الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الحدائق الناضرة - المحقق البحراني ج 1

الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 1


[ 1 ]

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 ه‍ الجزء الاول حقوق الطبع محفوظة للناشر قام بنشره الشيخ على الاخوندى مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين. بقم المشرفة (ايران)

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. وبعد... فاننا نشكر الله سبحانه على أن وفق هذه المؤسسة لطبع هذا الكتاب الفقهى الشريف " الحدائق الناضرة " لمؤلفة الفقيه الخبير والمحدث الكبير الشيخ يوسف البحراني " قدس الله سره " الذى استند في استدلالاتهن وتحقيقاته اللطيفة إلى آيات القرآن الكريم واحاديث اهل بيت الوحي (صلوات الله عليهم). وان الفقهاء الافاضل والعلماء المحققين يعلمون جيدا " قيمة هذا الكتاب العلمية ومكانته السامية في ميدان الفقه وعالم الاستنباط بحيث لا يستغنى فقيه عن النظر فيه والغور في جمل معانيه، واستخراج لئالئه ومراميه. هذا وكانت انجزت طباعة المجلدات العشرين في النجف الاشرف على مشرفها آلاف التحية والثناء على يد سماحة الشيخ على الاخوندى (وفقه الله تعالى لاحياء تراث اهل البيت عليهم السلام) وقد نفدت من الاسواق فاستجزناه لتجديد طباعتها بواسطة هذه المؤسسة - بعد تصحيح الاخطاء وبذل العناية التامة في طباعتها بشكل انيق - فأجازنا في ذلك واما الجز آن الحادى والعشرون والثاني والعشرون فقد قامت هذه المؤسسة بطباعتهما لاول مرة بعد انتظار طويل، واشتياق من الفضلاء كثير وتمتاز طباعتهما بما يلى: 1 - المقابلة مع النسخ المتعددة 2 - تخريج الايات الكريمة والروايات والاحاديث الشريفة المستدل بها في الكتاب... من مظانها ومصادرها 3 - تعيين الصفحات في المصادر التي أرجع المؤلف إليها في نقوله واستشهاداته 4 - ذكر عناوين الابحاث في اعلى الصفحات 5 - تنظيم فهرست جامع لمطالب الكتاب 6 - اعتماد الطريقة الفنية في الطباعة، والتي تقضي بوضع علامات التعجب والاستفهام والفواصل وما إلى ذلك أما باقي الاجزاء، فنسأل الله تعالى ان يوفقنا لانجازها وتقديهما إلى أهل العلم والفضل وجوامنه تعالى ان يسدد خطانا ويمين علينا بالتوفيق لنشر الثقافة الاسلامية الاصيلة والتراث الاسلامي الغني واحياء فقه اهل بيت الوحى سلام الله عليهم اجمعين. 1363 ش مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الناشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد فان دار الكتب الاسلامية - في النجف الاشرف التي وقفت نفسها على خدمة العترة الطاهرة آل البيت عليهم السلام، واحياء شريعتهم بطبع آثارهم واحكامهم ونشرها بين الناس، باسلوب محقق يلائم العصر الحاضر ويساير النهج الطباعي الحديث - تضيف اليوم - إلى جملة ما جددت طباعته من الكتب المعتمدة في الفقه والاصول والحديث والتفسير والاخلاق - كتاب (الحدائق الناضرة في احكام العترة من الكتب الفقهية القيمة التي لها مكانتها السامية لدى الفقهاء، ويحتاج إليها معالم الفقيه في مقام مراجعته وبحوثه لتفهم الاحكام واستنباطها، بعد ان عزت نسخه على كثرتها وعلى الرغم من اغلاطها. وقد طلبنا - من حضرة العلامة الكبير سماحة الحجة الشيخ محمد تقي الايرواني ادام الله ظله - القيام بتحقيقه والتعليق عليه وتخريج احاديثه على كتاب (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) الذي يعتبر المرجع الوحيد للفقهاء في معرفة الاحاديث

[ 4 ]

الواردة في الاحكام الشرعية، كما طلبنا من سماحته الاشراف على طبعه وتصحيحه، فاجابنا إلى ذلك على ما هو عليه من كثرة الاعمال، اهتماما " منه بهذا المشروع الديني الجليل، وتقديرا " لجهودنا في هذا السبيل، وقد بذل غاية جهده في التحقيق والتعليق والمقابلة على عدة نسخ خطية ومطبوعة، فخرج الجزء الاول منه - وهو يشتمل على المقدمات وأحكام المياه - على أحسن تنظيم وادقه، خاليا " من الاغلاط إلا ما زاغ عنه البصر. ومنه تعالى نستمد المعونة والتوفيق لاخراج سائر الاجزاء. وفي الختام اتقدم إلى سماحته بوافر الشكر والامتنان، سائلا المولى ان يمده بالعون والتوفيق، والى حضرة البحاثة المحقق سماحة الحجة السيد عبد الرزاق المقرم دامت بركاته جزيل الشكر على ما قدمه من خدمات علمية، وما ساهم فيه من مراجعة بعض المصادر وضبطها، كما واتي لا انسى تقديم الشكر لفضيلة الاستاذ الاسدي المحترم مدير مطبعة (النجف) على ما بذله من جهود في سبيل اتقان طباعة هذا الكتاب والحمد لله اولا وآخرا "، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار. 10 / 6 / 1377 الحاج الشيخ علي الاخوندي صاحب دار الكتب الاسلامية في النجف الاشرف

[ 5 ]

حياة شيخنا العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 بقلم السيد عبد العزيز الطباطبائي

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين وآله الطاهرين تمهيد مضت علينا اجيال وقرون منذ عصر التابعين وعهد الصادقين (عليهم السلام) إلى يومنا هذا وتاريخنا العلمي حافل بابطال عز نظيرهم في جهادهم الديني واداء رسالتهم إلى المجتمع، فقد نبغ منا علماء فطاحل وافذاذ محققون واعلام جهابذة مشاركون في العلوم. والاجيال على ذلك متسلسلة والقرون متتابعة، وفى كل خلف عدول من امة محمد (صلى الله عليه وآله) ينفون عن دينه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين (1) فلو قرأت تأريخهم (قدس الله ارواحهم) لو جدتهم في كل عصر وجيل قد أدوا رسالتهم، ونهضوا بأعباء واجبهم الديني، وخدموا العلم والدين والانسانية بكتبهم ومؤلفاتهم، واقلامهم واقدامهم، وبيانهم وبنانهم، وجهاد هم المتواصل وجهودهم الجبارة، ونضالهم ونصالهم، وجميع ما آتاهم الله من حول وطول، ولذلك سطعت آثارهم في سماء المجد والشرف وافق الرفعة والعظمة، كالنجوم الزاهرة والكواكب النيرة والشهب الثاقبة. فجزاهم الله عن نبيه وعن دينه وعن امته خيرا "


(1) ايعار إلى الاحاديث التى وردت في هذا المعنى: منها - ما رواه الكشى باسناده عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين.. " ورواه العلامة المجلسي (قدس سره) في بحاره ج 2 ص 92 ج 16 من طبعة سنة 1376.

[ 7 ]

وان آثارهم لتتفاوت فيما بينها في الخلود والقبول، إذ الحظوظ تتفاوت في شتى النواحي، والانصباء تختلف في مختلف المراحل والشؤون، فترى من بين تلك الكتب والمؤلفات كتبا " حظيت بالنصيب الاوفر والكيل الاوفى من القبول، فتلقتها الاوساط العلمية بكل ولع وشعف، ورجالات العلم والدين بكل اكبار واعجاب، وتداولتها اندية العلم درسا " وتدريسا " وتدقيقا " وتحقيقا "، وتناولتها ايدي العلماء نقدا " ودفاعا " وشرحا " وتحشية. فكأن المولى (جل شأنه) قد طبعها بطابع القبول ووسمها بسمة الخلود، فلا تعرف الدثور والبلى ولا الدرس والعفاء، بل تزداد نضارة وجلالا وبهاء بمرور الدهور. وان في الطليعة من تلك الكتب كتابنا هذا الممثل للطبع (الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة) لمؤلفه الفقيه المحقق والمحدث المتتبع، الشيخ يوسف البحراني الدرازي، فقد طبقت شهرته الافاق، وملا دويه الارجاء، ودوى رجعه في الخافقين، وراح صداه يرن في الاسماع ويصك المسامع ويأخذ بمجامع القلوب. وناهيك به شهرة ان صار معرفا " لمؤلفه الشهير، فلم يكد شيخنا المحدث البحراني يعرف ويعرف ولا يذكر ويميز إلا بقولهم عنه " صاحب الحدائق " اما الكتاب فسيوافيك بحث ضاف عنه فيما نعقده (حول كتاب الحدائق) واما مؤلفه فاليك شيئا " من ترجمته: نسبه ومولده: هو الفقيه العظيم والمحدث الكبير الشيخ يوسف نجل العلامة الكبير الحجة العلم الاوحد الشيخ احمد بن ابراهيم بن احمد بن صالح بن احمد بن عصفور بن احمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي البحراني. كان مولده بقرية (ما حوز) حيث كان قد هاجر شيخنا الاوحد الشيخ أحمد

[ 8 ]

(والد المؤلف) من موطنه (دراز) إليها لينهي دراسته العالية علي شيخه المحقق الكبير الشيخ سليمان الماحوزي، وكان قد حمل معه عياله، فالقى رحله مستوطنا هناك عاكفا " على الاخذ والتحصيل من شيخه المومأ إليه، وفي مدة استقامته ولد له شيخنا المؤلف عام 1107. عياته نشأته - دراسته - تخرجه: وحيث كان اول ذكر ولد لابيه، اختص به جده لابيه التاجر الصالح الكريم الحاج ابراهيم (وكان تاجرا " له سفن وعمال يمتهن غوص اللؤلؤ، ويتعاطى تجارته واصداره) فشب ودرج في حجر جده البار. ونشأ وترعرع تحت كلاءته، فاحضر له معلما " في البيت يعلمه القراءة والكتابة حتى اتقنهما، فقام والده بتدريبه وتربيته بكل عطف وحنان، وتصدى لتدريسه وتعليمه، وتولى ذلك بنفسه محافظا " عليه يوليه عنايته وتوجيهه، فطفق يلقي عليه الدروس الالية، ويملي عليه المبادئ ويعلمه العربية. ويفيض عليه العلوم الادبية وغير الادبية، حتى اكملها ومهر فيها، وحاز مكانته السامية في فنون الادب وتضلعه التام في علوم البلاغة. وسوف نستوفي البحث عنه فيما نعقده حول (أدبه) واستمر على ذلك يقرأ على والده ويستقى من منهله العذب ونميره الصافي إلى ان خسرته الامة عامة وخسره هو خاصة (تغمده الله برحمته) وان حياة شيخنا المؤلف (قدس سره) ملؤها البلايا والفتن والرزايا والمحن. فكأنه قدر عليه من أول يومه ان يكون غرضا " للافات والنكبات، ففوق إليه الدهر نبال المصائب وسهام النوائب منذ نعومة اظفاره واينما حل وارتحل إلى ان وافاه الاجل وهو في خلال ذلك كله مكب على دراسته مجد في اشتغاله مهتم بتآليفه.

[ 9 ]

فما إن مضت من عمره خمس سنين إلا وابتدأت الفتن والاضطرابات والحوادث الداخلية في بلاده (البحرين) فوقعت الحروب القبلية بين القبيلتين (الهولة) و (العتوب) وطغوا في البلاد فاكثروا فيها الفساد، واستمرت هي وتبعاتها سنين. ولما تنتهى هذه المشكلة، ولم يكد ينجو منها أهل البحرين إلا ودهموا باعظم منها وأشد وأخزى، الا وهي هجمات الخوارج على البحرين كرة بعد اخرى، حتى إذا كانت السنة الثالثة حاصروها واحتلوها عنوة، فكانت وقعة عظمي وداهية دهماء، لما وقع من عظيم القتل والسلب والنهب وسفك الدماء وتلف الاموال. حتى اضطر وجهاء البلد وزعماؤها إلى الجلاء عن اوطانهم فارين بعيالهم منجين انفسهم، ومنهم: والد المؤلف، فقد هاجر بعائلته إلى القطيف وخلف اكبر ولده (المؤلف) في ذلك المأزق الحرج والموقف الرهيب، عساه يتحفظ على ما تبقى من بقايا النهب، وعساه يسترجع بعضا " مما نهب من أثاث ومتاع، ولا سيما الكتب التي أخذت سلبا "، وذهبت نهبا "، خلفه ليستنقذ الذاهب وليتحفظ على الباقي ويبعث بذلك إلى والده شيئا " فشيئا " وبعد سنين قضاها كما مر، لحق اباه بالقطيف فجدد به العهد، وكان والده قد سئم المقام بالقطيف ومل المكث هناك، لكثرة العيال وقلة ذات يده، وكان قد اقلقته أنباء نوائب بلاده واخبار حوادثها المسيئة فاشغلت فكره وازعجته ايما ازعاج حتى بلغه ان سرية جاءت من ايران لاستخلاص البحرين وانقاذها من ايدي الخوارج فتربص يترقب عواقب الامور، حتى جاء النبأ بان الخوارج قد غلبوا الجيش الايراني وقتلوا الجند جميعا " واحرقوا البلاد، وكان مما احرقوه دارا " مشيدة وبيتا " معمورا " لوالد المؤلف، فاتصل به نبأ احراق الدار فاغتم لذلك عما شديدا " اثر على صحته، فمرض من ذلك وطال به المرض شهرين إلى ان وافاه اجله، واختاره الله إلى دار رحمته الواسعة ضحوة اليوم الثاني والعشرين من شهر صفر سنة 1131.

[ 10 ]

وكان اكبر ولده وولي الامر بعده شيخنا المؤلف، وله إذ ذاك من العمر اربع وعشرون سنة، فتكفل بعائلة والده على كثرتهم، وناء باعباء ذلك الحمل الباهض، وبقي بالقطيف سنتين يقرأ فيهما على العلامة الكبير الشيخ حسين الماحوزي، إلى أن أخذت البحرين من الخوارج صلحا " بعد دفع مبلغ خطير، فقفل شيخنا المؤلف إلى البحرين، ولبث بها بضع سنين ينهي دراسته على شيخيه الحجتين الشيخ احمد ابن عبد الله والشيخ عبد الله بن علي البلاديين البحرانيين. وشاء الله له ان يحج البيت، وبعد رجوعه عرج على القطيف ومكث بها لقراءة الحديث على شيخه العلامة الماحوزي المتقدم. إلى ان زوده بالاجازة في الرواية عنه، فرجع إلى البحرين وقد ضاق به الحال، لما ارتكبه من الديون، وكثرة العيال وقلة اليسار ولحصول الاضطرابات والمشاغبات الداخلية في البحرين، فغادرها إلى ايران بعد مقتل الشاه سلطان حسين الصفوي. إلى ايران. وبعد احتلال الافاعنة بلاد ايران وقتلهم الشاه سلطان حسين آخر ملوك الصفوية وذهاب ملكهم، تفاقمت الاضطرابات في البحرين وعمها الفوضى واستمرت الثورات الداخلية، حتى الجأت شيخنا المترجم له إلى مغادرة بلاده والجلاء عن وطنه فغادرها إلى ايران، وحل برهة في كرمان، ثم ارتحل إلى شيراز واستقر مقيما بها على عهد حاكمها (محمد تقي خان) فعرف لشيخنا المترجم له علمه وفضله وتقاه فقربه وعظمه، ولقي الشيخ منه حفاوة بالغة واعظاما " وتبجيلا، فلبث بها غير يسير مدرسا " واماما "، ناهضا " باعباء الوظائف الشرعية، حيث القت إليه الزعامة الروحية مقاليدها، وتفرغ للمطالعة والتأليف، والبحث والتدريس، والاجابة على الاسئلة الدينية، فالف جملة من الكتب وعدة من الرسائل، على فراغ البال ورفاهية الحال ورغد في العيش،

[ 11 ]

وما إن أمهله الدهر حتى عصفت بتلك البلاد عواصف الايام التي لا تنيم ولا تنام، ففرقت شملها، وبددت اهلها، ونهبت لمموالها، وهتكت نساءها، ولعب الزمان باحوالها، فغادرها المترجم له إلى بعض القرى، واستوطن قرية (فسا) وحاكمها آنذاك الزعيم (محمد علي) فاجل الشيخ وعظمه، فصرف اوقاته كلها فيما تتوق إليه نفسه، وما هي امنيته من حياته، وهي المطالعة والتصنيف والتدريس، فصنف كتبا " ورسائل وابتدأ هناك بتصنيف (الحدائق الناضرة) واستمر فيه إلى باب الاغسال، حتى ثار طاغية شيراز (نعيم دان خان) الثائر بها من ذي قبل في اخريات عام 1163، فنزل بتلك البلاد ايضا " من حوادث الاقدار ما اوجب تشتت اهلها إلى الاقطار، وتفرق جمعها إلى الصحارى والبرار، فقتل حاكمها (محمد علي) وهجم حتى على دار المترجم له وهو مريض، ونهبت امواله واكثر كتبه ومؤلفاته القيمة التي هي اعز عليه من نفس وثمرات حياته الثمينة. وفيها يقول من قصيدة تأتي: واعظم حسرة اضنت فؤادي * تفرق ما بملكي من كتاب ففر منها مريضا " بعائلته صفر اليد يجوب الجبال والقفار، حتى استقر بناحيه (اصطهبانات) ولبث بها مدة يقاسي مرارات الافات ويكابد انواع النكبات، كما لم يزل على ذلك طيلة حياته في بلاده واغترابه، لم تشذ عن بلدته اي بلدة لجأ إليها من (شيراز) فقرية (فسا) فناحية (اصطهبانات) فلم يستطع الفرار منها ولم يمكنه التباعد عنها، فما فر من بلية الا ومني باعظم منها، وما تخلص من رزية إلا ودهمته ادهى منها، فقضى حياته تتعاوره البلايا وتتعاقبه الفتن، وتحوطه المصائب وتدور عليه دوائرها، ولهذا لم يكد يوجد لشيخنا المترجم له قصيدة إلا ويذكر فيها ما عاناه من كوارث، ويعدد ما قاساه من نكبات: منها - قصيدة بعثها من اصطهبانات إلى اخوته يشكو إليهم حاله ويصف لهم ما حل به ملمات استهلها بقوله:

[ 12 ]

الا من مبلغ عصر الشباب * وشبانا به كانوا صحابي وهي قصيدة طويلة مثبتة في كشكوله ج 2 ص 237 ننتخب منها ما يلي وقد اصبحت في دهر كنود * به الغارات تشعل بالتهاب وقد خلت المساكن من ذويها * فرارا " في الوهاد وفي الهضاب مصائب قد غدت منها دواما " * دموع العين تجري بانسكاب علتني نارها فغدوت منها * طريدا " في الصحارى والشعاب واعظم حسرة اضنت فؤادي * تفرق ما بملكي من كتاب لقد ضاقت علي الارض طرا " * وسد علي منها كل باب طوتني النائبات وكنت نارا " * على علم بها طي الكتاب واجلي ظاهرة من حياة هذا الشيخ المجاهد - تلفت الانظار وتزيد الباحث اعجابا " به واكبارا " له - هو دؤوبه في العمل بكل حول وطول وقوة، والسعي في مهمته بكل بهجة ونشاط، مهما بلغت به الحال في تلك الظروف القاسية والمواقف الحرجة، فتراه في خلالها كلها مكبا " على مطالعاته، جادا " في تآليفه، دائبا " في عمله، سائرا " في نهجه، مستمرا " في خطته، ماضيا " في مشروعه، فانيا " في مبدأه، فسبحان خالق تلك النفس الجبارة التي لا تعرف السأم ولا الملل، ولا يعيقها شئ، ولا يحول دون ما ترومه اي مانع، فقد انتج من بين تلك الظروف وهاتيك الادوار كتبا " قيمة ناهزت الاربعين وانتشرت له من بين السلب والنهب آثارا " ثمينة ومآثر خالدة (وسوف يوافيك عدها) وشعت من بين تلك الادوار المظلمة والعصور الحالكة اشعاعات فضائله وفواضله، فأنارت للقوم سبيل هداهم ومهيع رشدهم. والى هذه الظاهرة لوح العلامة الجابلقي في (الروضة البهية) حيث قال: " فلينظر المشتغلون إلى ما وقع على هذا الشيخ من البلايا والمحن ومع ذلك كيف اشتغل وصنف تصنيفات فائقة... "

[ 13 ]

في كربلاء ومنذ حل صطهبانات عزم على مغادرة بلاد ايران، وصمم على المقام بالعراق حيث الاعتاب المقدسة، ومنبثق انوار العلم والفضيلة، فاخذ في تمهيد مقدمات سفره، فغادر بلاد ايران ويمم العراق، فالقى رحله في كربلاء المشرفة، موطنه الاخير ومستقره الابدي وانا لم نقف على تاريخ هبوطه كربلاء إلا ان الذي يظهر من تاريخ بعض تآليفه انه حل بها قبل عام 1169. وقد حل شيخنا المؤلف بالحائر المقدس حين كانت تلك البلدة القدسية من اكبر معاهد العلم للشيعة، وكانت تضاهي النجف الاشرف بمعاهدها الدينية واعلامها الافذاذ، حل بها على عهد زعيمها الا وحد الاستاذ الاكبر معلم البشر شيخنا الوحيد البهبهاني (قدس سره) مجدد المذهب في القرن الثالث عشر. فكانت كربلاء على عهد هذا الزعيم العظيم في الغارب والسنام من المجد والعظمة، فقد بلغت ذرى عزها الشامخ، وتسامى شرفها الباذخ، حيث كانت آنذاك مفعمة بالاوضاح والغرر من صيارفة العلم ونقاد الفضيلة، طافحة باعلام الامة ورجالات الدين، فحتشدة بكبار المجتهدين وافذاذ المحققين، ممن انعقدت عليهم تيجان العلم. ورفت عليهم ألوية الفضيلة، وخفقت عليهم بنود الكمال ولقد كان لشيخنا المؤلف حينذاك صيت شامخ دوى في العالم ذكره، فملات الارجاء شهرته الطائلة، لما ذاع وشاع بين الملا الديني من آثاره القيمة ومآثره الخالدة واسفاره الثمينة، فعرفته الاوساط العلمية واقرانه من اعلام عصره بعلمه الغزير، وأدبه الجم، وتضلعه في العلوم، وتبحره في الفقه والحديث، وانما يعرف الفضل ذووه. ولذلك لما هبط كربلاء رحب بقدومه اعلامها، وسر به فطاحلها، فتوسط اندية العلم وحلقات التدريس، وانضوى إليه عير يسير من اولئك الافذاذ يرتشفون من بحر

[ 14 ]

علمه المتدفق. كاربعة من المهديين الخمسة - وهم من اشهر مشاهير تلامذة الاستاذ الاكبر - والعلمين الحجتين صاحبي الرياض والقوانين. وغيرهم من كبار المجتهدين ممن تخرجوا عليه، ويأتي سرد اسمائهم باجمعهم في (تلامذته) وازداد اولئك النياقد خبرا " بغزارة علمه وفضله، ومكانته المرموقة في الفقه والحديث. بعد ان وقفوا عليه من كثب، ودارت بينه وبين الاستاذ الاكبر المحقق الوحيد (نور الله ضريحهما) مناظرات كثيرة طويلة في الابحاث العلمية العميقة، ربما استوعب بعضها الليل كله. وقد تعرض لسرد تلك المناظرات القيمة سيدنا الحجة ابو محمد السيد حسن الصدر في كتاب (بغية الوعاة) فلم يفتأ منذ حل بها زعيما روحيا " يزهو به دست الزعامة والتدريس، واماما " في مسجده الخاص (الموجود الان، وهو بباب الصحن السلطاني قبال مسجد زميله الوحيد، وقد جدد بناؤه في العالم الماضي). ولم يبرح طيلة مقامه بها - وربما بلغت العشرين سنة - مصدرا " للفتيا، ينوء باعباء الوظائف الشرعية والزعامة الروحية، تتقاطر عليه الاسئلة تترى من شتى النواحي النائية ومختلف البلاد الشاسعة، فيجيب عنها بالفتوى المحضة تارة ومشفوعة بالادلة المبسوطة اخرى (حسب رغبة سائليها) ومدرسا " يسقى الجماهير الكثير والجموع الغفيرة من نمير علمه وبحر فضله وافضاله، فاكب على التدريس والتأليف والتصينف، كما كان ذلك دأبه اينما ترامت به يد الاقدار ومهما بلغت به الحال. وفي خلال مقامه بها زار النجف الاشرف ولم نعلم مدة لبثه بها إلا ان الظاهر انه الف كتابه الدرر النجفية في النجف الاشرف خلال مكثه بها. مشايخه في الدراسة وشيوخه في الرواية نحو لو استطردنا بعض القول عن تخرج شيخنا المؤلف طي نشأته، غير ان

[ 15 ]

الاجدر به عقد بحث يخصه، فانه (قدس سره) لم يشبع بهمته العلمية اعلام بيئته وجهابذة بلاده، فقد كان العلم بغيته. والفقه منيته، والحديث طلبته، والحكمة ضالته يلتقطها حيث يجدها. ويتطلبها من مظانها، فكانت له في سبيل أخذ العلم وكسب الفضيلة تجولات ورحلات إلى امهات المعاهد العلمية في ايران والعراق، وقد اجتمع - لا محالة - بامة كبيرة من صيارفة العلم والفضيلة. وجهابذة الفقه والحديث من بقايا اعلام ذلك العصر الذهيي عصر الدولة الصفوية، وهي اعظم حكومة اسلامية خدمت العلم وايدت رجالات الدين، وعاضدت الملا العلمي كما وان شيخنا المؤلف قد حج البيت، وزار مشاهد أئمة الهدى (صلوات الله وسلامه عليهم) واتيحت له عدة رحلات إلى النجف الاشرف مرتكز لواء العلم والدين وعاصمة الفقه والحديث، ومنتدى الفضيلة والادب، ومحتشد الفطاحل والمحققين، فالتقى بعلمائها، وتلقى من اعلامها، بل لم يكن ليقتنع بمن اجتمع به من العلماء، فكان يستدر ضروع العلم بالمكاتبة، كما كانت له مراسلات في المعضلات العلمية مع شيخه المحدث الجيلاني، يوجد بعضها في كشكوله، وذلك قبل زيارته له واجتماعه به، فانتج كله ذلك فيه تعمقا " في التفكير، ونضجا " في الرأي، وغزارة في العلم وتبحرا " في الفقه. وتضلعا " في الحديث. واما الذين عدم هو من مشايخه ونص عليهم في اللؤلؤة فهم اربعة، وهم: 1 - والده العلامة الحجة العلم الاوحد الشيخ احمد، يأتي ايعاز إلى ترجمته في (اسرة المؤلف). 2 - العلامة الفذ الشيخ احمد بن عبد الله بن الحسن بن جمال البلادي البحراني المتوفى سنة 1137. 3 - المحقق الحجة الشيخ حسين ابن الشيخ محمد جعفر الماحوزي المتوفى

[ 16 ]

عام 1171، وهو عمدة مشايخه وشيوخه في الفقه والحديث. 4 - الشيخ عبد الله بن علي بن احمد البلادي البحراني المتوفى في شيراز سنة 1148. كما ان لشيخنا المؤلف في الاجازة والرواية ايضا " شيوخ اربعة يروي عنهم بطرقهم الكثيرة المذكورة في اللؤلؤة اجازة وقراءة وسماعا "، وهم: شيخاه الاخيران. 3 - السيد عبد الله ابن السيد علوي البلادي البحراني، ومن طريقه يروي المؤلف عن والده الشيخ احمد. 4 - المحدث الكبير المولى محمد رفيع بن فرج الشهير بالمولى رفيعا الجيلاني، وهو أعلى اسانيده، لانه يروي عن العلامة المجلسي. تلامذته. اشرنا فيما سبق إلى ان شيخنا المؤلف ما حل بلدة يقيم بها إلا وانثال عليه لفيف من افاضلها المشتغلين وطلاب العلم والفضيلة، فتعقد له حلقات التدريس، يستقون من نمير علمه ويرتوون من عباب فضله، الا انه من المؤسف جدا " ان التاريخ اهمل الجميع ممن تخرجوا عليه في بلاد ايران ولا سيما معهدها الديني (شيراز) كما انه قصر في ضبط الكثير من اولئك الجموع الغفيرة الذين تخرجوا عليه في مقره الاخير (كربلاء) وقد لبث بها زعيما مدرسا " طيلة عشرين سنة يوم كانت تعج بالالوف من العلماء والمشتغلين. فلم نقف منهم - على كثرتهم - الا على افذاذ، وهم: 1 - الرجالي الشهير أبو علي الحائري محمد بن اسماعيل مؤلف منتهى المقال. 2 - المحقق القمي ميرزا أبو القاسم صاحب القوانين. 3 - السيد احمد العطار البغدادي المتوفى سنة 1215 4 - السيد احمد الطالقاني النجفي المتوفى سنة 1208.

[ 17 ]

5 - الشيخ أحمد الحائري 6 - الشيخ احمد بن محمد ابن اخي المؤلف تأتي ترجمته في (اسرة المؤلف). 7 - الامير السيد عبد الباقي بن مير محمد حسين الخواتون ابادي سبط العلامة المجلسي. 8 - الشيخ حسن ابن المولى محمد علي السبزواري الحائري 9 - الشيخ حسين بن محمد ابن اخي المؤلف ومتمم (الحدائق) تأتي ترجمته في (اسرة المؤلف). 10 - السيد شمس الدين المرعشي الحسيني النسابة المتوفى سنة 1200 وهو جد سيدنا الحجة السيد شهاب الدين المرعشي. 11 - الشيخ علي بن علي التستري. 12 - الشيخ علي بن رجب علي. 13 - الشيخ محمد علي الشهير ب‍ (ابن السلطان) 14 - الامير السيد علي الحائري صاحب الرياض. 15 - الشيخ محمد بن علي التستري الحائري 16 - الحاج معصوم. 17 - آية الله السيد مهدى بحر العلوم المتوفى سنة 1212. 18

المحقق النراقي المولى محمد مهدي الكاشاني مؤلف (مستند الشيعة) 19 - آية الله السيد ميرزا مهدي الشهرستاني. 20 - السيد ميرزا مهدي بن هداية الله الاصفهاني الخراساني الشهيد سنة 1216 استاذ بحر العلوم في الفسفة، وهو الذي لقبه، (بحر العلوم) 21 - الحاج ميرزا يوسف الطباطبائي المرعشي القاضي التبريزي المتوفى 1242.

[ 18 ]

الراووة عنه غير خفي على من له إلمام بطرق الروايات ومشيخة الاجازات، ان شيخنا المؤلف من عقود جمانها، فقد انتهت إليه سلاسل الاجازات وحلقات الروايات، وقد اثبتها شيخنا الحجة العلامة النوري في (خاتمة مستدركه) وتلميذاه الشيخان العلمان الرازيان شيخنا الحجة ميرزا محمد العسكري مؤلف (المستدرك على البحار) المتوفى في 28 ج 1 سنة 1371 في الاجزاء الثمانية من المستدرك على اجازات البحار، وشيخنا المحقق البحاثة الشيخ اقا بزرك صاحب الذريعة دام ظله في (اجازات القرون الثلاثة) و (الاسناد المصفى إلى آل المصطفى) واليك السماء من وقفت عليه ممن اجاز لهم شيخنا المؤلف، فروينا بطرقنا إليهم عنه وهم: 1 - الشيخ احمد ابن الشيخ حسن بن علي بن خلف الدمشقاني. 2 - الشيخ احمد بن محمد، ابن اخى المؤلف. 3 - السيد الامير عبد الباقي الحسيني الخواتون آبادي الاصفهاني سبط العلامة المجلسي وشيخ اجازة بحر العلوم. 4 - الشيخ حسين ابن الشيخ محمد، ابن اخي المؤلف واحد المجازين بلؤلؤة البحرين لقرتي العينين. 5 - الشيخ خلف ابن الشيخ عبد علي، ابن اخي المؤلف والثاني من المجازين باللؤلؤة، تأتي له ترجمة في (اسرة المؤلف) 6 - الشيخ زين العابدين ابن المولى محمد كاظم، كتب له اجازة على كتاب التهذيب تاريخها 1168. 7 - الشيخ سليمان بن معترق العاملي.

[ 19 ]

8 - السيد شمس الدين النسابة الحسيني التبريزي المتوفى 1200. 9 - السيد عبد العزيز بن احمد الموسوي النجفي، تاريخ اجازته 1167. 10 - السيد عبد الله بن السيد علوي الموسوي الغريفي البحراني الشهير ب‍ (عتيق الحسين) عليه السلام القاطن في بهبهان، ويروي عنه بالاجازة المدبجة، تاريخ الاجازة عام 1153، وقد تقدم ذكره في شيوخ المؤلف، وصورة الاجازة عند العلامة السيد شهاب الدين المرعشي. 11 - الشيخ علي بن حسين بن فلاح البحراني. 12 - الشيخ علي بن محمد بن علي بن عبد النبي بن محمد ابن الشيخ سليمان المقابي البحراني 13 - الامير السيد علي الحائري صاحب الرياض ابن اخت الوحيد البهباني. 14 - علي بن موسى البحراني. 15 - الشيخ محمد علي الشهير ب‍ (ابن السلطان). 16 - الشيخ محمد بن الحسن البحراني 17 - الحاج معصوم. 18 - المولى محمد مهدي الفتونى: من شيوخ اجازة بحر العلوم. 19 - المولى محمد مهدي النراقي صاحب (المستند) و (جامع السعادات) وغير هما. 20 - آية الله السيد مهدى بحر العلوم الطباطبائى المتوفى 1212، يوجد نص الاجازة ذيل فوائده الرجالية. 21 - آية الله السيد ميرزا مهدى الشهرستاني 22 - السيد ميرزا مهدى الرضوي الخراساني الشهيد سنة 1216، كما نص عليه في اجازته للسيد دلدار علي الهندي.

[ 20 ]

23 - الشيخ موسى بن علي البحراني. 24 - الشيخ ناصر بن محمد الجارودي الخطي البحراني. جمل الثناء وعلل الالمراء وهؤلاء اصحاب المعاجم وارباب التراجم مصفقين على اكبار المؤلف والثناء عليه ممن عاصره إلى اليوم، واليك نصوص جملة منهم، فمنهم: 1 - تلميذه أبو علي الحائري مؤلف منتهى المقال المشهور ب‍ (رجال ابى علي) قال في ترجمة المؤلف: عالم فاضل متبحر ماهر متتبع محدث ورع عابد صدوق دين، من اجلة مشايخنا وافاضل علمائنا المتبحرين. وبعين ما مر كلام العلامة المامقانى في تنقيحه 2 - وقال تلميذه الامير عبد الباقي سبط العلامة المجلسي في منتخب لؤلؤة البحرين: كان فاضلا عالما محققا " نحريرا " متسجمعا للعلوم العقلية والنفلية. 3 - وقال المحقق الكبير الشيخ اسد الله التسترى في مقابسه: العالم العامل المحقق كامل، المحدث الفقيه، المتكلم الوجيه، خلاصة الافاضل الكرام، وعمدة الاماثل العظام، الحاوى من الورع والتقوى اقصاهما، ومن الزهد والعبادة اسناهما، ومن الفضل والسعادة اعلاهما، ومن المكارم والمزايا اغلا هما، الرضي الزكي التقي النقي، المشتهر فضله في أقطار الامصار واكناف البراري، المؤيد بعواطف ألطاف الباري. 4 - وقال المحقق الخوانسارى صاحب الروضات: العالم الربانى والعامل الانساني شيخنا الافقه الاوحد الاحوط الاضبط، صاحب الحدائق الناضرة، والدرر لنجفية، ولؤلؤة البحرين، وغير ذلك من التصانيف الفاخرة الباهرة التي تلذ بمطالعتها ؟ ؟، وتقر بملا حظتها العين، لم يعهد مثله من بين علماء هذه الفرقة الناجية في التخلق باكثر المكارم الزاهية، من سلامة الجنبة، واستقامة الدربة، وجودة السليقة

[ 21 ]

ومتانة الطريقة، ورعاية الاخلاص في العلم والعمل، والتخلي بصفات طبقاتنا الاول، والتخلي عن رذائل طباع الخلف الطالبين للمناصب والدول. 5 - وقال العلامة المحدث ميرزا محمد النيسابوري الاسترابادي في رجاله: كان فقيها " محدثا " ورعا ". 6 - وقال مؤلف نجوم السماء في تراجم العلماء ما معربه: صاحب الحدائق من العلماء المتأخرين، والكمل المحدثين، والفقهاء المتبحرين، واعاظم اصحاب الدين، وارباب الانصاف والاعتدال بين طريقتي الاصوليين والاخباريين. 7 - وقال العلامة المولى شفيع الجابلقي في اجازته الكبيرة المسماة ب‍ (الروضة البهية، في الاجازات الشفيعية): اما الشيخ المحدث المحقق الشيخ يوسف (قدس سره) صاحب الحدائق فهو من اجلاء هذه الطائفة، كثير العلم، حسن التصانيف، نقي الكلام بصير بالاخبار المروية عن الائمة المعصومين (صلوات الله عليهم اجمعين) يظهر كمال تتبعه وتبحره في الاثار المروية بالنظر إلى كتبه سيما الحدائق الناضرة، فانها حقيق ان تكتب بالنور على صفحات وجنات الحور، وكل من تأخر عنه استفاد من الحدائق الناضرة (جزاه الله عن الاسلام واهله افضل جزاء المحسنين) وكان ثقة ورعا " عابدا " زاهدا "... وبالجملة هذا الشيخ من فحول العلماء الاجلة، فلينظر إلى ما وقع على هذا الشيخ من البلايا والمحن، ومع ذلك كيف اشغل نفسه وصنف تصنيفات فائقة ؟ 8 - وقال العلامة الكبير المحدث النوري في خاتمة مستدركه في عد مشايخ بحر العلوم: سابعهم العالم العامل المحدث الكامل الفقيه الربانى... 9 - وقال العلامة المولى حبيب الله الكاشانى، في كتابه لباب الالقاب: صاحب الحدائق الناضرة وكان عالما " فاضلا محدثا " متتبعا " اخباريا ". 10 - وقال في الدرر البهية: كان فاضلا محققا " مدققا "، لم يكن له في عصره

[ 22 ]

ثانى، لقد صنف فاكثر، واشتهرت مصنفاته وكتبه. وقال العلامة الشيخ علي البحراني مؤلف انوار البدرين في تراجم علماء الاحساء والقطيف والبحرين: العالم العامل الجليل، الفاضل الكامل النبيل، عديم النظير والمثيل، العلامة المنصف الرباني الشيخ، الاجل الشيخ يوسف.... صاحب الحدائق الناضرة وغيره من المصنفات الفاخرة، شيخ مشايخ العراق والبحرين، العري من كل وصمة وشين: وقال: هذا الشيخ العلام من اكابر علماء الاديان والاسلام، ومن اكبر اعاظم ارباب النقض والابرام، وقد ذكره كل من تأخر عنه واثنوا عليه الثناء الجميل علما " وعملا وتقوى ونبلا... وبالجملة فهذا الشيخ من اعاظم العلماء الاعلام وأكابر اساطين علماء الاسلام. 11 - وقال خاتمة المحدثين العلامة القمي في الفوائد الرضوية ما معربه: هو الشيخ العالم العابد العامل، والمحدث الورع الكامل، الفاضل المتبحر الجليل، المتتبع الماهر النبيل، مرجع الفقهاء الاعلام، وفقيه اهل البيت عليهم السلام، عالم رباني، وفقيه بحراني، صاحب التصانيف الرائقة النافعة الجامعة التي احسنها الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة، وهو كتاب جليل في الغاية كثير النفع. وقال ايضا في (هدية الاحباب): عالم فاضل محدث ورع كامل، مرجع الفقهاء الاعلام فقيه اهل البيت عليهم السلام. 12 - وقال شيخنا الحجة المحقق الفذ العلامة الاميني متع الله الامة ببقائه في شهداء الفضيلة: فقيه الطائفة ومحدثها الكبير الشيخ يوسف بن احمد، وكتابه (الحدائق) الدائر السائر بين الفقهاء ينم عن غزارة علم مؤلفه وتضلعه في العلوم وتبحره في الفقه والحديث، كما يشف كتابه (لؤلؤة البحرين) عن سعة اطلاعه على احوال الرجال وطرق إجازات المشايخ...

[ 23 ]

13 - وقال العلامة الخياباني في ريحانة الادب في المعروفين بالكنى واللقب: عالم رباني، فقيه جليل، محدث نبيل، محقق مدقق، علامة متبحر، عابد زاهد متدين، متخلق بمكارم الاخلاق، حاز غاية الشهرة في العلم والعمل وجودة السليقة. 14 - وقال العلامة ابن يوسف، في فهرست مكتبة سپهسالار ج 1 ص 399: هو من كبار العلماء والفقهاء والمحدثين. 15 - وقال مترجمه في مقدمة الحدائق المطبوعة في ايران (تبريز) سنة 1315: وممن صرف لخدمة هذا العلم (الفقه) ايامه، واشتغل بتحقيقه شهوره واعوامه، وكان ممن قدح في زند الفضل فاورى، وجمع من نكات العلم فاوعى، الشيخ الجليل والحبر النبيل فريد عصره ووحيد دهره، الجامع بين رتبتي الرواية والدراية، والرافع من الوية الفضائل ارفع راية، المحقق الفاضل المدقق، ومحدث الزمان وراوية الاوان، المستخرج من تيار انواع العلوم غوالي اللئالي، الشيخ يوسف... فانه رحمه الله ممن حاز في هذه الاعصر الاواخر قصبات السبق في مضمار التحقيق، واستنزل عصم المشكلات من معاقلها فاخذ منها المسك الفتيق، وغاص بحار الاخبار فاستخرج ما يزري باللؤلؤ الثمين، ولا غرو في ذلك فانه من بحرين. تآليفه 1 - اجوبة الشيخ احمد ابن الشيخ حسن الدمستاني البحراني 2 - اجوبة الشيخ احمد بن يوسف بن علي بن مظفر السيوري البحراني. 3 - اجوبة المسائل البهبهانية، الواردة من بهبهان، سأله عنها السيد عبد الله ابن السيد علوي البحراني القاطن ببلدة بهبهان، توجد عند الحجة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي بقم. 4 - اجوبة المسائل الخشتية، سأله عنها الشيخ ابراهيم الخشتي.

[ 24 ]

5 - اجوبة المسائل الشاخورية، سأله عنها السيد عبد الله ابن السيد حسين الشاخوري. 6 - اجوبة المسائل الشيرازية. 7 - اجوبة المسائل الكازرونية، وردت من كازرون من الشيخ ابراهيم ابن الشيخ عبد النبي البحراني. 8 - اجوبة الشيخ محمد بن علي بن حيدر القطيفي، ولعلها متحدة مع التي تلوها. 9 - اجوبة المسائل النعيمية، سأله عنها الشيخ محمد بن علي بن حيدر النعيمي (1). 10 - الاربعون حديثا ". في مناقب امير المؤمنين (عليه السلام) استخرجها من كتب العامة، قال شيخنا العلامة الرازي في الذريعة ج 1 ص 431: " يقرب من الف بيت، اول احاديثه مستخرج من شرح المقامات للمطرزي، يوجد في مكتبة سردار كابلي ". 11 - اعلام القاصدين إلى مناهج اصول الدين، خرج منه الباب الاول في التوحيد. 12 - الانوار الحيرية، والاقمار البدرية، في جواب المسائل الاحمدية تقرب من مائة مسألة، نسبة إلى الحير وهو الحائر الحسيني على مشرفه السلام. (اجازة كبيرة مبسوطة) تأتى باسمها (لؤلؤة البحرين)


(1) هذه المؤلفات التسعة اوردها شيخنا الحجة العلامة الرازي دام ظله في الجزء الثاني من موسوعته (القيمة الذريعة إلى تصانيف الشيعة في حرف الالف بعنوان (الاسئلة...) وفى الخامس في حرف الجيم بعنوان (جوابات المسائل..) ونحن ذكرنا هاهنا في حرف الالف بعنوان اجوبة المسائل... تبعا " لما عبر به مؤلفها في لؤلؤته.

[ 25 ]

(أنيس المسافر وجليس الحاضر) أو بالعكس أو جليس المسافر وانيس الخاطر أو بالعكس، يأتي بعنوان (الكشكول). 13 - تدارك المدارك، فيما هو غافل عنه وتارك. وهو حاشية على كتاب (مدارك الاحكام) للفقيه العاملي السيد محمد سبط الشهيد الثاني، خرج منه كتاب الطهارة والصلاة، وعاقه عن اتمامه اشتغاله بكتابه الكبير الهم (الحدائق) وادرج بقية مناقشاته مع صاحب المدارك هناك. (جليس الحاضر وانيس المسافر، أو جليس المسافر وانيس الحاضر) وبتصحيف الحاضر بالخاطر فيهما، تقدمت الاشارة إليه ويأتى باسم (الكشكول) 14 - حاشية على كتابه تدارك المدارك. 15 - حاشية على شرح الشمسية في المنطق 16 - حاشية على الوافي. لشيخ العلوم العقلية والنقلية، المحدث المحقق الفيض الكاشانى، وهي تعليقة على كتاب الصوم منه فحسب 17 - حاشية على كتابه لؤلؤة البحرين. 18 - حواش وتعاليق على كتابه الدرر النجفية، طبعت بهامش الاصل. 19 - حواش على كتاب (الحدائق) طبعت بهامش الاصل. 20 - الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة. وهو كتابنا هذا الماثل للطبع، وقد طبع لاول مرة قبل ستين سنة استوعب طبعه اربع سنين، بوشر بطبعه في (تبريز) من سنة 1315 إلى 1318 في ستة مجلدات وربما كان بعض دوراته في خمسة مجلدات، وهو من كتاب الطهارة إلى كتاب الظهار، ثم تممه تلميذه وابن اخيه الشيخ حسين، وسوف نستوفي البحث عن الكتاب فيما نعقده فيما بعد (حول كتاب الحدائق). 21 - الخطب: خطب الجمعات والاعياد، يوجد عند الحجة السيد شهاب الدين المرعشي.

[ 26 ]

22 - الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، قال عنه المؤلف في (اللؤلؤة): فهو كتاب لم يعمل مثله في فنه (1) مشتمل على تحقيقات رائقة، وابحاث فائقة " وقال الحائري في منتهى المقال: " وهو كتاب جيد جدا " مشتمل على علوم ومسائل، وفوائد ورسائل، جامع لتحقيقات شريفة وتدقيقات لطيفة ". وقال شيخنا العلامة الرازي في الذريعة ج 8 ص 140: " فيها مسائل معضلة ورسائل ذات دقائق لطيفة " وهي سبعون درة، ربما يظهر منها أنه ألفها حين مقامه في النجف الاشرف، فرغ من تأليفها في العشرين من ذي القعدة سنة 1177 وطبعت سنة 1307، ومقدمات (الحدائق) الاثنتي عشرة مبثوتة في درره بتغيير يسير 23 - رسالة في تحقيق معنى الاسلام والايمان، وان الايمان عبارة عن الاقرار باللسان والاعتقاد بالجنان والعمل بالاركان. 24 - رسالة في حكم العصير التمري والزبيبي. 25 - رسالة في تقليد الميت ابتداء وبقاء، وفى ذيلها مقالة في اشتراط الصيغة وعدمه في العقود. 26 - رسالة في ولاية الموصى إليه بالتزويج وعدمها، كتبها عام 1176، كتب الينا بهذه الرسائل الثلاث - فيما كتبه الينا - العلامة الحجة السيد شهاب الدين المرعشي


(1) اراد بذلك استخراج القواعد الاصولية من الاحاديث وتطبيقها عليها، وجمع ما ورد عنهم (صلوات الله وسلامه عليهم) من النتف المتفرقة في القواعد الاصولية، وقد سبقه إلى ذلك المحدثان المتعاصر ان صاحبا الوسائل والبحار، فجمعها الاول في (الفصول المهمة في اصول الائمة) والثانى في اوائل موسوعته الكبرى لاحاديث الشيعة (بحار الانوار) كما ألف بعده المحدث الكبير السيد عبد الله شبر كتابا " في ذلك سماه (الاصول الاصلية) وهو لم يزل مخطوطا " عند حفيده الحجة السيد على شبر، ونبتهل إلى المولى جل شأنه ان يقيض له من يزفه إلى الطبع في القريب العاجل.

[ 27 ]

النجفي دام ظله، وذكر انها موجودة في مكتبته بخط احد تلامذة المؤلف. 27 - سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد والرد عليه في شرحه لنهج البلاغة، وقدم له مقدمة شافية في الامامة تصلح ان تكون كتابا مستقلا، خرج منه جزآن. 28 - الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب وما يترتب عليه من المطالب 29 - الرسالة الصلاتية متنا " وشرحا "، فرغ منها في كربلاء عام 1170. 30 - الرسالة سلاتية المنتخبة منها، كتبها في النجف الاشرف عام 1175. 31 - رسالة صلاتية اخرى وجيزة، ولعلها المتن للصلاتية الاولى. 32 - الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة، حرم فيها الجمع بين فاطميتين، فرغ منمها عام 1169، ولم يشاركه فيه غير شيخنا الحر (قدس سره) وقد تفرد هو فحكم بالبطلان وعدم وقوع العقد، وللاستاذ الاكبر الوحيد البهباني (قدس سره) رسائل متعددة في الرد عليه: مختصرة ومطولة، وكذا لولده رسالة مبسوطة جيدة في الرد عليه، ولبعض المشايخ الازكياء ايضا " رسالة وجيزة في الرد عليه، وهذه الرسائل الاربع للمؤلف بخط أحد تلامذته توجد عند سيدنا الحجة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله، وفى آخر الرسالة الاخيرة تقريظ وجيز من العلامة الكبير الشيخ محمد مهدي الفتونى العاملي، واليك نصه: بسم الله الرحمن الرحيم ان ما كتبه شيخنا العلامة متعه الله بالصحة والسلامة، هو التحقيق الذي هو بالقبول حقيق، والعمل على ما استند إليه وعول عليه، سيما على طريقتنا المثلى وسنتنا الفضلى من العمل على مضمون الاخبار وان لم يقل به احد من الفقهاء الاخيار، وكتب الاقل محمد المهدي الفتونى. 33 - عقد الجواهر النورانية في اجوبة المسائل البحرانية، سأله عنها الشيخ علي بن الحسن البلادي

[ 28 ]

34 - قاطعة القال والقيل في انفعال الماء القليل، تعرض فيها للنقاش العلمي مع امام المعقول والمنقول المحقق المحدث الفيض الكاشانى (قدس سره) 35 - الكشكول، اسمه جليس الحاضر وانيس المسافر كما في اللؤلؤة. أو انيس المسافر وجليس الخاطر كما هو المطبوع على الكشكول وفي جزئيه الاول والثانى وقد وقعت تصحيفات في اسمه كما مر الايعاز إليه. لكنه اشتهر بكشكول الشيخ يوسف، وقد طبع في بمبئ عام 1291. 36 - كشف القناع عن صريح الدليل في الرد على من قال في الرضاع بعموم التنزيل، ناقش فيه ادلة سلطان المحققين المولى العماد (مير داماد) في القول بعموم المنزلة، الفه في شيراز سنة 1149، توجد منه نسخة في مدرسة البادكوبي في كربلاء. 37 - الكنوز المودعة في اتمام الصلاة في الحرم الاربعة. 38 - الكنوز المودعة في اتمام الصلاة في الحرم الاربعة. 38 - لؤلؤة البحرين في الاجازة لقرتي العينين، وهي اجازة كبيرة مبسوطة كتبها لابنى اخويه: الشيخ حسين ابن الشيخ محمد والشيخ خلف ابن الشيخ عبد علي. تشتمل على تراجم اكثر علمائنا من عصره إلى عصر الصدوقين، يعرف منها تتبعه في الرجال واحاطته بالتراجم. وعلى اللؤلؤة حواش ثلاث: 1 - حواش وتعليقات للمؤلف نفسه كما مر ذكرها. 2 - حاشية عليها للميرزا محمد التنكابني مؤلف قصص العلماء 3 - حاشية عليها للميرزا محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع النيشابوري الهندي الاخباري المقتول سنة 1232. ولخصها وانتخب منها تلميذ المؤلف الامير عبد الباقي سبط العلامة المجلسي 39 - اللئالى الزواهر في تتمة عقد الجواهر، في اجوبة مسائل لذلك السائل، وهي اثنتان وعشرون مسألة، فرغ منها في جمادى الثانية عام 1173 في كربلاء.

[ 29 ]

40 - الرسالة المحمدية في احكام الميراث الابدية، كتبها للشيخ محمد ابن الشيخ احمد البحراني، توجد نسخة من هذه الرسالة والتي قبلها بالمكتبة الجعفرية العامة في المدرسة الهندية في كربلاء 41 - السمائل، أحال إلى كتابه هذا في المقدمة الثانية من حدائقه راجع ج 1 ص 24 42 - معراج النبيه في شرح من لا يحضره الفقيه. 43 - مناسك الحج، موجودة عند الشيخ محمد صالح البحراني. 44 - ميزان الترجيح في افضلية القول فيما عدا الاوليين بالتسبيح، توجد عند الحجة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي. 45 - النفحات الملكوتية في الرد على الصوفية. حول كتاب الحدائق قدمنا بعض القول حول الكتاب في (التمهيد) وأرجأنا انهاء القول إلى هذا المقام، ولكن الكتاب بنفسه وبشهرته الطائلة وصيته الطائر غني عن ان نحوم حوله فضلا عن الاسهاب في الاطراء، أضف إلى ذلك ما يؤثر عن أعلام الامة وفقهائها من عقود ذهبية وجمل عسجدية وكلم خالدة في الثناء عليه، وسيوافيك شذور من كلماتهم، فهو كتاب جامع مبسوط لم يعمل مثله في بابه في كتب الاصحاب قبله، وقد عمله مؤلفه لكي يغنى رواد عن سبر غيره من كتب الفقه والحديث والاستدلال (1) ولا بدع، فانه اول مجموعة فقهية ومدونة كبرى في الفرائض والسنن تحوي جل الفروع ان لم يكن كلها، وتضم في طيها الاقوال والاراء واصول الدلائل، وحوت بين دفتيها جميع ما ورد من الاحاديث عن الصادع الكريم وأئمة العترة الطاهرة - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم - في الاحكام الشرعية، وقد انبرى لكلمات الفقهاء وما فهموه


(1) من كلام للمؤلف يأتي تمامه بلفظه.

[ 30 ]

من الروايات فافتوا بمؤدى اجتهادهم ونتيجة انظارهم ومحصل استنباطهم، وافق الشهرة القائمة والاجماع بقسميه أو خالف، ثم ضم إلى كل رأي ادلته وأضاف إلى كل قول مستنده وما يؤيده ويدعمه، ثم حاول نقاشها بما يمكن أن يورد عليها من نقود ومؤاخذات، فان تم عنده دليل ورأى الشبهة مزيفة ردها وابطلها، واحكم الدليل واثبته واختار ما أدى إليه اجتهاده، كأنه يلمسك الحقائق بيده أو ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، وبذلك اعجب من تأخر عنه من جهابذة الفقه وصيارفة الفن ومهرته ما وجدوه في طيه من علم غزير، وفضل كثار، وفقاهة ودراية، وتضلع في فنون الحديث، وتبحر في الفقه، وتتبع في الاراء واطلاع على الفتاوى، وحيطة بالادلة واستقصاء فيها، وخبرة بمعاقد الاجماع وموارد الشهرة، ومقدرة على البحث وقوة في البرهنة، وتثبت في الحكم، وتعمق في التفكير، ونضج في الرأي، وما هنا لك من دقة وتثبت وتحقيق، فان قال فقول فصل، وان احتج فبرهنة صادقة، وان صدع فبالحق الصراح، وان جنح فالى الحقيقة الراهنة، فهو حين يفيض الحجج فكالسيل المنحدر، من شاهق، وإذا حل مشكلة فكأن الاشكال لم يطرقها، وإذا دحض شبهة فهي كالريشة في مهب الريح، كل ذلك ببيان سهل وكلام منسجم، وقول جزل معتضد بالمنطق، فاصبح وطلبة الفقيه، وغاية المحدث، وضالة المجتهد المحقق، فخلد الكتاب لمؤلفه - على صفحة الدهر وغرة الزمن وسجل الخلود - ذكرا " لا يبلى وعظمة لا يخلقها مر الجديدين وكان بذلك في الطليعة من ناشري الوية الفقه، وعاقدي بنوده، ومنظمي صفوفه، وقائدي كتائبه، وسائقي مقانبه، وجامعي شوارده، كما تقدمت جمل الثناء عليه، فمن الحري أن توقف الباحث على نزر يسير مما جاء حول الكتاب. الثناء عليه 1 - قال المؤلف في اللؤلؤة: وكتابنا هذا - بحمد الله سبحانه - لم يعمل

[ 31 ]

مثله في كتب الاصحاب، ولم يسبق إليه سابق في هذا الباب، لاشتماله على جميع النصوص المتعلقة بكل مسألة. وجميع الاقوال، وجملة الفروع التي ترتبط بكل مسألة، الا ما زاغ عنه البصر وحاد عنه النظر، إلى ان قال رحمه الله: وبالجملة، فان قصدنا فيه إلى ان الناظر فيه لا يحتاج إلى مراجعة غيره من الاخبار ولا كتب الاستدلال، ولهذا صار كتابا " كبيرا " واسعا " كالبحر الزاخر باللؤلؤ الفاخر. 2 - وقال تلميذ المؤلف الرجالي الكبير أبو علي الحائري في (منتهى المقال): هو كتاب جليل لم يعمل مثله جدا "، جمع فيه الاقوال والاخبار الواردة عن الائمة الاطهار. 3 - وقال المحقق التسترى في المقابس: وله تصانيف كثيرة كأنها الخرائد وتآليف غزيرة ابهى من القلائد: منها - وهو اشهرها - كتاب الحدائق. 4 - وقال المحقق الخوانساري في الروضات: صاحب الحدائق الناضرة، والدرر النجفية، ولؤلؤة البحرين، وغير ذلك من التصانيف الفاخرة الباهرة، التي تلذ بمطالعتها النفس، وتقر بملاحظتها العين. 5 - وقال مؤلف الدرر البهية: لقد صنف فاكثر، واشتهرت مصنفاته وكتبه لاسيما (الحدائق) فانه كتاب لم يكن له نظير، ولا ينبئك مثل خيبر. 6 - وقال مؤلف الروضة البهية: صاحب الحدائق، فهو من اجلاء هذه الطائفة، كثير العلم، حسن التصانيف، نقي الكلام، بصير بالاخبار المروية عن الائمة المعصومين (صلوات وسلامه عليهم اجمعين) يظهر كمال تتبعه وتبحره في الاثار المروية بالنظر إلى كتبه، سيما (الحدائق الناضرة) فانها حقيق ان تكتب بالنور على صفحات وجنات الحور، وكل من تأخر عنه استفاد من الحدائق الناضرة. 7 - وقال شيخنا العلامة النوري: وله تصانيف رائقة نافعة جامعة، احسنها الحدائق الناضرة، ثم الدرر النجفية.

[ 32 ]

8 - وقال خاتمة المحدثين الشيخ عباس القمي في الفوائد الرضوية: صاحب التصانيف الرائقة النافعة الجامعة التي احسنها الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة، وهو كتاب جليل في الغاية كثير النفع. 9 - وقال مؤلف انوار البدرين: صاحب الحدائق الناضرة وغيره من المصنفات الفاخرة 10 - وقال شيخنا الحجة المحقق الاكبر العلامة الاميني - متعنا الله ببقائه - في شهداءؤ الفضيلة: وكتابه (الحدائق) الدائر السائر بين الفقهاء ينم عن غزارة علم مؤلفه وتضلعه في العلوم وتبحره في الفقه والحديث. 11 - وقال العلامة الجليل ابن يوسف الشيرازي في فهرست مكتبة سپهسالار: كتاب الحدائق من خيرة الكتب الفقهية للشيعة، يجمع بين دفتيه جميع الفتاوى الفقهية وادلتها من الايات والاخبار، ولهذا حظى بالقبول من اعلام الامة وفقهائها باجمعهم على اختلاف اذواقهم 12 - وقال مترجمة في مقدمة الطبعة الاولى من الحدائق: ومن جملة ما افرغه في قالب التصنيف والفه في غاية الاحكام والترصيف، هو كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة، وهو لعمري كتاب حوى ما لم يحوه كتاب، ومؤلف جمع ما لم يجر في خطاب، فصل المسائل فتفضل، وطول الدلائل فتطول، فكم فيها من ازهار نكات تزري على زهر الروض المطلول. وانوار ابحاث يخجل عندها نور الربيع وان اتى بالوجه المصقول، وشوامخ معضلات كانت تزول عنها ظفر الطائر فارتقى ذراها بايراد حججها، وبحار مشكلات كانت تقذف بالبوصى والماهر فشق بسفن التدقيق لججها. فهو كتاب جامع للادلة والاقوال، حاو للفروع الكثيرة، حسن الترتيب، يشتمل على ابحاث لطيفة ومسائل شريفة.

[ 33 ]

واما جمل الثناء عليه في غضون الكتب الفقهية فكثيرة يعسر استقصاؤها، يعثر عليها المتصفح فيها، فان الكتب الفقهية مشحونة بالنقل من كلماته، ومملوءة بآرائه وحججه، فقد اضحى الكتاب منذ أن افرغ في قالب التأليف شرعة لو راد الفقه ونجعة لرواده، اكب عليه الفقهاء، وتداولته الاوساط العلمية وانديتها بكل إكبار واعجاب ولا تكاد تجد فقيها إلا ويأخذ منه ولا كتابا فقهيا " إلا وينقل عنه، حتى ان بعضهم كان مغرما " به بحيث كان ينقل منه نصف الصفحة والاكثر بنص عباراته في كتابه (1) ولشدة اعتدادهم بالكتاب وكثرة مزاولتهم له نرى لهم على الكتاب قيودا " وتعاليق، وكتبوا عليه شروحا " وحواشي. واليك جملة مما عثرنا عليه من التعاليق والحواشي منها: 1 - حاشية للمؤلف نفسه، وهي تعاليق كثيرة طبعت بهامش الاصل في الطبعة الاولى وفى ذيله في هذه الطبعة، وهي التي يرمز إليها بكلمة (منه). 2 - حاشية لتلميذ المؤلف الفقيه الشهير السيد علي الطباطبائى الحائري مؤلف (الرياض) المتوفى 1231 والمدفون مع المؤلف ومع خاله الوحيد البهبهانى في الرواق. 3 - حاشية للسيد ميرزا ابراهيم الفسائي الشيرازي حفيد العلامة الجليل السيد علي خان الكبير، توجد نسخة منها في (مكتبة كاشف الغطاء). 4 - حاشية للسيد ابراهيم بن محمد الموسوي الدزفولي الكرمانشاهي الحائري المتوفى قبل عام 1300، توجد نسخة منها عند شيخنا العلم الحجة العلامة الرازي دام ظله. 5 - حاشية للعلامة الفاضل المعاصر ابن يوسف الحدائقي الشيرازي من احفاد المؤلف. 6 - حاشية لشيخنا العلامة المحقق الحجة الشيخ محمد تقي الايرواني دام بقاؤه


(1) وهو السيد اسد الله الاصفهاني نجل الزعيم العظيم حجة الاسلام الشفتى الاصفهانى راجع ترجمته في الكرام البررة ج 1 ص 126.

[ 34 ]

وقد تصدى للتعليق على الكتاب بعد تحقيقه وتصحيحه، واتعب نفسه في تخريج احاديثه، ومراجعة رجالها واسنادها وتصحيها على مصادرها، وتفضل باخراج الكتاب على اجمل صورة واحسن هية، هي التعاليق غير المرموزة في هذه الطبعة. كما ان هناك أفذاذ لم يرقهم مواضع من الكتاب، فكتبوا عليه شروحا " وتناولوه بالنقاش الفني، وحاولوا معه الحجاج العلمي بكل أدب في التعبير وحرية في الرأي والتفكير، نذكر منهم: 1 - المحدث المحقق السيد محسن الاعرجي الكاظمي المتوفى سنة 1227، شرح مقدمتين من مقدمات (الحدائق) الاثنتي عشرة، وربما ناقشه في شئ من المسائل، 2 - العلامة الفاضل آقا محمود بن آقا محمد علي الكرمانشاهي المتوفى عام 1269 حفيد المحقق الوحيد البهباني، شرح مقدمات الحدائق وسماه (الجنة الواقية) 3 - الرد على مقدمات الحدائق، لبعض الاعلام عنوانه (قال - أقول) فيه عدة سؤالات تنتهي إلى ثلاثة وعشرين سؤالا. تتميم الحدائق ومن المأسوف عليه جدا " أن القضاء المحتوم لم يمهله حتى يبلغ اقصى آماله، ويتمم كتابه (الحدائق)، وحالت المنية دون هذه الامنية، فاخترمه الاجل ولما يكتب الفقه دورة كاملة، وبقيت بتراء ناقصة، بلغ في تأليفه - على الرغم من دؤوبه وكثرة جهوده في ذلك وعظيم اهتمامه به - إلى كتاب الظهار. غير ان ابن اخيه وتلميذه الاجل شيخنا الفاضل المدقق الشيخ حسين كتب بعد عمه (كتاب عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق الناضرة) وربما تحذف كلمة (العيون) طبعت في النجف الاشرف عام 1354، وهذا المطبوع يحتوي على تسعة من كتب الفقه، وهي: الظهار، الايلاء، اللعان، العتق، الاقرار. الجعالة، الابمان، النذر، الكفارات. وبعضهم سمى الكتاب (الحقائق الفاخرة) ولعله اسم للجزء الثاني منه إلى آخر الفقه. نسأله تعالى

[ 35 ]

التوفيق لطبع التتميم واتمام هذه الطبعة به ان شاء الله. وتأتى ترجمة مؤلفه وسرد بعض تآليفه في (اسرة المؤلف). الدبه من سبر تآليف شيخنا المؤلف ولا حظ آثاره العلمية، وقف على مكانته الادبية السامية، وبهره ما يراه من بلاغة البيان، وانسجام الكلام، وجزالة القول، وجودة السرد، وحسن الاسلوب، وعلم أن لمؤلفها اليد الطولى في العلوم الادبية، وسعة الباع في فنون البلاغة. وهذه الناحية هي إحدى محاسن كتبه وميزات مؤلفاته ولا سيما كتابه (الحدائق). وللمؤلف كتاب كبير في خطب الجمعات والاعياد يضم بين دفتيه خطبا " بليغة ومواعظ حسنة، تدل القارئ على مدى تضلعه في الادب وفنونه، وله رسائل بليغة ومساجلات أدبية، توجد عشرة منها في الجزء الثاني من كشكوله، ونحن الان نسوق للتدليل على سمو كعبه في الادب صدر الرسالة الثالثة والرابعة ونقتصر في الانموذج عليه، قال: " ما الروض الانيق المتفتحة فيه أزهار العرار والشقيق، ولا السلاف العتيق المقتول بمختوم أريج الرحيق، بأزهر ولا أحلى، ولا ألذ ولا أشهى، من تسليمات تتفجر من خلالها عيون الاخلاص، وتحيات يتضوع من نشرها أريج الاختصاص... الخ ". وقال في الاخرى: " أبهى ما نشرته أيدي الاقلام في طي الصحف والرسائل، وأولى ما نطقت به الانس فتضوع في ارجاء اوقات الفضائل، عرائس تسليمات تتأرج الارجاء بشذاها، وتتألق آفاق السماء بسناها، وخرائد دعوات تعجز الاوهام عن نظمها في سمط التحرير، وتقصر الافهام عن وصفها في كليات الحصر والتقرير، وصوافي أثنية تزري بلطافة النسيم، وتنسي حلاوة التسنيم... ".

[ 36 ]

ولم يكن أدبه مقصورا " على النثر فحسب، بل ربما جاشت عواطفه فنظم وأجاد في نظمه، وربما تفجرت زفرات قلبه ونفثات صدره، فصاغها قريضا " بعثها إلى اخوته وأحبته، بيد أنه لم يحفظ له من الشعر إلا مام اثبته هو في كشكوله، منه - قصيدتان بعثهما إلى إخوته يشكو إليهم ما ألم به من حوادث وكوارث، بعث احداهما حين سافروا إلى الهند عام 1141، وبعث الاخرى إلى مكة رجوع اخيه العلامة الشيخ محمد من الهند. ومنه - تخميسه لقصيدة طويلة بعثها إليه احد اخوانه الاخلاء، مثبتة هي والتخميس في الكشكول ج 2 ص 338. ومنه - قصيدة يمدح بها امير المؤمنين حين يمم العراق لزيارته (صلوات الله وسلامه عليه) عام 1156. وفاته ومدفنه توفي رحمه الله بعد الظهر من يوم السبت رابع ربيع الاول عام 1186 (1) عن عمر ناهز الثمانين، كرسه في خدمة العلم والدين، وضحاه في تدوين الفقه وتبويبه ورد فروعه على اصوله، وقضاه: في جمع شتات احاديث أئمة بيت الوحي (صلوات الله وسلامه عليهم) وبثها في الملا الديني، قدس الله روحه ونور مضجعه وجزاه عن نبيه وعن أئمته خيرا ". لبى - رحمه الله - نداء ربه بعد زعامة دينية القيت إليه مقاليدها زهاء عشرين سنة، فما إن صوت الناعي بفقده إلا وتهافت أهل كربلاء من كل صوب وحدب على تشييع جثمانه الطاهر، جثمان انهكته العبادة وريضه الزهد وتقوى الله (2) وابلاه دؤوب الايام وسهو


(1) وقيل في عام اقوال شاذة وهى: 87، 88، 89، والاصح الاشهر ما اثبتناه ثم الاقرب بعده إلى الصحة 87، وعليه ينطبق ما قيل من شعر في تأريخ وفاته. (2) لم نتعرض لو صف تقواه العظيم استغناءا " بما قدمنا من كلمات اعلام الامة =

[ 37 ]

الليالي في فقه أئمة آل الرسول (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم) فكان يومذاك يوما " مشهودا "، شيعه أهل مصره على بكرة ابيهم (1) بمختلف الطبقات. وفى طليعتهم الهيئة العلمية والطبقة الروحية، يقدمهم زعيمهم الاوحد الاستاذ الاكبر المحقق الوحيد البهبهانى (قدس سره) وتولى تغسيله تلميذاه التقيان: الحاج معصوم والشيخ محمد علي ابن السلطان. وصلى عليه الاستاذ الوحيد بوصية منه (قدس سره) ودفن بالحائر الشريف بالرواق الحسيني الاطهر عند رجلي الشهداء، ودفن في جواره المحقق الوحيد المتوفى 1208، وتلميذهما ابن اخت الوحيد سيدنا الطباطبائي (صاحب الرياض) المتوفى 1231 (قدس الله اسرارهم) وعلى مثوى هؤلاء الاعلام صندوق خشبي. واقيمت له الفواتح في كربلاء المشرفة وسائر البلاد الشيعية، وفي عاصمتها النجف الاشرف، واول من اقام له الفاتحة بها تلميذه الاكبر سيدنا الاجل آية الله بحر العلوم. رئاؤه رثاه جمع من شعراء ذلك العصر، نقتصر على قصيدة الشاعر الاديب السيد محمد آل السيد رزين، فقد رثاه بفائية وارخ وفاته قائلا: يا قبر يوسف كيف اوعيت العلى * وكنفت في جنبيك من لا يكنف قامت عليه نوائح من كتبه * تشكو الظليمة بعدد وتأسف ك‍ (حدائق) العلم التي من زهرها * كانت أنامل ذي البصائر تقطف وعلا الفلول (صوارما) قد اصلتت * قصفا بها زمر الاعادي تقصف


= حول الثناء عليه ووصف ما كان عليه من زهد وورع وتقى. (1) بالغ في وصف ذلك التشييع العظيم من حضره ورآه بام عينه، وهو تلميذه الرجالي الكبير أبو على الحائري في منتهى المقال.

[ 38 ]

وتفصمت حلق (السلاسل) بعده * في قيدها كان المعاند يؤسف وانحل عقد (لئالئ) الدرر التي * كانت به عنق الافاضل تتحف تسقى ترابك بعد صوب دموعنا * من صيب الغفر ان سحب وكيف وجزيت يوسف من بقية احمد * أجرا " لك الجنات منه تزلف وحللت من فردوسها بمقامة * يزهو عليها العبقري ورفرف مذ غبت عن عين الانام فكلنا * يعقوب حزن غاب منه يوسف فقضيت واحد ذا الزمان فارخوا * (قرحت قلب الدين بعدك يوسف) * وفي انوار البدرين ان بعض الادباء الشعراء ارخ وفاته بقوله: (بكاء يوسف تأويل الاحاديث) وقال العلامة البروجردي في نخبة المقال: ويوسف بن احمد البحراني * شيخ جليل قدرة الاعيان له حدائق قد استوفى الخبر * وبعد (عد) قبضه (لنا ظهر) 74 * 1186 اسرة المؤلف (آل عصفور) ان اسرة شيخنا (المؤلف) اسرة علمية جليلة نبغ فيها رجال كثيرون، يعدون من اعلام الطائفة وأعيان الامة، خدموا الحق والعلم والمذهب والدين، توجد تراجمهم مبثوثة في معاجم التراجم، والذي احصى الكثير منهم وترجم لهم هو الشيخ علي في المجلد الاول من (انوار البدرين) والشيخ مرزوق الشويكي في (الدرر البهية) والسيد ابن ابي شبانه في (التكملة) وشيخنا البحاثة المحقق العلم الحجة الاميني دام بقاؤه في (شهداء الفضيلة) ص 7 إلى 318، وشيخنا البحاثة الحجة العلامة الرازي في (الظليلة) وحيث ضاق بنا نطلق البحث وليس بوسعنا التوسع في ترجمة كل منهم - وهم اكثر من اربعين -

[ 39 ]

ولا يسعنا الغض عنهم بالمرة نقتصر، على عدهم وسرد اسمائهم والايعاز إلى ملخص تراجمهم، فمنهم: 1 - والد (المؤلف) العلامة الحجة الشيخ احمد بن ابراهيم الدرازي البحراني قال العلامة الحائري في منتهى المقال: " وكان من اجلاء تلامذة شيخنا الشيخ سليمان الماحوزي، وكان عالما " فاضلا محققا " مدققا " مجتهدا " صرفا " وقال تلميذه الشيخ عبد الله ابن صالح السماهيجي " وهذا الشيخ ماهر في اكثر العلوم العقلية والرياضية، وهو فقيه محدث مجتهد، له شأن كبير في بلادنا واعتبار عظيم " ولد عام 1084، وتعلم الاليات من الشيخ احمد بن ابراهيم المقابي، ثم قرأ على الشيخ محمد بن يوسف البحراني ثم تخرج على العلامة المحقق الشيخ سليمان الماحوزي الشهير وكان من اجل تلامذته كما مر. وقال في الدرر البهية: " كان فاضلا محققا " مجتهدا " صرفا لا يمل من بحث، وقد صنف فاكثر " له كتب ورسائل عديدة، منها: 1 - رسالة في بيان حياة الاموات بعد الموت - 2 - رسالة في الجوهر والعرض - 3 - رسالة في الجزء الذي لا يتجزأ - 4 - رسالة في الاوزان - 5 - الرسالة الاستثنائية في الاقرار - 6 - رسالة في ثبوت الولاية على البكر البالغة الرشيدة - 7 - رسالة في القرعة - 8 - رسالة في التقية - 9 - رسالة في شرح عبارة اللمعة في مبحث الزوال - 10 - رسالة في مهر الزوجة عند موت الزوج قبل الدخول - 11 - رسالة في هدم الطلقة أو الطلقتين بتحليل المحلل وعدمه، إلى آخر ما هو معدود في اللؤلؤة وغيرها يقرب من ثلاثين مؤلفا ". زار النجف الاشرف عام 1125 والتقى بعلمائها. يروي بالاجازة عن شيخه الشيخ سليمان الماحوزي تأريخها 1119. توفي رحمه الله في القطيف ضحوة اليوم الثاني والعشرين من صفر 1131. ترجم له سيدنا الامين في اعيان الشيعة ج 8 ص 360، ويشترك مع ولده (المؤلف) في جميع مصادر الترجمة.

[ 40 ]

ولشيخنا المؤلف ولدان، احدهما: 2 - الشيخ حسن، عالم فاضل، بل ذكره بعضهم في عداد تلامذة والده، وجاء ذكره في (لباب الالقاب) وترجم له سيدنا الامين في أعيان الشيعة، وشيخنا الرازي في اعلامها، فقال في الكواكب المنتثرة: " رأيت بخطه حاشية المدارك تأليف الوحيد، ومما كتب عليه: كتبه بنفسه لنفسه، جعل الله يومه خيرا " من أمسه، وقرأه على مصنفه الاستاذ، وهو صريح في أنه من تلامذة الوحيد، ولعله تلمذ على والده ايضا "، وكأنه توفي عام 1197 " وثانيهما: 3 - الشيخ محمد، قال المؤلف في الكشكول: " كتاب كتبه لا بني محمد ". ترجم له الشويكي في (الدرر البهية) قال: " عالم فاضل محقق فقيه، اسمه الشيخ محمد وكان للشيخ محمد ابنان فاضلان عالمان قد اجتمعت بهما في حدود السنة الرابعة عشرة بعد المائتين والالف: احدهما - الشيخ موسى، والاخر - الشيخ عبد علي، مسكنهما مع والدهما في العجم في (فسا) ". ولشيخنا المؤلف خمسة اخوة: الشيخ عبد الله، والشيخ عبد النبي، والشيخ علي والشيخ عبد علي، والشيخ محمد، اما الثلاثة الاول فلم يعقبوا، واما اخوه الرابع: 4 - الشيخ عبد علي، فهو شريك المؤلف في الدراسة والقراءة والرواية عن المشايخ، قال في الدرر البهية: " شيخنا الاعظم الاعلم البهي الشيخ عبد علي، كان عالما " فاضلا محققا " مدققا "، وهو من افاضل تلمذة الشيخ محمد المقابى البحراني. له مؤلفات منها: كتاب احياء علوم الدين في الفقه. ولد عام 1116 وتوفي في كربلاء في رجب 1177 واعقب ولدين: أحد هما - الشيخ احمد وترجم له اصحاب التراجم وأثنوا عليه، والثانى: 5 - الشيخ خلف ابن اخي وتلميذه المتخرج عليه والراوي عنه وأحد قرتى العينين المجازين ب‍ (لؤ لؤة البحرين) ترجم له الشويكي في (الدرر البهية) وقال عنه:

[ 41 ]

" العالم الفاضل المحقق المدقق غائص بحار الاخبار، سكن القطيف ثم الدورق ثم المحمرة وتوفي بالبصرة عام 1208 ودفن بالنجف الاشرف، وقال شيخنا العلامة الرازي في (الكرام البررة): له مجموعة رسائل كانت عند شيخنا العلامة النوري، تدل على غزارة علمه وفضله. وترجم له شيخنا الحجة الاميني في شهداء الفضيلة فقال " انه من اعيان علماء الطائفة، وفضلائها المحققين، له حواش كثيرة على المجلد الرابع من بحار شيخنا المجلسي " وللشيخ خلف هذا اولاد ثلاثة: الشيخ يوسف والشيخ احمد والشيخ محمد، وتوفي الاخير عام 1207 واعقب ولده الشيخ حسن، ترجم لهم في (الدرر البهية) ووصفهم بالعلم والفضل: وقال " عاصرناهم واستفدنا منهم ". وأما اخو المؤلف الخامس وهو: 6 - الشيخ محمد، عالم فاضل، ولد سنة 1112، ونشأ بالبحرين وتخرج بها، يروي عن الشيخ حسين الماحوزي، ويروى عنه ولداه: الشيخ احمد والشيخ حسين وله مراث في الامام السبط الشهيد، وله كتاب (مرآة الاخبار في احكام الاسفار) ولشيخنا المؤلف قصيدة يمدحه بها. وللشيخ محمد هذا ابناء اربعة: الشيخ عبد الله، توفي سنة 1208. والثانى: 7 - ابن اخي المؤلف الشيخ علي، وكان متكلما فاضلا شاعرا " ماهرا ". واعقب الشيخ علي نجله العالم الفاضل الشيخ محمد، تولى امامة الجمعة والجماعة والقضاء في (الشاخورة) له مؤلفات: منها - كتاب في الاصول الخمسة ورسالة في وجوب الجمعة. والثالث من ابناء الشيخ محمد: 8 - ابن اخي المؤلف الشيخ احمد، قال في الدرر: " عالم فاضل فقيه محقق مدقق " وقال شيخنا العلامة الحجة الرازي: " انه من كبار علماء عصره، وكان مفتي البلاد وقاضيها. يروي عنه الشيخ احمد الاحسائي " وهو يروي عن ابيه وعن شيخيه

[ 42 ]

وعميه: شيخنا (المؤلف) والشيخ عبد علي. وله مؤلفات وقصائد، وذكره العلامة الكلباسي في مبحث حجية الاخبار من (إشاراته) وترجم له سيدنا الصدر في (التكملة) وللشيخ احمد هذا خلف واحد وهو: 9 - الشيخ محمد، قال في الدرر: " كان عالما " عاملا متكلما ماهرا " خطيبا " مفوها "، له كتب " وخلف ابن عمه الذي مر ذكره في امامة الشاخورة وزعامتها وقضائها. والرابع من انجال الشيخ محمد: 10 - الشيخ حسين ابن اخي المؤلف، وتلميذه المتخرج عليه والراوي عنه والثانى من قرتى العينين المجازين بالاجازة الكبيرة المبسوطة (لؤلؤة البحرين) ومتمم كتاب شيخه وعمه (الحدائق الناضرة) ترجم له تلميذه الشويكي في الدرر البهية فقال: " هذا الشيخ أجل من أن يذكر، وفضله وشرفه اعظم من أن يشهر، قد انتهت إليه رئاسة الامامية حيث لم تسمع الاذان ولم تبصر الاعيان ثلا له في عصره قد بلغ النهاية وجاز الغاية، كان محققا " مدققا " مصنفا " ماهرا " ورعا " زاهدا " اديبا ". وقال في انوار البدين: " كان من العلماء الربانيين، والفضلاء المتتبعين، والحفاظ الماهرين، وأجلة متأخري المتأخرين واساطين المذهب والدين، بل عده بعض العلماء الكبار من المجددين للمذهب على رأس الالف والمائتين كان يضرب به المثل في قوة الحافظة. ملازما " للتدريس والتصنيف والمطالعة والتأليف، وبالجملة فهو من اكابر علماء عصره وأساطين فضلاء دهره علما " وعملا وتقوى ونبلا "، ونادي بحثه مملوء من العلماء الكبار ". ترجم له شيخ اعلام الشيعة في الكرام البررة ج 1 من ص 427 إلى 429 فقال دام ظله: " كان من كبار علماء عصره ومشاهيرهم، زعيم الفرقة، وشيخها المتقدم، وعلامتها الجليل، وكان من المصنفين المكثرين المتبحرين في الفقه والاصول والحديث وغيرها ". ولد عام 1147، وتخرج على عمه شيخنا المؤلف فكان قرة عينه، وكتب له اجازتين:

[ 43 ]

صغيرة وكبيرة مبسوطة وهي (لؤلؤة البحرين في الاجازة لقرتي العينين) واوصى إليه بكتبه، ولذلك تصدى لتتميم (الحدائق) وسماه (عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق الناضرة) وقد طبع في النجف الاشرف عام 1342، وله زهاء بضع وثلاثين تأليفا "، عدها له مترجموه وعد بعضها في بعض اجازاته: منها - النفحة القدسية، ومنها - الفرحة الانسية (مطبوعتان) وله مفاتيح الغيب والتبيان في تفسير القرآن، والانوار اللوامع مع شرح مفاتيح الشرائع للفيض الكاشانى في عدة مجلدات ولخصه بعض تلامذته، وغير ذلك من الكتب والرسائل في مختلف العلوم، وله ديوان في رثاء الحسين (عليه السلام) ومنظومتان في الفقه واصول العقائد، ومنظومة اخرى في النحو ويروى ايضا " عن ابيه الشيخ محمد وعن عمه وابي زوجته الشيخ عبد علي. ويروي عنه جماعة: منهم - الشيخ عبد المحسن اللويمي، والشيخ على ابن الشيخ عبد الله الجد حفصي، والشيخ محمد بن خلف السري، والشيخ مرزوق الشويكي الخطي وغيرهم ضربه ملعون من اعداء الدين بحربة في ظهر قدمه، فمات شهيدا " ليلة الاحد الحادي والعشرين من شهر شوال سنة 1216، وتاريخ شهادته: (طود الشريعة قد وهى وتهدما) وللاديب الشاعر الشهير الحاج هاشم الكعبي قصيدتان طويلتان في رثائه طبعتا في آخر الكشكول لشيخنا المؤلف. وله اولاد سبعة: الاول - العالم الفاضل الشيخ محمد. ولد سنة 1169، وتوفي سنة 1216 بعد ابيه بقليل. والثاني - الشيخ عبد الرضا. ولد عام 1185. والثالث - الشيخ علي، قال في الدرر: " كان عالما " فاضلا متكلما مات في رجب 1208 ". والرابع: 11 - الشيخ حسن وهو من الاعلام الافاضل، ولد سنة 1182، هاجر بعد ابيه إلى شيراز ثم بعد عام 1240 إلى أبو شهر، فكان عالمها وامامها وتولى القضاء والافتاء والتدريس فكان زعيمها الروحي له مكانته السامية وله تآليف: منها - رسالة عملية، وشرح

[ 44 ]

منظومة والده في اصول العقائد، وتوفي بها عام 1261. والخامس: 12 - الشيخ عبد الله وهو من العلماء الافاضل، خلف اباه في زعامة البحرين الروحية والفيام بالوظائف الشرعية، واعقب ولده الشيخ سليمان، وهو من اعلام هذه الاسرة، هاجر إلى شيراز، له مؤلفات ومنظومة في الكلام وشرحها. والسادس: 13 - الشيخ عبد علي، قال في الدرر البهية: كان عالما " فاضلا محققا " متكلما مجتهدا "، توفي بالبحرين في حياة والده في ذى القعدة عام 1208، وخلف نجله العالم الفاضل الصالح الشيخ خلف. وتاريخ ولادته (لا شك فيه لا بيه خلف 1194) وكان عالم ابو شهر وامامها في الجمعة والجماعة، له مؤلفات كثيرة. واعقب ولده الشيخ عبد علي فخلف اباه الشيخ خلف في زعامة أبو شهر وتولى الامامة والقضاء، وله كتب كثيرة: منها - لئالئ الافكار في الاصولين مطبوع، توفي سنة 1303. وعمرا كثر من ثمانين سنة والسابع من اولاد الشيخ حسين: 14 - الشيخ احمد، وله ولدان: احدهمام - الشيخ حسين عالم فاضل واديب شاعر له قصائد في مراثي الامام السبط الشهيد، والثاني - الشيخ محمد، وكان زعيما دينيا " في أبو شهر وتوفي بها سنة 1263 واعقب ابنه الشيخ احمد، تلمذ على الشيخ محمد طاهر الحويزي وخلف اباه في زعامة أبو شهر وتوفي سنة 1315. ترجم له ولابيه شيخنا الرازي في نقباء البشر ج 1 ص 118. واعقب الشيخ احمد ولدين: اولهما - الشيخ محمد، والثاني - الشيخ خلف، وخلف اباه وجده في زعامة أبو شهر ولد سنة 1285، وتلمذ على الحقق الخراساني صاحب الكفاية. له كتاب (الانوار الجعفرية) وهو من مشايخ اجازة العلامة الحجة السيد شهاب الدين المرعشي، توفي سنة 1353، ترجم له في (نقباء البشر). والحمد لله اولا وآخرا "، والصلاة على سيد الانبياء وآله الاوصياء ليلة الثامن عشر من شهر رجب 1377.

[ 1 ]

الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفى سنة 1186 هجرية حققه وعلق عليه واشرف على طبعه محمد تقى الايروانى الجزء الاول مؤسسة النشر الاسلامي (التابعه) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا بواضح الدليل إلى سبيل معادن العلم والتأويل، وسقانا بكأس رحيق السلسبيل من زلال عيون الوحي والتنزيل، وعرج بنا إلى معارج الهداية والدراية. وفتح لنا مغلقات الاحكام بمحكمات الآية والرواية، وشرح لنا مبهمات الحلال والحرام بلامعات الولاية الدامغة لدلهمات الغواية. والصلاة على مؤسس قواعد الدين بالقواعد الباهرة والبراهين. وآله الرافعين لاعلام ما اسس والمشيدين، صلاة توجب لنا الفوز بجوارهم في أعلى عليين. (أما بعد) فيقول الفقير إلى ربه الكريم، والمتعطش إلى فيض جوده العميم يوسف بن احمد بن ابراهيم اصلح الله تعالى له أمر داريه، ورزقه حلاوة نشأتيه، وثبته بالامر الثابت لديه. ووفقه لتدارك ذنوبه قبل أن يخرج الامر من يديه، وألحقه بائمته مع جملة ولده وإخوانه ووالديه: اني كثيرا ما تشوقت نفسي إلى تأليف كتاب جامع للاحكام الفقهية المذيلة بالاخبار النبوية والآثار المعصومية، مشتمل على امهات المسائل وما يتبعها من الفروع المرتبطة بالدلائل. فيعوقني عن ذلك تلاطم امواج الفتن والغارات، وتزاحم افواج المحن والشتات. وتراكم حنادس عوائق الزمان، وتصادم

[ 3 ]

بوائق الحدثان، وانجذام يد الدين المنيف، وخمود صيت الشرع الشريف، في كل ناحية ومكان. وتشتت اهاليه في اقاصي البلدان، بل اضمحلال الفضلاء منهم والاعيان، حتى لقد اصبحت عرصات العلم دارسة الآثار، ومنازله مظلمة الاقطار، وعفت اطلاله ومعالمه، وخلت دياره ومراسمه. خلت من أهاليها الكرام واقفرت فساحتها تبكي عليهم تلهفا واوحش ربع الانس بالانس بعدهم كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ولم تبق في ساحتها إلا قوم ببلدح عجفى. ولا من عرصاتها إلا دمنة لم تكلم من ام أوفى. وكنت ممن رمته أيدي الحوادث في الديار العجمية، وقذفته في تلك الاقطار منجنيق الرزية، على ما هي عليه من ترادف البلايا بلية اثر بلية، واضمحلال اسم الشرع فيها بالكلية، وتلبس الاغبياء بلباس الافاضل. وتصدر الجهلاء لافتاء المسائل. فلم تزل تترامي بي اقطارها فأطوي هناك المراحل، وأقصد اليم فتقذفني الامواج إلى الساحل يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء حتى انخت ركابي بدار العلم شيراز. ومن الله تعالى بالاكرام فيها والاعزاز، فبقيت فيها برهة من السنين مع جملة الاهل والبنين. في أرغد عيش واصفاه، وأهنأ شراب وأوفاه، مشتغلا بمدارسة العلوم الدينية. وممارسة الاخبار المعصومية، فخطر بي ذلك الخاطر القديم. وناداني المنادي ان يا ابراهيم، فبقيت اقدم رجلا واؤخر اخرى. وارى ان التقديم أحق وأحرى، فكم استنهضت مطي العزم على السير فلم تساعد. وبئس السير على ذلك العير الغير المساعد. إلا اني قد ابرزت ضمن تلك المدة جملة من الرسائل في قالب التحقيق. ونمقت شطرا من المسائل على نمط انيق وطرز رشيق، حتى عصفت بتلك البلاد ريح عاصف حتت الورق، وفرقت من عقد نظامها ما اتسق. ولعبت بها أيدي الحوادث التي لا تنيم ولا تنام، وسقت أهلها من مرير علقهما كؤوس الحمام، قتلا وسلبا وأسرا وهتكا، كأنهم

[ 4 ]

ممن خلع ربقة الاسلام، واستبدل بها عبادة الاوثان والاصنام، وحيث من الله تعالى بمزيد كرمه بالسلامة من تلك الاخطار، والنجاة من أيدي اولئك الاشرار، ركبت الفرار إلى بعض النواحي، واغمضت عن عذل العذال واللواحي، واتخذت العزلة عن اشباه الناس وطنا، والوحدة من الدنفاس سكنا، وفي ذلك سلامة الدنيا والدين، والفوز بسعادة الحق واليقين، وضربت صفحا عن الطموح إلى زهرة هذه الدار، وطويت كشحا دون النظر إلى ما اسدته الاقدار، من الباس حلل اليسار أو اطمار الاعسار. وثوقا بضامن الارزاق والمعطي على قدر الاستحقاق، وعند ذلك هجس بفكري ما كنت أتمناه من ذلك الكتاب، وان هذه الخلوة أعز من أن تصرف في غير هذا الباب، ورأيت انتهاز الفرصة فانها تمر مر السحاب، ولم يثن عزمي قلة الطلاب، ولا إشراف شموس الفضل على الغياب، بل صار ذلك أقوى سبب لي على القدوم، لما استفاض عن سدنة الحي القيوم من الحث الاكيد ومزيد التأكيد في إحياء هذا الدين ونشر شريعة سيد المرسلين، وعسى الله سبحانه أن ينفع به بعض الاخوان المؤمنين، والخلان الطالبين للحق واليقين، وقد سميته ب‍ (كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) واليه سبحانه أرغب في التوفيق سيما للاتمام والعصمة من زلل اقدام الاقلام في ميادين الاحكام، إنه تعالى أكرم من رغب إليه واكفى من توكل عليه. وقد رأيت أن أبدأ أولا بتمهيد جملة من المقدمات التي يتوقف عليها الاستدلال، ويرجع إليها في تحقيق الاحوال، ليكون كتابنا هذا كافلا بتحقيق ما يحتاج إليه من اصول وفروع، مغنيا عن الافتقار إلى غيره والرجوع. المقدمة الاولى غير خفي - على ذوي العقول من أهل الايمان وطالبي الحق من ذوي

[ 5 ]

الاذهان - ما بلي به هذا الدين من اولئك المردة المعاندين بعد موت سيد المرسلين، وغصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، وتواثب اولئك الكفرة عليه، وقصدهم بانواع الاذى والضرر إليه، وتزايد الامر شدة بعد موته صلوات الله عليه، وما بلغ إليه حال الائمة صلوات الله عليهم من الجلوس في زاوية التقية، والاغضاء على كل محنة وبلية. وحث الشيعة على استشعار شعار التقية، والتدين بما عليه تلك الفرقة الغوية، حتى كورت شمس الدين النيرة، وخسفت كواكبه المقمرة، فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج اخباره باخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الاسلام وعلم الاعلام (محمد بن يعقوب الكليني نور الله تعالى مرقده) في جامعه الكافي، حتى انه (قدس سره) تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الاخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للائمة الابرار. فصاروا صلوات الله عليهم - محافظة على انفسهم وشيعتهم - يخالفون بين الاحكام وان لم يحضرهم أحد من اولئك الانام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة باجوبة متعددة وان لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم واخبارهم وتحدى (2) سيرهم وآثارهم. وحيث ان اصحابنا رضوان الله عليهم خصوا الحمل على التقية بوجود قائل من العامة، وهو خلاف ما أدى إليه الفهم الكليل والفكر العليل من اخبارهم صلوات الله عليهم، رأينا أن نبسط الكلام بنقل جملة من الاخبار الدالة على ذلك، لئلا يحملنا الناظر على مخالفة الاصحاب من غير دليل، وينسبنا إلى الضلال والتضليل. فمن ذلك ما رواه في الكافي (1) في الموثق عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فاجابه بخلاف ما اجابني، ثم جاء رجل آخر فاجابه بخلاف ما أجابني واجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت:


(1) في باب اختلاف الحديث. (2) (حدى الشئ وتحداه) تحدية وتحديا: تعمده. أقرب الموارد.

[ 6 ]

يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فاجبت كل واحد منهما بغير ما اجبت به صاحبه ؟ فقال: يا زرارة ان هذا خير لنا وابقى لكم. ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم. قال: ثم قلت لابي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الاسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب ابيه). فانظر إلى صراحة هذا الخبر في اختلاف اجوبته عليه السلام في مسألة واحدة في مجلس واحد وتعجب زرارة، ولو كان الاختلاف إنما وقع لموافقة العامة لكفى جواب واحد بما هم عليه، ولما تعجب زرارة من ذلك، لعلمه بفتواهم عليهم السلام احيانا بما يوافق العامة تقية، ولعل السر في ذلك أن الشيعة إذا خرجوا عنهم مختلفين كل ينقل عن امامه خلاف ما ينقله الآخر، سخف مذهبهم في نظر العامة، وكذبوهم في نقلهم. ونسبوهم إلى الجهل وعدم الدين، وهانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتهم وتعاضدت مقالتهم، فانهم يصدفونهم ويشتد بغضهم لهم ولامامهم ومذهبهم، ويصير ذلك سببا لثوران العداوة، والى ذلك يشير قوله عليه السلام: (ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا... الخ). ومن ذلك ايضا ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح - على الظاهر - عن سالم أبي خديجة عن أبي عبد الله (ع) قال: (سأله انسان وأنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد وبعض اصحابنا يصلي العصر، وبعضهم يصلي الظهر ؟ فقال: أنا امرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فاخذ برقابهم) وهو أيضا صريح في المطلوب، إذ لا يخفى أنه لا تطرق للحمل هنا على موافقة العامة، لاتفاقهم على التفريق بين وقتي الظهر والعصر ومواظبتهم على ذلك.


في باب المواقيت.

[ 7 ]

وما رواه الشيخ في كتاب العدة (1) مرسلا عن الصادق عليه السلام: انه (سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت ؟ فقال: انا خالفت بينهم). وما رواه في الاحتجاج (2) بسنده فيه عن حريز عن ابي عبد الله (ع) قال: (قلت له: انه ليس شئ أشد علي من اختلاف اصحابنا. قال ذلك من قبلي). وما رواه في كتاب معاني الاخبار (3) عن الخزاز عمن حدثه عن ابي الحسن (ع) قال: (اختلاف اصحابي لكم رحمة وقال (ع): إذا كان ذلك جمعتكم على امر واحد). وسئل عن اختلاف اصحابنا فقال عليه السلام: (انا فعلت ذلك بكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لاخذ برقابكم). وما رواه في الكافي (4) بسنده فيه عن موسى بن اشيم قال: (كنت عند ابي عبد الله عليه السلام فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزوجل فاخبره بها ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فاخبره بخلاف ما أخبر به الاول. فدخلني من ذلك ما شاء الله، إلى أن قال: فبينما أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فاخبره بخلاف ما اخبرني واخبر صاحبي. فسكنت نفسي وعملت ان ذلك منه تقية. قال: ثم التفت إلي فقال: يا ابن اشيم ان الله عزوجل فوض إلى سليمان بن داود فقال: هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب. وفوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله


(1) في مبحث الخبر الواحد. (2) هذا الحديث مذكور في العلل باب 131 (العلة التى من اجلها حرم الله الكبائر) ولم ينقله المجنسى في البحار إلا عن العلل. (3) هذا الحديث مذكور في العلل في الباب المتقدم ولم ينقله المجلسي في البحار إلا عن العلل. (4) في باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والى الائمة (ع) في أمر الدين.

[ 8 ]

فقال: ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. فما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد فوضه الينا). ولعلك بمعونة ذلك تعلم ان الترجيح بين الاخبار بالتقية - بعد العرض على الكتاب العزيز - أقوى المرجحات. فان جل الاختلاف الواقع في اخبارنا بل كله عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية (1) ومن هنا دخلت الشبهة على جمهور متأخري اصحابنا رضوان الله عليهم، فظنوا ان هذا الاختلاف إنما نشأ من دس أخبار الكذب في اخبارنا، فوضعوا هذا الاصطلاح ليميزوا به صحيحها عن سقيمها وغثها من سمينها، وقوى الشبهة فيما ذهبوا إليه شيئان: (أحدهما) رواية مخالف المذهب وظاهر الفسق والمشهور بالكذب من فطحي وواقفي وزيدي وعامي وكذاب وغال ونحوهم. و (ثانيهما) ما ورد عنهم عليهم السلام من ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه وامثاله مما يدل على دس بعض الاخبار الكاذبة في احاديثهم عليهم السلام، ولم يتفطنوا نور الله ضرائحهم إلى ان هذه الاحاديث التي بايدينا إنما وصلت بعد أن سهرت


(1) اقول: وقد وفق الله تعالى إلى الوقوف على كلام للمحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) يطابق ما سنح لنا في هذه المقالة، حيث قال في تعليقاته على كتاب المدارك في بحث البئر في بيان السبب في اختلاف اخبار النزح ما لفظه: واما الروايات المختلفة المتضمنة للنزح ففى سبب اختلافها احتمالات، وذلك لتضمن كثير من الروايات انه من انواع التقية صدرر أجوبة مختلفة عنهم عليهم السلام في مسألة واحدة لئلا يثبت عليهم قول واحد، ولنص كثير منها ان خصوصيات كثير من الاحكام مفوضة إليهم عليهم السلام كما كانت مفوضة إليه صلى الله عليه وآله، ليعلم المسلم لامرهم من غيره. إلى آخر كلامه خصه الله بمزيد اكرامه. وانى سابقا كان يكثر تعجبي من عدم اهتداء احد سيما من المحدثين إلى ما ذكرنا. حتى وفق الله سبحانه للوقوف على هذا الكلام. وما ذكره (قدس سره) من خروج بعض الاختلافات عنهم (ع) من باب التفويض يدل عليه من الاخبار المذكورة هنا خبر موسى بن اشيم (منه رحمه الله).

[ 9 ]

العيون في تصحيحها وذابت الابدان في تنقيحها، وقطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان، وهجروا في تنقيتها الاولاد والنسوان، كما لا يخفى على من تتبع السير والاخبار، وطالع الكتب المدونة في تلك الآثار، فان المستفاد منها - على وجه لا يزاحمه الريب ولا يداخله القدح والعيب - انه كان دأب قدماء اصحابنا المعاصرين لهم (عليهم السلام) إلى وقت المحمدين الثلاثة في مدة تزيد على ثلثمائة سنة ضبط الاحاديث وتدوينها في مجالس الائمة، والمسارعة إلى اثبات ما يسمعونة خوفا من تطرق السهو والنسيان، وعرض ذلك عليهم، وقد صنفوا تلك الاصول الاربعمائة المنقولة كلها من اجوبتهم (عليهم السلام) وانهم ما كانوا يستحلون رواية ما لم يجزموا بصحته، وقد روي أنه عرض على الصادق (ع) كتاب عبيد الله بن علي الحلبي فاستحسنه وصححه، وعلى العسكري (ع) كتاب يونس بن عبد الرحمن وكتاب الفضل بن شاذان فاثنى عليهما، وكانوا (عليهم السلام) يوقفون شيعتهم على أحوال اولئك الكذابين، ويأمرونهم بمجانبتهم، وعرض ما يرد من جهتهم على الكتاب العزيز والسنة النبوية وترك ما خالفهما. فروى الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال (1) باسناده عن محمد ابن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن: ان بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال: يا أبا محمد ما أشدك في الحديث وأكثر إنكارك لما يروية أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الحديث (2) ؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: " لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد (لعنه الله) دس في كتب (3) أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله " قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب ابي جعفر ووجدت أصحاب


(1) في احوال المغيرة بن سعيد. (2، 3) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، وفى رجال الكشي (رد الاحاديث) و (كتب أصحاب ابى).

[ 10 ]

أبي عبد الله (ع) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم وعرضتها من بعد على ابي الحسن الرضا (ع)، فانكر منها أحاديث كثيرة ان تكون من احاديث أبي عبد الله، وقال: " ان أبا الخطاب كذب على ابي عبد الله (ع) لعن الله أبا الخطاب وكذلك اصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الاحاديث إلى يومنا هذا في كتب اصحاب ابي عبد الله (ع)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانا ان تحدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة، انا عن الله وعن رسوله نحدث ولا نقول قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا، ان كلام آخرنا مثل كلام أولنا. وكلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه وقولوا أنت أعلم وما جئت به، فان لكلامنا حقيقة وعليه نورا، فمالا حقيقة له ولا عليه نور فذلك قول الشيطان ". أقول: فانظر - أيدك الله تعالى - إلى ما دل عليه هذا الحديث من توقف يونس في الاحاديث واحتياطه فيها. وهذا شأن غيره ايضا كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، وأمرهم (عليهم السلام) بعرض ما يأتي من الاخبار من غير المؤتمن على الكتاب والسنة تحرزا من تلك الاحاديث المكذوبة، فهل يجوز في العقول السليمة والطباع المستقيمة ان مثل هؤلاء الثقات العدول إذا سمعوا من أئمتهم مثل هذا الكلام ان يستحلوا بعد ذلك نقل ما لا يثقون بصحته ولا يعتمدون على حقيقته. بل من المقطوع والمعلوم عادة من أمثالهم انهم لا يذكرون ولا يروون في مصنفاتهم إلا ما اتضح لهم فيه الحال وانه في الصدق والاشتهار كالشمس في رابعة النهار كما سمعت من حال يونس، وهذا كان دأبهم (عليهم السلام) في الهداية لشيعتهم. يوقفونهم على جميع ما وقع وما عسى أن يقع في الشريعة من تغيير وتبديل، لانهم (صلوات الله عليهم) حفاظ الشريعة وحملتها وضباطها وحرستها. ولهم نواب فيها من ثقات اصحابهم وخواص رواتهم، يوحون إليهم أسرار الاحكام، ويوقفونهم على غوامض كل حلال وحرام، كما قد روى ذلك باسانيد عديدة، على ان المفهوم من جملة من تلك الاخبار ان تلك الاحاديث المكذوبة

[ 11 ]

كلها كانت من أحاديث الكفر والزندقة والاخبار بالغرائب. فمن ذلك ما رواه في الكتاب المتقدم (1) عن يونس عن هشام بن الحكم: انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: " كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على ابي ويأخذ كتب أصحابه، وكان اصحابه المستترون باصحاب ابي يأخذون الكتب من اصحاب ابي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها كتب الكفر والزندقة ويسندها إلى ابي (عليه السلام)، ثم يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أن يبثوها في الشيعة. فكل ما كان في كتب اصحاب ابي (عليه السلام) من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم " وباسناده عن حماد عن حريز قال - يعني أبا عبد الله (ع) -: ان أهل الكوفة لم يزل فيهم كذاب، اما المغيرة بن سعيد فانه يكذب على ابي - يعني أبا جعفر (عليه السلام) - قال: حدثه ان نساء آل محمد (صلى الله عليه وآله) إذا حضن قضين الصلاة. وكذب والله ما كان من ذلك شئ ولا حدثه. واما أبو الخطاب فكذب علي وقال: اني امرته هو واصحابه ان لا يصلي المغرب حيت يروا الكواكب... " الحديث. على ان مقتضى الحكمة الربانية وشفقة الائمة (صلوات الله عليهم) على من في اصلاب الرجال من شيعتهم تمنع من ان يتركوهم هملا يمشون على غير طريق واضح ولا منار لائح، فلا يميزون لهم الغث من السمين، ولا يهدونهم إلى جادة الحق المبين. ولا يوقفونهم على ما يقع في الشريعة من تغيير وتبديل. وما يحدثه الكذابون المفترون من البدع والتضليل، كلا ثم كلا، بل اوضحوا الدين المبين نهاية الايضاح. وصفوه من شوب كل كدر، حتى اسفر كضوء الصباح. الا ترى إلى ما ورد عنهم من حثهم شيعتهم على الكتابة لما يسمعونه منهم. وامرهم بحفظ الكتب لمن يأتي بعدهم. كما


(1) في أحوال المغيرة بن سعيد وكذا الخبر الآتى.

[ 12 ]

ورد في جملة من الاخبار التي رواها ثقة الاسلام في جامعه الكافي وغيره في غيره. والى تحذيرهم الشيعة عن مداخلة كل من اظهر البدع وامرهم بمجانبتهم، وتعريفهم لهم باعيانهم، كما عرفت فيما تلونا من الاخبار. ومن ذلك ايضا ما خرج عن الائمة المتأخرين (صلوات الله عليهم اجمعين) في لعن جماعة ممن كانوا كذلك، كفارس بن حاتم القزويني، والحسن بن محمد بن بابا، ومحمد بن نصير النميري، وابي طاهر محمد بن علي بن بلال، واحمد بن هلال، والحسين بن منصور الحلاج. وابن ابي العزاقر، وابي دلف، وجمع كثير ممن يتسمى بالشيعة. ويظهر المقالات الشنيعة من الغلو والاباحات والتناسخ ونحوها، وقد خرجت في لعنهم التوقيعات عنهم (عليهم السلام) في جميع الاماكن والبراءة منهم. وقد ذكر الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة جمعا من هؤلاء، وأورد الكشي اخبارا فيما أحدثوا. وما خرج فيهم من التوقيعات لذلك. من أحب الوقوف عليها فليرجع إليه. وقد شدد أصحاب الائمة (عليهم السلام) الامر في ذلك، حتى ربما تجاوزوا المقام. حتى انهم كانوا يجانبون الرجل بمجرد التهمة بذلك، كما وقع لاحمد بن محمد ابن عيسى مع احمد بن محمد بن خالد البرقي من إخراجه من برقة قم لما طعن عليه القميون. ثم اعاده إليها لما ظهر له براءته. ومشى في جنازته حافيا إظهارا لنزاهته مما رمي به، وكما أخرج سهيل بن زياد الادمي. وأظهر البراءة منه ومنع الناس من السماع عنه. وكما استثنى محمد بن الحسن بن الوليد جملة من الرواة. منهم جماعة ممن روى عنهم محمد بن احمد بن يحيى الاشعري وغيرهم. وقد عدوا جماعة من الرواة في الضعفاء. ونسبوهم إلى الكذب والافتراء. ومنهم من خرجت التوقيعات فيه عنهم (عليهم السلام) ومنهم من اطلعوا على حاله الموجب لضعفه، ومنهم محمد بن على الصيرفي أبو سمينة. ومحمد بن سنان. ويونس بن ظبيان. ويزيد الصائغ وغيرهم، وذلك ظاهر لمن تصفح كتب

[ 13 ]

الرجال واطلع على ما فيها من الاحوال. ومن الظاهر البين الظهور انه مع شهرة الامر في هؤلاء المعدودين وامثالهم، فانه لا يعتمد أحد ممن اطلع على أحوالهم على رواياتهم، ولا يدونونها في اصولهم إلا مع اقترانها بما يوجب صحتها ويعلن بثبوتها (1) كما صرح


(1) ومن ذلك ما ذكره (قده) في كتاب الغيبة، حيث نقل حديثا في الغيبة عن أحمد ابن زياد، ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من احمد بن زياد (رضى الله عنه) بعد انصرافه من حج بيت الله الحرام، وكان رجلا ثقة دينا فاضلا (رحمة الله ورضوانه عليه) انتهى. (ومنه) ايضا ما ذكره في الكتاب المذكور بعد نقل حديث عن علي بن عبد الله الوراق، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من علي بن عبد الله الوراق، ووجدته بخطه مثبتا فسألته عنه فرواه لي عن سعد بن عبد الله عن احمد بن اسحاق كما ذكرته. انتهى. (ومنه) ما ذكره في معاني الاخبار في باب معنى ما جاء في لعن الذهب والفضة، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب: هذا حديث لم اسمعه إلا من لحسن بن حمزة العلوى (رضى الله عنه) ولم اروه عن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد، ولكنه صحيح عندي إلى آخر كلامه (ولا يخفى) على الفطن اللبيب والمنصف الاريب ان تخصيصه هذه الاخبار ونحوها مما ذكره يدل دلالة واضحة على ان ما لم يذكر فيه شيئا من ذلك كله مقطوع مجزوم على صحته كما لا يخفى. ومنه ما ذكره (قدس سره) في كتاب من لا يحضره الفقيه في باب ما يجب على من افطر أو جامع في شهر رمضان، حيث روى عن المفضل بن عمر عن ابي عبد الله (ع) في رجل اتى امرأته وهى صائمة وهو صائم. فقال: ان كان اكرهها فعليه كفارتان. وان كانت طاوعته فعليه كفارة. الحديث. ثم قال (قدس سره) قال مصنف هذا الكتاب: لم أجد ذلك في شئ من الاصول وانما تفرد بروايته علي بن ابراهيم بن هاشم. وفيه كما ترى دلالة واضحة على ان جميع ما يرويه في هذا المقام وغيره انما هو من الاصول المقطوع على صحتها عنده. كما صرح به في اول الفقيه، وانه إذا نقل ما ليس كذلك نبه على ان الراوى له ثقة معتمد. فكيف بعد امثال هذا الكلام الذى لا يليق بامثاله من اولئك الاعلام خلط الغث بالسمين حتى يحتاج إلى ما ذكروه من هذا الاصطلاح العديم الاصطلاح (منه رحمه الله).

[ 14 ]

به شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين، وقد نقل الصدوق (قدس سره) في كتاب عيون أخبار الرضا حديثا في سنده (محمد بن عبد الله المسمعي)، ثم قال بعد تمام الحديث ما هذا لفظه: قال مصنف هذا الكتاب: كان شيخنا (محمد بن الحسن ابن الوليد) سئ الرأي في (محمد بن عبد الله المسمعي) راوي هذا الحديث، وانما اخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لانه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي، انتهى. أقول: وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله. فانظر إلى شدة احتياطهم وتورعهم في عدم نقل ما لا يثقون به إلا مع انضمام القرائن الموجبة لصحته وثبوته. وبالجملة: فالخوض في كتب الرجال - والنظر في مصنفات المتقدمين والاطلاع على سيرتهم وطريقتهم - يفيد الجزم بما قلنا. واما من أخذ بظاهر المشهور من غير تدبر لما هو ثمة مذكور فهو فيما ذهب إليه معذور. وكل ميسر لما خلق له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. المقدمة الثانية قد صرح جملة من اصحابنا المتأخرين بان الاصل في تنويع الحديث إلى الانواع الاربعة المشهورة هو العلامة أو شيخه جمال الدين بن طاوس نور الله تعالى مرقديهما. واما المتقدمون فالصحيح عندهم هو ما اعتضد بما يوجب الاعتماد عليه من القرائن والامارات التي ذكرها الشيخ (قدس سره) في كتاب العدة. وعلى هذا جرى جملة من اصحابنا المحدثين وطائفة من متأخري متأخري المجتهدين كشيخنا المجلسي رحمه الله وجمع ممن تأخر عنه. وقد اتسع خرق الخلاف بين المجتهدين من اصحابنا والاخباريين في جمل عديدة من مسائل الاصول التي تبنى عليها الفروع الفقهية. وبسط كل من علماء الطرفين لسان التشنيع على الآخر، والحق الحقيق بالاتباع ما سلكه طائفة من

[ 15 ]

متأخري المتأخرين كشيخنا المجلسي (طاب ثراه) وطائفة ممن اخذ عنه. فانهم سلكوا من طرق الخلاف بين ذينك الفريقين طريقا وسطى بين القولين ونجدا أوضح من ذينك النجدين (وخير الامور اوسطها) ونحن قد بسطنا الكلام في ايضاح هذا المرام في جملة من مؤلفاتنا ولا سيما كتاب المسائل، فانا قد اعطينا المسألة حقها من الدلائل، ولا بأس بذكر طرف من ذلك في هذا الكتاب، حيث انا قد قصدنا فيه ضرب الصفح غالبا عن الكلام في اسانيد الاخبار والطعن فيها بذلك. فربما يظن الناظر الغير العالم بطريقتنا ان ذلك عن عجز أو غفلة أو نحو ذلك، فرأينا ان نبين هنا ان ذلك إنما هو من حيث ثبوت صحة تلك الاخبار عندنا والوثوق بورودها عن اصحاب العصمة (صلوات الله عليهم). فنقول: قد صرح شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين وقبله المحقق الشيخ حسن (أعلى الله رتبتهما) في مقدمات كتاب المنتقى بما ملخصه: ان السبب - الداعي إلى تقرير هذا الاصطلاح في تنويع الحديث إلى الانواع الاربعة - هو انه لما طالت المدة بينهم وبين الصدر الاول وبعدت عليهم الشقة وخفيت عليهم تلك القرائن التي اوجبت صحة الاخبار عن المتقدمين. وضلق عليهم ما كان متسعا على غيرههم. التجأوا إلى العمل بالظن بعد فقد العلم. لكونه أقرب مجازا إلى الحقيقة عند تعذرها، وبسبب إلتباس الاخبار غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها التجأوا إلى هذا الاصطلاح الجديد. وقربوا لنا البعيد، ونوعوا الحديث إلى الانواع الاربعة. وزاد في كتاب مشرق الشمسين: انهم ربما سلكوا طريقة القدماء في بعض الاحيان، ثم عد (قدس سره) مواضع من ذلك. هذا خلاصة ما ذكروا في تعليل ذلك. ونحن نقول: لنا على بطلان هذا الاصطلاح وصحة اخبارنا وجوه. (الاول) ما قد عرفت في المقدمة الاولى من أن منشأ الاختلاف في اخبارنا إنما هو التقية من ذوي الخلاف لا من دس الاخبار المكذوبة حتى يحتاج إلى هذا

[ 16 ]

الاصطلاح. على انه متى كان السبب الداعي إنما هو دس الاحاديث المكذوبة كما توهموه (رضوان الله عليهم) ففيه انه لا ضرورة تلجئ إلى اصطلاحهم، لانهم (عليهم السلام) قد امرونا بعرض ما شك فيه من الاخبار على الكتاب والسنة فيؤخذ بما وافقهما ويطرح ما خالفهما، فالواجب في تمييز الخبر الصادق من الكاذب مراعاة ذلك، وفيه غنية عما تكلفوه، ولا ريب ان اتباع الائمة (عليهم السلام) اولى من اتباعهم. (الثاني) ان التوثيق والجرح الذي بنوا عليه تنويع الاخبار إنما اخذوه من كلام القدماء، وكذلك الاخبار التي رويت في احوال الرواة من المدح والذم إنما أخدوها عنهم، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صححوه من الاخبار واعتمدوه وضمنوا صحته كما صرح به جملة منهم، كما لا يخفى على من لاحظ ديباجتي الكافي والفقيه وكلام الشيخ في العدة وكتابي الاخبار فان كانوا ثقاتا عدولا في الاخبار بما اخبروا به ففي الجميع، وإلا فالواجب تحصيل الجرح والتعديل من غير كتبهم وأنى لهم به (لا يقال) (1) إن اخبارهم بصحة ما رووه في كتبهم يحتمل الحمل على الظن القوى باستفاضة أو شياع أو شهرة معتد بها أو قرينة أو نحو ذلك مما يخرجه عن محوضة الظن (لانا نقول) فيه (اولا) ان أصحاب هذا الاصطلاح مصرحون بكون مفاد الاخبار عند المتقدمين هو القطع واليقين وانهم إنما عدلوا عنه إلى الظن لعدم تيسر ذلك لهم كما صرح به في المنتقى ومشرق الشمسين


(1) هذا أحد الاجوبة التى اجابوا بها فيما ذكرنا، صرح به شيخنا أبو الحسن (قده) في كتاب العشرة الكاملة، حيث انه في الكتاب المذكور كان شديد التعصب لهذا الاصطلاح وترويج القول بالاجتهاد، الا ان مصنفاته الاخيرة تدل على عدوله عن ذلك وميله إلى العمل بالاخبار، وان كان دون طريقة الاخباريين من الجادة الوسطى التى قدمنا الاشارة إليها (منه رحمه الله).

[ 17 ]

(واما ثانيا) فلما تضمنته تلك العبارات مما هو صريح في صحة الاخبار بمعنى القطع واليقين بثوبتها عن المعصومين (فان قيل) تصحيح ما حكموا بصحته امر اجتهادي لا يجب تقليدهم فيه، ونقلهم المدح والذم رواية يعتمد عليهم فيها (قلنا) فيه ان اخبارهم بكون الراوي ثقة أو كذابا أو نحو ذلك إنما هو امر اجتهادي استفادوه بالقرائن المطلعة على أحواله أيضا. (الثالث) - تصريح جملة - من العلماء الاعلام واساطين الاسلام ومن هم المعتمد في النقض والابرام من متقدمي الاصحاب ومن متأخريهم الذين هم أصحاب هذا الاصطلاح أيضا - بصحة هذه الاخبار وثبوتها عن الائمة الابرار، لكنا نقتصر على ما ذكره أرباب هذا الاصطلاح في المقام. فانه أقوى حجة في مقام النقص والالزام. فمن ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد (نور الله مضجعه) في الذكرى في الاستدلال على وجوب اتباع مذهب الامامية، حيث قال ما حاصله: انه كتب من اجوبة مسائل أبي عبد الله (عليه السلام) اربعمائة مصنف لاربعمائة مصنف. ودون من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز وخراسان والشام. وكذلك عن مولانا الباقر (ع)، ورجال باقي الائمة (ع) معروفون مشهورون اولوا مصنفات مشتهرة، فالانصاف يقتضي الجزم بنسبة ما نقل عنهم إليهم، إلى أن قال بعد عد جملة من كتب الاخبار وغيرها مما يطول تعداده بالاسانيد الصحيحة المتصلة المنتقدة والحسان والقوية: فالانكار بعد ذلك مكابرة محضة وتعصب صرف. ثم قال: (لا يقال) فمن اين وقع الاختلاف العظيم بين فقهاء الامامية إذا كان نقلهم عن المعصومين (ع) وفتواهم عن المطهرين (ع) ؟ (لانا نقول) محل الخلاف اما من المسائل المنصوصة أو مما فرعه العلماء، والسبب في الثاني اختلاف الانظار ومبادئها كما هو بين سائر علماء الامة، واما الاول فسببه اختلاف الروايات ظاهرا، وقلما يوجد فيها التناقض بجميع شروطه، وقد كانت الائمة (ع) في زمن تقية واستتار من مخالفيهم، فكثيرا ما يجيبون

[ 18 ]

السائل على وفق معتقده أو معتقد بعض الحاضرين أو بعض من عساه يصل إليه من المناوئين، أو يكون عاما مقصورا على سببه أو قضية في واقعة مختصة بها أو اشتباها على بعض النقلة عنهم أو عن الوسائط بيننا وبينهم (عليهم السلام). انتهى. ولعمري انه كلام نفيس يستحق ان يكتب بالنور على وجنات الحور، ويجب ان يسطر ولو بالخناجر على الحناجر. فانظر إلى تصريحه بل جزمه بصحة تلك الروايات التي تضمنتها هذه الكتب التي بايدينا، وتخلصه من الاختلاف الواقع بين الاخبار بوجوه تنفي احتمال تطرق دخول الاحاديث الكاذبة في اخبارنا. ومن ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (اعلى الله تعالى رتبته) في شرح الدراية، حيث قال: " كان قد استقر أمر الامامية على اربعمائة مصنف سموها اصولا فكان عليها اعتمادهم، تداعت (1) الحال إلى ذهاب معظم تلك الاصول، ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول. وأحسن ما جمع منها: الكافي. والتهذيب. والاستبصار. ومن لا يحضره الفقيه ". فانظر إلى شهادته (قدس سره) بكون أحاديث كتبنا هي أحاديث تلك الاصول بعينها (2) وحينئذ فالطاعن في هذه كالطاعن في تلك الاصول. ثم ان الظاهر ان تخصيصه هذه الكتب الاربعة بالاحسنية انما هو من حيث اشتمالها على ابواب الفقة


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، وفى المطبوع من شرح الدراية (ثم تداعت). (2) ويؤيد ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (قدس سره) في أول كتاب مشرق الشمسين، حيث عد من جملة الامور الموجبة للقطع بصحة الاخبار عند المتقدمين وجودها في كثير من الاصول الاربعمائة المتصلة باصحاب العصمة (عليهم السلام)، قال: وكانت متداولة بينهم في تلك الاعصار مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار. انتهى، (منه رحمة الله).

[ 19 ]

كملا على الترتيب بخلاف غيرها من كتب الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. ولا يتوهم - من ظاهر قوله: تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الاصول ولخصها إلى آخره - ان تلخيص تلك الجماعة لها إنما وقع بعد ذهاب معظمها، فان ذلك باطل (اما اولا) فلان التلخيص وقع عطفه في كلامه بالواو، دون - ثم - المفيدة للترتيب. واما (ثانيا) فلان الظاهر - كما صرح به بعض فضلائنا - ان اضمحلال تلك الاصول إنما وقع بسبب الاستغناء عنها بهذه الكتب التي دونها اصحاب الاخبار، لكونها احسن منها جمعا وأسهل تناولا. وإلا فتلك الاصول قد بقيت إلى زمن ابن طاووس (رضي الله عنه). كما ذكر ان اكثر تلك الكتب كان عنده ونقل منها شيئا كثيرا كما يشهد به تتبع مصنفاته. وبذلك يشهد كلام ابن ادريس في آخر كتاب السرائر. حيث انه نقل ما استطرفه من جملة منها شطرا وافرا من الاخبار. وبالجملة: فاشتهار تلك الاصول في زمن اولئك الفحول لا ينكره إلا معاند جهول. ومن ذلك ما صرح به المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني. حيث قال في بحث الاجازة من العالم ما صورته: " ان أثر الاجازة بالنسبة إلى العمل انما يظهر حيث لا يكون متعلقها معلوما بالتواتر ونحوه ككتب أخبارنا، فانها متواترة اجمالا، والعلم بصحة مضامينها تفصيلا يستفاد من قرائن الاحوال ولا مدخل للاجازة فيه غالبا ". ومن ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (نور الله مضجعه) في وجيزته، حيث قال: " جميع أحاديثنا - إلا ما ندر - ينتهي إلى أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) وهم ينتهون فيها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أن قال: وكان قد جمع قدماء محدثينا ما وصل إليهم من كلام أئمتنا (عليهم السلام) في أربعمائة كتاب تسمى (الاصول) ثم

[ 20 ]

تصدى جماعة من المتأخرين (شكر الله سعيهم) لجمع تلك الكتب وترتيبها تقليلا للانتشار وتسهيلا على طالبي تلك الاخبار، فالفوا كتبا مضبوطة مهذبة مشتملة على الاسانيد المتصلة باصحاب العصمة (عليهم السلام) كالكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار. ومدينة العلم، والخصال. والامالي، وعيون الاخبار، وغيرها ". هذا ما حضرني من كلامهم (نور الله مراقدهم)، واما كلام المتقدمين، كالصدوق في الفقيه، وثقة الاسلام في الكافي، والشيخ الطوسي في جملة من مؤلفاته. وعلم الهدى وغيرهم ممن نقلنا كلامهم في غير هذا الكتاب، فهو ظاهر البيان ساطع البرهان في هذا الشأن. ثم العجب من هؤلاء الفضلاء الذين نقلنا كلامهم هنا انه إذا كان الحال على ما صرحت به عبائرهم من صحة هذه الاخبار عن األئمة (عليهم السلام) فما الموجب لهم إلى المتابعة في هذا الاصطلاح الحادث ؟ واعجب من ذلك كلام شيخنا البهائي (ره) في كتاب مشرق الشمسين. حيث ذكر ما ملخصه: ان اجتناب الشيعة لمن كان منهم ثم انكر امامة بعض الائمة (عليهم السلام) كان أشد من اجتناب المخالفين في أصل المذهب. وكانوا يتحرزون عن مجالستهم والتكلم معهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم، فإذا نقل علماؤنا رواية رواها رجل من ثقات اصحابنا عن أحد هؤلاء وعولوا عليها وقالوا بصحتها مع علمهم بحاله. فقبولهم لها وقولهم بصحتها لابد من ابتنائه على وجه صحيح لا يتطرق إليه القدح. ولا إلى ذلك الرجل الثقة الراوي عمن هذا حاله، كأن يكون سماعة منه قبل عدوله عن الحق وقوله بالوقف، أو بعد توبته ورجوعه إلى الحق، أو ان النقل إنما وقع من أصله الذي ألفه واشتهر عنه قبل الوقف، أو من كتابه الذي ألفه بعد الوقف ولكنه أخذ الكتاب عن شيوخ اصحابنا الذين عليهم الاعتماد ككتب علي بن الحسن الطاطري، فانه كان من أشد الواقفية عنادا للامامية إلا أن

[ 21 ]

الشيخ شهد له في الفهرست بانه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم. إلى غير ذلك من المحامل الصحيحة، إلى آخر كلامه (طاب ثراه). ولقد اجاد فيما أفاد ولكنه ناقض نفسه فيما أورده من العذر للمتأخرين في عدولهم إلى تجديد هذا الاصطلاح. لان قوله -: كانوا يتحرزون عن مجالستهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم. وقوله: فقبولهم لها وقولهم بصحتها لابد من ابتنائه على وجه صحيح - يستلزم أن تكون أحاديث كتب هؤلاء الائمة الثلاثة الذين شهدوا بصحة ما رووه فيها كلها صحيحة. (الرابع) - انه لو تم ما ذكروه وصح ما قرروه للزم فساد الشريعة وابطال الدين، لانه متى اقتصر في العمل على هذا القسم الصحيح أو مع الحسن خاصة أو باضافة الموثق ايضا ورمي بقسم الضعيف باصطلاحهم من البين والحال ان جل الاخبار من هذا القسم كما لا يخفى على من طالع كتاب الكافي اصولا وفروعا وكذا غيره من سائر كتب الاخبار وسائر الكتب الخالية من الاسانيد. لزم ما ذكرنا وتوجه ما طعن به علينا العامة من ان جل احاديث شريعتنا مكذوبة مزورة، ولذا ترى شيخنا الشهيد في الذكرى كيف تخلص من ذلك بما قدمنا نقله عنه دفعا لما طعنوا به علينا ونسبوه الينا. ولله در المحقق (ره) في المعتبر حيث قال: افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر وما فطنوا إلى ما تحته من التناقض. فان من جملة الاخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله): " ستكثر بعدي القالة " إلى أن قبل: واقتصر بعض على هذا الافراط فقال: كل سليم السند يعمل به. وما علم ان الكاذب قد يصدق والفاسق قد يصدق ولم ينتبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب. إذ لا مصنف إلا وهو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، إلى أن قال: وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن، والتوسط أقرب، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن

[ 22 ]

على صحته عمل به وما أعرض الاصحاب عنه أو شذ يجب اطراحه. انتهى. وهو قوي متهى بل جوهر ثمين. (الخامس) - ان ما اعتمدوه من ذلك الاصطلاح غير منضبط القواعد والبنيان ولا مشيد الجوانب والاركان (اما اولا) فلاعتمادهم في التمييز بين اسماء الرواة المشتركة على الاوصاف والالقاب والنسب والراوي والمروي عنه ونحوها، ولم لا يجوز اشتراك هذه الاشياء ؟ وذلك، لان الرواة عنهم (عليهم السلام) ليسوا محصورين في عدد مخصوص ولا في بلدة واحدة. وقد نقل الشيخ المفيد (ره) في ارشاده: ان الذين رووا عن الصادق (ع) خاصة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات كانوا أربعة آلاف رجل. ونحو ذلك ذكر ابن شهر اشوب في كتاب معالم العلماء. والطبرسي في كتاب اعلام الورى، والجميع قد وصفوا هؤلاء الاربعة آلاف بالتوثيق وهو مؤيد لما ادعيناه ومشيد لما اسسناه، فإذا كان هؤلاء الرواة عن الصادق (عليه السلام) خاصة فما بالك بالرواة عن الباقر إلى العسكري (عليهم السلام) ؟ فاين تأثير القرائن في هذه الاعداد ؟ واين الوصول إلى تشخيص المطلوب منها والمراد ؟ (واما ثانيا) فلان مبنى تصحيح الحديث عندهم على نقل توثيق رجاله في أحد كتب المتقدمين. ككتاب الكشي. والنجاشي. والفهرست، والخلاصة. ونحوها، نظرا إلى ان نقلهم ذلك شهادة منهم بالتوثيق، حتى ان المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى لم يكتف في تعديل الراوي بنقل واحد من هؤلاء بل اوجب في تصحيح نقل اثنين منهم لعدالة الراوي، نظرا إلى انها شهادة فلا يكفي فيها الواحد. وأنت خبير بما بين مصنفي تلك الكتب وبين رواة الاخبار من المدة والازمنة المتطاولة فكيف اطلعوا على احوالهم الموجب للشهادة بالعدالة أو الفسق ؟ والاطلاع على ذلك - بنقل ناقل أو شهرة أو قرينة حال أو ذلك كما هو معتمد مصنفي تلك الكتب في الواقع - لا يسمى شهادة. وهم قد اعتمدوا على ذلك وسموه شهادة، وهب

[ 23 ]

ان ذلك كاف في الشهادة، لكن لابد في العمل بالشهادة من السماع من الشاهد لا بمجرد نقله في كتابه، فانه لا يكفي في كونه شهادة، هب انا سلمنا الاكتفاء به في ذلك، فما الفرق بين هذا النقل في هذه الكتب وبين نقل اولئك - الاجلاء الذين هم اساطين المذهب - صحة كتبهم وانها مأخوذة عن الصادقين (عليهم السلام) ؟ فيعتمد عليهم في أحدهما دون الآخر (واما ثالثا) فلمخالفتهم انفسهم فيما قرروه من ذلك الاصطلاح فحكموا بصحة أحاديث هي باصطلاحهم ضعيفة كمراسيل ابن ابي عمير، وصفوان بن يحيى، وغيرهما. زعما منهم ان هؤلاء لا يرسلون ألا عن ثقة. ومثل احاديث جملة من مشايخ الاجازة لم يذكروا في كتب الرجال بمدح ولا قدح. مثل احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، واحمد بن محمد بن يحيى العطار، والحسين بن الحسن بن ابان، وابي الحسين ابن ابي جيد. واضرابهم. زعما منهم ان هؤلاء مشايخ الاجازة وهم مستغنون عن التوثيق. وامثال ذلك كثير يظهر للمتتبع (واما رابعا) فلاضطراب كلامهم في الجرح والتعديل على وجه لا يقبل الجمع والتأويل، فترى الواحد منهم يخالف نفسه فضلا عن غيره. فهذا يقدم الجرح على التعديل، وهذا يقول لا يقدم إلا مع عدم امكان الجمع، وهذا يقدم النجاشي على الشيخ، وهذا ينازعه ويطالبه بالدليل. وبالجملة: فالخائض في الفن يجزم بصحة ما ادعيناه، والبناء من أصله لما كان على غير اساس كثر الانتقاض فيه والالتباس. (السادس) - ان اصحاب هذا الاصطلاح قد اتفقوا على ان مورد التقسيم إلى الانواع الاربعة إنما هو خبر الواحد العاري عن القرائن. وقد عرفت. - من كلام اولئك الفضلاء المتقدم نقل كلامهم، وبذلك صرح غيرها ايضا - ان اخبار كتبنا المشهورة محفوفة بالقرائن الدالة على صحتها. وحينئذ يظهر عدم وجود مورد التقسيم المذكور في اخبار هذه الكتب. وقد ذكر صاحب المنتقى: ان اكثر انواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتأخرين من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها

[ 24 ]

في احاديثهم وانه لا وجود لاكثرها في احاديثنا. وأنت إذا تأملت بعين الحق واليقين وجدت التقسيم المذكور من هذا القبيل. إلى غير ذلك من الوجوه (1) التي انهيناها في كتاب المسائل إلى اثني عشر وجها، وطالب الحق المنصف تكفيه الاشارة والمكابر المتعسف لا ينتفع ولو بالف عبارة.


(1) ومنها - ان التعديل والجرح موقوف على معرفة ما يوجب الجرح ومنه الكبائر. وقد اختلفوا فيها اختلافا شديدا، فلا يمكن الاعتماد على تعديل المعدل وجرحه إلا مع العلم بموافقة مذهبه لمذهب من يريد العمل، وهذا العلم مما لا يمكن أصلا، إذ المعدلون والجارحون من علماء الرجال ليس مذهبهم في عدد الكبائر معلوما، قال شيخنا البهائي (قدس سره) على ما نقل عنه من المشكلات، انا لا نعلم مذهب الشيخ الطوسى في العدالة وانه يخالف مذهب العلامة، وكذا لا لعلم مذهب بقية اصحاب الرجال كالكشي والنجاشي، وغيرهم، ثم نقبل تعويل العلامة في التعديل على تعديل اولئك. وايضا كثير من الرجال ينقل عنه انه كان على خلاف المذهب ثم رجع وحسن إيمانه. والقوم يجعلون روايته في الصحيح مع انهم غير عالمين بان اداء الرواية متى وقع ؟ بعد التوبة ام قبلها ؟. وهذان المشكلان لا اعلم ان أحدا قبل تنبه لشئ منهما. انتهى. (ومنها) - ان العدالة بمعنى الملكة المخصوصة عند المتأخرين مما لا يجوز اثباتها بالشهادة، لا الشهادة وخبر الواحد ليس حجة إلا في المحسوسات لا فيما خفى كالعصمة فلا تقبل فيها الشهادة، فلا اعتماد على تعديل المعدلين بناء على اعتقاد المتأخرين. وهذا مما اورده المحدث الامين (قدس سره) (ومنها) - انه قد تقرر في محله ان شهادة فرع الفرع غير مسموعة، إذ لا يقبل إلا من شاهد الاصل أو شاهد الفرع خاصة. على ان شهادة علماء الرجال على اكثر المعدلين والمجروحين انما هو من شهادة فرع الفرع، فان الشيخ والنجاشى ونحوهما لم يلقوا اصحاب الباقر والصادق (ع) فلا تكون شهادتهم إلا من قبيل شهادة فرع الفرع بمراتب كثيرة فكيف يجوز التعويل شرعا على شهادتهم ثم بالجرح والتعديل. وهذا ايضا مما أورده المحدث الامين (قدس سره) إلى غير ذلك من الوجوه التى لا يسع الاتيان عليها. إلا ان المحقق المنصف تكفيه الاشارة والمعاند المتعسف لا ينتفع ولو بالف عبارة (منه ره).

[ 25 ]

(تتمة مهمة) قد اشتهر بين اكثر متأخري اصحابنا (رضوان الله عليهم) قصر العمل بالاخبار على ما في هذه الكتب الاربعة المشهورة، زعما منهم ان غيرها لم يبلغ في الضبط والانتقاد على وجه يوجب الاعتماد على مثله. وقد علت - مما قدمنا من كلام شيخنا البهائي (رحمه الله) في الوجيزة، ومثله ايضا شيخنا الشهيد في الذكرى مما طويناه في اثناء كلامه المتقدم ذكره - عدم الانحصار في الكتب المشار إليها، وهو الحق الحقيق بالاتباع، قال السيد المحدث السيد نعمة الله الجزائري (طيب الله مرقده) في مقدمات شرحه على التهذيب: " والحق ان هذه الاصول الاربعة لم تستوف الاحكام كلها، بل قد وجدنا كثيرا من الاحكام في غيرها، مثل عيون أخبار الرضا، والامالي، وكتاب الاحتجاج، ونحوها. فينبغي مراجعة هذه الكتب واخذ أحكام منها ولا يقلد العلماء في فتاويهم، فان أخذ الفتوى من دليلها هو الاجتهاد الحقيقي، وكم قد رأينا جماعة من العلماء ردوا على الفاضلين بعض فتاويهم لعدمم الدليل فرأينا دلائل تلك الفتاوى في غير الاصول الاربعة، خصوصا كتاب الفقه الرضوي الذي اتي به من بلاد الهند في هذه الاعصار إلى اصفهان وهو الآن في خزانة شيخنا المجلسي، فانه قد اشتمل على مدارك كثيرة للاحكام وقد خلت عنها هذه الاصول الاربعة وغيرها " انتهى كلامه زيد مقامه. ولقد أجاد فيما حرر وفصل وأشاد وطبق المفصل وعليه المعتمد والمعول. ولقد وفق الله تعالى شيخنا غواص بحار الانوار إلى استخراج كنوز تلك الاثار فجمعها في جامه المشهور ب‍ (البحار) بعد التقاطها من جميع الاقطار، جزاه الله تعالى عن علماء الفرقة المحقة أفضل جزاء الابرار. وقد جمع فيه أخبارا جمة من الاصول المندرسة واظهر كنوزا من األحكام كانت بمرور الايام منطمسة. ومن جملتها كتاب الفقه الرضوي الذي ذكره السيند المتقدم ذكره. قال شيخنا المشار إليه في مقدمات كتاب البحار

[ 26 ]

في ضمن تعداد الكتب التي نقل منها ما لفظه: " كتاب فقه الرضا (عليه السلام) اخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي امير حسين (طاب ثراه) بعد ما ورد اصفهان. قال: قد اتفق في بعض سني مجاورتي ببيت الله الحرام ان أتاني جماعة من أهل قم حاجين. وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا (عليه السلام). وسمعت الوالد (رحمه الله) انه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه (صلوات الله عليه) وكان عليه اجازات جماعة كثيرة من الفضلاء. وقال السيد: حصل لي العلم بتلك القرائن انه تأليف الامام (عليه السلام) واخذت الكتاب وكتبته وصححته. فأخذ والدي (قدس الله روحه) هذا الكتاب من السيد واستنسخه وصححه. واكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه من غير سند وما يذكره والده في رسالته إليه، وكثيرا من الاحكام - التي ذكرها اصحابنا ولا يعلم مستندها - مذكورة فيه كما ستعرف في ابواب العبادات " انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه. اقول: وما ذكره (قدس سره) - من مطابقة كلام الصدوق في الفقيه ووالده في رسالته لما في الكتاب المذكور - قد وقفت عليه في غير موضع وسيمر بك ان شاء الله تعالى في كتابنا هذا، وقد اعتمدنا في الاستدلال في كتابنا هذا على ما اعتمده شيخنا المذكور من الكتب المعدودة في كتابه، وستمر بك اخبارها في الثناء الابحاث ان شاء الله تعالى. المقدمة الثالثة في مدارك الاحكام الشرعية، وهي عند الاصوليين اربعة: (الكتاب والسنة والاجماع ودليل العقل) وحيث تقدم مجمل الكلام في السنة يبقى الكلام هنا في مقامات ثلاثة:

[ 27 ]

(المقام الاول) - في الكتاب العزيز، ولا خلاف بين اصحابنا الاصوليين في العمل به في الاحكام الشرعية والاعتماد عليه حتى صنف جملة منهم كتبا في الآيات المتعلقة بالاحكام الفقهية وهي خمسمائة آية عندهم. واما الاخباريون فالذي وفقنا عليه من كلام متأخريهم ما بين افراط وتفريط، فمنهم من منع فهم شئ منه مطلقا حتى مثل قوله: " قل هو الله أحد " (1) إلا بتفسير من أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) ومنهم ممن جوز ذلك حتى كاد يدعي المشاركة لاهل البيت (عليهم السلام) في تأويل مشكلاته وحل مبهماته. والتحقيق في المقام ان الاخبار متعارضة من الجانبين ومتصادمة من الطرفين، إلا ان اخبار المنع (2) اكثر عددا واصرح دلالة. ففي جملة منها - قد ورد في تفسير قوله تعالى: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا الآية " (3) - دلالة على اختصاص ميراث الكتاب بهم (عليهم السلام) وجملة في تفسير قوله تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم.. " (4) بأن


(1) قال المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قده) في بعض رسائله: انى كنت حاضرا في المسجد الجامع في شيراز. وكان الاستاذ المجتهد الشيخ جعفر البحراني والشيخ المحدث صاحب جوامع الكلم يتناظران في هذه المسألة. فانجر الكلام ههنا حتى قال له الفاضل المجتهد: ما تقول في معنى " قل هو الله أحد " فهل يحتاج في فهم معناها إلى الحديث ؟ فقال: نعم لا نعرف معنى الاحدية ولا الفرق بين الاحد والواحد ونحو ذلك الا بذلك. انتهى. (أفول): ونقل عن بعض المتحذلقين - ممن يدعى الانتظام في سلك الاخباريين - انه يمنع من اللباس على غير الهيئة التى كان عليها لباس الائمة (عليهم السلام) وهو جهل مجض (منه قدس سره). (2) قد عقد لها في الوسائل (الباب الثالث عشر) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء، وعنوانه (عدم جواز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الائمة). (3) سورة فاطر. آية 32. (4) سورة العنكبوت. آية 49.

[ 28 ]

المراد بهم الائمة (صلوات الله عليهم)، وجملة في تفسير " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " (1) قال: إيانا عنى. ومثل ذلك في تفسير قوله سبحانه: " وانه لذكر لك ولقومك. " (2). وكذا في تفسير قوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.. " (3). وفى جملة من تلك الاخبار: " ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ". وفى مناظرة الشامي لهشام بن الحكم بمحضر الصادق (عليه السلام) المروية في الكافي (4) وغيره: " قال هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله من الحجة ؟ قال الشامي: الكتاب والسنة. فقال هشام: فهل نفعنا الكتاب والسنة في رفع الاختلاف عنا ؟ قال الشامي: نعم. قال هشام: فلم اختلفنا أنا وأنت وصرت الينا من الشام في مخالفتنا اياك ؟ فسكت الشامي. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للشامي مالك لا تتكلم ؟ فقال الشامي: ان قلت لم نختلف كذبت وان قلت ان الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف ابطلت، لانهما يحتملان الوجوه، إلى ان قال الشامي: والساعة من الحجة ؟ فقال هشام: هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا باخبار السماء.. " الحديث. ولا يخفى ما فيه من الصراحة. وفى بعض آخر (5): " قال السائل: أو ما يكفيهم القرآن ؟ قال (عليه السلام): بلى لو وجدوا له مفسرا. قال: أو ما فسره رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال:


(1) سورة الرعد. آية 43 (2) سورة الزخرف. آية 44 (3) سورة آل عمران. آية 7 (4) في باب (الاضطراب إلى الحجة) من كتاب الحجة. (5) وهو خبر الحسن بن العباس بن جريش عن ابى جعفر الثاني (ع) المروي في الوسائل في باب " 13 " (عدم جواز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر القرآن الخ) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء.

[ 29 ]

بلى فسره لرجل واحد وفسر للامة شأن ذلك الرجل.. " الحديث. وفى آخر (1) " انما القرآن امثال لقوم يعلمون دون غيرهم ولقوم يتلونه حق تلاوته وهم الذين يؤمنون به ويعرفونه. واما غيرهم فما أشد اشكاله عليهم وابعده من مذاهب قلوبهم، إلى ان قال: وإنما أراد الله بتعميته في ذلك ان ينتهوا إلى بابه وصراطه ويعبدوه وينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه والناطقين عن امره وان يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم لا عن انفسهم.. " الحديث (2). ويدل على ذلك الحديث المتواتر بين العامة والخاصة (3) من قوله (صلى الله عليه وآله) اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي اهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " فان الظاهر ان المراد من عدم افتراقهما إنما باعتبار الرجوع في معاني الكتاب إليهم (صلوات الله عليهم) وإلا لو تم فهمه كلا أو بعضها بالنسبة إلى الاحكام


(1) وهو خبر المعلى بن خنيس عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الوسائل في باب " 13 " (عدم جواز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر القرآن الخ) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء. (2) ومن الاخبار في ذلك ما رواه العياشي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " من فسر القرآن برأيه ان اصاب لم يؤجر وان اخطأ خر أبعد من السماء " وفى الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: " ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر " وعن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وحمل الرأى - على الميل الطبيعي المرتب على الاغراض الفاسدة والمطالب الكاسدة كما ذكره بعضهم - بعيد كما اوضحناه في كتاب الدرر النجفية (منه رحمة الله). (3) وقال في الوسائل في باب 5 (تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة ووجوب نقض الحكم مع ظهور الخطأ) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء: وقد تواتر بين العامة والخاصة عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما ان تضلوا: كتاب الله وعترتي اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "

[ 30 ]

الشرعية والمعارف الآلهية بدونهم لصدق الافتراق ولو في الجملة. ويؤيد ذلك ايضا قول امير المؤمنين (صلوات الله عليه): " القرآن كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق " (1) فلو فهم معناه بدونه (عليه السلام) لم يكن لوصفه بكونه صامتا معنى (2). ولا يخفى على الفطن المنصف صراحة هذه الادلة في المدعى، وظني ان ما يقابلها مع تسليم التكافؤ لا صراحة له في المعارضة. فمن ذلك - الاخبار الواردة بعرض الحكم المختلفة فيه الاخبار على القرآن واألخذ بما يوافقه وطرح ما يخالفه. ووجه الاستدلال انه لو لم يفهم منه شئ إلا بتفسيرهم (عليهم السلام) انتفى فائدة العرض. والجواب انه لا منافاة، فان تفسيرهم (عليهم السلام) إنما هو حكاية مراد الله تعالى فالاخذ بتفسيرهم أخذ بالكتاب، واما ما لم يرد فيه تفسير عنهم (صلوات الله عليهم) فيجب التوقف فيه وقوفا على تلك الاخبار وتقييدا لهذه الاخبار بها ومن ذلك الآيات، كقوله سبحانه: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ.. " (3) وقوله: " ما فرطنا في الكتاب من شئ.. " (4) وقوله: " لعلمه الذين


(1) وقد رواه في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء هكذا: " هذا كتاب الله الصامت وانا كتاب الله الناطق ". (2) ومن ذلك ايضا ما ورد من ان القرآن مشتمل على الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل والتقديم والتأخير والتغيير والتبديل، واستفادة الاحكام الشرعية من مثل ذلك لا يتسير إلا للعالم بجميع ما هنالك وليس إلا هم (عليهم السلام) خصوصا الآيات المتعلقة بالاحكام الشرعية، فانها لا تخرج عن هذه الاقسام المذكورة (منه قدس سره). (3) سورة النحل. آية 89 (4) سورة الانعام. آية 38

[ 31 ]

يستنبطونه.. " (1) وقوله: " أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها " (2). والجواب ان الآيتين الاوليين لا دلالة فيهما على اكثر من استكمال القرآن لجميع الاحكام وهو غير منكور، وأما كون فهم الاحكام مشتركا بين كافة الناس كما هو المطلوب بالاستدلال فلا، كيف ؟ وجل آيات الكتاب سيما ما يتعلق بالفروع الشرعية كلها ما بين مجمل ومطلق وعام ومتشابه لا يهتدى منه - مع قطع النظر عن السنة - إلى سبيل. ولا يركن منه إلى دليل. بل قد ورد من استنباطهم (عليهم السلام) جملة من الاحكام من الآيات ما لا يجسر عليه سواهم ولا يهتدي إليه غيرهم، وهو مصداق ما تقدم من قولهم: " ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن " كالاخبار الدالة على حكم الوصية بالجزء من المال، حيث فسره (عليه السلام) بالعشر مستدلا بقوله سبحانه: " ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا.. " (3) وكانت الجبال عشرة، والوصية بالسهم. حيث فسره بالثمن لقوله سبحانه: " إنما الصدقات للفقراء.. الآية " (4) والنذر بمال كثير. حيث فسره (عليه السلام) بالثمانين لقوله تعالى: " في مواطن كثيرة.. " (5) وكانت ثمانين موطنا، وامثال ذلك مما يطول به الكلام. واما الآية الثالثة فظاهر سياق ما قبلها وهو قوله: " ولو ردوه إلى الرسول والى اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. " يدل على كون المستنبطين هم األئمة (عليهم السلام) وبذلك توافرت الاخبار عنهم (عليهم السلام)، ففي الجوامع عن الباقر (عليه السلام): " هم الائمة المصومون " والعياشي عن الرضا (عليه السلام): " يعني آل محمد وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام " وفي الاكمال عن الباقر (عليه السلام) مثل ذلك. وقد تقدم في بعض الاخبار التي قدمناها ما يشعر


(1) سورة النساء. آية 83 (2) سورة محمد (صلى الله عليه وآله). آية 24 (3) سورة البقرة. آية 260 (4) سورة التوبة. آية 60 (5) سورة التوبة. آية 25

[ 32 ]

بذلك ايضا. واما الآية الرابعة فانا - كما سيتضح لك - لا نمنع فهم شئ من القرآن بالكلية ليمتنع وجود مصداق آلية، فان دلالة الآيات - على الوعد والوعيد والزجر لمن تعدى الحدود الالهية والتهديد - ظاهر لا مرية فيه، وهو المراد من التدبر في الآية كما ينادي عليه سياق الكلام. والقول الفصل والمذهب الجزل في ذلك ما أفاده شيخ الطائفة (رضوان الله عليه) في كتاب التبيان وتلقاه بالقبول جملة من علمائنا الاعيان، حيث قال بعد نقل جملة من اخبار الطرفين ما ملخصه: والذي نقول: ان معاني القرآن على اربعة أقسام: (أحدها) - ما اختص الله تعالى بالعلم به. فلا يجوز لاحد تكلف القول فيه (وثانيها) - ما يكون ظاهره مطابقا لمعناه فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه، مثل قوله: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق.. " (1) (وثالثها) - ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا مثل قوله " اقيموا الصلاة.. " (2) ثم ذكر جملة من آليات التي من هذا القبيل وقال: انه لا يمكن استخراجها إلا ببيان من النبي (صلى الله عليه وآله) (ورابعها) - ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عليهما ويمكن ان يكون كل واحد منهما مرادا. فانه لا ينبغي ان يقدم أحد فيقول ان مراد الله بعض ما يحتمله إلا بقول نبي أو امام معصوم، إلى آخر كلامه " زيد في اكرامه " وعليه تجتمع الاخبار على وجه واضح المنار. ويؤيده ما رواه (3) في الاحتجاج


(1) سورة الانعام. آية 151 (2) سورة الانعام. آية 72 (3) ومنه ما روى ان الحسن (عليه السلام) تلا قوله سبحانه: " ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " فقال معاوية: اين قصة لحيتى ولحيتك في الكتاب. وقد كان الحسن (عليه السلام) حسن اللحية وكان معاوية قبيحها، فقال (عليه السلام): " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذى خبث لا يخرج الا نكدا " وما روى في حديث ابى الجارود قال قال أبو جعفر (عليه السلام): " إذا حدثتكم بشئ فاسألوني من كتاب الله " ثم قال في بعض حديثه: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن القيل والقال وفساد =

[ 33 ]

عن امير المؤمنين (عليه السلام) (1) في حديث الزنديق الذي جاء إليه بآي من القرآن زاعما تناقضها. حيث قال (عليه السلام) في اثناء الحديث: " ان الله جل ذكره لسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه قسم كلامه ثلاثة أقسام: فجل قسما منه يعرفه العالم والجاهل. وقسما منه لا يعرفه إلا من صف ذهنه ولطف حسه وصح تمييزة ممن شرح الله صدره للاسلام. وقسما لا يعرفه إلا الله وانبياؤه والراسخون في العلم، وإنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل المستولون على ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمار لمن ولاه امرهم. إلى أن قال: فاما ما علمه الجاهل والعالم من فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كتاب الله، فهو قوله سبحانه: " من يطع الرسول فقد اطاع الله.. " (2) وقوله: " ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلم تسليما " (3) ولهذه الآية ظاهر وباطن. فالظاهر هو قوله: (صلوا عليه) والباطن (سلموا تسليما) اي سلموا - لمن وصاه واستخلفه عليكم - فضله وما عهد إليه تسليما. وهذا مما اخبرتك انه لا يعلم تأويله الا من لطف حسه وصفا ذهنه وصح تمييزه، وكذلك قوله: " سلام على آل يس " (4) لان الله سمى النبي (صلى الله


المال وكثرة السؤال. فقيل له: يا ابن رسول الله ! اين هذا من كتاب الله فقال: ان الله عزوجل يقول: " لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس " وقال: " ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قياما " وقال: " لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم " (منه قدس سره) (1) في احتجاجات امير المؤمنين (عليه السلام). (2) سورة النساء. آية 80 (3) سورة الاحزاب. آية 56 (4) سورة الصافات. آية 130

[ 34 ]

عليه وآله) بهذا الاسم، حيث قال: " يس والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين " لعلمه انهم يسقطون " سلام على آل محمد " كما اسقطوا غيره.. الحديث ". (أقول): والقسم الثاني من كلام الشيخ (قدس سره) هو الاول من كلامه (صلوات الله عليه) وهو الذي يعرفه الجاهل والعالم، وهو ما كان محكم الدلالة. وهذا مما لا ريب في صحة الاستدلال به والمانع مكابر. والقسم الرابع من كلامه (رضوان الله عليه) هو الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) وهو الذي لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه، والظاهر انه اشار بذلك إلى الائمة (عليهم السلام)، فانهم هم المتصفون بتلك الصفات على الحقيقة، وان ادعى بعض من أشرنا إليه آنفا دخوله في ذلك. والآيات - التي جعلها (عليه السلام) من هذا القسم - دليل على ذلك، فانها كما أشار إليه (صلوات الله عليه) من التفسير الباطن الذي لا يمكن التهجم عليه إلا من جهتهم (لا يقال): انه يلزم اتحاد القسم الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) بما بعده، لكون القسم الثالث ايضا من المعلوم لهم (عليهم السلام) (لانا نقول): الظاهر تخصيص القسم الثالث بعلم الشرائع الذي يحتاج إلى توقيف، وانه لا يعلمه إلا هو (جل شأنه) أو انبياؤه بالوحي إليهم وان علمه الائمة (عليهم السلام) بالوراثة من الانبياء. بخلاف الثاني. فانه مما يستخرجونه بصفاء جواهر اذهانهم ويستنبطونه باشراق لوامع افهامهم، وحينئذ فالقسم الثالث من كلام الشيخ (قدس سره) هو الثالث من كلامه (صلوات الله عليه) ولعل عدم ذكره (صلوات الله عليه) للقسم الاول من كلام الشيخ لقلة افراده في القرآن المجيد إذ هو مخصوص بالخمسة المشهورة، أو أن الغرض التام إنما يتعلق بذكر الاقسام التي أخفاها (جل شأنه) عن تطرق تغيير المبدلين وان ذكر معها القسم الاول استطرادا، ومرجع هذا الجمع الذي ذكره الشيخ (قدس سره) إلى حمل أدلة الجواز على القسم الثاني من كلامه (طاب ثراه) واخبار المنع على ما عداه، واما ما يفهم من كلام المحدث الكاشاني (قدس سره) - في المقدمة الخامسة من كتاب الصافي من الجمع بين

[ 35 ]

الاخبار بالحمل على تفاوت مراتب الناس في الاستعداد والوصول إلى تحصيل المقصود منه والمراد - فظني بعده عن سياق الاخبار. فان أخبار المنع - كما عرفت من الشطر الذي قدمناه منها - قد دلت على الاختصاص بالائمة (عليهم السلام). وادعاء مزاحتمهم (صلوات الله عليهم) في تلك المرتبة يحتاج إلى جرأة عظيمة. ومن أراد تحقيق الحال والاحاطة باطراف المقال فليرجع إلى كتابنا الدرر النجفية. (المقام الثاني) - في الاجماع. ومجمل الكلام فيه ما افاده المحقق (طاب ثراه) في المعتبر واقتفاه فيه جمع ممن تأخر، قال (قدس سره): " وأما الاجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم. فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا اعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله (عليه السلام). فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهلة قول الباقين " انتهى. وحينئذ فالحجة هو قوله (عليه السلام) لا مجرد الاتفاق، فيرجع الكلام - على تقدير ثبوت الاجماع المذكور - إلى خبر ينسب إلى المعصوم (عليه السلام) اجمالا. وترجيحه على الاخبار المنسوبة إليه تفصيلا غير معقول. وكأنهم زعموا ان انتسابه إليه في ضمن الاجماع قطعي ولا في ضمنه ظني. وهو ممنوع. على ان تحقق هذا الاجماع في زمن الغيبة متعذر. لتعذر ظهوره (عليه السلام) وعسر ضبط العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة أقوالهم. إلا أن ينقل ذلك بطريق التواتر والآحاد المشابه له نقلا مستندا إلى الحس، بمعانية اعمال جميع من يتوقف انعقاد الاجماع عليه، أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول والعمل على نوع من التقية ونحوها، ودونه خرط القتاد. لما يعلم يقينا من تشتت العلماء وتفرقهم في أقطار الارض بل انزوائهم في بلدان المخالفين وحرصهم على ان لا يطلع أحد على عقائدهم ومذاهبهم. وما يقال - من انه إذا وقع اجماع الرعية على الباطل يجب على الامام ان يظهر

[ 36 ]

ويباحثهم حتى يردهم إلى الحق لئلا يضل الناس، أو انه يجوز ان تكون هذه الاقوال - المنقولة في كتب الفقهاء التي لا يعرف قائلها - قولا للامام (عليه السلام) القاه بين اقوال العلماء حتى لا يجتمعوا على الخطأ كما ذهب إليه بعض المتأخرين، حتى انه (قدس سره) كان يذهب إلى اعتبار تلك الاقوال المجهولة القائل لذلك - فهو مما لا ينبغي ان يصغى القائل لذلك - فهو مما لا ينبغي ان يصغي إليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. وعلى هذا فليس في عد الاجماع في الادلة الا مجرد تكثير العدد واطالة الطريق، لانه ان علم دخوله (عليه السلام) فلا بحث ولا مشاحة في اطلاق اسم الاجماع عليه واسناده الحجة فيه ولو تجوزا، والا فان ظن ولو بمعاضدة خبر واحد فكذلك، والا فليس نقل الاجماع بمجرده موجبا لظن دخول المعصوم (عليه السلام) ولا كاشفا عنه كما ذكروه، نعم لو انحصر حملة الحديث في قوم معروفين أو بلدة محصورة في وقت ظهوره (عليه السلام) كما في وقت الائمة الماضين (صلوات الله عليهم اجمعين) اتجه القول بالحجية، ويقرب منا ايضا ما لو افتى - جماعة من الصدر الذي يقرب منهم كعصر الصدوق وثقة الاسلام الكليني (عطر الله مرقدهما) ونحوهما من ارباب النصوص - بفتوى لم نقف فيها على خبر ولا مخالف منهم، فانه ايضا مما يقطع بحسب العلم العادي فيها بالحجية ودخول قول المعصوم (عليه السلام) فيهم لوصول نص لهم في ذلك، ومن هنا نقل جمع من اصحابنا

[ 37 ]

ان المتقدمين كانوا إذا اعوزتهم النصوص في المسألة يرجعون إلى فتاوى على بن الحسين ابن بابويه. وممن صرح بامتناع انعقاد الاجماع في زمن الغيبة المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم، حيث قال: الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الاجماع في زماننا هذا وما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل إلى العلم بقول الامام (عليه السلام) كيف ؟ وهو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين، ليدخل في جملتهم ويكون قوله مستورا بين اقوالهم، وهذا مما يقطع بانتفائه، فكل اجماع - يدعي في كلام الاصحاب مما يقرب من عصر الشيخ إلى زماننا هذا وليس مستندا إلى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم - فلا بد ان يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة. واما الزمان السابق على ما ذكرناه المقارب لعصر ظهور الائمة (عليهم السلام) وامكان العمل باقوالهم، فيمكن فيه حصول الاجماع والعلم به بطريق التتبع والى مثل هذا نظر بضع علماء اهل الخلاف، حيث قال: الانصاف انه لا طريق إلى معرفة حصول الاجماع الا في زمان الصحابة، حيث كان المؤمنون قليلين يمكن معرفتهم باسرهم على التفصيل " انتهى كلام المحقق المذكور (منحه الله تعالى البهجة والسرور). والتحقيق ان اساطين الاجماع كالشيخ والمرتضى وابن ادريس واضرابهم قد كفونا مؤنة القدح فيه وابطاله بمناقضاتهم بعضهم بعضا في دعواه، بل مناقضة الواحد منهم نفسه في ذلك كما لا يخفى على المتتبع البصير، ولا ينبئك مثل خبير، ولقد كان عندي رسالة الظاهر انها لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) كتبها في الاجماعات التى ناقض الشيخ فيها نفسه، وقد ذهبت في بعض الحوادث التي جرت على جزيرتنا البحرين. (فان قيل): ان بعض الاخبار مما يدل على حجية الاجماع، كمقبولة عمر

[ 38 ]

ابن حنظلة حيث قال السائل: " فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه ؟ فقال (عليه السلام): ينظر إلى ما كان - من روايتهما عنا في ذلك الذي حكاه - المجمع عليه اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك، فان المجمع عليه لا ريب فيه ". وما رواه في الكافي في باب ابطال الرؤية في الصحيح عن صفوان، قال: " سألني أبو قرة المحدث ان ادخله على ابي الحسن الرضا (عليه السلام) إلى أن قال: فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات ؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إذا كانت الرويات مخالقة للقرآن كذبتها، وما اجمع عليه المسلمون انه لا يحاط به علما ولا تدركه الابصار.. الحديث ". وما رواه في الكافي ايضا في الباب المذكور عن محمد بن عبيد قال: " كتبت إلى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) اسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة، وسألته ان يشرح لي ذلك، فكتب بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية.. الحديث ". (فالجواب) عن ذلك ممكن اجمالا وتفصيلا، اما الاول فلان المسالة من الاصول المنوطة بالقطع عندهم. والاخبار المذكورة لا تخرج عن خبر الاحاد الذي قصاراه الظن عندهم فلا يتم الاستدلال. واما الثاني فاما عن الخبر الاول (فاولا) ان غاية ما يستفاد منه كون الاجماع مرجحا لاحد الخبرين على الآخر عند التعارض وهو مما لا نزاع فيه، انما النزاع في كونه دليلا مستقلا برأسه، والخبر لا يدل عليه، (وثانيا) فان ظاهره بل صريحه كون الاجماع في الرواية وهو مما لا نزاع فيه، لافي الفتوى كما هو المطلوب

[ 39 ]

بالاستدلال. واما عن الاخيرين فيمكن (اولا) الحمل على كون الاستدلال جدليا إلزاميا للخصم القائل بجواز الرؤية بالاجماع الذي يعتقد حجيته على ما ينافي مدعاه من جوازها. و (ثانيا) بانه على تقدير دلالتهما على الحجية في الجملة فلا دلالة لهما على العموم في الامور العقلية والنقلية، إذ متعلق الاستدلال هنا الامور العقلية. والجواب - بانه لا قائل بالفرق - مردود بان اللازم من ذلك الاستدلال بفرعع من فروع حجية الاجماع قبل ثبوت اصل حجيته. على ان المفهوم - من رسالة الصادق (عليه السلام) التي كتبها لشيعته وامرهم بتعاهدها والعمل بما فيها المروية في روضة الكليني باسانيد ثلاثة - ان اصل الاجماع من مخترعات العامة وبدعهم، قال (عليه السلام): " وقد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه السلام) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله تعالى رسوله يسعنا أن ناخذ ما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه واله) إلى أن قال (عليه السلام): فما احد اجرأ على الله ولا ابين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه.. الحديث ". وبالجملة: فانه لا شبهة ولا ريب في انه لا مستند لهذا الاجماع من كتاب ولا سنة. وانما يجري ذلك على مذاق العامة ومخترعاتهم، ولكن جملة من اصحابنا قد تبعوهم فيه غفلة، كما جروا على جملة من اصولهم في مواضع عديدة مع مخالفتهم لما هو المستفاد من الاخبار، كما سيظهر لك ان شاء الله في ضمن مباحث هذا الكتاب. وقد نقل المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) - عن بعض مشايخه في بيان وجه العذر لمشايخنا المتقدمين في اختلاف الاجماعات المنقولة عنهم - ما ملخصه: ان الاصول التي كان عليها المدار وهي التي انتخبوا منها كتب الحديث المشهورة الان كانت بايدهم، وانما حدث فيها التلف والاضمحلال من زمان ابن ادريس لاسباب

[ 40 ]

ذكر ها، وكانوا - بملاحظة ما اشتملت عليه جميعها أو اكثرها من الاحكام - يدعون عليه الاجماع، وربما اختلفت الاخبار في ذلك الحكم بالتقية وعدمها ا والجواز والكراهة ونحوها، فيدعي كل منهم الاجمماع على ما يؤدي إليه نظره وفهمه من تلك الاخبار بعد اشتمال اكثر تلك الاصول أو كلها على الاخبار المتعلقة بما يختاره ويؤدي إليه نظره. (اقول): وعندي ان هذا الاحتمال ليس ببعيد، فان الظاهر ان مبدأ التفريع في الاحكام والاستنباط انما هو من زمن المرتضى والشيخ (رضوان الله عليهما) فان كتب من تقدمهما من المشايخ انما اشتملت على جمع الاخبار وتأليفها، وان كان بعضها قد اشتمل على مذهب واختيار في المسألة، فانما يشار إليه في عنوان الابواب وينقل ما يخصه من الاخبار، كما لا يخفى على من لاحظ الكافي والفقه ونحوهما من كتب الصدوق وغيره وكذلك ايضا فتاويهم المحفوظة عنهم لا تخرج عن موارد الاخبار، وحينئذ فنقل الشيخ والسيد (قدس سرهما) اجماع الطائفة على الحكم مع كون عمل الطائفة انما هو على ما ذكرنا من الاخبار وكونهما على اثر اولئلك الجماعة الذين هذه طريقتهم من غير فاصلة، فكيف يصح حمل ما يدعونه من الاجماع على الاجماع في الفتوى وان كان من غير خبر ؟ بل الظاهر انما هو الاجماع في الاخبار. الا ترى ان الشيخ في الخلاف المرتضى في الانتصار انما استندا في الاستدلال إلى مجرد الاجماع وجعلوه هو المعتمد والمعتبر مع كون الاخبار بمرأي منهم ومنظر، وليس ذلك الا لرجوعه إليها وكونه عبارة عن الاجماع فيها، وهذا احد الوجوه التي اعتذر بها شيخنا الشهيد في الذكرى عن اختلافهم في تلك الاجماعات، وهو اظهرها وان جعله آخرها (المقام الثالث) - في دليل العقل. وفسره بعض بالبرائة الاصلية والاستصحاب، وآخرون قضروه على الثاني، وثالث فسره بلحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب، ورابع بعد البراءة الاصلية والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج

[ 41 ]

فيه مقدمة الواجب واستلزام الامر بالشيئ النهي عن ضده الخاص والدلالة الالتزامية ولابد لنا ان نتكلم على ما لابد منه في مطالب: (المطلب الاول) - في البرائة الاصلية، اعلم ان الاصل - كما ذكره جملة من الفضلاء - يطلق على معان (احدها) - الدليل كما يقال: الاصل في هذه المسألة الكتاب والسنة و (ثانيهما) - الراجح كقولهم: الاصل في الكلام الحقيقة و (ثالثها) - القاعدة كقولهم: ا لاصل في البيع اللزوم، والاصل في تصرفات المسلمين الصحة. (ورابعها) الاستصحاب كقولهم: إذا تعارض الاصل والظاهر فالاصل مقدم. والاصل فيما نحن فيه اما بمعنى الراجح، والمراد منه ما يترجح إذا خلى الشئ ونفسه، بمعنى انه متى لو خظت الذمة من حيث هي هي مع قطع النظر عن التكليفات فان الراجح برائتها، كما في قولهم: الاصل في الكلام الحقيقة، بمعنى ان الراجح ذلك لو خلي الكلام ونفسه من غير قرينة صارفة عن معناه الموضوع له، ويحتمل ان يكون الاصل هنا ايضا بمعنى استصحاب الحالة التي كان عليها الشئ قبل التكليف أو قبل حال الاختلاف كاستصحاب براءة الذمة قبل ذلك. ومن هنا صرح بعضهم بان الوجه في التمسك بالبراءة الاصلية من حيث ان الاصل في الممكنات العدم. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المعنى الاول من هذه المعاني مما لا اشكال ولا خلاف فيه، وكذا الثاني في غير البراءة الاصلية، واما فيها ففيه ما سيتضح لك من التفصيل

[ 42 ]

ان شاء الله تعالى. واما الثالث فان كانت تلك القاعدة مستفادة من الكتاب والسنة فلا اشكال في صحة البناء عليها، ومنه قولهم: الاصل في الاشياء الطهارة، اي القاعدة المستفادة من النصوص - وهي قولهم (عليهم السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " - تقتضي طهارة كل شيئ، واما الرابع فهو محل الاختلاف في المقام ومرمى سهام النقض والابرام. ثم انه يجب ان يعلم ان الاصل بمعنى النفي والعدم انما يصح الاستدلال به - على تقديره - على نفي الحكم الشرعي لا على اثباته، ولهذا لم يذكر الاصوليون البراءة الاصلية في مدارك الاحكام الشرعية، وحينئذ فإذا كانت البراءة مستلزمة لشغل الذمة من جهة اخرى امتنع الاستدلال بها، كما إذا علم نجاسة احد الثوبين أو الاناءين بعينه واشتبه بالاخر، فانه لا يصح الاستدلال على طهارة كل واحد منهما بان يقال: الاصل عدم نجاسته، فانه ينتج ممن ذلك الحكم بطهارتهما ويلزم منه اشتغال الذمة بالنجاسة لمعلوميتها كما عرفت وان جهل تعينها، ولذلك فروع كثيرة في ابواب

[ 43 ]

الفقه يقف عليها المتدبر. والسر في ذلك ان حجية الاصل في النفي والعدم انما هو من حيث لزوم قبح تكليف الغافل كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى، وهذا لا يجري في اثبات الحكم به، ولا دليل سوى ذلك، فيلزم اثبات حكم لا دليل. إذا تقرر ذلك فاعلم ان البراءة الاصلية في قسمين: (احدهما) - انها عبارة عن نفي الوجوب في فعل وجودي إلى ان يثبت دليله. بمعنى ان الاصل عدم الوجوب حتى يثبت دليله. وهذا القس مما لا خلاف ولا اشكال في صحة الاستدلال به والعمل عليه، إذ لم يذهب احد إلى ان الاصل الوجوب، لاستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق وللاخبار الدالة على ان " ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم " و " الناس في سعة ما لم يعلموا " و " رفع القلم عن تسعة اشياء. وعد منها

[ 44 ]

ما لا يعلمون " و (ثانيهما) - انه عبارة عن نفي التحريم في فعل وجودي إلى ان يثبت دليله بمعنى ان الاصل الاباحة وعدم التحريم في ذلك الفعل إلى ان يثبت دليل تحريمه، وهذه هي البراءة الاصلية التي وقع النزاع فيها نفيا واثباتا، فالعامة كملا واكثر اصحابنا على القول بها والتمسك في نفي الاحكام بها، حتى طرحوا في مقابلتها الاخبار الضعيفة باصطلاحهم بل الاخبار الموثقة، كما لا يخفى على من طالع كتبهم الاستدلالية كالمسالك والمدارك ونحوهما، فالاشياء عندهم اما حلال أو حرام خاصة، وجملة علمائنا المحدثين وطائفة من الاصوليين على وجوب التوقف والاحتياط، فالاشياء عندهم مبنية على التثليث (حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك)، وبرما نقل ايضا القول بان الاصل التحريم إلى ان تثبت الاباحة، وهو ضعيف. والحق - الحقيق بالاتباع، وهو المؤيد باخبار اهل الذكر (صلوات الله عليهم) - هو القول الثاني، ولنا عليه وجوه:

[ 45 ]

(الاول) - ان ما عداه قول بلا دليل فيجب اطراحه، وادلة الخصم لا تنهض بالدلالة كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى. (الثاني) - استفاضة الاخبار بان الله في كل واقعة حكما شرعيا مخزونا عند أهله حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة، وحينئذ فإذا كان جميع الاحكام قد ورد فيها خطاب شرعي فكيف يصح التمسك باصالة العدم والاستدلال به ؟ نعم الاستدلال بذلك انما يتجه على مذهب المخالفين القائلين بان جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه واله) اظهره للصحابة ولم يكتم شيئا منه لا عن الابيض ولا الاسود، ولا خص احدا دون احد بشيئ من علومه، ولم تقع بعده فتنة اوجبت اخفاء شيئ مما جاء به (صلى الله عليه واله) فالمجتهد إذا فحص وفتش عن الادلة الشرعية ولم يقف على دليل ذلك الحكم يجب عنده الجزم بنفي ذلك الحكم ويكون التمسك بالبراءة الاصلية على نفيه، كما قالوا: عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي لعدم الحكم، وبعبارة اخرى عدم وجود الدليل دليل على العدم. واما عندنا معاشر الامامية فحيث استفاض في اخبارنا - بل صار من ضروريات ديننا - انه اودع علومه عند أهل بيته وخصهم بها دون غيرهم، واستفاض ايضا انه لم يبق شيئ من الاحكام جزئي ولا كلي الا وقد ورد فيه خطاب شرعي وحكم الهي وان جميع ذلك عندهم، وانهم كانوا في زمن تقية وفتنة، فقد يجيبون عن السؤال بما هو الحكم الشرعي الواقعي تارة وقد يجيبون بخلافه تقية وقد لا يجيبون اصلا، فلا يتجه اجراء هذا الكلام ولا صحته في هذا المقام، ولا تمام هذه القاعدة ولا ما يترتب عليها من الفائدة، ولا يمكن التمسك بالعدم الاصلي الذي هو عبارة عن عدم تعلق التكليف

[ 46 ]

ووقوعه بالكلية. وما ذكرنا سابقا - من صحة الاستدلال بالقسم الاول من قسمي البراءة الاصلية على نفي الوجوب في فعل وجودي - لا باعتبار عدم الحكم واقعا بل لعدم وصول الحكم وللزوم تكليفنا بذلك مع عدم العلم بالحكم للحرج المنفي بالاية والرواية، وللاخبار المشار إليها ثمة. نعم ما ذكروه يتم عندنا فيما تعمم به البلوى من الاحكام كما نبه على ذلك جملة من علمائنا الاحلام واليه ا شارالمحقق في المعتبر قال في بيان معاني الاستصحاب: " الثاني - ان يقال: عدم الدليل على كذا فيجب نفيه. وهذا يصح فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به، اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف " انتهى. (الثالث) - استفاضة الاخبار بتثليث الاحكام " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك ". ولو تم ما ذكروا من العمل بالبراءة الاصلية المتقضي لدخول ما دلت عليه في الحلال البين، لم يبق للقسم الثالث فرد يندرج تحته ولما كان للتثليث وجه، بل تيعين القول بالتثنية وهو الحلال والحرام خاصة، والاخبار بخلافه. (الرابع) - الاخبار المتاكثرة بل المتواترة معنى انه مع عدم العلم بالحكم الشرعي يجب السؤال منهم (عليهم السلام) أو من نوابهم، والا فالتوقف والوقوف على جادة الاحتياط. ولو كان للعمل بالبراءة الاصلية اصل في الشريعة لما كان لامرهم (عليهم السلام) بالتوقف وجه.

[ 47 ]

(الخامس) - انه قد ورد عنه (عليهم السلام) جملة من الطرق لترجيح الاخبار كما تقرر في مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها، ولم يذكروا البراءة الاصلية في جملة تلك لاطرق، بل قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة بعد التوافق في جميع طرق الترجيح على الارجاء حتى يلقى امامه، معللا له بان " الوقوف في الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " وحينئذ فإذا كان الواجب مع الاتفاق في جميع تلك الطرق هو ترك الحكم من كل منهما والتوقف فاي ترجيح باصالة البراءة التي ذكروها ؟ إذ لو كانت دليلا شرعيا على العدم وموجبة لترجيح ما اعتضد بها لترجح بها هنا احد الجانبين وما ربما يظهر من كلام بعد الاجلاء - من أن ذلك مخصوص بالمنازعات في الاموال والفرائض والمواريث كما يعطيه صدر الخبر وهو قول السائل: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث " - ففيه (اولا) - ان خصوص السؤال لا يخصص عموم الجواب كما تقرر عندهم. و (ثانيا) - ان هذه الترجيحات التي ذكرها (عليه السلام) لم يخصها احد من الاصحاب بالاخبار المتعارضة في خصوص هذه الاشياء التي ذكرها بل يجرونها في كل حكم تعارضت فيه الاخبار، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار وذاق لذيذ تلك الثمار. احتج بعض فضلاء متاخري المتأخرين بان القول بالبراءة الاصلية مما تدل عليه الاية والاخبار، كقوله تعالى: " خلق لكم ما في الارض جميعا " وقول الصادق

[ 48 ]

(عليه السلام): " كل شيئ مطلق حتى يرد فيه نهي " قال: على انا لا نعنى بالبراءة الاصلية عدم التكليف بالكلية، لظهور فساده بما استفاض في الاخبار انه لا حكم من الاحكام الا وقد ورد فيه خطاب شرعي، وانما نعنى بها عدم تعلق التكيلق بنا واصالة براءة الذمة منه، لعدم الوقوف على دليله، إذ لا تكليف الا بعد البيان. ولعين ما تقدم من الاخبار المشار إليها في المعنى الاول من معاني البراءة الاصلية. واجاب بتخصيص الشبهة والتثليث في الاحكام بما تعارضت فيه الاخبار، واما ما لم يرد فيه نص فليس من الشبهة في شئ، وعلى تقدير تسليم كونه شبهة وشمول تلك الاخبار له يخرج بالاخبار الدالة على ان " كل شيئ مطلق حتى يرد فيه نهي " ونحوه. وما ذكره (قدس سره) محل نظر، اما الاية المذكورة فالجواب عنها (اولا) - ما عرفت في المقام الاول من ان محل الاستدلال من القرآن العزيز هو ما كان محكم الدلالة. والاية المذكورة مجملة محتملة لمعان عديدة كما سيظهر لك و (ثانيا) - انه قد روي في تفسيرها عن امير المؤمنين (صلوات الله عليه) قال: " خلق لكم ما في الارض لتعتبروا به.. الحديث ". وعلى هذا يسقط الاستدلال رأسا و (ثالثا) - ان غاية ما تدل عليه انه (سبحانه) حلق ما في الارض لاجل منافع العباد الدينية والدنيوية باي وجه انفق، وذلك لا يستلزم اباحة كل شيئ، ومجرد خلقه للانتفاع لا يستلزم حلية ما لم يرد في حليته نص، لجواز الانتفاع به على وجه آخر، إذ لا شيئ من الاشياء الا وفيه وجوه عديدة من المنافع. ولئن سلمنا الدلالة فالتخصيص قائم بما قدمناه من الاخبار كما قد خصت بغيرها مما لا يخالف فيه الخصم.

[ 49 ]

واما الرواية فمن وجوه ايضا عديدة: (احدها) - ان هذا الخبر وما ضاهاه مما استدلوا به اخبار احاد لا تفيد الا الظن، والمسألة من الاصول المطلوبة فيها القطع عندهم. و (ثانيها) - ان هذا الخبر وما شاكله موافق للعامة، لدلالتها على التثنية في الاحكام بالحل والتحريم وانه لا وجود للتشابه فيها، وانه لا توقف ولا احتياط في شيئ من الاحكام كما هو مذهبهم، والاخبار التي قدمناها دالة على التثليث والتوقف ووجوب الاحتياط في بعض وهو المتشابة، وقد تقرر في اخبارنا وجوب الاخذ بخلافهم فان الرشد فيه. و (ثالثها) - ان المفروض في الخبر المذكور عدم وجود النهي وعدم حصول العلم، والحال ان النهي موجود فيما اشرنا إليه آنفا من الاخبار وهو النهي عن القول بغير علم في الاحكام الشرعية والنهي عن ارتكاب الشبهات. وحصل ايضا العلم منها وهو العمل بالاحتياط في بعض افراد موضع النزاع والتوقف في بعض، وعلى هذا يكون مضمون هذا الخبر وامثاله مخصوصا بما قبل اكمال الشريعة أو بمن لم يبلغه النهي العام المعارض لهذه الاخبار، فيبقى الآن مضمونها غير موجود عند العلماء العارفين بمعارضاتها. و (رابعها) - الحمل على الخطابات الشرعية. وحاصل معناه: ان كل خطاب شرعي فهو باق على اطلاقه وعمومه حتى يرد فيه نهي في بعض افراده يخرجه عن ذلك الاطلاق، مثل قولهم: " كل شيئ طاهر حتى تعلم انه قذر " و " كل شيئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه " ونحو ذلك من القواعد الكلية والضوابط الجلية. و (خامسها) - ان العمل بهذا الخبر وما شابهه خلاف الاحتياط وما يقالها موافق للاحتياط، فانه لا خلاف في رجحان

[ 50 ]

الاحتياط في المقام وانما الخلاف في وجوبه أو استحبابه، فالنافون للبراءة الاصلية على الوجوب والمثبتون لها على الاستحباب، والاخبار الدالة على الامر بالاحتياط في الدين اوضح دلالة واكثر عددا فالعمل بها ارجح البتة. واما قول: على انا لا نعني باصالة البراءة إلى آخره، فان فيه انه خروج عن ظاهر العبارة بل عن تصرفاتهم بذلك كما لا يخفى على من راجع كلامهم، فان مرادهم بالاباحة هي الاباحة الاصولية التي هي عبارة عن عدم تعلق التكليف، لكن هذا القائل حيث استشعر الايراد بالاخبار التي اشرنا إليها التجأ إلى القول بما ذكره، مع ان فيه ايضا اان الاباحة الشرعية أحد الاحكام الشرعية المتوقفة ايضا على الدليل، ولا دليل على اباحة ما لا نص فيه، والاية والخبر اللذان هما عمدة ادلة اولئك الفائلين بالحجية قد عرفت ما فيهما. واما الاخبار التي استند إليها في عدم تعلق التكليف بنا حتى يظهر دليله، فهي محمولة على المعنى الاول من معنيي البراءة الاصلية كما ينساق للناظر من ظاهر الفاظها لا المعنى الثاني منهما، لمعارضتها بالاخبار المستفيضة التي اشرنا إليها آنفا من حيث دلالتها على وجوب الكف والتثبت في كل فعل وجودي لم نقطع بجوازه عند الله تعالى. واما جوابه - بتخصيص الشبهة والتثليث في الاحكام بما تعارضت فيه الاخبار بناء على ظنه انحصار الدليل في مقبولة عمر بن حنظلة ونحوها - ففيه ان الاخبار دالة على ما هو اعم بل صريحة في الفرد الذي ندعيه، ومن ذلك ما رواه في الفقية من خطبة امير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: " ان الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقصوها، وسكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها، ثم قال (عليه السلام): حلال بين وحرام بين وشبهات

[ 51 ]

بين ذلك.. الحديث ". ومن المعلوم ان السكوت عنها انما هو باعتبار عدم النص عليها بالكلية. وفي حديث الطيار عن الصادق (عليه السلام): " لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكف عنه والتثبت والرد على أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد " وبمضمونه اخبار عديدة، وحينئذ فلا يتجه ما ذكره من اخراج ما لم يرد فيه نص من الشبهة على تقدير شمول تلك الاخبار، فان الدليل على دخوله في الشبهة ليس مختصا بعموم اخبار الشبهة كما توهمه، بل خصوص هذه الاخبار الناصة عليه بخصوصه الآمرة بالتوقف فيه والرد إلى ااصحاب العصمة (سلام الله عليهم). واما الاخبار التي ادعى الاستناد إليها والتخصيص بها فقد عرفت وجه الجواب عنها مفصلا. (المطلب الثاني) - في الاستصحاب، اعلم انهم صرحوا بان الاستصحاب يقع على اقسام اربعة: (احدها) - استصحاب نفي الحكم الشرعي وبراءة الذمة منه إلى ان يظهر دليله، وهو المعبر عنه بالبراءة الاصلية التي تقدم الكلام عليها بمعنييها. و (ثانيها) - استصحاب حكم العموم إلى ان يقوم المخصص، وحكم النص إلى ان يرد الناسخ. و (ثالثها) - استصحاب اطلاق النص إلى ان يثبت المقيد. و (رابعها) استصحاب حكم شرعي في موضع طرأت فيه حالة لم يعلم شمول الحكم لها، بمعنى انه يثبت حكم في وقت ثم يجيئ وقت اخر ولا يقوم دليل على انتفاء ذلك

[ 52 ]

الحكم فيه، فيحكم ببقائه على ما كان، استصحابا لتلك الحالة الاولى. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف ولا اشكال في حجيته بالمعنى الثاي ن والثالث، لان مرجعهما إلى الاستدلال بعموم النص واطلاقه، وانما الاشكال والخلاف في احد معنى البراءة الاصلية، وقد تقدم وفي المعنى الرابع، وهو محل الخلاف في المقام ومنتصل سهام النقض والابرام، فجملة من علمائنا الاصوليين بل اكثرهم على ما نقله البعض على القول بالحجية، والمشهور بين المحدثين وجملة من علمائنا الاصوليين - بل نقل بعض انه مذهب اكثرهم ايضا - على العدم، وهو المنقول عن الشيخ والسيد المرتضى والمحقق. وهو اختيار صاحبي المعالم والمدارك. ومثلوا له بالمتيمم إذا دخل في الصلاة ثم وجد الماء في اثنائها، فان الاتفاق واقع على وجوب المضى فيها قبل الرؤية، لكن هل يستمر على فعلها والحال كذلك أم يستانف ؟ مقتضى الاستصحاب الاول. احتج القائلون بالحجية بوجوه: (احدها) - ان المقتضى للحكم الاول ثابت والعارض لا يصلح رافعا له، فيجب الحكم بثبوته في الثاني. وجوابه ان صلاحية العارض للرفع وعدمها فرع الثبوت في الثاني، فان غاية ما دل عليه الدليل ثبوت الحكم في الزمن الاول، وثبوته في الثاني يحتاج إلى دليل. و (ثانيها) - ان الثابت اولا قابل للثبوت ثانيا، والا لا نقلب من الامكان الذاتي إلى الاستحالة، فيجب ان يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان اولا، فلا ينعدم الا بمؤثر، لاستحالة خروج الممكن عن احد طرفيه إلى الآخر الا لمؤثر، فااذا كان التقدير عدم العلم بالمؤثر بكون بقاؤه ارجح من عدمه في اعتقاد المجتهد، والعمل بالراجح واجب. وجوابه ان توقف الانعدام على مؤثر فرع الوجود بالفعل لا امكان الوجود. وبالجملة فالمانع مستظهر، قال سيدنا المرتضى (قدس سره) - في الاحتجاج

[ 53 ]

على إبطال العمل بالاستصحاب - ما حاصله: ان في الاستصحاب جمعا بين حالين مختلفين في حكم من غير دلالة، فانا إذا كنا اثبتنا الحكم في الحالة الاولى بدليل فالواجب ان ننظر، فان كان الدليل يتناول الحالين، سوينا بينهما فيه الا انه ليس من الاستصحاب في شيئ، وان كان تناول الدليل انما هو للحالة الاولى فقط والثانية عارية عن الدليل، فلا يجوز اثبات مثل الحكم لها من غير دليل، وجرت هذه الحالة مع الخلو عن الدليل مجرى الاولى لو خلت من دلالة، فإذا لم يجز اثبات الحكم للاولى الا بدليل فكذلك الثانية. انتهى. وهو جيد. و (ثالثها) - ان الفقهاء عملوا باستصحاب الحال في كثير من المسائل، والموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف، وذلك كمسألة من تيقن الطهارة وشك في الحدث فانه يعمل على يقينه. وجوابه انه قياس مع وجود الفارق، لان الاستصحاب المقاس عليه من القسم الثاني من الاقسام المتقدمة، والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر. (اما الاول) - فان محل الاستصحاب المتنازع فيه هو الحكم الشرعي، وذلك القسم محل الاستصحاب فيه جزئيات الحكم الشرعي، والشارع قد أوجب في الحكم الشرعي البناء على العلم واليقين دون جزئيات الحكم، فان الحكم فيها مختلف كما اوضحناه في محل أليق و (اما ثانيا) - فلان الاستصحاب المقاس عليه ليس هو في التحقيق من الاستصحاب في شئ كما صرح به علم الهدى (رضي الله عنه) فيما تقدم من كلامه، بل هو عمل باطلاق الدليل أو عمومه، لان قوله -: " لا تنقض اليقين بالشك. ولا تنقضه إلا بيقين آخر " وقوله: " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " ونحو ذلك - دال على ثبوت تلك الاحكمام في جميع الاحوال والازمان إلى ان يحصل يقين وجود الرافع، بخلاف الاستصحاب المتنازع فيه، فان الدليل - كما عرفت - إنما دل


(1) قد اوضحنا ذلك حسيما يراد على وجه لا يتطرق إليه الا يرد في كتاب الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، وفقنا الله تعالى لاتمامه (منه قدس سره).

[ 54 ]

على حكم الحال الاولى وسكت عن الثانية، ولهذا سمي تعديته إلى الحال الثانية حيث كانت عارية عن الدليل استصحابا، ومن ثم ايضا جعل الاستصحاب دليلا برأسه مقابلا للسنة، وبابطال الادلة المذكورة تنتفي الحجية ويزيد ذلك بيانا ايضا وجوده: (الاول) - ان مفاد الاستصحاب - على ما ذكروه - إنما هو الظن، وقد قامت الادلة القاطعة - كما بسطنا الكلام عليه في كتاب المسائل - على ان الظن المتعلق بنفس احكامه تعالى غير معتبر شرعا. على ان وجود الظن ايضا فيه ممنوع، لان موضوع المسألة الثانية مقيد بالحالة الطارئة وموضوع المسألة الاولى مقيد بنقيض تلك الحالة، فكيف يظن بقاء الحكم الاول ؟ (الثاني) - انه لا يخفى - على من راجع الاخبار وغاص لجج تلك البحار - انه قد ورد من الشارع في بعض الصور حكم يوافق الاستصحاب بالمعنى الذي ذكروه وفي بعضها ما يخالفه. ومنه يعلم انه ليس حكما كليا ولا قاعدة مطردة تبنى عليه الاحكام، ومن تأمل - في أحاديث مسألة المتيمم إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة التي هي المثال الدائر للاستصحاب - ظهر له صحة ما قلنا، فان بعضها قد دل على انه ينصرف من الصلاة ويتوضأ ما لم يركع، وبعضها على انه يمضي في صلاته مطلقا، وبعضها على انه ينصرف بعد أن صلى ركعة ويتوضأ ويبني على ما مضى، وجل الاخبار دال على الانصراف وان كان في بعضها (ما لم يركع) وبعضها (ولو بعد تمام الركعة) ولم يرد بالمضي إلا رواية محمد بن حمران، فلو كان الاستصحاب - الذي اعتمدوه دليلا في الاحكام ومثلوا له بهذا المثال - دليلا برأسه لوجب - على هذا المصلي بمقتضى ذلك - المضي في الصلاة ولزم طرح هذه الاخبار. وفيه من البطلان ما لا يحتاج إلى البيان (1).


(1) ومثل ذلك مسألة من نوى الاقامة عشرا ثم بدا له. سواء كان بعد الصلاة أم قبلها فان مقتضى العمل بالاستصحاب وجوب التمام بنية الاقامة القاطعة للسفر والاستمرار علي ذلك، وان العزم على السفر بعد ذلك ولو قبل الصلاة تماما لا. يزيل حكم نية الاقامة مع =

[ 55 ]

(الثالث) - ان هذا الموضع من المواضع الغير المعلوم حكمه تعالى فيها في غير ما دلت عليه النصوص، وقد تواترت الاخبار في مثل ذلك بوجوب التوقف والاحتياط كما سلف تحقيقه. هذا. والمفهوم - من كلام المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك - الميل إلى العمل بالاستصحاب على تفصيل ذكره هناك. وقد بسطنا الكلام على المسألة المذكورة في كتاب الدرر النجفية، ونقلنا كلام المحدث المذكور وأوضحنا ما فيه من القصور، وكذا كلام بعض الاعلام في المقام وما يتعلق به من النقض والابرام، وههنا مواضع من الاحكمام قد حصل الشك في اندراجها تحت القسم الثالث الذي هو عبارة عن اطلاق النص، أو القسم الرابع الذي هو محل النزاع سيأتي التنبيه عليها في مواضعها ان شاء الله تعالى. (المطلب الثالث) - في لحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب. ومرجع ذلك إلى دلالة المفهوم موافقة أو مخالفة. وتفصيل القول في ذلك ان دلالة اللفظ على معناه اما ان تكون في محل النطق أو لا في محله. والاول - اما ان يكون مطابقة أو تضمنا أو التزاما، والا ولان صريح المنطوق والثالث غير صريحه، وهو أقسام: (أحدها) - ما يتوقف صدق المعنى أو صحته عليه، ويسمى دلالة اقتضاء. و (الاول) - نحو قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي تسعة اشياء: الخطأ والنسيان.. الحديث " (1). فان صدقه يتوقف على تقدير المؤاخذة ونحوها. و (الثاني) - نحو قوله سبحانه: " واسئل القرية " (2) فان صحة المعنى تتوقف على تقدير


= ان الاخبار فيه فصلت بالصلاة وعدمها، فلو كان الاستصحاب قاعدة كلية يتحتم البناء عليها في الاحكام لما كان للتفصيل وجه في هذا المقام (منه رحمة الله). (1) رواه في الوسائل في باب - 56 - من ابواب جهاد النفس وما يناسبه من كتاب الجهاد (2) سورة يوسف آية 82.

[ 56 ]

الاهل، لان السؤال من القرية لا يصح عقلا، وحجية هذا القسم ظاهرة إذا كان الموقوف عليه مقطوعا به. (الثاني) - ما لا يتوقف عليه صدق المعنى ولا صحته لكنه اقترن بحكم على وجه يفهم منه انه علة لذلك الحكم، فيلزم حينئذ جريان الحكم المذكور في غير هذا المورد مما اقترن بتلك العلة، ويسمى بدلالة التنبيه والايماء، نحو قوله (صلى الله عليه وآله): " اعتق رقبة " (1) حين قال له الاعرابي: واقعت أهلي في شهر رمضان. فانه يفهم منه ان علة وجوب العتق هي المواقعة فتجب في كل موضع تحققت، وكما إذا قيل له (عليه السلام): صليت مع النجاسة فقال: اعد صلاتك، فانه يفهم منه ان علة الاعادة هي النجاسة، فتجب الاعادة حينئذ في كل موضع تحققت النجاسة، والظاهر حجيته مع علم العلية وعدم مدخلية خصوص الواقعة في ذلك. وهذ أحد قسمي تنقيح المناط، واليه اشار المحقق في المعتبر حيث حكم بحجية تنقيح المناط القطعي، وهو كذلك، فان مدار الاستدلال في جل الاحكام الشرعية على ذلك، إذ لو لوحظ خصوصية السائل أو الواقعة لم يثبت حكم كلي في مسألة شرعية إلا نادرا. (الثالث) - ما لم يقصد عرفا من الكلام ولكنه يلزمه، نحو قوله تعالى: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (2) مع قوله سبحانه " وفصاله في عامين " (3) فانه يعلم منه ان أقل الحمل ستة اشهر، والمقصود من الآية الاولى إنما هو بيان حق الوالدة وتعبها، وفي الثانية بيان مدة الفصال، ولكن قد لزم منهما بيان أقل الحمل، وتسمى دلالة اشارة، وحجيته ظاهرة مع قطعية اللزوم.


(1) هذا من حديث رواه في الوسائل عن الفقيه من باب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك من كتاب الصيام. (2) سورة الاحقاف آية 15. (3) سورة لقمان آية 14.

[ 57 ]

واعترض بعض الفضلاء على عد الدلالة الالتزامية باقسامها الثلاثة من المنطوق واختار دخولها في المغهوم، محتجا بان المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق. والمفهوم ما دل عليه لا في محله، والمطلوب بالدلالة الالتزامية ليس مدلولا عليه في محل النطق. والثاني - وهو دلالة اللفظ لا في محل النطق، وتسمى دلالة المفهوم - قسمان: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، لان حكم غير المذكور اما موافقة لحكم المذكور نفيا واثباتا أو لا، والاول الاول والثاني الثاني. فالقسم الاول يسمى بفحوى الخطاب ولحم الخطاب. ومثلوه بقوله تعالى: " فلا تقل لهما اف.. " (1) فانه يعلم من حال التأفيف وهو محل النطق حال الضرب وهو غير محل النطق ويعلم اتفاقهما في الحرمة، وقوله سبحانه: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (2) فانه يعلم منه حال ما زاد على الذرة والمجازاة عليه، ومرجعه إلى التنبيه بالادنى اي الاقل مناسبة على الاعلى اي الاكثر مناسبة، وهو حجة إذا كان قطعيا، بمعنى قطعية العلية في الاصل كالاكرام في منع التأفيف وعدم تضييع الاحسان والاساءة في الجزاء، وكون العلة أشد مناسبة في الفرع. واما إذا كان ظنيا فيدخل في باب القياس المنهي عنه، كما يقال: يكره جلوس الصائم المجبوب في الماء لاجل ثبوت الكراهة للمرأة الصائمة. لعدم علم كون علة الكراهة للمرأة هو جذب الفرج الماء. والقسم الثاني ويسمى دليل الخطاب - ينقسم إلى مفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم الصفة. ومفهوم الحصر. ومفهوم العدد. ومفهوم الزمام والمكان وقد وقع الخلاف بين الاصوليين من اصحابنا وغيرهم في حجية المفهوم بجميع


(1) سورة الاسراء. آية 23. (2) سورة الزلزال. آية 7 و 8.

[ 58 ]

أقسامه، فنفاه من اصحابنا المرتضى (رضي الله عنه) وجماعة من العامة، واليه مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري والشيخ محمد بن الحسن العاملي (قدس الله سرهما) وادلة القوم - في كتب الاصول من الطرفين - متصادمة، والاحتجاجات متعارضة. الا ان الظاهر تبادر ذلك في كثير من الامثلة الواردة في جملة منها. ولعل ذلك بحسب العرف ولم نقف في النصوص على ما يقتضي الحجية في شئ منها سوى مفهوم الشرط، فقد ورد في جملة منها ما يدل على ذلك. فمنها - ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون " (1) قال: " والله ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم. فقيل: كيف ذاك ؟ قال: انما قال: فعله كبيرهم هذا ان نطقوا، وان لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا ". و (منها) - ما رواه الشيخ في التهذيب في باب النفر من منى (2) عنه (عليه السلام) في حديث قال فيه: " فان الله عزوجل يقول: " فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه " (3) فلو سكت لم يبق أحد إلا تعجل لكنه قال ومن تأخر فلا اثم عليه ". و (منها) - ما رواه في الكافي والفقيه عن عبيد بن زرارة (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه (5) قال: ما ابينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه ".


(1) سورة الانبياء. آية 63. (2) وفى الوسائل في باب - 9 - من ابواب العود إلى منى ورمى الجمار والمبيت والنفر من كتاب الحج. (3) سورة البقرة. آية 203. (4) وفى الوسائل في باب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم من كتاب الصيام. (5) سورة البقرة. آية 185.

[ 59 ]

و (منها) - ما رواه في الفقيه في باب الشقاق، في الصحيح عن ابن ابي عمير هشام بن الحكم: " انه تناظر هو وبعض المخالفين في الحكمين بصفين: عمرو ابن العاص وأبي موسى الاشعري، فقال المخالف: ان الحكمين لقبولهما الحكم كانا مريدين للاصلاح بين الطائفتين. فقال هشام: بل كانا غير مريدين للاصلاح بين الطائفتين. فقال المخالف: من اين قلت هذا ؟ قال هشام: من قوله الله تعالى في الحكمين: " ان يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " (1) فلما اختلفا ولم يكن بينهما اتفاق على أمر واحد ولم يوفق الله بينهما. عملنا انهما لم يريدا الاصلاح.. ". ولا ريب ان هشاما من اجلاء ذوي الافهام ورؤساء علماء الكلام، ولهذا ان خصمه سلم إليه ولم يمكنه الرد عليه. والعجب هنا من المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (طاب ثراه) في كتاب الفوائد الطوسية، حيث بالغ في انكار حجية مفهوم الشرط، وأورد جملة من الآيات القرآنية دالة على عدم جواز اعتبار مفهوم الشرط. مع ورود ما سردناه من الاخبار الدالة على ذلك باوضح دلالة. وانه قد تقرر - عند القائلين بحجيته - ان اعتبار المفهوم إنما يصار إليه إذا لم يكن للتعليق على الشرط فائدة سوى الانتفاء بانتفائه، وما أورده من الآيات كلها من ذلك القبيل. هذا. واما ما ذكروه - من الملازمة بالنسبة إلى مقدمة الواجب وكذلك استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص - فلم نقف له في الاخبار على اثر، مع ان الحكم في ذلك مما تعم به البلوى. وقد حققنا - في كتاب الدرر النجفية في مسألة البراءة الاصلية، وأشرنا إلى ذلك ايضا هنا في المطلب الاول من المقام الثالث - ان التمسك بالبراءة الاصلية فيما تعم به البلوى من الاحكام بعد تتبع الادلة وعدم الوقوف على ذلك


(1) سورة النساء. آية 36.

[ 60 ]

فيها حجة واضحة، ولو كان الامر كما ذكروا، لورد عنهم (عليهم السلام) النهي عن اضداد الواجبات من حيث هي كذلك بالنسبة إلى مسألة استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص. والتالي باطل. على انه لا يخفى ما في القول بذلك من الحرج المنفي بالآية والرواية كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (1) وحينئذ فيكون داخلا في باب " اسكتوا عما سكت الله عنه " (2). تتميم نفعه عميم جمهور الاصوليين من اصحابنا وغيرهم على حجية قياس الاولوية ومنصوص العلة، ومثلوا للاول بدلالة تحريم التأفيف في الآية على تحريم انواع الاذى الزائدة عليه. وسماه بعضهم بالقياس الجلي، وانكره المحقق وجمع من الاصحاب، واختلفوا في وجه التعدية في الآية، فذهب بعض إلى انه من قبيل دلالة المفهوم وهو مفهوم الموافقة كما تقدم تحقيقه، وقيل انه منقول عن موضوعه اللغوي إلى المنع من انواع الاذى، لاستفادة ذلك المعنى من اللفظ من غير توقف على استحضار القياس، وهو اختيار المحقق. ويدل على عدم حجيته من الاخبار ما رواه الصدوق في كتاب الديات (3) عن ابان (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في رجل قطع اصبعا من اصابع المرأة كم فيها ؟ قال عشرة من الابل. قلت: قطع اثنين: قال عشرون


(1) قال (قدس سره) - بعد الكلام في المسألة - ما صورته: لو كان كذلك لم يتحقق السفر إلا لا وحدي الناس، لمصادمته غالبا لتحصيل العلوم الواجبة، وقلما يتفك الانسان عن شغل الذمة بشئ من الواجبات الفورية. مع انه على ذلك التقدير موجب لبطلان الصلاة الموسعة في غير آخر وقتها. ولبطلان النوافل اليومية وغيرها. انتهى (منه رحمة الله). (2) الذى قد تضمنته خطبة امير المؤمنين (عليه السلام) المروية في الفقيه في باب (نوادر الحدود) المتقدمة في صحيفة (50) وغيرها من الرويات. (3) في باب (الجرحات والقتل بين الرجال والنساء) وفى الوسائل في باب - 45 - من ابواب ديات الاعضاء من كتاب الديات. (4) ابن تغلب.

[ 61 ]

قلت: قطع ثلاثا ؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعا ؟ قال: عشرون. قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون ؟ ان هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنتبرأ ممن قاله، ونقول: الذي قاله شيطان. فقال. مهلا يا ابان ان هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا ابان انك اخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين " ورواه في كتاب المحاسن، وزاد - بعد قوله: " انك أخذتني بالقياس " - " ان السنة لا تقاس، ألا ترى انها تؤمر بقضاء صومها ولا تؤمر بقضاء صلاتها " ولا يخفى عليك ما في الخبر المذكور من الصراحة في المطلوب. و (منها) - ما ورد من قول الصادق (عليه السلام) لابي حنيفة: " اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فان أول من قاس ابليس، إلى أن قال: ويحك ايهما أعظم، قتل النفس أو الزنا ؟ قال: قتل النفس. قال: فان الله عزوجل قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. ثم قال: ايهما أعظم، الصلاة أو الصوم ؟ قال: الصلاة. قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي االصلاة، فكيف يقوم لك قياس ؟ فاتق الله ولا تقس ". و (منها) - قوله (عليه السلام) لابي حنيفة في عدة اخبار: " البول أقذر أم المني ؟ فقال: البول أقذر. فقال يجب على قياسك ان يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله الغسل من المني دون البول (1).


(1) وفى بعض الاخبار ايضا: لما قال له السائل: " الحائض تقضي الصلاة ؟ قال: لا. قال: تقضى الصوم ؟ قال: نعم. قال: من اين جاء هذا ؟ قال اول من قاس ابليس. ثم قال: والصائم يستنقع في الماء ؟ قال نعم. قال: يبل الثوب على جسده ؟ قال: لا. قال: من اين جاء هذا ؟ قال: ذا من ذاك " ومن ذلك صحيحة عبد الله بن سنان، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له فله ان يصيب منها بالنهار ؟ فقال: سبحان الله اما يعرف حرمة شهر رمضان، ان له في الليل =

[ 62 ]

و (منها) - ما رواه في تفسير العسكري (عليه السلام) (1) عن امير المؤمنين (صلوات الله عليه): قال: " قال: يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودتنا اياكم واصحاب الرأي، إلى أن قال: اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين اولى بالمسح من ظاهرهما " إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع (2) وقد دلت على كون ذلك قياسا ولا سيما الخبر الاول منها، مع انه قد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالمنع عن العمل بالقياس بقول مطلق من غير تخصيص بفرد بل صار ذلك من ضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام). فما يظهر - من بعض مشايخنا المتأخرين (3) من كون ذلك ليس من باب القياس، مستندا إلى ان ما جعل فرعا على الاصل في الحكم أولى بالحكم من الاصل فكيف يجعل فرعا عليه ؟ - اجتهاد في مقابلة النصوص أو غفلة عن ملاحظة ما هو في تلك الاخبار مسطور ومنصوص. على انه يمكن الجواب عما ذكره من عدم الفرعية بان الحكم إنما ثبت اولا وبالذات بمنطوق الكلام للتأفيف مثلا، لمنافاته لوجوب الاكرام، والضرب إنما ثبت له لمشاركته للاول في العلة المذكورة وان كانت العلة أشد بالنسبة إليه


= سبحا طويلا. قلت: أليس له ان يأكل ويشرب ويقصر فقال: ان الله تعالى قد رخص للمسافر في الافطار والتقصير رحمة وتخفيفا لموضع التعب والنصب ووعث السفر. ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، وأوجب عليه القضاء الصيام ولم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة إذا آب من سفره، ثم قال: والسنة لا تقاس.. الحديث " (منه رحمه الله). (1) في تفسير قوله تعالى: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين ". (2) روى اخبار المنع عن العمل بالقياس في الوسائل في باب - 6 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء. (3) هو شيخنا بهاء الملة والحق والدين في كتاب الزبدة، حيث اشار إلى ذلك في المتن وبين وجهه في الحاشية بما نقلناه عنه رحمة الله (منه قدس سره).

[ 63 ]

وأشديتها بالنسبة إليه لا تخرجه عن الفرعية، إذ اعتبار الاصالة والفرعية إنما هو بالنظر إلى ما دل على الكلام أولا وبالذات وثانيا وبالعرض. وربما استند بعض الفضلاء إلى الاستدلال على الحجية بقول امير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه للانصار: " أتوجبون عليه الحد والرجم، ولا توجبون عليه صاعا من ماء ؟ " (1) وسيأتي الجواب عن ذلك في باب غسل الجنابة في مسألة الجماع في دبر المرأة. وأما منصوص العلة فظاهر كلام المرتضى (رضي الله عنه) انكاره. والعلامة وجمع من الاصحاب على القول به. احتج المرتضى (رضي الله عنه) بما ملخصه: ان علل الشرع انما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل أو عن وجه المصلحة فيه، وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة ويكون في أحدهما داعية في فعله دون الآخر مع ثبوتها فيه، وقد يكون مثل المصلحة مفسدة، وقد يدعو الشئ إلى غيره في حال دون حال وعلى وجه دون وجه. إلى ان قال: " فإذا صحت هذه الجمل لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي والقياس وجرى النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه ". وحكى العلامة (قدس سره) عن المانعين الاحتجاج بان قول الشارع: حرمت الخمر لكونها مسكرة. يحتمل أن تكون العلة هي الاسكار، وان تكون اسكار الخمر بحيث يكون قيد الاضافة إلى الخمر معتبرا في العلة. وإذا احتمل الامران لم يجز القياس. ثم أجاب بالمنع من احتمال اعتبار القيد في العلة، ثم أطال في البحث إلى ان قال: " والتحقيق ان النزاع هنا لفظي. لان المانع إنما يمنع من التعدية لان قوله: حرمت الخمر لكونه مسكرا. محتمل لان يكون في تقدير التعليل بالاسكار المختص بالخمر، فلا


(1) هذا من صحيح زرارة المروي في الوسائل في باب - 6 - من ابواب الجناية من كتاب الطهارة.

[ 64 ]

يعم، وان يكون في تقدير التعليل بمطلق الاسكار فيعم. والمثبت يسلم ان التعليل بالاسكار المختص بالخمر غير عام وان التعليل بالمطلق يعم. فظهر انهم متفقون على ذلك. نعم النزاع وقع في أن قوله -: حرمت الخمر لكونه مسكرا - هل هو بمنزلة علة التحريم للاسكار أم لا ؟ فيجب ان يجعل البحث في هذا لا في ان النص على العلة هل يقتضي ثبوت الحكم في جميع مواردها، فان ذلك متفق عليه " انتهى (وفيه) ان الامر كما ذكر لو كان حجة الخصم ما ذكره خاصة، وقد عرفت من كلام السيد (رضي الله عنه) التعليل بغير ذلك مما لا ينطبق عليه هذا التفصيل الذي ذكره. ونقل عن المحقق (رحمه الله) التفصيل في المسألة بانه إذا نص الشارع على العلة وكان هناك شاهد حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم، جاز تعدية الحكم وكان ذلك برهانا. واليه مال ايضا المحقق الشيخ حسن في المعالم، واجاب فيه عن حجة المرتضى (رضي الله عنه) بان المتبادر من العلة - حيث يشهد الحال بانسلاخ الخصوصية فيها - تعلق الحكم بها لا بيان الداعي ووجه المصلحة. وما ذكره (قدس سره) جيد بالنظر إلى مفهوم العلة، إلا ان المتتبع - لعلل الشرع الواردة في الاخبار - لا يخفى عليه ان جلها إنما هو من قبيل ما ذكره المرتضى (رضي الله عنه). وقال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: " والحق أن يقال: إذا حصل القطع بان الامر الفلاني علة لحكم خاص من غير مدخلية شئ آخر في العلية وعلم وجود تلك العلة في محل آخر لا بالظن بل بالعلم، فانه حينئذ يلزم القول بذلك الحكم في هذا المحل الآخر، لان الاصل حينئذ يصير من قبيل النص على كل ما فيه تلك العلة، فيخرج في الحقيقة عن القياس. وهذا مختار المحقق لكن هذا في الحقيقة قول بنفى حجية القياس المنصوص العلة، إذ حصول هذين القطعين مما يكاد ينخرط في سلك المحالات إلا في تنقيح المناط " انتهى. وهو جيد.

[ 65 ]

وبالجملة فالحق هو عدم القول بالحجية في كلا الموضعين إلا مع الدلالة العرفية في بعض الموارد أو بما يرجع إلى تنقيح المناط القطعي (1) والله وأؤلياؤه أعلم. المقدمة الرابعة في الاحتياط وقد اختلف أصحابنا (رضوان الله عليهم) في وجوبه واستحبابه، فالمجتهدون على الثاني، والاخباريون على وجوبه في بعض المواضع، وربما يظهر من كلام بعض متأخري المتأخرين عدم مشروعيته. قال المحقق (قدش شره) - على ما نقله عنه غير واحد - في كتاب الاوصل: " العمل بالاحتياط غير لازم، وصار آخرون إلى وجوبه، وقال آخرون مع اشتغال الذمة: يكون العمل بالاحتياط واجبا ومع عدمه لا يجب مثال ذلك: إذا ولغ الكلب في الاناء، نجس. واختلفوا هل يطهر بغسلة واحدة ام لابد من سبع ؟ وفيما عدا الولوغ هل يطهر بغسلة أم لابد من ثلاث ؟ احتج القائلون بالاحتياط بقوله (صلى الله عليه وآله): " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". وبأن الثابت اشتغال الذمة يقينا، فيجب ان لا يحكم ببراءتها إلا بيقين ولا يكون هذا إلا مع الاحتياط. والجواب عن الحديث ان نقول: هو خبر واحد لا يعمل بمثله في مسائل الاصول. سلمناه لكن إلزام المكلف بالاثقل مظنة الريبة، لانه إلزام مشقة لم يدل الشرع عليها. فيجب اطراحها بموجب الخبر.


(1) والى القول يمنع حجية كل من الفردين المذكورين مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) مستندا إلى دخولهما في القياس الذى تواترت الاخبار بالنهي عنه: و (منها) - قول الصادق (عليه السلام) فيما استفاض عنه " ان اصحاب القياس طلبوا العلم بالقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدا " قال: " وهو باطلاقه متناول لجميع افراد القياس في موضع النزاع وغيره " (منه رحمه الله).

[ 66 ]

والجواب عن الثاني ان نقول: البراءة الاصلية مع عدم الدلالة الناقلة حجة، وإذا كان التقدير تقدير عدم الدلالة الشرعية على الزيادة في المثال المذكور كان العمل بالاصل أولى، وحينئذ لا نسلم اشتغالها مطلقا بل لا نسلم استغالها إلا بما حصل الاتفاق عليه أو اشتغالها باحد الامرين. ويمكن ان يقال: قد اجمعنا على الحكم بنجاسة الاناء واختلفنا فيما به يطهر، فيجب ان نأخذ بما حصل الاجماع عليه في الطهارة، ليزول ما اجمعنا عليه من النجاسة بما اجمعنا عليه من الحكم بالطهارة ". انتهى كلامه زيد مقامه. وهو محل نظر من وجوه: (احدها) - ان ما جعله موضوعا للنزاع من مسألة إناء الولوغ ونحوها ليس كذلك على اطلاقه، لانه مع تعارض الادلة فللناظر الترجيح بينها والعمل بما يترجح في نظره من أدلة اي الطرفين، وحينئذ فلا مجال هنا للقول بوجوب الاحتياط، واما الاستحباب فيمكن إذا ترجح عنده الاقل، فانه يمكن حمل الزائد على الاستحباب كما هو المعروف عندهم في امثال ذلك. نعم مع عدم الترجيح فالمتجه - كما سيأتي تحقيقه - وجوب الاحتياط في العمل والتوقف في الحكم. و (ثانيها) - ما اجاب به أولا عن الخبر المذكور، فانه مبني على اشتراط القطع في الاصول وعدم العمل بالاحاد مطلقا، وكلاهما محل نظر (اما الاول) فلعدم الدليل عليه، ومن تأمل اختلافاتهم في الاصول وتكثر أقوالهم وادعاء كل منهم التبادر على خلاف ما يدعيه الآخر، علم ان البناء على غير أساس، ومن ثم وقع الاشكال في جل مسائله والالتباس، ولو كانت أدلته مما تفيد القطع كما يدعونه لما انتشر فيه الخلاف، كما لا يخفى على ذوي الانصاف، على انه لو ثبت ثمة دليل على اشتراط القطع في الاصول لوجب تخصيصه بالاصول الكلامية والعقائد الدينية، إذ هي المطلوب فيها ذلك بلا خلاف، دون هذه التي لم يرد لها أصل في الشريعة. وانما هي من محدثات العامة ومخترعاتهم كما حققناه في محل أليق.

[ 67 ]

و (اما الثاني) فلما صرح به جم غفير من اصحابنا - متقدميهم ومتأخريهم - ولا سيما هذا القائل نفسه في كتاب المعتبر وكذا في كتابه في الاصول، بل الظاهر انه إجماعي كما ادعاه غير واحد منهم، من حجية خبر الواحد والاعتماد عليه، وعلى ذلك يدل من الاخبار ما يضيق عن نشره نطاق البيان، وما سبق إلى بعض الاوهام - من تناقض كلامي الشيخ في العمل بخبر الواحد ودعوى المرتضى الاجماع على عدم جواز العمل به - فهو توهم بارد وخيال شارد نشأ عن قصور التتبع لكلامهم والتطلع في نقضهم وإبرامهم، لدلالة كلام الشيخ (رضوان الله عليهم) في غير موضع من كتبه على صحة أخبارنا وتواترها عن الائمة المعصومين (صلوات الله عليهم)، وان المراد بالخبر الواحد الممنوع من جواز التعبد به هو ما كان من طريق المخالفين مما لم تشتمل عليه اصولنا التي عليها معتمد شريعتنا قديما وحديثا. ولتصريح المرتضى (رضى الله عنه) على ما نقله عنه جمع: منهم صاحب المعالم، من أن أكثر اخبارنا المروي في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر أو بامارة وعلامة دلت على صحتها وصدق رواتها فهي موجبة للعلم مقتضية للقطع وان وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد. انتهى. وحينئذ فيرجع كلامه إلى كلام الشيخ في معنى الخبر الواحد الممنوع من جواز التعبد به، وقد مضى في المقدمة الثانية ما فيه مقنع لللبيب ومرجع للموفق المصيب. و (ثالثها) - ما اجاب به عن الدليل الثاني من الاستناد إلى حجية البراءة الاصلية في المقام. وفيه ما تقدم نقله عنه (قدس سره) في المعتبر. من ان الاعتماد على البراءة الاصلية إنما يتجه فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لعثر عليه، اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف. والدليل في الجملة هنا موجود. ووجود المعارض لا يخرجه عن كونه دليلا. ولو عورض بمرجوحيته في مقابلة المعارض فلا يصلح للدلالة، فالدليل العام

[ 68 ]

على وجوب الاحتياط كاف في الخروج عن قضية الاصل ووجوب الزيادة. و (رابعها) - قوله: ويمكن ان يقال قد أجمعنا.. الخ فان فيه ان ثبوت الاجماع إنما هو قبل الغسل بالمرة. واما بعد الغسلة الواحدة فليس ثمة إجماع، فالاستصحاب غير ثابت. على ان في الاستدلال بالاستصحاب ما قد عرفت آنفا. نعم يمكن ان يقال: ان مقتضى صحاح الاخبار ان يقين كل من الطهارة والنجاسة لا يزول إلا بيقين مثله. والنجاسة هنا ثابتة بيقين قبل الغسل بالكلية، ولا تزول إلا بيقين وهو الغسل بالاكثر. وزوالها بالاقل مشكوك فيه، وهو لا يرفع يقين النجاسة، والاستصحاب هنا مما لا خلاف في حجيته، لدلالة صحاح الاخبار عليه كما سبق تحقيقه في المسألة المذكورة. هذا. والتحقيق في المقام - على ما أدى إليه النظر القاصر من أخبار أهل الذكر (عليهم السلام) - هو ان يقال: لا ريب في رجحان الاحتياط شرعا واشتفاضة الامر به. كما سيمر بك شطر من اخباره. وهو عبارة عما يخرج به الملكف من عهدة التكليف على جميع الاحتمالات، ومنه ما يكون واجبا، ومنه ما يكون مستحبا. (فالاول) - كما إذا تردد المكلف في الحكم، اما لتعارض أدلته، أو لتشابهها وعدم وضوح دلالتها، أو لعدم الدليل بالكلية بناء على نفي البراءة الاصلية، أو لكون ذلك الفرد مشكوكا في اندراجه تحت بعض الكليات المعلومة الحكم، أو نحو ذلك. و (الثاني) - كما إذا حصل الشك باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدليل الشرعي احتمالا مستندا إلى بعض الاسباب المجوزة، كما إذا كان مقتضى الدليل الشرعي أباحة شئ وحليته، لكن يحتمل قريبا بسبب بعض تلك الاسباب انه مما حرمه الشارع وان لم يعلم به المكلف، ومنه جوائز الجائر ونكاح امرأة بلغك انها ارضعت معك

[ 69 ]

الرضاع المحرم إلا انه لم يثبت ذلك شرعا. ومنه ايضا الدليل المرجوح في نظر الفقيه، اما إذا لم يحصل له ما يوجب الشك والريبة في ذلك، فانه يعمل على ما ظهر له من الدليل وان احتمل النقيض باعتبار الواقع، ولا يستحب له الاحتياط هنا، بل ربما كان مرجوحا، لاستفاضة الاخبار بالنهي عن السؤال عند الشراء من سوق المسلمين ما يحتمل تطرق احتمال النجاسة أو الحرمة إليه كاخبار الجبن واخبار الفراء، جريا على مقتضى سعة الحنيفية، كما أشار إليه في صحيحة البزنطي (1) الواردة في السؤال عن شراء جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية ليصلى فيها، حيث قال (عليه السلام): " وليس عليكم بالمسألة. ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، وان الدين أوسع من ذلك ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاحتياط قد يكون متعلقا بنفس الحكم الشرعي وقد يكون متعلقا بجزئيات الحكم الشرعي وافراد موضوعه. و (كيف كان) فقد يكون الاحتياط بالفعل وقد يكون بالترك وقد يكون بالجمع بين الافراد المشكوك فيها، ولنذكر جملة من الامثلة يتضح بها ما أجملناه ويظهر منها ما قلناه. فمن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي المتعلق بالفعل ما إذا اشتبه الحكم من الدليل بان تردد بين احتمالي الوجوب والاستحباب، فالواجب التوقف في الحكم والاحتياط بالاتيان بذلك الفعل، ومن يعتمد على اصالة البراءة يجعلها هنا مرجحة للاستحباب. وفيه (أولا) - ما عرفت من عدم الاعتماد على البراءة الاصلية في الاحكام الشرعية. و (ثانيا) - ان ما ذكروه يرجع إلى ان الله تعالى حكم بالاستحباب لموافقة البراءة الاصلية، ومن المعلوم ان أحكامه تعالى تابعة للحكم والمصالح المنظورة له تعالى


(1) المروية في الوسائل في باب - 55 - من ابواب لباس المصلى من كتاب الصلاة.

[ 70 ]

وهو أعلم بها، ولا يمكن ان يقال: مقتضى المصلحة موافقة البراءة الاصلية، فانه رجم بالغيب وجرأة بلا ريب. ومن هذا القسم ايضا ما تعارضت فيه الاخبار على وجه يتعذر الترجيح بينها بالمرجحات المنصوصة، فان مقتضى الاحتياط التوقف عن الحكم ووجوب الاتيان بالفعل متى كان مقتضى الاحتياط ذلك. (فان قيل): ان الاخبار في الصورة المذكورة قد دل بعضها على الارجاء وبعضها على العمل من باب التسليم (قلنا): هذا ايضا من ذلك، فان التعارض المذكور - مع عدم ظهور مرجح لاحد الطرفين ولا وجه يمكن الجمع به في البين - مما يوجب دخول الحكم المذكور في المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط، وسيأتي ما فيه مزيد بيان لذلك. ومن هذا القسم ايضا ما لم يرد فيه نص من الاحكام التي لا تعم بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الاصلية، فان الحكم فيه ما ذكر كما سلف بيانه في مسألة البراءة الاصلية. ومن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي - لكن بالترك - ما إذا تردد الفعل بين كونه واجبا أو محرما، فان المستفاد من الاخبار ان الاحتياط هنا بالترك. كما تدل عليه موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر باخذه والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره. فهو في سعة حتى يلقاه ". وموثقة زرارة (2) " في اناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الوقت


(1) المروية في الوسائل في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء. (2) المروية في الوسائل في باب - 14 - من ابواب المواقيت من كتاب الحج. وفى باب - 12 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء.

[ 71 ]

وهي لا تصلي. وجهلوا ان مثلها ينبغي أن يحرم. فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال، فسألوا الناس فقالوا: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه. وكانت إذا فعلت ذلك تدرك الحج. فسألوا أبا جعفر (عليه السلام) فقال: تحرم من مكانها، قد علم الله نيتها ". وجه الدلالة ان المرأة المذكورة قد تركت واجبا لاحتمال حرمته عندها، والامام (عليه السلام) قررها على ذلك ولم ينكره عليها. بل استحسن ذلك من فعلها بقوله: قد علم الله نيتها. وما توهمه - بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) (1) من دلالة هذه الرواية على عدم الاحتياط، حتى نظمها في سلك اخبار زعم انها تدل على عدم الاحتياط وجعلها معارضة لاخبار الاحتياط - ناشئ عن عدم اعطاء التأمل حقه من التحقيق، وعدم النظر في الاخبار بعين التدقيق ومن الاحتياط المستحب في الحكم الشرعي بالفعل أو الترك ما إذا تعارضت الادلة في حكم بين فعله وجوبا أو استحبابا وترجح في نظر الفقيه الثاني باحد المرجحات الشرعية، فان الاتيان بالفعل أحوط، ولذا ترى الفقهاء في مثل هذا الموضع يحملون الدليل المرجوح على الاستحباب تفاديا من طرحه، كاخبار غسل الجمعة عند من يرجح الاستحباب. أو تعارضت الاخبار بين الحرمة والكراهة مع ترجيح الثاني، فان الاحتياط هنا بالترك، وعلى هذا ايضا جرى الفقهاء (رضوان الله عليهم) في غير موضع. ومن الاحتباط الواجب في جزئيات الحكم الشرعي بالاتيان بالفعل ما إذا علم أصل الحكم وكان هو الوجوب ولكن حصل الشك في اندراج بعض الافراد تحته،


(1) هو شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) في كتاب العشرة الكاملة (منه رحمه الله).

[ 72 ]

وستأتي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الواردة في جزاء الصيد دالة على ذلك. ومن هذا القسم - لكن مع كون الاحتياط بالترك - ما إذا كان الحكم الشرعي التحريم وحصل الشك في اندراج بعض الجزئيات تحته، فان الاحتياط هنا بالترك، كحكم السجود على الخزف والحكم بطهارته بالطبخ، فان أصل الحكم في كل من المسألتين معلوم، ولكن هذا الفرد بسبب الشك في استحالته بالطبخ وعدمها قد اوجب الشك في اندراجه تحت أصل الحكم، فالاحتياط - عند من يحصل له الشك المذكور - واجب بترك السجود وترك استعماله فيما يشترط فيه الطهارة. ومنه الشك في اندراج بعض الاصوات تحت الغناء المعلوم تحريمه، فان الاحتياط واجب بتركه، واما من يعمل بالبراءة الاصلية فانه يرجح بها هنا جانب العدم، فلا يتجه ذلك عنده. ومن الاحتياط الواجب بالجمع بين الافراد المشكوك فيها ما إذا استغلت ذمته يقينا بواجب لكن تردد بين فردين أو ازيد من افراد ذلك الواجب، فانه يجب عليه الايتان بالجميع. ومنه من اشتغلت ذمته بفريضة من اليومية مع جهلها في الخمس مثلا، فانه يجب عليه الاتيان بالخمس مقتصرا فيما اشترك منها في عدد على الاتيان بذلك العدد مرددا في نيته. ومنه التردد في وجوب الجمعة، فانه يجب عليه الجمع بينها وبين الظهر، إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع. واما الاحتياط المستحب فعلا أو تركا فقد تقدم لك شطر من امثلته، والمتدرب لا يخفى عليه استنباط ذلك. ولا بأس بنقل جملة من الاخبار المشتملة على ذكر الاحتياط وتذييل كل منها بما يوقف الناظر على سواء الصراط، فان جملة من مشايخنا (رضوان الله عليهم) قد اشتبه عليهم ما تضمنته من الاحكام، حتى صرحوا بتعارضها في المقام على وجه يعسر

[ 73 ]

الجمع بينها والالتيام كما تقدمت الاشارة إليه (1). فمن ذلك - صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان، الجزاء عليهما. أم على كل واحد منهما جزاء ؟ فقال: لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما عن الصيد. قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال (عليه السلام): إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحيتاط " (3). وهذا الرواية قد دلت على وجوب الاحتياط في بعض جزئيات الحكم الشرعي مع الجهل به وعدم امكان السؤال، وذلك لان ظاهر الرواية ان السائل عالم باصل وجوب الجزاء وإنما شك في موضعه بكونه عليهما معا جزاء واحدا أو على كل منهما جزاء بانفراده. ومن ذلك - صحيحته الاخرى عن ابي ابراهيم (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة ؟ أهي ممن لا تحل له أبدا. فقال: لا اما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. فقلت: باي الجهالتين اعذر: بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه أم بجهالته انها في عدة ؟ فقال: احدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بان


(1) في صحيفة 71 سطر (8). (2) المروية في الوسائل في باب - 18 - من ابواب كفارات الصيد وتوابعها من كتاب الحج. وفى باب - 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (3) تتمة الصحيحة هكذا: " حتى تسألوا عنه فتعلموا ". (4) المروية في الوسائل في باب 17 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها من كتاب النكاح.

[ 74 ]

الله حرم عليه ذلك، وذلك بانه لا يقدر على الاحتياط معها. فقلت: هو في الاخرى معذور، فقال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها.. الحديث ". وهذه الرواية قد اشتملت على فردي الجاهل بالحكم الشرعي والجاهل ببعض جزئياته، ودلت على معذورية كل منهما إلا ان الاول أعذر، لعدم قدرته على الاحتياط، وبيان ذلك: ان الجاهل - بالحكم الشرعي وهو تحريم التزويج في العدة جهلا ساذجا غير متصور له بالمرة - لا يتصور الاحتياط في حقه بالكلية، لعدم تصوره الحكم بالمرة كما عرفت. واما الجاهل بكونها في عدة مع علمه بتحريم التزويج في العدة، فهو جاهل بموضوع الحكم المذكور مع معلومية أصل الحكم له، ويمكنه الاحتياط بالفحص والسؤال عن كونها ذات عدة أم لا، إلا انه غير مكلف به، بل ظاهر الاخبار مرجوحية السؤال والفحص كما في غير هذا الموضع مما قدمنا الاشارة إليه (1)، وكل ذلك عملا بسعة الحنيفية وسهولة الشريعة. نعم لو كان في مقام الريبة فالاحوط السؤال، كما يدل عليه بعض الاخبار. ومن ذلك - رواية عبد الله بن وضاح (2) قال: " كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام) يتوارى القرص ويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا وتستتر عنا الشمس وترتفع فوق الجبل حمرة ويؤذن عندنا المؤذن، أفاصلي حينئذ أو أفطر ان كنت صائما، أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل ؟ فكتب إلي: ارى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك " (أقول): والاحتياط هنا - بالتوقف على ذهاب الحمرة عند من قام له الدليل على ان الغروب عبارة عن استتار القرص المعلوم بعدم رؤيته عند المشاهدة مع عدم


(1) في صحيفة (69) سطر (4). (2) المروية في الوسائل في باب 16 - من ابواب المواقيت من كتاب الصلاة. وفى باب 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان به من كتاب القضاء.

[ 75 ]

الحائل - محمول على الاستحباب. واما عند من يجعل امارة الغروب زوال الحمرة - كما هو المختار عندنا، لحمل تلك الاخبار على التقية - فهو محمول على الوجوب، وكلامه (عليه السلام) هنا محتمل لكلا الامرين. ومن ذلك - صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) في المتمتع بها (1) حيث قال فيها: " اجعلوهن من الاربع (2) فقال له صفوان ابن يحيى: على الاحتياط. قال: نعم " والظاهر كما استظهره ايضا جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) حمل الاحتياط هنا على المحاذرة من العامة والتقية منهم، لاستفاضة النصوص وذهاب جمهور الاصحاب إلى عدم الحصر في المتعة وانها ليست من السبعين فضلا عن الاربع، ولعل وجهه انه إذا اقتصر على جعلها رابعة لم يمكن الاطلاع عليه بكونها متعة ليطعن عليه بذلك ليتيسر دعوى الدوام له، بخلاف ما إذا جعلها زائدة على الاربع، فانه لا يتم له الاعتذار ولا النجاة من اولئك الفجار. ومن ذلك - رواية شعيب الحداد (3) قال: " قلت لابي عبد الله (ع): رجل من مواليك يقرئك السلام وقد أراد ان يتزوج امرأة قد وافقته واعجبه بعض شأنها، قد كان لها زوج فطلقها ثلاثا على غير السنة، وقد كره ان يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت تأمره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الفرج وأمر الفرج شديد، ومنه يكون الولد ونحن نحتاط فلا يتزوجها ". (اقول): ظاهر هذا الخبر كما ترى كون المطلق مخالفا، ولا خلاف بين


(1) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب المتعة من كتاب النكاح. (2) هذا قول ابى جعفر (عليه السلام) فان الرواية هكذا: قال قال أبو جعفر (عليه السلام): " اجعلوهن من الاربع " (3) المروية في الوسائل في باب - 156 - من ابواب مقدمات النكاح وآدابه من كتاب النكاح.

[ 76 ]

الاصحاب في إلزامه بما الزم به نفسه من صحة الطلاق، وبه استفاضت جملة من الاخبار ايضا، وحينئذ فيحمل الاحتياط هنا على الاستحباب، إلا ان الاقرب عندي هو أن يقال: ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) وان اتفقوا على الحكم المذكور، إلا ان الروايات فيه مختلفة، فان جملة من الاخبار كما دلت على ما ذهب إليه الاصحاب، كذلك جملة منها ايضا قد دلت على انه " اياكم وذوات الازواج المطلقات على غير السنة " وحمل - بعض الاصحاب لها على غير المخالف - يرده ما اشتمل عليه بعضها من ذكر المخالف. والحكم لا يخلو من نوع اشتباه، لتعارض الاخبار، والاحتياط فيه مطلوب. والامر بالاحتياط هنا مما قوى الشبهة وأكدها، وحينئذ فلا يبعد وجوب الاحتياط هنا. ويحتمل أن يكون هذا الخبر من جملة الاخبار المانعة وان عبر عن ذلك بالاحتياط وجعله في قالبه، فيتحتم كون الاحتياط فيه على جهة الوجوب. والله سبحانه وقائله أعلم بحقيقة الحال. وأما الاخبار الدالة على رجحان العمل بالاحتياط على الاطلاق في هذا الشأن فهي اكثر من أن يحويها نطاق البيان في هذا المكان (1) ومنها قول امير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد كما رواه الشيخ (رحمه الله) في كتاب الامالي مسندا عن الرضا (عليه السلام): " يا كميل اخوك دينك فاحتط لدينك ". وما رواه الشهيد عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: " وخذ بالاحتياط لدينك في جميع امورك ما تجد إليه سبيلا " وما رواه الفريقان عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " وما روى عنهم (عليهم السلام): " ليس بناكب عن الصراط من سلك طريق الاحتياط " إلى غير ذلك من الاخبار، وحينئذ فما ذهب إليه ذلك البعض - من عدم مشروعية الاحتياط - خروج عن سواء


(1) روى هذه الاخبار في الوسائل في باب - 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

[ 77 ]

ذلك الصراط، حيث قال: " ان الاحتياط ليس بحكم شرعي فلا يجوز العمل بمقتضاه، بل الواجب ان ما يعمل به هو ما ساق إليه الدليل ورجحه. وكلما ترجح عنده تعين عليه وعلى مقلده العمل به، والعمل بالاحتياط عمل بما لم يؤد إليه الدليل " غفلة عما فصلته تلك الاخبار التي ذكرناها واجملته هذه الاخبار التي تلوناها، والدليل - كما رجح العمل بما رتجح في نظر الفقيه - رجح ايضا العمل بما فيه الاحتياط، وقوله -: " انه ليس بدليل شرعي " على اطلاقه - ممنوع كما عرفت مما تلوناه. نعم لو كان ذلك الاحتياط إنما نشأ من الوساوس الشيطانية والاوهام النفسانية كما يقع من بعض الناس المبتلين بالوسواس، فالظاهر من الاخبار تحريمه كما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: " ان الوضوء مد والغسل صاع، وسيأتي أقوام يستقلون ذلك، فاولئك على غير سنتي، والثابت على سنتي في حظيرة القدس (1) ولانه مع اعتقاد شرعيته تشريع في الدين، والله يهدي من يشاء إلى صراطه المبين. المقدمة الخامسة في حكم الجاهل بالاحكام وقد اختلف في ذلك كلام علمائنا الاعلام (اسكنهم الله تعالى أعلى درجة في دار السلام) فالمشهور بينهم عدم المعذورية إلا في أحكام يسيرة كحكمي الجهر والاخفات والقصر والاتمام، وفرعوا على ذلك بطلان عبادة الجاهل - وهو عندهم من لم يكن مجتهدا ولا مقلدا - وان طابقت الواقع، حيث اوجبوا معرفة واجبها وندبها وايقاع كل منهما على وجهه. وان تلك المعرفة لابد أن تكون عن اجتهاد أو تقليد، فصلاة المكلف - بدون أحد الوجهين - باطلة عندهم وان طابقت الواقع وطابق اعتقاده


(1) رواه في الوسائل في باب - 50 - من ابواب الوضوء.

[ 78 ]

- وايقاعه الواجب والندب - ما هو المطلوب شرعا. وذهب جمع من المتأخرين ومتأخريهم إلى معذورية الجاهل مطلقا إلا في مواضع يسيرة، حتى حكم بعض متاخري المتأخرين (1) بصحة صلاة العوام كيف كانت، واقتصر بعض ما طابق الواقع من ذلك. وظواهر الاخبار في المسألة لا تخلو عن تناقض يحتاج إلى مزيد كشف وبيان لترتفع به غشاوة الشبهة عن جملة الاذهان. فمن الاخبار الدالة - على القول المشهور - قول ابي الحسن (عليه السلام) في مرسلة يونس بعد أن سأله السائل " هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه ؟ فقال: لا " (2) وقول الصادق (عليه السلام) لحمران بن اعين في شئ سأله عنه: " إنما يهلك الناس لانهم لا يسألون " (3) وقوله (عليه السلام): " لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا " (4) وكذا يدل على ذلك الاخبار المستفيضة بالامر بطلب العلم (5) والامر بالتفقه في الدين. ومما يدل على القول الآخر أخبار مستفيضة متفرقة في جزئيات الاحكام،


(1) البعض الاول هو المحدث السيد نعمة الله الجزائري، والثانى هو المحقق المولى الاردبيلى (قدس سره) وقد نقلنا كلامهما بلفظه في كتاب الدرر النجفية. وذكرنا ما يتعلق به نفيا واثباتا، واشعبنا الكلام في المسألة في الكتاب المشار إليه حسبما يراد (منه قدس سره) (2) المروى في الوسائل في باب - 7 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (3) المروى في الكافي في باب (سؤال العالم وتذاكره) من كتاب فضل العلم. (4) في حديث ابى جعفر الاحول عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الوسائل في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (5) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

[ 79 ]

فمن ذلك ما ورد في باب الحج وهو أخبار كثيرة. (منها) - صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " من لبس ثوبا له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فلا شئ عليه ". ومرسلة جميل (2) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام): " في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى ؟ قال: تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل ". ورواية عبد الصمد بن بشير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه، فوثب عليه الناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شق قميصك واخرجه من رجليك. فان عليك بدنة وعليك الحج من قابل وحجك فاسد. فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على الباب المسجد فكبر واستقبل الكعبة، فدنا الرجل من ابي عبد الله (عليه السلام) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): اسكن يا عبد الله، فلما كلمه وكان الرجل اعجميا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما تقول ؟ قال: كنت رجلا أعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت احج لم اسأل أحدا عن شئ فافتوني هؤلاء ان أشق قميصي وانزعه من قبل رجلي وان حجي فاسد وان علي بدنة. فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل ؟ قال: قبل ان البي. قال: فاخرجه من رأسك فانه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، اي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه. طف بالبيت اسبوعا وصل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) واسع


(1) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب بقية كفارات الاحرام من كتاب الحج (2) المروية في الوسائل في باب - 20 - من بواب المواقيت من كتاب الحج. (3) المروية في الوسائل في باب - 45 - من ابواب تروك الاحرام من كتاب الحج.

[ 80 ]

بين الصفا والمروة وقصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل واهل بالحج واصنع كما يصنع الناس ". ومن ذلك - ما ورد في النكاح في العدة. ومنه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في سابق هذه المقدمة (1) وبمضمونها روايات عديدة (2). ومن ذلك - ما ورد في الحدود كموثقة عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): " في رجل شرب الخمر على عهد ابي بكر وعمر. واعتذر بجهله بالتحريم، فسألا امير المؤمنين (عليه السلام) فامر (عليه السلام) بان يدار على مجالس المهاجرين والانصار، وقال: من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه. ففعلوا ذلك فلم يشهد عليه أحد فخلي سبيله " وبمضمون ذلك في الحدود روايات عديدة. ومن ذلك - ما ورد في الصلاة في السفر تماما كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (4) وهذا من جملة ما استثناه من قال بعدم معذورية الجاهل. وما ورد في من أقام عشرة أيام وصلى قصرا جاهلا كصحيحة منصور بن حازم (5) وكذا ما ورد في جهر في موضع الاخفات واخفت في موضع الجهر (6) وهذا ايضا أحد ما استثنوه.


(1) في صحيفة 73 سطر 11. (2) رواها في الوسائل في باب - 17 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها من كتاب النكاح. (3) المروية في الوسائل في باب - 10 - من ابواب حد المسكر من كتاب الحدود والتعزيرات. (4) المروية في الوسائل في باب - 17 - من ايواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة. (5) المروية في باب - 17 - من ابواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة. (6) رواه في الوسائل في باب - 26 - من ابواب القراءة في كتاب الصلاة من كتاب الصلاة.

[ 81 ]

ومن ذلك ايضا - ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب التوحيد (1) بسنده عن عبد الاعلى بن اعين: قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عمن لا يعرف شيئا هل عليه شئ ؟ قال: لا " وما رواه في الفقيه والتوحيد (2) في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام): قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رفع عن امتي تسع، وعد منها ما لا يعلمون ". ومما يؤكد ذلك ما روي ايضا: " أنه ما أخذ الله على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء ان يعلموا " رواه في الكافي (3) وقوله: " ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم " (4) وقوله: " ان الله يحتج على العباد بما آتاهم


(1) في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية) وفى الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد (2) رواه في الفقيه في باب - 14 - (من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه) من الجزء الاول وفى التوحيد في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية). وفى الكافي في باب (ما رفع عن الامة) من كتاب الايمان والكفر. وفى الوسائل في باب - 30 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة عن الفقيه والخصال، وفى باب - 56 - من ابواب جهاد النفس وما يناسبه من كتاب الجهاد عن التوحيد والخصال والكافي. (3) في باب (بذل العلم) من كتاب فضل العلم، وهو حديث طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " قرأت في كتاب على (عليه السلام) ان الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال، لان العلم كان قبل الجهل ". (4) وهو حديث ابى الحسن زكريا بن يحيى عن ابى عبد الله (عليه السلام) رواه الصدوق في كتاب التوحيد في باب (التعريف البيان والحجة والهداية) ورواه الكليني في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد، الا ان رواية الكليني ليس فيها كلمة (علمه).

[ 82 ]

وعرفهم " (1) إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع. ويمكن الجمع بين هذه الاخبار بوجوه: (أظهرها) ان يقال: ان الجاهل - كما يطلق على الغافل عن الحكم بالكلية - يطلق ايضا على غير العالم بالحكم وان كان شاكا أو ظانا، والمفهوم من الاخبار ان الجاهل بالحكم الشرعي على المعنى الثاني غير معذور بل الواجب عليه الفحص والتفتيش عن الادلة أو السؤال، ومع تعذر الوقوف على الحكم ففرضه التوقف عن الحكم والفتوى والوقوف على جادة الاحتياط في العمل، وان الحكم بالنسبة إليه من الشبهات المشار إليها في قولهم (عليهم السلام): " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك " (2) وعلى هذا الفرد تحمل الاخبار الدالة على عدم معذورية الجاهل ووجوب التفقه والعلم والسؤال. ومما يدل - على ان حكم الجاهل بهذا المعنى ما ذكرنا - صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج المتقدمة في سابق هذه المقدمة (3) الواردة في جزاء الصيد كما اشرنا إليه ثمة. وحسنة بريد (4) الكناسي في من تزوجت في العدة جاهلة، حيث قال


(1) وهو من حديث حمزة بن الطيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) الذي رواه الكليني في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد ورواه الصدوق في كتاب التوحيد في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية). (2) الوارد في مقبولة عمر بن حنظة المروية في الوسائل في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء، وغيرها من الروايات في باب - 12 - من تلك الابواب. (3) في صحيفة 73 سطر 2. (4) بالباء الموحدة والراء المهملة كما عليه نسخ الحدائق المطبوعة والمخطوطة التى وفقنا عليها، وهو من اصحاب الصادق (عليه السلام) على ما نقله صاحب جامع الرواة عن رجال الميرزا، ويحتمل ان يكون باليا. المثناة والزاى المعجمة، وهو المكنى بابى خالد، وهو من اصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) على ما نقله صاحب جامع الرواة عن رجال =

[ 83 ]

الراوي فيها: " قلت: فان كانت تعلم ان عليها عدة ولا تدري كم هي ؟ فقال: إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم " (1) وهما ظاهرتا الدلالة على ذلك وان كان موردهما جزئيات الحكم الشرعي. وأما الجاهل بالمعنى الاول فلا ريب في معذوريته، لان تكليف الغافل الذاهل مما منعت منه الادلة العقلية وايدتها الادلة النقلية، والى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن المتقدمة في سابق هذه المقدمة (2) الواردة في التزويج في العدة في تعليل ان الجاهل بالتحريمم أعذر من الجاهل بكونها في عدة: " وذلك بانه لا يقدر على الاحتياط معها " بمعنى انه مع جهله بان الله حرم عليه التزويج في العدة لا يقدر على الاحتياط بالترك، لعدم تصور الحكم بالكلية، بخلاف الظان أو الشاك فانه يقدر على ذلك لو تعذر عليه العلم وعلى هذا تحمل الاخبار الاخيرة الدالة على المعذورية. واما ما يفهم من كلام ذلك البعض المشار إليه آنفا (3) من الحكم بصحة صلاة العوام كيف كانت وان اشتملت على الاخلال بالواجبات، فظني انه على اطلاقه غير تام، فانه متى قام العذر للجاهل بمجرد جهله وصحت صلاته كصلاة الفقيه بجميع شروطها وواجباتها ووسعه البقاء على جهله، لزم سقوط التكليف. فما الغرض من امر الشارع بهذه الاحكام والفصل فيها بين الحلال والحرام ؟ والى من تتوجه هذه الاوامر ؟ والى من ارسلت


= الميرزا محمد. ونقل عن بعضهم انه مال إلى البناء على اتحادهما وان أبا خالد الكناسى اسمه (بريد) بالباء الموحدة والراء المهملة لا (يزيد) بالياء المثناة والزاى المعجمة، وانه من اصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) ومال صاحب جامع الرواة إلى اتحادهما مع بريد بن معاوية العجلى، لما ذكره في باب الياء من كتابه. (1) رواها صاحب الوسائل في باب - 27 - من ابواب حد الزنا من كتاب الحدود والتعزيرات. (2) في صحيفة 73 سطر 11. (3) في صحيفة 78 سطر 2.

[ 84 ]

الرسل وانزلت الكتب ؟ إذا وسع الجاهل البقاء على جهله وصحت جميع أفعاله وأعماله الواقعة كذلك، وفي هذا من الشناعة ما لا يلتزمه من له ادنى قدم في التحصيل، واخبار - " لا يسع الناس البقاء على الجهالة " (1) وحديث تفسير قوله سبحانه: " قل فلله الحجة البالغة " (2) وما روي في حسنة زرارة (3) عنه (صلى الله عليه وآله) حين رأى من يصلي ولم يحسن ركوعه ولا سجوده، من انه قال: " نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني " وما استفاض عنهم (صلوت الله عليهم): " ليس منا من استخف بصلاته " وفى جملة منها " لا ينال شفاعتنا من استخف بصلاته " (4) الشامل ذلك باطلاقه للعالم والجاهل - مما يرد هذا القول ويبطله. والقول الفصل في ذلك ان يقال: ان الظاهر ان الحكم في ذلك يختلف باختلاف الناس في انسهم بالاحكام والتمييز بين الحلال والحرام وعدمه، وقوة عقولهم وافهامهم وعدمها. ولكل تكليف يناسب حاله، ويرجع ذلك بالاخرة إلى الجاهل بمعنييه


(1) تقدم بعضها في صحيفة 78 سطر (7). وقد روى في الوسائل في باب - 7 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. كما قد روى حديث الاحول وهو قوله (عليه السلام): " لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا " في باب - 9 - من الابواب المذكورة. (2) في سورة الانعام. آية 151. وهو الحديث الذى روى في امالي الشيخ عن المفيد عن ابن قولوية عن الحميرى عن ابيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال: " سمعت جعفر بن محمد (علهما السلام) وقد سئل عن قوله تعالى " قل فلله الحجة البالغة " فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدى أكنت عالما ؟ فان قال: نعم. قال له: أفلا علمت بما علمت ؟ وان قال: كنت جاهلا. قال: أفلا تعلمت حتى تعمل ؟ فيخصمه، فتلك الحجة البالغة ". (3) المروية في الوسائل في باب - 3 - من ابواب الركوع من كتاب الصلاة. (4) روى في الوسائل الاخبار المتضمنة لذلك في باب - 6 - من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها وما يناسبها من كتاب الصلاة.

[ 85 ]

المتقدمين (1). وذلك فان من المعلوم ان سكان الصحارى والرساتيق ليسوا في الانس بالاحكام والشرائع، كسكان المدن والامصار المشتملة على العلماء والوعاظ والجمعات والجماعات والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. ولهذا نهى الشارع عن سكون تلك وندب إلى سكون هذه، لانه بمجرد ذلك يحصل التأدب بالآداب الشرعية، والتخلق بالاخلاق المرضية، والاطلاع على الاحكام النبوية بمداخلة ابناء النوع ومعاشرتهم، بل مجرد رؤيتهم، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، وحينئذ فالعامي من سكان الصحارى - مثلا - إذا أخذ العبادة من آبائه وتلقاها من اسلافه على اي وجه كان، معتقدا انها هي العبادة التي أمر بها الشارع ولم يعلم زيادة على ذلك. فالظاهر صحتها. (اما اولا) - فلانه جاهل بما سوى ذلك جيلا ساذجا، وتوجه الخطاب إلى مثله كما قدمنا (2) ممتنع عقلا ونقلا. و (أما ثانيا) - فلانه قد ورد في الاخبار بالنسبة إلى جاهل الامامة من المخالفين انهم ممن يرجى لهم الفوز بالنجاة في الآخرة، فإذا كان ذلك حال المخالفين في الامامة التي هي من اصول الدين فكيف بعوام مذهبنا في الفروع ؟ وكذا القول بالنسبة إلى قوة العقل والفهم وعدمها، فان خطاب كاملي العقول وثاقبي الاذهان ليس كخطاب غيرهم من البله والصبيان والنسوان، وقد ورد عنهم (عليهم السلام): " انما يداق الله العباد على ما وهبهم من العقول " (3) و " انه سبحانه يحتج على العباد بما آتاهم


(1) في صحيفة 82 سطر 3. (2) في صحيفة 83 سطر 4. (3) وهو حديث ابى الجارود عن ابى جعفر (عليه السلام) المروى في الكافي في كتاب العقل والجهل بالنص الآتى: " انما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا. "

[ 86 ]

وعرفهم " (1) " وان الايمان درجات فلا ينبغي لصاحب الدرجة العالية أن يبرأ من صاحب الدرجة السافلة ولا يوبخه عليها " (2) وحينئذ فتكليف ضعفة العقول ليس كتكليف كامليها، ومما يؤكد ذلك انه قد ورد في اخبارنا ان المستعضفين من المخالفين ممن يرجى لهم الفوز بالجنة، وان دل ظاهر الآية الشريفة على انهم من المرجئين لامر الله، إلا ان ظاهر جملة من الاخبار ان عاقبة أمرهم إلى الجنة، بل قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) على ما نقله عنه السيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) في بعض فوائده: " ان المستضعفين - من الكفار ممن لم تقم عليه الحجة من عوامهم ومن بعد عن بلاد الاسلام - ممن يرجى لهم النجاة " قال السيد نعمة الله بعد نقل ذلك عنه: " وهذا القول وان لم يوافقه عليه الاكثر إلا انه غير بعيد من تتبع موارد الاخبار " انتهى. وحينئذ فلو اوقع أحد هؤلاء العبادة التي أخذها من آبائه واسلافه، معتقدا ان هذا هو اقصى ما هو مكلف به. فالظاهر صحتها بالتقريب المتقدم. واما بالنسبة إلى من عدا من ذكرنا فالظاهر ان جهلهم ليس كجهل اولئك حتى يكون موجبا للعذر لهم ومصححا لعبادتهم، فانه لا أقل ان يكونوا - بمن يصحبونه من المصلين الآتين بالصلاة على وجهها وبجمله حدودها، ويشاهدونه من الملازمين على ذلك في جميع الاوقات والحالات سيما في المساجد والجماعات - يحصل لهم الظن الغالب - ان تنزلنا عن دعوى العلم - بان هذه هي الصلاة المأمور بها شرعا، وان ما نقص عنها وخالفها ان لم يكن معلوم البطلان فلا أقل ان يكون مظنونه أو مشكوكه، وحينئذ فيرجع


(1) وهو من حديث حمزة بن الطيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد، وفى كتاب التوحيد للصدوق في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية). (2) روى الكليني الاخبار المتضمنة لذلك في الكافي في باب (درجات الايمان) والباب الذى يليه من كتاب الايمان والكفر.

[ 87 ]

إلى الجهل بالمعنى الآخر الموجب للفحص والسؤال والعلم والتفقه، واستحقاق العقوبة على ترك ذلك، وبطلان العمل مع الاخلال بما هنالك، كما يدل عليه قوله (عليه السلام): " إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة فتسأل حتى تعلم " (1) وربما يستأنس ايضا بقول الصادق (عليه السلام) في آخر حديث عبد الصمد بن بشير (2): " واصنع كما يصنع الناس " وفي هذا المقام مباحث شريفة وفوائد لطيفة قد وشحنا بها هذه المسألة في كتاب الدرر النجفية مع بسط في أصل المسألة تشتاقه الطباع وتلذه الاسماع. المقدمة السادسة في التعارض والترجيح بين الادلة الشرعية والبحث هنا يقع في موارد: (أحدها) - تعارض الآيتين من الكتاب العزيز، والواجب - اولا - الفحص والتفتيش من الاخبار في نسخ إحداهما للاخرى وعدمه، فان علم فذاك، وإلا فان علم التأريخ فالمتأخر ناسخ للسابق، وإلا فان اشتملت احداهما على اطلاق أو عموم بحيث يمكن التقييد أو التخصيص حكم به ايضا، وإلا فالواجب التوقف والاحتياط ان امكن. وإلا فاختيار احداهما من باب التسليم. و (ثانيها) - تعارض الآية والرواية. والذي ذكره بعض اصحابنا انه ان كانت احداهما مطلقة أو عامة، وجب تقييدها بالاخرى، وإلا فالاحتياط ان لم يمكن الجمع بيهما بحيث يحصل الظن القوي بالمراد ولو بحسب القرائن الخارجة. ونقل


(1) في حسنة بريد الكناسى المتقدمة في صحيفة 82 سطر 12 (2) المتقدم في صحيفة 79 سطر 7.

[ 88 ]

- عن جملة من اصحابنا: منهم - السيد المرتضى والشيخ (عطر الله مرقديهما) - المنع من تخصيص القرآن بخبر الواحد. ونقل الاحتجاج على ذلك بان القرآن قطعي وخبر الواحد ظني، والظني لا يعارض القطعي. ورد (اولا) - بان التخصيص إنما هو في الدلالة، وقطعية المتن غير مجدية، لان الدلالة ظنية. و (ثانيا) - بمنع ظنية خبر الواحد، بل هو ايضا قطعي من جهة الدلالة. والاظهر الاستدلال على ذلك بالاخبار المستفيضة الدالة على ان " كل خبر لا يوافق القرآن فهو زخرف، وان كل شئ مردود إلى الكتاب والسنة، وانه إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من قول الله عزوجل أو من قول رسول الله (صلى الله عليه واله) وإلا فالذي جاءكم اولى به " (1) إلى غير ذلك مما يدل على طرح ما خالف القرآن، إلا ان هذه الاخبار معارضة بما هو اكثر عددا واوضح سندا واظهر دلالة من الاخبار الدالة على تخصيص عمومات الآيات القرآنية وتقييد مطلقاتها في غير موضع من ابواب الفقه، وقول كافة الاصحاب أو جمهورهم بذلك، مع اعتضاد تلك الآيات في جملة من المواضع المذكورة باخبار اخر ايضا دالة على ما دلت عليه تلك الآيات من اطلاق أو عموم. والتحقيق في المقام ان يقال: ينبغي ان يحمل كلام السيد والشيخ (قدس سرهما) على خبر الواحد الذي يمنعان حجيته في الاحكام الشرعية، وهو ما لم يكن من طريقنا أو لم تشتمل عليه اصولنا كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في المقدمة الخامسة (2)، لتصريحهما


(1) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (2) كذا فيما وفقنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في المقدمة الرابعة في صحيفة 67 سطر 7

[ 89 ]

بصحة اخبارنا المذكورة وثبوت تواترها عن الائمة المعصومين (عليهم السلام). واما الاختلاف الواقع بين الاخبار المذكورة فيمكن دفعه بالجمع بينها باحد وجوه: (أحدها) - حمل الاخبار الدالة على المنع من التخصيص على التخصيص بما ورد من طريق العامة، أو كان خارجا عن اخبار الاصول التي عليها المدار بين الشيعة الابرار، أو كان مخالفا لعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا، ونحو ذلك. (الثاني) - حمل المخالفة في تلك الاخبار على ما إذا كان مضمون الخبر مبطلا لحكم القرآن بالكلية. والتقييد والتخصيص بيان لا مخالفة. (الثالث) - حمل المخالفة على مخالفة محكم الكتاب ونصوصه. (الرابع) - ان المراد بطلان الخبر المخالف للقرآن إذا علم تفسير القرآن بالاثر عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم) إذ لا شك في بطلان المخصص إذا كان ارادة العموم من القرآن معلوما بالنص. نعم ربما ورد في الاخبار ما يطابق تلك الآيات في الاطلاق أو العموم الا انه ليس مما نحن فيه في شئ (1). و (ثالثها) - تعارض الخبرين المعلومي الورود عنهم (عليهم السلام) وقد ذكر جملة من الاصحاب انه ان امكن الجمع بين الدليلين ولو بتأويل بعيد فهو اولى من طرح احدهما. ويرت على ذلك ان هذا مما لا يتمشى في اخبارنا. لورود الكثير منها على جهة التقية التي هي على خلاف الحكم الشرعي واقعا، إذ التقية كما قد عرفت

[ 90 ]

في المقدمة الاولى أصل الاختلاف في اخبارنا، فكيف يتمحل الجمع بيننا وبين ما هو خلافها واقعا ؟ نعم انما ذلك على قواعد العامة، لعدم ورود حديث عندهم على جهة التقية. والظاهر ان من صرح بذلك من اصحابنا انما اخذه من كلامهم غفلة عن تحقيق الحال وما يلزمه من الاشكال. (لا يقال): ان الشيخ (رحمه الله) في كتابي الاخبار هو أصل هذه الطريقة ومحقق هذه الحقيقة، حيث انه جمع بين الاخبار لقصد رفع التنافي بينها بوجوه عديدة، وان كانت بعيدة بل جملة منها غير سديدة، رعاية لهذه القاعدة وطلبا لهذه الفائدة. (لانا نقول): نعم قد فعل الشيخ ذلك لكن ليس لرعاية هذه القاعدة - كما يتوهم - بل السبب الحامل له على ذلك هو ما اشار إليه (قد) في اول كتاب التهذيب، من ان بعض من الشيعة قد رجع عن مذهب الحق لما وجد الاختلاف في الاخبار، فقصد (قد) ازاحة هذه الشبهة عن ضعفة العقول ومن ليس له قدم راسخ في المعقول والمنقول، وارتكب الجمع ولو بالوجوه البعيدة واكثر من الاحتمالات. كل ذلك لدفع تلك الشبهة. وبهذا يندفع عنه ما أورده المتأخرون في جمل من مواضع الجمع بين الاخبار بالعبد أو الفساد، فان مثله (قد) - ممن لا يشق غباره ولا يدفع اشتهاره - لا يخفى عليه ما اهتدى إليه اولئك الاقوام وما اوردوه عليه في كل مقام، لكنهم من قبيل ما يقال: " اساء سمعا فاساء اجابه " وقد ذكر علماء الاصول ممن وجوه الترجيحات في هذا المقام بما لا يرجع اكثره إلى محصول، والمعتمد عندنا على ما ورد من اهل بيت الرسول، من الاخبار المشتلة على وجوه الترجيحات، الا انها بعد لا تخلو من شوب الاشكال، فلابد من بسط جملة منها في هذا المجال، والكلام فيها بما يكشف نقاب الاجمال وينجلي به غياهب الاشكال.

[ 91 ]

فنقول: مما ورد في ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) باسانيدهم عن عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) وفيها: " فان كان كل رجل اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال: الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر، قال: قلت: فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على الاخر. قال: فقال: ينظر إلى ما كان - من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به - المجمع عليه من اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك، فان المجمع عليه لا ريب فيه، وانما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله والى رسوله، قال رسول الله (صلى الله عليه واله): حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم، قلت: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة، قلت: جعلت فداك أرأيت ان كان الفقهيان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدا احد الخبرين موافقا للعامة والاخر مخالفا لهم، باي الخبرين يؤخذ ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. قلت: جعلت فداك فان وافقهم الخبران

[ 92 ]

جميعا ؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ". ومن ذلك - ما رواه الائمة الثلاثة (نور الله مراقدهم) باسانيدهم عن داود ابن الحصين عن ابي عبد الله (عليه السلام): " في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهم بينهما في حكم وقع بينها فيه خلاف فرضيا بالعدلين، واختلف العدلان بينهما، عن قول ايهما يمضي الحكم ؟ فقال ينظر إلى افقههما وا علمهما باحاديثنا واورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الاخر ". ومنه - ما رواه الثقة الجليل احمد بن على بن ابي طالب الطبرسي (قد) في كتاب الاحتجاج عن سماعة بن مهران قال: " سالت ابا عبد الله (عليه السلام) قلت: يرد علينا حديثان واحد يامرنا بالعمل به والاخر ينهانا عن العمل به ؟ قال: لا تعمل بواحد منهما حتى ياتي صاحبك فتساله عنه. قال: قلت: لابد أن يعمل باحدهما. قال: اعمل بما فيه خلاف العامة ". ومنه - ما رواه في الكتاب المذكور عن الحسن بن الجهم عن الرضا

[ 93 ]

(عليه السلام) قال: " قلت له: تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة ؟ قال ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عزوجل واحاديثنا. فان كان يشبههما فهو منا، وان لم يكن يشبههما فليس منا. قلت: يجيئنا الرجلان - وكلاهما ثقة - بحديثين مختلفين فلا نعم ايهما الحق ؟ فقال: إذا لم تعلم فموسع عليك بايهما اخذت ". ومنه - ما رواه الشيخ محمد بن على بن ابي جمهور الاحسائي في كتاب عوالي اللئالي عن العلامة مرفوعا عن زرارة ين اعين. قال: " سالت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك ياتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبايهما آخذ ؟ فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر. فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال (عليه السلام): خذبما يقول اعدلهما عندك واوثقهما في نفسك. فقلت: انهما معا عدلان مرضيا موثقان ؟ فقال: انظر ما وافق منهما العامة فاتركه وخذ ما خالفه، فان الحق فيما خالفهم. فقلت: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع ؟ فقال: اذن فخذ ما فيها الحائطة لدينك واترك الاخر. فقلت: انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع ؟ فقال اذن فتخير احدهما فتاخذ به وتدع الاخر " قال في الكتاب المذكور بعد نقل هذه الرواية: وفي رواية انها (عليه السلام) قال: " اذن فارجئه حتى تلقى امامك فتسأله " ومنه - ما رواه في الكافي فالموثق عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه في أمر كلاهما يرويه، احدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع ؟ قال: يرجئه حتى يلقى

[ 94 ]

من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه " قال في الكافي بعد نقل هذه الرواية: وفي رواية اخرى: " بايهما اخذت من باب التسليم وسعك ". ومنه - ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن احمد بن الحسن الميثمي: انه " سئل الرضا (عليه السلام) يوما وقد اجتمع عنده قوم من اصحابنه، وقد كانوا يتنازعون في الحديثين عن رسول الله (صلى الله عليه واله) في الشئ الواحد. فقال (عليه السلام): ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب. وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي (صلى الله عليه واله) فما كان في السنة موجودا منهاى عنه نهي حرام أو مامورا به عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أمر إلزام، فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (صلى الله عليه واليه) وامره، وما كان في السنة نهي اعافة أو كراهة ثم كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (صلى الله عليه واله) وكرهه ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعا، أو بايهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (صلى الله عليه واله)، وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن اولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف - وانتم طالبوان باحثون - حتى يأتيكم البيان من عندنا ". ومنه - ما رواه الشيخ السعيد قطب الدين بن هبة الله الراوندي في رسالته المعمولة في بيان احوال احاديث اصحابنا وصحتها باسناده عن الصدوق ابي جعفر محمد بن بابويه في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: " قال

[ 95 ]

الصادق (عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فذروه، فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على اخبار العامة، فما وافق اخبارهم فذروه وما خالف اخبارهم فخذوه ". ومنه - ما رواه في الرسالة المذكورة عن ابن بابويه بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا ما خالف القوم " وروى فيها بهذا النحو اخبارا عديدة متفقة المضمون على الترجيح بالعرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه. ومنه - ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مخزيار قال: " قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى ابي الحسن (عليه السلام): اختلف اصحابنا في رواياتهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر: فروي بعضهم ان صلهما في المحمل وروى بعضهم ان لا تصلهما الا على الارض فاعلمني كيف تصنع أنت لاقتدي بك في ذلك ؟ فوقع (عليه السلام): موسع عليك بايهما عملت ". ومنه - ما رواه في كتاب الاحتجاج في جواب مكاتبة محمد بن عبد الله الحميري إلى صاحب الزمان (عليه السلام) " يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الاول إلى الركعة الثالثة، هل يجب عليه ان يكبر ؟ فان بعض اصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير ويجزيه ان يقول بحول الله وقوته اقوم واقعد. الجواب:

[ 96 ]

في ذلك حديثان، اما احدهما فانه إذا انتقل من حالة الي اخرى فعليه التكبير. واما الحديث الاخر فانه روي انه إذا رفع راسه من السجدة الثانية وكبر ثم جلس ثم قال فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، وكذلك التشهد الاول يجرى هذا المجرى، وبايهما اخذت من باب التسليم كان صوابا ". ومنه - ما رواه في الكتاب المذكور عن الحرث بن المغيرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا سمعت من اصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد إليه ". ومنه - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " أرأيتك لو حدثتك بحديث - العام - ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، بايهما كنت تأخذ ؟ قال: قلت: كنت آخذ بالاخير. فقال لي: رحمك الله ". ومنه - ما رواه في الكتاب المذكور ايضا بسنده عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بايهما نأخذ ؟ قال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فان بلغكم عن الحي فخذوا بقوله. قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم " قال في الكافي بعد نقل هذا الخبر: وفي حديث آخر: " خذوا بالاحدث ".

[ 97 ]

إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في هذه الا خبار يقع في مواضع: (الاول) - لا يخفى ان مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة قد اشتملتا على الترجيح باعدلية الراوي وافقهيته، وهذا الطريق من طرق الترجيح لم يتعرض له ثقة الاسلام في ديباجة الكافي في ضمن نقله طرق الترجيحات، وانما ذكر الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة والاخذ بالمجمع عليه، ولعل الوجه فيه ما ذكره بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) من انه لما كانت احاديث كتابه كلها صحيحة عنده - كما صرح به في غير موضع من ديباجة كتابه - فلا وجه للترجيح بعدالة الراوي. ويحتمل ايضا أن يقال: ان في الترجيح باحد تلك الوجوه الثلاثة غنية عن الترجيح بعدالة الرواي كما سيأتي تحقيقه. ويؤيد ذلك خلو ما عدا الخبرين المذكورين ورواية داود ابن لحصين من الاخبار الواردة في هذا المضمار عن عد ذلك في جملة المرجحات. ويؤيده ايضا ما رواه في الكافي عن ابن ابي يعفور قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث: يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه واله) والا فالذي جاءكم به اولى به " فانه (عليه السلام) لم يرجح بالوثاقة ولم يقل اعمل بما تثق به دون ما لا تثق به مع كون السؤال عن الاختلاف الناشي عن رواية الثقة وغير الثقة. (الثاني) - انه قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة على جملة الطرق الواردة في الترجيح، لكنهما قد اختلفتا في الترتيب بين تلك الطرق، فاشتملت الاولى منهما على الترجيح بالاعدلية والافقهية ثم بالمجمع عليه ثم بموافقة الكتاب

[ 98 ]

ثم بمخالفة العامة، والثانية منهما قد اشتملت على الترجيح بالشهرة اولا ثم بالاعدلية والاوثقية ثم يمخالة العامة ثم بالاحوطية، ولم يذكر فيها الترجيح بموافقة القرآن، كما لم يذكر في الاولى الترجيح بالاحوطية. ويمكن الجواب (اولا) بان يقال: ان الترتيب غير منظور فيهما، لانه في الحقيقة انما وقع في كلام السائل لا في كلامه (عليه السلام) وغاية ما يفهم من كلامه (عليه السلام) هو الترتيب الذكري، وهو لا يستدعي الترتيب في وقوع الترجيح، وحينئذ فاي طريق اتفق من هذه الطرق عمل عليه، وبذلك يندفع ما قيل: ان مقتضى مقبولة عمر بن حنظلة - حيث قدم فيها الترجيح بالاعدلية والاوثقية - انه لا يصار إلى غير الطريق المذكور الا مع تعذر الترجيح به، وهكذا باقي الطرق. (لا يقال): يلزم الاشكال لو تعارضت الطرق المذكورة: بان كان احد الخبرين مجمعا عليه مع موافقته للعامة وآلاخر غير مجمع عليه مع مخالفته لهم، أو احدهما موافقا للكتاب مع موافقته والاخر مخالفا للعامة وللكتاب. (لانا نقول): غاية ما يلزم من ذلك خلو الروايتين المذكورتين عن حكم ذلك، والمدعي انما هو عدم دلالتهما على الترتيب في هذه الطرق لا الدلالة على عدم الترتيب واقعا أو الدلالة عليه، على انا نقول: انه مع القول بعدم المخالفة بين الاخبار والقرآن إذا كانت مخصصة له كما اسلفنا بيانه، فلا نسلم وجود هذه الفروض المذكورة في اخبارنا المعمول عليها عندنا، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار وتصفح الاخبار بعين الاعتبار، ومع امكان وجود ذلك فيمكن ايضا القول بانه متى تعارض طريقان من الطرق المذكورة، يصار إلى الترجيح بغيرهما ان امكن، أو بهما مع اعتضاد احدهما بمرجح آخر من تلك الطرق ان وجد، والا صير إلى التوقف والارجاء أو التخيير.

[ 99 ]

ويمكن ان يقال ايضا في الجواب (ثانيا) عن اختلاف الخبرين المذكورين في الترتيب بين الطرق: بانه لا يبعد ترجيح العمل بما تضمنته مقبولة عمر بن حنظلة، لاعتضادها بنقل الائمة الثلاثة (رضوان الله عليهم) وتلقي الاصحاب لها بالقبول حتى انه اتفقت كلمتهم على التعبير عنها بهذا اللفظ الذي كررنا ذكره، واطباقهم على العمل بما تضمنته من الاحكام، يخلاف الرواية الاخرى، فانا لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللئالي، مع ما هي عليه من الرفع والارسال، وما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الاخبار والاهمال وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من وقف على الكتاب المذكور. (الثالث) - انه قد دلت مقبولة عمر بن حنظلة على الارجاء والتوقف بعد التساوي في طرق الترجيحات المذكورة. ومرفوعة زرارة على التخيير في العمل باحدهما بعد ذلك، وبعض الاخبار قد دل على التوقف والارجاء من غير ذكر شيئ من الطرق قبل ذلك، وبعض آخر قد دل على التخيير كذلك، ولعل الاخيرين محمولان على عدم امكان الترجيح بتلك الطرق، لاستفاضة الاخبار بالترجيح سيما بالقرآن ومخالفة العامة اولا، بل العمل بهما وان لم يكن ثمة مخالف من الاخبار، الا ان خبر سماعة - المنقول عن كتاب الاحتجاج - ينافي ذلك، ولعله محمول على امكان الوصول إلى الامام (عليه السلام) وامكان التاخير، إذ الترجيح بهذه الطرق فرع تعذر الوصول إليه (عليه السلام) بغير مشقة وقد اختلفت كلمة اصحابنا (رضوان الله عليهم)

[ 100 ]

عليهم) في وجه الجمع بين خبري الارجاء والتسليم على وجوه: (فمنها) - حمل خبر الارجاء على الفتوى وحمل خبر التخيير على العمل، بمعنى انه لا يجوز للفقيه - والحال كذلك - الفتوى والحكم وان جاز له العمل بايهما شاء من باب التسليم، وبه صرح جملة من مشايخنا المتأخرين، واستدل بعضهم على ذلك بصحيحة على بن مهزيار ومكاتبة الحميري المتقدمتين وظني انهما ليستا من ذلك الباب، إذ الظاهر من الاخبار ان التخيير في العمل من باب الرد والتسليم انما هو مع تعذر رد الحكم لهم (عليهم السلام) وتساوي الخبرين في طرق الترجيح، فالحكم حينئذ فيه التخيير في العمل خروجا من الحيرة ودفعا للحرج والضرورة، كما ينادي به كلام ثقة الاسلام الآتي نقله، فهو من قبيل الرخص الواردة عنهم (عليهم السلام) في مقام الضرورة كالعمل بالتقية ونحوه، واما مع رد الحكم للامام (عليه السلام) وامره بالتخيير فالظاهر ان الحكم الشرعي في ذلك هو التخيير، وهو احد الوجوه التي يجمع بها بين الاخبار إذا ظهر له مستند منها، والامر هنا كذلك. و (منها) - حمل الارجاء على زمن وجوده (عليه السلام) وامكان الرد إليه، وحمل التخيير على زمان الغيبة وعدم امكان الوصول إليه. وبه صرح الثقة الجليل احمد بن على بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج وفيه ان ذلك يتم بالنسبة

[ 101 ]

إلى الاخبار المشتملة على الارجاء والتخيير الخالية عم طرق الترجيح. واما الاخبار المشتملة عليها - كمقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة المجعول فيهما الارجاء والتخيير بعد تعذر الترجيح بتلك الطرق - فيشكل بان الظاهر ان الترجيح بتلك الطرق انما يصار إليه عند تعذر الوصول إليهم (عليهم السلام) فكيف يحمل الارجاء في هذه الحال على امكان الوصول ؟ الا ان يحمل على ذوي الاطراق البعيدة المستلزم الوصول فيها المشقة فيعمل على تلك المرجحات، ومع عدم امكان الترجيح بها يقف عن الحكم والعمل حتى يصل للامام (عليه السلام)، وربما يفهم ذلك من مرفوعة زرارة، لامره (عليه السلام) له بذلك. فانه دال باطلاقه على ما هنالك. (ومنها) - حمل اخبار التخير على العبادات المحضة كالصلاة، وحمل اخبار الارجاء على غيرها من حقوق الادمين من دين أو ميراث على جماعة مخصوصين أو فرج أو زكاة أو خمس، فيجب التوقف عن الافعال الوجودية المبنية على تعيين احد الطرفين بعينه، ذهب إليه المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في كتاب الفوائد المدنية، والظاهر ان وجهه اشتمال مقبولة عمر بن حنظلة الدالة على الارجاء على كون متعلق الاختلاف حقوق الناس، وفيه ان تقييد اطلاق جملة الاخبار الواردة بذلك لا يخلو من اشكال، فانها ليست نصا في التخصيص بل ولا ظاهرة فيه حتى يمكن ارتكاب التخصيص بها. و (منها) - حمل خبر الارجاء على ما لم يضطر إلى العمل باحدهما، والتخيير على حال الاضطرار والحاجة إلى العمل باحدهما، ذهب إليه الفاضل بان ابي الجهم ورواية

[ 102 ]

في كتاب عوالي اللئالي، وظاهره حمل كل من خبري الارجاء والتخيير على العمل خاصة أعم من أن يكون في زمن الغيبة أو عدم امكان الوصول اولا. وهذا الاطلاق مشكل، لان الظاهر انه مع الحضور وامكان الوصول لا يسوغ التخيير بل يجب الارجاء حتى يسأل. و (منها) - حمل الارجاء على الاستحباب، والتخيير على الجواز. نقله المحدث السيد نعمة الله عن شيخه المجلسي (قدس سرهما) وظني بعده. و (منها) - ما يفهم من خبر الميثمي المتقدم نقله عن كتاب عيون الاخبار من تخصيص التخيير في العمل بما كان النهي فيه نهي اعافة لا نهي تحريم ثم كان الخبر الاخر خلافه فانه رخصة، والارجاء والتوقف على غير ذلك. والظاهر انه لا يطرد كليا، لما عرفت من عموم خبري عمر بن حنظلة وزرارة ونحوهما من الاخبار. و (منها) - حمل الارجاء على النهي عن الترجيح والعمل بالرأي، وحمل التخيير على الاخذ من باب التسليم والرد إليهم (عل) لا إلى الرأي والترجيح بما يوافق الهوى كما هو قول ابي حنيفة واضرابه، وهذا الوجه نقله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) احتمالا ايضا، والظاهر بعده. و (منها) - حمل خبر الارجاء على حكم غير المتناقضين وحمل خبر التخيير على المتناقضين، نقله بعض شراح الاصول عن بعض الافاضل، وفيه ان موثقة سماعة المتقدمة عن الكافي موردها في المتناقضين مع انه حكم فيها بالارجاء، وحكم

[ 103 ]

في الرواية المرسلة التي بعدها بالتخيير، والمورد واحد، وروياته المنقولة عن الاحتجاج ايضا موردها المتناقضان مع انه حكم فيها بالارجاء. إذا عرفت ذلك فاعلم انه يمكن ترجيح الوجه الاول بقوله (عليه السلام) في حديث الميثمي: " فردوا علمه الينا ولا تقولوا فيه بأرائكم " فان ظاهره المنع عن الافتاء والحكم خاصة، ولا ينافيه التخيير في الفعل تسليما لهم (عليهم السلام) وعليه يدل ظاهر رواية الحرث بن المغيرة فان ظاهرها انه متى كان نقلة الحديث كلهم ثقات فموسع عليك في العمل بقول كل منهم حتى ترى القائم فترد إليه الحكم والفتوى في ذلك، والا فلا معنى للسعة المذكورة سيما لو كان الفرض الجاء الحاجة إلى العممل باحدهما بل هو ضيق، ومثلها موثقة سماعة فان ظاهر قوله: " فهو في سعة حتى يلقاه " مفرعا على الارجاء المشعر ذلك باختلاف متعلقيهما ان السعة إنما هي باعتبار التخيير بين العفل وعدمه والارجاء باعتبار الحكم خاصة، إلا ان هذه الرواية محتملة لاحتمال آخر ايضا. وعندي ان مرجع كل من الوجه الاول والثاني عند التأمل والتحقيق بالنظر الدقيق إلى امر واحد، وذلك فان حمل الارجاء على الفتوى والتخيير على العمل -

[ 104 ]

كما هو الوجه الاول - لا يكون الا مع غيبة الامام (عليه السلام) أو عدم امكان الوصول إليه، إذ الظاهر انه متى امكن الوصول إليه واستعلام الحكم منه فانه يتحتم الارجاء في الفتوى والعمل تحصيلا للحكم بطريق العلم واليقين كما هو الطريق الواضح المستبين، اما مع عدم امكان الترجيح بما تقدمهما من الطرق أو مع الامكان على التفصيل المتقدم آنفا والى ذلك يشير خبر سماعة المنقول عن الاحتجاج وحمل الارجاء على زمن وجود الامام (عليه السلام) وامكان الرد والتخيير على ما عدا ذلك - كما هو الوجه الثاني - مراد به الارجاء في الفتوى والفعل لما عرفت، والتخيير على الوجه المذكور مراد به التخيير في الفعل خاصة، إذ لا مجال لاعتبار التخيير في الحكم الشرعي والفتوى به، لاستفاضة الآيات والاخبار بالمنع من الحكم والفتوى بغير علم، وان الحكم الشرعي في كل مسألة واحد يصيبه من يصيبه ويخطيه من يخطيه لا تعدد فيه، وهذا مما ينافي التخيير في الفتوى، وحينئذ فيرجع إلى التخيير في الفعل

[ 105 ]

خاصة، وبذلك يجتمع الوجهان المذكوران على أحسن التئام وانتظام وان غفلت عنه جملة مشايخنا العظام، ولعل هذا الوجه حينئذ هو اقرب الوجوه المذكورة. وكيف كان فتعدد هذه الاحتمالات مما يدخل الحكم المذكور في حيز المتشابهات التي يجب الوقوف فيها على جادة الاحتياط، فانه احد مواضعه كما قدمنا تحقيقه واوضحنا طريقه. (الرابع) - يستفاد من الروايات الاخيرة ان من جملة الطرق المرجحة عند التعارض الاخذ بالاخير، ولم أقف على من عد ذلك في طرق الترجيحان فضلا عمن عمل عليه غير الصدوق (ط) في الفقيه في باب (الرجل يوصي

[ 106 ]

للرجلين) حيث نقل خبرين مختلفين ثم قال: " ولو صح الخبران جميعا لكان الواجب الاخذ بقول الاخير كما أمر به الصادق (عليه السلام)، وذلك لان الاخبار لها وجوه ومعان، وكل امام اعلم بزمانه واحكامه من غيره من الناس " انتهى. اقول: والعمل بهذ الوجه بالنسبة إلى زمانهم (عليهم السلام) لا اشكال فيه. وذلك لان الظاهر ان الاختلاف المذكور ناشئ عن التقية لقصد الدفع عن الشيعة، كما يشير إليه قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني من الاخبار المشار إليها: " إنا والله لا ندخلكم الا فيما يسعكم وحينئذ فالوجه في الامر بالاخذ بالاخير انه لو كانت التقية في الاول من الخبرين فالثاني رافع لها فيجب الاخذ به، وان كانت التقية في الثاني وجب الاخذ به لذلك، واما بالنسبة إلى مثل زماننا هذا فالظاهر انه لا يتجه العمل بذلك على الاطلاق، لجواز ان يحصل العلم بان الثاني انما ورد على سبيل التقية والحال ان المكلف ليس في تقية، فانه يتحتم عليه العمل بالاول ولو لم يعلم كون الثاني يخصوصه تقية بل صار احتمالها قائما بالنسبة اليهما، فالواجب حينئذ هو التخيير أو الوقوف بناء على ظواهر الاخبار، أو الاحتياط كما ذكرناه. (الخامس) - المستفاد - من كلام ثقة الاسلام وعلم الاعلامم (قدس سره) في ديباجة كتاب الكافي - ان مذهبه فيما اختلفت فيه الاخبار هو القول بالتخيير. ولم اعثر على من نقل ذلك مذهبا له مع ان عبارته (طاب ثراه) ظاهرة الدلالة طافحة المقالة، وشراح كلامه قد زيفوا عبارته واغفلوا مقالته. قال (قد): فاعلم يا اخي - ارشدك الله - انه لا يسع احدا تمييز شيئ

[ 107 ]

مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه الا على ما اطلقه العالم بقوله (عليه السلام): " اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عزوجل فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه وقوله (عليه السلام): " دعوا ما وافق القوم، فان الرشد في خلافهم " وقوله (عليه السلام): خذروا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه " ونحن لا نعرف من جميع ذلك الا اقله، ولا نجد شيئا احوط ولا اوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم، وقبول ما وسع من الامر فيه بقوله: " بايما اخذتم من باب التسليم وسعكم انتهى. وقوله (قدس سره): " ونحن لا نعرف.. إلى اخره) الظاهر ان معناه انا لا نعرف من كل من الضوابط الثلاث الا الاقل. ويمكن توجيهه بان يقال: اما الكتاب العزيز فلاستفاضة الاخبار - كما قدمنا لك شطرا منها - بانه لا يعلمه على التحقيق سواهم (عليهم السلام)، وقد علمت مما حققناه سابقا ان القدر الذي يمكن الاستناد إليه من الكتاب العزيز في الاحكام الشرعية اقل قليل. واما مذهب العامة فلا يخفى - على الواقف على كتب السير والآثار والمتتبع للقصص والاخبار، وبه صرح ايضا جملة من علمائنا الابرار بل وعلماؤهم في ذلك المضمار ما عليه مذاهب العامة في الصدر السابق من الكثرة والانتشار، واستقرار مذهبهم على هذه الاربعة انما وقع في حدود سنة خمس وستين وستمائة، كما نقله المحدث الامين الاستربادي في كتاب الفوائد المدنية عن بعض علماء العامة، على ان المستفاد من الاخبار كما قدمنا تحقيقه في المقدمة الاولى وقوع التقية وان لم يكن على وفق شيئ من اقوالهم.

[ 108 ]

واما المجمع عليه، فان اريد في الفتوى فهو ظاهر التعسر، لان كتب المتقدمين كلها مقصورة على نقل الاخبار كما لا يخفى على من راجع الموجود منها الان، ككتاب قرب الاسناد وكتاب على بن جعفر ومحاسن الرقي وبصائر الدرجات ونحوها ولتفرق الاصحاب وانزوائهم في زواية التقية في اكثر البلدان، وان اريد في الرواية بمعنى ان يكون مجمعا عليه في الاصول المكتوبة عنهم، ففيه انها قد اشتملت على الاخبار المتخالفة والاحاديث المتضادة فهي مشتركة في الوصف المذكور، وحينئذ فمتى لم تعلم هذه الامور على الحقيقة فالمعتمد عليها ربما يقع في المخالفة من حيث لا يشعر وتزل قدمه من حيث لا يبصر، فلا شيئ اسلم من الاخذ بما وسعوا فيه من باب التسليم لهم دون الجزم والحكم بكون ذلك هو الحكم الواقعي، فان فيه تحرزا عن القول على الله (سبحانه) بغير علم، وتخلصا من التهجم على الاحكام بغير بصيرة وفهم. وما اذكره بعض مشايخنا المعاصرين (نور الله مراقدهم) - من انه ليس الامر كذلك، قال: " فان الحق لا يشتبه بالباطل، والمطوق ليس كالعاطل، والشمس لا تستر بالنقاب، والشراب لا يلتبس بالسراب، وما ورد من التقية لا يكاد يخفى " انتهى - فالعبارة قشرية وتسجيعات من التحقيق عرية، كما لا يخقى على من عض على العلم بالاخبار بضرس قاطع، واعطى التأمل حقه فيما اوعدناه في هذه المواضع، كيف ؟ وهو (قدس سره) في جملة مصنفاته وفتاويه يدور مدار الاحتياط خوفا من الوقوع في شبهت الاحتياط، قائلا في بعض مصنفاته: " ان مناط اكثر الاحكام لا يخلو من شوب وريب وتردد، لكثرة الاحتلافات في تعارض الادلة وتدافع الامارات، فلا ينبغي ترك الاحتياط للمجتهد فضلا عمن دونه " انتهى (السادس) - قد اشتهر - بين اكثر اصحابنا سيما المتأخرين - عد الاستحباب

[ 109 ]

والكراهة من جملة وجوه الجمع بين الاخبار، بل الاقتصار عليهما في الجمع دون تلك القواعد المنصوصة والضوابط المخصوصة، كما لا يخفى على من لاحظ كتب المتأخرين ومتأخريهم، حتى تحذلق بعض متأخري المتأخرين - كما نقله بعض مشايخنا المعاصرين - فقال: " إذا أمكن التوفيق بين الاخبار بحمل بعضها على المجاز كحمل النهي على الكراهة والامر على الاستحباب وغير ذلك من ضروب التأويلات، فهو اولى من حمل بعضها على التقية وات اتفق المخالفون على موافقته " ولعمري انه محض اجتهاد في مقابلة النصوص وجرأة على رد كلام أهل الخصوص، وقد قدمنا لك في المقدمة السابقة ما فيه مزيد تحقيق ودفع لهذه الاوهام. (السابع) - الذي ظهر لي من الاخبار - مما تقدم نقله وغيره، وعليه اعتمد وبه اعمل - انه متى تعارض الخبران على وجه لا يمكن رد احدهما إلى الاخر. فالواجب - اولا - العرض على الكتاب العزيز، وذلك لاستفاضة الاخبار بالعرض عليه وان لم يكن في مقام اختلاف الاخبار، وان ما خالفه فهو زخرف ولعدم جواز مخالفة احكامهم (عليهم السلام) للكتاب العزيز، لانه آيتهم وحجتهم واخبارهم تابعة له ومقتبسة منه، واما ما ورد مخصصا أو مقيدا له فليس من المخالفة في شيئ كما قدمنا بيانا واوضحنا برهانه. والمراد العدض على محكماته ونصوصه بعد معرفة الناسخ منها من المنسوخ، واما غيرها فيشترط ورود التفسير له عن أهل البيت (عليهم السلام)، والا فالتوقف عن الترجيح بهذه القاعدة. ثم الترجيح بالعرض على مذهب القوم والاخذ بخلافهم، لاستفاضة

[ 110 ]

الاخبار بالاخذ بخلافهم وان لم يكن في مقام التعارض ايضا كما تدل عليه جملة من الاخبار. (منها) رواية على بن اسباط المروية في التهذيب وعيون الاخبار، وفيها ما يدل على " انهم متى افتوا بشيئ فالحق في خلافه " وفي صحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام): " إذا رأيت الناس يقبلون على شيئ فاجتنبه " وفي صحيحة ابي بصير المروية فرسالة الراوندي المتقدم ذكرها عن ابي عبد الله (عليه السلام): " ما انتم والله على شيئ ولا هم على شيئ مما انتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيئ " وفي بعض الاخبار: " والله لم يبق في ايديهم الا استقبال القبلة " وحينئذ ففي مقام التعارض بطريق اولى. ثم مع عدم امكان العرض على مذهبهم فالاخذ بالمجمع عليه، ومما يدل على الاخذ به ما تقدم نقله عن ثقة الاسلام من الخبر المرسل الذي اشار إليه بقوله: وقوله (عليه السلام): خذوا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه "، الا ان في تيسر هذا الاجماع لنا في هذه الازمان نوع اشكال كما عرفت آنفا. وكيف كان فهذه القواعد الثلاث لا يمكن الاختلاف فيها بعد اعطاء التأمل حقه في الاخبار في مقام الاختلاف، واعطاء النظر حقه من التحقيق والانصاف، ومع عدم امكان الترجيح بالقواعد الثلاث فالارجح الوقوف على ساحل الاحتياط،

[ 111 ]

وان كان ما اختاره شيخنا ثقة الاسلام من التخيير لا يخلو من قوة، الا ان اخبار الاحتياط عموما وخصوصا اكثر عددا واوضح سندا واظهر دلالة. واما الترجيح بالاوثقية والاعدلية فالظاهر انه لا ثمرة له بعد الحكم بصحة اخبارنا التي عليها مدار ديننا وشريعتنا كما قدمنا بيانه ولعل ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة من الترجيح بذلك محمول على الحكم والفتوى كما هو موردها، ومثلها رواية داود بن الحصين، واما مرفواعة زرارة فلما عرفت من الكلام فيها لا تبلغ حجة، أو يقال باختصاص ذلك بزمانهم (عليهم السلام) قبل وقوع التنقية في الاخبار وتخلصيها من شوب الاكدار، والله سبحانه ورسوله واوليائه اعلم. (الثامن) انه قد وقع التعبير عن المجمع عليه في مقبولة عمر بن حنظلة بالمشهور، وهو لا يخلو من نوع تدافع. ويمكن الجواب عن ذلك اما بتجوز اطلاق المجمع عليه على المشهور، أو بان يقال: يمكن ان يكون الراوي لما هو خلاف المجمع عليه قد روى ما هو مجمع عليه ايضا فاحد الخبرين مجمع عليه بلا اشكال والاخر الذي تفرد بروايته شاذ غير مجمع عليه، وحينئذ فيصير التجوز في جانب الشهرة، واما بحمل الشاذ المخالف على ما وافق روايات العامة واخبارهم وان رواه اصحابنا، بمعنى وجوب طرح الخبر الموافق لهم إذا عارضه خبر مشهور معروف بين الاصحاب، وذلك لا ريب فيه كما تدل عليه الاخبار الدالة على حكم الترجيح بين الاخبار.

[ 112 ]

المقدمة السابعة في ان مدلول الامر والنهي حقيقة هو الوجوب والتحريم وقد طال التشاجر بين علماء الاصول في هذه المقالة، وتعددت الاقوال فيها وزيف كل منهم ما اورده الاخر من الاستدلال وقال، مع ان الكتاب العزيز واخبار اهل الذكر (عليهم السلام) مملوة من الدلالة على ذلك، وهي اولى بالاتباع والاعتماد واظهر في الدلالة على المراد. فمنها قوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم.. " وليس الطاعة الا الانقياد لما يقوله الآمر من الامر والنهي كما صرح به ارباب اللغة. وترك الطاعة عصيان، لنص اهل اللغة على ذلك. والعصيان حرام، لقوله سبحانه: " ومن يعص الله ورسوله فانه له نار جهنم.. ". و (منها) قوله تعالى: " من يطع الرسول فقد اطاع الله، ومن تولى فما ارسلناك عليهم حفيظا " والتقريب ما تقدم. و (منها) قوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم ". و (منها) قوله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.. ".

[ 113 ]

ومن الاخبار الدالة على ذلك ما استفاض من وجوب طاعة الائمة (عليهم السلام) وان طاعتهمم كطاعة الله ورسوله، وقد عقد له في الكافي بابا عنونه بباب (فرض طاعة الائمة عليهم السلام). ومن اخباره: حسنة الحسين بن ابي العلا قال: " قلت لابي عبد الله (ع) الاوصياء طاعتهم مفترضة ؟ قال:. عم هو الذين قال الله تعالى: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم..).. الحديث ". وصحيحة الكناني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " نحن قول فرض الله طاعتنا.. الحديث ". ورواية الحسين بن المختار عن ابي عبد الله (عليه السلام): في قول الله تعالى (وآتيناهم ملكا عظيما) قال: الطاعة للامام " إلى غير ذلك من الاخبار المذكورة في ذلك الباب وغيره. ون الاخبار الدالة على اصل المدعى صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: " قلنا لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي وكم هي ؟ فقال: ان الله عزوجل يقول: " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جنا ان تقصروا من الصلاة.. " فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا: انما قال الله عزوجل: فليس عليكم جناح. ولم يقل: افعلوا. فكيف اوجب

[ 114 ]

ذلك كما وجب التمام في الحضر ؟ فقال (عليه السلام): اوليس قد قال الله عزوجل في الصفا والمروة: (ان الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما.) الا ترون ان الطواف بهم واجب مفروض ؟.. الحديث " وجه الدلالة ان زرارة ومحمد بن مسلم علقا استفادة الوجوب على صيغة افعل مجردة، وسألا عن وجوب القصر مع عدم الصيغة المذكورة، وهما من أهل اللسان وخواص الائمة (عليهم السلام) والامام قررهما على ذلك. و (منها) صحيحة عمر بن يزيد قال: " اشتريت ابلا وانا بالمدينة مقيم فاعجبتني اعجابا شديدا، فدخلت على ابي الحسن الاول (عليه السلام) فذكرتها، فقال: مالك واللابل ؟ أما علمت انها كثيرة المصائب ؟ قال: فمن اعجابي بها اكريتها وبعثتها مع غلمان لي إلى الكوفة فستقطت كلها، قال: فدخلت عليه فاخبرته. فقال: (فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم). و (منها) ما ورد في رسالة الصادق (عليه السلام) إلى اصحابه المروية في كتاب روضة الكافي حيث قال فيها: " اعلموا ان ما أمر الله ان تجتنبوه فقد حرمه، إلى ان قال في اثنائها ايضا: واعلموا انه انما امر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهى عما نهى عنه، فمن اتبع امره فقد اطاعه ومن لم ينته عما نهى عنه فقد عصاه، فان مات على معصيته اكبه الله على وجهه في النار ". و (منها) صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام): قال: " العمرة

[ 115 ]

واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لان الله تعالى يقول: (واتموا الحج والعمرة لله (.. الحديث ". و (منها) قول الصادق (عليه السلام) لهشام بن الحكم لما ساله " الا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد ؟ فاعتذر له هشام باني اجلك واستحييك. فقال الصادق (عليه السلام): إذا أمرتكم بشيئ فافعلوا رواه في الكافي في اول باب الاضطرار إلى الحجة، وهو ظاهر كالصريح في وجوب امتثال اوامرهم (عليهم السلام). وذهب جمع من المتأخرين ومتاخيريهم منهم. الشيخ حسن بن شيخنا الشهيد الثاني بل ربما كان اولهم فيما اعلم إلى منع دلالة صيغة الامر والنهي على الوجوب والتحريم في كلام الائمة (عليهم السلام) وان كانت كذلك في كلام الله تعالى وكلام الرسول (صلى الله عليه واله) مستندين إلى كثرة الاوامر والنواهي عنهم (عليهم السلام) للاستحباب والكراهة وشيوعها في ذلك، قال في كتاب المعالم: " قائدة، يستفاد من تضاعيف احاديثنا المروية عن الائمة (عليهم السلام) ان استعمال صيغة الامر في الندب كان شائعا في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي، فيشكل التعلق في اثبات وجوب أمر بمجرد ورود الامر به منهم (عليهم السلام). وبمثل هذه المقالة صرح السيد السند في مواضع من المدارك، ونسج على منوالهما جمع ممن تأخر عنهما. وعندي فيه نظر من وجوه: (احدها) ا ن تلك الاوامر والنواهي هي في الحقيقة اوامر الله سبحانه ورسوله، ولا فرق بين صدروها من الله تعالى ورسوله ولا منهم، لكونهم (عليه السلام) حملة ونقلة، لقولهم (صلوات الله عليهم):

[ 116 ]

" إنا إذا حدثنا عن الله ورسوله ولا نقول من انفسنا " وحينئذ فكما ان هذا القائل يسلم ان اوامر الله سبحانه ورسوله ونواهيهما الصادرة عنهما لا بواسطة واجبة الاتباع، فيجب عليه القول بذلك فيما كان بواسطتهم (عليهم السلام)، وهل يجوز أو يتوهم نقلهم (عليهم السلام) ذلك اللفظ عن معناه الحقيقي الذي هو الوجوب أو التحريم واستعماله في معنى مجازي من غير نصب قرينة أو تنبيه على ذلك ؟ وهل هو الا من قبيل التعمية والالغاز ؟ وشفقتهم على شيعتهم وحرصهم على هدايتهم بل علو شأنهم وعصمتهم تمنع من ذلك. و (ثانيها) ان ما استند إليه هذا القائل من كثرة ورود الاوامر والنواهي في اخبارهم للاستحباب والكراهة مردود ة بانه ان كان دلالة تلك الاوامر والنواهي باعتبار قرائن قد اشتملت عليها تلك الاخبار حتى دلت بسببها على الاستحباب والكراهة فهو لا يقتضي حمل ما لا قرينة فيه على ذلك، وهل هو الا قياس مع وجود الفارق ؟ والا فهو عين المتنازع فلا يتم الاستدلال وهذا بحمد الله سبحانه واضح المجال لمن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال. و (ثالثها) ان ما قدمنا من الايات والاخبار الدالة على فرض طاعتهم ووجوب متابعتهم عامة شاملة لجميع الاوامر والنواهي إلا ما دلت القرائن على خروجه، فحينئذ لو حمل الامر والنهي الوادر في كلامهم بدون القرينة الصارفة على الاستحباب والكراهة المؤذن بجواز الترك في الاول والفعل في الثاني، لم يحصل العلم بطاعتهم ولا اليقين بمتابعتهم، وكان المرتكب لذلك في معرض الخوف والخطر والتعرض لحر سقر، لاحتمال كون ما امروا به انما هو على وجه الوجوب والحتم وما نهوا عنه إنما هو على جهة التحريم والزجر، بل هو ظاهر تلك الاوامر والنواهي بالنظر إلى ما قلنا الا مع الصارف، بخلاف ما إذا حملا على الوجوب والتحريم فان

[ 117 ]

المكلف حينئذ متيقن البراءة والخروج من العهدة. (ولو قيل) بان الحمل على الاستحباب والكراهة معتضد بالبراءة الاصلية، إذ الاصل براءة الذمة حتى يقوم دليل قاطع على ما يوجب اشتغالها. (قلنا) فيها (اولا) ما عرفت من مسالة البراءة الاصلية من عدم قيام الدليل عليها بل قيامه على خلافها. و (ثانيا) انه بعد ورود الامر والنهي مطلقا لا مجال للتمسك بها، إذ المراد بها، اما اصالة البراءة قبل تعلق التكاليف، وحينئذ فبعد التكليف لا مجال لاعتبارها، واما اصالة البراءة لعدم الاطلاع على الدليل، والحال ان الدليل في الجملة موجود. نعم يبقى الشك في الدليل وتردده بين الوجوب والاستحباب، والتحريم والكراهة، وهذا امر آخر، فالخروج عن قضية البراءة الاصلية معلوم، وبالجملة فاصالة البراءة عبارة عن خلو الذمة من تعلق التكليف مطلقا ايجابيا أو ندبيا، وهو هنا ممتنع بعد وجود الدليل. و (رابعها) انه لا اقل ان يكون الحكم بالنظر إلى ما ذكرنا من الايات والروايات من المتشابهات التي استفاضت الاخبار بالوقوف فيها على ساحل الاحتياط: " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن تجنب الشبهات نجا من الهلكات " ومن الظاهر البين ان الاحتياط في جانب الوجوب والتحريم. هذا وما اعتضد به شيخنا أبو الحسن (قد) في كتاب العشرة الكاملة حيث اقتفى اثر اولئك القوم في هذا المقالة، من ان الصدوق (ره) في كتاب من لا يحضره الفقيه قد حمل كثيرا من الاوامر على الندب وجما غفيرا من النواهي على الكراهة والتنزيه ففيه انه ان كان ذلك كذلك فيمكن حمله على ظهور قرائن

[ 118 ]

المجاز له، إذ هي بالنسبة إلى مثله من ارباب الصدر الاول غير عزيزة، ويمكن ايضا ان يكون ذلك في مقام الجمع بين الاخبار بان يكون في الاخبار المعارضة ما يدل على نفي الوجوب في الاول والجواز في الثاني مع قوته ورجحانه، وهذا من جملة القرائن الموجبة للخروج عن ذينك المعنيين الحقيقيين. المقدمة الثامنة اختلف الاصوليون في ثبوت الحقائق الشرعية وتحقيق المقام من غير اطالة بابرام النقض ولا نقض الا برام هو ان اللفظ ان استعمل فيما وضع له فهو حقيقة والا فهو مجاز، والواضع ان كان هو الشارع اي الله سبحانه أو الرسول فحقيقة شرعية، وان كان غيره فلغوية أو عرفية خاصة أو عامة. ولا نزاع في ان الالفاظ المتداولة في لسان اهل الشرع المستعملة في خلاف معانيها اللغوية قد صارت حقائق في تلك المعاني عندهم، كاستعمال الصلاة الموضوعة لغة الدعاء في ذات الاركان الخمسة ونحوها. انما النزاع في ان هذا الاستعمال هل هو بطريق النقل عن الشارع فتكون حقائق شرعية، أو بطريق المجاز بمعنى ان الشارع انما استعملها في تلك المعاني مجازا بمعونة القرينة ولكن غلب في ألسنة اهل الشارع استعمالها كذلك حتى افادت من غير قرينة فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية ؟ فقيل بالاول بل هو المشهور بينهم محتجين بوجوه: (اظهرها) القطع بتبادر هذه المعاني من تلك الالفاظ إلى الفهم عند اطلاقها، وهو علامة الحقيقة. وذهب بعض إلى الثاني، طاعنا في الحجة المذكورة ومحتجا بما هو مذكور في مطولات الاصول مما لا يرجع عند التحقيق إلى ثمرة ولا محصول.

[ 119 ]

وتوقف ثالث، قائلا ان الحق انه لم يعلم من حال الشارع غير اصل الاستعمال. واما طريقه فغير معلوم، لان ادلة الطرفين في غاية الضعف، وتبادر هذه المعاني لنا غير مفيد، إذ يحتمل ان يكون ذلك لاجل الاشتهار عندنا. هذاا. والاظهر عندي هو القول الاول وعليه من بين تلك الاقوال المعول، ولنا عليه دليل التبادر الذي هو عندهم امارة الحقيقة ومعيارها وعليه في جميع الاحوال مدارها. وما قيل في الجواب عن ذلك، من ان التبادر المذكور عند سماع هذه الالفاظ، ان كان بالنظر إلى اطلاق الشارع فهو ممنوع بل هو اول المسالة، وان كان بالنظر إلى اطلاق المتشرعة فهو غير مفيد قطعا، لان اللازم حينئذ كونها حقائق عرفية لا شرعية مردود بان من صفا ذهنه من شوب الشبهة والعناد وكان له انس بكلام الشارع ولو في اكثر المواد، يعلم قطعا ان الصدر الاول من الصحابة والتابعين وجملة السلف المتقدمين كانوا متى حكى النبي (صلى الله عليه واله) عن الله سبحانه وصف احد بالايمان أو الكفر أو الشرك أو حصل منه (صلى الله عليه واله) الامر بصلاة أو زكاة أو حج طهارة أو المنع عن النجاسة أو نحو ذلك، يفهمون بمجرد اطلاق هذه الالفاظ المعنى الشرعي منها متى تقدم لهم العلم بالوضع، ومن انكر ذلك نسأل الله سبحانه ان يصلح وجدانه ويثبت جنانه. ومن الاخبار الدالة على ذلك موثقة سماعة قال: " سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن ؟ فقال: نعم. قول الله عزوجل: (يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا..).. الحديث ". إلا ان الظاهر ان الخلاف في هذه المسالة قليل الجدوى، لاتفاقهم على ان

[ 120 ]

استعمال هذه الالفاظ في تلك المعاني الشرعية في كلام الائمة (عليه السلام) حقيقة وان كانت عرفية خاصة لا شرعية، وهو كاف في صحة الاستدلال بها والاعتماد عليها وانما يظهر الخلاف فيما وقع منها في كلام الشارع من القرآن العزيز أو السنة النبوية، واستقلال القرآن سيما على ما فصلناه آنفا والسنة النبوية من غير جهة نقل الائمة (عليهم السلام) مما لا يكاد يتحقق في الاحكام، كما لا يخفى على من سرح يريد النظر في المقام. وبهذا يظهر لك ما في إيراد شيخنا ابي الحسن (قد) في بعض مؤلفاته على شيخنا البهائي وصاحب المعالم، حيث انه قائل بثبوت الحقيقة الشرعية وهما مانعان منه بالاخبار الدالة على الطهارة والنجاسة والحل والتحريم والوجوب والاستحباب مع خلوها من القرائن، حيث قال بعد تقديم الكلام في ذلك: " على انا نقول: لو تم ما ذكروه من التشكيك الركيك للزم ان كل ما ادعينا انه حقيقة شرعية فهو مجاز لا يصار إليه الا بقرينة، وحينئذ ينسد باب الاحتجاج باكثر الاخبار المشتملة على هذه الالفاظ العارية عن القرائن المعينة للمراد، وهم لا يلتزمونه، بل هذان الشيخان وغيرهما قد اكثروا من الاحتجاج بامثال هذه الاخبار على مطالبهم غافلين عما يرد عليهم، وتراهم اكثروا من الاحتجاج على النجاسة والطهارة والحل والتحريم والوجوب والاستحباب بهذه الالفاظ، فهم يأتون في ذلك على المثل السائر: " الشعير يؤكل ويذم " انتهى. فان فيه كما عرفت انه لا خلاف في ان استعمال تلك الالفاظ في المعاني الشرعية في كلام الائمة (عليهم السلام) حقائق يجب الاعتماد عليها والاستناد إليها وان كانت عرفية خاصة، وانما محل الخلاف ومظهره وقوعها في كلام الشارع، اما مجردة عن القرينة فعند من يقول بثبوت الحقائق الشرعية بحملها على ذلك

[ 121 ]

وعند من ينفيها بحملها على المعاني اللغوية، واما مع القرينة الدالة على المعنى الشرعي فهي حقيقة شرعية على الاول ايضا ومجاز على الثاني. هذا. وما اشتهر في كلام جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) من ان الواجب حمل الخطابات الواقعة في الشريعة على الحقيقة الشرعية ان ثبتت، والا فعلى عرفهم (عليهم السلام) ان علم، والا فعلى الحقيقة اللغوية ان وجدت، والا فعلى العرف العام مما لم يعثر له على مستند ولم يقم عليه دليل معتمد، وانما المستفاد من اخبارهم كما مر انه مع عدم العلم بما هو المراد من الخطاب الشرعي يجب الفحص والتفتيش ومع العجز عن الظفر بالمراد يجب رعاية الاحتياط والوقوف على سواء ذلك الصراط. على انه لا يخفى ما في بناء الاحكام على العرف العام من العسر والحرج المنفيين بالآية والرواية فانه يوجب استعلام ما عليه كافة الناس في اقطار الارض. واما البناء على العرف الخاص مع تعذر العام كما صار إليه بعضهم، ففيه انه يوجب الاختلاف في الاحكام الشرعية، والمستفاد من الاخبار ان كل شيئ يؤدي إلى الاختلاف فيها فلا يجوز النباء عليه. والله العالم. المقدمة التاسعة اختلف كلام الاصوليين من اصحابنا (رضوان الله عليهم) وغيرهم في ان صدق المشتق على ذات حقيقة، هل يشترط فيه بقاء مأخذ الاشتقاق فبعد قيام المبدأ بالذات وانقضائه يكون مجازا، ام لا يشترط فيكون حقيقة مطلقا ؟ على اقوال متعددة وآراء متبددة بعد الاتفاق على انه حين القيام حقيقة وقبله مجاز، فالضارب، لمن هو

[ 122 ]

مشتغل به الان، حقيقة بلا خلاف، ولمن يريد ايقاعه ولما يقع منه مجاز كذلك، واما من ضرب وهو الان غير ضارب فهل هو حقيقة أو مجاز ؟ قولان، الا انه بسبب الاشكال في تعين محل الخلاف انتشرت الاقوال واتسع المجال. فقيل بعدم اشتراط بقاء المأخذ مطلقا فيكون حقيقة. وعليه كثير من المعتزلة واكثر الامامية بل قيل كلهم. وقيل بالاشتراط مطلقا فيكون مجازا. ونقل عن اكثر الاشاعرة والفخري في المحصول والبيضاوي في المنهاج، واليه مال من اصحابنا المحدث الامين الاستربادي في تعليقاته على شرح المدارك. وقيل بالتفصيل بانه ان كان المبدأ مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود فالمشتق مجاز، وان كان مما لا يمكن بقاؤه كالمصادر السيالة الغير القارة نحو التكلم والاخبار فالمشتق حقيقة وان لم يبق المبدأ. وقيل بالتوقف في المسألة، لتصادم الادلة من الطرفين وتعارض الاحتمالات من الجانبين، ونقل عن الآمدي والحاجبي. وقيل بتخصيص محل النزاع بما إذا كان المشتق محكوما به، كقولك: زيد مشرك أو قاتل أو متكلم. واما إذا كان محكوما عليه كقوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا.. الاية " " والسارق والسارقة فاقطعوا.. " " فاقتلوا المشركين.. " ونحوه، فانه حقيقة مطلقا سواء كان للحال ام لم يكن، وهو المنقول عن شيخنا الشهيد الثاني في تمهيد القواعد. وقيل: انه إذا كان اتصاف الذات بالمبدأ اكثريا بحيث يكون عدم الاتصاف

[ 123 ]

بالمبدأ في جنب الاتصاف مضمحلا ولم يكن الذات معرضا عن المبدأ وراغبا عنه سواء كان المشتق محكوما عليه أو محكوما به وسواء طرأ الضد أم لا، فالاطلاق حقيقة، لانهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من دون نصب قرينة، كالكاتب والخياط والمعلم والمتعلم ونحوها ولو كان المحل متصفا بالضد الوجودي كالنوم ونحوه، وصرح به بعض اصحابنا المحققين من متأخري المتأخرين. وقيل بتخصيص محل النزاع بما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودي ينافي الاول، إذ لو طرأ من الموجودات ما ينافيه أو يضاده فانه يكون مجازا اتفاقا، وهو منقول عن الفخري في المحصول، نقله عنه في كتاب القواعد، وانكر شيخنا البهائي (ره) في حواشي الزبدة نسبة هذا القول إلى المحصول، قال: " فانا لم نجده فيه " وشيخنا أبو الحسن (ره) نقله في حواشي المدارك عن التبريزي في التنقيح اختصار المحصول، قال: " وربما كان في المحصول إشعار به ومن ثم نسبه الاشنوي في التمهيد والشهيد الثاني في تميهده إليه ". انتهى. وقيل بتخصيص محل النزاع بما قصد به الحدوث من المشتقات لا الدوام. ونقل ذلك عن المحقق التفتازاني في مقام الجواب عن الاستدلال على عدم الاشتراط بصدق المؤمن على النائم والغافل، والمفهوم من كلامنه على ما نقله عنه بعض الافاضل تقييد محل النزاع بكل ما قصد الحدوث وعدم طرو الضد الوجودي، حيث قال: " والتحقيق ان النزاع في اسم الفاعل الذي بمعنى الحدوث لا في المؤمن والكافر والنائم واليقظان والحلو والحامض والحر والعبد ونحو ذلك مما يعتبر في بعضه الاتصاف به مع عدم طريان المنافي وفي بعضه الاتصاف البتة ". انتهى. والظاهر ان السبب في انتشار هذه الخلاف واتساع دائرة هذا الاختلاف هو وجود بعض الموارد مما يقطع بتوقف الصدق فيها حقيقة على وجود المبدأ وما يحذو

[ 124 ]

حذوه، كالبارد والحار والهابط والصاعد والساكن والمتحرك والحلو والحامض والابيض والاسود والمملوك والموجود والنائم واليقظان، وبعض ما يقطع فيها بالصدق حقيقة مع عدمه، كالمخبر والمتكلم ونحوهما من المصادر السيالة، وبعض مما يشكل فيه ذلك مثل المؤمن والكافر، فانه لو اعتبر في صدقهما حقيقة وجود المبدأ لم يصدقا على من كان نائما أو غافلا، للخلو عن التصديق والانكار الذين هما مناط الايمان والكفر مع ان الاتفاق قائم على الصدق في الحالين المذكورين، ولو اعتبر العدم، صدق المؤمن على من كان كافرا الآن لو كان مؤمنا سابقا، والكافر على من كان بالعكس، ونحو ذلك من الامثلة المندرجة تحت تلك الاقسام، ومن اجل ذلك اختلفت افهامهم وتصادمت اوهامهم وطال نقضهم وإبرامهم، وزيف كل ما اختاره بادلة لا تسلم من المناقشة والايراد، واجاب كل منهم عن ادلة الاخر بما لا يكاد يقي بالمراد، ومن ثم توقف من توقف من اولئك الاقوام واحجم عن الدخول والاقدام. والحق ان البناء لما كان على غير اساس كثر الشك فيه والالتباس، والادلة العقلية لا تكاد تقف في مقام، بل لا تزال قابلة للنقض والابرام، لاختلاف العقول في الاستعداد قوة وضعفا وصفاء الاذهان والافهام، كما لا يخفى على من خاض لجج بحور علم المعقول ورأي ثمة تصادم الافهام والعقول. والاظهر عندي ان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه القواعد الغير المنضبطة والاصول الغير المرتبطة مما لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح النهج والسبيل. (اما الاول) فلدلالة اخبار اهل الذكر (سلام الله عليهم) على وجوب البناء في الاحكام الشرعية على العلم واليقين ومع عدمه فالوقوف على جادة الاحتياط. وقد مر بك شطر منها وقد عرفت من تعدد اقوالهم واختلاف آرائهم في اصل القاعدة

[ 125 ]

لاختلاف افرادها ما يبلغ إلى ثمانية اقوال. و (اما ثانيا) فلان من لاحظ اخبار الخلاء تحت الاشجار المثمرة والاخبار الواردة في احكام الحائض ونحوها، لا يخفى عليه مدافعتها لهذه القاعدة. ومن اراد تحقيق المقام حسبما يرام وظهور ما اجملناه هنا من الكلام فليرجع إلى كتابنا الدرر النجفية، فانه قد اشتمل على ذلك واحاط بما هنالك. المقدمة العاشرة في بيان حجية الدليل العقلي وعدمها قد اشتهر بين اكثر اصحابنا (رضوان الله عليهم) الاعتماد على الادلة العقلية في الاصول والفروع وترجيحها على الادلة النقلية، ولذا تراهم في الاصولين اصول الدين واصول الفقه متى تعارض الدليل العقلي والسمعي قدموا الاول واعتمدوا عليه وتأولوا الثاني بما يرجع إليه وإلا طرحوه بالكلية، وفي كتبهم الاستدلالية في الفروع الفقهية أول ما يبدأون في الاستدلال بالدليل العقلي ثم ينقلون الدليل السمعي مؤيدا له، ومن ثم قدم اكثرهم العمل بالبراءة الاصلية والاستصحاب ونحوهما من الادلة العقلية على الاخبار الضعيفة باصطلاحهم بل الموثقة. قال المحقق (رضوان الله عليه) في بعض مصنفاته في مسألة جواز ازالة الخبث بالمائع وعدمه، حيث ان السيد المرتضى (رضى الله عنه) اختار الطهارة من الخبث به ونسب ذلك إلى مذهبنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه ما صورته: " اما علم الهدى فانه ذكر في الخلاف انه إنما أضاف ذلك إلى المذهب لان من اصلنا العمل بدليل العقل ما لم يثبت الناقل، وليس في الادلة النقلية ما يمنع من استعمال المائعات في الازالة ولا ما يوجبها، ونحن نعلم انه لا فرق بين الماء والخل في الازالة بل ربما كان غير الماء

[ 126 ]

أبلغ، فحكمنا حينئذ بدليل العقل " ثم قال المحقق (قدس سره) بعد كلام في البين: " أما نحن فقد فرقنا بين الماء والخل فلم يرد علينا ما ذكره علم الهدى ". فانظر إلى موافقته لعلم الهدى فيما نقله عنه من اصالة العمل بدليل العقل في الفروع الشرعية وإنما نازعه في هذا الجزئي وحصول الفرق فيه بين الفردين المذكورين، وستأتيك هذه المسألة في مبحث الماء المضاف ان شاء الله تعالى. وبالجملة، فكلامهم تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى متفق الدلالة على ما نقلنا. ولم أر من رد ذلك وطعن فيه سوى المحدث المدقق السيد نعمة الله الجزائري (طيب الله مرقده) في مواضع من مصنفاته: منها كتاب الانوار النعمانية، وهو كتاب جليل يشهد بسعة دائرته وكثرة اطلاعه على الاخبار وجودة تبحره في العلوم والآثار. حيث قال فيه ونعم ما قال، فانه الحق الذي لا تعترية غياهب الاشكال: " ان اكثر اصحابنا قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي والقياس ومن أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها، وطرحوا ما جاءت به الانبياء (عليهم السلام) حيث لم يأت على وفق عقولهم، حتى نقل ان عيس (على نبينا وآله وعليه السلام) لما دعا افلاطون إلى التصديق بما جاء به اجاب بان عيسى رسول إلى ضعفة العقول، واما انا وامثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى ارسال الانبياء. والحاصل انهم اعتمدوا في شئ من امورهم الا على العقل، فتابعهم بعض اصحابنا وان لم يعترفوا بالمتابعة، فقالوا: انه إذا تعارض الدليل العقلي والنقلي طرحنا النقلي أو تأولناه بما يرجع إلى العقل. ومن هنا تراهم في مسائل الاصول يذهبون إلى اشياء كثيرة قد قامت الدلائل النقلية على خلافها. لوجود ما تخيلوا انه دليل عقلي، كقولهم بنفي الاحباط في العمل تعويلا على ما ذكروه في محله من مقدمات لا تفيد ظنا

[ 127 ]

فضلا عن العلم، وسنذكرها ان شاء الله تعالى في انوار القيامة. مع وجود الدلائل من الكتاب والسنة على ان الاحباط الذي هو الموازنة بين الاعمال واسقاط المتقابلين وابقاء الرجحان حق لا شك فيه ولا ريب يعتريه، ومثل قولهم: ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يحصل له الاسهاء من الله تعالى في صلاة قط، تعويلا على ما قالوه من انه لو جاز السهو عليه في الصلاة لجاز عليه في الاحكام، مع وجود الدلائل الكثيرة من الاحاديث الصحاح والحسان والموثقات والضعفاء والمجاهيل (1) على حصول مثل هذا الاسهاء، وعلل في تلك الروايات بانه رحمة للامة، لئلا يعير الناس بعضهم بعضا بالسهو. وسنحقق هذه المسألة في نور من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى، إلى غير ذلك من مسائل الاصول. واما مسائل الفروع فمدارهم على طرح الدلائل النقلية والقول بما أدت إليه الاستحسانات العقلية، وإذا عملوا بالدلائل النقلية يذكرون أولا الدلائل العقلية ثم يجعلون دليل النقل مؤيدا لها وعاضدا إياها، فيكون المدار والاصل إنما هو العقل. وهذا منظور فيه، لانا نسألهم عن معنى الدليل العقلي الذي جعلوه أصلا في الاصولين والفروع، فنقول: ان اردتم ما كان مقبولا عند عامة العقول، فلا يثبت ولا يبقى لكن دليل عقلي، وذلك كما تحققت ان العقول مختلفة في مراتب الادراك وليس لها حد تقف عنده، فمن ثم ترى كلا من اللاحقين يتكلم على دلائل السابقين وينقضه ويأتي بدلائل اخرى على ما ذهب إليه، ولذلك لا ترى دليلا واحدا مقبولا عند عامة العقلاء والافاضل وان كان المطلوب متحدا، فان جماعة من المحققين قد اعترفوا بانه مل يتم دليل من الدلائل على اثبات الواجب. وذلك ان الدلائل التي ذكروها مبنية على ابطال التسلسل ولم يتم برهان على بطلانه، فإذا لم يتم دليل على هذا المطلب الجليل الذي توجهت إلى الاستدلال عليه كافة الخلائق، فكيف يتم على غيره


(1) روى صاحب الوافى الاحاديث المذكورة في باب - 21 - من الفصل الخامس من كتاب الصلاة، وروى حديثا منها في باب - 29 - من الفصل المذكور.

[ 128 ]

مما توجهت إليه آحاد المحققين ؟ وان كان المراد به ما كان مقبولا بزعم المستدل به واعتقاده، فلا يجوز لنا تكفير الحكماء والزنادقة ولا تفسيق المعتزلة والاشاعرة ولا الطعن على من يذهب إلى مذهب يخالف ما نحن عليه، وذلك ان أهل كل مذهب استندوا في تقوية ذلك المذهب إلى دلائل كثيرة من العقل، وكانت مقبولة في عقولهم معلومة لهم، ولم يعارضها سوى دلائل العقل لاهل القول الآخر أو دلائل النقل، وكلاهما لا يصلح للمعارضة لما قلتم، لان دليل النقل يجب تأويله ودليل العقل لهذا الشخص لا يكون حجة على غيره، لان عنده مثله ويجب عليه العمل بذلك، مع ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) ذهبوا إلى تكفير الفلاسفة ومن يحذو حذوهم وتفسيق اكثر طوائف المسلمين، وما ذاك إلا لانهم لم يقبلوا منهم تلك الدلائل ولم يعدوها من دلائل العقل " انتهى كلامه زيد في الخلد اكرامه. أقول: وقد سبقه إلى هذه المقالة الامام الرازي، حيث قال: " هذه الاشياء المسماة بالبراهين لو كانت في انفسها براهين لكان كل من سمعها ووقف عليها وجب ان يقبلها وان لا ينكرها أصلا، وحيث نرى ان الذي يسميه أحد الخصمين برهانا فان الخصم الثاني يسمعه ويعرفه ولا يفيد له ظنا ضعيفا، علمنا ان هذه الاشياء ليست في انفسها براهين، بل هي مقدمات ضعيفة انضافت إلى العصبية والمحبة إليها فتخيل بعضهم كونها برهانا مع ان الامر في نفسه ليس كذلك. وايضا فالمشبه يحتج على القول بالتشبيه بحجة وبزعم ان تلك الحجة افادته الجزم واليقين، فاما ان يقال: ان كل واحدة من هاتين الحجتين صحيحة يقينية فحينئذ يلزم صدق النقيضين وهو باطل، واما ان يقال: إحداهما صحيحة والاخرى فاسدة إلا انه متى كان الامر كذلك كانت مقدمة واحدة من مقدمات تلك الحجة باطلة في نفسها. مع ان الذي تمسك بتلك الحجة جزم بصحة تلك المقدمة ابتداء. فهذا يدل على ان العقل يجزم بصحة الفاسد جزما ابتداء،

[ 129 ]

فإذا كان كذلك كان العقل غير مقبول القول في البديهات، وإذا كان كذلك فحينئذ تفسد جيمع الدلائل. فان قالوا: العقل إنما جزم بصحة ذلك الفاسد لشبهة متقدمة، فنقول: قد حصل في تلك الشبهة المتقدمة مقدمة فاسدة، فان كان ذلك لشبهة اخرى لزم التسلسل، وان كان ابتداء فقد توجه الطعن. وايضا فانا نرى الدلائل القوية في بعض المسائل العقلية متعارضة، مثل مسألة الجوهر الفرد، فانا نقول: كل متحيز فان يمينه غير يساره، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، ينتج ان كل متحيز منقسم، ثم نقول: الآن لم يكن حاضرا بل بعضه، وإذا كان غير منقسم كان أول عدمه في آن آخر متصل بآن وجوده، فلزم تتالي الآنات، ويلزم منه كون الجسم مركبا من اجزاء لا تتجزأ. فهذان الدليلان متعارضان ولا نعمل جوابا شافيا عن أحدهما، ونعلم أن أحد الكلامين مشتمل على مقدمة باطلة وقد جزم العقل بصحتها ابتداء، فصار العقل مطعونا فيه " ثم أخذ في تفصيل هذه الوجوه بكلام طويل الذيل. (فان قلت): فعلى ما ذكر من عدم الاعتماد على الدليل العقلي يلزم ان لا يكون العقل معتبرا بوجه من الوجوه، مع انه قد استفاضت الآيات القرآنية والاخبار المعصومية بالاعتماد على العقل والعمل على ما يرجحه، وانه حجة من حجج الله سبحانه، كقوله تعالى: (ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون) (1) في غير موضع من الكتاب العزيز اي يعملون بمقتضى عقولهم (لآيات لقوم يتفكرون) (2). (لآيات لاولي الالباب) (3).


(1) سورة الرعد. آية 5. سورة النحل. آية 13. سورة الروم. آية 24. (2) سورة الرعد. آية 4. سورة الروم. آية 21. سورة الزمر. آية 44. سورة الجاثية. آية 13. (3) سورة آل عمران. آية 188.

[ 130 ]

(لآيات لاولي النهى) (1). (إنما يتذكر أولوا الالباب) (2). (لذكرى لاولي الالباب) (3). وذم قوما ما لم يعملوا بمقتضى عقولهم فقال سبحانه: (أفلا يعقلون) (4) (واكثرهم لا يعقلون) (5). (ذلك بانهم قوم لا يعقلون) (6). (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (7) إلى غير ذلك من الايات الدالة على مدح العمل بمقتضى العقل وذم عكسه. وفي الحديث عن ابي الحسن (عليه السلام) حين سئل: فما الحجة على الخلق اليوم قال: " فقال (عليه السلام): العقل، يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه " (8) وفي آخر عن الصادق (عليه السلام) قال: " حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل " (9) وفي آخر عن الكاظم (عليه السلام): " يا هشام ان الله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة، واما الباطنة فالعقول " (10).


(1) سورة طه. آية 57. 129. (2) سورة الزمر آية 13. (3) سورة الزمر. آية 23. (4) سورة يس. آية 69. (5) سورة المائدة. آية 103. (6) سورة المائدة. آية 64. (7) سورة محمد. آية 27 (8) هذا من حديث ابى يعقوب البغدادي عن ابى الحسن (عليه السلام) الذى رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل، وهو الحديث - 20 - منه. (9) وهو حديث عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) الذى رواه في الكافي في الكتاب العقل والجهل، وهو الحديث - 22 - منه. (10) هذا من حديث هشام بن الحكم عن ابى الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) الذى رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل، وهو الحديث - 12 - منه.

[ 131 ]

(قلت): لا ريب ان العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه وسراج منير من جهته جل شأنه، وهو موافق للشرع، بل هو شرع من داخل كما ان ذلك شرع من خارجه، لكن ما لم تغيره غلبة الاوهام الفاسدة، وتتصرف فيه العصبية أو حب الجاه أو نحوهما من الاغراض الكاسدة، وهو قد يدرك الاشياء قبل ورود الشرع بها فيأتي الشرع مؤيدا له، وقد لا يدركها قبله ويخفى عليه الوجه فيها فياتي الشرع كاشفا له ومبينا، وغاية ما تدل عليه هذه الادلة مدح العقل الفطري الصحيح الخالي من شوائب الاوهام العاري من كدورات العصبية، وانه بهذا المعنى حجة إلهية، لاداركه بصفاء نورانيته وأصل فطرته بعض الامور التكليفية، وقبوله لما يجهل منها متى ورد عليه الشرع بها، وهو أعم من أن يكون بادراكه ذلك أولا أو قبوله لها ثانيا كما عرفت. ولا ريب ان الاحكام الفقهية من عبادات وغيرها كلها توقيفية تحتاج إلى السماع من حافظ الشريعة، ولهذا قد استفاضت الاخبار كما قد مر بك الاشارة إلى شطر منها في المقدمة الثالثة (1) بالنهي عن القول في الاحكام الشرعية بغير سماع منهم (عليهم السلام) وعلم صادر عنهم (صلوات الله عليهم) ووجوب التوقف والاحتياط مع عدم تيسر طريق العلم ووجوب الرد إليهم في جملة منها، وما ذاك إلا لقصور العقل المذكور عن الاطلاق على اغوارها واحجامه عن التلجج في لجج بحارها، بل لو تم للعقل الاستقلال بذلك لبطل ارسال الرسل وانزال الكتب، ومن ثم تواترت الاخبار ناعية على اصحاب القياس بذلك. ومن الاخبار المؤكدة لما ذكرنا رواية ابي حمزة عن ابي عبد جعفر (عليه السلام)


(1) في الصحيفة 27 و 28 و 29 و 30.

[ 132 ]

في حديث طويل، قال: " ان الله لم يكل امره إلى خلقه لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، ولكنه أرسل رسولا من ملائكته فقال له: قل: كذا وكذا، فامرهم بما يجب ونهاهم عما يكره.. الحديث " (1). و (منها) رواية ابي بصير، قال: " قلت: ترد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنته فننظر فيها. فقال: لا، اما انك ان اصبت لم تؤجر وان أخطأت كذبت على الله " (1). و (منها) حديث يونس عن ابي الحسن (عليه السلام)، قال: " من نظر برأيه هلك ومن ترك أهل بيت نبيه ضل " (1). وفي حديث آخر عن امير المؤمنين (عليه السلام): " ان المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن اتاه من ربه فاخذ به " (1). وفي آخر لما قال السائل له (عليه السلام). ما رأيك في كذا ؟ قال (عليه السلام): " وأي محل للرأي هنا ؟ انا إذا قلنا حدثنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرائيل عن الله " (2) إلى غير ذلك من الاخبار المتواترة معنى الدالة على كون الشريعة توقيفية لا مدخل للعقل في استنباط شئ من احكامها بوجه. نعم عليه القبول والانقياد والتسليم لما يراد، وهو أحد فردي ما دلت عليه تلك الادلة التي اوردها المعترض، إلا انه يبقى الكلام بالنسبة إلى ما يتوقف على التوقيف. فنقول: ان كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيا ظاهر البداهة كقولهم: الواحد نصف الاثنين، فلا ريب في صحة العمل به، والا فان لم يعارضه دليل عقلي


(1) رواه صاحب الوسائل في باب - 6 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (2) روى (صاحب البحار) الاخبار المتضمنة لما اشتمل عليه هذا الخبر في باب - 23 - من ابواب كتاب العلم في الصحيفة 172 من الجزء الثاني المطبوع بمطبعة الحيدري بطهران.

[ 133 ]

ولا نقلي فكذلك، وان عارضه دليل عقلي آخر، فان تأيد أحدهما بنقلي كان الترجيح للمؤيد بالدليل النقلي وإلا فاشكال، وان عارضه دليل نقلي، فان تأيد ذلك العقلي ايضا بنقلي كان الترجيح للعقلي إلا ان هذا في الحقيقة تعارض في النقليات، والا فالترجيح للنقلي وفاقا للسيد المحدث المتقدم ذكره وخلافا للاكثر، هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق، اما لو اريد به المعنى الاخص وهو الفطري الخالي من شوائب الاوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وان شذ وجوده بين الانام ففي ترجيح النقلي على إشكال، والله العالم. المقدمة الحادية عشرة في جملة من القواعد الشرعية والضوابط المرعية التي تبتني على جملة من الاحكام الفقهية، مما يستفاد من الكتاب العزيز والسنة النبوية على الصادع بها أشرف سلام وتحة، وهي المشار إليها في كلامهم (عليه السلام) بالاصول على ما نقله ابن ادريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي مما رواه عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله: (عليه السلام): قال: " انما علينا ان نلقى اليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا " (1) وروى عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) بلا واسطة: قال: " علينا القاء الاصول وعليكم التفريع " (1). ولا يخفى ما في الخبرين المذكورين من حيث تقديم الظرف المؤذن بحصر ذلك فيهم، من الدلالة على بطلان الاصول الخارجة من غيرهم، بمعنى حصر إلقاء الاصول فيهم (عليهم السلام) فكأنه قال: تأصيل الاصول الشرعية للاحكام علينا لا عليكم


(1) ورواه صاحب الوسائل في آخر باب - 6 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

[ 134 ]

وإنما عليكم التفريع عليها، فكل أصل لم يوجد له مستند ولا دليل من كلامهم (عليهم السلام) فهو بمقتضى الخبرين المذكورين مما لا يجوز الاعتماد عليه ولا الركون إليه. فلنورد ههنا جملة مما جرى في الخاطر الفاتر، ونذيل ما يحتاج إلى البحث والتحقيق بما هو جدير به وحقيق على جهة الايجاز والاختصار من غير تطويل ولا اكثار، وان سمحت الاقضية والاقدار بالتوفيق ونامت عيون الدهر الغدار عن التعويق، ابرزنا لهذه الاصول رسالة شافية واودعناها ابحاثا بحقها وافية. فمن تلك الاصول طهارة كل ما لم تعلم نجاسته حتى تعلم النجاسة. ويدل على ذلك قول الصادق (عليه السلام) في موثقة عمار: " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر " (1) وقول امير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (2): " لا ابالي أبول اصابني أم ماء إذا لم اعلم " ويدل على ذلك أخبار عديدة في جزئيات المسائل، واصل الحكم المذكور مما لا خلاف فيه ولا شبهة تعترية وانما الخلاف في مواضع: (الاول) في عموم هذا الحكم للجهل بالحكم الشرعي وعدمه، وتوضيح ذلك ان لا خلاف في العمل بهذ الحكم على عمومه بالنسبة إلى الجهل بملاقاة النجاسة وان كان مع ظن الملاقاة، بمعنى انه لو شك أو ظن الملاقاة فالواجب البناء على اصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة، وكذا لا خلاف في ذلك بالنسبة إلى الشك أو الظن بنجاسة شئ له افراد متعددة غير محصورة، بعضها معلوم الطهارة وبعضها معلوم النجاسة وقد اشتبه بعضها ببعض، كالبول الذي منه طاهر ومنه نجس والدم ونحوههما، فالجهل هنا ليس


(1) تقدم الكلام في هذه الموثقة في التعليقة (1) في الصحيفة (42). (2) في باب (ما ينجس الثوب والبدن) من الجزء الاول، ورواه صاحب الوسائل في باب - 37 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة.

[ 135 ]

في الحكم الشرعي، إذ هو معلوم في تلك الافراد في حد ذاتها، وإنما الجهل في موضوعه ومتعلقه وهو ذلك الفرد المشكوك في اندراجه تحت أحد الطرفين. أما بالنسبة إلى الجهل بالحكم الشرعي كالجهل بحكم نطفة الغنم هل هي نجسة أو طاهرة ؟ فهل يحكم بطهارتها بالخبر المذكور (1) أم لا ؟ قولان، وبالثاني صرح المحدث الامين الاسترابادي في كتاب الفوائد المدنية، وبالاول صرح جملة من متأخري المتأخرين. وانت خبير بان القدر المتيقن فهمه من الخبر المذكور (1) هو ما وقع الاتفاق عليه، إذ الظاهر والله سبحانه وقائله أعلم ان المراد من هذا الخبر وامثاله إنما هو دفع الوساوس الشيطانية والشكوك النفسانية بالنسبهة إلى الجهل بملاقاة النجاسة، وبيان سعة الحنيفية السمحة السهلة بالنسبة إلى اشتباه بعض الافراد الغير المحصورة ببعض، فيحكم بطهارة الجميع حتى يعلم الفرد النجس بعينه، واما اجراء ذلك في الجهل بالحكم الشرعي فلا يخلو من الاشكال المانع من الجرأة على الحكم به في هذا المجال. وما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين من ان الجهل بوصول النجاسة يستلزم الجهل بالحكم الشرعي، قال: " فان المسلم إذا أعار ثوبه الذمي وهو يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ثم رده عليه، فهو جاهل بان مثل هذا الثوب الذي هو مظنة النجاسة هل هو مما يجب التنزه عنه في الصلاة وغيرها مما يشترط فيه الطهارة اولا ؟ فهو جاهل بالحكم الشرعي مع انه (عليه السلام) قرر في الجواب قاعدة كلية بانه ما لم تعلم نجاسته فهو طاهر " مردود بان الجهل بالحكم الشرعي في المثال المذكور ونحوه تابع للجهل بوصول النجاسة، ولما دل الخبر المذكور (1) وغيره على البناء على اصالة الطهارة وعدم الالتفات إلى احتمال ملاقاة النجاسة أو ظنها باعارة الثوب مثلا. علم منه قطعا جواز الصلاة فيه تحقيقا للتبعية، ومحل الاشكال والنزاع أنما هو الدلالة على الحكم الشرعي ابتداء كما لا يخفى.


(1) وهو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

[ 136 ]

(الثاني) ان ظاهر الخبر المذكور (1) انه لا تثبت النجاسة للاشياء ولا تتصف بها الا بالنظر إلى علم المكلف، لقوله (عليه السلام): " فإذا علمت فقد قذر " (1) بمعنى انه ليس التنجيس عبارة عما لاقته عين النجاسة واقعا خاصة بل ما كان كذلك وعلم به المكلف، وكذلك ثبوت النجاسة لشئ إنما هو عبارة عن حكم الشرع بانه نجس وعلم المكلف بذلك، وهو خلاف ما عليه جمهور اصحابنا (رضوان الله عليهم) فانهم حكموا بان النجس إنما هو عبارة عما لاقته النجاسة واقعا وان لم يعلم به المكلف، وفرعوا عليه بطلان صلاة المصلي في النجاسة جاهلا وان سقط الخطاب عنه ظاهرا كما نقله عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية. وانت خبير بما فيه من العسر والحرج ومخالفة ظواهر الاخبار الواردة عن العترة الابرار. (اما اولا) فلان المعهود من الشارع عدم اناطة الاحكام بالواقع ونفس الامر، لاستلزامه التكليف بما لا يطاق، وحينئذ فالمكلف إذا صلى في ثوب طاهر في علمه. والطاهر شرعا إنما هو ما لم يعلم المكلف بنجاسته لا ما علم بعدمها، فما الموجب لبطلان صلاته بعد امتثاله للامر الذي هو مناط الصحة ومعيارها ؟ و (اما ثانيا) فلما اورده شيخنا الشهيد الثاني عليهم في الكتاب المشار إليه حيث قال بعد نقل ذلك عنهم: " ولا يخفى ما فيه من البلوى، فان ذلك يكاد يوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة، لكثرة النجاسات في نفس الامر وان لم حكم الشارع ظاهرا بفسادها، فعلى هذا لا يستحق عليها ثواب الصلاة وان استحق اجر الذاكر المطيع بحركاته وسكناته ان لم يتفضل الله تعالى بجوده ". انتهى. و (اما ثالثا) فلمخالفته ظواهر الاخبار ومنها الخبر المذكور (1).


(1) وهو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

[ 137 ]

و (منها) رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي ؟ قال: لا يؤذنه حتى ينصرف ". ورواية عبد الله بن بكير المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا يصلي فيه وهو لا يصلي فيه ؟ قال: لا يعلمه. قلت: فان اعلمه ؟ قال: يعيد ". وحينئذ فلو كان الامر كما يدعونه من كون وصف النجاسة انما هو باعتبار الواقع ونفس الامر، وان صلاة المصلي والحال كذلك باطلة واقعا. فكيف يحسن من الامام (عليه السلام) المنع من الايذان والاخبار بالنجاسة في الصلاة كما في خبر محمد بن مسلم أو قبلها كما في خبر ابن بكير ؟ وهل هو بناء على ما ذكروا إلا من قبيل التقرير له على تلك الصلاة الباطلة والمعاونة على الباطل ؟ ولا ريب في بطلانه. وسيأتي مزيد تحقيق لهذه المسألة في محلها (3) ان شاء الله تعالى. (الثالث) انه لا خلاف في انه مع الحكم باصالة الطهارة فلا يجوز الخروج عنها إلا بالعلم بالنجاسة، لكن العلم المذكور هل هو عبارة عن القطع واليقين. أو عبارة عما هو اعم من اليقين والظن مطلقا فيشملهما معا. أو اليقين والظن المستند إلى سبب شرعي ؟ اقوال، اولها منقول عن ابن البراج وثانيهما عن ابي الصلاح،


(1) المروية في الوسائل في باب - 40 - و - 47 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (2) في الصحيفة 103 السطر 11 من المطبوع بالنجف سنة 1369، وفى الوسائل في باب - 47 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة، إلا ان الرواية فيهما هكذا: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه. الخ (3) وقد اوردناها في المسألة السابعة من المطلب الرابع في احكام الوضوء (منه رحمه الله).

[ 138 ]

وثالثها عن العلامة في المنتهى والتذكرة. احتج الاول بان الطهارة معلومة بالاصل، وشهادة الشاهدين لا تفيد إلا الظن فلا يترك لاجله المعلوم. واحتج الثاني بان الشرعيات كلها ظنية، فان العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل. ومن هذين الاحتجاجين يعلم وجه القول الثالث. ويرد على الاول (اولا) ان اشتراط اليقين ان كان مخصوصا بحكم النجاسة دون ما عداها من حكم الطهارة والحلية والحرمة فهو تحكم محض، وان كان الحكم في الجميع واحدا فيقين الطهارة ليس إلا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة، وهو أعم من العلم بالعدم، ومثله يقين الحلية. و (ثانيا) انه قد ورد في الاخبار كما ستأتيك ان شاء الله تعالى (1) ان مما ينتقل به عن يقين الحلية شهادة الشاهدين بالحرمة، وان العلم المعتبر ثمة يحصل بذلك. ومن الظاهر البين ان الحكم في الجميع من باب واحد. و (ثالثا) ان الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في انه لو كان الماء مبيعا فادعى المشتري فيه العيب بكونه نجسا وأقام شاهدين عدلين بذلك. فانه يتسلط على الرد، وما ذاك إلا لثبوت النجاسة والحكم بها. ويتوجه على الثاني ان المفهوم من الاخبار انه لا ينتقل عن يقين الطهارة ويقين الحلية إلا بيقين مثله. وان مجرد الظن لا يوجب الخروج عن ذلك. ومما هو صريح في المقام ما ورد في حسنة الحلبي (2) من انه " إذا احتلم الرجل


(1) في الصحيفة 140 السطر 15. (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروية في الوسائل في باب - 16 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة.

[ 139 ]

فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه، وان ظن انه اصابه مني ولم يستقين ولم ير مكانه فلينضحه بالماء " والنضح هنا للاستحباب بلا خلاف. وقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت فان ظننت انه أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلام أر شيئا ثم صليت فرأيته فيه بعد الصلاة ؟ قال: تغسله ولا تعيد. قال: قلت: ولم ذاك ؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس بنبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا " إلى غير ذلك من الاخبار. والتحقيق عندي في هذا المقام بما لا يحوم حوله للناظر المنصف نقض ولا ابرام هو ما أوضحناه في جملة من كتبنا، وملخصه ان كلا من الطهارة والنجاسة والحلية والحرمة ونحوها أحكام شرعية متلقاة من الشارع يجب الوقوف فيها على الاسباب التي عينها لها وناطها بها، وليست امورا عقلية تناط بمجرد الظن العقلي، وحينئذ فكلما وجد سبب من تلك الاسباب وعلم به المكلف رتب عليه مسببه من الحكم باحد تلك الاحكام وكما ان من جملة الاسباب المتلقاة من الشارع ملاقاة النجاسة فيحكم بالنجاسة عندها، كذلك من جملتها اخبار المالك بنجاسة ثوبه وشهادة العدلين بنجاسة شئ، وكذا يأتي ايضا في ثبوت الطهارة والحلية والحرمة بالنسبة إلى الاسباب التي عينت لها، وليس ثبوت النجاسة لشئ واتصافه بها عبارة عن مجرد ملاقاة عين النجاسة له في الواقع ونفس الامر خاصة، حتى انه يقال بالنسبة إلى الجاهل بالملاقاة: ان هذا نجس في الواقع وطاهر بحسب


(1) رواها الشيخ في التهذيب مضمرة في باب (تطهير البدن والثياب من النجاسات) من كتاب الطهارة، ورواها صاحب الوسائل عنه كذلك في باب - 7 و 37 و 41 و 42 و 44 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة بنحو التقطيع، ورواها الصدوق في العلل في باب (علة غسل المنى إذا اصاب الثوب) في الصحيفة 127 مسندة عن ابى جعفر (عليه السلام).

[ 140 ]

الظاهر، بل هو نجس بالنسبة إلى العالم بالملاقاة أو أحد الاسباب المذكورة وطاهر بالنسبة إلى الغير العالم بشئ من ذلك، فان الشارع كما عرفت آنفا (1) لم يجعل الحكم بذلك منوطا بالواقع، وغاية ما يلزم اتصاف شئ بالطهارة والنجاسة باعتبار شخصين، ولا ريب فيه، فان ذلك جار في الحل والحرمة بالنسبة إلى من علم بعدم تذكية اللحم الموضوع في اسواق المسلمين ومن لم يعلم، وحينئذ فلا يقال: ان اخبار العدلين أو المالك لا يفيد إلا الظن، لاحتمال ان لا يكون كذلك واقعا، كيف ؟ وهما من جملة الاسباب التي رتب الشارع الحكم عليها بالنجاسة. وبالجملة فيحث حكم الشارع بقبول شهادة العدلين واخبار المالك في أمثال ذلك فقد حكم بثبوت الحكم بهما، فيصير الحكم حينئذ معلوما من الشارع، ولا معنى للنجس ونحوه كما عرفت (1) - إلا ذلك، وان فرض عدم الملاقاة في الواقع فان الشارع لم يلتفت إليه، ألا ترى انه قد وردت الاخبار بان الاشياء كلها على يقين الطهارة ويقين الحلية حتى يعلم النجس والحرام بعينه، مع ان هذا اليقين كما عرفت (2) ليس إلا عبارة عن عدم علم المكلف بالنجاسة والحرمة، وعدم العلم لا يدل على العدم كما لا يخفى. ومنها حلية ما لم تعلم حرمته. ويدل عليه الاخبار صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ".


(1) في الوضع الثاني المتقدم في الصحيفة 136 (2) في الصحيفة 138 السطر 9. (3) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة، وفى باب (حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 141 ]

وصحيحة ضريس (1) قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين والروم انأكله ؟ فقال: ما علمت انه خلطه الحرام فلا تأكل، وما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام ". وموثقة مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، ومملوك عندك وهو حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، وامرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة ". ورواية عبد الله بن سليمان (3) قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقال: لقد سألتني عن طعام يعجبني، إلى ان قال: قلت: ما تقول في الجبن ؟ فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره: كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " إلى غير ذلك من الاخبار (4). وظاهر هذه الاخبار بل صريح جملة منها اختصاص الحكم المذكور بما فيه افراد بعضها معلوم الحل وبعضها معلوم الحرمة ولم يميز الشارع بينها بعلامة، واشتبه بعضها ببعض


(1) المروية في الوسائل في باب (حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (3) المروية في الوسائل في باب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة من كتاب الاطعمة والاشربة. (4) و (منها) - رواية ابى الجارود المروية في كتاب المحاسن قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت له اخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة ؟ فقال أمن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الارض، فما علمت انه ميتة فلا تأكله، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل.. الحديث " (منه رحمه الله عليه).

[ 142 ]

مع كونها غير محصورة، فالجميع حلال حتى يعرف الحرام بعينه على الخصوص، فمورد الحكم حينئذ هو موضوع الحكم الشرعي دون الحكم الشرعي نفسه، وبهذا التخصيص جزم المحدث الامين الاستربادي. وظاهر جمع ممن قدمنا نقل الخلاف عنهم (1) في القاعدة المتقدمة، اجراء ذلك ايضا في نفس الحكم الشرعي، ومقتضى ذلك انه لو وجد حيوان مجهول مغاير للانواع المعلوم حلها وحرمتها من الحيوانات، فانه يحكم بحله بناء على عموم القاعدة المذكورة، وكذا بطهارته بناء على عموم القاعدة المتقدمة، إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في تمهيد القواعد صرح في مثل ذلك بالطهارة والتحريم محتجا بالاصل فيهما، قال: " اما اصالة الطهارة فظاهر، واما اصالة التحرين فلان المحرم غير منحصر، لكثرته على وجه لا ينضبط " وفيه ما لا يخفى. وانت خبير بان مقتضى العمل باخبار التثليث التي تقدمت الاشارة إليها في بحث البراءة الاصلية (2) التوقف في مثل ذلك، إذ شمول هذه الاخبار التي ذكرناها لمثل ذلك مما يكاد يقطع بعدمه، فانها متشاركة الدلالة تصريحا في بعض وتلويحا في آخر على ان موردها إنما هو موضوع الحكم الشرعي والافراد المعلومة الحكم مع اشتباهها. والله ورسوله واولياؤه (عليهم السلام) اعلم بحقائق الاحكام. ومنها عدم نقض اليقين بالشك، والمراد بالشك ما هو أعلم من الظن كما سلف في القاعدة المتقدمة (3) من دلالة حسنة الحلبي وصحيحة زرارة على ذلك. والاخبار الدالة على هذه القاعدة الشريفة مستفيضة، ومنها الروايتان المشار اليهما.


(1) في المواضع الاول في الصحيفة 134 السطر 13. (2) في الصحيفة 46 السطر 8. (3) في الصحيفة 138 السطر 17 و 19 والصحيفة 139 السطر 3.

[ 143 ]

و (منها) صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: " قلت له الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال يا زراة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء قلت: فان حرك إلى جنبه شئ وهو لا يعلم به ؟ قال: لا، حتى يستيقن انه قد نام حيت يجئ من ذلك امر بين، والا فهو على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين ابدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر " وصحيحة اخرى له ايضا عن أحدهما (عليه السلام) (2) قال: " قلت له من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين ؟ قال يركع ركعتين، إلى ان قال: ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكن ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات ". والعمل بهذه القاعدة الشريفة بالنسبة إلى الشك في حصول الرافع وعدمه مما لا خلاف فيه ولا شك يعتريه. إنما الخلاف في شمولها للشك في فردية بعض الاشياء لذلك الرافع، كما لو حصل الشك في فردية الخارج من غير الموضع الطبيعي للناقض. بمعنى انه هل يكون من جملة نواقض الوضوء أم لا ؟ فهل يدخل تحت هذه القاعدة أم لا ؟ ومرجعه إلى جريانها في نفس احكامه تعالى واختصاصها بموضوعاتها خاصة.


(1) رواها الشيخ في التهذيب مضمرة في باب (الاحداث الموجبة للطهارة) من كتاب الطهارة ورواها صاحب الوسائل عنه في باب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء من كتاب الطهارة كذلك. (2) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في باب - 10 و 11 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.

[ 144 ]

الذي اختاره المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) الثاني، واليه يميل كلام بعض فضلاء متأخري المتأخرين (1)، حيث قال (قدس سره) بعد ايراد صحيحة زرارة المتقدمة (2) الواردة في النوم: " الشك في رفع اليقين على أقسام: (الاول) إذا ثبت ان الشئ الفلاني رافع لحكم لكن وقع الشك في وجود الرافع (الثاني) ان الشئ الفلاني رافع للحكم لكن معناه مجمل، فوقع الشك في كون بعض الاشياء هل هو فرد له أم لا ؟ (الثالث) ان معناه معلوم ليس بمجمل لكن وقع الشك في اتصاف بعض الاشياء به وكونه فردا له لعارض، كتوقفه على اعتبار متعذر أو غير ذلك (الرابع) وقع الشك في كون الشئ الفلاني هل هو رافع للحكم المذكور أم لا ؟ والخبر المذكور إنما يدل على النهي عن النقض بالشك، وإنما يعقل ذلك في الصورة الاولى من تلك الصور الاربع دون غيرها من الصور، لان في غيرها من الصور لو نقض الحكم بوجود الامر الذي شك في كونه رافعا لم يكن النقض باالشك، بل إنما حصل النقض باليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا، وباليقين بوجود ما يشك في استمرار الحكم معه لا بالشك، فان الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل ولم يكن بسببه نقض، وإنما حصل النقض حين اليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا للحكم بسببه، لان الشئ إنما يستند إلى العلة التامة أو الجزء الاخير منها، فلا يكون في تلك الصور نقض للحكم اليقيني بالشك، وإنما يكون ذلك في صورة خاصة غيرها، فلا عموم في الخبر، ومما يؤيد ذلك ان السابق على هذا الكلام في الرواية والذي جعل هذه الكلام دليلا عليه من قبيل الصورة الاولى، فيمكن حمل المفرد المعرف باللام عليه. إذ لا عموم له بحسب الوضع بل هو موضوع للعهد كما صرح به بعض المحققين من علماء العربية، وانما دلالته على العموم بسبب ان الاجمال


(1) هو الفاضل الخراساني في الذخيرة شرح الارشاد في مبحث الماء المضاف (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 143 السطر 1.

[ 145 ]

في مثل هذه الموضع ينافي الحكمة، وتخصيصه بالبعض ترجيح من غير مرجح وظاهر ان الفساد المذكور إنما يكون حيث ينتفي ما يصلح بسببه الحمل على العهد، وسبق الكلام في بعض انواع الماهية سبب ظاهر لصحة الحمل على العهد من غير لزوم فساد. نعم يتجه ثبوت العموم في جميع افراد النوع المعهود. وليس هذا من قبيل تخصيص العام ببنائه على سبب خاص كما لا يخفى " انتهى كلامه زيد اكرامه. (اقول): ويمكن تطرق المناقشة إلى هذا الكلام، بان يقال: انه لا يخفى على المتأمل بعين التحقيق والاعتبار فيما اوردناه من الاخبار ان عدم نقض اليقين بالشك قاعدة كلية وضابطة جلية لا اختصاص لها بمادة دون مادة ولا فرد دون فرد، وهو الذي اتفقت عليه كلمة الاصحاب كما لا يخفى على من تتبع كلماتهم في هذا الباب. والوجه فيه ان لامي اليقين والشك فيها لام التحلية، وهي وان كانت لا تفيد العموم بحسب الوضع بناء على ما صرح به جمع من علماء الاصول وان اشعر كلام البعض بخلافه، لكنهم اتفقوا انها في المقامات الخطابية للعموم، إذ هو الاوفق بمقتضى الحكمة. وأما ما ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى الرواية التي أوردها من ان اللام ثمة إنما تحمل على العموم مع عدم القرينة، وقرينة العهدية حاصلة بالنسبة إلى الفرد المسؤول عنه. ففيه (اولا) ان ظاهر قوله (عليه السلام) في تلك الرواية: " ولا تنقض اليقين بالشك " إنما هو العموم، فانه (عليه السلام) استدل على ان الوضوء اليقيني لا ينتقض بحدث النوم بقوله: " لا، حتى يستيقن انه قد نام، إلى قوله: وإلا فهو على يقين من وضوئه " ثم اردفه بتلك القاعدة تأكيدا للاستدلال وايذانا بعموم


(1) المذكور في الصحيفة 143 السطر 1.

[ 146 ]

الحكم في جميع الاحوال، ولو كان مراده بها إنما هو عدم نقض الوضوء بالنوم على تلك الحال لكان اعادة للاول بعينه، وهو خارج عن قانون الاستدلال. و (ثانيا) ما ذكرنا من دلالة غير هذه الرواية صريحا على كون ذلك قاعدة كلية كصحيحة زرارة الاخيرة (1) فانها كما ترى صريحة الدلالة واضحة المقالة على المراد غير قابلة للتأويل والايراد، وحينئذ فللقائل أن يقول: ان الشك الذي لا ينتقض به اليقين أعم من أن يكون شكا في وجود الناقض أو شكا باحد المعاني الثلاثة الاخيرة فانها ترجع بالاخرة إلى الشك في وجود الناقض، إذ متى شك في كون هذا الفرد من افراد ذلك الكلي المتيقن نقضه، فقد شك في وجود الكلي في ضمنه. وقوله: " ان الناقض في هذه الصور إنما هو اليقين " ممنوع، بل الشك الحاصل في ضمن اليقين بوجود ذلك الفرد المشكوك في فرديته أو المشكوك في اتصافه بالعنوان أو في رفعه. وقوله: " ان الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل " ان اراد به حصوله واقعا فممنوع ولكن لا يترتب عليه حكم، وان أراد بحسب الوجود فممنوع، إذ هو لا يحصل إلا في ضمن وجود ما يشك في كونه فردا للناقض أو نحو ذلك من الاقسام الباقية. هذا ما يقتضيه النظر في المقام إلا أن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط مما ينبغي المحافظة عليه على كل حال. ومنها ان كل ذي عمل مؤتمن في عمله ما لم يظهر خلافه ويدل على ذلك جملة من الاخبار المتفرقة في جزئيات المسائل. ففي صحيحة الفضلاء (2) " انهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحم من الاسواق ولا يدرون ما صنع القصابون. قال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه "،


(1) المتقدمة في الصحيفة 143 السطر 7. (2) المروية في الوسائل في باب - 29 - من ابواب الذبائح من كتاب الصيد والذبائح.

[ 147 ]

وفي رواية سماعة (1) قال: " سألته عن اكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكميخت والغراء ؟ فقال: لا بأس ما لم تعلم انه ميتة ". وفي صحيحة ابراهيم بن ابي محمود (2) انه قال للرضا (عليه السلام): " الخياط والقصار يكون يهوديا أو نصرانيا، وانت تعلم ان يبول ولا يتوضأ، ما تقول في عمله ؟ قال: لا بأس ". ورواية ميسر (3) قال: " قلت لابي عبد الله: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فاصلي فيه فإذا هو يابس ؟ فقال: اعد صلاتك، اما انك لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ ". وربما توهم من هذا الخبر الدلالة على خلاف المراد. وليس بذاك. وذلك لان ظاهره ان امره (عليه السلام) باعادة الصلاة إنما هو لوجود عين النجاسة لا لكون الجارية ازالتها عن الثوب، حتى لو فرض انها ازالتها عن الثوب ولم يجدها فيه كان يجب عليه غسل الثوب واعادة الصلاة. ومن ذلك ايضا الحديث الدال على ان الحجام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة (4) إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع. وقد نقل المحدث الامين الاسترابادي في كتاب الفوائد المدنية والمحدث


(1) وهى مضمرته التى رواها صاحب الوسائل في باب - 39 - من ابواب الذبائح من كتاب الصيد والذبائح. (2) المروية في الوافى في باب (التطهير من مس الحيوانات) من ابواب الطهارة عن الخبث من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في باب 18 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (4) وهو حديث عبد الاعلى عن ابى عبد الله المروى في الوسائل في باب - 56 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة.

[ 148 ]

السيد نعمة الله (قدس سرهما) عن جملة ممن عاصراهم انهم كانوا لاجل هذه الشبهة يهبون ثيابهم للقصارين أو يبيعونها عليهم، ثم يشترونها منهم، مستندين إلى ان الثوب متيقن النجاسة ولا يرتفع حكم يقين النجاسة إلا بيقين الطهارة أو ما قام مقامه من شهادة العدلين أو إخبار ذي اليد. وفيه زيادة على ما تقدم انه لا ريب ان الحكم المذكور مما تعم به البلوى، فلو كان مضيقا كما زعموا لظهر فيه اثر عنهم (عليهم السلام) وقد ذكر غير واحد من محققي اصحابنا النافين للبراءة الاصلية انها في مثل هذا الموضع مما يعتمد عليها في الاستدلال، وقد تقدمت الاشارة إليه ايضا انفا (1) بل الظاهر من أخبارهم (عليهم السلام) ما يدل على التوسعة كما عرفت. ومنها الحكم بطهارة ما اشتبه بنجس وحلية ما اشتبه بمحرم مع عدم الحصر والتمييز، ونجاسة الجميع أو حرمته إذا كان في محصور. وهذا هو المشهور بين اصحابنا (رضوان الله عليهم). وقيل باجراء حكم الصورة الاولى في الثانية، واليه يشير كلام السيد السند في كتاب المدارك بالنسبة إلى النجاسة والطهارة، صرح بذلك في مسألة الاناءين ومسألة طهارة ما يسجد عليه كما سيأتي كل منهما في محله ان شاء الله تعالى. ولا يخفى ان ذلك لازم له في مسألة الحلال والحرام المشتبة احدهما بالآخر وان لم نقف له على كلام فيه الا ان المسألتين من باب واحد. وكذا كلام المحدث الكاشاني بالنسبة إلى الحل والحرمة، حيث قال في كتاب المفاتيح بانه إذا اختلط الحلال بالحرام فهو له حلال حتى يعرف الحرام بعينه. ولم يفرق بين المحصور وغيره. ويرد على الاول منهما انه وان كان ما صرحنا به من القاعدة المذكورة لم يرد


(1) اشار إلى ذلك الصحيفة 46 السطر 4.

[ 149 ]

بها الاخبار على الوجه المدعى، الا ان المستفاد منها على وجه لا يزاحمه الريب في خصوصيات المسائل التي تصلح للجزئية والاندراج تحت كل من كليتي المحصور وغير المحصور ان الحكم فيها كذلك، ولا يخفى ان القواعد الكلية كما تكون بورود الحكم كليا وباشتمال القضية على سور الكلية، كذلك تحصل بتتبع الجزئيات كما في القواعد النحوية، بل في بعض الاخبار الواردة في هذا المقام تصريح بكلية الحكم ايضا، ولنشر هنا إلى بعض الاخبار اجمالا، لان التفصيل في ذلك والابحاث المتعلقة بما هنالك قد وكلناها إلى مواضعها الآتية إن شاء الله تعالى. فمما يدل على حكم المحصور وانه يحكم بنجاسة الجميع موثقة عمار (1) الواردة في الاناءين النجس أحدهما مع اشتباهه بالآخر، فانها دلت على وجوب اجتنابهما. وحسنة صفوان (2) في الثوبين النجس أحدهما مع اشتباهه بالآخر، حيث أمر (عليه السلام) بالصلاة في كل منهما على حدة. والاخبار الدالة على غسل الثوب النجس بعضه مع اشتباهه بالباقي (3). ومما يدل على حكم غير المحصور وانه يحكم بالطهارة في الجميع ما قدمنا في القاعدة الاولى من موثقة عمار (4) الدالة على ان كل شئ طاهر حتى يعلم انه


(1) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الماء المطلق، وفى باب - 4 - من ابواب التيمم، وفى باب 64 من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في باب - 64 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة (3) المروية في الوسائل في باب - 7 - من ابواب النجاسات والجلود من كتاب الطهارة (4) في الصحيفة 134 السطر 8. وقد تقدم الكلام في هذه الموثقة في التعليقة (1) في الصحيفة 42 ويأتى منه (قده) التصريح بما ذكرناه هناك في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات.

[ 150 ]

قذر كما قدمنا تحقيقه واوسعنا مضيقه، وهي متضمنة للحكم المذكور بوجه كلي كما اشرنا إليه. ويرد ايضا عليه وعلى القائل الآخر الاخبار الدالة على حكم اللحم المختلط ذكية بميتته وانه يباع ممن يستحل الميتة كحسنتي الحلبي (1). ويدل عليه خصوص صحيحة ضريس الكناسي المتقدمة في القاعدة الثانية (2) وكذا رواية عبد الله بن سليمان المذكورة ثمة (3). والاولى منهما متضمنة لحكم المحصور وغير المحصور على وجه كلي ونمط جلي، وهي صريحة الدلالة في الرد على هذين الفاضلين. والثانية قد تضمنت حكم غير المحصور بوجه كلي ايضا. ويؤيده (4) بالنسبة إلى المحصور الذي هو محل النزاع ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) انه " ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال " (5) وما ذكره جملة من اصحابنا من ان اجتناب الحرام واجب، ولا يتم هنا إلا باجتناب الجميع. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومنها الشك في شئ بعد الخروج عنه، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (6): " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله


(1) المرويتين في الوسائل في باب - 35 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) و (3) في الصحيفة 141 السطر 1 و 9. (4) انما جعلنا هذا الخبر مع صراحته في المدعى من المؤيدات لعدم الوقوف على سنده من كتب اصولنا، إنما وقفت عليه في عوالي اللئالى (منه رحمه الله). (5) رواه المجلسي في البحار في باب - 23 - من كتاب العلم في الصحيفة (272) رقم 6 من المطبوع بمطبعة الحيدري بطهران. (6) المروية في الوسائل في باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.

[ 151 ]

(عليه السلام) في موثقة محمد بن مسلم (1): " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " وقوله (عليه السلام) في رواية ابي بصير (2): " كل شئ شك فيه مما قد جازوه ودخل في غيره فليمض عليه " وفى هذه القاعدة الشريفة ابحاث منيفة تأتي ان شاء الله تعالى في احكام الوضوء. ومنها رفع الحرج. لقوله سبحانه: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (3) (يريد الله بكم اليسير ولا يريد بكم العسر) (4). ويدل عليه من الاخبار حسنة عبد الاعلى (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ فقال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (6) امسح عليه ". وفي رواية ابي بصير (7): " في الجنب يدخل يده في التور أو الركوة ؟ قال: ان كانت يده قذره فليهرقه، وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قاله الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (8) وفي صحيحة الفضيل (9)


(1) المروية في الوسائل في باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة. (2) المروية في الوافى في باب (الشك في اجزاء الصلاة) من ابواب الفصل الخامس من كتاب الصلاة. (3) و (6) و (8) سورة الحج آية 78. (4) سورة البقرة. آية 182. (5) المروية في الوسائل في باب - 39 - من ابواب الوضوء من كتاب الطهارة. (7) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (9) المروية في الوسائل في باب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة.

[ 152 ]

" في الجنب يغتسل فينضح الماء من الارض في الاناء ؟ فقال: لا بأس، هذا مما قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (1). ومنها العذر فيما غلب الله عليه، لحسنة حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سمعته يقول في المغمي عليه: ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ". وبمضمونها في حكم المغمى عليه اخبار عديدة (3) وفي بعضها " كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " وزاد في بعض الاخبار المروية في ذلك ايضا من كتاب قرب الاسناد وبصائر الدرجات: " وهذا من الابواب التي يفتح الله منها الف باب " وفى رواية مرازم في المريض الذي لا يقدر على الصلاة (4) " كل ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر ". ومنها الترجيح بالمرجحات المنصوصة عند اختلاف الاخبار. وقد تقدم الكلام عليها مفصلا (5). ومنها الاحتياط في مواضعه على التفصيل المتقدم (6). ومنها معذورية الجاهل على الوجه المتقدم تفصيله (7).


(1) سورة الحج. آية 78. (2) و (3) رواها في الوسائل في باب - 3 - من ابواب قضاء الصلاة من كتاب الصلاة. (4) المروية في الوافى في باب (صلاة المريض والهرم) من ابواب الفصل الخامس من كتاب الصلاة. (5) في المقدمة السادسة في الصحيفة 87. (6) في المقدمة الرابعة في الصحيفة 65. (7) في المقدمة الخامسة في الصحيفة 77.

[ 153 ]

ومنها العمومات القطعية المقررة عن صاحب الشريعة، مثل قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) (1) واخبار " لا ضرر ولا ضرار " (2). ومنع المحدث الامين الاسترابادي في كتاب الفوائد المدنية من الاستدلال بامثال ذلك، لظنية الدلالة، والنهي عن اتباع الظن وهو مع تسليمه إنما يتم فيما لم تكن دلالته محكمة. وأما ما كان كذلك فلا مانع من الاستدلال به. على انه قد استدل في كتابه المذكور بامثال ذلك في غير موضع كما لا يخفى على من راجعه. ومنها اخبار " المؤمنون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله " (3) وفي بعضها " الا ما أحل حراما أو حرم حلالا " واخبار " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (4) " وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام " (5) " والبينة على المدعي واليمين على المنكر " (6) إلا ما استثنى مما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. ومنها في البيض المجهول ان يؤكل منه ما اختلف طرفاه دون ما استويا، لصحيحة زرارة وغيرها (7). وفي الطير ما دف دون ما صف، وما كان دفيفه اكثر. ولو اتي به مذبوحا


(1) سورة المائدة. آية 2. (2) المروية في الوسائل في باب - 5 - من كتاب الشفعة وفى باب - 12 - من كتاب احياء الموات. (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في باب - 6 و 1 و 3 - من ابواب الخيار من كتاب التجارة. (6) المروية في الوسائل في باب - 3 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من كتاب القضاء. (7) المروية في الوسائل في باب - 19 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 154 ]

فيؤكل ما كان له قانصة دون ما لم يكن كذلك، لرواية ابن ابي يعفور وغيرها (1). وفى السمك يؤكل ما كان له فلس دون ما ليس كذلك (2) كما استفاضت به الاخبار (3). ومنها رفع الخطأ والنسيان وما استكره عليه وما لا يطاق وما لا يعلم وما اضطر إليه والحسد والطيرة والوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة، لما رواه الصدوق في الفقيه (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام). والرفع في هذا الموضع اعم من أن يكون برفع الاثم والمؤاخذة كما في بعض الافراد المعدودة، أو رفع الفعل وانتفاء التكليف به كما في البعض الآخر. ومنها العمل بالتقية إذا الجأت الضرورة إليها. والاخبار بذلك اكثر


(1) المروية في الوسائل في باب - 17 و 18 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) ومن لطيف الحكايات في هذا المقام ما رواه الكشى في كتاب الرجال بسنده عن حريز قال: " دخلت على ابى حنيفة وعنده كتب كادت تحول بيننا وبينه، فقال لى: هذه الكتب كلها في الطلاق. قال: قلت: نحن نجمع هذا كله في حرف. قال: ما هو ؟ قلت: قوله تعالى: يا ايها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة. وساق الخبر، إلى ان قال: فقال لي: لاسئلك عن مسألة لا يكون عندك فيها شئ، فما تقول في جمل اخرج من البحر ؟ قلت: ان شاء فليكن جملا وان شاء فليكن بقرة، ان كانت عليه فلوس اكلناه والا فلا.. الحديث " (منه رحمه الله) (3) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطمعة والاشربة. (4) في باب (من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه) من الجزء الاول، وقد تقدم في التعليقة 1 في الصحيفة 44 والتعليقة 2 في الصحيفة 81 ما يتعلق بالحديث المذكور.

[ 155 ]

واشهر من أن يتعرض لنقلها (1) بل ربما كان ذلك من ضروريات المذهب. وفي هذه القاعدة تفصيل حسن سيأتي الكلام عليه ان شاء الله تعالى في احكام الوضوء. ومنها العلم بالبراءة الاصلية في الاحكام التي تعم بها البلوى كما تقدمت الاشارة إلى ذلك (2). والوجه فيها ما ذكره بعض مشايخنا المحدثين من ان المحدث الماهر إذا تتبع الاخبار الواردة حق التتبع في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للاصل لاشتهر لعموم البلوى بها، ولم يظفر بذلك الحكم يحصل له الجزم أو الظن المتاخم للعلم بعدم الحكم، لان جما غفيرا من اصحابهم (عليهم السلام) ومنهم. الاربعة آلاف رجل الذين من اصحاب الصادق (عليه السلام) وتلامذته كانوا ملازمين لهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة، وكان همتهم وهمة الائمة (عليهم السلام) اظهار الدين وترويج الشريعة، وكانوا لحرصهم على ذلك يكتبون كل ما يسمعونه خوفا من عروض النسيان له، وكان الائمة (عليهم السلام) يحثونهم على ذلك، وليس الغرض منه إلا العمل به بعدهم. ففي مثل ذلك يجوز التمسك بالبراءة الاصلية، إذ لو كان ثمة دليل والحال كذلك لظهر. وما اعترض به بعض متأخري المتأخرين من ان ذلك لا يخلو من نوع اشكال لتطرق الضياع والتلف إلى جملة من الاصول فالظاهر سقوطه، لان الظاهر ان التلف إنما عرض لتلك الاصول اخيرا بالاستغناء عنها بهذه الكتب المتداولة، لكونها أحسن منها ترتيبا واظهر تبويبا، وإلا فقد بقي من تلك الاصول إلى عصر السيد رضي الدين ابن طاوس (رضي الله عنه) جملة وافرة، وقد نقل منها في مصنفاته كما نبه عليه، وكذا


(1) رواها صاحب الوسائل في باب - 24 و 25 - من ابواب الامر والنهى من كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وما يلحق به. (2) في الصحيفة 46 السطر 4.

[ 156 ]

ابن ادريس كما ذكره في مستطرفات السرائر، وعد من هذا القبيل وجوب القصد إلى السورة، ووجوب قصد الخروج بالتسليم، ونجاسة أرض الحمام، ونجاسة الغسالة. ومنها البناء في الشك الاخيرتين من الرباعية على الاكثر ما لم يكن مبطلا. وتدل عليه موثقة عمار الساباطي (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شئ من السهو في الصلاة. فقال: ألا اعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت انك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ ؟ قلت: بلى. قال: إذا سهوت فابن على الاكثر، فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت انك نقصت.. الحديث " وفى موثقة اسحاق بن عمار (2) انه قال: " قال لي أبو الحسن (عليه السلام): إذا شككت فابن على اليقين. قال: قلت: هذا اصل ؟ قال: نعم ". واكثر الاصحاب فهموا من هذا الخبر ان المراد به البناء على الاقل، فيكون ذلك قاعدة مخالفة لتلك القاعدة، وقد تكلفوا للجمع بينهما بالتخيير. والاظهر عندي كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى اما حمل اليقين في الخبر المذكور على البناء على الاكثر على ان يكون المراد به يقين البراءة، إذ به يحصل يقين البراءة على الاحتمالين دون البناء على ما تيقن فعله وهو الاقل، لوجوب الاعادة مع ظهور التمام للزيادة، واما حمله على التقية، لكون ذلك مذهب جمهور الجمهور (3) مع اعتضاد القاعدة الاولى بالاخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة في جزئيات الشكوك. ومنها الابهام لما ابهم الله والسكوت عما سكت الله. ويدل عليه ما رواه في كتاب اللئالي عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: ابهموا ما ابهم الله " (4).


(1) و (2) المروية في الوسائل في باب - 8 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة. (3) كما يظهر من المغنى لابن قدامة ج 2 ص 15. ومن المحلى لابن حزم ج 4 ص 170 (4) ورواه المجلسي في البحار في باب - 33 - من ابواب كتاب العلم.

[ 157 ]

وما رواه الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب المجالس بسنده عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الله تعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها. وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وسن لكم سننا فاتبعوها، وحرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها، وعفى لكم عن اشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها " (1). وما رواه في الفقيه من خطبة امير المؤمنين (عليه السلام) وقد مر في آخر بحث البراءة الاصلية (2). ومنها ثبوت العيب بما زاد أو نقص عن أصل الخلقة. ويدل عليه ما رواه في الكافي (3) عن السياري قال: " سأل ابن ابي ليلى محمد ابن مسلم فقال له: اي شئ تروون عن ابي جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعر، أيكون ذلك عيبا ؟ فقال له محمد: اما هذا نصا فلا اعرفه، لكن حدثني أبو جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " كل ما كان في اصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب ". فقال له ابن ابي ليلى: حسبك ". ومنها ان كل شئ يجتر فسؤره حلال ولعابه حلال. للخبر عنه (صلى الله


(1) ورواه المجلسي في البحار في باب - 22 - من كتاب العلم برقم 11 في الصحيفة 263 من الجزء الثاني من المطبوع بمطبعة الحيدري بطهران. (2) في الصحيفة 50 السطر 17. (3) في باب - 95 - من كتاب المعيشة. ورواه صاحب الوسائل في باب - 1 - من ابواب احكام العيوب من كتاب التجارة.

[ 158 ]

عليه وآله) رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه (1) مرسلا ورواه في التهذيب ايضا (2) عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب عن ابائه عنه (صلى الله عليه وآله). ومنها قبول قول من لا منازع له، كما لو ادعى مالا ولا منازع له فيه. وقبول قول المرأة لو ادعت الحيض أو الخروج من العدة أو عدم الزوج أو موته. وهذه القاعدة وان لم ترد الاخبار بها بالعنوان المذكور الا ان اتفاقها فيما وقفنا عليه من جزئيات هذه القاعدة مما يؤذن بكلية الحكم المذكور، كما هو المفهوم ايضا من كلام الاصحاب، ومما يوضح ذلك ان الاخبار الواردة في اثبات الدعاوى بالبينة واليمين لا عموم فيها على وجه يشمل مثل هذه المسألة، إذ موردها إنما هو النزاع بين الخصمين وحصول مدع ومنكر في البين، كما لا يخفى على من أحاط بها خبرا. ومما حضرني من الاخبار في بعض جزئيات هذه القاعدة رواية منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له: عشرة كانوا جلوسا وفي وسطهم كيس فيه الف درهم، فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلهم: لا. وقال واحد منهم: هو لي. فلمن هو ؟ قال: للذي ادعاه ". وحسنة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " العدة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت ".


(1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) من الجزء الاول. (2) في باب (المياه واحكامها) من كتاب الطهارة في الصحيفة 64، ورواه صاحب الوسائل في باب 5 من ابواب الاسئار من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في باب - 17 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من كتاب القضاء. (4) المروية في الوسائل في باب - 47 - من ابواب الحيض من كتاب الطهارة، وفى باب - 24 - من ابواب العدد من كتاب الطلاق.

[ 159 ]

ورواية ميسر (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): القى المرأة في الفلاة التى ليس فيها أحد، فاقول لها: ألك زوج ؟ فتقول: لا. فاتزوجها ؟ قال: نعم هي المصدقة على نفسها ". وفي رواية أبان بن تغلب الواردة في مثل ذلك (2) قال (عليه السلام): " ليس هذا عليك، إنما عليك ان تصدقها في نفسها " ولا يخفى عليك ما في عموم الجواب من الدلالة على قبول قولها فيما يتعلق بها نفسها. واستشكل صاحب الكفاية في قبول قولها في موت الزوج. وجمع من المعاصرين في قبول قولها بعدم الزوج بعد معلوميته سابقا. وهو ضعيف. والاخبار ترده. ومنها: الخبر المذكور، ومنها ايضا: صحيحة حماد ورواية احمد بن محمد بن ابي نصر (3) نعم ربما ظهر من بعض الاخبار التقييد بكونها غير متهمة، إلا ان الاظهر حمله على الاستحباب


(1) المروية في الوسائل في باب - 25 - من ابواب عقد النكاح واولياء العقد من كتاب النكاح، وفى باب - 10 - من ابواب المتعة من كتاب النكاح. (2) المروية في الوسائل في باب 10 - من ابواب المتعة من كتاب النكاح. (3) وهو ما رواه حماد في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في رجل طلق امرأته ثلاثا فبانت منه فاراد مراجعتها، فقال لها: انى اريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيرى فقالت له: انى قد تزوجت زوجا غيرك وحللت لك نفسي. ايصدق قولها ويراجها وكيف يصنع ؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها " ورواية احمد بن محمد ابن ابى نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: " قلت له: الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه ان لها زوجا ؟ قال: ما عليه، أرأيت لو سألها البينة كانت تجد من يشهد ان ليس لها زوج " ولا يخفى عليك ما في الثانية من الصراحة في المراد. والظاهر ان المراد بكونها ثقة في الرواية الاولى اي مما يوثق باخبارها وتسكن النفس إلى كلامها، وهى التى ربما عبر عنها بالمأمونة، لا الوثاقة بمعنى العدالة. ومع ذلك فالظاهر حملها على الاستحباب، لاستفاضة الاخبار بانها مصدقة على نفسها، ومنها: الرواية المنقولة في المتن (منه رحمه الله).

[ 160 ]

الاحوطية جمعا بين الاخبار، لتصريح جملة منها بقبول قولها في مقام التهمة ايضا. والله العالم. تتمة مهمة قد اشتهر في كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) قواعد اخر بنوا عليها الاحكام. مع كون جملة منها مما يخالف ما هو الوارد عنهم (عليهم السلام)، وجملة اخرى مما لم يوجد له مستند في المقام. فمنها قولهم: انه لا يجور تأخير البيان عن وقت الحاجة. مع انه قد استفاضت النصوص عنهم (عليهم السلام) في مواضع منها: في تفسير قوله تعالى: (فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (1) بما يدفع هذه القاعدة، حيث قالوا (صلوات الله عليهم): " ان الله قد فرض عليكم السؤال ولم يفرض علينا الجواب، بل ذلك الينا، ان شئنا اجبنا وان شئنا امسكنا " (2) نعم هذه القاعدة إنما تتجه على مذهب العامة، لعدم التقية في اخبارهم، وقد تبعهم من اصحابنا من تبعهم فيها غفلة. (ولو قيل): انه مع عدم جوابهم (عليهم السلام) يلزم الحرج. (قلنا): انما يلزم ذلك لو لم يكن ثمة مخرج آخر، كيف ؟ وقد تقرر عنهم (عليهم السلام) قاعدة جلية في امثال ذلك. وهو سلوك جادة الاحتياط. كما اسلفنا بيانه واوضحنا برهانه (3). ونقل شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح عن شيخه العلامة الشيخ


(1) سورة النحل. آية 46. سورة الانبياء. آية 8. (2) روى صاحب الوسائل شطرا من الاخبار المتضمنة لهذا المعنى في باب 7 من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (3) في المقدمة الرابعة في ضمن التحقيق الواقع في الصحيفة 68.

[ 161 ]

سليمان البحراني (قدس سرهما) انه كان يقول: " لو ورد علينا في مثل هذه المسألة الف حديث لما عملنا به، لانه معارض لما قام عليه الدليل العقلي والنقلي من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ". وهو كما ترى اجتهاد صرف وتعصب بحت، فان الدليل النقلي المطابق للدليل العقلي الذي هو عبارة عما دل من الاخبار على وجوب بذل العلم، كقوله (عليه السلام): " ان الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم " (1) وما اشتهر من قوله (صلى الله عليه وآله): " من كتم علما الجمه الله بلجام من نار " إلى غير ذلك مخصوص بما رواه ثقة الاسلام في الكافي (2) بسنده إلى عبد الله بن سليمان قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول، وعنده رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الاعمى وهو يقول: ان الحسن البصري يزعم ان الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار. فقال أبو جعفر (عليه السلام): فهلك اذن مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا، فليذهب الحسن يمينا وشمالا فوالله ما يوجد العلم إلا ههنا " ونحوه روى في كتاب بصائر الدرجات ولعل الحسن البصري حيث انه من جملة النصاب ورؤوس ذوي الاذناب - كان يعرض بهم (عليهم السلام) في عدم جوابهم عن بعض الاسئلة كما تدل عليه الاخبار السابقة (3). وفى هذين الخبرين دلالة على جواز تأخير البيان مع التقية حتى بالنسبة إلى غيرهم ايضا، وحينئذ فتلك القاعدة وما يطابقها من الاخبار مخصصة بما ذكرناه من الاخبار. وكأن شيخنا العلامة المشار إليه قصر النظر على عموم الاخبار المتقدمة من حيث


(1) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 3 في الصحيفة 81. (2) في باب النوادر من كتاب فضل العلم وهو الحديث 15 منه. (3) المشار إليها في الصحيفة 160 السطر 6.

[ 162 ]

دلالتها على عدم وجوب الجواب عليهم (عليهم السلام) سواء كان لتقية أم لا، وبذلك تحصل المنافاة للقاعدة المذكورة (1). وبما ذكرنا لك من الخبرين المذكورين (2) تنكشف عن تلك الاخبار غشاوة العموم وتختص بمقام التقية كما لا يخفى. ومنها حمل اللفظ الوارد في اخبارهم (عليهم السلام) على الحقيقة الشرعية ان ثبتت وإلا المعنى العرفي الخاص، ومع عدمه فالمعنى اللغوي وإلا العرفي العام (3) وقد عرفت ما فيه في المقدمة الثامنة. ومنها قولهم: عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي، وبعبارة اخرى، عدم وجود الدليل دليل على العدم. وقد عرفت ما فيه في المقدمة الثالثة في مسألة البراءة الاصلية (4).


(1) بمعنى انه (ره) فهم من الاخبار الدالة على عدم وجوب الجواب عليهم (عليهم السلام) عدم الجواب مطلقا لتقية كان اولا. وبذلك تحصل المنافاة بين تلك الاخبار وبين هذه القاعدة، فلذا رد تلك الاخبار ولم يعمل بها في مقابلة القاعدة المذكورة، ولو انه يخصصها بمقام التقية، بمعنى ان عدم وجوب التعرض عليهم إنما هو من حيث التقية واما مع عدمها فيجب عليهم الجواب، لظهر وجه الجمع بينها وبين القاعدة المذكورة بتخصيص المنع عن جواز تأخير الجواب عن وقت الحاجة بغير وقت التقية. وكذلك الاخبار - التى استند إليها في تأييد القاعدة المذكورة، من وجوب بذل العلم وعدم جواز كتمانه - مخصوصة بغير مقام التقية كما دريته من الخبرين المنقولين. وبالجملة فمن المعلوم ان شرعية التقية مما ينتج جواز تأخير الجواب لهم (عليهم السلام) ولغيرهم وبذلك يرتفع الاشكال. ولكن الظاهر انه لم يخطر ذلك لشيخنا المشار إليه بالبال (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 161 السطر 8 و 13. (3) تعرض له في الصحيفة 121 السطر 3. (4) تعرض له في الوجه الثاني من ووجوه دفع البراءة في الشبهة التحريمية في الصحيفة 45 السطر 3.

[ 163 ]

ومنها قولهم: الجمع بين الدليلين مهما أمكن اولى من طرح أحدهما. وقد تقدم ما فيه في المقدمة السادسة (1). ومنها انه إذا تعارضت الاخبار في وجوب فعل واستحبابه أو تحريم شئ وكراهته، يرجحون جانب الاستحباب أو الكراهة بالبراءة الاصلية. وفيه ما تقدم في المقدمة الرابعة (2). ومنها ما صار إليه جمع من متأخري المتأخرين من حمل أوامر السنة ونواهيها على الاستحباب والكراهة ما لم تقم قرينة الوجوب أو التحريم (3) وقد عرفت ما فيه في المقدمة السابعة. ومنها ما صاروا إليه ايضا من انه متى ورد الحكم في خبر ضعيف باصطلاحهم المتأخر، حملوه على الاستحباب أو الكراهة تفاديا من طرحه. وفيه ان ضعف السند ليس من القرائن الموجبة للحمل على المجاز. ومنها قولهم: انه إذا تعلق الطلب بالماهية الكلية يتحقق الامتثال بفرد منها لان الاصل عدم تعلق الطلب بقيد زائد. وفيه ما افاده بعض مشايخنا المحدثين من ان بعض الماهيات الكلية تحتها افراد تصلح عند العقلاء لان يتعلق غرض ببعضها دون بعض، كحج البيت وغسل الوجه في الوضوء ومسح مخرج الغائط بالاحجار ويستهجن عندهم الاقدام على فرد من افرادها من غير سؤال. وهذا نوع من الاجمال منشأه نفس المعنى لا اللفظ. ومنها انهم جعلوا من جملة وجوه الجمع بين الاخبار بل اظهرها حمل الامر


(1) في الصحيفة 89 سطر 13. (2) في الصحيفة 69 السطر 16. (3) تعرض له في الصحيفة 115 السطر 7.

[ 164 ]

على الاستحباب والنهي على الكراهة، وقد عرفت ما فيه في الموضع السادس (1) من الابحاث المتعلقة باخبار التعارض من المقدمة السادسة. ومنها قولهم: انه لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق. وقد عرفت ما فيه من المقدمة التاسعة (2). ومنها ما ذهب إليه جمع من ان كل عقد اشتمل على شرط فاسد فانه يبطل به أصل العقد. لان المقصود بالعقد هو المجموع. وأصل العقد مجردا عن الشرط غير مقصود فيكون باطلا، لان العقود تابعة للقصود، فما كان مقصودا غير صحيح وما كان صحيحا غير مقصود. وذهب جمع إلى بطلان الشرط خاصة. والاخبار فيها ما يدل على الثاني وفيها ما يدل على الاول، فالواجب حينئذ هو الوقوف على الدليل كيف كان ان وجد، وإلا فالاحتياط. ومما يدل على الثاني صحيحتا محمد بن قيس المتضمنة احداهما (3) اشتراط المرأة في عقد النكاح ان بيدها الجماع والطلاق. والاخرى (4) اشتراط ان يجئ الزوج بالصداق إلى أجل مسمى، وإلا فليس له عليها سبيل. وقد حكم (عليه السلام) فيها بصحة العقد وابطل الشرط. ومرسلة جميل بن دراج (5) " في الرجل يشتري الجارية ويشترط لاهلها ان لا يبيع ولا يهب ولا يورث ؟ قال (عليه السلام): يفي بذلك إذا شرط لهم إلا الميراث ".


(1) في الصحيفة 108 السطر 20. (2) في الصحيفة 121. (3) المروية في الوسائل في باب - 29 - من ابواب المهور من كتاب النكاح. (4) المروية في الوسائل في باب - 10 - من ابواب المهور من كتاب النكاح. (5) المروية في الوسائل في باب - 15 - من ابواب بيع الحيوان من كتاب التجارة.

[ 165 ]

وحسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) الواردة في بريرة وانها كانت مملوكة لقوم فباعوها على عائشة واشترطوا ان لهم ولاءها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الولاء لمن اعتق " (2). وبذلك يظهر لك ما في كلام السيد السند صاحب المدارك (قدس سره) في شرح المختصر في مسألة ما لو شرط في عقد النكاح ما يخالف المشروع، حيث اختار العمل بالقاعدة المتقدم نقلها (3) للعلة التي تقدم ذكرها (4) وقال بعد نقل صحيحتي محمد بن قيس المشار اليهما (5) وكلام في المقام ما صورته: " لكن مرجع الروايتين إلى رواية واحدة وهو خبر محمد بن قيس. وفي صلاحيته بمجرده لاثبات الحكم نظر، ولو ثبت العمل به لوجب قصر الحكم بالصحة على مورد الرواية، والحكم في غيره بالبطلان، لما ذكر من الدليل " انتهى. فان فيه كما عرفت ان الحكم بالصحة ليس مقصورا على صحيحتي محمد بن قيس (6) اللتين قد تمحل بارجاعهما إلى خبر واحد. بل غيرهما من الاخبار ايضا دال عليه كما دريت. ومما يدل على الاول مرسلة مروان بن مسلم عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله


(1) المروية في الوسائل في باب - 37 - من ابواب كتاب العتق. (2) ومن ذلك ما رواه الكليني عن الوشا عن الرضا (عليه السلام) قال: " سمعته يقول: لو ان رجلا تزوج امرأته وجعل مهرها عشرين الفا وجعل لابيها عشرة آلاف، كان المهر جايزا والذى جعله لابيها فاسدا " قال السيد السند في شرح المختصر بعد ذكر هذا الخبر: ويستفاد من هذه الرواية عدم فساد العقد باشتماه على هذا الشرط الفاسدة. انتهى وفيه رد على ما ذكره في الموضع المشار إليه في الاصل ومؤيد لما قلناه (منه رحمه الله). (3) وهى قاعدة فساد العقد بفساد الشرط. (4) في الصحيفة 164 السطر 6. (5) و (6) في الصحيفة 164 السطر 11.

[ 166 ]

(عليه السلام) (1) قال: " قلت: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها ؟ قال: فقال: ولى الامر من ليس أهله وخالف السنة ولم يجز النكاح " ولا تخلو من اجمال في الدلالة كما سيأتي التنبيه عليه في محله ان شاء الله تعالى. ومنها ما ذهب إليه جملة منهم من أن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده الخاص. وقد مرت الاشارة إلى ما فيه في المقدمة الثالثة (2) ومثله القول في مقدمة الواجب (3) إلى غير ذلك من القواعد التي تضمنها كتاب القواعد لشيخنا الشهيد وكتاب تمهيد القواعد لشيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقديهما) وما ذكرناه من القسمين انما هو انموذج يتذكر به اللبيب ويحذو حذوه الموفق المصيب، ولئلا يجمد على مجرد التقليد لظاهر المشهورات وان زخرف بضم الاجماع في العبارات، وإلا فالقواعد من الجانبين اكثر من ان يأتي عليها قلم الاحصاء في البين.


(1) رواها صاحب الوافى في باب (الشرط في النكاح وما يجوز وما لا يجوز) من الجزء الثاني عشر. (2) في الصحيفة 59 السطر 16. (3) ومما يدخل في حيز هذا الباب ما ذكره جملة منهم من التوقف في الحكم ولفتوى على وجود القائل وان وجد النص الدال على ذلك. وفيه ما اورده بعض مشايخنا المحدثين من انه (اولا) يلزم التسلسل. و (ثانيا) انه يكون قول المعصوم اقل درجة من قول سائر المجتهدين. و (اقول): لا يخفى على من تأمل كلام المتأخرين انتشار اقوالهم في المسائل الشرعية مع ان كلام المتقدمين سيما على عصر الشيخ اقل قليل في الفتاوى، حيث انه لم تعرف لهم كتب فتاوى يعمل عليها ويستند إليها، وفتاوى الشيخ ومن عاصره لم تبلغ في الكثرة والانتشار إلى ما صاروا إليه في هذه الاعصار، فقد خالفوا قاعدتهم من حيث لا يشعرون (منه رحمه الله).

[ 167 ]

المقدمة الثانية عشرة وبها نختتم ما أردنا إيراده من المقدمات وقصدنا احرازه من المتممات، تيمنا بهذا العدد الشريف وتبركا بهذا العقد المنيف. في الاشارة إلى نبذة من الكلام في احوال المجتهدين من اصحابنا والاخباريين. اعلم انه قد كثرت الاسئلة من جملة من الطلبة عن الفرق بين المجتهد والاخباري واكثر المسئولون من وجوه الفروق، حتى انهاها شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله ابن صالح البحراني (نور الله مرقده) في كتاب منية الممارسين في اجوبة مسائل الشيخ ياسين إلى ثلاثة واربعين. وقد كنت في أول الامر ممن ينتصر لمذهب الاخباريين، وقد اكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين، واودعت كتابي الموسوم بالمسائل الشيرازية مقالة مبسوطة مشتملة على جملة من الابحاث الشافية والاخبار الكافية تدل على ذلك وتؤيد ما هنالك. إلا ان الذي ظهر لي بعد اعطاء التأمل حقه في المقام وامعان النظر في كلام علمائنا الاعلام هو اغماض النظر عن هذا الباب وارخاء الستر دونه والحجاب، وان كان قد فتحه اقوام واوسعوا فيه دائرة النقض والابرام. (اما اولا) فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين والازراء بفضلاء الجانبين كما قد طعن به كل من علماء الطرفين على الآخر، بل ربما انجر القدح في الدين سيما من الخصوم المعاندين، كما شنع به عليهم الشيعة من انقسام مذهبهم إلى المذاهب الاربعة، بل شنع به كل منهم على الآخر ايضا. (واما ثانيا) فلان ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جله بل كله عند التأمل لا يثمر فرقا في المقام، فان من اظهر ما اعتمدوه فرقا في المقام هو كون الادلة عند

[ 168 ]

المجتهدين اربعة: (الكتاب والسنة والاجماع ودليل العقل) الذي هو عبارة عن البراءة الاصلية والاستصحاب. واما عند الاخباريين فالاولان خاصة. وفي هذا الفرق نظر ظاهر، فان الاجماع وان ذكره المجتهدون في الكتب الاصولية وعدوه في جملة الادلة وربما استسلفوه في الكتب الاستدلالية، الا انك تراهم في مقام التحقيق في الكتب الاستدلالية يناقشون في ثبوته وحصوله وينازعون في تحققه ووجود مدلوله حتى يضمحل اثرة بالكلية، كما لا يخفى على من تصفح الكتب الاستدلالية كالمعتبر والمسالك والمدارك ونحوها، وقد تقدم لك في المقدمة الثالثة (1) نبذة من الاشارة إلى ذلك. واما دليل العقل فالخلاف في حجيته بين المجتهدين موجود في غير موضع، والمحققون منهم على منعه. وقد فصل المحقق في اول كتاب المعتبر والمحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم وغيرهما في غيرهما الكلام في البراءة الاصلية والاستصحاب على وجه يدفع تمسك الخصم به في هذا الباب، فليراجع ذلك من احب الوقوف عليه. وقد حققنا ذلك في كتاب الدرر النجفية، وتقدم لك في هذا الكتاب (2) اشارة إلى ذلك. ومن الفروق التي ذكروها ان الاشياء عند الاخباريين على التثليث: (حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك) واما عند المجتهدين فليس إلا الاولان خاصة. وفى هذا الوجه ايضا نظر، فان الشيخ في العدة وقبله شيخه المفيد قد ذهبا إلى القول بالتثليث كما نقلوه عن الاخباريين مع انهما من اساطين المجتهدين، وكلام الصدوق (قدس سره) في كتاب الاعتقادات صريحا وفي كتاب من لا يحضره الفقيه ظاهرا مما ينادي بالقول بالتثنية كما عليه المجتهودن، قال في كتاب الاعتقادات: " باب الاعتقاد


(1) في المقام الثاني منها الواقع في الصحيفة 35. (2) في المطلب الاول من المقام الثالث من المقدمة الثالثة الواقع في الصحيفة 41 والمطلب الثاني منه الواقع في الصحيفة 51.

[ 169 ]

في الحظر والاباحة، قال الشيخ (رحمه الله): اعتقادنا في ذلك ان الاشياء كلها مطلقة حتى يرد في شئ منها نهي " انتهى. فالاشياء عنده اما حلال أو حرام كما هو عند المجتهدين مع انه رئيس الاخباريين. ومنها انهم ذكروا ان الاستدلال بالكتاب والسنة خاصة مخصوص بالاخباريين، مع ان الخلاف بين الاخباريين واقع فيه، فمنهم المحدث الاستر ابادي الذي هو المجدد لمذهب الاخباريين في الزمان الاخير. فانه قد صرح في كتاب الفوائد المدنية بعدم جواز العمل بشئ منه إلا ما ورد تفسيره عن أهل العصمة (سلام الله عليهم) واقتصر آخرون على العمل بمحكماته، وتعدى آخرون حتى كادوا ان يشاركوا الائمة (عليهم السلام) في تأويل متشابهاته كما تقدمت الاشارة إليه (1). و (اما ثالثا) فلان العصر الاول كان مملوءا من المحدثين والمجتهدين، مع انه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الاخر بالاتصاف بهذه الاوصاف، وان ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل. وحينئذ فالاولى والاليق بذوي الايمان، والاحرى والانسب في هذا الشأن هو أن يقال: ان عمل علماء الفرقة المحقة والشريعة الحقة ايدهم الله تعالى بالنصر والتمكين ورفع درجاتهم في اعلى عليين سلفا وخلفا إنما هو على مذهب أئمتهم (صلوات الله عليهم) وطريقهم الذي اوضحوه لديهم، فان جلالة شأنهم وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على مر الايام والدهور يمنعهم من الخروج عن تلك الجادة القويمة والطريقة المستقيمة، ولكن ربما حاد بعضهم اخباريا كان أو مجتهدا عن الطريق غفلة أو توهما أو لقصور اطلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو


(1) في المقام الاول من المقدمة الثالثة في الصحيفة 47.

[ 170 ]

لا يوجب تشنيعا ولا قدحا، وجميع تلك المسائل التي جعلوها مناط الفرق من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فانا نرى كلا من المجتهدين والاخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه، مع انه لا يوجب تشنيعا ولا قدحا. وقد ذهب رئيس الاخباريين الصدوق (رحمه الله تعالى) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا اخباري، مع انه لم يقدح ذلك في علمه وفضله. ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاعتساف إلا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية، فانه قد جرد لسان التشنيع على الاصحاب واسهب في ذلك اي اسهاب، واكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الاطياب. وهو وان اصاب الصواب في جملة من المسائل التي ذكرها في ذلك الكتاب، إلا انها لا تخرج عما ذكرنا من سائر الاختلافات ودخولها فيما ذكرنا من التوجيهات. وكان الانسب بمثله حملهم على محامل السداد والرشاد ان لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد، فانهم (رضوان الله عليهم) لم يألوا جهدا في اقامة الدين واحياء سنة سيد المرسلين، ولا سيما آية الله (العلامة) الذي قد اكثر من الطعن عليه والملامة، فانه بما ألزم به علماء الخصوم والمخالفين من الحجج القاطعة والبراهين، حتى آمن بسببه الجم الغفير، ودخل في هذا الدين الكبير والصغير والشريف والحقير، وصنف من الكتب المشتملة على غوامض التحقيقات ودقائق التدقيقات، حتى ان من تأخر عنه لم يلتقط إلا من درر نثاره ولم يغترف إلا من زاخر بحاره قد صار له من اليد العليا عليه وعلى غيره من علماء الفرقة الناجية ما يستحق به الثناء الجميل ومزيد التعظيم والتبجيل، لا الذم والنسبة إلى تخريب الدين كما اجترأ به قلمه عليه (قدس سره) وعلى غيره من المجتهدين. ولنشرع الآن في المقصود متوكلين على الملك المعبود ومفيض الخير والجود، فنقول وبه سبحانه الثقة لادراك كل مأمول:

[ 171 ]

كتاب الطهارة وفيه ابواب اربعة الباب الاول في المياه وينقسم الماء إلى مطلق ومضاف. والاول منهما إلى جار وراكد. والجاري إلى ماء بئر وغيره. والراكد إلى كر واقل منه. والاقل إلى ماء سؤر وغيره. وحيث جرت عادة فقهائنا (نور الله مراقدهم) بافراد البحث لكل من هذه الاقسام لاختلافها بالنسبة إلى ملاقاة النجاسة في الاحكام، كان الواجب بسط الكلام هنا في فصول ستة وختام. الفصل الاول في الماء المطلق الجاري، والقول فيه ينتظم في مقالات: (المقالة الاولى) المراد بالجاري هو النابع وان لم يتعد محله. والنبع على ما في كتب اللغة عبارة عن خروج الماء من العين، قال في الصحاح: " نبع الماء ينبع نبوعا: خرج، والينبوع عين الماء، ومنه: قوله تعالى: (حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا) (1) والجمع ينابيع " انتهى. وقال في القاموس: " نبع الماء ينبع مثلثة نبعا ونبوعا: خرج من العين، والينبوع العين " وقال في مادة عين: " العين: الباصرة، إلى ان قال: وينبوع الماء " انتهى. وعلى هذا فالعين انما هو اسم للينبوع الذي يخرج منه الماء وان اشتهر اطلاقها على مجمع الماء، وحينئذ فما


(1) سورة الاسراء. آية 93.

[ 172 ]

يوجد في بعض البلدان كبلادنا البحرين حرسها الله من طوارق الملوين، من الآبار التي يخرج ماؤها بطريق الترشيح من الارض لا تدخل في الجاري، ولعها مما تدخل تحت الثمد بالثاء المثلثة ثم الميم ثم الدال المهملة، وهو على ما صرح به في القاموس الماء القليل لا مادة له، إذ الظاهر ان المراد بالمادة هو الينبوع الذي يخرج منه الماء بقوة وثوران دون ما يخرج بطريق الترشيح من جميع سطح الارض، ولهذا ان الوالد (عطر الله مرقده) كان يطهر - بتلك الآبار المشار إليها حيث كانت في قريته متى تنجست بالقاء الكر عليها دون مجرد النزح منها، إلا ان تطهيره لها بالقاء الكر عليها كان يجعل الكر في ظروف متعددة، وفيه عندي اشكال سيأتي التنبيه عليه في الكلام على تطهير الماء القليل ان شاء الله تعالى. (المقالة الثانية) الماء المطلق من حيث هو سواء نزل من السماء أو نبع من الارض أو اذيب من الثلج والبرد أو كان ماء بحر أو نحوه طاهر في نفسه مطهر لغيره اجماعا، فتوى ودليلا، آية ورواية. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه: (وانزلنا من السماء ماءا طهورا) (1) وقوله عز شأنه: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به..) (2). وقد اورد على الاستدلال بهذه الآيات سؤالات: (أحدها) ان اقصى ما تدل عليه طهورية ماء السماء لا مطلق الماء، فالدليل أخص من الدعوى. (ثانيها) ان (ماء) في الآيتين نكرة في سياق الاثبات، وهي لا تفيد العموم كما صرحوا به في الاصول. (ثالثها) ان (طهورا) هنا لا يجوز ان يكون على بابه من المبالغة في امثاله لان المبالغة في (فعول) إنما هي بزيادة المعنى المصدري وشدته فيه، كأكول وضروب،


(1) سورة الفرقان. آية 51. (2) سورة الانفال. آية 12.

[ 173 ]

وكون الماء مطهرا لغيره امر خارج عن اصل الطهارة التي هي المعنى االمصدري، فيكف تراد منه ؟ بل هو حينئذ بمعنى الطاهر. والجواب عن الاول ان المستفاد من الآيات القرآنية ان الماء اصله كله من السماء، وبذلك صرح شيخنا الصدوق في اول كتاب من لا يحضره الفقيه، وما ذكره المتخرصون، من ان مواد المياه ليست إلا الابخرة المحتبسة، وان حصل لها الغزارة والنزازة بكثرة مياه الامطار والثلوج وقلتها فكلام عار عن التحصيل، فضلا عن مخالفته لصريح التنزيل، وما ورد عن معادن التأويل. ومن الآيات الدالة على ما قلنا قوله سبحانه: " وانزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الارض، وإنا على ذهاب به لقادرون " (1) وروى الثقة الجليل علي ابن ابراهيم القمي في تفسير هذه الآية عن الباقر (عليه السلام) قال: " هي الانهار والعيون والآبار ". وقوله تعالى: " ألم تر ان الله انزل ممن السماء ماء فسلكه في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه.. " (2). وقوله تعالى: " هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر إلى قوله: ينبت لكم به الزرع.. " (3). فهذه الآيات دالة على ان أصل ماء الارض كله من السماء. والجواب عن الثاني انه وان كان كذلك مع عدم قرينة تفيد العموم إلا ان قرينة المقام في هذه الآيات التي نقلناها تفيد العموم، فان الظاهر ان هذه الآيات كلها واردة في معرض التفضل واظهار الامتنان وبيان الانعام، وحينئذ فلو كان هناك


(1) سورة المؤمنون. آية 19. (2) سورة الزمر. آية 23. (3) سورة النحل. آية 11 و 12.

[ 174 ]

فرد آخر لذكره (عز شأنه) سيما مع ما يدل عليه قوله سبحانه: " وانا على ذهاب به لقادرون " (1) من التهديد بانه ان أذهب ذلك الماء النازل من السماء لم يبق لنا غيره. وبما ذكرنا صرح جمع من الاصوليين، حيث قالوا بان النكرة في سياق الاثبات إذا كانت للامتنان عمت، وفرعوا عليه قوله سبحانه: " فيهما فاكهة ونخل ورمان " (2). والجواب عن الثالث ان الطهور في اللغة لمعان: (أحدها) انه وصف بمعنى طاهر، ومنه انقدحت الشبهة على المعترض المذكور. و (ثانيها) ما هو مشهور بين أهل اللغة على ما نقله جمع من الخاصة والعامة من انه اسم لما يتطهر به، كالسحور والوقود والغسول ونحوها. وحمله في تلك الآيات على هذا المعنى ممكن، وان احتاج وصف الماء به إلى نوع تجريد، لان اسماء الآلة كاسماء الزمان والمكان لا يوصف بها مثل المشتقات، وحينئذ فلا اثر لذلك الايراد. و (ثالثها) بمعنى الطاهر المطهر كما هو المدعى، وبذلك صرح الفاضل الفيومي في كتاب المصباح المنير، حيث قال: " وطهور قيل مبالغة وانه بمعنى طاهر، والاكثر انه لوصف زائد، قال ابن فارس: قال ثعلب: الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. وقال الازهري ايضا: الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر، قال: وفعول في كلام العرب لمعان: (منها) فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهر به، والوضوء لما يتوضأ به، والفطور لما يفطر عليه والغسول لما يغتسل به ويغسل به الشئ، وقوله عليه الصلاة والسلام: " هو الطهور ماؤه " (3) اي هو الطاهر المطهر


(1) سورة المؤمنون. آية 19. (2) سورة الرحمن. آية 69. (3) هذا من حديث روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) في ماء البحر بالنص =

[ 175 ]

قاله ابن الاثير، قال: وما لم يكن مطهرا فليس بطهور. وقال الزمخشري: الطهور البليغ في الطهارة. وقال بعض العلماء: ويفهم من قوله تعالى: (وانزلنا من السماء ماء طهورا) (1) انه طاهر في نفسه مطهر لغيره، لان قوله: (ماء) يفهم منه انه طاهر. لانه ذكر في معرض الامتنان. ولا يكون ذلك إلا بما ينتفع به، فيكون طاهرا في نفسه. وقوله: (طهورا) يفهم منه صفة زائدة على الطهارة وهى الطهورية (فان قيل): قد ورد طهور بمعنى طاهر كما في قوله: " ريقهن طهور " (فالجواب) ان وروده كذلك غير مطرد بل هو سماعي، وهو في البيت مبالغة في الوصف أو واقع موقع طاهر لاقامة الوزن، ولو كان طهور بمعنى طاهر مطلقا لقيل: ثوب طهور وخشب طهور ونحو ذلك. وهو ممتنع " انتهى كلام صاحب المصباح. والى ذلك ايضا يشير كلام الشيخ في التهذيب حيث قال: " الطهور هو المطهر في لغة العرب، ثم قال: وليس لاحد أن يقول: ان الطهور لا يفيد في لغة العرب كونه مطهرا، لان هذا خلاف على أهل اللغة، لانهم لا يفرقون بين قول القائل: هذا ماء طهور. وهذا ماء مطهر. ثم قال ما ملخصه: انه لو قيل: ان الطهور لا يكون بمعنى المطهر، لان اسم الفاعل منه غير متعد، وكل فعول ورد في كلام العرب متعديا لم يكن إلا وفاعله متعد. قيل له: انه لا خلاف بين اهل النحو ان فعولا موضوع للمبالغة وتكرر الصفة. وعدم حصول المبالغة على ذلك الوجه لا يستلزم عدم حصولها بوجه آخر. والمراد هنا باعتبار كونه مطهرا " انتهى.


= الآنى: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " كما في الجزء الاول من المنتقى لابن تيمية في الصحيفة 4، وكما في الجزء الثالث من تيسير الوصول للشيباني في الصحيفة 54 وغيرهما. ورواه صاحب الوسائل في باب - 2 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة عن المحقق في المعتبر. (1) سورة الفرقان. آية 51.

[ 176 ]

واعترضه جمع من متأخري المتأخرين منهم: المحققان المدققان الشيخ حسن في المعالم والسيد السند في المدارك بما حاصله: ان الطهور لم يرد في اللغة بمعنى المطهر، بل هو اما صفة كقولك: ماء طهور اي طاهر، أو اسم غير صفة ومعناه ما يطهر به. والشيخ قد استدل على كونه بمعنى المطهر بانه لا خلاف بين اهل النحو. واللغة لا تثبت بالاستدلال. وفيه ان الشيخ (رحمه الله) لم يستدل على كون طهور بمعنى مطهر، وانما نقل ذلك عن العرب واسنده إليهم، ثم استشعر اعتراضا قد اورد في البين واجاب عنه بما ذكر. وكلامه من قبيل ما يقال: انه تعليل بعد الورود، وبيان ذلك ان أبا حنيفة قد خالف في المسألة وقال: ان طهور بمعنى طاهر، وانكر كونه بذلك المعنى، واورد على من ادعى انه كذلك هذا السؤال الذي ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) وأجاب عنه. والسؤال المذكور وجوابه مذكوران في كتب الشافعية كينابيع الاسفرايني وغيره، فانهم نقلوا عن ابي حنيفة ذلك واجابوا عنه بما ذكر. وبذلك ظهر ان الشيخ لم يكن غرضه الاحتجاج على ذلك وانما استند في ثبوته إلى ما نقله عن العرب، وغرضه من ذلك الكلام الآخر انما هو دفع السؤال وبيان حكمه الواضع وتصحيح لغرضه لا الاحتجاج على ذلك المطلب واثباته. والعجب من انكار جملة من فضلاء متأخري المتأخرين كهذين الفاضلين وغيرهما ورود طهور بمعنى الطاهر المطهر لغة. وكلام صاحب المصباح كما عرفت على غاية من الصراحة والايضاح، وقد نقله عن جملة من أئمة اللغة، بل ظاهر كلامه انه قول الاكثر، وان المعنى الوصفي للفظ الطهور إنما هو عبارة عن هذا المعنى. واما كونه بمعنى طاهر فظاهر آخر كلامه كما عرفت انه غير مطرد بل موقوف على السماع كما في البيت الذي اورده. وعبارة القاموس ايضا دالة على ذلك، حيث قال: " الطهور

[ 177 ]

المصدر واسم ما يتطهر به والطاهر المطهر " انتهى. ونقل بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) ان الشافعية نقلت ذلك عن أهل اللغة، ونقل هو (قدس سره) عن الترمذي وهو من أئمة اللغة انه قال: " الطهور بالفتح من الاسماء المتعدية وهو المطهر غيره " انتهى. ونقله المحقق في المعتبر عن بعض أهل اللغة ايضا. ومن الاخبار الدالة على ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) باسانيدهم عن الصادق (عليه السلام) قال: " الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر " (1) وفى هذا الحديث الشريف بحث نفيس حررناه في كتاب الدرر النجفية من المتلقطات اليوسفية، وقد تقدم جملة من الكلام فيه في صدر المقدمة الحادية عشرة (2). وصحيحة داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كان بنو اسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم باوسع ما بين السماء والارض وجعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون ؟ ". ورواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الماء يطهر ولا يطهر ". وهذا الحديث بناء على القول بنجاسة القليل بالملاقاة لا يخلو من اشكال، فان


(1) رواه الكليني في الكافي في باب - 1 - من كتاب الطهارة، والشيخ في التهذيب في باب (المياه واحكامها) في الصحيفة 61 بالنص المذكور في كتاب، ورواه الصدوق في الفقيه في باب (المياه وطهرها ونجاستها) من الجزء الاول بالنص الآتى: " كل ماء طاهر إلا ما علمت انه قذر " (2) في الصحيفة 134. (3) و (4) المروية في الوسائل في باب - 1 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة

[ 178 ]

قليل الماء إذا تنجس كان طهره بالكثير من الجاري أو الراكد. واجيب بان المراد يطهر غيره ولا يطهر غيره. ويرد عليه ايضا بانه على اطلاقه غير مستقيم، لانتقاضه بالبئر، فان تطهيرها بالنزح، والماء النجس يطهر باستحالته ملحا، والماء القليل إذا كان نجسا وتمم كرا بمضاف لم يسلبه الاطلاق، فانه في جميع هذه الصور قد طهر الماء غيره. واجيب عن ذلك (اما عن الاول) فبانا لا نسلم ان مطهر البئر حقيقة هو النزح بل هو في الحقيقة الماء النابع منها شيئا فشيئا بعد اخراج الماء المنزوح. ولا يخلو من ضعف. بل التحقيق الجواب بعدم نجاسة البئر بالملاقاة، وحينئذ فأصل الاعتراض بالبئر ساقط. و (اما عن الثاني) فبان الماء قد عدم بالكلية فلم يبق هناك ماء مطهر بغيره. ومثله ايضا الماء النجس إذا شربه حيوان مأكون اللحم واستحال بولا، فانه يخرج عن الحقيقة الاولى إلى حقيقة اخرى. و (اما عن الثالث) فبعد تسلم ذلك يمكن ان يقال: المطهر هنا هو مجموع الماء البالغ كرا لا المضاف وحده. ويمكن الجواب عن أصل الاشكال بان الماء متى تنجس فطهره بممازجة الكثير له على وجه يستهلك النجس فيه، وهذا لا يسمى في العرف تطهيرا، لاضمحلال النجس حينئذ، وحينئذ يصدق ان الماء لا يطهر، وفي الحديث حينئذ دلالة على اعتبار الممازجة في المطهر دون مجرد الاتصال كما هو أحد القولين، ولعل هذا المعنى أقرب من الاول، لسلامته من التكلفات. (المقالة الثالثة) لا خلاف ولا إشكال في أن الماء الجاري بل كل ماء ينجس باسيتلاء النجاسة على أحد اوصافه الثلاثة اعني اللون أو الطعم أو الريح.

[ 179 ]

وتدل عليه الاخبار المستفيضة كصحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ منه واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب ". وصحيحة زرارة (2): " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ إلا ان تجئ ريح تغلب على ريح الماء ". ورواية عبد الله بن سنان (3) قال: " سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) على غدير انوه وفيه جيفة. فقال: ان كان الماء قاهرا ولا توجد فيه الريح فتوضأ ". وصحيحة ابي خالد القماط (4) انه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول " في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه، وان لم يتغير ريحه وطعمه فاشرب منه وتوضأ ". ورواية العلاء بن الفضيل (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها ؟ قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول ". ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه " سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: ان تغير الماء فلا تتوضأ منه، وان لم تغيره ابوالها فتوضأ منه. وكذلك الدم إذا سال في الماء واشباهه ".


(1) المروية في الوسائل في باب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في باب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة بالنص الآتى: قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): " إذا كان الماء اكثر من رواية لم ينجسه شئ - تفسخ فيه أو لم يتفسخ - إلا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء ". (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في باب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 180 ]

واستدل جمع من متأخرى المتأخرين على الحكم المذكور بقوله (صلى الله عليه وآله): " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1) بل ادعى السيد السند في المدارك انه من الاخبار المستفيضة. والعجب منه (قدس سره) انه بعد ذلك في بحث نجاسة البئر بالملاقاة، حيث انكر ورود نجاسة الماء بتغير لونه في أخبارنا طعن في الخبر المذكور بانه عامي مرسل والحق كونه كذلك (2) فانا لم نقف عليه في شئ من كتب أخبارنا بعد الفحص التام، وبذلك صرح ايضا جماع ممن تقدمنا. وممن صرح بكونه عاميا شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين، ذكر ذلك ايضا في مقام انكار ورود التغير اللوني في اخبارنا، والظاهر انه اقتفى في هذه المقالة اثر السيد المذكور. والعجب منهما (قدس سرهما) في ذلك ورواية العلاء بن الفضيل المتقدمة تنادي بالدلالة عليه. ومثلها صحيحة شهاب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) المروية في كتاب البصائر (4) حيث قال في آخرها: " وجئت تسأل عن الماء الراكد، فما


(1) رواه صاحب الوسائل في باب - 1 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة عن المعتبر والسرائر. (2) الذى عثرنا عليه في روايات العامة بهذا المضمون هي النصوص الآتية: " الماء لا ينجسه شئ الا ما غلب عليه طعمه أو ريحه " كما في الجزء الاول من سنن البيهقى في الصحيفة 259. " ان الماء طاهر الا ان تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيها " كما في الصحيفة 260 منه. الماء لا ينجس الا ما غير ريحه أو طعمه " كما في الصحيفة 260 منه ايضا وقد رواها عن النبي صلى الله عليه وآله مسندة. " الماء طهور الا ما غلب على ريحه أو طعمه " كما في كنز العمال ج 5 ص 94. (3) في الصحيفة 179 السطر 12. (4) ج 5. باب (ان الائمة يعرفون الاضمار) وفى الوسائل في باب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 181 ]

لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة. قلت: فما التغير ؟ قال: الصفرة، فتوضأ منه.. الحديث ". ويدل على ذلك ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): " كل غدير فيه من الماء اكثر من كر لا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات إلا ان تكون فيه الجيف فتغير لونه وطعمه ورائحته، فإذا غيرته لم يشرب منه ولم يتطهر منه.. الحديث ". وهذا الكتاب وان لم يشتهر بين الاصحاب النقل عنه ولا الاعتماد عليه بل ربما طعن بعضهم في ثبوته عنه (عليه السلام) الا ان الاظهر كما قدمنا ذكره (2) هو الاعتماد عليه. ولعل السر في اشتمال اكثر الاخبار على التغير الطعمي والريحي دون اللوني ان تغير الطعم والريح اسرع من تغير اللون أو لا ينفك تغير اللون من تغيرهما فلا ثمرة في التعرض له حينئذ. وهل يعتبر التغير الحسي، فلو كان الماء على صفاته الاصلية وكانت النجاسة مسلوبة الاوصاف لم تؤثر في نجاسة الماء وان كثرت. أو يجب تقدير الاوصاف للنجاسة، فلو كانت مما يتغير بها الماء على تقدير وجود الاوصاف نجس والا فلا ؟ قولان. المشهور الاول نظرا إلى ان التغير حقيقة في الحسي، لصدق السلب بدونه، واللفظ إنما يحمل على حقيقته، واعتبار التقدير يتوقف على دليل، والاصل عدمه. ويمكن أن يقال: ان التغير حقيقة في النفس الامري لا فيما كان محسوسا ظاهرا، فقد يمنع من ظهوره مانع، كما اعترفوا به فيما سيأتي مما إذا خالفت النجاسة الجاري في الاوصاف لكن منع من ظهورها مانع، فانهم قطعوا هناك بوجوب التقدير،


(1) في الصحيفة 5 السطر 18. وقد اسقط (قده) منه ما لا يرتبط بمورد البحث. (2) في الصحيفة 25 السطر 12.

[ 182 ]

استنادا إلى ان التغير حصل واقعا وان منع من ظهوره مانع، والمناط التغير في الواقع لا الحسي، والفرق بين الموضعين لا يخلو من خفاء. ويؤيد ذلك ان الظاهر ان الشارع إنما ناط النجاسة بالتغير في هذه الاوصاف لدلالته على غلبة النجاسة وكثرتها على الماء واقعا، وإلا فالتغير بها من حيث هو لا مدخل له في التنجيس، فالمنجس حقيقة هو غلبة النجاسة وزيادتها وان كان مظهره التغير المذكور، وحينئذ فلو كانت هذه النجاسة المسلوبة الاوصاف بلغت في الكثرة إلى حد يقطع بتغير الماء بها لو كانت ذات اوصاف، فقد حصل موجب التنجيس حقيقة الذي هو غلبة النجاسة وزيادتها على الماء. وبالجملة فانا نقول: كما ان الموجب لنجاسة القليل على المشهور مجرد ملاقاة النجاسة وان قلت، فالمنجس للكثير كثرتها وغلبتها. واناطة ذلك بالتغير في تلك الاوصاف انما هو لكونه مظهرا لها غالبا، فمع حصولها بدونه تكون موجبة للتنجيس (1). ويؤيد ذلك ايضا ما صرح به المحقق الثاني من ان عدم التقدير يفضي إلى جواز الاستعمال وان زادت النجاسة اضعافا، وهو كالمعلوم البطلان. والجواب بانه مع استهلاك النجاسة الماء لكثرتها يثبت التنجيس قولا واحدا مما يؤيد ما حققناه آنفا من ان الاعتبار بغلبة النجاسة وكثرتها على الماء وان تفاوت ذلك


(1) وممن جنح إلى ما ذكرناه في هذا المقام الفاضل السيد نور الدين بن ابى الحسن في شرح المختصر، حيث قال - بعد نقل كلام اخيه السيد السند في المدارك - ما صورته: " ويشكل ذلك إذا فسر التغير بالاستيلاء ولم يكتف بمطلق التغير كما تشعر به عبارة المصنف وهو الاوفق بالحكمة، إذ الظاهر ان علة النجاسة غلبة النجس على الظاهر حتى صار مقهورا معه فيضعف حكمه، وصدق التغير عليه بهذا المعنى حاصل على التقديرين، فكيف يدعى صحة سلبه عنه إذا لم يكن حسيا ؟ " انتهى كلامه زيد مقامه (منه رحمه الله).

[ 183 ]

شدة وضعفا، وكأن التزام المجيب بالتنجيس في هذه الصورة ودعواه الاجماع ودفع للشناعة اللازمة من القول بالطهارة على هذا التقدير، وإلا فمقتضى ما قرروه يقتضي كون الحكم كليا مع الاستهلاك وعدمه، وظاهر عبائر جملة منهم العموم. واستدلال المحقق المذكور بذلك مبني على ما قلنا من فهمه العموم من كلامهم، والا لم يتجه دليله. والظاهر ان العلة في دعوى الاجماع المذكور إنما هو ما ذكرنا، ولهذا ان جملة ممن تعرض للجواب عن هذا الكلام ومنهم: شيخنا الشهيد الثاني في الروض إنما ردوه بانه مجرد استبعاد بل صرح بعض متأخري المتأخرى بالتزامه مع عدم ثبوت الاجماع على خلافه. ويؤيد ذلك ايضا (1) ما صرحوا به في المضاف المسلوب الاوصاف إذا وقع في الماء، من وجوب اعتباره إما بقلة الاجزاء وكثرتها أو بتقديره مخالفا في الاوصاف على اختلاف القولين، وإذا وجب الاعتبار في المضاف ففي النجاسة اولى. ونقل عن العلامة في اكثر كتبه القول بالثاني، وتبعه ابن فهد في موجزه، ورجحه المحقق الثاني في شرح القواعد، ونفى عنه البعد شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين. واحتج عليه في المختلف بان التغير الذي هو مناط النجاسة دائر مع الاوصاف فإذا فقدت وجب تقديرها. ورد بانه اعادة للمدعى. ويمكن الجواب بما قدمنا تحقيقه من ان المدار لما كان على التغير في نفس الامر


(1) انما ذكرنا ذلك على جهة التأييد لكسر سورة الاستبعاد فيما قلناه دون ان يكون دليلا كما ذكره المحقق الثاني (ره) لتطرق القدح إليه بكونه قياسا وان كان قياس اولوية. ومنع بعض المتأخرين الاولوية هنا محض مكابرة، فانه إذا وجب التقدير في المضاف ليترتب عليه الاجتناب فيما يشترط بالماء المطلق من الطهارة مثلا فبالطريق الاولى في النحس ليترتب عليه الاجتناب فيما يشترط بالطاهر من طهارة واكل وشرب ونحوها، إذ دائرة المنع في النجس اوسع منها في المضاف كما لا يخفى (منه قدس سره).

[ 184 ]

لا الظاهر الحسي، لانه ربما منع منه مانع من فقد الاوصاف في النجاسة أو فقد الاوصاف في الماء، وجب تقديره مع وجود المانع المذكور. وبذلك ايضا يظهر وجه الجواب عما اورد على الدليل الذي نقله عنه ابنه فخر المحققين من استدلاله بان الماء مقهور بالنجاسة، لانه كلما لم يصر مقهورا لم يتغير بها على تقدير المخالفة، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كلما تغير على تقدير المخالفة كان مقهورا. انتهى. فانه اورد عليه منع الكلية الاولى، فان المخالف بقول بعدم صيرورة الماء مقهورا مع تغيره بالنجاسة على تقدير المخالفة، وعلى ما حققناه يمكن أن يكون مراده انه كلما لم يكن الماء مقهورا في نفس الامر لم يتغير على تقدير المخالفة، لا انه كلما لم يكن مقهورا شرعا ليتوجه عليه ان المخالف يقول بعدم صيرورة الماء مقهورا مع تغيره بالنجاسة على تقدير المخالفة. وبذلك يظهر سقوط منع كليته الاولى. وبالجملة فالمسألة لما ذكرنا لا تخلو من الاشكال، والاحتياط في التقدير ان لم يكن متعينا كما لا يخفى على الناقد البصير، إلا ان تتوقف عليه عبادة مشروطة بالطهارة أو بازالة النجاسة، فيعود الاشكال بحذافيره. فوائد (الاولى) - لو اشتمل على صفة تمنع من ظهور التغير فيه كما لو تغير بجسم طاهر يوافق لونه لون النجاسة كتغيره بطاهر أحمر، ثم وقع فيه دم فالذي قطع به متأخروا الاصحاب من غير خلاف معروف في الباب هو وجوب تقدير خلو الماء من ذلك الوصف كما عرفت آنفا، وكأنهم لحظوا في الفرق بين هذا الموضع وبين كانت النجاسة مسلوبة الاوصاف، حيث اوجبوا التقدير هنا دون هناك ان المراد بالتغير هو التغير الحسي كما تقدم. والتغير هنا ظاهر حسا لو خلينا وذات الماء وذات النجاسة، بخلاف ما هناك، لكون النجاسة عارية عن الاوصاف. وفيه ان خلو

[ 185 ]

النجاسة عن الاوصاف لا يخرجها عن تنجيس ما تلاقيه، والمنجس ليس هو اوصافها وانما المنجس عينها. على ان الخلو عن الاوصاف غالبا انما يكون بعارض من خارج لا من أصل الخلقة، كما هو المشاهد في جميع المطعومات والمرئيات، وحينئذ فكما يقدر خلو الماء عن ذلك الوصف الموافق للون النجاسة لكونه عارضا، ينبغي ان يقدر خلو النجاسة عن هذا العارض الذي ازال وصفها. (الثانية) هل المعتبر على تقدير القول بالتقدير هو الوصف الاشد للنجاسة كحدة الخل وذكاء المسك وسواد الحبر، لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم. أو الوسط لانه الاغلب ؟ ظاهر العلامة في النهاية والشهيد في الذكرى الاول، وبعض المتأخرين الثاني، واستظهره المحقق الثاني ورجحه في المعالم، واحتمل بعض فضلاء متأخري المتأخرين اعتبار الاقل تغليبا لجانب الطهارة. والظاهر ان الاوسط اوسط. واحتمل المحقق الثاني (قدس سره) ايضا اعتبار أوصاف الماء وسطا، نظرا إلى شدة اختلافها كالعذوبة والملوحة والرقة والغلظة والصفاء والكدرة، قال: " ولا يبعد اعتبارها، لان له فيها أثرا بينا في قبول التغير وعدمه " انتهى قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: " وهو محتمل حيث لا يكون الماء على الوصف القوي، إذ لا معنى لتقديره حينئذ بما هو دونه " انتهى. واستشكله ايضا بعضهم بما إذا لم يكن الماء خارجا عن اوصافه الاصلية. (الثالثة) لو لم يكن الماء على الصفات الاصلية كسائر المياه كالمياه الزاجية والكبريتية وكانت النجاسة على صفاتها ولم تغيره باعتبار ما هو عليه من الصفات، لكن لو فرض خلوه منها لغيرته، فهل يجب التقدير هنا أم لا ؟ لم أقف لاحد من الاصحاب (رضوان الله عليهم) على كلام في ذلك. ومقتضى النظر ان الكلام هنا كالكلام فيما لو تغير الماء بجسم طاهر يوافق لونه لون النجاسة، ومقتضى حكمهم بوجوب التقدير، هناك هو وجوبه هنا ايضا.

[ 186 ]

إذ لا فرق بين المقامين إلا باعتبار ان خروج الماء عن صفته الاصلية هناك باعتبار وقوع هذا الجسم فيه اخيرا، وخروجه هنا باعتبار كون الارض كبريتية أو زاجية فاتفق تكيفه برائحتها، أو باعتبار موافقة لون ذلك الجسم الطاهر الذي تغير به الماء للون النجاسة في احدى الصورتين، ومخالفته لها على وجه يستر رائحتها في الصورة الاخرى. وكل منهما لا يصلح وجها للفرق الموجب لتغاير الحكم، إلا ان بعض محققي متأخرى المتأخرين استظهر ان الكلام هنا كالكلام في النجاسة المسلوبة الاوصاف دليلا وجوابا وظاهره ان النجاسة في هذه الصورة باعتبار ما عليه الماء من الصفات لم تغيره واقعا، بخلاف الصورة التي تغير فيها بجسم طاهر، فانه تغير واقعا وان لم يظهر للحس بسبب الوصف العارضي. ولا يخفى ما فيه، فان الواقع المعتبر القياس إليه، ان لوحظ مع قطع النظر عن العارض فالتغير ثابت في الصورتين، وإلا فلا فيهما. وقد عرفت ان الوجه الفارق لا يوجب تغايرا يترتب عليه ما ذكره (1).


(1) ثم انى وقفت بعد ذلك على كلام لشيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين يؤيد ما رجحناه، حيث قال: " وقد يستفاد - من قوله (عليه السلام) في الحديث الثاني: " كل ما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب " - انه لو كان للماء رائحة كالمياه الزاجية والكبريتية مثلا فسترت رائحة الجيفة، لم ينجس وان كان بحيث لو خلا الماء من تلك الرائحة لظهرت، لصدق غلبة الماء على ريح الجيفة. والحديث السابع من الفصل الثاني كالصريح في ذلك. لكن الحق صرفهما عن ظاهرهما. وتقدير الماء خاليا من رائحته الاصلية. انتهى " واشار بالحديث السابع إلى حسنة زراة، قال: " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ الا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء " وكأن ذلك الفاضل لم يقف ايضا على كلام شيخنا المذكور، حيث انه ذكر ايضا انه لم يقف على كلام لاحد من الاصحاب في ذلك. اقول: ومما يؤيد ما ذكرنا ايضا ان الاحكام المودعة في الاخبار إنما تحمل على الافراد الغالبة الشائعة كما صرحوا به، وحينئذ فالمعتبر في الغلبة وعدمها هو المياه =

[ 187 ]

(الرابعة) لو تغيرت رائحة الماء بمرور رائحة النجاسة القريبة لم ينجس الماء قولا واحدا، لان الرائحة ليست بنجاسة فلا تؤثر تنجيسا. (الخامسة) لو حصل التغير بالمتنجس لا بالنجاسة على وجه لا يسلبه الاطلاق فالاظهر الاشهر عدم التنجيس، وللشيخ (رحمه الله تعالى) خلاف ضعيف يأتي الكلام عليه في بحث المضاف ان شاء الله تعالى. (المقالة الرابعة) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل ادعى في المعتبر عليه الاجماع ان الجاري مطلقا وان نقص عن الكر لا ينجس بمجرد الملاقاة، وذهب العلامة في جملة من كتبه إلى اشتراط الكرية فيه كالراكد، ويظهر من شيخنا الشهيد الثاني في الروض الميل إليه، بل صرح ابنه المحقق الشيخ حسن في المعالم بانه ذهب إليه في جملة من كتبه، قال: " إلا أن الذي استقر عليه رأيه بعد ذلك هو المذهب المشهور " (1) ونقل في الروض عن جملة من المتأخرين ايضا موافقة العلامة على هذه المقالة. احتج القائلون بالاول باصالة الطهارة، فان الاشياء كلها على الطهارة الا ما نص الشارع على نجاسته، لانها مخلوقة لمنافع العباد، ولا يتم النفع إلا بطهارتها. وبالاخبار المتقدمة في سابق هذه المقالة (2) لدلالتها على طهارة كل ماء ما لم يتغير، خرج عنه القليل الراكد بالدليل، فيبقى ما عداه داخلا تحت العموم.


= العارية عن هذه العوراض. واما هذه فتحمل على تلك وتقدر فيها الغلبة وعدمها (منه رحمه الله). (1) وممن جنح إلى هذا القول من متاخري المتأخرين الشارح الجواد في شرح الجعفرية (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 179.

[ 188 ]

وصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا ان يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة ". وجه الدلالة انه علل فيه نفى الانفعال بوجود المادة، والعلة المنصوصة يتعدى بها الحكم إلى كل موضع توجد فيه إذا شهدت الحال بان خصوص متعلقها الاول لا مدخل له فيها. وإلامر ههنا كذلك، فان خصوصية البئر من ذلك القبيل. وشهادة الحال بذلك ظاهرة لمن احاط خبرا باحكام البئر، وحينئذ ينحصر المقتضي لنفي الانفعال في وجود المادة، وهي موجودة في مطلق النابع. وقول الصادق (عليه السلام) فيما روي عنه بعدة طرق، وقد تقدم الاشارة إلى بعضها (2): " الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر ". وحسنة محمد بن ميسر (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد ان يغتسل منه وليس معه اناء يغرف به ويداه قذرتان. قال: يضع يده ويتوضأ ويغتسل، هذا مما قال الله عز وجل: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (4). ويتوجه على الاول (5) ان الطهارة والنجاسة حكمان شرعيان يتوقف الحكم بهما على الدليل الشرعي، ولا مدخل للدليل العقلي فيهما كما لا مدخل له في غيرهما


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 14 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) في الصحيفة 177. السطر 5. ورواه صاحب الوسائل في الباب - 1 من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة، (4) سورة الحج. آية 78. (5) وهو اصالة الطهارة.

[ 189 ]

من احكام الشرع. وما ذكر هنا في بيانه ضعيف، لحصول المنافع في النجس بل في عين النجاسة ايضا كما لا يخفى (1). وعلى الثاني (2) ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في الكلام في نجاسة الماء القليل بالملاقاة، من أن ظاهر هذه الاخبار بواسطة القرائن الحالية والمقالية كون ذلك الماء اكثر من كر بل كرور، فلا تدل على ما ذكروه، ولا يحتاج إلى تخصيصها بما دل على نجاسة الماء القليل بمجرد الملاقاة. وعلى الثالث (3) (اولا) ما عرفت في المقدمة الثالثة (4) من الكلام في حجية منصوص العلة وان الحجة منه هو ما يرجع إلى تنقيح المناط القطعي، وكأنه لهذا قيد المستدل في بيان الاستدلال الحجية بشهادة الحال بان خصوص متعلقها الاول لا مدخل له، فمرجعها إلى تنقيح المناط المذكور، الا ان فيه ان شهادة الحال بذلك في هذا المقام لا تخلو من اشكال، وبدونه لا يتم الاستدلال. و (ثانيا) ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين من احتمال ان يكون قوله (عليه السلام): " لان له مادة " تعليلا لترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح، كما يقال: لازم غريمك حتى يعطيك حقك، لانه يكره ملازمتك. وكما يقال: الزم الحمية حتى يذهب مرضك، فان الحمية رأس الدواء. قال: ومثل ذلك كثير. ومع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال. والظاهر انه لا يخلو من بعد، فان ذهاب الريح وطيب الطعم بالنزح امر بديهي محسوس لا يحتاج إلى علة، فحمل الكلام عليه مما يخرجه عن الفائدة، ولا يليق


(1) فانه قد تكون المصلحة في خلقه دفع الاذى كفضلة الانسان أو ابتلاء الخلق كخلق المسكرات ونحو ذلك (منه رحمه الله). (2) وهى الاخبار المتقدمة في الصحيفة 179. (3) وهى صحيحة ابن بزيغ المتقدمة في الصحيفة 188 السطر 1. (4) في الصحيفة 60.

[ 190 ]

حينئذ نسبته بكلام الامام الذي هو إمام الكلام. وعلى الرابع (1) ما تقدم تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة (2) من ان ظاهر الخبر المذكور وهو القدر المتيقن فهمه منه ان الماء كله طاهر حتى يعلم عروض النجاسة له فافراد هذه الكلية إنما هي المياه الطاهرة شرعا والمقطوع بطهارتها، فانه يستصحب الحكم فيها بذلك حتى تعلم النجاسة. والغرض منها عدم معارضة الشك بعروض النجاسة ليقين الطهارة التي هي عليه شرعا، لا ان افرادها ما شك في كونه سببا للنجاسة، كنقصان الجاري عن الكر مثلا هل يكون موجبا لانفعاله بالملاقاة ام لا ؟ فيحكم بطهارته بهذا الخبر. والفرق بين المقامين ظاهر. ونظيره ما ورد مفسرا في موثقة مسعدة بن صدقة (3) من قوله (عليه السلام): " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، ومملوك عندك وهو حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، وامرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك. والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة ". وحينئذ فافراد هذه الكلية كما ذكره (عليه السلام) هي الاشياء المحكوم بحلها شرعا والمعلوم حليتها قطعا. فانه يستصحب الحكم فيها بذلك حتى يظهر دليل الحرمة وان كانت مما حرمه الشارع بالنسبة إلى العالم بذلك، ولا تخرج عن أصل الحلية المقطوعة بمجرد الشك في حرمتها، لا ان افرادها ما شك في حليته كالمتولد من نجس العين وطاهرها مع عدم المماثل مثلا، فيقال: ان مقتضى هذا الخبر حله ومقتضى قوله (عليه السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " (4) طهارته.


(1) وهو الحديث المتقدم في الصحيفة 188 السطر 9. (2) في الصحيفة 124 السطر 13. (3) تقدم الكلام فيها في التعليقة (2) في الصحيفة 141. (4) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 42.

[ 191 ]

وبالجملة فمورد الخبرين الاشياء المعلومة الطهارة والنجاسة، وانه لا يدخل أحد افراد الاول في الثاني إلا مع العلم واليقين، والاشياء المعلومة الحل والحرمة وانه لا يدخل أحد افراد اولهما في الثاني الا مع العلم ايضا. وعلى الخامس (1) ان الماء القليل في الخبر المذكور وان شمل بعمومه الجاري والراكد، إلا ان وصفه بالقلة ان اخذ على ظاهره كما هو ظاهر الاستدلال كان الخبر من أقوى أدلة عدم نجاسة القليل بالملاقاة. وتخصيصه بالجاري خاصة بناء على قيام الدليل على نجاسة القليل بالملاقاة بعيد من سياق اللفظ، فالاظهر حمل القلة فيه على المعنى العرفي دون الشرعي، أو حمله على التقية كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (2). احتج العلامة (رحمه الله) بعموم الاخبار الدالة على اشتراط الكرية في الماء بقولهم (عليهم السلام) (3): " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " فان تقييد عدم انفعال الماء ببلوغ الكرية يقتضي انفعال الماء بدونه، وهو شامل للجاري والراكد. وتدل على ذلك صحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة واشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء. يتوظأ منه للصلاة ؟ قال: لا، إلا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من الماء " وهي بظاهرها شاملة لما كان جاريا أو راكدا (5).


(1) وهى حسنة محمد بن ميسر المتقدمة في الصحيفة 188 السطر 11. (2) في المقام الاول من الفصل الثالث عند الكلام في رد دلالة الاخبار المستدل بها على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة. (3) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة والنص الوارد: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) واجاب المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم عن عموم المفهوم. قال: " والجواب - على تقدير تسليم العموم بحيث يتناول محل النزاع - انه مخصوص بصحيح =

[ 192 ]

واجيب بمنع العموم. لفقد اللفظ الدال عليه، ومع تسليمه فيقال: عامان تعارضا من وجه فيجب الجمع بينهما بتقييد أحدهما بالآخر، والترجيح في جانب الطهارة بالاصل والاجماع وقوة دلالة المنطوق على المفهوم. هكذا أجاب السيد في المدارك. ولا يخلو من نظر (اما أولا) فلان منع العموم هنا مع تصريحه هو (قدس سره) وغيره من محققي الاصحاب بل وغيرهم بان المعرف بلام الجنس في كلام الشارع عند عدم قرينة العهد للعموم قضية للحكمة ليس في محله، كيف ؟ ولو تم المنع المذكور لم يتم له الاستدلال بصحيحة حريز المتقدمة (1) وامثالها في الطرف الآخر، لجواز ان يراد بلفظ الماء فيها بعض افراده وهو غير الجاري، بل قد استدل هو نفسه (قدس سره) على مساواة مياه الحياض والاواني لغيرها في عدم انفعال الكر منها بالعمومات الدالة على عدم انفعال الكر بالملاقاة مطلقا، ردا على ما ذهب إليه المفيد في المقنعة وسلار، فيكف يمنع العموم هنا ؟ وما ذكره المولى الاردبيلي (طاب ثراه) في المقام من ان القول بالمفهوم لا يستلزم القول بعمومه هنا، لان الخروج من العبث واللغو يحصل بعدم الحكم في بعض المسكوت عنه، وذلك كاف وفيما نحن فيه يصدق انه إذا لم يكن الماء كرا ينجسه شئ من النجاسات بالملاقاة في الجملة، وذلك يكون في الراكد، وكفى ذلك لصحة المفهوم لو تم لبطل الاستدلال بهذا المفهوم على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، مع انه عمدة ادلتهم على ذلك المطلب، وذلك فان مقتضى منطوق " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " (2) عدم تنجيس شئ من النجاسات


= ابن بزيع لدلالته على ان وجود المادة سبب في نفى الانفعال بالملاقاة، فلو كانت الكرية معتبرة في ذى المادة لكانت هي السبب في عدم الانفعال، فلا يبقى للتعليل بالمادة معنى " انتهى وفيه ما عرفت من الصحيحة المذكورة آنفا (منه رحمه الله). (1) في الصحيفة 179 السطر 1. (2) تقدم الكلام في التعليقة 3 في الصحيفة 191

[ 193 ]

للماء بعد بلوغه كرا، ومفهومه تنجيس شئ له مع عدم البلوغ. ويكفي للخروج ممن العبث واللغو كما ذكره (قدس سره) حصول الحكم في بعض المسكوت عنه، وهو تنجيسه بالنجاسة المغيرة للماء، سيما مع كون (شئ) نكرة في سياق الاثبات، وهو خلاف ما صرحوا به في المقام من ارادة العموم من لفظ (شئ) كما سيأتيك تحقيقه ان شاء الله تعالى في بيان نجاسة الماء القليل بالملاقاة. وبالجملة فكما ان لفظ (الماء) في المنطوق للعموم فكذا في المفهوم، ومثله لفظ (شئ) فيهما، ودلالته على العموم بتقريب ما ذكرنا آنفا مما لا مجال لانكاره. و (اما ثانيا) فلان ما ذكره من تعارض العمومين بناء على دلالة صحيحة حريز وامثالها (1) على ان كل ماء طاهر ما لم يتغير محل نظر، لعدم تسليم العموم من تلك الاخبار كما أشرنا إليه (2) وسيأتيك ان شاء الله تعالى (3) ما فيه زيادة تنبيه عليه، وحينئذ فلا عموم في ذلك الطرف ويبقى عموم المفهوم سالما من المعارض. ثم انه على تقدير تسليم العموم كما يدعونه فالاظهر تخصيصه بعموم المفهوم المؤيد بمنطوق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة (4)، وإلا فبالصحيحة المذكورة ان نوقش في تخصيص العام بالمفهوم، بناء على منع بعض الاصوليين ذلك مطلقا أو إلا ان تكون دلالته أقوى من دلالة العام على الفرد الذي يخصص به، فانه يخصص به العام حينئذ، وإلا فلا.


(1) المتقدمة في الصحيفة 179. (2) في الصحيفة 189 السطر 3. (3) في المقام الاول من الفصل الثالث عند الكلام في رد دلالة الاخبار المستدل بها على عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة. (4) في الصحيفة 191 السطر 12.

[ 194 ]

على ان التحقيق عندي كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى (1) ان دلالة هذه الاخبار على نجاسة القليل بالملاقاة لا تنحصر في مفهوم مخالفتها، بل المتبادر منها بقرينة المقام ان مقصودهم (عليهم السلام) بيان المعيار الفارق بين ما ينجس بملاقاة النجاسة وبين ما لا ينجس، فههنا في التحقيق دلالتان كما سيتضح لك في محله ان شاء الله تعالى. و (اما ثالثا) فلان ما ذكره من تعارض العمومين من وجه، فيه ان الظاهر ان مراده من العمومين عموم المفهوم القائل: ان كل ماء قليل ينجس بالملاقاة وعموم المنطوق الذي نطقت به الروايات الدالة على ان كل ماء لا ينجس ما لم يتغير، القائل بان كل ماء لا ينجس بمجرد الملاقاة. وانت خبير بان النسبة بين هذين العمومين هو العموم والخصوص المطلق لا من وجه. وعموم المفهوم أخص مطلقا. ومقتضى القاعدة المقررة تقديم العمل به وتخصيص العام به، وحينئذ فالدليل عليه لا له. و (اما رابعا) فلان ترجيحه (قدس سره) جانب الطهارة بالاجماع مع ان الاجماع عندهم دليل قطعي فلا يحتاج معه إلى الترجيح محل نظر لا يخفى، فكان الاولى أن يقول: ونقل الاجماع. هذا ما اقتضاه النظر العليل وخطر بالفكر الكليل والاحتياط حيثما توجه اوضح سبيل. (المقالة الخامسة) اشترط شيخنا الشهيد في الدورس في الجاري دوام النبع، وتبعه في هذا الشرط الشيخ جمال الدين احمد بن فهد في موجزه. قال في الدروس: " ولا يشترط فيه الكرية على الاصح. نعم يشترط فيه


(1) في المقام الاول من الفصل الثالث عند الكلام في رد الوجه الخامس من الوجوه التى استدل بها المحدث الكاشانى على عدم انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة.

[ 195 ]

دوام النبع " فعنده الشرط فيه احد الامرين: اما الكرية أو دوام النبع. واختلف كلام من تأخر عنه في فهم معنى هذا الكلام وما المراد منه. فقيل: ان المراد بدوام النبع عدم الانقطاع في اثناء الزمان ككثير من المياه التي تخرج زمن الشتاء وتجف في الصيف، وهو الذي صرح به شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان، ولذلك اعترض عليه وطالبه بالدليل. ولا ريب ان هذا المعنى هو الاربط باللفظ والاقرب إليه، لكونه المتبادر منه عرفا، ولكنه مما يقطع بفساده. (أما الاول) فلانه لا شاهد له في الاخبار، ولا يساعد عليه الاعتبار، فهو تخصيص لعموم الادلة بمجرد التشهي. و (اما ثانيا) فلان الدوام بالمعنى المذكور، ان اريد به ما يعم الزمان كله فلا ريب في بطلانه، إذ لا سبيل إلى العلم به، وان خص ببعضها فهو مجرد تحكم. وبالجملة فالظاهر ان فساده مما لا يخفى على ذلك المحقق النحرير، فساحة شأنه أجل من ان يجري منه به قلم التحرير. وقيل: ان المراد بدوام النبع استمراره حال ملاقاة النجاسة، وهذا هو الذي ذكره المحقق الشيخ علي بعد ان اطال في التشنيع على من فسر تلك العبارة بالمعنى الاول واستحسن هذا المعنى جملة ممن تأخر عنه، وهو وان كان خلاف ظاهر اللفظ إلا انه في حد ذاته مستقيم، إذ متى كان حال ملاقاة النجاسة غير مستمر النبع كان بمنزلة القليل. وانت خبير بان مرجعه إلى اعتبار المادة، وحينئذ فلا يزيد على اشتراط الجريان إذ الجاري كما عرفت هو النابع، فزيادة هذا القيد حينئذ ليس بمحل من الفائدة. وبعض محققي متأخري المتأخرين وجه كلام المحقق المذكور فقال بعد نقله واستحسانه: " وتقريبه ان عدم الانفعال بالملاقاة في قليل الجاري معلق بوجود المادة كما علمت، فلابد في الحكم بعدم الانفعال فيه من العلم بوجودها حال ملاقاة النجاسة،

[ 196 ]

وربما يتخلف ذلك في بعض افراد النابع كالقليل الذي يخرج بطريق الترشح (1) فان العلم بوجود المادة فيه عند ملاقاة النجاسة مشكل، لانه يترشح آنا فآنا، فليس له فيما بين الزمانين مادة، وهذا يقتضي الشك في وجودها عند الملاقاة فلا يعلم حصول الشرط واللازم من ذلك الحكم بالانفعال بها عملا بعموم ما دل على انفعال القليل، لسلامته حينئذ عن معارضة وجود المادة، ولا يخفى ان اشتراط استمرار النبع يخرج مثل هذا ولولاه لكان داخلا في عموم النابع، لصدق اسمه عليه. وهذا التقريب وان اقتضى تصحيح الاشتراط المذكور في الجملة إلا انه ليس بحاسم لمادة الاشكال، من حيث ان ما هذا شأنه في عدم العلم بوجود المادة له عند الملاقاة ربما حصل له في بعض الاوقات قوة بحيث يظهر فيه اثر وجود المادة، واللازم حينئذ عدم انفعاله، مع ان ظاهر الشرط يقتضي نجاسته. ويمكن ان يقال: ان الشرط منزل على الغالب من عدم العلم بوجود المادة في مثله وقت الملاقاة، ويكون حكم ذلك الفرض النادر محالا على الاعتبار، وهو شاهد بمساواته للمستمر " انتهى كلامه زيد مقامه. وفسر بعض الفضلاء المحدثين من متأخري المتأخرين النابع على وجوه: (احدها) ان ينبغ الماء حتى يبلغ حدا معينا ثم يقف ولا ينبغ ثانيا إلا بعد إخراج بعض الماء. و (ثانيها) ان لا ينبع ثانيا إلا بعد حفر جديد كما هو المشاهد في بعض الاراضي. و (ثالثها) ان ينبع الماء ولا يقف إلى حد كما في العيون الجارية، قال: " وشمول الاخبار المستفاد منها حكم الجاري للوجه الثاني غير واضح، فيبقى تحت


(1) هذا الكلام مما يدل على كون الماء الخارج بطريق الرشح من جملة النابع كما صرحنا به في المقالة الاولى (منه قدس سره).

[ 197 ]

ما يدل على اعتبار الكرية، وكأن مراد شيخنا الشهيد (رحمه الله) ما ذكرنا، وبذلك اندفع عنه ما اورد عليه " انتهى. (المقالة السادسة) قد عرفت مما تقدم (1) انه لا خلاف ولا اشكال في ان الجاري ينجس مع استيلاء النجاسة وغلبتها على أحد أوصافه الثلاثة، وحينئذ فان تغير بعضه اختص بالتنجيس إلا أن يكون الماء ممتدا وينقص ما تحت المتغير عن الكر ويستوعب التغير عمود الماء وهو خط ما بين حافيته عرضا وعمقا فينجس ما تحت المتغير ايضا، لتحقق الانفصال. وناقش بعض محققي متأخري المتأخرين في الحكم بنجاسة ما تحت المتغير في الصورة المذكورة، حيث قال بعد نقل الحكم المذكور: " وهذا الحكم وان كان مشهورا فيما بين المتأخرين لكن ليس له وجه ظاهر، إذ يتخيل حينئذ انه ينقطع اتصاله بما فوق فيصير في حكم القليل. وليس بمسلم، إذ الانقطاع إنما يحصل بانقطاع الماء وعدم جريانه إليه بالاتصال. وفيما نحن فيه ليس كذلك، إذ الماء يجري إلى ما تحت، غايته في البين ماء نجس. والحاصل ان الاصل الطهارة وعموم دلائل انفعال القليل قد عرفت حاله، فلابد في نجاسة هذا الماء من دليل، ولا دليل عليه إلا ان يتمسك بالشهرة أو عدم القول بالفصل. وفي الكل نظر لكن الاحتياط فيه " انتهى. وهو غريب، فانه ان سلم نجاسة القليل بالملاقاة كما يعطيه صدر كلامه فلا ريب انه يصدق على هذا الماء كونه كذلك. واتصاله بالجاري بواسطة الماء المتغير بالنجاسة على الوجه المذكور ليس باتصال. وان منعها أو منع عموم ادلتها على وجه يشمل موضع البحث فهي مسألة اخرى يأتي تحقيقها ان شاء الله تعالى (2).


(1) في المقالة الثالثة في الصحيفة 178. (2) ياتي تحقيق نجاسة القليل بالملاقاة وعدمها في المقام الاول من الفصل الثالث =

[ 198 ]

ثم ان للحكم المذكور زيادة على ما ذكرنا صورا تختلف باختلاف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في اعتبار استواء السطوح وعدمه كما سيأتي تفصيله ان شاء الله تعالى (1). وجملة صور المسألة ان يقال: إذا تغير بعض الجاري فاما ان يكون متساوي السطوح اولا، وعلى التقديرين اما ان يقطع التغير عمود الماء على ما قدمنا (2) أو لا وعلى الاول اما ان يبلغ ما ينحدر عن المتغير مقدار الكر أو لا. فهذه صور ست: (الاولى) كون السطوح متساوية ولا يقطع التغير عمود الماء. ولا اشكال في اختصاص المتغير بالتنجيس إذا بلغ الباقي كرا، ومع عدمه فيبنى على الخلاف المتقدم (3) من اشتراط كرية الجاري في عدم الانفعال وعدمه. (الثانية) الصورة بحالها ولكن استوعبت النجاسة عمود الماء وكان المنحدر عن المتغير كرا، وحينئذ فما فوق المتغير مما يلي المادة ان كان اكثر من كر فالحكم كما في الصورة الاولى، وإلا بني على الخلاف المتقدم (4) ايضا. وربما قيل هنا بعدم انفعاله لو كان قليلا وان اعتبرت الكرية، معللا بان جهة المادة في الجاري اعلى سطحا من المتنجس فلا ينفعل به. ورد بانه ليس بشئ، لان الجريان يتحقق مع مساواة السطوح كما يشهد به العيان. (الثالثة) الصورة الثانية بحالها إلا ان ما ينحدر عن المتغير دون الكر،


= ويأتى الكلام في عموم ادلة النجاسة بالملاقاة لموضع البحث وعدمه في المقام الرابع من الفصل الثالث. (1) في المسألة الثانية من الفصل الثاني. (2) في الصحيفة 197 السطر 6. (3) و (4) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187.

[ 199 ]

ولا ريب في نجاسته مع المتغير، لقلته وانفعاله، وحكم ما فوق المتغير كما في سابقتها. واحتمل بعض المحدثين (1) عدم تنجس ما تحت المتغير، قال: " لانه هارب عن المتغير واستلزام مجرد الاتصال التنجيس غير ثابت " انتهى. (الرابعة) ان تختلف السطوح ولم تستوعب النجاسة عمود الماء، وحكمها كما في الصورة الاولى. (الخامسة) الصورة بحالها ولكن استوعب النجاسة عمود الماء وكان ما بعد المتغير مما يبلغ الكر، والكلام في هذه الصورة مبني على الخلاف الآتي بيانه ان شاء الله تعالى (2) في اشتراط استواء سطوح مقدار الكر من الواقف وعدمه، فعلى الاشتراط ينجس ما تحت المتغير ايضا، وعلى تقدير عدمه يختص التنجيس بالمتغير. واما فوق المتغير فان كان فوقيته محسوسة فهو طاهر قطعا وان اعتبرنا الكرية في الجاري وكان أقل من كر، لانه أعلى من النجس فلا يؤثر فيه، وان كان انزل فيبنى على الخلاف المتقدم (3). (السادسة) الصورة بحالها ولكن المنحدر عن المتغير اقل من كر، ولا ريب في نجاسته. وحكم ما فوق المتغير كما في سابقتها. والاحتمال المتقدم (4) جار هنا ايضا هذا كله لو كان الماء ممتدا في قناة ونحوها. اما لو كان مجتمعا في مكانه الذي يخرج منه كمياه العيون الغير الممتدة فانه يختص التنجيس بالموضع المتغير ان كان الباقي كرا والا بني على الخلاف المتقدم (5) وربما امكن ايضا فرض الصور الثلاث الاول لو اتسع


(1) هو المحدث الامين الاسترابادي (قده) وسيجى في كلامه (منه قدس سره). (2) في المسألة الثانية من الفصل الثاني. (3) و (5) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187. (4) في الصحيفة الثالثة.

[ 200 ]

المكان الذي فيه الماء على الينابيع التي تخرج من الارض. ثم اعلم انه لا وجه هنا بناء على المشهور لاعتبار استواء السطوح في عدم الانفعال بالملاقاة كما سيأتي في الكثير من الراكد، لكن يتجه على قول العلامة باعتبار ذلك في كثير الراكد عند ملاقاة النجاسة، بناء على ما صرح به في التذكرة كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى اعتبار ذلك هنا ايضا في مقدار الكر من الجاري، لقوله بانفعاله بالملاقاة. لكنه (رحمه الله) في جملة من كتبه اطلق القول عند تغير البعض من الجاري باختصاص النجاسة بالمتغير دون ما فوقه وما تحته تساوت سطوحه أو اختلفت وهو لا يخلو من تدافع. الا ان يقال: ان اجماله في الكلام هنا احالة على ما علم تفصيله بالتأمل في مقتضى قواعده المقررة في تلك المسألة (1). واعتذر عنه بعض محققي متأخري المتأخرين بان عدم تعرضه هنا لذلك كأنه يرى للجاري خصوصية عن الواقف في الجملة وان شاركه في انفعال قليله بالملاقاة، ولعل الخصوصية كون الغالب فيه عدم الاستواء، فلو اعتبرت المساواة على حد ما ذكره في الواقف، للزم الحكم بتنجيس الانهار العظيمة بملاقاة النجاسة اوائلها التي تبلغ مقدار الكر ولو بضميمة ما فوقها، وذلك معلوم الانتفاء.


(1) قال في القواعد: " ولو تغير بعضه بها نجس دون ما قبله وما بعده ". وقال الشيخ علي (ره) في شرحه بعد كلام في المقام: " واطلاق عبارة المصنف تخرج على المذهب الاصحاب لا على اشتراط الكرية في الجارى، وهكذا صنع في غير ذلك من مسائل الجارى " انتهى. وقال في التذكرة: " لو تغير الجارى اختص المتغير منه بالتنجيس وكان غيره طاهرا، ثم قال: الثاني - لو كان الجارى أقل من كر نجس بالملاقاة للملاقى وما تحته وفى احد قولي الشافعي انه لا ينجس إلا بالتغير " انتهى. فانظر إلى هذا الاختلاف. ويحتمل ان يكون اطلاقه في جميع هذه الموارد محمولا على الجارى الذى هو كر فصاعدا وان الباقي بعد التغير لو تغير بعضه كر فصاعدا. والله العالم (منه رحمه الله). (25)

[ 201 ]

(المقالة السابعة) قد عرفت (1) ان الجاري مطلقا بناء على المشهور لا ينجس إلا بتغيره، وحينئذ فطهره، على ما صرح به الاصحاب من غير خلاف فيه بينهم بتدافع الماء من المادة وكثرته عليه حتى يستهلكه ويزول التغير، هذا ان اشترطنا في تطهير الماء الامتزاج كما هو أحد القولين، وان اكتفي بمجرد الاتصال كما هو القول الآخر اكتفي بمجرد زوال التغير، لمكان المادة، وبذلك صرح جمع من متأخري المتأخرين منهم: السيد في المدارك. ونقل عن بعض الاصحاب انه بناء على القول الاخير يتوقف طهره هنا على التدافع والكثرة، نظرا إلى ان الاتصال المعتبر في التطهير هو الحاصل بطريق العلو أو المساواة وذلك بالنسبة إلى المادة غير متحقق، لانها باعتبار خروجها من الارض لا تكون إلا أسفل منه (2) وفي التعليل منع ظاهر. واعلم انا لم نقف في شئ من الاخبار على تطهير الماء النجس سوى ما ورد في البئر وفي باب الحمام. ويمكن الاستدلال هنا على الطهارة بالوجه المذكور بما رواه ثقة الاسلام في الكافي (3) عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " ان ماء الحمام


(1) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187. (2) والظاهر انه إلى هذا القول يميل كلام المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المعالم، حيث قال - بعد نقل القول المذكور ونقل القول بالاكتفاء بمجرد زوال التغير - ما صورته: " والتحقيق انه ان كان للمادة نوع علو على الماء النجس أو مساراة فالمتجه الحكم بالطهارة عند زوال التغير بناء على الاكتفاء بالاتصال، وإلا فاشتراط التكاثر والتدافع متعين " انتهى. وهو ذلك القول بعينه الا ان فيه استدراكا على ذلك القائل، حيث ان ظاهر كلامه ان المادة لا تكون الا اسفل واوجب التدافع والتكاثر، مع ان المادة قد تكون أعلى أو مساوية بان تكون في ارض مرتفعة كما ذكر المحقق المذكور (منه رحمه الله). (3) في الباب - 10 - من كتاب الطهارة وفى الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 202 ]

كماء النهر يطهر بعضه بعضا ". هذا على تقدير القول المشهور، واما على ما مذهب إليه العلامة من اشتراط الكرية في عدم الانفعال، ففيه اشكال، لانه متى تغير الجاري على وجه لا يبلغ الباقي كرا فلا يطهر إلا بمطهر من خارج، لان ما يخرج بالنبع لا يكون إلا قليلا فينفعل بالملاقاة بعد خروجه، وهكذا فيما يخرج دفعة ثانية وثالثة وهكذا، فلا يتصور حصول الطهارة به وان استهلك المتغير، لان الاستهلاك بماء محكوم بنجاسته كما عرفت. وقد اطلق (قدس سره) في كتبه طهارة الجاري المتغير بتكاثر الماء وتدافعه حتى يزول التغير، وعلله في المنتهى والتذكرة بان الطارئ لا يقبل النجاسة لجريانه، والمتغير مستهلك فيه (1) وانت خبير بما فيه، قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين بعد ايراد ذلك على قوله " ويمكن ان يجعل هذا من جملة الادلة على بطلان تلك الدعوى " انتهى. (المقالة الثامنة) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان حكم ماء الحمام كالجاري إذا كان له مادة، قالوا: والمراد بماء الحمال يعني ما في حياضه الصغار. ثم اختلفوا في اشتراط الكرية في المادة وعدمه، وحينئذ فالبحث هنا يقع في مواضع ثلاثة:


(1) ويظهر - من كلام العلامة (ره) في حكم تغير البئر - انه يرى تعين النزح وان امكن ازالة التغير بغيره، وحمله بعضهم على انه ناظر إلى اشتراط الكرية في عدم انفعاله بكونه من جملة انواع الجارى الذى يعتبر فيه الكرية، فلا تصلح المادة بمجردها للتطهير حيث يزول التغير، قال في المعالم بعد نقل ذلك: " ولا يذهب عليك ان حكمه - بحصول الطهارة بمثل النزح في مطلق الجاري الذى هو العنوان في الاشتراط - يباين هذا الحمل وينافيه، ولو نظر إلى ذلك في حكم البئر لكان مورد الشرط اعني مطلق الجارى احق بهذا النظر " انتهى (منه رحمه الله).

[ 203 ]

(الاول) في بيان كونه كالحاري، والظاهر ان المراد من التشبيه عدم نجاسة ما في حياضه الصغار بالملاقاة عند الاتصال بالمادة. ويدل على أصل الحكم صحيحة داود بن سرحان (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في ماء الحمام ؟ قال: هو بمنزلة الماء الجاري ". ورواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " قلت: اخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب والصبي واليهودي والنصراني والمجوسي ؟ فقال: ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا ". ورواية بكر بن حبيب عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد (4) عن اسماعيل بن جابر عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) قال: ابتدأني فقال: " ماء الحمام لا ينجسه شئ ". وما في كتاب الفقه الرضوي (5) قال (عليه السلام): " وماء الحمام سبيله سبيل الجاري إذا كانت له مادة ". وربما امكن تطرق الاشكال إلى هذا الاستدلال بان ذلك لا يتم إلا بعد معرفة الحيضان التي كانت في زمنهم (عليهم السلام) على اي كيفية كانت ؟ إذ الظاهر ان الاسئلة كانت عن ماء الحمام المعهود عندهم، سيما ان اصل الاضافة للعهد، لكن لا يخفى ان ضم الاخبار المشتملة على اشتراط المادة إلى الاخبار الباقية يعطي بظاهره


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في باب - 7 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) في الصحيفة 128 السطر 9 من المطبوع بطهران سنة 1370، وفى الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 4 السطر 32.

[ 204 ]

ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من ان المراد بماء الحمام ما في حياضه الصغار التي لا تبلغ الكر، والمادة عبارة عن الحوض الكبير الذي يجري منه الماء إلى الحياض الصغار، ولهذا تضمن الخبر الاخير (1) اشتراط مشابهة الجاري بوجود المادة له، ورواية بكر بن حبيب (2) نفي البأس عنه بشرط المادة. والمراد في الخبرين اتصالها به إذ مع عدمه يلحقه حكم القليل حينئذ. ومما ذكرنا علم الكلام في الموضع الثاني ايضا. واما الموضع الثالث فالمشهور بين الاصحاب اشتراط الكرية في المادة استنادا إلى انه مع عدم الكرية يدخل تحت القليل فينفعل بالملاقاة. وذهب المحقق في المعتبر إلى عدم اعتبار كثرة المادة وقلتها، لكن لو تنجس ما في الحياض لم يطهر بمجرد جريانها (3) إليه. ويدل عليه اطلاق صحيحة داود بن سرحان (4) فان جعله بمنزلة الجاري كالصريح في عدم اشتراط الكرية، واطلاق رواية بكر بن حبيب (5) فان المادة فيها أعم من كونها كرا أو دونه. واجيب عن الاولى بعدم التعرض فيها للمادة ولا للقلة والكثرة. واما الثانية


(1) وهو حديث الفقه الرضوي المتقدم في الصحيفة 203 السطر 12. (2) و (5) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 8. (3) ظاهر كلام المحقق (ره) ان عدم اعتبار قلة المادة وكثرتها مع اتصالها بالحوض الصغير إنما هو لعدم انفعال المجموع بما يلاقيه من النجاسة، وانه كالجاري لذلك وان قل الجميع عن الكر. اما لو انفصلت المادة عن الحوض فتنجس ماء الحوض، لم يطهر بمجرد اجراء تلك المادة إليه بل لابد من كريتها حينئذ، ويكون حكم الحمام حينئذ حكم غيره من الماء القليل إذا اريد تطهير، فانه لابد من القاء الكر عليه دفعة على ما في ذلك من التفاصيل الآتية (منه قدس سره). (4) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3.

[ 205 ]

فبضعف السند أولا، وحمل اطلاق المادة فيها على ما هو الغالب من اكثرية المادة كما هو الان موجود، أو ارادة الكثرة من لفظ المادة لاشعارها بذلك. ولئن سلمنا العموم في كلا الخبرين فلا ريب ان عموم اشتراط الكرية أقوى دلالة فيجب تخصيص هذا العموم به. ويرد على ذلك ان عدم التعرض للمادة والقلة والكثرة لا ينفي صحة الاستدلال بالخبر باعتبار عمومه، وتنزيله منزلة الجاري في الخبر المذكور اخرجه عن حكم القليل، فلا يلزم من الحكم بانفعال القليل بالملاقاة الحكم بانفعاله، فانه كما خرج ماء الاستنجاء وماء المطر عن قاعدة الماء القليل بنص خاص، فكذا ماء الحمام ينبغي خروجه بمقتضى النص المذكور. نعم يخرج منه القليل الذي لم يتصل بالمادة اصلا بناء على القول بنجاسة القليل بالملاقاة باجماع القائلين بذلك عليه، ويبقى غيره داخلا في عموم الخبر. وبالجملة فهذه الروايات اخص موضوعا من الروايات الدالة على انفعال القليل بالملاقاة، ومقتضى القاعدة تخصيص تلك بهذه لا العكس. واما ضعف السند في الرواية الثانية (1) فيدفعه جبر ذلك بعمل الاصحاب كما هو مقرر بينهم، وكلا الامرين اصطلاحيان. والحمل على الغالب خلاف الظاهر وخلاف مدلول تلك الصحيحة المذكورة (2). والى هذا القول (3) مال جملة من المتأخرين ومتأخريهم (4).


(1) وهى رواية بكر بن حبيب المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 8. (2) وهى صحيحة داود بن سرحان المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3. (3) وايد هذا القول بعضهم بالعمومات الدالة على طهارة مطلق الماء، والعمومات الدالة على طهارة مطلق الماء ما لم يتغير (منه رحمه الله). (4) منهم: شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين، فانه نفى عند البعد وايده بنحو ما ذكرنا. والمحدث الكاشانى في الوافى، والمحدث الاسترابادي في تعليقاته على المدارك، والفاضل الخراساني في الذخيرة والكفاية (منه قدس سره).

[ 206 ]

وربما بنى ذلك بعضهم على قاعدة الفرق في نجاسة الماء القليل بين ورود النجاسة عليه ووروده على النجاسة، فحكم هنا بعدم النجاسة من حيث ورود الماء على النجاسة، وجعل ذلك هو السر في عدم تنجس ماء الحمام بمجرد الملاقاة وفي طهارة ماء الاستنجاء، قال: " فلا حاجة حينئذ إلى اعتبار كرية المادة بل ولا كرية المجموع من المادة وما في الحوض والماء النازل " ثم اعترض على نفسه بان النجاسة ههنا واردة على ماء الحوض واجاب بان المفروض ورود الماء من المادة على ماء الحوض وتسلطه على ماء الحوض وعلى ما يصيبه من القذر، فلم تكن النجاسة واردة على ما هو حافظ لطهارة ماء الحوض بل الامر بالعكس، ثم قال: " وقد اتضح مما ذكرناه ان على مذهب من يخص تنجيس القليل بصورة ورود النجاسة عليه يتجه القول بعدم اشتراط الكرية في مادة الحمام " انتهى. و (فيه اولا) انه ان استند في استثناء ماء الحمام من قاعدة تنجس القليل بالملاقاة إلى هذه الاخبار فهي لا اشعار فيها بهذا التخصيص، بل مقتضى ظاهر التشبيه بالجاري هو عدم الانفعال مطلقا، وكذا ظاهر نفي البأس مع وجود المادة، وكذا ظاهر قوله في رواية قرب الاسناد (1): " لا ينجسه شئ " فان ذلك كله يدل بظاهره على عدم انفاله بالملاقاة كيف كانت. و (ثانيا) ام ما ذكره إنما يتم لو كان الماء الجاري من المادة إلى الحوض الصغير آتيا عليه من اعلاه. اما لو كان آتيا من أسفله كما هو معمول في كثر من الحياض فلا يتم ما ذكره. مع ان ورود المادة على الحوض الصغير أعم من ان يكون من جهة العلو أو السفل. و (ثالثا) انه لا يظهر حينئذ التشبيه بالجاري هنا مزية، إذ متى كان


(1) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 10.

[ 207 ]

حكمه حكم الماء القليل في تنجسه بورود النجاسة عليه دون وروده عليها كما هو مختاره في الماء القليل مطلقا فاي ثمرة لهذا التشبيه ؟ فان ما ذكره حكم عام للماء القليل بجميع افراده وهذا أحدها، بل الظاهر والله سبحانه واولياؤه أعلم من تلك الاخبار المتقدمة (1) الدال بعضها على انه كالجاري مطلقا، وبعضها انه كماء النهر يطهر بعضه بعضا، وبعضها انه لا ينجسه شئ مطلقا وان دل دليل من الخارج على تخصيصه بالتغير بالنجاسة، وبعضها على نفي البأس عنه بشرط المادة ان لماء الحمام خصوصية يمتاز بها عن مطلق الماء القليل، وليس ذلك إلا باعتبار عدم انفعاله بالملاقاة وان قل، بخلاف مطلق الماء القليل، وان خص انفعال مطلق القليل بورود النجاسة عليه دون العكس، كما اختاره القائل المذكور وفاقا لمن سبقه في ذلك ايضا، فلابد هنا من اعتبار عدم الانفعال مطلقا مع القلة ورد على النجاسة أو وردت عليه تحقيقا للخصوصية المميزة المستفاد من تلك الاخبار. وينبغي التنبيه هنا على امور: (الاول) هل يشترط بناء على القول بكرية المادة بلوغ المادة وحدها كرا لتعصم ما في الحياض عن الانفعال بالنجاسة بعد الاتصال، أو يكفي بلوغ المجموع منها ومما في الحياض كرا مع تواصلهما مطلقا ؟ ظاهر اكثر المتأخرين حيث اطلقوا القول بكرية المادة الاول، مع انهم اطلقوا القول بان الغديرين إذا وصل بينهما بساقية وكان مجموعهما مع الساقية كرا، لم ينفعلا بملاقاة النجاسة. وذلك يقتضي أن يكون حكم الحمام اغلظ، مع انه ليس كذلك، لما عرفت من الاخبار المتقدمة (2).


(1) و (2) في الصحيفة 203.

[ 208 ]

وربما اجيب بان اطلاق القول بكرية المادة في الحمام محمول على ما إذا لم يكونا متساويين بناء على الغالب من علو المادة. فاما مع التساوي فيكفي بلوغ المجموع كرا ونقل في المعالم عن بعض الاصحاب التصريح بالتفصيل المذكور، ثم قال: " وهو الاجود " واطلاق القول في الغديرين محمول على المتساويين. ورد بان العلامة ايضا قد صرح في الغديرين المختلفين بتقوي الاسفل بالاعلى. واجيب عنه بحمل الاختلاف في الصورة المذكورة على ما إذا كان بطريق الانحدار دون التسنم من ميزاب ونحوه. والغالب في الحمام هو الثاني، وحينئذ فاطلاق القول في الغديرين محمول اما على التساوي أو على الاختلاف الحاصل بالانحدار، فانه متى كان كذلك لم ينفعل شئ منهما، واطلاق القول في الحمام محمول على الاختلاف الحاصل بالتسنم من ميزاب ونحوه (1). ولا يخفى ما في هذه التقييدات من التكلف والتمحل، وكأن محصل الفرق المذكور على هذا التقرير دخول الماء المتساوي السطوح والمختلف على وجه الانحدار في الاخبار الدالة على عدم نجاسة الكر بالملاقاة، ومرجعه إلى حصول الوحدة في الماء على وجه يكون داخلا تحت تلك الاخبار. واما إذا كان متسنما من ميزاب ونحوه فانه ليس كذلك فلا يدخل تحت تلك الاخبار. فاعتبرت كرية المادة في الحمام لكون اتيانها


(1) واجاب بعض متأخرى الاصحاب بان اطلاق الاصحاب اشتراط كرية المادة مبنى على الغالب من كثرة الاخذ من ماء الحوض، فلو لم تكن المادة وحدها كرا لنقص بالاخذ وانفعل، والا فالاجماع قائم على انه يكفى بلوغ المجموع كرا وان اختلفت السطوح ولا يخفى ما فيه حق ان صاحب المعالم عده من المجازفات العجيبة. وبعض آخر عد اطلاق اشتراط الكرية في المادة قولا مغايرا للتفصيل باستواء السطوح وعدمه، ومقتضى ذلك وجود القائل باشتراط كرية المادة وحدها وان استوت السطوح. ولا يخفى ما بين القولين المذكورين من التباعد (منه رحمه الله).

[ 209 ]

على الحياض على ذلك الوجه المقتضي لعدم اتحادها مع ما في الحياض. ولا يخفى ما في هذا التقييد من المخالفة لاطلاق النص واطلاق كلام الاصحاب. فالتحقيق هو ما قدمنا (1) من عدم اعتبار كرية المادة، وان هذا الحكم خارج بالنص، فلا يحتاج إلى ارتكاب هذه التمحلات. على انه قد صرح المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) بان المستفاد من روايات باب الكر تقوي كل جزء منه بالباقي، قال: " وهذا المعنى موجود في الساكن دون غيره. لعدم تقوي الاعلى بالاسفل في غير الساكن، بل اعتبر الشيخ المحقق ابن العالم الرباني الشهيد الثاني (رحمهما الله تعالى) في كتاب المعالم تقارب اجزاء الماء كما تشعر به روايات هذا الباب ليحصل التقوى المذكور، فان مع تقارب اجزاء الماء النجاسة الواردة عليه تنتشر وتتوزع عليها ". انتهى كلامه (زيد مقامه). واجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين بان الغرض من اشتراط الكرية في المادة وحدها لتطهير الحوض الصغير لا لمجرد عدم انفعالها. ونقل السيد في المدارك عن جده في فوائد القواعد الثاني، لعموم قوله (عليه السلام) في عدة اخبار صحيحة (2): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " قال: " وهو متجه، وعلى هذا فلا فرق بين ماء الحمام وغيره " انتهى. اقول: وهذا القول من شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) متجه على ما اختاره مما سيأتي ذكره (3) من الحكم بالوحدة بمجرد الاتصال، وان استواء سطح الماء غير معتبر في الكر، فلو بلغ الماء المتواصل المختلف السطوح كرا لم ينفعل شئ منه بالملاقاة


(1) في الموضع الثالث في الصحيفة 204. (2) رواها صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.

[ 210 ]

سواء في ذلك الاعلى والاسفل، وسيأتي تحقيق القول في ذلك ان شاء الله تعالى. هذا. وظاهر العلامة في التحرير اعتبار زيادة المادة عن الكر، حيث قال بعد الكلام في الجاري: " وحكم ماء الحمام حكمه إذا كان له مادة تزيد على الكر " انتهى وهو غريب (1). (الثاني) لو انفصل ماء المادة عن الحوض وتنجس ماؤه، فهل يطهر بمجرد اتصال المادة به ام يشترط فيه الامتزاج والغلبة ؟ وجهان بل قولان مبنيان على الكلام في تطهير القليل بالقاء الكر عليه كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (2). واختار العلامة في التذكرة والمنتهى هنا الثاني، واحتج عليه في المنتهى بان الصادق (عليه السلام) حكم بانه بمنزلة الجاري (3)، ولو تنجس الجاري لم يطهر إلا باستيلاء الماء عليه بحيث يزيل انفعاله. مع انه (قد) في التحرير والمنتهى والنهاية في مسألة الغديرين حكم بطهارة النجس منهما باتصاله بالبالغ كرا، وهو مناقض لما حكم به في هذه المسألة، لان المسألتين من باب واحد. كذا اورده عليه جمع من المتأخرين.


(1) وقد تلخص مما ذكرنا من البحث ان الاقوال في المادة خمسة: (احدها) - ما هو المشهور من اعتبار الكرية فيها وحدها حملا لها على التسنم كما اعتبروه وحكموا عليه بالاطلاق (الثاني) - الاكتفاء ببلوغها مع ما في الحوض كرا ايضا، وهو قول الشيخ الشهيد الثاني (الثالث) - عدم اعتبار الكرية ولو نقصت هي مع ما في الحوض عن الكر، وهو ظاهر المحقق والمؤيد بظواهر الاخبار (الرابع) - هو الثالث بعينه لكنه بشرط ورود الماء على النجاسة، وهو اختيار المحدث الامين الاسترابادي. و (خامسها) - ما في التحرير من الزيادة على الكر (منه رحمه الله). (2) في الموضع الاول من المقام الخامس من الفصل الثالث. (3) في صحيحة دارد بن سرحان المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3.

[ 211 ]

ويمكن الجواب عنه (اولا) - بان ظاهر استدلاله في المنتهى بالخبر المذكور على الممازجة في ماء الحمام اختصاص الحكم المذكور بالحمام، لما ذكره الخبر، فكأن حكم الحمام عنده في المسألة المذكورة مستثنى من مواضع تطهير القليل. و (ثانيا) انك قد عرفت ايضا (1) تقييد اطلاق القول في الغديرين بالحمل على المتساويين أو المختلفين بطريق الانحدار دون التسنم، فيمكن حمل كلامه هنا في تلك الكتب بالاكتفاء بمجرد الاتصال على ذلك، بخلاف الحمام، لما عرفت سابقا (2) من كون جريان المادة في الاغلب بطريق التسنم، فلابد فيه من الممازجة. واختار جماعة منهم: شيخنا الشهيد الثاني الاول، بناء على اصله المشار إليه انفا (3) ونقل ايضا عن المحقق الشيخ علي (رحمه الله) واليه مال في المدارك ايضا، واستدلوا على ذلك بما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى في مسألة تطهير القليل (4). ولعل الاظهر هنا الثاني، لان يقين النجاسة لا يحكم بارتفاعه إلا بدلالة معتبرة، والارتفاع بالممازجة مجمع عليه، مع اشعار جملة من النصوص به كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (5) مع تحقيق في المقام يكشف عن هذه المسألة وامثالها نقاب الابهام. (الثالث) هل يشترط في تطهير الحوض زيادة المادة على الكر بمقدار ما تحصل به الممازجة والغلبة (6) بناء على اشتراط الممازجة. أو بمقدار الماء المنحدر


(1) (2) في الامر الاول في الصحيفة 207. (3) في الصحيفة 209 السطر 16. (4) و (5) في الموضع الاول من المقام الخامس من الفصل الثالث. (6) فلو اتصل بها على وجه لم تحصل الممازجة ونقص الباقي عن الكر، تنجس حينئذ وحينئذ فما لم تحصل الممازجة والحوض باق على النجاسة لابد من كون الباقي على قدر يعصمه من النجاسة وبالجملة فانه يشترط الزيادة على الكرية ما دام الحوض بافيا على النجاسة. فماذا حصلت الممازجة كفى كون الباقي كرا (منه رحمه الله).

[ 212 ]

للحوض المتصل به (1) بناء على مجدر الاتصال ام لا ؟ قولان. صرح بالاول المحقق الشيخ علي والشهيد الثاني، وعللاه بانها لو كانت كرا فقط لكان ورود شئ منها على الحياض موجبا لخروجها عن الكرية، إذ المعتبر كرية المادة بعد الملاقاة، فتقبل الانفعال حينئذ، وهو صريح التحرير كما تقدم (2). وبالثاني صرح السيد السند في المدارك، قال (قدس سره): " الظاهر الاكتفاء في تطهير ما في الحياض بكيرة المادة، ولا يشترط زيادتها على الكر، وبه صرح في المنتهى في مسألة الغديرين، ويلوح من اشتراطهم في تطهير القليل القاء كر عليه دفعة اعتبار زيادة المادة على الكر هنا " انتهى. وفيه انك قد عرفت سابقا (3) من مقتضى الجمع بين اطلاقي القول بكرية المادة والقول بالاكتفاء في الغديرين بحصول الكرية من مجموعهما ومن الساقية تقييد المادة بالتسنم، ومن ثم اعتبر فيها الكرية على حدة، وتقييد الغديرين بالتساوي أو الاختلاف على جهة الانحدار، ومن ثم اكتفي بكرية المجموع. وبذلك يظهر لك ما في كلامه من الاستناد إلى ما صرح به في المنتهى في مسألة الغديرين. نعم لقائل أن يقول: ان هذه الزيادة المعتبرة سواء اعتبرت في التطهير بمجرد الاتصال أو المزج لا دليل عليها. قولكم: انها بعد الملاقاة باول جزء منها ينجس الملاقي مع كون الباقي أقل من كر قلنا نجاسة اول المادة باتصالها بالحوض النجس ليس أولى من طهارة النجس باتصالها به، فلابد لترجيح الاول من دليل. على ان


(1) وذلك لان الاجزاء التى تتصل بالحوض منها تنفصل في الحكم عن المادة لكونها اسفل منها، فيعتبر في عدم انفعالها بملاقاة ماء الحوض اتصالها بمادة كثيرة عالية (منه قدس سره). (2) في الصحيفة 210 السطر 2. (3) في الامر الاول في الصحيفة 207.

[ 213 ]

التحقيق كما سيأتي ان شاء الله تعالى (1) ان شرط الطهارة في المطهر وعدم النجاسة إنما هو قبل التطهير. واما نجاسته حال التطهير فلا دليل على المنع منها. والمحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) بناء على ما يختاره من تخصيص نجاسة القليل بالملاقاة بورود النجاسة على الماء دون العكس صرح هنا بانه يتجه ان يقال: انه لا حاجة إلى كرية المادة بل يكفي جريان الماء الطاهر بقوة بحيث يستهلك الماء فيه، واستند إلى ظواهر جملة من الاخبار ستأتي الاشارة إليها ان شاء الله تعالى. هذا كله مع علو المادة على الحوض. اما مع المساواة كما يتفق في بعض الحياض من جعل موضع الاتصال اسفل الحوض فلا يشترط الزيادة، بل يكفي مجرد الاتصال على أحد القولين أو جريانها إليه بقوة إلى ان يحصل الامتزاج على القول الآخر. (الرابع) لو شك في كرية المادة فظاهر كلام جملة من الاصحاب وبه صرح بعضهم انه يبنى على الاصل وهو عدم البلوغ. واستضعفه بعض محققي متأخري المتأخرين، واستظهر البناء على طهارتها وعدم الحكم بنجاستها بملاقاة النجاسة. واحتج بالروايات الدالة على ان " كل ماء طاهر حتى يعلم انه قذر " (2) واستصحاب الطهارة الوارد فيه النص بخصوصه كما ورد في تطهير الثياب. وفيه نظر، لتطرق القدح إلى ما اورده من الادلة. (اما الاول) فلما مضى بيانه في المقالة الرابعة (3).


(1) في رد الوجه الثالث من الوجوه التى استدل بها المحدث الكاشانى على عدم انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة، وفى المسألة الرابعة من المقام الاول من تتمة باب المياه. (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة وقد تقدم الكلام فيما يرجع إلى هذا المضمون في التعليقة 1 في الصحيفة 177. (3) في الصحيفة 190 السطر 3.

[ 214 ]

و (اما الثاني) فلان استصحاب الطهارة الذي ورد به النص في الثوب هو ما إذا كان الثوب متيقن الطهارة وشك في عروض النجاسة له، كما تضمنته صحيحة زرارة المضمرة (1) وغيرها، فانه لا يخرج عن يقين الطهارة الا بيقين النجاسة. ووجه الفرق بين هذه وبين ما نحن فيه ظاهر، فان صحيحة زرارة المذكورة وظاهر غيرها ان الغرض المترتب على التمسك بيقين الطهارة في هذه المواضع هو دفع الشك بعروض النجاسة حتى يحصل اليقين بها، فالتمسك بيقين الطهارة إنما هو في مقابلة الشك في عروض النجاسة، وافراد هذه الكليات إنما هي الامور المقطوع بعدم العلم بملاقاة النجاسة لها. فتستصحب طهارتها إلى ان يظهر خلافها. وما نحن فيه ليس كذلك، إذ هو مما تحقق ملاقاة النجاسة له لكن حصل الشك في بلوغه القدر العاصم من النجاسة وعدمه، وليس الشك هنا في ملاقاة النجاسة كما هو مساق تلك الاخبار، ومثل ذلك لو حصل في ثوب دم محكوم بنجاسته شرعا لكن حصل الشك في زيادته على الدرهم وعدمها. فانه ليس للقائل ان يستند إلى هذه الاخبار بان الاصل طهارة الثوب لقوله (عليه السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " (2). وبالجملة فالمراد بالشك الذي لا يعارض اليقين هو الشك في عروض النجاسة وملاقاة النجس لا الشك في السبب الموجب للتنجيس. (المقالة التاسعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان ماء المطر في الجملة حال تقاطره كالجاري. ونقل عن ظاهر الشيخ اشتراط


(1) المتقدمة في الصحيفة 139 السطر 3، وقد تقدم الكلام فيها في التعليقة 1 من نفس الصحيفة، وقد اسندها هناك إلى ابى جعفر (عليه السلام). (2) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 42 وسيأتى منه (قدس سره) - في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من مسائل البحث الاول من ابحاث احكام النجاسات - التصريح بما ذكرناه هناك.

[ 215 ]

الجريان من ميزاب، واطلاق تشبيهه بالجاري يقتضي عدم انفعاله بملاقاة النجاسة، وتطهيره لما يقع عليه من ماء نجس أو ارض أو ثياب أو ظروف أو نحو ذلك. وتحقيق القول في ذلك يتوقف على النظر في الاخبار الواردة في المقام، فلنورد ما عثرنا عليه منها ثم نردفه بما يكشف عنه نقاب الابهام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم أفضل الصلاة السلام). فمن الاخبار صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في ميزابين سالا أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فاصاب ثوب رجل. لم يضره ذلك ". ورواية محمد بن مروان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لو ان ميزابين سالا أحدهما ميزاب بول والاخر ميزاب ماء فاختلطا ثم اصابك، ما كان به بأس ". وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة ؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به. وسألته عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فاصاب ثوبه. هل يصلي فيه قبل ان يغسله ؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس ". وصحيحة هشام بن سالم (4) انه: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب. فقال لا بأس به، ما اصابه من الماء اكثر منه ".


(1) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 216 ]

ومرسلة الكاهلي عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت امر في الطريق فيسيل علي الميزاب في اوقات أعلم ان الناس يتوضؤون ؟ قال: ليس به بأس لا تسأل عنه. قلت: يسيل علي من ماء المطر ارى فيه التغير وارى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه ؟ والبيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا ؟ قال: ما بذا بأس لا تغسله، كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر ". ورواية أبي بصير (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا فتمطر السماء فتقطر علي القطرة ؟ قال: ليس به بأس ". ومرسلة محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابنا عن ابي الحسن موس بن جعفر (عليهما السلام) (3) " في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلاثة أيام الا ان يعلم انه قد نجسه شئ بعد المطر، فان أصابه بعد ثلاثة فاغسله، وان كان الطريق نظيفا فلا تغسله ". وروى في الفقيه (4) مرسلا قال: " وسئل (عليه السلام) عن طين المطر يصيب الثوب فيه البول والعذرة والدم. فقال طين المطر لا ينجس ". وروى علي بن جعفر في كتاب المسائل والحميري في قرب الاسناد (5) عنه عن اخيه (عليه السلام) قال: " سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 75 - من ابواب النجاسات. (4) في باب " المياه وطهرها ونجاستها " ورواه صاحب الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الما المطلق من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 89 من المطبوع بايران، وفى الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة من الوسائل.

[ 217 ]

فيكف فيصيب الثياب، ايصلى فيها قبل ان تغسل ؟ قال: إذا جرى من ماء المطر فلا باس ". وروى في كتاب المسائل ايضا عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب، ايصلى فيه قبل ان يغسل ؟ قال: إذا جرى به المطر فلا بأس ". وروى في كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): " إذا بقى ماء المطر في الطرقات ثلاثة أيام، نجس واحتيج إلى غسل الثوب منه. وماء المطر في الصحاري لا ينجس. وروي طين المطر في الصحاري يجوز الصلاة فيه طول الشتاء ". هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام. ويدل على اعتبار الجريان منها صحيحة هشام بن الحكم (3) ورواية محمد ابن مروان (4) وصحيحة علي بن جعفر (5) وروايتاه المنقولتان من كتابه (6) ولكن اعتبار الجريان من الميزاب انما وقع في الاولتين، وليس فيهما دلالة على تخصيص الحكم بذلك، فلا تنهضان حجة للمستدل (7) ولعل ذكر الميزاب في كلام الشيخ على جهة التمثيل كما احتمله جمع من المحققين. وانت خبير بان هذه الاخبار لا تصريح فيها بكون ماء المطر كالجاري مطلقا أو مقيدا بحالة مخصوصة إلا من حيث اجوبة المسائل المسؤول عنها فيها. فان بعضها


(1) ورواه صاحب الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) في الصحيفة 5 السطر 26 (3) و (4) و (5) المتقدمة في الصحيفة 215. (6) احداهما في الصحيفة 216 والاخرى في هذه الصحيفة. (7) إذ غاية ما يستفاد منهما هو عدم ضرر ذلك ونفى البأس عنه لو اتفق كذلك، وهذا لا يدل على انحصار الحكم فيه والاقتصار عليه كما لا يخفى (منه قدس سره).

[ 218 ]

لا ينطبق على تقدير جعله كالماء القليل المنفعل بالملاقاة على المشهور، وحينئذ فغاية ما يستفاد منها كون ماء المطر قسما ثالثا بين الجاري والراكد، وله أحكام قد يشارك في بعضها الجاري وفي البعض الآخر الراكد، فاما مشاركته للجاري ففي صورة الجريان قطعا والكثرة على الظاهر، كما يدل عليه ما تضمن اشتراط الجريان من الاخبار المتقدمة، وما تضمن اعتبار الكثرة، وهو صحيحة هشام (1)، لجعله (عليه السلام) الجريان في تلك الاخبار والكثرة في الخبر المذكور علة لحصول الطهارة (2) وخصوص


(1) المتقدمة في الصحيفة 215 السطر 17. (2) وما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة - من ان صحة الاستدلال بهذا الخبر مبنية على تعين ارجاع الضمير في قوله (عليه السلام): " ما اصابه " إلى السطح. وهو ممنوع بل يمكن ارجاعه إلى الثوب. فكأنه قال (عليه السلام): " القطرة الواصلة إلى الثوب غالب على البول الذى لاقاه " ثم قال: " وايضا ما ذكره من الدليل على تعدية الحكم على تقدير تمامه إنما يصح إذا رجع ضمير (منه) إلى مطلق النجاسة. وليس كذلك، بل الظاهر رجوع الضمير إلى البول، فلا يلزم الانسحاب في كل نجاسة " انتهى - مدفوع (اولا) - بان ظاهر الرواية قد تضمن السؤال عن ظهر البيت الذى يبال عليه متى اصابه المطر، وعما يقطر منه فيصيب الثوب، والاول منهما هو المقصود بالذات. لان الثاني متفرع عليه كما لا يخفى، فلو جعل ضمير (ما اصابه) راجعا إلى الثوب لزم كون التعليل المذكور مخصوصا بالسؤال الثاني، ولزم عدم الجواب عن السؤال الاول الذى هو المقصود الذاتي، لان مرجع ضمير (اصابه) هو مرجع ضمير (به) في (لا باس به) ومتى جعل مرجع الجميع إلى الثوب لزم خلو السؤال الاول من الجواب. و (ثانيا) - ان البول إنما هو على ظهر البيت لا في الثوب حتى تكون القطرة الواصلة إليه غالبا على البول الذى لاقاه، والرواية إنما تضمنت كون القطرة النازلة من السطح النجس بالبول حال المطر هل تنجس الثوب ام لا ؟ لا ان الثوب فيه بول ووقع عليه من ماء المطر اكثر منه كما توهمه. وهو غفلة عجيب منه. و (ثالثا) - ان ضمير (منه) انما يرجع إلى البول، لكن لما كانت خصوصية البول لا مدخل لها في العلية حكم بالانسحاب إلى أي نجاسة كانت كما اوضحناه في المتن (منه رحمه الله).

[ 219 ]

مورد السؤال لا يصلح لتخصيص الجواب إلا إذا كان لخصوصية السؤال مدخل في العلية وشاهد الحال في المقام دال على عدم المدخلية، ومتى كان التعليل يدل على التعدية إلى كل ما توجد فيه العلة وشاهد الحال يدل على عدم المدخلية، وجب التعدية إلى كل ما توجد فيه العلة. وما قيل في الجواب عن صحيحة علي بن جعفر (1) الدالة على اشتراط الجريان في تطهير البين الذي يبال على ظهره، من انه يمكن أن يكون الاشتراط هنا لنفوذ النجاسة في السطح، وان السؤال لما كان يتضمن الجريان اجاب (عليه السلام) على وفق السؤال، فاشترط الجريان حتى يستولي على النجاسة، فهو لا يدل على نفي البأس إلا في هذه الحالة، فمورد السؤال حينئذ مخصص للجواب. مدفوع (أولا) بان صحيحة هشام بن سالم (2) قد تضمنت هذا السؤال بعينه ووقع الجواب فيها بما يدل على الطهارة مع الكثرة دون الجريان، ومن الظاهر ان الكثرة لا تستلزم الجريان، إلا أن يراد الجريان ولو بالقوة دون ان يكون بالفعل بخصوصه، فوجه الاستلزام ظاهر، ولعله الاظهر. و (ثانيا) بما تضمتنه روايتا علي بن جعفر (3) المنقولتان من كتابه. فانه لا مجال فيهما لتخصيص الجواب، فالظاهر حمل تلك الرواية ايضا عليهما. لكن اصحابنا لاقتصارهم في الاستدلال على ما في الكتب الاربعة لم يتعرضوا لهاتين الروايتين في المقام ولا غيرهما مما خرج عن الكتب المشار إليها، وما عدا الصورة المذكورة فلا دلالة في شئ من تلك الاجوبة المذكورة على كونه كالجاري. واقرب ما يتوهم منه الدلالة على كونه كالجاري وان لم يدخل في تلك الصورة مرسلة الكاهلي (4) لقوله


(1) و (2) المتقدمة في الصحيفة 215. (3) المتقدمتان في الصحيفة 216 و 217. (4) المتقدمة في الصحيفة 216 السطر 1.

[ 220 ]

(عليه السلام): " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " وتقييد اطلاقها بتلك الاخبار غير بعيد، فتحمل عليها حمل المطلق على المقيد. واما ما دل على النهي عن غسل الثوب والرجل من اصابة ماء المطر الذي قد صب فيه خمر وانه يصلى فيه (1) وكذلك طهارة ما يقطر من ظهر البيت النجس بالبول والكنيف (2) فمع احتمال تقييده ايضا كما هو مصرح بالقيد في بعض تلك الاخبار لا دلالة فيه، لذهاب جملة من الاصحاب إلى عدم انفعال القليل بوقوعه على النجاسة، وتخصيص نجاسته بالملاقاة بورود النجاسة عليه دون العكس. وهو الظاهر من الاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (3). وتنقيح المقام يتوقف على ذكر فروع: (الاول) لو وقع المطر على ماء نجس بدون التغير بعد زوال عين النجاسة منه، فان وقع عليه بطريق الجريان أو الكثرة فالظاهر انه لا اشكال في تطهيره له. نعم يبقى الكلام في الاكتفاء بمجرد الاتصال أو اعتبار التداخل والامتزاج، فعلى الاول يطهر بمجرد الاتصال، وعلى الثاني يتوقف على الامتزاج. وسيأتي تحقيق القول في ذلك ان شاء الله تعالى (4) وان وقع لا باحد الطريقين المذكورين فالمشهور بين الاصحاب التطهير بناء على حكمهم بكون ماء المطر كالجاري مطلقا. وقد عرفت ما فيه، فانه لا دليل على هذا الاطلاق في الاخبار، وحديث " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (5)


(1) وهى صحيحة علي بن جعفر المتقدمة في الصحيفة 215. (2) وهى صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في الصحفية 215. وروايتا ابى بصير وعلي بن جعفر المتقدمان في الصحيفة 216. (3) في المقام الثاني من الفصل الثالث. (4) في الموضع الاول من المقام الخامس من الفصل الثالث. (5) المتقدم في الصحيفة 216 السطر 1.

[ 221 ]

قد عرفت ما فيه (1)، ومع عدم تقييده بما ذكرنا فقد اورد ايضا على الاستدلال به ان ماء المطر في الصورة المفروضة لا يمكن ان يرى جميع الماء النجس، لامتناع التداخل، ومع امكانه ايضا فالظاهر ان عند التقاطر كما هو مذهبهم لا يمكن ان يصل إلى جميع اجزاء الماء. ويمكن الجواب بان الرواية لما دلت على طهارة ماء المطر المقتضي لطهارة الموضع الذي يصل إليه، فاللازم طهارة ما عداه، إذ لو لم يطهر للزم عدم طهارة ذلك الموضع بالكلية، أو عود النجاسة إلى ما وصل إليه المطر بالمجاورة، وكلاهما خلاف ظاهر النص. ولقد بالغ بعض المتأخرين (2) فحكم بتطهير القطرة الواحدة من المطر إذا وقعت على الماء النجس، قال في الروض بعد نقله: " وليس ببعيد ولكن العمل على خلافه " انتهى. واعترض هذا القول المحقق الشيخ حسن في المعالم بانه غلط. قال: " لان المقتضي لذلك اما كونه في حكم الجاري أو النظر إلى ظاهر الآية، حيث دلت على كونه مطهرا بقول مطلق، وكلاهما فاسد (اما الاول) فانا وان تنزلنا إلى القول بثبوت احكام الجاري له مطلقا، إلا انك قد علمت ان المقتضي لطهارة الماء بمجرد الاتصال على القول به هو كون الجزء الملاقي للكثير يطهر بملاقاته له، عملا بعموم ما دل على كون الماء مطهرا، وبعد الحكم بطهارته يتصل بالجزء الثاني وهو متقو بالكثير الذي منه طهره فيطهر الجزء الثاني، وهكذا. ولا يذهب عليك ان هذا التوجيه


(1) في الصحيفة 219 السطر 18. (2) هو السيد حسن بن السيد جعفر المعاصر لشيخنا الشهيد الثاني، قال في الروض: وكان بعض من عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفى في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه، إلى آخر ما نقلناه في المتن (منه رحمه الله).

[ 222 ]

لا يتوجه هنا، إذ أقصى ما يقال في القطرة الواقعة انها تطهر ما تلاقيه. ولا ريب ان الانقطاع لا ينفك عن ملاقيها، وهي بعده في حكم القليل كما علمت، فليس للجزء الذي طهر بها مقو حينئذ ليستعين به على تطهير ما يليه، بل هو معها حين الانقطاع ماء قليل، فيعود بها إلى الانفعال بملاقاة النجاسة. و (اما الثاني) فقد مر الكلام فيه وبينا انه ليس له عموم " انتهى. ويرد عليه ان اتصال هذه الاجزاء بعضها ببعض إنما يكون في زمان واحد، لا ان الجزء الاول يتصل بالثاني في زمان ثم الثاني بالثالث في زمان آخر وهكذا، فان باتصال الجزء الاول من النجس بالجاري أو الكثير صدق اتصال الاجزاء كملا بعضها ببعض، فمتى سلم ان ماء المطر ولو قطرة حكمه حكم الجاري مطلقا وانه يطهر الجزء الملاقي له حال وقوعه عليه، فلا ريب في اجراء التقريب المذكور في الجاري فيه حينئذ. وصدق الانقطاع عليه في الآن الثاني غير ضائر، لحصول الطهارة في الآن الاول بالتقريب المذكور. (الثاني) إذا وقع على ارض متنجسة ونحوها واستوعب موضع النجاسة وازال العين ان كانت فعلى المشهور لا ريب في حصول التطهير به، وعلى اعتبار الجريان فالظاهر انه لا يناط هنا بحصوله، لان الشيخ القائل بذلك صرح كما نقل عنه بالاكتفاء في تطهير الارض بالماء القليل، الا ان مقتضى صحيحة هشام (1) اعتبار كثرة ماء المطر في مثل الصورة المذكورة. وقد عرفت (2) انه لا مدخل لخصوصية السؤال في التعليل المذكور. وبذلك صرح المحقق الشيخ حسن في المعالم، قال: " ولابد من كون الماء الواقع اكثر من النجاسة، لجعله في الحديث علة لحصول الطهارة. وكون مورد السؤال


(1) المتقدمة في الصحيفة 215 السطر 17. (2) في الصحيفة 218 السطر 6.

[ 223 ]

فيه السطح لا يقتضي اختصاص الحكم به، لان التعليل يدل على التعدية إلى كل ما توجد فيه العلة، إذ الحال شهادة بعدم مدخلية الخصوصية فيها، وقد بينا وجوب التعدية حينئذ " انتهى. واعترضه في الذخيرة بان حصة الاستدلال بهذا الخبر على ما ذكره مبنية على تعين ارجاع الضمير في قوله (عليه السلام): " ما اصابه " إلى السطح. وهو ممنوع، بل يمكن ارجاعه إلى الثوب، فكأنه (عليه السلام) قال: " القطرة الواصلة إلى الثوب غالب على البول الذي لاقاه " وايضا ما ذكره من الدليل على تعدية الحكم على تقدير تمامه إنما يصح إذا رجع ضمير (منه) إلى مطلق النجاسة. وليس كذلك، بل الظاهر رجوع الضمير إلى البول، فلا يلزم الانسحاب في كل نجاسة. انتهى. ولا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من التكلف التام والبعد عن ظاهر الكلام كما لا يخفى على ذوي الافهام. (اما اولا) فلان المقصود بالذات من السؤال هو ظهر البيت وتطهير المطر له، والسؤال عما يقطر على الثوب إنما هو فرع على الاول، فالانسب كون الجواب وما علل به راجعا إلى الاول. و (اما ثانيا) فلانه على تقدير رجوع الضمير إلى الثوب فالتقريب الذي ذكره ذلك المحقق حاصل به، بكون المعنى حينئذ ما اصاب الثوب من ماء المطر الملاقي للبول اكثر من البول، بمعنى ان المتقاطر على الثوب مجمتع من الماء والبول ولكن الماء اكثر، فبسبب الكثرة صار قاهرا للبول وغالبا عليه. ومنه يظهر ان مناط التطهير هو الكثرة الموجبة للقهر والغلبة. و (اما ثالثا) فلان ما ذكره من ان تعدية الحكم مع رجوع ضمير (منه) إلى النجاسة دون البول ومعه لا يصح ففيه ان ضمير (منه) إنما يرجع في الخبر إلى البول

[ 224 ]

لكن لما كان خصوصية البول لا مدخل له في العلية حكم بالانسحاب إلى اي نجاسة كانت كما ذكره المحقق المذكور وقد قدمنا التنبيه عليه (1). وربما استدل على حصول التطهير في الفرع المذكور بمرسلة الكاهلي (2) لقوله. (عليه السلام): " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " وفيه ما عرفت آنفا (3) وبمرسلة محمد بن اسماعيل (4) الواردة في طين المطر، لتصريحها بنفي البأس عن اصابته الثوب ثلاثة أيام إلا ان يعلم انه قد نجسه شئ بعد المطر، وهو دال على حصر البأس فيما إذا نجسه شئ بعد المطر، فما عداه لا بأس به، وهو شامل لما إذا كانت الارض نجسة قبل المطر. فيستفاد منه تطهير المطر الارض حينئذ. وفي الدلالة تأمل. (الثالث) الظاهر انه لا خلاف في ان ما يبقى من ماء المطر بعد انقطاع المطر حكمه حكم القليل وان كان جاريا. وحكمه مع اختلاف سطوح واستوائها كحكمه كما سيأتي ان شاء الله تعالى (5). (الرابع) هل يتقوى الماء الطاهر القليل بماء المطر حال تقاطره ويعصمه من الانفعال بالملاقاة ؟ لا ريب في ذلك على المشهور من جعل ماء المطر كالجاري مطلقا واما على اعتبار الجريان أو الكثرة فيناط بحصول احدهما. ورجح بعض متأخري المتأخرين التقوي مع عدم الجريان والكثرة لا من حيث ان ماء المطر كالجاري مطلقا بل من حيث عدم العموم في ادلة انفعال القليل بالملاقاة على وجه يشمل الفرع المذكور. (الخامس) صرح العلامة (قدس سره) في جملة من كتبه بان ماء المطر كالجاري،


(1) في الصحيفة 218 السطر 6. (2) المتقدمة في الصحيفة 216 السطر 1. (3) في الصحيفة 219 السطر 18. (4) المتقدمة في الصحيفة 216. (5) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.

[ 225 ]

مع انه شرط في الجاري الكرية، فليزمه اشتراطها هنا ايضا. واعتذر عنه بأن مراده انه كالجاري إذا كان كرا. واورد عليه ان سؤال الفرق متجه، فلم اشترط الكرية في الجاري دونه. واجيب بان الفرق ظاهر، فان ادلة انفعال القليل بالملاقاة لا معارض لها على وجه يصلح للمعارضة من اخبار الجاري بخلاف اخبار ماء المطر، فانها صريحة في المعارضة، وهي اخص من تلك الاخبار، فوجب تقييدها بها، ومن ثم اشترطت الكرية ثمة دون ما نحن فيه. وبعض محققي متأخري المتأخرين صرح بان الظاهر من كلام العلامة (رحمه الله) اشتراط الكرية في ماء المطر. ولم نقف على ما يقتضي ذلك في كلامه، بل صريح كلامه في التذكرة يقتضي عدم الاشتراط، حيث قال: " لو انقطع تقاطر المطر وفيه نجاسة عينية اعتبرت الكرية، ولا تعتبر حال التقاطر، ولو استحالت عنيها قبل انقطاعه ثم انقطع كان طاهرا وان قصر عن كر " انتهى. (السادس) استشكل بعض فضلاء متأخري المتأخرين في روايتي الميزابين (1) بان ميزاب البول ان سلم عدم تغييره ميزاب الماء فلا أقل من عدم استهلاكه بميزاب الماء، فكيف يحكم بطهارة الماء المختلط منهما ؟ ثم احتمل حمل الاختلاط على ترشح ميزاب البول إلى ميزاب الماء، فإذا اصاب الثوب لم يكن به بأس، إذ الماء لم ينجس بذلك، والترشيح من البول لم يعلم اصابته. وايضا قد استهلك في الماء الطاهر فصار طاهرا. ثم استبعده واحتمل القول بان البول يطهر باختلاط ماء المطر وان لم يستهلك، ثم قال: " وفيه ايضا اشكال " ثم احتمل ايضا رد الروايتين لعدم صحة سندهما. أقول: لا يخفى ان ما ذكره من الاشكال وان كان في بادئ النظر ظاهر


(1) وهما صحيحة هشام بن الحكم ورواية محمد بن مروان المتقدمان في الصحيفة 215.

[ 226 ]

الاحتمال إلا انه بالتأمل في قرائن الاحوال التي كثيرا ما يبتنى عليها الاستدلال لا تطرق له في هذا المجال، فان الظاهر من سيلان ماء المطر من الميزاب كون ذلك عن قوة وكثرة، ومن سيلان البول الذي هو غالبا إنما يقع ببول شخص كون ذلك قليلا مستهلكا في ماء المطر مع اختلاطه به، والحمل على بول يقاوم المطر في القوة والكثرة أو يكون اقل منه على وجه لا يستهلكه المطر نادر بل مجرد فرض غير واقع. والاحكام الشرعية إنما تبنى على ما هو المتكرر المتعارف دون الفروض الشاذة النادرة. الفصل الثاني في الراكد البالغ كرا فما زاد. وتحقيق القول فيه يقتضي بسطه في مسائل: (المسألة الاولى) المشهور بين الاصحاب (قدس الله تعالى ارواحهم) ان ما بلغ الكر من الراكد لا ينجس إلا بتغير احد اوصافه الثلاثة بالنجاسة كما تقدم (1) وصريح الشيخ المفيد في المقنعة وهو المنقول عن سلار اختصاص الحكم المذكور بغير الحياض والاواني. والشيخ رضوان الله عليه في التهذيب بعد نقل عبارة المقنعة المتضمنة للحكم المذكور طوى البحث عن التعرض له فضلا عن الاستدلال عليه، وحمله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين على انه إنما فهم من عبارة المفيد (قدس سره) ان مراده إذا نقصت عن كر كما هو الاغلب، قال: " وهو الظاهر، لكن المتأخرين فهموا من عبارة المقنعة وكلام سلار ان الاواني والحياض ملحقان مطلقا بالماء القليل كما حكاه العلامة في المختلف " انتهى. اقول: لا يخفى بعد ما استظهره (قدس سره) كما يظهر لمن لاحظ عبارة المقنعة، حيث انه إنما ذكر التفصيل بالكرية وعدمها في ماء الغدران والقلبان، سيما


(1) في المقالة الثالثة في الصحيفة 178.

[ 227 ]

وقد قرن الحياض والاواني في تلك العبارة بالبئر، مع ان مذهبه فيها النجاسة وان بلغت كرا، إلا انه ربما ظهر ذلك من كلام الشيخ اخيرا عند شرح قوله في المقنعة: " والمياه إذا كانت في آنية محصورة فوقع فيها نجاسة، لم يتوضأ منها ووجب اهراقها " فقال الشيخ (رحمه الله): " يدل على ذلك ما قدمنا ذكره من ان الماء متى نقص عن الكر فانه ينجس بما يحله من النجاسات، وإذا ثبت نجاسته فلا يجوز استعماله بلا خلاف " فانه يدل بظاهره على انه فهم من عبارة المقنعة في الموضعين التخصيص بما نقص عن الكر، ولعله فهم ذلك من خارج، وإلا ففهم هذا المعنى من العبارة الاولى في غاية البعد، لما عرفت. والظاهر ان هذا الكلام هو الحامل لشيخنا المشار إليه على الحمل الذي قدمنا نقله عنه إلا انه لم يشر إليه. هذا. وظاهر عبارة النهاية ايضا موافقة الشيخ المفيد في الاواني، حيث قال: " والماء الراكد على ثلاثة أقسام: مياه الغدران والقلبان والمصانع. ومياه الاواني المحصورة، ومياه الآبار. فاما مياه الغدران والقلبان، فان كان مقدارها الكر فانه لا ينجسها شئ إلا ما غير لونها أو طعمها أو ريحها، وان كان مقدارها أقل من الكر فانه ينجسها كل ما يقع فيها من النجاسة. واما مياه الاواني المحصورة فان وقع فيها شئ من النجاسة افسدها ولم يجز استعمالها " انتهى ملخصا. ثم ذكر بعد ذلك احكام البئر. وانت خبير بان التفصيل بالكرية وعدمها في القسم الاول وطي الكشح عنه في الثاني ظاهر في الحكم بالنجاسة في الثاني مطلقا، ولم يتعرض الاصحاب لنقل ذلك عنه في أقوال المسألة. وحكى جملة من الاصحاب عن الشيخ المفيد وسلار في الاحتجاج على ذلك التمسك بعموم النهي عن استعمال مياه الاواني مع ملاقاة النجاسة. وردوه بان العموم على تقدير ثبوته مخصوص بصورة القلة، جمعا بين الاخبار والعمومات وان تعارضت من الطرفين،

[ 228 ]

إلا ان الترجيح في تخصيص هذا بذاك (اولا) بقوة دلالة تلك الاخبار الدالة على عدم انفعال مقدار الكر. و (ثانيا) باحتمال البناء في هذا العموم على ما هو الغالب من عدم بلوغ ماء الاواني كرا. ومع ذلك فالحجة المذكورة لا تشمل الحياض، فتبقى خالية من الدليل. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور، إلا انه روى أبو بصير في الموثق، قال: " سألته عن كر من ماء - مررت به وانا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو انسان. قال: لا تتوضأ منه ولا تشرب " (1) والظاهر حمله على تغير موضع البول فينقص الباقي عن الكر فينجس. وربما حمل على الكراهة. والظاهر بعده. ثم ان جملة من الاصحاب (2) ادعوا الاجماع على ان الكثير الواقف لا ينجس بملاقاة النجاسة، فان أرادوا بالواقف هو الساكن، ففيه ما عرفت من خلاف هؤلاء الفضلاء، وان اريد ما هو أعم منه ومن الجاري لا عن نبع، ففيه زيادة على ما ذكر ما سيأتي ان شاء الله تعالى في الجاري لا عن نبع (3) من ذهاب جمع من الاصحاب إلى عدم تقوي الاعلى بالاسفل، حتى اورد عليهم لزوم نجاسة النهر العظيم بملاقاة النجاسة إذا لم يكن فوقها ما يبلغ الكر، ولهذا ذهب بعض المحدثين من متأخري المتأخرين (4) إلى ان هذا الفرد من الماء يوافق الجاري في بعض الاحكام والراكد في بعض كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (5). (المسألة الثانية) هل يشترط في عدم انفعال الكر بالملاقاة مساواة سطحه الظاهر ام لا ؟ قد اضطرب كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام، لعدم


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) منهم: السيد السند صاحب المدارك في الكتاب المذكور (منه رحمه الله). (3) و (5) في المسألة الثانية من هذا الفصل. (4) هو المحدث الامين الاسترابادي قدس سره (منه رحمه الله).

[ 229 ]

النصوص الصريحة في ذلك عنهم (عليهم السلام). وبالثاني صرح شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض وسبطه السيد السند في المدارك، قال في الروض بعد كلام في المقام: " وتحرير المقام ان النصوص الدالة على اعتبار الكثرة مثل قوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وكلام اكثر الاصحاب ليس فيه تقييد الكر المجتمع بكون سطوحه مستوية، بل هو أعم منه ومن المختلفة كيف اتفق " ثم قال بعد كلام طويناه على غره: " والذي يظهر لي في المسألة ودل عليه اطلاق النص ان الماء متى كان قدر كر متصلا ثم عرضت له النجاسة لم تؤثر فيه إلا مع التغير، سواء كان متساوي السطوح ام مختلفها.. إلى آخر ما ذكره ". وما نقله (قدس سره) عن كلام اكثر الاصحاب فهو ظاهر كلام العلامة في جملة من كتبه، حيث صرح في مسألة الغديرين الموصل بينهما بساقية بالاتحاد واعتبار الكرية فيهما مع الساقية، وهو اعم من المستوي والمختلف، وكذا اطلق القول في الواقف المتصل بالجاري وحكم باتحادهما من غير تقييد، إلا انه في التذكرة قيده، حيث قال في مسألة الغديرين: " لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا ان اعتدل الماء وإلا في حق السافل، فلو نقص الاعلى عن كر انفعل بالملاقاة " انتهى. والمحقق في المعتبر صرح في مسألة الغديرين بما نقلناه عن العلامة (2) إلا انه قال بعد ذلك بلا فصل: " لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر، ففي طهارته


(1) تقدم فيه في التعليقة 3 في الصحيفة 191. (2) حيث قال: " الفرع الثاني، الغدير ان الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في احدهما نجاسة لم ينجس ولو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا، ثم قال: (الثالث) - لو نقص الغدير عن كر.. إلى آخر ما هو منقول في الاصل " (منه قدس سره).

[ 230 ]

تردد، والاشبه بقاؤه على النجاسة، لانه ممتاز عن الطاهر " انتهى. وهو بظاهره مدافع لما ذكره اولا، الا ان يحمل كلامه الاول على استواء سطحي الغديرين والثاني على اختلافهما (1). والشهيد في الدروس قال: " لو كان الجاري لا عن مادة ولاقته النجاسة. لم ينجس ما فوقها مطلقا، ولا ما تحتها ان كان جميعه كرا فصاعدا إلا مع التغير " فاطلق الحكم بعدم نجاسة ما تحت موضع ملاقاة النجاسة إذا كان مجموع الماء يبلغ كرا ولم يشترط استواء السطوح، ثم قال بعد ذلك بقليل: " لو اتصل الواقف بالجاري اتحدا مع مساواة سطحهما أو كون الجاري اعلى لا بالعكس " فاعتبر في صدق الاتحاد مساواة السطحين أو علو الكثير. وقال في الذكرى بعد حكمه بان اتصال القليل النجس بالكثير مماسة لا يطهره (2) ما صورته: " ولو كانت الملاقاة يعني ملاقاة النجاسة للقليل بعد الاتصال ولو بساقية لم ينجس القليل مع مساواة السطحين أو علو الكثير ". وفي البيان: " لو اتصل الواقف القليل بالجاري واتحد سطحهما أو كان الجاري


(1) العلامة في المنتى والتحرير - بعد ان صرح في الغديرين بما نقلناه عنه من الاتحاد - ذكر انه لو نقص الغدير عن كر فوصل بغدير يبلغ الكر طهر به. وفى التذكرة - بعد ان صرح بما نقلناه عنه في المتن - ذكر هذا الفرع الثاني واختار البقاء على النجاسة مع مجرد الاتصال واشترط في الطهارة الممازجة. واما المحقق في المعتبر، فانه كما نقلناه عنه - اختار في الفرع الاول الانحاد، وفى الفرع الثاني العدم. فانقدح الاختلاف بين كلامية الا ان يحمل على ما ذكرنا في الاصل (منه رحمه الله). (2) حيث قال: " وطهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم يطهر للتمييز المقتضى لاختصاص كل بحكمه، ولو كان الملاقاة بعد الاتصال.. إلى آخر ما هو مذكور في المتن " ولا يخفى عليك ما في هذه الفتاوي من الاضطراب والمخالفة بعضها لبعض (منه رحمه الله).

[ 231 ]

أعلى اتحدا، ولو كان الواقف أعلى فلا ". وقال المحقق الشخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف: " لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة " ما لفظه: " يشترط في هذا الحكم علو الجاري أو مساواة السطوح أو فوران الجاري من تحت القليل إذا كان الجاري اسفل، لانتفاء تقويه به بدون ذلك " انتهى. وهو صريح في تقييده اطلاقات العلامة في الوحدة في المسألة بالمساواة أو علو الكثير. وقال المحقق الشيخ حسن في المعالم بعد تقدم كلام في المسألة: " هذا، وليس اعتبار المساواة في الجملة بالبعيد، لان ظاهر اكثر الاخبار المتضمنة لحكم الكر اشتراطا وكمية اعتبار الاجتماع في الماء وصدق الوحدة والكثرة عليه. وفي تحقق ذلك مع عدم المساواة في كثير من الصور نظر. والتمسك في عدم اعتبارها بعموم ما دل على عدم انفعال مقدار الكر بملاقاة النجاسة مدخول، لانه من باب المفرد المحلى، وقد بينا في المباحث الاصولية ان عمومه ليس من حيث كونه موضوعا لذلك على حد صيغ العموم، وانما هو باعتبار منافاة عدم ارادته للحكمة، فيصان كلام الحكيم عنه. وظاهر ان منافاة الحكمة إنما يتصور حيث ينتفي احتمال العهد، ولا ريب ان تقدم السؤال عن بعض انواع الماهية عهد ظاهر. وهو في محل النزاع واقع إذ النص يتضمن السؤال عن الماء المجتمع، وحينئذ لا يبقى لاثبات الشمول لغير المعهود وجه. نعم يتجه ثبوت العموم في ذلك المعهود باقل ما يندفع به محذور منافاة الحكمة. وربما يتوهم ان هذا من قبيل تخصيص العام بناء على سبب خاص. وهو مرغوب عنه في الاأول. وبما حققناه يعلم انه لا عموم في امثال موضع النزاع على وجه يتطرق إليه التخصيص " انتهى. واعترض عليه بان الظاهر في امثال هذه المواضع التي في مقام تعيين القوانين وتبيين الاحكام هو العموم، وقد اعترف به ايضا من حيث منافاة عدم ارادته الحكمة

[ 232 ]

وما ذكره من احتمال العهد باعتبار تقدم السؤال عن بعض انواع الماهية لا وجه له، لان السؤال إنما هو موجود في بعض الروايات، وكثير من الروايات لا سؤال فيها، وبعض ما فيه سؤال ايضا لا ظهور له في ان السؤال عن الماء المجتمع الذي لا اختلاف في سطوحه. سلمنا عدم الظهور في العموم. فلا شك في عدم ظهوره في عدمه ايضا، وعند الشك يبقى الحكم على أصل الطهارة واستصحابها. اقول: والحكم في المسألة لا يخلو من اشكال، ينشأ من ان المستفاد من اخبار الكر تقارب اجزاء الماء بعضها من بعض. كقوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر (1) حين سأله عن الماء الذي لا ينجسه شئ فقال: " ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " ونحوها من الاخبار الدالة على التقدير بالمساحة. وصحيحة صفوان (2) المضتمنة السؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة، حيث سأل (عليه السلام) فقال: " وكم قدر الماء ؟ قال: قلت: إلى نصف الساق والى الركبة واقل. قال: توضأ ". ويؤيده ايضا ان الكر الذي وقع تحديد الماء الذي لا ينفعل به عبارة في الاصل عن مكيال مخصوص يكال به الطعام، جعلوه (عليهم السلام) معيارا لما لا ينفعل من الماء بالملاقاة. ويؤيده ايضا ان مع تقارب اجزاء الماء تتوزع النجاسة عليه وتنتشر فتضعف بذلك، وانه بتقارب اجزائه يتقوى بعضها ببعض. ويؤيده ايضا ان ذلك متفق عليه ومعلوم قطعا من الاخبار، وما عداه في محل الشك. لعدم ظهور الدليل عليه من الاخبار، وذهاب بعض الاصحاب إليه.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 233 ]

والتمسك باصالة الطهارة هنا ضعيف، لما حققناه سابقا (1) من ان افراد الكلية القائلة: " الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر " إنما هي الاشياء المقطوع بطهارتها شرعا والمعلومة كذلك بالنسبة إلى الاشياء المقطوع بنجاستها شرعا والمعلومة كذلك، فانه لا يحكم بخروج بعض افراد الاول إلى الثاني إلا بعلم ويقين. والغرض منه كما عرفت هو دفع الوساوس الشيطانية والشكوك. وعدم معارضتها للعلم واليقين الثابت اولا. وان الماء من افراده ما هو طاهر يقينا وهو ظاهر، ومنه ما هو نجس يقينا وهو القليل المعلوم ملاقاة النجاسة له، فالكلية المذكورة قد افادت انه لا يخرج عن الحكم الاول إلى الثاني إلا بعلم ويقين. وهذا الماء المختلف السطوح إذا كان قدر كر ولاقت النجاسة بعض اجزائه ليس بمقطوع على طهارته ولا على نجاسته بل هو مشكوك فيه. وبالجملة فالشك المنفي في مقابلة يقين الطهارة هو ما كان شكا في عروض النجاسة لا شكا في سببية النجاسة. والتمسك بالاستصحاب إنما هو فيما إذا دل الدليل على الحكم مطلقا كما هو التحقيق في المسألة. وهو في موضع البحث ممنوع، لما عرفت. ودلالته عليه قبل عروض النجاسة لا تقتضي انسحاب ذلك إلى ما بعده إلا بدليل آخر، لتغاير الحالين. وينشأ من اطلاق الاخبار بان بلوغ الماء كرا عاصم له عن الانفعال بالملاقاة. والاخبار الدالة على التحديد بالمساحة وان افهمت بحسب الظاهر اعتبار الاجتماع فيه إلا انه، ان اخذ الاجتماع فيها على الهيئة التي دلت عليها فلا قائل به اجماعا، وان اخذ الاجتماع الذي هو عبارة عن مجرد تساوي السطوح فلا دلالة لها عليه صريحا. مع معارضته بظهور احتمال محض التقدير كما تضمنته أخبار التقدير بالوزن. وباقي الوجوه المذكورة وان تضمنت نوع مناسبة لذلك إلا ان الظاهر انها لا تصلح لتأسيس حكم شرعي.


(1) في الصحيفة 190 السطر 2.

[ 234 ]

فمجال التوقف في الحكم المذكور لما ذكرنا بين الظهور، والاحتياط لا يخفى. إذا عرفت ذلك فعلى تقدير عدم اشتراط المساواة والاكتفاء بمجرد الاتصال فهل يكفي الاتصال مطلقا وان كان بالتسنم من ميزاب ونحوه، أو يشترط في الاختلاف التخصيص بالانحدار لا التسنم ؟ ظاهر السيد السند في المدارك الاول، ونقله ايضا عن جده (قدس سرهما) في فوائد القواعد (1) وتبعه بعض فضلاء متأخري المتأخرين، واطلاق عبائر جملة من لم يشترط التساوي ربما يشمله. لكن قد عرفت فيما تقدم في المقالة الثامنة (2) في حكم ماء الحمام انهم جمعوا بين اطلاق القول بكرية المادة واطلاق القول في الغديرين بحمل الاطلاق الاول على ما إذا كان اتصال الماء بطريق التسنم والثاني على ما إذا كان الغدير ان متساويين أو مختلفين بطريق الانحدار. وهو كما ترى يؤذن بكون الاتصال بطريق التسنم ينافي الوحدة كما حققناه ثمة. والجواب بان اعتبار الكرية في المادة لا لاجل عدم انفعال الحوض الصغير بالملاقاة، بل ليكون حكم المادة حكم الماء الجاري أو لتطهير الحوض الصغير بعد نجاسته باجراء المادة إليه واستيلائها عليه مردود بما وقع التصريح به من اشتراط الزيادة على الكرية في تطهير الحياض كما تقدم بيانه (3) مع


(1) قال (قدس سره) بعد نقله عن المعتبر والمنتى اطلاق الحكم في الغديرين - كما قدمنا نقله عنهما المقتضى لعدم الفرق بين متساوي السطوح ومختلفها ما لفظه: " وينبغى القطع بذلك إذا كان جريان الماء في ارض منحدرة، لا ندارجه تحت عموم قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " فانه شامل لمتساوي السطوح ومختلفها، وانما يحصل التردد فيما إذا كان الاعلى متسنما على الاسفل بميزاب ونحوه، لعدم صدق الوحدة عرفا. ولا يبعد التقوى في ذلك ايضا كما اختاره جدى (قدس سره) في فوائد القواعد عملا بالعموم. انتهى. (منه رحمه الله). (2) في الامر الاول في الصحيفة 207. (3) في الامر الثالث في الصحيفة 211.

[ 235 ]

اتفاقهم اولا على اشتراط الكرية في المادة، ومن الظاهر حينئذ ان هذا الاشتراط الاول إنما هو لعصمة الحياض الصغار عن الانفعال بالملاقاة (1). ثم انه على تقدير جواز الاختلاف فلا اشكال في تقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر لو اختلفت السطوح كما صرحوا به، إذ مقتضى الوحدة ذلك. وعلى تقدير اشتراط التساوي فقد صرح جملة من القائلين به بانه لو اتصل القليل بالكثير وكان الكثير اعلى فان الاسفل يتقوى به دون العكس، كما سلف في كلام المحقق الشيخ علي (2) والشهيد في الذكرى والدروس والبيان (3) وكذلك كلام العلامة في التذكرة (4) وظاهر كلام المحقق ايضا كما حكيناه (5). وعلل المحقق الشيخ علي عدم تقوي الاعلى بالاسفل بانهما لو اتحدا في الحكم للزم تنجيس كل اعلى متصل باسفل مع القلة. وهو معلوم البطلان. وحيث لم ينجس بنجاسته لم يطهر بطهارته. واجاب في المدارك بان الحكم بعدم نجاسة الاعلى بوقوع النجاسة فيه مع بلوغ المجموع منه ومن الاسفل الكر انما كان لاندراجه تحت عموم الخبر، وليس في هذا ما يستلزم نجاسة الاعلى بنجاسة الاسفل بوجه. مع ان الاجماع منعقد على ان النجاسة


(1) وملخص ما ذكروه ان عدم انفعال الواقف بالملاقاة مشروط ببلوغ مقدار الكر مع تساوى سطح الماء بحيث تصدق عليه الوحدة عرفا، أو باتصاله بمادة هي كر فصاعدا بشرط علوها، قالوا: ولا يعتبر استواء السطوح في المادة بالنظر إلى عدم انفعال ما تحتها لصدق المادة الكثير مع الاختلاف. نعم يعتبر الاستواء في عدم انفعال المادة بعينها (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 231. (3) في الصحيفة 230. (4) و (5) المتقدم في الصحيفة 229.

[ 236 ]

لا تسرى إلى الاعلى مطلقا. ثم الزمهم ان ينجس كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كر وان كان نهرا عظيما. وهو معلوم البطلان. اقول: الظاهر ان مقصود المستدل ان تقوي الاعلى بالاسفل لا دليل عليه إلا الاندراج تحت روايات الكر. والاندراج ليس بمسلم، وإلا لزم تنجس الاعلى بنجاسة الاسفل (1) وحينئذ ففيه دلالة على ان حكمه بتقوي الاسفل بالاعلى ليس مبنيا على الاندراج المذكور. وبذلك يتضح ان الجواب المذكور غير متوجه. إلا انه قد اورد على ما ذكروه من تقوي الاسفل بالاعلى دون العكس (2) بانه ان كان مبنيا على الاندارج تحت العموم، فالمستفاد من روايات الكر تساوي اجزائه في حكمي الطهارة والنجاسة، فاجزاؤه متقوية بعضها ببعض (3) وان كان مبنيا على اطلاق المادة في باب البئر، وكذا المادة الواردة في حياض الحمام، وانها يحصل بها التقوي وان كانت أقل من كر، فكذلك الاعلى ههنا، فانه مادة لما سفل عنه، فيتقوى الاسفل به دون العكس، ففيه (اولا) انه لا حاجة حينئذ إلى اعتبار كرية المجموع. و (ثانيا) انه مناف لما مر من اعتبارهم الكرية في مادة الحياض. وان كان مبنيا على تقوي اجزاء الماء الساكن بعضها ببعض، فيلزمه من باب مفهوم الموافقة تقوي الاسفل بالاعلى دون العكس، فيتوجه عليه ان العلة في تقوي اجزاء الساكن بعضها ببعض هو توزع النجاسة وانتشارها على اجزائه لسكونها وتقاربها، فتكون النجاسة مضمحلة فيه. والنجاسة


(1) لان الاعلى والاسفل متى كانا واحدا المقتضى دخولهما تحت عموم روايات الكر فلو نقصا جميعا عن الكر لزم تنجس الاعلى بنجاسة الاسفل تحقيقا للوحدة، كما ان الماء القليل المجتمع إذا لاقته نجاسة نجس جميعه، وهو باطل قطعا، والا لتغذر التطهير بالصب من الاواني القليلة الماء كالابريق ونحوه (منه رحمه الله). (2) هذا الايراد للمحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك (منه قدس سره). (3) فلا ينجس بعض منه دون بعض (منه رحمه الله).

[ 237 ]

الواقعة في الصورة المفروضة لم تتوزع على المجموع كما في الساكن، فلا يتم كون تقوي الاسفل بالاعلى من باب الموافقة وان كان مبنيا على وجه آخر فلابد من ايراده لننظر في صحته وفساده. اقول: بل الظاهر انه مبني على ما ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم (1) من ان الوجه فيه ان المقتضى لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة له، ولا ريب ان تأثير المادة إنما هو باعتبار افادتها الاتصال بالكثرة، وليس الزائد منها على الكر بمعتبر في نظر الشارع، فيرجع حاصل المقتضي إلى كونه متصلا بالكر على جهة جريانه إليه واستيلائه عليه، وهذا المعنى بعينه موجود فيما نحن فيه، فيجب ان يحصل مقتضاه. ويؤيد ذلك حكم ماء الحمام، فانا لا نعلم من الاصحاب مخالفا في عدم انفعاله بالملاقاة مع بلوغ المادة كرا، والاخبار الواردة فيه شاهدة بذلك ايضا، وليس لخصوصية الحمام عند التحقيق مدخل في ذلك. انتهى. وانت خبير بما فيه (اما اولا) فلان ما ذكره من ان المقتضي لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة له اشارة إلى التعليل الذي تضمنته صحيحة محمد ابن اسماعيل بن بزيع (2) ولا يخفى ما فيه كما تقدم التنبيه عليه في المقالة الرابعة من الفصل الاول (3).


(1) قال (قدس سره) في الكتاب المذكور - بعد الكلام في الاستدلال على اعتبار المساواة بما قدمنا نقله عنه في متن الكتاب -: " فان قلت هذا الاعتبار يقتضى انفعال غير المستوى مطلقا، مع ان الذاهبين إلى اعتبار المساواة مصرحون بعدم انفعال القليل المتصل بالكثير إذا كان الكثير اعلى - وقد سبق نقله عن البيان والذكرى - فما الوجه في ذلك ؟ وكيف حكموا بالاتحاد مع علو الكثير ونفوه في عكسه ؟ والمقتضى للنفي على ما ذكرت موجود فيهما قلت: لعل الوجه " ثم ساق الكلام كما نقلناه في متن الكتاب (منه رحمه الله) و (2) المتقدمة في الصحيفة 188. (3) في الصحيفة 189 السطر 7.

[ 238 ]

و (اما ثانيا) فلان قوله: " ليس لخصوصية الحمام عند التحقيق مدخل " إنما يتم على القول المشهور من اشتراط الكرية في المادة. واما على القول بعدم الاشتراط كما هو الظاهر من الاخبار على ما حققناه سابقا (1) يكون الحكم مقصورا حينئذ على موضع النص. و (اما ثالثا) فلان العلامة مع اشتراطه في المنتهى والتذكرة وغيرهما كرية المادة توقف في الكتابين المذكورين في إلحاق الحوض الصغير ذي المادة في غير الحمام به، وبذلك يظهر ان ما ذكره اولئك الفضلاء من الفرق (2) لا يخلو من المناقشة. ثم لا يخفى عليك ايضا انه بعد تسليم عموم انفعال القليل بالملاقاة واشتراط التساوي في اجزاء الكر فاخراج هذا الفرد من البين تحكم محض. وتعليل صاحب المعالم قد عرفت ما فيه. اللهم إلا ان يخص منع تقوي الاعلى بالاسفل بما إذا كان الاعلى متسنما على الاسفل بميزاب ونحوه، فان ثبوت الاتحاد وشمول العموم في المسألة لمثل ذلك في غاية البعد. واما الالزام الذي ذكره في المدارك بنجاسة كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كر وان كان نهرا عظيما (3) وهو معلوم البطلان فيمكن


(1) في الموضع الثالث في الصحيفة 204. (2) بين الاعلى والاسفل فيتقوى الاسفل بالاعلى دون العكس (منه رحمه الله). (3) لان الاعلى متى كان اقل من كر لم يفد ما تحته تقوية فينجس الموضع، وما تحته ايضا لكونه اسفل لا يفيد تقوية، لعدم تقوى الاعلى بالاسفل كما هو مفروض. ويلزم ايضا نجاسة ما تجته، لعدم تقوية ما سفل عنه، فينجس ما سفل بالسراية شيئا فشيئا، لعدم تقوى شئ من تلك الاجزاء المتنجسة بالسراية بما انحدر عنه، فلو لم يتقو الاعلى بالاسفل لزم نجاسة جميع ما جاور النجاسة لا المنتهى السفلى وان كان نهرا عظيما، مع حكمهم بعدم النجاسة (منه رحمه الله).

[ 239 ]

الجواب عنه بما ذكره في المعالم من التزام عدم انفعال ما بعد عن موضع الملاقاة بمجردها قال: " لعدم الدليل عليه، إذ الادلة الدالة على انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مختصة بالمجتمع والمتقارب، وليس مجرد الاتصال بالنجس موجبا للانفعال في نظر الشارع، والا لنجس الاعلى بنجاسة الاسفل، لصدق الاتصال حينئذ، وهو منفي قطعا، وإذا لم يكن الاتصال بمجرده موجبا لسريان الانفعال فلابد في الحكم بنجاسة البعيد من دليل. نعم جريان الماء النجس يقتضي نجاسة ما يصل إليه، فإذا استوعب الاجزاء المتجددة ينجسها وان كثرت. ولا بعد في ذلك، فانها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل، فكما انه ينجس بملاقاة النجاسة له وان قلت وكان مجموعه في نهاية الكثرة فكذا هذه " انتهى. واورد عليه (1) انه بعد تسليم انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مع الاجتماع والتقارب لا شك انه يلزم نجاسة جميع ماء النهر المذكور، لان النجاسة ملاقية لبعضه وذلك البعض ملاق للبعض الآخر القريب منه وهكذا، فينجس الجميع إذ الظاهر ان القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لا يفرقون بين النجاسة والمتنجس. وما ذكره من ان مجرد الاتصال بالنجس لو كان موجبا للانفعال في نظر الشارع لنجس الاعلى بنجاسة الاسفل، ففيه انه مخصص عن العموم بالاجماع، فالحاق ما عداه به مما لا دليل عليه بل قياس لا نقول به. على ان الفارق ايضا موجود كما ذكره بعض من عدم تعقل سريان النجاسة إلى الاعلى. وانت خبير بان المفهوم من كلام المجيب المذكور اختصاص كل جزء من اجزاء الماء الجاري لا عن نبع بحكم نفسه، وانه في حكم المياه القليلة المنفصل بعضها عن بعض لهرب السابق عن اللاحق، كما ينادي به قوله: " فانها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل " وحينئذ فلا تقوي بين اجزائه ولا سراية، ومجرد الاتصال لا يوجب


(1) المورد هو الفاضل الخراساني (رحمه الله) في شرح الدروس (منه رحمه الله).

[ 240 ]

السراية، وإلا لسرت النجاسة من الاسفل إلى الاعلى، لحصول الاتصال. ودعوى الاجماع على التخصيص مجازفة في امثال هذه المقامات كما لا يخفى على من تتبع موارد الاجماعات. وعدم تعقل سريان النجاسة إلى الاعلى كما ذكره المورد مؤيد لما ذكرنا من كون كل سابق بالنسبة إلى لاحقه بمنزلة المنفصل عنه، ومن هنا ذهب المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) إلى ان الماء الجاري لا عن مادة غير ملحق بالراكد مطلقا كما ذكره جمع من الاصحاب، بل يلحق في بعض احكامه بالجاري وفى بعض آخر بالراكد، قال (قدس سره) بعد كلام في المقام، وملخصه تقوي الاسفل بالاعلى وان لم يكن المجموع كرا وعدم السراية أصلا، لعدم الدلالة عليها كما سبق نقلا عن المحقق المذكور: " وعلى هذا الاحتمال حكم الجاري لا عن نبع حكم الجاري عن نبع في تقوي الاسفل بالاعلى وان لم يكن المجموع كرا. وحكم الماء الساكن القليل في نجاسة اول جزء منه بملاقاة النجاسة وان كان المجموع كرا فصاعدا. ومما يؤيد الاحتمال الذي ذكرناه ما روي عن الصادق (عليه السلام): " ماء الحمام بمنزلة الجاري " (1) وما روي عنهم (عليهم السلام) ايضا: " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (2) وجه التأييد عدم تقييد الجاري والنهر بالنابع، وعدم تقييد ماء الحمام بكرية مادته أو كرية المجموع. ومما يؤيده ايضا اطلاق المادة الواردة في ماء البئر والواردة في ماء الحمام. والله اعلم " انتهى. وللمناقشة في بعض ما ذكره (قدس سره) مجال. هذا. وينبغي ان يعلم ان الحكم بتقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر وعدم انفعال الماء بعروض النجاسة سواء عرضت للاعلى أو الاسفل إنما هو فيما إذا كان عروض النجاسة بعد الاتصال. اما قبله فالظاهر انه لا شك في النجاسة إذا كان ما لاقته أقل


(1) و (2) المتقدم في الصحيفة 203 السطر 4 و 6. (30)

[ 241 ]

من كر عند من يقول بنجاسة القليل بالملاقاة، فالماء القليل الواقف المتصل بالكثير أو الجاري ان عرضت له النجاسة قبل الاتصال تنجس بها. ويطهر بالاتصال بالكثير على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال وإلا فبالممازجة، وبعد الاتصال لا ينجس. وهذا ماء المطر الجاري في الطرق بالقياس إلى حال التقاطر وبعده. ومثل ذلك عندهم ايضا ما لو صب الماء من آنية حتى اتصل بالكثير أو الجاري، فانه ان عرضت له النجاسة بعد الاتصال لم تؤثر فيه، وان عرضت له قبل الاتصال ينجس الماء والاناء ولا يطهر بمجرد اتصاله بعد ذلك. ويأتي على مذهب من منع تقوي الاعلى بالاسفل ثبوت النجاسة في الحالين. وقال في كتاب الروض: " وعلى ما يظهر من اطلاق النص والفتوى يلزم طهارة الماء النجس عند صب بعضه في الكثير بحيث يطهر الاناء المماس للماء النجس وما فيه من الماء عند وصول اوله إلى الكثير. وهو بعيد بل هو على طرف النقيض لتفصيل المتأخرين. والمسألة من المشكلات، ولم نقف فيها على ما يزيل عنها الالتباس. والله اعلم " انتهى. والعجب منه (قدس سره) انه قبل هذا الكلام بعد نقل جملة من كلمات القوم قال: " والذي يظهر لي من المسألة ودل عليه اطلاق النص ان الماء متى كان قدر كر متصلا ثم عرضت له النجاسة لم تؤثر فيه إلا مع التغير سواء كان متساوي السطوح أو مختلفها، وان كان أقل من كر نجس الماء بالملاقاة مع تساوي سطوحه والا الاسفل خاصة. ثم ان اتصل بالكثير بعد الحكم بنجاسته اعتبر في الحكم بطهره مساواة سطوحه لسطوح الكثير أو علو الكثير عليه، فلو كان النجس أعلى لم يطهر. والفرق بين الموضعين ان المتنجس يشترط ورود المطهر عليه ولا يكفي وروده على المطهر خلافا للمرتضى (رحمه الله) فإذا كان سطحه أعلى من سطح الكثير لم يكن

[ 242 ]

الكثير واردا عليه " انتهى. ولا يخفى ما بينهما من التدافع. (المسألة الثالثة) إذا تغير بعض الكثير فلا يخلو اما ان يكون الباقي كرا أم لا، وعلى كلا التقديرين اما ان يكون ساكنا أو جاريا، فههنا صور أربع: (الاولى) ان يكون الباقي كر والماء ساكنا، ولا خلاف هنا في اختصاص النجاسة بالموضع المتغير وطهارة الباقي. (الثانية) كون الباقي أقل من كر مع كون الماء ساكنا، ولا خلاف في نجاسته عند من قال بنجاسة القليل بالملاقاة. (الثالثة) كون الباقي كرا والماء جاريا، فلا يخلو اما ان تقطع النجاسة عمود الماء ام لا، وعلى التقديرين فاما ان يكون الاعلى كرا ام لا، وعلى التقادير الاربعة فاما ان يكون الاسفل عن النجاسة كرا ايضا ام لا. وتفصيل ذلك. ان قطعت النجاسة عمود الماء وكان الاعلى كرا والاسفل كرا، فلا اشكال ولا خلاف في اختصاص التنجيس بالمتغير حال الملاقاة، الا انه يأتي على ما ذكره المحقق الشيخ حسن فيما قدمنا نقله عنه (1) نجاسة ما سفل عن النجاسة بعد مرور ذلك الماء على الاجزاء السافلة. وان قطعت النجاسة عمود الماء وكان كل من الاعلى والاسفل أقل من كر، فظاهر كلامهم انه لا خلاف في نجاسة الاسفل عند من قال بالنجاسة بمجرد الملاقاة، لكونه أقل من كر، ويظهر من كلام المحدث الامين (قدس سره) العدم، لعدم استواء سطح الماء، فاجزاؤه في حكم الماء المنفصل بعضه عن بعض، لهرب السابق عن اللاحق، إلا بعد السيلان على الاجزاء السافلة كما ذكروه. واما الاعلى فظاهر كلامهم الاتفاق على عدم نجاسته، لعدم تعقل سريان النجاسة إلى الاعلى.


(1) في الصحيفة 239.

[ 243 ]

ومن هذا الكلام يعلم حكم صورتي ما لو قطعت النجاسة عمود الماء وكان الاعلى كرا والاسفل أقل من كر وبالعكس. وان لم تقطع النجاسة عمود الماء وكان كل من الاعلى والاسفل يبلغ الكر، فلا اشكال ولا خلاف في اختصاص التنجيس بالمتغير إلا بعد سيلان ذلك الماء علي الاجزاء السافلة بناء على ما ذكره ذلك المحقق المشار إليه. وان كان كذلك (1) وكان كل من الاعلى والاسفل أقل من كر لكن المجموع يبلغ الكر، فعلى تقدير القول بتقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر لا اشكال في الطهارة، وعلى تقدير القول بتقوي الاسفل بالاعلي دون العكس يلزم نجاسة الاسفل، لان الاعلى لقلته لا يقوي ما سفل عنه فليزم نجاسته لقلته، وبذلك صرح في المعالم (2). وان كان كذلك ايضا وكان الاعلى قدر كر والاسفل أقل من كر، فلا خلاف في تقوي الاسفل به وطهارة الجميع واختصاص التنجيس بموضع التغير. وبالعكس فالحكم كذلك ايضا، لان الاعلى لا تسري إليه النجاسة اجماعا، والاسفل قد عصم نفسه عن الانفعال بالكرية، فيختص التنجيس بموضع التغير. (الرابعة) كون الباقي بعد التغير اقل من كر والماء جاريا وحكمها يعلم بالتأمل في تلك الشقوق، الا انه يظهر من كلام المحدث الامين (قدس سره) كما


(1) أي لم تقطع النجاسة عمود الماء (منه رحمه الله). (2) قال (قدس سره) - بعد ان صرح بان القليل المتصل بمادة هي كر فصاعدا في حكم الكر المتساوي السطوح، وانه لا يعتبر استواء في المادة بالنظر إلى عدم انفعال ما تحتها - ما لفظه: " نعم يعتبر الاستواء في عدم انفعال المادة بعينها، فلو لاقتها نجاسة وهى غير مستوية، نجس موضع الملاقاة، ويلزم منه نجاسة ما تحتها ايضا ما لم يكن فيه كر مجتمع " ثم اشار إلى الاشكال المورد في المقام واجاب عنه بما قدمنا نقله عنه (منه رحمه الله)

[ 244 ]

قدمنا نقله (1) اختصاص التنجيس بموضع النجاسة، لمنعه السراية وحكمه بتقوي الاسفل بالاعلى وان لم يكن المجموع كرا فيختص التنجيس بموضع التغير. إذا عرفت ذلك فاعلم ان شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في كتاب الروض قد اورد ههنا تناقضا على من منع من تقوي الاعلى بالاسفل بانهم قد حكموا في صورة ما إذا تغير بعض الجاري لا عن نبع بالنجاسة بعدم نجاسة الاعلى مطلقا وعدم نجاسة الاسفل إذا بلغ الباقي كرا الا ان تستوعب النجاسة عمود الماء فيشترط كرية الاسفل، وهذا القول يستلزم تقوي الاعلى بالاسفل وإلا لزم نجاسة الاسفل مطلقا إلا إذا كان الاعلى كرا ولم يستوعب التغير عمود الماء، لان الجزء الاعلى الملاقي للنجاسة على هذا يصير نجسا والفرض انه لا يتقوى بما تحته فينجس حينئذ وينجس ما تحته لذلك ايضا وهكذا. ووجه الجواب عن ذلك ما قدمنا نقله عن المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم ويمكن الجواب ايضا باحتمال قصر الحكم المذكور على الواقف المتصل بالكثير أو الجاري دون الجاري نفسه، فكأنهم يشترطون في التقوي وحدة الماءين في العرف أو يكون القوي أعلى، فالماء الجاري في العرف عندهم ماء واحد وان كان بعضه أعلى وبعضه أسفل. واما الماء الواقف المتصل بالكثير أو الجاري فمتى كان أسفل ينتفي فيه الامران فلا يتقوى بهما. ويمكن الجواب بما اشرنا إليه آنفا من تخصيص الحكم المذكور بما إذا لم تكن اجزاؤه منحدرة بل يكون العلو بطريق التسنم كالميزاب ونحوه. (المسألة الرابعة) طريق تطهير الماء المذكور إذا تغير بالنجاسة ان يقال: لا يخلو اما ان يتغير جميعه أو بعضه، وعلى الثاني فاما ان يبقى قدر الكر أم لا، فههنا أقسام ثلاثة:


(1) في الصحيفة 240.

[ 245 ]

(الاول) ان يتغير بعضه مع كون الباقي كرا، والظاهر انه لا خلاف في طهارته بتموجه بعضه في بعض مع زوال التغير بذلك أو قبله. هذا على القول باشتراط الامتزاج. واما على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال فيكفي مجرد زوال التغير. (الثاني والثالث) ان يكون الباقي أقل من كر أو يتغير الجميع، وقد ذكر جملة من الاصحاب ان تطهيره بالقاء كر عليه دفعة، فان زال التغير وإلا فكر آخر وهكذا حتى يزول التغير، وانه لا يطهر بزوال التغير من قبل نفسه ولا بتصفيق الرياح ولا بوقوع اجسام طاهرة تزيل عنه التغير. وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع: (الاول) ان ما ذكروه من القاء كر فكر حتى يزول التغير إنما يلزم لو لم يزل التغير اما من قبل نفسه أو بعلاج أو بماء قليل وإلا اجزأ كر واحد، وكذا إنما يلزم لو تغير الكر الملقى على وجه لم يبق من المجموع قدر كر وإلا كان حكمه ما تقدم في القسم الاول. (الثاني) انه لا يختص التطهير بما ذكروه، بل يطهر بالمطر ايضا على التفصيل المتقدم، وبالجاري عن نبع أولا عن نبع مع كريته، لكن مع زوال التغير بكل من هذه الاشياء أو قبله، واشتراط علو الجاري مطلقا أو مساواته أو نبع الماء من تحته بقوة وفوران بحيث يستهلك الماء النجس لا بمثل الترشيح. واعتبار علو الجاري هنا أو مساواته متفق عليه حتى من القائلين بتقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر، لانهم يخصون ذلك كما عرفت مما قدمنا نقله عن شيخنا الشهيد الثاني (1) بملاقاة النجاسة بعد الاتصال، ووجه الفرق بين المقامين قد تقدم في كلامه، لكن ينقدح على الفرق المذكور الاشكال بتساوي السطوح، إذ لا يتحقق فيه ورود الطاهر حينئذ


(1) في الصحيفة 241.

[ 246 ]

مع اتفاقهم على القول بالطهارة كما عرفت. واجاب في الروض بان جماعة من الاصحاب منهم: المنصف (رحمه الله) في التذكرة والشهيد في الذكرى شرطوا في طهر المتنجس في هذا الحالة امتزاج الطاهر به ولم يكتفوا بمجرد المماسة، وهذا الشرط في الحقيقة يرجع إلى علو الجاري، إذ لا يتحقق الامتزاج بدونه، وحينئذ يتحقق الشرط وهو ورود الطاهر على النجس ويزول الاشكال، وهذا الشرط حسن في موضعه. انتهى. ولا يخفى عليك ان إلتزامه اشتراط الامتزاج في الصورة المذكورة لضرورة دفع الاشكال وإلا فهو خلاف مقتضى مذهبه كما سيأتي من الاكتفاء بمجرد الاتصال، ويشير إلى ذلك قوله اخيرا: " وهذا الشرط حسن في موضعه ". (الثالث) ما ذكروا من اعتبار الدفعة في الكر الملقى هو احد القولين في المسألة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في الكلام في بيان تطهير الماء القليل ان شاء الله تعالى. (الرابع) ما ذكروا من عدم طهره بمجرد زوال التغير من قبل نفسه إلى آخر ما تقدم وهو اشهر القولين في المسألة واظهرهما. وقيل بطهره بمجرد ذلك، وهو منقول عن الفاضل يحيى بن سعيد في الجامع، واحتمله العلامة في النهاية. وصرح جمع من الاصحاب بان القول بطهارة المتغير بزوال التغير لازم لكل من قال بالطهارة بالاتمام. وتنظر فيه بعض افاضل متأخري المتأخرين بما حاصله: ان القول بالطهارة بالاتمام، إما لخبر " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (1) اي يطهره، أو لغيره


(1) هذا مرسل السيد والشيخ (قدس سرهما) وسيأتى التعرض منه (قده) له في تطهير القليل النجس باتمامه كرا. وقال ابن الاثير في النهاية في مادة كر: في حديث ابن سيرين " إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر " وفى رواية " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا " =

[ 247 ]

من الوجوه المذكورة في ادلتهم. فان كان المستند غير الخبر المذكور فوجه عدم اللزوم ظاهر، وان كان الخبر المذكور فكذلك ايضا، لانه وان دل بعمومه على ان الماء إذا بلغ كرا لم يظهر فيه خبث، الا ان ذلك العموم مخصوص نصا واجماعا بالخبث الذي لا يكون متغيرا للماء، والا لكان منجسا للماء البتة، فإذا ثبتت النجاسة بالتغير كان حكمها مستصحبا إلى ان يعلم المزيل كما ذكره القائلون بعدم الطهارة بالاتمام، ولو قيل: ان القدر الثابت من المخصص هو التخصيص بالمتغير ما دام متغيرا، واما ما بعد زوال التغير فهو داخل في العموم. لقيل: ان هذا بعينه يرد على من تمسك بالرواية المشهورة (1) وهي " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " كما لا يخفى (2). حجة القول المشهور ان النجاسة وزوالها حكمان شرعيان منوقفان على النص من الشارع، فكما حكم بالنجاسة بالتغير لثبوت ذلك عنه. فلا يحكم بالطهارة بالزوال الا مع ثبوت ذلك عنه ايضا، والا فيكون حكم النجاسة مستصحبا إلى ان تحصل الطهارة بما جعله مطهرا. وليس الاستصحاب هنا من قبيل الاستصحاب المتنازع فيه بل مرجعه هنا إلى العمل بعموم الدليل. اقول: وتحقيق القول في الاستصحاب وجملة اقسامه قد تقدم في المقدمة الثالثة (3).


= وفى تاج العروس في الجزء الثالث في الصحيفة (519) الكر بالضم مكيال لاهل العراق، ومنه: حديث ابن سيرين " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا ". (1) تقدم الكلام فيها في التعليقة 3 في الصحيفة 191. (2) وذلك لانها مخصوصة بغير المتغير نصا واجماعا، فالكر المتغير كلا أو بعضا نجس، وبعد زوال التغير بمقتضى الايراد الذكور يندرج في العموم، مع انهم لا يقولون به بل يستصحبون حكم النجاسة إلى ان تحصل الطهارة باحد المطهرات الشرعية (منه رحمه الله). (3) في الصحيفة 51.

[ 248 ]

وظاهر كلام المستدل هنا ان الاستصحاب المذكور من قبيل القسم الثالث المذكور هناك الذى هو عبارة عن اطلاق النص، دون القسم الرابع الذى هو محل النزاع، وهذا الموضع أحد المواضع التي اشرنا هناك إلى الشك والتردد في اندراجها تحت القسم الثالث أو الرابع من تلك الاقسام. وتحقيق القول في ذلك ان يقال: إذا تعلق حكم بذات لاجل صفة كالماء المتغير بالنجاسة والماء المسخن بالشمس والحائض اي ذات دم الحيض فهل يحكم بمجرد زوال التغير وزوال السخونة وانقطاع الدم بخلاف الاحكام السابقة، أو يحكم باجراء الاحكام السابقة إلى ظهور نص جديد ؟ اشكال، ينشأ من ان الحكم في هذه النصوص - الواردة في هذه الافراد المعدودة ونحوها محتمل لقصره على زمان وجود الوصف، بناء على ان التعليق على الوصف مشعر بالعلية. وان المحكوم عليه هو العنوان لا الفرد وقد انتفى، وبانتفائه ينتفي الحكم - ومحتمل للاطلاق، بناء على ان المحكوم عليه انما هو الفرد لا العنوان، والعنوان إنما جعل آلة لملاحظة الفرد، فمورد الحكم حقيقة هو الفرد، فعلى الاحتمال الاول يكون من القسم الرابع، فان تغير الماء هنا بالنجاسة نظير فقد الماء في مسألة المتيمم الداخل في الصلاة ثم يجد الماء. وكما ان وجود الماء هناك حالة اخرى مغايرة للاولى، فتعلق النص بالاولى لا يجوب استصحابه في الثانية لمكان المخالفة. فكذا هنا زوال الوصف حالة ثانية مغايرة للاولى لا يتناولها الص المتعلق بالاولى. وعلى الاحتمال الثاني يكون من قبيل القسم الثالث وهو الذى ذكره السيد (قدس سره) في المدارك، واليه جنح ايضا المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. والله سبحانه العالم بحقيقة الحال. (المسألة الخامسة) لو جمد الكثير ثم اصابته نجاسة بعد الجمود فالظاهر كما استظهره بعض المحققين النجاسة في خصوص الملاقاة كسائر الجامدات،

[ 249 ]

لخروجه بالجمود عن اسم الماء عرفا ولغة، ويظهر بالقاء النجاسة وما يكتنفها ان كان لها عين والا فالموضع الملاقي لها، ويطهر باتصال الكثير به بعد زوال العين. ونقل عن العلامة في المنتهى انه قال: " لو لاقت النجاسة ما زاد على الكر من الماء الجامد فالاقرب عدم التنجيس ما لم تغيره " واحتج لذلك بان الجمود لم يخرجه عن حقيقته بل هو مؤكد لثوبتها، فان الآثار الصادرة عن الحقيقة كلما قويت كانت آكد في ثبوتها، والبرودة من معلولات طبيعة الماء وهي تقتضي الجمود، وإذا لم يكن ذلك مخرجا له عن الحقيقة كان داخلا في عموم قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وفيه ما عرفت من ان الجمود يخرجه عن الاسم الذي هو المدار في الحفظ عن انفعال القليل لغة وعرفا فيزول بزواله. ولعله (قدس سره) قاس ذلك على مثل الدبس والدهن ونحوهما، فانها بالجمود لا تخرج عن الحقيقة، إلا انه قياس مع الفارق، فان الظاهر في الماء الجامد ان احدا لا يطلق عليه اسم الماء. والموجود في الاخبار اطلاق اسم الثلج عليه. وبالجملة فانه لا ريب في ضعفه. واستشكل الحكم في التحرير، ونقل عنه في النهاية القول بالمشهور. (المسألة السادسة) في القدر الذي لا ينفعل بالملاقاة من الراكد، وتنقيح الكلام فيه يستدعي بسطه في مواضع: (الموضع الاول) اعلم انه قد ورد بتقدير ما لا ينفعل من الماء روايات بغير لفظ الكر لا يخلو ظاهر تقديراتها من تدافع. (فمنها) رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ، والقلتان جرتان ". و (منها) رواية عبد الله بن المغيرة ايضا عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه


(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة

[ 250 ]

السلام) (1) قال: " الكر من الماء نحو حبي هذا. واشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة ". و (منها) رواية زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له: رواية من ماء سقطت فيها فارة أو جرذ أو صعوة ميتة ؟ قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ وصبها، وان كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ، واطراح الميتة إذا اخرجتها طرية، وكذا الجرة وحب الماء والقربة واشباه ذلك من اوعية الشرب " هذه جملة ما وقفت عليه من ذلك، وهي مشتملة على التحديد بالقلتين تارة وبكونه نحو ذلك الحب المشار إليه اخرى، وبكونه قدر رواية أو حب أو قربة أو شبه ذلك، فلابد من بيان انطباق مصاديق هذه الالفاظ على ما يصدق عليه الكر الذي بني عليه الاصحاب وجعلوه المعيار في هذا الباب، ليزول التنافي من البين وتجتمع الادلة من الطرفين. ويكون ذلك ضابطا كليا وقانونا جليا: فنقول: اما الرواية الاولى فحملها الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار (3) بعد الطعن فيها أولا بالارسال على التقية. قال: " لانه مذهب كثير من العامة " ثم قال: " ويحتمل ان يكون مقدار القلتين مقدار الكر، لان ذلك ليس بمنكر لان القلة هي الجرة الكبيرة في اللغة " انتهى. اقول: ويؤيد الحمل على التقية ان المدار عندهم على القلتين كما ان المدار عندنا على الكر، كما ورد في الخبر المتفق على صحته عندهم (4): " إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) في الصحيفة 7 من طبع النجف. (4) قال ابن تيمية في الجزء الاول من المنتفى في الصحيفة 24 بعد ان ذكر هذا =

[ 251 ]

وحمل ايضا في الاستبصار الرواية الثانية على ان الحب لا يمتنع ان يسع من الماء مقدار الكر، وعلى ذلك حمل الجرة والراوية والحب والقربة. وجملة متأخري الاصحاب (رضوان الله عليهم) اعرضوا عن النظر في هذه الاخبار واطبقوا على اخبار الكر، والظاهر ان ذلك اما بناء على ما اعتمدوه من الاصطلاح في تقسيم الحديث، وان هذا الروايات ضعيفة الاسانيد، فلا تبلغ قوة المعارضة لتلك الاخبار الصحيحة أو الضعيفة المجبورة عندهم بعمل الطائفة. أو انها عندهم غير منافية بناء على ما ذكره الشيخ (قدس سره).


= الحديث: رواه الخمسة. وهم باصطلاحه - كما ذكر ذلك في اول الكتاب -: احمد بن حنبل في مسنده وابو عيسى الترمذي في جامعه. وابو عبد الرحمن النسائي في كتاب السنن. وابو داود السجستاني في كتاب السنن. وابن ماجه القزويني في كتاب السنن. الا ان النص الذى ذكره: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " وقال: وفى لفظ ابن ماجه ورواية لاحمد " لم ينجسه شئ " وفى كنز العمال في الجزء الخامس في الصحيفة 95 " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ". وروى البيهقى في الجزء الاول من سننه في الصحيفة 260 و 261 الحديث بالنص المتقدم وفى الصحيفة 261 منه ايضا بالنص المذكور في الكتاب. وفى مصابيح السنة للغوى في الجزء الاول في الصحيفة 33 " إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ". وقد ورد الكر ايضا في رواياتهم، ويحكى عن بعضهم انه هو المعيار في هذا الباب، قال الجصاص في احكام القرآن في الجزء الثالث في الصحيفة 491 في قوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " بعد ان نقل المذاهب في الماء الكثير: " وقال مسروق والنخعي وابن سيرين: إذا كان الماء كرا لم ينجسه شئ ". وقال ابن الاثير في النهاية في مادة كر: في حديث ابن سيرين " إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر " وفى رواية " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا " وفى تاج العروس في الجزء الثالث في الصحيفة 519 في مادة كر: الكر بالضم مكيال لاهل العراق ومنه: حديث ابن سيرين " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا " وفى رواية " إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر ".

[ 252 ]

هذا. والذي وقفت عليه من كلام اهل اللغة في ذلك، اما بالنسبة إلى القلتين فقال في كتاب المصباح المنير: " والقلة اناء للعرب كالجرة الكبيرة شبه الحب، قال الازهري: ورأيت القلة من قلال هجر والاحساء تسع مل ء مزادة، والمزادة شطر الراوية، وكأنها سميت قلة لان الرجل القوي يقلها اي يحملها، وعن ابن جريح قال: اخبرني من رأي قلال هجر: ان القلة تسع فرقا، قال عبد الرزاق: والفرق يسع اربع اصواع بصاع النبي صلى الله عليه وآله، إلى ان قال: ويجوز ان يعتبر قلال هجر البحرين، فان ذلك اقرب عرف لهم، ويقال: كل قلة تسع قربتين " انتهى. وقال في كتاب مجمع البحرين: " القلة بضم القاف وتشديد اللام اناء للعرب كالجرة الكبيرة تسع قربتين أو اكثر، ومنه قلال هجر، وهى شبه الحباب " وقال في القاموس: " القلة الحب العظيم أو الجرة العظيمة " انتهى. وقال المحقق في المعتبر: " ان ابا علي ابن الجنيد قال في المختصر: الكر قلتان مبلغ وزنه الف ومائتا رطل، وقال ابن دريد: القلة في الحديث من قلال هجر وهي عظيمة، وزعموا ان الواحدة تسع خمس قرب " انتهى. ونقل العلامة المنتهى ايضا عن ابن دريد انه قال: " القلة من هجر عظيمة تسع خمس قرب " انتهى. وانت خبير بان المستفاد من كلام هؤلاء ان القلة والجرة والحب متقاربة المقادير وان كلا منها مما يختلف صغرا وكبرا، وان القلة منها: ما تسع قربتين ومنها: ما تسع خمس قرب، فلا بعد حينئذ في حمل تلك الظروف المروية في الاخبار على ما يسع الكر. واما الحب فقال في المصباح: " والحب بالضم الخابية فارسي معرب " وقال في المجمع: " والحب بالضم الجرة الضخمة " وقال في القاموس: " والحب الجرة أو الضخمة منها ". وانت خبير بان تفسير الحب بالخابية التي تختلف افرادها صغرا وكبرا، وتفسير

[ 253 ]

القلة به وهي كما عرفت سابقا يعطى ايضا انه مما يختلف مقاديره، فلا يمتنع ان يكون ذلك الحب المشار إليه من الحباب الكبار التي تسع كرا من ماء. ويؤيد ذلك صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن حب ماء فيه الف رطل وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه ؟ قال: لا يصلح " وحينئذ فلا بعد في الحمل على ذلك، ومثل ذلك الجرة والقربة، فانها مما يتفاوت افرادها ايضا صغرا وكبرا. واما الراوية فهي في الاصل تقال على الدابة التي يستقى عليها الماء ثم استعملت في المزادة كما يعطيه كلام صاحب المغرب، أو انها حقيقة فيهما كما يفهم من غيره، وعلى ايهما فالمراد به في الحديث المزادة، قال في القاموس: " ولا تكون إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع " انتهى. وقال في كتاب مجمع البحرين: " المزادة الراوية، وسميت ذلك لانها يزاد فيها جلد آخر من غيرها، ولهذا انها اكبر من القربة " انتهى. ومتى كان كذلك فبلوغها الكر لا خفاء فيه. ومع المناقشة في ذلك فالحمل على التقية التي هي الاصل في اختلاف الاخبار عندنا كما تقدم بيانه واشتد بنيانه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب وان لم يكن بمضمونها قائل من العامة كما علمته مبرهنا. واخبار الكر معتضدة بعمل الطائفة عليها قديما وحديثا فهي مجمع عليها، ومخالفة للعامة قطعا (2) فيتعين القول بها. والله سبحانه واولياؤه اعلم. (الموضع الثاني) للاصحاب (رضوان الله عليهم) في معرفة الكر طريقان وبكل منهما وردت الاخبار، وان كان على وجه يحتاج إلى التطبيق بينها في ذلك المضمار.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يوضح ذلك.

[ 254 ]

(الطريق الاول) معرفة ذلك بالوزن وهو الف ومائتا رطل، ولا خلاف بينهم في هذا المقدار. وعليه تدل صحيحة محمد بن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ الف رطل ومائتا رطل ". وانما اختلفوا في المراد من الرطل في هذا الخبر، هل هو الرطل العراقي أو المدني ؟ فالمشهور حمله على الاول، وهو مائة وثلاثون درهما على المشهور، وقيل انه مائة وثمانية وعشرون درهما واربعة اسباع درهم، ذكره العلامة في نصاب الغلات من التحرير والمنتهى (2) والظاهر انه غفلة. وقيل بحمله على الثاني وهو مائة وخمسة وتسعون درهما، وبه قال المرتضى في المصباح والصدوق في الفقيه. واستدل على الاول بوجوه: (احدها) عموم قوله (عليه السلام): " كل ماء طاهر حتى يعلم انه قذر " (3) والعلم لا يتحقق مع الاحتمال. و (ثانيها) ان الاقل متيقن والزائد مشكوك فيه فيجب نفيه بالاصل. و (ثالثها) ان ذلك هو المناسب لرواية الاشبار الثلاثة (4).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) ما ذهب إليه (قدس سره) في ذلك منقول عن العامة ومخالف لما صرح به في باقى كتبه، قال بعض المتأخرين: " والظاهر ان هذا سهو منه، وكأنه كان (ره) عند وصوله إلى هذا الموضع ناظرا في كتبهم وتبعهم فيه ذاهلا عن مخالفة نفسه في المواضع الاخر ومخالفة الاخبار وأقوال سائر الاصحاب " انتهى. وهو في محله (منه رحمه الله). (3) المروى في الوسائل في الباب 1 و 4 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) وهى صحيحة اسماعيل بن جابر المروية في الباب 9 و 10 - ورواية المجالس المروية في الباب 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة من الوسائل، وسيأتى منه (قده) ذكرهما في الطريق الثاني.

[ 255 ]

و (رابعها) ما فيه من الجمع بين الرواية المذكورة (1) وبين صحيحة محمد ابن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " والكر ستمائة رطل " بحملها على ارطال مكة، إذ لم يذهب أحد إلى حملها على الارطال العراقية أو المدنية، والرطل المكي رطلان بالعراقي. و (خامسها) ان الاصل طهارة الماء خرج ما نقص عن الارطال العراقية بالاجماع، فيبقى الباقي. ويرد على الاول ما تقدم في المقدمة الحادية عشرة (3) في معنى الحديث المذكور ومرت إليه الاشارة ايضا في المقالة الرابعة من الفصل الاول (4) ونزيده هنا بيانا وتاكيدا فنقول: ان الجهل هنا الذي هو عبارة عن عدم العلم بالقذارة الموجب للتمسك باصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة اما ان يكون متعلقا باصابة النجاسة للماء، بمعنى ان المكلف يجهل اصابة النجاسة للماء ولا يعلمها، واما ان يكون متعلقا بالنجاسة، بمعنى انه يجهل كون هذا الشئ موجبا للتنجيس. واما يجهل الحكم بالتنجيس بان يعلم ملاقاة النجاسة لكن يشك في تأثيرها كموضع البحث. ومقتضى الدليل العقلي الدال على امتناع تكليف الغافل عن الخطاب بلزوم تكليف ما لا يطاق، والنقلي الدال على ذلك كنفي الحرج انما يقوم على العذر بالنسبة إلى القسم الاول دون الاخيرين. واخبار معذورية الجاهل خاصها وعامها إنما تدل على الاول وهو الجاهل المحض، دون العالم بالنجاسات وافرادها وما يترتب على الملاقاة من الحكم، فربما علم بالملاقاة لكن


(1) وهى صحيحة محمد بن ابى عمير المتقدمة في الصحيفة 254 (2) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) في الموضع الاول في الصحيفة 134. (4) في الصحيفة 190.

[ 256 ]

جهل الحكم بالتنجيس في بعض الموارد، للشك في بعض الشروط كموضع البحث، أو للشك في بعض الاشياء بكونها موجبة للتنجيس كنطفة غير الانسان مثلا، بل دلت الاخبار على ان الحكم في الفردين الاخيرين وجوب الفحص والسؤال، ومع العجز فالوقوف على جادة الاحتياط. كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج " في رجلين اصابا صيدا وهما محرمان، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء ؟ فقال: لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما الصيد. قلت: ان بعض اصحابنا سألني عن ذلك فلم ادر ما عليه. فقال: إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط " (1). ومثلها حسنة بريد الكناسي الواردة فيمن علمت ان عليها العدة ولم تدر كم هي ؟ حيث قال (عليه السلام): " إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم " (2). وبالجملة فمورد الخبر المذكور هو العالم بموجبات تنجيس الماء وشرائطه، فانه متى جهل اصابة النجاسة حكم بالطهارة إلى ان يعلم الاصابة، وما عدا هذا الفرد ففرضه التوقف في الحكم والاحتياط في العمل. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الثاني ايضا، فان الوجه في اصالة البراءة التي اعتمدوا عليها هو ما قدمناه من الدليل العقلي والنقلي، ولزوم الحرج وتكليف الغافل في صورة بلغنا فيها حكم شرعي ولكن اشتبه علينا المراد منه هل هو الزائد أو الناقص ؟ ممنوع، لما عرفت من الروايتين المتقدمتين. واورد على الثالث انه وان ناسب رواية الاشبار الثلاثة (3) لكن المشهور


(1) تقدم الكلام فيها في التعليقة 2 في الصحيفة 73. (2) تقدم الكلام فيها في التعليقة 4 في الصحيفة 82 والتعليقة 1 في الصحيفة 83. (3) تقدم بيانها في التعليقة 4 في الصحيفة 254.

[ 257 ]

على تقدير المساحة إنما هو العمل على رواية ابي بصير (1) البالغ تكسير ما اشتملت عليه إلى اثنين واربعين شبرا وسبعة اثمان شبر، وليس تباعد المدني عنها ابعد من تباعد العراقي. وعلى الرابع ايضا ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) من انه يجوز ان يحمل الستمائة على الارطال المدنية ليوافق قول القميين برواية الاشبار الثلاثة (2) بناء على ان الالف والمائتين العراقية توافق رواية الاشبار بزيادة النصف كما ذكره جماعة: منهم الشهيد في الذكرى. ومن ثم عدل بعض متأخري المتأخرين عن كيفية الاستدلال بالرواية إلى نحو آخر، فقال: " لو لم يحمل على العراقي لم يمكن الجمع بين روايات الارطال، بخلاف ما لو حمل عليه، فانها تجتمع على ذلك ". ويرد على الخامس ايضا (اولا) ان الاصل المذكور اما عبارة عن الدليل، وليس إلا الخبر المتقدم في الوجه الاول وامثاله. وقد عرفت ما فيه. واما عبارة عن الحالة السابقة أو الحالة الراجحة التي إذا خلي الشئ ونفسه، وكل منهما قد اخرج عنه معلومية ملاقاة النجاسة، فاستصحابها في موضع النزاع فرع صحة الاستدلال بالاستصحاب في مثل ذلك، وقد حققنا لك في المقدمة الثالثة (3) بطلانه وهدمنا اركانه، فانه بتجدد الحالة الثانية اعني ملاقاة النجاسة هنا لا يمكن الجزم بالبقاء على الحكم الاول. و (ثانيا) ايضا ان المستفاد من قوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء


(1) الآتى ذكرها في الصحيفة 261. (2) وسيأتى بيانها في الصحيفة 262. (3) في الصحيفة 51.

[ 258 ]

كرا لم ينجسه شئ " وامثاله ان حصول الكرية موجب لعدم الانفعال وانتفائها موجب للانفعال، فإذا حصل الشك في الكرية كان حكمها في الانفعال وعدمه مشكوكا فيه، وتعيين أحدهما يحتاج إلى دليل (فان قيل): الدليل هو العمومات الدالة على طهارة الماء (قلنا): العمومات على تقدير تسليمها مخصوصة بالخبر المذكور، والشك إنما حصل في كون محل النزاع فردا للمخصص أم لا، فتعين أحدهما يحتاج إلى دليل. احتج الآخرون بان الحمل على المدني يقتضي الاحتياط، حيث ان الاقل مندرج تحته. وبانه (عليه السلام) كان من أهل المدينة. فالظاهر انه (عليه السلام) اجاب بما هو المعهود عنده. واجيب عن الاول بان الاحتياط ليس بدليل شرعي. مع انه معارض بمثله، فان المكلف مع تمكنه من الطهارة المائية لا يسوغ له العدول إلى الترابية، ولا يحكم بنجاسة الماء إلا بدليل شرعي، فإذا لم يقم على النجاسة فيما نحن فيه دليل كان الاحتياط في استعمال الماء لا في تركه. وعن الثاني بان المهم في نظر الحكيم هو رعاية ما يفهمه السائل، وذلك إنما يحصل بمخاطبته بما يعهده من اصطلاحه، ولم يعلم ان السائل كان مدنيا، وغالب الرواة عنه (عليه السلام) كانوا من أهل العراق، فلعل السائل كان منهم حملا على الغالب. (قلت): ويؤيد بان المرسل وهو ابن ابي عمير كان عراقيا، وبجوابه (عليه السلام) لمحمد بن مسلم الذي هو من الطائف توابع مكة بستمائة رطل المتعين أو الظاهر حملها على الارطال المكية. لما تقدم، وبقوله (عليه السلام) في حديث الكلبي النسابة (2) لما سأله عن الشن الذي ينبذ فيه التمر للشرب والوضوء: " وكم كان يسع


(1) تقدم الكلام فيه في التعليقة 3 في الصحيفة 191. (2) المروى في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة.

[ 259 ]

من الماء ؟ فقال ما بين الاربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك. فقلت: باي الارطال ؟ قال: ارطال مكيال العراق ". واجاب المحقق الشيخ حسن في المعالم عن المعارضة الموردة على الجواب الاول بان الاخبار الدالة على اعتبار الكرية اقتضت كونها شرطا لعدم انفعال الماء بالملاقاة، فما لم يدل دليل شرعي على حصول الشرط يجب الحكم بالانفعال، ثم قال: " وبهذا يظهر ضعف احتجاجهم بالاصل على الوجه الذي قرروه، لان اعتبار الشرط مخرج عن حكم الاصل ". وفيه نظر، لان كون الكرية شرطا لعدم الانفعال لا يقتضي الحكم بالانفعال في صورة عدم العلم بالشرط، إذ عند عدم الشرط في الواقع ينتفي المشروط لا عند عدم العلم به. على انه معارض بان الاخبار المذكورة كما تدل على كون الكرية شرطا لعدم الانفعال كذلك تدل على كون القلة شرطا للانفعال، فما لم يدل دليل على حصول الشرط يجب الحكم بعدم الانفعال. والظاهر ان ابتناء ما ذكره في المعالم على ما اشتهر بينهم، وبه صرح والده (قدس سرهما) في تمهيد القواعد في مبحث تعارض الاصلين، حيث قال: " إذا وقع في الماء نجاسة وشك في بلوغه الكرية فهل يحكم بنجاسته أو طهارته ؟ فيه وجهان (احدهما) الحكم بنجاسته، وهو المرجح، لان الاصل عدم بلوغه الكرية. و (الثاني) انه طاهر، لان الاصل في الماء الطهارة. ويضعف بان ملاقاة النجاسة رفعت هذا الاصل لان ملاقاتها سبب في تنجيس ما تلاقيه " ثم ذكر ما يدل على ان هذا هو القول الشائع بين الفقهاء. انتهى. وفيه بمعونة ما قررناه سابقا توجه المنع إلى قوله: " بان ملاقاة النجاسة رفعت هذا الاصل " فان مجرد ملاقاة النجاسة لا يوجب التنجيس كما ذكره، بل مع القلة. وهي غير متحققة.

[ 260 ]

والتحقيق في هذا المقام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام) ان يقال: ان مقتضى الاخبار الواردة في الكر القائلة بانه إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ، الدالة بمنطوقها على انه مع العلم ببلوغ الكرية لا ينجسه شئ، وبمفهومها الذي هو حجة صريحة صحيحة على انه مع العلم بعدم بلوغه كرا ينجس بالملاقاة تعليق الحكم بنجاسة ذلك الماء على العلم بعدم بلوغه كرا، وتعليق الحكم بطهارته على العلم ببلوغه كرا (1) ومقتضى هذين التعليقين ومقتضى الاخبار الدالة على وجوب التوقف في كل ما لم يعلم حكمه على التعيين هو وجوب التوقف عن الحكمين والوقوف على جادة الاحتياط في العمل. وقولهم: الاحتياط ليس بدليل شرعي على اطلاقه ممنوع، لما عرفت في المقدمة الرابعة من ان الاحتياط في مثل هذه الصورة من الادلة الشرعية كما صرحت به الاخبار، ومنها: الخبران المتقدمان (2) والمعارضة التي ذكرها المجيب مندفعة بانه قد ظهرت الدلالة على وجوب الاحتياط، وانه دليل شرعي على وجوب الاجتناب عن هذا الماء فالاحتياط الذي ذكره المعارض غير متجه. وان اردت مزيد ايضاح للفرق بين الاحتياط الواجب الذي هو أحد الادلة الشرعية والمستحب الذي توهموا حمل ذلك الفرد الآخر عليه، فارجع إلى ما حققناه في المقدمة المذكورة. على ان قول القائل: الاصل عدم بلوغ الكرية لا ينطبق على شئ من معاني الاصل التي صرحوا بها كما تقدم في المقدمة الثالثة في بحث


(1) ووجه اخذ العلم من جانب المنطوق والمفهوم ما تقدم لك بيانه في المقدمة الحادية عشرة من ان مناط الحكم بالطهارة والنجاسة هو علم المكلف بذلك لا مجرد كونه كذلك واقعا كما تقدم بيانه ثمة مبرهنا مشروحا (منه رحمه الله). (2) وهما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وحسنة بريد الكناسى المتقدمان في الصحيفة 256.

[ 261 ]

البراءة الاصلية (1) وحينئذ فمقتضى الاحتياط الواجب في هذا الماء متى لاقته النجاسة هو التوقف في الحكم بالطهارة أو النجاسة وترك استعماله والانتقال إلى التيمم، ومقتضى الاحتياط المستحب الوضوء بعد ذلك والقضاء. واما الوضوء به وضم التيمم ثم يتطهر بعد حصول الماء ويطهر ما لاقى الاول كما ذكره البعض بدون القضاء بعد ذلك فلا يخفى ما فيه. (الطريق الثاني) هو معرفة الكر بالمساحة، وقد اختلف فيه الاصحاب (رضوان الله عليهم). فالمشهور انه ما كان كل واحد من ابعاده الثلاثة ثلاثة اشبار ونصف، ومبلغ تكسيره اثنان واربعون شبرا وسبعة اثمان شبر. وقيل: ما كان كل واحد من ابعاده ثلاثة اشبار، ومبلغ تكسيره سبعة وعشرون شبرا، وهو مذهب القميين، واختاره جملة من المتأخرين منهم: العلامة في المختلف والشهيد الثاني في الروضة والروض والمولى الاردبيلي والمحقق الشيخ علي في حواشي المختلف، ونفى عنه البعد في كتاب الحبل المتين وقيل: ما بلغ تكسيره نحو مائة شبر، ونقل عن ابن الجنيد. وقيل: ما بلغت ابعاده الثلاثة عشرة ونصفا، ونقل عن القطب الراوندي. وقيل: ما بلغ تكسيره ستة وثلاثين شبرا، وهو ظاهر المحقق في المعتبر، واليه مال السيد في المدارك كما سيأتي ايضاحه ان شاء الله تعالى. وقيل بالاكتفاء بكل ما روي، وعزي إلى السيد جمال الدين ابن طاووس (قدس سره). والذي وقفت عليه من الاخبار المتعقلة بالمسألة رواية ابي بصير (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره ؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصفا في مثله ثلاثة اشبار ونصف في عمقه. فذلك الكر من الماء ".


(1) في الصحيفة 41. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 262 ]

ورواية الحسن بن صالح الثوري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الكر ثلاثة اشبار ونصف عمقها في ثلاثة اشبار ونصف عرضها ". وصحيحة اسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له: الماء الذي لا ينجسه شئ ؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " وصحيحته الاخرى عنه (عليه السلام) (3) قال: " الكر ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار ". وقال الصدوق (طاب ثراه) في كتاب المجالس (4): " روي ان الكر هو ما يكون ثلاثة اشبار طولا في ثلاثة اشبار عرضا في ثلاثة اشبار عمقا ". وقال في كتاب المقنع (5): " روي ان الكر ذراعان وشبر في ذراعين وشبر ". وتنقيح البحث في هذه الاخبار مع ما يتعلق بها من كلام علمائنا الابرار يتم برسم فوائد:


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 10 - من ابواب الماء المطلق والنص المذكور في الكتاب هو نص الكافي والتهذيب. وفى الاستبصار في الصحيفة 33 من طبع النجف رواها هكذا: " ثلاثة اشبار ونصف طولها في ثلاثة اشبار ونصف عمقها في ثلاثة اشبار ونصف عرضها " وفى التعليقة 4 من الصحيفة المذكورة ان هذه الزيادة لم ترد في النسخة المخطوطة بيد والد الشيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار المصححة على نسخة المصنف. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة (4) في الصحيفة 383، وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق. (5) في الصحيفة 4، وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق.

[ 263 ]

(الاولى) قد اتفقت هذه الاخبار ما عدا رواية المجالس في عدم ذكر البعد الثالث (1) وظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض ان رواية ابي بصير (2) قد اشتملت على الابعاد الثلاثة ولكن احدها وهو العمق لم يذكر تقديره. وقد تكلف شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين لبيان اشتمالها على مقادير الابعاد الثلاثة باعادة الضمير في قوله: " مثله " إلى ما دل عليه قوله (عليه السلام): " ثلاثة اشبار ونصفا " اي في مثل ذلك المقدار لا في مثل الماء، إذ لا محصل له، وكذا الضمير في قوله (عليه السلام): " في عمقه " اي في عمق ذلك المقدار في الارض. وفيه انه يؤذن بكون قوله: " في عمقه من الارض " كلاما منقطعا، وبه يكون الكلام متهافتها معزولا عن الملاحة لا يليق نسبته بتلك الساحة البالغة اعلى درجات البلاغة والفصاحة، بل الظاهر من قوله: " في عمقه " انه اما حال من " مثله " أو نعت " لثلاثة اشبار " الذي هو بدل من " مثله " وعلى هذا تكون الرواية مشتملة على بيان مقدار العمق مع أحد البعدين الاخيرين، والبعد الثالث متروك. وبالجملة فهذه الاخبار كلها مشتركة في عدم عد الابعاد الثلاثة (3) ولم اجد لها رادا من هذه الجهة، بل ظاهر الاصحاب قديما وحديثا الاتفاق على قبولها وتقدير البعد الثالث فيها، لدلالة سوق الكلام عليه، وكان ذلك شائعا كثيرا في استعمالاتهم وجاريا دائما في محارواتهم، ومنه: قول جرير: كانت حنيفة اثلاثا فثالثهم من العبيد وثلث من مواليها وعد بعضهم من ذلك قوله (صلي الله عليه وآله): " حبب الي من دنياكم ثلاث:


(1) و (3) قد تقدم في التعليقة 1 في الصحيفة 262 اشتمال رواية الحسن بن صالح الثوري في النسخ المتداولة من الاستبصار على ذكر الابعاد الثلاثة. (2) المتقدمة في الصحيفة 261.

[ 264 ]

الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة " (1) قال: " فان الصلاة ليست من لذة الدنيا فهو (صلى الله عليه وآله) لما عد من ملاذ الدنيا اثنتين عزفت نفسه المقدسة عن ذكر الثالثة، فكأنه يقول: مالي ولملاذ الدنيا ؟ قرة عيني في الصلاة، فالواو الثانية استينافية. (اقول): وهو معنى لطيف مناسب لذلك المقام المنيف (2) ويؤيده ايضا


(1) هذا الحديث رواه الصدوق في الخصال عن انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله بطريقين في الصحيفة 79 ولم ترد كلمة (ثلاث) في شئ منهما في النسخة المطبوعة. ورواهما صاحب الوسائل عنه في الباب 89 - من ابواب آداب الحمام والتنظيف. وقد اورد كلمة (ثلاث) في احدهما، واليك نصهما كما في الوسائل: " حبب الي من الدنيا ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة ". " حبب الي من دنياكم النساء والطيب وجعل قرة عينى في الصلاة ". وفى سنن البيهقى ج 7 ص 78 عن ثابت عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " انما حبب الي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة " ورواه بهذا اللفظ السيوطي في الجامع الصغير. وفى سنن النسائي ج 2 ص 156 " حبب الي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة ". وقال المناوى في فيض القدير ج 3 ص 370: " لم يرد في الحديث لفظ ثلاث كما قال الحافظ العراقى والزركشى وابن حجر في تخرج الكشاف، ومن زادها كالزمخشري والقاضى فقد وهم، فانها مفسدة للمعنى، إذ لم يذكر بعدها الا النساء والطيب. (2) قال الصدوق في الخصال في الصحيفة 79 بعد ذكر الحديثين: " قال مصنف هذا الكتاب: ان الملحدين يتعلقون بهذا الخبر ويقولون ان النبي صلى الله عليه وآله قال: حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، واراد ان يقول الثالث فندم وقال: قرة عينى في الصلاة. وكذبوا، لانه لم يكن مراده بهذا الخبر الا الصلاة وحدها، لانه قال: " ركعتان يصليهما متزوج افضل عند الله من سبعين ركعة يصليها غير متزوج " وانما حبب الله إليه النساء لاجل الصلاة. وهكذا قال: " ركعتان يصليهما متعطر افضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر " وانما حبب إليه الطيب ايضا لاجل الصلاة. ثم قال: " وجعل قرة عينى في الصلاة " لان الرجل لو تطيب وتزوج ثم لم يصل لم يكن له في التزويج والطيب فضل ولا ثواب " انتهى

[ 265 ]

جملة من الاخبار (1) ومما يدخل في حيز هذا المقام قوله تعالى: " فيه آيات بينات مقام ابراهيم " (2) ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية " انها ثلاث آيات: مقام ابراهيم حيث قام على الحجر فاثر فيه قدماه، والحجر الاسود، ومنزل اسماعيل " (3). وللمحدث الامين في كتاب الفوائد المدنية هنا كلام في توجيه عدم ذكر البعد الثالث في هذه الاخبار، قال: " ومن اغلاط جمع منهم انهم يقولون في كثير من الاحاديث الواردة في كمية الكر: انها خالية عن ذكر أحد الابعاد الثلاثة، لكنه محذوف ليقاس المحذوف على المذكور، والحذف مع القرينة شائع ذائع. وفي هذا دلالة على اسراعهم في تفسير الاحاديث وفى تعيين ما هو المراد منها، والدلالة على ذلك كله ان اصح احاديث هذا الباب هكذا: " ذراعان عمقه في ذراع ونصف سعته " (4) وجه الدلالة انه يفهم اعتبار اربعة اشبار في العمق وثلاثة في الاخيرين. فلم تبق دلالة على ان حكم المحذوف حكم المذكور مع وجود هذا الاحتمال، وانه يفهم من هذا الحديث الشريف ان المراد من احد المذكورين في الاحاديث العمق ومن الآخر السعة، ومن المعلوم عند كل لبيب غير غافل ان معنى السعة مجموع الطول والعرض، فلا حاجة إلى القول بالحذف، ومن له ادنى معرفة باساليب كلام العرب يعرف انهم يقصدون بقولهم:


(1) فروى في الكافي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما احب من دنياكم الا النساء والطيب " وروى فيه عنه (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " جعل قرة عينى في الصلاة ولذتي في الدنيا النساء وريحانتي الحسن والحسين " وجه التأييد انه (صلى الله عليه وآله) لم يعد في هذه الاخبار الصلاة في الدنيا كما لا يخفى (منه قدس سره). (2) سورة آل عمران. آية 92. (3) رواه الكليني في الكافي في الباب - 10 - من كتاب الحج. (4) وهو صحيح اسماعيل بن جابر المتقدم في الصحيفة 262.

[ 266 ]

ثلاثة في ثلاثة في الثوب وشبهه ان كل واحد من طوله وعرضة ثلاثة، ويقصدون في الحياض والآبار وشبههما ان كل واحد من سعته وعمقه ثلاثة. وتوضيح المقام ان الكر في الاصل مكيال أهل العراق، وإنما جرت عادة الائمة (عليهم السلام) بذكر لفظ الكر في معرض بيان الفرق بين مقدار الماء الذي ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، وبين مقدار الماء الذي ليس كذلك، لان مخاطبهم (عليهم السلام) كان من أهل العراق، ومن المعلوم ان الكر مدور مثل البئر، ومن المعلوم ان المناسب بمساحة المدور ان يذكر قطره وان يذكر عمقه، وغير مناسب ان يذكر طوله وعرضه وعمقه " انتهى كلامه زيد مقامه. وهو كلام جيد منطبق على تلك الروايات سالم من تلك التقديرات سيما الصحيحة التي أشار إليها. فانها ظاهرة فيه بعيدة الحمل جدا على ما ينافيه، إلا ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) قديما وحديثا، اخباريهم ومجتهدهم كلهم على اعتبار الابعاد الثلاثة في تقدير الكر وحمل الروايات على ذلك، وليس ذلك خاصا بالمجتهدين كما زعمه (قدس سره) وجعله من جملة اغلاطهم، بل هذا الصدوق (قدس سره) في الفقيه والمقنع صرح باعتبار الابعاد الثلاثة. فقال في الفقيه (1): " والكر ثلاثة أشبار طولا في عرض ثلاثة اشبار في عمق ثلاثة اشبار " ونحوه في المقنع (2) والمجالس (3) استنادا إلى صحيحة اسماعيل بن جابر الثانية (4) الناطقة بان الكر ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار. وما ذاك إلا بتقدير البعد الثالث فيها، وتبعه على ذلك القميون الذين هم اساطين الاخباريين، ولكنه (طاب ثراه) حيث كان مولعا بتتبع عثرات المجتهدين عثر


(1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) (2) في الصحيفة 4. (3) في الصحيفة 383. (4) المتقدمة في الصحيفة 262

[ 267 ]

من حيث لا يشعر فخص ذلك بالمجتدهين، بل نسبه إلى جمع منهم مؤذنا بزيادة ضعفه وتمريضه. ولا يخفى انه على تقدير ما ذكره لا يبلغ تكسير الكر إلى القدر الذى اعتبروه على تقدير اعتبار البعد الثالث في كل الروايات. ولكنه (طاب ثراه) قد بنى ذلك على ما تقدمت الاشارة إليه آنفا (1) من اعتبار الاجتماع في ماء الكر، وبذلك صرح في تعليقاته على شرح المدارك، فقال بعد ان نقل ان المشهور بين الاصحاب حمل لفظ (في) الواقع في روايات هذا الباب على ضرب الحساب، وانهم استفادوا من التكسير، وفرعوا على ذلك انه لو كان قدر الكر من الماء منبسطا على وجه الارض لا ينفعل بالملاقاة - ما لفظه: " وفيه اشكال، وذلك لان المتبادر من سياق الروايات اعتبار اجتماع اجزاء الماء، وكون عمقه قدرا يعتد به، والاعتبار العقلي مساعد على ذلك، لانه حينئذ يتقوى بعضها ببعض، وتتوزع النجاسة الواقعة فيه على اجزائه ويؤيده ان الكر في الاصل مكيل معروف لاهل العراق، والعادة في هيئات المكاييل ان يكون لها عمق يعتد به، وبعد التنزل نقول: مع قيام الاحتمال لا مجال للاستدلال على ان اجمال الخطاب يوجب رعاية الاحتياط كما مر تحقيقه " ثم اورد صحيحة محمد ابن مسلم (2) الدالة على السؤال عن غدير ماء مجتمع تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " وصحيحة صفوان ابن مهران الجمال (3) المتضمنة للسؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها. قال: " وكل قدر الماء ؟ قال: إلى نصف الساق والى الركبة. فقال: توضأ منه " وصحيحة اسماعيل بن جابر المذكورة في كلامه آنفا (4).


(1) في الصحيفة 232. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) في الصحيفة 265.

[ 268 ]

ولا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) وان احتمل احتمالا قريبا الا انه لا دليل عليه صريحا، فكما انه بهذا الاحتمال لا يتعين القول المشهور، فكذلك ما ذكره لا يتعين، لعدم الدلالة الصريحة أو الظهور، بل الظاهر ان العمل على اطلاقات الاخبار اظهر، والاسئلة عن المياه المجتمعة مع الاغماض عن المناقشة في كيفية هذا الاجتماع وان ظهر في بعضها ما يؤيد ما ذكره لا يدل على التخصيص في الجواب كما تقرر في محله. (الثانية) قد طعن جملة من المتأخرين منهم: السيد في المدارك في سند رواية ابي بصير (1) بضعف الطريق باشتماله على احمد بن محمد بن يحيى، فانه مجهول، وعثمان بن عيسى، فانه واقفي، وابي بصير، فانه مشترك بين الثقة والضعف (2) وفيه ان لفظ احمد بن محمد بن يحيى وان وقع في التهذيب لكن الموجود في الكافي محمد بن يحيى عن احمد بن محمد، ولا ريب انه احمد بن محمد بن عيسى، لرواية محمد ابن يحيى العطار عنه، وروايته هو عن عثمان بن عيسى مكررا. والظاهر ان ما في التهذيب تصحيف، ولهذا ان جملة من متأخري المتأخرين لم يطعنوا في السند إلا بعثمان بن عيسى وابي بصير، وكأنهم لاحظوا الرواية من الكافي. لكن الراوي عن ابي بصير هنا هو ابن مسكان، ولا يخفى على الممارس انه عبد الله، وهو قرينة ليث المرادي، لتكرر روايته عنه في غير موضع، والمدار في تعيين الرواة عندهم إنما هو على القرائن التي من جملتها قرينة القبلية والبعدية ونحوهما. إلا ان الفاضل الشيخ محمد ابن المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني ذكر في بعض حواشيه على التهذيب أو الاستبصار، قال: " نقل بعض مشايخنا ان رواية ابن مسكان


(1) المتقدمة في الصحيفة 261. (2) وقد اورد الرواية شيخنا البهائي في الحبل المتين ايضا على ما في التهذيب وطعن فيها بما طعن به في المدارك ايضا (منه قدس سره)

[ 269 ]

عن ابي بصير تعين كونه ليث المرادي، ولا يخلو من تأمل، لما قاله الوالد (رحمه الله) من انه اطلع على رواية فيها ابن مسكان عن يحيى بن القاسم، واظن اني وقفت على ذلك ايضا " انتهى. (اقول): لم نقف بعد الفحص والتتبع الزائد في كتب الاخبار على ذلك إلا انهم ذكروا ايضا ان رواية عاصم بن حميد عن ابي بصير مما يعين كونه ليث المرادي وقد وقفت في كتاب الاستبصار في باب وقت صلاة الفجر على رواية عاصم بن حميد عن ابي بصير المكفوف، ومثله في التهذيب ايضا، لكن الموجود في الفقيه والكافي في هذا السند بعينه عن ابي بصير ليث المرادي والمتن بحاله، لكن فيه زيادة في رواية الشيخ في آخر الحديث ليست في رواية ذينك الشيخين. وكيف كان، ولو مع تقدير صحة رواية الشيخ وعدم تطرق احتمال الغلط أو السهو فيما نقله، فلا شك ان الحمل على الاكثر المتكرر قرينة مرجحة كما صرحوا به في امثال ذلك. هذا، وقد ذهب الفاضل ملا محمد باقر السبزواري الخراساني صاحب الكفاية وذخيرة المعاد في شرح الارشاد في الشرح المذكور إلى ان أبا بصير الذي هو يحيى بن القاسم أو ابن ابي القاسم ثقة، وان المطعون فيه بالوقف والضعف إنما هو يحيى بن القاسم وغيره، وابو بصير إنما هي كنية الاول خاصة، وإنما نشأ الاشتباه من العلامة في الخلاصة، وإلا فكتب علماء الرجال المتقدمين صريحة في التعدد. واستدل على ذلك بوجوه: (منها) ان ابا بصير اسدي كما يظهر من رجال النجاشي والكشي واختيار الرجال والخلاصة ورجال العقيقي، والآخر ازدي كما يفهم من رجال الكشي. و (منها) انه ذكر الشيخ في (قر) (1) يحيى بن ابي القاسم يكنى ابا بصير مكفوف، واسم ابي القاسم اسحاق. وقال بعده بلا فصل: يحيى بن ابي القاسم


(1) اشارة إلى اصحاب الباقر (عليه السلام).

[ 270 ]

الحذاء. وهذا يشهد بالمغايرة، وفي (ظم) (1) يحيى بن القاسم الحذاء واقفي، ثم قال: يحيى بن ابي القاسم يكنى أبا بصير. وهو ايضا يعطي المغايرة. و (منها) انه ذكر النجاشي والشيخ في اختيار الرجال: ان ابا بصير مات سنة خمسين ومائة، وهذا ينافي كونه واقفيا، لان وفاة الكاظم (عليه السلام) في سنة ثلاثة وثمانين ومائة. وكلامه (قدس سره) وان كان للمناقشة فيه مجال إلا انه لا يخلو من قرب. وكيف كان فالمفهوم من تتبع الاخبار الواردة وخطاب الائمة (عليهم السلام) معه زيادة على ما قد روي في مدحه جلالة شأنه. والاخبار الواردة بذمه قد ورد مثلها بل اشنع منها في من هو اجل قدرا واشهر ذكرا منه. والجواب في الموضعين واحد. على انا لا نرى الاعتماد في صحة الاخبار على هذا الاصطلاح، بل عملنا إنما هو على اصطلاح متقدمي علمائنا (رضوان الله عليهم) كما قدمنا (2) ايضاحه باتم ايضاح وافصحنا عنه اي افصاح. ومن ذلك يعلم الكلام ايضا في عثمان بن عيسى، فانه وان كان مما لا خلاف في كونه واقفيا الا ان الكشي نقل فيه قولا بانه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. مضافا إلى ما نقله الشيخ في كتاب العدة مما يؤذن بالاتفاق على العمل بروايته ورواية امثاله من ثقات الواقفية والفطحية. وهذا مع ان جملة منهمم صرحوا بان ضعفها منجبر بالشهرة، والامران اصطلاحيان، وحينئذ فالرواية معتمدة. وقد طعن جماعة من متأخري المتأخرين منهم: المحقق الشيخ حسن في المنتقى، والسيد في المدارك، وتبعهما جمع ممن تأخر عنهما (3) في صحيحة


(1) اشارة إلى اصحاب الكاظم (عليه السلام). (2) في المقدمة الثانية في الصحيفة 14. (3) منهم: الشيخ على بن سليمان البحراني والعلامة السيد ماجد البحراني (قدس سرهما) (منه قدس سره).

[ 271 ]

اسماعيل بن جابر الثانية (1) التي هي مستند القميين، قال في كتاب المنتقى بعد ذكر الحديث المشار إليه: " وهذا الحديث قد نص جمهور المتأخرين من الاصحاب على صحته. وليس بصحيح، لان الشيخ رواه في موضع آخر من التهذيب عن الشيخ المفيد (رحمه الله) عن احمد بن محمد عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد عن محمد ابن خالد عن محمد بن سنان عن اسماعيل بن جابر، فابدل عبد الله بمحمد، والراويان قبل وبعد متحدان كما ترى، فاحتمال روايتهما له منتف قطعا، لاختلافهما في الطبقة، وقد ذكرنا في فوائد المقدمة ان الذي يقتضيه حكم الممارسة تعين كونه محمدا، وفي الكافي رواه عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن البرقي عن ابن سنان، والظاهر ان هذا صورة ما وقع في رواية البرقي له، والتعيين من تصرف الراوي عنه، فأخطأ فيه المخطئ واصاب فيه المصيب " انتهى. واجاب عن ذلك شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب مشرق الشمسين بعد ان ذكر الخبر المذكور بما لفظه: " واما هذا السند فقد اطبق علماؤنا من زمن العلامة (طاب ثراه) إلى زماننا هذا على صحته ولم يطعن أحد فيه، حتى انتهت النوبة إلى بعض الفضلاء الذين عاصرناهم (قدس الله ارواحهم) فحكموا بخطأ العلامة واتباعه في قولهم بصحته، وزعموا ان ملاحظة طبقات الرواة في التقدم والتأخر يقتضي ان ابن سنان المتوسط بين البرقي وبين اسماعيل بن جابر محمد لا عبد الله، وان تبديل شيخ الطائفة له بعبد الله في سند الحديث توهم فاحش. لان البرقي ومحمد بن سنان في طبقة واحدة. فانهما من اصحاب الرضا (عليه السلام). واما عبد الله بن سنان فليس من طبقة البرقي. لانه من اصحاب الصادق (عليه السلام) فرواية البرقي عنه بغير واسطة مستنكرة. وايضا فوجود الواسطة في هذه الرواية بين ابن سنان وبين الصادق (عليه السلام) تدل على انه محمد لا عبد الله، لان زمان محمد متأخر عن زمانه (عليه


(1) المتقدمة في الصحيفة 262.

[ 272 ]

السلام) بكثير، فهو لا يروي عن بالمشافهة، بل لابد من تخلل الواسطة. واما عبد الله ابن سنان فهو من اصحاب الصادق (عليه السلام) والظاهر انه يأخذ عنه بالمشافهة لا بالواسطة. هذا حاصل كلامهم. وظني ان الخطأ في هذا المقام انما هو منهم لا من العلامة واتباعه (قدس الله ارواحهم) ولا من شيخ الطائفة (نور الله مرقده) قال البرقي وان لم يدرك زمان الصادق (عليه السلام) لكنه قد ادرك بعض اصحابه ونقل عنه بلا واسطة، ألا ترى إلى روايته عن داود بن ابي يزيد العطار حديث من قتل اسدا في الحرم (1) وعن ثعلبة بن ميمون حديث الاستمناء باليد (2) وعن زرعة حديث صلاة الاسير في باب صلاة الخوف (3) وهؤلاء كلهم من اصحاب الصادق (عليه السلام) فكيف لا تنكر روايته عنهم بلا واسطة وتنكر الواسطة عن عبد الله بن سنان ؟ وايضا فالشيخ قد عد البرقي في اصحاب الكاظم (عليه السلام) واما تخلل الواسطة بين ابن سنان وبين الصادق (عليه السلام) فانما يدل على انه محمد لو لم توجد بين عبد الله وبينه (عليه السلام) واسطة في شئ من الاسانيد، لكنها توجد بينهما كتوسط عمر بن يزيد في دعاء آخر سجدة من نافلة المغرب (4) وتوسط حفص الاعور في تكبيرات الافتتاح


(1) وهو حديث ابى سعيد المكاري المروى في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب كفارات الصيد وتوابعها من كتاب الحج. (2) وهو حديث ثعلبة بن ميمون والحسين بن زرارة الذى رواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نكاح البهائم ووطئ الاموات والاستمناء من كتاب الحدود والتعزيرات. (3) وهو حديث سماعه المروى في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب صلاة الخوف والمطاردة من كتاب الصلاة. (4) في حديث عمر بن يزيد الذى رواه صاحب الوسائل في الباب - 46 - من ابواب صلاة الجمعة وآدابها من كتاب الصلاة. (5) في حديث حفص المروى في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب تكبيرة الاحرام من كتاب الصلاة. الا ان في الوسائل بعد كلمة حفص " يعنى ابن البخترى ".

[ 273 ]

وقد يتوسط شخص واحد بعينه بين كل منهما وبين الصادق (عليه السلام) كاسحاق ابن عمار، فانه متوسط بين محمد وبينه (عليه السلام) في سجدة الشكر (1) وهو بعينه ايضا متوسط بين عبد الله وبينه (عليه السلام) في طواف الوداع (2) وتوسط اسماعيل بن جابر في سندي الحديثين الذين نحن فيهما من هذا القبيل. والله الهادي إلى سواء السبيل " انتهى. (الثالثة) لا ريب بعد ما عرفت في دلالة رواية ابي بصير (3) على القول المشهور، ودلالة صحيحة اسماعيل بن جابر (4) على قول القميين. واما قول ابن الجنيد فلم نقف له على مستند. وكذلك قول القطب الراوندي، الا ان بعض متأخري المتأخرين حمله على ارادة معنى الجمع والمعية من لفظ (في) دون الضرب كما هو المشهور. ولا يخفى ما فيه من البعد، لما في التحديد بذلك من التفاوت في التقديرات كما نبه عليه جملة من مشايخنا (طيب الله تعالى مضاجعهم)، فان الماء الذي مجموع ابعاده الثلاثة عشرة اشبار ونصف كما تكون مساحته مساوية لمساحة الكر على القول المشهور، كما لو كان كل من الابعاد الثلاثة ثلاثة اشبار ونصفا، فقد تكون ناقصة عنها قريبة منها، كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار وعرضة ثلاثة وعمقه أربعة اشبار ونصف شبر، فان مساحته حينئذ اربعون شبرا ونصف، وقد تكون بعيدة عنها جدا، كما لو فرض طوله ستة وعرضه


(1) في حديث اسحاق بن عمار الذى رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 165، ورواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب سجدتي الشكر من كتاب الصلاة. (2) في حديث اسحاق بن عمار الذى رواه الشيخ في التهذيب في باب (زيارة البيت) من كتاب الحج. (3) المتقدمة في الصحيفة 261. (4) المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 5.

[ 274 ]

اربعة وعمقه نصف شبر، فان مساحته اثنا عشر شبرا. وجعل شيخنا الشهيد الثاني في الروض أبعد الفروض منها ما لو كان كل من عرضه وعمقه شبرا وطوله عشرة اشبار ونصفا. قال شيخنا البهائي (رحمه الله) بعد نقل ذلك عنه: " وهو محل كلام، لوجود ما هو أبعد منه، كما لو كان طوله تسعة اشبار وعرضه شبرا واحدا وعمقه نصف شبر، فان مساحته اربعة اشبار ونصف (1). وايضا ففي كلامه (قدس سره) مناقشة اخرى، إذ الابعاد الثلاثة في الفرض الذي ذكره إنما هو اثنا عشر شبرا ونصف لا عشرة ونصف، ثم قال: هذا. وانت خبير بان صدور مثل هذا التحديد العظيم الاختلاف الشديد التفاوت من القطب الراوندي (رحمه الله) لا يخلو من غرابة، كما ان صدور مثل هذا الكلام من شيخنا الشهيد الثاني غير خال من الغرابة ايضا. ثم الذى يظهر ان مراد القطب الراوندي (رحمه الله) ان الكر هو الذي لو تساوت ابعاده الثلاثة لكان مجموعها عشرة اشبار ونصفا، وحينئذ ينطبق كلامه على المذهب المشهور والله اعلم بحقائق الامور " انتهى كلامه (زيد مقامه) ولا يخفى ان ما ذكره اخيرا من الحمل لكلام الراوندي جيد لو امكن تطبيق كلامه عليه. واما ما نقل عن السيد جمال الدين ابن طاووس من العمل بكل ما روي فهو يرجع في التحقيق إلى مذهب القميين، فكأنه يحمل ما زاد على الاستحباب. بقي الكلام في صحيحة اسماعيل بن جابر الدالة على التحديد بذراعين في العمق في ذراع وشبر في السعة (2) ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى العمل بها،


(1) ثم كتب (قدس سره) في حاثية الكتاب ما صورته: " وقد يوجد ما هو ابعد من هذا، كما لو كان طوله عشرة اشبار وعرضه ربع شبر وعمقه كعرضه، فان مجموع ابعاده عشرة ونصف ومساحته خمسة اثمان شبر. (منه رحمه الله). (2) المتقدمة في الصحيفة 262.

[ 275 ]

حيث قال: بعد ان ذكر صحيحة اسماعيل التي هي مستند القميين (1) وطعن فيها بقصور الدلالة، ثم رواية ابي بصير (2) وطعن فيها بعثمان بن عيسى، ثم هذه الصحيحة - ما لفظه: " فهذه حسنة، ويحتمل ان يكون قدر ذلك كرا " انتهى. وربما اعترض عليه بوصفها بالحسن مع انها في اعلى مراتب الصحة. والجواب عن ذلك ان اصطلاح تقسيم الاخبار إلى هذه الاقسام متأخر عنه، فهو لم يرد بالحسن المعنى الذي تقرر بينهم وانما اراد الوصف بما يوجب قبولها والعمل عليها. ويظهر من السيد في المدارك الميل ايضا إلى ذلك، حيث قال بعد ان ذكر روايتي ابي بصير (3) واسماعيل الاخرى (4) وطعن فيهما يضعف الاسناد ما صورته: " واصح ما وقفت عليه في هذا المسألة من الاخبار متنا وسندا ما رواه الشيخ " وساق الرواية (5) ثم نقل عن المحقق الميل إلى العمل بها، وقال: " وهو متجه " وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا البهائي في الحبل المتين، حيث قال بانه لم يطلع على قائل بها من الاصحاب. ثم انه (قدس سره) ذكر أن الخبر المذكور غير شديد البعد عن التقدير المشهور، فان المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران تقريبا، وان المراد بكون سعته ذراعا وشبرا كون كل من طوله وعرضه ذلك المقدار، فيبلغ تكسيره على هذا التقدير ستة وثلاثين شبرا. هذا. ويأتي على ما نقلنا آنفا (6) عن المحدث الامين (قدس سره) من تفسيره السعة في الخبر وكذا في جملة الاخبار بمجموع الطول والعرض الذي هو عبارة عن قطر الدائرة لا كل من الطول والعرض انه لا يخلو اما ان يخص الكر الذي لا ينفعل بما


(1) و (4) المتقدمة في الصحيفة 262. (2) و (3) التقدمة في الصحيفة 261. (5) وهى صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 3. (6) في الصحيفة 265.

[ 276 ]

كان على تلك الهيئة، كما يعطيه ظاهر كلامه من الرد على القول المشهور في حمل لفظ (في) الواقع في روايات هذا الباب على ضرب الحساب، وان المتباد من الروايات اعتبار اجتماع اجزاء الماء، وكون عمقه قدرا يعتد به. وفيه تضييق زائد بل لا يكاد يتفق كر على هذه الهيئة، واما ان يعتبر الضرب فيه وتحصيل قدر المساحة. وطريق معرفة ذلك كما هو مذكور في علم المساحة ان يضرب نصف القطر المعبر عنه في الحديث بالسعة وهو واحد ونصف في نصف المحيط الذي هو تسعة تقريبا، لما ثبت هناك ان القطر ثلث المحيط تقريبا، فيكون نصف المحيط على هذا اربعة ونصفا، وعند ضرب واحد ونصف في اربعة ونصف يحصل منه ستة وثلاثة ارباع، وإذا ضربنا هذا في العمق الذي هو اربعة يكون الحاصل سبعة وعشرين شبرا، فيكون موافقا لمذهب القميين. وفيه انه وان حصل به انطباق صحيحتي اسماعيل بن جابر (1) كل منهما على الاخرى، الا انه مع مخالفته لما نقلناه من ظاهر كلامه، بعيد غاية البعد، وان قصر تقدير الكر، على شكل الاسطوانة المستديرة التي لا يعلم تقديرها حقيقة بل تقريبا، ومع ذلك فمعرفتها بالتقريب المذكور يتوقف على المهارة في فن علم المساحة والحذاقة في فن علم الهندسة التي تتعذر على اكثر الناس غير معهود وقوع مثله عن اهل العصمة (صلوات الله عليهم) بل ربما يقال غير جائز الوقوع، فيتعين حينئذ حمل الرواية على ما ذكره شيخنا البهائي من الستة والثلاثين شبرا. وقال المحدث الامين في تعليقاته على شرح المدارك: " قد اعتبرنا الكر وزنا ومساحة في المدينة المنورة فوجدنا رواية الف ومائتا رطل (2) مع الحمل على العراقي قريبة غاية القرب من هذه الصحيحة (3) " انتهى. والظاهر ان اعتباره بناء على ما ذكره مما يرجع إلى سبعة وعشرين شبرا.


(1) المتقدمتين في الصحيفة 262. (2) وهى صحيحة ابن ابى عمير المتقدمة في الصحيفة 254 (3) وهى صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 3.

[ 277 ]

(الموضع الثالث) في بيان ضبط الكر بالاوزان المتعارفة في زماننا من المن المتعارف في بلادنا البحرين (حرسها الله من طوارق الشين) والمن التبريزي المتعارف في جملة من ولايات العجم (صانها الله تعالى عن العدم). فنقول: إعلم ان المتعارف في بلادنا المذكورة ان المن عندهم بالمثقال السوقية الموسومة عندهم بمثاقيل بار خمسمائة مثقال واثنا عشر مثقالا، وربع المن عندهم اربعة آلاف، كل الف بالحساب المتقدم عبارة عن اثنين وثلاثين مثقالا، والمن ستة عشر الفا (1)، ونصف الالف باصطلاحهم قياس، وهي ستة عشر مثقالا، وفي حدود السنة السابعة والثلاثين بعد المائة والالف قد اعتبرنا الصاع بالصنج المذكور لاجل زكاة الفطرة بالشعير كما ذكره الاصحاب فوجدناه مشتملا على نقصان فاحش، ثم اعتبرناه بحساب المثاقيل الشرعية المتفق بين الخاصة والعامة على عدم تغيرها في جاهلية ولا اسلام ونسبناها إلى مثاقيل البحرين، فكان مبلغ الصاع الشرعي عبارة عن ثلاثة آلاف بالالف المتقدم في اصطلاحهم، واثني عشر مثقالا بالمثاقيل المذكورة عندهم. واما المن التبريزي فهو الان في شيراز وما والاها عبارة عن تسع عباسيات بالفلوس السود، وكل عباسية عبارة عن عشرين مرضوفا، وكل مرضوف غازيان، وهو عبارة عن اربعة مثاقيل صيرفية كما اعتبرناه، فتكون العباسية التي هي عبارة عن عشرين مرضوفا عبارة عن ثمانين مثقالا صيرفيا، ويكن المن التبريزي الذي هو عبارة عن تسع عباسيات سبعمائة مثقال وعشرين مثقالا. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الرطل يقال بالاشتراك كما تقدمت الاشارة إليه على ثلاثة اوزان: العراقي والمدني والمكي.


(1) وليست الالف كما يتوهم في بادئ الرأي عبارة عن عدد وانما هي اسم للصنج المعروف عندهم (منه رحمه الله).

[ 278 ]

فاما العراقي فهو مائة وثلاثون درهما كما عليه الاصحاب، ولا يلتفت إلى ما ذكره العلامة مما قدمنا نقله عنه (1) فانه غفلة بغير ريبة. وعلى ما ذكره الاصحاب تدل رواية جعفر بن ابراهيم بن محمد الهمداني عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) وفيها " ان الصاع ستة ارطال بالمدني وتسعة بالعراقي، ثم قال: واخبرني انه يكون بالوزن الفا ومائة وسبعين وزنة " والمراد بالوزنة الدرهم. وهي مطابقة لما ذكرناه في تقدير العراقي فانه تسع هذا المقدار المذكور مائة وثلاثون كما لا يخفى. واما الرطل المدني فانه مائة وخمسة وتسعون درهما، وعليه يدل من الاخبار رواية ابراهيم بن محمد الهمداني عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) المتضمنة ان الصاع ستة ارطال بالرطل المدني، وان الرطل مائة وخمسة وتسعون درهما. واما الرطل المكي فهو رطلان بالعراقي عند الاصحاب، ولم اقف في الاخبار على تحديد له، وحينئذ فيكون الرطل العراقي ثلثي الرطل المدني ونصف الرطل المكي. والرطل العراقي بالمثاقيل الشرعية عبارة عن احد وتسعين مثقالا شرعيا، لان كل عشرة دراهم تعدل سبعة مثاقيل شرعية كما ذكره غير واحد من اصحابنا وغيرهم وبالمثاقيل الصيرفية ثمانية وستون مثقالا وربع مثقال، لان المثقال الصيرفي مثقال وثلث من الشرعي، والمثقال الشرعي ثلاثة ارباع الصيرفي، فكل اربعة مثاقيل شرعية ثلاثة مثاقيل صيرفية. والرطل المدني بالمثاقيل الشرعية عبارة عن مائة مثقال وستة وثلاثين مثقالا ونصف.


(1) في الصحيفة 254. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب زكاة الفطرة من كتاب الزكاة. (3) صاحب العسكر كما في التهذيب في باب (تمييز فطرة أهل الامصار) وفى الوسائل في الباب - 7 - من ابواب زكاة الفطرة من كتاب الزكاة.

[ 279 ]

مثقال بالتقريب المتقدم، وبالمثاقيل الصيرفية عبارة عن مائة مثقال ومثقالين وثلاثة اثمان مثقال كما يظهر بالمقايسة. ولما كان الصاع على ما ذكروه وورد به النص ايضا تسعة ارطال بالعراقي وستة بالمدني، فإذا نسب إلى الرطل العراقي الذي هو أحد وتسعون مثقالا شرعيا يكون مقداره بالمثاقيل الشرعية ثمانمائة مثقال وتسعة عشر مثقالا، وإذا نسب إليه بالمثاقيل الصيرفية يكون قدره ستمائة مثقال واربعة عشر مثقالا وربع مثقال، ومن ذلك يعلم حساب نسبته إلى الرطل المدني بالمثاقيل الشرعية والصيرفية بزيادة نصف ما ذكر في العراقي على مقداره. وحينئذ فإذا كان المن التبريزي سبعمائة مثقال وعشرين مثقالا صيرفيا، والرطل العراقي بالمثاقيل الصيرفية كما تقدم ثمانية وستون مثقالا وربع مثقال فكل من تبريزي عشرة ارطال عراقية ونصف رطل وثلاثة مثاقيل صيرفية وثلاثة اثمان مثقال. وانت إذا قسمت عدد ارطال الكر الذي هو الف ومائتا رطل على عدد المن التبريزي المذكور، ظهر لك ان مقدار الكر بالمن التبريزي مائة من وثلاثة عشر منا وثلاثة ارباع من واربعة وثلاثون مثقالا صيرفيا وخمسة اجزاء من ستة عشر جزء من مثقال. ونقل المحدث الكاشاني (قدس سره) في كتاب الوافي ان المن التبريزي كان كان في عصره ستمائة مثقال صيرفي، فيكون الصاع بالمثقال الصيرفي يزيد عليه باربعة عشر مثقالا وربع مثقال، ثم قال: " ومنه يعلم مقدار الكر بالارطال وهو مائة من وستة وثلاثون ونصف بالتبريزي " ولعل منشأ التفاوت بين ما ذكرنا وذكره بزيادة الصنج في هذه الاوقات. واما الكر بوزن البحرين فهو عبارة عن ثمانية وعشرين منا وثمن من، لان

[ 280 ]

الكر بالاصوع العراقية كما يعلم بالحساب والمقايسة مائة صاع وثلاثة وثلاثون صاعا وثلث صاع، والصاع بوزن البحرين كما عرفت (1) عبارة عن ثلاث آلاف بالصنج المتقدم في اصطلاحهم، واثني عشر مثقالا بمثاقيلهم المتقدمة، وهو ربع منهم الا عشرين مثقالا من مثاقيلهم، ومتى كررت هذا المقدار بعدد اصوع الكر يظهر لك ما قلناه من كمية الكر بوزنهم (2) وقد وجدت بخط الوالد (طيب الله تعالى مرقده) انه وجد بخط بعض الفضلاء ما صورته: " وزن الصاع في شهر رمضان من السنة السادسة والثلاثين بعد الالف ربع والف واربع مثاقيل وربع مثقال شيرازي " انتهى. ولا يخفى ما فيه من التفاوت الزائد بالنسبة إلى ما ضبطناه، وذلك بزيادة الصنج اخيرا كما اشرنا إليه. الفصل الثالث في القليل الراكد. وتفصيل القول فيه يتم برسم مقامات: (المقام الاول) الظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) نصا وفتوى في نجاسة الماء القليل بتغيره بالنجاسة في أحد الاوصاف الثلاثة. إنما الخلاف في النجاسة بمجرد الملاقاة. فالمشهور بل كاد يكون اجماعا بل ادعى عليه في الخلاف في غير موضع الاجماع هو النجاسة.


(1) في الصحيفة 277، (2) لان ضرب ثلاثة آلاف واثنى عشر مثقالا في مائة صاع يبلغ احدا وعشرين منا والف وقياس، فتزيد عليها وهو ثلاث وثلاثون وثلث يبلغ ما ذكرنا (منه رحمه الله). (35)

[ 281 ]

وعزي إلى الحسن بن ابي عقيل (رحمه الله) القول بعدم النجاسة إلا بالتغير، واختار هذا القول جمع من متأخري المتأخرين. ولابد من نقل الاخبار هنا من الطرفين، والكلام بما يرفع التناقض من البين فنقول: اما ما يدل من الاخبار على القول المشهور الذي هو عندنا المؤيد المنصور. (فمنها) صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". و (منها) صحيحة زرارة (2) قال: " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ أو لم يتفسخ إلا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء ". و (منها) صحيحة اسماعيل بن جابر (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجسه شئ ؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " و (منها) صحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام)


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الكافي ج 1 ص 2، ورواها الشيخ في التهذيب ج 1 ص 117 مسندة عن ابى جعفر (عليه السلام) بسند ضعيف، ورواهما صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في باب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، مع ان هذا المتن هو صدر صحيحة اسماعيل بن جابر كما في الكافي ج 1 ص 2، والتهذيب ج 1 ص 11 و 12 والوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق، وقد تقدم منه (قده) نقل ذيلها ونسبه إلى اسماعيل بن جابر في الصحيفة 262 السطر 5 كما تقدم منه الكلام في سندها وان الرواى عن اسماعيل بن جابر هو عبد الله بن سنان أو محمد بن سنان في الصحيفة 270، ولم نجد في كتب الحديث رواية لعبد الله بن سنان بهذا المتن عن الامام مباشرة.

[ 282 ]

عن قدر الماء الذي لا ينجسه شئ. فقال: كر.. الحديث. و (منها) رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ، والقلتان جرتان ". و (منها) رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ولا تشرب من سؤر الكلب إلا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه ". و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخى موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة واشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء، يتوضأ منه للصلاة ؟ قال: لا الا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء ". و (منها) صحيحته ايضا عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فتقطر قطرة في انائه، هل يصلح الوضوء منه ؟ قال: لا ". و (منها) موثقة عمار الساباطي (5) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه اناء ان فيهما ماء وقع في احدهما قذر، لا يدري ايهما هو ؟ وليس يقدر على ماء غيره. قال: يهريقهما جميعا ويتمم " وهذا الحديث رواه الشيخ في موضعين


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 1 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 13 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 12 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 4 - من ابواب التيمم وفى الباب - 64 - من ابواب النجاسات.

[ 283 ]

من التهذيب (1) ورواه ثقة الاسلام والصدوق ايضا في الموثق عن سماعة (2). و (منها) رواية ابي بصير عنه (عليه السلام) (3) قال: " إذا ادخلت يدك في الاناء قبل ان تغلسها فلا بأس الا ان يكون اصابها قذر بول أو جنابة، فإذا ادخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق ذلك الماء ". و (منها) صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر (4) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة. قال: يكفئ الاناء ". و (منها) موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا اصاب الرجل جنابة فادخل يده في الاناء فلا بأس إذا لم يكن اصاب يده شئ من المني ". و (منها) موثقته ايضا (6) قال: " سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الاناء قبل ان يفرغ على كفيه، إلى ان قال (عليه السلام): وان كان اصابه جنابة فادخل يده في الماء فلا بأس به إذا لم يكن اصاب يده شئ


(1) رواه في آخر باب (تطهير المياه من النجاسات) عن عمار وعن سماعة، ورواه في آخر باب (التيمم واحكامه) عن عمار، ورواه في باب (المياه واحكامها) عن سماعة. (2) رواه ثقة الاسلام عن سماعة في الباب - 6 - من كتاب الطهارة، ورواه صاحب الوسائل عن سماعة في الباب - 8 و 12 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 4 - من ابواب التيمم وفى الباب - 64 - من من ابواب النجاسات. ولم نجده في الفقيه بعد الفحص عنه في مظمانه، كما ان صاحب الوسائل لم يروه عن الفقيه وكذا صاحب الوافى بمقتضى الطبعة الثانية. نعم في الطبعة الاول قد اثبت عن الفقيه ايضا. (3) و (4) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 28 - من ابواب الوضوء.

[ 284 ]

من المني، وان كان اصاب يده فادخل يده في الماء قبل ان يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله ". و (منها) رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل اصبعه فيه. فقال: ان كانت يده قذرة فاهرقه، وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه.. الحديث ". و (منها) حسنة شهاب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الاناء قبل ان يغسلها ؟ انه لا بأس إذا لم يكن اصاب يده شئ ". و (منها) موثقة عمار الساباطي عنه (عليه السلام) (3) قال: " سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا ان ترى في منقاره دما، فإذا رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب ". و (منها) موثقة عمار ايضا عنه (عليه السلام) (4) انه " سئل عن ماء شربت منه الدجاجة. فقال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب، وان لم تعلم ان في منقارها قذرا فتوضأ منه واشرب ". و (منها) صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء. قال: اغسل الاناء ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 7 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 4 من ابواب الاسآر، ورواه عن الصدوق مرسلا في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 1 و 2 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة.

[ 285 ]

و (منها) رواية حريز عمن اخبره عنه (عليه السلام) (1) قال: " إذا ولغ الكلب في الاناء فصبه ". و (منها) صحيحة الفضل بن عبد الملك البقباق (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة، إلى ان قال: فلم اترك شيئا إلا سألته عنه. فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب. فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب اول مرة ثم بالماء ". و (منها) رواية معاوية بن شريح (3) قال: " سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقر والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع، يشرب منه أو يتوضأ منه ؟ فقال: نعم اشرب منه وتوضأ قال: قلت له: الكلب ؟ قال: لا. قلت: أليس هو سبع ؟ قال: لا والله انه نجس لا والله انه نجس ". و (منها) حسنة المعلى بن خنيس (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء، امر عليه حافيا، فقال أليس وراءه شئ جاف ؟ قلت: بلى. فقال: لا بأس، ان الارض يطهر بعضها بعضا ". و (منها) ما رواه الشهيد في الذكرى (5) وغيره في غيره عن العيص


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر. ورواها بنحو التقطيع في الباب - 11 و 70 - من ابواب النجاسات من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 32 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 9 ورواه صاحب الوسائل عن الذكرى والمعتبر في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة.

[ 286 ]

ابن القاسم قال: " سألته عن رجل اصابته قطرة من طشت فيه وضوء. قال: ان كان من بول أو قذر فليغسل ما اصابه ". و (منها) رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وان الناصب أهون على الله من الكلب ". و (منها) رواية علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) رواية حمزة بن احمد عن الكاظم (عليه السلام) (3) قال: " لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) موثقة ابن ابي يعفور المروية في كتاب العلل (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " اياك ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم.. الحديث ". و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخى موسى (عليه السلام) (5) انه


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة. (4) في الصحيفة 106 وفى الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف المستعمل من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود كتاب الطهارة.

[ 287 ]

" سأله عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام. قال: إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، الا ان يتغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل ". و (منها) صحيحته ايضا عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به ؟ قال: يغسل سبع مرات ". و (منها) ما رواه في كتاب قرب الاسناد (2) عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: " سألته عن حب ماء فيه الف رطل وقع فيه اوقية من بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه ؟ قال: لا يصلح ". و (منها) رواية سعيد الاعرج (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجرة تسع مائة رطل من ماء يقع فيها اوقية من دم، اشرب منه واتوضأ ؟ قال: لا ". و (منها) رواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: " لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة ". و (منها) رواية ابي بصير (5) قال: " دخلت ام معبد (6) العبدية على


(1) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب النجاسات وفى الباب - 1 - من ابواب الاسآر. (2) هذه الرواية رواها صاحب الوسائل عن كتاب على بن جعفر في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق وقد ذكرها المجلسي في المجلد الرابع من البحار في الصحيفة 158 في ضمن مسائل على بن جعفر الواردة من غير طريق عبد الله بن جعفر الحميري، ولم نجدها في كتاب قرب الاسناد. (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 13 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب النجاسات وفى الباب - 10 - من ابواب الاسآر. (5) هذه الرواية والتى بعدها مروية في الكافي في باب الاضطرار إلى الخمر الدواء (منه رحمه الله). (6) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، وفى الكافي والوسائل والوافى (ام خالد) وسيأتى منه (قده) ذلك ايضا في نجاسة الخمر.

[ 288 ]

ابى عبد الله (عليه السلام) وانا عنده، فقالت: جعلت فداك انه يعتريني قراقر في بطني، إلى ان قالت (1): وقد وصف لي اطباء العراق النبيذ بالسويق وقد وقفت وعرفت كراهتك له، فاحببت ان اسألك عن ذلك. فقال: وما يمنعك من شربه ؟ قالت: قد قلدتك ديني فالقى الله حين القاه فاخبره ان جعفر بن محمد امرني ونهاني فقال: يا أبا محمد ألا تسمع إلى هذه المرأة وهذه المسائل ؟ لا والله لا آذن لك في قطرة منه، فلا تذوقي منه قطرة، إلى أن قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا " (2). و (منها) رواية عمر بن حنظلة (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره ؟ فقال: لا والله ولا قطرة تقطر في حب إلا اهريق ذلك الحب ". و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فاصاب اناءه،


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، وفى الكافي والوسائل ليس بين قولها: انه يعتر بنى قراقر في بطني. وقولها: وقد وصف لى اطباء العراق.. الخ كلام فاصل. نعم في الوافى بينهما العبارة الآتية: فسألته عن اعلال النساء وقالت. (2) رواها صاحب الوسائل في الباب 20 من ابواب الاشربة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة، وروى قوله (عليه السلام): ما يبل الميل.. الخ في الباب - 38 - من ابواب النجاسات من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب الاشربة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة ورواها الكليني في الكافي في باب (ان رسول الله - ص - حرم كل مسكر قليله وكثيره) من كتاب الاشربة. لا كما ذكره (قده) في التعليقة 5 ص 287. (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 289 ]

يصلح الوضوء منه ؟ قال: ان لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه ". و (منها) صحيحة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه (1) قال: وما احسبه إلا حفص بن البختري، قال: " قيل لابي عبد الله (عليه السلام): العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به ؟ قال: يباع ممن يستحل اكل الميتة " وفي رواية اخرى (2) انه " يدفن ولا يباع " والظاهر ان العجن بالماء إنما وقع قبل العلم بنجاسة الماء حملا لتصرف المسلم على الصحة، فلا يحمل على كون النجاسة بالتغير، إذ التغير لا يشتبه حاله. و (منها) رواية علي بن حديد عن بعض اصحابنا (3) قال: " كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام ابي عبد الله (عليه السلام) دلوا فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ارقه، فاستقى آخر فخرجت فيه فأرة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ارقه، قال: فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شئ، فقال: صبه في الاناء، فصب في الاناء ". هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار التي تصلح لان تكون مستندا للقول المشهور، وهي كما ترى على ذلك المطلب واضحة الظهور عارية عن القصور. وبيان الاستدلال بها ان جملة منها قد دلت على ان ما نقص عن الكر أو الرواية أو نحوها من تلك المقادير ينفعل بالنجاسة، ودلالتها بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند


(1) و (2) ورواها صاحب الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. وفى الباب - 7 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة (3) المرروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق من كتاب كتاب الطهارة.

[ 290 ]

المحققين. وعليه دلت جملة من الاخبار كما قدمنا في المقدمة الثالثة (1). وجملة منها قد تضمنت النهي عن الوضوء والشرب من الاناء بوقوع قطرة من دم فيه أو خمر أو شرب طير على منقاره دم أو قذر. والنهي حقيقة في التحريم عند محققي الاصوليين. وقد تقدم ما يدل على ذلك من الآيات والاخبار في المقدمة السابعة (2) بل وقع التصريح في بعض هذه الاخبار بالتنجيس. وجملة منها قد دلت على اهراق ماء الاناء بادخال القذرة من نجاسة البول أو المني أو غيرهما. وفي بعضها بعد الامر بالاهراق الامر باليتمم. وما ذلك جميعه إلا للنجاسة. وجملة منها قد دلت على الامر بغسل الاواني التي شرب منها نجس العين أو وقع فيها ميتة. ومن الظاهر ان الامر بالغسل إنما هو للاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة من عبادة أو اكل أو نحوهما. والامر للوجوب كما عليه المحققون، وقد تقدم ما يدل على ذلك ايضا في المقدمة السابعة (3) وما ذاك إلا للنجاسة. وجملة منها قد دلت على النهي عن الغسل بملاقاة العين معللا في جملة منها بالنجاسة. وقد اورد على هذه الاستدلالات جملة من المناقشات، وسيأتي الكلام فيها على وجه يوضح الحال ويقلع مادة الاشكال بتوفيق ذي الجلال. واما ما استدل به على القول الثاني (فمنها) صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب. وإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ ولا منه ولا تشرب ".


(1) في الصحيفة 57. (2) و (3) في الصحيفة 112. (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 291 ]

ورواية عبد الله بن سنان (1) قال: " سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن غدير اتوه وفيه جيفة. فقال: إذا كان الماء قاهرا ولا يوجد فيه الريح فتوضأ ". ورواية سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد أنتنت. قال: ان كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب ". وحسنة محمد بن ميسر (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد ان يغتسل منه، وليس معه اناء يغرف به، ويداه قذرتان. قال: يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل. هذا مما قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (4). ورواية عثمان بن زياد (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اكون في السفر، فآتي الماء النقيع ويدي قذرة. فاغمسها في الماء ؟ قال: لا بأس ". ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) انه " سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: ان تغير الماء فلا تتوضأ منه. وان لم تغيره ابوالها فتوضأ منه. وكذلك الدم إذا سال واشباهه ". ورواية ابي خالد القماط (7) انه " سمع ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان كان الماء قد تغير ريحة أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه، وان لم يتغير ريحه وطعمه فاشرب وتوضأ ".


(1) و (2) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) سورة الحج آية 78. (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 292 ]

ورواية العلاء بن الفضيل (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها. قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول ". ورواية عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك. ايتوضأ أو يغتسل منه ؟ قال: نعم إلا ان تجد غيره فتنزه عنه ". وروى في الفقيه (3) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) اتى الماء، فاتاه أهل البادية فقالوا: يا رسول الله ان حياضنا هذه تردها السباع والكلاب والبهائم ؟ فقال لهم: لها ما اخذت افواهها ولكم سائر ذلك ". ورواية ابي بصير (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جنب القرية. فتكون فيه العذرة ويبول فيه الصبي وتبول فيه الدابة وتروث ؟ فقال ان عرض في قلبك منه شئ فقل هكذا، يعني افرج الماء بيدك. ثم توضأ، فان الدين ليس بمضيق.. ". وورى العلامة في المختلف (5) عن ابن ابي عقيل انه قال: تواتر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) ان " الماء طاهر لا ينجسه إلا ما غير لونه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (3) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) ورواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. وما ذكره (قده) يوافق رواية الشيخ (قده) في التهذيب لهذا الحديث في الجزء الاول في الصحيفة 117 واما رواية الفقيه فليس فيها ان رسول الله صلى الله عليه وآله اتى الماء، وانما اولها " وأتى أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا.. الخ ". (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 2.

[ 293 ]

أو طعمه أو رائحته. وانه سئل (عليه السلام) عن الماء النقيع والغدير واشباههما فيه الجيف والعذرة وولوغ الكلب وتشرب منه الدواب وتبول فيه. أيتوضأ منه ؟ فقال لسائله: ان كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا تتوضأ منه، وان كان الماء غالبا على النجاسة فتوضأ واغتسل ". وروى الصفار في كتاب بصائر الدرجات (1) في الصحيح عن شهاب بن عبد ربه قال: " اتيت أبا عبد الله (عليه السلام) اسأله، فابتدأني فقال: ان شئت فسل يا شهاب وان شئت اخبرناك بما جئت له، فقلت: اخبرني. قال: جئت تسألني عن الغدير يكون إلى جانبه الجيفة أتوضأ منه أو لا ؟ قلت: نعم. قال: توضأ من الجانب الآخر إلا ان يغلب الماء الريح فينتن ". ورواية ابي مريم الانصاري (2) قال: " كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له فخرج عليه قطعة من عذرة يابسه فاكفأ رأسه وتوضأ بالباقي ". هذه جملة ما اطلعت عليه من الاخبار مما يصلح لان يكون مستندا لذلك القول. ووجه الاستدلال بها ان بعضا منها قد دل على جواز الوضوء والشرب من الماء الذي لاقته النجاسة إلا مع غلبة اوصاف النجاسة، وبعضا منها على جواز وضع اليد القذرة في الماء والوضوء والغسل منه. ولفظ الماء في تلك الاخبار شامل باطلاقه للقليل والكثير. بل في حسنة محمد بن ميسر (3) تصريح بالقليل بخصوصه. وانت خبير بانه لو ثبتت المنافاة بين هذه الاخبار لكان الترجيح للاخبار


(1) في الجزء الخامس باب (ان الائمة يعرفون الاضمار) ورواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المتقدمة في الصحيفة 291.

[ 294 ]

المتقدمة، لاعتضادها بعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا، فانه لم ينقل الخلاف في هذه المسألة قديما إلا عن ابن ابي عقيل، فشهرة العمل بمضمون الاخبار الاولة بين قدماء الاصحاب مما يلحقها بالمجمع عليه في الرواية، الذي هو أحد المرجحات الشرعية كما تقدمت الاشارة إليه في المقدمة الثالثة (1) وبذلك صرح جملة من اصحابنا منهم: السيد المحقق صاحب الغنية (قدس سره) وغيره، وحينئذ فحيث كان معظم الفرقة الناجية سابقا ولاحقا قائلين بالنجاسة، فهو دليل على ان ذلك مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فان مذهبهم إنما يعلم بنقل شيعتهم عنهم، كما ان مذهب ابي حنيفة وامثاله من المذاهب إنما يعلم بنقل اتباعهم وتلامذتهم، وحينئذ فما خالف ذلك مما صح وروده عنهم (عليهم السلام) يتحتم حمله على التقية (2) وان كانت العامة في المسألة ايضا على قولين، إلا ان حمل الخبر على التقية لا يتوقف على اتفاق العامة على القول بمضمونه بل ولا على قول البعض كما عرفته في المقدمة الاولى. على ان الذي نقوله وهو التحقيق الحقيق بالاتباع في المقام وان غفلت عنه أقوام ان جل الاخبار التي استند إليها الخصم لا دلالة لها على ما يدعيه ولا صراحة لها فيما يعيه. بل الظاهر منها عن التأمل الصادق في مضامينها والنظر في قرائن احوالها ومفاهيمها انها منطبقة مع تلك الاخبار على معنى صحيح المعيار واضح المنار، وان اختلفت في ذلك الدلالات في بعضها قربا وبعدا بسبب الانس بالقرائن الحالية والمقالية


(1) في الصحيفة 38. (2) ويؤيد ذلك ايضا ما صرح به علم الهدى (رضى الله عنه) في اجوبة المسائل الناصرية، حيث نسب القول بنجاسة الماء القليل إلى مذهب الشيعة الامامية وجميع الفقهاء، قال: " وانما خالف في ذلك مالك والاوزاعي واهل الظاهر " ثم قال: " والحجة في صحة مذهبنا اجماع الشيعة الامامية، وفى اجتماعهم عندنا حجة وقد دللنا على ذلك في غير موضع " انتهى (منه قدس سره).

[ 295 ]

وعدمه. ومن ذلك تطرقت إليها الاحتمالات، ولكن الناظر البصير والناقد الخبير إذ ضم بعضها إلى بعض وامعن النظر في عباراتها وما تفيده بصريحها واشاراتها ظهر له صحة ما ندعية. وتوضيح هذه الجملة ان نقول: الذي ظهر لنا بعد امعان النظر في الادلة المتوهم منها المخالفة ان جلها إنما ورد في السؤال عن مياه الحياض ومياه الغدران ومياه الطرق، من حيث عموم الحاجة إليها سيما في الاسفار، وعموم البلوى بها وإلجاء الضرورة للانتفاع بها، وانها حيث كانت معرضا لتلك الاشياء المصرح بها في تلك الاخبار من رمي الجيف فيها وشرب الكلاب والسباع منها وبول الدواب والناس فيها ونحو ذلك فمن أجل ذلك كثر السؤال عنها، وفي بعض تلك الاخبار قد صرح بالماء المسؤول عنه بانه ماء غدير أو ماء حوض أو نحوهما، وفي بعض وان لم يصرح إلا انه علم من الرواية بالقرائن انه من ذلك القبيل، كصحيحة حريز (1) " كلما غلب الماء على ريح الجيفة.. " وصحيحة محمد بن مسلم (2) " سأل عن ماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب.. الخ ". فان ماء يكون معرضا لهذه الاشياء لا يكون إلا في مياه الطرق لكونها مشاعة غير محروزة كما لا يخفى على المتأمل المنصف دون المكابر المتعسف. وسوق تلك الروايات الباقية على ذلك المنوال مؤيد لذلك. إذا عرفت ذلك فنقول: من الغالب والوجدان يقضي به ايضا ان تلك المياه لا تنفك عن بلوغ الكرور المتعددة فضلا عن كر واحد. وربما كان لهم (عليهم السلام) علم ببعض تلك الاماكن المسؤول عنها وانها كذلك. فأجابوا باعتبار التغير وعدمه، وربما اجابوا عن ذلك ببلوغ الكرية وعدمه. كما في صحيحة محمد


(1) المتقدمة في الصحيفة 290. (2) المتقدمة في الصحيفة 281.

[ 296 ]

ابن مسلم (1) حين " سأل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. فقال: إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " وهذه الرواية مقيدة بتلك الروايات الدالة على اعتبار التغير، فكأنه قيل: " لم ينجسه شئ إلا التغير " يدل على ذلك صحيحة زرارة (2) قال " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه الا ان يجئ له ريح يغلب على ريح الماء ". ويؤيد ما اشرنا إليه ما رواه صفوان الجمال في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب، أيتوضأ منها ؟ قال: وكم قدر الماء ؟ قلت: إلى نصف السلق والى الركبة وأقل. قال: توضأ " (3) فانظر إلى سؤاله (عليه السلام) عن قدر عمق الماء، ولم يسأل عن مساحته، لعلمه بتلك الحياض وما هي عليه من السعة، فلما عرف (عليه السلام) بلوغه الكثرة التي لا ينفعل معها الماء بمجرد الملاقاة أمره بالوضوء. ويدل على ذلك ايضا جعلهم (عليهم السلام) مناط النجاسة والطهارة هو التغير وعدمه في تلك الاحاديث المسؤول فيها عن مثل وقوع الميتة والجيفة وابوال الدواب ونحوها مما يكون مغيرا للماء وان كثر غالبا، دون جعله مناطا لهما في مثل قطرة من بول أو دم أو منقار طير فيه دم أو اصبع فيها قذر أو نحو ذلك إذا لاقت تلك المياه القليلة. فان من الجائز بلوغ الماء في القلة في بعض الاحيان إلى ان يكون متغيرا باحد تلك النجاسات إذا لاقته، فينبغي ان يجعل ذلك ايضا مناطا في مثل هذه النجاسات اليسيرة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. ونص الحديث هكذا: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ). (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

[ 297 ]

إذا لاقت هذا الماء اليسير ولو في حديث واحد ليتمشى لنا حمل الباقي عليه وان كثر وبالجملة فلو كان التغير وعدمه مناطا كليا ومعيارا مطردا لم ينحصر وروده في مثل تلك الاحاديث خاصة دون هذه الاحاديث، مع كثرتها وتعددها وزيادة عموم البلوى بما تضمنته سفرا وحضرا، فلما رأينا ان هذه الاخبار الواردة في الماء القليل المحقق القلة كماء التور وماء الركوة ونحوهما كلها منطبقة الدلالة على النجاسة، للنهي عن استعماله والامر باهراقه، وان التغير وعدمه إنما جعل مناطا في مثل الماء الذي يكون معرضا لنجاسة الجيف وابوال الدواب ونحوهما مما يغير الماء وان كثر غالبا، كمياه الغدران والحيضان ونحوهما مما لا ينفك عن كرور فضلا عن كر غالبا علمنا ان جعل التغير مناطا هناك إنما هو من حيث الكثرة المانعة من الانفعال بمجرد الملاقاة الغير القابلة للنجاسة إلا بالتغير، دون تلك المياه القليلة التي تنفعل بمجرد الملاقاة. فلا يحتاج فيها إلى ذلك المناط المذكور لانفعالها بما دونه. ومما يزيدك تأييدا وبيانا انك بالتأمل في السؤالات الواقعة في تلك الاخبار التي جعل مناطها التغير وعدمه يظهر لك صحة ما قلناه، حيث ان في بعضها " تبول فيه الدواب " بلفظ الجمع أعم من أن يكون ذلك دفعة أو دفعات، وفي بعضها " تردها السباع والكلاب والبهائم " ومن المعلوم ان ذلك الورود إنما هو للشرب منها دفعة أو دفعات، كما يشعر به قوله (صلى عليه وآله وسلم) في بعضها (1): " لها ما اخذت افواهها " ومن الظاهر البين ان بول الدابة في الماء إنما هو بعد دخولها فيه للشرب أو لغيره، ورمي الجيف فيه التي هي في الغالب في تلك الطرق اما جيفة حمار أو جمل أو فرس أو غنم أو كلب أو غيره من السباع الكثيرة التردد في تلك الطرق، ويظهر لك ان ما يكون معرضا لهذه الاشياء لا تنقص مساحته عن كرور عديدة فضلا عن كر،


(1) وهى رواية الفقيه المتقدمة في الصحيفة 292.

[ 298 ]

وما قدر كر من ماء وما قدر مساحته ؟ حتى يحتمل انه يقول بشئ واحد من تلك الاشياء المعدودة. ويزيد ذلك ايضا تأييدا ان الظاهر ان هذه المياه المسؤول عنها كلها من مياه الطرق الواقعة بين مكة والمدينة، وبينهما وبين العراقات ونحوهما من الامكنة التي لا وجود للمياه الجارية فيها غالبا. ومن المنقول انهم كانو يعمدون تلك الايام إلى بعض الامكنة فيجعلون فيها حياضا تسقى من آبار هناك، وامكنة يعدونها لاجتماع السيول فيها. كل ذلك لاجل المسافرين والمترددين في تلك الطرق، وهي بين الحرمين إلى الآن موجودة. وقد اشير إليها في الروايات بالسقايات وماء السبيل. وهذا بحمد الله كله ظاهر لمن تأمل بعين الانصاف في مضامين تلك الاخبار. وسيأتيك ما فيه زيادة ايضاح للمقام في الكلام على كلام بعض الاعلام. نعم يبقى الكلام في حسنة محمد بن ميسر (1) المسؤول فيها عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، حيث انها صريحة في كون ذلك الماء قليلا، مع انه (عليه السلام) امره ان يضع يده فيه ويتوضأ ثم يغتسل. وكذا ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه.. الحديث " (2) وكذا رواية ابي مريم الانصاري (3). والجواب (اما عن الاول) (4) فباحتماله لوجوه نبه عليها اصحابنا (رضوان الله عليهم):


(1) المتقدمة في الصحيفة 291. (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق عن المعتبر والسرائر. وتقدم في التعليقة 2 في الصحيفة 180 ما يفيد في المقام. (3) المتقدمة في الصحيفة 293. (4) وهى حسنة محمد بن ميسر المتقدمة في الصحيفة 291.

[ 299 ]

(الاول) ان يكون المراد بالقليل هو القليل العرفي دون الشرعي. (اقول): وهذا الجواب غير بعيد عن جادة الصواب، وذلك من حيث ان هذا الماء المشار إليه في الرواية لما كان من مياه الطرق وقد اوضحنا سابقا انها تبلغ في الكثرة إلى حد يزيد على الكر اضعافا مضاعفة كان قدر الكر وما زاد عليه يسيرا بالنسبة إلى ذلك قليلا. (الثاني) ان يكون المراد بالقذر في اليد هو الوسخ. وفيه بعد. حيث ان المتبادر في الاخبار من هذا اللفظ هو النجاسة. (الثالث) ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) من ان المراد بالقليل الشرعي لكن مع الجريان. وفيه ما فيه. (الرابع) ما احتمله شيخنا المذكور ايضا في كتاب الحبل المتين، وهو ان يكون الضمير في (يتوضأ) عائدا إلى الرجل بتجريده عن وصف الجنابة. وفيه بعد ايضا. (الخامس) ما يفهم من كلام شيخنا الصدوق (رحمه الله) في الفقيه من حمل ذلك على الرخصة دفعا للحرج والمشقة (1). حيث قال (2): " فان دخل رجل الحمام ولم يكن مع ما يغرف به ويداه قذرتان. ضرب يده في الماء وقال: بسم الله. وهذا مما قال


(1) أقول: ما ذكرنا شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) هنا من الحمل لا يخلو من القرب بل ربما كان هو الاظهر، فان الاستشهاد بالآية المذكورة يعطى كون ذلك رخصة وتخفيفا، وهو انما يتم على تقدير القول بنجاسة القليل بالملاقاة، فيكون هذا الموضع مستثنى من ذلك دفعا للحرج، والا فلو كان الماء لا ينجس بالملاقاة كما يدعيه الخصم فانه لا خصوصية لهذا الموضع بدفع الحرج، فان كل ماء قليل على هذا القول يجوز استعماله ولو مع النجاسة والغسل أو الوضوء به، فاي وجه لا يراد هذه الآية ؟ واي نكتة فيها ؟ كما لا يخفى على العارف باساليب الكلام، سيما في كلام الامام الذى هو امام الكلام (منه قدس الله سره) (2) في باب (المياه وطهرها ونجاستها)

[ 300 ]

الله عزوجل: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (1) وكذلك الجنب إذا انتهى إلى الماء القليل في الطريق ولم يكن معه اناء يغرف به ويداه قذرتان، يفعل مثل ذلك " انتهى (2). (السادس) الحمل على التقية، لان ذلك مذهب كثير من العامة كما ذكره الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار (3)، وايد بعضهم هذا الحمل بذكر الوضوء مع الغسل ولعل هذا الحمل اقرب المحامل المذكورة بعد الحمل الاول.


(1) سورة الحج. الآية 78. (2) قال في كتاب الفقه الرضوي: " ان اغتسلت من ماء الحمام ولم يكن معك ما نغرف به ويداك قذرتان، فاضرب يدك في الماء وقل: بسم الله. هذا مما قال الله تبارك وتعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " انتهى. وهو مصداق ما قدامنا آنفا من ان كثيرا من عبارات شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) مأخوذ من هذا الكتاب (منه رحمه الله). (3) لم نجد في الاستبصار نسبة القول بعدم انفعال القليل بالملاقاة إلى كثير من العامة ولعله يشير إلى ما ذكره الشيخ في الصحيفة 7 من طبع النجف - عند حمل خبر عبد الله بن المغيرة المتضمن للتقدير بالقلتين على التقية - من انه مذهب كثير من العامة، وقد تقدم منه (قده) حكاية ذلك عن الشيخ في الصحيفة 250 فتكون نسبته (قده) عدم انفعال القليل بالملاقاة إلى كثير من العامة بمقتضى كلام الشيخ (قده) بلحاظ ان مقدار القلتين اقل من مقدار الكر. وقد تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يوضح انه مذهب كثير من العامة وقد رجح الفخر الرازي في ج 6 من تفسيره ص 346 عند الكلام في قوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " ما حكاه عن مالك والحسن البصري والنخعي ودواد، وحكى ميل الغزالي إليه في الاحياء، من عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة الا إذا تغير اعتمادا على هذه الآية، ثم قال: نقلنا تقديرات مختلفة للفرق بين القليل والكثير، وليس بعضها اولى من بعض، فوجب التساقط عند التعارض. وتقدير ابى حنيفة - عشر في عشر - تحكم وتقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله صلى الله عليه وآله: " إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثا " ضعيف، ثم اخذ في الخدش في السند، إلى ان قال: سلنا صحة الرواية لكن احالة مجهول على مجهول، لان القلة غير معلومة، فانها تصلح للكوز والجرة ولكل ما يقال باليد. =

[ 301 ]

وبالجملة فبعد ثبوت الحكم بتلك الاخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة. وانطباق جملة اخبار المسألة بعضها على بعض على ذلك. فهذا الخبر لا ينهض بالمعارضة ولا ينوء بالمناقضة. واما عن الحديث الثاني (1) فانا لم نعثر عليه مسندا ولا مرسلا في شئ من كتب الاخبار التي عليها المدار، وقد صرح بذلك ايضا جملة ممن تقدم من مشايخنا (عطر الله تعالى مراقدهم) بل صرح جملة منهم بكونه عاميا (2) وما هذا حاله فلا يصح الاستناد إليه فضلا عن معارضة الاخبار به. على انا نقول: انه لو ثبت صحته لكان حمله على التقية متعينا، لما عرفت آنفا (3). هذا. وممن اختار القول بعدم انفعال القليل بمجرد الملاقاة المحدث الكاشاني، وقد بالغ في اعلائه وتشييده، وتكلف جمع الاخبار عليه وتأييده، واكثر من الطعن في ادلة القول الآخر، حتى اغتر به بعض من لم يعض على المسألة بضرس قاطع ممن تأخر، ولاجل ذلك كتبنا في المسألة المذكورة رسالة تشفي العليل. وتبرد الغليل، موسومة بقاطعة القال والقيل في نجاسة الماء القليل، فقد نقلنا فيها جميع كلامه وما أطال به من نقضه وإبرامه، واردفناه بما يكشف عنه نقاب ابهامه ويقشع غياهب ظلامه. ولنذكر هنا جملة ادلته على سبيل الاختصار، واجوبته عما يرد عليه من أدلة القول المقابل له في هذا المضمار، ونبين ما فيه من القصور عن درجة الاعتبار. (احدها) قوله (صلى الله عليه وآله) في حديث السكوني عن ابي عبد الله


= سلمنا كونها معلومة لكن متن الخبر مضطرب، فقد روي قلتين أو ثلاث أو اربعين قلة، وروى إذا بلغ كوزين. إلى آخر ما ذكره في تفنيد الاستدلال بهذا الحديث. (1) وهو حديث " خلق الله الماء.. الخ " المتقدم في الصحيفة 298. (2) تقدم في التعليقة 2 في الصحيفة 180 ما يفيد في المقام. (3) في الصحيفة 294 ولا يخفى انه (قده) لم يجب عن رواية ابى مريم المشار إليها في ص 298.

[ 302 ]

(عليه السلام): " الماء يطهر ولا يطهر " (1) حيث قال بعد نقله: " إنما لا يطهر لانه ان غلب على النجاسة حتى استهلكت فيه طهرها ولم ينجس حتى يحتاج إلى التطهير. وان غلبت عليه النجاسة حتى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة ولم يقبل التطهير إلا بالاستهلاك في الماء الطاهر، وحينئذ لم يبق منه شئ ". و (ثانيها) الاخبار المتقدمة (2) وعد منها حديث " خلق الله الماء طهورا.. " (3) مدعيا استفاضته عنه (صلى الله عليه وآله). و (ثالثها) انه لو كان معيار نجاسة الماء وطهارته نقصانه عن الكر وبلوغه إليه. لما جاز إزالة الخبث بالقليل منه بوجه من الوجوه، مع انه جائز بالاتفاق، وذلك لان كل جزء من اجزاء الماء الوارد على المحل النجس، إذا لاقاه كان متنجسا بالملاقاة خارجا عن الطهورية في أول آنات اللقاء، وما لم يلاقه لا يعقل ان يكون مطهرا والفرق بين وروده على النجاسة وورودها عليه مع انه مخالف للنصوص لا يجدي. إذ الكلام في ذلك الجزء الملاقي ولزوم تنجسه، والقدر المستعلي لكونه دون مبلغ الكر لا يقوى على ان يعصمه بالاتصال عن الانفعال، فلو كانت الملاقاة مناط التنجيس لزم تنجس القدر الملاقي لا محالة، فلا يحصل التطهير اصلا. واما ما تكلفه بعضهم من ارتكاب القول بالانفعال هناك من بعد الانفصال عن محل النجاسة فمن أبعد التكلفات. ومن ذا الذي يرتضي القول بنجاسة الملاقي للنجاسة بعد مفارقته عنها وطهارته حال ملاقاته لها بل طهوريته ؟ نعم يمكن لاحد ان يتكلف هناك بالفرق بين ملاقاة الماء لعين النجاسة وبين ملاقاته للمتنجس. وتخصيص الانفعال بالاول. والتزام وجوب تعدد الغسل في جميع النجاسات كما ورد في بعضها. الا ان هذا محاكمة من غير


(1) المروى في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق. (2) في الصحيفة 290 التى استدل بها للقول بعدم الانفعال بالملاقاة. (3) تقدم الكلام فيه في التعليقة 2 في الصحيفة 298.

[ 303 ]

تراضي الخصمين، فان القائلين بانفعال القليل لا يقولون به، والقائلون بعدم الانفعال لا يحتاجون إليه، وان امكن الاستدلال عليه بما ورد في ازالة البول من الامر بغسله مرتين إذا غسل في اجانة كما يأتي. و (رابعها) ان اشتراط الكر مثار الوسواس، ولاجله شق الامر على الناس، يعرفه من يجربه ويتأمله، ومما لا شك فيه ان ذلك لو كان شرطا لكان أولى المواضع بتعذر الطهارة مكة والمدينة المشرفتين، إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة، ومن اول عصر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى آخر عصر الصحابة لم تنقل واقعة في الطهارة ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء من النجاسات، وكانت اواني مياههم يتعاطاها الصبيان والاماء والذين لا يتحرزون عن النجاسات بل الكفار، كما هو معلوم لمن تتبع. و (خامسها) ان ما يدل على المشهور إنما يدل بالمفهوم، والمفهوم لا يعارض المنطوق (1) ولا الظاهر النص. مع ان اقصى ما يدل عليه هذا المفهوم تنجس ما دون الكر بملاقاة شطئ ما لا كل نجاسة، فيحمل على المستولية جمعا، فيكون المراد لم يستول عليه شئ حتى ينجس اي لم تظهر فيه النجاسة، فيكون تحديدا للقدر الذي لا يتغير بها في الاغلب. و (سادسها) حمل تلك الاخبار الدالة على النهي عن الشرب والوضوء مما لاقته النجاسة على التنزه والاستحباب، حيث قال في كتاب الوافي: " باب ما يستحب التنزه عنه في رفع الحدث والشرب وما لا بأس به " ثم أورد فيه الاخبار التي قدمناها مما دل على النهي عن الوضوء من الاواني التي وقع فيها قطرة من بول أو دم والاواني المأمور باهراقها لوقوع نحو ذلك فيها.


(1) قوله هنا -: والمفهوم لا يعارض المنطوق. إلى آخر العبارة - من كلام صاحب المفاتيح فيه، وباقى ما نقلناه عنه كله من كتاب الوافى لكن على الاختصار والتقدم والتأخير (منه قدس سره).

[ 304 ]

و (سابعها) الاختلاف في تقدير الكر، قال: " والاختلاف في تقدير الكر يؤيد ما قلناه من انه تخمين ومقايسة بين قدري الماء والنجاسة، إذ لو كان امرا مضبوطا وحدا محدودا لم يقع الاختلاف الشديد في تقديره ولا مساحة ولا وزنا، وقد وقع الاختلاف فيهما جميعا ". و (ثامنها) ما ذكره في تأويل الروايات الدالة على اشتراط الكرية، بحملها على انها مناط ومعيار للمقدار الذي لا يتغير من الماء بما يعتاد وروده من النجاسات حيث قال في كتاب الوافي: " باب قدر الماء الذي لا يتغير بما يعتاد وروده من النجاسات " ثم اورد أخبار الكر. هذا خلاصة ما اعتمد عليه في كتاب الوافي والمفاتيح من الاستدلال. ودفع ما يقابله من الاقوال. وللنظر فيه مجال وأي مجال. (اما الاول) (1) فلان ما ذكره في معنى الخبر لا يتحتم الحمل عليه ليكون دليلا يجب المصير إليه، فانه من المحتمل قريبا ما صرحنا به في آخر المقالة الاولى (2) من الفصل الاول من ان معنى قوله (عليه السلام): " الماء لا يطهر " انه متى تنجس ولو بالملاقاة فطهره إنما يكون بممازجة الكثير له على وجه يستهلك الماء النجس كما هو أحد القولين في المسألة كما تقدم. وهذا لا يسمى في العرف تطهيرا، لاضمحلال الماء النجس حينئذ. وعلى هذا ففي الخبر دلالة على اعتبار الممازجة دون مجرد الملاقاة كما هو القول الآخر. ويمكن ايضا الحمل على المعنى الاول الذي قدمنا ذكره ثمة (3).


(1) المتقدم في الصحيفة 301 السطر 17. (2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، والصحيح (الثانية) وذلك في الصحيفة 178. (3) في الصحيفة 178 السطر 2.

[ 305 ]

و (اما الثاني) (1) فقد عرفت ما فيه مما قدمناه (2) والعجب منه (قدس سره) في دعوى استفاضة حديث " خلق الله الماء طهورا.. " مع ما عرفت من انه لم يثبت من طرقنا لا مسندا ولا مرسلا، وكأنه اغتر بكلام صاحب المدارك هنا، حيث انه صرح باستفاضته ايضا في مقالة تنجس الماء بتغير أحد أوصافه الثلاثة، حيث قال بعد الحكم المذكور: " والاصل فيه الاخبار المستفيضة كقوله (صلى الله عليه وآله): " خلق الله الماء طهورا.. الخ " إلا ان فيه انه وان وصفه هنا بذلك لكنه بعد ذلك في مقالة نجاسة البئر بالملاقاة، حيث انكر ورود نجاسة الماء بالتغير اللوني طعن في الخبر المذكور بانه عامي مرسل، كما قدمنا الاشارة إليه عن جملة من الاصحاب (3). و (اما الثالث) (4) ففيه انه لا منافاة بين تنجسه وحصول التطهير به في حال واحد، ولا استبعاد في ذلك إذا اقتضته الادلة الشرعية. وتحقيق ذلك ان اقصى ما يستفاد من الاخبار هو عدم جواز التطهير بما تنجس قبل ارادة التطهير به لا بما تنجس بسبب التطهير به. وبهذه المقالة صرح جمع من فحول المحققين منهم: المولى الاردبيلي والمحقق الخوانساري وشيخنا صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل والفاضل المتأخر الخراساني، ومنهم: والدي (نور الله مراقدهم واعلى في الفردوس مقاعدهم) واستبعاد ذلك مدفوع بوجود النظير، فانهم صرحوا بوجوب طهارة احجار الاستنجاء وان النجس منها لا يطهر، مع انها حين الاستعمال تنجس بمجرد ملاقاة النجاسة، ولا يكون ذلك مانعا من حصول التطهير بها. وايضا خروج الماء المستعمل في الطهارة الكبرى عن الطهورية على تقدير القول به إنما هو بسبب


(1) و (4) المتقدم في الصحيفة 302. (2) في الصحيفة 293 السطر 18. (3) في الصحيفة 180 وقد تقدم في التعليقة 2 من هذه الصحيفة ما يفيد في المقام.

[ 306 ]

استعماله وملاقاته لبدن الجنب وقت الغسل، مع ان ذلك لا يمنع من حصول التطهير بهذا المستعمل. وبالجملة فاقصى ما يستفاد من الدليل بالنسبة إلى اشتراط الطهارة في الماء الذي تزال به النجاسة هو طهارته قبل ملاقاة النجاسة. واما طهارته حال الملاقاة فلا دليل عليه. وعدم الدليل على ذلك دليل على العدم، إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا حكم الا بعد البرهان كما تمسك به هذا القائل في جملة من المواضع، وحينئذ فهو حال الملاقاة يفيد التطهير وان تنجس بذلك، فقوله حينئذ: " إذا لاقاه كان متنجسا بالملاقاة خارجا عن الطهورية " في محل المنع. ومن أقوى الشبه في المقام كما تمسك به بعض الاعلام بعد وقوعه في شبك الالزام انه لو وضع شئ نجس في ماء قليل على هذا القول، فبعد طهارة المحل حال الملاقاة وانتقال النجاسة إلى الماء إما ان ينجس ذلك الشئ بالماء ام لا. لا سبيل إلى الثاني لان الماء قد صار نجسا بملاقاة النجاسة له اولا، فتتعدى نجاسته إلى ذلك الشئ ويعود الاشكال بحذافيره. والى ذلك ايضا اشار المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره)، حيث انه ممن اختار تخصيص نجاسة القليل بالملاقاة بورود النجاسة دون العكس، كما هو مذهب المرتضى (رضي الله عنه)، فعنده ان تطهير النجاسة بالقليل مخصوص بورود الماء على النجاسة دون العكس، فانه يصير الماء نجسا ولا يطهر به المحل، ولهذا قال بعد نقل القول بالتطهير بالقليل في صورة ورود النجاسة على الماء مع نجاسة الغسالة ما صورته: " قلت: في هذا القول التزام تنجس الماء بالمحل وتطهير المحل به. والتزامه مشكل. وايضا فيه التزام عدم تنجس المحل بالماء النجس. وهو بعيد غاية البعد " انتهى. وفيه ان ما استبعده من ذلك مردود بانه بعد قيام الدليل على نجاسة القليل

[ 307 ]

بالملاقاة مطلقا أو في صورة ورود النجاسة على الماء فلا مجال لهذا الاستبعاد، إذ الطهارة والنجاسة ونحوهما احكام تعبدية لا مسرح فيها للاستبعادات العقلية. (ولو قيل): مقتضى القاعدة الكلية القائلة بان كل ماء قليل أو مائع لاقى نجاسة فهو نجس ينافي ما ذكرتم. (قلنا): لا عام إلا وقد خص، فان اللبن في ضرع الميتة طاهر عند جملة من الاصحاب، وعليه تدل صحاح الاخبار، وكذا الانفحة من الميتة، والصيد المجروح لو وجد في ماء قليل، وما لا يدركه الطرف من الدم عند الشيخ، وماء الاستنجاء بالاجماع والاخبار، وغسالة النجاسة عند من قال بطهارتها. ووجود النظير يدفع الاستبعاد. ويمكن الجواب ايضا باختيار طهارة ماء الغسالة كما هو اختيار جمع منهم: الشهيد في الذكرى، وهو ظاهر الصدوق في من لا يحضره الفقيه، حيث ساوى بينه وبين رافع الحدث الاكبر، وبه صرح المحدث الامين الاسترابادي، وسيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى، وحينئذ يكون الحكم بطهارته مستثنى من كلية نجاسة القليل بالملاقاة وتطهيره. كما استثنى كذلك ماء الاستنجاء، وما لا يدركه الطرف من الدم على قول الشيخ. ويمكن الجواب ايضا بالفرق بين وروده على النجاسة وورودها عليه، كما سيأتي تحقيقه في هذا الفصل (1) ان شاء الله تعالى. و (اما الرابع) (2) ففيه انه ايضا قد اشترط الكر كما سيأتيك بيانه (3) وان كان الفرق بين الاشتراطين ان الاصحاب جعلوا اشتراطه معيار الطهارة والنجاسة، وهو قد جعل اشتراطه معيار معرفة التغير بالنجاسات المعتادة وعدمه مع عدم ظهورها


(1) في المقام الثاني. (2) المتقدم في الصحيفة 303. (3) في الجواب عن الوجه الثامن.

[ 308 ]

حسا، ثم زاد على كلام الاصحاب باشتراطه المقايسة والنسبة في ذلك المقام، حيث الجأته إليها ضرورة الالزام كما سيأتي توضيحه وينكشف صريحه (1). مع انه قد استفاضت الاخبار عن الائمة الابرار باصالة الطهارة ووجوب العمل على اليقين، فما لم يعلم ويتيقن وقوع النجاسة في الماء على وجه يظهر اثرها ويقطع بغلبة اجزاء تلك النجاسة على الماء إذا منع من ظهورها مانع لا يحكم بالتغير في ذلك الماء، فمجرد الاخبار بولوغ كلب من اناء مع عدم العلم بقدر ماء ذلك الاناء وعدم العلم بكثرة الولوغ وقلته لا يحكم بوقوع التغير في ذلك الماء بلعاب الكلب، وقس عليه غيره من النجاسات. وهو قد حكم بالتغير في امثال ذلك كما سيأتيك بيانه (2). واما قوله: " ومما لا شك فيه ان ذلك لو كان شرطا لكان اولى المواضع.. الخ " فانه مجرد دعوى عارية عن الدليل، ومحض استبعاد ليس له محصل عند ذوي التحصيل، إذ عدم كثرة المياه الجارية والراكدة في تلك الاماكن على القول بنجاسة القليل بالملاقاة لا يستلزم حصول وقائع في الطهارات ولا السؤال عن حفظ المياه من النجاسات. ولا امثالها من هذه التسجيلات، لانه مع معلومية الحكم عنده بنجاسة الماء القليل بالملاقاة يتحرزون عن تطرق النجاسة إليه بكل وجه وبعد العلم بحصول النجاسة فيه يجتنبونه، بل ربما يهرقونه وما الذي يترتب على ذلك من الوقائع المستحقة للنقل ؟ ومن الذي اشترط انه لابد في كل حكم شرعي من واقعة في عصره (صلى الله عليه وآله) تدل عليه ؟ حتى يشترط هنا. على انه لو نقلت هناك واقعة تدل على النجاسة لارتكب التأويل فيها كما ارتكبه في تلك الاخبار الصريحة المتعددة، إذ غاية ما يراد ان يعبر به عن النجاسة أو يكنى به عنها هو التصريح باراقة الماء الدال على عدم الانتفاع به بوجه. وقد مرت لك اخبار مستفيضة بهذا المضمون قد اخرجها


(1) و (2) في الجواب عن الوجه الثامن.

[ 309 ]

عن صريحها وارتكب فيها جادة التأويل. فلو ورد هنا شئ عنه (صلى الله عليه وآله) لجعله من ذلك القبيل. وما الاشكال في حفظ المياه حتى يحتاج إلى السؤال عنه ؟ وهل تعاطي الصبيان والاماء والذين لا يتحرزون عن النجاسات لاوانيهم يكون موجبا للنجاسة بالملاقاة من غير علم بوصول النجاسة، واين اصالة الطهارة ؟ واين الحنيفية السمحة ودين محمد (صلى الله عليه وآله) الذي هو اوسع ما بين السماء والارض ؟ ما هذه إلا احتمالات باردة وتعسفات زائدة، ولقد روي انه " دخل اعرابي المسجد فما لبث ان بال في ناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي (صلى الله عليه وآله) ثم أمر بذنوب من ماء فاهريق عليه، ثم قال: علموا ويسروا ولا تعسروا " (1) وامثال ذلك مما يدل على سعة الحنيفية السمحة السهلة كثير. و (اما الخامس) (2) ففيه (اولا) ان الدليل مقصورا على تلك


(1) هذه القصة قد وردت من طريق العامة كما في البخاري ج 1 ص 45 وسنن النسائي ج 1 ص 63 وصحيح مسلم ج 1 ص 125 وسنن ابى دواد ج 1 ص 103 وجامع الترمذي مع شرحه لابن العربي ج 1 ص 243 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 189 ومسند احمد ج 2 ص 239 و 282 و 503 وج 3 ص 110 و 114 و 167 و 191 و 226 ومجمع الزوائد لابن حجر ج 1 ص 286. الا ان هذا النص اعني قوله صلى الله عليه وآله: " علموا ويسروا ولا تعسروا " قد ورد في عمدة القارى شرح البخاري للعينى ج 1 ص 884، وفى غيره من كتب الحديث قد ورد هذا المضمون بالتعبير الآتى: " انما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين " وفى بعضها لم يرد هذا المضمون اصلا. وقد ورد فيها التعبير بالدلو والذنوب والسجل وفى بعضها التعبير بالماء من دون ذكر الكمية. والذنوب - كما في القاموس - بالفتح: الدلو أو التى فيها ماء أو الملاى أو دون الملاى. والسجل - كما فيه ايضا -: الدلو العظيمة مملوءة مذكر، ومل ء الدلو. هذا. ويأتى منه (قده) التعرض لهذا الحديث في المقام الرابع من المسألة الثالثة من مسائل تطهير الماء وازالة النجاسة به. (2) المتقدم في الصحيفة 303.

[ 310 ]

المفهومات، بل هو منطوق جملة من الاخبار التي قدمناها (1) كالاخبار الدالة على النهي عن استعمال تلك المياه القليلة بعد وقوع شئ فيها. والنهي حقيقة في التحريم كما تقدم تحقيقه (2) والامر باراقتها وغسل الاواني منها، فانه لا يخفى على الناظر في الاخبار والمعتبر لها حق الاعتبار ان الحكم بالنجاسة في جل المواضع إنما استفيد من المنع من استعمال ذلك الملاقي لها أو الحكم بغسله أو نحو ذلك، كما صرح به السيد السند في المدارك في الاستدلال على نجاسة البول بعد ايراد الروايات الدالة على الامر بغسل الثوب منه، حيث قال: " ولا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له، بل سائر الاعيان النجسة انما استفيد نجاستها من أمر الشارع بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها " انتهى. بل ربما ورد التصريح بالنجاسة في بعض الموارد فتأولوه بالحمل على المعنى اللغوي وناقشوا فيه بذلك، بخلاف ورود الاوامر بالغسل والاراقة والنواهي عن الاستعمال، فانها اصرح في الدلالة على ذلك. و (ثانيا) ان دلالة مفهوم الشرط بعد ما عرفت من دلالة الاخبار عليه كما قدمناها في المقدمة الثالثة (3) مما لا ريب في صحة الاعتماد عليها والاستناد في الاحكام الشرعية إليها. والمناقشة إنما تتطرق إليها مع ظهور فائدة غير مجرد التعليق على الشرط والانتفاء بانتفائه. وههنا ليس كذلك اتفاقا. و (ثالثا) ان قوله: " فان اقصى ما يدل عليه هذا المفهوم تنجس ما دون الكر بملاقاة شئ.. الخ " فيه انه قد اجيب عن ذلك بان لفظ (شئ) نكرة وقعت في سياق النفي فيستفاد منها العموم. ومقتضى التقييد بالشرط ان حكم المسكوت مخالف للمذكور، ويكفي للمخالفة تنجسه ببعض ما لم ينجس به الكر وان لم ينجس ببعض


(1) للقول المشهور في الصحيفة 281. (2) في المقدمة السابعة في الصحيفة 112. (3) في المطلب الثالث في الصحيفة 57.

[ 311 ]

آخر، ويضم إلى ذلك الاجماع على عدم الفصل في النجاسات الا فيما استثني فيعم حينئذ. والتحقيق عندي في الجواب ان المقصود بالافادة بمثل هذا الكلام امران: (احدهما) عموم المنطوق و (الثاني) عموم المفهوم، والرواة قد فهموا حكم المفهوم من ذلك كذلك، ولذلك سكتوا عن الاستفسار، وإلا فمثل هؤلاء الاجلاء كزرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما من فضلاء الرواة ومحققيهم كيف يسكتون ويرضون بفهم بعض المقصود مع توفر حاجة الامة إلى ذلك ؟ ولا سيما زرارة الذي من عادته تنقيح الاسئلة والفحص عن جملة فروع المسألة، ويقنعون باستفادة انه إذا نقص عن كر نجسه شئ ما. ويرشدك إلى ما ذكرنا جوابه (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم الاولى من تلك الروايات المتقدمة (1) لما سأل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. قال: " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " فانه من الظاهر البين ان السائل أراد السؤال عن حالة هذا الماء بعد وقوع هذه الاشياء أو أحدها فيه، وانه هل ينجس بمجرد ملاقاتها أم لا ؟ فاجابه (عليه السلام) بوجه عام وقاعدة كلية في كل ماء وكل نجاسة وهو التحديد ببلوغ الكرية وعدمه، وانه لا ينجس مع الاول وينجس مع الثاني. ولو لم يفهم السائل عموم المفهوم من جوابه (عليه السلام) بذلك، وانه إذا نقص عن الكرية ينجس بملاقاة تلك النجاسات المسؤول عن ملاقاتها، لاستفسر منه البتة، لانه أد طرفي الترديد في جوابه (عليه السلام) إذ حاصل جوابه انه " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ، وإذا لم يبلغ نجسه شئ " فلو لم يفهم السائل عموم لفظ (شئ) الذي في جابن المفهوم على وجه يشمل النجاسات المسؤول عنها وغيرها بقرينة المقام، ولا سيما السؤال هنا عن وقوع تلك الاشياء المخصوصة،


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق والنص الوارد (كان) لا (بلغ).

[ 312 ]

لراجع في السؤال عن تنجسه بتلك الاشياء المخصوصة، إذ بناء على ما يقولونه من عدم العموم لم يحصل الجواب عن السؤال، ومع غفلة السائل كيف يرضى الامام (عليه السلام) بعدم افادته ذلك مع انه مناط السؤال والبلوى به عام في جميع الاحوال ؟ وبالجملة فالمتسارع إلى الفهم السليم والمنساق إلى الذوق المستقيم من حاق اللفظ في امثال هذه المقامات هو العموم، وهو عند التأمل والانصاف امر ظاهر معلوم. وما يتمسك به من ان (شيئا) نكرة في سياق الاثبات فلا يعم مع تسليمه فقد خرجوا عنه في مواضع لاقتضاء المقام العموم فيها، كما صرحوا به في المعرف بلام التحلية إذا استعمل في المقامات الخطابية. وقد تقدم تحقيقه في المقالة الاولى (1) من الفصل الاول. و (رابعا) ان ما ذكره من الحمل على المستولية جمعا فيه انه لم يبق على هذا فرق بين الكر وغيره لان الكر ايضا انما ينجس بالتغير خاصة، فاين المخالفة بين المفهوم والمنطوق التي لا خلاف في ثبوتها ؟ بل لابد من الحمل على التنجيس بمجرد الملاقاة كما ذكرنا تحقيقا لذلك. و (اما السادس) (2) ففيه (اولا) ان الواجب حمل النهي عن الاستعمال في تلك الاخبار المذكورة على حقيقته من التحريم، كما هو المشهور بين محققي علماء الاصول، والمؤيد بالآيات واخبار آل الرسول، كما قدمنا لك بيانه وشددنا اركانه (3). و (ثانيا) ان من جملة تلك الاحاديث التي اوردها في ذلك الباب الاحاديث الدالة على اهراق مياه الاواني عند ملاقاة شئ من القذر لها، وليس ذلك عند التأمل والانصاف الا لنجاستها وعدم الانتفاع بها بالمرة، إذ استحباب التنزه عنه


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ، والصحيح (الثانية) وذلك في الصحيحة 172. (2) المتقدم في الصحيفة 303. (3) في المقدمة السابعة في الصحيفة 112.

[ 313 ]

في الطهارة والشرب لا يستلزم الاهراق، كيف ؟ ووجوه الانتفاعات به كثيرة بل ربما تلجئ إليه الضرورة سيما في الاسفار ونحوها، بل ذلك داخل في الاسراف المنهي عنه كما صرحت به بعض الرويات. و (ثالثا) ان موثقة سماعة (1) المروية ايضا بطريق آخر موثق عن عمار الساباطي قد دلت على الامر بالتيمم بعد الامر بالاهراق. وكيف يسوغ التيمم مع طهارة ذلك الماء وطهوريته ؟ ولو قيل: انه يجوز ان يكون الامر بالاهراق كناية عن عدم الاستعمال لا ان المراد الاهراق بالفعل. قلنا: مع تسليمه فذلك كاف لنا في الاستدلال، لان ما يكنى عن المنع عن استعماله باهراقه بمعنى ان وجوده كعدمه على حال فهو لا شك مقطوع بنجاسته كما اشار إليه في المعتبر، حيث قال: " وقد يكنى عن النجاسة بالاراقة تفخيما للمنع " و (رابعا) ان الحمل على الاستحباب والتنزيه وان تم له بالنسبة إلى الوضوء. لما دلت عليه بعض الاخبار من خارج بأن ماء الوضوء ينبغي ان يكون له مزية ما على مياه سائر الاستعمالات، فلا ينبغي ان يكون بالآجن ولا بالمشمس ولا بما لاقى سؤر المتهم بالنجاسة. فلا يتم له ذلك في الشرب. (اما اولا) فلعدم قيام دليل من الخارج على ان ماء الشرب ينبغي ان يكون ذا مزية، وانه يكره الشرب من بعض المياه لخلوها من المزية حسبما ورد في الوضوء، ولم يدع أحد ذلك بالكلية، حيت يتم له هنا حمل المنع عن الشرب على التنزيه والاستحباب. و (اما ثانيا) فبان من جملة المواضع التي صرحت الاخبار بكراهة الوضوء


(1) المتقدمة في الصحيفة 282.

[ 314 ]

من ذلك الماء الخالي من المزية سؤر الحائض، مع انها صرحت بجواز الشرب منه، فلو كان ما يدعيه من الخصوصية والمزية مشتركة بين ماء الوضوء وماء الشرب، لورد النهي عنه ايضا في مقام النهي عن الآخر. فمن تلك الاخبار رواية عنبسة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " اشرب من سؤر الحائض ولا تتوضأ منه " مثلها موثقة الحسين بن ابي العلاء (2) ورواية ابي هلال (3) وغيرهما. وحينئذ فالحق الحقيق بالاتباع هو ان النهي عن الوضوء والشرب معا في تلك الاخبار ليس إلا لنجاسة الماء. و (اما السابع) (4) ففيه (اولا) انه اي مسألة من مسائل الفقه واي حكم من احكام الفروع لم تختلف فيه الاخبار ؟ حتى يستبعد اختلافها في هذا المكان بخصوصه ويكون ذلك موجبا لما قاله ومؤيدا لما زعمه. و (ثانيا) ان الواجب في كل موضع اختلفت فيه الاخبار على وجه لا يمكن ارجاع بعضها إلى بعض من هذا الموضع وغيره الرجوع إلى الضوابط المقررة والقواعد المعتبرة. ومجرد خروجها عنهم (عليهم السلام) مختلفة لا يدل على ما توهمه من التخمين والمقايسة، وإلا لجرى في غير هذا الموضع ايضا، وهو لا يلتزمه. و (ثالثا) انه مع تسليم صحة ما ذكره فالايراد لا يختص بنا، بل يرد عليه ايضا. حيث انه قائل في التحقيق بمضمون تلك الاخبار منطوقا ومفهوما كما تقدمت الاشارة إليه (5) وسيأتي تحقيقه، لانا نقول: ان التحديد بالكر معيار لعدم


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الاسآر. (4) المتقدم في الصحيفة 304. (5) في الجواب عن الوجه الرابع ويأتى تحقيقه في الجواب عن الوجه الثامن.

[ 315 ]

الانفعال بالملاقاة لهذا المقدار وانفعال ما دونه. وهو يقول: ان التحديد المذكور معيار للقدر الذي لا يتغير بالنجاسات المعتادة. ويؤيد ما قلناه ما كتبه بعض تلامذته الناسجين على منواله على حاشية كتاب الوافي على آخر الباب الثالث من اول كتاب الطهارة، حيث قال: " لما دلت هذه الابواب الثلاثة على ان الماء ما لم ينفعل لم ينجس، علم ان النجاسة دائرة مع الانفعال وعدمه، ولكن لما كان الانفعال في بعض الاوقات خفيا لتوافقهما لونا وطعما وريحا، أو لورود النجاسة على الماء قبل ان يتعفن، كتفسخ الفأرة في الماء اول مرة لا يوجد لها ريحها أو طعمها أو لونها مع انه اختلطت اجزاء النجاسة باجزاء الماء. أو لورودها عليه قليلا قليلا، كولوغ الكلب وغيره في الحوض مرة بعد مرة، فانه لا يدرك شئ من اثرها مع ان لعاب الكلب اختلط باجزاء الماء، فتحصل الحيرة والاشتباه، بينوا (عليهم السلام) انه إذا كان الامر كذلك، ان كان الماء اقل من كر ينفعل اي يختلط وينجس، وإذا كان اكثر منه لا ينفعل ولا ينجس، كما إذا كان الحوض في طريق ونحن نعلم ان الكلاب تشرب منه والنساء والصبيان يباشرونه بنجاستهم العينية، فلاحظنا ان كان اقل من كر يحترز عنه وان كان اكثر منه نستعمله، فكل ماء امره كذلك يحتاج إلى مادة تحفظه من الانفعال، والمادة التي تحفظه اما ستمائة رطل مكي، أو ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته، اعني عرضه وطوله، وهذه الرواية اجود ما ورد في تقدير الكر، لان غيرها لا يخلو من اضطراب أو طعن في سنده أو متنه " انتهى. فانظر إلى ما ذكره من اعتباره الكر في بنائه عليه، واعتماده على تلك الرواية من بين رواياته لصحتها عنده. و (اما الثامن) (1) ففيه دلالة على ما قدمنا لك من قوله باعتبار الكر والبناء


المتقدم في الصحيفة 304.

[ 316 ]

عليه. وحمله مفهومات تلك الاخبار الدالة على النجاسة فيما نقص عن ذلك المقدار على انها قد تغيرت بالنجاسة وان لم يظهر ذلك للحس. وقد مهد في كلامه في اول الكتاب المذكور قاعدة لذلك، فقال ثمة: " وعلى هذا فنسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء كنسبة مقدار اقل من تلك النجاسة إلى مقدار اقل من ذلك الماء ومقدار اكثر منها إلى مقدار اكثر منه، فكلما غلب الماء على النجاسة فهو مطهر لها بالاستحالة، وكلما غلبت النجاسة عليه لغلبة أحد اوصافها فهو منفعل عنها خارج عن الطهورية بها " انتهى. وحينئذ فيصير معنى قوله (عليه السلام) (1): " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " اي لم يغيره شئ من النجاسات المعتادة، لان الماء عنده لا ينجس إلا بالتغير. فنجاسته في الحديث بمعنى تغيره بها، ومفهومه حينئذ انه إذا لم يبلغ كرا غيره شئ من تلك النجاسات المعتادة. وقال ايضا في الباب الثاني بعد ان اورد في صدره صحيحة صفوان المتضمنة للسؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة، وقد تقدمت (2) ما صورته: " لما كانت الحياض التي بين الحرمين الشريفين معهودة معروفة في ذلك الزمان، اقتصر (عليه السلام) السلام على السؤال عن مقدار الماء في عمقها ولم يسأل عن الطول والعرض، وإنما سأل عن ذلك ليعلم نسبة الماء إلى تلك النجاسات المذكورة حتى يتبين انفعاله منها وعدمه فان نسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء في التأثير والتغيير كنسبة ضعفه إلى ضعفه مثلا، وعلى هذا القياس. (فان قيل): تغير اوصاف الماء امر محسوس لا حاجة فيه إلى الاستدلال عليه بنسبة قدره إلى قدر النجاسة (قلنا): ربما يشتبه التغير مع ان الماء قد تتغير اوصافه الثلاثة بغير النجاسة فيحصل الاشتباه. يؤيد ما قلناه ما في النهاية


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. والنص في كتب الحديث " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". (2) في الصحيفة 296.

[ 317 ]

الاثيرية (1). قال: وفي حديث الطهارة " إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا " اي لم يظهره ولم يغلب الخبث عليه من قولهم: فلان يحمل غضبه اي يظهره. وقيل: معنى لم يحمل خبثا انه يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه " انتهى كلامه (فان قيل): القلتان يحمل الخبث إذا كثر الخبث وغلب عليه (قلنا): اريد به انه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتاد ورودها عليه. وذلك لان الناس قد يستنجون في المياه التي تكون في الغدران ويغمسون الاواني النجسة فيها ثم يترددون في انها تغيرت تغيرا مؤثرا أم لا، فبين انه ان كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسات. وبما ذكرناه يتبين معنى الاخبار الآتية ومفهوماتها " انتهى كلامه (زيد اكرامه) واشار بالاخبار الآتية إلى الروايات الدالة على التحديد بالكر، وما تدل عليه بمفهوماتها من النجاسة بمجرد الملاقاة كما ادعاه الاصحاب (رضوان الله عليهم) منها. وانت خبير بما في جميع هذا الكلام من التكلف الذى لا يخفى على ذوي الافهام بل عدم الاستقامة والانتظام. (اما اولا) فلان (شيئا) الواقع في لفظ تلك الروايات نكرة في سياق النفي، ولا خلاف في افادتها العموم، وتخصيصها بالمعتاد من النجاسات كما ادعاه يحتاج إلى دليل معلوم، وليس فليس. نعم قام الدليل على النجاسة المغيرة فيكون مخوصا بغيرها لقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ إلا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء ". وما ادعاه من ان نجاسة الماء هو تغيره بالنجاسة. فمعنى لم ينجسه شئ اي لم


(1) في مادة (حمل). (2) المروى في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق. ونصه كما تقدم في الصحيفة 296.

[ 318 ]

يغيره شئ بالنجاسة، فالنكرة لا يمكن أخذها على عمومها، للقطع بالتغير ببعض افراد النجاسات، فلابد من التخصيص بالمعتاد حينئذ ففيه ان تلك الدعوى غير مسلمة عند الخصم، إذ هي أول المسألة. وايضا فهي غير ظاهرة من اللفظ، بل الظاهر منه هو ما يدعيه الخصم، إذ المتبادر من قول القائل: نجس هذا هذا. يعني جعله نجسا اعم من ان يكون بمجرد الملاقاة كسائر المائعات أو بالتغير كما يدعيه هنا، فلا تقوم تلك الدعوى حجة على الخصم. على ان المتبادر فيما نحن فيه هو المعنى الاول بقرينة صحيح زرارة المذكورة، وقوله فيه: " لم ينجسه شئ إلا ان تجئ له ريح.. الخ " اي لم يجعله نجسا بمجرد الملاقاة إلا ان يتغير في ريحه، فالتنجيس في الاخبار بمعنى الانفعال بمجرد الملاقاة لا بمعنى التغير بالنجاسة كما تمحله. و (اما ثانيا) فلان مقتضى ما ذكره من ان الشارع إنما جعل الكر معيارا لما لم يتغير بالنجاسات المعتادة. كما هو منطوق ذلك اللفظ عنده. اللازم منه بمقتضى مفهومه ان ما نقص عن الكر يتغير بها انه لو وقعت نجاسة من تلك النجاسات المعتادة في قدر كر من ماء إلا درهما، فانه يحكم بتغيره بها وان لم يظهر اثرها فيه، ولو تمم بدرهم ووقع قدرها من تلك النجاسات بعنيها في كر تام، لم يحكم بتغيره (1) وهو من البعد على حال لا يحتاج إلى البيان، ومن البطلان بمقام يستغنى عن اقامة البرهان. و (اما ثالثا) فلان ما ذكره في بيان صحيحة صفوان 2) من انه (عليه السلام)


(1) ومن هنا يعلم ان الماء في تلك الاخبار التى استند إليها الخصم مراد به الكثير خاصة، لانه أذا كان شئ من تلك النجاسات المعتادة تغير ما دون الكر بهذا المقدار اليسير الذى فرضناه فما بالك بمثل الجيف ونحوها ؟ وجوابهم (عليهم السلام) - بالتردد بين التغير وعدمه مع معلومية ذلك عندهم - دليل على ان الماء اكثر من كر وان تنزلنا، لان الاقل منه معلوم التغير بما هو ادون من تلك النجاسات بمراتب فكيف بهذه النجاسات ؟ فلا معنى للتردد بالنسبة إليه، فتأمل وأنصف (منه قدس سره) (2) المتقدم في الصحيفة 316.

[ 319 ]

إنما سأل عن عمق الماء ليعلم نسبة الماء إلى تلك النجاسات المذكورة إنما هو من قبيل المعميات والالغاز، كما لا يخفى على من أنصف وجانب التعسفات، إذ مقتضى المقايسة التي التجأ إليها وعول في المقام عليها هو معلومية كل من الماء والنجاسة ليمكن نسبة كل منهما إلى الآخر، وهب ان الماء هنا بسؤاله (عليه السلام) صار معلوما، فمن اين حصل العلم بالنجاسة الحاصلة من ورود تلك السباع والكلاب وامثالها على وجه تكون مغيرة للماء مع عدم ظهوره حسا ؟ فان ذلك يتفاوت بتفاوت افراد الواردة وافراد ورودها قلة وكثرة فيهما، وليس ذلك امرا مضبوطا ولا حدا معلوما حتى يصح ابتناء الاحكام الشرعية عليه وجعله قاعدة ممهدة لذلك. والعادة التي ادعاها (طاب ثراه) وعنون بها الباب قصارى معرفتها والاعتماد عليها ان سلمنا ذلك في مثل مياه البيوت ونحوها مما يمكن ملاحظتها واستعلامها. واما في مثل مياه الطرق والصحارى ومنها ما تضمنه الخبر، فغير ممكن (1) على انا نقول من أين يلزم في كل نجاسة لاقت الماء ان يكون لها عين بحيث ينفصل منها اجزاء تداخل الماء ؟ حتى يحصل ذلك قانون كلي وضابط جلي وهو التحديد بالكرية في تلك الاخبار. وعلى تقدير احتمال مداخلة اجزاء النجاسة في الماء مع عدم ظهورها حسا، فما الدليل على الحكم بالنجاسة بهذه المقايسة والنسبة ؟ وكيف يتيسر لنا العلم بذلك ؟ اللهم الا ان نعمد إلى كل نوع من انواع النجاسة فنضعه في فرد من افراد المياه بشرط معلومية كل منهما كيلا أو وزنا أو تخمينا، ونعتبر تغيره وعدمه، ثم نقيس عليه بعد ذلك ما قل أو كثر. فلينظر المنصف إلى ذلك فاي حرج اعظم منه ؟ مع ادعائه سابقا لزوم الحرج في اشتراط


(1) فان من الظاهر - كما عرفت - ان كون تلك الحياض موردا للسباع والكلاب اعم من ان يكون تلك الكلاب مائة أو عشرة أو اقل أو اكثر تردها كل يوم مرة أو مرارا وليس هناك عدد معلوم ولا عادة معلومة حتى تتيسر المقايسة عليها والنسبة إليها (منه قدس سره).

[ 320 ]

الكرية وانه مثار الوسواس، وهو بخروجه عنه كما ترى قد وقع في شباك الالتباس ومع هذا فاين اصالة الطهارة التي هي قاعدة كلية في الاخبار وكلام الاصحاب ؟ حتى انه بما ذكره من الاحتمال يحتاج إلى ما ذكره من الاختبار. و (اما رابعا) فلان ما ذكره من قوله: " قلنا ربما يشتبه التغير.. الخ " وتأييده ذلك بما نقله عن النهاية الاثيرية. حاصلة ان التغير قد يحصل في الماء واقعا، حاصلة ان التغير قد يحصل في الماء واقعا، لوقوع النجاسة فيه مع عدم ظهورها في جانب كثرة الماء، وقد لا يحصل بالكلية، فاعتبار تلك النسبة والمقايسة لاجل استعلام ذلك الحصول الواقعي الغير الظاهر حسا. وفيه حينئذ (اولا) ان الحكم باصالة الطهارة كما هو أحد القواعد الكلية المتفق على ثبوتها نصا وفتوى يوجب استصحابها والبقاء عليها تعلم النجاسة. ومجرد الشك واحتمال التغير واقعا غير كاف في الخروج عن مقتضى الاصل المذكور. و (ثانيا) ان المعتبر من التغير في تلك الاخبار الدالة على نجاسة الماء بتغير احد أوصافها الثلاثة بالنجاسة هو التغير الحسي كما صرح به جمهور الاصحاب، ولم ينقل الخلاف في ذلك كما عرفته آنفا (1) إلا عن العلامة، حيث اعتبر التقدير فيما إذا اتفق الماء والنجاسة في الصفات، وانما يعتبر التقدير فيما إذا تغير الماء بجسم طاهر من لون النجاسة، وعلى تقدير وجوب التقدير في هذه المادة اليسيرة النادرة الاتفاق كما لا يخفى، فهل يوجب ذلك اخراج تلك الاخبار المستفيضة المتواترة عن ظواهرها وحملها على هذا الفرد الشاذ القليل الوقوع، ويكون التحديد بالكر إنما هو لاجل ما إذا تغير الماء بجسم طاهر موافق للنجاسة المعتادة ؟ ما هذا إلا تمحل بارد وخيال كاسد. و (اما خامسا) فما استند إليه من حديث النهاية وهو قوله: " إذا بلغ


(1) في الصحيفة 181.

[ 321 ]

الماء قلتين لم يحمل خبثا " (1) وكون الحمل فيه محتملا لان يكون بمعنى الظهور، فمعنى عدم حمله الخبث عدم اظهاره له المستلزم لوجوده فيه واقعا، وان لم يظهر حسا فهو حديث عامي (2) لا يقوم به حجة علينا. نعم هو موافق لمقتضى ما ذهب إليه وعول عليه، فلذا اطال في الجواب عما عسى يرد عليه بقوله: " فان قيل القلتان.. الخ " واما اخبارنا فالذي فيها انه " إذا بلغ كرا لم ينجسه شئ " (3) ولا مجال في لفظ التنجيس لذلك المعنى الذي ذكره، بل هو عبارة عن جعل شئ شيئا أخر نجسا بسبب ملاقاته له برطوبة، كما هو معلوم بالنسبة إلى ملاقاة النجاسة لجميع المائعات ونحوها. نعم قد تستلزم الملاقاة التغير، كما إذا غلبت اوصاف النجاسة اوصاف الماء، إلا ان هذا الفرد غير مراد هنا، كما أشعرت به صحيحة زرارة السالفة (4) الدالة على استثنائه من النجاسة بالملاقاة. ومع الاغماض عن ذلك الحكم أعم. ولا دليل على التخصيص والتقييد إلا مجرد خيالات لا تعتبر ولا تفيد. و (اما سادسا) فما ذكره من ان الناس قد يستنجون في المياه التي تكون في الغدران.. الخ فهو مجرد دعوى خالية من الدليل، وخيال ليس فيه إلا مجرد التسجيل والتطويل، لان التغير الذي قام الدليل على التنجيس به هو المحسوس، فان وجد في الماء حكم عليه بالنجاسة، وإلا فهو على يقين الطهارة واصالتها، وسعة الحنيفية وسهولتها.


(1) اورده في النهاية في مادة (حمل). (2) تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يفيد في المقام. (3) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق والنص الوارد فيها " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (4) في الصحيفة 296.

[ 322 ]

تتمة مهمة قد ارتبك بعض متأخري المتأخرين وجملة من المعاصرين والتابعين لهذا الفاضل في هذه المقالة، والمغترين بما ذكره وقاله في الاخبار التي حملها ذلك الفاضل على الاستحباب والتنزيه. وهي ما اشرنا إليها في الدليل السادس من كلامه (1) حيث ظهر لهم بعد ما ذكر من التأويل، فلم يجدوا سبيلا إلى الاعتماد عليه والتعويل. فبين من حمل النهي في ظاهر تلك الاخبار على حقيقته من التحريم، لكن زعم ان ذلك لا يستلزم النجاسة. وبين من قصر القول بنجاسة الماء القليل على النجاسات الواردة في هذه الاخبار. وبين من اعترف بدلالتها على النجاسة، لكن رجع فيها إلى القاعدة التي مهدها الفاضل المذكور فيما قدمنا من كلامه (2) وهي اعتبار المقايسة والنسبة، فاثبت النجاسة مدعيا حصول التغير الخفي على الحس. ولا يخفى على الفطن المتمسك بذيل الانصاف ما في هذه التأويلات من التكلف والاعتساف. (اما الاول) ففيه ما ذكرنا آنفا (3) في الرد على الوجه الخامس من كلام ذلك الفاضل. على انه لو تم ما ذكره لامكن التعلق به في جملة من موارد النهي ولو في غير مقام التعارض. ولا اراه يلتزمه. و (اما الثاني) ففيه (اولا) ان الاحكام المودعة في الاخبار لا يجب ورودها عنهم (عليهم السلام) بقواعد كلية وان وردت كذلك في بعض الاحكام،


(1) في الصحيفة 303. (2) في الصحيفة 316. (3) في الصحيفة 309.

[ 323 ]

كما نبهنا على شطر منها في المقدمة العاشرة (1) بل اكثر ما ترد في ضمن الجزئيات المتفرقة، فيحكم بكلية الحكم، لتوافق افراده الواردة عنهم (عليهم السلام) في ذلك وهذا هو الاغلب في الاحكام عن طريق القواعد النحوية المبنية على تتبع آحاد كلام العرب. و (ثانيا) ان هذه الافراد إنما خرجت مخرج التمثيل في الاخبار، لا انها قضايا واقعة حتى يجب قصر الحكم عليها. و (ثالثا) ان جملة منها قد تضمنت التعبير بالقذر، كما في موثقتي عمار ورواية ابي بصير (2) وفي جملة من الاخبار المتقدمة التعبير بالشئ. وهو دليل على ان المراد من النجاسات كما لا يخفى. و (اما الثالث) ففيه (اولا) ما قدمنا لك بيانه واوضحنا برهانه (3) ونزيده هنا ونقول: أي ناظر من ذوي العقول وان لم يكن له روية في معقول أو منقول يذهب إلى ان الطير الذي في منقاره دم أو الدجاجة التي في رجلها العذرة أو الاصبع فيها قذر. إذا لاقى شئ منها كرا إلا درهما بل نصف كر فانها تغيره وان خفي على الحس، بان ينفصل من اجزاء تلك النجاسات بمجرد الملاقاة ما يختلط بذلك الماء ويشيع فيه على وجه يكون المستعمل له مستعملا للنجاسة ؟ ما هذا إلا سد للشمس بالراح، واخفاء لضوء الصباح بالمصباح. و (ثانيا) ان اخبار نجاسة الماء القليل ليست مقصورة على هذه الاخبار التي زعم تطرق الاحتمال إليها والتأويل، وان كان لا اعتماد عليه ولا تعويل، بل فيها


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، والصحيح (الحادية عشرة) وقد تقدمت في الصحيفة 133. (2) المتقدمات في الصحيفة 282 و 284. (3) في الصحيفة 317.

[ 324 ]

بحمد الله ما هو ساطع النور في الظهور، مثل خبر العبدية (1) الدال على ان ما يبل الميل من الخمر ينجس حبا من ماء، وخبر عمر بن حنظلة (2) الدال على اهراق الحب لو قطرت فيه قطرة من مسكر. فهل يعقل هنا مجال لاحتمال التغير أو اجراء لما تمحله من المقايسة والتقدير ؟ وقد خرجنا إلى حد الاسهاب في هذا الباب، لما رأينا من جملة من الاصحاب في جمودهم على هذه المقالة اغترارا بما ذكره هذا الفاضل من الاستدلال واطاله. (المقام الثاني) المشهور بين الاصحاب القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة نجاسة بذلك وردت عليه النجاسة أو ورد عليها. وذهب السيد المرتضى (رضى الله عنه) في المسائل الناصرية إلى تخصيص ذلك بورود النجاسة دون العكس، قال في الكتاب المذكور بعد قول جده الناصر: ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورود النجاسة على الماء ما لفظه: " هذه المسألة لا أعرف فيها لاصحابنا قولا صريحا " ثم نقل عن الشافعي الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، واعتبار القلتين في الثاني دون الاول (3)، وقال بعده: " ويقوى في نفسي عاجلا إلى ان يقع التأمل صحة ما ذهب إليه الشافعي. والوجه فيه انا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة، لادى ذلك إلى ان الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بايراد كر من الماء عليه، وذلك يشق، فدل على ان الماء الوارد


(1) المتقدم في الصحيفة 287. (2) المتقدم في الصحيفة 288. (3) نسب الفرق المذكور إلى الشافعي ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 222 وشيخ زاده الحنفي في مجمع الانهر ج 1 ص 63، وابن قدامة الحنبلى في المغنى ج 1 ص 58، ويظهر ذلك من الغزالي الشافعي في الوجيز ج 1 ص 5، وابن حجر الشافعي في شرح المنهاج ج 1 ص 38. وقد تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يرجع إلى القلتين.

[ 325 ]

على النجاسة لا يعتبر فيها القلة والكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه " انتهى. ومرجعه إلى ان الملاقي للثوب ماء قليل فلو نجس حال الملاقاة لم يطهر الثوب، لان النجس لا يطهر غيره. واجاب عن ذلك في المختلف بالمنع من الملازمة، قال: " فانا نحكم بتطهير الثوب والنجاسة في الماء بعد انفصاله عن المحل " وضعفه السيد السند في المدارك تبعا لجده (قدس سرهما) بان ذلك يقتضي انفكاك المعلول عن علته التامة ووجوده بدونها، وهو معلوم البطلان. (اقول): ويرد على ما ذكره السيد المرتضى (رضى الله عنه): (اولا) ما قدمنا تحقيقه (1) من عدم المنافاة بين حصول الطهارة بالماء القليل ونجاسته بتلك الملاقاة، إذ غاية ما يستفاد من الدليل المانع من التطهير بالنجس هو ما كان نجسا قبل التطهير لا ما كان نجسا بذلك التطهير كما عرفت ثمة. و (ثانيا) ان مقتضى ما ذكره نجاسة الماء القليل بورود النجاسة عليه، وحينئذ فلا يجوز التطهير به، مع انه قد روى محمد بن مسلم في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله في المركن مرتين، فان غلسته في ماء جار فمرة واحدة " (2) والمركن على ما نص عليه الجوهري الاجانة التي يغسل فيها الثياب. ومن الظاهر البين ان الغسل فيها لا يكاد يتحقق بدون ورود النجاسة على الماء كما لا يخفى. ويرد على ما ذكره في المدارك في تضيفه جواب العلامة ان الظاهر ان مراد العلامة (قدس سره) ان دليل نجاسة الماء القليل بالملاقاة يقتضى نجاسة الغسالة مطلقا، سواء كان قبل الانفصال أو بعده، بل يقتضي عدم صحة التطهير به، لكن لما قام الدليل على صحة التطهير به وتوقف طهارة المحل على عدم نجاسة


(1) في الصحيفة 305. (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النجاسات.

[ 326 ]

الماء بناء على ان النجس لا يطهر غيره اقتصر فيه على موضع الضرورة ومحل الحاجة وهو ما قبل الانفصال لا ما بعده، فان الطهارة والنجاسة من الاحكام التعبدية، فيخص الحكم بالنجاسة حينئذ بما بعد الانفصال اقتصارا على محل الضرورة. وليس ذلك بابعد مما حكم به شيخنا الشهيد الثاني الذي هو الاصل في الايراد المذكور من نجاسة البئر ببدن الجنب الخالي من النجاسة لمجرد التعبد، وان كان الدليل عندنا لا ينهض به، ولا بابعد مما حكموا به من طهارة الدلو والرشا وحافة البئر بعد تمام النزح مع تقاطر ماء النزح على حافة البئر وجوانبها وعود الدلو اخيرا إلى الماء، وكذلك طهارة آلات الخمر ومزاولة بعد الانقلاب خلا، بل في الرويات الواردة في تطهير الاواني بصب الماء فيها وادارته ثم اهراقه ما يعضد ذلك، فان الماء بصبه في الآنية بمقتضى القول بنجاسة القليل بالملاقاة يجب الحكم بنجاسته، فتحريكه في الزمان الثاني ليستوعب جوانب الاناء لا يفيد المحل طهارة، فلابد للقائل بنجاسة القليل بالملاقاة ونجاسة الغسالة من القول ببقائه على الطهارة حتى ينفصل دفعا للضرورة، وحينئذ فما اورده من لزوم انفكاك المعلول عن علته التامة ووجوده بدونها يدفع بجواز ان يقال: ان الشارع لم يجعل مجرد ملاقاة النجاسة موجبا للتنجيس مطلقا، وإلا لما صح التطهير بالماء القليل مطلقا، لحصول العلة المذكورة، إلا على القول بعدم انفعال القليل بالملاقاة، وهم لا يقولون به. وحينئذ لا يصير مجرد الملاقاة سببا للنجاسة دفعا للحرج والضرورة، فيكون ذلك بمنزلة المستثنى من كلية نجاسة القليل بالملاقاة. ثم لا يخفى ان هذا كله مبني على تلك المقدمة القائلة: ان النجس لا يطهر غيره. وقد عرفت ما فيها (1) (2).


(1) من انه يجب تخصيص ذلك بما إذا كان نجسا قبل التطهير لا حال التطهير ما تقدم بيانه (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 305.

[ 327 ]

ثم انه (قدس سره) قال في المدارك بعد الكلام المتقدم: " نعم يمكن ان يقال انه لا منافاة بين الحكم بطهارة الثوب المغسول وما يتصل به من البلل، ونجاسة المنفصل خاصة إذا اقتضته الادلة. لكن يبقى الكلام في اثبات ذلك " انتهى. والظاهر انه اشارة إلى ما ذكرنا. وقال المحدث الامين (قدس سره) في تعليقاته على الكتاب المذكور: " ولعل وجه هذا الاحتمال ان الماء المغسول به لا يحمل النجاسة إلا بنقله لها عن المحل المتنجس، والنقل إنما يتحقق بالانفصال " انتهى. ولا يخفى بعده (1). هذا. وظاهر السيد السند (قدس سره) في المدارك الميل إلى ما ذهب إليه السيد المرتضى (رضى الله عنه) حيث قال بعد الجواب عن ادلة ابن ابي عقيل على عدم انفعال الماء القليل ما صورته: " لكن لا يخفى انه ليس في شئ من تلك الروايات دليل على انفعال القليل بوروده على النجاسة، بل ولا على انفعاله بكل ما يرد عليه من النجاسات، ومن ثم ذهب السيد المرتضى (رضى الله عنه) في جواب المسائل الناصرية إلى عدم نجاسة القليل بوروده على النجاسة. وهو متجه " انتهى. واختار ذلك ايضا المحدث الامين (طاب ثراه) في تعليقاته على الكتاب المذكور. وفيه (اولا) انه وان كانت جملة من الاخبار الدالة على نجاسة القليل بالملاقاة قد اشتملت على ورود النجاسة على القليل، كأخبار الركوة والتور ونحوهما، إلا ان ذلك لا يقتضي قصر النجاسة عليه دون عكسه، فان الظاهر ان السبب في الانفعال إنما هو ملاقاة النجاسة كيف اتفق، وقابلية القليل من حيث القلة والمائعية للانفعال اعم من وروده على النجاسة أو ورودها عليه. والحكم بالنجاسة في تلك الاخبار قد


(1) فان الاخبار الدالة على نجاسة القليل لا يختص في شئ منها بما ذكره، بل الظاهر بعضها وصريح بعض هو الانفعال بمجرد الملاقاة. ودعوى ذلك في خصوصية ماء الغسالة تحتاج إلى دليل (منه رحمه الله).

[ 328 ]

وقع في جواب الاسئلة المتضمنة لورود النجاسة على الماء. وخصوص السؤال لا يخصص كما تقرر عندهم. و (ثانيا) ان من فروع هذا القول صحة التطهير بالقليل مع وروده على النجاسة دون العكس فلا يصح التطهير به، مع ان صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) ترده كما عرفت. إلا ان يرتكبوا مخالفة ذلك القائل المذكور هنا. و (ثالثا) ان جملة من الاخبار الدالة بمفهوم الشرط على النجاسة تدل باطلاقها على الانفعال بالملاقاة اعم من ورود النجاسة أو عكسه. ومن الظاهر ان جعلهم (عليهم السلام) الكر معيارا ومدارا للانفعال وعدمه انه كذلك مطلقا، والا لوقع التقييد أو الاشارة إلى ذلك في بعض تلك الاخبار. ويمكن ان يقال: ان الاصل في الماء الطهارة بمقتضى القاعدة المنصوص المتفق عليها. ولا يخرج عن هذا الاصل إلا بدليل قاطع. والمعلوم من الاخبار تحقق الانفعال بورود النجاسة خاصة حملا لمطلق الاخبار على مقيدها. والقول بان خصوص السؤال لا يخصص مدفوع بان مثل خبر العبدية وخبر عمر بن حنظلة وخبر حفص بن غياث المتقدم ذلك كله (2) قد دل على ذلك ابتداء من غير تقدم سؤال. واما الفرع المذكور فيجاب عنه بما قدمنا تحقيقه (3) من عدم المنافاة بين التطهير بالقليل ونجاسته بذلك التطهير. وحينئذ فيقوى القول بالفرق بين ورود النجاسة وعكسه. ويمكن تأييده ايضا باخبار ماء الاستنجاء (4)، حيث حكم فيها بطهارته، فانه يمكن ان يكون ذلك انما هو لورود الماء على النجاسة.


(1) في الصحيفة 325. (2) في الصحيفة 287 و 288. (3) في الصحيفة 305. (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 329 ]

إلا انه بعد لا يخلو من شوب الاشكال، لان تلك الاخبار المشتملة على الانفعال بورود النجاسة لا صراحة لها بل ولا ظهور في التخصيص بصورة الورود حتى تقيد بها تلك الاخبار المطلقة، وبدونه يشكل الحكم بالتقييد، والمسألة لذلك محل تردد. واما ما ذكره السيد السند (قدس سره) من انه ليس في الروايات ما يدل على انفعال القليل بكل ما يرد عليه من النجاسات، حتى تبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه ففيه انه وان كان جملة من تلك الاخبار قد اشتملت على نجاسات مخصوصة الا ان جملة منها قد اشتملت على الفاظ تؤذن بالعموم، كلفظ القذر الوارد في موثقتي عمار ورواية ابي بصير، ولفظ الشئ في الاخبار الدالة على النجاسة بالمفهوم الشرطي، وكذا في حسنة شهاب بن عبد ربه، المتقدم جميع ذلك في ادلة القول باالنجاسة (1) وسيأتي مزيد تحقيق للمقام في مسألة الغسالة ان شاء الله تعالى. (المقام الثالث) جمهور القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لم يفرقوا في النجاسة الملاقية بين قليلها وكثيرها. ونقل عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط القول بعدم نجاسة الماء بما لا يمكن التحرز منه، مثل رؤوس الابر من الدم وغيره، فانه معفو عنه، لانه لا يمكن التحرز منه. ونقل عنه في الاستبصار التخصيص بالدم القليل الذي لا يدركه الطرف كرؤوس الابر. واستدل على ذلك بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فاصاب اناءه،


(1) في الصحيفة 281 و 282 و 284. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة

[ 330 ]

هل يصلح الوضوء منه ؟ قال: ان لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه ". واورد عليه انه ليس في الرواية تصريح باصابة الدم الماء، وإنما المتحقق منها اصابة الاناء، وهو لا يستلزم اصابة الماء، فيكون باقيا على أصل الطهارة. واجيب بان السائل اجل قدرا من ان يسأل عن مثل ذلك، بل المراد انما هو السؤال عن الماء. وذكر الاناء إنما هو على حذف مضاف. وفيه (اولا) ان هذا الاستبعاد إنما نشأ الآن بعد المعرفة بالاحكام وشيوع مثل هذا الحكم بين الانام، وإلا فكتاب علي بن جعفر المذكور قد اشتمل على جملة من الاسئلة العارية الآن عن الالتباس. بحيث يعرف احكامها الآن جهال الناس. و (ثانيا) ان من المحتمل قريبا بل هو الظاهر من الخبر المذكور انه مع تحقق اصابة الاناء حصل الشك في اصابة الماء أو الظن بذلك، فحسن السؤال حينئذ عن ذلك. واجاب (عليه السلام) بالبناء على يقين الطهارة إلا ان يعلم ذلك باستبانة الدم في الماء. نعم لقائل ان يقول: انه من المقرر في كلامهم انه متى اشتمل الكلام على قيد فمورد الاثبات والنفي هو القيد. وحينئذ يكون النفي في قوله: " ان لم يكن شئ يستبين " راجعا إلى الاستبانة التي هي صفة الشئ. والظاهر ان بناء الاستدلال على ذلك. واجيب عن ذلك بانه انما يحسن لو كان في السؤال تصريح باصابة الدم الماء. وفيه انه متى كان تقدير السؤال هو ان الدم قد اصاب الاناء ولكن اظن أو أشك في اصابته الماء، فانه يحسن في الجواب بناء على لك التقدير المذكور ان يقال: انه وان أصاب الماء حقيقة فضلا عن ظن ذلك أو الشك فيه إلا ان مجرد اصابة الماء مع عدم ظهوره واستبانته

[ 331 ]

غير موجب للنجاسة، واما الجواب بكون (يستبين) خبر لكان وان اسمها (شئ) فظني بعده، بل الظاهر ان (كان) هنا تامة. ومع تسليمه فهو إنما يتم على تقدير نقل الخبر كذلك كما هو في التهذيب، واما على ما هو المحكي عن الكافي من ان لفظ الرواية فيه " ان لم يكن شيئا يستبين في الماء " فلا مجال لهذا الجواب. وبذلك تبقى المسألة في قالب الاشكال. هذا. وبعض محققي متأخري المتأخرين صار إلى العمل بالخبر المذكور. استنادا إلى ان ما دل على انفعال القليل بالملاقاة لا يدل على العموم، إذ الروايات الدالة بمنطوقها على ذلك مختصة بموارد مخصوصة. والدالة بمفهومها لا عموم لمفهومها، وإنما يتم ذلك بالاجماع على عدم الفصل بين النجاسات، وهو غير جار في محل الخلاف، فلا جرم كان ما نحن فيه داخلا في عموم ادلة الطهارة. وفيه ما عرفته في المقام الاول في الجواب عن الوجه الخامس (1) من كلام الفاضل المتقدم ذكره من ثبوت العموم في المفهوم على وجه معلوم غير موهوم. واعترض بعض محققي متأخري المتأخرين على الشيخ (قدس سره) بان مورد الرواية دم الانف، فالتعميم لا يخلو من اشكال. وفيه انه لو خصت الاحكام بخصوص الوقائع المخصوصة ومشخصاتها الخارجية، لم يكد يتفق وجود حكم كلي في أحكام الفقه إلا القليل. والظاهر ان خصوصية الانف هنا غير ملحوظة، فيتعدى الحكم إلى سائر افراد الدم من باب تنقيح المناط القطعي كما تقدم بيانه في المقدمة الثالثة (2) فلا اشكال. نعم تعميم الشيخ الحكم المذكور في المبسوط للدم وغيره لا يخلو من الاشكال لاختصاص مورد الخبر المذكور بالدم، وظهور التغاير في الاحكام بين افراد النجاسات


(1) في الصحيفة 309. (2) في الصحيفة 56 و 64.

[ 332 ]

في العفو وعدمه وتعدد الغسل وعدمه ونحو ذلك، فلا يمكن دخول ذلك في تنقيح المناط القطعي. وصار البعض المتقدم ذكره إلى تقوية ما في المبسوط بناء على ما نقلناه عنه. وفيه ما عرفته. وما ذكره الشيخ (قدس سره) من عدم امكان التحرز ممنوع سواء اريد به ما يدل عليه ظاهر اللفظ أو الكناية عن المشقة. (المقام الرابع) المفهوم من كلام المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على كتاب المدارك تخصيص القول بنجاسة القليل بالملاقاة بالماء الساكن دون الجاري لا عن نبع، حيث قال بعد قول السيد (قدس سرهما) في الكتاب المذكور: " اطبق علماؤنا إلا ابن ابي عقيل على ان الماء.. الخ " ما صورته: " قلت: الاطباق ثابت في الماء القليل الساكن دون الجاري لا عن نبع كما سيجئ ان شاء الله تعالى " انتهى. واشار بقوله: " كما سيجئ " إلى ما قدمنا نقله عنه في آخر المسألة الثانية من الفصل الثاني (1). وقد سبقه إلى ذلك ايضا المحقق الشيخ حسن (طاب ثراه) في المعالم كما قدمنا نقله في المسألة المذكورة (2) حيث قال ثمة: " إذ الادلة الدالة على انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مختصة بالمجتمع والمتقارب.. إلى آخر ما تقدم " ومبنى ما ذكروه على ان المستفاد من أخبار الكر كمية واشتراطا اعتبار الاجتماع في الماء، وصدق الوحدة على ذلك الماء إنما هو باعتبار ذلك، فمورد جعل الكر وعدمه مناطا للعصمة عن الانفعال وعدمها إنما هو المجتمع الساكن دون الجاري المذكور. والمسألة محل اشكال كما قدمنا بيانه في المسألة المشار إليها (3). (المقام الخامس) صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف


(1) في الصحيفة 240. (2) في الصحيفة 239. (3) في الصحيفة 232.

[ 333 ]

يعرف بينهم ان مما يطهر القليل النجس القاء كر عليه دفعة، فان كان متغيرا وزال تغيره بذلك وإلا فكر آخر حتى يزول التغير. وقد وقع الخلاف بينهم في اشتراط الدفعة وعدمه، واشتراط الامتزاج وعدمه والظاهر ان منشأ ذلك عدم ورود حكم تطهير المياه في النصوص لا بطريق العموم ولا الخصوص سوى ما ورد في ماء الحمام مما لا يحسم مادة الاشكال في المقام. فحينئذ حاول جملة من الاصحاب للحكم بالطهارة هنا وجها يدخل به تحت عموم الاخبار وهو حصول الوحدة بانضمام الماء الطاهر إلى الماء النجس ليدخل تحت عموم قوله (عليه السلام) (1): " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " وقد صرحوا ايضا بانه كما يطهر بالقاء الكر يطهر بمطهرات اخر سنشير إليها ان شاء الله تعالى (2). وتفيصل هذه الجملة يقع في مواضع: (الاول) قد اختلفت كلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) في اشتراط الامتزاج وعدمه، واضطربت فتاوى جملة منهم، فممن صرح بذلك المحقق في المعتبر في مسألة الغديرين، حيث قال: " الغدير ان الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في احدهما نجاسة لم ينجس ولو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا " ثم قال بعد هذا الكلام بلا فصل: " الثالث لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر ففي طهارته تردد. والاشبه بقاؤه على النجاسة، لانه ممتاز عن الطاهر " ولا يخفى عليك ما في ظاهر هذا الكلام من التدافع، الا ان يحمل كلامه الاول على استواء سطحي الغديرين والثاني على اختلافهما كما اشرنا إليه في المسألة الثانية


(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. والنص - كما في الوسائل وغيره - " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". (2) في الموضع الثامن من المواضع الآتية.

[ 334 ]

من الفصل الثاني، وقال العلامة في التذكرة: " لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا ان اعتدل الماء والا في حق السافل، فلو نقص الاعلى عن كر انفعل بالملاقاة، ولو كان أحدهما نجسا فالاقرب بقاؤه على حكمه مع الاتصال وانتقاله إلى الطهارة بالممازجة، لان النجس لو غلب الطاهر نجسه مع الممازجة فمع التمييز يبقى على حاله " انتهى. وقال الشهيد في الذكرى: " وطهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم يطهر، للتميز المقتضي لاختصاص كل بحكمه، ولو كان الملاقاة بعد الاتصال ولو بساقية لم ينجس القليل مع مساواة السطحين أو علو الكثير " انتهى. ولا يخفى عليك ما في عبائر هؤلاء الافاضل من المناقشة، فانه متى كان الاتصال بين الغديرين بساقية مع تساوي السطوح موجبا للاتحاد في صورة عدم النجاسة، فلم لا يكون موجبا له ايضا بعد تنجس احدهما حتى انه يشترط الممازجة ؟ إذ من الظاهر ان عروض النجاسة وعدمه لا مدخل له في الاتحاد وعدمه، فان وصف النجاسة لا يخرج الماء عن حقيقة المائية، والحكم بالاتحاد إنما ابتني على ذلك، وإلا فلو تغير الماء بلون طاهر ثم وصل بماء خال من اللون اقتضى ذلك تعدد الماءين، ولا اظنهم يلتزمونه وحينئذ فان كان مجرد الاتصال كافيا فينبغي أن يكون في الموضعين وإلا فلا، والقائلون بالاكتفاء بمجرد الاتصال وحصول الاتحاد به وان اوجبوا المساواة أو علو الكثير بعد عروض النجاسة كما نبه عليه شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروض، إلا ان ذلك ليس من حيث عدم الاتحاد بل من حيث ان يشترط في المطهر علوه وامتزاجه، والا فهو قد صرح بحصول الاتحاد بمجرد المساواة، واحتمل ايضا فيه الاكتفاء بذلك بناء على حصول الاتحاد به في الصورة المذكورة، بخلاف كلامهم هنا، لتصريحهم بامتياز النجس عن الطاهر. احتج ثاني المحققين وثاني الشهيدين على الاكتفاء بمجرد الاتصال بما يرجع إلى وجوه ثلاثة:

[ 335 ]

(أحدها) الاصل. و (ثانيها) عدم تحقق الامتزاج، لانه ان اريد به امتزاج مجموع الاجزاء بالمجموع لم يتحقق الحكم بالطهارة، لعدم العلم بذلك بل ربما علم عدمه، وان اريد به البعض لم يكن المطهر للبعض الآخر الامتزاج بل مجرد الاتصال. وحينئذ فيلزم اما القول بعدم طهارته، وهو باطل قطعا، للاجماع على انه ليس وراء الامتزاج المذكور شرط آخر لطهر الجميع، أو القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال، وحينئذ فيلزم القول به مطلقا (1). و (ثالثها) ان الا جزء الملاقية للطاهر تطهر بمجرد الاتصال قطعا فتطهر الاجزاء التي تليها، لاتصالها بالكثير الطاهر. وكذا القول في بقية الاجزاء. واورد على الاول بان التمسك بالاصل هنا لا معنى له بالكلية. فان يقين النجاسة الموجب لاصالة بقائها حتى يثبت المزيل معارض ومخرج عن ذلك الاصل و (على الثاني) انا نختار (اولا) امتزاج المجموع بالمجموع. لكن لا بالمعنى الذي ذكره، بل بمعنى اختلاطهما على وجه يستهلك الماء النجس ولا يظهر له اثر بالكلية. لكن لا يخفى ان عدم ظهور أثر النجس بالكلية كما يحصل بالاستهلاك والاضمحلال في الماء الطاهر، كذلك قد يكون سببه تشابه الماءين وان لم يحصل ثمة استهلاك. وحينئذ فالقول به مطلقا مشكل إلا بدعوى الاجماع على الطهارة بذلك. وفيه ما لا يخفى. نعم لو كان سطح الماء اوسع من سطح القليل والقي عليه. فانه يحصل العلم بالاستهلاك والمداخلة. وسيأتي ما فيه مزيد بيان لذلك ان شاء الله تعالى. و (ثانيا) نختار امتزاج البعض وان الباقي يطهر حينئذ. قوله: انه متى كان طهر الباقي بمجرد الاتصال يلزم القول به مطلقا ممنوع. ووجه الفرق ظاهر،


(1) إذ الفرق بين الابعاض غير معقول، فيكون اعتبار الامتزاج على هذا التقدير مستلزما لعدم اعتبار. وهو فاسد قطعا (منه رحمه الله).

[ 336 ]

فان الحكم بالطهارة والنجاسة تابع للدلالة الشرعية، وليس للعقل فيه مدخل بوجه، ونحن إنما حكمنا بطهارة الاجزاء الباقية بعد الامتزاج لما ذكرتموه من الاجماع على حصول الطهارة للمجموع بذلك، وهذا لا يستلزم الحكم بطهارة ما لم يحصل فيه امتزاج اصلا بمجرد الاتصال. لعدم شمول الدليل المذكور له. ولانه ربما كان لممازجة البعض مدخل في التطهير فلا يتم الاكتفاء بمجرد الاتصال. و (على الثالث) انه موقوف على وجود دليل على ان الماء يطهر نفسه، والادلة العامة الدالة على كونه طهورا (1) غاية ما تدل عليه كونه مطهرا في الجملة. وضم الاجماع في تتمة الاستدلال بها لا يتم في مقام النزاع (2) والخاصة الواردة في جزئيات الاحكام إنما تدل على كونه مطهرا لغيره، بل ربما دل حديث " انه يطهر ولا يطهر " (3) بظاهرة على عدم وقوع التطهير هنا. والقول الفصل في المقام ان يقال: لما كان الحكم المذكور غير منصوص فالواجب فيه رعاية الاحتياط الذي به يحصل يقين البراءة. لما عرفت في المقدمة الرابعة (4) من ان الاحتياط في مثل هذا الموضع واجب. وهو لا يحصل إلا بالقول بالامتزاج على وجه يستهلك الماء النجس في جنب الماء الطاهر. ويؤيد ذلك ما قدمنا (5) من معنى حديث " الماء يطهر ولا يطهر " يحمل كونه لا يقبل التطهير على الممازجة لاضمحلاله واستهلاكه.


(1) المتقدمة في المقالة الثانية في الصحيفة 172. (2) بان يقال: ان الادلة المذكورة دلت على كونه مطهرا في الجملة، والاجماع قائم على عدم الفصل والفرق بين افراد المتنجس (منه قدس سره). (3) وهو حديث السكوني المروى في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق (4) في الصحيفة 68. (5) في الصحيفة 177.

[ 337 ]

ويؤيده ايضا ما حققه الشخ حسن (قدس سره) في كتاب المعالم، من انه لما دل النص والاجماع على ان وقوع النجاسة في الكثير أو وقوعها عليه لا يمنع من استعماله ولا يؤثر فيه تنجيسا وان كثرت ما لم تتغير بها، لاستهلاكها فيه واضمحلالها في جنبه، فيدل بمفهوم الموافقة على ان الماء النجس بهذه المثابة، فإذا وقع في الماء أو وقع الماء عليه وصار مستهلكا فيه بحيث شاعت اجزاؤه ولم تتميز وجب الحكم بطهارته. نعم فيه ما تقدم من ان العلم بذلك يقينا إنما يحصل فيما لو كان سطح الماء الكثير أوسع من سطح القليل النجس، أو كان الماء النجس ذا طعم أو لون أو رائحة وانعدمت بوضعه في الماء الكثير. (الموضع الثاني) انه مع اعتبار الامتزاج وعدم الاكتفاء بمجرد الاتصال. فهل يشترط الدفعة العرفية، بمعنى وقوع جميع اجزاء الماء الكثير في زمان قصير بحيث يصدق عليه الدفعة عرفا (1) حيث ان اعتبار الدفعة الحقيقة محال، أم لا يشترط، بل يكفي وقوعه تدريجا لكن بشرط عدم الانقطاع ؟ قد اختلفت عباراتهم ايضا في ذلك، فممن صرح بالدفعة جمع منهم: المحقق في الشرائع والعلامة في جملة من كتبه وكذا الشهيد، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين. ومنهم من اطلق كالمحقق في المعتبر، وهو المنقول ايضا عن الشيخ في الخلاف والمبسوط. ومنهم من صرح بالاكتفاء بوقوعه تدريجا كالشهيد في الذكرى


(1) قال المحقق حسن (ره) في كتاب المعالم: " اعلم ان المعتبر في الدفعة ما لا يخرج به الماء عن كونه متساوي السطح، ومآله إلى ان يبقى به صدق الاجتماع والوحدة عرفا، لما عرفت من ان الموجب لاعتبارها هو التحرز من انفعال بعض اجزاء الماء، وهو انما يكون بخروجه عن الوحدة المعتبرة " انتهى. ولا يخفى ان القاء الماء - بحيث لا يخرج عن المساواة - متعذر أو متعسر في اكثر الاحيان، فلعل المراد باشتراط المساواة الاكتفاء هنا بصدق الوحدة العرفية والاجتماع وان اختلفت السطوح في الجملة (منه رحمه الله).

[ 338 ]

واعترضه المحقق الثاني بان فيه تسامحا، لان وصول اول جزء منه إلى النجس يقتضي نقصانه عن الكر فلا يطهر، ولورود النص بالدفعة وتصريح الاصحاب بها. ورده السيد السند في المدارك بانه غير جيد، فانه يكتفى في الطهارة ببلوغ المطهر الكر حال الاتصال إذا لم يتغير بعضه بالنجاسة وان نقص بعد ذلك، مع ان مجرد الاتصال بالماء النجس لا يقتضي النقصان كما هو واضح. وما ادعاه من ورود النص بالدفعة منظور فيه، فانا لم نقف عليه في كتب الحديث ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال. وتصريح الاصحاب بالدفعة ليس حجة، مع ان العلامة في المنتهى والتحرير اكتفى في تطهير الغدير القليل النجس باتصاله بالغدير البالغ كرا. ومقتضى ذلك الاكتفاء في طهارة القليل باتصال الكر به وان لم يلق كله فضلا عن كونه دفعة انتهى. وفيه ان ما ذكره من انه يكتفي في الطهارة ببلوغ الكر حال الاتصال محل نظر، لما عرفت آنفا من عدم الدليل على ذلك، إلا ان يكون ذلك إلزاما للمعترض، حيث انه من القائلين بالاكتفاء بمجرد الاتصال. وفصل المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم، فقال: " والتحقيق في ذلك انه لا يخلو، اما ان يعتبر في عدم انفعال مقدار الكر استواء سطحه أو لا، وعلى الثاني اما ان يشترط في التطهير حصول الامتزاج أولا، وعلى تقدير عدم الاشتراط اما أن يكون حصول النجاسة عن مجرد الملاقاة أو مع التغير. فههنا صور أربع: (الاولى) ان يعتبر في عدم انفعال الكر استواء السطح. والمتجه حينئذ اشتراط الدفعة والالقاء. لان وقوعه تدريجا يقتضي خروجه عن المساواة، فتنفعل الاجزاء التي يصيبها الماء النجس، وينقص الطاهر عن الكر فلا يصلح لافادة الطهارة ولا فرق في ذلك بين المتغير وغيره، لاشتراك الكل في التأثير في القليل، والمفروض صيرورة الاجزاء بعدم المساواة في معنى القليل.

[ 339 ]

(الثانية) ان يهمل اعتبار المساواة ولكن يشترط الامتزاج. والوجه عدم اعتبار الدفعة حينئذ بل ما يحصل به ممازجة الطاهر بالنجس واستهلاكه له، حتى لو فرض حصول ذلك قبل اتمام القاء الكر لم يحتج إلى الباقي. ولا يفرق هنا ايضا بين المتغير وغيره، لكن يعتبر في المتغير مع الممازجة زوال تغيره، فيجب ان يلقى عليه من مقدار الكر ما يحصل به الامران، ولو قدر قوة المتغير بحيث يلزم منه تغير شئ من اجزاء الكر حال وقوعها عليه، وجب مراعاة ما يؤمن معه ذلك اما بتكثير الاجزاء أو بالقاء الجميع دفعة. (الثالثة) ان لا يشترط الممازجة ولا يعتبر المساواة وتكون نجاسة الماء بمجرد الملاقاة. والمتجه حينئذ الاكتفاء بمجرد الاتصال، فإذا حصل باقل مسماه كفى ولم يحتج إلى الزيادة عنه. (الرابعة) الصورة بحالها ولكن كان الماء متغيرا. والمعتبر حينئذ اندفاع التغير كما في صورة اشتراط الامتزاج، وحينئذ لو فرض تأثير التغير في بعض الاجزاء تتعين الدفعة أو ما جرى مجراها كما ذكر. وحيث قد تقدم منا الميل إلى اعتبار المساواة فاعتبار الدفعة متعين " انتهى كلامه (زيد مقامه). ويرد على ما ذكره في الصورة الاولى انه قد صرح سابقا بان الذاهبين إلى اعتبار المساواة مصرحون بعدم انفعال القليل المتصل بالكثير إذا كان الكثير أعلى، كما قدمنا لك عبائر جملة منهم في المسألة الثانية من الفصل الثاني (1) وقال (قدس سره) هناك بعد البحث في ذلك: " وقد تحرر من هذا ان عدم انفعال الواقف بالملاقاة مشروط ببلوغ مقدار الكر مع تساوي السطوح، أو باتصاله بمادة هي كر فصاعدا، ولا يعتبر استواء السطوح في المادة بالنظر إلى عدم انفعال ما تحتها.. الخ " ومفهوم هذا الكلام


(1) في الصحيفة 228.

[ 340 ]

ان الشرط في عدم انفعال الكثير الواقف اما تساوي سطوحه أو كون الاعلى منه كرا فصاعدا، لعدم تقوي الاعلى بالاسفل عندهم، وحينئذ فالوحدة والاجتمع اللذان هما مدار العصمة عن الانفعال حاصلان على تقدير التساوي والاختلاف على الوجه المذكور، فلا يتجه اعتبار الدفعة بل يجزي الوقوع تدريجا، ويرجع إلى ما ذكره في الصورة الثانية وبذلك يظهر لك ما في آخر كلامه من قوله: " وحيث قد تقدم منا الميل.. الخ " فانه قد تقدم منه كما حكينا عنه (1) الميل إلى اعتبار المساواة أو علو الكثير لا اعتبار المساواة خاصة كما يوهمه كلامه هنا. ويرد على ما ذكره في الصورة الثانية انه مع اهمال اعتبار المساواة وان اشترط الامتزاج، فالاكتفاء بامتزاج البعض ممنوع، لما عرفت آنفا (2) من عدم النص في تطهير المياه، والاصل بقاء النجاسة. وغاية ما يمكن التشبث به في هذا الباب الاجماع. وهو إنما يثبت بالالقاء دفعة على وجه يستلزم دخول جميع الاجزاء بعضها في بعض. وبالجملة فان وجوب الدفعة كما يترتب على اعتبار المساواة كذلك يترتب على اشتراط الامتزاج، إذ امتزاج البعض وان اوجب استهلاك النجس، إلا انه لا دليل على حصول التطهير به. وايضا فان القائلين باعتبار الممازجة لم يظهر منهم التصريح بالاكتفاء بممازجة البعض، بل ربما ظهر من كلامهم اعتبار ورود جميع الكر عليه، وبذلك يظهر لك ما في تتمة كلامه في الصورة المذكورة. ويرد على ما ذكره في الصورة الثالثة ان ما ذكر فيها من عدم اشتراط الممازجة وعدم اعتبار المساواة اعم من الاكتفاء بالاتصال مطلقا أو حصول الممازجة في بعض. وعدم اشتراط الدفعة هنا إنما يتم على الاول دون الثاني، لما عرفت آنفا (3).


(1) في الصحيفة 239. (2) و (3) في الصحيفة 333.

[ 341 ]

وبالجملة فطريق الاحتياط اعتبار الدفعة على الوجه الذي ذكرنا سابقا في الممازجة والله اعلم. (الموضع الثالث) ينبغي أن يعلم انه على جميع التقادير من القول بالدفعة والممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال، لو كان الماء متغيرا بالنجاسة فالواجب أن يزال التغير أولا، إلا أن يحصل زواله بالالقاء دفعة بحيث لا يتغير شئ من ماء الكر، أو يزاد في مقدار الماء المطهر على وجه يسلم مقدار الكر عن التغير. وعبائر جملة من الاصحاب وان دلت باطلاقها في صورة التغير على انه يجب القاء كر يزيل تغيره وان تغير بعض الكر في ابتداء الوصول، إلا ان الظاهر انه ليس بمراد لهم. (الموضع الرابع) انه قد ذكر جملة من الاصحاب انه متى كان الماء القليل متغيرا فطهره بالقاء كر عليه، فان زال به التغير والا فكر آخر وهكذا، وقيده جملة من المتأخرين بان القاء الكر الآخر مع عدم زوال التغير بالكر السابق إنما هو على تقدير ان لا يتميز كر طاهر غير متغير عن الماء المتغير، والا فيكفي حينئذ في تطهير النجس المتصل به التموج حتى يزول التغير كما تقدم في تغير بعض الكثير، ولا يخفى ما فيه على اطلاقه من الاشكال، لانه متى فرض ان القليل قد تغير بعضه، وانه بالقاء الكر عليه دفعة فالقدر الذي وقع على ذلك البعض المتغير قد تغير ايضا، والواقع على غير المتغير حينئذ اقل من كر، فانه يلزم ان ينجس الواقع على غير المتغير في اول آن الملاقاة بوقوعه على النجس وان بلغ معه بعد الوقوع كرا. واعتبار الدفعة الواحدة الموجبة لاتحاد الماءين مقيدة بعدم تغير شئ من الكر الملقى كما عرفت آنفا. نعم لو قلنا بالاكتفاء بمجرد الاتصال أو الامتزاج في الجملة، وكان وقوع الكر المذكور في غير الناحية التي فيها التغير، اتجه ان يكون ما وقع عليه الكر أو اتصل به طاهرا البتة، وتختص النجاسة بالمتغير، فيصير من قبيل مسألة الكثير المتغير بعضه. ولعل

[ 342 ]

إلى ذلك لحظ السيد السند في المدارك، حيث انه قيد وجوب القاء الكر مرة اخرى بتغير الكر الاول أو بعضه بالنجاسة، وخص الطهارة بالتموج والامتزاج بما إذا بقي الكر الملقى على حاله، ولم يكتف بحصول كر في الجملة ولو من الماء السابق واللاحق، كما يعطيه ظاهر الكلام الذي نقلناه (1). (الموضع الخامس) انه على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال كما هو احد القولين المتقدمين هل يكفي الاتصال كيف كان ام لابد من المساواة أو علو المطهر ؟ قد عرفت مما تقدم في الفصل الثاني (2) وقوع الخلاف في اشتراط المساواة والاختلاف في مقدار الكر، وان جملة من الاصحاب كشيخنا الشهيد الثاني وغيره قائلون بعد انفعاله وان اختلفت سطوحه كيف كان، وان جملة منهم كالشهيد والشيخ علي والعلامة في أحد قوليه يقيدون ذلك بالمساواة أو علو الكثير. هذا قبل عروض النجاسة. اما لو عرضت للقليل ثم وصل بالكثير، فظاهر شيخنا الشهيد الثاني الذي هو أحد القائلين بالاتحاد مع اختلاف السطوح في الشق الاول عدم القول بالاتحاد هنا. بل يشترط المساواة أو علو الكثير، وحينئذ فظاهرهم الاتفاق هنا على علو المطهر أو مساواته. (الموضع السادس) لو كان لماء القليل النجس في كوز ونحوه، توقف طهره على دخول المطهر إليه وممازجته له على القول بالممازجة. ولو كان الاناء مملوء فالظاهر عدم طهارته. لعدم امكان التداخل. إلا ان يكون للمطهر قوة وانصباب بحيث يدافع ما في الكوز. ومما يعلم به عدم الممازجة بقاء ماء الكوز على وصفه المباين ان كان كذلك، كعذوبته مع ملوحة المطهر، وحرارته مع برودة المطهر، أو بالعكس فيهما، ويكفي مجرد اتصال المطهر به على القول الآخر على الوجه المذكور.


(1) في الصحيفة 338. (2) في المسألة الثانية في الصحيفة 228.

[ 343 ]

(الموضع السابع) لو فرق ماء الكر في ظروف عديدة والقي ماء كل منها على حياله على الماء النجس مع اتصال الانصباب إلى الفراغ، فالظاهر انه لا يفيد طهارة. (اما أولا) فلان المفهوم من الاخبار وكلام الاصحاب اختصاص اسم الكر بالماء المجمتع، بل قد عرفت آنفا (1) من كلام المحققين الشيخ حسن في المعالم والمحدث الامين (قدس سرهما) المناقشة في ثبوت صدق الكرية مع اختلاف السطوح، لكون المفهوم عندهما من الاخبار اعتبار تساوي اجزاء الماء في صدق الكر عليه، فكيف مع تفرقه في ظروف عديدة ؟ و (اما ثانيا) فلان الدفعة العرفية التي هي عبارة عن الوقوع في اقرب زمان انما تحصل مع الاجتماع لا مع التفرق. و (اما ثالثا) فلان الشارع قد جعل الكر معيارا لعدم الانفعال بالملاقاة، ولا ريب ان هذا الماء بتفريقه قابل للانفعال، لقلة كل ظرف منه. فلا تصدق عليه الكرية، ومتى لم تصدق عليه لم يحصل به التطهير. و (اما رابعا) فلانه بوصول اول كل ماء من مياه تلك الظروف إلى الماء النجس، يجب الحكم بنجاسته، لكونه ماء قليلا لاقى نجاسة، فلو اجتمعت منه كرور والحال هذه كان حكمها كذلك. والعجب من جمع ممن رأيناهم من فضلاء بلادنا البحرين انهم يحكمون بالتطهير بذلك بل يفعلونه. وقد حضرت ذلك غير مرة وكنت يومئذ ابان الخوض في تحقيق هذه المسائل والبحث عن هذه الدلائل. ولم أعمل ما الوجه فيه عندهم. (الموضع الثامن) انه كما ان من الطرق لتطهير القليل ما ذكرنا من ورد الكر عليه أو اتصاله به على التفصيل المتقدم، كذلك:


(1) في المسألة الثانية في الصحيفة 228.

[ 344 ]

(منها) وقوعه في الكر ايضا، وحينئذ فان كان القليل متغيرا اشترط في طهره امتزاجه بما وقع عليه ليرفع التغير، فان ارتفع بذلك وإلا جرى فيه ما ذكرنا في الموضع الرابع. وان لم يكن متغيرا بني على الخلاف في اعتبار الممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال على الوجه المتقدم من اعتبار المساواة أو علو المطهر. و (منها) وقوع ماء المطر عليه، وقد تقدم الكلام فيه في الفرع الاول من فروع المقالة التاسعة من الفصل الاول (1). و (منها) اتصاله بالنابع لكن مع علو النابع أو مساواته. وفى حكمه الجاري عن مادة كثيرة. والكلام في اشتراط الممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال على ما تقدم (2) وينبى الكلام ايضا في النابع على الخلاف في اشتراط الكرية وعدمه كما تقدم (3). (الموضع التاسع) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تطهير القليل النجس باتمامه كرا. فالمنقول عن الشيخ في الخلاف وابن الجنيد واليه ذهب اكثر المتأخرين القول بالبقاء على النجاسة. ونقل عن المرتضى في المسائل الرسية القول بالطهارة. واقتفاه في ذلك ابن ادريس، ويحيى بن سعيد صاحب الجامع وابن حمزة والمحقق الشيخ علي. وهم بين مصرح بعدم الفرق بين اتمامه بطاهر أو نجس، وبين مقيد له بالطاهر، وبين


(1) في الصحيفة 220. (2) في الصحيفة 333. (3) في الصحيفة 187.

[ 345 ]

مطلق يتناول بظاهره الامرين (1). احتج الاولون بانه ماء محكوم بنجاسته شرعا، فتوقف الحكم بارتفاعها على الدليل. وليس فليس، لما سيظهر بعد ابطال أدلة الخصم. (لا يقال): ان هذا تمسك بالاستصحاب، وانتم قد نفيتم التمسك به آنفا (2). (لانا نقول): ان الاستصحاب في مثل هذه الصورة ليس من القسم المتنازع فيه، بل من قبيل ما يدخل تحت عموم الدليل أو اطلاقه، لان ما دل على نجاسة القليل بالملاقاة لا تقييد فيه بوقت دون آخر ولا بحالة دون اخرى، ولان من جملة ادلة نجاسة القليل الاخبار الدالة على النهي عن الوضوء والشرب منه متى لاقته نجاسة، والنهي عندهم للتكرار والدوام. ولان الاخبار الدالة على عدم الخروج عن يقين الطهارة أو النجاسة إلا بيقين مثله شاملة لمحل النزاع. وما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين من منع هذه الادلة هنا من غير ان يبين وجهه بتفصيل ولا اجمال لا اعرف له وجها إلا مجرد حب المناقشة في امثال هذا المجال. احتج المرتضى (رضى الله عنه) على ما نقل عنه بوجهين: (احدهما) ان بلوغ قدر الكر موجب لاستهلاكه للنجاسة، فيستوي وقوعها قبل البلوغ وبعده. و (ثانيهما) ان الاجماع واقع على طهارة الماء الكثير إذا وجدت فيه نجاسة ولم يعلم هل كان وقوعها قبل بلوغ الكرية أو بعده ؟ وما ذاك إلا لتساوي الحالين،


(1) ممن صرح بالاول ابن ادريس على ما نقل عنه، وممن صرح بالثاني ابن حمزة على ما نقله عنه، والباقون اطلقوا (منه رحمه الله). (2) في المطلب الثاني في الصحيفة 51.

[ 346 ]

إذ لو اختص الحكم ببعدية الوقوع لم يكن للحكم بالطهارة وجه، لانه كما يحتمل تأخره عن البلوغ يحتمل تقدمه عليه. واحتج ابن ادريس بالاجماع، وبقوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (1) وهو عام. وزعم ان هذه الرواية مجمع عليها عند المخالف والمؤالف وبالعمومات الدالة على طهارة الماء وجواز استعماله كقوله سبحانه: " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به.. " (2) وقوله: " وان كنتم جنبا فاطهروا.. " (3) وقوله (عليه السلام) لابي ذر: " إذا وجدت الماء فامسه جسدك " (4) وقوله (عليه السلام): " اما انا فلا ازيد على ان احثو على رأسي ثلاث حثيات. فإذا انى قد طهرت " (5)


(1) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 1 في الصحيفة 246. (2) سورة الآنفال. الآية 12. (3) سورة المائدة. الآية 10. (4) هذا من حديث رواه احمد في مسنده ج 5 ص 146. وابو داود في السنن ج 1 ص 91، وروى الترمذي في جامعه ج 1 ص 193 القطعة الاخيرة منه المتعلقة بالتيمم والغسل. وروى ابن العربي في شرحه على جامع الترمذي الحديث بتمامه. ورواه ايضا البيهقى في السنن ج 1 ص 179. والحديث 12 من الباب - 14 - من ابواب الجناية من الوسائل يوافق ما رواه هؤلاء إلا انه خال من الذيل المذكور. (5) هذا الحديث رواه الشوكاني في نيل الاوطار عن احمد ج 1 ص 215 هكذا. " اما انا فاخثى على رأسي ثلاث حثيات ثم افيض فإذا انا قد طهرت " ثم قال: وقال الحافظ قوله: " فإذا انا قد طهرت " الا اصل له من حديث صحيح ولا ضعيف. ولكنه وقع من حديث ام سلمة، قال لها: " انما يكفيك ان تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فإذا انت قد طهرت " واصله في صحيح مسلم. انتهى ما في نيل الاوطار. وروى البخاري في صحيحة ج 1 (باب من افاض على رأسه ثلاثا) قوله صلى الله عليه وآله: " اما انا فافيض على رأسي ثلاثا " واشار بيديه كلتيهما. وهكذا رواه مسلم في صحيحه ج 1 ص 136 والنسائي في السنن ج 1 ص 49. وابن ماحة في السنن ج 1 ص 293.

[ 347 ]

واجيب عن ذلك، اما عن اول دليلي المرتضى (رضى الله عنه) فبانه محض قياس لا يعمل به. إذ استهلاك النجاسة الذي دل النص عليه إنما هو بعد البلوغ، فالحق استهلاك النجاسة الواقعة قبل البلوغ بذلك قياس محض. على ان الفارق موجود، وهو ان الماء بعد البلوغ له قوة في قهر النجاسة إذا وردت عليه بخلافه قبل. لانقهاره بالنجاسة فلا يصير قاهرا لها. واما عن ثانيهما فبأن الحكم بالطهارة في صورة دعوى الاجماع إنما هو بناء على اصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة. والنجاسة هنا غير معلومة، لاحتمال تأخرها عن البلوغ، إذ عدم العلم بتقدم الوقوع وتأخره يقتضي الشك في التقدم الذي هو سبب النجاسة، فلا جرم تكون النجاسة مشكوكا فيها. واما عن ادلة ابن ادريس فبما ذكره المحقق في المعتبر، حيث قال ونعم ما قال وتنازعني نفسي إلا ان اذكره بتمامه، فانه جيد رشيق، وبالاثبات وان طال به زمان الكلام حقيق واي حقيق، قال (قدس سره) بعد نقل الادلة المذكورة: " فالجواب دفع الخبر، فانا لم نروه مسندا، والذي رواه مرسلا المرتضى (رضى الله عنه) والشيخ أبو جعفر (رحمه الله) وآحاد ممن جاء بعده. والخبر المرسل لا يعمل به. وكتب الحديث عن الائمة (عليهم السلام) خالية منه اصلا. واما المخالفون فلم اعرف به عاملا سوى ما يحكى عن ابن حي. وهو زيدي منقطع المذهب وما رأيت اعجب ممن يدعي اجماع المخالف والمؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا، فاذن الرواية ساقطة. واما اصحابنا فرووا عن الائمة (عليهم السلام) " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وهذا صريح في ان بلوغه كرا هو المانع لتأثرة بالنجاسة. ولا


= وابو داود في السنن ج 1 ص 62، وابن حجر في مجمع الزرائد ج 1 ص 271، ورواه ايضا ابن ماجه في السنن ج 1 ص 203 هكذا " اما انا فاحشوا على رأسي ثلاثا ". (1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.

[ 348 ]

يلزم من كونه لا ينجسه شئ بعد البلوغ رفع ما كان ثابتا فيه ومنجسا قبله. والشيخ (رحمه الله) قال بقولهم (عليهم السلام) ونحن قد طالعنا كتب الاخبار المنسوبة إليهم فلم نر هذا اللفظ، وانما رأينا ما ذكرناه، وهو قول الصادق (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) ولعل غلط من غلط في هذه المسألة لتوهمه ان معنى اللفظين واحد. واما الآيات والخبر البواقي فالاستدلال بها ضعيف لا يفتقر إلى جواب، لاننا لا ننازع في استعمال الطاهر المطلق، بل بحثنا في هذا النجس إذا بلغ كرا يطهر، فان ثبتت طهارته تناولته الاحاديث الآمرة بالاغتسال وغيره. وان لم تثبت طهارته فالاجماع على المنع منه، فلا تعلق له اذن فيما ذكره. وهل يستجيز محصل ان يقول النبي (صلى الله عليه وآله): " احثو على رأسي ثلاث حثيات مما يجتمع من غسالة البول والدم وميلغة الكلب " واحتج ايضا لذلك بالاجماع، وهو اضعف من الاول لانا لم نقف على هذا في شئ من كتب الاصحاب، ولو وجد كان نادرا، بل ذكره المرتضى (رحمه الله) في مسائل منفردة وبعده اثنان أو ثلاثة ممن تابعه. ودعوى مثل هذا اجماعا غلط، إذ لسنا بدعوى المائة نعلم دخول الامام فيهم، فكيف بدعوى الثلاثة والاربعة " انتهى كلامه (زيد مقامه) ومن المستطرف قوله: " وهل يستجيز محلصل.. الخ ". الفصل الرابع في حكم البئر، وفيه مباحث: (البحث الاول) قد عرف شيخنا الشهيد في شرح الارشاد البئر بانها مجمع ماء نابع من الارض لا يتعداها غالبا ولا يخرج عن مسماها عرفا. واعترضه المحقق


(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.

[ 349 ]

الشيخ علي بان القيد الاخير موجب لاجمال التعريف، لان العرف الواقع في العبارة لا يظهر اي عرف هو ؟ أهو عرف زمانه ام عرف غيره ؟ وعلى الثاني فيراد العام أو الاعم منه ومن الخاص ؟ مع انه يشكل ارادة عرف غيره (صلى الله عليه وآله) وإلا لزم تغير الحكم بتغير التسمية، فيثبت في العين حكم البئر لو سميت باسمه. وبطلانه ظاهر والذي يقتضيه النظر ان ما يثبت اطلاق البئر عليه في زمنه (صلى الله عليه وآله) أو زمن أحد الائمة المعصومين (عليهم السلام) كالتي في العراق والحجاز فثبوت الاحكام له واضح، وموقع فيه الشك فالاصل عدم تعلق أحكام البئر به، وان كان العمل بالاحتياط اولى. انتهى. واجاب السيد السند في المدارك بانه قد ثبت في الاصول ان الواجب حمل الخطاب على الحقيقة الشرعية ان ثبتت، وإلا فعلى عرف زمانهم (عليهم السلام) خاصة ان علم، وإلا فعلى الحقيقة اللغوية ان ثبتت، وإلا فعلى العرف العام. إذ الاصل عدم تقدم وضع سابق عليه وعدم النقل عنه. ولما لم يثبت في هذا المسألة شئ من الحقائق الثلاث المتقدمة، وجب الحمل على الحقيقة العرفية العامة في غير ما علم اطلاق ذلك اللفظ عليه في عرفهم (عليهم السلام) ومنه يعلم عدم تعلق الاحكام بالآبار الغير النابعة كما في بلاد الشام، والجارية تحت الارض كما في المشهد الغروي على ساكنه السلام، وعدم تغير الحكم بتغير التسمية. انتهى. وفيه ما عرفته في المقدمة الثامنة (1) من عدم الدليل على هذا التفصيل الذي ذكره والقاعدة التي بنوا عليها، مع ان ما ذكره من ان مع عدم ثبوت شئ من الحقائق الثلاث يجب الحمل على العرف العام مما لا دليل عليه ايضا. والتمسك باصالة عدم تقدم وضع سابق عليه وعدم النقل بمحل من الضعف. على انه لا يخفى ما في بناء الاحكام على العرف العام من العسر والحرج المنفيين بالاية والوراية كما قدمناه ثمة (2).


(1) و (2) في الصحيفة 121.

[ 350 ]

اقول: والتحقيق ان القدر المعلوم من الاخبار وكلام الاصحاب هو ان ما علم تسميته بئرا في زمنهم (عليهم السلام) فلا ريب في اجراء احكام البئر عليه. وما لم يعلم فانه لابد فيه من النبع، كما دل عليه بعض صحاح الاخبار من ان له مادة. يعني الينبوع الذي يخرج منه الماء بقوة. فعلى هذا لو كان مما يخرج رشحا فانه يكون من قبيل الماء المحقون في بلوغ الكرية وعدمه، وقيل انه يسمى بالثمد. كما تقدمت الاشارة إليه في اول الباب. ولابد فيها ايضا من التسمية بئرا. لان الاحكام في الاخبار إنما علقت على صدق هذا العنوان. وبذلك يظهر صحة ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) والله العالم. (البحث الثاني) اختلق الاصحاب (رضوان الله عليهم) في نجاسة البئر بالملاقاة وعدمها بعد الاتفاق على نجاستها بالتغير، على اقوال: اشهرها على ما نقله جمع من المتأخرين القول بالنجاسة. وقيل بالطهارة واستحباب النزح، ونقل عن الحسن بن ابي عقيل، ونسب ايضا إلى الشيخ (1) في بعض اقواله، واسنده جمع ايضا إلى شيخه الحسين بن عبد الله الغضائري، واليه ذهب العلامة في اكثر كتبه وشيخه مفيد الدين بن جهم. وقيل بالطهارة مع وجوب النزح، ذهب إليه العلامة في المنتهى. ونقل ايضا عن الشيخ في التهذيب. وفيه اشكال، فان كلام التهذيب هنا لا يخلو من تشويش واضطراب، ولهذا نسب إليه بعضهم القول بالنجاسة. وفصل بعض ببلوغ الكر وعدمه، فينجس على الثاني دون الاول ونسب إلى الشيخ ابي محمد الحسن بن محمد البصروي من المتقدمين. والزم بعضهم (2) العلامة بذلك، حيث انه


(1) انكر بعضهم نسبة هذا القول إلى الشيخ (ره) لعدم وجوده في كتبه المعروفة اللهم إلا ان يكون في بعض اجوبة المسائل المنسوبة إليه (منه رحمه الله). (2) هو السيد السند في المدارك (منه رحمه الله).

[ 351 ]

قائل باشتراط الكرية في الجاري، والبئر من انواعه. وانت خبير بما فيه (1) وانه لو ترتب حكم البئر على الجاري لورد الالزام على القول المشهور ايضا كما لا يخفى. ونقل الشهيد في الذكرى عن الجعفي انه يعتبر فيه ذراعين في الابعاد الثلاثة حتى لا ينجس. وقد تلخص من ذلك ان الاقوال في المسألة خمسة. والظاهر من الاخبار هو القول بالطهارة واستحباب النزح. ولنا عليه وجوه من الادلة: (أحدها) اصالة الطهارة عموما وخصوصا. و (ثانيها) عموم الايات كقوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (2) ونحوها. والماء كله من السماء بنص القرآن والاخبار كما تقدم بيانه في صدر الفصل الاول (3) فيجب الحكم بطهارته حتى يقوم دليل النجاسة. و (ثالثها) الاخبار الصريحة الصحيحة كما سيأتيك ذكرها. و (رابعها) اختلاف الاخبار في مقادير النزح في النجاسة الواحدة، مع صحتها وصراحتها على وجه لا يقبل الحمل ولا الترجيح كما سيأتيك ان شاء الله تعالى والعمل ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجح، فيلزم اطراحها رأسا، للزوم التناقض وانسداد باب الحمل والترجيح.


(1) للاتفاق على عدم نجاسة الجارى بالملاقاة، والبئر بعض افراد الجارى ايضا، وحينئذ فالوجه ان يقال: ان البئر قد خرجت من أحكام الجارى وان كانت بعض افراده واختصت باحكام على حدة، ولهذا افردت بالبحث في الكتب الفقهية، فلا ملازمة بينهما (منه قدس سره). (2) سورة الفرقان. الآية 51. (3) في الصحيفة 173 السطر 3.

[ 352 ]

و (خامسها) رجحان اخبار الطهارة لو ثبت التعارض بموافقة القرآن كما عرفت (1)، ومخالفة العامة، فان جمهورهم كما نقله العلامة في المنتهى على القول بالنجاسة، ونقل بعض افاضل المحدثين ان علماء الحنفية الذين هو العمدة عند سلاطين العامة قديما وحديثا كما تشهد به كتب التواريخ والسير بالغوا في الحكم بانفعال البئر بملاقاة النجاسة، وزادوا على كثير من المقدرات الواردة في صحاح اخبارنا (2)


(1) من الوجه الثاني المتقدم في (2) قال الشيخ الاسلام في الهداية ج 1 ص 11: " إذا وقعت في البئر نجاسة نزحت ونزح جميع ما فيها من الماء طهارة لها باجماع السلف. ومسائل الآبار مبنية على الآثار دون القياس. ولا يفسد ماء البئر خرء الحمام والعصفور والبعرة والبعرتان من الابل والغنم، وينزح ماء البئر كله لبول الشاة عند ابى حنيفة وابى يوسف وينزح ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين لموت الفأرة والعصفور والصعوة وسام ابرص. وينزح ما بين اربعين دلوا إلى ستين لموت الحمامة والدجاجة والسنور. وينزح جميع ما فيها من الماء لموت الشاة والكلب والآدمي. وينزح جميع ما فيها لموت الحيوان إذا انتفخ أو تفسخ سواء كان الحيوان كبيرا أو صغيرا " انتهى. وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 74 الخنزير ينجس البئر وان خرج حيا، لانه نجس العين. والكلب لا ينجس البئر بوقوعه فيه. والمروي عن ابى حنيفة في الكلب والسنور إذا وقعا في الماء القليل ثم خرجا يعجن به. والآدمي إذا لم تكن على بدنه نجاسة حقيقة ولا حكمية وقد استنجى فلا ينزح شئ. والمروى عن ابى حنيفة ينزح عشرون دلوا. وإذا كانت عليه نجاسة حقيقة أو لم يكن مستنجيا ينزح جميع الماء. وإذا كانت على بدنه نجاسة حكمية بان كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء فمن لم يجعل هذا الماء. مستعملا أو جعله مستعملا وانه طاهر وكان غير المستعمل اكثر من المستعمل لا ينزح من البئر شئ، ومن يجعله مستعملا وانه نجس ينزح البئر كله، وفصل أبو حنيفة في الآمى الواقع في البئر، ان كان محدثا ينزح اربعون، وان كان جنبا ينزح كله، وان كان كافرا نزح كله الا إذا تيقنت طهارته بان اغتسل ووقع من ساعته فلا ينزح شئ. وفى ص 75 عند ابى حنيفة ينزح للابل والبقر عشرون دلوا وعند ابى يوسف ينزح كله. والمروى عن ابى حنيفة في الحلمة ونحوها عشرة دلاء والفأرة ونحوها =

[ 353 ]

وحينئذ فتيعين حمل ما ثبت دلالته على النجاسة على التقية. و (سادسها) انه مع العمل باخبار الطهارة يمكن حمل اخبار النجاسة على التقية أو الاستحباب. واما مع العمل باخبار النجاسة فلا محمل لاخبار الطهارة، مع صحتها وصراحتها واستفاضتها كما ستطلع عليه، بل يلزم طرحها، والعمل بالدليلين مهما امكن اولى من طرح أحدهما كما قرره في غير موضع، بل هو من القواعد المسلمة بينهم. إذا عرفت ذلك فمن الاخبار الدالة على ما اخترناه صحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا ان يتغير ". وصحيحته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه. فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه. لان له مادة " ولا يخفى ما هما عليه من الصراحة بعد صحة السند. وبيان ذلك من وجوه: (احدها) وصفه بالسعة المفسرة بعدم افساد شئ له إلا في مادة التغير خاصة. والافساد وان كان كناية عن عدم جواز استعماله، وهو كاف في المطلوب، إلا


= عشرون، والحمام ونحوه ثلاثون، والدجاج ونحوه اربعون، والآدمي ونحوه البئر كله. وإذا تعدد الحيوان الواقع في البئر، فالى الاربع ينزح عشرون، ومن الخمس إلى التسع ينزح اربعون، وللعشرة ينزح كله. وعند محمد في الفأرتين ينزح عشرون، وفى الثلاث اربعون. وفى ص 76 في البول والدم والخمر ينزح كله، والعذرة وخر. الدجاج الرخو ينزح كله قليلا أو كثيرا رطبا أو يابسا. واما الصلب كبعر الابل والغنم، في القياس - ينجس الماء قل أو كثر، وفى الاستحسان - القليل لا ينجس والكثير ينجس، سواء كان رطبا أو يابسا منكسرا أو صحيحا. والصحصح ان الكثير ما استكثره الناظر. وفى ص 77 إذا ماتت فأرة في حب فيه ماء وصب الماء في بئر. فعند ابى يوسف ينزح المصبوب وعشرون دلوا، وعند محمد ان كان المصبوب عشرين دلوا نزح هذا المقدار وان كان اقل نزح عشرون. انتهى. (1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 14 - من ابواب الماء المطلق.

[ 354 ]

ان الظاهر ان المراد به هنا النجاسة بقرائن المقام التي من جملتها الاستثناء. و (ثانيها) التعليل بكون البئر له مادة. و (ثالثها) الحصر في التغير. و (رابعها) الدلالة على الاكتفاء في طهارته مع التغير بنزح ما يزيله، اعم من أن يزيد مقدر تلك النجاسة على ذلك أو مما يجب له نزح الجميع. ولولا انه طاهر لوجب استيفاء المقدر ونزح الجميع في الموضعين. و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذره رطبة أو يابسة أو زنبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها ؟ قال: لا بأس ". وما اجيب به عنه من حمل العذرة على عذرة غير الانسان، وان وصول الزنبيل إلى الماء لا يستلزم وصول العذرة. وان المراد نفي البأس بعد نزح المقدار لا يخفى ما فيه من التكلف والبعد. (اما الاول) فلان العذرة على ما صرح به بعض الاصحاب، ونقله عن أهل اللغة مخصوصة بغائط الانسان، ومع تسليم عدم الاختصاص فالاظهر ارادته هنا بقرينة المقابلة بذكر السرقين بعدها. و (اما الثاني) فانه بعيد، بل يستحيل بحسب العادة وقوع الزنبيل في الماء وعدم اتصال الماء بما فيه، بل لا معنى للسؤال عند التأمل بالكلية، لان الظاهر ان مراد السائل إنما هو السؤال عن وصول العذرة أو السرقين إلى الماء، وانه هل ينجس بذلك أم لا ؟ لا وصول الزنبيل خاصة مع عدم تعدي ما فيه إلى الماء. فانه في قوة السؤال عن وصول زنبيل خال كما لا يخفى. و (اما الثالث) فهو من قبيل الالغاز المنافي للحكمة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق.

[ 355 ]

و (منها) صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول: لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا ان ينتن، فان انتن غسل الثوب واعاد الصلاة ونزحت البئر " وما اجاب به عنه في المعتبر فضعيف غير معتبر، فلا ينبغي ان يصغى إليه ولا يعرج عليه. و (منها) صحيحته الاخرى عن الصادق (عليه السلام) (2) في الفأرة تقع في البئر فيتوضأ الرجل منها ويصلي وهو لا يعلم، أيعيد الصلاة ويغسل ثوبه ؟ فقال: لا يعيد الصلاة ولا يغسل ثوبه " والجواب باحتمال حمل عدم الاعادة وعدم غسل الثوب على عدم العلم بتقدم النجاسة، لاحتمال وقوعها بعد منظور فيه بعطف " يتوضأ الرجل " على قوله: " تقع " بالفاء الدالة على تأخر الوضوء عن الوقوع، وان كان إنما حصل العلم بالوقوع اخيرا. وهو ظاهر. و (منها) صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) " في البئر تقع فيها الميتة ؟ فقال: ان كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا " والجواب عنها بانه لا دلالة لها على انه إذا لم يكن لها ريح لم ينزح شئ لا يخفى ضعفه (4) فانه لو لم يكن المراد ذلك لكان حكم المفهوم مسكوتا عنه بالكلية، وكيف قنع السائل بفهم حكم المنطوق خاصة ولم يفحص عن حكم المفهوم مع انه أحد سقي السؤال ؟ ويكف رضي الامام (عليه السلام) بعدم افادته ذلك مع غفلة السائل عنه ودعاء الحاجة إليه.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الماء المطلق. (4) فان مقتضى مفهوم الشرط هنا انه إذا لم يكن لها ريح لم ينزح لها العشرون، وهو اعم من أن لا ينزح لها شئ بالمرة أو ينزح لها اقل، وذلك الاقل غير متيقن (منه رحمه الله).

[ 356 ]

و (منها) موثقة ابان بن عثمان أو صحيحته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سل عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلا بعد ما يتوضأ منها، أيعاد الوضوء ؟ فقال: لا " والاحتمال المتقدم في صحيحة معاوية بن عمار الاخيرة هنا ممكن. و (منها) موثقة ابي اسامة وابي يوسف يعقوب بن عثيم عن ابي عبد الله (عليه السلام ((2) قال: " إذا وقع في البئر الطير والدجاجة والفأرة فانزح منها سبع دلاء. قلنا: فما تقول في صلاتنا ووضوئنا وما أصاب ثيابنا ؟ فقال: لا بأس به " والاحتمال المذكور آنفا هنا بعيد عن ظاهر اللفظ، إذ لا تصريح في الرواية بعدم العلم بالنجاسة حال الوضوء. وإنما الظاهر من سياق الخبر انه لما اخبر (عليه السلام) بنزح هذا المقدار لموت هذه الاشياء المذكورة، سألوا عن الوضوء والصلاة ونحوهما قبل نزح المقدر. فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس. ومنها موثقة ابي بصير (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): بئر يستقى منها ويتوضأ به وغسل منه الثياب وعجن به ثم علم انه كان فيها ميت ؟ قال: لا بأس ولا يغسل الثوب ولا تعاد منه الصلاة " وجريان الاحتمال المتقدم هنا أبعد. و (منها) رواية محمد بن ابي القاسم عن ابي الحسن (عليه السلام) (4): " في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة اذرع أو أقل أو اكثر يتوضأ منها ؟ قال: ليس يكر من قرب ولا من بعد، يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء " (5).


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (4) المروية في الوسائل في الباب - 14 و 24 - من ابواب الماء المطلق. واسم الرواي في كتب الحديث والرجال (محمد بن القاسم). (5) قال بعض فضلاء متأخرين: " انه لا دلالة في هذا الخبر على نجاسة البئر بالملاقاة، لجواز ان يكون جعله (عليه السلام) مناط النجاسة التغير، بناء على ان المتعارف انه لا يحصل العلم بوصول ماء البالوعة إلى البئر ما لم يتغير " اقول: يمكن في الاستدلال دلالة الرواية باطلاقها على جواز الوضوء والغسل منها ما لم تتغير، اعم من ان يكون التغير =

[ 357 ]

و (منها) ما رواه في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: " كانت في المدينة بئر وسط مزبلة، فكانت الريح تهب فتلقي فيها القذر، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يتوضأ منها " وهو ظاهر الدلالة. إلى غير ذلك من الاخبار الدالة بظاهرها على ذلك. احتج القائلون بالنجاسة بوجوه: (احدها) الاخبار، ومنها صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (2) قال: " كتبت إلى رجل اسأله ان يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة ؟ فوقع (عليه السلام) بخطه في كتابي: ينزح منها دلاء ". وصحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن البئر تقع فيها الحمامة والدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرة. فقال: يجزيك ان تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها ان شاء الله تعالى ". وصحيحة عبد الله بن ابي يعفور وعنبسة بن مصعب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا أتيت البئر وانت جنب، ولا تجد دلوا ولا شيئا تغرف به


= مستندا إلى الكنيف أو غيره، وتقييد التغير بالاستناد إلى الكنيف بقرينة السؤال فيه انهم كثيرا ما يجيبون بالعموم في امثال ذلك، كما لا يخفى على من مارس الاخبار وجاس خلال تلك الديار (منه قدس سره). (1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) وفى الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (2) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق (3) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق.

[ 358 ]

فتيمم بالصعيد، فان رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم " فان الافساد كناية عن النجاسة كما اعترفوا به في أخبار الطهارة. والتيمم لا يسوغ مع وجود الماء الطاهر. وحسنة زرارة ومحمد بن مسلم وابي بصير (1) قالوا: " قلنا له: بئر يتوضأ منها يجري البول قريبا منها. اينجسها ؟ قالوا: فقال: ان كانت البئر في أعلى الوادي والوادي يجري فيه البول من تحتها وكان بينهما قدر ثلاثة اذرع أو اربعة اذرع لم ينجس ذلك شئ وان كان اقل من ذلك نجسها، وان كانت البئر في أسفل الوادي ويمر الماء عليها وكان بين البئر وبينه تسعة اذرع لم ينجسها، وما كان أقل من ذلك فلا يتوضأ منه ". و (ثانيها) انه لو كان طاهرا بعد ملاقاة النجاسة لما ساغ التيمم، لكن التالي باطل فالمقدم مثله. اما الملازمة فظاهرة (2) واما بطلان التالي فلما مر في صحيحة ابن ابي يعفور. ولانه لو لم يجز التيمم للزم، اما جواز استعمال الماء قبل النزح. وهو خلاف مدلول الاخبار المستفيضة، أو ترك الصلاة. وهو خلاف الاجماع. و (ثالثها) استفاضة الاخبار بالامر بالنزح للنجاسات. وعمل الطائفة بها قديما وحديثا. والجواب عن هذه الادلة، اما عن الاخبار (فاولا) بالاجمال بما عرفت آنفا (3) من ان اخبار الطهارة معتضدة بموافقة الاصل وظاهر القرآن ومخالفة العامة. وقد عرفت في المقدمة السادسة (4) ان الاخيرين من المرجحات المنصوصة في مقام


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. (2) لان جواز التيمم مشروط بفقدان الماء الطاهر (منه رحمه الله). (3) في الصحيفة 352. (4) في الصحيفة 109.

[ 359 ]

التعارض، وانه مع العمل باخبار النجاسة فلا محمل لاخبار الطهارة بخلاف العكس، فيتعين العمل باخبار الطهارة والتأويل في اخبار النجاسة. و (ثانيا) بالتفصيل، فاما الخبر الاول فالظاهر حمل الطهارة فيه على المعنى اللغوي، والحل بمعنى تساوي الطرفين، فانه قبل ازالة المقدر مكروه، فإذا نزح ابيح استعماله بلا كراهة. ويؤيد ذلك انه في الكافي بعد نقل هذه الرواية اردفها بما قدمنا نقله في اخبار الطهارة (1) بالسند المذكور، فقال: وبهذا الاسناد قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير " فرواية الراوي بعينه لهذين الحكمين ما يبعد اختلاف الحكمين فيهما، وإلا لفحص وسأل عن ذلك، سيما مع صراحة الرواية الثانية في الطهارة. ويعضد ذلك ان الراوي بعينه قد روى ما يدل على الطهارة بوجه اصرح، كما تقدم من روايته الاخرى، فيتعين التأويل في هذه الرواية جمعا بينهما. على ان ما يتمسك به الخصم من اللفظين المذكورين إنما هو في كلام السائل. وهو ليس حجة. ودعوى الاستدلال بتقرير الامام (عليه السلام) وإلا لزم الاغراء بالجهل لا تخلو من مناقشة (2). ومثل ذلك في الخبر الثاني، ويؤيده انه قال: " يجزيك ان تنزح منها دلاء " وهو جمع اقله الثلاثة، مع ان من جملة تلك النجاسات الكلب والهرة. والفتوى عندهم في ذلك باربعين دلوا. واما الخبر الثالث فيجاب عنه بان الافساد اعم من النجاسة، فلعله هنا باعتبار تغير الماء واختلاطه بالحمأة والطين. وما يقال من ان الافساد في اخبار الطهارة في صحيحة ابن بزيع (2) قد حملتموه على عدم الانتفاع بالكلية بل على النجاسة، فكذا


(1) في الصحيفة 353. (2) فانه كثيرا ما يسكت (عليه السلام) عن خطأ السائل ويجيبه بما هو الواقع (منه رحمه الله).

[ 360 ]

ينبغي هنا فجوابه ان وجه الفرق بين المقامين ظاهر، فان القرائن على ما هو المراد ثمة قائمة كما عرفت، بخلاف ما هنا. ولان الافساد ثمة نكرة وقع في سياق النفي فيعم (1). واما الامر بالتيمم في هذه الرواية فيمكن أن يكون هذا من جملة الاعذار المسوغة للتيمم، فان اعذاره لا تنحصر في عدم وجود الماء، بل من جملتها ما يؤدي إلى مشقة استعماله أو تحصيله أو تضرر الغير باستعماله. وهذه الوجوه كلمه ممكنة الاحتمال في المقام ولعل الاخير اقرب. لقوله: " فتفسد على القوم ماءهم " فان الاضافة تؤذن باختصاص البئر بالغير. ولعله إنما كان يبيح منها الاغتراف دون النزول فيها. ومما يدل على مشروعية التيمم في مثل ذلك رواية الحسين بن ابي العلاء (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو. قال: ليس عليه ان ينزل الركية، ان رب الماء هو رب الارض، فليتمم " حيث جوز التيمم للرجل مع انه ليس في الخبر انه جنب أو نجس بالكلية. ومن ذلك يعلم الجواب عن الدليل الثاني. واما الخبر الرابع فالجواب عنه (اولا) ان القائلين بالتنجيس متفقون على عدم حصول التنجيس بمجرد التقارب بين البئر والبالوعة ولو كان كثيرا، فلابد من تأويل هذا الخبر عندهم. و (ثانيا) انه يقصر عن معارضة الاخبار المتقدمة المعتضدة بالاصل ومطابقة ظاهر القرآن ومخالفة جمهور العامة كما عرفت، فيتعين التأويل فيه بحمل النجاسة على مجرد


(1) فيتناول الافساد بالنجاسة ان لم يكن مرادا بخصوصه بقرينة المقام، وعلى التقديرين يكون معينا بدون التغير، وهو المدعى. واما النهى عنه في هذا الخبر فانما يصلح دليلا لو كان المقتضى للافساد حينئذ منحصرا في النجاسة. ولا انحصار بعد ما ذكرنا من الوجوه المحتملة في المقام (منه رحمه الله). (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب التيمم. (45)

[ 361 ]

الاستقذار، والنهي عن التوضؤ على الكراهة جمعا. و (ثالثا) ان المفهوم من سوق الخبر المذكور فرض الحكم في محل يتكثر ورود النجاسة على البئر ويظن نفوذها فيه، وما هذا شأنه لا يبعد افضاؤه مع القرب إلى تغير الماء خصوصا مع طول الزمان. ويؤيد ذلك تتمة الخبر المذكور، حيث قال زرارة: " فقلت له: فان كان مجرى البول بلزقها وكان لا يلبث على الارض ؟ فقال: ما لم يكن له قرار فليس به بأس وان استقر منه قليل، فانه لا يثقب الارض ولا يغوله حتى يبلغ البر. وليس على البئر منه بأس، فتوضأ منه، إنما ذلك إذا استنقع كله " وحينئذ فلعل الحكم بالتنجيس ناظر إلى شهادة القرائن بان تكرر جريان البول في مثله يفضي إلى حصول تغير. أو يقال ان كثرة ورود النجاسة على المحل مع القرب يثمر ظن الوصول إلى الماء. بل ربما حصل العلم بقرينة الحال. واما الدليل الثالث فجوابه ان الامر بذلك أعم من أن يكون للنجاسة أو لغيرها من الاسباب التي ذكرها القائل بالاستحباب. وهي زوال النفرة وطيب الماء. ويختلف ذلك باختلاف الآبار غزارة ونزارة وسعة وضيقا، ولعله السر في اختلاف الاخبار في المقدرات في النجاسة الواحدة. واما القول بالتفصيل باشتراط الكرية وعدمه، فاستدل له بعموم ما دل من الاخبار على اشتراط الكرية في عدم الانفعال. وبراوية الحسن بن صالح الثوري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ ". ويدل عليه ايضا ما في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام):


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. (2) في الصحيفة 5.

[ 362 ]

" وكل بئر عمق مائها ثلاثة اشبار ونصف في مثلها، فسبيلها سبيل الجاري إلا أن يتغير لونها أو طعهما أو رائحتها " انتهى. ويمكن ايضا الاستدلال عليه بموثقة ابي بصير (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة. قال: لا بأس به إذا كان فيها ماء كثير ". والجواب عن الاول بتخصيص العموم بما قدمنا من الاخبار (2). وعن الروايات المذكورة بضعف السند (اولا) فلا تنهض بمعارضة ما قدمناه من الاخبار، سيما صحيحة محمد بن اسماعيل المتقدمة في صدر أخبار الطهارة (3) الدالة باوضح دلالة على عدم النجاسة مطلقا سيما لمكان المادة. و (ثانيا) بالحمل على ان اشتراط الكرية لعله لعدم الاحتياج إلى النزح بالكلية. كما يشعر به قوله في كتاب الفقه الرضوي: " فسبيلها سبيل الجاري " واما إذا نقصت عن كر احتاجت إلى النزح وان كان استحبابا. ولفظ النجاسة في رواية الثوري محمول على المعنى اللغوي. واما القول بالطهارة ووجوب النزح، فوجهه بالنسبة إلى الجزء الاول ما قدمنا (4) وبالنسبة إلى الثاني الاوامر الدالة على النزح، والامر حقيقة في الوجوب. والجواب عن الثاني بوجوب النزح مع شدة هذا الاختلاف في الاخبار


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة. ولم نجد موثقة لابي بصير بهذا المتن في كتب الحديث. وإنما الموجود فيها نسبة هذا المتن إلى عمار ولعل ذلك من اشتباه النساخ. وقد رواها صاحب الوسائل في الباب - 14 و 20 - من ابواب الماء المطلق. (2) و (3) و (4) في الصحيفة 353.

[ 363 ]

في تقديره بالنسبة إلى النجاسة الواحدة مما لا يكاد يقبله الذوق السليم، وحينئذ فيجب حمل الامر على الاستحباب كما قدمنا. ويؤيد ذلك ايضا الامر بالنزح مع الاتفاق على عدم النجاسة في جملة من الموارد. واما ما نقل عن الجعفي (1) فلم نعثر له على دليل. (البحث الثالث) اعلم انه حيث كان القول الراجح عندنا من تلك الاقوال هو القول بالطهارة واستحباب النزح كما اوضحناه، اغمضنا النظر عن الاشتغال بالبحث عن بيان المقدرات لكل من النجاسات وما وقع فيها من الاختلافات، لعدم مزيد فائدة في البحث عن ذلك. واعتمادا على ما ذكره اصحابنا (شكر الله سعيهم) فيما هنالك ومسارعة إلى الاشتغال بما هو أهم وفي النفع والافادة اتم. لكنا نقتصر هنا على نقل انموذج من تلك الاختلافات الواقعة في الاخبار في جملة من المقدرات مع وحدة النجاسة. (فمنها) الفأرة، ففي صحيح زيد الشحام (2) " ما لم تتفسخ يكفيك خمس دلاء " وفي رواية ابي بصير (3) " سبع دلاء " ومثله في رواية عمرو بن سعيد بن هلال (4) ورواية علي بن ابي حمزة (5) ورواية سماعة (6) وفي صحيح علي بن يقطين (7) " يجزيك ان تنزح منها دلاء " وكذا في صحيح الفضلاء (8) ورواية الفضل البقباق (9) وفى صحيح


(1) وهو اعتبار ذراعين في الابعاد الثلاثة حتى لا ينجس. (2) و (3) و (7) و (8) و (9) المروي في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 18 و 19 - من ابواب الماء المطلق. ولم يصرح في كتب الحديث بكون الراوى ابن ابى حمزه، ولكنه استظهر ذلك كما سيأتي في الكلب والسنور. (6) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 18 - من ابواب الماء المطلق.

[ 364 ]

معاوية بن عمار (1) " ثلاث دلاء " وفى رواية ابي خديجة (2) " اربعون دلوا " وفى موثقة عمار الساباطي (3) " تنزح كلها ". و (منها) الكلب، ففي صحيح الشحام المتقدم (4) " خمس دلاء " وفي رواية ابي بصير الآنفة (5) ايضا " سبع دلاء " وفي رواية ابي مريم (6) " نزح الجميع " وكذا في موثقة عمار (7) وفي صحيح علي بن يقطين المتقدم (8) ايضا " دلاء " وكذا في صحيح الفضلاء المتقدم (9) وكذا في رواية الفضل البقباق (10) وفي رواية علي (11) والظاهر انه ابن ابي حمزة " عشرون أو ثلاثون أو اربعون ". و (منها) بول الصبي، ففي رواية علي بن ابي حمزة (12) " دلو واحد " وفي رواية منصور بن حازم عن عدة من اصحابنا (13) " سبع دلاء " وفي صحيح معاوية ابن عمار (14) " كله " مع ان غاية ما ينزح لبول الرجل اربعون دلوا، وكذا في موثق عمار الساباطي (15). و (منها) السنور، ففي صحيحة علي بن يقطين (16) " يجزيك ان تنزح منها دلاء " وفى رواية علي (17) والظاهر كونه ابن ابي حمزة " عشرون أو ثلاثون أو اربعون " وفى


(1) و (2) المروى في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الماء المطلق. (3) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 23 - من ابواب الماء المطلق. (4) و (6) و (8) و (9) و (10) و (11) و (16) و (17) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. والنص هكذا " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما يقع في الآبار. فقال: اما الفارة واشباهها فينزح منها سبع دلاء الا ان يتغير، فينزح حتى يطيب. فان سقط فيها كلب فقدرت ان ينزح ماءها فافعل.. الحديث ". (12) و (13) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الماء المطلق. (14) المروى في الوسائل في الباب - 15 و 16 - من ابواب الماء المطلق. (15) لم نجده في كتب الحديث موثقا لعمار يدل على ذلك، ولعل هذا من اشتباه النساخ.

[ 365 ]

موثقة سماعة " ثلاثون أو اربعون " وفي صحيح زيد الشحام المتقدم (2) " خمس دلاء " وفي رواية عمرو بن سعيد المتقدمة (3) " سبع دلاء ". و (منها) الخنزير، ففي صحيح الفضلاء المتقدم (4) " دلاء " وفي موثقة عمار المتقدمة (5) " تنزح البئر كلها " إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار. وقد اضطربت آراء القائلين بالنجاسة في الجمع بينها، وتمييز غثها من سمينها والشيخ (رحمه الله تعالى) في كتابي الاخبار قد جمع بينها بوجوه بعيدة ومحامل غير سديدة. والمتأخرون بناء على الاصطلاح المحدث في تنويع الاخبار إلى الانواع الاربعة هان الخطب عند القائل منهم بالنجاسة في جملة من الموارد برد الاخبار بضعف الاسناد. واما القائلون بالطهارة فقد حملوا الاختلاف الواقع في هذه الاخبار على الاختلاف في افراد الآبار بالغزارة والنزارة، واختلاف النجاسة كثرة وقلة ومكثا وعدمه ونحو ذلك، إلا ان فيه ان الاخبار قد وردت مطلقة، ففي كون الاختلاف لذلك نوع بعد. ولعل الاقرب ان ذلك إنما خرج مخرج التقية، لما قدمنا لك في المقدمة الاولى من تعمدهم (عليهم السلام) المخالفة في الفتاوى وان لم يكن بذلك قائل من المخالفين. واحتمل بعض محققي المحدثين من المتأخرين كون هذا الاختلاف من باب تفويض الخصوصيات لهم (عليهم السلام) لتضمن كثير من الاخبار ان خصوصيات كثير من الاحكام مفوضة إليهم (عليهم السلام) كما كانت مفوضة إليه (صلى الله عليه وآله) ليعلم المسلم لامرهم من غيره، أو من باب الافتاء تارة بما لابد منه في تحقيق القدر المستحب وتارة بما هو الافضل، وتارة بما هو متوسط بينهما.


(1) و (2) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 23 - من ابواب الماء المطلق.

[ 366 ]

(البحث الرابع) لو تغير ماء البئر بالنجاسة فعلى ما اخترناه من عدم انفعالها بالملاقاة، فالظاهر حينئذ وجوب النزح حتى يزول التغير، ويدل عليه قول الرضا (عليه السلام) في صحيح ابن بزيع المتقدم (1) " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة " وفى صحيح الشحام عن الصادق (عليه السلام) (2): " فان تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح " وفي رواية ابي بصير عنه (عليه السلام) (3) " الا ان يتغير الماء، فينزح حتى يطيب " وفي موثقة سماعة (4) " وان انتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء " وفي رواية زرارة (5) " وان غلبت الريح نزحت حتى تطيب " ولا ينافي ذلك ما في صحيحة معاوية بن عمار (6) من قوله (عليه السلام): " ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا ان ينتن، فان انتن غسل الثوب، واعاد الصلاة، ونزحت البئر " ورواية منهال (7) من قوله (عليه السلام): " وان كانت جيفة قد اجيفت فاستق منها مائة دلو، فان غلب عليها الريح بعد مائة دلو فانزحها كلها " ورواية ابي خديجة (8) في الفأرة من قوله (عليه السلام): " وان انتفخت فيه ونتنت نزح الماء كله " لامكان حمل هذه الاخبار على ما لا يزول التغير إلا بنزح الجميع كما يشير إليه الخبر الثاني، ويحتمل في الخبر الاول الحمل على ان اسناد النزح إلى البئر مجاز، وانما المراد ان يذهب به التغير كما تضمنته موثقة سماعة، ويحتمل الحمل الاستحباب ايضا جمعا.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 3 و 14 - من ابواب الماء المطلق. (2) و (3) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق. (6) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (7) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الماء المطلق. (8) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الماء المطلق.

[ 367 ]

هذا. ولم اقف على موافق للصدوق (طاب ثراه) من الاصحاب إلا ما يظهر من كلام المحدث الكاشاني في مفاتيحه ووافيه، حيث قال في الاول بعد الكلام في المسألة ما لفظه: " ويحتمل قويا الجواز، لصدق الماء على ماء الورد، لان الاضافة ليست إلا مجرد اللفظ كماء السماء، دون المعنى كماء الزعفران والحناء والخليط بغيره. مع تأيد الخبر بعمل الصدوق، وضمانه صحة ما رواه في الفقيه، وعدم المعارض الناص " انتهى. وقال في الثاني بعد نقل خبر يونس المتقدم (1) ما لفظه: " وافتى بمضمونه في الفقيه، ونسبه في التهذيبين إلى الشذوذ، ثم حمله على التحسين والتطيب للصلاة دون رفع الحدث، مستدلا بما في الخبر الآتي " إنما هو الماء والصعيد " (2) اقول " هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فان ماء الورد ماء استخرج من الورد " انتهى. وحاصل هذا الكلام يرجع إلى ان الماء المضاف الذي يخرج بالاضافة عن كونه مطلقا إنما هو ما إذا اضيف المطلق إلى جسم من الاجسام على وجه يغيره ويسلبه. الاطلاق واما ما اتخذ من الورد فهو ماء مطلق قد تصاعد حتى تكونت منه تلك الاجسام ثم استخرج منها، فاضافته للورد لفظية كماء السماء وماء البئر ونحوهما وان كان قد اكتسب بسبب ذلك تغيرا في الاوصاف. فان ذلك لا يخرجه عما كان عليه من الاطلاق. وانت خبير بما فيه من الوهن والقصور: (اما اولا) فلانه بمقتضى ذلك لا ينحصر ما ذكره في ماء الورد بخصوصه، بل يجري في ماء العنب والرمان ونحوهما من الثمار التي يعتصر منها من حيث تصاعده إليها بالسقي، بل مثل اوراق الشجر ونحوها كما لا يخفى، فالواجب بمقتضى ما ذكره جواز الوضوء بالماء المتخذ من جميع ذلك. ولا اظنه يقوله.


(1) في الصحيفة 394. (2) وهو خبر ابى بصير المتقدم في الصحيفة 395.

[ 368 ]

فلو كان الحكم فيما له مقدر منصوص اكثر الامرين مع التغير، لامروا به (عليهم السلام) ولو في بعض تلك الاخبار. وانت خبير ايضا بان القول الثاني عند التأمل لا يصح أن يكون قولا على حدة كما سيظهر لك. و (ثالثها) التفصيل بكون النجاسة منصوصة القدر فيجب نزح اكثر الامرين من المقدر وما به يزوال التغير، أو غير منصوصة فيجب نزح الجميع ومع التعذر فالتراوح، ذهب إليه ابن ادريس واختاره في المختلف وقواه في الروض. وحجته في وجوب اكثر الامرين فيما له مقدر ما قد عرفت في القول الثاني. وفيه ما قدمنا ثمة. واما في وجوب نزح الجميع أو التراوح فالظاهر انه من جهة كونه لا نص فيه، وما لا نص فيه مع عدم التغير حكمه كذلك. فمع التغير بطريق أولى. وفيه ان المبني عليه لا نص فيه ايضا، مع ان عموم الاخبار المتقدمة شامل لمثل هذه الصورة المذكورة. لتضمنها النزح بما يزول به التغير اعم من أن تكون النجاسة المغيرة منصوصة المقدر أم لا. و (رابعها) هو الثالث بعينه بالنسبة إلى الشق الاول، والاكتفاء بزوال التغير بالنسبة إلى الشق الثاني. اختاره المحقق الشيخ حسن في المعالم بناء على القول بالانفعال. واستظهره ايضا جملة ممن تأخر عنه. وحجته بالنسبة إلى الشق الاول ما عرفت في حجتي القول الثاني والثالث. وفيها ما ذكرنا ثمة. وبالنسبة إلى الشق الثاني عموم الاخبار المتقدمة (1) الدالة على الطهارة بزوال التغير. ولا معارض لها بالنسبة إلى ما لا مقدر له، فيجب العمل بها. وهو حسن. ولا يخفى عليك ان القول الثاني لا يخرج عن أحد هذين القولين. فعده في المسألة قولا على حدة لا يخفى ما فيه كما اشرنا إليه آنفا.


(1) في الصحيفة 366.

[ 369 ]

و (خامسها) نزح ما يزيل التغير اولا ثم نزح المقدر بعده ان كان لتلك النجاسة مقدر، وألا فالجميع، وان تعذر فالتراوح. وحجة هذا القول بالنسبة إلى الشق الاول اعطاء كل من الاسباب حقه من السببية (1) وبالنسبة إلى الشق الثاني ما عرفت في القول الثالث. ويرد على الحجة الاولى ما قدمنا (2) من الاخبار الدالة على الاكتفاء بزوال التغير مطلقا. ومع تسليم تخصيصها بناء على ما زعموا من الجمع بينها وبين روايات التقدير فيكفي في ذلك الاكتفاء باكثر الامرين كما ذكروا ثمة، فلا موجب حينئذ للتعدد. مع ان الاظهر هو التداخل مع تعدد النجاسات كما هو أحد الاقوال في المسألة. وعلى الحجة الثانية ما عرفته في القول الثالث. و (سادسها) وجوب نزح الجميع، فان تعذر فالتراوح، ونقل عن الصدوقين والمرتضى وسلار. والحجة، اما على وجوب نزح الجميع مع عدم التعذر ما تقدم (3) من رواية ابي خديجة وصحيحة معاوية بن عمار ورواية منهال. واما على التراوح مع التعذر فموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث طويل، قال: " وسئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير. قال: تنزف كلها. ثم قال: فان غلب الماء فلتنزف يوما إلى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين، فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت ".


(1) لان وقوع النجاسة ذات المقدر موجب لنزح المقدر لها. فإذا انضم إليه التغير الموجب لنزح ما يزول به صارا سببين، ولا منافاة بينهما، فيعمل كل منهما عمله، ويقدم مزيل التغير، لكون الجمع بين الامرين لا يتم الا به (منه قدس سره). (2) و (3) في الصحيفة 366. (4) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الماء المطلق.

[ 370 ]

واحتجوا ايضا بانه ماء محكوم بنجاسته فيجب اخراجه اجمع. والجميع منظور فيه، اما الروايات المشار إليها فيجب تأويلها بما عرفت آنفا (1) جمعا بينها وبين ما قدمناه من الاخبار. واما الخبر المذكور فالعمل به فرع وجوب نزح الجميع، متى لم يثبت بطل ما ترتب عليه. على ان مورد الخبر التراوح مع تعذر نزح الجميع لمجرد النجاسة لا للتغير، واحدهما غير الاخر كما عرفت آنفا. واما الحجة الاخيرة فأضعف، لانه بعد ورود النصوص بالطهارة مع زوال التغير لا مجال لايجاب نزح الجميع. و (سابعها) وجوب نزحها أجمع، فان تعذر فيما به يزول التغير. ونقل عن الشيخ في المبسوط. ونقل عن المحقق نسبته إلى المفيد ايضا. وظاهر هذا القول انه في صورة التعذر يكتفى بمزيل التغير، اعم من ان يكون في نجاسة ذات مقدر أم لا، ووجهه بالنسبة إلى نزح الجميع الاخبار الدالة على ذلك، كصحيحة معاوية بن عمار وروايتي ابي خديجة ومنهال المتقدمات (2) بحملها على صورة الامكان. وبالنسبة إلى ما به يزول التغير الاخبار التي قدمناها (3) بحملها على صورة تعذر نزح الجميع. وهذا الجمع بين الاخبار وان كان محتملا إلا ان الظاهر هو رجحان ما قدمنا من المحامل عليه سيما الاول، لدلالة رواية منهال (4) عليه، ولانه مما تجتمع عليه الاخبار من غير ارتكاب تخصيص (5) إلا في اخبار نزح الجميع، فانها مخصوصة بما إذا لم يزل التغير بدونه.


(1) و (2) و (3) و (4) في الصحيفة 366. (5) فان حاصل اخبار الاكتفاء بمزيل التغير حينئذ انه يجب النزح حتى يزول التغير ولو ادى إلى نزح الجميع إذا توقف زوال التغير عليه، فنزح الجميع الذى هو مدلول تلك الاخبار الاخر احد افراد ما دلت عليه الاخبار الاولة، وهو مخصوص بما إذا لم يزل التغير إلا به، وعلى القول المذكور يلزم تخصيصان: احدهما في اخبار الجمع لحملها على الامكان وثانيهما في اخبار مزيل التغير لحملها على عدم امكان نزح الجميع (منه قدس سره).

[ 371 ]

وعلى تقدير هذا القول يلزم التخصيص في أخبار الطرفين، ومهما امكن العمل بالخبر من غير تخصيص بالكلية أو تعدده فهو اولى. و (ثامنها) وجوب نزحها اجمع، فان تعذر بغلبة الماء يعتبر اكثر الامرين واختاره الشهيد في الدروس، واستظهره بعض المتأخرين من كلام المعتبر ايضا. وحجة هذا القول مركبة من الوجوه المتقدمة. وضعفها يعلم من ضعفها. فروع: (الاول) لو زال تغير البئر بغير النزح، فعلى المختار من الطهارة وعدم النجاسة بمجرد الملاقاة لا اشكال في طهارتها بذلك. لمكان المادة. وعلى القول بالنجاسة فهل يجب نزح الجميع، نظرا إلى انه ماء محكوم بنجاسته وقد تعذر ضابطة تطهيره، فيتوقف الحكم بطهارته على نزح الجميع، أو يكتفى بنزح ما يزول به التغير لو كان، نظرا إلى انه مع بقاء التغير يكفي نزح القدر الذي به يزول، فلان يكتفى به مع الزوال اولى ؟ قولان، اختار اولهما العلامة في التذكرة وابنه فخر المحققين، وقواه في الذكرى. وثانيهما ظاهر الشهيد في البيان، وبه جزم في المعالم وقبله والده (قدس سرهما) وقواه جملة من متأخري المتأخرين. واجابوا عن دليل القول الاول بمنع تعذر الضابط مطلقا، فانه ممكن في كثير من صور العلم بالمقدار الذي يزول به التغير ولو تقريبا. نعم مع فرض عدم العلم في بعض الصور يتوقف الحكم بالطهارة على نزح الجميع، إذ لا سبيل إلى العلم بنزح المقدار الا به. (الثاني) لو غار ماء البئر بعد النجاسة ثم عاد، فعلى المختار من عدم الانفعال بالملاقاة لا اشكال في الطهارة. وعلى القول الآخر فالذي صرح به جملة من الاصحاب انه كذلك ايضا، قالوا: لان المقتضي للطهارة ذهاب الماء، وهو كما يحصل بالنزح

[ 372 ]

يحصل الغور، ولا يعلم كون العائد هو الغائر، فالاصل فيه الطهارة. وبان النزح لم يتعلق بالبئر بل بمائها المحكوم بنجاسته، ولا يعلم وجوده والحال هذه، فلا يجب النزح. واعترض عليه بان الوجهين المذكورين ضعيفان (اما الاول) فلانا لا نسلم ان المقتضي للطهارة ذهاب الماء، لجواز ان يكون المقتضي النزح باعتبار انه يوجب جريان الماء فتطهر ارض البئر وماؤها. وهذا المعنى مفقود في الغور، فلا تطهر ارض البئر، وكل ما ينبغ من الماء يصير نجسا، لملاقاته النجاسة بناء على القول المذكور. و (اما الثاني) فلان عدم تعلق النزح بمائها لا دخل له في المقام، إذ الكلام في ان ارض البئر كانت نجسة ولم يعلم لنجاستها مزيل، إذ ما علم من الشرع انه مزيل انما هو النزح، وقياس الغور عليه قياس مع الفارق كما ذكرنا، فتستصحب نجاستها، وكل ما ينبع يصير نجسا كما عرفت. (اقول): ويؤيده انه يلزم على ما ذكروه من الوجه الاول انه لو غار منه القدر الذي يجب نزحه فانه يحكم بطهارة الباقي، مع ان الظاهر انهم لا يلتزمونه. (الثالث) قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه كما يطهر البئر بالنزح يطهر الدلو والمباشر والرشا. والاخبار خالية من التصريح بذلك، الا ان المحقق في المعتبر ذكر في حكم الدلو انه لو كان نجسا بعد انتهاء النزح لم يسكت عنه الشرع. ولان الاستحباب في النزح يدل على عدم نجاستها، والا لوجب نجاسة ماء البئر عند الزيادة عليه قبل غسلها. والمعلوم من عادة الشرع خلافه. وتبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه منهم: العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى. وغيرهم في غيرهما. ولا يخفى ان هذا الوجه جار ايضا في الرشا والمباشر الا انه في الاخير اضعف.

[ 373 ]

مرجع الدليل الاول إلى ما قدمنا الاشارة إليه في المقدمة العاشرة (1) من ان التمسك بالبراءة الاصلية فيما لم يعثر فيه على نص بعد الفحص والتفتيش مما يعم به البلوى من الاحكام حجة واضحة. والاصل هنا براءة الذمة من التكليف بتطهير هذه الاشياء بعد تمام النزح. الا ان الاحتياط في تطهير المباشر ثيابه وبدنه خروجا من احتمال المحذور، وتطهير الباقي ايضا نور على نور. واظهر من ذلك اجراء الوجه المذكور في جوانب البئر بالنسبة إلى ما يتساقط حال النرح، فانه يحكم بطهارته لعين ما ذكر. وربما يظهر من بعض العبارات الحكم بالعفو عنه حال تساقطه، معللا ذلك بالمشقة المنفية. وهو بعيد. والتعليل ممنوع بالحكم بالطهارة بعد تمام النزح كما قلنا. ولعل ذلك كله من مؤيدات القول بعدم انفعال البئر بالملاقاة، للسلامة من هذه التكلفات. (الرابع) صرح جملة من الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) بانه لا يعتبر الدلو في النزح لازالة التغير ولا في نزح الجميع. إذ الغرض في الموضعين اخراج الماء وهو يصدق باي وجه اتفق، ومثله في نزح الكر. اما في نزح المقدرات فهل يتعين نزحه بالدلو، أو تكفي آلة تسع العدد دفعة أو دفعات ؟ قولان: اختار اولهما المحقق في المعتبر، والعلامة في المنتهى والتحرير، والشهيد في الدروس والبيان، والشهيد الثاني ايضا. وثانيهما العلامة في اكثر كتبه، والشهيد في الذكرى، والمحقق الشيخ حسن في المعالم، وغيرهم. احتج القائلون بالثاني بان الامر بالنزح وارد على الماء والدلاء مقدار، ض فيكون


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، والصحيح (الحادية عشرة) وذلك في الصحيفة 155.

[ 374 ]

القدر هو المراد، وتقييده بالعدد لانضباطه وظهوره بخلاف غيره. وبان الغرض من النزح اخراج الماء من حد الواقف إلى كونه جاريا جريانا يزيل التأثير الحاصل من النجاسة ويفيده التطهير، ولذلك اختلف فيه التقدير، لاختلاف النجاسات بقوة التأثير وضعفه، وتفاوت الآبار بسعة المجاري وضيقها. ولا يخفى ان هذا الغرض يحصل باخراج القدر المعين باي وجه اتفق. واجيب عن الاول بانا لا نمنع كون النزح واردا على الماء وان الدلاء مقدار، ولكن نمنع كون المراد اخراج القدر مطلقا، لان الاوامر وردت بطريق خاص واتباعها لازم. وعن الثاني بانه وان كان لغرض من النزح الاجراء الا أن طرقه مختلفة، والادلة إنما وردت ببعض معين منها. والحاق غيره به قياس. مع ان الفارق ربما كان موجودا، من حيث ان تكرار النزح موجب لكثرة واضطراب الماء وتموجه. وهو مقتض لاستهلاك اجزاء النجاسة الشائعة فيه، فيكون سببا لطيبه ولعله الحكمة في الامر به. ومن البين ان ذلك لا يحصل مع الاخراج دفعة أو ما في معناها. ومن الجواب عن دليلي القول الثاني علم دليل القول الاول، ومرجعه إلى ما ذكره المحقق في المعتبر من عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه. ولان الحكمة تعلقت بالعدد ولا يعلم حصولها مع عدمه. قال بعض فضلاء المحدثين من متأخري المتأخرين: " هذا هو الصحيح، ومن يدعي العلم بحصول الغرض فنقول له: علمك اما من باب مفهوم الموافقة أو تنقيح المناط، وهما مفقودان هنا، لان لتعدد النزح مدخلا عظيما في ميل اجزاء النجاسة وآثارها عن جوانب البئر إلى موضع النزح وخروجها بالنزح " انتهى.

[ 375 ]

وفى التعليلات من الجانبين خدش (1) إلا ان الوقوف في مثل ذلك على حادة الاحتياط طريق السلامة. (الخامس) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان الدلو التي ينزح بها ما جرت العادة باستعمالها، إذ لم يثبت للشرع فيها حقيقة على القول بالحقائق الشرعية ولا عرف لزمانهم (عليهم السلام) ليحمل عليه. والقاعدة في مثله عند انتفاء الامرين الرجوع إلى العرف الموجود ان لم يخالف وضع اللغة الثابت، وإلا كان هو المقدم. وكل ذلك منتف فيما نحن فيه، فيرجع إلى ما يصدق عليه الاسم في العرف صغيرا كان أو كبيرا. وانت خبير بما في البناء على القاعدة المذكورة وان اشتهر البناء عليها بينهم لما قدمنا لك في المقدمة العاشرة (2) وغيرها. لكن الظاهر ان الامر هنا هين، للقطع بان لفظ الدلو ليس من الالفاظ التي اختلفت معانيها بحسب اختلاف الازمنة


(1) واما تعليل القول الاول فلما عرفت في الاصل. واما تعليل القول الثاني فلا حتمال ان تكون الاوامر الواردة بالدلاء المعينة إنما هي من حيث كون المتعارف في النزح ذلك، لا من حيث مدخلية خصوص النزح بالدلو في التطهير وان ذلك لوجه حكمة تبنى عليه. وكما انهم صرحوا في غير موضع بان الاحكام في مقام الدلالة الاجمالية تحمل على ما هو الغالب الشائع، كذلك في حال ورودها عنهم (عليهم السلام) مفصلة تحمل التفصيل عنهم على ذلك، إذ لو ورد النزح مجملا فانهم يحملونه على الفرد الشائع المتعارف عادة، فكذا إذا ورد بخصوصية فرد تكون الخصوصية لذلك لا لوجه حكمة اقتضته، ولانهم صرحوا في الاصول بان التخصيص بالذكر لا ينحصر بالحكم، كما ذكره السيد السند في المدارك في اول بحث الماء المضاف، ولاحتمال كون ذلك احد افراد الكلى، على قياس ما ذكروه في عدم وجوب الابتداء في غسل الوجه في الوضوء واليدين بالاعلى والمرفقين في كون البيان الوارد بذلك محمولا على كونه أحد افراد الكلى لا لتعينه بخصوصه، فتدير (منه رحمه الله). (2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، والصحيح (الحادية عشرة) وذلك في الصحيفة 121 وتقدم ايضا في الصحيفة 162.

[ 376 ]

والامكنة، كالرطل والمن والمد والصاع ونحوها. وبان افراده مختلفة في كل مكان وزمان. واما ما يظهر من كلام بعضهم من الاكتفاء بما يعتاد على تلك البئر وان كان نحو آنية الفخار إذا كان مما يستقى به في البلد غالبا فضعيف جدا، لان تعليق الحكم في الاخبار على الدلو يقتضي الوقوف مع مسماه، ولا ريب في عدم صدقه على الآنية. ونقل عن بعض الاصحاب ان المراد بالدلو ما كانت هجرية، وهي ثلاثون رطلا وعن الجعفي اربعون رطلا. ورد بعدم وجود المستند. (اقول): وهو مروي في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): " وإذا سقط في البئر فأرة أو طائر أو سنور وما اشبه ذلك فمات فيها ولم يتفسخ، نزح منها سبعة ادل من دلاء هجر. والدلو اربعون رطلا " الا ان جل الاصحاب (رضوان الله عليهم) لما كان اعتمادهم على الكتب الاربعة خاصة، أو ما قاربها في الشهرة عند آخرين، كان هذا الكتاب وامثاله غير معمول على ما تضمنه من الاخبار، الا ان المفهوم من شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب بحار الانوار الاعتماد عليه كما اشرنا سابقا إليه (2). (السادس) يجب اخراج النجاسة قبل الشروع في النزح على القول بالانفعال بالملاقاة، وظاهرهم الاتفاق عليه بل صرح بذلك في المنتهى، وظاهر اطلاق كلامهم عدم الفرق في ذلك بين ما له مقدر ما ليس كذلك، الا ان المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم صرح بالفرق بينهما، قال: " فان الملاقاة الموجبة لنزح المقدر تبقى ما بقيت العين فلا يظهر للنزح فائدة، ولا يعتبر ذلك في غير المقدر لفقد العلة " انتهى. ولعل ذلك مبني على القول بوجوب نزح الجميع لما لا نص فيه كما اختاره (قدس سره)


(1) في الصحيفة 5. (2) في الصحيفة 25.

[ 377 ]

في الكتاب المذكور بناء على القول بالانفعال، وإلا فعلى القولين الآخرين من الثلاثين أو الاربعين فلا ريب في كون الحكم فيهما كالمقدر بعينه، والعلة الموجبة فيهما واحدة. (البحث الخامس) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في طهر البئر بغير النزح من المطهرات المتقدمة (1) فظاهر الاكثر طهرها بذلك، والنزح الوارد في الاخبار وان اختص بها إلا انها تشارك غيرها في تلك المطهرات. وكلام المحقق في المعتبر يدل على انحصار تطهيرها في النزح، حيث قال: " وإذا جرى إليها يعنى البئر الماء المتصل بالجاري لم نظهر، لان الحكم متعلق بالنزج ولم يحصل " واختاره بعض محققي متأخري المتأخرين، قال: " لان التطهير أمر شرعي لابد له من دليل ولا دليل ظاهرا على ما عدا النزح " واختلف فتوى الشهيد (رحمه الله) في هذه المسألة، فقال في الدروس: " لو اتصلت بالجاري طهرت، وكذا بالكثير مع الامتزاج. اما لو تسنما عليها من أعلى فالاولى عدم التطهير، لعدم الاتحاد في المسمى " ومثله ايضا في الذكرى. وقال في البيان: " ينجس ماء البئر بالتغير، ويطهر بمطهر غيره، وبالنزح " ثم قال: والاصح نجاسته بالملاقاة ايضا، وطهره بما مر ونزح كذا، ثم ذكر المقادير. ولا يخفى ان اشتراطه عدم علو المطهر على جهة التسنم في الكتابين يخالف ما اطلقه في الثالث من طهارته بمطهر غيره مطلقا. وممن اختار القول المشهور صاحب المعالم، حيث قال بعد نقل الاقوال في المسألة: " والتحقيق عندي مساواته لغيره من المياه في الطهارة بما يمكن تحققه فيه من الطرق التي ذكرناها سابقا. ووجهه على ما اخترناه من اشتراط الامتزاج بالمعنى الذي حققناه واضح، فان ماء البئر والحال هذه يصير مستهلكا مع المطهر، فلو كان عين النجاسة لم يكن له حكم، فيكف ؟ وهو متنجس، ولا ريب انه اخف.


(1) كالقاء الكر دفعة، ونزول الغيث، ووصول الجاري إليها (منه رحمه الله).

[ 378 ]

واما على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال فلان دليلهم على تقدير تماميته لا يختص بشئ دون شئ، إذ مرجعه إلى عموم مطهرية الماء. فيدخل ماء البئر تحت ذلك العموم والامر بالنزح لا ينافيه، لكونه مبنيا على الغالب من عدم التمكن من التطهير بغيره، ولو امكن في بعض الموارد فلا ريب ان النزح اسهل منه في الاغلب ايضا، فلذلك اقتصروا عليه. ثم ان يجاب النزح على القول بالانفعال أو مع حصول التغير ليس إلا لافادة الطهارة، فإذا صار الماء طاهرا بمقتضى ذلك العموم والفرض عدم الدليل على التخصيص لا يبقى للنزح وجه. نعم لو قلنا بوجوب النزح تعبدا لم يتم القول بسقوطه بمجرد الاتصال وان قلنا بالطهارة. واما مع الامتزاج فالظاهر السقوط، لان الاستهلاك يصيره بمنزلة المعدوم. ووجوب النزح إنما تعلق به في حال البقاء على حقيقته. وبما ذكرنا ظهر ضعف تفصيل الشهيد (رحمه الله) لا سيما بعد اشتراط الامتزاج كما صرح به، فان اعتبار الاتحاد مع ذلك مما لا وجه له. واما ما تمسك به المحقق فدفعه ظاهر بعد ما قررناه " انتهى. ويرد عليه (اولا) ان الاستهلاك الذي ذكره ممنوع. كيف ؟ ويكتفى في تطهير البئر على هذا القول القاء الكر مثلا وان كان ماء البئر اضعاف اضعافه على انه يمكن منع التطهير في حال الاستهلاك ايضا. ما ذكره من طهارة النجاسة عند استهلاكها لا يصلح دليلا، لانه قياس، مع وجود الفارق، إذ النجاسة إذا استهلكت في الماء وسلب عنها اسمها لم تبق نجاستها التابعة للاسم، بخلاف الماء إذا لم يسلب عنه اسمه وان اختلط بغيره بحيث لا يميزه الحس. و (ثانيا) انه يمكن ان يكون لخصوصية النزح مدخل في التطهير لا يوجد في غيره، ولعل اقتصار الشارع عليه لذلك، لعين ما ذكروه في مسالة تعدد النزح بالدلو فيما له مقدر من وجوب الاقتصار على النزح بالدلو لذلك، ويؤيده اختصاص

[ 379 ]

البئر دون سائر المياه باحكام خاصة وبنائها على جمع المختلفات وتفريق المؤتلفات كما ذكروه. وبالجملة فالمسألة محل تردد. والاحتياط في الوقوف على التطهير بالمنصوص. ولا يخفى ان ما اورده على الشهيد متجه. واما ما اورده على المحقق فقد عرفت ما فيه. ثم انه قد اختلف كلام القائلين بطهرها بغير النزح في وجه العلة في ذلك، فظاهر كلام المحقق الشيخ حسن كما تقدم ان العلة هي الاستهلاك بسبب الامتزاج. وقد عرفت ما فيه. وظاهر العلامة في المنتهى حيث قال في تعليل ذلك: " لان المتصل بالجاري كأحد أجزائه فخرج عن البئر " ان العلة في ذلك هو الخروج عن كونه بئرا ولحوق احكام الجاري له. ولا يخفى ما فيه. وظاهر الشهيد في الذكرى حيث قال: " وامتزاجه بالجاري مطهر. لانه أقوى من جريان النزح باعتبار دخول مائها في اسمه " ان العلة فيه هي الامتزاج، حيث انه أقوى من جريان النزح. وفيه منع ان العلة في النزح حصول الجريان، لعدم الدليل عليه، ولجواز ان يكون أمر آخر لا نعلمه. (البحث السادس) المشهور بين الاصحاب بل نقل الاجماع عليه من القائلين بالتنجس انه مع تعذر نزح البئر جميعا لكثرة الماء فيما يجب له ذلك يجب تراوح اربعة رجال عليها يوما إلى الليل، استنادا إلى موثقة عمار الساباطي. وقد تقدمت في البحث الرابع (1). واعترض في المعالم على الاستدلال بالخبر المذكور بوجوه: (احدها) كون رواته فطحية. و (ثانيها) تضمن متنه نزح الماء كله لتلك الاشياء المذكورة فيه، ولا قائل به من الاصحاب.


(1) في الصحيفة 369.

[ 380 ]

و (ثالثها) ان ظاهره يدل على وجوب النزح يومين. ولم يذهب إليه أحد. والجواب عن الاول، اما على مذاقنا فمعلوم، واما على مذاق القوم فعند من يعمل بالموثق منهم كذلك ايضا، واما ما يجعله من قسم الضعيف فيجاب بان ضعفه مجبور بعمل الاصحاب وشهرته بينهم في هذا الباب. واما عن الثاني، فيمكن بحمل نزح الجميع على الاستحباب أو على التغير كما ذكره في التهذيب (1) وحينئذ فتكون الرواية معمولا بها عن الاصحاب. واما عن الثالث. فيجوز أن لا تكون (ثم) هنا للترتيب الخارجي، فانها كثيرا ما تكون كذلك، كقوله سبحانه: " كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون " (2) والجواب باحتمال كونها من كلام الراوي بعيد. ثم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) ذكروا لذلك احكاما ربما يستفاد اكثرها من النص المذكور. (منها) كون النزح نهارا، للفظ اليوم في الرواية، فلا يجزى ء الليل ولا الملفق منهما وان زاد عن مقدار يوم. وقوفا على ظاهر النص. و (منها) انه لا فرق في اليوم بين القصير والطويل. عملا بالاطلاق. ولهم في تحديد اليوم المذكور عبارات مختلفة. ففي كلام الشيخ المفيد من أول النهار إلى آخره وتبعه على ذلك جماعة. وفي عبارة الصدوقين من الغدوة إلى الليل. وفى نهاية الشيخ من الغدوة إلى العشية. قال في المعتبر بعد نقل هذه الاقوال: " ومعاني هذه الالفاظ متقاربة. فيكون النزح من طلوع الفجر إلى غروب الشمس احوط، لانه يأتي على الاقوال " انتهى. وقال الشهيد في الذكرى بعد ذكر اختلاف العبارات في ذلك: " الظاهر انهم أرادوا به يوم الصوم فليكن من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. لانه


(1) في الصحيفة 69. (2) سورة النبأ. الآية 5 و 6.

[ 381 ]

المفهوم من اليوم مع تحديده بالليل " واعترضه في المعالم بعد أن استحسن ما ذكره المحقق من الاحوطية بان الحمل على يوم الصوم يقتضي عدم الاجتزاء باليوم الذي يفوت من اوله جزء وان قل، وعباراتهم لا تدل عليه بل ظاهرها ما هو اوسع من ذلك، ولفظ الرواية ايضا محتمل لصدق اسم اليوم وان فات منه بعض الاجزاء ان كانت قليلة. انتهى. وهو حسن. و (منها) ان جملة من المتأخرين اوجبوا تفريعا على القول بوجوب كون النزح يوم الصوم ادخال جزء من الليل اولا واخرا من باب مقدمة الواجب. وربما أوجب بعضهم تقديم التأهب بتهيئة الآلات قبل الجزء المجعول مقدمة. والظاهر ان هذه التدقيقات النلشئة من اعتباره كيوم الصوم غير واضحة. و (منها) كون طريق تراوح الاربعة بان ينزح كل اثنين وقتا، بان يكون احدهما فوق البئر يمتح بالدلو والآخر فيها يملاها، ثم يستريحان فيقوم الآخران كذلك كذا ذكره جملة منهم. وتخصيص النزح بالكيفية المخصوصة لا دليل في النص عليه. بل يكفي أن يكونا معا في اعلى البئر يمتحان الدلو. بل الظاهر انه الاولى (1)، لانه هو المتعارف، الا ان يبلغ الماء في القلة إلى ان الدلو بمجرد وضعه لا يمتلئ ماء بل يحتاج إلى وضع الماء فيه. فيتم ما ذكروه. إلا ان كلامهم أعم من ذلك. و (منها) انه يستثنى لهم من الاشتغال بالنزح الصلاة جماعة والاكل جميعا صرح به الشهيدان وجماعة. وعللوه باقتضاء العرف له، واقتصر بعض على الاول. فارقا بينهما بان الثاني يمكن حصوله حال الراحة بخلاف الاول، فان الفضيلة الخاصة للجماعة لا تحصل إلا به. وربما نفى بعضهم الاستثناء من اصله.


(1) وبما استظهرناه صرح بعض علمائنا المتأخرين. قال: لانه الاقرب المتعارف ونقل (قدس سره) عن ابن ادريس انه صرح بان كيفية التراوح ان يستقى اثنان بدلو واحد يتجاذبانه إلى ان يتعبا، فإذا تعبا قعدا وقام هذان واستراح الاخران (منه قدس سره).

[ 382 ]

و (منها) انه يشترط كون الاربعة رجالا، صرح به الاكثر، لمفهوم لفظ القوم على ما نص عليه جملة من أهل اللغة من الاختصاص بالرجال (1) وقال المحقق في المعتبر: " ان عملنا بالخبر المتضمن لتراوح القوم اجتزأنا بالنساء والصبيان " ورد بما تقدم. وفيه ان صاحب القاموس قد ذكر من أحد معاني القوم ما يدخل فيه النساء، حيث قال: " القوم الجماعة: من الرجال والنساء معا أو الرجال خاصة أو تدخله النساء على التبعية " انتهى. ونقل في كتاب مجمع البحرين عن الصنعاني انه ربما دخل النساء تبعا، لان قوم كل نبي رجال ونساء. وعلى هذا يزول الاشكال بالنسبة إلى النساء وإنما يبقى الكلام في الصبيان. وشرط بعضهم في الاجتزاء بالنساء عدم قصور نزحهن عن نزح الرجال. والاحوط بل الاظهر الاقتصار على الرجال، ويدل على ذلك ما في كتاب الفقه الرضوي. حيث قال (عليه السلام) (2): " فان كان كثيرا وصعب نزحه فالواجب عليه ان يكتري أربعة رجال يستقون منها على التراوح من الغدوة إلى الليل ". و (منها) عدم اجزاء ما دون الاربعة وان نهض بعملهم، وقوفا على ظاهر الخبر من قوله: " يتراوحون اثنين اثنين " واستقرب في التذكرة الاجتزاء بالاثنين القويين اللذين ينهضان بعمل الاربعة. واما الزيادة عليها فاجازوها من باب مفهوم الموافقة الا ان يفضي التكثير إلى الابطاء وتضييع الوقت.


(1) قال الجوهري: " القوم: الرجال دون النساء " وقال ابن الاثير في نهايته: " القوم في الاصل مصدر قام فوصف به ثم غلب على الرجال دون النساء، ولذلك قابلهن به " يعنى في قوله تعالى: " لا يسخر قوم من قوم ولا النساء من نساء.. " قال زهير: " وما ادري وسوف اخال ادري * اقوم آل حصن ام نساء " (منه رحمه الله) (2) في الصحيفة 5.

[ 383 ]

(البحث السابع) لا خلاف بين الاصحاب في ان البئر لا ينجس بالبالوعة وان قربت منه، الا ان يعلم تعدي ما فيها إلى البئر بناء على القول بانفعالها بالملاقاة أو بتغير ماء البئر بها على ما اخترناه. ويدل على ذلك مضافا إلى ما دل على اصالة الطهارة عموما وخصوصا رواية محمد بن ابي القاسم عن ابي الحسن (عليه السلام) المتقدمة في أدلة القول بعدم نجاسة البئر بالملاقاة (1) واما ما يوهم خلاف ذلك كحسنة الفضلاء المتقدمة في أدلة القول بنجاسة البئر بالملاقاة (2) فقد عرفت الجواب عنها ثمة. ويزيده تأكيدا ان العمل بظاهرها من الحكم بالنجاسة بمجرد ظن السريان مما تدفعه الاخبار المستفيضة بعدم نقض اليقين إلا بمثله، وان الشك لا يعارض اليقين، فلابد من تأويله بما ذكرنا آنفا. ثم ان المشهور بين الاصحاب انه يستحب التباعد بين البئر والبالوعة بخسمة اذرع في الارض الصلبة أو مع فوقية قرار البئر، وبسبعة فيما عدا ذلك. والصور على هذا القدر ست، وذلك لان الارض اما ان تكون صلبة أو رخوة. وعلى كل منهما اما ان تكون البئر اعلى قرارا أو انزل أو مساوية. ففي اربع صور منها وهي الصلبة باقسامها الثلاثة وعلو قرار البئر في الرخوة يستحب التباعد بخمسة أذرع، وما عدا ذلك بسبعة اذرع. وضم جمع من المتأخرين إلى الفوقية الحسية الفوقية بالجهة في صورة تساوي القرارين، بناء على ان جهة الشمال اعلى وان مجاري العيون منها. وحينئذ يحصل من ذلك الفوقية والتحتية والتساوي بحسب الجهة ايضا. وبذلك تصير صور المسألة اربعا وعشرين وان لم يكن لبعضها تأثير في اختلاف الحكم في المسألة، وتفصيلها انه باعتبار


(1) في الصحيفة 356 وقد تقدم ان اسم الراوي في كتب الحديث والرجال (محمد بن القاسم). (2) في الصحيفة 358.

[ 384 ]

الجهة تحصل اربع صور. لان البئر اما أن تكون في جهة الشمال والبالوعة في الجنوب أو بالعكس، أو تكون البئر في جهة المغرب والبالوعة في جهة المشرق أو بالعكس وعلى كل من هذه الصور الاربع تجري الست المتقدمة، ومن ضرب اربع في ست تحصل اربع وعشرون. ففي سبع عشرة منها يكون التباعد بخمسة أذرع، وفى سبع منها بسبع اذرع (1). وقال بعض فضلاء متأخري المتأخرين بعد ان نقل عنهم اولا ان في صورة التعارض بين الفوقيتين يجعلونه بمنزلة التساوي ما صورته: " وفى كلام جمع من الاصحاب هنا تأمل ظاهر، إذ ذكروا ان التباعد بسبع في سبع وبخمس في الباقي والاعتبار يقتضي ان يكون التباعد بسبع في ثمان أو ست، لان فوقية القرار اما ان تعارض فوقية الجهة وتصير بمنزلة التساوي أو لا، فعلى الاول الاول وعلى الثاني الثاني واما اعتبار الجهة في البئر دون البالوعة فتحكم " انتهى. (اقول): ما نقله عنهم من انه مع تعارض الفوقيتين يجعلونه بمنزلة التساوي ثم اعترض عليهم بسببه لم اقف عليه فيما حضرني من كلامهم، بل صرح غير واحد منهم بان الفوقية بالجهة إنما تعتبر في الرخاوة مع تساوي القرارين، ومقتضى ذلك


(1) لانك قد عرفت ان التباعد بخمسة اذرع في اربع صور من الست المتقدمة والست هنا قد فرضناها في كل من هذه الصور الاربع، وحينئذ فتؤخذ الاربع المذكورة من كل واحدة من هذه الاربع هنا فتحصل ست عشرة، وتزيد واحدة وهى فوقية الجهة في صورة كون البئر في جهة الشمال مع رخاوة الارض وتساوى القرارين، فتحصل سبع عشرة حينئذ، وقد عرفت ايضا ان التباعد بسبعة اذرع في صورتين من الست المذكورة، وهما صورتا الرخوة الباقيتان، لخروج صورة علو قرار البئر من صورها، فتؤخذ الاثنتان من كل من الاربع وتزيد واحدة وهى تساوى القرارين في الارض الرخوة مع كون البالوعة في جهة الشمال وهى عكس الصورة المزيدة سابقا (منه رحمه الله).

[ 385 ]

اختصاص اعتبارها بالبئر دون البالوعة. ولهذا صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض في صورة كون البئر في جهة الجنوب مع رخاوة الارض وعلو قرار البئر بانه يستحب التباعد بخمسة أذرع نظرا إلى علو قرار البئر. ويمقتضى ما ذكره من تعارض القرارين مطلقا ينبغي ان يكون بسبعة. ونقل عن ابن الجنيد في هذه المسألة ما يخالف المشهور. إلا ان النقل عنه مختلف. فنقل الاكثر عنه انه قال: " ان كانت الارض رخوة والبئر تحت البالوعة فليكن بينهما اثنا عشر ذراعا، وان كانت صلبة أو كانت البئر فوق فليكن بينهما سبعة أذرع " وخطأ هذا النقل في المعالم. ونقل عنه انه قال في المختصر ما صورته: " لا استحب الطهارة من بئر تكون بئر النجاسة التي تستقر فيها من اعلاها في مجرى الوادي، إلا إذا كان بينهما في الارض الرخوة اثنى عشر ذراعا وفى الارض الصلبة سبعة اذرع، فان كانت تحتها والنظيفة أعلاها فلا بأس، وان كانت محاذيتها في سمت القبلة فإذا كان بينهما سبعة أذرع فلا بأس. تسليما لما رواه ابن يحيى عن سليمان الديلمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " انتهى. ثم قال في المعالم: " والذي يستفاد من هذه العبارة انه يرى التقدير بالاثني عشر بشرطين: رخاوة الارض وتحتية البئر. ومع انتفاء الشرط الاول بسبع، وكذا مع استواء القرار إذا كانت المحاذاة في سمت القبلة، يعني ان احدهما كانت في جهة المشرق والاخرى في محاذاتها من جهة المغرب. وهذا الاعتبار يلتفت إلى اعتبار الفوقية في الجهة كما حكيناه عن البعض، فحيث تكون المحاذاة في غير جهة القبلة تكون احداهما في جهة الشمال فتصير أعلى. وقوله: فان كانت تحتها والنظيفة أعلاها فلا بأس ظاهر في نفي التقدير حينئذ " انتهى.


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. والسند هكذا: " محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن يحيى عن ابراهيم بن اسحاق عن محمد ابن سليمان الديلمى عن ابيه قال سألت أبا عبد الله.. الحديث " وسيأتى الخبر في الصحيفة 388.

[ 386 ]

واستدل على المشهور برواية الحسن بن رباط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن البالوعة تكون فوق البئر. قال: إذا كانت فوق البئر فسبعة اذرع، وان كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع من كل ناحية، وذلك كثير " (2). ورواية قدامة بن ابي يزيد الحمار عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته كم ادنى ما يكون بين البئر والبالوعة ؟ فقال: ان كان سهلا فسبعة أذرع وان كان جبلا فخمسة اذرع، ثم قال: يجري الماء إلى القبلة إلى يمين، ويجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة، ويجري عن يسار القبلة إلى يمين القبلة، ولا يجري من القبلة إلى دبر القبلة ". وجه الاستدلال بهما ان في كل من الروايتين اطلاقا وتقييدا فيجب الجمع بينهما بحمل المطلق من كل منهما على المقيد من الاخرى، وذلك بالنسبة إلى التقدير بالسبعة، فانه في الرواية الاولى مطلق بالنسبة إلى صلابة الارض ورخاوتها، والثانية قد اشتملت مع الصلابة على خمسة. فتحمل السبعة في الاولى على الرخاوة خاصة جمعا (4). والسبعة في الرواية الثانية ايضا مطلق بالنسبة إلى فوقية البالوعة على البئر وعكسه، وفي الاولى


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. (2) ما ذكره مطابق لما في الكافي، واما رواية التهذيب فهى هكذا: " قال: إذا كانت اسفل من البئر فخمسة اذرع، وإذا كانت فوق البئر فسبعة اذرع من كل ناحية، وذلك كثير ". (3) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. والراوي لهذه الرواية قد اهمل في كتب الرجال. وفى حاشية الوافى ان كنية ابيه (أبو يزيد) كما في الكافي لا (أبو زيد) واسقاط الياء - كما في عامة نسخ التهذيبين - من تحريف النساخ، وان (الحمار) بالحاء المهملة وتشديد الميم. انتهى. ويؤيد ذلك انه قد ذكر في باب الكنى من كتب الرجال (أبو يزيد الحمار) فان من المحتمل ان يكون ابا قدامة هذا. (4) وحينئذ يكون معنى الرواية الاولى انه إذا كانت البالوعة فوق البئر فسبعة ما لم تكن الارض صلبة فانه تكفى الخمسة (منه قدس سره).

[ 387 ]

قد خص السبعة بفوقية البالوعة والخمسة بعكسه، وحينئذ فتحمل السبعة المطلقة على فوقية البالوعة (1). ويتخلص من ذلك ان السبعة حينئذ مقيدة برخاوة الارض مع عدم كون قرار البئر أعلى، وهو أعم من أن يكون مساويا أو يكون قرار البالوعة أعلى. واورد عليه ان الجمع بين الخبرين المذكورين لا ينحصر في الطريق المذكورة، إذ كما يقيد الحكم بالسبعة في الموضعين يمكن ان يقيد الحكم بالخمسة فيهما (2). وفيه انه لا يخفى ان الغرض من التحديد في هذه الاخبار والشروط المذكورة فيها إنما هو منع تعدي ماء البالوعة إلى البئر، فمع السهولة فيما عدا صورة علو قرار البئر لما كان مظنة التعدي كان اعتبار البعد بالسبعة اليق، ومع الصلابية وكذا مع علو قرار البئر في السهلة لما كان مظنة عدم التعدي حسن الاقتصار على الخمسة، فلا يحتاج إلى قيد آخر، ومن ذلك يعلم حكم المساواة في صورة الرخاوة وانه يستحب أن يكون بسبعة. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني من انكار المستند في ذلك، حيث قال في كتاب الروض: " والرواية التي هي مستند الحكم ليس فيها ما يدل على حكم التساوي، لانه جعل السبع مع فوقية البالوعة والخمس مع فوقية البئر. والتساوي مسكوت عنه " انتهى. فانه وان لم تدل عليه الرواية الاولى لكنه داخل تحت الرواية الثانية، حيث حكم فيها بانه ان كان سهلا فسبع، خرج عنه بالتقييد بالرواية الاولى صورة ارتفاع البئر قرارا أو جهة على القول الآخر كما عرفت. فيبقى الباقي.


(1) ويكون معنى الرواية الثانية: ان كان سهلا فسبعة اذرع ما لم يكن قرار البئر اعلى فانه تكفى الخمسة (منه قدس سره). (2) فيقال: التقدير بالخمسة في الخبر الاول مقيد بالصلابة لدلالة الثانية على السبعة في صورة الرخاوة. وتقيد في الثانية بعدم فوقية البالوعة، لدلالة الاولى على السبعة في صورة فوقية البالوعة (منه قدس سره).

[ 388 ]

ثم ان بعض الاصحاب عبر في هذا المقام بانه إذا كانت البئر فوق البالوعة جهة أو قرارا أو كانت الارض صلبة فخمس وإلا فسبع، وعلى هذا يكون حكم المساواة في صورة الرخاوة ما ذكرنا من السبع، وبعضهم كالعلامة في الارشاد قال: انه إذا كانت البئر تحت البالوعة أو كانت الارض سهلة فسبع وإلا فخمس. وعلى هذا فحكم المساواة في الصورة المذكورة خمس. وهو غير جيد، لما عرفت. وقد تلخص من هذا انه يستحب التباعد بخمس في صور الصلبة جميعا وصورة علو البئر قرارا أو جهة، وما عداه فبسبع. واستدل ابن الجنيد كما اشرنا إليه فيما قدمنا من كلامه، وبذلك ايضا استدل له في المختلف برواية محمد بن سليمان الدليمي عن ابيه (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف. فقال لي: ان مجرى العيون كلها من مهب الشمال. فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال والكنيف أسفل منها لم يضرها إذا كانت بينهما اذرع. وان كان الكنيف فوق النظيفة فلا اقل من اثني عشر ذراعا، وان كان تجاها (2) بحذاء القبلة وهما مستويان في مهب الشمال فسبعة اذرع ". ولا يخفى عليك ان الرواية المذكورة غير منطبقة على مذهب ابن الجنيد على كلا النقلين. (اما على الاول) فلانهم نقلوا عنه التباعد بسبع اذرع في صورة فوقية البئر، مع انه ليس في الرواية المذكورة لذلك اثر. و (اما على الثاني) فلانه نقل عنه التفصيل في صورة علو البالوعة بالرخاوة والصلابة، والرواية كما ترى لا تفصيل فيها لشئ من ذلك.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. (2) كذا في التهذيب والمقنع، وفى المختلف تجاهها (منه قدس سره).

[ 389 ]

ونقل عنه ايضا القول بانه ان كانت البالوعة تحتها والنظيفة أعلاها فلا بأس، مع انه صرح في الرواية في هذه الصورة باشتراط ان يكون بينهما اذرع. وتكلف في المعالم للجواب هنا بانه لعل الوجه في عدم تعرض ابن الجنيد لهذا الشرط مع كونه مصرحا به في الرواية هو عدم الانفكاك عنه عادة حيث يحمل لفظ الاذرع ععلى اقل الجمع، فانه من المستبعد جدا ان توضع بالوعة في جنب بئر باقل من ثلاثة اذرع. ولا يخلو من بعد. وقد جمع بعض الاصحاب بين هذه الرواية وروايتي المشهور (1) بحمل اطلاق الاذرع في صورة فوقية البئر على الخمس، وتقييد التقدير بالسبع في صورة المحاذاة برخاوة الارض وتحتية البئر وحمل الزائد على السبع في صورة فوقية الكنيف على المبالغة في القدر المستحب. واعترضه في المعالم بان في الحمل الاول تكلفا. واما التقييد ففاسد لان فرض المحاذاة كما هو صريح لفظ الحديث، ومقتضى المقابلة لصورتي علو كل منهما كيف يجامع الحمل على تحتية البئر ؟ نعم حمل الزيادة في الاثني عشر على المبالغة ممكن. واجيب بان رواية ابن رباط قرينة على الحمل بلا تكلف. وما ذكره من فساد التقييد فاسد، لان المحاذاة التي في الحديث إنما هي المحاذاة بالنسبة إلى جهة الشمال. وكذا علو كل منهما إنما هو بالنسبة إليها، وهو ظاهر. فحينئذ لا ينافيان تحتية البئر بالنظر إلى القرار كما هو مراد (2). وهو جيد. هذا. والموجود في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) نسبة الخلاف في هذه المسألة إلى ابن الجنيد خاصة، مع ان ظاهر الصدوق في المقنع ذلك ايضا، حيث نقل


(1) المتقدمين في الصحيفة 386. (2) لا يخفى انه لا حاجة في الجمع إلى اعتبار تحتية البئر، لما عرفت من استحباب السبع في صور التساوى كما اوضحناه آنفا. نعم لابد من اعتبار عدم فوقية قرارها، وكذا لابد في الصورة الاولى من عدم فوقية قرار البالوعة لينطبق على المشهور. والخبران اللذان هما مستند المشهور قرينة هذا التقييد (منه رحمه الله)

[ 390 ]

مضمون الرواية المذكورة من غير اشعار بكونها رواية، وهو يعطي افتاءه بذلك والقول به. ثم انه (قدس سره) في الكتاب المذكور قال بعيد ذلك: " وان اردت ان تجعل إلى جنب البالوعة بئرا، فان كانت الارض صلبة فاجعل بينهما خمسة اذرع، وان كانت رخوة فسبعة أذرع " وظاهر كلاميه يشعر بالفرق بين البالوعة والكنيف. إلا انه في كتاب من لا يحضره الفقيه فرض المسألة في الكنيف، وذكر التباعد بالسبع والخمس في صورتي الرخوة والصلبة. هذا. وقد تقدم في حسن الفضلاء (1) التقدير بالسبع في صورة علو البالوعة، وبالثلاث أو الاربع في عكسه، قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: " والاولى الوقوف على ما تضمنته حسنة الفضلاء، لانها أحسن سندا وأقرب إلى الاحتياط لولا شهرة خلافه بين الاصحاب، مع انه على المشهور يمكن الجمع بين الروايات الثلاث بحمل الحسنة على شدة الاستحباب. وهو اولى من الطرح " انتهى. واستند القائلون بالحاق العلو جهة بالعلو قرارا برواية محمد بن سليمان الديلمي المذكورة (2) ويشكل بانهم لم يعملوا بها فيما دلت عليه من الاحكام، فيكف يتم لهم الاستناد إليها في خصوصية هذا الحكم ؟ فان اجيب بانه قد عارضها في تلك الاحكام الروايتان المتقدمتان (3) وهذا الحكم لم يعارضها فيه شئ. قلنا: ان تلك الروايتين قد عارضتهما ايضا حسنة الفضلاء (4) مع كونها ارجح سندا منهما. فيجب عليهم القول بمضمونها. ثم انه قد روي الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن محمد بن خالد الطيالسي


(1) و (4) المتقدمة في الصحيفة 358. (2) في الصحيفة 388. (3) في الصحيفة 386. (5) في الصحيفة 16 وفى الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. وفيهما بدل " تلى الوادي " هنا " مما يلي الوادي ".

[ 391 ]

عن العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن البئر يتوضأ منها القوم والى جانبها بالوعة. قال: ان كان بينهما عشرة اذرع وكانت البئر التي يستقون منها تلى الوادي فلا بأس " والظاهر ان المراد بكونها تلي الوادي يعني كونها في جهة الشمال، بناء على ان مجرى العيون منها. ولم اقف على قائل بمضمون هذا الخبر بل ولا على ناقل له في كتب الاستدلال. ولا يخفى ما في ظاهر هذا الخبر مضافا إلى خبر الديلمي (1) وكذا حسنة الفضلاء (2) من الدلالة على الفوقية بالجهة، وبذلك ايضا يشعر خبر قدامة المتقدم (3). اقول: ولعل اختلاف التقديرات في هذه الاخبار مفصلا بالفوقية والتحية تارة واخرى بالصلابة والرخاوة بالزيادة والنقصان، ومطلقا في بعض كله قرينة الاستحباب بزيادة ونقصان في مراتبه. والله اعلم. الفصل الخامس في المضاف، وفيه مسائل: (الاولى) المضاف هو ما لا ينصرف إليه لفظ الماء على الاطلاق عرفا بل يحتاج في صدقه إلى القيد، كالمصعد من الانوار والمعتصر من الثمار والممتزج بما يسلبه الاطلاق. ولا خلاف في طهارته باعتبار اصله، ويدل على ذلك ايضا قول الصادق (عليه السلام) في موثقة عمار (4): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر ".


(1) المتقدم في الصحيفة 388. (2) المتقدم في الصحيفة 358. (3) في الصحيفة 386. (4) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 42 والتعليقة 4 في الصحيفة 149.

[ 392 ]

ولا خلاف ايضا في انفعاله بملاقاة النجاسة وان كثر، نقل الاجماع على ذلك جملة من معتمدي الاصحاب. ويدل عليه ايضا ما رواه السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام): " ان امير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة. فقال: يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " (1). واعترض على الرواية بضعف السند اولا، وورودها في مورد خاص ثانيا، وعدم ظهورها في النجاسة ثالثا. ولا يخفى ما في هذه المناقشات من التعسف. (اما الاولى) فبما عرفت في المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب. و (اما الثانية) فلما عرفت في المقام الخامس من المقدمة الثالثة (2) من ان تعدية الحكم في مثل هذا المقام من قبيل تنقيح المناط القطعي، إذ لا يعلم هنا مدخل لخصوصية السؤال. و (اما الثالثة) فلان الامر باهراق المرق المذكور وغسل اللحم اظهر دلالة على النجاسة من ان يحوم حوله الانكار. ويدل على ذلك ايضا رواية زكريا بن آدم المروية بطرق ثلاث (3) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة نبيذ أو خمر مسكر قطرت في قدر فيه لحم


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل، وفى الباب - 44 - من ابواب الاطعمة المحرمة. (2) في الصحيفة 56. (3) ورواها صاحب الوسائل في الباب - 38 - من ابواب النجاسات، وفى الباب - 26 - من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 393 ]

كثير ومرق كثير. قال: يهراق المرق أو يطعم اهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله.. الحديث ". واستدل ايضا على الحكم المذكور بصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي، وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك ". وهذا الاستدلال بمكان من الضعف، إذ مورد الرواية ليس مما نحن فيه، فان المضاف في اصطلاحهم لا يشمل مثل الدهن والزيت. وقياسه عليهما باعتبار الاشتراك في الميعان باطل عندنا (اما اولا) فلعدم بناء الاحكام على القياس. و (اما ثانيا) فلعدم ثبوت كون مطلق الميعان علة حتى يلزم من الاشتراك فيها ذلك. واستدل ايضا بان المائع قابل للنجاسة، والنجاسة موجبة لتنجيس ما لاقته، فيظهر حكمها عند الملاقاة، ثم تسري النجاسة بممازجة المائع بعضه بعضا. واعترض عليه بان قبول المائع النجاسة، ان كان باعتبار الرطوبة المقتضية للتأثير عند ملاقاة النجاسة فمن البين انها موجودة في كثير من افراد الجامد الذي من شأنه الميعان كالسمن، ولا ريب في عدم تأثره بنجاسة ما يتصل به من اجزائه المحكوم بنجاستها مع تحقق الملاقاة بينهما. وقد صرح بهذا في الحديث الذي احتجوا به. وان كان باعتبار الدليل الدال فكان الاولى الاحتجاج به على تقدير وجوده. وكيف كان فكون الحكم اجماعيا مما يهون الخطب، وجملة من متأخري المتأخرين انما عولوا في هذه المسألة عليه. لما نقلنا عنهم من الطعن في الادلة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل، وفى الباب - 6 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. وفى الباب - 43 - من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 394 ]

(المسألة الثانية) المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع غير و منهم (1) عدم جواز رفع الحدث بالمضاف. وخالف في ذلك الصدوق في الفقيه، فقال (2): " ولا بأس بالوضوء والغسل من الجنابة والاستياك بماء الورد " واصرح منه كلامه في الامالي (3). ونقل الشيخ في الخلاف عن قوم من اصحاب الحديث جواز الوضوء بماء الورد. حجة الصدوق على ما نقل رواية محمد بن عيسى عن يونس عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: " قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة ؟ قال: لا بأس بذلك ". واجاب الشيخ (قدس سره) في التهذيب (5) عنه بانه خبر شاذ شديد الشذوذ وان تكرر في الكتب والاصول، فانما اصله يونس عن ابي الحسن (عليه السلام) ولم يروه غيره. وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، وما يكون هذه حكمه لا يعمل به، ولو سلم لاحتمل أن يكون اراد به الوضوء الذي هو التحسين، وقد بينا فيما تقدم ان ذلك يسمى وضوء، ثم قال: " وليس لاحد أن يقول: ان في الخبر انه سأله عن ماء الورد يتوضأ به للصلاة. لان ذلك لا ينافي ما قلناه، لانه يجوز ان يستعمل للتحسين ومع هذا يقصد به الدخول في الصلاة، من حيث انه متى استعمل الرائحة الطيبة لدخوله في الصلاة ولمناجاة ربه كان أفضل من ان يقصد به التلذذ حسب دون وجه الله. ثم قال: ويحتمل ايضا أن يكون أراد بقوله: " ماء الورد " الماء الذي وقع فيه الورد. لان ذلك يسمى ماء ورد وان لم يكن معتصرا منه، لان كل شئ جاور غيره فانه


(1) منهم: المحقق في الشرايع، والعلامة في النهاية والمنتهى، والشهيد في الذكرى، والشيخ في كتابي الاخبار (منه رحمه الله). (2) في باب (المياه وطهرها ونجاستها). (3) في الصحيفة 383. (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (5) في الصحيفة 62.

[ 395 ]

يكسبه اسم الاضافة إليه " انتهى كلامه زيد مقامه. واشار بقوله: " وقد بينا فيما تقدم ان ذلك يسمى وضوء " إلى موثقة عبيد بن زرارة (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدقيق يتوضأ به. قال: لا بأس بان يتوضأ به وينتفع به " حيث قال بعد ايراد الخبر المذكور: " معناه انه يجوز التمسح به والتوضؤ الذي هو التحسين دون الوضوء للصلاة " انتهى. ونقل عن ظاهر ابن ابي عقيل (2) انه جور الوضوء به حال الضرورة فيقدم على التيمم. وهو مع عدم الدليل عليه محجوج بما سيأتي ذكره. حجة الاكثر على انحصار رفع الحدث في المطلق وجوه: (منها) قوله سبحانه: " فلم تجدوا ماء فتيمموا.. " (3) حيث اوجب التيمم عند فقد الماء، ولا خلاف في ان اطلاق الماء لا ينصرف إلى المضاف. ومنه علم سقوط الواسطة. فانه لو كان الوضوء جائزا بغيره لم يجب التيمم، وهو ظاهر. و (منها) رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يكون معه اللبن يتوضأ منه للصلاة ؟ فقال: لا، إنما هو الماء والصعيد ورواية عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين (5) قال: " إذا كان الرجل لا يقدر على الماء وهو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن، إنما هو الماء أو التيمم.. ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب التيمم. (2) إنما اسند النقل إلى ظاهره لانه صرح بجواز استعماله مع الضرورة، وهو شامل باطلاقه للاستعمال في رفع الحدث والخبث، واكثر الاصحاب انما نقلوا خلافه في رفع الخبث خاصة، والشهيد في الدروس نقله عنه في رفع الحدث ايضا، حيث قال: " فلو اضطر إليه تيمم خلافا لابن ابى عقيل " وكأنه نظر إلى ما ذكره (منه رحمه الله). (3) سورة النساء. الآية 46 وسورة المائدة. الآية 8. (4) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (5) المروية في الوسائل في الباب - 1 و 2 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل

[ 396 ]

وجه الاستدلال حصر طهارة الوضوء في الماء والصعيد الدال على نفي غيرهما. وما يوهم خلاف ذلك من قوله في ذيل الخبر الثاني: " فان لم يقدر على الماء وكان نبيذا. فاني سمعت حريزا يذكر في حديث: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد توضأ بالنبيذ ولم يقدر على الماء " فمحمول على التقية، وفي الاستشهاد بنقل حريز ايناس بذلك. ويحتمل ايضا حمل النبيذ على ما ينبذ فيه تمر لكسر مرارة الماء كما كان يستعمل سابقا لكن على وجه لا يخرج به الماء عن الاطلاق، كما تضمنه حديث الكلبي النسابة (1) إلا أن الظاهر بعده (2) ويحتمل ايضا ان تكون هذه التتمة من كلام عبد الله بن المغيرة. و (منها) ان الحدث المانع من الدخول في الصلاة معنى مستفاد من الشرع فيجب استمراره بعد وجود سببه إلى أن يثبت له رافع شرعي. والذي ثبت رافعيته من الشرع هو الماء المطلق. والقول بانه يمكن المناقشة هنا بمنع حجية الاستصحاب مردود بان هذا الاستصحاب ليس من القسم المتنازع فيه. وهو القسم الرابع من الاقسام المتقدمة في المقدمة الثالثة. بل هو من القسم الثاني أو الثالث من الاقسام المتقدمة الذي هو عبارة عن عموم الدليل أو اطلاقه، كما تقدم ايضاحه (3). و (منها) قوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (4) فانه تعالى ذكر الماء هنا في معرض الامتنان على العباد. فلو حصلت الطهارة بغيره لكان الامتنان بالاعم اولى. واعترض على هذا الوجه بانه يجوز ان يخص أحد الشيئين الممتن بهما بالذكر لكونه أبلغ واكثر وجودا وأعم نفعا. وقد تقرر ان التخصيص بالذكر لا ينحصر في التخصيص بالحكم.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) وجه البعد ان المفروض ان النبيذ ماء مطلق ايضا ويتناوله باطلاقه، فيدخل في عموم المقدورية على الماء في عبارة الخبر، فكيف صح جعله قسيما ومقابلا له ؟ (منه رحمه الله). (3) في المطلب الثاني في الصحيفة 51. (4) سورة الفرقان. الآية 51.

[ 397 ]

هذا. ولم اقف على موافق للصدوق (طاب ثراه) من الاصحاب إلا ما يظهر من كلام المحدث الكاشاني في مفاتيحه ووافية، حيث قال في الاول بعد الكلام في المسألة ما لفظه: " ويحتمل قويا الجواز، لصدق الماء على ماء الورد، لان الاضافة ليست إلا لمجرد اللفظ كماء السماء، دون المعنى كماء الزعفران والحناء والخليط بغيره، مع تأيد الخبر بعمل الصدوق، وضمانه صحة ما رواه في الفقيه، وعدم المعارض الناص " انتهى. وقال في الثاني بعد نقل خبر يونس المتقدم (1) ما لفظه: " وافتى بمضمونه في الفقيه، ونسبه في التهذيبين إلى الشذوذ، ثم حمله على التحسين والتطيب للصلاة دون رفع الحدث. مستدلا بما في الخبر الآتي " إنما هو الماء والصعيد " (2) اقول: هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فان ماء الورد ماء استخرج من الورد " انتهى. وحاصل هذا الكلام يرجع إلى ان الماء المضاف الذي يخرج بالاضافة عن كونه مطلقا إنما هو ما إذا اضيف الملطق إلى جسم من الاجسام على وجه يغيره ويسلبه الاطلاق. واما ما اتخذ من الورد فهو ماء مطلق قد تصاعد حتى تكونت منه تلك الاجسام ثم استخرج منها، فاضافته للورد لفظية كماء السماء وماء البئر ونحوهما وان كان قد اكتسب بسبب ذلك تغيرا في الاوصاف، فان ذلك لا يخرجه عما كان عليه من الاطلاق. وانت خبير بما فيه من الوهن والقصور: (اما اولا) فلانه بمقتضى ذلك لا ينحصر ما ذكره في ماء الورد بخصوصه بل يجري في ماء العنب والرمان ونحوهما من الثمار التي يعتصر منها من حيث تصاعده إليها بالسقي، بل مثل اوراق الشجر ونحوها كما لا يخفى، فالواجب بمقتضى ما ذكره جواز الوضوء بالماء المتخذ من جميع ذلك. ولا اظنه يقوله.


(1) في الصحيفة 394. (2) وهو خبر ابى بصير المتقدم في الصحيفة 395.

[ 398 ]

و (اما ثانيا) فلانه لا خلاف بين كافة الناس في ان اطلاق الماء لا يشمل هذه المياه، بخلاف ماء البئر وماء السماء ونحوهما. وما ذاك إلا لخروج تلك المياه عن الاطلاق دون هذه. و (اما ثالثا) فلانه كما ان الماء باضافته إلى مثل الزعفران يخرج عن الاطلاق لاكتسابه اجزاء منه، كذلك ما تكونت منه تلك الثمار قد استحال عن حقيقته الاولى وخرج عنها إلى حقيقة اخرى، وإلا لكان البول اولى بعدم الخروج عن اطلاق الماء، لانه لم يكتسب بعد شربه إلا المرور على تلك المجاري الباطنة وان اكتسب عفونة ونتنا باللبث فيها آنا، مع انه لا يسمى ماء بالكلية فضلا عن ان يكون مطلقا. وما ذاك إلا لخروجه عن حقيقة الماء بالكلية بسبب تغير طبعه وانقلاب حقيقته إلى حقيقة اخرى، مع ان اصله الماء بل بقاء المائية فيه اظهر. وما نحن فيه كذلك ايضا. و (اما رابعا) فلان الصدوق (رضوان الله عليه) ليس معصوما يجب الاقتداء به، ومخالفة هذا القائل (قدس سره) له وكذا غيره من الاخباريين في جملة من المسائل اكثر من ان يحصى. على ان كلامه في الفقيه نقل لمتن الخبر، فهو قابل للاحتمال ايضا. وضمانه صحة ما يرويه في الكتاب المذكور لا تأييد فيه، لانه يكفينا في المقام تأويل الخبر باحد الوجوه التي ذكرها شيخنا الطوسي (طيب الله مرقده) من غير ضرورة إلى رده وطرحه رأسا لينافي ضمانه المذكور. و (اما خامسا) فلما ذكره في كتاب الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام) (1): " كل ماء مضاف أو مضاف إليه فلا يجوز التطهير به ويجوز شربه، مثل ماء الورد وماء القرع وماء الزعفران وماء الخلوق وغيره مما يشبهها، وكل ذلك لا يجوز استعماله إلا الماء القراح والتراب " انتهى. وقد قدمنا لك في تتمة المقدمة الثانية (2)


(1) في الصحيفة 5. (2) في الصحيفة 25.

[ 399 ]

ان الكتاب المذكور معتمد عليه عندنا وعند جملة من مشايخنا (قدس الله تعالى ارواحهم). (المسألة الثالثة) المشهور بين الاصحاب (طيب الله مضاجعهم) ان المضاف لا يرفع خبثا، وذهب السيد المرتضى ونقل ايضا عن الشيخ المفيد إلى جواز رفع الخبث به، ونقل عن ابي عقيل ايضا القول بذلك. إلا انه خص جواز استعماله بالضرورة. وعبارته المنقولة عنه شاملة باطلاقها للاستعمال في رفع الحديث والخبث، كما اشرنا إليه آنفا (1). وظاهر كلام جملة من الاصحاب تخصيص خلاف السيد هنا بالمضاف، والذي وقفت عليه في كلامه في المسائل الناصرية وكذا نقله عنه الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر هو جواز ازالة الخبث بالمائعات مطلقا (2). استدل الجمهور من اصحابنا على ما ذهبوا إليه بوجوه: (أحدها) ورود الاوامر بالغسل بالماء، وهي كثيرة ستأتي ان شاء الله تعالى في أحكام النجاسات، والمتبادر عند الاطلاق هو المطلق. ولو كان الغسل بغيره جايزا لكل تعيينه في هذه الاخبار لا يخلو من حرج وضيق، وهو ممتنع. واورد عليه ان الاوامر المذكورة مخصوصة بنجاسات معينة، والمدعى عام. واجاب المحقق في بعض مسائله بانه لا قائل منا بالفرق. اقول: ويمكن الجواب بالتعدية إلى غير ما هو مذكور في تلك الاخبار بطريق تنقيح المناط القطعي الذي تقدمت الاشارة إليه في المقدمة الثالثة (3) ويمكن ايضا ان يدعى ان الغسل حقيقة فيما يقع بالماء المطلق خاصة.


(1) في التعليقة 2 في الصحيفة 395. (2) قال في المسائل الناصرية - بعد قول جده الناصر: لا يجوز ازالة النجاسة بشئ من المائعات سوى الماء المطلق - ما لفظه: " عندنا ازالة النجاسة بالمائع الطاهر وان لم يكن ماء، وبه قال أبو حنيفة وابو يوسف (منه قدس سره). (3) في الصحيفة 56.

[ 400 ]

(ثانيها) ان ملاقاة النجاسة للمائع تقتضي نجاسته، والنجس لا يزول به النجاسة. واعترض عليه بان مثله وارد في الماء المطلق القليل. فان النجاسة تزول به مع تنجسه بالملاقاة. واجاب المحقق (رحمه الله) بالمنع من نجاسة المطلق عند وروده على النجاسة. كما هو مذهب المرتضى في بعض مصنفاته. وبان مقتضى الدليل التسوية بينهما، لكن ترك العمل به في المطلق للاجماع ولضرورة الحاجة إلى الازالة، والضرورة تندفع بالمطلق فلا يسوى به غيره، لما في ذلك من تكثير المخالفة للدليل. (ثالثها) - ان منع الشرع من استصحاب الثوب النجس مثلا في الصلاة ثابت قبل غسله بالماء، فيثبت بعد غسله بغير الماء عملا بالاستصحاب. وارود عليه (1) ان الاستصحاب المقبول هو ما يكون دليل الحكم فيه غير مقيد بوقت. وفي تحقق ذلك هنا نظر، إذ العمدة في اثبات المنع المذكور بطريق العموم هو الاجماع. ومن البين ان الاتفاق إنما وقع على منع استصحاب النجس قبل الغسل مطلقا لا قبل الغسل بالماء. وفيه نظر (اما اولا) فلان العمدة في منع الصلاة في الثوب النجس إنما هي الاخبار الدالة على النهي عن ذلك، ولاشك ان النهي ظاهر في العموم لجميع الازمنة كما صرحوا به في الاصول إلى ان يظهر الرافع له. و (اما ثانيا) فلانه مع تسليم اختصاص الدليل بالاجماع فلا منافاة، فان الاجماع متى قام على المنع من الصلاة في الثوب النجس والنهي عن ذلك. فالنهي ايضا عام بالتقريب المذكور إلى ان يثبت الرافع، فان المراد بكون دليل الحكم غير مقيد بوقت يعني ان التقييد غير مفهوم من نفس اللفظ الدال على ذلك الحكم. بل هو مطلق.


(1) هذا الايراد ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم. وتبعه عليه الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس وفيه ما ذكرناه (منه قدس سره).

[ 401 ]

أو عام إلى غاية يعلم بها ارتفاع ذلك الحكم. ووقوع الخلاف في الرافع لا يوجب تقييدا في الحكم حتى يقال ان الحكم هنا مقيد. وبالجملة فان الشارع نهى عن الصلاة في الثوب النجس حتى تزال النجاسة، سواء كان مستند هذا النهي الاجماع أو الخبر. والنهي كما ذكرنا ظاهر في العموم إلى وجود الرافع، فلو وقع الخلاف في بعض الاشياء بانها هل تكون رافعة ام لا فللمانع ان يتمسك بالاستصحاب الذي هو عبارة عن عموم الدليل أو اطلاقه حتى يثبت المدعي كون ذلك رافعا شرعا. وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه. (رابعها) قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به.. " (1). وجه الاستدلال انه خص التطهير بالماء فلا يقع بغيره. اما المقدمة الاولى فلانه تعالى ذكر الآية في معرض الامتنان، فلو حصلت الطهارة بغيره كان الامتنان بالاعم أولى ولم يكن للتخصيص فائدة. واعترض عليه بما ذكره في المسألة الثانية في الاستدلال بقوله سبحانه: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (2). اقول: ومن الادلة ايضا ان يقال: ان الطهارة والنجاسة حكمان شرعيان لا مدخل للعقل فيهما بوجه كسائر احكام الشرع، فما علم من الشرع كونه منجسا يجب قصر الحكم بالنجاسة على ملاقاته، وما علم من الشرع كونه رافعا للنجاسة وموجبا للتطهير يجب قصر الحكم بالطهارة عليه. ولعل هذا اقوى دليل في المقام. احتج السيد على ما نقل عنه بوجوه: (الاول) اجماع الفرقة، حكاه عنه العلامة في المختلف، ونقل عن المحقق في بعض مصنفاته ان المفيد والمرتضى اضافا ذلك إلى مذهبنا. اقول: وهو ظاهر كلام السيد (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية.


(1) سورة الانفال. الآية 12. (2) سورة الفرقان. الآية 51.

[ 402 ]

وأجاب العلامة في المختلف عن ذلك بانه لو قيل ان الاجماع على خلاف دعواه أمكن ان اريد به اكثر الفقهاء، إذ لم يوافقه على ما ذهب إليه من وصلنا خلافه. وفيه ان خلاف المفيد كما حكيناه محكي في غير موضع من كتب الاصحاب. وقال المحقق (طاب ثراه) بعد ما قدمنا نقله عنه من ان المفيد والمرتضى اضافا القول بذلك إلى مذهبنا ما صورته: " اما علم الهدى فانه ذكر في الخلاف انه إنما اضاف ذلك إلى المذهب لانه من اصلنا العمل بدليل العقل ما لم يثبت الناقل، وليس في الادلة النقلية ما يمنع من استعمال المائعات في الازالة ولا ما يوجبها، ونحن نعلم انه لا فرق بين الماء والخل في الازالة، بل ربما كان غير الماء ابلغ، فحكمنا حينئذ بدليل العقل. واما المفيد فانه ادعى في مسائل الخلاف ان ذلك مروي عن الائمة (عليهم السلام) ثم قال: اما نحن فقد فرقنا بين الماء والخل، فلم يرد علينا ما ذكره علم الهدى، واما المفيد فنمنع دعواه ونطالبه بنقل ما ادعاه " انتهى. واشار بقوله: " واما نحن فقد فرقنا.. الخ " إلى ما يأتي من كلامه في جواب الاحتجاج بالآية. اقول: ربما عرفت في المقام الثاني من المقدمة الثالثة (1)، من امر الاجماع وما فيه من النزاع وكذا في المقدمة العاشرة في الكلام على دليل العقل يظهر لك ما في هذا الدليل وانه غير واضح السبيل، فانه لا مجال للعقل في الاحكام الشرعية. لبنائها على التوقيف من المبلغ للشريعة " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (2). (الثاني) قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (3) حيث أمر بتطهير الثوب ولم يفصل بين الماء وغيره. حكى ذلك عنه في المختلف، وحكى عنه ايضا انه اعترض على نفسه فيه بالمنع من تناول الطهارة للغسل بغير الماء، ثم أجاب بان تطهير الثوب ليس باكثر من ازالة النجاسة عنه. وقد زالت بغير الماء مشاهدة، لان الثوب لا يلحقه عبادة.


(1) في الصحيفة 35. (2) سورة الحشر. الآية 8. (3) سورة المدثر. الآية 5.

[ 403 ]

واجاب العلامة في المختلف بان المراد بالآية على ما ورد به التفسير لا تلبسها على معصية ولا على غدر، فان الغادر الفاجر يسمى دنس الثياب. سلمنا ان المراد بالطهارة المتعارف شرعا، لكن لا دلالة فيه على الطهارة باي شئ تحصل، بل دلالتها على ما قلناه من ان الطهارة انما تخصل بالماء أولى، لان مع الغسل بالماء يحصل الامتثال قطعا، وليس كذلك لو غسلت بغيره. وقوله: النجاسة قد زالت حسا. قلنا: لا يلزم من زوالها في الحس زوالها شرعا، فان الثوب لو يبس بلله بالماء النجس أو البول لم يطهر وان زالت النجاسة عنه، مع انه (رحمه الله) أجاب حين سئل عن معنى نجس العين ونجس الحكم بان الاعيان ليس نجسة، لانها عبارة عن جواهر مركبة وهي متماثلة فلو نجس بعضها لنجس سائرها وانتفى الفرق بين الخنزير وغيره، وقد علم خلافه، وإنما التنجيس حكم شرعي، ولا يقال نجس العين إلا على المجاز دون الحقيقة، وإذا كانت النجاسة حكما شرعيا لم تزل عن المحل إلا بحكم شرعي، فحكمه (رحمه الله) بزوالها عن المحل بزوالها حسا ممنوع. انتهى. واجاب المحقق (رحمه الله) عن الآية (1) بمنع دلالتها على موضع النزاع، لانها دالة على وجوب التطهير. والبحث ليس فيه بل في كيفية الازالة. ثم اعترض على نفسه أولا بان الطهارة ازالة النجاسة كيف كان. واجاب بان هذا اول المسألة. واعترض ثانيا بان الغسل بغير الماء يزيل عين النجاسة فيكون طهارة. واجاب اولا بالمنع فان النجاسة إذا مازجت المائع شاعت فيه. والباقي في الثوب منه تعلق به حصة من النجاسة، ولان النجاسة ربما سرت في الثوب فسدت مسامه فتمنع غير الماء من الولوج حيث هي، وتبقى مرتكبة في محلها. ثم سلم زوال عين النجاسة ثانيا وقال: لكن لا نسلم زوال نجاسة تخلفها، فان المائع بملاقاة النجاسة يصير عين نجاسة، فالبلة المتخلفة


(1) وهذا الجواب نقله عنه في المعالم، والظاهر انه منقول من بعض اجوبته في المسائل وإلا فهو ليس في كتاب المعتبر مما حضرني من نسخته (منه رحمه الله).

[ 404 ]

منه في الثوب بعض المنفصل النجس فيكون نجسا، أو نقول: للنجاسة الرطبة أثر في تعدي حكمها إلى المحل، كما ان النجاسة عند ملاقاة المائع تتعدى نجاستها إليه، فعند وقوع النجاسة الرطبة تعود اجزاء الثوب الملاقية لها نجسة شرعا، وتلك العين المنفعلة لا تزول بالغسل. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما في هذه الاجوبة من التكلف. والصواب في الجواب هو ما استفاضت به أخبار أهل الذكر (صلوات الله عليهم) في تفسير الآية المشار إليها من ان المراد بالتطهير فيها إنما هو رفع الثياب وتشميرها، ففي الكافي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: " اي فشمر " وفي رواية " يقول: ارفعها ولا تجرها " وفى اخرى عن الكاظم (عليه السلام) " ان الله عزوجل قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): وثيابك فطهر. وكانت ثيابه طاهرة وانما امره بالتشمير " وفى المجمع عن الصادق (عليه السلام) " معناه وثيابك فقصر " وعن امير المؤمنين (عليه السلام) " قال الله تعالى: وثيابك فطهر. أي فشمر " والقمي في تفسيره " وتطهيرها تشميرها ". وحينئذ فإذا اتفقت اخبارهم (عليهم السلام) بتفسيرها بهذا المعنى، واللفظ مجمل يحتاج في تعيين المراد منه إلى التوقيف منهم (عليهم السلام) ولا يجوز القطع على مراده (سبحانه) بدون ذلك كما عرفته في المقدمة الثالثة (2) فلا يجوز تجاوزه إلى غيره، لان القرآن عليهم انزل، وهم أعرف بما ابهم منه واجمل. واما ما ذكره العلامة (رحمه الله) من التفسير فلم نقف له في الاخبار على خبر، ولعله من كلام سائر المفسرين. إلا انه ينافي ظاهر عبارته (3). (الثالث) اطلاق الامر بالغسل من النجاسة من غير تقييد، وقد وقع


(1) ج 2 ص 207. (2) في المقام الاول في الصحيفة 27. (3) فان نسبته إلى الورود يشعر بكونه على سبيل الرواية اللهم إلا أن تكون من طرق العامة (منه رحمه الله).

[ 405 ]

ذلك في عدة اخبار (1) كما سيأتي ان شاء الله تعالى في مبحث النجاسات، ونقل عنه في المختلف انه اعترض على نفسه هنا ايضا بان اطلاق الامر بالغسل ينصرف إلى ما يغسل به في العادة، ولم تقض العادة بالغسل بغير الماء. ثم اجاب بالمنع من اختصاص الغسل بما يسمى الغاسل به غاسلا عادة، إذ لو كان كذلك لوجب المنع من غسل الثوب بماء الكبريت والنفط وغيرهما مما لم تجر العادة بالغسل به، ولما جاز ذلك وان لم يكن معتادا اجماعا علمنا عدم الاشتراط بالعادة وان المراد بالغسل ما يتناوله اسمه حقيقة من غير اعتبار العادة. واجيب عنه (اولا) بان الغسل حقيقة في استعمال الماء، وبعض اطلق لفظ الحقيقة وبعض قيدها بالشرعية، والمطلقون احتجوا لذلك بسبقه إلى الذهن وتبادره عند الاطلاق كما يعلم مراد الآمر بقوله: اسقني. و (ثانيا) بان اطلاق الاوامر الواردة في الاخبار محمول على المقيد من الاوامر المذكورة مما قدمنا الاشارة إليه. اقول: ما ادعاه المرتضى (رضي الله عنه) من نقض الحمل على العادة بالغسل بماء الكبريت مردود بان الحمل على العادة لا يوجب اشتراط العادة في كل فرد فرد من افراد المياه المطلقة، وإلا لما جاز التطهير بماء مطلق لم يوجد إلا تلك الساعة بل النظر في ذلك إلى نوع الكلي، فما أجاب به (قدس سره) من المنع ممنوع. (الرابع) ان الغرض من الطهارة إزالة عين النجاسة، كما تشهد به رواية


(1) منها: قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن ابى يعفور - وقد سأله عن المنى يصيب الثوب -: " ان عرفت مكانه فاغسله، وان خفى عليك مكانه فاغسل الثوب كله " وقوله في خبر الحلبي: " وإذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه المنى فليغسل الذى اصاب ثوبه " إلى غير ذلك من الاخبار (منه قدس سره).

[ 406 ]

حكم حكيم الصيرفي (1)، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ابول فلا اصيب الماء، وقد أصاب يدي شئ من البول، فامسحه بالحائط والتراب، ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي ؟ قال لا بأس به " ورواية غياث ابن ابراهيم عن ابي عبد الله عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق ". وأجاب المحقق في المعتبر بان خبر حكم بن حكيم مطرح، لان البول لا يزول عن الجسد بالتراب باتفاق منا ومن الخصم. واما خبر غياث فمتروك، لان غياثا بتري ضعيف الرواية ولا يعمل على ما ينفرد به، قال: ولو صحت نزلت على جواز الاستعانة في غسله بالبصاق لا ليطهر المحل به منفردا، فان جوار غسله به لا يقتضي طهارة المحل، ولم يتضمن الخبر ذلك، والبحث ليس إلا فيه. (اقول): وسيأتي لك الكلام في رواية حكم بن حكيم وتحقيق الحال فيها بما تندفع به شبهة المستند إليها من غير ضرورة إلى طرحها (3). تذنيب قال المحدث الكاشاني (قدس سره) في كتاب المفاتيح: " يشترط في الازالة اطلاق الماء على المشهور، خلافا للسيد والمفيد، وجوزا بالمضاف، بل جوز السيد تطهير الاجسام الصقيلة بالمسح بحيث تزول العين، لزوال العلة. ولا يخلو من قوة، إذ غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب اعيان النجاسات، اما وجوب غسلها بالماء عن كل جسم فلا، فكل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره إلا ما خرج


(1) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (3) في المسألة الثالثة من مسائل البحث الاول من احكام النجاسات.

[ 407 ]

بدليل، حيث اقتضى فيه اشتراط الماء كالثوب والبدن، ومن هنا يظهر طهارة البواطن كلها بزوال العين. مضافا إلى نفي الحرج، ويدل عليه الموثق (1) وكذا اعضاء الحيوان المتنجسة غير الآدمي كما يستفاد من الصحاح " انتهى. وهذا الكلام يدل صريحا على موافقته للسيد فيما ذكره من تطهير الاجسام الصقيلة بالمسح على الوجه المذكور، وظاهرا على موافقته له ايضا في رفع الخبث بالمضاف لكن في غير الثوب والجسد. وهو منظور فيه من وجوه: (أحدها) ان الطهارة والنجاسة كما عرفت حكمان شرعيان متوقفان على التوقيف والرسم من صاحب الشريعة في تعيين ما يجعله نجسا أو طاهرا أو منجسا أو مطهرا، ولم يعلم منه ان مجرد الازالة أحد المطهرات الشرعية مطلقا. وقوله: انه لم يعلم من الشرع وجوب غسل النجاسة بالماء عن كل جسم، بل كل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره إلا الثوب والبدن مردود بان المعلوم من الشرع خلافه، وإلا لكان الامر بتطهير الاواني من ولوغ الكلب والخنزير والخمر وموت الفأرة ونحو ذلك عبثا محضا، لامكان زوال العين بدونه من تمسيح ونحوه، مع انه في اناء الولوغ ورد الامر بغسله بالماء بعد تعفيره. ولا ريب انه مع فرض وصول لعاب من الكلب في الاناء فانه يزول بالتعفير، فما الحاجة إلى الماء حينئذ ؟ سيما على القول بوجوب المرتين كما هو المشهور، مع انه ايضا مروي كما سيأتي في محله ان شاء الله تعالى وكذا المواضع المأمور فيها بالتعدد ثلاثا أو سبعا، فان زوال العين لو كان ثمة عين يحصل باول مرة، فما الموجب للتعدد لو لم يكن المحل باقيا على النجاسة ؟ مع بناء الشريعة على السهولة والتخفيف في الاحكام. ما هذا إلا رمي في الظلام من هذا الامام.


(1) الظاهر انه يريد موثق عمار " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر.. الحديث المروى في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات.

[ 408 ]

(ثانيها) ان ما ادعاه من كلية طهارة ما علم زوال النجاسة عنه في غير الفردين المذكورين دعوى لا دليل عليها، بل للخصم ان يقلب ذلك عليه ويقول: ان كل متنجس يجب تطهيره بالماء إلا ما خرج بدليل، ولا شك ان هذه الكلية اكثر افرادا واشمل اعدادا من الكلية التي ادعاها، لما عرفت من الاوامر الواردة بغسل الاواني وازالة النجاسات عن الثوب والبدن وغسل الفرش والبسط ونحو ذلك. ونحن لم نجد من افراد الكلية التي ادعاها في النصوص سوى الفردين المذكورين، وهما طهارة البواطن وطهارة اعضاء الحيوان بالغيبة. وهل يصح في الاذهان السليمة والطباع المستقيمة ان يدعى في الاحكام الشرعية المبنية على التوقيف والسماع من صاحب الشرع حكم كلي وقاعدة مطردة ولم يرد لها في الخارج عنهم (عليهم السلام) إلا فردان أو ثلاثة ؟ ما هذا إلا نوع من الاجتهاد الصرف والتخريج البحت، بل لم يبلغ المجتهدون الذين قد بسط عليهم لسان التشنيع في جملة مصنفاته، سيما رسالته المسماة بسفينة النجاة إلى مثل هذا، لان قصارى ما ربما يرتكبه بعضهم الحاق بعض الافراد الغير المنصوصة بما هو منصوص واثبات الحكم في مادة جزئية، لا اثبات حكم كلي وقانون اصلي مع كونه خاليا من الدليل بمجرد وجود فرد أو فردين ولو كان هذا الحكم كما يدعيه كليا مع مطابقته للسهولة والتخفيف الذين عليهما بناء الشريعة المحمدية، لتكثرت في الخارج افراده واستفاضت عنهم (عليهم السلام) جزئياته ان لم يصرحوا بكليته. (ثالثها) انه قد اختار في مسألة الارض والبواري ونحوها إذا جففتها الشمس بعد زوال عين النجاسة عدم الطهارة، بل حكم بالعفو خاصة مع بقاء النجاسة وعدم طهرها إلا بالماء. مع ان هذا مما يدخل تحت هذه القاعدة التي ادعاها هنا. إذ هو مما علم زوال النجاسة عنه قطعا. فلم لم يحكم بطهره ؟ بل حكم بالنجاسة، مستدلا

[ 409 ]

على ذلك بالروايات الواردة هناك التي من جملتها صحيحة ابن بزيع (1) قال: " سألته عن الارض والسطح يصيبه البول وما أشبهه، هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال: كيف يطهر من غير ماء " فانظر ايدك الله تعالى إلى قوله: (عليه السلام) على جهة التعجب: " كيف يطهر من غير ماء " وما فيه من الصراحة في التطهير مطلقا لا يكون إلا بالماء. (رابعها) انه قد تفرد بان المتنجس لا ينجس، بمعنى ان النجاسة لا تتعدى إلا من عين النجاسة دون محلها بعد زوال العين، مع حكمه هناك ببقاء المحل على النجاسة واحتياجه إلى التطهير. وظاهر كلامه كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (2) اعم من ان يكون في البدن أو غيره. وهنا قد حكم بالطهارة بمجرد زوال العين في غير الموضعين المشار اليهما في كلامه. ولا يخفى عليك ما بينهما من التدافع. وسيأتي الكلام معه ايضا في هذه المسألة ان شاء الله تعالى. (المسألة الرابعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو خالط المطلق مضاف مخالف له في الصفات ولم يسلبه الاطلاق لم يخرجه عن الطهورية وقد نقل الاجماع عليه غير واحد منهم. اما لو كان ذلك المضاف مسلوب الاوصاف كماء الورد العديم الرائحة فعن الشيخ (رحمه الله) انه جعل الحكم منوطا بالاكثرية، ثم قال: " فان تساويا ينبغي القول بجواز استعماله، لان الاصل الاباحة. وان قلنا يستعمل ذلك ويتيمم كان أحوط " وعن ابن البراج انه لا يجوز استعماله في رفع الحدث ولا ازالة النجاسة، ويجوز في غير ذلك. حكى ذلك عنهما العلامة في المختلف. ونقل فيه عن ابن البراج انه نقل مباحثه جرت بينه وبين الشيخ في ذلك، وخلاصتها تمسك


(1) المروية في الوسائل في الباب - 29 - من ابواب النجاسات. (2) في المسألة الثالثة من مسائل البحث الاول من احكام النجاسات.

[ 410 ]

الشيخ بالاصل الدال على الاباحة، وتمسكه هو بالاحتياط. ثم قال في المختلف: " والحق عندي خلاف القولين معا وان جواز التطهير به تابع لاطلاق الاسم، فان كانت الممازجة اخرجته عن الاطلاق لم تجز الطهارة به، وإلا جازت، ولا اعتبر في ذلك المساواة والتفاضل ولو كان ماء الورد اكثر وبقى اطلاق اسم الماء اجزأت الطهارة به، لانه امتثل المأمور به وهو الطهارة بالماء المطلق. وطريق معرفة ذلك ان يقدر ماء الورد باقيا على اوصافه. ثم يعتبر ممازجته حينئذ فيحمل عليه منقطع الرائحة " انتهى. وما ذكره من التقدير لم يتعرض لوجهه هنا، إلا انه وجهه في النهاية بان الاخراج عن الاسم سالب للطهورية، وهذا الممازج لا يخرج عن الاسم بسبب الموافقة في الاوصاف، فيعتبر بغيره، كما يفعل في حكومات الجراج. وانت خبير بان ما ذكره في المختلف من تبعية التطهير لاطلاق الاسم حق لا اشكال فيه، لان اجراء الاحكام تابع للتسمية. واما ما ذكره من التقدير فلا دليل عليه شرعا ولا عرفا. وما علله به في النهاية محل نظر، فانه إذا سلم ان هذا الممازج لا يخرج عن الاسم بسبب الموافقة في الاوصاف لزم حينئذ جواز الطهارة به، لابتنائها كما عرفت على وجود الاسم. إلا انه يمكن أن يقال: انه مع تقدير انتفاء الاوصاف في المضاف واتفاقه مع المطلق، لا يظهر سلب الاطلاق ولا يتميز عن المطلق في مادة بالكلية ولو فرض انه خالطه من المضاف المفروض اضعافا مضاعفة، فلو بني الكلام على ملاحظة الاطلاق وعدم تميز المضاف عن الماء المطلق لاشكل الامر في ذلك، فلابد من تقدير الاوصاف حينئذ. ويمكن الجواب ببناء الامر على استهلاك أحدهما في جنب الآخر، ويدعى حينئذ ان حصول الاسم لاحدهما تابع لا كثريته وغلبته على الآخر بحيث يستهلكه. والى القول باعتبار تقدير المخالفة كما ذكره العلامة ذهب الشهيد في الدروس

[ 411 ]

والشيخ علي في بعض فوائده. ووجهه بان الحكم لما كان دائرا مع بقاء اسم الماء مطلقا وهو إنما يعلم بالاوصاف وجب تقدير بقائها قطعا، كما يقدر الحر عبدا في الحكومة. والتقريب بهذا التقدير اجود مما ذكره العلامة (1) إلا ان فيه كما ذكرنا ان الاستعلام ممكن بدون اعتبار تقدير الاوصاف. كما إذا علم مقدار الماءين في الجملة قبل المزج، ولا يحتاج إلى التقدير. ثم اعلم ان العلامة (رحمه الله) ذكر اعتبار تقدير الوصف في كثير من كتبه، ولم يعترض فيها لبيان الوصف المقدر. وقد حكى عنه المحقق الشيخ علي انه قال في بعض كتبه: " يجب التقدير على وجه تكون المخالفة وسطا، ولا تقدر الاوصاف التي كانت قبل ذلك " واستوجهه الشيخ علي ايضا، وقربه بانه بعد زوال تلك الاوصاف صارت هي وغيرها على حد سواء، فيجب رعاية الوسط، لانه الاغلب والمتبادر عند الاطلاق قال: " وإنما قلنا ان الزائد هنا لا ينظر إليه بعد الزوال لانه لو كان المضاف في غاية المخالفة في اوصافه فنقصت مخالفته لم يعتبر ذلك القدر الناقص، فكذا لو زالت اصلا ورأسا " انتهى. واعترض عليه بان النظر إلى كلامه الاخير يقتضي كون المقدر هو أقل ما يتحقق معه الوصف لا الوسط. وتحقيقه ان نقصان المخالفة كما فرضه لو انتهى إلى حد لم يبق معه إلا أقل ما يصدق به المسمى، لم يؤثر ذلك النقصان، ولا اعتبر مع الوصف الباقي أمر آخر، فكذا مع زوال الوصف من أصله، واعتبار الاغلبية والتبادر هنا مما لا وجه له كما لا يخفى، فظهر ان المتجه على القول بتقدير الوصف هو اعتبار الاقل.


(1) لانه جعل المدار على اطلاق الماء، والعلم بالاوصاف انما هو لاجل العلم ببقاء الاطلاق وعدمه، فيجب تقدير بقائها ليمكن العلم ببقاء الاطلاق وعدمه. إلا ان فيه ما عرفت من ان الطريق إلى استعلام بقاء الاطلاق وعدمه لا ينحصر في ذلك (منه قدس سره).

[ 412 ]

فرع لو كان مع المكلف ما لا يكفيه للطهارة من المطلق وامكن إتمامه بمضاف على وجه لا يسلبه الاطلاق. فنقل عن الشيخ انه قال: " ينبغي أن يجوز استعماله وليس واجبا، بل يكون فرضه التيمم، لانه ليس معه من الماء ما يكفيه لطهارته ". واستضعفه العلامة في المختلف باستلزامه التنافي بين الحكمين، فان جواز الاستعمال يستلزم وجوب المزج، لان الاستعمال إنما يجوز بالمطلق، فان كان هذا الاسم صادقا عليه بعد المزج وجب المزج، لان الطهارة بالمطلق واجبة ولا تتم إلا بالمزج، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وان كذب الاطلاق عليه لم يجز استعماله في الطهارة ويكون خلاف الفرض، فظهر التنافي بين الحكمين ثم قال: " والحق عندي وجوب المزج ان بقي الاطلاق، والمنع من استعماله ان لم يبق " انتهى. واجاب ابنه فخر المحققين في الشرح بان الطهارة واجب مشروط بوجود الماء والتمكن منه، فلا يجب ايجاده، لان شرط الواجب المشروط غير واجب، اما مع وجوده فيتعين استعماله. واورد عليه المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انه ان أراد بايجاد الماء ما لا يدخل تحت قدرة المكلف فاشتراط الامر بالطهارة حق ولا يضرنا، وان أاراد به الاعم فليس بجيد، إذ لا دليل يدل على ذلك، والايجاد المتنازع فيه معلوم كونه


(1) الظاهر ان مراد الشيخ (ره) من هذه العبارة ان المزج فيه غير واجب، لكن لو مزج فلا شك في وجوب الطهارة به بعد المزج، معللا بان وجوب الطهارة المائية مشروط بوجود الماء، وقيل المزج الماء غير موجود ففرضه التيمم. وربما قيل: ان معنى كلامه (رحمه الله) انه لا يجب المزج، ولو مزج لا يجب التطهير به بل يتخير بعد المزج ايضا بين الطهارة به والتيمم، معللا بان الاشتباه في الحس لا يستلزم اتحاد الحقيقة، والوجوب تابع لاتحاد الحقيقة، فلا يجب الطهارة به، واما جوازها فلصدق الاسم ولا يخفى بعده من كلام الشيخ الاجل " قده " (منه رحمه الله).

[ 413 ]

مقدرا للمكلف، والامر بالطهارة خال من الاشتراط. فلا يجوز تقييده إلا بدليل ثم قال: " والاصح مختار المصنف ". أقول: أنت خبير بانه لا خلاف في ان الطهارة المائية مشروطة بوجدان الماء كما يدل عليه قوله سبحانه (1): ".. فلم تجدوا ماء فتيمموا.. " (2) وحينئذ فلا معنى لقوله: " ان الامر بالطهارة خال من الاشتراط ". وبعض فضلاء متأخري المتأخرين (3) دفع كلام فخر المحققين بان وجدان الماء صادق عرفا على ما نحن فيه قبل المزج، فشرط الطهارة المائية وهو وجدان الماء موجود، قال: " وهو ليس بابعد من الوجدان فيما إذا أمكن حفر بئر مثلا، والظاهر انه لا نزاع في انه إذا أمكن حفر بئر مثلا لتحصيل الماء وجب، فلم لم يحكم بالوجوب هنا،


(1) في سورة النساء. الآية 46. وسورة المائدة. الآية 8. (2) فانه يدل على ان الفرض عند عدم وجدان الماء هو التيمم. ومنه يعلم ان وجوب الطهارة بالماء مشروط بوجدانه (منه رحمه الله). (3) هو الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس. وقال ايضا في موضع آخر - بعد ان ادعى صدق وجدان الماء عرفا على ما نحن فيه وانه في العرف يقولون انه واجد للماء - ما لفظه: " وهذا نظير ما إذا فرض ان شرط الحج هو الزاد والراحلة وكان لاحد مال غير الزاد والراحلة ولكن امنكه ان يشتريهما به، فانه في العرف يقولون انه واجد للزاد والراحلة وان شرط وجوب الحج متحقق، بخلاف ما إذا لم يكن له مال اصلا ولكنه يقدر على الاكتساب، إذ حينئذ لا يقولون ان شرط الحج متتحقق " انتهى. وفيه ان الظاهر ان التنظير المذكور ليس في محله، إذ لا يخفى ان وجدان الماء الذي لا يقوم بالطهارة في حكم العدم لوجوب الانتقال إلى التيمم بالنظر إليه، فمزجه بالماء المضاف ليحصل به ايجاد الماء المطلق الموجب للطهارة اشبه شئ بالاكتساب بتقريب ما قالوه في قبول هبة ما يستطيع به الحج من انه نوع اكتساب فلا يجب عليه. ولا ريب ان ما نحن فيه ادخل في الاكتساب في الاحتمال فيكون حينئذ من قبيل ما إذا لم يكن له مال للاستطاعة ولكنه يقدر على الاكتساب لا من قبيل ما ذكره. ونظير ما ذكره انما هو من له مال يمكنه ان يشترى به ماء كما لا يخفى (منه رحمه الله).

[ 414 ]

والتفرقة خلاف ما يحكم به الوجدان " والى هذا يشير كلام السيد السند في المدارك ايضا وفيه ان الظاهر الفرق بين الوصول إلى الماء الموجود بحفر ونحوه وتحصيله بعد وجوده في حد ذاته وبين ايجاده، لانك تعلم ان هذا الماء المطلق الموجود قبل المزج في حكم العدم، لوجوب التيمم معه لو لم يكن المضاف موجودا اجماعا، فالمزج حينئذ نوع ايجاد لما تجب به الطهارة المائية. وبذلك يظهر لك رجحان كلام الشيخ (رضوان الله عليه) وان بناء كلامه إنما هو على عدم صدق وجدان الماء في الصورة المفروضة. (المسألة الخامسة) اختلف الاصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) في طريق تطهير المضاف بعد نجاسته على اقوال: (أحدها) ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط حيث قال: " لا يطهر إلا بان يختلط بما زاد على الكر من المطلق. ثم ينظر. فان سلبه اطلاق اسم الماء لم يجز استعماله بحال، وان لم يسلبه اطلاق اسم الماء وغير احد اوصافه: أو لونه أو طعمه أو ريحه، لم يجز استعماله ايضا بحال " وربما كان الظاهر من المعتبر ايضا اختيار هذا القول، حيث نقل هذا الكلام ولم يتعرض لرده. والى هذا ذهب العلامة في التحرير الا انه لم يعتبر الزيادة على الكر. وبعضهم عده لذلك قولا رابعا في المسألة، إلا ان الظاهر كما ذكره البعض ان ذكر الزيادة في كلام الشيخ إنما خرج مخرج التساهل في التعبير. واعترض على هذا القول بان الدليل إنما دل على نجاسة الكثير من المطلق بتغير أحد اوصافه الثلاثة إذا كان التغير بالنجاسة لا المتنجس، والتغير هنا إنما هو بالمتنجس. وبينهما فرق واضح. واجيب بان المضاف صار بعد تنجيسه في حكم النجاسة، فكما ينجس الملاقي له ينجس المتغير به. وفيه انه ان اريد بصيرورته في حكم النجاسة يعني في جميع الاحكام فهو ممنوع، وان اريد في بعضها فهو غير مجد في المقام.

[ 415 ]

قيل: ويمكن أن يحتج عليه باستصحاب النجاسة حتى يثبت المزيل. واجيب بان التمسك بالاستصحاب هنا مشكل، إذ ثبوت أصل النجاسة للمضاف إنما ثبت بالاجماع، وهو مفقود في هذه الصورة، فيصير بمنزلة المتيمم الواجد للماء في اثناء الصلاة. وفيه نظر، فان بعض الاخبار التي قدمناها في المسألة الاولى ظاهر بل صريح في النجاسة، والدليل غير منحصر في الاجماع كما توهموه. ولا ريب ان الاخبار الدالة على المنع من استعمال المتنجس عامة لجميع الاحوال إلى ان يظهر الرافع. والحق في الجواب ان من شروط العمل بالاستصحاب عدم معارضة استصحاب آخر له، ولا ريب ان استصحاب الطهارة في الماء المطلق هنا معارض. ولا ترجيح لاحد الاستصحابين على الآخر فتساقطا، ويرجع إلى اصالة الطهارة العامة في جميع الاشياء واصالة الحل. بل التحقيق في المقام ان يقال: انه لما كانت الاخبار دالة على ان الكر لا ينفعل بمجرد الملاقاة وانما ينفعل بتغير اوصافه بالنجاسة، وقد اتفق الاصحاب على انه مطهر لما مازجه واستهلك فيه من النجاسة أو المتنجس ماء كان أو غيره، وجب القول بطهارة ما نحن فيه، لاندارجه تحت عموم تلك الاخبار، واتفاق الاصحاب، وتحقق الرافع لاستصحاب النجاسة (1) وخلاف ما خالف في هذه المادة لا يثمر نقضا. (اما أولا) فلعدم الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل. و (اما ثانيا) فلكون المخالف نفسه هنا أحد القائلين هناك، فلا تقدح مخالفته هنا في الاجماع المدعى. وبالجملة فالظاهر ان الطهارة في الصورة المذكورة مما لا يحوم حولها الشك.


(1) فيه اشارة إلى انه لو تمسك الخصم بالاستصحاب فجوابه انه قد تحقق رافعة كما تقدم بيانه (منه رحمه الله).

[ 416 ]

(الثاني) ما ذهب إليه العلامة في المنتهى والقواعد (1) من الاكتفاء بممازجة الكر له من غير اشتراط للزيادة عليه، ولا لعدم تغير أحد أوصافه بالمضاف، بل ولا لعدم سلبه الاطلاق وان خرج المطلق بذلك عن كونه مطهرا، فاما الطهارة فتثبت للجميع (2). وعلل بان بلوغ الكرية سبب لعدم الانفعال إلا مع التغير بالنجاسة، فلا يؤثر المضاف في تنجيسه باستهلاكه اياه، لقيام السبب المانع. وليس ثمة عين نجسة يشار إليها تقتضي التنجيس. واجيب بان بلوغ الكرية وصف للماء المطلق، وإنما يكون سببا لعدم الانفعال مع وجود موصوفه، ومع استهلاك المضاف للمطلق وقهره اياه يخرج عن الاسم، فيزول الوصف الذي هو السبب لعدم الانفعال، فينفعل حينئذ ولو بالمتنجس كسائر أقسام المضاف. قيل: ولا يخفى ان هذا الجواب إنما يتم لو تمسك باستصحاب نجاسة المضاف، وقد عرفت من عدم تماميته، إذ الاجماع فيما نحن فيه مفقود. وفيه نظر قد تقدم بيانه. (الثالث) ما ذهب إليه العلامة ايضا في النهاية والتذكرة واقتفاه جملة من المتأخرين، وهو الاكتفاء بممازجة الكر له من غير زيادة، لكن بشرط بقاء الاطلاق بعد الامتزاج، ولا أثر لتغير أحد الاوصاف. والوجه فيه، اما بالنسبة


(1) والى هذا القول جنح الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس بناء على توقف ابطال دليله على الاستصحاب، وهو غير مسلم، فان الدليل على نجاسة المضاف بالملاقاة انما هو الاجماع، والخلاف في موضع النزاع يدفعه. وانت خبير بان الدليل غير منحصر في الاجماع كما توهمه هو وغيره. بل الاخبار التى قدمناها صريحة في ذلك (منه رحمه الله). (2) قال في القواعد: " لو نجس المضاف ثم امتزج بالمطلق الكثير فغير أحد اوصافه فالمطلق على طهارته. فان سلبه الاطلاق خرج عن كونه مطهرا لا طاهر " انتهى. (منه رحمه الله).

[ 417 ]

إلى الاكتفاء بالكر فلان الغرض من الكثرة عدم قبول المطلق للنجاسة، وبلوغ الكرية كاف فيه، فلا وجه فيه لاعتبار الزائد، واما بالنسبة إلى اشتراط بقاء الاطلاق فلان المضاف يتوقف طهره على شيوعه في المطلق بحيث يستهلك فيه. وهذا لا يتم بدون بقاء المطلق على اطلاقه، وإذا لم تحصل الطهارة للمضاف وصار المطلق بخروجه عن الاسم قابلا للانفعال فلا جرم ينجس الجميع، وبالنسبة إلى عدم تأثير تغير أحد الاوصاف به ان الاصل في الماء الطهارة، والدليل انما دل على نجاسته مع التغير بالنجاسة ولم يحصل كما عرفت. واعلم ان المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد صرح بالنسبة إلى القول الثاني بان موضع النزاع ما إذا اخذ المضاف النجس والقى في المطلق الكثير فسلبه الاطلاق، فلو انعكس الفرض وجب الحكم بعدم الطهارة جزما، لان موضع المضاف النجس نجس لا محالة، فيبقى على نجاسته، لان المضاف لا يطهره والمطلق لم يصل إليه، فينجس المضاف به على تقدير طهارته. انتهى. وبذلك صرح جمع ممن تأخر عنه. الفصل السادس في الاسآر. والبحث فيها يقع في مواضع: (الاول) السؤر لغة: البقية والفضلة كما في القاموس، أو البقية بعد الشرب كما نقله في المعالم عن الجوهري، وقيل عليه ان ما نسبه إلى الجوهري لم نجده في الصحاح، ولعله أراد انه بهذه العبارة ليس فيه، وإلا فقد ذكر فيه ان سؤر الفأرة وغيرها ما يبقى بعد شربها. ونقل في كتاب مجمع البحرين عن المغرب وغيره ان السؤر هو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الاناء أو في الحوض ثم استعير لبقية

[ 418 ]

الطعام. ونقل فيه ايضا عن الازهري ان السؤر هو ما يبقى بعد الشراب. وقال الفيومي في كتاب المصباح المنير: " والسؤر بالهمزة من الفأرة وغيرها كالريق من الانسان " وهو كما ترى مخالف لما تقدم. ومنه يظهر ان كلام أهل اللغة غير متفق في المقام (1). وفى اصطلاح اصحابنا على ما ذكره الشهيد (رحمه الله) وجملة ممن تأخر عنه انه ماء قليل باشره جسم حيوان، واسظهر في المدارك تعريفه في هذا المقام بانه ماء قليل باشره فم حيوان. ثم اعترض على التعريف الاول، قال: " أما اولا فلانه مخالف لما نص عليه أهل اللغة ودل عليه العرف العام بل والخاص، كما يظهر من تتبع الاخبار وكلام الاصحاب، وان ذكر بعضهم في باب السؤر غيره استطرادا. وكون الغرض هنا بيان الطهارة والنجاسة لا يقتضي هذا التعميم، لان حكم ما عدا السؤر يستفاد من مباحث النجاسات. و (اما ثانيا) فلان الوجه الذي لاجله جعل السؤر قسيما للمطلق مع كونه قسما منه بحسب الحقيقة وقوع الخلاف في نجاسة بعضه من طاهر العين وكراهة بعض آخر. وليس في كلام القائلين بذلك دلالة على اعتبار مطلق المباشرة، بل كلامهم ودليلهم كالصريح في أن مرادهم بالسؤر المعنى الذي ذكرناه خاصة " انتهى. وانت خبير بما فيه من المناقشات التي ليس في التعرض لها كثير فائدة (2).


(1) فان كلام القاموس ظاهر الدلالة في العموم للماء وغيره مع الملاقاة بالفم وغيره وما نقله في المجمع صريح في التخصيص بالماء المباشر بالفم، وكلام المصباح ظاهر ايضا في المغايرة لكل من المعنيين المتقدمين (منه رحمه الله) (2) (اما اولا) - فلما عرفت من اختلاف كلام اهل اللغة كما قدمنا ذكره. واما الاخبار فكذلك كما ذكرناه، وبه يظهر بطلان الاستناد إلى اللغة والعرف الخاص. واما العام فقد عرفت الكلام فيه في غير مقام و (اما ثانيا) - فلان التعريف المقصود به افادة حكم -

[ 419 ]

والتحقيق ان يقال: انه لما كان الغرض من التعريف حيث كان هو بيان حكم كلي وقاعدن تبتني عليها الاحكام الشرعية، فلابد من ابتنائه على الدليل الشرعي ولا تعلق له بالخلاف الوفاق، وحينئذ فان اريد بالتعريف هنا بالنظر إلى ما اطلق فيه لفظ السؤر من الاخبار، ففيه انه لا دلالة في الاخبار على الانحصار في خصوصية الشرب بالفم، إذ غاية ما فيها كما ستمر بك ان شاء الله تعالى السؤال عن سؤر ذلك الحيوان هل يتوضأ منه ويشرب أم لا ؟ بل فيها ما يدل على اطلاق السؤر على الفضلة من الجوامد، كاخبار الهرة التي منها قول علي (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): " ان الهر سبع ولا بأس بسؤره، واني لاستحيي من الله ان ادع طعاما لان الهر أكل منه " وان اريد بالنظر إلى ما دل عليه بعض الاخبار من المغايرة بين السؤر وذي السؤر في الحكم أو الاتفاق، فالمفهوم منها ايضا ما هو أعم من المباشرة بالفم أو غيره، كما في صحيحة عيص بن القاسم (2) حيث قال (عليه السلام): " وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة وتغسل يدها قبل ان تدخلها الاناء " وبالجملة فالاظهر في التعريف بالنظر إلى ظواهر الاخبار تعميم الحكم في المباشرة بالفم وغيره ماء كان أو غيره. نعم متى اريد السؤر من الماء خاصة اختص بالتعميم الاول. على ان الحق ان يقال: ان افراد السؤر بالبحث على حدة وجعله قسيما للمطلق مع كونه قسما منه مما لم يقم عليه دليل، وان جرت الاصحاب (رضوان الله عليهم) على ذلك جيلا بعد جيل، فان الذي يظهر من الاخبار ان الامر لا يبلغ إلى هذا المقدار الموجب لاستقلاله وامتيازه عن المطلق على حياله، وتوضيحه ان


= شرعى كلى وجعله قاعدة كلية لا يبتنى على كلام الاصحاب واختلافهم أو اتفاقهم، وانما يبتنى على الادلة الواردة في المقام (منه قدس سره). (1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الاسآر. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الاسآر.

[ 420 ]

ما حكموا فيه من الاسآر بالطهارة والنجاسة ليس لخصوصية كونه سؤرا، وإنما هو من حيث التبعية لذى السؤر في الطهارة والنجاسة، وهذا حكم عام، ومحله مبحث النجاسات والمطهرات. وما اختلفوا فيه منها طهارة ونجاسة فانما نشأ من اختلافهم في حيوانه بذلك ايضا، ومحل هذا ايضا هناك. واما خلاف من خالف فحكم بنجاسة اسآر بعض الحيوانات مع حكمه بطهارة ذلك الحيوان فلا دليل عليه كما سيظهر لديك ان شاء الله تعالى. وما حكموا فيه بالكراهة من تلك الاسآر فهو ايضا خال من الدليل كما سنتلوه عليك ان شاء الله تعالى، عدا موضع واحد وهو سؤر الحائض المتهمة، فان الاخبار قد دلت على النهي عنه، إلا ان غاية ما تدل عليه هو النهي بالنسبة إلى الوضوء خاصة دون الشرب وغيره، والظاهر ان الوجه فيه هو اختصاص ماء الطهارة بالمزية زيادة على غيره من سائر المياه المستعملة كما ورد من كراهة الوضوء بالماء الآجن والمشمس ونحوهما، وهذا بمجرده لا يوجب افراد بعض اجزاء الماء المطلق بعنوان على حدة وجعله قسسيما له، وإلا لكان الفردان المذكوران كذلك ولان اختصاص الكراهة بالوضوء دون غيره يخرج ذلك عن كونه حكما كليا في السؤر كما يدعونه. (الموضع الثاني) ان ذا السؤر اما ان يكون آدميا أو غيره، والاول اما مسلم ومن بحكمه أو كافر ومن بحكمه، والثاني اما مأكول اللحم أو غيره، وغير مأكول اللحم اما طاهر العين أو لا، فالاقسام خمسة. والسؤر عندهم اما طاهر أو نجس أو مكروه. ولا يخفى ان اكثر مباحث هذا الفصل وما يتعلق بها من التحقيق وبسط الادلة التي بها تليق قد وكلناها إلى مبحث النجاسات، فانها بذلك انسب كما اشرنا إليه آنفا، ولنشر هنا اجمالا إلى ما يخص هذا المقام جريا على وتيرة من تقدمنا من علمائنا الاعلام جزاهم الله تعالى عنا افضل جزاء في دار الاكرام.

[ 421 ]

فنقول: حيث كانت الاقسام التي اشرنا إليها خمسة فالبحث يقع ههنا في موارد خمسة: (الاول) سؤر الآدمي المسلم، والمراد به ما هو أعم من منتحل الاسلام كما اطلق عليه في كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) وحينئذ فينقسم السؤر بالنسبة إلى ذلك إلى الاقسام الثلاثة المتقدمة، فالقسم الاول والثاني الطاهر والنجس. وتحقيق القول فيهما هنا ان نقول: ان بعض افراد ذي السؤر هنا مما اتفق على طهارته وبعض مما اتفق على نجاسته وبعض مما اختلف فيه. (فالاول) المؤمن عدا من يأتي ذكره في القسم الثالث، ولا خلاف ولا إشكال في طهارة سؤره بل افضليته، لما روي من استحباب الشرب من سؤره والوضوء من فضل وضوئه. و (الثاني) الخوارج والنواصب والغلاة، ولا خلاف بين اصحابنا في نجاستهم ونجاسة سؤرهم. و (الثالث) منه المجسمة والمجبرة، وقد نقل عن الشيخ في المبسوط القول بنجاستهم، وتبعه في المجسمة العلامة في المنتهى، والمشهور الطهارة. والكلام في السؤر تابع للقولين. الا ان جملة من القائلين بالطهارة ذهبوا هنا إلى الكراهة كما سيأتي ذكره تفصيا من خلاف الشيخ (رحمه الله). ومنه ولد الزنا، فالمنقول عن المرتضى القول بنجاسته، لانه كافر، ويعزى القول بكفره إلى ابن ادريس ايضا. وربما ظهر ذلك ايضا من كلام الصدوق (رحمه الله) في الفقيه، حيث قال (1): " ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الاسلام " وما قيل من ان عدم جواز الوضوء به


(1) في باب (المياه وطرها ونجاستها).

[ 422 ]

أعم من النجاسة، فكلامه ليس بصريح في النجاسة مردود بان ذكره مع المشرك ونحوه قرينة واضحة على ارادة النجاسة، والمشهور الطهارة. والكلام في السؤر تابع للقولين. ومنه المخالف، فقد نقل عن ابن ادريس القول بنجاسته عدا المستضعف، وعن المرتضى القول بنجاسة غير المؤمن، واكثر متأخري الاصحاب على الطهارة. وحكم السؤر تابع لذلك. (القسم الثالث) المكروه، ومنه سؤر الحائض على الاطلاق عند جملة من اصحابنا، ومقيدا بالمتهمة عن آخرين. احتج الاولون بجملة من الاخبار، كرواية عنبسة بن مصعب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سؤر الحائض يشرب منه ولا يتوضأ " ومثلها رواية الحسين بن ابي العلاء (2) ورواية ابي بصير (3). ويدل على الثاني موثقة علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) " في الرجل يتوضأ بفضل الحائض ؟ قال: إذا كانت مأمونة فلا بأس " وموثقة عيص بن القاسم (5) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر الحائض قال: توضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة وتغسل يدها قبل ان تدخلها الاناء " هكذا رواها في التهذيب (6) واما في الكافي (7) فرواها في الصحيح، وفيها حكاية جوابه (عليه السلام) قال: " لا توضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب.. الحديث " وحينئذ فيكون منتظما في سلك الاخبار المتقدمة، وقضية حمل المطلق على المقيد كما هي القاعدة المعمول عليها بينهم تقتضي رجحان القول الثاني.


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الاسآر. (5) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الاسآر. (6) في الصحيفة 63. (7) ج 1 ص 4.

[ 423 ]

إلا انه لا يخفى ان الاخبار كلها إنما اتفقت في النهي عن الوضوء خاصة، واما الشرب ففي بعضها تصريح بجوازه وفي بعضها قد طوي ذكره، ولعل الوجه في ذلك ما اشرنا إليه آنفا (1) من اختصاص ماء الوضوء بالمزية كما في غير هذا الموضع، لا من حيث كونه سؤرا، وإلا لعم. بقي هنا شئ وهو ان اكثر الاصحاب خصوا الكراهة بسؤر المتهمة، وهي التي لا تتحفظ من النجاسة، والروايات المقيدة إنما دلت على جواز الوضوء من سؤر المأمونة، وهي المتحفظة من الدم، ولا ريب ان غير المأمونة أعم من أن تكون متهمة أو مجهولة، والظاهر انه لذلك عدل المحقق في الشرائع عن العبارة المشهورة فعبر بغير المأمونة، وبه صرح السيد السند في شرحه، حيث قال مشيرا إلى عبارة المصنف: ان ذلك اولى من اناطتها بالتهمة كما ذكره غيره. قال: " لان النهي إنما يقتضي انتفاء المرجوحية إذا كانت مأمونة، وهو اخص من كونها غير متهمة، لتحقق الثاني في ضمن من لا يعلم حالها دون الاول. وما ذكره بعض المحققين من ان المأمونة هي غير المتهمة، إذ لا واسطة بين المأمونة ومن لا امانة لها، والتي لا امانة لها هي المتهمة غير جيد، فان المتبادر من المأمونة من ظن تحفظها من النجاسة وتقيضها من لم يظن بها ذلك، وهو اعم ممن المتهمة والمجهولة " انتهى. ويمكن ان يقال: انه وان كان نقيض المأمونة ما ذكره من الاعم من المتهمة والمجهولة، لكن المراد هنا هو المتهمة خاصة، لان تعلق الحكم الذي هو الكراهة بانتفاء المأمونية يقتضي حصول العلم أو الظن بمتعلقه الذي هو عدم المأمونية، وهو لا يحصل مع الجهل بحالها، لاحتمال كونها مأمونة واقعا.


(1) في الصحيفة 420.

[ 424 ]

فرع ألحق الشهيد في البيان بالحائض المتهمة بناء على ما اختاره من التقييد بالمتهمة كل متهم، واستحسنه جملة ممن تأخر عنه منهم: الشهيد الثاني في الروضة. ورده المحقق الشيخ علي بانه تصرف في النص. ونقل بعض فضلاء المتأخرين عبارة الشيخ علي بما صورته بانه تصرف في التصرف. وقال في توجيهها: " وكأنه أراد بذلك ان قصر الكراهة في سؤر الحائض على المتهمة للجمع بين الاخبار تصرف اول، ثم تعدية الحكم إلى كل متهم إنما حصل بهذا التصرف، فهو تصرف ثان في التصرف الاول " وفيه ان مرمى هذا العبارة يؤذن بعدم قوله بالتقييد واختياره له، مع انه صرح في صدر هذا الكلام بانه الاصح عنده، حيث قال بعد قول المصنف: والحائض المتهمة ما لفظه: " اي بعدم التحفظ من النجاسة والمبالاة بها على الاصح، جمعا بين روايتي النهي عن الوضوء بفضلها ونفي الباس إذا كانت مأمونة " والظاهر ان ما نقله الفاضل المذكور ناشئ عن غلط في نسخته وتصحيف النص بالتصرف، والمعنى على ما نقلنا ظاهر لا سترة عليه. ومن هذا القسم ايضا ما اختلف فيه بالطهارة والنجاسة عند من اختار الطهارة خروجا من خلاف من قال بالنجاسة وان كان من غير الآدمي كما سيأتي، قال في المعالم بعد ذكر جملة من الافراد المختلف في طهارتها ونجاستها، ونقل القول بالكراهة في بعضها عن المحقق خروجا من خلاف من قال بالنجاسة، واعتراضه عليه بانه لا وجه للتخصيص بالبعض، لان دليله آت في الكل ما صورته: " وبالجملة فكراهة المذكورات لا ينبغي التوقف فيها حيث يقال بالطهارة، فان رعاية الخروج من الخلاف كافية في مثله " انتهى. وفيه نظر، فان الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل ومجرد ذهاب البعض وخلافه في الحكم ليس بدليل شرعي حتى تبنى عليه الاحكام

[ 425 ]

الشرعية، فان اجيب بان الوجه فيه الاحتياط، قلنا: فيه (اولا) ان الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي. و (ثانيا) انه مع جعله دليلا شرعيا كما هو الاظهر عندنا كما قدمنا تحقيقه في المقدمة الرابعة فهو يدور مدار الاختلاف بين الادلة كما هو احد موارده لا مدار الاختلاف بين العلماء وان كان لا عن دليل، وحينئذ فالحكم بالكراهة فيما تعارضت فيه ادلة الطهارة والنجاسة مع رجحان الاول متجه. ويلحق بالمسلم في الطهارة والنجاسة عند الاصحاب من بحكمه من الطفل المتولد منه، ومسببه والمجنون، ولقيط دار الاسلام، ومثله لقيط دار الكفر إذا امكن تولده من مسلم على قول. (المورد الثاني) سؤر الكافر ومن بحكمه. ولا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في نجاسة من عدا اليهود والنصارى من أصناف الكفار، سواء كان كفرا اصليا أو ارتداديا، ونجاسة سؤرهم حينئذ تابع لهم. واما اليهود والنصارى فمحل خلاف بين الاصحاب والاخبار، كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله. والحكم في سؤرهم تابع للمترجح من الطرفين. وظاهر القائلين بالطهارة الحكم بكراهة اسآرهم على ما نص عليه في المعالم وغيره. ولا بأس به، لا لما ذكروه من التفصي من خلاف من ذهب إلى القول بالنجاسة، بل من حيث ان الاخبار متعارضة فيهم طهارة ونجاسة، فمتى ترجح القول بالطهارة منها فلا بأس بالاحتياط بالنجاسة بحمل ما دل على النجاسة على الاستحباب. وبحكم الكافر طفله عند الاصحاب، معللين ذلك بنجاسة اصله، واستشكله في المدارك بان الدليل ان تم فانما يدل على نجاسة الكافر المشرك واليهود والنصارى، والولد قبل بلوغه لا يصدق عليه شئ من ذلك. وهو جيد في الظاهر، ويؤيده الخبر المشهور عنه (صلى الله عليه وآله) " ان كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه

[ 426 ]

يهودانه أو ينصرانه " (1) فان من الظاهر ان التهويد والتنصير إنما يثبت له مع البلوغ أو بعده، لما يحصل له من طول المعاشرة والممارسة معهما والانس بهما قبل ذلك، فيؤثر فيه ويورثه الميل إلى مذهبهما واختياره، وتحقيق المسألة كما هو حقه يأتي ان شاء الله تعالى في باب التطهير من النجاسات. (المورد الثالث) سؤر غير الآدمي من الحيوان المأكول اللحم. ولا خلاف في طهارته لطهارة حيوانه، إلا ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) حكموا بالكراهة في جملة من افراده. فمن ذلك سؤر الحيوانات الثلاثة: الخيل والبغال والحمير الاهلية (2) ولم نقف له على مستند، وربما علل بان فضلات الفم التي لا تنفك عنها تابعة للجسم. وهو مجرد دعوى خالية من الدليل.


(1) رواه المجلسي في الحار ج 2 ص 88 عن غوالي اللئالى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وفى ج 15 ص 36 قال: وقال (صلى الله عليه وآله): " كل مولود.. الخ " وفى اصول الكافي باب (فطرة الخلق على التوحيد) في حديث عن ابى جعفر (عليه السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مولود يولد على فطرة، يعنى على المعرفة بان الله تعالى خالقه " ورواه صاحب الوسائل في الباب 48 من كتاب الجهاد عن الصادق (عليه السلام) هكذا: " ما من مولود يولد الا على الفطرة فابواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه ". ورواه احمد في مسنده ج 2 ص 275 عن ابى هربرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورواه عنه ايضا مسلم في الصحيح ج 2 ص 412 ورواه البخاري في آخر كتاب الجنائز باب (اولاد المشركين) وفى كتاب القدر باب (الله اعلم بما كانوا عاملين) عن ابى هريرة بلفظ " ما من مولود.. الخ " ورواه ابن حجر في مجمع الزوائد ج 7 ص 218. (2) في التقييد بالاهلية اشارة إلى خروج الوحشية من هذه الحيوانات، لما نقله بعض الاصحاب من الاتفاق على انتفاء الكراهة في الوحشية، وهو الذى يظهر من الدليل كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى (منه رحمه الله).

[ 427 ]

ويمكن الاستدلال على ذلك بمفهوم رواية سماعة (1) قال: " سألته هل يشرب سؤر شئ من الدواب ويتوضأ منه ؟ فقال: أما الابل والبقر والغنم فلا بأس ". وثبوت البأس بالمفهوم وان كان أعم من التحريم، إلا ان جملة من الاخبار لما دل على جواز الشرب والوضوء من سؤرها، حمل البأس هنا على الكراهة. ومما دل على الجواز خصوص صحيحة ابي العباس (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع، فلم اترك شيئا الا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء.. ". ورواية معاوية بن شريح (3) قال: " سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه ؟ فقال: نعم اشرب منه وتوضأ. قال: قلت له: الكلب ؟ قال: لا. قلت: أليس هو سبع ؟ قال: لا والله انه نجس، لا والله انه نجس ". وصحيحة جميل بن دراج (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر الدواب والغنم والبقر أيتوضأ منه ويشرب ؟ فقال: لا بأس ". وعموم صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس بان يتوضأ مما يشرب منه ما يؤكل لحمه " ومثلها موثقة عمار (6) وفيها " كل ما


(1) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الاسآر. (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر، وفى الباب - 11 - من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر. (6) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر.

[ 428 ]

اكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب ". والحق تقديم العمل بهذه الاخبار، لاستفاضتها وصراحتها وصحة اكثرها، وضعف ما عارضها سندا ودلالة. ومنها سؤر الدجاج. وقد اطلق العلامة وغيره كراهة سؤرها، وعلل بعدم انفكاك منقارها عن النجاسة غالبا، وحكى في المعتبر عن الشيخ (رحمه الله) انه قال: " يكره سؤر الدجاج على كل حال " ثم قال بعده: وهو حسن ان قصد المهلمة، لانها لا تنفك عن الاغتذاء بالنجاسة. وبه جزم في المعالم ايضا. وانت خبير بان الاخبار الواردة هنا عموما وخصوصا متفقة في نفي البأس عن ذلك وجواز الوضوء والشرب منه. فمن الاول صحيحة عبد الله بن سنان وموثقة عمار المتقدمتان. ومن الثاني رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " فضل الحمامة والدجاجة لا بأس به والطير ". وموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه: " سئل عن ماء شربت منه الدجاجة. قال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب، وان لم تعلم ان ان في منقارها قذرا توضأ منه واشرب، وقال: كل ما يؤكل لحمه فليتوضأ منه وليشربه ". ولا يخفى ان الخروج عن مدلول هذه الروايات عموما وخصوصا وحملها على مجرد نفي الحرمة بمجرد ما ذكروا من التعليل لا يخلو من مجازفة، سيما ان الكراهة كما عرفت آنفا حكم شرعي، فيتوقف ثبوته على الدليل. وما ربما يقال من ان الامر بالاحتياط في الدين الوارد في جملة من الاخبار


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر.

[ 429 ]

يشمل مثل هذا ففيه (اولا) ما قدمنا من ان الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي، و (ثانيا) ان المستفاد من الاخبار الدالة على عدم السؤال والفحص عما يشترى من اسواق المسلمين ويؤخذ من ايديهم والنهي عن ذلك وان كان احتمال التحريم أو النجاسة فيه قائما، والبناء في ذلك على ظاهر الحل والطهارة، عملا بسعة الحنيفية السمحة السهلة عدم الاحتياط هنا. (المورد الرابع) سؤر غير الآدمي من الحيوان الغير المأكول اللحم عدا الكلب والخنزير، وقد اختلف الاصحاب في ذلك، فذهب الفاضلان وجمهور المتأخرين إلى طهارة سؤر كل حيوان طاهر، ونقل ايضا عن النهاية والخلاف، إلا انه استثنى في النهاية سؤر آكل الجيف من الطير، ونقل عن المرتضى وابن الجنيد استثناء الجلال، ونقل عن ظاهر الشيخ (رحمه الله) في كتابي الاخبار المنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه، لكنه في الاستبصار استثنى من ذلك سؤر الفأرة والبازى والصقر ونحوهما من الطيور، ونقل عن المبسوط انه ذهب إلى عدم جواز استعمال سؤر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الانسي عدا ما لا يمكن التحرز منه كالفأرة والحية والهرة، وجواز استعمال سؤر الطاهر من الحيوان الوحشي طيرا كان أو غيره، حكاه عنه المحقق في المعتبر. ونقل في المختلف عن ابن ادريس انه حكم بنجاسة سؤر ما لا يؤكل لحمه من حيوان الحضر من غير الطير مما يمكن التحرز عنه. والاظهر من هذه الاقوال هو القول الاول ومحل الخلاف هنا في مواضع اربعة: (احدها) الجلال، وقد عرفت ان المرتضى وابن الجنيد استثنياه من السؤر المباح، وكذا نقل عن الشيخ في المبسوط. ومقتضى كلامهم الحكم بنجاسة السؤر مع طهارة حيوانه. وقد اعترف جمع ممن تقدمنا انهم لم يقفوا له على دليل. وربما استدل عليه بان رطوبة افواهها ينشأ من غذاء نجس فيجب الحكم بالنجاسة.

[ 430 ]

ورد بمنع الملازمة، وبالنقض ببصاق شارب الخمر إذا لم يتغير به، وبما لو أكل غير العذرة مما هو نجس. اقول: ومن المحتمل قريبا ان حكم الشيخ (رحمه الله) بنجاسة اللعاب هنا لحكمه بنجاسة العرق. إلا ان فيه ان مورد الدليل العرق خاصة، والتعدية قياس. ويدل على المشهور اصالة الطهارة، وعموم صحيحة الفضل المتقدمة (1) وكذا رواية ابي بصير السالفة (2) وموثقة عمار (3) حيث قال فيها: " وسئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا ان ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب ". وحكم جمهور الاصحاب هنا بالكراهة ايضا خروجا من خلاف اولئك الجماعة. وفيه ما عرفت آنفا (4) نعم يمكن الاستدلال على ذلك برواية الوشاء عمن ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " انه كان يكره سؤر كل شئ لا يؤكل لحمه " ومفهوم موثقة عمار المتقدمة (6) الدالة على ان كل ما يؤكل يتوضأ من سؤره ويشرب فان الظاهر ان المقام هنا قرينة على التقييد بالوصف، لكونه مناط الحكم. إلا انه لا يخلو ايضا من خدش. (ثانيها) آكل الجيف، وقد عرفت ان الشيخ في النهاية استثناه من طهارة سؤر كل حيوان طاهر وحكم بنجاسته، والمشهور الطهارة كما تقدم. ولم نقف للشيخ على دليل، وبذلك اعترف جمع من الاصحاب ايضا، وظواهر الاخبار المتقدمة وغيرها ظاهر في العدم.


(1) في الصحيفة 427. (2) في الصحيفة 328. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر. (4) في الصحيفة 424. (5) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الاسآر. (6) في الصحيفة 428.

[ 431 ]

وقد صرح الاصحاب هنا بالكراهة ايضا لعين ما تقدم. وفيه ما عرفت غير مرة. وصار المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) إلى الكراهة هنا تمسكا بما قدمنا ذكره في الجلال من التمسك برواية الوشاء وموثقة عمار. وفيه (اولا) انه لا يقوم دليلا على العموم، لعدم جريانه فيما يؤكل لحمه. و (ثانيا) ان الحكم معلق على عدم كونه مأكول اللحم، ولا مدخل فيه لاكل الجيف، وهو ظاهر. (ثالثها) ما لا يؤكل لحمه عدا ما استثني، وقد تقدم الاشارة إلى الخلاف فيه. ونقل عن الشيخ في الاستبصار الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدمة (1): " كل ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب " (2) حيث قال (قدس سره): " هذا يدل على ان ما لا يؤكل لحمه لا يجوز التوضؤ به والشرب منه، لانه إذا شرط في استباحة سؤره ان يؤكل لحمه دل على ان ما عداه بخلافه، وهذا يجري مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله) في سائمة الغنم الزكاة. في انه يدل على ان المعلوفة ليس فيها زكاة ". أقول ويدل على الاستثناء الذي ذكره (طاب ثراه) موثقة عمار بن موسى الاخيرة (3) الدالة على حكم الطير، ورواية اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الاناء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر. (2) الاستدلال بهذه الموثقة على ذلك موجود في التهذيب ايضا، والعبارة التى ينقلها هي عبارة التهذيب ص 63، وليست هذه العبارة في الاستبصار عند تعرضه للموثقة ص 25 من طع النجف. (3) المتقدمة في الصحيفة 430. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاسآر.

[ 432 ]

ان يشرب منه ويتوضأ منه " وغيرهما مما تضمن نفي البأس عن تلك الاشياء التى استثناها عموما أو خصوصا. ورد هذا القول (أولا) بابتنائه على حجية مفهوم الوصف. والاصح عدم حجيته و (ثانيا) باشتمال سند الرواية على جملة من الفطحية. و (ثالثا) بالمعارضة بما هو اكثر عددا واصح سندا، وقد تقدم من ذلك شطر فيما قدمنا من الاخبار. ومن اظهر الادلة التمسك باصالة الطهارة عموما وخصوصا، فانها أقوى دليل في الباب وان غفل عن الاستدلال بذلك الاصحاب. وقد حكم جمهور الاصحاب هنا بالكراهة ايضا تفصيا من الخلاف. ولا بأس به. لكن لا لما ذكروا، بل لما عرفت من دلالة رواية الوشاء المتقدمة (1) (رابعها) المسوخ. وقد حكي عن ابن الجنيد انه استثنى المسوخ من الحكم بطهارة سؤر ما لا يؤكل لحمه، وذكر في المعالم ان كلامه محتمل لجاستها، أو نجاسة لعابها وحده، كما نقل التصريح به عن بعض الاصحاب. ونقل المحقق في المعتبر عن الشيخ القول بنجاستها، ونسب هذا القول في المختلف إلى سلار وابن حمزة ايضا. وكلام سلار في رسالته كالصريح في نجاسة اللعاب ومحتمل لنجاسة العين والمشهور بين الاصحاب الطهارة على كراهية. والحكم بالكراهة عندهم جار على نحو ما تقدم ومما يدل على الطهارة عموم الاخبار المتقدمة كصحيحة الفضل (2) ونحوها. (المورد الخامس) سؤر نجس العين من الحيوان غير المأكول اللحم وغير الآدمي، وهو الكلب والخنزير. ولا خلاف نصا وفتوى في نجاسته لنجاسة أصله.


(1) في الصحيفة 430. (2) المتقدمة في الصحيفة 427.

[ 433 ]

فذلك (1) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) طهارة فم الهرة بمجرد زوال عين النجاسة سواء غابت عن العين ام لا، صرح بذلك الشيخ والمحقق والعلامة وغيرهم، وألحق جملة من المتأخرين بها كل حيوان غير الآدمي، واستحسنه السيد السند في المدارك. وقيل بالنجاسة، لاصالة البقاء عليها. وقيل بالطهارة بالغيبة، ذهب إليه العلامة في النهاية، قال: " لو نجس فم الهرة بسبب كاكل الفأرة وشبهه، ثم ولغت في ماء قليل ونحن نتيقن نجاسة فمها، فالاقوى النجاسة، لانه ماء قليل لاقى نجاسة، والاحتراز يعسر عن مطلق الولوغ لا عن الولوغ بعد تيقن نجاسة الفم، ولو غابت عن العين واحتمل ولوغها في ماء كثير أو جار، لم ينجس، لان الاناء معلوم الطهارة فلا يحكم بنجاسته بالشك " انتهى. وتمسك الالولون بالاخبار الواردة بنفي البأس عن سؤر الهرة، وجواز الوضوء والشرب منه، بناء على ان الهرة لا ينفك فمها عن النجاسة غالبا. ومن الاخبار في ذلك صحيحة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " في كتاب علي: ان الهر سبع ولا بأس بسؤره، واني لاستحيي من الله ان ادع طعاما لان الهر اكل منه ". ورواية ابي الصباح عنه (عليه السلام) (3) قال: " كان علي (عليه السلام) يقول: لا تدع فضل السنور ان تتوضأ منه، انما هي سبع " وغيرهما. قال في كتاب المعالم بعد الاستدلال على ذلك بنحو ما ذكرنا: " ولو فرضنا


(1) في القاموس فذلك حسابه انهاه وفرغ منه. وهذه اللفظة كثيرا ما يستعملها المصنفون في مثل هذا الموضع، وكان المراد بها الاشارة إلى ان من يذكر فيها نهاية وآخر البحث المتقدم (منه رحمه الله). (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الاسآر.

[ 434 ]

عدم دلالة الاخبار على العموم فلا ريب ان الحكم بتوقف الطهارة في مثلها على التطهير المعهود شرعا منفي قطعا، والواسطة بين ذلك وبين زوال العين يتوقف على الدليل. ولا دليل " انتهى. وحاصله يرجع إلى ما اشرنا إليه غير مرة وحققناه في المقدمة الحادية عشرة (1) من جواز التمسك بالبراءة الاصلية فيما تعم به البلوى من الاحكام بعد الفحص عن الدليل وعدم الوقوف عليه. وهو هنا كذلك، فان عدم وجود دليل على التكليف بازالة النجاسة في مثل ذلك مع عموم البلوى بذلك دليل على عدم التكليف بذلك وحصول البراءة منه، وليس بعد ذلك إلا الحكم بالطهارة بمجرد زوال عين النجاسة. واما القول بالتوقف على الغيبة فلا دليل عليه، كما أشار إليه بقوله: " والواسطة بين ذلك. الخ " (2). واستدل في المدارك على الحاق غير الهرة من الحيوانات بها بالاصل وعدم ثبوت التعبد بغسل النجاسة عنه. (اقول): والاحتجاج بالاصل هنا لا يخلو من ضعف، فان عروض النجاسة اوجب الخروج عن حكمه، فلا يسوغ التمسك به. واما الثاني فجيد كما اشرنا إليه هذا بالنسبة إلى غير الآدمي. واما الآدمي فهل يحكم بطهارته بمجرد غيبته زمانا يمكن فيه ازالة النجاسة أو مع تلبسه بما هو مشروط بالطهارة عنده، أو حتى يعلم ازالة النجاسة ؟ أقوال، ظاهر


(1) في الصحيفة 155. (2) وتوضيحه انه اما ان يكتفى في طهر فما بمجرد زوال العين كالبواطن أو يعتبر فيها ما يعتبر في تطهير المتنجسات من الطرق المعهودة شرعا، فعلى الاول لا حاجة إلى غيبتها، وعلى الثاني فلا يكتفى بمجرد الاحتمال لا سيما مع بعده، لان يقين النجاسة لا يزيله إلا يقين الطهارة، والواسطة غير معقولة (منه رحمه الله).

[ 435 ]

المشهور الاخير، وبالاول صرح جملة من المتأخرين، لكهنم بين مطلق لذلك كما تقدم، وبين مقيد بشرط علمه بالنجاسة واهليته للازالة بكونه مكلفا عالما بوجوب الازالة عليه، والى الثاني مال السيد السند في المدارك على تردد فيه بعد ان نقل القول الاول واستشكله. والعجب منه (قدس سره) في ذلك، فان دليله على طهارة الحيوان غير الآدمي جار هنا بعينه، فانه لم يثبت ايضا التعبد بالعلم بزوال النجاسة عن ثوب الغير وبدنه. واما ما اختاره (طاب ثراه) من اشتراط التلبس بمشروط بالطهارة عنده، فيشكل الامر فيه ايضا بجواز نسيانه، ولعل ذلك هو وجه التردد الذي ذكره. ولعل ارجح هذه الاقوال هو الاول، تمسكا باصالة البراءة التي اشرنا إليها، فان الحكم مما تعم به البلوى، ولو لم يكن مجرد الغيبة كافيا في الطهارة، لورد فيه أثر عنهم (عليهم السلام) ولبلغنا ذلك، ولامتنع الاقتداء بامام الجماعة حتى يسأله، لان عروض النجاسة له بالبول والغائط أمر متيقن، وعروض النسيان له ممكن. وبطلانه اظهر من ان يحتاج إلى البيان، ولاشكل الحال في الحكم بطهارة سائر الناس ممن لم تعلم عدالته مع معلومية الحدث منهم كما ذكرنا، فلا يحكم بطهارتهم وان اخبروا بذلك، مع ان المعلوم من الشرع خلافه، لدلالة الاخبار واتفاق الاصحاب على قبول قول المسلم في ذلك. ختام مستطاب يشتمل على مقامين تتمة للباب المقام الاول في الماء المستعمل والمراد منه هنا ما يكون مستعملا في ازالة حدث أو خبث أو مطلقا، والاول اما في حدث أصغر أو اكبر، والثاني اما في الاستنجاء أو غيره من الاخباث، والثالث غسالة ماء الحمام، فالكلام هنا يقع في مسائل خمس:

[ 436 ]

(المسألة الاولى) في مستعمل الحدث الاصغر. بين اصحابنا (قدس الله ارواحهم ونور اشباحهم) في طهارته وطهوريته، حكاه غير واحد منهم. ويدل ايضا على الاول اصالة الطهارة عموما وخصوصا. وعلى الثاني عموم الاخبار الدالة على استعمال الماء المطلق في رفع الحدث. وهذا ماء مطلق. وخصوص رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بان يتوضأ بالماء المستعمل. وقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ به واشباهه. واما الماء الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس ان يأخذه غيره ويتوضأ به ". ورواية زرارة عن أحدهما (عليه السلام) (2) قال: " كان النبي (صلى الله عليه وآله إذا توضأ اخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضؤون به ". ونقل عن ابي حنيفة الحكم بنجاسته نجاسة مغلظة، حتى انه إذا أصاب الثوب اكثر من درهم منع اداء الصلاة (3) ولعله حق في حقه. نعم نقل شيخنا الشهيد


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (3) قال ابن حزم في المحل ج 1 ص 185: " عند ابى حنيفة لا يجوز الغسل ولا الوضوء بما قد توضأ به أو اغتسل به ويكره شربه، وروى انه طاهر، والاظهر عنه انه نجس وانه لا ينجس الثوب إذا اصابه الماء المستعمل الا ان يكون كثيرا فاحشا، إلى ان قال: وقال أبو حنيفة وابو يوسف: إذا توضأ الرجل وهو طاهر من بئر فقد تنجس ماؤها وتنزح كلها، ولا يجزيه ذلك الوضوء ان كان غير متوضئ، وكذلك ان اغتسل فيها نجسا كلها ولو اغتسل في سبعة آبار نجسها كلها " وقال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 94 تحت عنوان " الماء المستعمل في رفع الحدث ": " اختلفت الرواية عن ابى حنيفة، فروى محمد عنه انه طاهر غير مطهر، وروى أبو يوسف عنه انه نجس نجاسة خفيفة، وروى =

[ 437 ]

في الدروس عن الشيخ المفيد انه استحب التنزه عنه، وظاهر كلامه في المقنعة ربما اشعر ايضا باستحباب التنزه عن ماء الاغسال المستحبة بل والغسل المستحب كغسل اليد للاكل. ولم نقف له على دليل من الاخبار بل ولا من الاعتبار، بل ربما دلت رواية زرارة المتقدمة على خلافه. الا انه يحتمل قريبا الاختصاص به صلى الله عليه وآله) للتبرك والشرف. والمفهوم من كلام شيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين الاستدلال له بما رواه في الكافي (1) عن محمد بن علي بن جعفر عن الرضا (عليه السلام) قال: " من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه " حيث قال (قدس سره) بعد ايراد الخبر المذكور: " واطلاق الغسل في هذا يشمل الغسل الواجب والمندوب. وفي كلام المفيد (طاب ثراه) في المقنعة تصريح بافضلية اجتناب الغسل والوضوء بما استعمل في طهارة مندوبة، ولعل مستنده هذا الحديث، واكثرهم لم ينتبهوا له " انتهى. وفيه انه وان سلم ذلك ظاهرا بالنسبة إلى ما نقله من الخبر إلا ان عجز الرواية المذكورة يدل على ان مورد الخبر المشار إليه إنما هو ماء الحمام، حيث قال في تتمة الرواية: " فقلت: ان أهل المدينة يقولون: ان فيه شفاء من العين. فقال: كذبوا، يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما


- الحسن بن زياد عنه انه نجس نجاسة غليظة، والمشهور عنه عدم التفصيل بين المحدث والجنب، وفى التجنيس استثنى الجنب لعموم البلوى في المحدث لعدم صون الثياب في الوضوء وامكان صونها في الجنب " وقال ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 18: " المستعمل في رفع الحدث طاهر غير مطهر لا يرفع حدثا ولا يزيل خبثا، قال به الليث والاوزاعي والمشهور عن ابى حنيفة واحدى الروايتين عن مالك وظاهر مذهب الشافعي، وعن احمد في رواية انه طاهر مطهر، وقال به الحسن وعطاء والنخعي والزهرى ومكحول واهل الظاهر، والرواية الثانية لمالك، والقول الثاني للشافعي ". (1) في ج 2 ص 220، ورواه صاحب الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 438 ]

وكل من خلق الله ثم يكون فيه شفاء من العين " وهذا هو أحد العيوب المترتبة على تقطيع الحديث وفصل بعضه عن بعض، فانه بذلك ربما تخفى القرائن المفيدة للحكم كما هنا، وسيأتي لك كثير من نظائره ان شاء الله تعالى. وحينئذ فظاهر الخبر كراهة الاغتسال من ذلك الماء من حيث كونه ماء الحمام الذي يغتسل منه هؤلاء المعدودون، وهو لا يقتضي كراهة مستعمل الاغسال مطلقا. وكيف كان فهو مقصور على الغسل ولا دلالة له على كراهة مستعمل الوضوء، والمدعى اعم من ذلك كما عرفت. (المسألة الثانية) في مستعمل الحدث الاكبر. والظاهر انه لا خلاف بينهم (رضوان الله عليهم) في طهارة المستعمل في الاغسال المسنونة وطهوريته، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وقد تقدم النقل عن الشيخ المفيد (رضي الله عنه) بالكراهة. واما مستعمل الاغسال الواجبة فلا خلاف في طهارته ايضا، ويدل عليه اصالة الطهارة عموما وخصوصا، وان التنجيس حكم شرعي، وهو موقوف على الدليل، وليس فليس. وتدل على ذلك أخبار مستفيضة: (منها) صحيحة الفضيل بن يسار (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضع من الارض في الاناء. فقال: لا بأس، هذا مما قال الله: ما جعل عليكم في الدين من حرج (2) ". وخلاف ايضا في تطهيره من الخبث كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وانما الخلاف في التطهير به من الحدث ثانيا، فالمشهور بين المتأخرين هو الجواز ونقل عن الشيخين والصدوقين المنع، واسنده في الخلاف إلى اكثر اصحابنا، وهو


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) سورة الحج الآية 78.

[ 439 ]

مؤذن بشهرته في الصدر الاول، ويظهر من المحقق في كتبه الثلاثة التوقف في ذلك، حيث نسب المنع في المعتبر إلى الاولوية، وجعل وجهه التفصي من الخلاف والاخذ بالاحوط، وفي الشرائع علله ايضا بالاحتياط. وفى المختصر اقتصر على نقل القولين ناسبا المنع إلى الرواية. والذي يدل على المنع اخبار عديدة: منها رواية عبد الله بن سنان السالفة (1) وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: " سألته عن ماء الحمام. فقال: ادخله بازار، ولا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيه جنب، أو يكثر أهله فلا تدري فيهم جنب أم لا ". ورواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام. قال: ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " هذا ما حضرني من الاخبار التي تصلح ان تكون مستندا لهذا القول. واحتج المانع ايضا بان الماء المستعمل في غسل الجنابة مشكوك فيه، فلا يحصل باستعماله يقين البراءة. والذي يدل على الجواز ما تقدم في المسألة الاولى من عموم الادلة الدالة على استعمال


(1) في الصحيفة 436. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.

[ 440 ]

المطلق في رفع الحدث من الآيات (1) والروايات، وهذا ماء مطلق. وخصوص صحيحة علي بن جعفر عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة ؟ إذا كان لا يجد غيره، والماء لا يبلغ صاعا للجنابه ولا مدا للوضوء، وهو متفرق، إلى ان قال (عليه السلام): فان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه، فان ذلك يجزيه ". ويدل على ذلك ايضا الاخبار المشار إليها آنفا في الاستلال على أصل الطهارة، فانها قد اشتركت في الدلالة على نفي البأس عما ينتضح من جسد الجنب في الاناء حال غسله. وتفصيل القول في هذه المسألة ان يقال: ان دلالة صحيحة علي بن جعفر على الجواز لا تخلو من اشكال، لامكان حملها على الضرورة كما يقتضيه سياق الخبر، وعلى ذلك حملها الشيخ (رضي الله عنه) في كتابي الاخبار. وهو جيد، لما قلنا وربما يفهم منه ان مذهبه حينئذ جواز الاستعمال في الضرورة، إلا انه لم ينقل ذلك قولا عنه في المسألة. والتحقيق ان مجرد جمعه بين الاخبار بالوجوه القريبة أو البعيدة لا يوجب كون ذلك مذهبا له، كما قدمنا الاشارة إليه في مقدمات الكتاب (3) إذ ليس غرضه ثمة الا مجرد دفع التنافي بينها ردا على من زعمه، حتى اوجب خروجه عن المذهب كما اشار إليه في التهذيب (4) واما الاخبار الدالة على نفي البأس عما ينتضح


(1) ومنها قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " حيث علق التيمم على عدم وجود الماء، فينتفى مع وجوده، وهو صادق على ما نحن فيه، فلا يسوغ التيمم مع وجود هذا الماء، ونحو ذلك من العمومات (منه رحمه الله). (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (3) في الصحيفة 90. (4) في الصحيفة 2 من الجزء الاول. (55)

[ 441 ]

من بدن الجنب فسيأتي ما فيها. وحينئذ لم يبق إلا الدليل الاول، فالقائل ان يقول: ان عموم تلك الادلة مخصوص بالاخبار المذكورة كما هو القاعدة المطردة. إلا ان ذلك فرع سلامة هذه الاخبار من الطعن، وهي غير سالمة. اما الخبر الاول (1) فضعيف السند باشتماله على احمد بن هلال الذي حاله في الضعف اشهر من ان يذكر، واحتمال الحمل على وجود النجاسة في بدن الجنب، بل الظاهر رجحانه كما سيأتي بيانه. واما الثاني (2) ففيه (اولا) انه معارض بصحيحة محمد بن مسلم ايضا الاخرى (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، اعتسل من مائه ؟ قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب ". ورواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت: اخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب والصبي واليهودي والنصراني والمجوسي ؟ فقال: ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا ". إلا انه يمكن حمل هذين الخبرين على ما له مادة أو كان كثيرا، ويخص الاول بما ليس كذلك كما نقل عن الشيخ الجمع به بين صحيحتي محمد بن مسلم، وحينئذ تبقى الصحيحة الاولى سالمة من المعارض. و (ثانيا) تضمنه للتعويل على الشك والاحتمال في المنع في مقابلة يقين


(1) وهو خبر عبد الله بن سنان المتقدم في الصحيفة 436. (2) وهو صحيح محمد بن مسلم المتقدم في الصحيفة 439. (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق، والباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق.

[ 442 ]

الطهارة الثابت بالاصل، وهو خلاف القواعد الشرعية المتفق عليها (1) فلابد من الخروج عن ظاهره إلى الحمل على الكراهة ومرجوحية الاستعمال. إلا انه يمكن تطرق النظر إلى هذا الوجه ايضا بان يقال: ان هذا مخصوص بصورة الشك بوجود الجنب، والخروج فيه عن الظاهر باعتبار ما ذكر من المعارض متجه. لكن يبقى الكلام في صورة العلم بوجود الجنب، كما هو أحد الامرين المذكورين في الخبر، والخروج عن الظاهر ثمة لمعارض لا يستلزم الخروج عنه فيما لا معارض فيه، غاية الامر انه يراد من الخبر الحقيقة والمجاز باعتبارين، ولا نكير فيه. وما اجاب به في المعالم عن ذلك حيث قال: " ان هذا تكلف، والتعلق بهذ التكلف إنما يتوجه لو كانت الرواية ظاهرة في المدعى من غير هذا الوجه. والامر على خلاف ذلك. (اما أولا) فلان عدم الاغتسال من ماء الحمام مع مباشرة الجنب له إنما افاده فيها استثناؤه من النهي عن الاغتسال بماء آخر، وهو أعم من الامر به، إذ يكفي في رفع النهي الاباحة. و (اما ثانيا) فلان الاغتسال فيها مطلق بحيث يصلح لارادة رفع الحدث وازالة الخبث، وستعلم ان المانعين من رفع الحدث به قائلون بجواز استعماله في ازالة الخبث، فلابد من التأويل بالنظر إليه، فتضعف الدلالة، ويشكل الخروج عن ظواهر العمومات بمجرد ذلك " انتهى مخدوش بوجهيه.


(1) فانه تضمن المنع من استعمال ماء الحمام إذا كثر الناس فيه واحتمل وجود الجنب فيهم، والاتفاق واقع على ان الشك في حصول المقتضى واحتماله غير موجب للمنع فلابد من صرفه عن ظاهر. ومما يدل ايضا من الاخبار على ما ذكرنا في خصوص هذا المقام مضمرة ابى الحسن الهاشمي قال سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام لا اعرف اليهودي من النصراني ولا الجنب من غير الجنب ؟ قال: تغتسل منه ولا تغتسل من ماء آخر، فانه طهور (منه قدس سره).

[ 443 ]

(اما اولهما) فلما تقرر من أن الاستثناء يقتضي ثبوت الحكم للمستثنى اثباتا ونفيا على عكس ما ثبت للمستثنى منه، ولذا عرف نجم الائمة في شرح الكافية المستثنى بانه المذكور بعد (إلا) واخواتها مخالفا لما قبلها نفيا واثباتا، وحينئذ فإذا قيل: لا تضرب أحدا إلا زيدا. فهم منه انه مريد لضرب زيد وآمر به لا انه أعم من الامر بضربه وعدمه، وكذا قوله (عليه السلام) (1): " اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة " مفيد للنهي عن قتل أهل الذمة لا انه للاعم منه ومن عدمه، ولو تم ما ذكره لا طرد في جميع صور الاستثناء، فلا يثبت للمستثنى بمجرد الاستثناء حكم على الخصوص، بل لابد معه من التصريح، فلو قال: لزيد علي عشرة إلا ثلاثة. لم يفد نفي الثلاثة عنه بطريق اليقين، بل لابد في نفيها جزما من أمر زائد على الاستثناء وهو ظاهر البطلان. وبذلك يظهر لك ان قوله (عليه السلام) في الخبر المذكور: " ولا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيه جنب.. " دال على الامر بالاغتسال من الماء الآخر مع وجود الجنب لا لمجرد إباحة الآخر وعدم النهي عنه. و (اما ثانيهما) فلان الاغتسال شرعا وعرفا مخصوص بغير ازالة الخبث، إذ إنما يطلق عليها الغسل لا الاغتسال (2).


(1) لم نعثر على هذا الحديث بعد الفحص عنه في مظانه، والذى وجدناه في الوسائل في الباب 18 من كتاب الجهاد عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " اقتلوا المشركين واستحيوا شيوخهم وصبيانهم ". (2) وحاصل كلامه ان الاستثناء عبارة عن رفع الحكم السابق، والحكم السابق هنا هو النهى عن الاغتسال بماء آخر، ورفعه هو عدم النهى عن ذلك، وعدم النهى اعم من الامر، فيرجع إلى الاباحة. وفيه ان الاستثناء إنما هو اثبات نقيض ما ثبت للمستثنى منه من الحكم، كما عرفته من تعريف نجم الائمة. وايضا على تقدير ما ذكره فرفع الحكم السابق لا يتحقق الا بوجود نقيضه واثباته للمشتثنى، لانه مع ارادة العموم كما زعمه المحتمل لجواز ان يثبت للمشتثنى ما ثبت اولا للمستثنى منه لا يحصل رفع الحكم السابق كما لا يخفى (منه قدس سره).

[ 444 ]

والتحقيق ان الاظهر في الجواب هو الحمل على وجود النجاسة في بدن الجنب، حملا على الغالب المتكرر من تأخيرها إلى وقت الغسل. وعلى ذلك يحمل الخبر الثالث والرابع (1) والى ذلك اشار ايضا في المعالم، حيث قال: " ولعل الاخبار الواردة بالنهي عن استعمال ما يغتسل به الجنب ناظرة إلى ما هو الغالب من عدم انفكاكه من بقايا آثار المني " انتهى. بل نقول: ان المستفاد من الاخبار الواردة في بيان كيفية غسل الجنابة حمل الجنب في الاخبار حيث يطلق على من كان ذلك، وان لم يكن كليا فلا أقل ان يكون غالبا. ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن غسل الجنابة. قال: تبدأ بكفيك فتغسلهما، ثم تغسل فرجك، ثم تصب الماء على رأسك.. الحديث ". وصحيحة زرارة (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ فتغسل كفيك. ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك. الحديث ". وصحيحة ابن ابي نصر (4) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفق إلى اصابعك. وتبول ان قدرت على البول ثم تدخل يدك في الاناء، ثم اغسل ما اصابك منه.. الحديث " إلى غير ذلك من الاخبار المستفيضة بذلك، فمن أحب الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها.


(1) وهما رواية حمزة بن احمد وصحيحة محمد بن مسلم المتضمنة لعدم نجاسة الكر المتقدمان في الصحيفة 439. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 26 و 34 من ابواب الجنابة.

[ 445 ]

وجه الدلالة ان اشتمال اجوبتهم (عليهم السلام) عن بيان كيفية غسل الجنابة على إزالة المني يشعر بان له مدخلا في الكيفية، وما ذلك إلا بناء على ما قلنا من انه لما كان الغالب تأخير ازالة المني إلى حين ارادة الاغتسال ادرجه في الكيفية. والاحكام في الاخبار كما ذكرنا في غير المقام إنما تبنى على ما هو الغالب المتكرر، ألا ترى ان أحد سببي الجنابة الموجب للغسل ايضا الايلاج خاصة، مع ان الاخبار الواردة في بيان الكيفية إنما خرجت بناء على السبب الآخر الذي هو الانزال، وما ذاك الا بناء على ما ذكرنا، وحينئذ فحيث يطلق الجنب في اخبارهم (عليهم السلام) يحمل على من كان كذلك إلا مع قيام القرينة المخرجة. وبهذا التحقيق في المقام يحصل المخرج من المضيق في جملة من الاحكام: منها اخبار هذا الموضع، ومنها الاخبار الواردة بنزح سبع دلاء لاغتسال الجنب في البئر، فانه مع عدمم النجاسة في بدنه لا يظهر للنرح واجبا أو مستحبا وجه حسن في ذلك المجال. وما تكلفه جملة من اصحابنا لدفع ذلك لا يخلو من تمحل واشكال، إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع للاخبار. وعلى هذا فتكون الاخبار التي اشرنا إليها آنفا مما دل على نفي البأس عما ينتضح من الجنب حال اغتساله محمولة على الاستثناء من نجاسة القليل دفعا للحرج، كما يشير إليه الاستشهاد بالآية في صحيحة الفضيل (1) المتقدمة (2).


(1) فان ظاهر الاستشهاد بالآية المذكورة حصول الحرج لو منع من استعمال ذلك الماء الذى انتضح فيه من غسل الجنب، ومن المعلوم انه لو كان طاهرا فلا منع ولا حرج في ذلك فانه متى كان بدن الجنب طاهرا والارض التى يغتسل عليها طاهرة فالمنتضح منها باق على اصلة الطهارة كسائر المواضع الملاقية للماء الطاهر، فاى نكتة تنرتب على ايراد الآية هنا ؟ بل إنما يتجه ايرادها على تقدير نجاسة الارض أو بدن الجنب، إذ موردها كون ذلك رخصة وتخفيفا، من شأن الرخص ورودها في المقامات المقتضية للمنع. ويؤيد ذلك ويوضحه رواية عمر بن يزيد المذكور، فان نفى البأس عما ينزو من الارض التى يبال عليها صريح فيما ذكرناه. والله العالم (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 438.

[ 446 ]

واصرح منها دلالة على الاستثناء المذكور رواية عمر بن يزيد (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ما ينزو من الارض ؟ فقال: لا بأس به ". وينبغي التنبيه على فوائد: (الاولى) ان الماء المستعمل الذي يتعلق به البحث هل هو عبارة عن البقية بعد الاستعمال سوء كان بعد تمام الاستعمال أو في اثنائه أو عبارة عما ينفصل عن البدن ولو تقاطر وترشح، أو يخص بما كان له قدر يعتد به فلا يدخل فيه التقاطر ونحوه. الظاهر انه لا خلاف في خروج الاول وجواز رفع الحدث به، ويدل عليه الاخبار المتضمنة لاغتساله (صلى الله عليه وآله) مع عائشة من اناء واحد، ومنها صحيحة زرارة (2) وفيها " فضرب بيده في الماء قبلها فانقى فرجه، ثم ضربت هي فانقت فرجها. ثم افاض هو وافاضت هي على نفسها حتى فرغا.. الحديث " قال في الفقيه (3). " ولا بأس بان يغتسل الرجل والمرأة من اناء واحد، ولكن تغتسل بفضله ولا يغتسل بفضلها ". واما الثاني فالذي يظهر من المنتهى انه محل البحث، إلا ان الظاهر من كلام الصدوق (رحمه الله) خلافه. لانه مع منعه التطهير بغسالة الجنب قال (4): " وان اغتسل الجنب فنزا الماء من الارض فوقع في الاناء أو سال من بدنه في الاناء، فلا بأس به " انتهى. وعلى ذلك تدل الاخبار المستفيضة التي أشرنا إليها آنفا (5) ومما يؤيد


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الجنابة. (3) و (4) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) (5) وهى الاخبار الدالة على نفى البأس عما ينتضح من الجنب حال اغتساله. المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 447 ]

ذلك ان الشيخ (رضوان الله عليه) قد روى اكثر تلك الروايات ولم يتعرض لردها ولا تأويلها بوجه، مع كونها مخالفة لمذهبه لو كان ذلك من محل النزاع، وفيه ايذان بانه ليس من محل النزاع في شئ. ومع فرض دخوله في محل البحث فهو مردود بالاخبار المشار إليها، لدلالتها على جواز الاستعمال مع تساقط ماء الغسل في الاناء. واما الثالث فالظاهر انه هو محل البحث على الخصوص. (الثانية) ينبغي ان يعلم ان موضع البحث هو الماء الذي يغتسل به المحدث الخالي بدنه من نجاسة خبثية، وإلا كان حكم الماء المتساقط عن الموضع النجس حكم غسالة النجاسة، وبذلك صرح ايضا جمع من الاصحاب. والظاهر انه بهذا خرجت الاخبار التي استند إليها الخصم كما اشرنا إليه آنفا. (الثالثة) الظاهر انه لا خلاف في ازالة الخبث بهذا الماء كما مرت الاشارة إليه، وممن نقل الاجماع على ذلك العلامة في المنتهى وابنه فخر المحققين في الشرح. واحتج له مع ذلك في المنتهى فقال ما لفظه: " الثالث المستعمل في غسل الجنابة يجوز ازالة النجاسة به اجماعا منا، لاطلاقه. والمنع من رفع الحدث به عند بعض الاصحاب لا يوجب المنع من ازالة النجاسة، لانهم إنما قالوه ثم لعلة لم توجد في ازالة الخبث، فان صحت تلك العلة ظهر الفرق وبطل الالحاق، وإلا حكموا بالتساوي في الماءين كما قلناه " انتهى. وعبارة الذكرى هنا ظاهرة في الخلاف، حيث قال: " جوز الشيخ والمحقق ازالة النجاسة به، لطهارته ولبقاء قوة ازالته الخبث وان ذهب قوة رفعه الحدث، وقيل: لا، لان قوته استوفيت فالتحق بالمضاف " انتهى، ومن ثم اعترض به بعض المتأخرين على مدعي الاجماع. واجاب في المعالم باحتمال ان يكون المنقول عنه في عبارة الذكرى بعض المخالفين، كما يشعر به تعليله الواهي المنقول ثمة. وفيه ان المعهود

[ 448 ]

من كلامه التصريح بذلك لو كان، ثم احتمل ايضا ان يكون هذا القول مستحدثا بعد دعوى الاجماع فلا يقدح. وفيه ما فيه. إلا ان فيه ان الخطب هين بعد الاحاطة بما اسلفنا من ضعف ادلة المنع من رفع الحدث، وحينئذ فلا تكون في شك من ضعف هذا القول في هذا المكان من اي قائل كان. (الرابعة) المنقول في كتب الاصحاب (رضوان الله عليهم) جعل محل الخلاف هو غسالة الحدث الاكبر، حتى ان المحقق الشيخ حسن في المعالم بعد ان نقل عن المنتهى الاقتصار في جواز ازالة النجاسة بالمستعمل على ما استعمل في غسل الجنابة كما قدمنا من عبارته حمل ذكر غسل الجنابة على التمثيل دون الحصر. وانت خبير بان كلام الصدوق في الفقيه صريح في التخصيص بغسالة الجنابة، وكذا الاخبار المنقولة دليلا للقول المذكور كما اسلفناها، ومثله ايضا ما نقله في المختلف عن الشيخ (رحمه الله) من الدليل، حيث قال: احتج الشيخ (رحمه الله) بان الانسان ملكف بالطهارة بالمتيقن طهارته المقطوع على استباحة الصلاة باستعماله، والمستعمل في غسل الجنابة ليس كذلك، لانه مشكوك فيه، فلا يخرج عن العهدة باستعماله، ولا معنى لعدم الاجزاء إلا ذلك. وبما رواه عبد الله بن سنان ثم ساق الرواية كما قدمنا (1). ولم يحضرني من كتب اولئك القائلين زيادة على ما ذكرت لا حقق منه الحال، وينبغي التنبيه لمثل ذلك. وعلى تقدير كون محل البحث على ما نقله الاصحاب من العموم فلا يخفى ان الدليل حينئذ اخص من المدعى لما عرفت. نعم ربما يتمسك بقوله (عليه السلام) في رواية عبد الله بن سنان (2) التي هي أحد أدلة ذلك القول: " واشباهه " بعطفه على " الماء الذي يغتسل به من الجنابة ". إلا ان فيه احتمال عطفه على فاعل " يجوز " اعني قوله: " أن يتوضأ به " بمعنى انه لا يجوز الوضوء به ولا اشباه الوضوء من سائر الاستعمالات في رفع حدث أو خبث.


(1) و (2) في الصحيفة 436.

[ 449 ]

(الخامسة) نفي جملة من المتأخرين الخلاف عن المستعمل في الاغسال المندوبة ونقل ذلك ايضا عن الشيخ في الخلاف، وهو ظاهره في الاستبصار ايضا. والظاهر انه بناء منهم على عدم رفعه الحدث، كما هو المشهور من عدم التداخل بين الاغسال المستحبة والواجبة وعدم رفع المستحب للحدث، وإلا فانه يأتي الكلام فيه ايضا كما لا يخفى. وسيأتي ما يوضح هذه الجملة في بحث نية الوضوء ان شاء الله تعالى. (السادسة) إذا وجب الغسل من حدث مشكوك فيه كمن تيقن الجنابة والغسل وشك في المتأخر منهما، وواجه المني في ثوبه المختص به، ونحوهما فهل يكون الماء مستعملا ام لا ؟ اشكال نبه عليه في المنتهى، قال: " لانه ماء طاهر في الاصل لم تعلم ازالة الجنابه به، فلا يلحقه حكم المستعمل. ويمكن ان يقال انه مستعمل، لانه قد اغتسل به من الجنابه وان لم تكن معلومة، الا ان الاغتسال معلوم فيلحقه حكمه، لانه ماء ازال مانعا من الصلاة، فانتقل إليه المنع كالمتيقن " انتهى. واستظهر بعض (1) الاحتمال الاول، ووجهه غير ظاهر. والاظهر عندي الثاني، لانه متى حكم بكونه محدثا شرعا وممنوعا من الصلاة بدون الغسل، ترتب على غسله ما يترتب على غسل متيقن الحدث. واما كونه كذلك واقعا أم لا فلا يؤثر في المقام، إذ الاحكام الشرعية كما عرفت في غير موضع إنما ترتبت على الظاهر لا على نفس الامر والواقع. (السابعة) هل يشترط في صدق الاستعمال الانفصال عن البدن ام لا ؟ المفهوم من كلام العلامة (قدس سره) في النهاية والمنتهى الثاني، قال في المنتهى: " لو اغتسل من الجنابة وبقيت في العضو لمعة لم يصبها الماء فصرف البلل الذي على العضو إلى تلك اللمعة جاز، اما على ما اخترناه نحن فظاهر، واما على قول


(1) هو المحقق الشيخ حسن في المعالم، والفاضل الخراساني في الذخيرة (منه رحمه الله)

[ 450 ]

الحنفية فكذلك (1) لانه إنما يكون مستعملا بانفصاله عن البدن، إلى ان قال: وليس للشيخ فيه نص، والذي ينبغي ان يقال على مذهبه عدم الجواز في الجنابة، فانه لم يشترط في المسعتمل الانفصال " انتهى. وانكر هذه النسبة إلى الشيخ (رحمه الله) جمع ممن تأخر عنه، لعدم تصريحه بذلك في كتبه المشهورة، مع استلزام ذلك عدم الاجتزاء باجراء الماء في الغسل من محل إلى آخر بعد تحقق مسماه. وهو بمحل من البعد بل البطلان، كما لا يخفى على من لاحظ الاخبار الواردة في كيفية الغسل من الجنابة (2). (الثامنة) لو اجتمع كر فصاعدا من الماء المستعمل، فهل يزول عنه حكم الاستعمال بذلك ام لا ؟ قولان، اختار اولهما الشيخ في المبسوط والعلامة في المنتهى، وثانيهما المحقق في المعتبر، وتردد الشيخ في الخلاف. احتج في المنتهى بما حاصله ان بلوغ الكر مانع من الانفعال بالنجاسة. فمنعه من الانفعال بارتفاع الحدث اولى، إذ لو كانت نجاسة لكانت تقديرية. وبانه لو اغتسل في كر لما انفعل فكذا المجتمع. ثم قال: " لا يقال: يرد ذلك في النجاسة العينية. لانا نقول: هناك إنما حكمنا بعدم الزوال لارتفاع قوة الطهارة بخلاف المتنازع " انتهى. احتج المحقق في المعتبر بان ثبوت المنع معلوم شرعا فيقف ارتفاعه على وجود الدلالة، قال: " وما يدعى من قول الائمة (عليهم السلام): " إذا بلغ الماء كرا


(1) تقدم الكلام في قول الحنفية في التعليقة 3 في الصحيفة 436. (2) لتصريح جملة منها " انه يصب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد اجزأه " وفى بعض " ان كان يغتسل في مكان يسيل الماء على رجليه بعد الغسل فلا عليه ان لا يغسلهما، وان كان يغتسل في مكان يستنقع رجلاه في الماء فليغسلهما " (منه رحمه الله).

[ 451 ]

لم يحمل خبثا " (1) لم نعرفه ولا نقلناه عنهم، ونحن نطالب المدعي هذا اللفظ بالاسناد إليهم. اما قولهم (عليهم السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (2) فانه لا يتناول موضع النزاع، لان هذا الماء عندنا ليس بنجس، ولو بلغ كرا ثم وقعت فيه نجاسة لم تنجسه. نعم لا يرتفع ما كان فيه من المنع " انتهى. ونقل عن الشيخ في الخلاف ان منشأ التردد عنده، من انه ثبت فيه المنع قبل أن يبلغ كرا فيحتاج في جواز استعماله بعد بلوغه إلى دليل، ومن دلالة ظاهر الآيات والاخبار على طهارة الماء، خرج منه الناقص عن الكر بدليل فيبقى ما عداه، وقولهم (عليهم السلام): " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (3). ولا يخفى على المصنف الخبير ان ما ذهب إليه المحقق هو الحري بالتخيير، قال في المعالم بعد نقل كلمات القوم في هذا المجال، ونعم ما قال: " والعجب ان الشيخ احتج في الخلاف على عدم زوال النجاسة في المجتمع من الطاهر والنجس بانه ماء محكوم بنجاسته، فمن ادعى زوال حكم النجاسة عنه بالاجتماع، فعليه الدليل، وليس هناك دليل فيبقى على الاصل. ولو صح الحديث الذي جعله في موضع النزاع منشأ لاحتمال زوال المنع، لكان دليلا على زوال النجاسة هناك، وليس بين الحكمين في الخلاف إلا اوراق يسيرة. والحق بناء الحكم هنا على الخلاف الواقع في زوال النجاسة بالاتمام، فمن حكم بالزوال هناك تأتى له الحكم هنا بطريق اولى، ومن لا فلا. واما التفرقة التي صار إليها الشيخ والعلامة فلا وجه لها " انتهى. (التاسعة) قال في المنتهى: " لو غسل رأسه خارجا ثم أدخل يده في القليل


(1) و (3) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 346. (2) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.

[ 452 ]

ليأخذ ما يغسل به جانبه، فالاقرب ان الماء لا يصير مستعملا، ولو نوى غسل يده صار مستعملا " انتهى. وتوقف في النهاية في صورة وضع اليد ليأخذ ما يغسل به. قال بعض فضلاء متأخرى المتأخرين (1): " وكأن وجه التوقف انه لا دخل للقصد في غسل اليد، بل ادخاله يده في الاناء يحسب من الغسل وان لم يقصده، فيصير به مستعملا. ولا يخفى ان لهذا الوجه قوة سيما إذا كان عند ادخال اليد ذاهلا عن أنه يقصد الغسل والاخذ، وحينئذ يقوى الاشكال. وما ذكره بعضهم من انه لا وجه لهذا التوقف لا وجه له " انتهى. واشار بقوله: " وما ذكره بعضهم.. الخ " إلى صاحب المعالم، حيث قال بعد نقل التوقف عن النهاية: " ولا وجه له ". اقول: وما ذكره هذا الفاضل مردود من وجوه: (احدها) ما تقدم في الفائدة الاولى من الاتفاق على خروج مثل ذلك عن المستعمل، كما يدل عليه أخبار غسله (صلى الله عليه وآله) مع عائشة. و (ثانيها) ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في بحث النية من ان المدار في تميز الافعال بعضها عن بعض من عبادات وغيرها على القصود والنيات. و (ثالثها) انه يأتي على قوله انه لو ارتمس في الماء وكان جنبا ذاهلا عن قصد الغسل فضلا عن ان يكون ناويا لاخذ شئ من داخل الماء، فانه يحصل له الطهارة من حدث الجنابة. ولا اظنه يلتزمه. وبالجملة فكلامه هنا مما لا ينبغي ان يلتفت إليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. (العاشرة) لا يخفى انه كما يصدق المستعمل بالنسبة إلى ما يسيل ويتقاطر من الاغتسال ترتيبا، كذلك يصدق بالنسبة إلى ما يغتسل فيه ارتماسا من الماء القليل


(1) هو الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس (منه رحمه الله).

[ 453 ]

من غير خلاف يعرف بينهم. إلا ان الخلاف هنا وقع في موضعين: (احدهما) ان المرتمس إذا نوى خارج الماء سواء كان بجميع بدنه أم لا، فهل يحكم بصحة غسله وان كان الماء يصير مستعملا بعد اتمام غسله، أو يصير الماء بمجرد ادخال عضو فيه بعد النية مستعملا ويكون غسله حينئذ باطلا، بناء على المنع من استعمال المستعمل ثاينا. قرب في المنتهى الاول وجعله في النهاية احتمالا، حيث قال فيها: " لو نوى قبل تمام الانغماس اما في اول الملاقاة أو بعد غمس بعض البدن، احتمل ان لا يصير مستعملا، كما لو ورد الماء على البدن، فانه لا يحكم بكونه مستعملا باول الملاقاة، لاختصاصه بقوة الورود، والحاجة إلى رفع الحدث، وعسر افراد كل موضع بماء جديد. وهذا المعنى موجود سواء كان الماء واردا أو هو " انتهى. اقول: وربما كان وجه الاحتمال الآخر هو الفرق بين الغسل الترتيبي والارتماسي، بان يقال: ان عدم الحكم بكونه مستعملا في الترتيبي باول الملاقاة لما ذكر من الضرورة ولزوم الحرج لا يستلزم الحكم بذلك في الارتماسي، لانتفائهما فيه، بان ينوي بعد تمام الانغماس لئلا يلزم المحذور المذكور. إلا ان فيه ان ما دل على جواز الارتماس من الاخبار مطلق لا تقييد فيه بكونه في الكثير أو كون النية بعد تمام الانغماس في الماء. وما دل من الاخبار على منع استعمال المستعمل ثانيا بعد تسليمه لا شمول له للصورة المذكورة حتى تقيد به تلك الاخبار، فيجب العمل باطلاق تلك الاخبار، والحكم باجزاء الارتماس على اي نحو كان. و (ثانيهما) إذا نوى بعد تمام انغماسه في الماء فانه يصح غسله اجماعا ويكون الماء مستعملا، لكن هل يكون مستعملا بالنسبة إليه والى غيره وان لم يخرج من الماء، أو لا يكون مستعملا بالنسبة إليه حتى يخرج من الماء أو ينتقل إلى محل آخر وان كان مستعملا بالنسبة إلى غيره بدون ذلك، أو يكون

[ 454 ]

مستعملا بالنسبة إليه بدون ذلك ولا يكون مستعملا بالنسبة إلى غيره إلا بذلك ؟ قوال: (أولها) صريح العلامة في المنتهى، حيث قال: " لو انغمس الجنب في ماء قليل، فان نوى بعد تمام انغماسه واتصال الماء بجميع البدن ارتفع حدثه، لوصول الماء الطهور إلى محل الحدث مع النية. ويكون مستعملا، وهل يحكم بالاستعمال في حق غيره قبل انفصاله عنه ؟ الوجه ذلك " انتهى. و (ثانيها) ظاهر الشهيد في الذكرى، حيث قال: " يصير الماء مستعملا بانفصاله عن البدن، فلو نوى المرتمس في القليل بعد تمام الارتماس ارتفع حدثه وصار مستعملا بالنسبة إلى غيره وان لم يخرج ". واورد عليه فان حكمه بصيرورته مستعملا بالنسبة إلى غيره قبل الخروج مشكل بعد قوله اولا: ان الاستعمال يتحقق بانفصاله عن البدن، إذ مقتضاه توقف صيرورته مستعملا حينئذ على خروجه أو انتقاله تحت الماء إلى محل آخر غير ما ارتمس فيه. واجيب بانه كان مراده اعتبار الانفصال عن البدن بالنسبة إلى نفس المغتسل وان كان ظاهر عبارته العموم. ولا يخلو من بعد، لعدم صحة تفريع " فلو نوى " على ما قبله (1). ولعل الاظهر في الجواب انه (قدس سره) جعل تمام الارتماس المترتب عليه ارتفاع الحدث وصيرورة الماء مستعملا في حكم انفصال الماء عن البدن، فيكون مراده بانفصال الماء عن البدن المترتب عليه صيرورته مستعملا ما هو أعم من ذلك. وبهذا المعنى


(1) لانه متى فسر قوله: " يصير الماء مستعملا.. الخ " بالمغتسل نفسه وخص به يصير اعتبار الانفصال عن البدن بالنسبة إليه خاصة، مع ان ما فرع عليه من صيرورة الماء مستعملا بعد نية المرتمس بعد تمام الارتماس انما هو بالنسبة إلى الغير، ولا وجه للتفريع المذكور، لتغاير محل الحكم المذكور (منه رحمه الله).

[ 455 ]

صرح شيخنا الشهيد الثاني في شرح الارشاد (1) والظاهر ان تحقق الاستعمال وصدقه على الماء متفرع على رفع الحدث به في صورة الارتماس وان لم يخرج، إذ يصدق عليه انه ماء اغتسل به من الجنابة، فتشمله رواية ابن سنان (2) القائلة بان ما يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ به. ويجب بناء على العمل بها التجنب عنه. واما التوقف على الخروج أو الانتقال فمما لا دليل عليه في حقه ولا في حق غيره. لما ذكرناه. و (ثالثها) ظاهر العلامة في النهاية، حيث قال: " لو انغمس الجنب في ماء قليل ونوى، فان نوى بعد تمام انغماسه فيه واتصال الماء بجميع البدن ارتفع حدثه وصار مستعملا للماء، وهل يحكم باستعماله في حق غيره قبل انفصاله ؟ يحتمل ذلك، لانه مستعمل في حقه فكذا في حق غيره. وعدمه، لان الماء ما دام مترددا على اعضاء المتطهر لا يحكم باستعماله. فعلى الاول لا يجوز لغيره رفع الحدث به عند الشيخ ويجوز على الثاني " انتهى. ولا يخفى عليك ما في تعليله العدم من الوهن بما حققناه قال في المعالم بعد نقل كلام الذكرى وكلام النهاية: " والتحقيق ان الانفصال إنما يعتبر في صدق الاستعمال بالنظر إلى المغتسل، فما دام الماء مترددا على العضو لا يحكم باستعماله بالنسبة إليه. وإلا لوجب عليه افراد كل موضع من البدن بماء جديد. ولا ريب في بطلانه، إذ الاخبار ناطقة بخلافه، والبدن كله في الارتماس كالعضو الواحد. واما بالنظر إلى غير المغتسل فيصدق الاستعمال بمجرد اصابة الماء المحل المغسول بقصد الغسل، وحينئذ فالمتجه هنا صيرورة الماء مستعملا بالنسبة إلى غير المغتسل بمجرد النية والارتماس، وتوقفه بالنظر إليه على الخروج أو الانتقال. وقد حكم


(1) حيث قال: " لو ارتمس في القليل ارتفع حدثه بعد تمام الارتماس. لانه في حكم الانفصال، وصار مستعملا بالنسبة إلى غيره وان لم يخرج منه " انتهى. (منه رحمه الله). (2) المتقدمة في الصحيفة 436.

[ 456 ]

في المنتهى بصيرورته مستعملا بالنسبة اليهما قبل الانفصال، والوجه ما ذكرناه " انتهى. وفيه نظر من وجوه: (اما اولا) فلان الفرق الذي ذكره بين المغتسل وغيره اما مستفاد من كلام المانعين أو من الادلة الواردة لهم، وكلاهما ممنوع (اما الاول) فلعدم تصريح أحد منهم بذلك. و (اما الثاني) فلان المستفاد من رواية ابن سنان (1) التي هي اصرح ادلتهم صدق الاستعمال على هذا الماء بعد حصول رفع الحدث به، انفصل أو لم ينفصل. واما ما علل به عدم الاستعمال بالنسبة إلى المغتسل نفسه من انه ما دام الماء مترددا على العضو لا يحكم.. الخ ففيه ان هذا انما يلزم بالنسبة إلى المغتسل ترتيبا أو ارتماسا إذا نوى خارج الماء مثلا كما تقدمت الاشارة إليه آنفا، لا فيما إذا نوى بعد تمام الارتماس كما هو المفروض. وعدم الحكم بكونه مستعملا ثمة للحرج الذي ذكره لا يستلزم ذلك في محل البحث، لعدم العلة المذكورة. و (اما ثانيا) فلانه يرد عليه انه لو لم يخرج من الماء مدة يوم مثلا لا يحكم باستعمال الماء بالنسبة إليه فيجور له الوضوء أو الاغتسال منه، بل ولو خرج بعض بدنه ولم يخرج بتمامه. والتزامه لا يخلو من بعد. و (اما ثالثا) فلان حكمه بان الانتقال بمنزلة الخروج في صدق الاستعمال به فيه ان جميع هذا الماء اما في حكم الماء الواحد أو المياه المتعددة، فعلى الاول فما لم ينفصل عنه بتمامه فانه يجري فيه الدليل الذي ذكره. وعلى الثاني فانه يلزم جواز ان يتطهر به شخص آخر في موضع آخر منه وان انتقل أو خرج ايضا، وهو لا يقول به. نعم اعتبار الانتقال أو الخروج انما يعتبر بعد النية داخل الماء في صدق الغسل الذي هو عبارة عن جري جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو بمعاون لو كان الماء ساكنا، وهو غير محل البحث.


(1) المتقدمة في الصحيفة 436.

[ 457 ]

(الحاية عشرة) هل يختص البحث في هذه المسألة والخلاف فيها بما كان قليلا فقط، أو يشمل الكثير ايضا ؟ الظاهر من كلمات جمع من الاصحاب تصريحا تارة وتلويحا اخرى هو الاختصاص بالقليل. ونقل بعض فضلاء متأخري المتأخرين عن شيخنا المفيد في المقنعة انه حكم بكراهة الارتماس في الماء الكثير الراكد. والظاهر انه ليس الوجه فيه إلا صيرورته مستعملا يمتنع لطهارة به من الحدث ثانيا بناء على مذهبه. والكراهة في كلام المتقدمين كما هو في الاخبار اعم من المعنى المصطلح. قال شيخنا البهائي (قدس سره) في حواشي كتاب الحبل المتين بعد ان نقل في الاصل صحيحة صفوان بن مهران الجمال الدالة على السؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة، وقد تقدمت في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة (1) وصحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع (2) قال: " كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر، فسيتنجي فيه الانسان من البول أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز ؟ فكتب: لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه " ما صورته: " استدلال العلامة في المختلف الحديث السابع والثامن يعطي ان الخلاف ليس في الماء المنفصل عن اعضاء الغسل فقط. بل هو جار في الكر الذي يغتسل فيه ايضا فتدبر " انتهى. اقول: فيه ان الظاهر ان استدلال العلامة بصحيحة صفوان إنما هو من حيث الاطلاق الشامل للاقل من كر. ولهذا انه نقل ثمة عن الشيخ (رحمه الله) الجواب عن الصحيحة المذكورة بالحمل على بلوغ الكر ولم يتعرض لرده. وهو ظاهر في ان الكر ليس محل خلاف كما لا يخفى.


(1) في الصحيفة 296. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.

[ 458 ]

واما صحيحة محمد بن اسماعيل فلا يخفى ما فيها من الاجمال، لان الماء المسؤول عنه وان كان السائل قد سأل عن بيان حده الذي يجوز معه لكن الامام (عليه السلام) لم يبينه له، إلا انه بالنظر إلى قيام الدليل على نجاسة الماء القليل وانه بالنسبة إلى الطهارة حينئذ في حكم العدم، فلابد من الحمل على الكرية وحمل النهي عنه إلا مع الضرورة على التنزيه، بناء على انه يشترط في ماء الطهارة ما لا يشترط في غيره من المزية، وحينئذ يتم ما ذكره شيخنا البهائي (رحمه الله) بالنسبة إلى هذا الخبر. نعم يبقى الكلام في استدلال العلامة به على الجواز، فان للخصم الاستدلال به على المنع وحمل الجوار هنا على الضرورة كما ينطق به لفظه، بعين ما تقدم (1) من حمل الشيخ صحيحة علي بن جعفر على ذلك. وقول العلامة في المختلف في بيان وجه الاستدلال بهذه الرواية: " انه لو كان هذا الماء غير مطهر لما جاز الوضوء منه من ضرورة وغيرها " مردود بحصول الرخص في الشريعة في مواضع لا تحصى، وليس الرخصة إلا بتجويز ما منع منه تخفيفا وتسهيلا في بعض الموارد كما لا يخفى، إلا ان كلام الشيخ في التهذيب (2) ظاهر الاباء لذلك، حيث انه بعد ان نقل عبارة المقنعة الدالة على انه بالاغتسال في الكثير يخالف السنة استدل عليه بالصحيحة المذكورة، قائلا بعد نقلها: " قوله (عليه السلام): لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه يدل على كراهة النزول فيه، لانه لو لم يكن مكروها لما قيد الوضوء والغسل منه بحال الضرورة. ثم قال: واما الذي يدل على انه لا يفسد الماء إذا زاد على الكر بنزول الجنب فيه ما تقدم من الاخبار وانه إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " انتهى. وهو كما ترى صريح في عدم دخول قدر الكر في محل الخلاف، وعبارة المقنعة المنقولة ايضا ظاهرة الانطباق على هذا الكلام، فحينئذ فما توهم من نسبة الخلاف اليهما في قدر


(1) في الصحيفة 440. (2) في الصحيفة 42.

[ 459 ]

الكر ايضا ظاهر البطلان إلا ان يعلم تصريحهما بذلك في محل آخر. والله اعلم. (الثانية عشرة) روى الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة، إذا كان لا يجد غيره، والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ولا مدا للوضوء، وهو متفرق، فيكف يصنع به وهو يتخوف ان يكون السباع قد شربت منه ؟ فقال: إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه وكفا امامه وكفا عن يمينه وكفا عن شماله. فان خشي ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسح جلده بيده. فان ذلك يجزيه. وان كان الوضوء غسل وجهه ومسح يده على ذراعيه ورأسه ورجليه. وان كان الماء متفرقا فقدر ان يجمعه وإلا اغتسل من هذا وهذا. فان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه، فان ذلك يجزيه ". اقول: وهذا الخبر من مشكلات الاخبار ومعضلات الآثار، وقد تكلم فيه جملة من علمائنا الابرار رفع الله تعالى اقدارهم في دار القرار، وحيث كان مما يتعلق بهذا المقام ويدخل في سلك هذا النظام رأينا بسط الكلام فيه واردافه بما يكشف عن باطنه وخافيه. فنقول: ان الكلام فيه يقع في مواضع: (الاول) اختلف اصحابنا (رضوان الله عليهم) في ان النضح للجوانب الاربعة في الخبر المذكور هل هو للارض ام البدن. وعلى اي منهما فما الغرض منه وما الحكمة فيه ؟ فقيل بان محل النضح هو الارض، وقد اختلف في وجه الحكمة على هذ القول.


(1) في الصحيفة 118، وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 460 ]

فظاهر الخبر المشار إليه وبه صرح البعض ان ذلك لدفع النجاسة الوهمية الناشئة من تخوف شرب السباع التي من جملتها الكلاب ونحوها مع قلة الماء. ولكن فيه ان تعدد النضح في الجهات الاربع لا يظهر له وجه ترتب على ذلك، إذ يكفي النضح في جهة واحدة. ولعل الاقرب كون ذلك لما ذكر مع منع رجوع الغسالة إلى الماء، كما يشير إلى قوله (عليه السلام) في آخر الخبر: " فان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه " فانه يشعر بكون النضح اولا لمنع رجوع الغسالة، لكن مع قلة الماء على الوجه المذكور لا عليه ان يغتسل ويرجع إلى مكانه. ويؤيد ذلك ويوضحه ان الذي صرح به غير هذا الخبر من الاخبار الواردة في هذا المضمار هو ان العلة منع رجوع الغسالة. ومنها رواية ابن مسكان (1) قال: " حدثني صاحب لي ثقة انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينتهى إلى الماء القليل في الطريق فيريد ان يغتسل وليس معه إناء والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع ؟ قال: ينضح بكف بين يديه وكفا من خلفه وكفا عن يمينه وكفا عن شماله، ثم يغتسل ". وما رواه في المعتبر (2) والمنتهى عن جامع البزنطي عن عبد الكريم عن محمد ابن ميسر عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال " سئل عن الجنب ينتهي إلى الماء القليل والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله الماء، كيف يصنع ؟ قال: ينضح بكف بين يديه وكف خلفه وكف عن يمينه وكف عن شماله، ويغتسل ". وبذلك ايضا صرح شيخنا الصدوق (عطره الله مرقده) في كتاب من لا يحضره الفقيه (3) حيث قال: " فان اغتسل الرجل في وهدة وخشي ان يرجع ما ينصب عنه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) في الصحيفة 22. (3) في باب (المياه وطهرها ونجاستها).

[ 461 ]

إلى الماء الذي يغتسل منه، اخذ كفا وصبه امامه وكفا عن يمينه وكفا عن يساره وكفا من خلفه، واغتسل منه ". وقال ايضا والده (قدس سره) في رسالته إليه: " وان اغتسلت من ماء في وهدة وخشيت ان يرجع ما ينصب عنك إلى المكان الذي تغتسل فيه، اخذت له كفا وصببته عن يمينك وكفا عن يسارك وكفا خلفك وكفا امامك، واغتسلت ". والخبران المنقولان مع العبارتين المذكورتين وان اشتركا في كون العلة منع رجوع الغسالة لكنها مجملة بالنسبة إلى كون المنضوح الارض أو البدن. وما ذكره في المعالم من ان العبارة المحكية عن رسالة ابن بابويه ظاهرة في الاول حيث قال فيها: أخذت له كفا.. إلى آخره. والضمير في قوله: " له " عائد إلى المكان الذي يغتسل فيه، لانه المذكور قبله في العبارة، وليس المراد به محل الماء كما وقع في عبارة ابنه، حيث صرح بالعود إلى الماء الذي يغتسل منه، وكان تركه للتصريح بذلك اتكالا على دلالة لفظ الرجوع عليه، فالجار في قوله: " إلى المكان " متعلق ب‍ " ينصب " وصله " يرجع " غير مذكورة. لدلالة المقام عليها. انتهى. فظني بعده، لاحتمال كون الضمير في " له " عائدا إلى ما يفهمه سوق الكلام من خوف رجوع ما ينصب عنه، بمعنى انك إذا خشيت ذلك اخذت لاجل دفع ما تخشاه كفا، ويؤيده السلامة من تقدير صلة ل‍ " يرجع " بل صلته هو قوله: " إلى المكان " غاية الامر انه عبر هنا عن الماء الذي يغترف منه كما وقع في عبارة ابنه بالمكان الذي يغتسل فيه. وهو سهل. وقيل بان الحكمة فيه اجتماع اجزاء الارض، فيمتنع سرعة انحدار ما ينفصل عن البدن إلى الماء، وروده ابن ادريس وبالغ في رده بان استعداد الارض برش الجهات المذكورة موجب لسرعة نزول ماء الغسل. والظاهر ان لكل من القولين وجها

[ 462 ]

باعتبار اختلاف الاراضي، فان بعضها بالابتلال يكون قبولها لابتلاع الماء اكثر وبعضها بالعكس. وقيل بان الحكمة هي عدم عود ماء الغسل، لكن لا من جهة كونه غسالة بل من جهة النجاسة الوهمية التي في الارض، فالنضح إنما هو لازالة النجاسة الوهمية منها. والظاهر بعده، فانه لا ايناس في الخبر المذكور ولا في غيره من الاخبار التي قدمناها بذلك. وقيل بان الحكمة إنما هي رفع ما يستقذر منه الطبع من الكثافات بان يأخذ من وجه الماء اربع اكف وينضح على الارض. صرح بذلك السيد السند صاحب المدارك في حواشي الاستبصار. وايده بحسنة الكاهلي (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أتيت ماء وفيه قلة فانضح عن يمينك وعن يسارك وبين يديك، وتوضأ ". ورواية ابي بصير (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انا نسافر، فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فتكون فيه العذرة ويبول فيه الصبي وتبول فيه الدابة وتروث ؟ فقال: ان عرض في قلبك منه شئ فقل هكذا، يعني افرج الماء بيدك، ثم توضأ.. ". وفيه (اولا) انه يكفي على هذا مطلق النضح وان كان إلى جهة واحدة، مع ان الخبر قد تضمن تفريقه في الجهات الاربع، ومثله الخبران الاخران، واما النضح إلى الجهات الثلاث في خبر الكاهلي فالظاهر انه عبارة عن تفريج الماء كما في خبر ابي بصير. و (ثانيا) ان ظاهر الخبرين الذين قدمناهما وكذا كلام الصدوقين كون


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.

[ 463 ]

العلة منع رجوع الغسالة. وهذا الخبر وان كان مجملا بالنسبة إلى ذلك إلا ان الظاهر كما قدمنا لك ان ذلك مما استشعره الامام (عليه السلام) من سؤال السائل كما يشعر به آخر الخبر، ولا ينافي ذلك ظهور ما ادعاه في حسنة الكاهلي ورواية ابي بصير، فان الظاهر ان هذا حكم آخر مرتب على علة اخرى غير ما تضمنته هذه الاخبار. و (ثالثا) ان ظاهر الخبر كما اشرنا إليه آنفا إنما هو ازالة النجاسة الوهمية من الماء. وربما احتمل بعضهم بناء على ذلك ان المنضوح هو الماء، وايده ايضا بحسنة الكاهلي ورواية ابي بصير. ولا يخفى بعده وان قرب احتماله في الخبرين المذكورين. وقيل بان محل النضح هو البدن، وقد اختلف ايضا في وجه الحكمة على هذا القول على اقوال: (منها) - ان الحكمة في ذلك هو ترطيب البدن قبل الغسل لئلا ينفصل عنه ماء الغسل كثيرا فلا يفى بغسله لقلة الماء. وفيه (اولا) ان ذلك وان احتمل بالنسبة إلى الخبر المذكور لكنه لا يجري في خبر ابن مسكان والخبر المنقول عن جامع البزنطي (1) لظهورهما في كون العلة إنما هي خوف رجوع الغسالة. والظاهر كما قدمنا الاشارة إليه كون مورد الاخبار الثلاثة أمرا واحدا. و (ثانيا) انه يلزم من ذلك عدم جواب الامام (عليه السلام) في الخبر المبحوث عنه عن استشكال السائل المتخوف من ورود السباع. و (منها) ان الحكمة ازالة توهم ورود الغسالة، اما بحمل ما يرد على الماء على وروده مما نضح على البدن قبل الغسل الذي ليس من الغسالة، واما انه مع الاكتفاء


(1) التقدمين في الصحيفة 460.

[ 464 ]

بالمسح بعد النضح لا يرجع إلى الماء شئ. ولا يخلو ايضا من المناقشة (1). و (منها) ان الحكمة في ذلك ليجري ماء الغسل على البدن بسرعة، ويكمل الغسل قبل وصول الغسالة إلى ذلك الماء. واعترض عليه بان سرعة جريان ماء الغسل على البدن مقتض لسرعة تلاحق اجزاء الغسالة وتواصلها، وهو يعين على سرعة الوصول إلى الماء. واجيب بان انحدار الماء عن اعالي البدن إلى اسافله اسرع من انحداره إلى الارض المائلة إلى الانخفاض. لانه طالب للمركز على أقرب الطرق، فيكون انفصاله عن البدن اسرع من اتصاله بالماء الذي يغترف منه، هذا إذا لم تكن المسافة بين مكان الغسل وبين الماء الذي يغترف منه قليلة جدا، فلعله كان في كلام السائل ما يدل على ذلك، كذا نقل عن شيخنا البهائي (قدس سره). (الثاني) ان هذا الخبر قد اشتمل على جملة من الاحكام المخالفة لما عليه علمائنا الاعلام. (منها) امره (عليه السلام) بغسل رأسه ثلاث مرات ومسح بقية بدنه، فانه يدل على اجزاء المسح عن الغسل عند قلة الماء. وهو غير معمول عليه عند جمهور الاصحاب عدا ابن الجنيد، فان المنقول عنه وجوب غسل الرأس ثلاثا والاجتزاء بالدهن في بقية البدن. إلا ان اخبار الدهن الآتية ان شاء الله تعالى في بحث الوضوء تساعده.


(1) اما التعليل الاول فلان الوارد على الماء ان علم ورثى حال وروده فلا مجال للحمل المذكور، وإلا فاصالة العدم كافية. واما الثاني فلان المسح انما ذكر في الخبر على سبيل الفرض بناء على عدم كفاية الماء للغسل بعد النضح المذكور، كما يشير إليه قوله: " فان خشي ان لا يكون.. الخ " وحينئذ فلا يتم ذلك (منه قدس سره).

[ 465 ]

و (منها) قوله (عليه السلام): " وان كان الوضوء.. الخ " فانه صريح في الاجتزاء بمسح اليدين عن غسلهما في الوضوء عند عوز الماء. و (منها) قوله (عليه السلام): " فان كان في مكان واحد.. الخ " فانه يدل على ان الجنب إذا لم يجد من الماء إلا ما يكفيه لبعض اعضائه غسل ذلك البعض به وغسل الآخر بغسالته، وانه لا يجوز ذلك إلا مع قلة الماء، كما يفيده مفهوم الشرط وهو مؤيد لما ذهب إليه المانعون من استعمال الغسالة ثانيا. ومؤذن بما اشرنا إليه سابقا من ان النضح المأمور به في صدر الخبر إنما هو للمنع من رجوع الغسالة. إلا ان الاكثر يحملون ذلك على الفضل والكمال. (الثالث) انه على تقدير جعل متعلق النضح في الخبر المذكور الارض وان وجه الحكمة فيه هو عدم رجوع ماء الغسل إلى الماء الذي يغتسل منه، كما هو أظهر الاحتمالات المتقدمة، مع اعتضاده بخبري ابن مسكان ومحمد بن ميسر المتقدمين (1) يكون ظاهر الدلالة على ما ذهب إليه المانعون من استعمال المستعمل ثانيا. وظاهر الاكثر حمل ذلك على الاستحباب. كما صرح به العلامة في المنتهى مقربا له بحسنة الكاهلي المتقدمة (2)، ووجه التقريب ان الاتفاق واقع على عدم المنع من المستعمل في الوضوء، فالامر بالنضح له في الحديث محمول على الاستحباب عند الكل، فلا يبعد ان تكون تلك الاوامر الواردة في تلك الاخبار كذلك. وانت خبير بانه يأتي بناء على ما حققناه سابقا احتمال ابتناء ذلك على ما هو الغالب من بقاء النجاسة إلى آن الغسل. إلا انه يدفعه في الخبر المبحوث عنه قوله في آخر في صورة فرض قلة الماء: " فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه، فانه يجزيه ". (الرابع) روى في كتاب الفقه الرضوي (3) قال (عليه السلام): " وان


(1) في الصحيفة 460. (2) في الصحيفة 462. (3) في الصحيفة 4.

[ 466 ]

اغتسلت من ماء في وهدة وخشيت ان يرجع ما تصب عليك، أخذت كفا فصبت على رأسك وعلى جانبيك كفا كفا، ثم تمسح بيدك وتدلك بدنك ". اقول: وهذ الخبر قد ورد بنوع آخر في منع رجوع الغسالة. وهو ان يغتسل على الكيفية المذكورة في الخبر. والظاهر تقييد ذلك بقلة الماء كما دل عليه الخبر المبحوث عنه، إذ الاجتزاء بالغسل المذكور مع كثرة الماء واتيانه على الغسل الكامل لا يخلو من الاشكال إلا على مذهب المانعين من استعمال الغسالة. (الخامس) قال الشيخ في النهاية: " متى حصل الانسان عند غدير أو قليب ولم يكن معه ما يغترف به الماء لوضوئه، فليدخل يده فيه ويأخذ منه ما يحتاج إليه وليس عليه شئ. وان أراد الغسل للجنابة وخاف ان نزل إليها فساد الماء، فليرش عن يمينه ويساره وامامه وخلفه، ثم ليأخذ كفا كفا من الماء فليغتسل به " انتهى. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: " وهو لا يخلو من اشكال، فان ظاهره كون المحذور في الفرض المذكور هو فساد الماء بنزول الجنب إليه واغتساله فيه، ولا ريب ان هذا يزول بالاخذ من الماء والاغتسال خارجه. وفرض امكان الرش يقتضي امكان الاخذ فلا يظهر لحكمه بالرش حينئذ وجه " ثم نقل عن المحقق في المعتبر انه تأوله فقال: " ان عبارة الشيخ لا تنطبق على الرش إلا أن يجعل في " نزل " ضمير ماء الغسل، ويكون التقدير " وخشى ان نزل ماء الغسل فساد الماء " وإلا فبتقدير ان يكون في " نزل " ضمير المريد لا يتنظم المعنى، لانه ان امكنه الرش لا مع النزول امكنه الاغتسال من غير نزول " ثم قال بعده: " وهذا الكلام حسن وان اقتضى كون المرجع غير مذكور صريحا، فان محذوره هين بالنظر إلى ما يلزم على التقدير الآخر، خصوصا بعد ملاحظة كون الغرض بيان الحكم الذي وردت به النصوص، فانه لا ربط للعبارة به على ذلك التقدير، وفى بعض نسخ النهاية " وخاف ان ينزل إليها فساد الماء " على صيغة المضارع، فالاشكال حينئذ مرتفع، لانه مبني على كون

[ 467 ]

العبارة عن النزول بصيغة الماضي، وجعل " ان " مكسورة الهمزة شرطية، وفساد الماء مفعول " خشى "، وفاعل " نزل " الضمير العائد إلى المريد. وعلى النسخة التي ذكرناها يجعل " ان " مفتوحة الهمزة مصدرية، وفساد الماء فاعل " ينزل " والمصدر المأول من " ان ينزل " مفعول " خشى " وفاعله ضمير المريد. وحاصل المعنى انه مع خشية نزول الماء المنفصل عن بدن المغتسل إلى المياه التي يريد الاغتسال منها وذلك بعود الماء الذي اغتسل به إليها فان المنع المتعلق به يتعدى إليها بعدوه فيها، وهو معنى نزول الفساد إليها، فيجب الرش حينئذ حذرا من ذلك الفساد. وهذا عين كلام باقي الجماعة ومدلول الاخبار فلعل الوهم في النسخة التي وقع فيها لفظ الماضي، فان حصول الاشتباه في مثله وقت الكتابة ليس بمستبعد " انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما نقله عن بعض نسخ النهاية من التعبير في تلك اللفظة بلفظ المضارع هو الموجود في أصل النسخة التي عندي وهي معتمدة، إلا ان الياء قد حكت، وعلى الهامش مكتوب بخط شيخنا العلامة ابي الحسن الشيخ سليمان البحراني (قدس سره) " نزل " بيانا لذلك. ولا ريب انه على تقدير النسخة المذكورة يضعف الاشكال كما ذكره (قدس سره). إلا انه من المحتمل بل الظاهر انه على تقدير نسخة الماضي ان المعنى انه إذا أراد الغسل للجنابة وخاف بنزوله في الماء للغسل ارتماسا فساد الماء. اما باعتبار نجاسة بدنه أو باعتبار اثارة الحمأة أو نحو ذلك، فانه يغتسل ترتيبا خارج الماء، ولكن يرش الارض لاحد الوجوه المتقدمة التي أظهرها واوفقها بمذهبه منع رجوع الغسالة. ولا ريب انه معنى صحيح لا غبار عليه ولا اشكال يتطرق إليه. (المسألة الثالثة) في الماء المستعمل في الاستنجاء، والبحث فيها يقع في مواضع: (الاول) اتفق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على مما نقله غير واحد

[ 468 ]

منهم على عدم وجوب ازالة ماء الاستنجاء عن الثوب والبدن لما هو مشروط بالطهارة من صلاة وغيرها، وعلى ذلك تدل الاخبار ايضا. (فمنها) صحيحة محمد بن النعمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له: استنجي ثم يقع ثوبي فيه وانا جنب ؟ فقال: لا بأس به ". واستظهر بعض محدثي المتأخرين كون الاستنجاء هنا من المني بقرينة قوله: " وانا جنب " قال: " فينبغي استثناء الاستنجاء من المني ايضا ". واحتمل آخر كون الاستنجاء مختصا بغير المني وذكر الجنابة لتوهم سراية النجاسة المعنوية الحدثية إلى الماء. و (منها) صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه ؟ قال: لا ". و (منها) حسنة محمد بن النعمان الاحول (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اخرج من الخلاء فاستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به ؟ فقال: لا بأس به " وزاد في الفقيه " ليس عليك شئ ". و (منها) ما رواه الصدوق عطر الله مرقده في كتاب العلل (4) عن الاحوال ايضا قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: سل عما شئت فارتجت علي المسائل، فقال لي: سل ما بدا لك فقلت: جعلت فداك الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به ؟ فقال: لا بأس به. فسكت فقال: أو تدري لم صار لا بأس به ؟


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) في الصحيفة 105 وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 469 ]

قلت: لا والله جعلت فداك. فقال: ان الماء اكثر من القذر ". وهذه الاخبار وان اشتركت في نفي البأس عن ملاقاته الثوب كما في اكثرها وعدم التنجيس كما في بعضها، إلا ان الظاهر كما عليه الاصحاب انه لا مدخل لخصوصية الثوب في ذلك، فيتعدى الحكم إلى غيره من باب تنقيح المناط القطعي الذي تقدمت الاشارة إليه غير مرة، وإلا للزم ايضا اختصاص الحكم بالرجل دون المراة كما هو مورد تلك الاخبار، وهو خلاف ما عليه كافة علمائنا الابرار. وربما اشعر التعليل الذي في آخر رواية العلل بعدم نجاسة غسالة الخبث مطلقا مع عدم التغيير. وسيأتي الكلام فيه في محله ان شاء الله تعالى. واطلاق هذه الاخبار يقتضى عدم الفرق بين المخرجين، لصدق الاستنجاء بالنسبة إلى كل منهما، وبذلك صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا. (الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) بعد الاتفاق كما عرفت على عدم وجوب ازالته في ان ذلك لطهارته أو لكونه معفوا عنه. وربما اشعر ذلك (1) بكون العفو عبارة عن الحكم بنجاسته مع الرخصة في مباشرته. والذي يظهر من كلام شيخنا الشهيد في الذكرى وتبعه عليه جمع ممن تأخر عنه كون العفو هنا إنما هو بمعنى سلب الطهورية، حيث قال بعد نقل القولين: " وتظهر الفائدة في استعماله " وحينئذ فيصير محط الخلاف في رفع الحدث أو الخبث به وعدمه، وكذا تناوله وعدمه، إلا انهم نقلوا الاجماع ايضا على عدم جواز رفع الحديث بما تزال به النجاسة مطلقا كما سيأتي في تالي هذه المسألة، وحينئذ فينحصر الخلاف في الآخرين. والظاهر كما هو المشهور الجواز تمسكا باصالة الطهارة عموما وخصوصا، وصدق


(1) أي مقابلة العفو بالطهارة وجعل القول بالعفو مقابلا للقول بالطهارة، وقد نقل السيد في المدارك عن المحقق الثاني في حواشى الشرائع انه نقل عن المحقق في المعتبر انه اختار كونه نجسا معفوا عنه (منه قدس سره).

[ 470 ]

الماء المطلق عليه، فيجوز شربه وازالة الخبث به. وجملة من متأخري المتأخرين (1) ايدوا ذلك ايضا بان ادلة نجاسة القليل بالملاقاة عموم لها بحيث تشمل ما نحن فيه، وإنما كان التعدي عن الموارد المخصوصة التي وردت فيها الروايات إلى بعض الصور لاجل الشهرة وعدم القول بالفصل، وكلاهما مفقودان فيما نحن فيه، فيبنى على الاصل، فيثبت جواز الطهارة والتناول. وانت خبير بما فيه، بل الحق ان هذا الموضع مما خرج بالاخبار المتقدمة عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة. واستدل جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الطهارة بلزوم الحرج والمشقة لو لم يكن كذلك، والظاهر ان مرادهم الاستدلال على خروجه عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة، بمعنى انه لو حكم بنجاسته كغيره من افراد الماء القليل للزم الحرج من ذلك والمشقة، لتكرره وعدم امكان التحرز عنه، لا ان مرادهم الاستدلال على الطهارة بالمعنى المقابل للعفو، وحينئذ فلا يرد ما اورده الفاضل الخوانساري في شرح الدروس على شيخنا الشهيد الثاني في الروض، حيث قال بعد نقل الاستدلال عنه على الطهارة بان في الحكم بالنجاسة حرجا ومشقة، لعموم البلوى، وكثرة تكرره ودورانه، بخلاف باقي النجاسات ما لفظه: " وفيه ان الحرج على تقدير تسليمه إنما يرتفع بالعفو ولا يتوقف على طهارته، إذ لا حرج في عدم جواز استعماله في رفع الخبث والتناول، وهو ظاهر " انتهى. وبالجملة فههنا مطلبان: (احدهما) الحكم بطهارته واستثنائه من عموم نجاسة القليل بالملاقاة. و (ثانيهما) انه هل يثبت له حكم الطاهر بجميع موارده، ام يخص بما دون التناول ورفع الخبث والحدث ؟ واستدلال شيخنا الشهيد الثاني إنما هو


(1) منهم: المحقق الشيخ حسن في المعالم والفاضل الخوانساري في شرح الدروس وغيرهما (منه رحمه الله).

[ 471 ]

على الاول دون الثاني، ويدلك على ذلك اناطتهم الحرج والمشقة بالنجاسة، مع ان العفو عندهم هنا كما عرفت ليس المراد به النجاسة مع جواز الاستعمال، بل المراد به سلب الطهورية. نعم ناقش المحدث الامين الاسترابادي (عطر الله مرقده) في الاستدلال بهذا الوجه قائلا: " لا يخفى ان هذا الوجه غير سديد، لان المقدار الذي اعتبره الشارع من الحرج والعسر غير منضبط في اذهاننا فكيف يتمسك بهما ؟ نعم يمكن التمسك بهما من باب مفهوم الموافقة مع وجود نص في فرد اخف، فتأمل " انتهى. وهو متجه. وما ذكره من التمسك بهما من باب مفهوم الموافقة متجهة باعتبار ورود النص بالعفو عما ينزو من غسالة الجنب في انائه، وما ينزو من الارض المتنجسة بالبول، وما يتساقط من غسالته كما تقدم في المسألة الثانية. إلا ان في العمل بمفهوم الموافقة ما عرفت في المقدمة الثالثة (1) وان كان المحدث المذكور ممن يعتمد عليه في غير موضع من تحقيقاته (الثالث) اعلم ان ممن رجح القول بالعفو شيخنا الشهيد الاول في الذكرى، حيث قال: " وفي المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة وإنما هو بالعفو، وتظهر الفائدة في استعماله. ولعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره " انتهى. ويظهر ذلك من المنتهى ايضا. واما كلام المعتبر في هذا الباب فلا يخلو من اجمال بل اضطراب، ولهذا اختلفت في نقل مذهبه كلمة من تأخر عنه من الاصحاب، قال (عطر الله مرقده): " واما طهارة ماء الاستنجاء فهو مذهب الشيخين. وقال علم الهدى في الممباح. لا بأس بما ينتضح من ماء الاستنجاء على الثوب والبدن. وكلامه صريح في العفو وليس بصريح في الطهارة. ويدل على الطهارة ما رواه الاحول عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم ساق حسنته المتقدمة (2) واردفها برواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي المتقدمة ايضا (3)


(1) في الصحيفة 57. (2) و (3) في الصحيفة 468.

[ 472 ]

ثم قال: ولان في التفصي عنه عسرا فشرع العفو دفعا للعسر " انتهى. وانت خبير بان مقتضى قوله: " ويدل على الطهارة.. الخ " بعد نقله القولين اولا هو اختيار الطهارة التي هي أحد ذينك القولين. وقوله في الدليل الثاني: " ولان في التفصى عنه عسرا فشرع العفو.. الخ " ظاهر في اختيار العفو الذي هو القول الآخر ايضا (1) وايضا ففي حكمه على كلام المرتضى بالصراحة في القول بالعفو مع حكمه على رواية الاحول بالدلالة على الطهارة نوع تدافع، فان العبارة فيهما واحدة، إذ نفي البأس ان كان صريحا في العفو ففي الموضعين، وان كان في الطهارة فكذلك، وحينئذ فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر كما فهمه السيد السند في المدارك وجمع ممن تأخر عنه كما ترى، واعجب من ذلك نقل شيخنا الشهيد في الذكرى كما تقدم في عبارته القول بالعفو عن المعتبر بتلك العبارة. وتبعه على ذلك المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد وشيخنا الشهيد الثاني في الروض فقال في شرح


(1) اقول: الذى يظهر من كلام المحقق (رحمه الله) هنا هو ان مراده بالعفو هو الطهارة، بمعنى انه وان كان مقتضى كلية نجاسة القليل بالملاقاة هو النجاسة هنا إلا انه لما كان في التفصى عنه عسر وحرج. استثناه الشارع من تلك الكلية فحكم بطهارته عفوا عنه ورحمة للعباد، كما هو شأن الرخص الواردة في الشريعة، والتعبير بالعفو اشارة إلى ان الطهارة هنا من قبيل الرخص تخفيفا، إذ مقتضى تلك الكلية هو النجاسة كما عرفت، ويبعد من مثل المحقق (ره) - على تقدير ارادة المعنى الذى فهموه - التعبير بمثل هذه العبارة المضطربة كما عرفته في الاصل، ويؤيد ما قلناه قوله - بعد هذه المسألة في الفرع الذى ذكره في حكم غسالة اناء الولوغ، بعد ان نقل عن الشيخ الاستدلال على طهارة هذه الغسالة مطلقا بانه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الاناء، لانه كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل ثم ينجس الماء الثاني بنجاسة البلة وكذا ما بعده - ما صورته " والجواب ان ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالاجماع فلا يقدح ما ذكره، ولانه معفو عنه دفعا للحرج " انتهى. فان حكمه بطهارة البلة بالاجماع اولا واستدلاله بالعفو ثانيا لا يجتمع إلا على ما ذكرناه وحينئذ فالظاهر من عبارته في ماء الاستنجاء هو الطهارة والله العالم (منه رحمه الله).

[ 473 ]

القواعد: " واعلم ان قول المصنف: فانه طاهر مقتضاه انه كغيره من المياه الطاهرة في ثبوت الطهارة له. ونقل في المنتهى على ذلك الاجماع. وقال المحقق في المعتبر: ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة وانما هو بالعفو. وتظهر الفائدة في استعماله. قال شيخنا في الذكرى: ولعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره " انتهى. وقال في الروض: " وفي المعتبر هو عفو، وقربه في الذكرى ". والظاهر ان اصل السهو من شيخنا الشهيد في الذكرى. وتبعه من تبعه من غير ملاحظة لكتاب المعتبر (1) وعبارة المعتبر كما مرت بك خالية عما ذكروه. وما اعتذر به الفاضل الخوانساري في شرح الدروس بعد ان ناقش في دلالة الاخبار على الطهارة، من ان مراد الذكرى من ان في المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة، انه ليس في الروايات لا في كلام الاصحاب، وهو كذلك كما قررنا.. إلى آخر كلامه غير مستقيم، إذ تفسير العبارة المذكورة بما ذكره فرع وجودها أو وجود ما يؤدي معناها، وليس فليس. بقي هنا شئ وهو ان ما ذهب إليه في الذكرى وتبعه عليه جمع من المتأخرين من ان العفو مراد به سلب الطهورية دون النجاسة مع سلب حكمها (2) مما لا يساعد عليه كلام المعتبر، فان نقله عن المرتضى (رضى الله عنه) القول بالعفو ونفيه عنه


(1) ومما يؤيد ذلك نقل المحقق الشيخ على (قدس سره) قوله: " وتظهر الفائدة.. الخ " من تتمة كلام المعتبر ظنا منه ان هذا من جملة المنقول عن المعتبر، حيث اخر نقل كلام الذكرى عن هذه العبارة، مع انها من كلام الذكرى قطعا، كما لا يخفى على من راجع عبارته (منه رحمه الله). (2) أي ان نفى البأس أعم من الطهارة، إذ قد يكون نجسا ويجوز مباشرته والصلاة فيه كما في غيره من النجاسات المعفو عنها، وحينئذ فنفى البأس غايته العفو خاصة (منه رحمه الله).

[ 474 ]

صراحة القول بالطهارة بمجرد نفيه البأس عما ينتضح على الثوب والبدن من ماء الاستنجاء يؤذن بان محل النزاع في ملاقاة هذا الماء للثوب والبدن وانه هل ينجس به وان انتفى البأس عن الصلاة فيه كما هو مذهب المرتضى، أو يحكم بالطهارة كما هو القول الآخر ؟ (1)، لا ان مظهر النزاع استعماله ثانيا وان الملاقي للثوب والبدن منه طاهر اجماعا. وهذا بحمد الله ظاهر غاية الظهور، وحينئذ فلا استبعاد في حمل العفو في عبارة المعتبر على المعنى المعهود. نعم يبقى الاشكال في نسبة ذلك إليه كما عرفت. وكيف كان فالتحقيق في المقام ان يقال: ان اكثر الاخبار المتقدمة قد اشتركت في نفي البأس عن ملاقاته للثوب والبدن، ونفي البأس وان كان اعم من الطهارة إلا ان تصريح صحيحة عبد الكريم (2) بعدم التنجيس يقتضي حمل نفي البأس في تلك الاخبار على الكناية عن الطهارة. وايضا فانه من الظاهر البين الظهور انه متى عفي عن ملاقاته لما هو مذكور في الاخبار، وقد عرفت انه لا خصوصية لها بذلك، فيتعدى الحكم إلى غيرها، وانه لا تتعدى النجاسة من تلك الاشياء إلى ما تلاقيه برطوبة من ماء قليل وغيره، فانه يلزم ان يكون طاهرا البتة، إذ لا معنى للطاهر شرعا إلا ذلك. قال المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد على اثر الكلام المتقدم


(1) وبالجملة فالعفو ان اخذ بالمعنى الذى ذكره شيخنا الشهيد - وهو عبارة عن سلب الطهورية - كان مقابلته بالطهارة بمعنى المطهرية، وان اخذ بالمعنى المشهور، كانت الطهارة المقابلة له بمعنى عدم النجاسة، وحينئذ فنسبة صاحب المعتبر إلى السيد (رحمه الله) القول بالعفو دون الطهارة من حيث نفيه البأس عن ملاقاة ماء الاستنجاء للثوب والبدن للترجيح له على المعنى الاول، إذ لا معنى لاخذ الطهورية وعدمها في ملاقاة الماء للثوب والبدن، بل يتعين المعنى الثاني البتة. وحينئذ لا يستقيم ما ذكره في الذكرى (منه قدس سره). (2) المتقدمة في الصحيفة 468.

[ 475 ]

نقله ما صورته " قلت: اللازم أحد الامرين: اما عدم اطلاق العفو عنه أو القول بطهارته، لانه ان جاز مباشرته من كل الوجوه لزم الثاني، لانه إذا باشره بيده ثم باشر به ماء قليلا ولم يمنع من الوضوء به، كان طاهرا لا محالة، وإلا وجب المنع من مباشرة نحو ماء الوضوء به إذا كان قليلا، فلا يكون العفو مطلقا، هو خلاف ما يظهر من الخبر ومن كلام الاصحاب، فلعل ما ذكره المصنف اقوى وان كان ذلك احوط " انتهى. وهو جيد. وفيه دلالة على ما ذكرنا من ان معنى العفو في هذا المقام إنما هو عبارة عن النجاسة مع سلب حكمها لا ما ذكره شيخنا الشهيد (رحمه الله). (الرابع) قد اشترط الاصحاب في ثبوت ما تقدم من اي الحكمين لهذا الماء شروطا: (منها) عدم تغيره بالنجاسة في احد اوصافة الثلاثة. ولا بأس به. الا ان بعض فضلاء متأخري المتأخرين إنما اعتمد في ذلك على كون الحكم به اجماعيا، قال: " والظاهر ان الحكم به اجماعي، وإلا لامكن المناقشة، إذ الروايات الدالة على نجاسة المتغير عامة، وهذه الروايات خاصة ". و (منها) عدم ملاقاته لنجاسة اخرى خارجة معه كالدم المصاحب للخارج ونحوه، أو خارجة عنه كالارض النجسة لو وقع عليها. واشتراطه واضح، لان ظاهر الاخبار الواردة في المسألة نفي البأس باعتبار ازالة النجاسة المخصوصة لا باعتبار غيرها، ولا يخفى ان ماء الاستنجاء لا يزيد قوة على المياه الاخر مما لم يستنج به، فحيث تنجس تلك بمجرد الملاقاة فهو ينجس ايضا. وما ناقش به بعض فضلاء متأخري المتأخرين بالنسبة إلى النجاسة المصاحبة للخارج، مستندا إلى اطلاق اللفظ في تلك الاخبار مردود بجريان ذلك في النجاسة الغير المصاحبة، وهو لا يقول به. وما ادعاه من ان الغالب عدم انفكاك الغائط من شئ آخر من الدم أو الاجزاء الغير المنهضمة من الغذاء أو الدواء ممنوع بل الغالب خلافه كما لا يخفى، إذ حصول شئ

[ 476 ]

مما ذكره إنما يكون لعلة أو مرض، ومن كان صحيح الطبيعة فلا يحصل له شئ من ذلك نعم في صحيحة محمد بن النعمان المتقدمة (1) اشعار بدخول نجاسة الجنابة على احد الاحتمالين المتقدمين. و (منها) كون الخارج غائطا أو بولا، فلو كان غيرهما لم يلحقه الحكم المذكور، لعدم صدق الاستنجاء على ازالة غير ذينك الحدثين. وهو جيد. و (منها) عدم انفصال اجزاء من النجاسة متميزة معه، وإلا كان حكمها حكم النجاسة الخارجة، فينجس بها الماء مع مفارقة المحل. وفيه اشكال، لاطلاق اخبار المسألة، الا ان الاحتياط يقتضيه. و (منها) ان لا يتفاحش بحيث يخرج عن صدق الاستنجاء عليه. وهو كذلك. و (منها) ما نقل عن بعض المتأخرين من سبق الماء اليد، فلو سبقت اليد تنجست وكانت كالنجاسة الخارجة. ورد بان وصول النجاسة إليها لازم على كل حال. والظاهر كما ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم ان نجاسة اليد انما تستثنى من حيث جعلها آلة للغسل، فلو اتفق لغرض آخر كان في معنى النجاسة الخارجية. و (منها) ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى من عدم زيادة وزنه، والمنقول عن العلامة في النهاية جعل زيادة الوزن في مطلق الغسالة كالتغير. ولا ريب في ضعف الجميع. وربما استدل على هذا الشرط هنا بالتعليل المذكور في آخر رواية العلل المتقدمة (2) حيث ان يعطي ان نفي البأس عنه لاكثريته واضمحلال النجاسة فيه وحينئذ فلو زاد في وزنه لدل على وجود شئ من النجاسة فيه وعدم اضمحلالها.


(1) و (2) في الصحيفة 468.

[ 477 ]

وفيه ان الاقرب ان غرضه (عليه السلام) إنما هو بيان اشتراط غلبة المطهر على قياس ما تقدم في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في المقالة التاسعة من الفصل الاول (1)، الواردة في السطح يبال عليه، فتصيبه السماء، فيكف فيصيب الثوب. فقال (عليه السلام): " لا بأس به، ما اصابه من الماء اكثر منه ". (الخامس) لا ريب ان ما ادعوه من الاجماع على عدم جواز رفع الحدث بماء الاستنجاء إنما يتم عند من يعول على هذه الاجماعات المتناقلة في كلامهم والمتكررة على ألسن اقلامهم، وإلا فمقتضى الاخبار المذكورة الدالة على استثنائه من كلية نجاسة القليل بالملاقاة هو الطهورية مطلقا من حدث كان أو من خبث، وبذلك ايضا يشعر كلام المولى المحقق الاردبيلي (نور الله تعالى تربته) في شرح الارشاد، حيث قال: " والظاهر هو بقاء الطهارة والطهورية، للاستصحاب، وعدم الخروج بالاستعمال الموجب للنجاسة بادلة نجاسة القليل، للخبر بل الاجماع فيبقى على حاله، ولان النجاسة إذا لم تخرجه عن الطهارة للادلة فكذا عن الطهورية بالطريق الاولى " انتهى. (المسألة الرابعة) في الماء المستعمل في ازالة النجاسة عدا ما تقدم. ولا خلاف في نجاسته مع التغير في أحد أوصافه الثلاثة. اما مع عدمه فقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك على أقوال: (أحدها) النجاسة مطلقا وان حكمها حكم المحل قبل الغسل، وحينئذ فيجب غسل ما لاقته العدد المعتبر في المحل، اختاره المحقق والعلامة، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين. احتج المحقق في المعتبر بانه ماء قليل لاقى النجاسة فيجب ان ينجس. وما رواه العيص بن القاسم (2) قال: " سألته عن رجل اصابته قطرة من طشت


(1) في الصحيفة 215. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 478 ]

فيه وضوء. قال: ان كان من بول أو قذر فيغسل ما اصابه " وزاد بعضهم في آخر هذه الرواية " وان كان وضوء صلاة فلا يضره ". واحتج العلامة في المختلف برواية عبد الله بن سنان المتقدمة في المسألة الثانية (1) الدالة على ان الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يتوضأ به واشباهه. واحتج بعضهم ايضا بايجاب تعدد الغسل واهراق ماء الغسلة الاولى بالكلية من الظروف، ووجوب العصر فيما يجب فيه العصر، وعدم تطهير ما لا يخرج منه الماء إلا بالكثير، والاجماع المدعى من العلامة في المنتهى، حيث قال: " ومتى كان على جسد الجنب أو المغتسل من حيض وشبهة نجاسة، فالمستعمل ان قل عن الكر نجس اجماعا " فانه يعطي الاجماع على نجاسة الغسالة هنا، ويضم إلى ذلك عدم القائل بالفرق بين الاستعمال في الغسل وغيره. واجيب عن هذه الادلة، أما عن الاول فبمنع كلية كبراه، لانها عين المتنازع، فاخذها في الدليل مصادرة. وفيه ان الدليل على كلية الكبرى المذكورة الاخبار الدالة بمفهوم الشرط على نجاسة الماء القليل بالملاقاة كما تقدم تحقيقه في تلك المسألة. وما شاع في كلام جملة من فضلاء متأخري المتأخرين من عدم العموم في هذا المفهوم مدفوع بما اسلفنا تحقيقه في المسألة المذكورة. والعجب من شيخنا الشهيد الثاني وامثاله من القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة، حيث احتجوا على ذلك بهذا المفهوم ثم يعترضون هنا بمنع الكلية المذكورة. واما عن الثاني فبضعف السند، لعدم وجود الخبر المذكور في شئ من كتب الاخبار، وإنما نقله الشيخ في الخلاف وجمع ممن تأخر عنه مع كونه مضمرا. ومنع


(1) في الصحيفة 436.

[ 479 ]

الدلالة، إذ الجملة الخبرية لا ظهور لها في الوجوب. ويمكن الجواب عن الاول بان الظاهر ان الشيخ (رحمه الله) إنما أخذ الرواية المذكورة من كتاب العيص. فانه نقل في الفهرست ان له كتابا، وطريقه في الفهرست إلى الكتاب المذكور حسن على المشهور بابراهيم بن هاشم، وصحيح عندنا وفاقا لجملة من متأخري مشايخنا. وقد صرح ايضا في كتابي الاخبار بانه إذا ترك بعض اسناد الحديث يبدأ في أول السند باسم الرجل الذي أخذ الحديث من كتابه فلعل نقله لها في الخلاف جار على تلك القاعدة. وبالجملة فرواية الشيخ (رضوان الله عليه) له في كتب الفروع لا تقصر عن روايته في كتب الاخبار. واما الاضمار في أخبارنا فقد حقق غير واحد من اصحابنا انه غير قادح في الاعتماد على الخبر، فان الظاهر ان منشأ ذلك هو ان اصحاب الاصول لما كان من عادتهم أن يقول أحدهم في اول الكلام: " سألت فلانا " ويسمي الامام الذي روى عنه، ثم يقول: وسألته أو نحو ذلك، حتى تنتهي الاخبار التي رواها. كما يشهد به ملاحظة بعض الاصول الموجودة الآن ككتاب علي بن جعفر وكتاب قرب الاسناد وغيرهما، وكان ما رواه عن ذلك الامام (عليه السلام) احكاما مختلفة، فبعضها يتعلق بالطهارة وبعض بالصلاة وبعض بالنكاح وهكذا، والمشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) لما بوبوا الاخبار ورتبوها، اقتطعوا كل حكم من تلك الاحكام ووضعوه في بابه بصورة ما هو مذكور في الاصل المنتزع منه، وقع الاشتباه على الناظر فظن كون المسؤول غير الامام (عليه السلام) وجعل هذا من جملة ما يطعن به في الاعتماد على الخبر. واما منع دلالة الجملة الخبرية على الوجوب، ففيه انه لا خلاف ولا اشكال في كون الجملة الخبرية في مثل هذا الموضع إنما اريد بها الانشاء دون الخبر، فيكون بمعنى الامر. والادلة الدالة على كون الامر للوجوب من الايات والاخبار التي

[ 480 ]

قدمناها في المقدمة السابعة (1) لا اختصاص لها بلفظ الامر وان جعلوه في الاصول مطرح البحث والنزاع، وحينئذ فيقرب الاعتماد على الرواية المذكورة. واجاب المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) عنها حيث انه اختار في الغسالة الطهارة بالحمل على كون الاستنجاء في الطشت إنما وقع بعد التغوط أو البول فيه، مدعيا ان ذلك مقتضى العادة. وهو بعيد (اما اولا) فانه لا تصريح في الخبر بكون ذلك الوضوء ماء استنجاء، إذ الوضوء بفتح الواو وهو اسم لما يتوضأ به اي يغسل به كما يطلق في الاخبار على ماء الاستنجاء، كذلك يطلق على ما يغسل به الوجه واليدان بل سائر الجسد من نجاسة أو بدونها. و (اما ثانيا) فلانه لا ملازمة بين التغوط أو البول في الاناء وبين الاستنجاء فيه. واجاب عنها في الذكرى بالحمل على التغير أو الاستحباب. وفيه ان الحمل على خلاف الظاهر فرع وجود المعارض. واما عن الثالث فبعضف السند اولا، وكونه اعم من المدعى ثانيا. فان المنع من الوضوء اعم من النجاسة فلا يستلزمها، بل ربما كان عطف الجنابة يؤذن برفع الطهورية لا الطهارة. والثاني منهما متجه. واما عن الرابع والخامس فيجوز ان يكون تعبدا. وكذا عن السادس وفيه ما فيه. واما عن كلام المنتهى فبعد تسليم الاعتماد على هذ الاجماع المتناقل فالظاهر ان كلامه إنما هو في الاستعمال بطريق الارتماس، كما يشعر به قوله بعد هذا الكلام: " فإذا ارتمس فيه ناويا للغسل.. الخ ".


(1) في الصحيفة 112. وفى النسخ المطبوعة والمخطوطة (الرابعة) (60)

[ 481 ]

(الثاني) القول بالنجاسة لكن حكمه حكم المحل قبل الغسلة، فيجب غسل ما اصابه ماء الغسلة الاولى مرتين والثانية مرة فيما يجب فيه المرتان، وهكذا. ونقل هذا القول عن شيخنا الشهيد ومن تأخر عنه، واليه مال المحقق المولى الاردبيلي (عطر الله مرقده) في شرح الارشاد. والوجه في الفرق بين الغسلتين باعتبار التعدد في الاولى دون الثانية فيما يجب غسله مرتين مثلا هو ان المحل المغسول تضعف نجاسته بعد كل غسلة وان لم يطهر، ولهذا يكفيه من العدد بعده ما لا يكفي قبلها، فيكون حكم ماء الغسلة كذلك، لان نجاسته مسببة عنه، فلا يزيد حكمه عليه. لان الفرع لا يزيد على الاصل. وهذا هو المقيد لتلك الادلة الدالة على النجاسة على الاطلاق. قال والدي (نور الله تعالى مرقده) بعد نقل هذا الكلام: " اقول: هذا التفصيل بالفرق بين المنفصل من الغسلتين وان كان لا يفهم من الاخبار، لكنه قريب من جهة الاعتبار " انتهى. وهو كذلك إلا انه بمجرده لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي. (الثالث) القول بالنجاسة ان كان من الغسلة الاولى والطهارة ان كان من الثانية فيما يغسل مرتين مثلا، ومرجعه إلى ان حكمه كالمحل بعد الغسلة. وهذا القول منقول عن الشيخ في الخلاف، ونقل عنه ايضا تخصيص ذلك بتطهير الثوب. واما المستعمل في تطهير الآنية فلا ينجس عنده مطلقا سواء كان من الاولى أو من غيرها. احتج في الخلاف على ما نقل عنه على الاول بانه ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه فيجب ان يحكم بنجاسته. وبرواية العيص المتقدمة (1). وعلى الثاني بان الماء على أصل الطهارة، والنجاسة تحتاج إلى دليل. وبالروايات المتقدمة في مسألة الاستنجاء (2). وعلى الثالث بان الحكم بالنجاسة يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. وبانه لو حكم بالنجاسة لما طهر الاناء ابدا، لانه كلما غسل فما يبقى فيه من النداوة


(1) في الصحيفة 477. (2) في الصحيفة 468.

[ 482 ]

يكون نجسا، فإذا طرح فيه ماء آخر نجس ايضا، وذلك يؤدي إلى ان لا يطهر ابدا. واورد عليه من التوجيه الذي ذكره لنجاسة الغسلة الاولى في غسل الثوب على تقدير تمامه يقتضي نجاسة الثانية، لان المحل لم يطهر بعد، وإلا لم يحتج إليها، وإذا كان الحكم بنجاسته باقيا فالماء الملاقي له والحال هذه ينجس ايضا، لعين ما ذكره في الاولى. والرواية التي تمسك بها ليس فيها تقييد بالاولى، فان كانت صالحة للاحتجاج فهي متناولة للصورتين. وما ذكره من التعليل لطهارة غسالة الاناء جار بعينه في غسالة الثوب كما لا يخفى. ونقل شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض عن الشيخ في الخلاف انه احتج على طهارة الغسلة الاخيرة بان المحل بعدها طاهر مع بقاء مائها فيه، والماء الواحد لا تختلف اجزاؤه في الطهارة والنجاسة، ثم اجاب عنه باختصاص المتصل بالعفو للحرج والضرورة بخلاف المنفصل. وانه يعارض بماء الاولى، للقطع ببقاء شئ منه. وبالجملة فكلام الشيخ (رحمه الله) في هذا المجال لا يخلو من الاشكال، وتعليلاته لا تخلو من الاختلال. والتحقيق ان يقال: انه لما قام الدليل على طهارة المحل بعد الغسل في ثوب كان أو إناء مع العصر فيما ورد فيه، وكان من المعلوم عادة تخلف شئ في المحل المغسول، فانه يجب الحكم بطهارة المحل مع ما تخلف فيه، فان ثبت الدليل على نجاسة الغسالة وجب الحكم بها، ولا ينافيه اتصالها سابقا بذلك الماء المتخلف، واي بعد في ان يوجب الشارع اجتناب ما ينفصل من الغسالة عن الثوب والبدن ولا يوجبه في المتخلف والباقي منها ؟ فان احكام الشرع تعبدية لا مجال للعقل فيها بوجه. (الرابع) القول بالطهارة مطلقا وان حكمها كالمحل بعد الغسل. وهو على طرف النقيض من القول الاول، وقواه الشيخ في المبسوط، وجعل الاحوط في تطهير الثياب النجاسة مطلقا، والاحوط في تطهير الاواني النجاسة في الغسلة الاولى. والى القول بالطهارة مطلقا يميل ظاهر كلام الشهيد في الذكرى، وربما كان الظاهر

[ 483 ]

من كلام ابن بابوية في الفقيه اختياره، حيث ساوى بينه وبين رافع الحدث الاكبر ورافع الحدث الاكبر طاهر اجماعا، ونقل عن المحقق الشيخ علي في بعض فوائدة اختياره، ويعزى إلى جماعة من متقدمي الاصحاب اختياره ايضا كما نقله في المعالم. ومقتضى مذهب السيد المرتضى (رضي الله عنه) الطهارة بشرط ورود الماء على النجاسة، واقتفاه ابن ادريس في ذلك، واليه يميل كلام السيد السند في كتاب المدارك، والمحدث الامين الاسترابادي في تعليقاته عليه. ونقل عن المبسوط الاستدلال عليه بان ما يبقي في الثوب جزء منه، وهو طاهر اجماعا، فيكون المنفصل ايضا كذلك. وفيه زيادة على ما سلف ان ما يبقى في الثوب ان اريد به ما هو اعم من الغسلة الاولى فالاجماع على طهارته ممنوع. وان كان من الاخيرة فلا يثبت به المدعى بتمامه. ونقل السيد في المدارك عن جماعة من الاصحاب ان من قال بطهارة الغسالة اعتبر فيها ورود الماء على النجاسة، قال: " وهو الذي صرح به المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية. ولا بأس به، لان اقصى ما يستفاد من الروايات انفعال القليل بورود النجاسة عليه. فيكون غيره باقيا على حكم الاصل " انتهى. اقول: ومن ثم احتجوا على هذا القول على ما نقله شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض بانه لو حكم بنجاسة القليل الوارد لم يكن لوروده اثر، ومتى لم يكن له أثر لم يشترط الورود، فيطهر النجس وان ورد على القليل، ولانه لو حكم بنجاسته لم يطهر المحل بالغسل العددي. والتالي باطل بالاجماع. والملازمة واضحة. وانت خبير بما في الحجة الاولى كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في الكلام في المطهرات، من ان جملة من علمائنا القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة اشترطوا في التطهير بالقليل وروده على النجاسة وان نجس بعد حصول التطهير به، وحينئذ فالاثر المترتب على وروده حصول التطهير به وان تنجس بعد ذلك.

[ 484 ]

واما الثانية فقد تقدم نقل جواب العلامة عن ذلك وما اورده عليه، وما اجبنا به عن الايراد المشار إليه، وما هو الحق في الجواب عن ذلك في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد. وتنظر والدي (نور الله تعالى ضريحه) فيما نقله في المدارك من اشتراط القائلين بطهارة الغسالة ورود الماء على النجاسة دون العكس، قائلا بعد نقله ذلك عنه: " لا يخفى ما فيه، لان من جملة القائلين بطهارة الغسالة من قال بعدم نجاسة القليل مطلقا بالملاقاة ومن المعلوم انه لا يظهر للشرط وجه عندهم. ومنهم من قال بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا كالشيخ (قدس سره) وابن ادريس ومن وافقهما من المتأخرين، فكيف يتم اشتراط ورود الماء على النجاسة دون عكسه في صحة التطهير بالقليل وطهارة الغسالة ؟ بناء على ان الماء حينئذ لا ينجس بالملاقاة، مع قولهم بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا من غير فرق بين الامرين، ومن ثم استوجه في الذكرى عدم اعتبار الورود مع ميله إلى طهارة الغسالة مطلقا، لانه لو اقتضى ورود النجاسة على الماء نجاسة الغسالة وعدم صحة التطهير به، لاقتضى ذلك ايضا ورود الماء على النجاسة، لان الامتزاج بالنجاسة حاصل على كل تقدير. وبهذا يعلم ما في الاستدلال على طهارة الغسالة ايضا، لابتنائه على هذا الاشتراط. وبالجملة فهذا الاشتراط وكذا الاستدلال المبني عليه لا يتم على القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، ولا على القول بطهارته مطلقا. نعم يتجه على مذهب السيد المرتضى (عطر الله مرقده) حيث حكم بعدم نجاسة القليل في مادة ورود الماء على النجاسة دون عكسه، فيتجه هنا اشتراط الورود في صحة التطهير وطهارة الغسالة، لانه مع ورود النجاسة على الماء ينجس، فلا يفيد المحل عنده طهارة فضلا عن طهارة غسالته. نعم يبقى الاشكال في الحكم بطهارة الغسالة مع القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، لحصول المنافاة بين الامرين. وربما يجاب عنه حينئذ باختيار ان الغسالة قد خرجت بالدليل عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، كما خرج ماء الاستنجاء منها.

[ 485 ]

ولا استبعاد بعد قيام الدليل عليه، مع ما في النجاسة من العسر والحرج، وكون النجاسة والطهارة من التعبديات المحضة، مع ضعف ادلة النجاسة. وفيه نظر " انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه. وهو وجيه. (الخامس) القول بالنجاسة مطلقا وان كان بعد طهارة المحل، بمعنى ان ماء كل غسلة كمغسولها قبل الغسل وان ترامت الغسلات إلى غير النهاية، حكاه الشهيد (رحمه الله) في حاشية الالفية عن بعض الاصحاب، قال في المدارك بعد حكاية القول المذكور: " وربما نسب إلى المصنف والعلامة، وهو خطأ، فان المسألة في كلامهما مفروضة فيما تزال به النجاسة، وهو لا يصدق على الماء المنفصل بعد الحكم بالطهارة " انتهى. اقول: نقل الشيخ مفلح الصيمري في شرح كتاب موجز الشيخ ابن فهد عن مصنفه انه نقل هذا القول في كتاب المهذب والمقتصر عن المحقق العلامة وابنه فخر المحققين، ثم نسبه في ذلك إلى الغلط الفاحش والسهو الواضح واطال في بيان ذلك ونقل شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض بعد نقله القول المذكور ان قائله احتج بانه ماء قليل لاقى نجاسة، قال: " وبيانه ان طهارة المحل بالقليل على خلاف الاصل المقرر ممن نجاسة القليل بالملاقاة. فيقتصر فيه على موضع الحاجة، وهو المحل دون الماء " ثم رده بحكم الشارع بالطهارة عند تمام الغسلات، فلا اعتبار بما حصل بعد ذلك، وبلزوم الحرج المنفي. وناقش بعض افاضل متأخري المتأخرين في كلام شيخنا الشهيد الثاني هنا بما لا ينبغي ان يصغى إليه ولا يعرج في المقام عليه. وكيف كان فهذا القول بمحل سحيق عن جادة التحقيق فهو بالاعراض عنه حقيق. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لم نعثر في الاخبار على ما يقتضي الحكم في الغسالة إلا على رواية العيص ورواية عبد الله بن سنان السالفتين (1) والاولى منهما ظاهرة


(1) في الصحيفة 477 و 436.

[ 486 ]

في النجاسة وان اجيب عنها بما تقدم، إلا انك قد عرفت ما فيه. واما الثانية فهي مجملة في ذلك، إذ غاية ما يستفاد منها المنع من الوضوء به، وهو اعم من لنجاسة كما عرفت آنفا. نعم ربما يستفاد من جملة من الاخبار المتفرقة في احكام متعددة الطهارة، إلا انه ايضا ربما يستفاد من جملة اخرى النجاسة. فما يستفاد من ظاهره الطهارة الاخبار الدالة على نفي البأس عما ينتضح من غسالة الجنب في انائه حال الغسل (1) بناء على ما قدمنا بيانه من ان الغالب في المغتسل من الجنابة بقاء النجاسة إلى آن الغسل، كما تشعر به الاخبار الواردة في صفة غسل الجنابة (2). ومنه صحيحة هشام بن سالم (3) الواردة في السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب، قال: " لا بأس به، ما اصابه من الماء اكثر منه ". وجه الدلالة التعليل بالمستفاد منها مع ضم تنقيح المناط إليه. وقريب منها ظاهر التعليل المتقدم في رواية العلل المتقدمة في المسألة الثالثة (4) كما اشرنا إليه ثمة. ومنه الاخبار الدالة على الامر بالرش أو النضح فيما يظن فيه النجاسة من ثوب أو ارض أو نحوهما وهي كثيرة، ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس. فقال: رش وصل " وجه الدلالة انه لو تنجس الماء الوارد بالملاقاة لكان الرش سببا لزيادة المحذور. ومنه صحيحة ابراهيم بن عبد الحميد (6) قال: " سالت أبا الحسن (عليه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المرويد في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق. (4) في الصحيفة 468. (5) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب مكان المصلى. (6) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب النجاسات.

[ 487 ]

السلام) عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر، وعن الفرو وما فيه من الحشو. قال اغسل ما أصاب منه ومس الجانب الآخر، فان اصبت مس شئ منه فاغسله وإلا فانضحه " والتقريب ما تقدم. ومما يؤيد ذلك اطلاق الاخبار الواردة بتطهير البدن من البول من غير تقييد الاعضاء السافلة. كصحيحة الحسين بن ابي العلاء (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد. قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء ". ومما يؤيده ايضا نفي البأس عما ينزو من الارض النجسة في اناء المغتسل كما في رواية عمر بن يزيد (2) وعد التجنب عن ذلك من الحرج كما في رواية الفضيل (3) فانه يدل بمفهوم الموافقة على ان ما يترشح من الغسالة حال الغسل لا بأس به وان اجتنابه حرج ايضا. وانت خبير بان المستفاد من هذه الادلة مع ضم رواية عبد الله بن سنان (4) هو الطهارة مع عدم الطهورية من الحدث. واما الطهورية من الخبث فيبقى على حكم الاصل، إذ لا مخرج له من الادلة. والى هذا القول مال المحدث الامين (قدس سره) حيث قال بعد الكلام في المسألة: " ملاحظة الروايات الواردة في ابواب متفرقة تفيد ظاهرا طهارة غسالة الاخباث وسلب طهوريتها بمعنى رفع الحدث، ولم اقف على دلالة على سلب طهوريتها بمعنى إزالة الخبث، والاصل المستصحب بمعنى الحالة السابقة واصالة الطهورية بمعنى القاعدة الكلية، والبراءة الاصلية بمعنى الحالة الراجحة، والعمومات تقتضي


(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب النجاسات. (2) المتقدمة في الصحيفة 446. (3) المتقدمة في الصحيفة 438. (4) التقدمة في الصحيفة 436.

[ 488 ]

اجراء حكم الطهورية بهذا المعنى إلى ظهور مخرج. والله اعلم ". ومما يستفاد منه النجاسة ما تقدم في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة من الاخبار الدالة على اهراق ماء الركوة والتور ونحوهما متى وقع فيها اصبع أو يد فيها قذر، فان اطلاق تلك الاخبار شامل لما لو كان بقصد الغسل ام لا بل ولو لم يكن بقصد الغسل، فانه يجب الحكم بالطهارة متى زالت العين ولم يتغير الماء بمجرد ذلك الوضع أو لم يكن ثمة عين، إذ لا يشترط في ازالة الخبث وتطهير النجاسة القصد إلى ذلك كما لا يخفى. نعم هذا انما يتمشى على تقدير القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، واما من خص ذلك بورود النجاسة على الماء دون العكس كالسيد المرتضى والمحدث الامين وغيرهما ممن اختار هذه المقالة، كما اسلفنا نقله في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد فلا يتجه ذلك عنده، لانه يحكم بنجاسة الماء بمجرد ملاقاته النجاسة، ولا يفيدها تطهيرا عنده فضلا عن ان يكون طاهرا بعد الانفصال عنها. وقد تقدم البحث معهم في اعتبار الورود وعدمه في المقام المشار إليه وحصول الاشكال في ذلك، ومنه ينقدح الاشكال هنا ايضا. ومما يدل بظاهره ايضا على نجاسة الغسالة ما تقدم ذكره في ادلة القول بالنجاسة من ايجاب تعدد الغسل فيما ورد فيه ذلك، واهراق الغسلة الاولى من الظروف، ووجوب العصر فيما ورد فيه، وعدم تطهير ما لا يخرج منه الماء إلا بالكثير، فانه لا وجه لهذه الاشياء على تقدير القول بطهارة الغسالة. وما اجيب به عن ذلك من كون ذلك تعبدا بعيد جدا. ومنه رواية العيص المتقدمة (1) وما اجيب به عنها مما قدمنا نقله قد عرفت ما فيه. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف والاحتياط فيها لازم. والله العالم.


(1) في الصحيفة 477.

[ 489 ]

تنبيهات (الاول) اعلم ان ما ذكره جملة من المتأخرين ومتأخريهم بالنسبة إلى القول بالنجاسة مطلقا وهو القول الاول من الاقوال التي قدمنا ذكرها من ان حكم الغسالة كالمحل قبل الغسل فيعتبر التعدد فيما تلاقيه متى كان معتبرا في المحل لم أجد له أثرا في كلام القائلين بهذا القول كالمحقق والعلامة، بل يحتمل ان يكون مرادهم انه في حكم المحل قبل الغسلة، إذ غاية ما يدل عليه كلامهم هو النجاسة، واما انه يجب فيما يلاقيه العدد المعتبر في المحل فلا، بل ظاهر كلام شيخنا الشهيد في الذكرى ان القول المنسوب إليه وهو القول الثاني من الاقوال المتقدمة هو بعينه القول الاول، وان القول بالنجاسة مطلقا عبارة عن كون حكم الغسالة حكم قبل الغسلة، فانه نقل اولا القول بالطهارة عن المبسوط، ثم نقل مذهب الشيخ في الخلاف، ثم نقل مذهب المحقق والعلامة وهو القول بالنجاسة مطلقا ونقل ادلته وطعن فيها. ثم قال: " ولم يبق دليل سوى الاحتياط ولا ريب فيه. فعلى هذا ماء الغسلة كمغسولها قبلها وعلى الاول كمغسولها بعدها أو كمغسلوها بعد الغسل " انتهى. ومثله كلام المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد. وحينئذ فما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) وغيره من المغايرة بين القولين كما ترى. والجواب بانه لا منافاة لجواز اختيار الشيخين المشار اليهما كون الحكم في الغسالة على تقدير النجاسة انها كالمحل قبل الغسلة، واختيار اولئك على هذا التقدير كونها في حكم المحل قبل الغسل فيه (اولا) ان ذلك فرع تصريح القائلين بالنجاسة مطلقا بكونها كالمحل قبل الغسل. و (ثانيا) ان التفريع في عبارة الذكرى إنما جرى على مقتضى الاقوال المتقدمة، فان قوله " فعلى هذا " اي فعلى القول بالنجاسة، وهو المنقول عن

[ 490 ]

المحقق والعلامة، وقوله: " وعلى الاول.. الخ " اشارة إلى مذهبي المبسوط والخلاف وان كان على سبيل اللف والنشر المشوش، وعلى تقدير ما ذكر في الجواب يلزم عدم التفريع على مذهب المحقق والعلامة. (الثاني) الظاهر على تقدير القول بنجاسة الغسالة الاكتفاء في تطهير ما لاقته بالمرة الواحدة، وفاقا للمحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم، ونقله ايضا في الكتاب المذكور عن بعض مشايخه المعاصرين. لنا اصالة البراءة من التكليف به، إذ مورد التعدد في الاخبار نجاسات مخصوصة، وهذا ليس منها، فلا مقتضى للتعدد فيه سواء كان من الغسلة الاولى أو غيرها. وما ذكره الاصحاب من الاقوال المتقدمة في ذلك لم نقف له على دليل معتمد. (الثالث) ادعى المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى الاجماع على ان ما تزال به النجاسة مطلقا لا يجوز رفع الحدث به. واحتجا لذلك مع الاجماع برواية عبد الله بن سنان المتقدمة (1) الدالة على ان ما يغسل به الثوب لا يجوز ان يتوضأ به. ويرد على الاول ما سيأتي من ظاهر عبارتي الدروس والذكرى، مضافا إلى ما عرفت في المقدمة الثالثة (2) من المجازفة في دعوى الاجماعات في كلامهم (رضوان الله عليهم) وقد تقدم في المسألة الثالثة (3) من النقل عن المولى الاردبيلي ما يوهن هذه الدعوى ايضا وعلى الثاني ان الرواية اخص من المدعى، إلا ان يضم إلى ذلك تنقيح المناط. (الرابع) قال شيخنا الشهيد في الدروس: " وفى ازالة النجاسة نجس ان تغير بالاجماع، وإلا فنجس في الاولى على قول، ومطلقا على قول، وكرافع الاكبر على قول، وطاهر إذا ورد على النجاسة على قول. والاولى ان ماء الغسلة كمغسولها قبلها " انتهى.


(1) في الصحيفة 436. (2) في الصحيفة 35. (3) في الصحيفة 477.

[ 491 ]

ولا ريب ان القول الاول هو ما ذهب إليه الشيخ في الخلاف. واما القول الثاني فالظاهر انه هو المنقول عن المحقق والعلامة، وهو اول الاقوال التي قدمناها. وربما ظهر من كلام المحقق الشيخ علي في فوائد التحرير ان ذلك اشارة إلى القول الخامس الذي قدمناه. وهو بعيد. واما القول الثالث فنقله في الذكرى عن ابن حمزة والبصروي، حيث قال: " وابن حمزة والبصروي سويا بين رافع الاكبر ومزيل النجاسة " انتهى. والظاهر انهما قائلان مع طهارته برفعه الحدث حينئذ، ويكون هذا هو الفرق بين هذا القول وبين ما بعده بلا فصل. ويحتمل ان يكون وجه الفرق باعتبار ورود الماء في الثاني دون هذا القول. وشيخنا الشهيد الثاني في الروض مع استقصائه نقل الاقوال في هذه المسالة لم ينقل هذا القول معها، مع ان صريح العبارة المذكورة وظاهر عبارة الذكرى انه قول آخر في المسالة. ونسب هذا القول المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد إلى الاشهر بين المتقدمين. ثم نقل بعده قول المرتضى وابن ادريس، مع ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: " والعجب خلو اكثر المتقدمين عن الحكم في الغسالة مع عموم البلوى بها " انتهى. بقي الكلام في قوله: " والاولى ان ماء الغسلة كمغسولها قبلها " هل هو قول آخر خارج عن الاقوال المتقدمة أم لا ؟ الذي يظهر لي من كلام الذكرى كما قدمنا بيانه ان هذا اشارة إلى اختيار القول المتقدم بالنجاسة لكن لا على سبيل الجزم، ونسبته إلى الاولوية هنا مثل نسبته إلى الاحتياط في عبارة الذكرى، وقد عرفت ان مقتضى كلام شيخنا الشهيد الثاني عد ذلك قولا مغايرا. (الخامس) قال السيد السند في المدارك: " اختلف القائلون بعدم نجاسة الغسالة في ان ذلك هل هو على سبيل العفو بمعنى الطهارة دون الطهورية، أو تكون باقية على ما كانت عليه من الطهورية، أو يكون حكمها حكم رافع الحدث الاكبر ؟

[ 492 ]

فقال بكل قائل " وقال في المعتبر: " ان ما تزال به النجاسة لا يرفع به الحدث اجماعا " انتهى. وانت خبير بان مقتضى القول الاول من هذه الاقوال التي نقلها هو الطهارة خاصة دون الطهورية من حدث كان أو من خبث حسبما تقدم في معنى العفو عندهم في ماء الاستنجاء، مقتضى القول الثاني هو الطهورية من الخبث والحدث، كما يشعر به التعبير ببقائه على ما كان عليه من الطهورية، وحينئذ فلا معنى للقول الثالث وجعله ثالثا إلا باعتبار الطهارة والطهورية من الخبث خاصة دون الحدث للتتم مقابلته بالقولين الاخرين. وفي فهم هذا المعنى من التشبيه نوع اشكال، اللهم إلا ان يعلم ان مذهب القائل بهذا القول كون رافع الحدث مطهرا من الخبث دون الحدث كما هو مذهب الشيخين. وقد عرفت ان هذا القول منسوب إلى ابن حمزة والبصروي، الا انه لم ينقل مذهبهما في تلك المسألة. والذي يقرب إلى الفهم وبه صرح ايضا المحقق الشيخ حسن في المعالم وغيره في غيره ان المراد من التشبيه هو كونه طاهرا مطهرا من الحدث والخبث كما هو المشهور، إلا انه لا يخلو ايضا من شئ. وبالجملة فان فهم المراد من هذه العبارة يتوقف على معرفة مذهب هذا القائل في مسألة غسالة الحدث الاكبر ليمكن تمشية التشبيه. ويحتمل ان يكون مراد القائل المذكور بالتشبيه لحوق حكم الغسالة من سائر الاخباث لغسالة الحدث الاكبر وترتبها عليها، فان قيل بالرفع من الحدث في تلك قيل به في هذه وإلا فلا. والظاهر بعده. (السادس) قال في المدارك ايضا بعد نقل اشتراط القائلين بطهارة الغسالة ورود الماء على النجاسة دون العكس ما صورته: " وربما ظهر من كلام الشهيد (رحمه الله) في الذكرى عدم اعتبار ذلك، فانه مال إلى الطهارة مطلقا واستوجه عدم اعتبار الورود في التطهير. وهو مشكل، لنجاسة الماء بورود النجاسة عليه عنده، اللهم إلا ان يقول: ان الروايات إنما تضمنت المنع من استعمال القليل بعد ورود النجاسة

[ 493 ]

عليه، وذلك لا ينافي الحكم بطهارة المحل المغسول فيه، لصدق الغسل مع الورود وعدمه " انتهى. وفيه (اولا) ان ظاهر الشهيد (رحمه الله) ايضا القول بنجاسة القليل مع ورود الماء على النجاسة، لتصريحه بان الامتزاج بالنجاسة حاصل على التقديرين، والورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة، وحينئذ فلا وجه لاختصاص الاشكال بمادة ورود النجاسة على القليل دون عكسه. و (ثانيا) ان ما ذكره في الاعتذار عنه من ان الروايات إنما تضمنت المنع من استعمال الماء بعد ورود النجاسة عليه، وهو لا ينافي طهارة المحل المغسول، لصدق الغسل في حال الورود وعدمه لا يكاد يحسم مادة الاشكال، بل ربما يزيد في الاختلال، إذ غاية ما يعطيه هو صحة التطهير به مع نجاسة الغسالة، فلا يدفع الاشكال بالنسبة إلى حكمه بطهارة الغسالة بل يؤكده. نعم لو كان المعلوم من مذهبه القول يصحة التطهير وطهارة الغسالة مع ورود الماء على النجاسة، والقول بالتطهير دون الطهارة مع ورود النجاسة على الماء، لاتجه ما ذكره. الا ان الظاهر من مذهبه هو الميل إلى طهارة الغسالة مطلقا من غير اعتبار الورود كما نقله عنه فيما تقدم من عبارته، وحينئذ فالظاهر ان وجه الاشكال هو ما سبق التنبيه عليه في مسألة نجاسة القليل بالملاقاة من ان القول بنجاسة القليل بالملاقاة يقتضي عدم صحة التطهير به فضلا عن طهارة الغسالة، فكيف يتم مع ذلك القول بصحة التطهير وطهارة الغسالة ؟ والجواب عنه ما عرفته في آخر الكلام المتقدم نقله من الوالد (قدس سره) من خروج غسالة النجاسة من كلية نجاسة القليل بالملاقاة بالدليل كما خرج ماء الاستنجاء. إلا ان فيه ما عرفته آنفا من الاشكال وعدم وضوح الدليل في هذا المجال. (السابع) هل الباقي في المحل بعد العصر فيما يجب فيه ذلك أو الاراقة

[ 494 ]

في الاواني ونحوها طاهر مطلقا، أو نجس مطلقا، أو معفو عنه، أو طاهر ما دام في المحل ونجس بعد الانفصال ؟ اقوال: ظاهر المشهور الاول، وهو الظاهر من الادلة كما قدمنا ذكره. ومقتضى القول الخامس هو الثاني. وقد عرفت ما فيه. ونقل عن ظاهر المحقق في المعتبر الثالث. وفيه اشكال، فان عبارته في هذا المقام لا تخلو من الابهام، وذلك فانه بعد ان اختار النجاسة في غسالة اناء الولوغ ونقل عن الشيخ الحكم بالطهارة، واحتجاجه بانه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الاناء، لانه كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل ثم ينجس الماء الثاني بنجاسة البلة وكذا ما بعده قال: " والجواب ان ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالاجماع فلا يقدح ما ذكره، ولانه معفو عنه دفعا للحرج " انتهى. ولا ريب ان حكمه بالطهارة التي ادعى عليها الاجماع مناف للعفو الذي هو عبارة عن النجاسة وان سلب حكمها. ولا مجال لحمل العفو هنا على المعنى الذي ذكروه في الاستنجاء، إذ الكلام في تأثر الملاقي لهذه البلة بالنجاسة وعدمه، لا في رفع الحدث والخبث ونحوهما وعدمه. والذي يظهر لي ان مراده بالعفو هنا ليس هو المعنى المصطلح بل التنبيه على بيان ان الحكم بالطهارة إنما هو من قبيل الرخص الواردة في الشربعة، إذ مقتضى كلية نجاسة الماء القليل بالملاقاة هو النجاسة، لكنه لما كان اللازم من النجاسة هنا الحرج عفى الشارع عن النجاسة وحكم بالطهارة دفعا للعسر والحرج، ولا يبعد ايضا حمل عبارته المتقدمة في الاستنجاء على ذلك، وبه يرتفع التناقض الذي اوردناه عليها ثمة. وبالجملة فالظاهر عندي من عبارته هنا هو الحكم بطهارة البلة الباقية وان كانت العلة هو العفو، وإلا لتناقض طرفا كلاميه. نعم ذكر المحقق المولى الاردبيلي (عطر الله مرقده) العفو في هذا المقام احتمالا، حيث قال: " وإذا خرج منه ما يمكن الاخراج عادة بقي المحل مع ما فيه طاهرا أو عفوا، للضرورة والحرج والسهلة " انتهى.

[ 495 ]

وبالقول الرابع صرح العلامة في القواعد، والظاهر انه مبني على ما اختاره من عدم نجاسة القليل الذي تزال به النجاسة إلا بعد الانفصال عن المحل، قال في الكتاب المذكور: " والمتخلف في الثوب بعد عصره طاهر، فان انفصل فهو نجس " انتهى. فعنده انه إذا عصر الثوب من الغسل المعتبر في تطهيره حكم بطهارته قطعا، والمتخلف فيه على حكم الطهارة، فلو بالغ أحد في عصره فانفصل منه شئ كان نجسا، لان أثر ملاقاته للمحل النجس عنده إنما يظهر بعد الانفصال. ولعل هذا منشأوهم من نقل عنه القول بالنجاسة وان حكم بطهر المحل كما تقدم في القول الخامس، قال المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح الكتاب: " والظاهر ان هذا الحكم عنده مختص بالغسل المقتضي لحصول الطهارة، فلو غسل زيادة على الموظف كان ماء الغسل الزائد طاهرا، لعدم ملاقاته للمحل في حال نجاسته، مع امكان ان يقول بنجاسته ايضا، لانفصال شئ من الماء المتخلف في المحل معه والتنجيس فيه بعد انفصاله. وهو بعيد، مع ان الاصل العدم " انتهى. وكيف كان فالقول المذكور وما يبتنى عليه بمحل من البعد عن ساحة الاخبار المعصومية. (الثامن) قال العلامة في المنتهى: " إذا غسل الثوب من البول في اجانة بان يصب عليه الماء. فسد الماء وخرج من الثانية طاهرا، اتحدت الآنية أو تعددت ". ثم احتج على ذلك بوجهين: (أحدهما) انه قد حصل الامتثال بغسله مرتين فيكون طاهرا. و (ثانيهما) صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة ". واورد عليه بانه يشكل حكمه بطهارة الثوب مع نجاسة الماء المجمتع تحته في الاجانة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النجاسات.

[ 496 ]

سيما على مذهبه المتقدم من عدم نجاسة الغسالة إلا بعد الانفصال عن المحل المغسول، ومن المعلوم ان الماء هنا بعد انفصاله عن الثوب المغسول يلاقيه في الاناء، واللازم مما ذكر تنجسه به. وقد يتكلف في دفع الايراد المذكور بان المراد من الانفصال خروج الغسالة عن الثوب أو الاناء المغسول فيه، تنزيلا للاتصال الحاصل باعتبار الاناء منزلة ما يكون في نفس المغسول، للحديث المذكور. قيل: ولا يخفى ان هذا التكلف إنما يحسن ارتكابه مع قيام الدليل الواضح على نجاسة الغسالة، وإلا فظاهر الرواية يدل على طهارة الغسالة. وفيه (اولا) ان هذا التكلف إنما ارتكب لدفع المنافاة بين كلامي العلامة (قدس سره) من حكمه بنجاسة الغسالة بعد الانفصال وحكمه بطهارة الثوب في الصورة المفروضة، فنزل الاناء في الصورة المفروضة منزلة الثوب لتندفع به المنافاة بين كلاميه واما الكلام في نجاسة الغسالة وطهارتها فهو بحث آخر. و (ثانيا) ان دعوى دلالة الرواية على طهارة الغسلة مع تضمنها وجوب التعدد في الغسل محل اشكال كما عرفت، إلا ان يدعى حمل التعدد على محض التعبد وفيه ما تقدم. على انه ربما يقال: ان اصل الاشكال مما لا ورود له في هذا المجال وان ذكره بعض علمائنا الابدال، وذلك فان الثوب بعد وضعه في الاجانة وصب الماء عليه يغمره ويأتي عليه، فان الماء يدخل في جميع اجزائه وان انفصل باسفل الاجانة، ولكن مثل هذا لا يعد انفصالا عرفا، بل الانفصال في مثل هذا إنما يصدق بعد رفع الثوب من الاجانة وخروج الماء بنفسه أو بالعصر. (التاسع) قد عرفت ان محل الخلاف في الغسالة طهارة ونجاسة إنما هو مع عدم التغير، والا فلو تغيرت بالاستعمال تنجست اجماعا، والمشهور ان التغير المعتبر هنا هو التغير في أحد الاوصاف الثلاثة خاصة كما تقدم. ونقل عن العلامة في النهاية

[ 497 ]

انه استقرب اجراء زيادة الوزن مجرى التغير، فلو غسلت النجاسة بماء فزاد وزنه بعد الغسل كان حكمه كالمتغير. وهو مع الوقوف له على دليل عديم الرفيق في ذلك السبيل. (المسألة الخامسة) في غسالة الحمام. وقد اختلف كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكمها، فقال الصدوق عطر الله مرقده (1): " ولا يجوز التطهير بغسالة الحمام، لانه تجتمع فيه غسالة اليهودي والمجوسي والنصراني والمبغض لآل محمد (صلى الله عليه وآله) وهو شرهم " وقريب منه كلام ابيه في رسالته إليه. وقال الشيخ في النهاية: " غسالة الحمام لا يجوز استعماله على حال " وجرى عليه ابن ادريس، فقال: " غسالة الحمام لا يجوز استعمالها على حال، وهذا اجماع، وقد وردت به عن الائمة (عليهم السلام) آثار معتمدة قد اجمع الاصحاب عليها لا احد خالف فيها " وقال المحقق في المعتبر: " ولا يغتسل بغسالة الحمام إلا ان يعلم خلوها من النجاسة " ونحوه قال العلامة في القواعد. وظاهر ما عدا عبارتي النهاية وابن ادريس هو الطهارة، إذ مقتضاها عدم جواز الاستعمال، وهو اعم من النجاسة، ويؤيده نقل الصدوق الرواية الدالة على نفي البأس عن ملاقاتها الثوب (2) وربما حمل كلام النهاية على ما تقضي به العادة من عدم انفكاك غسالة الحمام عن ملاقاة النجاسة، كما اعتذر به المحقق عنه في نكت النهاية، إذ لم نقف له على حجة في تعميم المنع من استعمالها. وبالطهارة صرح العلامة في المنتهى. فقال بعد نقل بعض الاقوال المتقدمة: " والاقوى عندي انه على اصل الطهارة " ثم استدل بمرسلة الواسطي الآتية. وبالنجاسة صرح في الارشاد فقال: " غسالة الحمام نجسة ما لم يعلم خلوها من النجاسة "


(1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها). (2) وهى رواية ابى يحيى الواسطي الآتية في الصحيفة 498.

[ 498 ]

وفي التحرير عبر بعدم جواز الاستعمال كما هو عبارة النهاية. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة روايات. (منها) - رواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (1) قال: " سألته أو سأله غيري عن الحمام. قال: ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب، وهو شرهما ". و (منها) رواية علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) رواية ابي يحيى الواسطي عن بعض اصحابنا عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (4) قال: " سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب. قال: لا بأس ". و (منها) ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل (5) في الموثق عن عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: " وإياك


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (5) في الصحيفة 106 وفى الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 499 ]

ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". وانت خبير بان الظاهر ان مطرح النزاع في هذا المسألة إنما هو حال الشك في عروض شئ من النجاسات، وإلا فمع العلم بملاقاة شئ منها فلا خلاف في الحكم بالنجاسة ممن قال بنجاسة القليل بالملاقاة. ومع العلم بالخلو عنها فالظاهر انه لا اشكال في الحكم بالطهارة، ولا خلاف في ذلك إلا ما يظهر من عبارة الصدوق، إلا ان الظاهر صرفها إلى ما ذكره المحقق من التفصيل، حيث استثنى من المنع من الغسل بالغسالة صورة العلم بخلوها من النجاسة، وكذا ظاهر عبارتي النهاية وابن ادريس، إلا انه لا يبعد صرفهما إلى ما ذكرنا آنفا. وقال المحقق في المعتبر بعد نقل ما تقدم من كلام ابن ادريس وان عبر عنه ببعض المتأخرين إلا انه هو المراد على التعيين ما صورته: " وهو خلاف الرواية، وخلاف ما ذكره ابن بابويه، ولم نقف على رواية بهذا الحكم سوى تلك الرواية ورواية مرسلة ذكرها الكليني، قال: بعض اصحابنا عن ابن جمهور، وهذا مرسلة وابن جمهور ضعيف جدا، ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال، فاين الاجماع واين الاخبار المعتمدة ؟ ونحن نطالبه بما ادعاه وافرط في دعواه " انتهى. واشار بقوله: وهو خلاف الرواية. إلى رواية الواسطي. حيث قدمها اولا، وبالرواية التي رواها الكليني إلى رواية ابن ابي يعفور. ثم انه مع الشك في ملاقاة النجاسة الذي هو محل النزاع كما ذكرنا، فهل يحكم بالطهارة أو النجاسة أو المنع من الاستعمال خاصة ؟ الاول صريح العلامة في المنتهى كما عرفت، واليه مال جملة من المتأخرين ومتأخريهم، منهم: المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، حيث قال: " والذي يقتضيه النظر انه مع الشك في النجاسة تكون على حكمها الثابت لها قبل الاستعمال وان كان اجتنابها احوط " والى ذلك مال المحقق الشيخ حسن

[ 500 ]

في المعالم، وقبله والده في الروض وغيرهم. والثاني صريح العلامة في الارشاد، وربما تبعه فيه بعض من تأخر عنه، قال في المعالم: " وربما قيل ان حجته النهي عن استعمالها وسقوطها ظاهر " انتهى. والثالث ظاهر الصدوقين والمحقق. إلا انهم خصوا المنع بالغسل، والذي فهمه من تأخر عنهم من كلامهم هو الحكم بالطاهرة وان امتنع الغسل بها. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لقائل ان يقول: ان جل الاخبار المتقدمة قد دلت على المنع من الغسل، والظاهر انه لا خصوصية لذكر الغسل إلا من حيث ان الحمام غالبا إنما اتخذ لذلك، والاحكام في الاخبار كما نبهنا عليه غير مرة انما تخرج بناء على الافراد المتكررة الغالبة، وحينئذ فلا فرق في المنع من الاستعمال بين الغسل وغيره ومما يوضح ذلك ان الحكم بالنجاسة في اكثر المواضع إنما استفيد من نهي الشارع عن استعمال ما لاقته أو الامر بغسله أو نحو ذلك، حتى انه لو ورد شئ بلفظ النجاسة في مقام النزاع لسارعوا إلى تأويله بالحمل على المعنى اللغوي، ويؤيد ذلك ما ذكره السيد السند في المدارك، حيث قال بعد الاستدلال على نجاسة البول من غير المأكول بحسنة عبد الله بن سنان المتضمنة للامر بغسل الثوب من ابوال ما لا يؤكل لحمه (1) وكلام في البين ما صورته: " ولا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له، بل سائر الاعيان النجسة إنما استفيد نجاستها من أمر الشارع بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها " انتهى. والامر فيما نحن فيه كذلك. فان قيل: ان القاعدة الكلية الدالة على طهارة ما لا يعلم ملاقاته النجاسة ترد ما ذكرتم. قلنا: ما ذكرنا من الاخبار بالتقريب المذكور خاص، وهو مقدم على العام كما تقرر بين العلماء الاعلام.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب النجاسات.

[ 501 ]

إلا انه يبقى الكلام في مرسلة الواسطي، حيث دلت على نفي البأس عن ملاقاته للثوب، ولا ريب ان الترجيح لما عارضها بالكثرة. نعم استدل المحقق المولى الاردبيلي (عطر الله مرقده) في شرح الارشاد على الطهارة بصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، أغتسل من مائه ؟ قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه ثم جئت فغسلت رجلي، وما غسلتهما إلا مما لزق بهما من التراب " ومثلها صحيحته الاخرى (2) وموثقة زرارة (3) قال: " رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتى يصلي ". وفيه ان مورد الروايات في هذه المسألة هو البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، وإلحاق المياه المنحدرة في سطح الحمام بها مما لا دليل عليه، سيما مع ورود هذه الروايات دالة على الطهارة، وحينئذ فمحل الخلاف في المسألة مختص بالبئر خاصة، فالاستدلال بهذه الاخبار هنا مما لا وجه له. إلا ان الاقرب إلى النظر هو ما ذكره المحقق المشار إليه، فان الظاهر ان وصول الماء إلى البئر المشار إليها إنما يكون بعد المرور في سطح الحمام، لان تلك البئر إنما اعدت للمياه التي تجري من الحياض التي يغتسل عليها، ومن الظاهر مرورها على سطح الحمام، فالكلام في سطح الحمام كالكلام في الآبار نعم لو كان لوصول الماء إلى تلك الآبار طريق على حدة لا يتعلق بالسطح فالاستدلال بتلك الاخبار في غير محله، وعلى تقدير فرض محل النزاع ما يشمل السطح فالاستدلال على الطهارة بتلك الاخبار، فتحمل الاخبار الاول على الكراهة المغلظة، ولعل في عد


(1) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 502 ]

الاغتسال من الزنا وغسالة ولد الزنا اشعارا بذلك، سيما مع ارداف الثاني بقوله: " وهو لا يطهر إلى سبعة آباء " فانه لم يقل بنجاسة ابن الزنا على هذا الوجه قائل من الاصحاب، ولا دليل عليه من سنة أو كتاب. المقام الثاني في الماء المشتبه، وفيه صور: (الاول) اشتباه الطاهر بالنجس، والظاهر انه لا خلاف بين، الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان الماء إذا كان طاهرا وهو في اناء واشتبه بماء نجس في اناء آخر فانه يجب اجتنابهما معا، نقل الاجماع على ذلك جماعة من اجلاء الاصحاب منهم: الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر والعلامة في المختلف. واحتج في المعتبر بعد نقل الاتفاق بان يقين الطهارة في كل منهما معارض بيقين النجاسة، ولا رجحان، فيتحقق المنع. واورد عليه في المعالم بان يقين الطهارة في كل واحد بانفراده إنما يعارضه الشك في النجاسة لا اليقين، ونقل السيد السند في المدارك عن العلامة انه احتج في المختلف ايضا على ذلك بان اجتناب النجس واجب قطعا، وهو لا يتم إلا باجتنابهما معا، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. واعترضه بان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه إلا مع تحققه بعينه لا مع الشك فيه. واستبعاد سقوط حكم هذه النجاسة شرعا إذا لم تحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه غير ملتفت إليه، وقد ثبت نظيره في حكم واجدى المني في الثوب المشترك، واعترف به الاصحاب في غير المحصور ايضا. والفرق بينه وبين المحصور غير واضح عند التأمل. انتهى. وقد تقدمه في هذا الكلام شيخه المولى الاردبيلى. وقد جرى

[ 503 ]

على هذا المنوال جملة ممن تأخر عنه من علمائنا الابدال. وما نقله (قدس سره) عن المختلف لم نجده فيه في المسألة المذكورة ولعله في موضع آخر منه. والتحقيق في هذا المقام على ما يستفادة من أخبار أهل الذكر (عليهم السلام) انه لا يخفى على من خلع عنقه من ربقة التقليد للرجال واعطى النظر حقه فيما ورد عن الآل في هذا المجال ان الشارع كما حكم بالنجاسة والحرمة فيما تحقق كونه نجسا أو حراما، كذلك اعطى المشتبه بكل منهما في الافراد المحصورة حكم ما اشتبه به من النجاسة أو التحريم، ايضا بخلاف غير المحصورة، فانه حكم بطهر الجميع وحله دفعا للحرج والمشقة والتكليف بما لا يطاق. وحيث ان المسألة المذكورة مما لم يعطها حقها من التحقيق أحد من الاصحاب، ولم يميز القشر منها من اللباب، مع تكثر افرادها في الاحكام، فحري بنا ان نطيل فيها الكلام بما يقشع عنها غياهب الظلام، ونبين ما في كلام هؤلاء الاعلام من سقوط ما اعترضوا به في المقام. فنقول (اولا) لا يخفى ان القواعد الكلية الواردة عنهم (عليهم السلام) في الاحكام الشرعية، كما تكون باشتمال القضية على سور الكلية، كذلك تحصل بتتبع الجزئيات الواردة عليهم (عليهم السلام) كما في القواعد النحوية. وما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم المحصور وغير المحصور مما اشتبه بالنجس أو الحرام حيث حكموا بالنجاسة والتحريم في الاول دون الثاني وان كان لم يرد في الاخبار بقاعدة كلية إلا أن المستفاد منها على وجه لا يزاحمه الريب في خصوصيات الافراد التي تصلح للاندارج تحت كل من قاعدتي المحصور وغير المحصور هو ما ذكروه، بل في بعض تلك الاخبار كما سيأتيك ان شاء الله تعالى تصريح بكلية الحكم في بعض تلك الموارد. وها أنا اذكر لك ما وقفت عليه من المواضع المتعلقة بكل من تلك القاعدتين

[ 504 ]

ومما دل على حكم المحصور وانه يلحق المشتبه فيه حكم ما اشتبه به من نجاسة أو تحريم ما نحن فيه من مسألة الاناءين، فقد روى عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه " سئل عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في احدهما قذر لا يدري ايهما هو وليس يقدر على ماء غيره. قال: يهريقهما ويتيمم " (1) ومثله روى سماعة في الموثق عنه (عليه السلام) (2) فانهما كما ترى صريحان في الحكم المذكور. وطعن جملة من متأخري المتأخرين في الخبرين بضعف السند بناء على الاصطلاح المحدث بينهم. وقد عرفت ما في هذا الاصطلاح في المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب. وبعض منهم جبر ذلك بقول الاصحاب للروايتين المذكورتين. وجملة منهم انما اعتمدوا في هذا الباب على الاجماع المنقول في المسألة. والكل بمكان من الضعف ومن ذلك الثوب الطاهر المشتبه بثوب آخر نجس، فانه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ممن منع الصلاة عاريا في انه يجب الصلاة فيهما على جهة البدلية، حتى من اولئك الفضلاء المنازعين في هذه المسألة، ولم يجوز أحد منهم الصلاة في واحد خاصة، مع ان مقتضى ما قالوه في هذه المسألة جواز ذلك. ويدل على الحكم المذكور من النصوص حسنة صفوان بن يحيى عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) انه " كتب إليه يسأله عن رجل كان معه ثوبان فاصاب أحدهما بول ولم يدر ايهما هو، وحضرت الصلاة وخاف فوتها، وليس عنده ماء، كيف


(1) و (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 8 و 12 - من ابواب الماء المطلق، وفى الباب - 4 - من ابواب التيمم، وفى الباب - 64 - من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب - 64 - من ابواب النجاسات. والرواية - كما في الفقيه ص 161 والتهذيب ص 199 عن ابى الحسن (عليه السلام)، ولكن ما وفقنا عليه من نسخ الحدائق تنص على انها عن ابى عبد الله (عليه السلام).

[ 505 ]

يصنع ؟ قال: يصلي فيهما جميعا " قال شيخنا الصدوق (رضى الله عنه) في الفقيه بعد نقل الرواية: " يعني على الانفراد ". قال في المدارك بعد ان نقل القول بذلك عن الشيخ واكثر الاصحاب وقال: انه المعتمد. ونقل عن بعض الاصحاب انه يطرحهما ويصلي عريانا ما صورته: " ومتى امتنع الصلاة عاريا ثبت وجوب الصلاة في أحدهما أو في كل منهما، إذ المفروض انتفاء غيرهما. والاول منتف، إذ لا قائل به، فيثبت الثاني، ويدل عليه ما رواه صفوان.. " ثم ساق الرواية. واقول: انت خبير بما فيه، فان مقتضى ما ذكره في مسألة الاناءين واختاره فيها وما ذكره ايضا في مسألة السجود مع حصول النجاسة في المواضع المتسعة، حيث قال بعد البحث في المسألة: " والذي يقتضيه النظر عدم الفرق بين المحصور وغيره، وانه لا مانع من الانتفاع بالمشتبه فيما يفتقر إلى الطهارة إذا لم يستوعب المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه " انتهى انه يجزي هنا الصلاة في ثوب واحد. وتوقف القول به على وجود القائل جار في الموضعين الاخرين. فانه لم يخالف في تلك المسألتين احد سواه، ومن حذا حذوه واقتفاه. والجواب عنه بوجود النص المعتمد في الثوب النجس المشتبه وعدم وجوده هناك، لضعف النص في مسألة الاناءين، وعدم النص في مسألة السجود ضعيف: (أولا) بانه بالتأمل في النصوص الواردة في الاحكام المتفرقة وضم بعضها إلى بعض كما سنوضحه ان شاء الله تعالى يعلم ان ذلك حكم كلي. و (ثانيا) ان ما ذكره من التعليل في الموضعين يعطي كون الحكم عنده كليا في مسألة الطاهر المشتبه بالنجس مطلقا لا بخصوص تلك المسألتين. ومن ذلك الثوب النجس بعضه مع وقوع الاشتباه في جميع اجزاء الثوب، فانه لا خلاف بين الاصحاب حتى من هذا الفاضل ومن تبعه في انه لا يحكم بطهارة

[ 506 ]

الثوب إلا بغسله كملا، وبه استفاضت الاخبار. ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) انه قال في المني يصيب الثوب: " فان عرفت مكانه فاغسله. وان خفي عليك فاغسله كله " ومثلها صحيحة زرارة (2) وحسنة محمد بن مسلم (3) ورواية ابن ابي يعفور (4) وغيرها قال السيد في المدارك بعد نقل عبارة المصنف في ذلك: " هذا قول علمائنا واكثر العامة (5) قاله في المعتبر، واستدل عليه بان النجاسة موجودة على اليقين، ولا يحصل اليقين بزوالها إلا بغسل جميع ما وقع فيه الاشتباه، ويشكل بان يقين النجاسة يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه يساوي قدر النجاسة وان لم يحصل القطع بغسل ذلك المحل بعينه " انتهى. وفيه (اولا) ان الظاهر ان ما ذكره المحقق (قدس سره) من التعليل


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 و 16 - من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 و 9 - من ابواب النجاسات. (5) في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي ج 1 ص 81 " لو ان ثوبا اصابته النجاسة وهى كثيرة، فجفت وخفى مكانها وذهب اثرها غسل جميع الثوب، ولو اصابت احد الكمين ولا يدرى ايهما هو، غسل جميعهما. والقول بغسل موضع من الثوب والحكم بطهارة الباقي غير سديد، لان موضع النجاسة غير معلوم، وليس البعض باولى من البعض " وفى مجمع الانهر لشيخ زاده الحنفي ج 1 ص 64 " لو تنجس طرف من الثوب فنسى المحل المصاب بالنجاسة وغسل طرفا بلا تحر حكم بطهارته، وفى متفرقات ركن الاسلام لا يطهر وان تحرى، وفى شرح الطحاوي إذا خفى موضع النجاسة يغسل جميع الثوب " وفى فتح القدير لابن همام الحنفي ج 1 ص 132 عن الظهيرية " الثوب تكون فيه النجاسة فلا يدرى مكانها، يغسل الثوب كله " وفى الام للشافعي ج 1 ص 47 " كل ما اصاب الثوب من غائط رطب أو بول أو دم أو خمر فاستيقنه صاحبه فعليه غسله، وان اشكل عليه موضعه لم يجزه إلا غسل الثوب كله ".

[ 507 ]

هنا وفي مسألة الاناءين بل في سائر المواضع إنما هو على جهة التوجيه للنص وبيان حكمة الامر فيه، لانه مع وجود النص فلا ضرورة تلجئ إلى التعليل بالوجوء العقلية. على ان احكام الشرع توقيفية لا تعلل بالعقول، كما اطال به المحقق الكلام في اول كتاب المعتبر وغيره في غيره، وحينئذ فلا اشكال. نعم هذا الاشكال موافق لما اختاره في ذينك الموضعين المتقدمين، ولكنه وارد عليه في هذا الموضع، حيث ان مقتضى ما اختاره ثمة الاكتفاء بغسل جزء من الثوب كما ذكره، ولكن النصوص تدفعه، وهو دليل على ما ادعيناه وصريح فيما قلناه. و (ثانيا) انه متى كان يقين النجاسة هنا يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه بمعنى انا لا نقطع حينئذ ببقاء النجاسة، لجواز كونها في ذلك الجزء الذي قد غسل فانا نقول ايضا مثله في مسألة الاناءين: انه بعد وقوع النجاسة في واحد منهما لا على التعيين فقد زال يقين الطهارة الحاصل اولا عن كل من ذينك الاناءين، وهكذا في الثوب والمكان المحصورين، فانه قد تساوى احتمال الملاقاة وعدم الملاقاة في كل جزء جزء من تلك الاجزاء المشكوك فيها، وهذا القدر يكفي في زوال ذلك اليقين الحاصل قبل الملاقاة والخروج عن مقتضاه. ومن ذلك اللحم المختلط ذكية بميته، فقد ذهب الاصحاب إلى تحريم الجميع من غير خلاف، وعليه دلت الاخبار: و (منها) حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه " سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكى منها فيعزله ويعزل الميتة، ثم ان الميتة والذكي اختلطا فكيف يصنع ؟ قال: يبيعه ممن يستحل المتية ويأكل ثمنه " ومثلها


(1) المروية في الوسائل في باب (ان الميتة إذا اختلطت بالذكى جاز بيع الجميع ممن يستحل الميتة واكل ثمنه) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 508 ]

حسنته الاخرى (1) ايضا. ويأتي بمقتضى ما ذكره السيد ومن تبعه ان كل قطعة لاحظناها من هذا اللحم فهي حلال لا يحكم بنجاستها ولا تحريم اكلها، لان الواجب إنما هو اجتناب ما تحقق تحريمه بعينه لا ما اشتبه بالحرام، والنموص تدفعه. ولو قيل: انه يتمسك هنا باصالة عدم التذكية. قلنا: يعارضه التمسك باصالة الطهارة واصالة الحلية. ومما ورد في حكم غير المحصور جملة من الاخبار في مواضع: (منها) الاخبار الدالة على ان كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر (2) فان القدر المعلوم منها كما مر تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة ان كل صنف يكون فيه طاهر ونجس كالدم والبول وامثالهما مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة فهو طاهر حتى يعلم انه من الفرد النجس، وفيه كما ترى دلالة على حكم غير المحصور بوجه كلي. و (منها) الاخبار الدالة على ان كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه فتدعه (3). ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه


(1) المروية في الوسائل في باب (ان الميتة إذا اختلطت بالمذكى جاز بيع الجميع ممن يستحل الميتة واكل ثمنه) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) تقدم بعضها في الصحيفة 134، وسذكرها (قدس سره) في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات. (3) تقدم ذكرها في قاعدة الحل في الصحيفة 140. (4) كذا فيما وفقنا عليه من النسخ. ولكن هذه الرواية - كما في كتب الحدث - هي رواية عبد الله بن سليمان عن ابى جعفر (عليه السلام) المتقدمة في قاعدة الحل في الصحيفة 141 وقد رواها الكليني في الكافي ج 2 ص 175. نعم الراوى عن عبد الله بن سليمان هو عبد الله بن سنان. كما في المحاسن ايضا ج 2 ص 495 وقد رواها صاحب الوسائل في الباب - 61 - من ابواب الاطمعة المباحة من كتاب الاطعمة والاشربة. ولم نجد في كتب الحديث - بعد التتبع - =

[ 509 ]

" سأل عن الجبن. فقال: سألتني عن طعام يعجبني، ثم اعطى الغلام درهما فقال: يا غلام ايتع لنا جبنا، ثم دعى بالغداء فتغدينا معه، فاتى بالجبن فاكل واكلنا، فلما فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن ؟ قال: أو لم ترني اكلته ؟ قلت: بلى ولكني احب ان اسمعه منك. فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره، كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ". وما رواه في كتاب المحاسن (1) عن ابي الجارود، قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقلت له: اخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة. فقال: أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين ؟ إذا علمت انه ميتة فلا تأكل، وان لم تعلم فاشتر وبع وكل، والله اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والسمن والجبن، والله ما اظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان " إلى غير ذلك من الاخبار التي لا يأتي عليها قلم الاحصاء في هذا المضمار. وانت خبير بان الحكم الوارد في هذه الاخبار على وجه كلي، فكل شئ من الاشياء متى كان له افراد بعضها معلوم الحل وبعضها معلوم الحرمة. ولم يميز الشارع احدهما بعلامة. وتلك الافراد مما يتعسر أو يتعذر ضبطها كما اشار إليه في رواية المحاسن بقوله: " أمن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين " فالجميع حلال حتى يعرف الحرام بعينه فيجتنبه. وهذا من التوسعات والرخص الواقعة في الشريعة المبنية على السهولة، لرفع الحرج والمشقة اللازمين بوجوب التكليف باجتناب ذلك، بخلاف الافراد المحصورة، فانه لا حرج في التكليف


= في المظان صحيحة لعبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) بهذا المتن. نعم لعبد الله بن سنان صحيحة تتضمن الكلية المتقدمة في رواية عبد الله بن سليمان فقط، وقد تقدمت في الصحيفة 140. (1) في الصحيفة 495، وفى الوسائل في الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 510 ]

باجتنابها كما لا يخفى، وهذه الاخبار كما انها تدل على حكم غير المحصور بالنسبة إلى اشتباه الحلال والحرام كذلك تدل عليه بالنسبة إلى اشتباه الطاهر بالنجس، فان التحريم الذي حصل الاشتباه به إنما نشأ من حيث النجاسة كما لا يخفى. و (منها) جوائز الظالم، فانه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حلها وجواز اكلها، مع العلم واليقين بكون اكثرها حراما، وبه استفاضت الاخبار: ومنها صحيحة ابى ولاد (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في رجل يلي اعمال السلطان، ليس له مكسب إلا من اعمالهم، وانا امر به فانزل عليه فيضيفني ويحسن إلي، وربما أمر لي بالدراهم والكسوة، وقد ضاق صدري من ذلك ؟ فقال لي: كل وخذ منه فلك المهنا وعليه الوزر ". هذا ما خطر بالبال مما يدخل في هذا المجال. وبذلك يتضح لك ما في كلام المحدث الكاشاني في المفاتيح والفاضل الخراساني في الكفاية، حيث ذهبا إلى حل ما اختلط بالحرام وان كان محصورا، استنادا إلى صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2). وفيه (اولا) انك قد عرفت بمعونة ما قدمناه ان مورد الرواية كما هو ايضا مقتضى سياقها إنما هو الافراد الغير الممحصورة، وان ذلك قاعدة كلية في الطهارة والنجاسة والحل والحرمة. و (ثانيا) ان الاخبار الدالة على وجوب الاجتناب للحرام عموما وخصوصا متناولة لما نحن فيه، وهو لا يتم هنا إلا باجتناب الجميع. و (ثالثا) ان جملة من الاخبار قد صرحت بالتحريم في خصوص المحصور،


(1) المروية في الوسائل في باب (ان جوائز الظالم وطعامه حلال.. الخ) من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (2) راجع التعليقة 4 في الصحيفة 508.

[ 511 ]

كروايتي الحلبي المتقدمتين في اللحم المختلط ذكيه بميته كما تقدم (1). وما رواه الشيخ في التهذيب (2) بسنده عن ضريس الكناسي قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين بالروم أنا كله ؟ فقال: اما ما علمت انه قد خلطه الحرام فلا تأكل، واما ما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام ". وما رواه عبد الله بن سنان (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان ان فيه ميتة ". والجميع كما ترى صريح في الحكم بالتحريم. ولا ريب ان طريق الجمع بينها وبين صحيحة عبد الله بن سنان (4) وما في معناها إنما يتم بالحمل على الفرق بين المحصور وغير المحصور، كما يقتضيه سياق كل من تلك الاخبار، وسيجئ تحقيق هذه المسألة ان شاء الله تعالى واعطاء البحث حقه مع هذين الفاضلين في محله. وبالجملة فانك إذا اعطيت التأمل حقه فيما نقلنا من الاخبار خاصها وعامها وضممت بعضها إلى بعض، فلا اراك تستريب فيما ذكرنا من حصة تلك الكليتين وظهور تلك القاعدتين، اعني كليتي المحصور وغير المحصور، وان الاخبار الدالة بعمومها على طهارة كل شئ حتى تعلم نجاسته وحلية كل شئ حتى تعلم حرمته مقيدة باخبار


(1) في الصحيفة 507. (2) في ج 2 ص 302 وفى الوسائل في باب (حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة. والذى وجدناه في كتب الحديث بهذا المضمون هي رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الجبن قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة ". وقد رواها في الوسائل في الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة. (4) راجع التعليقة 4 في الصحيفة 508.

[ 512 ]

المحصور طهارة ونجاسة وحلية وحرمة. ومن القواعد المتفق عليها عندهم تقديم العمل بالخاص، وحينئذ فتخصيص اخبار اصالة يقين الطهارة واصالة يقين الحلية بغير موضع الاشتباه في الاشياء المعلومة بشخصها، فتأمله بعين البصيرة وتناوله بيد غير قصيرة، ليظهر لك ما في الزايا من خبايا. هذا. وما اورده في المعالم على المحقق فيندفع بما اشرنا إليه آنفا من انه قد حصل لنا اليقين بنجاسة بعض تلك الاشياء المعلومة بشخصها، وهذا اليقين اوجب حدوث حالة متوسطة بين الطهارة والنجاسة. وحينئذ فهو من باب نقض اليقين بيقين مثله. واما ما ذكره السيد السند من ان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه الا مع تحققه بعينه فمردود بان الاخبار كما دلت على وجوب الاجتناب مع اليقين دلت على وجوب الاجتناب مع الاشتباه بمحصور. وقياسه هذه المسألة ونحوها على مسألة واجدي المني في الثوب المشترك قياس مع الفارق، لوجود النصوص الدالة على الاجتناب في هذه المسألة ونظائره، وعدم النص في تلك المسألة على ما ذكروه فيها من الاحكام. وسيأتي ان شاء الله ما فيه تحقيق الحال ودفع الاشكال في المسألة المذكورة. وينبغي التنبيه هنا على فوائد: (الاولى) لو لاقى هذا الماء شيئا طاهرا فهل يحكم بنجاسته ام لا ؟ قولان مبنيان على ان هذا الماء هل يكون حكمه حكم النجس من كل وجه أو بالنسبة إلى عدم الاستعمال في الطهارة خاصة ؟ وبالاول صرح العلامة في المنتهى، فقال: " لو استعمل أحد الاناءين وصلى به لم تصح صلاته، ووجب عليه غسل ما اصابه المشتبه بماء متيقن الطهارة كالنجس " ثم نقل عن بعض العامة انه نفى وجوب الغسل عنه، معللا بان المحل طاهر بيقين فلا يزول بالشك في النجاسة. واجاب عنه بانه لا فرق في المنع بين يقين النجاسة وشكها هنا وان فرق بينهما في غيره.

[ 513 ]

وبالثانى صرح جملة من المتأخرين ومتأخريهم: منهم السيد السند في المدارك وجده في الروض. واحتج عليه في الممدارك بان احتمال ملاقاة النجاسة لا يرفع يقين الطهارة، فقال في رد كلام العلامة بان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس ما صورته: " وضعفه ظاهر، للقطع بان موضع الملاقاة كان طاهرا في الاصل، ولم يعرض له ما يقتضي ظن ملاقاته للنجاسة فضلا عن اليقين. وقولهم بان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس لا يريدون به من جميع الوجوه، بل المراد صيرورته بحيث يمنع استعماله في الطهارة خاصة. ولو صرحوا بارادة المساواة من كل وجه كانت دعوى خالية من الدليل " انتهى وانت خبير بانه بمقتضى ما نقلنا من الاخبار المتعلقة بحكم المشتبه في الافراد المحصورة مما ورد في هذه المسألة ونظائرها، وان ذلك قاعدة كلية. اعطاء المشتبه بالنجس حكم النجس على التفصيل الآتي، والمشتبه بالحرام حكم الحرام كذلك، ألا ترى ان ملاقاة النجاسة لبعض الثوب مع الاشتباه بباقي اجزائه موجب لغسله كملا كما تقدم في الاخبار. ومن الظاهر انه لا وجه لذلك إلا توقف يقين طهارته الموجب لاجراء حكم الطاهر عليه من صحة الصلاة فيه ومنع تعدي حكم النجاسة منه إلى ما يلاقيه برطوبة على ذلك. وبمقتضى ما ذهب إليه من حكمه في هذه المسألة بعدم وجوب تطهير الملاقي لهذا الماء انه لا يجب تطهير ما لاقى بعض اجزاء هذا الثوب برطوبة، مع ان ظاهر النصوص الواردة بوجوب تطهيره كملا يدفع، لان ايجاب الشارع تطهيره كملا دال على ترتب حكم النجس عليه قبل التطهير. إلا ان هؤلاء الفضلاء لما كان نظرهم في المسألة مقصور على الموثقتين الواردتين فيها (1) وهما إنما تضمنتا المنع من الاستعمال في الطهارة خاصة، مع كون الحكم فيهما جاريا على خلاف


(1) وهما موثقتا عمار وسماعة المتقدمان في الصحيفة 504.

[ 514 ]

القوانين المقررة اقتصروا على موردهما على تقدير العمل بهما. وحينئذ فما ذكره العلامة في المنتهى من ان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس، ان اراد به من جميع الوجوه فهو مردود بحسة صفوان (1) الواردة في الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما، إذ لا تكرر الصلاة في الثوبين النجسين ولا الطاهرين، وان أراد من بعض الوجوه التي من جملتها ملاقاته برطوبة فصحيح. وبالجملة فان للمشتبه في هذه المسألة وامثالها حالة متوسطة، فمن بعض الجهات كالاكل والشرب والملاقاة برطوبة حكمه حكم النجس، ومن بعض الجهات كالصلاة في الثوبين المشتبهين باعتبار تكرارها فيهما له حالة ثالثة. والى ذلك يميل كلام المحدث الاسترابادي (قدس سره) في كتاب الفوائد المدنية في مسألة ما لو تنجس الماء مع الشك في بلوغه الكرية، حيث قال بعد ان اختار فيه التوقف عن الحكم بالطهارة والنجاسة ما صورته: " ثم اعلم ان هنا اقساما ثلاثة: المحكوم عليه بالطهارة والمحكوم عليه بالنجاسة والمحكوم عليه بوجوب التوقف عن الحكمين وبوجوب الاجتناب ومن المعلوم ان الملاقي لاحد الثلاثة حكمه حكم أحد الثلاثة " انتهى. والعجب منهم (نور الله تعالى مراقدهم) فيما ذهبوا إليه هنا من الحكم بطهارة ما تعدى إليه هذا الماء. مع اتفاقهم ظاهرا في مسألة البلل المشتبه الخارج بعد البول وقبل الاستبراء على نجاسة ذلك البلل ووجوب غسله. كما سيأتي ان شاء الله تعالى الكلام فيه في المسألة المذكورة. والمسألتان من باب واحد كما لا يخفى. (الثانية) لو اشتبه ماء اناء طاهر باحد الاناءين، فهل يكون الحكم فيه كالحكم فيما اشتبه به من وجوب الاجتناب. أو يحكم بطهارتهما معا، بناء على ان مورد النص إنما هو اشتباه الطاهر يقينا بالنجس يقينا ؟


(1) المتقدمة في الصحيفة 504.

[ 515 ]

لا ريب ان مقتضى كلام القائلين بتخصيص حكم الاشتباه بالنجس بالطهارة خاصة دون سائر الاستعمالات هو الثاني. واما على تقدير القول باجراء حكم النجس على المشتبه به مطلقا فيحتمل الحكم بوجوب الاجتناب، لان هذا بعض الاحكام المترتبة على النجس، وبذلك صرح العلامة في المنتهى ايضا. واعترضه في المعالم بان ذلك خارج عن مورد النص محل الوفاق، فلا بد له من دليل. ويحتمل العدم وقوفا على مورد النص كما عرفت. والاحتياط لا يخفى. (الثالثة) نص كثير من الاصحاب (رضوان الله عليهم) كالشيخين والفاضلين وغيرهما على عدم الفرق في وجوب الاجتناب مع الاشتباه بين ما لو كان الماء في اناءين أو اكثر. بل نبه بعضهم على عدم الفرق بين كون ذلك اناءين أو غديرين. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهم، والاعتراض بان الحديثين اللذين احتجوا بهما للحكم (1) إنما وردا في الاناءين ما صورته: " ولو تم الاحتجاج بالاعتبارات التي ذكروها لكانت دليلا في الجميع، واما النص فخاض كما علم، فتتوقف التسوية التي ذكروها على الدليل، ولعله الاتفاق مضافا إلى الاعتبار " انتهى. وعلى هذا الكلام جرى جملة ممن تأخر عنه. وفيه ما قد عرفت من ان نظرهم لما كان مقصورا على الخبرين المذكورين مع ما عرفت من طعنهم فيهما ومناقشتهم في أصل المسألة كان التعدي عن موردهما يحتاج إلى دليل. ومن سرح بريد نظره فيما حققناه وتأمل ما شرحناه عرف ان الحكم في ذلك امر كلي وقاعدة مطردة لا يداخله شوب الاشكال في تعدي الحكم إلى ما ذكره اولئك الفضلاء. على ان التخصيص بالاناءين إنما وقع في كلام السائل، وخصوص السؤال لا يخصص كما تقرر عندهم.


(1) وهما موثقا عمار وسماعة المتقدمان في الصحيفة 504.

[ 516 ]

(الرابعة) هل الامر بالاراقة في النص (1) على جهة الوجوب ام لمجرد الاباحة ؟ ظاهر كلام الشيخين والصدوقين (عطر الله مراقدهم) الاول، إلا ان كلام الصدوقين ربما اشعر باختصاص الحكم بحال ارادة التيمم، حيث قالا في الرسالة والفقيه: " فان كان معك إناءان فوقع في أحدهما ما ينجس الماء ولم تعلم في ايهما وقع فاهرقهما جميعا وتيمم " واما كلام الشيخين سيما المفيد في المقنعة فظاهر في عدم التقييد بذلك، حيث ذكر انه بعد الاهراق يتوضأ بماء سواهما. وصريح كلام ابن ادريس ومن تأخر عنه الثاني، وربما يؤيد بورود الامر بالاراقة في جملة من الاخبار، كما تقدم في ادلة نجاسة الماء القليل بالملاقاة، مع انه لم يقل أحد بوجوب الاراقة ثمة، قال في المعتبر: " وقد يكنى عن النجاسة بالاراقة في كثير من الاخبار تفخيما للمنع " وهو جيد. ونقل في المعتبر عن بعض الاصحاب ان علة الامر بالاراقة ليصح التيمم، لانه مشروط بعدم الماء. ورده بان وجود الماء الممنوع من استعماله لا يمنع التيمم، كالمغصوب وما يمنع من استعماله مرض أو عدو، ومنع الشارع اقوى الموانع. وهو متجه. وكيف كان فلا يخفى عليك ما في الامر بالاراقة من الدلالة على عدم الانتفاع بالماء المذكور وان وجوده في حكم العدم، وبه يظهر لحوقه للنجس في جملة احكامه لا بخصوص الطهارة من الحدث كما ذكره اولئك الفضلاء (رضوان الله عليهم) لانه متى جاز الانتفاع به في غير الطهارة من أكل وشرب ونحوهما فاراقته مما يدخل في باب الاسراف المنهي عنه عموما وخصوصا. والحق ان التعبير باراقته هنا دليل ظاهر في لحوق احكام النجس كملا كما لا يخفى. (الخامسة) قال السيد السند في المدارك بعد الكلام الذي نقلناه في صدر


(1) وهو موثق عمار وموثق سماعة المتقدمان في الصحيفة 504.

[ 517 ]

المسألة: " ويستفاد من قواعد الاصحاب انه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الماء وخارجه لم ينجس الماء بذلك ولم يمنع من استعماله، وهو مؤيد لما ذكرناه " انتهى. اقول: وجه الفرق بين ما نحن فيه وبين ما فرضه (قدس سره) ممكن، فان مقتضى القاعدة المستفادة من الاخبار بالنسبة إلى الاشتباه في المحصور ان تكون افراد الاشتباه امورا معلومة معينة بشخصها وبالنسبة إلى غير المحصور ان لا تكون كذلك، وما ذكره من الصور المشار إليها انما هو من الثاني لا الاول. على ان القاعدة المذكورة إنما تتعلق بالافراد المندرجة تحت ماهية واحدة، والجزئيات التي تحويها حقيقة واحدة ان اشتبه طاهرها بنجسها وحلالها بحرامها، فيفرق فيها بين المحصور وغير المحصور بما تضمنته تلك الاخبار لا وقوع الاشتباه كيف اتفق. (السادسة) الظاهر انه لا فرق في ترتب حكم الاشتباه المذكور بين ان يكون الماءان طاهرين ثم يقع في أحدهما قذر ولا يعلم على التعيين، أو يكون احدهما طاهرا والآخر نجسا ثم يشتبه احدهما بالآخر، أو يكونا كذلك ثم ينقلب احدهما ويشتبه الباقي بكونه هو الطاهر أو النجس. (السابعة) لو امكن الصلاة بطهارة متيقنة من هذين الماءين بان يتطهر باحدهما ثم يصلي ثم يغسل اعضاءه مما لاقاه ماء الوضوء ثم يتوضأ بالآخر، فهل تصح الصلاة ام لا ؟ الذي صرح به جمع من الاصحاب المنع، وهو الظاهر، قال في المعتبر في توجيهه: " لانه ماء محكوم بالمنع منه فجرى استعماله مجرى النجس " انتهى. وعلله بعضهم بانه يصدق عليه بعد الطهارة الاولى انه متيقن الحدث شاك في الطهارة ومن هذا شانه لا يسوغ له الدخول في الصلاة نصا واجماعا، ووضوؤه الثاني يجوز ان يكون بالنجس فيكون قد صلى بنجاسة. وعلله في المدارك بان هذين الماءين قد صارا محكوما بنجاستهما شرعا، واستعمال

[ 518 ]

النجس في الطهارة مما لا يمكن التقرب به، لانه بدعة. ثم قال: " وفيه ما فيه ". والحق ما علله به في المعتبر. وكيف كان فالظاهر انه لا خلاف في الحكم المذكور. (الثامنة) قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا يجوز التحري في الاجتهاد بتحصيل الامارات المرجحة لطاهرة أحدهما. وهو كذلك، لثبوت النهي عن استعمال هذا الماء. والقرينة التي لا تثمر اليقين غير كافية في الخروج عن عهدة النهي الشرعي. (الصورة الثانية) الاشتباه بالمغصوب، وقد صرح جمع من الاصحاب بان الحكم فيها كالاشتباه بالنجس واستشكله بعض افاضل متأخري المتأخرين نظرا إلى صحيحة عبد الله بن سنان (1) الدالة على ان " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " وما في معناها. وفيه نظر، فان مورد هذه الرواية وما في معناها، كما عرفت آنفا إنما هو الافراد الغير المحصورة. وحينئذ فما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو الظاهر، وقوفا على القاعدة الواردة في المحصور إذا اشتبه حلاله بحرامه كما عرفت، فتحريم الاستعمال مما لا ينبغي ان يستراب فيه. لكن لو توضأ بهما وارتكب المحرم، فهل تحصل له طهارة صحيحة يجوز له الدخول بها في الصلاة ام لا ؟ صرح بعض محققي متأخرى المتأخرين بالاول، قال: " لان احدهما ماء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به، وفى باب (حكم السمن والجبن وغيرها إذا علم انه خلط حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة. وقد تقدمت في الصحيفة (140).

[ 519 ]

مباح ولا شك انه قد وقعت الطهارة به، فيلزم ان تكون صحيحة " ثم انه اعترض على نفسه بان استعمال كل منهما حرام منهي عنه والنهي في العبادة موجب للفساد. واجاب بمنع كون النهي موجبا للفساد في العبادة. ولم اقف لغيره على كلام في المقام الا ان الموافق لمذاق الاصحاب بمقتضى القاعدة التي منعها لاتفاقهم على العمل بها هو البطلان. اقول: ومع الاغماض عن ذلك فيمكن أن يقال: (اولا) ان التقرب بما نهى الشارع عنه نهى تحريم غير معقول، ولعل ذلك هو الوجه في القاعدة التي بنى عليها الاصحاب، من ان النهى في العبادة موجب لفسادها. و (ثانيا) ان هذه المسألة نظير المسألة التي مرت في الفائدة السابعة. وقد عرفت انه لا خلاف في البطلان ثمة. و (ثالثا) ان هذا الماء باعتبار تحريم الشارع استعماله يصير في حكم العدم، وحينئذ ينتقل الفرض إلى التيمم لو لم يوجد غيره، ولا ريب انه مع انتقال الفرض إلى التيمم فلا يجزي الوضوء، كما في سائر المواضع التي ينتقل الفرض فيها إلى التيمم وان كان الماء موجودا. (الصورة الثالثة) الاشتباه بالمضاف. وقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يجب الوضوء بكل منهما. وهو كذلك، فان المسألة هنا من قبيل الصلاة في الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما. وما يتوهم في مثل هذه المسألة من انه لابد من الجزم بالنية فلا دليل عليه. بل الدليل قائم على خلافه، لما ورد (1) من صحة صلاة من نسي فريضة من الخمس ثنائية.


(1) في روايتي علي بن اسباط والحسين بن سعيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) المرويتين في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب قضاء الصلوات.

[ 520 ]

وثلاثية ورباعية مرددة. ومع تسليم ما ذكروه فهو مخصوص بصورة يتيسر فيها الجزم. ثم انه هل تصح الطهارة بهذين الماءين المشتبهين مع وجود ماء غير مشتبه ام لا ؟ ظاهر الاصحاب الثاني كما صرح به جملة منهم، وعلله شيخنا الشهيد الثاني في الروض بالقدرة على الجزم التام في النية مع استعمال الآخر فلا يصح بدونه. ولو انقلب احدهما فذهب ماؤه، فالذي صرحوا به انه يجب الوضوء بالآخر والتيمم مقدما للاول على الثاني. واعترضه في المدارك بان الماء الذي يجب اسعتماله في الطهارة ان كان هو ما علم كونه ماء مطلقا، فالمتجه الاجتزاء بالتيمم وعدم وجوب الوضوء به كما هو الظاهر، وان كان هو ما لا يعلم كونه مضافا اكتفي بالوضوء، فالجمع بين الطهارتين غير واضح ومع ذلك فوجوب التيمم إنما هو لاحتمال كون المنقلب هو المطلق، فلا يكون الوضوء بالآخر مجزيا، وهذا لا يتفاوت الحال فيه بين تقديم التيمم وتأخيره كما هو واضح. انتهى. واجيب بانه لما كان الحكم بالوضوء متعلقا بوجدان الماء والحكم بالتيمم متعلق بعدم وجدانه. فإذا وجد ما يشك في كونه ماء كان كل من وجوب الوضوء والتيمم مشكوكا. إذ لا ترجيح لاحدهما على الاخر. فيجب الوضوء والتيمم معا حتى يحصل اليقين بالبراءة. وهو جيد. ويوضحه انه لما كان هذا الماء بالاشتباه بين ذينك الفردين تعرض له حالة ثالثة يخرج بها عنهما كالمشته بالنجس على ما عرفت تحقيقه آنفا. فلا يحكم بكونه مضافا ولا مطلقا بل محتمل لهما احتمالا متساوي الطرفين، فيترتب عليه ما يترتب على كل منهما من الوضوء والتيمم، وحينئذ فلا معنى لترتب الحكم فيه على فرض كون ما يتطهر به ماء مطلقا أو هو ما لا يعلم كونه مضافا كما ذكره المعترض. نعم ما ذكره من ايجابهم تقديم الوضوء على التيمم لا يظهر له وجه.

[ 521 ]

(الصورة الرابعة) الاشتباه المستند إلى الشك في وقوع النجاسة أو ظنه، ولا خلاف في عدم البناء عليه في الاول، واولى منه الوهم. نعم وقع الخلاف في الظن، فلو ظن وقوع النجاسة في الماء فهل يعمل عليه مطلقا أو لا مطلقا أو يفصل بين ما يستند إلى سبب شرعي أم لا، فعلى الاول يكون كالاول وعلى الثاني كالثاني ؟ اقوال: وقد تقدم تحقيق البحث في المقدمة الحادية عشرة (1) واشبعنا الكلام فيه في كتاب الدرر النجفية. نسأل الله تعالى التوفيق لاتمامه. نعم يبقى الكلام هنا فيما لو تعارضت البينتان في الماء بالطهارة والنجاسة، وله صورتان: (الاولى) ان يقع التعارض في اناء واحد، فان تشهد احدى البينتين بعروض النجاسة له في وقت معين وتشهد الاخرى بعدمه في ذلك الوقت، لادعائها ملاحظته في ذلك الوقت والقطع بعدم حصول النجاسة. وقد اختلفت فيه اقوالهم: فقيل بالحاقه بالمشتبه بالنجس، وهو قول العلامة في التذكرة والقواعد، وجعله فخر المحققين في الشرح اولى، ونقل في المعالم عن والده انه قواه في بعض فوائده، وعلله المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بتكافؤ البينتين. وقيل بالطهارة، إلا انه اختلف التعليل لذلك، فبين من عللها بالعمل ببينة الطهارة لاعتضادها بالاصل، حكاه فخر المحققين عن بعض الاصحاب. وبين من عللها بتساقط البينتين والرجوع إلى حكم الاصل وهو الطهارة، ذكره الشهيد في البيان، وقال انه قوي بعد ان قرب القول الاول، ونسبه فخر المحققين إلى الشيخ. وقيل بالعمل ببينة النجاسة، لانها ناقلة عن حكم الاصل وبينة الطهارة مقررة والناقل اولى من المقرر عند التعارض، كما قرروه في الاصول في البحث عن تعادل


(1) في الصحيفة 137.

[ 522 ]

الادلة، ولموافقتها للاحتياط، ولانها في معنى الاثبات والطهارة في معنى النفي، ويعزى هذا القول إلى ابن ادريس، ونقل في المعالم عن بعض المتأخرين الميل إليه، قال: " وهو احوط غير ان القول بالطهارة للتساقط اقرب " انتهى. وما قربه (قدس سره) هو الانسب بقواعد الاصحاب، لتطرق القدح إلى ما عداه من الاقوال المذكورة. (اما الاول) فيرد عليه انه لا دليل عليه، لان الاشتباه الملحق به دليله اما النص المتقدم كما حققناه أو الاجماع كما استند إليه آخرون، وكل منهما لا يتناول موضع النزاع. وشمول القاعدة المستفادة من النصوص لذلك محل اشكال، إذ ظاهر تلك النصوص هو استناد الاشتباه الموجب لاشتباه الحكم إلى امتزاج تلك الافراد واختلاطها على وجه لا يتميز طاهرها من نجسها ولا حلالها من حرامها، لا مجرد الاشتباه كيف اتفق. وتكافؤ البينتين كما ذكره المحقق الشيخ علي إنما يكون موجبا لطرحهما، لعدم امكان الترجيح بغير مرجح. لا موجبا للعمل بهما. و (اما الثاني) ففيه ان ما ذكر من المقدمات المبنى عليها دليله والتعليلات المذكورة وان ذكرها علماء الاصول إلا انها مما لم يقم على الاعتماد عليها دليل معتمد، فلا يخرج عن مجرد التطويل الذي لا يهدي إلى سبيل ولا يشفى العليل ولا يبرد الغليل، فلا يمكن الاعتماد عليها في تأسيس حكم شرعي. واما الاحتياط فليس بدليل شرعي عندهم بل غايته ثبوت الاولوية به. هذا. والتحقيق في المقام ان المسألة لما كانت عارية عن نصوص أهل الذكر (عليه السلام) فالحكم فيها الوقوف على ساحل الاحتياط، وهو العمل بالنجاسة، وان كان القول الثاني ليس بذلك البعيد باعتبار التعليل الثاني دون الاول، لتطرق القدح إليه بانه لابد في المرجح من ان يكون مما اعتبره الشارع مرجحا، ولم يثبت هنا كونه كذلك.

[ 523 ]

(الصورة الثانية) ان يتعارضا في اناءين، بان تشهد احدى البينتين، انه هذا وتشهد الاخرى بانه الاخر. وقد اختلفت فيها كلمتهم ايضا، فذهب جمع، منهم: المحقق في المعتبر والعلامة في التحرير والشهيد في الذكرى والشخ علي في شرح القواعد والشهيد الثاني في بعض فوائده على ما نقله ابنه عنه في المعالم إلى انهما كالمشتبه بالنجس. ونقل عن الشيخ في الخلاف القول بسقوط الشهادتين والرجوع إلى أصل الطهارة. وقال في المبسوط على ما نقل عنه في المختلف: " لا يجب القبول سواء امكن الجمع أو لم يمكن، والماء على أصل الطهارة أو النجاسة، فايهما كان معلوما عمل عليه. وان قلنا: إذا امكن الجمع بينهما قبل شهادتهما وحكم بنجاسة الاناءين، كان قويا، لان وجوب قبول شهادة الشاهدين معلوم في الشرع، وليسا متنافيين " انتهى. وقال العلامة في المختلف: " لو شهد عدلان بان النجس احد الاناءين وشهد عدلان بان النجس الآخر، فان امكن العمل بشهادتهما وجب، وان تنافيا اطرح الجميع وحكم باصل الطهارة " ثم انه مال في آخر كلامه إلى كونهما بمنزلة الاناءين المشتبهين. احتج الذاهبون إلى القول الاول بان الاتفاق حاصل من البينتين على نجاسة احد الاناءين، والتعارض إنما هو في التعيين، فيحكم بما لا تعارض فيه، ويتوقف في موضع التعارض. واحتج الشيخ في الخلاف بان الماء على أصل الطهارة، وليس على وجوب القبول من الفريقين ولا من واحد منهما دليل، فوجب طرحهما وبقى الماء على حكم الاصل. واحتج العلامة في المختلف بانه مع امكان الجمع يحصل المقتضى لنجاسة الاناءين فيثبت الحكم، ومع امتناع الجمع تكون كل واحدة من الشهادتين منافية للاخرى،

[ 524 ]

ويعلم قطعا كذب أحداهمما، وليس تكذيب واحدة منهما بعينها اولى من تكذيب الاخرى. فيجب طرح الجميع والرجوع إلى الاصل وهو الطهارة. وانت خبير بان سياق حجة القول الاول ينادي بالاختصاص بصورة عدم امكان الجمع، ولعلهم في صورة امكان الجمع يحكمون بنجاسة الاناءين باعتبار قبول الشهادتين كما هو ظاهر، لان فرض قبول البينة في كل من الاناءين مع الانفراد يقتضي القبول مع الاجتماع، للقطع بعدم تأثير الاجتماع في اختلاف الحكم حيث لا تنافي كما هو المفروض، ولعله لظهوره لم يتعرضوا له. وظاهر كلام الشيخ في الخلاف عدم الفرق بين صورتي امكان الجمع وعدمه، كما هو صريح صدر عبارته في المبسوط. واورد على كلامه في الخلاف انه لا مقتضي للطرح إلا التعارض، وهو منفي بالنظر إلى احد الاناءين من غير تعيين، وإنما وقع التعارض في التعيين، والاطراح فيه لا يقتضي الاطراح مطلقا فيبقى معنى الاشتباه موجودا. هذا بالنظر إلى صورة عدم امكان الجمع. واما بالنظر إلى صورة امكانه فقد عرفت ان مقتضاه هو الحكم بالنجاسة. واما كلام العلامة في المختلف فما يتعلق منه بصورة امكان الجمع متجه كما تقدم وجهه، واما ما يتعلق بصورة عدم الامكان فيرد عليه ما يرد على كلام الخلاف، لاتفاقهما في الحكم بذلك. وكأنه (قدس سره) في المختلف تنبه لورود المناقشة بذلك فقال بعد الكلام المتقدم: " لا يقال: يحكم بنجاسة أحد الاناءين وصحة احدى الشهادتين. فيكون بمنزلة الاناءين المشتبهين. لانا نقول: نمنع حصول العلم بنجاسة احد الاناءين وصحة إحدى الشهادتين، لان صحة الشهادة إنما تثبت مع انتفاء الكذب، اما مع وجوه فلا " وضعفه في المعالم بان التكذيب إنما وقع في التعيين لا مطلقا. وكأنه لما كان مجال المناقشة مع هذا الجواب باقيا بحاله استدرك في آخر كلامه، فقال: " على انه لو قيل بذلك يعني بمنزلة الاناءين المشتبهين كان وجها، ولهذا يردهما المشتري سواء تعدد أو اتحد " انتهى. وحينئذ فيرجع كلامه إلى ما ذكره

[ 525 ]

الشيخ في المبسوط كما تقدم من عبارته، وهو مؤذن بالتردد. وكيف كان فالاحتياط في مثل هذه المسائل الغير المنصوصة مما لا ينبغي تركه. (الصورة الخامسة) الاشتباه المستند إلى اشتباه ما وقع في الماء بكونه طاهرا أو نجسا. والذي صرح به جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو الحكم بطهارة الماء والبناء على يقين الطهارة حتى يثبت يقين النجاسة. إلا انك قد عرفت في المقدمة الحادية عشرة (1) ان بعض الاصحاب قد منع جريان هذه القاعدة في مثل هذا الموضع مدعيا ان المنع عن نقض اليقين بالشك مراد به الشك في وجود الرافع، يعني لابد من ثبوت الرافعية له أولا، فإذا شك في وجوده وعدمه فان هذا الشك لا يعارض اليقين الثابت له اولا لا الشك في ثبوت الرافعية له. وتحقيق القول في ذلك تقدم في المقدمة المشار إليها. وبالجمة فالكلام من وقفنا على كلامه من الاصحاب متفق هنا في البناء على يقين الطهارة في الصورة المذكورة. ولكن نقلوا الخلاف هنا في صورة واحدة، وهي ما إذا وقع صيد مجروح حلال اللحم نجس الميتة في ماء قليل، وكان المحل الملاقي للماء منه خاليا من النجاسة، فمات فيه ولم يعلم استناد موته إلى الجرح أو الماء، فهل يحكم بطهارة الماء حينئذ أو نجاسته ؟ قولان: نقل اولهما عن العلامة في بعض كتبه، وبه صرح المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، واختاره جملة ممن تأخر عنه. واختار الثاني من الاصحاب: منهم العلامة في اكثر كتبه وابنه


(1) في الصحيفة 143.

[ 526 ]

فخر المحققين في الشرح، ونقل عن الشهيدين ايضا. وتوقف المحقق في المعتبر. وجه القول الاول التمسك باصالة طهارة الماء السالمة عن معارضة يقين الرافع لها شرعا، فان الشك في استناد الموت إلى الجرح أو الماء يقتضي الشك في عروض النجاسة فلم يعلم حصول الرافع، فتبقى العمومات الدالة على طهارة الماء سالمة عن المعارض، كذا قرره في المعالم بعد ان اختار فيه القول بالطهارة. ووجهه فخر المحققين في شرح القواعد، فقال بعد نقل كلام والده (قدس سرهما) باحتمال العمل بالاصلين، يعني اصالة الطهارة في الماء واصالة التحريم في الصيد ما لفظه: " اقول: لاصل الطهارة حكمان: (الاول) الحكم بها. (الثاني) حل الصيد، ولاصالة الموت حكمان: (الاول) لحوق احكام الميت للصيد. (الثاني) نجاسة الماء، فيعمل كل منهما في نفسه لاصالته فيه، دون الآخر لفرعيته فيه، ولعدم العلم بحصول سبب كل منهما، والاصل عدمه. ولا تضاد، لعدم تضاد سببيهما، لان سبب الحكم بالطهارة هو عدم العلم بموت الصيد حتف انفه، وسبب تحريم الصيد عدم العلم بذكاته، وهما لا يتضادان، لصدقهما هنا لانه التقدير. وكلما لم تتضاد الاسباب لم تتضاد المسببات. ثم قال: والاقوى الحكم بنجاسة الماء، لامتناع الخلو عن الملزومين، اعني موت الصيد بالجرح المستلزمين لحل الصيد، فانه لازم للاول، ونجاسة الماء فانه لازم للثاني. وامتناع الخلو عن الملزومين مستلزم لامتناع الجمع بين نقيضي اللازمين. وتحريم الصيد ثابت بالاجماع، ولما رواه الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه " سئل عن رجل رمى صيدا وهو على جبل أو حائط، فيخرق فيه السهم فيموت ؟ قال: كل منه، وان وقع في الماء من رميتك فمات فلا تأكل منه " (1) فيثبت الحكم بالنجاسة " انتهى. وصاحب المعالم قرر دليل النجاسة بما لفظه احتجوا بان تحريم الصيد ثابت


(1) رواه في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الصيد.

[ 527 ]

بالاجماع وجملة من الاخبار: منها صحيحة الحلبي، وساق الخبر كما تقدم. ثم قال: والحكم بتحريم اللحم على عدم تحقق الذكاة، وذلك يقتضي الحكم بموته حتف انفه، والنجاسة لازمة له. ثم اجاب بالمنع من دلالة حرمة اللحم على عدم تحقق الذكاة. وإنما يدل على ذلك لو كان الحكم بالتحريم موقوفا عليه، وهو في حيز المنع ايضا، لجواز استناده إلى جهالة الحال وحصول الاشتباه، فان التحريم حينئذ هو مقتضى الاصل، لاشتراط الحل بامر وجودي، ولا ريب ان الاصل في مثله العدم، فيعمل بكل من اصلي طهارة الماء وحرمة اللحم. ثم قال: وما يقال من ان العمل بالاصلين إنما يصح مع امكانه، وهو منتف، لانه كما يستحيل اجتماع الشئ مع نقيضه كذلك يستحيل اجتماعه مع نقيض لازمه فجوابه ان عدم الامكان إنما يتحقق إذا جعل التحريم مستندا إلى العلم بعدم التذكية الذي هو عبارة عن موته حتف انفه، لا إذا جعل مسببا عن عدم العلم بالتذكية. والحكم بطهارة الماء إنما يتوقف على عدم العلم بوجود النجاسة لا على العلم بعدمها، إذ الشك في نجاسة الرافع لا يقتضي نجاسة الماء قطعا. انتهى. وعلى هذا المنوال جرى جمع ممن تقدمه وتأخر عنه في الاستدلال، وملخصه ان تحريم الصيد الذي ثبت بالاجماع والنصوص في الصورة المفروضة إنما يستلزم نجاسة الماء لو كان العلة فيه عدم تذكية الصيد وموته حتف انفه، اما لو كان العلة فيه عدم العلم بالتذكية فلا، إذ النجاسة إنما تلزم العلة الاولى دون الثانية، فان طهارة الماء عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة، وههنا كذلك. للشك في نجاسة الصيد باحتمال موته حتف انفه واحتمال تذكيته. اقول: والذي يظهر لي ان كلام الجميع في هذا المجال غير خال من الاجمال بل الاختلال، إذ لا يخفى ان ثبوت النجاسة للماء وعدمها إنما نشأ من الصيد والحكم بطهارته أو نجاسته، فالواجب اولا بيان الحكم فيه بالطهارة أو النجاسة، ولا ريب

[ 528 ]

ان مقتضى اصالة عدم التذكية عندهم كما تكون موجبة للتحريم كذلك تكون موجبة للنجاسة، كما صرحوا به في جملة من المواضع: منها مسألة اللحم والجلد المطروحين، حيث حكموا بالتحريم والنجاسة بناء على الاصل المشار إليه، وحيئذ فكما يكون العلم بعدم التذكية موجبا للتحريم والنجاسة كذلك حال الاشتباه وعدم العلم بالتذكبة موجب لهما. ولا ريب ان الصيد في الصورة المفروضة مما اشتبه فيه الحال بالتذكية وعدمها، والتمسك باصالة عدم التذكية يوجب الحكم بتحريمه ونجاسته، ومتى ثبت نجاسته فوقوعه في الماء القليل موجب لتنجيسه عند القائل بنجاسة القليل بالملاقاة، فالنجاسة لا تختص بالترتب على العلم بتذكية خاصة الذي هو الموت حتف الانف، حتى يتم لهم ان النجاسة هنا مشكوك فيها لاحتمال التذكية، بل كما تترتب على ذلك تترتب على الشك ايضا في التذكية كما عرفت، فانه لما كان كل من حل الصيد وطهارته مترتبا على العلم بالتذكية، كان انتفاؤهما بانتفاء ذلك تحقيقا للسببية. وعدم العلم بالتذكية كما عرفت أعم من العلم بالعدم. وبالجملة فان نجاسة الماء وطهارته في الصورة المفروضة دائرة مدار طهارة الصيد ونجاسته، وقد عرفت ان عدم العلم بالتذكية كما يكون سببا في التحريم يكون سببا في النجاسة، وحينئذ فقول المستدل: ان الشك في استناد الموت إلى الجرح أو الماء يقتضي الشك في عروض النجاسة مسلم لو كانت النجاسة مرتبة على الموت حتف الانف خاصة كما ذكروه. فاما إذا قلنا بترتبها ايضا على الشك في التذكية وعدم العلم بها فلا. وحينئذ فالظاهر هو القول بالنجاسة. واصالة الطهارة التي استندوا إليها ممنوعة بوجود النجاسة يقينا. وبما ذكرناه تخرج هذه الصورة المذكورة عن فرض المسألة، إذ موضوع المسألة وقوع شئ مشكوك في نجاسته أو طهارته في الماء القليل، والصيد في الصورة المفروضة محكوم بنجاستها قطعا، لعدم العلم بالتذكية، فانه موجب لتحريمه ونجاسته كما عرفت. نعم لو كان موجب النجاسة هو العلم بعدم التذكية خاصة اتجه ما ذكروه، إلا انه ليس كذلك. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية