماعة التي هي من جملة اخبار الاعادة قد دلت بعد الامر بالاعادة على ان ذلك عقوبة لنسيانه بمعنى تهاونه بالازالة حتى ادى إلى نسيانها والصلاة فيها وإلا فالنسيان من حيث هو لا يترتب عليه عقوبة، والظاهر ان العقوبة لا تجامع الاستحباب الذي يجوز معه الترك اختيارا. وبالجملة فالظاهر عندي هو القول المشهور إلا انه يبقى الاشكال في صحيحة العلاء وما الذي ينبغي ان تحمل عليه، وكيف كان فالاحتياط في جانب القول المشهور وبه يظهر ترجيحه لو تعارضت الاخبار على وجه لا يمكن ترجيح احد طرفيها، وان الاحتياط عندنا في مثل ذلك واجب كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. والله العالم. (المقام الرابع) ان يرى النجاسة وهو في الصلاة، والحال هنا دائرة بين امرين فاما ان يعلم سبق النجاسة على الدخول في الصلاة باحدى القرائن والامارات الدالة على ذلك وان كان حال دخوله في الصلاة جاهلا بها ام لا، فههنا صورتان: (الاولى) ان يعلم سبقها، والمشهور بين الاصحاب وبه قطع الشيخ في النهاية والمبسوط والمحقق وغيرهما انه يجب عليه ازالة النجاسة أو القاء الثوب النجس وستر العورة بغيره مع الامكان واتمام الصلاة وان لم يمكن إلا بفعل المبطل ابطلها واستقبل الصلاة، قال في المعتبر: وعلى قول الشيخ الثاني يستأنف. واشار بالقول الثاني إلى ما تقدم نقله عن المبسوط من اعادة الجاهل لو علم في الوقت، قال في المدارك ويشكل بمنع الملازمة إذ من الجائز ان تكون الاعادة لوقوع الصلاة باسرها مع النجاسة ولا يلزم مثله في البعض، وبان الشيخ قطع في المبسوط بوجوب المضي في الصلاة مع التمكن من القاء الثوب وستر العورة بغيره مع حكمه فيه باعادة الجاهل في الوقت. انتهى. وهو جيد.

[ 427 ]

(الثانية) ان لا يعلم السبق والحكم فيها عند الاصحاب كما في سابقتها بل هي اولى كما لا يخفى، ونقل في المدارك هنا ايضا عن المعتبر انه قطع بوجوب الاستئناف هنا بناء على القول بالاعادة على الجاهل في الوقت، ثم قال في المدارك وهو اشكل من السابق. اقول: وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على نقل جملة الاخبار المتعلقة بالمسألة وتذييل كل منها بما هو الظاهر من سياقه وبيان ما هو الحق في المسألة: والذي وقفت عليه من الاخبار روايات: (الاولى) صحيحة زرارة المذكورة (1) حيث قال في آخرها " قلت ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة ؟ قال تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك ". وظاهر الخبر المذكور التفصيل بعد رؤية النجاسة بانه ان كان قد حصل له ظن بالنجاسة قبل دخوله في الصلاة وصلى والحال هذه فانه تجب عليه الاعادة، وينبغي تقييده بما إذا لم ينظر في الثوب بعد ظنه لانه (عليه السلام) قد قدم في الخبر انه مع الظن والنظر في الثوب وعدم رؤية النجاسة ثم يجدها بعد ذلك فلا اعادة عليه، وان لم يحصل له ظن بالنجاسة بل كان خالي الذهن من ذلك ثم علم في اثناء الصلاة فان الحكم فيه ما ذكره من ازالة النجاسة والبناء على ما صلى، وفي حكمه القاء الثوب الذي فيه النجاسة والاستتار بغيره ان امكن، والحكم في الصورة الاولى مخالف لما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) من المضي في الصلاة بعد طرح النجاسة أو غسلها ان امكن الحاقا لرؤية النجاسة في الاثناء مع الجهل بها سابقا بالرؤية بعد الصلاة مع الجهل كذلك فانه إذا صحت الصلاة كملا بالنجاسة في الصورة المذكورة فبعضها مع استدراك الباقي اولى إلا


(1) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 27 ؟ و 41 و 42 و 44 من النجاسات.

[ 428 ]

انه موافق ومعاضد لما قدمناه من التحقيق في المقام الثاني وان حكم بعض الصلاة حكمها كملا في التفصيل المتقدم. وقال (عليه السلام) في الرواية المذكورة كما تقدم " وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك " ومن هذا الكلام يستفاد دليل الصورة الثانية. وغاية ما استدل به في المدارك في هذه الصورة الاصل السالم عما يصلح للمعارضة وغفل عن الصحيحة المذكورة. الثانية حسنة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1) انه قال له: " الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة ؟ فقال ان رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم فان كان اقل من درهم فليس بشئ رأيته أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوات كثيرة فاعد ما صليت فيه، وليس ذلك بمنزلة المني والبول، ثم ذكر المني فشدد فيه وجعله اشد من البول، ثم قال (عليه السلام) ان رأيت المني قبل أو بعد فعليك اعادة الصلاة، وان انت نظرت ثوبك فلم تصبه وصليت فيه فلا اعادة عليك وكذلك البول " هكذا رواه الصدوق في الفقيه (2) ورواه ثقة الاسلام في الكافي (3) ايضا كذلك إلى قوله: " فاعد ما صليت فيه " ورواه الشيخ في التهذيب (4) إلا ان فيه هكذا " ولا اعادة عليك وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ " بزيادة الواو وحذف جملة " فان كان اقل من درهم " وفي الاستبصار (5) حذف الجملة المذكورة ولم يزد الواو، وكيف كان فالاعتماد على رواية الشيخين المذكورين بل احدهما لو لم يكن إلا هو إذ لا يخفى على من لاحظ التهذيب وما وقع للشيخ فيه من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان في متون


(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات (2) ج 1 ص 161. (3) ج 1 ص 18 (4) ج 1 ص 72 (5) ج 1 ص 175.

[ 429 ]

الاخبار واسانيدها ترجيح ما ذكره غيره من المحدثين ولا ريب ان هذا من جملة ذلك. ثم انه قد دل صدر الخبر المذكور على انه إذا رأى الدم في ثوبه وهو في الصلاة فان كان عليه ثوب غيره طرح الثوب النجس واتم صلاته وهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب إلا انهم خيروا فيما إذا لم يكن عليه إلا ذلك الثوب النجس بين ازالة النجاسة والقاء الثوب النجس والستر بغيره ان امكن، وظاهر الخبر ان الحكم في المسألة ما ذكرنا وان علم سبق النجاسة ببعض القرائن المفيدة لذلك، وبذلك صرح الاصحاب ايضا كما تقدم، وان لم يكن عليه ثوب غيره ولم يمكنه ازالة النجاسة كما ذكره الاصحاب ودلت عليه صحيحة زرارة ولا الاستبدال مضى في صلاته بذلك الدم الذي في الثوب إذا كان الدم مما يعفى عنه بان لم يزد على مقدار الدرهم ومفهومه انه إذا لم يكن مما يعفى عنه فانه يقطع صلاته ويعيدها من رأس، وبالجملة فظاهر الخبر هو انه بعد الرؤية ان امكن ازالة النجاسة باي الوجوه المتقدمة وإلا قطع الصلاة واطلاقه يقتضي عموم ذلك لما لو علم بالتقدم أو لم يعلم، وهو موافق لما افتى به الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه الصورة والصورة الثانية فتكون الرواية دليلا لكل منهما. واما قوله: " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله " فقد تقدم حكمه في المقام الثالث واما قوله: " ان رأيت المني قبل أو بعد.. إلى آخر الخبر " فالظاهر ان معناه ان رأيت المني قبل الدخول في الصلاة ثم صليت فيه عامدا أو ناسيا فعليك الاعادة، وهذا مما لا اشكال فيه كما تقدم ذكره في المقام الاول والثالث. بقي الكلام في رؤيته بعد الدخول وهو (عليه السلام) قد رتب عليه ايضا وجوب الاعادة كما إذا رآه قبل ويجب تقييده بحصول العلم بتقدمه بل هو الظاهر من المني لانه ليس من قبيل سائر النجاسات التي يحتمل وقوعها عليه في اثناء الصلاة فلا يحتاج حينئذ إلى التقييد المذكور، ثم فصل (عليه السلام) في الرؤية البعدية بعد حكمه بالاعادة بانه ان نظر فلم يصبه فلا اعادة عليه، وهذا التفصيل نظير ما تقدم في صحيحة زرارة المتقدمة وهو مؤيد لما حققناه في المقام الثاني

[ 430 ]

وان خالف مقتضى ما عليه كلمة جمهور الاصحاب من عدم الاعادة مطلقا، وحينئذ فصدر الخبر محمول على الجهل الساذج الذي لا ظن فيه أو عدم العلم بالتقدم. وبالجملة فالمتلخص من هذين الخبرين هو الحكم بما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في غير صورة حصول الظن بالنجاسة وعدم النظر في الثوب فانهما دلا على وجوب الاعادة في هذه الصورة خاصة ويعضدهما في ذلك الخبران المتقدمان في المقام المذكور الثالثة موثقة ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) " في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به ؟ قال عليه ان يبتدئ الصلاة " وربما حملت على من علم بالنجاسة ثم صلى فيها ناسيا أو على الاستحباب، والاظهر حملها على ما دل عليه عجز صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة من الصلاة في الجنابة بعد حصول الظن بها من غير نظر في الثوب فتكون من جملة اخبار المسألة المذكورة. الرابعة ما رواه الشيخ عن داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الرجل يصلي فابصر في ثوبه دما قال يتم ". الخامسة ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن علي بن محبوب عن ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان رأيت في ثوبك دما وانت تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك فاتم صلاتك فإذا انصرفت فاغسله، قال وان كنت رأيته قبل ان تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وانت في صلاتك فانصرف واغسله واعد صلاتك ". والخبر الاول حمله الشيخ على ما إذا كان الدم مما يعفى عنه كالاقل من الدرهم، وهو جيد في مقام الجمع إلا ان الخبر الثاني لا يقبل هذا التأويل لامره (عليه السلام) بالاعادة متى صلى فيه ناسيا، والظاهر شذوذ الخبرين المذكورين لمخالفتهما الاخبار المستفيضة عموما وخصوصا لان اخبار هذه المسألة ما بين صريح في الابطال أو صريح


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 44 من النجاسات.

[ 431 ]

في وجوب ازالة النجاسة أو طرح الثوب النجس والاستبدال والاخبار العامة دالة على بطلان الصلاة في النجاسة عامدا فكيف يجوز الاتمام في النجاسة كما يدل عليه ظاهر الخبرين ومخالفتهما لما عليه علماء الطائفة المحقة قديما وحديثا ؟ فهما مرجئان إلى قائلهما. السادسة صحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلا يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال ان كان دخل في صلاته فليمض وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه إلا ان يكون فيه اثره فيغسله ". وهذا الخبر وان كان لا يخلو من نوع اجمال إلا ان الظاهر بعد التأمل فيه ان الامر بالمضي مبني على كون الملاقاة انما وقعت مع اليبوسة وهو موجب للنضح خاصة ولما كان في الصلاة امره بالمضي فيها للطهارة بقرينة قوله: " وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه " فحاصل الكلام انه ان ذكر في الصلاة فليمض وان لم يدخل فلينضح غاية الامر انه (عليه السلام) في صورة عدم الدخول في الصلاة بين له حكما آخر وهو انه في حال النضح ان رأى فيه اثرا بسبب الملاقاة غسله، وبالجملة فهذا الاستثناء انما هو قيد للاخير خاصة كما لا يخفى على العارف باسلوب الكلام. هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة وخلاصة البحث فيها، ولصاحب المدارك هنا كلام لا بأس بايراده وبيان ما فيه فانه قال بعد الكلام في المسألة: وقد اختلفت الروايات في ذلك فروى زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني، والحديث طويل قال في آخره: قلت فان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة ؟ قال تنقض الصلاة " وروى محمد بن مسلم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) انه قال: " ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل


(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من النجاسات (2) ص 427. (3) رواه في الوسائل في الباب 16 من النجاسات.

[ 432 ]

في الصلاة فعليك اعادة الصلاة " ومقتضى هاتين الروايتين تعين القطع مطلقا سواء تمكن من القاء الثوب وستر العورة بغيره ام لا، وروى محمد بن مسلم في الحسن (1) قال: " قلت له الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة ؟ قال ان رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل وان لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك " وروى علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير، ثم ساق الرواية المتقدمة (2) ثم قال ومقتضى هاتين الروايتين وجوب المضي في الصلاة إذا لم يكن عليه غيره أو كان وطرح الثوب النجس، والجمع بين الروايات يتحقق بحمل ما تضمن الامر بالاستئناف على الاستحباب وان جاز المضي في الصلاة مع طرح الثوب النجس إذا كان عليه غيره وإلا مضى مطلقا، ولا بأس بالمصير إلى ذلك وان كان الاستئناف مطلقا اولى. انتهى. وفيه (اولا) ان ما ذكره من ان مقتضى صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم تعين القطع مطلقا وان اوهمه ما نقله من الروايتين حيث اقتصر منهما على هاتين العبارتين إلا انك بالتأمل في سياقهما كما قدمناهما يظهر لك بطلان ما ذكره، وهذا احد العيوب في الاستدلال بالاخبار حيث يقتطع منها ما يظن دلالته ويترك باقي الخبر، اما صحيحة زرارة فانه قال فيها بعد هذه العبارة " وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته وان لم تشك.. إلى آخره " فقيد (عليه السلام) نقض الصلاة والاعادة بصورة ظن النجاسة كما اسلفنا تحقيقه ومع عدم الظن امره (عليه السلام) بازالة النجاسة والبناء واين هذا مما يدعيه من القطع مطلقا ؟ واما صحيحة محمد بن مسلم فانه قال فيها بعد ما نقله منها " وان نظرت في ثوبك.. إلى آخره " وظاهرها كما قدمنا ايضاحه ان الاعادة مع الرؤية بعد الصلاة انما هو مع عدم النظر في الثوب لا مطلقا، ولكن العذر له واضح


(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من النجاسات (2) ص 431

[ 433 ]

حيث انه وغيره لم يحوموا حول هذا المعنى ولم يتوجهوا إليه وان كانت الروايات ظاهرة الدلالة عليه. و (ثانيا) ان ما ادعاه من ان مقتضى روايتي محمد بن مسلم وعلي بن جعفر وجوب المضي في الصلاة في النجاسة إذا لم يكن عليه غيره ليس في محله اما حسنة محمد بن مسلم فانه بنى فيها على نقل الشيخ في التهذيب بل غيره من اصحاب كتب الاستدلال انما نقلوها برواية التهذيب وعليه بنى استدلاله هنا، وقد عرفت آنفا صورة رواية الشيخين المتقدمين لها فانه على تقدير ما روياه وهو الاصح لا يتم ما ذكره لانه (عليه السلام) قيد الحكم بعدم الاعادة بما إذا لم يزد على مقدار الدرهم، وحاصله ان عدم الاعادة من حيث العفو عن ذلك الدم ومفهومه وجوب الاعادة مع الزيادة، فاين ما ذكره من الدلالة على وجوب المضي في الصلاة مع النجاسة ؟ وعذره هنا ايضا واضح لعدم اطلاعه على الرواية المذكورة بنقل الشيخين إلا ان ذلك من مثله من المحققين لا يخلو من مجازفة فان الواجب مراجعة كتب الاخبار كملا سيما مع اعترافه في شرحه بما وقع للشيخ (قدس سره) من التساهل والخبط في الروايات متونا واسانيد واما صحيحة علي بن جعفر فقد عرفت المعنى فيها وهو الاوفق بمقتضى الاصول الشرعية والضوابط المرعية، فان اتمام الصلاة في النجاسة عمدا من غير عذر شرعي بعد العلم بها مما منعت منه الادلة الصحيحة الصريحة عموما وخصوصا. وكان الاولى له الاستناد في هذا القول إلى موثقة ابي بصير ورواية السرائر المتقدمتين الدالتين على المضي في النجاسة واتمام الصلاة بها. وممن ساعدنا على ما ذكرناه في معنى صحيحة علي بن جعفر المحقق الشيخ حسن في المعالم حيث قال بعد نقل الخبر: قوله في هذا الحديث " ان كان دخل في صلاته إلى قوله فلينضح " اراد به ما إذا كانت الاصابة بغير رطوبة بقرينة قوله: " إلا ان يكون فيه اثر فيغسله " انتهى. و (ثالثا) ان ما ذكره من الجمع بالاستصحاب الذي اتخذوه قاعدة كلية في

[ 434 ]

جميع الابواب قد عرقت ما فيه مما قدمناه في غير موضع من الكتاب. واما ما ذكره الاصحاب في الصورتين المتقدمتين من انه إذا لم يمكن ازالة النجاسة إلا بما يستلزم بطلان الصلاة فانه يبطلها ويعيدها من رأس فانه يدل عليه جملة من اخبار الرعاف كما ستأتي ان شاء الله تعالى في موضعها. بقي الكلام هنا في مواضع: (الاول) لم علم بالنجاسة المعلوم سبقها في اثناء الصلاة ولكن الوقت يضيق عن الازالة والاستئناف فهل يجب الاستمرار في الصلاة أو يزيل النجاسة وان لزم القضاء ؟ قطع الشهيد في البيان بالاول ومال إليه في الذكرى موجها له باستلزامه القضاء المنفي، قال في المدارك بعد نقله عنه: ويشكل بانتفاء ما يدل على بطلان اللازم مع اطلاق الامر بالاستئناف المتناول لهذه الصورة، ثم قال والحق بناء هذه المسألة على ان ضيق الوقت عن ازالة النجاسة هل يقتضي انتفاء شرطيتها ام لا ؟ بمعنى ان المكلف إذا كان على بدنه أو ثوبه نجاسة وهو قادر على الازالة لكن إذا اشتغل بها خرج الوقت فهل يسقط وجوب الازالة ويتعين فعل الصلاة بالنجاسة أو يتعين عليه الازالة والقضاء لو خرج الوقت ؟ وهي مسألة مشكلة من حيث اطلاق النصوص المتضمنة لاعادة الصلاة مع النجاسة المتناول لهذه الصورة. ومن ان وجوب الصلوات الخمس في الاوقات المعينة قطعي واشتراطها بازالة النجاسة على هذا الوجه غير معلوم فلا يترك لاجله المعلوم. وقد سبق نظير هذه المسألة في التيمم إذا ضاق الوقت عن الطهارة المائية والاداء مع وجود الماء عنده. انتهى. اقول: الظاهر ان ما ذكره من الاشكال لا ورود له في هذا المجال وذلك فانه لا ريب ان وجوب الصلاة في الاوقات المعينة لها شرعا امر قطعي كتابا وسنة واجماعا من كافة الامة غاية الامر ان صحتها مشروطة بشروط: منها استقبال القبلة ومنها ستر العورة ومنها طهارة الساتر، وقد صرحوا من غير خلاف يعرف بان شروط الصحة انما تعتبر مع الامكان فلو تعذر شئ منها لم يوجب سقوط الصلاة ولا تأخيرها عن وقتها إلى ان

[ 435 ]

يحصل الشرط ثم يأتي بها قضاء ولا ريب ان ما نحن فيه من هذا القبيل فلو جاز تأخير الصلاة عن وقتها للاشتغال بازالة النجاسة ثم الصلاة قضاء لجاز لفاقد القبلة أو فاقد الستر أو طهارته تأخير الصلاة عن وقتها إلى ان يحصل الشرط المذكور ثم يصلي قضاء ولا قائل به ولا دليل عليه بل الادلة واجماعهم على خلافه، فان فاقد القبلة يصلي إلى اربع جهات أو جهة واحدة على الخلاف وفاقد الستر يصلي عريانا وفاقد طهارته مع النجاسة أو عريانا على الخلاف، وبالجملة فهذه المسألة من قبيل هذه المسائل المذكورة ولو جاز تقديم مراعاة الشرط فيما نحن فيه لجاز في تلك الصور لان الجميع من باب واحد وليس فليس. واما ما ذكره من اطلاق الاخبار الذي صار منشأ لاستشكاله في المقام المتضمنة لاعادة الصلاة مع النجاسة الشامل اطلاقها لهذه الصورة ففيه (اولا) انه حقق جملة من المحققين ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تحمل على الافراد المتكررة الشائعة المتكثرة فهي التي ينصرف إليها الاطلاق دون الفروض النادرة الوقوع. و (ثانيا) انه مع فرض شمول اطلاقها لهذه الصورة فانه يجب تقييدها بما ذكرناه من القاعدة المتفق عليه نصا وفتوى، وحينئذ فيجب حمل الاخبار المشار إليها على ما لو حصل رؤية النجاسة في اثناء الصلاة في الوقت الذي فيه سعة للازالة والاعادة دون هذا الفرد النادر الوقوع الذي ربما لا يتفق وان كان ممكنا، وبذلك يظهر ان الانسب بالقواعد الشرعية هو وجوب الصلاة بالنجاسة. نعم يأتي على الخلاف في مسألة الصلاة في النجاسة مع تعذر ازالتها من الصلاة فيها أو الصلاة عاريا احتمال الصلاة عاريا هنا ايضا بناء على القول به ثمة، إلا انه حيث ان المسألة خالية من النصوص فالاحوط فيها مع ذلك القضاء في ساتر طاهر، هذا. ولا يخفى عليك ما في كلام السيد من التدافع حيث انه ذكر في اول وجهي الاشكال ان اطلاق النصوص المتقدمة المتضمنة لاعادة الصلاة مع النجاسة متناول لهذه الصورة

[ 436 ]

ثم ذكر في الوجه الثاني ان اشتراط الصلاة بازالة النجاسة على هذا الوجه غير معلوم، وهو مما يدافع الكلام الاول فان دخول هذه الصورة تحت اطلاق تلك الاخبار يقتضي المعلومية البتة فان اعادة الصلاة مع النجاسة التي من جملته محل البحث انما هو لاشتراطها بازالة النجاسة، نعم معلومية الاشتراط على هذا الوجه لا يبلغ إلى معلومية وجوب الصلوات الخمس في الاوقات المعينة إلا انه غير المراد من عبارته، وقد تقدم منا في بحث التيمم ما يعضد ما صرنا إليه هنا ايضا. والله العالم. (الثاني) لو وقعت عليه نجاسة في اثناء الصلاة ثم زالت ولما يعلم ثم علم استمر على صلاته وهو مما لا اشكال فيه لانه إذا جاز الاستمرار مع العلم بها في الاثناء والازالة كما في الصورة الثانية بل مع العلم بتقدمها والازالة كما في الصورة الاولى فبالاولى هذه الصورة. (الثالث) لو صلى ثم رأى النجاسة وشك هل كانت عليه في الصلاة ام لا ؟ فلا ريب في مضي صلاته على الصحة لعدم معارضة هذا الشك لليقين الذي كان عليه، قال في المنتهى بعد ذكر الفرع المذكور: ولا نعرف فيه خلافا من اهل العلم عملا بالاصلين الصحة وعدم النجاسة. (المطلب الثاني) في باقي المطهرات وفيه مسائل: (الاولى) من المطهرات عند الاصحاب (رضوان الله عليهم) الشمس الا انه قد اختلف كلامهم هنا في مواضع ثلاثة: (الاول) ان ما تجففه الشمس هل هو طاهر حقيقة كما يطهر بالماء أو يكون مخصوصا بجواز الاستعمال مع اليبوسة فيكون عفوا لا طهارة حقيقة ؟ (الثاني) ما الذي يطهر بها من النجاسات هل هو البول بخصوصه ام كل نجاسة ليس لها جرم يبقى بعد اليبوسة ؟ (الثالث) ما الذي يطهر بها من المواضع ؟ وقد صرح جماعة من الاصحاب: منهم المحقق في الشرائع والعلامة في جملة من كتبه والشهيدان والظاهر انه المشهور بين المتأخرين ان الارض إذا اصابتها

[ 437 ]

نجاسة برطوبة ولم يكن لها عين كفى في طهارتها اشراق الشمس عليها وتجفيفها للرطوبة الحاصلة فيها، وكذا لو كانت لها عين فازيلت بوجه غير مطهر وبقيت رطوبتها ثم جففتها الشمس، والحقوا بالارض في هذا الحكم كل ما لا ينقل ولا يحول في العادة كالاشجار والابنية والابواب المثبتة والاوتاد الداخلة والفواكه على الشجر ومن المنقول الحصر والبواري لا غير. وذهب العلامة في المنتهى إلى الاختصاص بنجاسة البول مع وقوعها على ما تقدم ذكره في القول المشهور، ونقل بعض الاصحاب عنه في التحرير ان ظاهره فيه التوقف في تعدية الحكم إلى غير البول، ونقل في المنتهى عن الشيخ في موضع من المبسوط التخصيص بالبول ايضا، وذهب المحقق في النافع إلى العموم في النجاسة مع تخصيص ما وقعت عليه بالارض والحصر والبواري، وهو قول الشيخ في الخلاف حيث قال في موضع منه: الارض إذا اصابتها نجاسة مثل البول وما اشبهه وطلعت عليها الشمس وهبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة طهرت وقال في موضع آخر منه بعد الحكم بطهارة الارض بتجفيف الشمس لها من نجاسة البول: وكذا الكلام في الحصر والبواري. وذهب الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة ونقل ايضا عن سلار في رسالته إلى القول بالاختصاص بالبول مع الثلاثة المذكورة من الارض والحصر والبواري، ونقل العلامة في المختلف عن القطب الراوندي انه قال: الارض والبارية والحصر هذه الثلاثة فحسب إذا اصابها البول فجففتها الشمس حكمها حكم الطاهر في جواز السجود عليها ما لم تصر رطبة ولم يكن الجبين رطبا. وقال المحقق في المعتبر ان الراوندي وصاحب الوسيلة ذهبا إلى ان الارض والبواري والحصر إذا اصابها البول وجففتها الشمس لا تطهر بذلك ولكن يجوز الصلاة عليها، ثم قال وهو جيد. نقله عنه في المختلف ايضا فقال بعد نقل قول الراوندي: وكان شيخنا أبو القاسم بن سعيد يختار ذلك. والى القول بالعفو ذهب المحدث الكاشاني، وظاهر صاحب المدارك التوقف في المسألة وهو في محلة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.

[ 438 ]

وكيف كان فلا بد من سوق روايات المسألة وتذييل كل منها بما تدل عليه وما يتلخص من الجميع وما يرجع إليه، والذي وقفت عليه من ذلك روايات: منها ما هو ظاهر في الطهارة ومنها ما هو ظاهر في العدم ومنها ما هو مجمل قابل للدخول تحت كل من الفردين المذكورين، وها انا اذكر ما وقفت عليه منها مذيلا لكل منها بما ادى إليه فهمي القاصر: الاولى صحيحة زرارة (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلي فيه ؟ فقال إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر ". اقول: ومورد هذه الرواية هو نجاسة البول خاصة مع خصوص الارض وهو مما وقع الاتفاق عليه، وظاهرها الحكم بالطهارة كما هو المشهور، والمناقشة فيها بالحمل على المعنى اللغوي لعدم ثبوت كون المعنى المصطلح عليه حقيقة عرفية عندهم (عليهم السلام) كما صار إليه المحدث المتقدم ذكره حيث اختار القول بالعفو فالظاهر بعدها من سياق الخبر المذكور وان سلم ما ذكره من عدم ثبوت الحقيقة العرفية عندهم (عليهم السلام) إلا ان قرينة السياق ظاهرة الدلالة على ان المراد بالطهارة هي الطهارة الشرعية لانها هي المعتبرة في احكام الصلاة مكانا أو لباسا سيما مع تعلق السؤال بالنجاسة، ويؤيده اطلاق الامر بالصلاة عليه بعد تجفيف الشمس الشامل لكونه بعد التجفيف وحال الصلاة رطبا ويابسا بمعنى انه متى جف بالشمس جازت الصلاة عليه رطبا كان أو يابسا لحصول الطهارة بالتجفيف الحاصل من الشمس ثم اكد ذلك بقوله: " فهو طاهر " وبالجملة فالخبر عندي ظاهر في الطهارة إلا انه سيأتي ما هو ظاهر في المعارضة. الثانية رواية ابي بكر الحضرمي عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " يا ابا بكر ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر ". وهي كما ترى ظاهرة في القول المشهور من طهارة الارض والحصر والبواري


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 29 من النجاسات

[ 439 ]

وما لا ينقل ولا يحول، وهي وان كانت مطلقة بالنسبة إلى ما زاد على ذلك إلا انه لا بد من تقييدها بما ذكروه لان ما لا ينقل ويحول لا بد من غسله بالادلة الكثيرة، وكذلك بالنسبة إلى النجاسة فان اطلاقها شامل لجميع النجاسات، وبالجملة فانها ظاهرة الدلالة على القول المشهور وان امكن تطرق المناقشة إلى الطهارة فيها بالتأويل المتقدم إلا انه خلاف الظاهر. والعلامة في المنتهى حيث خص النجاسة في هذه المسألة بالبول رد هذه الرواية بضعف السند وهو عندنا غير مرضي ولا معتمد مع انه استدل بها في المختلف على العموم. ويعضد هذه الرواية ايضا ما في الفقه الرضوي حيث قال: (عليه السلام) (1) " ما وقعت عليه الشمس من الاماكن التي اصابها شئ من النجاسات مثل البول وغيره طهرتها واما الثياب فانها لا تطهر إلا بالغسل " وهي ظاهرة تمام الظهور في القول المشهور. الثالثة صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (2) قال: " سألته عن الارض والسطح يصيبه البول أو ما اشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال كيف يطهر من غير ماء ". وهذه الرواية كما ترى ظاهرة الدلالة على ما ذهب إليه الراوندي ومن حذا حذوه من عدم الطهارة وانما هو عفو، وقد احتج بها العلامة في المختلف للقائلين بعدم الطهارة بعد ان نقل عنهم الاحتجاج بان الاستصحاب يقتضي الحكم بالنجاسة وتسويغ الصلاة لا يدل على الطهارة لجواز ان يكون معفوا عنه كما في الدم اليسير. ثم اجاب عن الاستصحاب بان الاستصحاب ثابت مع بقاء الاجزاء النجسة اما مع عدمها فلا والتقدير عدمها بالشمس. عن الرواية بانها متأولة لجواز حصول اليبوسة من غير الشمس. وفيه ان ما اجاب به عن الاستصحاب هنا لا يوافق مذهبه في الاصول من القول بحجية الاستصحاب كما هو المشهور بينهم، وبذلك اعترض عليه ايضا في المعالم فقال: وهذا الكلام من العلامة غريب إذ المعروف من مذهبه قبول مثل هذا الاستصحاب والاعتداد به نعم هو


(1) ص البحار ج 18 ص 35 (2) المروية في الوسائل في الباب 29 من النجاسات.

[ 440 ]

على ما سلف تحقيقه في المباحث الاصولية واخترناه وفاقا للمرتضى والمحقق من الاستصحاب المردود. اقول: الظاهر عندي هنا هو صحة الاستدلال بالاستصحاب المذكور فان مرجعه إلى عموم الدليل كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب فان مقتضى الادلة ان النجاسة حكم شرعي يتوقف رفعه على وجود الرافع والنجاسة قد ثبتت بلا خلاف ولا اشكال فرفعها يحتاج إلى دليل ظاهر، واما ما ذكره في المعالم من عد الاستصحاب هنا من الاستصحاب المردود الذي قد اوضحنا في مقدمات الكتاب بطلانه فهو مبني على قول تفرد به في هذا المقام ولم اعرف له موافقا عليه من علمائنا الاعلام إلا الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث حذا حذوه في هذا الكلام. قال في المعالم على اثر العبارة المتقدمة في بيان كونه من الاستصحاب المردود ما صورته: لان ما دل من النصوص على تأثير النجاسات والتأثر بها على وجه يبقى وان لم تبق اعيانها مقصور على البدن والثوب والانية كما يشهد به الاستقرار والتتبع وانما استفيد الحكم فيما عدا ذلك من الاجماع، واكثر ما يكون الاستصحاب المردود فيما مدركه الاجماع لان الحكم الثابت به في موضع الحاجة إلى الاستصحاب يكون لا محالة مخصوصا بحال اولى فيطلب بالاستصحاب انسحابه إلى حالة ثانية. وقد مر ان اعتبار الاستصحاب حينئذ اثبات للحكم بغير دليل. ومن هنا يتجه في موضع النزاع ان يقال ان الدليل الدال على تأثر الارض والحصر والبواري وكل ما لا ينقل في العادة بالنجاسة مختص بالحال التي قبل زوال العين عنها وتجفيف الشمس لها لانتفاء الاجماع فيما بعد ذلك قطعا فمن ادعى ثبوت الحكم في الحال التي بعد فهو مطالب بالبرهان عليه وليس في يده غير الاستصحاب ولا يقبل منه (فان قلت) كأن الاتفاق واقع على ان النجاسات المعلومة اثرا في كل ما تلاقيه برطوبة مستمرا إلى ان يحصل المطهر الشرعي فيفتقر كل نوع من انواع المطهرات إلى دليل يثبته (قلت): هذا كلام ظاهري يقع في خاطر العاجز

[ 441 ]

عن استنباط بواطن الادلة ويلتفت إليه القانع بالمجمل عن التفاصيل وما قررناه امر وراء ذلك. وبالجملة فالذي يقتضيه التحقيق انه لا معنى لكون الشئ نجسا إلا دلالة الدليل الشرعي على التكليف باجتنابه في فعل مشروط بالطهارة وازالة عينه أو اثره لا جله واما ما لا دليل فيه على احد الامرين فهو على اصل الطهارة بمعنى اصالة براءة الذمة من التكليف فيه باحدهما. واما ما يتخيل من ان كل نوع من انواع النجاسات بمنزلة العلة الحقيقية في التأثير فكل ما لاقاه برطوبة اثر فيه النجاسة وتوقف في عوده إلى الطهارة على طرو المطهر فمن الاوهام التي يظهر فسادها بادنى تأمل ولا يستريح إلى امثالها محصل. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول فيه (اولا) - انه لا يخفى ان ما ذكره من قصر الحكم المذكور على الثلاثة المذكورة من حيث انه لم يرد في النصوص ما يدل على الامر بالغسل بعد زوال العين في غير الثلاثة المذكورة ان كان مقصورا على هذا الموضع ومخصوصا بهذا الحكم فهو تخصيص من غير مخصص، وان كان مطردا فيما جرى هذا المجرى مما وردت النصوص في خصوص بعض الافراد دون بعض وانه يخص الحكم بما وردت به الروايات فلا اراه يلتزمه، وذلك فانه لا يخفى ان جل الاحكام الشرعية التي صارت عند الاصحاب قواعد كلية انما استفيد حكمها من جزئيات السؤالات المخصوصة وخصوص وقائع جزئية مثلا لا خلاف بين الاصحاب في ان من صلى في النجاسة عامدا أو ناسيا وجبت عليه الاعادة اي نجاسة كانت مع ان الوارد في النصوص انما هو نجاسات مخصوصة ولم يقل احد من الاصحاب بتخصيص الاعادة بها بخصوصها بل عدوا الحكم إلى كل نجاسة نظرا إلى الاشتراك في العلة وهي النجاسة وهو تنقيح المناط القطعي الذي صرحوا به في الاصول وحملا للنجاسات المذكورة على الخروج مخرج التمثيل فلا يقتضي التخصيص ولا ريب ان ما نحن فيه من هذا القبيل، ومن قبيل ذلك ما لو سأل السائل الامام (عليه السلام) عن نجاسة اصابت قميصه فحكم بازالتها وبطلان الصلاة فيها فان من المعلوم انه

[ 442 ]

لا خصوصية للقميص بذلك بل يعدى الحكم إلى جميع لباس المصلي ويحكم ببطلان الصلاة في ايها كان إلا ما استثني ولا يقال ان الخبر انما تضمن القميص خاصة فلا يجوز تعدي الحكم إلى غيره، فان العلة الموجبة للاعادة الصلاة في النجاسة وهي شاملة لجميع الثياب. ثم لا يخفى ايضا ان جل الاحكام من عبادات ومعاملات ونحو ذلك انما خرجت في الرجال والسؤالات انما وقعت في الرجال مع انه لا خلاف في دخول النساء ما لم تعلم الخصوصية للرجال في ذلك الحكم، ونحو ذلك مما لا يخفى على المتدبر في الاخبار الواردة في جميع الاحكام، وما ذلك إلا لما ذكرناه من حمل ما ذكر في الاخبار على مجرد التمثيل وتعدية الحكم إلى ما عدا المذكور بطريق تنقيح المناط القطعي وحينئذ فالواجب بمقتضى ما ذكره في هذه المسألة هو الوقوف على موارد النصوص في جميع هذه المواضع التي اشرنا إليها ولا اراه يقوله. و (ثانيا) انه لا يخفى ان الامر بالغسل في الثلاثة المذكورة في كلامه بعد ازالة العين لا يخلو من احد وجهين لا ثالث لهما في البين (احدهما) ان العلة في ذلك هو ملاقاة عين النجاسة بالرطوبة ولا شك في وجود العلة المذكورة في محل النزاع فلا يتخلف عنها معلولها ولا يتوقف على وجود نص ولا اجماع. و (ثانيهما) ان يكون ذلك تعبدا شرعيا لا من حيث النجاسة وهو موجب لحصول الطهارة بمجرد زوال العين، ولا اراه يلتزمه ولا يقول به بل هو خلاف صريح كلامه. و (ثالثا) الصحيحة المذكورة فان ظاهرها عدم حصول الطهارة بالماء من عين النجاسة أو محلها وهو قد اعترف في باقي كلامه بذلك ايضا إلا انه زعم عدم ظهورها في ذلك حيث ارتكب تأويلها بما سيأتي ذكره من التكلفات البعيدة والتعسفات الغير السديدة. قال بعد الكلام الذي نقلناه: قلت لو ابقى حديث ابن بزيع على ظاهره لسقطت هذه المباحث من اصلها لكن المعارض اخرجه عن الظاهر فانتفى احتمال النظر إليه انتهى اقول: الحق ان المسألة بسببه قد بقيت في قالب الاشكال كما صرح به

[ 443 ]

في المدارك ايضا. وعليه اعتمد المحدث الكاشاني في الاستدلال كما قدمنا نقله عنه فذهب إلى القول بالعفو دون الطهارة وقوفا على ظاهر هذا الخبر وجعل التأويل فيما عارضه كما تقدم ذكره، والحق كما ذكرنا ظهور كل من الخبرين فيما دل عليه في البين وبعد التأويلات من الجانبين وبه حصل التوقف في المسألة. و (رابعا) موثقة عمار الاتية عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر ؟ قال لا تصل عليه واعلم موضعه حتى تغسله.. الحديث " وهو ظاهر الدلالة في احتياج الارض بعد زوال العين وجفاف النجاسة إلى الغسل بالماء وبه تبطل دعواه الاختصاص بالثلاثة التي ذكرها كما لا يخفى. واما ما اجاب به في المختلف عن الصحيحة المذكورة من الحمل على التطهير بعد يبس البول حيث انه في هذه الحال لا يطهره إلا الماء لان الشمس انما تكون مطهرة إذا اشرقت عليه رطبا وجففت الرطوبة وإلا فلو جف بدونها فانها لا تكفي في تطهيره بل يجب الماء البتة فهو وان كان بعيدا إلا انه في مقام الاحتمال قريب للجمع بين الاخبار. وقيل في الجواب عنها بان المراد بالماء الذي سئل عن تطهير الشمس بدونه ما يبل به الموضع إذا كان جافا، قالوا إذ ليس في السؤال اشعار بوجوده في المحل حال اشراق الشمس فيحمل على ما إذا جف قبل اشراقها. ولا يخفى ما فيه وان استقربه في الذخيرة. وقيل بان المراد من الماء الرطوبة الحاصلة من النجاساة فكأنه قال هل تطهره إذا كان جافا ؟ فاجابه (عليه السلام) بانكار ذلك. وفيه ما في سابقه. وقيل بكون انكار الطهارة بدون الماء عائدا إلى مجموع ما وقع في السؤال بعد حمل المشابهة في قوله: " وما اشبهه " على المماثلة في اصل النجاسة فيتناول النجاسات التي لها اعيان كالدم وتأثير الشمس فيها انما يتصور بعد ذهاب العين فيرجع حاصل الانكار إلى ان من النجاسات ما له عين وهذا النوع لا سبيل إلى طهارته


(1) المروية في الوسائل في الباب 29 من ابواب النجاسات.

[ 444 ]

بالشمس إلا بتوسط الماء وذلك بجعله مائعا على وجه يمكن تجفيف الشمس له ويذهب بالجفاف عينه وهو ابعد الجميع. وهذه الاحتمالات الثلاثة قد ذكرها في المعالم لاخراج الخبر عن ظاهره بزعمه ولا يخفى انه لو قامت امثال هذه الاحتمالات لانسدت ابواب الاستدلالات. وبالجملة فانه لا يخفى ما في هذه الاجوبة من التكلف نعم ربما اشعرت الرواية المذكورة بعدم التطهير إلا بالماء مطلقا إلا ان ظاهر سياقها انما هو اختصاص الحكم بالمسؤول عنه، وبالجملة فالرواية ظاهرة في عدم التطهير إلا بالماء كما فهمه منها الاصحاب. الرابعة صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير ان تغسل ؟ قال نعم لا بأس ". الخامسة صحيحته الاخرى عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلي عليها ؟ قال إذا يبست فلا بأس ". السادسة صحيحة له ثالثة عنه (عليه السلام) (3) " انه سأله عن البيت والدار لا تصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلى فيهما إذا جفا ؟ قال نعم ". اقول: وغاية ما تدل عليه هذه الاخبار هو الصلاة على الموضع النجس بعد الجفاف وعدم وجود عين النجاسة اعم من ان يكون الجفاف بالشمس أو بدونها بل ظاهر الثالث منها ان الجفاف انما هو بغير الشمس، وظاهرها جواز السجود على ذلك الموضع مع ان الاصحاب قد اشترطوا في موضع السجود الطهارة، وظاهرهم الاتفاق عليه وان لم اقف له على دليل بل ظاهر هذه الاخبار كما ترى خلافه، وظاهر كلام الراوندي المتقدم ايضا خلاف ذلك إلا ان يتأول كلامه بحمل السجود على الصلاة ولا يخلو من بعد كما لا يخفى على من تأمل العبارة المذكورة. وربما قيل ان اطلاق هذه الاخبار وما


(1) المروية في الوسائل في الباب 29 من النجاسات (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 30 من ابواب النجاسات.

[ 445 ]

تدل عليه من جواز السجود شامل لما لو كانت الجبهة رطبة وهو مشكل إلا على ما سيأتي نقله عن الشيخ في الخلاف من الحكم بالطهارة بتجفيف الريح إلا انه خالف نفسه في ذلك في الكتاب المذكور كما سيأتي نقل كلامه ان شاء الله تعالى، نعم يتجه ذلك على ما تقدم نقله عن صاحب المعالم من حكمه بالطهارة مع الجفاف وزوال العين في غير الثلاثة التي ذكرها. وبالجملة فالظاهر عندي ان هذه الروايات كما عرفت ليست من روايات المسألة في شئ ومع فرض كونها منها بحمل التجفيف على كونه بالشمس فانما هي من القسم الثالث الذي قدمنا ذكره لاجمالها. السابعة ما رواه زرارة وحديد بن حكيم الازدي في الصحيح (1) قال: " قلنا لابي عبد الله (عليه السلام) السطح يصيبه البول أو يبال عليه أيصلي في ذلك الموضع ؟ فقال ان كان تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس إلا ان يتخذ مبالا " وهذه الرواية ايضا من القسم الثالث ولا يمكن الاستدلال بها لشئ من القولين المذكورين في البين، وموردها الارض خاصة. الثامنة ما رواه عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر ؟ قال لا تصل عليه واعلم موضعه حتى تغسله. وعن الشمس هل تطهر الارض ؟ قال إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فاصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، وان اصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس، وان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع وان كان عين الشمس اصابه حتى ييبس فانه لا يجوز.. الحديث ". وظاهر عجز الخبر بل صريحه الدلالة على عدم حصول التطهير بالشمس إلا ان


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب النجاسات.

[ 446 ]

جملة من المحدثين نقلوا عن بعض نسخ التهذيب بدل " عين الشمس " بالعين المهملة والنون " غير الشمس " بالغين المعجمة والراء اخيرا وحينئذ يسقط الاستدلال به على بقاء النجاسة، وايضا قد روى الشيخ هذه الرواية بالاسناد المذكور في آخر ابواب الزيادات من التهذيب خالية من قوله: " وان كان غير الشمس اصابه " وعليه ايضا يسقط الاستدلال المذكور على عدم الطهارة. واما قوله: " وعن الشمس هل تطهر الارض إلى قوله فالصلاة على الموضع جائزة " فغايته ان يكون من القسم الثالث لما عرفت من ان مجرد الرخصة في الصلاة عليه مع اليبوسة لا يدل على الطهارة لوقوع ذلك فيما جف بغير الشمس كما عرفت من روايات علي بن جعفر المذكورة، إلا ان هذه الرواية قد تضمنت النهي عن الصلاة على الموضع القذر بعد الجفاف بخلاف ما دلت عليه صحاح علي بن جعفر فبالنظر إلى ما دلت عليه من النهي متى كان الجفاف بغير الشمس وتجويز الصلاة متى كان الجفاف بالشمس يقوى القول بان تجويز الصلاة انما هو من حيث حصول الطهارة بالشمس، إلا انك قد عرفت دلالة صحاح علي بن جعفر الثلاث على جواز الصلاة مع الجفاف مطلقا وهي ارجح من هذه الرواية البتة سيما مع ما علم من احوال روايات عمار. واما ما ذكره جملة من الاصحاب: منهم العلامة في المختلف من ان السؤال في الرواية وقع عن الطهارة فلو لم يكن في الجواب ما يفهم منه السائل الطهارة أو عدمها لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لكن الجواب الذى وقع لا يناسب النجاسة فدل على الطهارة فظني انه قاصر بل ربما كان بالدلالة على خلاف ما ادعوه اشبه، بان يقال ان عدوله (عليه السلام) عن الجواب الصريح بكونه طاهرا إلى الجواب بجواز الصلاة عليه ربما اشعر بعدم الطهارة وان جازت الصلاة عليه ولا سيما على رواية " عين الشمس " في آخر الخبر الصريح في عدم الطهارة فانه هو الملائم لهذا المعنى. واما دعوى لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة بناء على ما ذكره فليس كذلك بل اللازم تأخير

[ 447 ]

البيان عن وقت الخطاب ولا مانع منه إذ كون الوقت وقت الحاجة ممنوع. وبالجملة فانه قد وقع التعارض في هذه المسألة بين صحيحة زرارة المتقدمة المعتضدة برواية الحضرمي وكلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي وبين صحيحة ابن بزيع المعتضدة بموثقة عمار على المشهور من روايتها ب‍ " عين الشمس " والتأويل كما عرفت من الجانبين قائم إلا انه بعيد عن ظواهر الاخبار المذكورة، فالمسألة عندي بالنسبة إلى النجاسة والى ما تقع عليه حسبما عليه القول المشهور كما تقدمت الاشارة إليه ذيل الروايات المتقدمة وبالنسبة إلى الطهارة والعفو محل توقف والاحتياط فيها لازم. هذا ولا يخفى عليك ان كلام المحقق في المعتبر هنا لا يخلو من اضطراب، فان مقتضى ما تقدم نقله عنه اختيار قول الراوندي مع انه قال بعد ان نقل عن الشيخ الاحتجاج على الطهارة برواية عمار وصحيحة علي بن جعفر وهي الرابعة ما لفظه: وفي استدلال الشيخ بالروايات اشكال لان غايتها الدلالة على جواز الصلاة عليها ونحن لا نشترط طهارة موضع الصلاة بل نكتفي باشتراط طهارة موضع الجبهة، ويمكن ان يقال الاذن في الصلاة عليها مطلقا دليل جواز السجود عليها والسجود يشترط طهارة محله، ثم قال ويمكن ان يستدل بما رواه أبو بكر الحضرمي وساق الرواية، وبان الشمس من شأنها الاسخان والسخونة تلطف الاجزاء الرطبة وتصعدها فإذا ذهب اثر النجاسة دل على مفارقتها المحل والباقي يسير تحيله الارض إلى الارضية فيطهر لقول الصادق (عليه السلام) (1) " التراب طهور " انتهى. وهذا الكلام منه بعد اختياره لمذهب الراوندي يشعر بالتردد أو العدول إلى ترجيح جانب الطهارة، واظهر من ذلك قوله بعد ذلك بقليل في مسألة تطهير الارض من البول بالقاء الذنوب بعد ان استضعف دليل الشيخ فيها: فإذا تقرر هذا فيماذا تطهر ؟ الوجه ان طهارتها بجريان الماء عليها أو المطر حتى يستهلك النجاسة أو


(1) ورد في حديث محمد بن حمران وجميل بن دراج المروى في الوسائل في الباب 23 و 14 من التيمم " ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا ".

[ 448 ]

يزال التراب النجس على اليقين أو تطلع عليه الشمس حتى يجف بها. انتهى. فروع (الاول) المشهور بين الاصحاب القائلين بتطهير الشمس ان الجفاف بغير الشمس لا يثمر طهارة بل قال في المنتهى: لو جف بغير الشمس لم يطهر عندنا قولا واحدا خلافا للحنفية (1) قال في المدارك: ويدل عليه ان المفروض نجاسة المحل بالنص أو الاجماع فيقف زوال النجاسة على ما عده الشارع مطهرا، ثم ايد ذلك بصحيحة محمد بن اسماعيل المتقدمة ورواية عمار وغيرهما. اقول: وعلى هذا النهج كلام غيره من الاصحاب. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: الارض إذا اصابتها نجاسة مثل البول وما اشبهه وطلعت عليها الشمس أو هبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة فانها تطهر ويجوز السجود عليها والتيمم بترابها وان لم يطرح عليها الماء. واحتج باجماع الفرقة وقوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (2) قال: والطيب ما لم تعلم فيه نجاسة ومعلوم زوال النجاسة عن هذه الارض وانما يدعى حكمها وذلك يحتاج إلى دليل. ثم ذكر بعد هذا الكلام في موضع آخر من الكتاب: ان البول إذا اصاب موضعا من الارض فجففته الشمس طهر الموضع وان جف بغير الشمس لم يطهر. حكى ذلك عنه جملة من الاصحاب. منهم العلامة في المنتهى والمختلف، والظاهر ان دعوى العلامة الاجماع في المنتهى على الحكم المذكور مبني على رجوع الشيخ عن الحكم المذكور في كلامه الاول إلى ما ذكره في كلامه الاخير، وتأول في المختلف كلام الشيخ الاول بان مراده بهبوب الرياح المزيلة للاجزاء الملاقية للنجاسة الممازجة لها وليس مراد الشيخ ذهاب الرطوبة عن الاجزاء كذهابها بحرارة الشمس. وصاحب المعالم بناء على ما تفرد به مما قدمنا نقله عنه واوضحنا بطلانه استراح


(1) كما في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 1 ص 226 (2) سورة المائدة، الاية 6.

[ 449 ]

إلى كلام الشيخ الاول لموافقته لما توهمه من المقالة المخالفة لما عليه كافة العلماء الاعلام فقال: ولولا مخالفة الشيخ نفسه في الحكم لم يكن بذلك البعيد لما علم من ان الدليل على ثبوت التنجيس في مثله بعد ذهاب العين منحصر في الاجماع والشيخ قد ادعى الاجماع على الطهارة فلا اقل من ان يكون ذلك دليلا على انتفاء الاجماع على النجاسة. وفيه ما عرفت آنفا من دلالة صحيحة ابن بزيع وموثقة عمار على عدم الطهارة إلا بالماء كما اشار إليه في المدارك فيما قدمنا نقله عنه مضافا إلى الوجهين الاخرين اللذين تقدما في رد كلامه. (الثاني) عد جماعة من المتأخرين في ما تطهره الشمس مما لا ينقل ولا يحول الثمرة على الشجرة، وظاهر العلامة في النهاية اخراجها من ذلك حيث مثل لغير المنقول واخرج الثمرة منه فقال كالنبات والبناء دون الثمرة على الاشجار، قال في المعالم بعد نقل ذلك: وما ذكره الجماعة اولى بالاعتبار وان كان الحاقها بالمنقول إذا صارت في محل القطع اولى. وعد والده (قدس سره) في الروضة في ما تطهره الشمس مما لا ينقل الفواكه الباقية على الاشجار وان حان قطعها. وكأن المستند في ذلك عموم اطلاق رواية الحضرمي وقوله (عليه السلام) فيها: " ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر " وهو كذلك وان كان الاحتياط في ما ذكره في المعالم. (الثالث) لو انتقل كل من المنقول وغير المنقول إلى الحالة الاخرى كان المناط حال الجفاف، فلو هدم الجدار الذى فيه احجار نجسة كان تطهيرها بالماء دون الشمس، ولو طين الجدار أو السطح بطين نجس طهر بالشمس، ونقل الشيخ احمد بن فهد في الموجز عن فخر المحققين هنا قولا غريبا قال: وكان فخر المحققين يرى عموم الحكم في النباتات وان انفصلت كالخشب والالات المتخذة من النباتات، قال ويؤيده قوله في رواية الحضرمي: " ما اشرقت.. الخ " ثم قال لكن التمسك به ضعيف. اقول: يمكن ان يكون مراد فخر المحققين هو انها إذا اتخذت ابوابا أو نحوها مما يكون مثبتا كما يشير إليه لفظ الالات، وقد صرح بنحو ذلك شيخنا الشهيد الثاني في الروضة فعد من جملة

[ 450 ]

ما لا ينقل الابواب المثبتة، وإلا فصدور مثل هذا الكلام من مثل هذا المحقق بعيد جدا (الرابع) المفهوم من كلام الاصحاب وهو ظاهر النصوص ايضا ان تطهير الشمس على القول به انما يكون مع بقاء رطوبة النجاسة فلو اشرقت عليه الشمس بعد الجفاف لم تفده طهارة لكن لو بل بماء فاشرقت عليه الشمس وجففته هل يطهر ايضا ام لا ؟ الظاهر من كلام جملة من المتأخرين الاول بل الظاهر انه المشهور بينهم. اقول: يمكن الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) " ما وقعت عليه الشمس من الاماكن التى اصابها شئ من النجاسات مثل البول وغيره طهرتها " قال في الذخيرة بعد ان ذكر ان المشهور بين المتأخرين الطهارة: ويؤيده خبر زرارة السابق المذكور في الكافي والتهذيب ورواية محمد بن اسماعيل ببعض التأويلات. ويؤيد النجاسة مفهوم خبر زرارة وخبر عمار عند التأمل، والحق انه لا يصلح شئ من ذلك للدلالة فالمسألة محل تردد. انتهى. اقول: التحقيق عندي في هذا المقام هو انه ان قلنا بتخصيص ما تطهره الشمس بنجاسة البول كما هو احد الاقوال فلا دليل على التطهير في الصورة المفروضة لذهاب عين البول وهذه الرطوبة نجاسة اخرى بملاقاة المحل وان قلنا بتطهيرها لما هو اعم كما هو المشهور فلا اشكال في حصول الطهارة، وذلك لانه لا اشكال في انه لو اريق ماء نجس بنجاسة البول أو غيرها على الارض فاشرقت عليه الشمس وجففته فانها تطهره على المشهور، وما نحن فيه من قبيل ذلك فانه متى رشت الارض الجافة المتنجسة بنجاسة البول عادت النجاسة بسبب هذه الرطوبة فتصير من قبيل ما ذكرناه. (الخامس) قد نص جمع من متأخرى الاصحاب على ان الباطن في ما تطهره الشمس كالظاهر فيطهر إذا جف الجميع بها وكانت النجاسة متصلة كالارض التي دخلت فيها النجاسة، اما مع الانفصال كوجهي الحائط إذا كانت النجاسة فيهما غير خارقة


(1) البحار ج 18 ص 35.

[ 451 ]

فتختص الطهارة بما حصل عليه الاشراق. واستجوده جملة من افاضل متأخري المتأخرين وهو كذلك. وربما لاح من كلام العلامة في المنتهى اختصاص الطهارة بالظاهر حيث انه علل تطهير الشمس بوجه اعتباري فقال بعد الاستدلال بالروايات التي ذكرها ما لفظه: وبان حرارة الشمس تفيد تسخينا وهو يوجب تبخير الاجزاء الرطبة وتصعيدها والباقي تشربه الارض فيكون الظاهر طاهرا. انتهى. والظاهر ضعفه. (السادس) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في انه لو كانت النجاسة ذات جرم فانه لا تحصل الطهارة بالشمس ما لم يزل جرم النجاسة، ونقل في المدارك عن ابن الجنيد انه قال لا يطهر الكنيف والمجزرة بالشمس، ثم قال وهو حسن لمخالطة اجزاء النجاسة ترابهما، نعم لو ازيلت تلك الاجزاء وحصل التجفيف بالشمس اتجه مساواتهما لغيرهما. انتهى. وقال في الذكرى: ولا تطهر المجزرة والكنيف بالشمس لبقاء العين غالبا وكذا كل ما تبقى فيه العين. وبالجملة فالظاهر ان الحكم لا خلاف ولا اشكال فيه. (السابع) لو وضع حصيران نجسان أو باريتان كذلك احدهما على الاخر فالذي يطهر بالشمس هو الاعلى خاصة ظاهره وباطنه لانه هو الذي اشرقت عليه الشمس ولا يطهر الاخر وان جف لان جفافه انما استند إلى حرارة الشمس دون عينها والمعتبر في التطهير اشراق عين الشمس لا مجرد حرارتها. والله العالم. (المسألة الثانية) من المطهرات ايضا الارض الا ان كلام الاصحاب ايضا في هذا الباب لا يخلو من اختلاف واضطراب فانهم ما بين من خص ما يطهر بها بالخف والنعل والقدم خاصة وبين من لم يذكر القدم وبين من عدى ذلك إلى مثل النعل من خشب كالقبقاب وآخرون إلى كل ما يوطأ به ولو كخشبة الاقطع، وبعض اشترط طهارة الارض وبعض جزم بالعموم، وبعض اشترط جفافها وبعض العدم، وبعض المشي خمسة عشر ذراعا وبعض العدم، اما الاقتصار على الثلاثة الاول فالظاهر انه المشهور بل قال في المدارك انه مقطوع به

[ 452 ]

في كلام الاصحاب مع ان المفيد (قدس سره) في المقنعة قال: وإذا داس الانسان بخفه أو نعله نجاسة ثم مسحها بالتراب طهر بذلك. وهو مشعر باختصاص الحكم بهما ونحوه في كلام سلار ايضا حيث قال في رسالته: ازالة النجاسة على اربعة اضرب احدها ما يمسح على الارض والتراب وهو ما يكون في النعل والخف. ونقل عن العلامة في التحرير انه استشكل الحكم في القدم وعزى في المنتهى القول بمساواته للنعل والخف إلى بعض الاصحاب وقال ان عنده فيه توقفا. وابن الجنيد صرح في كتاب المختصر الاحمدي بالتعميم فقال وإذا وطأ الانسان برجله أو ما هو وقاء لها نجاسة رطبة أو كانت رجله رطبة والنجاسة يابسة أو رطبة فوطأ بعدها نحوا من خمسة عشر ذراعا ارضا طاهرة يابسة طهر ما ماس النجاسة من رجله والوقاء لها ولو غسلها كان احوط، ولو مسحها حتى يذهب عين النجاسة واثرها بغير ماء اجزأ إذا كان ما مسحها به طاهرا. انتهى. وقال ابن فهد في موجزه: الارض تطهر باطن النعل والقدم وكعب العكاز والصندل وكذا حكم الخف والحافر والظلف. وقال في الذكرى بعد ذكر الثلاثة المتقدمة: وحكم الصنادل حكم النعل لانه مما يتنعل به. اقول لم اقف في كلام اهل اللغة على معنى الصندل هنا ولعل المراد به القبقاب المتخذ من الخشب في زماننا. وقال الشهيد الثاني في الروضة: والمراد بالنعل ما يجعل اسفل الرجل للمشي وقاية من الارض ونحوها ولو من خشب وخشبة الاقطع كالنعل. وقال في الروض: ولا فرق بين النعل والخف وغيرهما مما يتنعل به ولو من خشب كالقبقاب، وفي الحاق خشبة الزمن والاقطع بالنعل نظر من الشك في تسميتها نعلا بالنسبة إليه، ولا يلحق بهما اسفل العكاز وكعب الرمح وما شاكل ذلك لعدم اطلاق اسم النعل عليهما حقيقة ولا مجازا. انتهى. وربما ظهر من الشيخ في الخلاف عدم طهارة اسفل الخف بمسحه في الارض حيث قال: إذا اصاب اسفل الخف نجاسة فدلكه في الارض حتى زالت يجوز الصلاة فيه عندنا، ثم قال دليلنا انا قد بينا فيما تقدم ان ما لا

[ 453 ]

تتم الصلاة فيه بانفراده جازت الصلاة فيه وان كانت فيه نجاسة والخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده وعليه اجماع الفرقة. اقول: والواجب بسط الاخبار الواردة في المسألة كملا والنظر في ما تدل عليه من الاحكام المذكورة وما لا تدل عليه: ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه وهل يجب عليه غسلها ؟ فقال لا يغسلها إلا ان يقذرها ولكنه يمسحها حتى يذهب اثرها ويصلي " وفي الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " جرت السنة في اثر الغائط بثلاثة احجار ان يمسح العجان ولا يغسله ويجوز ان يمسح رجليه ولا يغسلهما " وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن الاحول عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نطيفا ؟ قال لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك ". وعن المعلى بن خنيس (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء امر عليه حافيا ؟ فقال أليس وراءه شئ جاف ؟ قلت بلى: قال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا ". وعن محمد الحلبي في الموثق (5) قال: " نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر فدخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال اين نزلتم ؟ فقلت نزلنا في دار فلان فقال ان بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له ان بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا فقال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا. قلت فالسرقين الرطب اطأ عليه ؟ فقال لا يضرك مثله ". ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن فضالة وصفوان بن يحيى عن عبد الله بن


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 32 من النجاسات.

[ 454 ]

بكير عن حفص بن ابي عيسى (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني وطأت عذرة بخفي ومسحته حتى لم ار فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه ؟ فقال لا بأس ". وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر عن المفضل بن عمر عن محمد بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له ان طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته ؟ فقال أليس تمشي بعد ذلك في ارض يابسة ؟ قلت بلى. قال فلا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا. قلت فاطأ على الروث الرطب ؟ قال لا بأس انا والله ربما وطأت عليه ثم اصلي ولا اغسله ". وفي الحسن أو الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " كنت مع ابي جعفر (عليه السلام) إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليها فاصابت ثوبه فقلت جعلت فداك وطأت على عذرة فاصابت ثوبك ؟ فقال أليست هي يابسة ؟ فقلت بلى. قال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا ". هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة وتحقيق الكلام فيها يقع في مواضع: (الاول) لا يخفى ان صحيحة زرارة الاولى ومثلها رواية المعلى بن خنيس وكذا رواية الحلبي المنقولة في السرائر قد تضمنت باطن القدم وصرحت بانه مما يطهر بالارض، وبذلك يظهر ما في كلام العلامة ودعواه الاشكال في موضع والتوقف في آخر مع دلالة الاخبار كما ترى عليه، ورواية حفص بن ابي عيسى قد تضمنت الخف وهي مستند الاصحاب فيما تقدم نقله عنهم من عد الخف في ما يطهر بالارض، واما ما طعن به في الذخيرة تبعا لصاحب المعالم على دلالتها من انه يكفي في جواز الصلاة في الخف كونه مما لا تتم الصلاة فيه ولا يقتضي ذلك طهارته وان كان الاصحاب اوردوها في الاحتجاج فالظاهر بعده وذلك فان ظاهر كلام السائل ان سؤاله انما هو عن الطهارة


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 32 من النجاسات

[ 455 ]

بالمسح وعدمها وسؤاله عن الصلاة فيه اما بناء منه على عدم علمه بالعفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه أو المراد الصلاة الكاملة الواقعة في الطاهر، وعلى هذا فيجب في الجواب ان يكون مطابقا للسؤال وحينئذ يكون نفي البأس كناية عن الطهارة وإلا فلو كان عالما بجواز الصلاة فيما لا تتم فيه ولم يحمل سؤاله على الصلاة الكاملة فانه لا معنى للسؤال عن الصلاة فيه بل لا معنى لاصل سؤاله بالكلية كما لا يخفى وعلى هذا بنى الاستدلال بالخبر، ولعل ما تقدم نقله عن الشيخ في الخلاف مبني على ما ذكره هذان الفاضلان، إلا ان اطلاق صحيحة الاحول وموثقة الحلبي ايضا يرده لدلالتهما على ما يوطأ به، والظاهر انه إلى اطلاق هذين الخبرين استند من عمم الحكم في كل ما يوطأ به من خف أو نعل ولو من خشب ومثل خشبة الاقطع، إلا ان مقتضى ما قرروه في غير مقام من ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تنصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة بعد الحكم في مثل خشبة الاقطع وابعد منه ما ذكره بعضهم من اسفل العكاز وكعب الرمح وشيخنا الشهيد الثاني في الروض انما تنظر في خشبة الاقطع من حيث عدم صدق النعل عليها. وفيه انه وان لم يصدق عليها النعل إلا انها مما يوطأ به فتدخل تحت اطلاق صحيحة الاحول وانما يمكن المناقشة فيها من الجهة التي ذكرناها إلا انه ربما امكن ايضا شمول الحكم لها من حيث قوله (عليه السلام) في جملة من الاخبار المتقدمة: " ان الارض يطهر بعضها بعضا " بل ربما استفيد منه تطهير اسفل العصا والرمح إلا ان يجعل التعليل مقصورا على ما علل به من الافراد الواردة في تلك الاخبار، والاحتياط لا يخفى. والذي تلخص مما ذكرناه انه يستفاد من الاخبار المذكورة طهارة القدم والخف والنعل وكل ما يوطأ به مما يكون متعارفا اكثريا وفي الحاق ما عدا ذلك اشكال احوطه العدم. وصاحب المعالم لما كان اعتماده انما هو على صحاح الاخبار دون ضعيفها خرج لعموم الحكم فيما عدا القدم الذي هو مورد صحيحة زرارة وجها لا يخفى على الناظر ما فيه، قال بعد ذكر اخبار المسألة: وهذه الاخبار وان لم تكن نقية الاسانيد فانها

[ 456 ]

معتضدة بالحديث الاول الصحيح. وكونه مختصا بالقدم غير ضائر فان ثبوت الحكم فيه يقتضى ثبوته في غيره بطريق اولى، ألا ترى ان الخف والنعل لا توقف لاحد من الاصحاب في حكمهما على ما يظهر وقد حصل في القدم نوع توقف. انتهى. وفيه نظر لمنع الاولوية التي ذكرها بالنظر إلى الاخبار، واما ما استند إليه في ثبوتها من الخلاف بين الاصحاب في القدم والاتفاق على الخف والنعل ففيه (اولا) ان من خالف في القدم فهو غالط لمخالفته للاخبار المذكورة فلا يعتبر بخلافه على ان الخلاف ايضا في الخف حاصل كما تقدم في عبارة الشيخ في الخلاف. و (ثانيا) ان الكلام بالنظر إلى الاخبار لا بالنظر إلى كلام الاصحاب وليس في الاخبار ما يشير إلى اولوية الخف والنعل في هذا الحكم على القدم ان لم يكن الامر بالعكس، وبالجملة فالظاهر ان الذي الجأة إلى هذا الكلام عدم جرأته على الخروج عن ما عليه كافة الاصحاب في هذا الباب. والله العالم. (الثاني) الظاهر انه لا فرق في حصول التطهير بين كونه بالمشى أو المسح والدلك، وعلى الاكتفاء بالمسح تدل صحيحة زرارة الاولى وكذا الثانية الواردة في الاستجمار ورواية حفص بن ابي عيسى، وبذلك صرح المفيد في عبارته المتقدمة وكذا آخر عبارة ابن الجنيد، وحينئذ فما نقله الاصحاب عن ابن الجنيد من انه يشترط المشي خمسة عشر ذراعا ونحوها وكذلك ما دلت عليه صحيحة الاحول محمول على مقدار المشي الذي تزول به النجاسة غالبا وفي قوله في الخبر " أو نحو ذلك " ايماء إليه. ولا اشكال ايضا ان هذا مراد ابن الجنيد لتصريحه في آخر عبارته بالاكتفاء بالمسح كما عرفت. (الثالث) قد اختلف الاصحاب في طهارة الارض فقيل بالاشتراط وبه صرح الشهيد في الذكرى وهو صريح عبارة ابن الجنيد المتقدمة، وذهب جماعة من الاصحاب: منهم الشهيد الثاني إلى عدم الاشتراط بل ادعى (قدس سره) ان اطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق في الارض بين الطاهرة وغيرها. وهو كما ترى لتصريح من ذكرناه بالطهارة وهو ظاهر فحاوي جملة من عبائرهم ايضا نعم النصوص

[ 457 ]

مطلقة في ذلك إلا ان صحيحة الاحول مصرحة باشتراط ذلك حيث انه لما سأله عن الرجل الذي يطأ الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال: " لا بأس إذا كان ذلك المكان النظيف قدر خمسة عشر ذراعا " ففيه اشعار بان نفي البأس مخصوص بما إذا كان نظيفا بالمقدار المذكور. اقول: والاظهر عندي الاستدلال على ذلك بقوله (صلى الله عليه وآله) في ما روى عنه بعدة طرق فيها الصحيح وغيره (1) " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " وهو باطلاقه شامل لما نحن فيه فان الطهور لغة بمعنى الطاهر المطهر كما تقدم تحقيقه في صدر الباب الاول وهو اعم من ان يكون مطهرا من الحدث والخبث، والعجب من اصحابنا (رضوان الله عليهم) حيث انهم في المقام ناقشوا في اشتراط طهارة الارض ولم يلم احد منهم ممن قال بالطهارة بهذا الحديث وانما استدلوا بان النجس لا يفيد غيره تطهيرا، وفي بحث التيمم لم يذكروا دليلا على طهارة التراب سوى الاجماع، وبعض متأخري المتأخرين نقل الخبر المذكور دليلا وتنظر في الاستدلال به، وليت شعري اي معنى لهذا الخبر واين مصداقه الذي افتخر به (صلى الله عليه وآله) وذكر انه اختص به ؟ إذ لا يخفى انه لم يرد في الشرع موضع تصير فيه الارض مطهرة غير هذين الموضعين وثالثهما اناء الولوغ ولم يذكروا ايضا هذا الخبر فيه ورابعها احجار الاستجمار، وحينئذ فإذا لم تدخل هذه المواضع في مصداق الخبر ولم يجعل دليلا عليها فلا مصداق له بالكلية فكيف يقول (صلى الله عليه وآله) " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " ؟ وليس المراد الاختصاص به حتى انه يكون ذلك من خصوصياته بل المراد انما هو له ولامته، وفي اي موضع يوجد مصداقه إذا لم تدخل هذه الاشياء فيه ؟ ما هذه الاغفلة ظاهرة تبع فيها المتأخر المتقدم، ويزيد ذلك ما في دعائم الاسلام (2) حيث قال: " قالوا (عليهم السلام)


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من التيمم. (2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 25 من النجاسات.

[ 458 ]

في المتطهر إذا مشى على ارض نجسة ثم على طاهرة طهرت قدميه " انتهى. الرابع) ظاهر رواية المعلى بن خنيس ورواية الحلبي المنقولة من السرائر اشتراط جفاف الارض التي يمشي عليها، وبذلك صرح ابن الجنيد في عبارته المتقدمة، واليه ذهب جماعة من متأخري الاصحاب كما ذكره في المعالم، ونفاه العلامة في النهاية فقال: لا فرق بين الدلك بارض رطبة أو يابسة إذا عرف زوال العين اما لو وطأ وحلا فالاقرب عدم الطهارة. واقتفاه شيخنا الشهيد في الروضة والروض وذكر ان الرطوبة اليسيرة التي لا يحصل منها تعد غير قادحة على القولين. وفي المعالم جعله الاحوط، وفي المدارك نفى عنه البأس. والاظهر عندي هو القول الاول لظاهر الخبرين المتقدمين ولا معارض لهما إلا اطلاق غيرهما من الاخبار فيجب تقييده بهما كما هو القاعدة. (الخامس) ربما اشعرت صحيحة زرارة الاولى من حيث اطلاق المسح فيها بالاكتفاء بالمسح ولو بخشب أو نحوه، وهو منقول في كلام الاصحاب عن ابن الجنيد، وهو ظاهر اطلاق عبارته المتقدمة، إلا ان الظاهر حمل اطلاق الرواية المذكورة على ما هو المعهود الغالب حال المشي من كون المسح بالارض وهو الذي ينصرف إليه الاطلاق، وعلى ذلك ايضا يمكن حمل عبارة ابن الجنيد خصوصا مع تصريحه في صدرها بالارض، ويؤكده انه هو المعروف بين الاصحاب من غير خلاف يعرف، وكأنه لما ذكرنا استشكل العلامة في النهاية فقال لو دلك النعل والقدم بالاجسام الصلبة كالخشب أو مشى عليها فاشكال. وبالجملة فالظاهر الوقوف على ما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم). (السادس) ما تكرر في الاخبار من قولهم (عليهم السلام): " الارض يطهر بعضها بعضا " يحتمل ان يكون المراد به وهو الاقرب ان بعضها يطهر ما ينجس ببعض وانما اسنده إلى البعض مجازا كما يقال الماء مطهر للبول اي لنجاسة البول، فالمطهر بصيغة اسم المفعول في الحقيقة ما ينجس بالبعض لانفس البعض، ويحتمل ان يكون بعضها وهو المماس لاسفل النعل والقدم الطاهر منها يطهر بعضا وهو النعل والقدم فالبعض

[ 459 ]

الثاني عبارة عن المطهر بها، وعلى الوجه الاول يكون التطهير مخصوصا بالنجاسة التي من الارض النجسة، وقال شيخنا البهاتي في الحبل المتين. لعل المراد بالارض ما يشمل نفس الارض وما عليها من القدم والنعل والخف. انتهى. والظاهر انه ناظر إلى الاحتمال الثاني. وقيل الوجه في هذا التطهير انتقال النجاسة بالوطئ عليها من موضع إلى آخر مرة بعد اخرى حتى تستحيل ولا يبقى منها شئ. والله العالم. (المسألة الثالثة) المشهور ان النار تطهر ما احالته رمادا أو دخانا وتردد فيه المحقق في كتاب الاطعمة والاشربة من الشرائع فقال: ودواخن الاعيان النجسة عندنا طاهرة وكذا ما احالته النار فصيرته رمادا أو دخانا على تردد. ونقل عن الشيخ في المبسوط انه حكم بنجاسة الدخان النجس معللا له بانه لابد من ان يتصاعد من اجزائه قبل احالة النار لها شئ بواسطة السخونة. ورده جملة من الاصحاب بمنع تصاعد اجزاء الدهن بدون الاستحالة. وهو جيد مع انه في الخلاف ادعى الاجماع على طهارة الاعيان النجسة بصيرورتها رمادا. وقد احتج في الخلاف على ما ذكر من الحكم بالطهارة بالاستحالة رمادا بالاجماع وبصحيحة الحسن بن محبوب (1) " انه سأل ابا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ويجصص به المسجد أيسجد عليه ؟ فكتب إليه بخطه: ان الماء والنار قد طهراه ". وظاهر المحقق في المعتبر هنا المنازعة في هذا الاستدلال والتوقف في الحكم حيث قال: وفي احتجاج الشيخ اشكال، اما الاجماع فهو اعرف به ونحن لا نعلمه هنا، واما الرواية فمن المعلوم ان الماء الذي يمازج الجص هو ما يحل به وذلك لا يطهر اجماعا والنار لم تصيره رمادا وقد اشترط صيرورة النجاسة رمادا وصيرورة العظام والعذرة رمادا بعد الحكم بنجاسة الجص غير مؤثر طهارته. قال ويمكن ان يستدل باجماع الناس


(1) المروية في الوسائل في الباب 81 من النجاسات و 10 من ما يسجد عليه.

[ 460 ]

على عدم التوقي من دواخن السراجين النجسة فلو لم يكن طاهرا بالاستحالة لتورعوا منه. انتهى. واقتفى اثره العلامة في المنتهى في الكلام على الخبر المذكور كما هي عادته غالبا فقال: ان في الاستدلال به اشكالا من وجهين: (احدهما) ان الماء الممازج هو الذي يحل به وذلك غير مطهر اجماعا. و (الثاني) انه حكم بنجاسة الجص ثم بتطهيره قال وفي نجاسته بدخان الاعيان النجسة اشكال. انتهى. اقول: اما ما ذكره المحقق من المنازعة للشيخ في الاجماع فهو بمحل من النظر لموافقته له في اجماعاته التي يدعيها بل استدلاله بها في غير موضع كما لا يخفى على من تأمل كتابه، والحكم المذكور هنا لم يظهر فيه مخالف قبله حتى يكون موجبا للطعن في اجماعه وقد قرروا في اصولهم ان الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة. واما ما ذكره بعد الطعن في دليلي الشيخ من الاستدلال على الطهارة باجماع الناس على ما ذكره فهو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التخريجات الوهمية مجازفة ظاهرة. واما ما ذكره من الكلام على الاستدلال بالرواية فليس في محله فانه وكذا العلامة بعده لم يمعنا النظر في تحقيق المعنى المراد منها، وذلك فان الظاهر ان المراد منها والله سبحانه اعلم هو ان المستفاد من ظاهر السؤال هو ان العذرة تحرق على الجص ويختلط رمادها به وغرض السائل معرفة حالها بعد الاحراق وانها هل تبقى على النجاسة فيلزم تنجيس الجص بها لملاقاته لها بالرطوبة بالمزج بالماء وقت البناء ام لا ؟ فخرج الجواب عنه (عليه السلام) بانها تطهر بالاحراق والاستحالة رمادا فليس على الجص منها بأس، وهو معنى واضح ودليل مفصح لا غبار عليه. وهذا المعنى وان لم يفصح به لفظ الخبر إلا انه هو المرجع من سياقه كما ستعرف، ويؤيده ما رواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الجص يطبخ بالعذرة أيصلح ان يجصص به


(1) رواه في الوسائل في الباب 65 من احكام المساجد

[ 461 ]

المسجد ؟ قال لا بأس " لا ان المعنى فيها ما توهماه (قدس سرهما) من نجاسة الجص وانه لا يطهر بالنار لعدم الاستحالة وهو قد حكم بان تطهير النار انما هو بالاستحالة ولا بالماء الممازج له فانه لا يطهره اجماعا، وبالجملة فما ذكرناه معنى ظاهر الاستقامة. والى ما ذكرنا اشار السيد السند في المدارك فقال: ويمكن ان يستدل على الطهارة ايضا بما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن محبوب ثم ساق الرواية ثم قال: وجه الدلالة ان الجص يختلط بالرماد والدخان الحاصل من تلك الاعيان النجسة ولولا كونه طاهرا لما ساغ تجصيص المسجد به والسجود عليه والماء غير مؤثر في التطهير اجماعا كما نقله في المعتبر فتعين استناده إلى النار، وعلى هذا فيكون اسناد التطهير إلى النار حقيقة والى الماء مجازا أو يراد به فيهما المعنى المجازي. وتكون الطهارة الشرعية مستفادة مما علم من الجواب ضمنا من جواز تجصيص المسجد به ولا محذور فيه. انتهى. اقول: الظاهر انما هو المعنى الاول لان مطابقة الجواب للسؤال تقتضي حصول الطهارة ولا مطهر هنا حقيقة إلا النار كما عرفت فذكره (عليه السلام) في الجواب ولا ينافيه ضم الماء إلى ذلك لانه يمكن حمل مدخليته في التطهير هنا على ان يكون من قبيل رش الماء على الثوب أو المكان المظنون النجاسة استحبابا، وبالجملة فالغرض من الخبر بيان انه قد ورد على ذلك الجص مطهران شرعيان الماء والنار وان كان احدهما حقيقة والاخر مجازا، فلا يبقى توقف في طهارته ولا يرد السؤال بان النار إذا طهرته اولا فلا معنى لتطهيره بالماء إذ لا يلزم من ورود المطهر الثاني تأثيره في الطهارة كما عرفت بل يكفي حصول المعنى المجازي. هذا، ولا يخفى عليك ان العلة الحقيقية في الطهارة انما هي الاستحالة سواء كانت بالنار أو بغيرها لان الاحكام الشرعية تابعة لصدق الاسم فمتى انتقل الشئ عن حالته الاولى وحقيقته السابقة إلى حقيقة اخرى وسمي باسم ما صدق عليه افراد الحقيقة الثانية انتقل الحكم ايضا عما كان عليه اولا إلى حكم آخر ويخرج الخبر المذكور شاهدا على

[ 462 ]

ذلك، وبذلك صرح جملة من الاصحاب ايضا قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض. وليست الاستحالة مختصة بالنار بل هي مطهرة بنفسها ومن ثم طهرت النطفة والعلقة بصيرورتهما حيوانا والعذرة والميتة إذا صارا ترابا. وقال سبطه في المدارك في هذه المسألة: والمعتمد الطهارة لانها الاصل في الاشياء، ولان الحكم بالنجاسة معلق على الاسم فيزول بزواله. انتهى. وهو جيد. ونحن انما ذكرنا النار في عداد المطهرات مع ما سيأتي ان شاء الله تعالى من عد الاستحالة جريا على كلامهم (رضوان الله عليهم) وبذلك يظهر انه لا فرق بين الرماد والدخان في الحكم المذكور سيما مع دلالة ظاهر الخبر المذكور على ذلك، لانه لا ريب ان الجص كما اختلط بتراب العذرة والعظام فقد لاقاه دخانها ايضا فلو لم يكن طاهرا لامتنع تجصيص المسجد به وجواز السجود عليه، هذا خلف، وبذلك يظهر انه لا وجه لما ذكره الشيخ في المبسوط من حكمه بنجاسة دخان الدهن النجس ولا لتردد المحقق في الرماد والدهن في كتاب الاطعمة. قال في المعالم بعد البحث في المسألة: إذا عرفت هذا فاعلم ان مورد الحديث كما علمت هو استحالة عين النجاسة وقد وقع في كلام اكثر الاصحاب فرض المسألة كما في النص، وعمم وبعضهم الحكم على وجه يتناول المتنجس ايضا نظرا إلى ان ثبوت ذلك في اعيان النجاسات يقتضي ثبوته في المتنجس بها بطريق اولى، وهو جيد ويؤيده ملاحظة ما قررناه في تطهير الشمس من كون دليل التنجيس في امثال ذلك غالبا هو الاجماع وانتفاؤه بعد الاستحالة معلوم. انتهى. وظاهره ان ثبوت الطهارة في المسألة المذكورة بالنسبة إلى عين النجاسة بعد الاستحالة انما هو بالاجماع مضافا إلى النص المذكور واما في المتنجس فليس إلا طريق الاولوية المؤيدة بعدم الاجماع كما ذكره. وفيه نظر بل الحق في الموضعين هو ما قدمنا ذكره من تبعية الاحكام للتسمية التابعة للحقيقة التي عليها ذلك الشئ، وسيأتي في المسألة الاتية ان شاء الله تعالى مزيد ايضاح لذلك. نعم هنا مواضع قد وقع الخلاف في طهارتها بالنار مع عدم الاستحالة أو الشك فيها

[ 463 ]

(الاول) الفحم قال في المعالم: الحق بعض المتأخرين بالرماد الفحم محتجا بزوال الصورة فيه والاسم، وتوقف والدي (قدس سره) في ذلك، وكلام المتقدمين خال من التعرض له، والتوقف في محله ان كانت استحالته عن عين نجاسة اما إذا كان مستحيلا عن متنجس كالحطب النجس فليس بالبعيد طهارته نظرا إلى ما قلناه في استحالة هذا النوع رمادا. انتهى. وهو جيد إلا ان في الفرق بين عين النجاسة والمتنجس خفاء فانه ان حصلت الاستحالة والخروج عن الحقيقة الاولى والاسم التابع لها إلى حقيقة اخرى يتبعها اسم آخر فالظاهر الطهارة كما قدمناه في الموضعين وإلا فلا. (الثاني) الطين النجس إذا طبخ بالنار حتى صار خزفا أو آجرا، فذهب الشيخ في الخلاف والعلامة في النهاية وموضع من المنتهى والشهيد في البيان والمحقق الشيخ حسن في المعالم إلى القول بالطهارة، وجزم جمع من المتأخرين: منهم الشهيد الثاني بالعدم، وتوقف المحقق في المعتبر والعلامة في موضع آخر من المنتهى والسيد السند في المدارك استدل الشيخ في الخلاف بالاجماع وصحيحة الحسن بن محبوب المتقدمة، واحتج في المعالم على ذلك فقال: لنا اصالة الطهارة بالتقريب السابق في تطهير الشمس وملاحظة كون مدرك الحكم بالتنجيس في مثله بعد ذهاب العين هو الاجماع لا ريب في التفائه بعد الطبخ، كيف وقد احتج الشيخ للطهارة باجماع الفرقة فلا اقل من دلالته على نفي الاجماع على ثبوت التنجيس حينئذ وقد علم ان الاستصحاب في ما مدركه الاجماع مطرح وإذا لم يكن على الحكم بالنجاسة فيما بعد الطبخ دليل فالاصل يقتضي براءة الذمة من التكليف باجتنابه أو تطهيره أو تطهير ما يلاقيه برطوبة لاجل فعل مشروط بالطهارة. انتهى. اقول: اما ما استدل به الشيخ هنا على الطهارة فانا لا نعرفه وهو اعرف به، اما اجماعاته المدعاة في هذا الموضع وغيره فلا يخفى على العارف الخائض في الفن ما فيها، واما الرواية فلا دليل فيها على ما يدعيه بالكلية كما تقدم بيانه إذ لا اشعار فيها بنجاسة الجص قبل الحرق حتى انه بالحرق صار طاهرا ويصير الحكم في الخزف مثله.

[ 464 ]

واما ما ذكره في المدارك بعد نقل احتجاج الشيخ (قدس سره) حيث قال: وفيه اشكال منشأه الشك في تحقق الاستحالة وان كان القول بالطهارة محتملا لعدم تيقن استمرار حكم النجاسة ففيه ان ما ذكره من الاشكال باعتبار الشك في تحقق الاستحالة كما تقدم منه ايضا في باب التيمم في محله، واما ما ذكره من ان القول بالطهارة محتمل لعدم تيقن استمرار حكم النجاسة فكلام مزيف لا يخفى ما فيه على المتأمل بعين التحقيق فانه متى ثبتت النجاسة وحكم بها استمر الحكم بها حتى يثبت الرافع الشرعي والمطهر الشرعي وليس هنا إلا الاستحالة وهو لا يقول بها بل جعلها موضع شك، ولو كان مجرد خروج الشئ من حال إلى اخرى يوجب الطهارة لوجب بمقتضى ذلك الحكم بطهارة العجين النجس بخبزه وطهارة الارض بعد الرطوبة باليبوسة بالهواء ونحو ذلك وهو لا يقول به، وقد صرح به في الفرع الاول من فروع مسألة تطهير الشمس في ما لو جف بغير الشمس فقال: ويدل عليه ان نجاسة المحل بالنص فيقف زوال النجاسة على ما عده الشارع مطهرا. انتهى. وهو آت في ما نحن فيه، وبالجملة فان الاستصحاب هنا انما هو من قبيل استصحاب عموم الدليل المتفق على صحته. نعم ما ذكره يأتي في الاستصحاب المصطلح الذي هو محل النزاع بينهم وهو محل ما دل الدليل فيه على حال مخصوصة واريد تعدية الحكم إلى حالة اخرى خالية من النص لا في ما إذا كان الدليل شاملا للحالين. واما ما ذكره في المعالم فهو مبني على ما تفرد به في تطهير الشمس مما نقلناه ثمة عنه وبينا ما فيه وهو اصل متزعزع الاركان وقاعدة منهدمة البنيان بما اوضحنا من الادلة الساطعة البرهان المخالفة لما عليه كافة العلماء الاعيان، وحينئذ فمتى ثبتت النجاسة وجب استصحاب حكمها إلى ان يحصل المطهر الشرعي وليس ثبوت اصل الحكم بالاجماع خاصة كما ادعاه حتى انه بعد الطبخ حيث لا اجماع فمقتضى الاصل الطهارة، وبالجملة فان المعتبر في الحكم بالنجاسة هو ملاقاتها للشئ مع الرطوبة فانه يصير بذلك متنجسا بالاجماع نصا وفتوى وهذا الحكم لا يزول عنه إلا بتطهيره باحد المطهرات المنصوصة،

[ 465 ]

هذا هو مقتضى الاصول الشرعية والقواعد المرعية المتفق عليها بين كافة العلماء قديما وحديثا، وزوال العين لم يجعل مطهرا إلا في حالة مخصوصة متفق عليها نصا وفتوى لا مطلقا كما يدعيه في غير الثلاثة التي قدمها. احتج شيخنا الشهيد الثاني في الروض على ما ذهب إليه من النجاسة بعدم خروج الخزف عن مسمى الارض كما لم يخرج الحجر عن مسماها مع انه اقوى تصلبا منه مع تساويهما في العلة وهو عمل الحرارة في ارض اصابتها رطوبة ومن ثم جاز السجود عليهما مع اختصاصه بالارض ونباتها بشرطية. انتهى. واجاب عن ذلك ولده في المعالم فقال: هذا، وعندي ان ادعاء عدم الخروج عن الاسم هنا توهم منشأه النظر إلى الحجر وملاحظة ما ذكر من اشتراكهما في علة الصلابة وكونها في الحجر اقوى، والعرف الذي هو المحكم عند فقدان الحقيقة الشرعية وخفاء اللغوية ينادي بالفرق ويعلن بصدق اسم الارض على الحجر دون الخزف، وقد تنبه لهذا جماعة: منهم المحقق في المعتبر فقال في بحث التيمم: ان الخزف خرج بالطبخ عن اسم الارض فلا يصلح التيمم به، ثم ذكر جوازه في الحجر محتجا بانه ارض اجماعا (لا يقال) هذا مناف لتوقفه في طهارته (لانا نقول) ليس نظره في التوقف إلى عدم الخروج عن الاسم لانه توقف فيما لا ريب في خروجه وقد عرفت كلامه في الرماد وستري كلامه في ما يستحيل بغير النار. انتهى. ومن هنا يظهر ان توقف من توقف في المسألة للشك في الخروج وعدمه في محله. والله العالم. (الثالث) العجين المعجون بماء نجس هل يطهر بخبزه ام لا ؟ المشهور العدم وقال الشيخ في النهاية في باب المياه: فان استعمل شئ من هذه المياه النجسة في عجين يعجن به ويخبز لم يكن بأس باكل ذلك الخبز فان النار قد طهرته. وقال في باب الاطعمة من الكتاب المذكور: وإذا نجس الماء بحصول شئ من النجاسات فيه ثم عجن به وخبز لم يجز اكل ذلك الخبز وقد رويت رخصة في جواز اكله وذلك ان النار قد طهرته

[ 466 ]

والاحوط ما قدمناه. واختلف كلامه ايضا في كتابي الحديث فافتى في الاستبصار بالطهارة وفي التهذيب بعدمها. واحتج في المعالم بعد اختياره القول المشهور من عدم الطهارة فقال: لنا اصالة النجاسة إذ المفروض كون الماء نجسا والنار لا تخرج من العجين المخبوز جميع الماء وانما تجفف بعض رطوبته فيفتقر الحكم بطهارة باقي الرطوبة إلى الدليل (لا يقال) يلزم على هذا طهر الاجزاء التي تجففها النار من رطوبة الماء رأسا لزوال المقتضي لاستصحاب النجاسة حينئذ (لانا نقول) مدار غالب احكام النجاسات على الاجماع ومن البين ان الخلاف هنا منحصر في القول بالبقاء على النجاسة مطلقا والقول بطهارته إذا صار خبزا مطلقا والتمسك باستصحاب النجاسة ينفي القول الثاني، واما احتمال الطهارة إذا صار خبزا يابسا فانما ينفيه فرض انحصار الخلاف في القولين إذ لا مساغ لاحداث الثالث على ما يقتضيه اصول الاصحاب، وقد بينا هذا في مبحث الاجماع من مقدمة الكتاب. انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره في صدر كلامه جيد وبه استدل جملة من الاصحاب إلا انه في سؤالاته لنفسه واجوبته قد ناقض نفسه في ما تقدم نقله عنه في تطهير الشمس فانه قد قال ثمة بعد ان ذكر انحصار وجوب التطهير بعد زوال العين في الثوب والبدن والآنية دون غيرها ما لفظه: (فان قلت) كأن الاتفاق واقع على ان للنجاسات المعلومة اثرا في كل ما تلاقيه برطوبة مستمرا إلى ان يحصل المطهر الشرعي فيفتقر كل نوع من انواع المطهرات إلى دليل يثبته (قلت) هذا كلام ظاهري يقع في خاطر العاجز عن استنباط بواطن الادلة ويلتفت إليه القانع بالمجمل عن التفاصيل وما قررناه امر وراء ذلك، وبالجملة فالذي يقتضيه التحقيق انه لا معنى لكون الشئ نجسا إلا دلالة الدليل الشرعي على التكليف باجتنابه في فعل مشروط بالطهارة أو ازالة عينه أو اثره لاجله وان ما لا دليل فيه على احد الامرين فهو على اصل الطهارة بمعنى اصالة براءة الذمة من التكليف فيه باحدهما.. إلى آخر ما تقدم.

[ 467 ]

اقول: لا ريب في دخول الخبز اليابس بالنار أو الهواء في ما ذكره من الافراد التي يجب بمقتضى تحقيقه الحكم فيه بالطهارة كالارض التي تجف بغير الشمس، وتوقفه هنا على وجود القائل به يدفعه قوله بما ذهب إليه من هذا القول الذي تفرد به فان عامة الاصحاب قديما وحديثا كما لا يخفى على من راجع كتبهم وكلامهم على ان النجاسات متى اثرت في شئ بملاقاتها له برطوبة وجب استصحاب ذلك إلى وجود المطهر الشرعي وهو قد ذهب إلى طهارته بمجرد زوال العين في غير الثوب والبدن والانية، فاللازم هنا هو طهارة الخبز الذي عجينه نجس باليبس وزوال الماء النجس كيف اتفق كما لا يخفى إذ العلة في الموضعين واحدة والتستر عن ذلك بلزوم احداث قول ثالث في هذا المقام تستر بما هو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، فان انتشار الخلاف وتكثر الاقوال في المسائل الشرعية بين المتأخرين مما لم يوجد في كلام المتقدمين ولو صحت هذه القاعدة لم يبلغ الامر إلى ذلك، على ان الاصل الذي بنى عليه كما عرفت انما احدثه هو خاصة ولم يقل به احد قبله بل عبائر الاصحاب كلها على خلافه وان سجل عليه بما سجل واكثر بما طول، وبالجملة فظهور المنافاة بين كلاميه مما تقدم في مسألة تطهير الشمس وما ذكره هنا اوضح من ان يحتاج إلى تطويل وان تستر عنه بما لا اعتماد عليه ولا تعويل. وكيف كان فالواجب الرجوع إلى الروايات الواردة في المقام وبيان ما يفهم منها من الاحكام: فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه قال وما احسبه إلا حفص بن البختري (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به ؟ قال يباع ممن يستحل اكل الميتة ". وفي الصحيح عن ابن ابي عمير ايضا عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " يدفن ولا يباع ".


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب الاسآر.

[ 468 ]

وما رواه ثقة الاسلام والشيخ عن زكريا بن آدم (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم ؟ قال فقال فسد. قلت ابيعه من اليهود والنصارى وابين لهم ؟ قال نعم فانهم يستحلون شربه " وبمضمون هذه الرواية افتى في الفقيه من غير اسنادها إلى الامام فقال: " وان قطر خمر أو نبيذ في عجين فقد فسد فلا بأس ببيعه من اليهود والنصارى بعد ان يبين لهم ". وفي الصحيح عن ابن ابي عمير ايضا عن من رواه عن الصادق (عليه السلام) (2) " في عجين عجن وخبز ثم علم ان الماء كان فيه ميتة ؟ قال لا بأس اكلت النار ما فيه ". وعن عبد الله بن الزبير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز ؟ قال إذا اصابته النار فلا بأس باكله ". اقول: والظاهر ان مستند الشيخ في ما تقدم نقله عنه من الطهارة بالخبز هو الخبران الاخيران، ورده المتأخرون بعد الطعن بضعف السند بالطعن في الدلالة (اما الاول) فلان الميتة اعم من الطاهرة والنجسة ولا دلالة في الخبر على كونها من ذوات الانفس النجسة بالموت. و (اما الثاني) فهو موقوف على القول بنجاسة البئر والاظهر طهارتها وهذا الخبر من جملة الاخبار الدالة على ذلك، ونفي البأس عن اكله بعد اصابة النار انما هو كناية عن الاستقذار المتوهم مما في الماء كما يشير إليه قوله في الخبر الاول " اكلت النار ما فيه " ومن المحتمل قريبا ان المراد بالماء في رواية ابن ابي عمير الثالثة انما هو ماء البئر. وحينئذ فلا فرق بين كونها نجسة العين أو طاهرة بناء على عدم نجاسة البئر بالملاقاة، وبالجملة فالظاهر هو القول المشهور لاصالة بقاء النجاسة حتى يحصل


(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من النجاسات. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق.

[ 469 ]

المطهر الشرعي كما عليه جملة الاصحاب في هذا الباب وتخرج الروايات الثلاث المتقدمة شاهدة على ذلك. بقي الكلام هنا في مسألتين: (احداهما) ان الرواية الاولى تضمنت انه يباع ممن يستحل الميتة والثانية تضمنت انه يدفن ولا يباع. ويمكن الجمع بينهما بحمل النهي عن البيع على البيع على المسلم من غير اعلام وإلا فبيعه على المسلم مع الاعلام لا اشكال في جوازه بل الظاهر انه لا خلاف فيه كالدهن النجس ونحوه فان له منافع محللة. و (ثانيتهما) ان الرواية الاولى تضمنت انه يباع من اهل الذمة وبه صرح الشيخ في النهاية وهو ظاهر المشهور بين الاصحاب ايضا، ومنع ابن ادريس من ذلك وذهب إلى انه لا يجوز بيعه مطلقا وقال ان الرواية الواردة بذلك متروكة فلا عمل عليها لانها مخالفة لاصول مذهبنا ولان الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: " إذا حرم الله شيئا حرم ثمنه " (1) واجاب العلامة في المختلف بعد اختياره مذهب الشيخ عن كلام ابن ادريس بان هذا في الحقيقة ليس بيعا وانما هو استنقاذ مال الكافر من يده برضاه فكان سائغا. انتهى. وهو مؤذن بتوقفه في الحكم بصحة البيع، وبذلك صرح في المنتهى فقال: واما ما تضمنته الرواية من البيع ففيه نظر والاقرب انه لا يباع لرواية ابن ابي عمير فان استدل بما رواه ابن ابي عمير وذكر الرواية الاولى، ثم قال والجواب انها معارضة لما قدمناه ويمكن ان يحمل على البيع على غير اهل الذمة وان لم يكن ذلك بيعا حقيقة. وعندي في ما ذكره ابن ادريس وكذا ما ذكره العلامة في المنتهى نظر


(1) لم يرد هذا الحديث بهذا اللفظ في كتب الاخبار لا من طرق الخاصة ولا من طرق العامة نعم ورد في حديث ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله " ان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم ثمنه عليهم " وقد رواه احمد في المسند ج 1 ص 247 وص 293 والبيهقي في السنن ج 6 ص 13 وابو داود في السنن ج 2 ص 280 وابن الدتيع في تيسير الوصول ج 1 ص 55 والشوكاني في نيل الاوطار ج 5 ص 121.

[ 470 ]

(اما اولا) فلما قدمنا الاشارة إليه من انه عين مملوكة يجوز الانتفاع بها نفعا محللا في علف الحيوان كالدهن النجس للاستصباح وغيره فلا مانع من بيعه، نعم إذا باعه على مسلم فظاهر الاصحاب وجوب اعلامه وان لم اقف فيه على دليل واما بيعه على الكافر المستحل لذلك فلا يتوقف على الاعلام. و (اما ثانيا) فلتظافر الاخبار بذلك ومنها رواية زكريا بن آدم المتقدمة وصحيحة ابن ابي عمير الاولى وحسنة الحلبي أو صحيحته عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة ثم ان الميتة والذكي اختلطا كيف يصنع ؟ قال يبيعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه.. " وصحيحته الاخرى ايضا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سمعته يقول إذا اختلط الذكي بالميت باعه ممن يستحل الميتة.. " ومع دلالة هذه الاخبار على الحكم المذكور فلا مجال للتوقف فيه ولا ضرورة إلى ما تكلفه العلامة في المختلف من التأويل. واما ما استند إليه ابن ادريس من الحديث الذي نقله ففيه انه بعد صحته وثبوته فغايته ان يكون مطلقا وهذه الاخبار مع تكاثرها وصحتها خاصة فيجب تقييد اطلاق ذلك الخبر بها كما هو القاعدة المتكررة في كلامهم. بقي ان رواية زكريا ابن آدم تضمنت الاعلام قبل البيع إلا ان ذلك في كلام السائل فلا يتقيد به الحكم المذكور لكن ظاهر عبارة الصدوق المتقدمة تقييد الحكم بذلك في البيع على اهل الذمة واليه يشير كلام العلامة في المنتهى وقوله: " ويمكن ان يحمل على البيع على غير اهل الذمة " ويمكن توجيه ذلك بانهم مع القيام بشرائط الذمة يعاملون معاملة المسلمين فلا يباع عليهم الا مع الاعلام. إلا ان فيه ان رواية زكريا المشتملة على ذلك وهي التي اخذ الصدوق عبارته منها تضمنت انهم يستحلون شربه فاي


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 36 من الاطعمة المحرمة.

[ 471 ]

فائدة تترتب على الاعلام، وبالجملة فالاشكال في عبارة الصدوق لا في الرواية لما عرفت. والله العالم. (المسألة الرابعة) من المطهرات عند الاصحاب الاستحالة إلا انهم قد اتفقوا على مواضع منها واختلفوا في مواضع: فاما ما وقع عليه الاتفاق فالنطفة والعلقة إذا استحالتا حيوانا طاهرا والخمر إذا انقلب خلا والدم إذا صار قيحا، وقد نقل العلامة في المنتهى الاجماع في كل من هذه المذكورات واضاف إلى القيح الصديد ايضا، وفيه كلام تقدم في آخر الفصل الرابع في نجاسة الدم وهو ان الصديد قيح يخالطه الدم كما لا يخفى، ومن ذلك ايضا استحالة الماء النجس بولا لحيوان مأكول اللحم والغذاء النجس روثا لحيوان مأكول اللحم. واما ما وقع فيه الخلاف من الافراد فمنه ما تقدم في مسألة التطهير بالنار، ومنه الكلب إذا وقع في المملحة فصار ملحا فذهب المحقق في المعتبر والعلامة في عدة من كتبه إلى عدم الطهارة، قال في المنتهى: إذا وقع الخنزير وشبهه في ملاحة فاستحال ملحا والعذرة في البئر فاستحالت حمأة لم تطهر وهو قول اكثر اهل العلم خلافا لابي حنيفة (1) وبنحو ذلك صرح المحقق في المعتبر، واحتجا بان النجاسة قائمة بالاجزاء لا بالصفات فلا تزول بتغير اوصاف محلها وتلك الاجزاء باقية فتكون النجاسة باقية لانتفاء ما يقتضي ارتفاعها. والمشهور في كلام المتأخرين عنهما هو القول بالطهارة لما قدمنا ذكره في بحث تطهير النار من ان الاحكام تابعة للاسم الجاري على حقائق الاشياء وجارية على ذلك، والكلب بعد استحالته ملحا قد صارت حقيقته إلى حقيقة الملح وسمي باسم آخر باعتبار ما صار إليه، فما ورد من الاخبار الدالة على نجاسة الكلب لا تصدق في محل البحث والاخبار الدالة على طهارة الملح وحله جارية عليه في هذه الحالة بعين ما وافقوا عليه في الافراد المتقدمة، ولو صحت هذه التعليلات العليلة لجرت ايضا فيما وافقوا على طهارته بالاستحالة.


(1) كما في البحر الرائق ج 1 ص 227.

[ 472 ]

ولا بأس بالتعرض لنقل كلام جملة من الاصحاب في الباب ليزول عنك الشك فيما ذكرنا والارتياب. قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بعد ان ذكر عبارة المصنف المؤذنة بالتوقف في الحكم المذكور في بيان وجهي التوقف: من ان اجزاء النجاسة باقية لم تزل وانما تغيرت الصورة وكما ان النجاسة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل كذا حصول الطهارة موقوف على الدليل ولم يثبت، ومن ان مناط النجاسة هي تلك الصورة مع الاسم لان احكام الشرع جارية على المسميات بواسطة الاسماء لان المخاطب بها كافة الناس فينزل على ما هو المتفاهم بينهم عرفا أو لغة كما يليق بالحكمة، ولا ريب ان الذي كان من افراد نوع الكلب قبل الاستحالة بحيث يصدق عليه اسمه قد زال عنه ما كان وصار في الفرض من افراد الملح بحيث لا يصدق عليه ذلك الاسم بل يعد اطلاقه غلطا، وكذا القول في العذرة بعد صيرورتها ترابا فيجب الان ان تجري عليها الاحكام المترتبة شرعا على التراب والملح، على ان جميع ما اجمعوا على طهارته من نحو العذرة تصير دودا والمني يصير حيوانا طاهر العين ونحو ذلك لا يزيد على هذا، فكان التوقف في الطهارة هنا لا وجه له. انتهى كلامه. وهو جيد وجيه وبالجملة فان المعلوم من الشرع والنصوص الواردة عن اهل الخصوص (عليهم السلام) هو دوران الاحكام مدار الاسماء الثابتة لتلك المسميات فإذا حكم الشارع بنجاسة الكلب مثلا أو العذرة بقى الحكم ثابتا ما ثبت هذا الاسم وإذا حكم بطهارة الملح وحله وطهارة التراب ثبت ايضا ما ثبت الاسم كائنا ما كان، وقد تقدم كلام صاحب المدارك في ذلك في سابق هذه المسألة ونحوه كلام جده، وقال المحقق الشيخ حسن في المعالم في هذه المسألة بعد نقل القول بالنجاسة عن الفاضلين والطهارة عن فخر المحققين والمحقق الشيخ علي والشهيد ووالده ما صورته: وهو الاظهر لنا ان الحكم بالنجاسة منوط بالاسم كما هو الشأن في سائر الاحكام الشرعية فيزول بزواله والمفروض في محل النزاع انتفاء صدق الاسم الاول ودخوله تحت اسم آخر فيجب زوال الحكم الاول ولحوق

[ 473 ]

احكام الاسم الثاني له، ثم نقل حجة الفاضلين المتقدمة وقال: والجواب ان قيام النجاسة بالاجزاء مسلم لكن لا مطلقا بل بشرط الوصف لانه المتبادر من تعليق الحكم بالاسم والمعهود في الاحكام الشرعية ولا ريب في انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه. انتهى. وهو جيد وجيه. فرعان (الاول) قد نبه جملة من الاصحاب في الصورة المفروضة على اشتراط كرية ماء المملحة، والظاهر ان الوجه فيه تنجس الماء والارض لو كان الماء اقل من كر وكذا الملح الملاقي له في المملحة، فطهارته بالاستحالة بعد تنجس جميع ذلك لا يجدي في زوال النجاسة العارضة به اولا وكذا استحالة الماء ملحا بعد نجاسة ارضه لا يجدي في زوال النجاسة عنه. (الثاني) ينبغي ان يعلم ان طهارة العذرة مثلا باستحالتها ترابا والحكم بطهارة التراب في الصورة المذكورة انما هو فيما إذا كانت العذرة التي كانت في الارض يابسة ثم استحالت اما لو كانت رطبة ثم استحالت فان الارض قد تنجست بها في حال الرطوبة فهي وان استحالت إلا ان الارض باقية على النجاسة بذلك السبب وان كانت عرضية، وهكذا كل نجاسة رطبة استحالت ارضا. واما باقي المطهرات العشرة كما عده الاصحاب فمنه الاسلام والامر فيه ظاهر، والانقلاب وقد تقدمت الاشارة إليه في الاستحالة بانقلاب الخمر خلا والعصير، وعليه تدل جملة من الاخبار ومنها موثقة عبيد بن زرارة (1) قال " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعله خلا ؟ قال لا بأس " وموثقة اخرى له ايضا عن الصادق (عليه السلام) (2) انه قال: " في رجل باع عصيرا فحبسه السلطان حتى


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 31 من الاشربة المحرمة.

[ 474 ]

صار خمرا فجعله صاحبه خلا ؟ فقال إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس " وفي هذا الخبر كما ترى دلالة على ما قدمنا ذكره من تبعية الاحكام الشرعية للاسم طهارة ونجاسة وحلا وحرمة ومنها نقصان العصير وقد تقدم جملة من الاخبار الدالة عليه في فصل نجاسة الخمر. ومنها الانتقال كالدم المنتقل إلى البعوضة والقمل ونحوهما والحكم فيه ايضا مما لا خلاف فيه ولا اشكال يعتريه والله العالم. (المقصد الثالث) في الاواني والكلام يقع في حكم تطهيرها وبيان ما يجوز استعماله منها وما لا يجوز فالكلام في هذا المقصد يقع في مطلبين: (الاول) في حكم تطهيرها وفيه مسائل: (الاولى) اختلف الاصحاب في كيفية تطهير الاناء من ولوغ الكلب بالماء القليل، فالمشهور انه يطهر بغسله ثلاث مرات اولاهن بالتراب. وقال المفيد (قدس سره) في المقنعة يغسل ثلاثا وسطاهن بالتراب ثم يجفف. واطلق جملة من الاصحاب: منهم المرتضى (رضي الله عنه) والشيخ في الخلاف انه يغسل ثلاثا احداهن بالتراب وقال الصدوق في الفقيه بعد تقدم ذكر الاناء: " وان وقع فيه كلب أو شرب منه اهريق الماء وغسل الاناء ثلاث مرات مرة بالتراب ومرتين بالماء ثم يجفف " وكذا نقله عن ابيه في الرسالة ايضا بعين هذه العبارة، وقال ابن الجنيد في مختصره: " والاواني إذا نجست بولوغ الكلب أو ما جرى مجراه غسل سبع مرات اولاهن بالتراب ". والذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة صحيحة ابي الفضل البقباق المروية في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الكلب فقال رجس نجس لا يتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب اول مرة ثم بالماء " وروى هذه الرواية المحقق في المعتبر وكذا العلامة في المنتهى وزاد لفظ " مرتين " بعد قوله " بالماء ". وما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2): " ان وقع كلب في الماء أو شرب منه اهريق الماء وغسل الاناء ثلاث مرات مرة بالتراب ومرتين بالماء ثم


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من الاسآر و 12 من النجاسات. (2) ص 5.

[ 475 ]

يجفف " انتهى. ومن هذه العبارة اخذ الصدوق في الفقيه وكذا في المقنع وابوه في الرسالة ما ذكراه حسبما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى في جملة من الاحكام الاتية في كتاب الصلاة والكتب التي بعده. وما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الاناء الذي يشرب فيه النبيذ ؟ قال تغسله سبع مرات وكذلك الكلب " والظاهر ان هذا الخبر مستند ابن الجنيد في ما نقل عنه من السبع والخبر وان كان خاليا من ذكر التراب إلا انه يمكن اخذه من الخبر المتقدم. وتحقيق البحث في المسألة يتوقف على بسط الكلام في موارد: (الاول) مورد الخبرين المتقدمين شرب الكلب من الاناء والاصحاب عبروا في هذا الموضع بالولوغ وهو لغة على ما نص عليه في الصحاح وغيره شرب الكلب بطرف لسانه، وزاد في القاموس ادخال لسانه في الاناء وتحريكه. ونص جماعة من متأخري الاصحاب على ان لطع الكلب بلسانه اي لحسه للاناء في معنى الولوغ ايضا وان لم يصدق عليه اسمه حقيقة نظرا إلى انه اولى بالحكم من الولوغ فيتناوله الدليل بمفهوم الموافقة، وصرح به في المدارك واستحسنه في المعالم وهو غير بعيد. ونص العلامة في النهاية على انه لو حصل اللعاب بغير الولوغ فالاقوى الحاقه به إذ المقصود قلع اللعاب من غير اعتبار السبب، قال وهل يجري عرقه وسائر رطوباته واجزائه وفضلاته مجرى لعابه ؟ اشكال الاقرب ذلك لان فمه انظف من غيره ولهذا كانت نكهته اطيب من غيره من الحيوانات لكثرة لهثه، مع انه قال في المنتهى: لا يغسل بالتراب إلا من الولوغ خاصة فلو ادخل الكلب يده أو رجله أو غيرهما كان كغيره من النجاسات، ثم نقل عن ابن بابويه التسوية بين الوقوع والولوغ ونقل اقوال بعض العامة ثم اجاب عنه بانه تكليف غير معقول المعنى فيقف على النص وهو انما دل


(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من الاشربة المحرمة.

[ 476 ]

على الولوغ، ثم نقل حجة المخالف بان كل جزء من الحيوان يساوي بقية الاجزاء في الحكم، ثم اجاب بان التساوي ممنوع والفرق واقع إذ في الولوغ تحصل ملاقاة الرطوبة اللزجة للاناء المفتقرة إلى زيادة في التطهير. وقد اقتفى في هذه الحجة المحقق في المعتبر ومنها يعلم الجواب عما صار إليه في النهاية، ومن العجب انه قال فيها بعد الكلام المتقدم بسطر واحد تقريبا: ولو ادخل يده أو رجله أو غيرهما من اجزائه كان كغيره من النجاسات وقيل بمساواته للولوغ، والاصحاب قد نقلوا عن ابني بابويه الحاق الوقوع بالولوغ وردوه بعدم الدليل. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهما: والمشهور بين الاصحاب قصر الحكم على الولوغ وما في معناه وهو اللطع، والوجه فيه ظاهر إذ النص انما ورد في الولوغ وادعاء الاولوية في غيره مطلقا في حيز المنع وبدونها يكون الالحاق قياسا. انتهى. اقول: العذر لهم واضح حيث انهم لم يقفوا على هذا الكتاب الذي هو مستندهم في جميع ما يستغربونه من الاحكام التي يقول بها ولم يوجد مستندها في الكتب المشهورة. لكن الاولى بهم في مثل المقام ان يحملوا كلامهما على وصول خبر اليهما ولم يصل إلى المتأخرين حيث انهما من ارباب النصوص الذين لا يعولون إلا عليها على الخصوص لا على مفهوم اولوية ولا قياس ولا نحوهما مما لا يخرج عن شبهة الالتباس، وبالجملة فقد عرفت مستندهما في ما ذكرناه فلا ورود لما اورد عليهما. والعجب ايضا ان ممن صرح بالحاق الوقوع بالولوغ المفيد (قدس سره) والظاهر ان مستنده ايضا في ذلك هو الكتاب المذكور وان كانت عبارته على غير نهج عبارة الكتاب حيث قال: إذا شرب منه كلب أو وقع فيه أو ماسه ببعض اعضائه فانه يهراق ما فيه من ماء ثم يغسل مرة بالماء ومرة ثانية بالتراب ومرة ثالثة بالماء ويجفف ويستعمل. ومنه يظهر قوة ما ذهب إليه في النهاية بالنسبة إلى اجزاء الكلب. نعم ما ذكره زيادة على ذلك من عرقه وسائر رطوباته محل توقف لعدم الدليل.

[ 477 ]

(الثاني) المشهور بين الاصحاب من غير خلاف يعرف متقدميهم ومتأخريهم هو وجوب المرتين بالماء مع ان الخبر الذي نقله الشيخ خال من ذلك ولفظ المرتين انما وجد في الخبر بنقل المعتبر ومن اجل ذلك اعترضهم في المدارك فقال بعد نقل الخبر عن الشيخ: كذا وجدته في ما وقفت عليه من كتب الاخبار ونقله كذلك الشيخ (قدس سره) في مواضع من الخلاف والعلامة في المختلف إلا ان المصنف في المعتبر نقله بزيادة لفظ " مرتين " بعد قوله: " اغسله بالماء " وقلده في ذلك من تأخر عنه، ولا يبعد ان تكون الزيادة وقعت سهوا من قلم الناسخ، ومقتضى اطلاق الامر بالغسل الاكتفاء بالمرة الواحدة بعد التعفير إلا ان ظاهر المنتهى وصريح الذكرى انعقاد الاجماع على تعدد الغسل بالماء فان تم فهو الحجة وإلا امكن الاجتزاء بالمرة لحصول الامتثال بها. انتهى اقول: ان ذكر المرتين لو اختص بمن تأخر عن المحقق لتم ما ذكره ولكنه موجود في كلام المتقدمين كالشيخين والصدوقين والمرتضى وغيرهم. واما ما ادعاه من توهم السهو في النقل فقد اجاب عنه شيخنا البهائي في الحبل المتين بان عدم اطلاعنا على هذه الزيادة في الاصول المتداولة في هذا الزمان غير قادح وان كلام المحقق في المعتبر يعطي انه نقل بعض الاحاديث المذكورة من كتب ليست في ايدي اهل زماننا إلا اسماؤها ككتب الحسن بن محبوب واحمد بن محمد بن ابي نصر والحسين بن سعيد والفضل بن شاذان وغيرهم، ولعله (قدس سره) نقل هذه الزيادة من بعض هذه الكتب. انتهى. وهو جيد، ويؤيده ما عرفت من تصريح اساطين الفرقة الناجية بذلك ووجود ذلك في كتاب الفقه فلا مجال للتوقف فيه. (الثالث) قد عرفت مما تقدم انه اطلق جملة من الاصحاب الغسل ثلاثا احداهن بالتراب، وبعض قيد بتقديم التراب وبعض جعله متوسطا، وظاهر الجميع الاتفاق على عدم جواز التأخير. بقي الكلام في القولين المذكورين وصحيحة البقباق

[ 478 ]

قد صرحت بالتقديم. واما القول بالتوسط كما ذهب إليه شيخنا المفيد فلم نقف له على مستند. (الرابع) اختلف الاصحاب في الغسلة التي بالتراب هل يجب المزج فيها بالماء ام لا ؟ فذهب إلى الاول الراوندي وابن ادريس ومال إليه العلامة في المنتهى خاصة، والمشهور العدم لكنهم بين ساكت عن حكم المزج وبين مصرح بجوازه واجزائه في التطهير، وممن صرح بالاجزاء الشهيد في الدروس والبيان وهو ظاهر الشهيد الثاني في المسالك ايضا إلا انه اشترط بان لا يخرج التراب بالمزج عن اسمه. قال ابن ادريس على ما نقله عنه العلامة في المختلف: كيفية غسله بالتراب ان يمزج الماء بالتراب ثم يغسل به الاناء اول مرة لان حقيقة الغسل جريان المائع على المحل. وقال في المنتهى قال ابن ادريس الغسل بالتراب غسل بمجموع الامرين منه ومن الماء لا يفرد احدهما عن الاخر إذ الغسل بالتراب لا يسمى غسلا لان حقيقته جريان المائع على الجسم المغسول والتراب وحده غير جار، وفي اشتراط الماء نظر وان كان ما قاله قويا. انتهى. اقول: ومن هذا الكلام علم دليل القول المذكور وملخصه ان حقيقة الغسل جريان المائع على الجسم المغسول والتراب وحده لا يحصل به الجريان فيعتبر مزجه بالماء تحصيلا لحقيقة الغسل. واجاب عنه المحقق الشيخ علي بانه خيال ضعيف فان الغسل حقيقة اجراء الماء فالمجاز لازم على تقدير ذلك مع ان الامر بغسله بالتراب والممزوج ليس ترابا. واجاب عنه الشهيد في الذكرى تبعا للعلامة في المختلف بانه لا ريب في انتفاء الحقيقة على التقديرين والخبر مطلق فلا ترجيح. وهو يرجع في الحقيقة إلى الاول وتوضيحه ان ادعاء صدق مفهوم الغسل مع المزج ان كان بالنظر إلى الحقيقة فالمزج ليس بمحصل لحقيقة الغسل قطعا إذ الغسل حقيقة انما هو بالماء أو نحوه من المائعات المشابهة له، وان كان باعتبار المجاز فهو صادق بالتراب وحده، وليس على ترجيح

[ 479 ]

احد المجازين دليل، والاطلاق الواقع في الخبر يدل بظاهره على الاكتفاء باقل ما يتحقق معه الاسم فيحتاج اثبات الزائد عليه إلى دليل. ويمكن دفعه بان يقال التراب الممتزج وان لم يسم غسلا حقيقة إلا انه اقرب إلى حقيقة الغسل من الدلك بالتراب وحده ومع تعذر الحقيقة يصار الى اقرب المجازات إلا انه ربما تطرق القدح ايضا إلى هذا الوجه بانه على تقدير المزج يلزم ارتكاب تجوزين (احدهما) في الغسل كما اعترف به و (ثانيهما) في التراب فان الممزوج بالماء على وجه يحصل فيه الجريان لا يسمى ترابا كما تقدم في كلام المحقق الشيخ علي، واما على الوجه الاخر وهو الغسل بالتراب وحده فانما يلزم ارتكاب مجاز واحد في لفظ الغسل. وربما بنى الكلام في المقام على معنى الباء في قوله (عليه السلام) " بالتراب " فان حملناها على الاستعانة كما في قولهم " كتبت بالقلم " والظرف حينئذ لغو ومتعلقه خاص مذكور تعين التجوز في لفظ الغسل بارادة الدلك منه بنوع من العلاقة وكان الخبر واضح الدلالة على القول المشهور، وان حملناها على المصاحبة كما في قولهم " دخلت عليه بثياب السفر " فالظرف على هذا التقدير حال من الغسل المدلول عليه بالامر وهو حينئذ مستقر لكون متعلقه امرا عاما واجب الحذف وهو الكون والاستقرار كما قرر في محله من الكتب النحوية، وعلى هذا فلا حاجة إلى التجوز في الغسل بل يبقى على حقيقته إلا انه يحتاج الكلام إلى تقدير متعلق الجار ويصير حاصل الكلام واغسله حال كون الغسل كائنا بمصاحبة التراب، وليس في هذا الوجه ما ربما يستبعد به إلا تقدير متعلق الجار وهو وان كان خلاف الاصل إلا ان مقتضى القواعد النحوية ذلك، وبهذا الوجه يكون الخبر حجة لابن ادريس ومن قال بمقالته وربما رجح ايضا بقلة استعمال الغسل في الدلك بالتراب وبعده عن الفهم وليس الاضمار لمتعلق الجار بهذه المثابة بل هو شائع الاستعمال. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من الاشكال لما عرفت والاحتياط بالتراب وحده والتراب الممزوج مما لا ينبغي تركه.

[ 480 ]

تذنيب قال العلامة في التذكرة. ان قلنا بمزج التراب بالماء فهل يجزئ لو صار مضافا ؟ اشكال، وعلى تقديره هل يجزئ عوض الماء ماء الورد وشبهه ؟ اشكال، وبنى الحكم في النهاية على ان التعفير هل ثبت تعبدا أو استظهارا في القلع بغير الماء ؟ فعلى الاول يتوقف فيه مع ظاهر النقل وعلى الثاني يجزئ عوض الماء غيره من المائعات كالخل وماء الورد ولا يضر خروج الماء عن الاطلاق بالمزج بطريق اولى. اقول: انت خبير بان الظاهر ان الامر بالتعفير انما هو تعبد شرعي والتعليل بازالة الاجزاء اللعابية علة مستنبطة مع تخلفها في كثير من الموارد كما لا يخفى، والمعلوم من الشرع عدم مدخلية غير الماء المطلق في التطهير مطلقا، وصدق التراب مع صيرورة الماء به مضافا لا يخلو من اشكال، وبالجملة فان ادخال هذه الفروع في المسألة لا يخلو من الاشكال. (الخامس) قد نص جمع من الاصحاب على اشتراط طهارة التراب التفاتا إلى ان المطلوب منه التطهير والنجس لا يطهر، واحتمل العلامة في النهاية اجزاء النجس ووجهه بان المقصود من التراب الاستعانة على القلع بشئ آخر وشبهه حينئذ بالدفع بالنجس وانت خبير بما فيه لان التعليل بما ذكره وان تكرر في كلام جملة منهم إلا انه غير معلوم من النص بل هو علة مستنبطة باهل القياس انسب. وظاهر كلام صاحبي المعالم والمدارك الجواز بالنجس نظرا إلى اطلاق النص إلا انه قال في المعالم بعد بذلك: ولعل ارادة الطاهر تتبادر إلى الفهم عند الاطلاق. وقال في المدارك بعد ان نقل عن العلامة في المنتهى اشتراط طهارة التراب لان المطلوب منه التطهير وهو غير مناسب للنجس: ويشكل باطلاق النص وحصول الانقاء بالطاهر والنجس. اقول: والتحقيق عندي هو ما تقدمت الاشارة إليه في مسألة تطهير الارض من ان الاظهر الاستدلال على مثل هذا الحكم بالحديث الوارد عنه (صلى الله عليه وآله)

[ 481 ]

بعدة طرق من قوله (1): " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " فانه شامل للطهارة الحدثية والخبثية، والطهور كما تقدم تحقيقه في صدر الكتاب هو الطاهر المطهر، فيجب الحكم هنا بطهارة التراب وان غفل عنه الاصحاب في هذا الباب. (السادس) نقل العلامة في المختلف عن ابن الجنيد انه يجزئ في الغسلة الاولى التراب أو ما قام مقامه وهو يدل على عدم تحتم التراب عنده بل يجزئ ما قام مقامه في ازالة النجاسة عن المحل وظاهره التخيير بين التراب وغيره مما في معناه، وجمهور الاصحاب على خلافه وقوفا على النص الوارد في المسألة كما تقدم، ولعل ذهاب ابن الجنيد إلى ذلك مبني على ما نقله الاصحاب عنه من العمل بالقياس، قال الشيخ في الفهرست في ترجمة ابن الجنيد: وكان جيد التصنيف حسنه إلا انه كان يرى القول بالقياس فترك لذلك كتبه ولم يعول عليها. وقال النجاشي في كتابه: احمد بن الجنيد ابو علي الكاتب وجه في اصحابنا ثقة جليل القدر صنف فاكثر وانا ذاكرها بحسب الفهرست الذي ذكرت فيه، ثم ذكرها إلى ان قال سمعت شيوخنا الثقات يقولون انه كان يقول بالقياس. وقال العلامة في الخلاصة: انه كان وجها في اصحابنا ثقة جليل القدر، ثم نقل كلام الشيخ المتقدم. اقول: لا يخفى ما في كلامه وكذا كلام النجاشي قبله من الاشكال لان وصفه بالجلالة والوثاقة مع نقلهم عنه القول بالقياس مما لا يجتمعان فان اصحابنا مجمعون على ان ترك العمل بالقياس من ضروريات مذهب اهل البيت (عليهم السلام) لاستفاضة الاخبار بالمنع منه فكيف يجامع القول به الوثاقة ؟ وظاهر كلام الشيخ الجزم بذلك والنجاشي قد نقل عن شيوخه الثقات ذلك فكيف يصفه مع ذلك بما ذكره في صدر الترجمة ؟ وبالجملة فكلامهم هنا لا يخلو من النظر الواضح. (السابع) نقل المحقق في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه قال: إذا لم يوجد التراب اقتصر على الماء وان وجد غيره كالاشنان وما يجري مجراه اجزأ. ثم نقل ذلك


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من التيمم.

[ 482 ]

عن ابن الجنيد ايضا، ثم قال: ووجه ما ذكراه ان الاشنان ابلغ في الانقاء فإذا طهر بالتراب فبالاشنان اولى، ثم تردد فيه فقال وفيه تردد منشأه اختصاص التعبد بالتراب وعدم العلم بحصول المصلحة المرادة منه بغيره على انه لو صح ذلك لجاز مع وجود التراب. انتهى. وهو جيد، وفيه تأييد لما قدمناه من ان الامر بالغسل بالتراب انما هو امر تعبدي لا لما ذكروه من الوجه الاستنباطي، إلا انه قد نقل عن ابن الجنيد ما ذكره من ان ما عدا التراب من الاجسام المشابهة له انما يصار إليه بعد فقد التراب، والذي نقله عنه في المختلف كما تقدم ومثله الشهيد في الذكرى ايضا هو القول بالتخيير. وكيف كان فانه بالنظر إلى توجيه المحقق لهذا القول إذ لا وجه له ظاهرا سواه فالارجح هو قول ابن الجنيد بالتخيير لان اولويته في الازالة والقلع من التراب لا اقل تقتضي مساواته فيجوز به وان كان التراب موجودا ويرجع إلى التخيير بين التراب المذكور في النص وبين غيره بحكم الاولوية إلا ان فيه ما اورده عليه في المعتبر. واقتفى الشيخ في ما ذكره من هذا الحكم جمع من الاصحاب: منهم العلامة في كثير من كتبه، وتوقف في النهاية، وقال في المنتهى ان عدم اجزاء غير التراب هو الاقوى لان المصحلة الثابتة من التعبد باستعمال التراب لو حصلت بالاشنان وشبهه لصح استعماله مع وجود التراب. ونقل عن المحقق الشيخ علي انه انتصر لهذا القول فقرب دليله واستوجهه ثم استدرك بان جمعا من الاصحاب ذكروا الاجتزاء بالمشابه مع فقد التراب والخروج عن مقالتهم اشد اشكالا. ولا يخفى ما فيه فان غاية ما شاع بينهم تاكره هو عدم جواز احداث القول في المقام دعوى الاجماع لا في مقام الخلاف واختيار احد القولين في المسألة والامر هنا من قبيل الثاني لا الاول. ثم انه لا يخفى ان ظاهر عبارة الشيخ المنقولة التخيير عند عدم التراب بين الاقتصار على الماء واستعمال ما يشبه التراب ولم نقف على قائل بذلك صريحا في كلامهم نعم نقل

[ 483 ]

عن العلامة في التذكرة والنهاية انه ذكر ذلك احتمالا. (الثامن) يعزى إلى الشيخ القول باجزاء الماء وحده عند عدم التراب وشبهه واليه ذهب العلامة في جملة من كتبه والشهيد، وعبارة الشيخ المتقدمة في سابق هذا المورد لا تدل عليه وانما تدل على ما قدمنا ذكره اللهم إلا ان يكون وصل إليهم من موضع آخر. ثم انه تقدير الاجتزاء بالماء مع فقد التراب وشبهه فهل يجب الغسل ثلاث مرات أو مرتين ؟ احتمالان مبنيان على انه مع فوات التراب وشبهه ينتقل إلى ما هو ابلغ منه وهو الماء فتجب الثلاث حينئذ أو انه بفقد التراب يسقط التكليف به وقيام غيره مقامه يحتاج إلى دليل فيكتفى بالغسلتين لان الحكم ببقاء الاناء على النجاسة والحال هذه تكليف بالمشقة. وقواه العلامة في التحرير والمنتهى على ما نقل عنه، وفي القواعد اختار الثلاث. واورد على اصل المسألة المذكورة بان مقتضى اشتراط حصول الطهارة للاناء بالغسل المعين بالتراب والماء عند عروض هذا النوع من النجاسة هو انتفاء المشروط عند فقدان شرطه كما هو القاعدة في مثله، ومن البين ان الشرط إذا كان مركبا من امرين أو امور كفى في انتفائه انتفاء جزئه، وادعاء قيام البدل عن الجزء المفقود أو سقوط اشتراطه عند تعذره يحتاج إلى الدليل، ألا ترى ان الجزء الاخر للشرط هنا وهو الماء لا يتفاوت الحال في انتفاء المشروط عند انتفائه بين امكان وجوده وتعذره ؟ وما ذاك إلا لفقد الدليل على سقوط اعتباره في حال التعذر وقيام البدل مقامه. انتهى. وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، ومن ذلك يظهر ضعف ما بنى على اصل المسألة من احتمال المرتين أو الثلاث بل الظاهر هو بقاء الاناء على النجاسة لعدم حصول المطهر الشرعي الذي قرره الشارع لهذه النجاسة المخصوصة، وبه صرح ايضا جمع من المتأخرين نظرا إلى ما تقدم وقد عرفت جودته وقوته. (التاسع) قد ذكر جملة من المتأخرين ومتأخريهم ما صرح به الصدوقان

[ 484 ]

والمفيد من الحكم بالتجفيف. واعترضوه بانه منفي بالاصل والنص فان ظاهره الاكتفاء بمضمونه. اقول: قد عرفت ان مستندهم في ذلك انما هو كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي ولكن حيث لم يبلغهم ذلك اوردوا عليهم ما اوردوه وبه يجب الخروج عن الاصل المذكور. واما النص المشار إليه في كلام المحقق وهو صحيحة البقباق فغايتها ان تكون مطلقة فيحمل اطلاقها على الخبر المذكور ويقيد به فلا اشكال. (العاشر) اختلف الاصحاب فيما لو خيف فساد المحل باستعمال التراب، فقيل بان الحكم فيه كما لو فقد التراب من المرتين أو الثلاث كما تقدم وهو منقول عن العلامة في المنتهى والتذكرة والتحرير إلا انه في التذكرة صرح بالاجتزاء بالماء ولم يتعرض لذكر العدد وفي المنتهى رجح المرتين. وقيل ببقاء الاناء على النجاسة وبه صرح الشهيد الثاني في الروضة ونقله في المعالم عن بعض مشايخه الذين عاصرهم، والوجه فيه ظاهر مما تقدم حيث ان الدليل يقتضي توقف حصول الطهارة على التراب والماء وليس على استثناء حال التعذر دليل يعتمد عليه فيبقى على اصالة النجاسة. وفصل ثالث بان خوف الفساد باستعمال التراب ان كان باعتبار توقف ايصاله إلى الانية على كسر بعضها كما في الاواني الضيقة وامكن مزج التراب بالماء وانزاله إليها وخضخضتها به على وجه يستوعبها وجب واجزأ، وان كان باعتبار نفاسة الانية بحيث يترتب الفساد على اصل الاستعمال اكتفى بالماء قال وكذا إذا امتنع في الصورة الاولى انزاله ممتزجا على الوجه الذي ذكر، وفرق بين هذا وبين ما إذا فقد التراب حيث مال ثمة إلى بقائه على النجاسة بان الحكم بذلك هنا يفضي إلى التعطيل الدائم وهو غير مناسب لحكمة الشرع وتخفيفه واما هناك فحصول التراب مرجو فلا تعطيل. اقول: والتحقيق في المقام انه ان قيل باجزاء الممزوج بالماء كما هو احد الاقوال المتقدمة فما ذكره هذا المفصل في الوجه الاول جيد لان هذا احد افراد التطهير بالتراب

[ 485 ]

بل لقائل ان يقول انه متى امكن وضع التراب فيه وان كان ضيق الرأس وتحريكه في مواضع النجاسة فانه يحصل التطهير به إذ الدلك غير مشترط فلا اشكال ولا ضرورة إلى المزج، واما ما ذكره في الوجه الثاني من تفصيله من الاكتفاء بالماء فضعيف والفرق بينه وبين فقد التراب الذي اختار فيه البقاء على النجاسة غير ظاهر. وما استند إليه من الفرق بالحكمة مزيف فان الخروج من يقين النجاسة المخصوصة بمطهر مخصوص مع عدم وجود مطهرها بمثل هذه التخريجات الواهية مجازفة، واي ضرر على المالك في تعطيل اناء من خزف أو غيره لا ينتفع به ؟ وكثير من الاشياء غير قابل للتطهير اصلا مع قابليته للانتفاع، وبالجملة فان التفات الشارع إلى التخفيف في الصورة المذكورة ونحوها غير معلوم من الشرع، وان قلنا بعدم اجزاء الممزوج كما هو احد الاقوال فالحق هو القول الثاني كما جزم به شيخنا الشهيد الثاني في الروضة إلا انه يرد على شيخنا المذكور ان ما اختاره في هذه المسألة وصرح به في الروضة لا يلائم ما اختاره في المسالك في مسألة المزج من اجزائه. اللهم إلا ان يقول انه بالمزج على الكيفية التي في كلام هذا المفصل يخرج التراب عن اسمه كما قيد به قوله في المسالك فلا منافاة. والله العالم. (الحادي عشر) قال الشيخ في الخلاف: إذا ولغ كلبان أو كلاب في اناء واحد لم يجب اكثر من غسل الاناء ثلاث مرات، ثم ذكر ان جميع الفقهاء لم يفرقوا بين الواحد والمتعدد إلا من شذ من العامة فاوجب لكل واحد العدد بكماله، واحتج الشيخ على ما ذكره بان النص خال من التعرض للفرق بين الواحد والاكثر والكلب جنس يقع على القليل والكثير. وهذا الحكم قد ذكره ايضا اكثر الاصحاب وزادوا فيه ايضا تكرر الولوغ من الواحد، واحتج عليه الفاضلان في المعتبر والمنتهى بان النجاسة واحدة فقليلها ككثيرها لانها لا تتضمن زيادة عن حكم الاولى. وهو جيد إلا ان تعليل الشيخ (قدس سره) اجود واقوى لان سوق الخبر يساعده حيث انه صريح في

[ 486 ]

كون السؤال عن الجنس حيث قال فيه (1): " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم اترك شيئا إلا سألته عنه ؟ فقال لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب فقال رجس نجس لا يتوضأ بفضله.. الحديث " هذا كله فيما لو كان قبل التطهير اما لو وقع في الاثناء فقد صرح جملة منهم بالاستئناف وعدم التداخل، قال في الروض ولو تكرر الولوغ قبل التطهير تداخل وفي الاثناء يستأنف. ونحوه في الذكرى ايضا. (الثاني عشر) قال الشيخ في الخلاف: إذا ولغ الكلب في اناء نجس الماء الذي فيه فان وقع ذلك الماء على بدن الانسان أو ثوبه وجب غسله ولا يراعي فيه العدد ثم حكى عن بعض العامة ايجاب غسل الموضع الذي يصيبه ذلك الماء بقدر العدد المعتبر في الاناء، ثم قال بعد ذلك دليلنا ان وجوب غسله معلوم بالاتفاق لنجاسة الماء واعتبار العدد يحتاج إلى دليل وحمله على الولوغ قياس لا نقول به. وذكر نحو ذلك المحقق ايضا وزاد ما ذكره الشيخ من البدن والثوب الاناء ايضا، والظاهر ان كلام الشيخ (قدس سره) انما خرج مخرج التمثيل فيكون ما ذكره عاما، وقال الشهيد في الذكرى ولا يعتبر التراب في ما ينجس بماء الولوغ. ونقل عن العلامة في النهاية انه استقرب الحاق هذا الماء بالولوغ وعلله بوجود الرطوبة اللعابية. ورده جملة ممن تأخر عنه بالضعف وهو كذلك. (الثالث عشر) المعروف من كلام اكثر الاصحاب ان الحكم في غسالة الاناء كسائر النجاسات فلا يعتبر فيها حكم المحل الذي انفصلت عنه، قال العلامة في المنتهى: ليس حكم الماء الذي يغسل به اناء الولوغ حكم الولوغ في انه متى لاقى جسما يجب غسله بالتراب لانها نجاسة فلا يعتبر فيها حكم المحل الذي انفصلت عنه، ثم حكى عن بعض الجمهور انه يجب غسله بالتراب وان كان المحل الذي انفصل عنه غسل بالتراب وعن بعض آخر


(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاسآر.

[ 487 ]

منهم انه اوجب غسله من الغسلة الاولى ستا بناء على قولهم بوجوب السبع في الولوغ ومن الثانية خمسا ومن الثالثة اربعا، وكذا لو كانت قد انفصلت عن محل غسل بالتراب غسل محلها بغير تراب وان كانت الاولى بغير تراب غسلت هذه بالتراب (1) ثم قال وهذا كله ضعيف والوجه انه يساوي غيره من النجاسات لاختصاص النص بالولوغ. انتهى. وهو جيد. وللمحقق الشيخ علي (قدس سره) هنا كلام في بعض كتبه لا يخلو من غفلة في مقام ونظر في آخر حيث انه نقل عن العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى انه لا يعتبر التراب فيما نجس بماء الولوغ ثم ناقش في ذلك بان عدم اعتبار التراب في هذه الصورة ان كان منوطا بتقديم تعفير اناء الولوغ على غسله بالماء الذي فرضت الملاقاة به فهو حق وكذا ان كان الجسم الملاقي به غير اناء وإلا فالظاهر اعتباره لانها نجاسة الولوغ، ثم ذكر ان قوله: " والوجه مساواة هذا الماء لباقي النجاسات " مشكل لان حكم النجاسة يخف شرعا بزيادة الغسل ويشتد بنقصانه فلا تتجه التسوية. انتهى كلامه. اقول: اما وجه الغفلة في هذا الكلام فان العبارة التي اسندها إلى العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى انما هي في حكم ماء الولوغ نفسه والشهيد انما ذكرها كما قدمناها عنه في سابق هذا المورد في بيان ذلك وكلام العلامة الذي ذكر من جملته قوله: " والوجه مساواة هذا الماء لباقي النجاسات " انما هو في ما يغسل به اناء الولوغ الذي صرح به الشهيد في الذكرى وهو الذي ولغ فيه الكلب في الاناء، فالمسألتان مفترقتان كما اشرنا إليه في مورد كل منهما، والعلامة لم يتعرض في المنتهى لحكم ماء الولوغ الذي نقله عنه بهذه العبارة وانما هذه العبارة التي نقلها عنهما هي عبارة الشهيد في الذكرى خاصة. واما وجه النظر في كلامه فمن وجهين (احدهما) قوله في المناقشة الاولى


(1) كما في المغني ج 1 ص 56.

[ 488 ]

مع كون مورد محل المناقشة غير العبارة التي ذكرها كما عرفت: " فالظاهر اعتباره لانها نجاسة الولوغ " اي الظاهر اعتبار تعفير ذلك الاناء الذي لاقاه ماء الغسالة التي لم يعفر اناؤها اولا لانها نجاسة ماء الولوغ، فانه منظور فيه بانه ان اراد بكونها نجاسة ماء الولوغ بمعنى انها مسببة عنه فلا يجدي نفعا وان اراد انه يصدق عليها العنوان المرتب عليه الحكم فمنعه اوضح من ان يخفى، إذ ماء الولوغ الذي يترتب عليه التعفير والعدد انما هو الماء الذي ولغ فيه الكلب لا ما غسل به اناؤه، وما ابعد قوله هنا بوجوب التعفير والغسل بعده كما في اصل ماء الولوغ وبين قول الشيخ في الخلاف كما نقله عنه جملة من الاصحاب من طهارة غسالة ماء الولوغ. و (ثانيهما) ما ذكره من الاشكال فانه لا وجه له عند التأمل في كلام العلامة وذلك فان غرضه من الحكم بالمساواة المذكورة انما هو الرد على الاقوال التي نقلها عن العامة من التعدد الذي ذكروه في تلك المراتب فانها موقوفة على الدليل وليس فليس فالمتجه كونها نجاسة كغيرها من النجاسات، والتعلق بان حكم النجاسة يضعف ويشتد موقوف على الدليل الدال على التعدد في تلك المراتب واما مع عدم الدليل فليس إلا الرجوع إلى الامر الاجمالي من الاتصاف بالتنجيس واعتبار ما يصدق به زوالها. وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه. والله العالم. (الرابع عشر) قال في المنتهى: لو وقع فيه نجاسة بعد غسله بعض العدد فان كانت ذات عدد مساو للباقي كان كافيا وإلا حصلت المداخلة في الباقي واتى بالزائد وهكذا لو وقع فيه نجاسة قبل الغسل إلا ان التراب لابد منه للولوغ ثم ان كانت النجاسة تفتقر إلى الغسل ثلاثا وجب الثلاث من غير تراب، وبالجملة إذا تعددت النجاسة فان تساوت في الحكم تداخلت وان اختلفت فالحكم لاغلظها. انتهى. اقول: ما ذكره من التداخل في ما حصل الاتفاق فيه جيد إلا انه مخالف لمقتضى ما صرحوا به في غير موضع من ان تعدد الاسباب موجب لتعدد المسببات.

[ 489 ]

(الخامس عشر) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) سقوط التعدد في الغسل إذا وقع الاناء في الماء الكثير، وهكذا كل متنجس يحتاج إلى العدد إلا انه لابد من تقديم التعفير في اناء الولوغ. ونقل عن الشيخ في الخلاف والمبسوط انه قال: إذا ولغ الكلب في الاناء ثم وقع ذلك الاناء في الماء الكثير الذي بلغ كرا فما زاد لا ينجس الماء ويحصل له بذلك غسلة من جملة الغسلات ولا يطهر الاناء بذلك بل إذا تمم غسلاته بعد ذلك طهر. ومقتضاه وجوب التعدد في الكثير. قال في المعالم: ومستند الشيخ في هذا ان الامر بالعدد متناول للقليل والكثير فلابد للتخصيص من دليل، والجماعة عولوا في التخصيص على ان اللفظ إذا اطلق ينصرف إلى المعنى المتعارف المعهود وظاهر الحال ان المتعارف في محال الامر بالتعدد هو الغسل بالقليل، قال ويعضد ذلك في الجملة من جهة الاعتبار ان الماء الكثير إذا استولى على عين النجاسة وان كانت مغلظة بحيث اقتضى شيوع اجزائها فيه واستهلاكها سقط حكمها شرعا وصار وجودها فيه كعدمها فإذا وقع المتنجس في الكثير واستولى الماء على آثار النجاسة فبالحري ان يسقط حكمها ويجعل وجودها كعدمها وإلا لكان الاثر اقوى من العين، ويؤيده من جهة النص ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول ؟ قال اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " انتهى وهو جيد. اقول: ومثل صحيحة محمد بن مسلم المذكورة ما صرح به مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) حيث قال: " وان اصابك بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرة ومن ماء راكد مرتين ثم اعصره " وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه كما قدمنا ذكره. وذكرنا ان المراد بالراكد في كلامه (عليه السلام) القليل.


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من النجاسات (2) ص 6.

[ 490 ]

بقي هنا شئ آخر في كلام الشيخ (قدس سره) فان ظاهره حصول غسلة واحدة له وان لم يتقدم التعفير بالتراب، وهو مشكل بل الظاهر ضعفه لقيام الدليل الصحيح الصريح على وجوبه مطلقا وغاية الكلام انما هو في وجوب تعدد الغسل بالماء في الكثير وعدمه وإلا فالتراب لا بد منه على كل حال. ويظهر من العلامة في المختلف موافقة الشيخ في هذا المقام وان لم يقل بوجوب التعدد كما هو ظاهر كلام الشيخ حيث قال بعد نقل كلام الشيخ المتقدم: والوجه عندي طهارة الاناء بذلك لانه حال وقوعه في الكثير لا يمكن القول بنجاسته حينئذ لزوال عين النجاسة إذ التقدير ذلك والحكم زال بملاقاة الكر. وفيه (اولا) ما عرفت من دلالة النص الصحيح الصريح على التعفير مطلقا فيمتنع الحكم بالطهارة بدونه. و (ثانيا) ان استبعاده البقاء على النجاسة مع كونه في كثير وقد زالت عين النجاسة مسلم لو انحصر التطهير في الماء هنا كما في سائر النجاسات، واما إذا ضم له الشارع مطهرا آخر فجعل المطهر حينئذ مركبا من امرين ولم يحصل احدهما فلا مجال هنا للاستبعاد المذكور، ونظيره في هذا المقام وضع كر من ماء في جلد ميتة فان الماء يكون طاهرا مع نجاسة الجلد فلا منافاة بين بقائه على النجاسة وكونه في ماء كثير (فان قيل) انه يأتي على قول من جعل الغسل بالتراب تعبدا شرعيا كما اخترتموه آنفا دون ان يكون مطهرا ما قررتم منه هنا (قلنا) ان احدا لم يقل بان التراب غير مطهر وانه لا دخل له في التطهير وانما معنى قولنا تعبدا هو ان الشارع تعبد المكلفين بالتطهير به هنا ردا على من قال ان الغرض منه انما هو قلع النجاسة انه ابلغ من الماء في ذلك حتى رتبوا على هذا جملة من الاحكام المتقدمة التي قد عرفت ما فيها. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر كلام المحقق في المعتبر موافقة الشيخ في ما ذكره من وجوب التعدد في الكثير إلا ان ظاهره الاكتفاء في حصول التعدد في الجاري

[ 491 ]

بتعاقب الجريتين، ومقتضاه انه لو كان التطهير في الكثير الواقف الذي لا جريان فيه فالواجب التعدد حقيقة كما ذكره الشيخ وبه صرح ايضا في الكتاب المذكور، قال لو وقع اناء الولوغ في ماء قليل نجس الماء ولم يتحصل من الغسلات شئ ولو وقع في كثير لم ينجس ويحصل له غسلة واحدة ان لم يشترط تقديم التراب، ولو وقع في جار ومر عليه جريات قال في المبسوط لم يحكم له بالثلاث. وفي قوله اشكال وربما كان ما ذكره حقا ان لم يتقدم غسله بالتراب لكن لو غسل مرة بالتراب وتعاقب عليه جريات كانت الطهارة اشبه. انتهى. ونقل عن الفاضل الشيخ نجيب الدين في الجامع اعتبار التعدد في الراكد دون الجاري ولعله التفاتا إلى ما ذكره المحقق من انه في الجاري تتعاقب عليه الجريات فيحصل التعدد دون الكثير الواقف. وظاهر العلامة في المنتهى ايضا اقتفاء المحقق في ذلك إلا انه في آخره قد ناقض اوله. ولا بأس بنقل كلامه وبيان ما فيه، قال (قدس سره): لو وقع اناء الولوغ في ماء قليل نجس الماء ولم يحتسب بغسلة، ولو وقع في كثير لم ينجس وهل تحصل له غسلة ام لا ؟ الاقرب انه لا تحصل لوجوب تقديم التراب، هذا على قولنا اما على قول المفيد فان الوجه الاحتساب بغسلة، ولو وقع في ماء جار ومرت عليه جريات متعددة احتسب كل جرية بغسلة خلافا للشيخ إذ القصد غير معتبر فجرى مجرى ما لو وضعه تحت المطر ولو خضخضه في الماء وحركه بحيث تخرج تلك الاجزاء الملاقية عن حكم الملاقاة ويلاقيه غيرها احتسب بذلك غسلة ثانية كالجريات، ولو طرح فيه ماء لم يحتسب به غسلة حتى يفرغ منه سواء كان كثيرا بحيث يسع الكر أو لم يكن خلافا لبعض الجمهور فانه قال في الكثير إذا وسع قلتين لو طرح فيه ماء وخضخض احتسب له غسلة ثانية، والوجه انه لا يكون غسلة إلا بتفريغه منه مراعاة للعرف، ثم قال: والاقرب عندي بعد ذلك كله ان العدد انما يعتبر لو صب الماء فيه اما لو وقع الاناء في ماء كثير أو جار وزالت

[ 492 ]

النجاسة طهر. انتهى. ولا يخفى ما في آخر كلامه من المدافعة لما قدمه، وظاهر آخر كلامه الرجوع إلى ما ذهب إليه في المختلف وقد عرقت ما فيه. وقد ذكر بعض محققي اصحابنا من متأخري المتأخرين انه كانت عنده من المنتهى نسختان وان العبارة الاخيرة غير موجودة فيهما ونسحة اخرى عبارتها كما ذكرناه وذكر ان بينهما تفاوتا بالزيادة والنقصان في مواضع ووجهه بانه خرجت منه نسخة الكتاب اولا كما كتبه ثم حصل له عدول في مواضع في النسخة الاخيرة وما هنا من جملة ذلك وهو قريب. والله العالم. (المسألة الثانية) في بيان باقي ما يجب فيه التعدد وذلك في مواضع: (منها) الخنزير وقد اختلف الاصحاب في عدد ما يجب من ولوغه فالمشهور بين المتأخرين وجوب السبع ذهب إليه العلامة ومن تأخر عنه، وقال الشيخ في الخلاف ان حكمه حكم الكلب، ونفى ذلك المحقق وجعل حكمه حكم غيره من النجاسات مع انه كما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة الاتية يختار المرة فيها. ويدل على المشهور وهو المؤيد المنصور ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به ؟ قال يغسل سبع مرات ". احتج الشيخ على ما نقل عنه على ما ذهب إليه بوجهين. (احدهما) ان الخنزير يسمى كلبا في اللغة فتتناوله الاخبار الواردة في ولوغ الكلب. و (الثاني) ان الاناء يغسل ثلاث مرات من سائر النجاسات والخنزير من جملتها. واجيب عن الاول بمنع الصدق حقيقة. وعن الثاني بان غاية دليله الذي ادعاه مع تسليمه هو عموم ما دل على الثلاث للخنزير والصحيحة المذكورة خاصة فيجب تقييد العموم بها كما هو القاعدة، مع ان فيه ايضا ان ملاحظة هذا الوجه تقتضي الاكتفاء بالماء


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من النجاسات.

[ 493 ]

وحده وملاحظة الاول تقتضي وجوب التراب معه فعلى كل تقدير لا ينتظم احد وجهي الدليل على ما ادعاه. والمحقق في المعتبر قد حمل صحيحة علي بن جعفر على الاستحباب مع انه لا معارض لها في الباب، قيل ولعل المانع له من العمل بالرواية عدم وجود القائل بها من المتقدمين قبله وهو كثيرا ما يراعي ذلك ونحوه في العمل بالاخبار، والقرينة على هذا انه لم يذكره قولا مع حكايته الخلاف في المسألة، ولهذا ان العلامة في المنتهى قال لو قيل بوجوب غسل الاناء منه سبع مرات كان قويا لما رواه علي بن جعفر، وذكر الحديث ثم قال وحمله على الاستحباب ضعيف إذ لا دليل عليه مع ثبوت ان الامر للوجوب. و (منها) الخمر وقد اختلف كلام الاصحاب في ذلك فقيل بالسبع ايضا ذهب إليه جمع من الاصحاب: منهم المفيد وسلار والشهيد في اكثر كتبه والمحقق الشيخ علي والشيخ في المبسوط والجمل وجمع من المتأخرين. وقيل بالثلاث ذهب إليه المحقق في غير المعتبر والعلامة في بعض كتبه واليه ذهب الشيخ في النهاية والتهذيب كذا نقله عنه في المدارك، والذي وجدته في النهاية انما هو سبع لا ثلاث كما نقله حيث قال بعد ذكر الاواني فان اصابها خمر أو شئ من الشراب المسكر وجب غسلها سبع مرات، واما ما نقله عن التهذيب فلم اقف عليه لانه بعد ان ذكر عبارة المفيد الدالة على غسل الاواني من الخمر والاشربة المسكرة اورد جملة من الاخبار الدالة على نجاسة اواني الخمر ومنها موثقة عمار الاتية الدالة على غسل الاناء منه ثلاثا ولم يستدل لما ذكره في المقنعة من السبع بشئ من الاخبار، وبمجرد نقل الرواية بذلك لا يعد ذلك مذهبا له كما لا يخفى، واحتمال كونه ذكر ذلك في غير موضع المسألة ممكن إلا ان الامر كما ترى فينبغي التأمل والمراجعة في هذه النقول ؟ وان كانت من الفحول، والى القول بالثلاث ذهب الشيخ في الخلاف ايضا لكن لا من حيث الخصوصية كما ذهب إليه الفاضلان بل من حيث وجوب الثلاث عنده في سائر النجاسات كما يأتي نقله. وقيل بالمرة اختاره المحقق في

[ 494 ]

المعتبر والعلامة في اكثر كتبه كغيره من النجاسات عدا الولوغ، وهو اختيار الشهيد الثاني في الروض ايضا إلا انه اطلق الاجتزاء بالمرة، والفاضلان في المعتبر والمختلف قيداه بكونه بعد ازالة العين، واختار هذا القول السيد السند في المدارك والمحقق الشيخ حسن في المعالم. وقيل بالمرتين وهو مذهب الشهيد في اللمعة حيث انه اوجب المرتين في غسل الاناء من جميع النجاسات بل في غير الاناء ايضا وان وجب تقديم التعفير في اناء ولوغ الكلب، هذا ما وقفت عليه من الاقوال في المسألة. والذي وقفت عليه من اخبارها منها موثقة عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الاناء يشرب فيه النبيذ ؟ فقال تغسله سبع مرات " والى هذه الرواية استند اصحاب القول الاول. ومنها موثقة عمار الاخرى عنه (عليه السلام) (2) " انه سئل عن قدح أو اناء يشرب فيه الخمر ؟ قال تغسله ثلاث مرات. سئل أيجزيه ان يصب فيه الماء ؟ قال لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " وبهذا الخبر اخذ من قال بالقول الثاني. واما من اكتفى بالمرة فانه رد الخبرين بضعف السند واعتمد على ما دل على الامر بالغسل الحاصل بالمرة المزيلة للعين، قال المحقق في المعتبر بعد ان ذكر عبارة النافع المطابقة لعبارته في الشرائع بايجاب الثلاث ما صورته: هذا مذهب الشيخ ثم نقل قوله بالسبع ثم احتج للثلاث بموثقة عمار المتقدمة، ثم قال: مسألة ويغسل الاناء من سائر النجاسات مرة والثلاث احوط، إلى ان قال بعد كلام في البين ؟: والذي يقوى عندي الاقتصار في اعتبار العدد على الولوغ وفيما عدا ذلك على ازالة النجاسة وغسل الاناء بعد ذلك مرة واحدة لحصول الغرض من الازالة ولضعف ما ينفرد به عمار


(1) المروية في الوسائل في الباب 30 من الاشربة المحرمة. (2) المروية في الوسائل في الباب 51 من النجاسات و 30 من الاشربة المحرمة.

[ 495 ]

واشباهه وانما اعتبرنا في الخمر والفأرة الثلاث ملاحظة لاختيار الشيخ والتحقيق ما ذكرناه. انتهى اقول: كم قد عمل في غير موضع من كتابه بموثقة عمار وان تفرد بها كما قدمنا ذكره ولكنهم لا قاعدة لهم يقفون عليها. ثم ان ما ذكره ومثله العلامة كما قدمنا نقله عنهما من اعتبار ازالة عين النجاسة اولا ثم الاكتفاء بالمرة قد اعترضهما فيه الشهيد الثاني في الروض حيث اكتفى بالمرة التي يحصل بها الانقاء فقال ويحتمل اعتبار المرة بعد زوال العين ان كانت موجودة وهو خيرة المعتبر إذ لا اثر للماء الوارد مع وجود سبب التنجيس. ويضعف بان الباقي من البلل وغيره في المحل عين نجاسة فيأتي الكلام فيه. اقول: وتحقيق الكلام في المقام اما على تقدير ما ذكره هؤلاء من اطراح هذين الخبرين وان قبلوا امثالهما في غير موضع فالاكتفاء بالمرة ظاهر، واما من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح أو يراه ويتستر ببعض الاعذار كالجبر بالشهرة ونحوه فانه لا خروج عما دل عليه الخبران المذكوران وانما يبقى الكلام في الجمع بينهما فظاهر من قال بخبر الثلاث حمل خبر السبع على الاستحباب جمعا واما من قال بالسبع فلا اعرف لاطراحه رواية الثلاث وجها مع الاشتراك في السند وعدم امكان الترجيح، وربما دل كلام بعضهم على ترجيحها بالشهرة وفيه ما فيه، ويقرب عندي في وجه الجمع بين الخبرين المذكورين الحمل على اختلاف الاواني في قلع النجاسة المذكورة منها فمنه ما يحصل بالثلاث ومنه ما يتوقف على السبع، وهو وان كان ايضا لا يخلو من تأمل إلا انه في مقام الجمع لا بأس به وكيف كان فالاحتياط لا يخفى. واما القول بالمرتين فلا اعرف له وجها. إذا عرفت ذلك فاعلم ان بعض من صرح بالسبع كالشيخين في المقنعة والنهاية والمبسوط جعلوا حكم سائر المسكرات كالخمر في ذلك وبعض اقتصر على ذكر الخمر خاصة ومورد الرواية انما هو النبيذ ومقتضاها تخصيص الحكم بما يصدق عليه هذا اللفظ، والذي يظهر لي كما مر تحقيقه من صدق الخمر على الجميع انه لا منافاة بين التعبير بالخمر وحده

[ 496 ]

وبه مع ضم سائر الاشربة المسكرة لصدق الخمر على الجميع، نعم لفظ الخبر ورد بالنبيذ وهو اخص من الخمر ولعلهم فهموا منه ان المراد به مطلق الخمر كما صرحت به الرواية الثانية، نعم يأتي على قول من خص اسم الخمر بعصير العنب كما قدمنا نقله عن جملة منهم الاشكال في المقام. ثم ان جملة ممن طعن في الخبرين بالضعف صرح باستحباب السبع خروجا من خلاف من اوجها، ولا يخفى وهنه لما حققناه في غير موضع مما تقدم من ان الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل فالخبر المذكور ان صلح للحجية والاستدلال فليحمل على ظاهره من الوجوب وان كان لا يصلح فلا معنى للحمل المذكور، ثم اي مخرج يحصل بالحمل على الاستحباب المؤذن بجواز الترك وعدم الاثم عن الوجوب الموجب تركه للمؤاخذة والعقاب ؟ والله العالم. و (منها) موت الفأرة فيه فاوجب الشيخ فيه سبعا وتبعه على ذلك جملة من الاصحاب، واكتفى المحقق في الشرائع ومختصره والعلامة في جملة من كتبه والشيخ في الخلاف بالثلاث إلا ان مذهب الشيخ إلى ذلك بالاعتبار المتقدم في سابق هذا الموضع، وقيل بالمرة وهو مذهب المحقق في المعتبر. والعلامة في اكثر كتبه بالاعتبار المتقدم ثمة، وقيل بالمرتين كما ذهب إليه في اللمعة بالاعتبار المذكور ايضا. والذي وقفت عليه هنا من الاخبار موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبعا " وهي ظاهرة الدلالة على مذهب الشيخ ومن تبعه، وردها المحقق في المعتبر فقال بعد ذكر عبارة المختصر التي اختار فيها القول بالثلاث ونقل القول بالرواية عن الشيخ ما صورته: وحجته رواية عمار ثم ساقها ثم قال والرواية ضعيفة لانفراد الفطحية بها ووجود الخلاف في مضمونها فان الشيخ يقتصر على الثلاث في جميع النجاسات عدا الولوغ ولان ميتة الفأرة والجرذ لا تكون


(1) المروية في الوسائل في الباب 53 من النجاسات.

[ 497 ]

اعظم نجاسة من ميتة الكلب والخنزير، ولان امتثال الغسل يحصل بالثلاث فلا يجب ما زاد، ولانه يحتمل ان يكون هذا الحكم مختصا بالجرذ فلا يتناول الفأرة. انتهى. ثم انه رجع عن ذلك إلى القول بالاكتفاء بالواحدة في كلامه الذي قدمنا نقله، وكلامه (رحمه الله) قوي من حيث الاعتبار إلا ان اطراح النص من غير معارض مما لا وجه له، وطعنه فيه بالضعف غير مسموع مع عمله بمثله وامثاله في غير مقام من كتابه. نعم يبقى الاشكال في ان مورد النص الجرذ وهو ضرب من الفأر كما ذكره في الصحاح فيشكل تعديته إلى ما هو اعم منه وقد اشار إلى ذلك في المعتبر كما قدمناه عنه، وللمحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد هنا كلام لا يخلو من الغفلة. قال بعد قول المصنف (قدس سره): " ومن الجرذ والخمر ثلاث مرات ويستحب السبع " ما صورته: الاصح وجوب السبع فيهما لخبري عمار عن الصادق (عليه السلام) الدالين على وجوب السبع فيهما وضعف عمار منجبر بالشهرة ولا تضر المعارضة بخبره الدال على الثلاث لان الشهرة مرجحة، وليس الحكم مقصورا على الخمر بل المسكر المائع كله كذلك ولا يبعد الحاق الفقاع بها. واما الجرذ فهو بضم الجيم وفتح الراء المهملة والذال المعجمة اخيرا ضرب من الفأر والمراد الغسل من نجاسة موته، وهل يكون الغسل من غير هذا ضرب من الفأر واجبا ؟ الظاهر عدم التفاوت نظرا إلى اطلاق اسم الفأر على الجميع وقد صرح به جمع من الاصحاب وان توقف فيه صاحب المعتبر. انتهى. اقول لا يخفى ان كلامه هذا انما يتجه لو ورد لفظ الفأر في خبر ليتمشى ما ذكره والوارد انما هو اخص منه كما عرفت. غير ان ظاهر كلامه هنا الحاق الفقاع بالخمر في السبع ايضا ولم اقف على من ذكره سواه ويمكن ان يكون منشأه تكاثر الاخبار باطلاق اسم الخمر عليه كما تقدم والله العالم. (المسألة الثالثة) اختلف الاصحاب في غسل الاناء من باقي النجاسات فقيل بالثلاث في ما عد الولوغ مطلقا وهو مذهب الشيخ في الخلاف وابن الجنيد في مختصره

[ 498 ]

على ما نقل عنه واختاره الشهيد في الذكرى والدروس والمحقق الشيخ علي، وقيل بالمرة وهو قول المحقق في المعتبر وتبعه الشهيدان في البيان والروض، وقيل بالمرتين. احتج الشيخ على ما ذهب إليه بطريقة الاحتياط فانه مع الغسل ثلاثا يحصل العلم بالطهارة، وبموثقة عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سئل عن الكوز أو الاناء يكون قذرا كيف يغسل وكم مرة يغسل ؟ قال يغسل ثلاث مرات: يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرع منه ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر وقال اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات " ورده المتأخرون اما الاحتياط فانه ليس بدليل شرعي واما الرواية فبضعف السند. واما حجة من قال بالمرة فهي ظاهرة من رد الرواية المذكورة، فان امتثال الامر بالغسل يحصل بالمرة ومسمى الازالة يتحقق معها. والاظهر القول بما دلت عليه الرواية المذكورة عند من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح أو يراه ولكن يحكم بجبر ضعف الرواية بالشهرة كما صرح به غير واحد في المقام نعم قال الشيخ في المبسوط: ويغسل الاناء من سائر النجاسات ثلاث مرات ولا يراعي فيها التراب وقد روي غسله مرة واحدة والاول احوط. إلا انا لم نقف على هذه الرواية فيما وصلنا من كتب الاخبار. وصرح جمع من الاصحاب بانه لو ملا الاناء ماء كفى افراغه منه عن تحريكه وانه يكفي في التفريغ مطلقا وقوعه بآلة لكن يشترط عدم اعادتها قبل تطهيرها وقيده بعضهم بكون الاناء مثبتا بحيث يشق قلعه. اقول: ما ذكروه من اشتراط عدم الاعادة إلا بعد التطهير متجه على تقدير القول بنجاسة الغسالة، وما ذكر من التقييد بكونه مثبتا لا وجه له لانه لا فرق في حصول الطهارة بين اخراج ماء الغسالة منه بان يكفئه أو يخرجه بالالة بالشرط المذكور.


(1) المروية في الوسائل في الباب 53 من ابواب النجاسات.

[ 499 ]

واما حجة القول بالمرتين كما ذهب إليه في اللمعة فقد عرفت انها غير مختصة بهذا المقام حيث انه ذهب إلى وجوب المرتين في ازالة جميع النجاسات في ثوب أو بدن أو آنية أو غير ذلك، والظاهر ان الوجه فيه عنده ورود التعدد بالمرتين في ازالة البول عن الثوب والبدن وان اعتباره في البول يدل بمفهوم الموافقة على اعتباره في غيره من النجاسات كما تقدم ذكره في مسألة ازالة نجاسة البول وان غير الثوب والبدن مثلهما في الحكم بالتقريب المتقدم، ويؤيده ورود الاخبار بالتعدد في خصوص الاناء كما ينبه عليه حكم الولوغين والفأرة والخمر، ويضاف إلى ذلك اصالة البراءة مما زاد على المرتين الذى وردت به الاخبار الصحيحة واستضعاف الاخبار الدالة على الزيادة، هذا اقصى ما يمكن ان يتكلف لتوجيه الحجة له (قدس سره) في المقام. ولا يخفى ما فيه على ذوي الافهام فان الحاق ما عدا البول به وما عدا الثوب والبدن بهما لا يخرج عن القياس سواء سمي مفهوم موافقة أو اولوية أو لم يسم سيما مع ورود الاخبار في تطهير الاواني باعداد مخصوصة تباين ما ذكره. والله العالم. تتميم يشتمل على مسألتين (الاولى) المفهوم من كلام اكثر الاصحاب ان اواني الخمر كلها قابلة للتطهير سواء في ذلك الصلب لا يشتف كالصفر والرصاص والحجر والمغضور وغير الصلب كالقرع والخشب والخزف غير المغضور إلا انه يكره استعمال غير الصلب ونسب الفاضلان في المعتبر والمنتهى إلى ابن الجنيد القول بعدم طهارة غير الصلب بانواعه المذكورة، قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهما: ولم اره في مختصره. والعلامة في المختلف نسب إلى ابن البراج القول بعدم جواز استعمال هذا النوع ايضا غسل أو لم يغسل. وكيف كان فالواجب اولا ذكر الاخبار الواردة في المقام وبيان ما تدل عليه من الاحكام، ومنها ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب عن محمد بن مسلم في

[ 500 ]

الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن نبيذ سكن غليانه، إلى ان قال: وسألته عن الظروف فقال نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الدباء والمزفت وزدتم انتم الحتم يعني الغضار والمزفت يعني الزفت الذي يكون في الزق ويصير في الخوابي ليكون اجود للخمر. قال وسألته عن الجرار الخضر والرصاص قال لا بأس بها " وفي التهذيب عوض " الحتم " " الحنتم " وهو الموجود في اللغة. اقول الدباء هو القرع والمزفت هو الاناء الذي يطلى بالزفت بالكسر وهو القير والغضار بالفتح هو الطين اللازب الاخضر الحر، والحنتم بالحاء المهملة ثم النون ثم التاء المثناة الفوقانية على ما في النهاية: جرار خضر مدهونة كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة ثم اتسع فيها فقيل للخزف كله حنتم واحده حنتمة، وانما نهى عن الانتباذ فيها لانها تسرع الشدة فيها لاجل دهنها، وقيل انها تعمل من طين يعجن بالدم والشعر فنهى عنها ليمتنع من عملها. انتهى. وما روياه ايضا عن ابي الربيع الشامي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كل مسكر فكل مسكر حرام. فقلت له فالظروف التي يصنع فيها منه ؟ فقال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير. فقلت وما ذلك ؟ قال الدباء القرع والمزفت الدنان والحنتم جرار خضر والنقير خشب كان اهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها اجواف ينبذون فيها ". وما رواه في الكافي عن جراح المدائني عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه منع مما يسكر من الشراب كله ومنع النقير ونبيذ الدباء.. الحديث ". وما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب في الموثق عن عمار (4) قال: " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء أو كامخ أو زيتون ؟ قال


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 52 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 25 من الاشربة المحرمة (4) رواه في الوسائل في الباب 51 من النجاسات.

[ 501 ]

إذا غسل فلا بأس وعن الابريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح ان يكون فيه ماء ؟ قال إذا غسل فلا بأس. وقال في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر ؟ قال تغسله ثلاث مرات.. الحديث " وقد تقدم تمامه قريبا. وموثقته الاخرى المتقدمة ايضا في الاناء الذي يشرب فيه النبيذ وانه يغسله سبع مرات. وما رواه في الكافي عن حفص الاعور (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني آخذ الركوة فيقال انه إذا جعل فيها الخمر وغسلت ثم جعل فيها البختج كان اطيب لها فنأخذ الركوة فنجعل فيها الخمر فنخضخضه ثم نصبه ونجعل فيها البختج ؟ قال لا بأس به " قال في الوافي: الزكوة بضم المعجمة زق الشراب. اقول الذي في كلام اهل اللغة بالراء المهملة زق يتخذ للخمر والخل وفي القاموس زق صغير. هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد استدل للقول المشهور بامرين: (احدهما) ان الواجب ازالة النجاسة المعلومة والاستظهار بالغسل وتحصيل هذا القدر ممكن وما لا يعلم من النجاسة لا يجب تتبعه واللازم من ذلك حصول الطهارة حينئذ، وبانه بعد ازالة عين النجاسة يرتفع المانع من الاستعمال فيكون سائغا، اما المقدمة الاولى فظاهرة لان البحث على تقدير ارتفاع العين عن المحل وكون المقتضى للمنع ليس إلا تلك العين. واما الثانية فلان المنع لو بقي بعد ارتفاع سببه لزم بقاء المعلول بعد العلة وذلك يخرجها عن العلية. و (ثانيهما) رواية عمار المتقدمة والتقريب فيها انها دالة باطلاقها على قبول اواني الخمر التطهير مغضورة أو غير مغضورة صلبة أو غير صلبة ونحوها روايته الثانية ولو كان غير المغضور لا يطهر لوجب الاستفصال في الجواب. واحتج للقول الاخر بوجهين (احدهما) صحيحة محمد بن مسلم ورواية ابي الربيع الشامي المتقدمتان. و (الثاني) ان للخمر حدة ونفوذا في الاجسام الملاقية له فإذا لم تكن


(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من الاشربة المحرمة.

[ 502 ]

الانية مغضورة دخلت اجزاء الخمر في باطنها فلا ينالها الماء. واجيب عن الاول بان النهي للكراهة. واجاب في المدارك عن ذلك بان النهي عن ذلك لا يتعين كونه للنجاسة إذ من الجائز ان يكون لاحتمال بقاء شئ من اجزاء الخمر في ذلك الاناء فيتصل بما يحصل فيه المأكول والمشروب انتهى. وعن الثاني بان نفوذ الماء اشد من نفوذ غيره فان ما يشرب الخمر يشرب الماء فيصل الماء إلى ما يصل إليه الخمر. واجاب في المدارك عن ذلك بانه مع تسليم ما ذكر فانه لا ينافي طهارة الظاهر وجواز استعماله إلى ان يعلم ترشح اجزاء من الخمر المستكن في الباطن إليه. اقول: لا يخفى على المتأمل في هاتين الروايتين ان النهى عن استعمال هذه الظروف المعدودة في الانتباذ لانها تسرع الشدة فيها لاجل دهنها فيصير مسكرا ويشير إلى ذلك ما تقدم في كلام صاحب النهاية، ولو كان النهي عنها انما هو من حيث نفوذ الخمر فيها وعدم قبولها للتطهير كما فهمه المستدل والمجيب لم يكن لذكر المزفت وهو المطلي بالزفت الذي هو القير معنى لانه لا نفوذ فيه وكذلك الحنتم وهي الجرار الخضر المغضورة، ويشير إلى ما ذكرنا قوله في رواية جراح المدائني " انه منع نبيذ الدباء " يعني ما ينبذ فيه، وبالجملة فالظاهر من الاخبار المذكورة انما هو النهي عن النبيذ فيها خوفا من التغيير والانقلاب إلى المحرم لا عن الاستعمال بقول مطلق كما ظنوه وحينئذ فلا تكون الاخبار المذكورة من محل البحث في شئ ويبقى اطلاق الاخبار الاولة سالما عن المعارض. واما الوجه الاعتباري الذي اضافوه إلى هاتين الروايتين فهو لا يسمن ولا يغني من جوع بعد بطلان دلالة الخبرين المذكورين مع ما عرفت من الجواب عنه بالوجهين المتقدمين، وبذلك يظهر لك قوة القول المشهور. بقي الكلام هنا في شئ آخر وهو ان ظاهر صحيحة محمد بن مسلم لا يخلو من حزازة حيث انه في آخر الخبر نفى البأس عن الجرار الخضر مع انه في صدر الخبر قال بعد ذكر ما نهى (صلى الله عليه وآله) عنه " وزدتم انتم الحنتم " وقد عرفت ان المراد

[ 503 ]

به الجرار الخضر المدهونة. ويمكن الجمع بحمل الجرار الخضر التي نفى البأس عنها على ما لا تكون مدهونة ويمكن ايضا الفرق باعتبار المعنى الثاني للنهي من حيث العمل من الطين المعجون بالدم والشعر بان يحمل نفي البأس اخيرا من حيث عدم العمل من ذلك الطين واما الجمع بان النهي عن الحنتم في صدر الخبر لم يسنده له (صلى الله عليه وآله) وانما قال: " وزدتم انتم " " فلا ينافيه نفي البأس في آخر الخبر فيضعف بحصول النهي عنه في حديث ابي الربيع الشامي كما عرفت. والله العالم. (الثانية) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان اواني المشركين طاهرة حتى تعلم النجاسة، قال في المعتبر: اواني المشركين طاهرة ما لم يعلم نجاستها بمباشرتهم لها أو ملاقاة نجاسة، والضابط ان الانية في الاصل على الطهارة فلا يحكم بالنجاسة إلا مع اليقين بورود النجس وحينئذ اما ان يكون ذلك معلوم الحصول فتكون نجسة أو معلوم الانتفاء فتكون طاهرة أو مشكوكا فيه فيكون استعمالها مكروها، ويستوي في ذلك المجوسي ومن ليس من اهل الكتاب، وفي الذمي روايتان اشهرهما النجاسة نجاسة عينية ونجاسة ما يلاقيه بالمائع، ثم نقل خلاف العامة واختلاف اقوالهم. اقول: وبذلك صرح الشيخ في المبسوط وغيره إلا انه قال في الخلاف لا يجوز استعمال اواني المشركين من اهل الذمة وغيرهم، وقال الشافعي لا بأس باستعمالها ما لم يعلم فيها نجاسة وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال احمد ابن حنبل واسحاق لا يجوز استعمالها (1) ثم استدل على المنع بقوله تعالى " انما المشركون نجس " (2) وباجماع الفرقة ورواية محمد بن مسلم (3) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن آنية اهل الذمة والمجوس فقال لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " ولم اقف في كتب اصحابنا على من نقل


(1) كما في الام ج 1 ص 7 والمغني ج 1 ص 82 وبدائع الصنائع ج 1 ص 63 (2) سورة التوبة، الاية 28. (3) المروية في الوسائل في الباب 14 من النجاسات.

[ 504 ]

خلافه في هذه المسألة مع ان كلامه صريح في ذلك، واغرب منه دعواه الاجماع عليه مع انه لم يقل بذلك غيره فيما اعلم، واستند الاصحاب هنا إلى التمسك باصالة الطهارة حتى يعلم وجود الرافع وهو قوي منصوص في غير خبر كما تقدم في مقدمات الكتاب. وقد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة زيادة على ما اشرنا إليه في المقدمات في التنبيه الثاني من التنبيهات الملحقة بالمسألة الثانية من مسائل المقصد الثاني في الاحكام من هذا الباب. ثم ان غاية ما تدل عليه الاية التي ذكرها مع الاغماض عن المناقشات التي اوردت عليها هو نجاسة المشركين وهو مما لا نزاع فيه هنا ومن القواعد المقررة المتفق عليها ان عين النجاسة لا يحكم بتعدي نجاستها إلا مع العلم واليقين بذلك. واما الخبر فهو محمول على الاستحباب كما حققناه في المسألة المشار إليها. (المطلب الثاني) في ما يجوز استعماله من الاواني والالات ومالا يجوز، لا خلاف بين الاصحاب في تحريم الاكل والشرب وكذا سائر الاستعمالات كالتطيب وغيره في اواني الذهب والفضة، وادعى عليه العلامة في التذكرة وغيره الاجماع، ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قال يكره استعمال الذهب والفضة. وصرح جملة ممن تأخر عنه بحمل العبارة المذكورة على التحريم، وهو جيد. والاخبار بذلك مستفيضة من طرق الخاصة والعامة، فروى الجمهور عنه (صلى الله عليه وآله) (1) انه قال: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فانها لهم في الدنيا ولكم في الاخرة " وعن علي (عليه السلام) (2) انه قال: " الذي


(1) رواه البخاري في كتاب الاطعمة باب الاكل في اناء مفضض الا ان فيه " ولنا في الاخرة " بدل " ولكم في الاخرة " ورواه أبو داود في السنن ج 3 ص 337 هكذا: " ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن الحرير والديباج وعن الشرب في آنية الذهب والفضة وقال هي لهم في الدنيا ولكم في الاخرة ". (2) رواه ابن ماجة في السنن ج 2 ص 335 عن النبي صلى الله عليه وآله ولم نجد روايته عن علي (ع).

[ 505 ]

يشرب في آنية الذهب والفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم ". ومن طريق الاصحاب ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن اسماعيل بن بزيع (1) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن آنية الذهب والفضة فكرههما فقلت قد روى بعض اصحابنا انه كان لابي الحسن مرآة ملبسة فضة ؟ فقال لا والحمد لله انما كانت له حلقة من فضة وهي عندي، ثم قال ان العباس حين عذر عمل له قضيب ملبس من فضة من نحو ما يعمل للصبيان تكون فضته نحوا من عشرة دراهم فامر به أبو الحسن فكسر " اقول العذر بالعين المهملة ثم الذال المعجمة بمعنى الاختتان وعذر الغلام اختتانه. وعن الحلبي في الحسن أو الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا تأكل في آنية من فضة ولا في آنية مفضضة " وعن داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا تأكل في آنية الذهب والفضة " وعن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (4) " انه نهى عن آنية الذهب والفضة " وعن موسى بن بكر عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (5) قال: " آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون " ورواه في الفقيه مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) (6) وفي الفقيه بطريقه إلى ابان عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (7) قال: " لا تأكل في آنية ذهب ولا فضة " وفي الكافي عن سماعة بن مهران في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: " لا ينبغي الشرب في آنية الذهب والفضة " وعن يونس بن يعقوب عن اخيه يوسف (9) قال: " كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في الحجر فاستسقى ماء فاتى بقدح من صفر فقال رجل ان عباد بن كثير يكره الشرب في الصفر فقال لا بأس. وقال (عليه السلام) للرجل ألا سألته أذهب هو ام فضة ؟ " ورواه الصدوق ايضا. وفي حديث المناهي من الفقيه (10) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الشرب في آنية الذهب


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) و (10) رواه في الوسائل في الباب 65 من النجاسات (2) رواه في الوسائل في الباب 66 من النجاسات.

[ 506 ]

والفضة " وفي قرب الاسناد عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهاهم عن سبع: منها الشرب في آنية الذهب والفضة " وروى في الكافي عن بريد في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) " انه كره الشرب في الفضة وفي القدح المفضض وكذلك ان يدهن في مدهن مفضض والمشطة كذلك " ورواه الصدوق باسناده عن ثعلبة عن بريد مثله (3) وزاد " فان لم يجد بدا من الشرب في القدح المفضض عدل بفمه عن موضع الفضة " وهذه الزيادة محتملة لان تكون من كلامه أو من اصل الخبر. وروى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (4) قال " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الشرب في القدح فيه ضبة من فضة ؟ قال لا بأس إلا ان تكره الفضة فتنزعها " وعن عبد الله بن سنان في الحسن بالوشاء عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس ان يشرب الرجل في القدح المفضض واعزل فمك عن موضع الفضة " وهذه الرواية وصفها في المدارك بالصحة وهو كما ترى. وروى في المحاسن بسنده عن عمرو بن ابي المقدام (6) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) قد اتى بقدح من ماء فيه ضبة من فضة فرأيته ينزعها باسنانه " ورواه الكليني عن جعفر بن بشير عن عمرو بن ابي المقدام. وروى في الكافي عن الفضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن السرير فيه الذهب أيصلح امساكه في البيت ؟ فقال ان كان ذهبا فلا وان كان ماء الذهب فلا بأس " وفي الصحيح عن منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: " سألته عن التعويذ يعلق على الحائض فقال نعم إذا كان في جلد أو فضة أو قصبة حديد " وعن صفوان بن يحيى (9) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن ذي الفقار سيف رسول الله (صلى الله عليه


(1) رواه في الوسائل في الباب 65 من النجاسات (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 66 من النجاسات. (7) و (8) و (9) رواه في الوسائل في الباب 67 من النجاسات.

[ 507 ]

وآله) قال نزل به جبرئيل من السماء وكانت حلقته فضة " وروى نحوه في عيون الاخبار (1) إلا ان فيه عوض " حلقته " " وكانت حليته من فضة " وعن يحيى بن ابي العلاء (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات الفضول لها حلقتان من ورق في مقدمها وحلقتان من ورق في مؤخرها وقد لبسها علي (عليه السلام) يوم الجمل " وروى الصدوق في الصحيح عن محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " ان اسم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ان قال وكان له درع تسمى ذات الفضول لها ثلاث حلقات فضة حلقة بين يديها وحلقتان خلفها.. الحديث " وروى البرقي في المحاسن في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن المرآة هل يصلح امساكها إذا كان لها حلقة فضة ؟ قال نعم انما يكره استعمال ما يشرب به. قال وسألته عن السرج واللجام فيه الفضة أيركب به ؟ قال ان كان مموها لا يقدر على نزعه منه فلا بأس وإلا فلا يركب به " ورواه علي بن جعفر في كتابه (5) ورواه الكليني في احكام الدواب (6) وروى ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من جامع البزنطي (7) قال: " سألته عن السرج واللجام.. " وذكر مثل ما تقدم. هذا ما وقفت عليه من الاخبار المناسبة للمقام الداخلة في سلك هذا النظام، وتحقيق البحث فيها يقع في مواضع: (الاول) المفهوم من كلام جملة من الاصحاب ان النهي عن الاكل في اواني الذهب والفضة انما ينصرف إلى الاخذ والتناول منها فيأثم بذلك دون ما فيها فلا يتعلق به نهي ولا تحريم متى كان مباحا قال في المبسوط: ومن اكل أو شرب في آنية ذهب أو فضة فانه يكون قد فعل محرما، ولا يكون قد اكل محرما إذا كان المأكول مباحا


(1) و (2) و (3) و (4) و (7) رواه في الوسائل في الباب 67 من النجاسات (5) البحار ج 4 ص 154 (6) ج 2 ص 230.

[ 508 ]

لان النهي عن الاكل فيه لا يتعدى إلى المأكول. وعلى هذا النحو كلام من تأخر عنه، ونقل في المدارك عن المفيد (قدس سره) تحريم المأكول والمشروب، قال ولو استدل بقول علي (عليه السلام) (1) " انما يجرجر في بطنه نار جهنم " اجيب عنه بان الحقيقة غير مرادة والمتبادر من المعنى المجازي كون ذلك سببا في دخول النار بطنه وهو لا يستلزم تحريم نفس المأكول والمشروب. انتهى. اقول: يمكن توجيه كلام المفيد (قدس سره) بان يقال ان النهي اولا وبالذات وان كان عن تناول المأكول والمشروب لكن يرجع ثانيا وبالعرض إلى المأكول بان يقال ان هذا المأكول يكون حراما متى اكل على هذه الكيفية، وظاهر النصوص يساعده لانها تضمنت النهي عن الاكل حال كونه في هذه الاواني والاكل حقيقة عبارة عن المضغ في الفم والازدراد في الحلق وحمل الاخبار على مجرد التناول مجاز فهذا الطعام أو الشراب الذي في الانية وان كان حلالا في حد ذاته يجوز اكله باي نحو كان إلا انه بوضعه في هذه الانية واكله فيها عرض له التحريم، ونظيره تحريم اخذ الحق الشرعي بحكم حاكم الجور وانه سحت كما دلت عليه الاخبار مع جواز التوصل إلى اخذه مقاصة فضلا عن التوصل بحكم حاكم العدل. وبالجملة فانه إذا قال الشارع لا تأكل في آنية الذهب مثلا والاكل انما هو عبارة عن المعنى الذي قدمناه والنهي حقيقة في التحريم فانه لا وجه للتحريم إلا من حيث عدم صلاحية المأكول للاكل من هذه الجهة فيرجع التحريم إلى المأكول بالاخرة لا من حيث ذاته بل من هذه الحيثية المخصوصة. والله العالم (الثاني) قد صرح المحقق في المعتبر وقبله الشيخ في المبسوط بانه لو تطهر من آنية الذهب والفضة لم يبطل وضوؤه ولا غسله. والشيخ ذكر الحكم ولم يعلله بشئ والمحقق نقل في المعتبر عن بعض الحنابلة المنع (2) معللا له بانه استعمله في العبادة فيحرم


(1) راجع التعليقة 2 ص 504. (2) حكاه في المغني ج 1 ص 76 عن ابي بكر وهو من شيوخ الحنابلة.

[ 509 ]

كالصلاة في الدار المغصوبة. ثم قال (قدس سره) في الاستدلال لما اختاره: لنا ان انتزاع الماء ليس جزء من الطهارة بل لا يحصل الشروع فيها إلا بعده فلا يكون له اثر في بطلان الطهارة، وقوله هو استعمال في العبادة قلنا اما انتزاع الماء فهو استعمال لكنه ليس جزء من الطهارة. ونحو ذلك ذكر العلامة في المنتهى إلا انه استوجه بعد ذلك البطلان فقال بعد موافقة المعتبر فيما ذكره في المقام: ولو قيل ان الطهارة لا تتم إلا بانتزاع الماء المنهي عنه فيستحيل الامر بها لاشتمالها على المفسدة كان وجها وقد سلف نظيره. انتهى. اقول لا ريب ان النهي في الاخبار المتقدمة ما بين مقيد بالاكل والشرب وما بين مطلق ومقتضى قواعدهم في مثل ذلك حمل المطلق على المقيد، وحينئذ فلا دليل على حكم الوضوء من آنية الذهب والفضة وان الوضوء هل يكون صحيحا أو باطلا ؟ وقضية الاصل الصحة إلا ان ظاهر الاصحاب هو حمل النهي المطلق على النهي عن الاستعمال مطلقا، وقد نقل في المنتهى الاجماع على تحريم الاستعمال مطلقا. وحينئذ فالنهي عن الاستعمال في الوضوء لا يستلزم بطلان الوضوء كما ذكروه بل غايته حصول الاثم بالاستعمال خاصة وهذا بخلاف النهي عن الاكل والشرب كما حققناه آنفا نعم لو كان ورود النهي عن الوضوء من آنية الذهب لتوجه القول بالبطلان لورود النهي على الوضوء وتوجه النهي إليه موجب لبطلانه بمقتضى القاعدة المقررة من ان توجه النهي إلى العبادات موجب لبطلانها إلا ان الاخبار خالية من ذلك وغاية ما يفهم من مطلقاتها النهي عن الاستعمال ان لم يرتكب فيها التقييد كما قدمنا ذكره. نعم يأتي ما ذكره العلامة من لزوم اجتماع الامر والنهي في شئ واحد، وقد تقدم نبذة من القول في ذلك ويأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في كتاب الصلاة. (الثالث) المشهور بين الاصحاب تحريم اتخاذ الاواني المذكورة وان كان للقنية والادخار صرح بذلك المحقق في المعتبر ونقله عن الشيخ (قدس سره) ولم ينقل فيه خلافا إلا

[ 510 ]

عن الشافعي حيث جوزه (1) واستدل في المعتبر على ذلك بان فيه تعطيلا للمال فيكون سرفا لعدم الانتفاع، وبرواية محمد بن مسلم المتقدمة (2) المتضمنة للنهي عن آنية الذهب والفضة، قال: وهو على اطلاقه. بمعنى ان النهي اعم من الاتخاذ والاستعمال فتكون الرواية دالة باطلاقها على محل البحث، ثم اورد رواية موسى بن بكر. اقول: ويدل على ذلك ايضا اطلاق صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع فانها وان تضمنت الكراهة إلا ان الكراهة هنا بمعنى التحريم اتفاقا كما هو شائع في الاخبار وتحريمها على الاطلاق شامل للقنية والاتخاذ وغيرهما، ونقل في المدارك عن العلامة في المختلف انه استقرب الجواز استضعافا لادلة المنع واستحسنه وجعل المنع اولى. والظاهر ضعفه لما عرفت. (الرابع) قد عرفت اتفاق كلمة الاصحاب على تحريم استعمال اواني الذهب والفضة وانما الخلاف في المفضضة والمذهبة فعن الخلاف ان حكمها حكم اواني الفضة والذهب، وذهب في المبسوط إلى الجواز لكن اوجب عزل الفم عن موضع الفضة وهو اختيار عامة المتأخرين ومتأخريهم: منهم المحقق والعلامة والشهيدان وغيرهم. واستدل الشيخ (قدس سره) على ما نقل عنه بحسنة الحلبي أو صحيحته المتقدمة المتضمنة للنهي عن الاكل في آنية فضة أو مفضضة. اقول: ويدل عليه ايضا موثقة بريد المتقدم نقلها عن الكافي والفقيه فانه ساوى فيها بين الفضة والمفضض، والرواية وان وردت بلفظ الكراهة لكن قد عرفت ان المراد بها هنا هو التحريم اتفاقا، ونقل الشهيد في الذكرى على اثر هذه الرواية عنه (عليه السلام) قال: وقوله: في التور يكون فيه تماثيل أو فضة لا يتوضأ منه ولا فيه " قال والنهي للتحريم. وهذه الرواية لم اقف عليها فيما حضرني الان من كتب الاخبار. واستدل عل القول المشهور بحسنة عبد الله بن سنان المتقدمة، وظاهر المتأخرين القائلين بالجواز حمل الاخبار الاولة على الكراهة جمعا بينها وبين الحسنة المذكورة حتى


(1) كما في المغني ج 1 ص 77. (2) ص 55.

[ 511 ]

ان صاحب المعتبر استدل على ذلك بموثقة بريد المذكورة حيث تضمنت لفظ الكراهة مع ان القدح المفضض فيها انما عطف على الفضة ولا خلاف عندهم في التحريم فيها، إلا ان يقول بجواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ان قلنا انه حقيقة في احدهما أو معنييه ان قلنا بالاشتراك وهم لا يقولون به كما صرحوا به في اصولهم، ولهذا ان شيخنا الشهيد في الذكرى نظم هذه الرواية في ادلة الشيخ كما اشرنا إليه آنفا وقال في تقريب الاستدلال بها: والعطف على الشرب في الفضة مشعر بارادة التحريم. إلا انه (قدس سره) اختار الجمع بين الاخبار بالكراهة كما اشرنا إليه وقال في التفصي عن هذه الرواية: واستعمال اللفظة فيها في التحريم مجاز يصار إليه بقرينة. ولا يخفى ما فيه فانه خروج عن قواعدهم المقررة في اصولهم واي قرينة هنا تدل على الجواز في المفضض ؟ ومجرد وجود الخبر النافي ليس من قرائن المجاز. وقال العلامة في المنتهى بعد اختيار الجواز: احتج الشيخ على القول الثاني برواية الحلبي (1) قال: " لا تأكلوا في آنية من فضة ولا في آنية مفضضة " والعطف يقتضي التساوي في الحكم وقد ثبت التحريم في آنية الفضة فيثبت في المعطوف، وبرواية بريد عن الصادق (عليه السلام) (2) " انه كره الشرب في الفضة وفي القداح المفضضة " والمراد بالكراهة في الاول التحريم فيكون في الثاني كذلك تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، ولانه لولا ذلك للزم استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه أو اللفظ الواحد في معنى الحقيقة والمجاز وذلك باطل، ثم قال والجواب عن الحديث الاول ان المعطوف والمعطوف عليه قد اشتركا في مطلق النهي وذلك يكفي في المساواة ويجوز الافتراق بعد ذلك بكون احدهما نهي تحريم والاخر نهي كراهة، وكذا الجواب عن الرواية الثانية إذ استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه أو في الحقيقة والمجاز غير لازم إذ


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 66 من النجاسات.

[ 512 ]

المراد بالكراهة مطلق رجحان العدم غير مقيد بالمنع من النقيض وعدمه فكان من قبيل المتواطئ. انتهى. اقول: فيه (اولا) ما عرفت مما اسلفنا ذكره في غير مقام من ان الجمع بين الاخبار بالكراهة والاستحباب مما لا دليل عليه من سنة ولا كتاب ولا عقل يصفو عن شوب الارتياب. و (ثانيا) ان ما اجاب به عن الخبر الاول لا يخلو من غرابة فانه قد صرح في كتبه الاصولية وكذا غيره من المحققين بان النهي من حيث هو حقيقة في التحريم كما ان الامر حقيقة في الوجوب، ومقتضاه ان الحمل على الكراهة والاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة، وبذلك يظهر لك ما في كلامه هنا من قوله " ان المعطوف والمعطوف عليه قد اشتركا في مطلق النهي.. الخ " فان فيه زيادة على ما عرفت انهما متى اشتركا في مطلق النهي والنهي حقيقة في التحريم فقد ثبت التحريم في الجميع فلا معنى لهذا الافتراق ولا دليل عليه سوى مجرد التحكم، وكذا ما اجاب به عن الرواية الثانية فانه اغرب واعجب فان حمل الكراهة على مطلق رجحان العدم الشامل للتحريم والكراهة الاصطلاحية مجرد دعوى الجأت إليها ضرورة الوقوع في شباك الالزام وإلا فمعنى الكراهة لا يخرج عن التحريم أو الكراهة الاصطلاحية ولو قامت هذه الاحتمالات البعيدة والتمحلات الغير السديدة في دفع الادلة وصرفها عن ظاهرها لانسد باب الاستدلال إذ لا قول إلا وهو قابل للاحتمال. والاظهر عندي هو القول المشهور من الجواز على كراهية والاستدلال بالاخبار المذكورة، والقريب فيها مبني على جواز استعمال المشترك على معنييه أو اللفظ في حقيقته ومجازه، وهو وان منعوه في الاصول كما عرفت إلا ان ظواهر كثير من الاخبار وقوعه كما اشرنا إليه في غير مقام ومنه هذه الاخبار، والاشكال في الاستدلال بها انما يتجه على من يعمل بهذه القواعد الاصولية ومنها هذه القاعدة، وما استندوا إليه في الخروج عن الاشكال بعد التزامهم بالقاعدة المذكورة قد عرفت ما فيه. نعم هنا احتمالات اخر ايضا في الجمع بين اخبار

[ 513 ]

المسألة إلا ان الظاهر هو ما ذكرناه. بقي الكلام في انه على تقدير القول بالجواز كما هو المشهور هل يجب العزل عن موضع الفضة ام لا وان استحب ؟ الظاهر الاول كما اختاره الشيخ في المبسوط والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى لحسنة عبد الله بن سنان (1) وقوله (عليه السلام) فيها " واعزل فمك عن موضع الفضة " واختار المحقق في المعتبر الاستحباب وتبعه في المدارك واستند في المعتبر إلى رواية معاوية بن وهب المتقدمة. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وهو حسن فان ترك الاستفصال في جواب السؤال مع قيام الاحتمال يفيد العموم. وفيه ان غاية ما يدل عليه الخبر المذكور هو جواز استعمال المفضض لا موضع الفضة واحدهما غير الاخر، وما استند إليه من العموم الناشئ من ترك الاستفصال مخصوص برواية عبد الله بن سنان الدالة على الامر بعزل الفم عن موضع الفضة كما لا يخفى. (الخامس) مورد الاخبار تحريما أو كراهة الاناء المفضض وهل يكون الاناء المذهب ايضا كذلك ؟ الظاهر نعم ان لم يكن اولى لاشتراكهما في اصل الحكم. وقال العلامة في المنتهى: الاحاديث وردت في المفضض وهو مشتق من الفضة ففي دخول الانية المضببة بالذهب نظر ولم اقف للاصحاب فيه على قول، والاقوى عندي جواز اتخاذه عملا بالاصل والنهي انما يتناول استعمال آنية الذهب والفضة. نعم هو مكروه إذ لا ينزل عن درجة الفضة. انتهى. واختياره الجواز في المذهب جرى على اختياره الجواز في المفضض كما سلف نقله عنه. وقال الشهيد في الذكرى: هل ضبة الذهب كالفضة ؟ يمكن ذلك كاصل الاناء والمنع لقوله (صلى الله عليه وآله) (2) في الذهب والحرير: " هذان محرمان على ذكور امتي ". والظاهر ضعفه والحديث المذكور ان ثبت فالظاهر منه ارادة اللبس كما يشير إليه ذكر الحرير.


(1) ص 506. (2) رواه ابن ماجة في السنن ج 2 ص 335 والنسائي في السنن ج 2 ص 285.

[ 514 ]

(السادس) الظاهر دخول مثل المكحلة وظرف الغالية في الاناء وبذلك صرح الشهيد في الذكرى فقال: الاقرب تحريم المكحلة منهما وظرف الغالية وان كانت بقدر الضبة لصدق الاناء اما الميل فلا. وبنحو ذلك صرح العلامة في جملة من كتبه وتردد في المدارك للشك في اطلاق اسم الاناء حقيقة على ذلك. اقول: ومما يؤيد صدق الاناء على ما نحن فيه ما ذكره الفيومي في المصباح المنير حيث قال: الاناء والانية الوعاء والاوعية وزنا ومعنى. وهو صريح في المراد لانها وعاء لما يوضع فيها. واما الميل فالظاهر انه من قبيل الالات فلا يتعلق به حكم الاواني وبه جزم الشهيد في الذكرى كما تقدم. والله العالم. (السابع) قد صرح جملة من الاصحاب: منهم المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى وغيرهم بجواز نحو الحلقة للقصعة وقبضة السيف والسلسلة واتخاذ الانف من الذهب وربط الاسنان به. وظاهر كلامهم جواز ذلك بلا كراهة، واستندوا في ذلك إلى انه كان للنبي (صلى الله عليه وآله) قصعة فيها حلقة من فضة ولموسى بن جعفر (عليه السلام) مرآة كذلك وان قبضة سيف النبي (صلى الله عليه وآله) كانت من فضة ولدرعه حلق من فضة. اقول: لا ريب في صحة ما ذكروه ووجود الاخبار به كما تقدم (1) إلا انه قد ورد ايضا ما ظاهره المنافاة مثل حديث الفضيل بن يسار الوارد في السرير فيه الذهب حيث منع (عليه السلام) عن امساك السرير في البيت ان كان فيه ذهب وانما جوز المموه بماء الذهب، وصحيحة علي بن جعفر الواردة في اللجام والسرج فيه الفضة حيث منع من الركوب به ان كان فضة وجوزه ان كان مموها لا يقدر على نزعه، وصحيحة محمد بن اسماعيل المتقدمة المشتملة على القضيب الملبس فضة وامر الكاظم (عليه السلام) بكسره وحديث بريد المشتمل على المشط، ويؤيد ذلك ما روى عن


(1) ص 505 و 506 و 507.

[ 515 ]

الصادق (عليه السلام) (1) في القرآن المعشر بالذهب وفي آخره سورة مكتوبة بالذهب فلم يعب سوى كتابة القرآن بالذهب وقال: " لا يعجبني ان يكتب القرآن إلا بالسواد كما كتب اول مرة " وهذه الاخبار كما ترى ظاهرة في الكراهة ان تنزلنا عن التحريم وسؤال الفرق بينها وبين ما ورد في تلك الاخبار متجه، وبالجملة فالظاهر هو الجواز في الالات على كراهة وان تفاوتت شدة وضعفا في مواردها، هذا في المذهب والمفضض منها واما المموه فالظاهر جوازه من غير كراهة إلا ان في صحيحة علي بن جعفر ما يشعر ايضا بكون الحكم فيه كذلك من قوله: " ان كان مموها لا يقدر على نزعه " والاحتياط لا يخفى. (الثامن) قد صرح جملة من الاصحاب من غير خلاف يعرف بانه يجوز استعمال الاواني من غير هذين المعدنين من سائر الجواهر وان غلا ثمنه. وهو جيد للاصل وعدم ما يوجب الخروج عنه. (التاسع) قد عرفت آنفا الخلاف في جواز الاتخاذ للقنية وعدم الاستعمال وعدمه، ويتفرع على ذلك فروع: منها عدم جواز كسر الانية المذكورة وضمان الارش لو كسرها على الاول دون الثاني لانه لا حرمة لها من حيث التحريم، ومنها جواز بيعها على الاول دون الثاني إلا ان يكون المطلوب كسرها ووثق من المشتري بذلك. (العاشر) قال العلامة في المنتهى: تحريم الاستعمال مشترك بين الرجال والنساء لعموم الادلة واباحة التحلي للنساء بالذهب لا يقتضي اباحة استعمالهن للانية منه إذ الحاجة وهي التزيين ماسة في التحلي وهو مخيص به فتختص به الاباحة. انتهى. وادعى في التذكرة الاجماع على الاشتراك المذكور. وهو جيد. والله العالم. تذنيب في احكام الجلود والبحث فيها يقع في مواضع: (الاول) المشهور بين الاصحاب


(1) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب ما يكتسب به.

[ 516 ]

(رضوان الله عليهم) بل ادعى عليه الاجماع ان جلد الميتة مما هو طاهر في حال الحياة لا يطهر بالدباغ وادعى العلامة في المنتهى والمختلف الاجماع عليه من غير ابن الجنيد، والشهيد في الذكرى ادعى الاجماع من غير استثناء، وهو اما بناء على ان معلوم النسب خروجه غير قادح في الاجماع أو لعدم الاعتداد بخلافه لشذوذه وموافقة قوله لاقوال العامة، ولم ينقلوا الخلاف هنا إلا عن ابن الجنيد خاصة حيث ذهب إلى طهارته بالدباغ مما هو طاهر في حال الحياة لكن لا يجوز الصلاة فيه، وعزى الشهيد في الذكرى إلى ابي جعفر الشلمغاني من قدماء اصحابنا إلا انه تغير وظهرت منه مقالات منكرة موافقة ابن الجنيد، مع ان ظاهر الصدوق في الفقيه ذلك ايضا حيث روى في صدر الكتاب مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه ؟ فقال لا بأس " وهو ظاهر في الطهارة كما ترى وليس بين هذا الكلام وبين صدر الكتاب الذي قرر فيه انه لا يورد في كتابه إلا ما يعتقد صحته ويفتي به إلا اوراق يسيرة. اقول: وقد قدمنا تحقيق القول في هذه المسألة في الفصل الخامس في الميتة من المقصد الاول استوفينا الاخبار الواردة في المسألة وبينا الوجه فيها وفي الجمع بينها إلا انه قد وقع للمحقق الشيخ حسن في هذا المقام كلام لا بأس بنقله وبيان ما فيه من نقض وإبرام وقد سبقه إلى ذلك ايضا صاحب المدارك إلا انا نكتفي بالكلام على ما ذكره في المعالم حيث انه ابسط ومنه يعلم الجواب عما ذكره في المدارك. قال في المعالم بعد نقل الخلاف في المسألة: إذا عرفت هذا فاعلم ان العمدة في الاحتجاج هنا لكل من القولين حسب ما ذكره المتأخرون هو الاخبار إلا ان الشيخ والفاضلين اضافوا إليها في الاحتجاج لعدم الطهارة عموم قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " (2) تعويلا على تناوله لجميع انواع الانتفاع، واستصحاب النجاسة لثبوتها قبل


(1) ج 1 ص 9 (2) سورة المائدة، الاية 4.

[ 517 ]

الدبغ فكذا بعده. ويلوح من الشهيد التمسك بالاجماع كما حكيناه عنه وهو صريح كلام الشيخ في الخلاف. وهذه الوجوه كلها ضعيفة، اما التمسك بالاية فلان المتبادر منها بحسب العرف تحريم الاكل كما سبق تحقيقه في بحث المجمل من مقدمة الكتاب، واما الاستصحاب فلان التمسك به موقوف على ملاحظة دليل الحكم وكونه عاما في الازمان كما سلف القول فيه محررا وقد تقدم في البحث عن نجاسة الميتة ان العمدة فيه على الاجماع وحينئذ فلا استصحاب، واما الاجماع فلعدم ثبوته على وجه يصلح للحجية ولهذا لم يتعرض له المحقق، وحال الشيخ والشهيد في الاجماع معلوم إذ قد اشرنا في غير موضع إلى انهما داخلان في عداد من ظهر منه في امر الاجماع ما اوجب حمله على غير معناه المصطلح الذي هو الحجة عندنا أو افاد قلة الضبط في نقلهم. ثم ان الاخبار التي احتجوا بها لعدم الطهارة كثيرة: منها ما رواه علي بن المغيرة قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الميتة ينتفع بشئ منها ؟ قال لا. قلت بلغنا.. الحديث " وقد قدمناه في الموضع المشار إليه آنفا عن علي بن ابي المغيرة (1) ثم ذكر بعده رواية الفتح ابن يزيد الجرجاني وقد تقدمت ايضا (2) ثم روايات لا دلالة فيها في الحقيقة، ثم قال فاما ما يدل من الاخبار على الطهارة فحديث واحد رواه الشيخ باسناده ثم نقل رواية الحسين بن زرارة وقد تقدمت ايضا في الموضع المشار إليه (3) ثم قال: وانت إذا تأملت هذه الاخبار كلها وجدت ما عدا الاولين منها والاخير ليس من محل النزاع في شئ، ثم ساق الكلام في بيان ذلك إلى ان قال: فالتعارض واقع بينهما وبينه " يعني الخبرين الاولين وخبر الحسين والترجيح من جهة الاسناد منتف لان رواية الفتح ضعيفة والخبران الاخران مشتركان في جهالة حال راوييهما، وحينئذ فيمكن ان يجعل وجه الجمع حمل الروايتين الاوليين على الكراهة أو حمل رواية الطهارة على التقية ويرجح الثاني رعاية الموافقة لما عليه اتفاق اكثر الاصحاب، ويؤيد


(1) ص 62. (2) و (3) ص 61.

[ 518 ]

الاول موافقته لمقتضى الاصل من براءة الذمة بملاحظة ما قدمناه من عدم استقامة اعتبار الاستصحاب في مثله. انتهى. اقول: لا يخفى ما فيه على المتأمل النبيه (اما اولا) فان ما ذكره من ان التمسك بالاستصحاب موقوف على ملاحظة دليل الحكم وكونه عاما فجيد، واما قوله ان العمدة في نجاسة الميتة انما هو الاجماع فمردود بما قدمنا تحقيقه في الفصل المتقدم ذكره ونقلناه من الاخبار المستفيضة الدالة على الحكم المذكور وما ذيلنا به من التحقيق الظاهر في ذلك تمام الظهور، وعلى هذا فالاستدلال بالاستصحاب في محله لان الاخبار المذكورة قد دلت على نجاسة الميتة ومنه الجلد وهي مطلقة عامة شاملة لجميع الازمان حتى يقوم الرافع فالاستصحاب هنا راجع إلى الاستصحاب بعموم الدليل كما هو المدعى. و (اما ثانيا) فان ما ذكره من الطعن في الاجماع فهو حق على رأينا الواجب الاتباع وان كان قليل الاتباع من الاقتصار في الاستدلال على الكتاب والسنة لا على رأي من يعتمد على القواعد الاصولية كهذا القائل ونحوه. وذلك فانه لا يخفى ان من قواعدهم العمل بالاجماع المنقول بالخبر الواحد، ومنها ان خلاف معلوم النسب غير قادح في الاجماع والامر هنا كذلك فيكون حجة، وقد ادعاه هنا العلامة في المنتهى والمختلف وان استثنى ابن الجنيد منه، وادعاه الشيخ في الخلاف والشهيد في الذكرى من غير استثناء بناء على القاعدة الثانية، وبذلك اعترف هذا القائل في صدر كلامه فقال بعد نقل الاجماع عن العلامة كما حكيناه: وقال الشهيد في الذكرى لا يطهر جلد الميتة بالدباغ اجماعا فلم يحتفل باستثناء المخالف نظرا إلى عدم اعتبار مخالفة معلوم الاصل في تحقق الاجماع انتهى. وحينئذ فالاجماع المدعى هنا بمقتضى قواعدهم حجة في المقام فلا معنى لقدحه فيه، ووقوع التساهل من الشيخ والشهيد في دعوى الاجماع في غير هذا الموضع لا يقتضي رد ما نقلاه هنا من الاجماع المشتمل على شروط الاجماع المقبولة وإلا لادى ذلك إلى

[ 519 ]

عدم قبول الاجماع بين المتأخرين مطلقا ولا جعله دليلا شرعيا عنده لان عمدة الاجماعات الاصل فيها هو الشيخ والمرتضى اللذان هما في الصدر الاول فإذا لم يعول على نقلهم الاجماع مع عدم ظهور فساده ولا مانع منه فبالطريق الاولى اجماعات المتأخرين الذين هم ابعد طبقة من معرفة اقوال المتقدمين، غاية الامر انه في مقام ظهور خلافه سيما إذا لم يعلم القائل به سوى المدعى أو مخالفة المدعى نفسه فيه في موضع آخر أو مخالفة غيره له فيه لا يعمل عليه، وما لم يظهر فيه شئ من ذلك ونحوه فانه لا معنى لرده بمجرد التشهي كما لا يخفى. و (اما ثالثا) فان ما ذكره من انه لا تعارض في الاخبار التي نقلها إلا بين روايتي علي بن المغيرة والفتح بن يزيد الجرجاني وبين رواية الحسين بن زرارة فحق لا ريب فيه إلا ان قوله: " والترجيح من جهة الاسناد منتف " غفلة ظاهرة قد سبقه إليها صاحب المدارك ايضا، وذلك فان الرواية التي نقلاها عن علي بن بالمغيرة انما نقلاها من التهذيب وهي فيه كذلك وعلي بن المغيرة المذكور مجهول ذكره ولم يتعرضوا له بمدح ولا قدح واما في الكافي فانما رواها عن ابن ابي المغيرة وهو ثقة كما في كتب الرجال والتحريف قد وقع من الشيخ كما لا يخفى على من له انس بطريقته وقد نبهنا على ذلك مرارا، ويدل على ذلك انه انما نقل الحديث عن ابن يعقوب بالسند المذكور في الكافي ولكن حرف قلمه فسقط منه لفظ " ابي " والمحدثان الفاضلان محسن الكاشاني والشيخ الحر في الوافي والوسائل انما نقلا الخبر بسند صاحب الكافي كما ذكرنا ولكن المحققين المذكورين لم يراجعا الكافي واعتمدا على التهذيب والحال كما ترى، وحينئذ فالرواية المذكورة صحيحة صريحة في النجاسة ورواية الحسين بن زرارة قاصرة عن معارضتها، واقصر منها واضعف باصطلاحهم مرسلة الصدوق التي نوه بها في المدارك واعتمد عليها، على ان ادلة القول بالنجاسة غير منحصرة في هاتين الروايتين بل هي عدة روايات قدمنا ذكرها في الموضع المشار إليه آنفا.

[ 520 ]

و (اما رابعا) فان ما ذكره من وجهي الجمع بحمل رواية الطهارة على التقية أو حمل روايتي النجاسة على الكراهة وايد الحمل الاول برعاية اتفاق اكثر الاصحاب والثاني بموافقة الاصل ففيه ان وجه الجمع الموافق لقواعد اهل العصمة (عليهم السلام) التي وضعوها انما هو الاول لما استفاض عنهم من الاخبار في مقام اختلاف الروايات الواردة عنهم في الاحكام من العرض على الكتاب العزيز والاخذ بما وافقه والعرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه والاخذ بالمجمع عليه والاخذ بالاعدل ونحو ذلك، واما الحمل على الكراهة والاستحباب والترجيح بالاصل كما اتخذوه قاعدة كلية في جميع الابواب فهو اجتهاد صرف وتخريج بحت ورد لنصوص اهل الخصوص، وليت شعري أرأيت حين خرجت عنهم (عليهم السلام) هذه القواعد في ترجيح الاخبار في مقام الاختلاف لم يعلموا بهذا الاصل وانه مما ترجح به الاخبار حتى اغفلوه واهملوه أو علموا به ولم يذكروه والاول كفر محض فتعين الثاني وليس إلا لعدم صلاحيته للترجيح وإلا لعدوه في جملة هذه المرجحات. وبهذا يظهر لك ايضا ما في كلام صاحب المدارك حيث قال بعد الكلام في المسألة: وبالجملة فالمسألة محل تردد لما بيناه فيما سبق من انه ليس على نجاسة الميتة دليل يعتد به سوى الاجماع وهو انما انعقد على النجاسة قبل الدبغ لا بعده، وعلى هذا فيمكن القول بالطهارة تمسكا بمقتضى الاصل وتخرج الروايتان شاهدا. انتهى. اقول: لا تردد بحمد الله تعالى في ذلك بعد وضوح المدارك فيها والمسالك من الاخبار المستفيضة بنجاسة الميتة على العموم والجلد على الخصوص المعلوم وحمل المخالف في الثاني على التقية كما استفاضت به الاخبار عن سادات البرية. والله الهادي لمن يشاء (الثاني) اشترط ابن الجنيد في حصول الطهارة بالدباغ ان يكون ما يدبغ به طاهرا، قال في المختصر على ما نقل عنه: وليس يكون دباغها المحلل لها إلا بمحلل طاهر كالقرظ والشث والملح والتراب فإذا دبغت بشئ من النجس لم تطهر كالدارش فانها

[ 521 ]

تدبغ بخرء الكلاب وكذا اللنكا. انتهى قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: ولا نعلم حجته على هذا الشرط ويمكن ان يكون الوجه فيه علوق بعض اجزاء النجس به لسريانه في اعماق الجلد. انتهى. اقول: بل الظاهر ان الوجه فيه انما هو عدم وقوع التطهير بالنجس حيث انه جعل الدبغ مطهرا شرعا وقد تقرر في كلامهم انه لابد في المطهر ان يكون طاهرا ليفيد غيره طهارة كما صرحوا به وعليه دلت الاخبار ايضا. اقول: قد روى الشيخان في الكافي والتهذيب عن السياري عن ابي يزيد القسمي عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) " انه سأله عن جلود الدارش التي يتخذ منها الخفاف فقال لا تصل فيها فانها تدبغ بخرء الكلاب " والنهي في الخبر عن الصلاة في الخفاف المذكورة مخصوص بعدم تطهير الجلد وغسله وإلا فلو غسل فلا بأس، صرح بذلك الفاضلان في المعتبر والمنتهى. والمذكور في كلام جملة من الاصحاب انه لا يجوز الدباغ إلا بما كان طاهرا قاله الشيخ في المبسوط وكذا ابن ادريس والعلامة في المنتهى وظاهره تحريمه بالنجس، ولا اعرف للتحريم وجها بعد حصول الطهارة بالغسل كما صرح به هنا، ونحوه في المنتهى قال: يجوز استعمال الطاهر في الدباغ كالشث والقرظ والعفص وقشور الرمان وغيرها، والقائلون بتوقف الطهارة على الدباغ من اصحابنا والجمهور اتفقوا على حصول الطهارة بهذه الاشياء اما الاشياء النجسة فلا يجوز استعمالها في الدباغ. وهل يطهر ام لا ؟ اما عندنا فان الطهارة حصلت بالتذكية فكان ملاقاة النجس موجبة لتنجس الجلد ويطهر بالغسل، واما القائلون بتوقف الطهارة على الدباغ فقد ذهب بعضهم إلى عدم الطهارة ذكره ابن الجنيد وبعض الجمهور لانها طهارة من نجاسة فلا تحصل بالنجس كالاستجمار والغسل إلى ان قال وقد روي عن الرضا (عليه السلام) ثم نقل رواية ابي يزيد القسمي المتقدمة وردها اولا بضعف السند ثم قال ومع تسليمها تحمل على المنع من الصلاة قبل الغسل. انتهى.


(1) رواه في الوسائل في الباب 71 من النجاسات.

[ 522 ]

وقد ضبط جملة من اصحابنا لفظ " الشث " هنا بالشين المعجمة والثاء المثلثة قال الجوهري انه نبت طيب الريح مر الطعم يدبغ به، وفي الذكرى بعد ان ضبطه هكذا قال وقيل بالباء الموحدة وهو شئ يشبه الزاج. والقرظ بالقاف والراء والظاء المعجمة قال الجوهري هو ورق السلم يدبغ به. واما الدارش فذكر الجوهري وغيره انه جلد معروف. واما ما ذكره ابن الجنيد من اللنكا فذكر في المعالم انه ليس بعربي إذ لم يذكره اهل اللغة. (الثالث) لو قلنا ببقاء جلود الميتة بعد الدباغ على النجاسة كما هو المشهور المنصور فهل يجوز الانتفاع بها في اليابس ام لا ؟ صرح جملة من الاصحاب: منهم الفاضلان في المعتبر والمنتهى والشهيد في الذكرى بالثاني. وعلله المحقق في المعتبر بعموم النهي عن الانتفاع ونحوه العلامة في المنتهى، وزاد الشهيد في الذكرى عموم " حرمت عليكم الميتة " (1). واعترضهم في المعالم بانه ليس بجيد لان الاية غير صالحة لان يتناول عمومها مثله كما بيناه والخبران العامان قد علم ضعف اسنادهما. اقول: اما ما ذكره من منع دلالة الاية سابقا وفي هذا الموضع فهو جيد لما ذكره من ان المتبادر انما هو الاكل كما في قوله سبحانه " حرمت عليكم امهاتكم.. الاية " (2) فان المتبادر انما هو النكاح خاصة. واما الطعن في الخبرين الدالين على ذلك فهو ايضا جيد على اصله الغير الاصيل المخالف لما عليه كافة العلماء جيلا بعد جيل، لاطباقهم على العمل بهذه الاخبار واتفاقهم على ذلك في جميع الاعصار وان اختلفوا في الوجه في ذلك فبين من يحكم بصحتها كما عليه كافة المتقدمين وجملة من متأخري المتأخرين وبين من يجبر ضعفها باتفاق الاصحاب على العمل بها واجماعهم عليها. والله العالم. (الرابع) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيما


(1) سورة المائدة، الاية 4. (2) سورة النساء، الاية 27.

[ 523 ]

اعلم ان ما عدا الكلب والخنزير والانسان من الحيوانات الطاهرة مما لا يؤكل لحمه كالسباع ونحوها تقع عليها الذكاة وانما الخلاف في انه بعد التذكية هل يشترط في الانتفاع بجلده الدبغ ام لا ؟ المشهور على ما ذكره في الذكرى الاول حيث قال: الاصح وقوع الذكاة على الطاهر في حال الحياة كالسباع لعموم " إلا ما ذكيتم " (1) وقول الصادق (عليه السلام) (2) " لا تصل فيما لا يؤكل لحمه ذكاه الذبح أو لم يذكه " فيطهر بالذكاة، والمشهور تحريم استعماله حتى يدبغ والفاضلان جعلاه مستحبا لطهارته وإلا لكان ميتة فلا يطهره الدبغ. انتهى. وربما اشعر اصدر عبارته بالخلاف في وقوع التذكية. اقول: لم اقف في كلام احد من الاصحاب على نقل الخلاف في جواز الاستعمال قبل الدبغ إلا عن الشيخ والمرتضى خاصة حيث نقل عنهما التحريم كما في المعتبر والمختلف والمنتهى، وشيخنا الشهيد في الذكرى قد ذكر انه هو المشهور وظاهر اكثر المتأخرين انما هو ما ذهب إليه الفاضلان من الجواز وان كان على كراهة خروجا من خلاف القائل بالتحريم، نعم ظاهر كلام العلامة ان خلاف الشيخ والمرتضى انما هو في الطهارة لا في الاستعمال كما هو المفهوم من كلام غيره، قال واما الحيوان الطاهر حال الحياة مما لا يؤكل لحمه كالسباع فانه تقع عليه الذكاة ويطهر الجلد بها وهو قول مالك وابي حنيفة وقال الشيخ والمرتضى لا يطهر إلا بالدباغ وبه قال الشافعي واحمد في احدى الروايتين وفي الاخرى لا يجوز الانتفاع بجلود السباغ قبل الدبغ ولا بعده.. الخ (3). وهو غريب ونحوه كلام المحقق الشيخ علي في شرح القواعد حيث قال بعد قول المصنف " نعم يستحب الدبغ فيما لا يؤكل لحمه ": وقيل بالوجوب ومقتضى كلام القائلين به ان


(1) سورة المائدة، الاية 4. (2) الظاهر انه مضمون ما ورد في موثق ابن بكير المروى في الوسائل في الباب 2 من لباس المصلى من فساد الصلاة في كل شئ من غير المأكول ذكاه الذبح أو لم يذكه. (3) المغني ج 1 ص 66 و 71 وبداية المجتهد ج 1 ص 72.

[ 524 ]

الطهارة تحصل بالدبغ وهو مردود لان الطهارة حاصلة بالتذكية إذ لولاها لكان ميتة فلا يطهر بالدبغ، قال والاصح عدم الوجوب وان كان العمل به احوط. وفيه ان مجرد القول بالوجوب لا يستلزم ما ذكره إذ يجوز ان يكون وجوب الدبغ الذي ذهبوا إليه انما هو لحل الاستعمال إلا ان يدعى ان حل الاستعمال تابع للطهارة فمتى قيل بها جاز الاستعمال ثم يستثنى من ذلك الصلاة اتفاقا. ثم ان ظاهر الشهيد في الذكرى ونحوه في الدروس هو التوقف في المسألة حيث اقتصر على نقل الخلاف في المقام ولم يرجح شيئا. وبالجملة فالذي يتلخص من كلام من وقفت على كلامهم في هذا المقام هو ان محل الخلاف انما هو جواز الاستعمال قبل الدبغ وعدمه فالشيخ والمرتضى على الثاني والمتأخرون كالفاضلين ومن تأخر عنهما على الاول. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه احتج بالاجماع على جواز الاستعمال بعد الدبغ ولا دليل قبله. وفيه منع ظاهر لتظافر الادلة بالجواز، ومنها ما رواه الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب عن سماعة في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن لحوم السباع وجلودها فقال اما لحوم السباع والسباع من الطير والدواب فانا نكرهه واما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه ". وروى المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن سماعة في الموثق الاوثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن لحوم السباع وجلودها فقال اما لحوم السباع من الطير والدواب فانا نكرهه واما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه ". وروى في المحاسن عن ابن اسباط عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ركوب جلود السباع قال لا بأس ما لم يسجد عليها ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من الاطعمة المحرمة (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 5 من لباس المصلى.

[ 525 ]

وعن عثمان بن عيسى عن سماعة (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن جلود السباع قال فقال اركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه ". قال شيخنا المجلسي في البحار ذيل هذين الخبرين: هذان الخبران يدلان على كون السباع قابلة للتذكية بمعنى افادتها جواز الانتفاع بجلودها لطهارتها كما هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل قال الشهيد انه لم يعلم القائل بعدم وقوع الذكاة عليها سوى الكلب والخنزير. واستشكال الشهيد الثاني وبعض المتأخرين في الحكم بعد ورود النصوص المعتبرة وعمل القدماء والمتأخرين بها لا وجه له. انتهى. اقول: ومن الاخبار في ذلك ايضا ما يأتي في كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى من جواز الصلاة في الخز اتفاقا وفي جلود جملة من الحيوانات كالفنك والسنجاب والسمور والثعالب والارانب على خلاف في ذلك دون اصل اللبس فانها ظاهرة في جوازه. وقال في الفقه الرضوي (2) " ولا تجوز الصلاة في سنجاب أو سمور أو فنك فإذا اردت الصلاة فانزعه عنك وقد روى فيه رخصة واياك ان تصلي في الثعالب ولا في ثوب تحته جلد ثعالب وصل في الخز إذا لم يكن مغشوشا بوبر الارانب.. ولا تصل في جلد الميتة " انتهى. واطلاق هذه الاخبار شامل للمدبوغ وغيره وبه يظهر قوة القول المشهور، وبالجملة فانه متى ثبتت الطهاره بالتذكية جاز الاستعمال ومدعى الزيادة على ذلك عليه الدليل. وبما سردناه من الاخبار يظهر ما في حكم اصحابنا (رضوان الله عليهم) بكراهة الاستعمال قبل الدبغ تفصيا من خلاف الشيخ والمرتضى فانه لا يخفى ان الكراهة عندهم من الاحكام الشرعية المتوقف ثبوتها على الدليل فكيف يسوغ الحكم بها من غير دليل ؟ ومجرد قول هذا القائل مع خلوه من الدليل ليس بدليل الكراهة، وغاية ما يمكن


(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من لباس المصلى (2) ص 16.

[ 526 ]

التنزل إليه بعد الاغماض عما ذكرناه في غير موضع من التحقيق هو حمل دليله لو كان ثمة دليل على الكراهة جمعا كما هي قاعدتهم لا الحكم بالكراهة لمجرد التفصي من الخلاف فانه لا يخفى ما فيه على ذوي الانصاف. (الخامس) المشهور في كلام متأخري اصحابنا نجاسة الجلد لو وجد مطروحا وان كان في بلاد المسلمين جديدا أو عتقيا مستعملا أو غير مستعمل لاصالة عدم التذكية ونحو ذلك اللحم ايضا. وانت خبير بما فيه (اما اولا) فللقاعدة الكلية المتفق عليها نصا وفتوى من ان " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) و " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " (2) ومن قواعدهم المقررة ان الاصل يخرج عنه بالدليل والدليل موجود كما ترى، فترجيحهم العمل بالاصل المذكور على هذه القاعدة المنصوصة خروج عن القواعد، ويعضد هذه القاعدة المذكورة جملة من الاخبار كصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري عن العبد الصالح موسى (عليه السلام) (3) " انه سأله عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري اذكية هي ام غير ذكية أيصلي فيها ؟ قال نعم ليس عليكم المسألة ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين اوسع من ذلك " وبمضمونها روايات عديدة قد تقدمت، والتقريب فيها دلالتها على الحل في موضع الاشتباه حتى في الصلاة. و (اما ثانيا) فلما رواه الشيخ عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (4) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين ؟ فقال امير المؤمنين (عليه السلام) يقوم ما فيها ثم يؤكل لانه يفسد وليس له بقاء فان جاء طالبها غرموا له الثمن. قيل يا امير المؤمنين


(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من ما يكتسب به (2) راجع ص 255 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 50 من ابواب النجاسات.

[ 527 ]

لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي ؟ قال هم في سعة حتى يعلموا " وهو صريح في المطلوب، ونقل هذه الرواية في البحار (1) عن الراوندي بسنده عن موسى بن اسماعيل عن ابيه اسماعيل عن ابيه موسى.. الحديث إلا ان فيه " لا نعلم أسفرة ذمي هي ام سفرة مجوسي ". و (اما ثالثا) فان مرجع ما ذكروه من الاصل إلى استصحاب عدم الذبح نظرا الى حال الحياة. وفيه مع الاغماض عما حققناه في مقدمات الكتاب من ان مثل هذا الاستصحاب ليس بدليل شرعي انه صرح جملة من المحققين كما حققناه في الدرر النجفية بان من شرط العمل بالاستصحاب ان لا يعارضه استصحاب آخر يوجب نفي الحكم الاول في الثاني واستصحاب عدم التذكية هنا معارض باستصحاب طهارة الجلد حال الحياة، وتوضيحه ان وجه تمسكهم بالاصل المذكور من حيث استصحاب عدم الذبح نظرا إلى حال الحياة ولم يعلم زوال عدم المذبوحية لاحتمال الموت حتف انفه فيكون نجسا إذ الطهارة لا تكون إلا مع الذبح، هكذا قالوا، ونحن نقول ان طهارة الجلد في حال الحياة ثابتة ولم يعلم زوالها لتعارض احتمال الذبح وعدمه فيتساقطان ويبقى الاصل ثابتا لا رافع له. و (اما رابعا) فان ما اعتمدوه من الاستصحاب وان سلمنا صحته إلا انه غير ثابت هنا ولا موجود عند التأمل بعين التحقيق، فانه لا معنى للاستصحاب كما حقق في محله إلا ثبوت الحكم بالدليل في وقت ثم اجراؤه في وقت ثان لعدم قيام دليل على نفيه مع بقاء الموضوع في الوقتين وعدم تغيره فثبوت الحكم في الوقت الثاني متفرع على ثبوته في الوقت الاول والا فكيف يمكن اثباته في الثاني مع عدم ثبوته اولا ؟ واستصحاب عدم المذبوحية في المسألة لا يوجب الحكم بالنجاسة كما توهموه لان النجاسة لم تكن ثابتة في الوقت الاول وهو وقت الحياة، وبيانه ان عدم المذبوحية لازم لامرين


(1) ج 14 ص 766.

[ 528 ]

احدهما الحياة وثانيهما الموت حتف الانف الموجب للنجاسة ليس هو هذا اللازم من حيث هو بل ملزومه الثاني اعني الموت حتف الانف فعدم المذبوحية للحياة مغاير لعدم المذبوحية اللازم للموت حتف الانف والمعلوم ثبوته في الزمن الاول هو الاول لا الثاني وظاهر انه غير باق في الوقت الثاني. والله العالم. خاتمة الكتاب في الاستطابة التي صرح بها جملة من الاصحاب وهي مشتملة على فصول من السنن والاداب: (فصل) روى الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن جده (1) قال: " دخل علي (عليه السلام) وعمر الحمام فقال عمر بئس البيت الحمام يكثر فيه العناء ويقل فيه الحياء. وقال علي (عليه السلام) نعم البيت الحمام يذهب الاذى ويذكر بالنار ". وروى في الكافي عن محمد بن اسلم رفعه (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) قال امير المؤمنين (عليه السلام) نعم البيت الحمام يذكر بالنار ويذهب الدرن، وقال عمر بئس البيت الحمام يبدي العورة ويهتك الستر. قال فنسب الناس قول امير المؤمنين (عليه السلام) إلى عمر وقول عمر إلى امير المؤمنين (عليه السلام) ". وقال في الفقيه (3) قال امير المؤمنين (عليه السلام) " نعم البيت الحمام تذكر فيه النار ويذهب بالدرن ". وقال (عليه السلام) " بئس البيت الحمام يهتك الستر ويذهب بالحياء " وقال الصادق (عليه السلام) " بئس البيت الحمام يهتك الستر ويبدي العورة ونعم البيت الحمام يذكر حر النار ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن رفاعة عن الصادق (عليه السلام) (4)


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 1 من آداب الحمام. (4) رواه في الوسائل في الباب 16 من آداب الحمام.

[ 529 ]

قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يدخل حليلته الحمام ". وعن سماعة في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (1) " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرسل حليلته إلى الحمام ". وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: وقال (عليه السلام) " من اطاع امرأته اكبه الله على منخريه في النار. قيل وما تلك الطاعة ؟ قال: تدعوه إلى النياحات والعرسات والحمامات ولبس الثياب الرقاق فيجيبها ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن رفاعة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ". وعن علي بن الحكم عن رجل من بني هاشم (4) قال: " دخلت على جماعة من بني هاشم فسلمت عليهم في بيت مظلم فقال بعضهم سلم على ابي الحسن (عليه السلام) فانه في الصدر قال فسلمت عليه وجلست بين يديه وقلت له جعلت فداك قد احببت ان القاك منذ حين لاسألك عن اشياء فقال سل عما بدا لك قلت ما تقول في الحمام ؟ قال لا تدخل الحمام إلا بمئزر وغض بصرك ولا تغتسل من غسالة ماء الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا اهل البيت (عليهم السلام) وهو شرهم ". وعن محمد بن جعفر عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " قال رسول الله (صلى لله عليه وآله) لا يدخل الرجل مع ابنه الحمام فينظر إلى عورته. وقال ليس للوالدين ان ينظرا إلى عورة الولد وليس للولد ان ينظر إلى عورة الوالد،


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 16 من آداب الحمام. (3) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب الحمام (4) فروع الكافي ج 2 ص 219 وفي الوسائل بعضه في الباب 11 من الماء المضاف و 9 من آداب الحمام. (5) رواه في الوسائل في الباب 21 من آداب الحمام.

[ 530 ]

وقال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناظر والمنظور إليه في الحمام بلا مئزر ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: " سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: " قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم " (2) فقال كل ما كان في كتاب الله من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلا في هذا الموضع فانه الحفظ من ان ينظر إليه " قال: وروى عن الصادق (عليه السلام) (3) انه قال: " انما كره النظر إلى عورة المسلم فاما النظر إلى عورة الذمي ومن ليس بمسلم فهو مثل النظر إلى عورة الحمار " وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك إلى عورة الحمار ". وروى في الكافي والفقيه باسنادين صحيح وحسن عن حنان بن سدير عن ابيه (5) قال: " دخلت انا وابي وجدي وعمي حماما بالمدينة فإذا رجل في بيت المسلخ فقال لنا ممن القوم ؟ فقلنا من اهل العراق. فقال واي العراق ؟ فقلنا كوفيون. فقال مرحبا بكم يا اهل الكوفة انتم الشعار دون الدثار ثم قال ما يمنعكم من الازر ؟ فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام. قال فبعث ابي إلى كرباسة فشقها باربعة ثم اخذ كل واحد منا واحدا ثم دخلنا فيها، فلما كنا في البيت الحار صمد لجدي فقال يا كهل ما يمنعك من الخضاب ؟ فقال له جدي ادركت من هو خير مني ومنك لا يختضب. قال فغضب لذلك حتى عرفنا غضبه في الحمام فقال ومن ذلك الذي هو خير مني ؟ فقال ادركت علي بن ابي طالب (عليه السلام) وهو لا يختضب. قال


(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من احكام الخلوة. (2) سورة النور، الاية 30 (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 6 من آداب الحمام. (5) رواه في الوسائل في الباب 9 و 41 من آداب الحمام.

[ 531 ]

فنكس رأسه وتصاب عرقا وقال صدقت وبررت ثم قال يا كهل ان تختضب فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد خضب وهو خير من علي وان تترك فلك بعلي اسوة. قال فلما خرجنا من الحمام سألنا عن الرجل فإذا هو علي بن الحسين ومعه ابنه محمد بن علي (عليهما السلام) " وروى الشيخ في التهذيب عن حماد بن عيسى عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (1) قال: " قل له ان سعيد بن عبد الملك يدخل مع جواريه الحمام قال وما بأس إذا كان عليه وعليهن الازر لا يكونون عراة كالحمير ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ". وفي الفقيه عن سعدان بن مسلم (2) قال: " كنت في الحمام الاوسط فدخل علي أبو الحسن (عليه السلام) وعليه النورة وعليه ازار فوق النورة فقال السلام عليكم فرددت عليه السلام وبادرت فدخلت إلى البيت الذي فيه الحوض فاغتسلت وخرجت ". وعن عبيدالله المرافقي (3) قال: " دخلت حماما بالمدينة وإذا شيخ كبير وهو قيم الحمام فقلت يا شيخ لمن هذا الحمام ؟ فقال لابي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي (عليهم السلام) فقلت أكان يدخله ؟ فقال نعم فقلت كيف كان يصنع ؟ قال كان يدخل فيبدأ فيطلي عانته وما يليها ثم يلف ازاره على طرف احليله ويدعوني فاطلي سائر بدنه فقلت له يوما من الايام: الذي تكره ان اراه فقد رأيته فقال كلا ان النورة سترة ". بيان: ما في هذه الاخبار الشريفة يشتمل على فوائد (الاولى) الدلالة على استحباب الحمام لدخول الائمة (عليهم السلام) فيه ومدحه كما ورد عن علي (عليه السلام) واما احاديث الذم فقد حملها الاصحاب على دخوله عاريا، قال الشهيد في الذكرى: ويستحب الاستحمام لدخول النبي (صلى الله عليه وآله) حمام الجحفة ودخول


(1) رواه في الوسائل في الباب 12 من آداب الحمام. (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من آداب الحمام (3) رواه في الوسائل في الباب 18 من آداب الحمام.

[ 532 ]

علي (عليه السلام) وكان الباقر (عليه السلام) يدخل حمامه، وقال علي (عليه السلام) (1) " نعم البيت الحمام تذكر فيه النار ويذهب بالدرن " وما روى عنه وعن الصادق (عليهما السلام) (2) " بئس البيت الحمام يهتك الستر ويذهب الحياء ويبدي العورة " فالمراد به مع عدم المئزر. وقال في المعالم: وحمل الشهيد في الذكرى ما ورد من الذم على حال الدخول بغير مئزر. وفيه بعد والاقرب ترجيح المدح بما رواه في الكافي عن الصادق (عليه السلام) ثم ذكر مرفوعة محمد بن اسلم الجبلي المتقدمة. وظاهره حمل ما ورد عن امير المؤمنين (عليه السلام) من الذم على نقل العامة عنه ذلك، واما ما نقل عن الصادق (عليه السلام) فعلى التقية موافقة لقول امامهم. وهو جيد وان كان الاول ايضا لا يخلو من قرب. (الثانية) ما ورد من منع النساء من دخول الحمام مشكل ولا اعلم بمضمونه قائلا بل ظاهر كلام من وقفت على كلامه خلافه من القول بالجواز وارتكاب التأويل في هذه الاخبار، وقال في الوافي بعد نقل سماعة ومرسل الفقيه المتقدمين ما صورته: حمل على ما إذا كان هناك ريبة فانهم ضعفاء العقول تزيغ قلوبهن بادنى داع إلى ما لا ينبغي لهن ويحتمل ان يكون لانكشاف سوأتهن وكان ذلك مختصا بذلك الزمان أو ببعض البلدان. انتهى. وظاهر الشهيد في الذكرى حمل الاخبار المذكورة على حال اجتماعهن واستثنى من الكراهة مع الاجتماع حال الضرورة. واستحسنه في المعالم، وذكر في الذكرى ايضا ان الاتزار عند الاجتماع يخفف الكراهة وان ذلك مروي عن علي (عليه السلام). ولم نقف على هذه الرواية وبذلك اعترف في المعالم ايضا إلا انه قال ولكن الاعتبار يشهد له. (الثالثة) يجب على الداخل للحمام ستر العورة عن الناظر المحترم لما تقدم في باب الوضوء وعليه قوله (عليه السلام) في صحيحة رفاعة المتقدمة (3): " من كان


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من آداب الحمام (3) ص 529

[ 533 ]

يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر " واما مع عدم الناظر المحترم فلا بأس وان كره ذلك لما رواه الحلبي في الصحيح (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل بغير ازار حيث لا يراه احد ؟ قال لا بأس " واما ما يدل على الكراهة فرواية ابي بصير عن الصادق عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) (2) قال: " إذا تعرى احدكم نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا " واما ما ورد في جملة من الاخبار من الامر بغض البصر عند دخول الحمام فهو مبني على ذلك الوقت من حيث عدم الاتزار وانهم عراة فامروا بغض البصر عن النظر إلى عورات الناس (الرابعة) ما تضمنه مرسل الصدوق ومرسل ابن ابي عمير من جواز النظر على عورة غير المسلم خلاف ما هو المفهوم من كلام اكثر الاصحاب، قال شيخنا الشهيد في الذكرى: نعم يجب ستر الفرج وغض البصر ولو عن عورة الكافر وفيه خبر عن الصادق (عليه السلام) بالجواز. وقال المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه بعد نقل الرواية: يدل على جواز النظر إلى عورة الكافر ولكن ظاهر الايات والاخبار عموم الحرمة والخبر ليس بصحيح يمكن تخصيصهما به، وذهب جماعة إلى الجواز كما هو ظاهر الخبر والاحوط عدم النظر، هذا إذا لم يكن النظر بشهوة وتلذذ وإلا فانه حرام بلا خلاف. وظاهر صاحب المعالم الميل إلى ما دلت عليه هذه الاخبار حيث قال: وظاهر الشهيد في الذكرى انه لا خلاف في وجوب غض البصر عن عورة الكافر حيث قال، ثم نقل العبارة المتقدمة وقال بعدها ولم يزد على هذا، وانت خبير بان ايراد الخبر في الفقيه يدل على ان مصنفه يعمل به كما نبهنا عليه مرارا فيكون القائل بجواز النظر إلى عورة الكافر موجودا، ورواية الكافي وان لم تكن صحيحة السند فالاصل يعضدها والخبر


(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من آداب الحمام. (2) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب الحمام.

[ 534 ]

الذي سبق الاحتجاج به لتحريم النظر إلى العورة في بحث الخلوة مخصوص بعورة المسلم. انتهى. وهو جيد. (الخامسة) قال في الفقيه بعد ايراد خبر حنان بن سدير المتقدم ما لفظه: وفي هذا الخبر اطلاق للامام (عليه السلام) ان يدخل ولده معه الحمام دون من ليس بامام وذلك لان الامام معصوم في صغره وكبره لا يقع منه النظر إلى عورة في حمام ولا غيره. وقال ايضا قبل ذلك: ومن الاداب ان لا يدخل الرجل ولده معه الحمام فينظر إلى عورته. وتبعه الشهيد في الذكرى في هذه المقالة فقال: ويكره دخول الولد مع ابيه الحمام ودخول الباقر مع ابيه (عليهما السلام) لعصمتهما. اقول: لا يخفى ان ما ذكراه من عموم كراهة دخول الرجل مع ابنه الحمام غير ثابت حتى يستثنى منه المعصوم، والموجود من اخبار هذه المسألة مرسلة محمد بن جعفر المتقدمة (1) ومرفوعة سهل بن زياد رفعه (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يدخل الرجل مع ابنه الحمام فينظر إلى عورته " وظاهرهما النهي عن دخولهما عاريين والظاهر ان تخصيص النهي بهما مع ورود النهي عن الدخول عاريا مطلقا ان ذلك اشد كراهة بالنسبة اليهما، واما خبر حنان بن سدير المتضمن لدخول الباقر مع ابيه (عليهما السلام) فهو انما كان بالازار وكل منهما متزر فلا تعارض بين الاخبار حتى يحتاج إلى الاستثناء كما ذكروه، وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه، ويؤيده انه لو كان مجرد دخول الولد مع ابيه مكروها لما اقر الامام (عليه السلام) الجماعة المذكورين في الخبر على ذلك من الجد والاب والابن فكما امرهم بستر العورة كان يخبرهم بكراهة دخولهم جميعا، وبالجملة فالظاهر ان ما ذكراه بعيد غاية البعد عن اخبار المسألة ولا ضرورة تلجئ إلى تكلفه. (السادسة) لو ترك الستر حال غسله واغتسل عاريا مع وجود الناظر المحترم


(1) ص 529 (2) رواه في الوسائل في الباب 21 من آداب الحمام.

[ 535 ]

فقد صرح الاصحاب بصحة غسله وان فعل محرما، قال الشهيد في الذكرى. ولو ترك الستر متعمدا قادرا فالاشبه صحة غسله للامتثال وخروج النهي عنه عن حقيقة الغسل. انتهى. وقال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: يمكن ان يبين بطلان الغسل بانه حال فعل الغسل مأمور بالاستتار فلا يكون مأمورا بضده وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وإذا لم يكن مأمورا لم يكن مجزئا فلا يتحقق به الامتثال ولا الخروج عن العهدة إذ الموجب لذلك الامر كما تقرر في محله اقول: تقريب ما ذكره جعل هذه المسألة من قبيل فعل الصلاة في المكان المغصوب واللباس المغصوب وان غير العبارة في الاستدلال، وقد مضى نبذة من القول في ذلك في باب التيمم وسيجئ ان شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك في كتاب الصلاة. قال في الفقيه بعد ذكر خبر سعدان بن مسلم المتقدم (1): وفي هذا الخبر اطلاق في التسليم في الحمام لمن عليه مئزر والنهي الوارد عن التسليم فيه فهو لمن لا مئزر عليه. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: ولم نقف على رواية النهي التي اشار إليها. اقول: يمكن ان يكون مراده بالخبر المذكور هو ما رواه في الكافي عن محمد بن الحسين رفعه (2) قال " كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول ثلاثة لا يسلمون: الماشي مع الجنازة والماشي إلى الجمعة وفي بيت الحمام " اقول: وقد ورد النهي عن التسليم على اقوام منهم من في الحمام رواه في الخصال (3) عن الباقر (عليه السلام) قال: " لا تسلموا على اليهود ولا على النصارى ولا على المجوس ولا على عبدة الاوثان ولا على موائد شراب الخمر ولا على صاحب الشطرنج والنرد ولا على المخنث ولا على الشاعر الذي يقذف المحصنات ولا على المصلي، وذلك ان المصلي لا يستطيع ان يرد السلام لان التسليم من المسلم تطوع والرد عليه فريضة ولا على آكل الربا ولا على رجل جالس على غائط ولا على الذي في الحمام ولا على


(1) ص 531 (2) رواه في الوسائل في الباب 42 من احكام العشرة (3) ج 2 ص 82 وفي الوافي في باب التسليم ورده من الفصل الخامس من الايمان والكفر

[ 536 ]

الفاسق المعلن بفسقه ". (فصل) ومما يستحب في حال الحمام ما رواه في الفقيه عن يحيى بن سعيد الاهوازي عن البزنطي عن محمد بن حمران (1) قال: قال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) " إذا دخلت الحمام فقل في الوقت الذي تنزع فيه ثيابك: اللهم انزع عني ربقة النفاق وثبتني على الايمان. وإذا دخلت البيت الاول فقل: اللهم اني اعوذ بك من شر نفسي واستعيذ بك من اذاه وإذا دخلت البيت الثاني فقل: اللهم اذهب عني الرجس النجس وطهر جسدي وقلبي. وخذ من الماء الحار وضعه على هامتك وصب منه على رجليك وان امكن ان تبلع منه جرعة فافعل فانه ينقي المثانة، والبث في البيت الثاني ساعة وإذا دخلت البيت الثالث فقل: نعوذ بالله من النار ونسأله الجنة. ترددها إلى وقت خروجك من البيت الحار، واياك وشرب الماء البارد والفقاع في الحمام فانه يفسد المعدة، ولا تصبن عليك الماء البارد فانه يضعف البدن وصب الماء البارد على قدميك إذا خرجت فانه يسل الداء من جسدك، فإذا لبست ثيابك فقل: اللهم البسني التقوى وجنبني الردى. فإذا فعلت ذلك امنت من كل داء " بيان: الظاهر ان المراد من الفقاع ما هو اعم من المحال والمحرم والنهي عنه انما هو لحكمة صلاح البدن وان حرم أو حل في حد ذاته. ويكره التدلك فيه بالخزف لما رواه في الكافي عن محمد بن علي بن جعفر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " من اخذ من الحمام خزفة فحك بها جسده فأصابه البرص فلا يلومن إلا نفسه، ومن اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه. قال محمد بن علي فقلت لابي الحسن (عليه السلام) ان اهل المدينة يقولون ان فيه شفاء من العين ؟ فقال كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذى هو شرهما وكل خلق من خلق الله تعالى ثم يكون فيه شفاء من العين انما شفاء


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من آداب الحمام. (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من المضاف و 20 و 101 من آداب الحمام.

[ 537 ]

العين قراءة الحمد والمعوذتين وآية الكرسي والبخور بالقسط والمر واللبان " وفي الخبر زيادة على ما ذكرنا النهي عن الاغتسال بغسالة الحمام وقد تقدم الكلام فيه. وروى في الكافي مسندا مرفوعا وفي الفقيه مرسلا (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تتك في الحمام فانه يذيب شحم الكليتين ولا تسرح في الحمام فانه يرقق الشعر ولا تغسل رأسك بالطين فانه يذهب بالغيرة ولا تدلك بالخزف فانه يورث البرص ولا تمسح وجهك بالازار فانه يذهب بماء الوجه " بيان: في الفقيه بدل قوله: " فانه يذهب بالغيرة " " فانه يسمج الوجه " قال وفي حديث آخر: " يذهب بالغيرة " وقال بعد تمام الحديث: وروى ان ذلك طين مصر وخزف الشام. اقول: روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن اسباط عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تغسلوا رؤوسكم بطين مصر فانه يذهب بالغيرة ويورث الدياثة " اقول: في قصة عزيز مصر حيث علم من زوجته مع يوسف على نبينا وآله وعليه السلام ما علم وغاية ما صدر عنه في المقام ان قال: " يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين " (3) قيل وفي كثرة وقوع البرص بالشام ما ينبئ عما دل عليه الخبر من ان التدلك بالخزف المفسر هنا بخزف الشام يورث البرص. وروى في الكافي والتهذيب عن سليمان بن جعفر الجعفري (4) قال: " مرضت حتى ذهب لحمي ودخلت على الرضا (عليه السلام) فقال أيسرك ان يعود اليك لحمك فقلت بلى فقال الزم الحمام غبا فانه يعود اليك لحمك واياك ان تدمنه فان ادمانه يورث السل ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من آداب الحمام (2) رواه في الوسائل في الباب 13 من آداب الحمام (3) سورة يوسف، الاية 28. (4) رواه في الوسائل في الباب 2 من آداب الحمام.

[ 538 ]

بيان: قال في الوافي: الغب بكسر الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة ان يدخله يوما ويتركه يوما ومنه حمى الغب، واما تفسير بعض اللغويين الغب في " زر غبا تزدد حبا " (1) بالزيارة في كل اسبوع فان صح فهو مخصوص بالغب في الزيارة لا غير. انتهى. اقول: ما ذكره هنا مأخوذ من كلام شيخنا البهائي (قدس سره) في مشرق الشمسين، واما كلام اهل اللغة الذي اشار إليه فهو ما ذكره الجوهري قال: والغب في الزيارة قال الحسن في كل اسبوع يقال " زر غبا تزدد حبا ". وقال في القاموس " الغب في الزيارة ان تكون في كل اسبوع " وظاهر كلامهما انما هو تفسير الغب في الزيارة لا الغب حيثما كان. ومما يؤيد هذا الخبر ايضا ما رواه في الكافي عن الجعفري المتقدم (2) قال: " من اراد ان يحمل لحما فليدخل الحمام يوما ويغب يوما ومن اراد ان يضمر وكان كثير اللحم فليدخل الحمام كل يوم " وما رواه في الكافي عن الجعفري عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) ورواه في الفقيه عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) قال: " الحمام يوم ويوم لا يكثر وادمانه في كل يوم يذيب شحم الكليتين ". وروى في الكافي عن رفاعة عن من اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " انه كان إذا اراد دخول الحمام تناول شيئا فاكله قال قلت له ان الناس عندنا يقولون انه على الريق اجود ما يكون ؟ قال لا بل يؤكل شئ قبله يطفئ المرار ويسكن حرارة الجوف " وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: " قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) لا تدخلوا الحمام على الريق ولا تدخلوه حتى تطعموا شيئا ".


(1) اورده ابن الاثير في النهاية في مادة (غبب) والسيوطي في الجامع الصغير في حرف الزاي. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من آداب الحمام (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 17 من آداب الحمام.

[ 539 ]

وروى في الكافي في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) اقرأ القرآن في الحمام وانكح ؟ قال لا بأس " وعن محمد بن مسلم في الحسن (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) أكان امير المؤمنين (عليه السلام) ينهى عن قراءة القرآن في الحمام ؟ فقال لا انما نهى ان يقرأ الرجل وهو عريان فاما إذا كان عليه ازار فلا بأس " وعن الحلبي في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس للرجل ان يقرأ القرآن في الحمام إذا كان يريد به وجه الله ولا يريد ينظر كيف صوته " وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يقرأ في الحمام وينكح فيه ؟ قال لا بأس به " وفي الصحيح عن علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال " سألته عن الرجل يقرأ في الحمام وينكح فيه قال لا بأس به " وعن ابي بصير (6) قال: " سألته عن القراءة في الحمام ؟ قال إذا كان عليك ازار فاقرأ القرآن ان شئت كله " وروى في الكافي عن ابن مسكان (7) قال: " كنا جماعة من اصحابنا دخلنا الحمام فلما خرجنا لقينا ابا عبد الله (عليه السلام) فقال لنا من اين اقبلتم ؟ فقلنا له من الحمام فقال انقى الله غسلكم فقلنا جعلنا الله فداك. وانا جئنا معه حتى دخل الحمام فجلسنا له حتى خرج فقلنا له انقى الله غسلك فقال طهركم الله " وروى في الكافي مسندا عن ابي مريم الانصاري رفعه (8) قال: ان الحسن وفي الفقيه " ان الحسن بن علي (عليه السلام) خرج من الحمام فلقيه انسان فقال له طاب استحمامك فقال يا لكع وما تصنع بالاست ههنا ؟ فقال طاب حميمك. فقال اما تعلم ان الحميم العرق ؟ فقال طاب حمامك فقال فإذا طاب حمامي فاي شئ لي ؟ ولكن قل طهر ما طاب منك وطاب ما طهر منك " اقول: الظاهر ان القائل المذكور من المخالفين وروى في الفقيه مرسلا (9) قال: " قال


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 15 من آداب الحمام (7) و (8) و (9) رواه في الوسائل في الباب 24 من آداب الحمام

[ 540 ]

الصادق (عليه السلام) إذا قال لك اخوك وقد خرجت من الحمام: طاب حمامك فقل انعم الله بالك ". (فصل) في استحباب النورة روى في الكافي في الصحيح (1) أو الحسن عن سليم الفراء قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام) وفي الفقيه مرسلا قال: " قال امير المؤمنين: النورة طهور " وروى في الكافي عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " دخلت مع ابي عبد الله (عليه السلام) الحمام فقال يا عبد الرحمان اطل فقلت انا اطليت منذ ايام فقال اطل فانها طهور " وروى في الكافي عن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين (3) قال: " دخل أبو عبد الله (عليه السلام) الحمام وانا اريد ان اخرج منه فقال يا محمد ألا تطلى ؟ فقلت عهدي به منذ ايام فقال اما علمت انها طهور ؟ " وعن خلف بن حماد عن من رواه (4) قال: " بعث أبو عبد الله (عليه السلام) ابن اخيه في حاجة فجاء وابو عبد الله قد اطلى بالنورة فقال له أبو عبد الله اطل فقال انما عهدي بالنورة منذ ثلاث فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان النورة طهور " وعن هارون بن حكيم الارقط خال ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " أتيته في حاجة فاصبته في الحمام يطلي فذكرت له حاجتي فقال ألا تطلي ؟ فقلت انما عهدي به اول من امس فقال اطل فان النورة طهور " ونحوه في حديث ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) حيث " دخل عليه وهو يتنور فقال له يا ابا بصير تنور قال انما تنورت اول من امس واليوم الثالث فقال اما علمت انها طهور فتنور " وروى في الكافي والفقيه عن امير المؤمنين (عليه السلام) (7) قال: " احب للمؤمن ان يطلي في كل خمسة عشر يوما " وروى فيهما عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) قال: " السنة في النورة في كل خمسة عشر يوما فان أتت عليك عشرون


(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من آداب الحمام (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 32 من آداب الحمام (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 33 من آداب الحمام.

[ 541 ]

يوما وليس عندك شئ فاستقرض على الله " وروى فيهما عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يترك عانته فوق اربعين يوما ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر ان تدع ذلك منها فوق عشرين يوما " وروى في الكافي عن علي بن الحكم عن علي بن ابي حمزة (2) قال: " دخلت مع ابي بصير الحمام فنظرت إلى ابي عبد الله (عليه السلام) قد اطلى ابطيه بالنورة قال فخبرت ابا بصير فقال ارشدني إليه لاسأله عنه فقلت قد رأيته انا فقال انت رأيته وانا لم اره ارشدني إليه قال فارشدته إليه فقال له جعلت فداك اخبرني قائدي انك اطليت وطليت ابطيك بالنورة فقال نعم يا ابا محمد ان نتف الابطين يضعف البصر اطل يا ابا محمد فانه طهور فقال اطليت منذ ايام فقال اطل فانه طهور " وروى في الكافي عن ابن ابي يعفور (3) قال: " كنا بالمدينة فلاحاني زرارة في نتف الابط وحلقه فقلت حلقه افضل وقال زرارة نتفه افضل فاستأذنا على ابي عبد الله (عليه السلام) في الحمام فاذن لنا وهو في الحمام يطلي وقد اطلى ابطيه فقلت لزرارة يكفيك فقال لا لعله فعل هذا لما لا يجوز لي ان افعله فقال فيما انتما ؟ فقلت ان زرارة لاحانى في نتف الابط وحلقه فقلت حلقه افضل وقال زرارة نتفه افضل فقال اصبت السنة واخطأها زرارة ان حلقه افضل من نتفه وطليه افضل من حلقه. ثم قال لنا اطليا فقلنا فعلنا منذ ثلاث فقال (عليه السلام) اعيدا فان الاطلاء طهور ". بيان: المفهوم من هذه الاخبار استحباب النورة وانه لا حد لها في جانب القلة من الايام لما علل به في هذه الاخبار من انها طهور واما في جانب الكثرة فخمسة عشر يوما فانها غاية الترك لها وقوله (عليه السلام) فيما تقدم " السنة في النورة في كل خمسة عشر يوما " يعني نهايتها هذه المدة لا انها ليست بسنة قبلها وكذا قوله (عليه السلام) " احب للمؤمن ان يطلي في كل خمسة عشر يوما " اي لا يترك زيادة على ذلك، ولهذا


(1) رواه في الوسائل في الباب 86 من آداب الحمام (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 85 من آداب الحمام.

[ 542 ]

امره بالاستقراض على الله سبحانه لو اتت عليه عشرون يوما وليس عنده شئ، وبالغ في الانكار على الرجل إذا اتى عليه اربعون يوما والمرأة إذا اتت عليها عشرون يوما، وبذلك يظهر ما في كلام بعضهم من توظيف الاستحباب بالخمسة عشر يوما بمعنى انها لا تكون مستحبة قبل ذلك كما يعطيه ظاهر كلامه فانه غفلة ظاهرة عن ملاحظة هذه الاخبار وروى في الكافي والفقيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لا يطولن احدكم شعر ابطيه فان الشيطان يتخذه مخبأ يستتر به ". وروى في الكافي عن حذيفة بن منصور (2) قال " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يطلي العانة وما تحت الاليين في كل جمعة اقول: يحتمل ان يراد بالجمعة اليوم المخصوص وان يراد به الاسبوع فانه يطلق عليه في الاخبار ايضا. وروى في الكافي عن السياري رفعه (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من اراد الاطلاء بالنورة فاخذ من النورة باصبعه فشمه وجعل على طرف انفه وقال صلى الله على سليمان بن داود كما امرنا بالنورة لم تحرقه النورة " وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال الصادق (عليه السلام) من اراد ان يتنور فليأخذ من النورة ويجعله على طرف انفه ويقول اللهم ارحم سليمان بن داود كما امرنا بالنورة فانه لا تحرقه النورة ان شاء الله تعالى ". وعن سدير (5) " انه سمع علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول من قال إذا اطلى بالنورة اللهم طيب ما طهر مني وطهر ما طاب مني وابدلني شعرا طاهرا لا يعصيك


(1) رواه في الوسائل في الباب 84 من آداب الحمام. (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من صلاة الجمعة. (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 29 من آداب الحمام (5) رواه في الوسائل في الباب 30 من آداب الحمام.

[ 543 ]

اللهم اني تطهرت ابتغاء سنة المرسلين وابتغاء رضوانك ومغفرتك فحرم شعري وبشري على النار وطهر خلقي وطيب خلقي وزك عملي واجعلني ممن يلقاك على الحنيفية السمحة ملة ابراهيم خليلك ودين محمد (صلى الله عليه وآله) حبيبك ورسولك عاملا بشرائعك تابعا لسنة نبيك آخذا به متأدبا بحسن تأديبك وتأديب رسولك (صلى الله عليه وآله) وتأديب اوليائك الذين غذوتهم بادبك ووزعت الحكمة في صدورهم وجعلتهم معادن لعلمك صلواتك عليهم من قال ذلك طهره الله عزوجل من الادناس في الدنيا ومن الذنوب وابدله شعرا لا يعصى وخلق الله بكل شعرة من جسده ملكا يسبح له إلى ان تقوم الساعة، وان تسبيحة من تسبيحهم تعدل الف تسبيحة من تسبيح اهل الارض ". وروى في الكافي عن البرقي رفعه إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قيل له يزعم الناس ان النورة يوم الجمعة مكروهة ؟ فقال ليس حيث ذهبت اي طهور اطهر من النورة يوم الجمعة " وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) قال امير المؤمنين (عليه السلام) ينبغي للرجل ان يتوقى النورة يوم الاربعاء فانه يوم نحس مستمر ويجوز النورة في سائر الايام " بيان: يفهم من هذا الخبر ان يوم الاربعاء حيث كان من الشهر نحس لا خصوصية له بالاخير من الشهر أو الاول منه كما هو المشهور، وقال في الفقيه: وروى انها في يوم الجمعة تورث البرص وروى فيه عن الريان بن الصلت عن من اخبره عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " من تنور يوم الجمعة فأصابه البرص فلا يلومن إلا نفسه ". بيان: قال في الوافي بعد ذكر مرفوعة البرقي اولا ثم الروايتين الاخيرتين ثانيا: يمكن الجمع بين الخبرين بان يحمل هذا الخبر على انه من تنور يوم الجمعة معتقدا انه يورث البرص كما يزعمه الناس بزعمهم الفاسد فأصابه البرص فلا يلومن إلا نفسه وذلك لان التطير مؤثر في نفس المتطير. اقول: بل الظاهر حمل هذا الخبر على التقية لموافقته لما


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 38 من صلاة الجمعة.

[ 544 ]

نقله في الخبر الاول عن الناس الذين هم العامة كما لا يخفى. (فصل) روى المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) باسانيدهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " غسل الرأس بالخطمي في كل جمعة امان من البرص والجنون " وروى الشيخان في الكافي والفقيه بسنديهما عن امير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: " غسل الرأس بالخطمي يذهب الدرن وينفي الاقذار " اقول: وفي بعض النسخ " ينقى " بالقاف وفي الفقيه " الاقذاء " بالهمزة في آخره جمع قذى مقصورا وهو يقال لما يقع في العين وان اطلق على غيره مجازا. وروى في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من اخذ من شاربه وقلم اظفاره وغسل رأسه بالخطمي في يوم الجمعة كان كمن اعتق نسمة " وعن سفيان بن السمط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " تقليم الاظفار والاخذ من الشارب وغسل الرأس بالخطمي ينفي الفقر ويزيد في الرزق " وقال في الفقيه (5) قال الصادق (عليه السلام) " غسل الرأس بالخطمي ينفي الفقر ويزيد في الرزق ". وروى في الكافي عن منصور بزرج (6) قال: " سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول غسل الرأس بالسدر يجلب الرزق جلبا " ورواه في الفقيه مرسلا (7) وروى في الكافي عن محمد بن الحسين العلوي عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (8) قال: " لما امر الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله) باظهار الاسلام وظهر الوحي رأى قلة من المسلمين وكثرة من المشركين فاهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) هما شديدا فبعث الله إليه جبرئيل بسدر من سدرة المنتهى فغسل


(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 32 من صلاة الجمعة (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 25 من آداب الحمام (5) ج 1 ص 71 وفي الوسائل في الباب 25 من اداب الحمام (6) و (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 26 من آداب الحمام.

[ 545 ]

به رأسه فجلا به همه " ونحوه في الفقيه عن امير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا (1) وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) اغسلوا رؤوسكم بورق السدر فانه قدسه كل ملك مقرب وكل نبي مرسل، ومن غسل رأسه بورق السدر صرف الله عنه وسوسة الشيطان سبعين يوما ومن صرف الله عنه وسوسة الشيطان سبعين يوما لم يعص الله ومن لم يعص الله دخل الجنة ". (فصل) روى ثقة الاسلام في الكافي عن اسحاق بن عبد العزيز (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن التدلك بالدقيق بعد النورة ؟ فقال لا بأس قلت يزعمون انه اسراف ؟ فقال ليس فيما اصلح البدن اسراف واني ربما امرت بالنقى فيلت بالزيت فاتدلك به انما الاسراف فيما اتلف المال واضر بالبدن " بيان: قال في الوافي النقي بالكسر المخ من العظام في غير الرأس ويقال قرصة النقي للخبر الابيض الذي نخل حنطته مرة بعد اخرى ولعل المراد به هنا الحنطة المنخولة ناعما، وكانوا يتدلكون بالنخالة بعد النورة ليقطع ريحها. وروى في التهذيب عن اسحاق بن عبد العزيز عن رجل ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت له انا نكون في طريق مكة نريد الاحرام ولا يكون معنا نخالة نتدلك بها من النورة فنتدلك بالدقيق فيدخلني من ذلك ما الله به عليم ؟ قال مخافة الاسراف ؟ فقلت نعم. فقال ليس فيما يصلح البدن اسراف.. الحديث ". وروى في الكافي عن هشام بن الحكم عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) " في الرجل يطلي ويتدلك بالزيت والدقيق ؟ قال لا بأس به ".


(1) الفقيه ج 1 ص 70 و 72 وكذا في الوافي ج 4 ص 95 وفي الوسائل في الباب 26 من آداب الحمام لم يسنده إلى امير المؤمنين (ع). (2) رواه في الوسائل في الباب 26 من آداب الحمام (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 38 من آداب الحمام

[ 546 ]

وعن ابان بن تغلب (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انا لنسافر ولا يكون معنا نخالة فنتدلك بالدقيق ؟ فقال لا بأس انما الفساد فيما اضر بالبدن واتلف المال فاما ما اصلح البدن فانه ليس بفساد اني ربما امرت غلامي فلت لي النقي بالزيت ثم اتدلك به ". وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يطلي بالنورة فيجعل الدقيق بالزيت يلته به يتمسح به بعد النورة ليقطع ريحها ؟ قال لا بأس " قال في الكافي (3) وفي حديث آخر لعبد الرحمان قال: " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) وقد تدلك بدقيق ملتوت بالزيت فقلت له ان الناس يكرهون ذلك ؟ قال لا بأس به ". وروى في التهذيب عن عبيد بن زرارة في الموثق (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الدقيق يتوضأ به ؟ قال لا بأس بان يتوضأ به وينتفع به " يعني ينظف به البدن من التوضؤ بمعنى التنظيف والتحسين. وروى في الكافي عن الحسين بن موسى (5) قال: " كان ابي موسى بن جعفر (عليه السلام) إذا اراد الدخول إلى الحمام امر ان يوقد له عليه ثلاثا وكان لا يمكنه دخوله حتى يدخله السودان فيلقون له اللبود فإذا دخل فمرة قاعد ومرة قائم فخرج يوما من الحمام فاستقبله رجل من آل الزبير يقال له لبيد وبيده اثر حناء فقال له ما هذا الاثر بيدك ؟ فقال اثر حناء. فقال ويلك يا لبيد حدثني ابي وكان اعلم اهل زمانه عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من دخل الحمام فاطلى ثم اتبعه بالحناء من قرنه إلى قدمه كان امانا له من الجنون والجذام والبرص والاكلة إلى مثله من النورة ".


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 38 من آداب الحمام (4) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب التيمم (5) رواه في الوسائل في الباب 27 و 26 من آداب الحمام.

[ 547 ]

وروى في الفقه مرسلا (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اطلى واختضب بالحناء آمنه الله عزوجل من ثلاث خصال: الجذام والبرص والاكلة إلى طلية مثلها ". وروى في الكافي عن الحسين بن موسى (عليه السلام) (2) قال: " كان أبو الحسن (عليه السلام) مع رجل عند قبر رسول الله (صلى الله وآله) فنظر إليه وقد اخذ الحناء من يديه فقال بعض اهل المدينة ألا ترون إلى هذا كيف قد اخذ الحناء من يديه فالتفت إليه فقال فيه ما تخبره وما لا تخبره ثم التفت الي فقال انه من اخذ الحناء بعد فراغه من النورة من قرنه إلى قدمه امن من الادواء الثلاثة الجنون والجذام والبرص ". وعن الحكم بن عيينة (3) قال: " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) وقد اخذ الحناء وجعله على اظافيره فقال يا حكم ما تقول في هذا ؟ فقلت ما عسيت ان اقول فيه وانت تفعله وان عندنا يفعله الشبان فقال يا حكم ان الاظافير إذا اصابتها النورة غيرتها حتى تشبه اظافير الموتى فغيرها بالحناء ". وعن عبدوس بن ابراهيم (4) قال: " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) وقد خرج من الحمام وهو من قرنه إلى قدمه مثل الوردة من اثر الحناء " بيان: المراد بابي جعفر هنا هو الجواد (عليه السلام). وروى في التهذيب عن عبدوس بن ابراهيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " الحناء يذهب بالسهك ويزيد في ماء الوجه ويطيب النكهة ويحسن الولد، وقال من اطلى في الحمام فتدلك بالحناء من قرنه إلى قدمه نفي عنه الفقر "، وقال رأيت ابا جعفر الثاني (عليه السلام) قد خرج من الحمام وهو من قرنه إلى قدمه مثل الورد من اثر الحناء ". بيان: قيل السهك الرائحة الشديدة الكريهة ممن عرق.


(1) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 35 من آداب الحمام. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 36 من آداب الحمام.

[ 548 ]

اقول: وربما سبق إلى الوهم من هذه الاخبار اختصاص استحباب الحناء أو جوازه بكونه بعد النورة خاصة ولذلك انكر بعض المتعسفين استحبابه أو جوازه في غير ذلك، وربما استندوا في ذلك إلى ما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار عن ابيه عن سعد عن احمد بن ابي عبد الله عن ابيه رفعه (1) قال: " نظر أبو عبد الله (عليه السلام) إلى رجل وقد خرج من الحمام مخضوب اليدين فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) أيسرك ان يكون الله خلق بديك هكذا ؟ قال لا والله وانما فعلت ذلك لانه بلغني عنكم انه من دخل الحمام فلير عليه اثره يعني الحناء. فقال ليس ذلك حيث ذهبت انما معنى ذلك إذا خرج احدكم من الحمام وقد سلم فليصل ركعتين شكرا ". والظاهر كما هو المفهوم من كلام جملة من الاصحاب انه لا اختصاص له بالنورة ومن اظهر الادلة على ذلك ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال (2) بسنده فيه عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اربع من سنن المرسلين: العطر والنساء والسواك والحناء " فانه دال باطلاقه على انه في حد ذاته من السنن لا بخصوص موضع كالافراد المعدودة معه، ويظهر ذلك ايضا مع بعض الاحاديث الاتية في فضل الخضاب واستحبابه كما سنشير إليه ان شاء الله، ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به المحدث الكاشاني في الوافي في باب الخضاب بعد نقل اخبار تغير الاظافير بالنورة ومسحها بالحناء وخبر انكار المدني على الامام (عليه السلام) الحناء في يديه كما تقدم حيث قال: وفي هذه الاخبار دلالة على جواز ما هو المتعارف بين اصحابنا اليوم من خضاب اليدين والرجلين بلا كراهة على انه لو لم تكن هذه الاخبار لكفى في ذلك " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " (3) إذ لم يرد في هذا


(1) رواه في الوسائل في الباب 36 من آداب الحمام (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب السواك. (3) الفقيه ج 1 ص 208 وفي الوسائل في الباب 19 من ابواب القنوت.

[ 549 ]

نهى، ويمكن ان يستفاد ذلك من عموم اخبار هذا الباب واطلاقها وان كانت ظاهرة في اللحية والرأس بل لو استفيد ذلك من قوله (عليه السلام) (1) " لا بأس بالخضاب كله " وجعل احد معانيه لم يكن بذلك البعيد. انتهى. اقول: ومن اظهر الادلة على جواز ذلك من غير كراهية ولا ذم انه لا شك ان ذلك من الزينة وقد قال سبحانه: " قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق " (2) وسياق الاية وان كان انما هو الانكار على من حرم ذلك إلا ان سياقها اظهر ظاهر في ان الله قد حلل لعباده الزينة والطيبات من الرزق تفضلا وكرما فالمانع منها تحرما أو كراهة راد عليه سبحانه فيما تفضل به. واما الخبر الذي نقلناه من معاني الاخبار فالاقرب عندي انه انما خرج مخرج التقية لما عرفت من سياق جملة من الاخبار المتقدمة من انكار ذلك وان المعروف بين المخالفين بل عامة الناس لشهرة الامر بين المخالفين انكار ذلك، كما تضمنه حديث الحسين بن موسى المتضمن لانكار ذلك الرجل الذي هو من اهل المدينة على الامام (عليه السلام) اخذ الحناء من يديه وكما تضمنه حديث الحسين بن موسى وانكار الزبيري على الكاظم (عليه السلام) الحناء في يده، وما تضمنه حديث الحكم بن عبينة لما رأى الحناء على اظافير ابي جعفر (عليه السلام) وقوله " ان عندنا انما يفعله الشبان " فان الجميع ظاهر في كون هذه السنة كانت متروكة عند العامة، وقال صاحب الوسائل بعد ايراد هذا الخبر. اقول: هذا غير صريح في الانكار ولعله استفهام منه ليظهر غلط الراوي في فهم الحديث، وكون معناه ما ذكر لا ينافي الاستحباب، والانكار السابق انما هو من العامة مثل الحكم واهل المدينة، ثم ان الاخير يحتمل التقية ويمكن حمله على الافراط والمداومة للرجل بل ظاهره ذلك بقرينة قوله " خلق يديك " إذ لو كان اللون خلقيا لدام. والله العالم. وربما احتمل بعض ايضا كون المتحني فعل


(1) الفقيه ج 1 ص 69. (2) سورة الاعراف، الاية 30.

[ 550 ]

بالحناء ما يشبه النساء من التخطيط والنقش بالحناء، قال وقد ورد النهي عن التشبه بالنساء وذمه فلعل الانكار كان لذلك. اقول: والكل عندي بمحل من التكلف الذي لا ضرورة إليه بعد ما ذكرناه وانطباق سياق الخبر على هذه الاحتمالات على غاية من البعد. والله العالم. (فصل) روى في الكافي والفقيه عن الحسن بن الجهم (1) قال: " دخلت على ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وقد اختضب بالسواد فقلت اراك اختضبت بالسواد ؟ فقال ان في الخضاب اجرا والخضاب والتهيئة مما يزيد الله به في عفة النساء ولقد ترك النساء العفة بترك ازواجهن لهن التهيئة. قال قلت له بلغنا ان الحناء يزيد في الشيب ؟ فقال اي شئ يزيد في الشيب الشيب يزيد في كل يوم ". وعن مسكين ابي الحكم عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فنظر إلى الشيب في لحيته فقال النبي نور ثم قال من شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة قال فخضب الرجل بالحناء ثم جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما رأى الخضاب قال نور واسلام. فخضب الرجل بالسواد فقال النبي (صلى الله عليه وآله) نور واسلام وايمان ورغبة إلى نسائكم ورهبة في قلوب عدوكم ". وعن العباس بن موسى الوراق عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " دخل قوم على ابي جعفر (عليه السلام) فرأوه مختضبا بالسواد فسألوه فقال اني رجل احب النساء وانا اتصنع لهن ". وعن خالد الزيدي عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " دخل قوم


(1) و (4) رواه في الوسائل في الباب 46 من آداب الحمام (2) رواه في الوسائل في الباب 44 من آداب الحمام (3) رواه في الوسائل في الباب 41 من آداب الحمام

[ 551 ]

على الحسين بن علي (عليه السلام) فرأوه مختضبا بالسواد فسألوه عن ذلك فمد يده إلى لحيته ثم قال امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزاة غزاها ان يختضبوا بالسواد ليقووا به على المشركين ". وعن ابراهيم بن عبد الحميد في الصحيح أو الحسن عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: " في الخضاب ثلاث خصال: مهيبة في الحرب ومحبة إلى النساء ويزيد في الباه ". وعن محمد بن عبد الله بن مهران عن ابيه رفعه (2) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) نفقة درهم في الخضاب افضل من نفقة مائة درهم في سبيل الله ان فيه اربع عشرة خصلة: يطرد الريح من الاذنين ويجلو الغشاء من البصر ويلين الخياشيم ويطيب النكهة ويشد اللثة ويذهب بالغشيان ويقل وسوسة الشيطان وتفرح به الملائكة ويستبشر به المؤمن ويغيظ به الكافر وهو زينة وطيب وبراءة في قبره ويستحيى منه منكر ونكير ". وروى في الفقيه مرسلا (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) يا علي درهم في الخضاب افضل من الف درهم في غيره في سبيل الله وفيه اربع عشرة خصلة.. الحديث " وقال بدل " الغشيان " " الضنى " وفي بعض النسخ " الصفار " بيان: والغشيان خبث النفس وان لا تطيب والضنى الهزال والصفار كغراب الماء الاصفر يجتمع في البطن. وروى في الكافي عن الحلبي في الصحيح (4) " قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن خضاب الشعر ؟ فقال قد خضب النبي (صلى الله عليه وآله) والحسين بن علي وابو جعفر (عليه السلام) بالكتم " قبل الكتم محركة نبت يخلط بالوسمة يختضب به


(1) رواه في الوسائل في الباب 41 من آداب الحمام (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 42 من آداب الحمام (4) رواه في الوسائل في الباب 48 من آداب الحمام.

[ 552 ]

وعن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن (1) قال: " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) مخضوبا بالحناء " بيان: ظاهر هذا الخبر مطلق في خضاب لحيته أو يديه ورجليه كما تقدمت الاشارة إليه. وعن معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال: " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) يختضب بالحناء خضابا قانيا " اقول: وهذا كذلك. وعن حفص الاعور (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن خضاب اللحية والرأس أمن السنة ؟ فقال نعم. قلت ان امير المؤمنين (عليه السلام) لم يختضب فقال انما منعه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان هذه ستخضب من هذه " وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " خضب النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يمنع عليا (عليه السلام) إلا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) تخضب هذه من هذه وقد خضب الحسين وابو جعفر (عليهما السلام) " بيان: الظاهر ان المراد من هذين الخبرين المذكورين انه لما اخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله) بان لحيته ستخضب من دم رأسه وخضابها بذلك حقيقة لا يكون إلا مع بياضها ثم احمرارها بالدم وإلا فلو كانت سوداء ثم جرى عليها الدم لم يصدق الخضاب إلا بنوع من التجوز ترك (عليه السلام) الخضاب وجعلها بيضاء انتظارا لما وعده به ليقع كلامه (صلى الله عليه وآله) على وجه الحقيقة لا المجاز، لعن الله الفاعل لذلك والراضي به لعنا يستعيذ منه اهل النار في النار. ويعضد ما ذكرناه ما رواه في كتاب العلل بسنده فيه عن الاصبغ بن نباتة (5) قال: " قلت لامير المؤمنين (عليه السلام) ما يمنعك من الخضاب وقد اختضب


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 50 من آداب الحمام (3) رواه في الوسائل في الباب 45 من آداب الحمام. (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 41 من آداب الحمام.

[ 553 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال انتظر اشقاها ان يخضب لحيتي من دم رأسي بعهد معهود اخبرني به حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) " والاخبار في هذا الباب كثيرة يقف عليها من يرجع إليها. وروى في من لا يحضره الفقيه مرسلا عن رسول الله (صلى الله وآله) (1) انه قال: " الشيب نور فلا تنتفوه " قال الصدوق (قدس سره) (2): النهي عن نتف الشيب نهي كراهة لا نهي تحريم لان الصادق (عليه السلام) يقول: " لا بأس بجز الشمط ونتفه وجزه احب الي من نتفه " واخبارهم (عليه السلام) لا تختلف في حالة واحدة لان مخرجها من عند الله تعالى ذكره وانما تختلف بحسب اختلاف الاحوال انتهى اقول: ما ذكره (قدس سره) من ان اخبارهم تختلف في حالة واحدة على اطلاقه ممنوع نعم هو مسلم فيما عدا موضع التقية. وروى عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (3) انه قال: " اول من شاب ابراهيم الخليل (عليه السلام) وانه ثنى لحيته فرأى طاقة بيضاء فقال يا جبرئيل ما هذا ؟ فقال هذا وقار فقال ابراهيم اللهم زدني وقارا " اقول: وقد روى الكليني حديث نتف الشيب باسناد حسن عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " لا بأس بجز الشمط ونتفه وجزه احب الي من نتفه " اقول: الشمط بياض شعر الرأس يخالطه سواده والمراد هنا الشيب. (فصل) روى ثقة الاسلام في الصحيح عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " قال لي استأصل شعرك يقل درنه ودوابه ووسخه وتغلظ رقبتك ويجلو بصرك " قال: وفي رواية اخرى " ويستريح بدنك " وعن معمر بن خلاد عن ابي الحسن (عليه السلام) (6) قال: " ثلاث من عرفهن لم يدعهن: جز الشعر


(1) و (4) رواه في الوسائل في الباب 79 من آداب الحمام (2) الفقيه ج 1 ص 77 (3) الفقيه ج 1 ص 76. (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 59 من آداب الحمام.

[ 554 ]

وتشمير الثياب ونكاح الاماء ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " اني لاحلق كل جمعة فيما بين الطلية إلى الطلية " بيان: قال في الوافى اظهر معنيي الحلق هنا حلق العانة كما يشعر به تمام الكلام ويحتمل حلق الرأس ايضا لانصراف الاطلاق إليه، واظهر معنيي الجمعة اليوم المعهود ويحتمل الاسبوع وعلى الاول فيه دلالة على عدم البأس بالنورة يوم الجمعة كما مر. انتهى. اقول: والاظهر عندي هو حمل الحلق على حلق الرأس (اما اولا) فلانصراف الاطلاق إليه كما اعترف به. و (اما ثانيا) فلما علم من الاخبار من انهم كانوا يطلون العانة ولم يرد ما يدل على حلقهم لها. و (اما ثالثا) فلقوله: " فيما بين الطلية إلى الطلية " فانه مع طلي البدن يطلى معه العانة البتة، وبالجملة فحاصل الخبر انه (عليه السلام) يحلق رأسه في كل جمعة يعني يوم الجمعة وان ذلك بين الطليتين فلعله كان (عليه السلام) يطلي في الاسبوع مرتين. وعن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت جعلت فداك ربما كثر الشعر في قفاي فغمني غما شديدا ؟ قال فقال يا اسحاق اما علمت ان حلق القفا يذهب بالغم ". وعن علي بن محمد رفعه (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون حلق الرأس مثلة ؟ فقال عمرة لنا ومثلة لاعدائنا " وروى في التهذيب عن حفص عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " حلق الرأس في غير حج ولا عمرة مثلة " وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: " قال الصادق (عليه السلام) حلق الرأس في غير حج ولا عمرة مثلة لاعدائكم وجمال لكم " وروى فيه مرسلا قال (6): " وقال رسول الله (صلى الله عليه


(1) و (3) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 60 من آداب الحمام (2) رواه في الوسائل في الباب 61 من آداب الحمام (4) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب الحلق والتقصير.

[ 555 ]

وآله) لرجل احلق فانه يزيد في جمالك " وروى في الكافي والفقيه عن البزنطي (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) ان اصحابنا يروون ان حلق الرأس في غير حج ولا عمرة مثلة ؟ فقال كان أبو الحسن (عليه السلام) إذا قضى مناسكه عدل إلى قرية يقال لها ساية فحلق " قيل لعل عدوله إلى ساية لاجل الحلق للتقية، وفي الفقية " سايق " وكأنه معرب. وروى في الكافي عن عبد الرحمان بن عمر بن اسلم (2) قال " حجمني الحجام فحلق من موضع النقرة فرآني أبو الحسن (عليه السلام) فقال اي شئ هذا اذهب فاحلق رأسك. قال فذهبت فحلقت رأسي ". وعن عبد الله بن سنان (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في اطالة الشعر ؟ فقال كان اصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) مشعرين يعني الطم " بيان: قال في الوافي مشعرين من اشعر أو شعر بمعنى نبت عليه الشعر يعني كانوا تاركين له، وفي النهاية الاشعر الذي لم يحلق رأسه ولم يرجله ورجل اشعر اي كثير الشعر وقيل طويله وطم الشعر جزه واطم شعره حان له ان يجز وكأن المراد انهم كانوا يطيلون وكان دأبهم الجز دون الحلق. وروى في الكافي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه " ورواه في الفقيه عنه (صلى الله عليه وآله) مرسلا (5) وروى فيه (6) قال: " قال (صلى الله عليه وآله) الشعر الحسن من كسوة الله فأكرموه " وروى فيه مرسلا (7) قال: " قال الصادق (عليه السلام) من اتخذ شعرا فلم يفرقه فرقه الله


(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 60 من آداب الحمام. (2) رواه في الوسائل في الباب 61 من آداب الحمام (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 78 من آدب الحمام (7) رواه في الوسائل في الباب 62 من آداب الحمام

[ 556 ]

بمنشار من نار يوم القيامة، قال وكان شعر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفرة لم يبلغ الفرق ". بيان: ظاهر هذه الاخبار الاختلاف في ان السنة في شعر الرأس هو الحلق أو التوفير وبذلك ايضا اختلفت كلمة الاصحاب، قال العلامة في المنتهى والتحرير اتخاذ الشعر يعني شعر الرأس افضل من ازالته ثم اورد حديثين على اثر ذلك وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله): " الشعر الحسن من كسوة الله فأكرموه " وقوله (صلى الله عليه وآله) " من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه " والظاهر ان غرضه من ايرادهما الاحتجاج بهما لما ذكره حيث انه لم يورد دليلا في المقام ويؤيده انه قال بعد ذكر الخبرين: وقد روى خلاف ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل " احلق فانه يزيد في جمالك " ثم ذكر انه يحتمل كون الامر بالحلق مختصا بذلك المخاطب لمعرفته بان الحلق يزيد في جماله. وقال ايضا في المنتهى والتحرير ان من الفطرة فرق الرأس قال ابن الاثير في الحديث " عشر من الفطرة " اي من السنة يعني سنن الانبياء التي امرنا ان نقتدي بهم فيها. وقال في صفة النبي (صلى الله عليه وآله) ان انفرقت عقيصته فرق اي ان صار شعره فرقتين بنفسه في مفرقه تركه وان لم ينفرق لم يفرقه. وهذا الحكم ايضا لم يذكر له حجة وانما نقل معه الخبر الذي تقدم نقله عن الصدوق مرسلا عن الصادق (عليه السلام) من ان " من اتخذ شعرا ولم يفرقه فرقه الله بمنشار من نار " ونحوه ايضا روى في الكافي عن ابي العباس البقباق (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له وفرة أيفرقها أو يدعها ؟ قال يفرقها " قال في المعالم بعد نقل ذلك عن العلامة في الكتابين المتقدمين: وكلام الصدوقين في الرسالة ومن لا يحضره الفقيه موافق لما قاله العلامة فانهما ذكرا ان السنن الحنيفية عشر سنن خمس في الرأس وخمس في الجسد، فاما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والسواك وقص


(1) رواه في الوسائل في الباب 62 من آداب الحمام.

[ 557 ]

الشارب والفرق لمن طال شعر رأسه، قال في الرسالة: واياك ان تدع الفرق ان كان لك شعر طويل فقد روى عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: " من لم يفرق شعره فرقه الله يوم القيامة بمنشار من نار " واما التي في الجسد فالاستنجاء والختان وحلق العانة وقص الاظفار ونتف الابطين. انتهى. اقول: وكلام الصدوق في كتابه في هذا المقام لا يخلو من الاضطراب بناء على ما قرره في صدر كتابه وغفل الاصحاب عنه من افتائه بمضمون ما يرويه، وهو قد جمع هنا في النقل بين روايات الحلق والتوفير والتدافع بينهما غير خفي ولم يجمع بينهما بوجه يرتفع به التنافي من البين. والذي يظهر لي من الاخبار وفاقا لجملة من متأخري علمائنا الابرار (رفع الله تعالى مقامهم جميعا في دار القرار) هو افضلية الحلق وحمل ما دل على خلاف ذلك على التقية. ويدل على ذلك زيادة على ما تقدم من الاخبار ما رواه في الكافي عن ايوب بن هارون عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له أكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفرق شعره ؟ قال لا ان رسول الله كان إذا طال شعره كان إلى شحمة اذنه " وعن عمرو بن ثابت عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت انهم يروون ان الفرق من السنة قال من السنة. قلت يزعمون ان النبي (صلى الله عليه وآله) فرق قال ما فرق النبي ولا كانت الانبياء تمسك الشعر ". وروى في الكافي ايضا عن ابي بصير (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الفرق من السنة ؟ قال لا قلت فهل فرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال نعم قلت كيف فرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وليس من السنة ؟ قال من اصابه ما اصاب رسول الله وفرق كما فرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد اصاب سنة رسول الله وإلا فلا. قلت كيف ذلك ؟ قال ان رسول الله


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 62 من آداب الحمام.

[ 558 ]

(صلى الله عليه وآله) حين صد عن البيت وقد كان ساق الهدى واحرم أراه الله الرؤيا التي اخبرك بها في كتابه إذ يقول: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين " (1) فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله سيفي له بما اراه فمن ثم وفر ذلك الشعر الذي كان على رأسه حين احرم انتظارا لحلقه في الحرم حيث وعده الله فلما حلقه لم يعد في توفير الشعر ولا كان ذلك من قبله ". قال في الوافي ونعم ما قال قيل ان الحلق كان في الجاهلية عارا عظيما في العرب فلما جاء الاسلام وفرض الحج وصار سنة لم يجدوا بدا من فعله حين يحجون أو يعتمرون ولكنه كان كبيرا عليهم في غيرهما ولما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك منهم امرهم بتربية الشعر لئلا يكونوا شعثا دوي قمل، ثم ان منهم من حلق ومنهم من ترك الشعر حتى آل الامر إلى ان صار الحلق شعارا للشيعة لان ائمتهم (عليهم السلام) كانوا محلقين اسوة برسول الله (صلى الله عليه وآله) وخلافه شعارا لمخالفيهم لان ائمتهم لحميتهم الجاهلية يعدونها مثلة لارتدادهم إلى ما كانوا عليه قبل الاسلام. انتهى واما ما ذكره الصدوقان في الرسالة والفقيه من حديث السنن العشر فهو عين عبارة الفقه الرضوي حيث قال بعد كلام قد سقط من النسخة التي عندي من الكتاب " ولكنها من الحنيفية التي قال الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله) " واتبع ملة ابراهيم حنيفا " (2) فهي عشر سنن خمس في الرأس وخمس في الجسد. فاما التي في الرأس فالفرق والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك، واما التي في الجسد فنتف الابط وتقليم الاظافير وحلق العانة والاستنجاء والختان، واياك ان تدع الفرق ان كان لك شعر فقد روى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: " من لم يفرق


(1) سورة الفتح، الاية 27 (2) سورة النساء، الاية 124. (3) رواه في الوسائل في الباب 62 من آداب الحمام.

[ 559 ]

شعره فرقه الله بمنشار من النار " انتهى. وقد عرفت الوجه فيه. والله العالم. (فصل) روى ثقة الاسلام في الكافي عن معلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال " ما زاد من اللحية عن القبضة فهو في النار " وروى في الكافي عن محمد بن ابي حمزة عن من اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ما زاد على القبضة ففي النار يعني اللحية " وعن يونس عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) ورواه في الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله " في قدر اللحية ؟ قال تقبض بيدك على اللحية وتجز ما فضل " بيان: قال في الوافي المراد بالقبض على اللحية ان يضع يده على ذقنه فيأخذ بطرفيه فيجز ما فضل من مسترسل اللحية طولا لا القبض مما تحت الذقن. وروى في الكافي والفقيه عن محمد بن مسلم (4) قال: " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) والحجام يأخذ من لحيته فقال دورها " ورويا فيهما مسندا في الكافي عن درست عن ابي عبد الله (عليه السلام) ومرسلا في الفقيه (5) قال: " مر النبي (صلى الله عليه وآله) برجل طويل اللحية فقال ما كان على هذا لو هيأ من لحيته ؟ فبلغ ذلك الرجل فهيأ من لحيته بين اللحيتين ثم دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رآه قال هكذا فافعلوا ". وروى في الفقيه مرسلا (6) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حفوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تتشبهوا باليهود " وقال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ان المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم وانا نحن نجز الشوارب ونعفى اللحى وهي الفطرة " بيان: قال في الوافي الحف الاحفاء وهو الاستقصاء في الامر


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 65 من آداب الحمام. (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 63 من آداب الحمام. (6) رواه في الوسائل في الباب 67 من آداب الحمام.

[ 560 ]

والمبالغة فيه واحفاء الشارب المبالغة في جزه والاعفاء الترك، واعفاء اللحى ان يوفر شعرها من عفى الشعر إذا كثر وزاد، وقوله " واعفوا عن اللحى " اي لا تستأصلوها بل اتركوا منها ووفروا، وقوله " ولا تتشبهوا باليهود " اي لا تطيلوها جدا وذلك لان اليهود لا يأخذون من لحاهم بل يطيلونها، وذكر الاعفاء عقيب الاحفاء ثم النهي عن التشبه باليهود دليل على ان المراد بالاعفاء ان لا يستأصل ويؤخذ منها من غير استقصاء بل مع توفير وابقاء بحيث لا يتجاوز القبضة فيستحق النار. وقال بعض المنسوبين إلى العلم والحكمة من فهم من هذا الحكم طلب الزينة الالهية في قوله تعالى: " قل من حرم زينة الله " (1) نظر إلى لحيته فإذا كانت الزينة في توفيرها وان لا ياخذ منها شيئا تركها وان كانت الزينة في ان يأخذ منها قليلا حتى تكون معتدلة تليق بالوجه وتزينه اخذ منها على هذا الحد وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه كان يأخذ من طول لحيته لا من عرضها. انتهى كلامه. ولعل مراده ان الزينة تختلف باختلاف الناس في لحاهم ولهذا لم يحدد اعني من جهة التقليل وان حد من جهة التوفير، وقد مضى في كتاب الحجة حديث عن امير المؤمنين (عليه السلام) (2) " ان اقواما حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا " وقد افتى جماعة من فقهائنا بتحريم حلق اللحية وربما يستشهد لهم بقوله سبحانه عن ابليس اللعين: " ولامرنهم فليغيرن خلق الله " (3) انتهى كلامه في الوافي. وروى في الكافي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يطولن احدكم شاربه فان الشيطان يتخذه مخبئا يستتر به " ورواه في الفقيه عنه (صلى الله عليه وآله) مرسلا (5) وروى في الكافي


(1) سورة الاعراف، الاية 30. (2) رواه في الوسائل في الباب 67 من آداب الحمام. (3) سورة النساء، الاية 119. (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 66 من آداب الحمام.

[ 561 ]

بالسند المتقدم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان من السنة ان تأخذ من الشارب حتى يبلغ الاطار " بيان: قيل الاطار ككتاب ما يفصل بين الشفة وبين شعرات الشارب. وقال في مجمع البحرين: في الحديث " من السنة ان تأخذ الشارب حتى يبلغ الاطار " وهو ككتاب طرف الشفة الاعلى الذي يحول بين منابت الشعر والشفة وكل شئ احاط بشئ فهو اطار له. انتهى. وعن عبد الله بن عثمان (2) " انه رأى ابا عبد الله (عليه السلام) احفى شاربه حتى الزقة بالعسيب " بيان: العسيب منبت الشعر. وعن علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن قص الشارب أمن السنة هو ؟ قال نعم " وعن ابن فضال عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " ذكرنا الاخذ من الشارب فقال نشرة وهو من السنة " اقول: النشرة لغة رقية يعالج بها المجنون والمريض المراد هنا انها عوذة من الشيطان. وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: " قال الصادق (عليه السلام) اخذ الشارب من الجمعة إلى الجمعة امان من الجذام " قال (6) " وقال أبو عبد الله (عليه السلام) اخذ الشعر من الانف يحسن الوجه ". بيان: يستنبط من هذه الاخبار فوائد: (الاولى) ان الافضل المندوب إليه هو اعفاء اللحية إلى حد القبضة المذكورة وما زاد عليها فالافضل جزه واحفاء الشارب وجزه حتى يبلغ به اصول الشعر وهذا لا خلاف فيه ولا اشكال. (الثانية) الظاهر كما استظهره جملة من الاصحاب كما عرفت تحريم حلق اللحية لخبر المسخ المروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) فانه لا يقع الا على ارتكاب امر محرم بالغ في التحريم، واما الاستدلال باية " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " (7)


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 66 من آداب الحمام. (5) رواه في الوسائل في الباب 33 من صلاة الجمعة. (6) الوسائل الباب 68 من آداب الحمام (7) سورة النساء، الاية 119.

[ 562 ]

ففيه انه قد ورد عنهم (عليهم السلام) ان المراد دين الله فيشكل الاستدلال بها على ذلك وان كان ظاهر اللفظ يساعده. (الثالثة) انه هل يجوز حلق الشارب ؟ استظهر بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين ذلك قال للاوامر المطلقة الشاملة له وان كان الاحوط العدم لانه لم ينقل عن النبي والائمة (صلوات الله عليهم) حلقه لا الرخصة في حلقه. انتهى. اقول ما استند إليه في القول بالجواز من الاوامر المطلقة لا يخلو من اشكال لان الاوامر الواردة في الاخبار منها ما هو بلفظ الاخذ ومنها ما هو بلفظ الجز ومنها ما هو بلفظ القص وقضية حمل مطلقها على مقيدها هو العمل بالجز وهو الظاهر ويؤيده ما ذكره اخيرا في وجه الاحوطية، وبالجملة فان دليل الجواز غير ظاهر بل ربما دخل تحت آية " ليغيرن خلق الله " التي استدلوا بها على تحريم حلق اللحية بناء على ظاهر اللفظ. (الرابعة) انه هل افضلية القبضة في اللحية بالنسبة إلى ما زاد خاصة بمعنى انه لا يتجاوز القبضة أو يكون كذلك ايضا بالنسبة إلى ما نقص عنها بمعنى انه يستحب له ان يعفيها ويتركها حتى تبلغ ايضا ؟ لم اقف على كلام لاحد من اصحابنا في ذلك إلا ان ظاهر الاخبار الاول. والله العالم. (فصل) روى ثقة الاسلام في الكافي عن سفيان بن السمط (1) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) الثوب النقي يكبت العدو والدهن يذهب بالبؤس والمشط للرأس يذهب بالوباء قال قلت وما الوباء ؟ قال الحمى، والمشط للحية يشد الاضراس " وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) مشط الرأس يذهب بالوباء ومشط اللحية يشد الاضراس " وقال في الفقيه ايضا (3): " قال الصادق (عليه السلام)


(1) ج 2 ص 216 وفي الوسائل بعضه في الباب 69 و 102 من آداب الحمام وفي الباب 6 من احكام الملابس. (2) رواه في الوسائل في الباب 73 من آداب الحمام (3) رواه في الوسائل في الباب 70 من آداب الحمام.

[ 563 ]

المشط يذهب بالوباء وهو الحمى " وفي رواية البرقي " يذهب بالونا وهو الضعف قال الله تعالى ولا تنيا في ذكري (1) اي لا تضعفا " وروى في الكافي عن عمار النوفلي عن ابيه (2) قال: " سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول المشط يذهب بالوباء وكان لابي عبد الله (عليه السلام) مشط في المسجد يتمشط به إذا فرغ من صلاته " وعن عبد الله بن المغيرة عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) " في قوله تعالى " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (4) قال من ذلك التمشط عند كل صلاة " وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: " سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله.. الحديث " وروى في الكافي عن عنبسة بن سعيد رفع الحديث إلى النبي (صلى الله عليه وآله) (6) قال: " كثرة تسريح الرأس يذهب بالوباء ويجلب الرزق ويزيد في الجماع " وعن يونس عن من اخبره عن ابي الحسن (عليه السلام) ورواه في الفقيه عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (7) قال: " إذا سرحت رأسك ولحيتك فامر المشط على صدرك فانه يذهب بالهم والوباء " وروى في الكافي عن على بن ابراهيم عن ابيه (8) قال: " كثرة التمشط تقلل البلغم " وعن اسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله ورواه في الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (9) قال: " من سرح لحيته سبعين مرة وعدها مرة مرة لم يقربه الشيطان اربعين يوما ". ويستحب بالعاج لما رواه في الكافي عن الحسين بن عاصم عن ابيه (10) قال:


(1) سورة طه، الاية 44. (2) و (3) و (5) رواه في الوسائل في الباب 71 من آداب الحمام (4) سورة الاعراف، الاية 31 (6) رواه في الوسائل في الباب 69 من آداب الحمام. (7) رواه في الوسائل في الباب 75 من آداب الحمام. (8) رواه في الوسائل في الباب 70 من آداب الحمام والرواية في كتب الحديث عن البرقى عن ابيه (9) رواه في الوسائل في الباب 76 من آداب الحمام. (10) رواه في الوسائل في الباب 72 من آداب الحمام.

[ 564 ]

" دخلت على ابي ابراهيم (عليه السلام) وفي يده مشط عاج يتمشط به فقلت له جعلت فداك ان عندنا بالعراق من يزعم انه لا يحل التمشط بالعاج ؟ فقال ولم فقد كان لابي منها مشط أو مشطان، ثم قال تمشطوا بالعاج فان العاج يذهب بالوباء " بيان: قال في كتاب مجمع البحرين: العاج عظم انياب الفيل وعن الليث لا يسمى غير عظم الناب عاجا، ثم قال وروى انه كان لفاطمة (عليها السلام) سوار من عاج. انتهى. وعن موسى بن بكر (1) قال: " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) يتمشط بمشط عاج واشتريته له " وعن عبد الله بن سليمان (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن العاج فقال لا بأس به وان لي منه لمشطا " وعن القاسم بن الوليد (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن عظام الفيل مداهنها وامشاطها ؟ قال لا بأس به ". وروى في كتاب الخصال عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " في قول الله عزوجل: " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (5) قال المشط يجلب الرزق ويحسن الشعر وينجز الحاجة ويزيد في ماء الصلب ويقطع البلغم وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسرح تحت لحيته اربعين مرة ومن فوقها سبع مرات ويقول انه يزيد في الذهن ويقطع البلغم " وروى العياشي في تفسيره عن ابي بصير (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (7) قال هو التمشط عند كل صلاة فريضة ونافلة ". ويكره التمشط من قيام لما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن ثابت بن ابي صفية الثمالي عن ثور بن سعيد بن علاقة عن ابيه عن علي (عليه السلام) (8) قال في حديث


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 72 من آداب الحمام. (4) و (6) رواه في الوسائل في الباب 71 من آداب الحمام. (5) و (7) سورة الاعراف، الاية 29. (8) رواه في الوسائل في الباب 74 من آداب الحمام.

[ 565 ]

" والتمشط من قيام يورث الفقر " وما رواه الحسن بن الفضل الطبرسي في كتاب مكارم الاخلاق عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) قال: " من امتشط قائما ركبه الدين " وعن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (2) قال: " لا تمتشط من قيام فانه يورث الضعف في القلب وامتشط جالسا فانه يقوي القلب ويمخخ الجلد ". ويستحب قراءة انا انزلناه وسورة والعاديات، قال السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين علي بن طاووس في كتاب الامان من الاخطار: روى انه يبدأ من تحت ويقرأ انا انزلناه في ليلة القدر، قال وفي رواية يسرح لحيته من تحت إلى فوق اربعين مرة ويقرأ انا انزلناه ومن فوق إلى تحت سبع مرات ويقرأ والعاديات ويقول اللهم سرح عني الهم والغموم والوحشة في الصدر. وفي كتاب الفقه الرضوي (3) قال: (عليه السلام): " إذا اردت ان تمشط لحيتك فخذ المشط بيدك اليمنى وقل بسم الله وضع المشط على ام رأسك ثم تسرح مقدم رأسك وقل اللهم حسن شعري وبشري وطيب عيشي وافرق عني السوء، ثم تسرح مؤخر رأسك وقل اللهم لا تردني على عقبي واصرف عني كيد الشيطان ولا تمكنه مني، ثم تسرح حاجبيك وقل اللهم زيني بزينة اهل التقوى، ثم تسرح لحيتك من فوق وقل اللهم اسرح عني الغموم والهموم ووسوسة الصدور، ثم امر المشط على صدغك " بيان: الظاهر ان الامر بتسريح مقدم الرأس ومؤخره مبني على ما تقدم من توفير شعر الرأس لما يدل عليه لفظ الدعاء في تلك الحال واما بناء على ما قدمناه من استحباب الحلق فلا، واما الامر بتسريح اللحية من فوق فظاهره ان وظيفة الاستحباب ذلك ويؤيده انه قال في موضع آخر بعد هذا الكلام بعد ان نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " ادهنوا غبا واكتحلوا وترا وامشطوا مرسلا " قال: " فسئل عن معناها فقال (عليه السلام) ادهنوا يوم ويوم لا واكتحلوا وترا وامشطوا مرسلا قال من فوق لا من تحت " انتهى. وهو بظاهره مناف


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 74 من آداب الحمام (3) ص 54.

[ 566 ]

لما تقدم في حديثي الخصال والامان من الاخطار من اكثرية التسريح من تحت على التسريح من فوق ولعل هذا الخبر محمول على الاكد. والله العالم. (فصل) روى ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) ما زال جبرئيل يوصيني بالسواك حتى خفت ان احفى أو ادرد " بيان: قد تقدم معنى الحفاء بالحاء المهملة والفاء وهو مبالغة في الاستقصاء، والدرد هو سقوط الاسنان يقال درد دردا من باب تعب سقطت اسنانه وبقيت اصولها فهو ادرد والانثى درداء مثل احمر وحمراء وبه كنى ابو الدرداء، والمراد هنا حتى خفت ذهاب اسناني من كثرة السواك، واستظهر جملة من المحدثين ان الترديد من بعض الرواة. وعن جميل بن دراج في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اوصاني جبرئيل بالسواك حتى خفت على اسناني " وعن اسحاق بن عمار في الموثق (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من اخلاق الانبياء السواك " وعن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " السواك من سنن المرسلين ". وعن مهزم الاسدي (5) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في السواك عشر خصال: مطهرة للفم ومرضاة للرب ومفرحة للملائكة وهو من السنة ويشد اللثة ويجلو البصر ويذهب بالبلغم ويذهب بالحفر " ورواه البرقي في المحاسن، بيان: قيل الحفر بثر في اصول الاسنان أو تقشير فيها أو صفرة تعلوها والخصلتان الباقيتان اما مطويتان في مقام التفصيل أو ساقطتان من قلم النساخ. وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال " في السواك اثنتى عشرة خصلة، هو من السنة ومطهرة للفم ومجلاة للبصر ويرضي الرب ويذهب بالغم ويزيد في الحفظ ويبيض الاسنان ويضاعف الحسنات ويذهب بالبلغم ويشد اللثة ويشهي الطعام وتفرح به الملائكة " ورواه البرقي


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب السواك.

[ 567 ]

في المحاسن والصدوق ولكنه خالف في الترتيب. وعن حنان عن ابيه عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " شكت الكعبة إلى الله عزوجل ما تلقى من انفاس المشركين فأوحى الله إليها ان قري يا كعبة فاني مبدلك بهم قوما يتنظفون بقضبان الشجر فلما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) اوحى إليه مع جبرئيل بالسواك والخلال ". وعن المعلى بن خنيس (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن السواك بعد الوضوء فقال الاستياك قبل ان يتوضأ. قلت أرأيت ان نسي حتى يتوضأ ؟ قال يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات ". قال في الكافي (3): وروى ان السنة في السواك وقت السحر. وروى في الكافي ايضا ان ابي بكر بن ابي سمال (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت بالليل فاستك فان الملك يأتيك فيضع فاه على فيك وليس من حرف تتلوه وتنطق به إلا صعد به إلى السماء فليكن فوك طيب الريح ". وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام) " ان افواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك " وروى البرقي في المحاسن عن اسماعيل بن ابان الخياط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظفوا طريق القرآن قيل يا رسول الله وما طريق القرآن ؟ قال افواهكم قيل بماذا ؟ قال بالسواك " وعن علي بن الحكم عن عيسى بن عبد الله رفعه (7) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) افواهكم طريق من طرق ربكم فاحبها إلى الله اطيبها ريحا


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب السواك. (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب السواك. (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب السواك. (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب السواك.

[ 568 ]

فطيبوها بما قدرتم عليه ". وروى في الكافي عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول كان في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ان قال يا علي اوصيك في نفسك بخصال احفظها عني ثم قال اللهم اعنه، وعد جملة من الخصال إلى ان قال وعليك بالسواك عند كل صلاة " وعن محمد بن مروان عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام) " عليك بالسواك لكل صلاة " وعن القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) ورواه في الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله قال: " ركعتان بالسواك افضل من سبعين ركعة بغير سواك " قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا ان اشق على امتي لامرتهم بالسواك مع كل صلاة " بيان: اي اوجبت ذلك عليهم " لان الامر حقيقة في الوجوب كما عرفت، وفي الفقيه (4) " عند وضوء كل صلاة " وروى في الكافي عن ابن بكير عن من ذكره عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) ورواه في الفقيه مرسلا عن ابي جعفر " في السواك قال لا تدعه في كل ثلاث ولو ان تمره مرة ". وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلى العشاء الاخرة امر بوضوئه وسواكه فيوضع عند رأسه مخمرا فيرقد ما شاء الله ثم يقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي اربع ركعات ثم يرقد ويقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي ثم قال لقد كان لكم في رسول الله (صلى الله عليه وآله) اسوة حسنة " وروى البرقي في المحاسن عن اسحاق بن عمار (7) قال:


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب السواك. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب السواك (4) ج 1 ص 34. (5) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب السواك. (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب السواك.

[ 569 ]

" قال أبو عبد الله اني لاحب للرجل إذا قام بالليل ان يستاك وان يشم الطيب فان الملك يأتي الرجل إذا قام بالليل حتى يضع فاه على فيه فما خرج من القرآن من شئ دخل في جوف ذلك الملك ". بيان: قد دلت اخبار هذا الفصل على استحباب السواك في حد ذاته استحبابا مؤكدا ويتأكد زيادة على ذلك للوضوء وللصلاة ولقراءة القرآن وفي السحر خصوصا مع الاتيان بصلاة الليل. ويكره في مواضع: منها الحمام والخلاء فقد روى الصدوق في الفقيه في حديث المناهي المذكور في آخره (1) قال: " ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن السواك في الحمام " قال وروى: " ان السواك في الحمام يورث وباء الاسنان " وروى في كتاب العلل في الموثق عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " واياك والسواك في الحمام فانه يورث وباء الاسنان " وقد تقدم في آداب الخلوة ما يدل على انه يورث البخر في الخلاء. (فصل) في استحباب قص الاظفار روى ثقة الاسلام في الكافي عن عبد الله بن ميمون القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " احتبس الوحي عن النبي (صلى الله عليه وآله) فقيل له احتبس الوحي عنك فقال وكيف لا يحتبس وانتم لا تقلمون اظفاركم ولا تنقون رواجبكم " بيان: قال في النهاية: فيه " ألا تنقون رواجبكم " هي ما بين عقد الاصابع من داخل واحدها راجبة والبراجم العقد المتسنمة (4) في ظاهر الاصابع. وقال في القاموس. والرواجب مفاصل اصول الاصابع أو بواطن مفاصلها أو هي قصب الاصابع أو مفاصلها أو ظهور السلاميات أو ما بين البراجم من السلاميات أو المفاصل التي تلي الانامل واحدتها راجبة. وعن القاسم عن جده (5) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تقليم الاظفار


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب السواك. (3) و (5) رواه في الوسائل في الباب 80 من آداب الحمام (4) في النهاية (المتشنجة)

[ 570 ]

يمنع الداء الاعظم ويدر الرزق ". وعن هشام بن سالم في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " تقليم الاظفار يوم الجمعة يؤمن من الجذام والبرص والعمى وان لم تحتج فحكها حكا " ورواه في الفقيه عن هشام بن سالم (2) وزاد على الثلاثة المذكورة " الجنون " ثم قال وفي خبر آخر " ان لم تحتج فامر عليها السكين أو المقراض " وروى في الكافي والتهذيب في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " اخذ الشارب والاظفار من الجمعة إلى الجمعة امان من الجذام " وعن عبد الله بن هلال (4) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) خذ من شاربك واظفارك في كل جمعة فان لم يكن فيها شئ فحكها لا يصيبك جنون ولا جذام ولا برص " وروى في الكافي عن ابن بكير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " تقليم الاظفار واخذ الشارب في كل جمعة امان من البرص والجنون " وعن ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) قال: " انما قصوا الاظفار لانها مقيل الشيطان ومنه يكون النسيان " وعن حذيفة بن منصور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " ان استر واخفى ما يسلط الشيطان من ابن آدم ان صار يسكن تحت الاظافير " وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) قال: " قلت له ما ثواب من اخذ من شاربه وقلم اظفاره في كل جمعة ؟ قال لا يزال مطهرا إلى الجمعة الاخرى " ورواه الصدوق مرسلا (9) قال: قال الحسين ابن ابي العلاء للصادق (عليه السلام).. الحديث. وروى المشايخ الثلاثة عن عبد الرحيم القصير (10) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) من اخذ من شاربه واظفاره كل جمعة وقال حين ياخذ بسم الله وبالله وعلى سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم تسقط


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (8) و (9) رواه في الوسائل في الباب 33 من صلاة الجمعة. (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 80 من آداب الحمام. (10) رواه في الوسائل في الباب 35 من صلاة الجمعة.

[ 571 ]

منه قلامة ولا جزازة إلا كتب الله له بها عتق نسمة ولا يمرض إلا مرضه الذي يموت فيه " بيان: في الفقيه " على سنة محمد وآل محمد " وروى في الكافي عن ابي كهمس (1) قال: " قال رجل لعبدالله بن الحسن علمني شيئا في الرزق فقال الزم مصلاك إذا صليت الفجر إلى طلوع الشمس فانه انجع في طلب الرزق من ان تضرب في الارض. فاخبرت بذلك ابا عبد الله (عليه السلام) فقال الا اعلمك في الرزق ما هو انفع من ذلك ؟ قال قلت بلى. قال خذ من شاربك واظفارك في كل جمعة " وعن علي بن عقبة عن ابيه (2) قال: " اتيت عبد الله بن الحسن فقلت علمني دعاء في الرزق فقال. قل اللهم تول امري ولا تول امري غيرك. فعرضته على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال ألا ترى ادلك على ما هو انفع من هذا في الرزق ؟ تقص من اظفارك وشاربك في كل جمعة ولو بحكها " وعن خلف (3) قال: " رآني أبو الحسن (عليه السلام) بخراسان وانا اشتكي عيني فقال ادلك على شئ ان فعلته لم تشتك عينك ؟ قلت بلى فقال خذ من اظفارك في كل خميس قال ففعلت فما اشتكيت عيني إلى يوم اخبرتك " وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: قال ابو جعفر (عليه السلام) " من اخذ من اظفاره كل يوم خميس لم يرمد ولده " وقال فيه ايضا: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " من قلم اظفاره يوم السبت ويوم الخميس واخذ من شاربه عوفي من وجع الضرس ووجع العين " وعن عبد الله بن الفضل عن ابيه وعمه جميعا عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " من اخذ اظفاره كل خميس لم ترمد عينه ". وروى في الكافي والفقيه مسندا في الاول ومرسلا في الثاني (6) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرجال قصوا اظفاركم وللنساء اتركن فانه ازين لكن "


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 33 من صلاة الجمعة. (2) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 34 من صلاة الجمعة (6) رواه في الوسائل في الباب 81 من آداب الحمام.

[ 572 ]

وفي الفقيه " اتركن من اظفاركن فانه ازين لكن " بيان: يعني لا يبالغن في قصها كما يبالغ الرجال بل يتركن شيئا منها كما يستفاد من لفظة " من " التبعيضية. وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير رفعه (1) " في قص الاظافير تبدأ بخنصرك الايسر ثم تختم باليمين " وقال في الفقيه (2) وروى " ان من يقلم اظفاره يوم الجمعة يبدأ بخنصره من اليد اليسرى ويختم بخنصره من اليد اليمنى " بيان: قال في الوافي: لعل السر في ذلك تحصيل التيامن في كل اصبع اصبع وذلك لان الوضع الطبيعي لليدين ان يكون ظهرهما إلى فوق وبطنهما إلى تحت. وروى في الفقيه مرسلا (3) قال: قال الصادق (عليه السلام) " من قلم اظفاره يوم الجمعة لم تسعف انامله " بيان: في بعض النسخ " تشعث انامله " والمعنى واحد وهو تفرق الجلد حول الاظفار فينفصل منه اجزاء صغار، وقد تقدم ذكر الخلاف بين الاصحاب في حكم هذه الاجزاء بعد الانفصال طهارة ونجاسة واما قبل الانفصال فلا ريب في طهارتها. وروى في الفقيه عن موسى بن بكر (4) " انه قال للصادق (عليه السلام) ان اصحابنا يقولون انما اخذ الشارب والاظفار يوم الجمعة فقال سبحان الله خذها ان شئت في يوم الجمعة وان شئت في سائر الايام " بيان: ظاهر السؤال حصر اخذها في يوم الجمعة ولعله توهم الوجوب في هذا اليوم بخصوصه فأجاب (عليه السلام) بجواز اخذها في سائر الايام وإلا فحصر الاستحباب أو تأكده في اليوم المذكور لا شك فيه، أو يحمل الخبر على ما إذا طالت فانه لا ينتظر بها اليوم المذكور، وكيف كان فالظاهر ان ما ورد من اخذها يوم الخميس ويترك واحد ليوم الجمعة أو السبت فهي رخص لا تنافي التوظيف


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 83 من آداب الحمام. (3) رواه في الوسائل في الباب 33 من صلاة الجمعة. (4) رواه في الوسائل في الباب 80 من آداب الحمام.

[ 573 ]

والاستحباب في ذلك اليوم لما عرفت من الامور المرتبة عليه فيه بخصوصه. وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: قال الصادق (عليه السلام) " يدفن الرجل شعره واظفاره إذا اخذ منها وهي سنة " وقال وروى: " ان من السنة دفن الشعر والظفر والدم " وروى في الكافي عن ابي كهمس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في قول الله تعالى ألم نجعل الارض كفاتا احياء وامواتا (3) ؟ قال دفن الشعر والظفر " بيان: قال في الوافى: الكفات بالكسر الموضع يكفت فيه الشئ اي يضم ويجمع والارض كفات لنا. انتهى. اقول: لعل ذكر الشعر والظفر للتنبيه على انهما مما يكفتان في الارض اي يضمان فيها كما يضم فيها الانسان بعد الموت. (فصل) في استحباب الكحل روى ثقة الاسلام في الكافي عن سليمان الفراء عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكتحل بالاثمد إذا آوى إلى فراشه وترا وترا " وعن زرارة في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " الكحل بالليل ينفع العين وهو بالنهار زينة " وعن الفضل بن اسماعيل الهاشمي عن ابيه وعمه (6) قالا " قال أبو جعفر (عليه السلام) الاكتحال بالاثمد يطيب النكهة ويشد اشفار العين " وعن حماد بن عيسى في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " الكحل يعذب الفم " وعن خلف بن حماد عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) قال: " الكحل ينبت الشعر ويحد البصر ويعين على طول السجود " وعن علي بن عقبة عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (9)


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 77 من آداب الحمام (3) سورة المرسلات، الاية 25 و 26. (4) و (6) و (9) رواه في الوسائل في الباب 55 من آداب الحمام. (5) رواه في الوسائل في الباب 57 من آداب الحمام. (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 54 من آداب الحمام.

[ 574 ]

قال: " الاثمد يجلو البصر وينبت الشعر في الجفن ويذهب بالدمعة " وعن ابن فضال عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الكحل يزيد في المباضعة " بيان: المباضعة المجامعة. وعن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " الكحل ينبت الشعر ويجفف الدمعة ويعذب الريق ويجلو البصر " وعن الحسين ابن الحسن بن عاصم عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من نام على اثمد غير ممسك امن من الماء الاسود ابدا ما دام ينام عليه " وعن ابن القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) من اكتحل فليوتر ومن فعل فقد احسن ومن لم يفعل فلا بأس " وروى الصدوق مرسلا (5) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اكتحلوا وترا واستاكوا عرضا " وعن زرارة في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يكتحل قبل ان ينام اربعا في اليمنى وثلاثا في اليسرى " وعن الحسن بن الجهم (7) قال: " اراني أبو الحسن (عليه السلام) ميلا من حديد ومكحلة من عظام فقال هذا كان لابي (عليه السلام) فاكتحل به " وروى الحسين بن بسطام في كتاب طب الائمة عن ابي صالح الاحول عن الرضا (عليه السلام) (8) قال: " من اصابه ضعف في بصره فليكتحل سبعة مراود عند منامه من الاثمد " وعن جابر عن خداش عن عبد الله بن ميمون عن الصادق (عليه السلام) (9) قال: " كان للنبي (صلى الله عليه وآله) مكحلة يكتحل منها في كل ليلة ثلاثة مراود في كل عين عند منامه " وروى الحسن بن الفضل


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 54 من آداب الحمام. (3) رواه في الوسائل في الباب 55 من آداب الحمام. (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 56 من آداب الحمام. (6) و (8) و (9) رواه في الوسائل في الباب 57 من آداب الحمام. (7) رواه في الوسائل في الباب 58 من آداب الحمام.

[ 575 ]

الطبرسي في كتاب مكارم الاخلاق (1) قال: " كان النبي (صلى الله عليه وآله) يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا وفي اليسرى ثنتين، قال من شاء اكتحل ثلاثا في كل عين ومن فعل دون ذلك أو فوقه فلا حرج، وربما اكتحل وهو صائم وكانت له مكحلة يكتحل منها في الليل وكان كحله الاثمد " وفي كتاب الفقه الرضوي (2) قال: " إذا اردت ان تكتحل فخذ الميل بيدك اليمنى واضربه بالمحكلة وقل بسم الله وإذا جعلت الميل في عينك فقل اللهم نور بصري واجعل فيه نورا ابصر به حقك واهدني إلى طريق الحق وارشدني إلى سبيل الرشاد اللهم نور علي دنياي واخرتي " وقال في موضع آخر " روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال ادهنوا غبا واكتحلوا وترا " بيان: هنا فوائد (الاولى) ان الكحل المستحب وهو الذي ذكرت له هذه الخواص هو الاثمد وهو بكسر الهمزة حجر معروف يؤتى به الان من مكة المشرفة يجلب إليها ثم يؤتى به منها، قال في مجمع البحرين: والاثمد بكسر الهمزة والميم حجر يكتحل به ويقال انه معرب ومعادنه بالمشرق، ومنه الحديث " اكتحلوا بالاثمد " وعن بعض الفقهاء الاثمد هو الاصفهاني ولم يتحقق. انتهى. (الثانية) المستفاد من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض ان الافضل في الاكتحال ان يكون وترا في كل من العينين أو فيهما معا بان يكون ثلاثة ثلاثة في كل واحدة أو خمسة أو سبعة فيهما معا بان تكون الزيادة في العين اليمنى. (الثالثة) ما دلت عليه صحيحة زرارة التى هي الثانية من الروايات المتقدمة من ان الكحل ينفع بالليل وزينة بالنهار مما يدفع ما توهمه بعض المتعسفين وربما سرى الوهم منه إلى بعض الفضلاء ايضا من ايجاب غسل الكحل من العين وقت الوضوء أو عدم الاكتحال لذلك لانه يكون حائلا عن وصول ماء الوضوء إلى ما تحته أو يكون الماء به مضافا يخرج عن الاطلاق، وليت شعري كيف خفي هذا المعنى الذي اهتدى إليه هذا القائل على


(1) رواه في الوسائل في الباب 57 من آداب الحمام (2) ص 54.

[ 576 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) واهل بيته الذين يكتحلون ويأمرون به في هذا الاخبار التي سمعت ؟ أرأيت انه كان يجب غسله لما ذكره هؤلاء ويغفلون (عليهم السلام) عن الامر بذلك وتنبيه الناس عليه ؟ وكيف يكون زينة بالنهار وهو يجب غسله إذا انتبه وتوضأ لصلاة الصبح ؟ ما هذه إلا وساوس شيطانية وخيالات وهمية ولقد كنت لا اعتني بهذا القائل حتى وقفت في كلام بعض الفضلاء المعاصرين في رسالة له في الصلاة على مثل ذلك فزاد تعجبي، ولعل الفاضل المشار إليه لم يقف على الصحيحة المذكورة. (الرابعة) يستفاد من رواية الحسن بن الجهم المتقدمة استحباب كون الميل من حديد. (فصل) في استحباب الطيب روى ثقة الاسلام (عطر الله مرقده) في الكافي عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " الطيب من اخلاق الانبياء " وعن زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " العطر من سنن المرسلين " وعن العباس بن موسى (3) قال: " سمعت ابي (عليه السلام) يقول العطر من سنن المرسلين وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) الطيب في الشارب من اخلاق النبيين وكرامة للكاتبين " وعن ابن رئاب (5) قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) وانا مع بصير فسمعت ابا عبد الله يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الريح الطيبة تشد القلب وتزيد في الجماع " وعن ابي بصير (6) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيب يشد القلب " وروى الشيخان في الكافي والفقيه عن معمر بن خلاد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (7) قال:


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 89 من آداب الحمام. (4) رواه في الوسائل في الباب 90 من آداب الحمام. (7) رواه في الوسائل في الباب 37 من صلاة الجمعة.

[ 577 ]

" لا ينبغي للرجل ان يدع الطيب في كل يوم فان لم يقدر عليه فيوم ويوم لا فان لم يقدر ففي كل جمعة ولا يدع " وزاد في الفقيه (1) " وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان يوم الجمعة ولم يصب طيبا دعا بثوب مصبوغ بزعفران فرش عليه الماء ثم مسح بيده ثم مسح به وجهه " وروى في الكافي عن علي رفعه إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " من تطيب اول النهار لم يزل عقله معه إلى الليل " قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام) " صلاة متطيب أفضل من سبعين صلاة بغير طيب " وعن اسحاق الطويل العطار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينفق في الطيب اكثر مما ينفق في الطعام " وعن زكريا المؤمن رفعه (4) قال: " ما انفقت في الطيب فليس بسرف " وعن عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (5) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان لا يرد الطيب والحلوا " وعن القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " اتي امير المؤمنين (عليه السلام) بدهن وقد كان ادهن فادهن وقال انا لا نرد الطيب " وعن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن الرجل يرد الطيب ؟ قال لا ينبغي له ان يرد الكرامة " وعن الحسن بن الجهم (8) قال: " دخلت على ابن الحسن (عليه السلام) فاخرج الي مخزنة فيها مسك فقال خذ من هذا فاخذت منه شيئا فتمسحت به فقال اصلح واجعل في لبتك منه قال فاخذت منه قليلا فجعلته في لبتي فقال لي اصلح فاخذت منه ايضا فمكث في يدي منه شئ صالح فقال لي اجعل في لبتك ففعلت، ثم قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يأبى الكرامة الا حمار. قال قلت ما معنى ذلك ؟


(1) ج 1 ص 274 (2) رواه في الوسائل في الباب 90 من آداب الحمام (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 92 من آداب الحمام. (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 94 من آداب الحمام. (8) رواه في الوسائل في الباب 94 و 95 من آداب الحمام.

[ 578 ]

قال الطيب والوسادة، وعد اشياء.. الحديث " بيان: قال في الوافي: اصلح يعني خذ منه قدرا صالحا معتدا به، واللبة المنحر، وشيئا صالحا اي زمانا يعتد به. وعن ابي البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يتطيب بالمسك حتى يرى وبيصه في مفارقه " بيان: الوبيص بالصاد المهملة البريق واللمعان والمفرق محل فرق الشعر من الرأس. وعن نوح بن شعيب عن بعض اصحابنا عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " كان يرى وبيص المسك في مفرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاخبار في الباب اكثر من ان يأتي عليها الكتاب. وعلى اخبار المسك تمسك اعنة الاقلام ويقطع الكلام ليكون ختامه مسكا تيمنا بما ذكره الملك العلام واسأل الله سبحانه بمزيد فضله وبركة اهل البيت (عليهم السلام) ان يكون هذا الكتاب وسيلة لديه ولديهم صلوات الله عليهم اجمعين في يوم القيامة وان يوفقني لاكماله والفوز بسعادة الاختتام، وهو المجلد الثاني (3) من كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة ويتلوه ان شاء الله تعالى في المجلد الثالث كتاب الصلاة، وقد وقع الفراغ من تحريره في الارض المقدسة التي هي على التقوى مؤسسة ارض كربلاء المعلى في جوار سيد الشهداء وامام السعداء صلوات الله عليه وعلى آبائه وابنائه النجباء بتأريخ اليوم السادس والعشرين من شهر جمادى الثانية من السنة الثامنة والسبعين بعد المائة والالف من الهجرة المحمدية على مهاجرها وآله افضل الصلاة والتحية، وكتبه مؤلفه بيمينه الداثرة اعطاه الله تعالى كتابه بها في الاخرة فقير ربه الكريم يوسف بن احمد بن ابراهيم البحراني عفى عنهم بمنه حامدا مصليا مسلما مستغفرا.


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 95 من آداب الحمام. (3) هذا بحسب ترتيب المصنف (قدس سره) حيث جعل كتاب الطهارة مجلدين الاول ينتهى بانتهاء فصل غسل الجنابة والثانى ينتهى بانتهاء كتاب الطهارة، وقد جعلناه في هذه الطبعة خمسة اجزاء وبانتهاء هذا الجزء (الخامس) ينتهي كتاب الطهارة ويتلوه الجزء السادس في مقدمات الصلاة، والحمد لله اولا وآخرا. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية