الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الحدائق الناضرة - المحقق البحراني ج 2

الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 2


[ 1 ]

الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 هجرية حققه وعلق عليه واشرف على طبعه محمد تقي الايروانى الجزء الثاني مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثاني في الوضوء والبحث في اسبابه وغايته وكيفيته واحكامه يقع في مطالب اربعة: المطلب الاول في الاسباب، وحيث جرت عادة الفقهاء (رضوان الله عليهم) بالبحث عن احكام الخلوة امام الوضوء، كان الانسب تقديمها هنا لترتب غالب الاسباب عليها، وليكون تقديمها ذكرا على نحو تقدمها خارجا وحينئذ فالكلام في هذا المطلب يقع في فصلين: الفصل الاول في آداب الخلوة، ومنها - الواجب والمحرم والمستحب والمكروه، والبحث فيها يقع موارد أربعة: المورد الاول في الآداب الواجبة، ومنها - ستر العورة على المتخلي حال جلوسه عن ناظر محترم اجماعا فتوى ورواية. ووجوب ستر العورة وان كان لا اختصاص له بالمتخلي لكن لما كان انكشاف العورة من لوازم الخلاء ذكروا هذا الحكم فيه بخصوصه.

[ 3 ]

ومما يدل على وجوب سترها ما رواه في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) انه (سئل عن قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم...) (2) فقال: كل ما كان في كتاب الله من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلا في هذا الموضع فانه للحفظ من ان ينظر إليه) وما رواه فيه في باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله) (3) قال: (إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الارض فليحاذر على عورته). والاخبار في ذلك كثيرة مذكورة في باب دخول الحمام) ولا ينافي ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (سألته عن (عورة المؤمن على المؤمن حرام) فقال: نعم قلت: يعني سفليه ؟ فقال: ليس حيث تذهب إنما هو اذاعة سره). ورواية حذيفة بن منصور (5) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): شئ يقوله الناس: عورة المؤمن على المؤمن حرام ? فقال: ليس حيث يذهبون، إنما عنى عورة المؤمن ان يزل زلة أو يتكلم بشئ يعاب عليه فيحفظ عليه ليعيره به يوما ما) ومثلهما رواية زيد الشحام (6). (اما اولا) - فلوجود ما يدل على التحريم مما ذكرناه، وغاية ما يلزم من ذلك اطلاق العورة على معنيين، قد ذكر في تلك الاخبار حكم أحدهما وفي هذه الاخبار حكم الثاني. واطلاق العورة على هذا المعنى في الاخبار غير عزيز. و (اما ثانيا) فبان يقال ان كلامهم (عليهم السلام) له باطن وظاهر


(1) في الصحيفة 63، وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب احكام الخلوة. (2) سورة النور، الآية 31. (3) في اول الجزء الرابع، وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب احكام الخلوة. (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب آداب الحمام.

[ 4 ]

كما ورد في الاخبار، وقولهم: (عورة المؤمن على المؤمن حرام) جائز الحمل على كل من المعنيين، وتخصيصه في هذه الاخبار بهذا المعنى - بقوله (عليه السلام): (ليس حيث تذهب إنما هو... الخ) مما يدل بظاهره على الانحصار في هذا المعنى - محمول على نفي الاختصاص بذلك المعنى المشهور، وتأكد التحريم في هذا المعنى والمبالغة فيه حيث انه في الواقع أضر على المؤمن، فتحريمه حينئذ أشد، فكأنه هو المراد من اللفظ خاصة. ومثله في باب المبالغة غير عزيز في كلامهم (عليهم السلام) كقولهم: (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه) (1). ويدل على ذلك موثقة حنان (2) قال: (دخلت انا وابي وجدي وعمي حماما بالمدينة، فإذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا: ممن القوم ؟ فقلنا: من أهل العراق. فقال: واي العراق ؟ قلنا: كوفيون. فقال: مرحبا بكم يا أهل الكوفة انتم الشعار دون الدثار. ثم قال: ما يمنعكم من الازر ؟ فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام. إلى ان قال: فسألنا عن الرجل، فإذا هو علي بن الحسين (عليهما السلام). وبذلك يظهر لك ما في كلام بعض فضلاء متأخري المتأخرين، حيث دخل عليه الاشكال بورود هذه الاخبار في هذا المجال، فقال: (ولو لم يكن مخافة خلاف


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 152 - من ابواب احكام العشرة في حديث عن الكليني بسنده عن ابى جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا: "... والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه... " ورواه بهذا النص السيوطي في الجامع الصغير ج 2 ص 185 إلا انه بتقديم اللسان على اليد، وكذا مسلم في صحيحه ج 1 ص 36 والبخاري في صحيحه ج 1 ص 7. نعم رواه النسائي في سننه ج 2 ص 267 هكذا: " المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ". (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب آداب الحمام.

[ 5 ]

الاجماع لامكن القول بكراهة النظر دون التحريم، كما يشير إليه ما رواه في الفقيه (1) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: (إنما كره النظر إلى عورة المسلم، فاما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار) فيسهل الجمع بين الروايات حينئذ كما لا يخفى وجه) انتهى. وفيه - زيادة على ما عرفت - ان استعمال الكراهة فيما ذهب إليه عرف طارئ من الاصوليين لا يتحتم حمل أخبارهم (عليهم السلام) عليه، واكثر اطلاق الكراهة في كلامهم إنما هو على التحريم كما لا يخفى على المتتبع. ومن هذه الرواية المنقولة عن الفقيه يظهر اختصاص تحريم النظر بعورة المسلم. ومثلها حسنة ابن ابي عمير عن غير واحد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار). وبذلك جزم المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب البداية. وشيخنا الشهيد في الذكرى صرح بالتحريم فيها كعورة المسلم، ثم قال: (وفيه خبر بالجواز عن الصادق (عليه السلام)) ولعل الجواز في الخبرين المذكورين مقيد بعدم اللذة والفتنة كما يشير إليه التمثيل بعورة الحمار. والمراد بالعورة هي القبل والدبر والبيضتان، لمرسلة ابي يحيى الواسطي عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (3) انه قال: (العورة عورتان: القبل والدبر. والدبر مستور بالاليتين، فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة).


(1) في الصحيفة 63، وفى الوسائل في الباب - 6 - من ابواب آداب الحمام. (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب آداب الحمام. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب آداب الحمام.

[ 6 ]

ونقل عن ابن البراج انها من السرة إلى الركبة. وعن ابي الصلاح انها من السرة إلى نصف الساق. ولم اقف لهما على دليل، بل ظاهر الاخبار يدفعهما، كالرواية المذكورة، ورواية الميثمي عن محمد بن حكيم (1) قال: (لا اعلمه إلا قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) أو من رآه متجردا وعلى عورته ثوب، فقال: ان الفخذ ليست من العورة) إلى غير ذلك من الاخبار. نعم ربما يدل على ما ذكره ابن البراج رواية بشير النبال (2) قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمام. فقال: تريد الحمام ؟ قلت: نعم. فامر باسخان الحمام، ثم دخل فاتزر بازار وغطى ركبتيه وسرته، ثم أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجا من الازار، ثم قال اخرج عني، ثم طلى وهو ما تحته بيده ثم قال: هكذا فافعل). وقضية الجمع بين الاخبار تقتضي حمل هذا الخبر على الاستحباب. إلا انه قد روى في الفقيه (3) مثل هذه الحكاية عنه (عليه السلام) وانه كان يطلي عانته وما يليها، ثم يلف ازاره على طرف احليله ويدعو قيم الحمام فيطلي سائر بدنه. والمراد بالناظر المحترم من يحرم نظره، فلا يجب الستر عن الزوجة والطفل والجاريه التي يباح وطؤها


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب آداب الحمام. والمذكور في كتب الحديث هكذا: قال الميثمى: لا اعلمه... الحديث. والضمير في " اعمله " و " قال " راجع إلى محمد بن حكيم. (2) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في الباب - 5 و 27 و 31 - من ابواب آداب الحمام. (3) في الصحيفة 65.

[ 7 ]

و (منها) - الاستنجاء من البول بالماء خاصة اجماعا فتوى ورواية، فلا يجزي المسح بحائط أو تراب أو يد أو غير ذلك ولو حال الاضطرار، بل غايته منع التعدي للملاقي كما دلت عليه موثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (1) (في الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط ؟ فقال: كل شئ يابس ذكي). ويدل على أصل الحكم قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): (ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) اما البول فانه لابد من غسله). وقوله (عليه السلام) ايضا في رواية بريد بن معاوية (3): (ولا يجزى من البول إلا الماء) ويدل عليه ايضا الاخبار الدالة على وجوب غسل الذكر على من صلى قبل غسل ذكره من غير استفصال. ومنها - صحيحة عمرو بن ابي نصر (4) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ابول واتوضأ وانسى استنجائي ثم اذكر بعد ما صليت ؟ قال: اغسل ذكرك واعد صلاتك ولا تعد وضوءك). وصحيحة ابن اذينة (5) قال: (ذكر أبو مريم الانصاري: ان الحكم ابن عتيبة (6) بال يوما ولم يغسل ذكره متعمدا، فذكرت ذلك لابي عبد الله (عليه السلام)


(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 30 - من ابواب احكام الخلوة. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء. (6) قال في الوافى ج 4 ص 25: " بيان ابن عتيبة بالمثناة من فوق بعد المهملة ثم المثناة من تحت ثم الموحدة. الخ " وفى بعض حواشى التهذيب ص 14 هكذا: " في نسخة التهذيب والاستبصار عيينة باليائين أو لا قبل النون. وفى كتب الرجال بالتاء قبل الياء والباء بعدها.

[ 8 ]

فقال: بأس ما صنع، عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته، ولا يعيد وضوءه) وبمضمونها أخبار اخر سيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى. واما رواية سماعة (1) قال: (قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام): أني أبول ثم اتمسح بالاحجار فيجئ مني البلل ما يفسد سراويلي ؟ قال: ليس به بأس). وموثقة حنان (2) قال: (سمعت رجلا سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: اني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي ؟ فقال: إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك، فان وجدت شيأ فقل هذا من ذاك). فانهما بحسب ظاهر هما منافيان لما قدمنا من الاخبار، لدلالة ظاهر الاولى على الاكتفاء بالتمسح بالاحجار، بقرينة نفي البأس عما يفسد سراويله من البلل بعد التمسح، والثانية على الاكتفاء بالتمسح بقرينة مسح الذكر. والجواب عنهما - بعد الاغماض عن المناقشة في السند بعدم المقاومة لما تقدم من الاخبار الصحاح - بالطعن في الدلالة. (اما الاولى) فبما أجاب الشيخ (قدس سره) في الاستبصار (3) من انه ليس في الخبر انه قال: يجوز له استباحة الصلاة بذلك ولن لم يغسله، وإنما قال: ليس به بأس، يعني بذلك البلل الذي يخرج منه بعد الاستبراء، وذلك صحيح، لانه المذى، وهو طاهر. واجاب بعض محققي مشايخنا من متأخري المتأخرين - وتبعه والدي (قدس سره) في بعض فوائده لكن نسبه إلى البعد - بان وجد ان ما يفسد سراويله من البلل لكثرته - مع عدم القطع بخروجه من مخرج البول الباقي على النجاسة - لا بأس به، لاصالة الطهارة واحتمال كونه من غير المخرج وغير متصل به.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) في الصحيفة 56.

[ 9 ]

اقول: ويحتمل ان يكون مورد الخبر بالنسبة إلى من كان فاقد الماء وتيمم بعد الاستبراء والتجفيف بالاحجار، فانه لا بأس بالخارج بعد ذلك بمعنى انه لا يكون ناقضا للتيمم وان كان نجسا باعتبار ملاقاة المحل النجس إلا انه غير واجد للماء، وربما يستأنس لذلك بالتمسح بالاحجار. وظني ان هذا الجواب أقرب مما ذكره شيخنا المتقدم. و (اما الثانية) فالظاهر منها ان السائل شكى إليه انه ربما بال وليس معه ماء، ويشتد ذلك عليه بسبب عرق ذكره بعد ذلك أو بلل يخرج منه، فيلاقي مخرج البول فينجس به ثوبه وبدنه، فعلمه (عليه السلام) حيلة شرعية يتخلص بها من ذلك، وهو ان يمسح غير المخرج من الذكر اعني المواضع الطاهرة منه من بلل ريقه بعد ما ينشف المخرج بشئ، حتى لو وجد بللا بعد ذلك لقدر في نفسه انه يجوز ان يكون من بلل ريقه الذي وضعه وليس من العرق ولا من المخرج. فلا يتيقن النجاسة من ذلك البلل حينئذ. وبالجملة الحكمة في الامر بمسح الذكر بالريق فعل امر يجوز العقل استناد ما يجده من البلل إليه، ليحصل عنده الاشتباه وعدم القطع بحصوله من المخرج أو ملاقاته، ومع الاشتباه يبنى على اصالة الطهارة. فكل شئ طاهر حتى يعلم انه قذر (1). والناس في سعة ما لم يعلموا (2). وما ابالي أبول اصابني أو ماء إذا


(1) هذا مضمون موثقة عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) ونصها - كما في التهذيب ج 1 ص 81 والوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات - هكذا: " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " وسيتعرض لها في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات. (2) لم نقف على الحديث بهذا النص بعد الفحص عنه في مظانه، والذى وجدناه بهذا المضمون خبر السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الكافي في الباب - 48 - من كتاب الاطعمة، وفى الوسائل في الباب - 50 - من ابواب النجاسات. وفى الباب - 38 - من ابواب الذبائح وفى الباب - 23 - من كتاب اللقطة.

[ 10 ]

لم أعلم (1) وهذه حكمة ربانية لدفع الوساوس الشيطانية، ومثلها في الاخبار غير عزيز. واجاب في المدارك عن هذه الرواية بعد الطعن في السند - بالحمل على التقية، أو على ان المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا. وفيه ان الظاهر بعد الحمل على التقية، لان المسح بالتراب مطهر عند العامة (2) واما الجواب الثاني فسيظهر ما فيه. تنبيهات (الاول) - تفرد المحدث الكاشاني (قدس سره) بمسألة ذهب إليها واستند إلى هذين الخبرين في الدلالة عليها، وهي ان المتنجس بعد ازالة عين النجاسة عنه بالتمسح لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه برطوبة. وقد اشبعنا الكلام معه في جملة


(1) هذا حديث حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن على (عليهما السلام) كما في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات. (2) عند الحنفية كصاحب بدائع الصنائع ج 1 ص 18 والبحر الرائق ج 1 ص 241 ومجمع الانهر ج 1 يص 65 " يسن الاستنجاء عما يخرج من السبيلين من البول والغائط والدم والمنى والوذى والودى بالحجر والتراب والمدر والطين اليابس، ولا يسن فيه عدد " وفى البحر الرائق " غسله بالماء أحب، ويجب بالماء ان جاوز النجس المخرج، ولا يسن للريح الخارج " وقال الشافعي في الام ج 1 ص 18: " من تخلى أو بال لم يجز إلا ان يتمسح بثلاثة احجار ثلاث مرات أو آجرات أو ما كان طاهرا نظيفا مما ينقى نقاء الحجارة إذا كان مثل التراب والحشيش والخزف وغيرها " وقال الشيرازي في المهذب ج 1 ص 26: " يجب الاستنجاء من البول والغائط بثلاثة احجار، والماء افضل والافضل الجمع بينهما " وعند الحنابلة كابن قدامة في المغنى ج 1 ص 150 " يجب الاستنجاء عما يخرج من السبيلين معتادا كالبول والغائط أو نادرا كالحصى والدود والشعر، ويخير بين الماء والاحجار، والماء ابلغ في التنظيف، ويجزي الاقتصار على الحجر بغير خلاف بين أهل العلم ".

[ 11 ]

من فوائدنا، ولاسيما في رسالتنا قاطعة القال والقيل في نجاسة الماء القليل، فانا قد احطنا فيها باطراف الكلام بابرام النقض ونقض الابرام، ولنشر هنا إلى نبذة من ذلك كافلة بتحقيق ما هنالك. فنقول: قال الفاضل المذكور في كتاب الوافي - بعد نقل موثقة حنان المذكورة (1) وذكر المعنى الذي حملنا عليه الخبر اولا - ما صورته: (ويحتمل الحديث معنى آخر، وهو ان تكون شكايته من انتقاض وضوئه بالبلل الذي يجده بعد التمسح لاحتمال كونه بولا كما يستفاد من اخبار الاستبراء. وذكر العجز عن الماء على هذا التقدير يكون لتعذر ازالة البلل عن ثوبه وسائر بدنه حينئذ، فانه قد تعدى من المخرج اليهما وهذا كما ذكر العجز في حديث محمد السابق في الاستبراء (2). وعلى هذا لا يحتاج إلى تكلف تخصيص التمسح بالريق بالمواضع الطاهرة، ولا إلى تكلف تعدي النجاسة من المتنجس، بل يصير الحديث دليلا على عدم التعدي منه، فان التمسح بالريق مما يزيدها تعديا. وهذا المعنى أوفق بالاخبار الاخر. وهذان الامران - اعني عدم الحكم بالنجاسة إلا بعد التيقن وعدم تعدي النجاسة من المتنجس - بابان من رحمة الله الواسعة فتحهما لعباده رأفة بهم ونعمة لهم ولكن اكثرهم لا يشكرون. ثم نقل خبر سماعة المتقدم (3)، وقال بعده: لا يخفى على من فك رقبته من ربقة التقليد ان هذه الاخبار وما يجري مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شئ قبل تطهيره وان كان رطبا إذا ازيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه، وانما المنجس للشئ عنه النجاسة لا غير. على انا لا نحتاج إلى دليل في ذلك. فان عدم الدليل على وجوب


(1) و (3) في الصحيفة 8. (2) وهو حسن محمد بن مسلم الآتى في الاستبراء والمروى في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 12 ]

الغسل دليل على عدم الوجوب، إذ لا تكليف إلا بعد البيان) ونحوه ذكر في كتاب المفاتيح. اقول: ما ذكره (قدس سره) في هذا المقام غير تام، لتوجه البحث إليه من وجوه: (أحدها) - انه لا دلالة في خبر حنان (1) على هذا الوصف الذي بنى عليه هذه المباني المتعسفة، وارتكب فيه هذه الاحتمالات المتكلفة. و (ثانيها) - انه لو كانت شكاية السائل إنما هي من حيث خوف انتقاض وضوئه بالبلل الخارج من جهة احتمال كونه بولا، لكان جوابه بالامر بالاستبراء بعد البول، فان حكمة الاستبراء هو البناء على طهارة ما يخرج بعده وعدم نقضه. و (ثالثها) - انه لو كان وجه الحكمة في الامر بوضع الريق على مخرج البول هو عدم انتقاض الطهارة - بمعنى ان ينسب ذلك البلل الذي يجده إلى الريق ليكون غير ناقض، ولا ينسبه إلى الخروج من الذكر فيكون ناقضا - فاي فرق في ذلك بين الحكم بتعدي النجاسة من المخرج بعد مسحها وعدم تعديها ؟ فان وجه الحكمة يحصل على كلا التقديرين، فانا لو قلنا بالتعدي ومسح المخرج بريقه لقصد هذه الحكمة وكون الخارج غير ناقض امكن وان كان نجسا. وبالجملة فانه لا منافاة بين حصول هذه الحكمة وبين القول بتعدي النجاسة (ورابعها) - ان ما ادعاه - من اوفقية هذا المعنى بالاخبار - غير ظاهر، فان من جملة تلك الاخبار رواية حكم بن حكيم الصيرفي (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ابول فلا اصيب الماء، وقد أصاب يدي شئ من البول فامسحه بالحائط


(1) المتقدم في الصحيفة 8. (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب النجاسات

[ 13 ]

أو التراب، ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي قال: لا بأس به) وعجز صحيحة العيص بن القاسم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) حيث قال فيها: (وسألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فاصاب ثوبه يغسل ثوبه ؟ قال: لا) ولا دلالة فيهما على كون اصابة الثوب ومسح الوجه أو بعض الجسد بذلك الموضع النجس، ولا على كون النجاسة شاملة لليد كملا، حتى تستلزم الاصابة ببعض منها ذلك، بل هما أعم من ذلك. ونفي البأس فيهما إنما وقع لذلك، لانه ما لم يعلم وصول النجاسة إلى شئ ومباشرتها له برطوبة فلا يحكم بالنجاسة. وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه. والحمل على ما ذكرنا نظيره في الاخبار غير عزيز. فان كثيرا من الاخبار ما يوهم بظاهره ما اوهمه هذان الخبران مما هو مخالف لما عليه الفرقة الناجية (أنار الله برهانها) ويحتاج في تطبيقه إلى نوع تأويل. مثل صحيحة زرارة (2) قال: (سألته عن الرجل يجنب في ثوبه، أيتجفف فيه من غسله ؟ فقال: نعم لا بأس به إلا ان تكون النطفة فيه رطبة، فان كانت جافة فلا بأس). قال الشيخ (قدس سره): (ان التجفيف المذكور في هذا الخبر محمول على عدم اصابة محل المني) انتهى. وربما اشكل ذلك بانه لا وجه حينئذ لاستثنائه النطفة الرطبة دون الجافة، لاشتراكهما في حصول البأس مع الاصابة لهما وانتفائه مع عدم اصابتهما. ويمكن ان يقال ان الرطوبة مظنة التعدي في الجملة.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب النجاسات

[ 14 ]

وصحيحة ابي اسامة (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): تصيبني السماء وعلى ثوب فتبله وأنا جنب، فيصيب بعض ما اصاب جسدي من المني، أفاصلي فيه ؟ قال: نعم). ويمكن تأويله بان البلل جاز ان لا يعم الثوب باسره وتكون اصابة الثوب ببعض منه ليس فيه بلل، ويجوز ان يكون البلل قليلا بحيث لا تتعدى معه النجاسة وان كان شاملا للثوب باسره، كذا افاده والدي (قدس سره) في بعض فوائده. ومثل ذلك في الاخبار كثير يقف عليه المتتبع. والغرض التنبيه على قبول ما استدل به للتأويل كما في نظائره الواردة من هذا القبيل، فلا يحتج به إذا على خلاف النهج الواضح السبيل الذي عليه عامة العلماء جيلا بعد جيل. و (خامسها) - ان صدر صحيحة العيص (2) المتقدم نقل عجزها - حيث قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه. قال: يغسل ذكره وفخذيه... الحديث) - واضح الدلالة في ابطال هذه المقالة، فان ظاهر جملة (وقد عرق ذكره.. الخ) انها معطوفة على ما تقدمها، وحينئذ فتدل الرواية على ان العرق إنما وقع بعد البول ومسح الذكر، وقد أمر (عليه السلام) بغسل الذكر والفخذين لذلك العرق المتعدي من مخرج البول بعد مسحه، وهو دليل على تعدي النجاسة بعد المسح. واما ما توهمه بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين - من ان الرواية المذكورة بطرفيها مما يمكن ان يستدل به على ما ذهب إليه المحدث الكاشاني، بان يقال: الفرق بين الذكر والفخذ عنه عرقهما قبل التطهير الشرعي وبين الثوب عند


(1) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب النجاسات (2) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 26 - من ابواب النجاسات

[ 15 ]

اصابته بعرق اليد الماسحة للذكر قبله - بالامر بغسلهما دونه - لا وجه له ظاهرا سوى الفرق بين ما يلاقي المتنجس وما يلاقي عين النجاسة، فان غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر، كما ترشد إليه واو الحال وذلك يقتضي تعديها من المحل إلى ما يجاوره ويلاصقه من بقية اجزاء الذكر والفخذ، بخلاف الثوب، فان ملاقاته إنما وقعت بالمتنجس وهي اليد الماسحة بعد زوال عين النجاسة من الماسح والممسوح - فهو ظاهر السقوط، فان مفاد عطف مسح الذكر على البول بالفاء التي مقتضاها الترتيب بغير مهلة هو كون المسح وقع عقيب البول بلا فصل، ولا يعقل على هذه الحال حصول العرق للذكر والفخذ على وجه يتعدى من الذكر إليه قبل المسح، حتى يتم ما ذكره من ان غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر... الخ، وكذا لا يعقل انه تركه بغير مسح حتى يتردد في المغدى والمجئ على وجه يعرق ذكره وفخذاه وعين البول باقية ضمن تلك المدة، حتى انه بسبب العرق تتعدى نجاسة البول إلى فخذيه مثلا، بل من المعلوم انه بمجرد المغدى والمجئ تتعدى النجاسة مع وجود عينها من غير حصول عرق إلى سائر بدنه وثيابه، بل الوجه الظاهر البين الظهور - ان تنزلنا عن دعوى القطع الذي ليس بمستبعد ولا منكور - ان المراد من الخبر إنما هو السؤال عن انه متى بال ولم يكن معه ماء فمسح ما بقي على طرف ذكره من البول لئلا يتعدى إلى ثوبه أو بدنه فينجسه، ثم انه بعد ذلك حصل عرق في ذكره وفخذيه بحيث علم تعدي العرق من المحل المتنجس إلى الفخذ وملاقات أحدهما للاخر برطوبة، فأجاب (عليه السلام) بوجوب غسل ذكره وفخذيه لتعدى النجاسة على ما ذكرنا، وحينئذ فجملة (وقد عرق) معطوفة كما ذكرنا لا حالية كما ذكره (قدس سره) واما قوله: (بخلاف الثوب فان ملاقاته إنما وقع بالمتنجس) ففيه ما عرفت آنفا.

[ 16 ]

و (سادسها) - ان ما ذكره - من ان عدم الدليل دليل على العدم - مسلم لو لم يكن ثمة دليل. والادلة على ما ندعيه - بحمد الله - واضحة واعلامها لائحة. فمن ذلك - صحيح العيص المذكور (1) على ما اوضحناه من الوجه النير الظهور ومن ذلك - استفاضة الاخبار بغسل الاواني والفرش والبسط ونحوها متى تنجس شئ منها، فان من المعلوم ان الامر بغسلها ليس إلا لمنع تعدي نجاستها إلى ما يلاقيها برطوبة مما يشترط فيه الطهارة. ولو كان مجرد زوال العين كافيا في جواز استعمال تلك الاشياء لما كان للامر بالغسل فائدة، بل ربما كان محض عبث، لان تلك الاشياء بنفسها لا تستعمل فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة فيها ونحوه حتى يقال ان الامر بغسلها لذلك، فلا يظهر وجه حسن هذا التكلف. هذا مع بناء الشريعة على السهولة والتخفيف. ومن ذلك - أخبار نجاسة الدهن والدبس المائعين ونحوهما بموت الفأرة ونحوها (2) وربما خص بعضهم موضع خلافة في هذه المسألة بالاجسام الصلبة بعد ازالة عين النجاسة عنها بالتمسح ونحوه، كما هو مورد الموثقة التي استند إليها وعول في المقام عليها (3). وربما ايد ايضا بقوله فيما قدمنا نقله عنه: (إذا ازيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه. وفيه ان قوله في تتمة العبارة المذكورة -: (وانما المنجس للشئ عين النجاسة لا غير) - صريح في العموم. ويدل ايضا عليه باوضح دلالة ما صرح به في كتاب المفاتيح في مفاتيح النجاسات حيث قال بعد ذكر النجاسات العشر في مفاتيح متعددة - ما صورته: (مفتاح -


(1) في الصحيفة 14 (2) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المضاف. (3) وهى موثقة حنان المتقدمة في الصحيفة 8.

[ 17 ]

كل شئ غير ما ذكر فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة، للاصل السالم من المعارض، وللموثق: (كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر...) (1)) فان تخصيصه الاستثناء بما يلاقي شيئا من النجاسات خاصة يدل على ان ما لاقى المتنجس صلبا كان أو مائعا بعد ازالة عين النجاسة فهو داخل في كلية الطهارة بلا اشكال. وانما اطلنا الكلام وان كان خارجا عن المقام لسربان الشبهة في اذهان جملة من الاعلام. (الثاني) - اختلف الاصحاب في أقل ما يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول، فنقل عن الشيخين - في المبسوط والنهاية والمقنعة - ان أقل ما يجزئ مثلا ما على رأس الحشفة، ونقله في المختلف عن الصدوقين ايضا، واليه ذهب المحقق في المعتبر والشرائع، والعلامة في القواعد والتذكرة، بل صرح بعض مشايخنا بانه قول الاكثر. ونقل عن ابي الصلاح ان أقل ما يجزئ ما ازال العين عن رأس الفرج. وقال ابن ادريس في السرائر أقل ما يجزئ من الماء لغسله ما يكون جاريا ويسمى غسلا. والظاهر اتحاد كلامي ابي الصلاح وابن ادريس، كما فهمه العلامة في المختلف ومال إليه فيه ايضا وفى المنتهى، ونقله عن ظاهر ابن البراج ايضا. ويدل على القول الاول رواية نشيط بن صالح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (سألته كم يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول ؟ فقال: مثلا ما على الحشفة من البلل). والرواية مع ضعف السند معارضة بما رواه ايضا في هذا الباب عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) (قال يجزئ من البول ان يغسله بمثله). وما رواه في الكافي (4) مرسلا مضمرا انه (يجزئ ان يغسل بمثله من الماء


(1) وهو موثق عمار المروى في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 1 ص 7 وفى الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة. وفى الباب - 1 - من ابواب النجاسات.

[ 18 ]

إذا كان على رأس الحشفة وغيره). وما رواه ابن المغيرة في الحسن عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: (قلت له: للاستنجاء حد ؟ قال: لا حتى ينقي ما ثمة). وباطلاق الامر بغسله في جملة من الاخبار الحاصل امتثاله بما يحصل به النقاء ولو بالمثل، والاصل عدم التقييد. والمقيد مع ضعف سنده معارض بما عرفت، بل يمكن الطعن في دلالته بان الاجزاء في المثلين لا يقتضي سلب الاجزاء عما دونه والمراد اجزاء الفرد الاكمل. وبذلك يظهر قوة القول الثاني. إلا انه يمكن ان يقال: ان اطلاق الاخبار - بالغسل في بعض والصعب في آخر والتحديد بالنقاء في ثالث - لا ينافي عند التأمل خبر المثلين، فان الظاهر ان الغسل لا يصدق إلا بما يقهر النجاسة ويغلب عليها، ولا يحصل ذلك باقل من المثلين، ومثله الصب بطريق اولى، واظهر من ذلك النقاء المستلزم للغلبة البتة. نعم يبقى خبرا المثل مناقضين لذلك، وهما لا يبلغان قوة المعارضة، سيما مع تأيد هذه الاخبار بموافقة الاحتياط. واما ما أجاب به الشيخ (رحمه الله) في كتابيه عن خبر المثل - حيث اعتمد على خبر المثلين، واقتفاه المحدث الحر العاملي (قدس سره) في كتاب الوسائل، من احتمال رجوع ضمير (مثله) إلى البول الخارج كلا - ففيه ان ضميري (يغسله) و (بمثله) لا مرجع لهما إلا لفظ البول المتقدم، وتعلق الغسل بالبول الخارج كلا لا معنى له، بل المغسول إنما هو المتخلف على المخرج، وحينئذ فالوجه حمل البول في الرواية على المتخلف، والمعنى انه يجزئ من ازالة البول أو من غسل البول ان يغسله بمثله. ولو قيل: انه يمكن تصحيح ما ذهب إليه الشيخ بنوع من الاستخدام، بجعل


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 13 و 35 - من ابواب احكام الخلوة. وفى الباب - 25 - من ابواب النجاسات.

[ 19 ]

ضمير (يغسله) للبول المتخلف، وضمير (مثله) لمجموع الخارج. ففيه (اولا) - انه لا قرينة تدل عليه، ولا ضرورة توجب المصير إليه. و (ثانيا) - ان القول بوجوب المثلين دون الاقل منه إنما نشأ من لفظ الاجزاء في الرواية المستدل بها على ذلك الذي هو عبارة عن الاكتفاء باقل المراتب، وحينئذ يلزم - بناء على ما ذكره من التأويل في الرواية الثانية - انه لا يكفي أقل من مثل البول الخارج كملا، وهو بعيد جدا. والاعتذار بحمل الزائد على المثلين على الاستحباب - مع منافاة لفظ الاجزاء له وكون الزيادة إلى ذلك المقدار ربما تبلغ حد الاسراف - ابعد. على ان ذلك لا يكون حينئذ ضابطا ولا حكما منضبطا، لزيادة البول الخارج تارة ونقصانه اخرى. فالظاهر حينئذ هو ما ذكرناه. (الثالث) - هل المراد بالمثلين في الخبر مجرد الكناية عن الغسلة الواحدة، لاشتراط الغلبة في المطهر وهي لا تحصل بالمثل كما قدمنا ذكره، أو المراد به بيان التعدد ووجوب غسل مخرج البول مرتين، والتعبير بالمثلين هنا لبيان اقل ما يجزئ فيه ؟ قولان: اظهرهما الاول، ويعضده (اولا) - ان الرواية لا ظهور لهما في كون المثلين دفعة أو دفعتين. و (ثانيا) - ما قدمنا (1) من حسنة ابن المغيرة، واطلاق الاخبار بالغسل والصب المقتضى وذلك للغلبة والزيادة في الغسلة. و (ثالثا) - ان جعل المثل غسلة - مع اعتبار اغلبية ماء الغسلة على النجاسة واستيلائه عليها كما عرفت - مما لا يرتكبه محصل. نعم يبقى هنا شئ وهو انه قد استفاضت الاخبار بوجوب المرتين في ازالة نجاسة


(1) في الصحيفة 18.

[ 20 ]

البول عن الثوب والبدن مع ان ما نحن فيه داخل تحت المسألة، والاخبار هنا قد دلت على الاكتفاء بالمرة كما حققناه، وحينئذ فاما ان يخصص عموم تلك الاخبار باخبار الاستنجاء، فيقال بوجوب المرتين في ما عدا الاستنجاء، أو يقيد اطلاق هذه الاخبار بتلك فتجب المرتان هنا، ولعل الترجيح للاول. ونمنع شمول أخبار المرتين. لموضع النزاع بل ظهورها فيما عداه، ولان تقييد المطلق مجاز والاصل عدمه. (الرابع) - هل الواجب على تقدير التعدد الانفصال الحقيقي ليحصل التعدد عرفا. أو يكفي الانفصال التقديري ؟ قولان: اختار أولهما شيخنا الشهيد في الذكرى، مع انه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري، واعتذر عنه المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد فقال: (وما اعتبره في الذكرى - من اشتراط تخلل الفصل بين المثلين ليتحقق تعدد الغسل - حق، لا لان التعدد لا يتحقق إلا بذلك، بل لان التعدد المطلوب بالمثلين لا يوجد بدون ذلك، لان ورود المثلين دفعة واحدة غسلة واحدة) انتهى. وتوضيحه ان التعدد التقديري لابد في العلم بتحققه من زيادة على الغسلتين، وهي غير متحققة في المثلين إذا وقعا دفعة، بل إنما يعدان كذلك غسلا واحدا. وعلى كل حال فالاحوط اعتبار الغسل مرتين بل ثلاث مرات، لما في صحيح زرارة المقطوع (1) (كان يستنجي من البول ثلاث مرات) والاحوط مع ذلك ايضا الفصل الحقيقي بين الغسلات (الخامس) - صرح جمع - منهم: المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى - انه لو لم يجد الماء لغسل البول أو تعذر استعمال لجرح ونحوه وجب التمسح بالحجر ونحوه، لان الواجب ازالة العين والاثر، فلما تعذرت ازالتهما معا لم تسقط ازالة العين.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 26 و 35 - ومن ابواب احكام الخلوة.

[ 21 ]

ونقل عن بعض المتأخرين انه فهم من هذا الكلام انهم يرون وجوب تجفيف مطلق النجاسة عند تعذر ازالتها، وان ذلك بدل اضطراري للطهارة من النجاسات كبدلية التيمم للطهارة من الاحداث، وصرح بالموافقة لهم عليه. وفيه (اولا) - ان ما ذكروه من وجوب المسح بالحجر ونحوه هذا المقام لا دليل عليه. وما استندوا إليه في الدلالة مجرد اعتبار لا دلالة عليه في الاخبار، إذ غاية ما يستفاد منها وجوب التطهير بالغسل وصب الماء، فعند تعذر الماء يسقط التكليف رأسا. وكون الغسل مثلا مشتملا على الامرين المذكورين لا يستلزم التكليف باحدهما عند فقده. ولا ريب ان ما ذكروه طريق احتياط لمنع تعدي النجاسة إلى الثوب والبدن. (وثانيا) - ان هذا القائل ان اراد - بما فهمه من كلامهم من البدلية - ثبوت التطهير بالحجر في حال الضرورة، كما يفهم من ظاهر كلامه وتمثيله ببدلية التيمم، فهو مخالف لما عرفت آنفا من الاجماع - نصا وفتوى - على عدم التطهير في الاستنجاء من البول إلا بالماء اعم من ان يكون حال ضرورة أو سعة، وعبائر هؤلاء الجماعة الذين قلدهم فيما فهم من كلامهم ناطقة بذلك، وان أراد مجرد تجفيف النجاسة حذرا من التعدي، فقد عرفت انه لا دليل عليه وان كان الاولى فعله. (السادس) - الظاهر انه لا يجب الدلك، لما روي (انه ليس بوسخ فيحتاج ان يدلك)) (1) ولما في الاخبار من الامر بالصب خاصة. وفى بعضها (2) بعد الامر بالصب (فانما هو ماء) هذا إذا كان رطبا. فلو كان جافا متراكما فلا يبعد الوجوب. لعدم تيقن


(1) كما في مرسل الكافي ج 1 ص 7 وفى الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة وفى الباب - 1 - من ابواب النجاسات. (2) وهو خبر البزنطى المروى في الوسائل عن السرائر في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 1 - من ابواب النجاسات.

[ 22 ]

الازالة إلا به، مع احتمال العدم وقوفا على ظاهر اطلاق الاخبار، منضما إلى اصالة البراءة والاحتياط يقتضي الاول البتة. (السابع) - هل يجب على الاغلف في الاستنجاء من البول كشف البشرة وتطهير محل النجاسة، أو يكتفي بغسل ما ظهر ؟ قولان مبنيان على ان ما تحت الغلفة هل هو من الظواهر أو البواطن ؟ وبالاول جزم المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد، ونقل الثاني فيه عن المنتهى والذكرى، معللين له بالحاقه بالبواطن فيغسل ما ظهر، ثم قال: (وللنظر فيه مجال). اقول: والذي وقفت عليه في الكتابين المذكورين لا يطابق ما نقل (قدس سره) عنهما، فانه صرح في الذكرى بانه يجب كشف البشرة على الاغلف ان امكن، ولو كان مرتتقا سقط. ومثله في المنتهى فيما إذا كشفهما وقت البول، اما لو لم يكشفها حال البول فهل يجب كشفها لغسل المخرج ؟ فانه استقرب الوجوب هنا ايضا. ومثله في المعتبر ايضا، فانه تردد في هذه الصورة في الوجوب، ثم اختاره وجعله الاشبه، معللا له بانه يجري مجرى الظاهر. وجزم في التذكرة والتحرير بالحكم في هذه الصورة من غير تردد. وباجملة فانى لم اقف فيما حضرني من كتب الفقهاء علي خلاف في وجوب غسل البشرة في الصورة المذكورة الا على ما نقله المحقق الشيخ على. وقد عرفت. ما فيه. نعم ظاهر المنتهى والمعتبر التردد في ذلك الا انهما اختارا الوجوب كما عرفت. ومن ذلك يعلم انه لا ينبغي الركون إلى مجرد النقل والاعتماد عليه بل ينبغي مراجعة المنقول عنه حيث كان وعلى اي نحو كان. (الثامن) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيمن صلى ناسيا للاستنجاء، فالمشهور وجوب الاعادة وقتا وخارجا. وعن ابن الجنيد تخصيص وجوب

[ 23 ]

الاعادة بالوقت واختيار الاستحباب خارجه. وعن الصدوق في الفقيه وجوب الاعادة في البول دون الغائط فلا يعيد، وزاد في البول اعادة الوضوء ايضا. وعن ابن ابي عقيل ان الاولى اعادة الوضوء ولم يقيد ببول ولا غائط. وروايات المسألة مختلفة جدا. فمما يدل على المشهور صحيحة زرارة (1) قال: (توضأت يوما ولم اغسل ذكري ثم صليت، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، فقال اغسل ذكرك واعد صلاتك) وإنما حملنا الرواية على ترك الغسل نسيانا لعبد التعمد من مثل زرارة في الصلاة بغير استنجاء. وصحيحة عمرو بن ابي نصر المتقدمة في أول المسألة (2). وموثقة ابن بكير عن وموثقة ابن بكير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) (في الرجل يبول وينسى ان يغسل ذكره حتى يتوضأ ويصلي ؟ قال: يغسل ذكره ويعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء) ومورد الجميع نسيان الاستنجاء من البول. وموثقة سماعة (4) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء، ثم توضأت ونسيت ان تستنجي، فذكرت بعد ما صليت، فعليك الاعادة، وان كنت اهرقت الماء فنسيت ان تغسل ذكرك حتى صليت فعليك اعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك، لان البول مثل البراز). واطلاق هذه الاخبار يدل على الاعادة وقتا وخارجا. وبازائها ما يدل على عدم الاعادة، كرواية هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) (في الرجل يتوضأ وينسى ان يغسل ذكره وقد بال ؟ فقال: يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة). ورواية عمرو بن ابي نصر (6) قال: (قلت لابي عبد الله: اني صليت


(1) و (3) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) في الصحيفة 7. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 24 ]

فذكرت اني لم اغسل ذكري بعد ما صليت، أفاعيد ؟ قال: لا) ومورد الروايتين نسيان البول. وموثقة عمار بن موسى (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو ان رجلا نسي ان يستنجى من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة). وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته انه لم يستنج من الخلاء. قال: ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة، وان ذكر وقد فرغ من صلاته اجزأه ذلك ولا اعادة عليه) ومن هذه الاخبار تعلم أدلة القولين الآخرين: وجمع الشيخ بين هذه الاخبار بما لا يخلو من البعد. وظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) جعل هذه المسألة خارجة عن مسألة من صلى في النجاسة ناسيا، حيث لم ينقل الخلاف هنا في وجوب الاعادة وقتا وخارجا، إلا عن ظاهر ابن الجنيد حيث خصص الوجوب بالوقت، وعن الصدوق حيث نفى الاعادة في الغائط. واما هناك فاكثر المتقدمين على الاعادة مطلقا وعن الشيخ في بعض أقواله العدم مطلقا، وفي كتاب الاستبصار - وتبعه عليه جل المتأخرين - الاعادة في الوقت دون خارجه. وصريح عبارة السيد السند في المدارك ان هذه المسألة من جزئيات تلك. فان اراد انها كذلك عند الاصحاب، ففيه ما عرفت. وان أراد ان مقتضى الدليل كونها كدلك، فهو كذلك، إلا ان اخبار تلك المسألة ايضا على غاية من الاختلاف. وسيأتي بسط الكلام عليها في محلها ان شاء الله تعالى. نعم يبقى الكلام هنا في الجمع بين اخبار هذه المسألة، ولعل الترجيح لاخبار


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 25 ]

العدم، لتأيدها بالاصل، ويحمل ما يقابلها على الاستحباب جمعا. واحتمل بعض المتأخرين حمل اخبار الاعادة على انتقاض الوضوء السابق بخروج بلل مع عدم الاستبراء. وفيه انه لا قرينة في شئ من تلك الاخبار تؤنس به. الا انه ربما يجوز ابتناء ذلك على قرينة حالية وان خفيت علينا الآن، وله نظائر في الاخبار. ولو تم ما استندوا إليه - في الجمع بين اخبار الصلاة في النجاسة نسيانا بالاعادة وقتا لا خارجا - لأمكن الحمل عليه هنا ايضا. الا انه - كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى - غير تام. والمسألة لا تخلو عن الاشكال، لتصادم اخبارها مع صحة الجميع وصراحته. والجمع بما ذكرناه من الوجوه لا يخلو عن بعد. فالاحتياط فيها لازم. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصدوق (رحمه الله تعالى) ذهب إلى وجوب اعادة الوضوء في نسيان الاستنجاء من البول خاصة كما قدمنا ذكره. وعليه تدل موثقة سماعة المتقدمة (1) وصحيحة سليمان بن خالد عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) (في الرجل يتوضأ فينسى غسل ذكره ؟ قال: يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء) ومثلها موثقة ابي بصير (3). وبازائها من الاخبار في ذلك صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (4) قال: (سألته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصلاة. فقال يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه). وصحيحة عمرو بن ابي نصر المتقدمة (5) وصحيحة اخرى له ايضا (6) قال:


(1) في الصحيفة 23 (2) و (3) و (4) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء. (5) في الصحيفة 7

[ 26 ]

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول فينسى ان يغسل ذكره ويتوضأ قال يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه). وموثقة ابن بكير المتقدمة (1) وحسنة ابن اذينة المتقدمة في صدر المسألة (2) وجمع الشيخ (رضى الله عنه) بينها بحمل اعادة الوضوء على ما إذا لم يتوضأ سابقا وفيه ان لفظ الاعادة في بعضها ينافيه، مع ذكر الوضوء سابقا في بعض آخر. وجمع آخرون بحمل الاعادة على الاستحباب. ولا بأس به. إلا ان الاقرب حمل ذلك على التقية، إذ هي الاصل التام في اختلاف الاخبار كما تقدم بيانه (3). وكيف كان فالاحوط اعادة الوضوء في الاستنجاء من البول كما هو مورد تلك الاخبار. و (منها) - الاستنجاء من الغائط. وتحقيق الكلام فيه يقع في مواضع: (الاول) - الظاهر انه لا خلاف في انه مع التعدي يتعين فيه الماء ومع عدمه يتخير بينه وبين الاحجار وشبهها. لكن بيان معنى التعدي هنا لا يخلو من اجمال واشكال، حيث ان ما صرح به الاصحاب - من انه عبارة عن تجاوز الغائط المخرج وهو حواشي الدبر وان لم يبلغ الاليتين - لا دليل عليه في اخبار الاستنجاء بالاحجار الواردة من طرقنا بل هي مطلقة نعم روي من طرق العامة عنه صلى الله عليه وآله (يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة) (4).


(1) في الصحيفة 23. (2) في الصحيفة 7، وقد وصفها هناك بالصحة (3) في المقدمة الاولى في الصحيفة 4 من الجزء الاول (4) المروى من طرق العامة هو قوله (صلى الله عليه وآله): " يكفى احدكم ثلاثة احجار " ولم نقف على تذييله بالجملة الشرطية المذكورة بعد التتبع في مظانه. والذى يؤيد عدم ورود هذا الذيل من طرقهم هو ما ذكره ابن قدامة الحنبلي في المغنى ج 1 ص 159 =

[ 27 ]

والظاهر ان مستند اصحابنا في ذلك إنما هو الاجماع كما صرح به جماعة منهم، ومن ثم توقف فيه جملة من متأخري متأخريهم. بل جزم البعض - كالسيد السند في المدارك - بانه ينبغي أن يراد بالتعدي وصول النجاسة إلى محل لا يعتاد وصولها إليه، ولا يصدق على ازالتها اسم الاستنجاء. والظاهر انه الاقرب (اما أولا) - فلعموم الادلة وعدم المحصص. و (اما ثانيا) - فلبناء الاحكام الشرعية على ما هو المتعارف المعتاد المتكرر دون النادر القليل الوقوع، كما لا يخفى على من تتبع مظانها. ولا يخفى ان المتكرر هو التجاوز مع عدم التفاحش. و (اما ثالثا) - فلما صرحوا به في ماء الاستنجاء من الحكم بطهارته ما لم يتفاحش الخارج على وجه يصدق على ازالته اسم الاستنجاء، وحينئذ فكما بنوا الحكم هناك في طهارة الماء على ما يزال به المعتاد المتكرر الذي يصدق على ازالته اسم الاستنجاء، فلو تفاحش وخرج عن ذلك المصداق لم يحكم بطهارة غسالته، فكذا يجب البناء عليه هنا. و (اما رابعا) - فلانه المناسب لبناء شرعية الاحجار من رفع الحرج والضيق في الشريعة. هذا. والاحتياط لا يخفى.


= = حيث قال: " ما عدا المخرج لا يجزئ فيه إلا الماء، وبه قال الشافعي واسحاق وابن المنذر، لان الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لاجل المشقة في غسله، لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر فيه النجاسة لا يجزئ فيه إلا الغسل كساقه وفخذه. وقوله (صلى الله عليه وسلم): " يكفى أحدكم ثلاثة احجار " أراد به ما لم يتجاوز محل العادة " فان ذكره بنحو التفسير لكلامه (صلى الله عليه وآله) يدل على عدم وروده وإلا لاستدل به على مدعاه ولم يكن لتنزيل اطلاق الحديث عليه وجه بعد ورود المقيد المتصل، فالجملة الشرطية المذكورة ليست جزء من الحديث وإنما هي من تفسير الفقهاء.

[ 28 ]

(الثاني) - انه مع التعدي هل يجب غسل الجميع بالماء فلا يطهر بغيره، أو الواجب غسل ما زاد على القدر والذي يجزئ فيه الاحجار، فلو غسله كفى استعمال الاحجار في الباقي ؟ لم أقف على صريح كلام لهم في ذلك إلا ان ظاهر عباراتهم الاول. (الثالث) - الواجب في الغسل غسل ظاهر المخرج دون باطنه بلا خلاف. وعليه تدل صحيحة ابراهيم بن ابي محمود عن الرضا (عليه السلام) (1) (قال في الاستنجاء: يغسل ما ظهر منه على الشرج ولا يدخل فيه الانملة). وموثقة عمار (2) (إنما عليه ان يغسل ما ظهر منها - يعني المقعدة - وليس عليه ان يغسل باطنها). (الرابع) - قد صرح جمع من الاصحاب بانه يجب في الغسل هنا ازالة العين والاثر. وغاية ما يستفاد من الاخبار الانتقاء كما في حسنة ابن المغيرة المتقدمة (3) وهو عبارة عن ازالة العين ازالة تامة وان بقيت الريح، لقوله في تتمة الرواية المذكورة: (قلت: فانه ينقى ما ثمة وتبقى الريح ؟ قال: الريح لا ينظر إليها) واذهاب الغائط كما في موثقة يونس بن يعقوب (4) (يغسل ذكره ويذهب الغائط...) والغسل كما في ثالث. نعم يستحب المبالغة، فانها مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير، كما في صحيحة مسعدة بن زياد أو موثقته (5). واما ما ذكروا بعد العين من الاثر فلم نقف له في الاخبار على عين ولا أثر، مع اضطراب كلامهم في تفسيره.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 29 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 24 - من ابواب النجاسات (3) في الصحيفة 18. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 29 ]

فقيل بانه ما يتخلف على المحل بعد مسح النجاسة وتنشيفها، وانه غير الرطوبة لانها من العين. واعترض عليه بان هذا المعنى غير متحقق ولا واضح، وعلى تقدير تحققه فوجوب إزالته إنما يتم مع عدم صدق النقاء والاذهاب والغسل، وإلا فلو صدق شئ من ذلك قبله لزم الاكتفاء به حسبما دلت عليه تلك الاخبار. واجاب بعض محدثي متأخري المتأخرين عن أصل الاعتراض بان المحل يكتسب ملوسة من مجاورة الخارج، وهذه الملوسة تدرك بالملامسة عند صب الماء، فلعل مراده هذه، فانها غير الرطوبة المذكورة. وفيه من التمحل ما لا يخفى. وقيل انه اللون، لانه عرض لا يقوم بنفسه، فلا بد له من محل جوهري يقوم به، والانتقال على الاعراض محال، فوجوده حينئذ دليل على وجود العين. وفيه (اولا) - النقض بالرائحة، فانها تحصل بالمجاورة. ومما يؤيد عدم الاستلزام ايضا حدوث الحرارة في الماء بالنار والشمس. و (ثانيا) - تصريح الاصحاب والاخبار بالعفو عن اللون. و (ثالثا) - منع وجوب الازالة بعد حصول الانقاء والاذهاب والغسل كما عرفت، إذ هو غاية ما يستفاد وجوبه من الاخبار. (الخامس) - المشهور - بل ادعي عليه الاجماع - انه يكفي في الاستنجاء مع عدم التعدي كل جسم طاهر جاف قالع للنجاسة. ونقل عن سلار انه لا يجزئ في الاستجمار إلا ما كان أصله الارض. وعن ابن الجنيد انه قال: (ان لم تحضر الاحجار تمسح بالكرسف أو ما قام مقامه. ثم قال: ولا اختار الاستطابة بالآجر والخزف إلا ما ألبسه طين أو تراب يابس) وعن المرتضى انه قال: (يجوز الاستنجاء بالاحجار أو ما قام مقامها من المدر والخزف).

[ 30 ]

اقول: والموجود في النصوص من ذلك - الاحجار كما في جملة من الاخبار: (منها) - صحيحة زرارة (1) (ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة احجار...). والكرسف وهو القطن، كما في صحيحة زرارة (2) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان الحسين (عليه السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل). والمدر والخرق والخزف كما في صحيحة زرارة المضمرة (3) قال: (كان يستنجى من الغائط بالمدر والخرق والخزف) وربما وجد في بعض نسخ التهذيب بعد المدر (الخزف) بالزاي والفاء خاصة. ويدل على التعميم - كما هو القول المشهور - حسنة ابن المغيرة (4) حيث سأله هل للاستنجاء حد ؟ فأجاب (عليه السلام): (لا حتى ينقى ما ثمة) وجه الدلالة انه (عليه السلام) نفى الحد وناط ذلك بالنقاء واشتراط الازلة بشئ خاص نوع من التحديد زائد على الانقاء المطلق المتحقق باي مزيل كان إلا ما قام الدليل على استثنائه. وموثقة يونس بن يعقوب المتقدمة (5) المتضمنة لاذهاب الغائط، فان ظاهرها الاكتفاء بزوال العين باي مزيل إلا ما استثنى. ويعضد ذلك الاجماع المدعى في المقام. وللمناقشة في الجميع مجال. وظاهر شيخنا صاحب كتاب رياض المسائل وحياض الدلائل التوقف في الحكم


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 و 35 - من ابواب احكام الخلوة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 و 35 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 25 - من ابواب النجاسات. (5) في الصحيفة 28.

[ 31 ]

المذكور، لعدم الدليل الواضح على العموم. وهو في محله، لان الطهارة حكم شرعي يتوقف على ما جعله الشارع مطهرا. واطلاق الروايتين المذكورتين يمكن تقييده بخصوص الافراد التي وردت بها النصوص. والاجماع لا يخفى ما فيه. وكيف كان فيه. وكيف كان فطريق الاحتياط الاقتصار على ما وردت به الاخبار. (السادس) - قد اشترطوا - بناء على القول بالتعميم - في آلة الاستنجاء شروطا: منها - الطهارة، وهو المشهور بل ادعى في المنتهى عليه الاجماع، واستدل عليه بقوله (عليه السلام) في مرسلة احمد بن محمد بن عيسى (1): (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة احجار ابكار ويتبع بالماء) وبانه ازالة نجاسة فلا يحصل بالنجاسة كالغسل. ولا شتماله على نقض الغرض الحاصل من زيادة النجاسة بتعدد نوعها أو شخصها المنافي للحكمة. وانت خبير بان جميع ما ذكروه من التعليلات في المقام إنما ينطبق على ما إذا تعدت نجاسة الحجر مثلا إلى المحل، والمدعى أعم من ذلك. واما الخبر فهو على اطلاقه غير معمول عليه عندهم، لجواز الاستنجاء بالاحجار المستعملة بعد تطهيرها، كما لا خلاف فيه بينهم، فليحمل على الاستحباب في ذلك. كما هو محمول عليه بالنسبة إلى الاتباع بالماء، ويبقى جواز الاستنجاء بالحجر النجس إذا لم تتعد نجاسته إلى المحل داخلا تحت اطلاق الاخبار وسالما من المانع، وهم لا يقولون به. ثم انه بناء على ما ذهبوا إليه من المنع. لو استعمله فهل تبقى الرخصة، أو يتحتم الماء أو يفرق بين ما نجاسته كنجاسة المحل وغيرها ؟ اوجه بل وقوال، ولعل الاوسط أوسط كما انه أحوط. ومنها - الجفاف، صرح به الاكثر، فلا يجزئ الرطب عندهم، اما انه


المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 32 ]

لا ينشف المحل كما ذكره العلامة في التذكره، أو ان البلل الذي عليه ينجس باصابة النجاسة وتعود نجاستها على الحجر فتحصل عليه نجاسة اجنبية فيكون قد استعمل الحجر النجس، أو ان الرطب لا يزيل النجاسة بل يزيد التلويث والانتشار كما ذكره (قدس سره) في النهاية. وفي الجميع نظر (اما الاول) فلان تنشيف المحل من النجاسة سيما في المسحة الثالثة لا ينافي رطوبته بالحجر حال الاستعمال، لجريان ذلك في الماء ايضا، فانه يكون مطهرا وقالعا للنجاسة مع رطوبة المحل به. و (اما الثاني) فلان نجاسة البلة التي تعود على الحجر انما هي بنجاسة المحل، وهي غير ضارة، وإلا لادى إلى عدم التطهير بالماء ايضا، إلا ان يكون مما لا ينفعل بالملاقاة، أو يقال بعدم انفعال قليله بها. وبالجملة فالاخبار بالنسبة إلى هذين الشرطين مطلقة، والادلة التي ذكروها لا تنهض - كما عرفت - بالدلالة وان كان الاحتياط يقتضي المصير إلى ما ذكروه. ومنها - كونه قالعا للنجاسة، بمعنى ان لا يكون صقيلا يزلق عن النجاسة كازجاج ونحوه، ولا لزجا ولا رخوا كالفحم، لعدم قلع النجاسة. ولا ريب في ذلك مع عدم قلع النجاسة، اما لو فرض قلعه النجاسة فالظاهر - كما صرح به البعض - حصول التطهير به، لصدق الامتثال بناء على ثبوت الكلية التي ادعوها خلافا لجمع: منهم - العلامة في النهاية. (السابع) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في اجزاء الاحجار ونحوها مع عدم التعدي، والاخبار به متظافرة، بل ربما يدعى ضروريته من الدين. ففي صحيح زرارة (1) (ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة احجار، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)...).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 33 ]

وفى صحيحة المضمر (1) (كان يستنجي من البول ثلاث مرات، ومن الغائط بالمدر والخرق والخزف). وفي صحيحة الثالثة (2) (كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل). وفي صحيحة رابعة له ايضا (3) (جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة احجار ان يمسح العجان ولا يغسله...) إلى غير ذلك من الاخبار. وحينئذ فما ورد مما يدل بظاهره على خلاف ذلك يجب ارتكاب التأويل فيه. كموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) (في الرجل ينسى ان يغسل دبره بالماء حتى إلا انه قد تمسح بثلاثة أحجار ؟ قال: ان كان في وقت تلك الصلاة فليعد الوضوء وليعد الصلاة، وان كان قد مضى وقت تلك الصلاة التي صلى فقد جازت صلاته، وليتوضأ لما يستقبل من الصلاة). وحملها الشيخ على الاستحباب، ويمكن الحمل ايضا على حالة التعدي، ولعله (عليه السلام) علم ذلك فأجاب بالاعادة، ومثله في الاخبار غير عزيز. وكيف كان فهي قاصرة عما قدمنا من الاخبار، مع ما في روايات عمار من التهافت، وفي تتمة هذه الرواية ما يؤيد ما قلنا من نقض الوضوء بمس باطن الدبر وباطن الاحليل. والعجب من الصدوق (قدس سره) حيث افتى بمضمون صدر هذه الرواية في المقنع، كما افتى بعجزها في الفقيه، كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى، مع مخالفتها في الموضعين للاخبار المستفيضة.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 26 و 35 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 34 ]

ورواية عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء) وضمير بها يعود إلى اداة الاستنجاء المدلول عليها بقوله: (إذا استنجى) ومفهومه عدم اجزاء الاستنجاء بالاحجار ونحوها مع وجود الماء. والاظهر حملها على الاستحباب وافضلية الماء، وعلى ذلك ايضا تحمل مرسلة احمد المرفوعة إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار ابكار ويتبع بالماء). واحتمل بعض الحمل على التعدي في الخبرين المذكورين. (الثامن) - الظاهر انه لا خلاف في وجوب الزيادة على الثلاثة مع عدم النقاء بها كما نقله غير واحد، وانما اختلفوا في وجوب التثليث مع حصول النقاء بالاقل، فظاهر المشهور ذلك وقيل بالعدم، وهو المنقول عن المفيد (رحمه الله) واختاره في المختلف. ويدل على المشهور ما قدمنا (3) من صحاح زرارة: الاولى والثانية والرابعة: اما الاولى والرابعة فلتضمنهما للتثليث صريحا، واما الثانية فباعتبار صيغة الجمع في المدر وما بعده الذي اقله ثلاثة. وقوله (عليه السلام) في رواية العجلي (4): (يجزئ من الغائط المسح بالاحجار...) وفي مرسلة احمد المتقدمة (5) (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار...) واصالة بقاء المحل على النجاسة حتى يعلم المزيل. ويدل على الثاني ما تقدم من حسنة ابن المغيرة (6) المتضمنة للانقاء. وموثقة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (2) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة (3) في الصحيفة 32 و 33 (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 30 - من ابواب احكام الخلوة (6) المتقدمة في الصحيفة 18.

[ 35 ]

يونس بن يعقوب (1) المتضمنة لاذهاب الغائط. وبهما تزول اصالة البقاء المذكورة. وعدم دلالة اجزاء عدد خاص أو ما يدل عليه على عدم اجزاء ما دونه. وحكاية الفعل في صحيحة زرارة المضمرة (2) لا يقتضي الوجوب. والسنة في صحيحة زرارة الاولى ومرسلة احمد (3) اعم من الوجوب. والمسألة محل توقف وان كان القول المشهور لا يخلو من رجحان، لان الطهارة - كما عرفت - حكم شرعي يتوقف على ثبوت سببه، والمتكرر في الاخبار التثليث واطلاق روايتي ابن المغيرة (4) ويونس (5) يمكن تقييده بتلك الاخبار، مع ان مورد رواية يونس الاستنجاء بالماء والاخرى لا تأبى الحمل عليه ايضا. وإلاحتياط لا يخفى. (التاسع) - اختلف الاصحاب - بناء على وجوب التثليث - في ذي الجهات الثلاث، هل يجزئ عن الثلاثة أم لا ؟ قولان. اختار أولهما العلامة في جملة من كتبه، ونقله في المختلف عن ابن البراج، وهو منقول ايضا عن الشيخ المفيد، واختاره الشهيد المحقق الشيخ علي. والى الثاني ذهب المحقق وجماعة من المتأخرين: منهم - الشهيد الثاني. وكلام الشيخ في هذا المقام لا يخلو من اجمال وابهام. احتج العلامة في المختلف على الاجزاء، قال: (لنا ان المراد ثلاث مسحات بحجر كما لو قيل اضربه عشرة اسواط، فان المراد عشر ضربات بسوط. ولان المقصود ازالة النجاسة وقد حصل. ولانها لو انفصلت لاجزأت فكذا مع الاتصال، واي عاقل يفرق بين الحجر متصلا بغيره ومنفصلا ؟ ولان الثلاثة لو استجمروا بهذا الحجر لاجزأ كل واحد عن حجر واحد) انتهى.


(1) و (5) المتقدمة في الصحيفة 28 (2) المتقدمة في الصحيفة 33 (3) المتقدمين في الصحيفة 32 و 34 (4) المتقدمة في الصحيفة 18

[ 36 ]

وزاد آخرون الاستدلال بقوله (صلى الله عليه وآله): (إذا جلس أحدكم لحاجته فليمسح ثلاث مسحات) (1). واجيب عن الاول بان ارادة المسحات من قولنا: (امسحه بثلاثة أحجار) مجاز البتة، وهو موقوف على القرينة، والتشبيه بما ذكره مردود بالفرق بين قولنا: (اضربه عشرة اسواط) و (اضربه بعشرة اسواط) فان قرينة التجوز في الاول بارادة عشر ضربات ظاهرة بخلافها في الثاني، فالتشبيه غير موافق. وعن الثاني بانه مصادرة محضة، فان المقصود إزالة النجاسة على الوجه المعتبر شرعا، لان كلا من النجاسة والطهارة حكم شرعي يجب الوقوف فيه على ما رسمه الشارع وعينه مطهرا ومنجسا. وعن الثالث بانه قياس مع وجود الفارق وهو النص، فانه دل على الجواز حال الانفصال دونه حال الاتصال، والغالب - كما قيل - في ابواب العبادات رعاية جانب التعبد. وعن الرابع بان الفرق - بين استجمار كل واحد بواحد وبين استجمار الواحد بكل واحد - واضح، لحصول الامتثال في الاول دون الثاني. على ان في الاستجمار بالحجر الواحد لواحد أو اكثر لزوم محذور ما تقدم من اشتراط الطهارة في احجار الاستجمار. وعن الخامس بان الخبر عامي ضعيف لا يقوم حجة. على انه مطلق والخبر


(1) سيأتي منه (قده) ان هذا الخبر عامى، ولم نقف على هذا النص من طرق العامة بعد الفحص في مظانه، والذى وقفنا عليه من طرقهم بهذا المضمون ما في مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 211 وهو قوله صلى الله عليه وآله: " إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات " وقوله صلى الله عليه وآله: " إذا تغوط أحدكم فليمسح بثلاثة احجار، فان ذلك كافية " وقوله صلى الله عليه وآله: " إذا دخل احدكم الخلاء فليمسح بثلاثة احجار " وروى الاول والثالث في كنز العمال ج 5 ص 84 و 85.

[ 37 ]

والمتضمن للاحجار مقيد، والمقيد يحكم على المطلق. واستند بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الاستدلال لهذا القول ايضا بحسنة ابن المغيرة وموثقة يونس (1). ولا يخفى ما فيه، فان الكلام في هذه المسألة مبني على وجوب التثليث كما أشرنا إليه آنفا. والخبران المذكوران ظاهران في عدمه كما عرفت سابقا، فالقائل به لابد له من ارتكاب التأويل في ذينك الخبرين على وجه يؤولان به إلى اخبار التثليث كما وجهناه سابقا، فلا يتم الاستدلال بهما هنا. هذا. والقول بعدم الاجزاء هنا فرع ثبوت التثليث من تلك الاخبار، وقد عرفت ما فيه. إلا ان المشهور ثمة كان لا يخلو من رجحان فهنا كذلك، والى ذلك مال جملة من متأخري المتأخرين. ثم انه هل ينسحب الحكم إلى غير الحجر ؟ ظاهر المحقق في المعتبر ذلك واستظهر في المدارك القطع بعدمه تمسكا بالعموم. ولعله الاقرب قصرا للاشتراط - ان تم - على مورده. (العاشر) - هل يجب امرار كل حجر على موضع النجاسة، ام يجزئ التوزيع، بمعنى ان يمسح ببعض ادوات الاستنجاء بعض محل النجاسة وببعض آخر بعضا آخر وهكذا مع حصول النقاء بذلك ؟ قولان: اختار أولهما المحقق في الشرائع، وثانيهما في المعتبر، واليه مال السيد في المدارك، قائلا: (إذ لا دليل على وجوب استيعاب المحل كله بجميع المسحات) انتهى. وهذا مبني على قاعدة اصولية اشتهر البناء عليها في امثال ذلك، وهو انه إذا تعلق الطلب بماهية كلية. كفى في الامتثال الاتيان باي فرد منها، كما ذكروه في مواضع من ابواب الفقه، منها - غسل الوجه واليدين في الوضوء وغيره. وهو - كما حققه


(1) المتقدمتين في الصحيفة 18 و 28.

[ 38 ]

بعض محدثي متأخري المتأخرين - محل نظر، قال: (فان بعض الماهيات الكلية تحته افراد تصلح عنه العقلاء لان يتعلق غرض الشارع ببعضها دون بعض، كحج البيت وغسل الوجه في الوضوء ومسح المخرج بثلاثة أحجار، ويستهجن عندهم الاقدام على فرد مشكوك فيه من افرادها من غير سؤال وينسبون فاعله إلى السفه، وهذا نوع من الاجمال منشأه نفس المعنى لا اللفظ) انتهى كلامه زيد مقامه. وهو وجيه. المورد الثاني في المحرمات و (منها) - استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط على المشهور، ولكن هل يحرم مطلقا أو في الصحراء خاصة واما في الدور فالافضل الاجتناب ؟ قولان: المشهور الاول، ونقل الثاني عن ظاهر سلار. واما مذهب الشيخ المفيد في هذه المسألة فقد اختلف كلام الاصحاب في نقله، فحكى عنه في المعتبر التحريم في الصحارى والكراهة في البنيان، وحكى عنه - في المنتهى والتذكرة والدروس - التحريم في الصحارى ولم يذكروا الكراهة. وقال في المختلف بعد نقل عبارة المقنعة: (وهذا الكلام يعطي الكراهة في الصحارى والاباحة في البنيان) انتهى. ولعل هذا الاختلاف نشأ من اختلاف الافهام في فهم عبارة المقنعة حيث قال: (ثم ليجلس ولا يستقبل القبلة بوجهه ولا يستدبرها، ولكن يجلس على استقبال المشرق ان شاء أو المغرب، إلى ان قال بعد كلام خارج في البين: فان دخل الانسان دارا قد بني فيها مقعد للغائط على استقبال القبلة أو استدبارها لم يضره الجلوس، وإنما يكره ذلك في الصحارى والمواضع التي يتمكن فيها من الانحراف عن القبلة) انتهى. وحيث كان صدر عبارته محتملا للحمل على التحريم والكراهة - ولفظ الكراهة ايضا في عجز عبارته محتمل لهما، فانه كثيرا ما يعبر بالكراهية في مقام

[ 39 ]

التحريم كما هو شائع في الاخبار - وقع هذا الاختلاف في نقل مذهبه، مع ان في انطباق النقول المذكورة مع ذلك نوع اشكال. ونقل عن ابن الجنيد استحباب ترك الاستقبال في الصحراء ولم يذكر الاستدبار ولا الحكم في البنيان. وذهب جملة من متأخري المتأخرين: منهم - السيد في المدارك إلى الكراهة مطلقا. والذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (1) قال: (قال لي النبي (صلى الله عليه وآله): إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا). ومرفوعة محمد في الكافي (2) قال: (سئل أبو الحسن (عليه السلام) ما حد الغائط ؟ قال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها). ومرفوعة عبد الحميد بن ابي العلاء أو غيره رفعه (3) قال: (سئل الحسن ابن علي (عليهما السلام) ما حد الغائط ؟ قال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها). وروى في الفقيه (4) مرسلا قال: (نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن استقبال القبلة ببول أو غائط). وروى في الكافي (5) عن علي مرفوعا قال: (خرج أبو حنيفة من عند ابي عبد الله (عليه السلام) وابو الحسن (عليه السلام) قائم وهو غلام، فقال له أبو حنيفة:


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة. (2) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة (4) ج 1 ص 180 وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة (5) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 2 و 15 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 40 ]

يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم ؟ فقال اجتنب افنية المساجد، وشطوط الانهار، ومساقط الثمار، ومنازل النزال، وتستقبل القبلة بغائط ولا بول، وارفع ثوبك وضع حيث شئت...). وروى محمد بن اسماعيل قال: (دخلت على الرضا (عليه السلام) وفي منزله كنيف مستقبل القبلة...) (1). وانت خبير بان ما عدا الرواية الاخيرة ظاهرة الدلالة على التحريم كما هو القول الاول الذي عليه المعول. وطعن جملة من متأخري المتأخرين في هذه الاخبار - بعد التمسك باصالة الجواز - بضعف السند، فحملوها على الاستحباب ذلك، وزاد بعض منهم الطعن ايضا بضعف الدلالة، لاقتران ما ورد من النهي عن الاستقبال والاستدبار بجملة من النواهي المراد بها الكراهة، وزاد آخر ايضا - بعد الاستدلال على عدم التحريم برواية محمد ابن اسماعيل المذكورة - انه مع قطع النظر عن ذلك فدلالة الاوامر الواردة في اخبارنا على الوجوب والنواهي على التحريم ممنوع وان قلنا ان الامر والنهي حقيقة في الوجوب والتحريم، لشبوع استعمال الاول في الاستحباب والثاني في الكراهة على وجه لا يمكن دفعه. ويرد على الاول انه لا دليل على التمسك بهذا الاصل من كتاب ولا سنة، كما بسطنا لك الكلام عليه في المطلب الاول من المقام الثالث من المقدمة الثالثة (2). ويرد على الثاني ان ضعف السند ليس من القرائن الموجبة لصرف اللفظ عن ظاهره.


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة (2) في الصحيفة 41 من الجزء الاول

[ 41 ]

وعلى الثالث ان الاقتران بما هو محمول على الكراهة لو سلم كونه قرينة فانما يتم فيما لو انحصر الدليل فيما هو كذلك، وهنا قد ورد النهي عن ذلك من غير اقتران بشئ في رواية الهاشمي (1) وكذا رواية الفقيه (2) ولا يخفى على المتتبع كثرة ورود الاحكام الواجبة من هذا القبيل. وعلى الرابع ان وجود الكنيف في المنزل كذلك لا يستلزم ان يكون فمه (عليه السلام) لجواز كون البيت ليس له سابقا، ولا يستلزم ايضا جلوسه عليه، ومع تجويز جلوسه فيمكن الانحراف. وعلى الخامس انه بمكان من الضعف الشديد، والمخافة لآيات الكتاب المجيد كما أوضحناه في المقدمة السابعة (3) باتم بيان، وشددنا منه الجوانب والاركان. فوائد (الاولى) - الظاهر - كما استظهره جملة من الاصحاب - تعلق حكم الاستقبال والاستدبار بالبدن كملا كما هو المتعارف، دون مجرد العورة حتى لو حرفها زال المنع خلافا للبعض. (الثانية) - الظاهر - إلحاق حال الاستنجاء بذلك، لرواية عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قلت له: الرجل يريد ان يستنجي كيف يقعد ؟ قال: كما يقعد للغائط...) (الثالثة) - انه على تقدير القول بالتحريم فهل الامر بالتشريق والتغريب في رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي (5) على الوجوب أو الاستحباب ؟ وجهان يلتفتان


(1) و (2) و (5) المتقدمة في الصحيفة 39 (3) في الصحيفة 115 من الجزء الاول. (4) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 42 ]

إلى ان المراد بالقبلة هنا هي ما يجب التوجه عند العلم ولو في اثناء الصلاة إليها، أو ما لا ثجب اعادتها بعد التوجه إليها بناء على ظن كونها قبلة. وبالثاني صرح بعض المحققين، ويخدشه ان الحديث الذي اعتمده دليلا على ذلك - وهو قوله (عليه السلام) (2): (ما بين المشرق والمغرب قبلة) - محمول على الناسي، كما يفصح عنه صحيح معاوية بن عمار، وما ورد ايضا (2) ان (من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها اجلالا للقبلة... الحديث) فان ظاهره يشعر بالاكتفاء بانحراف ما يخرج به عن محاذاتها، وحينئذ فيمكن ان يقال: المراد بالتشريق والتغريب الميل عن القبلة ذات اليمين أو ذات اليسار لا التوجه إلى جهة المشرق والمغرب الاعتداليين. (الرابعة) - انه على تقدير القول بالتحريم، لو اشتبهت القبلة قيل: وجب الاجتهاد في تحصيلها من باب المقدمة، فان حصل شيئا من الامارات بنى عليه وإلا انتفى التحريم أو الكراهة. واستقرب السيد في المدارك احتمال انتفائها مطلقا، للشك في المقتضى والظاهر ان وجه قربه ان مقتضى صحيحة ابن سنان (3) - الدالة على ان (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه) ونظائرها - ذلك. و (منها) - الاستنجاء بالروث والعظم والمطعوم المحترم، ومنه - التربة الحسينية على مشرفها افضل التحية، والقرآن، وما كتب فيه شئ من علوم الدين، كالحديث والفقه، وههنا مقامان:


(1) في صحيحي زرارة ومعاوية بن عمار المرويين في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب القبلة، وفى الاول اضافة " كله ". (2) في رواية محمد بن اسماعيل المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة وفى باب " حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام " من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 43 ]

(احدهما) - تحريم الاستنجاء بهذه الاشياء، اما الثلاثة الاول منها فظاهر العلامة في المنتهى دعوى الاجماع على حرمة الاستنجاء بها، لكنه في التذكرة احتمل للكراهة في الاولين منها، وبذلك صرح المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل، حيث قال: (باب كراهة الاستنجاء بالعظم والروث) (1) وفي المعتبر صرح بالاجماع على التحريم فيهما. ويدل على التحريم فيهما رواية ليث المرادي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود. فقال: اما العظم والروث فطعام الجن، وذلك مما اشترطوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: لا يصلح بشئ من ذلك). وقال في الفقيه (3): (لا يجوز الاستنجاء بالروث والعظم، لان وفد الجان جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله متعنا، فاعطاهم الروث والعظم، فلذلك لا ينبغى ان يستنجى بهما) واما الثالث فالذي ورد منه في الاخبار الخبز، كما روي في عدة من كتب الاخبار: منها - الكافي، وروي فيه (4) عن عمرو بن شمر قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في حديث: ان قوما افرعت عليهم النعمة وهم أهل الثرثار (5) فعمدوا إلى مخ الحطنة فجعلوه خبزا هجأ، وجعلوا ينجون به صبيانهم


(1) وهو الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة (3) ج 1 ص 20 وفى الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 2 ص 165 وفى الوسائل في الباب - 40 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 78 - من ابواب آداب المائدة. (5) قال في بيان الوافى: " الثرثار اسم نهر، وهجأ من هجأ كمنع إذا سكن جوعه وذهب، وينجون أي يستنجون، والاسف السخط، قال الله تعالى: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " =

[ 44 ]

حتى اجتمع من ذلك جبل عظيم، قال: فمر بهم رجل صالح وإذا إمرأة وهي تفعل ذلك بصبي لها، فقال: ويحكم اتقوا الله ولا تغيروا ما بكم من نعمة، فقالت له كأنك تخوفنا بالجوع، اما ما دام ثرثارنا يجري فانا لا نخاف الجوع. قال فاسف الله واضعف لهم الثرثار وحبس عنهم قطر السماء ونبت الارض، فاحتاجوا إلى ذلك الجبل، وانه كان ليقسم بينهم بالميزان) ويدل على ذلك الاخبار المستفيضة باكرام الخبز والنهي عن اهانته. واما ما عداه من المطعوم فاستدل عليه بان طعام الجن منهي عنه، فطعام أهل الصلاح بطريق اولى. ولا يخفى ما فيه. وظاهر بعض محدثي متأخري المتأخرين تخصيص التحريم هنا بالخبز خاصة. نعم يدل على ذلك ما رواه في كتاب دعائم الاسلام (1) قال: (نهوا (عليهم السلام) عن الاستنجاء بالعظام والبعر وكل طعام...) إلا ان الكتاب المذكور لم يثبت الاعتماد على مصنفه وان كان قد ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار ونقل عنه ما تضمنه من الاخبار، إلا انه قال - بعد ذكر مصنفه وبيان بعض احواله - ما صورته: (واخباره تصلح للتأييد والتأكيد) انتهى. واما المحترم كالتربة المشرفة فلا ريب في وجوب اكرامها وتحريم اهانتها من حيث كونها تربته (عليه السلام) بل لا يبعد - كما ذكره بعض اصحابنا - الحكم بكفر المستعمل لها من تلك الحيثية.


= والاضعاف هو جعل الشئ ضعيفا أو مضاعفا، ولعل الاول اظهر الال الثاني انسب بكلام المرأة وقوله (عليه السلام): " لهم " دون " عليهم " وذلك لانهم لما اعتمدوا على النهر ضاعف الله لهم النهر، وحبس عنهم القطر والزرع ليعلموا ان النهر لا يغنيهم عن الله تعالى وان الاعتماد على الله " انتهى (منه رحمه الله). (1) ج 1 ص 128

[ 45 ]

ومما يؤيد هذا المقام - ويدخل في سلك هذا النظام وان طال به زمام الكلام، إلا ان فيه - زيادة على ما ذكرنا - نشر فضيلة من فضائله (عليه السلام) - ما رواه جملة من مشايخنا عطر الله مراقدهم عن الشيخ (قدس سره) في كتاب الامالي (1) بسنده فيه عن ابي موسى بن عبد العزيز، قال: (لقيني يوحنا بن سراقيون النصراني المتطبب في شارع ابي احمد، فاستوقفني وقال لي: (بحق نبيك ودينك من هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة ؟ من هو من اصحاب نبيكم ؟ قلت: ليس هو من اصحابه، هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة عنه ؟ فقال: له عندي حديث طريف. فقلت: حدثني به. فقال: وجه إلي سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت إليه، فقال لي: تعال معي، فمضى وانا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي، فوجدناه زائل العقل منكبا على وسادة، وإذا بين يديه طشت فيه حشو جوفه، وكان الرشيد استحضره من الكوفة، فاقبل سابور على خادم كان من خاصة موسى، فقال له: ويحك ما خبره ؟ فقال: اخبرك انه كان من ساعة جالسا وحوله ندماؤه وهو من أصح الناس جسما واطيبهم نفسا، إذ جرى ذكر الحسين ابن علي (عليهما السلام) قال يوحنا: هذا الذي سألتك عنه. فقال موسى: ان الرافضة لتغلوا فيه حتى انهم - فيما عرفت - يجعلون تربته دواء يتداوون به. فقال له رجل من بني هاشم كان حاضرا: قد كانت بي علة غليظة فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني حتى وصف لي ان آخذ من هذه التربة، فاخذتها فنفعني الله بها وزال عني ما كنت أجده. قال: فبقي عندك منها شئ ؟ قال: نعم. فوجه فجاء بقطعة منها فناولها موسى بن عيسى، فاخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاء بمن يتداوى بها، واحتقارا وتصغيرا لهذا الرجل الذي هذه تربته، يعني الحسين (عليه السلام) فما هو إلا ان استدخلها دبره حتى صاح: النار النار، الطشت الطشت، فجئناه بالطشت فاخرج فيه


(1) في الصحيفة 202

[ 46 ]

ما ترى، فانصرف الندماء وصار المجلس مأتما، فاقبل علي سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة ؟ فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده وطحاله ورئته وفؤاده خرج منه في الطشت، فنظرت إلى امر عظيم، فقلت: لا أجد إلى هذا صنعا إلا أن يكون عيسى الذي كان يحيى الموتى. فقال لي سابور: صدقت ولكن كن ههنا في الدار إلى ان يتبين ما يكون من امره، فبت عندهم وهو بتلك الحال ما رفع رأسه، فمات في وقت السحر. قال محمد بن موسى: قال لي موسى بن سريع: كان يوحنا يزور قبر الحسين (عليه السلام) وهو على دينه، ثم أسلم بعد هذا وحسن اسلامه). واما القرآن العزيز وما كتب عليه شئ من اسمائه تعالى، فلما مر من وجوب صونهما عمن ليس بطاهر، فعن ملاقاة النجاسة بطريق اولى. ولظاهر قوله تعالى: (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة) (1) وقوله: (يتلو صحفا مطهرة..) (2). وما كتب عليه شئ من علوم الدين فلدخوله في الشعائر المأمور بتعظيمها في قوله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله...) (3) وان لا تحل، لقوله: (لا تحلوا شعائر الله...) (4) وتردد فيه بعض محققي متأخري المتأخرين وجعل التحريم احتمالا قويا. و (ثانيهما) - انه مع الاستنجاء بما ثبت تحريم الاستنجاء به هل يطهر المحل وان اثم بالاستعمال، أو لا يطهر ؟ قولان، وإلى الاول ذهب العلامة في المنتهى والمختلف والتذكرة والقواعد، والى الثاني ذهب الشيخ وابن ادريس والمحقق. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض التفصيل في ذلك بين ما يوجب استعماله الحكم بكفر فاعله، كاستعمال التربة الحسينية والمكتوب عليه شئ من اسماء الله تعالى، أو العلم كالحديث والفقه عالما وعامدا، فلا يتصور الطهارة به حينئذ، وبين ما لا يوجب إلا مجرد الاثم كالمطعوم والعظم والروث، أو لا يوجب شيئا كاستعمال التربة وما عليه


(1) سورة عبس الآية 14 و 15. (2) سورة البينة الآية 3. (3) سورة الحج الآية 32. (4) سورة المائدة الآية 2.

[ 47 ]

شئ من اسماء الله تعالى جهلا، فيطهر وان اثم في الاول. احتج الشيخ (رحمه الله) بان النهي يدل على الفساد. وزاد المحقق التمسك باستصحاب المنع حتى يثبت رفعه بدليل شرعي. ورد الاول بانه - على تقدير تسليمه - مخصوص بالعبادات. والثاني بان الاستصحاب مرتفع بعموم ما دل على الاكتفاء بالانقاء. والمسألة محل توقف، ينشأ من ان الطهارة حكم شرعي يتوقف على استعمال ما جعله الشارع مطهرا، وهذه الاشياء مما قد نهى الشارع عن الطهارة بها، وظاهر ذلك عدم وقوع التطهير بها. وحديث الانقاء (1) لا عموم فيه على وجه يشمل محل النزاع، لاحتمال بل ظهور ان يكون معنى قول السائل: (هل للاستنجاء حد) انه هل يتقدر بعدد مخصوص أو كيفية مخصوص فقال (عليه السلام): (لا بل حده النقاء) بمعنى انه لا يتقدر بشئ من ذلك، وانما الحد نقاء المحل من النجاسة باي عدد اتفق وعلى اي كيفية، واما بيان المطهر فلا تعرض له فيه بوجه، فيرجع إلى ما ثبت كونه مطهرا. ولقوله (عليه السلام) في رواية ليث المتقدمة (2): (لا يصلح بشئ من ذلك) ومن احتمال بل ظهور كون النهي عن استعمال هذه الاشياء إنما هو من حيث الاحترام لا من حيث عدم الصلاحية للتطهير. وحينئذ فلا ينافي حصول التطهير بها وان اثم بالاستعمال. وتحقيقه ان النهي في غير العبادات ان توجه لشئ من حيث عدم صلاحية المنهى عنه لترتب الحكم عليه، كالنهي عن بيع الخمر - مثلا - ونجس العين، والنهي عن نكاح المحارم ونحو ذلك، كان موجبا للفساد والبطلان، وان توجه من حيث امر خارج عن ترتب الحكم على المنهي عنه مفارق من زمان مخوص أو حال مخصوصة


(1) وهو حسن ابن المغيرة المتقدم في الصحيفة 18 (2) في الصحيفة 43

[ 48 ]

أو نحو ذلك، كالنهي عن البيع وقت النداء، فلا وجه للابطال بل غاية النهي التأثيم خاصة. ومن الظاهران توجه النهي هنا إنما هو من جهة الاحترام الذي هو امر خارج وصفة مفارقة للاستنجاء بتلك الاشياء، كما يأتي مثله في الاستنجاء بل ازالة النجاسة مطلقا بالماء المغصوب، فانه لا ريب في طهارة المحل به وان اثم من حيث التصرف، وما ذاك إلا من حيث كون صفة الغصب أمرا خارجا، بخلاف الاستنجاء بالنجس وإزالة النجاسة بالماء النجس، فانه من حيث عدم صلاحية تلك الاشياء من حيث هي للازالة فلا يطهر المحل بها. وهذا الوجه لا يخلو من قوة لو كان الوارد في النص مجرد النهي. لكن قوله في رواية ليث (1): (لا يصلح بشئ من ذلك) ظاهر في عدم الاجزاء. والرواية وان كانت ضعيفة السند الا انها مجبورة بعمل الاصحاب، والامران اصطلاحيان، ولا ترجيح لاحدهما على الآخر. واما عندنا فالامر اهون من ذلك. (فرع) لا ريب ان تحريم الاستنجاء بتلك الاشياء إنما هو من حيث اهانتها بالايقاع في النجاسة، وحينئذ فيحرم تنجيسها مطلقا، ومثل ذلك القول في الخبز لحديث أهل الثرثار، فيحرم تنجيسه ايضا بغير الاستنجاء. ولا يبعد انسحاب ذلك في باقي المطعومات، لاستلزام ذلك كفر النعمة وعدم شكرها، ولفحوى احاديث استحباب اكل المتساقط من الخوان، واخبار استحباب لعق الاصابع بعد الاكل. لكن يبقى الكلام في مثل العظم والروث على القول بتحريم الاستنجاء بهما، هل يحرم تنجيسهما ام لا ؟ لم تقف في ذلك لاحد من اصحابنا في الكتب الاستدلالية على كلام إلا لشيخنا البهائي (قدس سره) في اجوبة مسائل الشيخ صالح الجزائري، حيث قال - بعد قول السائل: مسألة - الفقهاء (رضوان الله عليهم) قالوا: لا تستجمر بالعظم والروث، فهل يحرم اصابتهما بغير استجمار ام لا ؟ - ما صورته: (الجواب -


(1) المتقدمة في الصحيفة 43

[ 49 ]

والثقة بالله وحده - النهي عن الاستجمار بهما معلل بكونهما طعام الجن (1) وفي خبر آخر عن النبي (صلى الله عليه آله) التعليل بانهما لا يطهران (2) وقد يترآى من التعليل الاول تحريم تنجيسهما ولو بغير الاستنجاء، لكن احتمال كون تحريم الاستنجاء بهما لتحقيرهما التام - بامرارهما على المخرج مع التنجس لا لاحدهما فقط - يعطي جواز التنجيس بغير الاستنجاء، سيما مع انضمام اصالة براءة الذمة من المؤاخذة عليه. وايضا فلعل النهي عن استعمالهما إنما هو لمجرد كون طعام الجن غير مطهر لا للاحترام كما يظن، والى هذا يشير التعليل الثاني، وهو يعطي جوار التنجيس بغير الاستنجاء وان النهي عن استعمالهما لعدم افادتهما التطهير، إلى ان قال: وقد يستفاد عدم كونهما مطهرين من رواية ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) الناطقة بعدم صلاحيتهما للاستنجاء وكيف كان فالاظهر عدم التوقف في جواز تنجيسهما بغير الاستنجاء كما ان الاظهر ان الاستنجاء بهما لا يفيد طهارة المحل كما هو مذهب السيد والشيخ والمحقق وان قال مشايخنا المتأخرون بطهارة المحل بهما. ولتحقيق الكلام محل آخر) انتهى كلامه (قدس سره). واقول: ما نقاه (قدس سره) من الخبر عنه (صلى الله عليه وآله) بانهما لا يطهران لم اقف عليه بعد التتبع للاخبار. نعم نقله العلامة في التذكرة، ولا يبعد ان يكون من طرق المخالفين (4) كما نبه عليه بعض متأخري المتأخرين.


(1) في رواية ليث المرادى ومرسلة الفقيه المتقدمين في الصحيفة 43. (2) و (4) رواه الدار قطني عن ابى هريرة عنه (صلى الله عليه وآله) كما في منتقى الاخبار لابن تيمية على هامش نيل الاوطار ج 1 ص 85، ولم يرد هذا التعليل من طرقنا. (3) المتقدمة في الصحيفة 43.

[ 50 ]

المورد الثالث في المستحبات و (منها) - ستر البدن كملا في الغائط بان يبعد المذهب أو يدخل بيتا أو يلج حفيرة، تأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله) فانه لم ير على غائط قط، وقال (عليه السلام): (من اتى الغائط فليستتر) روى ذلك شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية (1) وروى البرقي في المحاسن (2) عن حماد بن عثمان أو ابن عيسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال لقمان لابنه: إذا سافرت مع قوم، إلى ان قال: وإذا اردت قضاء حاجتك فابعد المذهب في الارض). و (منها) - ارتياد موضع مناسب للبول لمزيد الاحتياط في التوقي عنه بالجلوس في مكان مرتفع أو ذي تراب كثير، فانه من فقه الرجل، ففي رواية عبد الله ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشد الناس توقيا للبول، حتى انه كان إذا أراد البول عمد إلى مكان مرتفع من الارض أو مكان يكون فيه التراب الكثير كراهية ان ينتضح عليه) وفي رواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من فقه الرجل ان يرتاد موضعا لبوله) ومثل ذلك في رواية الجعفري عن الرضا (عليه السلام) (5). و (منها) - التسمية والدعاء عند دخول المخرج والخروج منه بالمأثور، والدعاء حال النظر إلى ما يخرج منه، وحال الغسل.


(1) ص 17 وفى الوسائل في الباب - 4 - من ابواب احكام الخلوة. وقوله: " ذلك " اشارة إلى الفعل والقول (2) في الصحيفة 375 وفى الوسائل في الباب - 4 - من ابواب احكام الخلوة. (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب احكام الخلوة

[ 51 ]

ويدل على ذلك رواية معاوية بن عمار (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المخرج فقل: بسم الله وبالله، اللهم اني اعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم. فإذا خرجت فقل: بسم الله والحمد لله الذي عافاني من الخبيث واماط عني الاذى. وإذا توضأت فقل: اشهد ان لا إله إلا الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، والحمد لله رب العالمين). ورواية ابي بصير عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: (إذا دخلت الغائط فقل: اعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. وإذا فرغت فقل: الحمد لله الذي عافاني من البلاء واماط عني الاذى). وصحيحة القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (انه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي رزقني لذته وابقى قوته في جسدي واخرج عني اذاه، يا لها نعمة: ثلاثا). وما رواه في الفقيه مرسلا (4) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا اراد دخول المتوضأ قال: اللهم اني اعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، اللهم امط عني الاذى واعذني من الشيطان الرجيم. وإذا استوى جالسا للوضوء قال: اللهم أذهب عني القذى والاذى واجعلني من المتطهرين. وإذا تزحر قال: اللهم كما اطعمتنيه طيبا في عافية فاخرجه مني خبيثا في عافية. وكان علي (عليه السلام) يقول: ما من عبد إلا وبه ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 1 ص 16 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة، ما عدا قوله: وكان على (عليه السلام) يقول، إلى قوله: وجنبني الحرام، فانه رواه في الباب - 18 - من تلك الابواب.

[ 52 ]

إلى حدثه، ثم يقول له الملك: يا ابن آدم هذا رزقك فانظر من اين اخذته والى ما صار فينبغي للعبد عند ذلك ان يقول: اللهم ارزقني الحلال وجنبني الحرام، إلى ان قال: وكان (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقول: الحمد لله الحافظ المؤدي. فإذا خرج مسح بطنه وقال: الحمد لله الذي اخرج عني اذاه وابقى في قوته، فيالها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها). وفى رواية عبد الرحمان بن كثير في حكاية وضوء امير المؤمنين (عليه السلام) (1) قال: (ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجي واعفه واستر عورتي وحرمني على النار). و (منها) - التقنع، لما في مرسلة البرقي عن ابن اسباط أو رجل عنه عمن رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) (انه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه ويقول سرا في نفسه: بسم الله وبالله... الحديث) إلى آخر ما تقدم في رواية معاوية بن عمار. وروى في الفقية مرسلا (3) قال: (وكان الصادق (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقنع رأسه ويقول في نفسه: بسم الله وبالله ولا إله إلا الله، رب اخرج عنى الاذى سرحا بغير حساب، واجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عنى من الاذى والغم الذي لو حبسته عنى هلكت، لك الحمد، اعصمني من شر ما في هذه البقعة واخرجني منها سالما، وحل بينى وبين طاعة الشيطان الرجيم). وفى كتاب مجالس الشيخ (4) وفى كتاب المكارم (5) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لابي ذر (رضي الله عنه) قال: (يا أبا ذر استحي من الله، فاني - والذي


(1) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب احكام الخلوة. (3) ج 1 ص 17 وفي الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة. (4) في الصحيفة 338 وفى الوسائل في الباب - 3 - من ابواب احكام الخلوة (5) في الصحيفة 260.

[ 53 ]

نفسي بيده - لا ظل حين اذهب إلى الغائط متقنعا بثوبي استحياء من الملكين الذين معي). و (منها) - تغطية الرأس، ولم أقف فيه على خصوص خبر سوي اخبار التقنع، ومن الظاهر مغايرته له. نعم قال الشيخ المفيد: (وليغط رأسه ان كان مكشوفا ليأمن بذلك من عبث الشيطان ومن وصول الرائحة الخبيثة إلى دماغه، وهو سنة من سنن النبي (صلى الله عليه وآله) وفيه اظهار الحياء من الله لكثرة نعمه على العبد وقلة الشكر منه) وفيه دلالة على ورود النص به، وليس ببعيد ان المراد به التقنع، لمناسبة التعليل الاخير له، دون مجرد التغطية. وقال الصدوق في الفقية (1): (ينبغي للرجل إذا دخل الخلاء ان يغطى رأسه اقرارا بانه غير مبرئ نفسه من العيوب) انتهى وفيه ايضا ما احتملناه في سابقه. و (منها) - تقديم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج عكس المسجد. ولم اقف فيه على نص لكن الصدوق ذكره في الفقيه، والظاهر ان مثله من ارباب النصوص لا يذكر ذلك إلا عن نص بلغه فيه. وربما ظهر من بعض الاصحاب اختصاص الحكم بالبنيان، نظرا إلى ان مسمى الدخول والخروج لا يصدق في غيره لكن صرح العلامة بان الاقرب عدم الاختصاص، فيقدم اليسرى إذا بلغ موضع جلوسه في الصحراء وإذا فرغ قدم اليمنى. ووافقه الشهيد الثاني، فقال: (ان الاصح عدم الاختصاص بالبنيان) قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهما: (والتحقيق ان الترجيح هنا موقوف على اعتبار المأخذ، فان كان هو التوجيه الذي حكيناه فلا بأس بعدم الاختصاص) انتهى. وهو كذلك. و (منها) - مسح البطن بعد الخروج، كما تقدمت الدلالة عليه في كلام


(1) ج 1 ص 17.

[ 54 ]

الفقيه نقلا عن الامير (صلوات الله عليه) (1). و (منها) - التسمية عند التكشف للبول، لما رواه في الفقيه (2) مرسلا عن الباقر (عليه السلام) وفى ثوب الاعمال (3) مسندا عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: (إذا انكشف احدكم لبول أو لغير ذلك فليقل: بسم الله، فان الشيطان يغض بصره عنه حتى يفرغ ". و (منها) - ان لا يقطع في الاستجمار بالاحجار وشبهها وان نقى المحل إلا على وتر، لقوله (صلى الله عليه وآله) في رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي المتقدمة: (إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء) (4). قال في المعتبر: (والرواية من المشاهير) انتهى. و (منها) - الاستبراء على المشهور، خلافا لظاهر الشيخ في الاستبصار، مستندا إلى صحيحة حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) (في الرجل يبول ؟ قال ينتره ثلاثا، ثم ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالى) وحسنة محمد بن مسلم (6) (قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): رجل بال ولم يكن معه ماء ؟ قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبائل). واجيب بمنع الدلالة على الوجوب، لعدم ظهور الجملة الخبرية فيه.


(1) في الصحيفة 52. (2) ج 1 ص 18 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة (3) في الصحيفة 9 (4) رواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة (5) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء (6) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب احكام الخلوة

[ 55 ]

وفيه نظر، فان المستفاد من الآيات والاخبار التي قدمناها في المقدمة السابعة (1) انه لا خصوصية في ذلك بصيغة (افعل) بل كل ما دل على الطلب واراده الفعل - سواء كان بالصيغة المشار إليها أم لا - فانه للوجوب إلا مع قيام القرينة على خلافه. وقال شيخنا البهائي (رحمه الله) في كتاب الحبل المتين بعد نقل صحيحة حفص: (وقوله (عليه السلام) في الحديث التاسع: ينتره ثلاثا. مما استدل به الشيخ في الاستبصار على وجوب الاستبراء. والذي يظهر من آخر الحديث ان غرضه (عليه السلام) عدم انتقاض الوضوء بما يخرج من البلل بعد الاستبراء لا بيان كون الاستبراء واجبا) انتهى. لكنه (رحمه الله) كتب - في حاشية الكتاب على قوله: مما استدل به الشيخ - ما صورته: (وهو يتوقف على كون المضارع المطلوب به الفعل كالامر في الوجوب، والظاهر انه كذلك) انتهى. وظاهر المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم المناقشة في اسناد الوجوب إلى الشيخ مستندا إلى استعمال الشيخ لفظ الوجوب - في غير موضع - فيما هو أعم من الواجب والمندوب، ثم قال: (وكيف كان فالوجوب لا وجه له). واورد عليه ان هذا الاستعمال غير متعارف، ولعله كان في تلك المواضع مع القرينة، ولا قرينة هنا. ومما يدل بظاهره على عدم الوجوب صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: (إذا انقطعت درة فصب الماء). قيل: واقله اباحة تعقيب الصب للانقطاع بغير مهلة. وفيه ان افادة التعقيب بغير مهلة إنما هو للفاء العاطفة، واما الفاء الجزائية فالاكثر على عدم افادتها ذلك، لصحة قولنا: ان يسلم زيد فهو يدخل الجنة.


(1) في الصحيفة 112 من الجزء الاول (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة

[ 56 ]

وحينئذ فلا دلالة في الرواية على التعقيب بغير مهلة. ورواية داود الصرمي (1) قال: (رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) يبول غير مرة ويتناول كوزا صغيرا ويصب عليه الماء من ساعته). ويمكن ان يقال: انه لا دلالة فيه على الفورية على وجه ينافي الاستبراء، إذ لا مدة له ينافيها، بل الظاهر ان مراد الراوي هو الاخبار عنه (عليه السلام) بانه كان يبادر إلى الاستنجاء من البول من ساعته، ولا يتركه إلى وقت آخر كسائر الناس في تلك الاوقات، فانهم كانوا ينشفون المخرج بتراب ونحوه إلى وقت الصلاة، كما يستفاد من الاسئلة المتكاثرة في الاخبار عن نسيان الاستنجاء، كما تقدم شطر منها. نعم يظهر ذلك من رواية بن عبد الرحيم (2) قال: (بال أبو عبد الله (عليه السلام) وانا قائم على رأسه ومعي اداوة أو قال كوز، فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا الي فناولته الماء فتوضأ مكانه). ثم انه قد اختلفت عبارات القوم في بيان كيفيته، فقال الشيخ المفيد في المقنعة (انه يمسح باصبعه الوسطى تحت انثييه إلى اصل القضيب مرتين أو ثلاثا، ثم يضع مسبحته تحت القضيب وابهامه فوقه ويمرها عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرتين أو ثلاثا، ليخرج ما فيه من بقية البول). وقال الشيخ في النهاية: (انه يمسح باصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات، ثم يمر اصبعه على القضيب وينتره ثلاث مرات). وقال في المبسوط - على ما نقله عنه في المعتبر -: (انه يمسح من عند المقعدة إلى تحت الانثيين ثلاثا، ويمسح القضيب وينتره ثلاثا).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة

[ 57 ]

وعن السيد المرتضى (انه ينتر الذكر من اصله إلى طرفه ثلاث مرات) وهو المنقول عن ابن الجنيد. وقال الصدوق في الفقيه (1): (ومن أراد الاستنجاء فليمسح باصبعه من عند المقعدة إلى الانثيين ثلاث مرات، ثم ينتر ذكره ثلاث مرات) وهو المنقول عن ابيه في الرسالة. واقتصر المحقق في المعتبر على نقل قولي الشيخين والسيد، وقال: (ان كلام الشيخ ابلغ في الاستظهار) وقال في الشرائع: (وكيفيته ان يمسح من المقعدة إلى اصل القضيب ثلاثا، ومنه إلى رأس الحشفة ثلاثا، وينتره ثلاثا) ونسب السيد في المدارك هذه الكيفية إلى كلام الشيخ في المبسوط. وفي فهمها منه تأمل. وقال العلامة في المنتهى: (انه يمسح بيده من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا ثم يمسح القضيب ثلاثا، ثم ينتره ثلاثا) ومثله في التذكرة إلا انه زاد فيه التنحنح. وقال الشهيد في الدروس (يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثم إلى رأسه ثم عصر الحشفة ثلاثا والتنحنح ثلاثا). والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك - زيادة على ما قدمنا نقله - رواية عبد الملك بن عمرو عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) (في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا ؟ قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى، فان سال حتى يبلغ السوق فلا يبالى). وانت خبير بان صحيحة حفص (3) إنما تنطبق على مذهب السيد وابن الجنيد


(1) ج 1 ص 21 (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) المتقدمة في الصحيفة 54

[ 58 ]

خاصة، واما حسنة محمد بن مسلم (1) فليس في شئ من الاقوال ما ينطبق عليها، لانها قد تضمنت العصر من أصل الذكر إلى طرفه ثلاثا ثم النتر ولو مرة، وليس في هذه الاقوال ما يطابق ذلك. وكذلك هذه الرواية الثالثة. ولعل من قال بالمسحات الست مع نتر طرف الذكر استند إلى العمل بضمون الاخبار الثلاثة جميعا، لكن تثليث النتر - كما ذكروا - ليس في شئ منها. واما التنحنح الذي ذكره العلامة والشهيد فلم نقف ايضا فيه على خبر، بل ولا في كلام القدماء على اثر. والعجب من اضطراب عبائرهم في ذلك مع خلو المأخذ مما هنالك. قيل: وكيف كان فالزيادات التي ذكروها لا حرج فيها، لما فيها من مزيد الاستظهار في اخراج ما ربما يبقى في المخرج وفيه اشكال، إذ استعمال ذلك باعتقاد انه سنة شرعية لا يخلو من تشريع. والاستناد إلى التساهل في ادلة السنن تساهل خارج عن السنن. تنبيهات (الاول) - الظاهر من كلام اكثر الاصحاب اختصاص الاستبراء بالرجل بل صرح بذلك جملة منهم، وقيل بثبوته للانثى وانها تستبرئ عرضا، واختاره العلامة في المنتهى، وقال: (الرجل والمرأة سواء) ومورد الاخبار المتقدمة - كما عرفت - إنما هو الرجل، فالقول بالتعدية مع عدم الدليل مشكل. ونقل عن ابن الجنيد في مختصره انه قال: (إذا بالت المرأة تنحنحت بعد بولها) انتهى. (الثاني) - قد صرح غير واحد من المتأخرين ومتأخريهم بانه لا يعرف خلافا بين علمائنا في ان البلل المتجدد بعد الاستبراء لا حكم له. وان الخارج مع عدم


(1) المتقدمة في الصحيفة 54.

[ 59 ]

الاستبراء بحكم البول في وجوب غسله ونقضه للطهارة، ونقل عن ابن ادريس دعوى الاجماع على كل من الحكمين. ويدل على ما ذكروه من الحكم الاول الاخبار الثلاثة المتقدمة (1). واما الحكم الثاني فاستدلوا عليه بمفهومات الاخبار المتقدمة، فان تقييد عدم المبالاة ونفي كونه من البول بل انه من الحبائل بالاستبراء يدل على حصول المبالاة وكونه من البول مع عدمه. وقد يعارض باطلاق ما دل من الاخبار على عدم النقض بالخارج بعد البول مطلقا: كصحيحة عبد الله بن ابى يعفور (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال ثم توضأ وقام إلى الصلاة فوجد بللا. قال: لا يتوضأ، إنما ذلك من الحبائل). وصحيحة حريز (3) قال: (حدثني زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: ان سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء، إنما ذلك بمنزلة النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فانه من الحبائل). والظاهر تقييد اطلاق هذين الخبرين بتلك الاخبار جمعا، ولتصريحهما بكون الخارج من الوضوء مطلقا من الحبائل مع تقييد حسنة محمد بن مسلم (4) الحكم بكونه من الحبائل بكونه بعد الاستبراء، والمقيد يحكم على المطلق. ولدلالة جملة من الاخبار


(1) وهى صحيحة حفص وحسنة محمد بن مسلم ورواية عبد الملك المتقدمات في الصحيفة 54 و 57 (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء (4) المتقدمة في الصحيفة 54.

[ 60 ]

الواردة في الجنب بالانزال إذا بال ولم يستبرئ على الامر بالوضوء: كقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (1): (وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء...) وقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة (2): (وان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي) ومثلهما رواية معاوية بن ميسرة (3) ومقتضى الجمع حملها على عدم الاستبراء. ويدل عليه ايضا قوله (عليه السلام) - في صحيحة ابن سنان (4) الآتية ان شاء الله في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا المطلب -: (والودي فمنه الوضوء، لانه يخرج من دريرة البول) بحمله على الخروج قبل الاستبراء، كما هو ظاهر الخبر، وللاجماع - نصا وفتوى - على عدم سببية الودي للوضوء كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى. ويظهر من بعض فضلاء متأخري المتأخرين الميل - لولا الاجماع المدعى في المقام - إلى العمل باطلاق الخبرين المذكورين (5)، وحمل ما عارضهما من مفهوم روايات الاستبراء على الاستحباب، استضعافا لدلالة المفهوم وعدم ظهورها في الوجوب، وهكذا صحيحة ابن سنان ايضا حملها على الاستحباب. ولا يخفى وهنه. والتحقيق انه قد تعارض اطلاق صحيحتي عبد الله بن ابي يعفور وحريز (6) بعدم الوضوء بذلك البلل أعم من أن يكون مع الاستبراء وعدمه، واطلاق صحيحة ابن مسلم وروايتي سماعة ومعاوية بوجوب الوضوء بذلك البلل مطلقا ايضا. (1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء. وفى الباب - 36 - من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء (5) و (6) في الصحيفة 59

[ 61 ]

ووجه الجمع تقييد الاطلاق الاول بحالة الاستبراء، كما هو مدلول منطوق اخبار الاستبراء، وتقييد الاطلاق الثاني بحالة عدم الاستبراء، كما هو مفهوم تلك الاخبار، وعلى ذلك تجتمع الاخبار. واما ابقاء الاطلاق الاول بحاله - وحمل الوضوء في الاطلاق الثاني على الاستحباب وكذلك في المفهوم استضعافا لدلالته - ففيه (اولا) - ان قوله في صحيحة محمد بن مسلم (1): (عليه الوضوء) ظاهر في الوجوب، وكذا قوله في خبر معاوية بن ميسرة (2): (فليتوضأ). و (ثانيا) - ان المفهوم هنا مفهوم شرط، وهو - مع ذهاب الاكثر إلى حجيته - معضود بدلالة الاخبار عليه ايضا، كما تقدم في المقدمة الثالثة (3) فلا ضعف في دلالة. و (ثالثا) - ان ضعف الدليل ليس من قرائن الاستحباب كما تقدمت الاشارة إليه. واما ما ورد في رواية يونس (4) - قال: (كتب إليه رجل: هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء ؟ فكتب: نعم) - فيتعين حمله على التقية، لموافقته لمذهب اكثر العامة (5) كما ذكره الشيخ في الاستبصار، ومخالفته لما عليه كافة علماء الفرقة الناجية ولاخبارهم.


(1) و (2) المتقدمة في الصحيفة 60 (3) في الصحيفة 57 من الجزء الاول (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء والرواية في كتب الحديث تنتهى إلى (محمد بن عيسى) ولم يذكر في سندها (يونس) (5) لم نعثر على من حرر من العامة هذه المسألة اعني حكم الخارج بعد الاستبراء. الا انهم عدوا الودى والمذي مما يستنجى منه. فلعل الشيخ اراد ذلك من الموافقة لمذهب العامة، قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 19: " الاستنجاء مسنون من كل نجس يخرج =

[ 62 ]

هذا. واعلم ان الظاهر - كما عرفت من كلامهم - انه كما لا خلاف في نقض هذا البلل المشتبه للوضوء، كذلك لا خلاف في وجوب غسله، وهو يشعر بحكمهم بنجاسته. ويشكل عليهم بمقتضى ما قرروه في المسألة الاناءين - كما تقدم ذكره (1) - بان اقصى ما يستفاد من الادلة المذكورة النقض خاصة، مع اندراج هذا البلل في كلية: (كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر (2) وما ابالى ابول اصابني ام ماء إذا لم اعلم) (3) مع عدم المخصص. وحصول النقض به لا يستلزم النجاسة. إلا ان المفهوم من الاخبار - كما عرفت في مسألة الاناءين (4) - ان الشارع قد اعطى المشتبه بالنجس إذا كان محصورا والمشتبه بالحرام كذلك حكمهما في وجوب الاجتناب وتحريم الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة وتعدى حكمه إلى ما يلاقيه، كما تقدم تحقيق ذلك في مسألة الاناءين، فالحكم هنا موافق لما حققناه ثمة، لكنه مناف لما ذكروه (رضوان الله عليهم) في تلك المسألة، فان المسألتين من باب واحد. (الثالث) - ذكر العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى انه يستحب الصبر هنيئة قبل الاستبراء، ومستنده غير واضح. قيل: وربما كان ظاهر الاخبار


= من السبيلين له عين مرئية، كالغائط والبول والمنى والودي والمذى والدم " وقال في الوجيز ج 1 ص 9: " وفى النجاسات النادرة قول انه يتعين الماء، وقيل: المذى نادر " وقال ابن قدامة الحنبلى في المغنى ج 1 ص 171: " المذى ما يخرج بشهوة فروي انه يوجب الوضوء وغسل الذكر والانثيين، وروى انه لا يجب اكثر من الاستنجاء والوضوء، والامر بالنضح وغسل الذكر والانثيين محمول على الاستحباب، والودي ما يخرج بعد البول ليس فيه إلا الوضوء " وفيه ايضا " قال حنبل سألت احمد، قلت: اتوضأ واستبرئ واجد في نفسي انى قد احدثت بعده ؟ قال: إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفا من ماء فرشه على فرجك ولا تلتفت إليه، فانه يذهب ان شاء الله ". (1) و (4) في الصحيفة 502 من الجزء الاول. (2) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 1 ص 42 ج 1 وفى التعليقة 4 ص 149 ج 1 (3) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات

[ 63 ]

خلافه، كما في صحيحة جميل ورواية داود الصرمي المتقدمتين (1) وفي الدلالة ما عرفت آنفا، واظهر منهما رواية روح المتقدمة (2). (الرابع) - روى شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار (3) مضمون حسنة محمد بن مسلم (4) عن كتاب السرائر نقلا من كتاب حريز قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل بال... الحديث) بادنى تفاوت لا يخل بالمقصود، ثم قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: (والخبر يحتمل وجوها: (الاول) - ان يكون المراد بالطرف في الموضعين الذكر، وفي الحديث (نقي الطرفين) (5) وفسر بالذكر واللسان، وقال الجوهري: (قال ابن الاعرابي قولهم: (لا يدري اي طرفيه اطول، طرفاه: لسانه وذكره) (6) فيكون اشارة إلى عصرين: العصر من المقعدة إلى الذكر ونتر اصل الذكر، لكن لا يدل على تثليث الاخير، ولا يبعد ان يكون التثليث على الفضل والاستحباب (الثاني) - ان يكون المراد بالطرف في الموضعين الجانب ويكون الضميران راجعين إلى الذكر، اي يعصر من المقعدة إلى رأس الذكر، فيكون العصران داخلين فيه، والمراد بالاخير عصر رأس الذكر، فيدل على العصرات الثلاث التي ذكرها الاصحاب (الثالث) -


(1) في الصحيفة 55 و 56. (2) في الصحيفة 56 (3) ج 18 ص 49 من كتاب الطهارة. (4) المتقدمة في في الصحيفة 54 (5) رواه صاحب الوسائل في الباب - 6 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد في حديث عن الكليني بسنده عن جابر بن عبد الله قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله " ألا اخبركم بخير رجالكم ؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: ان خير رجالكم التقى النقى السمح الكفين النقى الطرفين... الحديث " (6) وفى مقاييس اللغة لابن فارس ج 3 يص 447 " لا يدرى أي الطرفين اطول، يراد به نسب الام والاب. وقولهم: كريم الطرفين، يراد به هذا ".

[ 64 ]

ان يكون المراد بالاول عصر الذكر وبالثانى عصر رأس الذكر. ويضعف الاخيرين ان النتر هو الجذب بقوة لا مطلق العصر، وهو لا يناسب عصر رأس الذكر، مع انه لا يظهر من سائر الاخبار هذا العصر، قال في النهاية: (فيه إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نتراث (1). النتر جذب فيه قوة وجفوة) انتهى (2). ثم اعلم ان الشيخ روى هذا الخبر نقلا من الكافي، وفيه (يعصر أصل ذكره إلى ذكره) ويروى عن بعض مشايخنا (رحمهم الله) انه قرأ (ذكره) بضم الذال وسكون الكاف وفسره بطرف الذكر، لينطبق على الوجه الثاني من الوجوه المذكورة. ويخدشه ان اللغويين قالوا (ذكرة السيف: حدته وصرامته) والظاهر منه ان المراد به المعنى المصدري لا الناتى من طرفيه. وبقي هنا اشكال آخر وهو انه ما الفائدة في التقييد بعدم وجدان الماء ؟ والجواب انه مجرب انه مع عدم الاستنجاء بالماء يتوهم خروج البلل ساعة بعد ساعة، بل يكون خروج دريرة البول اكثر، كما ذكر العلامة في المنتهى ان الاستنجاء بالماء يقطع دريرة البول، ففائدة الاستبراء هنا انه ان خرج بعده شئ أو توهم خروجه لا يضره ذلك اما من حيث النجاسة فلانه غير واجد للماء، واما من حيث الحدث فلانه لا يحتاج إلى تجديد التيمم ولا قطع الصلاة) انتهى كلامه علا في الفردوس مقامه. و (منها) - تعجيل الاستنجاء ولو في المبرز خصوصا من البول، لصحيحة جميل ورواية الصرمي ورواية روح، وقد تقدم جميع ذلك (3).


(1) رواه في كنز العمال ج 5 ص 83 وقال ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 155: (وقد روى يزداد اليماني قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله): إذا بال احدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات). (2) كلام صاحب النهاية. (3) في الصحيفة 55 و 56

[ 65 ]

و (منها) - ان يكفئ على يده قبل ادخالها الاناء ان كان الاستنجاء متوقفا على ادخالها، ويتبع ذلك بالتسمية والدعاء، لخبر عبد الرحمن بن كثير في حكاية وضوء امير المؤمنين (صلوات الله عليه) (1) حيث قال فيه: (يا محمد ائتني باناء من ماء اتوضأ للصلاة، فاتاه محمد بالماء فاكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى، ثم قال: بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا. قال ثم استنجى فقال... الحديث) وان يكون ذلك مرة من حدث البول ومرتين من الغائط، لحسنة الحلبي برواية الكافي وصحيحته برواية التهذيب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: (سئل كم يفرغ الرجل على يده قبل ان يدخلها في الاناء ؟ قال: واحدة من حدث البول وثنتين من الغائط...) وستأتي تتمة الكلام فذلك ان شاء الله تعالى. و (منها) - البدأة في الاستنجاء بالمقعدة قبل الاحليل، لموثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (سألته عن الرجل إذا اراد ان يستنجى بايما يبدأ: بالمقعدة أو بالاحليل ؟ فقال: بالمقعدة ثم بالاحليل) وعلله بعضهم (4) بانه لئلا تنجس اليد بالغائط عند الاستبراء. و (منها) - اختيار الماء حيث تجزئ الاحجار، ويدل عليه صحيحة جميل ابن دراج أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5): (قال في قول الله عزوجل: ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (6). قال: كان الناس يستنجون بالكرسف


(1) المروي في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب احكام الخلوة. (4) هو العلامة (قدس سره) في المنتهى كما نقله الشيخ البهائي (عطر الله مرقده) في مفتاح الفلاح (منه رحمه الله) (5) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب احكام الخلوة (6) سورة البقرة الآية 223.

[ 66 ]

والاحجار، ثم احدث الوضوء وهو خلق كريم، فامر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصنعه، فانزل الله تعالى في كتابه: ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وصحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر الانصار ان الله قد احسن عليكم الثناء فماذا تصنعون ؟ قالوا نستنجي بالماء). وصحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) (ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لبعض نسائه: مري نساء المؤمنين ان يستنجين بالماء ويبالغن، فانه مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير). والجمع بين المطهرين اكمل، لمرفوعة احمد المتقدمة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة احجار ابكار ويتبع بالماء). واطلاق الرواية يدل على استحباب الجمع فيما يتعين فيه الماء كما في صورة التعدي وفيما تجزئ فيه الاحجار، وبذلك صرح في المعتبر، قال: (لانه جمع بين مطهرين بتقدير أن لا يتعدى، واكمال في الاستظهار بتقدير التعدي) وظاهر الشهيد في الذكرى التخصيص بالتعدي. وكيف كان فالظاهر تقديم الاحجار، للتصريح به في الرواية، ولما فيه من تنزيه اليد عن مباشرة النجاسة. واورد السيد في المدارك على اصل الحكم اشكالا، قال (قدس سره): (واورد على هذا الحكم ان الازالة واجبة اما بالماء أو بالاحجار وجوبا تخييريا، فكيف يكون احدهما أفضل من الآخر، بل قد صرحوا في مثل ذلك باستحباب


(1) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة

[ 67 ]

ذلك الفرد الافضل، ومنافاة المستحب للمواجب واضحة. واجيب عنه بان الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني، لان متعلق الوجوب في التخييري ليس امرا معينا بل الامر الكلي، فتعلق الاستحباب بواحد منهما لا محذور فيه. وفيه نظر، فانه ان اريد بالاستحباب هنا المعنى العرفي - وهو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل - لم يمكن تعلقه بشئ من افراد الواجب التخييري، وان اريد به كون أحد الفردين الواجبين اكثر ثوابا من الآخر فلا امتناع فيه كما هو ظاهر) انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما ذكره (قدس سره) من النظر يمكن الجواب عنه بالتزام الشق الاول من الترديد، قوله: انه هو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل، وما هنا إنما يجوز تركه مع الاتيان بمبدله. قلنا: الاستحباب هنا إنما تعلق بالفرد الكامل من افراد ذلك الواجب المخير، وهو من حيث اتصافه بصفة الكمال يجوز تركه لا إلى بدل، إذ لا يقوم مقامه في الكمال غيره من تلك الافراد، واتصاف تلك الافراد الباقية بالبدلية عنه إنما هو من حيث أصل الوجوب، بمعنى ان كلا منها بدل عنه في الوجوب لا في الاستحباب والكمال، غاية الامر ان ذلك الفرد الكامل متصف بالوجوب والاستحباب باعتبارين، فانه باعتبار كونه أحد افراد الواجب المخير ولا يجوز تركه لا إلى بدل يكون متصفا بالوجوب، وباعتبار الخصوصية الكمالية التي لا توجد إلا فيه فيجوز تركه لا إلى بدل يكون مستحبا. ويمكن الجواب ايضا باختيار الشق الثاني وان كان فيه خروج عن المعنى المصطلح إلا انه لا محذور فيه، فقد صرح به جملة من اجلاء الاصحاب: منهم - جده (قدس سره) في روض الجنان. واجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين بان الوجوب هنا إنما هو صفة الطبيعة، وكون خصوص فرد منها مستحبا لا خفاء في صحته، قال: (وما عرض له من الشبهة - من انه لا يجوز تركه لا إلى بدل فكيف يكون مستحبا ؟ - فمندفع بان التحقيق ان

[ 68 ]

الواجب ما يكون تركه سببا لاستحقاق العقاب لا تركه لا إلى بدل، لان ما يكون له بدل ليس بواجب في الحقيقة بل الواجب احدهما، فزيادة هذا القيد في تعريف الواجب اما بناء على ما هو المترآى في اول الوهلة، أو غفلة عما هو الحق، أو يكون المراد منه ما هو المراد بقولهم بوجه ما في تعريف الواجب لتدخل الواجبات المشروطة. وعلى هذا لا يكون الفرد واجبا بل الواجب هو الطبيعة، لان ترك الفرد ليس سببا لاستحقاق العقاب، بل السبب إنما هو ترك الطبيعة، فيمكن استحبابه). ويشكل بان الفرد متحد بالطبيعة خارجا فيكون واجبا بوجوبها فكيف يكون مستحبا ؟ بل التحقيق في الجواب هو ما قدمنا. و (منها) - الاعتماد على اليسرى، ذكره جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولم اقف فيه على نص، واسنده في الذكرى إلى رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1). وقال العلامة في النهاية: (لانه (عليه السلام) علم اصحابه الاتكاء على اليسار) وهما اعلم بما قالا. و (منها) - اعداد الاحجار، ولم اقف فيه على نص سوى ما نقل في الذكرى انه روي عنه (صلى الله عليه وآله) (إذا ذهب احدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فانها تجزئ) (2) والظاهر ان الروايتين في هذا الموضع والذي قبله من طريق الجمهور، فاني بعد التتبع لكتب الاخبار - ولا سيما البحار الجامع لما شذ عن الكتب


(1) في مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 206 عن الطبراني في الكبير عن رجل من بنى مدلج عن ابيه قال: " جاء سرافة بن مالك بن جعشم من عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: علمنا رسول الله كذا وكذا. فقال رجل كالمستهزئ: اما علمكم كيف تخرؤون ؟ فقال: بلى والذى بعثه بالحق لقد امرنا ان نتوكأ على اليسرى وان ننصب اليمنى " (2) في سنن البيهقى ج 1 ص 103 عن عروة عن عائشة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إذا ذهب احدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة احجار ليستطيب بهن فانها تجزئ، عنه ".

[ 69 ]

الاربعة من الاخبار - لم اقف عليهما، وكان اصحابنا - لما اشتهر بينهم من التساهل في ادلة السنن - يعتمدون على امثال ذلك. وهو تساهل خارج عن السنن. المورد الرابع في المكروهات و (منها) - التخلي في أحد هذه الاماكن: شطوط الانهار، ومساقط الثمار، والطرق النافذة، ومواضع اللعن، ومنازل النزال، وافنية المساجد. ففي صحيح عاصم بن حميد عن ابي عبد الله (عليه السلام) المروي في الكافي (1) قال: (قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام): اين يتوضأ الغرباء ؟ قال: تتقى شطوط الانهار، والطرق النافذة، وتحت الاشجار المثمرة، ومواضع اللعن. فقيل له: واين مواضع اللعن ؟ قال: ابواب الدور). وفى مرفوعة علي المتقدمة (3) - في مسألة الاستقبال والاستدبار بالتخلي - الامر باجتناب افنية المساجد وشطوط الانهار ومساقط الثمار ومنازل النزال. وفى رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (3): (قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها، أو نهر يستعذب، أو تحت شجرة فيها ثمرتها). وفي رواية الكرخي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة ملعون من فعلهن: المتغوط في ظل النزال،


(1) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة. (2) في الصحيفة 39 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 70 ]

والمانع الماء المنتاب (1) والساد الطريق المسلوك). وروى الصدوق في الخصال (2) بسند معتبر عن الصادق (عليه السلام) عن امير المؤمنين السلام) في جملة حديث: (لا تبل على المحجة ولا تتغوط عليها). وظاهر الاصحاب سيما المتأخرين الحكم بالكراهية في الجميع، إلا ان الشيخ المفيد في المقنعة عبر في هذه المواضع بعدم الجواز، وابن بابويه في الفقيه عبر بذلك في فئ النزال وتحت الاشجار المثمرة، قال شيخنا صاحب كتاب رياض المسائل - بعد نقل ذلك عنهما - ما لفظه: (والجزم بالجواز - مع ورود النهي والامر واللعن في البعض مع عدم المعارض سوى اصالة البراءة - مشكل) انتهى. وهو جيد الا انه كثيرا ما قد تكرر منهم (صلوات الله عليهم) في المحافظة على الوظائف المسنونة من ضروب التأكيدات في الاوامر والنواهي ما يكاد يلحقها بالواجبات والمحرمات، كما لا يخفى على من تتبع الاخبار وجاس خلال تلك الديار. على ان اللعن هو البعد من رحمة الله وهو كما يحصل بفعل المحرم يحصل بفعل المكروه ولو في الجملة. وتقييد الطرق بالنافذة احتراز عن المرفوعة، فانها ملك لا ربابها، فيحرم التخلي فيها قطعا. وربما كان في ذلك اشعار بالكراهة. وفي بعض عبائر الاصحاب - كالشهيد في الدروس - ذكر الافنية من غير تقييد بالمساجد، ولم نقف له على دليل وراء ما ذكرنا. واحتمل بعض المتأخرين في معنى مواضع اللعن انه هو كل موضع يلعن المتغوط بالجلوس فيه، وحمل تفسيره (عليه السلام) على التمثيل ببعض الافراد. وفسر جماعة من المتأخرين الاشجار المثمرة في هذا المقام بمامن شأنها ذلك وان لم تكن مثمرة بالفعل بل وان لم تثمر في وقت ما، استنادا إلى صدق الاسم بناء على انه


(1) يعنى بالمنتاب المباح الذي يعتوره المارة على النوبة. بيان الوافى (منه رحمه الله). (2) ص 170 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 71 ]

لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق. وفيه (اولا) - ان صدق هذا المشتق إنما يقتضي جواز اطلاق المثمرة على ما اثمرت في وقت ما وان لم تكن مثمرة في الحال، لا اطلاقها على ما من شأنها ذلك لانه لا خلاف في ان اطلاق المشتق على ما سيتصف بمبدأ الاشتقاق مجاز البتة. و (ثانيا) - ان المسألة المذكورة وان كان مما طال فيها الجدال وانتشرت فيها الاقوال حتى في تحريم محل النزاع، كما فصلنا ذلك في المقدمة التاسعة - إلا ان التحقيق انه ان جعل موضع النزاع ما هو اعم من المشتق أو ما جرى مجراه مع طرو الضد الوجودي وعدمه، فالحق هو القول بالاشتراط، كما هو قول جملة من علماء الاصول، واختاره المحدث الامين الاسترابادي في تعليقاته على شرح المدارك. حيث قال: الحق عندي انه لابد - في بقاء صدق المعنى الحقيقي اللغوي للمشتق على ذات - من بقاء الحالة التي هي مناط حدوث صدقه، سواء كانت الحالة المذكورة قيام مبدأ الاشتقاق أو ما يحذو حذوه، ودليلي على ذلك (اولا) - انه من الامور البينة اشتراط ذلك في كثير من الصور، كالبارد والحار والهابط والصاعد والمتحرك والابيض والاحمر والمملوك والموجود. ومن القواعد الظاهرة ان قاعدة الوضع اللغوي في كل صنف من اصناف المشتقات واحدة، ولولا البناء على القواعد الظاهرية لبطلت قواعد كثيرة من فنون العربية. و (ثانيا) - مقتضى النظر الدقيق ومذهب المحققين ان معنى المشتقات كالعالم أمر بسيط، ومقتضى ظاهر النظر ما اشتهر بين اللغويين من ان معناه شئ قام به العلم، والوجدان حاكم بانه ليس هنا بسيط يصلح سوى لا بشرط مأخذ الاشتقاق، فلابد في بقاء معناه من بقائه. ثم اعلم انه قد يصير بعض الالفاظ المشتقة حقيقة عرفية عامة أو خاصة أو مجازا مشهورا عند جماعة أو عاما فيما يعم معناه اللغوي وما في حكمه عرفا أو شرعا، ومنه: المؤمن والكافر واشباههما. ومن الامور العجيبة انه طال التشاجر بينهم في هذه المسألة من غير فصل

[ 72 ]

يقطع دابر المنازعة. ثم انه ذكر ان الذي يظهر لي من تتبع رواياتهم (صلوات الله عليهم) ان المتبادر من الحائض والنفساء في كلامهم ذات حدث الحيض وذات حدث النفاس لا ذات الدم، وهذا من باب ارادة ما يعم المعنى اللغوي وما في حكمه شرعا. ثم استدل بجملة من الاخبار على ذلك. وان جعل محل النزاع ما هو اخص - كما صرح به المحقق التفتازانى واقتفاه جماعة فيه - فما نحن فيه ليس من موضع النزاع في شئ، فان المراد بالمشتق في القاعدة المذكورة هو ما جرى على ما اشتق منه في ارادة الحدوث والتجدد لا ما خرج عنه بارادة معنى الدوام أو ذي كذا أو غير ذلك من المعاني، ألا ترى ان الصفة المشبهه بالفعل وافعل التفضيل واسم الزمان والمكان حيث لم تجر عليه في ذلك لم تصدق الا على من هو متصف به حالة الاطلاق، وإلا لزم اطلاق حسن الوجه على قبيحه وبالعكس - باعتبار ما كان - اطلاقا على جهة الحقيقة، وكذلك ما كان من صيغ اسم الفاعل مسلوكا به مسلك الصفة المشبهة ونحوها في عدم ارادة الحدوث، سواء اريد منه الدوام والاستمرار كالخالق والرازق من اسمائه، أو ذي كدا مجردا كالرضيع. والمؤمن والكافر والحائض أو مع الكثرة كاللابن والتامر. والظاهر ان لفظ (المثمرة) بمعنى ذات الثمرة، من اثمرت النخلة إذا صار فيها الثمر، كاتمرت إذا صار فيها التمر، واطعمت اي صار فيها ما يطعم. ويرشد إلى ما قلنا تعليق عدم الاشتراط على صفة الاشتقاق في قولهم: المشتق لا يشترط في صدقه بقاء مأخذ الاشتقاق. والتعليق على الوصف يشعر بالعلية والمعنى ان المشتق من حيث كونه مشتقا لا يشترط... الخ، وما نحن فيه لم يبق على حيثية الاشتقاق بل سلك به مسلك الجوامد ولم يجر مجرى ما اشتق منه. و (ثالثا) - استفاضة الاخبار عنهم (صلوات الله عليهم) بان مورد النهي في هذا المقام الشجرة المثمرة بالفعل.

[ 73 ]

ومن ذلك ما رواه في الفقيه (1) مرسلا وفى كتاب العلل (2) مسندا عن الباقر (عليه السلام) قال: (ان لله عزوجل ملائكة وكلهم بنبات الارض من الشجر والنخل، فليس من شجرة ولا نخلة إلا ومعها من الله عزوجل ملك يحفظها وما كان منها. ولولا ان معها من يمنعها لاكلتها السباع وهوام الارض إذا كان فيها ثمرتها، قال: وإنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يضرب أحد من المسلمين خلاء تحت شجرة أو نخلة قد اثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها. قال: ولذلك يكون الشجر والنخل انسا إذا كان فيه حمله، لان الملائكة تحضره). و (رابعا) - وهو الحق - عدم بناء الاحكام على مثل هذه القواعد المختلة النظام المنحلة الزمام، كما تقدمت الاشارة إليه في المقدمة التاسعة (3). و (منها) - استقبال جرم الشمس والقمر، لرواية الكاهلي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به). ورواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (5) قال: (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول) وما رواه في الفقيه في باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله) (6) عن امير المؤمنين (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله) وفيه انه (نهى ان يبول الرجل وفرجه باد للشمس أو القمر).


(1) ج 1 ص 21، وفى الوسائل من قوله: إنما نهى... الخ في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة. (2) في الصحيفة 102 (3) في الصحيفة 124 من الجزء الاول. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة. (6) في اول الجزء الرابع، وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة

[ 74 ]

وظاهر هذه الاخبار التحريم لظاهر النهي فيها إلا ان المشهور بين الاصحاب الحكم بالكراهة. وظاهر المفيد - حيث عبر في المقنعة بعدم الجواز - التحريم. ويمكن حمل النهي المذكور على الكراهة بقرينة خلو مرفوعه علي بن ابراهيم المتقدمة (1) في النهى عن استقبال القبلة واستدبارها عن ذلك، مع قوله في آخرها: (وضع حيث شئت) وكذلك مرفوعة عبد الحميد ومرفوعة محمد المتقدمتان ثمة (2) حيث تضمنتا السؤال عن حد الغائط ولم يذكرا استقبال الجرمين فيه، فظاهر هما الخروج من الحد المذكور واقله عدم التحريم ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة اختصاص الحكم المذكور بالبول دون الغائط،. ظاهر الاكثر التعميم، وبه صرح الشهيد في الدروس والذكرى، والعلامة في القواعد والمفيد في المقنعة. واحتمل بعض محققي متأخري المتأخرين كون الاقتصار على البول في الاخبار لكونه أعم من الغائط وجودا، لعدم انفكاكه عنه غالبا ووجوده بدون الغائط كثيرا، أو للتنبيه بالاضعف على الاقوى. وفيهما ما لا يخفى. وكذا ظاهر الاخبار اختصاص ذلك بالاستقبال دون الاستدبار، ولذلك خصه بعض الفقهاء بذلك، بل نقل عن العلامة في النهاية انه صرح بعدم كراهية الاستدبار، واستظهره في المدارك. لكن روى الكليني (3) مرفوعا مضمرا: (لا تستقبل الشمس ولا القمر) وابن بابويه في الفقيه (4) كذلك: (لا تستقبل الهلال ولا تستدبره) فيمكن فهم حكم الغائط من الاولى، لان الظاهر انها متعلقة بحد الغائط، ويفهم من الثانية عدم اختصاص الحكم بالقمر، كما هو المصرح به في كلامهم، لعدم تناوله للهلال، إذ هو مخصوص بما قبل الاستدارة والقمر بما بعدها. واستند بعض


(1) و (2) في الصحيفة 39 (3) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 1 ص 18 وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 75 ]

فضلاء متأخري المتأخرين إلى استفادة حكم الاستدبار من هذه الرواية، وعضدها بقوله سبحانه: (ومن يعظم شعائر الله...) (1) وفيه ما لا يخفى. و (منها) - استقبال الريح واستدبارها، لقوله (عليه السلام) في مرفوعة عبد الحميد المتقدمة (2) بعد السؤال عن حد الغائط: (ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها) ومثلها مرفوعة محمد (3) ايضا. ومورد الخبرين وان كان هو الغائط إلا انه يمكن فهم حكم البول منه بناء على ان المراد منه المعنى اللغوي بالتقريب الذي ذكروه في دلالة قوله تعالى: (أو جاء احد منكم من الغائط...) (4) وحينئذ بالتعميم ظاهر، بل الظاهر ان المفسدة في استقبال الريح واستدبارها بالبول أشد، فيندرج من باب مفهوم الموافقة على القول به والعجب من جماعة حيث خصوا الكراهة بالبول معللين له بخوف الرد، والرواية - كما ترى - إنما وردت في الغائط خالية من التعليل. وخصوا الحكم بالاستقبال ايضا نظرا إلى التعليل، مع تصريح الرواية بالاستدبار. والتقريب في الكراهة ما تقدم في مرفوعة علي بن ابراهيم (5). و (منها) - السواك، لما رواه الشيخ في التهذيب (6) مضمرا وفي الفقيه (7) مرسلا عن الكاظم (عليه السلام) قال: (السواك في الخلاء يورث البخر). و (منها) - طول الجلوس على الخلاء، لرواية محمد بن مسلم (8) قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (قال لقمان لابنه: طول الجلوس على الخلاء يورث الناسور، قال: فكتب هذا على باب الحش) والناسور بالنون والسين المهملة والراء اخيرا: علة في حوالي المقعدة. وفي بعض النسخ بالباء الموحدة وجمعه بواسير، وهو معروف


(1) سورة الحج. الآية 34 (2) و (3) و (5) في الصحيفة 39 (4) سورة النساء والمائدة، الآية 47 و 10. (6) ج 1 ص 10 (7) ج 1 ص 32، وفى الوسائل في الباب - 21 - من ابواب احكام الخلوة (8) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب احكام الخلوة

[ 76 ]

و (منها) - استصحاب خاتم فيه اسم الله تعالى أو شئ من القرآن. ويدل عليه رواية ابي ايوب (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ادخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسماء الله ؟ قال: لا ولا تجامع فيه). ورواية ابي القاسم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (قلت له: الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى ؟ فقال: ما احب ذلك. قال: فيكون اسم محمد ؟ قال: لا بأس). وموثقة عمار الساباطي الآتية (3) حيث قال فيها: (ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله، ولا يجامع وهو عليه، ولا يدخل المخرج وهو عليه). ورواية علي بن جعفر المروية في كتاب قرب الاسناد (4) عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: (سألته عن الرجل يجامع ويدخل الكنيف وعليه الخاتم فيه ذكر الله أو شئ من القرآن، أيصلح ذلك ؟ قال: لا). وبعض الاصحاب عبر في هذا المقام بكراهة استصحاب ما عليه اسم الله، وهذه الروايات كلها مختصة بالخاتم، ولم نقف على غيرها في المسألة. وقال في الفقيه (5): (ولا يجوز للرجل ان يدخل الخلاء ومعه خاتم عليه اسم الله أو مصحف فيه القرآن، فان دخل وعليه خاتم عليه اسم الله فليحوله عن يده اليسرى إذا اراد الاستنجاء) وظاهر كلامه مؤذن بالتحريم كما ترى. و (منها) - استصحاب دراهم بيض غير مصرورة، لرواية غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (6) انه (كره ان يدخل الخلاء ومعه درهم أبيض الا ان يكون مصرورا). وقيده بعض الاصحاب بما يكون عليه اسم الله تعالى. وهو حسن.


(1) و (2) و (3) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة. (4) في الصحيفة 121 وفى الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة. (5) ج 1 ص 20.

[ 77 ]

و (منها) - الكلام - على المشهور - إلا ما استثنى مما سيأتي تفصيله. وقال في الفقيه (1): (لا يجوز الكلام على الخلاء، لنهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك) ويدل على النهى عن ذلك رواية صفوان عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يجيب الرجل آخر وهو على الغائط أو يكلمه حتى يفرغ). وروى الصدوق في الفقيه (3) مرسلا وفي العلل مسندا عن ابي بصير قال: (قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): لا تتكلم على الخلاء، فان من تكلم على الخلاء لم تقض له حاجة). واستثني من ذلك ذكر الله تعالى وتحميده وقراءة آية الكرسي وحكاية الاذان. ويدل على الاول صحيحة ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: (مكتوب في التوراة التي لم تغير ان موسى (عليه السلام) سأل ربه فقال: الهي انه يأتي علي مجالس اعزك واجلك ان اذكرك فيها. فقال: يا موسى ان ذكري حسن على كل حال) وبمضمونها اخبار اخر ايضا. وعلى الثاني ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن مسعدة بن صدقة عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) قال: إذا عطس أحدكم وهو على الخلاء فليحمد الله في نفسه).


(1) ج 1 ص 21 (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب احكام الخلوة (3) ج 1 ص 21 وفى العلل ص 104 وفى الوسائل في الباب - 6 - من ابواب احكام الخلوة (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب احكام الخلوة وفى الباب - 1 - من ابواب الذكر (5) في الصحيفة 36 وفى الوسائل في الباب - 7 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 78 ]

وعلى الثالث صحيحة عمر بن يزيد (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التسبيح في المخرج وقراءة القرآن. فقال: لم يرخص في الكنيف اكثر من آية الكرسي ويحمد الله أو آية الحمد لله رب العالمين) (2). والظاهر حمل عدم الرخصة فيما زاد على ذلك على تأكد الكراهة، لصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته أتقرأ النفساء - والحائض والجنب والرجل يتغوط - القرآن ؟ قال: يقرؤون ما شاءوا) ولاخبار الذكر المتقدمة. وعلى الرابع صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) انه قال: (يا ابن مسلم لا تدعن ذكر الله على كل حال، ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وانت على الخلاء فاذكر الله عزوجل وقل كما يقول المؤذن) رواه الصدوق في الفقيه والعلل (5) وروى في العلل (6) ايضا مثله عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام). وروى فيه (7) ايضا عن سليمان عن مقبل عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) كذلك، وذكر فيه ان ذلك مستحب، وان العلة فيه انه يزيد في الرزق. وبذلك يظهر لك ما في كلام جملة من المتأخرين: منهم - شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) حيث لم يقفوا على النصوص المذكورة، إذ كان نظرهم غالبا مقصورا على مراجعة التهذيب، وهو خال عن ذلك، فانكروا وجود النص في المسألة، ونسبه الشهيد الثاني في الروضة إلى المشهور ايذانا بذلك، واستشكل في الاستدلال عليه


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب احكام الخلوة (2) سورة الفاتحة. الآية 1 (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب احكام الخلوة وفى الباب - 45 - من ابواب الاذان (5) رواه في الفقيه ج 1 ص 187 وفى العلل ص 104 (6) و (7) في الصحيفة 104 وفي الوسائل في الباب - 8 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 79 ]

باحاديث الذكر، لعدم شمولها الحيعلات إلا ان تبدل بالحولقة، كما صرح به في الروض. وظاهر الرواية المتقدمة (1) - وكذا رواية ابي بصير المشار إليها آنفا (2) حيث قال فيها: (فقل مثل ما يقول المؤذن، ولا تدع ذكر الله عزوجل في تلك الحال، لان ذكر الله حسن على كل حال) - كون مجموع فصول الاذان داخلا في الذكر من الحيعلات وغيرها، ولعل دخولها تغليبا أو يحمل الذكر على ما يشملها. وما اعتذر به عنه بعض فضلاء متأخري المتأخرين - من ان مراده من عدم النص في عبارة الروض يعني بالنسبة إلى الحيعلات - فتكلف بعيد. وزاد الاصحاب الكلام لحاجة ضرورية استنادا إلى رفع الحرج، ورد السلام، والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) والحمد بعد العطاس. ووجه الجميع ظاهر. وكأنهم لم يقفوا على خصوص ما ورد في الاخير مما قدمنا نقله فرجعوا فيه إلى الادلة المطلقة. و (منها) - الاستنجاء باليمين، لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) والوارد في مرسلة يونس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) وفي رواية السكوني (4) ايضا معللا فيها بكونه من الجفاء، وكذا رواه الصدوق (5) مرسلا، ثم قال: (وقد روى انه لا بأس إذا كانت اليسار معتلة). و (منها) - الاستنجاء باليسار وفيها خاتم عليه اسم الله، ويدل على ذلك موثقة عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: (لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله، ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله... الحديث).


(1) و (2) في الصحيفة 78 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب احكام الخلوة (5) في الفقيه ج 1 ص 19 وفى الوسائل في الباب - 12 - من ابواب احكام الخلوة. (6) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 80 ]

ورواية الحسين بن خالد عن ابي الحسن الثاني (عليه السلام) (1) قال: (قلت له: انا روينا في الحديث ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يستنجي وخاتمه في اصبعه، وكذلك كان يفعل امير المؤمنين (عليه السلام) وكان نقش خاتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) (محمد رسول الله). قال: صدقوا. قلت: ينبغي لنا ان نفعل ذلك ؟ فقال: ان اولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى وانتم تتختمون في اليد اليسرى). ومثلها روايته الاخرى المروية في العيون والمجالس (2) وفي آخرها (فاتقوا الله وانظروا لانفسكم...). ورواية ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (قال امير المؤمنين (عليه السلام): من نقش على خاتمه اسم الله فليحوله عن اليد التي يستنجى بها في المتوضأ). واما روراية وهب بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (كان نقش خاتم ابى (العزة لله جميعا) وكان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم امير المؤمنين عليه السلام (الملك لله) وكان في يده اليسرى يستنجى بها) - فالظاهر ردها، لدلالة روايتي الحسين بن خالد (5) على نفي ذلك وان تختمهم (عليهم السلام) إنما هو في اليمين. مضافا إلى استفاضة الاخبار باستحباب التختم باليمين (6). وراوي الرواية المذكورة عامي خبيث بل من اكذب البرية على جعفر بن محمد (عليهما السلام) كما


(1) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة. (2) رواها في العيون في الصحيفة 217 وفى المجالس في الصحيفة 273 وفى الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة (6) رواها صاحب الوسائل في الباب - 49 - من ابواب احكام الملابس.

[ 81 ]

صرح به علماء الرجال (1). ومع التنزل عن ذلك فهي محمولة على التقية (2).


(1) في فهرست الشيخ الطوسى ص 173 ورجال النجاشي ص 303 ورجال الكشى ص 199 واخلاصة ص 129 وغيرها من كتب الرجال " ان رواياته عن ابى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) كلها لا يوثق بها لانه كذاب وان احاديثه مع الرشيد كذب " وروى الكشى عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) انه كذب على الله تعالى وملائكته ورسله. وعن الفضل بن شاذان انه من اكذب البرية. وفى فهرست ابن النديم ص 146 كان ضعيفا في الحديث. وفى مقاتل الطالبين لابي الفرج ص 164 طبعة ايران " تحالف هو مع مصعب بن عبد الله الزبيري ورجل من بنى مخزوم وآخر من بنى زهرة على السعاية عند الرشيد بيحى بن عبد الله بن الحسن المثنى. فجلبه الرشيد وحبسه عند مسرور في سرداب " وفى لسان العرب في مادة (لوط) " وفى حديث ابى البخترى ما ازعم ان عليا افضل من ابى بكر وعمر ولكن اجد له من اللوط ما لا اجد لاحد بعد النبي (صلى الله عليه وآله). يقال لاط حبه بقلبي أي لصق به " وفى ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 278 " وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن اسد بن عبد العزى بن قصى، أبو البخترى روى عن هشام بن عروة وجعفر بن محمد وعنه المسيب بن واضح والربيع بن ثعلب وجماعة. سكن بغداد وولى قضاء عسكر المهدى ثم قضاء المدينة ثم ولى حريمها وصلانها، وكان متهما في الحديث، قال يحيى بن معين: كان عدو انه كذابا. وقال احمد: كان يضع الحديث. وقال البخاري سكتوا عنه " وفى تاريخ بغداد للخطيب ج 13 ص 452 " اراد الرشيد ان يصعد منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قباء اسود ومنطقة، وعظم عليه هذا، فحدثه أبو البخترى عن جعفر بن محمد ان جبرئيل هبط على النبي (صلى الله عليه وآله) بقباء اسود ومنطقة وخنجر، فكذبه ابن معين لما سمع بذلك. وكان الرشيد يطير الحمام فروى له أبو البختري عن عائشة ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يطير الحمام، فزبره وطرده، وكان النسائي يقول انه متروك الحديث. وقال احمد بن حنبل انه كذاب وهو واضع الحديث: لا سبق الا في خف أو حافر أو جناح " وذكر ابن حجر في لسان الميزان ج 6 ص 231 كلمات العلماء في كذبه وانه يروى المنكرات. اقول: روى في الفقيه ج 1 ص 163 حديث هبوط جبرئيل مرسلا مع زيادة. (2) في مقتل الحسين للعلامة المقرم ص 443 من الطبعة الثانية عن المدخل لابن الحاج =

[ 82 ]

واما المناقشة في عدم صراحة الخبر في كون الخاتم في اليسرى حالة الاستنجاء - كما ذكره في رياض المسائل - فظني انه بعيد. وابعد منه حمل الرواية على الجواز بعد ما عرفت. والعجب هنا من المولى الاردبيلي (قدس سره) حيث قال - بعد ان استدل على الجواز بهذه الرواية -: (ويمكن استفادة استحباب التختم باليسار، وعدم تحريم التنجيس ايضا، إلا ان يكون ذلك ثابتا بالاجماع ونحوه، أو يحمل على عدم وصول النجاسة إليه) انتهى. ولا اراك في ريبة من ضعف هذا الكلام بعد التأمل في المقام. والحق جملة من الاصحاب باسمه تعالى هنا اسماء الانبياء والائمة (عليهم السلام) والظاهر ان المستند في ذلك التعظيم. ولا بأس به. لكن رواية ابي القاسم المتقدمة (1) في حكم استصحاب الخاتم الذي عليه اسم الله في الخلاء صرحت بنفي البأس في استصحاب خاتم عليه اسم النبي (صلى الله عليه وآله) وحينئذ فما عداه بطريق اولى، فالقول بالالحاق هنا دون هناك - مع الاشتراك في العلة المذكورة - مما لا وجه له، مع ان الصدوق (رحمه الله) في المقنع صرح بنفي البأس عن عدم نزع الخاتم فيه اسم محمد (صلى الله عليه وآله) حال الاستنجاء بعد ان نهى عن الاستنجاء وعليه خاتم عليه اسم الله حتى يحوله. وقد ذكر الاصحاب ايضا ان الكراهة إنما هو عند عدم التلوث بالنجاسة،


= ج 1 ص 46 " ان السنة وردت كل مستقذر يتناول بالشمال، وكل طاهر يتناول باليمين، ولاجل هذا المعنى كان المستحب التختم بالشمال، فانه يأخذ الخاتم بيمينه ويجعله في شماله " وفى الفتاوى الفقهية لابن حجر الهيثمى ج 1 ص 264 " كان مالك يكره التختم باليمين، وبالغ الباجى بترجيح ما عليه مالك من التختم باليسار " وفى روح الببان للشيخ اسماعيل البروسوي ج 4 ص 142 نقلا عن عقد الدرر " ان السنة في الاصل التختم باليمين، ولما كان ذلك شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنة ان يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا ". (1) في الصحيفة 76

[ 83 ]

وإلا فيحرم بل يكفر فاعله لو فعله بقصد الاهانة. وهو جيد. و (منها) - الاستنجاء باليسار وفيها خاتم فصه من حجر زمزم، ويدل عليه رواية علي بن الحسين (1) - وهو ابن عبد ربه على الظاهر وقد صرح به في الكافي - قال: (قلت له: ما تقول في الفص يتخذ من حجارة زمزم ؟ قال: لا بأس به، ولكن إذا اراد الاستنجاء نزعه) وربما وجد في بعض نسخ الكافي والتهذيب (زمرد) مكان (زمزم) بل نسبه المحدث الكاشاني في الوافي إلى كثير من النسخ، ثم قال: (وكأنه الصواب، إذ لا تعرف حجارة يؤتى بها من زمزم) انتهى. وقال الشهيد في الذكرى بعد نقل هذه النسخة: (وسمعناه مذاكرة) وقال شيخنا المحقق في كتاب رياض المسائل بعد نقل مضمون كلام الوافي: (والظاهر ان الصواب ما عليه اكثر نسخ الكتاب وان النسخة مما اخطأت به الكتاب، لا سيما وقد اورده كذلك في كتبهم اعاظم السلف واكابر الخلف. وعدم معروفية فصوص تؤخذ من حجر زمزم لا يوجب الخروج عما عليه المعظم) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و (منها) - التخلي على القبور وبينها، لصحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: (من تخلى على قبر أو بال قائما أو بال في ماء، إلى ان قال: فأصابه شئ من الشيطان لم يدعه إلا ان يشاء الله. واسرع ما يكون الشيطان إلى الانسان وهو على بعض هذه الحالات...). ورواية ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: (ثلاثة يتخوف منها الجنون، وعد منها التغوط بين القبور).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب احكام الخلوة (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 84 ]

ومثله رواه في الخصال (1) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) و (منها) - مس الذكر باليمين وقت البول، رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه (2) مرسلا قال: (وقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه) و (منها) - البول قائما، لما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم (3) وغيرها ايضا، وفى بعضها (4) انه من الجفاء. و (منها) البول مطمحا به، لرواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: (نهى النبي (صلى الله عليه وآله) ان يطمح الرجل ببوله من السطح أو من الشئ المرتفع في الهواء) ومثلها رواية مسمع عنه (عليه السلام) (6). ولا ينافي ذلك ما تقدم في استحباب ارتياد مكان للبول كان يكون على مكان مرتفع من الارض، إذ الارتفاع المعتبر هناك هو بقدر ما يؤمن معه من الترشح. و (منها) - البول في الماء جاريا وراكدا، وان كان الاول اخف كراهة. وظاهر المفيد في المقنعة التحريم. ونقل عن ظاهر علي بن بابويه نفيها في الاول. ومن الاخبار الواردة في ذلك صحيحه محمد بن مسلم المتقدمة (7) وصحيحة الفضيل (8) (لا بأس بان يبول الرجل في الماء الجاري، وكره ان يبول في الماء الراكد)


(1) في الصحيفة 60 في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب احكام الخلوة. (2) ج 1 ص 19 وفى الوسائل في الباب - 12 - من ابواب احكام الخلوة. (3) و (7) في الصحيفة 83 (4) وهو مرسل الفقيه ج 1 ص 19 وفى الوسائل في الباب - 33 - من ابواب احكام الخلوة. (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 33 - من ابواب احكام الخلوة (8) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المطلق.

[ 85 ]

وفي مرسلة الفقيه (1) (ان البول في الماء الراكد يورث النسيان) ومرسلة مسمع (2) انه (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، وقال: ان للماء اهلا) ورواية ابي بصير ومحمد بن مسلم المروية في كتاب الخصال (3) عن الصادق عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) قال: (لا يبولن الرجل من سطح في الهواء ولا يبولن في ماء جار، فان فعل ذلك فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه، فان للماء اهلا وللهواء اهلا) وفى رواية عنبسة بن مصعب (4) قال: (لا بأس به إذا كان الماء جاريا) وكذا في موثقة ابن بكير (5) ولعل هاتين الروايتين مع صحيحة الفضيل المتقدمة مستند علي بن بابويه فيما نقل عنه، الا ان رواية مسمع ورواية ابي بصير ومحمد بن مسلم قد صرحتا بالنهي. والجمع بما ذكرنا من كونه اخف كراهة ومورد الروايات كلها البول خاصة والحق الاصحاب به الغائط بالطريق الاولى وفيه ما لا يخفى. و (منها) - الاكل لفحوى مرسلة ابن بابويه في الفقيه (6) عن الباقر (عليه السلام): (دخل أبو جعفر (عليه السلام) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر، فاخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج (عليه السلام) قال للمملوك: اين اللقمة ؟ فقال: اكلتها يا بن رسول الله فقال: انها ما استقرت في جوف احد إلا وجبت له الجنة، فانت حر، فاني اكره ان استخدم رجلا من أهل الجنة) وروى القصة المذكورة في كتاب عيون اخبار الرضا (7)


(1) ج 1 ص 16 وفى الوسائل في الباب - 24 - من ابواب احكام الخلوة (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب احكام الخلوة (3) في الصحيفة 157 وفى الوسائل في الباب - 33 - من ابواب احكام الخلوة (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المطلق (6) ج 1 ص 18. وفى الوسائل في الباب - 39 - من ابواب احكام الخلوة (7) في الصحيفة 208 وفي الوسائل في الباب - 39 - من ابواب احكام الخلوة

[ 86 ]

باسانيد ثلاثة عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام) ولا تنافي، لامكان اتفلق ذلك لكل منهما (عليهما السلام) والتقريب ان تأخيرهما (عليهما السلام) اكل اللقمة إلى بعد الخروج - مع علمهما بانها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة وعتقهما المملوك لذلك - اشعار بمرجوحية الاكل في الموضع المذكور. والحق الاصحاب الشرب. ولم اقف له على دليل. و (منها) - مباشرة الحر ذلك من زوجها، لموثقة يونس بن يعقوب (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): المرأة تغسل فرج زوجها ؟ فقال: ولم من سقم ؟ قلت: لا. قال: ما احب للحرة ان تفعل، فاما الامة فلا يضره). الفصل الثاني في الاسباب وهي البول والغائط والريح والنوم الغالب على الحاستين وبعض اقسام الاستحاضة، وتحقيق الكلام فيها يقتضي بسطه في ابحاث. (الاول) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في سبية الثلاثة الاول مع الخروج من الموضع الطبيعي وان لم يحصل الاعتياد، بل الخروج اول مرة يكون موجبا للوضوء وان تخلف اثره لفقد شرط كالصغر، وكذا لو اتفق المخرج من غير الموضع المعتاد خلقة كما ادعى عليه في المنتهى الاجماع، وكذا لو انسد الطبيعي وانفتح غيره كما ذكره في المنتهى مدعيا عليه الاجماع ايضا، وظاهرهم ان في الجميع لا يشترط الاعتياد. اما لو لم ينسد الطبيعي وانفتح غيره فاقوال: احدها - المشهور وهو عدم النقض إلا مع الاعتياد. وثانيها - ما نقل عن الشيخ في المبسوط والخلاف من النقض بما يخرج من تحت المعدة دون ما فوقها.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 87 ]

وثالثها - النقض بخروج هذه الاشياء مطلقا من فوق المعدة أو تحتها مع الاعتياد وعدمه، واليه ذهب ابن ادريس. ورابعها - عدم النقض مطلقا، والى هذا القول صار بعض فضلاء متأخري المتأخرين (1) ويدل على أصل المسألة الاخبار المستفيضة، كصحيحة زرارة (2) قال: (قلت لابي جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء ؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الدبر والذكر: غائط أو بول أو مني أو ريح والنوم حتى بذهب العقل) وصحيحة سالم ابى الفضل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (ليس ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك الاسفلين الذين انعم الله عليك بهما. وصحيحة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: (لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم). وصحيحته ايضا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: (لا يوجب الوضوء إلا غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها افسوة تجد ريحها). ورواية زكريا بن آدم (6) قال: (سألت الرضا (عليه السلام) عن الناسور أينقض الوضوء ؟ فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث: البول والغائط والريح) إلى غير ذلك من الاخبار والظاهر ان الحصر في هذه الاخبار اضافي بالنظر إلى ما يخرج من الاسفلين غير هذه الاشياء كالمذي واشباهه، والى ما لا يخرج منهما كالرعاف والقئ ونحوهما مما ذهب العامة إلى النقض به (7) ولعل ذلك في مقام الرد عليهم، والى ذلك تشير رواية زكريا


(1) هو الفاضل ملا محمد باقر الخراساني صاحب الذخيرة والكفاية (منه قدس سره) (2) و (3) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 2 و 3 - من ابواب نواقض الوضوء (5) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من نواقض الوضوء. (7) سيأتي الكلام فيما ذهب العامة إلى انتقاض الوضوء به مما ليس بناقض عند الخاصة عند تعرض المصنف (قده) لذلك.

[ 88 ]

ابن آدم المتقدمة وموثقة ابى بصير المرادي في كتاب الخصال (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته عن الحجامة والقئ وكل دم سائل. فقال: ليس فيه وضوء إنما الوضوء مما خرج من طرفيك الذين انعم الله بهما عليك) واما حمل الحصر على معنى ان الاصل في النقض ينحصر في الخارج من السبيلين - واما غيره من النوم ومزيل العقل فانما هو لكونه مظنة لخروج شئ من تلك النواقض - فظني بعده، إذ الظاهر - كما سيأتي ان شاء الله - حدثية النوم بنفسه لا لكونه كذلك. حجة القول الاول - على ما ذكره الشهيد في الذكرى - انه مع العادة يشمله عموم الآية، وقول الصادق عليه السلام (2): (ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الذين انعم الله بهما عليك) لتحقق النعمة بها. واما مع الندور، فللاصل والخبر، إذ ليس من الطرفين. والظاهر ان مراده بالآية قوله تعالى: (أو جاء أحدكم منكم من الغائط...) (3) ومورد الآية وان كان التيمم إلا ان ظاهرها يدل على وجوب التطهير بالماء مع وجوده وان الانتقال إلى التيمم إنما هو لعدمه. واورد عليه بالمنع من شمول الآية لهذا الفرد ظاهرا، بل هي إما ظاهرة في المتعارف المعتاد لاكثر الناس وهو التغوط من الموضع المعتاد، أو مجملة بالنسبة إليه والى الاعم منه ومن المعتاد لبعض، وعلى التقديرين لا يثبت المدعى. واما شمول الرواية فغير ظاهر


(1) في الصحيفة 17 وفي الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء. ورواها ايضا بطريق آخر عن التهذيب في الباب - 2 و 7 - من ابواب نواقض الوضوء ولكن بابدال القئ بالرعاف. (2) في صحيحة سالم ابى الفضل المتقدمة في الصحيفة 87 وقد وصف الطرفان فيها بالاسفلين (3) سورة النساء والمائدة الآية 43 و 60

[ 89 ]

لان الاصل في الاضافة العهد وكذا الموصول، وحينئذ فالظاهر ان يكونا اشارة إلى الطرفين المتعارفين المعهودين. وايضا الظاهر ان الانعام إنما يتحقق في الطرفين الطبيعيين واما غيرهما فليس من باب النعمة بل النقمة. وحجة الثاني - على ما نقل عن الشيخ في المبسوط - عموم قوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط...) (1) وما يروى من الاخبار - ان الغائط ينقض الوضوء - يتناول ذلك، ولا يلزم ما فوق المعدة، لان ذلك لا يسمى غائطا. وجوابه يعلم مما سبق. واما قوله: (ان ما فوق المعدة لا يسمى غائطا) فاورد عليه المحقق في المعتبر انه ضعيف قال: (لان الغائط اسم للمطمئن من الارض نقل إلى الفضلة المخصوصة، فعند هضم المعدة الطعام وانتزاع الاجزاء الغذائية منه يبقى الثقل، فكيف خرج يتناوله الاسم ولا اعتبار بالمخرج في تسميته) واجاب عنه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين بان غرض الشيخ (رحمه الله) انه إنما يسمى غائطا بعد انحداره من المعدة إلى الامعاء وخلعه الصورة النوعية الكيلوسية التي كان عليها في المعدة، اما قبل الانحدار عن المعدة فليس بغائط إنما هو من قبيل القئ، وليس مراده وقوع المخرج فيما سفل عن المعدة أو فيما علاها، إذ لا عبرة بتحتية نفس المخرج وفوقيته، بل بخروج الخارج بعد انحداره عن المعدة وصيرورته تحتها أو قبل ذلك، غايته انه - رحمه الله - عبر عما يخرج قبل الانحدار عنها بما يخرج من فوقها وعما يخرج بعده بما يخرج من تحتها، والامر فيه سهل. ولا يخفى بعده من كلام الشيخ. وانت خبير بانه على هذا التوجيه الذي ذكره (قدس سره) يرتفع الخلاف بين الشيخ وبين ابن ادريس ويصير القولان قولا واحدا. وحجة القول الثالث - على ما نقل عن قائله - عموم الآية والاخبار، ولعله اشار بالاخبار إلى ما ورد منها مطلقا بنقض الثلاثة من غير تقييد بالمخرج الطبيعي،


(1) سورة النساء والمائدة. الآية 43 و 60

[ 90 ]

كصحيحة زرارة الاخيرة ورواية زكريا بن آدم (1). وفي الآية ما تقدم. واما الاخبار فمن الظاهر البين ان الحكم فيها ليس معلقا على ذات الخارج حتى يكون الحكم دائرا مدارها، بل على صفة متعلقة بها وهي الخروج فينصرف إلى المعهود الغالب، كما يقال بظهور (حرمت عليكم الميتة...) (2) في تحريم الاكل. وحجة القول الرابع يعلم من القدح في ادلة الاقوال المتقدمة. قال شيخنا صاحب رياض المسائل (رحمه الله تعالى) (3) - بعد نقل الاقوال الثلاثة المتقدمة ونفي الوقوف على دليل يشهد للشيخ - ما لفظه: (اما قول ابن ادريس فغير بعيد عن الصواب عن صدق هذه الاسماء على الخارج عرفا، لموافقة ظاهر الكتاب (أو جاء أحد منكم من الغائط...) (4) ولا قائل بالفرق، وما ورد في بعض الاخبار - من التقييد بالطرفين الاسفلين ونحو ذلك - غير صالح لتقييد اطلاق الكتاب، لكونه خرج مخرج الغالب) انتهى. اقول: وتحقيق المقام - بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر عليهم الصلاة والسلام - ان الاستدلال بالآية هنا - بعد تسليم صحة الاستدلال بظواهر القرآن بغير ورود نص في تفسيرها - لا يخلو من خفاء، إذ ما ذكر في توجيه الاستدلال بها نوع تخريج وتخمين لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي، واما الروايات فهي دائرة بين مطلق ناقضية الثلاثة في الجملة وبين حاصر للنقض فيما خرج من الاسفلين، فيحتمل حينئذ حمل مطلقها على مقيدها، فلا دلالة فيها حينئذ على ما ذهبوا إليه من النقض. إلا انه يقدح فيه قوة احتمال حمل الحصر على الاضافي - كما قدمنا - ردا على العامة ويحتمل - وهو الاظهر - حملها على ما تقدم من التعبير بالفرد الغالب، فانه لا يخفى - على


(1) في الصحيفة 87. (2) سورة المائدة، الآية 4. (3) وهو الشيخ احمد ابن الشيخ محمد الخطى البحراني. (4) سورة المائدة والنساء. الآية 43 و 6.

[ 91 ]

المتتبع لموارد الاخبار والمتصفح لمضامين الآثار - ان الاحكام المودعة فيها إنما هي مقصورة على ما هو الشائع المتعارف لا على الفروض النادرة، ومع عدم اظهرية هذا الاحتمال فلا أقل من الاجمال الموجب لعدم جواز الاعتماد عليها في الاستدلال وبقاء المسألة في قالب الشك والاشكال، وحينئذ فالواجب التمسك بيقين الطهارة، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): (حتى يجئ من ذلك امر بين، وإلا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين ابدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر). وما أجاب به بعض فضلاء متأخري المتأخرين - من عدم دلالة الحديث المذكور على مثل هذه الصورة، قال: (الذي افهم من الخبر المذكور عدم حصول الانتقاض بالشك في وجوب ما ثبت كونه حدثا، ولا يدخل فيه الشك في حديثة ما يتيقن وجوده) وقال في موضع آخر: (ان المقطوع به من الخبر هو ما ثبت كونه ناقضا لو شك في وجوده وعدمه، فانه لا يرفع يقين الطهارة قبله. واما الشك في فردية بعض الاشياء لما هو ناقض فلا دلالة في الخبر عليه) - فيه ما تقدم في المقدمة الحادية عشرة (2). وبما ذكرنا يظهر لك توجه المناقشة في الفردين الاخرين المدعى عليهما الاجماع اعني ما لو اتفق المخرج من غير الموضع المعتاد خلقة أو بعد انسداد المعتاد، فانه مع الغاء الاجماع - كما هو الحق الحقيق بالاتباع - والرجوع إلى الاخبار مع كون المراد منها ما ذكرنا من الحمل على الفرد الغالب المتعارف - يبقى حكم الفردين المذكورين مغفلا. قال السيد السند (قدس سره) في المدارك - بعد قول المصنف: (ولو اتفق المخرج في غير الموضع المعتاد نقض) - ما هذا لفظه: (هذا الحكم موضع وفاق، وفى الاخبار باطلاقها ما يدل عليه، وفى حكمه ما لو انسد المعتاد وانفتح غيره) انتهى. وفيه انه قبل هذا الكلام - بعد ان نقل كلامي الشيخ وابن ادريس واستدلالهما


(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) في الصحيفة 145

[ 92 ]

بالآية - قال: وهما ضعيفان، لان الاطلاق إنما ينصرف إلى المعتاد، ولما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، وساق الرواية الاولى مما اسلفناه من رواياته (1) ثم أردفها برواية سالم ابي الفضل (2) وحينئذ فإذا كان اطلاق الآية إنما ينصرف إلى المعتاد فاطلاق الروايات كذلك ان لم يكن اولى، لما ذكره من الروايات المصرحة بالفرد المعتاد. نعم صرح المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) انه يمكن اثبات ذلك من باب تنقيح المناط، قال: (فان احد فرديه مقبول عندنا وهو ما يفيد اليقين، فان مقتضاه هنا ان الفضلة المعينة إذا اندفعت نقضت سواء دفعتها الطبيعة من الموضع الطبيعي أو من غيره) وحينئذ فيتجه على هذا التقدير قولا الشيخ وابن ادريس، إلا ان ما ادعاه (قدس سره) من الاستدلال بهذا الدليل وافادته اليقين لا يخلو من اشكال. والاحتياط بالعمل بما ذهب إليه ابن ادريس مما لا ينبغي تركه. تنبيهات: (الاول) - ما ذكر من البحث هنا هل يأتي في الدماء الثلاثة والمني ؟ اما الاول فلم نقف فيه على كلام لاحد من الاصحاب. واما الثاني فقد صرحوا فيه بما يأتي ذكره في موضعه ان شاء الله تعالى. (الثاني) - هل يتمشى الخلاف في خبثية هدا الخارج كما في حدثيته ام لا ؟ لم اقف لاحد من أصحابنا (رضوان الله عليهم) على كلام في المقام سوى شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل (عطر الله مرقده) فانه قرب فيه الحكم بالخبثية وان لم نقل بالحدثية، قال: (لعدم وجود ما يعارض عمومات الاخبار الكثيرة الدالة على وجوب ازالة ما يسمى بولا وغائطا بالمطهرات من غير تقييد بالخروج من الطرفين) انتهى (الثالث) - وقع في جملة من الاخبار الواردة بنقض الريح التقييد بسماع صوتها


(1) و (2) المتقدمة في الصحيفة 87

[ 93 ]

أو وجدان ريحها (1) وعلل في بعضها (2) بان ابليس يجلس بين اليتي الرجل فيشككه. ومقتضاها عدم النقض بدون إحد الوصفين. والظاهر حملها على موضع الشك دون ما إذا تيقن الخروج، فانه ينتقض طهره وان لم يجد شيئا من ذلك. ويدل عليه ما رواه علي بن جعفر عن اخيه في كتاب المسائل (3) قال: (سألته عن رجل يكون في صلاته فيعلم ان ريحا قد خرجت ولا يجد ريحها ولا يسمع صوتها. قال: يعيد الوضوء والصلاة، ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا) وما رواه في كتاب فقه الرضا (4) قال (عليه السلام): (فان شككت في ريح انها خرجت منك أو لم تخرج فلا تنقض من اجلها الوضوء الا ان تسمع صوتها أو تجد ريحها، وان استيقنت انها خرجت منك فاعد الوضوء سمعت وقعها أو لم تسمع وشممت ريحها أو لم تشم). (الرابع) - الاعتياد الذي يتحقق به النقض على القول المشهور هل عبارة عن التكرر مرتين فينقض في الثالثة. أو عن التكرر ثلاث مرات فينقض في الرابعة. أو يرجع فيه إلى العرف ؟ اقوال اختار ثالثها المحقق الثاني في شرح القواعد، وبه جزم في المدارك. وبالاول صرح الشهيد الثاني في الروض. وبالثانى صرح بعض افاضل المتأخرين. ونقل المحدث الامين الاسترابادي عن الفاضل الشيخ ابراهيم القطيفي في حاشية الارشاد انه قال: (وهل ينضبط صدق اسم العادة عرفا في عدد ؟ وجهان اقربهما ذلك


(1) رواها صاحب الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء (2) وهو خبر عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن الصادق (عليه السلام) المروي في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) رواه في قرب الاسناد ص 92 وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب قواطع الصلاة. (4) في الصحيفة 1

[ 94 ]

وما هو الاقرب النقض بالرابعة مع عدم تطاول الفصل زمانا في الخروج، وفي النقض بالثالثة احتمال قوي، لصدق العود بالثانية) ثم قال بعد نقله: (قلت: الظاهر ان تحقق العادة ملزم للنقض فلا يتوقف النقض على زيادة) انتهى. (الخامس) - المفهوم من كلام جملة من الاصحاب - منهم: العلامة في التحرير - جريان ما تقدم من البحث في الريح من الموافقة للحدثين الآخرين في المواضع المجمع عليها وشرط الاعتياد في محل الخلاف، ومن كلام آخرين - منهم: العلامة في التذكرة والمختلف - تخصيص البحث بالحدثين الآخرين، حيث ذكروا الفروض المذكورة فيهما ولم يتعرضوا للريح بالكلية، وجملة من الاصحاب قد صرحوا بنقضها بالخروج من قبل الرجل والمرأة من غير تقييد بالاعتياد مع التقييد به في الحدثين الآخرين، وبعض خصه بقبل المرأة، وعلله بان له منفذا إلى الجوف فيمكن الخروج من المعدة إليه، ومن عمم في القبلين كأنه لحظ اطلاق الاخبار بالانتقاض من الخروج من الطرفين الاسفلين. وبعض منع من النقض بها من غير الدبر. والمنقول من خلاف الشيخ في المبسوط وابن ادريس في السرائر إنما هو في الحدثين الآخرين، بل نقل بعض افاضل متأخري المتأخرين عن ظاهر ابن ادريس في السرائر عدم النقض بالريح الخارج من غير الدبر. وانت خبير - بعد الاحاطة بما قدمناه - بالحكم في ذلك. (البحث الثاني) - المشهور بين الاصحاب وجوب الوضوء بالنوم الغالب على حاستي السمع والبصر على اي حال كان: مضطجعا أو قاعدا، منفرجا أو متلاصقا وربما ظهر من كلام علي بابويه في الرسالة وابنه في المقنع عدم النقض به مطلقا، لحصرهما ما يجب اعادة الوضوء به وما ينقضه في البول والمني والغائط والريح. وهو بعيد من المذهب الا ان يحمل كلامهما على الناقض مما يخرج من الانسان، كما يشعر به قوله في المقنع بعد حصر النقض في الاربعة المذكورة: (وما سوى ذلك - من القئ والقلس والقبلة والحجامة والرعاف والمذي والودي - فليس فيه اعادة وضوء).

[ 95 ]

ويدل على الحكم المذكور الاخبار المستفضة، كقول الصادقين (عليهم السلام) في صحيحة زرارة (1) حيث سألهما عما ينقض الوضوء فقالا: (ما يخرج من طرفيك الاسفلين: من الدبر والذكر: غائط أو بول أو مني أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل). وقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الحميد بن عواض (2): (من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على اي الحالات فعليه الوضوء). وقول الرضا (عليه السلام) في صحيحة ابن المغيرة (3) حين سئل عن الرجل ينام على دابته فقال: (إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء). وقول الصادق (عليه السلام) في حسنة اسحاق بن عبد الله الاشعري (4): (لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث). وقوله (عليه السلام) في رواية الكناني (5) حين سأل عن الرجل يخفق وهو في الصلاة فقال: (ان كان لا يحفظ حدثا منه - ان كان - فعليه الوضوء واعادة الصلاة وان كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا اعادة). وقول احدهما (عليه السلام) في صحيحة زرارة المضمرة (6) حين قال له: (الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن. فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء قلت: فان حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به ؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام، حتى يجئ من ذلك امر بين، والا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين ابدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر) إلى غير ذلك من الاخبار.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء (6) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء. وقد اسندها إلى الباقر (عليه السلام) في الصحيفة 143 من الجزء الاول.

[ 96 ]

واما ما يدل بظاهره على خلاف ذلك - كموثقة سماعة المضمرة في الفقيه (1) حيث (سأله عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائما أو راكعا قال: ليس عليه وضوء) وما رواه فيه ايضا (2) مرسلا قال: (سئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يرقد وهو قاعد، هل عليه وضوء ؟ فقال: لا وضوء عليه ما دام قاعدا ما لم ينفرج). ورواية عمران بن حمران (3) انه سمع عبدا صالحا (عليه السلام) يقول: (من نام وهو جالس لم يتعمد النوم فلا وضوء عليه). ورواية بكر بن ابي بكر الحضرمي (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل ينام الرجل وهو جالس ؟ فقال: كان أبي (عليه السلام) يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء) - فالجواب عنه (اولا) - بان الاخبار السابقة اصح سندا، واكثر عددا واصرح دلالة، واشهر عملا، واظهر لمذهب الجمهور مخالفة (5) وللقرآن العزيز موافقة،


(1) و (2) ج 1 ص 38 وفى الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. (5) قال ابن قدامة الحنبلى في المغنى ج 1 ص 173: " والنوم على ثلاثة اقسام: (الاول) - نوم المضطجع، ناقض قليله وكثيره (الثاني) - نوم القاعد، ان كان كثيرا نقض رواية واحدة، وان كان يسيرا لا ينقض، وبه قال حماد والحكم ومالك والثوري واصحاب الرأى، وقال الشافعي لا ينقض وان كان كثيرا (الثالث) - نوم القائم والراكع والساجد فعن احمد روايتان: احداهما ينقض، وبه قال الشافعي وثانيتهما لا ينقض الا إذا اكثر. وذهب أبو حنيفة إلى ان النوم لا ينقض مطلقا. واختلفت الرواية عن احمد في القاعد المستند والمحتبى، وان الاتكاء الشديد ينقض، ولا حد للكثرة فانها على ما جرت به العادة " وقال في بدائع الصنائع ج 1 ص 31: " لا خلاف بين الفقهاء ان النوم مضطجعا في الصلاة وغيرها يكون ناقضا، فانه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله، وكذا إذا =

[ 97 ]

لما رواه ابن بكير في الموثق (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة...) ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلاة ؟ قال: إذا قمتم من النوم قلت: ينقض النوم الوضوء ؟ فقال: نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت) بل نقل العلامة في المنتهى والشيخ في التبيان اجماع المفسرين على ذلك، وحينئذ فيحمل ما ظهر في المخالفة على التقية، ولعل في نسبته (عليه السلام) في الخبر الاخير ذلك إلى ابيه نوع اشعار بذلك، أو على ما إذا ام يبلغ إلى ما يوجب ذهاب العقل كما حمله الشيخ


= نام على أحد وركيه، لان مقعده يكون متجافيا عن الارض فكان معنى النوم مضطجعا لوجود سبب الحدث بواسطة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظه، وفى غير هاتين الحالتين لا يكون النوم حدثا سواء غلبه النوم أو تعمده كان في الصلاة أو غيرها، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) " إذا نامت العينان استطلق الوكاء " اشار إلى كون للنوم حدثا، حيث جعله علة لاستطلاق الوكاء " ثم فرع على هذا المسألة النوم في الصلاة قائما أو راكعا أو ساجدا فانه لا يكون فيه استطلاق الوكاء. وكذا إذا كان خارج الصلاة فنام قائما أو راكعا أو جالسا على الارض غير مستند إلى شئ أو كان مستندا إلى جدار أو سارية أو رجل أو متكئا على يديه إذا كانت اليته مستوثقة من الارض فانه لا وضوء عليه. انتهى. وقال ابن حزم في المحلى ج 1 ص 222: " النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء، سواء قر أو كثر، قاعدا أو قائما في صلاة أو غيرها أو راكعا أو ساجدا أو متكئا أو مضطجعا. ايقن من حواليه انه لم يحدث أو لم يوقنوا. وذهب الاوزاعي إلى ان النوم لا ينقض الوضوء كيف كان. وقال مالك واحمد ابن حنبل: من نام نوما يسيرا وهو قاعد أو راكب لم ينتقض وضوؤه، وما عدا هذه الاحوال فالقليل والكثير من النوم ينقض الوضوء. وقال الشافعي: جميع النوم ينقض الوضوء قليله وكثيره الا من نام جالسا غير زائل عن مستوى الجلوس فلا ينتقض وضوؤه. وقال أبو حنيفة: النوم لا ينقض الوضوء إلا ان يضطجع أو يتكئ على احدى اليتيه أو احدى وركيه فقط، ولا ينقضه ساجدا أو قائما أو قاعدا أو راكعا. طال ذلك أو قصر ". (1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء.

[ 98 ]

عليه في التهذيبين، وذلك هو ظاهر الرواية الاولى. فان مجرد خفق الرأس سيما في حال الاشتغال بالصلاة لا يعبر به عن النوم المزيل للعقل بل من السنة المتقدمة له، كما تشعر به صحيحة زرارة المتقدمة (1) ويدل عليه ما في الصحاح، حيث قال: (خفق: حرك رأسه وهو ناعس). واما نقل عن الصدوق في الفقيه - من عدم النقض بالنوم الا حالة الانفراج، بناء على ما رواه فيه من خبري سماعة وما أرسله عن الكاظم (عليه السلام) (2) - ففيه انه (قدس سره) قد صدر الباب بصحيحة زرارة المذكورة هنا (3) في صدر الروايات الدالة على النقض بالنوم من حيث كونه مذهبا للعقل، لتعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلية، واحتمال عمله بالروايات الاخيرة مخصصة بصحيحة زرارة - كما فهمه عنه من نقل عنه القول بذلك في الكتاب المذكور - ليس اولى من عمله بالصحيحة المذكورة، حيث صدر بها الباب. وحمل ما عداها من رواية سماعة على ما هو الظاهر منها من النعاس دون النوم كما ذكرنا، ومن المرسلة الثانية على التقية، ولا ينافيه ما ذكره في اول كتابه من كونه إنما قصد ايراد ما يفتى به ويحكم بصحته، إذ من المحتمل قريبا ان مراده بما يفتى به يعني يجزم بصحته ووروده عن المعصوم وان كان له نوع تخريج وتأويل، فيصير عطف الجملة الثانية في كلامه للتفسير. وحمل مجرد روايته لبعض الاخبار الظاهرة المخالفة للمذهب كهذه الرواية ورواية الوضوء بماء الورد (4) ونحوهما على كون ذلك مذهبا له - سيما مع ايراد المعارض كما هنا - بعيد جدا. وكيف كان فالقول بذلك مردود وقائله أعلم به. ومما يدل على النقض في خصوص هذا الموضع - زيادة على ما تقدم - صحيحة


(1) و (3) في الصحيفة 95 (2) المتقدمين في الصحيفة 96 (4) وهى رواية محمد بن عيسى المتقدمة في الصحيفة 394 من الجزء الاول.

[ 99 ]

معمر بن خلاد (1) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسائد، فربما اغفى وهو قاعد على تلك الحال. قال: يتوضأ. قلت له: ان الوضوء يشتد عليه لحال علته ؟ فقال: إذا خفي عليه الصوت فقد وجب الوضوء عليه...). وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخفقة والخفقتين. فقال: ما ادري ما الخفقة والخفقتان ؟ ان الله تعالى يقول: (بل الانسان على نفسه بصيرة) (3) ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء). فوائد: (الاولى) - ظاهر الاخبار المتقدمة ان سببية النوم للوضوء إنما هي من حيث كونه حدثا موجبا لذلك، وبه جزم بعض افاضل متأخري، ونقل ان الظاهر انه هو المشهور بين الاصحاب، لا باعتبار احتمال الحدث حالته كما ربما يفهمه بعض عبائر الاصحاب، وهذا هو المعنى المراد من حسنة اسحاق بن عبد الله الاشعري المتقدمة (4) إذ الظاهر ان غرضه (عليه السلام) بيان ان ناقضية النوم من حيث انه حدث لا من جهة انه مظنة للحدث كما زعمته العامة (5) فيكون الغرض من الخبر الرد عليهم في ذلك. وظني ان ما توهمه جملة من متأخري اصحابنا ومتأخريهم (رضوان الله عليهم) في المعنى الخبر - من الاحتمال ولزوم الاشكال في ترتيب الاشكال التي


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) سورة القيامة. الآية 15. (4) في الصحيفة 95 (5) تقدم فيما نقلناه عن بدائع الصنائع في التعليقة د ص 96 ما يؤيد ذلك وان كان قول ابن حزم في المحلى فيما نقلناه عنه في التعليقة المذكورة: " النوم في ذاته حدث " ينافى ذلك.

[ 100 ]

يبتني عليها الاستدلال حتى اوسعوا في المخرج عن ذلك دائرة الاحتمال - ليس بذلك المراد في المقام ولا المقصود لهم (عليهم السلام) إذ لا يخفى على المتتبع لجملة اخبارهم والمتطلع في احكامهم وآثارهم ان غرضهم من القاء الكلام إنما هو افادة الاحكام الشرعية وبيان المعارف الدينية دون التنبيه على الدقائق اللغوية وما لا نفع له في الدين والدنيا بالكلية وان اباه من توفرت رغبته في العلوم العقلية، وحينئذ فما ربما يشعر به ظاهر رواية الكناني المتقدمة (1) - من ترتب الوضوء على عدم حفظ الحدث منه الموهم بان نقض النوم إنما هو لاحتمال الحدث حالته - مما يجب ارتكاب التأويل فيه جمعا، بان يجعل عدم حفظ الحدث منه - ان كان - دليلا على غلبة النوم على العقل كعدم سماع الصوت مثلا. لكن روى الصدوق (قدس سره) في العلل والعيون (2) بسند معتبر عن الفضل بن شاذان في العلل التي رواها عن الرضا (عليه السلام) قال: (فان قال قائل: فلم وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم دون سائر الاشياء ؟ قيل: لان الطرفين هما طريق النجاسة، إلى ان قال: واما النوم فان النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شئ منه واسترخى، فكان اغلب الاشياء فيما يخرج منه الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلة... الحديث). وهو - كما ترى - صريح في الدلالة على ان نقض النوم انما هو لاحتمال خروج الحدث، وهو مشكل، لان قصارى ما يفيده احتمال خروج الناقض بالنوم، وهو لا ينقض يقين الطهارة، لما ثبت بالاخبار المستفيضة من عدم نقض اليقين بالشك، ولا سيما موثقة ابن بكير (3) الدالة على المنع من الوضوء حتى يستيقن الحدث. ولا ريب ان الترجيح لهذه الاخبار لصحتها سندا، وصراحتها دلالة،


(1) في الصحيفة 95 (2) رواه في العلل في الصحيفة 96، وفى العيون في الصحيفة 290، وفى الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) الآتية في الصحيفة 101

[ 101 ]

واعتضادها بعمل الفرقة الناجية بها سلفا وخلفا في مواضع عديدة. والظاهر في الخبر المذكور ان ذكر احتمال خروج الحدث ليس على جهة العلية في النقض بل لبيان الحكمة في نقض النوم، كما في سائر العلل نقلها، فان اكثر العلل الواردة في الاخبار اما لتقريب الافهام القاصرة بالنكت البينة الظاهرة، أو لبيان الداعي إلى الفعل، أو لبيان وجه المصلحة، أو نحو ذلك، وحينئذ فلا يلزم استناد النقض إلى احتمال الحدث ليترتب عليه الاشكال المذكور. (الثانية) - قال في التذكرة: (لو شك في النوم لم تنتقض طهارته، وكذا لو تخايل له شئ ولم يعلم انه منام أو حديث النفس، ولو تحقق انه رؤيا نقض) انتهى. وقال في المدارك بعد نقله: (وهو كذلك) انتهى. اقول: فينبغي ان يراد بالشك الذي لا يعارض به اليقين ما هو أعم منه ومن الظن، لانه المستفاد من الاخبار: ومنها - صحيحة زرارة المتقدمة (1) آخر الروايات الاولى. وموثقة عبد الله بن بكير (2) قال: (إذا استيقنت انك احدثت فتوضأ، واياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت). وصحيحة زرارة الطويلة (3) وفيها (قلت: فان ظننت انه أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه ؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك


(1) في الصحيفة 95. (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 44 - من ابواب الوضوء. والرواية - كما في كتب الحديث - يرويها عبد الله بن بكير عن ابيه عن الصادق (عليه السلام). (3) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في الباب - 7 - و 37 و 41 و 42 و 44 - من ابواب النجاسات.

[ 102 ]

قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا... الحديث). وحينئذ فما يظهر من كلام بعض من إلحاق الظن باليقين ليس بجيد. ثم ان في قوله: (ولو تحقق انه رؤيا نقض) نظرا نبه عليه بعض محققي متأخري المتأخرين، قال: (إذ يمكن ان تتحقق الرؤيا مع عدم ابطال السمع والعقل إذا قوي الخيال كما تشهد به التجربة، وحينئذ فالحكم بالنقض مشكل) انتهى. وهو جيد. (الثالثة) - روى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) (في الرجل هل ينقض وضوؤه إذا نام وهو جالس ؟ قال: ان كان يوم الجمعة وهو في المسجد فلا وضوء عليه، وذلك انه في حال ضرورة). وظاهر الخبر - كما ترى - لا يخلو من الاشكال، وحمله الشيخ (رحمه الله) على عدم التمكن من الوضوء وان عليه التيمم، قال: (لان ما ينقض الوضوء لا يختص بيوم الجمعة، والوجه فيه انه يتيمم ويصلي فإذا انفض الجمع توضأ واعاد الصلاة، لانه ربما لا يقدر على الخروج من الزحمة). واعترضه المحقق الشيخ حسن صاحب المنتقى في الكتاب المذكور بان فيما ذكره (رحمه الله) بعدا قال: (ولعل الوجه في ذلك مراعاة التقية بترك الخروج للوضوء في تلك الحال، أو عدم تحقق القدر الناقض من النوم مع رجحان احتماله بحيث لو كان في غير الموضع المفروض لحسن الاحتياط بالاعادة، وحيث انه في حال ضرورة فالاحتياط ليس بمطلوب منه) انتهى. واعترضه اخوه لامه الفاضل السيد نور الدين في شرحه على المختصر، فقال بعد نقل هذا الكلام: (ولا يخفى ان ما استبعده من حمل الشيخ ليس بابعد من هذا الحمل على كلا توجيهيه (اما الاول) فلان تحقق التقية في مثله في غاية الندور، لانه


(1) رواه في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء.

[ 103 ]

موقف على انحصار سبب الوضوء في ذلك عند من يتقى منه، ومتى يحصل هذا الحصر مع تجويز خلافه من الحدث الذي قد لا يدركه غير صاحبه ؟ ولا شك ان الدخول في الصلاة بغير طهارة كيف كان لم يعهد جوازه في الشرع ولو مع الضرورة، كما يدل عليه ما رواه الصدوق (رحمه الله) عن مسعدة بن صدقة (1) ان قائلا قال لجعفر بن محمد (عليهما السلام): (جعلت فداك اني امر بقوم ناصبية وقد اقيمت لهم الصلاة وانا على غير وضوء، فان لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاءوا ان يقولوا، أفاصلي معهم ثم اتوضأ واصلي إذا انصرفت ؟ فقال جعفر (عليه السلام): سبحان الله اما يخاف من يصلي على غير وضوء ان تأخذه الارض خسفا ؟) على انه لو تم ذلك فلا يلائم عدم وجوب الاعادة مطلقا، للاتفاق على بطلان الصلاة مع فقد الطهارة، وربما كانت تلك الصلاة واجبة كما هو الظاهر. و (اما الثاني) - فلان حمله على عدم تيقن النقض لا يوافق تقييده بالضرورة، لانه على هذا التقدير لا شبهة في عدم وجوب الوضوء مطلقا، بل لا يسوغ الاحتياط بفعله، للنهي عن نقض اليقين بالشك وانه لا ينقض إلا بيقين آخر، كما دلت عليه زواية زرارة المتقدمة (2) وموثقة بكير بن اعين (3) صريحة في ذلك، حيث قال في آخرها: اياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت) انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه (اولا) - ان ما ذكره - في التوجيه الاول من معنى التقية - الظاهر انه ليس بمراد ذلك القائل، بل الظاهر ان مراده إنما هو الخوف الناشئ من التهمة بترك الصلاة لخروجه من المسجد في اثناء الصلاة، سيما مع استلزامه التخطي بين الصفوف


(1) ج 1 ص 251، وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الوضوء (2) وقد تقدمت في الصحيفة 95 (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 44 - من ابواب الوضوء، وقد تقدمت في الصحيفة 101.

[ 104 ]

المحظور عندهم، ولعل في قوله: (في تلك الحال) اشارة إلى هذا المعنى الذي ذكرناه لا التقية بالنقض بالنوم من حيث انه ليس بناقض عندهم كما توهمه. نعم ينقدح عليه ما ذكره من لزوم الدخول في الصلاة بغير وضوء مع ورود الخبر المذكور بالمنع منه وان كان تقية. إلا ان الخبر المشار إليه لا يخلو ايضا من الاشكال الموجب لضعف الاستدلال و (ثانيا) - ان ما طعن به على التوجيه الثاني غير موجه. وذلك فان الظاهر ان مراد ذلك القائل ان التقييد بالضرورة إنما هو للاحتياط بالوضوء وعدمه كما هو صريح آخر كلامه، فقول المعترض: - (لانه على هذا التقدير... الخ) - ليس في محله. قوله: (بل لا يسوغ الاحتياط بفعله... الخ) - مردود (اولا) - بعموم اخبار الاحتياط الشاملة لما نحن فيه. و (ثانيا) - بان ما استند إليه من الاخبار محمول على الوضوء بقصد الوجوب، فانه المستلزم لنقض اليقين لا مطلقا. والا لا نتقض بالوضوء المجدد مع ثبوته اجماعا نصا وفتوى (الرابعة) - المشهور - بل ادعى عليه غير واحد من متأخري اصحابنا الاجماع - على عد مزيل العقل من اغماء وسكر وجنون ونحوها من جملة الاسباب الموجبة للوضوء، والمذكور في كلام الشيخين في المقنعة والتهذيب - وهو الذي ادعى عليه في التهذيب الاجماع - المرض المانع من الذكر، كالمرة التي ينغمر بها العقل والاغماء، والمراد بالمانع من الذكر - كما استظهره بعض الفضلاء من كلامه - ان لا يكون الانسان معه ضابطا لما يكون منه من حدث. واما ذكر الجنون والسكر - والاستدلال عليهما بصحيحة معمر بن خلاد (1) التي استدل بها في التهذيب على ما ذكره - فهو من زيادات العلامة والشهيد (رحمهما الله تعالى) قال في التهذيب بعد نقل الرواية المذكورة: قوله (عليه السلام): (إذا خفي عنه


(1) المتقدمة في الصحيفة 99

[ 105 ]

الصوت فقد وجب الوضوء عليه) يدل على ما ذكره من اعادة الوضوء من الاغماء والمرة وكل ما يمنع من الذكر. انتهى. واورد عليه ان الاغماء لغة بمعنى النوم. فقوله (عليه السلام): (إذا خفي عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه) في قوة قوله: (إذا خفى عنه الصوت في حال اغفائه فقد وجب عليه الوضوء). واجيب بان كلامه (عليه السلام) مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة. ورد بان المحدث عنه هو ذلك الرجل الذي غفي وهو قاعد. فلا يكون مطلقا بل مقيدا بالنوم. وحينئذ فلا دلالة للخبر على المدعى. وتمحل بعض متأخري المتأخرين في لفظ الاغفاء، فاستظهر حمله في الرواية على الاغماء مستندا إلى دلالة (ربما) على التكثير، قال: (بل هو الغالب فيها كما صرح به في مغنى الليب، بل ذكر الشيخ الرضي (رحمه الله) ان التكثير صار لها كالمعنى الحقيقي والتقليل كالمعنى المجازي المحتاج إلى القرينة، والذي يكثر في حال المرض هو الاغماء دون النوم) انتهى. ولا يخفى ما فيه. وكيف كان فالخبر المذكور اخص من المدعى، لاختصاصه بما خفي فيه الصوت، فلا يتناول مثل الجنون والسكر ونحوهما مع عدم خفاء الصوت. وربما استدل ايضا بتعليق نقض النوم بذهاب العقل فيما تقدم من الاخبار، كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة عن الصادقين (عليهما السلام) (1): (والنوم حتى يذهب العقل..) وفى صحيحة ابن المغبرة (2): (إذا ذهب النوم بالعقل...). ورد بان غاية ما تدل عليه تلك الاخبار هو نقض النوم عند ذهاب العقل وعدم نقضه قبله، وبمجرد هذا الدوران لا تثبت العلية، لجواز أن لا يكون له دخل في العلية


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) المروية الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء.

[ 106 ]

أصلا، أو تكون خصوصية النوم شرطا في النقض ايضا، فلا تثبت العلية له مجردا. وصار بعض إلى الاستلال على ذلك بما دل على حكم النوم من باب التنبيه والاولوية، قال: (فانه إذا وجب الوضوء بالنوم الذي يجوز معه الحدث كما تدل عليه اناطته بازالة العقل وجب بالاغماء والسكر بطريق أولى) انتهى. وفيه انك قد عرفت مما سبق ان ظاهر الاخبار كون النوم من حيث هو ناقضا لا من حيث احتمال طرو الحدث حالته، وان ما دل على خلاف ذلك فانه - عدم الصراحة - معارض بما هو اقوى منه. والاولوية التي ادعاها انما تثبت لو ثبت ان العلة في نقض النوم ما ادعاه. وظاهر المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) الاستدلال على ذلك بصحيحة معمر بن خلاد (1) وتعدية الحكم إلى ما خفى فيه الصوت من سكر ونحوه - لا في الجنون ولا في كل افراد السكر - بطريق تنقيح المناط كما قدمنا الاشارة إليه. وفيه ما عرفت من جواز مدخلية خصوص النوم في العلية، والغاؤها - ليثبت الحكم كليا كما هو معنى تنقيح المناط - يحتاج إلى دليل. والعجب منه (رحمه الله) في ادعائه فيما تقدم من كلامه قطعية أحد فردي تنقيح المناط وعده ما هنا وهناك من قبيل ذلك من غير ايراد برهان واضح على ما ادعاه من القطعية، بل ولا الاشارة إلى ذلك بالكلية، مع كونه لا يعتمد على الظن وان كان مستفادا من الدليل، بل يمنع من سلوك تلك السبيل وينسب من سلكه إلى الضلال والتضليل، كما اطال به في الفوائد المدنية التشنيع والتسجيل. والتحقيق في المقام ان يقال: انك إذا رجعت إلى الروايات المتقدمة في المسألة وضممت بعضها إلى بعض وجدتها متفقة على النقض بالنوم، لكن ربما حصل الاشكال


(1) المتقدمة في الصحيفة 99

[ 107 ]

فيما به يتحقق ذلك، ومن ثم كثر السؤال عنه في الاخبار، كما يدل عليه اخبار الخفقة والخفقتين ونحوها، فجعلوا (عليهم السلام) له مناطا يعلم به وحده يرجع إليه، وهو غلبته على العقل تارة وعدم السماع اخرى، وربما جمعوا بينهما، وحينئذ فهذه الاشياء لا تصلح لعلية النقض مطلقا، لان الشارع إنما جعلها مناطا لاستعلام الناقض، فتعدية النقض إليها - والغاء خصوصية النوم من البين - أمر لا أثر له في الاخبار ولا عين. وبعض فضلاء متأخري المتأخرين - حيث ضاق عليه المجال في المقام بما وقع فيه من النقض والابرام - تشبث بذيل الاجماع. وانت خبير بما فيه من المناقشة والنزاع نعم روى في كتاب دعائم الاسلام (1) عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام): (ان الوضوء لا يجب الا من حدث، وان المرء إذا توضأ صلى بوضوئه ذلك ما شاء من الصلوات ما لم يحدث أو ينم أو يجامع أو يغم عليه أو يكون منه ما يجب منه اعادة الوضوء) إلا ان الكتاب المذكور قد عرفت ما في الاعتماد عليه فيما سبق (2). هذا ما يقتضيه النظر في أدلة المسألة، والاحتياط مما لا تهمل المحافظة عليه. واما ما بعض أقسام المستحاضة الذي هو أحد أسباب الوضوء فسيأتي تحقيقه في محله (البحث الثالث) - الاشهر الاظهر انه لا يوجب الوضوء غير ما قدمنا ذكره وههنا اشياء قد اختلفت فيها الاخبار، وبذلك وقع الاختلاف فيها بين علمائنا الابرار. (فمنها) - المذي، والمشهور عدم ايجابه الوضوء، وذهب ابن الجنيد إلى انه متى كان من شهوة أوجب الوضوء، وربما أشعر كلام الشيخ في التهذيب بموافقته له فيما إذا كان كثيرا خارجا عن المعتاد، لكن الظاهر انه لا يثبت بمجرد ذلك كونه مذهبا له، فانه ذكره في مقام الاحتمال للجمع بين الاخبار، ومثله لو عد مذهبا له لم تنحصر مذاهبه. والاخبار الدالة على القول المشهور متكاثرة:


(1) ج 1 ص 123 (2) ص 44

[ 108 ]

و (منها) - الاخبار الدالة على الحصر في الاسباب المتقدمة حسبما قدمنا (1). (منها) - حسنة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (ان سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي وانت في الصلاة، فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وان بلغ عقبيك، فانما ذلك بمنزلة النخامة... الحديث). وعلى هذا المنوال صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (3) وحسنة بريد بن معاوية (4) وحسنة محمد بن مسلم (5) وصحيحة زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم (6) وصحيحة ابن ابي عمير عن غير واحد من اصحابنا (7) وفيها تصريح بكون المذي من الشهوة، وموثقة اسحاق بن عمار (8) ورواية عمر بن حنظلة (9) ورواية عنبسة بن مصعب (10) ومرسلة ابن رباط (11) وظاهرها تخصيص المذي بما يخرج من الشهوة. ويدل على ما ذكره ابن الجنيد روايات: (منها) صحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع (12) قال: (سألت الرضا (عليه السلام) عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم اعدت عليه في سنة اخرى فأمرني بالوضوء منه. وقال: ان علي ابن ابى طالب (عليه السلام) امر المقداد بن الاسود ان يسأل النبي (صلى الله عليه وآله) واستحيى ان يسأله، فقال: فيه الوضوء). ويرد على الاستدلال بهذه الرواية (اولا) - ان موثقة اسحاق بن عمار المشار إليها آنفا عن الصادق (عليه السلام) (تضمنت ان عليا (عليه السلام) كان رجلا مذاء


(1) في الصحيفة 87 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (8) و (9) و (11) و (12) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء. (7) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء. (10) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 4 و 7 - من ابواب الجنابة.

[ 109 ]

واستحيى ان يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكان فاطمة، فامر المقداد ان يسأله وهو جالس، فسأله فقال: ليس بشئ) والترجيح لهذه الرواية لاعتضادها بالاخبار المستفيضة المتقدمة. و (ثانيا) - ان الراوي المشار إليه بعينه روى في الصحيح عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم اعدت عليه سنة اخرى، فأمرني بالوضوء منه، وقال: ان عليا (عليه السلام) أمر المقداد ان يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستحيى ان يسأله، فقال: فيه الوضوء. قلت: فان لم اتوضأ ؟ قال لا بأس) ومن القواعد المقررة عندهم انه إذا روي الخبر تارة مع زيادة واخرى بدونها عمل على تلك الزيادة ما لم تكن مغيرة، هذا الخبر مما يدل على ان الامر بالوضوء فيما تضمنه من تلك الاخبار على الاستحباب. ثم ان الظاهر ان هذه الرواية لا تصلح مستندا لما ذهب إليه ابن الجنيد لتخصيصه الناقض من المذي بما يخرج بشهوة، وهذه الرواية مطلقة، وحملها على الخارج بشهوة ليس أولى من الحمل على الاستحباب لما علمت.. ومما يدل ايضا على ما ذهب إليه صحيحة علي بن يقطين (2) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي أينقض الوضوء ؟ قال: ان كان من شهوة نقض). ورواية ابي بصير (3) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): المذي يخرج من الرجل ؟ قال: أحد لك فيه حدا ؟ قال: قلت: نعم جعلت فداك. قال: ان خرج منك على شهوة فتوضأ، وان خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء) ونحوهما رواية الكاهلي (4). والاستدلال بهذه الروايات ايضا لا يخلو من الاشكال:


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء.

[ 110 ]

(اما اولا) - فلان ظاهر مرسلة ابن رباط المتقدمة (1) - حيث قال فيها: (واما المذي فانه يخرج من الشهوة) - اختصاص المذي بالخارج عن شهوة، ويؤيده ما ذكره في الفقيه (2) حيث قال: (والمذي ما يخرج قبل المني) وكلام أهل اللغة ايضا، حيث خصوه بذلك ايضا، ولذلك عرفه شيخنا الشهيد الثاني بانه ماء رقيق لزج يخرج عقيب الشهوة، ونظم ذلك بعض متأخري علمائنا فقال: المذي ماء رقيق اصفر لزج * خروجه بعد تفخيذ وتقبيل وحينئذ فما اشتملت عليه هذه الاخبار - من وجود فرد له ليس عن شهوة - مشكل و (ثانيا) - انه قد روى يعقوب بن يقطين في الصحيح (3) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمذي وهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة. قال: المذي منه الوضوء) فانها دالة على ثبوت الوضوء منه وان لم يكن عن شهوة. وحمل الشيخ (رحمه الله) - الخبر المذكور على التعجب والاستفهام الانكاري - لا يخلو من بعد. وظاهر جماعة من متأخري متأخرينا (رضوان الله عليهم) حمل هذه الاخبار كلا على الاستحباب جمعا، وايدوه بصحيحة ابن بزيع الثانية (4) وهو وان احتمل إلا ان الظاهر ان الاقرب الحمل على التقية: (اما اولا) - فلانها - كما ذكرنا سابقا - هي الاصل في اختلاف الاخبار، والعامة كلهم إلا الشاذ منهم على النقض به (5).


(1) تقدمت الاشارة إليها في الصحيفة 108. (2) ج 1 ص 39 (3) رواه صاحب الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء. (4) المتقدمة في الصحيفة 109 (5) كما في بدائع الصنائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 25، والمغنى لابن قدامة الحنبلى ج 1 ص 170، والام للشافعي ج 1 ص 14. وفى شرح النووي على صحيح مسلم على هامش ارشاد الساري ج 2 ص 344 حكى عن ابى حنيفة والشافعي واحمد والجماهير انه يوجب الوضوء. وفى كتاب رحمة الامة في اختلاف الائمة على هامش الميزان للشعراني ج 1 ص 12 =

[ 111 ]

(لا يقال): انهم لا يخصون النقض بالخارج عن الشهوة كما هو ظاهر الاخبار. (لانا نقول): قد عرفت مما حققناه سابقا انه لا يشترط في الحمل على التقية وجود القائل بذلك، مع ان بعض هذه الاخبار المخالفة قد تضمنت النقض بكلا الفردين كما عرفت، وبعضا به مطلقا. و (اما ثانيا) - فلانها أحد طرق الترجيح عند تعارض الاخبار دون الحمل على الاستحباب والكراهة وان اشتهر بين اصحابنا الجمع بين الاخبار بذلك والغاء تلك واما الرواية اعني صحيحة محمد بن اسماعيل فيمكن حملها على ان نفي البأس عن عدم الوضوء بسببه مع عدم التقية، وهو لا ينافي الامر به تقية، فتحمل اوامره (عليه السلام) بالوضوء اولا مع النقل المذكور على التقية، ونفي البأس عن عدم الوضوء منه على عدمها. ولعل قرائن الحال في وقت السؤال كانت دالة على ذلك وان خفي علينا الآن العلم بذلك ومثله في الاخبار غير عزيز. وربما احتمل بعض فضلاء متأخري المتأخرين (رضوان الله عليهم) حمل مطلق الاخبار الواردة في المسألة على مقيدها، فيجب الوضوء مما خرج بشهوة. وفيه ان تقييد المطلق ارتكاب لما هو خلاف الظاهر فيه البتة، فلو أمكن التأويل في المقيد ولم يكن في ارتكابه خلاف الظاهر أو كان أقل مرتبة من الخلاف الذي في جانب المطلق، تعين التأويل في جانب المقيد ولم يرتكب حمل المطلق عليه. وما نحن فيه


= " والمذى ينقض الوضوء الا عند مالك " وفى عمدة القارئ للعينى شرح البخاري ج 2 ص 36 " لا خلاف في وجوب الوضوء منه ولا خلاف عى عدم وجوب الغسل " ثم نقل عن القاضى عياض المالكى " ان المذى المتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل اهله لما يجري من اللذة أو لطول العزوبة لا خلاف بين المسلمين في ايجاب الوضوء منه وايجاب غسله لنجاسته " وفى بداية المجتهد لابن رشد المالكى ج 1 ص 30 دعوى الاتفاق على نافضيته إذا كان خروجه على وجه الصحة لا المرض. ويظهر الاتفاق على ذلك من (الفقه على المذاهب الاربعة) ج 1 ص 77 حيث ذكرت ناقضيته ولم يذكر خلاف المذاهب فيها.

[ 112 ]

من قيل الثاني، لان المذي ان لم نقل بانه مخصوص بما يخرج عقيب الشهوة كما اسلفنا، وحينئذ فلا يكون من قبيل تعارض المطلق والمقيد، فلا أقل من ان يكون الغالب منه هو ما يكون عقيب الشهوة. وحينئذ فحمل تلك الاخبار المستفيضة المتكاثرة على ما هو الفرد النادر الغير المتعارف أشد خلافا للظاهر البتة من حمل تلك الروايات المخالفة على التقية كما اخترناه، أو الاستحباب كما نقلناه. و (اما ثالثا) - فلان صحيحة ابن ابي عمير (1) دلت على نفي الوضوء في المذي من الشهوة. وارسالها غير ضائر، لما تقرر عندهم من عد مراسيله في جملة المسانيد، فلا ينافي ارسالها الصحة سيما مع كونه رواها عن غير واحد من اصحابنا مما يؤذن باستفاضة الحكم بذلك. هذا ما اقتضاه النظر. والاحتياط في كل مقام من اعظم المهام. و (منها) - التقبيل، ومس الفرجين ظاهرا أو باطنا من محلل أو محرم، والقهقهة ولو في الصلاة، والحقنة والدم الخارج من السبيلين المشكوك في مصاحبة الناقض له خلافا لابن الجنيد في الاول مقيدا بكونه عن شهوة وكونه لمحرم، وفي الثاني مقيدا له بالباطن في فرجيه وبالباطن في فرج الغير بشرط الشهوة من المحلل والمحرم، وللصدوق ايضا في الثاني بالنسبه إلى الانسان نفسه في باطن دبره واحليله، ولابن الجنيد في الثالث مقيدا له بكونه في الصلاة متعمدا لنظر أو سماع ما اضحكه، وفي الرابع والخامس، مع انه سلم ان الدم الخارج من السبيلين إذا علم خلوه من النجاسة لا يعد ناقضا. واحتج على الاول برواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء). وعلى الثاني بالرواية المذكورة، وبموثقة عمار (3) قال: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره. قال: نقض وضوءه. وان مس باطن


(1) تقدمت الاشارة إليها في الصحيفة 108 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء

[ 113 ]

احليله فعليه ان يعيد الوضوء، وان كان في الصلاة قطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة، وان فتح احليله اعاد الوضوء واعاد الصلاة) وبمضمون هذه الرواية عبر في الفقيه (1) فقال: (وإذا مس الرجل باطن دبره أو باطن احليله فعليه ان يعيد الوضوء، وان كان في الصلاة قطع الصلاة وتوضأ وأعاد الصلاة، وان فتح احليله اعاد الوضوء والصلاة) انتهى. وعلى الثالث برواية سماعة (2) قال: (سألته عما ينقض الوضوء. قال: الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن إلا شئ تصبر عليه، والضحك في الصلاة، والقئ). واما الرابع فلم نقف له على دليل، والعلامة في المختلف مع تكلفه نقل الادلة لما ينقله فيه من الاقوال نقله ولم يذكر له دليلا، ويمكن استناده فيه إلى اطلاق بعض الاخبار الدالة على نقض ما يخرج من السبيلين. واما الخامس فنقل في المختلف عنه الاستدلال بانه بعد خروج الدم المشكوك في ممازجته للنجاسة شاك في الطهارة. فلا يجوز له الدخول في الصلاة، لان المأمور به الدخول بطهارة يقينية. والجواب عن ذلك (اولا) - بالمعارضة بالاخبار (3) الدالة على حصر الاسباب الموجبة فيما قدمناه مما اسلفنا ذكره واوسعنا نشره. و (ثانيا) - اما عن الاول فبالمعارضة بصحيحة الحلبي (4) قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القبلة تنقض الوضوء ؟ قال: لا بأس).


(1) ج 1 ص 39 (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) المتقدمة في الصحيفة 87 (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء.

[ 114 ]

وصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: (ليس في القبلة ولا في المباشرة ولا مس الفرج وضوء). ومثلها صحيحة زرارة الاخرى (2) ورواية عبد الرحمان ابن ابي عبد الله (3). واما عن الثاني فبالمعارضة بصحيحة زرارة المذكورة وموثقة سماعة (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو اسفل من ذلك وهو قائم يصلي، أيعيد وضوءه ؟ فقال: لا بأس بذلك، إنما هو من جسده). وصحيحة معاوية بن عمار (5) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة. قال: لا بأس). ومثلها رواية عبد الرحمان ابن ابي عبد الله وصحيحة زرارة. واما عن الرابع فبعدم الدليل، وضعف الاستناد إلى ما احتملناه له ظاهرا. واما عن الخامس فيما ذكره العلامة في المختلف، وحاصله ان ذلك يرجع إلى الشك في الحدث مع تيقن الطهارة. والتحقيق حمل ما تمسكوا به من الاخبار على التقية، حيث ان كثيرا من العامة بل الاكثر - كما يفهم من التذكرة - قائلون بمضمون ذلك (6) واما الحمل على الاستحباب


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء. (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء والباب - 26 - من قواطع الصلاة. (6) اما التقبيل ففى المغنى لابن القدامة الحنبلى ج 1 ص 192 " المشهور من مذهب احمد ان لمس النساء بشهوة ينقض الوضوء ولا ينقضه لغير شهوة، وهذا قول علقمة وابى عبيدة والنخعي والحكم وحماد ومالك والثوري واسحاق والشعبى، فانهم قالوا: يجب الوضوء على من قبل لشهوة ولا يجب على من قبل لرحمة. وممن أوجب الوضوء في القبلة ابن مسعود وابن عمر والزهري وزيد بن اسلم ومكحول ويحيى الانصاري وربيعة والاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي " وفى المدونة لمالك ج 1 ص 13 ما يوافق ذلك. =

[ 115 ]

فظني بعده وان صرح به جملة من الاصحاب واعتمدوه جمعا بين الاخبار في جملة الابواب بل صرح بعضهم بترجيح الجمع به بين الاخبار وان اطبق العامة على القول المخالف، وهو اجتهاد بحت في مقابلة النصوص، وتخريج صرف، بل خروج عن الطريق المنصوص


= واما مس الفرجين ففى المحلى لابن حزم ج 1 ص 235 ذكر في مقام بيان نواقض الوضوء: مس الرجل ذكر نفسه عمدا باي شئ كان سوى مسه بالفخذ والساق والرجل من نفسه، ومس المرأة فرجها عمدا كذلك، ومس الرجل ذكر غيره صغيرا كان أو كبيرا حيا أو ميتا، باى عضو مسه عمدا من جميع جسده، من ذى رحم محرمة أو من غيره، ومس المرأة فرج غيرها عمدا كذلك، وانه لا دخل للذة في شئ من ذلك، وفى ص 227 منه نسب الحكم بناقضية مس الفرج إلى سعد ابن ابى وقاص وابن عمر وعطاء وعروة وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وابان بن عثمان وابن جريح والاوزاعي والليث والشافعي وداود واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وغيرهم، وذكر ان الشافعي والاوزاعي خصا الوضوء من المس بباطن الكف دون ظاهرها. وان عطاء ابن ابى رباح لا يرى انتقاض الوضوء بمس الفرج بالفخذ والساق ويحكم بانتفاضة بالمس بالذراع. واما القهقة ففى البدائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 32 انها ناقضة للوضوء إذا كانت في الصلاة التى لها ركوع وسجود، فلا تكون حدثأ خارج الصلاة ولا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وان التبسم ليس بحدث. وفى المغنى ج 1 ص 177 نسب إلى اصحاب الرأى انه يجب الوضوء من القهقة داخل الصلاة دون خارجها، وقال: " وروى ذلك عن الحسن والنخعي والثوري ". واما الحقنة ففى كتاب الام للشافعي ج 1 ص 14 " ان جميع ما خرج من ذكر أو دبر أو حقنة ذكر أو دبر فخرج على وجهه أو يخلطه شيئ غيره ففيه كله الوضوء، لانه خارج من سبيل الحدث " وفى المغنى ج 1 ص 170 " ان كان المحتقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض الوضوء، وكذلك لو ادخل فيه ميلا أو غيره ثم خرج نقض الوضوء، لانه خارج من السبيل فنقض كسائر الخارج. ولو احتقن في دبره فرجعت اجزاء خرجت من الفرج نقض الوضوء ". واما الدم الخارج من السبيلين ففى المغنى ج 1 ص 169 نسبة الحكم بانتفاض الوضوء به إلى الثوري والشافعي واسحاق واصحاب الرأى. ويقتضى ذلك عموم عبارة الام =

[ 116 ]

و (منها) - القئ ولو عمدا، والرعاف، والحجامة، والشئ الخارج من غير السبيلين أو منهما غير مختلط بناقض، وانشاد الشعر وان كان باطلا أو فوق الاربعة ابيات، وغيبة المسلم، والاخذ من الشعر أو الظفر ولو بحديد، ومصافحة الكافر، ومس الكلب، وشرب ألبان الابل والبقر وأكل لحومهما، والودي الخارج بعد البول، وما ورد في بعضها محمول على التقية، لقول العامة بالنقض بذلك (1).


= المتقدمة في الحقنة. وفى شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 58 الحكم بناقضية كل خارج. وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 25 علل ناقضية البول والغائط والمذي والودى والمنى ودم الحيض والنفاس ودم الاستحاضة بانها كلها انجاس وقد انتقلت من الباطن إلى الظاهر فوجد خروج النجس من الآدمى الحى فيكون حدثا. (1) اما القئ ففى بدائع الصنائع ج 1 ص 25 " القئ ان كان مل ء الفم يكون حدثا وان كان اقل من مل ء الفم لا يكون حدثا. وعند زفر يكون حدثا قل أو كثر " ثم ذكر انه لا فرق بين اقسام القئ، وان الصحيح في تفسير مل ء الفم ان يكون عاجزا عن امساكه ورده. وفى المغنى ج 1 ص 186 " والقلس كالدم ينقض الوضوء منه ما فحش، وحكى عن احمد الوضوء إذا ملا الفم " والقلس كما في مقاييس اللغة لابن فارس والقئ. وفى الصحاح ما يخرج من الحلف مل ء الفم أو دونه وليس بقئ وان عاد فهو قئ. وفى شرح الزرقاني في مختصر ابى الضياء في الفقه المالكى ج 1 ص 91 نسبة ناقضية القئ والقلس إلى ابى حنيفة. واما الرعاف فيقتضى ناقضيته التعليل المتقدم عن بدائع الصنائع في التعليقة 6 ص 114 في الدم الخارج من السبيلين، واطلاق كلام ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 184، حيث ذكر ناقضية الخارج من البدن من غير السبيل إذا كان نجسا وان ذلك مروى عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء وقتادة والثوري واسحاق واصحاب الرأى، ونسب إلى ابى حنيفة ناقضية الدم إذا سال. وفى ص 186 ذكر ان القيح والصديد كالدم. واما الحجامة فقد نسبت ناقضيتها في الحاجم والمحتجم إلى ابى حنيفة في شرح الزرقاني على مختصر ابى الضياء ج 1 ص 91 واما الشئ الخارج من غير السبيلين فيظهر الحال فيه بما ذكرناه في الرعاف =

[ 117 ]

تذنيب الخارج من الاحليل خمسة: البول، والمني كظبي وصبي، والمذي على المثالين المذكورين، وزيد فيه ايضا الكسر مع التخفيف، قيل: واشهرها الاولى ثم الثانية، وقد عرفت معناه، والوذي بالمعجمة على المثالين الاولين: مايخرج بعد انزال المني، كما صرح به جملة من الاصحاب، ومنهم - صاحب كتاب مجمع البحرين فيه. قال: (وذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللغة) والودي بالمهملة على المثالين المتقدمين ايضا، وقيل ان ثانيهما اصح وافصح: البلل اللزج الذي يخرج من الاحليل بعد البول.


= واما ما يخرج منهما غير مختلط بناقض فيظهر الحال فيه بمراجعة ما ذكرناه في الحقنة وفى الدم الخارج من السبيلين في التعليقة 6 ص 114 واما انشاد الشعر ففى شرح الرزقانى على مختصر ابى الضياء ج 1 ص 91 نسبة ناقضيته إلى قوم. واما الاخذ من الشعر والظفر فقد نسب في بدائع الصنائع ج 1 ص 33 الحكم بانتفاض الوضو بقلم الظفر وجز الشعر وقص الشارب إلى ابراهيم النخعي واما مصاحفة الكافر ففى الميزان للشعر انى ج 1 ص 102 نسبة ناقضية مس الكافر إلى بعض العلماء واما شرب البان الابل ففى المغنى ج 1 ص 190 " وفى شرب لبن الابل روايتان احداهما انه ينقض الوضوء والاخرى لا ينقضة " واما اكل لحوم الابل ففى المغنى ج 1 ص 187 " واكل لحم الابل ينقض الوضوء على كل حال نيا ومطبوخا عالما أو جاهلا، وبه قال جابر بن سمرة ومحمد بن اسحاق واسحاق وابو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر وهو احد قولي الشافعي قال الخطابى: ذهب إلى هذا عامة اصحاب الحديث " وفى شرح الزرقاني ج 1 ص 91 نسبة ذلك إلى احمد. واما الودى فقد نص على ناقضيته في بدائع الصنائع ج 1 ص 25 وفى بداية المجتهد لابن رشد المالكى ج 1 ص 30 وفى الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 77 مع عدم ذكر خلاف المذاهب فيه، وفى الام للشافعي ج 1 ص 14 وفى شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 58، الا انه في الاخيرين ذكر بنحو العموم.

[ 118 ]

فاما البول والمذي فقد عرفت حكمهما، واما المني فسيأتي ان شاء الله تعالى حكمه في بابه، واما الاثنان الباقيان فطهارتهما وعدم انتقاض الوضوء بهما متفق عليه فتوى، وهو الاشهر نصا. ومن الاخبار المشتملة على تفصيل ذلك مرسلة ابن رباط المشار إليها آنفا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (يخرج من الاحليل المني والمذي والوذي والودي فاما المني فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر منه الجسد، وفيه الغسل، واما المذي فانه يخرج من الشهوة ولا شئ فيه، واما الودي فهو الذي يخرج بعد البول، واما الوذي فهو الذي يخرج من الادواء، ولا شئ فيه) قوله (عليه السلام): (يخرج من الادواء) جمع داء وهو المرض، ولعل المعنى انه يخرج بسبب الامراض، ونقل بعض مشايخنا عن بعض نسخ الاستبصار: (الاوداج) بدل (الادواء) قال: (وكأنه اريد بها العروق مطلقا وان كان الودج في الاصل عرق العنق) انتهى. وقال الصدوق في الفقيه (2): (وهي اربعة اشياء: المني والمذي والوذي والودي إلى ان قال: والمذى ما يخرج قبل المني، والوذى ما يخرج بعد المني على اثره، والودى ما يخرج على اثر البول... الخ). وابهام حكم الودى في الخبر المذكور - وعدم التعرض لحكمه - غير ضائر بعد اجماع الفرقة المحقة على طهارته وعدم نقضه، كما هو صريح كلام شيخنا الصدوق هنا وغيره، ودلالة ما قدمنا (3) من الاخبار الحاصرة الدالة على عدم النقض بامثاله، لكن روى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (ثلاث يخرجن من الاحليل، وهن: المني ومنه الغسل والودى ومنه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول، قال: والمذى ليس فيه وضوء، إنما ه وبمنزلة ما يخرج من الانف)


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء (2) ج 1 ص 39 (3) في الصحيفة 87

[ 119 ]

وحمله الشيخ على ما إذا لم يكن قد استبرأ من البول، مستدلا بالتعليل بخروجه من دريرة البول أي محل سيلانه، وذلك لانه لا يخرج إلا ومعه شئ من البول. وهو جيد. فذلكة ما ذكرنا من الاحداث المتقدمة قد يعبر عنها بالاسباب تارة باعتبار استلزامها لذاتها الطهارة وجوبا أو ندبا. فلا يرد حدث الصبي والمجنون والحائض، فان حدثهم بحسب ذاته مستلزم للطهارة وإنما تختلف لعارض، وهو فقد الشرط في الاولين ووجود المانع في الثالث، وتخلف الحكم لفقد شرط أو وجود مانع لا يقدح في السببية، وقد يعبر عنها بالموجبات باعتبار ايجابها الطهارة عند المخاطبة بواجب مشروط بالطهارة فيما يجب لغيره على المشهور، وعند وجود السبب على القول بالوجوب النفسي، وقد يعبر عنها بالنواقض باعتبار نقضها لما تعقبه من الطهارة. والمشهور ان السبب اعم مطلقا، اما من الناقض فلاجتماعهما في حدث تعقب طهارة. وتخلف السبب فيما عدا ذلك. واما من الموجب فلاجتماعهما في حال اشتغال الذمة بمشروط بالطهارة، وانفراد السبب بحال براءة الذمة من ذلك. والنسبة بين الناقض والموجب العموم من وجه، لصدق الناقض بدون الموجب في حدث تعقب طهارة صحيحة مع خلو الذمة من مشروط بها، وصدق الموجب بدون الناقض في الحدث الحاصل عقيب التكليف بصلاة واجبة من غير سبق طهارة واعترض بعض المتأخرين على ذلك بان الجنابة ناقضة للوضوء وليست سببا له، وكذا وجود الماء بالنسبة إلى التيمم، فلا يكون بين الناقض والسبب عموم مطلق بل من وجه. واجيب بان الكلام إنما هو في اسباب الطهارات وموجباتها ونواقضها، كما هو المصرح به في بعض عباراتهم، فالنقض بالجنابة غير جيد، لانها سبب في الطهارة، ويمكن التزام ذلك في وجود الماء ايضا، لانه معرف لوجوبها.

[ 120 ]

ثم انه يرد ايضا ان النقض بالامرين غير مستقيم، فان البحث ان كان في اسباب الوضوء ونواقضه وموجباته فلا يرد الثاني، وان كان في الاعم فلا يرد الاول. واستظهر السيد السند في المدارك ان النسبة بين الثلاثة الترادف، قال: (فان وجه التسمية لا يجب اطراده) انتهى. وهو مبني على ان الظاهر من الاسباب ما من شأنه ان يتسبب للوجوب، وكذلك الظاهر من الناقض ما من شأنه النقض، وكذلك الموجب، وظاهر ما تقدم من كلامهم اعتبار ذلك في السبب خاصة دون الآخرين. وهو تحكم المطلب الثاني في الغاية، وهي قد تكون واجبة تارة فيجب الوضوء لها، وقد تكون مندوبة اخرى فيكون الوضوء لها مندوبا، فالكلام يقع في هذا المطلب في مقصدين: المقصد الاول في الغاية الواجبة، وفيه مسائل: (المسألة الاولى) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الوضوء للصلاة الواجبة، بل ربما كان من ضروريات الدين. واستدل عليه ايضا بقوله تعالى: (... إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... الآية) (1) فان صيغة الامر للوجوب، وسياق الكلام دال على انه للصلاة، لانه إذا قيل: (إذا لقيت العدو فخذ سلاحك) و (إذا أردت الامير فالبس ثيابك) يفهم منه عرفا لن أخذ السلاح ولبس الثياب لاجل لقاء العدو والامير، فقد دل على المدعى بتمامه ويرد عليه ان المروي في تفسير الآية ان المراد بالقيام فيها القيام من حدث النوم، كما رواه الشيخ عن ابن بكير في الموثق (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام)


(1) سورة المائدة. الآية 6. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. الحدائق 15

[ 121 ]

قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة، ما يعنى بذلك: إذا قمتم إلى الصلاة ؟ قال: إذا قمتم من النوم... الحديث) ونقل العلامة في المنتهى وقبله الشيخ في التبيان اجماع المفسرين على ذلك، وحينئذ فلا يتم الاستدلال بها مطلقا، إلا ان يضم إلى ذلك عدم القول بالفرق بين الاحداث، فيتم الاستدلال. وفيه ما فيه ويدل عليه ايضا من الاخبار ما هو متفرق في جملة من موارد الاحكام: ومنها - الاخبار الواردة في المستحاضة (1) (إذا جاز دمها الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين والفجر، والوضوء لكل صلاة). ومنها - الاخبار الواردة في المتيمم (2) (إذا وجد الماء بعد ما صلى في آخر الوقت فاليتوضأ لما يستقبل). ومنها - الاخبار الدالة على اعادة الصلاة والوضوء بنسيان شئ من اجزاء الوضوء (3) إلى غير ذلك من الاخبار التي لا حاجة إلى التطويل بنقلها بعد ثبوت الاتفاق بل الضرورة. ولا يرد النقض بصلاة الجنازة، إذ اسم الصلاة حقيقة إنما يقع على ذات الركوع والسجود، ويدل عليه صريحا ما رواه الصدوق في كتاب العلل (4) عن الفضل بن شاذان


(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاستحاضة ولا يخفى انه لم يرد في شئ من اخبار الاستحاضة الجمع بين الاغسال الثلاثة للظهرين والعشاءين والفجر وبين الوضوء لكل صلاة في مورد واحد كما هو مفاد عبارته (قده) بل ظاهرها اغناء الاغسال في مورد وجوبها عن الوضوء وان وجوب الوضوء لكل صلاة في غير مورد وجوب الاغسال كما سيأتي اختيار ذلك منه (قده) في محله. (2) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب التيمم. (3) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الوضوء. (4) في الصحيفة 96 و 99 وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 21 - من ابواب صلاة الجنازة.

[ 122 ]

عن الرضا (عليه السلام) انه قال: (إنما جوزنا الصلاة على الميت بغير وضوء لانه ليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما يجب الوضوء في الصلاة التي فيها ركوع وسجود... الحديث) (المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف - كما ادعاه جمع من الاصحاب - في وجوب الوضوء للطواف الواجب، وعليه تدل صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: (سألت حدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور. قال: يتوضأ ويعيد طوافه...). (المسألة الثالثة) لو وجوب مس خط المصحف على المكلف - اما بسبب من قبله كالنذر وشبهه أو لا من قبله كاصلاح فيه ونحوه على القول بوجوب ذلك، فهل يجب الوضوء ذلك أم لا ؟ قولان مبنيان على تحريم المس على المحدث وعدمه. والمشهور الاول، ونقل القول بالكراهة عن الشيخ في المبسوط وابن البراج وابن ادريس، واليه مال جملة من متأخري المتأخرين. والظاهر الاول، ويدل عليه قوله تعالى: (انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) (2) المفسر في رواية ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: (المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا، ولا تمس خطه ولا تعلقه ان الله تعالى يقول: لا يمسه إلا المطهرون) وفي بعض نسخ الحديث (خيطه) مكان (خطه) وروى مثله مرسلا في كتاب مجمع البيان (4) عن الباقر (عليه السلام) حيث قال - بعد ذكر احتمال تفسير المطهرين بالملائكة أو المراد المطهرين من الشرك - ما لفظه: (وقيل المطهرون من الاحداث والجنابات، وقالوا: لا يجوز للجنب والحائض والمحدث مس المصحف


(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الطواف. (2) سورة الواقعة. الآية 76 و 77 و 78 (3) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب الوضوء. (4) ج 9 ص 226، وفى الوسائل في الباب - 12 - من ابواب الوضوء

[ 123 ]

عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام)) انتهى. وعلى هذا فيكون ضمير (يمسه) راجعا إلى القرآن وان بعد في السياق دون (الكتاب) وان قرب، بل ظاهره في المجمع كون ذلك مجمعا عليه، حيث قال: (وعندنا ان الضمير يعود إلى القرآن فلا يجوز لغير الطاهر مس كتابة القرآن) ومثله نقل عن الشيخ في التبيان. وحينئذ فلا يلتفت إلى تفسير صاحب الكشاف ولا غيره ممن حرم فيوض الالطاف، المعتمدين في تفاسيرهم على مجرد الآراء، بل المعولين في جميع احكامهم على الاهواء، ولا إلى ما اطال به بعض متأخري الاعلام من الاحتمالات في المقام، أظهارا لفضيلة ملكة النقض والابرام، فان اصحاب البيت أدرى بما فيه، واعرف بباطنه وخافيه، والتميز بين كدره وصافيه، والكتاب عليهم انزل، واليهم يرجع فيما فصل منه واجمل، فمن مشكاة علومهم تقتبس انواره. ومن خزائن فيوضاتهم تدرك اسراره. ومما يدل ايضا على الحكم المذكور موثقة ابي بصير (1) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن قرأ القرآن وهو غير وضوء. قال: لا بأس، ولا يمس الكتاب) ومرسلة حريز عمن اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (كان اسماعيل بن ابي عبد الله عنده، فقال يا بني اقرأ المصحف، فقال: اني لست على وضوء فقال: لا تمس الكتابة ومس الورق واقرأة). ويؤيد ايضا رواية علي بن جعفر بل صحيحته على الظاهر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) انه (سأله عن الرجل أيحل له ان يكتب القرآن في الالواح والصحيفة وهو على غير وضوء ؟ قال: لا). وانما جعلنا هذا الخبر مؤيدا دون ان يكون دليلا لاحتماله بحسب الظاهر لتحريم الكتابة على المحدث، ولم اقف على قائل بمضمونه سوى المحدث الكاشاني، ومعارضته


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب الوضوء.

[ 124 ]

بحسنة داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن التعويذ يعلق على الحائض. قال: نعم لا بأس. قال وقال: تقرأه وتكتبه ولا تصيبه يدها) ومن الظاهر ان التعويذ لا ينفك عن الآيات القرآنية بقرينة النهي عن اصابة اليد، فان الظاهر انه إنما وقع لذلك، وحينئذ فيجب الجمع بينهما، اما بحمل رواية علي بن جعفر على الكتابة على وجه يستلزم المس والثانية على ما ليس كذلك، أو بحملها على الكراهة كما هو ظاهر الاكثر. هذا. ولم اقف للقائلين بالجواز على دليل سوى التمسك بالاصل، والطعن في الآية بعدم الدلالة، تشبثا بذيل الاحتمالات وردا بضعف السند لما ورد في تفسيرها من الروايات، وكذلك جملة ما قدمناه من الاخبار لكونه ضعيفا بهذا الاصطلاح الذي عليه المدار، مع ان من جملة القواعد المقررة والضوابط المتكررة جبر الضعيف بالشهرة. وقد تقدم الكلام في المقدمة الثالثة (2) في ضعف الاعتماد على هذا الاصل فليراجع. فروع: (الاول) - الظاهر انه لا خلاف هنا في جواز مس الهامش والورق الخالي من الكتابة، لمرسلة حريز المتقدمة (3) وكذا حمله وتعليقه - كما نقله العلامة في المنتهى - على كراهية، لما تقدم من النهي في رواية ابراهيم بن عبد الحميد (4). (الثاني) - الظاهر اختصاص حرمة المس بالملاقاة بجزء من الجسد، فلا يتعدى إلى الملاقاة بطرف الثوب ونحوه، وعلى تقدير الاول فهل يختص بالكف بناء على انه الذي يلمس به غالبا، أو يشمل سائر الجسد ؟ قولان، اظهرهما الثاني، للصدق لغة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب الحيض. (2) في الصحيفة 44 من الجزء الاول (3) في الصحيفة 123 (4) في الصحيفة 122

[ 125 ]

وعرفا، وهل يختص بما تحله الحياة من البدن ام يشمل ما لا تحله كالشعر والظفر والسن ؟ وجهان بل قولان، والظاهر ان منشأ الخلاف من صدق المس عرفا على المس بالظفر ونحوه وعدمه. وربما جعل منشأ ذلك من جهة حلول الحياة وعدمه. وحيث انه كما لا تتعدى إليه نجاسة موت صاحبه كذلك لا يتعدى إليه حدثه. وفيه انه ان صدق المس بمس الظفر والشعر ونحوهما دخل في اطلاق الرواية لكونها أجزاء من الجسد البتة، والا فلا (الثالث) - لو وضأ بعض اعضائه فقبل الاكمال هل يجوز المس بذلك العضو الذي وضأ أم لا ؟ الظاهر الثاني، وبه صرح في التحرير، لان الحدث المشروط زواله بالطهارة ليس مقسما على الاعضاء، وانما هو أمر معنوي قائم بالشخص من حيث هو لا يرتفع إلا باكمال الطهارة. (الرابع) - هل يختص الحكم بالقرآن من حيث الهيئة الاجتماعية المتعلق بها هذا الاسم، أم يتعدى إلى الآيات المكتوبة في الكتب وعلى الدراهم ونحو ذلك ؟ وجهان ارجحهما الثاني، لما يفهم من حسنة داود بن فرقد (1) وتشعر به صحيحة علي ابن جعفر (2) ولان الظاهر ان الهيئة الاجتماعية لا مدخل لها في التحريم، ضرورة ان المس إنما يقع على البعض ولا يقع على الكل دفعة، وانضمام غيرها إليها لا يخرجها عن كونها قرآنا. (الخامس) - الظاهر شمول التحريم لما نسخ حكمه دون تلاوته، لبقاء الحرمة من جهة التلاوة، وصدق المصحف والقرآن والكتاب عليه، بخلاف ما نسخت تلاوته وان بقي حكمه، فانه لا يحرم مسه، لعدم الصدق. ولا اعرف خلافا في ذلك. (السادس) - الظاهر عدم ثبوت التحريم بالنسبة إلى الصبي ونحوه. لعدم التكليف الموجب لتعلق الخطاب به، وهل يجب على الولي منعه ؟ الظاهر العدم، لعدم الدليل، ونقل عن المعتبر وجوبه على الولي، وهو ظاهر التحرير، ولا يخلو من قوة،


(1) المتقدمة في الصحيفة 124 (2) المتقدمة في الصحيفة 123

[ 126 ]

نظرا إلى عموم الادلة الدالة على التحريم. وعدم توجه الخطاب فيها إلى الطفل لما ذكرناه لا ينافيه التوجيه إلى وليه. (السابع) - هل يدخل في الكتابة التشديد والمد والهمزة والاعراب ؟ احتمالات: ثالثها دخول ما عدا الاخير، ومنشأ ذلك الشك في صدق مس الكتاب بمسها وعدمه ورجح بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين العدم مطلقا، قال: (لاطلاق اسم الكتاب عليه قبل ضبطه بالثلاثة المتقدمة، كقوله تعالى: (... كتاب انزلناه مبارك..) (1) (الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب...) (2) (حم والكتاب المبين) (3) ونحوها، وحمله على المجاز باعتبار ما يؤول إليه خلاف الاصل، ولان التحريم المس خلاف الاصل، فيقتصر منه على موضع اليقين) وهو جيد. (المسألة الرابعة) - تقييد وجوب الوضوء بالغايات المذكورة - بمعنى انه لا يكون واجبا لنفسه - هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل كاد ان يكون اجماعا، بل ادعى الاجماع عليه جمع منهم. ونقل السيد السند في المدارك عن الشهيد في الذكرى القول بالوجوب النفسي في جميع الطهارات وجوبا موسعا لا يتضيق إلا بظن الوفاة، أو تضيق وقت العبادة المشروطة بها، واختاره (قدس سره) واستدل عليه: قال: (واعلم ان المعروف من مذهب الاصحاب ان الوضوء إنما يجب بالاصل عند اشتغال الذمة بمشروط به، فقبله لا يكون إلا مندوبا، تمسكا بمفهوم قوله تعالى: (... إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا... الآية) (4) وليس المراد نفس القيام، وإلا لزم تأخير الوضوء عن الصلاة. وهو باطل بالاجماع، بل المراد - والله اعلم - إذا ارتم القيام إلى الصلاة


(1) سورة ص. الآية 28 (2) سورة الكهف. الآية 1 (3) سورة الزخرف والدخان. الآية 2. (4) سورة المائدة. الآية 6

[ 127 ]

اطلاقا لاسم المسبب على السبب، فانه مجاز مستفيض، وقول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): (إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة..) والمشروط عدم عند الشرط ويتوجه على الاول ان اقصى ما تدل عليه الآية الشريفة ترتب الامر بالغسل والمسح على ارادة القيام إلى الصلاة، والارادة تتحقق قبل دخول الوقت وبعده، إذ لا يعتبر فيها المقارنة للقيام، وإلا لما كان الوضوء في اول الوقت واجبا بالنسبة إلى من أراد الصلاة في آخره. وعلى الثاني ان المشروط وجوب الطهور والصلاة معا، وانتفاء المجموع يتحقق بانتفاء أحد جزءيه، فلا يتعين انتفاؤهما معا. وحكى الشهيد في الذكرى قولا بوجوب الطهارات اجمع بحصول اسبابها وجوبا موسعا لا يتضيق الا بظن الوفاة، أو تضيق وقت العبادة المشروطة بها، ويشهد له اطلاق الآية وكثير من الاخبار كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) (ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء) وصحيحة زرارة (3) حيث قال فيها: (... فإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء..) وموثقة بكير بن اعين عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: (إذا استيقنت انك احدثت فتوضأ..) وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (5) انه (سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك ؟ فقال (عليه السلام):


(1) المروى في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الوضوء. وفى الباب - 14 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، والباب - 44 - من ابواب الوضوء (5) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الجنابة

[ 128 ]

إذا فرغ فليغتسل) وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: (إذا أرادت الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة، فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل، وان لم تر شيئا فلتغتسل) ويؤيده خلو الاخبار باسرها من هذا التفصيل مع عموم البلوى به وشدة الحاجة إليه، ولو قلنا بعدم اشتراط نية الوجه - كما هو الوجه - زال الاشكال من اصله. وعندي ان هذا هو السر في خلو الاخبار من ذلك، فتأمل) انتهى كلامه رفع مقامه. ونسج على منواله - كما هو الغالب عليه في كثير من اقواله - الفاضل المتأخر ملا محمد باقر الخراساني في الذخيرة، بل شيد ما اسسه وذب عنه وحرسه. وفيه نظر من وجوه: (الاول) - ان عبارة الذكرى وان اوهمت ما نقله لكن كلام شيخنا الشهيد في قواعده كالصريح في كون القول المذكور للعامة، حيث قال: (قاعدة - لا ريب ان الطهارة والاستقبال والنية والستر معدودة من الواجبات في الصلاة مع الاتفاق على جواز فعلها قبل الوقت، والاتفاق في الاصول على ان غير الواجب لا يجزئ عن الواجب، فاتجه هنا سؤال وهو ان يقال: احد الامرين لازم، وهو اما ان يقال بوجوب هذه الامور على الاطلاق، ولم يقل به أحد، أو يقال باجزاء غير الواجب عن الواجب، وهو باطل، لان الفعل إنما يجزئ عن غير مع تساويهما في المصلحة المطلقة، ومحال تساوي الواجب وغير الواجب في المصلحة. وجوابه انافد بينا، ثم أطال في الجواب إلى ان قال: وهذا الاشكال اليسير هو الذي الجأ بعض العلماء إلى اعتقاد وجوب الوضوء وغيره من الطهارات لنفسه، غير انه يجب وجوبا موسعا قبل الوفت وفى الوفت وجوبا مضيقا عتد آخر الوقت، ذهب إليه القاضي أبو بكر العنبري، وحكاه الرازي في التفسير عن جماعة. وصار بعض الاصحاب إلى وجوب الغسل بهذه المثابة) انتهى وظهوره - في ان الخلاف في المسألة المذكورة انما هو لبعض


(1) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الحيض

[ 129 ]

المخالفين، وخلاف بعض اصحابنا إنما هو في الغسل خاصة - مما لا يخفى على ذي مسكة وايضا من تأمل في عبارة الذكرى لا يذهب عليه ان المخالف من العامة، وفي التعليل ايناس بذلك. وبالجملة فالظاهر من عبارات الاصحاب (قدس سرهم) - قديما وحديثا، تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى - انه لا قائل بالوجوب النفسي على الاطلاق، وهذان الفاصلان قد اغترا بظاهر عبارة الذكرى، فنقلا القول به في المسألة وشيداه بما ذكرناه. (الثاني) - إن الآية المذكورة غير مدافعة في الدلالة على الجوب الغيري، وذلك من وجهين: (أحدهما) - ان المفهوم من الآية عرفا ان الوضوء لاجل الصلاة. كما يقال: (إذا لقيت العدو فخذ سلاحك) أي لاجل العدو. واجاب الفاضل الخراساني بانه لا منافاه بين الوجوب لاجل الصلاة وبين وجوبه في نفسه. فيجوز ان يجتمع الوجوبان. ويرد عليه (اولا) - ان المدار في الاستدلال على المعاني المتبادرة إلى الذهن في بادئ النظر، والمنساقة إليه بمجرد الالتفات إلى ظاهر اللفظ، ومن ثم تراهم يصرحون - سيما في الاصول في غير موضع - بان التبادر امارة الحقيقة، ولا شك ان المتبادر من ظاهر الآية ومن المثال المذكور ان الوضوء واخذ السلاح لاجل الصلاة والحرب، ومقتضى تعليق الوجوب على غاية مخصوصة انتفاؤه بانتفائها فتثبت المنافاة بين الوجوب والغيري والوجوب النفسي البتة. و (ثانيا) - انه متى ثبت الوجوب الذاتي لشئ ثبت له مع كل امر مجامع له بوجوب واحد، والتغاير فيه اعتبار محض لا يترتب عليه أثر بالكلية، إذ لا يعقل لهذا الوجوب الغيري بعد ثبوت الوجوب النفسي معنى بالكلية كما لا يخفى على المتأمل، وحينئذ فليس هنا وجوبان كما زعمه (قدس سره).

[ 130 ]

و (ثانيهما) - ان الآية تدل - بمفهوم الشرط الذي هو حجة صريحة، أما عندهم فلما استدلو به عليه في الاصول، واما عندنا فلما دلت عليه الاخبار من حجيته - على عدم وجوب الوضوء عند عدم ارادة القيام، فلا يكون واجبا لنفسه. اجاب الفاضل المتقدم ذكره بان فيه ان المسلم حجية مفهوم الشرط إذا لم يكن للتعليق بالشرط فائدة اخرى سوى التخصيص، وههنا ليس كذلك، إذ يجوز ان تكون الفائدة ههنا بيان ان الوضوء واجب لاجل الصلاة وان كان واجبا في نفسه، فيكون الغرض متعلقا بالوجوب العارض له حين ارادة الصلاة باعتبار التوصل به إليها وكونه من مصالحها. ويرد عليه ما تقدم، فان مبنى كلامه على تجويز اجتماع الوجوبين، وقد عرفت ما فيه، ومن المعلوم ان الواجب ليفسه لا يحسن بل لا يجوز تعليقه على غيره، إذ قضية التعليق هو الوجوب الغيري، فانا لا نعني به إلا ترتب وجوب شئ على آخر، ولو كان واجبا في نفسه لم يحسن هذا الترتب البتة. وبالجملة انه قد سلم الوجوب الغيري، وهو يقتضي التعليق المذكور، وما يدعيه من الوجوب النفسي الثابت معه فنحن نمنعه، والمانع مستظهر. (الثالث) - ان ما اورده (قدس سره) على الآية - بقوله: (ان اقصى ما تدل عليه الآية.. الخ) - فالجواب عنه من وجوه: (احدها) - انه يكفينا - في الاستدلال على ما ادعينا من الوجوب الغيري ونفي الوجوب النفسي - ما ذكرنا من التقرير المتقدم، ولزوم الوجوب بالارادة ولو قبل الوقت - مع كونه لا مدخل له في صحة ما اعتمدناه من الاستدلال - يكفينا في نفيه الاجماع على عدمه من الطرفين، فالتقريب في الآية يتم بضم الاجماع. و (ثانيها) - ما افاده بعض الاعلام من أن التعبير عن الارادة بالقيام يعطي المقارنة كما فهمه بعض المفسرين، واذ قام الدليل على عدم اعتبارها حمل على الاقرب

[ 131 ]

الممكن وهو ما في الوقت. انتهى. وهو جيد يساعده ما تكرر مثل ذلك في الآيات القرآنية والاخبار المعصومية، ومنه - قوله تعالى: (فإذا قرأت القرأن فاستعذ بالله...) (1) ولو لم يحمل على ذلك لزم الخلل في معنى ذلك الكلام المتعالى عنه كلام الملك العلام وأهل الذكر (عليهم السلام). و (ثالثها) - انه قد روى ابن بكير في الموثق (2) بل الصحيح على قول قوى لكونه ممن نقل فيه اجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه، قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة ما يعني بذلك: إذا قمتم إلى الصلاة ؟ قال: إذا قمتم من النوم...) ويؤيده ايضا نقل العلامة في المنتهى والشيخ في التبيان اجماع المفسرين على ذلك، وحينئذ: فلا حاجة إلى ما ارتكب من تقدير الارادة في الآية، ومعنى الآية حينئذ: إذا قمتم من حدث النوم قاصدين إلى الصلاة فتوضؤوا. فقد وقع الامر بالوضوء معلقا على القصد للصلاة بالنسبة إلى من كان محدثا بحدث النوم، وهو نص في الوجوب الغيرى في هذا المورد، وهو كاف في صحة الاستدلال. وان ضم إلى ذلك عدم القول بالفصل بين حدث النوم وغيره من الاحداث تم الاستدلال بالآية بمعونة المقدمة المذكورة على الوجوب الغيرى في جميع الاحداث. (الرابع) - ما ذكره من الايراد على الخبر بقوله: (وعلى الثاني ان المشروط وجوب الطهور والصلاة..): فان فيه (اولا) - انه متى كان المشروط بالدخول وجوب مجموع الامرين من الطهور والصلاة من حيث المجموع كما هو ظاهر كلامه، يلزم ان لا يثبت الوجوب بعد دخول الوقت لشئ من ماهية الطهور والصلاة من حيث الانفراد، وهو ظاهر البطلان و (ثانيا) - انه متى كان انتفاء هذا المجموع لاجل انتفاء الشرط يتحقق


(1) سورة النحل. الآية 98. (2) رواه في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء

[ 132 ]

بانتفاء أحد جزءيه الذى هو الصلاة كما هو مراده ومطرح نظره، يلزم ان المعلق إنما هو أحد الجزءين خاصة وهو الذى انتفى بانتفاء الشرط، وحينئذ فلا معنى لتعليق الآخر، كما لا معنى لقولنا: (إذا دخل الوقت وجب الحج والصلاة). قال الفاضل المتقدم ذكره - بعد نقل ايراد السيد على الخبر كما ذكرنا - ما لفظه: (ولعل غرضه ان المشروط وجوب المجموع على سبيل الاستغراق الافرادي، فكأنه قيل: (إذا دخل الوقت وجب كل واحد من الامرين) واللازم من ذلك - على تقدير حجية مفهوم الشرط - رفع الايجاب الكلي عند انتفاء الشرط، لا ان المشروط مجموع الامرين من حيث هو مجموع، إذ ذلك بعيد جدا) انتهى. وانت خبير بان اعتذاره هذا قصاراه الاتيان على الوجه الاول مما ذكر دون الثاني (الخامس) - ان ما اسنتد إليه من الاخبار التي نقلها فالجواب عنها من وجوه: (احدها) - ما اجاب به شيخنا الشهيد في الذكرى من ان صحة اطلاق الوجوب أو الامر في الصورة المذكورة إنما نشأت من معلومية الاشتراط، حتى انه غلب في الاستعمال فصار حقيقة عرفية. و (ثانيها) - النقض الاجمالي بورود الاخبار بغسل الثوب والبدن من النجاسات وهي اكثر من ان يأتي المقام عليها، مع مساعدة الخصم فيها على الوجوب الغيري. وثالثها - انه لا نزاع في كون هذه الاسباب التي تضمنتها الاخبار موجبات للوضوء كما عبر به عنها في محله، بمعنى ان الوضوء بسببها يكون واجبا، لكن النزاع في ان هذا الوجوب الناشئ عنها هل هو نفسي ثابت للوضوء في نفسه أو غيري ؟ فههنا شيئان: ما به الوجوب وهي الاسباب من بول ونحوه، وما له الوجوب من صلاة ونحوها من الغايات المترتبة على الوضوء، والاخبار التي اوردها المستدل إنما تدل على ما به والوجوب، بمعنى ان هذه الاشياء يحصل بسببها وجوب الوضوء، وهذا ليس من محل النزاع في شئ، واما كون هذا الوجوب ثابتا للوضوء في نفسه أو لغيره فلا.

[ 133 ]

و (رابعها) - الجواب عنها تفصيلا: اما عن صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (1) فالمتبادر منها من لفظ (وجب) معنى لزم وثبت، وهو اعم من الوجوب بالمعنى المصطلح، وكذلك صحيحة زرارة (2) وإلا لزم فيها تعلق التكليف بالنائم، لان المتعارف في كلامهم (عليهم السلام) اطلاق الفريضة على الواجب بالمعنى المصطلح، واطلاق الواجب على المعنى العرفي اي اللازم الثابت، ولا شك في ثبوت الوضوء - مثلا - في الذمة بمجرد الاتيان بالسبب، بمعنى جواز فعله بل استحبابه مع عدم وجود مانع من حين حصول السبب، وجواز الدخول به في المشروط به. واما موثقة بكير بن اعين (3) ففيها اجمال لاحتمال ورودها على ما هو الغالب من ارادة الوضوء عند ارادة ما هو مشروط به. واما صحيحة عبد الرحمان ابن ابي عبد الله (4) فليس المراد بها الوجوب، والالزم وجوب الفورية. واما صحيحة محمد دلالة فيها على الوجوب بالمعنى المصطلح. ومما يرشد إلى ما ذكرناه ورود هذه الاخبار اما في مقام بيان الناقض، أو بيان آداب الاغتسال، أو كراهة النوم على الجنابة، أو نحو ذلك، لا بيان وقت تعلق التكليف و (خامسها) - المعارضة بالاخبار الكثيرة ايضا: ومنها - صحيحة زرارة المذكورة في كلامه (قدس سره) (6) وما اورده عليها فقد عرفت ما فيه. وانت خبير بانها اوضح دلالة واخص مدلولا مما اورده من الاخبار فيتعين تقييدها بها جمعا. ومنها - ما رواه في الفقه (7) من العلل التي كتبها الرضا (عليه السلام) إلى محمد بن سنان: (ان علة الوضوء التي من اجلها صار على العبد غسل الوجه والذراعين


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) المتقدمة في الصحيفة 127 (5) المتقدمة في الصحيفة 128 (7) ج 1 ص 35، وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.

[ 134 ]

ومسح الرأس والقدمين، فلقيامه بين يدي الله... الحديث) وروايات الفقيه وان ضعف سندها لارسال أو غيره فهي متلقاة عندهم بالقبول كما صرح به جملة من الفحول. ومنها - ما رواه في كتاب العيون (1) والعلل من علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: (إنما امر بالوضوء وبدئ به لان يكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبار... الحديث) ولا يخفى ما فيهما من ظهور الدلالة على الوجوب الغيري ومنها - ما رواه في الكافي (2) في باب ان الارض للامام (عليه السلام) عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان الامام - يا أبا محمد - لا يبيت ليلة ولله في عنقه حق يسأله عنه) مع ما رواه الصدوق في الفقيه (3) عن الصادق (عليه السلام): (أنا انام على ذلك - يعني حدث الجنابة - حتى اصبح، وذلك اني اريد ان اعود). ومنها - صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في الصائم يتوضأ فيدخل الماء حلقه ؟ قال: إن كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه قضاء، وان كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء). ومنها ما رواه الكليني (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال: (ان الله فرض على اليدين ان لا يبطش بهما إلى ما حرم الله وان يبطش بهما إلى ما امر الله عزوجل، وفرض عليهما من الصدقة، وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات... الحديث).


(1) ص 252، وفى العلل ص 96. وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الوضوء (2) في الصحيفة 408 من الجزء الاول من الاصول. (3) ج 1 ص 47 رفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم (5) في الصحيفة 33 من الجزء الثاني من الاصول، وفى الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الجنابة وفى الباب - 2 - من ابواب جهاد النفس.

[ 135 ]

ومنها - الاخبار الواردة في من عليها غسل الجنابة وفجاءها الحيض قبل ان تغتسل من قوله (عليه السلام) في بعضها (1): (قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل) وفى آخر (2) (قد أتاها ما هو أعظم من ذلك) وفى جملة منها (3) (تجعله غسلا واحدا بعد طهرها) وفي بعض (4) (ان شاءت ان تغتسل فعلت، وان لم تفعل فليس عليها شئ). ولا يخفى أن جميع ذلك إنما يتمشى وينطبق على الوجوب الغيري دون الوجوب النفسي إلا بتكلفات بعيدة وتمحلات غير سديدة. هذا. وقد عرفت سابقا (5) دلالة الآية على ذلك ايضا، فتكون منطبقة على هذه الاخبار، مرجحة لها لو ثبتت المعارضة في هذا المضمار. المقصد الثاني في الغاية المستحبة (فمنها) - الصلاة المستحبة، وربما سبق إلى بعض الاوهام - كما نقله بعض الاعلام هنا - وجوب الوضوء لصلاة النافلة، بناء على ترتب الاثم على فعل النافلة بدون وضوء. وهو خطأ محض، فان الاثم إنما يتوجه إلى الفعل المذكور لان فعل النافلة من غير وضوء تشريع محرم، فالاثم إنما ترتب على ذلك لا على الترك، واحدهما غير الآخر.


(1) وهى حسنة الكاهلى المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الجنابة، وفى الباب - 22 - من ابواب الحيض. (2) وهى رواية سعيد بن يسار المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الحيض (3) وهى موثقات حجاج الخشاب وزرارة وابى بصير وعبد الله بن سنان المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة، وفى الباب - 22 - من ابواب الحيض. (5) في الصحيفة 129

[ 136 ]

وربما اطلق على هذا النوع من الندب اسم الواجب تجوزا، لمشابهة الواجب في الشرطية وعموم صحة الفعل إلا به وان كان في حد ذاته مندوبا، ويعبر عنه بالوجوب الشرطي اشارة إلى علاقة التجوز، ولعله من ذلك سرى الوهم. والاخبار الدالة على الوضوء لصلاة النافلة متفرقة في جملة من الصلوات لكن ليس فيها تصريح بالاستحباب، ولعل المتمسك في ذلك البناء على ان شرط المستحب مستحب كما ان شرط الواجب واجب، والاجماع كما نقله جملة من الاصحاب. ويدل على الاشتراط في الجميع عموم قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): (لا صلاة إلا بطهور...) وقوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2): (الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود). و (منها) - الطواف المستحب، وهل الوضوء هنا شرط لصحة كصلاة النافلة أو لوقوعه على الوجه الاكمل، فيصح بدونه ؟ خلاف سيأتي الكلام عليه ان شاء الله تعالى في موضعه. و (منها) - دخول المساجد، لرواية مرازم بن حكيم المروية في كتاب مجالس الصدوق (3) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: (عليكم باتيان المساجد فانها بيوت الله في الارض، ومن اتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه، وكتب من زواره) وروى الصدوق في الفقيه (4) مرسلا: (ان في التوراة مكتوبا ان بيوتي في الارض


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 1 و 4 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 14 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الركوع. وفى الباب - 28 - من ابواب السجود. (3) في الصحيفة 216 وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الوضوء. (4) ج 1 ص 154 وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 39 - من احكام المساجد.

[ 137 ]

المساجد، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي. الحديث) ولاستحباب صلاة التحية بعد دخولها الموقوفة على الطهارة. ويتأكد مع ارادة الجلوس فيها، لمرسلة العلاء بن الفضيل عمن رواه عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: (إذا دخلت المسجد وانت تريد ان تجلس فلا تدخله إلا طاهرا...) و (منها) - قراءة القرآن، لرواية محمد بن الفضيل المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام): اقرأ المصحف ثم يأخذني البول فاقوم فابول واستنجي واغسل يدي، واعود إلى المصحف فاقرأ فيه ؟ قال: لا حتى تتوضأ للصلاة). وفي كتاب الخصال (3) في حديث الاربعمائة " قال امير المؤمنين (عليه السلام): لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتى يتطهر). وبعض المتأخرين لما لم يقف على المستند في الحكم المذكور علله بالشهرة والتعظيم. و (منها) - مسه وحمله، لموثقة ابراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في ادلة تحريم مس خط المصحف على المحدث (4). و (منها) - النوم. لرواية محمد بن كردوس عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: (من تطهر ثم آوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده...). ورواه البرقي في كتاب المحاسن (6) عن حفص بن غياث عنه (عليه السلام)،


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 39 - من احكام المساجد. (2) في الصحيفة 175 وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب قراءة القرآن. (3) ج 2 ص 165 وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب قراءة القرآن. (4) في الصحيفة 122 (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الوضوء. (6) في الصحفية 47، وفى الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الوضوء

[ 138 ]

وزاد آخره (فان ذكر انه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائنا ما كان لم يزل في صلاة ما ذكر الله تعالى). و (منها) - نوم الجنب، لصحيحة الحلبي (1) قال: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أينبغي له ان ينام وهو جنب ؟ قال: يكره ذلك حتى يتوضأ). و (منها) - صلاة الجنازة، لرواية عبد الحميد بن سعيد (2) قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام): الجنازة يخرج بها ولست على وضوء، فان دهب اتوضأ فاتتني الصلاة. أيجزيني ان اصلي عليها وانا على غير وضوء ؟ قال: تكون على طهر احب الي). و (منها) - السعي في حاجة، لصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (سمعته يقول: من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقض فلا يلومن إلا نفسه). وطعن بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الدلالة، معللا بان مفاده ان الحاجة بدون الوضوء لا تقضى، فينبغي ان يطلب الحاجة فيما إذا توضأ بالوضوء الذي رخص فيه من الشارع، لانه عبادة موقوفة على الاذن، وليس فيه دلالة على الاذن والرخصة للوضوء في وقت طلب الحاجة، كما تشهد به الفطرة السليمة. انتهى. وفيه نظر، فان الظاهر من العبارة كون ذلك كناية عن الحث على الوضوء لاجل ذلك، كما ورد نظيره في استحباب التحنك والحث عليه بعد التعمم وعند الخروج في السفر.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 25 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب صلاة الجنازة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الوضوء.

[ 139 ]

كقوله (عليه السلام) (1): (من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه). وفى اخرى (2) (من اعتم ولم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه). وفي موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) (من خرج في سفر ولم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه). فان المتبادر من ذك هو استحباب التحنك لاجل الامرين المذكورين. و (منها) - الجنب إذا اراد ان يغسل ميتا ولما يغتسل. و (منها) - غاسل الميت اراد ان يأتي أهله قبل الغسل. ويدل عليهما حسنة شهاب بن عبد ربه (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغسل الميت، أو من غسل ميتا، أيأتي أهله ثم يغتسل ؟ فقال: هما سواء لا بأس بذلك، إذا كان جنبا غسل يديه وتوضأ وغسل الميت وهو جنب، وان غسل ميتا ثم أتى اهله توضأ ثم أتى اهله ويجزبه غسل واحد لهما). و (منها) - المجامع إذا اراد الجماع مرة اخرى ولما يغتسل، وهذا الموضع غير مذكور في كتب الاصحاب. ويدل عليه رواية الوشاء، رواها الاربلي في كتاب كشف الغمة (5) من كتاب


(1) في حسنة ابن ابى عمير المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب لباس المصلى (2) وهي رواية فيسى بن حمزة المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب لباس المصلى. (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب لباس المصلى. (4) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة، وفى الباب - 34 - من ابواب غسل الميت. (5) في الصحيفة 269، وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الوضوء.

[ 140 ]

دلائل الحميري عن الوشاء قال: (قال فلان بن محرز بلغنا ان أبا عبد الله (عليه السلام) كان إذا اراد ان يعاود أهله الجماع توضأ وضوء الصلاة، فاحب ان تسأل أبا الحسن الثاني (عليه السلام) عن ذلك. قال الوشاء: فدخلت عليه فابتدأني من غير ان اسأله فقال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) إذا جامع واراد ان يعاود توضأ للصلاة وإذا اراد ايضا توضأ للصلاة). و (منها) - التأهب لصلاة الفريضة، لما رواه الشهيد في الذكرى (1) من قولهم (عليهم السلام): (ما وقر الصلاة من أخر الطهارة حتى يدخل الوقت). ويدل عليه ايضا ما ورد في الاخبار (2) من الامر بصلاة الفريضة حين يدخل الوقت. و (منها) - جماع الحامل، لما في وصيته (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: (يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا وأنت على وضوء، فانه ان قضى بينكما ولد يكون اعمى القلب بخيل اليد) رواه الصدوق في كتاب المجالس والعلل (3). و (منها) ما لا يشترط فيه الطهارة من مناسك الحج، لما سيأتي في بابه ان شاء الله تعالى. و (منها) - الدخول من سفر، لما رواه الصدوق في المقنع (4) قال: (وروى عن الصادق (عليه السلام) قال من قدم من سفر فدخل على اهله وهو على غير وضوء ورأى ما يكره فلا يلومن إلا نفسه).


(1) في التنبيه الثالث من الواقيت، وفى الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الوضوء (2) المروية على الاختلاف في الباب - 3 و 5 و 6 و 18 و 28 - من ابواب المواقيت (3) رواه في المجالس ص 339 وفى العلل ص 175، وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 154 - من مقدمات النكاح وآدابه (4) لم نعثر على هذه الرواية في المقنع بعد الفحص عنها في مظانها

[ 141 ]

و (منها) - لمن اراد ان يدخل الميت قبره، لرواية محمد بن مسلم والحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: (توضأ إذا ادخلت الميت القبر). و (منها) - الكون على الطهارة، لما رواه الديلمي في الارشاد 2) عنه (صلى الله عليه وآله) قال: (قال الله تعالى: من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني.. الحديث). وما رواه الراوندي في نوادره عن الكاظم عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (3) (قال: كان اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا بالوا توضؤوا أو تيمموا مخافة ان تدركهم الساعة). و (منها) - التجديد، لرواية ابي بصير ومحمد بن مسلم المروية في الخصال (4) عن الصادق عن آبائه عن امير المؤمنين علي (عليهم السلام) قال: (الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا) ورواه في كتاب المحاسن (5) مثله. ومرسلة سعدان عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: (الطهر على الطهر عشر حسنات) والاخبار بذلك مستفيضة. ويتأكد لصلاة المغرب والغداة، لرواية سماعة عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) (7) قال: (من توضأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر، ومن توضأ للصبح كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - وفى الباب - 53 - من ابواب الدفن. (2) ص ى 58 طبع النجف 1374 وفى الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الوضوء. (3) رواه صاحب المستدرك في الباب - 11 - من ابواب الوضوء. (4) ص 161 في الحديث الاربعمائة، وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 8 - من ابواب الوضوء. (5) ص 47 (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الوضوء.

[ 142 ]

ولصلاة العشاء، لرواية قتادة عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: (تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا والله وبلى والله). و (منها) - إرادة وطئ جارية بعد وطئ اخرى ولما يغتسل، لمرسل ابن ابى نجران عمن رواه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا اتى الرجل جاريته ثم اراد ان يأتي اخرى توضأ). و (منها) - ذكر الحائض على المشهور، ونقل في المختلف عن علي بن بابويه القول بالوجوب، وهو ظاهر ابنه الصدوق في الفقيه، حيث نقل ذلك (3) عن ابيه في رسالته إليه بما لفظه: (وقال ابى في رسالته الي: اعلم إلى ان قال: يجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة وتجلس مستقبلة القبلة) فان نقله ذلك وجموده عليه يدل على اختياره. والذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) وفيها (وعليها ان تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله... الحديث). وحسنة زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) وفيها (ينبغي للحائض ان تتوضأ عند وقت كل صلاة... الحديث).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 154 - من مقدمات النكاح وآدابه. ولا يخفى ان هذه المرسلة - كما في المتن وفى التهذيب ج 2 ص 242 وفى الوافى ج 12 ص 107 هي مرسلة عبد الرحمان ابن ابى نجران التميمي، ولكن في الوسائل ذكر عثمان بن عيسى بدل ابن ابى نجران (3) ج 1 ص 50. (4) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الوضوء. وفى الباب - 40 - من ابواب الحيض (5) المروية في الوسائل في الباب - 40 - من ابواب الحيض

[ 143 ]

ورواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (تتوضأ المرأة الحائض إذا أرادت ان تأكل، وإذا كان وقت الصلاة توضأت واستقبلت القبلة... الحديث). وحسنة محمد بن مسلم (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله ؟ قال: اما الطهر فلا، ولكنها تتوضأ في وقت الصلاة ثم تستقبل القبلة... الحديث). وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (وكن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقضين الصلاة إذا حضن، ولكن يختشين حين يدخل وقت الصلاة ويتوضأن... الحديث). وفي كتاب الفقه الرضوي (4) قال (عليه السلام): (ويجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة وتجلس... الحديث). والظاهر ان عبارة الفقيه مأخوذة من الكتاب المذكور كما قدمنا الاشارة إليه آنفا، لاتفاق لفظي العبارة والحديث. وفي كتاب دعائم الاسلام (5) عن ابي جعفر (عليه السلام) انه قال: (انا نأمر نساءنا الحيض ان يتوضأن عند وقت كل صلاة، فيسبغن الوضوء ويحتشين بخرق، ثم يستقبلن القبلة من غير ان يفرضن صلاة، إلى ان قال: فقيل لابي جعفر (عليه السلام): فان المغيرة زعم انك قلت يقضين الصلاة فقال: كذب المغيرة، ما صلت امرأة من نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا من نسائنا وهي حائض، وإنما يؤمرن بذكر الله - كما وصفنا - ترغيبا في الفضل واستحبابا له). هذا ما وقفت عليه من أخبار المسألة. وظاهر لفظ (عليها) في الرواية الاولى


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 40 - من ابواب الحيض، (4) في الصحيفة 21 (5) ج 1 ص 155

[ 144 ]

الوجوب، قيل وظاهر لفظ (ينبغي) في الثانية الاستحباب. وفيه تأمل، فانه وان اشتهر كونه كذلك في عرف الناس وربما وجد في الاخبار بهذا المعنى ايضا - الا ان اكثر استعمال (ينبغي) و (لا ينبغي) في الاخبار بمعنى الوجوب والتحريم، وقد حضرني من الاخبار ما يشتمل على خمسة عشر موضعا يتضمن ما ذكرناه. واما الثالثة فقيل: ان الامر بالوضوء في صدرها قرينة على استحباب الوضوء للذكر المذكور بعده. وفيه نظر، لعدم الملازمة بينهما المقتضية لذلك، واشتمال الواية على الاوامر الوجوبية والندبية غير عزيز في الاخبار. واما الرابعة فلا ظهور لها في الاستحباب زيادة على الوجوب، وكذلك الخامسة. واما السادسة فهي ظاهرة في الوجوب. واما السابعة فظاهرة في الاستحباب. وانت خبير بانه لو لم يرجح الوجوب منها على الاستحباب فلا يرجح العكس، والمسألة محل توقف، والشهرة غير مرجحة إلا ان تكون في الصدر الاول. وهي غير معلومة سيما مع مخالفة هذين العمدتين. وتوقف شيخنا صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل، ونفي بعد القول الثاني عن الصواب. وهو كذلك لما عرفت. و (منها) - وضوء الميت مضافا إلى غسله على المشهور، وسيجئ تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. و (منها) - كتابة القرآن، لصحيحة علي بن جعفر المتقدمة (1) في مسألة حكم مس القرآن للمحدث بناء على أحد احتماليها. وزاد بعض الاصحاب استحباب الوضوء للجنب إذا اراد ان يأكل، لصحيحة الحلبي (2) المتضمنة (انه إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتي يتوضأ). وصحيحة عبد الرحمان (3) قال: (قلت أيأكل كل الجنب قبل ان يتوضأ ؟ قال: انا لنكسل، ولكن يغسل يده، والوضوء افضل).


(1) في الصحيفة 123 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الجناية

[ 145 ]

واستظهر بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين حمل الوضوء هنا على غسل اليد، كما ورد في حسنة زرارة (1) (الجنب إذا اراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه...) ومثلها رواية السكوني (2) وهو اقرب، لان اطلاق الوضوء في الاخبار على ذلك منتشر، والمفصل يحكم على المجمل، ويؤيده ان الغسل هو المنسوب إلى الاكل والشرب. والمشهور ايضا عد زيارة المقابر، ولم اقف بعد الفحص على مستنده. وعد جماع المحتلم ايضا، ولم اقف ايضا على دليله، وما استدلوا به عليه من قوله (صلى الله عليه وآله) (3): (يكره ان يغشى الرجل المرأة وقد احتلم حتى يغتسل من احتلامه... الخبر) فلا تعرض فيه للوضوء - كما ترى - بوجه. وزاد بعضهم ما روى فيه الوضوء من الاسباب الزائدة مما قدمنا ذكره، كالمذي والرعاف، والقئ، وقراءة الشعر الباطل زيادة على اربعة ابيات، ونحو ذلك. والاظهر - كما قدمنا ذكره - حمل تلك الاخبار على التقية (4). وزاد بعضهم ايضا استحباب الوضوء للحاكم إذا جلس للقضاء بين الناس. ولم اقف على دليله. وزاد بعض آخر استحباب الوضوء لمن غسل ميتا إذا اراد تكفينه قبل الغسل. فان اراد به الوضوء المجامع لغسل المس - كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في الروضة - فلا وجه لعده في هذا المقام، مع انه لا نص على استحبابه هنا ايضا، وان اراد ان منشأ الاستحباب هو تلك الغاية المذكورة، ففيه انه لا دليل عليه كما اعترف به غير واحد


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الجناية (3) المروى في الوسائل في الباب - 70 - من ابواب مقدمات النكاح وآدابه. (4) تقدم في التعليقة 5 ص 110 والتعليقة 6 ص 114 والتعليقة 1 ص 116 ما يتعلق بذلك

[ 146 ]

فائدتان: (الاولى) - قد عرفت في جملة ما تقدم (1) استحباب الوضوء للتجديد، ولا ريب - كما هو ظاهر المذهب في شرعيته وان ترامى مع الفصل بصلاة ولو نافلة، لا طلاق الآية (2) والرواية عموما وخصوصا. اما بدونه فهل يشرع مطلقا، أو لا مطلقا، أو مع الفصل بمجدد له في الجملة وبدونه فلا ؟ احتمالات: واطلاق الاخبار - كقولهم (عليهم السلام) (3): (الوضوء على الوضوء نور على نور) وقولهم (4) (من جدد وضوءه من غير حدث جدد الله توبته من غير استغفار) وقولهم (5): (الطهر على الطهر عشر حسنات) - يدل على الاول، وبه قطع في التذكرة، وتوقف في الذكرى في استحبابه لمن لم يصل بالاول، ورجح فيها عدم استحباب لصلاة واحدة اكثر من مرة، وهو ظاهر الصدوق في الفقيه في مسألة تثنية الغسل في الوضوء كما سيأتي، حيث حمل اخبار التثنية على التجديد. واحتمل بعض المتأخرين تفصيلا بانه يمكن ان يقال مع الفصل الكثير الذي يحتمل طرو الحدث بعده وعدم تذكره، يتحقق التجديد عرفا، مع ان فيه نوعا من الاحتياط ثم ان ظاهر الاصحاب اختصاص التجديد بطهارة الوضوء بمعنى الوضوء بعد والوضوء، واما الوضوء بعد الغسل، والغسل بعد الغسل ولو مع الفصل بصلاة، فلم يتعرضوا له، وربما ايد المنع ورود الاخبار ببدعية الوضوء مع غسل الجنابة. واستظهر شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار استحباب التجديد في الصورة الاولى إذا صلى بينهما، لرواية ابي بصير ومحمد بن مسلم المتقدمة (6) نقلا عن


(1) و (6) في الصحيفة 141 (2) وهى قوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا... الآية " (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الوضوء.

[ 147 ]

كتاب الخصال الدالة على ان (الوضوء بعد الطهور عشر حسنات) قال: و (المتبادر من اخبار كونه بدعة إذا وقع بلا فاصلة. ثم قال: ولعل الاحتياط في الترك) انتهى. ونفى بعض البعد عن استحباب تجديد الغسل لمرسلة سعدان المتقدمة (1). (الثانية) - قد انتشر الخلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في استباحة الصلاة بالوضوء لاحد الغايات المذكورة، وسيأتي ان شاء الله تعالى تفصيل الكلام في المسألة في مبحث النية. المطلب الثالث في الكيفية، وهي تشتمل على المندوب والواجب، فبسط القول في هذا المطلب يقتضي جعله في فصلين: الفصل الاول في المندوب، وهو امور: (منها) - وضع الاناء الذي يتوضأ منه على اليمين، ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولم نقف له على مستند في اخبارنا. وبذلك ايضا صرح جمع من اصحابنا واستدل على ذلك ببعض الامور الاعتبارية، والروايات العامية (2) وفيه ما لا يخفى ولا سيما وقد ورد في بعض صحاح زرارة الواردة في حكاية الوضوء البيانى (3) قال: (فدعى بقعب فيه شئ من ماء ثم وضعه بين يديه...). هذا إذا كان الاناء واسع الرأس، اما إذا كان ضيق الرأس يحتاج إلى الصب (1) في الصحيفة 141 (2) في صحيح البخاري (باب التيمن في الوضوء) عن عائشة " كان النبي (صلى الله عليه وآله) يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله ". (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.

[ 148 ]

منه، فقد ذكر جمع من الاصحاب وضعه على اليسار ليصب منه في اليمين، ولا ريب في كونه ايسر إلا اني لم اقف فيه على نص. و (منها) - غسل اليدين - قبل ادخالهما الاناء ان لم يكن غسلهما سابقا حال الاستنجاء أو غيره - مرة من حدث البول، ومرتين من الغائط، ومن النوم مرة، وظاهر المعتبر الاجماع على ذلك: ويدل على الاولين صحيحة الحلبي المتقدمة (1) وعلى الثالث موثقة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) إلى ان قال: فانه استيقظ من نومه ولم يبل، أيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ؟ قال: لا لانه لا يدري حيث باتت يده فيغسلها) ومثلها رواية اخرى له ايضا (3). ومما يدل على ان الامر بذلك للاستحباب صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: (سألته عن الرجل يبول ولم يمس يده شئ، أيغمسها في الماء ؟ قال: نعم وان كان جنبا) والرواية وان كانت مختصة بالبول الا انه لا قائل بالفرق. ويدل على ذلك ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة الواردة في الوضوء البياني (5) حين غمس كفه في الماء من غير غسل: (هذا إذا كانت الكف طاهرة)


(1) في الصحيفة 65 (2) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب الوضوء (3) اشار إليها صاحب الوسائل في الباب - 27 - من ابواب الوضوء بقوله بعد ذكر روايته المتقدمة: " ورواه الكليني. الخ " وهى عن الشيخ، والمراد به في اصطلاح أهل الحديث الكاظم (ع). (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الاسآر، وفى الباب - 28 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 45 - من ابواب الجنابة (5) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء

[ 149 ]

وهو عام، مضافا إلى اصالة عدم الوجوب (1). ونقل بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين ان من الاصحاب من استحب المرتين في البول، نظرا إلى ظاهر رواية حريز عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: (يغسل الرجل يده من النوم مرة، ومن الغائط والبول مرتين، ومن الجنابة ثلاثا). والظاهر رجحان ما هو المشهور، لصحة مستنده، ويؤيد برواية المشايخ الثلاثة له وتفرد الشيخ بهذه الرواية، مع احتمال التأويل فيها باستحباب المرتين من مجموع البول والغائط بناء على التداخل واندراج الاقل تحت الاكثر مع الاجتماع، كما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا من كل على الانفراد. الا ان الغائط استفيد استحباب المرتين فيه من الاجماع ومن رواية الحلبي (3) فبتقى رواية المرة في البول بلا معارض. وحد الاصحاب اليد المغسولة هنا من الزند. هذا. والظاهر من كلام الاصحاب استحباب غسل اليدين معا، وفهم ذلك من الاخبار لا يخلو من نوع خفاء، سيما وقد صرحت رواية عبد الرحمان بن كثير (4) الواردة في حكاية وضوء الامير (صلوات الله عليه) انه اكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى، وهو ظاهر في ان المغسولة إنما هي اليمنى خاصة. وايضا فانها هي التي تحتاج إلى وضعها في الاناء للاغتراف. ثم ان الظاهر من كلام البعض تخصيص الاستحباب بما إذا كان الوضوء من الاناء


(1) اقول: كلام ابن بابويه في الفقيه يدل على ان من كان وضوؤه من حدث النوم ونسى فادخل يده في الماء قبل غسلها فعليه ان يصب ذلك الماء ولا يستعمله، وان ادخلها في الماء من حدث البول والغائط قبل ان يغسلها ناسيا فلا بأس. انتهى. وهو غريب (منه رحمه الله). (2) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب الوضوء. (3) ص 65 (4) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء.

[ 150 ]

الواسع الرأس دون الضيق الرأس والكثير والجاري، بناء على التعليل بالنجاسة الوهمية في موثقة عبد الكريم المتقدمة (1) والظاهر - كما صرح به آخرون - التعميم، نظرا إلى اطلاق رواية حريز (2) وان الامر بذلك محض تعبد لا للنجاسة، مع انحصار مورد التوهم في حدث النوم خاصة. والظاهر - كما استظهره شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين - عدم اختصاص الحكم المذكور بالرجل وان اختص مورد الاخبار به، إذ الظاهر عدم الخصوصية، بل المراد به مطلق الشخص فيدخل في الحكم النساء. و (منها) - التسمية والدعاء عند وضع اليد في الماء، لما في صحيحة زرارة (3) قال: (إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين..). وعند الصب عليها، لما في رواية عبد الرحمان بن كثير المتقدمة (4) بما فيها من الدعاء. وروى الصدوق في الخصال (5) بسند معتبر عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال امير المؤمنين (عليه السلام): لا يتوضأ الرجل حتى يسمى، يقول قبل ان يمس الماء: بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فإذا فرغ من طهوره قال: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله. فعندها يستحق المغفرة). وربما يظهر - من الفاظ الدعاء في الصحيحة المذكورة والرواية الثالثة - كون ذلك في وضع اليد في الماء للاستنجاء، لتضمنه طلب الجعل من التوابين والجعل من المتطهرين أو طلب التوبة والتطهير المومى إلى الآية النازلة في شأن المستنجى بالماء: (ان الله يحب


(1) ص 148 (2) ص 149 (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الوضوء، (4) ص 65 (5) ج 2 ص 166 وفى الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الوضوء.

[ 151 ]

التوابين ويحب المتطهرين) (1) كما تقدم في الاخبار. واما رواية عبد الرحمان فانها صريحة في كون ذلك للاستنجاء كما تقدم ذكره (2) وحينئذ يبقى الوضع أو الصب لغير الاستنجاء خاليا من الدعاء. نعم يمكن ان يحمل ما رواه في الفقيه مرسلا (3): (ان امير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا توضأ قال: بسم الله وبالله وخير الاسماء لله واكبر الاسماء لله وقاهر لمن في السموات وقاهر لمن في الارض، الحمد لله الذي جعل من الماء كل شئ حي واحيى قلبي بالايمان، اللهم تب علي وطهرني واقض لي بالحسنى وارني كل الذي احب، وافتح لي بالخيرات من عندك يا سميع الدعاء) على ان ذلك عند الصب أو الوضع في الوضوء بحمل قوله: (إذا توضأ) على ارادته والشروع فيه كما هو مجاز شائع. و (منها) - التسمية على الوضوء، ففي صحيحة ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (إذا سميت في الوضوء طهر جسدك كله، وإذا لم تسم لم يطهر من جسدك إلا ما مر عليه الماء) ومثلها رواية ابي بصير (5). وفي صحيحة العيص بن القاسم عنه (عليه السلام) (6) (من ذكر اسم الله على وضوئه فكانما اغتسل) إلى غير ذلك من الاخبار. والظاهر من الاخبار صدق التسمية بالاتيان بها عند ارادة الاستنجاء كما تقدم في حديث عبد الرحمان (7) وهكذا فيما بعد ذلك من مستحبات الوضوء. وفي حسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (8) في حكاية الوضوء البياني قال:


(1) سورة البقرة. الآية 222. (2) و (7) في الصحيفة 65 (3) ج 1 ص 27. وفى الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الوضوء، (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الوضوء (8) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء

[ 152 ]

(ثم غرف ملاها ماء فوضعها على جبينه ثم قال: بسم الله وسدله... الحديث). وبالجملة فالظاهر امتداد وقتها من حين الوضع أو الصب للاستنجاء إلى الشروع في غسل الوجه. وقد صرح الاصحاب بانه لو تركها نسيانا جاز تداركها في اثناء الوضوء، ولو كان عمدا احتمل ذلك ايضا، ولو تركها إلى آخر الوضوء فالظاهر صحة الوضوء، وهو مجمع عليه فتوى والاشهر نصبا. وروى الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان رجلا توضأ وصلى. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) اعد صلاتك ووضوءك، ففعل فتوضأ وصلى، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اعد وضوءك وصلاتك، ففعل فتوضأ وصلى، فقال له النبي صلى الله عليه واله) اعد وضوءك وصلاتك، فاتى امير المؤمنين (عليه السلام) وشكى ذلك إليه، فقال: هل سميت حين توضأت ؟ فقال: لا. قال: فسم على وضوئك فسمى وصلى، فاتى النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يأمره ان يعيد). والظاهر - كما صرح به بعض فضلاء متأخري المتأخرين - كون ذلك على جهة التأديب والارشاد، فان لصاحب الشريعة - كما تقدمت الاشارة إليه - السياسة بمثل ذلك واعظم منه لئلا يتهاون الناس بالسنن. ومن ظاهر الخبر المذكور استظهر بعض المتأخرين اعادة الوضوء والصلاة لمن ترك التسمية على وضوئه، بل ربما يستفاد منه استحباب اعادة العبادة مطلقا بترك بعض سننها، وفي الاخبار ما يعضده. وحمل الشيخ (قدس سره) التسمية في الخبر على النية، قال: لان الالفاظ


(1) ج 1 ص 102 وفى الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الوضوء

[ 153 ]

ليست بفريضة حتى يعاد من تركها الوضوء، والالم يطهر مواضع الوضوء بتركها، لانه لا يكون قد تطهر تاركها. ورماه بالبعد جملة من تأخر عنه. وهو كذلك، فان اطلاق التسميد اللفظية على النية القلبية غير معروف، وعروض النسيان لاصل النية - التي هي عبارة عن مطلق القصد إلى الفعل الذي لا يخلو عنه عاقل في فعل من أفعاله كما سيأتي ايضاحه - بعيدا جدا نعم يحتمل - كما ذكره بعض محدثي متأخري المتأخرين - ان يراد بالنية اخطار ان هذا العمل لله بالبال لئلا يصدر عنه على الغفلة، ولا يبعد ان يصدق عليه التسمية، لتضمنه اسم الله سبحانه. لكن فيه انه وان امكن احتماله في اول مرة لكن الظاهر في الدفعه الثانية بعد امر الرسول (صلى الله عليه وآله) بالاعادة عدم امكانه، فانه لم يقصد فيها سوى امتثال امره (صلى الله عليه وآله) حيث ان امره أمر الله تعالى وطاعته طاعته. واحتمل شيخنا صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل تأويل كلام الشيخ ان مراده - بقوله: (ان التسمية المنسية هي النية الواجبة.. الخ) - ان التسمية لها فردان: (احدهما) - مجرد اللفظ الذي لا يكون وسيلة إلى تحصيل القصد إلى الامتثال المسمى بالنية، ولا ارتباط له بها، كما هو الحاصل لمن له ادنى مسكة بعروة العقل. و (ثانيها) - اللفظ الذي يكون وسيلة إلى تحصيله بحيث لا يمكنه احكام النية الا به، كما نجده عيانا في بعض من ابتلى بالوسوسة في النية، ولعل صدر الاسلام لما كان قريب العهد بالجاهلية، بعيد الطبع عن قبول الاحكام الشرعية وتعقل الامور الذهنية، خصوصا الاعراب منهم، حلى لهم اللابس بحلية الملبوس، وجلى لهم مرآة المعقول بصورة المحسوس فامروا بالتسمية اللفظية الدالة على قصد كون الفعل المشروع فيه باسمه، ليحصل لهم الانتقال منها إلى المعنى التي هي النية القلبية، لوجوب فهم المعنى من اللفظ لمن علم بالوضع انتهى. وهو معنى لطيف الا ان ملاحظة الشيخ له في غاية البعد.

[ 154 ]

و (منها) - الاغتراف باليمين لجميع الاعضاء المغسولة. وهو بالنسبة إلى ما عدا غسلها نفسها متجه ومتفقة عليه الاخبار. أما بالنسبة إليها نفسها فهل يغترف لها باليسرى ويغسلها بها، أو يغترف بها ثم يديره في اليسرى ويغسل ؟ المشهور الثاني وعليه تدل صحيحة محمد بن مسلم أو ضعيفته، بناء على تضمن سندها رواية العبيدي عن يونس عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) في حكاية الوضوء البياني، حيث قال فيها: (... ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الايمن...). ومثلها موثقة الاخوين بعثمان بن عيسى (2) على رواية التهذيب. حيث قال فيها (... ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى...) واما الكافي ففيه (اليسرى) بدل (اليمنى) اخيرا. وعلى الاول تدل صحاح الاخبار كصحيحة زرارة (3) حيث قال فيها: (... ثم اعاد يده اليسرى في الاناء فاسدلها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها...) ومثلها صحيحته الاخرى (4) وحسنة بكير (5) وصحيحتاهما (6) ومنه يظهر قوة القول الاول. وقضية الجمع جواز الامرين دون افضلية الاغتراف باليمين لغسلها، وبذلك يظهر لك ما في كلام ثاني الشهيدين في الروض، حيث قال - بعد ان صرح باستحباب الاغتراف باليمين مطلقا -: (وفي حديث عن الباقر (عليه السلام) انه أخذ باليسرى فعسل اليمنى. وهو لبيان الجواز) انتهى. و (منها) - السواك، والظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) في استحبابه مطلقا وخصوصا للوضوء والصلاة، لاستفاضة الاخبار بذلك.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.

[ 155 ]

ومما يدل على الاول موثقة اسحاق بن عمار (1) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): من اخلاق الانبياء السواك). وروايته ايضا عنه (عليه السلام) (2) قال: (السواك من سنن المرسلين). وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: (قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما زال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالسواك حتى خفت ان احفى أو أدرد) واحفى بالحاء المهملة وادرد بدالين مهملتين عبارة عن اذهاب الاسنان. إلى غير ذلك من الاخبار. ومما يدل على الثاني قوله (صلى الله عليه وآله) في صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (4): (وعليك بالسواك عند كل وضوء). وقول الصادق (عليه السلام) في رواية المعلى بن خنيس (5) حين سأله عن الاستياك بعد الوضوء قال: (الاستياك قبل ان يتوضأ. قال: قلت: أرايت ان نسي حتى يتوضأ ؟ قال: يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات). وفى رواية السكوني (6) (التسوك بالابهام والمسبحة عند الوضوء سواك). وفى رواية محمد بن مروان عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي صلوات الله عليه (عليك بالسواك لكل صلاة). وعنه (صلى الله عليه وآله) في رواية القداح (8) (لولا ان اشق على امتي لامرتهم بالسواك مع كل صلاة) اي امرا ايجابيا وإلا فقد امر (صلى الله عليه وآله) لكن استحبابا. إلى غير ذلك من الاخبار.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب السواك (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب السواك (5) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب السواك. (6) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب السواك (7) و (8) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب السواك.

[ 156 ]

وذهب البعض - من حيث ورود الامر به مطلقا - إلى انه ليس من مستحبات الوضوء، ولامر الحائض والنفساء به. وفيه ان استحبابه مطلقا ولو لمثل الحائض والنفساء لا ينافي استحبابه للوضوء والصلاة زيادة على ذلك، فيكون فيهما مؤكدا، فان الاخبار الدالة على الامر به في خصوص الموضعين - سيما حديث خوف المشقة على الامة، وقوله (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (1) مرسلا: (السواك شطر الوضوء) - مما يدل على ما قلناه باوضح دلالة و (منها) - المضمضة والاستنشاق على المشهور فتوى والاظهر نصا، ونقل في المختلف عن ابن ابي عقيل انه قال: (انهما ليسا عند آل الرسول (عليهم السلام) بفرض ولا سنة). والاخبار في ذلك مختلفة لى وجه يعسر جمعها. ففي رواية عبد الرحمان بن كثير المروية بطرق المشايخ الثلاثة (2) (نور الله تعالى مضاجعهم) مسنده في الكافي والتهذيب ومرسلة في الفقيه في حكاية وضوء الامير (صلوات الله عليه): (... ثم تمضمض فقال وذكر الدعاء، ثم استنشق فقال... الحديث). وفى رواية عبد الله بن سنان (3) قال: (المضمضة والاستنشاق مما سن رسول الله (صلى الله عليه وآله)). وفي موثقة ابي بصير (4) حيث سأله عنهما فقال: (هما من الوضوء، فان نسيتهما فلا تعد).


(1) ج 1 ص 32، وفى الوسائل في الباب - 3 - من ابواب السواك (2) رواها صاحب الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 29 - من ابواب الوضوء، والباب - 24 - من ابواب الجنابة (4) المروية في الوسائل في الباب - 29 - من ابواب الوضوء

[ 157 ]

وفي حديث عهد الامير (صلوات الله عليه) الذي كتبه إلى محمد بن ابي بكر لما ولاه مصر على ما رواه الشيخ أبو علي في مجالسه (1) (.. وانظر إلى الوضوء فانه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا... الحديث، إلى ان قال: فاني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع ذلك، واعلم ان الوضوء نصف الايمان). ورواية عمر بن خالد عن زيد بن علي عن ابيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: (جلست اتوضأ، فاقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لي: تمضمض واستنشق واستن... الحديث). وفي رواية حكم بن حكيم (3) بعد السؤال عن المضمضة والاستنشاق من الوضوء هما، قال: (لا). وفي حسنة زرارة (4) قال: (المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء). ورواية ابى بصير (5) حيث سأله عنهما قال: (ليس هما من الوضوء، هما من الجوف) ورواية الحضرمي (6) قال: (ليس عليك مضمضة ولا استنشاق، لانهما من الجوف). وموثقة سماعة (7) حيث سأل عنهما فقال: (هما من السنة، فان نسيتهما لم يكن عليك اعادة). ورواية زرارة (8) قال: (ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنة، انما عليك ان تغسل ما ظهر).


(1) ص 19 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) المروية في الوسائل في الباب - 29 - من ابواب الوضوء.

[ 158 ]

ورواية علي بن جعفر في كتاب قرب الاسناد (1) حيث سأل اخاه (عليه السلام) عن المضمضة والاستنشاق قال: (ليس بواجب وان تركهما لم يعد لهما صلاة). وفي كتاب الخصال (2) في حديث الاربعمائة قال: (والمضمضة والاستنشاق سنة، وطهور للفم والانف). هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك، وهي - كما ترى - على غاية من التدافع والتنافي، والجمع بينها ممكن باحد وجهين: (الاول) - حمل ما دل على نفي كونهما من الوضوء على معنى انهما ليسا من واجباته وان كانا من سننه، وبهذا جمع الشيخ (عطر الله مرقده) بين الاخبار، وعليه اكثر اصحابنا (رضوان الله عليهم) ويؤيده نفي الوجوب في رواية قرب الاسناد وظاهر لفظ (ليس عليك) المشعر بنفي الوجوب في رواية الحضرمي. ويدل على كونهما من سننه رواية عبد الرحمان بن كثير وحديث العهد ورواية عمرو بن خالد، وحينئذ فيحمل ما دل على كونهما سنة بقول مطلق على انهما من سنن الوضوء ومستحباته. ولا ينافي ذلك نفي كونهما فريضة أو سنة في رواية زرارة، إذ الظاهر ان المراد بالفريضة فيها ما كان وجوبه بالكتاب، والسنة ما كان وجوبه بالسنة النبوية، فهي نفي للوجوب بطريقيه، ويؤيده قوله بعد ذلك: (انما عليك... الخ) الدال بمفهومه على انه ليس عليه مضمضة ولا استنشاق المشعر - كما عرفت - بنفي الوجوب. ولعل المبالغة في نفي وجوبهما على وجه يوهم الناظر نفيهما مطلقا هو الرد على العامة، من حيث مواظبتهم عليهما بل قول جملة منهم بوجوبهما، كما نقله في المنتهى عن احمد واسحاق وابن ابي ليلى، بعض منهم خص الوجوب بالاستنشاق، وبعض خص


(1) في الصحيفة 83 وفى الوسائل في الباب - 29 - من ابواب الوضوء، (2) ج 2 ص 157 وفى الوسائل في الباب - 29 - من ابواب الوضوء

[ 159 ]

وجوبهما بالطهارة الكبرى (1). (الثاني) - حمل النفي في تلك الاخبار على نفي كونهما من الوضوء مطلقا، يعني لا من واجباته ولا من مستحباته، وحمل ما عدا ذلك مما دل على كونهما سنة على ثبوت استحبابهما في حد ذاتهما لا لاجل الوضوء. والى هذا جنح شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل وبالغ في نصرته، فقال بعد ذكر كلام في المقام: (والتحقيق ان نقول يجب الجزم بانهما ليسا من سنن الوضوء المنسوبة إليه المرتبطة به، بحيث علم من الرسول (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (صلوات الله عليهم) قولا أو فعلا أو تقريرا للواظبة عليهما غالبا عند ارادة الوضوء، وتوظيفهما في ذلك الوقت من حيث الخصوص كما هو شأن السنة، ثم استند إلى خلو الاخبار البيانية عنهما، ثم طعن في رواية عبد الرحمان بن كثير بضعف السند، وفي موثقتي سماعة وابي بصير الدالة اولاهما على انهما من السنة، بانه اعم من المدعى،


(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 21 " عند احمد بن حنبل هما فرضان في الوضوء والغسل جميعا " وكذا في تفسير ابن كثير ج 2 ص 23. وفى الميزان للشعراني ج 1 ص 106 " اتفق الائمة الثلاثة على استحباب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وفى اشهر الروايتين عن احمد وجوبهما في الحدث الاكبر والاصغر " وفى المحلى ج 2 ص 48 ما ملخصه " المضمضة ليست فرضا فتركها عمدا أو نسيانا لا يخل بالوضوء والصلاة. واما الاستنشاق بنفسه ثم النثر باصابعه فلا بد منه لا يجزئ الوضوء ولا الصلاة دونهما لا عمدا ولا نسيانا. وفي ص 50 قال مالك والشافعي: ليس الاستنشاق والاستنثار فرضا لا في الوضوء ولا في الغسل من الجنابة. وقال أبو حنيفة: هما فرض في غسل الجنابة لا الوضوء. وقال احمد وداود: هما فرضان في الوضوء لا في غسل الجنابة، وليست المضمضة فرضا لا في الوضوء ولا في غسل الجنابة " وفى تفسير ابن كثير ج 2 ص 23 نسب إلى ابى حنيفة وجوب للمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء، وذكر ايضا انه روى عنه وجوب الاستنشاق دون المضمضة. وفى شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد السارى ج 2 ص 314 نسب إلى ابن ابى ليلى واسحاق بن راهويه الموافقة لاحمد بن حنبل في الوجوب فيهما.

[ 160 ]

واخرهما على انهما من الوضوء، بالمعارضة بصحيحة زرارة (1) (انهما ليسا من الوضوء) مع قبولها للتأويل بكونهما من الوضوء اللغوي، لانهما طهور للفم والانف، ثم طعن في رواية عمرو بن خالد بضعف السند لاشتماله على رجال من العامة، وانها تنادي بالتقية لاشتمالها على الامر بغسل الرجلين وتخليل اصابعهما، ثم قال: فكيف يتجرأ على الفتيا بكون شئ سنة موظفة في شئ مع عدم ورود ما يصلح لا ثبات ذلك، إلى ان قال: واما كونهما سنة في الجملة فالظاهر ذلك، لما ذكرنا من موثقة سماعة (2) ثم ذكر جملة من الاخبار الدالة بظاهرها على الاستحباب مطلقا. اقول: وفيه (اولا) - ان خلو اخبار الوضوء البياني عن ذلك لا يدل على نفي الاستحباب في الوضوء، لاحتمال تخصيص البيان بما هو الواجب كما صرح به البعض ولخلوها كملا عن الادعية الموظفة في الوضوء وعن السواك، مع ثبوت استحبابهما اجماعا نصا وفتوى، وخلو كثير منها عن التسمية. و (ثانيا) - ان رواية عبد الرحمان وان ضعف سندها بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي لم يقم على اعتباره دليل، مع ما في جملة من احكامه من القال والقيل، كما شرحنا بعض ذلك في المقدمة الثانية (3) إلا انها صحيحة بالدستور القديم والنهج والقويم الذي عليه كافة علمائنا المتقدمين من المحدثين والمجتهدين، سيما الثلاثة المحمدين الذين هم اساطين الدين ونخبة المعتمدين، وقد رووها كملا في مسانيدهم، مع تصريحهم في اوائل كتبهم بان جميع ما يروونه صحيح مقطوع على صحته، وقد اعتمد اصحاب هذا الاصطلاح على كثير من مراسيل الفقيه بناء على ما صرح به في اول كتابه، كما لا يخفى على من نظر في الكتب الاستدلالية، على انهم قد قرروا في جملة اصطلاحاتهم جبر الضعف بالشهرة، وشهرة الرواية المذكورة - بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) سلفا وخلفا


(1) المتقدمة في الصحيفة 157 وقد وصفها هناك بانها حسنة (2) المتقدمة في الصحيفة 157 (3) في الصحيفة 14 من الجزء الاول

[ 161 ]

والعمل بما اشتملت عليه - مما لا يتجشم انكاره، وقد رواها البرقي في المحاسن (1) ايضا وهو مؤيد لما قلنا. و (ثالثا) - ان ما ذكره - من انه لم يعلم من الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا من أهل بيته (عليهم السلام) توظيفهما في الوضوء - معارض بانه لم يعلم منهم ايضا الاتيان بهما في غير حال الوضوء، فان التجأ إلى اطلاق الاخبار بانهما من السنة، قلنا: العام لا دلالة له على الخاص. وان قيل: الفرض نفي استحبابهما في الوضوء، قلنا: الاستحباب قد ثبت بجملة من الاخبار المذكورة آنفا كرواية عبد الرحمان المذكورة (2) ورواية العهد (3) ورواية عمرو بن خالد (4) واشتمال آخر الاخيرة على ما يشعر بالتقية لا يقتضي بطلان الاستدلال بها على ما عدا موضع التقية، إذ سبيلها فيما لا معارض له سبيل العام المخصوص في غير موضع التخصيص، سيما مع الاعتضاد بما ذكرنا من الاخبار، وهي موثقة ابي بصير وظاهر موثقة سماعة، فان قوله فيها: (هما من السنة) وان كان اعم من كونه في الوضوء أم لا إلا ان قوله: (فان نسيتهما... الخ) يعين ما قلناه، إذ لا ارتباط بين استحبابهما مطلقا وبين توهم الاعادة لهما. وحينئذ فما عدا ما ذكرنا من الاخبار مما كان مطلقا فسبيله الحمل على المقيد رعاية للقاعدة المقررة، وما كان متضمنا للنفي فوجهه الجمل على نفي الوجوب كما قدمنا. وعلى ذلك تنتظم الاخبار ويزول عنها غبار الغيار. وما نقله في المختلف عن ابن ابي عقيل هو بعينه مضمون رواية زرارة المتقدمة (5) لان من شأنه (قدس سره) في كتابه - بل جملة المتقدمين - التعبير بمتون الاخبار، وحينئذ فيحمل كلامه على ما تحمل عليه الرواية، وبذلك يتبدل الاختلاف بالائتلاف كما لا يخفى على من نظر بعين الانصاف.


(1) في الصحيفة 45 (2) والآتية في الصحيفة 167 (3) و (4) و (5) في الصحيفة 157

[ 162 ]

فائدة قد صرح جمع من المتأخرين باستحباب المضمضة والاستنشاق بثلاثة اكف، وانه مع اعواز الماء يكفي الكف الواحد، وانه يشترط تقديم المضمضة اولا، وجوز العلامة في النهاية ان يتمضمض مرة ويستنشق مرة وهكذا ثلاثا، سواء كان الجميع بغرفة أو غرفتين أو ازيد. واعترضهم جمع من متأخريهم بعدم وجود المستند في شئ من هذه التفاصيل سوى رواية عبد الرحمان بن كثير (1) فانها دلت على تقديم المضمضة وعطف الاستنشاق عله ب‍ (ثم). اقول: وقد دلت رواية العهد المتقدمة على التثليث ايضا، لكن اعم من ان يكون بثلاثة اكف في كل منهما أو أقل وان كان الظاهر الاول، فيحصل من كلتا الروايتين استحباب تقديم المضمضة على الاستنشاق وتثليثهما. و (منها) - الدعاء حالة المضمضة والاستنشاق بما ورد عن الامير (صلوات الله عليه) في رواية عبد الرحمان بن كثير (2) حيث قال: (... ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم القاك، واطلق لساني بذكراك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها...). و (منها) - كون الوضوء بمد اجماعا نصا وفتوى، ومن الاخبار في ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد من ماء ويغتسل بصاع) ومثله في صحيحة زرارة (4) وزاد فيها (والمد رطل ونصف، والصاع ستة ارطال).


(1) و (2) الآتية في الصحيفة 167 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 50 - من ابواب الوضوء

[ 163 ]

ورواية ابي بصير (1) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء. فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد ويغتسل بصاع). وما رواه في الفقيه (2) مرسلا قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والوضوء مد والغسل صاع، وسيأتي اقوام من بعدي يستقلون ذلك، فاولئك على خلاف سنتي، والثابت على سنتي معي في حظيرة القدس) إلى غير ذلك من الاخبار. ومما يدل على ان ذلك على جهة الاستحباب دون الوجوب اجماع الفرقة الناجية على ذلك اولا، واستفاضة الاخبار باجزاء مثل الذهن ثانيا، كما سيأتي في موضعه ان شاء الله تعالى. وهل ماء الاستنجاء داخل في المذكور ؟ ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى ذلك حيث قال: (المد لا يكاد يبلغه الوضوء، فيمكن ان يدخل فيه ماء الاستنجاء، كما تضمنته رواية ابن كثير عن امير المؤمنين (عليه السلام) (3)). واستحسنه في المدارك، قال: (وربما كان في صحيحة ابي عبيدة الحذاء (4) اشعار بذلك ايضا، فانه قال: ((وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع وقد بال، فناولته ماء فاستنجى، ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه... الحديث) ويؤيده دخول ماء الاستنجاء في صاع الغسل على ما سيجئ بيانه) انتهى. واعترض في كتاب الحبل المتين على كلام الذكرى، فقال: (وظني ان كلامه هنا إنما يتمشى على القول بعدم استحباب الغسلة الثانية، وعدم كون المضمضة والاستنشاق من افعال الوضوء الكامل، واما على القول بذلك - كما هو مختاره (قدس سره) -


(1) المروية في الوسائل في الباب - 50 - من ابواب الوضوء. (2) ج 1 ص 23، وفى الوسائل في الباب - 50 - من ابواب الوضوء (3) الآتية في الصحيفة 167 (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء

[ 164 ]

فلا، فان اعلى ما اعتبرناه لا يزيد على ربع المن التبريزي المتعارف في زماننا هذا بشئ يعتد به، وهذا المقدار إنما يفي باصل الوضوء المسبغ ولا يفضل منه شئ للاستنجاء فان ماء غسل اليدين كف أو كفان، وماء كل من المضمضة والاستنشاق والغسلات الواجبة والمندوبة ثلاث اكف، فهذه ثلاث عشرة أو اربع عشرة كفا، وهذا ان اكتفى في غسل كل عضو بكف واحدة، وإلا زادت على ذلك، فاين ما يفضل للاستنجاء ؟ وايضا ففي كلامه (طاب ثراه) بحث آخر، وهو انه ان اراد بماء الاستنجاء الذي حسبه من ماء الوضوء ماء الاستنجاء من البول وحده، فهو شئ قليل حتى قدر بمثلى ما على الحشفة، وهو لا يؤثر في الزيادة والنقصان اثرا محسوسا، وان اراد ماء الاستنجاء من الغائط أو منهما معا لم يتم استدلاله بالروايتين المذكورتين، إذ ليس في شئ منهما دلالة على ذلك، بل في رواية الحذاء (1) ما يشعر بان الاستنجاء كان من البول وحده، فلا تغفل) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. واما تحقيق قدر المد فسيأتي ان شاء الله تعالى منقحا في باب غسل الجنابة. و (منها) - ان يبدأ الرجل في غسل ذراعيه في الوضوء بظاهرهما والمرأة بباطنهما، لما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: (فرض الله على النساء في الوضوء ان يبدأن بباطن اذرعهن وفى الرجال بظاهر الذراع). ومثله روى الصدوق في الخصال (3) بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: (المرأة تبدأ في الوضوء بباطن الذراع والرجل بظاهره. الحديث) المشهور بين متأخري الاصحاب التفصيل في ذلك بين الغسلة الاولى والثانية،


(1) المتقدمة في الصحيفة 163 (2) رواها صاحب الوسائل في الباب - 40 - من ابواب الوضوء (3) ج 2 ص 142

[ 165 ]

بان يبدأ الرجل في الغسلة الاولى بظاهر ذراعيه وفي الثانية بباطنهما والمرأة بالعكس. ولم اقف له على مستند. و (منها) - فتح العينين عند الوضوء، رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه (1) مرسلا وفى كتابي العلل وثواب الاعمال مسندا عن ابن عباس قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم). وروى الراوندي في نوادره باسناده عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اشربوا عيونكم للماء، لعلها لا ترى نارا حامية) وفي كتاب دعائم الاسلام مثله. وعده الشهيد في الدروس من مستحبات الوضوء ناقلا له عن الصدوق، ونقل عن الشيخ في الخلاف دعوى الاجماع منا على عدم وجوبه واستحبابه. والظاهر - كما استظهره جملة من مشايخنا (قدس الله تعالى ارواحهم) - ان المراد باستحباب ذلك مجرد فتحهما استظهارا لغسل نواحيهما. دون غسلهما، لما فيه من المشقة والمضرة، حتى انه روى ان ابن عمر كان يفعله فعمى لذلك. واحتمل بعض مشايخنا حمل الخبرين على التقية لما في سند الاول من جملة من رجل العامة، حيث ان الصدوق في الكتابين المتقدمين رواه بسنده إلى السكوني عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس، والثاني ضعيف السند ايضا قال: (والقول بالاستحباب


(1) ج 1 ص 31 وفى العلل ص 103 وفى ثواب الاعمال ص 10 وفى الوسائل في الباب - 53 - من ابواب الوضوء. (2) رواه صاحب البحار عن النوادر للراوندي وعن دعائم الاسلام ج 18 ص 80 من كتاب الطهارة، ورواه صاحب المستدرك عن دعائم الاسلام في الباب - 45 - من ابواب الوضوء

[ 166 ]

منسوب للشافعي (1)) ولا يخلو من قرب. و (منها) - صفق الوجه بالماء، نقله جماعة من متأخري اصحابنا (رضوان الله عليهم) عن علي بن بابويه في رسالته. وروى ابنه في الفقيه (2) مرسلا وفي كتاب العلل مسندا في الموثق عن عبد الله ابن المغيرة عن رجل، ومثله في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا توضأ الرجل فليصفق وجهه بالماء، فانه ان كان ناعسا فزع واستيقظ، وان كان البرد فزع فلم يجد البرد) وهو يشعر بموافقته لابيه (طاب ثراهما). لكن روى الكليني (3) والشيخ عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم، ولكن شنوا الماء شنا). وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد (4) بسند صحيح عن ابي جرير الرقاشي


(1) في تذكرة العلامة (قده) انه احد قولى الشافعي، وفى خلاف الشيخ الطوسى (قده) ص 6 قال اصحاب الشافعي انه مستحب، وفى المهذب لابي اسحاق الشيرازي الشافعي ج 1 ص 15 " ولا يغسل العينين. ومن اصحابنا من قال يستحب غسلهما لان ابن عمر كان يغسل عينه حتى عمى، والاول اصح لانه لم ينقل ذلك عن رسول الله " ص " قولا ولا فعلا فدل على انه ليس بمسنون " وفى الام للشافعي ج 1 ص 21 " وانما اكدت المضمضة والاستنشاق دون غسل العينين للسنة، وان الفم يتغير وكذلك الانف وان الماء يقطع من تغيرهما وليست كذلك العينان ". (2) ج 1 ص 31 وفى العلل ص 103 وفى التهذيب ج 1 ص 102 وفى الوسائل في الباب - 30 - من ابواب الوضوء (3) رواه الكليني ج 1 ص 9 والشيخ ج 1 ص 12 وفى الوسائل في الباب - 30 - من ابواب الوضوء. (4) في الصحيفة 129 وفى الوسائل في الباب - 15 و 30 - من ابواب الوضوء،

[ 167 ]

قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام): كيف أتوضأ للصلاة ؟ قال: فقال: لا تعمق في الوضوء، ولا تلطم وجهك بالماء لطما، ولكن اغسله من اعلى وجهك إلى اسفله.. الحديث). ويمكن الجمع بينهما بحمل الاول على الناعس والبردان كما هو مورد الخبر، والاخيرين على ما عداهما، أو الاول على الجواز والاخيرين على الكراهة. واحتمل بعض الاصحاب انه يجوز ان لا يكون الصفق في الخبر الاول مرادا به غسل الوجه الذي هو جزء من الوضوء، بل يكون فعلا آخر سابقا على الوضوء للغرض المذكور في الرواية. وليس بذلك البعيد. و (منها) - الدعاء على كل من افعال الوضوء، وقد جمعته رواية عبد الرحمان ابن كثير المشار إليها آنفا عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: (بينا امير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع محمد بن الحنفية إذ قال: يا محمد ائتني باناء من ماء اتوضأ للصلاة، فاتاه محمد بالماء، فاكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى، ثم قال: بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا، قال: ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجى واعفه واستر عورتي وحرمني على النار، قال: ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم القاك واطلق لساني بذكراك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها، قال: ثم غسل وجهه فقال: اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه، ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه، ثم غسل يده اليمنى فقال: اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حسابا يسيرا، ثم غسل يده اليسرى فقال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، واعوذ بك من مقطعات النيران، ثم مسح رأسه فقال: اللهم غشني برحمتك وبركاتك، ثم مسح رجليه فقال: اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الاقدام، واجعل سعيي فيما


(1) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء

[ 168 ]

يرضيك عني، ثم رفع رأسه فنظر إلى محمد فقال: يا محمد من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي خلق الله له من كل قطرة ملكا يقدسه ويسبحه ويكبره فيكتب الله له ثواب ذلك إلى يوم القيامة). اقول: لا يخفى ان كتب الاخبار قد اختلفت في جملة من مواضع هذا الخبر (منها) - في تقديم المضمضة على الاستنشاق، فان الموجود في الفقيه (1) والتهذيب (2) كما هنا، والموجود في الكافي (3) - وهو الذي اعتمده صاحب الوافي - تقديم الاستنشاق. و (منها) - قوله: (فاكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى) فان الموجود في الفقيه والكافي كما هنا، وفى التهذيب الموجود بايدينا (فاكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى) وهو الذي نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين عن التهذيب ايضا، الا ان شيخنا البهائي (عطر الله تعالى مرقده) في كتاب الاربعين نقل الحديث كما هنا، وذكر انه نقله من التهذيب من نسخة معتمدة بخط والده (طاب ثراه) وهي التي قرأها عليه، ووالده قرأها على شيخنا الشهيد الثاني (قدس الله تعالى ارواحهم جميعا) و (منها) - قوله في دعاء الاستنجاء: (وحرمني على النار) ففي الفقيه والتهذيب كما هنا، وفي الكافي (وحرمهما) بضمير التثنية، وعلى ذلك يحتمل عوده إلى الفرج والعورة، نظرا إلى اختلاف اللفظين. وان قرئ (عورتى) بالتشديد على صيغة التثنية فلا اشكال. و (منها) - في دعاء المضمضة، ففي الفقيه والتهذيب كما ذكرنا، وفي الكافي (اللهم انطق لساني بذكرك، واجعلني ممن ترضى عنه). (ومنها) في دعاء الاستنشاق، ففي الفقيه والتهذيب كما هنا، وفي الكافي (اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وطيبها وريحانها) وفى بعض كتب


(1) ج 1 ص 26 (2) ج 1 ص 15 (3) ج 1 ص 21.

[ 169 ]

الاخبار - كما نقله في كتاب الاربعين - (اللهم لا تحرمنى طيبات الجنان واجعلني.. الخ) في اخره (ريحانها) بدل (طيبها) إلى غير ذلك من المواضع المعدودة في كتاب الاربعين والبحار. ونحن قد اعتمدنا هنا في نقل الخبر المذكور على كلام شيخنا البهائي (رحمه الله) في اربعينه، فنقلناه من الكتاب المذكور من نسخة معتمدة مقابلة على شيخنا العلامة ابى الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (طيب الله تعالى مضجعه). تتمة روى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) من كتاب الفقه الرضوي قال: (قال (عليه السلام): ايما مؤمن قرأ في وضوئه (انا انزلناه في ليلة القدر..) خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه). وروى شيخنا المشار إليه - في الكتاب المذكور ايضا (2) عن كتاب اختيار السيد ابن الباقي وكتب البلد الامين - ان (من قرأ بعد اسباغ الوضوء (انا انزلناه في ليلة القدر.) وقال: اللهم انى اسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك وتمام مغفرتك، لم تمر بذنب قد اذنبه إلا محته). وروى فيه (3) ايضا عن كتاب الاختيار قال: (قال الباقر (عليه السللام): من قرأ على أثر وضوئه آية الكرسي مرة، اعطاه الله تعالى ثواب اربعين عاما، ورفع له اربعين درجة، وزوجه الله اربعين حوراء. وقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي إذا توضأت فقل: بسم الله انى اسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك وتمام مغفرتك، فهذا زكاة الوضوء).


(1) ج 18 ص 75 من كتاب الطهارة. (2) ج 18 ص 78 من كتاب الطهارة. (3) ج 18 ص 76. والرواية في البحار عن جامع الاخبار.

[ 170 ]

اقول: قال في الفقيه (1) (زكاة الوضوء ان يقول المتوضئ: اللهم اني اسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك والجنة، فهذا زكاة الوضوء). ويحتمل أن يكون اطلاق الزكاة عليه اما باعتبار نمو التطهير فزيادته وكماله بسببه أو باعتبار انه سبب لقبول الوضوء كما ان الزكاة سبب لقبول الصلاة والصوم. الفصل الثاني في كيفية الوضوء الواجبة، وهي تعتمد اركانا خمسة: الركن الاول - النية ولا ريب ان النية - في جملة افعال العقلاء العارية عن السهو والنسيان - مما يجزم بتصورها بديهة الوجدان، لارتكازها في الاذهان، فهي في التحقيق غنية عن البيان، فعدم التعرض لها احرى بالدخول في حيز القبول، ومن ثم خلا عن التعرض لها كلام متقدمي علمائنا الفحول، وطوي البحث عنها في اخبار آل الرسول، إلا انه لما انتشر الكلام فيها بين جملة من متأخري الاصحاب، وكان بعضه لا يخلو من اشكال واضطراب، احببنا الولوج معهم في هذا الباب، وتنقيح ما هو الحق عندنا والصواب جريا على وتيرتهم (رضوان الله عليهم) فيما قعدوا فيه وقاموا، واسامة لسرح اللحظ حيث اساموا. وقد احببنا ان نأتي على جملة ما يتعلق بالنية من الاحكام بل كل ما له ارتباط بها في المقام ونحو ذلك مما يدخل في سلك هذا النظام على وجه لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام وفضلائنا العظام، فنقول: البحث فيها يقع في مقامات: (المقام الاول) - لا ريب في وجوب النية في الوضوء بل في جملة العبادات، والوجه فيه انه لما كان الفعل من حيث هو ممكن الوقوع على انحاء شتى - ولا يعقل انصرافه إلى شئ منها إلا بالقصد إلى ذلك الشئ بخصوصه، ولا يترتب عليه اثره


(1) ج 1 ص 32

[ 171 ]

إلا بذلك، مثلا - الدخول تحت الماء من حيث هو صالح لان يقصد به التبرد أو التسخن تارة، وازالة الوسخ اخرى والغسل مثلا، واخراج شئ من الماء ونحو ذلك، فلا ينصرف إلى واحد من هذه الاشياء أو أزيد إلا بنيته وقصده. ومثل ذلك لطمة اليتيم تأديبا وظلما وهكذا جميع افعال العقلاء من عبادات وغيرها لا يمكن تجردها وخلوها من الينة والقصد بالكلية، والى ذلك يشير ما صرح به بعض فضلائنا واستحسنه آخرون، من انه لو كلفنا الله العمل بلا نية لكان تكليفا بما لا يطلق - فالعبادة لا تكون عبادة يترتب عليها اثرها ويمتاز بعض اصنافها عن بعض إلا بالقصود والنيات ففي العبادة الواجبة تكون النية واجبة شرطا أو شرطا، لعدم تعينها - كما عرفت - وتشخصها إلا بها، وفي المندوبة تكون من شروط صحتها جزء كانت أو خارجة، كغيرها من الافعال التي لا تصح إلا بها. وعدم الاتصاف بالوجوب فيها - ولا في غيرها مما هو واجب في الفريضة وشرط في صحتها - انما هو من حيث انه لا يعقل وجوب الشرط أو الجزء مع ندبية المشروط أو الكل، وربما عبروا عن مثل ذلك بالوجوب الشرطي. ويدل على أصل ما قلناه ما رواه في التهذيب (1) مرسلا عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: (إنما الاعمال بالنيات) وقوله (صلى الله عليه وآله): (انما لكل امرئ ما نوى) وقول علي بن الحسين (عليهما السلام) في حسنة الثمالي: (لا عمل إلا بنية) (2) فان الظاهر ان المراد بالنية هنا المعنى اللغوي. لاصالة عدم النقل، بمعنى


(1) ج 1 ص 13، وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات (2) ومن الاخبار في ذلك صحيحة على بن جعفر المروية في الفقيه والتهذيب عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: " سألته عن الاضحية يخطئ الذى يذبحبها فيسمى غير صاحبها اتجزئ عن صاحب الاضحية ؟ فقال: نعم، انما له ما نوى " والظاهر ان المراد منه انما للذابح ما نواه اولا دون سماه حال الذبح غلطا. ويحتمل انما لصاحب الذبيحة ما نواه الذابح =

[ 172 ]

إنما الاعمال حاصلة بالقصود والنيات، وانما لكل امرئ ما قصده، وانه لا عمل حاصل إلا متلبسا بقصد ونية. فالاول والثالث صريحا الدلالة في عدم حصول العمل بالاختيار من النفس إلا بقصدها إلى اصداره، والثاني صريح في ان المرء لا يستحق من جزاء عمله الا جزاء ما قصده كما يدل عليه السبب فيه، وينادي به تتمتة من قوله (صلى الله عليه وآله): (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (1) ومن هنا يعلم ان مدار الاعمال - وجودا وعدما واتحادا وتعددا وجزاءها ثوابا وعقابا - على القصود والنيات. وبما ذكرنا ثبت ما ادعيناه من ضرورية النية في جميع الاعمال، وعدم احتياجها إلى تكلف واحتمل، ووجوبها في جميع العبادات المترتب صحتها عليها، فان الاعمال كالاشباح والقصود لها كالارواح. هذه جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) لما حكموا بوجوب النية في جميع العبادات وفسروها بالمعنى الشرعي، اشكل عليهم الاستدلال على الوجوب: فاستدل بعض - منهم: السيد السند في المدارك - على ذلك بما قدمنا من الاخبار، واعترضه آخرون بمنع ذلك، قالوا: لان الظاهر من الحصر في حديثي (إنما الاعمال بالنيات) و (لا عمل إلا بنية) (2) انتفاء حقيقة العمل عند انتفاء النية، وهو باطل، فلما تعذر الحمل على الحقيقة فلابد من المصير إلى اقرب المجازات. والتجوز بالحمل على نفي الصحة - كما يدعيه المستدل - ليس اولى من الحمل على نفي الثواب. ولو قيل:


= سمى أو لم يسم. وصحيحة اخرى له ايضا عن اخيه (عليه السلام) " عن الرجل يحلف وينسى ما قال ؟: هو على ما نوى " (منه رحمه الله). (1) رواه في الوافى ج 3 ص 71 وفى المستدرك ج 1 ص 8 (2) المرويين في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات.

[ 173 ]

ان الاول اقرب إلى الحقيقة، عورض بان حملهما عليه يستلزم التخصيص في الاعمال، فانها أعم من العبادات التي هي محل الاستدلال، فيخرج كثير من الاعمال حينئذ من الحكم. واما الحديث الثالث (1) فلا انطباق له على مدعاهم بالكلية، لما اوضحناه سابقا مؤيدا بتتمته وعلته (2). نعم ربما يستدل لهم بما رواه الشيخ (رحمه الله) في كتاب الامالي (3) بسنده فيه عن ابي الصلت عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل الا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا باصابة السنة) وما رواه في كتاب بصائر الدرجات (4) بسنده فيه عن علي (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا قول الا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا عمل ونية الا باصابة السنة). فان الظاهر من سياق الخبرين ان المراد بالعمل فيهما العبادة، وحينئذ فالنية عبارة عن المعنى الشرعي المشترط في صحة العبادة. (المقام الثاني) - قد عرف جملة من اصحابنا النية شرعا بانها القصد المقارن للفعل، قالوا: فلو تقدمت ولم تقارن سمى ذلك عزما لا نية. وأصل هذا التعريف للمتكلمين، فانهم - على ما نقل عنهم - عرفوها بانها الارادة من الفاعل للفعل بالمقارنة له وللاصحاب (رضوان الله عليهم) في بيان المقارنة في نية الصلاة اختلاف فاحش: قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة: (الواجب اقتران النية بالتكبير، بان


(1) وهو قوله (ع): " انما لكل امرئ ما نوى " المتقدم في الصحيفة 171 (2) المتقدمة في الصحيفة 172 (3) في الصحيفة 215، وفى الوسائل عن غير الامالى في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العادات. (4) في الصحيفة 3، وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب المقدمة العبادات.

[ 174 ]

يأتي بكمال النية ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل، وهذا تصح صلاته اجماعا) قال: (ولو ابتدأ بالنية بالقلب حال ابتداء التكبير باللسان ثم فرغ منهما دفعة واحدة، فالوجه الصحة). ونقل الشهيد (رحمه الله) عن بعض الاصحاب انه اوجب ايقاع النية باسرها بين الالف والراء، قال: (وهو - مع العسر - مقتض لحصول اول التكبير بلا نية) ونقل السيد السند في المدارك عن العلامة والشهيد انهما اوجبا استحضار النية إلى انتهاء التكبير، لان الدخول في الصلاة إنما يتحقق بتمام التكبير. ورده بلزوم العسر، وان الاصل براءة الذمة عن هذا التكليف، وان الدخول في الصلاة يتحقق بالشروع في التكبير، لانه جزء من الصلاة باجماعنا، فإذا قارنت النية اوله فقد قارنت اول الصلاة، لان جزء الجزء جزء، ولا ينافي ذلك توقف التحريم على انتهائه. انتهى. وفي البال اني وقفت منذ مدة على كلام للعلامة (رضي الله عنه) الظاهر انه في اجوبة مسائل السيد مهنا بن سنان المدنى في المقارنة، قال (رحمه الله) حكاية عن نفسه: (انى اتصور الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ثم اقصد إليها، فاقارن بها النية) والكتاب لا يحضرني الآن لاحكي صورة عبارته ولكن في البال ان حاصله ذلك. اقول: لا يخفى عليك - بعد تأمل معنى النية ومعرفة حقيقتها - ان جملة هذه الاقوال بعيدة عن جادة الاعتدال، فانها مبنية على ان النية عبارة عن هذا الحديث النفسي والتصوير الفكري، وهو ما يترجمه قول المصلي - مثلا -: (اصلى فرض الظهر اداء لوجوبه قربة إلى الله) والمقارنة بها بان يحضر المكلف عند ارادة الدخول في الصلاة ذلك بباله وينظر إليه بفكره وخياله، ثم يأتي - بعد الفراغ من تصويره بلا فصل - بالتكبير كما هو المجمع على صحته عندهم، أو يبسط ذلك على التلفظ بالتكبير ويمده بامتداده كما هو القول الآخر، أو يجعله بين الالف والراء كما هو القول الثالث. وكل

[ 175 ]

ذلك محض تكلف وشطط، وغفلة عن معنى الينة أوقع في الغلط، فانه لا يخفى على المتأمل انه ليست الينة بالنسبة إلى الصلاة إلا كغيرها من سائر افعال المكلف من قيامه وقعوده واكله وشربه وضربه ومغداه ومجيئه ونحو ذلك. ولا ريب ان كل عاقل غير غافل ولا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الافعال إلا مع قصد ونية سابقة عليه ناشئة من تصور ما يترتب عليه من الاغراض الباعثة والاسباب الحاملة له على ذلك الفعل، بل هو امر طبيعي وخلق جبلي لو اراد الانفكاك عنه لم يتيسر له الا بتحويل النفس عن تلك الدواعي الموجبة والاسباب الحاملة، ولهذا قال بعض من عقل هذا المعنى من الافاضل - كما قدمنا نقله عنه -: (ولو كلفنا العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطلق) ومع هذا لا نرى المكلف في حال ارادة فعل من هذه الافعال يحصل له عسر في النية ولا اشكال ولا وسوسة ولا فكر ولا ملاحظة مقارنة ولا غير ذلك مما اعتبروه في ذلك المجال، مع ان فعله واقع بنية وقصد مقارن البتة، فإذا شرع في شئ من العبادات اضطرب في امرها وحار في فكرها، وربما اعتراه في تلك الحال الجنون مع كونه في سائر افعاله على غاية من الرزانة والسكون، وهل فرق بين العبادة وغيرها إلا بقصد القربة والاخلاص فيها لذى الجلال ؟ وهو غير محل البحث عندهم في ذلك المجال، مع انه ايضا لا يوجب تشويشا في البال ولا اضطرابا في الخيال. وان اردت مزيد ايضاح لما قلناه فانظر إلى نفسك، إذا كنت جالسا في مجلسك ودخل عليك رجل عزيز حقيق بالقيام له والتواضع، ففي حال دخوله قمت له اجلالا واعظاما كما هو الجاري في رسم العادة، فهل يجب عليك أن تتصور في بالك (اقوم تواضعا لفلان لاستحقاقه ذلك قربة إلى الله) ؟ وإلا لكان قيامك له من غير هذا التصور خاليا من النية، فلا يسمى تواضعا ولا يترتب عليه ثواب ولا مدح، ام يكفي مجرد قيامك خاليا من هذا التصور، وانه واقع بنية وقصد على جهة الاجلال والاعظام

[ 176 ]

الموجب للمدح والثواب، ومن المقطوع به انك لو تكلفت تخيل ذلك بجنانك وذكرته على لسانك لكنت سخرية لكل سامع ومضحكة في المجامع، وهذا شأن النية في الصلاة ايضا، فان المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا وهو عالم بوجوب ذلك الفرض سابقا وعالم بكيفيته وكميته. وكان الغرض الحامل له على الاتيان به الامتثال لامر الله سبحانه مثلا، ثم قام عن مكانه وسارع إلى الوضوء، ثم توجه إلى مسجده ووقف في مصلاه مستقبلا، وأذن وأقام ثم كبر واستمر في صلاته. فان صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية والقربة. وان اردت مزيد ايضاح لمعنى النية فاعلم ان النية المعتبرة مطلقا إنما هي عبارة عن انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها عاجلا أو آجلا، وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها قبل فلا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق باللسان أو تصوير تلك المعاني بالجنان هيهات هيهات، بل ذلك من جملة الهذيان، مثلا - إذا غلب على قلب المدرس أو المصلي حب الشهرة وحسن الصيت واستمالة القلوب إليه لكونه صاحب فضيلة أو كونه ملازم العبادة وكان ذلك هو الحامل له على تدريسه أو عبادته، فانه لا يتمكن من التدريس أو الصلاة بنية القربة اصلا وان قال بلسانه أو تصور بجنانه (اصلي أو ادرس قربة إلى الله) وما دام لم يتحول عن تلك الاسباب الاولة وينتقل عن تلك الدواعي السابقة إلى غيرها مما يقتضى الاخلاص له تعالى، فلا يتمكن من نية القربة بالكلية، وحينئذ فإذا كانت النية إنما هي عبارة عن هذا القصد البسيط الذي لا تركيب فيه بوجه، ولا يمكن مفارقته لصاحبه بعد تصور تلك الاسباب الحاملة على الفعل إلا بعد الدخول في الفعل، فكيف يتم ما ذكروه من معاني المقارنة المقتضية للتركيب وحصول الابتداء فيه والانتهاء، بامتداده بامتداد التكبير وانحصاره بين حاصرين من الهمزة والراء ؟ إلى غير ذلك من التخريجات العرية عن الدليل، والتمحلات الخارجة عن نهج السبيل، الموقعة للناس في تيه الحيرة والالتباس والوقوع في شباك الوسواس الخناس.

[ 177 ]

(المقام الثالث) - لما كانت النية - كما اشرنا آنفا - هي المعينة والمشخصة لخصوصية الفعل - كما دلت عليه تلك الاخبار، وان مدار الاعمال - وجودا وعدما واتحادا وتعددا ومدار جزائها ثوابا وعقابا - على القصود كما بيناه آنفا، وانها للاعمال كالارواح للاشباح لا قوام لها بدونها إلا قواما صوريا، وان المرء لا يستحق من جزاء عمله الاجزاء ما قصد، فلا يستحق جزاء ما لم يتعلق به قصد ولا جزاء عمل قصد سواه - وجب تصحيح القصود في الاعمال على وجه يترتب عليه الثواب والنجاة من العقاب، وهو لا يحصل في العبادات إلا بقصد الفعل خالصا له سبحانه، لقوله عز شأنه: (وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين.) (1) وقوله: (واعبدوا الله مخلصين له الدين) (2) وقوله: (قل الله اعبد مخلصا له دينى) (3) إلى غير ذلك من الآيات، ويتلوها نحوها في ذلك من الروايات. وهو يتحقق باحد امور: (منها) - قصد طاعة الله تعالى والتقرب إليه. و (منها) - قصد رضاه تعالى. و (منها) - قصد تحصيل الثواب ودفع العقاب أو أحدهما. ولا خلاف - فيما أعلم - في صحة العبادة بهذه القصود إلا في الاخير، فان ظاهر المشهور بين الاصحاب - بل ادعى عليه الاجماع - بطلان العبادة به. والذي اختاره جماعة من متأخري المتأخرين هو الصحة، وهو المؤيد بالآيات والروايات: كقوله سبحانه: (... يدعون ربهم خوفا وطمعا...) (4) وقوله تعالى: (... ويدعوننا رغبا ورهبا...) (5).


(1) سورة البينة الآية 5 (2) لم نعثر عليه بعد التتبع في المرشد (3) سورة الزمر الآية 14 (4) سورة السجدة الآية 17 (5) سورة الانبياء الآية 91

[ 178 ]

وما روى في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: (العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزوجل خوفا، فتلك عبادة العبيد. وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاجراء وقوم عبدوا الله عزوجل حبا له، فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة) فان قضية أفعل التفضيل ان العبادة على الوجهين الاولين لا تخلو من فضل ايضا وان نقصت مرتبته. وما روى عنهم (عليهم السلام) بطرق عديدة (2): (من بلغه شئ من الثواب على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أو تيه وان لم يكن الحديث كما بلغه) فانه يعطى ان ذلك العمل الحامل على فعله قصد تحصيل الثواب صحيح مثاب عليه. وما ورد عنهم (عليهم السلام) من العبادات والاعمال المأمور بها للحاجة أو تحصيل الولد أو المال أو النكاح أو الشفاء أو الاستخارة أو نحو ذلك من المقاصد الدنيوية. إلى غير ذلك من الوجوه التي يطول بنشرها الكلام. واما ما ذكروه من ان قصد الثواب والخلاص من العقاب ينافى الاخلاص له سبحانه، لان قاصد ذلك إنما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر. ففيه (اولا) ان الاخلاص بذلك المعنى الخاص لا يحصل إلا من خواص الخواص، وهو درجة من قال: (ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك، ولكن وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك) (3) وطلب هذه المرتبة من غيرهم (عليهم السلام) قريب من التكليف بالمحال بل هو محال بلا اشكال. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: (ومدعى هذه المرتبة إنما يصدق


(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب مقدمة العبادات (2) المروى في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب مقدمة العبادات. (3) رواه صاحب الوافى عن امير المؤمنين (عليه السلام) في الجزء الثالث في باب نية العبادة ص 70.

[ 179 ]

في دعواه إذا علم من نفسه انه لو ايقن ان الله يدخله بطاعته النار وبمعصيته الجنة يختار الطاعة ويترك المعصية تقربا إليه تعالى، واين عامة الخلق من هذه الدرجة القصوى والمنزلة العليا ؟) انتهى. و (ثانيا) - ان العبادة الواقعة على ذلك النحو بامره تعالى، لما عرفت من الآيات والروايات، وطالبها طالب لرضاه وهارب من سخطه، فهو المقصود بها عند التحقيق. و (ثالثا) - انه سبحانه قد ندب في غير موضع إلى التجارة عليه ووعد بالجزيل من ثوابه لمن قصد بذلك إليه. فقال جل شأنه. (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له اضعافا كثيرة) (1) (وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا واعظم اجرا) (2). (.. لئن شكرتم لازيدنكم، ولئن كفرتم ان عذابي لشديد) (3). وفي جملة من الاخبار (4) ان الله تعالى قال: (ان من عبادي من يتصدق بشق تمرة فاربيها له كما يربى أحدكم فلوه وفصيله، فيأتى يوم القيامة وهو مثل جبل احد واعظم من أحد). إلى غير ذلك من الآيات والروايات الدالة على وعده سبحانه بالثواب في مقابلة تلك الاعمال ترغيبا لهم. ومن سرح يريد النظر في الكتاب والسنة وجدهما مملوءين من الترغيب في مقام الطاعات بالجنان المزخرفة بالحور الحسان والولدان، والترهيب في مقام المخالفة والعصيان باهوال الحساب وشدائد يوم المآب وعذاب النيران، وسر ذلك انما هو كونهما باعثين على الفعل وجوبا أو عدما، ومتى كان كذلك كان قصدهما صحيحا


(1) سورة البقرة الآية 246 (2) سورة المزمل الآية 20 (3) سورة ابراهيم الآية 8 (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الصدقة

[ 180 ]

البتة، وفي بعض الاخبار (1) (ان العمل الخالص هو الذي لا تريد ان يحمدك عليه احد سوى الله عزوجل) وهو مؤيد لما قلناه وموضح لما ادعيناه. (المقام الرابع) - لاريب ولا اشكال في الابطال بقصد الرياء والسمعة في نية العبادة، والوجه فيه انه لا ريب في ان قصد ذلك لما كان منافيا للاخلاص الذي هو مدار الصحة والبطلان في العبادة كما عرفت، وجب الحكم ببطلانها باشتمالها عليه. وقد استفاضت الروايات بالنهي عن ذلك، كقول الصادق (عليه السلام) لعباد البصري (2): (ويلك يا عباد اياك والرياء، فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له). وقول الرضا (عليه السلام) لمحمد بن عرفة (3): (ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء ولا سمعة، فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل..). بل دلت الآيات على ان ذلك شركا، كقوله سبحانه: (.. ولا يشرك بعبادة ربه احدا) (4). وفي بعض الاخبار في تفسير هذه الآية (ومن صلى مراءاة الناس فهو مشرك) (5) وفى آخر ايضا (6) (الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهى ان يسمع به الناس، فهذا الذي اشرك بعبادة ربه..). ونقل جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) عن المرتضى (رضى الله عنه) في الانتصار انه لو نوى الرياء بصلاته لم تجب اعادتها وان سقط الثواب عليها. ولا يخفى ان هذا الكلام يجري في جميع العبادات بل في غيرها بطريق اولى.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب مقدمة العبادات. (2) و (3) و (5) المروي في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب العبادات. (4) سورة الكهف الآية 110 (6) رواه صاحب الوسائل في الباب - 12 - من ابواب مقدمة العبادات.

[ 181 ]

ولعل مستنده في ذلك ان غاية ما يستفاد من الآية والاخبار الواردة في المقام عدم القبول الموجب لعدم استحقاق الثواب، وهو غير مناف للصحة بمعنى عدم وجوب الاعادة. وربما ايد ذلك بكثير من ظواهر الكتاب والسنة كقوله تعالى: (.. إنما يتقبل الله من المتقين) (1) (.. ولا تطلبوا صدقاتكم بالمن والاذى..) (2). وكما ورد في الاخبار الصحيحة (3): (ان صلاة شارب الخمر إذا سكر لا تقبل اربعين صباحا أو اربعين يوما أو ليلة) مع عدم القول بفساد شئ من ذلك ووجوب اعادته من تلك الجهة. وانت خبير بان الكلام هنا يرجع إلى بيان معنى الصحة في العبادات، هل هي عبارة عن موافقة الامر وحصول ما يستلزم الثواب، أو انها عبارة عما يوجب سقوط العقاب وان لم يستلزم الثواب، وإنما يستلزمه القبول وهو امر زائد على الاجزاء والصحة ومرجع ذلك إلى كونها عبارة عما يسقط القضاء خاصة ؟ المشهور الاول والمرتضى على الثاني والظاهر هو المشهور من ان الصحة انما هي عبارة عن موافقة الامر وامتثاله، وان ذلك موجب للقبول وترتب الثواب: (اما اولا) - فلانه لا خلاف بين كافة العقلاء في ان السيد إذا أمر عبده أمرا ايجابيا بفعل ووعده الاجر عليه، فاتى العبد بالفعل حسبما امر به السيد، ثم ان السيد رده عليه ولم يقبله منه ومنعه الاجر الذي وعده، مع انه لم يخالف شيئا مما امره به فان العقلاء لا يختلفون في لوم السيد ونسبته إلى خلاف العدل، سيما إذا كان السيد ممن يصف نفسه بالعدل ويمتدح بالفضل والكرم. و (اما ثانيا) - فلان تفسير الصحة بانها عبارة عما اسقط القضاء مستلزم للقول


(1) سورة المائدة الآية 27 (2) سورة البقرة الآية 264 (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 182 ]

بترتب القضاء على الاداء، وهو خلاف ما عليه محققوا الاصحاب، وخلاف ما يستفاد من الادلة من ان القضاء موقوف على امر جديد ولا ترتب له على الاداء. ولو قيل: ان الاخبار قد صرحت بان الصلاة لا يقبل منها إلا ما اقبل عليه وربما قبل نصفها وربما قبل ثلثها وهكذا، مع انها صحيحة اجماعا، فالصحة حينئذ غير القبول. قلنا: فيه - بعد ما عرفت - ان الامر بالاقبال في العبادة انما هو امر استحبابي وهو ما يوجب امتثاله مزيد الفضل والاجر، لا امر ايجابي ليكون تركه موجبا لترك الاجر بالكلية وعدم القبول بالمرة، وحينئذ فتحمل هذه الاخبار على القبول الكامل كما لا يخفى. على ان ثبوت الصحة فيما نحن فيه من عبادة الرياء على القول الآخر ممنوع: (اما اولا) - فلان سقوط ما وجب في الذمة بيقين فرع وجود المسقط يقينا والمسقط هنا غير معلوم حينئذ، إذ لا تسقط العبادة بغير جنسها وان تحلى بجنس صورتها ولا تتادى الطاعة بجعلها لباسا وقالبا لضرتها. ويرشد إلى ذلك ما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا. قال: حسن النية بالطاعة). ومع هذا فكيف يمكن ان يقال ان العبادة الواقعة على وجه الرياء صحيحة بمعنى مسقطة للقضاء ؟ و (اما ثانيا) - فلانك قد عرفت - مما تقدم من الآيات والاخبار الدالة على جعل مناط الصحة هو الاخلاص وان الرياء شرك - ما هو صريح في البطلان ولزوم العقاب بالمخالفة، فكيف يتم القول بالصحة الموجبة لسقوط العقاب ؟ واما ما ذكر من الظواهر فالظاهر ان المراد بعدم القبول فيها يعنى القبول الكامل، بمعنى عدم ترتب الثواب المضاعف الموعود به. على انه قد ورد في تفسير الآية الاولى عن أهل


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 6 - من ابواب مقدمة العبادات

[ 183 ]

العصمة (عليهم السلام) ان المراد بالمتقين الشيعة. (المقام الخامس) - صرح جملة من اصحابنا بوجوب اشتمال النية - سيما في الطهارة والصلاة - على جملة من القيود، واختلفوا فيها كمية وكيفية، واستدلوا على ذلك بوجوه عقيلة واعتبارات غير مرضية لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، قد نقلها جماعة من متأخري المتأخرين في كتبهم الاستدلالية واجابوا عنا، ولا حاجة بنا إلى الاطالة بنقلها ونقل اجوبتها، فانا قد التزمنا في هذا الكتاب ان لا نطول البحث غالبا إلا فيما اغفلوا تحقيقه ولم يلجوا مضيقة. وقصارى ما يستفاد من الادلة الشرعية مما يتعلق بامر النية هو قصد القربة كما تقدم تحقيقه، ولولاه لكان الاولى الاعراض عن البحث في ذلك من باب (اسكتوا عما سكت الله عنه) (وابهموا ما ابهم الله) (1). نعم لو كان الفعل المقصود غير متعين في الواقع فلا بد في تعلق قصد المكلف به إلى اصداره من قيد يشخصه لينصرف القصد إليه، لما عرفت سابقا من انه لا تميز بين افراد الماهية عند القصد إلى ايجاد بعضها إلا بقصده، كما لو اشتغلت ذمة المكلف بفائت الظهر مثلا، فبعد دخول وقت الظهر - بناء على القول بالمواسعة المحضة في القضاء - لا يتعين ما يأتي به منها إلا بالقصد إليه بخصوصه، فلا بد في هذه الصورة من تعيين الاداء ان قصده والقضاء كذلك. وما عدا ذلك فلا يجب فيه التعيين، لتعينه واقعا وان لم يتعين في نظر المكلف ايضا، كما لو قصدا يقاع غسل الجمعة مع تعارض الاخبار عنده في الوجوب والاستحباب وعدم طريق إلى العلم بذلك، فانه لا يتعين عليه قصد احدهما، للزوم التكليف بما لا يطاق، بل ولو امكنه العلم بذلك ايضا لعدم الدليل عليه واصالة عدمه، بل متى علم


(1) تقدم في التعليقة 2 من الصحيفة 60، وفى الصحيفة 156 من الجزء الاول ما يتعلق بذلك.

[ 184 ]

رجحان الفعل شرعا وقصد إلى ايقاعه لوجه الله سبحانه، كفى من غير تعرض فيه لقصد وجوب أو استحباب. (المقام السادس) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز تقديم النية في الوضوء والغسل عند غسل اليدين المستحب، بل حكم العلامة في المنتهى بالاستحباب، وجوزه ابن ادريس في الغسل دون الوضوء، فخص الجواز فيه بالمضمضة والاستنشاق، ومنع صاحب البشرى من ذلك مطلقا، واوجب التأخير إلى اول الافعال الواجبة، نظرا إلى عدم دخول ما تقدم في مسمى الوضوء أو الغسل حقيقة، وايده بعضهم بانه كيف ينوي الوجوب ويقارن به ما ليس بواجب ويجعله داخلا فيه ؟ ولهذا لم يجوزوا تقديمها ومقارنتها لسائر المندوبات مثل السواك والتسمية اجماعا. اقول: ويؤيده ايضا انه لو ساغ ذلك لجاز مثله في الصلاة ايضا، فيقدم النية في اول الاقامة رخصة مع انهم لا يجوزونه، والفرق بين الموضعين غير ظاهر. وبالجملة فحيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط. وخبر - (انما الاعمال بالنيات) و (لا عمل إلا بنية) (1) مع تسليم حمل النية فيه على المعنى الشرعي، باعتبار احتمال الباء فيه للمصلحة فيمتنع التقديم، أو الملابسة المطلقة فيجوز، أو السببية التي هي اعم من الناقصة والتامة فيحتملها - فيه - كما ترى - من الاجمال والاحتمال ما يخرج به عن حيز الاستدلال. وانت خبير بان الظاهر ان الامر في هذه المسألة بناء على ما حققناه من معنى والنية هين، فان القصد إلى ايقاع الفعل لما كان مما لا يمكن الانفكاك عنه ولا الاصدار بدونه، وان المقارنة التي ادعوها لا دليل عليها، فمن المعلوم ان المكلف متى جلس للوضوء عالما بكيفيتة شرعا والغرض منه، فلا يكون البتة الا عن قصد إلى ايقاع هذه الكيفية متقربا بها، وحينئذ فلا معنى لتقديم النية وتأخيرها، أو افراد كل من مستحباته


(1) المروي في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات.

[ 185 ]

وواجباته بنية على حياله. نعم ذلك إنما يتمشى على مذاق القوم من جعل النية عبارة عن ذلك الحديث النفسي، ووجوب المقارنة به لاول الافعال كما ذكروا. وقد عرفت ما فيه (المقام السابع) - قد صرح غير واحد من اصحابنا (رضوان الله عليهم) بان من جملة واجبات النية استدامتها حكما إلى الفراغ، ووجهه انه اما كانت النية عبارة عن القصد إلى ايقاع الفعل بعد تصوره وتصور غايته الباعث على الاتيان به، وانه بعد التلبس بالفعل على الوجه المذكور كثيرا ما تحصل الغفلة ويحصل السهو والنسيان الذي هو كالطبيعة الثانية للانسان عن ذلك القصد والتصور المذكورين مع الاستمرار على الفعل لكن يكون بحيث لو رجع إلى نفسه لاستشعر ما قصده وتصوره اولا، اقتضت الحكمة الربانية والشرعية السمحة المحمدية الجري على مقتضى النية السابقة ما لم يعرض هناك قصد اخر ناشئ عن غاية اخرى باعثة عليه مرتبا للفعل عليها، فان الفعل حينئذ يخرج بذلك عما هو عليه أو لا، لما عرفت من دوران المغايرة بين الافعال مدار القصود والنيات. ولك ان تقول - كما حققه بعض المحققين من متأخري المتأخرين - انه لما كانت النية عبارة عن قصد إلى الفعل بعد تصور الداعي له الحامل عليه، والضرورة قاضية - كما نجده في سائر افعالنا - بانه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد والداعي في اثناء الفعل، بحيث انا لو رجعنا إلى وجداننا لرأينا النفس باقية على ذلك القصد الاول، ومع ذلك لا يحكم على انفسنا ولا يحكم علينا غيرنا بان ما فعلناه وقت الذهول والغفلة بغير قصد ونية، بل من المعلوم انه اثر ذلك القصد والداعي السابقين، الحكم في العبادة كذلك، إذ ليست العبادة إلا كغيرها من الافعال الاختيارية للمكلف، والنية ليست إلا عبارة عما ذكرنا. ثم قال (قدس سره): (انه كما يجوز صدور الفعل بالارادة لغرض مع الذهول في اثنائه عن تصور الفعل والغرض مفصلا، فكذلك يمكن صدوره بالارادة لغرض مع الذهول عنها مفصلا في ابتداء الفعل ايضا، إذا تصور الفعل والغرض في زمان سابق

[ 186 ]

عليه، وكان ذلك باعثا على صدور الفعل في هذا الزمان، والضرورة حاكمة ايضا بوقوع هذا الفرض عند ملاحظة حال الافعال، فحينئذ يجوز ان يصدر الوضوء لغرض الامتثال والقربة باعتبار تصوره وتصور ذلك الغرض في الزمان السابق، فيلزم أن يكون ذلك الوضوء صحيحا ايضا، لما عرفت من عدم لزوم شئ على الملكف زائدا على هذا المعنى، فبطل القول بمقارنة النية لاول الافعال " انتهى. وهو جيد رشيق، وفيه تأكيد اكيد لما قدمناه في المقام الثاني من التحقيق. وبالجملة فتجدد الذهول بعد قصد الفعل اولا وتصور داعيه الباعث عليه - لا يخرج تلك الافعال الواقعة حال الذهول عن كونها بذلك القصد السابق. نعم لو كان أصل الدخول في الفعل بغير قصد بالكلية سهوا وغفلة فهذا هو الذي لا يعتد به اتفاقا، لما عرفت غير مرة من ان الفعل من حيث هو لا ينصرف إلى مادة ولا يحمل على فرد إلا بالقصد إليه هذا، وانت إذا حققت النظر في المقام وسرحت بريد الفكر فيما ذكره الاقوام وجدت ان البحث في هذه المسألة ليس مما له مزيد فائدة سيما في الوضوء، وذلك لان مجرد النية الثانية لا يترتب عليها أثر في الابطال عندهم. وحينئذ فلا يخلو اما ان يأتي بشئ من تلك الافعال بالنية الثانية اولا، وعلى الثاني فاما ان يرجع إلى مقتضى النية السابقة قبل فوات الموالاة اولا. فعلى الاول يكون بطلان الفعل بما فعله بالنية الثانية، ويدخل في مسألة من ابطل عمله باحد المبطلات، ولا خصوصة له بهذه المسألة. وعلى الثالث يبطل الوضوء لفوات بعض واجباته التي هي الموالاة، ويرجع ذلك إلى مسألة الموالاة. وعلى الثاني فانه لا اشكال في الصحة عندهم، لعدم ثبوت كون مثل ذلك قادحا فيها، مع انها الاصل.

[ 187 ]

نعم لو اتفق ذلك في نية الصلاة بان نوى الخروج أو فعل المنافي ولم يفعل، فهل يبطل ذلك الصلاة ام لا ؟ قولان: المشهور الثاني استنادا إلى اصالة الصحة، فالابطال يتوقف على الدليل، وليس فليس. وقيل بالاول استنادا إلى ان الاستمرار على حكم النية السابقة واجب اجماعا، ومع نية الخروج أو التردد أو نية فعل المنافي يرتفع الاستمرار. واورد عليه ان وجوب الاستدامة امر خارج عن حقيقة الصلاة، فلا يكون فواته مقتضيا لبطلانها، إذ المعتبر وقوع الصلاة باسرها مع النية كيف حصلت، وقد اعترف الاصحاب بعدم بطلان ما مضى من الوضوء بنية القطع إذا جدد النية قبل فوات الموالاة. والحكم في المسألتين واحد. والفرق بينهما - بان الصلاة عبادة واحدة لا يصح تفريق النية على اجزائها بخلاف الوضوء - ضعيف، فانه دعوى مجردة عن الدليل. والمتجه تساويهما في الصحة مع تجديد النية لما بقى من الافعال، لكن يعتبر في الصلاة عدم الاتيان بشئ من افعالها الواجبة قبل تجديد النية، لعدم الاعتداد به، واستلزام اعادته الزيادة في الصلاة. هكذا حققه السيد السند (قدس سره) في المدارك. وانت خبير بان المصلي متى كبر للاحرام ودخل في الصلاة فلا يخرج منها إلا بالتسليم أو التشهد، فجميع حالاته - من قيامه وقعوده وركوعه وسجوده وتشهده وما بينها حال الانتقال من أحدها إلى الآخر - كله من اجزاء الصلاة، فمع نية القطع والخروج أو نية فعل المنافي يلزم - البتة - وقوع جزء من اجزاء الصلاة بغير نية، ويلزم الخروج عن مقتضى النية السابقة. وتجديد النية الاولى - بعد مضي شطر من اجزاء الصلاة خاليا منها بل على نية تنافيها - لا يوجب نفعا في المقام ولا دفعا لذلك الالزام. ومن ذلك ظهر الفرق بين الصلاة والوضوء، وبه يظهر رجحان القول الاول. الا ان لقائل ان يقول: ان المفهوم من الاخبار جواز ايقاع بعض الافعال

[ 188 ]

الخارجة عن حقيقة الصلاة فيها وان اسلتزمت التقدم أو التأخر بما لا يسلتزم الاستدبار كغسل دم الرعاف، وقتل الحية، وارضاع الصبي، ونحوها، مع القطع بكونها ليست من افعال الصلاة، مع انها لا تبطل الصلاة بها، فبالاولى ان يكون مجرد ترك النية - وان استلزم ان يكون الحال الذي نوى فيه القطع خاليا عن النية السابقة - غير موجب للبطلان وحينئذ يتوجه المنع إلى ان جميع حالاته من بعد التكبير إلى حين التسليم من اجزاء الصلاة. الا ان الحكم بعد لا يخلو من شوب الاشكال. وحيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط. (المقام الثامن) - اختلف الاصحاب في حكم نية الضمائم اللازمة في النية. فقيل بالصحة مطلقا، والظاهر انه المشهور. وقيل بالبطلان مطلقا، هو ظاهر جماعة: منهم - اول الشهيدين في بيانه، وثانيهما في روضته، والمولى الاردبيلي في شرح الارشاد، وغيرهم. وقيل بالتفصيل بين ما إذا كانت راجحة فتصح وإلا فتبطل، واختاره جماعة: منهم - السيد السند في المدارك، وادعى انه مع الرجحان لا خلاف في الصحة، وتبعه على هذه الدعوى بعض ممن تأخر عنه. وفيه ان جملة من عبارات من قدمنا نقل القول بالابطال عنهم ظاهرة في الحكم بذلك من غير تفصيل بالرجحان وعدمه، ولا سيما كلام المولى الاردبيلي (رحمه الله)، حيث قصر الحكم بالصحة على مجرد كون الفعل لله، وحكم بان كل ما يضم إليه من لازم وغيره فهو مناف لذلك. وقيل بتخصيص الصحة بما إذا كان الضميمة راجحة ولاحظ المكلف رجحانها، وهو الذي اختاره شيخنا أبو الحسن (قدس سره) في رسالة الصلاة، وجزم به والدي (قدس سره). وقيل بالتفصيل بانه ان كان الباعث الاصلي هو القربة ثم طرأ قصد التبرد مثلا

[ 189 ]

عند الابتداء في الفعل لم يضر، وان كان العكس أو كان الباعث مجموع الامرين، لم يجزئ، وهذا القول ذكره في الذكرى احتمالا، واليه ذهب بعض متأخري المتأخرين. والظاهر ان مراد مشترط رجحان الضميمة هو ملاحظة رجحانها ايضا وقصده، نظر إلى ان العتليق على الوصف مشعر بالعلية، فان مجرد رجحانها في الواقع من غير ملاحظة المكلف له لا يخرج الضميمة عن كونها مرجوحة أو متساوية الطرفين، فان العبادة إنما تصير عبادة يترتب عليها اثرها بنيتها وقصدها، وحينئذ فيرجع القول الثالث والرابع إلى واحد. احتج من ذهب إلى الاول بعدم منافاة الضميمة لنية القربة، وانه كنية الغازي للقربة والغنيمة، وانها لكونها لازمة فنيتها لا تزيد على اصل حصولها. وفيه ان ما ادعوه من عدم المنافاة فهو أول البحث. والتمثيل بالغازي لا ينهض حجة، لمنع ذلك فيه ايضا. وقوله -: " ان نيتها لا تزيد على اصل حصولها " - ممنوع، إذ لا يلزم من حصولها ضرورة جواز نية حصولها، وهل الكلام إلا فيه ؟ مع انه منتقض بالرياء وان رؤية الناس ايضا لازم، فيجب ان يكون قصده غير مضر بالعبادة، والخصم لا يقول به. واحتج من ذهب إلى الثاني بمنافاة الضميمة للاخلاص له سبحانه. وفيه انه مع عدم رجحان الضميمة مسلم ومع الرجحان ممنوع، كما سيأتي بيانه. احتج من ذهب إلى الثالث بما ورد في الاخبار من قصد الامام باظهار تكبيرة الاحرام الاعلام، وضم الصائم إلى نية الصوم قصد الحمية، ومخرج الزكاة علانية - بل سائر افعال الخير - اقتداء الناس به، ونحو ذلك. ومن هذه الادلة يعلم ان قصد المكلف هذه الضمائم إلى ما ضمت إليه إنما تعلق بها لرجحانها، والا فلربما تطرق إليها احتمال الابطال في بعضها من حيث دخوله في الرياء، كالاعلان بالزكاة ونحوه.

[ 190 ]

وهذا القول هو الاقوى عندي، لعدم الدليل على ما سواه كما عرفت، واعتضاده بما عرفت من الادلة (1) الا ان الظاهر انه لا اختصاص له بالضميمة اللازمة بل يجري في الخارجة ايضا، فان ما ذكر - من مثال مخرج الزكاة علانية لاقتداء الغير به - إنما هو من قبيل الضميمة الخارجة دون اللازمة، إذ لا ملازمة بين اخراج الزكاة واقتداء الغير. ومثل ذلك ايضا ما ورد من استحباب اطالة الامام ذكر الركوع لانتظار الداخل، واطالته القيام في صلاة الخوف لانتظار اتمام الفرقة الاولى ودخول الثانية، وجهر المصلي بصلاة الليل في منزله ليوقظ جاره للصلاة ان كان ممن يعتادها، ونحو ذلك. (المقام التاسع) - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو نوى ببعض واجبات العبادة الندب عمدا أو جهلا بطلت، ولو نوى ببعض مندوباتها الوجوب، فان اتصف بالكثرة بطلت ايضا وإلا فلا، وهو مبني على امور: (احدها) - وجوب قصد الوجه من وجوب أو ندب في اصل العبادة، وفيما يأتي به من الافعال الواجبة أو المندوبة. و (ثانيها) - عدم تداخل الواجب والندب، فلا يجزئ احدهما عن الثاني، لتغاير الجهتين فيهما، وحينئذ فلو خالف بان نوى بالواجب الندب عمدا أو جهلا بطلت الصلاة، للاخلال بالواجب على ذلك الوجه اللازم منه عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، فلم يطابق فعله ما في ذمته، لاختلاف الوجه، ويمتنع اعادته، للزوم زيادة افعال الصلاة عمدا، فلم يبق الا البطلان. ولو نوى بالمندوب الوجوب فان كان ذكرا بطلت ايضا، للنهي المقتضى للفساد، ولانه كلام في الصلاة ليس منها ولا مما استثنى منها، وان


(1) اقول: ومن ذلك ايضا حديث حماد بن عيسى الدال على ان الصادق (عليه السلام) صلى تلك الركعتين اللتين صلاهما تعليما لرعيته، ومثله الحديث الدال على العلة على استحباب التكبيرات الافتتاحية وان النبي (صلى الله عليه وآله) كبرها لاجل ان يتابعه الحسين (عليه السلام) فيها حين ابطأ عن الكلام. وامثال ذلك كثير يقف عليه المتتبع لموارد الاخبار (منه رحمه الله)

[ 191 ]

كان فعلا كالطمأنينة مثلا، اعتبر في الحكم بابطاله الكثرة التي تعتبر في الفعل الخارج عن الصلاة. واستقرب الشهيد في البيان الصحة في هذا القسم مطلقا، لان نية الوجوب إنما افادت تأكيد الندب. و (ثالثها) - وجوب العلم بواجبات الصلاة ومندوباتها ليقصد الوجه في كل منهما، وعدم معذورية الجاهل في ذلك، بل الواجب عليه العلم بذلك اجتهادا أو تقليدا وبدونه يبطل ما يأتي به من العبادة، وانه لا معذورية للجاهل إلا في الموضعين المشهورين هكذا قرروا (رضوان الله عليهم). وهو منظور فيه من وجوه: (احدها) - ما اشرنا إليه آنفا - وبه صرح جملة من متأخري اصحابنا (رضوان الله عليهم) - من انه لم يقم لنا دليل يوجب المصير إلى ما ذكروه من وجوب قصد الوجه في العبادة واستحبابه، والاحكام الشرعية توقيفية لا يجوز الحكم فيها إلا بما قام الدليل الشرعي عليه، والا كان من باب " اسكتوا عما سكت الله عنه " و " ابهموا ما ابهمه ألله " كما ورد عنهم (عليهم السلام) (1) وما ذكروه في مقام الاستدلال على ذلك مجرد اعتبارات عقيلة ووجوه تخريجية لا تصلح للاعتماد عليها في الاحكام الشرعية. وبذلك يظهر ان ما ذكروه من البطلان بنية الواجب ندبا ممنوع. قوله: للاخلال بالواجب - مردود بعدم قيام الدليل على وجوب ما اوجبه، وكذلك قوله: لعدم مطابقة فعله ما في ذمته، لعدم قيام الدليل على المطابقة المزبورة على الوجه الذي ذكره. و (ثانيها) ان ما ذكر - من كون احدهما لا يجزئ عن الآخر - مردود بوقوع ذلك في جملة من الوارد:


(1) تقدم في التعليقة (2) من الصحيفة (60) وفى الصحيفة 156 من الجزء الاول ما يتعلق بذلك.

[ 192 ]

منها - صلاة الاحتياط المقصودة بنية الوجوب، فانها بعد ظهور الاستغناء عنها تكون نافلة اتفاقا نصا وفتوى. ومنها - ما لو صام يوما قضاء عن شهر رمضان ثم تبين انه اتى به سابقا، فان الظاهر ترتب الثواب على ما اتى به. ومنها - ما لو شرع في نافلة ثم سهى في اثنائها فاتى ببعض الافعال بقصد الوجوب ظنا منه انه في فريضة. هذا في اجزاء الواجب عن الندب. واما بالعكس: فمنه - ما لو صام يوم الشك بنية الندب فظهر انه من شهر رمضان. ومنه - ما لو دخل في الفريضة فسهى في اثنائها واتى ببعض افعالها على انها نافلة ومنه - ما لو توضأ للتجديد فظهر كونه محدثا. ومنه - ما لو جلس للاستراحة فلما قام ظهر انه نسى سجدة، فانه يسجد ويقوم إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع. فان قيل: ان هذا كله خارج عن صورة العمد. قلنا: المدعى عندهم اعم وبه يلزم المطلوب. و (ثالثها) - ان ما ذكره من انه يمتنع اعادته للزوم زيادة افعال الصلاة - مردود بان ما اتى به إنما قصد به الندب، والعبادة - كما عرفت - تابعة للقصد، حينئذ فليس ما اتى به من افعال الصلاة على هذا التقدير، فيكون الواجب باقيا في ذمته، فانه لو قرأ الفاتحة - مثلا - بقصد الندب وانها قرآن، وهو مستثنى عندهم في الصلاة اتفاقا، أو اتى باحد الاذكار الواجبة ايضا بقصد الندب، مع استثناء ذلك ايضا عندهم في الصلاة اتفاقا، ثم اتى بالواجب في الموضعين بقصد الوجوب، فاي موجب للبطلان هنا ؟ و (رابعها) - ان ما ذكره - من بطلان الصلاة بنية المندوب واجبا إذا كان

[ 193 ]

ذكرا ممنوع، لان النهي على تقدير تسليمه لم يتعلق بعين الصلاة ولا بجزئها، فلا يلزم البطلان. قوله: " ولانه كلام في الصلاة.. الخ " فيه ان المعلوم كونه مبطلا من الكلام هو ما لم يكن ذكرا ولا دعاء، وما نحن فيه ليس كذلك. ثم حكمه ايضا - بالابطال في الفعل مع الكثرة - فيه انه متى كان الفعل ذكرا ممنوع، إذ الظاهر من الدليل هو ما عداه. و (خامسها) - ان ما ذكره من جوب العلم بواجبات الصلاة ومندوباتها عن اجتهاد أو تقليد، وانه لا يعذر الجاهل بذلك - فيه انه ليس على اطلاقه. والتحقيق - كما هو اختيار جمع من المحققين من متأخري المتأخرين - ان نقول: انه لا اشكال في وجوب التعلم على الجاهل، وانه بالاخلال به ياثم، لكن لو اوقع العبادة والحال كذلك، واتفق مطابقتها للواقع حسبما أمر به الشارع وان لم يكن له معرفة بواجباتها ولا مندوباتها، فلا نسلم بطلانها ووجوب قضائها كما ذهبوا إليه، إذ لم يثبت من الشارع في التكليف بامثال ذلك امر وراء الاتيان بما امر به، من الكيفية المخصوصة وقصد التقرب به إليه، والفرض ان المكلف قد اوقعه كذلك، ولا ينافي ذلك ما تردد من افعالها بين الوجوب والاستحباب باعتبار الخلاف فيه، لان قصد القربة به لرجحانه شرعا آت عليه. نعم لو كان الفعل مما تردد بين الوجوب والتحريم مثلا، فان قصد القربة لا يأتي عليه، فلابد من العلم حينئذ باحد الامرين اجتهادا أو تقليدا، وإلا فيجب الوقوف حينئذ على صراط الاحتياط، والمفهوم من الاخبار - كما اوضحناه في درة الجاهل بالاحكام الشرعية من كتاب الدرر النجفية - ان الاحتياط في مثل ذلك بالترك. واما عدم معذورية الجاهل بالاحكام الشرعية مطلقا كما ذكروه. فقد عرفت

[ 194 ]

ما فيه في المقدمة الخامسة (1). (المقام العاشر) - لو نوى بوضوئه صلاة نافلة، فالظاهر انه لا خلاف في الدخول به في الفريضة، واما إذا قصد به غير الصلاة، فان كان مما لا يستباح إلا به، كمس خط المصحف على المشهور، والطواف المندوب على القول به، فالمشهور انه كذلك ونقل عن الشيخ في المبسوط المنع، وهو ظاهر ابن ادريس ايضا، وان كان مما يستباح بدونها، كسائر ما يستحب له الوضوء مما لا يجامعه حدث اكبر، فهل يصح الوضوء مطلقا ويرتفع به الحدث ويجوز به في الفريضة، أو لا يرتفع به الحدث مطلقا، أو يكون كالاول إلا فيما إذا نوى وضوء مطلقا، أو التفصيل بين نية ما يستحب له الطهارة لاجل الحدث كقراءة القرآن ونية ما يستحب له لا لاجل الحدث كالتجديد، فيرتفع الحدث به ويجوز الدخول به في الفريضة على الاول دون الثاني، أو التفصيل بين ما يستحب له الطهارة لاجل الحديث ويقصد به الكمال فيصح، أو لا يستحب له الطهارة أو يستحب ولكن لا مع قصد الكمال فيبطل، أو الصحة ان قصد ما الطهارة مكملة له على الوجه الاكمل، وكذا ان قصد به الكون على طهارة، وعدم الصحة في غير هاتين الصورتين ؟ اقوال: اظهرها - كما استظهره جماعة من متأخرى اصحابنا - الاول. ولنا عليه وجوه: (الاول) - ان الاخبار الواردة مستندا لتلك الوضوءات المعدودة كلها - إلا ما شد - بلفظ الطهر أو الطهور أو الطهارة، ومن الظاهر البين اعتبار معنى الزوال والا زالة في لازم هذه المادة ومتعديها لغة وشرعا، فلا معنى لكون الوضوء مطهرا أو طهورا أو نحوهما إلا كونه مزيلا للحدث الموجود قبله، وإلا فلا معنى لهذه التسمية بالكلية. ومن ثم صرحوا بان الطهارة لغة: النظافة، وشرعا حقيقة في رافع


(1) في الصحيفة 82 من الجزء الاول.

[ 195 ]

الحدث. واما الوضوء المجامع للحدث الاكبر فقرينة التجوز فيه ظاهرة، كاطلاق الصلاة على صلاة الجنازة. (الثاني) - ان المفهوم من الاخبار الواردة في بيان علة الوضوء ان أصل مشروعيته انما هو للصلاة خاصة، وقضية ذلك انه حيثما امر به الشارع لا يكون إلا رافعا - إلا ما خرج بدليل - تحقيقا للجري على اصل المشروعية، ويحقق ذلك ويوضحه ان الغاية الكلية للوضوء من حيث هو إنما هي الرفع، وهذه الغايات إنما تترتب عليه، إذ لا يخفى ان المتوضئ لاحد هذه الغايات لو لم يرتفع حدثه، للزم اجتماع الطهارة والحدث في حالة واحدة، مع انهما متقابلان، على انه لو قصد في الوضوء لدخول المسجد مثلا عدم رفع الحدث، لم نسلم صحته، ولا ترتب اثره الذي قصد عليه. وما قيل - من انه يجوز أن يكون الغرض من الوضوء وقوع تلك الغاية المترتبة عليه عقيبه وان لم يقع رافعا كما في الاغسال المندوبة عند الاكثر (1) - فيه (اولا) - ما قد عرفت في الوجه الاول والثاني. و (ثانيا) - ان الايراد بالاغسال إنما يتم لو اقتضى الدليل كونها كذلك، ومجرد ذهاب الاكثر إليه - مع كونه خاليا من الدليل بل الدليل قائم على خلافه - لا يثمر نقضا كما لا يخفى. (الثالث) - انا لا نعرف من الوضوء شرعا إلا هذه الافعال المعهودة، فمتى اتى بها المكلف متقربا صح وضوؤه، ومتى صح وضوؤه جاز له الدخول به في الصلاة، إذ الشرط فيها طهارة صحيحة وقد حصلت، ومدعى الزيادة عليه اثباتها. وهذا كله - بحمد الله سبحانه - ظاهر لمن شرب من كأس الاخبار وجاس خلال تلك الديار. واما ما استجوده السيد السند في المدارك - من الاستدلال لعموم ما دل على ان


(1) فيه اشارة إلى الرد بذلك على صاحب المدارك حيث انه القائل بذلك (منه قدس سره).

[ 196 ]

الوضوء لا ينقض إلا بالحدث - فقد اورد عليه بان عدم الانتقاض لا يقتضي ترتب جميع ما يترتب عل كل وضوء، بل يقتضى استصحاب ما ثبت ترتبه على ذلك الوضوء وهو متجه. (المقام الحادي عشر) - اختلف الاصحاب (قدس الله ارواحهم) في تداخل الاغسال في النية على اقوال سيأتي تفصيله ان شاء الله تعالى، الا انا قبل الشروع في ذلك نقدم من مجمل التحقيق ما يكون طريقا إلى الخروج من ذلك المضيق فنقول: الظاهر ان الحدث - الذي هو عبارة عن الحالة المسببة عن أحد الموجبات الممتنع الدخول معها في الصلاة - امر كلي ان تعددت اسبابه من البول والغائط ونحوهما والجنابة والحيض ونحوهما، ولا يتعدد بتعددها، والمقصود من الطهارة بانواعها رفع هذه الحالة. وملاحظة خصوصية السبب كلا أو بعضا لا مدخل له في ذلك بصحة ولا ابطال فذكره كتركه، وان الطهارة - وضوء كانت أو غسلا لغاية من الغايات متى كانت خالية من المبطل، صح ترتب ما عدا تلك الغاية من سائر الغايات المشاركة لها على تلك الطهارة وان لم تكن مقصودة حال الفعل، وهذا في الوضوء واضح كما اسلفنا بيانه في سابق هذا المقام، واما في الغسل فمبني على اصح القولين - وان لم يكن باشهرهما - من رفع ما عدا غسل الجنابة من الاغسال واجبا كان أو مستحبا وعدم احتياجه إلى الوضوء كما ذهب إليه علم الهدى من المقدمين، ونهج على منواله طائفة من متأخري المتأخرين، وعليه دلت أخبار أهل الذكر (سلام الله عليهم) واما على المشهور فيشكل الحكم، لعدم الرفع، ولهذا يوجب المانعون نية الاسباب في تداخل الاغسال المستحبة، لعدم اشتراكها في موجب الرفع، فلا تداخل بدونه، واشكل على بعضهم اندراج غسل الجنابة تحت ما عداه من الاغسال الواجبة، لعدم رفعه إلا مع الوضوء، لو نو ما عدا الجنابة خاصة، واشكل على جملة منهم الحكم بالتداخل في الواجب والمستحب للتضاد بين وجهى الوجوب والاستحباب

[ 197 ]

والمفهوم من اخبار التداخل - كما ستمر بك ان شاء الله تعالى - هو التداخل مطلقا، واجباتها بعضها في بعض، ومستحباتها كذلك، وواجباتها ومستحباتها كل في الآخر، اعم من ان يقصد شيئا من الاسباب الحاملة والغايات الباعثة ام لا، بل الظاهر منها انه بملاحظة بعض تلك الاسباب والغايات يستباح به ما عداه مما لم تلحفظ غايته، وانه لا فرق في هذا المقام بين الوضوء والغسل. وتفصيل هذه الجملة على وجه يحيط بما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في المقام، والتنبيه على ما زلت به اقدام اقلام بعض الاعلام - هو ان يقال: الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم الافتقار إلى نية الحديث المتطهر منه الوضوء، اعم من ان يكون متحدا أو متعددا، اما على تقدير الاكتفاء بمجرد القربة فظاهر، واما على تقدير وجوب نية الرفع فالواجب هو قصد رفعه من حيث هو، لكن لو قصد رفع حديث بعينه مع تعدد الاسباب، فقد قطع اكثر الاصحاب بارتفاع الجميع ايضا لان الحدث امر كلي، وان تعددت اسبابه، فمن اجل ذلك ثبت لها التداخل باشتراكها في ذلك الامر الكلي، فبارتفاع احدها يرتفع الجميع، فمتى نوى احدها وجب حصوله، وحصوله يسلتزم حصول الجميع لما عرفت وبذلك يظهر الجواب عما يقال: ان الاحداث لا تتجزأ وليس ثمة الا أمر واحد كلي، فمع عدم نيته لا يرتفع، ونية خصوصية فرد منه لا تستلزم نيته. ويمكن ايضا الجواب بالصحة وان وقع الخطأ في النية، لصدق الامتثال بذلك ووقوع القيد لغوا. واعتراض آخر ايضا بمنع تداخل الاحداث عند تعدد اسبابها، فقال: لم لا يجوز ان يحصل من كان منها حدث على حدة لابد لنفيه من دليل ؟ اقول: وكأنه لهذا احتمل العلامة في النهاية رفع ما نواه خاصة، بناء

[ 198 ]

على انها اسباب متعددة، قال: " فان توضأ ثانيا لرفع آخر صح، وهكذا إلى آخر الاحداث " انتهى. وفيه - مع ما تقدم - ان المفهوم من الاخبار الواردة في تداخل الاغسال هو الاكتفاء بغسل واحد مع تعدد اسبابه كما سيأتي ان شاء الله تعالى. وهو دليل على عدم تعدد الاحداث وان تعددت الاسباب، وإلا وجب لكل منها غسل، والدليل على خلافه. والفرق بين حدثي الوضوء والغسل في ذلك غير معقول، مع انه لا قائل به. وكيف كان فالخطب عندنا عدم ثبوت نية الرفع سهل. هذا في الوضوء. واما الغسل فقد اختلف فيه على اقوال: (احدها) - التداخل مطلقا و (ثانيها) - عدمه مطلقا. و (ثالثها) - التداخل مع انضمام الواجب لا بدونه و (رابعها) - التداخل لا مع انضمامه، هكذا نقل عنهم بعض متأخري المتأخرين من مشايخنا المحققين، إلا ان الظاهر من تتبع كلامهم في هذا المجال هو التفصيل في هذه الاقوال كما سنوضحه - إن شاء الله تعالى - على وجه يرفع الاشكال. فنقول: انه مع اجتماع الاسباب المذكورة فلا يخلو اما ان يكون كلها واجبة أو كلها مستحبة أو مجتمعة منهما، فههنا صور ثلاث: (الاولى) - ان تكون كلها واجبة، والاظهر الاشهر الاكتفاء بغسل واحد، مطلقا، داخلها الجنابة ام لا، عين الاسباب كلا أو بعضا ام لا، اقتصر على نية القربة كما هو الاظهر غير الاشهر أو زاد عليها الرفع والاستباحة وذهب العلامة في جملة من كتبه إلى انه مع انضمام الجنابة إلى غيرها، فان نوى الجنابة اجزأ عنها وعن غيرها، وان نوى غيرها فظاهر كلامه في النهاية صحة الغسل ورفعه للحدث الذي نواه خاصة دون حدث الجنابة، معللا بان رفع الادون الا يسلتزم رفع الاعلى، هذا مع عدم اقترانه بالوضوء، ومعه احتمل الرفع وعدمه. وظاهر كلامه في التذكرة الاستشكال في صحة الغسل من اصله، من جهة عدم ارتفاع ما عدا الجنابة مع بقائها لعدم نيتها وعدم اندراجها تحت ما عداها، ومن انها طهارة قرنت بها

[ 199 ]

الاستباحة فان صحت قرن بها الوضوء، وحينئذ فالاقرب رفع حدث الجنابة بها. ولا يخفى عليك ما في هذه التعليلات العليلة سيما في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة (الصورة الثانية) - ان يكون بعضها واجبا وبعضها مستحبا، والاظهر ايضا - كما استظهره جملة من اصحابنا (قدس الله ارواحهم) - هو الاكتفاء فيها بغسل واحد مطلقا حسبما قدمنا من التفصيل في الاطلاق. وذهب الشيخ في خلافه ومبسوطه - والظاهر انه هو المشهور بينهم كما صرح به بعض المتأخرين - إلى انه ان نوى الجميع أو الجنابة اجزأ غسل واحد، ان نوى غسل الجمعة مثلا لم يجزه، لا عن غسل الجنابة، لعدم نيته، ولا عن الجمعة، لان المراد به التنظيف وهو لا يحصل مع بقاء الحدث. واعترضه المحقق في الثاني بانه يشكل باشتراط نية السبب في الغسل المستحب، وفى الثالث بانه يجزئ عن الجمعة خاصة، إذ ليس المراد من المندوب رفع الحدث، فيصح ان يجامعه الحدث كما يصح غسل الاحرام من الحائض. وذهب العلامة في التذكرة إلى انه مع نيتهما معا يبطل الغسل، ومع نية الجنابة خاصة يصح بالنسبة إليها خاصة، وان نوى الجمعة صح عنها خاصة مع بقاء حدث الجنابة، ولو اغتسل ولم ينو شيئا بطل. وههنا اشكال سيأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى. (الصورة الثالثة) - ان تكون كلها مستحبة، والاظهر ايضا الصحة حسبما قدمنا وذهب المحقق في المعتبر إلى الصحة ان نوى الجميع، واما إذا نوى بعضها اختص بما نواه، قال: " لانا قد بينا ان نية السبب في المندوب مطلوبة، إذ لا يراد به رفع الحدث، بخلاف الاغسال الواجبة، لان المراد بها الطهارة فتكفي نيتها وان لم ينو السبب " انتهى. وهو صريح العلامة في التذكرة وظاهر الشهيد في الذكرى. وفي المنتهى قرب الاكتفاء بغسل واحد ولم يفصل، وفي التحرير والقواعد والارشاد حكم بعدم التداخل ولم يفصل، وهو ظاهر الدروس، حيث نسب القول

[ 200 ]

بالتداخل إلى قول مروي. ونقل عن المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انه رجح عدم التداخل في هذه الصورة ولو مع نية الاسباب، متمسكا بعدم الدليل على التداخل. هذا. والذي يدل على ما اخترناه ويؤيد ما رجحناه روايات مستفيضة: (منها) - حسنة زرارة (1) قال: " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر اجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة، وإذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزأك عنها غسل واحد، ثم قال: وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها واحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها ". وهذه الرواية وان كانت مضمرة في الكافي الا ان الاضمار الواقع في اخبارنا، سيما إذا كان المضمر من اجلاء الرواة واعيانهم - كما حققناه في موضع آخر، وصرح به جملة من اصحابنا المتأخرين - غير مضر، مع ان هذه الرواية مسنده في التهذيب عن احدهما (عليهما السلام) وان كان في طريقها علي بن السندي وهو مجهول، وقد رواها ابن ادريس (رحمه الله) في مستطرفات السرائر، ونقل انه مما انتزعه من كتاب حريز، فرواها عنه عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) وكتاب حريز اصل معتمد وكيف كان فالرواية صحيحة، وهي صريحة في المطلوب. و (منها) - مرسلة جميل عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر اجزأه ذلك الغسل من كان غسل يلزمه في ذلك اليوم ". وفي جملة من الاخبار ما يدل على التداخل في خصوص بعض الاغسال: كصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3): قال:


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة. والرواية - كما في الكافي ج 1 ص 14 وسائر كتب الحديث عن احدهما (عليهما السلام) الحدائق 25

[ 201 ]

(سألته عن المرأة تحيض وهي جنب هل عليها غسل الجنابة ؟ قال: غسل الجنابة والحيض واحد.) وفي رواية الخشاب (1) في مثل هذه الصورة (تجعله غسلا واحدا عند طهرها) ومثلها رواية ابي بصير (2) وغيرها. وفى صحيحة زرارة (3) فيمن مات وهو جنب " يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة ولغسل الميت، لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة " إلى غير ذلك من الاخبار التي يطول بنقلها المقام. وانت خبير بان ظواهرها تعطى ان حكم الغسل كالوضوء في رفع الاحداث المتعددة واستباحة العبادات المتعددة، وهي باطلاقها دالة على الصحة مع نية الاسباب كلا أو بعضا أو عدم نية شئ منها مع قصد القربة. وكما تدل على تداخل الواجبات الصرفة والمجتمعة مع المندوبة صريحا كذلك تدل على تداخل المستحباب الصرفة، إذ من الظاهر البين أن تعداده (عليه السلام) لجملة تلك الاغسال في حسنة زرارة (4) إنما هو من قبيل التمثيل وبيان للاجتزاء بغسل واحد لاسباب متعددة، وحينئذ فذكر الجنابة معها ليس إلا كذكر غيره من سائرها، ويؤيد ذلك ويحققه قوله (عليه السلام): " وإذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزأك عنها غسل واحد " فان المراد بالحقوق هي الثابتة في الشريعة ولو على وجه الاستحباب وانه بملاحظة بعض الغايات الحاصلة يجزئ عن جملة من الغايات الاخر السابقة على الفعل وان لم تلحظ حال الفعل. بل ربما يقال وعن الغايات المتجددة بعد الفعل، كما رجحه بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين حسبما قررنا في الوضوء.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب غسل الميت. (4) ص 200

[ 202 ]

كما هو ظاهر مرسلة جميل المتقدمة (1) ومثلها رواية عثمان بن يزيد - واستظهر بعض مشايخنا المتأخرين انه تصحيف عمر بن يزيد بقرينة رواية ابن عذافر عنه، فتكون الرواية صحيحة - عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلا كفاه غسله إلى طلوع الفجر ". فان ظاهرهما الدلالة على الاجتزاء بالغسل الواقع اول النهار عن كل غسل نهاري، وهو اعم من ان تكون غايته حاصلة قبل الفعل أو متجددة بعده. والظاهر ان المراد بالوجوب واللزوم فيهما مجرد الثبوت، إذا يبعد الجزم بارادة المعنى المصطلح عليه بين المتفقهة من كلامهم (عليهم السلام) سيما مع وجود القرينة الدالة على ما قلنا من عده (عليه السلام) في حسنة زرارة في جملة ما يجزئ الغسل عنه بعد الفجر جملة من الاغسال المستحبة، بل هي الاكثر، إذ لم يعد في صدر الرواية من الواجبات سوى غسل الجنابة مع انك قد عرفت ان الظاهر ان ذلك انما خرج مخرج التمثيل، على ان احتمال الواجبة بناء على ما قلنا - غير ممكن، لان الاغسال الواجبة كغسل الجنابة ونحوه مسببة عن احداث خاصة، ولا يعقل تقدم المسبب على سببه وحينئذ فتكون الروايتان المذكورتان مخصوصتين بالاغسال المستحبة إذ تجددت غاياتها بعد الفعل، ولفظ " يجب " و " يلزم " في الروايتين ظاهر في التجدد. واما ما ظنه بعض مشايخنا المتأخرين - من قوله (عليه السلام) " إذا اجتمعت لله عليك حقوق... الحديث " حيث انه دال بمفهوم شرطه على عدم اجزاء الغسل الواحد قبل اجتماع الحقوق عنها، فيكون منافيا لظاهر الخبرين الاولين - ففيه (اولا) - ان دلالة الخبرين الاولين على ما ذكرناه - بناء على ما حققناه -


(1) في الصحيفة 200 (2) رواها صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاحرام من كتاب الحج.

[ 203 ]

بالمنطوق نظرا إلى العموم المستفاد منهما، ودلالة الخبر المشار إليه بالمفهوم، ولا شك في رجحان الاول على الثاني. و (ثانيا) - انه لا ينحصر المعنى المراد من ترتب الاجزاء على اجتماع الحقوق في انتفائه بانتفائها، بل يجوز أن يكون المراد - كما هو الظاهر - هو اجزاء غسل واحد مع اجتماع الحقوق لا تعدد الغسل لكل واحد واحد من الحقوق، ردا على من زعم التعدد. ومفهوم الشرط إنما يكون حجة ما لم يظهر للترتب معنى آخر غير انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما هو مسلم في الاصول. وبما ذكرنا يظهر دلالة الخبرين - كما هو الظاهر من غيرهما من أخبار المسألة ايضا - على عدم وجوب تعيين الوجه والسبب في الغسل، بل يكفي ايقاع غسل له صلاحية الانصباب على الاغسال الواقعة في ذلك اليوم وان لم يلحظ تقدم سببها أو تأخره كالغسل الواقع بعد الفجر، فانه لوقوعه بعده يصلح للانصباب على جميع الاغسال المتعلقة بذلك اليوم، وكذلك الواقع بعد الغروب بالنسبة إلى الاغسال الليلية. ومما يدل على عدم وجوب تعيين الوجه والسبب في الغسل كما قلنا - بل يكفي غسل له صلاحية ما ذكرنا - ما رواه الصدوق في الفقيه (1) مرسلا وتلقاه الاصحاب بالقبول: " ان من جامع في شهر رمضان ونسي الغسل حتى خرج شهر رمضان ان عليه ان يغتسل ويقضي صلاته وصومه الا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فانه يقضي صلاته وصومه إلى ذلك اليوم ". وبما ذكرنا يظهر ان تداخل هذه الاغسال كما دلت عليه الاخبار فرع اجتماعها في أمر كلي مشترك بينها وهو الرفع، ومنه يظهر قوة القول بكون الغسل وان كان مندوبا فانه يكون رافعا، ومن اخبار تلك المسألة يظهر قوة ما ذكرنا ايضا، إذ لو لم تكن مشتركة فيما ذكرنا - مع وجوب كون الافعال تابعة للقصود والغايات المترتبة عليها كما


(1) في باب ما يجب على من افطر أو جامع في شهر رمضان متعمدا أو ناسيا.

[ 204 ]

حققناه سابقا، بل انه لا تحقق لها إلا بها حسبما دلت عليه تلك الاخبار التي قدمناها في المقام الاول - لم يظهر للتداخل وجه بالكلية، فانه كما لا تداخل بين الوضوء والغسل لتغاير الغريضين المترتبين على كل منهما، فلا تداخل بين الغسلين المختلفي الغايتين بل يجب كل منهما غسل على حدة، ولهذا ذهب البعض - كما تقدم نقله - إلى عدم التداخل مطلقا، نظرا إلى اختلاف الاسباب فيجب اختلاف المسببات. وان كان جملة من اصحابنا من المتأخرين المانعين من رفع الغسل المستحب، لما وردت عليهم الاخبار الدالة على التداخل في الاغسال المستحبة ورأوا انه لا مندوحة عن العمل بها، تكلفوا للتفصي عن ذلك بوجوب تعيين الاسباب فيها، وصرحوا بانه لو نوى البعض خاصة اختص صحة الغسل بما نواه. إلا ان الاخبار - كما عرفت - لا دلالة لها على ذلك بل هي دالة على عدمه. ولهذا ان بعضهم - بعد ان اعترف بدلالة الاخبار على ما ذكرناه - استشكل فيما لو قصد معينا، فكيف يجزئ عما لم يعينه ؟ ثم اجاب انه ليس بعيدا من كرم الله تعالى ايصال الثواب بهذا الفعل الخاص في هذا الوقت المشتمل على شرعية هذه الاغسال مع فعله متقربا، كما قيل في حصول ثواب الجماعة للامام مع عدم شعوره بان احدا يصلي وراءه وغير ذلك. انتهى. وايضا فانه لما وردت عليهم اخبار تداخل الاغسال الواجبة والمستحبة، اشكل عليهم المخرج منها باعتبار تضاد وجهي الوجوب والاستحباب، واعتبار نية السبب، بل لزوم اتصاف شئ واحد بمتضادين، وهو كون غسل واحد واجبا وندبا، وهو بديهي البطلان واجابوا تارة بعدم وجوب نية الوجه اما مطلقا أو فيما نحن فيه للاخبار، وتارة باختيار نية الوجوب ودخول المندوب فيه وسقوط اعتبار السبب هنا بمعنى تأدي احدى الوظيفتين بفعل الاخرى، كما تتأدى صلاة التحية بقضاء الفريضة، وصيام ايام البيض بصيام الواجب فيها. وبالجلمة فالواقع هو الغسل الواجب خاصة لكن الوظيفة المسنونة تتأدى به

[ 205 ]

وانت خبير بان ما ذكروه من الجواب وان اندفع به الاشكال بالنسبة إلى النية لكن الاشكال باعتبار لزوم كون شئ واحد في نفس الامر واجبا وندبا باق على حاله والاشكال المذكور على هذا لا اختصاص له بنية الجميع كما ذكروا بل نية احدهما ايضا بان يقال لو كان الغسل الواحد مجزئا عن الجميع لكان واجبا ومندوبا، وهو محال لتضادهما وما ذكروه من تأدي الوظيفة المستحبة بفعل الواجبة لا يحسم مادة الاشكال، لان تأدي وظيفة المستحب - بمعنى استحقاق ما يترتب عليه من الثواب بفعل الواجب - تقتضي كون ذلك الغسل مستحبا، لان ما يكون امتثالا للامر المذكور يلزم أن يكون ندبا قطعا. وبالجملة فلما كان الوجوب والندب صفتين متضادتين فكما لا يتأدى الواجب بالاتيان بالمندوب فكذا العكس. واما ما ذكر - من مثال صلاة التحية وصيام ايام البيض - فيمكن الجواب بان مقصود الشارع ثمة هو ايقاع العبادة في هذا المكان والزمان المخصوصين من حيث هي اعم من ان يكون بوجه الوجوب أو الندب، لا خصوصية المندوب، بخلاف ما نحن فيه بناء على ما يدعونه من عدم رفع المندوب، فان خصوصية كل واحد ملحوظة على حدة، لعدم الاشتراك في امر كلي يجمعهما حتى يجعل ذلك الامر الكلي موجبا لاجزاء أحد الفردين عن الآخر واندراجه تحته. واجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين عن الاشكال المذكور - بعد الاعتراف بلزوم ما ذكرنا - بالتزام ذلك ومنع استحالته لاختلاف الجهة، قال: " فان هذا الغسل الواحد من حيث انه فرد لغسل الجمعة وامتثال للامر به مستحب، ومن حيث انه فرد لغسل الجنابة وامتثال للامر به واجب ". ولا يخفى ما فيه ايضا، فان الطبيعة انما تكون متعلقة للتكاليف باعتبار اتحادها

[ 206 ]

مع افرادها في الخارج، فمتى تعلق التكليف الاستحبابي كان معناه في الحقيقة يرجع إلى ان ما تصدق عليه هذه الطبيعة يستحب فعله ويجوز تركه، فلو كان بعض افرادها ما لا يجوز تركه لم يكن القدر المشترك بين تلك الافراد جائز الترك، فلا يتعلق به التكليف الاستحبابي، هذا خلف، فإذا لا يجوز ان يكون الامر الذي لا يجوز تركه فردا للطبيعة المستحبة وفردا للطبيعة الواجبة فردا يجوز تركه بان يأتي بفرد آخر لا مطلقا، وهو خارج عن محل البحث وانت خبير بانه إذا رجعت إلى ما قررناه آنفا - من ان الاخبار إنما وردت بالتداخل في جميع اقسام الغسل كما اخترناه، من حيث اشتراكها في ذلك الامر الكلي - اندفع الاشكال من المقام بحذافيره، كما انه لا مجال لهذا الاشكال عندهم في تداخل الاغسال الواجبة بعضها في بعض، لاشتراكها في الرفع. والعجب من جملة من اصحابنا المرجحين لما اخترناه في مسألتي التداخل ورفع الغسل المندوب، ضاق عليهم الخناق في التفصى عن هذا الاشكال، واكثروا من الترديد في دفعة والاحتمال. وسيأتي - ان شاء الله تعالى في بيان المسألة الثانية - ما يزيد هذا المقام ايضاحا ويتسع له الصدر انشراحا. هذا ما اقتضاه النظر القاصر باعتبار ما هو مقتضى الدليل، واستفادة الفكر الفاتر من كلام تراجمة الوحي والتنزيل. والاحتياط مما لا ينبغي تركه في جميع الابواب ولا سيما هنا، بقصد الغايات المتعددة والاسباب. (المقام الثاني عشر) - قد صرح جملة من الاصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) نقل النية في مواضع: (الاول) - ما إذا اشتغل بلاحقة ثم ذكر سابقة، سواء كانتا مؤداتين

[ 207 ]

أو مقتضيتين، أو المعدول عنها حاضرة والمعدول إليها فائتة أو بالعكس بشرط ضيق الوقت عن الحاضرة. (الثاني) - العدول من القصر إلى الاتمام وبالعكس. (الثالث) - من الائتمام إلى الانفراد وبالعكس. (الرابع) - من الائتمام إلى الامامة، ومن الائتمام بامام إلى الائتمام بآخر. (الخامس) - من فرض إلى النفل. (السادس) - من النفل إلى النفل. إذا عرفت هذا فنقول: (اما الموضع الاول) فقد اشتمل على اربع صور، والمعلوم صحة ما عدا الرابعة، لاعتضاده بالاخبار بل وعدم الخلاف كما سيأتي تحقيقه في موضعه ان شاء الله تعالى واما الرابعة فمحل اشكال، لعدم الوقوف فيها على نص، وجزم الشهيد في البيان بالعدول من القضاء إلى الاداء، وكذا من السابقة إلى اللاحقة مع تضيق الوقت، وبالاولى منهما صرح في المفاتيح ايضا. (الموضع الثاني) - والقول فيه انه لا يخفى ان جواز العدول من احد هذين الفرضين إلى الآخر انما يكون في موضع يباح فيه كل منهما، كالمسافر المريد لنية الاقامة ومن حصل في أحد المواطن الاربعة، فانه لو صلى بقصد أحد الفرضين مع كون الآخر مباحا له، فانه يجوز له العدول إلى الثاني وتفصيل القول في ذلك اما بالنسبة إلى العدول من القصر إلى الاتمام، فقد ورد في صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل خرج في سفر ثم تبدو له الاقامة وهو في صلاته. قال: يتم إذا بدت له الاقامة " ومثلها رواية محمد بن سهل عن ابيه عن أبي الحسن (عليه السلام) (2) والحكم هنا مما لا خلاف فيه.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب صلاة المسافر.

[ 208 ]

والظاهر ان الحكم مثله في المصلى في احد الاماكن الاربعة لو عدل في اثناء صلاة القصر إلى التمام وبالعكس ايضا، عملا بعموم الدليل الدال على التخيير بالنسبة إليه في هذه الاماكن. وانه بمجرد دخوله في احد الفرضين لا يزول حكم التخيير عنه. وبالتخيير هنا صرح المحقق في المعتبر واستحسنه جماعة ممن تأخر عنه: منهم - السيد السند في المدارك وشيخنا المجلسي في البحار وغيرهما في غيرهما. وينبغي تقييده بما إذا لم يتجاوز محل العدول فيما إذا عدل من التمام إلى القصر، وما لم يسلم على الركعتين في العكس، والا لا شكل ذلك فيما لو دخل بنية الاتمام ثم سلم على الركعتين ساهيا، أو دخل بنية القصر ثم صلى الركعتين الاخيرتين ساهيا، فان الحكم بالصحة - بناء على انه مخير في الاتيان بايهما وقد اتى باحدهما مشكل، لان الظاهر ان المكلف وان كان مخيرا بين الفردين لكن باختياره احدهما وقصده الامتثال به من غير عدول عنه يتعين في حقه ويترتب عليه احكامه من الابطال بزيادة ما زيادته مبطلة ونقصان ما نقصانه مبطل، والا للزم الحكم بالصحة بناء على استحباب التسليم فيما لو صلى بنية التمام ثلاث ركعات ثم سلم على الثالثة ساهيا، فانه قد اوجد الصلاة المقصورة في ضمن هذه الثلاث ركعات وان كانت غير مقصودة، فتكون مجزئة، بل ولو سلم عامدا أو احدث والحال هذه في اثناء الركعتين الاخيرتين أو فعل ما يبطلها، فانه تكون صلاته صحيحة باعتبار اشتمالها على الصلاة المقصورة في الجملة. والحكم بالصحة في امثال ذلك خارج عن مقتضى الاصول المقررة والقواعد المعتبرة. وبذلك يظهر لك ما في كلام الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد، حيث قال: " الظاهر انه لو نوى القصر ثم تممها نسيانا أو عمدا مع النقل تصح الصلاة وبالعكس " انتهى. واما بالنسبة إلى العدول من الاتمام إلى القصر فقد عرفت الكلام فيه بالنسبة

[ 209 ]

إلى المواضع الاربعة. واما في قاصد الاقامة فهو إنما يتم بالنسبة إلى اول فريضة يريد ايقاعها بنية التمام، إذ بعدها لا مجال للعدول. لوجوب الاتمام حينئذ حتى يقصد المسافة. وقد اختلف كلام الاصحاب في هذا المقام، فالمنقول عن الشيخ في المبسوط وابن الجنيد وابي الصلاح وجوب المضي على التمام في تلك الفريضة حتى يخرج مسافرا. وتردد المحقق في المعتبر والشرائع، نظرا إلى افتتاح الصلاة على التمام وهي على ما افتتحت عليه، والى عدم الاتيان بالشرط وهو الصلاة على التمام. وفصل في التذكرة والمختلف والقواعد بتجاوز محل القصر فلا يرجع، وبعدم تجاوزه فيرجع، لانه مع التجاوز يلزم من جواز الرجوع ابطال العمل المنهى عنه، ومع عدم تجاوزه يصدق انه لم يصل فريضة على التمام. واليه ذهب في البيان والدروس. واطلق في المنتهى العود إلى التقصير، لعدم حصول الشرط، واختاره السيد السند في المدارك وشيخنا المجلسي في كتاب البحار. والمسألة غير منصوصة على الخصوص، الا انه لما كان فرض المسافر التقصير وانتقال فرضه إلى آخر يحتاج إلى دليل - وغاية ما يستفاد من صحيحة ابي ولاد (1) التي هي مستند هذا الحكم هو صلاة فريضة على التمام بنية الاقامة. وبالعدول في اثنائها وان تجاوز محل القصر لا يصدق حصول فريضة على التمام، فينتفي الشرط وبانتفائه ينتفي المشروط - كان الاظهر هو القول الاخير. وحينئذ فمتى كان العدول بعد تحقق الزيادة المبطلة يتعين الاعادة، لفوات شرط التمام، وبطلان المقصورة بما اشتملت عليه من الزيادة، وإلا صحت صلاته قصرا. (الموضع الثالث) - وهو العدول من الائتمام إلى الانفراد وبالعكس، ويشتمل على صورتين: (احداهما) - العدول من الائتمام إلى الانفراد، واستدلوا عليه بصحيحة (1) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب صلاة المسافر.

[ 210 ]

علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يكون خلف امام فيطول في التشهد، فيأخذه البول أو يخاف على شئ أن يفوت أو يعرض له وجع، كيف يصنع ؟ قال: يلم وينصرف ويدع الامام ". وعندي في الاستدلال بهذه الرواية اشكال، وذلك لانها وان دلت على جواز الانصراف مع العذر لكنها قد دلت على كون محله التشهد، وانه بسبب تطويل الامام في التشهد، والظاهر ان المراد بتطويله عبارة عن الاتيان بما اشتمل عليه من الاذكار المستحبة في التشهد وهو التشهد المستحب، وحينئذ فمن المحتمل قريبا ان الامر بالانصراف انما هو في ضمن تلك الاذكار المستحبة بعد الاتيان بالصيغة الواجبة، وعلى هذا فلا دلالة في هذا الخبر على المدعى، لانهم قد صرحوا بجواز تسليم المأموم قبل الامام وان كان لا لعذر، وجعلوها مسألة مستقلة غير ما نحن فيه، واستدلوا عليها بصحيحة ابي المغرا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الرجل يصلي خلف الامام فيسلم قبل الامام ؟ قال: ليس عليه بذلك بأس " واستدلوا ايضا بالرواية السابقة في تلك المسألة، وكأنه لفهمهم منها الاولوية لهذه الصورة. والظاهر عندي - لما عرفت - هو الاختصاص بهذه الصورة، على ان الرواية المذكورة - بناء على ما ذكروا - معارضة بصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد. قال: يسلم ويمضي لحاجته ان احب " فانها دالة على جواز الانفراد لا لعذر مع تعين محل المفارقة فيها كتلك الرواية. وعلى ما ذكرنا من تخصيص ذلك بما بعد التشهد يزول الاشكال عن الجميع مع ان العذر المذكور في صحيحة علي بن جعفر انما وقع في كلام السائل. هذا مع العذر. واما مع عدمه فالمشهور ايضا جواز العدول مع نية الانفراد، وذهب الشيخ في المبسوط إلى العدم. وادلة كل من الطرفين لا تخلو من دخل، إلا ان يقين البراءة من التكليف


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 64 - من ابواب الجاعة.

[ 211 ]

الثابت يقينا يعضد ما ذهب إليه في المبسوط. ويؤيده ايضا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) انه " سأله عن امام احدث فانصرف ولم يقدم احدا، ما حال القوم ؟ قال: لا صلاة لهم إلا بامام.. ". ومن مواضع العدول في الصورة المذكورة ما لو تبين للمأموم في اثناء الصلاة بطلان صلاة الامام، فانه يعدل إلى الانفراد، لصحيحة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم اخبرهم انه ليس على وضوء. قال: يتم القوم صلاتهم، فانه ليس على الامام ضمان ". (الصورة الثانية) - العدول من الانفراد إلى الائتمام وهو قول الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الاجماع، ونفى عنه البأس العلامة في التذكرة، واختاره السيد العلامة المحدث نعمة الله الجزائري (قدس سره) في رسالة التحفة، ونقل من حجة المنع من ذلك التعويل على ما روى (3): " ان الشارع في فريضة ينقلها إلى النفل ويجعلها ركعتين إذا احرم امام الجماعة " فلو ساغ العدول لم يكن ذلك. ثم اجاب بان القطع والنقل انما شرعا تحصيلا لصلاة الجماعة من اول الصلاة. انتهى. والاظهر - كما استظهره جمع من متأخري المتأخرين - العدم، لعدم ثبوت التعبد بمثله، مؤيدا بما ذكره السيد المشار إليه. وما اجاب به (قدس سره) عن ذلك منظور فيه، بانه لو كان العلة ما ذكره لكان الانسب بذلك هو العدول دون النقل، اد لا يخفى انه متى كان الغرض ادراك الصلاة من أولها مع الامام والمسارعة إلى ذلك، فان العدول اقرب إلى تحصيله، إذ ربما كان في النقل إلى النفل ما يفوت به الغرض المذكور


(1) المروية في الوسائل في الباب - 72 - من ابواب الجماعة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الجماعة. (3) رواه صاحب الوسائل في الباب - 56 - من ابواب الجماعة.

[ 212 ]

سيما إذا كان المصلي المنفرد لم يأت بشئ من صلاته سوى تكبيرة الاحرام، وبناء صلاة الجماعة على التخفيف فربما يفوته بالنقل الادراك للركعة الاولى كما لا يخفى، ولا سيما إذا جعلنا الموضع الذي يكلف المنفرد بالنقل فيه ما إذا اشتغل الامام بشئ من واجبات الصلاة دون ما يقدم من المندوبات، كما هو أحد القولين في المسألة. وبالجملة فما ذكره (رحمه الله) في الجواب ليس بذلك المستحباب في هذا الباب. (الموضع الرابع) - وهو العدول من الائتمام إلى الامامة، ومن الائتمام بامام إلى الائتمام باخر، وهو منصوص في مواضع ثلاثة: (احدها) - ما إذا احدث الامام في اثناء الصلاة، فانه يستخلف بعض المأمومين يتم بهم الصلاة ويدل عليه روايات عديدة: منها - صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الامام بركعة أو اكثر. فيعتل الامام فيأخذ بيده ويكون ادنى القوم إليه فيقدمه. فقال: يتم صلاة القوم ثم يجلس... الحديث ". وما رواه في الفقيه (2) مرسلا عن امير المؤمنين عليه السلام وفيه: "... ثم لينصرف وليأخذ بيد رجل فليصل مكانه... الحديث ". و (ثانيها) - ما إذا حدث بالامام حدث من موت أو اغماء، فان المأمومين يستخلفون بعضهم ليتم بهم، وعليه تدل صحيحة الحلبي (3) " في رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم مات ؟ قال: يقدمون رجلا آخر ويعتدون بالركعة... الحديث ". و (ثالثها) ما لو ائتم المتمم بالمقصر، فانه بعد تمام صلاة الامام يتم بهم بعضهم


(1) المروية في الوسائل في الباب - 40 - من ابواب الجماعة. (2) ج 1 ص 261 وفى الوسائل في الباب - 72 - من ابواب الجماعة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجماعة.

[ 213 ]

وعليه تدل صحيحة الفضل بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يؤم الحضري المسافر ولا المسافر الحضري. فإذا ابتلى بشئ من ذلك فام قوما حاضرين، فإذا اتم الركعتين سلم ثم أخد بيد بعضهم فقدمه فامهم... الحديث " ولا اعلم خلافا في هذه المواضع الثلاثة. بقى هنا صور ينبغي التنبيه عليها: (احداها) - هل يجوز العدول من الائتمام بامام في اثناء الصلاة إلى الائتمام باخر لو حضرت جماعة اخرى في ذلك المكان ؟ قولان، اختار اولهما العلامة في التذكرة وتبعه المحدث الكاشاني في المفاتيح ورد بعدم ثبوت التعبد به. وهو كذلك. و (ثانيها) - لو صلى الانسان مأموما وكان مسبوقا، فبعد فراغ الامام وانفراده بما بقى عليه هل يجوز الاقتداء به من المأمومين المشاركين له في المسبوقية وغيرهم اولا ؟ الظاهر العدم، لان العبادة توقيفية، والنص انما ورد في تلك المواضع الثلاثة، ومجرد الالحاق بها قياس. واستشكل العلامة في التحرير، حيث قال: " ولو سبق الامام اثنين ففي ائتمام احدهما بصاحبه بعد تسليم الامام اشكال " انتهى. وكأن وجه الاشكال، من جهة المساواة للموضع الثالث من المواضع المتقدمة فيصح الائتمام، ومن حيث عدم النص القاطع على ذلك، العبادة توقيفية. والالحاق لمجرد المساواة قياس. و (ثالثها) - لو صلى مأموما ثم عدل في اثناء الصلاة إلى نية الامامة ببعض المأمومين أو غيرهم بعد نقل نيته إلى الانفراد أو عدمه. و (رابعها) - ان ينقل الامام نيته في اثناء الصلاة إلى الائتمام ببعض المأمومين والمأموم نيته إلى الامامة. * (1) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب صلاة الجماعة

[ 214 ]

ولم اقف لاحد من الاصحاب على تصريح في هاتين الصورتين. ومقتضى ما قلنا سابقا عدم الجواز، لما عرفت. (الموضع الخامس) - العدول من الفرض إلى النفل وقد ورد النص به في مواضع: (احدها) - لو دخل الانسان في الصلاة منفردا فاقيمت الجماعة، فانه يعدل بنيته من الفرض إلى النفل ويتم صلاته ركعتين ثم يلحق بالامام. ويدل عليه روايات: منه - صحيحة سليمان بن خالد (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة، فبينما هو قائم يصلي إذا اذن المؤذن واقام الصلاة. قال: فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام، ولتكن الركعتان تطوعا ". وظاهر الرواية ان تعلق الحكم بالمصلي - من نقل صلاته إلى النافلة - متى اقيمت الصلاة، وهو أحد القولين في المسألة. وقيل انه لا يتعلق به إلا بعد اشتغال الامام بشئ من واجبات الصلاة. و (ثانيها) - لو نسى قراءة الجمعة والمنافقين في ظهر الجمعة وقرأ غيرهما حتى تجاوز النصف، فانه ينقل الفريضة إلى النافلة ويتمها ركعتين ثم يستأنف الظهر، كذا نقل عن الصدوق (رحمه الله). والخبر الذي وقفت عليه في هذه المسألة إنما تضمن صلاة الجمعة، وهو صحيحة صباح بن صبيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل اراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله أحد ؟ قال: يتمها ركعتين ثم يستأنف " ولم اقف بعد التتبع على خبر سواه في المسألة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 56 - من ابواب الجماعة (2) المروية في الوسائل في الباب - 72 - من ابواب القراءة في الصلاة.

[ 215 ]

وخص الحكم في البيان بصلاة الجمعة. ونقل عن ابن ادريس انه انكر النقل إلى النفل هنا. وعد في المفاتيح في هذا الموضع ايضا ناسى الاذان والاقامة، مستندا إلى جواز القطع له والعدول اولى. وهو عجيب منه (قدس سره) ثم انه بعد ذلك استظهر جواز العدول لمطلق طلب الفضيلة، قال: " لاشتراك العلة الواردة في النصوص عليه " وهو منه اعجب، فان ما استند إليه من الاشتراك في العلة غير خال من العلة، إذا الفضيلة التي ظنها مجوزة للعدول بزعمه اما ان يريد بها في المعدول إليه أو في الفعل المستأنف في الموضع الذي يكون كذلك، كما في هذا الموضع. وعلى الاول فبطلانه اوضح من ان يبين، حيث ان اخبار الموضع الاول إنما تضمنت العدول إلى السابقة لتقدم اشتغال الذمة بها مع وجوب مراعاة الترتيب. واما اخبار الموضع الثاني فانما هو لاباحة كل من الامرين له، واما اخبار الموضع الثالث فانما هو للرخصة بل المعدول إليها مفضولة، وأما اخبار الموضع الرابع فانما هو في فريضة واحدة لا تمامها، واما اخبار هذا الموضع فانما المعدول إليه نافلة وهي مفضولة. واما على الثاني فيما ذكرنا انما يتمشى له في اخبار هذا الموضع، ولم نقف في شئ منها على علة منصوصة فيها حتى يتم له البناء عليها وان امكن استفادة ذلك منها بحسب المقام، الا انه غير مجوز لان يبنى عليه شئ من الاحكام، بل هو محض القياس المنهي عنه في اخبار أهل الذكر (عليهم السلام). (الموضع السادس) - النقل من النفل إلى النفل، وقد نقل السيد السند (قدس سره) في المدارك عن الاصحاب التصريح بالجواز إذا شرع في نافلة لاحقة ثم ذكر السابقة. ولم اقف في ذلك على نص يوجب المصير إليه. (المقام الثالث عشر) - لو شك في نية الصلاة وقد كبر فالظاهر انه لا خلاف في الصحة والمضي في صلاته، للاخبار المستفيضة الدالة على انها بالدخول في غير المشكوك

[ 216 ]

فيه يمضي في صلاته (1). ولو سهى عن النية حتى كبر، فمقتضى كلام الاصحاب - القائلين بوجوب المقارنة في النية. وانها عبارة عن ذلك الحديث النفسي والتصوير الفكري - البطلان. ومقتضى ما قدمنا من التحقيق في معنى النية انه ان كان السهو انما عرض له حال التكبير مع استصحابه لها حال القيام للصلاة والشروع في مستحبابه المتقدمة، فلا وجه للبطلان. ولو نوى الفريضة ودخل فيها ثم نوى النافلة سهوا واتى ببعض الركعات أو بالعكس، فان كان قد علم حال نفسه عند القيام للصلاة بانه في الصورة الاولى إنما قام للفريضة وفي الثانية انما قام للنافلة، بنى على ما قام له وجدد النية لما بقى وصح ما مضى من صلاته، وان لم يعلم حاله ثمة بطلت صلاته. وهكذا لو ذكر القيام للفريضة وانها ظهر مثلا، ثم سهى في الاثناء واتى ببعض افعالها على انها العصر ثم ذكر، فانه يجدد النية لما بقى ويمضي. ويدل على ذلك روايات: منها - ما رواه في الكافي (2) والتهذيب في الحسن عن عبد الله بن المغيرة قال: " في كتاب حريز انه قال: اني نسيت انى في صلاة فريصة حتى ركعت وانا انويها تطوعا ؟ قال: فقال: هي التي قمت فيها: ان كنت قمت وانت تنوي فريضة ثم دخلت الشك فانت في الفريضة، ان كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فانت في النافلة... ". ورواية عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو ينوي انها نافلة ؟ قال: هي التي قمت


(1) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة (2) ج 1 ص 101 وفى التهذيب ج 1 ص 233 وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة (3) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة

[ 217 ]

فيها ولها، وقال: إذا قمت وانت تنوى الفريضة فدخلك الشك بعد، فانت في الفريضة على الذي قمت له، ان كنت دخلت فيها وانت تنوي نافلة ثم انك تنويها بعد فريضة فانت في النافلة، وانما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في اول صلاته ". ورواية معاوية بن عمار (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسهى فظن انها نافلة، أو قام في النافلة فظن انها مكتوبة. قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه ". والظاهر ايضا ثبوت الحكم المذكور ان لم يذكر الا بعد الفراغ، كما هو ظاهر اطلاق الرواية الاخيرة. وهل المراد بالوقت الذي عليه المدار في البناء، هو حال النهوض والقيام للصلاة من التوجه لها بالاذان والاقامة ونحوها من الافعال المتقدمة. أو حال النية وتكبيرة الاحرام ؟ الظاهر من ظاهر الاخبار الاول، ويؤيده ما صرح به جماعة من الاصحاب من انه لو لم يعلم ما نواه فان الصلاة تبطل، الا إذا علم ما قام له فانه يبني عليه، عملا بالظاهر من انه نوى ما في نفسه أن يفعله. واستدل عليه بعضهم بهذه الاخبار المنقولة هنا. ورد بانها لا دلالة لها على ذلك، إذ مدلولها انما هو ما لو نوى شيئا ثم قصد خلافه سهوا. فانه يبنى على ما نوى اولا ولا يضره ما فعله بقصد غيره. وفيه أن الظاهر من قوله (عليه السلام): " هي التي قمت فيها ولها " انه يبنى على ما قصده حين قيامه وتوجهه للصلاة. اعم من أن يكون نسى ما نواه أو لا ولم يعلمه على اليقين، أو شك فيه، أو ذكره ولكن عرض له السهو بان نوى غيره، إذ خصوص السؤال عن ذلك الفرد لا يخصص كما قرر في محله. مع أن هذا المورد صرح بانه لو علم ما تعين عليه وقام له ثم عرضه الشك في نيته، لا يبعد البناء عليه.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة.

[ 218 ]

(المقام الرابع عشر) - نقل عن بعض متأخرى المتأخرين ان من لم يكن من نيته فعل الصلاة بعد الوضوء لا يجوز له الوضوء ولو فعله كان باطلا، بل لو كان من نيته فعل الصلاة ولم يفعلها تبين بطلانه. ونقل عن فخر المحققين (رحمه الله تعالى) ان من كان بالعراق ونوى بوضوئه استباحة الطواف صح وضوؤه، ومثله نقل عن الشهيد في البيان. واستشكله المحقق الشيخ علي (قدس سره) بانه نوى امرا ممتنعا فكيف يحصل له ؟ واجيب بان المنوي ليس وقوع الطواف بالفعل بل استباحته، فالمنوى غير ممتنع والممتنع غير منوى. وتوضيحه - على ما حققه شيخنا البهائي (قدس سره) في بعض فوائده - انه لا ريب ان كون المكلف على حالة يتمكن معها من الدخول في عبادة مشروطة بالطهارة - كالصلاة والطواف مثلا - امر راجح في نظر الشارع، فلو توضأ المكلف بقصد صيرورة الصلاة مباحة له - اعني حصول تلك الحالة - فينبغي ان تحصل له، وكونه يأتي بعد ذلك بالصلاة أو لا يأتي امر خارج عن القصد المذكور، فان حصول تلك الحالة امر مغاير لفعل الصلاة بغير مرية. نعم لو نوى بالوضوء فعل الصلاة مجردا عن استباحتها ولم يكن من قصده فعلها، لكان متلاعبا بنيته. فلا بعد في القول بفساد طهارته حينئذ. اقول: لا يخفي ما في كلام البعض المذكور من الضعف والقصور: (اما اولا) - فلعدم الدليل على ما ذكره، بل الدليل على خلافه واضح السبيل و (اما ثانيا) - فلما فيه من الاجمال بل الاختلال، فانه ان اراد بذلك ما لو كان في الوقت، فانه لا يخفى ان الواجب عليه هو الوضوء والصلاة، والاتيان باحد الواجبين وان لم يأت بالآخر بعده غير مضر بصحته. فمن اين له انه لا يجوز له الوضوء وهو مخاطب به وواجب عليه ؟ غايته انه تجب عليه الصلاة معه ولكن وجوب الصلاة موسع عليه، وحينئذ فلو توضأ في اول الوقت لاجل ان يصلي في آخره فلا مانع

[ 219 ]

من صحته، ومدعى الابطال عليه الدليل، وليس فليس. وان اراد في غير الوقت، فانه لا يخفى ان للوضوء غايات متعددة، وان قصد ايها كان موجب لصحة الوضوء وان لم يقصد الصلاة، ومع ذلك فانه يجوز له الدخول به في الصلاة. والحق وما ذكره شيخنا المذكور (قدس سره) لما تقدم تحقيقه في المقام العاشر مما حاصله ان من نوى بوضوئه احدى الغايات المتقدمة، فلا ريب في صحة وضوئه وجواز دخوله به في الصلاة وغيرها مما هو مشروط بالطهارة، وان التحقيق ان الغاية الحقيقية للوضوء إنما هو قصد الرفع وان تلك الغايات إنما تترتب عليه. الا ان قول شيخنا المشار إليه في آخر كلامه: " نعم لو نوى بالوضوء فعل الصلاة.. الخ " لا يخلو من مناقشة، فانه لا يخفى انه متى كان المكلف عالما بانه لا يجوز له الدخول في الصلاة بغير وضوء وقد قصد بوضوئه هذا الاتيان بالصلاة بعده، فهذا هو معنى الاستباحة شرعا وان لم يتصور هذا العنوان بخصوصه ولم يخطر بباله، إذ لا معنى لاستباحة الصلاة الا اعتقاد كونها مباحة له بعد الوضوء وانها لا تباح له قبله، فقصد الدخول فيها والاتيان بها بهذا الوضوء هو عين قصد الاستباحة. ولعل مبنى كلامه (قدس سره) على ما هو المشهور من تصور هذا العنوان بخصوصه واخطاره بباله، حيث ان النية عندهم عبارة عن هذا الحديث النفسي والتصوير الفكري، والا فان مرجع هذه النية التي فرضها وزعم بطلان الطهارة بها إلى ما ذكره اولا. والله العالم. (المقام الخامس عشر) - قال السيد السند (قدس سره) في المدارك - بعد ان استدل على وجوب النية في الوضوء بآية " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين... " (1) وبالاخبار المتقدمة في المقام الاول (2) ما صورته: " واعلم ان الفرق بين ما تجب فيه النية من الطهارة ونحوها، وما لا تجب من إزالة النجاسة وما شابهها - ملتبس جدا، لخلو الاخبار من هذا البيان. وما قيل - من ان النية انما تجب في الافعال


(1) سورة البينة الآية 5 (2) في الصحيفة 171

[ 220 ]

دون التروك - منقوض بالصوم والاحرام. والجواب بان الترك فيهما كالفعل تحكم. ولعل ذلك من اقوى الادلة على سهولة الخطب في النية وان المعتبر فيها يتخيل المنوي بادنى توجه. وهذا القدر أمر لا ينفك عنه أحد من العقلاء كما يشهد به الوجدان، ومن هنا قال بعض الفضلاء: لو كلفنا الله الصلاة وغيرها من العبادات بغير نية كان تكليف ما لا يطاق. وهو كلام متين لمن تدبره ". انتهى. اقول: الظاهر ان وجه الاشكال الذي اشار إليه (قدس سره) في ذلك هو ان كلا من الطهارة ونحوها من العبادات وازالة النجاسة وما شابهها مما قد وقع التكليف به من الشارع، مع انهم قد اوجبوا النية في القسم الاول دون الثاني، ووجه الفرق غير واضح. وانت خبير بانه اما ان يراد بالنية هنا المعنى اللغوي الذي هو عبارة عن مجرد القصد إلى الفعل، كما يشعر به آخر كلامه من قوله: " وان المعتبر فيها تخيل المنوي... الخ " أو المعنى الشرعي الذي هو القصد المخصوص المقرون بالقربة، كما يشعر به صدر كلامه من الاستدلال بالآية والاخبار المشار إليها. وعلى الاول يكون الاشكال في ازالة النجاسة من جهة انه لا يجب في ازالتها القصد إلى ذلك، بل لو زالت بوقوع الثوب في الماء أو اصابة المطر له اتفاق أو نحو ذلك كفى في الحكم بالطهارة. وعلى الثاني ايضا انه متى كان الامر كذلك فبالطريق الاولى ان لا يشترط في الازالة القربة ولا نية الندب ولا غيرهما من قيود النية الشرعية. وجملة من الاصحاب قد اجابوا عن الاشكال المذكور بالفرق بين المقامين، وان النية إنما تجب في الافعال من حيث وقوعها على انحاء متعددة، كما تقدم منا بيانه في المقام الاول (1) فلا بد من النية في تميز بعضها عن بعض، واما التروك فباعتبار كونها مرادة للشارع لكن لا على وجه مخصوص بل باي وجه تحققت، فليس هناك وجوه متعددة


(1) في الصحيفة 170

[ 221 ]

لمتعلق التكليف يتوقف الامتثال على تعيين فرد منها بالنية، بل يكفي في حصول المطلوب شرعا مجرد الترك وان كان لا عن قصد، وفي حكمها الافعال المطلوب بها ترك شئ آخر كمحل البحث، فان ازالة النجاسة لما كان المطلوب بها ترك النجاسة كانت ملحقة بالتروك واورد عليهم الانتفاض بالصوم والاحرام، فان كلا منهما مفسر بترك الاشياء المعينة. اجابوا بان الترك هنا كالفعل في وجوب النية، قالوا: ان متعلق التكليف اما فعل محض أو ترك كالفعل، وكل منهما مما تجب فيه النية، أو ترك محض أو فعل كالترك، وهما مما لا تجب فيه النية. ولا يخفى ما في الجواب المذكور من القصور، كما اشار إليه السيد السند (قدس سره) والتحقيق في هذا المقام ما افاده المحدث الامين الاسترابادي في تعليقاته على المدارك، حيث قال - بعد نقل عبارة الكتاب - " قلت: تحقيق المقام ان المطلوب من العبد قد يكون ايجاد اثر في الخارج، كالقراءة والركوع والسجود، وقد يكون ايجاد أثر في الذهن، كعزمه ان لا يتعمد شيئا من المفطرات من طلوع الفجر إلى المغرب بشرط ان لا يقع منه ما ينافيه. وحقيقة الصوم هو هذا العزم المقيد بالشرط المذكور، ولذا لو نوى واخذه النوم إلى المغرب صح صومه، ولو لم ينو واجتنب المفطرات لم يصح صومه كما تقرر. فان كانت حقيقة الاحرام عزمه على ان لا يتعمد شيئا من الامور المعينة من حين التلبية إلى وقت الحلق والتقصير بشرط الاتيان بالتلبية، فهو من الباب الثاني وان كانت حقيقته الحالة المترتبة على نية الحج والعمرة والاتيان باول جزء منه وهو التلبية - كما هو الظاهر عندي من الروايات - فليس من الباب الثاني، بل هو من الاحكام المترتبة على مجموع النية والاتيان بجزء من المنوي، نظير حرمة منافيات الصلاة على المصلي بسبب نية الصلاة وتكبيرة الاحرام. وقد يكون وجود حالة كطهارة ثوبه حال صلاته،

[ 222 ]

ففى الصورة الاولى تتميز العبادة عن غيرها كاللعب بالنية. وفي الصورة الثانية العبادة المطلوبة نفس العزم المقيد بقيد، فلا حاجة لها إلى عزم وارادة اخرى، وهو واضح. واما الصورة الثالثة فليس المطلوب فيها ايجاد اثر، ولذا لو كانت طهارة الثوب حالة اصلية مستصحبة أو حاصلة بفعل الغير أو بغير فعل احد كأن يقع في النهر أو يصيبه السيل، لكفت. وفى الصورة الاولى لما كان المطلوب ايجاد اثر لم يجز ان يغسله غيره أو يوضئه، ومع الاضطرار لا يصح ذلك ايضا إلا بارادته كما قرر في موضعه " انتهى كلامه. وهو جيد متين. الركن الثاني غسل الوجه وفيه مسائل: (الاولى) - هل الواجب في الغسل ما يجري فيه جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو معاون، أو يرجع فيه إلى العرف، أو يكفي الدهن ؟ وعلى الثالث فهل يخص بالضرورة، أو مطلقا ؟ اقوال: المشهور الاول، وبالثاني قال جماعة من متأخرى المتأخرين، والتخصيص بالضرورة في الثالث نقله في الذكرى عن الشيخين. ويدل على اعتبار الجريان في الغسل - باي من المعنيين الاولين - انه المتبادر من معنى الغسل لغة وعرفا. ومن الاخبار قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة (1): " الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد اجزأه " ولا قائل بالفرق بين الغسل والوضوء. وقوله (عليه السلام) في صحيحه زرارة (2): " كل ما احاط به الشعر فليس للعباد ان يغسلوه ولا يبحثوا عنه، ولكن يجري عليه الماء ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء.

[ 223 ]

وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مروان (1): " يأتي على الرجل ستون سنة أو سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة. قلت: وكيف ذلك ؟ قال: لانه يغسل ما امر الله بمسحه ". و وقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): " لو انك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم اضمرت ان ذلك هو المفترض، لم يكن ذلك بوضوء... ". والتقريب في هذين الخبرين الاخيرين انه لولا اعتبار الجريان في مسمى الغسل لما حصل الفرق بينه وبين المسح المقابل له بظاهر الآية. ويؤيده ايضا ما اشتملت عليه اخبار الوضوء البياني من الصب والافاضة والاسدال والغرفة لكل عضو. ويدل على الثالث مطلقا اخبار عديدة: منها - قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (3): " انما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وان المؤمن لا ينجسه شئ. انما يكفيه مثل الدهن ". وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (4): " يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده، والماء اوسع من ذلك. " وقوله في صحيحة زرارة (5): "... إذا مس جلدك الماء فحسبك... ". وقوله في الغسل (6): " وكل شئ امسسته الماء فقد انقيته ". وقوله في الغسل والوضوء (7): " يجزي منه ما اجزأ من الدهن الذي يبل الجسد. "


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء (3) و (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 52 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (6) المروى في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الجنابة

[ 224 ]

وقوله (عليه السلام) (1): " يجزئك في الغسل والاستنجاء ما بلت يدك. " والدهن كما يحتمل انه من الادهان اي الاطلاء من الدهن كما هو صريح بعضها، يحتمل ايضا انه من دهن المطر الارض إذا بلها بلا يسيرا، وعلى التقديرين فلا جريان فيه قطعا وعلى الاول وظاهرا على الثاني. وربما تحمل الاخبار كملا على المعنى الاول ويقيد مطلقها بمقيدها. والاكثر حملوا هذه الاخبار على المبالغة في أقل الجريان، وظواهرها - كما ترى - لا تقبله. وانت خبير بان ما اشتمل من الاخبار المتقدمة على الجريان صريحا أو مفهوما لا دلالة فيه على الانحصار في هذا الفرد وعدم اجزاء ما عداه، ولا في شئ من الاخبار الاخيرة على الانحصار فيه وعدم جواز ما زاد عليه، حتى تثبت المنافاة بين اخبار الطرفين ويرتكب الحمل في احد الجانبين، بل ربما دل لفظ الاجزاء في بعض الاخبار الاخيرة على انه أقل المجزى المستلزم لثبوت مرتبة فوقه. فلم يبق حينئذ إلا دعوى اعتبار الجريان في مسمى الغسل. وفيه ان المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في بعض تحقيقاته ان ذلك غير مفهوم من كلام أهل اللغة، قال: " لعدم تصريحهم باشتراط جريان الماء في تحققه، وان العرف دال على ما هو اعم منه، الا انه المعروف من الفقهاء سيما المتأخرين، والمصرح به في عباراتهم " انتهى. ويؤيده ما صرح به السيد السند في المدارك، حيث قال - بعد ان نقل القول باشتراط الجريان في مسمى الغسل - ما لفظه: " وفى دلالة العرف على ذلك نظر " ثم قال - بعد ان نقل عن الشارح حمل اخبار الدهن على المبالغة - ما صورته: " وقد


(1) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من احكام الخلوة، وفى الباب - 31 - من ابواب الجنابة

[ 225 ]

يقال: لا مانع من كونه على سبيل الحقيقة لوروده في الاخبار المعتمدة " ثم ساق جملة من الاخبار المتقدمة. وحينئذ فمجرد شهرة ذلك بينهم - من غير دلالة نص عليه من آية أو رواية، بل وجود الروايات المستفيضة - كما تري - بخلافه - لا يوجب المصير إليه. وبالجملة فالمسألة لذلك محل اشكال. وصار بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين - بعد ان صرح بان المسألة محل تأمل، ينشأ من تعارض الظاهرين، وقبول التأويل من الطرفين - إلى تخصيص ذلك بالضرورة وتقديمه على التراب، كعوز الماء وانجماده على وجه لا يمكن اذابته، كما هو المنقول آنفا عن الشيخين (رحمهما الله) استنادا إلى بعض الاخبار المصرحة بجواز ذلك ضروة، كقول الكاظم (عليه السلام) في صحيحة اخيه علي (1) حيث " سأله عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره، والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ولا مدا للوضوء وهو متفرق ؟ فكيف يصنع ؟ فقال: إذا كانت يده نظيفة، إلى ان قال: فان خشى ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسجد جلده بيده، وان كان الوضوء غسل وجهه ومسح يده على ذراعيه ورأسه ورجليه.. ". وقوله (عليه السلام) في صحيحة اخيه الثانية (2) حين " سأله عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا، أيهما افضل: أيتيمم ام يتمسح بالثلج ؟ قال: الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل، فان لم يقدر على ان يغتسل به فليتيمم " ونحوها رواية معاوية بن شريح (3).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب التيمم.

[ 226 ]

وما رواه في الكافي (1) مرسلا مضمرا: " في رجل كان معه من الماء مقدار كف وحضرت الصلاة ؟ قال: فقال: يقسمه اثلاثا: ثلث للوجه وثلث لليد اليمنى وثلث لليسرى، ويمسح بالبلة رأسه ورجليه ". وعد من ذلك ايضا قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (2): " اسبغ الوضوء ان وجدت ماء، وإلا فانه يكفيك اليسير " وظني انها ليست منه، لان مقابلة اليسير بما يحصل به الاسباغ قرينة على وجود ما يحصل به الجريان ولو في الجملة. وحينئذ فالاظهر حمل روايات الدهن على هذه الاخبار دون الحمل على المبالغة. إلا انه بعد لا يخلو من شوب نظر. (المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف في أن الوجه الواجب غسله في الوضوء هو ما كان من قصاص الشعر - مثلث القاف والضم أعلى، كما ذكره الجوهري، وهو حيث ينتهي نبت الشعر من مقدم الرأس ومؤخره، والمراد هنا المقدم - إلى طرف الذقن بالتحريك، وهو مجمع اللحيين الذين تنبت عليهما الاسنان السفلى، طولا، وما دارت عليه الابهام والوسطى من مستوي الخلقة عرضا، لما في صحيح زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) حيث قال: " اخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي ان يوضأ، الذي قال الله تعالى. فقال: الوجه الذي امر الله بغسله - الذي لا ينبغي لاحد ان ان يزيد عليه ولا ينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر ان نقص منه اثم - ما دارت عليه الوسطى والابهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه. قلت: الصدغ من الوجه ؟ قال: لا ".


(1) ج 1 ص 9 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 52 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الوضوء.

[ 227 ]

وانت خبير بان تطبيق الرواية المذكورة على مدعى الاصحاب لا يخلو من عسر وما وجهه بعضهم - من ان قوله (عليه السلام): " ما دارت عليه الوسطى والابهام " بيان لعرض الوجه، وقوله: " من قصاص شعر الرأس إلى الذقن " لطوله، وقوله: " ما جرت عليه الاصبعان " كأنه تأكيد لبيان العرض - فلا يخفى ما فيه من التكلف وعدم الارتباط. واورد شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) على الاصحاب - في استنباط ما ذهبوا إليه من الخبر المذكور - انه متى جعل الحد الطولى من القصاص الذي هو عبارة عن منابت الشعر من المقدم - والحال ان منتهى منابت الشعر يأخذ من كل جانب من الناصية ويرتفع عن النزعة ثم ينحدر إلى مواضع التحذيف ويمر فوق الصدغ حتى يتصل بالعذار - لزم دخول النزعتين والصدغين في التحديد المذكور مع انهم لا يقولون به، وخروج العذارين مع ان بعضهم ادخله، ويكف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عنهم (عليهم السلام) ؟ ثم وجه للرواية معن آخر، وهو ان كلا من طول الوجه وعرضه هو ما اشتمل عليه الابهام والوسطى، بمعنى ان الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن وهو مقدار ما بين الاصبعين غالبا، إذا فرض إثبات وسطه وادير على نفسه ليحصل شبه دائرة، فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله، وذلك لان الجار والمجرور في قوله (عليه السلام): " من قصاص شعر الرأس " اما متعلق بقوله: " دارت " أو صفة مصدر محذوف، والمعنى ان الدوران يبتدئ من القصاص منتهيا إلى الذقن، واما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه وهو لفظ " ما " ان جوزنا حال عن الخبر، والمعنى ان الوجه هو القدر الذي دارت عليه الاصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن، إلى ان قال: " وبهذا يظهر ان كلا من طول الوجه وعرضه قطر من قطار تلك الدائرة من غير تفاوت، ويتضح خروج النزعتين والصدغين عن الوجه وعدم دخولهما في التحديد

[ 228 ]

فان اغلب الناس إذا طبق انفراج الاصبعين على ما بين قصاص الناصية إلى طرف ذقنه وادارهما على ما قلناه ليحصل شبه دائرة وقعت النزعتان والصدغان خارجة عنهما، وكذلك يقد العذاران ومواضع التحذيف، كما يشهد به الاستقراء والتتبع. واما العارضان فيقع بعضهما داخلا والبعض خارجا، فيغسل ما دخل ويترك ما خرج على ما يستفاد من الرواية " انتهى كلامه زيد مقامه. وهو بمحل من القبول، وقد تلقاه بالتسليم جملة ممن تأخر عنه من الفحول. الا انه يمكن الجواب عما اورده على القول المشهور ونسبه إليه من القصور: اما عن دخول النزعتين فبانهما وان دخلا في التحديد بالقصاص على ما هو معناه لغة، الا انهما كانتا محاذيتين للناصية التي هي من الرأس قطعا دون الوجه، وخارجتين عن التسطيح الذي ينفصل به الوجه عن الرأس، وداخلتين في التدوير المختص، وجب حمل القصاص في الخبر على منتهى الناصية وما يحاذيه من جانبيه كما عليه الاصحاب.، وما هو إلا من قبيل العام المخصوص أو المطلق المقيد، وكم مثله في الاخبار. واما عن الصدغين فانهما وان فسرا في كلام أهل اللغة بما بين العين والاذن تارة، وبالشعر المتدلي على هذا الموضع اخرى، كما في عبارة القاموس ونقل ايضا عن الصحاح والنهاية، الا ان العلامة في المنتهى فسره بالشعر الذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الاذن وينزل عن رأسها قليلا، وفى الذكرى ما حاذى العذار فوقه، وحينئذ فيمكن حمل الصدغ في الخبر على هذا المعنى الثاني، وهو أحد معنييه لغة ايضا كما عرفت، ولا يشمل شيئا منها الاصبعان، على انه متى حمل على المعنى الاول فلا ريب انه يدخل بعضه في الادارة التي اعتبرها (قدس سره) وما ذكره (قدس سره) من خروجه كملا مما تمنعه المشاهدة. واما العذاران فالمشهور عندهم خروجه، فلا يرد الاشكال به الا عند من ادخله إذا عرفت هذا فاعلم ان ههنا مواضع قد وقع الخلاف فيها في البين:

[ 229 ]

(احدها) - الصدغ، وقد تقدم معناه. فادخله الراوندي في الوجه، والمشهور خروجه كما تدل عليه الرواية (1) ويمكن حمل كلام الراوندي على البعض الذي لا شعر فيه كما عرفت من كلام أهل اللغة، وحمل الرواية على ما ذكرناه آنفا، فترتفع المنافاة. و (ثانيها) - العذار، وهو الشعر النابت على العظم الذي على سمت الصماخ، يتصل اعلاه بالصدغ واسفله بالعارض، والمشهور بين الاصحاب خروجه، لعدم شمول الاصبعين له غالبا، ولاتصاله بالصدغين. ونقل عن ظاهر كلام الشيخ في المبسوط والخلاف وابن الجنيد دخوله، وبه صرح ثانى المحققين وثاني الشهيدين. وجمع بعض المحققين بين القولين بما يكون به النزاع لفظيا في البين، فقال: " انه لا نزاع في الحقيقة بل القائلون بالدخول إنما يريدون به دخول بعضه مما يشلمه الاصبعان، والقائلون بالخروج يريدون خروج البعض الآخر كما يشعر به تتبع كلماتهم " انتهى. و (ثالثها) - مواضع التحذيف بالذال المعجمة، وهي ما بين الصدغ والنزعة، وفسرها بعضهم بما بين منتهى العذار والنزعة. وانت خبير بما فيه، فان العذار اعلاه يتصل بالصدغ كما تقدم، فالصدغ فوقه. وقد قطع العلامة في المنتهى والتذكرة بخروجها وجملة من الاصحاب حكموا بدخولها احتياطا. و (رابعها) - العارض، وهو الشعر المنحط عن محاذاة الاذان. يتصل اسفله بما يقرب من الذقن واعلاه بالعذار. وقد قطع العلامة في المنتهى بخروجه والشهيدان بدخوله، بل ادعى ثانيهما الاجماع على ذلك. وفصل في النهاية بين ما خرج عن حد الاصبعين فيخرج، ودخل فيهما فيدخل. وهو الاقرب لما دلت عليه الرواية (2). وما اورده السيد السند في المدارك - من ان الاستدلال على الوجوب ببلوغ الابهام والوسطى ضعيف، فان ذلك إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة، والا لوجب غسل ما نالته الابهام والوسطى وان تجاوز العارض، وهو باطل اجماعا -


(1) و (2) وهى صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 226

[ 230 ]

مردود (اولا) - بان التخصيص بما ذكره لا دليل عليه. و (ثانيا) - بان خروج بعض الافراد بدليل خاص لا يقدح في الدلالة على ما لا معارض له، فان ما تجاوز العارض خارج عن الوجه بالاجماع. (المسألة الثالثة) - اختلف الاصحاب (نور الله مراقدهم) في وجوب الابتداء بالاعلى في غسل الوجه، فالمشهور الوجوب، وذهب المرتضى وابن ادريس إلى جواز النكس، واختاره جمع من المتأخرين ومتأخريهم. ويدل على المشهور صحيحة زرارة (1) قال: " حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعى بقدح من ماء فادخل يده اليمنى فاخذ كفا من ماء فاسد له على وجهه من اعلى الوجه... الحديث " وفعله إذا كان بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه. واجيب بانه من الجائز ان يكون ابتداؤه (عليه السلام) بالاعلى لكونه أحد جزئيات مطلق الغسل المأمور به لا لوجوبه بخصوصه، فان امتثال الامر الكلي إنما يتحقق بفعل جزئي من جزئياته. وقوله -: " ان فعله إذا وقع بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه " - مسلم، الا انه لا اجمال في غسل الوجه حتى يحتاج إلى البيان، مع ان اكثر الاخبار الواردة في وصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) خالية من ذلك، هكذا ذكره السيد السند في مداركه، وتبعه فيه جمع ممن تأخر عنه. وفيه نظر من وجوه: (الاول) - ان الاوامر والاحكام القرآنية كلها إلا ما شذ لا تخلو من اطلاق أو عموم أو اجمال أو نسخ أو نحو ذلك، وقد استفاضت الاخبار عن اهل الذكر (صلوات الله عليهم) بالرجوع إليهم في ذلك والنهي عن القول فيه بغير توقيف منهم، وقد نقلنا شطرا وافرا من تلك الاخبار في كتاب الدرر النجفية، واظهرنا ما في المسألة من الكنوز الخفية، وقد تقدمت الاشارة إلى شطر


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.

[ 231 ]

منها في المقدمة الثالثة (1) وحينئذ فإذا بينوا لنا شيئا من ذلك فالواجب قبوله والعمل عليه. ومما يؤيد ذلك صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2) قالا: " قلنا لابي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي ؟ فقال: ان الله عزوجل يقول: وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة (3). فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا له: انما قال الله عزوجل: فليس عليكم جناح، ولم يقل: افعلوا، فكيف اوجب ذلك ؟ فقال (عليه السلام): أو ليس قد قال الله عزوجل في الصفا والمروة: فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما (4). ألا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض لان الله عز وجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه (صلى الله عليه وآله) ؟ وكذلك التقصير في السفر شئ صنعه النبي (صلى الله عليه وآله) وذكره الله في كتابه... الحديث ". فانه - كما ترى - صريح الدلالة في ان فعله (صلى الله عليه وآله) لما ذكره الله تعالى في كتابه وان كان غير صريح في الوجوب كنفي الجناح في الآيتين، صار موجبا لذلك، وما نحن فيه كذلك. وبالجملة فانا لو خلينا وظاهر الآية ولم يرد لنا عنه (صلى الله عليه وآله) كيفية بيان لذلك، لكان الامر كما ذهبوا إليه، واما بعد ورود كيفية البيان فيجب الوقوف عليها والاخذ بها. واعترض شيخنا البهائي (قدس سره) في حبله واربعينه بانه لو اقتضى البيان وجوب الابتداء بالاعلى للزم مثله في امرار اليد، لوروده كذلك في مقام البيان. وفيه ان صحيحة علي بن جعفر - (5) الدالة على الوضوء بالمطر بمجرد تساقطه


(1) ج 1 ص 27 (2) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب صلاة المسافر. (3) سورة النساء. الآية 102. (4) سورة البقرة. الآية 158. (5) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الوضوء.

[ 232 ]

وغسله الاعضاء - دليل على عدم وجوب امرار اليد. ولو قيل بان ما ذكرتموه يضعف باشتمال الوضوء البياني على جملة من المستحبات ايضا قلنا: خروج ما قام الدليل على استحبابه لا يوجب خروج ما لا دليل عليه. (الثاني) - ان منعه الاجمال في غسل الوجه ممنوع بما ذكره المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في حاشيته على المدارك، من ان الاجمال قد ينشأ من نفس المعنى، وذلك لان بعض الماهيات الكلية تحته افراد تصلح عرفا لتعلق غرض الشارع ببعضها دون بعض، كحج البيت وغسل الوجه في الوضوء، ويقبح عند العقلاء اقدام مريد الامتثال على فرد مشكوك فيه من افرادها من غير دلالة على ان المقصود بالذات هو الماهية الكلية من حيث هي. انتهى كلامه (زيد مقامه) ومما يدل على وقوع الاجمال في الغسل هنا وقوع السؤال عن كيفية غسل اليدين في رواية صفوان (1) ورواية الهيثم (2) الآتيتين في بيان وجوب الابتداء بالمرفق. (الثالث) - ان خلو اكثر الاخبار الواردة في وصف وضوئه (صلى الله عليه وآله) عن الابتداء بالاعلى لا يستلزم حمل هذه على الاستحباب، بل الطريقة الشائعة في مثله حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص: وعلى ان بعض الاخبار ظاهر الدلالة في مطابقة هذه الصحيحة: كصحيحة زرارة الاخرى عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) في حكاية الوضوء ايضا قال: " ثم غرف فملأها ماء فوضعها على جبينه، ثم قال: بسم الله، وسدله على اطراف لحيته، ثم امر يده على وجهه... الحديث ".


(1) المروية في مستدرك الوسائل في الباب - 18 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء

[ 233 ]

وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد (1) عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابي جرير الرقاشي قال: " قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام): كيف: أتوضأ للصلاة ؟ إلى ان قال: ولا تلطم وجهك بالماء لطما ولكن اغسله من اعلى وجهك إلى اسفله بالماء مسحا... الحديث " والكتاب المذكور من الاصول المعتبرة المشهورة فلا يضر ضعف الراوي، وهو صريح في المطلوب، للامر فيه بالغسل من الاعلى، وهو حقيقة في الوجوب عندهم. وروى العياشي في تفسيره عن زرارة وبكير ابني اعين (2) قالا: " سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بطشت أو تور فيه ماء فغمس كفه اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على جبهته فغسل وجهه بها... الحديث ". (الرابع) - ان الوضوء على غير هذا الوجه لا اقل ان يكون مشكوكا في صحته لوقوعه على خلاف ما بينه صاحب الشرع، والشك في صحته يقتضي الشك في رفعه، ويقين الحدث لا يرتفع إلا بيقين الطهارة، للحديث الصحيح المتفق على العمل بمضمونه: (3) " ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا ". وما افاده بعض المحققين من متأخرى المتأخرين - من ان القدر المعلوم من هذا الخبر إنما هو عدم النقض بالشك في وجود الناقض، دون الشك في فردية بعض الافراد للناقض، بمعنى ان تيقن الحدث فيما نحن فيه لا يزول بالشك في وجود الرافع، واما كونه لا يزول بوجود بعض الافراد المشكوك في فرديتها للرافع فلا دلالة للحديث عليه - ففيه ما قدمنا ذكره في المقدمة الحادية عشرة (4) وحينئذ فالواجب تحصيل يقين البراءة


(1) في الصحيفة 129 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) رواها في مستدرك الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (3) وهو صحيح زرارة المروي في الوسائل في الباب - 37 و 41 و 44 - من ابواب النجاسات. (4) في الصحيفة 145 من الجزء الاول

[ 234 ]

من التكليف الثابت بيقين، وهو لا يتم الا بالغسل من الاعلى. وما ذكره البعض - من ان تحصيل يقين البراءة إنما هو من الاحتياط المستحب وليس بواجب - فليس على اطلاقه، وذلك فان تحصيل يقين البراءة اما ان يكون بعد ثبوت الحكم شرعا بارادة المطابقة لما هو الحكم واقعا والخروج من جميع الاحتمالات المنافية للمطابقة، وهذا هو المستحب، كالتنزه عن جوائز الظالم ونحوه، ونكاح من علم ارتضاعها معه لكن لم يعلم حصول القدر المحرم ولا عدمه، ونحو ذلك، واما ان يكون مع عدم ثبوت الحكم شرعا، فيكون الغرض من الاحتياط تحصيله، وهذا هو الواجب، ولا يخفى ان ما نحن فيه من قبيل الثاني دون الاول، فان عدم ثبوت الحكم ومعلوميته اعم من ان يكون لعدم الدليل بالكلية، أو لتعارض الادلة، أو لاشتباه الحكم منها، أو نحو ذلك، وما نحن فيه من قبيل الثاني، لتعارض ظاهر الآية والاخبار. والجمع الذي ذكروه بينهما لا يتعين المصير إليه، لاحتمال غيره بل رجحانه عليه، فيبقى الحكم في قالب الاشتباه. وتوهم استحباب الاحتياط في مثل ذلك مردود بالاخبار المستفيضة الدالة على الامر بالوقوف على جادة الاحتياط مع الشك والاشتباه، كما تقدم لك بيانه في المقدمة الرابعة. ومن ذلك ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في جملة من الاخبار في كلامه مع بعض الزنادقة المنكرين للصانع (1) حيث قال (عليه السلام): " ان يكن الامر كما نقول - وهو كما نقول - فقد نجونا وهلكتم، وان يكن الامر كما تقولون - وليس كما تقولون - فنحن وانتم سواء، ولن يضرنا ما صلينا وصمنا... الحديث ". وفيه دلالة على وجوب سلوك ما فيه النجاة ودفع الضرر عند الاشتباه، وهو بعينه ما ذكروه من الدليل العقلي على وجوب معرفة الصانع، من انها لدفع الضرر، وهو واجب. وكما يجب دفع الضرر المحقق فكذا دفع الضرر المشتبه، فان من عرض


(1) المروية في الكافي في باب (حدوث العالم واثبات المحدث) من كتاب التوحيد.

[ 235 ]

عليه طعام محتمل لان يكون غذاء نافعا ولا يكون سما قاتلا، فان المخاطر بنفسه في اكله خارج عن ربقة العقلاء، فان كان هذا في الامور الدنيوية ففى الدينية بطريق اولى، لشدة خطرها وزيادة ضررها، فالاحتياط فيها اوجب، وحينئذ فالحديث المذكور دليل نقلي عقلي. وهذا الدليل وما قبله مما تلجئ إليه الحاجة في جملة من الاحكام، فاحتفظ بهما فانهما اقوى دليل في مقام الخصام. (الخامس) - ما افاده المحدث الامين (قدس سره) في حاشية المدارك ايضا، من ان الامر بالوضوء وبالطهور ورد في اخبار كثيرة، واللفظان من المجملات، فلا تبرأ الذمة إلا برعاية الاحتياط، وهو الاتيان بفرد لم يشك في اجزائه. لا يقال: الآية الشريفة بيان لهما. لانا نقول: الآية الشريفة إنما تدل على وجوب كذا وكذا ولا تدل على كفاية ذلك القدر في الصلاة. لا يقال: لو وجب قيد زائد لذكره سبحانه وتعالى. لانا نقول: هذا منقوض بصور كثيرة. وايضا إنما تتجه تلك المقدمة لو لم يكن البيان مرجوعا إليه والى أهل بيته (صلى الله عليه وسلم). (السادس) - ما افاده ايضا (قدس سره) من انا إذا لاحظنا ما روى عن الصادق (عليه السلام): " الوضوء غسلتان ومسحتان " (1) وسائر الروايات المتضمنة لمضمونها، مع صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا " تبادر إلى ذهننا بمعونة قرينة المقام وجود البأس في غسل الوضوء مدبرا. ثم اعلم ان شيخنا البهائي (قدس سره) في حبله واربعينه - بعد ان طعن في دليل المشهور بما قدمنا نقله عن المدارك - قال: " وظني انه لو استدل على هذا المطلب بان المطلق ينصرف إلى الفرد الشائع المتعارف، والشائع المتعارف في غسل الوجه غسله


(1) لم نقف على حديث بهذا النص عن الصادق (عليه السلام) ولعل نظره إلى ما يفيد هذا المضمون (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء.

[ 236 ]

من فوق إلى اسفل، فينصرف في قوله تعالى: "... فاغسلوا وجوهكم... " (1) إليه لم يكن بعيدا " انتهى. وفيه (اولا) - انه لو تم لزم عدم اجزاء غمس الوجه واليد في الماء، وهو لا يقول به، وكذا عدم وجوب غسل الاصبع الزائدة، مع انهم اتفقوا على الوجوب. و (ثانيا) - ما حققه بعض المحققين (طيب الله مرقده) من ان المتبادر بحسب التصور والتخيل غير ملزوم للمتبادر بحسب التصديق بانه مراد، كما في اطلاق اللفظ المشترك من غير قرينة. وتحقق الثاني هنا على وجه بين واضح محل التردد، والتسمك به مشكل. انتهى. واما الاستدلال بما رواه في الفقيه (2) مرسلا - من قوله: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " - ففيه من الاجمال - مضافا إلى ما هو عليه من الارسال، وبسط جملة من متأخري اصحابنا في رده لسان المقال - ما يوجب الاعراض عنه في هذا المجال، مع ان الادلة - بحمد الله تعالى - على ما اخترناه واضحة المنار ساطعة الانوار، كما تلوناه عليك واوضحناه لديك. فائدة قال السيد السند في المدارك: " واعلم ان اقصى ما يستفاد من الاخبار وكلام الاصحاب وجوب البدأة بالاعلى، بمعنى صب الماء على اعلى الوجه ثم اتباعه بغسل الباقي واما ما تخيله بعض القاصرين - من عدم جواز غسل شئ من الاسفل قبل غسل الاعلى وان لم يكن في سمته - فهو من الخرافات الباردة والاوهام الفاسدة " انتهى. ونسج على منواله في هذه المقالة جملة ممن تأخر عنه.


(1) سورة المائدة. الآية 6 (2) ج 1 ص 25، وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء

[ 237 ]

ونسبة السيد السند (قدس سره) ذلك إلى خيال بعض القاصرين - مع ان جده من جملة القائلين - غفلة منه، فانه صرح في شرح الرسالة بان المعتبر في غسل الوجه الاعلى فالاعلى، لكن لا حقيقة لتعسره أو تعذره بل عرفا، فلا تعتبر المخالفة اليسيرة التي لا يخرج بها في العرف عن كونه غسل الاعلى فالاعلى. ثم قال: " وفى الاكتفاء - بكون كل جزء من العضو لا يغسل قبل ما فوقه على خطه وان غسل ذلك الجزء قبل الاعلى من غير جهته - وجه وجيه " انتهى. بل هو ظاهر العلامة في مسألة ما لو اغفل لمعة من غسل اعضاء وضوئه، حيث قال - بعد ان نقل عن ابن الجنيد التفصيل بانها ان كانت دون سعة الدرهم بلها وصلى - ما صورته: " ولا اوجب غسل جميع ذلك العضو، بل من الموضع المتروك إلى آخره ان اوجبنا الابتداء من موضع بعينه، والموضع خاصة ان سوغنا النكس " انتهى. وانت خبير بان هذا هو الظاهر من الاخبار المشتملة على الوضوء البياني وغيرها ففي صحيحة زرارة (1) " ثم غرف فملأها ماء فوضعها على جنبيه، ثم قال بسم الله وسدله على اطراف لحيته، ثم امر يده على وجهه وظاهر جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثم وضعه على مرفقه اليمنى وامر كفه على ساعده حتى جرى الماء على اطراف اصابعه، ثم ذكر في غسل اليسرى مثله ". وفى حسنة زرارة وبكير (2) " فغرف بها غرفة فافرغ على ذراعه اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق، ثم ذكر مثله في غسل اليسرى ". ومثله ايضا في رواية اخرى لهما ايضا (3) صرح بانه غسل اليدين من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق. وفي صحيحة صفوان المروية في تفسير العياشي (4) " ثم يفضه على المرفق ثم يمسح إلى الكف... " وامثال ذلك.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (4) المروية في مستدرك الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء.

[ 238 ]

وظاهر ذلك - كما ترى - انه - بعد الابتداء في الوجه بالاعلى وفى اليدين بالمرفقين - يستمر في اجراء الماء المغسول به إلى آخر العضو، وهو صريح في ترتيب في نفس العضو على الوجه المذكور في كلام شيخنا الشهيد الثاني. ولزوم الحرج في ذلك - كما اورده شيخنا الشهيد الاول في الذكرى على العلامة بعد نقله عنه ما نقلناه هنا - غير واضح. وليس في شئ من الاخبار ما يدل على ما ذكروه من وقوع غسل بعض الاجزاء السافلة قبل العالية سواء كانت في سمتها ام لا، بل غاية بعضها ان يكون مطلقا والبعض الآخر كما عرفت من الظهور في الترتيب، والقاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد. وبذلك يظهر ضعف ما ذهب إليه السيد السند (قدس سره) ومن تبعه. (المسألة الرابعة) - قد اشتهر في كلام جملة من الاصحاب - منهم: العلامة في بعض كتبه، بل ربما كان هو اولهم، وتبعه على جمع ممن تأخر عنه - اثبات الخلاف في وجوب تخليل اللحية الخفيفة وعدمه، فنقلوا عن الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر وجماعة ممن تبعهما عدم الوجوب، وعن المرتضى وابن الجنيد وجوب ذلك. واختار العلامة في المنتهى والارشاد الاول وفى المختلف والتذكرة الثاني. والتحقيق عند التأمل في كلام هؤلاء المنقول عنهم انه لا خلاف في البين ولا نزاع بين الفريقين، فان كلام ابن الجنيد ينادي بصريحه على عدم وجوب غسل ما ستره الشعر من البشرة ووجوب غسل ما لم تستره، حيث قال: " إذا خرجت اللحية فلم تكثر فتوارى بنباتها البشرة من الوجه، فعلى المتوضئ غسل الوجه كما كان قبل ان ينبت الشعر حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته التي يقع عليها حسن البصر اما بالتخليل أو غيره، لان الشعر إذا ستر البشرة قال مقامها، وإذا لم يسترها كان على المتوضئ ايصال الماء إليها " ولا اراك في شك مما ذكرنا بعد ما تلونا عليك من عبارته، ونحوها عبارة السيد المرتضى في المسائل الناصرية، وكذا في المسائل الناصرية، وكذا في مسائل الخلاف. وقال الشيخ في المبسوط: " لا يجب تخليل شعر اللحية سواء كانت خفيفة أو كثيفة، أو بعضها

[ 239 ]

كثيفة وبعضه خفيفة " وقال المحقق في المعتبر: لا يلزم تخليل شعر اللحية كثيفا كان الشعر أو خفيفا، بل لا يستحب، واطبق الجمهور على الاستحباب (1) ثم نقل خبرا من طريق الجمهور، وقال بعده: ولان الوجه اسم لما ظهر فلا يتبع المغابن، ثم استدل بصحيحة زرارة (2) الدالة على نفي وجوب طلب ما احاط به الشعر. انتهى. وانت خبير بان عبارة الشيخ وان اوهمت ما ادعوه الا ان عبارة المحقق - بمعونة التعليلين المذكورين - ظاهرة في وجوب غسل ما ظهر وعدم وجوب غسل ما ستره الشعر، لتخصيص الوجه بما ظهر ودخول ما ستر الشعر في المغابن، ولنفي وجوب طلب ما احاط به الشعر. وبالجملة فمن لاحظ معنى التخليل - وانه عبارة عن ايصال الماء إلى البشرة المستورة، إذ الظاهر ان ايصاله إلى الظاهرة لا يسمى تخليلا، فمعنى عدم وجوب التخليل هو بعينه ما صرحت به صحيحة زرارة (3) من نفي وجوب الطلب والبحث عما احاط به الشعر، وصحيحة محمد بن مسلم (4) من نفى وجوب التبطين - لا يرتاب في اشتراك القولين في الدلالة على عدم وجوب ايصال الماء إلى البشرة المستورة بالشعر من كل اللحية كانت أو من بعضها. وبه يظهر ان ما ذكره البعض - من ان مطرح النزاع وجوب غسل ما ستره الشعر من اللحية الخفيفة وعدمه - ليس في محله، كذلك لا يرتاب ايضا في اشتراكهما في وجوب ايصاله إلى البشرة الظاهرة التي يقع عليها حسن البصر في مجلس التخاطب. وبه يظهر ايضا ضعف قول من عكس فجعل محل النزاع وجوب غسل البشرة الظاهرة دون المستورة، مدعيا الاتفاق على عدم غسل المستورة.


(1) كما في المهذب للشيرازي ج 1 ص 18 والوجيز للغزالي ج 1 ص 8 والمغنى لابن قدامة ج 1 ص 105 ورد المحتار لابن عابدين ج 1 ص 86. (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء

[ 240 ]

الركن الثالث - غسل اليدين والكلام فيه يقع في مواضع: (الاول) - اختلف الاصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) في وجوب الابتداء بالمرفق كمنبر ومجلس: المفصل، وهو عبارة عن رأس عظمي الذراع والعضد كما هو المشهور، أو مجمع عظمي الذراع والعضد، فعلى هذا شئ منه داخل في العضد وشئ منه في الذراع: فالمشهور وجوبه، وذهب المرتضى وابن ادريس إلى الاستحباب وجواز النكس على كراهية، تمسكا باطلاق الآية (1) والى هذا القول مال اولئك الفضلاء المشار إليهم في المسألة الثالثة من الركن المتقدم. والاظهر هو المشهور، لما عرفت من الادلة السابقة وانهم (صلوات الله عليهم) قد غسلوا كذلك، فيقين البراءة لا يحصل إلا بمتابعتهم والعمل بما عملوه، وخلاف ذلك ان لم يكن مرجوح الصحة فلا اقل من ان يكون مشكوكا فيها وموجبا لاحتمال البقاء تحت العهدة. والاخبار هنا قد اشتملت - الا النادر منها - على الابتداء بالمرفق: و (منها) - صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) في حكاية الوضوء البياني، قال فيها: " ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثم وضعه على مرفقه اليمنى، وامر كفه على ساعده حتى جرى الماء على اطراف اصابعه، ثم غرف بيمنيه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى وامر كفه على ساعده حتى جرى الماء على اطراف اصابعه... " و (منها) ما رواه العياشي في تفسيره عن صفوان (3) قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله: فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق


(1) سورة المائدة. الآية 6 (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في مستدرك الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء

[ 241 ]

وامسحوا برؤوسك وارجلكم إلى الكعبين (1) فقال: قد سأل رجل ابا الحسن عن ذلك فقال: ستكفيك - أو كفتك - سورة المائدة، إلى ان قال: قلت: فانه قال اغسلوا ايديكم إلى المرافق، فكيف الغسل ؟ قال: هكذا ان يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى ثم يفضه على المرفق ثم يمسح إلى الكف. قلت له: مرة واحدة ؟ فقال: كان يفعل ذلك مرتين. قلت له: يرد الشعر ؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل وإلا فلا " وحسنة زرارة وبكير (2) وروايتهما ايضا (3). ورواية الهيثم بن عروة التميمي عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق (5) فقلت: هكذا، ومسحت من ظفر كفي إلى المرفق ؟ فقال: ليس هكذا تنزيلها. انما هي فاغسلوا وجوهكم وايديكم من المرافق، ثم امر يده من مرفقه إلى اصابعه ". وانت خبير بان ظاهر هذه الرواية كون التحديد للغسل دون المغسول، لان السائل لما توهم كون " إلى " في الآية لانتهاء الغسل فمسح من ظفر كفه إلى المرفق، لم يرد عليه الامام (عليه السلام) إلا بانه ليس هكذا تنزيلها، وظاهره تقريره على ما ذهب إليه من معنى الآية، بانه لو كان تنزيلها كما ذكرت لكان كذلك لكن تنزيلها إنما هو من المرافق بمن الابتدائية المقتضية لابتداء الغسل من المرفق، ثم امر يده (عليه السلام) تعليما له وتأكيدا لما قرره بقوله. هذا هو ظاهر الرواية المشار إليها وان حصل المخالفة فيها من جهة اخرى. وكيف كان فهو ظاهر في الوجوب البتة. وكذلك سؤال صفوان في رواية العياشي عن كيفية الغسل، وبيانه (عليه السلام) على ذلك الوجه، وقول في آخر


(1) و (5) سورة المائدة. الآية 6 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء.

[ 242 ]

الرواية: " قلت: يرد... الخ " فان الظاهر ان رد الشعر عبارة عن الغسل منكوسا، وقوله: " إذا كان عنده آخر " الظاهر ان المراد ممن يتقيه، فظاهر الخبر انه لا يغسل منكوسا الا في مقام التقية. وكذلك حكاية غسله (عليه السلام) في حسنة زرارة وبكير (1) وروايتهما الاخرى (2) - من كونه ابتدأ في غسله من المرفق لا يردها إليه - صريح في الوجوب. وما يتناقل في امثال هذه المقامات - امكن انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال - فكلام شعري جدلي لا يعتمد عليه عند التحقيق، فان مدار الاستدلال في جميع الموارد مع عدم النص على الظواهر. نعم ربما يخرج عنه إلى التأويل لضرورة الجمع بين الادلة متى تعارضت على وجه لا يمكن تطبيقها إلا بارتكاب جادة التأويل واما اطلاق الآية هنا فهو مخصوص بهذه الاخبار، كما هو القضية الجارية في جميع اطلاقات الكتاب وعموماته ومجملاته، على انه لو ورد ما يخالف هذه الاخبار لوجب حمله على التقية، لان عمل المخالفين على الابتداء من الاصابع (3). (الثاني) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في وجوب غسل المرفق هنا، انما الخلاف في كونه اصالة أو من باب المقدمة، وتظهر الفائدة في وجوب غسل جزء من العضد لو قطعت اليد من المرفق، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وانت خبير بان الظاهر انه لا دلالة في الآية هنا على شئ من الدخول وعدمه، لوقوع الخلاف في الغاية دخولا وخروجا وتفصيلا.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (3) في تفسير مفاتيح الغيب للرازي ج 3 ص 270 جعل من السنة الابتداء من الاصابع ونسبه إلى جمهور الفقهاء، وكذا في (الفقه على المذاهب الاربعة) ج 1 ص 67 وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 22.

[ 243 ]

والتحقيق - كما حققه بعض الفضلاء - ان كلا من الغاية الابتدائية والانتهائية قد تكون داخلة تارة، كما في قول سبحانه "... من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى... " (1) وقولك: " حفظت القرآن من اوله إلى آخره " وقد تكون خارجة، كقوله سبحانه: "... ثم اتموا الصيام إلى الليل... " (2) وقوله: "... فنظرة إلى ميسرة... " (3). وما ذكره الشيخ (رحمه الله) - من ان " إلى " في الآية بمعنى مع، مدعيا في الخلاف ثبوت ذلك عن الائمة (عليهم السلام) - ففيه ان المفهوم من حسنة زرارة وبكير (4) المشار إليها آنفا، حيث قال (عليه السلام) فيها: " وامر بغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له ان يدع شيئا من يديه إلى المرفقين إلا غسله، لان الله تعالى يقول: فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق (5)... الحديث " فان قوله (عليه السلام): " فليس له ان يدع " صريح في ان " إلى " في الآية غاية للمغسول، فان التحديد له، لان " إلى " في كلامه (عليه السلام) غاية لليد بلا اشكال ايراده الآية مستدلا بها على ذلك يقتضي كون " إلى " فيها مثلها في كلامه. ويؤيده ايضا ان اليد لما كانت تطلق باطلاقات متعددة - فانها لغة وعرفا من الكتف إلى اطراف الاصابع، وفي التيمم إلى الزند، وفى قطع السرقة إلى اصول الاصابع، وفى الوضوء إلى المرفق - كان الاهم في المقام والاولى لدفع الايهام الحمل على التحديد وبيان الغاية. وممن نص على عدم دلالة الآية على الدخول الشيخ الطبرسي (قدس سره) في جامع الجوامع، حيث قال: " لا دليل في الآية على دخول المرافق في الوضوء، إلا أن اكثر الفقهاء ذهبوا إلى وجوب غسلها، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) انتهى


(1) سورة بنى اسرائيل. الآية 2. (2) سورة البقرة. الآية 187. (3) سورة البقرة. الآية 280 (4) المروية في الوسائل الباب - 15 - من ابواب الوضوء (5) سورة المائدة. الآية 6.

[ 244 ]

وبما حققناه يظهر ان من استدل من اصحابنا - على وجوب غسل المرفق بظاهر الاخبار التي قدمناها في الوضوء البياني واستند إلى ذلك اصالة - يرد عليه ما اورده على وجوب الابتداء بالاعلى في غسل الوجه فلا يتم له ذلك. (الثالث) - مقطوع اليد اما ان يكون من تحت المرفق أو من فوقه أو منه. فعلى الاول الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل الباقي، ولعله الحجة وإلا فالاخبار المستدل بها في المقام لا تخلو من اجمال وابها. فمما استدل به على ذلك صحيحة رفاعة برواية الشيخ عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الاقطع اليد والرجل كيف يتوضأ ؟ قال: يغسل ذلك المكان الذي قطع منه. " وحسنته برواية الكليني (2) قال " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاقطع قال: يغسل ما قطع منه ". واحتمل بعض المحققين من متأخرى المتأخرين انهما واحد وان التغير نشأ من النقل بالمعنى. وصريح الاولى - كما ترى - غسل محل خاصة، مع عدم تعيين ذلك المحل فيها بانه من المرفق أو من تحته أو فوقه، والموصول في الثانية يحتمل وقوعه على المكان فتصير كالاولى، وحينئذ ف‍ (قطع) خال عن الضمير ونائب الفاعل هو الجار والمجرور ويحتمل وقوعه على العضو، فيكون المعنى يغسل العضو الذي وقع القطع منه. وكيف كان فمحل القطع ايضا غير معلوم. ولعل الاستدلال بهما بناء على ان الامر بالغسل ملزوم لكون القطع من تحت المرفق، لعدم وجوب غسل ما فوقه. لكن يبقى فيه احتمال كونه من المرفق، فانه - كما سيأتي - يجب غسل الباقي.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 49 - من ابواب الوضوء.

[ 245 ]

ومما استدل به ايضا ان غسل الجميع واجب فقطع بعضه لا يسقط وجوبه غسل الباقي. وفيه ان هذا راجع إلى استصحاب الحكم السابق على القطع، وهو ممنوع فيما نحن فيه، فانه انما يكون حجة عند القائل به فيما إذا لم تتجد هناك حالة اخرى مغايرة لحالة تعلق الحكم، كما صرحوا به في محله. ولا يخفى ان الاوامر الواردة بغسل اليد انما تعلقت بالمجموع من حيث هو مجموع لا باعتبار كل جزء جزء منها، فبزوال الامر المجموعي بالقطع يحتاج في غسل الجزء الباقي إلى دليل على حدة. وعلى الثاني فالظاهر هو سقوط غسل الباقي وجوبا واستحبابا، خلافا لجمع من الاصحاب: منهم - العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى، حيث صرحوا باستحباب غسله. وما استندوا إليه في الاستحباب - من صحيحة علي بن جعفر الآتية - فليس في محله كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى. نعم ربما يمكن الاستدلال لهم بصحيحة رفاعة وحسنته السابقتين (1) لشمول اطلاقهما لهذه الصورة. ونقل عن الشيخ في المبسوط والعلامة في التذكرة استحباب مسح الباقي. ولم اقف لهما على مستند ان اريد بالمسح معناه حقيقة، وان اريد به الغسل مجازا فيمكن الاستدلال عليه بما عرفت من روايتي رفاعة. وعلى الثالث فالظاهر وجوب غسل الباقي من المرفق، لصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل قطعت يده من المرفق. قال يغسل ما بقى من عضده " بجعل الموصول للعهد اي الباقي من موضع الفرض، و " من عضده " اما ظرف مستقر على انه حال مؤكدة، أو لغو متعلق ب‍ " يغسل " ومن ابتدائية أو تبعيضية. وبما ذكرنا يظهر كون وجوب غسل المرفق اصالة لا من باب المقدمة. ويظهر


(1) ص 244 (2) المروية في الوسائل في الباب - 49 - من ابواب الوضوء.

[ 246 ]

انه لا حجة إلى ما تكلفه شيخنا الشهيد الثاني في الروض - بعد حمله الرواية على القطع من نفس المرفق وحكمه بوجوب غسل الباقي - من التجوز باطلاق العضد على رأس العضد وانه لا ضرورة ايضا إلى الحمل على الندب واستحباب غسل العضد كملا، بحمل الرواية على القطع من اعلى المرفق، كما هو صريح الذكرى، حتى انه لذلك ذهب إلى ان في الرواية اشارة إلى استحباب غسل العضد مع اليد، ثم قال: " وبه استدلوا على مسح المقطوع باقي العضد " كما ذهب إليه جمع: منهم - السيد السند في المدارك والعلامة في المنتهى، بحمل الموصول في كلا الفرضين على الاستغراق و " من " على البيانية، فانه لا ضرورة تلجئ إليه، مع كون ما ذكرناه معنى صحيحا لا غبار عليه. وهذا. وعبارات الاصحاب في هذا المقام مختلفة النظام بعيدة الالتئام، فعن الشيخ في المبسوط انه يغسل ما بقى، والمحقق في المعتبر " سقط عنه غسلهما ويستحب مسح موضع القطع بالماء " وفى الشرائع ذكر سقوط فرض الغسل ولم يذكر استحباب المسح، وابن الجنيد " غسل ما بقى من عضده " والعلامة في المنتهى " سقط غسلها لفوات محل الغسل " وفى التذكرة " فقد بقى من محل الفرض بقية وهو طرف عظم العضد، لانه من جملة المرفق، فان المرفق مجمع عظم العضد وعظم الذراع " وهذه العبارات المنقولة كلها جمل جزائية لشرط القطع من المرفق. والعلامة في المنتهى بعد ان ذكر ما نقلناه عنه نقل عن اصح وجهي الشافعي الوجوب، لان غسل العظمين المتلاقيين من العضد المرفق واجب، فإذا زال احدهما غسل الآخر. ثم رده بانا انما توجب غسل طرف العضد توصلا إلى غسل المرفق، ومع سقوط الاصل انتفى الوجوب. وهذا الكلام يشعر بان وجوب غسل المرفق عنده انما هو من باب المقدمة، وهو خلاف ما عرفت من كلامه في التذكرة، فانه صريح في كون غسل المرفق عند اصالة. ثم اعترض على نفسه في المنتهى بصحيحة علي بن جعفر المذكورة (1) وردها بانها مخالفة للاجماع، فان


(1) في الصحيفة 245

[ 247 ]

احدا لم يوجب غسل العضد، فتحمل على الاستحباب. وتبعه على ذلك السيد السند. ومنشأ الوهم حمل الموصول على الاستغراق و " من " على انها بيانية كما تقدم. ولا يخفى ان عبارة ابن الجنيد مطابقة لعبارة الرواية، فتحمل على ما حملنا عليه الرواية، فلا يكون من مخالفة الاجماع المشار إليه في المنتهى في شئ. (الرابع) - الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل لما تحت المرفق مما زاد على اصل الخلقة من يد ولحم زائد وجلد متدل واصبع زائدة، نظرا إلى كونها اجزاء من اليد المأمور بغسلها كما علله البعض، أو كالاجزاء كما في كلام آخر، أو داخلة في محل الفرض فتكون تابعة له كما في كلام ثالث. وكذا ما فوق من يد غير متميزة عن الاصلية، لدخولها في مفهوم اليد وصدق إلى عليهما بالسوية، فتخصيص احداهما بالغسل ترجيح من غير مرجح، فوجب غسل الكل اصالة في احداهما ومن باب المقدمة في الاخرى تحصيلا للامتثال. وللمناقشة في الاول منهما مجال، لمنع كون ما زاد على أصل الخلقة اجزاء حقيقية تنصرف إليها الاحكام الشرعية، واولى بالمنع تعليلها بكونها كالاجزاء، إذا ترتب الاحكام الشرعية لا يكفي فيه مجرد المشابهة لما ثبت تعلق الحكم به، اشد اولوية بالمنع التعليل الثالث. وبالجملة فظاهر الآية كون الاضافة في قوله سبحانه: " وايديكم " عهدية فيتعلق الحكم باليد المعهودة وما اشتملت عليه من الاجزاء المعهودة. وحنيئذ فالمعتمد في الاستدلال هو الوقوف على جادة الاحتياط وتحصيل اليقين في مقام الشك، مؤيدا ذلك بالاتفاق المنقول. اما اليد المتميرة فوق المرفق فقيل بوجوب غسلها، لصدق اليد عليها، وقيل بالعدم للاصل وعدم دليل مخرج عنه، ويؤيده ما اشرنا إليه سابقا من ان الظاهر ان اضافة " وايديكم " عهدية، فيتعلق الحكم بالمعهودة. ولو حملت الاضافة على العموم اندفع ما اوردناه سابقا ووجب غسل اليد المذكورة.

[ 248 ]

قال بعض المحققين: " ولو لم يكن لليد الزائدة مرفق لم يجب غسلها قطعا " وهو جيد. إلا ان ظاهر عبارته بان ذلك محل وفاق وان محل الخلاف ما لو كان لها مرفق، والظاهر من فرض الاصحاب اليد الزائدة فيما فوق المرفق المعشر باتحاد المرفق ان تميزها مع عدم وجود المرفق لها، إذا لو كان لها مرفق لكانت دونه ووجب غسلها البتة، اما لدخولها في حكم اليد فيما دون المرفق، أو عدم امتيازها حينئذ عن الاصلية. وبالجملة فالتحقيق في ذلك ان يقال: ان هذه اليد المفروضة اما ان تكون ذات مرفق ام لا. وعلى الاول فاما ان تكون كالاصلية على وجه لا امتياز لها عنها ام لا. والظاهر انه لا ريب في وجوب الغسل في الصورة الاولى، لكونها يدا ذات مرفق مشتبهة باليد الاصلية. وفي الصورة الثانية توقف، لان مجرد كون لها مرفق - مع تميزها عن الاصلية، لضعف البطش بها مثلا، أو نقص اصابعها، ونحو ذلك - لا يوجب غسلها، سيما مع اعتبار العهدية في الاضافة. وفي الصورة الثالثة الظاهر عدم وجوب الغسل، حيث ان الشارع امر بغسل اليد إلى المرفق، وهذه لا مرفق لها. الا انه بموجب ذلك يلزم انه لو لم يكن له إلا يد واحدة لا مرفق لها فلا يجب غسلها حينئذ، الا ان يتمسك بالاجماع هنا على وجوب الغسل. (الخامس) - الظاهر انه لا خلاف في انه يجب تحريك ما يمنع وصول الماء إلى المغسول من دملج وسوار وخاتم ونحوها، أو نزعه. ويدل عليه صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) حيث " سأله عن المرأة يكون عليها السوار والدملج في بعض ذراعها، لا تدري يجري الماء تحته ام لا، كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت ؟ قال تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه... " وحسنة ابن ابي العلاء عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الخاتم


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 41 - من ابواب الوضوء.

[ 249 ]

إذا اغتسلت. قال: وحوله من مكانه، وقال في الوضوء تديره... ". وصرح جملة من الاصحاب بانه يجب تخليل الشعر النابت في اليد وان كثف لغسل ما تحته، نظرا إلى أن المأمور به غسل اليد التي هي عبارة عن العضو المخصوص، بخلاف النابت في الوجه، لدخوله في مسماه، فان الوجه اسم لما يواجه به، والمواجهة تحصل بالشعر، فيكفي غسله عما تحته. وربما يناقش في الحكم المذكور بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: " كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد ان يطلبوه ولا يبحثوا عنه، ولكن يجري عليه الماء " فانه بعمومه شامل لما نحن فيه. وربما يجاب بحمل الف ولام " الشعر " على العهد اشارة إلى شعر الوجه، لتقدمه في صدر الرواية، كما رواه في الفقيه (2). وفيه ان الظاهر انها رواية مستقلة مصدرة بقوله: " أرأيت ما أحاط به الشعر... الخ " كما ذكره الشيخ في التهذيب (3) وذكر صاحب الفقيه لها - على أثر صحيحة زرارة الواردة في تحديد الوجه، كما هي عادته في سبك الاخبار، بل جعله كلامه تارة بينها حتى يظن انه من جملة الخبر - لا يدل على انها من جملتها، ولهذا انه في الوافي (4) نقلها عن الفقيه منفصلة. وتخصيصها بالاجماع والاخبار على وجوب غسل البشرة في الغسل يوجب الاقتصار على ما خرج بالدليل وكيف كان فالعمل على ما عليه ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم). ثم ان ظاهر المشهور وجوب غسل الشعر هنا، لدخوله في محل الفرض كما علله البعض، أو انه من توابع اليد كما علله آخر. وقد عرفت ما فيه، ومن ثم استظهر بعض


(1) المروية في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء. (2) ج 1 ص 28 (3) ج 1 ص في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء 104 (4) ج 4 ص 45.

[ 250 ]

محققي متأخرى المتأخرين العدم هنا للاصل ان لم يكن اجماع. الا ان الحكم هنا ربما كان اقرب، لدعم انفكاك اليد غالبا عن الشعر، فيدخل في خطاب الحكم المتعلق بها، بخلاف ذلك لندوره، فلا ينصرف إليه الاطلاق. نعم لو قيل بعدم وجوب ايصال الماء إلى ما تحته انتقل حكم الوجوب إليه. (السادس) - الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل الاظفار ما لم تخرج عن حد اليد. واما معه فقيل بالوجوب ايضا، لجزئيتها من اليد عرفا، وبالعدم كمسترسل اللحية، للاصل وعدم دليل صالح للخروج عنه. وكيف كان فالمشهور وجب نزع ما تحتها من الوسخ متى كان مانعا من وصول الماء، لكونه في حد الظاهر. واحتمل في المنتهى عدم الوجوب، لكونه ساترا عادة وايده المحدث الثقة الامين الاسترابادي (نور الله رمسه) بالروايات المتضمنة استحباب اطالة المرأة اظفار يديها، قال: " فان فيها دلالة على عدم اخلال وسخها بالوضوء والغسل وجه الدلالة ان الاطالة مظنه اجتماع الوسخ وكان ما تحتها من البواطن. وايضا اجتماع الوسخ عادي ومع ذلك لم يرد بازالته قول أو فعل، وهذا قرينة على عدم وجوب ازالته. والله أعلم " انتهى. وما ذكره (قدس سره) لا يخلو من قرب الا ان الاحتياط في الازالة. وايده بعض ايضا بصدق غسل اليد بدونه، وعدم ثبوت امر النبي (صلى الله عليه وآله) اعراب البادية وامثالهم بذلك، مع ان الظاهر عدم انفكاكهم عن ذلك. وقيده بعض آخر بالوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة الظاهرة، قال: " اما المانع من بشرة مستورة تحت الظفر بحيث لا تظهر للحس لو لا الوسخ، فالظاهر عدم الوجوب ". هذا. والمفهوم من عبائر الاصحاب (رحمهم الله) في المقام - حيث صرحوا بوجوب إزالة الوسخ المذكور متى كان مانعا من وصول الماء، فلو لم يمنع استحب ازالته

[ 251 ]

- ان مجرد وصول الماء إلى ما تحت الوسخ كاف في صحة الغسل، وهو مناف لما فسروا به الغسل من اشتراط الجريان في تحققه، لان ما تحت الوسخ من جملة ما يجب غسله الذي لا يتحقق إلا باجراء الماء عليه. نعم يظهر من شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في بعض تحقيقاته الاكتفاء بذلك في تطهير ما تحت الوسخ من النجاسة الخبيثة، بل ظاهره نقل الاتفاق على ذلك، حيث اسنده إلى ظاهر النصوص والفتاوى، قال (قدس سره) - بعد تقرير المسألة بان دخول الماء في الوسخ الكائن تحت الظفر هل يكفي في طهارته إذا كان نجسا ؟ من حيث انه لم يدخل فيه بقوة وجريان بل على وجه الترشح والسريان - ما لفظه: " الظاهر من النصوص والفتاوى طهارة ما أصابه الماء من ذلك وامثاله وان لم يصل إليه بقوة، بل يكفي مطلق وصوله إليه ونفوذ الماء في الاجزاء النجسة، وعموم الاوامر بالغسل واطلاقها يشمله، الاجماع واقع على طهارة الثوب والجلد والحشايا التي تدخل النجاسة إلى اجزائها الداخلة بوصول الماء إليها، مع عصره ما يمكن عصره كالثوب، ودق الحشايا وتغميزها لاخراج الغسالة الداخلة في اعماقها. ولا شبهة في ان دخول الماء إلى هذه الاشياء انما هو على وجه الترشح والنفوذ اللطيف " ثم اطال في الاستدلال على ذلك بذكر النظائر لما ذكره، ثم اعترض على الاصحاب فيما اطلقوه مما قدمنا نقله عن ظاهر كلامهم، وقال بعد نقل شطر من عبائرهم في ذلك: " وظاهر هذه العبارات - كما ترى - الاكتفاء بمطلق وصول الماء إلى البشرة، لكن لما عهد من الشارع في غسل الوضوء والغسل اعتبار الجريان، فليكن هناك كذلك، إلى ان قال: ولو فرض انهم يكتفون بمطلق وصول الماء فالاظهر عندنا انه لا يكفي ذلك، لعدم الدليل على سقوط ما وجب فيه. ثم قال: وعلى هذا يحصل الفرق بين طهارة ما تحت الوسخ من الخبث ومن الحدث، إذ المعتبر في طهارة الخبث مجرد وصول الماء إلى ما ذكر مع انفصال ما يمكن انفصاله عنه، وفى الحدث الجريان على نفس البشرة " انتهى كلامه زيد اكرامه.

[ 252 ]

وما ذكره (قدس سره) - من الاكتفاء في طهارة الوسخ المذكور بمجرد وصول الماء إلى اجزاء الوسخ ولو على جهة الترشح والسريان - لا يخلو من قوة، لما ذكره من الادلة. إلا ان ما ذكره اخيرا - من الفرق في طهارة ما تحته من الخبث والحدث بالاكتفاء بمجرد وصول الماء في الاول، واعتبار الجريان في الثاني - ليس بموجه، فان الغسل متى اعتبر بالنسبة إلى البدن ونحوه من الاجسام الصلبة، كان عبارة عندهم عما يدخل الجريان في مسماه ولا يتحقق بدونه، سواء كان لازالة خبث أو حدث، ومتى اعتبر بالنسبة إلى الثوب والحشايا ونحوها من الاجسام المنطبعة، كان عبارة عن استيعاب المحل النجس مع انفصاله عنه، ولهذا قابلوه في الاول بالمسح الذي لا يشترط فيه الجريان عندهم، وفي الثاني بالرش والصب الذي لا يشترط فيه الكثرة ولا الانفصال، وحينئذ فالغسل متى اعتبر في البدن لازالة حدث أو خبث، فلابد في تحققه وصدق اسمه عليه من الجريان عندهم، إذ الواجب الغسل، وهو شرعا بالنسبة إلى البدن ونحوه عبارة عن جري جزء من الماء على جزئين من البشرة بنفسه أو بمعاون، واعتبار الاكتفاء بمجرد الوصول إلى اجزاء المتنجس - ولو على جهة الترشح والنفوذ - انما قام بالنسبة إلى غير البدن من الاجسام المنطبعة، كما عرفت مما حققه هو وغيره في ملحه، وحينئذ فحق الكلام بالنسبة إلى تطهير الوسخ تحت الظفر - بمقتضى قواعدهم وتحقيقاتهم - هو طهارة الوسخ بمجرد نفوذ الماء فيه، وتوقف تطهير ما تحته على الجريان المعتبر في حقيقة الغسل عندهم متى تعلق بالبدن ونحوه. وانما اطلنا الكلام في هذا المقام لقلة دوران المسألة في كلام علمائنا الاعلام. الركن الرابع - مسح الرأس وتحقيق الحكم فيه يتوقف على امور: (الاول) - اختصاص المسح بمقدم الرأس - بشرة أو شعرا مختصا به - مما

[ 253 ]

انعقد عليه الاجماع فتوى، وهو الاشهر رواية: فمن الاخبار في ذلك قوله (عليه السلام) فصحيحة محمد بن مسلم (1): " مسح الرأس على مقدمه ". وقوله في حسنته بل صحيحته ايضا (2): " امسح على مقدم رأسك... ". وقوله في صحيح زرارة (3): "... وتمسح ببلة يمناك ناصيتك... " إلى غير طلك من الاخبار. وظاهر الآية واكثر الاخبار وان تضمن مسح الرأس بقول مطلق الا ان الواجب تقييده بالمقدم، لما ذكرنا من الاجماع والاخبار، حملا للمطلق على المقيد. وما دل على خلاف ذلك من الاخبار - كحسنتي الحسين بن ابي العلاء (4) ورواية ابي بصير (5) حيث تضمنت مسح المقدم والمؤخر - فخارج مخرج التقية (6). وما ذكره بعض من الاحتياط بمسح المؤخر ضعيف.


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء. (3) المروى في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء. (5) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (6) في شرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكى ج 1 ص 51 " ان المشهور من اقوال مالك وجوب مسح جميع الرأس: يبدأ بيديه بالمقدم إلى القفا " وفى بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 10 " ذهب مالك إلى الواجب مسح الرأس كله، والشافعي وابو حنيفة وبعض اصحاب مالك إلى ان الفرض مسح بعضه، وحده أبو حنيفة بالربع وبعض اصحاب مالك بالثلث وبعضهم بالثلثين، والشافعي لم يحد الماسح ولا الممسوح " وفى المغنى لابن قدامة ج 1 ص 125 " روى عن احمد وجوب مسح جميعه في كل احد، وروى عنه اجزاء مسح بعضه، الا ان الظاهر عنه وجوب الاستيعاب في حق الرجل ويجزئ المرأة مسح مقدم رأسها، لان عائشة كانت تمسحه " وفى الهداية لشيخ الاسلام الحنفي ج 1 ص 4 " المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس ".

[ 254 ]

ثم انه قد ذكر جملة من الاصحاب انه يشترط في شعر المقدم الذي يمسح عليه ان لا يخرج بمده عن حد المقدم. فلو خرج عن الحد المذكور لم يجز المسح على الزائد، لخروجه عن محل الفرض، بل يمسح على اصوله وما زاد ما لم يخرج عن الحد المذكور. بقى هنا شئ اغفل الاصحاب (رضوان الله عليهم) تحقيقه ولم يلجوا مضيقه، وهو ان المقدم الوارد في هذه الاخبار هل هو عبارة عما هو المتبادر من ظاهر اللفظ، وهو ما كان من قبة الرأس إلى القصاص مما يلى الجبهة، الذي هو كذلك إلى القصاص من خلف، فبأي جزء من هذه المسافة مسح تأدى به الواجب، أو هو عبارة عن الناصية وهي ما بين النزعتين كما فسرها به جماعة من الاصحاب: منهم - العلامة في التذكرة وغيره في غيره، وحينئذ فيكون المقدم عبارة عما ارتفع من القصاص إلى ان يساوي اعلى النزعتين ؟ لم اقف بعد التتبع على من كشف عن ذلك نقاب الابهام بكلام صريح في المقام الا ان عباراتهم عند التأمل في مضامينها ترجع إلى الاول. وقد وقفت على رسالة لشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (نور الله تعالى ضريحه بانوار جوده السبحاني) نقل فيها المعنى الاول عن بعض معاصريه من الفضلاء العظام. والظاهر انه الوالد (قدس الله نفسه ونور رمسه) ونقل عنه دعوى اجماع الطائفة عليه وعدم الخلاف، ثم نسبه في دعوى ذلك إلى الوهم، وقال: انه لم يصرح بهذه الدعوى الغريبة غير شيخنا الشهيد الثاني في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، وهو ظاهر كلامه في غيرها، وربما يستفاد من اطلاق فحاوي كلام غيرهما ايضا، لكن اكثر عبارات الاصحاب والاخبار واهل اللغة ظاهرة بل صريحة في ان المقدم هو قصاص الشعر والناصية، والمستفاد منها ان ذلك هو محل الفرض، ويكفي مسماه، وافضله مقدار ثلاث اصابع مضمومة من قصاص الشعر إلى ما بلغت لا ازيد، وانه لو مسح ما فوق ذلك

[ 255 ]

بدون مسح الناصية لم يكفه وكان الوضوء باطلا، لعدم الدليل الثابت على جواز التعبد به. ثم اورد (قدس سره) مقامات ثلاثة تتضمن الاستدلال على ما ذهب إليه: ذكر في أولها الاخبار الواردة في المسألة. وفى ثانيها كلام أهل اللغة في ذلك. وفى ثالثها عبارات الاصحاب الدالة على ما ذكره. وحيث ان المسألة غير مكشوف عنها نقاب الابهام في كلام علمائنا الاعلام مع كونها من المهام العظام، فلابد من ارخاء عنان القلم في تنقيحها وتمييز باطلها من صحيحها وبيان ما هو المستفاد من كلام الاصحاب في المقام واخبار أهل الذكر (عليهم السلام): فنقول: الظاهر ان ما ذكره شيخنا المشار إليه - وادعى انه المفهوم من كلام اكثر علمائنا الابرار، وأخبار الائمة الاطهار، وكلام اهل اللغة الذي عليه المدار - ليس بذلك المقدار، ومنشأ الشبهة عند هي حسنة زرارة (1) الدالة على المسح على الناصية خاصة وها نحن نتكلم على المقامات الثلاثة بما يقشع غمام الابهام ونشير إلى ما اورده (قدس سره) على الخصوص في كل مقام، ليتبين للناظر ما هو الاوفق باخبار أهل الذكر (عليهم السلام) والاربط بكلام علمائنا الاعلام: فنقول: اما الاخبار الواردة في هذه المسألة فقد تضمن شطر منها - وهو اكثرها - المسح على الرأس، وجلها في الوضوء البياني، وشطر منها تضمن المسح على مقدم الرأس وشطر تضمن المسح على الناصية، وهو صحيحة زرارة المتقدمة خاصة (2). والكلام في المعنى المراد من الاخبار انما يتضح بعد الوقوف على كلام الاصحاب وما ذكره اهل اللغة في هذا الباب: فاما كلام الاصحاب فمنه - ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية بعد قول المصنف: " الرابع - مسح مقدم شعر الرأس " حيث قال في ضبطه: " المقدم بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة نقيض المؤخر بالتشديد " انتهى. وصراحة العبارة (1) الآنية في الصحيفة 256 (2) ص 253

[ 256 ]

في المراد اظهر من ان يعتريها الايراد. وقال في الروض بعد قول المصنف " ويجب مسح مقدم بشرة الرأس " ما لفظه: " دون وسطه أو خلفه أو احد جانبيه ". وقريب منها عبارة الفاضل الخراساني في الذخيرة، حيث قال بعد عبارة المصنف: " دون سائر جوانبه ". وقال المحقق الخوانساري في شرح الدروس بعد تقسيم ذكره سابقا: " وثانيها اختصاصه بالمقدم، فلو مسح المؤخر أو الوسط أو احد جانبيه لم يجز ". وانت خبير بان مقابلة الاختصاص بالمقدم في هذه العبائر ونحوها بهذه المواضع الثلاثة - من مؤخر الرأس ووسطه وجانبيه - تعطى انحصار المقدم فيما بين القصاص إلى الوسط، وإلا لبقى فرد آخر مغفل في الكلام، فلا يدل التفريع على الانحصار، إذ لا يخفى ان الغرض من المقابلة - في امثال هذه المقامات بعد اثبات الحكم لبعض الافراد بنفيه عن الافراد الاخر - إنما هو الحصر في ذلك الفرد، كما لا يخفى على الفطن اللبيب العارف بالاساليب. وقال المولى المحقق الاردبيلي (رحمه الله): " ان ظاهر الآية وبعض الاخبار يدل على اجزاء مسخ اي جزء كان من الرأس. ولعل الاجماع - مؤيد بالوضوء البياني، وبصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): امسح الرأس على مقدمه " وبحسنة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) " وتمسح ببلة يمناك ناصيتك " دال على ان المراد جزء من مقدم الرأس لا اي جزء كان، ولعل المراد بالناصية في الخبر هو مقدم الرأس، لانه اقرب إلى الناصية المشهورة أو اسم له حقيقة " انتهى. وحاصل كلامه ان ظاهر الآية وبعض الاخبار دل على اجزاء مسح اي جزء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء

[ 257 ]

من الرأس، ولما عارضه الاجماع والاخبار الدالة على خصوص مسح المقدم دل على تخصيص الرأس بالمقدم، لكن لما كان من تلك الاخبار المخصصة حسنة زرارة الدالة على الناصية التي هي اخص من المقدم، اراد الجمع بينها وبين اخبار المقدم بحمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة المجاورة، أو حقيقة شرعية. ثم ان اكثر عبائر الاصحاب في هذا المقام قد اشتملت على التعبير بالمقدم مفردا أو مضافا إلى الرأس، ومن الظاهر البين ان كل أحد لا يفهم من لفظ المقدم المضاف إلى الرأس أو غيره متى اطلق إلا ما قابل المؤخر، وسيأتي لك ايضا ما يعضده من كلام أهل اللغة. وبذلك يعلم ايضا انه لا يطلق مجردا عن القرينة الا على ذلك المعنى. وبذلك ايضا اعترف شيخنا المذكور في آخر رسالته حيث قال: " لا يقال: ان اطلاق الدليل من الآية يقتضي جواز المسح على الرأس، وحيث قد جاءت السنة مخصصة له بالمقدم وهو يطلق على ضد المؤخر، كانت مقيدة لاطلاق الكتاب، فيبقى ما صدق عليه المقدم سالما من التقييد، فيكون كله صالحا للمسح. لانا نقول: الامر كما ذكرتم لكن نحن لا نسلم اطلاق المقدم هنا على ما ادعيتموه بعد تفسير أهل اللغة له بالناصية وورود الحديث الصحيح بكون الباء للتبعيض، فهو وان سلمنا ما هو اعم منها فلا اقل ان يكون من باب حمل المطلق على المقيد " انتهى. وسيظهر لك الجواب عما اورده هنا. وبذلك يظهر لك ما في استدلاله بعبارات جملة من الاصحاب، فان جلها من هذا الباب: فمما نقله (قدس سره) كلم الصدوق (رحمه الله) في الفقيه حيث قال: " وحد مسح الرأس ان تمسح بثلاث اصابع مضمومة من مقدم الرأس " ومثله عبارته في الهداية إلا انه قال: " اربع اصابع ". وانت لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما حررناه انه لا دلالة فيها على شئ مما ادعاه لانه حكم بوجوب مسح هذا المقدار المعين من المقدم، وقد عرفت المعنى المتبادر من المقدم

[ 258 ]

وسيأتي ايضا ما يؤكده، فيكون معناه وجوب مسح هذا المقدار من اي جزء من اجزاء هذه المسافة، واي دليل له في ذلك ؟ بل هو بالدلالة على خلاف مدعاه - بتقريب ما حققناه - اشبه. ثم نقل عن الشيخ المفيد في المقنعة انه قال: " يمسح من مقدم رأسه مقدار ثلاث اصابع مضمومة من ناصيته إلى قصاص شعره مرة واحدة " وعبارة الشيخ في النهاية " ثم يمسح بباقي نداوة يده من قصاص شعر رأسه مقدار ثلاث اصابع مضمومة " وهاتان العبارتان وان دلتا على كون المسح في هذا المكان الذي يدعيه. لكن لا دلالة لهما على الانحصار فيه وعدم اجزاء ما سواه كما هو المدعى. وصدر عبارة الشيخ المفيد ظاهر الدلالة على ان مقدم الرأس عبارة عما ادعيناه. ثم نقل كلام السيد المرتضى في المسائل الناصرية، فقال: " قال الناصر في المسائل الناصرية: فرض المسح متيقن بمقدم الرأس والعامة إلى الناصية. فكتب السيد المرتضى (رضي الله عنه) في جوابه: هذا صحيح وهو مذهبنا، وبعض الفقهاء يخالفون في ذلك ويجوزون المسح على اي بعض كان من الرأس. والدليل على صحة مذهبنا الاجماع المتقدم ذكره. وايضا فلا خلاف بين الفقهاء في ان من مسح على مقدم الرأس فقد ادى الفرض. وليس كذلك من مسح مؤخر الرأس، فما عليه الاجماع اولى " انتهى والعجب منه (قدس سره) في ايراد هذه العبارة واستناده إليها وهي - كما ترى - صريحة الدلالة في خلاف مدعاه، اما في كلام الناصر فظاهر، واما في كلام السيد (رحمه الله) فلجوابه بانه مذهبنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وكأنه (قدس سره) اوردها بطريق الاستعجال أو مع تشويش في البال. ثم اورد عبارة المرتضى (رضي الله عنه) في الانتصار، وهو قوله: " ومما انفردت به الامامية القول بان الفرض مسح مقدم الرأس دون سائر ابعاضه، والفقهاء

[ 259 ]

كلهم مخالفون في هذه الكيفية ولا يوجبونها، ولا شبهة في ان الفرص عند الامامية متعلق بمقدم الرأس دون سائر ابعاضه " انتهى. ثم نقل شطرا من عبائر المتأخرين المشتملة على التعبير بمقدم الرأس. وانت خبير بعد الاحاطة بما اسلفناه انه لا اشعار فيما بما ذكره ولا ايناس، بل هي في الدلالة على خلاف ما يدعيه عارية عن الابهام والالتباس، وحينئذ فما ذكره (رحمه الله) بعد ذلك - من قوله: " فان كان مراد هؤلاء المتأخرين بالمقدم الناصية، وبالناصية قصاص الشعر وما فوقه بيسير وهو ما بين النزعتين فلا كلام، وان كان المراد ما هو أعم فالبحث ايضا جار معهم، لانه خلاف فتوى المتقدمين من الاصحاب والنصوص واللغة " انتهى - فهو تطويل بغير طائل. واعادة الكلام عليه بعد تحقيق ما اسفلناه تحصيل الحاصل. واما كلام اهل اللغة فمما استند إليه واورده كلام القاموس، حيث قال: ".. ومقدمة الجيش - وعن ثعلب فتح داله - متقدموه، وكذا قادمته وقداماه، ومن الابل اول ما ينتج ويلقح، ومن كل شئ اوله، والناصية، والجبهة " ثم قال (قدس سره) بعده " وهو صريح في كون المقدم هو الناصية " انتهى. وانت خبير بان الظاهر من هذه العبارة بالنسبة إلى ما نحن فيه اطلاق المقدم على ثلاثة معان: (احدها) - اول الشئ، فإذا اضيف المقدم إلى الرأس يكون بمعنى اوله. و (الثاني) - الناصية. و (الثالث) - الجبهة. والاول منها هو الذي اتفقت عليه كلمة أهل العرف، وعليه ايضا اتفقت كلمة اهل اللغة: فمنها - ما ذكره هنا، فان المراد من الاول في عبارته ما قابل الآخر، كما ذكره في مادة (اخر) حيث قال: " والآخر خلاف الاول " ومن المعلوم ان الاول بالنسبة إلى الرأس هو المقدم كما ان الآخر هو المؤخر.

[ 260 ]

ومن ذلك - ما صرح به في كتاب مجمع البحرين حيث قال: " والمقدم بفتح الدال والتشديد نقيض المؤخر، ومنه مسح مقدم رأسه " انتهى. وفيه دلالة واضحة على انه المراد شرعا. وقال في الصحاح: " ومؤخر الشئ نقيض مقدمه ". وقال في المصباح: " ومؤخر كل شئ بالتثقيل والفتح خلاف مقدمه ". واما المعنى الثاني وهو اطلاقه على الناصية فلا دليل فيه على ما ادعاه (طاب ثراه) فان الناصية عند أهل اللغة إنما هي عبارة عن القصاص الذي هو لغة وشرعا آخر منابت شعر الرأس، قال في القاموس: " الناصية قصاص الشعر " ومثله في المصباح. وفى مجمع البحرين: " الناصية قصاص الشعر فوق الجبهة " والناصية عند الفقهاء - كما تقدم في كلام العلامة في التذكرة، وهو الذي يدعيه شيخنا المزبور ويخص موضع المسح به - هو ما ارتفع عن القصاص حتى يسامت اعلى النزعتين، وحينئذ فاطلاق المقدم على الناصية في عبارة القاموس - مع ما عرفت من معناها لغة - لا دليل فيه على ما ادعاه. ومع تسليم ان المراد بها ما ادعاه، ففيه انه قد اطلق فيه ايضا على ما ادعيناه، وهو المعنى الاول فالتخصيص بما ادعاه ترجيح من غير مرجح، بل المرجح في جانب المعنى الذى ادعيناه حيث انه مما اتفقت عليه كلمة العرف واللغة كما عرفت، فحمل الاخبار عليه اظهر البتة. على ان هذا المعنى الذي ذكره لم نجده في شئ من كتب اللغة بعد الفحص سوى القاموس. وكيف كان فلا ريب في رجحان مقابله. ومما نقله ايضا في رسالته عبارة المصباح المنير، حيث قال فيه: " الناصية قصاص الشعر وجمعها النواصي. ونصوت فلانا نصوا من باب قتل: قبضت على ناصيته. وقول أهل اللغة -: النزعتان هما البياضان اللذان يكتنفان الناصية، والقفا مؤخر الرأس والجانبان ما بين النزعتين والقفا، والوسط ما احاط به ذلك. وتسميتهم كل موضع باسم يخصه كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس فكيف يستقيم على هذا تقدير الناصية بربع

[ 261 ]

الرأس ؟ وكيف يصح اثباته بالاستدلال ؟ والامور النقلية انما نثبت بالسماع لا بالاستدلال ومن كلامهم " جز ناصيته " و " واخذ بناصيته " ومعلوم انه لا يتقدر، لانهم قالوا: الطرة هي الناصية. واما الحديث " ومسح بناصيته " فهو دال على هيئة. ولا يلزم نفي ما سواها. وان قلنا: الباء للتبعيض ارتفع النزاع " انتهى. ثم قال (رحمه الله) بعدها، " وهو نص على ما امليناه وشاهد صدق على ما ادعيناه " انتهى. اقول: والذي يلوح للفكر القاصر ان مراد صاحب المصباح من سوق هذا الكلام - حيث انه شافعي المذهب - الرد على ابي حنيفة فيما ذهب إليه من وجوب المسح على ربع الرأس مدعيا انه الناصية، مستندا إلى رواية المغيرة بن شعبة عن النبي (صلى الله عليه وآله) بانه مسح على ناصيته، قال: " والناصية تقرب من ربع الرأس " (1) فقال صاحب الكتاب بعد تفسير الناصية بما فسيرها به غيره من اهل اللغة بقصاص الشعر: ان تخصيص اهل اللغة كلا من هذه المواضع من اجزاء الرأس باسم على حدة - ولم يعينوا اسما للمسافة التي من القصاص مما يلي الوجه إلى قمة الرأس - يعطى ان الناصية في كلامهم اسم لمقدم الرأس الذي هو عبارة عن هذه المسافة، وحينئذ فاما ان تكون الناصية عبارة عن القصاص كما هو المشهور في كلامهم، أو عن مجموع المقدم كما هو المستفاد من هذا التقسيم، فالقول بكونها عبارة عن ربع الرأس لا مجال له. ثم اعترض عليه بانه كيف يثبت بالاستدلال، اشارة إلى الاستدلال بالرواية المذكورة، وساق الكلام في الرد على ابى حنيفة وتأويل الحديث الذي استند إليه. هذا ما يفهم من العبارة المذكورة. وقوله -: " كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس " بحمل المقدم على الناصية دون العكس - يرشد إلى ما ادعيناه، وحينئذ فالعبارة في الدلالة على ما ندعيه اظهر.


(1) في الهداية لشيخ الاسلام الحنفي ج 1 ص 4 " المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس، لما روى المغيرة بن شعبة: " ان النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح بناصيته وخفيه، والكتاب مجمل فالتحق بيانا به " وفى التعليقة 6 في الصحيفة 253 ما يتعلق بالمقام.

[ 262 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان جل الاخبار قد اشتمل على وجوب المسح على الرأس وجملة منها قد اشتمل على وجوب مسح مقدمه، فيجب حمل مطلقها على مقيدها كما هو القاعدة المطردة. بقى في المقام صحيحة زرارة المشتملة على مسح الناصية (1) ويمكن الجمع بينها وبين اخبار المقدم بوجوه: (احدها) - بما تقدم في كلام المحقق المولى الاردبيلي (رحمه الله) من حمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة القرب والمجاورة، أو حقيقة شرعية. ويؤيده ما صرح به الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في كتاب مجمع البيان في تفسير قوله سبحانه: "... فيؤخذ بالنواصي والاقدام " (2) حيث قال: " والناصية شعر مقدم الرأس ". و (ثانيها) - كون الامر بالمسح بالناصية لكونها احد اجزاء الموضع الممسوح ولا دلالة فيه على الاختصاص ونفى ما سوى هذا الموضع وانه لا يجزئ المسح عليه، كما ورد في جملة من الاخبار المسح باصبع، فانه لا دلالة فيه على تعيين هذا القدر لا في الماسح ولا في الممسوح، ويؤيد ذلك ما ورد في الاخبار - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - من ان المرأة لا تمسح بالرأس كما تمسح الرجال، انما المرأة إذا اصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها، إذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها، فان ظاهره - كما ترى - ان مسح رأسها في الصبح بعد وضع الخمار عنها في غير موضع الناصية أو زيادة عليها، بخلاف باقى الصلوات مع بقاء الخمار عليها فانها تدخل يدها تحته وتمسح على الناصية خاصة. و (ثالثها) - حمل المسح ببلة اليمنى على الدخول في حيز الاجزاء، بعطف قوله: " وتمسح " باضمار " ان " على قوله: " ثلاث غرفات " كما سيأتي تحقيقه،


(1) المتقدمة في الصحيفة 253 (2) سورة الرحمان. الآية 41

[ 263 ]

فيصير مسح الناصية داخلا تحت الاجزاء الذي هو اقل مراتب الواجب، فيسقط الاستدلال بها رأسا. وذيل الكلام في المقام واسع الاطراف الا انا اقتصرنا على ما فيه كفاية للمتأمل بعين الانصاف. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام، ظهر لك ان ما نقله شيخنا المشار إليه في رسالته عن الواحد الماجد (نور الله تعالى تربتهما) من الاجماع صحيح لا غبار عليه، ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه وليته كان حيا فاهدى هذا التحقيق إليه. ويتبين ايضا ان هذا القول ليس مخصوصا بشيخنا الشهيد الثاني في الروضة أو غيرها من كتبه، وان الوالد قلده في ذلك فاغرب بدعوى الاجماع على ما هنا لك، كما بسط به ذلك الفاضل لسان التشنيع وسجل به من القول الفظيع. (الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في قدر واجب المسح من الرأس: فالمشهور - كما نقله جمع: منهم - السيد السند في المدارك - الاكتفاء بالمسمى، ولو بجزء من اصبع ممرا له على الممسوح، ولا يجزئ مجرد الوضع، لعدم صدق المسح بذلك. ونقل الشهيد في الذكرى عن القطب الراوندي في احكام القرآن انه لا يجزئ اقل من اصبع. وظاهر المفيد في المقنعة ذلك. قال: " ويجزئ الانسان في مسح رأسه ان يمسح من مقدمه مقدار اصبع يضعها عليه عرضا من الشعر إلى قصاصه، وان مسح منه مقدار ثلاث اصابع مضمومة بالعرض كان قد اسبغ " انتهى. فان المتبادر من لفظ الاجزاء ان يراد به اقل الواجب.

[ 264 ]

وهو الظاهر ايضا من كلام الشيخ في التهذيب حيث قال بعد نقل العبارة المذكورة: " يدل على ذلك قوله تعالى: "... وامسحوا برؤوسكم وارجلكم.. " (1) ومن مسح رأسه ورجليه باصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم ويسمى ماسحا، ولا يلزم على ذلك ما دون الاصبع، لانا لو خلينا والظاهر لقلنا بجواز ذلك لكن السنة منعت منه " انتهى. ويظهر من العلامة في المختلف اختيار ذلك ايضا، بل نسبه فيه إلى المشهور ولم ينقل القول بالمسمى فيه اصلا، حيث قال: " المشهور بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس والرجلين باصبع واحدة " ثم نقله عن الشيخ في اكثر كتبه وابن ابي عقيل وابن الجنيد وسلار وابى الصلاح وابن البراج وابن ادريس، ثم نقل جملة من عبائر الاصحاب المشتملة على المسح بثلاث اصابع. وبذلك ايضا صرح الشهيد في الدروس حيث قال: " ثم مسح مقدم الرأس بمسماه ولا يحصل باقل من اصبع " وقال بعد ذلك: " والزائد عن اصبع من الثلاث مستحب " وهو ظاهره في البيان، حيث قال: " والواجب مسماه ولو باصبع " ثم نقل الثلاث عن النهاية وحمله على الاستحباب. بل هو ظاهره في الذكرى حيث قال: " الثانية - الواجب في المقدم مسمى المسح، لاطلاق الامر بالمسح الكلى، فلا يتقيد بجزئي بعينه. ثم قال: الثالثة - لا يجزئ اقل من اصبع، قاله الراوندي في احكام القرآن " ثم عن المختلف ان المشهور الاكتفاء به، ثم نقل العبارات المتعلقة بالثلاث. فان ظاهر هذا الكلام بمعونة صريح الدروس وظاهر البيان هو القول بالمسمى وحمله على الاصبع، ولا ينافي ذلك نقله له عن الراوندي. وهو ظاهره ايضا في الرسالة، حيث قال: " الرابع - مسح مقدم الرأس


(1) سورة المائدة. الآية 6

[ 265 ]

حقيقة أو حكما ببقية البلل ولو باصبع " نظرا إلى جعله الاصبع المرتبة الدنيا للاجزاء مبالغة. وشيخنا الشهيد الثاني في شرحها تمحل في صرفها عن ظاهرها، فقال بعد ذكر العبارة " يعنى الاكتفاء بكون الاصبع آلة للمسح بحيث يحصل بها مسماه لا كونه بقدر الاصبع عرضا " انتهى. بل تمحل ذلك في شرح الارشاد باجراء هذا التأول في جملة العبارات المشتملة على التحديد بالاصبع. وانت خبير بعدم انطباق هذا التأويل على عبارة الدروس، فانها صريحة في ان المراد وجوب مقدار الاصبع. واصرح منها كلام الشيخ في التهذيب. وتكلفه فيما عداهما على غاية من البعد. وقال الصدوق في الفقيه: " وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاث اصابع مضمومة من مقدم الرأس ". وبه صريح الشيخ في النهاية لكن خصه بحال الاختيار، فقال: " لا يجوز اقل من ثلاث اصابع مضمومة مع الاختيار، فان خاف البرد من كشف الرأس اجزأه مقدار اصبع واحدة ". ونسب ذلك ايضا إلى المرتضى في مسائل الخلاف، والى هذا القول يميل كلام المحدث الامين الاسترابادي، وهو ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في كتاب الوسائل، حيث قال: " باب اقل ما يجزئ من المسح " (1) ثم اورد روايات الاصبع وروايات الثلاث اصابع. ويدل على الاول ظاهر الآية (2) لاطلاق الامر فيها بالمسح فلا يتقيد يجزئي بعينه، والباء فيها للتبعيض بدلالة النص الصحيح (3).


(1) وهو الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (2) سورة المائدة. الآية 6 (3) وهو صحيح زرارة المروى في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء.

[ 266 ]

وقوله (عليه السلام) في صحيحة الاخوين (1): "... وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك... ". وفى صحيحة اخرى لهما ايضا (2) "... فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من رجليه... ". ويدل على الثاني صحيحة حماد عن بعض اصحابه عن احدهما (عليهما السلام) (3) " في الرجل يتوضأ وعليه العمامة ؟ قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه. فيمسح على مقدم رأسه ". ورواية الحسين بن عبد الله (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه - وعليه عمامة - باصبعه، أيجزيه ذلك ؟ فقال: نعم ". ويدل على القول الثالث صحيحة زرارة (5) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها " فان لفظ الاجزاء إنما يستعمل في اقل الواجب. وما رواه الكشي في رجاله عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى عن يونس (6) قال: " قلت لحريز يوما: يا ابا عبد الله كم يجزيك ان تمسح من شعر رأسك في وضوئك للصلاة ؟ قال: بقدر ثلاث اصابع، واومأ بالسبابة والوسطى والثالثة، وكان يونس يذكر عنه فقها كثيرا " وظاهره ان حريز كان يرى المسح بقدر ثلاث. ورواية معمر بن عمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " يجزئ من المسح


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (6) في الصحيفة 244 وفى مستدرك الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء.

[ 267 ]

على الرأس موضع ثلاث اصابع، وكذلك الرجل ". ونقل في الذكرى عن ابن الجنيد تخصيص اعتبار الثلاث بالمرأة دون الرجل، وتخصيص الرجل بالاصبع الواحدة، حيث قال: " يجزئ الرجل في المقدم اصبع والمرأة ثلاث اصابع " ولعله استند إلى صحيحة زرارة المتقدمة، ولعل من استند إليها مطلقا بنى على عدم وجود القائل بالفرق ولم يعتبر بخلاف ابن الجنيد، مؤيدا ذلك برواية معمر بن عمر. ثم انه لا يخفى عليك ان اقصى ما يستفاد من ادلة القول الاول وجوب مسح بعض من الرأس بمقتضى الآية وشئ منه بمقتضى الاخبار، ومن الظاهر المتفق عليه انه ليس المراد بعضا ما من الابعاض ولا شيئا ما من الاشياء، بل بعضا معينا من ابعاض الرأس وشيئا معينا من اجزائه. فلابد من الرجوع إلى دليل معين لذلك البعض المراد، وليس إلا هذه الاخبار الدالة على الاصبع أو الثلاث، فكما انه بالنسبة إلى تعيين محل المسح من اطلاق الآية والاخبار المطلقة، اوجبوا الرجوع إلى أخبار المقدم فخصوا اطلاقها به، ولم يجوزوا المسح على غير المقدم من اجزاء الرأس، فكذلك يجب ان يكون بالنسبة إلى مقدار المسح، فيجب الرجوع إلى ما دل عليه من الاخبار، وتخصيص الآية وجملة من الاخبار الموافقة لها في الاطلاق به. وبالجملة فالروايات في هذه المسألة ما بين مطلق ومقيد أو مجمل ومفصل، والمقيد يحكم على المطلق والمفصل على المجمل، فالعمل بالمفصل والمقيد متعين ما لم يظهر خلافه. ورجح السيد السند في المدارك حمل الاخبار المقيدة على الاستحباب كما هو المشهور، بعد ان احتمل ما ذكرناه من تقييد مطلق اخبار المسألة بمقيدها. وانت خبير بما فيه بعد ما ذكرناه، فانها عند التحقيق غير دالة على ما ذكروه من المسمى كما عرفت.

[ 268 ]

نعم يبقى الكلام في التوفيق بين روايات الاصبع والثلاث، ويمكن ذلك باحد وجوه: (منها) - حمل روايات الاصبع - حيث انها قد اتفقت على المسح بها تحت العمامة - على الضرورة، لما في رواية حماد عن الحسين (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل توضأ وهو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد ؟ فقال ليدخل اصبعه " وهذا هو ظاهر الشيخ في النهاية كما سلف في عبارته. و (منها) - حمل الاصبع على اقل الواجب والثلاث على الاستحباب، كما هو ظاهر المقنعة، وصريح الدروس، وظاهر غيره ايضا كما مر. و (منها) - حمل روايات الثلاث على مسح هذا المقدار في عرض الرأس والاصبع الواحدة على كونه في الطول، فان ظاهر روايات الثلاث اعتبار مسح هذا المقدار لا وجوب كونه بثلاث اصابع، وان كان ظاهر عبارة الصدوق تعين كونه بثلاث اصابع، الا انه خلاف ظاهر الاخبار، فيجب تأوليه ورده إليها. واكثر الاصحاب حملوا روايات الاصبع والثلاث على هذا الوجه، لكن القائلين منهم بالاكتفاء بالمسمى ولو بجزء من اصبع يجعلون ذلك على جهة الاستحباب، قال شيخنا المحقق الثاني في شرح القواعد: " اعلم ان المراد بمقدار ثلاث اصابع في عرض الرأس، اما في طوله فمقداره ما يسمى ماسحا، ويتأدي الفضل بمسح المقدار المذكور ولو باصبع " انتهى. " واما ما احتمله بعض متأخرى المتأخرين من جواز ان يكون الامر بادخال الاصبع في تلك الاخبار لا يكون آلة للمسح - بناء على ما قدمناه من كلام شيخنا الشهيد الثاني - فبعيد جدا. وما ذكره بعض مشايخنا المحققين - من ان استناد الشيخ في وجوب مسح


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء.

[ 269 ]

مقدار الثلاث إلى صحيحة زرارة ورواية معمر المتقدمتين (1) ضعيف، إذ لا يلزم من اجزاء قدر عدم اجزاء ما دونه الا بالمفهوم الضعيف، ولو سلم دلالته عرفا فلا يعارض ظاهر الكتاب ومنطوق الخبر الصحيح - ففيه ان الاستدلال بهما ليس باعتبار دلالة مفهوم اللقب الضعيف، وانما هو باعتبار الدلالة العرفية المسلمة بينهم في غير موضع كما ذكره هو وغيره، واما ما ذكره من معارضة الكتاب والنص الصحيح فليس بشئ بعد ما عرفت، لعدم المعارضة بين المطلق والمقيد المجمل والمبين، إذ يجب بمقتضى القاعدة المسلمة فيما بينهم في غير موضع حمل الاول منهما على الثاني. ثم اعلم ان الروايات بمسح قدر الثلاث والمسح باصبع ليس في شئ منها تقييد بكونه في جهة العرض أو الطول. لكن جملة من الاصحاب - كما عرفت - قيدوا روايات الثلاث بكون ذلك المقدار في جهة العرض كما تقدم في كلام ثاني المحققين، ومثله ايضا كلام ثاني الشهيدين في شرح الشرائع، حيث قال - بعد قول المصنف: " والمندوب مقدار ثلاث اصابع عرضا " - ما لفظه: " عرضا حال من الاصبع أو بنزع الخافض، والمراد مرور الماسح على الرأس بهذا المقدار وان كان باصبع لاكون آلة المسح ثلاث اصابع " انتهى. والمفهوم من عبارة الشيخ المفيد المتقدمة ان اقل الواجب مقدار اصبع يضعها عليه عرضا. فان كان مستنده (رحمه الله) حمل روايات الاصبع على مقدارها عرضا وإلا فهو خال من المستند مع كون حمل تلك الروايات على ذلك في غاية البعد من حاق لفظها فانها ظاهرة الصراحة في كون المسح بالاصبع، فهو في التحقيق خال عن المستند. اللهم الا ان تحمل اخبار قدر الثلاث على كونه طولا، وهي تقرب من الواحدة عرضا، والى هذا الحمل مال المحقق المحدث الاسترابادي (قدس سره) حيث قال - بعد نقل كلام ثاني


(1) في الصحيفة 266

[ 270 ]

المحققين وثاني الشهيدين المتقدم الدال على حمل روايات قدر الثلاث على كونه في جهة العرض - ما هذا لفظه: " الظاهر من الروايات ان يكون الممسوح من عرض الرأس بقدر طول اصبع ومن طوله بقدر ثلاث اصابع مضمومة. ومن الروايات المشار إليها صحيحة زرارة (1) المشتملة على قوله (عليه السلام): " وتمسح ببلة يمناك ناصيتك " لان المتبادر منها مسح كلها، وصحيحته الاخرى (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام): المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها " ورواية معمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث اصابع، وكذلك الرجل " والناصية في غالب الناس عرضها قدر طول اصبع وطولها قدر ثلاث اصابع مضمومة " انتهى. وقال صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل بعد كلام في المقام: " والحاصل انا لم نظفر بما تضمن المسح بالثلاث، بل المسح بالاصبع، أو مسح موضع الثلاث ومقدارها، من غير تقييد المسح بكونه في طول الرأس أو عرضه، ولا لموضع الثلاث بكونه مأخوذا من احدهما أو كليهما حالة وضع الثلاث على الرأس، منطبقا كل من خطيها الطولي والعرضي على مثله من خطيه أو على مقابله، فالاعراض عنه - من باب " اسكتوا عما سكت الله عنه (4) " اولى " انتهى. وفيه ان الظاهر من الاخبار - بعد ضم بعضها إلى بعض - هو ما ذكره المحدث الامين (قدس سره). (الثالث) - المفهوم من كلام القائلين بالمسمى أو الاصبع ان غاية ما يستحب الزيادة على بلوغ قدر ثلاث اصابع مضمومة، واما ما زاد على ذلك المقدار، فهل يكون


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (4) تقدم الكلام فيه في الصحيفة 156 من الجزء الاول

[ 271 ]

محرما أو جائزا، أو يفرق فيه بين استيعاب الرأس وعدمه ؟ اقوال: قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة: " وغاية المؤكد ثلاث اصابع، ويجوز الزيادة عليها ما لم يستوعب جميع الرأس، فيكره على الاصح، الا ان يعتقد شرعيته فيأثم خاصة. وقيل يبطل المصح. وقد اغرب الشارح المحقق (رحمة الله) حيث جعل الزائد على الثلاث اصابع غير مشروع " انتهى. وممن صرح بكراهة الاستيعاب الشهيد في الذكرى والدروس، معللا له في الذكرى بانه تكلف ما لا يحتاج إليه. وفيه ضعف. ونقل عن ابن حمزة تحريمه. لانه مخالف للمشروع. وظاهره عدم الفرق بين اعتقاد المشروعية وعدمه. وفي الخلاف ادعى الاجماع على بدعيته فيجب نفيه. وابن الجنيد حرمه مع اعتقاد المشروعية، وابطل به الوضوء. ورده جملة من المحققين باشتمال مسح الرأس على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزائد. نعم ياثم بذلك. وابو الصلاح ابطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح. ورد بما رد به سابقه. اقول: والذي يقرب عندي انه متى مسح أو غسل ما زاد على القدر الموظف شرعا، فان كان مع عدم اعتقاد المشروعية فالظاهر انه لا تحريم ولا كراهة، لعدم الدليل على ذلك، وان كان مع اعتقاد المشروعية فالظاهر بطلان الوضوء لوجوه: (اما اولا) - فلان العبادات تابعة لقصود والنيات صحة وابطالا، بل وجودا وعدما كما تقدم تحقيقه، ومجرد حصول المأمور به شرعا - مع عدم كونه مقصودا بخصوصه كما امر به الشارع - لا يعتد به لانه في الحقيقة واقع بغير نية، والا لصحت صلاة من اتم عالما عامدا في السفر بناء على استحباب التسليم، فانها قد اشتملت على الواجب قطعا، مع ان الاجماع نصا وفتوى على خلافه. واولى منه صحة صلاة التمام

[ 272 ]

في مواضع التخيير ثم احدث عمدا أو قطع الصلاة باحد القواطع في اثناء الركعتين الاخيرتين، بناء على استحباب التسليم، وعدم قصد العدول إلى المقصورة، فانه لا يجب عليه الاعادة، لاشتمال صلاته هذه على الصلاة المقصورة التي هي احد الفردين في هذا المقام و (اما ثانيا) - فلانه تشريع وادخال في العبادة ما ليس منها فيكون مبطلا. و (اما ثالثا) - فلان جملة من المحققين صرحوا في مسألة الفرق بين الغسل والمسح بان النسبة بينهما العموم من وجه وجوزوا المسح بما اشتمل على الجريان بشرط قصد المسح به، وهو دال - كما هو الواقع - على ان القصد مما له مدخل في الصحة والابطل، والا فلو اجرى المكلف الماء بيده على رجله كلها ورأسه كملا مع اعتقاده الغسل به، لزم صحة وضوئه، لاشتماله على المسح شرعا بناء على ذلك القول وان كان غير مقصود له، وعدم الضرر باعتقاده كون ذلك غسلا، وزيادته على ما هو الواجب واقعا. والآية والنصوص ترده. و (اما رابعا) - فلانهم صرحوا - الا الشاذ منهم - بتحريم الغسلة الثالثة في الوضوء. واما الابطال بها فهو مذهب ابي الصلاح وظاهر الكليني والصدوق، وهو احد الاقوال في المسألة، وهو اظهرها دليلا: لقول الصادق (عليه السلام) في حديث داود الرقي المروي في كتاب رجال الكشي (1) "... ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له ". وقوله (عليه السلام) في الحديث المذكور (2) لداود بن زربي: " توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه، فانك ان زدت عليه، فلا صلاة لك ". وما رواه في الفقيه (3) مرسلا في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " قال (عليه السلام): من تعدى في وضوئه كان كناقضه " وسيأتي تحقيق ذلك في محله.


(1) و (2) في الصحيفة 200 والوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 25. وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء

[ 273 ]

(الرابع) - المفهوم من ظاهر كلام الصدوق في الفقيه، والشيخين في المقنعة والمبسوط والنهاية، انه يجب على المرأة وضع القناع في الصبح والمغرب لاجل المسح. وصرح في المقنعة بانها تمسح هنا بثلاث اصابع من رأسها حتى تكون مسبغة، وانه يرخص لها في باقى الصلوات المسح تحت الخمار، بان تكتفي بادخال اصبع تحت خمارها، قال في المقنعة: " وتدخل اصبعها تحت قناعها فتمسح على شعرها ولو كان ذلك مقدار انملة ". وصرح المحقق والعلامة وجملة من المحققين باستحباب وضع الخمار مطلقا، وتأكده في صلاة الغداة والمغرب. وبعضهم اقتصر على الغداة خاصة، لعدم وقوفه على نص يتضمن اضافة المغرب إليها في ذلك. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة رواية الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين (عليهما السلام) عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، انما المرأة إذا اصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها، فإذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها ". وما رواه الصدوق في الخصال (2) بسنده فيه عن جابر الجعفي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: " المرأة لا تمسح كما يمسح الرجال، بل عليها ان تلقي الخمار عن موضع مسح رأسها في صلاة الغداة والمغرب وتمسح عليه، وفى سائر الصلوات تدخل اصبعها فتمسح على رأسها من غير ان تلقي عنها خمارها ". وطعن بعض متأخرى المتأخرين بعد ذكر الرواية الاولى فيها بضعف السند والدلالة. وفيه ان ضعف سندها باصطلاح متأخري اصحابنا لا يقوم حجة على من لم يقل


(1) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (2) ج 2 ص 142 وفى مستدرك الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء.

[ 274 ]

بذلك الاصطلاح سيما المتقدمين. والاولى من الروايتين دالة على وجوب وضع الخمار بالجملة الخبرية الظاهرة في الوجوب كالامر، وان كان جملة من متأخري متأخرينا يمنعونه في الامر فضلا عنها. والرواية الثانية دالة على ذلك بقوله: " عليها ان تلقي " الدال بظاهره على وجوب الالقاء وتحتمه. والرواية الثانية قد تضمنت اضافة المغرب إلى الصبح في وضع الخمار. فما اعترض به جملة من متأخرى المتأخرين على المشايخ المتقدمين في اضافة المغرب في عبائرهم ناشئ عن قصور التتبع. وكم وقع لهم مثله في غير موضع. ثم ان ظاهر هذه الرخصة للمرأة في المسح تحت القناع - بادخال الاصبع ومسح ما نالته من رأسها ولو بقدر الانملة. كما في كلام الشيخ المفيد، وانها ليست كالرجال في ذلك - اختصاص هذا الحكم بها في ذلك الوقت المخصوص، وعدم اجزائه لها في غيره وعدم اجزائه للرجال ايضا، وهو مما يبطل القول بالمسمى كما هو المشهور، ويؤيد ما ذهب إليه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مضاجعهم) من وجوب المقدار الذي تقدم تحقيقه في هذا البحث. لكن قد تقدم في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها " وهو مناف لما دلت عليه هاتان الروايتان، من تخصيص المسح بقدر ثلاث اصابع ببعض الصلوات والاوقات، ومن وجوب القاء الخمار أو استحبابه في موضع المسح لان ظاهر قوله: " ولا تلقى عنها خمارها " اما نهى على بعض اللغات، أو خبر في معنى النهي. ويمكن الجواب عن الاول بان اطلاقها مخصوص بذينك الخبرين. وعن الثاني بان قوله: " ولا تلقى " بالنصب عطف على " تمسح " وحاصل المعنى حينئذ انه يجزيها المسح بمقدار ثلاث اصابع، وعدم القاء الخمار في ذلك الوقت الذي يجب أو يستحب فيه الالقاء، وهو رخصة لها، إذا الظاهر ان حكمة القاء الخمار في موضع الامر في تلك


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء.

[ 275 ]

الاخبار إنما هو لاجل الاستظهار في المسح بذلك المقدار، فهي مكلفة في ذلك الوقت بشيئين: المسح بقدر الثلاث، والالقاء، وهذه الرواية دلت على اجزاء احدهما، وهو الاهم والمقصود بالذات الذي هو المسح بالثلاث دون الالقاء. ويمكن أن يستنبط منه بمعونة ما ذكرنا ان ما يستحب أو يجب مسحه من موضع المسح ثلاث اصابع ليس في عرض الرأس عرض الاصابع، لعدم توقف ذلك على القاء الخمار. (الخامس) - لا ريب انه إذا اقتصر المكلف على الفرد الا نقص من المسح فقد تأدى الواجب به، ولو اتى بالفرد الاكمل فقد صرحوا بان ما زاد منه على القدر المجزئ مستحب عينا اتفاقا، لكن هل يوصف مع ذلك بالوجوب ام لا ؟ قولان: اختار اولهما المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، قال: " ولا يضر ترك الزائد، لان الواجب هو الكلي، افراده مختلفة بالشدة والضعف، فاي فرد اتى به تحقق الامتثال به، لان الواجب يتحقق به " انتهى. واختار ثانيهما العلامة، نظرا إلى انه يجوز تركه لا إلى بدل ولا شئ من الواجب كذلك، فلا شئ من الزائد واجب. وبان الكلي قد وجد فخرج به المكلف عن العهدة ولم يبق شئ مطلوب منه حتى يوصف بالوجوب. وفيه ان جواز تركه هنا انما هو إلى بدل، وهو الفرد الناقص الذي اتى به في ضمن هذا المسح، وحينئذ ليكون من قبيل افراد الواجبات الكلية كافراد الواجب المخير، بمعنى ان مقولية الواجب هنا على هذا الفرد الزائد والناقص كمقولية الكلي على افراده المختلفة قوة وضعفا، وحصول البراءة بالفرد الناقص لا من حيث هو جزء الزائد، بل من حيث انه احد افراد الكلي وان كان ناقصا. هذا كله مع وقوع المسح دفعة واحدة، اما إذا وقع تدريجا فقد صرح الشهيدان في الذكرى والروض بان الزائد مستحب قطعا، قال في الروض بعد نقل كلام

[ 276 ]

الذكرى المتضمن للتفصيل بين الدفعة والتدريج: " وهذا التفصيل حسن، لانه مع التدريج يتأدى الواجب بمسح جزء فيحتاج ايجاب الباقي إلى دليل، والاصل يقتضى عدم الوجوب، بخلاف ما لو مسحه دفعة، إذ لم يتحقق فعل الفرد الواجب الا بالجميع " انتهى والسيد السند في المدارك جعل مطرح خلاف في المسألة هو المسح تدريجا. ولا يخفى - على المتأمل بعين التحقيق والناظر بالفكر الصائب الدقيق - ان كلام الاصحاب (رضان الله عليهم) في هذه المسألة ونظائرها على غاية من الاجمال. وتحقيق المقام - بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام) - ان يقال: لا ريب ان منشأ التخيير في هذا المقام هو اطلاق الامر بالمسح الصادق بجزء من اصبع - مثلا - إلى بلوغ قدر ثلاث اصابع مضمومة التى هي اعلى المرابت، فالواجب الكلي هو المسح المطلق وافراده هي كل مسحة قصدها المكلف واوقعها، قليلة كانت أو كثيرة، فكل فرد منها اتى به تأدى به الواجب، وكل فرد ناقص منها فهو مفضول بالنسبة إلى ما هو ازيد منه، وكل واحد من الافراد المشتملة على الزيادة يوصف في حد ذاته بالوجوب لكونه احد افراد الواجب الكلي، وبالاستحباب لكونه أكمل مما دونه، وهذا معنى قولهم في الفرد الاكمل من افراد الواجب التخييري: انه مستحب ذاتي واجب تخييري، وحينئذ فمتى مسح المكلف القدر الاكمل دفعة أو تدريجا، بمعنى انه قطع على جزء في اثناء مسحه ثم تجاوزه، فان كان قصده ونيته الامتثال بذلك القدر الاكمل، فمن الظاهر ان الزائد على القدر المجزئ - وهو المسمى، أو القدر الذي قطع عليه اولا - واجب. إذ الواجب هو مجموع ما قصده، وما اتى به من القدر المجزئ ضمن هذا المسح أو قطع عليه لا يخرج به عن العهدة، لعدم قصد الامتثال به خاصة بل به وما زاد، إلا ان يعدل إلى قصده، ولو اجزأ من غير قصد يتعلق به للزوم اجزاء عبادة من غير نية، وقد عرفت غير مرة ان الافعال عبادة وغيرها لا تميز لها وجودا وعدما - ولا اثر يترتب عليها صحة وبطلانا وثوابا وعقابا - إلا بالمقصود والنيات،

[ 277 ]

فكما ان الركعتين في صورة التخيير غير مجزئة ما دام القصد متعلقا بالاتمام فيجب ضم الاخيرتين، كذلك هنا لا يجزئ ذلك القدر الاقل لما لم يقصد الامتثال به. وان كان قصده الامتثال بالقدر الذي قطع عليه في صورة التدريج أو اقل ما يحصل به المسمى، فالظاهر ان الزائد عليه لا يتصف بوجوب ولا باستحباب، اما عدم الوجوب فلان الواجب الكلي قد حصل في زمن هذا الفرد الذي تعلق به القصد، واما عدم الاستحباب فلعدم الدليل عليه، ولان الاستحباب الملحوظ في هذا المقام انما هو باعتبار افضلية احد افراد الواجب التخييري على غيره من سائر الافراد، وهو غير حاصل هنا. وايضا فهو ملازم لوصف الوجوب كما عرفت، فبانتفاء الوجوب عنه ينتفى الاستحباب، ولا دليل على الاستحباب بغير هذا المعنى، بل الظاهر دخوله حينئذ في التكرار المنهي عنه في المسح نعم لو اريد بالزائد في كلامهم يعنى فردا اكمل من هذا الفرد الذي تعلق به قصد المكلف لا بمعنى الباقي الذي هو ظاهر مطرح الكلام، فانه يتصف بالوجوب والاستحباب في حد ذاته كما قدمنا بيانه، فان اختيار المكلف فردا ناقصا من افراد الواجب التخييري لا ينفي وصف الوجوب والاستحباب عن الفرد الاكمل منها في حد ذاته. واما ان الباقي من المسافة الممسوحة بعد قصد الامتثال بجزء منها خاصة يتصف مسحه بالاستحباب ويترتب ثواب المستحب عليه كما هو أحد القولين، أو الوجوب كما هو القول الآخر كما هو ظاهر كلامهم، فلا اعرف له وجها. فانه كما ان المكلف لو قصد الصلاة المقصورة في موضع التخيير ثم صلى والحال كذلك اربعا. فان الركعتين الاخيرتين ان لم تكن مبطلة للصلاة لا اقل ان تكون باطلة، ولا يصح وصفها بالاستحباب فضلا عن الوجوب وقاصد التسبيح باربع تسبيحات في الركعتين الاخيرتين ثم تجاوزها إلى بعض الصور الزائدة من غير عدول إليها. فانه لا يتصف بالاستحباب من حيث التوظيف في هذا المقام وان احتمل الاستحباب من حيث كونه ذكرا. فكذلك فيما نحن فيه، على انه يلزم هنا خلو ذلك الزائد من النية والقصد، فكيف يتصف بوجوب أو استحباب مع كونه خاليا

[ 278 ]

من النية والقصد بالكلية ؟ فان المكلف إنما قصد اداء الواجب بذلك الجزء الذي ذكرناه وبالجملة فالاستحباب الذاتي اللازم للوجوب التخييري في هذا المقام انما يتعلق بمجموع الصورة الكاملة لا بهذا الجزء الزائد، وكلام الاصحاب في جميع صور هذه المسألة في غاية الاجمال كما ذكرنا، وذلك فانهم في جميع صور هذه المسألة يجعلون محل الخلاف ما زاد على الفرد الناقص بعد تأدى الواجب بذلك الفرد الناقص، وانه هل يتصف بالوجوب أو الاستحباب ؟ وهو ظاهر في كون المراد به ما بين الفرد الذي قصده وتأدى به الواجب إلى نهاية ما اقتصر عليه من الفرد الكامل، ثم انهم في مقام الاستدلال على وجوبه ودفع القول بالاستحباب يقولون انه احد افراد الواجب الكلي وانها قابلة للشدة والضعف، فهذا الزائد مستحب لكونه اكمل الافراد، وهو واجب لكونه احد افراد الواجب الكلى. وجواز تركه انما جاز إلى بدل وهو الفرد الا نقص وانت خبير بان هذه التعليلات انما تنطبق على نفس الفرد الاكمل لا على ذلك البعض الذي عرفته. وايضا فانهم - على تقدير القول بالوجوب في ذلك الزائد الذي جعلوه مطرح النزاع - اوردوا اشكالا في انه يلزم اتصاف شئ واحد بالوجوب والاستحباب. ثم اجابوا عنه بان اطلاق الاستحباب على الفرد الزائد محمول على استحبابه عينا، بمعنى انه افضل الفردين الواجبين، وذلك لا ينافي وجوبه تخييرا من جهة تأدى الواجب به وحصول الامتثال، كذا قرره في الروض في مسألة التسبيح في الاخيرتين. وهذا الجواب - كما ترى - لا ينطبق الا على نفس الفرد الاكمل، كما هو صريح العبارة حيث اطلق عليه الفرد الزائد، لا على نفس الزيادة خاصة كما هو مورد الاشكال. وربما كان مبنى كلام القوم على اعتبار الامر الكلي من حيث هو من غير ملاحظة شئ من الخصوصيتين فيكون من قبيل الماهية لا بشرط شئ، فانه يتجه حينئذ صدق اداء الواجب بالمسمى ويصح وصف الزائد - من حيث كونه جزء من هذا المجموع - بكل من وصفي الوجوب والاستحباب، لاتصاف المجموع بهما حسبما قررنا آنفا، لكن يبقى الاشكال في صورة

[ 279 ]

القطع، لصدق اداء الواجب بما قطع عليه وانتفاء المجموعية الموجبة للوصف بالوجوب والاستحباب للزائد. والاستحباب بغير المعنى المذكور آنفا لا مجال له في هذا المقام. والله العالم. (السادس) - الظاهر - كما هو المشهور - جواز النكس هنا، لاطلاق الآية وخصوص صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا ". خلافا للمرتضى والشيخ في النهاية والخلاف وظاهر ابن بابويه، محتجا عليه في الخلاف - ومثله في الانتصار - بان مسح الرأس من غير استقبال رافع للحدث اجماعا بخلاف مسح الرأس مستقبلا، فيجب فعل المتيقن. ونقل ايضا عن الشيخ في كتابي الاخبار ذلك، نظرا إلى تخصيص الصحيحة المشار إليها بفحوى قول ابي الحسن (عليه السلام) في رواية يونس: " (2) الامر في مسح الرجلين موسع... " ولا يخفى ما في هذه الادلة من الوهن. والعجب من السيد (رحمه الله) في تجويزه لانكس في الوجه واليدين لاطلاق الآية، ومنعه هنا، مع جريان دليله فيه، واعتضاده بالرواية. وذكر جماعة من الاصحاب كراهية النكس هنا، وعلله في المعتبر بالتفصى من الخلاف. ورد بان المقتضى للكراهة ينبغي أن يكون دليل المخالف لا نفس الخلاف وهو كذلك. (السابع) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في وجوب المسح بنداوة الوضوء ما وجد بللها في اليد، والمشهور انه مع جفاف اليد يأخذ من شعر لحيته أو حاجبيه، ومع جفاف الجميع، فان كان لضرورة افراط الحر


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء.

[ 280 ]

أو قلة الماء جاز الاستئناف وإلا اعاد الوضوء. وظاهر الشيخ في خلاف - حيث نسب وجوب المسح بنداوة الوضوء إلى الاكثر - وجود المخالف في المسألة، ولعله ابن الجنيد على ما نقله عنه العلامة في المختلف، فانه قال: " إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه، مسح بيمينه رأسه ورجله اليمنى وبنداوة اليسرى رجله اليسرى، وان لم يستبق ذلك اخذ ماء جديدا لرأسه ورجليه " وهو باطلاقه شامل لما لو كان عدم الاستبقاء لعدم امكانه أو لتفريط من المكلف، ولما لو فقد النداوة من الوجه وعدمه (1) وبذلك يظهر لك ما في كلام بعض الاصحاب، حيث خص خلافه بجفاف جميع الاعضاء وقال: ان لفظ اليد في كلامه انما هو على سبيل التمثيل، فيكون موافقا للمشهور ويرتفع الخلاف. فانه عى غاية من البعد عن سوق العبارة المذكورة. ومما يدل على المشهور روايات الوضوء البياني، فانها قد اشتملت جميعا على المسح بالبلة. وما ذكره جملة من متأخرى المتأخرين - من المناقشة فيها مما تقدم ذكره في وجوب الابتداء باعلى الوجه والابتداء بالمرفقين - فقد مر ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه وخافيه، سيما حسنة الاخوين (2) المتضمنة انه " مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا " وصحيحة زرارة (3) "... ثم مسح بما يقى في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء). ويدل عليه ايضا الاخبار المستفيضة بانه من ذكر انه لم يمسح حتى انصرفت


(1) الذي يظهر من كلام جملة من اصحابنا ان خلاف ابن الجنيد في هذه المسألة شامل لما لو كان في يد المتوضئ بلة من ماء الوضوء، فانه يجوز الاستئناف ايضا. وعبارة ابن الجنيد المنقولة - كما ترى - بخلافه، فانه جوز الاستئناف مع فقد البلة وان كان بتفريط (منه قدس سره) (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.

[ 281 ]

من وضوئه يأخذ من بلل وجهه، وفي بعضها انه مع تعذر البلل في وجهه يعيد وضوءه. فمن ذلك رواية مالك بن اعين عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " من نسى مسح رأسه ثم ذكر انه لم يمسح رأسه، فان كان في لحيته بلل فليأخذ منه وليمسح رأسه، وان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء ". ورواية خلف بن حماد عمن اخبره عنه (عليه السلام) (2) قال: " قلت له الرجل ينسى مسح رأسه وهو في الصلاة ؟ قال: ان كان في لحيته بلل فليمسح به. قلت: فان لم يكن له لحية ؟ قال: يمسح من حاجبيه أو من اشفار عينيه ". وما رواه ابن بابويه في الفقيه (3) عن ابي بصير عنه (عليه السلام) " في رجل نسى مسح رأسه ؟ قال: فليمسح. قال: لم يذكره حتى دخل في الصلاة ؟ قال فليمسح رأسه من بلل لحيته ". وروى فيه (4) ايضا مرسلا عنه (عليه السلام) قال: " ان نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك، فان لم يكن بقى في يدك من نداوة وضوئك شئ فخذ ما بقى منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك، وان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك واشفار عينيك وامسحبه رأسك ورجليك، وان لم يبق من بلة وضوئك شئ اعدت الوضوء " ومثلها رواية زرارة (5). وهذه الروايات وان اشتركت في ضعف السند بناء على هذا الاصطلاح المحدث بين متأخري أصحابنا، إلا أنها معتضدة بالشهرة بينهم، وهي من المرجحات عندهم، مع ان فيها ما هو من مرويات الفقيه المضمون صحة ما تضمنه من مصنفه، كما اعتمدوا عليها لذلك في غير موضع من كلامهم، بل ورد مثل ذلك في حسنة الحلبي عن ابي عبد الله


(1) و (2) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء. (3) و (4) ج 1 ص 36. وفى الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء

[ 282 ]

(عليه السلام) (1) قال: " إذا ذكرت وأنت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك، فانصرف واتم الذي نسيته من وضوئك واعد صلاتك، ويكفيك من مسح رأسك ان تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك ". ومورد الاسئلة في هذه الاخبار وان كان النسيان، إلا انه لا قائل بالفرق، مع ان خصوص السؤال لا يخصص الجواب كما هو مقرر عندهم. وكيف كان فلا يخفى على المتأمل المنصف انه إذا كان جملة الاخبار البيانية الواردة في مقام التعليم على تعددها انما اشتملت على المسح بالبلة، واخبار النسيان كذلك وزيادة انه مع فقدها يعيد الوضوء فكيف، يبقى مع هذا قوة للتمسك باطلاق الآية ؟ على انه لو ورد خبر بلفظ الامر بالمسح بالبلة أو بلفظ النهي عن التجديد، لسارعوا إلى حمله على الاستحباب والكراهة، محتجين بعدم الجزم بدلالة الامر على الوجوب والنهي على التحريم، لشيوعهما في خلاف ذلك، وهو اجتهاد محض وتخريج صرف. والعجب من جملة من مشايخنا المحققين وعلمائنا المدققين من متأخرى المتأخرين، حيث انهم جعلوا مذهب ابن الجنيد بمجرد دلالة اطلاق الآية عليه في غاية القوة والجزالة واخذوا في المناقشات فيما ذكرنا من الروايات، وارتكاب جادة التأويلات البعيدة والتمحلات الغير السديدة، مما لا يصح النظر إليه ولا العروج عليه، فبعض منهم إنما اعتمد على انعقاد الاجماع بعد ابن الجنيد، وبعض منهم بعد الاستشكال انما التجأ إلى الاحتياط. على انه لو تم ابطال الاستدلال بمجرد الاحتمال في المقام. لا نسد هذا الباب في جملة الاحكام، إذ لا دليل إلا وهو قابل للاحتمال، ولا قول إلا وللقائل فيه مجال. هذا. ومما استدل به على المشهور ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2):


(1) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء.

[ 283 ]

"... فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقى من بلة يمناك تمسح به ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى " فان الجملة الخبرية بمعنى الامر الذي هو حقيقة في الوجوب. ورد بانه يجوز ان يكون قوله (عليه السلام): و " تمسح " معطوفا على قوله: " ثلاث غرفات " بتقدير " ان " فيكون داخلا في حيز الاجزاء لا جملة مستقلة مرادا بها الامر. وقد يناقش في ذلك بان المرتضى قد نقل في كتاب (الغرر والدرر) عن ابن الانباري انه يشترط في اضمار " ان " كذلك كون المعطوف عليه مصدرا لا اسما جامدا والجواب ان المعطوف عليه في الحقيقة مصدر للمرات، مع امكان المناقشة فيما ذكره ابن الانباري، لعدم الدليل عليه. واستدل في المختلف لابن الجنيد بموثقة ابي بصير (1) قال، " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسح الرأس، قلت: امسح بما في يدي من الندى رأسي ؟ قال: لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح ". وصحيحة معمر بن خلاد قال (2): " سألت أبا الحسن (عليه السلام) أيجزئ الرجل ان يمسح قدميه بفضل رأسه ؟ فقال برأسه ؟: لا. فقلت أبماء جديد ؟ فقال برأسه: نعم ". اقول: ومثلهما ايضا رواية ابي عمارة الحارثي (3) قال: " سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) امسح رأسي ببلل يدي ؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا ". وانت خبير بان مدلول هذه الروايات هو وجوب الاستئناف مع وجود البلة، وهذا لا ينطبق على مذهب ابن الجنيد، لتخصيصه ذلك بفقد البلة من اليد كما عرفت من عبارته.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء

[ 284 ]

وكيف كان فهذه الاخبار محمولة على التقية (1) كما صرح به جملة من اصحابنا. واستشكل السيد في المدارك هذا الحمل في صحيحة معمر بانها لا تنطبق عليه، لانها متضمنة لمسح الرجلين وهم لا يقولون به. ثم اجاب بانهم يعترفون بصحة اطلاق اسم المسح على الغسل بزعمهم الفاسد، وهو كاف في تأدى التقية. واعترض هذا الجواب شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين بان ما تضمنه الحديث من المسح بفضل الرأس يأبى عنه هذا التنزيل، ثم قال (قدس سره): " فلو نزل على مسح الخفين كان اولى " ثم رجح (قدس سره) ان ايماءه (عليه السلام) برأسه نهى لمعمر عن السؤال لئلا يسمعه المخالفون، فظن معمر انه (عليه السلام) انما نهاه عن المسح ببقية البلل، فقال: " أبماء جديد ؟ " فسمعه الحاضرون، فقال (عليه السلام): " نعم ". اقول: ويمكن الجواب - عما اعترض به من اباء المسح بفضل الرأس هذا


(1) في المغنى لابن قدامة ج 1 ص 130 " ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فصل عن ذراعيه، وهو قول ابى حنيفة والشافعي، والعمل عليه عند اكثر اهل العلم، قاله الترمذي، وجوزه الحسن وعروة والاوزاعي، ثم قال: ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: " مسح النبي (صلى الله عليه وآله) رأسه بماء غير فضل يديه " ولان البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ المسح به كما لو فصله في اناء ثم استعمله " وفى بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 11 " اكثر العلماء اوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الاعضاء " وفى جامع الترمذي ج 1 ص 53 من شرحه لابن العربي بعد ان ذكر رواية عبد الله بن زيد وغيره ان النبي (صلى الله عليه وآله) اخذ لرأسه ماء جديدا قال: " والعمل على هذا عند اكثر اهل العلم رأوا ان يأخذ لرأسه ماء جديدا " وفى احكام القرآن للشافعي ج 1 ص 50 " اخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكل عضو ماء جديدا " وقال في الام ج 1 ص 22: " والاختيار له ان يأخذ الماء بيديه فيمسح بهما رأسه معا: يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ويردهما إلى المكان الذي بدا منه ".

[ 285 ]

التنزيل - بانه من المحتمل انه بعد ان سأله عن المسح بفضل رأسه فقال: " لا " سأله ثانيا أيمسح بماء جديد ؟ كناية عن الغسل وانه يقدر الغسل دون المسح، بمعنى " أيغسل بماء جديد ؟ فاجازه (عليه السلام) تقية. هذا. والظاهر انه لا ورود لاصل الاشكال فلا يحتاج إلى ما تمحله كل من هذين العلمين من الاحتمال، وذلك فان المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى نقلا القول بجواز المسح عن الحسن البصري وان جرير الطبري وابي علي الجبائي، وتعين المسح فقط عن الشعبي وابي العالية وعكرمة وانس بن مالك ونقله الشيخ في الاستبصار عن بعض الفقهاء من غير تعيين. ونقل والدي (قدس سره) في بعض حواشيه الجواز ايضا عن احمد والاوزاعي الثوري، وان الانسان عندهم مخير بين الغسل والمسح، وحينئذ فيتم الحمل على التقية من غير اشكال، وعلى تقديره فالمراد مسح الرجل كلها بطنا وظهرا كما هو المنقول عنهم. ومما يمكن ان يستدل به لابن الجنيد حسنة منصور (1) قال، " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن نسى ان يمسح رأسه حتى قال في الصلاة قال: ينصرف ويمسح رأسه ورجليه " ورواية الكناني (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسى ان يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة ؟ قال: فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة ". ورواية ابى بصير عنه (عليه السلام) (3) " في رجل نسى ان يمسح رأسه فذكر وهو في الصلاة ؟ فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلاة، وان شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة وليمسح على رأسه، وان كان امامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء.

[ 286 ]

وهذه الاخبار قد اشتركت بحسب ظاهرها في الدلالة على الامر بالاستئناف متى ذكر نسيان المسح في صلاته والجواب عنها (اولا) - انها اخص من المدعى فلا تنهض حجة. و (ثانيا) - انه يحتمل حمل الامر بالمسح بعد الانصراف - بمعنى قطع الصلاة - على المسح من بلة شعره بناء على ان ثمة بلة حسبما تضمنته الروايات المتقدمة، وهذا الاحتمال في رواية ابي بصير اقرب منه في غيرها. واما الامر بالمسح فيها من بلل لحيته مع الشك فمحمول على الاستحباب استظهارا. واما الامر بتناول الماء ان كان امامه في صورة الشك فلعله مخصوص بهذه الصورة. و (ثالثا) - بحمل قوله (عليه السلام): " يمسح رأسه ورجليه " على انه كناية عن اعادة الوضوء بسبب فوات الموالاة، فان التعبير بمثله مجاز شائع في الاخبار، ومنه ما تقدم في حسنة الحلبي (1) حيث قال: " إذا ذكرت وانت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض، فانصرف واتم الذي نسيته... " فانه لا يستقيم على اطلاقه إلا بحمل الاتمام على اعادة الوضوء، إذ لو جف السابق على العضو المنسي المقتضى لفوات الموالاة، لم يكف الاتمام البتة بل تجب الاعادة. و (رابعا) بان بازائها من الاخبار المتقدمة ما هو صريح في ان الحكم في هذه الصورة هو الاخذ من بلة ما في الوجه والا فاعادة الوضوء، ويدل ايضا على الاعادة - زيادة على ما تقدم - موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " من نسى مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله في القرآن، كان عليه اعادة الوضوء والصلاة " وحينئذ فلابد من النظر في الترجيح ولا ريب انه في الروايات المتقدمة لموافقتها للمجمع عليه كما هو احد المرجحات المنصوصة، ولمخالفة ما عليه العامة الذي هو


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 42 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 35 - من ابواب الوضوء.

[ 287 ]

كذلك، والاحتياط الذي هو معدود منها ايضا، واعتضادها باخبار الوضوء البياني، فيتعين حمل هذه الاخبار على احد المحامل المذكورة آنفا، أو الحمل على التقية (1). فائدة اعلم ان جملة من محققي متأخرى المتأخرين صرحوا بان الاخذ من بلة الوجه لا يتقيد بفقد البلة من اليد، بل يجوز وان كان فيها بلة تجزئ للمسح، قالوا: والتعليق في عبارات الاصحاب انما خرج مخرج الغالب، وانه لا يختص الاخذ من هذه المواضع بل يجوز من جميع محال الوضوء، وتخصيص الشعر لكونه مظنة البلل. ولا يخفى ان الحكم الاول لا يخلو من شوب الاشكال، لعدم الدليل على ذلك إذ المستفاد من اخبار الاخذ من بلة الوجه تقييد ذلك بحال النسيان والدخول في الصلاة التي هي مظنة جفاف اليد كما لا يخفى، واخبار الوضوء البياني - على تعددها وكثرتها - انما اشتملت على المسح بنداوة اليد ولم يتضمن شئ منها الاخذ من بلة الوجه، فمن المحتمل قريبا ان يكون الاخذ من بلة الوجه انما هو لضرورة جفاف اليد حينئذ وبدونه فلا يجوز، والاحتياط تركه إلا مع الجفاف. (الثامن) - قد ذكر جملة من اصحابنا انه لا يجوز المسح بغير اليد اتفاقا، وان الظاهر تعينه بالباطن لانه المتيقن، الا ان يتعذر فيجوز بالظاهر، وان الاولى كونه في الناصية باليد اليمنى، وانه يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليسرى. ولا يخفى عليك ان المسح باليمنى في الموضعين الاولين واليسرى في الاخير وان كان مما ظاهرهم الاتفاق على استحبابه. الا انه لا يخلو من شوب الاشكال، لما عرفت في مسألة الابتداء بالاعلى، الا ان يحمل " وتمسح " على الدخول في حيز الاجزاء بعطف " وتمسح " على " ثلاث غرفات " كما عرفت، فيضعف الاشكال على ما ذكرنا


(1) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 284.

[ 288 ]

وكذلك الاستحباب على ما ذكروا. وذكروا ايضا ان الواجب كونه بالاصابع. ولو تعذر المسح بالكف فقد صرح في الذكرى بالمسح بالذراع. وفيه اشكال. وهل يشترط تأثير المسح في الممسوح ؟ قولان، اظهرهما واحوطهما الاول وفاقا للعلامة في التذكرة والسيد السند في المدارك. الركن الخامس - مسح الرجلين والكلام فيه يقع في موارد: (الاول) - وجوب مسح الرجلين دون غسلهما مما انعقد عليه اجماع الامامية (انار الله برهانهم) فتوى ودليلا كتابا وسنة، ووافقنا عليه بعض متقدمي العامة، وآخرون خيروا بينه وبين الغسل، وبعض جمعوا بينهما، واستقر فتوى الفقهاء الاربعة على وجوب الغسل خاصة (1).


(1) في عمدة القارئ ج 1 ص 657 " المذاهب في وظيفة الرجلين اربعة: (الاول) - مذهب الائمة الاربعة من اهل السنة ان وظيفتها الغسل. (الثاني) - مذهب الامامية من الشيعة الفرض مسحهما. (الثالث) - مذهب الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري وابى على الجبائى التخيير بين الغسل والمسح. (الرابع) - مذهب اهل الظاهر وهو رواية عن الحسن الجمع بين الغسل والمسح، ثم ذكر الاخبار المصرحة بغسل النبي (صلى الله عليه وآله) رجليه وبعدها ذكر الاحاديث المصرحة بمسح النبي (صلى الله عليه وآله) رجليه كحديث جابر الانصاري وعمر واوس ابن اوس وابن عباس وعثمان ورجل من قيس. ثم ذكر حديث رفاعة بن رافع قال: " غسل النبي (صلى الله عليه وآله) وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين " قال: " وحديث رفاعة حسنه أبو على الطوسى والترمذي وابو بكر البزاز وصححه الحافظ ابن حبان وابن حزم " وفى اختلاف الحديث على هامش الام ج 7 ص 60 واحكام القرآن ج 1 ص 50 كلاهما للشافعي " غسل الرجلين كمال والمسح رخصة وكمال وايهما شاء فعل " وفى تفسير للطبري ج 10 ص 59 من الطبعة تحقيق محمود محمد شاكر واحمد محمد شاكر " عن جابر =

[ 289 ]

والكلام في دلالة الآية (1) على وجوب المسح ونفى الغسل مما تكفل به مطولات اصحابنا (جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء). لكن روى الشيخ (رحمه الله) في التهذيب (2) عن غالب بن الهذيل قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: وامسحوا برؤوسكم وارجلكم إلى الكعبين (3) على الخفض هي ام على النصب ؟ قال: بل هي على الخفض " ولا يخفى انه على تقدير النصب يدل على المسح ايضا بالعطف على محل الرؤوس، كما تقول: مررت بزيد وعمرا. الا انه ربما يفهم من هذه الرواية ان قراءة اهل البيت (عليهم السلام) انما هي على الخفض وان كان النصب مما يقرأون به في ذلك الوقت، كما هو احد القراءات السبع للمشهورة الآن، فانا قد حققنا في كتاب المسائل - وسيأتي ان شاء الله تعالى في هذا الكتاب التنبيه عليه في محله - ان هذه القراءات السبع فضلا عن العشر ان ادعى بعض علمائنا (رضوان الله عليهم) تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ان الثابت في اخبارنا - وعليه جملة من أصحابنا - خلافه وان صرحت اخبارنا بالرخصة لنا في القراءة بها حتى يظهر صاحب الامر (عجل الله تعالى فرجه). وليس بالبعيد ان هذه القراءة كغيرها من المحدثات في القرآن العزيز، لثبوت


= عن ابى جعفر قال: امسح على رأسك وقدميك. وعن الشعبى نزل جبريل بالمسح، ألا ترى التيمم يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحا. وعن عامر نزل جبريل بالمسح، ثم قال ابن جرير: الصواب عندنا ان الله تعالى امر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما امر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك المتوضئ فهو ماسح غاسل لان غسلهما امرار الماء عليهما أو اصابتهما بالماء ومسحهما امرار اليد ما قام مقامها عليهما " وبذلك كله يظهر لك ان قول ابن كثير في تفسيره ج 2 ص 26: " ومن اوجب من الشيعة مسحهما فقد ضل واضل " جرأة لا تغفر وعثرة لا تقال. (1) و (3) سورة المائدة. الآية 2. (2) ج 1 ص 20، وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء

[ 290 ]

التغيير والتبديل فيه عندنا زيادة ونقصانا. وان كان بعض اصحابنا ادعى الاجماع على نفي الاول، إلا ان في اخبارنا ما يرده، كما انهم تصرفوا في قوله تعالى في آية الغار لدفع العار عن شيخ الفجار، حيث ان الوارد في اخبارنا انها نزلت: "... فانزل الله سكينته على رسوله وايده بجنود لم تروها... " (1) فحذفوا لفظ " رسوله " وجعلوا محله الضمير. ويقرب بالبال - كما ذكره ايضا بعض علمائنا الابدال - ان توسيط آية "... إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... الآية " (2) في خطاب الازواج من ذلك القبيل. هذا، وما يدل على وجوب المسح ونفى الغسل من اخبارنا فمستفيض، بل الظاهر انه من ضروريات مذهبنا. واما ما في موثقة عمار - عن ابي عبد الله (عليه السلام) " (3) في الرجل يتوضأ الوضوء كله الا رجليه ثم يخوض بهما الماء خوضا ؟ قال: اجزأه ذلك " - فمحمول على التقية وصحيحة ايوب بن نوح - (4) قال: " كتبت إلى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله عن المسح على القدمين. فقال: الوضوء بالمسح ولا يجب فيه إلا ذلك، ومن غسل فلا بأس " - فيحتمل الحمل على التقية ايضا، فان منهم من قال بالتخيير كما تقدم (5) والحمل على التنظيف كما احتمله الشيخ في التهذيب مستدلا عليه بصحيحة ابي همام عن ابي الحسن (عليه السلام) (6) " في وضوء الفريضة في كتاب الله المسح، والغسل في الوضوء للتنظيف " وروى زرارة مضمرا في الصحيح (7) قال قال لي: " لو انك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم اضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء، ثم قال: ابدأ بالمسح على الرجلين، فان بذلك غسل فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض ".


(1) سورة التوبة. الآية 40. (2) سورة الاحزاب. الآية 33 (3) و (4) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء (5) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 288.

[ 291 ]

قال المحدث الكاشاني في الوافي (1) بعد ذكر هذه الرواية: " لعل المراد بالحديث انه ان كنت في موضع تقية فابدأ اولا بالمسح ليتم وضوؤك ثم اغسل رجليك، فان بدا لك اولا في الغسل فغسلت ولم يتيسر لك المسح، فامسح بعد الغسل حتى تكون قد اتيت بالفرض في آخر امرك " انتهى. وقال شيخنا الشهيد في الذكرى: " ولو اراد التنظيف قدم غسل الرجلين على الوضوء، ولو غسلهما بعد الوضوء لنجاسة مسح بعد ذلك، وكذا لو غسلهما للتنظيف، وفي خبر زرارة قال: ان بدا لك فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض " انتهى. (الثاني) - المشهور - بل ادعى عليه في الانتصار الاجماع، وهو ظاهر العلامة في المنتهى حيث نسبه إلى علمائنا اجمع، وفي التذكرة حيث قال: انه اجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) - وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولا ولو بمسماه عرضا، استنادا إلى ظاهر الكتاب بجعل " إلى " غاية للمسح، وجملة من الاخبار البيانية المشتملة على كون مسحهم (عليهم السلام) إلى الكعبين. ويدل عليه ايضا صحيحة البزنطي عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى الظاهر القدم... الحديث ". وتردد المحقق في المعتبر ثم رجح وجوب الاستيعاب لظاهر الآية. واحتمل في الذكرى عدم الوجوب، وبه جزم المحدث الكاشاني في المفاتيح، ونفى عنه البعد صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل. ولا يخفى انه لو ثبت جعل " إلى " هنا غاية للمسح كما ذكروه، لقوى الاعتماد على المشهور، لكن ثبوت جواز النكس - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - مما يمنع ذلك


(1) ج 4 ص 46. (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء

[ 292 ]

فالاظهر جعلها غاية للممسوح، ويؤيد ذلك ايضا قرينة السياق، فانها في المرفقين غاية للمغسول اتفاقا. واما الاستناد إلى بعض اخبار الوضوء البياني في الوجوب فمحل اشكال، لعدم الصراحة في ذلك، لاشتمال بعضها على مسح الرجلين وبعض على ظهر القدمين الصادق عرفا بمسح البعض، كاشتماله على مسح الرأس في بعض والمقدم في آخر مع الاتفاق على عدم الاستيعاب فيه، فكذا فيهما. ومما يدل على هذا القول ايضا الاخبار الدالة على عدم استبطان الشراكين حال المسح كما في حسنة الاخوين عن الباقر (عليه السلام) (1) حيث قال (عليه السلام): "... ولا يدخل اصابعه تحت الشراك... ". وحسنة زرارة عنه (عليه السلام) (2): " ان عليا (عليه السلام) مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين ". وضعيفته ايضا (3): " ان عليا (عليه السلام) توضأ ثم مسح على نعليه ولم يدخل يده تحت الشراك ". ورواية جعفر بن سليمان (4) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدمه، أيجزيه ذلك ؟ قال: نعم ". ويؤيده ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة الاخوين (5): " قال الله تعالى:


(1) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 و 38 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. وسند الرواية في الكافي ج 1 ص 10 والوافى ج 4 ص 44 عنه هكذا: عن جعفر بن سليمان عن عمه قال... الخ، وفى التهذيب عن الكافي ج 1 ص 18 والوسائل وجامع الرواة ج 1 ص 152 عنه ايضا هكذا: عن جعفر بن سليمان عمه قال... الخ

[ 293 ]

وامسحوا برؤوسكم وارجلكم... (1) فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى آخر اطراف الاصابع فقد اجزأه... ". وقال في حسنتهما (2) ايضا: " ثم قال: وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين. فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى اطراف الاصابع فقد اجزأه... ". وفي صحيحتهما الاخرى (3) " انه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى اطراف الاصابع فقد اجزأك ". وهي ظاهرة - كما ترى - في كون التحديد في الآية للممسوح لا للمسح، حيث ان " إلى " في كلامه (عليه السلام) قرنت بالاصابع دون الكعبين عقيب الاستدلال بالآية في الروايتين الاولتين، فهو كالتفريع عليها والتفسير لها، قال شيخنا صاحب رياض المسائل (رحمه الله): و " ما " في " ما بين الكعبين " كما تحتمل الموصولية المفيدة للعموم والابدال من " شئ " فيفيد بمفهوم الشرط توقف الاجزاء على مسح مجموع المسافة الكائنة بينهما وهو يستلزم الوجوب، فكذا تحتمل الموصوفية مع الابدال منه، وكلاهما مع كون " ما " واقعة على المكان منتصبة انتصاف الظرف، والعامل فيه ما عمل في الجار والمجرور الواقع صفة ل‍ " شئ " من الكون، أو بدلا من قدميه أو من رجليه المبدل منه قدميه بدلا بعد بدل أو بدلا من البدل، فيفيد بالمنطوق دون المفهوم الاجتزاء بمسح جزء من المسافة المذكورة. والاحتمالات الاخيرة - مع تعددها وانحصار مخالفها في فرد


(1) سورة المائدة. الآية 6. (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. ولا يخفى ان الفرق بين الصحيحة والحسنة انما هو في الطريق، فان الاولى هي رواية الشيخ والثانية رواية الكليني وقد رواها في الوسائل عن الكليني ثم قال: ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد... الخ (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء.

[ 294 ]

واظهريتها أقل تخصيصا واوفق بالاصل، فوجب المصير إلى ما اشتركت في الدلالة عليه إلا أن يثبت الاجماع على خلافه. انتهى. وهو جيد وجيه وبالجملة فانه لا ظهور في شئ من الآية والروايات المتعلة بالمسألة في الدلالة على القول المشهور سوى صحيحة البزنطي المتقدمة (1) مع معارضتها بما ذكر من الاخبار المذكورة، الا ان الاحتياط في الوقوف على المشهور، وحينئذ فتحمل صحيحة البزنطي المتقدمة على الاستحباب. هذا بالنسبة إلى الاستيعاب الطولى. واما العرضي فقد نقلوا الاجماع على عدمه ومنهم العلامة في التذكرة والمنتهى، الا انه في التذكرة - بعد ان ذكر ما قدمنا نقله عنه آنفا باسطر يسيرة - قال: " ويستحب أن يكون بثلاث اصابع مضمومة، وقال بعض علمائنا يجب " انتهى. وفي المختلف نسبه إلى المشهور مؤذنا بالخلاف فيه. ويدل على المشهور ما تقدم (2) من صحيحتي الاخوين وحسنتهما وروايات عدم استبطان الشراكين في المسح مع اعتضادها بالاصل. وعلى الثاني ظاهر الآية وصحيحة البزنطي المتقدمة (3) حيث قال الراوي بعد نقل ما تقدم منها: " قلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال باصبعين من اصابعه هكذا ؟ فقال: لا إلا بكفه كلها " ولا يخفى ما فيها من المبالغة في الاستيعاب، حيث انه مفهوم اولا من قوله: " فمسحها " ثم من النهى الصريح. ويؤيده قوية عبد الاعلى (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ فقال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج. امسح عليه ".


(1) و (3) في الصحيفة 291 (2) في الصحيفة 292 و 293. (4) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء.

[ 295 ]

ورواية معمر بن عمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " يجزئ من المسح على الرأس ثلاث اصابع، وكذلك الرجل ". والمسألة لا تخلو من اشكال، ولو لا اخبار المسح وعدم استبطان الشراكين، لكان القول بمضمون هذه الروايات في غاية القوة، فان ما عداها قابل للتأويل والتقييد بهذه الاخبار. وحمل هذه الاخبار على الاستحباب - كما هو المشهور - ليس اولى مما قلناه، فان صراحة صحيحة البزنطي فيما دلت عليه - كما قدمنا الاشارة إليه، مع الاعتضاد بظاهر الآية والروايتين المذكورتين. واجمال الشئ في روايات الاخوين - مما يرشد إليه ويحمل عليه. واعتضاد تلك بدعوى الاجماع - كما قيل - ممنوع بعد وجود الخلاف كما عرفت، مع ما في الاجماع المدعى في امثال هذه المقامات من المناقشة الظاهرة، ولهذا قال السيد السند في المدارك - بعد نقل الاجماع على الاكتفاء بالمسمى ولو باصبع واحدة عن المعتبر والتذكرة، والاستدلال بصحيحة زرارة (2) - ما لفظه: " ولولا ذلك لامكن القول بوجوب المسح بالكف كلها. لصحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر (3) " ثم ساق الرواية وقال: " فان المقيد يحكم على المطلق. ومع ذلك فالاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه، لصحة الخبر وصراحته واجمال ما ينافيه " انتهى وهو جيد ثم انه على تقدير وجوب الاستيعاب طولا فهل يجب ادخال الكعبين في المسح ام لا ؟ وجهان بل قولان مبنيان على ما سبق في المرفقين. الا ان ظاهر صحيحتي الاخوين واخبار عدم استبطان الشراكين (4) العدم هنا. والاحتياط في امثال هذه المقامات مما ينبغي المحافظة عليه. (الثالث) هل الكعبان هما قبتا القدمين ما بين المفصل والمشط، كما هو


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (2) المتقدمة في الصحيفة 292. (3) المتقدمة في الصحيفة 294. (4) المتقدمة في الصحيفة 292 و 293.

[ 296 ]

المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه جمع منهم الاجماع. أو ملتقى الساق والقدم المعبر عنه بالمفصل بين الساق والقدم، كما عليه العلامة وجمع ممن تأخر عنه، كالشهيد الاول في الرسالة وان بالغ في التشنيع عليه في الذكرى، وصاحب الكنز، وشيخنا البهائي، والمحدث الكاشاني، والمحدث الحر العاملي، وجمع من متأخرى المتأخرين ؟ اشكال ينشأ من تعارض كلام اهل اللغة في هذا المقام، وتدافع اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) مع دخول التأويل في اخبار كل من الطرفين وقبول الانطباق على كل من الجانبين وتفصيل هذه الجملة على وجه الاختصار انه قد نقل اول الشهيدين في الذكرى وثاني المحققين في شرح القواعد، ان لغوية العامة مختلفون في ذلك. واما لغوية الخاصة فهم متفقون على انه بمعنى المشهور. ونقل شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين ان الكعب يطلق على معان اربعة: (الاول) - العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع بين المفصل والمشط. (الثاني) - المفصل بين الساق والقدم (الثالث) - عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم له زائدتان في اعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق وزائدتان في اسفله يدخلان في حفرتي العقب، وهو نات في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي ولكن نتوه غير ظاهر لحسن البصر لارتكاز اعلاه في حفرتي الساق، وقد يعبر عنه بالمفصل، لمجاورته له أو من قبيل تسمية الحال باسم المحل. (الرابع) - احد الناتيين عن يمين القدم وشماله. واقول: المعنى الاول هو الذي عليه جمهور الاصحاب، والثالث هو الذي نسبه (قدس سره) للعلامة وان عبر عنه بالمفصل مجازا كما ذكره، وعلى هذا فالثاني يرجع إلى الثالث، والرابع هو الذي عليه العامة. ثم نقل (قدس سره) جملة من كلام العامة كالفخر الرازي في تفسيره الكبير، فانه قال: " قالت الامامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: ان الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل

[ 297 ]

الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن، وكان الاصمعي يختار هذا القول، ثم قال: حجة الامامية ان اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في ارجل جميع الحيوانات، فوجب ان يكون في حق الانسان كذلك " ومثله كلام صاحب الكشف وكلام النيشابوري، ثم نقل جملة من كلام علماء التشريح. وعورض بان ابن الاثير قال - بعد ذكر الكعب بالمعنى الذي عليه العامة - ما لفظه: " وذهب قوم إلى انهما العظمان اللذان في ظهر القدم، وهو مذهب الشيعة، ومنه قول يحى بن الحرث: رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم " ومثل ذلك نقل عن صاحب لباب التأويل، ونقل الشهيد في الذكرى عن العلامة اللغوى عميد الرؤساء انه صنف كتابا في تحقيق معنى الكعب واكثر فيه من الشواهد على ان الكعب هو الناشز في ظهر القدم امام الساق حيث يقع معقد الشراك من النعل، ويظهر من الصحاح ان ذلك قول اكثر الناس، حيث قال: " وانكر الاصمعي قول الناس انه في ظهر القدم " وقال في الذكرى ايضا: " ومن أحسن ما ورد في ذلك ما ذكره أبو عمرو الزاهد في كتاب فائت الجهرة، قال: اختلف الناس في الكعب، فاخبرني أبو نصر عن الاصمعي انه الناتي في اسفل الساق عن يمين وشمال، واخبرني سلمة عن الفراء قال هو في مشط الرجل وقال هكذا برجله، قال أبو العباس فهذا الذي يسميه الاصمعي الكعب هو عند العرب المنجم، قال: واخبرني سلمة عن الفراء عن الكسائي قال قعد محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) في ملجس كان له وقال: ههنا الكعبان قال فقالوا هكذا فقال: ليس هو هكذا ولكنه هكذا واشار إلى مشط رجله، فقالوا له: ان الناس يقولون هكذا فقال: لا، هذا قول الخاصة وذاك قول العامة " انتهى. وانت خبير بان المعنى الثالث - من المعاني التي ذكرها شيخنا البهائي وهو الذي ادعى انه مراد العلامة لم يذكر في كلام أحد من اهل اللغة وان ذكره جملة من علماء العامة ونسبوه إلى الشيعة كما نقله، وذكره علماء التشريح ايضا. وما توهمه من عبارة

[ 298 ]

القاموس - حيث قال - بعد تفسيره بالمفصل والعظم الناشز فوق القدم والناشزين من جانبي القدم - ما لفظ: " والذي يلعب به كالكعبة " - فغير صريح في المعنى الذي اراده، لاحتمال حمله على كعب النرد كما ذكره في النهاية، حيث قال: " الكعاب فصوص الترد واحدها كعب وكعبة، واللعب بها حرام " انتهى، بل هذا المعنى اظهر. هذا ما يتعلق بذلك من كلام أهل اللغة. واما كلام علمائنا (رضوان الله عليهم) في هذا المقام فاكثر عباراتهم - تصريحا في بعض وتلويحا في آخر - انما ينصب على القول المشهور سيما عبارة الشيخ المفيد، فانها في ذلك على غاية من الظهور حيث قال: " الكعبان هما قبتا القدمين امام الساقين ما بين المفصل والمشط " وظاهر الشيخ في التهذيب - بعد نقل العبارة المذكورة - القول بذلك بل دعوى الاجماع على ان الكعب هو ذلك، حيث قال: " ويدل عليه اجماع الامة، فانهم بين قائل بوجوب المسح دون غيره ويقطع على ان المراد بالكعبين ما ذكرناه، وقائل بوجوب الغسل عينا أو تخييرا بينه وبين المسح ويقول الكعبان هما العظمان الناتيان خلف الساق، ولا قول ثالث، فإذا ثبت هذا بالدليل الذي قدمنا ذكره وجوب مسح الرجلين وانه لا يجوز غيره ثبت ما قلناه من ماهية الكعبين " انتهى. ولا يخفى عليك ما فيه من الصراحة في المعنى المشهور. وجملة من عبارات الاصحاب كأبن ابي عقيل والسيد المرتضى وابي الصلاح والشيخ في اكثر كتبه وابن ادريس والمحقق قد اشتركت في وصف الكعبين باوصاف متلازمة، من وصفه بالنتو في ظهر القدم عند معقد الشراك في بعض. وكونه في ظهر القدم في اخرى، وكونه معقد الشراك في ثالثة، والنتو في وسط القدم في رابعة، وكونهما في ظهر القدم عند معقد الشراك في خامسة، وانهما معقدا الشراك في سادسة، وكونهما قبتي القدم في سابعة.

[ 299 ]

والعلامة (رحمه الله) قد ادعى انصباب هذه العبارات على ما ذهب إليه وادعى اشتباهها على غير المحصل، وشيخنا البهائي (طاب ثراه) اوضح هذه الدعوى بان هذه العبارات لا تأبى الانطباق على ما ذهب إليه العلامة من المعنى الثالث من معاني الكعب المتقدمة، لان غاية ما يتوهم منه المنافاة وصفه بالنتو في وسط القدم، والعلامة قد فسره في التذكرة والمنتهى بذلك لكنه يقول ليس هو العظم الواقع امام الساق بين المفصل والمشط بل هو العظم الواقع في ملتقى الساق والقدم، وهو الذي ذكره المشرحون، وهو - كما تقدم - نات في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي ولكن نتوه غير ظاهر لحس البصر لارتكاز اعلاه في حفرتي الساق، وربما عبر عنه في بعض كتبه بحد المفصل وفي بعضها بمجمع الساق والقدم وفي بعضها بالناتي في وسط القدم وفي بعضها بالمفصل، أنتهى اقول: وانت إذا اعطيت التأمل حقه من الانصاف وجدت ان تنزيل عبائر الاصحاب على ما ذكره (رحمه الله) في غاية الاعتساف، فان المتبادر من الوسط هو ما كان في الطول والعرض ومن الارتفاع والنتو هو ما كان محسوسا مشاهدا، ولو كان المراد بالكعب هذا المعنى الذي لا يفهمه إلا علماء التشريح دون سائر العلماء فضلا عن المتعلمين لا وضحوه بعبارات جلية وبينوه بكلمات واضحة غير خفية، ولما اقتصروا في وصفه على مجرد النتو والارتفاع الغير المحسوس الذي هو من قبيل تعريف المجهول بما هو اخفى نعم في عبارة ابن الجنيد ما يوهم ذلك، حيث قال: " الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق، وهو المفصل الذي هو قدام العرقوب " ويحتمل رجوع ضمير " هو " إلى عظم الساق ويكون المراد انه عند عظم الساق، بقرينة سابق كلامه من قوله: " الكعب في ظهر القدم " هذا خلاصة ما يتعلق بكلام الاصحاب. واما الاخبار الواردة في هذا المضمار (فمنها) صحيحة الاخوين (1) حيث قال فيها: " فقلنا اين الكعبان ؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.

[ 300 ]

ما هذا ؟ قال: هذا عظم الساق والكعب اسفل من ذلك " وقوله: " والكعب اسفل من ذلك " في رواية الكافي دون التهذيب. وهذا الحديث هو عمدة ادلة العلامة ومن تابعه، وهو ظاهر فيما ادعوه، إلا ان للمجيب ان يقول - بناء على ظهور غيره من الاخبار في المعنى المشهور وظهور عبارات الاصحاب في خلافه - كما عرفت غاية في الظهور -: (اولا) - بانه وان ظهر ذلك بالنسبة إلى رواية التهذيب إلا انه بالنظر إلى الزيادة التي في الكافي من قوله: " والكعب أسفل من ذلك " لا يخلو من اشكال، فانه اما أن يكون المشار إليه في قوله: " هذا من عظم الساق " على ما في الكافي أو " هذا عظم الساق " على ما في التهذيب المنجم أو منتهى عظم الساق، فان كان الاول فهو عند المفصل كما قال في النهاية: " الكعبان: العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم من الجنبين " وحينئذ فحكمه (عليه السلام) بان الكعب أسفل من ذلك ظاهر في انه المعنى المعروف عند القوم، وان كان الثاني فالامر اوضح، فعلى هذا يجب حمل قوله: " ههنا يعني المفصل " على انه قريب إلى المفصل لئلا يلزم التناقض. فان قيل: انه يمكن حمل قوله: " أسفل من ذلك " على التحتية كما يدعيه شيخنا البهائي (قدس سره) فلا يلزم التناقض. قلنا: ان لم يكن ما ذكرنا من حمل الاسفلية على الكعب المشهور اظهر لظهور ذلك لكل ناظر وتبادره لكل سامع، فلا أقل من المساواة، وبه ينتفي ظهور الرواية في المدعي فضلا عن اظهريتها. و (ثانيا) بانها معارضة بما سيأتي من الاخبار فيجب ارتكاب التجوز فيها جمعا ومن تلك الاخبار صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع كفه على الاصابع


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء

[ 301 ]

فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم... ". وهذا مما استدل به العلامة ايضا على ما ذهب إليه، وجملة من الاصحاب نقلوا الخبر بلفظ " ظهر " بدل " ظاهر " وعلى ايهما كان فقوله " إلى ظاهر " أو " ظهر " بدل من قوله " إلى الكعبين " وهو محتمل للمعنى المشهور بناء على ان الظاهر يقال لغة لما ارتفع، قال في القاموس: " والظواهر اشراف الارض " وقال في مادة شرف: " الشرف محركة: العلو، والمكان العالي " انتهى. والظهر ايضا يقال لما ارتفع وغلظ من الارض كما في القاموس ايضا، وعلى كل من النسختين فانطباقه على المشهور ظاهر ويحتمل حمل الظهر والظاهر على ما قابل البطن والباطن كما استدل به للقول الآخر، ولكن لابد من تتميمه بحمل الظهر أو الظاهر على الاستيعاب طولا لعدم قرينة البعضية، فيكون المراد به نهايته المتصلة بالساق. ويمكن الجواب بالحمل على الاستيعاب بقرينة ان ما اشتملت عليه الرواية سوى أصل المسح - من الاستيعاب الطولي بناء على ما اسلفنا تحقيقه، والعرضي كما اوضحناه ايضا، والابتداء بالاصابع - كله مستحب. و (منها) - حسنة ميسر بن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " الوضوء واحد، ووصف الكعب في ظهر القدم " واورد في التهذيب هذه الرواية في موضع بهذه الكيفية وفي موضع آخر بهذا السند والمتن ولكن بلفظ " واحدة " بدل " واحد " ولفظ: " ميسرة " بدل " ميسر " كما هو في الكافي كذلك. وروايته الاخرى ايضا عنه (عليه السلام) (1) في حكاية الوضوء البياني، قال فيها: " ثم مسح رأسه وقدميه ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال: هذا هو الكعب، قال وأومأ بيده إلى اسفل العرقوب ثم قال: ان هذا هو الظنبوب ". وهاتان الروايتان مما استدل به القائلون بالقول المشهور من حيث تضمنهما ان


(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء

[ 302 ]

الكعب في ظهر القدم، والمتبادر من ذلك - كما عرفت - هو ما ظهر في وسطه الطولي المعبر عنه فيما تقدم من كلامهم بالناتي في وسط القدم والناتي في ظهر القدم أي ما كان نتوه ظاهرا محسوسا. واما القائلون بالقول الآخر فتاولوا كونه في الظهر بمعنى كونه واقعا فيه وان كان في منتهاه وخفي على الحس. قال في الوافي - بعد نقل أول هذين الخبرين - ما لفظه: (ووصف الكعب في ظهر القدم لا ينافي كونه المفصل، لانه في ظهرها ومنتهاها. وانما قال ذلك ردا على المخالفين حيث جعلوهما في طرفي القدم وجانبيها " انتهى. وقال شيخنا البهائي: " على ان قول ميسر - في الحديث الثالث: ان الباقر وصف الكعب في ظهر القدم - يعطي ان الامام (عليه السلام) ذكر للكعب اوصافا ليعرفه الراوي بها، ولو كان الكعب هذا الارتفاع المحسوس المشاهد لم يحتج إلى الوصف بل كان ينبغي أن يقول: هو ذا، وقس عليه قوله (عليه السلام) في الحديث الاول: " ههنا " بالاشارة إلى مكانه دون الاشارة إليه " انتهى. اقول: قد قال في رواية ميسر الثانية " هو هذا " فان كان ذلك يكفي في الدلالة على المعنى المشهور فينبغي ان يوافق عليه شيخنا المذكور. وبالجملة لما كان الكعب يطلق على كل من المعنيين المذكورين فحمل الروايات جملة على احدهما دون الآخر يحتاج إلى دلالة بينة واضحة وقرينة مفصحة راجحة، وقد عرفت ان الاحتمالات قائمة من الطرفين ومتصادمة من الجانبين وان ادعى كل من القائلين رجحان ما ذهب إليه وقوة ما اعتمد عليه، إلا ان الحق ان ذلك مما يدخل تلك الاخبار في حيز المشتبهات ويوجب العمل بالاحتياط في المسألة. ويقوى عندي ما ذهب إليه بعض الفضلاء من متأخري المتأخرين في هذا المقام وان كان خلاف ما عليه جملة من متأخري علمائنا الاعلام، حيث قال بعد نقل جملة من كلام القوم

[ 303 ]

على العلامة وما اوقعوه به من الشناعة والملامة: " هذا ملخص ما شنعوا به عليه، وعند امعان النظر في كلام العلامة وملاحظة ما اورده في غير المختلف يعلم انه لم يخرج بقوله عن المشهور بل هو عينه الا انه بسبب قصده لتطبيق النص عليه خرج في بعض عباراته عن المعهود من كلامهم، وبيان ذلك انه (رحمه الله) قال في التذكرة: " ومحل المسح ظهر القدمين من رؤوس الاصابع إلى الكعبين، وهما العظمان الناتيان في وسط القدم، وهما معقد الشراك اعني مجمع الساق والقدم، ذهب إليه علماؤنا اجمع، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني لانه مأخوذ من " كعب ثدي المرأة إذا ارتفع " ولقول الباقر (عليه السلام) وقد سئل فاين الكعبان ؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق " وقال في المنتهى: " ذهب علمائنا إلى ان الكعبين هما العظمان الناتيان في وسط القدم، وهما معقدا الشراك، وبه قال محمد بن الحسن من الجمهور، وخالف الباقين فيه وقالوا ان الكعبين هما الناتيان في جانبي الساق، وهما المسميان بالظنابيب " ثم أخذ في الاستدلال واورد صحيحة زرارة وبكير ابني اعين المذكورة (1) وروايتي ميسر المتقدمتين (2) إلى ان قال: فروع (الاول) - قد تشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب. والضابط فيه ما رواه زرارة، واورد الرواية، وفي القواعد عرف الكعبين بانهما حد المفصل بين الساق والقدم، وفي الارشاد انهما مجمع القدم واصل الساق، والمفهوم من خلال هذه العبارات انه اطلق المفصل على العظمين الناتيين تارة واطلق عليهما الحد والمجمع تارة اخرى، وكلامه في التذكرة صريح في ذلك، حيث فسر العظمين الناتيين بانهما معقدا الشراك وفسر معقد الشراك بانه مجمع الساق والقدم، وفي المنتهى قريب منه ولما كان مدلول رواية زرارة واخيه يقتضي ان الكعبين هما المفصل حيث فسر الامام (عليه السلام) فيهما الكعبين بانهما المفصل دون عظم الساق ورأي علمائنا اطبقوا على انهما العظمان الناتيان، أراد الجمع بين الكلامين فحمل على ذلك باعتبار كون


(1) في الصحيفة 299 (2) في الصحيفة 301

[ 304 ]

طرفي ذينك العظمين مما يلي الساق حد المفصل والساق لان عظم الساق متصل بهما، فاطلق عليهما المفصل من جهة كونهما حدا له وبداية لحصوله، فيكون تعريفهما بالمفصل باعتبار نهايتهما، وغاية الامر ان ذلك على طريق التجوز لعلاقة المجاورة، وليس في كلامه ما ينفي ارادة المعنى المشهور بوجه من الوجوه، بل مقتضى نقله اتفاق علمائنا اجمع عليه انه لا يحتمل إرادة غيره، وبسبب انه مخالف لظاهر الرواية كما ذكرنا نبه عليه بانه اشتباه على غير المحصل وان المحصل يعرف ان المراد بالكعبين هو المفصل باعتبار كونه حدا ونهاية لهما وذلك اطلق عليهما، وربما كانت الحكمة في هذا الاطلاق من الامام (عليه السلام) ارادة ايصال المسح إلى نهاية الكعب، ولا يليق حمل كلام العلامة على ما فهموه منه، لانه يلزم من ذلك مناقضة اول كلامه لآخره والخروج عن نقل الاجماع عليه وعدم فهمه المعنى الظاهر من عبارات الاصحاب، وذلك لا ينسب لا دون الناس وابلدهم فضلا عن مثل جلالة قدر العلامة (رحمه الله) ومما يؤكد ذلك ان المحقق في المعتبر استدل على كون الكعبين هما العظمان الناتيان بهذه الرواية، فلولا ان المراد بالمفصل ما أشرنا إليه لم يتجه له الاستدلال بها على ذلك " انتهى كلامه زيد مقامه، وانما نقلناه بطوله ليظهر لك حسنه وجودة محصوله. واقول: ربما يتسارع الناظر - لالفة ذهنه بما زعمه القوم في هذه المسألة من التحقيق - إلى انكار ما ذكره هذا الفاضل من التلفيق، وعند التأمل الصادق يجده اقرب مما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) فانه (طاب ثراه) وان دقق النظر في المقام وايده بكلام اولئك الاقوام، كما هو مقتضى فهمه الثاقب ونظره الصائب في استجلاء ابكار الاحكام، الا ان حمل هذه العبارات من العلامة وغيره من الاصحاب على ما ذكره من هذا المعنى الخفى - كحمل النتو على النتو في بطن الظهر وان لم يظهر للحس، والتوسط على التوسط العرضي في آخر القدم، وحمل معقد الشراك على كونه في المفصل مع ان كل أحد يعلم انه قدام المفصل، مع عدم الاشارة إلى شئ من ذلك في تلك

[ 305 ]

العبارات سيما عبارة العلامة (عطر الله مرقده) الذي هو مخترع هذا القول على تعددها فان غاية ما يخرج به عن كلام القوم التعبير بالمفصل دون هذا العظم الخفي الذي ذكره - يكاد يقطع العقل ببعده. وعمدة ما يدور عليه كلامه (قدس سره) - في الاستدلال على هذا القول ويشجعه على انه مراد العلامة - شيئان: (احدهما) - نسبة الفخر الرازي ومن تبعه ذلك إلى الشيعة وفيه ان الفخر الرازي قد نقل ذلك ايضا عن الاصمعي كما قدمنا نقله عنه، مع انك قد عرفت مما نقله شيخنا الشهيد في الذكرى عن ابي عمرو الزاهد - ان مذهب الاصمعي في الكعب انما هو مذهب العامة، وبذلك ايضا صرح احمد بن محمد الفيومي في المصباح المنير، وحينئذ فإذا احتمل تطرق الاخلال إلى نقله عن علماء مذهبه فبالطريق الاولى إلى مذهب الشيعة، ويؤيده ما قدمنا نقله عن ابن الاثير من ان مذهب الشيعة انهما العظمان اللذان في ظهر القدم، وما صرح به في المصباح المنير ايضا، حيث قال: " وذهبت الشيعة إلى ان الكعب في ظهر القدم وانكره ائمة اللغة كالاصمعي وغيره ". و (ثانيهما) - صحيح زرارة واخيه المتقدم ذكره (1) وهو - بعد ما عرفت من ظهور هذا المعنى في كلام الاصحاب سيما كلام الشيخين في المقنعة والتهذيب وظهوره ايضا من تلك الاخبار المتقدمة - يجب ارجاعه إلى ما عليه الاصحاب سيما مع عدم الصراحة لما عرفت من تطرق الاحتمال إلى المعنى الذي اعتمدوه منه، وجملة من المتقدمين من الاصحاب لم يفهموا منه المخالفة لما قرروه في عبائرهم من معنى الكعب المشهور، ولهذا ان الشيخ في التهذيب - بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه مما هو صريح في المعنى المشهور - نظم هذه الرواية في سلك الادلة على ذلك ولم يجعلها في قالب المخالف، والمحقق في المعتبر كذلك بعد ما عرف الكعب بانه قبة القدم، وما ذاك كله الا لفهمهم منها الانطباق على المعنى


(1) في الصحيفة 299

[ 306 ]

المشهور وان احتيج إلى ارتكاب نوع من المجاز. وبالجملة فتأويل كلام العلامة (رضوان الله عليه) بما يرجع إلى المشهور - وان اعتراه في بعض عبائره نوع من القصور - أهون واقرب مما تكلفه (قدس سره) وحينئذ فينحصر الخلاف في شيخنا البهائي (رحمه الله) ومن تبعه على تلك المقالة، والاحتياط بايصال المسح إلى المفصل بل إلى عظم الساق مما ينبغي المحافظة عليه. والله الهادي. (الرابع) - الظاهر جواز النكس هنا كالرأس. وفاقا للمشهور وخلافا لظاهري المرتضى وابن بابويه وابن ادريس فيما قطع به، بل نقل عنه في المختلف كراهية الاستقبال لما تقدم من الادلة. ويزيده تأكيدا هنا رواية يونس (1) قال: " اخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من اعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى اعلى القدم ويقول: الامر في مسح الرجلين موسع: من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا، فانه من الامر الموسع ان شاء الله ". وصحيحة حماد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس بمسح القدمين مقبلا ومدبرا ". واستدل للقول الآخر بالآية بناء على أن " إلى " فيها لانتهاء المسح. وفيه انها محتملة لكل من غاية المسح والممسوح فالحمل على أحدهما دون الآخر ترجيح بغير مرجح بل ظاهر الاخبار المتقدمة في المورد الاول من هذا البحث كونها غاية للممسوح كما تقدمت الاشارة إليه ثمة. وبالوضوء البيانى: وفيه انه محمول على الاستحباب جمعا بين الاخبار. وبصحيحة البزنطي حيث قال فيها: "... فوضع كفه على الاصابع فمسحها


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء.

[ 307 ]

إلى الكعبين... " وفيه ايضا ما في سابقه. وبيقين البراءة. وفيه انه يرجع إلى الاحتياط، وهو هنا مستحب لا واجب كما تقدمت الاشارة إليه. (الخامس) - قد تقدم في سابق هذا البحث الكلام في وجوب المسح بالبلة وعدم جواز استئناف ماء جديد للمسح، لكن بقي الكلام هنا في موضعين: (احدهما) - انه لو كانت البلة الباقية مشتملة على ما يتحقق به الجريان لو مسح فهل يمسح بها والحال كذلك، أو يجب التجفيف حذرا من وقوع الغسل المقابل للمسح المنهي عنه في الاخبار فلا يحصل الامتثال ؟ وجهان بل قولان يلتفتان إلى ان النسبة بين الغسل والمسح التباين أو العموم على وجه، فيجتمعان في امرار اليد مع الجريان وينفرد الاول بالثاني خاصة والثاني بالاول، والاول ظاهر المشهور، والى الثاني مال جملة من محققي متأخري المتأخرين، ولعله الاظهر، وسيأتي مزيد تحقيق للمسألة. و (ثانيهما) - انه مع وجود بلة على الممسوح خارجة عن ماء الوضوء، فهل يجوز المسح والحال كذلك، ام يجب التجفيف حذرا من لزوم المسح بماء جديد ؟ قولان وبالثاني صرح العلامة في المختلف ونقله فيه وفي المنتهى عن والده ايضا. وعلى الاول فهل يجوز مع وجود الرطوبة مطلقا، أو يشترط غلبة ماء الوضوء عليها ؟ قولان، وبالثاني صرح الشهيد في الدروس، وبالاول صرح المحقق وابن ادريس وابن الجنيد، قال ابن الجنيد: " من تطهر الا رجليه فدهمه امر يحتاج معه إلى ان يخوض بهما نهرا مسح عليهما يده وهو في النهر ان تطاول خوضه وخاف جفاف ما وضأ من اعضائه، وان لم يخف كان مسحه بعد خروجه احب الي واحوط " وقال ابن ادريس: " إذا كان قائما في الماء وتوضأ ثم اخرج رجليه من الماء ومسح عليهما من غير ان يدخل يده في الماء فلا حرج عليه، لانه ماسح اجماعا، والظاهر من الآيات والاخبار متناول له " وقال في المعتبر: " لو كان في ماء وغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ورجليه جاز، لان

[ 308 ]

يديه لا تنفك من ماء الوضوء ولم يضره ما كان على القدمين من الماء " وظاهره جواز المسح في الماء كما في كلام ابن الجنيد، مع احتمال الحمل على خروج الرجل كما في كلام ابن ادريس. احتج العلامة في المختلف على ما ذهب إليه والده ورجحه هو فيه بان المسح يجب بنداوة الوضوء ويحرم التجديد. ومع رطوبة الرجلين يحصل المسح بماء جديد. والاظهر كما استظهره جملة من المحققين القول بالجواز مطلقا، لاصالة الجواز وصدق الامتثال، وتناول اطلاق الآية والاخبار لذلك، وعدم الدليل على المنع، ومنع صدق التجديد لو حصل الجريان باجتماع البلتين بل ولو ببله الممسوح منفردة عند عدم القصد إلى الغسل وان صدق اسم الغسل، ويؤيده صحيحة زرارة (1): " لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء... " الدالة على جواز غسل الممسوح لا بذلك القصد، وبذلك يظهر اظهرية ما استظهرناه في المسألة السابقة. إلا انه يمكن ان يقال ان ظاهر عبارات المجوزين ان البلة الباقية في اليد من ماء الوضوء، وان قلت لا تزول بملاقاتها للماء الذي على الرجل الممسوحة وان كثر، فالمسح يحصل بها وان شاركها غيرها، والاستناد إلى ظواهر الادلة انما هو من هذه الجهة، بمعنى انه يصدق المسح المأمور به شرعا والحال كذلك، وهو عندي محل اشكال وخفاء ولا سيما في المسح داخل الماء كما ذكره ابن الجنيد، فانه لا ريب ان غلبة الماء الذي على الممسوح على البلة الباقية في اليد على وجه تضمحل به في جنبه توجب حصول التجديد في المسح، كما انه لو كان على هذه اليد الماسحة - مثلا - بول فانه بوضعها في الماء يجب الحكم بطهارتها، لزوال نجاسة البول منها بغلبة الماء، فبالطريق الاولى هنا، أو كان عليها ماء مضاف فانه يجب الحكم بزواله عنها في الصورة المذكورة، وهذا يجري بالنسبة إلى ما لو لم يكن


(1) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء

[ 309 ]

في الماء ولكن اخراجها من الماء - كما ذكره ابن ادريس - وعليها ماء كثير والبلة التي على اليد قليلة جدا، فانه تضمحل في جانب ذلك الماء ويحكم عرفا بل شرعا بزوالها بملاقاة ذلك الماء لاضمحلالها في جنبه، ومن الظاهر ان بناء قاعدة التطهير من نحو البول باستنجاء أو غيره على غلبة المطهر انما هو من حيث ان النجاسة تزول وتضمحل في جنبه، ولو كانت باقية لما حصل التطهير، فكذا ما نحن فيه، وحينئذ فمتى كانت الرطوبة التي على ظهر الرجل مما تغلب على البلة وتضمحل البلة في جنبها فانه يحصل السمح بالماء الجديد. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف لعدم النص، وما ادعوه من الدخول تحت العمومات ليس بمطرد في جميع ما ذكروه، فالواجب عندي هو الوقوف على جادة الاحتياط، وان يراعى عدم غلبة الماء الذي على ظاهر العضو الممسوح على البلة الباقية والاحتياط - بتخفيف الرجل ونفض اليدين من البلة المستلزمة للجريان - مما ينبغي المحافظة عليه. (السادس) - لا يجوز المسح في كل من الرأس والرجلين على حائل اختيارا اجماعا منا فتوى ورواية، ومن الحائل الشعر في الرجل على المعروف من مذهب الاصحاب فمن الاخبار الواردة بذلك صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " انه سئل عن المسح على الخفين وعلى العمامة. فقال: لا تمسح عليهما ". ومرفوعة محمد بن يحيى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الذي يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء ؟ قال: لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء ". وما رواه علي بن جعفر في كتابه عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تمسح على الخمار ؟ قال: لا يصلح حتى تمسح على رأسها " إلى غير ذلك من الاخبار.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب الوضوء

[ 310 ]

اما مع الضرورة كالتقية والبرد الشديد ونحوهما فظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على الجواز. ويدل عليه بالنسبة إلى الرجلين رواية ابي الورد (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): ان ابا ظبيان حدثني انه رأى عليا (عليه السلام) اراق الماء ثم مسح على الخفين ؟ فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغكم قول علي (عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين ؟ قلت: فهل فيهما رخصة ؟ فقال: لا، إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك ". والرواية وان كانت ضعيفة السند باصطلاح متأخري اصحابنا الا انها مجبورة بعمل الاصحاب واتفاقهم على الحكم المذكور، على ان ابا الورد وان كان غير مذكور في كتب الرجال بمدح ولا قدح الا انه قد روى في الكافي ما يشعر بمدحه، ولهذا عده شيخنا المجلسي في وجيزته في الممدوحين، وشيخنا أبو الحسن في بلغته قال روى مدحه مع ان الرواي عنه هنا بواسطة حماد بن عثمان، وهو ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، والرواية بناء على ظاهر هذه العبارة صحيحة، وكيف كان فهي - باعتبار مجموع ما ذكرنا من المرجحات مضافا إلى الاتفاق على الحكم - مما يقوى الاعتماد عليها واما ما رواه في الكافي (2) عن ابن ابي عمير عن هشام عن سالم عن ابي عمر الاعجمي قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا ابا عمر ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح على الخفين " فالظاهر حمله عليهم (صلوات الله عليهم) دون غيرهم، كما يشير إليه ما رواه حريز عن زرارة في الصحيح (3) قال: " قلت له: هل في مسح الخفين تقية ؟ فقال: ثلاثة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء (2) الاصول ج 2 ص 217 وفى الوسائل بالتقطيع في الباب - 24 و 25 - من الامر بالمعروف (3) رواه صاحب الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 25 - من الامر بالمعروف وفى الباب - 22 - من الاشربة المحرمة.

[ 311 ]

لا اتقي فيهن أحدا: شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج. قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن أحدا " وقد حمله الشيخ في التهذيبين على اختصاص نفي التقية بنفسه كما اوله زرارة. وبالجملة فان اخبار وجوب التقية عامة ومنها الخبر المذكور المتضمن لهذا الاطلاق في المنافاة، فالواجب حمله على ما ذكرناه جمعا بين الاخبار. ومثل خبر زرارة المذكور ايضا ما رواه في الكافي ايضا في الصحيح (1) عن زرارة عن غير واحد قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): في المسح على الخفين تقية ؟ قال: لا يتقى في ثلاث. قلت: وما هن ؟ قال: شرب الخمر أو قال شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج " والتقريب فيه ما تقدم. وراية عبد الاعلى مولى آل سام (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله تعالى: قال الله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج. امسح عليه ". ويدل على بالنسبة إلى الرأس صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ثم يتوضأ للصلاة ؟ فقال: لا بأس بان يمسح رأسه والحناء عليه " فان الظاهر حملها على ضرورة التداوي كما ذكره في المنتقى نعم ربما احتمل على بعد الحمل على عدم استيعاب الحناء لموضع المسح. واما حمله على المسح على لون الحناء فلا ينطبق عليه لفظ الطلاء كما لا يخفى. وصحيحة عمر بن يزيد عنه (عليه السلام) (4) " عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء ؟ قال: يمسح فوق الحناء " والتقريب ما تقدم. ويمكن حمل هذه


(1) الفروع ج 2 ص 95 (2) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب الوضوء

[ 312 ]

الرواية على بعد على الخضاب بماء الحناء فيكون المسح على لونه، ويؤيد ذلك ايضا اطلاق جملة من اخبار الجبائر، لدلالتها على المسح على الجبيرة متى تضرر بنزعها اعم من ان يكون في موضع الغسل أو المسح، مثل حسنة كليب الاسدي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة ؟ قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل " وقوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2) بعد ان سأله عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بخرقة ويتوضأ: " ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة... " ويؤيده ايضا ادلة نفي الحرج في الدين. وبذلك يظهر لك ما في مناقشة جمع من متأخري اصحابنا: منهم - السيد السند في المدارك في هذا الحكم حيث اقتصروا في الاستدلال عليه على رواية ابي الورد وردوها بضعف السند، واحتملوا الانتقال إلى التيمم لتعذر الوضوء بتعذر جزئه، وانت خبير بعد الاحاطة بجميع ما ذكرنا ان الظاهر انه لا مجال للتردد في الحكم المذكور، وأيضا فان التيمم معلوم الاشتراط بشرط غير معلوم التحقق هنا، والشك في وجود الشرط يستلزم الشك في وجود المشروط، فلا يتم الانتقال إلى التيمم. ثم ان ظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على ان من الحائل الذي لا يجوز المسح عليه اختيارا الشعر على الرجل، حيث صرحوا في الرأس بالمسح على البشرة أو الشعر المختص وفي الرجل بالبشرة. قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين بعد نقل ذلك عنهم: " وهذا الحكم مما لم اقف فيه على تصريح في كلام القوم غير انهم اقحموا لفظ البشرة في هذا الموضع ويمكن أن يكون مرادهم الاحتراز عن الخف ونحوه لا الشعر كما هو الظاهر بحسب النظر لان المسح على الرجلين انما يصدق عرفا على المسح على شعرها " انتهى.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء

[ 313 ]

أقول: بل الظاهر ان الوجه في ذلك عندهم ما نبه عليه شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة، حيث قال - بعد نقل عبارة المصنف المتضمنة للمسح على بشرة الرجلين ما لفظه: " ويستفاد - من حصره المسح في بشرة الرجلين مع تخييره في الرأس بين مسح مقدم شعره وبشرته - انه لا يجزئ المسح على الشعر في الرجلين وان اختص بالظهر بل يتحتم البشرة. والامر فيه كذلك، والفارق النص الدال باطلاقه على وجوب مسح الرجلين، إذ الشعر لا يسمى رجلا ولا جزء منها، مع التصريح في بعض الاخبار بجواز المسح على شعر الرأس، وانما لم يصرح الاصحاب بالمنع من المسح على الشعر في الرجلين لندور الشعر الحائل فيهما القاطع لخط المسح، فاكتفوا باستفادته من لفظ البشرة، فانها كالصريح ان لم تكنه " انتهى. ويرد عليه (اولا) انه قد صرح هو (قدس سره) وجملة من الاصحاب بوجوب غسل الشعر النابت على اليد كما تقدم، معللين له تارة بانه في محل الفرض واخرى بانه من توابع اليد، والفرق بينه وبين ما هنا غير ظاهر، بل تلك التعليلات ان صحت فهي جارية هنا والا فلا في الموضعين. و (ثانيا) ان الظاهر من خلو الاخبار عن ذكره مع عدم انفكاك الرجل عنه غالبا جواز المسح عليه. (السابع) - اختلف الاصحاب في استمرار رفع الوضوء الضروري - بمسح على الخفين أو الجبائر أو غسل أو نحو ذلك - بعد زوال الضرورة وعدم النقض باحد الاسباب المعدودة، فظاهر المشهور بقاء الاباحة وجواز الدخول به في العبادة. ونقل عن الشيخ في المبسوط - وبه صرح المحقق في المعتبر - تقدير الاباحة بحال الضرورة، وقربه العلامة في التذكرة، وعللوه بانها طهارة مشروطة بالضرورة فتزول بزوالها وتتقدر بقدرها. واعترض عليه بانه ان اريد الطهارة بقدر الضرورة عدم جواز الطهارة كذلك بعد زوال الضرورة فحق ولكنه غير ما نحن فيه، وان اريد عدم اباحتها فهو محل النزاع.

[ 314 ]

وانت خبير بان المسألة خالية من النص الدال على ذلك نفيا واثباتا، إلا انه يمكن الاستدلال على القول المشهور بانه لا ريب ان الوضوء المذكور رافع للحدث، ومن حكم الوضوء الرافع أن لا يزول رفعه إلا باحد النواقض، وزوال الضرورة ليس من جملتها، فيجب استصحاب الحكم إلى ان يحصل احد النواقض المقررة. وفيه ان الاستصحاب المقطوع بحجيته - كما تقدم تحقيقه - هو ما إذا دل الدليل على ثبوت الحكم مطلقا، بمعنى عدم الاختصاص بوقت مخصوص أو حالة مخصوصة، فانه يجب البقاء على مقتضى ما دل عليه حتى يثبت الرافع، كالحكم باستمرار الطهارة والنجاسة فيما علما فيه وصحة البيوع والانكحة ونحو ذلك بعد وقوع العقد الصحيح حتى يثبت الرافع، اما إذا كانت مخصوصة بحالة معينة أو زمان مخصوص فاجراؤها في الحالة الثانية والزمان الآخر يتوقف على الدليل، وانت خبير بان ما نحن فيه انما هو من قبيل الثاني، فان الدليل الدال على صحة هذا الوضوء ورفعه انما دل باعتبار حال الضرورة وعدم التمكن من المسح الواجب أو الغسل مثلا كما هو المفروض، فعند زوال تلك الحال وتجدد حال اخرى مغايرة لها يحتاج في اجراء الحكم في الحالة الاخرى إلى دليل وليس فليس. ولعل في تشبيه الشيخ له بالتيمم - حيث نقل عنه انه علل ذلك بانها طهارة ضرورية فتتقدر بقدر الضرورة كالتيمم - اشارة إلى ذلك، فان وجه المشابهة ظاهر، فان الماسح على حائل من خف أو جبيرة والمتيمم شريكان في ترك العضو الممسوح وكون الترك فيهما لعذر شرعي، فتزول الرخصة فيهما بزواله، وحينئذ فكما ان المتيمم ينتقض تيممه ولو في الصلاة بزوال الحالة الموجبة له لعدم اقتضاء دليله الاستمرار في جميع الاحوال على الاصح، كذلك هذا المتوضئ ينتقض وضوؤه بزوال الحالة الموجبة له لعين ما ذكر. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: " ويتفرع على ذلك انه لو زال العذر في المسح على الحائل قبل كمال الوضوء أو بعده وقبل الجفاف والدخول في

[ 315 ]

الصلاة، فهل يجب عليه نزع الحائل والمسح بالبلة قبل الدخول فيها ام يباح له الدخول فيها به ؟ لم اقف لاحد من اصحابنا فيه على صريح كلام، ولعل الاول اقرب، لبقاء وقت الخطاب بالطهارة المأمور فيها بغسل المغسول ومسح الممسوح - وهو وقت ارادة القيام إلى الصلاة - إلى وقت زوال العذر وهو متمكن من ايقاعها فيه فيجب، والعدول عن المأمور به لوجود مانع لا يمنع العود إليه بعد زواله، بل يجب العود إليه لوجود السبب ومنشأ الخطأ عدم الفرق بين انتفاء الحكم لفقد السبب أو لوجود المانع " انتهى. وبذلك يظهر قوة القول بالنقض. (الثامن) - صرح جملة من الاصحاب بانه لو تأدت التقية بالغسل عوضا عن المسح على الخفين تعين ولم يجز غيره، وكذا لو تأدت بغسل موضع المسح في الرجل لم يجب الاستيعاب، وانه لو مسح في موضع الغسل تقية بطل وضؤوه للنهي المقتضي للفساد في العبادة، وعلل الاول بان الغسل اقرب إلى المفروض بالاصل، للالصاق بالبشرة وكونه متشتملا على المسح مع زيادة، بخلاف المسح على الخفين، لعدم الالصاق، وهو لا يخلو من شوب النظر، وفي التذكرة جعله اولى ولم يجزم بتعينه، ولعله الاولى. واحتمل بعضهم في الثاني الصحة لان النهي لوصف خارج عن العبادة. (التاسع) - هل يشترط في العمل بالتقية في هذا الموضع وغيره عدم المندوحة ام لا ؟ قولان، اختار ثانيهما ثاني الشهيدين في روض الجنان، وبه صرح اولهما أيضا في مسألة مسح الرجلين مع البيان وثاني المحققين من شرح القواعد، واختار الاول السيد في المدارك معللا له بانتفاء الضرر مع وجود المندوحة فيزول المقتضى. اقول: ويؤيده ايضا ان المكلف لا يخرج عن عهدة التكليف يقينا الا بالاتيان بما كلف به شرعا، خرج ما إذا استلزم فعله ضرر التقية ونحوها، فيجوز له الخروج عن الاول إلى ما يندفع به الضرر، والى هذا مال افاضل متأخري المتأخرين. الا ان المفهوم من الاخبار الواردة في استحباب الجماعة مع المخالفين - والحث

[ 316 ]

العظيم عليها، والثواب الموعود عليها، حتى ان من صلى معهم كان كمن صلى مع رسول الله (صلى الله عليه واله) مع استلزام ذلك ترك بعض الواجبات احيانا - مما يؤيد القول بالجواز مع المندوحة كما هو خيرة الشهيدين. وقد صرح المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في بعض فوائده بالتفصيل بين ما إذا كان المأمور به في التقية بطريق الخصوص فيصح وان كان ثمة مندوحة، أو بطريق العموم فلا يجزي الا مع عدم المندوحة، وظاهر كلامه (قدس سره) يعطي ان وجه الفرق حيث ان الشارع في الاول بسبب نصه على ذلك الحكم بخصوصة اقامة مقام المأمور به حين التقية بخلاف الثاني. (العاشر) - إذا فعل المكلف فعلا على وجه التقية من العبادات أو المعاملات فهو صحيح مجزي بلا خلاف، لكن الخلاف في انه لو تمكن في العبادة قبل خروج وقتها من الاتيان بها على وجهها هل تجب الاعادة ام لا ؟ صرح المحقق الشيخ علي (رحمه الله) بتفريع ذلك على ما قدمنا نقله عنه من التفصيل بانه ان كان متعلق التقية مأذونا فيه بخصوصه كغسل الرجلين في الوضوء والتكتف في الصلاة، فانه إذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحا مجزئا وان كان للمكلف مندوحة من فعله، التفاتا إلى ان الشارع اقام ذلك الفعل مقام المأمور به حين التقية كما تقدمت الاشارة إليه، فكان الاتيان به امتثالا فيقتضي الاجزاء، قال: " وعلى هذا فلا تجب الاعادة ولو تمكن منها على غير وجه التقية قبل خروج الوقت، ولا اعلم في ذلك خلافا من الاصحاب " وبملخص هذا الكلام صرح في شرح القواعد ثم قال: " واما إذا كان متعلقها لم يرد فيه نص على الخصوص كفعل الصلاة إلى غير القبلة، والوضوء بالنبيذ، ومع الاخلال بالموالاة فيجف اعضاء الوضوء كما يراه بعض العامة فان المكلف يجب عليه إذا اقتضت الضرورة موافقة اهل الخلاف فيه اظهار الموافقة لهم ثم ان امكن الاعادة في الوقت بعد الاتيان به لوفق التقية وجبت، ولو خرج الوقت نظر

[ 317 ]

في دليل يدل على وجوب القضاء، فان حصل الظفر به اوجبناه وإلا فلا، لان القضاء انما يجب بامر جديد. ونقل عن بعض اصحابنا القول بعدم الاعادة مطلقا، نظرا إلى كون المأتي به شرعيا فيكون مجزئا على كل تقدير. ورد بان الاذن في التقية من جهة الاطلاق لا يقتضي ازيد من اظهار الموافقة مع الحاجة " انتهى. وانت خبير بانه ان اشترط في جواز العمل بالتقية عدم المندوحة، يلزم على قوله انه مع المندوحة تجب الاعادة وقتا وخارجا. ثم لا يخفى عليك ان المسألة لخلوها عن النص الصريح لا تخلو عن الاشكال وما ذكره من التعليل في المقام عليل. إلا ان الذي يقرب إلى الفهم العليل والذهن الكليل - من اخبار حفظة التنزيل الدالة على الامر بمخالطة العامة ومعاشرتهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم، حتى ورد " ان استطعتم ان تكونوا الائمة والمؤذنين فافعلوا " (1) والتأكيد على الصلاة معهم ونحو ذلك، مع استلزام ذلك المخالفة في بعض الافعال البتة - هو صحة ما اوجبته التقية مطلقا، سواء كان مأمورا به بطريق الخصوص أو العموم، له مندوحة عن الاتيان به تقية ام لا، فان المفهوم من تلك الاخبار ان الغرض من ذلك هو تأليف القلوب واجتماعها لدفع الضرر والطعن على المذهب واهله كما يشعر به قول الصادق (عليه السلام) بعد الامر بما قدمنا ذكره: " فانكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية رحم الله جعفرا ما كان احسن ما يؤدب اصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا فعل الله بجعفر ما كان اسوأ ما يؤدب اصحابه " لا ان الغرض اظهار الموافقة لهم في ذلك الجزئي الخاص لدفع الضرر المترتب عليه خاصة، على انه في صورة ما إذا كان مستند التقية الاخبار المطلقة. فمتى اقتضت ضرورة التقية الموافقة لهم وكان ذلك هو الواجب عليه شرعا فأتى به - وامتثال الامر يقتضي الاجزاء - فالاعادة وقتا وخارجا يحتاج إلى دليل من غير فرق بين المقامين، لان هذه المسألة في التحقيق فرد من افراد مسألة


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب - 75 - من ابواب الجماعة

[ 318 ]

ذوي الاعذار، الاظهر والاشهر فيها عدم الاعادة، وتعليل وجوب الاعادة في الوقت دون الخارج - بان اطلاق الاذن في التقية لا يقتضي ازيد من اظهار الموافقة مع الحاجة - فيه انه كان ما فعله اظهارا للموافقة هو فرضه في تلك الحال شرعا فقد مضى بعد فعله على الصحة فاعادته مع عدم الدليل لا وجه لها، والا فالواجب الاعادة في المقامين وقتا وخارجا وهو لا يقول به. (الحادي عشر) - المشهور بين الاصحاب كراهة التكرار في المسح، وعن ظاهر الخلاف والمبسوط التحريم، وهو ظاهر المقنعة، وعن ابن حمزة انه عده من التروك المحرمة، وان ابن ادريس انه جعله بدعة، واحتمل في الذكرى ان يكون مرادهم التكرار مع اعتقاد شرعيته. ويدل على الوحدة في المسح اخبار الوضوء البياني (1) ومرفوعة ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " مسح الرأس واحدة... " وعدم الدليل على الزائد لانه حكم شرعي واثباته يحتاج إلى دليل، وربما ظهر من الانتصار دعوى الاجماع على ذلك. لكن نقل شيخنا الشهيد في الذكرى عن ابن الجنيد انه قال في بيان كيفية الوضوء: " وفي مسح الرجلين يبسط كفه اليمنى على قدمه الايمن ويجذبها من اصابع رجله إلى الكعب ومن الكعب إلى اطراف اصابعه، فمهما اصابه المسح من ذلك اجزأه وان لم يقع على جميعه، ثم يفعل ذلك بيده اليسرى على رجله اليسرى " انتهى. وما ربما يتوهم - من تناول ظواهر اخبار التثنية (3) كقولهم: " الوضوء مثنى مثنى " لذلك - مردود بما سيجئ تحقيقه ان شاء الله تعالى، ورواية يونس (4) قال:


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء

[ 319 ]

" اخبرني من رأى ابا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من اعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى اعلى القدم " - مردود بما في تتمتها من قول الرواي: " ويقول: الامر في مسح الرجلين موسع: من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا فانه من الامر الموسع ان شاء الله " لان الظاهر ان قوله (عليه السلام) ذلك تعليل لما فعله من الاقبال تارة والادبار اخرى. وربما كان مستند ابن الجنيد فيما قدمنا نقله عنه إلى صدر هذه الرواية اما بقطعها من عجزها أو بحمل العجز على عدم الارتباط بالصدر. المطلب الرابع في الاحكام وتفصيل القول فيها يقع في مسائل: (الاولى) - المشهور بين الاصحاب استحباب التثنية في الغسل، وتحقيق البحث في هذه المسألة يقع في مواضع: (الاول) - اعلم انه قد اختلف الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) - بعد الاتفاق على عدم تقدير الوجوب بعدد معين، بمعنى انه لو لم يكف الكف الاول للغسل الواجب وجب الثاني والثالث وهكذا حتى يتأدى الواجب كما نقله في المختلف - في الغسلة الثانية: فالمشهور بين الاصحاب الاستحباب، بل نقل عن ابن ادريس دعوى الاجماع عليه، وكأنه لعدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب كما صرح به، حيث قال بعد دعوى الاجماع: " ولا يعتد بخلاف من خالف من الاصحاب بانه لا يجوز الثانية، لمعروفية نسبه " وظاهره وجود القائل بالتحريم ايضا، وهو صريح الشيخ في الخلاف، حيث قال: " مسألة - الفرض في غسل الاعضاء مرة واحدة والثانية سنة والثالثة بدعة، وفي اصحابنا من قال: الثانية بدعة. وليس بمعول عليه، ومنهم من قال: ان الثانية تكلف ولم يقل بانه بدعة. والصحيح الاول " انتهى. ومنه يفهم ايضا قول ثالث

[ 320 ]

في المسألة وهو الجواز، ولكنه غير ظاهر الجواز. ونقل جمع من الاصحاب (رضي الله عنهم) عن الصدوق في الفقيه، حيث قال (1): " الوضوء مرة مرة ومن توضأ مرتين لم يؤجر ومن توضأ ثلاثا فقد ابدع " وعن البزنطي حيث نقل عنه في مستطرفات السرائر انه قال (2): " واعلم ان الفضل في واحدة واحدة ومن زاد على اثنتين لم يؤجر " - عدم استحباب الثانية. الا ان الذي يقرب عندي من هذا الكلام هو التحريم: (اما اولا) - فانه متى انتفى الاجر عليها لزم زيادتها وعدم كونها من الوضوء فتكون محرمة لعدم تصور المباح في العبادة، وبذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض. و (اما الثانية) - فلان هذا هو الذي يدور عليه كلام الصدوق في غير هذا الموضع من الفقيه، حيث قال في موضع آخر - بعد ان روى (3) عن الصادق (عليه السلام): " والله ما كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا مرة مرة " - ما هذا لفظه: فاما الاخبار التي رويت في ان الوضوء مرتين مرتين فاحدها باسناد منقطع يرويه أبو جعفر الاحول ذكره عمن رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " فرض الله الوضوء واحدة واحدة، ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس اثنتين اثنتين " وهذا على وجه الانكار لا على جهة الاخبار، كأنه (عليه السلام) يقول: حد الله حدا فتجاوزه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتعداه ؟ وقد قال الله عزوجل: " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " (5) وقد روي " ان الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه وان المؤمن لا ينجسه شئ وانما يكفيه مثل الدهن " (6) وقال الصادق (عليه السلام)


(1) ج 1 ص 29. (2) رواه في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 25 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (4) و (6) رواه صاحب الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (5) سورة الطلاق الاية 2

[ 321 ]

" من تعدى في وضوئه كان كناقضه " (1) ثم ذكر حديث ابن ابي المقدام الآتي (2) وتأوله بحمل " اثنتين اثنتين " فيه على التجديد، ثم حمل ايضا حديث " من زاد على مرتين لم يؤجر " (3) وكذلك ما روى (4) في المرتين " انه اسباغ " على التجديد ايضا، إلى أن قال: وقد فوض الله (عزوجل) إلى نبيه (عليه السلام) أ مر دينه، ولم يفوض إليه تعدي حدوده، وقول الصادق (عليه السلام): " من توضأ مرتين لم يؤجر " (5) يعني به انه اتى بغير الذي امر به ووعد الاجر عليه فلا يستحق الاجر، وكذلك كل اجير إذا فعل غير الذي استؤجر عليه لم تكن له اجره. انتهى. وهذا الكلام - كما ترى - صريح في انكاره الثانية وقوله ببدعتها، حيث انه جعل الحد المفروض من الله تعالى في الوضوء واحدة واحدة، وان ما زاد تعد للحد، وان من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وفسر عدم الاجر في قوله (عليه السلام): " من توضأ مرتين لم يؤجر " (6) بانه اتى بغير الذي امر به ووعد الاجر عليه فلا يستحق الاجر، وملخصه ان التثنية تعد للحد وانه لا يستحق المثنى - على الاصل وضوئه لكونه مخالفا متعديا للحد فضلا عن التثنية - اجرا كما لا يستحق الاجير - إذا فعل غير ما استؤجر عليه - اجرا. ونقل ايضا القول بعدم الاستحباب عن ثقة الاسلام في الكافي، والذي يظهر لي من عبارته ايضا هو القول بالتحريم، حيث قال (7) بعد نقل حديث عبد الكريم الاتي (8) الدال على انه ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلا مرة مرة - ما لفظه " هذا دليل على ان الوضوء انما هو مرة مرة لانه (عليه السلام) كان إذ ورد عليه امران كلاهما لله طاعة اخذ باحوطهما واشدهما على بدنه، وان الذي جاء عنهم (عليهم السلام) انه قال: " الوضوء مرتان " إنما هو لمن لم تقنعه مرة فاستزاده فقال مرتان


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (8) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (7) ج 1 ص 9.

[ 322 ]

ثم قال: " ومن زاد على مرتين لم يؤجر " وهو أقصى غاية الحد في الوضوء الذي من تجاوزه اثم ولم يكن له وضوء، وكان كمن صلى الظهر خمس ركعات، ولو لم يطلق (عليه السلام) في المرتين لكان سبيلهما سبيل الثلاث " انتهى. والمفهوم من هذا الكلام ان مراده الجمع بين اخبار المرة والمرتين والثلاث، بحمل اخبار المرة على انه الوضوء الشرعي المأمور به، واخبار المرتين على من اراد سنة الاسباغ ولم تقنعه المرة لذلك، والا فاجزاء المرة - للقدر الواجب الذي كالدهن حقيقة أو مجازا - مما لا ريب فيه، فيغسل حينئذ بالمرتين، وهو أقصى الحد في الوضوء ومنتهى الرخصة في الزيادة فيه، واخبار الثلاث الدالة على عدم الاجر بعد تجاوز الثنتين على من تجاوز هذا الحد إلى الغسل بثالثة، فانه يأثم وليس له وضوء، ويمكن توجيهه بان الثالثة - بعد غسل العضو غسلا مسبغا بالثنتين - لا مدخل لها في اداء الواجب بل هي زائدة من تلك الجهة، كزيادة الركعة الخامسة بعد الاتيان بالواجب التي هي الاربع، ولا دليل هنا على استحباب التكرار بعد اداء الواجب المتصف بكمال سنة الاسباغ، والضمير في قوله: " وهو اقصى غاية الحد " راجع إلى ما تقدم من الوضوء مرتين، ومحصل الكلام ان الوضوء الشرعي انما هو مرة مرة، واخبار المرتين انما هي لمن لم تقنعه المرة في اداء الواجب كاملا، وهذا غاية الحد في الوضوء، فمن زاد على ذلك اثم وبطل وضوؤه، وهو المراد من عدم الاجر كما اشرنا إليه آنفا، ولعل منشأ ما ذكروه توهم عود الضمير المذكور إلى قوله: " ومن زاد على مرتين " بمعنى ان الزيادة على المرتين اقصى غاية الحد، وهو توهم ظاهر البطلان، لان جعل الزيادة على المرتين الذي هو عبارة عن التثنية اقصى غاية الوضوء يدل على دخول تلك الزيادة في الوضوء الشرعي وانها جزء منه، فتكون الثانية بعد تمام الغسل بالمرتين من جملة الوضوء واجزائه، وان الاثم وعدم الوضوء انما ينصرف حينئذ إلى من تجاوزها، ويصير حديث التمثيل بمن صلى الظهر خمس ركعات انما هو لمن زاد عليها، فكيف يصح حينئذ نفي الاجر عنها بقوله:

[ 323 ]

" ومن زاد على مرتين لم يؤجر " والغرض من المرتين - كما عرفت - انما هي عبارة عن غسلة واحدة، ما هذا إلا تناقض ظاهر لا يصدر عن مثل هذا العالم الماهر. ويؤكد ما قلناه قوله اخيرا: " ولو لم يطلق... الخ " فان معناه انه لو لم يرخص لمن استزاده في المرتين لكان سبيلهما في الاثم وبطلان الوضوء سبيل الثلاث في الاثم وبطلان الوضوء بها كما ذكره، وهو دليل على ما قلناه من أن غاية الحد المرخص فيه هي المرتان المشتركتان في اداء الواجب، وان الزيادة المنفي عنها الاجر في كلامه هي المشار إليها هنا بالثلاث، وهي التي تكون موجبة للاثم ومبطلة للوضوء عنده. وانت إذا تأملت فيما تلوناه ظهر لك ان هذا عين ما ذكره الصدوق (قدس سره) من تعدي الحد بالتثنية، وعدم استحقاق الاجر على اصل الوضوء المشعر ببطلانه فضلا عن التثنية كما عرفته مما تقدم، والعجب من اولئك الفضلاء المحققين في عدم امعان النظر في كلام الشيخين المذكورين، حيث نقلوا عنهما في الكتابين المذكورين القول بعدم استحباب الثانية، بل صرح البعض منهم بصراحة كلام الكافي في عدم الحرمة والبدعية وقال انه ظاهر الصدوق، ونحن انما اطلنا البحث بنقل العبارتين وبيان ما هو المفهوم منهما ليظهر لك جلية الحال مما ذكره اولئك الابدال، وبذلك يظهر ان الظاهر ان نقل القول بالتحريم في كلام الشيخ وابن ادريس اشارة إلى ما حررناه من كلام هذين الشيخين (الثاني) - اعلم ان الاخبار الواردة عن العترة الاطهار (صلوات الله عليهم) اكثرها دال على الواحدة: فمنها - اخبار الوضوء البياني (1) فانها على تعددها إنما تضمنت الغسل بكف كف لكل من الاعضاء المغسولة. ومنها - قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): " ان الله وتر يحب


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء.

[ 324 ]

الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين... " وقوله (عليه السلام) في حديث ميسرة (1): (الوضوء واحدة واحدة...). وقول الصادق (عليه السلام) في جواب يونس بن عمار (2) حيث سأله عن الوضوء للصلاة فقال: " مرة مرة ". وقول الباقر (عليه السلام) للاخوين في صحيحتهما عنه (3) بعد ان حكى لهما وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد أن قالا له: اصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه وغرفة للذراع ؟ فقال: " نعم إذا بالغت فيها، والثنتان تأتيان على ذلك كله ". وقول الصادق (عليه السلام) في موثقة عبد الكريم (4): " ما كان وضوء علي (عليه السلام) الا مرة مرة ". وقوله (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (5) مرسلا مضمرا " من توضأ مرتين لم يؤجر ". وقول الصادق (عليه السلام) فيما ارسله عنه في الفقيه (6): " والله ما كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا مرة مرة، وتوضأ النبي (صلى الله عليه واله) مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به " وقوله: " وتوضأ النبي (صلى الله عليه وآله) إلى آخره " يحتمل أن يكون من مقول قول الصادق (عليه السلام) وان يكون من كلام صاحب الفقيه. فيكون خبرا مقطوعا، وهو الظاهر الذي فهمه جملة من الاصحاب. واما ما يعارضها ظاهرا من الاخبار فمنه - قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة


(1) و (2) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (5) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. والحديث في الفقيه والوسائل مروى عن الصادق (ع) كما تقدم منه ص 321. (6) ج 1 ص 25 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء.

[ 325 ]

معاوية بن وهب (1): " الوضوء مثنى مثنى " وقوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان (2): " الوضوء مثنى مثنى " وقوله في رواية زرارة (3): " الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه " وقوله في موثقة يونس (4): " يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين ". وقول الرضا (عليه السلام) فيما رواه في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي (5): " ان الفضل في واحدة ومن زاد على اثنين لم يؤجر ". وقول الصادق (عليه السلام) في مرسلة مؤمن الطاق (6): " فرض الله الوضوء واحدة واحدة ووضع رسول الله للناس اثنتين اثنتين ". وقوله (عليه السلام) في مرسلة عمرو بن ابي المقدام (7): " أني لاعجب ممن يرغب ان يتوضأ اثنتين أثنتين وقد توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنتين اثنتين ". وما رواه في الفقيه مضمرا مرسلا (8) " روى في المرتين انه اسباغ ". وقول الصادق (عليه السلام) في مرسلة ابن ابي عمير (9): " الوضوء واحدة فرض واثنتان لا يؤجر والثالثة بدعة ". وقوله (عليه السلام) في رواية بكير (10): " من لم يستيقن ان الواحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين ". وقوله (عليه السلام) في حسنة داود بن زربي (11): " توضأ ثلاثا ثلاثا، قال


(1) و (2) و (3) و (6) و (7) و (9) و (10) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (5) هذا الحديث - في السرائر والوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء - مروي عن نوادر البزنطى عن الصادق (ع). (8) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (11) المروية في الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء.

[ 326 ]

ثم قال لي: أليس تشهد بغداد وعساكرهم ؟ قلت بلى... ". وروى الصفار في كتاب بصائر الدرجات بسنده فيه عن عثمان بن زياد (1) " انه دخل على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل: أني سألت اباك عن الوضوء فقال مرة مرة فما تقول انت ؟ فقال: انك لم تسألني عن هذه المسألة إلا وانت ترى اني اخالف ابي، توضأ ثلاثا ثلاثا وخلل اصابعك ". وروى في كتاب عيون اخبار الرضا (2) بسنده فيه إلى الفضل بن شاذان مما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون من محض الاسلام قال فيه: " ثم الوضوء كما أمر الله في كتابه: غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس والرجلين مرة واحدة ". ورواه في موضع آخر (3) مثله إلا انه قال: " ان الوضوء فريضة واثنتان اسباغ ". وروى محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي في كتاب الرجال (4) بسنده فيه عن داود الرقي قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة ؟ فقال: اما ما اوجبه الله فواحدة، واضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له. انا معه في ذا حتى جاء داود بن زربي فسأله عن عدة الطهارة فقال له: ثلاثا ثلاثا من نقص عنه فلا صلاة له. قال: فارتعدت فرائصي وكاد ان يدخلني الشيطان فابصر أبو عبد الله (عليه السلام) إلي وقد تغير لوني فقال: اسكن يا داود هذا هو الكفر أو ضرب الاعناق. قال: فخرجنا من عنده وكان ابن زربي إلى جوار بستان ابي جعفر المنصور وكان قد القي إلى ابي جعفر امر داود الزربي وانه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد، فقال أبو جعفر المنصور اني مطلع إلى طهارته فان هو توضأ وضوء جعفر بن محمد - فاني لاعرف طهارته - حققت عليه القول وقتلته، فاطلع وداود يتهيأ


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء (2) ص 266 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (3) ص 269 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (4) ص 200 وفى الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء

[ 327 ]

للصلاة من حيث لا يراه فاسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثا ثلاثا كما امره أبو عبد الله (عليه السلام) فما تم وضوؤه حتى بعث إليه أبو جعفر المنصور فدعاه، قال: فقال داود: فلما ان دخلت عليه رحب بي وقال: يا داود قد قيل فيك شئ باطل وما انت كذلك، قد اطلعت على طهارتك وليس طهارتك طهارة الرافضي فاجعلني في حل، وامر له بمائة الف درهم، فقال داود الرقي: التقيت انا وداود الزربي عند ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له داود بن زربي: جعلت فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا ونرجو ان ندخل بيمنك وبركتك الجنة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فعل الله بك وباخوانك من جميع المؤمنين. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لداود بن زربي: حدث داود الرقي بما مر عليك حتى تسكن روعته، قال فحدثه بالامر كله، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لذا افتيته لانه كان اشرف على القتل من يد هذا العدو، ثم قال يا داود بن زربي: توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه وانك ان زدت عليه فلا صلاة لك ". وروى الشيخ المفيد في الارشاد (1) بسنده إلى علي بن يقطين: " انه كتب إلى ابي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الوضوء، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام) فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك ان تتمضمض ثلاثا وتستنشق ثلاثا وتغسل وجهك ثلاثا وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك من اصابعك إلى المرفقين ثلاثا وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر اذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره، فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي أعلم بما قال وانا امتثل امره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لامر ابي الحسن (عليه السلام) وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له انه رافضي، فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر فلما نظر إلى وضوئه ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم انك من الرافضة


(1) ص 315 وفى الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء

[ 328 ]

وصلحت حاله عنده، وورد عليه كتاب ابي الحسن: ابتداء من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما امر الله: اغسل وجهك مرة فريضة واخرى اسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك، والسلام ". هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة، واصحابنا (رضوان الله عليهم) في مطولاتهم الاستدلالية لم يذكروا منها الا اليسير، وقد اختلفت كلمتهم (طيب الله تعالى مراقدهم) في الجمع بينها على اقوال: (احدها) - ما هو المشهور من حمل اخبار التثنية والمرتين على التثنية في الغسل وحمل الثانية على الاستحباب بعد الغسل كاملا بالاولى، وحمل نفي الامر في الثانية على ما إذا اعتقد وجوبها. وفيه ان الاخبار الكثيرة المستفيضة بالوضوء البياني خالية منه بل كلها مشتملة على الوحدة في الغسل، ويبعد غاية البعد الاستحباب على الوجه المذكور مع عدم اشتمال شئ منها عليه. وربما اجيب عن ذلك بان تلك الاحاديث انما وردت في مقام بيان الواجب من الوضوء خاصة. ويرد عليه (اولا) - انها دعوى خالية من الدليل، بل المتبادر منه ما كان يفعله (صلى الله عليه وآله) في وضوئه غالبا، وهو مشتمل على الواجب والمستحب لا المفترض خاصة، وإلا لكان الانسب في السؤال أو الحكاية ابتداء ان يسأل عن المفترض أو يقال: الا احكى لكم ما افترضه الله من الوضوء. و (ثانيا) - ان جملة من الاخبار حكاية وضوئهم (عليهم السلام) كخبر عبد الرحمان بن كثير الهاشمي (1) الوارد في صفة وضوء مولانا امير المؤمنين (عليه السلام)


(1) المروي في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء

[ 329 ]

مع اشتماله على جملة من المستحبات، فانه ليس فيه تصريح بشئ من ذلك، بل هو ظاهر الدلالة على العدم، وصحيحتي ابي عبيدة الحذاء (1) وحماد بن عثمان (2) في وصف وضوء الباقر والصادق (عليهما السلام) سيما مع ارداف بعض اخبار الوحدة بالقسم كما تقدم. (وثالثا) - انه قد روى زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال قال: " الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه، وحكى لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله): فغسل وجهه مرة واحدة وذراعيه مرة واحدة ومسح رأسه بفضل وضوئه ورجليه " وأنت خبير بانه مع حمل التثنية في الخبر على ما هو المشهور من استحباب غرفة ثانية والغسل مرة ثانية ينافي ما حكاه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المرة الواحدة، فيحصل التدافع بين صدر الخبر وعجزه. (الثاني) - ما ذهب إليه الصدوق (طاب ثراه) في الفقيه من حمل المرتين في تلك الاخبار على التجديد تارة وعلى الغسلتين اخرى كما قدمنا من كلامه، ففي مثل حديث مؤمن الطاق (4) حمل " اثنتين اثنتين " فيه على غسلتين غسلتين ولكن تأوله بالحمل على الانكار دون الاخبار، مستندا إلى ما عرفته ثمة من أن " الوضوء حد من حدود الله وانه لا يجوز ان يحد الله حدا ويتجاوزه رسوله، وأنه تعالى فوض إلى نبيه امر دينه ولم يفوض إليه تعدي حدوده " وكذا فيما رواه من قول الصادق (عليه السلام) (5) " من توضأ مرتين لم يؤجر " حمله على الغسلتين واوضح نفي الاجر فيه بما تقدم في كلامه، وحمل حديث أبن أبي المقدام على التجديد، وعلى ذلك أيضا حمل ما رواه مرسلا (7) من " ان المرتين اسباغ " قال: " والخبر الذي روى " أن من زاد على مرتين لم يؤجر،


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) و (3) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (5) و (7) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء. (6) المتقدم في الصحيفة 325.

[ 330 ]

يؤكد ما ذكرته، ومعناه أن تجديده بعد التجديد لا اجر له كالاذان، من صلى الظهر والعصر باذان واقامتين اجزأه، ومن أذن للعصر كان أفضل، والاذان الثالث بدعة لا أجر له " انتهى. ولا يخفى عليك ما فيه من التكلف الظاهر والنظر الغير الخفي على الماهر: (أما أولا) - فلان ما تأول به رواية مؤمن الطاق من الحمل على الانكار دون الاخبار مدخول بان صدر رواية الكشى المتقدمة (1) قد تضمن أن الثانية اضافة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) على وجه لا يقبل التأويل. و (أما الثانيا) - فلان ما استند إليه من أن " الوضوء حد من حدود الله... الخ " مهدوم بما رواه هو وغيره من الاخبار الدالة على أن الذي فرضه الله تعالى من الصلاة إنما هو ركعتان فاضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الثلاثية منها ركعة والى الرباعية اثنتين (2) وفي بعض الاخبار " وفوض الله إلى محمد فزاد وهي سنة ". و (أما ثالثا) - فلان التجديد لا ينحصر في دفعتين خاصة حتى يمكن حمل حديث (مثنى مثنى) و " مرتين مرتين " أو نحوهما عليه، كما توهمه (قدس سره) وتبعه جمع من الفضلاء عليه، إذ الظاهر من الادلة وكلام الاصحاب في هذا الباب هو استحباب التجديد وان ترامى مع الفصل ولو بنافلة، وعموم الادلة - مثل قولهم (عليهم السلام): " الوضوء على الوضوء نور على نور " (3) وقولهم: " من جدد وضوءه من غير حدث جدد الله توبته من غير استغفار " (4) وقولهم: " الطهر على الطهر عشر حسنات (5) " وغير ذلك - شاهد على ما ذكرنا من الزيادة على الدفعتين والثلاث والازيد. وأما ما تكلفه (ره) - في معنى " من زاد على المرتين لم يؤجر " من قوله: " ومعناه


(1) في الصحيفة 326. (2) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في الباب - 13 - من اعداد الفرائض من كتاب الصلاة (3) و (4) و (5) المروي في الوسائل في الباب - 8 - من أبواب الوضوء.

[ 331 ]

أن تجديده بعد التجديد لا اجر له.. الخ " - ففيه انه إن أراد التجديد من غير تخلل زمان أو صلاة أو نحوهما فالتجديد الاول أيضا لا أجر له، بل هو ليس بتجديد لان الوضوء جديد، وإن أراد به التجديد مع التخلل كما في مثال الاذان الذي اورده فقوله: " لا أجر له " ممنوع، كيف وهو نفسه وروى في هذا المقام عن النبي (صلى الله عليه وآله ": " انه كان يجدد الوضوء لكل فريضة ولكل صلاة (1) ". و (أما رابعا) - فلان حمل الاسباغ على التجديد فيما رواه (2) من " أن المرتين اسباغ " مما لا يكاد يشم له رائحة من الاخبار ولا من كلام أحد من الاصحاب، إذ الظاهر المتبادر من الاسباغ هو الاكثار من ماء الوضوء لا تكراره، والعجب من جمع من محققي متأخري المتأخرين حيث تبعوه في هذا التأويل وجعلوا عليه المدار والتعويل من غير إعطاء التأمل حقه في ذلك ولا إمعان النظر فيما هنالك. (الثالث) - ما ذهب إليه الشيخ حسن في المنتقى قال (قدس سره) - بعد نقل الخبر الدال على قوله: " مثنى مثنى " -: " والمتجه حمله على التقية، لان العامة تنكر الوحدة وتروى في أخبارهم التثنية " (3) انتهى.


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 8 - من أبواب الوضوء. (2) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء. (3) في البحر الرائق لابن نجيم ج 1 ص 23 " الاولى فرض والثنتان سنة. وذكروا لدليل السنة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله). توضأ مرة وتوضأ مرتين وتوضأ ثلاثا " وهذه الروايات التى أشار إليها رواها البخاري في صحيحه أول باب الوضوء وفى بداية المجتهد لابن رشد المالكى ج 1 ص 11 " انفق لعلماء على أن الواجب من طهارة الاعضاء المغسولة المرة إذا اسبغ وان الاثنتين والثلاث مندوب اليهما، وفى المهذب لابي اسحاق الشيرازي الشافعي ج 1 ص 17 " يستحب أن يتوضأ ثلاثا وإن اقتصر على مرة واسبغ اجزأه وان خالف بين الاعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا جاز " وفى المغنى لابن قدامة ج 1 ص 139 " الوضوء مرة مرة والثلاث أفضل في قول اكثر اهل العلم. ولم يوقت -

[ 332 ]

أقول: وقد نقل القول بذلك في المعتبر عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، ونقل من رواياتهم في ذلك ما رووه عن ابن عمر (1) انه قال: " توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين وقال: من ضاعف وضوءه ضاعف الله له الاجر، ثم توضأ ثالثة وقال: هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلي ". ثم لا يخفى عليك أن ما ذكره من الحمل وإن كان لا بأس به بحسب الظاهر، إلا أنه مما لا تجتمع عليه روايات المسألة كملا، لما عرفت في قصتي داود بن زربي وعلى بن يقطين ورواية بصائر الدرجات (2) من أن التقية انما كانت في الغسلات الثلاث وأنهم (عليهم السلام) أمروا داود وعلي بن يقطين بعد زوال المحذور بالتثنية، وقد تضمن صدر رواية داود تعليل الامر باضافة الرسول (صلى الله عليه وآله) الثانية بانها لضعف


- مالك المرة أو الثلاث، وعند الاوزاعي الوضوء ثلاثا إلا غسل الرجلين فانه ينقيهما ويجوز غسل بعضها مرة وبعضها اكثر " وفي فتح الباري لابن حجر ج 1 ص 166 " من الغريب ما عن بعض العلماء من عدم جواز النقص عن الثلاث لمخالفته الاجماع، وقول مالك في المدونة -: لا احب الواحدة - ليس فيه ايجاب الزيادة عليها " وفى شرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد السارى ج 2 ص 213 " اجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الاعضاء مرة وعلى أن الثلاث سنة، وجاءت الاحاديث الصحيحة بالغسل مرة وثلاثا وبعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا، واختلافها دليل الجواز وان الثلاث كمال والواحدة تجزؤ، وعلى هذا يحمل اختلاف الاحاديث " (1) في سنن البيهقى ج 1 ص 80 عن معاوية بن قرة عن ابن عمر قال: " دعا النبي (صلى الله عليه وآله) بماء فتوضأ واحدة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به، ثم دعا بماء فتوضأ مرتين وقال: هذا وضوء من يؤتى اجره مرتين، ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هذا وضوئي ووضوء الانبياء قبلي ". (2) في الصحيفة 326 و 327.

[ 333 ]

الناس، وتضمنت رواية علي بن يقطين تعليلها بالاسباغ، وعاضدها في ذلك أيضا ما عرفت من بعض الاخبار. وقال بعض فضلاء متأخرى المتأخرين بعد نقل كلام المنتقى ما صورته: " هو بعيد، لان معظم العامة ورواياتهم المعتمدة على التثليث (1) فلا تتأدى التقية بالمرتين " انتهى. وشيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين بعد أن نقل حسنة داود ابن زربى (2) احتمل فيها أن المراد بالتثليث فيها تثليث الاعضاء المغسولة بمعنى زيادة إدخال الرجلين في الغسل، ثم قال: " ويكون الامر بالتقية في غسل الرجلين كما ورد مثله من أمر الكاظم (عليه السلام) علي بن يقطين بغسل الرجلين تقية للرشيد، والقصة مشهورة أوردها المفيد في الارشاد وغيره، ويؤيد هذا الحمل ان هذا هو الفعل الذي اشتهر بين العامة انه الفصل المميز بينهم وبين الخاصة، وأما قولنا بوحدة الغسلات أو تثنيتها وكون الزائد على ذلك بدعة عندنا، فالظاهر انه لم يشتهر بينهم ولم يصل إلى حد يكون دليلا على مذهب فاعله حتى يحتاج إلى التقية فيه، على أن الغسلة الثالثة ليست عندهم واجبة وربما تركوها " انتهى كلامه زيد مقامه. وهو قوي بالنظر إلى إجمال تلك الرواية التي نقلها، أما بالنظر إلى ما اشتملت عليه روايتا الكشى والمفيد (3) من قصتي داود وعلي بن يقطين فغير تام، فانهما صريحان في كون التثليث إنما هو في الغسلات كما لا يخفى، وما ذكره (طاب ثراه) - من أن غسل الرجلين هو الذي اشتهر كونه فصلا مميزا بين الخاصة والعامة دون التثليث - جيد إلا أن المفهوم من تتبع الاخبار ومطالعة السير ان مذاهب العامة خذلهم الله ليس لها حد


(1) تقدم في التعليقة 3 في الصحيفة 231 ماله دخل في المقام. (2) المتقدمة في الصحيفة 326 (3) المتقدمتان في الصحيفة 326 و 327

[ 334 ]

ولا انضباط في الصدر الاول، فربما اشتهر القول بينهم في عصر من الاعصار على وجه لا يتمكن أحد من العمل بخلافه وندر في عصر آخر، لان المدار في شيوع تلك المذاهب على ما اعتنت به سلاطين الجور وأئمة الضلال من نصب قضاة من جهتهم وحمل الناس على العمل بما يفتون به، ولا ريب ان عمل كل من قضاتهم وفقهائهم إنما هو على ما تستحسنه عقولهم وتقتضيه قياساتهم، فلا قاعدة لهم مربوطة ولا سنة لهم مضبوطة، واشتهار هذه المذاهب الاربعة إنما وقع أخيرا كما صرح به جملة من علمائنا وعلمائهم، وحينئذ فمن الجائز إشتهار التثليث في الغسل في ذلك الوقت وإن ندر في وقت آخر، ومن ذلك يعلم أيضا قرب احتمال التقية في أخبار التثنية كما احتمله في المنتقى، على أن الذي رأيته فيما حضرني من كتبهم الفروعية ذكر التثليث في مستحبات الوضوء مصرحين بان الاولى فرض والثانية سنة والثالثة كمال السنة، ولعل إشتهار التثليث عندهم - وملازمتهم عليه على وجه يتهمون من تركه بكونه رافضيا، كما سمعته من قصتي داود وعلي بن يقطين - أن الشيعة لما انكرته تمام الانكار بل أبطلوا به الوضوء كما دلت عليه نصوصهم ردا على العامة، شدد العامة الامر فيه أيضا ردا على الشيعة ولازموا عليه تمام الملازمة عنادا لهم، ويؤيده انهم قد تركوا كثيرا من السنن مع إعترافهم بكونها كذلك عنادا للشيعة لملازمتهم عليها، كما أوضحنا جملة من ذلك في بعض رسائلنا، فجعلوا كل من لم يعمل بالتثليث رافضيا، والعجب من شيخنا البهائي (طاب ثراه) حيث استند إلى قصة علي بن يقطين في دلالتها على الامر بغسل الرجلين تقية وحمل التثليث على ضم غسل الرجلين إلى غسل العضوين الآخرين، وغفل عما دلت عليه صريحا من الامر بغسل كل من تلك الاعضاء ثلاثا ثلاثا، ولعله (قدس سره) لم يلاحظ الرواية وقت التصنيف. (الرابع) - ما ذهب إليه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين من حمل التثنية على الغسل والمسح، قال في الكتاب المذكور: " ولا يخفى إحتمال تلك الاخبار لمعنى آخر طالما يختلج بالبال، وهو أن يكون (عليه السلام) اراد بقوله: " الوضوء مثنى

[ 335 ]

مثنى " ان الوضوء الذي فرضه الله إنما هو غسلتان ومسحتان لا كما يزعمه المخالفون من أنه ثلاث غسلات ومسحة واحدة، وقد اشتهر عن ابن عباس انه كان يقول: " الوضوء غسلتان ومسحتان (1) نقله الشيخ في التهذيب وغيره، ومما يؤيد هذا الحمل ما تضمنه الحديث العاشر أعني حديث يونس بن يعقوب (2) من قول الصادق (عليه السلام) في جواب السؤل عن الوضوء الذي افترضه الله على العباد: " يتوضأ مرتين مرتين " فان المراد بالمرتين فيه الغسلتان والمسحتان لا تثنية الغسلات، فانها ليست مما افترضه الله على العباد " انتهى. وما ذكره (رحمه الله) وإن أمكن احتماله بالنسبة إلى صحيحتي معاوية بن وهب وصفوان (3) الدالتين على أن " الوضوء مثنى مثنى " لاجمالهما وكذا حديث يونس بن يعقوب إلا أنه لا يجري في غيرهما مما يدل على التثنية من الاخبار المتقدمة، فلا يحسم مادة الاشكال. (الخامس) - ما ذهب إليه بعض من الاصحاب من حمل تلك الاخبار على بيان نهاية الجواز، والى هذا يميل كلام السيد السند في المدارك، حيث قال - بعد نقل كلام المشايخ الثلاثة المتقدم - ما لفظه: " ومقتضى كلام المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) أفضلية المرة الواحدة، وهو الظاهر من النصوص، وعلى هذا فيمكن حمل الاخبار المتضمنة للمرتين على أن المراد بها بيان نهاية الجواز، ثم استشهد بقوله (عليه السلام)


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 25 - من أبواب الوضوء، وفى التهذيب ص 18 ورواه عن ابن عباس الطبري في تفسيره ج 10 ص 58 الطبعة الثانية وابن كثير في تفسيره ج 2 ص 25 وابن العربي في أحكام القرآن ج 1 ص 239 والعيني في عمدة القارى ج 1 ص 657. (2) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من أبواب أحكام الخلوة. (3) المتقدمتين في الصحيفة 325.

[ 336 ]

في صحيحة الاخوين المتقدمة (1): " والثنتان تأتيان على ذلك كله " ثم قال: وأعلم المستفاد من كلام الاصحاب أن المستحب هو الغسل الثاني الواقع بعد إكمال الغسل الواجب، وانه لو وقع الغسل الواحد بغرفات متعددة لم يوصف باستحباب ولا تحريم، والاخبار إنما تدل - بعد التسليم - على أن الاستحباب كون الغسل الواجب بغرفتين، والفرق بين الامرين ظاهر " انتهى. والظاهر أنه جنح هنا إلى القول الثالث الذي قدمنا نقله عن الشيخ في الخلاف وحمل عليه كلام المشايخ الثلاثة، متمسكا ينفي الاجر على الثانية. وفيه ما قد عرفته سابقا في ذيل كلام ذينك الشيخين الاعظمين، وهو (قدس سره) لم ينقل من كلام الصدوق إلا ما قدمنا نقله عنه أولا (2) من قوله: " الوضوء مرة مرة، ومن توضأ مرتين مرتين لم يؤجر، ومن توضأ ثلاثا فقد ابدع " دون الكلام الاخير الذي هو ظاهر الدلالة بل صريحها فيما أدعيناه، ثم ان قوله (طاب ثراه): " واعلم أن المستفاد... الخ " ظاهر الدلالة في الرجوع عما ذكره أولا، إذ ظاهر الكلام الاول ان الثانية التي هي نهاية الجواز إنما هي بعد تمام الغسل الواجب، وكلامه الاخير ظاهر المخالفة لذلك، ولعل في قوله أولا: " وعلى هذا فيمكن... الخ " اشارة إلى ذلك، ثم انه مع الاغماض عما ذكرنا فهذا الحمل لا تنطبق عليه أخبار المسألة كملا على وجه يحسم مادة النزاع، لعدم جريانه في الاخبار الدالة على أن الثانية اسباغ كما هو ظاهر. (السادس) - ما ذكره المحدث الكاشاني (قدس سره) في الوافي من حمل احاديث الوحدة على الغسلة وأحاديث التثنية على الغرفة، قال: " وبهذا تكاد تتوافق جميع الاخبار وينكشف عنها الغبار، كما يظهر بعد التأمل في كل كل، وإن كان أيضا لا يخلو من تكلف إلا أنه أقل تكلفا مما ذكروه، فيصير معنى حديث مؤمن الطاق (3)


(1) في الصحيفة 324. (2) في الصحيفة 320 (3) المتقدم في الصحيفة 325

[ 337 ]

" ان الفرض في الوضوء إنما هو غسلة واحدة، ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس غرفتين لتلك الغسلة " فهو تحديد منه لما لم يرد له من الله تحديد ليس بتعد من حد، وأما الثنتان في قوله: " واثنتان لا يؤجر " (1) فالمراد بهما الغسلتان، والمراد بالواحدة والثنتين في قوله: " من لم يستيقن أن الواحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين " الغرفة والغرفتان، والدليل على هذا التأويل ما مضى من حيث زرارة وبكير: " فقلنا اصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه وغرفة للذراع ؟ فقال: نعم ان بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله " انتهى. وظني أن هذا الاحتمال اقرب من تلك الاحتمالات إلى الروايات، لكن لا على ما يفهم من كلامه (رحمه الله) من حمل لفظ الواحدة والمرة على الغسلة كائنا ما كان، بل على ما تقتضيه القرائن الحالية وتساعده المقامات المقالية، ومن أن الغسلة المفروضة يستحب ان تكون بغرفتين دائما، كما ذكره في توجيه رواية مؤمن الطاق (4) من حمل الوحدة على الغسلة والتثنية على الغرفة، وان ذلك تحديد منه (صلى الله عليه وآله) لما فرضه الله تعالى، فانه خلاف ما استفاض عنه (صلى الله عليه وآله) في حكاية وضوئه وعن أبنائه (عليهم السلام) في الحكاية عنهم من أن الوضوء غرفة غرفة، إذ لو كان قد وقع الغرفتين حدا لتلك الغسلة بمعنى أنه سن ان تكون الغسلة بغرفتين، لكان هو (صلى الله عليه وآله) أولى من لازم عليه كما ندب إليه، وأبناؤه (عليهم السلام) اولى من أحيى سنته ونهج طريقه، بل الظاهر أن المراد منها أن الفرض الذي أوجبه الله تعالى في الوضوء الغسل ولو كالدهن، وهو يحصل بالغرفة المتعارفة الغير المبالغ فيها،


(1) في مرسل ابن ابى عمير المتقدم في الصحيفة 325. (2) في رواية ابن بكير المتقدمة في الصحيفة 325 (3) المروى في الوسائل في الباب - 15 - من أبواب الوضوء. (4) المتقدمة في الصحيفة 325

[ 338 ]

وزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) غرفة اخرى ليحصل بالجميع سنة الاسباغ، وعلى هذ ينطبق كل من هذه الرواية ورواية الكشى. (السابع) - ما خطر بالبال العليل والفكر الكليل، وبيانه أن الواجب من الغسل هو ما يحصل به مسمى الجريان اتفاقا، وهو يحصل بالغرفة اليسيرة إن حملنا أخبار الدهن على المبالغة، وإلا فقد عرفت ما سبق أن العمل بها على ظاهرها لا يخلو من قوة ورجحان، وحينئذ نقول هنا: ان بعضا من تلك الاخبار المتقدمة تضمنت أن التثنية من الاسباغ المستحب في الوضوء كما استفاض في جملة من الاخبار، ومعنى الاسباغ هو الغسل الواجب بماء كثير يتيقن استيعابه للعضو، ولا يستلزم تعدد الغرفات بل قد يكون بغرفة واحدة مملوءة، فالاسباغ حينئذ يحصل إما بمل ء الكف من الماء مرة واحدة، كما حكاه حماد بن عثمان في صحيحته عن الصادق (عليه السلام) في حكاية وضوئه (عليه السلام) حيث قال: " فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى... الحديث " وكما حكاه زرارة في صحيحته عن أبي جعفر (عليه السلام) في حكايته وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان ذلك مبني على سنة الاسباغ، إذ الغسل الواجب يحصل بما هو كالدهن، وهو يحصل بالغرفة اليسيرة كما لا يخفى، أو بالمرتين الغير المملوءتين، كما هو الظاهر من أحاديث التثنية بقرينة ما دل منها على ان الثانية اسباغ حملا لمطلقها على مقيدها، وقد أستفيد كلا الفردين من صحيحة الاخوين حيث قالا له: " فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه وغرفة للذراع ؟ فقال: نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله " فان ذلك كله مبني على سنة الاسباغ البتة، وبعين ذلك يقال


(1) المتقدمة في الصحيفة 326 (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من أبواب الوضوء.

[ 339 ]

في رواية مؤمن الطاق وما في معناها مما دل على ان الفريضة واحدة وزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثانية لسنة الاسباغ فيغسل بمجموعهما العضو لاجل الاسباغ، والظاهر ان معنى قوله في رواية داود الرقي المنقولة عن الكشى: " واضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثانية لضعف الناس " اي ضعف عقولهم بسبب عدم مقاومة الوساوس الشيطانية بالشك في وصول الماء إلى جميع العضو عند الاكتفاء بغرفة، فسن (صلى الله عليه وآله) الثانية ليحصل الجزم والاطمئنان باستيعاب العضو بالغسل. (لا يقال): ان زيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الغرفة الثانية لسنة الاسباغ ينافيه الحصر في المرة في قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الكريم (3): " ما كان وضوء علي (عليه السلام) الا مرة مرة " والقسم في قوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق: " والله ما كان وضوء رسول الله (صلى اله عليه وآله) إلا مرة مرة ". (لانا نقول): قد عرفت ان الاسباغ يحصل باحد فردين: اما بالغرفة المبالغ فيها كما عرفت من ذينك الحديثين المتقدمين (5) أو الثنتين الغير المبالغ فيهما، وهذان الخبران محمولان على الاول. وبالجملة فان بعض الاخبار تضمن ان الغرفة الثانية لسنة الاسباغ، وبعض الاخبار تضمن الغرفة المملؤة والمبالغ فيها، ومن الظاهر البين أن المبالغة فيها وملا الكف بها انما هو لتحصيل سنة الاسباغ كما عرفت، وبعض الاخبار جمعهما معا، وبعض تضمن الغرفة أو المرة من غير ذكر المبالغة والملأ مع كونه مما يجب حمله على الوجه الاكمل، وبعضها تضمن الثنتين من غير ذكر الاسباغ، فالواجب حمل ما تضمن منن الاخبار المرة أو الغرفة عاريا عن القيد على مقيدها ليكون واقعا على الوجه الاكمل، وما تضمن التثنية


(1) المتقدمة في الصحيفة 325 (2) المتقدمة في الصحيفة 326 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء. (5) وهما صحيحا حماد وزرارة المتقدمان في الصحيفة 338

[ 340 ]

عاريا عن ذلك القيد ايضا على مقيدها بذلك القيد، وعليه تجتمع الاخبار. على أنه يمكن ايضا أن يقال: انه يجوز أن تكون التثنية مخصوصة بغيرهم (صلوات الله عليهم) ممن يضعف عقله عن الاكتفاء بالواحدة، كما يستفاد من ظاهر حديث الكشي المتقدم ويؤيده ما تقدم من كلام ثقة الاسلام: " ان الذي جاء عنهم (عليهم السلام) انه قال: " الوضوء مرتان " إنما هو لمن لم تقنعه المرة استزاده " ثم إنه حيث كانت سنة الاسباغ - كما عرفت تحصل بالغرفة الثانية متى اضيفت إلى الاولى وغسل العضو مجموعهما، فالغرفة الثالثة حينئذ تكون بعد تمام الغسل فتوصف بالبدعة وعدم الاجر، وهذا معنى ما رواه في مستطرفات السرائر عن الرضا (عليه السلام) من " ان الفضل في واحدة واحدة ومن زاد على اثنتين لا يؤجر " اي الفضل في واحدة واحدة مملوءة لان فيه سنة الاسباغ الذي فيه الفضل أو اثنتين غير مملوءتين كما هو المتفساد مما قدمناه، وهو مطوي هنا في الكلام ومثله كثير، ومن زاد على اثنتين لم يؤجر، وهذا هو الذي صرح به ثقة الاسلام والصدوق (قدس سرهما) فيما قدمنا في تحقيق كلامهما. وأما قوله في مرسلة أبن ابي المقدام: " إني لاعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين وقد توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنتين اثنتين " مع استفاضة الاخبار البيانية بان وضوءه (صلى الله عليه وآله) ما كان الا بغرفة غرفة، فلعل المعنى فيه - سبحانه وقائلة أعلم - انه كما واظب على الغرفة المملوءة في الاكثر كذلك توضأ في بعض الاوقات بغرفتين خفيفتين، كما أمر به فيما نقله عنه ابناؤه (سلام الله عليهم) من انه زاد الثانية لسنة الاسباغ، والامام (عليه السلام) هنا تعجب ممن رغب عن هذه السنة التي سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحال انه قد اتى بها في بعض وضوءاته


(1) ص 326 (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. وقد تقدم في التعليقة 5 ص 325 ان الحديث عن الصادق (عليه السلام) (3) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء.

[ 341 ]

وأما ما تضمنته رواية ابن بكير من ان " من لم يستيقن ان الواحدة تجزيه لم يؤجر على الثنتين " فلعل معناه انه لما كانت الواحدة هي الفرض من الله سبحانه وان الواجب المفروض يتأدى بمثل الدهن كما استفاضت به الاخبار، فمن لم يعتقد اجزاءها بل اعتقد فرض الثنتين كان مبدعا مشرعا في وضوئه، لاعتقاده وجوب ما ليس بواجب وهو الثانية فلا يؤجر على وضوئه، وهو عين ما ذكره الصدوق مما قدمنا نقله عنه. واما ما تضمنته مرسلة ابن ابي عمير (2) - وهي مضمون عبارة الصدوق المتقدمة أولا من أن " الوضوء واحدة فرض واثنتان لا يؤجر والثالثة بدعة " - فيحتمل بمعونة ما ذكرناه في رواية ابن بكير أن الواحدة والاثنتين بمعنى الغرفة وان عدم الاجر على الثنتين مع عدم اعتقاد اجزاء الواحدة التي هي الفرض، وأما الثالثة فهي بدعة لانها زيادة على ما جاءت به السنة، بخلاف الثانية، فانها سنة للاسباغ بها كما عرفت، ولعل في التعبير بعدم الاجر إشارة إلى ذلك. ويحتمل حمل الواحدة والاثنتين على الغسلة والغسلتين، ومعناه حينئذ أن الغسلة الواحدة فرض والغسلتان لا يؤجر. وقد عرفت ان معنى هذا اللفظ الكناية عن البدعية والتحريم، وحينئذ فيكون المراد بلفظ البدعة في الثالثة بمعنى المبتدع المخترع لا ما قابل السنة، وإلا فقد عرفت ان الثانية بدعة بذلك المعنى، فمرجع عدم الاجر في الثانية والبدعية في الثالثة إلى امر واحد. وأما ما ذكره جملة من محققي متأخري متأخرينا - من عدم تحريم الغسلة الثانية بل عدم الكراهة، مستندين إلى عدم الدليل على ذلك وان لفظ " لا يؤجر " في الاخبار غاية ما يفهم منه عدم الاولوية - ففيه ما عرفت في تحقيق كلام الشيخين المتقدمين، ويزيده هنا انها مع زيادتها وعدم كونها جزء من العبادة - كما يعترفون به - فاما ان يعتقد الملكف في حال استعماله لها شرعيتها واستحبابها، وهذا مما لا يستراب في تحريمه


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء.

[ 342 ]

وتشريعه بناء على ما اعترفوا به كما قدمنا الاشارة إليه، واما ان لا يعتقد ذلك بل يكون عابثا لاعبا، وهذا لا اختصاص له بهذا المقام ليخص بالذكر في أخبارهم (عليهم السلام) بل يجري مثله في الثالثة، مع انهم لا يخالفون في بدعيتها وتحريمها، وان هذا اللفظ قد ورد في رواية زرارة المتقدمة (1) في تعداد الروايات المعارضة بعد قوله: " مثنى مثنى " ومن الظاهر بل المعلوم ان المراد به التحريم اتفاقا اعم من ان تجعل التثنية في الغسل كما هو المشهور أو في الغرفة كما ذكرنا، لان الزيادة هنا بمعنى التثليث، وهو مما لا اشكال عندهم في تحريمه، ومما يدل أيضا على ان اللفظ إنما خرج كناية عن التحريم قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة داود بن فرقد المروية في الكافي (2): " إن أبي كان يقول ان للوضوء حدا من تعداه لم يؤجر... " مع قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: " إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه... " فان نفي الاجر في الاول عبارة عن كونه معصية كما في الثاني كما لا يخفى. (الثالث) - قال في كتاب رياض المسائل وحياض الدلائل - بعد البحث في المسألة، والجمع بين الاخبار بحمل بعضها على التجديد وبعضها على التقية وبعض على الغسلتين والمسحتين - ما لفظه: " بقي هنا شئ، وهو أنه لا خلاف في أنه إذا لم تكف الغرفة الاولى في غسل العضو وجبت الثانية وهكذا، لعدم الخروج عن العهدة، كما صرح به العلامة في المختلف وغيره، كما انه لا خلاف في وقوع الخلاف في الثانية إذا كمل غسل العضو بالاولى. وأما لو لم يكمل غسل العضو بالاولى مع إمكان شمولها إياه واختار غسل العضو بغرفتين موزعتين عليه، فهل يجري في الثانية الخلاف السابق أم لا ؟ لم اقف للاصحاب فيه على صريح كلام، وكلامهم فيه قابل للامرين، إلى أن


(1) في الصحيفة - 325 (2) ج 1 ص 7 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 52 - من ابواب الوضوء.

[ 343 ]

قال: والظاهر من الاخبار بعد التأمل فيها ومراجعة ما حررناه أن استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه، وان الاقتصار على الغرفة مع إمكان شمولها العضو ولو بالمبالغة فيها كما أو كيفا هو الاولى، وانها ليست بمحرمة بل هي غاية الحد في الوضوء الذي لا يجوز تعديه، من زاد عليه فقد أبدع " انتهى كلامه زيد مقامه. وعندي فيه تأمل من وجوه: (احدها) - ان الظاهر - من الاخبار الدالة على إجزاء ما يحصل به مسمى الغسل ولو بالدهن، وبه قال الاصحاب ايضا - الاكتفاء في غسل العضو بالغرفة اليسيرة جدا، وحينئذ فالظاهر من قول العلامة في المختلف - انه مع عدم كفاية الكف الاول في غسل العضو يجب الثاني ولو لم يكفيا وجب الثالث وهكذا - انما هو من قبيل الفرض في المسألة لا أنه كذلك حقيقة، حتى يصح جعل ما لو اختار غسل العضو بغرفتين موزعتين مع إمكان شمول الاولى له مطرحا لخلاف آخر في المسألة ايضا. (ثانيها) - انك قد عرفت ان جملة من الاخبار دلت على كون الثانية اسباغا، وأنه (صلى الله عليه وآله) قد سنها لذلك. ولا مجال لحملها على الغسلة، لما فيه من المنافاة لاخبار الوحدة، كما عرفت وحققه هو أيضا (قدس سره) في اول كلامه، فتحمل على الغرفة، ومن الظاهر حينئذ انها أعم من أن تكون الاولى تأتي على العضو كلا ولم يغسل بها أم لا، وبذلك يظهر ما في دعواه (قدس سره) في آخر كلامه: أن الظاهر من الاخبار بعد التأمل فيها ان استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه، فانه غفلة زائدة عن ملاحظة هذه الاخبار ولا سيما روايتي الكشى وعلي بن يقطين (1) إلا أن عذره فيهما ظاهر، حيث لم يتعرض لنقلهما في الكتاب المذكور، ولعله (طاب ثراه) لم يطلع عليهما أو لم يخطرا بباله حال التصنيف.


(1) المتقدمين في الصحيفة 326 و 327

[ 344 ]

(ثالثها) - ان صحيحة الاخوين (1) - كما عرفت - دلت على أن الثنتين تأتيان على ذلك كله بعد حكمه فيها بان الغرفة المبالغ فيها مجزئة لذلك ايضا، وقد عرفت شرح القول في معناها، وهو أعم من اتيان الاولى على مجموع أو لعضو وعدمه. وأما ما احتمله (طاب ثراه) في ضمن كلامه أولا في الرواية المذكورة - من كون لام الثنتين عهدية إشارة إلى الغرفتين المذكورتين اولا للوجه واليدين، بمعنى ان الغرفة الواحدة للوجه والغرفة الواحدة للذراع مع المبالغة فيهما تأتيان على الوجه والذراع بحيث لا يحتاج إلى تثنية الغسلات - ففيه من التكلف بل البعد عن ساحة الامكان ما لا يحتاج إلى الايضاح والبيان. (رابعها) - ان الظاهر أنه لا معنى لوصف الغرفة بالوجوب أو الاستحباب أو البدعية الا باعتبار الغسل بها، فالوصف انما يرجع إلى الغسل بها لا إليها نفسها، فلا يتحقق كل من الاوصاف الثلاثة الا بعد الغسل، فإذا غسل بالاولى - وإن كانت تأتي على مجموع العضو - بعضه خاصة، فانه لا خلاف ولا إشكال في وجوب غسل بقية العضو ولو بغرفة يمكن اتيانها عليها كملا، وحينئذ فكيف يصح اجراء الخلاف فيها بعد الغسل بها ؟ وكيف يصح مع هذا ان استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه ؟ نعم ربما احتمل اجراء كلامه في الثالثة، حيث ان الثنتين المخففتين وان كان كل منهما يقوم بالغسل الواجب الذي هو ولو كالدهن، إلا أنه لتحصيل سنة الاسباغ يستحب الغسل بهما معا، فمع تفريقه لهما على شطر العضو وعدم غسله بهما معا مع اتيانهما عليه وأخذه ثالثة، ربما تطرق إليها احتمال الدخول تحت اخبار بدعية الثالثة بحملها على ما هو اعم من أن يغسل بها بعد كمال الغسل بالثنتين أو قبله مع حصول الاسباغ بالثنتين وتقصيره في الغسل بهما، الا أنه بعد لا يخلو من شوب الاشكال. (خامسها) - قوله أخيرا في الغرفة الثانية: انها لسيت بمحرمة، وهو


(1) المتقدمة في الصحيفة 337

[ 345 ]

بناء منه (قدس سره) على ما فهمه من أخبار عدم الاجر على الثانية بحمل الثانية على الغرفة وعدم الاجر على الجواز وعدم الاستحباب، كما قدمنا نقله عن جملة من الاصحاب، وقد حققنا لك ما فيه وكشفنا عن باطنه وخافيه. (الرابع) - المشهور بين الاصحاب تحريم الغسلة الثالثة، وقد صرح جملة من الاصحاب: منهم - الصدوق والشيخ في الخلاف فيما تقدم من عباريتهما ببدعيتها، ونقل عن المبسوط والنهاية ايضا. ونقل عن ابن الجنيد وابن ابي عقيل القول بعدم التحريم، لكن الذي في المختلف عن ابن أبي عقيل التعبير عن ذلك بنفي الاجر، كما هو مضمون رواية زرارة المتقدمة (1) وقد عرفت ما في هذا اللفظ. والشيخ المفيد (رحمه الله) في المقنعة اثبت التحريم فيما زاد على الثلاث وجعل الثالثة كلفة. والاظهر المشهور، ويدل عليه التصريح بالبدعية في مرسلة ابن ابى عمير المتقدمة (2) ونفي الاجر الذي هو ظاهر في التحريم ايضا كما اشرنا إليه آنفا. ولانها عبادة والاتيان بها بدون الاذن تشريع محرم. وما يقال - من انه مع اعتقاد المشروعية فلا ريب في ذلك ولكن مجرد الاتيان بها لا يستلزمه، وهب انه يستلزمه وانه اعتقد الاستحباب فغاية ما يلزم منه تحريم اعتقاد ندبيتها لافعلها دون ذلك الاعتقاد بل مع ذلك الاعتقاد ايضا، والكلام انما هو في حرمة الفعل لا الاعتقاد كما هو الظاهر، ثم ان حرمة ذلك الاعتقاد ايضا ممنوعة، لان الاعتقاد لو كان ناشئا من الاجتهاد أو التقليد فلا وجه لحرمته، غاية الامر أن يكون خطأ ولا اثم على الخطأ كما تقرر عندهم، كذا قرره بعض محققي متأخري المتأخرين - ففيه نظر من وجوه: (احدها) - ان ظاهر ما دل على البدعية والتحريم من الاخبار وكلام الاصحاب كون ذلك ناشئا عن اعتقاد المشروعية، ردا على المخالفين القائلين باستحبابها والمؤكدين على المواظبة عليها، حتى خرجت الاخبار بالامر للشيعة بذلك تقية


(1) و (2) في الصحيفة 325

[ 346 ]

منهم كما عرفت سابقا، والمناقشة بجواز الاتيان بها لا بهذا الاعتقاد امر خارج عن محل البحث ولا خصوصية له بهذا المقام، بل هي مسألة على حيالها، فان ادخال الافعال الاجنبية في العبادة لا بقصد كونها منها بل لغرض آخر أو خالية من الغرض ان توجه له المنع من جهة اخرى غير جهة فعله امتنع من تلك الجهة والا فلا، الا ترى ان الصلاة التي هي عبادة متصلة قد جوز الشارع اشتمالها على بعض الافعال الاجنبية لاغراض خاصة وحرم بعضا آخر لمنافاته لها، فالوضوء الذي هو عبادة منفصل بعضها عن بعض اجدر بالجواز، الا انه ينقدح الاشكال فيما نحن فيه من وجه آخر، وهو وجوب المسح ببلة الوضوء على الاشهر الاظهر، والحال ان بلة الثالثة ليست منه اتفاقا من المحرمين والمجوزين، لا من مجرد الاتيان بها، والا فلو تمضمض اربعا أو زاد في غسل الوجه واليدين على الحدود المقررة شرعا لا بقصد العبادة في شئ من ذلك فانه لا ضرر فيه، لما عرفت آنفا من ان الافعال تابعة للقصود والنيات في تميز بعضها عن بعض وترتب اثارها عليها. (ثانيها) - ما ذكره من انه مع اعتقاد استحبابها فغاية ما يلزم منه تحريم الاعتقاد لا الفعل ظاهر البطلان، كيف والافعال - كما عرفت - تابعة للقصود والنيات صحة وبطلانا وثوابا وعقابا، ومما لا ريب فيه ان هذا الفعل منهي عنه عموما لدخوله في البدع المحرمة في الدين، وخصوصا في مرسلة ابن ابي عمير ورواية زرارة السالفتين (1) ولا معنى للمحرم الا ما نهى الشارع عنه نهيا توجب مخالفته الاثم، وهو هنا كذلك. (ثالثها) - انه لو تم ما رتبه من الغاية المذكورة لجرى فيما لو زاد ركعة في صلاته عامدا معتقدا وجوبها فضلا عن استحبابها، فان غاية الامر تحريم اعتقاد وجوبها ولا يلزم منه تحريمها، بل يلزم في كل مبدع في الدين ان يكون ما يأتي به من البدع جائزا غير محرم وان حرم قصده واعتقاده جواز ذلك فيأثم على مجرد هذا القصد والاعتقاد،


(1) في الصحيفة 325

[ 347 ]

ما هذه الا سفسطة وكلمات متنافرة. (رابعها) - ان ما ذكره من منع حرمة ذلك الاعتقاد لو كان ناشئا عن اجتهاد أو تقليد - على اطلاقه ممنوع بل الوجه فيه انه إذا كان هذا الاجتهاد مقتضى ما ادى إليه فهمه من ادلة الكتاب والسنة بعد الفحص والتتبع للادلة حسب الجهد والطاقة فهو كذلك، ومن المعلوم ان ما نحن فيه ليس منه، والا فهو مخطئ آثم في اعتقاده ومحتمل لاثم من قلده في ذلك، كما هو مقتضى الآيات القرآنية والسنة المحمدية، وان اباه جملة من الاصحاب تبعا لما قرره العامة في هذا الباب كما حققناه في محل آخر. (الخامس) - انه على تقدير تحريم الثالثة وبدعيتها فهل يبطل الوضوء بمجرد فعلها، أو لا يبطل، أو يبطل ان مسح بمائها مطلقا، أو بخصوص ما إذا كانت الغسلة في اليد اليسرى ؟ اقوال: اولها لابي الصلاح، وثانيها للمحقق في المعتبر، وثالثها ظاهر الدورس والذكرى، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين، ورابعها للعلامة في النهاية. والاظهر عندي من هذه الاقوال الاول، وهو مقتضى كلام الشيخين الاقدمين (الصدوق وثقة الاسلام) كما قدمنا بيانه وشيدنا بنيانه. ويدل عليه من الاخبار رواية الكشي (1) حيث قال في اولها: " ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له " وفي آخرها: " توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه، وانك ان زدت عليه فلا صلاة لك ". وما رواه في الفقيه (2) مرسلا وفي كتاب العلل مسندا عن الصادق (عليه السلام) قال: " من تعدى في وضوئه كان كناقضه ". ويؤيده ما رواه في الكافي (3) والتهذيب في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم


(1) المتقدمة في الصحيفة 326 (2) ج 1 ص 25 وفى العلل ص 103 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (3) ج 1 ص 7 وفى التهذيب ج 1 ص 38 وفى الوسائل في الباب - 52 - من أبواب الوضوء

[ 348 ]

عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " انما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه... " فانه صريح - كما ترى - في عصيان من زاد على الوضوء المحدود، ومن الظاهر ان العصيان انما نشأ هنا من مخالفة الامر في العبادة المستلزمة للابطال. ثم لا يخفى انه لو امكن المناقشة في بعض هذه الادلة أو في كل منها الا انه بالنظر إلى مجموعها - مع عدم المنافي لها في الاخبار، مع ان بعضها من مرويات الفقيه الذي ضمن مصنفه في صحة ما يرويه، كما اعتمدوا على ذلك في غير موضع من كلامهم، مضافا إلى قول الشيخين المعتمدين بذلك لا يبقى لتطرق الشك في الحكم المذكور وجه، وقد مر ايضا ما يؤكده ويزيده تأييدا. (المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (نور الله تعالى مراقدهم) في وجوب الموالاة كما ادعاه جماعة، انما الخلاف في معناها، فقيل انها مراعاة الجفاف بمعين انه لا يؤخر بعض الاعضاء عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدمه، وقيل انها عبارة عن المتابعة اختيارا ومراعاة الجفاف اضطرارا. وهل الاخلال بالمتابعة المذكورة هنا موجب للاثم خاصة أو للبطلان ايضا ؟ قولان لاصحاب هذا القول، والمشهور عندهم الاول، وبه صرح العلامة في جملة من كتبه والمحقق في المعتبر، وظاهر المبسوط الثاني، وحنيئذ ففي المسألة اقوال ثلاثة. وظاهر المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انكار القول الثالث، فانه بعد ان نقل القولين ونقل عن بعض حواشي الشهيد قولا ثالثا جامعا بين التفسيرين قال: " وعندي ان هذا هو القول الاول، لان القائل به لا يحكم بالبطلان بمجرد الاخلال بالمتابعة ما لم يجف البلل، فلم يبق لوجوب المتابعة معنى الا ترتب الاثم على فواتها، ولا يعقل تأثيم المكلف بفواتها الا إذا كان مختارا، لامتناع التكليف بغير المقدور " انتهى. ويظهر ذلك ايضا من المختلف حيث لم ينقل فيه الا القول بمراعاة الجفاف والقول بالمتابعة من غير تعرض لكلام المبسوط، وانت خبير بان عبارة الشيخ في المبسوط

[ 349 ]

- حيث قال: " الموالاة واجبة في الوضوء، وهو ان يتابع بين الاعضاء مع الاختيار وان خالف لم يجزه " - ظاهرة الدلالة على الابطال مع المخالفة اختيارا كما نسبه إليه جمع من المتأخرين. ونقل الصدوق في الفقيه (1) عن ابيه في رسالته إليه انه قال: " ان فرغت من بعض وضوئك وانقطع بك الماء من قبل ان تتمه فاتيت بالماء، فتمم وضوءك ان كان ما غلسته رطبا، وان كان قد جف فاعد وضوءك، فان جف بعض وضوئك قبل أن تتم الوضوء من غير ان ينقطع عنك الماء، فاغسل ما بقى جف وضوؤك أو لم يجف " انتهى. ويظهر منه ان اي الفردين من مراعة الجفاف والتتابع حصل فهو كاف في صحة الوضوء، فلو تابع بين اعضاء الوضوء واتفق الجفاف لضرورة كان ام لا صح وضوؤه، ولو لم يتابع بل فرق بين الاعضاء لعذر كان ام لا روعي الجفاف وعدمه، فان حصل بطل وضوؤه وإلا فلا. والى هذا القول مال جملة من افاضل متأخري المتأخرين: منهم - المحدث الشيخ محمد ابن الحسن الحر العاملي في كتاب البداية وكتاب الوسائل، حيث خص الابطال بجفاف السابق بصورة التراخي والتفريق (2) وبذلك يصير في المسالة قول رابع. ثم ان ظاهر القول بكون الموالاة احد واجبات الوضوء ترتب الاثم على تركها، وبذلك صرح اصحاب القولين المذكورين، وان القائلين بمراعاة الجفاف صرحوا بانه مع التفريق بين الاعضاء حتى يجف السابق ياثم ويبطل الوضوء، بل صرح الشهيد منهم في الدروس والبيان بانه يأثم مع التفريق إذا فرط في التأخير عن المعتاد وان لم يبطل الا مع الجفاف، والقائلون بالمتابعة صرحوا بالاثم مع الاخلال بها وعدم البطلان الا بالجفاف، وبعضهم - كما تقدم قال بالاثم والابطال مع الاخلال بها. وفي ثبوت الاثم المذكور من الادلة اشكال، لعدم ما يدل عليه ولو في الجملة، ومن ثم ذهب بعض من محققي متأخري المتأخرين إلى شرطية الموالاة في الوضوء بمعنى توقف صحته عليها، فغاية


(1) ج 1 ص 35 (2) في الباب - 33 - من ابواب الوضوء

[ 350 ]

ما يلزم من فواتها بطلانه دون الوجوب المستلزم لاستحقاق الذم بالمخالفة اللهم الا ان يثبت اجماع على الوجوب أو على حرمة ابطال العمل، وربما كان الظاهر من كلام علي بن بابويه ذلك، ومنه ربما ينتج بلوغ الخلاف في المسألة إلى اقوال خمسة. ويدل على القول بمراعاة الجفاف من الاخبار صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ربما توضأت فنفذ الماء فدعوت الجارية فابطأت علي بالماء فيجف وضوئي ؟ فقال: اعد ". وموثقة ابي بصير (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى تنشف وضوؤك فاعد وضوءك. فان الوضوء لا يبعض ". واستدل بعض الاصحاب على ذلك ايضا برواية مالك بن اعين ومرسلة الصدوق المتقدمتين في الامر السابع من البحث الثالث في مسح الرأس (3) لدلالتهما على اعادة الوضوء لمن نسي مسح رأسه وفقد البلة من اعضاء وضوئه. وعندي في الدلالة نظر، إذ من الجائز أن يكون استناد وجوب الاعادة المستلزم لبطلان الوضوء السابق انما هو للاخلال ببعض اجزاء الوضوء الذي هو المسح، لعدم جوازه الا ببلة الوضوء، مع تعذرها كما هو المفروض، دون الجفاف. وانت خبير بان غاية ما يفهم من الروايتين الاوليتين اللتين هما مستند القول المذكور الامر بالاعادة الدال على بطلان ما فعله سابقا ولا دلالة فيه على الذم والاثم بوجه، بل ربما كان في سكوته (عليه السلام) عن الذم والانكار بالتأخير حتى يجف الوضوء نوع ايماء إلى العدم، وبذلك يظهر قوة القول بالشرطية خاصة. وما ربما يتوهم - من قوله في موثقة ابي بصير: " فان الوضوء لا يبعض " بناء على ان الجملة الخبرية هنا في معنى الانشاء وان المعنى حينئذ انه لا يجوز تبعيضه - فمردود بانه يجوز ان يكون


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 33 - من ابواب الوضوء. (3) في الصحيفة 281

[ 351 ]

المراد ان الوضوء الشرعي ليس بقابل للتبعيض، بل تبعيضه يوجب الاتيان بوضوء غير مبعض، لعدم الخروج عن العهدة، فهو خبر اريد به خبر آخر هو لازمه وهو عدم صحة المبعض، ووجوب اعادته من قبيل الكناية، أو اريد به الانشاء وهو الامر بالاعادة، وشئ منهما لا يدل على الاثم، ويرشد إلى هذا انه وقع تعليلا للامر بالاعادة مع الجفاف في مادة عروض الحاجة إلى الماء. ثم ان مضمون الروايتين المشار اليهما ايضا حصول الابطال بالجفاف الناشئ عن التفريق، اما لو اتفق الجفاف لا مع التفريق للخبرين المذكورين على الابطال، وليس غيرهما في الباب. وبه يظهر قوة ما ذهب إليه الصدوقان ومن تبعهما من انه لو تابع بين اعضاء الوضوء صح وضوؤه وان اتفق الجفاف، لعذر كان من حرارة ونحوها ام لا، وضعف ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى والدروس من انه لو والى وجف بطل وضوؤه الا مع افراط الحر وشبهه، وقال في الذكرى: " ظاهر ابني بابويه ان الجفاف لا يضر مع الولاء والاخبار الكثيرة بخلافه، مع امكان حمله على الضرورة " انتهى. وما ذكره من الاخبار الكثيرة الدالة على الابطال مع الجفاف في الصورة المذكورة لم نعثر منها في هذا الباب على غير ما قدمناه. ويدل ايضا على ما ذكرناه ما ذكره في كتاب فقه الرضا (1) حيث قال (عليه السلام): " اياك ان تبعض الوضوء، وتابع بينه كما قال الله تعالى: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم بالمسح على الرأس والقدمين، فان فرغت من بعض وضوئك وانقطع بك الماء من قبل ان تتمه ثم اوتيت بالماء، فاتمم وضوءك إذا كان ما غسلته رطبا، فان كان قد جف فاعد الوضوء، وان جف بعض وضوئك قبل ان تتمم الوضوء من غير ان ينقطع عنك الماء، فامض على ما بقى جف وضوؤك ام لم يجف " وقوله: وان فرغت


(1) في الصحيفة 1

[ 352 ]

إلى آخره هو عين ما نقله الصدوق عن والده (قدس سرهما) وهو مؤيد لما صرحنا به في تتمة المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب من اعتماد الصدوقين على الاخذ من الكتاب المذكور ونقلهما عبائره بعينها، ويزيده تأييدا ان صدر عبارة الكتاب المذكور إلى قوله " فان فرغت " وان لم ينقله في الفقيه لكن نقله في الذكرى عن علي بن بابويه متصلا بما نقله في الفقيه، وبذلك يظهر لك ان ما ذكره في الذكرى بعد نقل كلام علي بن بابويه المتقدم - من انه لعله عول على ما رواه حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) كما اسنده ولده في كتاب مدينة العلم، وفي التهذيب وقفه على حريز، قال: " قلت: ان جف الاول من الوضوء قبل ان اغسل الذي يليه ؟ قال: جف أو لم يجف اغسل ما بقى... " - ليس على ما ظنه (قدس سره) بل انما عول على ما قدمنا ذكره، وهذه الرواية حملها في التهذيب على الجفاف بالريح الشديدة والحر العظيم أو التقية، والاخير اقرب كما ذكره في البحار، لان في تمام الخبر " قلت: وكذلك غسل الجنابة ؟ قال: هو بتلك المنزلة، وابدأ بالرأس ثم افض على سائر جسدك. قلت: وان كان بعض يوم ؟ قال: نعم " إذ ظاهره هنا المساواة بين الوضوء والغسل، فكما ان الغسل لا يعتبر فيه الريح الشديدة والحر كذلك الوضوء. واستدل القائلون بالقول الثاني بوجوه نذكر ما هو امتنها دلالة عندهم: (فمنها) - قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): " تابع بين الوضوء كما قال الله تعالى: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين... " وقوله في رواية حكم ابن حكيم (3): " ان الوضوء يتبع بعضه بعضا " وقوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (4): "... اتبع وضوئك بعضه بعضا ".


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 29 و 41 - من ابواب الجنابة. (2) المروى في الوسائل في الباب - 34 - من أبواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 33 - من ابواب الوضوء. (4) المروية في الوسائل في الباب - 33 و 35 - من أبواب الوضوء.

[ 353 ]

والجواب ان ظاهر الاخبار المذكورة ان المراد بالمتابعة فيها هو الترتيب بين الاعضاء بتقديم محقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير، فالمراد من المتابعة فيها من باب تبع فلان فلانا إذا مشى خلفه لا المتابعة بمعنى اللحوق والقرب والدنو كما هو المدعى، بقرينة قوله في الرواية الاولى: " كما قال الله تعالى: أبدأ بالوجه.. الخ " على وجه التفسير والابدال والتعليل، وقوله في الثالثة قبل هذا الكلام: " أذا نسي الرجل ان يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه وذكر بعد ذلك، غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه، وان كان انما نسي شماله فليغسل الشمال ولا يعتد على ما كان توضأ، وقال: اتبع... الخ " وقوله في الثانية بعد ان سأله الراوي عن رجل نسي من الوضوء الذراع والرأس قال: " يعيد الوضوء، ان الوضوء... إلخ " على انه لو تم ما ادعوه منها لوجب الحكم بالبطلان دون مجرد الاثم بالمخالفة، لعدم الاتيان بالفعل على الوجه المأمور به شرعا واكثرهم لا يقول به كما عرفت، وما ذكرناه في معاني الاخبار المذكورة ان لم يكن متعينا لما ذكرنا من قرائن سياقها فلا أقل ان يكون هو الاظهر، وبذلك يبطل الاستناد إليها فيما ذكروا، ومنه يعلم ضعف الاعتماد عليها في ثبوت الاثم لمن اخل بالمتابعة كما يدعونه، فضلا عن حصول الابطال معه كما ادعاه في المبسوط. و (منها) - اخبار الوضوء البياني (1) فانها مبينة للامر المجمل في الوضوء. والجواب انه وان كان كذلك كما حققناه آنفا، الا انه انما يحتج به مع عدم الدليل من خارج يقتضي تقييد مطلقه وتبيين مجمله، والاخبار الدالة على تخصيص الابطال بالجفاف في صورة التفريق مخصصة، على انه يمكن منع دلالة الوضوء البياني هنا على الوجوب بالحمل على ان ذلك مقتضى العادة في مثله، وجريان مثل ذلك في اعلى الوجه ومرفقي اليدين ممنوع، والغسل في كل منهما مجمل والوضوء البياني مبين له. و (منها) - موثقة بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء.

[ 354 ]

نسيت فغسلت ذراعك قبل وجهك فاعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعك بعد الوجه... " وجه الاستدلال بها انه امر باعادة غسل الوجه عل فعله اولا، وليس ذلك الا لبطلان الوضوء بفوات المتابعة بين اعضاء الطهارة، لا لفوات الترتيب. لانه يحصل باعادة غسل الذراع خاصة. والجواب انه لو كان الامر كذلك لحصل المنافاة بين صدر هذه الرواية وعجزها حيث قال بعد ما قدمنا ذكره منها: " فان بدأت بذراعك الايسر قبل الايمن فاعد غسل الايمن ثم اغسل اليسار، وان نسيت رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك " فانه لو كان الامر باعادة غسل الوجه في صدرها انما هو لترك المتابعة، لكان ينبغي الامر باعادة غسل الوجه في الفرضين الاخيرين، مع انه اقتصر فيهما على اعادة ما اخر تقديمه نسيانا ثم اعادة ما قدمه عليه ليحصل الترتيب بين اجزاء الوضوء. نعم يرد الاشكال فيها من جهة اخرى وهو ان تحصيل الترتيب ممكن بدون اعادة غسل ما اخره نسيانا، بان يعيد غسل ما قدمه عليه خاصة ثم ما بعده، وهذه مسألة على حيالها قد تعارضت فيها الاخبار، وسيجئ تحقيقها ان شاء الله تعالى، على ان ظاهر الرواية - بناء على ما يدعيه المستدل - الابطال بترك الموالاة ولو نسيانا، وهم لا يقولون به، بل غاية ما يدعونه حصول الاثم مع العمد دون النسيان، والشيخ في المبسوط وان قال بالابطال الا ان الظاهر انه يخصه بصورة العمد ايضا، وحينئذ فلا انطباق للرواية على ما يدعونه منها. و (منها) - قوله في موثقة ابي بصير المتقدمة (1): " فان الوضوء لا يبعض " وهو صادق مع الجفاف وعدمه. والجواب انك قد عرفت آنفا من معنى هذا اللفظ ان المراد به حيث وقع تعليلا للاعادة مع الجفاف بطلان المبعض وعدم صحته، وحينئذ فلو اريد بالتبعيض فيه مجرد


(1) في الصحيفة 350

[ 355 ]

التفريق كما يدعيه المستدل، للزم القول ببطلان الوضوء بمجرد التفريق وان لم يحصل الجفاف، وهو لا يقول به، فالظاهر ان المراد بالتعليل ان الوضوء لا يبعض بان يصير بعضه رطبا وبعضه يابسا بالتفريق، بمعنى انه لا يفرق على وجه يلزم منه يبس السابق. و (منها) - رواية حكم بن حكيم المتقدمة (1) وجه الاستدلال بها ان المتابعة لو لم تكن واجبة لما حكم (عليه السلام) باعادة الوضوء، مؤيدا ذلك بالتعليل: " ان الوضوء يتبع بعضه بعضا " فانه يدل على ان المراد بالمتابعة عدم الفصل لا الترتيب، لان حصول الترتيب لا يتوقف على اعادة الوضوء، بل يكفي فيه الاتيان على العضو المنسي وما بعده. والجواب ان روايات نسيان بعض اجزاء الوضوء قد (2) اتفقت على ان الحكم في ذلك الاتيان بالجزء المنسي وما بعده ما لم يحصل الجفاف دون الابطال، وهي مستفيضة ولا سيما الروايات الدالة على المسح بالبلة الباقية في اعضاء الوضوء لمن نسي مسح رأسه أو رجليه (3) المتضمن جملة منها لعدم ذكران ذلك الا بعد الدخول في الصلاة، على انهم - كما عرفت آنفا - لا يقولون بالاعادة إلا في حال الجفاف، وانما غاية ما يدعونه حصول الاثم مع التخصيص بصورة العمد، والا لو ردت عليهم الاخبار المذكورة، وحينئذ فالواجب حمل هذه الرواية على اعادة الوضوء بالجفاف الموجب لفوات الموالاة ويحتمل ايضا حمل اعادة الوضوء على الاتيان بما نسي منه وما بعده وهو الانسب بالتعليل واما على تقدير المعنى الاول فالاظهر في معنى التعليل المذكور حمله على ما تقدم في معنى قوله: " فان الوضوء لا يبعض " والمعنى حينئذ انه يعيد الوضوء لبطلان السابق بالجفاف، فان الوضوء يتبع بعضه بعضا ولا يفرق على وجه يجف السابق، وعليه


(1) في الصحيفة 352 (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من أبواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء

[ 356 ]

فتكون الرواية ثالثة لموثقة ابي بصير وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمتين في الدلالة على البطلان مع لجفاف بالتفريق. وانت خبير بان ملخص ما ظهر - من مطاوي هذا البحث بعد استقصاء النظر في ادلته - ان الموالاة التي هي عبارة عن مراعاة الجفاف شرط في صحة الوضوء مع التفريق واما مع المتابعة فلا يضر جفاف ما سبق لعذر كان من حرارة هواء ونحوها ام لا كما لا يخفى، والاحتياط بالمتابعة مما لا ينبغي تركه. تنبيهات: (الاول) - هل المبطل على تقدير القول بمراعاة الجفاف هو جفاف جميع الاعضاء المتقدمة. أو جفاف عضو في الجملة، أو العضو السابق على ما هو فيه ؟ اقوال ثلاثة: اولها ظاهر المشهور، وثانيها صريح ابن الجنيد على ما نقل عنه من اشتراط بقاء البلل في جميع ما تقدم الا الضرورة، وثالثها ظاهر السيد المرتضى وابن ادريس. والظاهر هو القول المشهور، لاصالة صحة الوضوء فيقتصر في بطلانه على القدر المتيقن وهو جفاف الجميع، ولان الروايتين الدالتين على الابطال مع الجفاف ان لم تكونا ظاهرتين في ترتب الابطال على جفاف الجميع فلا ظهور لهما في جفاف البعض. ومما استدل به على ذلك ايضا الاخبار الدالة على الاخذ من بلة الوضوء لمن نسي مسح رأسه أو رجليه (1) ويضعف باحتمال اختصاص الحكم بالناسي كما هو مورد تلك الاخبار أو الضرورة كما يقوله ابن الجنيد. (الثاني) - وقع في عبائر كثير من الاصحاب التقييد في الجفاف بالهواء المعتدل، وظاهر ان تعجيل الجفاف في الهواء الشديد الحرارة وتأخيره في الهواء الشديد الرطوبة لا اعتبار به بل الاعتبار بحكم الهواء المتوسط بينهما فيحمل عليه كل من الطرفين، الا ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: " لو كان الهواء رطبا جدا بحيث لو اعتدل جف البلل لم يضر لوجود حسا، وتقييد الاصحاب بالهواء المعتدل


(1) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء.

[ 357 ]

ليخرج طرف الافراط في الحرارة " انتهى. وهو جيد، لان الاعادة انما علقت في الخبرين المتقدمين على الجفاف، وهو غير صادق هنا لا لغة ولا عرفا، والجفاف التقديري لا دليل عليه، لكن يبقى الاشكال ايضا في طرف الافراط بالجفاف بالحرارة الشديدة من حيث ان الحكم معلق في الاخبار على الجفاف وقد تحقق كما هو المفروض والتقدير ايضا لا وجه له، وتقييد النص بحال الاعتدال من غير دليل محل اشكال الا ان يتمسك بالضرورة. وفيه انه يندفع بالتيمم أو الاستئناف. (الثالث) - صرح جمع من الاصحاب بانه لو تعذرت الموالاة فلم تبق بلة على اليد للمسح جاز الاستئناف للمسح، للضرورة، وصدق الامتثال، واختصاص المسح بالبلة بحال الامكان. ويحتمل الانتقال إلى التيمم. ولم اقف على نص في ذلك، والاحتياط يقتضي التعجيل في الوضوء، فان لم تبق بلة جميع بين الاستئناف والتيمم. (المسألة الثالثة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الترتيب بين اعضاء الوضوء فيما عدا الرجلين احداهما على الاخرى، ووجوب الاعادة على ما يحصل معه مع مخالفته عمدا أو نسيانا قبل الجفاف، وشرح الكلام في هذه المسألة ينتظم في فوائد: (الاولى) - القول بوجوب الترتيب - بأن يبدأ بالوجه ثم باليد اليمنى ثم باليسرى ثم بالرأس ثم بالرجلين - مما انعقد عليه اجماعنا فتوى ورواية: فمن الاخبار الواردة بذلك صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " تابع بين الوضوء كما قال الله عزوجل: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين. ولا تقدمن شيئتا بين يدي شئء تخالف ما امرت به، فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدة بالوجه واعد على الذراع، وان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم اعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عزوجل به " وهي صريحة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء

[ 358 ]

في تقديم الوجه على مجموع اليدين، وهما على مجموع الرأس والرجلين، وتقديم مسح الرأس على الرجلين. وصحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (1) في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين ؟ قال يغسل اليمين ويعيد اليسار " وهي دالة على الترتيب بين اليدين. وموثقة ابي بصير عنه (عليه السلام) (2) قال: " ان نسيت فغسلت ذراعك قبل وجهك فاعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعك بعد الوجه، فان بدأت بذراعك الايسر قبل الايمن فاعد غسل الايمن ثم اغسل اليسار، وان نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك " وهذه الرواية قد استجمعت الترتيب بين الاعضاء ما عدا الرجلين، إلى غير ذلك من الاخبار. بقي الكلام فيما لو توضأ بالمطر المتقاطر عليه، كما رواه علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يبتل رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه، وهل يجزيه ذلك من الوضوء. ؟ قال: ان غسله فان ذلك يجزيه " أو في الماء، فالظاهر ان المرجع في وجوب تقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره إلى القصد، فلا عبرة بحصول الغسل في شئ من تلك الاعضاء من غير اقترانه بالقصد المذكور، وحينئذ فلو قدم في قصده عمدا أو سهوا بعض ما يجب تأخيره ابطل ووجبت الاعادة على ما يحصل به الترتيب. (الثانية) - اختلف الاصحاب في وجوب الترتيب بين الرجلين وعدمه على اقوال ثلاثة: (احداها) - الوجوب بتقديم اليمنى على اليسرى، نقله في المختلف عن الصدوقين وابن الجنيد وسلا، واختاره جملة من المتأخرين. و (ثانيها) - ما هو


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء (3) رواه في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الوضوء

[ 359 ]

المشهور من سقوط الوجوب فيجوز مسحها دفعة واحدة بالكفين وتقديم اليمنى على اليسرى وبالعكس. و (ثالثها) - التخيير بين المقارنة وتقديم ليمنى دون العكس، نقله في الذكرى عن بعضهم، وهو ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في البداية والوسائل واختاره بعض فضلاء متأخرى المتأخرين. والظاهر منها هو الاول، ويدل عليه حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " امسح على القدمين وابدأ بالشق الايمن ". واما رواه النجاشي في كتاب الرجال (2) باسناده عن عبد الله بن ابي رافع وكان كاتب امير المؤمنين عليه السلام انه كان يقول: " إذا توضأ احدكم للصلاة فليبدأ باليمين قبل الشمال من جسده " وما استند إليه اصحاب القول المشهور - من اطلاق الاوامر وصدق الامتثال الذي هو غاية ما اعتمدا عليه - ففيه انه يجب تقييد مطلق تلك الاوامر بما ذكرنا من الاخبار، وصدق الامتثال مع ما ذكرنا ممنوع. والجواب - بحمل الاخبار على الاستحباب وان كان الامر من حيث هو حقيقة في الوجوب كما برهن عليه في الاصول، معللا بكثرة الاوامر في الشريعة للندب، فلا وثوق في الاحتجاج بها على الوجوب الموجب لاشتغال الذمة، كما اعتمد عليه جملة من فضلاء متأخرى المتأخرين وردوا لاجله الاوامر في جملة من الاحكام - مردود بانه تخريص في الدين وجرأة على سيد المرسلين، فانه كما ان الاصل براءة الذمة كما تعلقوا به وردوا لاجله تلك الاوامر فلا يثبت اشتغالها الا بدليل، كذلك الاصل في الامر الوجوب كما هو المسلم فلا يخرج عنه الا بدليل، وكثرة ورود الاخبار للندب - معتضدا اكثرها بالقرائن الحالية والمقالية على ذلك - لا يقتضي حمل ما ليس عليه،


(1) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء (2) في ص 5 وفيه (أبو محمد) بدل (ابي عبد الله) وفى الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء

[ 360 ]

والتحرز عن الوقوع في اشتغال الذمة ليس اولى من التحرز عن الوقوع في مخالفة الامر الموجبة للاثم، والتمسك بالصالة البراءة انما يتم قبل ورود الامر أو بعده مع ظهور الدلالة على عدم الوجوب، والتفصي عن المخالفة بالحمل على الاستحباب لا يسمن ولا يغني من جوع في هذا الباب، متى كان الحكم واجبا شرعا وقد أمر به حافظ الشريعة لذلك فحمل امره على الاستحباب المؤذن بجواز الترك تخرصا عين المخالفة لمقتضى امره والرد لنافذ حكمه. هذا. وقد تقدم الجواب عن ذلك مستوفى في المقدمة السابعة (1) ويدل على القول الثالث ما رواه الطبرسي (قدس سره) في كتاب الاحتجاج (2) من التوقيع الخارج من الناحية المحروسة في جملة اجوبة مسائل الحميري، حيث سأل عن المسح على الرجلين: يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا ؟ فخرج التوقيع " يمسح عليهما جميعا معا، فان بدأ باحداهما قبل الاخرى فلا يبدأ الا باليمين ". وانكر جملة من محققى متأخرى المتأخرين وجود دليل لهذا القول العدم الوقوف على الرواية المذكورة حتى تكلف بعضهم الاستدلال عليه بما لا يخلو من شئ. (الثالثة) - لو خالف مقتضى الترتيب المذكور عمدا أو نسيانا، فانه تجب عليه الاعادة على ما يحصل به الترتيب مع عدم الجفاف ومعه فتجب الاعادة من رأس، وظاهر العلامة في التحرير الاعادة مع العمد من رأس وان لم يجف، وفي التذكرة عكسه وهو الاعادة مع النسيان من رأس وان لم يجف، والتفصيل بالجفاف وعدمه مع العمد، وهو غريب. ثم انه هل يكتفي في الاعادة مع عدم الجفاف اعادة ما قدم مما حقه التأخير دون ما أخر مما حقه التقديم لصحته، إذ لا مانع من صحته الا تقديم ما حقه التأخير عليه، وهو غير صالح للمانعية لفساده، أو يجب اعادة الجميع، نظرا إلى انه كما بطل الاول لتقديمه في غير موضعه كذلك بطل الثاني لترتيبه عليه ووضعه ايضا في غير موضعه ؟


(1) ج 1 ص 115 (2) ص 255 وفى الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء.

[ 361 ]

وجهان، صرح باولهما المحقق في المعتبر وجماعة ممن تأخر عنه. والاخبار في ذلك مختلفة، فمما يدل على الاول ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب نوادر البزنطي عنه عن عبد الكريم بن عمرو عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا بدأت بيسارك قبل يمينك ومسحت رأسك ورجليك ثم استيقنت بعد انك بدأت بها غسلت يسارك ثم مسحت رأسك ورجليك ". وعلى الثاني موثقة ابي بصير المتقدمة وصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث تقديم السعي على الطواف، قال: " ألا ترى انك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك ان تعيد على يمينك ". وقال الصدوق في الفقيه (4): " روي في من بدأ بغسل يساره قبل يمينه انه يعيد على يمينه ثم يعيد على يساره. وقد روي انه يعيد على يساره " انتهى. والرواية الاولى منهما مما ينتظم في ادلة القول الثاني والثانية في ادلة القول الاول. واما قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (5): "... فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه واعد على الذراع، وان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم اعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عزوجل به " فالظاهر منها بقرينة اختصاص لفظ الاعادة بالذراع والرجل وقوع التذكر قبل غسل الوجه في الاول وقبل مسح الرأس. فأمره بالبدأة بغسل الوجه ثم الاعادة على الذراع والبدأة بمسح الرأس ثم الاعادة على الرجل، ومثلها صحيحة منصور بن حازم المتقدمة في صدر المقالة وعلى ذلك فلا دلالة في شئ منهما على ما نحن فيه.


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء. (2) و (6) ص 358 (4) ج 1 ص 29 وفى الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء (5) في الصحيفة 357

[ 362 ]

ويمكن الجمع بين الاخبار المذكورة بحمل موثقة ابي بصير وصحيحة منصور ونحوهما على ما دلت على صحيحة زرارة وصحيحة منصور الاخرى من التذكر قبل غسل العضو الاخير أو مسحه، وحينئذ فيحمل لفظ الاعادة فيها على اصل الغسل مشاكلة لمال بعده، ويحتمل ايضا - كما ذكره بعض - حمل الموثقة المذكورة وامثالها على ما إذا كان قد غسل العضو الاخير بقصد انه مأمور به على هذا الوجه. فانه تجب الاعادة عليه لكون ذلك تشريعا محرما، والروايات الاخر على ما إذا غسله لا من هذه الحيثية بل من حيث انه جزء من الوضوء وان كان بالقصد الحكمي المستمر كما في سائر الاجزاء، ولا يخفى ما فيه من البعد. والجمع بين الاخبار بالتخيير لا يخلو من قرب، وربما كان ذلك هو الظاهر من كلام الفقيه حيث نقل الخبرين المذكورين مع ظهورهما في التنافي ولم يجمع بينهما وقد ذكر بعض مشايخنا المتأخرين ان هذا دأبه فيما إذا لم يجمع بين الخبرين المتنافيين. (المسألة الرابعة) - وجوب المباشرة مع الامكان - وعدم التولية في كل من الطهارات الثلاثة - هو المشهور بين الاصحاب، بل ادعى عليه في الانتصار الاجماع ونقل عن ابن الجنيد انه قال: " يستحب ان لا يشرك الانسان في وضوئه غيره بان يوضئه أو يعينه عليه " ولا ريب في ضعفه، لان المتبادر من الاوامر الدالة على الغسل والمسح كتابا وسنة مباشرة المتوضئ ذلك، لان اسناد الفعل إلى فاعله هو الحقيقة وغيره مجاز لا يحمل عليه الا مع الصارف عن الاول. ويدل على ذلك رواية الوشاء (1) قال: " دخلت على الرضا (عليه السلام) " وبين يديه ابريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة، فدنوت لا صب عليه فابى ذلك وقال مه يا حسن، فقلت له: لم تنهاني ان اصب عليك، تكره ان اوجر ؟ قال: تؤجر انت واوزر انا. فقلت له وكيف ذلك ؟ فقال: أما سمعت الله يقول: " فمن كان يرجو لقاء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 47 - من أبواب الوضوء

[ 363 ]

ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا " (1) وها انا ذا اتوضأ للصلاة وهي العبادة فاكره ان يشركني فيها احد " وجه الاستدلال بها وقوع النهي عن الصب الذي هو حقيقة في التحريم، مردفا له بما يزيده تأكيدا من ان قبول ذلك للوزر والاثم الذي لا يكون الاعلى ارتكاب محرم، معللا لذلك بدخوله تحت النهي عن الشرك بعبادة ربه وكونه جزئيا من جزئيات ما نهى عنه سبحانه في هذه الآية التي لا مجال لانكار كون النهي فيها للتحريم، فيستلزم تحريم قبول الصب عليه، ولما فيه من الجمع بينه وبين صحيحة ابي عبيدة الحذاء (2) قال: " وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع وقد بال فناولته ماء فاستنجئ ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه وكفا غسل به ذراعه الايمن وكفا غسل به ذراعه الايسر... الحديث " ورواه الشيخ ايضا في موضع آخر بلفظ: " ثم اخذ كفا فغسل به وجهه... الخ " بدل قوله: " ثم صببت " الا ان قول الراوي: " وضأت " انما يلائم الاول كما لا يخفى، وبذلك يظهر لك صحة الاستدلال بالرواية على تحريم التولية، بحمل الصب فيها على الصب على اعضاء الطهارة، دون الحمل على الاستعانة كما عليه الجمهور من اصحابنا، وجعلها دليلا على كراهتها، حملا للصب المنهي عنه على الصب في اليد وحمل الوزر على الكراهة بقرينة قوله في آخر الخبر: " فاكره " وتكلف الجمع بينها وبين صحيحة الحذاء المتقدمة بحمل الصحيحة المذكورة على الضرورة أو بيان الجواز. وفيه - زيادة على ما عرفت - ان استعمال الكراهة ذي المعنى المذكور اصطلاح اصولي طارئ والمفهوم من الاخبار استعمالها في التحريم كثيرا فلا يتقيد به النهي المتأصل في التحريم المؤكد المعلل بما اوضحنا بيانه وشيدنا اركانه. ومثل رواية الوشاء فيما ذكرناه ما رواه الصدوق (رحمه الله تعالى) في الفقيه (3)


(1) سورة الكهف الآية 110 (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (3) رواه في الفقيه ج 1 ص 27 وفى العلل ص 103 وفى الوسائل في الباب - 47 - من ابواب الوضوء

[ 364 ]

مرسلا وفي كتاب العلل مسند عن الصادق (عليه السلام) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يدعهم يصبون الماء عليه ويقول لا احب ان اشرك في صلاتي احدا " والطعن بكون " لا احب " ظاهرا في الكراهة مردود بما في الاخبار من كثرة ورودها في مقام التحريم، كما لا يخفى على من خاض في تيار عبابها وذاق صافي لبابها. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المراد بالتولية المحرمة هي ان يتولى الغير غسل اعضائه أو مشاركته فيها، واما مجرد صب الماء في اليد فليس منها بل هو من الاستعانة كما ذكره الاصحاب. واما طلب احضار الماء للطهارة فقد ذكر جمع من الاصحاب: منهم - السيد السند انه من الاستعانة المكروهة. وعندي في أصل الحكم بكراهة الاستعانة - وان كان مشهورا بين الاصحاب - اشكال، لعدم الدليل عليه بل قيام الدليل على العدم، وذلك فانهم انما استدلوا على الحكم المذكور برواية الوشاء ومرسلة الفقيه المتقدمتين، وقد عرفت الحال فيهما، فيبقى الحكم بناء على ما ذكرناه عاريا عن الدليل وصحيحة الحذاء - كما عرفت - قد دلت على الصب في يده (عليه السلام) ولا معارض لها بناء على ما اخترناه، فتأويلها - بالحمل على الضرورة أو بيان الجواز من غير معارض - مشكل، وطلب احضار الماء للطهارة قد وقع في عدة من اخبار الوضوء البياني وغيرها كحسنة زرارة (1) قال: " حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بقدح من ماء... " وفي اخرى " فدعا بقعب من ماء " وفي ثالثة " فدعا بطشت أو تور " وحديث وضوء علي (عليه السلام) (2) وقول علي (عليه السلام) لابنه محمد بن الحنيفة " ائتني باناء من ماء اتوضأ للصلاة " إلى غير ذلك. وارتكاب الحمل في الجميع من غير معارض سفسطة ظاهرة. وبالجملة فاني لم اقف على دليل على ذلك زائدا على مجرد الشهرة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من أبواب الوضوء. (2) المروي في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء

[ 365 ]

ثم ان ما ذكرناه من تحريم التولية مخصوص بحال الاختيار، فلو اضطر إلى ذلك لمرض أو تقية أو غيرهما جاز اتفاقا، ولنفي الحرج في الدين وسعة الحنيفة، وعلى ذلك ينبغي حمل ما رواه الصدوق في كتاب المجالس (1) بسنده فيه عن عبد الرزاق قال: " جعلت جارية لعلي بن الحسن (عليه السلام) تسكب الماء عليه وهو يتوضأ فسقط الابريق من يد الجارية على وجهه فشجه... الحديث " فانه ظاهر في التولية وغسل الاعضاء، فالواجب حمله على الضرورة لمرض ونحوه، ولو حمل على صب الماء في اليد - وان بعد عن ظاهره - فسبيله سبيل الاخبار المتقدمة الدالة على جواز الاستعانة من غير معارض، ولا ضرورة إلى حمله حينئذ على الضرورة، لعدم الدليل على الكراهة كما عرفت. (المسألة الخامسة) لا يجوز الغسل مكان المسح ولا العكس، وهذا الحكم الثابت عندنا اجماعا فتوى ودليلا، آية ورواية، إذ مقتضى الآية الشريفة الواردة في الوضوء (2) غسل بعض ومسح بعض فالواجب الاتيان بكل منهما فيما عين فيه، والا لبقي تحت العهدة. لعدم الاتيان بالمأمور به، وبذلك استفاضت الاخبار: ففي صحيح زرارة المضمر (3) قال: " لو انك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم اضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء ". وفي رواية محمد بن مروان (4): " يأتي على الرجل ستون أو سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة. قال: قلت: وكيف ذلك ؟ قال: لانه يغسل ما امر الله بمسحه " وربما يبني القول بذلك على تباين حقيقتي الغسل والمسح باشتراط الجريان في الاول ومجرد امرار اليد في الثاني كما هو احد القولين، الا ان الظاهر - كما


(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب - 41 - من ابواب الوضوء (2) سورة المائدة الآية 8 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء

[ 366 ]

استظهره جملة من محققي اصحابنا (رضوان الله عليهم) - ان النسبة بينهما العموم من وجه فيجتمعان في المسح باليد مع الجريان: فعلى لو مسح في الوضوء بنداوة زائدة يحصل بها الجريان مع قصده المسح دون الغسل، فالظاهر الخروج من العهدة، وصدق الغسل عليه - باعتبار الجريان وان لم يكن مقصودا - غير مضر، لحصول الامتثال بما ذكرنا، ولان المتوضئ سيما المسبغ في وضوئه لا تخلو يده بعد الفراغ من بلة زائدة يحصل بها الجريان ولو اقله كما نشاهده في انفسنا، مع انه لم يرد عنهم (عليهم السلام) نفض ايديهم بعد الغسل لاجل المسح ولا الامر بذلك، فالتكليف بالنفض والتجفيف حينئذ يحتاج إلى دليل، وليس فليس. وربما يستأنس لذلك بصحيح زرارة المتقدم الدال بمفهومه على ان حصول الغسل مع عدم نيته وقصده لا يبطل الوضوء، وحينئذ الظاهر تخصيص الاخبار المانعة من الغسل والاجماع المدعى في المقام بالغسل المشتمل على الجريان من غير امرار اليد أو معه قصده كونه غسلا لا مسحا، فان الظاهر خروج تلك الاخبار في مقام التعريض بالعامة الموجبين للغسل باحد الفردين. وما يقال - من ان وقوع المقابلة بين الغسل والمسح في الآية يقتضي مخالفة حقيقة احدهما لحقيقة الآخر ولا فلا معنى للتقابل - ففيه انه ان اريد بالمخالفة التباين الكلي فالتقابل بهذا المعنى ممنوع، وان اريد ما هو اعم فمسلم، وهي متحققة في العموم من وجه، إذ يصدق الغسل بدون المسح على مجرد الصب ونحوه من غير امرار اليد، والعكس على الامرار بدون الجريان، وهذا كاف في صحة التقابل وان اجتمعا في امرار اليد مع الجريان ولك ان تقول بمعونة صحيحة زرارة المتقدمة ان الغسل حقيقة فيما يحصل معه الجريان لا مع امرار اليد أو معه بقصد كونه غسلا، ويقابله المسح بامرار اليد لا مع الجريان أو معه بقصد كونه مسحا، وحينئذ فالنسبة بينهما التباين، وعدم جواز كل منهما مكان الآخر ظاهر لما بينهما من التباين، وامرار اليد بما يستلزم الجريان في موضع المسح مع قصد كونه مسحا كما انه كذلك مع قصد كونه غسلا لا ينافي التباين حينئذ، فان كان

[ 367 ]

مراد المعترض وغيره ممن عبر بعدم جواز الغسل مكان المسح وما ذكرناه من الغسل المجرد عن امرار اليد أو معه مع قصد كونه غسلا فمرحبا بالوفاق، والا فهو محل نظر لما عرفت. (المسألة السادسة) - الظاهر انه لا خلاف في ان من اخل بالترتيب بترك بعض الاعضاء نسيانا، اعاد متى ذكر على ما يحصل به الترتيب ان ذكر قبل جفاف السابق، الا فمن رأس، ولو كان في الصلاة قطعها واعادها بعد الوضوء مرتبا، والاخبار به مستفيضة: ففي حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) " إذا ذكرت وانت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك، فانصرف واتم الذي نسيته من وضوئك واعد اصلاتك " والاتمام هنا اما محمول على عدم فوات الموالاة أو انه كناية عن اعادة الوضوء. وحسنته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " إذا نسى الرجل ان يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجلين وذكر بعد ذلك، غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه، وان كان انما نسى شماله فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كون توضأ " والمراد من قوله: " ولا يعيد على ما كان توضأ " اي غسل، والوضوء هنا بمعنى الغسل، يعني لا يعيد ما غسله سابقا، فلا ينافي وجوب مسح الرجل بعد غسل الشمال، وعلى ذلك ايضا تحمل صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل توضأ ونسى غسل يساره. فقال: يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شئ غيرها " وحمله الشيخ (رحمه الله) على معنى لا يعيد وضوء شئ غيرها مما تقدم دون ما تأخر ولا ضرورة إليه، فان الوضوء هنا - كما عرفت - بمعنى الغسل، فينصرف إلى ما تقدم


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 42 - من ابواب الوضوء (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء

[ 368 ]

من غير تكلف الحمل على ذلك. ورواية زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة ؟ قال: ان كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل. قال: وان نسى شيئا من الوضوء المفروض فعليه ان يبدأ بما نسي ويعيد ما بقي لتمام الوضوء ". ورواية ابي بصير عنه (عليه السلام) (2) " في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر وهو في الصلاة ؟ فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه ورجليه واستقبل الصلاة. وما ما ورد في بعض الاخبار - في من نسى مسح رأسه مما ظاهره الاقتصار عليه، كرواية الكناني (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسي ان يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة. قال: فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة " ونحوها رواية المفضل بن صالح وزيد الشحام (4) - فمحمول على ما تقدم من الروايات الدالة على انه يأتي بالمنسي وما بعده تحقيقا للترتيب. ولا فرق في ظاهر الاصحاب بين كون المنسي عضوا كاملا أو بعضا منه ولو لمعة. فانه يجب غسله وترتيب ما تأخر عليه، الا انه نقل في المختلف عن ابن الجنيد انه إذا كان المنسي لمعة دون سعة الدرهم، فانه يكفي بلها من غير اعادة على ما بعد ذلك العضو، ولم نقف له دليل الا انه نقل فيه ايضا عن ابن الجنيد انه قال: " وقد روى توقيت الدرهم ابن سعيد عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) وابن منصور عن زيد ابن علي، ومنه حديث ابي امامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) " انتهى. وهو اعرف


(1) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الوضوء

[ 369 ]

بما نقل. لكن روى الصدوق (رضي الله عنه) في الفقيه (1) مرسلا عن الكاظم (عليه السلام) وفي كتاب عيون الاخبار مسندا عن الرضا (عليه السلام) انه " سئل عن الرجل يبقى من وجهه إذا توضأ موضع لم يصبه الماء. فقال يجزئه ان يبله من جسده " وهو وان لم يكن واضح الدلالة على ما ذكره ابن الجنيد الا انه مناف بظاهره لما عليه الاصحاب، والحمل على الاتيان بما بعده وان كان بعيدا عن ظاهر اللفظ الا انه لا مندوحة عن المصير إليه. وربما ظهر من الصدوق العمل بظاره الرواية المذكورة، حيث نقلها ولم يتعرض لتأويلها ولا ردها، وهو ظاهر المحدث الشيخ محمد الحرفى كتاب البداية. وجرى عليه ايضا في كتاب الوسائل، حيث قال: " باب من نسي بعض العضو اجزأه ان يبله من بعض جسده " ثم نقل الرواية المذكورة بطريقي الفقيه والعيون. وانت خبير بان اثبات الحكم المذكور - مع مخالفته لظواهر الاخبار المتعددة والقواعد الممهدة بمجرد هذه الرواية مع ضعف سندها وقبولها للتأويل - مشكل. وربما حملت ايضا على ما إذا لم يتيقن عدم اصابة الماء بل وجده جافا. هذا. ومقتضى ما هو المعروف من كلام الاصحاب انه بعد غسل اللمعة المذكورة يرتب عليها ما تأخر عن ذلك العضو من الاعضاء، واما انه يرتب اولا ما تأخر عن تلك اللمعة من العضو الذي هي فيه عليها ايضا فالمفهوم من كلام العلامة في المختلف بعد نقل كلام ابن الجنيد المتقدم تفريع ذلك على وجوب الابتداء من موضع بعينه وعدمه حيث قال: " ولا اوجب غسل جميع العضو بل من الموضع المتروك إلى آخره ان اوجبنا الابتداء من موضع بعينه، والموضع خاصة ان سوغنا العكس " انتهى. وتحقيق الكلام في ذلك قد تقدم.


(1) ج 1 ص 36 وفى العيون ص 192 وفى الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الوضوء.

[ 370 ]

(المسألة السابعة) - الظاهر انه لا خلاف في تحريم الوضوء بالماء النجس، ويدل عليه ايضا ما رواه الشيخ محمد الحر في كتاب الوسائل (1) عن المرتضى (رضي الله عنه في رسالة المحكم والمتشابه نقلا من تفسير النعماني باسناده عن علي (عليه السلام) قال: " واما الرخصة التي هي الاطلاق بعد النهي، فان الله تعالى فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر، وكذلك الغسل من الجنابة... الحديث " ويدل عليه ايضا جملة من الاخبار الواردة بالنهي عن الوضوء بالماء النجس (2). وانما الخلاف في المعنى المراد من التحريم في هذا المقام، فقيل المراد به المعنى المتعارف وهو ما يترتب الاثم على فعله مع بطلانه، وقيل انه عبارة عن مجرد البطلان والاول اختيار جماعة: مهم - الحقق الثاني في شرح القواعد، والشهيد الثاني في الروض، وسبطه السيد السند في المدارك، وعللوه بان استعماله فيما يسمى طهارة في نظر الشارع يتضمن ادخال ما ليس من الشرع فيه فيكون حراما، إذ المراد التحريم على تقدير استعماله والاعتداد به في الصلاة. والقول الثاني اختاره العلامة في النهاية. والاول اقرب لان اعتقاد الطهارة بما نهى الشارع عن الطهارة به تشريع البتة، فيترتب عليه الاثم بلا اشكال. ثم ان الابطال - ووجوب الاعادة وقتا وخارجا إذا كان عن عمد - مما لا خلاف ولا اشكال فيه، والظاهر من كلامهم ان الطهارة به نسيانا في حكم العمد ايضا من حيث وجوب التحفظ عليه، واما الطهارة به جهلا بالنجاسة فظاهر المشهور بين المتأخرين انه كذلك ايضا، والمفهوم من كلام الشيخ في المبسوط وجوب الاعادة في الوقت دون الخارج، وبذلك صرح ابن البراج. وهو ظاهر كلام ابن الجنيد، وعبائر جل متقدمي علمائنا (رضوان الله عليهم) مطلقة في وجوب الاعادة من غير تفصيل بين الافراد المذكورة.


(1) في الباب - 51 - من ابواب الوضوء. (2) ذكر هذه الاخبار في الفصل الثالث من باب المياه في حكم القليل الراكد

[ 371 ]

وقال العلامة في المختلف بعد نقل جملة من عبارات الاصحاب الواردة في هذا الباب: " والوجه عندي اعادة الصلاة والوضوء والغسل ان وقعا بالماء النجس، سواء كان الوقت باقيا أو لا، سبقه العلم أو لا " وعلى منواله حذا جملة من المتأخرين، واستدل على ما ذهب إليه في المختلف بورود الاخبار بالنهي عن الوضوء بالماء النجس، مثل صحيحة حريز (1) الدالة على انه " إذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه " وصحيحة البقباق (2) الدالة على السؤال عن اشياء حتى انتهى إلى الكلب فقال (عليه السلام): " رجس نجس لا تتوضأ بفضله... " قال: " والنهي يدل على الفساد، فيبقى في عهدة التكليف. لعدم الاتيان بالمأمور به " ثم قال: " لا يقال: هذا لا يدل على المطلوب لاختصاصه بالعالم، فان النهي مختص به. لانا نقول: لا نسلم الاختصاص، فانه إذا كان نجسا لم يكن مطهرا لغيره " ثم استدل ايضا بما رواه معاوية في في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر الا ان ينتن. فان انتن غسل الثوب واعاد الصلاة " قال: " وهذا مطلق سواء سبقه العلم أو لا ". وقال الشهيد في الذكرى: " يحرم استعمال الماء النجس والمشتبه في الطهارة مطلقا، لعدم التقرب بالنجاسة، فيعيدها مطلقا وما صلاه ولو خرج الوقت، لبقاء الحدث، وعموم " من فاتته صلاة فليقضها " (4) يقتضي وجوب القضاء " انتهى. وللنظر فيما ذكراه (قدس سرهما) مجال: اما ما ذكره العلامة (رحمه الله) من الاستدلال بالاخبار الدالة على النهي عن الوضوء بالماء النجس، من حيث ان النهى


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر و - 11 - من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق (4) الظاهر انه مضمون مستفاد من الاخبار الواردة في قضاء الصلوات

[ 372 ]

يدل على الفساد فيبقى في عهدة التكليف، فمسلم بالنسبة إلى العامد والناسي، واما بالنسبة إلى الجاهل فممنوع لعدم توجه النهي إليه كما ذكروا في غير موضع، معللين له بقبح تكليف الغافل، كما صرحوا به في مسألة الصلاة في الثوب المغصوب جاهلا والمكان المغصوب، فانه لا خلاف بينهم في الصحة، وحجتهم على ذلك ما اشرنا إليه من عدم توجه النهي إلى الجاهل لقبح تكليف الغافل، على ان الاظهر - كما هو المستفاد من الاخبار وعليه جماعة جملة من محققي علمائنا الابرار - هو معذورية جاهل الحكم فضلا عن جاهل الاصل الا ما خرج بدليل، كما تقدم تحقيقه في المقدمة الخامسة. وما ذكره اخيرا - من منع اختصاص النهي بالعالم معللا بانه إذا كان نجسا لم يكن مطهرا لغيره - ففيه انه ان كان المراد به ما كان نجسا في نظر المكلف فمسلم ولكنه ليس محل البحث، وان اراد به ما كان كذلك واقعا وان لم يكن معلوما للمكلف حال الاستعمال فهو اول المسألة وكذلك ما ذكره في الذكرى من تعليله عدم ارتفاع الحدث به بانه نجس ولا تحصل به الطهارة إلى آخر ما ذكره، وتوضيحه إلى التكاليف الواردة من الشارع انما جعلت منوطة بالظاهر في نظر المكلف دون الواقع، والشارع لم يلتفت في ذلك إلى نفس الامر ولم يكلف بالنظر إليه، للزوم تكليف ما لا يطاق، ولا نقول ان التكليف انما هو بالنظر إلى الواقع وان سقط الاثم بالمخالفة دفعا للحرج المذكور. فلا بد في الصحة من مطابقته كما هو ظاهر الجماعة، لقولهم (عليهم السلام): " كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر " (1) و " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر... " (2) فانه - كما ترى - ظاهر الدالة على الحكم على كل ماء وكل شئ بالطهارة والنظافة إلى وقت العلم بالقذارة، وبعد العلم بالقذارة يحكم بانه قذر، فصفة النجاسة لا تثبت له شرعا الا بعد


(1) المروى في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق (2) المروى في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات

[ 373 ]

العلم ويؤيده قوله: " الناس في سعة ما لم يعلموا " (1) وقوله: " لا ابالي أبول اصابني ام ماء إذا لم اعلم " (2) إلى غير ذلك من الاخبار، وحينئذ فالمكلف إذا توضأ بهذا الماء الطاهر في اعتقاده وان لاقته نجاسة واقعا، فطهارته شرعية مجزئة، وصلاته بتلك الطهارة شرعية مجزئة اجماعا. فبعد ثبوت النجاسة في ماء وضوئه وانكشاف الامر لديه فوجوب قضاء تلك العبادة التي مضت على الصحة من وضوء وصلاة واعادتها يحتاج إلى دليل، وليس فليس. وصدق الفوات على مثل هذه العبادة - كما ادعاه في الذكرى - ممنوع، كيف وقد فعل المأمور به شرعا، وامتثال الامر يقتضي الاجزاء والصحة كما حقق في محله. والتحقيق في هذا المقام - وان استدعى مزيد بسط في الكلام، فان المسألة مما لم يحم حول حريم تحقيقها احد من الاقوام مع كونها كالاصل لابتناء جملة من الاحكام - ان يقال: الخلاف في هذه المسألة مبني على مسألتين اخريين: احداهما - معذورية الجاهل وعدمها، وثانيتهما - ان النجس شرعا هل هو عبارة عما لاقته النجاسة واقعا خاصة أو عما علم المكلف بملاقاة النجاسة له، والمشهور بين الاصحاب في المسألة الاولى هو عدم معذورية الجهل الا في مواضع مخصوصة، والمشهور من الاخبار - كما اسلفنا بيانه في المقدمة المشار إليها آنفا - هو المعذورية الا في مواضع خاصة، والمستفاد من كلامهم في المسألة الثانية ان النجس شرعا هو ما لاقته النجاسة وان لم يعلم به المكلف، غاية الامر انه مع عدم العلم ترتفع عنه المؤاخذة، فعلى هذا لو صلى في النجاسة أو توضأ بماء متنجس كان كل من صلاته ووضوءه باطلا في الواقع وان ارتفع الاثم عنه في ظاهر الامر، نقل ذلك عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة في الفصل الثالث في المنافيات


(1) تقدم في التعليقة 2 ص 43 ج 1 ان الاصل في هذا الحديث هو قوله (ع): " هم في سعة حتى يعلموا " في رواية السفرة المروية في الوسائل في الباب - 50 - من النجاسات و - 38 - من الذبائح و - 23 - من اللقطة. (2) المروى في الوسائل في الباب - 37 - من النجاسات.

[ 374 ]

للصلاة، حيث قال المصنف: " الاول - نواقض الطهارة مطلقا ومبطلاتها كالطهارة بالماء النجس " قال الشارح: " سواء علم بالنجاسة ام لا حتى لو استمر الجهل به حتى مات، فان الصلاة باطلة غايته عدم المؤاخذة عليها، لامتناع تكليف الغافل، وهذا هو الذي يقتضيه اطلاق العبارة وكلام الجماعة " انتهى. وحينئذ فيتجه القول بالبطلان. والمستفاد من الاخبار ان النجس ليس عبارة عما ذكروا بل هو عبارة عما علم الكلف بملاقاة النجاسة له، كما ان الطاهر ليس عبارة عما لم تلاقه النجاسة بل عما لم يعلم ملاقاتها له، وقد تقدم تحقيق المسألة في المقدمة الحادية عشرة (1) ويزيده هنا ما عرفت من الخبرين المتقدمين الدالين على ان " كل ماء طاهر، وكل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر " فانهما كما دلا على ان الماء وغيره من الاشياء على اصل الطهارة من حيث عدم العلم بملاقاة النجاسة له وان حصل ذلك واقعا كذلك دلا على ان النجس الذي هو مقابل له بالمباينة هو ما علم ملاقاة النجاسة له تحقيقا للمباينة. وبذلك يظهر لك ما في كلامهم (رضوان الله عليهم) من الغفلة والمسامحة في الاصل المذكور وما يبتني عليه. هذا مقتضى ما ادى إليه الدليل بالنظر إلى هذا الفكر الكليل والذهن العليل والاحتياط يقتضي الوقوف على كلام الاصحاب (نور الله مراقدهم). ولم ار من تنبه لما ذكرناه واختاره ما حققناه سوى العلامة المحدث السيد نعمة الله الجزائري في رسالته التحفة، والشيخ جواد الكاظمي في شرح الرسالة الجعفرية، اما الاول منهما فانه صرح بان الطاهر والنجس ما حكم الشارع بطهارته ونجاسته، فالظاهر ليس هو الواقع في نفس الامر بل ما حكم الشارع بطهارته وكذا النجس، وليس له واقع سوى حكم الشارع بطهارة المسلمين فصاروا طاهرين، صرح بذلك (قدس سره) في جواب شبهة بعض معاصرين من علماء العراق ممن اعتقد وجوب عزل السؤر عن الناس بزعم انهم نجسون قطعا أو ظنا. واما الثاني فانه في الكتاب


(1) ج 1 ص 136.

[ 375 ]

المذكور - بعد ان نقل ما قدمنا من عبارة الذكرى - قال: " وفيه نظر، فانا لا نسلم بقاء حدثه، قولك: النجس لا تحصل به الطهارة قلنا النجس في نفس الامر أو النجس في علم المكلف، الاول ممنوع، والثاني مسلم، ويؤيده انا مكلفون مع عدم العلم بالنجاسة لا مع العلم بعدمها، لاستلزام ذلك الحرج المنفي بالآي والاخبار، وعلى هذا فكون صلاته فاسدة ممنوع، وصدق الفوات بالنسبة إليه غير ظاهر، كيف وهو قد فعل المأمور به شرعا وامتثال الامر يوجب الجزاء والصحة. اما الاول فلانه مأمور بالطهارة بماء محكوم بطهارته شرعا اي ما كان طاهرا في الظاهر لا في نفس الامر، لان الشارع لم يلتفت إلى نفس الامر لتعذره، واما الثاني فلما ثبت في الاصول " انتهى. وهذه المسألة من جملة ما اشبعنا الكلام في تحقيقها في كتاب المسائل الا انا بعد لم نقف على كلام هذين الفاضلين. وبعض المعاصرين استبعد ما ذهبنا إليه لمخالفته ما هو المشهور، حيث ان طبيعة الناس جبلت على متابعة المشهورات وان انكروا بظاهرهم تقليد الاموات، وقد وفق الله سبحانه للوقوف على كلام الفاضلين المذكورين فاثبتناه هنا لا للاستعانة على قوة ما ذهبنا إليه بل لكسر سورة نزاع ما ذكرناه من المعاصرين، لعدم قبولهم الا لكلام المتقدمين. (المسألة الثامنة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الطهارة بالماء المغصوب عالما عامدا، وهو لا اشكال فيه. اما مع الجهل فظاهرهم هنا الاتفاق على عدم التحريم والابطال، لعدم توجه النهي إليه. واما نسيان الغصب فهل يكون حكمه حكم العبد كما ذكروا في ناسي النجاسة. فيتوجه إليه النهي، لان النسيان انما عرض له بقلة التكرار الموجب للتذكار، أو حكم الجاهل لامتناع تكليف الغافل ؟ قولان: اختار اولهما العلامة في القواعد، وثانيهما اول الشهيدين في الرسالة، وثانيهما في شرحها، وثاني المحققين في شرح الرسالة المذكورة وفي رسالته الجعفرية، وشارحاها في شرحيهما، وهو الاظهر لما حققناه آنفا.

[ 376 ]

ثم ان الفرق بين جاهل الغصب والنجاسة كما ذكروا - معللين له بان مانع النجاسة ذاتي فلا يضره الجهل، بخلاف الغصب، فانه عرضي بسبب النهي عن التصرف في مال الغير، ومع الجهل والنسيان لا يتحقق النهي لعدم التكليف، فينتفى المانع - محل نظر يظهر ما حققناه آنفا. هذا في جاهل الغصب وناسيه. اما جاهل حكم الغصب وناسيه فهو عندهم في حكم العمد، لوجوب التعلم عليهما وضمهما الجهل إلى التقصير فلا يعد تقصيرهما عذرا. وانت خبير بما فيه من الوهن والضعف. لما اشرنا إليه آنفا من قيام دليلي العقل والنقل على معذورية الجاهل، اعم من ان يكون جاهلا بالاصل أو الحكم، وتقصيره في التعلم غاية ما يوجبه حصول الاثم لا خلاله على ما ذكرناه في كتاب الدرر النجفية، حيث حققنا هناك المقام بمزيد بسط في الكلام لا يحوم حوله نقض ولا ابرام. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الغصب - على ما عرفوه - عبارة عن اثبات اليد على حق الغير عدوانا وظلما، واحترزوا بقيد العدوان عن اثبات الوكيل يده على مال الموكل، ونحوه المرتهن والولي والمستأجر والمستعير، وظاهرهم عدم الاكتفاء بشاهد الحال اعني ظن رضا المالك في الخروج عن الغصب، وبذلك ينقدح الاشكال ويقع الداء العضال في مثل هذه المسألة، فانه متى سافر الانسان من بلد إلى اخرى مسيرة شهر أو ازيد أو انقض، يجب عليه حينئذ حمل ماء مملوك معه إلى ان يتمكن من تحصيل ماء مباح أو مأذون أو مشترى، ولا يجوز له الاخذ من المياه التي يمر بها في الطرق لدخولها في باب الغصب، وفيه من المشقة والحرج والعسر المنفي بالآية والرواية (1) ما لا يخفى، ولعله لذلك صرح جمع: منهم - الشهيدان بجواز الشرب والوضوء والغسل من نحو القناة المملوكة والدالية والدولاب مطلقا عملا بشاهد الحال الا ان يغلب على الظن الكراهة، ونفى عنه البعد في الكفاية، وهو جيد، وحينئذ لا فرق بين كون ذلك الماء مملوكا


(1) راجع الصحيفة 151 من الجزء الاول

[ 377 ]

أو مغصوبا، لان شاهد الحال حاصل على التقديرين على حد ما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المكان. (المسألة التاسعة) - هل يشترط طهارة اعضاء الوضوء اولا من النجاسة لو كان ثمة نجاسة ثم اجراء ماء الوضوء عليها. أو يكفي ماء واحد لازالة الخبث والحدث ؟ قولان: المشهور الاول، وسيأتي تحقيق المقام في فصل غسل الجنابة ان شاء الله تعالى. (المسألة العاشرة) - المشهور بين متأخرى اصحابنا (رضوان الله عليهم) اشتراط الاباحة في مكان الطهارة، فلو توضأ في مكان مغصوب عالما عامدا بطلت طهارته لنهي عن الكون الذي هو من ضروريات الفعل، وقطع المحقق في المعتبر بالعدم مع اختياره الاشتراط في الصلاة، واليه جنح السيد في المدارك، وتحقيق المسألة حسبما يقتضيه النظر سيأتي ان شاء الله تعالى في مبحث المكان من كتاب الصلاة. (المسألة الحادية عشرة) - ظاهر كلام فقهائنا (رضوان الله عليهم) الاتفاق على ان من كان على اعضاء طهارته جبائر - وهي في الاصل تقال للعيدان والخرقة التي تشد على العظام المكسورة، والظاهر من كلام الفقهاء اطلاقها على ما يشد على القروح والجروح ايضا، لاشتراك الجميع في الحكم الوارد في الروايات التي هي المستند في هذا الباب - فانه يجب عليه مع الامكان نزع الجبائر اولا، أو تكرار الماء عليها على وجه يصل إلى البشرة ويحصل منه الغسل المعتبر شرعا، وظاهرهم التخيير في ذلك مع الامكان بعدم التضرر بالنزع وعدم التضرر بتطهير ما تحت الجبيرة لو كان نجسا، ولو تعذر النزع وامكن ايصال الماء إلى ما تحت الجبيرة وجب ايضا، والا فيجب المسح عليها، واحتمل العلامة في النهاية وجوب اقل ما يسمى غسلا، وهو بعيد. ولو كانت الجبيرة نجسة ولم يمكن تطهيرها ثم المسح عليها قالنا يضع عليها خرقة طاهرة ثم يمسح عليها، واحتمل في الذكرى الاكتفاء بغسل ما حولها. وصرح بعضهم بان القرح أو الجرح لو كان خاليا من الجبيرة مسح عليه ان امكن والا وضع عليه شيئا طاهرا ومسح عليه.

[ 378 ]

هذا إذا كانت الجبيرة في موضع الغسل، اما إذا كانت في موضع المسح، فان لم تستوعب محل المسح بحيث يبقى ما يتأدى به الفرض فلا اشكال، وان استوعبت فان امكن نزعها والمسح على البشرة مع طهارتها أو امكن تطهيرها وجب ذلك. والا مسح على الجبيرة مع طهارتها، ولا يكفي هنا تكرار الماء عليها بحيث يصل إلى البشرة، لان المسح انما يتحقق بايصال اليد إلى البشرة فيجب مع الامكان ولا يكفي امرار الماء، ومع نجاسة الجبيرة يضع عليها خرقة طاهرة ويمسح. هذا ما يستفاد من متفرقات كلماتهم في بحث الوضوء. ثم انهم في بحث التيمم جعلوا من جملة موجباته الخوف من استعمال الماء بسبب القروح والجروح من غير تقييد بتعذر وضع شئ عليها والمسح عليه، وكلامهم في هذا المقام لا يخلو من اجمال يحصل به الاشكال. وها نحن نسوق جملة ما وفقنا الله تعالى للوقوف عليه من الاخبار ونتكلم بعدها بما رزقنا سبحانه فهمه من تلك الآثار، معتصمين بحبل توفيقه من العثار: فمن ذلك صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا ابراهيم (عليه السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء أو عند غسل الجنابة وعند غسل الجمعة ؟ قال يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر، ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله، ولا ينزع الجبائر ولا يعبث بجراحته " ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان مثله الا انه اسقط قوله: " أو تكون به الجراحة (2) ". وروى العياشي في تفسيره عن علي بن ابي طالب (عليه السلام) (3) قال: " سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 39 - أبواب الوضوء. (2) ولكن التعبير عنه (ع) ب‍ (ابى ابراهيم) انما هو في التهذيب وفى الكافي عبر ب‍ (ابى الحسن).

[ 379 ]

صاحبها، وكيف يغتسل إذا اجنب ؟ قال: يجزيه المسح عليها في الجنابة والوضوء. قلت: فان كان في برد يخاف على نفسه إذا افرغ الماء على جسده ؟ فقرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله): ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما (1) ". ورواية عبد الله بن سنان أو صحيحته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الجرح كيف يصنع به صاحبه ؟ قال: يغسل ما حوله ". وقال في الفقيه (3): " وقد روي في الجبائر عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: يغسل ما حولها ". وحسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه " سأل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة ويتوضأ ويمسح عليها إذا توضأ. فقال: ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، وان كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها قال: وسألته عن الجرح كيف اصنع به في غسله ؟ قال: اغسل ما حوله ". ورواية عبد الاعلى (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ فقال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله تعالى: قال الله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (6) امسح عليه ". ورواية كليب الاسدي (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل


(1) سورة النساء الآية 33 (2) و (4) و (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 29 وفى الوسائل في الباب - 39 - من أبواب الوضوء. (6) سورة الحج الآية 78

[ 380 ]

إذا كان كسيرا كيف، يصنع بالصلاة ؟ قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل ". وحسنة الوشاء (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أيجزيه ان يمسح على طلي الدواء ؟ قال: نعم يجزيه ان يمسح عليه ". ورواية جعفر بن ابراهيم الجعفري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر له ان رجلا اصابته جنابة على جرح كان به فامر بالغسل فاغتسل فكز فمات. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قتلوه قتلهم الله... الحديث ". وصحيحة داود بن سرحان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد ؟ لا يغتسل ويتيمم " وحسنة محمد بن مسكين وغيره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: قيل له: ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات ؟ فقال: قتلوه، ألا سألوا ألا يمموه، ان شفاء العى السؤال " وقال في الكافي (5) عقيب نقل هذه الرواية: " وروى ذلك ذلك في الكسير والمبطون يتيمم ولا يغتسل ". وحسنة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن مجدور اصابته جنابة فغسلوه فمات. فقال: قتلوه، الا سألوا فان دواء العي السؤال " وصحيحة محمد بن مسلم (7) قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القرح والجراحة يجنب. قال: لا بأس بان لا يغتسل، يتيمم " ورواه في الفقيه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء (2) و (3) و (4) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم (5) ج 1 ص 20 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم

[ 381 ]

بلفظ القروح والجراحات (1). وموثقة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) " في الرجل تكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة ؟ قال: يتيمم ". وصحيحة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ييمم المجدور والكسير إذا اصابتهما الجنابة ". وموثقة عمار (4) قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينقطع ظفره هل يجوز ان يجعل عليه علكا ؟ قال: لا ولا يجعل عليه الا ما يقدر على اخذه عنه عند الوضوء، ولا يجعل عليه ما لا يصل إليه الماء ". وموثقته الاخرى (5) " في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر ان يمسح عليه لحال الجبر إذا جبر، كيف يصنع ؟ قال: إذا اراد ان يتوضأ فليضع اناء فيه ماء ويضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده. وقد اجزأه ذلك من غير ان يحله " ورواه الشيخ في موضع آخر عن اسحاق بن عمار مثله. هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة، والكلام فيها يقع في مواضع: (الاول) - ان ما دلت عليه حسنة الحلبي - من المسح على الخرقة إذا كان يؤذيه الماء، ورواية عبد الاعلى من المسح على المرارة لاستلزام رفعها المشقة والحرج ورواية كليب من الامر بالمسح على الجبائر مقيدا بالخوف على نفسه - هو مستند الاصحاب فيما ذكروه من وجوب المسح على الجبيرة متى تعذر ايصال الماء إلى ما تحتها، واطلاق بعض الاخبار - الدالة على اجزاء المسح على الجبيرة من غير تعرض لتعذر ايصال الماء إلى ما تحتها كرواية العياشي وحسنة الوشاء - مقيد بهذه الاخبار.


(1) ج 1 ص 58 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء

[ 382 ]

وناقش جملة من المتأخرين: منهم - السيد في المدارك في وجوب المسح على الجبيرة قائلا بانه لولا الاجماع على وجوب مسح الجبيرة لامكن القول بالاستحباب والاكتفاء بغسل ما حولها، واحتج على ذلك بصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج. وانت خبير بان المراد من قوله (عليه السلام) في الصحيحة المشار إليها: " ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله " يعني يدع غسل ما لا يستطيع غسله من الجبائر، كما يدل عليه ايضا قوله اخيرا: " ولا ينزع الجبائر ولا يعبث بجراحته " وليس فيها نفي أو نهي عن المسح بل هي مطلقة بالنسبة إليه، ولا ضرر فيه، لاستفادة الحكم من تلك الاخبار المذكورة مؤيدا بدعو الاجماع في المسألة، فيكون اطلاق هذه الرواية مقيدا بتلك الروايات فلا منافاة، واما ما عدا هذه الرواية مما دل على غسل ما حول الجرح فالظاهر منه ان الجرح خال من الجبيرة، كما هو ظاهر الشهيد في الدروس، فانه بعد ان ذكر التفصيل في الجبائر وما في حكمها قال: " والمجروح يغسل ما حوله " وصريحه في الذكرى. وبالجملة فالرواية التي استند إليها فيما ذكره لا تنهض حجة في ذلك. نعم ربما كان اظاهر من كلام الصدوق في الفقيه هنا التخيير بين المسح على الجبيرة والاكتفاء بغسل ما حولها، حيث قال (1): " ومن كان به في المواضع التي يجب عليها الوضوء قرحة أو جراحة أو دماميل ولم يؤذن حلها فليحلها وليغسلها، وان اضربه حلها فليمسح يده على الجبائر والقروح ولا يحلها ولا يعبث بجراحته، وقد روى في الجبائر عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: يغسل ما حولها " انتهى، وهذا بعينه ما ذكره في كتاب فقه الرضا حيث قال (عليه السلام) (2): " ان كان بك في المواضع التي يجب عليها الوضوء قرحة أو دماميل ولم تؤذك حلها واغسلها، وان اضرك حلها فامسح يدك على الجبائر والقروح ولا تحلها ولا تعبث بجراحك، وقد نروي في الجبائر عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: يغسل ما حولها ".


(1) ج ص 29. (2) ص 2

[ 383 ]

(الثاني) - المستفاد من ظاهر ورواية عبد الله بن سنان وحسنة الحلبي ان القروح والجروح الخالية من الجبيرة إذا تضررت بالغسل يكتفى بغسل ما حولها، واما ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) - من عنده مع تعذر الغسل يمسح عليها ومع تعذر المسح يضع عليها ما يمسح عليه فوقها - فلم اقف له على دليل في الاخبار، وقد اعترف ايضا بذلك بعض متأخري علمائنا الابرار، وما علل به - من ان فيه تحصيلا لشبه الغسل عند تعذر حقيقته إذا كان الجرح في محل الغسل، أو انه وسيلة إلى المسح الواجب في موضع المسح - فلا محصل له، مع عدم الدليل الشرعي على ذلك، وكذلك ما ذكروه من موضع خرقه على الجبيرة لو كانت نجسة وتعذر غسلها، فانه لا اشعار به في تلك الروايات بوجه، والجبيرة انما رخص في المسح عليها عند تعذر ايصال الماء إلى ما تحتها، لصيرورتها بسبب ضرورة التداوي بها ولصوقها بالجسد كأنها منه، وهذا بخلاف وضع الخرقة على هذا الوجه الذي ذكروه، ولا بأس بالعمل بما ذهبوا إليه، إذا لعلهم اطلعوا على ما لم نطلع عليه. (الثالث) - ما دلت عليه رواية عبد الا على من المسح على المرارة التي على ظفره دليل ما ذكره الاصحاب من المسح على الجبيرة وان كانت في موضع المسح ايضا، وعليه يدل ايضا اطلاق رواية كليب الاسدي وظاهر حسنة الحلبي. وهل يجب التخليل مع امكانه وعدم امكان النزع للتوصل إلى ايصال الماء للبشرة هنا، كما لو كانت الجبيرة في موضع الغسل، أو الواجب المسح على الجبيرة خاصة ؟ ظاهر الاصحاب الثاني لما قدمنا نقله، والمفهوم من كلام شيخنا صاحب رياض المسائل فيه الاول حيث قال: " ويجب التخليل مع امكانه ولو في موضع المسح وان حصل الجريان عليه على الظاهر، اما على تقدير عدم صدق الغسل المنهى عنه عرفا عليه فظاهر، واما بتقدير الصدق فلانه ليس باعتقاد انه المفروض دون المسح بل باعتقاد انه مقدمة ما استطيع الاتيان به من المسح المأمور به وهو ايصال الماء إلى البشرة مع تعذره الا مع الجريان وعدم المماسة

[ 384 ]

ولتصريح جمع من الاصحاب - كما هو الاقوى - بتعين الغسل على الرجلين لو تادت التقية به وبالمسح على الخفين، لكونه اقرب للامتثال، وتعلقه باعضاء الطهارة لا بامر خارج عنها بل عن المتطهر، كما يدل عليه فحوى ما رواه ابن بابويه في الفقيه (1) عن عائشة انه (صلى الله عليه وآله) قال: " اشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره " ولظاهر اطلاق رواية اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) في الرجل ينكسر ساعدة... الحديث كما تقدم (2). انتهى كلامه (قدس سره) وهو قوي وان امكن المناقشة في بعض ما ذكره. (الرابع) - ان ما دلت عليه موثقة عمار الاولى في من انقطع ظفره - من انه لا يجعل عليه الا ما يمكن اخذه عنه عند الوضوء، ولا يجعل عليه ما لا يصل إليه الماء - مما ينافي بظاهره الادلة العقلية والنقلية. من وجوب دفع الضرر، ورفع الحرج وسعة الحنيفية، وخصوص جملة مما تلوناه من اخبار الجبيرة الدالة على جواز استعمالها وانه يمسح عليها مع تعذر ايصال الماء، ولا سيما رواية عبد الاعلى الدالة على خصوص الظفر. ويمكن حملها على عدم انحصار العلاج بذلك حتى ان بعض محققي متأخرى المتأخرين جعل من مستحبات الوضوء ان لا يضع على اعضاء طهارته عند الحاجة إلى العلاج ما لا يقدر على اخذه عند الوضوء أو ما لا يصل إليه الماء الا مع انحصار العلاج فيه، ثم قال: " وفي حرمته تأمل، ينشأ من عموم الرخصة، ومن خصوص الموثقة المذكورة ". وفيه ما لا يخفى، فان العمل بظاهر الرواية المذكورة ممنوع بما ذكرنا لك من الادلة، فطرحها رأسا كما ذكرنا ليس بذلك البعيد، لا سيما والراوي عمار المتفرد برواية الغرائب، كما طعن به عليه المحدث الكاشاني في مواضع من كتاب الوافي. وحملها الشيخ في التهذيب على انه لا يجوز ذلك مع الاختيار، فاما مع الضرورة


(1) ج 1 ص 30 وفى الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء (2) تقدم في الصحيفة 381

[ 385 ]

فلا بأس به، قيل: " وهو مجمل محتمل لان يراد بالاختيار المقابل بالضرورة ارتفاع الضرورة والحاجة مطلقا، وارتفاع الضرورة الخاصة الداعية إلى العلاج الخاص مما لا يمكن نزعه عند الوضوء وما لا يصل إليه الماء، وربما كان المتبادر من كلامه الاول " انتهى وبالجملة فان امكن حملها على وجه تنتظم به مع تلك الاخبار والا فطرحها متعين، فما وقع فيه بعض متأخري متأخرينا بسببها من الاشكال ليس بذلك القريب الاحتمال. (الخامس) - ان ما دلت عليه موثقة عمار المروية في موضع آخر عن اسحاق ابن عمار (1) - في من انكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر ان يمسح عى موضع الكسر لمحل الجبر، من انه يضع اناء فيه ماء ويضع موضع الجبيرة فيه على وجه يصل إلى البشرة - لعله مستند الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيما قدمنا نقله عنهم من انه لو تعذر النزع وامكن ايصال الماء إلى ما تحت الجبيرة وجب مقد ما على المسح على الجبيرة. والشيخ (رضوان الله عليه) حمل الرواية المذكورة على الاستحباب. قائلا انه مع الامكان وعدم التضرر يستحب له ذلك. وفيه انه انما صير إلى المسح لتعذر الغسل فمع امكانه على الوجه المذكور يكون واجبا لا مستحبا، وحينئذ فالخبر محمول على امكان ايصال الماء وان كان مطلقا في ذلك، للاجماع ظاهرا، ولزوم الحرج والمشقة المنفيين عقلا ونقلا، والروايات المتقدمة. (السادس) - ظاهر الروايات الدالة على المسح على الجبيرة استيعاب الجبيرة بالمسح، وهو ظاهر المشهور وجعله الشيخ في المبسوط احوط، وحسنه في الذكرى مستشكلا في وجوب الاستيعاب بصدق المسح عليها بالمسح على جزء منها كصدق المسح على الرجلين والخفين عند الضرورة. ولقائل ان يقول ان تبعيض المسح في الرجلين انما هو لمكان الباء في المعطوف عليه وفي الخفين لتبعيته حينئذ لهما. واستدل ايضا في المعتبر على وجوب الاستيعاب بان المسح بدل من الغسل فكما يجب الاستيعاب في الغسل يجب في بدله. وصريح الاخبار


(1) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء

[ 386 ]

المذكورة عدم وجوب اجراء الماء على الجبيرة وان امكن فلا يجب حينئذ لعدم ورود الامر به. واحتمل العلامة في النهاية وجوب اقل ما يسمى غسلا. وهو بعيد. (السابع) - ان ما دل عليه جملة من تلك الاخبار من الامر بالتيمم الذي القروح والجروح مناف لما دل عليه الجملة الاخرى من المسح على الجبيرة وغسل ما حول الخالي عنها، وقد اختلف كلام الاصحاب في وجه الجمع بينها على وجوه لا يخلو اكثرها من الايراد والبعد عن المراد، والذي يقوى في البال حمل روايات التيمم في التخصيص بالبدلية من الغسل، سيما فيما إذا كانت القروح والجروح كثيرة متعددة في البدن، وقوفا على ظواهر الفاظها، فانها انما وردت بالنسبة إلى الغسل خاصة، ووقوع السؤال فيها عن القروح والجروح بلفظ الجمع، ومن الغالب لزوم الحميات لذلك، وبكشف البدن لاجل الغسل ربما اضر به ملاقاة الهواء لذلك، كما تدل عليه رواية جعفر بن ابراهيم الجعفري، فانها تضمنت انه بعد الغسل كز فمات. والكزاز كغراب داء يتولد من شدة البرد. وهو قرينة ما قلناه من لزوم الحميات للقروح والجروح وتضرر البدن لذلك بكشفه في الهواء، ومثلها ظاهر روايتي محمد بن مسكين وابن ابي عمير وظاهر رواية العياشي، فانها صرحت اولا بانه يجزيه المسح على الجبائر في الوضوء والغسل حيث لا يخاف على نفسه، ومع الخوف على نفسه بافراغ الماء على جسده فانه ينتقل إلى التيمم، لان قراءته (صلى الله عليه وآله) الآية المذكورة يريد المنع من الغسل والانتقال إلى بدله من التيمم. وبالجملة فروايات التيمم مشعرة بكون السبب في العدول إليه هو التضرر بكشف البدن للغسل من اجل ما فيه من القروح والجروح، بخلاف روايات المسح على الجبيرة والغسل لما حول الجرح، فانها اما صريحة في الوضوء بخصوصه كحسنة الحلبي ورواية عبد الاعلى وحسنة الوشاء واما فيه وفي الغسل لكن لا على الوجه الذي اشرنا إليه كصحيحة عبد الرحمان وصدر رواية العياشي واما عامة لهما كرواية عبد الله بن سنان

[ 387 ]

ورواية كليب الاسدي، وحينئذ فالتيمم في هذه المسألة مخصوص بالبدلية عن الغسل على ذلك الوجه، والمسح على الجبيرة والغسل لما حول الجرح والقرح مخصوص بالوضوء والغسل على غير ذلك الوجه وعلى ذلك تنتظم الاخبار على وجه واضح المنار، والاحتياط لا يخفى. (المسألة الثانية عشرة) - قد صرح اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان صاحب السلس - وهو الذي لا يمسك بوله - يتوضأ لكن صلاة ويغتفر حدثه بعده، نظرا إلى انه بتجدد البول يصير محدثا فتجب عليه الطهارة ويمنع من المشروط بها الا ان ذلك لما امتنع اعتباره مطلقا لتعذره وجب عليه الوضوء لكل صلاة مراعاة لمقتضى الحدث حسب الامكان. ونقل عن الشيخ في المبسوط جواز الجمع بين صلوات كثيرة بوضوء واحد، محتجا بانه لا دليل على تجديد الوضوء وحمله على الاستحاضة قياس لا نقول به. وهذا الكلام محتمل لوجهين: (احدهما) - عدم جعل البول بالنسبة إليه حدثا وحصر احداثه فيما عداه. و (ثانيهما) - عدم جعل ما يخرج بالتقاطر حدثا واما الذي يخرج بالطريق المعهود فيكون حدثا. وذهب العلامة في المنتهى إلى جواز الجمع بين كل من الظهرين والعشائين بوضوء واحد واختصاص الصبح بوضوء واحد واما ما عداها فيجب الوضوء لكل صلاة، واحتج على ذلك بصحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم، إذا كان حين الصلاة اتخذ كيسا وجعل فيه قطنا، ثم علقه عليه وادخل ذكره فيه، ثم صلى: يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر يؤخر الظهر ويعجل العصر باذان واقامتين، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء باذان واقامتين، ويفعل ذلك في الصبح " واما وجوب الوضوء لكل صلاة فيما عدا ما ذكره فوجهه ما تقدم من


(1) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضوء

[ 388 ]

دليل القول الاول كما صرح به في المنتهى. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة صحيحة حريز المتقدمة. وحسنة منصور بن حازم قال (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعتريه البول ولا يقدر على حبسه ؟ قال: فقال لي: إذا لم يقدر على حسبه فالله اولى بالعذر يجعل خريطه. ورواية الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن تقطير البول. قال يجعل خريطة إذا صلى ". وموثقة سماعة (3) قال: " سألته عن رجل اخذه تقطير من فرجه اما دم واما غيره قال فيصنع خريطة وليتوضأ وليصل، فان ذلك بلاء ابتلى به فلا يعيدن الا من الحدث الذي يتوضأ منه ". وانت خبير بان ما عدا صحيحة حريز من الروايات المذكورة لا تعرض فيها للوضوء بكونه لكل صلاة ولا لكل صلاتين بل هي مطلقة في ذلك، وقصارى ما تدل عليه جواز الدخول في الصلاة في تلك الحال مع وجوب التحفظ من النجاسة بحسب الامكان دفعا للحرج والمشقة المفهومين من اولوية الله سبحانه بالعذر وانه بلاء ابتلى به، وان الخريطة بالنسبة إليه كجزء من بدنه لا ينقض من النجاسة الا ما خرج منها دون ما بقى فيها، ومقتضى القاعدة حمل مطلق الاخبار على مقيدها، وبه يظهر قوة ما ذهب إليه في المنتهى ورجحه السيد في المدارك ايضا. واما ما عدا الفرائض اليومية فيشكل الوجه فيه لعدم الدليل الناس على حكمه. والاحتياط في المقام بوضع الخريطة المحشوة بالقطن والوضوء لكل صلاة في اليومية وغيرها. وقوله (عليه السلام) في آخر موثقة سماعة: " فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه " محتمل للمعنيين المتقدمين في كلام الشيخ


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من نواقض الوضوء

[ 389 ]

في المبسوط، وكيف كان فهي ظاهرة في كون التقطير ليس حدثا بالنسبة إليه. ثم انهم صرحوا بانه متى كان للسلس فترة ينقطع فيها التقطير تسع الطهارة والصلاة وجب انتظارها، لزوال الضرورة التي هي مناط التخفيف. ولا ريب في اولويته ورجحانه. وذكر البعض ايضا وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء. وهو كذلك. واما المبطون وهو من به داء البطن بخروج غائط أو ريح لا يتمكن من حبسه، فقد ذكر جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يتوضأ لكل صلاة. والعلامة في المنتهى مع تصريحه بجمع ذي السلس بين الصلاتين صرح هنا بوجوب الوضوء لكل صلاة ومنع من الجمع، معللا بان الغائط حدث فلا يستباح معه الصلاة الا مع الضرورة وهي متحققة في الواحدة دون غيرها. ولا يخفى ان ما ذكره جار في السلس ايضا لكن كأنه قال بجواز الجمع هناك للصحيحة المتقدمة المختصة به. وصرح الاكثر بانه متى تطهر ودخل في الصلاة ثم فاجأه الحدث فيها تطهر وبنى وذهب العلامة في المختلف إلى وجوب استئناف الطهارة والصلاة مع امكان التحفظ بقدر زمانهما والا بنى بغير طهارة، لان الحدث المذكور لو نقض الطهارة لابطل الصلاة، لان من شروط الصلاة استمرار الطهارة ورد بان ما ذكره من التعليل مصادرة على المطلوب. واجيب بمنع المصادرة بل هو احتجاج على هذه المقدمة بالاجماع. وفيه ما لا يخفى لمنع الاتفاق على الشرطية بالمعنى المدعى في موضع النزاع. وذكر جمع من المتأخرين في ذلك تفصيلا وهو انه لا يخلو اما ان يكون له فترة تسع الطهارة والصلاة ام لا، وعلى الثاني فلا يخلو اما ان يستمر حدثه بحيث لا يتمكن من الدخول في الصلاة على طهارة ام لا، فعلى الاول يجب عليه انتظار حصول الفترة، وعلى الاول من الثاني يتوضأ لكل صلاة ويغتفر حدثه الواقع بعد الوضوء ولو في اثناء الصلاة دفعا للحرج، وعلى الثاني فالمشهور انه متى فاجأه في الصلاة فانه يتوضأ ويبنى، وقيل بالتفصيل الذي تقدم عن المختلف. ومحل الخلاف في المسألة غير منقح في كلامهم.

[ 390 ]

والذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة موثقة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن المبطون فقال: يبنى على صلاته ". وموثقته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: صاحب البطن يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقى ". وصحيحته المروية في الفقيه عنه (عليه السلام) قال (3): صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبنى على صلاته ". وهذه الروايات - كما ترى - مطلقة لا دلالة فيها على خصوص فرد من تلك الافراد المفصلة، والمفهوم من كلام بعضهم حملها على ما إذا كان ثمة فترة تسع الصلاة أو بعضها فتوضأ ودخل في الصلاة ثم فأجاه الحدث، ومن كلام بعض آخر على ما إذا دخل في الصلاة متطهرا مطلقا اعم من ان تكون فترة تسع الصلاة كلا أو بعضا أو بمقدار الطهارة خاصة كما هو المفهوم من التفصيل المتقدم. والتحقيق في المقام ان الروايات المذكورة مطلقة الا انه ان كان الحدث المذكور متكررا بحيث يؤدي اعادة الوضوء بعد الدخول في الصلاة إلى العسر والحرج ويلزم منه الكثرة الموجبة لبطلان الصلاة، فالظاهر وجوب الاستمرار في الصلاة وعدم ايجابه الوضوء عملا باخبار سهولة الحنيفية وسعة الشريعة ورفع الحرج في الدين، والا فالظاهر دخوله تحت الاخبار ووجوب الوضوء والبناء. ويحتمل قريبا أن معنى الرواية الاولى والثالثة ان المبطون يبني على صلاته يعني لا يقطعها بالحدث الواقع في اثنائها، وقوله في الاخيرة يتوضأ يعني قبل الدخول في الصلاة. إذ ليس فيها دلالة بل ولا اشارة إلى دخوله في الصلاة خاليا من الحدث، بل ربما اشعر قوله في الاخيرة: " صاحب البطن الغالب... " باستمرار خروج الحدث، وحينئذ فتكون الروايتان دليلا لما ذكرناه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضواء. وفى التهذيب والوافى والوسائل تقييد البطن فيه بالغالب (3) ج 1 ص 237.

[ 391 ]

في الشق الاول، واما الرواية الوسطى فهي صريحة في كون الوضوء في اثنا الصلاة للفظ الرجوع واتمام ما بقى فتجعل دليلا لما ذكرناه في الشق الثاني، قال في الذكرى: " والظاهر انه لو كان في السلس فترات والبطن تواتر، امكن نقل حكم كل منهما إلى الآخر " انتهى. ثم لا يخفى ان الروايات الواردة في السلس تضمنت انه بعد وضع الخريطة يصلي وان كان قد دخل في الصلاة بطهارة من الحدث والخبث، فاجأه الحدث في اثنائها ام لا وروايات المبطون تضمنت اعادة الوضوء والبناء، ولعل الوجه فيه ما اشرنا إليه آنفا من الخريطة المذكورة تكون كالجزء من بدنه، والاحتياط في المقام بل وفي كل مقام من اعظم المهام. (المسألة الثالثة عشرة) - ذكر الاصحاب - (رضوان الله عليهم) انه لو شك في شئ من افعال الوضوء فان كان على حاله اتى به وبما بعده ما لم يجف السابق والا اعاد. وان انتقل إلى حال اخرى مضى ولم يلتفت. وتحقيق هذا القول يقع في موارد: (الاول) - الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في وجوب الاتيان بالمشكوك فيه متى كان على حال الوضوء اي مشتغلا بافعاله وان كان في آخره وقد شك في شئ من اوله. لما رواه زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت قاعدا على وضوئك ولم تدر أغسلت ذراعيك ام لا ؟ فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله ما دمت في حال الوضوء. فإذا قمت من الوضوء وفرغت وقد صرت إلى حال اخرى في صلاة أو غير صلاة وشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوء فلا شئ عليك، وان شككت في مسح رأسك واصبت في لحيتك بلة فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك، وان لم تصب بلة فلا تنقض الوضوء بالشك وامض في صلاتك، وان تيقنت انك لم تتم


(1) رواه في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء

[ 392 ]

وضوءك فاعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء " وهو - كما ترى - ظاهر الدلالة على انه ما لم يفرغ من وضوئه فانه يتلافى ما شك فيه. وروى عبد الله بن ابي يعفور في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " وضمير غيره كما يحتمل رجوعه إلى الوضوء فيكون الحديث المذكور دالا على ما دلت عليه الصحيحة المذكورة كذلك يحتمل رجوعه إلى شئ، والظاهر انه الاقرب بحسب السياق، وفيه حينئذ دلالة على عدم الرجوع إلى فعل مع الشك فيه بعد الدخول فيما يليه، ولا نعلم به قائلا من الاصحاب في هذا المقام، وعلى ذلك فيكون منافيا للصحيحة المتقدمة. واظهر منه في المنافاة بذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله (عليه السلام) في موثقة محمد بن مسلم (3): " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " وقوله في رواية ابي بصير (4): " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " لصدق الشيئية على كل فعل من افعال الوضوء وصدق الغيرية على كل منها بالنسبة إلى ما سواه، وقصر معنى الشئ في جميع هذه الاخبار على الوضوء مما لا يرام تجشمه، وبذلك يظهر المنافاة بين جملة هذه الاخبار وبين الصحيحة المتقدمة. وربما يجاب بقصر الاخبار الثلاثة الاخيرة على موردها وهو الصلاة كما تضمنه صدر كل منهما من تعداد السؤال عن جملة من افعال الصلاة، أو عمومها وتخصيصها بالصحيحة المتقدمة، ولعله اظهر لاستنادهم إلى العمل بالكلية المنصوصة فيها في مواضع عديدة غير الصلاة، واما موثقة ابن ابى يعفور فيتعين حملها على المعنى الاول،


(1) رواه في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الخلل في الصلاة (4) المروية في الوافى في باب (الشك في اجزاء الصلاة)

[ 393 ]

ولا مندوحة عن ارتكاب التأويل في الروايات المذكورة وحمل الموثقة على ما ذكرنا لاطباق الاصحاب على ان محل الرجوع مدة كون على وضوئه كما هو مقتضى الصحيحة المذكورة. (الثاني) - هل الحال الذي يتلافى المشكون فيها عبارة عن حالة الاشتغال بالوضوء فلو فرغ منه وان بقى في محله لا يلتفت حينئذ وان التقييد بالقيام والصيرورة إلى حال اخرى - كما اشتملت عليه صحيحة زرارة المتقدمة - انما خرج مخرج الغالب من ان المتوضئ إذا فرغ من وضوئه فالغالب انه يقوم من محله أو يتشاغل بحالة اخرى، أو انه عبارة عن البقاء في موضع وضوئه إلى ان يقوم أو يتشاغل بامر آخر ما لم يطل القعود حملا لتلك الالفاظ المذكورة عى ظاهرها ؟ قولان: ظاهر الذكرى والدروس الثاني، وبالاول صرح جمع من المتأخرين: منهم - ثاني المحققين وثاني الشهيدين في شرح القواعد والروض وشرح الرسالة والسيد السند في المدارك، بل الظاهر انه المشهور في كلام المتأخرين، واستظهره في كتاب رياض المسائل وحمل الصحيحة المتقدمة وما اشبهها من عبائر متقدمي الاصحاب على الخروج مخرج الغالب. وظاهر المولى الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد التوقف في ذلك بعد نسبة ذلك إلى ظاهر الاصحاب، حيث قال بعد كلام في المسألة: " ولكن هنا خفاء في ان المراد بعدم الالتفات بعد الانصراف ما هو ؟ ظاهر الاصحاب ان مجلد الفراغ يوجب ذلك، وفي بعض الاخبار قيد بقوله: إذا فرغ وانتقل ودخل في شئ آخر مثل الصلاة وغيره، فهو محل تأمل وان كان ظاهر بعض الادلة ما ذكره الاصحاب " انتهى. ولعله اشار بظاهر بعض الادلة الدال على ما ذكره الاصحاب إلى حسنة بكير قال (1): " قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ ؟ قال هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك " فانها صريحة في عدم الالتفات إلى الشك بعد اكمال الوضوء وان لم يحصل الانتقال إلى حالة اخرى، وموثقة ابن ابي يعفور المتقدمة حيث قال


(1) المروية في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء

[ 394 ]

في آخرها: " انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " يعني انما الشك الموجب للعمل بمقتضاه من الاتيان بالمشكوك فيه إذا كنت في شئ لم تخرج عنه ولم تجزه، وحينئذ فالمراد بقوله في صدرها: " وقد دخلت في غيره " كناية عن مجرد الفراغ، والترجيح في المقام لا يخلو عن اشكال وان كان القول المشهور لا يخلو من قوة. لكن يبقى في المقام اشكال اشار إليه السيد السند في المدارك فيما إذا تعلق الشك بالعضو الاخير، لعدم تحقق الاكمال الموجب لالغاء الشك. وربما يدفع بان الظاهر تحقق الاكمال والفراغ بمجرد ان يجد نفسه غير مشغل بالفعال الوضوء بعد تيقن التلبس به فحينئذ لو طرأ الشك لم يعتد به. وكيف كان فالاحوط بناء على هذا القول التدارك ما لم يحصل القيام أو ما في حكمه، وبعض الاصحاب صار إلى القول الاول احتياطا، ولا ريب انه احوط. (الثالث) - قد عرفت مما اشرنا إليه آنفا اشتراط الاصحاب في الاكتفاء بالاتيان بالمشكون وما بعده عدم جفاف ما تقدم، والا فالواجب عندهم الاعادة تحصيلا للموالاة الواجبة. وانت خبير بان الظاهر من الرواية المتقدمة (2) التي هي مستند هذا الحكم الاعادة عى العضو المشكوك مطلقا بدون تقييد بعدم الجفاف. وما تقدم من الروايات الدالة على تفسير الموالاة بمراعاة الجفاف لا عموم فيه على وجه يشمل ما نحن فيه حتى يخصص به هذا الاطلاق، إذ ليس صحيحة معاوية بن عمار وموثقة ابي بصير كما حققناه سابقا (2) وموردهما خاص بنفاد الماء وعروض الحاجة، ولعله إلى هذا يشير كلام الحدث الحر (قدس سره) في كتاب الوسائل حيث قال: " باب ان من شك في شئ من افعال الوضوء قبل الانصراف وجب ان يأتي بما شك فيه وبما بعده، ومن شك بعد الانصراف لم يجب عليه شئ.. " فانه ظاهر في مراعاة الترتيب بالاتيان بما شك فيه وما بعده اعم من ان يجف ما قبله ام لا، مع تخصيصه في كتاب البداية فيما تقدم


(1) وهي صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 391 (2) ص 250

[ 395 ]

الابطال بالجفاف بالتراخي والتفريق كما اوضحناه هناك، والحق ان الكلام معهم (رضوان الله عليهم) يرجع إلى اصل المسألة. فانهم حيث ذهبوا في تفسير الموالاة التي هي احد واجبات الوضوء عندهم ألى مراعاة الجفاف مطلقا أو في صورة خاصة، بناء على الخلاف المتقدم، اتجه لهم تمشية ذلك في جملة فروع المسألة، واما على ما حققناه آنفا من التخصيص فلا، فالكلام هنا يتفرع على ذلك. وكيف كان فالاحوط هو الوقوف على ما قرروه شكر الله تعالى اجتهادهم واجزل اسعادهم. (الرابع) - صرح جمع: منهم - الشهيد في الذكرى بانه لو كثر شكه فالاقرب الحاقه بحكم كثير الشك في الصلاة دفعا للعسر والحرج، وايده السيد السند في المدارك بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة وابي بصير (1) الواردة في من كثر شكه في الصلاة بعد ان امر بالمضي في الشك: " لا تعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلاة فتطيعوه، فان الشيطان خبيث معتاد لما عود " قال: " فان ذلك بمنزلة التعليل لوجوب المضي في الصلاة فيتعدى إلى غير المسؤول عنه " انتهى. اقول: ويؤيده ايضا ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له رجل مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): واي عقل له وهو يطيع الشيطان ؟ فقلت له وكيف يطيع الشيطان ؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من اي شئ هو، فانه يقول لك من عمل الشيطان " فان الظاهر ان ابتلاءه بذلك باعتبار كثرة الشك في افعالهما. واما حمله على ما يشمل الوسواس في النية - كما ذكره الشارح المازندراني في شرح اصول الكافي - فظني انه بعيد غاية البعد، لان النية في الصدر السابق ليست على ما يتراءى الآن من صعوبة الاتيان بها ولهذا لم يجر لها ذكر في كلام السلف ولا في الاخبار كما اوضحناه سابقا على وجه واضح


(1) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من أبواب الخلل في الصلاة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب مقدمة العبادات

[ 396 ]

المنار ساطع الانوار، والوسواس فيها انما حدث بما احدثه متأخرو اصحابنا (رضوان الله عليهم) من البحث فيها وفي قيودها والمقارنة بها ونحو ذلك. (الخامس) - الظاهر - كما صرح به بعض محققي المتأخرين - ان عدم الالتفات إلى ما شك فيه وتركه رخصة لا انه يحرم فعله، وكذا في صورة تيقن الطهارة والشك في الحدث، لعموم الاحتياط الموجب المشي على الصراط الذي هو عبارة عن الاتيان بما يتيقن به الخروج عن العهدة عى جميع الاحتمالات. ويحتمل الثاني لعموم قوله (عليه السلام) في موثقة بكير (1): " إذا استيقت انك احدثت فتوضأ، واياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت " والظاهر حمل الخبر المذكور على المنع عن احداث الوضوء على سبيل الوجوب والحتم، لعدم العمل به على ظاهره اجماعا نصا وفتوى. (المسألة الرابعة عشرة) - لو شك في الطهارة مع تيقن الحدث أو تيقنها مع الشك فيه، بنى على يقينه في الموضعين اجماعا نصا وفتوى. ومن الاخبار الواردة في ذلك موثقة بكير المتقدمة، وصحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه: " قلت: فان حرك إلى جنبيه شئ ولم يعلم به ؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجئ من ذلك امر بين، والا فانه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين ابدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر ". إذا عرفت ذلك ففي المقام فوائد ثلاث: (الاولى) - المفهوم من كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) استثناء صورة واحدة من هذه القاعدة، وهو ما إذا بال ولم يستبرئ ثم خرج بلل مشتبه، فانهم صرحوا بوجوب الوضوء في الصورة المذكورة بلا خلاف، بل عن ابن ادريس دعوى الاجماع عليه، ويدل عليه مفهوم قول الصادق (عليه السلام)


(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، و 44 من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء

[ 397 ]

في صحيحة ابن البختري (1): " ينتره ثلاثا ثم ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبال " وقول الباقر (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم (2): " يعصر اصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات ينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبائل " وصريح صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (3) الواردة في غسل الجنابة حيث قال فيها: " وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء " ومضمرة سماعة (4): " وان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجى " وهاتان الروايتان وان اطلقتا الوضوء بخروج البلل وان كان مع الاستبراء الا انهما مقيدتان بالاخبار المتقدمة مضافة إلى الاجماع على عدم الوضوء مع الاستبراء، وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا الاوحد في كتاب رياض المسائل، حيث قال بعد نقل الاحتجاج على الحكم المذكور بمفهوم الروايتين المتقدمتين: " وهو ان لم يكن اجماعا محل تأمل " انتهى. (الثانية) - قد اورد في المقام اشكال، وهو ان الشك المتعلق باحد النقيضين متى كان عبارة عن تساوي اعتقادي الوجود والعدم نافى اليقين المتعلق بالنقيض الآخر البتة، لاقتضاء اليقين بوجود احد النقيضين نفي النقيض الآخر، فكيف يمكن اجتماع الشك في الحدث مع تيقن الطهارة وبالعكس ؟ واجاب شيخنا الشهيد في الذكرى بان قولنا: اليقين لا يرفعه الشك لا نعني به اجتماع اليقين والشك في الزمان الواحد لا متناع ذلك، ضرورة ان الشك في احد النقيضين يرفع يقين الآخر، بل المعنى به ان اليقين الذي كان في الزمن الاول لا يخرج عن حكمه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من أبواب نواقض الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من احكام الخلوة (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء و 36 من ابواب الجنابة.

[ 398 ]

بالشك في الزمن الثاني لاصالة بقاء ما كان، فيؤول إلى اجتماع الظن والشك في الزمن الواحد فيرجح الظن عليه كما هو مطرد في العبارات. انتهى، وحاصل كلامه (قدس سره) تغابر زماني الشك واليقين، كأن يتيقن في الماضي كونه متطهرا ثم يشك في المستقبل في كونه محدثا، فهذا الشك لا يرفع حكم اليقين السابق بل يستصحب ذلك الحكم السابق ويظن بقاءه إلى ان يتحقق الناقل. وهو جيد الا ان قوله: فيؤول إلى اجتماع الظن والشك... الخ " محل بحث، إذ عند ملاحظة ذلك الاستصحاب ينقلب احد طرفي الشك ظنا والطرف الآخر وهما، فلم يجتمع الظن والشك في الزمان الواحد، كيف والشك في احد النقيضين يرفع ظن الآخر كما يرفع يقينه، كذا اورده بعض محققي المتأخرين عليه. واجيب بان المراد بالشك في هذا المقام ما قابل اليقين، كما تفهمه جملة الاستدراك في قوله في صحيحة زرارة المتقدمة: " ولكن ينقضه بيقين آخر " بل هذا المعنى هو الموافق لنص اهل اللغة، واما اطلاقه على تساوي الاعتقادين فهو اصطلاح بعض اهل المعقول وحينئذ فالشك بالمعنى المذكور - وهو مطلق التجويز لكل من طرفي النسبة - لا انقلاب فيه عند ملاحظة ذلك الاستصحاب ولا رفع يقينه، ألا ترى انه قال: " فيؤول إلى اجتماع الظن والشك " اي إلى اجتماع ظن طرفي النسبة وتجويز مخالفه، ولم يعبر بلفظ الانقلاب المؤدي إلى الانقلاب كما وقع في كلام المعترض. وهو جيد متين الا ان فيه مناقشة من جهة اخرى سيأتي بيانها ان شاء الله تعالى. واجاب السيد السند في المدارك بحمل الحدث هنا على ما تترتب عليه الطارة اعني نفس السبب لا الاثر الحاصل من ذلك، قال: " وتيقن حصوله بهذا المعنى لا ينافي الشك في وقوع الطهارة بعده وان اتحد وقتهما " انتهى. وانت خبير بان مجرد الحمل على نفس السبب لا يحسم مادة الاشكال ما لم يعتبر تعدد زماني الشك واليقين أو تعدد زمان متعلقيهما.

[ 399 ]

والاظهر في وجه الجواب ان يقال بجواز التزام اجتماع الشك واليقين في زمان واحد مع تعدد زمان متعلقيهما، كأن يتيقن الآن حصول الحدث في زمان ماض اعم من ان يراد بالحدث نفس السبب أو الاثر المترتب عليه ثم يشك ايضا في ذلك الآن في وقوع طهارة سابقة متأخرة عن ذلك الحدث، سواء اريد بالطهارة نفس الوضوء أو اثره المترتب عليه، ولا شك ان اجتماع اليقين والشك هنا في زمن واحد مما لا شك فيه ولا خلل يعتريه، لعدم تناقض متعلقيهما لاختلاف زمانيهما كمن تيقن عند الظهر وقوع التطهر صبحا وهو شاك في انقطاعه، وحينئذ لا يحتاج إلى تكلف التخصيص بالسبب مما عرفت فيه، ولا حمل اليقين على الظن. (الثالثة) - هل الظن المقابل لليقين حكمه حكم الشك في وجوب اطراحه بمعارضة اليقين ام لا ؟ المشهور ذلك، وظاهر شييخنا البهائي في كتاب الحبل المتين المخالفة في ذلك، حيث قال بعد ان صرح اولا بان ما ذكروه من ان اليقين لا يرتفع بالشك يرجع إلى استصحاب الحال إلى ان يعلم الزوال، فان العاقل إذا التفت إلى ما حصل بيقين ولم يعلم ولم يظن طرو ما يزيله حصل له الظن ببقائه - ما صورته: " ثم لا يخفى ان الظن الحاصل بالاستصحاب في من تيقن الطهارة وشك في الحدث لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا بل قد يزول الرجحان ويتساوى الطرفان بل ربما يصير الطرف الراجح مرجوحا، كما إذا توضأ عند الصبح - مثلا - وذهل عن التحفظ ثم شك عند الغروب في صدور الحدث منه ولم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت، والحاصل ان المدار على الظن، فما دام باقيا فالعمل عليه وان ضعف " ثم نقل عن العلامة في المنتهى ان من ظن الحدث وتيقن الطهارة لا يلتفت، لان الظن انما يعتبر مع اعتبار الشارع له، ولان في ذلك رجوعا عن المتيقن إلى المظنون، وقال بعده: " انتهى وفيه نظر لا يخفى على المتأمل فيما تلوناه " هذا كلامه (قدس سره). وبعض محققي متأخرى المتأخرين بعد ان جزم بموافقة المشهور في صورة الشك

[ 400 ]

في الحدث مع يقين الطهارة لدلالة ما قدمنا من الاخبار على ذلك استشكل في صورة العكس لعدم الدليل، قائلا في توجيه الاشكال: " لان صحيحة زرارة المتقدمة كما يمكن ان يستدل بها على عدم اعتبار الظن نظرا إلى مفهوم " ولكن ينقضه بيقين آخر " كذلك يمكن ان يستدل بها على اعتباره بمفهوم " لا ينقض اليقين بالشك " مع ان الاصل براءة الذمة " انتهى. اقول: وفيه ان ظاهر قضية الاستدارك يوجب عدم اعتبار الظن بل مساوقته للشك ثم، وهو المفهوم من جملة الاخبار الواردة في عدم معارضة الشك باليقين ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره إلى قوله: فان ظننت انه اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فيه فرأيت ؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة. قلت ولم ذلك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا " ومن المعلوم ان المراد بالشك هنا ما يشمل الظن، ومثله في الاخبار غير عزيز يقف عليه المتتبع. ثم اقول: انت خبير بان الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) لما بنوا الاحكام الشرعية على ما في الواقع ونفس الامر وحملوا العلم واليقين في الاخبار المتعلقة بتلك الاحكام على ما هو المطابق للواقع، اشكل عليهم المخرج في موارد كثيرة تقف عليها في اثناء مباحث هذا الكتاب ان شاء الله تعالى، وانت إذا تأملت بعين التحقيق والانصاف علمت ان الله سبحانه لم يجعل شيئا من الاحكام الشرعية منوطا بالواقع ونفس الامر دفعا للحرج ولزوم تكليف ما لا يطاق، فان يقين الطهارة من النجاسة الذي اوجب الشارع البناء عليه ودفع الشك في لباس المصلي وبدنه وماء طهارته ونحوها


(1) المروية في الوسائل في الباب - 7 و 37 و 41 و 42 و 44 - من ابواب النجاسات بنحو التقطيع.

[ 401 ]

ليس الا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة لا العلم بالعدم، فكذلك ايضا يقين الطهارة للصلاة من وضوء وغسل وتيمم ليس الا عبارة عن فعلها مع عدم العلم بناقض لها لا مع العلم بالعدم، وحينئذ فالمراد بهذا اليقين المذكور في الاخبار ما هو اعم من اليقين الواقعي اعني العلم بالعدم والظن باصطلاحهم، وليس له فرد يقابله الا الشك خاصة الذي هو عبارة عن تجويز المخالفة واحتمالها، والحمل على الشك الذي هو عبارة عن المعنى المشهور بينهم اصطلاح متأخر مخالف لكلام اهل اللغة، حيث نص في القاموس والصحاح على ان الشك خلاف اليقين، مع انهم قد قرروا في غير موضع وجوب حمل الالفاظ الواردة في كلام حافظ الشريعة مع عدم الحقيقة الشرعية أو العرفية الخاصة على المعنى اللغوي، وحينئذ فالشك في الحدث مع تيقن الطهارة - مثلا - ليس الا عبارة عن تيقن فعل الطهارة مع عدم العلم بالناقض لها ثم يحصل له بسبب عروض بعض الاشياء شك في انتقاض طهارته يعني احتمال وتجويز انتقاضها، اعم من ان يكون ذلك الاحتمال والتجويز قويا كما ربما عبر عنه في الاخبار بالظن أو ضعيفا يعبر عنه بالوهم أو الشك، واما لو توضأ صبحا ثم انه شك في آخر النهار بسبب طول المدة في انه هل احدث ام لا وان كان من عادته في سائر الايام الحدث في اثناء النهار وعدم الوضوء فهذا لا يخرج عما ذكرنا ايضا، فالعمل على هذا الشك خيال نفساني بل وسواس شيطاني وان قوى حتى يبلغ مرتبة الظن، بل هذا مقتضى ما ذكرنا من الاخبار متطهر يقينا يعمل على يقين طهارته وبذلك يظهر لك ما في كلام هؤلاء الفضلاء (نور الله تعالى تربتهم واعلى رتبتهم) ولا سيما كلام شيخنا البهائي، هذا هو التحقيق في المقام والله سبحانه الهادي إلى سواء الطريق في جملة الاحكام. (المسألة الخامسة عشرة) - لو تيقن الطهارة والحدث معا وشك في المتأخر فقد اطلق الاكثر سيما المتقدمين وجوب الوضوء، لعموم الاوامر الدالة على وجوب الوضوء عند ارادة الصلاة من الكتاب والسنة، خرج منه متيقن الطهارة، ويدل عليه

[ 402 ]

خصوص ما ذكره في كتاب فقه الرضا (1) قال (عليه السلام): " وان كنت على يقين من الوضوء والحدث ولا تدري ايهما سبق فتوضأ " وبهذه العبارة صبح في الفقيه من غير اسناد إلى امام كما هي عادته غالبا من كون ما ينقله فيه عاريا عن النسبة مأخوذا من هذا الكتاب كما اشرنا إليه آنفا، ولانه من المعلوم المقطوع ايجاب الشارع لدخول في الصلاة بطهارة يقينية والمنع من الدخول بالحدث، وهذان اليقينان هنا قد تصادما، ولم يعلم من الشارع ترجيح لاحدهما، فالعمل على احدهما ترجيح من غير مرجح، فيجب الغاؤهما معا والرجوع إلى حكم الاصل من البقاء على الحدث الذي لا ينفك الانسان عنه في سائر احواله، ومع المناقشة فيما ذكرنا لا اقل ان يكون ذلك من قبيل الشبهات المأمور فيها بالاحتياط كما استفاض عن اهل العصمة (سلام الله عليهم) ولا ريب ان الاحتياط في الطهارة (لا يقال): ان الاحتياط ليس بدليل شرعي كما يتداوله جملة من المتأخرين ومتأخريهم (لانا نقول): قد قدمنا لك في المقدمة الرابعة ما يدل على كونه في مثل هذا المقام دليلا شرعيا. وفي المسألة قولان آخران: (احدهما) - لثاني المحققين صريحا واولهما ظاهرا، وهو انه ينظر إلى حاله قبل الطهارة والحدث المفروضين فان جهلها تطهر وان علمها اخذ بضد ما علمه، واحتج عليه في المعتبر بانه ان كان سابقا محدثا فقد تيقن رفع ذلك الحدث بالطهارة المتيقنة مع الحدث الآخر، لانها ان كانت بعد الحدثين أو بينهما فقد ارتفعت الاحداث السابقة بها، وانتقاضها بالحدث الآخر غير معلوم للشك في تأخره، فيكون متيقنا للطهارة شاكا في الحدث، وان كان متطهرا فقد تيقن انه نقض تلك الطهارة بالحدث المتيقن مع الطهارة، ورفعه بالطهارة الاخرى غير معلوم لجواز تقدمها عليه تجديدا للطهارة السابقة أو مع الذهول عنها، فيكون متيقنا للحدث شاكا في الطهارة، وضعفه ظاهر، لان الاحداث السابقة في الصورة الاولى وان ارتفعت بالطهارة المجامعة


(1) في الصحيفة 2

[ 403 ]

للحدث الاخير، وكذلك الطهارة السابقة في الصورة الثانية وان ارتفعت بالحدث المجامع لتلك الطهارة الاخيرة، لكن يبقى الشك في رفع ذلك الحدث الاخير بالطهارة المجامعة له ونقضها له من حيث الشك في تقدم ايهما على الاخر، وغاية ما يفيده كلامه رفع الحالة السابقة من طهارة أو حدث واما محل الاشكال فهو باق على الاشتباه والاحتمال. و (ثانيهما) - ما نقل عن المختلف، حيث قال - بعد ان نقل عن الاصحاب اطلاق القول باعادة الطهارة في المسألة - ما صورته: " ونحن فصلنا ذلك في اكثر كتبنا وقلنا ان كان في الزمن السابق على زمان تصادم الاحتمالين محدثا وجب عليه الطهارة، وان كان متطهرا لم يجب، ومثاله انه إذا تيقن عند الزوال انه نقض طهارة وتوضأ عن حدث وشك في السابق فانه يستصحب الحال السابق على الزوال، فان كان في تلك الحال متطهرا فهو على طهارته، لانه تيقن انه نقض تلك الطهارة وتوضأ ولا يمكن ان يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة، ونقض الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك، وان كان قبل الزوال محدثا فهو الآن محدث، لانه تيقن انه انتقل عنه إلى طهارة ثم نقضها والطهارة بعد نقضها مشكوك فيها " انتهى. وفيه ان ما ذكره يشعر بان طهارته لا تقع الا رافعة وحدثه لا يكون الا ناقضا، والظاهر ان هذا بعينه ما ذكره في القواعد من قوله: " ولو تيقنهما متحدين متعاقبين وشك في المتأخر فان لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر والا استصحب " ومراده بالاتحاد تساوي اعداد الطهارات والاحداث وبالتعاقب وقوع الطهارة بعد الحدث وبالعكس، ومثله في التذكرة أيضا، وبذلك تخرج المسألة عن باب الشك الا ان يحمل على انه باعتبار اول الامر، وفي عبارته في المختلف مناقشات رأينا الاغماض عن التطويل بالتعرض لها اولى. (المسألة السادسة عشرة) - من تيقن بعد الصلاة بطهارتين ترك عضو من احداهما أو وقوع حدث بعد احداهما ففيه صور: (الاولى) - من توضأ ثم احدث وضوء آخر ثم صلى ثم ذكر الاخلال بعضو

[ 404 ]

من احدى الطهارتين، فهذان الوضوءان اما ان يكونا معا واجبين أو مندوبين أو الاول واجبا والثاني مندوبا أو بالعكس، وعلى التقادير الاربعة اما ان تعتبر القربة خاصة أو يضم إليها الوجه فقط أو يضم إلى ذلك احد الامرين من الرفع والاستباحة، وحيث انه لا دليل عندنا على زيادة شئ وراء القربة فالصلاة المذكورة صحيحة، لان الاخلال ان كان من الاولى فالثانية صحيحة عندنا، وان كان من الثانية فالاولى صحيحة اتفاقا، فلا حاجة إلى اعادتها ولا اعادة الطهارة، واما على تقدير ضم شئ آخر إلى القربة ففيه تفاصيل يلزم في بعضها اعادة كل من الوضوء والصلاة، ولا ثمرة مهمة عندنا في تطويل الكلام بالبحث عن تلك الشقوق، مع ضرورة صرف الوقت فيما هو اهم من ذلك، ومن احب الوقوف عليها فليرجع إلى مطولات اصحابنا (شكر الله تعالى سعيهم) وايضا فانا قررنا في هذا الكتاب ان لا نطول البحث الا في موضع اغفلوا تحقيقه، الا ان الشهيد في البيان نقل عن السيد جمال الدين ابن طاوس (قدس سره) عدم الالتفات إلى هذا الشك مطلقا لاندراجه تحت الشك في الوضوء بعد الفراغ، واستوجهه ايضا، وقواه العلامة في المنتهى، قال في المدارك بعد نقل ذلك تبعا لما لخصه في الذكرى: " ويمكن الفرق بين الصورتين بان اليقين هنا حاصل بالترك وانما حصل الشك في موضعه بخلاف الشك بعد الفراغ، فانه لا يقين فيه بوجه، والمتبادر من الاخبار المتضمنة لعدم الالتفات إلى الشك في الوضوء بعد الفراغ من الوضوء المتحد الذي حصل الشك فيه بعد الفراغ منه " انتهى. وفيه ان يقين حصول الترك انما حصل بالنظر إلى الوضوءين معا اما بالنظر إلى كل واحد على حدة فانه غير متيقن الترك بل مشكوكه، لاصالة الصحة واحتمال كون الترك من الآخر، نظير ما قرره (قدس سره) في مسألة الاناءين المتيقن وقوع النجاسة في احدهما من ان كل واحد متيقن الطهارة مشكوك النجاسة، (الصورة الثانية) - وهي الاولى بعينها ولكنه صلى بالوضوء الاول فرضا وبالثاني فرضا آخر من غير تخلل حدث، وقد صرح الشيخ في المبسوط بوجوب اعادة

[ 405 ]

الصلاة المتوسطة بين الطهارتين لاحتمال ان يكون الخلل واقعا من الطهارة الاولى، واما الفريضة الاخيرة فصحيحة، وهذا واضح مع الحكم بصحة الوضوء الثاني كما اخترناه، فان الاخيرة حينئذ واقعة بوضوء صحيح اما الاول أو الثاني، واما على تقدير العدم فيعيدهما معا، وبه صرح ابن ادريس بناء على ان الوضوء الثاني عندهم لم يحصل به رفع ولا استباحة، واختاره في المختلف لاشتراطه ذلك في النية ايضا. ويأتي على ما ذهب إليه جمال الدين والعلامة في المنتهى واختاره بعض محققي متأخري المتأخرين ايضا عدم اعادة شئ من الصلاتين، ثم انه يأتي على القول الاول والثالث عدم اعادة الوضوء لحصول طهارة صحيحة عنده على الاول وصحتهما لعدم تأثير الشك في شئ منهما على الثالث، وعلى الثاني تجب الاعادة لعدم صحة شئ منهما، اما الاولى باعتبار احتمال ترك العضو منها، والثانية غير رافعة ولا مبيحة. واستشكل بعض مشايخنا المحققين في وجوب اعادة الصلاة المتخللة كما هو قول المبسوط أو كلتا الصلاتين كما هو القول الآخر، قائلا بانه انما تجب اعادة الصلاة بعد الفراغ منها على تقدير تعين فسادها، وهو انما يحصل على تقدير حصول كل احتمال ممكن الوقوع، وما نحن فيه ليس كذلك، فان احد الاحتمالين الممكنين هنا كون الاخلال من الثانية فتصح الصلاتان على القولين، فوجوب اعادتهما يسلتزم نقض اليقين بالشك المنهي عنه عموما، والخروج عن القاعدة المجمع عليها المندرج ما نحن فيه تحتها عموما من ان الشك بعد الفراغ لا يلتفت إليه، وليس عدم تعين الصحة كافيا في الوجوب، وادعاء ان الشك في الصحة كالشك في اصل الايقاع - والاصل بقاء شغل الذمة بها حتى يعلم المزيل - دعوى عارية عن الدليل، وان تمت فانما تتم مع بقاء الوقت، لان الشك في الايقاع بعد الفوت لا يوجب القضاء، لعدم كون وجوب الاداء كافيا في سببية وجوبه إذ هو بامر جديد، والامر الجديد ب‍ " من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته " (1)


(1) هذا المضمون مستفاد من الاخبار الدالة على وجوب قضاء الصلوات الفائتة =

[ 406 ]

لا يتناوله، لعدم حصول ما علق عليه، ولقول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة والفضيل (1): " ومتى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها أو في وقت فوتها انك لم تصلها صليتها، وان شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن... " وليس فساد احدى الطهارتين بمقتض ليقين فساد احدى الصلاتين، لجواز كون الفاسدة واقعا هي الثانية وفسادها لا يقتضي فساد احداهما بل يقتضي صحتهما، فظهر ان وجوب اعادة الطهارة - لما يستقبل من الصلاة على تقدير القول به كما هو مقتضى كلام الفاضلين - لا يقتضي وجوب اعادة شئ من الصلاتين، لان وجه وجوب اعادتهما عند يقين حدث سابق على الطهارتين الاندراج في حكم الشك في الطهارتين مع يقين الحدث، باعتبار ان الشك في حصول الطهارة المبيحة أو الرافعة شك في اصلها مع يقين الحدث، وذلك لا يوجب اعادة الصلاة، لان الشك في الطهارة مع يقين الحدث انما يبطل من الصلوات ما وقع بعده بلا طهارة لا ما سبقه لمضيه على الصحة. ولم اقف لاحد من اصحابنا في هذا المقام على ايماء لما اشرنا إليه الا ان الادلة تدل عليه، انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه. وتقد تلخص مما ذكرنا في هذه الصورة اقوال اربعة: (احدها) - وجوب اعادة الصلاة المتوسطة وعدم اعادة الوضوء كما هو مقتضى كلام المبسوط، (وثانيها) - وجوب اعادة الوضوء والصلاتين معا كما هو قول ابن ادريس والمختلف. و (ثالثها) - عدم اعادة بشئ من الوضوء والصلاة كما هو مقتضى كلام السيد جمال الدين (قدس سره) و (رابعها) - صحة الصلاتين واعادة الوضوء كما يشعر به آخر هذا الكلام الاخير، الا ان يحمل آخر كلامه على التنزل والمجاراة دون الاختيار لذلك، والا فيرد عليه ان


= المروية في الوسائل في الباب - 1 - من قضاء الصلوات، ومنها صحيحة زرارة المروية في الباب - 6 - منه. (1) المروية في الوسائل في الباب - 60 - من مواقيت الصلاة

[ 407 ]

جل ما ذكره من التعليلات في عدم اعادة الصلاة يجري في الوضوء ايضا كما لا يخفى. (الصورة الثالثة) - هي الثانية بعينها ولكن مع تخلل الحدث بعد الصلاة المتوسطة، والظاهر انه لا ريب في اعادة الوضوء حينئذ، لانه - بالحدث السابق على الطهارة الاولى والحدث المتوسط مع احتمال كون العضو المتروك من كل من الطهارتين - يكون متيقنا للحدث شاكا في الطهارة، ولا ريب ايضا في بطلان احدى الصلاتين لبطلان احدى الطهارتين، لكن هل يجب حينئذ اعادة الفرضين معا لتوقف الخروج عن العهدة يقينا عليه، أم يخص ذلك بما إذا اختلفا عددا وإلا فيكفي الاتيان بفريضة واحدة مرددة في نيتها ؟ الاكثر على الثاني، والى الاول ذهب الشيخ في المبسوط بل اوجب ايضا بناء على ذلك قضاء الخمس لو صلاها بخمس طهارات ثم ذكر الاخلال المذكور في احدى الطهارات مع تخلل الحدث بين كل طهارة وصلاة منها، وتبعه أبو الصلاح وابن زهرة، وربما لزم على تقدير ما ذهب إليه السيد جمال الدين عدم وجوب اعادة شئ من الوضوء والصلاتين، لصدق انه شك بعد الفراغ، والظاهر انه لا يلتزمه. ويدل على قول الاكثر ورود النص في من فاتته صلاة من الخمس مشتبهة انه يكتفي باثنتين وثلاث واربع مرددة (1) اما لكون العلة في الجميع واحدة، أو لكون المتنازع فيه داخلا في موضوع الخبر، بان يقال ان بطلان الصلاة ببطلان شرطها المتوقف صحتها عليه فوت يدخل في عموم " من فاتته... الخبر " ويؤيد ذلك ايضا قول ابي جعفر (عليه السلام) في حسنة زرارة (2): "... وان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر، فانما هي اربع مكان اربع... " لكن يشكل من حيث اختلاف هيئتي الجهرية والاخفاتية جهرا واخفاتا


(1) وهو مرسل على بن اسباط ومرفوع الحسين بن سعيد المرويان في الوسائل في الباب - 11 - من قضاء الصلوات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 63 - من مواقيت الصلاة.

[ 408 ]

وان ذكروا انه مخير بين الجهر والاخفات في صورة اجتماعهما في الفرض المردد واورد عليه أيضا وجوب الجزم في النية مع الامكان فلا تجزئ النية المرددة، وهذا لازم على المورد في صورة مورد الخبر المتقدم. (الصورة الرابعة) - ان يتوضأ وضوءين ويصلي بكل منهما فرضا ثم يذكر الحدث عقيب واحد منهما غير معين، فان قلنا بالاكتفاء بالقربة فالطهارتان صحيحتان وانما يقع الشك في فريضة واحدة باعتبار احتمال كون الحدث عقيب الطهارة الاولى فتبطل الصلاة الاولى خاصة واحتمال كونه عقيب الثانية فتبطل الصلاة الثانية خاصة، فيرجع الكلام حينئذ إلى ما تقدم من وجوب اعادتهما معا ان اختلفتا عددا تحصيلا ليقين البراءة، والا فذلك العدد مرددا في النية، ومقتضى ما نقل عن الشيخ آنفا اعادة الجميع مطلقا، لكن لم ار من تصدى لنقل مذهبه هنا، وان لم نقل بالاكتفاء بالقربة - حسبما تقدم في الصورة الاولى من التفصيل - وجب اعادة الجميع، لاحتمال كون الحدث عقيب الاولى فتبطل الصلاة الواقعة بعدها، والوضوء الثاني انما وقع بنية التجديد، وهو غير مبيح ولا رافع فتبطل الصلاة الواقعة بعده، وعلى كل تقدير فيجب اعادة الطهارة هنا لاحتمال وقوع الحدث بعد الطهارة الثانية فيلزم بطلانها مع سابقتها بخلاف صورة الاخلال فانه انما تبطل الطهارة التي وقع فيها خاصة فتسلم له الاخرى. (المسألة السابعة عشرة) - يكره الوضوء بجملة من المياه: منها - الماء المشمس في الانية على المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل نقل الشيخ في الخلاف الاجماع عليه لكنه اشترط في الحكم القصد إلى ذلك، وصرح في المبسوط بالتعميم واطلق في النهاية، وهو الذي عليه جمهور الاصحاب. والاصل في هذه المسألة رواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضأوا به


(1) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المضاف

[ 409 ]

ولا تغتسلوا به ولا تعجنوا به، فانه يورث البرص ". وما رواه الصدوق (رضي الله عنه) في كتاب العلل (1) بسنده إلى ابن عباس قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خمس تورث البرص، وعد منها التوضؤ والاغتسال بالماء الذي تسخنه الشمس ". وموثقة ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عائشة وقد وضعت قمقمتها في الشمس، فقال يا حميراء ما هذا ؟ قالت: اغسل رأسي وجسدي. قال: لا تعودي فانه يورث البرص ". وحمل النهي على الكراهة لمرسلة محمد بن سنان عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا باس ان يتوضأ بالماء الذي يوضع في الشمس ". وربما علل الحمل على الكراهة بضعف سند الروايات المذكورة كما هو طريقة جملة من المتأخرين ومتأخيرهم. وفيه ما تقدم في مقدمات الكتاب من ان ضعف السند ليس من جملة قرائن المجاز الصارفة عن الحمل على الحقيقة، ولو علل بذكر وجه الحكمة في الخبر لكان أقرب. تنبيهات: (الاول) - ظاهر الخبر الاول والثاني ثبوت الكراهة، سواء كان في آنية أو غيرها من حوض وساقية، وسواء كانت الآنية منطبعة ام لا، وسواء قصد إلى تسخينه أو تسخن من قبل نفسه، وسواء كانت البلاد حارة أو معتدلة، وبهذا الاطلاق حكم جملة من الاصحاب، الا ان ظاهرهم نفي الكراهة في غير الآنية، بل نقل عن العلامة في النهاية والتذكرة الاجماع عليه، وظاهر العلامة في النهاية اشتراط كونه في الاواني المنطبعة غير الذهب والفضة، قال: " لان الشمس إذا اثرت فيها استخرجت


(1) رواه في الخصال ج 1 ص 128 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المضاف

[ 410 ]

منها زهومة تعلو الماء ومنها يتولد المحذور " وفيه ان العلة المذكورة لبيان وجه الحكمة فلا يجب اطرادها، وعلل الشرع - كما صرحوا به - معرفات لا علل حقيقية يدور المعلول مدارها وجودا وعدما. (الثاني) - الحق جماعة من الاصحاب بالطهارة سائر وجوه الاستعمالات، واقتصر جماعة: منهم الشهيد في الذكرى على العجين وفاقا للصدوق ووقوفا على ظاهر النص (الثالث) - هل يشترط القلة في الماء ؟ قولان. (الرابع) - الظاهر ترتب الاثر المذكور على المداومة دون مجرد المرة أو المرتين ولعل في قوله (صلى الله عليه وآله) في موثقة ابراهيم بن عبد الحميد -: " لا تعودي " من الاعتياد أو تعودي من العود - ايماء إلى ذلك. (الخامس) - هل تبقى الكراهة وان زال التشميس ام لا ؟ قولان، قطع باولهما الشهيد في الذكرى وتبعه جمع من المتأخرين، تمسكا بالاستصحاب، وبقاء التعليل وصدق الاسم بناء على ان المشتق لا يشترط في صدقه بقاء مأخذ الاشتقاق، ويرد على الاول عدم ثبوت حجية الاستصحاب في مثل هذا المقام، إذ الاستصحاب الذي يستفاد من الاخبار جواز الاعتماد عليه هو ما إذا دل على حكم من غير تقييد بزمان ولا كيفية ولا حالة مخصوصة، فانه يستصحب الحكم المذكور في جميع الازمان والحالات عملا بعموم الدليل كما تقدم تحقيقه في المقدمة الثالثة (1) الا انه ربما يقال هنا ان مقتضى الدليل الدال على كراهة الوضوء بالمتسخن بالشمس عموم ذلك لما بعد زوال السخونة، وقد مر نظيره في المسألة الرابعة من الفصل الثاني من الباب الاول (2) وتكملنا في ذلك بما اقتضاه المقام. وعلى الثاني ما تقدم هنا. وعلى الثالث (اولا) عدم الدليل على صحة الاعتماد على هذه القاعدة كما تقدم تحقيقه في المقدمة التاسعة. و (ثانيا) - منع صدق الاسم، فان صدق المشتق مع عدم بقاء مأخذ الاشتقاق لو سلم فهو مخصوص بما إذا لم يطرأ على المحل


(1) في الصحيفة 51 (2) ج 1 ص 246

[ 411 ]

وصف وجودي يضاده، وهنا ليس كذلك لطرو وصف البرودة المضاد لوصف السخونة وما اجاب به في المعالم وتبعه بعض افاضل متأخري المتأخرين - من ان الاشتقاق هنا من التسخين لا من السخونة، وحينئذ ولو طرأ الوصف الوجودي لكنه لا يضاد الاول لاشتراط وحدة الفاعل في التضاد - ففيه ان الحكم منوط بالتسخن كما هو المشهور لا بالتسخين وان ذهب إليه الشيخ كما تقدم ذكره، وحينئذ فالتضاد حاصل كما حققنا ذلك في كتاب الدرر النجفية. (السادس) - صرح جملة من الاصحاب بان الحكم بالكراهة مخصوص بما إذا وجد ماء غيره للطهارة، إذ مع عدم وجدان غيره يتعين استعماله عينا وهو مناف لتعلق النهي به، واعترض عليه بانه لا منافاة بين الوجوب عينا والكراهة في الصلاة ونحوها على بعض وجوه، واللازم من ذلك عدم الكراهة بفقد غيره، لبقاء العلة وعدم منافاة وجوب الاستعمال لها. اقول: والتحقيق انه ان فسرت الكراهة بالمعنى المصطلح الاصولي وهو ما يترجح تركه على فعله فالمنافاة حاصلة سواء وجد ماء غيره أو لم يوجد، فانه كما لا ريب في منافاة تعلق الامر الايجابي العيني بشئ من النهي التنزيهي، كذلك يأتي مثله في الامر الايجابي التخييري مع النهي التنزيهي، إذ كما يكون الامر بالشئ امرا ايجابيا عينيا مانعا من تعلق النهي به المقتضي لمرجوحيته، كذلك الامر به امرا تخييريا المقتضى لرجحانه يمنع من تعلق النهي المقتضي لمرجوحيته، وسيأتي تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى. و (منها) - الماء الآجن، لحسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الماء الآجن ؟ يتوضأ منه الا ان يجد غيره فيتنزه عنه ". و (منها) - الماء الذي مات فيه عقرب، لموثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق.

[ 412 ]

السلام) (1) وفيها " وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من ماء غيره " ومثلها موثقة ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (2). و (منها) - سؤر الحائض، لموثقة الحسين (3) - والظاهر انه ابن ابي العلاء الخفاف - قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض يشرب من سؤرها قال: نعم، ولا يتوضأ منه " وقيدها جملة من المتأخرين بالمتهمة، ويدل على التقييد المذكور موثقة علي بن يقطين (4) وربما ظهر من التهذيب والاستبصار التحريم لظاهر النهي، وتحقيق المسألة قد تقدم في بحث الاسآر. (المسألة الثامنة عشرة) - قد صرح جملة من الاصحاب بكراهة الوضوء في المسجد من حدث البول والغائط، لصحيحة رفاعة (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء في المسجد فكرهه من البول والغائط " وقال الشيخ في النهاية وتبعه ابن ادريس: " لا يجوز التوضؤ من الغائط والبول في المساجد ولا باس بالوضوء فيها من غير ذلك " وسوى ابن ادريس بين المنع من الوضوء من الغائط والمنع من ازالة النجاسة فيها، وفي المبسوط " لا يجوز ازالة النجاسة من المساجد ولا الاستنجاء من البول والغائط فيها، وغسل الاعضاء في الوضوء ولا بأس به فيها " ويحتمل قريبا - بل لعله الاقرب - حمل كلام الشيخ في النهاية على الاستنجاء وحمل الرواية المتقدمة ايضا على ذلك، فان استعمال الوضوء بمعنى الاستنجاء - بل بمعنى مطلق الغسل، والكراهة بمعنى التحريم - شائع في الاخبار وكلام المتقدمين. وروى بكيير في الحسن عن احدهما (عليهما السلام) (6) قال: " إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس بالوضوء في المسجد " ولعل المراد بالحدث في المسجد مثل النوم


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاسآر (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الاسآر (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 57 - من ابواب الوضوء

[ 413 ]

والريح مثلا، ومفهوم الرواية على ما ذكرنا انه لو كان النوم في غير المسجد كره الوضوء له في المسجد، ولا ينافي ذلك مفهوم الوراية الاولى بناء على حمل الوضوء فيها على الرافع للحدث، لان ذلك مفهوم لقب. ثم انه لو اتفق حصول البول أو الغائط في المسجد اختيارا أو اضطرارا فهل يتصف الوضوء له في المسجد بالكراهة ام لا ؟ ظاهر الرواية الاولى - بناء على كون الوضوء فيها بمعنى الرافع - ذلك، ولكن ينافيه ظاهر الرواية الثانية، الا ان تخص بما ذكرنا أو تحمل على ان وقوع حدث البول والغائط في المسجد لما كان نادرا اطلق الحكم بعدم البأس في المسجد من الحدث الواقع فيه. ويحتمل عدم الكراهة عملا باطلاق الرواية الثانية وعمومها، وحمل الاولى على ان البول والغائط لما كان حدوثهما في المسجد نادرا فلذا اطلق عليهما كراهة الوضوء لهما في المسجد، ويعضده اصالة البراءة من الكراهة، والله العالم. (المسألة التاسعة عشرة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كراهة التمندل بعد الوضوء، وقيل بعدم الكراهة، ونقله في المدارك عن ظاهر المرتضى في شرح الرسالة وأحد قولي الشيخ. ويدل على الكراهة ما روي بعدة طرق في الكافي وثواب الاعمال والمحاسن (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: " ومن توضأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوؤه كتبت له ثلاثين حسنة ". ويدل على الجواز روايات كثيرة: منها - صحيحة محمد بن مسلم (2): " قال سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التمسح بالمنديل قبل ان يجف، قال لا بأس به ". ورواية الحضرمي عنه (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس بمسح الرجل وجهه بالثوب أو توضأ إذا كان الثوب نظيفا ". وموثقة اسماعيل بن الفضل (4) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) توضأ


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 45 - من ابواب الوضوء

[ 414 ]

للصلاة ثم مسح وجهه باسفل قميصه، ثم قال: يا اسماعيل افعل هكذا فاني هكذا افعل. وصحيحة منصور بن حازم (1) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) وقد توضأ وهو محرم ثم اخذ منديلا فمسح به وجهه ". وصحيحته المروية في المحاسن (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسح وجهه بالمنديل. قال: لا بأس به ". ومرسلة عبد الله بن سنان المروية فيه ايضا (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التمندل بعد الوضوء ؟ فقال " كان لعلي (عليه السلام) خرقة في المسجد ليس الا للوجه يتمندل بها " وروى مثله مسندا في الصحيح عن عبد الله بن سنان (4). وبذلك الاسناد ايضا (5) قال: " كانت لعلي (عليه السلام) خرقة يعلقها في مسجد بيته لوجهه إذا توضأ تمندل بها ". وروى فيه ايضا عن محمد بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " كانت لامير المؤمنين (عليه السلام) خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ للصلاة ثم يعلقها على وتد ولا يمسها غيره ". وانت خبير بانا لو خلينا وظاهر هذه الاخبار لكان المستفاد منها استحباب ذلك لظاهر حديث اسماعيل بن الفضل الدال بظاهره على مداومته (عليه السلام) على ذلك وكذلك اخبار المحاسن عن علي (عليه السلام) كما لا يخفى على المتأمل فيها، فانها ظاهرة في مداومته (عليه السلام) على ذلك، ومن البعيد مداومته على ذلك الامر المكروه، والحديث الاول يضعف عن معارضتها لوحدته وتعددها، والجمع بين الاخبار بما ذكره المحدث الكاشاني في الوافي - بحمل الخبر الاول على الافضل والاولى حمل خبر الحضرمي وصحيحة محمد بن مسلم على الرخصة والجواز وحمل خبر اسماعيل بن الفضل على الضرورة من برد وخوف شين وشقاق - وان احتمل بالنسبة إلى الاخبار التي ذكرها الا ان اخبار فعل علي (عليه السلام) الدالة بظاهرها على المداومة على ذلك لا تقبل الحمل على


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 45 - من ابواب الوضوء

[ 415 ]

الضرورة ولا على مجرد الجواز كما لا يخفى ولعل الاقرب الحمل على التقية (1) الا ان


(1) اختلف فقهاء المذاهب في التمندل بعد الوضوء، ففى المدونة لمالك ج 1 ص 17 " لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء، وتبعه الزرقاني في شرح مختصر ابى الضياء ج 1 ص 47 قال: " لا يندب ترك مسح الاعضاء بخرقة بل يجوز " وفى المغنى لابن قدامة الحنبلى ج 1 ص 141 " لا بأس بتنشيف اعضائه بالمنديل من بلل الوضوء والغسل " قال: " وممن روى عنه اخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن على وانس وكثير من اهل العلم، ونهى عنه جابر بن عبد الله، وكرهه عبد الرحمان بن مهدي وجماعة من اهل العلم " وفى المنهاج للنووي الشافعي ص 4 " من سنن الوضوء ترك التنشيف في الاصح " وفي الوجيز للغزالي " لا ينشف الاعضاء فهى سنة على اظهر الوجهين " وفى شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 101 " ان النووي في شرح مسلم اختار اباحة التنشيف مطلقا " وفى شرح الدار المختار للحصكفى الحنفي ج 1 ص 25 " من آداب الوضوء التمسح بمنديل ". ولا يفوت القارئ الكريم الوقوف على شئ طالما طعن اهل السنة به على الشيعة الامامية وهو العمل بالتقية التى جوزها الكتاب المجيد حيث يقول في آل عمران 28: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة " ويقول في النحل 106: " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " ولم يتباعد عن العمل بالتقية علماء اهل السنة، ففى تفسير الالوسى ج 3 ص 121 في الآية الاولى " ان فيها دلالة على مشروعية التقية، وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الاعداء سواء كان العداء لاجل اختلاف الدين أو للاغراض الدنيوية " ثم قال: " وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار والظلمة والفسقة بالتبسم في وجوههم والانبساط معهم " وقال ابن العربي في (احكام القرآن) ج 2 ص 223 في الحجرات 2 " ولا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ": جوز الشافعي ونظراؤه الائتمام في الجماعة خلف الفاسق ومن لا يؤتمن على حبة من مال، واصله ان الولاة الذين يصلون بالناس جماعة لما فسدت اديانهم ولم يمكن ترك الصلاة معهم ولا يستطاع ازالتهم صلى معهم وراءهم، ومن الناس من إذا صلى معهم تقية اعادها ومنهم من يكتفى بها، وانا اقول بوجوب اعادتها سرا ولكن لا ينبغى ترك الصلاة معهم " وقال الالوسى المفسر في رسالته (الاجوبة العراقية) ص 225: والمسألة 22 - كنت اصلى الظهر في البيت بعد صلاة الجمعة وانكر في قلبى على من يصليها =

[ 416 ]

فيه ايضا ما لا يخفى، قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار بعد نقل جمله من هذه الاخبار: " والذى يظهر لي انه لما اشتهر بين بعض العامه كابي حنيفة وجماعة منهم نجاسة غسالة الوضوء وكانوا يعدون لذلك منديلا يجففون به اعضاء الوضوء ويغسلون المنديل، فلذا نهوا عن ذلك وكانوا يتمسحون باثوابهم ردا عليهم، كما روى عن مروان بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: توضأ... ثم نقل حديث اسماعيل بن الفضل إلى ان قال: فيمكن حمل تلك الاخبار على التقية أو انه لم يكن بقصد الاجتناب عن الغسالة أو انه كان لبيان الجواز " انتهى. ولا يخفى ما فيه. والحكم لا يخلو من شوب الاشكال. ثم انه هل يختص الحكم بالمسح بالمنديل فلا يلحق به غيره، أو يشمل الذيل


= في الجامع جماعة وانه ليضيق صدري ولا ينطلق لساني " وفى الفروع لابن مفلح الحنبلي ج 1 ص 482 " لا تصح امامة الفاسق مطلقا وإذا لم تصح صلى معه دفعا للاذى ويعيد، وقرأ المروزى على احمد بن حنبل ان انس بن مالك كان يصلى المكتوبة في منزله ويصلى الجمعة خلف الحجاج فلم ينكر ذلك احمد " وفى مناقب ابى حنيفة للخوارزمي ج 1 ص 171 حيدر اباد " ان ابا حنيفة كان يقول امام ابن هبيرة: " عمر افضل من على تقية " وفيه ص 171 وفى مناقبه للبزار في ذيل مناقبه للخوارزمي ص 172 " كان المشايخ في زمان بنى امية لا يذكرون عليا (ع) باسمه خوفا منهم والعلامة بينهم إذا رووا عن على ان يقولوا قال الشيخ كذا، وكان الحسن البصري يتقى في الرواية عن على بن ابى طالب فيقول روى (أبو زينب) كناية عنه خوفا من بنى مروان " وروى ابن قدامة في المغنى ج 2 ص 186 عن ابى الحارث " انه لا يصلى خلف مرجئ ولا رافضي ولا فاسق الا ان يخافهم فيصلى ويعيد " ولم يتعقب هذه الرواية. وفى تاريخ بغداد للخطيب ج 13 ص 380 " كان أبو حنيفة يعمل بالتقية خوفا " وفى تفسير المنار ج 3 ص 281 و (اقتضاء الصراط المستقيم) لابن تيمية ص 176 و (التبصير في الدين الاسلامي) للاسفرائيني ص 164 و (الروض الباسم) للوزير اليماني ج 2 ص 41 والنجوم الزاهرة لابن تغربردى الحنفي ج 2 ص 219 ما يؤيد ذلك.

[ 417 ]

والكم ونحوهما، أو المنديل والذيل خاصة، أو يلحق به التجفيف بالنار والشمس ايضا ؟ اقوال، ولعل الاظهر منها الاقتصار على المنديل وقوفا فيما خالف الاصل على موضع الوفاق، ولاشتمال اكثر الاخبار المتقدمة عليه خاصة. فائدة لا يخفى ان المكروه في اصطلاح الاصوليين والفقهاء عبارة عما يكون عدمه راجحا على وجوده، وهذا المعنى لما لم يتم اجراؤه في العبادات في المواضع التي ورد النهي عنها لرحجان الاتيان بها على عدمه، فسروا الكراهة فيها بمعنى آخر وهو باعتبار اقلية الثواب فيها بالنسبة إلى عبادة اخرى. واورد عليه ان ذلك منتقض بكثير من المستحبات والواجبات التي بعض افرادها اقل ثوابا من الآخر مع ان الاقل ثوابا منها بالنسبة إلى الاكثر لا يطلق عليه الكراهة. وربما اجيب بان المراد اقل ثوابا من مثله اي فرد اخر من نوعه. وفيه ايضا ما تقدم، فان الصلاة في احد المساجد اقل ثوابا بالنسبة إلى الصلاة في المسجد الحرام بل بعض المساجد بالنسبة إلى آخر مع انه لا يوسم الاقل منها بالنسبة إلى الاكثر بالكراهة، وايضا فان صوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء ليس اقل ثوابا من صوم آخر مع انه مكروه. قيل: " والحق ان يقال المراد ان ضده افضل منه، مثلا - الدعاء يوم عرفة افضل من الصوم المضعف عنه فمكروه العبادة انما يكون في صورة تكون فيها عبادتان متضادتان " انتهى اقول انت خبير بان مكروه العبادة - على ما عرفت هو ما تعلق به النهي التنزيهي اعم من ان يكون معه عبادة اخرى مضادة ام لا، فان الصلاة في الحمام ونحوه - من الاماكن المنهي عنها في الاخبار والوضوء في المسجد وبالماء المشمس ونحوها - ليس لها عبادة اخرى مضادة لها.

[ 418 ]

والتحقيق في الجواب ان المراد بمكروه العبادة ما كان اقل ثوابا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متصفة باصل الاباحة، ويدل على ذلك ما تقدم من حديث " من توضأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضأ ولم يتمندل كتبت له ثلاثون حسنة " وتوضيح ذلك ان يقال: ان العبادة قد تكون بحيث لا يتعلق بها امر ولا نهي غير الامر الذي تعلق باصل فعلها، وبهذا المعنى تتصف بالاباحة كالصلاة في البيت البعيد عن المسجد أو حال المطر، وقد يتعلق بها امر زائد على الاول باعتبار اتصافها أو اشتمالها على امر راجح به كالصلاة في المسجد مثلا الا مع عذر مسقط، وربما انتهى إلى حد الوجوب كما إذا نذر ايقاعها فيه، وقد يتعلق بها نهي بالاعتبار المذكور مع المرجوحية كالصلاة في الحمام، وربما انتهى إلى حد التحريم كصلاة الحائض والصلاة في الدار عن المسجد أو حال المطر، وقد يتعلق بها امر زائد على الاول باعتبار اتصافها أو اشتمالها على امر راجح به كالصلاة في المسجد مثلا الا مع عذر مسقط، وربما انتهى إلى حد الوجوب كما إذا نذر ايقاعها فيه، وقد يتعلق بها نهي بالاعتبار المذكور مع المرجوحية كالصلاة في الحمام، وربما انتهى إلى حد التحريم كصلاة الحائض والصلاة في الدار المغصوبة على اشهر القولين، وحينئذ فمكروه العبادة هو ما كان أقل ثوابا بالاعتبار المذكور آنفا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متصفة بصفة الاباحة المذكورة، فالصلاة في الحمام مكروهة بمعنى انها اقل ثوابا منها في البيت مثلا لا في المسجد، فلا يرد حينئذ ما اورد سابق من أن الكراهة بمعنى اقلية الثواب توجب كون الصلاة في جميع المساجد مكروهة لكونها اقل ثوابا من الصلاة في المسجد الحرام، فان المعتبر - كما عرفت - في المفضل عليه بالاقلية هو المتصف باصل الاباحة، وهكذا بالنسبة إلى ما لم يوجد فيه الامر زائد على الاول. والله العالم. تم الجزء الثاني من من كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة ويتلوه الجزء الثالث في الغسل. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعترته الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية